|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#521
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة ن من صــ/ الى صــ / الحلقة (521) ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ( 16 ) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير ( 17 ) ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير ( 18 ) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير ( 19 ) ) وهذا أيضا من لطفه ورحمته بخلقه أنه قادر على تعذيبهم ، بسبب كفر بعضهم به وعبادتهم معه غيره وهو مع هذا يحلم ويصفح ، ويؤجل ولا يعجل ، كما قال : ( ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ) [ فاطر : 45 ] . وقال ها هنا : ( أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ) أي : تذهب وتجيء وتضطرب ، ( أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا ) أي : ريحا فيها حصباء تدمغكم ، كما قال : ( أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا ) [ الإسراء : 68 ] . وهكذا توعدهم ها هنا بقوله : ( فستعلمون كيف نذير ) أي : كيف يكون إنذاري وعاقبة من تخلف عنه وكذب به . ثم قال : ( ولقد كذب الذين من قبلهم ) أي : من الأمم السالفة والقرون الخالية ، ( فكيف كان نكير ) أي : فكيف كان إنكاري عليهم ومعاقبتي لهم ؟ أي : عظيما شديدا أليما . ثم قال تعالى : ( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ) أي : تارة يصففن أجنحتهن في الهواء ، وتارة تجمع جناحا وتنشر جناحا ) ما يمسكهن ) أي : في الجو ) إلا الرحمن ) أي : بما سخر لهن من الهواء ، من رحمته ولطفه ، ( إنه بكل شيء بصير ) أي : بما يصلح كل شيء من مخلوقاته . وهذه كقوله : ( ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ) [ النحل : 79 ] . ( أم من هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور ( 20 ) أم من هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ونفور ( 21 ) أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ( 22 ) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ( 23 ) قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون ( 24 ) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ( 25 ) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين ( 26 ) فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون ( 27 ) ) [ ص: 181 ] يقول تعالى للمشركين الذين عبدوا غيره ، يبتغون عندهم نصرا ورزقا ، منكرا عليهم فيما اعتقدوه ، ومخبرا لهم أنه لا يحصل لهم ما أملوه ، فقال : ( أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ) أي : ليس لكم من دونه من ولي ولا واق ، ولا ناصر لكم غيره ; ولهذا قال : ( إن الكافرون إلا في غرور ) ثم قال : ( أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه ) ؟ ! أي : من هذا الذي إذا قطع الله رزقه عنكم يرزقكم بعده ؟ ! أي : لا أحد يعطي ويمنع ويخلق ويرزق ، وينصر إلا الله ، عز وجل ، وحده لا شريك له ، أي : وهم يعلمون ذلك ، ومع هذا يعبدون غيره ; ولهذا قال : ( بل لجوا ) أي : استمروا في طغيانهم وإفكهم وضلالهم ) في عتو ونفور ) أي : معاندة ، واستكبارا ، ونفورا على أدبارهم عن الحق ، أي لا يسمعون له ولا يتبعونه . ثم قال : ( أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ) ؟ : وهذا مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فالكافر مثله فيما هو فيه كمثل من يمشي مكبا على وجهه ، أي : يمشي منحنيا لا مستويا على وجهه ، أي : لا يدري أين يسلك ، ولا كيف يذهب ؟ بل تائه حائر ضال ، أهذا أهدى ( أمن يمشي سويا ) أي : منتصب القامة ) على صراط مستقيم ) أي : على طريق واضح بين ، وهو في نفسه مستقيم ، وطريقه مستقيمة . هذا مثلهم في الدنيا ، وكذلك يكونون في الآخرة . فالمؤمن يحشر يمشي سويا على صراط مستقيم ، مفضى به إلى الجنة الفيحاء ، وأما الكافر فإنه يحشر يمشي على وجهه إلى نار جهنم ، ( احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون بل هم اليوم مستسلمون ) قال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا ابن نمير ، حدثنا إسماعيل ، عن نفيع ، قال : سمعت أنس بن مالك يقول : قيل : يا رسول الله ، كيف يحشر الناس على وجوههم ؟ فقال : " أليس الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم " . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من طريق يونس بن محمد ، عن شيبان ، عن قتادة عن [ ص: 182 ] أنس به نحوه . وقوله : ( قل هو الذي أنشأكم ) أي : ابتدأ خلقكم بعد أن لم تكونوا شيئا مذكورا ، ( وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ) أي : العقول والإدراك ، ( قليلا ما تشكرون ) أي : ما أقل تستعملون هذه القوى التي أنعم الله بها عليكم ، في طاعته ، وامتثال أوامره ، وترك زواجره . ( قل هو الذي ذرأكم في الأرض ) أي : بثكم ونشركم في أقطار الأرض وأرجائها ، مع اختلاف ألسنتكم في لغاتكم وألوانكم ، وحلاكم وأشكالكم وصوركم ، ( وإليه تحشرون ) أي : تجمعون بعد هذا التفرق والشتات ، يجمعكم كما فرقكم ويعيدكم كما بدأكم . ثم قال مخبرا عن الكفار المنكرين للمعاد المستبعدين وقوعه : ( ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين ) أي : متى يقع هذا الذي تخبرنا بكونه من الاجتماع بعد هذا التفرق ؟ ( قل إنما العلم عند الله ) أي : لا يعلم وقت ذلك على التعيين إلا الله ، عز وجل ، لكنه أمرني أن أخبركم أن هذا كائن وواقع لا محالة فاحذروه ، ( وإنما أنا نذير مبين ) وإنما علي البلاغ ، وقد أديته إليكم . قال الله تعالى : ( فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا ) أي : لما قامت القيامة وشاهدها الكفار ، ورأوا أن الأمر كان قريبا ; لأن كل ما هو آت آت وإن طال زمنه ، فلما وقع ما كذبوا به ساءهم ذلك ، لما يعلمون ما لهم هناك من الشر ، أي : فأحاط بهم ذلك ، وجاءهم من أمر الله ما لم يكن لهم في بال ولا حساب ، ( وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) [ الزمر : 47 ، 48 ] ; ولهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ : ( هذا الذي كنتم به تدعون ) أي : تستعجلون . ( قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ( 28 ) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين ( 29 ) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين ( 30 ) ) يقول تعالى : ( قل ) يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه : ( أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم ) أي : خلصوا أنفسكم ، فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة ، والرجوع إلى دينه ، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنكال ، فسواء عذبنا الله أو رحمنا ، فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم . ثم قال : ( قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا ) أي : آمنا برب العالمين الرحمن الرحيم ، وعليه [ ص: 183 ] توكلنا في جميع أمورنا ، كما قال : ( فاعبده وتوكل عليه ) [ هود : 123 ] . ولهذا قال : ( فستعلمون من هو في ضلال مبين ) ؟ أي : منا ومنكم ، ولمن تكون العاقبة في الدنيا والآخرة ؟ . ثم قال : ( قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا ) أي : ذاهبا في الأرض إلى أسفل ، فلا ينال بالفئوس الحداد ، ولا السواعد الشداد ، والغائر : عكس النابع ; ولهذا قال : ( فمن يأتيكم بماء معين ) أي : نابع سائح جار على وجه الأرض ، لا يقدر على ذلك إلا الله ، عز وجل ، فمن فضله وكرمه أن أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض ، بحسب ما يحتاج العباد إليه من القلة والكثرة ، فلله الحمد والمنة . [ آخر تفسير سورة " تبارك " ولله الحمد ] . تفسير سورة " ن " وهي مدنية . بسم الله الرحمن الرحيم ( ن والقلم وما يسطرون ( 1 ) ما أنت بنعمة ربك بمجنون ( 2 ) وإن لك لأجرا غير ممنون ( 3 ) وإنك لعلى خلق عظيم ( 4 ) فستبصر ويبصرون ( 5 ) بأييكم المفتون ( 6 ) إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ( 7 ) ) قد تقدم الكلام على حروف الهجاء في أول " سورة البقرة " ، وأن قوله : ( ن ) كقوله : ( ص ) ) ق ) ونحو ذلك من الحروف المقطعة في أوائل السور ، وتحرير القول في ذلك بما أغنى عن إعادته . وقيل : المراد بقوله : ( ن ) حوت عظيم على تيار الماء العظيم المحيط ، وهو حامل للأرضين السبع ، كما قال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا يحيى ، حدثنا سفيان - هو الثوري - حدثنا سليمان - هو الأعمش - عن أبي ظبيان ، عن ابن عباس قال : أول ما خلق الله القلم قال : اكتب . قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب القدر . فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى يوم قيام الساعة . ثم خلق " النون " ورفع بخار الماء ، ففتقت منه السماء ، وبسطت الأرض على ظهر النون ، فاضطرب النون فمادت الأرض ، فأثبتت بالجبال ، فإنها لتفخر على الأرض . وكذا رواه ابن أبي حاتم ، عن أحمد بن سنان ، عن أبي معاوية ، عن الأعمش به . وهكذا رواه شعبة ، ومحمد بن فضيل ، ووكيع ، عن الأعمش ، به . وزاد شعبة في روايته : ثم قرأ : ( ن والقلم وما يسطرون ) وقد رواه شريك ، عن الأعمش ، عن أبي ظبيان - أو مجاهد ، - عن ابن عباس فذكر نحوه . ورواه معمر ، عن الأعمش : أن ابن عباس قال . . . فذكره ، ثم قرأ : ( ن والقلم وما يسطرون ) ثم قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا جرير ، عن عطاء ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس قال : إن أول شيء خلق ربي عز وجل القلم ، ثم قال له : اكتب . فكتب ما هو كائن إلى أن تقوم الساعة . ثم خلق " النون " فوق الماء ، ثم كبس الأرض عليه . [ ص: 185 ] وقد روى الطبراني ذلك مرفوعا فقال : حدثنا أبو حبيب زيد بن المهتدي المروذي ، حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، حدثنا حماد بن زيد ، عن عطاء بن السائب ، عن أبي الضحى مسلم بن صبيح ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن أول ما خلق الله القلم والحوت ، قال للقلم : اكتب ، قال : ما أكتب ؟ قال : كل شيء كائن إلى يوم القيامة " . ثم قرأ : ( ن والقلم وما يسطرون ) فالنون : الحوت . والقلم : القلم . حديث آخر في ذلك : رواه ابن عساكر ، عن أبي عبد الله مولى بني أمية ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن أول شيء خلقه الله القلم ، ثم خلق " النون " وهي : الدواة . ثم قال له : اكتب . قال وما أكتب ؟ قال : اكتب ما يكون - أو : ما هو كائن - من عمل ، أو رزق ، أو أثر ، أو أجل . فكتب ذلك إلى يوم القيامة ، فذلك قوله : ( ن والقلم وما يسطرون ) ثم ختم على القلم فلم يتكلم إلى يوم القيامة ، ثم خلق العقل وقال : وعزتي لأكملنك فيمن أحببت ، ولأنقصنك ممن أبغضت " . وقال ابن أبي نجيح : إن إبراهيم بن أبي بكر أخبره عن مجاهد قال : كان يقال : النون : الحوت العظيم الذي تحت الأرض السابعة . وذكر البغوي وجماعة من المفسرين : إن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السماوات والأرض ، وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن ، وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فالله أعلم . ومن العجيب أن بعضهم حمل على هذا المعنى الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا حميد ، عن أنس : أن عبد الله بن سلام بلغه مقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، فأتاه فسأله عن أشياء ، قال : إني سائلك عن أشياء لا يعلمها إلا نبي ، قال : ما أول أشراط الساعة ؟ وما أول طعام يأكله أهل الجنة ؟ وما بال الولد ينزع إلى أبيه ؟ والولد ينزع إلى أمه ؟ قال : " أخبرني بهن جبريل آنفا " . قال ابن سلام : فذاك عدو اليهود من الملائكة . قال : " أما أول أشراط الساعة فنار تحشرهم من المشرق إلى المغرب . وأول طعام يأكله أهل الجنة زيادة كبد حوت . وأما الولد فإذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ، وإذا سبق ماء المرأة ماء الرجل نزعت " . ![]()
__________________
|
|
#522
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة ن من صــ/ الى صــ / الحلقة (522) ورواه البخاري من طرق عن حميد ، ورواه مسلم أيضا ، وله من حديث ثوبان - مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نحو هذا . وفي صحيح مسلم من حديث أبي أسماء الرحبي ، عن ثوبان : أن حبرا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن مسائل ، فكان منها أن قال : فما تحفتهم ؟ - يعني أهل الجنة حين يدخلون الجنة - قال : " زيادة كبد الحوت " . قال : فما غذاؤهم على أثرها ؟ قال : " ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها " . قال : فما شرابهم عليه ؟ قال : " من عين فيها تسمى سلسبيلا " . وقيل : المراد بقوله : ( ن ) لوح من نور . قال ابن جرير : حدثنا الحسين بن شبيب المكتب ، حدثنا محمد بن زياد الجزري ، عن فرات بن أبي الفرات ، عن معاوية بن قرة ، عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ( ن والقلم وما يسطرون ) لوح من نور ، وقلم من نور ، يجري بما هو كائن إلى يوم القيامة " وهذا مرسل غريب . وقال ابن جريج أخبرت أن ذلك القلم من نور طوله مائة عام . وقيل : المراد بقوله : ( ن ) دواة ، والقلم : القلم . قال ابن جرير : حدثنا عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن الحسن ، وقتادة في قوله : ( ن ) قالا هي الدواة . وقد روي في هذا حديث مرفوع غريب جدا ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن خالد ، حدثنا الحسن بن يحيى ، حدثنا أبو عبد الله مولى بني أمية ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " خلق الله النون ، وهي الدواة " . وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب ، حدثنا أخي عيسى بن عبد الله ، حدثنا ثابت الثمالي ، عن ابن عباس قال : إن الله خلق النون - وهي الدواة - وخلق القلم ، فقال : اكتب . قال : وما أكتب ؟ قال : اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول به بر ، أو فجور ، أو رزق مقسوم ، حلال ، أو حرام . ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه : دخوله في الدنيا ، ومقامه فيها كم ؟ وخروجه منها كيف ؟ ثم جعل على العباد حفظة ، وللكتاب خزانا ، فالحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم ، فإذا فني الرزق وانقطع الأثر وانقضى الأجل أتت الحفظة الخزنة يطلبون عمل ذلك اليوم ، فتقول لهم الخزنة : ما نجد لصاحبكم عندنا شيئا فترجع الحفظة ، فيجدونهم قد ماتوا . قال : فقال ابن عباس : ألستم قوما عربا تسمعون الحفظة يقولون : ( إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون ) [ الجاثية : 29 ] ؟ وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل . [ ص: 187 ] وقوله : ( والقلم ) الظاهر أنه جنس القلم الذي يكتب به كقوله ( اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) [ العلق : 3 - 5 ] . فهو قسم منه تعالى ، وتنبيه لخلقه على ما أنعم به عليهم من تعليم الكتابة التي بها تنال العلوم ; ولهذا قال : ( وما يسطرون ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة : يعني : وما يكتبون . وقال أبو الضحى ، عن ابن عباس : ( وما يسطرون ) أي : وما يعملون . وقال السدي : ( وما يسطرون ) يعني الملائكة وما تكتب من أعمال العباد . وقال آخرون : بل المراد ها هنا بالقلم الذي أجراه الله بالقدر حين كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرضين بخمسين ألف سنة . وأوردوا في ذلك الأحاديث الواردة في ذكر القلم ، فقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان ، ويونس بن حبيب قالا : حدثنا أبو داود الطيالسي ، حدثنا عبد الواحد بن سليم السلمي ، عن عطاء - هو ابن أبي رباح - حدثني الوليد بن عبادة بن الصامت قال : دعاني أبي حين حضره الموت فقال : إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن أول ما خلق الله القلم ، فقال له : اكتب . قال : يا رب وما أكتب ؟ قال : اكتب القدر [ ما كان ] وما هو كائن إلى الأبد " . وهذا الحديث قد رواه الإمام أحمد من طرق ، عن الوليد بن عبادة ، عن أبيه به . وأخرجه الترمذي من حديث أبي داود الطيالسي به . ، وقال : حسن صحيح غريب . ورواه أبو داود في كتاب " السنة " من سننه ، عن جعفر بن مسافر ، عن يحيى بن حسان ، عن ابن رباح ، عن إبراهيم بن أبي عبلة ، عن أبي حفصة - واسمه حبيش بن شريح الحبشي الشامي - عن عبادة فذكره . وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن عبد الله الطوسي ، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق ، أنبأنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا رباح بن زيد ، عن عمر بن حبيب ، عن القاسم بن أبي بزة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : أنه كان يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " إن أول شيء خلقه الله القلم ، فأمره ، فكتب كل شيء " . غريب من هذا الوجه ، ولم يخرجوه وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( والقلم ) يعني : الذي كتب به الذكر . . وقوله : ( وما يسطرون ) أي : يكتبون كما تقدم . [ ص: 188 ] وقوله : ( ما أنت بنعمة ربك بمجنون ) أي : لست ، ولله الحمد ، بمجنون ، كما قد يقوله الجهلة من قومك ، المكذبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين ، فنسبوك فيه إلى الجنون ، ( وإن لك لأجرا غير ممنون ) أي : بل لك الأجر العظيم ، والثواب الجزيل الذي لا ينقطع ولا يبيد ، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق ، وصبرك على أذاهم . ومعنى ) غير ممنون ) أي : غير مقطوع كقوله : ( عطاء غير مجذوذ ) [ هود : 108 ] ( فلهم أجر غير ممنون ) [ التين : 6 ] أي : غير مقطوع عنهم . وقال مجاهد : ( غير ممنون ) أي : غير محسوب ، وهو يرجع إلى ما قلناه . وقوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) قال العوفي ، عن ابن عباس : أي : وإنك لعلى دين عظيم ، وهو الإسلام . وكذلك قال مجاهد ، وأبو مالك ، والسدي ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، وابن زيد . وقال عطية : لعلى أدب عظيم . وقال معمر ، عن قتادة : سئلت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . قالت : كان خلقه القرآن ، تقول كما هو في القرآن . وقال سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة قوله : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالت : ألست تقرأ القرآن ؟ قال : بلى . قالت : فإن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان القرآن . وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة ، عن زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام قال : سألت عائشة فقلت : أخبريني يا أم المؤمنين - عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالت : أتقرأ القرآن ؟ فقلت : نعم . فقالت : كان خلقه القرآن . هذا حديث طويل . وقد رواه الإمام مسلم في صحيحه ، من حديث قتادة بطوله ، وسيأتي في سورة " المزمل " إن شاء الله تعالى . وقال الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل ، حدثنا يونس ، عن الحسن ، قال : سألت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت : كان خلقه القرآن . وقال الإمام أحمد : حدثنا أسود ، حدثنا شريك ، عن قيس بن وهب ، عن رجل من بني سواد قال : سألت عائشة عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالت : أما تقرأ القرآن : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) ؟ قال : قلت : حدثيني عن ذاك . قالت : صنعت له طعاما ، وصنعت له حفصة طعاما ، فقلت لجاريتي : اذهبي فإن جاءت هي بالطعام فوضعته قبل فاطرحي الطعام ! قالت : فجاءت بالطعام . قالت : فألقت الجارية ، فوقعت القصعة فانكسرت - وكان نطعا - قالت : فجمعه رسول الله [ ص: 189 ] وقال : " اقتضوا - أو : اقتضي - شك أسود - ظرفا مكان ظرفك " . قالت : فما قال شيئا . وقال ابن جرير : حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس ، حدثنا أبي ، حدثنا المبارك بن فضالة ، عن الحسن ، عن سعد بن هشام : قال : أتيت عائشة أم المؤمنين فقلت لها : أخبريني بخلق النبي صلى لله عليه وسلم . فقالت : كان خلقه القرآن . أما تقرأ : ( وإنك لعلى خلق عظيم ) وقد روى أبو داود ، والنسائي من حديث الحسن ، نحوه وقال ابن جرير : حدثني يونس ، أنبأنا ابن وهب ، وأخبرني معاوية بن صالح ، عن أبي الزاهرية ، عن جبير بن نفير قال : حججت ، فدخلت على عائشة رضي الله عنها ، فسألتها عن خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . فقالت : كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن . وهكذا رواه أحمد ، عن عبد الرحمن بن مهدي . ورواه النسائي في التفسير ، عن إسحاق بن منصور ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن معاوية بن صالح به ومعنى هذا أنه ، عليه السلام ، صار امتثال القرآن أمرا ونهيا سجية له ، وخلقا تطبعه ، وترك طبعه الجبلي ، فمهما أمره القرآن فعله ، ومهما نهاه عنه تركه . هذا مع ما جبله الله عليه من الخلق العظيم ، من الحياء ، والكرم والشجاعة ، والصفح ، والحلم ، وكل خلق جميل . كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال : خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي : " أف " قط ، ولا قال لشيء فعلته : لم فعلته ؟ ولا لشيء لم أفعله : ألا فعلته ؟ وكان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقا ، ولا مسست خزا ، ولا حريرا ، ولا شيئا كان ألين من كف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا شممت مسكا ولا عطرا كان أطيب من عرق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال البخاري : حدثنا أحمد بن سعيد أبو عبد الله ، حدثنا إسحاق بن منصور ، حدثنا إبراهيم بن يوسف ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق قال : سمعت البراء يقول : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس وجها ، وأحسن الناس خلقا ، ليس بالطويل البائن ، ولا بالقصير والأحاديث في هذا كثيرة ولأبي عيسى الترمذي في هذا كتاب " الشمائل " . قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة قالت : ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده خادما له قط ، ولا امرأة ، ولا ضرب بيده شيئا قط ، إلا أن [ ص: 190 ] يجاهد في سبيل الله . ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما حتى يكون إثما ، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم ، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله ، فيكون هو ينتقم لله ، عز وجل وقال الإمام أحمد : حدثنا سعيد بن منصور ، حدثنا عبد العزيز بن محمد ، عن محمد بن عجلان ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق " . تفرد به وقوله : ( فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون ) أي : فستعلم يا محمد ، وسيعلم مخالفوك ومكذبوك : من المفتون الضال منك ومنهم . وهذا كقوله تعالى : ( سيعلمون غدا من الكذاب الأشر ) [ القمر : 26 ] ، وكقوله : ( وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ) [ سبإ : 24 ] . قال ابن جريج : قال ابن عباس في هذه الآية : ستعلم ويعلمون يوم القيامة . وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( بأيكم المفتون ) أي : الجنون . وكذا قال مجاهد وغيره . وقال قتادة وغيره : ( بأيكم المفتون ) أي : أولى بالشيطان . ومعنى المفتون ظاهر ، أي : الذي قد افتتن عن الحق وضل عنه ، وإنما دخلت الباء في قوله : ( بأيكم المفتون ) لتدل على تضمين الفعل في قوله : ( فستبصر ويبصرون ) وتقديره : فستعلم ويعلمون ، أو : فستخبر ويخبرون بأيكم المفتون . والله أعلم . ثم قال تعالى : ( إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين ) أي : هو يعلم تعالى أي الفريقين منكم ومنهم هو المهتدي ، ويعلم الحزب الضال عن الحق . ( فلا تطع المكذبين ( 8 ) ودوا لو تدهن فيدهنون ( 9 ) ولا تطع كل حلاف مهين ( 10 ) هماز مشاء بنميم ( 11 ) مناع للخير معتد أثيم ( 12 ) عتل بعد ذلك زنيم ( 13 ) أن كان ذا مال وبنين ( 14 ) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ( 15 ) ) ( سنسمه على الخرطوم ( 16 ) ) يقول تعالى : كما أنعمنا عليك وأعطيناك الشرع المستقيم والخلق العظيم ( فلا تطع المكذبين ) ( ودوا لو تدهن فيدهنون ) قال ابن عباس : لو ترخص لهم فيرخصون . وقال مجاهد : ودوا لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من الحق . ثم قال تعالى : ( ولا تطع كل حلاف مهين ) وذلك أن الكاذب لضعفه ومهانته إنما يتقي بأيمانه الكاذبة التي يجترئ بها على أسماء الله تعالى ، واستعمالها في كل وقت في غير محلها . [ ص: 191 ] قال ابن عباس : المهين الكاذب . وقال مجاهد : هو الضعيف القلب . قال الحسن : كل حلاف : مكابر ، مهين : ضعيف . وقوله ) هماز ) قال ابن عباس ، وقتادة : يعني الاغتياب . ( مشاء بنميم ) يعني : الذي يمشي بين الناس ، ويحرش بينهم ، وينقل الحديث لفساد ذات البين وهي الحالقة ، وقد ثبت في الصحيحين من حديث مجاهد ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقبرين فقال : " إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير ، أما أحدهما فكان لا يستتر من البول ، وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة " الحديث . وأخرجه بقية الجماعة في كتبهم ، من طرق عن مجاهد به . وقال أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن همام أن حذيفة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا يدخل الجنة قتات " . رواه الجماعة - إلا ابن ماجه - من طرق ، عن إبراهيم به . وحدثنا عبد الرزاق ، حدثنا الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم ، عن همام ، عن حذيفة قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : " لا يدخل الجنة قتات " يعني : نماما . وحدثنا يحيى بن سعيد القطان أبو سعيد الأحول ، عن الأعمش حدثني إبراهيم - منذ نحو ستين سنة - عن همام بن الحارث قال : مر رجل على حذيفة فقيل : إن هذا يرفع الحديث إلى الأمراء . فقال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - أو : قال - : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يدخل الجنة قتات " . وقال أحمد : حدثنا هاشم ، حدثنا مهدي ، عن واصل الأحدب ، عن أبي وائل قال : بلغ حذيفة عن رجل أنه ينم الحديث ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " لا يدخل الجنة نمام " . وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن ابن خثيم ، عن شهر بن حوشب ، عن أسماء بنت يزيد بن السكن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " ألا أخبركم بخياركم ؟ " . قالوا : بلى يا رسول الله . قال : " الذين إذا رءوا ذكر الله ، عز وجل " . ثم قال : " ألا أخبركم بشراركم ؟ المشاءون بالنميمة ، المفسدون بين الأحبة ، والباغون للبرآء العنت " . ورواه ابن ماجه عن سويد بن سعيد ، عن يحيى بن سليم ، عن ابن خثيم به . [ ص: 192 ] وقال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن ابن أبي حسين ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم - يبلغ به النبي - صلى الله عليه وسلم - : " خيار عباد الله الذين إذا رءوا ذكر الله ، وشرار عباد الله المشاءون بالنميمة ، المفرقون بين الأحبة ، الباغون للبرآء العنت " وقوله ( مناع للخير معتد أثيم ) أي : يمنع ما عليه وما لديه من الخير ) معتد ) في متناول ما أحل الله له ، يتجاوز فيها الحد المشروع ) أثيم ) أي : يتناول المحرمات . وقوله : ( عتل بعد ذلك زنيم ) أما العتل : فهو الفظ الغليظ الصحيح ، الجموع المنوع . وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، وعبد الرحمن ، عن سفيان ، عن معبد بن خالد ، عن حارثة بن وهب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ألا أنبئكم بأهل الجنة ؟ كل ضعيف متضعف لو أقسم على الله لأبره ، ألا أنبئكم بأهل النار ؟ كل عتل جواظ مستكبر " . وقال وكيع : " كل جواظ جعظري مستكبر " . أخرجاه في الصحيحين ، وبقية الجماعة إلا أبا داود من حديث سفيان الثوري ، وشعبة ، كلاهما عن معبد بن خالد به . وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا موسى بن علي ، قال : سمعت أبي يحدث عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال عند ذكر أهل النار : " كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع " . تفرد به أحمد . قال أهل اللغة : الجعظري : الفظ الغليظ ، والجواظ : الجموع المنوع . وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا عبد الحميد ، عن شهر بن حوشب ، عن عبد الرحمن بن غنم قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العتل الزنيم ، فقال : " هو الشديد الخلق ، المصحح ، الأكول ، الشروب ، الواجد للطعام والشراب ، الظلوم للناس ، رحيب الجوف " . وبهذا الإسناد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " لا يدخل الجنة الجواظ الجعظري ، العتل الزنيم " وقد أرسله أيضا غير واحد من التابعين . وقال ابن جرير : حدثنا ابن عبد الأعلى ، حدثنا ابن ثور ، عن معمر ، عن زيد بن أسلم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " تبكي السماء من عبد أصح الله جسمه ، وأرحب جوفه ، وأعطاه من الدنيا مقضما ، فكان للناس ظلوما . قال : فذلك العتل الزنيم " . [ ص: 193 ] وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريقين مرسلين ، ونص عليه غير واحد من السلف ، منهم مجاهد ، وعكرمة ، والحسن ، وقتادة ، وغيرهم : أن العتل هو : المصحح الخلق ، الشديد القوي في المأكل والمشرب والمنكح ، وغير ذلك ، وأما الزنيم فقال البخاري : حدثنا محمود ، حدثنا عبيد الله ، عن إسرائيل ، عن أبي حصين ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : ( عتل بعد ذلك زنيم ) قال : رجل من قريش له زنمة مثل زنمة الشاة . ومعنى هذا : أنه كان مشهورا بالشر كشهرة الشاة ذات الزنمة من بين أخواتها . وإنما الزنيم في لغة العرب : هو الدعي في القوم . قاله ابن جرير ، وغير واحد من الأئمة ، قال : ومنه قول حسان بن ثابت يعني يذم بعض كفار قريش : وأنت زنيم نيط في آل هاشم كما نيط خلف الراكب القدح الفرد ![]()
__________________
|
|
#523
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة ن من صــ/ الى صــ / الحلقة (523) وقال آخر : زنيم ليس يعرف من أبوه بغي الأم ذو حسب لئيم وقال ابن أبي حاتم : حدثنا عمار بن خالد الواسطي ، حدثنا أسباط ، عن هشام ، عن عكرمة ، عن ابن عباس في قوله : ( زنيم ) قال : الدعي الفاحش اللئيم . ثم قال ابن عباس : زنيم تداعاه الرجال زيادة كما زيد في عرض الأديم الأكارع وقال العوفي ، عن ابن عباس : الزنيم : الدعي . ويقال : الزنيم : رجل كانت به زنمة يعرف بها . ويقال : هو الأخنس بن شريق الثقفي حليف بني زهرة . وزعم أناس من بني زهرة أن الزنيم الأسود بن عبد يغوث الزهري وليس به . وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن ابن عباس : أنه زعم أن الزنيم الملحق النسب . وقال ابن أبي حاتم : حدثني يونس ، حدثنا ابن وهب ، حدثني سليمان بن بلال ، عن عبد الرحمن بن حرملة ، عن سعيد بن المسيب ، أنه سمعه يقول في هذه الآية : ( عتل بعد ذلك زنيم ) قال سعيد : هو الملصق بالقوم ، ليس منهم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا عقبة بن خالد ، عن عامر بن قدامة ، قال : سئل عكرمة ، عن الزنيم ، قال : هو ولد الزنا . وقال الحكم بن أبان ، عن عكرمة في قوله تعالى : ( عتل بعد ذلك زنيم ) قال : يعرف المؤمن من الكافر مثل الشاة الزنماء . والزنماء من الشياه : التي في عنقها هنتان معلقتان في حلقها . وقال الثوري ، عن جابر ، عن الحسن ، عن سعيد بن جبير قال : الزنيم : الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها . والزنيم : الملصق ، رواه ابن جرير . [ ص: 194 ] وروى أيضا من طريق داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال في الزنيم : قال : نعت فلم يعرف حتى قيل : زنيم . قال : وكانت له زنمة في عنقه يعرف بها . وقال آخرون : كان دعيا . وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب ، حدثنا ابن إدريس ، عن أبيه ، عن أصحاب التفسير قالوا هو الذي تكون له زنمة مثل زنمة الشاة . وقال الضحاك : كانت له زنمة في أصل أذنه ، ويقال : هو اللئيم الملصق في النسب . وقال أبو إسحاق : عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : هو المريب الذي يعرف بالشر . وقال مجاهد : الزنيم الذي يعرف بهذا الوصف كما تعرف الشاة . وقال أبو رزين : الزنيم علامة الكفر . وقال عكرمة : الزنيم الذي يعرف باللؤم كما تعرف الشاة بزنمتها . والأقوال في هذا كثيرة ، وترجع إلى ما قلناه ، وهو أن الزنيم هو : المشهور بالشر ، الذي يعرف به من بين الناس ، وغالبا يكون دعيا ولد زنا ، فإنه في الغالب يتسلط الشيطان عليه ما لا يتسلط على غيره ، كما جاء في الحديث : " لا يدخل الجنة ولد زنا " وفي الحديث الآخر : " ولد الزنا شر الثلاثة إذا عمل بعمل أبويه " . وقوله : ( أن كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) يقول تعالى : هذا مقابلة ما أنعم الله عليه من المال والبنين ، كفر بآيات الله وأعرض عنها ، وزعم أنها كذب مأخوذ من أساطير الأولين ، كقوله : ( ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر ) قال الله تعالى : ( سأصليه سقر ) [ المدثر : 11 - 26 ] . قال تعالى ها هنا : ( سنسمه على الخرطوم ) قال ابن جرير : سنبين أمره بيانا واضحا ، حتى يعرفوه ، ولا يخفى عليهم ، كما لا تخفى السمة على الخراطيم ، وهكذا قال قتادة : ( سنسمه على الخرطوم ) شين لا يفارقه آخر ما عليه . [ ص: 195 ] وفي رواية عنه : سيما على أنفه . وكذا قال السدي . وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( سنسمه على الخرطوم ) يقاتل يوم بدر فيخطم بالسيف في القتال . وقال آخرون : ( سنسمه ) سمة أهل النار ، يعني نسود وجهه يوم القيامة ، وعبر عن الوجه بالخرطوم . حكى ذلك كله أبو جعفر بن جرير ومال إلى أنه لا مانع من اجتماع الجميع عليه في الدنيا والآخرة ، وهو متجه . وقد قال ابن أبي حاتم في سورة ( عم يتساءلون ) حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح كاتب الليث ، حدثني الليث ، حدثني خالد ، عن سعيد ، عن عبد الملك بن عبد الله ، عن عيسى بن هلال الصدفي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن العبد يكتب مؤمنا أحقابا ، ثم أحقابا ، ثم يموت والله عليه ساخط . وإن العبد يكتب كافرا أحقابا ، ثم أحقابا ، ثم يموت والله عليه راض . ومن مات همازا لمازا ملقبا للناس ، كان علامته يوم القيامة أن يسمه الله على الخرطوم ، من كلا الشفتين " . ( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ( 17 ) ولا يستثنون ( 18 ) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ( 19 ) فأصبحت كالصريم ( 20 ) فتنادوا مصبحين ( 21 ) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ( 22 ) فانطلقوا وهم يتخافتون ( 23 ) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ( 24 ) وغدوا على حرد قادرين ( 25 ) فلما رأوها قالوا إنا لضالون ( 26 ) بل نحن محرومون ( 27 ) قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ( 28 ) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ( 29 ) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ( 30 ) قالوا ياويلنا إنا كنا طاغين ( 31 ) عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون ( 32 ) كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ( 33 ) ) هذا مثل ضربه الله تعالى لكفار قريش فيما أهدى إليهم من الرحمة العظيمة ، وأعطاهم من النعم الجسيمة ، وهو بعثه محمدا - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، فقابلوه بالتكذيب والرد والمحاربة ; ولهذا قال : ( إنا بلوناهم ) أي : اختبرناهم ، ( كما بلونا أصحاب الجنة ) وهي البستان المشتمل على أنواع الثمار [ ص: 196 ] والفواكه ( إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ) أي : حلفوا فيما بينهم ليجذن ثمرها ليلا لئلا يعلم بهم فقير ولا سائل ، ليتوفر ثمرها عليهم ولا يتصدقوا منه بشيء ، ( ولا يستثنون ) أي : فيما حلفوا به . ولهذا حنثهم الله في أيمانهم ، فقال : ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون ) أي : أصابتها آفة سماوية ، ( فأصبحت كالصريم ) قال ابن عباس : أي كالليل الأسود . وقال الثوري ، والسدي : مثل الزرع إذا حصد ، أي هشيما يبسا . وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن أحمد بن الصباح : أنبأنا بشر بن زاذان ، عن عمر بن صبح ، عن ليث بن أبي سليم ، عن عبد الرحمن بن سابط ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إياكم والمعاصي ، إن العبد ليذنب الذنب فيحرم به رزقا قد كان هيئ له " ، ثم تلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون فأصبحت كالصريم ) قد حرموا خير جنتهم بذنبهم . ( فتنادوا مصبحين ) أي : لما كان وقت الصبح نادى بعضهم بعضا ليذهبوا إلى الجذاذ . ( أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين ) أي : تريدون الصرام . قال مجاهد : كان حرثهم عنبا . ( فانطلقوا وهم يتخافتون ) أي : يتناجون فيما بينهم بحيث لا يسمعون أحدا كلامهم . ثم فسر الله عالم السر والنجوى ما كانوا يتخافتون به ، فقال : ( فانطلقوا وهم يتخافتون أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين ) أي : يقول بعضهم لبعض : لا تمكنوا اليوم فقيرا يدخلها عليكم ! قال الله تعالى : ( وغدوا على حرد ) أي : قوة وشدة . وقال مجاهد : ( وغدوا على حرد ) أي : جد . وقال عكرمة : غيظ . وقال الشعبي : ( على حرد ) على المساكين . وقال السدي : ( على حرد ) أي : كان اسم قريتهم حردا . فأبعد السدي في قوله هذا ! ( قادرين ) أي : عليها فيما يزعمون ويرومون . ( فلما رأوها قالوا إنا لضالون ) أي : فلما وصلوا إليها وأشرفوا عليها ، وهي على الحالة التي قال الله ، عز وجل ، قد استحالت عن تلك النضارة ، والزهرة ، وكثرة الثمار إلى أن صارت سوداء مدلهمة ، لا ينتفع بشيء منها ، فاعتقدوا أنهم قد أخطئوا الطريق ; ولهذا قالوا : ( إنا لضالون ) أي : قد سلكنا إليها غير الطريق فتهنا عنها . قاله ابن عباس وغيره . ثم رجعوا عما كانوا فيه ، وتيقنوا أنها هي فقالوا : ( بل نحن محرومون ) أي : بل هذه هي ، ولكن نحن لا حظ لنا ولا نصيب . ( قال أوسطهم ) قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وعكرمة ، ومحمد بن كعب ، والربيع بن أنس ، والضحاك ، وقتادة : أي : أعدلهم وخيرهم : ( ألم أقل لكم لولا تسبحون ) ! قال مجاهد ، والسدي ، وابن جريج : ( لولا تسبحون ) أي : لولا تستثنون . قال السدي : وكان استثناؤهم في ذلك الزمان تسبيحا . [ ص: 197 ] وقال ابن جريج : هو قول القائل : إن شاء الله . وقيل : معناه : ( قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون ) أي : هلا تسبحون الله وتشكرونه على ما أعطاكم وأنعم به عليكم ، ( قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين ) أتوا بالطاعة حيث لا تنفع ، وندموا واعترفوا حيث لا ينجع ; ولهذا قالوا : ( إنا كنا ظالمين فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون ) أي : يلوم بعضهم بعضا على ما كانوا أصروا عليه من منع المساكين من حق الجذاذ ، فما كان جواب بعضهم لبعض إلا الاعتراف بالخطيئة والذنب ، ( قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين ) أي : اعتدينا وبغينا وطغينا وجاوزنا الحد حتى أصابنا ما أصابنا ، ( عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون ) قيل : رغبوا في بذلها لهم في الدنيا . وقيل : احتسبوا ثوابها في الدار الآخرة ، والله أعلم . ثم قد ذكر بعض السلف أن هؤلاء قد كانوا من أهل اليمن - قال سعيد بن جبير : كانوا من قرية يقال لها ضروان على ستة أميال من صنعاء . وقيل : كانوا من أهل الحبشة - وكان أبوهم قد خلف لهم هذه الجنة ، وكانوا من أهل الكتاب ، وقد كان أبوهم يسير فيها سيرة حسنة ، فكان ما استغله منها يرد فيها ما يحتاج إليها ، ويدخر لعياله قوت سنتهم ، ويتصدق بالفاضل . فلما مات ورثه بنوه ، قالوا : لقد كان أبونا أحمق إذ كان يصرف من هذه شيئا للفقراء ، ولو أنا منعناهم لتوفر ذلك علينا . فلما عزموا على ذلك عوقبوا بنقيض قصدهم ، فأذهب الله ما بأيديهم بالكلية ، ورأس المال ، والربح ، والصدقة ، فلم يبق لهم شيء . قال الله تعالى : ( كذلك العذاب ) أي : هكذا عذاب من خالف أمر الله ، وبخل بما آتاه الله وأنعم به عليه ، ومنع حق المسكين والفقراء وذوي الحاجات ، وبدل نعمة الله كفرا ( ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ) أي : هذه عقوبة الدنيا كما سمعتم ، وعذاب الآخرة أشق . وقد ورد في حديث رواه الحافظ البيهقي من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، عن أبيه ، عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الجداد بالليل ، والحصاد بالليل . ( إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم ( 34 ) أفنجعل المسلمين كالمجرمين ( 35 ) ما لكم كيف تحكمون ( 36 ) أم لكم كتاب فيه تدرسون ( 37 ) إن لكم فيه لما تخيرون ( 38 ) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ( 39 ) سلهم أيهم بذلك زعيم ( 40 ) أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ( 41 ) ) [ ص: 198 ] لما ذكر الله تعالى حال أهل الجنة الدنيوية ، وما أصابهم فيها من النقمة حين عصوا الله ، عز وجل ، وخالفوا أمره ، بين أن لمن اتقاه وأطاعه في الدار الآخرة جنات النعيم التي لا تبيد ولا تفرغ ولا ينقضي نعيمها . ثم قال : ( أفنجعل المسلمين كالمجرمين ) ؟ أي : أفنساوي بين هؤلاء وهؤلاء في الجزاء ؟ كلا ورب الأرض والسماء ; ولهذا قال ( ما لكم كيف تحكمون ) ! أي : كيف تظنون ذلك ؟ . ثم قال : ( أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون ) يقول : أفبأيديكم كتاب منزل من السماء تدرسونه ، وتحفظونه ، وتتداولونه بنقل الخلف عن السلف ، متضمن حكما مؤكدا كما تدعونه ؟ ( إن لكم فيه لما تخيرون أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون ) أي : أمعكم عهود منا ومواثيق مؤكدة ، ( إن لكم لما تحكمون ) أي : إنه سيحصل لكم ما تريدون وتشتهون ، ( سلهم أيهم بذلك زعيم ) ؟ أي : قل لهم : من هو المتضمن المتكفل بهذا ؟ ( أم لهم شركاء ) أي : من الأصنام والأنداد ( فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين ) ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ( 42 ) ) ( خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون ( 43 ) فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ( 44 ) وأملي لهم إن كيدي متين ( 45 ) أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون ( 46 ) أم عندهم الغيب فهم يكتبون ( 47 ) ) لما ذكر تعالى أن للمتقين عنده جنات النعيم ، بين متى ذلك كائن وواقع ، فقال : ( يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون ) يعني : يوم القيامة وما يكون فيه من الأهوال والزلازل والبلاء والامتحان والأمور العظام . وقد قال البخاري ها هنا : حدثنا آدم ، حدثنا الليث ، عن خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أسلم ، عن عطاء بن يسار ، عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : " يكشف ربنا عن ساقه ، فيسجد له كل مؤمن ومؤمنة ، ويبقى من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ، فيذهب ليسجد فيعود ظهره طبقا واحدا " . وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وفي غيرهما من طرق وله ألفاظ ، وهو حديث طويل مشهور . وقد قال عبد الله بن المبارك ، عن أسامة بن زيد ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( يوم يكشف عن ساق ) [ ص: 199 ] قال : هو يوم كرب وشدة . رواه ابن جرير ثم قال : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن المغيرة ، عن إبراهيم ، عن ابن مسعود ، - أو ابن عباس الشك من ابن جرير - : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : عن أمر عظيم ، كقول الشاعر : وقامت الحرب بنا عن ساق وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : شدة الأمر وقال ابن عباس : هي أول ساعة تكون في يوم القيامة . وقال ابن جريج ، عن مجاهد : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : شدة الأمر وجده . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس قوله : ( يوم يكشف عن ساق ) هو الأمر الشديد المفظع من الهول يوم القيامة . وقال العوفي ، عن ابن عباس قوله : ( يوم يكشف عن ساق ) يقول : حين يكشف الأمر وتبدو الأعمال . وكشفه دخول الآخرة ، وكشف الأمر عنه . وكذا روى الضحاك ، وغيره ، عن ابن عباس . أورد ذلك كله أبو جعفر بن جرير ثم قال : حدثني أبو زيد عمر بن شبة ، حدثنا هارون بن عمر المخزومي ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا أبو سعيد روح بن جناح ، عن مولى لعمر بن عبد العزيز ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( يوم يكشف عن ساق ) قال : " عن نور عظيم ، يخرون له سجدا " . ورواه أبو يعلى ، عن القاسم بن يحيى ، عن الوليد بن مسلم به ، وفيه رجل مبهم ، والله أعلم . [ ص: 200 ] وقوله : ( خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ) أي : في الدار الآخرة بإجرامهم ، وتكبرهم في الدنيا ، فعوقبوا بنقيض ما كانوا عليه . ولما دعوا إلى السجود في الدنيا فامتنعوا منه مع صحتهم ، وسلامتهم كذلك عوقبوا بعدم قدرتهم عليه في الآخرة ، إذا تجلى الرب عز وجل ، فيسجد له المؤمنون ، لا يستطيع أحد من الكافرين ولا المنافقين أن يسجد ، بل يعود ظهر أحدهم طبقا واحدا ، كلما أراد أحدهم أن يسجد خر لقفاه ، عكس السجود ، كما كانوا في الدنيا ، بخلاف ما عليه المؤمنون . ثم قال تعالى : ( فذرني ومن يكذب بهذا الحديث ) يعني : القرآن . وهذا تهديد شديد ، أي : دعني وإياه مني ومنه ، أنا أعلم به كيف أستدرجه ، وأمده في غيه وأنظر ، ثم آخذه أخذ عزيز مقتدر ؛ ولهذا قال : ( سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ) أي : وهم لا يشعرون ، بل يعتقدون أن ذلك من الله كرامة ، وهو في نفس الأمر إهانة ، كما قال : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] ، وقال : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) [ الأنعام : 44 ] . ولهذا قال ها هنا : ( وأملي لهم إن كيدي متين ) أي : وأؤخرهم ، وأنظرهم ، وأمدهم ، وذلك من كيدي ومكري بهم ; ولهذا قال تعالى : ( إن كيدي متين ) أي : عظيم لمن خالف أمري ، وكذب رسلي ، واجترأ على معصيتي . وفي الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " إن الله تعالى ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته " . ثم قرأ : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد ) [ هود : 102 ] . وقوله : ( أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون ) تقدم تفسيرهما في سورة " الطور " ، والمعنى في ذلك : أنك يا محمد تدعوهم إلى الله ، عز وجل ، بلا أجر تأخذه منهم ، بل ترجو ثواب ذلك عند الله ، عز وجل ، وهم يكذبون بما جئتهم به ، بمجرد الجهل والكفر والعناد . ![]()
__________________
|
|
#524
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة ن من صــ/ الى صــ / الحلقة (524) ( فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم ( 48 ) لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم ( 49 ) فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ( 50 ) وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون ( 51 ) وما هو إلا ذكر للعالمين ( 52 ) ) [ ص: 201 ] يقول تعالى : ( فاصبر ) يا محمد على أذى قومك لك وتكذيبهم ; فإن الله سيحكم لك عليهم ، ويجعل العاقبة لك ولأتباعك في الدنيا والآخرة ، ( ولا تكن كصاحب الحوت ) يعني : ذا النون ، وهو يونس بن متى عليه السلام حين ذهب مغاضبا على قومه ، فكان من أمره ما كان من ركوبه في البحر والتقام الحوت له ، وشرود الحوت به في البحار وظلمات غمرات اليم ، وسماعه تسبيح البحر بما فيه للعلي القدير ، الذي لا يرد ما أنفذه من التقدير ، فحينئذ نادى في الظلمات . ( أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) [ الأنبياء : 87 ] . قال الله ( فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين ) [ الأنبياء : 88 ] ، وقال تعالى : ( فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ) [ الصافات : 143 ، 144 ] وقال هاهنا : ( إذ نادى وهو مكظوم ) قال ابن عباس ومجاهد والسدي : وهو مغموم . وقال عطاء الخراساني وأبو مالك : مكروب . وقد قدمنا في الحديث أنه لما قال : ( لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ) خرجت الكلمة تحف حول العرش ، فقالت الملائكة : يا رب ، هذا صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة ، فقال الله : أما تعرفون هذا ؟ قالوا : لا . قال : هذا يونس . قالوا : يا رب ، عبدك الذي لا يزال يرفع له عمل صالح ودعوة مجابة ؟ قال : نعم . قالوا : أفلا ترحم ما كان يعمله في الرخاء فتنجيه من البلاء ؟ فأمر الله الحوت فألقاه بالعراء ; ولهذا قال تعالى : ( فاجتباه ربه فجعله من الصالحين ) وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا ينبغي لأحد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى " . ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري وهو في الصحيحين من حديث أبي هريرة . وقوله : ( وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ) قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما : ( ليزلقونك ) لينفذونك بأبصارهم ، أي : ليعينونك بأبصارهم ، بمعنى : يحسدونك لبغضهم إياك لولا وقاية الله لك ، وحمايته إياك منهم . وفي هذه الآية دليل على أن العين إصابتها وتأثيرها حق ، بأمر الله ، عز وجل ، كما وردت بذلك الأحاديث المروية من طرق متعددة كثيرة . حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : قال أبو داود : حدثنا سليمان بن داود العتكي ، حدثنا شريك ( ح ) ، وحدثنا العباس العنبري ، حدثنا يزيد بن هارون ، أنبأنا شريك ، عن العباس بن ذريح ، عن الشعبي قال العباس : عن أنس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا رقية إلا من عين أو حمة أو دم لا يرقأ " . لم يذكر العباس العين . وهذا لفظ سليمان . حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه : قال أبو عبد الله ابن ماجه : حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير ، حدثنا إسحاق بن سليمان ، عن أبي جعفر الرازي ، عن حصين ، عن الشعبي ، عن [ ص: 202 ] بريدة بن الحصيب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا رقية إلا من عين أو حمة " . هكذا رواه ابن ماجه وقد أخرجه مسلم في صحيحه ، عن سعيد بن منصور ، عن هشيم ، عن حصين بن عبد الرحمن ، عن عامر الشعبي ، عن بريدة موقوفا ، وفيه قصة ، وقد رواه شعبة ، عن حصين ، عن الشعبي ، عن بريدة . قاله الترمذي وروى هذا الحديث الإمام البخاري من حديث محمد بن فضيل وأبو داود من حديث مالك بن مغول ، والترمذي من حديث سفيان بن عيينة ، ثلاثتهم عن حصين ، عن عامر ، عن الشعبي ، عن عمران بن حصين موقوفا . حديث أبي جندب بن جنادة : قال الحافظ أبو يعلى الموصلي رحمه الله : حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة بن البرند السامي ، حدثنا ديلم بن غزوان ، حدثنا وهب بن أبي دبي ، عن أبي حرب ، عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العين لتولع الرجل بإذن الله ، فيتصاعد حالقا ، ثم يتردى منه " إسناده غريب ، ولم يخرجوه . حديث حابس التميمي : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، حدثنا حرب ، حدثنا يحيى بن أبي كثير ، حدثني حية بن حابس التميمي : أن أباه أخبره : أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا شيء في الهام ، والعين حق ، وأصدق الطيرة الفأل " . وقد رواه الترمذي ، عن عمرو بن علي ، عن أبي غسان يحيى بن كثير ، عن علي بن المبارك ، عن يحيى بن أبي كثير به ثم قال غريب . قال وروى شيبان ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن حية بن حابس عن أبيه ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم . قلت : كذلك رواه الإمام أحمد ، عن حسن بن موسى ، وحسين بن محمد ، عن شيبان عن يحيى بن أبي كثير ، عن حية ، حدثه عن أبيه ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا بأس في الهام ، والعين حق ، وأصدق الطيرة الفأل " . حديث ابن عباس : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الله بن الوليد ، عن سفيان ، عن دويد ، حدثني إسماعيل بن ثوبان ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " العين [ ص: 203 ] حق ، العين حق ، تستنزل الحالق " غريب . طريق أخرى : قال مسلم في صحيحه : حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي ، أخبرنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا وهيب ، عن ابن طاوس عن أبيه ، عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " العين حق ، ولو كان شيء سابق القدر سبقت العين ، وإذا اغتسلتم فاغسلوا " . انفرد به دون البخاري . وقال عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري ، عن منصور ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين يقول : " أعيذكما بكلمات الله التامة ، من كل شيطان وهامة ، ومن كل عين لامة " ، ويقول هكذا كان إبراهيم يعوذ إسحاق وإسماعيل عليهما السلام " . أخرجه البخاري وأهل السنن من حديث المنهال به . حديث أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف رضي الله عنه : " قال ابن ماجه : حدثنا هشام بن عمار ، حدثنا سفيان ، عن الزهري ، عن أبي أمامة ابن سهل بن حنيف قال : مر عامر بن ربيعة بسهل بن حنيف وهو يغتسل ، فقال : لم أر كاليوم ولا جلد مخبأة ، فما لبث أن لبط به ، فأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : أدرك سهلا صريعا . قال : " من تتهمون به ؟ " . قالوا : عامر بن ربيعة . قال : " علام يقتل أحدكم أخاه ؟ إذا رأى أحدكم من أخيه ما يعجبه فليدع له بالبركة " . ثم دعا بماء فأمر عامرا أن يتوضأ فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ، وركبتيه ، وداخلة إزاره ، وأمره أن يصب عليه . قال سفيان : قال معمر ، عن الزهري : وأمر أن يكفأ الإناء من خلفه . وقد رواه النسائي من حديث سفيان بن عيينة ومالك بن أنس كلاهما عن الزهري به . ومن حديث سفيان بن عيينة أيضا عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي أمامة : ويكفأ الإناء من خلفه . ومن حديث ابن أبي ذئب ، عن الزهري ، عن أبي أمامة أسعد بن سهل بن حنيف عن أبيه ، به . ومن حديث مالك أيضا ، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل عن أبيه ، به . حديث أبي سعيد الخدري : قال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد ، عن الجريري ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتعوذ من أعين الجان وأعين الإنس ، فلما نزل المعوذتان أخذ بهما وترك ما سوى ذلك . [ ص: 204 ] ورواه الترمذي والنسائي من حديث سعيد بن إياس أبي مسعود الجريري به ، وقال الترمذي : حسن . حديث آخر عنه : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث حدثني أبي ، حدثني عبد العزيز بن صهيب ، حدثني أبو نضرة ، عن أبي سعيد : أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : اشتكيت يا محمد ؟ قال : " نعم " . قال : باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من شر كل نفس وعين يشفيك ، باسم الله أرقيك . ورواه عن عفان ، عن عبد الوارث مثله . ورواه مسلم وأهل السنن - إلا أبا داود - من حديث عبد الوارث به . وقال الإمام أحمد أيضا : حدثنا عفان ، حدثنا وهيب ، حدثنا داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد - أو : جابر بن عبد الله ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشتكى ، فأتاه جبريل فقال : باسم الله أرقيك ، من كل شيء يؤذيك ، من كل حاسد وعين الله يشفيك . ورواه أيضا ، عن محمد بن عبد الرحمن الطفاوي ، عن داود ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد به . قال أبو زرعة الرازي : روى عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه ، عن عبد العزيز ، عن أبي نضرة ، وعن عبد العزيز ، عن أنس في معناه ، وكلاهما صحيح . حديث أبى هريرة : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ، أنبأنا معمر ، عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن العين حق " . أخرجاه من حديث عبد الرزاق . وقال ابن ماجه : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا إسماعيل بن علية ، عن الجريري ، عن مضارب بن حزن ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " العين حق " . تفرد به . ورواه أحمد ، عن إسماعيل بن علية ، عن سعيد الجريري به . وقال الإمام أحمد ، حدثنا ابن نمير ، حدثنا ثور - يعني ابن يزيد - عن مكحول ، عن أبي [ ص: 205 ] هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العين حق ، ويحضرها الشيطان ، وحسد ابن آدم " وقال أحمد : حدثنا خلف بن الوليد ، حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن قيس : سئل أبو هريرة : هل سمعت رسول الله يقول : الطيرة في ثلاث : في المسكن والفرس والمرأة ؟ قال : قلت : إذا أقول على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل ، ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " أصدق الطيرة الفأل ، والعين حق " . حديث أسماء بنت عميس : قال الإمام أحمد : حدثنا سفيان ، عن عمرو بن دينار ، عن عروة بن عامر ، عن عبيد بن رفاعة الزرقي قال : قالت أسماء : يا رسول الله ، إن بني جعفر تصيبهم العين ، أفأسترقي لهم ؟ قال : " نعم ، فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته العين " . وكذا رواه الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به ، ورواه الترمذي أيضا والنسائي من حديث عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أيوب ، عن عمرو بن دينار ، عن عروة بن عامر عن عبيد بن رفاعة ، عن أسماء بنت عميس ، به وقال الترمذي : حسن صحيح . حديث عائشة ، رضي الله عنها : قال ابن ماجه : حدثنا علي بن أبي الخصيب ، حدثنا وكيع ، عن سفيان ومسعر ، عن معبد بن خالد ، عن عبد الله بن شداد ، عن عائشة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تسترقي من العين . ورواه البخاري ، عن محمد بن كثير ، عن سفيان ، عن معبد بن خالد به . وأخرجه مسلم من حديث سفيان ومسعر كلاهما عن معبد به ثم قال ابن ماجه : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا أبو هشام المخزومي ، حدثنا وهيب ، عن أبي واقد ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، عن عائشة قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استعيذوا بالله فإن النفس حق " . تفرد به وقال أبو داود : حدثنا عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا جرير ، حدثنا الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة قالت : كان يؤمر العائن فيتوضأ ويغسل منه المعين . حديث سهل بن حنيف : قال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن محمد ، حدثنا أبو أويس ، حدثنا الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف : أن أباه حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج وساروا معه [ ص: 206 ] نحو مكة ، حتى إذا كانوا بشعب الخرار - من الجحفة - اغتسل سهل بن حنيف - وكان رجلا أبيض حسن الجسم والجلد - فنظر إليه عامر بن ربيعة أخو بني عدي بن كعب ، وهو يغتسل ، فقال : ما رأيت كاليوم ولا جلد مخبأة ، فلبط سهل ، فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : يا رسول الله ، هل لك في سهل . والله ما يرفع رأسه ولا يفيق . قال : " هل تتهمون فيه من أحد؟ " . قالوا : نظر إليه عامر بن ربيعة ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عامرا ، فتغيظ عليه ، وقال : " علام يقتل أحدكم أخاه ، هلا إذا رأيت ما يعجبك بركت؟ " ، ثم قال له : " اغتسل له " - فغسل وجهه ويديه ومرفقيه وركبتيه وأطراف رجليه وداخلة إزاره في قدح - ثم صب ذلك الماء عليه . يصبه رجل على رأسه وظهره من خلفه ، ثم يكفأ القدح وراءه ، ففعل ذلك ، فراح سهل مع الناس ، ليس به بأس . حديث عامر بن ربيعة : " قال الإمام أحمد في مسند عامر : حدثنا وكيع حدثنا أبي ، حدثنا عبد الله بن عيسى ، عن أمية بن هند بن سهل بن حنيف ، عن عبد الله بن عامر قال : انطلق عامر بن ربيعة وسهل بن حنيف يريدان الغسل ، قال : فانطلقا يلتمسان الخمر - قال : فوضع عامر جبة كانت عليه من صوف ، فنظرت إليه فأصبته بعيني فنزل الماء يغتسل . قال : فسمعت له في الماء فرقعة ، فأتيته فناديته ثلاثا فلم يجبني ، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته . قال : فجاء يمشي فخاض الماء كأني أنظر إلى بياض ساقيه ، قال : فضرب صدره بيده ثم قال : " اللهم اصرف عنه حرها وبردها ووصبها " . قال : فقام ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا رأى أحدكم من أخيه ، أو من نفسه أو من ماله ، ما يعجبه ، فليبرك ، فإن العين حق " . حديث جابر : قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : حدثنا محمد بن معمر ، حدثنا أبو داود ، حدثنا طالب بن حبيب بن عمرو بن سهل الأنصاري - ويقال له : ابن الضجيع ، ضجيع حمزة رضي الله عنه - حدثني عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثر من يموت من أمتي بعد كتاب الله وقضائه وقدره بالأنفس " . قال البزار : يعني العين . قال ولا نعلم يروى هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا بهذا الإسناد . قلت : بل قد روي من وجه آخر عن جابر ; قال الحافظ أبو عبد الرحمن محمد بن المنذر الهروي - المعروف بشكر - في كتاب العجائب ، وهو مشتمل على فوائد جليلة وغريبة : حدثنا الرهاوي ، حدثنا يعقوب بن محمد ، حدثنا علي بن أبي علي الهاشمي ، حدثنا محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " العين حق ، لتورد الرجل القبر ، والجمل القدر ، وإن أكثر هلاك أمتي في العين " . [ ص: 207 ] ثم رواه عن شعيب بن أيوب ، عن معاوية بن هشام ، عن سفيان ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " قد تدخل الرجل العين في القبر ، وتدخل الجمل القدر " . حديث عبد الله بن عمرو : " قال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا رشدين بن سعد ، عن الحسن بن ثوبان ، عن هشام بن أبي رقية ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا عدوى ولا طيرة ، ولا هامة ولا حسد ، والعين حق " . تفرد به أحمد . حديث عن علي : روى الحافظ ابن عساكر من طريق خيثمة بن سليمان الحافظ ، حدثنا عبيد بن محمد الكشوري ، حدثنا عبد الله بن عبد الله بن عبد ربه البصري ، عن أبي رجاء ، عن شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي ؛ أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فوافقه مغتما ، فقال : يا محمد ، ما هذا الغم الذي أراه في وجهك ؟ قال : " الحسن والحسين أصابتهما عين " . قال : صدق بالعين ، فإن العين حق ، أفلا عوذتهما بهؤلاء الكلمات ؟ قال : " وما هن يا جبريل ؟ " . قال : قل : اللهم ذا السلطان العظيم ، ذا المن القديم ، ذا الوجه الكريم ، ولي الكلمات التامات ، والدعوات المستجابات ، عاف الحسن والحسين من أنفس الجن ، وأعين الإنس ، فقالها النبي صلى الله عليه وسلم فقاما يلعبان بين يديه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عوذوا أنفسكم ونساءكم وأولادكم بهذا التعويذ ، فإنه لم يتعوذ المتعوذون بمثله " . قال الخطيب البغدادي : تفرد بروايته أبو رجاء محمد بن عبيد الله الحيطي من أهل تستر . ذكره ابن عساكر في ترجمة " طراد بن الحسين " ، من تاريخه . وقوله : ( ويقولون إنه لمجنون ) أي : يزدرونه بأعينهم ويؤذونه بألسنتهم ، ويقولون : ( إنه لمجنون ) أي : لمجيئه بالقرآن ، قال الله تعالى ( وما هو إلا ذكر للعالمين ) ![]()
__________________
|
|
#525
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة ن من صــ/ الى صــ / الحلقة (525) تفسير سورة الحاقة وهي مكية . بسم الله الرحمن الرحيم ( الحاقة ( 1 ) ما الحاقة ( 2 ) وما أدراك ما الحاقة ( 3 ) كذبت ثمود وعاد بالقارعة ( 4 ) فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ( 5 ) وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية ( 6 ) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ( 7 ) فهل ترى لهم من باقية ( 8 ) وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة ( 9 ) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ( 10 ) إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ( 11 ) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية ( 12 ) ) الحاقة من أسماء يوم القيامة ; لأن فيها يتحقق الوعد والوعيد ; ولهذا عظم تعالى أمرها فقال : ( وما أدراك ما الحاقة ) ؟ ثم ذكر تعالى إهلاكه الأمم المكذبين بها فقال تعالى : ( فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية ) وهي الصيحة التي أسكتتهم ، والزلزلة التي أسكنتهم . هكذا قال قتادة ، الطاغية : الصيحة . وهو اختيار ابن جرير . وقال مجاهد : الطاغية الذنوب . وكذا قال الربيع بن أنس وابن زيد : إنها الطغيان ، وقرأ ابن زيد : ( كذبت ثمود بطغواها ) [ الشمس : 11 ] . وقال السدي : ( فأهلكوا بالطاغية ) قال : يعني : عاقر الناقة . ( وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ) أي : باردة . قال قتادة والربيع والسدي والثوري : ( عاتية ) أي : شديدة الهبوب . قال قتادة : عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم . وقال الضحاك : ( صرصر ) باردة ) عاتية ) عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة . وقال علي وغيره : عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب . ( سخرها عليهم ) أي : سلطها عليهم ( سبع ليال وثمانية أيام حسوما ) أي : كوامل متتابعات مشائيم . [ ص: 209 ] قال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وعكرمة والثوري وغير واحد ) حسوما ) متتابعات . وعن عكرمة والربيع : مشائيم عليهم ، كقوله : ( في أيام نحسات ) [ فصلت : 16 ] قال الربيع : وكان أولها الجمعة . وقال غيره الأربعاء . ويقال : إنها التي تسميها الناس الأعجاز ; وكأن الناس أخذوا ذلك من قوله تعالى : ( فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية ) وقيل : لأنها تكون في عجز الشتاء ، ويقال : أيام العجوز ; لأن عجوزا من قوم عاد دخلت سربا فقتلها الريح في اليوم الثامن . حكاه البغوي والله أعلم . قال ابن عباس : ( خاوية ) خربة . وقال غيره : بالية ، أي : جعلت الريح تضرب بأحدهم الأرض فيخر ميتا على أم رأسه ، فينشدخ رأسه وتبقى جثته هامدة كأنها قائمة النخلة إذا خرت بلا أغصان . وقد ثبت في الصحيحين ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " نصرت بالصبا ، وأهلكت عاد بالدبور " . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن يحيى بن الضريس العبدي ، حدثنا ابن فضيل ، عن مسلم ، عن مجاهد ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما فتح الله على عاد من الريح التي أهلكوا فيها إلا مثل موضع الخاتم ، فمرت بأهل البادية فحملتهم ومواشيهم وأموالهم ، فجعلتهم بين السماء والأرض ، فلما رأى ذلك أهل الحاضرة الريح وما فيها قالوا : هذا عارض ممطرنا ، فألقت أهل البادية ومواشيهم على أهل الحاضرة " . وقال الثوري ، عن ليث ، عن مجاهد : الريح لها جناحان وذنب . ( فهل ترى لهم من باقية ) ؟ أي : هل تحس منهم من أحد من بقاياهم أنه ممن ينتسب إليهم ؟ بل بادوا عن آخرهم ولم يجعل الله لهم خلفا . ثم قال تعالى : ( وجاء فرعون ومن قبله ) قرئ بكسر القاف ، أي : ومن عنده في زمانه من أتباعه من كفار القبط . وقرأ آخرون بفتحها ، أي : ومن قبله من الأمم المشبهين له . وقوله : ( والمؤتفكات ) وهم المكذبون بالرسل . ) بالخاطئة ) أي بالفعلة الخاطئة ، وهي التكذيب بما أنزل الله . قال الربيع : ( بالخاطئة ) أي : بالمعصية وقال مجاهد : بالخطايا . [ ص: 210 ] ولهذا قال : تعالى ( فعصوا رسول ربهم ) وهذا جنس ، أي : كل كذب رسول الله إليهم . كما قال : ( كل كذب الرسل فحق وعيد ) [ ق : 14 ] . ومن كذب رسول الله فقد كذب بالجميع ، كما قال : ( كذبت قوم نوح المرسلين ) [ الشعراء : 105 ] ، ( كذبت عاد المرسلين ) [ الشعراء : 123 ] . ( كذبت ثمود المرسلين ) [ الشعراء : 141 ] وإنما جاء إلى كل أمة رسول واحد ; ولهذا قال ها هنا : ( فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية ) أي : عظيمة شديدة أليمة . قال مجاهد : ( رابية ) شديدة . وقال السدي : مهلكة . ثم قال الله تعالى : ( إنا لما طغى الماء ) أي : زاد على الحد بإذن الله وارتفع على الوجود . وقال ابن عباس وغيره : ( طغى الماء ) كثر - وذلك بسبب دعوة نوح عليه السلام ، على قومه حين كذبوه وخالفوه ، فعبدوا غير الله فاستجاب الله له وعم أهل الأرض بالطوفان إلا من كان مع نوح في السفينة ، فالناس كلهم من سلالة نوح وذريته . وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، عن أبي سنان سعيد بن سنان ، عن غير واحد ، عن علي بن أبي طالب قال : لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك ، فلما كان يوم نوح أذن للماء دون الخزان ، فطغى الماء على الخزان فخرج ، فذلك قول الله : ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ) ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك ، إلا يوم عاد ، فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت ، فذلك قوله : ( بريح صرصر عاتية ) عتت على الخزان . ولهذا قال تعالى ممتنا على الناس : ( إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية ) وهي السفينة الجارية على وجه الماء ، ( لنجعلها لكم تذكرة ) عاد الضمير على الجنس لدلالة المعنى عليه ، أي : وأبقينا لكم من جنسها ما تركبون على تيار الماء في البحار ، كما قال : ( وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه ) [ الزخرف : 12 ، 13 ] ، وقال تعالى : ( وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ) [ يس : 41 ، 42 ] . وقال قتادة : أبقى الله السفينة حتى أدركها أوائل هذه الأمة ، والأول أظهر ; ولهذا قال : ( وتعيها أذن واعية ) أي : وتفهم هذه النعمة ، وتذكرها أذن واعية . قال ابن عباس : حافظة سامعة ، وقال قتادة : ( أذن واعية ) عقلت عن الله فانتفعت بما سمعت من كتاب الله ، وقال الضحاك : ( وتعيها أذن واعية ) سمعتها أذن ووعت . أي : من له سمع صحيح وعقل رجيح . وهذا عام فيمن فهم ، ووعى . [ ص: 211 ] وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة الدمشقي ، حدثنا العباس بن الوليد بن صبح الدمشقي ، حدثنا زيد بن يحيى ، حدثنا علي بن حوشب ، سمعت مكحولا يقول : لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وتعيها أذن واعية ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " سألت ربي أن يجعلها أذن علي " . [ قال مكحول ] فكان علي يقول : ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط فنسيته . وهكذا رواه ابن جرير ، عن علي بن سهل ، عن الوليد بن مسلم ، عن علي بن حوشب ، عن مكحول به . وهو حديث مرسل . وقد قال ابن أبي حاتم أيضا : حدثنا جعفر بن محمد بن عامر ، حدثنا بشر بن آدم ، حدثنا عبد الله بن الزبير أبو محمد - يعني والد أبي أحمد الزبيري - حدثني صالح بن الهيثم ، سمعت بريدة الأسلمي يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي : " إني أمرت أن أدنيك ولا أقصيك ، وأن أعلمك وأن تعي ، وحق لك أن تعي " . قال : فنزلت هذه الآية ( وتعيها أذن واعية ) ورواه ابن جرير عن محمد بن خلف ، عن بشر بن آدم ، به ، ثم رواه ابن جرير من طريق آخر عن داود الأعمى ، عن بريدة ، به . ولا يصح أيضا . ( فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ( 13 ) وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ( 14 ) فيومئذ وقعت الواقعة ( 15 ) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ( 16 ) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ( 17 ) يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ( 18 ) ) يقول تعالى مخبرا عن أهوال يوم القيامة ، وأول ذلك نفخة الفزع ، ثم يعقبها نفخة الصعق حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ، ثم بعدها نفخة القيام لرب العالمين ، والبعث والنشور ، وهي هذه النفخة . وقد أكدها هاهنا بأنها واحدة ، لأن أمر الله لا يخالف ولا يمانع ، ولا يحتاج إلى تكرار وتأكيد . وقال الربيع : هي النفخة الأخيرة . والظاهر ما قلناه ; ولهذا قال هاهنا : ( وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة ) أي : فمدت مد الأديم العكاظي ، وتبدلت الأرض غير الأرض ، ( فيومئذ وقعت الواقعة ) أي : قامت القيامة . ( وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ) قال سماك عن شيخ من بني أسد ، عن علي قال : تنشق السماء من المجرة . رواه ابن أبي حاتم . وقال ابن جريج : هي كقوله : ( وفتحت السماء فكانت أبوابا ) [ النبأ : 19 ] . [ ص: 212 ] وقال ابن عباس : منخرقة ، والعرش بحذائها . ( والملك على أرجائها ) الملك : اسم جنس ، أي : الملائكة على أرجاء السماء . قال ابن عباس : على ما لم يه منها ، أي : حافتها . وكذا قال سعيد بن جبير ، والأوزاعي . وقال الضحاك : أطرافها . وقال الحسن البصري : أبوابها . وقال الربيع بن أنس في قوله : ( والملك على أرجائها ) يقول : على ما استدق من السماء ، ينظرون إلى أهل الأرض . وقوله : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) أي : يوم القيامة يحمل العرش ثمانية من الملائكة . ويحتمل أن يكون المراد بهذا العرش العرش العظيم ، أو : العرش الذي يوضع في الأرض يوم القيامة لفصل القضاء ، والله أعلم بالصواب . وفي حديث عبد الله بن عميرة ، عن الأحنف بن قيس ، عن العباس بن عبد المطلب في ذكر حملة العرش أنهم ثمانية أوعال . وقال ابن أبى حاتم : حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد ، حدثنا زيد بن الحباب ، حدثني أبو السمح البصري ، حدثنا أبو قبيل حيي بن هانئ : أنه سمع عبد الله بن عمرو يقول : حملة العرش ثمانية ، ما بين موق أحدهم إلى مؤخر عينه مسيرة مائة عام . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي قال : كتب إلي أحمد بن حفص بن عبد الله النيسابوري : حدثني أبي ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أذن لي أن أحدثكم عن ملك من حملة العرش : بعد ما بين شحمة أذنه وعنقه بخفق الطير سبعمائة عام " . وهذا إسناد جيد ، رجاله ثقات . وقد رواه أبو داود في كتاب " السنة " من سننه : حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله ، حدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن طهمان ، عن موسى بن عقبة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش : أن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسير سبعمائة عام " . هذا لفظ أبي داود . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، حدثنا يحيى بن المغيرة ، حدثنا جرير ، عن أشعث ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ) قال : ثمانية صفوف من الملائكة . قال : وروي عن الشعبي [ وعكرمة ] والضحاك . وابن جريج مثل ذلك . وكذا روى السدي ، عن أبي مالك ، عن ابن عباس : ثمانية صفوف . وكذا روى العوفي عنه . وقال الضحاك ، عن ابن عباس : الكروبيون ثمانية أجزاء ، كل جنس منهم بقدر الإنس والجن والشياطين والملائكة . وقوله : أي تعرضون على عالم السر والنجوى الذي [ ص: 213 ] لا يخفى عليه شيء من أموركم ، بل هو عالم بالظواهر والسرائر والضمائر ; ولهذا قال : ( لا تخفى منكم خافية ) وقد قال ابن أبي الدنيا : أخبرنا إسحاق بن إسماعيل ، أخبرنا سفيان بن عيينة ، عن جعفر بن برقان ، عن ثابت بن الحجاج قال : قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوا أنفسكم قبل أن توزنوا ، فإنه أخف عليكم في الحساب غدا أن تحاسبوا أنفسكم اليوم ، وتزينوا للعرض الأكبر : ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية ) . وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، حدثنا علي بن علي بن رفاعة ، عن الحسن ، عن أبي موسى قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات ، فأما عرضتان فجدال ومعاذير ، وأما الثالثة فعند ذلك تطير الصحف في الأيدي ، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله " . ورواه ابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع به ، وقد رواه الترمذي ، عن أبي كريب ، عن وكيع ، عن علي بن علي ، عن الحسن ، عن أبي هريرة به . وقد روى ابن جرير ، عن مجاهد بن موسى ، عن يزيد ، عن سليمان بن حيان ، عن مروان الأصغر ، عن أبي وائل ، عن عبد الله قال : يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات : عرضتان ، معاذير وخصومات ، والعرضة الثالثة تطير الصحف في الأيدي . ورواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة مرسلا مثله . ( فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرءوا كتابيه ( 19 ) إني ظننت أني ملاق حسابيه ( 20 ) فهو في عيشة راضية ( 21 ) في جنة عالية ( 22 ) قطوفها دانية ( 23 ) كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ( 24 ) ) يخبر تعالى عن سعادة من أوتي كتابه يوم القيامة بيمينه ، وفرحه بذلك ، وأنه من شدة فرحه يقول لكل من لقيه : ( هاؤم اقرءوا كتابيه ) أي : خذوا اقرؤوا كتابيه ; لأنه يعلم أن الذي فيه خير وحسنات محضة ; لأنه ممن بدل الله سيئاته حسنات . قال عبد الرحمن بن زيد : معنى : ( هاؤم اقرءوا كتابيه ) أي : ها اقرؤوا كتابيه ، و " ؤم " زائدة . كذا قال ، والظاهر أنها بمعنى : هاكم . وقد قال ابن أبى حاتم حدثنا : بشر بن مطر الواسطي ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا [ ص: 214 ] عاصم الأحول عن أبي عثمان قال : المؤمن يعطى كتابه [ بيمينه ] في ستر من الله ، فيقرأ سيئاته ، فكلما قرأ سيئة تغير لونه حتى يمر بحسناته فيقرؤها ، فيرجع إليه لونه . ثم ينظر فإذا سيئاته قد بدلت حسنات ، قال : فعند ذلك يقول : ( هاؤم اقرءوا كتابيه ) وحدثنا أبي ، حدثنا إبراهيم بن الوليد بن سلمة ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا موسى بن عبيدة ، أخبرني عبد الله بن عبد الله بن حنظلة - غسيل الملائكة - قال : إن الله يقف عبده يوم القيامة فيبدي سيئاته في ظهر صحيفته ، فيقول له : أنت عملت هذا ؟ فيقول : نعم أي رب ، فيقول له : إني لم أفضحك به ، وإني قد غفرت لك ، فيقول عند ذلك : ( هاؤم اقرءوا كتابيه إني ظننت أني ملاق حسابيه ) حين نجا من فضحه يوم القيامة . وقد تقدم في الصحيح حديث ابن عمر حين سئل عن النجوى ، فقال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " يدني الله العبد يوم القيامة ، فيقرره بذنوبه كلها ، حتى إذا رأى أنه قد هلك قال الله : إني سترتها عليك في الدنيا ، وأنا أغفرها لك اليوم . ثم يعطى كتاب حسناته بيمينه ، وأما الكافر والمنافق فيقول الأشهاد : ( هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) [ هود : 18 ] . وقوله : ( إني ظننت أني ملاق حسابيه ) أي : قد كنت موقنا في الدنيا أن هذا اليوم كائن لا محالة ، كما قال : ( الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم ) [ البقرة : 46 ] . قال الله : ( فهو في عيشة راضية ) أي : مرضية ، ( في جنة عالية ) أي : رفيعة قصورها ، حسان حورها ، نعيمة دورها ، دائم حبورها . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو عتبة الحسن بن علي بن مسلم السكوني ، حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن سعيد بن يوسف ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلام الأسود قال : سمعت أبا أمامة قال : سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل يتزاور أهل الجنة ؟ قال : " نعم ، إنه ليهبط أهل الدرجة العليا إلى أهل الدرجة السفلى ، فيحيونهم ويسلمون عليهم ، ولا يستطيع أهل الدرجة السفلى يصعدون إلى الأعلين ، تقصر بهم أعمالهم " وقد ثبت في الصحيح : " إن الجنة مائة درجة ، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " . وقوله : ( قطوفها دانية ) قال البراء بن عازب : أي قريبة ، يتناولها أحدهم ، وهو نائم على سريره . وكذا قال غير واحد . قال الطبراني : [ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الدبري ] عن عبد الرزاق ، عن سفيان الثوري [ ص: 215 ] عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم ، عن عطاء بن يسار ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا يدخل أحد الجنة إلا بجواز : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) هذا كتاب من الله لفلان بن فلان ، أدخلوه جنة عالية ، قطوفها دانية " . وكذا رواه الضياء في صفة الجنة من طريق سعدان بن سعيد ، عن سليمان التيمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : يعطى المؤمن جوازا على الصراط : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) ، هذا كتاب من الله العزيز الحكيم لفلان ، أدخلوه جنة عالية ، قطوفها دانية " . وقوله : ( كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية ) أي : يقال لهم ذلك ; تفضلا عليهم ، وامتنانا وإنعاما وإحسانا . وإلا فقد ثبت في الصحيح ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اعملوا وسددوا وقاربوا واعلموا أن أحدا منكم لن يدخله عمله الجنة " . قالوا : ولا أنت يا رسول الله ؟ قال : " ولا أنا ، إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل " . ![]()
__________________
|
|
#526
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة الحاقة من صــ/ الى صــ / الحلقة (526) ( وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ( 25 ) ولم أدر ما حسابيه ( 26 ) يا ليتها كانت القاضية ( 27 ) ما أغنى عني ماليه ( 28 ) هلك عني سلطانيه ( 29 ) خذوه فغلوه ( 30 ) ثم الجحيم صلوه ( 31 ) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ( 32 ) إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ( 33 ) ولا يحض على طعام المسكين ( 34 ) ) ( فليس له اليوم ها هنا حميم ( 35 ) ولا طعام إلا من غسلين ( 36 ) لا يأكله إلا الخاطئون ( 37 ) ) وهذا إخبار عن حال الأشقياء إذا أعطي أحدهم كتابه في العرصات بشماله ، فحينئذ يندم غاية الندم ، فيقول : ( فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه يا ليتها كانت القاضية ) قال الضحاك : يعني موتة لا حياة بعدها . وكذا قال محمد بن كعب والربيع والسدي . وقال قتادة : تمنى الموت ، ولم يكن شيء في الدنيا أكره إليه منه . ( ما أغنى عني ماليه هلك عني سلطانيه ) أي : لم يدفع عني مالي ولا جاهي عذاب الله وبأسه ، بل خلص الأمر إلي وحدي ، فلا معين لي ولا مجير ، فعندها يقول الله ، عز وجل : ( خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ) [ ص: 216 ] أي : يأمر الزبانية أن تأخذه عنفا من المحشر ، فتغله ، أي : تضع الأغلال في عنقه ، ثم تورده إلى جهنم فتصليه إياها ، أي : تغمره فيها . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد الأشج ، حدثنا أبو خالد ، عن عمرو بن قيس عن المنهال بن عمرو قال : إذا قال الله عز وجل ) خذوه ) ابتدره سبعون ألف ملك ، إن الملك منهم ليقول هكذا ، فيلقي سبعين ألفا في النار . وروى ابن أبي الدنيا في " الأهوال " : أنه يبتدره أربعمائة ألف ، ولا يبقى شيء إلا دقه ، فيقول : ما لي ولك ؟ فيقول : إن الرب عليك غضبان ، فكل شيء غضبان عليك . وقال الفضيل - هو ابن عياض - : إذا قال الرب عز وجل : ( خذوه فغلوه ) ابتدره سبعون ألف ملك ، أيهم يجعل الغل في عنقه . ( ثم الجحيم صلوه ) أي : اغمروه فيها . وقوله : ( ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه ) قال كعب الأحبار : كل حلقة منها قدر حديد الدنيا . وقال العوفي ، عن ابن عباس وابن جرير : بذراع الملك . وقال ابن جريج قال ابن عباس : ( فاسلكوه ) تدخل في استه ثم تخرج من فيه ، ثم ينظمون فيها كما ينظم الجراد في العود حين يشوى . وقال العوفي ، عن ابن عباس : يسلك في دبره حتى يخرج من منخريه ، حتى لا يقوم على رجليه . وقال الإمام أحمد : حدثنا علي بن إسحاق ، أخبرنا عبد الله ، أخبرنا سعيد بن يزيد ، عن أبي السمح ، عن عيسى بن هلال الصدفي ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو أن رصاصة مثل هذه - وأشار إلى [ مثل ] جمجمة - أرسلت من السماء إلى الأرض ، وهي مسيرة خمسمائة سنة ، لبلغت الأرض قبل الليل ، ولو أنها أرسلت من رأس السلسلة ، لسارت أربعين خريفا الليل والنهار ، قبل أن تبلغ قعرها أو أصلها " . وأخرجه الترمذي ، عن سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك به قال : هذا حديث حسن . وقوله : ( إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ولا يحض على طعام المسكين ) أي : لا يقوم بحق الله عليه من طاعته وعبادته ، ولا ينفع خلقه ويؤدي حقهم ; فإن لله على العباد أن يوحدوه ولا يشركوا به شيئا ، وللعباد بعضهم على بعض حق الإحسان والمعاونة على البر والتقوى ; ولهذا أمر الله بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، وقبض النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول : " الصلاة ، وما ملكت أيمانكم " . [ ص: 217 ] وقوله : ( فليس له اليوم ها هنا حميم ولا طعام إلا من غسلين لا يأكله إلا الخاطئون ) أي : ليس له اليوم من ينقذه من عذاب الله ، لا حميم - وهو القريب - ولا شفيع يطاع ، ولا طعام له ها هنا إلا من غسلين . قال قتادة : هو شر طعام أهل النار . وقال الربيع والضحاك : هو شجرة في جهنم . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا منصور بن مزاحم ، حدثنا أبو سعيد المؤدب ، عن خصيف ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قال : ما أدري ما الغسلين ، ولكني أظنه الزقوم . وقال شبيب بن بشر ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : الغسلين : الدم والماء يسيل من لحومهم . وقال علي بن أبي طلحة عنه : الغسلين : صديد أهل النار . ( فلا أقسم بما تبصرون ( 38 ) وما لا تبصرون ( 39 ) إنه لقول رسول كريم ( 40 ) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ( 41 ) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ( 42 ) تنزيل من رب العالمين ( 43 ) ) يقول تعالى مقسما لخلقه بما يشاهدونه من آياته في مخلوقاته الدالة على كماله في أسمائه وصفاته ، وما غاب عنهم مما لا يشاهدونه من المغيبات عنهم : إن القرآن كلامه ووحيه وتنزيله على عبده ورسوله ، الذي اصطفاه لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة ، فقال : ( فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون إنه لقول رسول كريم ) يعني : محمدا أضافه إليه على معنى التبليغ ; لأن الرسول من شأنه أن يبلغ عن المرسل ; ولهذا أضافه في سورة التكوير إلى الرسول الملكي : ( إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين ) وهذا جبريل ، عليه السلام . ثم قال : ( وما صاحبكم بمجنون ) يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم ( ولقد رآه بالأفق المبين ) يعني : أن محمدا رأى جبريل على صورته التي خلقه الله عليها ، ( وما هو على الغيب بضنين ) أي : بمتهم ( وما هو بقول شيطان رجيم ) [ التكوير : 19 - 25 ] ، وهكذا قال هاهنا : ( وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون ) ، فأضافه تارة إلى قول الرسول الملكي ، وتارة إلى الرسول البشري ; لأن كلا منهما مبلغ عن الله ما استأمنه عليه من وحيه وكلامه ; ولهذا قال : ( تنزيل من رب العالمين ) قال الإمام أحمد : حدثنا ابن المغيرة ، حدثنا صفوان ، حدثنا شريح بن عبيد الله قال : قال عمر بن الخطاب : خرجت أتعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أسلم ، فوجدته قد سبقني إلى المسجد ، فقمت خلفه ، فاستفتح سورة الحاقة ، فجعلت أعجب من تأليف القرآن ، قال : فقلت : هذا والله شاعر كما قالت قريش . قال : فقرأ : ( إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون ) قال : فقلت : كاهن . قال فقرأ : ( ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون تنزيل من رب العالمين ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين فما منكم من أحد عنه حاجزين ) [ ص: 218 ] إلى آخر السورة . قال : فوقع الإسلام في قلبي كل موقع . فهذا من جملة الأسباب التي جعلها الله تعالى مؤثرة في هداية عمر بن الخطاب ، كما أوردنا كيفية إسلامه في سيرته المفردة ، ولله الحمد . ( ولو تقول علينا بعض الأقاويل ( 44 ) لأخذنا منه باليمين ( 45 ) ثم لقطعنا منه الوتين ( 46 ) فما منكم من أحد عنه حاجزين ( 47 ) وإنه لتذكرة للمتقين ( 48 ) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ( 49 ) وإنه لحسرة على الكافرين ( 50 ) وإنه لحق اليقين ( 51 ) فسبح باسم ربك العظيم ( 52 ) ) يقول تعالى : ( ولو تقول علينا ) أي : محمد صلى الله عليه وسلم لو كان كما يزعمون مفتريا علينا ، فزاد في الرسالة أو نقص منها ، أو قال شيئا من عنده فنسبه إلينا ، وليس كذلك ، لعاجلناه بالعقوبة . ولهذا قال ( لأخذنا منه باليمين ) قيل : معناه لانتقمنا منه باليمين ; لأنها أشد في البطش ، وقيل : لأخذنا منه بيمينه . ( ثم لقطعنا منه الوتين ) قال ابن عباس : وهو نياط القلب ، وهو العرق الذي القلب معلق فيه . وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحكم وقتادة والضحاك ومسلم البطين وأبو صخر حميد بن زياد . وقال محمد بن كعب : هو القلب ومراقه وما يليه . وقوله : ( فما منكم من أحد عنه حاجزين ) أي : فما يقدر أحد منكم على أن يحجز بيننا وبينه إذا أردنا به شيئا من ذلك . والمعنى في هذا بل هو صادق بار راشد ; لأن الله ، عز وجل ، مقرر له ما يبلغه عنه ، ومؤيد له بالمعجزات الباهرات والدلالات القاطعات . ثم قال : ( وإنه لتذكرة للمتقين ) يعني : القرآن كما قال : ( قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى ) [ فصلت : 44 ] . ثم قال ( وإنا لنعلم أن منكم مكذبين ) أي : مع هذا البيان والوضوح ، سيوجد منكم من يكذب بالقرآن . ثم قال : ( وإنه لحسرة على الكافرين ) قال ابن جرير : وإن التكذيب لحسرة على الكافرين يوم القيامة وحكاه عن قتادة بمثله . [ ص: 219 ] وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي ، عن أبي مالك : ( وإنه لحسرة على الكافرين ) يقول : لندامة . ويحتمل عود الضمير على القرآن ، أي : وإن القرآن والإيمان به لحسرة في نفس الأمر على الكافرين ، كما قال : ( كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به ) [ الشعراء : 200 ، 201 ] ، وقال تعالى : ( وحيل بينهم وبين ما يشتهون ) [ سبأ : 54 ] ولهذا قال هاهنا : ( وإنه لحق اليقين ) أي : الخبر الصدق الحق الذي لا مرية فيه ولا شك ولا ريب . ثم قال : ( فسبح باسم ربك العظيم ) أي : الذي أنزل هذا القرآن العظيم . [ آخر تفسير سورة " الحاقة " ، ولله الحمد ]
__________________
|
|
#527
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة سأل سائل من صــ/ الى صــ / الحلقة (527) تفسير سورة سأل سائل وهي مكية . بسم الله الرحمن الرحيم ( سأل سائل بعذاب واقع ( 1 ) للكافرين ليس له دافع ( 2 ) من الله ذي المعارج ( 3 ) تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ( 4 ) فاصبر صبرا جميلا ( 5 ) إنهم يرونه بعيدا ( 6 ) ونراه قريبا ( 7 ) ) ( سأل سائل بعذاب واقع ) فيه تضمين دل عليه حرف " الباء " ، كأنه مقدر : يستعجل سائل بعذاب واقع . كقوله : ( ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده ) أي : وعذابه واقع لا محالة . قال النسائي : حدثنا بشر بن خالد ، حدثنا أبو أسامة ، حدثنا سفيان ، عن الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( سأل سائل بعذاب واقع ) قال : النضر بن الحارث بن كلدة . وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( سأل سائل بعذاب واقع ) قال : ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله وهو واقع . وقال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد في قوله : تعالى ) سأل سائل ) دعا داع بعذاب واقع يقع في الآخرة ، قال : وهو قولهم : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) [ الأنفال : 32 ] . وقال ابن زيد وغيره : ( سأل سائل بعذاب واقع ) أي : واد في جهنم ، يسيل يوم القيامة بالعذاب . وهذا القول ضعيف ، بعيد عن المراد . والصحيح الأول لدلالة السياق عليه . وقوله : ( واقع للكافرين ) أي : مرصد معد للكافرين . وقال ابن عباس : ( واقع ) جاء ) ليس له دافع ) أي : لا دافع له إذا أراد الله كونه ; ولهذا قال ) من الله ذي المعارج ) قال الثوري ، عن الأعمش عن رجل ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس في قوله : ( ذي المعارج ) قال : ذو الدرجات . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : ( ذي المعارج ) يعني : العلو والفواضل . وقال مجاهد : ( ذي المعارج ) معارج السماء . وقال قتادة : ذي الفواضل والنعم . [ ص: 221 ] وقوله : ( تعرج الملائكة والروح إليه ) قال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( تعرج ) تصعد . وأما الروح ، فقال أبو صالح : هم خلق من خلق الله . يشبهون الناس ، وليسوا أناسا . قلت : ويحتمل أن يكون المراد به جبريل ، ويكون من باب عطف الخاص على العام . ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم ، فإنها إذا قبضت يصعد بها إلى السماء ، كما دل عليه حديث البراء . وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال ، عن زاذان ، عن البراء مرفوعا - الحديث بطوله في قبض الروح الطيبة - قال فيه : " فلا يزال يصعد بها من سماء إلى سماء حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة " . والله أعلم بصحته ، فقد تكلم في بعض رواته ، ولكنه مشهور ، وله شاهد في حديث أبي هريرة فيما تقدم من رواية الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه من طريق ابن أبي ذئب ، عن محمد بن عمرو بن عطاء ، عن سعيد بن يسار عنه ، وهذا إسناد رجاله على شرط الجماعة ، وقد بسطنا لفظه عند قوله تعالى : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء ) [ إبراهيم : 27 ] . وقوله : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) فيه أربعة أقوال : أحدهما : أن المراد بذلك مسافة ما بين العرش العظيم إلى أسفل السافلين ، وهو قرار الأرض السابعة ، وذلك مسيرة خمسين ألف سنة ، هذا ارتفاع العرش عن المركز الذي في وسط الأرض السابعة . وذلك اتساع العرش من قطر إلى قطر مسيرة خمسين ألف سنة ، وأنه من ياقوتة حمراء ، كما ذكره ابن أبي شيبة في كتاب صفة العرش . وقد قال ابن أبي حاتم عند هذه الآية : حدثنا أحمد بن سلمة ، حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، أخبرنا حكام ، عن عمر بن معروف ، عن ليث ، عن مجاهد ، عن ابن عباس قوله : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) قال : منتهى أمره من أسفل الأرضين إلى منتهى أمره من فوق السماوات مقدار خمسين ألف سنة ، ويوم كان مقداره ألف سنة : يعني بذلك : تنزل الأمر من السماء إلى الأرض ، ومن الأرض إلى السماء في يوم واحد فذلك مقداره ألف سنة ; لأن ما بين السماء والأرض مقدار مسيرة خمسمائة سنة . وقد رواه ابن جرير ، عن ابن حميد ، عن حكام بن سلم ، عن عمر بن معروف ، عن ليث ، عن مجاهد قوله ، لم يذكر ابن عباس . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا علي بن محمد الطنافسي ، حدثنا إسحاق بن منصور ، حدثنا نوح المؤدب ، عن عبد الوهاب بن مجاهد ، عن أبيه ، عن ابن عباس قال : غلظ كل أرض خمسمائة عام ، وبين كل أرض إلى أرض خمسمائة عام ، فذلك سبعة آلاف عام . وغلظ كل سماء [ ص: 222 ] خمسمائة عام ، وبين السماء إلى السماء خمسمائة عام ، فذلك أربعة عشر ألف عام ، وبين السماء السابعة وبين العرش مسيرة ستة وثلاثين ألف عام ، فذلك قوله : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) القول الثاني : أن المراد بذلك مدة بقاء الدنيا منذ خلق الله هذا العالم إلى قيام الساعة ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة ، أخبرنا إبراهيم بن موسى ، أخبرنا ابن أبي زائدة ، عن ابن جريج ، عن مجاهد : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) قال : الدنيا عمرها خمسون ألف سنة . وذلك عمرها يوم سماها الله تعالى يوم ، ( تعرج الملائكة والروح إليه في يوم ) قال : اليوم : الدنيا . وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد - وعن الحكم بن أبان ، عن عكرمة : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) قال : الدنيا من أولها إلى آخرها مقدار خمسين ألف سنة ، لا يدري أحد كم مضى ، ولا كم بقي إلا الله ، عز وجل . القول الثالث : أنه اليوم الفاصل بين الدنيا والآخرة ، وهو قول غريب جدا . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا بهلول بن المورق ، حدثنا موسى بن عبيدة أخبرني محمد بن كعب : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) قال : هو يوم الفصل بين الدنيا والآخرة . القول الرابع : أن المراد بذلك يوم القيامة ، قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان الواسطي ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) قال : يوم القيامة . هذا وإسناده صحيح . ورواه الثوري ، عن سماك بن حرب ، عن عكرمة ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) يوم القيامة . وكذا قال الضحاك وابن زيد . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله : ( تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) قال : فهذا يوم القيامة ، جعله الله تعالى على الكافرين مقدار خمسين ألف سنة . وقد وردت أحاديث في معنى ذلك ، قال الإمام أحمد : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا دراج ، عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد قال : قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) ما أطول هذا اليوم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " والذي نفسي بيده ، إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " . [ ص: 223 ] ورواه ابن جرير ، عن يونس ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن دراج به ، إلا أن دراجا وشيخه ضعيفان ، والله أعلم . وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر ، حدثنا شعبة ، عن قتادة عن أبي عمرو الغداني قال : كنت عند أبي هريرة فمر رجل من بني عامر بن صعصعة فقيل له : هذا أكثر عامري مالا ، فقال أبو هريرة : ردوه فقال : نبئت أنك ذو مال كثير ؟ فقال العامري : إي والله ، إن لي لمائة حمرا ومائة أدما ، حتى عد من ألوان الإبل ، وأفنان الرقيق ، ورباط الخيل ، فقال أبو هريرة : إياك وأخفاف الإبل وأظلاف النعم - يردد ذلك عليه ، حتى جعل لون العامري يتغير - فقال : ما ذاك يا أبا هريرة ؟ قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من كانت له إبل لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها - قلنا : يا رسول الله : ما نجدتها ورسلها ؟ قال : " في عسرها ويسرها - " فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره ، حتى يبطح لها بقاع قرقر ، فتطؤه بأخفافها ، فإذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله ، وإذا كانت له بقر لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها ، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأكثره وأسمنه وآشره ، حتى يبطح لها بقاع قرقر ، فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها ، وتنطحه كل ذات قرن بقرنها ، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضى بين الناس فيرى سبيله . وإذا كانت له غنم لا يعطي حقها في نجدتها ورسلها ، فإنها تأتي يوم القيامة كأغذ ما كانت وأسمنه وآشره ، حتى يبطح لها بقاع قرقر ، فتطؤه كل ذات ظلف بظلفها وتنطحه كل ذات قرن بقرنها ، ليس فيها عقصاء ولا عضباء ، إذا جاوزته أخراها أعيدت عليه أولاها ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ، حتى يقضى بين الناس ، فيرى سبيله " . قال العامري : وما حق الإبل يا أبا هريرة ؟ قال : أن تعطي الكريمة ، وتمنح الغزيرة ، وتفقر الظهر ، وتسقي اللبن وتطرق الفحل . وقد رواه أبو داود من حديث شعبة والنسائي من حديث سعيد بن أبي عروبة كلاهما عن قتادة به . طريق أخرى لهذا الحديث : قال الإمام أحمد : حدثنا أبو كامل ، عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما من صاحب كنز لا يؤدي حقه إلا جعل صفائح يحمى عليها في نار جهنم ، فتكوى بها جبهته وجنبه وظهره ، حتى يحكم الله بين عباده في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ، ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار " . وذكر بقية الحديث في الغنم والإبل كما تقدم ، وفيه : " الخيل لثلاثة ; لرجل أجر ، ولرجل ستر ، وعلى [ ص: 224 ] رجل وزر " إلى آخره . ورواه مسلم في صحيحه بتمامه منفردا به دون البخاري من حديث سهيل عن أبيه ، عن أبي هريرة وموضع استقصاء طرقه وألفاظه في كتاب الزكاة في " الأحكام " ، والغرض من إيراده هاهنا قوله : " حتى يحكم الله بين عباده ، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة " . وقد روى ابن جرير ، عن يعقوب ، عن ابن علية وعبد الوهاب ، عن أيوب ، عن ابن أبي مليكة قال : سأل رجل ابن عباس عن قوله : ( في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) قال : فاتهمه ، فقيل له فيه ، فقال : ما يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ؟ فقال : إنما سألتك لتحدثني . قال : هما يومان ذكرهما الله ، الله أعلم بهما ، وأكره أن أقول في كتاب الله بما لا أعلم . وقوله : ( فاصبر صبرا جميلا ) أي : اصبر يا محمد على تكذيب قومك لك ، واستعجالهم العذاب استبعادا لوقوعه ، كقوله : ( يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ) [ الشورى : 18 ] قال : ( إنهم يرونه بعيدا ) أي : وقوع العذاب وقيام الساعة يراه الكفرة بعيد الوقوع ، بمعنى مستحيل الوقوع ، ( ونراه قريبا ) أي : المؤمنون يعتقدون كونه قريبا ، وإن كان له أمد لا يعلمه إلا الله ، عز وجل ، لكن كل ما هو آت فهو قريب وواقع لا محالة . ( يوم تكون السماء كالمهل ( 8 ) وتكون الجبال كالعهن ( 9 ) ولا يسأل حميم حميما ( 10 ) ) ( يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه ( 11 ) وصاحبته وأخيه ( 12 ) وفصيلته التي تؤويه ( 13 ) ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه ( 14 ) كلا إنها لظى ( 15 ) نزاعة للشوى ( 16 ) تدعو من أدبر وتولى ( 17 ) وجمع فأوعى ( 18 ) ) يقول تعالى : العذاب واقع بالكافرين ( يوم تكون السماء كالمهل ) قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وغير واحد ، كدردي الزيت ، ( وتكون الجبال كالعهن ) أي : كالصوف المنفوش ، قاله مجاهد وقتادة والسدي . وهذه الآية كقوله تعالى : ( وتكون الجبال كالعهن المنفوش ) [ القارعة : 5 ] . وقوله : ( ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم ) أي : لا يسأل القريب عن حاله ، وهو يراه في أسوأ الأحوال ، فتشغله نفسه عن غيره . قال العوفي ، عن ابن عباس : يعرف بعضهم بعضا ، ويتعارفون بينهم ، ثم يفر بعضهم من بعض [ ص: 225 ] بعد ذلك ، يقول : ( لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) وهذه الآية الكريمة كقوله : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق ) [ لقمان : 33 ] . وكقوله : ( وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى ) [ فاطر : 18 ] . وكقوله : ( فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ) [ المؤمنون : 101 ] . وكقوله : ( يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ) [ عبس : 34 - 37 ] . وقوله : ( يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه كلا ) أي : لا يقبل منه فداء ولو جاء بأهل الأرض ، وبأعز ما يجده من المال ، ولو بملء الأرض ذهبا ، أو من ولده الذي كان في الدنيا حشاشة كبده ، يود يوم القيامة إذا رأى الأهوال أن يفتدي من عذاب الله به ، ولا يقبل منه . قال مجاهد والسدي : ( فصيلته ) قبيلته وعشيرته . وقال عكرمة : فخذه الذي هو منهم . وقال أشهب ، عن مالك : ( فصيلته ) أمه . وقوله : ( إنها لظى ) يصف النار وشدة حرها ) نزاعة للشوى ) قال ابن عباس ومجاهد : جلدة الرأس . وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( نزاعة للشوى ) الجلود والهام . وقال مجاهد : ما دون العظم من اللحم . وقال سعيد بن جبير : العصب ، والعقب . وقال أبو صالح : ( نزاعة للشوى ) يعني : أطراف اليدين والرجلين . وقال أيضا : نزاعة لحم الساقين . وقال الحسن البصري وثابت البناني : ( نزاعة للشوى ) أي : مكارم وجهه . وقال الحسن أيضا : تحرق كل شيء فيه ، ويبقى فؤاده يصيح . وقال قتادة : ( نزاعة للشوى ) أي : نزاعة لهامته ومكارم وجهه وخلقه وأطرافه . وقال الضحاك : تبري اللحم والجلد عن العظم ، حتى لا تترك منه شيئا . وقال ابن زيد : الشوى : الآراب العظام ، فقوله : نزاعة ، قال : تقطع عظامهم ، ثم يجدد خلقهم وتبدل جلودهم . وقوله : ( تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى ) أي : تدعو النار إليها أبناءها الذين خلقهم الله لها ، وقدر لهم أنهم في الدار الدنيا يعملون عملها ، فتدعوهم يوم القيامة بلسان طلق ذلق ، ثم تلتقطهم من بين أهل المحشر كما يلتقط الطير الحب . وذلك أنهم - كما قال الله ، عز وجل - كانوا ممن ) أدبر وتولى ) أي : كذب بقلبه ، وترك العمل بجوارحه ) وجمع فأوعى ) أي : جمع المال بعضه على بعض فأوعاه ، أي : أوكاه ومنع حق الله منه من الواجب عليه في النفقات ومن إخراج الزكاة . وقد ورد في الحديث : " ولا توعي فيوعي الله عليك " وكان عبد الله بن عكيم لا يربط له كيسا ويقول : سمعت الله يقول : ( وجمع فأوعى ) وقال الحسن البصري : يا ابن آدم سمعت وعيد الله ثم أوعيت الدنيا . وقال قتادة في قوله : ( وجمع فأوعى ) قال : كان جموعا قموما للخبيث . ![]()
__________________
|
|
#528
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة نوح من صــ/ الى صــ / الحلقة (528) [ ص: 226 ] ( إن الإنسان خلق هلوعا ( 19 ) إذا مسه الشر جزوعا ( 20 ) وإذا مسه الخير منوعا ( 21 ) إلا المصلين ( 22 ) الذين هم على صلاتهم دائمون ( 23 ) والذين في أموالهم حق معلوم ( 24 ) للسائل والمحروم ( 25 ) والذين يصدقون بيوم الدين ( 26 ) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ( 27 ) إن عذاب ربهم غير مأمون ( 28 ) والذين هم لفروجهم حافظون ( 29 ) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ( 30 ) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ( 31 ) والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ( 32 ) والذين هم بشهاداتهم قائمون ( 33 ) والذين هم على صلاتهم يحافظون ( 34 ) أولئك في جنات مكرمون ( 35 ) ) يقول تعالى مخبرا عن الإنسان وما هو مجبول عليه من الأخلاق الدنيئة : ( إن الإنسان خلق هلوعا ) ثم فسره بقوله : ( إذا مسه الشر جزوعا ) أي : إذا أصابه الضر فزع وجزع وانخلع قلبه من شدة الرعب ، وأيس أن يحصل له بعد ذلك خير . ( وإذا مسه الخير منوعا ) أي : إذا حصلت له نعمة من الله بخل بها على غيره ، ومنع حق الله فيها . وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا موسى بن علي بن رباح : سمعت أبي يحدث عن عبد العزيز بن مروان بن الحكم قال : سمعت أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " شر ما في رجل شح هالع ، وجبن خالع " . ورواه أبو داود ، عن عبد الله بن الجراح ، عن أبي عبد الرحمن المقري به ، وليس لعبد العزيز عنده سواه . ثم قال : ( إلا المصلين ) أي : الإنسان من حيث هو متصف بصفات الذم إلا من عصمه الله ووفقه ، وهداه إلى الخير ويسر له أسبابه ، وهم المصلون ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) قيل : معناه يحافظون على أوقاتهم وواجباتهم . قاله ابن مسعود ومسروق وإبراهيم النخعي . وقيل : المراد بالدوام هاهنا السكون والخشوع ، كقوله : ( قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون ) [ المؤمنون : 1 ، 2 ] . قاله عتبة بن عامر . ومنه الماء الدائم ، أي : الساكن الراكد . وقيل : المراد بذلك الذين إذا عملوا عملا داوموا عليه وأثبتوه ، كما جاء في الصحيح عن عائشة ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل " . وفي لفظ : " ما داوم عليه صاحبه " ، قالت : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا عمل عملا داوم عليه . وفي لفظ : أثبته . [ ص: 227 ] وقال قتادة في قوله : ( الذين هم على صلاتهم دائمون ) ذكر لنا أن دانيال عليه السلام ، نعت أمة محمد صلى الله عليه وسلم فقال : يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما غرقوا ، أو قوم عاد ما أرسلت عليهم الريح العقيم ، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة ، فعليكم بالصلاة فإنها خلق للمؤمنين حسن . وقوله : ( والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم ) أي : في أموالهم نصيب مقرر لذوي الحاجات . وقد تقدم الكلام على ذلك في " سورة الذاريات " . وقوله : ( والذين يصدقون بيوم الدين ) أي : يوقنون بالمعاد والحساب والجزاء ، فهم يعملون عمل من يرجو الثواب ويخاف العقاب ; ولهذا قال : ( والذين هم من عذاب ربهم مشفقون ) أي : خائفون وجلون ، ( إن عذاب ربهم غير مأمون ) أي : لا يأمنه أحد ممن عقل عن الله أمره إلا بأمان من الله تبارك وتعالى . وقوله : ( والذين هم لفروجهم حافظون ) أي : يكفونها عن الحرام ويمنعونها أن توضع في غير ما أذن الله [ فيه ] ولهذا قال : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) أي : من الإماء ، ( فإنهم غير ملومين فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون ) وقد تقدم تفسير ذلك في أول سورة ( قد أفلح المؤمنون ) بما أغنى عني إعادته ها هنا . وقوله : ( والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ) أي : إذا اؤتمنوا لم يخونوا ، وإذا عاهدوا لم يغدروا . وهذه صفات المؤمنين ، وضدها صفات المنافقين ، كما ورد في الحديث الصحيح : " آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا اؤتمن خان " . وفي رواية : " إذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر " . وقوله : ( والذين هم بشهاداتهم قائمون ) أي : محافظون عليها لا يزيدون فيها ، ولا ينقصون منها ، ولا يكتمونها ، ( ومن يكتمها فإنه آثم قلبه ) [ البقرة : 283 ] . ثم قال : ( والذين هم على صلاتهم يحافظون ) أي : على مواقيتها وأركانها وواجباتها ومستحباتها ، فافتتح الكلام بذكر الصلاة واختتمه بذكرها ، فدل على الاعتناء بها والتنويه بشرفها ، كما تقدم في أول سورة : ( قد أفلح المؤمنون ) ; سواء لهذا قال هناك : ( أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ) [ المؤمنون : 10 ، 11 ] وقال هاهنا : ( أولئك في جنات مكرمون ) أي : مكرمون بأنواع الملاذ والمسار . ( فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ( 36 ) عن اليمين وعن الشمال عزين ( 37 ) أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ( 38 ) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون ( 39 ) ) ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون ( 40 ) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين ( 41 ) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ( 42 ) يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ( 43 ) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ( 44 ) ) [ ص: 228 ] يقول تعالى منكرا على الكفار الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهم مشاهدون له ، ولما أرسله الله به من الهدى وما أيده الله به من المعجزات الباهرات ، ثم هم مع هذا كله فارون منه ، متفرقون عنه ، شاردون يمينا وشمالا فرقا فرقا ، وشيعا شيعا ، كما قال تعالى : ( فما لهم عن التذكرة معرضين كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة ) [ المدثر : 49 ، 51 ] الآية ، وهذه مثلها ; فإنه قال تعالى : ( فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ) أي : فما لهؤلاء الكفار الذين عندك يا محمد ) مهطعين ) أي مسرعين نافرين منك ، كما قال الحسن البصري : ( مهطعين ) أي : منطلقين ، ( عن اليمين وعن الشمال عزين ) واحدها عزة ، أي : متفرقين . وهو حال من مهطعين ، أي : في حال تفرقهم واختلافهم ، كما قال الإمام أحمد في أهل الأهواء : فهم مخالفون للكتاب ، مختلفون في الكتاب ، متفقون على مخالفة الكتاب . وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ) قال : قبلك ينظرون ، ( عن اليمين وعن الشمال عزين ) قال : العزين : العصب من الناس ، عن يمين وشمال معرضين يستهزئون به . وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار . حدثنا أبو عامر ، حدثنا قرة ، عن الحسن في قوله : ( عن اليمين وعن الشمال عزين ) متفرقين ، يأخذون يمينا وشمالا يقولون : ما قال هذا الرجل ؟ وقال قتادة : ( مهطعين ) عامدين ، ( عن اليمين وعن الشمال عزين ) أي : فرقا حول النبي صلى الله عليه وسلم لا يرغبون في كتاب الله ، ولا في نبيه صلى الله عليه وسلم . وقال الثوري ، وشعبة ، وعيسى بن يونس ، وعبثر بن القاسم ، ومحمد بن فضيل ، ووكيع ، ويحيى القطان ، وأبو معاوية ، كلهم عن الأعمش ، عن المسيب بن رافع ، عن تميم بن طرفة عن جابر بن سمرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم حلق ، فقال : " ما لي أراكم عزين؟ " رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن جرير من حديث الأعمش به [ ص: 229 ] وقال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا مؤمل ، حدثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على أصحابه وهم حلق حلق ، فقال : " ما لي أراكم عزين؟ " . وهذا إسناد جيد ، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه . وقوله : ( أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ) أي : أيطمع هؤلاء - والحالة هذه - من فرارهم عن الرسول صلى الله عليه وسلم ونفارهم عن الحق - أن يدخلوا جنات النعيم ؟ كلا بل مأواهم الجحيم . ثم قال تعالى مقررا لوقوع المعاد والعذاب بهم الذي أنكروا كونه واستبعدوا وجوده ، مستدلا عليهم بالبداءة التي الإعادة أهون منها وهم معترفون بها ، فقال ( إنا خلقناهم مما يعلمون ) أي : من المني الضعيف ، كما قال : ( ألم نخلقكم من ماء مهين ) [ المرسلات : 20 ] . وقال : ( فلينظر الإنسان مم خلق خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر فما له من قوة ولا ناصر ) [ الطارق : 5 - 10 ] . ثم قال : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب ) أي : الذي خلق السماوات والأرض ، وجعل مشرقا ومغربا ، وسخر الكواكب تبدو من مشارقها وتغيب في مغاربها . وتقدير الكلام : ليس الأمر كما يزعمون أن لا معاد ولا حساب ، ولا بعث ولا نشور ، بل كل ذلك واقع وكائن لا محالة . ولهذا أتى ب " لا " في ابتداء القسم ليدل على أن المقسم عليه نفي ، وهو مضمون الكلام ، وهو الرد على زعمهم الفاسد في نفي يوم القيامة ، وقد شاهدوا من عظيم قدرة الله تعالى ما هو أبلغ من إقامة القيامة ، وهو خلق السماوات والأرض ، وتسخير ما فيهما من المخلوقات من الحيوانات والجمادات ، وسائر صنوف الموجودات ; ولهذا قال تعالى : ( لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ) [ غافر : 57 ] وقال تعالى : ( أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير ) [ الأحقاف : 33 ] . وقال تعالى في الآية الأخرى : ( أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) [ يس : 81 ، 82 ] . وقال هاهنا : ( فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون على أن نبدل خيرا منهم ) أي : يوم القيامة نعيدهم بأبدان خير من هذه ، فإن قدرته صالحة لذلك ، ( وما نحن بمسبوقين ) أي : بعاجزين . كما قال تعالى : ( أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلى قادرين على أن نسوي بنانه ) [ القيامة : 3 ، 4 ] . وقال تعالى : ( نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) [ الواقعة : 6 ، 61 ] . واختار ابن جرير ( على أن نبدل خيرا منهم ) أي : أمة تطيعنا ولا تعصينا وجعلها ، كقوله : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) [ محمد : 38 ] . والمعنى الأول أظهر لدلالة [ ص: 230 ] الآيات الأخر عليه ، والله أعلم . ثم قال تعالى : ( فذرهم ) أي : يا محمد ) يخوضوا ويلعبوا ) أي : دعهم في تكذيبهم وكفرهم وعنادهم ، ( حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون ) أي : فسيعلمون غب ذلك ويذوقون وباله ( يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون ) أي : يقومون من القبور إذا دعاهم الرب ، تبارك وتعالى ، لموقف الحساب ، ينهضون سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون . قال ابن عباس ومجاهد والضحاك : إلى علم يسعون . وقال أبو العالية ويحيى بن أبي كثير : إلى غاية يسعون إليها . وقد قرأ الجمهور : " نصب " بفتح النون وإسكان الصاد ، وهو مصدر بمعنى المنصوب . وقرأ الحسن البصري : ( نصب ) بضم النون والصاد ، وهو الصنم ، أي : كأنهم في إسراعهم إلى الموقف كما كانوا في الدنيا يهرولون إلى النصب إذا عاينوه يوفضون ، يبتدرون ، أيهم يستلمه أول ، وهذا مروي عن مجاهد ، ويحيى بن أبي كثير ، ومسلم البطين ، وقتادة ، والضحاك ، والربيع بن أنس ، وأبي صالح ، وعاصم بن بهدلة ، وابن زيد وغيرهم . وقوله : ( خاشعة أبصارهم ) أي : خاضعة ) ترهقهم ذلة ) أي : في مقابلة ما استكبروا في الدنيا عن الطاعة ، ( ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون ) آخر تفسير سورة " سأل سائل " ولله الحمد والمنة . تفسير سورة نوح وهي مكية . بسم الله الرحمن الرحيم ( إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم ( 1 ) قال ياقوم إني لكم نذير مبين ( 2 ) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ( 3 ) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ( 4 ) ) يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام ، أنه أرسله إلى قومه آمرا له أن ينذرهم بأس الله قبل حلوله بهم ، فإن تابوا وأنابوا رفع عنهم ; ولهذا قال : ( أن أنذر قومك من قبل أن يأتيهم عذاب أليم قال يا قوم إني لكم نذير مبين ) أي : بين النذارة ، ظاهر الأمر واضحه . ( أن اعبدوا الله واتقوه ) أي : اتركوا محارمه واجتنبوا مآثمه ) وأطيعون ) فيما آمركم به وأنهاكم عنه . ( يغفر لكم من ذنوبكم ) أي : إذا فعلتم ما أمرتكم به وصدقتم ما أرسلت به إليكم ، غفر الله لكم ذنوبكم . و " من " هاهنا قيل : إنها زائدة . ولكن القول بزيادتها في الإثبات قليل . ومنه قول بعض العرب : " قد كان من مطر " . وقيل : إنها بمعنى " عن " ، تقديره : يصفح لكم عن ذنوبكم . واختاره ابن جرير ، وقيل : إنها للتبعيض ، أي يغفر لكم الذنوب العظام التي وعدكم على ارتكابكم إياها الانتقام . ( ويؤخركم إلى أجل مسمى ) أي : يمد في أعماركم ويدرأ عنكم العذاب الذي إن لم تنزجروا عما نهاكم عنه ، أوقعه بكم . وقد يستدل بهذه الآية من يقول : إن الطاعة والبر وصلة الرحم ، يزاد بها في العمر حقيقة ; كما ورد به الحديث : " صلة الرحم تزيد في العمر " . وقوله : ( إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون ) أي : بادروا بالطاعة قبل حلول النقمة ، فإنه إذا أمر [ الله ] تعالى بكون ذلك لا يرد ولا يمانع ، فإنه العظيم الذي قهر كل شيء ، العزيز الذي دانت لعزته جميع المخلوقات . ( قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ( 5 ) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ( 6 ) وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا ( 7 ) ثم إني دعوتهم جهارا ( 8 ) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا ( 9 ) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ( 10 ) يرسل السماء عليكم مدرارا ( 11 ) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ( 12 ) ما لكم لا ترجون لله وقارا ( 13 ) وقد خلقكم أطوارا ( 14 ) ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ( 15 ) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ( 16 ) والله أنبتكم من الأرض نباتا ( 17 ) ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ( 18 ) والله جعل لكم الأرض بساطا ( 19 ) لتسلكوا منها سبلا فجاجا ( 20 ) ) [ ص: 232 ] يخبر تعالى عن عبده ورسوله نوح عليه السلام ، أنه اشتكى إلى ربه ، عز وجل ، ما لقي من قومه ، وما صبر عليهم في تلك المدة الطويلة التي هي ألف سنة إلا خمسين عاما ، وما بين لقومه ووضح لهم ودعاهم إلى الرشد والسبيل الأقوم ، فقال : ( رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا ) أي : لم أترك دعاءهم في ليل ولا نهار ، امتثالا لأمرك وابتغاء لطاعتك ، ( فلم يزدهم دعائي إلا فرارا ) أي : كلما دعوتهم ليقتربوا من الحق فروا منه وحادوا عنه ، . ( وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم ) أي : سدوا آذانهم لئلا يسمعوا ما أدعوهم إليه . كما أخبر تعالى عن كفار قريش : ( وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون ) [ فصلت : 26 ] . ( واستغشوا ثيابهم ) قال ابن جريج ، عن ابن عباس : تنكروا له لئلا يعرفهم . وقال سعيد بن جبير والسدي : غطوا رءوسهم لئلا يسمعوا ما يقول . ( وأصروا ) أي : استمروا على ما هم فيه من الشرك والكفر العظيم الفظيع ، ( واستكبروا استكبارا ) أي : واستنكفوا عن اتباع الحق والانقياد له . ( ثم إني دعوتهم جهارا ) أي : جهرة بين الناس . ( ثم إني أعلنت لهم ) أي : كلاما ظاهرا بصوت عال ، ( وأسررت لهم إسرارا ) أي : فيما بيني وبينهم ، عليهم الدعوة لتكون أنجع فيهم . ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ) أي : ارجعوا إليه وارجعوا عما أنتم فيه وتوبوا إليه من قريب ، فإنه من تاب إليه تاب عليه ، ولو كانت ذنوبه مهما كانت في الكفر والشرك ؛ ولهذا قال : ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ) أي : متواصلة الأمطار . ولهذا تستحب قراءة هذه السورة في صلاة الاستسقاء لأجل هذه الآية . وهكذا روي عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب : أنه صعد المنبر ليستسقي ، فلم يزد على الاستغفار ، وقرأ الآيات في الاستغفار . ومنها [ ص: 233 ] هذه الآية ( فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ) ثم قال : لقد طلبت الغيث بمجاديح السماء التي ستنزل بها المطر . وقال ابن عباس وغيره : يتبع بعضه بعضا . وقوله : ( ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا ) أي : إذا تبتم إلى الله واستغفرتموه وأطعتموه ، كثر الرزق عليكم ، وأسقاكم من بركات السماء ، وأنبت لكم من بركات الأرض ، وأنبت لكم الزرع ، وأدر لكم الضرع ، وأمدكم بأموال وبنين ، أي : أعطاكم الأموال والأولاد ، وجعل لكم جنات فيها أنواع الثمار ، وخللها بالأنهار الجارية بينها . هذا مقام الدعوة بالترغيب ، ثم عدل بهم إلى دعوتهم بالترهيب فقال : ( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) أي : عظمة ، قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وقال ابن عباس : لا تعظمون الله حق عظمته ، أي : لا تخافون من بأسه ونقمته . ( وقد خلقكم أطوارا ) قيل : معناه من نطفة ، ثم من علقة ، ثم من مضغة . قاله ابن عباس ، وعكرمة ، وقتادة ، ويحيى بن رافع ، والسدي ، وابن زيد . وقوله : ( ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا ) ؟ أي : واحدة فوق واحدة ، وهل هذا يتلقى من جهة السمع فقط ؟ أو هي من الأمور المدركة بالحس ، مما علم من التسيير والكسوفات ، فإن الكواكب السبعة السيارة يكسف بعضها بعضا ، فأدناها القمر في السماء الدنيا وهو يكسف ما فوقه ، وعطارد في الثانية ، والزهرة في الثالثة ، والشمس في الرابعة ، والمريخ في الخامسة ، والمشتري في السادسة ، وزحل في السابعة . وأما بقية الكواكب - وهي الثوابت - ففي فلك ثامن يسمونه فلك الثوابت . والمتشرعون منهم يقولون : هو الكرسي ، والفلك التاسع ، وهو الأطلس ، والأثير عندهم الذي حركته على خلاف حركة سائر الأفلاك ، وذلك أن حركته مبدأ الحركات ، وهي من المغرب إلى المشرق ; وسائر الأفلاك عكسه من المشرق إلى المغرب ، ومعها يدور سائر الكواكب تبعا ، ولكن للسيارة حركة معاكسة لحركة أفلاكها ، فإنها تسير من المغرب إلى المشرق . وكل يقطع فلكه بحسبه ، فالقمر يقطع فلكه في كل شهر مرة ، والشمس في كل سنة مرة ، وزحل في كل ثلاثين سنة مرة ، وذلك بحسب اتساع أفلاكها وإن كانت حركة الجمع في السرعة متناسبة ، هذا ملخص ما يقولونه في هذا المقام ، على اختلاف بينهم في مواضع كثيرة ، لسنا بصدد بيانها ، وإنما المقصود أن الله سبحانه : ( خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ) أي : فاوت بينهما في الاستنارة فجعل كلا منهما أنموذجا على حدة ، ليعرف الليل والنهار بمطلع الشمس ومغيبها ، وقدر القمر منازل وبروجا ، وفاوت نوره ، فتارة يزداد حتى يتناهى ثم يشرع في النقص حتى يستسر ، ليدل على مضي الشهور والأعوام ، كما قال : ( هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون ) [ يونس : 5 ] . [ ص: 234 ] وقوله : ( والله أنبتكم من الأرض نباتا ) هذا اسم مصدر ، والإتيان به ها هنا أحسن ، ( ثم يعيدكم فيها ) أي : إذا متم ) ويخرجكم إخراجا ) أي : يوم القيامة يعيدكم كما بدأكم أول مرة . ( والله جعل لكم الأرض بساطا ) أي : بسطها ومهدها وقررها وثبتها بالجبال الراسيات الشم الشامخات . ( لتسلكوا منها سبلا فجاجا ) أي : خلقها لكم لتستقروا عليها وتسلكوا فيها أين شئتم ، من نواحيها وأرجائها وأقطارها ، وكل هذا مما ينبههم به نوح عليه السلام على قدرة الله وعظمته في خلق السماوات والأرض ، ونعمه عليهم فيما جعل لهم من المنافع السماوية والأرضية ، فهو الخالق الرزاق ، جعل السماء بناء ، والأرض مهادا ، وأوسع على خلقه من رزقه ، فهو الذي يجب أن يعبد ويوحد ولا يشرك به أحد ; لأنه لا نظير له ولا عديل له ، ولا ند ولا كفء ، ولا صاحبة ولا ولد ، ولا وزير ولا مشير ، بل هو العلي الكبير . ![]()
__________________
|
|
#529
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة الجن من صــ/ الى صــ / الحلقة (529) ( قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ( 21 ) ومكروا مكرا كبارا ( 22 ) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ( 23 ) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ( 24 ) ) يقول تعالى مخبرا عن نوح عليه السلام ، أنه أنهى إليه ، وهو العليم الذي لا يعزب عنه شيء ، أنه مع البيان المتقدم ذكره ، والدعوة المتنوعة المتشملة على الترغيب تارة والترهيب أخرى : أنهم عصوه وكذبوه وخالفوه ، واتبعوا أبناء الدنيا ممن غفل عن أمر الله ، ومتع بمال وأولاد ، وهي في نفس الأمر استدراج وإنظار لا إكرام ; ولهذا قال : ( واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا ) قرئ ) وولده ) بالضم وبالفتح ، وكلاهما متقارب . وقوله : ( ومكروا مكرا كبارا ) قال مجاهد : ( كبارا ) أي عظيما . وقال ابن زيد : ( كبارا ) أي : كبيرا . والعرب تقول : أمر عجيب وعجاب وعجاب . ورجل حسان ، وحسان : وجمال وجمال ، بالتخفيف والتشديد ، بمعنى واحد . والمعنى في قوله : ( ومكروا مكرا كبارا ) أي : باتباعهم في تسويلهم لهم بأنهم على الحق والهدى ، كما يقولون لهم يوم القيامة : ( بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا ) [ سبأ : 33 ] ولهذا قال هاهنا : ( ومكروا مكرا كبارا وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا ) وهذه أسماء أصنامهم التي كانوا يعبدونها من دون الله . قال البخاري : حدثنا إبراهيم ، حدثنا هشام ، عن ابن جريج وقال عطاء ، عن ابن عباس : صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعد : أما ود : فكانت لكلب بدومة الجندل ; وأما [ ص: 235 ] سواع : فكانت لهذيل ، وأما يغوث فكانت لمراد ، ثم لبني غطيف بالجرف عند سبأ ، أما يعوق : فكانت لهمدان ، وأما نسر : فكانت لحمير لآل ذي كلاع ، وهي أسماء رجال صالحين من قوم نوح عليه السلام ، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصابا وسموها بأسمائهم ، ففعلوا ، فلم تعبد حتى إذا هلك أولئك وتنسخ العلم عبدت وكذا روي عن عكرمة والضحاك وقتادة وابن إسحاق نحو هذا . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : هذه أصنام كانت تعبد في زمن نوح . وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، عن سفيان ، عن موسى عن محمد بن قيس ) [ يغوث ] ويعوق ونسرا ) قال : كانوا قوما صالحين بين آدم ونوح وكان لهم أتباع يقتدون بهم ، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم : لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم ، فصوروهم ، فلما ماتوا وجاء آخرون دب إليهم إبليس فقال : إنما كانوا يعبدونهم وبهم يسقون المطر ، فعبدوهم . وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة شيث عليه السلام ، من طريق إسحاق بن بشر قال : وأخبرني جويبر ومقاتل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس أنه قال : ولد لآدم عليه السلام ، أربعون ولدا ، عشرون غلاما وعشرون جارية ، فكان ممن عاش منهم : هابيل وقابيل وصالح وعبد الرحمن - والذي كان سماه عبد الحارث - وود وكان ود يقال له " شيث " ويقال له : " هبة الله " وكان إخوته قد سودوه ، وولد له سواع ويغوث ويعوق ونسر . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا أبو عمر الدوري ، حدثني أبو إسماعيل المؤدب ، عن عبد الله بن مسلم بن هرمز ، عن أبي حزرة عن عروة بن الزبير قال : اشتكى آدم عليه السلام ، وعنده بنوه : ود ويغوث [ ويعوق ] وسواع ونسر - قال وكان ود أكبرهم وأبرهم به . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن منصور ، حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا يعقوب ، عن أبي المطهر قال : ذكروا عند أبي جعفر - وهو قائم يصلي - يزيد بن المهلب قال : فلما انفتل من صلاته قال : ذكرتم يزيد بن المهلب أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله . قال : ثم ذكر ودا - قال : وكان ود رجلا مسلما وكان محببا في قومه ، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل وجزعوا عليه ، فلما رأى إبليس جزعهم عليه ، تشبه في صورة إنسان ، ثم قال : إني أرى جزعكم على هذا الرجل ، فهل لكم أن أصور لكم مثله ، فيكون في ناديكم فتذكرونه ؟ قالوا : [ ص: 236 ] نعم ، فصور لهم مثله ، قال : ووضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه ، فلما رأى ما بهم من ذكره قال : هل لكم أن أجعل في منزل كل واحد منكم تمثالا مثله ، فيكون له في بيته فتذكرونه ؟ قالوا : نعم . قال : فمثل لكل أهل بيت تمثالا مثله ، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به ، قال : وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعون به ، قال وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه ، حتى اتخذوه إلها يعبدونه من دون الله أولاد أولادهم ، فكان أول ما عبد من غير الله الصنم الذي سموه ودا . وقوله : ( وقد أضلوا كثيرا ) يعني الأصنام التي اتخذوها أضلوا بها خلقا كثيرا ، فإنه استمرت عبادتها في القرون إلى زماننا هذا في العرب والعجم وسائر صنوف بني آدم . وقد قال الخليل عليه السلام ، في دعائه : ( واجنبني وبني أن نعبد الأصنام رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ) [ إبراهيم : 35 ، 36 ] . وقوله : ( ولا تزد الظالمين إلا ضلالا ) دعاء منه على قومه لتمردهم وكفرهم وعنادهم ، كما دعا موسى على فرعون ومثله في قوله : ( ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم ) [ يونس : 88 ] وقد استجاب الله لكل من النبيين في قومه ، وأغرق أمته بتكذيبهم لما جاءهم به . ( مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نارا فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ( 25 ) وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ( 26 ) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ( 27 ) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا ( 28 ) ) يقول تعالى : ( مما خطاياهم ) وقرئ : ( خطيئاتهم ) ) أغرقوا ) أي : من كثرة ذنوبهم وعتوهم وإصرارهم على كفرهم ومخالفتهم رسولهم ( أغرقوا فأدخلوا نارا ) أي : نقلوا من تيار البحار إلى حرارة النار ، ( فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) أي : لم يكن لهم معين ولا مغيث ولا مجير ينقذهم من عذاب الله كقوله : ( قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) [ هود : 43 ] . ( وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ) أي : لا تترك على [ وجه ] الأرض منهم أحدا ولا تومريا وهذه من صيغ تأكيد النفي . قال الضحاك : ( ديارا ) واحدا . وقال السدي : الديار : الذي يسكن الدار . فاستجاب الله له ، فأهلك جميع من على وجه الأرض من الكافرين حتى ولد نوح لصلبه الذي اعتزل عن أبيه ، وقال : ( سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وحال بينهما الموج فكان من المغرقين ) [ هود : 43 ] . [ ص: 237 ] وقال ابن أبي حاتم : قرئ على يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني شبيب بن سعد ، عن أبي الجوزاء ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لو رحم الله من قوم نوح أحدا ، لرحم امرأة ، لما رأت الماء حملت ولدها ثم صعدت الجبل ، فلما بلغها الماء صعدت به منكبها ، فلما بلغ الماء منكبها وضعت ولدها على رأسها ، فلما بلغ الماء رأسها رفعت ولدها بيدها ، فلو رحم الله منهم أحدا لرحم هذه المرأة " . هذا حديث غريب ، ورجاله ثقات ، ونجى الله أصحاب السفينة الذين آمنوا مع نوح عليه السلام ، وهم الذين أمره الله بحملهم معه . وقوله : ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ) أي : إنك إن أبقيت منهم أحدا أضلوا عبادك ، أي : الذين تخلقهم بعدهم ( ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا ) أي : فاجرا في الأعمال كافر القلب ، وذلك لخبرته بهم ومكثه بين أظهرهم ألف سنة إلا خمسين عاما . ثم قال : ( رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا ) قال الضحاك : يعني : مسجدي ، ولا مانع من حمل الآية على ظاهرها ، وهو أنه دعا لكل من دخل منزله وهو مؤمن ، وقد قال الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حيوة ، أنبأنا سالم بن غيلان : أن الوليد بن قيس التجيبي أخبره : أنه سمع أبا سعيد الخدري - أو : عن أبي الهيثم ، عن أبي سعيد : - أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تصحب إلا مؤمنا ، ولا يأكل طعامك إلا تقي " . ورواه أبو داود والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك ، عن حيوة بن شريح به ، ثم قال الترمذي : إنما نعرفه من هذا الوجه . وقوله : ( وللمؤمنين والمؤمنات ) دعاء لجميع المؤمنين والمؤمنات ، وذلك يعم الأحياء منهم والأموات ; ولهذا يستحب مثل هذا الدعاء ، اقتداء بنوح عليه السلام ، وبما جاء في الآثار ، والأدعية [ المشهورة ] المشروعة . وقوله : ( ولا تزد الظالمين إلا تبارا ) قال السدي : إلا هلاكا . وقال مجاهد : إلا خسارا ، أي : في الدنيا والآخرة . آخر تفسير سورة " نوح " [ عليه السلام ولله الحمد والمنة ] . تفسير سورة الجن وهي مكية . بسم الله الرحمن الرحيم ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ( 1 ) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ( 2 ) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ( 3 ) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ( 4 ) وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ( 5 ) وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ( 6 ) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ( 7 ) ) يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يخبر قومه : أن الجن استمعوا القرآن فآمنوا به وصدقوه وانقادوا له ، فقال تعالى : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد ) أي : إلى السداد والنجاح ، ( فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا ) وهذا المقام شبيه بقوله تعالى : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) [ الأحقاف : 29 ] وقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك بما أغنى عن إعادته هاهنا . وقوله : ( وأنه تعالى جد ربنا ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس في قوله تعالى : ( جد ربنا ) أي : فعله وأمره وقدرته . وقال الضحاك ، عن ابن عباس : جد الله : آلاؤه وقدرته ونعمته على خلقه . وروي عن مجاهد وعكرمة : جلال ربنا . وقال قتادة : تعالى جلاله وعظمته وأمره . وقال السدي : تعالى أمر ربنا . وعن أبي الدرداء ومجاهد أيضا وابن جريج : تعالى ذكره . وقال سعيد بن جبير : ( تعالى جد ربنا ) أي : تعالى ربنا . فأما ما رواه ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ ، حدثنا سفيان ، عن عمرو ، عن عطاء ، عن ابن عباس قال : الجد : أب ، ولو علمت الجن أن في الإنس جدا ما قالوا : تعالى جد ربنا . فهذا إسناد جيد ، ولكن لست أفهم ما معنى هذا الكلام ; ولعله قد سقط شيء ، والله أعلم . وقوله : ( ما اتخذ صاحبة ولا ولدا ) أي : تعالى عن اتخاذ الصاحبة والأولاد ، أي : قالت [ ص: 239 ] الجن : تنزه الرب تعالى جلاله وعظمته ، حين أسلموا وآمنوا بالقرآن ، عن اتخاذ الصاحبة والولد . ثم قالوا : ( وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا ) قال مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي : ( سفيهنا ) يعنون : إبليس ، ( شططا ) قال السدي ، عن أبي مالك : ( شططا ) أي : جورا . وقال ابن زيد : ظلما كبيرا . ويحتمل أن يكون المراد بقولهم : ( سفيهنا ) اسم جنس لكل من زعم أن لله صاحبة أو ولدا ؛ ولهذا قالوا : ( وأنه كان يقول سفيهنا ) أي : قبل إسلامه ) على الله شططا ) أي : باطلا وزورا ; ( وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا ) أي : ما حسبنا أن الإنس والجن يتمالئون على الكذب على الله في نسبة الصاحبة والولد إليه ، فلما سمعنا هذا القرآن وآمنا به ، علمنا أنهم كانوا يكذبون على الله في ذلك . وقوله : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) أي : كنا نرى أن لنا فضلا على الإنس ; لأنهم كانوا يعوذون بنا ، أي : إذا نزلوا واديا أو مكانا موحشا من البراري وغيرها كما كان عادة العرب في جاهليتها ، يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجان ، أن يصيبهم بشيء يسوؤهم كما كان أحدهم يدخل بلاد أعدائه في جوار رجل كبير وذمامه وخفارته ، فلما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم ، ( فزادوهم رهقا ) أي : خوفا وإرهابا وذعرا ، حتى تبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم ، كما قال قتادة : ( فزادوهم رهقا ) أي : إثما ، وازدادت الجن عليهم بذلك جراءة . وقال الثوري ، عن منصور ، عن إبراهيم : ( فزادوهم رهقا ) أي : ازدادت الجن عليهم جرأة . وقال السدي : كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدي أو ماشيتي ، قال : فإذا عاذ بهم من دون الله ، رهقتهم الجن الأذى عند ذلك . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو سعيد يحيى بن سعيد القطان ، حدثنا وهب بن جرير ، حدثنا أبي ، حدثنا الزبير بن الخريت ، عن عكرمة قال : كان الجن يفرقون من الإنس كما يفرق الإنس منهم أو أشد ، وكان الإنس إذا نزلوا واديا هرب الجن ، فيقول سيد القوم : نعوذ بسيد أهل هذا الوادي . فقال الجن : نراهم يفرقون منا كما نفرق منهم ، فدنوا من الإنس فأصابوهم بالخبل والجنون ، فذلك قول الله : ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) وقال أبو العالية والربيع وزيد بن أسلم : ( رهقا ) أي : خوفا . وقال العوفي ، عن ابن عباس : ( فزادوهم رهقا ) أي : إثما . وكذا قال قتادة . وقال مجاهد : زاد الكفار طغيانا . [ ص: 240 ] وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا فروة بن المغراء الكندي ، حدثنا القاسم بن مالك - يعني المزني - عن عبد الرحمن بن إسحاق عن أبيه ، عن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال : خرجت مع أبي من المدينة في حاجة ، وذلك أول ما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ، فآوانا المبيت إلى راعي غنم ، فلما انتصف الليل جاء ذئب فأخذ حملا من الغنم ، فوثب الراعي فقال : يا عامر الوادي ، جارك ، فنادى مناد لا نراه ، يقول : يا سرحان ، أرسله ، فأتى الحمل يشتد حتى دخل في الغنم لم تصبه كدمة . وأنزل الله تعالى على رسوله بمكة ( وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا ) ثم قال : وروي عن عبيد بن عمير ومجاهد وأبي العالية والحسن وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي نحوه . وقد يكون هذا الذئب الذي أخذ الحمل - وهو ولد الشاة - وكان جنيا حتى يرهب الإنسي ويخاف منه ، ثم رده عليه لما استجار به ، ليضله ويهينه ، ويخرجه عن دينه ، والله أعلم . وقوله : ( وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ) أي : لن يبعث الله بعد هذه المدة رسولا . قاله الكلبي وابن جرير . ( وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا ( 8 ) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ( 9 ) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ( 10 ) ) يخبر تعالى عن الجن حين بعث الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن ، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا ، وحفظت من سائر أرجائها ، وطردت الشياطين عن مقاعدها التي كانت تقعد فيها قبل ذلك ; لئلا يسترقوا شيئا من القرآن ، فيلقوه على ألسنة الكهنة ، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق ! وهذا من لطف الله بخلقه ورحمته بعباده ، وحفظه لكتابه العزيز ، ولهذا قال الجن : ( وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا ) أي : من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا له ، لا يتخطاه ولا يتعداه ، بل يمحقه ويهلكه ، ( وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا ) أي : ما ندري هذا الأمر الذي قد حدث في السماء ، لا ندري أشر أريد بمن في الأرض ، أم أراد بهم ربهم رشدا ؟ وهذا من أدبهم في العبارة حيث أسندوا الشر إلى غير فاعل ، والخير أضافوه إلى الله عز وجل . وقد ورد في الصحيح : " والشر ليس إليك " . وقد كانت الكواكب يرمى بها قبل ذلك ، ولكن ليس بكثير بل في الأحيان بعد الأحيان ، كما في حديث ابن عباس : بينما نحن جلوس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رمي بنجم فاستنار ، فقال : " ما كنتم تقولون [ ص: 241 ] في هذا ؟ فقلنا : كنا نقول : يولد عظيم ، يموت عظيم ، فقال : " ليس كذلك ، ولكن الله إذا قضى الأمر في السماء " ، وذكر تمام الحديث ، وقد أوردناه في سورة " سبأ " بتمامه ، وهذا هو السبب الذي حملهم على تطلب السبب في ذلك ، فأخذوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها ، فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بأصحابه في الصلاة ، فعرفوا أن هذا هو الذي حفظت من أجله السماء ، فآمن من آمن منهم ، وتمرد في طغيانه من بقي ، كما تقدم حديث ابن عباس في ذلك ، عند قوله في سورة " الأحقاف " : ( وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ) الآية 29 . ولا شك أنه لما حدث هذا الأمر وهو كثرة الشهب في السماء والرمي بها ، هال ذلك الإنس والجن وانزعجوا له وارتاعوا لذلك ، وظنوا أن ذلك لخراب العالم - كما قال السدي : لم تكن السماء تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين لله ظاهر ، فكانت الشياطين قبل محمد صلى الله عليه وسلم قد اتخذت المقاعد في السماء الدنيا ، يستمعون ما يحدث في السماء من أمر ، فلما بعث الله محمدا نبيا ، رجموا ليلة من الليالي ، ففزع لذلك أهل الطائف ، فقالوا : هلك أهل السماء ، لما رأوا من شدة النار في السماء واختلاف الشهب ، فجعلوا يعتقون أرقاءهم ويسيبون مواشيهم ، فقال لهم عبد ياليل بن عمرو بن عمير : ويحكم يا معشر أهل الطائف . أمسكوا عن أموالكم ، وانظروا إلى معالم النجوم فإن رأيتموها مستقرة في أمكنتها فلم يهلك أهل السماء ، إنما هذا من أجل ابن أبي كبشة - يعني : محمدا صلى الله عليه وسلم - وإن أنتم لم تروها فقد هلك أهل السماء ، فنظروا فرأوها ، فكفوا عن أموالهم . وفزعت الشياطين في تلك الليلة ، فأتوا إبليس فحدثوه بالذي كان من أمرهم ، فقال : ائتوني من كل أرض بقبضة من تراب أشمها ، فأتوه فشم فقال : صاحبكم بمكة ، فبعث سبعة نفر من جن نصيبين ، فقدموا مكة فوجدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما يصلي في المسجد الحرام يقرأ القرآن ، فدنوا منه حرصا على القرآن حتى كادت كلاكلهم تصيبه ، ثم أسلموا ، فأنزل الله تعالى أمرهم على نبيه صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرنا هذا الفصل مستقصى في أول البعث من ( كتاب السيرة ) المطول ، والله أعلم ، ولله الحمد والمنة . ![]()
__________________
|
|
#530
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (14) تفسير سورة الجن من صــ/ الى صــ / الحلقة (530) ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قددا ( 11 ) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ( 12 ) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ( 13 ) ) ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ( 14 ) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ( 15 ) وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ( 16 ) لنفتنهم فيه ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ( 17 ) ) يقول مخبرا عن الجن : أنهم قالوا مخبرين عن أنفسهم : ( وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك ) أي : غير ذلك ، ( كنا طرائق قددا ) أي : طرائق متعددة مختلفة وآراء متفرقة . [ ص: 242 ] قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : ( كنا طرائق قددا ) أي : منا المؤمن ومنا الكافر . وقال أحمد بن سليمان النجاد في أماليه ، حدثنا أسلم بن سهل بحشل ، حدثنا علي بن الحسن بن سليمان - هو أبو الشعثاء الحضرمي ، شيخ مسلم - حدثنا أبو معاوية قال : سمعت الأعمش يقول : تروح إلينا جني ، فقلت له : ما أحب الطعام إليكم ؟ فقال الأرز . قال : فأتيناهم به ، فجعلت أرى اللقم ترفع ولا أرى أحدا ، فقلت : فيكم من هذه الأهواء التي فينا ؟ قال : نعم . قلت : فما الرافضة فيكم ؟ قال شرنا . عرضت هذا الإسناد على شيخنا الحافظ أبي الحجاج المزي فقال : هذا إسناد صحيح إلى الأعمش . وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة العباس بن أحمد الدمشقي ، قال : سمعت بعض الجن وأنا في منزل لي بالليل ينشد : قلوب براها الحب حتى تعلقت مذاهبها في كل غرب وشارق تهيم بحب الله والله ربها معلقة بالله دون الخلائق وقوله : ( وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الأرض ولن نعجزه هربا ) أي : نعلم أن قدرة الله حاكمة علينا وأنا لا نعجزه في الأرض ، ولو أمعنا في الهرب ، فإنه علينا قادر لا يعجزه أحد منا . ( وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به ) يفتخرون بذلك ، وهو مفخر لهم ، وشرف رفيع وصفة حسنة . وقولهم : ( فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ) قال ابن عباس وقتادة وغيرهما : فلا يخاف أن ينقص من حسناته أو يحمل عليه غير سيئاته ، كما قال تعالى : ( فلا يخاف ظلما ولا هضما ) [ طه : 112 ] ( وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون ) أي : منا المسلم ومنا القاسط ، وهو : الجائر عن الحق الناكب عنه ، بخلاف المقسط فإنه العادل ، ( فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا ) أي : طلبوا لأنفسهم النجاة ، ( وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ) أي : وقودا تسعر بهم . وقوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه ) اختلف المفسرون في معنى هذا على قولين : أحدهما : وأن لو استقام القاسطون على طريقة الإسلام وعدلوا إليها واستمروا عليها ، ( لأسقيناهم ماء غدقا ) أي : كثيرا . والمراد بذلك سعة الرزق . كقوله تعالى : ( ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ) [ المائدة : 66 ] وكقوله : [ ص: 243 ] ( ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ) [ الأعراف : 96 ] وعلى هذا يكون معنى قوله : ( لنفتنهم فيه ) أي : لنختبرهم ، كما قال مالك ، عن زيد بن أسلم : ( لنفتنهم ) لنبتليهم ، من يستمر على الهداية ممن يرتد إلى الغواية ؟ . ذكر من قال بهذا القول : قال العوفي ، عن ابن عباس : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) يعني بالاستقامة : الطاعة . وقال مجاهد : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) قال : الإسلام . وكذا قال سعيد بن جبير ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء ، والسدي ، ومحمد بن كعب القرظي . وقال قتادة : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) يقول : لو آمنوا كلهم لأوسعنا عليهم من الدنيا . وقال مجاهد : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) أي : طريقة الحق . وكذا قال الضحاك واستشهد على ذلك بالآيتين اللتين ذكرناهما ، وكل هؤلاء أو أكثرهم قالوا في قوله : ( لنفتنهم فيه ) أي لنبتليهم به . وقال مقاتل : فنزلت في كفار قريش حين منعوا المطر سبع سنين . والقول الثاني : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) الضلالة ( لأسقيناهم ماء غدقا ) أي : لأوسعنا عليهم الرزق استدراجا ، كما قال : ( فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ) [ الأنعام : 44 ] وكقوله : ( أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون ) [ المؤمنون : 55 ، 56 ] وهذا قول أبي مجلز لاحق بن حميد ; فإنه في قوله : ( وأن لو استقاموا على الطريقة ) أي : طريقة الضلالة . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم وحكاه البغوي ، عن الربيع بن أنس وزيد بن أسلم والكلبي وابن كيسان . وله اتجاه ، ويتأيد بقوله : ( لنفتنهم فيه ) وقوله : ( ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا ) أي : عذابا شاقا شديدا موجعا مؤلما . قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة وابن زيد : ( عذابا صعدا ) أي : مشقة لا راحة معها . وعن ابن عباس : جبل في جهنم . وعن سعيد بن جبير : بئر فيها . [ ص: 244 ] ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ( 18 ) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ( 19 ) قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ( 20 ) قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ( 21 ) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ( 22 ) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ( 23 ) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ( 24 ) ) يقول تعالى آمرا عباده أن يوحدوه في مجال عبادته ، ولا يدعى معه أحد ولا يشرك به كما قال قتادة في قوله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) قال : كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم ، أشركوا بالله ، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يوحدوه وحده . وقال ابن أبي حاتم : ذكر علي بن الحسين : حدثنا إسماعيل ابن بنت السدي ، أخبرنا رجل سماه ، عن السدي ، عن أبي مالك - أو أبي صالح - عن ابن عباس في قوله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) قال : لم يكن يوم نزلت هذه الآية في الأرض مسجد إلا المسجد الحرام ومسجد إيليا : بيت المقدس . وقال الأعمش : قالت الجن : يا رسول الله ، ائذن لنا نشهد معك الصلوات في مسجدك ، فأنزل الله : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) يقول : صلوا ، لا تخالطوا الناس . وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا مهران ، حدثنا سفيان ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن محمود ، عن سعيد بن جبير : ( وأن المساجد لله ) قال : قالت الجن لنبي الله صلى الله عليه وسلم : كيف لنا أن نأتي المسجد ونحن ناءون [ عنك ] ؟ ، وكيف نشهد الصلاة ونحن ناءون عنك ؟ فنزلت : ( وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا ) وقال سفيان ، عن خصيف ، عن عكرمة : نزلت في المساجد كلها . وقال سعيد بن جبير . نزلت في أعضاء السجود ، أي : هي لله فلا تسجدوا بها لغيره . وذكروا عند هذا القول الحديث الصحيح ، من رواية عبد الله بن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم : على الجبهة - أشار بيديه إلى أنفه - واليدين والركبتين وأطراف القدمين " وقوله : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) قال العوفي عن ابن عباس يقول : لما سمعوا النبي صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن كادوا يركبونه من الحرص لما سمعوه يتلو القرآن ، ودنوا منه فلم يعلم بهم حتى أتاه الرسول فجعل يقرئه : ( قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ) يستمعون القرآن . هذا قول ، وهو مروي عن الزبير بن العوام رضي الله عنه . وقال ابن جرير : حدثني محمد بن معمر ، حدثنا أبو مسلم ، عن أبي عوانة ، عن أبي بشر [ ص: 245 ] عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس قال : قال الجن لقومهم : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) قال : لما رأوه يصلي وأصحابه يركعون بركوعه ويسجدون بسجوده ، قالوا : عجبوا من طواعية أصحابه له ، قال : فقالوا لقومهم : ( لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) وهذا قول ثان ، وهو مروي عن سعيد بن جبير أيضا . وقال الحسن : لما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " لا إله إلا الله " ويدعو الناس إلى ربهم ، كادت العرب تلبد عليه جميعا . وقال قتادة في قوله : ( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا ) قال : تلبدت الإنس والجن على هذا الأمر ليطفئوه ، فأبى الله إلا أن ينصره ويمضيه ويظهره على من ناوأه . هذا قول ثالث ، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقول ابن زيد واختيار ابن جرير وهو الأظهر لقوله بعده : ( قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا ) أي : قال لهم الرسول - لما آذوه وخالفوه وكذبوه وتظاهروا عليه ، ليبطلوا ما جاء به من الحق واجتمعوا على عداوته : ( إنما أدعو ربي ) أي : إنما أعبد ربي وحده لا شريك له ، وأستجير به وأتوكل عليه ، ( ولا أشرك به أحدا ) وقوله : ( قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) أي : إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي ، وعبد من عباد الله ليس إلي من الأمر شيء في هدايتكم ولا غوايتكم ، بل المرجع في ذلك كله إلى الله عز وجل . ثم أخبر عن نفسه أيضا أنه لا يجيره من الله أحد ، أي : لو عصيته فإنه لا يقدر أحد على إنقاذي من عذابه ، ( ولن أجد من دونه ملتحدا ) قال مجاهد وقتادة والسدي : لا ملجأ . وقال قتادة أيضا : ( قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا ) أي : لا نصير ولا ملجأ . وفي رواية : لا ولي ولا موئل . وقوله تعالى : ( إلا بلاغا من الله ورسالاته ) قال بعضهم : هو مستثنى من قوله : ( لا أملك لكم ضرا ولا رشدا ) ( إلا بلاغا ) ويحتمل أن يكون استثناء من قوله : ( لن يجيرني من الله أحد ) أي : لا يجيرني منه ويخلصني إلا إبلاغي الرسالة التي أوجب أداءها علي ، كما قال تعالى : ( يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس ) [ المائدة : 67 ] وقوله : ( ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا ) أي : أنما أبلغكم رسالة الله ، فمن يعص بعد ذلك فله جزاء على ذلك نار جهنم خالدين فيها أبدا ، أي لا محيد لهم عنها ، ولا خروج [ ص: 246 ] لهم منها . وقوله : ( حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا ) أي : حتى إذا رأى هؤلاء المشركون من الجن والإنس ما يوعدون يوم القيامة فسيعلمون يومئذ من أضعف ناصرا وأقل عددا ، هم أم المؤمنون الموحدون لله عز وجل ، أي : بل المشركين لا ناصر لهم بالكلية ، وهم أقل عددا من جنود الله عز وجل . ( قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ( 25 ) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ( 26 ) إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ( 27 ) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ( 28 ) ) يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للناس : إنه لا علم له بوقت الساعة ، ولا يدري أقريب وقتها أم بعيد ؟ ( قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا ) ؟ أي : مدة طويلة . وفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الحديث الذي يتداوله كثير من الجهلة من أنه عليه السلام ، لا يؤلف تحت الأرض ، كذب لا أصل له ، ولم نره في شيء من الكتب . وقد كان صلى الله عليه وسلم يسأل عن وقت الساعة فلا يجيب عنها ، ولما تبدى له جبريل في صورة أعرابي كان فيما سأله أن قال : يا محمد ، فأخبرني عن الساعة ؟ قال : " ما المسئول عنها بأعلم من السائل " ولما ناداه ذلك الأعرابي بصوت جهوري ، فقال : يا محمد ، متى الساعة ؟ قال : " ويحك . إنها كائنة ، فما أعددت لها ؟ " . قال : أما إني لم أعد لها كثير صلاة ولا صيام ، ولكني أحب الله ورسوله . قال : " فأنت مع من أحببت " . قال أنس : فما فرح المسلمون بشيء فرحهم بهذا الحديث . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن مصفى ، حدثنا محمد بن حمير ، حدثني أبو بكر بن أبي مريم ، عن عطاء بن أبي رباح ، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا بني آدم ، إن كنتم تعقلون فعدوا أنفسكم من الموتى ، والذي نفسي بيده ، إنما توعدون لآت " وقد قال أبو داود في آخر " كتاب الملاحم " : حدثنا موسى بن سهيل ، حدثنا حجاج بن إبراهيم ، حدثنا ابن وهب ، حدثني معاوية بن صالح ، عن عبد الرحمن بن جبير ، عن أبيه ، عن أبي ثعلبة الخشني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لن يعجز الله هذه الأمة من نصف يوم " [ ص: 247 ] انفرد به أبو داود ثم قال أبو داود : حدثنا عمرو بن عثمان . حدثنا أبو المغيرة ، حدثني صفوان ، عن شريح بن عبيد عن سعد بن أبي وقاص ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم " . قيل لسعد : وكم نصف يوم ؟ قال : خمسمائة عام . انفرد به أبو داود وقوله : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) هذه كقوله تعالى : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء ) [ البقرة : 255 ] وهكذا قال هاهنا : إنه يعلم الغيب والشهادة ، وإنه لا يطلع أحد من خلقه على شيء من علمه إلا مما أطلعه تعالى عليه ; ولهذا قال : ( فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول ) وهذا يعم الرسول الملكي والبشري . ثم قال : ( فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) أي : يختصه بمزيد معقبات من الملائكة يحفظونه من أمر الله ، ويساوقونه على ما معه من وحي الله ; ولهذا قال : ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) وقد اختلف المفسرون في الضمير الذي في قوله : ( ليعلم ) إلى من يعود ؟ فقيل : إنه عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم . قال ابن جرير : حدثنا ابن حميد ، حدثنا يعقوب القمي ، عن جعفر ، عن سعيد بن جبير في قوله : ( عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) قال : أربعة حفظة من الملائكة مع جبريل ، ) ليعلم ) محمد صلى الله عليه وسلم ( أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) ورواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به . وهكذا رواه الضحاك والسدي ويزيد بن أبي حبيب . وقال عبد الرزاق ، عن معمر ، عن قتادة : ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) قال : ليعلم نبي الله أن الرسل قد بلغت عن الله ، وأن الملائكة حفظتها ودفعت عنها . وكذا رواه سعيد بن أبي عروبة ، عن قتادة . واختاره ابن جرير . وقيل غير ذلك ، كما رواه العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا ) قال : هي معقبات من الملائكة يحفظون النبي من الشيطان ، حتى يتبين الذي أرسل به إليهم ، وذلك حين يقول ، ليعلم أهل الشرك أن قد أبلغوا رسالات ربهم . وكذا قال ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : ( ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ) قال : ليعلم من كذب الرسل أن قد أبلغوا رسالات ربهم . وفي هذا نظر . [ ص: 248 ] وقال البغوي : قرأ يعقوب : " ليعلم " بالضم ، أي : ليعلم الناس أن الرسل بلغوا . ويحتمل أن يكون الضمير عائدا إلى الله عز وجل ، وهو قول حكاه ابن الجوزي في " زاد المسير " ويكون المعنى في ذلك : أنه يحفظ رسله بملائكته ليتمكنوا من أداء رسالاته ، ويحفظ ما بين إليهم من الوحي ; ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ، ويكون ذلك كقوله : ( وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه ) [ البقرة : 143 ] وكقوله : ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) [ العنكبوت : 11 ] إلى أمثال ذلك ، مع العلم بأنه تعالى يعلم الأشياء قبل كونها قطعا لا محالة ; ولهذا قال بعد هذا : ( وأحاط بما لديهم وأحصى كل شيء عددا ) . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |