|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#511
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ... ﴾ من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ * وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 149 - 152]. 1- تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام، ونداء المؤمنين بوصف الإيمان؛ تشريفًا وتكريمًا لهم، وحثًّا على الاتصاف بهذا الوصف. 2- عناية الله تعالى بالمؤمنين؛ حيث يحذرهم من طاعة الكافرين. 3- وجوب الحذر من الكافرين، وتحريم طاعتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾. 4- شدة خطر طاعة الكافرين؛ لأنها سبب للارتداد على الأعقاب والرجوع عن الإسلام، والانقلاب بالخيبة والخسران؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾. 5- أن الكفار ليسوا بناصحين للمؤمنين، مهما ادعوا النصح لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾. وهذا خبر الذي يعلم السر وأخفى سبحانه وتعالى؛ ولهذا يجب الحذر كل الحذر أن يكون تبادل المصالح بين المسلمين وبينهم على حساب التنازل عن شيء من ثوابت الدين ومبادئ الإسلام، أو تكون مصالحتهم أو مهادنتهم على حساب ذلك. 6- أن الكفر خسران، وأهله هم الخاسرون؛ لقوله تعالى: ﴿ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ ﴾. كما قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 - 3]. فلا خسارة تفوق الخسارة في الدين، فهي الخسارة العظمى، والمصيبة الكبرى، والجرح الذي لا يندمل، والكسر الذي لا ينجبر، وكما قيل: وكل كسر فإن الله جابره ![]() وما لكسر قناة الدين جبران[1] ![]() ![]() ![]() 7- بلاغة القرآن الكريم في التنفير عن طاعة الكافرين، والرجوع عن الدين، بتشبيه ذلك بالارتداد على الأعقاب ومشي القهقرى، والسير على الوراء وعلى غير هدى. 8- إثبات ولاية الله تعالى الخاصة للمؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ ﴾، وكما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 68]. 9- أن الله تعالى ناصر المؤمنين، وهو خير الناصرين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾. 10- الإشارة إلى أن طاعة الكافرين من توليهم واتخاذهم أولياءَ ونُصَراءَ؛ لأن الله لما حذر من طاعتهم أعقب ذلك بقوله: ﴿ بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾. 11- جواز إطلاق «الناصر» على غير المسلمين؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ﴾ بالجمع، وكما قال تعالى: ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ ﴾ [الأنفال: 72]، لكنه - عز وجل - هو خير الناصرين. 12- تعظيم الله - عز وجل - لنفسه؛ لقوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي ﴾؛ لأنه سبحانه وتعالى هو العظيم، كما قال عز وجل: «الكبرياء إزاري والعظمة ردائي»[2]. 13- بشارة الله تعالى للمؤمنين ووعده لهم بإلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا؛ لقوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾. 14- إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ سَنُلْقِي ﴾؛ أي: في المستقبل، فهو سبحانه وتعالى يفعل ما شاء متى شاء، كما قال عز وجل: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ [البروج: 16]. 15- قدرة الله تعالى العظيمة الباهرة في هزيمة الكفار من الداخل، بإلقاء الرعب في قلوبهم، مهما كانت قوتهم الظاهرة. 16- أن إلقاء الرعب في قلوب الكفار من أقوى أسباب الهزيمة لهم، والنصر للمؤمنين؛ لأن الرعب إذا وقع في القلب، خارت القوى، وعجز العدو عن المقاومة واستسلم، وهذا من خصائص هذه الأمة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر»[3]. 17- أن مدار قوة البدن وشجاعته وضعفه وانهزامه، على قوة ثبات القلب، فإن ثبت القلب قوي البدن وقاوم، وإن ضعف القلب ضعف البدن وانهزم. 18- أن سبب إلقاء الرعب في قلوب الذين كفروا إشراكهم بالله ما لا دليل عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾، وبقدر عظم شركهم بالله يكون عظم الرعب في قلوبهم، إذ لا أمن إلا لأهل الإيمان والتوحيد؛ كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ ﴾ [الأنعام: 82]. 19- إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾، وفي هذا ردٌّ على نُفاة الحكمة في أفعال الله من الجهمية وغيرهم. 20- أنه لا دليل للمشركين، ولا حجة لهم على شركهم؛ لقوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ﴾. 21- أن الأحكام التعبُّدية توقيفية، فلا يجوز التعبد لله بشيء لا دليل عليه، أو التقليد على غير هدى. 22- تسفيه عقول المشركين؛ لإشراكهم بالله ما لا دليل عليه من عقل أو نقل. 23- أن مأوى الكافرين ومصيرهم النار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾. 24- إثبات الآخرة، والجزاء فيها على الأعمال، وإثبات النار، وأنها موجودة مُعدَّة مأوى للكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ﴾؛ أي: ومأواهم في الآخرة النار، مجازاة لهم على كفرهم وشركهم. 25- الإشارة إلى خلود الكافرين في النار؛ لأن المأوى محل الإقامة الطويلة أو الأبدية. 26- ذم النار وتقبيحها وأنها بئس المثوى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾. 27- أن الذين كفروا وأشركوا بالله هم الظالمون؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ ﴾، فوصفهم بالكفر والشرك والظلم، وقد قال تعالى: ﴿ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ [البقرة: 254]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: 13]. 28- إثبات نصر الله تعالى للمؤمنين في أُحد، كما وعدهم بذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾، واستمر معهم النصر حتى حصل منهم الفشل والنزاع والعصيان. 29- إذن الله تعالى كونًا وشرعًا للمؤمنين بقتل أعدائهم الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾؛ أي: بإذنه الكوني والشرعي. 30- أن ما حصل للمسلمين يوم أُحد من صرفهم عن العدو، سببه فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم؛ لقوله تعالى: ﴿ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ ﴾. 31- أن الفشل والتنازع والعصيان من أسباب الخذلان وفوات النصر، مما يوجب الحذر من ذلك، والأخذ بأسباب النجاح والنصر من وحدة الكلمة، ولزوم الطاعة، وغير ذلك. 32- أن المعصية بعد النعمة أشد من المعصية قبل النعمة، وأن الواجب على مَن أنعم الله عليه بما أحب أعظم من غيره؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ ﴾؛ لأن الواجب مقابلة النعمة بالشكر والطاعة، لا بالمخالفة والمعصية، ولشؤم هذه المعصية أصاب المسلمين ما أصابهم. ومعصيته صلى الله عليه وسلم في هذا المقام عظيمة من وجهين؛ الأول: أن أمره صلى الله عليه وسلم شرع يجب اتباعه، والثاني: أنه صلى الله عليه وسلم قائد وولي أمر يجب اتباع أمره ولو لم يكن رسول. 33- أن الأعمال بالنيات؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾. 34- الإشارة إلى أن من أسباب ما حصل للمسلمين من الفشل والنزاع والمعصية، كون بعضهم يريد الدنيا. 35- أَن الصحابة - رضي الله عنهم - ليسوا في عصمة من أن يريد بعضهم الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ﴾، لكن لهم رضوان الله عليهم من الصحبة والفضائل والسوابق في الإسلام، ما يكفر ويمحو ما كان منهم، ويكفيهم أن الله تعالى عفا عنهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾. قال ابن القيم[4]: «﴿ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ﴾، وهذا خطاب للذين شهدوا معه الوقعة، ولم يكن فيهم منافق، ولهذا قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: «ما شعرت أن أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الدنيا حتى كان يوم أُحد، ونزلت هذه الآية»[5]. قال ابن القيم: والذين أُريدوا بهذه الآية هم الذين أخلوا مركزهم الذي أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه، وهم من خيار المسلمين، ولكن هذه إرادة عارضة، حملتهم على ترك المركز، والإقبال على كسب الغنائم، بخلاف من كان مراده بعمله الدنيا وعاجلها، فهذه الإرادة لون، وإرادة هؤلاء لون». 36- أن صرف المسلمين عن عدوهم بسبب ما حصل منهم من الفشل والنزاع والمعصية، ابتلاء لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ ﴾. 37- عفو الله - عز وجل - عما حصل يوم أُحد من المؤمنين من الفشل والتنازع والمعصية، وإرادة الدنيا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ﴾؛ ولهذا صرف عز وجل أعداءهم عنهم فلم يستأصلوهم. 38- فضل الله - عز وجل - على المؤمنين بالعفو عنهم وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾، وهو فضل خاص، كما أنه ذو فضل عام على جميع الخلق؛ كما قال: ﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ [البقرة: 251]. [1] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «ديوانه» (ص80). [2] سبق تخريجه. [3] سبق تخريجه. [4] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 532). [5] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (65/ 141، 142).
__________________
|
|
#512
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ…﴾ قوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 153، 155] قوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾. قوله: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ ﴾ ﴿ إِذْ ﴾: ظرف بمعنى «حين» متعلق بـ ﴿ صَرَفَكُمْ ﴾ [آل عمران: 152]، أو بـ﴿ عَفَا عَنْكُمْ ﴾ [آل عمران: 152]، أو متعلق بمحذوف، والتقدير: اذكروا حين تصعدون، وقيل غير ذلك. ﴿ تُصْعِدُونَ﴾: بضم التاء، و«الإصعاد»: السير في الأرض والذهاب فيها والإسراع فيها هربًا؛ لأن الأرض تسمى «الصعيد»؛ كما قال تعالى: ﴿ فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ [النساء: 43]، يقال: أصعد في الأرض: إذا ذهب فيها، قال الشاعر: هوايَ مع الركب اليمانين مُصْعدٌ ![]() جنيبٌ وجثماني بمكة مُوثقُ[1] ![]() ![]() ![]() وقال الأعشى[2]: فإن تسألي عني فيا ربَّ سائل ![]() حفيّ عن الأعشى به حيث أصعدا ![]() ![]() ![]() وقال أيضًا: ألا أيهذا السائلي أين أصعدت ![]() فإن لها في أهل يثرب موعدَا ![]() ![]() ![]() والمعنى: إذ تذهبون في الأرض مسرعين فارين جادين في الهرب، وقيل: إذ تصعدون في الجبل فرارًا، وكل هذا حصل من بعض الصحابة يوم أُحد، فمنهم من فر وهرب في الأرض، ومنهم من صعد الجبل. كما في حديث البراء - رضي الله عنه - بعد أن ذكر قول بعض الرماة: «إنا والله لنأتين الناس، فلنُصيبن من الغنيمة، فلما أتوهم صرفت وجوههم، فأقبلوا منهزمين، فذلك الذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اثنى عشر رجلًا...» الحديث[3]. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أُحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: «من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟»، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم رهقوه أيضًا، فقال: «من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟»، فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قُتل السبعة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه: «ما أنْصَفْنا أصحابنا»[4]. وعن أبي عثمان النهدي قال: «لم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض تلك الأيام التي قاتل فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم غير طلحة بن عبيدالله وسعد - عن حديثهما»[5]. وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: «رأيت يوم أُحد عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان عنه أشد القتال، ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده - يعني جبريل وميكائيل - عليهما السلام»[6]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشتد غضب الله على قوم فعلوا برسول الله وهو حينئذٍ يشير إلى رباعيته، واشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله»[7]. وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - قال: «جُرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكُسرت رَباعيته، وهُشِّمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم، وكان علي يسكب عليها بالمجن، فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرةً، أخذت قطعة حصير فأحرقته حتى إذا صار رمادًا، ألصقته بالجرح، فاستمسك الدم»[8]. ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ معطوف على ﴿ تُصْعِدُونَ ﴾، و«اللي» الانعطاف على الشيء والعكوف عليه، والمعنى: لا تعطفون على أحد، ولا تلتفتون إلى أحد، ولا تعرجون على أحد، لا على نبيكم، ولا على أصحابه، ودينه، من الدهش والرعب وشدة الهرب خوفًا من القتل، لا يفكر أحدكم إلا في نجاته بنفسه. ﴿ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾: الجملة حالية، أي: والحال أن الرسول يدعوكم في أخراكم، أي: يناديكم إليَّ عباد الله، إليَّ عباد الله[9]. ﴿ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾؛ أي: من ورائكم وخلف ظهوركم مما يلي القوم، وهذا يدل على شجاعته صلى الله عليه وسلم وثباته. كما أن من سيرته صلى الله عليه وسلم في قيادته أن يكون في مؤخرة الجيش مسايرة لضعيفهم ورفقًا بهم. وفي قصة جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أنه كان يسير على جمل له قد أعيا، فمر النبي صلى الله عليه وسلم، فضربه فدعا له، فسار بسير ليس يسير مثله... الحديث»[10]. ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾: معطوف على «تصعدون»، و«أثاب»: تنصب مفعولين، الأول ضمير المخاطب، والثاني «غمًا»، أي: فجازاكم على فراركم وهربكم، و«الثواب» يطلق على الجزاء على العمل، إن خيرًا فخير؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 103]، وإن شرًّا فشر؛ كما في قوله تعالى: ﴿ هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ﴾ [المطففين: 36]. ﴿ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾: هذا من تمام الثواب، وليس هو سبب الثواب، والباء في قوله: ﴿ بِغَمٍّ ﴾ للمصاحبة؛ أي: وأثابكم غمًّا مع غم، أي: بغم يصحبه غم، أي: بغموم متتابعة، ويجوز كون الباء بمعنى «على»؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ ﴾ [طه: 71]؛ أي: فأثابكم غمًّا على غم، أي: بغموم متعددة لكن لا يلزم أن تكون متتابعة، أي: فجازاكم على ما حصل منكم بغموم متتابعة أو متعددة؛ منها: غم فوات النصر والغنيمة بعد أن ظهرت لكم بوارق النصر، ومنها: غم الهزيمة والانكسار الذي حصل لكم، ومنها: غم ما أصابكم من القتل والجراح والأسر، ومنها: الغم الذي أنساكم كل غم، وهو سماعكم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قُتل، فجازاهم الله تعالى بغموم متعددة مترادفة عليهم، كما ترادفت منهم أسبابها وموجباتها: فشلهم وتنازعهم ومعصيتهم، وفرارهم وإسلامهم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وعدم استجابتهم له وهو يدعوهم، والجزاء من جنس العمل، وكما يدين المرء يدان. وقيل: الباء للبدل، والتقدير: فأثابكم غمًّا بدل غم، أي: فأثابكم غمًّا بدلًا من الغم الذي حصل منكم للرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى: فجازاكم غمًّا بما أصابكم بدل غمِّكم للرسول صلى الله عليه وسلم بعصيانكم أمره، وفراركم عنه. وهذا يغمه في هذا الموقف من وجهين؛ الأول: أنه رسول الله، أمره واجب الاتباع، والثاني: أنه قائدكم وولي أمركم تجب عليكم طاعته، فما حصل لكم من المصاب والغم مقابل ما وقع للرسول صلى الله عليه وسلم من غم بسبب عصيانكم أمره. وقيل: فأثابكم غمًّا يوم أُحد بغمِّكم يوم بدر للمشركين، فما أصابكم يوم أُحد بدل ما أصابهم يوم بدر. والأول أظهر وهو الذي يدل عليه قوله: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾، اللام: للتعليل، فالجملة تعليل لقوله: ﴿ فَأَثَابَكُمْ ﴾؛ أي: فأثابكم غمًّا بغمٍّ؛ لأجل ألا ﴿ تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾. بمعنى أنه - عز وجل - أثابكم غمًّا بغم لأجل ألا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم؛ لأن هذه الغموم ينسي بعضها بعضًا، فينسي أكبرُها أصغرَها، وآخرُها أولَها، كما أن في تعددها توطينًا للنفوس بتمرينها على الصبر على المصائب، وتخفيف تحمُّل المشاق عليها. فما حصل للمؤمنين من فوات النصر والغنيمة، أنساهم إياه ما حصل لهم من الهزيمة والانكسار والقتل والجراح، ثم أنساهم تلك الغموم ما هو أعظم منها، وهو ما سمعوا من أنه صلى الله عليه وسلم قد قُتل، ثم أنساهم ذلك كله وخفَّفه عليهم تأكدهم من حياته صلى الله عليه وسلم وبقائه وسلامته، وهكذا المصائب والفتن كما قال صلى الله عليه وسلم: «يرقِّق بعضها بعضًا»[11]. وقوله: ﴿ تَحْزَنُوا ﴾ منصوب بـ«كي». و«الحزن»: الغم والتحسر على ما فات ومضى، و«ما» في الموضعين: موصولة، أي: لأجل ألا تحزنوا على الذي فاتكم من النصر والغنيمة، ولا على الذي أصابكم من الهزيمة والقتل والجراح والأسر، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن كل مصيبة ومحنة. وبين قوله: ﴿ عَلَى مَا فَاتَكُمْ ﴾ وقوله: ﴿ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾ طباق. ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ ﴿ خَبِيرٌ ﴾: مأخوذ من «الخُبْر»، وهو: العلم ببواطن الأمور، ومنه سمِّي الزارع «خبيرًا»؛ لأنه يدفن الحب ويخفيه، ومن ذلك سميت «المزارعة» بالمخابرة؛ أي: والله - عز وجل - ذو خبرة تامة ببواطن الأمور ودقائقها وخفياتها. وإذا كان عز وجل خبيرًا بالبواطن والدقائق والخفيات، فخبرته وعلمه بالظواهر والجلائل والجليات من باب أولى. ﴿ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾ «ما»: تفيد العموم، وهي موصولة أو مصدرية، أي: بجميع الذي تعملون، أو بجميع عملكم من أعمال القلوب والجوارح، من الأفعال والأقوال، وفي ختم الآية بهذه الجملة وعدٌ لمن أحسن العمل، ووعيد لمن أساء؛ لأن مقتضى خبرته - عز وجل - بعملهم محاسبتهم ومجازاتهم على أعمالهم إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر. قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. قوله: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نعاسًا ﴾، ﴿ ثُمَّ ﴾ تفيد الترتيب مع التراخي؛ أي: ثم أنزل الله عليكم ﴿ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ ﴾ «أل» في الغم للجنس؛ أي: من بعد كل الغموم السابقة؛ لقوله: ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ﴾؛ أي: بغموم متعددة ملاحقة. ﴿ أَمَنَةً نُعَاسًا ﴾: مفعول به منصوب لـ﴿ أَنْزَلَ ﴾، و﴿ نُعَاسًا ﴾ بدل اشتمال من ﴿ أَمَنَةً ﴾. ومعنى ﴿ أَمَنَةً ﴾؛ أي: أمانًا. و«النعاس» مقدمة النوم، أو النوم الخفيف. وقيل: ﴿ أَمَنَةً ﴾: مفعول لأجله، و﴿ نُعَاسًا ﴾: مفعول ﴿ أَنْزَلَ ﴾، ويقوي كون ﴿ أَمَنَةً ﴾ مفعولًا لأجله قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿ إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ ﴾ [الأنفال: 11]؛ أي: إذ يغطيكم النعاس لأجل أمنكم. ﴿ يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾: قرأ حمزة والكسائي وخلف بالتاء: «تغشى»؛ أي: الأمنة، وقرأ الباقون بالياء: ﴿ يَغْشَى ﴾؛ أي: النعاس. والغشيان والتغشية: التغطية، كما قال تعالى: ﴿ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ ﴾ [الأعراف: 54]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى ﴾ [الليل: 1]. والخطاب في قوله: ﴿ يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ للمؤمنين، أي: يغطي عقول طائفة منكم، وهم أهل الإيمان واليقين والثبات الواثقون بوعد الله تعالى ونصره، طمأنة لهم وتثبيتًا لقلوبهم، وإراحة لأبدانهم وتجديدًا لنشاطهم؛ لأن الحزن والألم على المصاب تبدأ خفته من أول نومة بعده؛ عن أبي طلحة - رضي الله عنه - قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، قال: فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه»[12]. وعنه - رضي الله عنه - قال: «كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أُحد حتى سقط سيفي من يدي مرارًا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه»[13]. ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾: الواو حالية، أي: والحال أن طائفة قد أهمتهم أنفسهم، و«طائفة»: مبتدأ، ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ صفة لـ«طائفة»؛ أي: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾، فلم يغشهم النعاس لما هم عليه من الهم والخوف والقلق، والخائف لا يأتيه النعاس. ومعنى ﴿ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ ﴾؛ أي: قد أوقعتهم أنفسهم في الهم، فلم يكن لهم هم سوى أنفسهم وسلامتها، فلم يهتموا لدينهم ولا لنبيهم ولا لأصحابه، لضعف إيمانهم أو نفاقهم؛ كما قال أبو طلحة رضي الله عنه: «والطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم همة إلا أنفسهم، ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾»[14]. ولهذا لم يصف هذه الطائفة بقوله: ﴿ منكم ﴾ كما وصف الطائفة الأولى. ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾ جملة ﴿ يَظُنُّونَ ﴾ في محل رفع خبر لـ(طائفة). ويجوز كونها في محل نصب على الحال، أي: حال كونهم يظنون بالله غير الحق؛ أي: يظنون بالله بقلوبهم. ﴿ غَيْرَ الْحَقِّ﴾: مفعول مطلق نائب عن المصدر؛ لتأكيد معنى الظن، أو مفعول أول لـ﴿ ﴿ يَظُنُّونَ ﴾، و﴿ بِاللَّهِ ﴾: مفعول ثاني. ومعنى ﴿ غَيْرَ الْحَقِّ﴾؛ أي: ظنًّا غير ظن الحق، و﴿ الحق ﴾: الشيء الثابت، أي: يظنون بالله ظنًّا غير صحيح، وغير الحق، أي: ظن الباطل، ولم يحدد هذا الظن إلا بأنه غير الحق، أي: ليس بحق؛ ليعم جميع الظنون الباطلة التي ظنوها. ﴿ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾: بدل من قوله: ﴿ غير الحق ﴾، أو مفعول مطلق؛ لبيان نوع الظن؛ أي: ظن أهل الجاهلية الذين لا علم عندهم؛ لأن الجهل عدم العلم، كما قال السمَوْءَل[15]: سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ![]() فليس سواء عالم وجهول ![]() ![]() ![]() وقال النابغة: ........................... ![]() وليس جاهل شيء مثل من علما[16] ![]() ![]() ![]() والمعنى: يظنون بالله غير الحق ظن أهل الجهل الذين لا علم ولا معرفة لهم بالله تعالى، وعظمته وكمال أسمائه وصفاته وأحكامه، وما يجب له، وما يُنزَّه عنه، كظنهم أن الله يديل الباطل على الحق إدالة يضمحل معها الحق، وأنه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وأنه يسلمه للقتل، وأن ما أصابهم ليس بقضاء الله وقدره، ولا حكمة فيه، ونحو ذلك، فأساؤوا الظن بالله تعالى وبدينه وبرسوله صلى الله عليه وسلم؛ لما رأوا من ظهور المشركين في ذلك اليوم، وهذا هو ظن أهل الشك والريب والنفاق، والكفر والشرك، ظن السوء؛ كما قال تعالى: ﴿ بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ [الفتح: 12]، وقال تعالى: ﴿ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [الفتح: 6]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص: 27]. يتبع
__________________
|
|
#513
|
||||
|
||||
|
﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾، ﴿ يَقُولُونَ ﴾: بدل من ﴿ يَظُنُّونَ ﴾، أو في محل نصب على الحال من فاعل ﴿ يَظُنُّونَ ﴾؛ أي: حال كونهم ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾؛ أي: يقولون بألسنتهم بعضهم لبعض: ﴿ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾، وهو إفصاح عما تنطوي عليه قلوبهم من كونهم قد أهمَّتهم أنفسهم، ومن ظنهم بالله غير الحق. ﴿ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾، ﴿ هَلْ ﴾ للاستفهام، ومعناه هنا الإنكار والنفي، أي: ليس لنا من الأمر من شيء، ولهذا رد عليهم بقوله: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾؛ أي: يقول هؤلاء الطائفة الذين قد أهمتهم أنفسهم الظانين بالله غير الحق، ظن الجاهلية: ليس لنا من الأمر شيء، ولم يؤخذ رأينا ولا مشورتنا، ولم نراجع في الأمر. ﴿ مِنَ الْأَمْرِ ﴾ أي: من الشأن والتدبير في الحرب والقتال. ﴿ مِنْ شَيْءٍ ﴾ ﴿ مِنْ ﴾ زائدة إعرابًا مؤكدة من حيث المعنى للإنكار والنفي، أي: ليس لنا من الأمر أيُّ شيء كان ومهما قل، فالأمر والتدبير كله لغيرنا، وكأنهم يقولون أيضًا: أقحمنا وأدخلنا في أمر لا رأي لنا فيه ولا خيرة، ولا طائل تحته، ويتنصلون من مسؤولية ما حصل، وقيل: المعنى: ما لنا من أمر النصر والظهور من شيء. ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب: «كلُّه» برفع «كلُّ» على أنها مبتدأ خبره ﴿ لله ﴾، والجملة من المبتدأ والخبر خبر ﴿ إن ﴾. وقرأ الباقون ﴿ كُلَّهُ ﴾ بنصبها على أنها توكيد لـ﴿ الْأَمْرَ ﴾ وخبر ﴿ إن ﴾ قوله: ﴿ لله ﴾. والأمر في قوله: ﴿ قل ﴾ للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: قل لهم يا محمد: إن الشأن كله لله، فله - عز وجل - الأمر الكوني وتدبير الكون كله، وله – سبحانه - الأمر الشرعي، كما قال تعالى: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ﴾ [الأعراف: 54]. ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ الجملة في محل نصب على الحال من فاعل يقولون، أي: يضمرون ويسرون في أنفسهم. ﴿ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾ ﴿ ما ﴾: موصولة، أي: الذي لا يظهرونه ولا يعلنونه لك، أو نكرة موصوفة، أي: شيئًا لا يظهرونه لك، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾: بدل من قوله: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ﴾، أو استئنافية، وهي بيان للذي يخفون في أنفسهم ولا يبدونه للرسول صلى الله عليه وسلم، وهو أنهم يقولون، أي: يقول بعضهم لبعض فيما بينهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾. عن الزبير- رضي الله عنه - قال: «لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا، أرسل الله علينا النوم، فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره، قال: فوالله إني لأسمع قول مُعتِّب بن قُشير، ما أسمعه إلا كالحلم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾، فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ لقول معتب»[17]؛ أي: لو كان لنا من الأمر شيء في هذه الغزوة والخروج إليها ﴿ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾؛ أي: ما خرجنا إليها، وما قتلنا ها هنا، أي: في أُحد، وكأنهم في هذا يشيرون إلى ما جرى حين استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى أُحد، فأشار عليه بعضهم بالخروج، وبخاصة الشباب الذين لم يشهدوا بدرًا، وقال بعضهم ومنهم عبدالله بن أُبي وغيره: بل نبقى في المدينة، ونقاتلهم من أعلى السطوح وفي الشوارع إذا دخلوا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يميل إلى هذا، لكنه صلى الله عليه وسلم عزم على الخروج، فدخل بيته ولبس لأمة الحرب وخرج. فالذين رأوا البقاء وعدم الخروج هم - والله أعلم - الذين قالوا: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾؛ أي: ما خرجنا من المدينة، وما قتلنا في أُحد؛ يعنون: من قتل منهم. وهذا منهم تكذيب لله تعالى، وإنكار لحكمته، واعتراض على قدره، وتسفيه لرأي الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وتزكية لأنفسهم؛ ولهذا رد الله تعالى عليهم بقوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾. قوله: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾: الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم، و﴿ لو ﴾: شرطية، و﴿ كنتم ﴾: فعل الشرط، وجوابه: ﴿ لبرز ﴾، قرأ أبو جعفر وأبو عمرو ويعقوب الحضرمي وورش عن نافع وحفص عن عاصم: ﴿ بُيوتكم ﴾ بضم الباء، وقرأ الباقون: «بيوت» بكسرها في جميع القرآن؛ أي: قل لهم يا محمد: لو كنتم في بيوتكم في المدينة، ﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، أي: لظهر وخرج الذين كتب وقدر عليهم القتل، ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾، و«مضاجع» جمع «مضجع»، وهو مكان النوم؛ كما قال تعالى: ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ ﴾ [السجدة: 16]، ويطلق على مكان الموت والقتل، ومكان الدفن في القبر؛ أي: إن بقاءكم في بيوتكم في المدينة لا يمنع من خروج من كُتب وقدِّر عليهم القتل منكم ﴿ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾؛ أي: إلى أماكن قتلهم واضطجاعهم في قبورهم، فما حصل لكم قدر مقدر مُحتم، لا محيد لكم عنه ولا مناص، ولا مفر لكم منه، ولا ينجي حذر من قدر. وكما قيل: مشيناها خطى كتبت علينا ![]() ومن كتبت عليه خطى مشاها ![]() ومن كانت منيته بأرض ![]() فليس يموت في أرض سواها[18] ![]() وقال الآخر: فهن المنايا أي واد سلكته ![]() عليها طريقي أو علي طريقها[19] ![]() ![]() ![]() ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾ الواو: عاطفة، واللام: للتعليل، والمعطوف عليه مقدر؛ أي: فعل ذلك؛ ليقضي الله أمره، وليبتلي ما في صدوركم، و﴿ ما ﴾: موصولة، أي: الذي في صدوركم. والابتلاء: الاختبار والامتحان، أي: وليختبر الله ويمتحن ﴿ مَا فِي صُدُورِكُمْ ﴾؛ أي: الذي في صدوركم، وهي القلوب وما فيها من المضمرات؛ كما قال تعالى: ﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46]؛ أي: ليمتحن بما جرى عليكم الذي في صدوركم وقلوبكم من الإيمان والنفاق، فالمؤمن يزداد بذلك إيمانًا ويقينًا، والمنافق ومَن في قلبه مرض يظهر ذلك على جوارحه وفلتات لسانه. ﴿ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ﴾ معطوف على: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ ﴾، والتمحيص: التخليص والتنقية والتصفية، و﴿ ما ﴾: موصولة، أي: وليخلص الذي في قلوبكم من إرادة الدنيا أو التسخط والاعتراض على قدر الله تعالى، وغير ذلك من وساوس الشيطان. فالابتلاء والامتحان للقلوب التي في الصدور، والتمحيص والتخليص والتنقية لما في القلوب، لا للقلوب نفسها، فبالابتلاء للقلوب، والتمحيص لما فيها، يتميز المؤمن من المنافق، والطيب من الخبيث؛ كما قال تعالى: ﴿ مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [آل عمران: 179]. قال ابن القيم[20]: «فكانت نقمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم، وظفرهم بعدوهم، فله عليهم المنة التامة في هذا وفي هذا». وكما قيل: لله در النائبات فإنها ![]() صدأ اللئام وصيقل الأحرار[21] ![]() ![]() ![]() وكم وراء المحنة من منحة. ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية، أي: والله ذو علم واسع، ﴿ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب، وما فيها من المكنونات من المعتقدات والنيات، والصلاح والفساد، والسرائر والضمائر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: 16]. وإذا كان عز وجل ذا علم واسع بالقلوب وما فيها من المكنونات، فعلمه بكل ما ظهر من باب أولى، أي: والله ذو علم واسع بالقلوب، وما فيها، قبل ابتلائها، وتمحيص ما فيها، وبعده. قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ ﴾، ﴿ إِنَّ ﴾: حرف توكيد ونصب، ﴿ تَوَلَّوْا ﴾: أدبروا وهربوا وانهزموا؛ حيث لم يبق مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلا نحو ثلاثة عشر رجلًا منهم أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم[22]. ﴿ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ ﴾، ﴿ يَوْمَ ﴾: ظرف منصوب على الظرفية بمعنى «حين». ﴿ الْتَقَى ﴾، أي: تقابل، أي: يوم تقابل الجمعان وتلاقيا وجهًا لوجه. ﴿ الْجَمْعَانِ ﴾ مثنى: «جمع»، أي: جمع الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين معه، وجمع الكفار بقيادة أبي سفيان، وذلك يوم أُحد. ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ ﴿إِنَّمَا﴾: أداة حصر. ﴿ اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾؛ أي: دعاهم إلى الزلل وأوقعهم فيه، والزلل: الخطأ، والزلة: الخطيئة؛ أي: إنما أوقعهم في الزلل والتولي والانهزام يوم أُحد الشيطان، أي: إنما أوقعوا فيما وقعوا فيه وحصل عليهم ما حصل بسبب الشيطان وتسويله. فلو اعتصموا بطاعة الله تعالى ما كان له عليهم من سلطان؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ﴾ [الحجر: 42]. ﴿ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ الباء للسببية، و﴿مَا﴾: موصولة أو مصدرية، بسبب بعض الذي كسبوه، أو بعض كسبهم من الذنوب والمعاصي، من مفارقة موقعهم وعصيان أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، والتنازع والتعجل إلى الغنيمة، فكان سببًا في تسلط الشيطان عليهم واستزلاله لهم، وفي هذا إبطال لما عرَّض به المنافقون من إلقاء تبعة ما أصابهم على أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج، والمعاصي يجر بعضها بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ﴾ [الصف: 5]. وقال تعالى: ﴿ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [المطففين: 14]. وقال بعض السلف: «إن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، وإن من جزاء السيئة السيئة بعدها»[23]. ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾؛ كما قال تعالى قبل هذا: ﴿ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 152]، وكرَّره للتأكيد، والامتنان، والجملتان كل منهما مؤكدة بالقسم المقدر، ولام القسم، و«قد»، أي: والله لقد عفا الله عنهم، والضمير يعود إلى الذين تولوا. و«العفو»: ترك المؤاخذة على الذنب والتجاوز عنه؛ أي: ولقد تجاوز الله عما كان منهم من المخالفة والفرار فلم يستأصلهم. ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: استئناف وتعليل لما قبله، أي: ولقد عفا الله عنهم؛ لأنه سبحانه غفور حليم. ومعنى ﴿ غَفُورٌ ﴾؛ أي: ذو مغفرة واسعة؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [النجم: 32]. و﴿ المغفرة ﴾: ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن العقوبة. ﴿ حَلِيمٌ﴾؛ أي: ذو حلم واسع وذو أناة، لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يتأنى به ويدعوه إلى التوبة والإنابة، ويمهل ولا يهمل؛ قال ابن القيم[24]: وهو الحليم فلا يعاجل عبده ![]() بعقوبة ليتوب من عصيان ![]() ![]() ![]() [1] البيت لجعفر بن عُلْبة الحارثي؛ انظر: «شرح حماسة أبي تمام» للفارسي (2/ 87). [2] انظر: «ديوانه» ص(135). [3] سبق تخريجه. [4] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1789). [5] أخرجه البخاري في المناقب- مناقب المهاجرين (3723)، ومسلم في فضائل الصحابة (2414). [6] أخرجه البخاري في اللباس (5826)، ومسلم في الفضائل (2306). [7] أخرجه البخاري في المغازي- غزوة أُحد (4073)، ومسلم في الجهاد والسير- غزوة أُحد (1793). [8] أخرجه البخاري في المغازي (2911)، ومسلم في الجهاد والسير (1790). [9] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 148)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما. [10] أخرجه البخاري في الشروط، إذا اشترط البائع ظهر الدابة إلى مكان مسمى (2718)، ومسلم في المساقاة - بيع البعير واستثناء ركوبه (715). [11] أخرجه مسلم في الإمارة (1844)، والنسائي في البيعة (4191)، وابن ماجه في الفتن (3956)، من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما. [12] أخرجه البخاري في التفسير (4562)، والترمذي في «التفسير» (3008). [13] أخرجه البخاري في المغازي- غزوة أُحد (4068). [14] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 162). [15] انظر: «ديوانه» (ص92). [16] عجز بيت للنابغة؛ انظر: «ديوانه» (ص102). [17] أخرجه ابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 795)، وأخرجه الطبري في «جامع البيان» (6/ 168)، بأخصر من هذا. [18] البيتان قيل: لأحمد بن فارس، وقيل: للمعري, وقيل: لعبدالعزيز الدريني؛ انظر: «المستطرف» (1/ 491). [19] البيت بلا نسبة؛ انظر: «مجموع الفتاوى» (15/ 215)، «بدائع الفوائد» (1/ 119), «مدارج السالكين» (1/ 15). [20] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 526). [21] البيت لأبي الحسن التهامي؛ انظر: «ديوانه» (ص28). [22] سبق تخريجه، وانظر: «زاد المعاد» (3/ 213). [23] ذكره ابن كثير في «تفسيره» (2/ 126). [24] «النونية» (ص148).
__________________
|
|
#514
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ... ﴾ من قوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 153، 155]. 1- تذكير المؤمنين بما وقع منهم من المخالفة والفرار, وعدم إجابة دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم لهم بالرجوع إليه والكرة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾، وفي هذا توبيخٌ وعتاب لطيف لهم. 2- ينبغي للمسلم ألا يغفل وينسى إخوانه، فلا يلتفت إليهم في خِضَمِّ الأحداث مهما عظُمت؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾، وقد وصف الله المؤمنين بقوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]، وأنزل الله تعالى هذه الآية عجبًا من صنيع أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - الذي آثر ضيفه بالعشاء، ونام هو وزوجه وأولاده جياعًا رضـي الله عـنه وأرضاه[1]. ولما أُصيب عكرمة وبعض الصحابة - رضي الله عنهم - في اليرموك، وعُرض عليهم الماء، آثَر كل منهم وهو جريح مُثقل أحوجُ ما يكون إلى الماء - أن يُدفَع الماءُ إلى الآخر، وكانوا ثلاثة، فماتوا كلهم ولم يشرب أحد منهم[2]. 3- إثبات رسالته صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالرَّسُولُ ﴾. 4- شجاعته صلى الله عليه وسلم وثباته مما يلي القوم بعد أن فرَّ كثير من أصحابه، ودعوته صلى الله عليه وسلم لهم للرجعة والكرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾. 5- حُنكته صلى الله عليه وسلم في قيادة الجيش؛ حيث يكون في آخر القوم رفقًا بهم، وتفقدًا لأحوالهم، ومسايرة لضعيفهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾. 6- ينبغي لقادة الجيوش في الإسلام أن يكون لهم أسوة برسول الله صلى الله عليه وسلم في ثباته وشجاعته، وحُسن قيادته للجيش. 7- حكمة الله تعالى فيما أصاب به المسلمين من الغموم، ليُخفف وينسي بعضها بعضًا، فلا يحزنوا على ما فاتهم من النصر والغنيمة، ولا ما أصابهم من الخذلان وإدالة العدو عليهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾. 8- أن ما أصاب المسلمين من الغموم مقابل مخالفتهم الرسول صلى الله عليه وسلم، وغمهم له صلى الله عليه وسلم، والجزاء من جنس العمل، وهذا من عدل الله عز وجل. 9- إثبات الحكمة والعلة في أفعال الله - عز وجل - وأحكامه الشرعية والكونية؛ لقوله تعالى: ﴿ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾. وفي هذا ردٌّ على الجهمية وغيرهم، ممن ينفون الحكمة في أفعال الله وأحكامه، ويقولون: إنه يفعل لمجرد المشيئة، وصدق الله العظيم: ﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [ص: 27]. 10- تربية الإسلام أتباعه على الرضا والتسليم لقضاء الله وقدره، وعدم الحزن على ما فات من محبوب، وما وقع من مكروه؛ لأن الحزن لا يرد فائتًا، ولا يرفع ما وقَع من مكروه، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره يقوي النفس والعزيمة، ويجعل الإنسان يمضي قدمًا ولا يتعثر، ويتغلب بعون الله وتوفيقه على مصائب ومتاعب الحياة. 11- خبرة الله تعالى واطلاعه وعلمه الواسع بأعمال العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾؛ أي: بجميع الذي تعملون من أعمال القلوب والجوارح ومن الأفعال والأقوال. 12- التحذير من المخالفة، والوعد لمن أطاع الله، والوعيد لمن عصاه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾، ومقتضى خبرته محاسبة الخلق، ومجازاتهم على أعمالهم خيرها وشرها. 13- إثبات الاختيار للإنسان، وأنه يعمل ويفعل بمحض إرادته؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ ﴾ وقوله: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾ وقوله: ﴿ تَوَلَّوْا ﴾ وقوله: ﴿ مَا كَسَبُوا ﴾، وفي هذا ردٌّ على الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان مجبور لا اختيار له كالسعفة في الهواء. 14- أن العمل يطلق على القول، كما يطلق على عمل القلب وعمل الجوارح؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾. 15- امتنان الله - عز وجل - على المؤمنين بعد أن تتابعت عليهم الغموم بإنزاله عليهم أمنة نعاسًا؛ لطمأنة قلوبهم وأمانًا لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ ﴾. 16- إثبات العلو المطلق لله تعالى بذاته وصفاته؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ أَنْزَلَ ﴾. 17- أن من نعمة الله تعالى على العباد النعاس والنوم الذي به راحة الأبدان والقلوب؛ كما قال تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا ﴾ [النبأ: 9]. 18- أن طائفة ممن شهد أُحدًا من المسلمين لم ينتفعوا من هذا النعاس الذي أنزل الله أمنة، بل بقوا على ما هم عليه من غمٍّ؛ لأنهم قد أهمَّتهم أنفسهم، ليس لهم هَمٌّ سواها ونجاتها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾ الآية. 19- ينبغي للمجاهد أن يكون همُّه عزَّ الإسلام، وإعلاء كلمة الله، وأن يكون شجاعًا ويبيع نفسه لله، لا أن يكون همُّه نفسَه ونجاتَها؛ لأن الله ذم مَن كان هذه صفته. 20- ظن هؤلاء المذكورين بالله غير الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ﴾، وهو دليل على أنهم قد أهمَّتهم أنفسهم، وسببه أيضًا أنهم قد أهمتهم أنفسهم. 21- أن مَن ظن بالله غير الحق، فهو جاهل بالله - عز وجل - وما يجب له، ولم يقدر الله - عز وجل - حقَّ قدره، ظانٌّ بالله ظن الجاهلية؛ لقوله تعالى: ﴿ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ﴾. 22- وجوب حُسن الظن بالله تعالى في جميع الأحوال، فإن كثيرًا من الخلق قل أن يَسلم من سوء الظن بالله تعالى، والاعتراض على حكمته وقدره، وخاصة عند وقوع المصائب والنوائب، فعلى المسلم أن يفتش نفسه؛ قال الشاعر: فإن تنج منها تنجُ من ذي عظيمة ![]() وإلا فإني لا إخالك ناجيًا[3] ![]() ![]() ![]() وقال ابن القيم[4]: فلا تظنن بربِّك ظنَّ سوء ![]() فإن الله أَولى بالجميل ![]() ولا تظنن بنفسك قط خيرًا ![]() فكيف بظالمٍ جانٍ جَهول ![]() وقل يا نفس مأوى كل سوء ![]() أيُرجى الخيرُ من ميت بخيل ![]() وظنَّ بنفسك السُّوأى تجدها ![]() كذاك وخيرها كالمستحيل ![]() وما بك من تقى فيها وخير ![]() فتلك مواهب الرب الجليل ![]() وليس بها ولا منها ولكن ![]() من الرحمن فاشكر للدليل ![]() 23- اعتراض المذكورين على الرسول صلى الله عليه وسلم في خروجه إلى أُحد؛ لقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ ﴾؛ أي: ليس لنا من الأمر شيء. 24- أن الأمر كله لله؛ الأمر الكوني والأمر الشرعي؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾، وفي هذا إبطالٌ لقول القدرية النُّفاة الذين يجوِّزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع. 25- وجوب امتثال أمر الله تعالى الشرعي، والرضا بالتسليم لأمره الكوني القدري. 26- أن الرسول صلى الله عليه وسلم إنما هو مبلِّغ عن الله؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ ﴾، وقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ ﴾ الآية. 27- ذم هؤلاء المذكورين بكونهم يُخفون في أنفسهم ما لا يظهرونه للرسول صلى الله عليه وسلم؛ لقوله تعالى: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾. 28- أن ما يُخفيه هؤلاء في أنفسهم ولا يبدونه للرسول صلى الله عليه وسلم، هو اعتراضهم على خروجه، وعلى قدر الله تعالى في ذلك، وفي قتل مَن قُتِلَ منهم، وهذا أشدُّ في ذمِّهم؛ لقوله تعالى: ﴿ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾. 29- أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب؛ لقوله تعالى: ﴿ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ ﴾، وإذا كان صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب في حياته، فبعد وفاته من باب أَولى، وقد قال الله تعالى له: ﴿ قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأعراف: 188]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الأنعام: 50]. 30- أن ما قدره الله تعالى وقضاه كائنٌ لا محالة، ولا ينجي حذرٌ من قدر؛ لقوله تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾. 31- وجوب الإيمان بالقضاء والقدر. 32- عناية الله تعالى برسوله صلى الله عليه وسلم؛ ببيان وإظهار ما يخفيه هؤلاء، وتشريفه بخطاب الله تعالى له، وإثبات أنه مبلِّغ عن الله تعالى. 33- الإشارة إلى أن الشهداء يُدفَنون في أماكن استشهادهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾؛ كما جاء في حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أُحد أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم، وكانوا قد نُقلوا إلى المدينة»[5]. 34- أن ما أجراه الله تعالى على المؤمنين من خروج إلى أُحد، وما حصل لهم بسبب عصيانهم، لأجل أن يَمتحن الله ما في صدورهم وقلوبهم من إيمان ونفاق، ويُمحص ما في قلوبهم من إرادة الدنيا، والاعتراض على قدر الله ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾. 35- أن مدار الأعمال صحةً وفسادًا وقبولًا وعدمًا على ما في الصدور والقلوب. 36- أن الابتلاء بالتكاليف أو المصائب ليس المقصود منه المشقة على العبد، وإنما المقصود منه تصفية ما في صدره، وتمحيص ما في قلبه، مما ينافي الإخلاص من الشوائب. 37- علم الله الواسع التام بما في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ﴾، وفي هذا وعدٌ ووعيد؛ وعد لمن أخلص لله تعالى، وأضمر الخير وأحسَن الظن، ووعيد لمن كان على ضد ذلك؛ لأن مقتضى علمه - عز وجل - بذات الصدور أن يحاسب الخلائق ويجازيهم على أعمالهم خيرها وشرها. 38- أن سبب تولي مَن تولى مِن المؤمنين يوم أُحد، استزلال الشيطان لهم بسبب بعض ما اكتسبوا من المعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾. 39- أن تسليط الشيطان على بني آدم بسبب الذنوب والمعاصي؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا ﴾. 40- أن سبب الوقوع في المعاصي هو استزلال الشيطان وتزيينه لها. 41- أن المعاصي يجرُّ بعضها بعضًا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾ [الأنعام: 110]. 42- تحريم الفرار إذا التقى الجمعان، والتحذير منه؛ لأن الله ذمَّه، وجعله من استزلال الشيطان. 43- أن للشيطان تسلطًا على بني آدم في إيقاعهم في الزلل، وتزيين المعاصي لهم، مما يوجب الاستعاذة بالله منه، والحذر من اتباع خطواته. 44- عفو الله - عز وجل - عما حصل من بعض المؤمنين من التولي لما التقى الجمعان؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ ﴾، وأكد عز وجل هذا لهم لطمأنةِ قلوبهم. قال ابن القيم[6]: «لأن هذا الفرار لم يكن عن نفاق ولا شك، وإنما كان عارضًا عفا الله عنه». 45- إثبات صفة المغفرة الواسعة لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾؛ أي: ذو مغفرة واسعة. 46- إثبات صفة الحلم الواسعة لله - عز وجل - وأنه لا يعاجل مَن عصاه بالعقوبة لعله يتوب؛ لقوله تعالى: ﴿ حَلِيمٌ ﴾. 47- عِظم فضل الله - عز وجل - ومغفرته وحلمه بعفوه عن عباده المؤمنين؛ ولهذا عفا سبحانه عن الذين تولَّوا وفرُّوا يوم التقى الجمعان مع عِظَم ما ارتكبوه. 48- أن الصحابة - رضي الله عنهم - ليسوا بمعصومين من الوقوع في الخطأ والذنوب والمعاصي، ولكنهم أقربُ إلى التوبة والإنابة، وإلى عفو الله تعالى من غيرهم. [1] أخرج القصة البخاري في تفسير سورة الحشر (4889)، ومسلم في الأشربة، إكرام الضيف (2054)، والترمذي في تفسير سورة الحشر (3314)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] انظر: «تفسير ابن كثير» (8/ 96-97). [3] البيت للأسود بن سريع، وقيل: للفرزدق، وقيل: لذي الرمة؛ انظر: «البيان والتبيين» (1/ 367). [4] انظر: «زاد المعاد» (3/ 211-212)، «بدائع التفسير» (1/ 524). [5] أخرجه النسائي في الجنائز- أين يدفن الشهيد (2004)، وابن ماجه في الجنائز- ما جاء في الصلاة على الشهداء ودفنهم (1516). [6] انظر: «بدائع التفسير» (1/ 526).
__________________
|
|
#515
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى... ﴾ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [آل عمران: 156، 158]. قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. ذكر الله - عز وجل - اعتراض المنافقين على قضاء الله تعالى وقدره بقولهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ [آل عمران: 154]، ثم نهى الله - عز وجل - المؤمنين عن التشبه بالكفار فيما هم عليه من الكفر، واعتراضهم على قضائه تعالى وقدره. قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾. ﴿ لا ﴾: ناهية، والكاف في قوله: ﴿ كَالَّذِينَ ﴾ للتشبيه بمعنى «مثل»؛ أي: لا تكونوا مثل الذين كفروا من المنافقين وغيرهم في اعتراضهم على قضاء الله وما هم عليه من المعتقدات والأفعال والأقوال الباطلة. ﴿ وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ ﴾: اللام في قوله: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ ﴾ ليست للتعدية؛ أي: ليست للتبليغ كالتي في قولك: قلت لزيد: افعل كذا، أي: ليست لتعدية وتبليغ القول إلى إخوانهم؛ لأن إخوانهم قد قتلوا أو ماتوا، ولكنها هنا: للتعليل، وقالوا لأجل إخوانهم، أي: وقالوا عن إخوانهم، أو بمعنى: «في»، أي: وقالوا في إخوانهم، أي: في شأن إخوانهم؛ أي: إخوانهم من النسب والقرابة ممن قُتل من المؤمنين، أو إخوانهم في الكفر ممن قُتل من الكفار، أو إخوانهم في النسب والدين. ﴿ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ﴾: قال بعض أهل العلم: ﴿ إِذَا ﴾ هنا: ظرف للماضي بدليل قوله: «قالوا»، و﴿ ضَرَبُوا ﴾؛ كما في قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا ﴾ [الجمعة: 11]. وقال بعضهم: ﴿ إذا ﴾ هنا لمجرد الظرفية والزمان، وهي مسلوبة الاستقبال، والضرب في الأرض هو السير والسفر فيها لتجارة ونحو ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ [المزمل: 20]. وسمي السير والسفر ضربًا في الأرض أخذًا من ضرب الأقدام على الأرض أثناء السفر. ﴿ أَوْ كَانُوا غُزًّى ﴾، ﴿ أو ﴾: عاطفة، و﴿ غُزًّى ﴾: على وزن «فُعَّل» جمع: «غاز»، يقال في جمعه: «غُزَّى» و«غزاة»، وهم المجاهدون في سبيل الله؛ كما قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾ [النساء: 94]، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ﴾ [النساء: 101]، والمعنى: إذا ساروا في الأرض وسافروا فيها لتجارة ونحو ذلك فماتوا، أو كانوا غزاة في سبيل الله فقتلوا. وقدَّم الضرب في الأرض على الغزو؛ لأن الضرب في الأرض أكثر، كما أنه يشرع لأهداف كثيرة؛ كالتجارة وطلب العلم ونحو ذلك. ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾: هذه جملة مقول القول السابق. «لو»: شرطية، وهي: حرف امتناع لامتناع، ﴿ كانوا ﴾: فعل الشرط، وجوابه جملة ﴿ ما ماتوا ﴾؛ أي: لو كان عندنا مقيمين في البلد ما ماتوا وما قتلوا. ﴿ وَمَا قُتِلُوا﴾: معطوف على قوله: ﴿ ما ماتوا ﴾؛ أي: ولو كانوا عندنا في البلد ولم يغزوا ما قتلوا، وهذا من باب اللف والنشر المرتب. فقوله: ﴿ ما ماتوا ﴾ يقابل ﴿ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ﴾، وقوله: ﴿ وَمَا قُتِلُوا ﴾ يقابل ﴿ أَوْ كَانُوا غُزًّى ﴾؛ أي: لو كانوا عندنا لم يسافروا ما ماتوا، أي: ولو كانوا عندنا لم يغزوا ما قتلوا، كقولهم في الآية الثانية: ﴿ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ﴾ [آل عمران: 168]. وهذا كذب منهم واعتراض على قدر الله؛ كما قال تعالى: ﴿ قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ ﴾ [آل عمران: 154]. ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ اللام: لام العاقبة؛ كما في قوله تعالى: ﴿ فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا ﴾ [القصص: 8]؛ أي: لتكون عاقبة قولهم هذا أن يجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، أي: أن يترتب على قولهم واعتقادهم هذا أن يجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، ولم يفدهم ذلك شيئًا. و«جعل» هنا بمعنى «صيَّر» تنصب مفعولين؛ الأول ﴿ ذَلِكَ ﴾ والثاني ﴿ حَسْرَةً ﴾. ومعنى ﴿ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾، أي: حزنًا شديدًا وأسى وندمًا في قلوبهم، فلا يكادون ينسون مصيبتهم؛ لأنهم يرون أن مصابهم بسبب خروجهم، لا بقضاء الله وقدره، وإنهم لو لم يخرجوا ما أصابهم هذا المصاب، فلا يزالون متلهفين على ما أصابهم وعلى ما فاتهم. ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ ؛ أي: بيده – عز وجل - الحياة والموت، وهو المنفرد بالإحياء والإماتة، فلا أحد يحيا أو يموت إلا بمشيئة الله تعالى وقدره، ولا مدخل للضرب في الأرض أو الغزو في ذلك، فمن قدر الله موته بأي أرض سيموت فيها، في بلده أو خارجها، ومن قدر الله موته بأي سبب سيموت به، ومن قدر الله قتله بأي أرض سيقتل فيها، في بلده أو خارجها، ومن قدر الله قتله بأي سبب من الغزو أو غيره سيقتل به، ولا يزاد في عمر أحد ولا ينقص منه إلا بقضاء الله وقدره؛ كما قال: ﴿ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ [فاطر: 11]. ولا يُقَرِّب سبب مهما عظم موت أو قتل مَن لم تحن وفاته، ولا تنجي أسباب السلامة مهما كانت ولا حذر من قدر، وكما قال خالد بن الوليد – رضي الله عنه -: «لقد خضت أكثر من مائة معركة، وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، وها أنا أموت على فراشي، كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء»[1]. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ «ما»: موصولة أو مصدرية، قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف بياء الغيبة: «يعملون» ويعود الضمير إلى الذين كفروا، أي: والله بما يعمل هؤلاء الكفار بصير؛ أي: والله بجميع الذي يعمل هؤلاء أو بجميع عملهم بصير. وقرأ الباقون بتاء الخطاب: ﴿ تَعْمَلُونَ ﴾، والخطاب للذين آمنوا، أي: والله بجميع الذي تعملون أو بجميع عملكم أيها المؤمنون بصير، وقد يكون خطابًا لهم وللذين كفروا، أي: والله بما تعملون أيها المؤمنون أنتم والذين كفروا ﴿ بَصِيرٌ ﴾. ومعنى ﴿ بَصِيرٌ ﴾؛ أي: مطَّلع عليه عالم به، فلا يخفى عليه منه شيء، ولا من جميع أعمال العباد، فهو – عز وجل - ذو بصر يُبصر ويرى أعمال العباد وغيرها؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «حجابه النور، لو كشفه لأَحرقت سُبُحات وجهِه ما انتهى إليه بصره من خلقه»[2]، وهو - سبحانه وتعالى - ذو بصر وإحاطة وعلم بأعمال العباد، وبكل شيء؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ ﴾ [الأنفال: 47]، وقال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [يوسف: 19]. قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (157) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾. نهى الله - عز وجل - المؤمنين عن التشبه بالكفار الذين يرون القتل في سبيل الله أو الموت فيه منقصة ومغرمًا، ثم أتبع ذلك ببيان أن ذلك مما ينبغي أن يتنافس فيه المتنافسون؛ لأنه سبب موصل إلى مغفرة الله تعالى ورحمته، وذلك خير مما يجمعون، وأن كل من ماتوا أو قُتلوا، فإنما مرجعهم إلى الله تعالى وحشرهم إليه، فيجازي كلًّا بعمله. وقدَّم في الآية الأولى القتل في سبيل الله على الموت؛ لأن القتل في سبيل الله أفضل، ونصيب صاحبه من المغفرة والرحمة أوفر غالبًا، بينما قدم في الآية الثانية الموت على القتل؛ لأن الموت أكثر من القتل، ولأن الميت والمقتول كلاهما في الحشر إلى الله تعالى سواء، مع ما في ذلك من التفنن ورد العجز على الصدر، وجعل القتل مبدأ الكلام وعوده. قوله: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: اللام موطئة للقسم، أي: مؤذنة بأن قبلها قسمًا، والخطاب للمؤمنين، أي: والله لئن قتلتم في سبيل الله، أي: في الجهاد لإعلاء كلمة الله. وقد يحمل ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ على ما هو أعم، فيشمل من قتل في الجهاد لإعلاء كلمة الله، أو في الدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبيان الحق، ونحو ذلك. ﴿ أَوْ مُتُّمْ﴾ ﴿ أَوْ﴾: عاطفة، ﴿ مُتم ﴾: قرأ نافع وحمزة والكسائي وخلف بكسر الميم: «مِتم» في هذا الموضع والذي بعده، من مات الرجل يمات، وقرأ الباقون بضم الميم في الموضعين: ﴿ مُتُّمْ ﴾ من مات الرجل يموت؛ أي: أو متم من غير قتل في سبيل الله. ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ ﴾: اللام: واقعة في جواب القسم في قوله: ﴿ ولئن ﴾؛ أي: لمغفرة من الله تعالى لذنوبكم، والمغفرة ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن العقوبة. ﴿ ورحمة ﴾؛ أي: ورحمة من الله تعالى لكم. ﴿ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾: قرأ حفص عن عاصم بياء الغيبة: ﴿ يجمعون ﴾ على الالتفات؛ أي: خير مما يجمع الكفار أو الخلق كلهم، وقرأ الباقون بتاء الخطاب: «تجمعون» والخطاب للمؤمنين. و«ما» في قوله: ﴿ مما ﴾: موصولة، تفيد العموم؛ أي: خير مما يجمع الكفار والخلق كلهم من الدنيا كلها، وخير مما تجمعون أيها المؤمنون من الغنائم ومن الدنيا كلها. فمن قتل في سبيل الله نال منازل الشهداء، ومن مات في غير الجهاد في سبيل الله، مات على الإيمان ونال ثواب المؤمنين؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ [يونس: 58]. قوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾. قوله: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ ﴾: اللام كالتي قبلها موطئة للقسم، أي: والله لئن متم أو قتلتم؛ أي: لئن مُتم من غير قتل في سبيل الله، أو قُتلتم في سبيل الله. ﴿ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾: اللام واقعة في جواب القسم، ﴿ وَلَئِنْ﴾، ﴿ تُحْشَرُونَ ﴾؛ أي: تجمعون. وفي هذا بشارة للمؤمنين بأن مردهم ومرجعهم إلى الله تعالى، من مات منهم من غير قتل، ومن قتل منهم في سبيل الله؛ كما قال تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [البقرة: 223]، وفي الحديث: «مَن أحب لقاء الله أحبَّ الله لقاءه»[3]. [1] سبق تخريجه. [2] أخرجه مسلم في الإيمان (179)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في الرقاق (6507)، ومسلم في الذكر والدعاء (2683)، والنسائي في الجنائز (1836)، والترمذي في الجنائز (1066)، من حديث عبادة رضي الله عنه.
__________________
|
|
#516
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾ [آل عمران: 156، 158]. 1- تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا﴾. 2- تشريف المؤمنين وتكريمهم بندائهم بوصف الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾، وفي هذا إغراء بالاتصاف بهذا الوصف، وأن الانتهاء عما نهى الله عنه وعدم التشبه بالكفار من مقتضيات الإيمان، وأن التشبه بهم منافٍ للإيمان. 3- النهي عن التشبه بالكفار وتحريم ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا ﴾، والنهي يقتضي التحريم، وفيه من الوعيد ما لا يخفى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَن تشبَّه بقوم فهو منهم»[1]. وفي نهيه - عز وجل - عن التشبه بالكفار مع ذكر قولهم في الاعتراض على قضاء الله بقولهم: ﴿ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ [آل عمران: 154]، وقولهم لإخوانهم: ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾، ما يدل على أن هذا من كفرهم. وسواء كان التشبه بهم عن قصد أو عن غير قصد، لكن إذا كان ذلك عن قصد كأن يكون ذلك تعظيمًا لهم، أو إعجابًا بهم ونحو ذلك، فهذا أشد خطرًا وآكد وعيدًا. كما أن التشبه بهم في الأمور الدينية أشد خطرًا من التشبه بهم في الأمور العادية؛ لأن التشبه بهم في الأمور الدينية والعبادات، فيه تعظيم لدينهم وما هم عليه من المعتقدات والعبادات الباطلة، أو المنسوخة بدين الإسلام. 4- ذم الكفار وما هم عليه من الكفر اعتقادًا وفعلًا وقولًا؛ لنهي الله تعالى المؤمنين أن يكونوا مثلهم. 5- أن الكفار إخوة فيما بينهم بالكفر، كما أن الناس كلهم إخوة في النسب مؤمنهم وكافرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ لِإِخْوَانِهِمْ﴾. 6- جواز الضرب في الأرض والسفر فيها، فإن كان لأمر مشروع، كطلب علم أو تجارة أو نحو ذلك، فهو مشروع، ولهذا - والله أعلم - قدم الضرب في الأرض على الغزو، إضافة إلى أن الضرب في الأرض هو الغالب، وإن كان الضرب في الأرض والسفر فيها لأمر جائز، فهو جائز ما لم يترتب على ذلك محظور، كالسفر لأغراض محرمة، أو لبلاد الكفر، ونحو ذلك. 7- مشروعية الغزو والجهاد في سبيل الله. 8- اعتراض الكفار على قضاء الله وقدره، وعلى الرسول صلى الله عليه وسلم في خروجه إلى أُحد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا ﴾. 9- أن الاعتراض على قضاء الله وقدره، وعلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم من الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿ كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ الآية. 10- أن الندم على ما مضى والحزن على ما فات لا يجدي شيئًا، وهو أمر مذموم؛ لما فيه من اعتراض على قدر الله، وكونه من عمل الكفار، وفي الحديث: «فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قلْ قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان»[2]. 11- أن عاقبة الاعتراض على قضاء الله وقدره حسرة في القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ﴾؛ أي: حسرة تلازم قلوبهم وحزنًا وأسى. وهذا بخلاف الإيمان بقضاء الله وقدره، فإن به تخفيف المصاب، وانشراح الصدر، وثبات القلب، وهدايته؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ﴾ [التغابن: 11]، قال علقمة: «هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من عند الله فيرضى ويُسلم»[3]. 12- أن قدر الله نافذ وحكمه - عز وجل - الكوني تام، ولا ينجي حذر من قدر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾ بعد أن ذكر قول الكفار عن إخوانهم: ﴿ لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾. 13- أن الله - عز وجل - هو الذي يحيي ويميت، أي: بيده الإحياء والإماتة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ﴾. 14- اطلاع الله - عز وجل - على أعمال العباد ورؤيته لها وعلمه بها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، وفي هذا وعد لمن أحسن العمل ووعيد لمن أساء؛ لأن مقتضى بصره - عز وجل - وعلمه بأعمال العباد أن يحاسبهم ويجازيهم على خيرها وشرها. 15- أن مَن قُتل في سبيل الله، أو مات من المؤمنين، فله مغفرة من الله ورحمة خير من الدنيا وما فيها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾، فالأول فاز بنيل الشهادة في سبيل الله، والثاني فاز بالموت على الإيمان، وكلًّا وعد الله الحسنى. 16- عِظم مغفرة الله تعالى ورحمته، وعظم ما أعده من المغفرة والرحمة لمن قُتل في سبيله، أو مات من المؤمنين. 17- إقسام الله - عز وجل - على وعده بالمغفرة والرحمة لمن قتلوا في سبيله أو ماتوا من المؤمنين - وهو أصدق القائلين - تأكيدًا لذلك الوعد، وتعظيمًا للموعود به. 18- تسلية من قُتل في سبيل الله، ومن مات من المؤمنين، وبشارتهم بذكر ما أعد الله لهم من عظيم مغفرته ورحمته، مما هو خير من الدنيا وما فيها؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [الشورى: 36]. 19- كمال سعادة المؤمنين عند الله تعالى، فبمعفرته لهم زوال المرهوب، وبرحمته لهم حصول المطلوب. 20- أن التخلية قبل التحلية. 21- أن المفاضلة قد تكون بين شيئين بينهما بُعد تام؛ لقوله تعالى: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾؛ لأن الدنيا بما فيها لا تساوي شيئًا بالنسبة لمغفرة الله ورحمته. بل قد ترد المفاضلة بين شيئين ليس في أحدهما شيء من الفضل البتة، كما في قوله تعالى: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان: 24]؛ أي: خير مستقرًّا وأحسن مقيلًا من مستقر أهل النار ومقيلهم؛ لأن النار شر محض لا خير فيها. 22- زيادة التسلية والبشارة لمَن مات من المؤمنين أو قُتل في سبيل الله، ببيان أن مرجعهم إليه وجمعهم لديه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾. 23- أن مرجع الخلائق كلهم من مات منهم أو قُتل إلى الله تعالى، وحشرهم إليه، لا مفر إلا إليه، فيجازي كلًّا بما عمِل. 24- إثبات البعث والمعاد وحشر العباد، وجمعهم عند الله تعالى، وحسابهم ومجازاتهم على أعمالهم. [1] أخرجه أبوداود في اللباس، لبس الشهرة (4031)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. [2] أخرجه مسلم في القدر (2664)، وابن ماجه في المقدمة (79)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [3] أخرجه عبدالرزاق في «تفسيره» (2/295)، والطبري في «جامع البيان» (23/12).
__________________
|
|
#517
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 159 - 163]. قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. قوله: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾: الفاء للتفريع، أو استئنافية، والباء حرف جر تفيد السببية، و«ما»: زائدة من حيث الإعراب، مؤكدة من حيث المعنى؛ كما في قوله تعالى: ﴿ ﭑﭒﭓ﴾ [النساء:155]، ﴿ رَحْمَةٍ ﴾: مجرورة بالباء، والجار والمجرور متعلق بقوله: ﴿ لِنْتَ ﴾، ونكرت «رحمة» للتعظيم؛ أي: فبسبب رحمة من الله لك ولأصحابك لنت لهم، أو أي شيء جعلك لينًا لهم لولا رحمة الله بك وبهم، وفي هذا امتنان من الله - عز وجل - عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته. ﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: كنت لينًا لأصحابك وأمتك، رفيقًا بهم: ألنت لهم جانبك، وخفَضت لهم جَناحك، فأحبوك، واجتمعوا عليك. فقد كان صلى الله عليه وسلم لينًا حسن الخلق والتعامل مع أصحابه، كما كان صلى الله عليه وسلم رؤوفًا رحيمًا بأمته؛ كما قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 128]، وقال تعالى: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾ [الأنبياء: 107]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: «يسِّرا ولا تعسِّرا، وبشِّرا ولا تنفِّرا»[1]، وقال صلى الله عليه وسلم: «يسروا ولا تعسروا»[2]، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين»[3]. وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما خُيِّر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا»[4]. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: الواو: عاطفة، والجملة معطوفة على ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾، وفيها بيان وإيضاح لمعنى ﴿ لِنْتَ لَهُمْ﴾؛ أي: لنت لهم، ولم تكن فظًّا غليظ القلب؛ أي: ولم تكن شديدًا، وبضدها تتميز الأشياء. و«لو»: شرطية، وهي حرف امتناع لامتناع، ﴿ كُنْتَ﴾: فعل الشرط، ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾: جواب الشرط، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. ﴿ فظًّا ﴾: خبر كان، و«الفظ»: السيئ الخلق، الجافي الطبع، غليظ القول والفعل؛ قال الشاعر: أخشى فظاظة عم أو جفاء أخ ![]() وكنت أخشى عليها من أذى الكلم[5] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: يُبكى علينا ولا نبكي على أحد ![]() لنحن أغلظ أكبادًا من الإبل[6] ![]() ![]() ![]() ﴿ غَلِيظَ الْقَلْبِ ﴾ غلظ القلب: قساوته، وغليظ القلب: قاسي القلب الذي لا يلين، وليس في قلبه رأفة ولا رحمة، وهذا هو سبب الفظاظة. وفي حديث عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي»[7]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قبَّل رسول الله صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبَّلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «مَن لا يَرحم لا يُرحم»[8]. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تُقَبِّلون الصبيان فما نُقَبِّلهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أوَأَمْلِكُ لك أن نَزع الله من قلبك الرحمة»[9]. ﴿ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾: اللام واقعة في جواب «لو»، أي: لتفرق أصحابك من حولك وانصرفوا وتركوك؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا ﴾ [الجمعة: 11]. وفي قوله: ﴿ مِنْ حَوْلِكَ﴾: دلالة على شدة ابتعادهم عنه، أي: لتفرَّق من حولك، وابتعدوا عنك كل البعد. عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - أن مما جاء في صفته صلى الله عليه وسلم في التوراة: «ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخَّاب بالأسواق، ولا يدفع السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح»[10]. ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾: الفاء عاطفة للتفريع على قوله: ﴿ لِنْتَ لَهُمْ ﴾؛ أي: فتجاوز عن أصحابك، وسامحهم، ولا تؤاخذهم فيما يقع منهم من تقصير في حقك، من ترك واجبٍ لك، أو ارتكاب منهي في حقك. وما أكثر ما حصل له صلى الله عليه وسلم من الأذى، وخاصة من بعض المنافقين؛ عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قسم النبي صلى الله عليه وسلم قسمة كبعض ما كان يقسم، فقال رجل من الأنصار: «والله إنها لقسمة ما أُريد بها وجه الله»، قلت: أمَّا أنا لأَقولنَّ للنبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته وهو في أصحابه، فساررته، فشقَّ ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، وتغيَّر وجهه، وغضب حتى وَدِدت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: «قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر»[11]. وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: «بينا النبي صلى الله عليه وسلم يُقْسِمُ، جاء عبدالله بن ذي الخُوَيْصِرَة التميمي، فقال: اعدل يا رسول الله، فقال: «ويلك، ومن يعدل إذا لم أعدل»، قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه، قال: «دعه فإن له أصحابًا يُـحَقِّر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يَمرُقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية»[12]. ولما خاصَم الأنصاري الزبير- رضي الله عنه - في شِرَاج الحَـرَّةِ التي يسقون بها النخل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك»، فغضب الأنصاري، فقال: أن كان ابن عمتك، فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم»[13]. وعن أنس - رضي الله عنه - قال: كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم وعليه بُـرْد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فَجَبَذَهُ جَبْذَةً شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم قد أثرت به حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: مُر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء»[14]. ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: واطلُب لهم المغفرة من الله فيما يقع منهم من تقصير في حق الله تعالى، سواء كان بسبب تقصيرهم في حقك، أو في غير ذلك من حقوق الله تعالى؛ لأن ما يجب للرسول صلى الله عليه وسلم، بل وما يجب لغيره من الخلق، كل ذلك من حق الله تعالى؛ لأن الله هو الذي أوجب ذلك كله. ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾: المشورة: استطلاع رأي المستشار، أي: شاوِر أصحابك واستطلع آراءهم، واطلب منهم المشورة. ﴿ فِي الْأَمْرِ ﴾؛ أي: في الشأن، و﴿ الأمر ﴾ واحد الأمور، أي: شاورهم في الأمور التي تحتاج إلى استشارة ونظر وفكر وتجربة، ونحو ذلك. ولهذا كان صلى الله عليه وسلم يستشير أصحابه في كثير من الأمور؛ تشجيعًا لهم وتطييبًا لخواطرهم، واستئناسًا برأيهم، فعن أنس رضي الله عنه «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان..»[15]. واستشارهم في أسرى بدر، فأشار عليه أبو بكر - رضي الله عنه - باستبقائهم وفدائهم، وأشار عليه عمر - رضي الله عنه - بقتلهم، وكان صلى الله عليه وسلم يميل إلى رأي أبي بكر - رضي الله عنه - فاستبقاهم، فعاتبه الله تعالى بقوله: ﴿ مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ * فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأنفال: 67 - 69][16]. كما استشار صلى الله عليه وسلم أصحابه في الخروج إلى أُحد، فأشار أكثرهم بالخروج فخرج[17]، كما استشارهم يوم الأحزاب، فأشار عليه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - بحفر الخندق حول المدينة[18]. كما استشارهم في قصة الإفك، فقال صلى الله عليه وسلم: «أشيروا عليَّ أيها الناس في رجل بلغني أذاه في أهلي»[19]. قال البخاري - رحمه الله[20]: «وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة؛ ليأخذوا بأسهلها، فإذا وضح الكتاب والسنة، لم يتعدوه إلى غيره»، وقال: «وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولًا؛ كانوا أو شبانًا، وكان وقافًا عند كتاب الله عز وجل». وقد تشاور الصحابة - رضي الله عنهم - في أمر الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستشار أبو بكر - رضي الله عنه - الصحابة في قتال أهل الردة، وجعل عمر - رضي الله عنه - الأمر شورى بعده في ستة عيَّنهم رضـي الله عـنه وعنهم. والاستشارة كما تكون في أمور الأمة الهامة والعامة، تكون في الأمور الخاصة بين الناس بين أفراد المجتمع، بين الأقارب والأزواج والإخوان والأصدقاء، وسائر أفراد المجتمع؛ كما قال تعالى في الزوجين: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ﴾ [البقرة: 233]. وقد امتدح الله - عز وجل - هذه الأمة بقوله: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38]، وقد قيل: «ما خاب مَن استخار، ولا ندم مَن استشار»[21]. وقال الشاعر: شاور سواك إذا نابتك نائبة ![]() يومًا وإن كنت من أهل المشورات ![]() فالعين تنظر منها ما دنا ونأى ![]() ولا ترى نفسها إلا بمرآة[22] ![]() وقال الآخر: إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ![]() برأي نصيح أو نصيحة حازم ![]() ولا تجعل الشورى عليك غضاضة ![]() فإن الخوافي قوة للقوادم[23] ![]() وقال الآخر: خليلي ليس الرأي في صدر واحد ![]() أشيرا عليَّ بالذي تريان[24] ![]() ![]() ![]() والشورى في الأصل مما جُبل عليه الإنسان في فطرته السليمة في طلب الصلاح والنجاح في المساعي، إذا سلم من آفة الأنانية والاستبداد أو الاستكبار، ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر، فقد قال تعالى عن بلقيس: ﴿ قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّى تَشْهَدُونِ ﴾ [النمل: 32]، والاستشارة ليست لكل أحد، وإنما يُستشار أهل الدين والعقل والعلم والحكمة، والرأي والتجربة، والحزم والعزم والقوة والنصح والأمانة، ونحو ذلك، وأهل التخصص كل في مجال تخصصه، ولا يستشار من لا يُطْمَأَن إلى نصحه للأمة؛ كأهل الكفر والفسق والنفاق، وأهل البدع والأهواء، وأرباب الشهوات، ونحوهم. وليس من شرط الشورى في الإسلام أن يؤخذ فيها رأي أكثر الناس، كما يزعم أدعياء الديمقراطية الموهومة، فإن أكثر الناس ودهماءهم أتباع كل ناعق، والحكم في الإسلام لشرع الله تعالى وَفق الكتاب والسنة، والشورى إنما تكون فيما ليس فيه حكم شرعي مما يستجد من القضايا والنوازل، فسيتطلع رأي أهل الشورى فيها بما يتفق مع ما جاء في الكتاب والسنة ولا يتعارض معهما. ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ ﴾ الفاء للتفريع، و«إذا» ظرفية مضمنة معنى الشرط؛ أي: فإذا صممت على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه إن كان يحتاج إلى استشارة، سواء كان مما استظهرته من أهل الشورى، أو مما تبين لك سداده من بين آراء أهل الشورى، كما يقال في المثل: «ما بين الرأيين رأي». ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾: الفاء رابطة لجواب الشرط؛ أي: فاعتمد على الله تعالى، وعلى حوله وقوته وحده، لا على مشورتك وحدك. وفي هذا أمر له صلى الله عليه وسلم بفعل السبب باستشارة أصحابهم واستطلاع رأيهم، وبالاعتماد على الله - عز وجل - وحده، والمضي قدمًا فيما عزم عليه من أمر بعد التوكل على الله، وعدم التردد. و«التوكل على الله»: صدق الاعتماد على الله تعالى في جلب النفع ودفع الضر، مع تمام الثقة به - سبحانه وتعالى - وحسن الظن به، وفعل الأسباب. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ الجملة: تعليل لما قبلها، وترغيب بالتوكل على الله، أي: فتوكل على الله؛ لأن الله يحب المتوكلين عليه، أي: يحب المعتمدين عليه وحده المفوضين أمورهم إليه، ومن أحبه الله تعالى أكرمه؛ نسأل الله تعالى من فضله. قوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. قوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾ ﴿ إِنْ ﴾: شرطية، ﴿ يَنْصُرْكُمُ ﴾: فعل الشرط، وقوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾: جواب الشرط، وقُرن بالفاء لأنه جملة اسمية، أي: إن يقدر الله نصركم؛ كما حصل في بدر. ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، «لا»: نافية للجنس نص في العموم، ﴿ غَالِبَ ﴾ نكرة في سياق الشرط فتعم؛ أي: إن ينصركم الله فلا أحد يغلبكم أيًّا كان، ومهما كان عليه من القوة عدة وعددًا. وهذا مما يوجب التعلق بالله تعالى وحده، وطاعته والحذر من معصيته وسبب خِذلانه؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ [آل عمران: 126]. ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾ «الخذلان»: عدم النصر، بدليل مقابلته لقوله: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ ﴾، وقوله بعده: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾؛ أي: وإن يقدِّر الله خذلانكم، ويتخلَّ عن نصركم ويَكلكم إلى أنفسكم بسبب معصيتكم له، ومخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ كما حصل في أُحد، ومن وكل إلى نفسه هلك، ولهذا جاء في الدعاء: «اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت»[25]. ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾: جملة جواب الشرط في قوله: ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وربط بالفاء؛ لأنه جملة اسمية. و«من» في قوله: ﴿ فَمَنْ ذَا ﴾ اسم استفهام بمعنى النفي مشرب بالتحدي، أي: فلا أحد ينصركم من بعده، كأنه يقول: وإن يقدر الله خذلانكم، فنتحداكم أن ينصركم أحد من بعده، ولو اجتمع لكم من بأقطارها، و﴿ ذا ﴾: اسم إشارة، أي: فمن هذا الذي ينصركم من بعده؟! وفي الآية مقابلة بين قوله: ﴿ يَنْصُرُكُمْ ﴾ و﴿ يَخْذُلْكُمْ ﴾، وبين قوله: ﴿ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾، وقوله: ﴿ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ الواو: عاطفة، وقدم الجار والمجرور «على الله». على متعلقه «يتوكل»؛ لإفادة الحصر، أي: وعلى الله وحده لا على غيره فليعتمد المؤمنون. والفاء في قوله: ﴿ فَلْيَتَوَكَّلِ ﴾ رابطة لشرط مقدر، واللام للأمر؛ أي: وعلى الله وحده، لا على غيره، فليعتمد المؤمنون حقًّا، وخص المؤمنين لأن إيمانهم يوجب عليهم التوكل على الله وحده، ولا إيمان لأحد بدون التوكل على الله تعالى وحده. قوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: «فقدوا قطيفة يوم بدر، فقالوا: لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذها، فأنزل: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾؛ أي: يخون»[26]. قوله: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: ﴿ يغلَّ ﴾ بفتح الياء وضم الغين على البناء للفاعل، وقرأ الباقون: «يُغَل» بضم الياء وفتح الغين بالبناء للمفعول، و«نبي»: نكرة في سياق النفي فتعم، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يغل، والغُلول: أخذ شيء من الغنيمة خُفيةً قبل قسمتها، ويطلق على الخيانة في كل ما يتولاه الإنسان من الأموال لغيره. والمعنى على قراءة (يَغُل) بالبناء للفاعل، أي: وما كان لنبي من الأنبياء أن يقع منه الغلول لا شرعًا وقدرًا؛ لا غلول المال بأخذه من الغنيمة خفية، أو من غيرها، ولا غلول العلم بكتمان بعض ما أنزل إليه، فلا يبلغه أمته، بل هم كما وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿ الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ [الأحزاب: 39]، وقد أخذ الله عليهم الميثاق؛ كما قال تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظً ﴾ [الأحزاب: 7]، والمعنى على قراءة (يُغَل) بالبناء للمفعول، أي: ما كان لنبي أن يَغُلَّه غيره شرعًا بأن يكسب النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه غنيمة، ثم يقوم أحد بإخفاء شيء منها وأخذه، هذا أمر محرم لا يجوز شرعًا؛ لأن الغنيمة لجميع المسلمين، لكن هذا قد يقع قدرًا، وقد وقع هذا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ففي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم «رأى رجلًا يتقلب في النار في بُردة غلَّها»[27]. وقيل: النفي بمعنى النهي، أي: لا يُغله أحد، وقيل: معنى (يُغَل) يتهم بالغلول. ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ ﴾ الواو: عاطفة، و«من»: شرطية تفيد العموم، ﴿ يَغْلُلْ ﴾: فعل الشرط، أي: ومن يغلل بإخفاء المال وأخذه من نبي أو غيره، على سبيل افتراض وقوع الغلول من أي نبي؛ لأن الله نفى أن يقع ذلك من الأنبياء شرعًا وقدرًا. ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ﴿ يَأْتِ ﴾: فعل الشرط مجزوم بحذف الياء، والكسرة قبلها دليل عليها. و«ما» في قوله: ﴿ بِمَا ﴾: موصولة، تفيد العموم، أي: يأت بجميع الذي غلَّ وأخفى وأخذ من المال يوم القيامة على رؤوس الأشهاد، حاملًا له على ظهره، حيوانًا كان أو متاعًا أو غير ذلك؛ فضيحة له وعذابًا معنويًّا له يوم القيامة. ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ثم ﴾: عاطفة، أي: ثم بعد أن تأتي كل نفس بما غلَّت يوم القيامة فضيحة لها، ﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾ ﴿ ما ﴾: موصولة أو مصدرية، أي: تُعطى كلُّ نفس من أهل الغلول أو غيرهم الذي كسبت، أو كسبها وافيًا، أي: تعطى جزاءَ عملها وافيًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، وجعل الكسب مكان الجزاء؛ لبيان أن الجزاء من جنس العمل والكسب، وبحسبه. ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾: حال، أي: حال كونهم لا يظلمون، أي: لا ينقصون من أجورهم وحسناتهم شيئًا، ولا يزادون في سيئاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ﴾ [فصلت: 46]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [النساء: 40]. وذلك لكمال عدل الله عز وجل؛ لأن الصفات المنفية تدل على كمال ضدها، فنفي الظلم عنه - عز وجل - يدل على كمال عدله، كما أن نفي الموت عنه في قوله تعالى: ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ [الفرقان: 58]، يدل على كمال حياته، وهكذا. قوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾: الهمزة للاستفهام, ومعناه: الإنكار والنفي. والفاء: عاطفة، وقُدمت همزة الاستفهام؛ لأن لها الصدارة، والفاء العاطفة محلها في الأصل قبل الهمزة، والتقدير: «فأمن اتبع»، وقيل: الهمزة داخلة على جملة مقدرة تناسب المقام. و«من»: اسم موصول، أي: أفيستوي ويكون الذي اتبع وطلب رضوان الله بفعل ما أمر الله به، واجتناب ما نهى الله عنه، من ترك الغلول وغيره في جزائه في الحياة وبعد الممات، فاستحق رضوان الله وجزيل ثوابه. ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الكاف: للتشبيه، بمعنى «مثل»، و﴿ بَاءَ ﴾ بمعنى: رجع، ﴿ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾: الباء: للملابسة والمصاحبة، وسخط الله: غضبه وعدم رضاه، أي: كالذي رجع متلبسًا بغضب من الله بتركه ما أمر الله به، وارتكابه ما نهى الله عنه من الغلول وغيره، واستحق عقاب الله, وعظيم عذابه. وبين قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾ مقابلة. ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ الواو: عاطفة، أي: ومرجعه الذي يأوي إليه ويستقر فيه، ﴿ جهنم ﴾: اسم من أسماء النار، سميت به؛ لشدة ظلمتها وجهمتها وحرِّها، وبُعد قعرها. ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾: «بئس»: فعل جامد لإنشاء الذم، و﴿ الْمَصِيرُ ﴾ فاعله، وهو المرجع، والمآل والمآب. والمخصوص بالذم محذوف، أي: وبئس المصير ﴿ جَهَنَّمُ ﴾، أو وبئس المصير «مصيره». فنفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، أي: لا يستوي هذا وهذا، أي: لا يستويان في حكم الله وجزائه، لا في الدنيا ولا في الآخرة، وشتان بينهما، فالأول: مؤمن، والثاني: كافر، وشتان بين عمل كل منهما، فالمؤمن: اتبع في عمله رضوان الله، والكافر: اتبع في عمله ما يُسخط الله، وشتان بين جزاء كل منهما، فالمؤمن مأواه جنات النعيم، والكافر مأواه جهنم وبئس المصير. قوله تعالى: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾. نفى عز وجل أن يكون من اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله، ثم أتبع ذلك ببيان أنهم درجات عند الله. والضمير في قوله: ﴿ هُمْ دَرَجَاتٌ ﴾ يعود إلى الفريقين مَن اتبع رضوان الله ومَن باء بسخط من الله، وجاء بضمير الجمع ﴿ هُمْ ﴾ مراعاة لمعنى «من» في قوله: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ ﴾، وقوله: ﴿ كَمَنْ بَاءَ ﴾؛ لأن معناها الجمع. ﴿ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ ﴾؛ أي: منازل مختلفة متفاوتة عند الله تعالى بحسب تفاوتهم في أعمالهم؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ [الأنعام: 132]. فالذين اتبعوا رضوان الله في أعالي الدرجات، وكل مَن كان منهم لرضوان الله أتبع كانت درجته أرفع. والذين باؤوا بسخط في أسافل الدركات، وكل مَن كانت مباءته بسخط الله أعظم، كانت دركته أسفل. فهم درجات عند الله، فالذين آمنوا فوق الذين كفروا، وأهل الإيمان درجات في إيمانهم، ودرجات في نعيمهم وثوابهم، وأهل الكفر درجات في كفرهم، ودرجات في عذابهم وعقابهم. ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾؛ أي: مطَّلع على الذين يعملون، وعلى عملهم، مشاهد له عالم به، لا يخفى عليه منه شيء، ظاهرًا كان أو باطنًا، حقًّا كان أو باطلًا. وفي هذا وعد لمن عمل صالحًا، ووعيد لمن عمل خلاف ذلك. [1] أخرجه البخاري في الجهاد والسير (3038)، ومسلم في الأشربة (1733)، من حديث أبي بردة عن أبيه عن جده رضي الله عنه. [2] أخرجه البخاري في العلم (69)، ومسلم في الجهاد والسير (1734)، من حديث أنس رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في الوضوء (220)، وأبو داود في الطهارة (380)، والنسائي في الطهارة (56)، والترمذي في الطهارة (147)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [4] أخرجه البخاري في الحدود (6786)، ومسلم في الفضائل (2327)، وأبو داود في الأدب (4785). [5] البيت لإسحاق بن خلف، انظر: «شرح حماسة أبي تمام» (2/ 183). [6] البيت لمهلهل بن ربيعة، وقيل: للمخبل؛ انظر: «شرح ديوان الحماسة للمرزوقي» (ص420). [7] أخرجه الترمذي في الزهد (2411)، وقال: «حديث حسن غريب». [8] أخرجه البخاري في الأدب (5997)، ومسلم في الفضائل (2318)، وأبو داود في الأدب (5218)، والترمذي في البر والصلة (1911). [9] أخرجه البخاري في الأدب (5998)، ومسلم في الفضائل (2317)، وابن ماجه في الأدب (3665). [10] أخرجه البخاري في التفسير- تفسير سورة الفتح (4838)، وأحمد (2/ 174). [11] أخرجه البخاري في الأدب (6100)، ومسلم في الزكاة (1062). [12] أخرجه البخاري في استتابة المرتدين (6933)، ومسلم في الزكاة (1064). [13] أخرجه البخاري في المساقاة (2360)، ومسلم في الفضائل (2357)، وأبو داود في الأقضية (3637)، والنسائي في آداب القضاة (5407)، والترمذي في الأحكام (1363)، من حديث عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما. [14] أخرجه البخاري في فرض الخمس (3149)، ومسلم في الزكاة (1057). [15] أخرجه مسلم في الجهاد والسير (1779). [16] أخرجه مسلم في الجهاد والسير- الإمداد بالملائكة في غزوة بدر (1763)- وسيأتي ذكره وتخريجه بتمامه في سورة الأنفال إن شاء الله تعالى. [17] سبق تخريجه في ذكر سبب نزول قوله تعالى: {وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ} [آل عمران: 121]. [18] انظر: «تفسير ابن كثير» (6/ 384). [19] أخرجه البخاري في المغازي (4141)، ومسلم في التوبة (2770)، وأبو داود في النكاح (2138)، والترمذي في التفسير (3180)، وابن ماجه في النكاح (1970)، وأحمد (6/ 194)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [20] انظر: «صحيح البخاري مع فتح الباري» كتاب الاعتصام- باب قوله تعالى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] (13/ 339). [21] انظر: «أدب الدنيا والدين» للماوردي (ص300). [22] البيتان للأرجاني؛ انظر: «ديوانه» (1/ 246). [23] البيت لبشار بن برد؛ انظر: «ديوانه» (4/ 173). [24] البيت لابن الدمينة؛ انظر: «حماسة الخالدين» (ص70). [25] أخرجه أبو داود في الأدب (5090)، من حديث عبدالرحمن بن أبي بكرة عن أبيه رضي الله عنه. [26] أخرجه أبو داود في الحروف (3971)، والترمذي في التفسير (3009)، والطبري في «جامع البيان» (6/ 194، 195)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (3/ 803)، والطحاوي في «مشكل الآثار» (5601، 5602) - وقال الترمذي: «حسن غريب». والحديث من رواية خصيف بن عبدالرحمن. وقد قال عنه الإمام أحمد: «شديد الاضطراب». «تهذيب التهذيب» (3/ 124)، وقال ابن حجر في «التقريب»: «سيئ الحفظ خلط بآخرة»، وقد اضطرب فيه خصيف فجعله تارة من حديث عكرمة عن ابن عباس، وتارة من حديث مقسم عن ابن عباس، وتارة من حديث عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، ولهذا أورده ابن عدي في «الكامل في الضعفاء والمتروكين» (3/ 72) في ترجمة خصيف بن عبدالرحمن. [27] سيأتي ذكره وتخريجه بتمامه، قريبًا.
__________________
|
|
#518
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ * إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ * وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ * أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴾ [آل عمران: 159 - 163]. 1- رحمه الله - عز وجل - بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأمته بأن جعله لينًا لهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وفي هذا امتنان من الله تعالى عليه صلى الله عليه وسلم وعلى أمته. 2- أن اللين صفة محمودة امتدح الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم وجعلها بسبب رحمته - عز وجل - له ولأمته، لهذا ينبغي لولاة أمور المسلمين وأصحاب المسؤوليات في الأمة كبيرها وصغيرها الاتصاف بها، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا، فشَقَّ عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا، فرفق بهم فارفق به»[1]. ولكن اللين الممدوح ما كان لينًا من غير ضعف، مع قوة من غير عنف، كما كانت صفته صلى الله عليه وسلم؛ ولهذا لما أنشد النابغة الجعدي قصيدته المشهورة التي ختمها بقوله: ولا خير في حلم إذا لم تكن له ![]() بوادر تحمي صفوه أن يكدرا ![]() ولا خير في جهل إذا لم يكن له ![]() حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا ![]() قيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له حين أنشده هذين البيتين: «أحسنت أو أجدت،لا يفضض الله فاك»، قيل: فعاش مائة وعشرين سنة لم تسقط له سنٌّ، أو كلما سقطت له سن نبتت[2]. 3- امتداح الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بأن كان لينًا لأمته غير فظ ولا غليظ القلب؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾. 4- ذم الفظاظة وغلظة القلب وقساوته، وأنها سبب لنفور الناس ممن اتصف بها، والحيلولة دون استفادة الناس من علمه ودعوته؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. 5- ميل النفوس بطبيعتها لمن لان لها وأحسن التعامل معها، ونفورها ممن كان بضد ذلك، وكما قيل: أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ![]() فطالما استعبد الإنسان إحسان[3] ![]() ![]() ![]() 6- الترغيب في لين الجانب وحُسن الخلق، والتحذير من الفظاظة وغلظة القلب وقساوته وسوء الخلق. 7- ينبغي للآباء والموجهين والمربين والمعلمين والدعاة وغيرهم - أن يكون لهم أسوة بالرسول صلى الله عليه وسلم في لين جانبه، وحُسن خلقه في تعاملهم، وأن يبتعدوا كل البعد عن الفظاظة والغلظة والجفاء وسوء الخلق؛ لكي تثمر جهودهم، فكم من مربٍّ وعالم وداعية لم يستفد الناس من علمه، ولا من جهوده بسبب فظاظته وغلظته وسوء خلقه، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم المؤيد بالوحي لو كان فظًّا غليظ القلب، لانفض أصحابه من حوله، فكيف بمن دونه صلى الله عليه وسلم؟! ومن المؤسف أن تجد كثيرًا من دعاة النصرانية وغيرها من الملل من هم ألين في التعامل وأحسن خلقًا من كثير من دعاة الإسلام. 8- فضل العفو عن الناس والترغيب فيه؛ لأن الله - عز وجل - أمر به رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾، كما امتدح به المتقين في قوله تعالى: ﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [آل عمران: 134]، وأمر به ورغَّب فيه، فقال: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، وتكفَّل بثوابه إذا كان على سبيل الإصلاح، فقال تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴾ [الشورى: 40]. 9- أن ما كان من حق للرسول صلى الله عليه وسلم ولو خاصًّا، فهو من حق الله تعالى؛ لأن الله تعالى لما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالعفو عن حقه بقوله: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ ﴾، أمره صلى الله عليه وسلم بالاستغفار عن حق الله تعالى، فقال: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾، ولأن الله تعالى هو الذي أوجب حق الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أوجب حقوق غيره من الخلق، فكل ذلك من حق الله، والتقصير فيه تقصير في حق الله. 10- ينبغي الجمع بين العفو والإحسان؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴾، فالاستغفار بعد العفو من قبيل الإحسان. 11- أمر الله - عز وجل - للنبي صلى الله عليه وسلم باستشارة أصحابه، وذلك والله أعلم، فيما ليس فيه وحي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، وذلك لما في مشورته لهم من تطييب خواطرهم، واستظهار آرائهم، وتعليم الأمة المشورة. 12- مشروعية الشورى في الإسلام؛ لأن الله - عز وجل - أمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، فقال: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾، والأصل في الأمر: الوجوب، وقد يكون للندب حسب الحاجة إلى المشورة، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورًا بالاستشارة، فغيره من ولاة أمور الأمة من باب أولى، فيتأكد في حقهم استشارة من تحت ولايتهم في أمور الأمة، فيستشار العلماء فيما يشكل من أمور الدين، ويستشار العارفون بالسياسة وشؤون القتال والحرب فيما يعرفون، ويستشار كل فيما يخصه ويختار للشورى في الأمور الهامة أهل الدين والنصح والعقل والحنكة، وسداد الرأي والخبرة والتجربة. ويجب على من استشير محض النصح لمن استشاره؛ لأن المستشار مؤتمن؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: «المستشار مؤتمن»[4]. وقال صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة. قلنا لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»[5]. والنصيحة للرسول صلى الله عليه وسلم ولأئمة المسلمين وعامتهم- وإن كانت مطلوبة دائمًا إلا أنها في حال طلبهم المشورة والنصيحة أوجب وأوكد. 13- سمو مبادئ الإسلام وتعاليمه وأحكامه في أمره بالشورى لما فيها من المصالح العظيمة. فهي في المقام الأول: طاعة لله تعالى، وهي في المقام الثاني: صمام أمان للأمة بإذن الله تعالى، توفق بالأخذ بها إلى الرأي الأرشد والأصوب في قراراتها في قضاياها ومشكلاتها الداخلية والخارجية، والسلامة من المزالق الخطيرة التي قد تحصل بسبب الأنانية واستبداد المسؤول أو ولي الأمر وتفرده بالرأي؛ لأن الفرد مهما كان عليه من الحذق والدهاء وحُسن التدبير سيفوته الكثير، ويَصعُب عليه وحده المقارنة بين المصالح والمفاسد، والموازنة بين الإيجابيات والسلبيات. وهي في المقام الثالث: سبب لاجتماع الأمة وسلامتها من الاختلاف والتفرق بسبب الاعتراض على ما يصدر من ولي الأمر من قرارات؛ لعلم الناس أن هذه القرارات قد أخذ فيها رأي أهل الحل والعقد والرأي والمعرفة في الأمة. وبهذا تسلم الأمة من الاضطراب والفوضى، وتسد الطريق أمام المتربصين بها من الداخل والخارج. وقد أحسن حافظ إبراهيم - رحمه الله - في قوله في قصيدته العمرية[6] التي تعتبر من روائع الشعر العربي مشيدًا بمواقف عمر - رضي الله عنه - في جعل الأمر بعده شورى: يا رافعًا راية الشورى وحارسها ![]() جزاك ربك خيرًا عن محبيها ![]() لم يلهك النزع عن تأييد دولتها ![]() و للمنية آلام تعانيها ![]() لم أنس أمرك للمقداد يحمله ![]() إلى الجماعة إنذارًا وتنبيها ![]() إن ظل بعد ثلاث رأيهم شعبًا ![]() فجرد السيف واضرب في هواديها ![]() كما أن المشورة دليل على رجحان عقل المستشير وحكمته وتواضعه، وحُسن قصده في البحث عن الأصلح غالبًا، وفيها مصلحة عظيمة له؛ لأنه بالاستشارة يضيف إلى عقله وتجاربه عقول مَن استشارهم وتجاربهم ويأخذ خلاصة أفكارهم، فيسلم من الاستبداد بالرأي الذي قد يكون هو أول ضحاياه، وفيها ستر لعيوبه وعدم تحميله المسؤولية وحده عند الخطأ. كما أن المشورة أيضًا مصلحة للمستشار تجعله يشعر بقيمته في الأمة، ويشارك في حل قضاياها ومشكلاتها، فينشط في تقديم محض المشورة والنصح لها، ولكل من استشاره. 14- ينبغي بعد المشورة والعزم على الأمر التوكل على الله تعالى والمضي قدمًا فيه، بعد الجمع بين فعل السبب والاعتماد عليه عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾. 15- ينبغي الحذر من التردد الذي به فساد الرأي؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾، فينبغي الجمع بين تدبر الأمر وإبرام الرأي وعدم العجلة، وبين العزم والتوكل على الله، والمضي قدمًا وعدم التردد؛ كما قال الشاعر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبر ![]() فإن فساد الرأي أن تتعجلا[7] ![]() ![]() ![]() وقال الآخر: إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة ![]() فإن فساد الرأي أن تترددا[8] ![]() ![]() ![]() 16- أن النبي صلى الله عليه وسلم قد يحتاج كغيره من البشر إلى المشورة، وخاصة فيما ليس فيه وحي؛ لقوله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾. 17- محبة الله تعالى للمتوكلين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾. 18- إثبات المحبة لله تعالى كما يليق بجلاله وعظمته، ومن آثارها الثواب، وليست هي الثواب كما يقوله منكروها من أهل البدع. 19- عدم محبة الله تعالى للذين لا يتوكلون عليه؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾؛ أي: ولا يحب من لم يتوكل عليه. 20- فضل التوكل على الله والترغيب فيه؛ لأن الله رتب عليه محبته تعالى لأهله. 21- أن من قدَّر الله نصره فلا غالب له؛ لقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ﴾. وتحقُّق نصر الله مرهون بالإيمان وعمل الصالحات، وعبادة الله تعالى وحده لا شريك له وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ كما قال تعالى: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ [النور: 55]، وقال تعالى: ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ [الحج: 40، 41]. 22- كمال قوة الله عز وجل وقدرته، ووجوب طاعته والتعلق به والاستعانة به وحده في طلب النصر وغير ذلك. 23- أن من قَدَّر الله خذلانه فلا ناصر له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾. 24- وجوب الحذر من أسباب الخذلان، بمعصية الله تعالى، ومخالفة أمره، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم. 25- وجوب التوكل على الله تعالى وحده، والاعتماد عليه دون سواه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. 26- أن التوكل على الله من مقتضيات الإيمان، ومن صفات المؤمنين خاصة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾. 27- نفي وقوع الغلول من الأنبياء شرعًا وقدرًا، فلا يجوز وقوعه منهم شرعًا، ولا يمكن أن يقع منهم قدرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ ﴾. 28- أنه لا يجوز شرعًا لأحد أن يغل من الغنيمة التي اكتسبها النبي في حربه؛ لقوله تعالى: (أن يُغَلَّ) على قراءة ضم الياء وفتح الغين على البناء للمفعول. 29- شدة حرمة الغلول؛ لأن الله - عز وجل - نزَّه منه أنبياءه، وتوعد عليه بأن من يغلل يأت بما غل يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، فهو محرم بالإجماع وكبيرة من كبائر الذنوب. عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: حدثني عمر بن الخطاب، قال: «لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: فلان شهيد، حتى أتوا على رجل، فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كلا، إني رأيته في النار في بردة غلها، أو عباءة»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا بن الخطاب، اذهب فناد في الناس: إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»، قال: فخرجت فناديت، ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون»[9]. وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فذكر الغلول، فعظَّمه وعظَّم أمره، قال: «لا ألْفَيَنَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حَمْحَمَة، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله، أغثني، فأقول: لا أملك لك من الله شيئًا، قد أبلغتك»[10]. وعن عدي بن عميرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «مَن استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة»، قال: فقام إليه رجل أسود من الأنصار كأني أنظر إليه، فقال: يا رسول الله، اقبل عني عملك، قال: «وما»؟ قال: سمعتك تقول كذا وكذا، قال: «وأنا أقوله الآن، من استعملناه منكم على عمل فليجئ بقليله وكثيره، فما أوتي منه أخذ وما نهي عنه انتهى»[11]. وعن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: كان على ثَقَلِ النبي صلى الله عليه وسلم رجل يقال له كَرْكَرَةُ، فمات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلَّها»[12]. وعن زيد بن خالد الجهني - رضي الله عنه - أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم توفي يوم خيبر، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: «صلوا على صاحبكم»، فتغيَّرت وجوه الناس لذلك، فقال: «إن صاحبكم قد غلَّ في سبيل الله»، ففتشنا متاعه فوجدنا خرزًا من خرز يهود لا يساوي درهمين»[13]. عن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: «استعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا من الأزد يقال له: ابن اللُّتْبِية على الصدقة، فجاء، فقال: هذا لكم، وهذا أُهدي إليَّ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: «ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إلي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه، فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده، لا يأتي أحد منكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته، إن كان بعيرًا له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تَيْعَر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت ثلاثًا»[14]. 30- أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. 31- إثبات القيامة والبعث والحساب والجزاء على الأعمال؛ لقوله تعالى: ﴿ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾. 32- كمال قدرة الله - عز وجل - حيث يجعل الغال يأتي بما غل يوم القيامة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، وهو - عز وجل - على كل شيء قدير. 33- موافاة كل نفس ومجازاتها بما عملت من غير زيادة أو نقصان؛ لقوله تعالى: ﴿ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ ﴾. وهذا لا ينافي مجازاة الإنسان بثواب دعاء غيره له، وثواب القربات التي أُهديت له أو تُصدِّق بها عليه، من صدقة أو حج، وغير ذلك؛ لثبوت ذلك بالأدلة الصحيحة. كما لا ينافي مضاعفة الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف؛ إلى أضعاف كثيرة، كما ثبت بالأدلة. 34- انتفاء الظلم في محاسبة الخلائق يوم القيامة؛ لأن حسابهم عند الحَكم العَدل الذي لا يَظلم أحدًا سبحانه وتعالى؛ لقوله تعالى: ﴿ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ﴾. 35- شتان بين من اتبع رضوان الله تعالى، ونال رضا الله تعالى، وسعد في الدنيا والآخرة، وبين من رجع بسخط من الله، فشقي في الدنيا والآخرة وكان مأواه إلى النار؛ لقوله تعالى: ﴿ أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾؛ أي: لا يستوي هذا وهذا. 36- إثبات صفة الرضا لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ رِضْوَانَ اللَّهِ ﴾. 37- إثبات صفة السخط لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ ﴾. 38- أن مَن سخط الله تعالى عليه عذَّبه بالنار، وانتقم منه؛ لقوله تعالى: ﴿ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الزخرف: 55]. 39- وجوب الحذر من التعرض لسخط الله تعالى وغضبه؛ لأنه سبب للمصير إلى النار. 40- إثبات النار وأنها موجودة الآن، وأن من أسمائها «جهنم»؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. 41- أن النار مظلمة شديدة القعر شديدة الحر؛ لهذا سميت «جهنم». 42- ذم النار وأنها بئس المصير والمرجع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾. 43- أن الناس درجات عند الله، فأهل الإيمان فوق أهل الكفر، وأهل الإيمان فيما بينهم درجات في إيمانهم، وفي نعيمهم، كما أن أهل الكفر درجات في كفرهم، ودرجات ودركات في عذابهم. 44- اطلاع الله - عز وجل - التام وعلمه الواسع بما يعمل العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، وفي هذا وعدٌ لمن أحسَن العمل، ووعيدٌ لمن أساء؛ لأن مُقتضى علمه مُجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. [1] أخرجه مسلم في الإمارة (1828)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [2] ومطلع هذه القصيدة: خليلي غضا ساعة وتهجرا= ولوما على ما أحدث الدهر أو ذرا قيل: لما أنشد هذا البيت قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أين المظهر يا أبا ليلى؟»، قال: الجنة. قال: «أجل، إن شاء الله»؛ انظر: «ديوان النابغة الجعدي» ص (69)، وانظر: «المطالب العالية» (16/383 رقم 4032)، «أحاديث الشعر» (ص109)، «مجمع الزوائد» (8/126)، «كنز العمال» (13/600 حرف النون/ 375رقم 42). [3] البيت لأبي الفتح البستي؛ انظر: «حياة الحيوان الكبرى» (1/250). [4] أخرجه الترمذي في الأدب (2822)، وابن ماجه في الأدب (3745)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وقال: «حديث حسن». [5] أخرجه مسلم في الإيمان (55)، وأبو داود في الأدب (4944)، والنسائي في البيعة (4197)، من حديث تميم الداري رضي الله عنه. [6] انظر: «ديوانه» (ص91). [7] البيت لعيسى بن موسى؛ انظر: «زهر الآداب» (1/257). [8] البيت للمنصور؛ انظر: «زهر الآداب» (1/257). [9] أخرجه مسلم في الإيمان، غلظ تحريم الغلول (114)، وأحمد (1/30). [10] أخرجه البخاري في الجهاد (3073)، ومسلم في الإمارة (1831)، وأحمد (2/426). [11] أخرجه مسلم في الإمارة (1833)، وأبو داود في الأقضية (358)، وأحمد (4/192). [12] أخرجه البخاري في الجهاد - القليل من الغلول (3074)، وابن ماجه في الجهاد (2849). [13] أخرجه أبو داود في الغلول - تعظيم الغلول (2710). [14] أخرجه البخاري في الهبة (97)، ومسلم في الإمارة (1832)، وأبو داود في الخراج (2946)، وأحمد (5/423-424).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |