|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#511
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ92 الى صـــ 101 (511) ولو كان مكان العبد ثياب أو عروض أو دواب فاستهلكها العبد حين قبضها لم يضمنها حتى يعتق فإن عتق ضمن قيمتها بالغة ما بلغت ; لأن ضمان الاستهلاك من جنس ضمان العقد فإذا ترتب على العقد كان حكمه حكم ذلك العقد ولا يؤاخذ العبد المحجور بضمان العقود حتى يعتق بخلاف ضمان القتل فإنه ليس من جنس ضمان العقد حتى لا يملك به المضمون والمستحق به الدفع دون البيع في الدين . يوضح الفرق أن إيجاب البيع تسليط من البائع للمشتري على التصرفات المفضية إلى الاستهلاك كالأكل في الطعام واللبس في الثوب والركوب على الدواب فلا يكون هذا السبب موجبا الضمان عليه إلا باعتبار العقد كأصل القبض بخلاف القتل وقد قررنا هذا الفرق في الوديعة ولم يذكر خلاف أبي يوسف في كتاب المأذون والأصح أن عنده يؤخذ بضمان الاستهلاك في الحال كما في الوديعة عنده وقد تكلف بعضهم للفرق فقالوا : البيع تمليك العين من المشتري فيثبت باعتبار التسليط على الاستهلاك ، فأما الإيداع فإنه استحفاظ فلا يثبت به التسليط على الاستهلاك ولكنه نص على الخلاف في استقراض العبد المحجور في كتاب الصرف والإقراض تمليك كالبيع قال : وكذلك إذا كان البائع لذلك العبد عبدا مأذونا أو صبيا مأذونا لأنهما في انفكاك الحجر عنهما كالحر الكبير فيصح منهما التسليط ضمانا لعقد التجارة وكذلك لو كان صبيا محجورا عليه أو معتوها فهو بمنزلة العبد المحجور عليه إلا أنهما إذا قتلا المشتري كانت القيمة على عاقلتهما بمنزلة ما لو قتلاه قبل الشراء فلا يلحقهما ضمان ما استهلكا من هذا إذا كبر الصبي وعقل المعتوه ; لأن التزامهما الضمان بالعقد لا يصح في حقهما فإنهما غير مخاطبين شرعا بخلاف العبد فإن التزامه العقد صحيح في حق نفسه فيؤاخذ به بعد العتق . ولو كان البائع أيضا عبدا محجورا أو صبيا محجورا أخذ المشتري بضمان ما في يده من ذلك إذا هلك في يده أو استهلكه ; لأن تسليط المحجور عليه إياه على القبض والاستهلاك غير معتبر في إسقاط الضمان الواجب به والقبض والاستهلاك فعل موجب للضمان إذا حصل من المحجور عليه بطريق الجبران فلا يسقط [ ص: 93 ] ذلك إلا باعتبار تسليط صحيح ولم يوجد ذلك فإن قتل المشتري العبد المشترى أو الجارية كان مولاهما بالخيار إن شاء باع العبد في رقبتهما وإن شاء أخذه بالجناية عليهما فيدفعه المولى بذلك أو يفديه لأنه وجد سببان موجبان للضمان أحدهما القبض والآخر القتل فللمولى أن يضمنه بأي السببين شاء فإن اختار التضمين بالقبض صار العبد كالهالك في يده من غير صنع فيباع في قيمته إلا أن يقضي المولى عنه وإن اختار التضمين بالجناية أمر المولى بالدفع أو الفداء بمنزلة من غصب من آخر عبدا وقتله كان للمولى أن يضمن الغاصب قيمته من ماله حالا بالغصب وإن شاء رجع بقيمته على عاقلته موجبا في ثلاث سنين باعتبار قتله إياه خطأ . وإن اشترى العبد المحجور عليه من رجل عبدا بألف درهم وقيمته ألف درهم وقبضه فباعه وربح فيه ، ثم اشترى بثمنه وباع حتى صار في يده ألف درهم ثم حضر البائع فله أن يستوفي ثمنه مما في يده استحسانا وفي القياس ليس له ذلك ; لأن ما في يده من الكسب ملك مولاه ودين البائع غير ثابت في حق المولى . ( ألا ترى ) أنه لا يستوفى من مالية رقبته فكذلك في الكسب الذي في يده ولكنه استحسن فقال : إذا علم أن هذا المال في يده حصل بسبب ذلك المشتري فالبائع أحق به حتى يستوفي ثمنه منه ; لأن حكم البدل حكم المبدل ، ولو كان المشتري في يده قائما بعينه كان البائع أحق باسترداده فكذلك بدله وهذا لأنه إذا استوفى الثمن مما في يده فلا ضرر على المولى إذا علم أن ما في يده من ذلك المشتري بل يكون فيه منفعة له ; لأن الفضل يسلم للمولى والعبد لا يلحقه الحجر عما يتمحض منفعة للمولى . وهو نظير ما لو أجر المحجور نفسه وسلم من العمل فإن لم يعلم أن الذي في يده من ثمن عبده الذي باعه فذلك المال للمولى ولا شيء للبائع على العبد حتى يعتق ; لأن استحقاق البائع باعتبار أن ما في يده بدل عما كان هو أحق به ولا يعلم ذلك في المال الذي في يده وللمولى فيه سبب استحقاق ظاهر وهو أنه كسب عبده المحجور في تقديم البائع عليه مع الاحتمال إضرار بالمولى وتصرف المحجور فيما يلحق الضرر بالمولى لا يكون نافذا وإن قال المولى هذا المال ذهب لعبدي أو أصابه من غير ثمن عبدك الذي بعت وقال البائع أصابه من ثمن عبدي وصدقه العبد بذلك فالقول قول المولى ; لأن البائع يدعي سبب استحقاقه لهذا المال والمولى منكر لذلك وتصديق العبد لا ينفع البائع ; لأنه محجور لا قول له في حق المولى وإن أقاما البينة فالبينة بينة البائع ; لأنه ثبت بسبب استحقاقه بالبينة ولأنه هو المحتاج إلى إقامة البينة وكذلك لو كان مكان شراء العبد [ ص: 94 ] قرض ألف درهم أو وديعة ألف درهم أو عروض فتصرف فيها العبد فهو بمنزلة ما تقدم وإن كان المال الذي في يد العبد في جميع ذلك أقل من قيمة ذلك الأصل أخذ صاحب الأصل ما وجده في يده بما هو بدل ملكه ولم يتبعه بما بقي حتى يعتق ; لأن ما بقي ثابت في حق العبد دون المولى بمنزلة جميع المال إذا لم يجد منه شيئا في يد العبد المحجور . ولو دفع إليه رجل متاعا بضاعة فباعه العبد جاز بيعه ; لأنه من أهل البيع وبيعه لاقى ملك المبضع برضاه فينفذ وهذا ; لأن نفوذ البيع بالتكلم بالإيجاب والقبول ولا ضرر على المولى في ذلك واذا جاز البيع كان الثمن للآمر والعهدة على الآمر حتى يعتق ; لأن في إلزام العهدة العبد إضرارا بمولاه ، وذلك لا يجوز بغير رضاه فإذا تعذر إيجاب العدة عليه تعلقت العهدة بأقرب الناس إليه وأقرب الناس إليه من هذا العقد بعد المباشرة هو المبضع فإذا عتق العبد لزمه من أهل التزام العهدة في حقه وإنما امتنع لزومها في حق المولى وقد سقط حقه بالعتق . وإن وجد المشتري بالمباع عيبا فالخصم الآمر ما لم يعتق العبد كما لو كان باشر العقد بنفسه إذ جعل العبد رسولا فيه إلا أن اليمين في حقه بالعلم ; لأنه يستحلفه على مباشرة غيره وفي استحلافه على البتات على فعل الغير إضرار به ، ولو أعتق العبد مولاه وأذن له في التجارة صارت الخصومة لحقه ; لأنه صار منفك الحجر عنه بالإذن كما يصير منفك الحجر عنه بالعتق وقد زال المانع من لحوق العهدة إياه وهو انعدام الرضا من المولى به فإن كان المشتري قد أقام البينة على العيب قبل أن يعتق العبد ، ثم عتق فهو الخصم في ذلك ولكن يقضى بتلك البينة فلا يحتاج المشتري إلى إعادتها ; لأنه أقام البينة على من هو خصم وهو الآمر فلا يحتاج إلى إعادتها وإن تحولت الخصومة إلى العبد كما لو كان البائع حرا فأقام البينة عليه ، ثم مات فورثه وارثه ، وكذلك لو أقام شاهدا واحدا قبل العتق لم يكلف إعادته على العبد ويحكم عليه إذا أقام شاهدا آخر به على العبد لأن الحجة قد تمت . فإن قضى القاضي على العبد بالرد بالعيب ونقض البيع فإن كان الآمر هو الذي قبض الثمن من المشتري لزم الثمن الآمر وليس على العبد منه لا قليل ولا كثير ; لأن وجوب رد الثمن باعتبار القبض دون العقد والقابض كان هو الآمر دون العبد فعليه أن يرده وهكذا إذا كان الوكيل حرا وكان الموكل هو الذي قبض الثمن من المشتري فإن كان قبضه العبد فهلك عنده أخذ العبد به ; لأنه هو القابض للثمن بحكم العقد فعليه رده إذا انتقض العقد فيرجع بذلك على الآمر لأن قبضه كان صحيحا في حق الآمر ; ولهذا برئ المشتري به فكان هلاكه في يده كهلاكه [ ص: 95 ] في يد الآمر ولأنه في القبض كان عاملا له بأمره فيرجع عليه بما يلحقه من العهدة بسببه ، ولو كان مكان العبد صبي محجور أو معتوه كانت العهدة في جميع هذه الوجوه على الآمر والخصومة معه واليمين على العلم وهو الذي يرد ولا تنتقل العهدة عن الصبي والمعتوه بالإدراك والإفاقة ; لأن التزامهما العهدة غير صحيح في حقهما وإذا لم يكن العاقد من أهل التزام العهدة وجبت العهدة على من هو أقرب الناس من هذا العبد العاقد وهو الآمر المنتفع به . وإذا وجب للعبد المأذون على رجل دين من ثمن مبيع أو إجارة أو قرض أو استهلاك ، ثم حجر عليه مولاه فالخصم فيه العبد ; لأنه باشر سبب الالتزام في حال انفكاك الحجر عنه وتأثير الحجر عليه بعد ذلك في منع لزوم العهدة إياه بمباشرة السبب ابتداء لا في إسقاط ما كان لزمه فإن دفع الذي عليه الدين إلى العبد برئ كان عليه الدين أو لم يكن ; لأنه حين عامل العبد فقد استحق براءة ذمته بتسليم الدين إليه فلا يتغير ذلك بالحجر عليه بعد ذلك وإن دفعه إلى مولاه برئ أيضا إن لم يكن على العبد دين ; لأن كسبه خالص حق المولى وبقبض العبد يتعين الملك له فهو نظير الموكل إذا دفع الثمن المشتري إليه وإن كان عليه دين لا يبرأ بدفعه إلى المولى لأن كسبه الآن حق غرمائه والمولى من كسبه كأجنبي آخر ما لم يقض دين غرمائه فلا يبرأ المديون بالدفع إلى المولى صيانة لحق الغرماء إلا أن يقضي المولى الدين فإن قضاه برئ المطلوب من الديون ; لأن المانع قد زال وهو حق الغرماء في كسبه واستدامة القبض في المقبوض بعد سقوط الدين عن العبد كإنشائه ولأنه لا يشتغل بنقض شيء ليعاد مثله وبعد سقوط الدين عن العبد لو نقضنا قبض المولى احتجنا إلى إعادته ; لأن العبد يقبضه فيسلمه إليه بخلاف حال قيام دينه ; لأنه يقبضه ليقضي به دينه . فإن مات العبد بعد حجره ولا دين عليه فالخصم في ذلك المولى ; لأن كسبه خالص حق المولى فيكون هو أحق الناس باستيفائه وإن لم يمت ولكن المولى أخرجه من ملكه فليس للعبد أن يقبض شيئا منه ولا يكون خصما فيه لأن منافعه صارت للمشتري فالمقبوض يسلم للبائع فلا يكون للعبد أن يصرف المنافع التي هي ملك المشتري إلى القبض والخصومة فيما ينتفع به البائع وإن قبض لم يبرأ الغريم بقبضه ; لأنه خرج من أن أن يكون خصما فيه حكما فكان قبضه كقبض أجنبي آخر والمقبوض للبائع ولا يبرأ المديون بتسليم ملك البائع إلى عبد غيره وقد انقطعت خصومة العبد عن ذلك إن كان عليه دين أو لم يكن لأنه لما انتقل الملك إلى المشتري صار العبد في تلك الخصومة كالمستهلك فإن تجدد [ ص: 96 ] سبب الملك فيه بمنزلة تبدل عينه ولكن الخصم في ذلك هو المولى ; لأنه كان خلفا عن العبد فإنما هو غنم تلك التصرفات فكذلك في الغرم والخصومة فيه يكون خلفا عنه فيقبضه فإن لم يكن عليه دين فهو سالم له ; لأنه كسب عبده وإن كان عليه دين فالمولى هو الخصم أيضا في الخصومة في جميع ماله على الناس وغيره إلا أنه إذا قضى بذلك لم يكن للمولى قبضه ; لأن حق الغريم في كسبه مقدم على حق المولى ولم يوجد الرضا من الغرماء بقبض المولى لذلك وهو ليس بمؤتمن على حق الغرماء فأما أن يقبض الغرماء دينهم من المقبوض فيكون ما بقي للمولى ; لأنه كسب عبده وقد فرغ من دينه ، ولو كان المولى أعتقه كان العبد هو الخصم في قبض جميع ذلك ; لأنه هو المباشر لسببه وقد خلصت له منافعه بعد العتق ، وكذلك لو باعه المولى فأعتقه المشتري فالعبد هو الخصم في جميع ذلك لخلوص منافعه له وقد كان المانع له من الخصومة قبل العتق كون منافعه للمشتري وقد زال ذلك بالعتق . وإذا باع العبد المأذون متاعا من رجل بألف وتقابضا ، ثم حجر عليه المولى فوجد المشتري بالمتاع عيبا فالخصم فيه العبد ; لأن ملك المولى في منافعه باق بعد الحجر وقد كان لزمه العهدة لمباشرته سببه بإذن المولى فإن قامت عليه بينة وحكم برده عليه فأبى المشتري أن يدفعه حتى يقبض الثمن فله ذلك ; لأن حال المشتري بعد الفسخ كحال البائع قبل التسليم وقد كان له أن يحبس المبيع ليستوفي الثمن فللمشتري بعد الفسخ أن لا يرده حتى يستوفي الثمن فإن لم يكن في يد العبد مال وعليه دين بدئ بالمتاع فبيع وأعطي المشتري ثمنه ; لأن حقه في المتاع مقدم على حق سائر الغرماء فإن دينه بدل هذا المتاع والمتاع محبوس به كالمرهون في يد المرتهن فلهذا يبدأ من ثمن المتاع بدينه فإن فضل من ثمن المتاع شيء فهو لغرماء العبد وإن نقص فالمشتري شريك غرماء العبد في رقبته بما بقي من دينه لأن دينه واجب بسبب ظاهر لا تهمة فيه . وإن جهل المشتري فدفع إليه المتاع ، ثم جاء بعد ذلك يطلب الثمن فهو أسوة الغرماء في المتاع وفي رقبته ; لأن تقدمه عليهم في ثمن المتاع باعتبار يده وقد انعدم بإخراجه من يده فهو نظير البائع إذا سلم المبيع إلى المشتري ثم مات المشتري كان هو أسوة سائر الغرماء في ثمن المشتري وغيره من تركته ، ولو لم يقم بينة على العيب وطلب اليمين فالثمن على العبد دون مولاه لأن العبد هو الذي باشر هذا البيع وهو الخصم فيما يدعي من العيب فيه بعد الحجر كما قبله فيكون اليمين عليه فإن نكل عن اليمين رد المتاع عليه بالعيب وكان حاله بمنزلة ما إذا قامت البينة بالعيب كما لو كانت الخصومة في العيب قبل الحجر عليه ، ثم [ ص: 97 ] هذا على أصل أبي حنيفة رحمه الله واضح لأنه يجعل أثر الإذن في بقايا تجارته بحاصل الإذن ، وكذلك عندهما ; لأن المشتري استحق رد المتاع عليه والرجوع بالثمن عند نكوله حالة العقد فلا يتغير ذلك الاستحقاق بالحجر عليه . وكذلك لو أقر بالعيب عند القبض وهو عيب لا يحدث مثله ; لأنه لا تهمة في إقراره والقاضي يتيقن بدون إقراره أن العبد كان عنده وإن كان يحدث مثله لم يرده عليه القاضي بإقراره بمنزلة إنشاء تصرف منه باختياره وهو غير صحيح منه في حق مولاه بعد الحجر إذا لم يكن في يده كسب بالاتفاق وههنا لا كسب في يده فلا يكون إقراره ملزما مولاه شيئا ولا يكون هو خصما فيه بعد ذلك ; لأنه أقر به فلا يتمكن من الإنكار بعد ذلك ليقام عليه البينة كالوصي إذا أقر على اليتيم بدين لا يكون هو خصما فيه بعد ذلك ولكن المولى هو الخصم فيه لأنه خلف عنه في غنمه فكذلك في الخصومة فإن أقام المشتري البينة على العيب رده فإن لم يكن له بينة استحلف المولى على علمه ; لأنه استحلف على فعل الغير فإن نكل عن اليمين وأقر بالعيب رده بالعيب . فإن كان على العبد دين فكذب الغرماء العبد والسيد بما أقرا به من العيب فإقرارهما يكون حجة في حقهما دون الغرماء ويباع المتاع المردود في ثمنه فأعطى ثمنه المشتري فإن فضل من ثمنه الآخر شيء على ثمنه الأول كان لغرماء العبد ; لأن الفاضل كسب العبد فيصرف إلى غرمائه وإن نقص عنه كان الفضل في رقبة العبد إلا أن يباع فيبدأ من ثمنه لغرمائه لأن وجوب هذا الفضل كان بإقرار المولى وهو غير صحيح في حق الغرماء فيبدأ من ثمنه بحق غرمائه وإن فضل من ثمنه شيء بعد قضاء دينهم كان للمشتري ; لأن الفاضل حق المولى وهو مقر بدين المشتري وإن لم يفضل شيء فلا شيء له وإن لم يكن على العبد دين كان ثمن المتاع في رقبته وفي المتاع يباعان فيه بإقرار المولى بذلك للمشتري والحق له في الرقبة والكسب وإن حلف المولى لم يرد إن كان على العبد دين أو لم يكن فإذا عتق عليه بإقراره ; لأن إقراره حجة في حقه وإنما كان المانع من العمل حق المولى فإذا عتق صار كالمجدد لذلك الإقرار بعد العتق فيرد عليه ويلزمه الثمن والمتاع له . وإذا باع المأذون متاعا له بألف درهم وقبض الألف فضاعت من يده ثم حجر عليه مولاه وفي يده ألف درهم ، ثم طعن المشتري بعيب في المتاع فأقر به العبد ومثله يحدث فهو مصدق في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لأنه أقر للمشتري بألف درهم عند رد المتاع عليه ، ولو أقر له بألف درهم مطلقا وفي يده ألف درهم صح إقراره في قول أبي حنيفة باعتبار ما في يده ولا يصح [ ص: 98 ] في قولهما وقد بينا هذا فإن كان المولى قبض من يده ذلك المال قبل إقراره بالعيب لم يصدق ; لأن إقراره صحيح باعتبار ما في يده ولم يبق في يده شيء حين قبض المولى منه ، وكذلك لو كان في يده مال وعليه دين مثله ; لأن ما في يده مستحق لغرمائه فلا يمكن تصحيح إقراره فيه وحاله كحال ما لو لم يكن في يده شيء سواه . ولو باع المأذون متاعا له ثم حجر عليه المولى ، ثم باعه مولاه فوجد المشتري بالمتاع عيبا فليس العبد خصما فيه ولكن الخصم هو المولى إن كان على العبد دين حين باعه مولاه أو لم يكن ; لأن منافعه بالبيع صارت مملوكة للمشتري فلا يتمكن من صرفه إلى خصمائه بغير رضى المشتري فإن قامت البينة بالعيب رد المتاع وبيع في ثمنه وكان المشتري أحق به من الغرماء فإن لم يف بحقه حاص الغرماء فيما قبض من ثمن العبد ; لأن دينه ثبت بالبينة وهو حجة في حق الغرماء وإن لم يكن له بينة على العبد ولكن أقر به المولى أو نكل عن اليمين فكذلك إلا أن المشتري لا يحاص الغرماء بما بقي من حقه ; لأن إقرار المولى ونكوله لا يكون حجة في حق الغرماء ولا يضمن المولى له شيئا ; لأن الغرماء إنما قبضوا ثمن العبد منه بقضاء القاضي لهم به ، ولو حجر المولى على العبد ولم يبعه ثم طعن المشتري بعيب في المتاع فصدقه به العبد وناقضه البيع بغير قضاء قاض والعيب مما يحدث مثله أو لا يحدث مثله فمناقضته إياه باطلة ; لأن قبوله بالعيب بغير قضاء قاض بمنزلة الإقالة والإقالة كالبيع الجديد في حق غير المتعاقدين فيكون هذا في حق المولى كشراء العبد إياه ابتداء بعد الحجر فإن أذن له المولى بعد ذلك لم تجز تلك الإقالة إلا أن يجيز أو يجدد الإقالة بعد الإذن بمنزلة الشراء المبتدأ في حال الحجر فإنه لا ينفذ بالإذن إلا أن يجيزه أو يجدده فإن كان العبد أقر بالعيب في حال الحجر وليس في يده مال ثم أذن له المولى في التجارة لم يؤخذ بذلك الإقرار ; لأن تأثير الإذن في تنفيذ ما ينشئه من التصرف بعد الإذن لا في تنفيذ ما كان سبق الإذن إلا أن يقر إقرارا جديدا بعد الإذن فحينئذ هو مؤاخذ به كإقراره بدين آخر عن نفسه فإن قال المشتري أقررت بالعيب بعد الإذن وقال العبد أقررت به في حالة الحجر أخذ بإقراره ; لأنه أضاف الإقرار إلى حالة لا تنافي الإلزام بحكم الإقرار إلا أن يكون العبد صبيا فيكون القول قوله حينئذ لإضافة الإقرار إلى حالة معهودة تنافي الالتزام بحكم الإقرار أصلا إلا لأن يقيم المشتري البينة أنه أقر به بعد الإذن الآخر أو في الإذن الأول فالثابت بالبينة يكون كالثابت معاينة . ولو دفع أجنبي متاعا له إلى عبد مأذون يبيعه له بغير إذن مولاه فباع فهو جائز ; لأن التوكيل بالبيع من صنيع التجار [ ص: 99 ] والمأذون يحتاج إلى ذلك ; لأنه يستعين بالناس في مثله ومن لا يعين غيره لا يعينه غيره عند حاجته والعهدة على العبد إذا كان عليه دين أو لم يكن ; لأن هذا التصرف مما يتناوله الفك الثابت بالإذن ، وكذلك لو كان - دفع مولاه إليه متاعا يبيعه له وعليه دين فإن المولى لا يكون دون أجنبي آخر في الاستعانة به في البيع فإن حجر المولى على العبد ، ثم طعن المشتري بعيب في المتاع فالعبد خصم في ذلك كما لو كان باع المتاع لنفسه وهذا ; لأن المشتري استحق الخصومة معه في العيب فلا يبطل حقه بحجر المولى فإن رد عليه ببينته أو بإباء يمين أو كان عيبا لا يحدث مثله بيع المتاع في الثمن فإن بقي منه شيء كان في عتق العبد ; لأنه في حكم العهدة بمنزلة ما لو باشر العقد لنفسه إلا أنه يرجع به على الأجنبي إن كان باعه له وعلى المولى إن باعه له ; لأن الحق في كسبه ورقبته لغرمائه والمولى كأجنبي آخر في هذه الحالة وإنما لحقته العهدة بسبب عقد باشره له فرجع به عليه فإن كان المولى والأجنبي معسرين حاص المشتري الغرماء في رقبة العبد ما بقي شيء من حقه ; لأن دينه ثابت بسبب ظاهر في حق الغرماء ، ثم يرجع المشتري بما بقي بعد ذلك من حقه على الآمر ويرجع عليه الغرماء أيضا بما أخذه المشتري من ثمن العبد ; لأن ثمن العبد حقهم وقد أخذ المشتري بعض ذلك بسبب دين كان العبد في التزامه عاملا للآمر فيرجعون عليه بذلك فيقتسمونه بالحصة . وإن كان العبد أقر بالعيب وهو يحدث مثله فإقراره باطل ; لأنه محجور عليه فلا يكون إقراره حجة في حق المولى والغرماء ولا يكون خصما فيه بعد ذلك ولكن رب المتاع هو الخصم فيه ; لأن المنفعة في هذا العقد كانت له فإن أبى اليمين أو قامت البينة على العيب أو أقر به رده عليه وأخذ منه الثمن إن كان قبضه من العبد أو هلك عند العبد ; لأن العبد كان وكيلا عنه فيده في الثمن كيد الموكل وإن حلف على العيب ثم عتق العبد ورده المشتري عليه بإقراره الذي كان في حال الحجر وأخذ منه الثمن فكان المتاع للعبد المعتق لأنه كالمجدد لذلك الإقرار بعد العتق ولأن إقراره ملزم إياه في حقه وقد خلص الحق له بالعتق ( قال : رحمه الله ) وإذا أذن الرجل لعبده في التجارة ثم أقر عليه بدين أكثر من قيمته وأنكره العبد فالدين كله لازم ; لأن إقراره في الصورة على العبد وفي الحكم على نفسه فالحكم الثابت في حالة الرق بيع الرقبة في الدين أو قضاء الدين من كسبه وذلك استحقاق على المولى [ ص: 100 ] وإقراره على نفسه صحيح فيخير المقر له بين أن يطلب بيعه في الدين وبين أن يختار استسعاءه في جميع الدين . وكذلك لو أقر عليه بكفالة بأمره فإن كفالة العبد بأمر المولى صحيحة ملزمة إياه بمنزلة التزام الدين بغيره من الأسباب فإن كانت قيمته ألف درهم فأقر المولى عليه بدين عشرة آلاف درهم ثم أعتقه فعلى المولى قيمته للغرماء ; لأنه بالإعتاق أتلف عليهم مالية الرقبة فيكون ضامنا لهم قيمته ويرجعون أيضا على العبد بقدر قيمته ; لأن المالية هي حقهم سلمت للعبد بالعتق والإقرار تصرف من المولى عليه باعتبار تلك المالية وهو بملك الرقبة يملك أن يلزمه السعاية في مقدار قيمته بعد العتق بتصرفه . ( ألا ترى ) أنه لو رهنه ، ثم أعتقه وهو معسر يجب على العبد السعاية بقدر قيمته ، وكذلك لو أقر أنه مرهون عند فلان بدين له عليه ثم أعتقه وهو معسر كان على العبد السعاية في مقدار قيمته فكذلك إذا أقر عليه بالدين وهذا ; لأن محل الدين الذمة ولكن الدين في ذمة المملوك يكون شاغلا لمالية رقبته وهذه المالية ملك المولى والذمة مملوكة للعبد وفي مقدار مالية الرقبة إقرار المولى كإقرار العبد لمصادفته ملكه فيلزمه السعاية فيه بعد العتق وهذا المعنى ينعدم في الزيادة على قدر القيمة فلا يسعى العبد فيه بعد العتق ; لأن الكسب بعد العتق خالص ملكه فلا يلزمه أن يؤدي منه إلا مقدار ما هو ثابت في حقه . فأما قبل العتق فالكسب ملك المولى والمولى مقر بأن حق المقر له في الكسب مقدم على حقه ; فلهذا يقضى جميع الدين من كسبه قبل العتق ، ثم وجوب قيمة المالية على المولى لا يمنع وجوب السعاية على العبد بقدر قيمته ; لأن السبب مختلف فإن السبب في حق المولى إتلاف مالية الرقبة وفي حق العبد وجوب الدين عليه في مقدار القيمة باعتبار نفوذ تصرف المولى عليه وعلى هذا لو أبرأ المولى من القيمة أو قومت عليه لم يراجعوا على العبد إلا بقدر قيمة العبد لأن الثابت في حقه يتصرف المولى عليه بعد العتق هذا القدر ، وكذلك لو سعى لهم العبد في خمسة آلاف ، ثم أعتقه المولى في صحته ، ثم مات ولم يدع شيئا فعلى العبد أن يسعى لهم في قيمته ; لأن ما استوفوا كان من ملك المولى ، وذلك لا يمنع وجوب السعاية على العبد بعد العتق في مقدار قيمته يتصرف المولى عليه إلا أن يكون ما بقي من الدين أقل منها فحينئذ يلزمه السعاية في الأقل بمنزلة المرهون إذا أعتقه الراهن وهو معسر يلزمه السعاية في الأقل من قيمته ومن الدين وهذا ; لأنه إذا سعى في مقدار الدين وقد وصل إلى الغرماء كمال حقهم فلا معنى لإيجاب السعاية عليه في شيء بعد ذلك ، ولو كان العبد أقر بالدين أيضا لزمه الدين كله كما [ ص: 101 ] لو لم يوجد الإقرار من المولى به أصلا وهذا ; لأن الإقرار من العبد التزام في ذمته وهو خالص حقه وفي الذمة سعة فيثبت جميع الدين بإقراره في ذمته ويؤاخذ به بعد العتق فأما إقرار المولى عليه باعتبار ماليته فلا يثبت به في حق العبد إلا بعد ما يتسع له المحل . ولو أقر عليه المولى بدين عشرة آلاف وأنكرها عليه العبد فبيع في الدين واقتسم الغرماء ثمنه فلا سبيل لهم على العبد عند المشتري ; لأن الدين الذي أقر به المولى عليه لا يكون أقوى من دين واجب عليه ظاهرا وهناك إذا بيع في الدين لم يكن للغرماء عليه سبيل عند المشتري وهذا لأن المشتري غير راض باستحقاق شيء عليه بالدين ولا يسلم الثمن للغرماء ما لم يسقط حقهم عن مطالبة في ذلك المشتري ; لأنهم إن تمكنوا من مطالبته رده المشتري بالعيب ورجع بالثمن فإن أعتقه المشتري رجع الغرماء على العبد بقيمته ; لأن مقدار القيمة بما أقر به المولى عليه ثبت لزومه في حق العبد بعد العتق بمنزلة جميع الدين الثابت بإقرار العبد أو بتصرفه فكما يطالب هناك بجميع الدين بعد العتق يطالب ههنا بقيمته بعد العتق ، ولو لم يبع في الدين حتى دبره المولى فللغرماء الخيار بين تضمين المولى قيمته وبين استسعاء المدبر في جميع دينهم ; لأن المولى بالتدبير صار مفوتا عليهم مالية الرقبة بالبيع في الدين فينزل ذلك منزلة الإعتاق في إيجاب ضمان القيمة لهم على المولى إلا أن الفرق بين هذا وبين الإعتاق من وجهين أحدهما أن هناك إذا ضمنوا المولى قيمته رجعوا على العبد بقدر قيمته أيضا وههنا لا شيء لهم على العبد حتى يعتق ; لأن كسب المدبر للمولى وهم قد استحقوا على المولى مالية الرقبة حين ضمنوه فلا يبقى لهم سبيل على كسب هو ملك المولى وهناك كسب المعتق ملكه فتضمينهم المولى قيمته لا يمنعهم من الرجوع على المعتق بقيمته ليؤدي من كسبه والثاني أن هناك لا يكون لهم استسعاء العبد إلا في مقدار قيمته وهنا لهم حق استسعاء المدبر في جميع دينهم ; لأن الكسب بعد التدبير ملك المولى والمولى مقر بجميع الدين وكون المقر له أحق بالكسب منه وهناك الكسب بعد العتق ملك العبد وهو منكر للدين فلا يلزمه أن يؤدي منه إلا مقدار ما يقدر فيه تصرف المولى عليه فإن أعتقه بعد التدبير ههنا أخذوه بقيمته فقط ; لأن الكسب بعد العتق ملكه وإن أدى خمسة آلاف ، ثم أعتقه المولى أخذوا منه أيضا قيمته وبطل ما زاد على ذلك ; لأن المستوفى من ملك المولى فلا يمنع ذلك وجوب مقدار القيمة عليه بعد العتق لنفوذ تصرف المولى عليه في ذلك القدر . ولو لم يدبره حتى مرض المولى فأعتقه ، ثم مات ولا مال له غيره فعليه أن يسعى [ ص: 102 ] في قيمته فيأخذه الغرماء دون الورثة ; لأن المولى بالإعتاق صار ضامنا مقدار قيمته للغرماء والعتق في المرض وصية فيتأخر عن الدين فعلى العبد أن يسعى في قيمته لرد الوصية ويأخذه الغرماء باعتبار أنه تركة الميت وحق الغريم في تركته مقدم على حق الوارث ، ثم يأخذ الغرماء العبد بعد ذلك أيضا بقيمته ; لأنه قد لزمه بعد العتق مما أقر به المولى مقدار قيمته ولا شيء للورثة ولا لغرماء المولى من ذلك ; لأن ما سعى فيه العبد بدل ماليته ودينه في ماليته مقدم على دين غرماء المولى ; لأن حق غرماء المولى يتعلق بماليته بمرضه وحق غريم العبد كان ثابتا في ماليته قبل ذلك ; فلهذا لا يكون لغرماء المولى مزاحمة مع غرماء العبد في شيء مما سعى فيه العبد وإن كان إنما أقر على العبد بالدين في المرض والمسألة على حالها كانت القيمة الأولى لغرماء المولى خاصة ; لأن حقهم تعلق بماليته لمرض المولى فإقراره على العبد بالدين بعد ذلك بمنزلة إقراره على نفسه وكما لا مزاحمة للمقر له في المرض مع غريم الصحة في تركة المولى فكذلك لا مزاحمة للمقر له في المرض ههنا والقيمة الأولى التي سعى العبد فيها تركة المولى فتكون لغرماء المولى خاصة ثم يسعى في قيمته لغرماء العبد خاصة ; لأن وجوب القيمة الثانية عليه باعتبار الدين الواجب عليه لإقرار المولى فيكون ذلك لغرمائه خاصة وهذا ; لأن حق غرماء المولى تعلق بمالية الرقبة وقد سلمت لهم تلك المالية . ![]()
__________________
|
|
#512
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ102 الى صـــ 111 (512) ولو لم يقر عليه بالدين ولكن أقر عليه بجناية خطأ فإنه يدفعه بها أو يفديه لأن موجب جناية العبد على المولى فإن المستحق بالجناية نفس العبد على المولى فإقراره عليه بالجناية بمنزلة البينة والمعاينة فيدفع بها أو يفديه ، وكذلك لو أقر على أمة في يدي العبد أو عبد في يديه بدين أو جناية كان مثل إقراره على العبد بذلك ; لأن كسب العبد ملك المولى كرقبته فإن أعتقها بعد ذلك فهو بمنزلة ما ذكرنا من إعتاقه العبد بعد الإقرار عليه بالدين . وإقرار الأب والوصي على الصبي المأذون له في التجارة أو على عبده باطل ; لأنه لا ملك له على الصبي ولا في ماله فإقراره عليه يكون شهادة وبشهادة الفرد لا يستحق شيء ، ثم ثبوت الولاية للأب والوصي على الصبي بشرط النظر وليس في إقرارهما عليه في معنى النظر له عاجلا . ولو أذن الصبي لعبده في التجارة ثم أقر الصبي على عبده بدين أو جناية خطأ وجحده العبد كان إقرار الصبي عليه في جميع ذلك بمنزلة إقرار الكبير لأنه بالإذن له في التجارة صار منفك الحجر بمنزلة ما لو صار منفك الحجر عنه بالبلوغ وإقراره بعد البلوغ على عبده بذلك صحيح فكذلك بعد الإذن وكذلك المكاتب أو العبد المأذون يأذن لعبده في التجارة [ ص: 103 ] ثم يقر عليه ببعض ما ذكرنا فهو بمنزلة إقرار الحر على عبده ; لأن بالكتابة والإذن له في التجارة يصير منفك الحجر عنه في الإقرار بالدين والعين إذا أقر به على نفسه فكذلك فيما يقر به على عبده لأن صحة إقراره على العبد باعتبار أن المستحق به ملك المقر والمكاتب والمأذون في هذا أسوة الحر . وإذا اشترى المكاتب ابنه أو أباه أو ولد له من المكاتبة ولد فهو مأذون له في التجارة وإن لم يأذن له المكاتب قال : لأنه مكاتب معه فإن المكاتب بمنزلة الحر يدا وولده ووالده بينهما بعضية فكما يثبت باعتبار هذا السبب حقيقة الحرية له إذا ملكه الحر فكذلك يثبت له الحرية يدا إذا ملكه المكاتب لأن ملك المكاتب يحتمل هذا القدر . ( ألا ترى ) أنه يكاتب عبده فيصح وبهذا يتبين أن من قال من أصحابنا لا يكاتب أحد على أحد فذلك وهم منه قاله من غير تأمل في الروايات المنصوصة وإذا ثبت أنه صار مكاتبا فمن ضرورته الإذن له في التجارة لأن انفكاك الحجر بالكتابة أقوى منه بالإذن له في التجارة فإن أقر عليه المكاتب بدين لم يصدق عليه ; لأن من يكاتب عليه صار ملكا للمولى داخلا في كتابته كنفس المكاتب وإقراره على مكاتب مولاه ليس بصحيح . ( ألا ترى ) أنه لا يملك أن يشغله بالدين بطريق الرهن فكذلك لا يملك الإقرار عليه بالدين إلا أن المقر له أحق بما يكسبه وبما في يده من مال كان اكتسبه ولم يأخذه منه المكاتب ; لأن المكاتب كان أحق بكسبه وأخذه فيستعين به على أداء بدل الكتابة وقد أقر أن المقر له بالدين أحق بهذا الكسب وإقراره صحيح في حق نفسه فإن كان المكاتب قد أخذ منه قبل إقراره مالا فإن ذكر المكاتب أن الدين وجب عليه بعد قبضه المال منه فالقول قوله ولا حق للغريم فيما قبضه لأن بقبض المكاتب يخرج ذلك من أن يكون كسبا له والدين إنما يلزمه في كسبه وكسبه ما في يده عند وجوب الدين عليه أو ما يكتسبه بعد ذلك وإن ذكر أنه وجب عليه قبل قبضه فالغريم أحق به منه لإقراره بتعلق حق الغريم به قبل أن يقبضه منه المولى وإن اختلفا في ذلك فالقول قول المكاتب في ذلك مع يمينه على علمه ; لأن الغريم يدعي استحقاق ذلك المال عليه والمكاتب منكر لذلك . ولو أقر عليه المكاتب بالدين ثم أدى فعتق هذا معه لكونه داخلا في كتابته ولا شيء على واحد منهما في ذلك الدين أما على المكاتب فلأنه لم يتلف على الغرماء شيئا من محل حقهم إذ لا حق لهم في مالية رقبتهم ما دام مكاتبا وأما على المقر له فلأن إقرار المكاتب عليه باطل وإنما كان يأخذ كسبه باعتبار أن المكاتب أحق بذلك الكسب وبعد العتق الكسب خالص ملكه [ ص: 104 ] فلا يلزمه أداء شيء منه بإقرار المكاتب عليه ، ولو كان اشترى أخاه أو ذا رحم محرم فيه فالجواب كذلك في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأن هؤلاء يتكاتبون عليه عندهما ، فأما عند أبي حنيفة رحمه الله فهذا بمنزلة إقراره على عبده ; لأنهم لا يتكاتبون عليه فإذا أدى المكاتب عتق وعتقوا جميعا ; لأنه ملك ذا رحم محرم منه ويضمن المكاتب من الدين الذي أقر به قدر قيمة المقر عليه يوم عتق ثم يكون على المقر عليه الأقل من قيمته وما بقي من الدين بمنزلة الحر إذا أقر على عبده ، ثم أعتقه وهذا ; لأن حق المقر له تعلق بمالية رقبته حين كان يجوز له بيعه . ولو كان حين اشترى ابنه أو أباه أقر عليه بجناية خطأ فإقراره عليه باطل ; لأن موجب جناية المكاتب يكون عليه دون مولاه ومن يكاتب على المكاتب فهو مملوك ; فلهذا بطل إقرار المكاتب عليه بالجناية عليه فإن اكتسب مالا كان المكاتب أحق به من صاحب الجناية ; لأن جناية المكاتب لا تكون مالا إلا بقضاء القاضي ولهذا لو جنى المكاتب ، ثم عجز فرد في الرق يدفع به أو يفدي ولا يباع فيه فقبل قضاء القاضي لا تكون جنايته متعلقة بكسبه فلهذا كان كسبه للمكاتب دون صاحب الجناية فإن لم يأخذه المكاتب منه حتى مات المقر له عليه بالجناية أخذ صاحب الجناية من ذلك المال الأقل من قيمته ومن أرش الجناية ; لأن بموته تحقق اليأس عن دفعه فصارت جنايته مالا بمنزلة قضاء القاضي به فيتعلق بكسبه وما بقي من المال في يده فهو في كسبه فينفذ إقرار المكاتب فيه ولو كان المكاتب قبض منه كسبه قبل موته لم يكن لصاحب الجناية على ذلك سبيل ; لأنه إنما تصير جنايته مالا بعد موته وما أخذه قبل ذلك خرج عن أن يكون كسبا له فلا يثبت فيه حق ولي الجناية بمنزلة ما لو أخذ منه كسبه ، ثم أقر عليه بدين لزمه بعد ما أخذه ، ولو لم يمت ولم يأخذ منه المكاتب كسبه حتى أدى المكاتب فعتقا فالكسب كله للمكاتب ولا شيء لصاحب الجناية فيه ولا على واحد منهما لأن إقراره بالجناية عليه كان باطلا قبل العتق وقد ازداد بالعتق بعدا عنه فلا وجه للحكم بصحة إقراره عليه بعد العتق والجناية إنما تصير مالا بعد العتق وبعد العتق لا حجة له عليه بالجناية ; فلهذا لا يجب شيء للمقر له على واحد منهما . ولو كان المكاتب أقر عليه بجناية خطأ ثم أقر عليه بدين ، ثم اكتسب المقر عليه مالا كان صاحب الدين أحق به ; لأن الجناية لا تصير مالا إلا بقضاء القاضي وما لم يصر مالا لا يتعلق صاحب الجناية بالكسب فيكون ما اكتسب لصاحب الدين خاصة إذ لا مزاحم له فيه فإذا لم يأخذه حتى مات تحاص فيه صاحب الجناية الأقل من قيمته ومن أرش الجناية وصاحب [ ص: 105 ] الدين بدينه ; لأنه رفع الناس عن الدفع بموته فتصير الجناية مالا والكسب في يده على حاله فيتعلق حق صاحب الجناية به لأن الوجوب وإن تأخر فقد كان بسبب سابق على حق صاحب الدين فكان حق صاحب الدين أحق بدينه ; لأن لكل واحد من الخصمين نوع قوة من وجه أما حق صاحب الجناية فلسبق السبب وأما حق صاحب الدين فلأنه تعلق بالكسب كما أقر به فلهذا الحق سبق من حيث التعلق بالكسب وللآخر سبق من حيث السبب فيستويان في القوة ويتحاصان في الكسب ، وكذلك إن كان المكاتب أخذ منه قبل موته كان أخذه غصبا باعتبار أن حق صاحب الدين فيه مقدم على حقه فكونه في يده وكونه في يد المقر عليه سواء ولو لم يمت ولكن المكاتب أدى الكتابة كان صاحب الدين أحق بذلك المال وبطلت الجناية ; لأن الجناية لو صارت مالا إنما تصير مالا بعد العتق ولا وجه لذلك لانعدام الحجة فإقرار المكاتب لا يكون حجة على المقر عليه بعد العتق باعتبار نفسه ولا باعتبار كسبه والجناية إنما تصير مالا على أن تكون دينا في ذمته ، ثم يقضي من كسبه فإذا انعدم ذلك بعد العتق كان صاحب الدين أحق بذلك المال فإن فضل من حقه شيء كان للمكاتب . ولو أقر عليه أو لا بدين ، ثم بجناية ، ثم مات المقر عليه وفي يده مال بدئ منه بالدين ; لأن الدين أقوى من حق صاحب الجناية فإنه أسبق سببا وتعلقا بالكسب واعتبار إقرار المكاتب عليه لأجل الكسب وإنما يعتبر ذلك إذا فرغ الكسب عن صاحب الدين فأما ما بقي من الدين فحق الغريم مقدم على حق المكاتب فيه فلا يعتبر إقراره فيه بالجناية فإن بقي شيء بعد الذي كان لصاحب الجناية بموت المقر عليه صارت مالا وهذا الفاضل من الكسب حق المكاتب فأخذه المقر له بالجناية لحكم إقراره ، ولو كان أقر بالدين أولا ، ثم بجناية ، ثم بدين وهو يجحد ، ثم مات المقر عليه وفي يده مال فإنه يبدأ منه بالدين أولا لأن حق المقر له الأول أقوى من حق صاحب الجناية للسبق والتعلق بالكسب كما أقر به وهو أقوى من حق صاحب الدين الآخر ; لأنه أسبق تعلقا بالكسب فإن فضل من دينه شيء تحاص فيه صاحب الجناية والدين الآخر ; لأن الغريم الأول لما استوفى حقه صار كأن لم يكن وكأنما يفي هو جميع الكسب وقد أقر عليه بالجناية ، ثم بالدين وفي هذا هما يتحاصان لقوة في كل واحد منهما من وجه . ولو لم يمت ولكن المكاتب أدى فعتق بدئ بالدين الأول ، ثم بالدين الآخر فما فضل عن الدينين فهو للمكاتب لما بينا أنه لا وجه لإيجاب المال عليه بإقرار المكاتب بالجناية عليه بعد العتق فكأنه ما أقر عليه إلا بدين ، ثم بدين فيبدأ [ ص: 106 ] من كسبه بالدين الأول ; لأنه أقوى ولا مزاحمة للضعيف مع القوي ثم بالدين الآخر ، ولو أقر عليه بجناية ، ثم مات المقر عليه وفي يده مال فإنه يتحاص أصحاب الجناية الأولى وصاحب الدين في ذلك المال لاستوائهما في القوة من حيث إن كل واحد منهما له نوع قوة من وجه ، ثم يدخل صاحب الجناية الأخيرة مع صاحب الجناية الأولى فيشاركه فيما أصاب ; لأن صاحب الدين لما استوفى حقه خرج من الدين وحق صاحب الجناية الأولى والجناية الأخيرة سواء . ( ألا ترى ) أنه لو لم يتخللهما الإقرار بالدين كانا مستويين في الكسب لأن حق كل واحد منهما إنما يصير مالا بعد موت المقر عليه ويتعلق بالكسب في وقت واحد والأسباب مطلوبة لأحكامها لا لأعيانها فإذا كان صيرورة الجنايتين مالا في وقت واحد كانا مستويين في الكسب كما لو أقر بهما معا ; فلهذا دخل صاحب الجناية الأخيرة مع صاحب الجناية الأولى ويشاركه فيما أصابه فإن قيل هذا ليس بصحيح لأن ما يأخذه صاحب الجناية الأخيرة لا يسلم له وأن صاحب الدين ما استوفى كمال حقه فيكون له أن يأخذ من يد صاحب الجناية الأخيرة ما يصل إليه ويقول حقي مقدم على حقك في الكسب قلنا القول بهذا يؤدي إلى دور لا ينقطع أبدا ; لأنه إذا أخذ ذلك منه لا يسلم له ولكن يأخذه منه صاحب الجناية الأولى ; لأنه يقول حقي في الكسب مثل حقك فليس لك أن تفضل علي بشيء من الكسب فإذا أخذ ذلك منه أتاه صاحب الجناية الأخيرة واسترد ذلك منه ; لأن حقه مثل حقه فلا يزال يدور هكذا فلقطع هذا الدور قال : لا يكون لصاحب الدين سبيل على ما يأخذه صاحب الجناية الأخيرة ، فإن استوفى صاحب الجناية الأولى وصاحب الدين حقهما وبقي شيء أضيف ذلك الباقي إلى ما أصاب صاحب الجناية الأولى فاقتسم جميع ذلك صاحبا الجنايتين نصفين حتى يستوفيا حقهما ; لأن حقهما في الكسب سواء والمانع لصاحب الجناية الأخيرة من المزاحمة حق صاحب الدين وقد انعدم ذلك بوصول كمال حقه إليه ، ولو لم يمت المقر عليه ولكن المكاتب أدى فعتق فصاحب الدين أحق بما في يد المقر عليه حتى يستوفي دينه فما فضل عنه كان للمكاتب ولا شيء لصاحب الجنايتين بعد عتق المقر عليه ; لما بينا ، ولو كان أقر عليه بجناية ثم بجناية في كلام متصل أو منقطع ثم مات المقر عليه تحاصا في تركته ; لأن كل واحدة من الجنايتين إنما تصير مالا بعد موته وتعلقهما بالكسب في وقت واحد وفي مثله المتقدم والمتأخر سواء كالمريض إذا أقر بدين ، ثم بدين ، ثم مات تحاصا في تركته سواء كان الإقرار بكلام متصل أو منقطع . ولو كان أقر عليه بدينين [ ص: 107 ] لرجلين في كلام متصل تحاصا أيضا في تركته ; لأن في آخر كلامه ما يغير موجب أوله وأن موجب أول الكلام اختصاص المقر له بالكسب ويتغير ذلك بالإقرار للثاني فيصير موجبه المشاركة بينهما في الكسب ومتى كان في آخر كلامه ما يغير موجب أوله توقف أوله على آخره فكأنه أقر لهما جميعا ، وإن كان قطع كلامه بين الإقرارين بدئ بالأول فإن فضل عنه شيء كان للثاني سواء مات المقر عليه أو أدى المكاتب مكاتبته لأن صحة إقرار المكاتب عليه باعتبار الكسب وكما أقر للأول بالدين تعلق حق المقر له بالكسب فإقراره بعد ذلك غير مقبول في إثبات المزاحمة للثاني مع الأول وهو نظير الوارث إذا أقر على الميت بدين ، ثم بدين فإنه يبدأ بما في يده بالدين الأول لهذا المعنى . وإذا أذن للعبد في التجارة وقيمته ألف درهم فادان ألف درهم ، ثم أقر المولى عليه بدين ألف درهم وهو يجحد ذلك ثم إن المولى أعتقه فالغريم الذي ادان العبد بالخيار ; لأن حقه أقوى ; لأنه دين من كل وجه والضعيف لا يظهر مع القوي فكأنه ليس لأحد عليه شيء سواه فإن شاء ضمن المولى قيمة العبد بإتلافه المالية المستحقة له بالإعتاق وإن شاء أخذ دينه من العبد ; لأن دينه كان ثابتا في ذمة العبد قبل العتق فبالعتق ازداد قوة ووكادة فإن ضمنه المولى لم يكن للآخر على المولى ولا على العبد شيء أما على المولى فلأنه ما أتلف إلا مالية الرقبة وقد ضمن جميع بدلها مرة وأما على العبد فلأن صحة إقرار المولى عليه باعتبار مالية الرقبة . ( ألا ترى ) أنه بعد العتق لا يسعى إلا في مقدار مالية الرقبة لو لم يكن عليه دين آخر وهنا لا فضل في مالية الرقبة على دين العبد فيبطل إقرار المولى عليه لانعدام محله ، وإن اختار الغريم أخذ دينه من العبد فللمقر له أن يأخذ المولى بقيمة العبد لأن المولى صار متلفا مالية الرقبة بالعتق ولم يغرم لصاحب دين العبد شيئا حين اختار اتباع العبد فيجعل في حقه كأنه لم يكن على العبد دين سوى ما أقر به المولى عليه فيكون للمقر له أن يضمنه قيمة العبد ; لأن المولى مصدق على نفسه وإن لم يكن مصدقا على عبده . ولو كان المولى أقر على العبد بدين ألفي درهم ولا دين عليه سواه وجحده العبد ، ثم صار على العبد ألف درهم بإقرار أو ببينة فإنه يباع فيضرب كل واحد منهما في ثمنه بجميع دينه ; لأن إقرار المولى عليه صادف محلا فارغا فإنه لم يكن عليه دين آخر حين أقر به المولى فيثبت جميع ما أقر به المولى في حال رقه وإن كان أكثر من قيمته . ( ألا ترى ) أن للمقر له أن يستسعيه في جميع الدين ، وكذلك يثبت ما أقر به العبد على نفسه بعد ذلك لبقائه مأذونا بعد إقرار المولى عليه فإذا بيع [ ص: 108 ] ضرب كل واحد منهما في ثمنه بجميع دينه كما لو حصل الإقراران من العبد ، ولو كان إقرار العبد أولا بدئ به ; لأن حق غريمه تعلق بمالية رقبته فإقرار المولى بعد ذلك صادف مالية مشغولة وصحة إقراره باعتبار الفراغ فلا يظهر مع الشغل ; فلهذا بدئ من ثمنه بما أقر به العبد على نفسه بخلاف ما لو كان الإقراران من العبد ; لأن صحة إقراره باعتبار الإذن لا باعتبار الفراغ ، وكذلك إن بيع بألفي درهم فخرج منهما ألف وتويت ألف كان الخارج منها للذي أقر له العبد ; لأن التاوي غير معتبر وباعتبار الحاصل إقرار المولى لم يصادف الفراغ في شيء مما أقر به . فإن كان العبد أقر بألف ثم أقر عليه المولى بألف ثم أقر العبد بألف فإنه يباع ويتحاص في ثمنه اللذان أقر لهما العبد لاستواء حقهما في القوة ; فإن الإقرارين من العبد جميعهما حالة الإذن ولا مزاحمة معهما للذي أقر له المولى ; لأن حقه أضعف فإقرار المولى ما صادف فراغا في شيء من المالية ، فإن بقي من ثمنه شيء بعد قضاء دينهما كان للذي أقر له المولى ; لأن الفاضل للمولى وقد زعم هو أن المقر له أحق بذلك منه وزعمه في نفسه معتبر ، ولو لم يقر العبد على نفسه بشيء وأقر عليه المولى بدين ألف درهم ، ثم بدين ألف درهم في كلام منقطع فإنه يباع فيبدأ بالألف ; لأن حق الأول أقوى فإقرار المولى له صادف فراغا ولأن صحة إقرار المولى على عبده باعتبار المالية وقد صارت المالية مستحقة للمقر له الأول فلا يعتبر إقراره في إثبات المزاحمة للثاني معه ولكن يستوفي الأول دينه فإن بقي شيء كان للثاني ، وإن كان وصل كلامه فقال لفلان على عبدي هذا ألف درهم ولفلان ألف درهم تحاصا في ثمنه ; لأن في آخر كلامه ما يغير موجب أول كلامه ، فإن صدقه العبد في أحدهما والكلام متصل أو منقطع تحاصا في ثمنه ; لأن العبد بالتصديق صار مقرا بدين أحدهما فكأن المولى أقر عليه بدين ثم أقر العبد على نفسه بدين ، وفي هذا يتحاصان في ثمنه ، وإن صدقه في أولهما بدئ به لأن التصديق متى اتصل بالإقرار كان كالموجود عند الإقرار . ( ألا ترى ) أن الصحيح إذا أقر بدين لغائب ، ثم حضر المقر له في مرضه وصدقه جعل ذلك دين الصحة فههنا أيضا يصير العبد بالتصديق كالمقر بذلك الدين حين أقر المولى به فهو نظير ما لو أقر العبد على نفسه بدين ، ثم أقر المولى عليه بدين ، وهذا إذا كان إقرار المولى بهما منقطعا ، فإن كان متصلا تحاصا في ثمنه ; لأن باتصال الكلام يصير كأن الإقرارين من المولى وجدا معا فتثبت المحاصة بينهما في ثمنه ، ثم التصديق من العبد بعد ما أوجب الدينين في رقبته لا يكون مغيرا للحكم . ولو كانت قيمة العبد ألف درهم وخمسمائة فأقر العبد [ ص: 109 ] بدين ألف درهم ثم أقر المولى عليه بدين ألف درهم ، ثم أقر العبد بدين ألف ثم بيع العبد بألفي درهم فإنه يضرب كل واحد من غريمي العبد في ثمنه بجميع دينه ويضرب الذي أقر له المولى في ثمنه بخمسمائة فيكون الثمن بينهم أخماسا ; لأن الإقرارين من العبد جميعهما حالة الإذن فيثبت جميع دين كل واحد منهما ، فأما الإقرار من المولى فحين وجد كان الفارغ منه بقدر خمسمائة ; لأن قدر الألف من ماليته كان مشغولا بحق غريم العبد ، وصحة إقرار المولى عليه باعتبار الفراغ وإنما يصح من إقرار المولى في حق المزاحمة بقدر الفارغ منه وهو خمسمائة فإذا جعلت كل خمسمائة سهما كان الثابت على العبد خمسة أسهم فيجعل ثمنه على خمسة لكل واحد من غريمي العبد خمساه وللذي أقر له العبد خمسه ، ولو لم تبع وأعتقه المولى وقيمته ألف وخمسمائة كان ضامنا لهما قيمته بالإعتاق ، ثم هذه القيمة بدل مالية الرقبة كالثمن لو بيع العبد فيقسم بينهم أخماسا فيجعل لكل واحد من غريمي العبد خمسمائة ويرجع كل واحد منهما على العبد بما بقي من دينه وهو أربعمائة ; لأن جميع دين كل واحد منهما ثابت على العبد ، ويرجع الذي أقر له المولى على العبد بمائتين ; لأن الثابت من دينه على العبد خمسمائة وقد وصل إليه ثلثمائة فبقي من هذا الثابت مائتان ، وإن شاء الغرماء تركوا المولى واتبعوا العبد بالثابت من ديونهم ، فإن اتبعوه أخذ منه الغريمان اللذان أقر لهما العبد جميع دينهما ألفي درهم وأخذ منه الذي أقر له المولى خمسمائة لأن هذا القدر هو الثابت على العبد بإقرار المولى عليه فلا يطالبه بعد العتق إلا به ثم يرجع على المولى بخمسمائة درهم أيضا ; لأن المولى مقر بأن ذلك الدين على عبده وأنه استهلك رقبته بالإعتاق وقد برئ من حق غريمي العبد بإبرائهما إياه فكان للذي أقر له المولى أن يرجع عليه بما بقي من دينه حتى يصل إليه كمال حقه . ولو كانت قيمة العبد ألف درهم فأقر العبد بدين ألف درهم ، ثم أقر المولى عليه بدين ألف درهم ثم ازدادت قيمته حتى صارت ألفي درهم ، ثم أقر العبد بدين ألف درهم ، ثم بيع بألفي درهم فجميع الثمن للدين أقر لهما العبد خاصة ; لأن المولى أقر عليه وليس في ماليته شيء فارغ عن حق غريم العبد عند ذلك ، وصحة إقرار المولى عليه باعتبار الفراغ فلم يثبت شيء مما أقر به المولى في مزاحمة غريمي العبد ، وبالزيادة التي حدثت بعد ذلك لا يتغير حكم إقرار المولى إذ لا معتبر بالزيادة المتصلة وحين بيع فلا فضل في ثمنه على حق غريميه فلهذا كان الثمن كله لغريمي العبد ، ولو أعتقه المولى يضمن قيمته ; لأن القيمة بدل المالية كالثمن ، ولو اختار اللذان أقر لهما العبد اتباعه وأبرآ من القيمة المولى كان للذي أقر [ ص: 110 ] له المولى أن يأخذ المولى بجميع دينه ; لأن المولى استهلك مالية الرقبة وفي زعمه أن حق المقر له كان ثابتا في هذه المالية وزعمه معتبر في حقه ، ثم حقه ثابت في هذه المالية إذا فرغ من حق غريمي العبد بدليل أنهما لو أبرآه عن دينهما بيع للمقر له وحين اختار المقر اتباع العبد فقد فرغت هذه المالية من حقهما ; فلهذا كان للذي أقر له المولى أن يضمنه هذه المالية ويستوفيه بدينه . ولو كانت قيمة العبد ألفا وخمسمائة فأقر عليه المولى بدين ألف ، ثم بألف ثم بألف في كلام منقطع ، ثم بيع العبد بألف فهو بين الأولين أثلاثا يضرب فيه الأول بألف والثاني بخمسمائة ; لأن جميع الدين الأول ثبت على العبد بإقرار المولى به فإنه صادف محلا فارغا ، وقد ثبت من دين الثاني نصفه بإقرار المولى ; لأن الفراغ من ماليته عند ذلك كان بقدر خمسمائة فيضرب كل واحد منهما في الثمن بما هو ثابت من دينه . ولو أعتقه المولى وقيمته ألف درهم ضمن قيمته ألف درهم ; لأن وجوب الضمان عليه باستهلاك المالية بالإعتاق وإنما يعتبر قيمة المستهلك عند الاستهلاك ثم يقتسم الأولان هذه القيمة بينهما أثلاثا على قدر الثابت من دين كل واحد منهما لما بينا أن في ثبوت الدين يعتبر الفراغ وقت الإقرار ، ثم يرجعان على العبد بخمسمائة لأن الثابت من دينهما على العبد ألف وخمسمائة وقد استوفيا من المولى مقدار ألف فيرجعان على العبد بما بقي مما هو ثابت من دينهما وهو خمسمائة فيقتسمانها أثلاثا ، وإن طلبا أولا أخذ العبد أخذاه بألف درهم مقدار قيمته ; لأن العبد بعد العتق لا يلزمه من الدين الذي أقر عليه المولى به إلا مقدار قيمته فيرجعان عليه بألف مقدار قيمته ويقتسمان ذلك أثلاثا على قدر الثابت من دينهما ، ثم يرجعان على المولى بجميع قيمته أيضا ; لأنه استهلك مالية الرقبة فيكون ضامنا لهما جميع القيمة ، فإذا استوفيا ذلك منه وصل إليهما جميع دينهما بخلاف ما إذا ضمنا المولى في الابتداء فهناك لا يتبعان العبد إلا بالباقي مما هو ثابت من دينهما وهو خمسمائة ; لأن العبد كان منكرا لما أقر به المولى عليه فأما إذا أتبعا العبد أولا بمقدار قيمته والمولى مقر أن جميع دينهما ثابت فبحكم إقراره يكون لهما أن يأخذا المولى بجميع القيمة حتى يصل إلى كل واحد منهما كمال حقه ، وإذا أتبعا المولى فاستوفيا منه خمسمائة اقتسما ذلك أثلاثا أيضا ، ثم قد وصل إلى المقر له الأول كمال حقه فالخمسمائة الباقية على المولى يستوفيها المقر له الثاني . ولو كان المولى أقر بهذه الديون إقرارا متصلا كانوا شركاء في ثمن العبد ; لأن باتصال الكلام يصير كأن الإقرار منه لهم حصل في كلام واحد معا ، وإن أعتقه المولى أتبعوا المولى بالقيمة ثم يرجعوا على العبد [ ص: 111 ] بقدر قيمته مما بقي من دينهم وما زاد على ذلك فهو تاو لأن المولى لا يغرم إلا قيمة ما استهلك والعبد بعد العتق لا يغرم مما أقر به المولى عليه إلا مقدار قيمته . حتى لو كانت قيمة العبد ألف درهم فأقر عليه المولى بدين ألف ، ثم أقر بعد ذلك بدين ألف ، ثم ازدادت قيمته حتى صارت ألفين ، ثم أقر عليه بدين ألف ، ثم بيع العبد بألفي درهم فهو بين الأول والآخر نصفان ولا شيء للأوسط لأنه حين أقر للأول ثبت جميع ما أقر به لفراغ ماليته عند ذلك وحين أقر للثاني لم يثبت شيء مما أقر به ; لأنه ليس في ماليته فضل على الدين الأول وحين أقر للثالث ثبت جميع ما أقر به ; لأن في ماليته فضلا على حق الأول بقدر الألف وإقرار المولى عليه متى صادف محلا فارغا كان صحيحا ; فلهذا قسم الثمن بين الأول والآخر نصفين وإن بيع بألفين وخمسمائة استوفى الأول والآخر دينهما وكان الفضل للأوسط ; لأن الفاضل من حقهما للمولى والمولى مقر بوجوب الدين للثاني عليه وهو مصدق على نفسه ، ولو أعتقه المولى وقيمته ألفان أخذ الأول والآخر قيمته من المولى ولا شيء للأوسط ; لأن القيمة بدل المالية كالثمن فإن أعتقه وقيمته ألفان وخمسمائة أخذ الأول والآخر من المولى ألفين وكانت الخمسمائة الباقية للأوسط باعتبار زعم المولى ولا شيء له على العبد ; لأن شيئا من دينه غير ثابت في حق العبد ، فإن توى بعض القيمة على المولى كان التاوي من نصيب الأوسط خاصة لأن حقه في الفاضل ولا يظهر ذلك ما لم يستوف الأول والآخر كمال حقهما بمنزلة مال المضاربة إذا توى منه كان التاوي من الربح دون رأس المال . ولو كانت قيمة العبد ألفا وخمسمائة فأقر المولى عليه بدين ألف ثم بألف ، ثم بألفين ، ثم بيع العبد بثلاثة آلاف فإن الأول يستوفي ألف درهم تمام دينه وكذلك الثاني ويبقى ألف درهم فهو للثالث فإن خرج من الثمن ألف درهم وتوى الباقي كان ثلثا الألف للأول وثلثها للثاني ; لأن جميع دين الأول ثابت على العبد والثابت من حق الثاني بقدر خمسمائة ; لأن الفارغ عن ماليته يومئذ كان هذا المقدار فيقتسمان ما يخرج من الثمن على قدر الثابت من دينهما فيكون الخارج تمام دينه لأن حقه أقوى من حق الثالث فالإقرار له من المولى كان سابقا على الإقرار للثالث فما يتوي يكون على الغريم الثالث ، وإن استوفى الثاني جميع دينه ثم خرج شيء بعد ذلك كان للثالث ، ولو كان الإقرار كله متصلا كان الخارج بينهم على قدر دينهم والتاوي بينهم جميعا بمنزلة ما لو حصل الإقرار لهم بكلام واحد ، ولوكان الإقرار منقطعا ، ثم أقر العبد بعد ذلك بدين ألف ، ثم بيع بثلاثة آلاف فإن الغريم الأول والذي [ ص: 112 ] أقر له العبد يأخذ كل واحد منهم جميع دينه ، وكذلك الثاني الذي أقر له المولى يأخذ جميع دينه مما بقي من الثمن ولا شيء للثالث ; لأن حقه دون حق الثاني وحق غريم العبد ثابت بعد إقرار المولى لبقاء الإذن فإن توى من الثمن ألف درهم وخرجت ألفان كانتا بين الأول والثاني والذي أقر له العبد أخماسا ; لأن جميع دين الأول ثابت وجميع دين الذي أقر له العبد على نفسه ثابت والثابت ، للمقر له الثاني مقدار خمسمائة ; فإن الفارغ من مالية الرقبة يومئذ كان هذا القدر فيضرب كل واحد منهم في الخارج من الثمن بقدر الثابت من دينه فيكون مقسوما بينهما أخماسا سواء كان الخارج ألفين أو ألفا وخمسمائة للأول خمساه وللذي أقر له العبد خمساه وللثاني الذي أقر له المولى خمسه . ![]()
__________________
|
|
#513
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ112 الى صـــ 121 (513) وإذا أذن لعبده في التجارة وقيمته ألف درهم فاشترى وباع حتى صار في يده ألف درهم ، ثم أقر العبد بدين ألف ثم أقر عليه المولى بألف فالألف الذي في يده بين الغريمين نصفان ; لأن دين العبد يقضى من كسبه كما يقضى من بدل رقبته وباعتبارهما جميعا إقرار المولى صادف محلا فارغا في جميع ما أقر به فهو كما لو حصل الإقراران من العبد فيقسم الكسب بينهما نصفان ، ولو كان المولى أقر عليه بألفين معا قسم ثمن العبد وماله بينهما نصفين لأن الثابت مما أقر به المولى عليه بقدر الفارغ من مالية رقبته وكسبه ، وذلك مقدار ألف ; فلهذا قسم الثمن والكسب بينهما نصفين ، ولو كان المال في يد العبد خمسمائة فأقر العبد بدين ألف ، ثم أقر عليه المولى بدين ألفين ، ثم أقر العبد بدين ألف لم يضرب الذي أقر له المولى في ثمن العبد وكسبه مع غريميه إلا بخمسمائة ; لأن الفاضل حين أقر له المولى مقدار خمسمائة فيثبت بما أقر به المولى وجميع دين كل واحد من غريمي العبد ثابت فيقسم الثمن والكسب بينهم أخماسا ، ولو كان أقر المولى قبل إقرار العبد بالدين الأول كان ثمن العبد وماله بينهم أرباعا سهمان من ذلك للذي أقر له المولى ولكل واحد من غريمي العبد سهم ; لأن المولى حين أقر عليه كان العبد فارغا عن كل دين فثبت جميع ما أقر به المولى في حال رقه ، وإن كان أكثر من قيمته فيضرب في الثمن والكسب الذي أقر له المولى في جميع دينه ; فلهذا كانت القسمة أرباعا بخلاف الأول فهناك إقرار المولى وجد بعد اشتغال العبد بالدين الذي أقر به على نفسه فلا يثبت مما أقر به المولى عليه إلا بقدر الفاضل من ماليته على دين العبد ; لأن مقدار الفاضل فارغ من دين العبد فيصح إقرار المولى عليه بقدر ذلك والله أعلم [ ص: 113 ] قال رحمه الله ) وإذا باع العبد المأذون المديون متاعا له من مولاه بقدر قيمته أو بأكثر فهو جائز ; لأنه ليس في تصرفه إسقاط حق الغرماء عن شيء مما تعلق حقهم به وقد بينا فرق أبي حنيفة بين هذا وبين بيع المريض من وارثه فإذا سلم المتاع إلى مولاه وأقر بقبض الثمن منه لم يصدق على ذلك حتى تشهد الشهود على معاينة القبض ; لأن في تصحيح إقراره إبطال حق الغرماء عما تعلق حقهم به من مالية الثمن ، والعبد فيما يقر به لمولاه متهم في حق غرمائه لأنه يؤثر مولاه على غرمائه وإقرار المتهم لا يصح في إبطال حق الغير بخلاف إقراره بقبض الثمن من أجنبي ; لأنه غير متهم في ذلك يوضحه أن إقراره بالقبض في معنى الإقرار بالدين ; لأن الديون تقضى بأمثالها والمقبوض يصير مضمونا على القابض ، ثم يسقط الدين بطريق المقاصة وإقراره للأجنبي بالدين أو بالعين صحيح في حق الغرماء فكذلك إقراره بالقبض من الأجنبي ، فأما إقراره بالدين والعين لمولاه فلا يكون صحيحا في حق الغرماء فكذلك إقراره بالقبض ، والمولى بالخيار إن شاء أعطى الثمن مرة أخرى وإن شاء نقض البيع ورد المتاع لأنه لزمه زيادة في الثمن لم يرض بالتزامها ، وذلك مثبت له الخيار وإقرار العبد له صحيح في إثبات الخيار ; لأنه يملك الإقالة معه إذ ليس فيه إبطال حق الغرماء عن شيء مما تعلق حقهم به فكذلك إقراره يجعل معتبرا في إثبات حق الفسخ للمولى فإن كان المتاع قد هلك في يده فعليه أن يؤدي الثمن ولا خيار له ; لأن فسخ العقد في الهالك لا يتحقق وإثبات الخيار له للفسخ ، وكذلك إن كان حدث به عيب عنده لأن في إثبات خيار الفسخ له ههنا إضرارا بالغرماء ولأنه يثبت له خيار الفسخ لدفع الضرر عن نفسه فلا يجوز إثباته على وجه يكون فيه إلحاق الضرر بغيره ، وكذلك كل دين وجب للعبد على مولاه فأقر بقبضه منه لم يصدق ولا يبرأ المولى منه حتى يعاين الشهود القبض ; لما بينا أن إقراره بالقبض في معنى الإقرار له بالدين أو العين ، وكذلك إقرار وكيل العبد بقبض الدين من المولى ; لأن الوكيل قائم مقام الموكل فإنه هو الذي سلطه على القبض فإقراره بالقبض كإقرار الموكل به صدقه العبد في ذلك أو كذبه . وإذا أذن الرجل لابنه الصغير في التجارة أو أذن له وصي الأب فلحقه دين ، ثم باع عبدا من ابنه أو من وصي ابنه فبيعه جائز إذا باعه بالقيمة أو بأقل منها بما يتغابن الناس فيه ; لأن انفكاك الحجر عنه بالإذن بمنزلة انفكاك الحجر عنه بالبلوغ . ( ألا ترى ) أنه في تجارته مع الأجنبي [ ص: 114 ] يجعل كذلك فكذلك في تجارته مع الأب والوصي وإن كان باعه بشيء لا يتغابن الناس فيه لم يجز بيعه في قياس قول أبي حنيفة ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد أما عندهما فظاهر ; لأن الصبي المأذون والعبد عندهما لا يملكان البيع بالمحاباة الفاحشة من أجنبي ; لأن في ذلك معنى التبرع وهما ليسا من أهل التبرع فكذلك بيع الصبي من الأب والوصي بمحاباة فاحشة وعند أبي حنيفة رحمه الله يملكان البيع من الأجنبي بالمحاباة الفاحشة على ما نبينه في موضعه ، فأما في بيع الصبي من وليه بالمحاباة فروايتان في إحدى الروايتين يملك ; لأن رأيه بعد الإذن إذا انضم إلى رأي وليه كان بمنزلة رأيه بعد البلوغ وفي هذا لا فرق بين أن يكون معاملته مع وليه أو مع أجنبي وهذا ; لأنه عامل لنفسه في خالص ملكه إلا أن يكون نائبا عن وليه وفي الرواية الأخرى لا يجوز هذا ; لأن الولي في هذا الرأي متهم في حق نفسه فباعتبار التهمة ينعدم انضمام رأي الولي إلى رأيه في هذا التصرف . يوضحه أن الصبي وإن كان متصرفا لنفسه فهو بمنزلة النائب عن وليه من وجه حتى ملك الحجر عليه فباعتبار معنى النيابة قلنا لا يبيع من وليه بغبن فاحش كما لا يبيع من نفسه وباعتبار أنه متصرف لنفسه قلنا يبيع من وليه بمثل قيمته أو بغبن يسير مع أن في بيع اليتيم من الوصي الذي ذكره في السؤال ههنا نظرا فقد ذكر مفسرا في موضع آخر أنه لا يجوز لأنه من وجه نائب والوصي لا يملك بيع مال اليتيم من نفسه بمثل قيمته ولا بغبن يسير فكذلك لا يملكه اليتيم بعد إذن الوصي له ; لأنه يتمكن فيه تهمة المواضعة وأن الوصي ما قصد بالإذن النظر للصبي وإنما قصد تحصيل مقصود نفسه بخلاف الأب فإنه يملك بيع مال ولده من نفسه بمثل قيمته وبغبن يسير ولا يتمكن تهمة ترك النظر له عند الإذن له في التجارة بهذا التصرف ، فإن أقر الصبي بقبض الثمن مع صحة البيع جاز بخلاف إقرار العبد بقبض الثمن من المولى لما بينا أن الإقرار بالقبض كالإقرار بالدين أو العين وإقرار الصبي المأذون لأبيه أو وصيه بدين أو عين صحيح فكذلك إقراره بقبض الدين منهما وهذا ; لأن المال خالص ملكه وحق الغرماء في ذمته لا في ماله وقد صار منفك الحجر عنه بالإذن فيصح إقراره في محل هو خالص حقه ، فأما دين العبد فمعلق بكسبه فإقراره للمولى بشيء منه يصادف محلا مشغولا بحق غرمائه ; فلهذا لا يصح . وإذا وكل العبد التاجر المديون وكيلا يبيع متاعا له من مولاه فباعه جاز كما لو باع العبد بنفسه فإن أقر الوكيل أنه قبض الثمن من المولى ودفعه إلى العبد وصدقه العبد أو كذبه لم يصدق على ذلك إلا أن يعاين الشهود القبض لأن [ ص: 115 ] الوكيل قائم مقام الموكل وبقبضه يصير المقبوض للموكل ويكون مضمونا عليه فكان هذا في معنى إقراره للمولى بعين في يده وذلك لا يصح من العبد سواء كان الإقرار منه أو من وكيله إلا أن للمولى أن ينقض البيع أو يؤدي الثمن ; لما لزمه من الزيادة في الثمن بزعمه فأيهما فعل كان له أن يتبع الوكيل بالثمن الذي أقر بقبضه منه ; لأن إقرار الوكيل على نفسه صحيح في حقه وقد أقر بقبض الثمن فإذا فسخ المولى البيع كان عليه رد المقبوض باعتبار إقراره به ، وكذلك إن أدى الثمن مرة أخرى ; لأن الوكيل إنما قبض الثمن منه ليستفيد البراءة عن الثمن بقبضه ولم يستفد ذلك حين غرم الثمن مرة أخرى فكان له أن يرجع على الوكيل بما أقر بقبضه ولا يرجع به الوكيل على العبد ; لأن إقراره بالقبض غير صحيح في حق العبد لمراعاة حق الغرماء وإذا لم يظهر القبض بإقراره في حق القيمة لا يكون له أن يرجع عليه بشيء ، ولو ظهر القبض في حق العبد بإقراره لما غرم له المولى الثمن مرة أخرى . ولو دفع العبد إلى مولاه ألف درهم وديعة أو بضاعة أو مضاربة ثم أقر بقبضها منه فالقول قوله ; لأن المال أمانة في يد المولى حتى لو قال : دفعتها إليه وكذبه العبد كان القول قول المولى لإنكاره وجوب الضمان عليه فكذلك إذا أقر العبد بقبضها منه ; لأنه إنما لا يصح إقرار العبد إذا كانت المنفعة للمولى في إقرار العبد بالقبض ; لأنه يستفيد البراءة بقوله دفعتها وإن لم يقر به العبد بخلاف المال المضمون عليه فإن قيل بل فيه منفعة وهو سقوط اليمين عن المولى قلنا نعم ولكن ليس في يمينه حق الغرماء وإنما لا يقبل قول العبد إذا سقط عنه بإقراره شيء مما تعلق به حق غرمائه مع أن الغرماء إن ادعوا على المولى أنه استهلك ذلك المال كان عليه اليمين في ذلك . ولو دفع العبد إلى المولى ألف درهم مضاربة بالنصف فربح فيه المولى ألف درهم ، ثم قال العبد قد أخذت من المولى رأس المال وحصتي من الربح وكذبه الغرماء أو ادعى ذلك المولى وكذبه العبد والغرماء فلا ضمان على المولى مع يمينه ; لأن المال كله أمانة في يد المولى فهو فيما يزعم أنه دفعه إلى العبد ينكر وجوب الضمان عليه وللعبد أن يأخذ من المولى ما أصابه من الربح فيكون له من رأس ماله ; لأن العبد والمولى لا يصدقان على أن يسلم للمولى حصته التي قبض من الربح بل يجعل ما ادعى المولى أنه دفعه إلى العبد كالتاوي فكأن المال كله ما بقي في يد المولى فيستوفيه العبد بحساب رأس ماله ولا يصدق العبد في حق غرمائه في أن ذلك حصة المولى من الربح لأن فيه إسقاط حق الغرماء عما تعلق حقهم به . ولو شارك العبد مولاه شركة عنان بخمسمائة درهم [ ص: 116 ] مما في يديه وخمسمائة من مال مولاه على أن يبيعا ويشتريا فهو جائز ; لأن المولى من عبده المديون في حكم التصرف في كسبه كأجنبي آخر فيجوز بين العبد وبينه شركة العنان والمضاربة فإن اشتريا وباعا فلم يربحا شيئا ، ثم أقر العبد أنه قد قاسم مولاه المال واستوفى منه نصفه ودفع إلى المولى نصفه وصدقه المولى فإن العبد لا يصدق على القسمة وللغرماء أن يأخذوا من المولى نصف ما قبض ; لأن قول المولى مقبول في براءته عن ضمان ما زعم أنه دفعه إلى العبد فإنه أمين في ذلك وإقرار العبد بذلك لا يكون مقبولا لاختصاص المولى بما بقي لما فيه من إبطال حق الغرماء عن شيء مما تعلق به حقهم فيجعل ما تصادقا على دفعه إلى العبد كالتاوي وكان مال الشركة هو ما بقي في يدي المولى فللغرماء أن يأخذوا من المولى نصفه ، وكذلك كل شيء كان بينهما على الشركة فإن العبد لا يصدق على القسمة والقبض إلا إن تعاين الشهود ذلك لحق غرمائه . وإذا وكل المأذون المديون رجلا يبيع له متاعا من مولاه فباعه ، ثم حجر المولى على عبده فأقر الوكيل بقبض الثمن لم يصدق على ذلك ; لأنه قائم مقام الموكل وبالحجر عليه لا يخرج العبد من أن يكون الحق له في المقبوض بقبضه ليصرفه إلى غرمائه فكما أن إقرار الوكيل به لا يصح قبل حجر المولى على عبده فكذلك إقراره بعد الحجر لأن الوكيل نائب عن العبد في الوجهين . ولو كان القاضي باع العبد للغرماء في دينهم ، ثم أقر الوكيل أنه قد قبض الثمن من المولى فضاع في يده فهو مصدق مع يمينه ; لأن العبد لما خرج من ملك المولى فقد خرج الوكيل نائبا عنه في القبض ولكنه نائب عن غرمائه بقبض الثمن لهم فيقضي به دينه فيكون إقراره كإقرار الغرماء بقبضه وهذا ينبني على ما تقدم بيانه أن العبد لو كان باشر البيع بنفسه ، ثم باعه مولاه لم يكن له حق قبض الثمن وإنما ذلك لغرمائه فكذلك إذا كان البائع وكيله قلنا ينفذ بيع المولى إياه والوكيل نائب عن الغرماء فيصح إقراره بالقبض . وإذا كان على العبد المأذون دين فأخذ المولى جارية من رقيقه فباعها وقبضها المشتري وتوى الثمن على المشتري فأقر العبد أنه أمر مولاه بذلك فإقراره جائز ; لأنه يملك الإذن للمولى في بيعها فيصح إقراره بالإذن له أيضا ; لأن من أقر بما يملك إنشاءه لا يكون متهما في إقراره وقد طعن عيسى رحمه الله في هذا الجواب وقال ينبغي أن لا يصدق العبد على ذلك ; لأن المولى صار ضامنا قيمتها حين سلمها إلى المشتري قبل أن يظهر أمر العبد إياه ببيعها ففي إقرار العبد براءة لمولى من شيء قد لزمه وبمجرد قول العبد لا يبرأ المولى عما لزمه ; لما فيه من إبطال [ ص: 117 ] حق غرمائه على قياس مسألة أول الباب ، ومسألة الإجازة ذكرها بعده أن الجارية لو هلكت في يد المشتري ، ثم أقر العبد أنه كان أجاز بيع المولى فإقراره باطل والمولى ضامن قيمة الجارية لهذا المعنى ولكن ما ذكره في الكتاب أصح فإن في مسألة أول الباب العبد أقر بقبض دين كان ثابتا على المولى وكان حق الغرماء متعلقا به فكان في إقراره إسقاط حق الغرماء وههنا هو يقر بأن المولى لم يكن ضامنا ; لأن بيعه كان بأمره فلا يكون ذلك إسقاطا منه لحق الغرماء بل إنكار الثبوت حقهم في ذمة المولى ، وذلك صحيح من العبد . ( ألا ترى ) أن المولى لو وهب شيئا من عبده في ذمة العبد كان صحيحا وإن كان لو قتله يتعلق به حق غرمائه بخلاف ما لو وهب العبد المديون شيئا من كسبه من المولى ، وفي مسألة الإجازة قد ثبت وجوب الضمان في ذمة المولى بهلاك الجارية في يد المشتري وتعلق به حق غرمائه فإقراره بالإجازة قبل هلاكها يكون إسقاطا لحق الغرماء ، ثم أقر بما لا يملك إنشاءه ; لأن أمره إياه ببيعها وهي قائمة في يد المشتري بعينها يكون صحيحا فكذلك إقراره بالأمر يكون صحيحا ، ولو أنكر العبد أن يكون أمر المولى ببيعها ضمن المولى قيمة عبده فكانت بين الغرماء وهذا اللفظ غلط بل إنما يضمن المولى قيمة الجارية لأنه كان غاصبا في بيعها وتسليمها بغير أمر العبد فهو في ذلك كأجنبي آخر فيضمن قيمتها لعبده وتكون القيمة بين غرمائه كسائر أكسابه . ولو قال العبد لم آمر المولى بذلك ولكن قد أجزت البيع فإن كانت الجارية قائمة بعينها أو لا يدري ما فعلت فالبيع جائز وقد بريء المولى من ضمان الجارية ; لأن البيع كان موقوفا على إجازته كما لو باشره أجنبي والإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء ، وكذلك إن كان لا يدري ما فعلت لأنا قد عرفنا قيامها وما عرف ثبوته فالأصل بقاؤه ما لم يظهر خلافه وكما يصح منه ابتداء الإجازة يصح منه الإقرار بالإجازة ، فإن كانت قد ماتت لم يصح منه إنشاء الإجازة ; لأن إجازة العقد الموقوف إنما تجوز في حال يجوز ابتداء العقد فيه فكذلك إقراره بالإجازة بعد الهلاك باطل ; لأنه لا يملك إنشاء الإجازة ويكون المولى ضامنا قيمة الجارية كما بينا ، ولو لم يقر العبد بشيء من ذلك حتى حجر عليه مولاه ، ثم أقر أنه أمره بالبيع لم يصدق على ذلك ; لأنه أقر بالأمر في حال لا يملك إنشاءه فإنه بعد الحجر كما لا يملك إنشاء البيع لا يملك أمر المولى بالبيع فيكون هو متهما في إخراجه الكلام مخرج الإقرار وإذا لم يصدق على ذلك كان المولى ضامنا قيمتها لحق الغرماء . ولو بيع المأذون في دين الغرماء ، ثم أقر أنه أمر المولى بذلك لم يصدق ; لأنه بالبيع في الدين [ ص: 118 ] صار محجورا عليه وهو أقوى مما لو حجر عليه قصدا فلا قول له بعد ذلك في الإقرار بالأمر بالبيع كما لا قول له في إنشائه . وإذا كان على المأذون دين كثير فباع جارية له من ابن مولاه أو أبيه أو مكاتبه أو عبد تاجر عليه دين أو لا دين عليه بأكثر من قيمتها ودفعها إلى المشتري ، ثم أقر بقبض الثمن منه جاز إقراره بذلك إلا في العبد والمكاتب فإن كسب العبد لمولاه وللمولى في كسب المكاتب حق الملك فهما في حكم هذا الإقرار بمنزلة المولى ، ولو كان المولى هو المشتري فأقر العبد بقبض الثمن منه لم يجز فكذلك هنا . ( ألا ترى ) أن إقراره لعبد مولاه أو لمكاتب مولاه بدين أو عين بمنزلة إقراره لمولاه ، فأما في حق الأب والابن فليس للمولى في ملكهما ملك ولا حق ملك وإقرار العبد بالدين أو العين لأبي مولاه أو ابنه صحيح فكذلك إقراره بقبض الثمن منه ووكيل العبد في ذلك بمنزلة العبد ; لأنه نائب عنه . ولو كان ابن العبد حرا فاستهلك مالا للعبد الذي هو أبوه أو امرأته أو مكاتب ابنه أو عبده وعليه دين أو لا دين عليه فأقر العبد المأذون أنه قد قبض ذلك من المستهلك لم يصدق على ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله سواء كان على المأذون دين أو لم يكن وهو مصدق في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وهذا بناء على الأصل الذي بينا أن عند أبي حنيفة رحمه الله الإنسان في حق من لا تجوز شهادته له متهم في حق الغرماء في إقراره كما أنه متهم في شهادته فإن كان على العبد دين فكسبه حق غرمائه وهو متهم في الإقرار بقبض الدين ممن لا تجوز شهادته له لحق الغرماء ، وإن لم يكن عليه دين فكسبه حق مولاه وهو متهم في حق المولى أيضا في إقراره بالقبض ممن لا تجوز شهادته له وعندهما لا يكون متهما في الوجهين جميعا ولو كان المستهلك أخاه كان إقراره بالقبض منه جائزا ; لأنه في حق الأخ غير متهم في الشهادة له بل الأخ في ذلك كأجنبي آخر فكذلك في الإقرار بالدين له وفي الإقرار بالقبض منه ولا يمين على الأخ بعد إقرار العبد بالقبض منه لأن اليمين ينبني على دعوى صحيحة ولا دعوى لأحد عليه بعد ما حكمنا بصحة إقرار العبد بالقبض منه . وإذا كان على العبد دين فدفع متاعا إلى مولاه وأمره أن يبيعه فباعه من رجل وسلمه إليه ، ثم أقر المولى أنه قد قبض الثمن من المشتري ودفعه إلى العبد فهو مصدق على ذلك مع يمينه لأن المولى أمين في بيع المتاع وقبض الثمن فإذا ادعى أداء الأمانة كان القول قوله مع يمينه ولا يمين على المشتري ; لأن من عامله قد أقر بقبض الثمن ولا دعوى لأحد عليه سواه والاستحلاف ينبني على دعوى صحيحة . وكذلك لو كان حجر على العبد قبل الإقرار بقبض الثمن [ ص: 119 ] أو باع عبده في الدين ثم أقر بقبض الثمن بعد بيعه فإقراره جائز والمشتري بريء من الثمن ; لأن المولى إنما يملك قبض الثمن بمباشرته سببه وهو البيع ، وذلك لا يتغير بحجره على العبد ولا ببيعه وهو أمين في الثمن الذي يقبضه بعد الحجر على عبده وبيعه كما هو أمين فيه قبل الحجر عليه فإذا ادعى أنه قد ضاع في يده صدق مع يمينه لأنه أمين ينكر وجوب الضمان عليه ، ولو كان العبد هو الذي باع فأقر بقبض الثمن وعليه دين صدق في ذلك ; لأن الإقرار منه بالدين للمشتري إذا كان أجنبيا صحيح فكذلك إقراره بقبض الثمن منه ولا يمين على المشتري فيه ; لأنه لا دعوى لأحد عليه بعد صحة إقرار من عامله بقبض الثمن منه ، وكذلك لو أقر بقبض الثمن بعد ما حجر عليه مولاه لأن حق القبض إليه بعد الحجر كما كان قبله فيكون إقراره بالقبض صحيحا أيضا وهو شاهد لأبي حنيفة رحمه الله في صحة إقراره بالدين بعد ما حجر عليه المولى باعتبار ما في يده من كسبه فإن كان بيع في الدين ، ثم أقر بقبض الثمن أو عاينت الشهود دفع الثمن إليه بعد ما بيع فالثمن على المشتري على حاله ; لأنه بالبيع ثبت الحجر عليه حكما لتجدد الملك فيه للمشتري وصار هو في معنى شخص آخر فلا يبقى له حق قبض الثمن كما لا حق في قبض الثمن لغيره من الأجانب فلا يبرأ المشتري بإقراره ولا يدفع الثمن إليه بمعاينة الشهود بخلاف ما إذا حجر عليه ولم يبعه . ولو كان المولى باع متاع العبد بأمره من أجنبي وضمن الثمن عن المشتري لعبده فالبيع جائز والضمان باطل ; لأن الوكيل بالبيع في حكم قبض الثمن بمنزلة العاقد لنفسه فإنه هو المختص بالمطالبة وبالقبض على وجه لا يملك أحد عزله عنه فلو صح ضمانه عن المشتري كان ضامنا لنفسه ولأن الوكيل أمين بالثمن فلو صح ضمانه عن المشتري لصار ضامنا مع بقاء السبب الموجب للأمانة ، وإن قال المولى قد قبض العبد الثمن من المشتري وادعاه المشتري وانكره العبد والغرماء فالقول قول المولى مع يمينه ; لأن ضمان المولى لما بطل صار كأن لم يوجد ، ثم قد أقر بقبض مبرئ فإن قبض الموكل الثمن من المشتري يوجب براءة المشتري عن الثمن وإقرار الوكيل بقبض مبرئ يكون صحيحا . ( ألا ترى ) أنه لو قال : قبضت الثمن وهلك في يدي كان القول قوله مع يمينه فكذلك إذا أقر بقبض الموكل الثمن فالمشتري بريء من الثمن ولا يمين عليه لأنه لا دعوى لأحد عليه بعد صحة إقرار من عامله ببراءته عن الثمن ولكن على المولى اليمين ; لأنه لو أقر أنه قبض وهلك في يده استحلف على ذلك فكذلك إذا أقر أن العبد قبضه ; لأن العبد والغرماء يزعمون أنه صار مستهلكا الثمن بإقراره كاذبا وأنه ضامن الثمن لهم وهو منكر فعليه اليمين ، وكذلك لو [ ص: 120 ] أقر العبد أن المولى قبض الثمن وجحد المولى ; لأن العبد لو قبض الثمن برئ المشتري بالدفع إليه فإذا أقر أن وكيله قد قبض كان هذا إقرارا منه فهو مبرئ للمشتري فيصدق في ذلك ولا يمين على المشتري ولا ضمان ، وكذلك لا ضمان على المولى ; لأن بإقرار العبد لم يثبت وصول شيء إلى المولى في حقه . ولو استهلك رجل ألف درهم للعبد فضمنها عنه المولى جاز ضمانه ; لأنه التزم المطالبة بدين مضمون على المستهلك وهو في هذا الضمان كأجنبي آخر فإن أقر العبد بقبض المال من المولى أو من المستهلك لم يصدق فيه ; لأن في إقراره هذا ما يوجب براءة المولى عما لزمه من الدين للعبد فإن قبض المال من الأصيل يوجب براءة الكفيل فكذلك قبضه من الكفيل يوجب براءته لا محالة ، وقد بينا أن إقرار العبد بالقبض الموجب براءة مولاه عن الدين الذي عليه باطل ، وكذلك لو كان الدين على المولى فاستهلكه والأجنبي كفيل عنه بأمره أو بغير أمره ; لأنه سواء أقر بقبضه من المولى أو من الكفيل فإقراره يوجب براءة المولى لأن براءة الكفيل بالإيفاء توجب براءة الأصيل ، ولو كان العبد أبرأ الكفيل بغير قبض لم يجز ; لأنه لم يتضمن براءة الأصيل فإن إبراء الكفيل لا يوجب براءة الأصيل لأن الإبراء تبرع والعبد ليس من أهله فإبراؤه باطل سواء أبرأ الأصيل أو الكفيل ، وكذلك لو كان الغريم مكاتبا للمولى والأجنبي كفيل به أو كان الغريم هو الأجنبي والكفيل مكاتب للمولى كفل بمال عليه للمكفول عنه فهذا بمنزلة المولى وكفيله لما للمولى من حق الملك في كسب مكاتبه ، ولأن إقرار العبد لمكاتب مولاه باطل كإقراره لمولاه فكذلك إقراره بقبض يوجب براءة مكاتب مولاه عن الدين يكون باطلا ، ولو كان الغريم أبرأ المولى أو كان الكفيل ابن المولى كان العبد مصدقا على الإقرار بالقبض سواء أقر بقبضه من الأصيل أو من الكفيل ; لأن إقراره بالدين والعين لأب المولى أو ابنه صحيح فكذلك إقراره بقبض يوجب براءة ابن المولى أو أبيه عن دين له عليه يكون صحيحا والله أعلم ( قال : رحمه الله ) وإذا وكل الأجنبي عبدا تاجرا عليه دين أو لا دين عليه بقبض دين له على مولى العبد فالتوكيل جائز ; لأنه لا حق للعبد في الدين الذي على مولاه للأجنبي ولا في المحل الذي يستحق قضاء هذا الدين منه وهو مال المولى فيكون العبد فيه كأجنبي آخر . [ ص: 121 ] فإن أقر بقبضه وهلاكه في يده فالقول قوله مع يمينه ; لأنه أمين فيه كغيره ولا يمين على المولى ; لأن العبد مسلط على الإقرار بالقبض من جهة صاحب الدين فإقراره به كإقرار صاحب الدين وبعد هذا الإقرار لا دعوى لأحد عليه حتى يحلفه فإن نكل العبد عن اليمين لزمه المال في عتقه يحاص به الموكل غرماء ; لأن الأجنبي يدعي على العبد أنه مستهلك لماله بإقراره كاذبا أو مانع منه بعد ما قبضه من غريمه ، ولو أقر العبد بذلك لزمه فإذا أنكر يستحلف ويقام نكوله مقام إقراره فيكون للمقر له المزاحمة به مع غرمائه وإن كان المولى هو الوكيل بقبض دين على عبده لم يكن وكيلا في ذلك ولم يجز قبضه بإقراره ولا بمعاينة الشهود إن كان على العبد دين أو لم يكن ولا يبرأ العبد من الدين بدفعه إلى مولاه ; لأن ما على العبد من الدين مستحق على المولى من وجه فإنه يقضى من ملك المولى وهو كسب العبد أو مالية رقبته وما يكون مستحقا على المرء من الدين لا يصلح هو أن يكون وكيلا في قبضه كما لو وكل المديون بقبض الدين من نفسه وهذا ; لأن بقبضه يسلم له مالية رقبته ومن ضرورة صحة التوكيل بالقبض صحة إقراره بالقبض منه وكونه أمينا في المقبوض وهو في هذا الإقرار متهم لماله من الحظ في ذلك بخلاف الدين الواجب على المولى فإنه غير مستحق على العبد ولا هو متهم في الإقرار بقبضه وذكر في كتاب الوكالة أنه لو وكل رجلا بقبض دين من أبيه أو ابنه أو مكاتبه أو عبده جاز التوكيل وكأنه في تلك الرواية اعتبر جانب من له الدين وهو أجنبي فيكون توكيله المولى وتوكيله أجنبيا آخر سواء وأصح الروايتين ما ذكر ههنا . ولو كان لرجل عبدان تاجران فوكل أجنبي أحدهما بقبض دين له على العبد الآخر فأقر بقبضه وهلاكه في يده فالقول قوله مع يمينه ; لأن الدين المستحق على العبد لا يكون أقوى من المستحق على المولى وقد بينا أن العبد يصلح أن يكون وكيلا للأجنبي في قبض دينه من المولى وأن إقراره بالقبض بعد الوكالة صحيح فكذلك في دين واجب على عبد آخر للمولى إلا أن الأجنبي يدعي عليه استهلاك ماله بإقراره فيحلف على ذلك ويجعل نكوله كإقراره فيلزمه ذلك في عتقه ، وكذلك لو كان الوكيل مكاتبا للمولى أو ابنه لأن المكاتب منه أبعد من عبده . وإذا أراد العبد المأذون أن يقضي دين بعض غرمائه أو يعطيه به رهنا فللآخرين أن يمنعوه ; لأن حق جميع الغرماء تعلق بكسبه وفي تخصيص بعضهم بقضاء الدين إيثاره والعبد لا يملك ذلك ; لما فيه من إبطال حق الباقين عن ذلك المال كالمريض إذا خص بعض غرمائه بقضاء الدين والمقصود بالرهن الاستيفاء ; لأن [ ص: 122 ] موجبه يد الاستيفاء فيكون معتبرا بحقيقة الاستيفاء فإن كان الغريم واحدا فرهنه بدينه رهنا ووضعاه على يد المولى فضاع من يده ضاع من مال العبد والدين عليه بحاله ; لأن يد المولى لا تصلح للنيابة عن الأجنبي في استيفاء الدين من العبد حقيقة فكذلك لا تصلح النيابة للقبض بحكم الرهن ; لأنه قبض للاستيفاء وهذا ; لأن الدين الذي على العبد من وجه مستحق على المولى فيكون هذا في معنى ما لو ارتهن بدين له على إنسان وجعل الراهن عدلا فيه فتركه على يده يوضحه أن بهلاك الرهن يجب للراهن على المرتهن مثل ما كان للمرتهن عليه ، ثم يصير قصاصا ، ولو وضعاه على يد عبد له آخر أو مكاتب أو يد ابنه فهلك في يد العبد ذهب بالدين ; لأن هؤلاء يصلحون للنيابة عن الأجنبي في استيفاء دينه من العبد فكذلك في يد الاستيفاء بحكم الرهن ، ثم هلاك الرهن في يد العدل كهلاكه في يد المرتهن ، وكذلك لو وضعاه على يد عبد للعبد المأذون المديون ; لأن ذلك العبد يصلح وكيلا للأجنبي في قبض دينه من العبد المأذون مع عبده بمنزلة المولى في حق العبد المأذون وقد بينا أن العبد يصلح أن يكون وكيلا في قبض الدين من مولاه ، ولو كان الدين على المولى والعبد هو العدل في الرهن فهلك ذهب بما فيه ; لأن العبد يصلح أن يكون وكيلا في قبض ما على مولاه فيصلح أن يكون عدلا في الرهن به أيضا ، وكذلك لو لم يعرف هلاكه إلا بقول العبد ; لأنه لما انتصب عدلا كان أمينا فيه والأمين مسلط على الإخبار من جهة من ائتمنه فإخباره بالهلاك بمنزلة إقرار المرتهن به ; فلهذا يصير مستوفيا به دينه . ![]()
__________________
|
|
#514
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ122 الى صـــ 131 (514) وإذا أذن المأذون لعبده في التجارة فلحق كل واحد منهما دين فوكل بعض غرماء الأول العبد الآخر بقبض دينه فأقر بقبضه جاز إقراره ; لأن الأول في حق الآخر بمنزلة المولى في حق عبده والدين المستحق على المولى لا يكون مستحقا عبده بحال فيصلح أن يكون وكيلا في قبضه ، ولو أن بعض غرماء الآخر وكل الأول أو مولاه بقبض دينه من الآخر لم يكن وكيلا في ذلك ولم يجز قبضه ; لأن الأول في معنى المولى للآخر فالدين الذي على الآخر من وجه كأنه مستحق على الأول فلا يصلح أن يكون وكيلا في قبضه فكذلك المولى فإنه يملك كسب العبد الأول كما يملك رقبته ويسلم له إذا فرغ من دينه كما يسلم له الأول فكما لا يكون وكيلا للأجنبي في قبض دينه من الأول فكذلك من مولاه ، ولو رهن كل واحد منهما رهنا بدينه ووضعه على يد الآخر فضاع الرهنان فرهن الأول يذهب بما فيه ورهن الثاني يذهب من مال الثاني ; لأن الثاني يصلح أن يكون عدلا [ ص: 123 ] في الرهن بالدين الذي على الأول كما يصلح أن يكون وكيلا بقبضه والأول لا يصلح أن يكون عدلا في الرهن بالدين الذي على الثاني ولا يصير صاحب الدين مستوفيا دينه بهلاكه ، ولو أن العبد المأذون المديون أحال أحد غرمائه بدينه على رجل فإن كان أحاله بما كان للعبد على المحال عليه فالحوالة باطلة ; لأن ما على المحال عليه للعبد كسبه وهو حق جميع غرمائه فهو بهذه الحوالة يخص المحال بذلك المال ويبطل حق سائر الغرماء عنه ، وذلك لا يكون صحيحا من العبد كما لو خص بعض الغرماء بقضاء دينه . وبيان هذا أن الحوالة لو صحت لم يكن للعبد ولا لسائر الغرماء مطالبة للمحتال عليه بعد ذلك بشيء مما كان عليه ; لأنه إنما التزم دين المحتال بالحوالة ليقضيه من ذلك المال وإن لم يكن للعبد مال على المحتال عليه فالحوالة جائزة ; لأن المحتال عليه تبرع على العبد بإقراض دينه منه لالتزام الدين فيها للمحتال والتبرع على العبد صحيح والعبد مالك للاستقراض وإنما لا يملك الإقراض وليس في هذه الحوالة إبطال حق سائر الغرماء عن شيء مما تعلق حقهم به فإن وكل الطالب بقبض الدين منه العبد أي كان عليه أصل الدين أو مولاه لم يجز قبضه ; لأن الثابت في ذمة المحتال عليه عين ما كان في ذمة العبد فإن الحوالة لتحويل الحق من ذمة إلى ذمة وحين كان في ذمة العبد ما كان لا يصلح هو ولا مولاه وكيلا في قبضه فكذلك بعد التحول إلى ذمة المحتال عليه ولأن العبد بهذه الحوالة لم يستفد البراءة الثانية ( ألا ترى ) أن المحتال عليه إذا مات مفلسا عاد الدين إلى ذمته فلو صح التوكيل لكان يثبت له البراءة بقبضه ومولاه لا يصلح أن يكون وكيلا في قبض يوجب براءة عبده عن الدين فإن قبض بحكم هذه الوكالة فعليه رد المقبوض على صاحبه ; لأنه قبضه بسبب باطل شرعا وإن ضاع في يده فلا ضمان عليه ; لأنه قبضه بتسليم صحيح من صاحب المال إليه فيكون أمينا في المقبوض وإن كان وكل بقبضه عبدا آخر للمولى أو مكاتبه أو ابنا للمولى أو عبدا للعبد المأذون الذي كان عليه الدين فأقر بقبضه من المحتال عليه جاز إقراره ; لأنه حين كان هذا الدين في ذمة المحيل كان هذا الوكيل صالحا للتوكيل في قبضه منه واستفاد البراءة بإقراره بالقبض منه فكذلك بعد ما تحول إلى ذمة المحتال عليه فإن كان الدين على المولى فأحال به على رجل ، ثم إن الغريم وكل عبدا للمولى يقبضه فأقر بقبضه من المحال عليه جاز ; لأنه لو وكله بالقبض من المولى حين كان الدين في ذمته جاز التوكيل فكذلك إذا وكله بقبضه من المحال عليه ، وكذلك لو وكل عبدا للمولى بقبضه فأقر بقبضه جاز ; لما بينا . وإذا وكل الأجنبي بقبض دين له على عبد مأذون [ ص: 124 ] ابن العبد والابن حر أو وكل به مكاتب ابنه أو عبدا لابنه مأذونا له في التجارة أو محجورا عليه فأقر بقبضه جاز في قولهم جميعا ; لأن ابن العبد أجنبي من الدين الذي على العبد وهو غير مستحق عليه في وجه من الوجوه فيجوز أن يكون وكيلا في قبضه منه ويصح إقراره بقبضه كأجنبي آخر فإن قيل هو بهذا الإقرار ينفع أباه ويبرئ ذمته عن الدين ومن - أصل أبي حنيفة رحمه الله أن الابن غير مقبول الإقرار فيما يرجع إلى منفعة أبيه قلنا هذا إذا لم يوجد التسليط من صاحب الحق له على ذلك بعينه وههنا لما وكله بالقبض فقد سلطه فالإقرار بالقبض رضا ; فلهذا صح إقراره به . وإذا غصب المأذون من رجل ألف درهم فقبضها منه رجل فهلكت عنده ، ثم حضر صاحبها فاختار ضمان الأجنبي برئ العبد منها ; لأنه كان مخيرا بين تضمين الغاصب الأول أو الثاني والمخير بين شيئين إذا اختار أحدهما تعين ذلك باختياره وكأنه ما كان الواجب إلا ما اختاره وهذا لأن اختياره تضمين أحدهما تمليك للمضمون منه وبعد ما صح التمليك لا يمكنه أن يرجع فيطالب الآخر به بحال فإن وكل العبد أو مولاه بالقبض من الأجنبي جاز إقرار الوكيل بقبضه ; لأن العبد استفاد البراءة على الإطلاق بهذا الاختيار ( ألا ترى ) أنه لا يتصور عود ذلك الدين إليه بحال فيكون هو ومولاه كأجنبي آخر في التوكيل بالقبض بعد ذلك ، وكذلك إذا اختار ضمان العبد ، ثم وكل الأجنبي بقبضه منه جاز ; لأن الأجنبي استفاد البراءة بعد فالاختيار على الإطلاق ، ولو وكل الموكل بقبضه منه لم يجز توكيل المولى ولا إقراره بالقبض ; لأن بهذا الاختيار تعين الدين في ذمة العبد والمولى لا يصلح أن يكون وكيلا للأجنبي في قبض ما على عبده . ولو دبر المولى عبده المديون فاختار الغرماء تضمينه القيمة ، ثم وكلوا المدبر بقبضها منه لم يجز توكيله ولا إقرار المدبر بالقبض ; لأن جميع الدين باق على المدبر حتى كان مطالبا به بعد العتق فهو بالقبض والإقرار به يبرئ نفسه عن الدين والإنسان لا يكون وكيلا في قبض دين على نفسه ، وكذلك إناختاروا اتباع المدبر ووكلوا المولى بقبضه منه لم يجز ; لأن المدبر باق على ملكه وكسبه مملوك للمولى وقد بينا أن المولى لا يكون وكيلا في قبض ما على مملوكه ; لأن بالقبض يستخلص الكسب ، لنفسه فإن أعتقه بعد التدبير لم يلزمه ضمانه مستأنفا ; لأنه بهذا الإعتاق ما أتلف عليهم شيئا فإنه لم يبق لهم حق في مالية الرقبة بعد التدبير إذ المدبر لا يحتمل البيع في الدين وكسبه كان حق الغرماء وبالإعتاق لا يبطل حقهم عن الكسب بل يتقرر حقهم به ; فلهذا لا يجب عليه ضمان لهم ، فإن قبض شيئا من [ ص: 125 ] المدبر عن الوكالة الأولى لم يجز قبضه ; لأن تلك الوكالة باطلة ولم ينتصب هو وكيلا بها فلا تنقلب وكالة صحيحة بإعتاقه إياه ، وإن وكلوه بعد العتق جاز ; لأن بعد العتق المولى أجنبي من الدين الذي عليه وقد استفاد البراءة باختيار الغرماء اتباع العبد ولا حق له في كسبه بعد العتق فيجوز أن يكون وكيلا في قبضه كأجنبي آخر . ولو أعتق المولى عبده المديون فللغرماء أن يتبعوا العبد بدينهم كله ويتبعوا المولى بقيمة العبد ; لأنه أتلف مالية الرقبة عليهم بالإعتاق ولا يكون اتباع واحد منهم إبراء للآخر ; لأن المولى كان متحملا من ديون العبد بقدر مالية رقبته بمنزلة الكفيل ومطالبة الكفيل بالدين لا توجب براءة الأصيل ، وكذلك مطالبة الأصيل لا توجب براءة الكفيل فإن أبرءوا العبد عن دينهم برئ المولى من القيمة ; لأن العبد أصيل في هذا الدين وبراءة الأصيل بالإبراء توجب براءة الكفيل ، ولو أبرءوا المولى من القيمة كان لهم أن يتبعوا العبد بجميع دينهم ; لأن براءة الكفيل بالإبراء لا توجب براءة الأصيل فإن إبراء الكفيل فسخ للكفالة ولا ينعدم به سبب وجوب الدين على الأصيل فيبقى جميع الدين على العبد ببقاء سببه كما لو كان المولى أعتقه برضاهم فإن وكلوا المولى بعد ما أبرءوه بقبض دينهم من العبد فأقر بقبضه جاز إقرارهم عليه ; لأن المولى استفاد البراءة على الإطلاق بإبرائهم إياه ولا حق له في كسب معتقه ، ولو كانوا وكلوه بذلك قبل الإبراء لم يجز توكيله ; لأنه في القبض والإقرار به يبرئ نفسه مما عليه فإن أبرءوه بعد الوكالة لم يكن وكيلا في قبضه أيضا ; لأن ذلك التوكيل كان باطلا فالإبراء لا ينقلب صحيحا إلا أن يوكلوه بعد البراءة فيصح إنشاء التوكيل الآن ، ولو كانوا أبرءوا العبدين من دينهم على أن يتبعوا المولى بقدر القيمة من دينهم وتراضوا على ذلك جميعا كان جائزا ويبرأ العبد من الديون ويتبعون المولى بالقيمة ; لأنهم بهذا الشرط حولوا ما كان واجبا على المولى بجهة الكفالة كالواجب بطريق الحوالة فكان المولى قبل الحوالة لهم في مقدار القيمة والحوالة توجب براءة الأصيل ولا توجب براءة المحال عليه فإن توت القيمة على المولى رجعوا على العبد من دينهم بقدر القيمة ; لأن ذلك كان على المولى بطريق الحوالة ومتى توي الدين على المحتال عليه بموته مفلسا أو بجحوده عاد الدين إلى ذمة المحيل فإن لم يتو ما على المولى حتى وكلوا العبد بقبضه من المولى لم يجز توكيله ولا قبضه ; لأن العبد لم يستفد البراءة عن هذا القدر مطلقا حتى يعود إليه بالتوى فلا يصلح أن يكون وكيلا في قبضه وقد قررنا هذا المعنى في الحوالة . وإذا مات الرجل وعليه دين أو لا دين عليه وله عبد [ ص: 126 ] مديون فوكل غرماء العبد الوارث بقبض دينهم من العبد لم يكن وكيلا في ذلك ; لأن الورثة قائمون مقام المورث في ملك رقبة العبد وكسبه وقد بينا أن المولى لا يكون وكيلا في قبض ما على عبده فكذلك وارثه بعده ، وكذلك لو وكلوا بعض غرماء المولى ; لأن حقهم في رقبته وكسبه مقدم على حق الوارث ، ولو لم يكن على المولى دين وقد ترك ثلثمائة درهم سوى العبد وقد أوصى بنصفها أو ثلثها لرجل فوكل غرماء العبد الموصى له بقبض دينهم من العبد لم يكن وكيلا في ذلك ; لأن الموصى له شريك الوارث في تركة الميت والوارث لا يكون وكيلا في ذلك فكذلك الموصى له وهذا لأن العبد من مال الميت وفي فراغه عن الدين منفعة للموصى له . ( ألا ترى ) أنه لو صح التوكيل وأقر بالقبض ، ثم لحق الميت دين كان يقضي ذلك الدين من مالية الرقبة ويسلم للموصى له جميع وصيته ; فلهذا لا يصلح وكيلا فيه . ( ألا ترى ) أن الموصى له لو شهد على رجل آخر بدين للميت على إنسان لا تقبل شهادته ; لأنه شريك الوارث في مال الميت فكذلك في حكم الوكالة . ولو أعتق الوارث العبد ولا دين على الميت جاز عتقه عندنا وعلى قول الحسن بن زياد لا يجوز عتقه قال : لأن دين العبد أقوى من دين المولى . ( ألا ترى ) أن دين العبد في القصاص من مالية الرقبة مقدم على دين المولى ، ثم استغراق رقبته بدين المولى يمنع ملك الوارث فاستغراقه بدين نفسه أولى أن يمنع ملك الوارث ولكنا نقول الوارث يخلف ملك المورث بعد موته وقد كان المورث مالكا رقبة العبد مع كونه مستغرقا بدينه فكذلك وارثه بخلاف دين المولى فإن المولى كان مالكا رقبته في حياته باعتبار أن الدين في ذمته لا تعلق له بماله وبموته قد تعلق حق الغرماء بتركته ; ولهذا حل الأجل ; لأنه صار في حكم العين والعين لا تقبل الأجل وحق الغرماء مقدم على حق الورثة فمن هذا الوجه منع دين المولى ملك الوارث ، فأما دين العبد فعلى صفة واحدة في التعلق بمالية الرقبة بعد موت المولى كما كان قبله وإذا نفذ العتق من الوارث كان ضامنا قيمته للغرماء ; لأنه أتلف عليهم مالية الرقبة فإن اختار الغرماء اتباع العبد وأبرءوا الوارث من القيمة ، ثم وكلوا الموصى له بقبض دينهم من العبد فأقر بقبضه جاز إقراره ; لأن الموصى له في التركة شريك الوارث ، ولو وكلوا الوارث في هذه الحالة بالقبض جاز التوكيل ; لأن الوارث استفاد البراءة مطلقا ولا حق له في كسب المعتق فكذلك إذا وكلوا الموصى له بقبضه ، ولو وكلوا الموصى له بقبضه قبل إبراء الوارث من القيمة لم يجز التوكيل ; لأنهم لو وكلوا الوارث في هذه الحالة لم يجز التوكيل فكذلك إذا وكلوا [ ص: 127 ] الموصى له ، وكذلك لو وكلوه بقبض القيمة من الوارث لم يجز التوكيل ; لأن القيمة التي على الوارث مال الميت ( ألا ترى ) أنه لو أبرأ الغرماء العبد وظهر على المولى دين وجب قضاؤه من تلك القيمة والموصى له شريك الوارث في مال الميت فلا يجوز أن يكون وكيلا في قبضه من الوارث . ولو باع المولى العبد المديون للغرماء برضاهم وقبض الثمن فاستهلكه فلا شيء للغرماء على العبد حتى يعتق ; لأن العبد صار خالصا للمشتري وحق الغرماء في المطالبة تحول من مالية العبد إلى بدله وهو الثمن فباستهلاك المولى الثمن يجب عليه ضمان مثله ولا يعود حق الغرماء في مالية الرقبة ; فلهذا لا يطالبونه بشيء حتى يعتق فإن وكل الغرماء العبد وهو مأذون له أو محجور عليه بقبض الثمن الذي استهلكه المولى منه لم يجز توكيله ولا قبضه ; لأن أصل الدين باق على العبد بدليل أنه إذا عتق كان مطالبا بجميعه خصوصا إذا توي الثمن على المستهلك فلهذا لا يكون وكيلا في قبضه . ولو دفع العبد المديون ألف درهم مضاربة إلى رجل بالنصف فاشترى المضارب بالألف عبدا وقبضه ولم ينقد الثمن حتى وكل البائع المأذون أو مولاه أو بعض غرمائه بقبض ذلك الثمن لم يجز التوكيل ولا القبض ; لأن المضارب متصرف للعبد وما يستحق عليه من الدين بتصرفه مستحق على العبد حقيقة . ( ألا ترى ) أن المضارب يرجع بما يلحقه من العهدة على رب المال فكان هذا في معنى الدين الواجب على العبد حتى لو وكل بعض هؤلاء بقبضه فأقر بقبضه جاز إقراره بمنزلة ما لو كان العبد هو المشتري بنفسه ، ثم وكل مولاه أو غريمه بقبض المشترى فهناك التوكيل صحيح ; لأنه لا تهمة في إقراره بالقبض . ولو وجب للعبد المأذون ولرجل حر على رجل ألف درهم هما فيه شريكان ، ثم إن الشريك وكل العبد بقبض نصيبه فقبضه بمعاينة الشهود فهلك في يده فإنه يهلك من ماليهما جميعا ; لأن العبد لا يجوز أن يجعل قابضا لنصيب الأجنبي خاصة فإن ذلك لا يكون إلا بعد القسمة والإنسان لا يجوز أن يكون وكيلا في المقاسمة مع نفسه عن غيره وبدون القسمة المقبوض مشترك بينهما كما كان قبل القبض مشتركا والعبد في حصة الأجنبي أمين بحكم التوكيل ; فلهذا كان الهلاك من ماليهما جميعا والباقي بينهما نصفان ، وإن كان العبد قبض من الغريم شيئا لنفسه فهلك كان هالكا من ماله خاصة به ; لأن قبل التوكيل كان يملك قبض نصيبه فبقي مالكا له بعد التوكيل ; لأن بقبول الوكالة لا يتعذر عليه التصرف في نصيبه وإذا كان المقبوض من نصيبه فإن هلك كان من ماله خاصة وإن لم يهلك كان للأجنبي أن يأخذ منه نصفه كما لو قبضه قبل التوكيل وهذا ; لأن المقبوض جزء [ ص: 128 ] من الدين المشترك فلشريكه أن يشاركه فيه . ولو كان الشريك وكل مولى العبد بقبض نصيبه من الدين فإن كان العبد لا دين عليه فهذا ووكالة العبد سواء ; لأن كسب العبد ملك المولى في هذه الحالة فلو جعلنا المقبوض من نصيب الأجنبي خاصة كان المولى وكيلا عن الأجنبي في المقاسمة مع نفسه ، وذلك لا يجوز ; فلهذا كان المقبوض من نصيبهما وإن كان على العبد دين كان قبض المولى على الأجنبي جائزا ; لأنه من كسب عبده المديون بمنزلة الأجنبي فتوكيل الأجنبي إياه بقبض نصيبه بمنزلة توكيل غيره به وإن توي المقبوض في يد المولى توي من مال الأجنبي ; لأن قبض وكيله له كقبضه بنفسه ، وكذلك لو أقر المولى بالقبض كان إقراره على الأجنبي جائزا ; لأنه بالتوكيل سلطه على الإقرار فيجعل إقراره بذلك كإقرار الأجنبي بنفسه وقد طعن عيسى رحمه الله في هذه المسألة فقال : ينبغي أن لا يجوز إقرار المولى بالقبض ههنا ; لأن فيه منفعة فإن ما بقي في ذمة المديون يخلص للعبد إذا صح إقرار المولى على الأجنبي بالقبض وفي منفعة العبد منفعة المولى فلا يجوز إقراره واستشهد على ذلك بالمسألة المذكورة بعد هذا في باب خصومة المأذون إذا مات الغريم فادعى أن شريكه قد قبض حصته فجحده الشريك ووكل الشريك مولى العبد في خصومة العبد فأقر المولى على الشريك بالاستيفاء لم يجز إقراره ولم يكن وكيلا له ; لما فيه من منفعة عبده وقد قيل في الفرق بينهما على جواب الكتاب إن المولى لا يخاصم عبده لنفسه فكذلك لا يخاصمه لغيره ، ولو جعلناه وكيلا هنا لكان يخاصم العبد لغيره وهو الموكل ، فأما فيما نحن فيه فهو يخاصم الأجنبي لغيره وهو يجوز أن يخاصم الأجنبي لنفسه فكذلك لغيره ، وإذا صح التوكيل جاز إقراره على الأجنبي ; لأنه سلطه على الإقرار عليه لما وكله به . وإذا وكل رجل رجلا ببيع متاعه فباعه من عبد الوكيل وعليه دين أو لا دين عليه فبيعه باطل ; لأن بيعه من عبده كبيعه من نفسه فإن كسب العبد ملكه وله حق استخلاصه لنفسه بقضاء دينه فيكون متهما في ذلك فإن كان الموكل أمره أن يبيعه من عبد الوكيل فباعه ولا دين عليه فالبيع باطل كما لو أمره بالبيع من نفسه وإن كان عليه دين فهو جائز ; لأنه من كسبه الآن كالأجنبي وإنما لا يجوز بيعه منه بمطلق التوكيل لتمكن تهمة الميل إليه باعتبار ماله من الحق في كسبه وقد انعدم ذلك بالتنصيص على البيع منه والعهدة على الآمر دون المولى ; لأن المولى لا يستوجب على عبده الثمن ( ألا ترى ) أنه لو باع ماله من عبده المديون لا يستوجب عليه الثمن فكذلك إذا باعه مال الغير منه ; لأن في حقوق العقد والعهدة البائع لغيره [ ص: 129 ] كالبائع لنفسه وإذا تعذر إيجاب حقوق العقد على المولى تعلق بمن انتفع به وهو الآمر فهو الذي يلي التسليم والتسلم والدليل عليه أنا لو جعلنا حق قبض الثمن إلى المولى لم يكن بد من صحة الإقرار بقبضه وقد بينا أن في الدين الواجب على العبد للأجنبي المولى لا يكون وكيلا بالقبض ولا مقبول الإقرار فيه ، وكذلك لو وكله أجنبي بشراء شيء منه فهو كالوكيل بالبيع في جميع ما ذكرنا . وإن كان المأذون هو الوكيل للأجنبي ببيع شيء أو شرائه من مولاه جاز ; لأنه لا حق للعبد في مال مولاه وكانت العهدة عليه مديونا كان أو غير مديون وإن أقر بالقبض جاز إقراره ; لأنه يصلح وكيلا للأجنبي في قبض الدين من المولى ويصلح مطالبا للمولى بالثمن إذا باع منه شيئا من أكسابه وعليه دين لمراعاة حق غرمائه فكذلك لمراعاة حق الموكل ، وكذلك لو لم يدفع الآمر إلى العبد شيئا من الثمن ووكله بأن يشتري له من مولاه جاز شراؤه وأخذ الثمن من الآمر ودفعه إلى المولى ; لأنه في التوكيل بالمعاملة مع المولى كهو في التوكيل بالمعاملة مع أجنبي آخر . ولو دفع العبد المأذون لرجل ألف درهم مضاربة بالنصف فربح فيه أو لم يربح حتى وكل العبد أو مولاه أو بعض غرمائه أجنبيا ببيع شيء فباعه من المضارب بمال المضاربة لم يجز ; لأن المضارب مشتر لرب المال ورب المال هو العبد فإذا كان هو الوكيل بالبيع فكأنه يبيعه من نفسه فكذلك مولاه أو غريمه يكون متهما في البيع من مضاربه لما له من الحق في كسبه وإن كان الموكل أمره ببيعه منه جاز ; لأن التهمة قد انتفت بقبض الموكل على البيع منه ولكن العهدة على الآمر ; لما بينا أن العبد لا يصلح وكيلا في قبض ما على مضاربه لأجنبي ، وكذلك مولاه وغريمه وأصله أن العاقد متى لم يكن أهلا لعهدة العقد فالعهدة تكون على الآمر ، وكذلك هذا في التوكيل بالشراء منه ، وكل من وصفنا في هذه المسائل أنه لا يكون وكيلا في القبض فإنه لا يكون عدلا ولا يجوز أن يوضع الرهن على يده وكل من جاز أن يكون وكيلا في قبضه جاز أن يكون وكيلا في وضع الرهن على يده ; لأن الرهن مقبوض للاستيفاء فيعتبر تحقيقه للاستيفاء ( قال : رحمه الله ) وإذا دفع الغرماء المأذون إلى القاضي وأرادوا بيعه في ديونهم فإن القاضي يتأنى في ذلك وينظر هل له مال حاضر أو غائب يرجو وصوله ; لأن البداءة في قضاء دين العبد [ ص: 130 ] من كسبه وهو الحاصل بتجارته كما أن وجوب الدين بتجارته ، ومقصود المولى استدامة الملك في رقبته فلا يجوز تفويت هذا المقصود عليه بدون الحاجة والحاجة ههنا إلى قضاء دين الغرماء والمال الحاضر أو الغائب الذي يرجى وصوله عاجلا ، ولو انتظر القاضي وصوله لم يكن فيه كثير ضرر على الغرماء ; فلهذا يتأنى القاضي كما يتأنى في القضاء بقيمة المغصوب بعدما أبق من يد الغاصب فإن لم يكن شيء من ذلك باعه ; لأن المولى ضمن للغرماء قضاء الدين من مالية رقبته عند تعذر إيفائه من محل آخر وقد تعذر ذلك إذا لم يكن له كسب أو كان له دين مؤجل أو غائب لا يرجى وصوله ; لأن في انتظار ذلك تأخر حق الغرماء وضرر التأخير كضرر الإبطال من وجه ، ثم لا يبيعه إلا بمحضر من المولى ; لأن في بيعه قضاء على المولى باستحقاق مالية الرقبة وإزالة ملكه والعبد ليس بخصم عنه في ذلك ولأن للمولى حق استخلاص - الرقبة لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر فليس للقاضي أن يبطل عليه هذا الحق ببيعه بغير محضر منه فإذا باعه ضرب كل غريم في الثمن بجميع دينه سواء كان أكثر من الثمن أو أقل وإذا قسم الثمن بينهم على ذلك فلا سبيل لهم على العبد حتى يعتق ; لأنه لم يبق لقضاء حقهم محلا في حال رقه وكسبه بعد البيع ملك المشتري ولم يرض بصرفه إلى ديونه . وكذلك إن اشتراه مولاه الذي باعه القاضي عليه بعد ذلك لم يتبع بشيء بما بقي من الدين ; لأنه تجدد له فيه ملك بتجدد سببه فهو في ذلك كغيره فإذا أذن له هذا المولى بعد ما اشتراه فلحقه دين فبيع لغرمائه لم يشارك الأولون بما بقي من دينهم الآخرين ; لأن الأولين قد استوفوا مالية الرقبة مرة فلا حق لهم في مالية الرقبة بعد ذلك فهو في هذا الملك المتجدد كعبد آخر فالمولى بالإذن إنما رضي بتعلق حق الآخرين بملكه ; فلهذا يباع لهم ولا سبيل للأولين على الثمن حتى يعتق فإذا عتق بيع بجميع ديونه ; لأن الديون كلها ثابتة في ذمته والذمة بالعتق تزداد قوة فيؤمر بقضائها من كسب هو خالص حقه . وإذا باعه المولى بغير أمر القاضي والغرماء فبيعه باطل ; لأن حق الغرماء يتعلق بمالية الرقبة وهو مقدم على حق المولى فكان المولى في بيعه بغير رضاهم كأجنبي آخر بمنزلة الراهن يبيع المرهون وهذا لأن للغرماء حق استسعاء العبد في دينهم فربما يكون ذلك أنفع لهم فإنهم يتوصلون به إلى جميع دينهم فلا يكون للمولى أن يبطل عليهم هذا الحق بغير رضاهم فإن أجازوا البيع أو قضاهم المولى الدين أو كان في الثمن وفاء بدينهم فأعطاهم نفذ البيع لزوال المانع بوصول حق الغرماء إليهم كالراهن إذا قضى دين المرتهن بعد البيع وأجاز المرتهن البيع ، [ ص: 131 ] فإن لم يبق شيء من ذلك ولكن الغرماء وجدوا المشتري والعبد في يده ولم يجدوا البائع لم يكن المشتري خصما لهم في نقض البيع في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وقال أبو يوسف رحمه الله هو خصم ; لأن المشتري مالك الرقبة وهم يدعون استحقاق مالية الرقبة فكان هو خصما له كما لو ادعوا ملك العبد لأنفسهم ، وهما يقولان الغرماء لا يدعون على المشتري ولا في ملكه حقا ; لأنهم إنما يستحقون مالية الرقبة على البائع والمشتري ليس بخصم عن البائع في إثبات حقهم عليه ونقض البيع ينبني على ذلك يوضحه أن البيع يحول حق الغرماء في مالية - الرقبة إلى الثمن بدليل أنه لو باشره القاضي أو المولى فأجازه الغرماء كان حقهم في الثمن لا في مالية الرقبة وبعد ما صار ملكا للمشتري لا طريق لإثبات حقهم في مالية الرقبة سوى نقض البيع وإنما جرى البيع بين البائع والمشتري فلا يجوز نقضه بغير محضر من البائع وبدون نقض البيع لا حق لهم في مالية الرقبة بخلاف ما إذا ادعوا ملك العبد لأنفسهم فهناك إنما يدعون عين ما يزعم المشتري أنه ملكه وقد تقدم نظير هذه المسألة في الشفعة . يوضحه أن حق المشتري لا يسقط عن العبد ما لم يعد إليه الثمن ، وذلك لا يكون إلا بمحضر من البائع فينتظر حضوره ليأخذ الغرماء العبد ويرجع المشتري على البائع بالثمن ، ولو حضر البائع وغاب المشتري وقد قبض العبد فلا خصومة بين البائع والغرماء في رقبة العبد حتى يحضر المشتري ; لأن الملك واليد للمشتري وإبطال ذلك بدون حضوره لا يمكن فما لم يبطل ملك المشتري لا تكون الرقبة محلا لحق الغرماء إلا أن لهم أن يضمنوا البائع قيمته ; لأنه بالبيع والتسليم صار مفوتا محل حقهم فإذا ضمنوه القيمة جاز البيع فيه وكان الثمن للبائع ; لأن القيمة دين في ذمته وهو الخصم في ذلك وبتضمين القيمة يسقط حق الغرماء عن مالية الرقبة فينفذ بيعه فيه وإن أجازوا البيع وأخذوا الثمن واقتسموه لأن الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء . فإن هلك الثمن في يد البائع قبل أن يقبضه هلك من مال الغرماء على معنى أنه لا شيء لهم على المبيع حتى يعتق لفوات محل حقهم وهو الثمن فالمولى بإجازتهم يخرج من أن يكون جانيا ضامنا لهم ، ولا حق لهم في ملك المشتري فتتأخر ديونهم إلى ما بعد العتق وليس المراد من قوله هلك من مال الغرماء أنهم في حكم القابض له حتى يسقط شيء من دينهم به فكيف يكون كذلك والمولى في البيع عامل لنفسه ; لأنه متصرف في ملكه ; ولهذا إذا أعتق العبد اتبعه الغرماء بجميع دينهم ، وكذلك لو أجازوا البيع بعد ما هلك الثمن ; لأن الثمن معقود به ومحل العقد هو المعقود عليه فإذا كان باقيا بعد البيع بالإجازة [ ص: 132 ] ثم الإجازة في الانتهاء بمنزلة الإذن في الابتداء ، وكذلك لو أقر البائع أنه قد قبض الثمن فهلك في يده قبل إجازتهم البيع أو بعدها فكذبوه في القبض فقد أجازوا البيع قبل إقراره أو بعده فهو مصدق في ذلك مع يمينه ; لأن المولى بإجازتهم صار أمينا كما يصير أمينا في الثمن بإذنهم في البيع في الابتداء وحق قبض الثمن إليه ; لأنه باشر سببه فيكون مقبول القول فيه مع يمينه ولا شيء للغرماء حتى يعتق العبد فإذا عتق اتبعوه بجميع دينهم ، ولو اختار بعض الغرماء القيمة واختار بعضهم الثمن كان للذين اختاروا ضمان القيمة حصتهم من القيمة وللذين اختاروا الثمن حصتهم من الثمن على قدر الدين ; لأن لكل واحد منهما في نصيبه رأيا واستحقاق القيمة والثمن كل واحد منهما على المولى وكل واحد منهما محل حق الغرماء ولكل واحد منهم حصة مما اختار وفيما بقي من الثمن للبائع مما ضمن من القيمة ، ولو أجاز بعض الغرماء البيع وأبطله بعضهم كان البيع باطلا ; لأن حق كل واحد منهما بانفراده سبب تام للمنع من نفوذ البيع . ![]()
__________________
|
|
#515
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ132 الى صـــ 141 (515) ولو باع القاضي المأذون للغرماء في دينهم أو باعه أمينه فضاع الثمن في يد الأمين الذي باعه ، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا فرده على الأمين فإن القاضي يأمر الأمين بأن يبيعه مرة أخرى ويبين عيبه أما لا خصومة بين الأمين وبين المشتري بحكم ذلك البيع ; لأن أمين القاضي بمنزلة القاضي فلا تلحقه العهدة ولكن القاضي يأمر ذلك الأمين أو غيره بأن يخاصم المشتري نظرا منه للمشتري فإذا رده بالعيب أمره ببيعه مع بيان عيبه ولأنه يحتاج إلى إيفاء حق المشتري في الثمن وطريقه بيع الرقبة وإنما يبين عيبه لكي لا يرد عليه مرة أخرى فإذا أخذ الثمن بدأ بالمشتري الأول فأوفاه الثمن ; لأن الثمن الثاني بدل مالية الرقبة والثمن المقبوض من المشتري الأول بدل مالية - الرقبة أيضا فكان هو مقدما فيه على سائر الغرماء فإن كان الثمن الآخر أكثر من الثمن الأول فالفضل للغرماء وإن كان أقل غرم الغرماء للمشتري الأول تمام حقه ولا غرم على الأمين في ذلك لانتفاء العهدة ولكن بيعه كان بطلب الغرماء لمنفعتهم فما يلحق من العهدة يكون عليهم ، ولو فضل شيء كان الفضل لهم فكذلك النقصان يكون عليهم فإن كان المولى هو الذي باعه للغرماء بأمرهم وقبض الثمن فضاع في يده ، ثم وجد المشتري به عيبا فرده على البائع ببينة أو إباء يمين أو بعيب لا يحدث مثله فإن القاضي يبيعه ويوفي المشتري ثمنه ; لما قلنا فإن نقص عن الثمن الأول غرم البائع نقصانه للمشتري ; لأنه بمنزلة الوكيل في البيع فالرجوع بالثمن عند الرد يكون عليه ولكنه باعه لمنفعة الغرماء فيكون [ ص: 133 ] إقرار العهدة عليهم ; فلهذا رجع هو بما لحقه على الغرماء ، ولو كان رد عليه بإقراره بعيب يحدث مثله بيع العبد - ودفع ثمنه إلى المشتري فإن نقص عنه ضمن البائع النقصان ولم يرجع به على الغرماء ; لأن إقراره لا يكون حجة عليهم إلا أن تقوم له بينة أن العيب كان بالعبد قبل أن يقبضه المشتري الأول فحينئذ يرجع على الغرماء بما غرم من الثمن ; لأن الثابت بالبينة كالثابت بتصديق الغرماء وإن لم يكن له بينة يستحلف الغرماء على علمهم ; لأنه يدعي عليهم ما لو أقروا به لزمهم . وإن كان العبد حين رد على أمين القاضي أو المولى البائع بالعيب في جميع هذه الوجوه مات قبل أن يباع البيع الثاني رجع المشتري بالثمن على الغرماء إن كان أمين القاضي باعه ; لأنه لا ضمان على الأمين فيه ولا عهدة وإن كان المولى هو البائع ضمن الثمن للمشتري ورجع به على الغرماء ; لأنه باعه لمنفعتهم فيرجع عليهم بما يلحقه من العهدة إلا أن يكون القاضي رده عليه بإقراره بعيب يحدث مثله فلا يرجع حينئذ بالثمن على الغرماء إلا أن تقوم له بينة على العيب أو يأبى اليمين وصار جميع الثمن في هذا الفصل كالنقصان في الفصل الأول ، ولو أن أمين القاضي أو المولى البائع قبل العبد بعيب بغير قضاء القاضي فمات في يده غرم الثمن للمشتري ولم يرجع به على الغرماء إن كان العيب يحدث مثله أو لا يحدث ; لأن قبوله بغير قضاء القاضي بمنزلة شرائه ابتداء في حق الغرماء ; ولهذا لو لم يمت العبد فهو لازم للمردود عليه وإن أراد الغرماء بيعه وفيه فضل على الثمن الأول لم يكن لهم ذلك بمنزلة ما لو اشتراه . ولو كان على المأذون دين فباعه المولى بألف درهم وقبض الثمن وسلمه إلى المشتري بعينه فالغرماء بالخيار إن شاءوا ضمنوا المشتري قيمة العبد وإن شاءوا البائع ; لأن كل واحد منهما جان في حق الغرماء البائع بالبيع والمشتري بالقبض فإن ضمنوا المشتري رجع بالثمن على البائع ; لأن استرداد القيمة منه كاسترداد العبد إن لو ظفروا به ولم يسلم العبد للمشتري بالثمن الذي أداه إلى البائع ، وإن ضمنوا البائع قيمته سلم المبيع فيما بين البائع والمشتري لزوال المانع وأيهما اختار الغرماء ضمانه برئ الآخر حتى لو توت القيمة على الذي اختاره لم يرجعوا على الآخر بشيء ; لأن حقهم قبل أحدهما وكان الخيار إليهم في التعيين والمخير بين الشيئين إذا اختار أحدهما تعين ذلك عليه فإن ظهر العبد بعد ما اختاروا ضمان أحدهما فلا سبيل لهم عليه ; لأن القاضي لما قضى لهم بقيمة العبد على الذي اختاروا ضمانه ببينة أو بإباء يمين تحول حقهم إلى القيمة بقضاء القاضي وإن كان قضى عليه بقوله وقد ادعى الغرماء أكثر منه فهم بالخيار إن شاءوا رضوا بالقيمة وإن شاءوا [ ص: 134 ] ردوها وأخذوا العبد فبيع لهم ; لأنه لم يصل إليهم كمال حقهم بزعمهم وهو نظير المغصوب في ذلك وقد بيناه في الغصب . وإن اختاروا البائع فضمنوه قيمته فاقتسموها بينهم ، ثم ظهر العبد في يد المشتري ووجد به عيبا فرده على البائع بقضاء القاضي فالبائع بالخيار إن شاء كان العبد له - وسلمت القيمة إلى الغرماء وإن شاء استرد من الغرماء ما أعطاهم وبيع العبد لهم ; لأن الرد - بقضاء القاضي فسخ من الأصل فعاد إلى قديم ملك المولى والغرماء ضمنوه القيمة على صفة السلامة عن العيب فإذا ظهر العيب يخير المولى لما يلحقه من الضرر فإن شاء رضي به وإن شاء رده على الغرماء واسترد منهم ما أعطاهم بمنزلة المشتري الأول مع بائعه إذا رد عليه فإن رده عليهم عاد حقهم في العبد كما كان فيباع في دينهم . وإن كان البائع قد علم بالعيب قبل أن يبيعه ، ثم رده على المشتري بذلك العيب فإن كان الغرماء ضمنوه قيمته صحيحا كان للبائع أن يأخذ منهم القيمة ويسلم لهم العبد فيباع في دينهم وإن شاء سلم لهم وأمسك العبد وإن ضمنوه قيمته وبه العيب سلم العبد للغرماء ; لأن الضرر مندفع عن المولى وقد كان عالما بالعيب فاندفع به ضرر جهله وإنما ضمن لهم القيمة معيبا ; فلهذا لا يرجع عليهم بشيء ، ولو كانوا ضمنوا المشتري قيمته واقتسموها بينهم ورجع المشتري على البائع بالثمن ، ثم ظهر العبد فوجد المشتري به عيبا رده على الغرماء ; لأنه تملكه من جهتهم بضمان القيمة والبيع الذي كان بينه وبين المولى قد انفسخ وإنما ضمنه قيمته صحيحا فإذا ظهر أنه كان معيبا رده عليهم وأخذ القيمة منهم ، ثم يباع لهم . وإن كانوا ضمنوا البائع القيمة ، ثم وجد به المشتري عيبا فرده القاضي على البائع بإقراره والعيب مما يحدث مثله فلا سبيل للبائع على الغرماء في القيمة ; لأن إقراره ليس بحجة عليهم إلا أن يقيم البينة على العيب أو يأبوا اليمين وإن رده بغير قضاء القاضي والعيب مما يحدث مثله أو لا يحدث فلا سبيل للبائع على الغرماء في القيمة ; لأن الرد بغير قضاء القاضي بمنزلة الشراء المستقبل في حق الغرماء ، وكذلك لو كان الشراء بالخيار ثلاثة أيام في العبد فرده بالخيار بعد ما ضمن الغرماء البائع القيمة لم يكن للبائع أن يرجع عليهم بالقيمة ; لأن المشتري إنما رده بتسليط البائع بشرط الخيار له ، وذلك غير عامل في حق الغرماء ، وكذلك المشتري لو كان المشتري أرسل رسولا فقبض العبد من البائع ولم يرده فضمن الغرماء البائع القيمة ، ثم رأى المشتري العيب فلم يرضه فرده على البائع لم يكن للبائع أن يرجع بالقيمة على الغرماء ; لأنه وإن عاد إليه بسبب هو فسخ من الأصل فلم يتبين به أن سبب - القضاء بالقيمة للغرماء ما لم يكن موجودا [ ص: 135 ] يومئذ ، وكذلك لو كان البائع بالخيار وقد دفع العبد إلى المشتري فضمن الغرماء البائع القيمة ، ثم اختار البائع رد العيب واستوضح بالمغصوب قال : ( ألا ترى ) أن للغاصب لو باع المغصوب ودفعه إلى المشتري ، ثم إن رب العبد ضمن الغاصب قيمته بقضاء القاضي وقد كان الغاصب فيه خيار الشرط أو للمشتري أو كان فيه خيار رؤية ففسخ البيع أو أجاز سلمت القيمة للمغصوب منه على كل حال ، وكذلك ما سبق في فصل المأذون . ولو باع المولى المأذون بغير أمر الغرماء فأعتقه المشتري قبل أن يقبضه فعتقه موقوف ; لأن المشتري بنفس العقد لا يتملك العبد ملكا تاما فإن السبب موقوف على إجازة الغرماء وبالسبب الموقوف إنما يثبت الملك الموقوف ; لأن الحكم بحسب السبب والسبب الضعيف لا يوجب حكما قويا والعتق منهي للملك فإذا كان موقوفا فما ينهيه يوقف بتوقفه فإذا تم البيع بإجازته أو قضاء دين أو كان في الثمن وفاء فأخذوه بعد العتق وإن لم يتم البيع أبطله القاضي وباع العبد في دينهم نظرا منه للغرماء وعلل فقال : لأن البيع كان فاسدا لا يجوز إلا بالإجازة أو ما يقوم مقامها وفي هذا التعليل نظر فإن في البيع الفاسد إن أعتقه المشتري قبل القبض ، ثم نفذ البيع لا ينفذ ذلك العتق وههنا ينفذ فعرفنا أن مراده أنه بمنزلة الفاسد في الضعف لأجل التوقف ، ولو كان أعتقه بعد القبض جاز عتقه ; لأن السبب الضعيف بالقبض يقوى كما في البيع الفاسد وهذا أقوى من الفاسد يوضحه أن البيع تسليط على التصرف وتمام هذا التسليط بالتسليم فإن أعتقه بعد القبض فقد أعتقه بعد تمام هذا التسليط والمسلط لو أعتقه بنفسه نفذ عتقه وأما قبل القبض فالتسليط غير تام ولكن تمامه موقوف على القبض فيتوقف العتق أيضا وهو نظير الراهن يبيع المرهون ، ثم يعتقه المشتري ، ولو لم يعتقه المشتري ولكنه باعه أو وهبه وسلمه فإن تم البيع الأول ببعض ما وصفنا جاز ما فعل المشتري فيه ; لأنه باع ملكه وحق الغرماء الذي كان مانعا من نفوذه قد زال وهو نظير المشتري من المكره إذا تصرف ثم أجاز المكره البيع ، ولو لم يبعه المولى ولكنه وهبه لرجل وسلمه ، ثم ضمنه الغرماء القيمة نفذت الهبة فإن رجع في الهبة بحكم أو غير حكم سلم العبد له ولم يكن له على القيمة ولا للغرماء على العبد سبيل ; لأن حقهم تحول إلى القيمة بقضاء القاضي فإن وجد به عيبا ينقص من القيمة التي غرمها كان له أن يرده ويأخذ القيمة ; لأنهم ضمنوه القيمة على صفة السلامة وبالرجوع عاد إلى قديم ملكه فإن كان أعتقه بعد الرجوع في الهبة قبل أن يعلم بالعيب أو دبره أو حدث به عيب رجع بما بين العيب والصحة من القيمة ; لأنه تعذر [ ص: 136 ] الرد على وجه لم يصر هو راضيا فيرجع بالتفاوت وللغرماء أن يردوا القيمة ويتبع العبد في الدين في غير العتق والتدبير ; لأن تعذر الرد لمراعاة حقهم بسبب العيب الحادث وإذا رضوا به فقد زال المانع إلا أن يشاء المولى أن لا يطالبهم بالنقصان ويرضى به معيبا وإن كان هذا في جارية قد وطئت بشبهة فوجب لها العقد لم يكن للغرماء عليها سبيل من أجل الزيادة المنفصلة ; لأنها تمنع الرد لحق الشرع وردوا نقصان العيب من القيمة ; لأنه تبين أنهم أخذوا ذلك زيادة على حقهم .ولو كان المولى باعه وعيبه المشتري فضمن الغرماء المولى ، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا لا يحدث مثله وحدث به عيب آخر فرجع بنقصان القيمة على البائع لم يكن للبائع أن يرجع على الغرماء بالقيمة ولكنه يرجع بحصة العيب من القيمة التي غرمها للغرماء ; لأنه ظهر أن ما بين قيمته معيبا إلى قيمته سليما أخذوه منه بغير حق فعليهم رد ذلك عليه ( قال : رحمه الله ) وإذا كان الدين على المأذون إلى أجل فباعه المولى بأكثر من قيمته أو بأقل فبيعه جائز ; لأنه باع ملكه وهو قادر على تسليمه وتحقيقه أن بسبب التأجيل يتأخر حق الغرماء في المطالبة بقضاء الدين إلى حلول الأجل وامتناع نفوذ تصرف المولى في كسبه ورقبته لكونه مشغولا بحق الغرماء وحقهم في المال استيفاء الدين منه وبسبب التأجيل سقط هذا الحق إلى حلول الأجل فلانعدام المانع من نفوذ تصرف المولى فيه ينفذ بيعه فإن قيل حق الغرماء في العبد المديون كحق المرتهن في المرهون ، وذلك يمنع الراهن من البيع سواء كان الدين حالا أو مؤجلا كحق الغرماء في مال المرتهن ، وذلك يمنع التصرف المبطل لحقهم سواء كان الدين حالا أو مؤجلا أو هو لحق الغرماء في مال المريض ، وذلك يمنع التصرف المبطل لحقهم سواء كان الدين حالا أو مؤجلا فهذا مثله قلنا لا كذلك فللمرتهن في المرهون ملك اليد ، وذلك قائم مع التأجيل في الدين وبه يعجز الراهن عن التسليم وليس للغرماء ملك اليد في المأذون ولا في كسبه وإنما لهم حق المطالبة بقضاء الدين ، وذلك يتأخر إلى ما بعد حلول الأجل وتصرف المريض في ماله نافد ما دام حيا وبعد موته لا يبقى الأجل ; ولهذا لا يتصرف الوارث في تركته ويؤمر بقضاء الدين في الحال فلما لم يبق الأجل بعد موته كان الدين الحال والمؤجل في الحكم سواء وإنما لم يبق الأجل ; لأن ذمته لم تبق محلا صالحا لوجوب [ ص: 137 ] الدين منه . فأما ذمة العبد فمحل صالح لذلك فالدين ثابت في ذمته والأجل فيه صحيح فلا سبيل للغرماء على منع المولى من التصرف أو مطالبته بشيء حتى يحل دينهم فإذا حل ضمنوه قيمته ; لأنه أتلف عليهم محل حقهم وهو المالية ولأن المولى كالمحتمل عن العبد لغرمائه مقدار مالية رقبته والدين إذا حل على الأصيل بمضي الأجل حل على الكفيل فكان لهم أن يضمنوه قيمته بعد حل المال ولا سبيل لهم على الثمن أجازوا البيع أو لم يجيزوا ; لأنه كان جائزا بدون إجازتهم وكان الثمن للمولى سالما كسائر أملاكه فلا يتغير ذلك بإجازتهم ولأن ضمان القيمة دين لهم في ذمة المولى ويعتبر محل قضاء الدين إلى المديون فلا سبيل للغرماء على الثمن كما لا سبيل لهم على سائر أملاك المولى بخلاف ما إذا كان البيع بعد حل المال فأجازوه ; لأن نفوذ البيع هناك يكون بإجازتهم فيتحول حقهم عن مالية العبد إلى بدله وههنا نفوذ البيع كان بدون إجازتهم وكان الثمن سالما للمولى كسائر أملاكه قبل حلول المال فكذلك بعد حله . وكذلك لو وهبه لرجل وسلمه فإن توي ما على المولى من القيمة لم يكن لهم على العبد ولا على الموهوب له سبيل ; لأن الملك تجدد للموهوب له في العبد بتجدد سببه ولا حق لهم في هذا الملك ولا سبيل لهم إلى نقض سببه ; لأن المولى باشره لم يكن لهم حق المنع فلا يثبت لهم حق الإبطال بعد ذلك ولكن دينهم على العبد يتأخر إلى عتقه بمنزلة مريض وهب عبدا لا مال له غيره وعليه دين كثير فباعه الموهوب له أو وهبه وسلمه ، ثم مات الواهب الأول فلا سبيل لغرمائه على العبد ولا على من في يده وإنما لهم القيمة على الموهوب له الأول ; لأنه صار متلفا محل حقهم بتصرفه فإن توت تلك القيمة عليه لم يكن لهم على العبد ولا على من هو في يده سبيل . وللمولى أن يستخدم العبد المأذون إذا كان دينه إلى أجل ; لأنه مالك رقبته والمنفعة تملك بملك الرقبة ولا سبيل للغرماء عليه في مطالبته بشيء في الحال فيتعذر على المولى استخدامه مراعاة لحقهم ، ولو كان الدين حالا كان لهم أن يمنعوه من ذلك ; لأن لهم حق المطالبة بقضاء الدين والاستسعاء فيه وباستخدام المولى إياه يفوت عليهم ذلك أو يتمكن فيه نقصان لهم أن يمنعوه من ذلك ، وكذلك لو أراد أن يسافر به لم يكن لهم أن يمنعوه إذا كان الدين مؤجلا ; لأنه لا سبيل لهم على العبد في مطالبته بشيء فكيف يثبت لهم السبيل على المولى في منعه من السفر به ، ولو كان الدين حالا كان لهم أن يمنعوه من ذلك ; لأنه يحول بينهم وبين حق ثابت لهم وهو المطالبة ببيع الرقبة وقضاء الدين من ثمنه ، وكذلك له أن يؤاجره [ ص: 138 ] ويرهنه إذا كان الدين مؤجلا ; لما قلنا فإن حل الدين قبل انقضاء مدة الإجارة كان عذرا وللغرماء أن ينقضوا الإجارة ; لأن الإجارة وإن كانت من لوازم العقود فإنها تنتقض بالعذر ، والحاجة إلى دفع الضرر . ( ألا ترى ) أنها تنتقض لدفع الضرر عن المباشر للعقد فلأن تنقض لدفع الضرر عن غير المباشر أولى وتنقض للرد بسبب فساد البيع والرد بسبب العيب في البيع فينقض أيضا لحق الغرماء في المطالبة ببيع الرقبة بعد حل المال . فأما الرهن فهو لازم من جهة الراهن ولا يثبت للغرماء بعد حل الأجل نقض الرهن كما لا يثبت لهم حق نقض البيع الذي نفذ من المولى ولكنهم يضمنون المولى قيمته ; لأنه حال بينهم وبين حقهم في المطالبة بإيفاء الدين من مالية الرقبة وبالبيع فيضمن لهم القيمة كما لو أتلف عليهم ذلك بإبطال المالية فيه وبالإعتاق فإذا أرادوا تضمينه فافتكه من المرتهن ودفعه إليهم برئ من الضمان ; لأن الحيلولة قد ارتفعت وإن افتكه بعد ما قضى عليه القاضي بضمان القيمة فالقيمة عليه والعبد له ولا سبيل للغرماء على العبد ; لأن حقهم تحول - بقضاء القاضي إلى القيمة والسبب الموجب له كان قائما وقت القضاء فلا يعود حقهم بعد ذلك بانعدام الحيلولة بالفكاك كالمغصوب إذا عاد من إباقه بعد ما قضى القاضي على الغاصب بقيمته ، ولو أبى المولى أن يفتكه فقضى الغرماء الدين ليبيعوه في دينهم كان لهم ذلك ; لأن المانع حق المرتهن وحقه يسقط بوصول دينه إليه وإنما يقصدون بهذا تخليص محل حقهم فلا يكون للمرتهن أن يأبى ذلك عليهم . وإذا لم يكن على المأذون دين فأمره مولاه أن يكفل عن رجل بألف فقال العبد للمكفول له : إن لم يعطك فلان ما لك عليه وهو ألف فهو علي فالضمان جائز ; لأن العبد إنما كان محجورا عن الكفالة لحق المولى فإذا رضي المولى بكفالته كان هو والحر سواء ، وكذلك لو قال إن مات فلان ولم يعطك هذا المال الذي لك عليه فهو جائز على ما قال وقد بينا في كتاب الكفالة معنى صحة تعليق الكفالة بهذه الأسباب فإن أخرجه المولى عن ملكه ببيع أو هبة ، ثم مات المكفول عنه قبل أن يعطي المكفول له حقه فإن المكفول له يضمن المولى الأقل من دينه ومن قيمته ولا يبطل بيع المولى في العبد ولا هبته ; لأن هذا في معنى الدين المؤجل على العبد حين تصرف المولى من حيث إنه لم يكن للموهوب له سبيل على مطالبته بشيء يومئذ وهو دونه ; لأن أصل الوجوب لم يكن ثابتا قبل وجود شرطه وإن وجد سببه وهو الكفالة ، ثم قد بينا أن هناك الغريم لا يبطل تصرف المولى فههنا أولى وأما تضمين المكفول له المولى قيمته فلأنه [ ص: 139 ] فوت عليه محل حقه بتصرفه وقد كان سبب وجوب المال منعقدا وإن كانت المطالبة به متأخرة فيكون المولى ضامنا له قيمته بتفويت المال عليه ، وكذلك هذا في ضمان الدرك لو أمر عبده أن يضمن الدرك في دار باعها المولى ، ثم إن المولى باعه ، ثم استحقت الدار فللمشتري أن يضمن المولى الأقل من قيمته ومن الثمن باعتبار أنه فوت عليه محل حقه فإن لم يخرجه المولى من ملكه حتى لحق العبد دين يحيط برقبته ، ثم استحقت الدار من يد المشتري فإن العبد يلزمه ما ضمن مع الدين الذي في عنقه ; لأن سبب وجوب الضمان للدرك كان صحيحا لكون العبد فارغا عن حق الغرماء عند ذلك وقد تعذر الوجوب بالاستحقاق فيكون هذا دينا ; لأن ما على العبد كسائر ديونه في جميع ذلك . ولو حفر العبد التاجر بئرا في الطريق ، ثم أخرجه المولى من ملكه ثم وقع في البئر دابة تساوي ألف درهم فعطبت فلا سبيل لصاحبها على العبد ولا على الذي هو في يده ; لأنه حين أخرجه المولى من ملكه لم يكن العبد مطالبا بشيء ولم يوجد من العبد صنع هو جناية في الملك الذي تجدد للمشتري فلا سبيل له على المشتري ولكنه يضمن مولاه الأقل من قيمته ومن قيمة الدابة ; لأن عند وقوع الدابة في البئر يصير العبد متلفا له بالحفر السابق ، وذلك الحفر جناية منه في ملك المولى يستحق به صاحب الدابة مالية رقبته لو لم يخرجه المولى عن ملكه فبإخراجه يكون مفوتا عليه محل حقه ; فلهذا يضمن له المولى الأقل من قيمته ومن قيمة الدابة فإن تويت القيمة عليه لم يتبع عبده بشيء حتى يعتق فيؤخذ بقيمة الدابة حينئذ ; لأن الدين كان واجبا في ذمته باعتبار جنايته وكان لا يطالب به لحق مولاه الذي حدث له فإذا سقط حقه بالعتق كان مطالبا بقضاء دينه . وإذا كان على العبد التاجر دين إلى أجل فباعه مولاه ، ثم اشتراه أو رجع إليه بإقالة أو عيب بعد القبض بغير حكم ، ثم حل الدين فلا سبيل للغرماء أما في الشراء فلا إشكال أن الملك متجدد له بتجدد السبب ، وكذلك في الإقالة والرد بالعيب بعد القبض بغير حكم فإنه في معنى بيع متجدد في حق غيرهما فكان وجود هذا العود إليه كعدمه وعود هذا العبد إليه كعود عبد آخر فإن اختلاف سبب الملك بمنزلة اختلاف العين ; فلهذا ضمنوا المولى قيمته ، ولو رجع العبد إليه بعيب بقضاء قاض أو خيار رؤية أو شرط في أصل البيع ، ثم حل الدين أخذوا العبد به ولا سبيل لهم على المولى ; لأنه عاد إليه بسبب هو فسخ من الأصل فإنما يعود إلى قديم ملكه الذي كان مشغولا بحق غرمائه وينعدم به السبب الموجب للضمان على المولى وهو تفويت محل حقهم . وإن مات في يد المولى [ ص: 140 ] بعد ما رجع إليه على هذا الوجه قبل أن يحل دينهم ، ثم حل الدين فلا ضمان لهم على المولى ; لأن البيع حين انفسخ من الأصل صار كأن لم يكن ، ولو مات قبل البيع لم يكن لهم على المولى ضمان إذا حل دينهم ، وكذلك المولى لو وهبه وسلمه ، ثم رجع في الهبة بحكم أو بغير حكم فإن المولى يبرأ من القيمة ; لأن الرجوع في الهبة فسخ من الأصل وإعادة إلى قديم ملكه سواء كان بقضاء أو بغير قضاء عندنا وقد بيناه في الهبة فإذا عاد محل حقهم صارت الإزالة كأن لم تكن ، ولو باعه فمات قبل أن يقبضه المشتري برئ المولى من القيمة ; لأن بمجرد البيع لا يتقرر السبب الموجب للضمان على المولى وإنما يكون بالتسليم ، ولو تقرر السبب بالبيع فبالموت قبل التسليم ينتقض البيع من الأصل ويعود إلى ملك المولى مشغولا بحق الغرماء كما كان فهو كما لو انتقض البيع بالرد بخيار الشرط ثم مات وإن مات بعد ما قبضه المشتري قبل أن يحل الدين فقد حل عليه بموته ; لأن الأجل حق العبد وقد استغني عنه بموته ووجوب الدين كان في ذمته وقد خرجت ذمته من أن تكون محلا صالحا لوجوب الدين فيه فهو وموت الحر سواء وعلى المولى قيمته إلى أجل الدين ; لأن الأجل كان ثابتا في حق المولى ولم يقع له فيه الاستغناء عنه وهو بمنزلة الكفيل فيما لزمه من القيمة والدين المؤجل إذا حل على الأصيل بموته يبقى الأجل في حق الكفيل ، وكذلك لو أعتقه المولى ، ثم مات العبد حل عليه ولم يوجد المولى القيمة إلا إلى الأجل في حق المولى لحاجته إلى ذلك وقيام ذمته محلا صالحا لوجوب الحق فيها . ولو كان الدين على العبد ألفي درهم ألف حالة وألف إلى أجل فباعه المولى أو وهبه وسلمه فلصاحب الدين الحال أن ينقضه إلا أن يقضي المولى دينه ; لأن الدين المؤجل في حكم نقض تصرف المولى كالمعدوم وقيام صاحب الدين الحال كاف في نقض تصرف المولى فإن قضاه جاز ما صنع المولى من ذلك به ; لأنه وصل إليه جميع حقه ولا سبيل لصاحب الدين المؤجل على العبد في الحال فينفذ تصرفه فيه فإذا حل الدين الآخر لم يشارك الأقل فيما أخذ من المولى ; لأن أصل الدين لم يكن مشتركا بينهما والمقبوض من محل لا شركة بينهما فيه وهو ملك المولى ولكنه يتبع المولى بالأقل من دينه ومن جميع قيمته ; لأن حق الآخر سقط بوصول دينه إليه وكان المولى متطوعا فيما قضاه كأجنبي آخر وصار كان لم يكن عليه إلا الدين المؤجل فباعه المولى ( ألا ترى ) أنه لو لم يبعه حتى حل الدين فإن العبد كله يباع للغريم الآخر في دينه إلا أن يفديه المولى فكذلك إذا باعه كان ضامنا بجميع قيمته إلا أن يكون الدين أقل منه ، ولو لم يقض المولى صاحب الدين الحال حقه [ ص: 141 ] فنقض البيع وطلب من القاضي ببيعه فإن القاضي يبيعه بمطالبته ، ثم يدفع إليه نصف الثمن ; لأن ببيع القاضي يتحول حق الغرماء إلى العبد من الثمن وأصل الاستحقاق لصاحب الدين المؤجل ثابت وإن كانت المطالبة متأخرة إلى حلول الأجل واستحقاق الثمن بثبوت حقه من الدين في ذمته فكان ذلك بائعا سلامة جميع الثمن لصاحب الدين الحال فيدفع إليه نصف الثمن ويدفع النصف إلى المولى ; لأنه حق صاحب الدين المؤجل ولكن مطالبته به تتأخر إلى حلول الدين . ( ألا ترى ) أن قبل حلول المال لم يكن له سبيل على رقبته وكسبه فكذلك على بدل الرقبة . وإذا لم يكن له سبيل كان المولى أحق به ; لأنه بدل ملكه وعلى قول زفر رحمه الله لا يتبع القاضي بحل الدين الآخر على العبد ويكون الثمن بينهما نصفين ; لأن الدين يتحول ببيع القاضي إلى الثمن والثمن عين لا يقبل الأجل فهو بمنزلة موت الحر ولكنا نقول الدين باق في ذمة العبد حتى إذا عتق كان للغريم أن يطالبه بجميع الدين إن شاء فيبقى الدين ببقاء الأجل في ذمته فإذا حل الدين الآخر أعطاه المولى ما في يده وإن هلك ذلك في يد المولى فلا ضمان عليه ; لأن حكم البدل حكم المبدل ، ولو هلك العبد في يد المولى لم يكن على المولى فيه ضمان ويتبع صاحب الدين الغريم الأول فيأخذ منه نصف ما أخذه ; لأن ثمن العبد كان مشتركا بينهما فإنما يسلم له المقبوض بشرط سلامة الباقي للغريم الآخر ولم يسلم له ذلك ; فلهذا يأخذ منه نصف ما أخذ فإن لم يهلك ذلك ولكن هذا الغريم أبرأ من دينه أو وهبه فإن الأول يأخذ هذه الخمسمائة من المولى لتمام حقه ; لأنه كان مستحقا لجميع العين بدينه وإنما امتنع سلامة النصف له لمزاحمة الآخر وقد زالت مزاحمته بالإبراء ولأن نصف دين الأول باق على العبد فلا يجوز أن يسلم للمولى شيء من ثمن العبد مع قيام الدين عليه ، ولو لم يبرئه ولكن المولى نقد غريما له تلك الخمسمائة التي في يده فهو جائز ; لأنها مملوكة له وتصرفه فيها قبل حل الأجل كتصرفه في الرقبة فلا يمتنع نفوذه لحق صاحب الدين المؤجل ولكن إذا حل دينه ضمن المولى له تلك الخمسمائة ; لأنه فوت عليه محل حقه بتصرفه فإن تويت عليه رجع على الأول فيما قبض فيشاركه فيه ، ثم رجعا على الغريم الذي قضاه المولى بالخمسمائة التي اقتضاها ; لأنه حين رجع على الأول بنصف ما قبض ثبت للأول حق الرجوع في نصف ما بقي في يد المولى ونقض تصرف المولى فيه ، ثم يشارك فيه الغريم الآخر فلا يزال هكذا حتى يأتي على جميعه ; فلهذا كان لهما حق نقض تصرف المولى والرجوع على القابض بالخمسمائة التي قبضها من المولى [ ص: 142 ] ولو لم يبع القاضي العبد للغريم ولكن المولى باعه برضى صاحب الدين الحال فبيعه جائز ; لأن الراضي مسقط حقه في إبطال البيع ولا حق لصاحب الدين المؤجل في إبطال البيع ثم يعطي نصف الثمن صاحب الدين الحال ويسلم للمولى نصف الثمن فإذا حل الدين الآخر أخذ صاحبه من المولى نصف القيمة ولا سبيل له على الثمن ; لأن المولى مفوت عليه محل حقه وليس بمحول حقه إلى الثمن إذ ليس له ولاية تحويل حقه من محل إلى محل بخلاف الأول فهناك إنما باعه القاضي وللقاضي ولاية تحويل ولاية الحق من الرقبة إلى الثمن ; فلهذا كان المولى ضامنا نصف القيمة للثاني ههنا وما قبض من نصف الثمن فهو مال سالم له فإن توي ما على المولى من نصف القيمة لم يرجع على الذي أخذ نصف الثمن بشيء ; لأن أصل الثمن ههنا ما كان مشتركا بينهما ولا شركة بينهما في أصل الدين فإن قيل لماذا لا يأخذ الأول جميع الثمن من المولى ؟ لم لم يكن للثاني شركة من الأول في الثمن ؟ قلنا ; لأن المولى ضامن للثاني نصف القيمة ولا بد من أن - يسلم ما هو عوض من ذلك النصف من الثمن للمولى ; فلهذا يعطي للأول نصف الثمن ولا يضمن للثاني إلا نصف القيمة ; لأن الأول استحق عليه نصف بدل المالية فمنع ذلك ثبوت حق الثاني في تضمين المولى جميع القيمة . ![]()
__________________
|
|
#516
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ142 الى صـــ 151 (516) وإن كان على المأذون ديون إلى آجال مختلفة فباعه المولى قبل أن يحل شيء منها ، ثم حل الدين الأول فإن قيمة العبد تقسم على الدين ما حل منه وما لم يحل فما أصاب الذي حل منها من القيمة أخذه ، وكذلك كل من حل دينه من غرمائه ; لما بينا أن المولى ضامن قيمته بتفويته محل حق الغرماء ولكل واحد منهم حصته من ذلك ولكن لا يطالبه به إلا بعد حل دينه فإن كان الدين ثلاثة آلاف فحل ألف منها فطلب صاحبها من القاضي بيع العبد فإنه يبيعه ويعطيه ثلث ثمنه ويضع الثلثين الذي هو حق الآخرين في يد المولى حتى يحل دينهما فإذا حل دين آخر أعطى صاحبه حصته من ذلك وذلك ثلث الثمن فإذا حل الثالث أعطاه الثلث الباقي فإن توي الثلث الباقي على المولى رجع الثالث على الأولين فيأخذ منهما ثلث ما في أيديهما ; لأن الثمن كان مشتركا بينهم أثلاثا حين كان البيع من القاضي وكان شرط سلامة الثلثين للأولين أن يسلم الثلث للثالث فإذا لم يسلم كان التاوي من حقوقهم والباقي مقسوم بينهم على قدر حقهم فرجع على الأولين بثلث ما في أيديهما ليسوي بينهم في ثمنه فإن لقي أحدهما أخذ منه نصف ما في يده ; لأن حقهما في الثمن سواء ثم يرجعان جميعا على الآخر بثلث ما في يده فيقتسمانه نصفين ليسلم لكل واحد منهما ثلث الثلثين ويستووا في الضرر [ ص: 143 ] الحاصل بالتوى فإن لقي أحدهما الآخر وحده أخذ منه ربع ما في يده ; لأن الباقي في يده نصف الثلث وفي يد من لقيه نصف الثلث وفي يد من لقيه الثلث فيضم ما في يده حتى يكون الباقي في يده ثلاثة أرباع الثلث وفي يد هذا الآخر ثلاثة أرباع الثلث أيضا فإن لقيهما بعد ذلك الآخر أخذ منهما تسع ما في أيديهما ; لأن المساواة بينهم بذلك تحصل وإذا أردت معرفة ذلك جعلت الثمن كله على اثني عشر فسهام الثلثين ثابتة بينهم أثلاثا لكل واحد منهم سهمان وثلثا سهم والذي في يد هذا الذي لقيهما نصف الثلث سهمان وفي يد الآخر ستة فيأخذ منهما ثلثي سهم وثلثا سهم من ستة يكون تسعها فيحصل له سهمان وثلثا سهم وبقي في يد كل واحد منهما سهمان وثلثا سهم . وإذا قال المأذون بأمر مولاه ولا دين عليه لرجل إن مات فلان ولم يعطك ألفك التي عليه فأنا ضامن لها حتى أدفعها إليك ، ثم لحق العبد دين ألف درهم فباعه القاضي في دينهم بألف فإنه - يدفعها كلها إلى الغريم ; لأنه لا مزاحم له في الثمن فإن المزاحمة باعتبار وجوب الدين على العبد ولم يجب للمكفول له شيء بعد وجود سببه قبل شرطه وبه فارق الدين المؤجل وتأثير الأجل في المنع في المطالبة لا في نفي أصل الوجوب والمتعلق بالشرط لا يكون موجودا قبل الشرط فإذا دفع الثمن إلى الغريم استوثق منه بكفيل ; لأن حق المكفول له بعرض اللزوم فإن سببه وهو الكفالة مقرر فلتقرر السبب يجب النظر له بالاستيثاق فإذا لزم العبد ضمان ما كفل به أخذ المكفول من الغريم نصف الثمن الذي أخذه ; لأن الوجوب إذا ثبت عند وجود شرطه فإنما يحال به على سببه وهو الكفالة ; ولهذا لو كانت الكفالة في الصحة كان هذا من جملة ديون الصحة بقدره وهو أن حق المكفول بقدره وهو أن حق المكفول له أخذ سببها من الدين الحادث بعد البيع باعتبار أن الوجوب يكون عند وجود الشرط ومن الدين المؤجل باعتبار أن السبب كان متقررا قبل وجود الشرط فيتوفر حظه عليهما فيقول لشبهه بالدين الحال يدفع الثمن كله إلى الغريم الأول قبل أن يجب دين الكفالة بالدين ولشبهه بالدين المؤجل قلنا إذا تحقق لزوم دين الكفالة رجع المكفول له على الغريم بنصف الثمن الذي أخذه . وإذا كان على المأذون دين حال فوهبه مولاه لرجل وسلمه إليه فالهبة باطلة إلا أن يجيزها الغرماء ; لأنهم أحق بمالية العبد من المولى وفي الهبة تفويت محل حقهم فلا ينفذ إلا بإجازتهم فإن أجازوها بطل دينهم لا على معنى أنه سقط عن ذمة العبد ولكن على معنى أنه لا شيء لهم [ ص: 144 ] على المولى ولا على العبد حتى يعتق ; لأنهم رضوا بصنع المولى والملك للموهوب له حادث بعد الدين فلا يستحق بذلك الدين ولكن يتأخر حقهم في المطالبة إلى ما بعد العتق لانعدام محل الاستيفاء فإذا عتق اتبعوه بجميع دينهم ، ولو كان الدين كله إلى أجل جازت الهبة ; لأنه لا حق للغرماء في المطالبة بشيء قبل حلول الأجل فينفذ تصرف المولى باعتبار ملكه وللغرماء على المولى قيمته إذا حل دينهم ; لأنه فوت عليهم محل حقهم بتصرفه فإذا أخذوا القيمة منه أو قضى بها - القاضي عليه ، ثم رجع في هبته فلا سبيل لهم على العبد ; لأن حقهم تحول إلى القيمة بقضاء القاضي وقد كان السبب قائما عند القضاء فلا يتحول إلى العبد بعد ذلك وإن عاد إليه قديم ملكه بالرجوع في الهبة فإن أذن له المولى بعد ذلك في التجارة فلحقه دين بيع في الدين الآخر خاصة لوجود الرضا من المولى بتعلق هذا الدين بمالية رقبته ولا سبيل للأولين على هذا الثمن ; لأن حقهم تحول إلى القيمة دينا في ذمة المولى فكما لا سبيل للآخرين على القيمة إذا أخذها الأولون فكذلك لا سبيل للأولين على الثمن وإن مات المولى قبل أن يباع ولا مال له غيره بيع فبدئ بدين الآخرين ; لأن حق الأولين أيضا في ذمة العبد حتى يتبعوه بعد العتق ; لأنا بينا أن حقهم تحول إلى القيمة فلا يبقى على العبد في حال رقه فإن بقي من ثمنه شيء بعد قضاء دين الآخرين كان للأولين باعتبار أنه ملك المولى ودينه بعد موته يقضى من ملكه فإن كان على المولى دين سوى ذلك اقتسم هذا الباقي الأولون وأصحاب دين المولى تصرف فيه أصحاب دين المولى بديونهم الأولون بقيمة العبد ; لأن حقهم في ذمة المولى بقدر قيمة العبد . وإذا كان على المأذون ألف درهم حالة وألف درهم إلى أجل فوهبه مولاه لرجل وسلمه فلصاحب الدين الحال أن يرد الهبة ; لأن توجه المطالبة له علة تامة تمنع نفوذ تصرف المولى فإن أجازها جازت لوجود الرضا منه ولا سبيل لصاحب الدين على العبد حتى يحل دينه . ( ألا ترى ) أنه لو لم يكن سوى دينه على العبد كانت الهبة صحيحة فإن حل دين الآخر ضمن المولى قدر القيمة له حتى يستوفي دينه ولا شيء منه للغريم الأول ; لأن الأول بإجازة الهبة أبطل حقه في حال رق العبد فهو بمنزلة ما لو أبرأه عن دينه وقد فوت المولى على الآخر محل حقه فيضمن له جميع القيمة ، ولو أن صاحب الدين الحال لم يجز الهبة ولم يقدر على العبد فله أن يضمن المولى نصف قيمته ; لأن الدين المؤجل ثابت عليه وإن كانت المطالبة به متأخرة والقيمة عند تعذر الوصول إلى العبد كالثمن عند بيع القاضي إياه وقد بينا هناك أنه لا يسلم . [ ص: 145 ] لصاحب الدين الحال إلا حصته من الثمن فههنا أيضا لا يسلم لصاحب الدين الحال إلا حصته من القيمة ، وذلك النصف فإن ضمنه ، ثم حضر العبد فالهبة جائزة ; لأن حقه سقط عن العبد بوصول حصته من الضمان إليه والدين الآخر مؤجل لا يمنع الهبة فإذا حل دين الآخر كان له أن يتبع المولى بنصف القيمة ; لأنه فوت محل حقه بتصرفه فإن شارك الأول فيما أخذ ; لأن القيمة وجبت لهما في ذمة المولى مشتركة بسبب واحد وإنما - يسلم المقبوض للأول بشرط أن يسلم النصف الباقي للآخر فإذا لم يسلم كان له أن يشارك الأول فيما أخذ ، ثم يتبعان المولى بنصف القيمة ; لأن المقبوض لما صار مشتركا بينهما كان الباقي مشتركا أيضا . ولو لم يحل الدين الثاني حتى رجع المولى في هبته ، ثم حل كان لصاحبه أن يتبع نصف العبد بدينه حتى يباع له ; لأن تحول حقه إلى نصف القيمة لا يتم إلا بالقبض أو - بقضاء القاضي له بها ولم يوجد فقد عاد العبد بالرجوع إلى قديم ملك المولى فكان له أن يطالب ببيع حصته منه في الدين ، وذلك نصفه وإن شاء شارك الأول فيما أخذ ; لما بينا أن وجوب القيمة لهما بسبب واحد فهو بمنزلة العبد المشترك إذا غصبه غاصب فأبق ، ثم إن كان أحدهما خاصم الغاصب وضمنه نصف القيمة ، ثم رجع العبد كان للآخر الخيار إن شاء أخذ نصف العبد وإن شاء شارك الأول فيما أخذ من نصف القيمة فإن شاركه في ذلك يباع نصف العبد في دينهما ; لأن المقبوض لما صار مشتركا بينهما كان الباقي كذلك فيباع نصفه في دينهما ; لأن في هذا النصف الحق باق في العبد . وإن كان العبد اعور في يد الموهوب له قبل أن يرجع فيه الواهب ضمن المولى ربع قيمته وبيع نصفه في دينه ; لأن العين من الآدمي نصفه ، ولو عاد الكل إليه بالرجوع في الهبة كان يباع نصفه في الدين ، ولو هلك الكل في يد الموهوب له كان المولى ضامنا نصف قيمته فالجزء يعتبر بالكل ولفوات النصف ضمن المولى ربع قيمته وبعود النصف إلى قديم ملكه بالرجوع يباع نصفه في دينه ، ولو اعور بعد ما رجع إلى المولى لم يضمن من عوره شيئا ; لأنه لو هلك العبد بعد الرجوع في الهبة لم يضمن شيئا فإنه بالرجوع عاد إلى قديم ملكه فعوره في هذه الحالة كهلاكه قبل الهبة فكذلك إذا اعور قلنا لا يضمن المولى شيئا ولكن يباع نصفه أعور في دينه . وإذا كفل المأذون عن رجل بألف درهم بأمر مولاه ولا دين عليهم باعه المولى فللمكفول له أن ينقض البيع ; لأنه صار أحق بماليته من المولى . ( ألا ترى ) أنه يطالبه بقضاء دين الكفالة ويباع له فيه كما يباع في سائر ديونه ، ولو كانت الكفالة بنفس رجل لم يكن [ ص: 146 ] للمكفول له أن ينقض البيع ; لأنه صار أحق بماليته بهذه الكفالة ( ألا ترى ) أنه لا يطالب ببيعه في هذه الكفالة فكانت المالية خالص حق المولى ; فلهذا نفذ بيعه وهذا ; لأن صاحب الدين إنما ينقض بيع المولى ليستسعيه في دينه ولا حق لصاحب الكفالة بالنفس في استسعائه في شيء ولكن يبيع العبد بكفالته حيث كان ; لأنه استحق عليه المطالبة بتسليم النفس فلا يسقط ذلك ببيع المولى إياه وهذا عيب فيه للمشتري أن يرده به إن شاء ; لأنه يحبس به ويؤمر بطلب المكفول بنفسه ليسلمه وفيه حيلولة بين المشتري وبين مقصوده من الخدمة فيثبت له حق الرد لأجله كما يثبت له حق رد الجارية بعيب النكاح إن شاء فإن كانت الكفالة على أنه كفيل بنفس المطلوب إن لم يعط المطلوب ما عليه إلى كذا ، وكذا لم يكن للمشتري أن يرده بعيب هذه الكفالة قبل وجود الشرط ; لأنه لا مطالبة بشيء على العبد في الحال فالتزام تسلم النفس منه كان معلقا بالشرط والمعلق بالشرط معدوم قبله فإذا وجب على العبد لوجود شرطه رده المشتري إن لم يكن علم بها حين اشتراه ; لأن الحيلولة وقعت بينه وبين الخدمة بسبب كان سابقا على بيعه فإن ثبوت الحكم عند وجود الشرط يكون محالا به على السبب وإن كأن علم بها حين اشتراه فليس له أن يرده بهذا العيب أبدا ; لأن تمكنه من الرد بالعيب لدفع ضرر لم يرض بالتزامه . قال : والحكم في بيع المولى شيئا من رقيق المأذون أو هبته وعليه دين حال أو مؤجل على ما وصفنا في المأذون بنفسه ; لأن مطالبة صاحب الدين بإيفاء الدين من الكسب والرقبة فكما أن في الرقبة إذا انعدمت المطالبة للتأجيل في الدين جعل في حق تصرف المولى كأنه لا دين عليه فكذلك في تصرفه في كسبه بالبيع والهبة في حكم النفوذ وحكم تضمين المولى عند حل الدين وفي الأصل إشارة إلى مخالف له في هذا الجواب واستشهد عليه بشواهد قال : أرأيت لو أعتق رقيق العبد قبل أن يحل دين العبد لم يجز عتقه في قول أبي حنيفة رحمه الله ينبغي لمن زعم أن البيع لا يجوز أن لا يجوز عتقه في الرقيق بمنزلة ما لو كان الدين حالا وكان محيطا برقبته وما في يده ( أرأيت ) لو أن المولى لو حجر عليه والدين عليه مؤجل لم يكن له أن يبيع الرقيق فإذا لم يكن له أن يبيعهم فمن ذا الذي ينفق عليهم فبيع المولى في هذا كله جائز وهو ضامن للقيمة إذا حل الدين وقيل المخالف أبو يوسف رحمه الله فقد روي عنه أنه لا يجوز بيع المولى كسب العبد وإن كان الدين مؤجلا عليه ; لأن بالتأجيل لا ينعدم وجوب أصل الدين وحاجة المأذون إلى قضائه وحاجته في كسبه مقدمة على حق المولى [ ص: 147 ] فكان المولى ممنوعا من إثبات يده عليه ولا يجوز بيعه ولا هبته فيه ويجوز العتق ; لأن تقرر العتق لا يستدعي اليد ، فأما إذا كان الدين حالا على العبد فإن لم يكن محيطا بكسبه ورقبته لا يمنع نفوذ عتق المولى في رقبته ; لأن المولى يخلف عبده في كسبه خلافة الوارث المورث والدين على المورث إذا لم يكن محيطا بالتركة لا يمنع ملك الوارث في التركة ونفوذ عتقه في قول أبي حنيفة رحمه الله الأخير وفي قوله الأول يمنع ذلك وقد بينا هذا في أول الزيادات فكذلك الدين على العبد . فأما إذا كان الدين محيطا بكسبه ورقبته فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله المولى لا يملك شيئا من كسبه ، ولو أعتقه لا ينفذ عتقه في كسبه وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله المولى يملك كسبه حتى ينفذ عتقه في رقبته كما يملك عتقه ; لأن الكسب بمنزلة الرقبة من حيث إن حق الغريم فيه مقدم على حق المولى وإنه لا يسلم للمولى إلا بشرط الفراغ من دين العبد فكما أن قيام الدين عليه لا ينافي ملك المولى في رقبته فكذلك لا ينافي ملكه في كسبه وهذا ; لأن الكسب يملك بملك الرقبة وله ملك مطلق في رقبته فيملك كسبه وهذا بخلاف المكاتب فرقبته مملوكة للمولى من وجه دون وجه ; لأنه بعقد الكتابة صار بمنزلة الحر يدا وقد ملك بدل الرقبة وهو دين الكتابة من وجه فكذلك يمنع بقاء ملكه في رقبته من هذا الوجه ; فلهذا لا يكون مالكا كسبه ، فأما رقبة العبد بعد لحوق الدين إياه فمملوكة للمولى من كل وجه . ( ألا ترى ) أنه يملك استخلاصه لنفسه بقضاء الدين من موضع آخر ولا يملك إبطال حق المكاتب بفسخ الكتابة وهذا بخلاف الدين في التركة ، وذلك ; لأن الوارث إنما يملك الفاضل عن حاجة الميت . ( ألا ترى ) أن المشغول بالجهاز والكفن لا يكون مملوكا للوارث فكذلك المشغول بالدين وههنا ملك المولى كسب العبد لا يتعلق بفراغه من حاجة العبد وإن كانت سلامته له تتعلق بذلك . ( ألا ترى ) أن حاجته إلى النفقة والكسوة لا يمنع ملك المولى في كسبه فكذلك حاجته إلى الدين ولأن الشرع جعل الميراث بعد الدين فحال قيام الدين كحال حياة المورث في أنه لا يكون أو أن الميراث والحكم لا يسبق أوانه ، فأما خلافة المولى عبده في ملك الكسب واعتبار الرق ينافي الأهلية لملك المال والكسب موجب الملك في المكسوب فإذا لم يكن المكتسب من أهله وقع الملك لمن يخلفه وهذا المعنى قائم حال قيام الدين عليه وأبو حنيفة رحمه الله يقول المولى يخلف عبده في ملك الكسب خلاف الوارث المورث على معنى أنه يملكه بإكسابه وسلامته له متعلقة بفراغه عن حاجة العبد فكما أن [ ص: 148 ] الدين المحيط بالتركة يمنع ملك الوارث في التركة فكذلك الدين المحيط بالكسب والرقبة يمنع ملك المولى وهذا ; لأن الخلافة في الموضعين جميعا باعتبار انعدام الأهلية للملك في المكتسب فالميت ليس بأهل للمالكية كالرقيق ; لأن المالكية عبارة عن القدرة والاستيلاء والموت ينافي ذلك كالرق بل أظهر فالرق ينافي مالكية المال دون النكاح والموت ينافيهما جميعا ، ثم لقيام حاجة الميت إلى قضاء ديونه يجعل كالمالك حكما حتى لا يملك الوارث كسبه فكذلك العبد لقيام حاجته يجعل كالمالك حكما وهذه الحاجة ليست كالحاجة إلى الطعام والكسوة فإن الرقيق لا يحتاج إلى ذلك ; لأنه يستوجب النفقة على المولى إذا لم يكن له كسب وليس الكسب نظير الرقبة ; لأن المولى ليس يخلفه في ملك الرقبة بل كان مالكا للرقبة لا بالاكتساب من العبد فبقي ملكه في الرقبة بعد لحوق الدين وهو نظير المكاتب فالمولى مالك رقبته حتى ينفذ منه العتق في - رقبته وتؤدى به كفارته وبه يتبين أن ملكه في الرقبة مطلق ومع ذلك لقيام حاجته لا يملك المولى كسبه فكذلك في العبد المديون لا يملك كسبه وإن كان يملك رقبته ولا عتق فيما لا يملك ابن آدم . وإذا أقر العبد المحجور عليه باستهلاك ألف درهم لرجل لم يؤخذ به حتى يعتق فإذا عتق أخذ بذلك ; لأنه محجور عن الإقرار لحق المولى فبإقراره لا يظهر وجوب الدين في حق المولى ولكن يظهر في حق العبد ; لأنه مخاطب لا تهمة في إقراره في حقه فيؤاخذ به بعد العتق وإن ضمن عنه رجل هذا الدين قبل أن يعتق أخذ به الكفيل حالا ; لأن أصل الدين واجب على العبد وإنما تأخرت المطالبة في حقه لانعدام المحل فإذا ضمنه عنه رجل فقد ضمن دينا واجبا فيؤاخذ به في الحال بمنزلة الدين على مفلس إذا ضمنه إنسان أخذ به في الحال لهذا المعنى فإذا اشتراه صاحب الدين فأعتقه أو أمسكه بطل دينه عن العبد ; لأن المولى لا يستوجب على عبده دينا ولكنه يأخذ الكفيل بالأقل من الثمن ومما ضمنه ; لأن الدين لو كان معروفا على العبد تحول بالبيع إلى الثمن سواء بيع من صاحب الدين أو من أجنبي وهذا الدين بمنزلة المعروف في حق الكفيل فيحول إلى الثمن ; لأنه إنما يتحول إلى الثمن بقدر ما يسع من الثمن لقضاء الدين منه فبقدر ذلك يكون الكفيل مطالبا وما زاد على ذلك سقط عن الكفيل بسقوطه عن الأصيل من كل وجه ، ولو لم يشتره ولكن صاحبه وهبه منه وسلمه إليه بطل دينه عن العبد وعن الكفيل ; لأن الدين ههنا سقط عن الأصيل والمولى لا يستوجب على عبده دينا ولم يخلف العبد محلا آخر يمكن تحويل الدين إليه وبراءة الأصيل بأي سبب كأن توجب براءة [ ص: 149 ] الكفيل فإن رجع في هبته لم يعد الدين أبدا وهذا قول محمد رحمه الله . وعند أبي يوسف رحمه الله يعود الدين برجوعه في الهبة وأصل الخلاف في الدين المعروف على العبد ولم يذكر قول أبي يوسف ههنا إنما ذكره في أول الزيادات وجه قول محمد رحمه الله أن الدين بالهبة سقط عن العبد لا إلى بدل فكان كالساقط عنه بالإبراء وبعد الإبراء لا يتصور عود الدين إذا تم السقوط بالقبول وهذا ; لأن الساقط يكون متلاشيا والعود يتصور في القائم دون المتلاشي بخلاف ما إذا اشترى بالدين شيئا أو صالح على عين فهلك قبل القبض ; لأن الدين هناك لم يسقط وإنما تحولت المطالبة إلى المشتري وإلى ما وقع عليه الصلح ، وكذلك الحوالة فإن الدين لا يسقط بها ولكن يتحول إلى ذمة المحتال عليه بالتوى إلى المحيل وأبو يوسف رحمه الله يقول بالرجوع في الهبة بفسخ العقد من الأصل وتعود العين إلى قديم ملكه وسقوط الدين كان بحكم الهبة فإذا انفسخ عاد الدين كما إذا سقط الدين بالشراء أو الصلح بخلاف الإبراء فالسبب هناك غير محتمل للفسخ بعد تمامه والدليل عليه أن الدين لو كان لصبي فوهبه صاحب الدين منه وقبضه هو أو وصيه سقط الدين ، ثم إذا رجع الواهب لو قلنا بأنه لا يعود الدين كان فيه إلحاق الضرر بالصبي وإسقاط دينه مجانا ، وذلك مملوك للصبي فلا بد من القول بعود الدين لدفع الضرر وقد روى ابن سماعة عن محمد والحسن عن أبي حنيفة رضي الله عنهم أنه ليس للواهب أن يرجع في الهبة بعد سقوط الدين ; لأن ذلك في معنى زيادة حادثة في ملك الموهوب له والزيادة المتصلة تمنع الواهب من الرجوع ولكن في ظاهر الرواية هذه زيادة لا تغير صفة العين فتكون كزيادة السعر فلا يمنع الواهب من الرجوع ( ألا ترى ) أن المشتري إذا أقر على العبد بالدين قبل القبض لم يصر قابضا ، وإن كان الدين عينا والمشتري بالتعيب يصير قابضا ولكن هذا التعييب لما لم يؤثر في العين لم يجعل به قابضا فهذا مثله وقد أملينا في أول شرح الزيادات هذه الفصول بفروعها . ولو كان الدين على العبد لشريكين وبعضه حال وبعضه مؤجل فوهبه المولى لأحدهما وسلمه إليه فلشريكه أن ينقض الهبة لمكان حقه في المطالبة بالدين الحال كما لو وهبه لأجنبي آخر فإن نقضها بيع العبد فاستوفى الهبة حقه من الثمن وما بقي فهو للمولى ولا شيء للموهوب له على المولى ولا على العبد ولا على الشريك ; لأن الموهوب له حين قبض العبد بحكم الهبة فقد ملكه وإن كان النقض مستحقا لحق الآخر كالمريض إذا وهب عبده وسلمه صار ملكا للموهوب له وإذا ملكه [ ص: 150 ] سقط دينه ولا يعود بعد ذلك إذن فعلى قول أبي يوسف إذا نقض الآخر الهبة عاد الدين كله إلى العبد كما في الأول . ولو باعه المولى من أحدهما بألف درهم وقيمته ألفا درهم فأبطل الآخر البيع بعد القبض أو قبله بيع لهما فاقتسما ثمنه ولم يبطل من دين المشتري شيء ; لأن بالبيع تحول حقه إلى الثمن كما لو باعه من أجنبي آخر لا يسقط به دينه ولكن يتحول إلى الثمن بخلاف الهبة ; فلهذا يباع العبد ههنا في دينهما بعد نقض البيع . وإذا كان على المأذون دين مؤجل فباعه المولى من صاحب الدين بأقل من قيمته أو بأكثر فالثمن للمولى وهو أحق به حتى يحل الدين فيدفع الثمن إلى الغريم وفي قياس قول زفر رحمه الله يحل عليه الدين بالبيع فيكون الثمن للغريم وقد بينا هذا في البيع من أجنبي آخر إذا كان القاضي هو الذي باشره حتى يحول به الدين إلى الثمن ، وكذلك إذا باعه المولى من صاحب الدين ; لأنه في البيع من صاحب الدين لا يكون جانيا في حقه ضامنا له شيئا فإن توي الثمن في يد المولى لم يكن للغريم على المولى سبيل ; لأنه في البيع وقبض الثمن منه لم يكن جانيا في حق الغريم فهلاك الثمن في يده كهلاك العبد قبل البيع . وإن كان على العبد دين لآخر مثل دين المشتري فحل ضمن نصف القيمة لصاحب الدين الذي لم يشتر العبد ; لأنه في حقه جان بتفويت محل حقه بالبيع فيضمن له نصف القيمة ثم يسلم له ذلك ولا يشاركه المشتري فيه كان شريكا في الدين الذي على العبد أو لم يكن شريكا ; لأن وجوب ضمان القيمة على المولى باعتبار جنايته وهو غير جان في حق المشتري حين ساعده على الشراء منه فلا يثبت له حق في قيمته ، ولو شارك الآخر فيما قبض من القيمة لم يسلم له ولكن يأخذه المولى منه ، ثم يأتي الشريك الآخر فيأخذ ذلك من المولى فعرفنا أنه لا فائدة في إثبات المشاركة له في المقبوض . ولو أمر المولى عبده المأذون فكفل لرجل بألف درهم عن رجل على أن الغريم إن مات ولم يدفع المال إلى رب المال فالعبد ضامن للمال فهو جائز ; لأن كفالته بإذن المولى إذا لم يكن عليه دين ككفالة الحر فإن باعه المولى من رب المال بألف أو بأقل فبيعه جائز ويقبض الثمن فيصنع به ما بدا له ; لأن وجوب دين الكفالة متعلق بالشرط فلا يكون ثابتا قبله فإن مات المكفول عنه قبل أن يؤدي المال كان للذي اشترى العبد من المولى أن يرجع بالثمن على المولى فيأخذه منه قضاء من دينه ; لأن عند وجود الشرط يثبت المال على العبد مضافا إلى سببه ويكون هذا في معنى الدين المؤجل فيتحول إلى الثمن ببيعه إياه من الطالب وإن كان الثمن هلك من المولى [ ص: 151 ] لم يضمن المولى شيئا ; لأنه غير جان في حق المكفول له حين اشترى منه العبد فإقدامه على الشراء يكون رضا ببيعه محالة وإن هلك بعضه أخذ الباقي بدينه والهالك صار كأن لم يكن فإن هلك الثمن من المولى ، ثم وجد المشتري بالعبد عيبا رده إن شاء ولم يكن له من الثمن شيء على المولى ; لأن المولى كان عاملا له في بيعه وقبض ثمنه ( ألا ترى ) أن حقه تحول إلى الثمن وكان هو أحق له عند وجوب دينه على العبد بوجود شرطه فلو رجع على المولى بشيء كان للمولى أن يرجع عليه بذلك أيضا وهذا لا يكون مفسدا ولكن يباع له العبد المردود حتى يستوفي من ثمنه الثمن الذي نقد البائع فإن فضل شيء أخذ هذا الفضل من دينه الأول وإن نقص الآخر عن الثمن الأول لم يكن له على البائع شيء من النقصان ; لما بينا والله أعلم ( قال : رحمه الله ) توكيل المأذون بالخصومة له وعنه جائز مثل الحر ; لأنه من صنيع التجار ومما لا يجد التاجر منه بدا وانفكاك الحجر فيه بالإذن كانفكاك الحجر عنه بالعتق فكل ما يصح منه من هذا الباب بعد العتق فهو صحيح بعد الإذن ، وكذلك إن كان الوكيل مولاه أو بعض غرمائه أو ابنه أو ابن المدعي أو مكاتبه أو عبدا مأذونا له ; لأنه صالح للنيابة عنه في تجاراته واستيفاء حقوقه فيصلح نائبا عنه في المطالبة بحقوقه والخصومة فيها وإقرار وكيله عليه عند القاضي جائز وإن أنكر مولاه أو غرماؤه ; لأن الوكيل فيما هو من جواب الخصم قائم مقام الموكل كما في الحر وقد بينا اختلاف العلماء فيه في كتاب الوكالة فإقرار وكيل العبد ههنا في مجلس القاضي كإقرار العبد وإقرار العبد صحيح وإن كذبه مولاه وغرماؤه فكذلك إقرار وكيله وإن أقر عند غير القاضي فقدمه خصمه إلى القاضي وادعى إقراره عند غيره سأله عن ذلك فإن أقر له بذلك قبل أن يتقدم إليه ألزمه ذلك ; لأن كلامه هذا إقرار مستأنف منه في مجلس القاضي مع حكايته ما كان منه من الإقرارين في غير مجلسه فإقراره المستأنف ملزم لموكله وما كان منه من الحكاية ساقط الاعتبار . وإن قال : أقررت به قبل أن توكلني وقال الخصم أقر به في الوكالة ألزمه القاضي ذلك باعتبار أنه إقرار مستأنف منه وسواء كان إقراره السابق قبل التوكيل أو بعده فإنما يلزمه باعتبار إقراره المستأنف في مجلسه ثم يدعي هو تاريخا سابقا في إقراره حين أسنده إلى ما قبل التوكيل وخصمه ينكر هذا التاريخ وحقيقة المعنى [ ص: 152 ] فيه أنه ينكر صحة التوكيل ; لأنه حين كان مقرا قبل التوكيل لا يصلح نائبا في الخصومة في هذه الحالة وقبوله الوكالة إقرار منه بصحتها فإذا ادعى بعد ذلك أنها لم تكن صحيحة كان مناقضا وإن صدقه خصمه في أنه أقر قبل الوكالة أخرجه القاضي من الوكالة ولم يقض بذلك الإقرار على الموكل ; لأن المناقض إذا صدقه خصمه كان قوله مقبولا منه ، وقد تصادقا على أنه لم يصر وكيلا ، وإنشاء الإقرار في مجلس القاضي ممن هو وكيل يكون ملزما للموكل وإذا تصادقا أنه لم يصر وكيلا لا يقضي القاضي على الموكل بإقراره بشيء وإن كان كلامه إنشاء الإقرار ، ولو جحد الوكيل الإقرار لم يستحلف عليه ; لأن الخصم لا يدعي لنفسه بهذا الإقرار شيئا على الوكيل إنما يزعم أنه ليس بخصم له لأنه أقر في غير مجلسه وكيف يستحلفه وهو يزعم أنه ليس بخصم له فإن أقام الخصم البينة على إقراره قبل الوكالة أو بعدما أخرجه القاضي عن الوكالة لم يجز إقراره على موكله ; لأنه يثبت إقرار من ليس بوكيل وهو بهذه البينة ثبت أنه ليس بخصم له وأن له المطالبة بإحضار الوكيل للخصومة معه فتقبل بينته عليه فيكون الثابت بالبينة كالثابت بالمعاينة وإنما لا يستحلف على ذلك ; لأنه لو استحلف كان في معنى النيابة عن الموكل والنيابة لا تجزئ في الاستحلاف وتجزئ في قبول البينة . ![]()
__________________
|
|
#517
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ152 الى صـــ 161 (517) ولو كان المدعي على العبد وكل مولى العبد بخصومته وعلى العبد دين أو لا دين عليه كانت باطلة ; لأنها لو صحت نفذ إقراره على موكله في مجلس القاضي وفيه براءة لعبده وقول المولى في ذلك غير مقبول ; لما فيه من المنفعة أو ; لأن الوكيل بالخصومة يملك القبض فكان هذا بمنزلة التوكيل بالقبض وقد بينا أن الطالب إذا وكل مولى العبد بقبض دينه من العبد لم يجز التوكيل ، وكذلك لو وكل به غريما من غرمائه ; لأن المنفعة للغريم فيه أظهر ، ولو كان الوكيل ابن الغريم أو مكاتبه أو عبده كان جائزا بمنزلة ما لو أقر موكله بالقبض وهذا ; لأنه لا منفعة في هذا الإقرار للوكيل فهو كأجنبي آخر في حق الإقرار به بخلاف المولى والغريم بنفسه . وإذا قبض المولى ما في يد المأذون ولا دين عليه ، ثم ادعى رجل فيه دعوى فوكل العبد بخصومته وكيلا لم يجز توكيله بذلك ; لأن المأخوذ خرج من أن يكون كسبا له وصار كسائر أملاك المولى فلا يكون العبد خصما فيه وتوكيله فيما ليس بخصم فيه باطل ، وكذلك لو أخذه بعدما وكل العبد وكيلا بالخصومة قبل أن يقر الوكيل بما ادعى المدعي ، ثم أقر له فإقراره باطل ; لأن العبد خرج من أن يكون خصما فيه قبل إقرار الوكيل وأكثر ما في الباب أن يجعل إقرار [ ص: 153 ] الوكيل كإقرار الموكل ، وإقرار الموكل به بعدما أخذه المولى منه باطل فكذلك إقرار الوكيل ، ولو كان على العبد دين كانت الوكالة صحيحة والإقرار جائزا ; لأن أخذ المولى بمنزلة الغصب لمكان حق الغرماء فلا يخرج المأخوذ به من أن يكون كسب العبد وكما يجوز إقرار العبد به في هذه الحالة فكذلك إقرار وكيله ، ولو كان المولى حجر عليه وقبض ما في يده ، ثم ادعى رجل بعض ما في يده فتوكيل العبد في ذلك باطل إذا لم يكن عليه دين ; لأنه خرج من الخصومة فيه بما فعله المولى وتوكيل المولى بالخصومة فيه صحيح وإقرار وكيله جائز ; لأن المولى هو الخصم في ذلك . ولو ادعى العبد دينا على رجل فوكل بالخصومة بعدما حجر عليه المولى جاز ; لأنه هو الخصم في بقاء تجاراته فإن أقر الوكيل عند القاضي أن العبد قد استوفى دينه كان إقراره به أيضا كإقرار العبد فينفذ في حق المولى والغرماء ، وإن أقر أنه لا حق للعبد قبل الخصم فإقراره به أيضا كإقرار العبد به يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله فيما في يده من المال دون - رقبته وعندهما لا يجوز في شيء وقد تقدم بيان هذا الفصل . وإذا وجب للمأذون ولشريك له على رجل ألف درهم فجحدها فوكل العبد وشريكه بخصومته مولى العبد وعلى العبد دين أو لا دين عليه فأقر المولى عند القاضي باستيفائه ما المال جاز إقراره عليهما ; لأنه لا منفعة له في هذا الإقرار بل فيه ضرر فهو كأجنبي آخر ينفذ إقراره عليهما ، وإن جحداه فإن ادعى الشريك على العبد أنه قبض نصيبه فإن كان العبد لا دين عليه فإن الشريك يرجع في رقبة العبد بنصف حصته فيباع في ذلك ; لأن بإقرار المولى ثبت وصول نصيب العبد إليه فكأنه ثبت ذلك بإقرار العبد فكان للشريك أن يرجع عليه بنصفه ولم يثبت بإقرار المولى نصيب الشريك إليه في حق العبد ; لأنه كان نائبا عن الشريك في الخصومة مع المطلوب لا مع العبد وصحة إقراره باعتبار أنه وكيل في الخصومة ، ولأن في ثبوت وصول نصيب الشريك إليه منفعة العبد من حيث إنه يسلم المقبوض أو يثبت للعبد حق الرجوع عليه إن لم يكن هو قبض شيئا وإقرار المولى لا يصح بذلك ; فلهذا كان للشريك أن يرجع في رقبة العبد بنصف حصته وإن كان على العبد دين فلا سبيل له عليه ولا على مولاه حتى يقضي دينه ; لأن إقرار المولى على العبد بوصول نصيبه إليه لا يكون صحيحا في حق غرمائه فإنه إنما ينفذ إقراره عليه بكونه وكيلا في الخصومة وهو كان وكيلا في الخصومة مع المطلوب لا مع الأجنبي فإقراره على العبد الآن كإقراره على الأجنبي . وإذا استوفى العبد دينه وفضل شيء رجع الأجنبي بحصته في ذلك ; لأن الفاضل [ ص: 154 ] خالص ملك المولى وقد أقر بوصول نصيب العبد إليه وللأجنبي أن يرجع في ذلك بنصفه بحكم إقراره كما لو لم يكن عليه دين ، ولو كان الشريك صدق المولى فيما أقر به عليهما وكذبه العبد وعليه دين أو لا دين عليه لم يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء ; لأن بتصديق الشريك ثبت وصول نصيبه إليه وبإقرار المولى على عبده ثبت وصول نصيب العبد إليه أما إذا لم يكن عليه دين فغير مشكل ، وكذلك إن كان عليه دين فإنه يثبت وصول نصيبه إليه في حق المولى ويكون إقرار المولى عليه بذلك كإقرار العبد ثم بإقرار العبد ثبت وصول نصيبه إليه في حق غرمائه فكذلك بإقرار المولى ; فلهذا لا يرجع واحد منهما على صاحبه بشيء ، ولو كان الشريك هو الذي وكل العبد بالخصومة في دينه ولم يوكل المولى بذلك فأقر العبد عند القاضي أنه لا حق للشريك قبل الغريم أو أقر أنه استوفى من الغريم نصيبه وجحد ذلك الشريك برئ الغريم من حصة الشريك ; لأن إقرار وكيله في مجلس الحكم كإقراره فيما يرجع إلى براءة خصمه ويتبع العبد الغريم بنصف الدين ; لأنه لم يقر في نصيب نفسه بشيء فإذا أخذه شاركه الغريم فيه كان على العبد دين أو لم يكن ; لأن في إقرار العبد شيئين إبطال حق الشريك على الغريم ، وسلامة ما يقبضه له وقوله مقبول فيما يرجع إلى إبطال حق الشريك على الغريم لا بتوكيله بخصومته فيكون راضيا بإقراره بذلك ولكن إقراره غير صحيح في سلامة المقبوض له ; لأن ذلك دعوى منه فكان المقبوض مشتركا بينهما ; لأنه جزء من دين كان مشتركا بينهما وهو نظير المودع في مال مشترك إذا ادعى أنه رد على أحد الشريكين نصيبه يقبل قوله في براءته عن الضمان ولا يقبل قوله في سلامة الباقي للآخر بل يكون مشتركا بينهما . ولو كان للعبد ولشريكه على رجل ألف درهم هو مقر بها فغاب الغريم وادعى العبد أن شريكه قد قبض حقه وأراد أن يرجع عليه بنصفه فجحد الشريك ووكل مولى العبد بخصومة العبد في ذلك وعلى العبد دين أو لا دين عليه أو وكل الشريك بعض غرماء العبد فأقر الوكيل أن الشريك قد استوفى نصيبه من الغريم فإقراره باطل ولا يكون وكيلا في ذلك ; لأنه يجر به إلى نفسه مالا فإنه إذا صح إقراره على الشريك سلم للعبد ما قبضه من الغريم من نصيبه وفيه منفعة لمولاه ولغرمائه ; فلهذا لا يكون وكيلا فيه به ، وقد تقدم بيان الفرق بين هذه المسألة وبين مسألة الطعن ، لو كان الشريك ادعى على العبد الاستيفاء فوكل العبد بالخصومة لمولاه أو بعض غرمائه فأقر الوكيل على العبد بالاستيفاء جاز إقراره عليه ; لأنه لا منفعة للمقر في هذا الإقرار [ ص: 155 ] بل عليه فيه ضرر وهو كأجنبي آخر فيه وإقرار الوكيل عند القاضي كإقرار الموكل ، ولو أقر العبد بذلك رجع عليه الشريك بنصف ما قبض فهذا كذلك أيضا ، وإذا حضر الغريم وادعى أن العبد قد قبض ما قال الوكيل لم يصدق على ذلك ; لأن العبد إنما كان وكيلا بالخصومة مع الشريك لا مع الغرماء فإقراره في حق الغريم لا يكون نافذا على الموكل ; لأن صحة إقرار الوكيل لضرورة أنه من جواب الخصم ، وذلك في حق خصمه دون غيره ; فلهذا كان للعبد أن يرجع على الغريم بجميع دينه إلا أن يكون العبد لا دين عليه والوكيل هو المولى فيصدق على عبده في ذلك ; لأن جواز إقراره عليه الآن ليس باعتبار أنه جواب الخصم ولكن باعتبار أنه ملكه وفي ذلك الغريم والخصم سواء . ( ألا ترى ) أن قبل التوكيل لو أقر به عليه في هذه الحالة جاز إقراره ، فأما في غير هذه الحالة فصحة إقراره باعتبار التوكيل بالخصومة كما بينا ثم الغريم قد برئ من نصف حق الشريك ; لأنه قد قبضه من العبد فلا يكون له أن يرجع به على الغريم ، وذلك خمسمائة ويرجع الشريك بنصف حقه على الغريم ، وذلك مائتان وخمسون فما أخذ واحد منهما من شيء اقتسماه أثلاثا على قدر حقيهما على الغريم حتى يستوفي منه سبعمائة وخمسين . وإذا كان لرجلين على المأذون دين ألف فادعى العبد على أحدهما أنه قد استوفى نصيبه وجحد المدعى عليه فوكل المدعى عليه مولى العبد بذلك فالتوكيل باطل وإقرار المولى به باطل سواء كان على العبد دين أو لم يكن ; لأن في إقراره منفعة المولى وهو براءة ذمة عبده عن نصيبه وسلامة ماليته للمولى بذلك القدر ، وإذا حضر الغريم الآخر فادعى ما أقر به المولى على شريكه فأراد أن يأخذه بنصفه لم يكن له ذلك ; لأن إقرار المولى به كان باطلا ; لأن المولى لم يكن وكيلا بالخصومة في حق الشريك ، وكذلك لو كان الوكيل غريما للعبد ; لأن منفعة المولى في هذا الإقرار أظهر من منفعة المولى ; لأنه يخرج به موكله من مزاحمته في مالية العبد ، ولو كان أحد الشريكين وكل صاحبه بخصومة العبد في ذلك فادعى عند القاضي أن صاحبه قد استوفى من العبد حصته جاز ذلك عليه وعلى شريكه ويبطل من الدين خمسمائة ; لأنه لا منفعة له في هذا الإقرار ، ثم ما أخذ الشريك الوكيل من الخمسمائة الباقية أخذ صاحبه منه نصفه ; لأن صحة إقراره في براءة الغريم لا في سلامة الباقي له إذ هو متهم في ذلك ، ولو كان الوكيل غريما للعبد ليس بينه وبين الوكيل شركة في المال الذي على العبد لم يجز إقراره فيما فيه المنفعة له وهو دفع مزاحمة الموكل عن نفسه في مالية العبد . وإذا وجب لرجلين على عبد ألف درهم فادعى أحدهما على [ ص: 156 ] صاحبه أنه قبض نصيبه من الدين فأنكر شريكه ووكل بذلك مولى العبد أو العبد أو غريما للعبد بخصومته فأقر الوكيل عند القاضي أن موكله قد قبض ما ادعاه شريكه لم يجز توكيله ولا إقراره ; لأن العبد إن كان هو الوكيل فهو بهذا الإقرار يبرئ نفسه والمولى يبرئ به عبده والغريم يزيل به مزاحمة الموكل معه في مالية العبد فلا يجوز إقرارهم بذلك . ( ألا ترى ) أنه لو جاز إقرار المولى أو الغريم بذلك كان للمدعي أن يأخذ نصف ما قبض المدعى عليه ويبرئ العبد من ذلك ، ولو كان المدعي هو الموكل فأقر وكيله أن المدعى عليه لم يأخذ من الدين شيئا جاز إقراره على المدعى وكان حقهما على العبد بحاله ; لأنه لا منفعة للوكيل في هذا الإقرار وهو فيه كأجنبي آخر والله أعلم ( قال رحمه الله ) شراء المأذون وبيعه بما يتغابن الناس فيه جائز حالا كان أو إلى أجل سواء كان بيعا بثمن أو مقابضة عرض بعرض أو سلما ; لأنه منفك الحجر عنه فيما هو تجارة ، وهذه كلها من عقود التجارات ، والتاجر يحتاج إليها يعني البيع والشراء بالحال والمؤجل والإسلام إلى الغير وقبول السلم من الغير والمحاباة بما يتغابن الناس فيه من صنيع التجار عادة وما لا يقدر التاجر على التحرز عنه في كل تجارة ويحتاج إليه لإظهار المسامحة من نفسه في المعاملة . فأما تصرفه بما لا يتغابن الناس فيه فجائز في قول أبي حنيفة رحمه الله بيعا كان أو شراء سواء كان عليه دين أو لم يكن ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وكذلك الخلاف في المكاتب والصبي والمعتوه يأذن له أبوه في التجارة فيتصرف بما لا يتغابن الناس فيه وطريقهما أن المحاباة الفاحشة بمنزلة الهبة . ( ألا ترى ) أن من لا يملك الهبة كالأب والوصي لا يملك التصرف بالمحاباة الفاحشة وأنه متى حصل ذلك من المريض كان معتبرا من ثلثه كالهبة ، ثم هؤلاء لا يملكون الهبة فكذلك لا يملكون التصرف بالمحاباة الفاحشة وهذا ; لأنه ضد ; لما هو المقصود بالتجارة فالمقصود بالتجارة الاسترباح دون إتلاف المال وإنما لم ينفذ هذا العقد من الأب والوصي لدفع الضرر عن الصبي فإذنهما له إنما يصح لتوفر المنفعة عليه لا للإضرار به فحاله فيما يلحق الضرر به من التصرفات بعد الإذن كما قبله وأبو حنيفة رحمه الله يقول انفكاك الحجر عنه بالإذن في وجوه التجارات كانفكاك الحجر عنه بالعتق والبلوغ عن عقل وبعد ذلك يملك التصرف [ ص: 157 ] بالغبن الفاحش واليسير فكذلك بعد الإذن وهذا ; لأن التصرف بالغبن الفاحش تجارة فإن التجارة مبادلة مال بمال وهذا التصرف في جميع المحل مبادلة مال بمال . ( ألا ترى ) أنه تجب الشفعة للشفيع في الكل بخلاف الهبة فإنه ليس بتجارة وبخلاف الأب والوصي ; لأنه لم يثبت لها الولاية في التجارة في مال الصغير مطلقا بل مقيدا بشرط الأحسن والأصلح ، ولا يبعد أن لا يصح التصرف من الأب والوصي ، ثم يصح ذلك من الصبي بعد الإذن كالإقرار بالدين ، والعقد بالغبن الفاحش من صنيع التجار ; لأنهم لا يجدون من ذلك بدا وربما يقصدون ذلك لاستجلاب قلوب المهاجرين فيسامحون في التصرف لتحصيل مقصودهم من الربح في تصرف آخر بعد ذلك فكان هذا والغبن اليسير سواء ، وبأن كان يعتبر في حق المريض من الثلث لعدم الرضى به من غرمائه وورثته فذلك لا يدل على أنه لا ينفذ من المأذون كالغبن اليسير ، ثم أبو حنيفة في تصرف الوكيل فرق بين البيع والشراء في الغبن الفاحش وفي تصرف المأذون سوى بينهما ; لأن الوكيل يرجع على الآمر بما يلحقه من العهدة فكان الوكيل بالشراء متهما في أنه كان اشتراه لنفسه فلما ظهر الغبن أراد أن يلزمه الآمر وهذا لا يوجد في تصرف المأذون ; لأنه متصرف لنفسه لا يرجع بما يلحقه من العهدة على أحد فكان البيع والشراء في حقه سواء . وإن كانت في يد المأذون جارية فباعها من رجل لغلام وسلم الجارية ولم يقبض الغلام حتى ذهبت عين الجارية أو شلت يدها ، ثم مات الغلام فالمأذون بالجارية إن شاء أخذ جاريته ولا يتبع المشتري بنقصانها وإن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم قبضها ; لأن البيع قد انتقض بموت الغلام قبل التسليم لفوات القبض المستحق بالعقد فيثبت له حق الرجوع بملكه إلا أن المشتري للجارية عجز عن ردها كما قبضها ; لأنها تعيبت في يده فيثبت للعبد الخيار فإن اختار أحدهما فليس له على المشتري نقصانها ; لأن المشتري قبضها بحكم عقد صحيح ، وذلك لا يوجب ضمان الأوصاف والفائت وصف من غير صنع أحد . ( ألا ترى ) أنه لو فات وصف من أوصافها في يد البائع قبل التسليم يثبت الخيار للمشتري وإن اختار الأخذ لم يتبع البائع بشيء من النقصان ولا يسقط شيء من الثمن باعتبار ذلك النقصان فكذلك إذا حدث النقصان عند المشتري ; لأن ضمان الأصل بحكم العقد الصحيح في الموضعين ، وإذا أبى أن يأخذها فقد عجز المشتري عن ردها مع تقرر السبب الموجب للرد فيرد قيمتها ; لأن القيمة تقوم مقام العين عند تعذر رد العين وإنما يعتبر قيمتها حين دخلت في ضمانه ، وذلك وقت القبض فيعتبر قيمتها عند ذلك كما في المغصوبة ، ولو كان حدث لها ذلك بعد موت [ ص: 158 ] الغلام أخذ المأذون جاريته ونقصانها ; لأن بموت الغلام قبل التسليم بطل البيع فبقيت الجارية مقبوضة بحكم عقد فاسد والأوصاف تضمن في القبض بحكم العقد الفاسد كما لو كان العقد فاسدا من الأصل وهذا ; لأن الفاسد ضعيف في نفسه فإنما يثبت الضمان به باعتبار القبض والأوصاف تفرد بالقبض والتناول فتفرد بضمان القبض كما في المغصوبة بخلاف الأول فهناك العقد صحيح وضمان المقبوض بما يقابله إنما يكون بحكم العقد دون القبض والأوصاف لا تفرد بالعقد فلا تفرد بضمانه فإن كان حدث بها عيبان أحدهما قبل هلاك الغلام والآخر بعد هلاكه ، فإن شاء المأذون أخذها ونقصان عيبها الآخر وإن شاء أخذ قيمة الجارية يوم دفعها إليه ; لأنه يجعل في نقصان كل واحد من الثمنين كأنه لا عيب سواه . ولو لم يحدث ذلك ولكن قطع رجل يدها أو فقأ عينها أو وطئها بشبهة أو ولدت من غير سيدها ، ثم هلك الغلام لم يكن للمأذون إلا قيمتها يوم دفعها ; لأنه حدث فيها زيادة منفصلة متولدة من عقر أو أرش أو ولد ، وذلك في العقد الصحيح بعد القبض فمنع فسخ العقد فيها لمعنى الربا حق للشرع وقد بيناه في البيوع فلا يتغير ذلك برضا الغير ويكون حقه في قيمتها ; لأنه تعذر رد عينها مع بقاء السبب الموجب له فيجب قيمتها يوم دفعها وإن كان ذلك بعد موت الغلام أخذ المأذون جاريته مع هذه الزيادات ; لأن بموت الغلام بطل العقد وكانت كالمقبوضة بحكم عقد فاسد وهي بمنزلة المغصوبة في أنها ترد بزوائدها المنفصلة والمتصلة وفي أرش العين واليد يتخير العبد إن شاء أخذ به المشتري لفوات ذلك الجزء في ضمانه وإن شاء أتبع به الجاني وقد بينا في البيوع هذا التفريع في البيع إذا كان فاسدا من الأصل فهو أيضا فيما إذا فسد العقد قبل الجناية وإن كانت الجارية ولدت ، ثم هلك الغلام فلم يقض له بقيمة الجارية حتى هلك الولد فيقول الولد حين هلك من غير صنع أحد صار كأن لم يكن بقي نقصان الولادة في الجارية فيجعل كما لو انتقصت بعيب حادث فيها من غير صنع أحد قبل هلاك الغلام فيتخير المأذون إن شاء أخذ الجارية ولا شيء له غيرها وإن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم دفعها ، ولو كان مكان الجارية دابة لم يكن له في ذلك خيار إذا هلك الولد وأخذ الأم ; لأن الولادة نقصان في بني آدم دون الدواب والولد إذا هلك صار كأن لم يكن وكان للغلام أن يأخذ الأم فقط ; لأن المشتري قادر على ردها كما قبض فإن كانت ولدت ولدا فأعتقه المشتري ، ثم مات الغلام فعلى المشتري قيمة الجارية ولا يرد الجارية ; لأن ملك المشتري قد تقرر في الولد والعتق منه للملك والنهي يكون متقررا ; ولهذا يكون [ ص: 159 ] ولاؤه له ومع سلامة الولد له لا يكون متمكنا من رد الجارية . وكذلك إن مات الولد بعد العتق قبل أن يقضي على المشتري بقيمة الجارية فأراد المأذون جاريته لم يكن له ذلك إن كان الولد ترك ولدا آخر وولاؤه للمشتري ; لأن الولد الثاني قائم مقام الأول فإن بقاء الأول بعد العتق باعتبار أن ولاءه للمشتري وهذا المعنى موجود عند بقاء ولد الولد وهذا ; لأن الولاء جزء من الملك ; لأنه أثر من آثار الملك وإن لم يكن ترك ولدا آخر ولاؤه للمشتري فللعبد أن يأخذ الجارية إن شاء ولا يأخذ نقصانا ; لأن الولد مات ولم يبق له أثر فصار كأن لم يكن ، فإن قيل فأين ذهب قولكم إن العتق أنهى للملك قلنا المنهى يكون متقررا إلى أن انتهى فلا يكون قائما بعد الانتهاء كعقد الإجارة فإنه ينتهي بمضي المدة ولا يكون باقيا بعده ، والمانع من رد الجارية بقاء شيء من الزيادة للمشتري بعد ردها ، وذلك يوجد عند بقاء الولاء على الولد ولا يوجد بعد موت الولد لا إلى خلف وإن كان موته بعد قضاء القاضي بالقيمة على المشتري فلا سبيل للعبد على الجارية ; لأن حقه تحول إلى قيمتها بالقضاء ، ولو كان المشتري حين قبضها قطع يدها أو وطئها وهي بكر أو ثيب أو ولدت ولدا فقتلها المشتري ، ثم مات العبد في يد البائع فإن شاء المأذون أخذ الجارية ولم يضمن المشتري شيئا من ذلك وإن شاء أخذ قيمة الجارية يوم دفعها إليه ; لأن المشتري لم يلزمه ضمان بهذه الأفعال فإنها حصلت في ملك صحيح تام فكان حدوث هذه المعاني بفعل المشتري كحدوثها بآفة سماوية وهناك يتخير المأذون ، وإن أراد أخذها لم يضمن المشتري شيئا فهذا كذلك . وقد بينا في البيوع أن وطء الثيب بمنزلة استيفاء جزء من العين في حكم الرد حتى لا يردها بالعيب بعده إلا برضا البائع كما لو كانت بكرا فههنا كذلك ، ولو كانت بهيمة فولدت فقتل المشتري ولدها ولم تنقصها الولادة شيئا فالمأذون بالخيار إن شاء أخذها ولم يرجع على المشتري بشيء من قيمة ولدها ، وإن شاء أخذ قيمتها يوم دفعها إليه ، وكان ينبغي أن لا يثبت له الخيار كما لو هلك الولد من غير صنع أحد ، ولكنه قال المشتري استفاد ههنا بملك الولد البراءة عن الضمان فيعتبر ذلك في إثبات الخيار للمأذون بخلاف ما لو أعتق الولي فهلك فإن هناك بملكه ما استفاد البراءة عن الضمان ; لأن إعتاقه في غير الملك باطل غير موجب للضمان عليه ، وقتله في غير الملك موجب للضمان عليه ثم الولد في حكم جزء من عينها فإتلاف ولدها كإتلاف جزء من عينها ، وذلك معتبر في إثبات الخيار للمأذون باعتبار أنه حابس لذلك الجزء حكما بالقتل إلا أنه لا يمنع الرد إذا رضي المأذون [ ص: 160 ] به ; لأن المانع بقاء الزيادة في ملكه بعد ردها وذلك غير موجود ههنا ، ولو كان هذا كله من المشتري بعد هلاك الغلام فإن للعبد أن يأخذ الجارية وعقرها وأرشها وقيمة ولدها إذا قتل الولد ; لأنها بعد هلاك الغلام كالمقبوضة بحكم شراء فاسد ، وفي إيجاب العقر على المشتري الحر بوطء المشتراة شراء فاسدا اختلاف الروايات في العقر وقد بيناه في البيوع . ولو كانت الجارية زادت في بدنها قبل هلاك الغلام أو بعده أخذها المأذون بزيادتها أما بعد هلاك الغلام فغير مشكل ; لأنها كالمقبوضة بحكم شراء فاسد وأما قبل هلاك الغلام فلأنه لا معتبر بالزيادة المتصلة في باب البيع في المنع من الرد والفسخ وقد بينا اختلاف الرواية في ذلك في البيوع حيث نص على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله في أن الزيادة المتصلة في المنع من المخالف كالزيادة المنفصلة وأصح الروايتين ما ذكره هنا فالزيادة المتصلة تبع من كل وجه ، وحق المأذون في استردادها عند هلاك الغلام حق قوي فيثبت ذلك فيما هو تبع من كل وجه ، وكذلك في جميع هذه الوجوه لو لم يمت العبد ولكن المأذون وجد به عيبا قبل القبض أو بعده فرده بحكم الحاكم أو غير حكم أو رده بخيار رؤية فالرد في هذا والموت قبل القبض سواء ; لأن العقد ينفسخ في الغلام بالرد بهذه الأسباب كما ينفسخ بموته قبل التسليم . ولو كان المأذون اشترط الخيار ثلاثة أيام في الغلام الذي اشتراه فقبضه ودفع الجارية فذهب عينها عند المشتري من فعله أو فعل غيره أو من غير فعل أحد أو وطئها هو أو غيره أو ولدت ولدا ، ثم إن المأذون رد الغلام بخياره فإنه يأخذ الجارية وولدها وعقرها ونصف قيمتها إن كانت عينها ذهبت عند المشتري من فعله أو من غير فعل أحد ، وإن ذهبت من فعل غير المشتري أخذها ونصف قيمتها إن شاء من الجاني وإن شاء من المشتري ورجع به المشتري على الجاني ; لأن اشتراطه الخيار فيما اشترى اشتراط فيما باع وخياره فيما باع خيار البائع والمقبوض يتبع فيه خيار البائع ويكون مضمونا بالقيمة بمنزلة المغصوب والمشترى شراء فاسدا ; فلهذا كان الحكم فيها بهذه الصفة . وكذلك لو قتلها غير المشتري وقد ازدادت قيمتها في يد المشتري فللمأذون أن يضمن المشتري قيمتها يوم قبضها حالة إن شاء ويرجع المشتري على القاتل بقيمتها يوم قتلها على عاقلته في ثلاث سنين وإن شاء المأذون رجع على عاقلة القاتل بقيمتها في ثلاث سنين وهي بمنزلة المغصوبة ههنا دون المشتراة شراء فاسدا يملكها المشتري بالقبض ومع خيار الشرط للبائع لا يملكها بالقبض بل هي باقية على ملك بائعها مضمونة في يد البائع كالمغصوبة ، ثم إن [ ص: 161 ] اختار المأذون تضمين المشتري يملكها بالضمان فجناية القاتل حصلت على ملكه فكان له أن يرجع على عاقلته بقيمتها في ثلاث سنين ويتصدق بالفضل ; لأن هذا ربح حصل لا على ملكه فإنها ما كانت مملوكة له عند القتل ، وسواء في جميع ذلك إن كان ما وصفنا قبل أن يختار المأذون نقض البيع أو بعده ; لأنها مضمونة بنفسها مملوكة لبائعها في الوجهين جميعا . ( ألا ترى ) أن المشتري لو أعتق الغلام الذي باع أو أعتق الجارية التي اشترى لم يجز عتقه ما دام خيار المأذون باقيا ; لأن خيار المأذون فيما باع خيار البائع فيمنع دخولها في ملك المشتري وخياره فيما اشترى خيار المشتري فيكون خارجا من ملك البائع ، ولو قبض لكون البيع مطلقا في جانبه ; فلهذا لا ينفذ عتقه في واحد منهما . وإذا باع المأذون جارية لرجل بغلام فقبض الرجل الجارية ولم يدفع الغلام حتى هلك في يده ، ثم أعتق المشتري الجارية فعتقه جائز ; لأن بهلاك الجارية فسد العقد في الجارية ، ولو كان العقد فاسدا فيها في الابتداء ملكها المشتري بالقبض وينفذ عتقه فيها فكذلك إذا فسد العقد فيها بهلاك الغلام يبقى ملك المشتري لبقاء قبضه فينفذ عتقه ويضمن قيمتها يوم قبضها ، وكذلك لو قتلها المشتري أو قتلها أجنبي ضمن المشتري قيمتها يوم قبضها ولا سبيل للمأذون على القاتل الأجنبي ; لأن قتله صادف ملك المشتري لا ملك المأذون بخلاف المشتراة بشرط الخيار للبائع لم يرجع المشتري بالقيمة على عاقلة المشتري ; لأنه قبل ملكه ، ولو كان المشتري لم يقبض الجارية من المأذون حتى أعتقها فإن كان أعتقها قبل موت الغلام جاز عتقه ; لأنها مملوكة له بنفس العقد الصحيح وإن أعتقها بعد موته فعتقها باطل لفساد العقد فيها بموت الغلام ، والمشتراة شراء فاسدا لا تكون مملوكة قبل القبض للمشتري ، ولو قبض الجارية ولم يدفع الغلام حتى حدث به عيب فرده المأذون على المشتري بعيب بحكم أو بغير حكم ، ثم أعتق المشتري الجارية فعتقه باطل ، وكذلك لو رده بخيار الرؤية أو رده بالعيب بعد القبض بحكم أو رده بالإقالة ; لأن في هذه الوجوه كلها العقد انفسخ فيهما جميعا أما من الأصل أو في الجارية سواء كان بحكم أو بغير حكم فعادت هي إلى ملك المأذون وإن كانت في يد المشتري ; فلهذا لا ينفذ عتقه فيها بخلاف ما إذا هلك الغلام ; لأن هناك العقد في الجارية قد فسد ولم ينتقض بغير نقض . ( ألا ترى ) أن في الابتداء لو اشتراها بقيمة العبد الهالك كان العقد فاسدا فيها ويملكها المشتري بالقبض حتى ينفذ عتقه فيها ما لم ينتقض البيع بينهما فكذلك إذا مات العبد بقيت هي مملوكة للمشتري مع فساد العقد فيها فتعتق بإعتاق المشتري إياها والله أعلم [ ص: 162 ] قال : رحمه الله ) وإذا [COLOR=#800080 !important]باع المأذون جارية ودفعها ، ثم وهب الثمن للمشتري أو بعضه قبل القبض أو بعده أو حط عنه [/COLOR] فذلك باطل ; لأن الإسقاط بغير عوض تبرع كالتمليك بغير عوض وهو منفك الحجر في التجارات دون التبرعات فإن كان [COLOR=#800080 !important]وهب بعض الثمن أو حطه قبل القبض أو بعده بعيب طعن به المشتري [/COLOR] فهو جائز ; لأن الحط بسبب العيب من صنيع التجار ، ثم هو بمقابلة هذا الإسقاط عوض وهو إسقاط حق المشتري في الرد وهذا إسقاط بحصة الجزء الفائت من الثمن وعجزه عن تسليم ذلك الجزء يسقط حقه في عوضه فكان هذا إسقاطا بعوض ، ولو [COLOR=#800080 !important]حطوا عنه جميع الثمن أو وهبه [/COLOR] لم يجز ; لأنا نتيقن أن جميع الثمن لم يكن بمقابلة الجزء الفائت فكان إسقاطا بغير عوض ، ثم حط جميع الثمن لا يلتحق بأصل العقد ولكنه بر مبتدأ وحط بعض الثمن يلتحق بالعقد ويصير كأنه عقد بما بقي فيصح من المأذون إذا كان مفيدا . ![]()
__________________
|
|
#518
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ162 الى صـــ 171 (518) ولو اشترى المأذون جارية وقبضها ، ثم وهب البائع الثمن للعبد فهو جائز ; لأنه تبرع على العبد والمتبرع من أهل التبرع والعبد من أهل التبرع عليه ، وكذلك لو وهبه للمولى وقبله كان بمنزلة هبته للعبد كان عليه دين أو لم يكن ; لأن المولى يخلف العبد في كسبه خلافة الوارث المورث وهبة صاحب الدين دينه للوارث بعد موت المورث بمنزلة هبته من المورث سواء كان على المورث دين أو لم يكن فكذلك المولى ههنا ، وإن لم يقبلها المولى في هذا الوجه ولم يقبلها العبد في الوجه الأول كانت الهبة باطلة والمال على العبد بحاله ; لأن رد الهبة امتناع عن التملك لإزالة الملك الثابت له وهذا الامتناع صحيح من المولى والعبد جميعا بخلاف هبة شيء من أكسابه ابتداء فإن وهب البائع الثمن للعبد أو لمولاه قبل أن يقبضه ، ثم وجد بالجارية عيبا لم يكن له أن يردها ; لأنه لو ردها ردها بغير شيء والمقصود بالرد سلامة الثمن له ، وقد سلم له ذلك بطريق الهبة فلا يستوجب عند الرد شيئا آخر وهذا استحسان وفي القياس وهو قول زفر رحمه الله يرده بمثل ذلك الثمن وقد بينا نظير هذا في كتاب الرهن وإذا ثبت أنه يردها بغير شيء يتعذر الرد ; لأن إخراج العين عن ملكه لا يصح من العبد بغير عوض ، وكذلك هذا في كل ثمن كان بغير عينه وإن كان الثمن عرضا بعينه فوهب المأذون العرض للمشتري قبل أن يقبضه فقبضه المشتري فالهبة جائزة ; لأن هبة المعقود عليه قبل القبض فسخ للعقد ; لما فيه من تفويت القبض المستحق بالعقد والمأذون يملك الإقالة إذا ساعده صاحبه عليها بخلاف بيع المبيع [ ص: 163 ] قبل القبض ; لأن البيع اسم خاص لمبادلة مال بمال والفسخ ليس بتمليك ، ولفظ الهبة فيه توسع قد يكون بمعنى التمليك وقد يكون بمعنى الإسقاط فيمكن أن يجعل مجازا عن الفسخ إذا تعذر تصحيحه بطريق التمليك فإن لم يقبل المشتري الهبة فالهبة باطلة ; لأن أحد المتعاقدين لا يفرد بالفسخ بعد لزوم العقد . وإن كان المشتري وهب الجارية قبل أن يقبضها العبد فقبلها العبد جاز سواء كان على العبد دين أو لم يكن وكان ذلك فسخا للعقد ، وإن وهبها للمولى فإن لم يكن على العبد دين فهذا نقض صحيح أيضا ; لأن كسب العبد خالص ملك المولى وهو يتمكن من التصرف فيه بطريق النقض كما يتمكن من التصرف فيه بطريق الإيجاب ، وإن كان على العبد دين فقبلها المولى وقبضها فهذا ليس بنقض للبيع ; لأن المولى لا يملك إنشاء التصرف في كسب عبده المديون فلا يملك نقض بيعه ولكن هذه هبة صحيحة من المولى وهو بناء على أصل محمد رحمه الله ، فأما عند أبي يوسف رحمه الله فلا يصح وقد بينا المسألة في البيوع أن التصرفات التي لا تتم إلا بالقبض عند أبي يوسف لا تصح في المبيع قبل القبض وعند محمد تصح باعتبار أنه تسليط على القبض ، والقابض نائب عن المشتري وهو إنما ينفذ تصرفه بعد قبضه ، ولو تقابضا ثم وهب العبد العرض من المشتري فقبله فالهبة باطلة ; لأن هبة المعقود عليه بعد القبض لا تكون فسخا فإن كونه فسخا باعتبار ما فيه من تفويت القبض المستحق بالعقد ، وذلك لا يوجد بعد القبض فكان هذا إبراء مبتدأ فلا يصح من المأذون ، ولو وهب المشتري الجارية للمأذون أو لمولاه جازت الهبة على سبيل البر المبتدأ فإن وجد المأذون بالعرض عيبا ولا دين عليه فليس له أن يرده بالعيب ; لأنه لو رده بالعيب رده بغير شيء فالجارية التي هي عوض العرض قد عادت بعينها إلى ما كانت سواء كانت الهبة من العبد أو من المولى ; لأن كسب العبد خالص حق المولى في هذه الحالة ، وإن كان عليه دين وقد وهب المشتري الجارية للعبد فكذلك ; لأن الجارية عادت كما كانت قبل العقد فلو رد العرض رده بغير شيء وإن كان قد وهبها لمولاه فله أن يرد العرض بالعيب ويضمنه قيمة الجارية يوم قبضها ; لأن المولى من كسب عبده المديون كالأجنبي ، ولو وهبها المشتري لأجنبي كان للعبد أن يرد العرض بالعيب وعند الرد يجب على بائع العرض رد الجارية وقد تعذر ردها عليه فيغرم قيمتها يوم قبضها . ولو باع المأذون جارية بعرض بعينه وتقابضا فحدث في الجارية عيب عند المشتري من غير فعل أحد أو من فعل المشتري أو من فعل أجنبي أو ولدت ولدا أو وطئت وهي بكر أو ثيب ، ثم وهبها [ ص: 164 ] المشتري للعبد أو لمولاه وعليه دين أو لا دين عليه ، ثم وجد المأذون بالعرض عيبا رده وضمنه قيمتها في جميع ذلك ; لأن ما هو موجب الرد لم يسلم له ههنا قبل الرد . ( ألا ترى ) أنه لو لم يهب الجارية حتى رد العرض عليه بالعيب كان له أن يرجع بقيمة الجارية ولا يسترد الجارية إما للزيادة المنفصلة في يد مشتريها أو لحدوث العيب فيها فإذا كان حقه ههنا في استرداد قيمة الجارية لا يبطل بعود الجارية بالهبة ولا يتعذر عليه رد العرض بالعيب . ولو اشترى المأذون جارية من رجل بغلام قيمته ألف درهم وبألف درهم وتقابضا ، ثم وهب البائع بالألف والغلام الغلام للمأذون وسلمها إليه ، ثم وجد المأذون بالجارية عيبا ليس له أن يردها ; لأن نصفها بمقابلة الغلام وقد عاد إليه الغلام بعينه بالهبة ، فلو رد ذلك النصف يرده بغير شيء فإذا تعذر الرد في النصف الأول تعذر في النصف الثاني ; لما فيه من الضرر على البائع بتبعيض الملك عليه ، والمشتري لا يملك ذلك بالرد بالعيب ، وكذلك لو كانت الهبة للمولى ولا دين على العبد وإن كان عليه دين والهبة للمولى كان له أن يرد الجارية بالعيب ويأخذ من البائع ألف درهم وقيمة الغلام ; لأن الهبة من المولى في هذه الحالة كالهبة من أجنبي آخر فإن تصرف العبد كان لغرمائه دون مولاه إن أخذ ذلك ثم أبرأه الغرماء من الدين أو وهبوه له أو للمولى أو ورثة المولى من الغريم لم يرد على البائع شيئا مما أخذ منه ; لأن بما اعترض من السبب لا يتبين أن الأخذ لم يكن بحق وأن قيمة الغلام مع الألف لم تكن واجبة له يومئذ والعارض من السبب لا يؤثر فيما انتهى حكمه بالاستيفاء والله تعالى أعلم بالصواب ( قال رحمه الله ) المأذون في إقالة البيع كالحر لأنه فسخ أو بيع مبتدأ في حق غيرهما والمأذون يملك كل واحد منهما فإن اشترى المأذون جارية فزادت في يده حتى صار الثمن أقل من قيمتها بما لا يتغابن الناس في مثله ، ثم أقاله البيع فيها فهو جائز في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا يجوز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وهو بناء على ما تقدم أن المأذون إذا باع شيئا من كسبه أو اشترى شيئا مما لا يتغابن الناس في مثله فعلى قول أبي حنيفة لما كان يملك ابتداء التصرف بهذه الصفة فكذلك الإقالة وعندهما لا يملك ابتداء التصرف بهذه الصفة لحق المولى أو للغرماء فكذلك لا يملك الإقالة ; لأن الإقالة في حق غير المتعاقدين بمنزلة [ ص: 165 ] البيع المبتدأ والإقالة من المأذون بعد حجر المولى عليه باطلة ; لأنه لا يملك ابتداء البيع والشراء بعد الحجر . وإذا باع المأذون شيئا أو اشترى ، ثم إن المولى أقال البيع فيه فإن كان المأذون لا دين عليه يومئذ فما صنع المولى من ذلك على عبده فهو جائز ; لأن الكسب خالص حقه والمأذون في حكم العقد كان متصرفا له فتصح الإقالة منه وإن كان عليه دين يومئذ فهو باطل ; لأن المولى في كسبه كأجنبي آخر وإنما يعتبر قيام الدين عليه عند الإقالة لا عند ابتداء التصرف ; لأن الإقالة بمنزلة البيع الجديد فإذا كان الدين عليه قائما عند الإقالة لا يصح من المولى هذا التصرف كما لا يصح ابتداء البيع وإذا لم يكن الدين قائما يومئذ صح منه لمصادفته محله فإن كان عليه دين عند الإقالة فقضى المولى الدين أو أبرأ الغرماء العبد من دينهم قبل أن يفسخ القاضي الإقالة صحت الإقالة بمنزلة ما لو باع شيئا من كسبه ثم سقط دينه بهذا الطريق ، وإن فسخ القاضي الإقالة ، ثم أبرأه الغرماء من الدين فالفسخ ماض ; لأن السبب الموجب لفسخ الإقالة وهو حق الغرماء كان قائما حين قضى القاضي به فلا يبطل ذلك الفسخ بسقوط الدين بعده كما إذا زال العيب بعدما قضى القاضي بالفسخ . وإذا باع عرضا بثمن وتقابضا ، ثم تقايلا والعرض باق والثمن هالك قبل الإقالة أو بعدها فالإقالة ماضية وإن كان الثمن باقيا والعرض هالكا قبل الإقالة أو بعدها فالإقالة باطلة ، وهذه فصول قد بيناها في البيوع في بيع العرض بالثمن ، وفي بيع العرض بالعرض ، وفي السلم ، وفي بيع النقود بعضها ببعض وما فيها من الفروق وقد استقصينا في بيانها في البيوع ، فإذا باع المأذون جارية بألف وتقابضا ، ثم قطع المشتري يدها أو وطئها أو ذهبت عينها من غير فعل أحد ثم تقايلا البيع ولا يعلم العبد بذلك فهو بالخيار إن شاء أخذها وإن شاء ردها ; لأنه إنما رضي بالإقالة على أن تعود إليه كما خرجت من يده وقد خرجت من يده غير معيبة والآن تعود إليه معيبة فلا يتم رضاه بها ; فلهذا كان له الخيار ، وحال البائع عند الإقالة كحال المشتري عند العقد ، ولو حدث بالمبيع عيب بعد العقد وقبل القبض يخير المشتري فهذا مثله . وإنما الإشكال إذا وطئها وهي ثيب فإن من اشترى جارية ثيبا ثم علم أن البائع كان وطئها قبل العقد لم يكن له أن يردها بذلك وههنا قال : للعبد أن يردها إذا علم أن المشتري كان وطئها قبل الإقالة وهذا ; لأن الوطء في المشتراة بمنزلة التعييب ، والمستوفى بالوطء في - حكم جزء من العين ; ولهذا لو وجد المشتري بها عيبا بعد الوطء لم يكن له أن يردها إلا برضا البائع فكذلك وطء المشتري إياها في حكم الإقالة بمنزلة التعييب ; فلهذا يخير [ ص: 166 ] العبد وهذا ; لأنه لا يرضى بأن يطأها المشتري زمانا ، ثم يقبل العقد فيها بجميع الثمن بخلاف البيع المبتدأ ، فالمشتري هناك يرغب فيها بالثمن المسمى في العقد إن كان يعلم أن البائع وطئها قبل العقد ، ولو كان الواطئ أو القاطع أجنبيا فوجب عليه العقر أو الأرش ثم تقايلا البيع والعبد يعلم بذلك أو لا يعلم فالإقالة باطلة في قول أبي حنيفة رحمه الله صحيحة في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وهو بناء على ما بينا في كتاب الصلح أن الإقالة عند أبي حنيفة فسخ في حق المتعاقدين فإذا لم يمكن تصحيحه فسخا كان باطلا وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة قبل القبض كذلك وبعد القبض بمنزلة البيع وفي قول أبي يوسف الإقالة بمنزلة البيع في المستقبل إلا إذا تعذر جعلها بيعا فحينئذ يجعل فسخا ، وذلك في المنقول قبل القبض وعند محمد الإقالة بالثمن الأول أو أقل منه تكون فسخا ، فأما بأكثر من الثمن الأول أو بجنس آخر غير الثمن الأول تكون بيعا مستقبلا والثمن الأول إنما يكون فسخا إذا كان المحل قابلا للفسخ ، فأما إذا لم يكن قابلا لذلك كان بيعا مبتدأ ووجوه هذه الأقاويل بيناها في كتاب الصلح والآن نقول العقر والأرش زيادة منفصلة وهي تمنع الفسخ حقا للشرع فلا تصح الإقالة بعدها عند أبي حنيفة رحمه الله وعند أبي يوسف الإقالة بمنزلة البيع المستقبل وعند محمد كذلك عند تعذر الفسخ فجوز الإقالة ههنا بطريق البيع المستقبل . ولو اشترى المأذون جارية بألف درهم وقبضها ولم يدفع الثمن حتى وهب البائع الثمن للعبد ، ثم تقايلا فالإقالة باطلة في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأن عند أبي حنيفة الإقالة فسخ ولا يمكن تصحيحها ههنا فسخا فإنه بالفسخ يردها بغير شيء ، وعند محمد كذلك ; لأن المحل قابل للفسخ . ( ألا ترى ) أنه لو لم يهب الثمن منه كان الفسخ صحيحا وإن كان المشتري حرا كان الفسخ صحيحا فعرفنا أن المحل قابل للفسخ والإقالة بالثمن الأول فلو صحت كان فسخا بغير شيء ، والعبد ليس من أهل رد الجارية بغير شيء ، وعند أبي يوسف الإقالة بمنزلة البيع المستقبل فكأنه باعها ابتداء من البائع بألف ، وذلك صحيح فيأخذ العبد الألف من البائع ويدفع إليه الجارية ، ولو أقاله البيع بمائة دينار أو بجارية أخرى أو بألفي درهم كانت الإقالة باطلة في قياس قول أبي حنيفة ومحمد ; لأنها فسخ عنده وما سمي فيها من الثمن باطل فلو ردها ردها بغير شيء ، وعند أبي يوسف ومحمد هذا جائز ، أما عند أبي يوسف فهذا غير مشكل ، وعند محمد الإقالة بأكثر من الثمن الأول أو بجنس غير جنس الثمن الأول تكون بيعا مبتدأ فكأنه باعها ابتداء بما سمي من الثمن فيكون صحيحا . ولو كان المأذون لم يقبض [ ص: 167 ] الجارية حتى وهب البائع ثمنها ، ثم تقايلا فالإقالة باطلة عندهم جميعا ; لأن قبل القبض لا يمكن تصحيحهما بيعا فيكون فسخا ، فلو صححناها لكان مخرجا إياها من ملكه بغير عوض ، وكذلك لو أقاله بثمن آخر في هذه الحالة فإن بيع المبيع قبل القبض لا يجوز بخلاف جنس الثمن الأول ولا بأكثر من الثمن الأول فكان الجواب في الفصول سواء ، ولو لم يتقايلا البيع ولكنه رأى بالجارية عيبا قبل أن يقبضها فلم يرض بها أو لم يكن رآها فلما رآها لم يرض بها فنقض البيع وقد كان البائع وهب له الثمن فقبضه بطل ; لأن الرد بخيار الرؤية فسخ من كل وجه ، وكذلك الرد بالعيب قبل القبض فيكون في الرد إخراجها من ملكه بغير عوض والمأذون لا يملك ذلك ، ولو كان حين اشتراها اشترط فيها الخيار ثلاثة أيام ، ثم وهب له البائع الثمن ، ثم ردها بالخيار فرده جائز في قول أبي حنيفة وفي قولهما ليس له أن يردها بناء على ما بينا في البيوع أن خيار المشتري عنده يمنع دخول المبيع في ملكه فهو بهذا الرد لا يخرج العين عن ملكه بغير عوض ولكنه يمتنع من تملكه وهو صحيح من العبد كالامتناع من قبول الهبة وعندهما السلعة دخلت في ملك المشتري فهذا الرد إخراج لها من ملكه بغير عوض والمكاتب في جميع ما وصفنا كالمأذون ; لأنه ليس من أهل التبرع بكسبه كالمأذون بل أولى فإن المكاتب لا يتبرع بإذن المولى ومن المأذون يصح ذلك إن لم يكن عليه دين . ولو باع المأذون جارية من رجل بألف درهم وتقابضا ، ثم تقايلا فلم يقبض العبد الجارية حتى قطع رجل يدها أو وطئها فنقصها الوطء كان العبد بالخيار للتغيير الحاصل فيها بعد الإقالة قبل الرد ، ولو اختار أخذها أتبع الواطئ أو الجاني بالعقر أو الأرش ; لأنها عادت إلى ملكه ففعل الواطئ أو الجاني حصل في ملكه فيكون العقر والأرش له ، أو إن نقض الإقالة فالعقر والأرش للمشتري ; لأنها تعود إلى ملك المشتري على ما كانت قبل الإقالة وصار الحال بعد الإقالة قبل الرد ههنا كالجاني بعد الشراء قبل القبض والمبيعة إذا وطئت بالشبهة ونقصها الوطء ، أو جنى عليها قبل القبض يخير المشتري إن شاء أخذها وأتبع الجاني أو الواطئ بالعقر والأرش ، وإن شاء نقض البيع والعقر والأرش للبائع فكذلك بعد الإقالة ، ولو كان مكان الألف عرض بعينه كان العبد بالخيار إن شاء أخذ الجارية من المشتري وأتبع الجاني أو الواطئ بالأرش والعقر وإن شاء أخذ قيمة الجارية من المشتري يوم قبضها وسلم له الجارية وأرشها وعقرها للمشتري ; لأن الإقالة ههنا لا تبطل ، وإن أبى أن يأخذ الجارية بمنزلة ما لو هلكت فإن في بيع المقايضة هلاك أحد العوضين كما لا يمنع [ ص: 168 ] بقاء الإقالة لا يمنع ابتداء الإقالة بخلاف ابتداء البيع وإذا بقيت الإقالة وقد تعذر على المشتري رد عين الجارية للتغيير الحاصل فيها في ضمانه فعليه قيمتها يوم قبضها . وكذلك لو كان قبلها الجاني كان العبد بالخيار إن شاء أتبع عاقلة الجاني بقيمتها ; لأن جنايته حصلت على ملكه ، وإن شاء أتبع المشتري بقيمتها حالة ; لأن الإقالة لم تبطل وقد تعذر على المشتري ردها فيلزمه رد قيمتها ، وهذه القيمة ضمان العقد فتكون حالة في ماله ، ثم يرجع المشتري على عاقلة الجاني بقيمتها في ثلاث سنين ; لأنها عادت إلى أصل ملكه ، وكذلك لو ماتت الجارية بعد الإقالة كان للعبد أن يأخذ من المشتري قيمتها لما بينا أن هلاك الجارية لا يمنع بقاء الإقالة كما لا يمنع ابتداء الإقالة فعليه رد قيمتها ، ولو كان حدث بها عيب من فعل المشتري بعد الإقالة يخير العبد فإن شاء ضمنه قيمتها يوم قبضها منه ; لأنه تعذر عليه رد عينها كما قبضها ، وإن شاء أخذ الجارية ورجع على المشتري بنقصان العيب ; لأن الجارية بعد الإقالة مضمونة بنفسها حتى لو هلكت يجب ضمان قيمتها فتكون كالمغصوبة فيضمن المشتري نقصان العيب بخلاف المبيعة قبل القبض فإنها مضمونة بالثمن فلا يكون للمشتري أن يتبع البائع بنقصان العيب من القيمة إذا أراد أخذها ولكن يسقط حصة ذلك من الثمن ; لأن التعييب حصل بقول البائع والأوصاف بالتناول تصير مقصودة ، ولو كان العيب أحدثه فيها المشتري قبل الإقالة ، ثم تقايلا ثم علم العبد بالعيب تخير لمكان التغيير فإن شاء ضمن المشتري قيمتها يوم قبضها ; لأنه تعذر عليه ردها كما قبضها ، وإن شاء أخذها معيبة ولا شيء له غير ذلك ; لأن فعل المشتري حصل في ملك صحيح له ، وذلك غير موجب للضمان عليه فهو وما لو تعيبت بغير فعله سواء بخلاف الأول ففعل المشتري هناك لا في ملك غيره ; لأنها بالإقالة عادت إلى العبد وهي مضمونة في يد المشتري بنفسها على ما قررنا ، ولو كان العيب أحدثه فيها رجل أجنبي قبل الإقالة ثم تقايلا فالإقالة جائزة ولا سبيل للعبد على الجارية ولكنه يأخذ من المشتري قيمتها يوم قبضها ; لأنه بحدوث الزيادة المنفصلة فيها تعذر الفسخ فكأنها ماتت وموتها قبل الإقالة لا يمنع صحة الإقالة ويكون حق العبد في قيمتها يوم قبضها لتعذر رد العين في قيام السبب الموجب للرد . ولو باع العبد إبريق فضة فيه مائة درهم بعشرة دنانير وتقابضا ، ثم تقايلا وافترقا قبل القبض فالإقالة منتقضة ; لأن العبد في حكم الإقالة كالحر وقد بينا في الصرف أن الإقالة بمنزلة العقد الجديد في حكم استحقاق القبض في المجلس ; لأن ذلك من حقوق الشرع والرد بعد القبض بغير قضاء بمنزلة [ ص: 169 ] الإقالة في ذلك بخلاف الرد بالعيب فإن فسخ من الأصل فلا يبطل بترك التقابض في مجلس الرد . ولو باع المأذون جارية من رجل بجارية قيمة كل واحدة منهما ألف وتقابضا ، ثم تقايلا ولم يتقابضا حتى ولدت كل واحدة منهما ولدا قيمته مثل قيمة أمه فلهما أن يتقابضا الجاريتين وولديهما ; لأن كل واحدة منهما عادت بالإقالة إلى ملك من خرجت من ملكه بالعقد ، ثم ولدت على ملكه فيكون له أن يأخذها مع ولدها كالمبيعة إذا ولدت قبل القبض فإن لم يتقابضا حتى ماتت الأمهات وأرادا أخذ الولدين فإن كل واحد منهما يأخذ الولد الذي في يد صاحبه مع نصف قيمة أمه ; لأن كل واحدة منهما حين ولدت فالأخرى تنقسم على قيمتها وقيمة ولدها وقيمتهما سواء فانقسمت نصفين وقد هلكت الأمتان فكان لكل واحد منهما أن يأخذ من صاحبه الولد الذي في يده مع نصف قيمة أمه اعتبارا للبعض بالكل وإن كانت قيمة كل واحد من الولدين خمسمائة والمسألة بحالها كان لكل واحد منهما أن يأخذ الولد الذي في يد صاحبه ويرجع على صاحبه بثلث قيمة الأم التي هلكت في يده ; لأن انقسام كل واحد منهما على الأم وعلى الولد باعتبار القيمة فيكون أثلاثا فبعد هلاك الأمتين إنما تبقى الإقالة فيما هو حصة الولد من كل واحدة منهما وحصة ولد هذه من الأخرى الثلث فعرفنا أن بقاء الإقالة في ثلث الأخرى فيرجع بثلث قيمتها ، فأما في ثلثيهما فقد بطلت الإقالة بهلاك العوضين جميعا بخلاف الأول ، فالانقسام هناك نصفان لاستواء القيمتين فبقي كل واحد من الولدين ببقاء الإقالة في نصف الأم الأخرى حصة هذا الولد فيها ; فلهذا كان الرجوع بنصف القيمة ، ولو هلك الولد وبقيت الأمتان أخذ كل واحد منهما الجارية التي في يد صاحبه ولم يتبعه بشيء من قيمة الولد ; لأن الولد حدث من غير صنع أحد ومات كذلك فصار كأن لم يكن ، ولو هلكت الأمتان وأخذا الولدين فإن الذي في يده الولد الحي يدفعه إلى صاحبه فيأخذ منه ثلث قيمة الأم التي هلكت في يد الآخر ; لأن بقاء الإقالة باعتبار الولد الحي وإنما يبقى فيما يخصه من الجارية الأخرى وحصة ثلث الجارية الأخرى ; فلهذا رجع بثلث قيمتها ، وفيما سوى ذلك بطلت الإقالة كلها بهلاك العوضين قبل الرد والله أعلم ( قال : رحمه الله ) وإذا وجب للعبد المأذون على رجل ألف درهم من ثمن مبيع أو غصب [ ص: 170 ] أو غير ذلك فأخره العبد عنه سنة فهو جائز ; لأن التأجيل من صنيع التجار ، وهو منفك الحجر عنه فيما هو من صنيع التجار وهذا ; لأن التأجيل لا يسقط الدين وإنما يؤخر المطالبة ، ولو ترك المطالبة زمانا من غير تأجيل لم يكن به متبرعا عليه بشيء من الدين فكذلك إذا أجله سنة ، ولو صالحه على أن أخر ثمن بعضه وحط عنه بعضه كان الحط باطلا والتأخير جائزا اعتبارا للبعض بالكل ، ولو كان الدين الواجب له قرضا اقترضه فتأجيله غير لازم كما في الحر وقد بيناه في كتاب الصرف . ولو وجب للمأذون ولرجل على رجل ألف درهم وهما فيه شريكان فأخر العبد نصيبه منه فالتأخير باطل في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وهو جائز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وقد بينا المسألة في الحرين في كتاب الصلح فكذلك في العبد مع الحر وبينا أن على قولهما الذي لم يؤخر الدين يأخذ حصته فيكون له خاصة فإذا حل الأجل كان العبد بالخيار إن شاء أخذ من شريكه نصف ما أخذ ; لأن المقبوض كان دينا مشتركا بينهما وبالتأجيل لم تبطل الشركة فإن قسمة الدين قبل القبض لا تجوز إلا أن الأجل كان مانعا من مشاركة القابض فإذا ارتفع هذا المانع كان له أن يشاركه في المقبوض ، ثم يتبعان الغريم بالباقي وإن شاء سلم له المقبوض واختار اتباع الغريم بنصيبه في الدين ، ولو اقتضى العبد شيئا قبل حل الأجل كان لشريكه أن يأخذ منه نصفه ; لأن الأجل سقط فيما اقتضاه العبد فكأنه لم يكن ولأن المقبوض من دين مشترك ولا مانع للشريك من مشاركته في المقبوض ; لأن نصيبه من الدين حال ، وكذلك إن كان الدين كله مؤجلا فقبض أحدهما شيئا منه قبل حله كان للآخر أن يشاركه فيه ; لأن الأجل حق المطلوب فهو في مقدار ما أوفى قبل حله أسقط حقه من الأجل فسقط ذلك في حق الشريكين جميعا والحكم في هذا الحر بمنزلة ما لو كان الدين كله حالا فللذي لم يقبض أن يشارك القابض في المقبوض . ولو كان الدين حالا فأجله العبد سنة ، ثم قبض الشريك حصته ، ثم أبطل الغريم الأجل الذي أجله العبد برضى منه قبل مضيه فقد بطل الأجل ; لأنه حق الغريم وقد أسقطه ولكن لا سبيل للعبد على ما قبض شريكه في قول أبي حنيفة ومحمد حتى يحل الأجل ; لأنه ثبت بالتأجيل - حكمان أحدهما سقوط حقه عن مشاركة القابض في المقبوض قبل حل الأجل والآخر سقوط حقه عن مطالبة المديون قبل حل الأجل فإسقاط الغريم الأجل عامل في حقه وليس بعامل في حق القابض إذ لا ولاية له عليه فيجعل الأجل في حقه كالقائم ، وهو نظير الدين المؤجل إذا كان به كفيل فأسقط الأصيل [ ص: 171 ] الأجل بقي الأجل في حق الكفيل فإذا حل الأجل شاركه في المقبوض إن شاء وإن لم ينقض الأجل ولكن الغريم مات فحل عليه شارك العبد شريكه فيما قبض ; لأن انتقاض الأجل بالموت ثابت حكما فيظهر في حق مطالبة الغريم وحق مشاركة القابض في المقبوض بخلاف الأول فإنه كان عن قصد من الغريم وهذا بخلاف مسألة الكفيل فإن الأصيل إذا مات بقي الأجل في حق الكفيل ; لأن هناك الأجل في حق كل واحد منهما ثابت مقصود والغريم بالموت قد استغنى عن الأجل والكفيل محتاج إليه فبقي الأجل في حقه ، فأما هاهنا فالأجل في حق الغريم خاصة ، فأما مشاركة القابض في المقبوض فلا أجل فيه مقصودا ; لأن ذلك - عين والعين لا تقبل الأجل وإنما كان ذلك بناء على قيام المانع في حق الذي أجله ولم يبق المانع بعد موت الغريم حقيقة وحكما فأما بعد إسقاط الأجل من الغريم قصدا فالمانع كالقائم في حق الشريك حكما فمن هذا الوجه يقع الفرق . ولو لم يمت ولكنهما تناقضا الأجل ، ثم قبض الشريك حقه كان للعبد أن يشاركه ; لأنهما حين تناقضا لم يكن في هذا الأجل حق سوى الغريم فصحت مناقضته مطلقا فصار الدين حالا فإذا قبض الآخر نصيبه بعد ذلك كان له أن يشاركه بخلاف الأول فهناك حين تناقضا كان حق الشريك ثابتا في ذلك الأجل من حيث تأخر رجوع الشريك عليه في المقبوض فلا يعمل انقضاضه في حقه يوضحه أن هناك حين قبض مع قيام الأجل لم يثبت للشريك حق المشاركة في المقبوض إلا بعد حل الأجل فلو ثبت بعد ذلك إنما يثبت بتصرف الغريم وتصرفه في حق الغير لا يكون صحيحا وها هنا حين قبض بعد مناقضة الأجل حق الشريك ثابت في المشاركة ومناقضة الأجل لم يكن تصرفا منه في حق الغير فكان صحيحا ، ولو كان المال حالا فقبض الشريك حقه ثم إن العبد أخر الغريم حقه وهو يعلم بقبضه أو لا يعلم فتأخيره جائز عندهما ولا سبيل له على ما قبض شريكه حتى يحل الأجل ; لأن كون نصيبه مؤجلا مانع له من الرجوع على شريكه في المقبوض قبل حل الأجل ، ولو كان هذا المانع قائما عند القبض لم يكن له أن يشاركه فكذلك إذا ثبت هذا المانع بالتأجيل بعد قبضه ولأن نصيبه في حصة الغريم على حاله . ( ألا ترى ) أنه لو سلم للقابض ما قبض واختار اتباع الغريم كان له ذلك فإذا صح تأجيله في نصيبه لم يكن له أن يشارك صاحبه في المقبوض حتى يحل الأجل فإذا حل أخذ منه نصف ما قبض إن شاء فإن قيل لماذا لم يجعل تصرفه في نصيبه من حيث التأجيل مسقطا حقه في مشاركة القابض ؟ قلنا : لأنه لا منافاة بين تأجيله في نصيبه [ ص: 172 ] وبين ثبوت حقه في المشاركة في المقبوض بعد حل الأجل وهذا ; لأن حق المشاركة باعتبار الشركة في أصل الدين وبتأجيله لا ينعدم ذلك ، ولو كان ما لهما إلى سنة فقبض الشريك عاجلا ، ثم إن العبد أخر حقه للغريم سنة أخرى ، وهو يعلم بقبضه أو لا يعلم فتأخيره جائز عندهما ولا سبيل له على ما قبض شريكه حتى يمضي السنتان جميعا ; لأن الزيادة في الأجل بعد قبض الشريك بمنزلة أصل التأجيل وقد بينا أن ذلك يمنعه من المشاركة قبل حل الأجل فلا يسقط حقه في المشاركة بعد حل الأجل فكذلك الزيادة في الأجل ، ولو كان المال حالا فأخذ الشريك حقه فسلمه له العبد كان تسليمه جائزا عندهم ; لأنه يسقط حقه في المشاركة بعوض ، وهو ما يستوفى من الغريم من نصيبه من الدين ، وذلك من صنيع التجار فيكون صحيحا من العبد ولا يرجع العبد على القابض بشيء حتى يتوى ما على الغريم فإذا توي ما عليه رجع على شريكه فيشاركه في المقبوض ; لأنه سلم له المقبوض بشرط أن يسلم له ما في ذمة الغريم فإذا لم يسلم عاد حقه كما كان كالمحتال عليه إذا مات مفلسا . ![]()
__________________
|
|
#519
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ172 الى صـــ 181 (519) ولو كان المال إلى سنة فاشترى العبد من الغريم جارية بحصته فللشريك أن يأخذ العبد بنصف حقه من الدراهم ; لأنه صار مستوفيا نصيبه بطريق المقاصة كما هو الأصل في الشراء بالدين فكأنه استوفاه حقيقة وأحد الشريكين إذا استوفى نصيبه قبل حل الأجل كان للآخر أن يشاركه فيه فإن أخذ منه نصف نصيبه من الدراهم ، ثم وجد العبد بالجارية عيبا فردها على البائع بقضاء قاض عاد المال إلى أجله ; لأن الرد بقضاء القاضي فسخ من الأصل وسقوط الأجل كان من حكم البيع ووقوع المقاصة بالثمن وقد بطل ذلك بانفساخ العقد من الأصل فعاد المال إلى أجله واسترد العبد من شريكه ما أخذه منه ; لأنه أخذه باعتبار أنه استوفى نصيبه بالمقاصة وقد بطل ذلك من الأصل بانفساخ البيع فتبين أنه استوفى منه بغير حق فيلزمه رده ، ولو كان ردها بغير قضاء أو بإقالة لم يرجع على الشريك بشيء مما أعطاه ; لأن هذا السبب بمنزلة العقد المبتدأ في حق الشريك فلا يتبين به بطلان المقاصة وحكم الاستيفاء من العبد لنصيبه في حق الشريك ; فلهذا لا يرجع عليه بشيء ويكون للعبد ولشريكه على الغريم الخمسمائة الباقية إلى أجلها وللعبد على الغريم خمسمائة حالة فكان ينبغي أن يكون هذا مؤجلا عليه ; لأن الإقالة والرد بغير قضاء القاضي فسخ في حقهما والأجل في هذا المال من حقهما ولكن هذا بناء على الأصل الذي بينا فيما أمليناه من شرح الزيادات أن الإقالة والرد بغير قضاء القاضي فسخ في حقهما فيما هو من حكم ذلك العقد خاصة ، فأما فيما ليس من حكم ذلك فالعقد يكون [ ص: 173 ] بمنزلة البيع المبتدأ وعود الأجل ليس من حكم ذلك العقد فيجعل في حقه كالبيع المبتدأ فكأنه اشتراها بخمسمائة مطلقة فتكون حالة . وكذلك لو كان العبد المشتري الجارية من الغريم بجميع الألف إلا أن للشريك أن يأخذه بنصف الألف هاهنا ; لأنه صار مستوفيا جميع الدين بطريق المقاصة وأحد الشريكين إن استوفى الدين كان للآخر أن يرجع عليه بنصف ذلك الدين سواء كان الدين حالا أو مؤجلا فإن كان حين إقالة البيع أو رده بغير قضاء شرط عليه البائع أن الثمن إلى أجله كان إلى أجله ; لأن هذا بمنزلة البيع المبتدأ لكن بثمن مؤجل شرطا ، وهو نظير المشتري بالنسبة إذا ولاه غيره مطلقا يكون الثمن في حق البائع حالا إلا أن يكون اشترط في التولية أن يكون المال إلى أجله فحينئذ يكون مؤجلا كما شرط . ( قال : رحمه الله ) وللمأذون له أن يتوكل لغيره بالشراء بالنقد استحسانا وفي القياس لا يجوز ذلك ; لأنه يلتزم الثمن في ذمته بمقابلة ملك يحصل لغيره فيكون في معنى الكفالة بالمال عن الغير والمأذون ليس من أهله إلا أن يكون بإذن المولى إذا لم يكن عليه دين ولأنه يلتزم العهدة من غير منفعة له في ذلك فيكون تبرعا منه ; ولهذا لا يتوكل بالشراء لغيره بالنسيئة وجه الاستحسان أن الثمن بالشراء كما يجب على المأذون يجب له على الموكل وتكون العين محبوسة في يده إلى أن يصل الثمن إليه فلا يلحقه ضرر في ذلك بل هو بمنزلة ما لو اشتراه لنفسه ، ثم باعه من غيره بمثل ذلك الثمن بخلاف الكفالة فإنه يلتزم المال في ذمته بالكفالة من غير أن تكون بمقابلته في - يده عين محبوسة وبخلاف الشراء بالنسيئة فإنه لا يستوجب حبس العين بالثمن هاهنا كما أن البائع لا يستوجب الحبس عليه فيكون ذلك في معنى الكفالة ، ثم هذا التوكيل منفعة للمأذون ; لأنه يحتاج في بعض التصرفات إلى الاستعانة بغيره ومن لا يعين غيره لا يعان عند حاجته وإذا توكل بالشراء نسيئة صار مشتريا لنفسه ; لأنه لما تعذر تنفيذ شرائه على الموكل ، وهو يملك الشراء لنفسه بهذه الصفة نفذ العقد عليه كالحر إذا اشترى لغيره بغير أمره وأن يتوكل لغيره بالبيع بالنقد والنسيئة ; لأنه في الموضعين جميعا إنما يلتزم تسليم العين ولا يلتزم في ذمته شيئا من البدل ، وهو لا يستغني عن ذلك في التصرفات ولأن التوكيل عن الغير بالشراء أو بالبيع من نوع التجارة فإن أعظم الناس تجارة وهم الباعة يتوكلون بالبيع والشراء [ ص: 174 ] للناس . وللمأذون أن يوكل بالبيع والشراء غيره كما يفعله الحر ; لأن التوكيل من صنيع التجار ولأنه لا يستغني عن ذلك في تجارته فإن التجارة نوعان حاضرة وغائبة وإذا اشتغل بأحدهما بنفسه يحتاج إلى أن يستعين في الآخر بغيره لكن لا يفوته مقصود النوعين . وإذا باع المأذون جارية رجل بأمره ، ثم قتلها الآمر قبل التسليم بطل البيع ; لأن البيع من نائبه كبيعه من نفسه والمبيع مضمون على الموكل بالثمن لو هلك فلا يكون مضمونا عليه بالقيمة لما بينهما من المنافاة فإذا لم تجب القيمة بحقوق فوات القبض المستحق بالعقد حين تلف المعقود عليه ولم يخلف بدلا بطل البيع فإن قتلها المأذون قيل لمولاه ادفعه بالجناية أو افده كما لو قتلها قبل البيع وهذا ; لأن بالوكالة لا يثبت للمأذون فيها ملك ولا حق ملك فقتله إياها جناية على ملك الغير وجناية المملوك بهذه الصفة توجب على المولى الدفع أو الفداء فأيهما فعل كان المشتري بالخيار لتغير المعقود عليه قبل التسليم حين تحول البيع إلى البدل فإن شاء نقض البيع وإن شاء أخذ ما قام مقام الجارية وأدى الثمن كما لو كان القاتل عبدا آخر سوى الوكيل ، ولو كان مولى العبد هو الذي قتلها وعلى العبد دين أو لا دين عليه فعلى عاقلته قيمتها إلى ثلاث سنين ; لأنه ليس لمولى العبد فيها ملك ولا حق ملك ثم يتخير المشتري فإن شاء نقض البيع والقيمة للموكل وإن شاء أدى الثمن فاستوفى قيمتها من عاقلة القاتل في ثلاث سنين . ولو كان المأذون باع جارية مما في يده من رجل بجارية ، ثم قتلها العبد قبل أن يسلمها بطل العقد ; لأن العبد في التصرف في كسبه كالحر في التصرف في ملكه فالمبيع في يده مضمون بما يقابله ويستوي إن كان على العبد دين أو لم يكن فيبطل البيع لفوات القبض المستحق بالعقد ، وكذلك إن قتلها المولى ولا دين على العبد ; لأن كسب العبد خالص ملك المولى والعبد بائع للمولى من وجه . ( ألا ترى ) أنها لو هلكت بطل ملك المولى عما يقابلها فكذلك إذا قتلها المولى وإن كان على العبد دين فالمولى ضامن لقيمتها ; لأن كسبه في هذه الحالة لغرمائه ، ولو قتلها المولى قبل البيع كان ضامنا لقيمتها لغرمائه فبعد البيع أولى وهذه القيمة عليه في ماله ; لأن له حق الملك في كسبه على معنى أنه يسلم له إذا فرغ من دينه والعاقلة لا تتحمل عنه له فتكون القيمة في ماله سواء قتلها عمدا أو خطأ والمشتري بالخيار لتغيير المعقود عليه قبل التسليم فإن شاء نقض البيع وكانت القيمة لغرماء العبد وإن شاء أخذ القيمة وأدى الثمن وتصدق بالفضل إن كان في القيمة على الثمن فضل ; لأن ذلك ربح حصل لا على ضمانه . ولو كان [ ص: 175 ] المولى دفع إلى عبده جارية له ليست من تجارة العبد وأمره ببيعها فباعها ولم يقبضها المشتري حتى قتلها مولى العبد فالبيع منتقض ; لأن العبد في هذا التصرف كان نائبا عن المولى كالحر وهي مضمونة على المولى بالثمن فينتقض البيع لتفويت القبض المستحق بالعقد فيها وإن كان العبد هو الذي قتلها فإن اختار المولى دفع العبد بالجناية فالمشتري بالخيار ; لأن الجارية صارت مملوكة للمشتري بالعقد والعبد إنما جنى على ملك المشتري ، وذلك يوجب الخيار للمولى بين الدفع والفداء فإن اختار الدفع فهناك لا يجب في ذمته شيء من قيمتها ولكن يلزمه تسليم العبد وإذا اختار الدفع قام العبد مقام الجارية ويخير المشتري للتغيير وإذا اختار الفداء انتقض البيع ; لأنه حين اختار الفداء فقد صار الضمان دينا في ذمته وإذا صار الضمان عليه بطل الشراء ; لأنه مضمون عليه بالثمن قبل التسليم فلا يكون مضمونا بالقيمة كما لو كان هو الذي قتلها بخلاف ما إذا اختار المشتري إمضاء العقد ، ووجوب تسليم العبد عليه كوجوب تسليم الجارية عليه قبل القتل . وإذا كان بين المأذون وبين حر جارية فأمره الحر ببيعها فباعها العبد بألف درهم ، ثم أقر العبد أن شريكه قد قبض جميع الثمن أو نصفه من المشتري وصدقه المشتري وكذبه الشريك فإقرار العبد صحيح في براءة المشتري من نصف الثمن ; لأنه أقر في النصف بقبض مبرئ ، وهو قبض الموكل فيكون بمنزلة ما لو أقر بأنه هو الذي قبضه وهذا ; لأن الإقرار بالقبض يملكه المأذون كإنشاء القبض فإن ذلك من صنيع التجار ، ثم يحلف العبد بدعوى الشريك ; لأنه يزعم أنه أتلف حقه في الثمن بإقراره بالقبض كاذبا ، ولو أقر العبد لزمه فإذا أنكره يحلف لرجاء نكوله فإن حلف أخذ من المشتري نصف الثمن فيكون بينهما نصفين ; لأن يمينه حجة له في براءته عن ضمان ذلك النصف الذي زعم أن الموكل قبضه وليست بحجة في وصول ذلك إلى الشريك حقيقة ولا في سلامة ما بقي له خالصا فهذا الذي يقبضه جزء من دين مشترك بينهما فيكون بينهما نصفان والنصف الآخر صار كالتاوي وإن نكل عن اليمين غرم نصف الثمن للشريك لإقراره أنه أتلف ذلك عليه ويأخذ من المشتري نصف الثمن فيسلم له ; لأنه وصل إلى الشريك جميع حقه ولا يمين على المشتري في شيء من ذلك ; لأنه لا دعوى لأحد عليه فالمشتري لم يعامله بشيء والعبد بالنكول صار مقرا بأنه لم يقبض شيئا فلا يسمع منه دعوى القبض لتخلفه ، ولو كان الشريك هو الذي أقر أن العبد قبض جميع الثمن وصدقه المشتري وكذبه العبد برئ المشتري من نصف الثمن أيضا ; لأن الموكل في نصيبه من الثمن كما يملك قبضا يوجب براءة المشتري [ ص: 176 ] ويملك الإقرار بقبض مبرئ . ( ألا ترى ) أنه لو أقر أنه قبضه بنفسه كان إقراره مبرئا للمشتري فكذلك إذا أقر أن البائع قبضه ولا يمين على المشتري في ذلك ; لأنه لا دعوى للعبد عليه في ذلك النصف بعد إقرار الموكل عليه بقبض مبرئ كما لا دعوى في ذلك للوكيل بعد إبراء الموكل إياه ويحلف الآمر العبد ; لأنه يدعي عليه أنه قبض الثمن وأنه يمتنع من دفع نصيبه إليه ، ولو أقر به لزمه فإذا أنكر يستحلف لرجاء نكوله فإن نكل لزمه نصف الثمن للآمر وإن حلف برئ من نصيب الآمر وأخذ العبد من المشتري نصف الثمن لا يشاركه فيه الآمر ; لأن الآمر صار متلفا نصيبه بإقراره أن العبد قبضه فهو بمنزلة ما لو أبرأ المشتري عن نصيبه من الثمن فلا يكون له مشاركة العبد فيما يقبض من نصيبه ، ولو أقر الآمر أن العبد قبض نصف الثمن برئ المشتري من ربع الثمن ; لأنه نصف ما أقر بعضه نصيب الآمر ، وهو في نصيبه يملك الإقرار بقبض مبرئ فإذا برئ من ربع الثمن بقي على المشتري سبعمائة وخمسون درهما فما قبض العبد منهما فللآمر ثلثه وللعبد ثلثاه على قدر ما بقي من حقهما في ذمة المشتري فإنه بقي حق العبد في خمسمائة وحق الآمر في مائتين وخمسين ، ولو أقر الآمر أن العبد أبرأ المشتري من جميع الثمن أو أنه وهبه له فإقراره باطل والثمن كله على المشتري ; لأن الثابت بإقراره كالثابت بالمعاينة ، ولو عاينا هبة العبد الثمن من المشتري كان باطلا في الكل ; لأنه تبرع والعبد ليس من أهله فيما باع لنفسه أو لغيره ، وكذلك لو أقر العبد بذلك على الآمر وأنكره الآمر ; لأن إقرار العبد إنما يصح بما يملك إنشاءه ، وهو لا يملك إنشاء الهبة والإبراء فكذلك لا يملك الإقرار به على نفسه أو على غيره بخلاف الإقرار بالقبض فإنه يملك إنشاء القبض فيملك الإقرار به أيضا . ولو كان شريك العبد هو الذي ولي البيع بأمر العبد ، ثم أقر على العبد بقبض الثمن أو بقبض حصته كان ذلك بمنزلة إقرار العبد عليه لو كان العبد هو الذي ولي البيع ; لأن المأذون والحر في الإقرار بالقبض يستويان كما في إنشاء القبض ، ولو أقر البائع على العبد بالإبراء والهبة كان باطلا كما لو عاينا الإبراء والهبة من العبد ، وكذلك لو أقر العبد على البائع بأنه وهب الثمن أو أبرأ المشتري منه ; لأن العبد لا يملك الإقرار بالهبة والإبراء على نفسه فلا يملكه على غيره بغير دعوى المشتري على البائع الإبراء عن الثمن فيحلف البائع على ذلك فإن حلف أخذ جميع الثمن من المشتري وإن نكل برئ المشتري من جميع الثمن وللعبد أن يضمن البائع نصف الثمن في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي قول أبي يوسف رحمه الله يبرأ من حصة البائع من الثمن [ ص: 177 ] خاصة ، وهو بناء على أن الوكيل بالبيع إذا أبرأ المشتري عن الثمن . وإذا كانت الجارية بين رجلين حرين فباع أحدهما بأمر صاحبه من العبد المأذون بألف درهم ، ثم أقر الآمر أن البائع أبرأ المشتري من الثمن أو وهبه له وادعاه العبد وجحده البائع فقد برئ من حصة الآمر من الثمن في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنه أقر فيه بإبراء صحيح فإبراء الوكيل عندهما يصح في براءة المشتري ولا يمين على المشتري في شيء من ذلك ; لأن العبد لا دعوى له في ذلك بعد إقرار الآمر بما يبرئ المشتري ويأخذ البائع من المشتري نصف الثمن فيسلم له بعد ما يحلف على ما ادعاه الآمر ; لأن الآمر يدعي أنه ضامن له نصيبه بالإبراء والهبة ، وهو منكر لذلك فيستحلف وإذا حلف صار الآمر هو المتلف لنصيبه من الثمن بإقراره والنصف الآخر يسلم للبائع وعند أبي يوسف رحمه الله إقرار الآمر باطل وجميع الثمن على المشتري بينهما نصفان ; لأن في نصيب البائع لا قول له وفي نصيبه إبراء البائع عنده باطل ، ولو كان البائع أقر أن شريكه أبرأ العبد من حصته أو أنه قبض حصته وجحده الشريك وادعاه العبد فإن العبد برئ من نصف الثمن ; لأن البائع أقر بما يوجب براءة المشتري من نصف الثمن ، وهو القبض أو الإبراء من الآمر ولا يمين عليه ; لأنه لا دعوى لأحد عليه بعد ذلك لكن يرجع الآمر على البائع بحصته من الثمن وهو نصفه فيضمنها إياه ; لأن البائع صار متلفا نصيبه من الثمن بإقراره ويكون للبائع على المشتري نصف الثمن في قول أبي حنيفة ومحمد ، فأما عند أبي يوسف فإقراره على الآمر بالإبراء بمنزلة إبرائه إياه عن نصيبه ، وذلك باطل عنده ولا يمين على البائع في ذلك ولكن العبد يستحلف الآمر على ما يدعي عليه من الإبراء والهبة فإن نكل لزمه ما قال البائع وإن حلف بقي الثمن كله على المشتري . وإذا دفع المأذون إلى رجل جارية يبيعها فباعها من رجل له على المأذون دين ودفع الجارية إليه فقد صار الثمن قصاصا بدين العبد ; لأن الثمن بالبيع وجب للمأذون حتى إذا قبضه الوكيل يؤمر بالتسليم إليه وللمشتري على المأذون مثل ذلك دينا فيصير قصاصا ; لأنه لا فائدة في القبض وإن كان الدين للمشتري على المأمور دون المأذون فكذلك الجواب في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي قول أبي يوسف رحمه الله لا يكون قصاصا بدين الوكيل وهي فرع مسألة الوكيل إذا أبرأ المشتري عن الثمن وقد بيناها في البيوع ، ولو كان للمشتري على العبد ألف وعلى الوكيل ألف كان الثمن قصاصا بدين الموكل دون الوكيل أما عند أبي يوسف فلا إشكال وأما عندهما فلأنه لو جعل قصاصا [ ص: 178 ] بدين الموكل لم يجب ضمانه على أحد ، ولو جعل قصاصا بدين الوكيل كان الوكيل ضامنا مثله للموكل فكانت المقاصة بدين الموكل أقرب إلى انقطاع المنازعة وإلى إظهار فائدة المقاصة ، ثم الثمن ملك الموكل والمطالبة حق الوكيل وعند المعارضة الملك يكون أقوى من الحق ; فلهذا يترجح جانب الموكل فيصير قصاصا بدينه ( قال : رحمه الله ) وإذا باع المأذون جارية بيعا فاسدا من رجل وسلمها إليه جاز للمشتري فيها من العتق وغير ذلك ما يجوز له في شرائه من الحر ; لأن البيع الفاسد من نوع التجارة والمأذون فيه كالحر والمشتري بالقبض صار مالكا المبيع في الوجهين فينفذ تصرفه لمصادفته ملكه ، وكذلك المأذون لو كان هو الذي اشتراه شراء فاسدا وقبضه فإنه ينفذ فيه من تصرفاته ما ينفذ في الشراء الصحيح فيكون ضامنا قيمته للبائع لتعذر رد العين ; لأن التزام ضمان القيمة من العبد بسبب صحيح كالتزام ضمان الثمن فإذا غلت في يد المشتري غلة ثم باعها المأذون من رجل فالغلة تسلم له سواء كان عليه دين أو لم يكن ; لأن الغلة حصلت على ملكه وقد تقرر ملكه حين باعها من غيره وإن لم يبعها ولكن ردها على البائع فالغلة مردودة على البائع ; لأن الرد بفساد العقد يفسخ البيع من الأصل والمشتراة شراء فاسدا كالمغصوبة في أنها ترد بزوائدها المنفصلة والمتصلة فترد الغلة أيضا ، ثم على البائع أن يتصدق بها ; لأن الغلة حصلت لا على ملكه ولا على ضمانه ، ولو كان العبد هو الذي باع الجارية أو الغلام بيعا فاسدا ، ثم أغل غلة عند المشتري ، ثم باعها المشتري فالغلة له لتقرير ملكه في الأصل وعليه أن يتصدق بها ; لأن الغلة حين حصلت كان ملكه فيها بسبب فاسد والمبيع كالمغصوب في يده تسترد بزوائدها المنفصلة والمتصلة فيؤمر بالتصدق بالغلة ، ولو ردهما مع الغلة على المأذون لم يتصدق المأذون بشيء من الغلة ، وكذلك في المسألة الأولى إذا كان المأذون هو المشتري فلا يتصدق بالغلة ; لأن كسبه لا يحتمل الصدقة والغلة صارت من أكسابه فلا يستحق عليه التصدق بها شرعا لكن إن كان على العبد دين أخذ الغرماء الغلة قضاء من دينهم ولم يتصدقوا بشيء منها ; لأنهم أخذوها بدلا عن دينهم فإن لم يكن عليه دين فينبغي للمولى أن يتصدق بها ; لأن كسب العبد خالص حق المولى في هذه الحالة وإنما يملك على سبيل الخلافة عن المأذون ، ولو كان المأذون من أهل أن يتصدق كان [ ص: 179 ] عليه التصدق بهذه الغلة فكذلك من يخلفه ، وهو المولى من أهل التصدق فيحتسب له أن يتصدق بها . وإذا باع المأذون جارية من رجل بيعا فاسدا وسلمها فباعها المشتري من المأذون أو من وكيل مولاه بيعا صحيحا وسلمها إليه فإن لم يكن على المأذون دين فهو نقض للبيع الفاسد ; لأن بيع المأذون كسبه إذا لم يكن عليه دين يصادف ملك المولى فهو في حكم النائب عنه من وجه بمنزلة الوكيل فالرد لأجل الفساد مستحق في هذه العين على المولى كما هو مستحق على العبد ، ولو باعه من العبد كان ذلك نقضا للبيع الفاسد سواء كان على العبد دين أو لم يكن فإذا باعه من المولى ولا دين عليه يكون نقضا للبيع الفاسد أيضا وبيعه من وكيل المولى كبيعه من المولى وإن كان على المأذون دين فهو بيع جائز ; لأن المولى من كسبه في هذه الحالة كالأجنبي فيكون هذا بمنزلة بيع المشتري إياها من أجنبي آخر فيلزمه القيمة للعبد المأذون ويكون له الثمن على من باعها منه وإن باعها من عبد آخر للمولى بأجر وسلمها إليه فإن لم يكن على واحد منهما دين فهو نقض للبيع الفاسد ; لأن تصرف العبد الآخر للمولى من وجه ; لأن كسبه مملوك للمولى فهو نظير بيعها من وكيل المولى ولا يبرأ من ضمانها إلا بردها على المأذون أو على مولاه ; لأنها صارت مضمونة عليه بالقبض فبقي الضمان بعد انتقاض العقد لبقاء القبض وإن كان على أحدهما دين فهو بيع جائز أما إذا كان الدين على البائع فقد بينا أنه لو باعها في هذه الحالة من المولى كان بيعا جائزا فكذلك من عبده وإن كان الدين على المشتري فهو في هذا الشراء غير متصرف لمولاه بل لغرمائه فبيعها منه كبيعها من أجنبي آخر فيتقرر ضمان القيمة عليه للمأذون وله الثمن على المشتري منه وإذا باعها من مضارب المأذون البائع فهو جائز ; لأن للمضارب فيما يشتري حقا في الربح ، وهو بمنزلة المشتري لنفسه من وجه . ( ألا ترى ) أن رب المال لا يملك نهيه عن بيعه وأن رب المال لو باع شيئا من ماله من المضارب جاز فكذلك هذا المشتري شراء فاسدا إذا باعها من مضارب البائع جاز بمنزلة بيعها من أجنبي آخر ، وكذلك إن باعها من مضارب المولى وعلى العبد دين أو لا دين عليه ، ولو باعها من ابن المولى أو أبيه أو مكاتبه أو باعها من المولى لابن صغير له في عياله فهو كله سواء ; لأن التصرف الحاصل لهؤلاء في حق البائع دون تصرف مضارب البائع وإذا ثبت صحة الشراء الثاني هناك فههنا أولى ، وكذلك لو أن أجنبيا وكل المولى بشرائها فاشترى له أو وكل المأذون بشرائها له فاشتراها له كانت الجارية للآمر وكان الثمن على العبد المشتري ويرجع به العبد على الآمر وللعبد على الآمر قيمة الجارية [ ص: 180 ] فتكون القيمة قصاصا بالثمن ويرجع العبد على الآمر بما أدى عنه من الثمن والحاصل أنه متى كان العقد الثاني موجبا حكما في الملك والضمان غير الحكم الذي كان قبل البيع الفاسد فإنه لا يكون ذلك نقضا للبيع الفاسد وإن كان لا يوجب حكما آخر سوى ما كان قبل البيع في حق الملك والضمان فهو نقض للبيع الفاسد ، ولو كان المأذون البائع هو الذي وكل إنسانا بشرائها من المشتري له ففعل وقبضها فهو نقض للبيع الفاسد فكأنه اشتراها بنفسه ; لأن هذا الشراء في حكم الملك والضمان لا يوجب إلا ما كان قبل العقد الفاسد فإن بشراء الوكيل يقع الملك للموكل وبقبض الوكيل يدخل في ضمان الموكل وإن كان المولى هو الذي أمر رجلا بشرائها له فهذا وشراء المولى بنفسه سواء في الفرق بينهما إذا كان على العبد دين أو لا دين عليه وإذا قتلها المأذون في يد المشتري فهو نقض للبيع ; لأنه بالإتلاف صار مستردا لها وزيادة . ( ألا ترى ) أن المشتري بالإتلاف يصير قابضا للمبيع ، وكذلك لو كان حفر بئرا في الطريق قبل البيع أو بعده فوقعت الجارية فيها أو حدث بها عيب من ذلك ولم يمنعها المشتري منه حتى ماتت من حفره فهو فسخ للبيع ; لأن العبد بالحفر صار جانيا على الواقع في بئره عند الوقوع حكما فكأنه حفر بيده والبائع إذا أتلف المعقود عليه أو عيبه في البيع الفاسد صار مستردا له بمنزلة المشتري في البيع الصحيح ; لأن الاسترداد ههنا مستحق كالقبض هنا إلا أن المشتري لو منعها منه بعد التعييب بطل حكم استرداده في حكم الضمان بمنع المشتري كما يبطل حكم قبض المشتري بمنع البائع بعد ما عيبها المشتري وإن كان المولى هو الذي فعل ذلك ولا دين على العبد فهو كذلك ; لأن المولى متمكن من استردادها لفساد البيع في هذه الحالة كالعبد وكما لو كان هو البائع بنفسه فإن كان عليه دين فالمولى غير متمكن من استردادها في هذه الحالة فيكون هو كأجنبي آخر فيما فعله فعلى عاقلته قيمتها في ثلاث سنين ; لأن جنايته حصلت على ملك المشتري فيجب ضمان القيمة على عاقلته إذا حدث الموت من فعله وإن كان حدث العيب من فعله والموت من غيره ضمن المشتري قيمتها بسبب القبض وتعذر الرد عليه ويرجع على المولى بنقصان العيب في ماله حالا ; لأن النقصان حصل بجناية المولى في ملك المشتري والجناية على المماليك فيما دون النفس حكمه حكم الأموال في أنه يكون في مال الجاني حالا وإن وقعت في بئر حفرها المأذون في دار من تجارته فماتت أو في بئر حفرها المولى في ملكه لا يكون ذلك نقضا للبيع ; لأن الحافر في ملك نفسه لا يكون جانيا فإنه غير متعد في هذا التسبب وإنما يكون الإتلاف مضافا إليه إذا [ ص: 181 ] كان متعديا في التسبب فإذا لم يصر مضافا إليه لانعدام التعدي كان هذا وموتها في يد المشتري سواء يعطي المشتري ضمان قيمتها ولا شيء له على صاحب البئر من ذلك والله أعلم بالصواب وإذا اشترى المأذون من رجل كر حنطة يساوي مائة درهم بثمانين درهما فصب العبد فيه ماء قبل أن يقبضه فأفسده فصار يساوي ثمانين درهما ، ثم إن البائع بعد ذلك صب فيه ماء فأفسده فصار يساوي ستين درهما فالمأذون بالخيار للتغيير الحاصل فيه بفعل البائع فإنه بما صنع صار مستردا محدثا للعيب فيه ولم يوجد من العبد الرضا بذلك فكان له الخيار فإن اختار أخذ الكر أخذه بأربعة وستين درهما ; لأن البائع صار متلفا خمس المبيع فسقطت حصته من الثمن ، وذلك الخمس وخمس ثمانين ستة عشر فإذا سقط من المشتري ستة عشر درهما بقي عليه أربعة وستون فإن قيل أتلف البائع ربع الباقي ; لأن الثمن حين أفسده البائع كان ثمانين وقد تراجع إلى ستين قلنا إنما يعتبر ما أتلف البائع من المبيع والمبيع قيمته مائة والجزء أتلفه المشتري تقرر البيع فيه ولم ينتقض ; فلهذا سقط بفعل البائع خمس الثمن فإن تركه المشتري فلا ضمان عليه ; لما أفسد ; لأن الكر بعينه قد رجع إلى البائع فإنما بقي الفائت بفعل المشتري مجرد الجودة ولا قيمة للجودة في الأموال الربوية منفردة عن الأصل وقد صار البائع راضيا بذلك حين استرده بالإفساد بعد فعل المشتري ، ولو ضمن له المشتري النقصان عاد إليه الكر تاما مع زيادة دراهم ، وذلك ربا . ( ألا ترى ) أن الغاصب [ ص: 182 ] لو أفسد الكر بصب الماء فيه ، ثم اختار المغصوب منه أخذه لم يكن له أن يضمن الغاصب النقصان فهذا مثله بخلاف ما إذا اختار الأخذ فإنا لو أسقطنا عن المشتري حصة ما أتلفه البائع من الثمن لا يؤدي إلى الربا بل يسلم الكر للمشتري بأربعة وستين درهما ، وذلك صحيح كما لو أبرأه البائع عن خمس الثمن ، ولو كان البائع هو الذي صب فيه الماء أولا ، ثم المشتري صب فيه الماء فإن المشتري يجبر على قبضه ; لأنه صار راضيا بالتعييب الحاصل بفعل البائع حين قبضه بالتعييب بعده ويؤدي أربعة وستين درهما ; لما قلنا ، وكذلك هذا الحكم في كل مكيل أو موزون . ![]()
__________________
|
|
#520
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الخامس والعشرون صـــ182 الى صـــ 191 (520) ولو كان المبيع عرضا أفسده المشتري أولا ، ثم أفسده البائع فإن شاء المشتري أخذه وسقط عنه من الثمن بحساب ما نقصه البائع وإن شاء نقص البيع وأدى من الثمن بحساب ما نقصه المشتري ; لأن المبيع ليس بمال الربا فيكون للوصف منه قيمة منفردا ; لأن الأوصاف بالتناول تصير مقصودة ويقابلها حصة من الثمن سواء تناولها البائع أو المشتري وقد بينا هذا في البيوع وإن كانالمشتري أفسده بعد البائع لزمه ذلك وسقط عنه من الثمن بحساب ما نقصه البائع لوجود القبض والرضا من المشتري بعد التعييب الذي كان من البائع . وإذا اشترى المأذون كر تمر جيد بعينه بكر تمر رديء بعينه فصب العبد في الكر الذي اشتراه ماء فأفسده ، ثم صب البائع فيه ماء فأفسده فهو بالخيار ; لأن البائع عيبه فصار مستردا له بعد تعييب المشتري ولم يوجد من المشتري الرضا بذلك فيتخير لهذا إن شاء أخذه ودفع الكر وإن شاء نقض البيع ولا يرجع واحد منهما على صاحبه بنقصان الكر في الوجهين جميعا أما إذا رده فظاهر وإن اختار أخذه فلأنه لو اعتبر جناية البائع ههنا سقط عن المشتري حصته من العوض فيصير بأقل من كر ، وهو الربا بعينه بخلاف ما تقدم ، ولو كان المشتري صب فيه الماء بعد البائع لزمه الكر بجميع الثمن الذي اشتراه به ; لأنه صار راضيا به حين عيبه بعد البائع ولا يسقط بتعييب البائع شيء من العوض لأجل الربا وله أن يرده بعيب إن وجده قبل القبض أو بعده بالتعيب الحاصل من المشتري بما صب فيه من الماء . وإذا اشترى المأذون من رجل عشرة أرطال زيت بدرهم وأمره أن يكيله في قارورة جاء بها فكال البائع الزيت في القارورة فلما كال فيها رطلين انكسرت والبائع والمشتري لا يعلمان فكالا بعد ذلك جميع ما باعه من الزيت فيها فسال ذلك لم يلزم العبد من الثمن إلا عن الرطل الأول ; لأن القارورة بالانكسار خرجت من أن تكون وعاء فتبين بهذا أنه حين أمره بالصب كانت القارورة صحيحة وعاء صالحا للزيت فيقيد أمره بحال بقائها وعاء ; لما [ ص: 183 ] عرف من مقصود المشتري إذ مقصوده كان هو الإحراز دون الإتلاف وقد صب الرطل الأول في القارورة وهي صحيحة فصار المشتري قابضا لذلك الرطل بملكه ، ثم انكسرت القارورة فسال ذلك الرطل بعد ما صار المشتري قابضا فيلزمه ثمنه ، ثم بالانكسار خرجت القارورة من أن تكون وعاء فبطل حكم أمر المشتري فصار البائع بصب ما بقي فيها متلفا المبيع بغير أمر المشتري فسقط عن المشتري ثمن ما بقي لانفساخ البيع فيه بإتلاف البائع . وإن كان الرطل الأول لم يسل كله حين صب البائع الرطل الثاني فيه فالبائع ضامن لما بقي من الرطل الأول في القارورة ; لأن المبيع لما انفسخ فيما بقي من الوجه الذي قررنا تبين أن البائع خلط ما بقي من الرطل الأول في القارورة بمال نفسه ومن خلط زيت غيره بزيت نفسه يكون ضامنا لصاحبه ; فلهذا ضمن ما بقي سواء كان نصف الرطل أو ثلثه أو ربعه ، ولو كانت القارورة مكسورة حين دفعها إليه فأمره أن يكيل فيها ولا يعلمان بذلك فكال البائع فيها عشرة أرطال فسالت كلها فالثمن كله لازم على العبد ; لأنه حين أمره لم تكن القارورة وعاء صالحا لإحراز الدهن فيها فكان ذلك بمنزلة أمره إياه بالإتلاف ومن اشترى شيئا بعينه ، ثم أمر البائع أن يتلفه ففعل تقرر على المشتري جميع الثمن فكذلك هذا والحر والعبد في هذا سواء ; لأن إتلاف البائع بأمر المشترى كإتلاف المشتري بنفسه وقد بينا أن في حكم القبض والإتلاف الحر والعبد سواء ولا معتبر بعلم المشتري وجهله بذلك ; لأنا لو اعتبرنا جهله بذلك لدفع الضرر عنه كان فيه إضرار بالبائع وكما يجب دفع ضرر المشتري يجب دفع ضرر البائع ولأنه صرح بالأمر بالصب فيه ومع التصريح لا معتبر بجهله كما لو قال لرجل أتلف هذا المال فأتلفه ، ثم تبين أنه كان للآمر ولم يكن عالما به لم يضمن المأمور شيئا . وهذا بخلاف الأول فهناك إنما صرح بالأمر بالإحراز لكون القارورة صحيحة عند الأمر بالصب فيها فلا يكون هذا الأمر بالإتلاف صريحا ; فلهذا قيدناه بحال بقاء القارورة صحيحة . وإذا اشترى المأذون جارية فقبضها بغير إذن البائع قبل نقد الثمن فماتت عنده أو قتلها مولاها ولا دين على العبد أو أعتقها لم يكن للبائع أن يضمن العبد ولا المولى قيمتها ; لأنها صارت مضمونة عليه بالثمن بهذا القبض وضمان القيمة مع ضمان الثمن لا يجتمعان ولكنه يطالب العبد بالثمن فيباع له فيه فإن نقص ثمنه عن حقه كان على المولى تمام ذلك من قيمة الجارية التي استهلكها ; لأن الجارية صارت كسبا للعبد وقد أتلفها المولى بالقتل أو الإعتاق فلا يسلم له ذلك إلا بشرط الفراغ من دين العبد فإذا لم يف ثمن العبد بثمن الجارية [ ص: 184 ] كان المولى ضامنا الفضل من قيمة الجارية ; لما بينا ، ولو كان العبد وكل رجلا بقبضها فقبضها فماتت في يده ضمن الوكيل قيمتها للبائع ; لأنه جان في حق البائع حين قبضها بغير أمره قبل نقد الثمن فيضمن له قيمتها كالراهن إذا وكل وكيلا باسترداد المرهون فاسترده بغير رضا المرتهن ، ثم هذه القيمة تكون في يد البائع فإن أوفى العبد الثمن رجعت القيمة إلى الوكيل وإن هلكت القيمة من الوكيل سقط الثمن عن العبد ; لأن استرداد القيمة كاسترداد عينها ، ثم يرجع الوكيل بها على العبد ; لأنه غرم لحقه في عمل باشره بأمره فيرجع به عليه سواء كان الثمن أكثر من ذلك أو أقل ، وكذلك لو كان المشتري حرا فوكل رجلا بقبضها أو أمره بقتلها فقتلها وهذا فصل قد بيناه في آخر البيوع وبينا الفرق بينه وبين ما إذا أمر غيره بإن يعتقها فأعتقها على قول أبي يوسف الآخر ، وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فالتسوية بينهما على قوله الأول ، وذلك كله في البيوع والله أعلم ( قال : رحمه الله ) وإذا باع المأذون جارية وسلمها إلى المشتري ، ثم ردها عليه المشتري بعيب يحدث مثله أو لا يحدث مثله بغير قضاء وقبلها العبد فهو جائز بمنزلة الحر في ذلك ; لأن الرد بغير قضاء قاض إقالة والمأذون يملك الإقالة فسخا كان أو بيعا مبتدأ ، وكذلك لو ردها عليه بقضاء قاض ببينة قامت أو بإباء يمين أو بإقرار منه بالعيب فهذا كله فسخ يملكه المأذون فإن ردها وأخذ الثمن ، ثم وجد بها عيبا قد كان حدث عند المشتري ولم يعلم به فهو بالخيار إن شاء ردها على المشتري وأخذ منه الثمن وإن شاء أمسكها ; لأن حال البائع بعد الفسخ كحال المشتري عند العقد والمشتري إذا وجد بها عيبا كان عند البائع ثبت له الخيار فكذلك البائع إذا وجد بها عيبا كان حدث عند المشتري وهذا ; لأنه إنما رضي بالفسخ على أن تعود إليه كما خرجت من يده ، وكذلك القاضي إنما قضى بالفسخ لدفع الضرر عن المشتري فينفذ قضاؤه بدفع الضرر على وجه لا يلحق الضرر بالبائع فإذا ظهر أنه كان حدث بها عيب عند المشتري تضرر البائع بهذا ; فلهذا ثبت له الخيار فإن ردها على المشتري انفسخ ذلك الفسخ وصار كأن لم يكن فبقي حق المشتري في المطالبة بالجزء الفائت وقد تعذر ردها فيرجع بحصة العيب من الثمن وإن لم يردها العبد حتى حدث بها عيب عنده لم يكن له أن يردها ; لأنه . [ ص: 185 ] يمكنه من ردها لدفع الضرر عن نفسه فلا يكون له أن يلحق الضرر بالمشتري وفي الرد عليه بعد ما حدث بها عيب عنده إضرار بالمشتري ولكنه يرجع بنقصان العيب الذي حدث عند المشتري من الثمن كما كان يفعله المشتري قبل الفسخ إذا وجد بها عيبا وقد تعيبت عنده فإن شاء المشتري أن يأخذها بعيبها الذي حدث عند العبد فله ذلك ; لأن تعذر الرد لمراعاة حق المشتري وربما يكون قبولها مع العيب أنفع له من الرجوع بحصة العيب من الثمن فإن أخذها ودفع الثمن إلى العبد رجع المشتري على العبد بنقصان العيب الأول من الثمن ; لأن ذلك الفسخ قد انفسخ بردها على المشتري فيكون حقه في الرجوع بنقصان العيب الأول من الثمن كما كان قبل الفسخ ولم يكن له أن يرجع بنقصان العيب الآخر ; لأنه قد رضي به حين قبلها مع علمه بذلك العيب ويمكنه من أن لا يقبلها . وكذلك إن كان العيب الآخر جناية من العبد أو وطئها ; لأن جنايته على كسبه لا تلزمه أرشا والمستوفى بالوطء في حكم جزء من العين كالمستوفى بالجناية وإن كانت جناية من أجنبي أو وطئها فوجب العقر أو الأرش رجع العبد على المشتري بنقصان العيب الحادث عند المشتري من الثمن ولم يكن للمشتري أن يأخذ الجارية لحدوث الزيادة المنفصلة المتولدة في يد البائع بعد الفسخ وكما أن حدوث هذه الزيادة عند المشتري يمنع فسخ العقد حقا للشرع فكذلك حدوثها عند البائع بعد الفسخ وإذا تعذر ردها تعين حق البائع في الرجوع بحصة العيب . ولو كان المشتري رد الجارية على العبد أولا بالعيب فقبضها العبد ، ثم وجد المشتري قد قطع يدها أو وطئها فلم يردها عليه بذلك حتى حدث بها عيب عند العبد فالمشتري بالخيار ; لأن المشتري لم يلزمه أرش ولا عقر بما فعله في ملك صحيح له فهو كحدوث العيب عنده بآفة سماوية وقد حدث بها عيب عند العبد فيخير المشتري إن شاء أخذها وأعطى العبد جميع الثمن ، ثم يرجع المشتري على العبد بنقصان العيب الأول من الثمن وإن شاء دفع إلى العبد نقصان العيب الذي حدث عنده من الثمن يعني في الجناية في الوطء إذا كانت بكرا حتى نقصها الوطء في ماليتها فإن كان المشتري وطئها وهي ثيب فلم ينقصها الوطء شيئا لم - يرجع العبد على المشتري بشيء من الثمن ولم يرد العبد الجارية ; لأن المستوفى بالوطء وإن كان في حكم جزء فهو بمنزلة جزء هو ثمرة . ( ألا ترى ) أن استيفاءه لم يوجب نقصانا في مالية العين والثمن إنما يقابل المالية فما لا يكون مالا لا يقابله شيء من الثمن فلا يتمكن العبد من الرجوع بنقصان العيب عند تعذر ردها عليه فإن قيل أليس أنه لو علم بوطء المشتري إياها قبل [ ص: 186 ] الرد يكون له أن يقبلها ويجعل ذلك كالخيار فكذلك إذا علم به بعد الرد وقد تعذر ردها بالعيب الحادث عنده قلنا امتناع الرد بسبب الوطء ليس لعين الوطء بل لدفع الضرر عن البائع ولأن الرد بالعيب بقضاء القاضي فسخ العقد من الأصل فتبين أن الوطء كان في غير الملك حتى لو رضي به البائع بالاسترداد ردها ; لأنه حينئذ لا يكون فسخا من الأصل وهذا المعنى لا يوجد في رجوع البائع على المشتري بنقصان العيب عند تعذر ردها عليه وكيف يرجع بنقصان العيب من الثمن ولا ثمن بمقابلة المستوفى بالوطء ; لأن ذلك ليس بمال ; ولهذا لو علم المشتري أن البائع كان وطئها بعد ما باعها منه وهي ثيب لم يكن له خيار في ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله ولا يرجع عليه بشيء من الثمن وإن كان أجنبي قطع يدها عند المشتري أو وطئها فوجب العقر ، ثم ردها القاضي على العبد بالعيب الذي كان عنده ولم يعلم صنع الأجنبي ، ثم حدث بالجارية عيب عند العبد ، ثم اطلع على ما كان عند المشتري فإن الجارية ترد على المشتري ; لأنه تبين بطلان قضاء القاضي بالفسخ للزيادة المنفصلة من العين عند المشتري ويرد عليه معها نقصان العيب الذي حدث عند العبد من قيمتها ; لأنه ظهر أن العبد قبضها بحكم فسخ فاسد والمقبوض بفسخ فاسد كالمقبوض بعقد فاسد فيكون مضمونا بالقيمة بجميع أوصافه تلف بنفسه أو أتلفه البائع ، ثم يأخذ العبد الثمن من المشتري إن كان قد رده إليه ويرجع المشتري على العبد بنقصان العيب الأول لتعذر ردها بالعيب بسبب الزيادة المنفصلة وإن كان العيب الذي حدث بها عند العبد من فعل الأجنبي فالمشتري بالخيار إن شاء أخذ ذلك النقصان من العبد ورجع به العبد على الأجنبي . وإن شاء أخذه من الأجنبي اعتبارا للمقبوض بفسخ فاسد بالمقبوض بعقد فاسد إذا جنى عليه أجنبي في يدي المشتري فإنها ترد على البائع ويتخير البائع في تضمين النقصان الجاني بالجناية أو المشتري بالقبض ، ثم يرجع المشتري به على الأجنبي فإن كان العبد البائع قتلها أو قتلها أجنبي في يد العبد فهو سواء ويأخذ المشتري من العبد قيمتها ولا سبيل له على الأجنبي ; لأن البائع ملكها بالقبض بفسخ فاسد وجناية الأجنبي إنما صادفت ملكه لا ملك المشتري ولا سبيل للمشتري على الأجنبي بأخذ قيمتها من البائع لتعذر رد عينها ، ثم يرجع العبد بالقيمة على الأجنبي ; لأنه أتلف ملكه وهذا بخلاف الجناية فيما دون النفس ; لأن هناك استرداد الأصل لم يتعذر وقد بينا هذا الفرق في المقبوض بحكم شراء فاسد فكذلك المقبوض بحكم فسخ فاسد وإن كان العبد باعها بعدما قبضها [ ص: 187 ] المشتري جاز بيعه ; لأنه ملكها بالقبض وإن كان الفسخ فاسدا فينفذ بيعه وعليه قيمتها يوم قبضها من المشتري وقيمتها كاسترداد عينها فيكون له أن يرجع على العبد بنقصان الأول من الثمن ، وكذلك لو كان المشتري ردها بهذا العيب على البائع بغير قضاء قاض أو كان ذلك بطريق الإقالة فهو فسخ في قول أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة الرد بالعيب وهذا الحكم كذلك في البيع والشراء إذا كانا حرين والله أعلم ( قال رحمه الله ) والمأذون مثل الحر في حكم الخيار المشروط في البيع ; لأن اشتراط الخيار في البيع لدفع الغبن وحاجة العبد إليه كحاجة الحر . وإذا باع المأذون متاعا أو اشتراه واشترط الخيار لنفسه ثلاثة أيام وعلى العبد دين أو لا دين عليه فنقض المولى البيع في الثلاثة بمحضر من الآخر لم يجر نقضه ; لأنه حجر خاص في إذن عام فإن هذا التصرف من العبد تناوله الإذن فالمولى يفسخ هذا التصرف عليه بحجر عليه من إمضائه بالإجازة والحجر الخاص مع قيام الإذن العام باطل كما أن استثناء تصرف من الإذن في التجارة عند ابتداء الإذن باطل وإن أجازه جاز إن لم يكن على العبد دين ; لأن الإجازة إتمام لتصرف العبد فإذا لم يكن على العبد دين فهو في حكم العقد متصرف للمولى ; لأن كسبه خالص ملك المولى فيعمل إجازة المولى كما يعمل إجازة الموكل لتفرق الوكيل مع خيار الشرط فإن كان عليه دين لم يجز إجازة المولى ; لأنه من كسبه كأجنبي آخر وهذا التصرف من العبد لنفسه فإن المقصود بتصرفه تصرفه لغرمائه والمولى في هذه الحالة منه كالأجنبي ; فلهذا لا تعمل إجازته فإن كان الخيار للمشتري مع العبد أو للبائع مع العبد فنقض صاحب الخيار البيع بحضرة المولى وعلى العبد دين أو لا دين عليه فنقضه باطل في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله أما إذا كان على العبد دين فلا إشكال فيه وإن لم يكن عليه دين فلأن النقض تصرف في أصل العقد بالفسخ لا في حكم العقد والمولى في أصل السبب كأجنبي آخر وعند أبي حنيفة ومحمد فسخ من له الخيار بغير محضر من عاقده لا ينفذ وإن كان بمحضر من الأجنبي بخلاف الإجازة فالإجازة تصرف في الحكم بالإثبات أو التقرير والمولى في الحكم ليس كالأجنبي إذا لم يكن على العبد دين بل العبد بمنزلة النائب عنه . ولو باع المأذون جارية على أنه بالخيار ثلاثة أيام فأخذ المولى الجارية فباعها . [ ص: 188 ] أو وطئها أو قبلها بشهوة أو فقأ عينها بغير محضر من المشتري ، وذلك بعد ما أخذها فإن كان المأذون لا دين عليه فهذا نقض للبيع والجارية للمولى وقد خرجت من تجارة العبد ; لأنها بالبيع بشرط الخيار تخرج من أن تكون كسب العبد والمولى مالك لكسبه إذا لم يكن عليه دين فيتمكن من أخذها منه وإحداث هذه التصرفات منه يوجب تقرير ملكه ومن ضرورته فسخ ذلك البيع ; ولهذا لو كان البائع حرا مالكا فتصرف فيه هذه التصرفات بغير محضر من المشتري انفسخ العقد به حكما فكذلك المولى إذا فعله انفسخ العقد حكما ولا يكون هذا من المولى حجرا خاصا في إذن عام ، وكذلك لو قبضها المولى ، ثم قال : قد نقضت البيع بمحضر من المشتري فالبيع منتقض ; لأنه بالقبض أخرجها من أن تكون كسبا للعبد فنقضه البيع فيها لا يكون حجرا خاصا في إذن عام ; لأن الإذن العام له في التصرف في كسبه وقد أخرجه من أن يكون كسبا له ، ولو قبضها ولم ينقض البيع حتى مضت الأيام الثلاثة جاز البيع والثمن للعبد على المشتري ; لأن بمجرد أخذها لا يكون فسخا للبيع فالأخذ قد يكون للحفظ والنظر فيها هل تصلح له أم لا وإذا لم يفسخ البيع بالأخذ تم البيع بمضي الأيام وتملكها المشتري من وقت العقد فيكون الثمن للعبد على المشتري وإن كان على العبد دين في جميع ما وصفنا فنقض المولى البيع وأخذه الجارية باطل والبيع والخيار فيها على حاله ; لأن المولى ممنوع من أخذها لمكان الدين على العبد فلا يخرج بأخذه إياها من أن تكون كسبا للعبد فيكون نقضه للبيع فيها حجرا خاصا في إذن عام . ولو اشترى المأذون جارية واشترط الخيار لمولاه ثلاثة أيام فإن نقض البيع المولى أو العبد فهو نقض ; لأن اشتراط الخيار لمولاه اشتراط منه لنفسه فإنه يجعل المولى نائبا عنه في التصرف بحكم الخيار وقد بيناه في البيوع فيما إذا اشترط الخيار لأجنبي فكذلك لمولاه ، وكذلك إن أجاز العقد أحدهما فهو جائز فإن نقض المولى البيع بمحضر من البائع وأجازه العبد فالسابق منهما أولى نقضا كان أو إجازة ; لأن بإجازة أحدهما أولا يتم البيع فلا ينفرد الآخر بفسخه بعد ذلك وبنقض أحدهما أولا ينفسخ البيع والمفسوخ لا تلحقه الإجازة وإن كان ذلك منهما معا فالنقض أولى من الإجازة ; لأن النقض يرد على الإجازة فالبيع التام يمكن نقضه والإجازة لا ترد على النقض فالبيع المنقوض لا تمكن إجازته وعند المعارضة الوارد يترجح على المورود عليه . قال : ( ألا ترى ) أن رجلا لو اشترى جارية بعبد على أنه بالخيار ثلاثة أيام في الجارية وتقابضا ، ثم أعتق المشتري الجارية عتقت وجاز البيع ; لأن [ ص: 189 ] خياره فيها خيار المشتري ، وذلك لا يمنعه من التصرف فيها ; لأنه لما كان يملك تنفيذ العتق في كل واحد منهما على الانفراد نفذ عتقه فيها وإن لم يعتقها ولكنه أعتق العبد عتق ، وهو فسخ منه للبيع ; لأن خياره فيه خيار البائع ، وذلك لا يمنع من التصرف فيما باع ومن ضرورة نفوذ تصرفه انفساخ البيع ، ولو أعتقها جاز عتقه فيها أيضا وينتقض البيع باعتبار نفوذ عتقه فيما باع وعليه قيمة الجارية ; لأنه تعذر ردها لما نفذ عتقه فيها وقد انتقض البيع فعليه رد قيمتها ومقصوده من هذا الاستشهاد بيان أن النقض أولى من الإجازة وقد بينا ما في هذه المسألة من الاختلاف في البيوع . وكذلك لو باع المأذون جارية واشترط الخيار لمولاه ثلاثة أيام فنقضه العبد وأجازه المولى معا فالنقض أولى ; لما بينا ، ولو اشترى المأذون جارية وقد رآها مولاه ولم يرها العبد وعليه دين أو لا دين عليه فللعبد الخيار إذا رآها ; لأنه هو المشتري والشرع إنما أثبت خيار الرؤية للمشتري والعبد في أصل التسبب مباشر لنفسه كالحر وخيار الرؤية ينبني على السبب ، ثم رؤية المولى لا تكون دليل الرضا منه بها ; لأنه ما كان يعلم أن عبده يشتريها وإن كان العبد رآها قبل الشراء ولم يرها المولى لم يكن للمولى أن يردها كان على العبد دين أو لم يكن ; لأن العبد في الشراء متصرف لنفسه ورؤيته قبل العقد دليل الرضا منه بها والفسخ من المولى يكون حجرا خاصا في إذن عام ، ولو لم يرها واحد منهما قبل الشراء ثم رأياها فالخيار للعبد ; لأن خيار الرؤية يثبت باعتبار السبب والعبد في أصل السبب متصرف لنفسه فإن رضيها المولى جازت على العبد إن لم يكن عليه دين ; لأن الرضا تقرير بحكم السبب والعبد فيما يرجع إلى الحكم نائب عن المولى إذا لم يكن عليه دين وإن كان عليه دين فرضا المولى باطل ; لأنه في الحكم أجنبي ما بقي من الدين شيء على العبد وإن نقض المولى البيع بمحضر من البائع فنقضه باطل كان على العبد دين أو لم يكن ; لأن النقض منه حجر خاص في إذن عام ، ولو رضيها المولى وردها العبد معا كان رد العبد أولى ; لما بينا أن النقض يرد على الإجازة والإجازة لا ترد على النقض ، وكذلك لو وجد بها عيبا قبل أن يقبضها فالعبد بالخيار إن شاء أخذها وإن شاء تركها ; لأن خيار العيب قبل القبض بمنزلة خيار الرؤية . ( ألا ترى ) أن الراد ينفرد به من غير قضاء ولا رضا وأنه لا يملك رد أحد العبدين به دون الآخر فإن رضيها المولى وعلى العبد دين فرضاه باطل وإن لم يكن عليه دين سوى ثمنها جاز رضا المولى عليه كما في خيار الرؤية وإن نقض المولى البيع فنقضه باطل كان عليه دين أو لم يكن ; لأنه [ ص: 190 ] خاص . قال : ( ألا ترى ) أن رجلا لو اشترى لرجل جارية بأمره فلم يقبضها الوكيل حتى وجد بها عيبا فرضيهما الآمر جاز وإن نقض الآمر البيع لم يجز نقضه وهذا إشارة إلى الحرف الذي بينا أن الرضا تصرف في الحكم وحكم تصرف الوكيل للموكل والنقض تصرف في السبب والوكيل أصل في السبب بمنزلة العاقد لنفسه فلم يجز نقض الموكل فيه فكذلك في المأذون مع مولاه . ولو اشترى المأذون جاريتين بألف درهم فلم يقبضها حتى قتلت إحداهما صاحبتها فالعبد بالخيار إن شاء أخذ الباقية بجميع الثمن وإن شاء نقض البيع ، ولو ماتت إحداهما موتا أخذ الباقية بحصتها من الثمن بخلاف الدابتين فهناك سواء قتلت أختهما صاحبتها أو ماتت أخذ الباقية بحصتها من الثمن وقد بينا هذا الفرق في كتاب الرهن أن فعل البهيمة هدر شرعا فالتي هلكت فاتت ولم تخلف بدلا فسقطت حصتها من الثمن وفعل الآدمي معتبر شرعا فإذا اختار المشتري أخذ الباقية انفسخ البيع في التي هلكت وتبين أن ملكه جنى على ملك البائع فوجب اعتباره ودفع القاتل بالمقتول فتبين أنه فات وأخلف بدلا فيبقى العبد ببقاء البدل ; فلهذا أخذ الباقية بجميع الثمن وثبوت الخيار له لتفرق الصفقة قبل التمام . ولو اشترى المأذون جارية واشترط الخيار في الثمن فذلك اشتراط منه للخيار في الجارية سواء كان الثمن عينا أو دينا دفع الثمن أو لم يدفع ; لأن الخيار إنما يشترط لفسخ العقد أو لا لتنعدم صفة اللزوم به وهذا لا يختص بأحد العوضين فاشتراط الخيار في أحد العوضين يكون اشتراطا في الآخر ضرورة وتقرير كلامه كأنه قال : إن رضيت أسلم لك الثمن فيما بيني وبين ثلاثة أيام سلمت وإن شئت أخذت الثمن ولم أسلمه لك ، ولو صرح بهذا كان ذلك منه شرطا للخيار في العوضين . ولو اشترى ثوبين كل ثوب بعشرة على أن يأخذ أيهما شاء ويرد الآخر فهلك أحدهما عند البائع فالمشتري على خياره في الباقي ; لأن الخيار كان ثابتا للمشتري فيهما والذي هلك عند البائع انفسخ البيع فيه لفوات القبض المستحق بالعقد فيبقى هو على خياره في الباقي ، ولو هلك أحدهما عند المشتري لزمه البيع فيه ; لأنه لما أشرف على الهلاك فقد عجز عن رده حكما كما قبضه فيتعين البيع فيه ، ثم يهلك على ملكه ومن ضرورته تعين الرد في الآخر ، ولو حدث بأحدهما عيب عند المشتري لزمه الذي حدث به العيب ; لأنه عجز عن رده كما قبضه بخلاف ما إذا حدث بأحدهما عيب عند البائع أو بهما فالمشتري على خياره ; لما بينا . ولو باع المأذون من رجل ثوبين على أن البائع بالخيار يلزمه أيهما شاء بعشرة ويرد الآخر فهذا وخيار المشتري سواء والقياس فيها أن البيع باطل وفي الاستحسان [ ص: 191 ] هو جائز على ما اشترطا وقد بينا ذلك في البيوع فإن قبضهما المشتري فهلك أحدهما عنده فهو أمين فيما هلك والبائع بالخيار إن شاء لزمه الباقي بعشرة ; لأنه قبض أحدهما على جهة البيع والآخر لا على جهة البيع فكان أمينا فيما قبضه بإذن المالك لا على جهة البيع والبيع ههنا في الهالك لم يتعين بل تعين في الباقي ضرورة . ( ألا ترى ) أن البائع ليس له أن يلزمه الهالك ; لأن تعيين البيع فيه كإنشاء البيع وإنشاء البيع في الهالك لا يتحقق فكذلك تعين البيع فيه وإذا ثبت أن البيع متعين في الباقي فالبائع فيه بالخيار ثبت بعين الأمانة في الهالك ، ولو لم يهلك واحد منهما ولكن حدث بأحدهما عيب عند المشتري كان البائع على خياره ; لأنه لا تأثير للعيب الحادث عند المشتري في إسقاط خيار البائع فالمعيب محل ابتداء العقد كالتسليم بخلاف الهالك ; فلهذا كان البائع على خياره يلزمه أيهما شاء فإن نقض البيع فيهما أخذهما ونصف قيمة المعيب في القياس ; لأن المعيب كان متردد الحال بين أن يكون مضمونا باعتبار تعين العقد وبين أن يكون أمانة باعتبار تعين البيع في الآخر وبحدوث العيب فات جزء منه فيتنصف ضمان ذلك الجزء باعتبار التردد فيه . ( ألا ترى ) أن البائع لو ألزم المشتري الصفقة فيه كان فوات ذلك الجزء على المشتري فلو لزمه في الآخر كان فوات ذلك الجزء على البائع فإذا نقض البيع فيهما كان على المشتري نصف قيمة المعيب ولكن في الاستحسان لا يأخذ من قيمة المعيب شيئا ; لأن فوات الجزء معتبر بفوات الكل ، ولو هلك أحدهما في يد المشتري لم يضمن من قيمته شيئا للبائع وإن فسخ البائع العقد في الآخر فكذلك إذا تعيب في يده ، ولو هلك أحد الثوبين عند البائع كان له أن يوجب البيع في الباقي وإن شاء نقضه ; لأن الهالك خرج من العقد فيبقى خيار البائع في الباقي كما كان ، ولو لم يهلك وحدث بأحدهما عيب عند البائع فهو على خياره فإن اختار إلزام المشتري الثوب المعيب كان المشتري بالخيار ; لأن البائع لما عين العقد فيه التحق بما لو كان البيع متعينا فيه في الابتداء وقد تعيب عند البائع فيتخير المشتري بين أن يأخذه أو يتركه وإذا رده فليس للبائع أن يلزمه الآخر ; لأن تعيينه العيب في المبيع يوجب انتفاء العقد عن الآخر ضرورة فكيف يلزمه العقد في الآخر بعد ما انتفى العقد عنه والله أعلم ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |