تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد - الصفحة 51 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 137 - عددالزوار : 830 )           »          طيب الحياة وسبيل السعادة الحقيقية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          الإغراق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          مكاره الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          مفاسد الفراغ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          تصرم الأعوام والدراسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          الإخلاص (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          تواضع النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          الإفراط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          الوحي والعقل والخرافة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 23-06-2024, 02:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الذَّارِيَاتِ
الحلقة (504)
صــ 31 إلى صــ 45







قوله تعالى آخذين قال الزجاج: هو منصوب على الحال، فالمعنى: [ ص: 31 ] في جنات وعيون في حال أخذ ما آتاهم ربهم قال المفسرون: أي: ما أعطاهم الله من الكرامة إنهم كانوا قبل ذلك محسنين في أعمالهم . وفي الآية وجه آخر: "آخذين ما آتاهم ربهم" أي: عاملين بما أمرهم به من الفرائض "إنهم كانوا قبل" أن تفرض الفرائض عليهم، "محسنين" أي: مطيعين، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية مسلم البطين .

ثم ذكر إحسانهم فقال: "كانوا قليلا من الليل ما يهجعون" والهجوع: النوم بالليل دون النهار .

وفي "ما" قولان . أحدهما: النفي . ثم في المعنى قولان . أحدهما: كانوا يسهرون قليلا من الليل . قال أنس بن مالك، وأبو العالية: هو ما بين المغرب والعشاء .

والثاني: كانوا ما ينامون قليلا من الليل . واختار قوم الوقف على قوله: "قليلا" على معنى: كانوا من الناس قليلا، ثم ابتدأ فقال: "من الليل ما يهجعون" على معنى نفي النوم عنهم البتة، وهذا مذهب الضحاك، ومقاتل . [ ص: 32 ] والقول الثاني: أن "ما" بمعنى الذي، فالمعنى: كانوا قليلا من الليل الذي يهجعونه، وهذا مذهب الحسن، والأحنف بن قيس، والزهري . وعلى هذا يحتمل أن تكون "ما" زائدة .

قوله تعالى: وبالأسحار هم يستغفرون وقد شرحناه في [آل عمران: 17] .

قوله تعالى: وفي أموالهم حق أي: نصيب، وفيه قولان .

أحدهما: أنه ما يصلون به رحما، أو يقرون به ضيفا، أو يحملون به كلا، أو يعينون به محروما، وليس بالزكاة، قاله ابن عباس .

والثاني: أنه الزكاة، قاله قتادة، وابن سيرين .

قوله تعالى: للسائل وهو الطالب .

وفي " المحروم " ثمانية أقوال .

أحدها: أنه الذي ليس له سهم في فيء المسلمين، وهو المحارف، قاله ابن عباس . وقال إبراهيم: هو الذي لا سهم له في الغنيمة .

والثاني: أنه الذي لا ينمى له شيء، قاله مجاهد، وكذلك قال عطاء: هو المحروم في الرزق والتجارة .

والثالث: أنه المسلم الفقير، قاله محمد بن علي .

والرابع: أنه المتعفف الذي لا يسأل شيئا، قاله قتادة، والزهري .

والخامس: أنه الذي يجيء بعد الغنيمة، وليس له فيها سهم، قاله الحسن بن محمد بن الحنفية .

[ ص: 33 ] والسادس: أنه المصاب ثمرته وزرعه أو نسل ماشيته، قاله ابن زيد .

والسابع: أنه المملوك، حكاه الماوردي .

والثامن: أنه الكلب، روي عن عمر بن عبد العزيز . وكان الشعبي يقول: أعياني أن أعلم ما المحروم؟ . وأظهر الأقوال قول قتادة والزهري، لأنه قرنه بالسائل، والمتعفف لا يسأل - ولا يكاد الناس يعطون من لا يسأل - ثم يتحفظ بالتعفف من ظهور أثر الفاقة عليه، فيكون محروما من قبل نفسه حين لم يسأل، ومن قبل الناس حين لا يعطونه، وإنما يفطن له متيقظ . وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية الزكاة، ولا يصح .

قوله تعالى: وفي الأرض آيات كالجبال والأنهار والأشجار والثمار وغير ذلك للموقنين بالله عز وجل الذين يعرفونه بصنعه .

وفي أنفسكم آيات إذ كنتم نطفا، ثم عظاما، ثم علقا ثم مضغا، إلى غير ذلك من أحوال الاختلاف، ثم اختلاف الصور والألوان والطبائع، وتقويم الأدوات، والسمع والبصر والعقل، وتسهيل سبيل الحدث، إلى غير ذلك من العجائب المودعة في ابن آدم . وتم الكلام عند قوله: "وفي أنفسكم"، ثم قال: أفلا تبصرون قال مقاتل: أفلا تبصرون كيف خلقكم فتعرفوا قدرته على البعث .

قوله تعالى: وفي السماء رزقكم وقرأ أبي بن كعب ، وحميد، [ ص: 34 ] وأبو حصين الأسدي: "أرزاقكم" براء ساكنة وبألف بين الزاي والقاف . وقرأ ابن مسعود، والضحاك، وأبو نهيك: "رازقكم" بفتح الراء وكسر الزاي وبألف بينهما . وعن ابن محيصن كهاتين القراءتين . وفيه قولان .

أحدهما: أنه المطر، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وليث عن مجاهد، وهو قول الجمهور .

والثاني: الجنة، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد .

وفي قوله: و ما توعدون قولان .

أحدهما: أنه الخير والشر كلاهما يأتي من السماء، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد .

والثاني: الجنة، رواه ليث عن مجاهد . قال أبو عبيدة: في هذه الآية مضمر مجازه: عند من في السماء رزقكم، وعنده ما توعدون، والعرب تضمر، قال نابغة [ذبيان]:


كأنك من جمال بني أقيش يقعقع خلف رجليه بشن


أراد: كأنك جمل من جمال بني أقيش .

قوله تعالى: إنه لحق قال الزجاج: يعني ما ذكره من أمر الآيات والرزق وما توعدون وأمر النبي صلى الله عليه وسلم . مثل ما أنكم تنطقون قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: "مثل" برفع اللام . وقرأ الباقون بنصب اللام . قال الزجاج: فمن رفع "مثل" فهي من صفة الحق، والمعنى: إنه لحق مثل نطقكم; ومن نصب فعلى ضربين . [ ص: 35 ] أحدهما: أن يكون في موضع رفع، إلا أنه لما أضيف إلى "أن" فتح .

والثاني: أن يكون منصوبا على التأكيد، على معنى: إنه لحق حقا مثل نطقكم، وهذا الكلام كما تقول: إنه لحق كما أنك تتكلم .

هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين فقربه إليهم قال ألا تأكلون فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف وبشروه بغلام عليم فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم قال فما خطبكم أيها المرسلون قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين مسومة عند ربك للمسرفين فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم

قوله تعالى: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين "هل" بمعى "قد" في قول ابن عباس، ومقاتل، فيكون المعنى: قد أتاك فاستمع نقصصه عليك، وضيفه: هم الذين جاؤوا بالبشرى . وقد ذكرنا عددهم في [هود: 70]، وذكرنا هناك معنى الضيف .

وفي معنى "المكرمين" أربعة أقوال:

أحدهما: لأنه أكرمهم بالعجل، قاله أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد .

والثاني: بأن خدمهم هو وامرأته بأنفسهما، قاله السدي .

والثالث: أنهم مكرمون عند الله، قاله عبد العزيز بن يحيى .

والرابع: لأنهم أضياف، والأضياف مكرمون، قاله أبو بكر الوراق . [ ص: 36 ] قوله تعالى: فقالوا سلاما قد ذكرناه في [هود: 70]

قوله تعالى: قوم منكرون قال الزجاج: ارتفع على معنى: أنتم قوم منكرون .

وللمفسرين في سبب إنكارهم أربعة أقوال .

أحدها: لأنه لم يعرفهم، قاله ابن عباس .

والثاني: لأنهم سلموا عليه، فأنكر سلامهم في ذلك الزمان وفي تلك الأرض، قاله أبو العالية .

والثالث: لأنهم دخلوا [عليه] من غير استئذان .

والرابع: لأنه رأى فيهم صورة البشر وصورة الملائكة .

قوله تعالى: فراغ إلى أهله قال ابن قتيبة: أي: عدل إليهم في خفية، ولا يكون الرواغ إلى أن تخفي ذهابك ومجيئك .

قوله تعالى: فجاء بعجل سمين وكان مشويا فقربه إليهم قال الزجاج: والمعنى: فقربه إليهم ليأكلوا منه، فلم يأكلوا، فقال: ألا تأكلون ؟! على النكير، أي: أمركم في ترك الأكل مما أنكره .

[ ص: 37 ] قوله تعالى: فأوجس منهم خيفة قد شرحناه في [هود: 70]، وذكرنا معنى: "غلام عليم" في [الحجر: 54] .

فأقبلت امرأته وهي: سارة . قال الفراء وابن قتيبة: لم تقبل من موضع إلى موضع، وإنما هو كقولك: أقبل يشتمني، وأقبل يصيح ويتكلم، أي: أخذ في ذلك، والصرة: الصيحة . وقال أبو عبيدة: الصرة: شدة الصوت .

وفيما قالت في صيحتها قولان .

أحدهما: أنها تأوهت، قاله قتادة .

والثاني: أنها قالت: يا ويلتا، ذكره الفراء .

قوله تعالى: فصكت وجهها فيه قولان .

أحدهما: لطمت وجهها، قاله ابن عباس .

والثاني: ضربت جبينها تعجبا، قاله مجاهد . ومعنى الصك: ضرب الشيء بالشيء العريض .

وقالت عجوز قال الفراء: هذا مرفوع بإضمار "أتلد عجوز" . وقال الزجاج: المعنى: أنا عجوز عقيم، فكيف ألد؟! وقد ذكرنا معنى العقيم في [هود: 72] .

قالوا كذلك قال ربك أنك ستلدين غلاما; والمعنى: إنما نخبرك [ ص: 38 ] عن الله عز وجل وهو حكيم عليم يقدر أن يجعل العقيم ولودا فعلم [حينئذ] إبراهيم أنهم ملائكة .

قال فما خطبكم مفسر في [الحجر: 57] .

قوله تعالى: حجارة من طين قال ابن عباس: هو الآجر .

قوله تعالى: مسومة عند ربك قد شرحناه في [هود: 83] . قوله تعالى للمسرفين قال ابن عباس: للمشركين .

قوله تعالى: فأخرجنا من كان فيها أي: من قرى لوط (من المؤمنين) وذلك قوله تعالى: فأسر بأهلك الآية: [هود: 82] .

فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين وهو لوط وابنتاه، وصفهم الله عز وجل بالإيمان والإسلام، لأنه ما من مؤمن إلا وهو مسلم .

وتركنا فيها آية أي: علامة للخائفين من عذاب الله تدلهم على أن الله أهلكهم . وقد شرحنا هذا في [ العنكبوت: 35 ] وبينا المكني عنها .

وفي موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فعتوا عن أمر ربهم فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون فما استطاعوا من قيام وما كانوا منتصرين وقوم نوح من قبل إنهم كانوا قوما فاسقين والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها فنعم الماهدون ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين ولا تجعلوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين [ ص: 39 ] قوله تعالى: وفي موسى أي: وفيه أيضا آية إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين أي: بحجة ظاهرة فتولى أي: أعرض (بركنه) قال مجاهد: بأصحابه . وقال أبو عبيدة: "بركنه" و"بجانبه" سواء، إنما هي ناحيته وقال ساحر أي: وقال لموسى: هذا ساحر أو مجنون وكان أبو عبيدة يقول: "أو" بمعنى الواو . فأما "اليم" فقد ذكرناه في [الأعراف: 136] و"مليم" في [الصافات: 142] .

قوله تعالى: وفي عاد أي: في إهلاكهم آية أيضا إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم وهي التي لا خير فيها ولا بركة، لا تلقح شجرا ولا تحمل مطرا، وإنما هي للإهلاك . وقال سعيد بن المسيب: هي الجنوب .

ما تذر من شيء أتت عليه أي: من أنفسهم وأموالهم إلا جعلته كالرميم أي: كالشيء الهالك البالي . قال الفراء: الرميم: نبات الأرض إذا يبس وديس . وقال الزجاج: الرميم: الورق الجاف المتحطم مثل الهشيم .

وفي ثمود آية أيضا إذ قيل لهم تمتعوا حتى حين فيه قولان .

أحدهما: أنه قيل لهم: تمتعوا في الدنيا إلى وقت انقضاء آجالكم تهددا لهم .

والثاني: أن صالحا قال لهم بعد عقر الناقة: تمتعوا ثلاثة أيام; فكان الحين وقت فناء آجالهم، فعتوا عن أمر ربهم قال مقاتل: عصوا أمره فأخذتهم الصاعقة يعني: العذاب، وهو الموت من صيحة جبريل .

[ ص: 40 ] وقرأ الكسائي وحده: "الصعقة" [بسكون العين من غير ألف]; وهي الصوت الذي يكون عن الصاعقة .

قوله تعالى: وهم ينظرون فيه قولان .

أحدهما: يرون ذلك عيانا . والثاني: وهم ينتظرون العذاب، فأتاهم صيحة يوم السبت .

قوله تعالى: فما استطاعوا من قيام فيه قولان .

أحدهما: ما استطاعوا نهوضا من تلك الصرعة .

والثاني: ما أطاقوا ثبوتا لعذاب الله وما كانوا منتصرين أي: ممتنعين من العذاب . قوله تعالى: وقوم نوح من قبل قرأ أبو عمرو إلا عبد الوارث، وحمزة، والكسائي: بخفض الميم، وروى عبد الوارث، رفع الميم، والباقون بنصبها . قال الزجاج: من خفض القوم فالمعنى: وفي قوم نوح آية، ومن نصب فهو عطف على معنى قوله: فأخذتهم الصاعقة فإن معناه: أهلكناهم، فيكون المعنى: وأهلكنا قوم نوح، والأحسن - والله أعلم - أن يكون محمولا على قوله: فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم لأن المعنى: أغرقناه، وأغرقنا قوم نوح .

والسماء بنيناها المعنى: وبنينا السماء بنيناها (بأيد) أي: بقوة، وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وسائر المفسرين واللغويين: "بأيد" أي: بقوة .

وفي قوله: وإنا لموسعون خمسة أقوال .

[ ص: 41 ] أحدها: لموسعون الرزق بالمطر، قاله الحسن . والثاني لموسعون السماء، قاله ابن زيد . والثالث: لقادرون، قاله ابن قتيبة . والرابع: لموسعون ما بين السماء والأرض، قاله الزجاج . والخامس: لذو سعة لا يضيق عما يريد حكاه الماوردي .

قوله تعالى: والأرض فرشناها فنعم الماهدون قال الزجاج: هذا عطف على ما قبله منصوب بفعل مضمر محذوف يدل عليه قوله: "فرشناها"، فالمعنى فرشنا الأرض فرشناها "فنعم الماهدون" أي: فنعم الماهدون نحن . قال مقاتل: "فرشناها" أي: بسطناها مسيرة خمسمائة عام، وهذا بعيد، وقد قال قتادة: الأرض عشرون ألف فرسخ، والله تعالى أعلم .

قوله تعالى: ومن كل شيء خلقنا زوجين أي: صنفين ونوعين كالذكر والأنثى، والبر والبحر والليل والنهار، والحلو والمر، والنور والظلمة، وأشباه ذلك لعلكم تذكرون فتعلموا أن خالق الأزواج واحد .

ففروا إلى الله بالتوبة من ذنوبكم; والمعنى: اهربوا مما يوجب العقاب من الكفر والعصيان إلى ما يوجب الثواب من الطاعة والإيمان .

كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون فتول عنهم فما أنت بملوم وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون [ ص: 42 ] قوله تعالى: كذلك أي: كما كذبك قومك وقالوا: ساحر أو مجنون، كانوا من قبلك يقولون للأنبياء .

قوله تعالى: أتواصوا به أي: أوصى أولهم آخرهم بالتكذيب؟! وهذا استفهام توبيخ . وقال أبو عبيدة: أتواطؤوا عليه فأخذه بعضهم من بعض؟!

قوله تعالى: بل هم قوم طاغون أي: يحملهم الطغيان فيما أعطوا من الدنيا على التكذيب; والمشار إليهم أهل مكة .

فتول عنهم فقد بلغتهم فما أنت عليهم "بملوم" لأنك قد أديت الرسالة . ومذهب أكثر المفسرين أن هذه الآية منسوخة، ولهم في ناسخها قولان .

أحدهما: أنه قوله: وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين والثاني: آية السيف . وفي قوله: "وذكر" قولان . أحدهما: عظ، قاله مقاتل . والثاني: ذكرهم بأيام الله وعذابه ورحمته، قاله الزجاج .

قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون أثبت الياء في "يعبدون" و"يطعمون" و"لا يستعجلون" في الحالين يعقوب . واختلفوا في هذه الآية على أربعة أقوال .

أحدها: إلا لآمرهم أن يعبدوني، قاله علي بن أبي طالب، واختاره الزجاج .

والثاني: إلا ليقروا بالعبودية طوعا وكرها، قاله ابن عباس; وبيان هذا قوله: ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله [الزخرف: 87] .

والثالث: أنه خاص في حق المؤمنين . قال سعيد بن المسيب: ما خلقت من يعبدني إلا ليعبدني . وقال الضحاك، والفراء، وابن قتيبة: هذا خاص لأهل طاعته، وهذا اختيار القاضي أبي يعلى فإنه قال: معنى هذا الخصوص لا العموم، لأن البله والأطفال والمجانين لا يدخلون تحت الخطاب وإن كانوا [ ص: 43 ] من الإنس، فكذلك الكفار يخرجون من هذا بدليل قوله: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس [الأعراف: 179]، فمن خلق للشقاء ولجهنم، لم يخلق للعبادة .

والرابع: إلا ليخضعوا إلي ويتذللوا . ومعنى العبادة في اللغة: الذل والانقياد . وكل الخلق خاضع ذليل لقضاء الله عز وجل لا يملك خروجا عما قضاه الله عز وجل، هذا مذهب جماعة من أهل المعاني .

قوله تعالى: ما أريد منهم من رزق أي: ما أريد أن يرزقوا أنفسهم وما أريد أن يطعمون أي: أن يطعموا أحدا من خلقي، لأني أنا الرزاق . وإنما أسند الإطعام إلى نفسه، لأن الخلق عيال الله، ومن أطعم عيال أحد فقد أطعمه . وقد جاء في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يقول الله عز وجل يوم القيامة: يا ابن آدم: استطعمتك فلم تطعمني"، أي: لم تطعم عبدي .

فأما "الرزاق" فقرأ الضحاك، وابن محيصن: "الرازق" بوزن "العالم" .

قال الخطابي: هو المتكفل بالرزق القائم على كل نفس بما يقيمها [ ص: 44 ] من قوتها . و المتين الشديد القوة الذي لا تنقطع قوته ولا يلحقه في أفعاله مشقة . وقد روى قتيبة عن الكسائي أنه قرأ: "المتين" بكسر النون وكذا قرأ أبو رزين وقتادة، وأبو العالية، والأعمش، قال الزجاج: ذو القوة المتين أي: ذو الاقتدار الشديد، ومن رفع "المتين" فهو صفة الله عز وجل، ومن خفضه جعله صفة للقوة، لأن تأنيث القوة كتأنيث الموعظة، فهو كقوله: فمن جاءه موعظة من ربه [البقرة: 275] .

قوله تعالى: فإن للذين ظلموا يعني مشركي مكة (ذنوبا) أي: نصيبا من العذاب مثل ذنوب أصحابهم الذين أهلكوا، كقوم نوح وعاد وثمود . قال الفراء: الذنوب في كلام العرب: الدلو العظيمة، ولكن العرب تذهب بها إلى النصيب والحظ، قال الشاعر:


لنا ذنوب ولكم ذنوب فإن أبيتم فلنا القليب


والذنوب يذكر ويؤنث . وقال ابن قتيبة، أصل الذنوب: الدلو العظيمة، وكانوا يستقون، فيكون لكل واحد ذنوب، فجعل "الذنوب" مكان "الحظ والنصيب" .

قوله تعالى: فلا يستعجلون أي: بالعذاب إن أخروا إلى يوم القيامة، وهو يومهم الذي يوعدون، ويقال: هو يوم بدر .

سُورَةُ الطُّورِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا بِإِجْمَاعِهِمْ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والطور وكتاب مسطور في رق منشور والبيت المعمور والسقف المرفوع والبحر المسجور إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا فويل يومئذ للمكذبين الذين هم في خوض يلعبون يوم يدعون إلى نار جهنم دعا هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون

قوله تعالى والطور هذا قسم بالجبل الذي كلم الله عز وجل عليه موسى عليه السلام، وهو بأرض مدين [واسمه زبير] .

وكتاب مسطور أي: مكتوب، وفيه أربعة أقوال .

أحدها: أنه اللوح المحفوظ، قاله أبو صالح عن ابن عباس .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:19 AM.
رد مع اقتباس
  #2  
قديم 23-06-2024, 02:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد


تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الذَّارِيَاتِ
الحلقة (505)
صــ 46 إلى صــ 60






والثاني: كتب أعمال بني آدم، قاله مقاتل، والزجاج .

والثالث: التوراة .

والرابع: "القرآن" حكاهما الماوردي .

قوله تعالى في رق قال أبو عبيدة: الرق: الورق . فأما المنشور فهو المبسوط .

قوله تعالى: والبيت المعمور فيه قولان .

أحدهما: أنه بيت في السماء . وفي أي سماء هو؟ [فيه] ثلاثة أقوال .

أحدها: [أنه] في السماء السابعة، رواه أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم . وحديث مالك بن صعصعة الذي أخرج في "الصحيحين" يدل عليه .

والثاني: أنه في السماء السادسة، قاله علي رضي الله عنه .

[ ص: 47 ] والثالث: أنه في السماء الدنيا، رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال ابن عباس: هو حيال الكعبة يحجه كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون فيه حتى تقوم الساعة، يسمى "الضراح" . وقال الربيع بن أنس: كان البيت المعمور مكان الكعبة في زمان آدم، فلما كان زمن نوح أمر الناس بحجه، فعصوه، فلما طغى الماء رفع فجعل بحذاء البيت في السماء الدنيا .

والثاني: أنه البيت الحرام، قاله الحسن . وقال أبو عبيدة: ومعنى "المعمور": الكثير الغاشية .

قوله تعالى: والسقف المرفوع فيه قولان .

أحدهما: أنه السماء، قاله علي رضي الله عنه والجمهور .

والثاني: العرش، قاله الربيع .

قوله تعالى: والبحر فيه قولان .

أحدهما: أنه بحر تحت العرش ماؤه غليظ يمطر العباد منه بعد النفخة الأولى أربعين صباحا فينبتون في قبورهم، قاله علي رضي الله عنه .

والثاني: أنه بحر الأرض، ذكره الماوردي .

وفي "المسجور" أربعة أقوال .

أحدها: المملوء، قاله الحسن، وأبو صالح، وابن السائب، وجميع اللغويين .

[ ص: 48 ] والثاني: أنه الموقد، قاله مجاهد، وابن زيد . وقال شمر بن عطية: هو بمنزلة التنور المسجور .

والثالث: أنه اليابس الذي قد ذهب ماؤه ونضب، قاله أبو العالية . وروي عن الحسن قال: تسجر، يعني البحار، حتى يذهب ماؤها، فلا يبقى فيها قطرة . وقول هذين يرجع إلى معنى قول مجاهد . وقد نقل في الحديث أن الله تعالى يجعل البحار كلها نارا، فتزاد في نار جهنم .

والرابع: أن "المسجور" المختلط عذبه بملحه، قاله الربيع بن أنس .

فأقسم الله تعالى بهذه الأشياء للتنبيه على ما فيها من عظيم قدرته على أن تعذيب المشركين حق، فقال: إن عذاب ربك لواقع أي: لكائن في الآخرة .

ثم بين متى يقع، فقال: يوم تمور السماء مورا وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: تدور دورا، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وهو اختيار الفراء وابن قتيبة والزجاج .

والثاني: تحرك تحركا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة . وقال أبو عبيدة "تمور" أي: تكفأ وقال الأعشى:


كأن مشيتها من بيت جارتها مور السحابة لا ريث ولا عجل


والثالث: يموج بعضها في بعض لأمر الله تعالى، قاله الضحاك . وما بعد هذا قد سبق بيانه [النمل: 88] إلى قوله: الذين هم في خوض يلعبون [ ص: 49 ] أي: يخوضون في حديث محمد صلى الله عليه وسلم بالتكذيب والاستهزاء، ويلهون بذكره، فالويل لهم .

و يوم يدعون قال ابن قتيبة: أي: يدفعون، يقال: دععته أدعه، أي: دفعته، ومنه قوله يدع اليتيم [الماعون: 2] . قال ابن عباس: يدفع في أعناقهم حتى يردوا النار . وقال مقاتل: تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى جهنم على وجوههم، حتى إذا دنوا منها قالت لهم خزنتها: هذه النار التي كنتم بها تكذبون في الدنيا أفسحر هذا العذاب الذي ترون؟ فإنكم زعمتم أن الرسل سحرة أم أنتم لا تبصرون النار؟ فلما ألقوا فيها قال لهم خزنتها: اصلوها . وقال غيره: لما نسبوا محمدا صلى الله عليه وسلم إلى أنه ساحر يغطي على الأبصار بالسحر، وبخوا عند رؤية النار بهذا التوبيخ، وقيل: اصلوها أي: قاسوا شدتها فاصبروا على العذاب أو لا تصبروا سواء عليكم الصبر والجزع إنما تجزون جزاء ما كنتم تعملون من الكفر والتكذيب .

إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين .

ثم وصف ما للمؤمنين بما بعد هذا، وقوله: فاكهين قرئت بألف، وبغير ألف، وقد شرحناها في [يس: 55]، ووقاهم أي: صرف عنهم والجحيم مذكور في [البقرة: 119] .

كلوا أي: يقال لهم: كلوا واشربوا هنيئا تأمنون حدوث المرض [ ص: 50 ] عنه . قال الزجاج: المعنى: ليهنكم ما صرتم إليه، وقد شرحنا هذا في سورة [ النساء: 4 ] . ثم ذكر حالهم عند أكلهم وشربهم، فقال: متكئين على سرر وقال ابن جرير: فيه محذوف تقديره: على نمارق على سرر، وهي جمع سرير . مصفوفة قد وضع بعضها إلى جنب بعض . وباقي الآية مفسر في سورة [الدخان: 54] .

والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم

قوله تعالى: " وأتبعناهم ذرياتهم " قرأ ابن كثير، وعاصم، وحمزة، والكسائي: "واتبعتهم" بالتاء "ذريتهم" واحدة بهم ذريتهم واحدة أيضا . وقرأ نافع: "واتبعتهم ذريتهم" واحدة "بهم ذرياتهم" جمعا . وقرأ ابن عامر: "وأتبعناهم ذرياتهم" "بهم ذرياتهم" جمعا في الموضعين . واختلفوا في تفسيرها على ثلاثة أقوال .

أحدها: أن معناها: واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم [ذرياتهم] من المؤمنين في الجنة، وإن كانوا لم يبلغوا أعمال آبائهم، تكرمة من الله تعالى لآبائهم المؤمنين باجتماع أولادهم معهم، روى هذا المعنى سعيد بن جبير عن ابن عباس .

[ ص: 51 ] والثاني: واتبعتهم ذريتهم بإيمان، أي: بلغت أن آمنت، ألحقنا بهم ذريتهم الصغار الذين لم يبلغوا الإيمان . وروى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس، وبه قال الضحاك . ومعنى هذا القول، أن أولادهم الكبار تبعوهم بإيمان منهم، وأولادهم الصغار تبعوهم بإيمان الآباء، [لأن الولد يحكم له بالإسلام تبعا لولده .

والثالث: "وأتبعناهم ذرياتهم" بإيمان الآباء] فأدخلناهم الجنة، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا .

قوله تعالى: وما ألتناهم قرأ نافع: وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: "وما ألتناهم" بالهمزة وفتح اللام . وقرأ ابن كثير: "وما ألتناهم" بكسر اللام . وروى ابن شنبوذ عن قنبل عنه "وما لتناهم" بإسقاط الهمزة مع كسر اللام . وقرأ أبو العالية، وأبو نهيك، ومعاذ القارئ بإسقاط الهمزة مع فتح اللام . وقرأ ابن السميفع "وما آلتناهم" بمد الهمزة وفتحها . وقرأ الضحاك، وعاصم الجحدري: "وما ولتناهم" بواو مفتوحة من غير همزة وبنصب اللام . وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل : "وما ألتهم" مثل جعلتهم . وقد ذكرنا هذه الكلمة في [ الحجرات: 140] والمعنى: ما نقصنا الآباء بما أعطينا الذرية .

كل امرئ بما كسب رهين أي: مرتهن بعمله لا يؤاخذ أحد بذنب أحد . وقيل: هذا الكلام يختص بصفة أهل النار، وذلك الكلام قد تم .

قوله تعالى: وأمددناهم قال ابن عباس هي الزيادة على الذي كان لهم .

[ ص: 52 ] قوله تعالى: يتنازعون قال أبو عبيدة: أي: يتعاطون ويتداولون، وأنشد الأخطل:


نازعته طيب الراح الشمول وقد صاح الدجاج وحانت وقعة الساري


قال الزجاج: يتناول هذا الكأس من يد هذا، وهذا من يد هذا . فأما الكأس فقد شرحناها في [الصافات: 45] .

قوله تعالى: لا لغو فيها ولا تأثيم قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: "لا لغو فيها ولا تأثيم" نصبا وقرأ الباقون: "لا لغو فيها ولا تأثيم" رفعا منونا . قال ابن قتيبة: أي: لا تذهب بعقولهم فيلغوا ويرفثوا فيأثموا، كما يكون ذلك في خمر الدنيا . وقال غيره: التأثيم: تفعيل من الإثم، يقال: آثمه: إذا جعله ذا إثم . والمعنى أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين .

ويطوف عليهم للخدمة غلمان لهم كأنهم في الحسن والبياض لؤلؤ مكنون أي: مصون لم تمسه الأيدي . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل: يا نبي الله، هذا الخادم، فكيف المخدوم؟ فقال: "إن فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب" .

وقوله تعالى" وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون قال ابن عباس: [ ص: 53 ] يتذاكرون ما كانوا فيه في الدنيا من الخوف والتعب، وهو قوله: قالوا إنا كنا قبل في أهلنا أي: في دار الدنيا مشفقين أي: خائفين من العذاب، فمن الله علينا بالمغفرة ووقانا عذاب السموم أي: عذاب النار . وقال الحسن: السموم من أسماء جهنم .

وقال غيره: سموم: جهنم . وهو ما يوجد من نفحها وحرها، إنا كنا من قبل ندعوه أي: نوحده ونخلص له إنه هو البر وقرأ نافع، والكسائي: "أنه" بفتح الهمزة . وفي معنى "البر" ثلاثة أقوال:

أحدها: الصادق فيما وعد، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: اللطيف، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثالث: العطوف على عباده المحسن إليهم الذي عم ببره جميع خلقه، قاله أبو سليمان الخطابي .

فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون قل تربصوا فإني معكم من المتربصين أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون أم يقولون تقوله بل لا يؤمنون فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين

قوله تعالى: فذكر أي: فعظ بالقرآن فما أنت بنعمت ربك أي: بإنعامه عليك بالنبوة "بكاهن" وهو الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر عما في غد من غير وحي . والمعنى: إنما تنطق بالوحي لا كما يقول [فيك] كفار مكة .

أم يقولون شاعر أى: هو شاعر . وقال أبو عبيدة: "أم" بمعنى "بل"، قال الأخطل: [ ص: 54 ]


كذبتك عينك أم رأيت بواسط غلس الظلام من الرباب خيالا


لم يستفهم، إنما أوجب أنه رأى .

قوله تعالى: نتربص به ريب المنون فيه قولان:

أحدهما: أنه الموت، قاله ابن عباس .

والثاني: حوادث الدهر، قاله مجاهد، قال ابن قتيبة: حوادث الدهر وأوجاعه ومصائبه، و"المنون" الدهر، قال أبو ذؤيب:


أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع


هكذا أنشدناه أصحاب الأصمعي عنه، وكان يذهب إلى أن المنون الدهر، قال: وقوله "والدهر ليس بمعتب" يدل على ذلك، كأنه قال: أمن الدهر وريبه تتوجع؟! قال الكسائي: العرب تقول: لا أكلمك آخر المنون، أي: آخر الدهر .

قوله تعالى: قل تربصوا أي: انتظروا بي ذلك فإني معكم من المتربصين أي: من المنتظرين عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف . وبعض المفسرين يقول: هذا منسوخ بآية السيف، ولا يصح، إذ لا تضاد بين الآيتين .

قوله تعالى: أم تأمرهم أحلامهم بهذا قال المفسرون: كانت عظماء قريش توصف بالأحلام، وهي العقول، فأزرى الله بحلومهم، إذ لم تثمر لهم معرفة الحق من الباطل . وقيل لعمرو بن العاص: ما بال قومك لم يؤمنوا [ ص: 55 ] وقد وصفهم الله تعالى بالعقول؟! فقال: تلك عقول كادها بارئها، أي: لم يصحبها التوفيق .

وفي قوله: "أم تأمرهم" وقوله: أم هم قولان .

أحدهما: أنهما بمعنى "بل"، قاله أبو عبيدة .

والثاني: بمعنى ألف الاستفهام، قاله الزجاج; قال: والمعنى: أتأمرهم أحلامهم بترك القبول ممن يدعوهم إلى التوحيد ويأتيهم على ذلك بالدلائل، أم يكفرون طغيانا وقد ظهر لهم الحق؟! وقال ابن قتيبة: المعنى: أم تدلهم عقولهم على هذا؟ لأن الحلم يكون بالعقل، فكنى عنه به .

قوله تعالى: أم يقولون تقوله أي: افتعل القرآن من تلقاء نفسه؟ والتقول: تكلف القول، ولا يستعمل إلا في الكذب "بل" أي: ليس الأمر كما زعموا لا يؤمنون بالقرآن، استكبارا .

فليأتوا بحديث مثله في نظمه وحسن بيانه . وقرأ أبو رجاء، وأبو نهيك، ومورق العجلي، وعاصم الجحدري: "بحديث مثله" بغير تنوين إن كانوا صادقين أن محمدا تقوله .

أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون أم عندهم خزائن ربك أم هم المصيطرون أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان مبين أم له البنات ولكم البنون أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أم عندهم الغيب فهم يكتبون أم يريدون كيدا فالذين كفروا هم المكيدون أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون

قوله تعالى: أم خلقوا من غير شيء فيه أربعة أقوال . [ ص: 56 ] أحدها: أم خلقوا من غير رب خالق؟

والثاني: أم خلقوا من غير آباء ولا أمهات، فهم كالجماد لا يعقلون؟

والثالث: أم خلقوا من غير شيء كالسماوات والأرض؟ أي: إنهم ليسوا بأشد خلقا من السماوات والأرض، لأنها خلقت من غير شيء وهم خلقوا من آدم وآدم من تراب .

والرابع: أم خلقوا لغير شيء؟ فتكون "من" بمعنى اللام . والمعنى: ما خلقوا عبثا فلا يؤمرون ولا ينهون .

قوله تعالى: أم هم الخالقون فلذلك لا يأتمرون ولا ينتهون؟ لأن الخالق لا يؤمر ولا ينهى .

قوله: تعالى بل لا يوقنون بالحق، وهو توحيد الله وقدرته على البعث . قوله تعالى: أم عندهم خزائن ربك فيه ثلاثة أقوال . أحدها: المطر والرزق، قاله ابن عباس . والثاني: النبوة، قاله عكرمة . والثالث: علم ما يكون من الغيب، ذكره الثعلبي .

وقال الزجاج: المعنى: أعندهم ما في خزائن ربك من العلم، وقيل: من الرزق، فهم معرضون عن ربهم لاستغنائهم؟!

قوله تعالى: أم هم المصيطرون قرأ ابن كثير: "المسيطرون" بالسين . وقال ابن عباس: المسلطون . قال أبو عبيدة: "المصيطرون": الأرباب . يقال: تسيطرت علي، أي: اتخذتني خولا، قال: ولم يأت في كلام العرب اسم على "مفيعل" إلا خمسة أسماء: مهيمن، ومجيمر، ومسيطر، ومبيطر، ومبيقر; فالمهيمن: الله الناظر المحصي الذي لا يفوته [ ص: 57 ] شيء; ومجيمر: جبل; والمسيطر: المسلط; ومبيطر: بيطار; والمبيقر: الذي يخرج من أرض إلى أرض، يقال: بيقر: إذا خرج من بلد إلى بلد . قال امرؤ القيس:


ألا هل أتاها والحوادث جمة بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا؟


قال الزجاج: المسيطرون: الأرباب المسلطون، يقال: قد تسيطر علينا وتصيطر: بالسين والصاد، والأصل السين، وكل سين بعدها طاء، فيجوز أن تقلب صادا، تقول سطر وصطر، وسطا علينا وصطا . قال المفسرون: معنى الكلام: أم هم الأرباب فيفعلون ما شاؤوا ولا يكونون تحت أمر ولا نهى؟!

قوله تعالى: أم لهم سلم أي: مرقى ومصعد إلى السماء يستمعون فيه أي: عليه الوحي، كقوله: في جذوع النخل [طه: 71] فالمعنى: يستمعون [الوحي] فيعلمون أن ما هم عليه حق فليأت مستمعهم إن ادعى ذلك بسلطان مبين أي، بحجة واضحة كما أتى محمد بحجة على قوله .

أم له البنات ولكم البنون هذا إنكار عليهم حين جعلوا لله البنات .

أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون أي: هل سألتهم أجرا على ما جئت به، فأثقلهم ذلك الذي تطلبه منهم فمنعهم عن الإسلام؟ والمغرم بمعنى الغرم، وقد شرحناه في [براءة: 98] .

قوله تعالى: أم عندهم الغيب هذا جواب لقولهم: نتربص به ريب المنون والمعنى: أعندهم الغيب؟ وفيه قولان .

أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، فهم يكتبون ما فيه ويخبرون الناس . قاله ابن عباس .

[ ص: 58 ] والثاني: أعندهم علم الغيب فيعلمون أن محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون أي، يحكمون فيقولون: سنقهرك . والكتاب: الحكم; ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "سأقضي بينكما بكتاب الله" أي: بحكم الله عز وجل; وإلى هذا المعنى: ذهب ابن قتيبة .

قوله تعالى: أم يريدون كيدا وهو ما كانوا عزموا عليه في دار الندوة; وقد شرحنا ذلك في قوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا [الأنفال: 30] ومعنى هم المكيدون هم المجزيون بكيدهم، لأن ضرر ذلك عاد عليهم فقتلوا ببدر وغيرها .

أم لهم إله غير الله أي ألهم إله يرزقهم ويحفظهم غير الله؟ والمعنى أن الأصنام ليست بآلهة، لأنها لا تنفع ولا تدفع . ثم نزه نفسه عن شركهم بباقي الآية .

وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ولا هم ينصرون [ ص: 59 ] وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم

ثم ذكر عنادهم فقال: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا والمعنى: لو سقط بعض السماء عليهم لما انتهوا عن كفرهم، ولقالوا: هذه قطعة من السحاب قد ركم بعضه على بعض .

فذرهم أي: خل عنهم حتى يلاقوا قرأ أبو جعفر "يلقوا" بفتح الياء والقاف وسكون اللام من غير ألف يومهم وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه يوم موتهم . والثاني: يوم القيامة . والثالث: يوم النفخة الأولى .

قوله تعالى: يصعقون قرأ عاصم، وابن عامر: "يصعقون" برفع الياء، من أصعقهم غيرهم; والباقون بفتحها، من صعقوهم .

وفي قوله يصعقون قولان .

أحدهما: يموتون . والثاني: يغشى عليهم، كقوله: وخر موسى صعقا [الأعراف: 143]، وهذا يخرج على قول من قال: هو يوم القيامة، فإنهم يغشى عليهم من الأهوال . وذكر المفسرون أن هذه الآية منسوخة بآية السيف، ولا يصح، لأن معنى الآية الوعيد .

قوله تعالى: يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا هذا اليوم الأول; والمعنى: لا ينفعهم مكرهم ولا يدفع عنهم العذاب ولا هم ينصرون أي: يمنعون من العذاب .

قوله تعالى: وإن للذين ظلموا أي: أشركوا عذابا دون ذلك أي، قبل ذلك اليوم; وفيه أربعة أقوال .

[ ص: 60 ] أحدها: أنه عذاب القبر، قاله البراء، وابن عباس . والثاني: عذاب القتل يوم بدر، وروي عن ابن عباس أيضا، وبه قال مقاتل . والثالث: مصائبهم في الدنيا، قاله الحسن، وابن زيد . والرابع: عذاب الجوع، قاله مجاهد .

قوله تعالى: ولكن أكثرهم لا يعلمون أي: لا يعلمون ما هو نازل بهم .

واصبر لحكم ربك أي: لما يحكم به عليك فإنك بأعيننا قال الزجاج: فإنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، فلا يصلون إلى مكروهك . وذكر المفسرون: أن معنى الصبر نسخ بآية السيف، ولا يصح، لأنه لا تضاد .

وسبح بحمد ربك حين تقوم فيه ستة أقوال .

أحدها: صل لله حين تقوم من منامك، قاله ابن عباس .

والثاني: قل: "سبحانك اللهم وبحمدك" حين تقوم من مجلسك، قاله عطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد في آخرين .

والثالث: قل: "سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك" حين تقوم في الصلاة، قاله الضحاك .

والرابع: سبح الله إذا قمت من نومك، قاله حسان بن عطية .

والخامس: صل صلاة الظهر إذا قمت من نوم القائلة، قاله زيد بن أسلم .

والسادس: اذكر الله بلسانك حين تقوم من فراشك إلى أن تدخل في الصلاة، قاله ابن السائب .

قوله تعالى: ومن الليل فسبحه قال مقاتل: صل المغرب وصل العشاء وإدبار النجوم قرأ زيد عن يعقوب، وهارون عن أبي عمرو، والجعفي [ ص: 61 ] عن أبي بكر: "وأدبار النجوم" بفتح الهمزة; [وقرأ] الباقون بكسرها . وقد شرحناها في (ق: 40); والمعنى: صل له في إدبار النجوم، أي: حين تدبر، أي: تغيب بضوء الصبح . وفي هذه الصلاة قولان .

أحدهما: أنها الركعتان قبل صلاة الفجر، رواه علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول الجمهور .

والثاني: أنها صلاة الغداة، قاله الضحاك، وابن زيد .







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:21 AM.
رد مع اقتباس
  #3  
قديم 23-06-2024, 06:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ النجم
الحلقة (506)
صــ 61 إلى صــ 75



سورة النجم

وهي مكية بإجماعهم

إلا أنه قد حكي عن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: إلا آية منها، وهي "الذين يجتنبون كبائر الإثم" [النجم: 32]، وكذلك قال مقاتل; [قال]: وهذه أول سورة أعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة .

بسم الله الرحمن الرحيم

والنجم إذا هوى ما ضل صاحبكم وما غوى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى

قوله تعالى: والنجم إذا هوى هذا قسم . وفي المراد بالنجم خمسة أقوال .

أحدها: أنه الثريا، رواه العوفي عن ابن عباس، وابن أبي نجيح عن مجاهد . قال ابن قتيبة: والعرب تسمي الثريا - وهي ستة أنجم- نجما . وقال غيره: هي سبعة، فستة ظاهرة، وواحد خفي يمتحن به الناس أبصارهم .

والثاني: الرجوم من النجوم ، يعني ما يرمى به الشياطين، رواه عكرمة عن ابن عباس .

والثالث: أنه القرآن نزل نجوما متفرقة، قاله عطاء عن ابن عباس .

[ ص: 63 ] والأعمش عن مجاهد . وقال مجاهد: كان ينزل نجوما ثلاث آيات وأربع آيات ونحو ذلك .

والرابع: نجوم السماء كلها، وهو مروي عن مجاهد أيضا . والخامس: أنها الزهرة: قاله السدي .

فعلى قول من قال: النجم: الثريا، يكون "هوى" بمعنى "غاب"; ومن قال: هو الرجوم، يكون هويها في رمي الشياطين، ومن قال: القرآن . يكون معنى "هوى": نزل، ومن قال: نجوم السماء كلها، ففيه قولان .

أحدهما: أن هويها أن تغيب . والثاني: أن تنتثر يوم القيامة .

قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر هذه السورة كلها بفتح أواخر آياتها . وقرأ أبو عمرو ونافع بين الفتح والكسر . وقرأ حمزة والكسائي ذلك كله بالإمالة .

قوله تعالى: ما ضل صاحبكم هذا جواب القسم; والمعنى: ما ضل عن طريق الهدى، والمراد به: رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وما ينطق عن الهوى أي: ما يتكلم بالباطل . وقال أبو عبيدة: "عن" بمعنى الباء . وذلك أنهم قالوا: إنه يقول القرآن من تلقاء نفسه .

إن هو أي: ما القرآن إلا وحي من الله يوحى وهذا مما يحتج به من لا يجيز للنبي أن يجتهد، وليس كما ظنوا، لأن اجتهاد الرأي إذا صدر عن الوحي، جاز أن ينسب إلى الوحي .

علمه شديد القوى ذو مرة فاستوى وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى ما كذب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة [ ص: 64 ] المنتهى عندها جنة المأوى إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى من آيات ربه الكبرى

قوله تعالى: علمه شديد القوى وهو جبريل عليه السلام علم النبي صلى الله عليه وسلم; قال ابن قتيبة: وأصل هذا من "قوى الحبل" وهي طاقاته، الواحدة: قوة ذو مرة أي: ذو قوة ، وأصل المرة: الفتل . قال المفسرون: وكان من قوته أنه قلع قريات لوط وحملها على جناحه فقلبها، وصاح بثمود فأصبحوا خامدين .

قوله تعالى: فاستوى وهو بالأفق الأعلى فيه قولان .

أحدهما: فاستوى جبريل، "وهو" يعني النبي صلى الله عليه وسلم; والمعنى أنهما استويا بالأفق الأعلى لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الفراء .

[ ص: 65 ] والثاني: فاستوى جبريل، وهو- يعني جبريل- بالأفق الأعلى على صورته الحقيقية، لأنه كان يتمثل لرسول الله صلى الله عليه وسلم إذا هبط عليه بالوحي في صورة رجل، وأحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يراه على حقيقته، فاستوى في أفق المشرق، فملأ الأفق; فيكون المعنى: فاستوى جبريل بالأفق الأعلى في صورته، هذا قول الزجاج . قال مجاهد : والأفق الأعلى: هو مطلع الشمس . وقال غيره: إنما قيل له: "الأعلى" لأنه فوق جانب المغرب في صعيد الأرض لا في الهواء .

قوله تعالى: ثم دنا فتدلى قال الفراء: المعنى ثم تدلى فدنا، ولكنه جائز أن تقدم أي الفعلين شئت إذا كان المعنى فيهما واحدا، فتقول: قد دنا فقرب، وقرب فدنا، وشتم فأساء، وأساء فشتم، ومنه قوله: اقتربت الساعة وانشق القمر [القمر: 1] المعنى- والله أعلم-: انشق القمر واقتربت الساعة . قال ابن قتيبة، المعنى: تدلى فدنا، لأنه تدلى للدنو، ودنا بالتدلي . وقال الزجاج: دنا بمعنى قرب، وتدلى: زاد في القرب، ومعنى اللفظتين واحد . وقال غيرهم: أصل التدلي: النزول إلى الشيء حتى يقرب منه، فوضع موضع القرب .

وفي المشار إليه بقوله: "ثم دنا" ثلاثة أقوال .

أحدها، أنه الله عز وجل . روى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث شريك بن أبي نمر عن أنس بن مالك قال: دنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى . وروى أبو سلمة عن ابن عباس: "ثم دنا" [ ص: 66 ] قال: دنا ربه فتدلى، وهذا اختيار مقاتل . قال: دنا الرب من محمد ليلة أسري به، فكان منه قاب قوسين أو أدنى . وقد كشفت هذا الوجه في كتاب "المغني" وبينت أنه ليس كما يخطر بالبال من قرب الأجسام وقطع المسافة، لأن ذلك يختص بالأجسام، والله منزه عن ذلك .

والثاني: أنه محمد دنا من ربه، قاله ابن عباس، والقرظي .

والثالث: أنه جبريل . ثم في الكلام قولان .

أحدهما: دنا جبريل بعد استوائه بالأفق الأعلى من الأرض، فنزل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قاله الحسن، وقتادة . والثاني: دنا جبريل من ربه عز وجل فكان منه قاب قوسين أو أدنى، قاله مجاهد .

قوله تعالى: فكان قاب قوسين أو أدنى وقرأ ابن مسعود، وأبو رزين: "فكان قاد قوسين" بالدال . وقال أبو عبيدة: القاب والقاد: القدر . وقال [ ص: 67 ] ابن فارس: القاب: القدر . ويقال: بل القاب: ما بين المقبض والسية، ولكل قوس قابان . وقال ابن قتيبة: سية القوس: ما عطف من طرفيها .

وفي المراد بالقوسين قولان .

أحدهما: أنها القوس التي يرمى بها، قاله ابن عباس، واختاره ابن قتيبة، فقال: قدر قوسين . وقال الكسائي: أراد بالقوسين: قوسا واحدا .

والثاني: أن القوس: الذراع; فالمعنى: كان بينهما قدر ذراعين، حكاه ابن قتيبة، وهو قول ابن مسعود، وسعيد بن جبير، والسدي . قال ابن مسعود: دنا جبريل منه حتى كان قدر ذراع أو ذراعين .

قوله تعالى: أو أدنى فيه قولان .

أحدهما: أنها بمعنى "بل"، قاله مقاتل . والثاني: أنهم خوطبوا على لغتهم; والمعنى: كان على ما تقدرونه أنتم قدر قوسين أو أقل، هذا اختيار الزجاج .

قوله تعالى: فأوحى إلى عبده ما أوحى فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أوحى الله إلى محمد كفاحا بلا واسطة، وهذا على قول من يقول: إنه كان في ليلة المعراج .

والثاني: أوحى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما أوحى الله إليه، رواه عطاء عن ابن عباس .

والثالث: أوحى [الله] إلى جبريل ما يوحيه، روي عن عائشة رضي الله عنها، والحسن، وقتادة . [ ص: 68 ] قوله تعالى: ما كذب الفؤاد ما رأى قرأ أبو جعفر ، وهشام عن ابن عامر، وأبان عن عاصم: " ما كذب" بتشديد الذال; وقرأ الباقون بالتخفيف . فمن شدد أراد: ما أنكر فؤاده ما رأته عينه; ومن خفف أراد: ما أوهمه فؤاده أنه رأى، ولم ير، بل صدق الفؤاد رؤيته .

وفي الذي رأى قولان .

أحدهما: أنه رأى ربه عز وجل، قاله ابن عباس، [وأنس] والحسن، وعكرمة .

والثاني: أنه رأى جبريل في صورته التي خلق عليها، قاله ابن مسعود وعائشة .

قوله تعالى: "أفتمارونه" . وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وخلف، ويعقوب: "أفتمرونه" . قال ابن قتيبة: معنى "أفتمارونه" أفتجادلونه، من المراء، ومعنى " أفتمرونه ": أفتجحدونه .

قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى قال الزجاج: أي: رآه مرة أخرى . قال ابن عباس: رأى محمد ربه; وبيان هذا أنه تردد لأجل الصلوات مرارا، فرأى ربه في بعض تلك المرات مرة أخرى . قال كعب: إن الله تعالى قسم كلامه ورؤيته بين محمد وموسى، فرآه محمد مرتين، وكلمه موسى مرتين . وقد [ ص: 69 ] روي عن ابن مسعود أن هذه الرؤية لجبريل أيضا، رآه على صورته التي خلق عليها .

فأما سدرة المنتهى، فالسدرة: شجرة النبق، وقد صح في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "نبقها مثل قلال هجر، وورقها مثل آذان الفيلة" . وفي مكانها قولان .

أحدهما: أنها فوق السماء السابعة، وهذا مذكور في "الصحيحين" من حديث مالك بن صعصعة . قال مقاتل: وهي عن يمين العرش .

والثاني: أنها في السماء السادسة، أخرجه مسلم في أفراده عن ابن مسعود وبه قال الضحاك . قال المفسرون: وإنما سميت سدرة المنتهى، لأنه إليها منتهى ما يصعد به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها فيقبض منها، وإليها ينتهي علم جميع الملائكة .

قوله تعالى: عندها وقرأ معاذ القارئ، وابن يعمر، وأبو نهيك: "عنده" بهاء مرفوعة على ضمير مذكر جنة المأوى قال ابن عباس: هي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة . وقال الحسن: هي التي يصير إليها أهل الجنة . وقال مقاتل: هي جنة إليها تأوي أرواح الشهداء . وقرأ سعيد بن المسيب، والشعبي، وأبو المتوكل ، وأبو الجوزاء، وأبو العالية: "جنه المأوى" بهاء [ ص: 70 ] صحيحة مرفوعة . قال ثعلب: يريدون أجنه، وهي شاذة . وقيل: معنى "عندها": أدركه المبيت يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قوله تعالى: إذ يغشى السدرة ما يغشى روى مسلم في أفراده من حديث ابن مسعود قال: غشيها فراش من ذهب . وفي حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لما غشيها من أمر الله ما غشيها، تغيرت، فما أحد من خلق الله يستطيع أن يصفها من حسنها . وقال الحسن، ومقاتل: تغشاها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة . وقال الضحاك: [غشيها] نور رب العالمين .

قوله تعالى: ما زاغ البصر أي: ما عدل بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا وما طغى أي: ما زاد ولا جاوز ما رأى; وهذا وصف أدبه صلى الله عليه وسلم في ذلك المقام .

لقد رأى من آيات ربه الكبرى فيه قولان . أحدهما: [لقد] رأى من آيات ربه العظام . والثاني: لقد رأى من آيات ربه [الآية] الكبرى . [ ص: 71 ] وللمفسرين في المراد بما رأى من الآيات ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه رأى رفرفا أخضر من الجنة قد سد الأفق، قاله ابن مسعود .

والثاني: أنه رأى جبريل في صورته التي يكون عليها في السماوات، قاله ابن زيد .

والثالث: أنه رأى من أعلام ربه وأدلته [الأعلام والأدلة] الكبرى، قاله ابن جرير .

أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى أم للإنسان ما تمنى فلله الآخرة والأولى وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى

قال الزجاج: فلما قص الله تعالى هذه الأقاصيص قال: أفرأيتم اللات والعزى المعنى: أخبرونا عن هذه الآلهة التي تعبدونها هل لها من القدرة والعظمة التي وصف بها رب العزة شيء؟!

فأما "اللات" فقرأ الجمهور بتخفيف التاء، وهو اسم صنم كان لثقيف اتخذوه من دون الله، وكانوا يشتقون لأصنامهم من أسماء الله تعالى، فقالوا من "الله": اللات، ومن "العزيز": العزى . قال أبو سليمان الخطابي: كان [ ص: 72 ] المشركون يتعاطون "الله" اسما لبعض أصنامهم، فصرفه الله إلى اللات صيانة لهذا الاسم وذبا عنه . وقرأ ابن عباس، وأبو رزين، وأبو عبد الرحمن السلمي، والضحاك، وابن السميفع، ومجاهد، وابن يعمر، والأعمش، وورش عن يعقوب: "اللات" بتشديد التاء; ورد في تفسير ذلك عن ابن عباس ومجاهد أن رجلا كان يلت السويق للحاج، فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه . وقال الزجاج: زعموا أن رجلا كان يلت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمي الصنم: اللات . وكان الكسائي يقف عليه بالهاء، فيقول: "اللاه"; وهذا قياس، والأجود الوقوف بالتاء، لاتباع المصحف .

وأما "العزى" ففيها قولان .

أحدهما: أنها شجرة لغطفان كانوا يعبدونها، قاله مجاهد .

والثاني: صنم لهم، قاله الضحاك . قال: وأما "مناة" فهو صنم لهذيل وخزاعة يعبده أهل مكة . وقال قتادة: بل كانت للأنصار . وقال أبو عبيدة: كانت اللات والعزى ومناة أصناما من حجارة في جوف الكعبة يعبدونها . وقرأ ابن كثير: "ومناءة" ممدودة مهموزة .

فأما قوله: (الثالثة) فإنه نعت لـ "مناة"، هي ثالثة الصنمين في الذكر، "والأخرى" نعت لها . قال الثعلبي: العرب لا تقول للثالثة: الأخرى، وإنما الأخرى نعت للثانية; فيكون في المعنى وجهان .

أحدهما: أن ذلك لوفاق رؤوس الآي، كقوله مآرب أخرى [طه: 18] ولم يقل، أخر، قاله الخليل .

[ ص: 73 ] والثاني: أن في الآية تقديما وتأخيرا تقديره: أفرأيتم اللات والعزى الأخرى ومناة الثالثة، قاله الحسين بن الفضل .

قوله تعالى: ألكم الذكر قال ابن السائب: إن مشركي قريش قالوا للأصنام والملائكة: بنات الله، وكان الرجل منهم إذا بشر بالأنثى كره، فقال الله تعالى منكرا عليهم: ألكم الذكر وله الأنثى ؟! يعني الأصنام وهي [إناث] في أسمائها .

تلك إذا قسمة ضيزى قرأ عاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ["ضيزى"] بكسر الضاد من غير همز; وافقهم ابن كثير [في] كسر الضاد، لكنه همز . وقرأ أبي بن كعب ، ومعاذ القارئ: "ضيزى" بفتح الضاد من غير همز . قال الزجاج: الضيزى في كلام العرب: الناقصة الجائرة، يقال: ضازه يضيزه: إذا نقصه حقه، ويقال: ضأزه يضأزه بالهمز . وأجمع النحويون أن أصل ضيزى: ضوزى، وحجتهم أنها نقلت من "فعلى" من ضوزى إلى ضيزى، لتسلم الياء، كما قالوا: أبيض وبيض، وأصله: بوض، فنقلت الضمة إلى الكسرة . وقرأت على بعض العلماء باللغة: في "ضيزى" لغات; يقال: ضيزى، وضوزى، وضؤزى، وضأزى على "فعلى" مفتوحة، ولا يجوز في القرآن إلا "ضيزى" بياء غير مهموزة; وإنما لم يقل النحويون: إنها على أصلها لأنهم لا يعرفون في الكلام "فعلى" صفة، إنما يعرفون الصفات على "فعلى" بالفتح، نحو سكرى وغضبى، أو بالضم، نحو حبلى وفضلى .

قوله تعالى: إن هي يعني الأوثان إلا أسماء والمعنى: إن هذه الأوثان [ ص: 74 ] التي سموها بهذه الأسامي لا معنى تحتها، لأنها لا تضر ولا تنفع، فهي تسميات ألقيت على جمادات، ما أنزل الله بها من سلطان أي: لم ينزل كتابا فيه حجة بما يقولون: إنها آلهة . ثم رجع إلى الإخبار عنهم بعد الخطاب لهم فقال: إن يتبعون في أنها آلهة، إلا الظن وما تهوى الأنفس وهو ما زين لهم الشيطان، ولقد جاءهم من ربهم الهدى وهو البيان بالكتاب والرسول، وهذا تعجيب من حالهم إذ لم يتركوا عبادتها بعد وضوح البيان .

ثم أنكر عليهم تمنيهم شفاعتها فقال: أم للإنسان يعني الكافر ما تمنى من شفاعة الأصنام فلله الآخرة والأولى أي لا يملك فيهما أحد شيئا إلا بإذنه . ثم أكد هذا بقوله: وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا فجمع في الكناية، لأن معنى الكلام الجمع إلا من بعد أن يأذن الله في الشفاعة لمن يشاء ويرضى والمعنى أنهم لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنهم .

إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى

قوله تعالى إن الذين لا يؤمنون بالآخرة أي: بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الأنثى وذلك حين زعموا أنها بنات الله، وما لهم بذلك، من علم أي: ما يستيقنون أنها إناث إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا أي: لا يقوم مقام العلم; فالحق ها هنا بمعنى العلم .

[ ص: 75 ] فأعرض عن من تولى عن ذكرنا يعني القرآن; وهذا عند المفسرين منسوخ بآية السيف .

قوله تعالى ذلك مبلغهم من العلم قال الزجاج: إنما يعلمون ما يحتاجون إليه في معايشهم، وقد نبذوا أمر الآخرة .

قوله تعالى هو أعلم بمن ضل عن سبيله . . . الآية; والمعنى أنه عالم بالفريقين فيجازيهم .







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:24 AM.
رد مع اقتباس
  #4  
قديم 23-06-2024, 06:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ النجم
الحلقة (507)
صــ 76 إلى صــ 90






ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى

قوله تعالى ولله ما في السماوات وما في الأرض هذا إخبار عن قدرته وسعة ملكه، وهو كلام معترض بين الآية الأولى وبين قوله: ليجزي الذين أساءوا لأن اللام في "ليجزي" متعلقة بمعنى الآية الأولى، لأنه إذا كان أعلم بهما، جازى كلا بما يستحقه، وهذه لام العاقبة، وذلك أن علمه بالفريقين أدى إلى جزائهم باستحقاقهم، وإنما يقدر على مجازاة الفريقين إذا كان واسع الملك، فلذلك أخبر به في قوله: ولله ما في السماوات وما في الأرض قال المفسرون: "وأساؤوا" بمعنى أشركوا، "وأحسنوا" بمعنى وحدوا . والحسنى: الجنة . والكبائر مذكورة في سورة (النساء: 31) وقيل: كبائر الإثم: كل ذنب ختم بالنار، والفواحش: كل ذنب فيه الحد . وقرأ حمزة، والكسائي، والمفضل، وخلف: "يجتنبون كبير الإثم" ، واللمم في كلام العرب: المقاربة للشيء . وفي المراد به ها هنا ستة أقوال .

[ ص: 76 ] أحدها: ما ألموا به من الإثم والفواحش في الجاهلية، فإنه يغفر في الإسلام، قاله زيد بن ثابت .

والثاني: أن يلم بالذنب مرة ثم يتوب ولا يعود، قاله ابن عباس، والحسن، والسدي .

والثالث: أنه صغار الذنوب، كالنظرة والقبلة وما كان دون الزنا، قاله ابن مسعود، وأبو هريرة، والشعبي، ومسروق، ويؤيد هذا حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تشتهي وتتمنى، ويصدق ذلك ويكذبه الفرج، فإن تقدم بفرجه كان الزنا، وإلا فهو اللمم .

والرابع: أنه ما يهم به الإنسان، قاله محمد بن الحنفية .

والخامس: أنه ألم بالقلب، أي: خطر، قاله سعيد بن المسيب .

والسادس: أنه النظر من غير تعمد، قاله الحسين بن الفضل . فعلى القولين [الأولين] يكون الاستثناء من الجنس، وعلى باقي الأقوال ليس من الجنس .

قوله تعالى: إن ربك واسع المغفرة قال ابن عباس: لمن فعل ذلك ثم تاب . وها هنا تم الكلام . ثم قال: هو أعلم بكم يعني قبل خلقكم إذ أنشأكم من الأرض يعني آدم عليه السلام وإذ أنتم أجنة جمع جنين; والمعنى أنه علم ما تفعلون وإلى ماذا تصيرون؟، فلا تزكوا أنفسكم أي: لا تشهدوا لها أنها زكية بريئة من المعاصي . وقيل: لا تمدحوها بحسن أعمالها . وفي سبب نزول هذه الآية قولان .

[ ص: 77 ] أحدهما: أن اليهود كانوا إذا هلك لهم صبي، قالوا: صديق، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة رضي الله عنها .

والثاني: أن ناسا من المسلمين قالوا: قد صلينا وصمنا وفعلنا، يزكون أنفسهم، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل .

قوله تعالى: هو أعلم بمن اتقى فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: عمل حسنة وارعوى عن معصية، قاله علي رضي الله عنه .

والثاني: أخلص العمل لله، قاله الحسن . والثالث: اتقى الشرك فآمن، قاله الثعلبي .

أفرأيت الذي تولى وأعطى قليلا وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى ألا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى ثم يجزاه الجزاء الأوفى

قوله تعالى: أفرأيت الذي تولى اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال .

أحدها: أنه الوليد بن المغيرة، وكان قد تبع رسول الله صلى الله عليه وسلم على دينه، فعيره بعض المشركين، وقال: تركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله، فضمن له إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله عز وجل ففعل، فأعطاه بعض الذي ضمن له، ثم بخل ومنعه، فنزلت هذه الآية، قاله مجاهد، وابن زيد .

[ ص: 78 ] والثاني: أنه النضر بن الحارث أعطى بعض الفقراء المسلمين خمس قلائص حتى ارتد عن إسلامه، وضمن له أن يحمل عنه إثمه، قاله الضحاك .

والثالث: أنه أبو جهل، وذلك أنه قال: والله ما يأمرنا محمد إلا بمكارم الأخلاق، قاله محمد بن كعب القرظي .

والرابع: أنه العاص بن وائل السهمي، وكان ربما وافق رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض الأمور، قاله السدي .

ومعنى "تولى": أعرض عن الإيمان . وأعطى قليلا فيه أربعة أقوال .

أحدها: أطاع قليلا ثم عصى . قاله ابن عباس . والثاني: أعطى قليلا من نفسه بالاستماع ثم أكدى بالانقطاع، قاله مجاهد . والثالث: أعطى قليلا من ماله ثم منع، قاله الضحاك . والرابع: أعطى قليلا من الخير بلسانه ثم قطع، قاله مقاتل . قال ابن قتيبة: ومعنى "أكدى": قطع، وهو من كدية الركية، وهي الصلابة فيها، وإذا بلغها الحافر يئس من حفرها، فقطع الحفر، فقيل لكل من طلب شيئا فلم يبلغ آخره، أو أعطى ولم يتم: أكدى .

قوله تعالى: أعنده علم الغيب فهو يرى فيه قولان .

أحدهما: فهو يرى حاله في الآخرة، قاله الفراء . والثاني: فهو يعلم ما غاب عنه من أمر الآخرة وغيرها، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى: أم لم ينبأ بما في صحف موسى يعني التوراة، "وإبراهيم" أي: وصحف إبراهيم . وفي حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أنزل [ ص: 79 ] على إبراهيم عشر صحائف، وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف .

قوله تعالى: الذي وفى قرأ سعيد بن جبير ، وأبو عمران الجوني، وابن السميفع اليماني "وفى" بتخفيف الفاء . قال الزجاج: قوله: "وفى" أبلغ من "وفى" لأن الذي امتحن به من أعظم المحن . وللمفسرين في الذي وفى عشرة أقوال .

أحدها: أنه وفى عمل يومه بأربع ركعات في أول النهار، رواه أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

والثاني: أنه وفى في كلمات كان يقولها . روى سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله [الذي وفى]؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: "فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون . . . " [الروم: 17] وختم الآية .

[ ص: 80 ] والثالث: أنه وفى الطاعة فيما فعل بابنه، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال القرظي .

والرابع: أنه وفى ربه جميع شرائع الإسلام، روى هذا المعنى عكرمة عن ابن عباس .

والخامس: أنه وفى ما أمر به من تبليغ الرسالة، روي عن ابن عباس أيضا .

والسادس: أنه عمل بما أمر به، قاله الحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وقال مجاهد: وفى ما فرض عليه .

والسابع: أنه وفى بتبليغ هذه الآيات، وهي: "ألا تزر وازرة وزر أخرى" وما بعدها، وهذا مروي عن عكرمة، ومجاهد، والنخعي .

والثامن: وفى شأن المناسك، قاله الضحاك .

والتاسع: أنه عاهد أن لا يسأل مخلوقا شيئا، فلما قذف في النار قال له جبريل، ألك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا، فوفى بما عاهد، ذكره عطاء بن السائب .

والعاشر: أنه أدى الأمانة، قاله سفيان بن عيينة .

ثم بين ما في صحفهما فقال: ألا تزر وازرة وزر أخرى أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى; والمعنى: لا تؤخذ بإثم غيرها .

وأن ليس للإنسان إلا ما سعى قال الزجاج: هذا في صحفهما أيضا . ومعناه: ليس للإنسان إلا جزاء سعيه، إن عمل خيرا جزي عليه خيرا، وإن عمل شرا جزي شرا . واختلف العلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال .

[ ص: 81 ] أحدها: أنها منسوخة بقوله: ( وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان) [الطور: 21] فأدخل الأبناء الجنة بصلاح الآباء، قاله ابن عباس، ولا يصح، لأن لفظ الآيتين لفظ خبر، والأخبار لا تنسخ .

والثاني: أن ذلك كان لقوم إبراهيم وموسى، وأما هذه الأمة فلهم ما سعوا وما سعى غيرهم، قاله عكرمة واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة التي سألته: إن أبي مات ولم يحج، فقال: "حجي عنه" .

والثالث: أن المراد بالإنسان ها هنا: الكافر، فأما المؤمن، فله ما سعى وما سعي له، قاله الربيع بن أنس .

والرابع: أنه ليس للإنسان إلا ما سعى من طريق العدل، فأما من باب الفضل، فجائز أن يزيده الله عز وجل ما يشاء، قاله الحسين بن الفضل .

والخامس: أن معنى "ما سعى": ما نوى، قاله أبو بكر الوراق .

والسادس: ليس للكافر من الخير إلا ما عمله في الدنيا، فيثاب عليه فيها حتى لا يبقى له في الآخرة خير، ذكره الثعلبي .

والسابع: أن اللام بمعنى "على" فتقديره: ليس على الإنسان إلا ما سعى .

والثامن: أنه ليس له إلا سعيه غير أن الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل قرابة وولد يترحم عليه وصديق، وتارة يسعى في خدمة الدين [ ص: 82 ] والعبادة، فيكتسب محبة أهل الدين، فيكون ذلك سببا حصل بسعيه، حكى القولين شيخنا علي بن عبيد الله الزاغوني .

قوله تعالى: وأن سعيه سوف يرى فيه قولان .

أحدهما: سوف يعلم، قاله ابن قتيبة .

والثاني: سوف يرى العبد سعيه يوم القيامة، أي: يرى عمله في ميزانه، قاله الزجاج .

قوله تعالى يجزاه الهاء عائدة على السعي الجزاء الأوفى أي: الأكمل الأتم .

وأن إلى ربك المنتهى وأنه هو أضحك وأبكى وأنه هو أمات وأحيا وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى وأن عليه النشأة الأخرى وأنه هو أغنى وأقنى وأنه هو رب الشعرى وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى وقوم نوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى والمؤتفكة أهوى فغشاها ما غشى فبأي آلاء ربك تتمارى

وأن إلى ربك المنتهى أي: منتهى العباد ومرجعهم . قال الزجاج: هذا كله في صحف إبراهيم وموسى .

قوله تعالى: وأنه هو أضحك وأبكى قالت عائشة: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم يضحكون، فقال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا، فنزل جبريل عليه السلام بهذه الآية، فرجع إليهم، فقال: [ ص: 83 ] ما خطوت أربعين خطوة حتى أتاني جبريل، فقال ائت هؤلاء فقل لهم إن الله يقول وأنه هو أضحك وأبكى وفي هذا تنبيه على أن جميع الأعمال بقضاء الله وقدره حتى الضحك والبكاء . وقال مجاهد: أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار . وقال الضحاك . أضحك الأرض بالنبات، وأبكى السماء بالمطر .

قوله تعالى وأنه هو أمات في الدنيا وأحيا للبعث .

وأنه خلق الزوجين أي: الصنفين الذكر والأنثى من جميع الحيوانات، من نطفة إذا تمنى فيه قولان .

أحدهما: إذا تراق في الرحم، قاله ابن السائب .

والثاني: إذا تخلق وتقدر . وأن عليه النشأة الأخرى وهي الخلق الثاني للبعث يوم القيامة .

وأنه هو أغنى فيه أربعة أقوال .

أحدها: أغنى بالكفاية، قاله ابن عباس . والثاني: بالمعيشة، قاله الضحاك . والثالث: بالأموال، قاله أبو صالح . والرابع: بالقناعة، قاله سفيان .

وفي قوله: ( أقنى ) ثلاثة أقوال:

أحدها: أرضى بما أعطى، قاله ابن عباس .

والثاني: أخدم، قاله الحسن، وقتادة . وعن مجاهد كالقولين .

والثالث: جعل للإنسان قنية، وهو أصل مال، قاله أبو عبيدة .

[ ص: 84 ] قوله تعالى: وأنه هو رب الشعرى قال ابن قتيبة: هو الكوكب الذي يطلع بعد الجوزاء، وكان ناس من العرب يعبدونها .

قوله تعالى: وأنه أهلك عادا الأولى قرأ ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: "عادا الأولى" منونة . وقرأ نافع، وأبو عمرو: "عادا لولى" موصولة مدغمة . ثم فيهم قولان .

أحدهما: أنهم قوم هود، وكان لهم عقب فكانوا عادا الأخرى، هذا قول الجمهور .

والثاني: أن قوم هود هم عاد الأخرى، وهم من أولاد عاد الأولى، قاله كعب الأحبار . وقال الزجاج: وفي "الأولى" لغات، أجودها سكون اللام وإثبات الهمزة، والتي تليها في الجودة ضم اللام وطرح الهمزة، ومنالعرب من يقول: لولى، يريد: الأولى، فتطرح الهمزة لتحرك اللام .

قوله تعالى: وقوم نوح من قبل أي: من قبل عاد وثمود إنهم كانوا هم أظلم وأطغى من غيرهم، لطول دعوة نوح إياهم وعتوهم .

والمؤتفكة قرى قوم لوط أهوى [أي]: أسقط، وكان الذي تولى ذلك جبريل بعد أن رفعها، وأتبعهم الله بالحجارة، فذلك قوله: فغشاها أي: ألبسها ما غشى يعني الحجارة فبأي آلاء ربك تتمارى هذا خطاب للإنسان، لما عدد الله ما فعله مما يدل على وحدانيته قال: فبأي نعم ربك التي تدل على وحدانيته تتشكك؟ وقال ابن عباس: فبأي آلاء ربك تكذب يا وليد، يعني [الوليد] بن المغيرة .

[ ص: 85 ] هذا نذير من النذر الأولى أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون وأنتم سامدون فاسجدوا لله واعبدوا

قوله تعالى: هذا نذير فيه قولان .

أحدهما: أنه القرآن، نذير بما أنذرت الكتب المتقدمة، قاله قتادة .

والثاني: أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نذير بما أنذرت به الأنبياء، قاله ابن جريج .

قوله تعالى أزفت الآزفة أي: دنت القيامة، ليس لها من دون الله كاشفة فيه قولان .

أحدهما: إذا غشيت الخلق شدائدها وأهوالها لم يكشفها أحد ولم يردها، قاله عطاء، وقتادة، والضحاك .

والثاني: ليس لعلمها كاشف دون الله، أي: لا يعلم علمها إلا الله، قاله الفراء، قال: وتأنيث "كاشفة" كقوله: "هل ترى لهم من باقية" [الحاقة: 8]، يريد: من بقاء; والعافية والباقية والناهية كله في معنى المصدر . وقال غيره: تأنيث "كاشفة" على تقدير: نفس كاشفة .

قوله تعالى: أفمن هذا الحديث قال مقاتل: يعني القرآن تعجبون تكذيبا به، وتضحكون استهزاء ولا تبكون مما فيه من الوعيد؟! ويعني بهذا كفار مكة، وأنتم سامدون فيه خمسة أقوال . [ ص: 86 ] أحدها: لاهون، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الفراء والزجاج . قال أبو عبيدة: يقال: دع عنك سمودك، أي: لهوك .

والثاني: معرضون، قاله مجاهد .

والثالث: أنه الغناء، وهي لغة يمانية، يقولون: اسمد لنا، أي: تغن لنا، رواه عكرمة عن ابن عباس . وقال عكرمة: هو الغناء بالحميرية .

والرابع: غافلون، قاله قتادة .

والخامس: أشرون بطرون، قاله الضحاك .

قوله تعالى فاسجدوا لله فيه قولان .

أحدهما: أنه سجود التلاوة، قاله ابن مسعود .

والثاني: سجود الفرض في الصلاة .

قال مقاتل: يعني بقوله: "فاسجدوا": الصلوات الخمس .

وفي قوله: واعبدوا قولان .

أحدهما: أنه التوحيد . والثاني: العبادة .

سُورَةُ الْقَمَرِ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر مستقر ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر حكمة بالغة فما تغن النذر

وهي مكية بإجماعهم، وقال مقاتل: مكية غير آية سيهزم الجمع [القمر: 45]، وحكي عنه أنه قال: إلا ثلاث آيات، أولها: أم يقولون نحن جميع منتصر إلى قوله: وأمر [القمر: 4446]، قال ابن عباس: اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر فرقتين، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن فعلت تؤمنون؟" قالوا: نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي: "يا فلان يا فلان اشهدوا"، وذلك بمكة قبل الهجرة . وقد روى البخاري ومسلم في "صحيحيهما" من حديث ابن مسعود قال: انشق القمر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شقتين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ ص: 88 ] "اشهدوا" . وقد روى حديث الانشقاق جماعة، منهم عبد الله بن عمر، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عباس، وأنس بن مالك، وعلى هذا جميع المفسرين، إلا أن قوما شذوا فقالوا: سينشق يوم القيامة . وقد روى عثمان بن عطاء عن أبيه نحو ذلك، وهذا القول الشاذ لا يقاوم الإجماع، ولأن قوله: وانشق لفظ ماض، وحمل لفظ الماضي على المستقبل يفتقر إلى قرينة تنقله ودليل، وليس ذلك موجودا . وفي قوله: "وإن يروا آية يعرضوا" دليل على أنه قد كان ذلك . ومعنى اقتربت : دنت; والساعة القيامة . وقال الفراء: فيه تقديم وتأخير، تقديره: انشق القمر واقتربت الساعة . وقال مجاهد: انشق القمر فصار فرقتين، فثبتت فرقة، وذهبت فرقة وراء الجبل . وقال ابن زيد: لما انشق القمر كان يرى نصفه على قعيقعان، والنصف الآخر على أبي قبيس- قال ابن مسعود: لما انشق القمر قالت قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فاسألوا السفار، فسألوهم، فقالوا: نعم قد رأيناه، فأنزل الله عز وجل: "اقتربت الساعة وانشق القمر" .

[ ص: 89 ] قوله تعالى: وإن يروا آية أي: آية تدلهم على صدق الرسول، والمراد بها ها هنا: انشقاق القمر يعرضوا عن التصديق ويقولوا سحر مستمر فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: ذاهب، من قولهم: مر الشيء واستمر: إذا ذهب، قاله مجاهد، وقتادة، والكسائي، والفراء; فعلى هذا يكون المعنى: هذا سحر، والسحر يذهب ولا يثبت .

والثاني: شديد قوي، قاله أبو العالية، والضحاك، وابن قتيبة، قال: وهو مأخوذ من المرة، والمرة: الفتل . والثالث: دائم، حكاه الزجاج .

قوله تعالى: وكذبوا يعني كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وما عاينوا من قدرة الله تعالى واتبعوا أهواءهم ما زين لهم الشيطان وكل أمر مستقر فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أن كل أمر مستقر بأهله، فالخير يستقر بأهل الخير، والشر يستقر بأهل الشر، قاله قتادة .

والثاني: لكل حديث منتهى وحقيقة، قاله مقاتل .

والثالث: أن قرار تكذيبهم مستقر، وقرار تصديق المصدقين مستقر حتى يعلموا حقيقته بالثواب والعقاب، قاله الفراء .

قوله تعالى: ولقد جاءهم يعني أهل مكة من الأنباء أي: من أخبار الأمم المكذبة في القرآن ما فيه مزدجر قال ابن قتيبة: أي: متعظ ومنتهى .

قوله تعالى: حكمة بالغة قال الزجاج: هي مرفوعة لأنها بدل من [ ص: 90 ] "ما" فالمعنى: ولقد جاءهم حكمة بالغة [وإن شئت رفعتها بإضمار هو حكمة بالغة] . و"ما" في قوله فما تغن النذر جائز أن يكون استفهاما بمعنى التوبيخ، فيكون المعنى: أي شيء تغني النذر؟! وجائز أن يكون نفيا، على معنى، فليست تغني النذر . قال المفسرون: والمعنى: جاءهم القرآن وهو حكمة تامة قد بلغت الغاية، فما تغني النذر إذا لم يؤمنوا؟!







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:25 AM.
رد مع اقتباس
  #5  
قديم 23-06-2024, 07:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد


تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الْقَمَرِ
الحلقة (508)
صــ 91 إلى صــ 105





فتول عنهم يوم يدع الداع إلى شيء نكر خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر

فتول عنهم قال الزجاج: هذا وقف التمام، ويوم منصوب بقوله: "يخرجون من الأجداث" . وقال مقاتل: فتول عنهم [إلى] يوم يدع الداعي أثبت هذه الياء في الحالين يعقوب; وافقه أبو جعفر ، وأبو عمرو في الوصل، وحذفها الأكثرون في الحالين . والداعي: إسرافيل ينفخ النفخة الثانية "إلى شيء نكر" وقرأ ابن كثير: "نكر" خفيفة; أي: إلى أمر فظيع . وقال مقاتل: "النكر" بمعنى المنكر، وهو القيامة، وإنما ينكرونه إعظاما له . والتولي المذكور في الآية منسوخ عند المفسرين بآية السيف .

قوله تعالى خشعا أبصارهم قرأ أهل الحجاز، وابن عامر، وعاصم: "خشعا" بضم الخاء وتشديد الشين من غير ألف . وقرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي: "خاشعا" بفتح الخاء وألف بعدها وتخفيف الشين . قال الزجاج: المعنى: يخرجون خشعا، و"خاشعا" منصوب على الحال، وقرأ ابن مسعود: "خاشعة"; ولك في أسماء الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد والتأنيث والجمع; تقول: مررت بشبان حسن أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم،

قال المفسرون: والمعنى أن أبصارهم ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب . والأجداث: القبور، وإنما شبههم بالجراد المنتشر، لأن الجراد لا جهة له يقصدها، [فهو أبدا مختلف بعضه في بعض]، فهم يخرجون فزعين ليس لأحد منهم جهة يقصدها . والداعي: إسرافيل . وقد أثبت ياء "الداعي" في الحالين ابن كثير، ويعقوب; تابعهما في الوصل نافع، وأبو عمرو; والباقون بحذفها في الحالين . وقد بينا معنى "مهطعين" في سورة "إبراهيم: 43" والعسر: الصعب الشديد .

كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر فدعا ربه أني مغلوب فانتصر ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر وحملناه على ذات ألواح ودسر تجري بأعيننا جزاء لمن كان كفر ولقد تركناها آية فهل من مدكر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل منقعر فكيف كان عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر .

قوله تعالى: كذبت قبلهم أي: قبل أهل مكة "قوم نوح فكذبوا عبدنا" نوحا "وقالوا مجنون وازدجر" قال أبو عبيدة: افتعل من زجر .

قال المفسرون: زجروه عن مقالته "فدعا" عليهم نوح "ربه" بـ "أني مغلوب فانتصر" أي: فانتقم لي ممن كذبني .

قال الزجاج: وقرأ عيسى بن عمر النحوي: "إني" بكسر الألف، وفسرها سيبويه فقال: هذا على إرادة القول، فالمعنى: قال: إني مغلوب; ومن فتح، وهو الوجه، فالمعنى: دعا ربه" بـ"أني مغلوب .

قوله تعالى: ففتحنا أبواب السماء قرأ ابن عامر "ففتحنا" بالتشديد . فأما المنهمر، فقال ابن قتيبة: هو الكثير السريع الانصباب، ومنه يقال: همر الرجل: إذا أكثر من الكلام وأسرع . وروى علي رضي الله عنه أن أبواب السماء فتحت بالماء من المجرة، وهي شرج السماء . وعلى ما ذكرنا من القصة في "هود: 44" أن المطر جاءهم، يكون هو المراد بقوله: "ففتحنا أبواب السماء" قال المفسرون: جاءهم الماء من فوقهم أربعين يوما، وفجرت الأرض من تحتهم عيونا أربعين يوما .

"فالتقى الماء" وقرأ أبي بن كعب ، وأبو رجاء ، وعاصم الجحدري: "الماءان" بهمزة وألف ونون مكسورة . وقرأ ابن مسعود: "المايان" بياء وألف ونون مكسورة من غير همز . وقرأ الحسن، وأبو عمران: "الماوان" بواو وألف وكسر النون . قال الزجاج: يعني بالماء: ماء السماء وماء الأرض، ويجوز الماءان، لأن اسم الماء اسم يجمع ماء الأرض وماء السماء .

قوله تعالى: على أمر قد قدر فيه قولان .

أحدهما: كان قدر ماء السماء كقدر ماء الأرض، قاله مقاتل .

والثاني: قد قدر في اللوح المحفوظ، قاله الزجاج . فيكون المعنى: على أمر قد قضي عليهم، وهو الغرق . قوله تعالى: وحملناه يعني نوحا "على ذات ألواح ودسر" قال الزجاج . أي: على سفينة ذات ألواح . قال المفسرون: ألواحها: خشباتها العريضة التي منها جمعت . وفي الدسر أربعة أقوال .

أحدها: أنها المسامير، رواه الوالبي عن ابن عباس، وبه قال قتادة، والقرظي، وابن زيد . وقال الزجاج: الدسر: المسامير والشرط التي تشد بها الألواح، وكل شيء نحو السمر أو إدخال شيء في شيء بقوة وشدة قهر فهو دسر، يقال: دسرت المسمار أدسره وأدسره . والدسر: واحدها دسار، نحو حمار، وحمر .

والثاني: أنه صدر السفينة، سمي بذلك لأنه يدسر الماء، أي: يدفعه، رواه العوفي عن ابن عباس وبه قال الحسن وعكرمة; ومنه الحديث في العنبر أنه شيء دسره البحر، أي: دفعه .

والثالث: أن الدسر: أضلاع السفينة، قاله مجاهد .

والرابع: أن الدسر: طرفاها وأصلها، والألواح: جانباها، قاله الضحاك .

قوله تعالى: تجري بأعيننا أي: بمنظر ومرأى منا "جزاء" قال الفراء: فعلنا به وبهم ما فعلنا من إنجائه وإغراقهم ثوابا لمن كفر به .

وفي المراد بـ "من" ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الله عز وجل، وهو مذهب مجاهد، فيكون المعنى: عوقبوا لله ولكفرهم به .
والثاني: أنه نوح كفر به وجحد أمره، قاله الفراء .

والثالث: أن "من"; بمعنى "ما"; فالمعنى: جزاء لما كان كفر من نعم الله عند الذين أغرقهم، حكاه ابن جرير . وقرأ قتادة: "لمن كان كفر" بفتح الكاف والفاء .

قوله تعالى: ولقد تركناها في المشار إليها قولان .

أحدهما: أنها السفينة، قال قتادة: أبقاها الله على الجودي حتى أدركها أوائل هذه الأمة .

والثاني: أنها الفعلة، فالمعنى: تركنا هذه الفعلة وأمر سفينة نوح آية، أي: علامة ليعتبر بها، "فهل من مدكر" وأصله مدتكر، فأبدلت التاء دالا على ما بينا في قوله: "وادكر بعد أمة" [يوسف: 45] . قال ابن قتيبة: أصله: مذتكر فأدغمت التاء في الذال، ثم قلبت دالا مشددة قال المفسرون والمعنى: هل من متذكر يعتبر بذلك؟ "فكيف كان عذابي ونذر" وفي هذه السورة "ونذر" ستة مواضع، أثبت الياء فيهن في الحالين يعقوب، تابعه في الوصل ورش، والباقون بحذفها في الحالين . وقوله فكيف كان عذابي" استفهام عن تلك الحالة، ومعناه التعظيم لذلك العذاب . قال ابن قتيبة: والنذر ها هنا جمع نذير، وهو بمعنى الإنذار، ومثله النكير بمعنى الإنكار . قال المفسرون: وهذا تخويف لمشركي مكة .

"ولقد يسرنا القرآن" أي: سهلناه "للذكر" أي: للحفظ والقراءة "فهل من مدكر" أي: من ذاكر يذكره ويقرؤه; والمعنى: هو الحث على [ قراءته وتعلمه قال سعيد بن جبير : ليس من كتب الله كتاب يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن . وأما الريح الصرصر، فقد ذكرناها في "حم السجدة: 160" .

قوله تعالى: في يوم نحس مستمر قرأ الحسن: "في يوم" بالتنوين، على أن اليوم منعوت بالنحس . والمستمر: الدائم الشؤم، استمر عليهم بنحوسه . وقال ابن عباس: كانوا يتشاءمون بذلك اليوم . وقيل: إنه كان يوم أربعاء في آخر الشهر .

"تنزع الناس" أي: تقلعهم من الأرض من تحت أقدامهم فتصرعهم على رقابهم فتدق رقابهم فتبين الرأس عن الجسد، فـ "كأنهم أعجاز نخل" وقرأ أبي بن كعب ، وابن السميفع: "أعجز نخل" برفع الجيم . من غير ألف بعد الجيم وقرأ ابن مسعود، وأبو مجلز، وأبو عمران: "كأنهم عجز نخل" بضم العين والجيم . ومعنى الكلام: كأنهم أصول نخل منقعر" أي: منقلع . وقال الفراء: المنقعر: المنصرع من النخل . قال ابن قتيبة: يقال: قعرته فانقعر، أي: قلعته فسقط . قال أبو عبيدة: والنخل يذكر ويؤنث، فهذه الآية على لغة من ذكر، وقوله: "أعجاز نخل خاوية" [الحاقة: 8] على لغة من أنث . وقال مقاتل: شبههم حين وقعوا من شدة العذاب بالنخل الساقطة التي لا رؤوس لها، وإنما شبههم بالنخل لطولهم، وكان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعا .

كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر أألقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر سيعلمون غدا من الكذاب الأشر إنا مرسلو الناقة فتنة لهم فارتقبهم واصطبر ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر فكيف كان عذابي ونذر إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

قوله تعالى: كذبت ثمود بالنذر فيه قولان .

أحدهما: أنه جمع نذير . وقد بينا أن من كذب نبيا واحدا فقد كذب الكل .

والثاني: أن النذر بمعنى الإنذار كما بينا في قوله: "فكيف كان عذابي ونذر" فكأنهم كذبوا الإنذار الذي جاءهم به صالح، "فقالوا أبشرا منا" [قال الزجاج: هو منصوب بفعل مضمر والذي ظهر تفسيره، المعنى: أنتبع بشرا منا " واحدا"]، قال المفسرون: قالوا: هو آدمي مثلنا، وهو واحد فلا نكون له تبعا "إنا إذا" إن فعلنا ذلك "لفي ضلال" أي: خطإ وذهاب عن الصواب "وسعر" قال ابن عباس: أي : جنون . قال ابن قتيبة: هو من: تسعرت النار: إذا التهبت، يقال: ناقة مسعورة، أي: كأنها مجنونة من النشاط . وقال غيره: لفي شقاء وعناء لأجل ما يلزمنا من طاعته .

ثم أنكروا أن يكون الوحي يأتيه فقالوا: "أألقي الذكر؟" أي: أنزل الوحي "عليه من بيننا؟ " أي: كيف خص من بيننا بالنبوة والوحي؟! "بل هو كذاب أشر" وفيه قولان .

أحدهما: أنه المرح المتكبر، قاله ابن قتيبة .

والثاني: البطر، قاله الزجاج .

قوله تعالى سيعلمون غدا قرأ ابن عامر وحمزة: "ستعلمون" بالتاء "غدا" فيه قولان .

أحدهما: يوم القيامة، قاله ابن السائب .

والثاني: عند نزول العذاب بهم، قاله مقاتل .

قوله تعالى إنا مرسلو الناقة وذلك أنهم سألوا صالحا أن يظهر لهم ناقة من صخرة، فقال الله تعالى: "إنا مرسلو الناقة" أي: مخرجوها كما أرادوا "فتنة لهم" أي: محنة واختبارا "فارتقبهم" أي: فانتظر ما هم صانعون "واصطبر" على ما يصيبك من الأذى، "ونبئهم أن الماء قسمة بينهم" أي: بين ثمود وبين الناقة، يوم لها ويوم لهم، فذلك قوله: "كل شرب محتضر" يحضره صاحبه ويستحقه .

قوله تعالى فنادوا صاحبهم واسمه قدار بن سالف "فتعاطى" قال ابن قتيبة: تعاطى عقر الناقة "فعقر" أي: قتل; وقد بينا هذا في [الأعراف: 77] .

قوله تعالى: إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة وذلك أن جبريل عليه السلام صاح بهم; وقد أشرنا إلى قصتهم في [هود: 61] "فكانوا كهشيم المحتظر" قال ابن عباس: هو الرجل يجعل لغنمه حظيرة بالشجر والشوك دون السباع، فما سقط من ذلك وداسته الغنم، فهو الهشيم وقد بينا معنى "الهشيم" في [الكهف: 45] . وقال الزجاج: الهشيم: ما يبس من الورق وتكسر وتحطم، والمعنى: كانوا كالهشيم الذي يجمعه صاحب الحظيرة بعد أن بلغ الغاية في الجفاف، فهو يجمع ليوقد . وقرأ الحسن "المحتظر" بفتح الظاء، وهو اسم الحظيرة، والمعنى: كهشيم المكان الذي يحتظر فيه الهشيم من الحطب . وقال سعيد بن جبير : هو التراب الذي يتناثر من الحيطان . وقال قتادة: كالعظام النخرة المحترقة . والمراد من جميع ذلك: أنهم بادوا وهلكوا حتى صاروا كالشيء المتحطم .

كذبت قوم لوط بالنذر إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر ولقد أنذرهم بطشتنا فتماروا بالنذر ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم فذوقوا عذابي ونذر ولقد صبحهم بكرة عذاب مستقر فذوقوا عذابي ونذر ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر

قوله تعالى: إنا أرسلنا عليهم حاصبا قال المفسرون: هي الحجارة التي قذفوا بها "إلا آل لوط" يعني لوطا وابنتيه "نجيناهم" من ذلك العذاب "بسحر" قال الفراء: "سحر" ها هنا يجري لأنه نكرة، كقوله: نجيناهم بليل، فإذا ألقت العرب منه الباء لم يجر، لأن لفظهم به بالألف واللام، يقولون: ما زال عندنا منذ السحر، لا يكادون يقولون غيره، فإذا حذفت منه الألف واللام لم يصرف . وقال الزجاج: إذا كان السحر نكرة يراد به سحر من الأسحار انصرف ، فإذا أردت سحر يومك لم ينصرف .

قوله تعالى: كذلك نجزي من شكر قال مقاتل: من وحد الله تعالى لم يعذب مع المشركين .

قوله تعالى ولقد راودوه عن ضيفه أي: طلبوا أن يسلم إليهم أضيافه، وهم الملائكة فطمسنا أعينهم وهو أن جبريل ضرب أعينهم بجناحه فأذهبها . وقد ذكرنا القصة في سورة [هود: 81] . وتم الكلام ها هنا، ثم قال: "فذوقوا" أي: فقلنا لقوم لوط لما جاءهم العذاب: ذوقوا "عذابي ونذر" أي: ما أنذركم به لوط، " ولقد صبحهم بكرة" أي: أتاهم صباحا "عذاب مستقر" أي: نازل بهم . قال مقاتل: استقر بهم العذاب بكرة . قال الفراء: والعرب تجري "غدوة" "وبكرة" ولا تجريهما، وأكثر الكلام في "غدوة" ترك الإجراء، وأكثر في "بكرة" أن تجرى، فمن لم يجرها جعلها معرفة، لأنها اسم يكون أبدا في وقت واحد بمنزلة "أمس" و"غد" ، وأكثر ما تجري العرب "غدوة"، إذا قرنت بعشية، يقولون: إني لآتيهم غدوة وعشية، [وبعضهم يقول: "غدوة" فلا يجريها، وعشية"] فيجريها، ومنهم من لا يجري "عشية" لكثرة ما صحبت "غدوة" . وقال الزجاج الغدوة والبكرة إذا كانتا نكرتين نونتا وصرفتا فإذا أردت بهما بكرة يومك، وغداة يومك، لم تصرفهما، والبكرة ها هنا نكرة، فالصرف أجود لأنه لم يثبت رواية في أنه كان في يوم كذا في شهر كذا .

ولقد جاء آل فرعون النذر كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر أم يقولون نحن جميع منتصر سيهزم الجمع ويولون الدبر بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر قوله تعالى: ولقد جاء آل فرعون يعني القبط "النذر" فيهم قولان .

أحدهما: [أنه] جمع نذير، وهي الآيات التي أنذرهم بها موسى .

والثاني: أن النذر بمعنى الإنذار; وقد بيناه آنفا، "فأخذناهم" بالعذاب "أخذ عزيز" أي: غالب في انتقامه "مقتدر" قادر على هلاكهم .

ثم خوف أهل مكة فقال: "أكفاركم" يا معشر العرب "خير" أي: أشد وأقوى "من أولئكم" وهذا استفهام معناه الإنكار; والمعنى: ليسوا بأقوى من قوم نوح وعاد وثمود، وقد أهلكناهم "أم لكم براءة" من العذاب أنه لا يصيبكم ما أصابهم في "الزبر" أي: في الكتب المتقدمة، "أم يقولون نحن جميع منتصر" المعنى: أيقولون: نحن يد واحدة على من خالفنا فننتصر منهم؟ وإنما وحد المنتصر للفظ الجميع، فإنه على لفظ "واحد" وإن كان اسما للجماعة "سيهزم الجمع" وروى أبو حاتم بن يعقوب: "سنهزم" بالنون، "الجمع" بالنصب، "وتولون" بالتاء، ويعني بالجمع: جمع كفار مكة "ويولون الدبر" ولم يقل: الأدبار، وكلاهما جائز; قال الفراء: مثله أن يقول: إن فلانا لكثير الدينار والدرهم . وهذا مما أخبر الله به نبيه من علم الغيب، فكانت الهزيمة يوم بدر .

قوله تعالى: والساعة أدهى قال مقاتل: هي أفظع "وأمر" من القتل قال الزجاج: ومعنى الداهية: الأمر الشديد الذي لا يهتدى لدوائه; ومعنى "أمر": أشد مرارة من القتل والأسر .

إن المجرمين في ضلال وسعر يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ولقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر قوله تعالى: إن المجرمين في ضلال وسعر في سبب نزولها قولان .

أحدهما: أن مشركي مكة جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاصمون في القدر، فنزلت هذه الآية إلى قوله: "خلقناه بقدر" انفرد بإخراجه مسلم من حديث أبي هريرة وروى أبو أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن هذه الآية نزلت في القدرية" .

والثاني: أن أسقف نجران جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد تزعم أن المعاصي بقدر، وليس كذلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم خصماء الله"، فنزلت: "إن المجرمين" إلى قوله "بقدر"، قاله عطاء .

قوله تعالى: وسعر فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: الجنون . والثاني: العناء، وقد ذكرناهما في صدر السورة .

والثالث: أنه نار تستعر عليهم، قاله الضحاك .

فأما "سقر" فقال الزجاج: هي اسم من أسماء جهنم لا ينصرف لأنها معرفة، وهي مؤنثة . وقرأت على شيخنا أبي منصور قال: سقر: اسم لنار الآخرة أعجمي، ويقال: بل هو عربي من قولهم سقرته الشمس: إذا أذابته، سميت بذلك لأنها تذيب الأجسام . وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جمع الله الخلائق يوم القيامة أمر مناديا فنادى نداء يسمعه الأولون والآخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم القدرية، فيؤمر بهم إلى النار، يقول الله تعالى: "ذوقوا مس سقر إنا كل شيء خلقناه بقدر"، وإنما قيل لهم: "خصماء الله" لأنهم يخاصمون في أنه لا يجوز أن يقدر المعصية على العبد ثم يعذبه عليها . وروى هشام بن حسان عن الحسن قال: والله لو أن قدريا صام حتى يصير كالحبل، ثم صلى حتى يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما وزورا حتى ذبح بين الركن والمقام لكبه الله على وجهه في سقر "إنا كل شيء خلقناه بقدر" . [وروى مسلم في أفراده من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل شيء بقدر حتى العجز والكيس" . وقال ابن عباس: كل شيء بقدر حتى وضع يدك على خدك . وقال الزجاج: معنى "بقدر" أي: كل شيء خلقناه بقدر مكتوب في اللوح المحفوظ قبل وقوعه، ونصب "كل شيء" بفعل مضمر; المعنى: إنا خلقنا كل شيء خلقناه بقدر] .

قوله تعالى: وما أمرنا إلا واحدة قال الفراء: أي: إلا مرة واحدة، وكذلك قال مقاتل: مرة واحدة لا مثنوية لها . وروى عطاء عن ابن عباس قال: يريد: إن قضائي في خلقي أسرع من لمح البصر . وقال ابن السائب: المعنى: وما أمرنا بمجيء الساعة في السرعة إلا كلمح البصر . ومعنى اللمح بالبصر: النظر بسرعة .

ولقد أهلكنا أشياعكم أي: أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية فهل من مدكر أي: متعظ وكل شيء فعلوه يعني الأمم .وفي "الزبر" قولان .

أحدهما: أنه كتب الحفظة . والثاني: اللوح المحفوظ .

وكل صغير وكبير أي: من الأعمال المتقدمة "مستطر" أي: مكتوب، قال ابن قتيبة: هو مفتعل من "سطرت": إذا كتبت وهو مثل "مسطور" .

قوله تعالى: في جنات ونهر قال الزجاج: المعنى: في جنات وأنهار، والاسم الواحد يدل على الجميع .

يريد: وأما جلودها، ومثله:

في حلقكم عظم وقد شجينا

ومثله:

كلوا في نصف بطنكم تعيشوا

وحكى ابن قتيبة عن الفراء أنه وحد لأنه رأس آية، فقابل بالتوحيد رؤوس الآي، قال: ويقال: النهر: الضياء والسعة، من قولك: أنهرت الطعنة: إذا وسعتها،

أي: أوسعت فتقها . قلت: وهذا قول الضحاك . وقرأ الأعمش "ونهر" .

قوله تعالى في مقعد صدق أي: مجلس حسن; وقد نبهنا على هذا المعنى في قوله: أن لهم قدم صدق [يونس: 2] . فأما المليك، فقال الخطابي: المليك هو المالك، وبناء فعيل للمبالغة في الوصف، ويكون المليك بمعنى الملك، ومنه هذه الآية . والمقتدر مشروح في [الكهف: 45] .

سُورَةُ الرَّحْمَنِ

وَفِي نُزُولِهَا قَوْلَانِ .

أحدهما: أنها مكية، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وعطاء، ومقاتل، والجمهور، إلا أن ابن عباس قال: سوى آية: وهي قوله: يسأله من في السماوات والأرض [الرحمن: 29] .

والثاني: أنها مدنية، رواه عطية عن ابن عباس . وبه قال ابن مسعود .

بسم الله الرحمن الرحيم

الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان الشمس والقمر بحسبان والنجم والشجر يسجدان والسماء رفعها ووضع الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان والأرض وضعها للأنام فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام والحب ذو العصف والريحان فبأي آلاء ربكما تكذبان



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:28 AM.
رد مع اقتباس
  #6  
قديم 23-06-2024, 07:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد


تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الرَّحْمَنِ
الحلقة (509)
صــ 106 إلى صــ 119






قوله تعالى: الرحمن . علم القرآن قال مقاتل: لما نزل قوله: اسجدوا للرحمن [الفرقان: 60] قال كفار مكة: وما الرحمن؟! فأنكروه وقالوا: لا نعرف الرحمن، فقال تعالى: "الرحمن" الذي أنكروه هو الذي "علم القرآن" . وفي قوله: علم القرآن قولان . أحدهما: علمه محمدا، وعلم محمد أمته، قاله ابن السائب . والثاني: يسر القرآن، قاله الزجاج .

قوله تعالى: خلق الإنسان فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه اسم جنس، فالمعنى: خلق الناس جميعا، قاله الأكثرون . فعلى هذا، في "البيان" ستة أقوال . أحدها: النطق والتمييز، قاله الحسن . والثاني: الحلال والحرام، قاله قتادة . والثالث: ما يقول وما يقال له، قاله محمد بن كعب . والرابع: الخير والشر، قاله الضحاك . والخامس: [طرق] الهدى، قاله ابن جريج . والسادس: الكتابة والخط، قاله يمان .

والثاني: أنه آدم، قاله ابن عباس، وقتادة . فعلى هذا في "البيان" ثلاثة أقوال . أحدها: أسماء كل شيء . والثاني: بيان كل شيء . والثالث اللغات .

والقول الثالث: أنه محمد صلى الله عليه وسلم، علمه بيان ما كان وما يكون، قاله ابن كيسان . قوله تعالى: الشمس والقمر بحسبان أي: بحساب ومنازل، لا يعدوانها; وقد كشفنا هذا المعنى في [الأنعام: 96] . قال الأخفش: أضمر الخبر، وأظنه- والله أعلم- أراد: يجريان بحسبان قوله تعالى: والنجم والشجر يسجدان في النجم قولان . أحدهما: أنه كل نبت ليس له ساق، وهو مذهب ابن عباس، والسدي، ومقاتل، واللغويين . والثاني: أنه نجم السماء، والمراد به: جميع النجوم، قاله مجاهد . فأما الشجر: فكل ما له ساق . قال الفراء: سجودهما: أنهما يستقبلان الشمس إذ أشرقت، ثم يميلان معها حتى ينكسر الفيء . وقد أشرت في [النحل: 49] إلى معنى سجود ما لا يعقل . قال أبو عبيدة: وإنما ثني فعلهما على لفظهما .

قوله تعالى: والسماء رفعها وإنما فعل ذلك ليحيا الحيوان وتمتد الأنفاس، وأجرى الريح بينها وبين الأرض، كيما يتروح [الخلق] . ولولا ذلك لماتت الخلائق كربا .

قوله تعالى: ووضع الميزان فيه ثلاثة أقوال . أحدها: أنه العدل، قاله الأكثرون، منهم مجاهد والسدي واللغويون . قال الزجاج: وهذا لأن المعادلة: موازنة الأشياء . والثاني: أنه الميزان المعروف، ليتناصف الناس في الحقوق، قاله الحسن، وقتادة، والضحاك . والثالث: أنه القرآن، قاله الحسين بن الفضل .

قوله تعالى: ألا تطغوا ذكر الزجاج في "أن" وجهين . أحدهما: أنها بمعنى اللام; والمعنى: لئلا تطغوا . والثاني: أنها للتفسير، فتكون "لا" للنهي; والمعنى: أي: لا تطغوا، أي لا تجاوزوا العدل . قوله تعالى: ولا تخسروا الميزان قال ابن قتيبة، أي: لا تنقصوا الوزن .

فأما الأنام، ففيهم ثلاثة أقوال . أحدها: أنهم الناس، رواه عكرمة عن ابن عباس . والثاني: كل ذي روح، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، وقتادة، والسدي، والفراء . والثالث: الإنس والجن، قاله الحسن، والزجاج .

قوله تعالى: فيها فاكهة أي، ما يتفكه [به] من ألوان الثمار "والنخل ذات الأكمام" والأكمام: الأوعية والغلف; وقد استوفينا شرح هذا في [حم السجدة: 47] .

قوله تعالى: والحب يريد: جميع الحبوب، كالبر والشعير وغير ذلك . وقرأ ابن عامر: "والحب" بنصب الباء "ذا العصف" بالألف "والريحان" بنصب النون . وقرأ حمزة، والكسائي إلا ابن أبي سريج، وخلف: "والحب ذو العصف والريحان" بخفض النون; وقرأ الباقون بضم النون .

وفي "العصف" قولان . أحدهما: أنه تبن الزرع وورقه الذي تعصفه الرياح، قاله ابن عباس . وكذلك قال مجاهد: هو ورق الزرع . قال ابن قتيبة: العصف: ورق الزرع، ثم يصير إذا جف ويبس وديس تبنا . والثاني: أن العصف: المأكول من الحب، حكاه الفراء .

وفي "الريحان" أربعة أقوال .

أحدها: أنه الرزق، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير: والسدي . قال الفراء: الريحان في كلام العرب: الرزق، تقول: خرجنا نطلب ريحان الله، وأنشد الزجاج للنمر بن تولب:


سلام الإله وريحانه ورحمته وسماء درر


والثاني: أنه خضرة الزرع، رواه الوالبي عن ابن عباس . قال أبو سليمان الدمشقي: فعلى هذا، سمي ريحانا، لاستراحة النفس بالنظر إليه .

والثالث: أنه ريحانكم هذا الذي يشم، روى العوفي عن ابن عباس قال: "الريحان" ما أنبتت الأرض من الريحان، وهذا مذهب الحسن، والضحاك، وابن زيد .

والرابع: أنه ما [لم] يؤكل من الحب، والعصف: المأكول منه، حكاه الفراء .

قوله تعالى: فبأي آلاء ربكما تكذبان فإن قيل: كيف خاطب اثنين، وإنما ذكر الإنسان وحده؟ فعنه جوابان ذكرهما الفراء . أحدهما: أن العرب تخاطب الواحد بفعل الاثنين كما بينا في قوله: ألقيا في جهنم [ق: 24] والثاني: أن الذكر أريد به: الإنسان والجان، فجرى الخطاب لهما من أول السورة إلى آخرها . قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى في هذه السورة ما يدل على وحدانيته من خلق الإنسان وتعليم البيان وخلق الشمس والقمر والسماء والأرض، خاطب الجن والإنس، قال: "فبأي آلاء ربكما تكذبان " أي: فبأي نعم ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة، لأنها كلها منعم بها عليكم في دلالتها إياكم على وحدانيته وفي رزقه إياكم ما به قوامكم . وقال ابن قتيبة: الآلاء: النعم، واحدها: ألا، مثل: قفا، وإلا، مثل: معى .

خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار فبأي آلاء ربكما تكذبان رب المشرقين ورب المغربين فبأي آلاء ربكما تكذبان مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان فبأي آلاء ربكما تكذبان يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام فبأي آلاء ربكما تكذبان

قوله تعالى: خلق الإنسان يعني آدم "من صلصال" قد ذكرنا في [الحجر: 26،27] الصلصال والجان . فأما قوله: "كالفخار" فقال أبو عبيدة: خلق من طين يابس لم يطبخ، فله صوت إذا نقر، فهو من يبسه كالفخار . والفخار: ما طبخ بالنار .

فأما المارج، فقال ابن عباس . هو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت . وقال مجاهد: هو المختلط بعضه ببعض من اللهب الأحمر والأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت . وقال مقاتل: هو لهب النار الصافي من غير دخان . وقال أبو عبيدة: المارج: خلط من النار . وقال ابن قتيبة: المارج: لهب النار، من قولك: قد مرج الشيء: إذا اضطرب ولم يستقر . وقال الزجاج: هو اللهب المختلط بسواد النار .

فإن قيل: قد أخبر الله تعالى عن خلق آدم عليه السلام بألفاظ مختلفة، فتارة يقول: "خلقه من تراب" [آل عمران: 59]، وتارة: "من صلصال" وتارة: "من طين لازب" [الصافات: 11]، وتارة: "كالفخار" [الرحمن: 14]، وتارة: "من حمإ مسنون" [الحجر: 29]; فالجواب: [أن الأصل التراب فجعل طينا، ثم صار كالحمإ المسنون، ثم صار صلصالا كالفخار، هذه أخبار عن حالات أصله . فإن قيل: ما الفائدة في تكرار قوله: " فبأي آلاء ربكما تكذبان " الجواب] أن ذلك التكرير لتقرير النعم وتأكيد التذكير بها . قال ابن قتيبة: من مذاهب العرب التكرار للتوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاختصار [للتخفيف والإيجاز، لأن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون أحسن من اقتصاره] في المقام على فن واحد، يقول القائل منهم: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله، إذا أراد التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله، كما يقول: والله أفعله بإضمار "لا" إذا أراد الاختصار، ويقول القائل المستعجل: اعجل اعجل، وللرامي: ارم ارم، قال الشاعر:


كم نعمة كانت له وكم وكم


وقال الآخر:


هلا سألت جموع كن دة يوم ولوا أين أينا


وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها كلمة واحدة، فغيروا منها حرفا ثم أتبعوها الأولى، كقولهم: عطشان نطشان، وشيطان ليطان، وحسن بسن . قال ابن دريد: ومن الإتباع: جائع نائع، ومليح قريح، وقبيح شقيح، وشحيح نحيح، وخبيث نبيث، وكثير بثير: وسيغ ليغ، وسائغ لائغ، وحقير نقير، وضئيل بئيل، وخضر مضر، وعفريت نفريت، وثقة نقة، وكن إن، وواحد فاحد، وحائر بائر، وسمح لمح . قال ابن قتيبة: فلما عدد الله تعالى في هذه السورة نعماءه .وأذكر عباده آلاءه ونبههم على قدرته، جعل كل كلمة من ذلك فاصلة بين كل نعمتين، ليفهمهم النعم ويقررهم بها، كقولك للرجل: ألم أبوئك منزلا وكنت طريدا؟ أفتنكر هذا ؟ ألم أحج بك وأنت صرورة؟ أفتنكر هذا؟ .

وروى الحاكم أبو عبد الله في "صحيحه" من حديث جابر بن عبد الله قال: قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة الرحمن حتى ختمها [ثم] قال: "مالي أراكم سكوتا؟! للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت عليهم هذه الآية من مرة "فبأي آلاء ربكما تكذبان" إلا قالوا: ولا بشيء من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد .

قوله تعالى رب المشرقين قرأ أبو رجاء، وابن أبي عبلة: "رب المشرقين ورب المغربين" بالخفض، وهما مشرق الصيف ومشرق الشتاء ومغرب الصيف ومغرب الشتاء للشمس والقمر جميعا .

قوله تعالى: مرج البحرين أي: أرسل العذب والملح وخلاهما وجعلهما "يلتقيان" بينهما برزخ أي: حاجز من قدرة الله تعالى يبغيان أي: لا يختلطان فيبغي أحدهما على الآخر . وقال ابن عباس: بحر السماء وبحر الأرض يلتقيان كل عام . قال الحسن: "مرج البحرين" يعني [بحر] فارس والروم، بينهما برزخ، يعني الجزائر; وقد سبق بيان هذا في [الفرقان: 53] .قوله تعالى: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان قال الزجاج: إنما يخرج من البحر الملح، وإنما جمعهما، لأنه إذا خرج من أحدهما فقد أخرج منهما، ومثله وجعل القمر فيهن نورا [نوح: 16] . قال أبو علي الفارسي: أراد: يخرج من أحدهما، فحذف المضاف . وقال ابن جرير: إنما قال "منهما" لأنه يخرج من أصداف البحر عن قطر السماء .

فأما اللؤلؤ والمرجان، ففيهما قولان .

أحدهما: أن المرجان: ما صغر من اللؤلؤ، واللؤلؤ: العظام، قاله الأكثرون، منهم ابن عباس، وقتادة، والضحاك، والفراء . وقال الزجاج: اللؤلؤ: اسم جامع للحب الذي يخرج من البحر، والمرجان: صغاره .

والثاني: أن اللؤلؤ: الصغار، والمرجان: الكبار، قاله مجاهد، والسدي، ومقاتل . قال ابن عباس: إذا أمطرت السماء، فتحت الأصداف أفواهها، فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ; قال ابن جرير: حيث وقعت قطرة كانت لؤلؤة . وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: ذكر بعض أهل اللغة أن المرجان أعجمي معرب . قال أبو بكر، يعني ابن دريد: ولم أسمع فيه بفعل منصرف، وأحر به أن يكون كذلك . قال ابن مسعود: المرجان: الخرز الأحمر . وقال الزجاج: [المرجان] أبيض شديد البياض . وحكى القاضي أبو يعلى أن المرجان: ضرب من اللؤلؤ كالقضبان .

قوله تعالى: وله الجوار يعني السفن "المنشآت" قال مجاهد: هو ما قد رفع قلعه من السفن دون ما لم يرفع قلعه . قال ابن قتيبة: هن اللواتي أنشئن، أي: ابتدئ بهن في "البحر" وقرأ حمزة: "المنشئات"، فجعلهن اللواتي ابتدأن، يقال: أنشأت السحابة تمطر: إذا ابتدأت، وأنشأ الشاعر يقول، والأعلام: الجبال، وقد سبق هذا [الشورى: 32] .

كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام فبأي آلاء ربكما تكذبان يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن فبأي آلاء ربكما تكذبان .

قوله تعالى كل من عليها فان أي: على الأرض، وهي كناية عن غير المذكور، "فان": أي; هالك .

ويبقى وجه ربك أي: ويبقى ربك ذو الجلال والإكرام قال أبو سليمان الخطابي: الجلال: مصدر الجليل، يقال: جليل بين الجلالة والجلال . والإكرام: مصدر أكرم يكرم إكراما; والمعنى أن الله تعالى مستحق أن يجل ويكرم، ولا يجحد ولا يكفر به; وقد يحتمل أن يكون المعنى: أنه يكرم أهل ولايته ويرفع درجاتهم; وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين وهو الجلال مضافا إلى الله تعالى بمعنى الصفة له، والآخر مضافا إلى العبد بمعنى الفعل منه، كقوله تعالى: هو أهل التقوى وأهل المغفرة [المدثر: 56] فانصرف أحد الأمرين إلى الله وهو المغفرة، والآخر إلى العباد وهو التقوى .

قوله تعالى: يسأله من في السماوات والأرض المعنى أن الكل يحتاجون إليه فيسألونه وهو غني عنهم كل يوم هو في شأن مثل أن يحيي ويميت، ويعز ويذل، ويشفي مريضا، ويعطي سائلا، إلى غير ذلك من أفعاله . وقال الحسين بن الفضل: هو سوق المقادير إلى المواقيت . قال مقاتل: وسبب نزول هذه الآية أن اليهود قالت: إن الله لا يقضي في يوم السبت شيئا، فنزلت: "كل يوم هو في شأن" .

سنفرغ لكم أيه الثقلان فبأي آلاء ربكما تكذبان يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان فبأي آلاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران فبأي آلاء ربكما تكذبان

قوله تعالى: سنفرغ لكم قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر: "سنفرغ" بنون مفتوحة . وقرأ ابن مسعود، وعكرمة، والأعمش، وحمزة، والكسائي، وعبد الوارث: ["سيفرغ"] بياء مفتوحة . وقرأ ابن السميفع، وابن يعمر، وابن أبي عبلة، وعاصم الجحدري، عن عبد الوارث: "سيفرغ" بضم الياء وفتح الراء . قال الفراء: هذا وعيد من الله تعالى، لأنه لا يشغله شيء عن شيء، تقول للرجل الذي لا شغل له: قد فرغت لي، قد فرغت تشتمني؟! أي: قد أخذت في هذا وأقبلت عليه؟! قال الزجاج: الفراغ في اللغة على ضربين . أحدهما: الفراغ من شغل . والآخر: القصد للشيء، تقول: قد فرغت مما كنت فيه، أي: قد زال شغلي به، وتقول: سأتفرغ لفلان، أي: سأجعله قصدي، ومعنى الآية: سنقصد لحسابكم . فأما "الثقلان" فهما الجن والإنس، سميا بذلك لأنهما ثقل الأرض .

قوله تعالى: أن تنفذوا أي: تخرجوا; يقال: نفذ الشيء من الشيء: إذا خلص منه، كالسهم ينفذ من الرمية; والأقطار: النواحي والجوانب . وفي معنى الكلام ثلاثة أقوال .

أحدها: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فاعلموا، قاله ابن عباس .

[ ص: 116 ] والثاني: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات والأرض فاهربوا واخرجوا منها; والمراد: أنكم حيثما كنتم أدرككم الموت، هذا قول الضحاك ومقاتل في آخرين .

والثالث: إن استطعتم أن تجوزوا أطراف السماوات والأرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا; وإنما يقال لهم هذا يوم القيامة، ذكره ابن جرير .

قوله تعالى: لا تنفذون إلا بسلطان فيه ثلاثة أقوال . أحدها: لا تنفذون إلا في سلطان الله وملكه، لأنه مالك كل شيء، قاله ابن عباس . والثاني: لا تنفذون إلا بحجة، قاله مجاهد، والثالث: لا تنفذون إلا بملك، وليس لكم ملك، قاله قتادة .

قوله تعالى: يرسل عليكما فثنى على اللفظ . وقد جمع في قوله إن استطعتم على المعنى .

فأما "الشواظ" ففيه ثلاثة أقوال . أحدها: أنه لهب النار، قاله ابن عباس . وقال مجاهد: هو اللهب الأخضر المنقطع من النار . والثاني: الدخان، قاله سعيد بن جبير . والثالث: النار المحضة، قاله الفراء . وقال أبو عبيدة: هي النار التي تأجج لا دخان فيها، ويقال: شواظ وشواظ . وقرأ ابن كثير بكسر الشين; وقرأ أيضا هو وأهل البصرة: "ونحاس" بالخفض، والباقون برفعهما .

وفي "النحاس" قولان .

أحدهما: أنه دخان النار، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير ، والفراء وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والزجاج، ومنه قول الجعدي يذكر امرأة: [ ص: 117 ]
تضيء كضوء سراج السلي ط لم يجعل الله فيه نحاسا


وذكر الفراء في السليط ثلاثة أقوال . أحدها: أنه دهن السنام، وليس له دخان إذا استصبح به . والثاني: أنه دهن السمسم . والثالث: الزيت .

والثاني: أنه الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وقتادة . قال مقاتل: والمراد بالآية: كفار الجن والإنس، يرسل عليهما في الآخرة لهب النار والصفر الذائب، وهي خمسة أنهار تجري من تحت العرش على رؤوس أهل النار، ثلاثة أنهار على مقدار الليل، ونهران على مقدار نهار الدنيا، فلا تنتصران أي: فلا تمتنعان من ذلك .

فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام . فبأي آلاء ربكما تكذبان . هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون . يطوفون بينها وبين حميم آن . فبأي آلاء ربكما تكذبان

قوله تعالى: فإذا انشقت السماء أي: انفرجت من المجرة لنزول من فيها يوم القيامة "فكانت وردة" وفيها قولان .

أحدهما: كلون الفرس الوردة، قاله أبو صالح، والضحاك . وقال الفراء: الفرس الوردة، تكون في الربيع وردة إلى الصفرة، فإذا اشتد الحر [ ص: 118 ] كانت وردة حمراء، فإذا كان بعد ذلك كانت وردة إلى الغبرة، فشبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل; وكذلك قال الزجاج: "فكانت وردة" أي: كلون فرس وردة; والكميت: الورد يتلون، فيكون لونه في الشتاء خلاف لونه في الصيف، ولونه في الصيف خلاف لونه في الشتاء، فالسماء تتلون من الفزع الأكبر . وقال ابن قتيبة: المعنى: فكانت حمراء في لون الفرس الورد .

والثاني: أنها وردة النبات; وقد تختلف ألوانها، إلا أن الأغلب عليها الحمرة، ذكره الماوردي .

وفي الدهان قولان . أحدهما: أنه واحد، وهو الأديم الأحمر، قاله ابن عباس . والثاني: أنه جمع دهن، والدهن تختلف ألوانه بخضرة وحمرة وصفرة، حكاه اليزيدي، وإلى نحوه ذهب مجاهد . وقال الفراء: شبه تلون السماء بتلون الوردة من الخيل، وشبه الوردة في اختلاف ألوانها بالدهن .

قوله تعالى: فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: لا يسألون ليعلم حالهم، لأن الله تعالى أعلم منهم بذلك .

والثاني: لا يسأل بعضهم بعضا عن حاله لاشتغال كل واحد منهم بنفسه، روي القولان عن ابن عباس .

والثالث: لا يسألون عن ذنوبهم لأنهم يعرفون بسيماهم، فالكافر أسود الوجه، والمؤمن أغر محجل من أثر وضوئه، قاله الفراء . قال الزجاج: لا يسأل أحد عن ذنبه ليستفهم، ولكنه يسأل سؤال توبيخ .

قوله تعالى: يعرف المجرمون بسيماهم قال الحسن: بسواد الوجوه، وزرق الأعين فيؤخذ بالنواصي والأقدام فيه قولان . أحدهما: أن خزنة جهنم تجمع بين نواصيهم إلى أقدامهم من وراء ظهورهم، ثم يدفعونهم على وجوههم [ ص: 119 ] في النار، قاله مقاتل . والثاني: يؤخذ بالنواصي والأقدام، فيسحبون إلى النار، ذكره الثعلبي . وروى مردويه الصائغ، قال: صلى بنا الإمام صلاة الصبح فقرأ سورة "الرحمن" ومعنا علي بن الفضيل بن عياض، فلما قرأ "يعرف المجرمون بسيماهم" خر علي مغشيا عليه حتى فرغنا من الصلاة، فلما كان بعد ذلك قلنا له: أما سمعت الإمام يقرأ "حور مقصورات في الخيام"؟ قال: شغلني عنها يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام قوله تعالى: هذه جهنم أي: يقال لهم . هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يعني المشركين يطوفون بينها وقرأ أبو العالية، وأبو عمران الجوني: يطوفون بياء مضمومة مع تشديد الواو; وقرأ الأعمش مثله إلا أنه بالتاء .

قوله تعالى: وبين حميم آن قال ابن قتيبة: الحميم: الماء الحار، والآني: الذي قد انتهت شدة حره . قال المفسرون: المعنى أنهم يسعون بين عذاب الجحيم وبين الحميم، إذا استغاثوا من النار جعل غياثهم الحميم الشديد الحرارة .

ولمن خاف مقام ربه جنتان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . ذواتا أفنان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . فيهما عينان تجريان . فبأي آلاء ربكما تكذبان . فيهما من كل فاكهة زوجان . فبأي آلاء ربكما تكذبان .

قوله تعالى: ولمن خاف مقام ربه جنتان فيه قولان . أحدهما: قيامه بين يدي ربه عز وجل يوم الجزاء . والثاني: قيام الله على عبده بإحصاء ما اكتسب . وجاء في التفسير، أن العبد يهم بمعصية فيتركها خوفا من الله عز [ ص: 120 ] وجل فله جنتان، وهما بستانان .








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:29 AM.
رد مع اقتباس
  #7  
قديم 23-06-2024, 07:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الرَّحْمَنِ
الحلقة (510)
صــ 120 إلى صــ 133




ذواتا أفنان فيه قولان .

أحدهما: أنها الأغصان، وهي جمع فنن، وهو الغصن المستقيم طولا، وهذا قول مجاهد، وعكرمة، وعطية، والفراء، والزجاج .

والثاني: أنها الألوان والضروب من كل شيء، وهي جمع فنن، وهذا قول سعيد بن جبير . وقال الضحاك: ذواتا ألوان من الفاكهة .

وجمع عطاء بين القولين، فقال: في كل غصن فنون من الفاكهة .

قوله تعالى: فيهما عينان تجريان قال ابن عباس: تجريان بالماء الزلال، إحداهما: السلسبيل، والأخرى: التسنيم . وقال عطية: إحداهما: من ماء غير آسن، والأخرى: من خمر . وقال أبو بكر الوراق: فيهما عينان تجريان لمن كانت له في الدنيا عينان تجريان من البكاء .

قوله تعالى: فيهما من كل فاكهة زوجان أي: صنفان ونوعان . قال المفسرون: فيهما من كل ما يتفكه به نوعان، رطب ويابس، لا يقصر أحدهما عن الآخر في فضله .

متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى الجنتين دان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان فبأي [ ص: 121 ] آلاء ربكما تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فبأي آلاء ربكما تكذبان .

متكئين هذا حال المذكورين على فرش جمع فراش بطائنها جمع بطانة، وهي التي تحت الظهارة .

وقال أبو هريرة: هذه البطائن، فما ظنكم بالظهائر؟! وقال ابن عباس: إنما ترك وصف الظواهر، لأنه ليس أحد يعلم ما هي . وقال قتادة: البطائن: هي الظواهر بلغة قوم . وكان الفراء يقول: قد تكون البطانة ظاهرة، والظاهرة بطانة، لأن كل واحد منهما قد يكون وجها، والعرب تقول: هذا ظهر السماء، وهذا بطن السماء لظاهرها، وهو الذي نراه، وقال ابن الزبير يعيب قتلة عثمان: خرجوا عليه كاللصوص من وراء القرية، فقتلهم الله كل قتلة، ونجا منهم من نجا تحت بطون الكواكب . يعني هربوا ليلا; فجعلوا ظهور الكواكب بطونا، وذلك جائز في العربية . وأنكر هذا القول ابن قتيبة جدا، وقال: إنما أراد الله أن يعرفنا- من حيث نفهم - فضل هذه الفرش وأن ما ولي الأرض منها إستبرق، وإذا كانت البطانة كذلك، فالظهارة أعلى وأشرف . وهل يجوز [لأحد] أن يقول لوجه مصل: هذا بطانته، ولما ولي الأرض منه: هذا ظهارته؟! وإنما يجوز هذا في ذي الوجهين المتساويين، تقول لما وليك من الحائط: هذا ظهر الحائط، ويقول جارك لما وليه هذا ظهر الحائط، وكذلك السماء ما ولينا منها: ظهر، وهي لمن فوقها: بطن . وقد ذكرنا الإستبرق في [سورة] [الكهف: 31]، [ ص: 122 ] قوله تعالى: وجنى الجنتين دان قال أبو عبيدة: أي: ما يجتنى قريب لا يعني الجاني .

قوله تعالى فيهن قاصرات الطرف قد شرحناه في [الصافات: 48] .

وفي قوله: "فيهن" قولان .

أحدهما: أنها تعود إلى الجنتين وغيرهما مما أعد لصاحب هذه القصة، قاله الزجاج . والثاني: أنها تعود إلى الفرش، ذكره علي بن أحمد النيسابوري . قوله تعالى: لم يطمثهن قرأ الكسائي بضم الميم، والباقون بكسرها، وهما لغتان: يطمث ويطمث، مثل يعكف ويعكف . وفي معناه قولان .

أحدهما: لم يفتضضهن; والطمث: النكاح بالتدمية، ومنه قيل للحائض: طامث، قاله الفراء .

والثاني: لم يمسسهن; يقال: ما طمث هذا البعير حبل [قط] أي: ما مسه، قاله أبو عبيدة . قال مقاتل: وذلك لأنهن خلقن من الجنة; فعلى قوله، هذا صفة الحور . وقال الشعبي: هن من نساء الدنيا لم يمسسهن مذ أنشئن خلق . وفي الآية دليل على أن الجني يغشى المرأة كالإنسي .

قوله تعالى: كأنهن الياقوت والمرجان قال قتادة: هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان . وذكر الزجاج أن أهل التفسير وأهل اللغة قالوا: هن في صفاء الياقوت وبياض المرجان والمرجان: صغار اللؤلؤ، وهو أشد بياضا . وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: "الياقوت" فارسي [ ص: 123 ] معرب، والجمع "اليواقيت"، وقد تكلمت به العرب، قال مالك بن نويرة اليربوعي:


لن يذهب اللؤم تاج قد حييت به من الزبرجد والياقوت والذهب


قوله تعالى: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان قال الزجاج، أي: ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة . وقال ابن عباس: هل جزاء من قال: "لا إله إلا الله" وعمل بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة . وروى أنس بن مالك قال: قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، وقال: "هل تدرون ما قال ربكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن ربكم يقول: هل جزاء من أنعمنا عليه بالتوحيد إلا الجنة"؟! .

ومن دونهما جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان نضاختان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن خيرات حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام فبأي آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء [ ص: 124 ] ربكما تكذبان متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام

قوله تعالى: ومن دونهما جنتان قال الزجاج: المعنى: ولمن خاف مقام ربه جنتان، وله من دونهما جنتان .

وفي قوله: "ومن دونهما" قولان .

أحدهما: دونهما في الدرج، قاله ابن عباس .

والثاني: دونهما في الفضل كما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جنتان من ذهب وجنتان من فضة"; وإلى نحو هذا ذهب ابن زيد، ومقاتل .

قوله تعالى: مدهامتان قال ابن عباس [وابن الزبير]: خضراوان من الري . وقال أبو عبيدة: من خضرتهما قد اسودتا . قال الزجاج: يعني أنهما خضراوان تضرب خضرتهما إلى السواد، وكل نبت أخضر فتمام خضرته وريه أن يضرب إلى السواد .

قوله تعالى: نضاختان قال أبو عبيدة: فوارتان . وقال ابن قتيبة: تفوران، "والنضخ" أكثر من "النضح" . وفيما يفوران به أربعة أقوال .

أحدها: بالمسك والكافور، قاله ابن مسعود . والثاني: بالماء، قاله ابن عباس . والثالث: بالخير والبركة، قاله الحسن . والرابع: بأنواع الفاكهة، قاله سعيد بن جبير .

قوله تعالى: ونخل ورمان قال ابن عباس: نخل الجنة: جذوعها [ ص: 125 ] زمرد أخضر، وكربها: ذهب أحمر، وسعفها: كسوة أهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم . وقال سعيد بن جبير : نخل الجنة: جذوعها من ذهب، وعروقها من ذهب، وكرانيفها من زمرد، ورطبها كالدلاء أشد بياضا من اللبن، وألين من الزبد، وأحلى من العسل، ليس له عجم . قال أبو عبيدة: الكرانيف: أصول السعف الغلاظ، الواحدة: كرنافة . وإنما أعاد ذكر النخل والرمان - وقد دخلا في الفاكهة - لبيان فضلهما كما ذكرنا في قوله: وملائكته ورسله وجبريل وميكال [البقرة: 98]، هذا قول جمهور المفسرين واللغويين . وحكى الفراء والزجاج أن قوما قالوا: ليسا من الفاكهة; قال الفراء: وقد ذهبوا مذهبا، ولكن العرب تجعلهما فاكهة . قال الأزهري: ما علمت أحدا من العرب قال في النخيل والكروم وثمارها: إنها ليست من الفاكهة، وإنما قال من قال، لقلة علمه بكلام العرب، فالعرب تذكر أشياء جملة ثم تخص شيئا منها بالتسمية تنبيها على فضل فيه، كقوله: وجبريل وميكال [البقرة: 98]; فمن قال: ليسا من الملائكة كفر، ومن قال: ثمر النخل والرمان ليسا من الفاكهة جهل .

قوله تعالى: فيهن يعني في الجنان الأربع "خيرات" يعني الحور . وقرأ معاذ القارئ، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: "خيرات" بتشديد الياء . قال اللغويون: أصله "خيرات" بالتشديد، فخفف، كما [ ص: 126 ] قيل: هين لين، وهين لين . وروت أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "خيرات الأخلاق حسان الوجوه" .

قوله تعالى: حور مقصورات قد بينا في سورة [الدخان: 54] معنى الحور .

وفي المقصورات قولان .

أحدهما: المحبوسات في الحجال، قاله ابن عباس، وهو مذهب الحسن، وأبي العالية، والقرظي، والضحاك، وأبي صالح .

والثاني: المقصورات الطرف على أزواجهن، فلا يرفعن طرفا إلى غيرهم، قاله الربيع . وعن مجاهد كالقولين . والأول أصح، فإن العرب تقول: امرأة مقصورة وقصيرة وقصورة: إذا كانت ملازمة خدرها، قال كثير:


لعمري لقد حببت كل قصيرة إلي وما تدري بذاك القصائر

عنيت قصيرات الحجال ولم أرد
قصار الخطى، شر النساء البحاتر


وبعضهم ينشده: قصورة، وقصورات; والبحاتر: القصار .

وفي "الخيام" قولان .

أحدهما: أنها البيوت .

والثاني: خيام تضاف إلى القصور . وقد روى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم [أنه] قال: "إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة طولها في السماء ستون ميلا للمؤمن فيها أهلون [ ص: 127 ] يطوف عليهم [المؤمن] فلا يرى بعضهم بعضا" . وقال عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وابن عباس: الخيام: در مجوف . وقال ابن عباس: الخيمة: لؤلؤة واحدة أربعة فراسخ في أربعة فراسخ، لها أربعة آلاف مصراع من ذهب .

قوله تعالى: متكئين على رفرف وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم الجحدري، وابن محيصن: "على رفارف" جمع غير مصروف . وقرأ الضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران الجوني مثلهم، إلا أنهم صرفوا "رفارف" قال ثعلب: إنما لم يقل: أخضر، لأن الرفرف جمع، واحدته: رفرفة، كقوله: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا [يس: 80] ولم يقل: الخضر، لأن الشجر جمع، تقول: هذا حصى أبيض، وحصى أسود، قال الشاعر:


أحقا عباد الله أن لست ماشيا بهرجاب ما دام الأراك به خضرا


واختلف المفسرون في المراد بالرفرف على ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها فضول المحابس [والبسط]، رواه العوفي عن ابن عباس . وقال أبو عبيدة: هي: الفرش والبسط . وحكى الفراء، وابن قتيبة: أنها المحابس . وقال النقاش: الرفرف: المحابس الخضر فوق الفرش .

والثاني: أنها رياض الجنة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير .

والثالث: أنها الوسائد، قاله الحسن .

[ ص: 128 ] قوله تعالى: وعبقري حسان فيه قولان .

أحدهما: أنها الزرابي، قاله ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والضحاك، وابن زيد، وكذلك قال ابن قتيبة: العبقري: الطنافس الثخان . قال أبو عبيدة: يقال لكل شيء من البسط: عبقري .

والثاني: أنه الديباج الغليظ، قاله مجاهد . قال الزجاج: أصل العبقري في اللغة أنه صفة لكل ما بولغ في وصفه، وأصله أن عبقر: بلد كان يوشى فيه البسط وغيرها، فنسب كل شيء جيد إليه، قال زهير:


بخيل عليها جنة عبقرية جديرون يوما أن ينالوا فيستعلوا


وقرأ عثمان بن عفان، وعاصم الجحدري، وابن محيصن: "وعباقري" بألف مكسورة القاف مفتوحة الياء من غير تنوينه; قال الزجاج: ولا وجه لهذه القراءة في العربية لأن الجمع الذي بعد ألفه حرفان، نحو; مساجد ومفاتح، لا يجوز أن يكون فيه مثل عباقري، لأن ما جاوز الثلاثة لا يجمع بياء النسب، فلو جمعت "عبقري" كان جمعه "عباقرة" كما أنك لو جمعت "مهلبي" كان جمعه "مهالبة" ولم تقل: "مهالبي" قال: فإن قيل: "عبقري" واحد، و"حسان" جمع، فكيف جاز هذا؟ فالأصل أن واحد هذا "عبقرية" والجمع "عبقري"، كما تقول: تمرة، وتمر ولوزة، ولوز، ويكون أيضا "عبقري" اسما للجنس .

وقرأ الضحاك، وأبو العالية، وأبو عمران: "وعباقري" بألف مع التنوين .

[ ص: 129 ] قوله تعالى: تبارك اسم ربك فيه قولان .

أحدهما: أن ذكر "الاسم" صلة، والمعنى: تبارك ربك .

والثاني: أنه أصل .

قال ابن الأنباري: المعنى: تفاعل من البركة، أي: البركة تنال وتكتسب بذكر اسمه . وقد بينا معنى "تبارك" في [الأعراف: 54]، وذكرنا في هذه السورة معنى ذي الجلال والإكرام [الرحمن: 27]، وكان ابن عامر يقرأ: "ذو الجلال" وكذلك هي في مصاحف أهل الشام; والباقون: "ذي الجلال" وكذلك هي في مصاحف أهل الحجاز والعراق، [وهم] متفقون على الموضع الأول أنه "ذو" .

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ

وَفِيهَا قَوْلَانِ .

أحدهما: أنها مكية، قاله الأكثرون، منهم ابن عباس، والحسن، وعطاء، وعكرمة، وقتادة، وجابر، ومقاتل . وحكي عن ابن عباس أن فيها آية مدنية وهي قوله: وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون [الواقعة: 83]

والثاني: أنها مدنية، رواه عطية عن ابن عباس .

بسم الله الرحمن الرحيم

إذا وقعت الواقعة ليس لوقعتها كاذبة خافضة رافعة إذا رجت الأرض رجا وبست الجبال بسا فكانت هباء منبثا وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم

قوله تعالى: إذا وقعت الواقعة قال أبو سليمان الدمشقي: لما قال المشركون: متى هذا الوعد، متى هذا الفتح؟! نزل قوله: إذا وقعت الواقعة . فالمعنى يكون إذا وقعت الواقعة قال المفسرون: والواقعة: القيامة، وكل آت يتوقع، يقال له إذا كان: قد وقع، والمراد بها ها هنا: النفخة في الصور لقيام الساعة .

[ ص: 131 ] ليس لوقعتها أي: لظهورها ومجيئها "كاذبة" أي: كذب،كقوله: لا تسمع فيها لاغية [الغاشية: 11] أي: لغوا . قال الزجاج: و"كاذبة" مصدر، كقولك: عافاه الله عافية، وكذب كاذبة، فهذه أسماء في موضع المصدر . وفي معنى الكلام قولان .

أحدهما: لا رجعة لها ولا ارتداد، قاله قتادة . والثاني: ليس الإخبار عن وقوعها كذبا، حكاه الماوردي .

قوله تعالى: خافضة أي: هي خافضة "رافعة" وقرأ أبو رزين ، وأبو عبد الرحمن، وأبو العالية، والحسن، وابن أبي عبلة، وأبو حيوة، واليزيدي في اختياره: "خافضة رافعة" بالنصب فيهما . وفي معنى الكلام قولان .

أحدهما: أنها خفضت فأسمعت القريب، ورفعت فأسمعت البعيد، رواه العوفي عن ابن عباس . وهذا يدل على أن المراد بالواقعة: صيحة القيامة .

والثاني: أنها خفضت ناسا، ورفعت آخرين، رواه عكرمة عن ابن عباس . قال المفسرون: تخفض أقواما إلى أسفل السافلين في النار، وترفع أقواما إلى عليين في الجنة .

قوله تعالى: إذا رجت الأرض رجا أي: حركت حركة شديدة وزلزلت، وذلك أنها ترتج حتى ينهدم ما عليها من بناء، ويتفتت ما عليها من جبل . وفي ارتجاجها قولان .

أحدهما: أنه لإماتة من عليها من الأحياء . والثاني لإخراج من في بطنها من الموتى .

قوله تعالى وبست الجبال بسا فيه قولان .

[ ص: 132 ] أحدهما: فتتت فتا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال مجاهد . قال ابن قتيبة: فتتت حتى صارت كالدقيق والسويق المبسوس .

والثاني: لتت، قاله قتادة . وقال الزجاج: خلطت ولتت . قال الشاعر:


لا تخبزوا خبزا وبسا بسا


وفي "الهباء" أقوال قد ذكرناها في [الفرقان: 23] . وذكر ابن قتيبة أن الهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل، وهو من "الهبوة"، والهبوة: الغبار . والمعنى: كانت ترابا منتشرا .

قوله تعالى: وكنتم أزواجا أي: أصنافا "ثلاثة" .

"فأصحاب الميمنة " فيهم ثمانية أقوال .

أحدها: [أنهم] الذين كانوا على يمين آدم حين أخرجت ذريته من صلبه، قاله ابن عباس .

والثاني: أنهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، قاله الضحاك، والقرظي .

والثالث: أنهم الذين كانوا ميامين على أنفسهم، أي: مباركين، قاله الحسن، والربيع .

والرابع: أنهم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن، قاله زيد بن أسلم .

والخامس: أنهم الذين منزلتهم عن اليمين، قاله ميمون بن مهران .

والسادس: أنهم أهل الجنة، قاله السدي .

والسابع: أنهم أصحاب المنزلة الرفيعة، قاله الزجاج .

[ ص: 133 ] والثامن: أنهم الذين يؤخذ [بهم] ذات اليمين إلى الجنة، ذكره علي بن أحمد النيسابوري .

قوله تعالى: ما أصحاب الميمنة قال الفراء: عجب نبيه صلى الله عليه وسلم منهم; والمعنى: أي شيء هم؟! قال الزجاج: وهذا اللفظ في العربية مجراه مجرى التعجب، ومجراه من الله عز وجل في مخاطبة العباد ما يعظم به الشأن عندهم، ومثله: ما الحاقة [الحاقة: 2]، ما القارعة [القارعة: 2]; قال ابن قتيبة: ومثله أن يقول: زيد ما زيد! أي: أي رجل هو! وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة [أي: أصحاب] الشمال، والعرب تسمي اليد اليسرى: الشؤمى، والجانب الأيسر: الأشأم، ومنه قيل: اليمن والشؤم، فاليمن: كأنه [ما] جاء عن اليمين، والشؤم [ما جاء] عن الشمال، ومنه سميت "اليمن" و "الشأم" لأنها عن يمين الكعبة وشمالها . قال المفسرون: أصحاب الميمنة: هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين، ويعطون كتبهم بأيمانهم; وتفسير أصحاب المشأمة على ضد تفسير أصحاب الميمنة سواء; والمعنى: أي قوم هم؟! ماذا أعد لهم من العذاب؟!

قوله تعالى والسابقون السابقون فيهم خمسة أقوال .

أحدها: أنهم السابقون إلى الإيمان من كل أمة، قاله الحسن، وقتادة . والثاني: أنهم الذين صلوا [إلى] القبلتين، قاله ابن سيرين . والثالث: أهل القرآن، قاله كعب . والرابع: الأنبياء، قاله محمد بن كعب . والخامس: السابقون إلى المساجد وإلى الخروج في سبيل الله، قاله عثمان بن أبي سودة .

وفي إعادة ذكرهم قولان .









__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:31 AM.
رد مع اقتباس
  #8  
قديم 23-06-2024, 07:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد


تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
الحلقة (511)
صــ 134 إلى صــ 147





[ ص: 134 ] أحدهما: أن ذلك للتوكيد .

والثاني: أن المعنى: السابقون إلى طاعة الله هم السابقون إلى رحمة الله، ذكرهما الزجاج .

قوله تعالى: أولئك المقربون قال أبو سليمان الدمشقي: يعني عند الله في ظل عرشه وجواره .

ثلة من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما

قوله تعالى ثلة من الأولين الثلة: الجماعة غير محصورة العدد .

وفي الأولين والآخرين ها هنا ثلاثة أقوال .

أحدها: أن الأولين: الذين كانوا من زمن آدم إلى زمن نبينا صلى الله عليه وسلم، والآخرون: هذه الأمة .

والثاني: [أن الأولين]: أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والآخرين: التابعون .

والثالث: أن الأولين [والآخرين: من] أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

فعلى الأول يكون المعنى: إن الأولين السابقين جماعة من الأمم المتقدمة الذين سبقوا بالتصديق لأنبيائهم من جاء بعدهم مؤمنا، وقليل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن الذين عاينوا الأنبياء أجمعين وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا وصدق به .

[ ص: 135 ] وعلى الثاني: أن السابقين: جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل من التابعين وهم الذين اتبعوهم بإحسان .

وعلى الثالث: أن السابقين: الأولون من المهاجرين والأنصار، وقليل ممن جاء بعدهم لعجز المتأخرين أن يلحقوا الأولين، فقليل منهم من يقاربهم في السبق .

وأما "الموضونة" فقال ابن قتيبة: هي المنسوجة، كأن بعضها أدخل في بعض، أو نضد بعضها على بعض، ومنه قيل للدرع: موضونة، ومنه قيل: وضين الناقة، وهو بطان من سيور يدخل بعضه في بعض . قال الفراء: سمعت بعض العرب يقول: الآجر موضون بعضه على بعض، أي: مشرج .

وللمفسرين في معنى "موضونة" قولان .

أحدهما: مرمولة بالذهب، رواه مجاهد عن ابن عباس . وقال عكرمة: مشبكة بالدر والياقوت، وهذا معنى ما ذكرناه عن ابن قتيبة، وبه قال الأكثرون .

والثاني: مصفوفة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

وما بعد هذا قد تقدم بيانه [الكهف: 30] إلى قوله: ولدان مخلدون الولدان: الغلمان . وقال الحسن البصري: هؤلاء أطفال لم يكن لهم حسنات فيجزون بها، ولا سيئات فيعاقبون عليها، فوضعوا بهذا الموضع .

وفي المخلدين قولان .

أحدهما: أنه من الخلد; والمعنى: أنهم مخلوقون للبقاء لا يتغيرون، وهم على سن واحد . قال الفراء: والعرب تقول للإنسان إذا كبر ولم يشمط: أو لم تذهب أسنانه عن الكبر: إنه لمخلد، هذا قول الجمهور . [ ص: 136 ] والثاني: أنهم المقرطون، ويقال: المسورون، ذكره الفراء، وابن قتيبة، وأنشدوا في ذلك:


ومخلدات باللجين كأنما أعجازهن أقاوز الكثبان


قوله تعالى: بأكواب وأباريق الكوب: إناء لا عروة له ولا خرطوم، وقد ذكرناه في [الزخرف: 72]; والأباريق: آنية لها عرى وخراطيم; وقرأت على شيخنا أبي منصور اللغوي قال: الإبريق: فارسي معرب، وترجمته من الفارسية أحد شيئين، إما أن يكون: طريق الماء، أو: صب الماء على هينة، وقد تكلمت به العرب قديما، قال عدي بن زيد:


ودعا بالصبوح يوما فجاءت قينة في يمينها إبريق


وباقي الآيات في [الصافات: 46] .

قوله تعالى: لا يصدعون عنها ولا ينزفون فيه قولان .

أحدهما: لا يلحقهم الصداع الذي يلحق شاربي خمر الدنيا . و"عنها" كناية عن الكأس المذكور، والمراد بها: الخمر، وهذا قول الجمهور .

والثاني: لا يتفرقون عنها، من قولك: صدعته فانصدع، حكاه ابن قتيبة . ولا "ينزفون" مفسر في [الصافات: 47] .

[ ص: 137 ] قوله تعالى مما يتخيرون أي: يختارون، تقول: تخيرت الشيء: إذا أخذت خيره .

قوله تعالى: ولحم طير قال ابن عباس: يخطر على قلبه الطير، فيصير ممثلا بين يديه على ما اشتهى . وقال مغيث بن سمي: تقع على أغصان شجرة طوبى طير كأمثال البخت، فإذا اشتهى الرجل طيرا دعاه، فيجيء حتى يقع على خوانه، فيأكل من أحد جانبيه قديدا والآخر شواء، ثم يعود طيرا فيطير فيذهب .

قوله تعالى: وحور عين قرأ ابن كثير، وعاصم، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: "وحور عين" بالرفع فيهما . وقرأ أبو جعفر ، وحمزة، والكسائي، والمفضل عن عاصم: بالخفض فيهما . وقرأ أبي بن كعب ، وعائشة، وأبو العالية، وعاصم الجحدري: "وحورا عينا" بالنصب فيهما . قال الزجاج: والذين رفعوا كرهوا الخفض، لأنه معطوف على قوله: يطوف عليهم ، قالوا: والحور ليس مما يطاف به، ولكنه مخفوض على غير ما ذهب إليه هؤلاء، لأن المعنى: يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب ينعمون بها، وكذلك ينعمون بلحم طير، فكذلك ينعمون بحور عين، والرفع أحسن، والمعنى: ولهم حور عين; ومن قرأ "وحورا عينا" حمله على المعنى، لأن المعنى: يعطون هذه الأشياء ويعطون حورا عينا، إلا أنها تخالف المصحف فتكره . ومعنى "كأمثال اللؤلؤ" أي: صفاؤهن وتلألؤهن كصفاء اللؤلؤ وتلألئه . والمكنون: الذي لم يغيره الزمان واختلاف أحوال الاستعمال، فهن كاللؤلؤ حين يخرج من صدفه .

[ ص: 138 ] "جزاء" منصوب مفعول له; والمعنى: يفعل بهم ذلك جزاء بأعمالهم، ويجوز أن يكون منصوبا على أنه مصدر، لأن معنى يطوف عليهم ولدان مخلدون : يجازون جزاء بأعمالهم; وأكثر النحويين على هذا الوجه .

وقوله تعالى: لا يسمعون فيها لغوا قد فسرنا معنى اللغو والسلام في سورة [مريم: 62] ومعنى التأثيم في [الطور: 23] ومعنى "ما أصحاب اليمين" في أول هذه السورة [الواقعة: 9] .

فإن قيل: التأثيم لا يسمع فكيف ذكره مع المسموع؟

فالجواب: أن العرب يتبعون آخر الكلام أوله، وإن لم يحسن في أحدهما ما يحسن في الآخر، فيقولون: أكلت خبزا ولبنا، واللبن لا يؤكل، إنما حسن هذا لأنه كان مع ما يؤكل، قال الفراء: أنشدني بعض العرب:


إذا ما الغانيات برزن يوما وزججن الحواجب والعيونا


قال:

والعين لا تزجج إنما تكحل، فردها على الحاجب لأن المعنى يعرف، وأنشدني آخر:


ولقيت زوجك في الوغى متقلدا سيفا ورمحا


وأنشدني آخر:


علفتها تبنا وماء باردا


والماء لا يعلف وإنما يشرب، فجعله تابعا للتبن; قال الفراء: وهذا [هو] [ ص: 139 ] وجه قراءة من قرأ، "وحور عين" بالخفض، لإتباع آخر الكلام أوله، وهو وجه العربية .

وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من الآخرين

وقد شرحنا معنى قوله: وأصحاب اليمين في قوله: فأصحاب الميمنة [الواقعة: 9] . وقد روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: أصحاب اليمين: أطفال المؤمنين .

قوله تعالى: في سدر مخضود سبب نزولها أن المسلمين نظروا إلى وج . وهو واد بالطائف مخصب . فأعجبهم سدره، فقالوا: يا ليت لنا مثل هذا؟ فنزلت هذه الآية، قاله أبو العالية، والضحاك .

وفي المخضود ثلاثة أقوال .

أحدها: أنه الذي لا شوك فيه، رواه أبو طلحة عن ابن عباس، وبه قال عكرمة، وقسامة بن زهير . قال ابن قتيبة: كأنه خضد شوكه، أي: قلع، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة: لا يخضد شوكها" .

[ ص: 140 ] والثاني: أنه الموقر حملا، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والضحاك .

والثالث: أنه الموقر الذي لاشوك فيه، ذكره قتادة .

وفي الطلح قولان .

أحدهما: أنه الموز، قاله علي، وابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، [والحسن]، وعطاء، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة .

والثاني: أنه شجر عظام كبار الشوك، قال أبو عبيدة: هذا هو الطلح عند العرب، قال الحادي:


بشرها دليلها وقالا غدا ترين الطلح والجبالا


فإن قيل: ما الفائدة في الطلح؟ .

فالجواب أن له نورا وريحا طيبة، فقد وعدهم ما يعرفون ويميلون إليه، وإن لم يقع التساوي بينه وبين ما في الدنيا . وقال مجاهد: كانوا يعجبون بـ "وج" وظلاله من طلحه وسدره . فأما المنضود، فقال ابن قتيبة: هو الذي قد نضد بالحمل أو بالورق والحمل من أوله إلى آخره، فليس له ساق بارزة، وقال مسروق: شجر الجنة نضيد من أسفلها إلى أعلاها .

قوله تعالى: وظل ممدود أي: دائم لا تنسخه الشمس .

وماء مسكوب أي: جار غير منقطع .

[ ص: 141 ] قوله تعالى: لا مقطوعة ولا ممنوعة فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: لا مقطوعة في حين دون حين، ولا ممنوعة بالحيطان والنواطير، إنما هي مطلقة لمن أرادها، هذا قول ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وقتادة . ولخصه بعضهم فقال: لا مقطوعة بالأزمان، ولا ممنوعة بالأثمان .

والثاني: لا تنقطع إذا جنيت، ولا تمنع من أحد إذا أريدت، روي عن ابن عباس .

والثالث: لا مقطوعة بالفناء، ولا ممنوعة بالفساد، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: وفرش مرفوعة فيها قولان .

أحدهما: أنها الحشايا المفروشة للجلوس والنوم . وفي رفعها قولان . أحدهما: [أنها] مرفوعة فوق السرر . والثاني: أن رفعها: زيادة حشوها ليطيب الاستمتاع بها .

والثاني: أن المراد بالفراش: النساء; والعرب تسمي المرأة: فراشا وإزارا ولباسا; وفي معنى رفعهن ثلاثة أقوال . أحدها: أنهن رفعن بالجمال على نساء أهل الدنيا، والثاني: رفعن عن الأدناس . والثالث: في القلوب لشدة الميل إليهن .

قوله تعالى إنا أنشأناهن إنشاء يعني النساء . قال ابن قتيبة: اكتفى بذكر الفرش لأنها محل النساء عن ذكرهن . وفي المشار إليهن قولان .

أحدهما: أنهن نساء أهل الدنيا المؤمنات; ثم في إنشائهن قولان . أحدهما: أنه إنشاؤهن من القبور، قاله ابن عباس . والثاني: إعادتهن بعد الشمط والكبر أبكارا صغارا، قاله الضحاك .

[ ص: 142 ] والثاني: أنهن الحور العين، وإنشاؤهن: إيجادهن عن غير ولادة، قاله الزجاج . والصواب أن يقال: إن الإنشاء عمهن كلهن، فالحور أنشئن ابتداء، والمؤمنات أنشئن بالإعادة وتغيير الصفات; وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن من المنشآت اللاتي كن في الدنيا عجائز عمشا رمصا" .

قوله تعالى: فجعلناهن أبكارا أي: عذارى . وقال ابن عباس: لا يأتيها زوجها إلا وجدها بكرا .

قوله تعالى: عربا قرأ الجمهور: بضم الراء . وقرأ حمزة، وخلف: بإسكان الراء; قال ابن جرير: هي لغة تميم وبكر .

وللمفسرين في معنى "عربا" خمسة أقوال .

أحدها: أنهن المتحببات إلى أزواجهن، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير ، وابن قتيبة، والزجاج .

والثاني: أنهن العواشق، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وقتادة، ومقاتل، والمبرد; وعن مجاهد كالقولين .

والثالث: الحسنة التبعل، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال أبو عبيدة .

والرابع: الغنجات، قاله عكرمة . [ ص: 143 ] والخامسة: الحسنة الكلام، قاله ابن زيد .

فأما الأتراب فقد ذكرناهن في [ص: 52] .

قوله تعالى: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين هذا من نعت أصحاب اليمين . وفي الأولين والآخرين خلاف، وقد سبق شرحه [الواقعة: 13] . وقد زعم مقاتل أنه لما نزلت الآية الأولى، وهي قوله: وقليل من الآخرين وجد المؤمنون من ذلك وجدا شديدا حتى أنزلت وثلة من الآخرين فنسختها . وروي عن عروة بن رويم نحو هذا المعنى .

قلت: وادعاء النسخ ها هنا لا وجه له لثلاثة أوجه .

أحدها: أن علماء الناسخ والمنسوخ لم يوافقوا على هذا .

والثاني: أن الكلام في الآيتين خبر، والخبر لا يدخله النسخ، [فهو ها هنا لا وجه له] .

والثالث: أن الثلة بمعنى الفرقة والفئة; قال الزجاج: اشتقاقهما من القطعة، والثل: الكسر والقطع . فعلى هذا قد يجوز أن تكون الثلة في معنى القليل .

وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم إنهم كانوا قبل ذلك مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين .

[ ص: 144 ] قوله تعالى: ما أصحاب الشمال قد بينا أنه بمعنى التعجب من حالهم; والمعنى: ما لهم، وما أعد لهم من الشر؟! ثم بين لهم سوء منقلبهم فقال: "في سموم" قال ابن قتيبة: هو حر النار .

قوله تعالى: وظل من يحموم قال ابن عباس: ظل من دخان . قال الفراء: اليحموم: الدخان الأسود، "لا بارد ولا كريم" فوجه الكلام الخفض تبعا لما قبله، ومثله "زيتونة لا شرقية ولا غربية" [النور: 35]، وكذلك قوله: وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، ولو رفعت ما بعد "لا" كان صوابا، والعرب تجعل الكريم تابعا لكل شيء نفت عنه فعلا ينوى [به] الذم، فتقول: ما هذه الدار بواسعة ولا كريمة، وما هذا بسمين ولا كريم .

قال ابن عباس: لا بارد المدخل ولا كريم المنظر .

قوله تعالى: إنهم كانوا قبل ذلك أي: في الدنيا "مترفين" أي: متنعمين في ترك أمر الله، فشغلهم ترفهم عن الاعتبار والتعبد .

"وكانوا يصرون" أي: يقيمون "على الحنث" وفيه أربعة أقوال .

أحدها: أنه الشرك، قاله ابن عباس، والحسن، والضحاك، وابن زيد .

والثاني: الذنب العظيم الذي لا يتوبون منه، قاله مجاهد . وعن قتادة كالقولين .

والثالث: أنه اليمين الغموس، قاله الشعبي .

والرابع: الشرك والكفر بالبعث، قاله الزجاج .

قوله تعالى: أوآباؤنا الأولون قال أبو عبيدة: الواو متحركة لأنها ليست بواو "أو" إنما هي "وآباؤنا"، فدخلت عليها ألف الاستفهام فتركت مفتوحة . وقرأ أهل المدينة، وابن عامر: "أو آباؤنا" بإسكان الواو .

[ ص: 145 ] وقد سبق بيان ما لم يذكر ها هنا [هود: 103،الصافات: 62، الأنعام: 70 ] إلى قوله: فشاربون شرب الهيم قرأ أهل المدينة، وعاصم، وحمزة: "شرب" بضم الشين; والباقون بفتحها . قال الفراء: والعرب تقول: شربته شربا، وأكثر أهل نجد يقولون: شربا بالفتح، أنشدني عامتهم:


تكفيه حزة فلذ إن ألم بها من الشواء ويكفي شربه الغمر


وزعم الكسائي أن قوما من بني سعد بن تميم يقولون: "شرب الهيم" بالكسر . وقال الزجاج: "الشرب" المصدر، و"الشرب" بالضم: الاسم، قال: وقد قيل: إنه مصدر أيضا .

وفي "الهيم" قولان .

أحدهما: الإبل العطاش، رواه ابن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة . قال ابن قتيبة: هي الإبل يصيبها داء فلا تروى من الماء، يقال: بعير أهيم، وناقة هيماء .

والثاني: أنها الأرض الرملة التي لا تروى من الماء، وهو مروي عن ابن عباس أيضا . قال أبو عبيدة: الهيم: ما لا يروى من رمل أو بعير .

قوله تعالى: هذا نزلهم أي: رزقهم . ورواه عباس عن أبي عمرو: [ ص: 146 ] "نزلهم" بسكون الزاى، أي: رزقهم وطعامهم . وفى "الدين" قولان قد ذكرناهما في "الفاتحة" .

نحن خلقناكم فلولا تصدقون أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون

قوله تعالى: نحن خلقناكم أي: أوجدناكم ولم تكونوا شيئا، وأنتم تقرون بهذا "فلولا" أي: فهلا "تصدقون" بالبعث؟!

ثم احتج على بعثهم بالقدرة على ابتدائهم فقال: أفرأيتم ما تمنون قال الزجاج: أي: ما يكون منكم من المني، يقال: أمنى الرجل يمني، ومنى يمني، فيجوز على هذا "تمنون" بفتح التاء إن ثبتت به رواية .

قوله تعالى: أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون أي: تخلقون ما تمنون بشرا؟! وفيه تنبيه على شيئين .

أحدهما: الامتنان، إذ خلق من الماء المهين بشرا سويا .

والثاني: أن من قدر على خلق ما شاهدتموه من أصل وجودكم كان أقدر على خلق ما غاب عنكم من إعادتكم .

قوله تعالى: نحن قدرنا بينكم الموت وقرأ ابن كثير: "قدرنا" بتخفيف الدال . وفي معنى الكلام قولان .

أحدهما: قضينا عليكم بالموت .

والثاني: سوينا بينكم في الموت "وما نحن بمسبوقين، على أن نبدل أمثالكم" قال الزجاج: المعنى: إن أردنا أن نخلق خلقا غيركم لم يسبقنا [ ص: 147 ] سابق، ولا يفوتنا ذلك . وقال ابن قتيبة: لسنا مغلوبين على أن نستبدل بكم أمثالكم .

قوله تعالى: وننشئكم في ما لا تعلمون وفيه أربعة أقوال .

أحدها: نبدل صفاتكم ونجعلكم قردة وخنازير كما فعلنا بمن كان قبلكم، قاله الحسن .

والثاني: ننشئكم في حواصل طير سود تكون بـ "برهوت" كأنها الخطاطيف، قاله سعيد بن المسيب .

والثالث: نخلقكم في أي خلق شئنا، قاله مجاهد .

والرابع: نخلقكم في سوى خلقكم، قاله السدي . قال مقاتل: نخلقكم سوى خلقكم في ما لا تعلمون من الصور .

قوله تعالى: ولقد علمتم النشأة الأولى وهي ابتداء خلقكم من نطفة وعلقة فلولا تذكرون أي فهلا تعتبرون فتعلموا قدرة الله فتقروا بالبعث






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:33 AM.
رد مع اقتباس
  #9  
قديم 24-08-2024, 01:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الطَّلَاقِ
الحلقة (521)
صــ 280 إلى صــ 294






[ ص: 280 ] والأحاديث تعضد هذا القول،كقوله عليه الصلاة والسلام: "خلق فرعون في بطن أمه كافرا، وخلق يحيى بن زكريا في بطن أمه مؤمنا"، وقوله: "فيؤمر الملك بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد .

والثاني: أن تمام الكلام عند قوله تعالى: خلقكم ثم وصفهم، فقال تعالى: فمنكم كافر ومنكم مؤمن ، واختلف أرباب هذا القول فيه على أربعة أقوال .

أحدها: فمنكم كافر يؤمن، ومنكم مؤمن يكفر، قاله أبو الجوزاء عن ابن عباس .

والثاني: فمنكم كافر في حياته مؤمن في العاقبة، ومنكم مؤمن في حياته كافر في العاقبة، قاله أبو سعيد الخدري .

والثالث: فمنكم كافر بالله مؤمن بالكواكب، ومنكم مؤمن بالله كافر [ ص: 281 ] بالكواكب، قاله عطاء بن أبي رباح، وعنى بذلك شأن الأنواء .

والرابع: فمنكم كافر بالله خلقه، ومؤمن بالله خلقه، حكاه الزجاج . والكفر بالخلق مذهب الدهرية، وأهل الطبائع . وما بعد هذا قد سبق إلى قوله تعالى: وصوركم فأحسن صوركم قال الزجاج: أي: خلقكم أحسن الحيوان كله . وقرأ الأعمش (صوركم) بكسر الصاد . ويقال في جمع صورة: صور، وصور، كما يقال في جمع لحية: لحى، ولحى . وذكر ابن السائب أن معنى فأحسن صوركم أحكمها . وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: ويعلم ما تسرون وروى المفضل عن عاصم ( يسرون ) و ( يعلنون ) بالياء فيهما ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من قبل هذا خطاب لأهل مكة خوفهم ما نزل بالكفار قبلهم، فذلك قوله تعالى: فذاقوا وبال أمرهم أي: جزاء أعمالهم، وهو ما أصابهم من العذاب في الدنيا ولهم عذاب أليم في الآخرة "ذلك" الذي أصابهم بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فينكرون ذلك، ويقولون: أبشر أي: ناس مثلنا يهدوننا؟! والبشر اسم جنس معناه الجمع، وإن كان لفظه واحدا فكفروا وتولوا أي: أعرضوا عن الإيمان واستغنى الله عن إيمانهم وعبادتهم .

زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين [ ص: 282 ] فيها أبدا ذلك الفوز العظيم والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم

قوله تعالى: زعم الذين كفروا كان ابن عمر يقول: ( زعموا ) كناية الكذب . وكان مجاهد يكره أن يقول الرجل: زعم فلان .

قوله تعالى: وذلك على الله يسير يعني: البعث ، "والنور" هو القرآن، وفيه بيان أمر البعث والحساب والجزاء .

قوله تعالى: يوم يجمعكم هو منصوب بقوله تعالى: لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم يوم يجمعكم ليوم الجمع وهو يوم القيامة . وسمي بذلك لأن الله تعالى يجمع فيه الجن والإنس، وأهل السموات، وأهل الأرض ذلك يوم التغابن تفاعل من الغبن، وهو فوت الحظ . والمراد في تسميته يوم القيامة بيوم التغابن فيه أربعة أقوال .

أحدها: أنه ليس من كافر، إلا وله منزل وأهل في الجنة فيرث ذلك المؤمن، فيغبن حينئذ الكافر، ذكر هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس .

[ ص: 283 ] والثاني: غبن أهل الجنة أهل النار، قاله مجاهد، والقرظي . والثالث: أنه يوم غبن المظلوم الظالم، لأن المظلوم كان في الدنيا مغبونا، فصار في الآخرة غابنا، ذكره الماوردي .

والرابع: أنه يوم يظهر فيه غبن الكافر بتركه للإيمان، وغبن المؤمن بتقصيره في الإحسان، ذكره الثعلبي . قال الزجاج: وإنما ذكر ذلك مثلا للبيع والشراء، كقوله تعالى: فما ربحت تجارتهم [البقرة: 16]، وقوله تعالى: هل أدلكم على تجارة [الصف: 10] وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: يكفر عنه سيئاته قرأ نافع، وابن عامر، والمفضل عن عاصم "نكفر" "وندخله" بالنون فيهما . والباقون: بالياء ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله قال ابن عباس: بعلمه وقضائه ومن يؤمن بالله يهد قلبه فيه ستة أقوال .

أحدها: يهد قلبه لليقين، فيعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس . وقال علقمة: هو الرجل تصيبه المصيبة، فيعلم أنها من قبل الله تعالى، فيسلم، ويرضى .

والثاني: يهد قلبه للاسترجاع، وهو أن يقول: إنا لله، وإنا إليه راجعون قاله مقاتل .

والثالث: أنه إذا ابتلي صبر، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر، قاله ابن السائب، وابن قتيبة .

والرابع: يهد قلبه، أي: يجعله مهتديا، قاله الزجاج . والخامس: [يهد وليه بالصبر والرضى، قاله أبو بكر الوراق . والسادس: ] يهد قلبه لاتباع السنة إذا صح إيمانه، قاله أبو عثمان الحيري . وقرأ أبو بكر الصديق، وعاصم الجحدري، وأبو نهيك: "يهد" بياء مفتوحة . [ ص: 284 ] ونصب الدال "قلبه" بالرفع . قال الزجاج: هذا من هدأ يهدأ: إذا سكن .

فالمعنى: إذا سلم لأمر الله سكن قلبه . وقرأ عثمان بن عفان، والضحاك، وطلحة بن مصرف، والأزرق عن حمزة: "نهد" بالنون . وقرأ علي بن أبي طالب، وأبو عبد الرحمن: "يهد" بضم الياء، وفتح الدال "قلبه" بالرفع . وما بعد هذا ظاهر إلى قوله تعالى: إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم سبب نزولها أن الرجل كان يسلم . فإذا أراد الهجرة منعه أهله، وولده، وقالوا: ننشدك الله أن تذهب وتدع أهلك وعشيرتك وتصير إلى المدينة بلا أهل ولا مال . فمنهم من يرق لهم، ويقيم فلا يهاجر، فنزلت هذه الآية . فلما هاجر أولئك، ورأوا الناس قد فقهوا في الدين هموا أن يعاقبوا أهلهم الذين منعوهم، فأنزل الله تعالى: وإن تعفوا وتصفحوا إلى آخر الآية، هذا قول ابن عباس . وقال الزجاج: لما أرادوا الهجرة قال لهم أزواجهم، وأولادهم: قد صبرنا لكم على مفارقة الدين ولا نصبر لكم على مفارقتكم، ومفارقة الأموال، والمساكن، فأعلم الله عز وجل أن من كان بهذه الصورة، فهو عدو، وإن كان ولدا، أو كانت زوجة . وقال مجاهد: كان حب الرجل ولده وزوجته يحمله على قطيعة رحمه ومعصية ربه . وقال قتادة: كان من أزواجهم، وأولادهم من ينهاهم عن الإسلام، ويثبطهم عنه، فخرج في قوله تعالى: عدوا لكم ثلاثة أقوال .

[ ص: 285 ] أحدها: بمنعه من الهجرة، وهذا على قول ابن عباس . والثاني: بكونهم سببا للمعاصي، وعلى هذا قول مجاهد . والثالث: بنهيهم عن الإسلام، وهذا على قول قتادة .

قوله تعالى: فاحذروهم قال الفراء: لا تطيعوهم في التخلف .

قوله تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة أي: بلاء وشغل عن الآخرة . فالمال والأولاد يوقعان في العظائم إلا من عصمه الله . وقال ابن قتيبة: أي: إغرام . يقال: فتن فلان بالمرأة، وشغف بها، أي: أغرم بها . وقال الفراء: قال أهل المعاني: إنما دخل "من" في قوله تعالى: إن من أزواجكم لأنه ليس كل الأزواج، والأولاد أعداء . ولم يذكر "من" في قوله تعالى: إنما أموالكم وأولادكم فتنة لأنها لا تخلو من الفتنة، واشتغال القلب بها . وقد روى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يخطب، فجاء الحسن، والحسين عليهما قميصان أحمران يمشيان، ويعثران، فنزل من المنبر، فحملهما، فوضعهما بين يديه ثم قال: "صدق الله عز وجل: إنما أموالكم وأولادكم فتنة نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان، ويعثران، فلم أصبر حتى قطعت حديثي، ورفعتهما .

قوله تعالى: والله عنده أجر عظيم أي: ثواب جزيل وهو الجنة . [ ص: 286 ] والمعنى: لا تعصوه بسبب الأولاد، ولا تؤثروهم على ما عند الله من الأجر العظيم فاتقوا الله ما استطعتم أي: ما أطقتم "واسمعوا" ما تؤمرون به "وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم" وفي هذه النفقة ثلاثة أقوال .

أحدها: الصدقة، قاله ابن عباس .

والثاني: نفقة المؤمن على نفسه، قاله الحسن .

والثالث: النفقة في الجهاد، قاله الضحاك ومن يوق شح نفسه حتى يعطي حق الله في ماله . وقد تقدم بيان هذا في [الحشر: 9] وما بعده قد سبق بيانه إلى آخر السورة [البقرة: 254، والحديد: 18،11، والحشر: 24،23] .

سُورَةُ الطَّلَاقِ
وتسمى سورة النساء القصرى، وهي مدنية كلها بإجماعهم

بسم الله الرحمن الرحيم

يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا

قوله تعالى: يا أيها النبي إذا طلقتم النساء قال الزجاج: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم . والمؤمنون داخلون معه فيه . ومعناه: إذا أردتم طلاق النساء، كقوله تعالى: إذا قمتم إلى الصلاة [المائدة: 6] وفي سبب نزول هذه الآية قولان .

أحدهما: أنها نزلت حين طلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، وقيل له: راجعها، فإنها صوامة قوامة، وهي من إحدى زوجاتك في الجنة، قاله أنس بن مالك .

والثاني: أنها نزلت في عبد الله بن عمر، وذلك أنه طلق امرأته حائضا، [ ص: 288 ] فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يراجعها، ثم يمسكها حتى تطهر، قاله السدي .

قوله تعالى لعدتهن أي: لزمان عدتهن، وهو الطهر . وهذا للمدخول بها، لأن غير المدخول بها لا عدة عليها .

والطلاق على ضربين: سني، وبدعي .

فالسني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، وذلك هو الطلاق للعدة ، لأنها تعتد بذلك الطهر من عدة وتقع في العدة عقيب الطلاق، فلا يطول عليها زمان العدة .

والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها فيه، فهو واقع، وصاحبه آثم . وإن جمع الطلاق الثلاث في طهر واحد، فالمنصور من مذهبنا أنه بدعة .

قوله تعالى: وأحصوا العدة أي: زمان العدة . وفي إحصائها فوائد . منها: مراعاة زمان الرجعة، وأوان النفقة، والسكنى، وتوزيع الطلاق على الإقرار إذا أراد أن يطلق ثلاثا، وليعلم أنها قد بانت، فيتزوج بأختها، وأربع سواها .

[ ص: 289 ] قوله تعالى: واتقوا الله ربكم أي: فلا تعصوه فيما أمركم به . و لا تخرجوهن من بيوتهن فيه دليل على وجوب السكنى . ونسب البيوت إليهن، لسكناهن قبل الطلاق فيهن، ولا يجوز لها أن تخرج في عدتها إلا لضرورة ظاهرة . فإن خرجت أثمت إلا أن يأتين بفاحشة وفيها أربعة أقوال .

أحدها: المعنى: إلا أن يخرجن قبل انقضاء المدة فخروجهن هو الفاحشة المبينة، وهذا قول عبد الله بن عمر، والسدي، وابن السائب .

والثاني: أن الفاحشة: الزنا، رواه مجاهد عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والشعبي، وعكرمة، والضحاك . فعلى هذا يكون المعنى: إلا أن يزنين فيخرجن لإقامة الحد عليهن .

والثالث: الفاحشة: أن تبذؤ على أهلها، فيحل لهم إخراجها، رواه محمد ابن إبراهيم عن ابن عباس .

والرابع: أنها إصابة حد، فتخرج لإقامة الحد عليها، قاله سعيد ابن المسيب .

قوله تعالى: وتلك حدود الله يعني: ما ذكر من الأحكام ومن يتعد [ ص: 290 ] حدود الله التي بينها، وأمر بها فقد ظلم نفسه أي: أثم فيما بينه وبين الله تعالى لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا أي: يوقع في قلب الزوج المحبة لرجعتها بعد الطلقة والطلقتين . وهذا يدل على أن المستحب في الطلاق تفريقه، وأن لا يجمع الثلاث .

فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا

قوله تعالى: فإذا بلغن أجلهن أي: قاربن انقضاء العدة "فأمسكوهن بمعروف" وهذا مبين في [البقرة: 231] "وأشهدوا ذوي عدل منكم" قال المفسرون: أشهدوا على الطلاق، أو المراجعة . واختلف العلماء: هل الإشهاد على المراجعة واجب، أم مستحب؟ وفيه عن أحمد روايتان، وعن الشافعي قولان ثم قال للشهداء: "وأقيموا الشهادة لله" أي: اشهدوا بالحق، وأدوها على الصحة، طلبا لمرضاة الله، وقياما بوصيته . وما بعده قد سبق بيانه [البقرة: 232] إلى قوله تعالى: ومن يتق الله يجعل له مخرجا فذكر أكثر [ ص: 291 ] المفسرين أنها نزلت في عوف بن مالك الأشجعي، أسر العدو ابنا له، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، وشكا إليه الفاقة، فقال: اتق الله، واصبر، وأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ففعل الرجل ذلك، فغفل العدو عن ابنه، فساق غنمهم، وجاء بها إلى أبيه، وهي أربعة آلاف شاة، فنزلت هذه الآية .

وفي معناها للمفسرين خمسة أقوال .

أحدها: ومن يتق الله ينجه من كل كرب في الدنيا والآخرة، قاله ابن عباس .

والثاني: بأن مخرجه: علمه بأن ما أصابه من عطاء أو منع، من قبل الله، وهو معنى قول ابن مسعود .

والثالث: ومن يتق الله، فيطلق للسنة، ويراجع للسنة، يجعل له مخرجا، قاله السدي .

والرابع: ومن يتق الله بالصبر عند المصيبة، يجعل له مخرجا من النار إلى الجنة، قاله ابن السائب .

والخامس: يجعل له مخرجا من الحرام إلى الحلال، قاله الزجاج . والصحيح أن هذا عام، فإن الله تعالى يجعل للتقي مخرجا من كل ما يضيق عليه . ومن لا يتقي، يقع في كل شدة . قال الربيع بن خثيم: يجعل له مخرجا من كل ما يضيق [ ص: 292 ] على الناس "ويرزقه من حيث لا يحتسب" أي: من حيث لا يأمل، ولا يرجو . قال الزجاج: ويجوز أن يكون: إذا اتقى الله في طلاقه، وجرى في ذلك على السنة، رزقه الله أهلا بدل أهله "ومن يتوكل على الله فهو حسبه" أي: من وثق به فيما نابه، كفاه الله ما أهمه "إن الله بالغ أمره " وروى حفص، والمفضل عن عاصم بالغ أمره مضاف . والمعنى: يقضي ما يريد "قد جعل الله لكل شيء قدرا" أي: أجلا ومنتهى ينتهي إليه، قدر الله ذلك كله فلا يقدم ولا يؤخر . قال مقاتل: قد جعل الله لكل شيء من الشدة والرخاء قدرا، فقدر متى يكون هذا الغني فقيرا، وهذا الفقير غنيا .

واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا

قوله تعالى: واللائي يئسن من المحيض في سبب نزولها قولان . [ ص: 293 ] أحدهما: أنها لما نزلت عدة المطلقة، والمتوفى عنها زوجها في [البقرة: 227، 232] قال أبي بن كعب : يا رسول الله إن نساء من أهل المدينة يقلن: قد بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء . قال: "وما هو؟" قال: الصغار والكبار، وذوات الحمل، فنزلت هذه الآية، قاله عمرو بن سالم .

والثاني: أنه لما نزل قوله تعالى: والمطلقات يتربصن بأنفسهن . . . الآية [البقرة: 228] قال خلاد بن النعمان الأنصاري: يا رسول الله، فما عدة التي لا تحيض، وعدة التي لم تحض، وعدة الحبلى؟ فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل . ومعنى الآية: "إن ارتبتم" أي: شككتم فلم تدروا ما عدتهن "فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن" كذلك .

فصل

قال القاضي أبو يعلى: والمراد بالارتياب ها هنا: ارتياب المخاطبين في مقدار عدة الآيسة والصغيرة كم هو؟ وليس المراد به ارتياب المعتدات في اليأس من المحيض، أو اليأس من الحمل للسبب الذي ذكر في نزول الآية . ولأنه لو أريد [ ص: 294 ] بذلك النساء لتوجه الخطاب إليهن، فقيل: إن ارتبتن، أو ارتبن، لأن الحيض إنما يعلم من جهتهن .

وقد اختلف في المرأة إذا تأخر حيضها لا لعارض كم تجلس؟ فمذهب أصحابنا أنها تجلس غالب مدة الحمل، وهو تسعة أشهر، ثم ثلاثة . والعدة: هي الثلاثة التي بعد التسعة . فإن حاضت قبل السنة بيوم، استأنفت ثلاث حيض، وإن تمت السنة من غير حيض، حلت، وبه قال مالك . وقال أبو حنيفة، والشافعي في الجديد: تمكث أبدا حتى يعلم براءة رحمها قطعا، وهي أن تصير في حد لا يحيض مثلها، فتعتد بعد ذلك ثلاثة أشهر .

قوله تعالى: واللائي لم يحضن يعني: عدتهن ثلاثة أشهر أيضا، لأنه كلام لا يستقل بنفسه، فلا بد له من ضمير، وضميره تقدم ذكره مظهرا، وهو العدة بالشهور . وهذا على قول أصحابنا محمول على من لم يأت عليها زمان الحيض: أنها تعتد ثلاثة أشهر . فأما من أتى عليها زمان الحيض، ولم تحض، فإنها تعتد سنة .

قوله تعالى: وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن عام في المطلقات، والمتوفى عنهن أزواجهن، وهذا قول عمر، وابن عمر، وابن مسعود، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة، وفقهاء الأمصار . وقد روي عن ابن عباس أنه قال: تعتد آخر الأجلين . ويدل على قولنا عموم الآية . وقول ابن مسعود: من شاء لاعنته، ما نزلت "وأولات الأحمال" إلا بعد آية المتوفى عنها زوجها، [ ص: 295 ] وقول أم سلمة: إن سبيعة وضعت بعد وفاة زوجها بأيام، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتزوج .

قوله تعالى: ومن يتق الله أي: فيما أمر به "يجعل له من أمره يسرا" يسهل عليه أمر الدنيا والآخرة، وهذا قول الأكثرين . وقال الضحاك: ومن يتق الله في طلاق السنة، يجعل الله له من أمره يسرا في الرجعة "ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله" بطاعته "يكفر عنه سيئاته" أي: يمح عنه خطاياه "ويعظم له أجرا" في الآخرة .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 23-06-2024, 07:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,089
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الثامن

سُورَةُ الْوَاقِعَةِ
الحلقة (512)
صــ 148 إلى صــ 161





أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون إنا لمغرمون بل نحن محرومون أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين فسبح باسم ربك العظيم

"أفرأيتم ما تحرثون" أي: ما تعملون في الأرض من إثارتها، وإلقاء [ ص: 148 ] البذور فيها، "أأنتم تزرعونه" أي: تنبتونه؟! وقد نبه هذا الكلام على أشياء منها إحياء الموتى، ومنها الامتنان بإخراج القوت، ومنها القدرة العظيمة الدالة على التوحيد .

قوله تعالى: لجعلناه يعني الزرع "حطاما" قال عطاء: تبنا لا قمح فيه . وقال الزجاج: أبطلناه حتى يكون محتطما لا حنطة فيه ولا شيء .

قوله تعالى: فظلتم وقرأ الشعبي، وأبو العالية، وابن أبي عبلة: "فظلتم" بكسر الظاء; وقد بيناه في قوله: ظلت عليه عاكفا [طه: 97] .

قوله تعالى: تفكهون وقرأ أبي بن كعب ، وابن السميفع، والقاسم بن محمد، وعروة: "تفكنون" بالنون . وفي المعنى أربعة أقوال .

أحدها: تعجبون، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل . قال الفراء: تتعجبون مما نزل بكم في زرعكم .

والثاني: تندمون، قاله الحسن، والزجاج . وعن قتادة كالقولين . قال ابن قتيبة: يقال: "تفكهون": تندمون، ومثلها: تفكنون، وهي لغة لعكل .

والثالث: تتلاومون، قاله عكرمة .

والرابع: تتفجعون، قاله ابن زيد .

قوله تعالى: إنا لمغرمون قال الزجاج: أي: تقولون قد غرمنا وذهب زرعنا . وقال ابن قتيبة: "لمغرمون" أي: لمعذبون .

[ ص: 149 ] قوله تعالى: بل نحن محرومون أي: حرمنا ما كنا نطلبه من الريع في الزرع . وقد نبه بهذا على أمرين .

أحدهما: إنعامه عليهم إذ لم يجعل زرعهم حطاما .

والثاني: قدرته على إهلاكهم كما قدر على إهلاك الزرع . فأما المزن، فهي السحاب، واحدتها: مزنة .

وما بعد هذا ظاهر إلى قوله: تورون قال أبو عبيدة: تستخرجون، من أوريت، وأكثر ما يقال: وريت . وقال ابن قتيبة: التي تستخرجون من الزنود . قال الزجاج: "تورون" أي: تقدحون، تقول: أوريت النار: إذا قدحتها .

قوله تعالى: أأنتم أنشأتم شجرتها في المراد بشجرتها ثلاثة أقوال .

أحدها: أنها الحديد، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: أنها الشجرة التي تتخذ منها الزنود، وهو خشب يحك بعضه ببعض فتخرج منه النار، هذا قول ابن قتيبة، والزجاج .

والثالث: أن شجرتها: أصلها، ذكره الماوردي .

قوله تعالى: نحن جعلناها تذكرة قال المفسرون: إذا رآها الرائي ذكر نار جهنم، وما يخاف من عذابها، فاستجار بالله منها "ومتاعا" أي: منفعة "للمقوين" وفيهم أربعة أقوال .

أحدها: أنهم المسافرون، قاله ابن عباس، وقتادة، والضحاك .

قال ابن قتيبة: سموا بذلك لنزلهم القوى، وهو القفر . وقال بعض العلماء: المسافرون أكثر حاجة إليها من المقيمين، لأنهم إذا أوقدوها هربت منهم السباع واهتدى به الضال . [ ص: 150 ] والثاني: أنهم المسافرون والحاضرون، قاله مجاهد .

والثالث: أنهم الجائعون، قال ابن زيد: المقوي: الجائع في كلام العرب .

والرابع: أنهم الذين لا زاد معهم ولا مرد لهم، قاله أبو عبيدة .

قوله تعالى: فسبح باسم ربك العظيم قال الزجاج: لما ذكر ما يدل على توحيده، وقدرته، وإنعامه، قال: "فسبح" أي: برئ الله ونزهه عما يقولون في وصفه . وقال الضحاك: معناه: فصل باسم ربك، أي: استفتح الصلاة بالتكبير . وقال ابن جرير: سبح بذكر ربك وتسميته . وقيل: الباء زائدة . والاسم يكون بمعنى الذات، والمعنى: فسبح ربك .

فلا أقسم بمواقع النجوم وإنه لقسم لو تعلمون عظيم إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين أفبهذا الحديث أنتم مدهنون وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون قوله تعالى: فلا أقسم في "لا" قولان .

أحدهما: أنها دخلت توكيدا . والمعنى: فأقسم، ومثله لئلا يعلم أهل الكتاب [الحشر: 29] قال الزجاج: وهو مذهب سعيد بن جبير .

والثاني: أنها على أصلها . ثم في معناها قولان .

أحدهما: أنها ترجع إلى ما تقدم، ومعناها: النهي، تقدير الكلام: فلا تكذبوا، ولا تجحدوا ما ذكرته من النعم والحجج، قاله الماوردي .

[ ص: 151 ] والثاني: أن "لا" رد لما يقوله الكفار في القرآن: إنه سحر، وشعر، وكهانة . ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم، قاله علي بن أحمد النيسابوري: وقرأ الحسن: " فلأقسم" بغير ألف بين اللام والهمزة .

قوله تعالى: بمواقع وقرأ حمزة، والكسائي: "بموقع" على التوحيد . قال أبو علي: مواقعها مساقطها . ومن أفرد، فلأنه اسم جنس . ومن جمع، فلاختلاف ذلك . وفي "النجوم" قولان .

أحدهما: نجوم السماء، قاله الأكثرون . فعلى هذا في مواقعها ثلاثة أقوال .

أحدها: انكدارها وانتثارها يوم القيامة، قاله الحسن .

والثاني: منازلها، قاله عطاء، وقتادة .

والثالث: مغيبها في المغرب، قاله أبو عبيدة .

والثاني: أنها نجوم القرآن، رواه ابن جبير عن ابن عباس . فعلى هذا سميت نجوما لنزولها متفرقة، ومواقعها: نزولها "وإنه لقسم" الهاء كناية عن القسم .

وفي الكلام تقديم وتأخير، تقديره: وإنه لقسم عظيم لو تعلمون عظمه . ثم ذكر المقسم عليه فقال تعالى: إنه لقرآن كريم والكريم: اسم جامع لما يحمد، وذلك أن فيه البيان، والهدى، والحكمة، وهو معظم عند الله عز وجل .

قوله تعالى: في كتاب فيه قولان .

أحدهما: أنه اللوح المحفوظ، قاله ابن عباس . والثاني: أنه المصحف الذي بأيدينا، قاله مجاهد، وقتادة .

وفي "المكنون" قولان .

أحدهما: مستور عن الخلق، قاله مقاتل، وهذا على القول الأول .

والثاني: مصون، قاله الزجاج . [ ص: 152 ] قوله تعالى: لا يمسه إلا المطهرون من قال: إنه اللوح المحفوظ . فالمطهرون عنده: الملائكة، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير . فعلى هذا يكون الكلام خبرا . ومن قال: هو المصحف، ففي المطهرين أربعة أقوال .

أحدها: أنهم المطهرون من الأحداث، قاله الجمهور . فيكون ظاهر الكلام النفي، ومعناه النهي .

والثاني: المطهرون من الشرك، قاله ابن السائب .

والثالث: المطهرون من الذنوب والخطايا، قاله الربيع بن أنس .

والرابع: أن معنى الكلام: لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، حكاه الفراء .

[ ص: 153 ] قوله تعالى: تنزيل أي: هو تنزيل . والمعنى: هو منزل، فسمي المنزل تنزيلا في اتساع اللغة، كما تقول للمقدور: قدر، وللمخلوق: خلق .

قوله تعالى: أفبهذا الحديث يعني: القرآن أنتم مدهنون فيه قولان .

أحدهما: مكذبون، قاله ابن عباس، والضحاك، والفراء .

والثاني: ممالئون الكفار على الكفر به، قاله مجاهد . قال أبو عبيدة: المدهن: المداهن، وكذلك قال ابن قتيبة "مدهنون" أي: مداهنون . يقال: أدهن في دينه، وداهن "وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون" روى مسلم في "صحيحه" من حديث ابن عباس قال: مطر الناس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر" . قالوا: هذه رحمة وضعها الله حيث شاء . وقال بعضهم: لقد صدق نوء كذا، وكذا، فنزلت هذه الآية فلا أقسم بمواقع النجوم حتى بلغ أنكم تكذبون . وروى البخاري ومسلم في "الصحيحين" من حديث زيد بن خالد الجهني، قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة بالحديبية على إثر سماء كانت من الليل . فلما انصرف أقبل على الناس، فقال: "هل تدرون ماذا قال ربكم"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم . "قال: قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر . فأما المؤمن فقال: مطرنا بفضل الله وبرحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب . وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب" .

[ ص: 154 ] وللمفسرين في معنى هذه الآية ثلاثة أقوال .

أحدها: أن الرزق ها هنا بمعنى الشكر . روت عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "وتجعلون رزقكم" قال: "شكركم"، وهذا قول علي بن أبي طالب، وابن عباس . وكان علي يقرأ "وتجعلون شكركم" .

والثاني: أن المعنى: وتجعلون شكر رزقكم تكذيبكم، قاله الأكثرون . وذلك أنهم كانوا يمطرون، فيقولون: مطرنا بنوء كذا .

والثالث: أن الرزق بمعنى الحظ . فالمعنى: وتجعلون حظكم ونصيبكم من القرآن أنكم تكذبون، ذكره الثعلبي . وقرأ أبي بن كعب ، والمفضل عن عاصم "تكذبون" بفتح التاء، وإسكان الكاف، مخففة الذال .

فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنت نعيم وأما إن [ ص: 155 ] كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم

قوله تعالى: فلولا أي: فهلا "إذا بلغت الحلقوم" يعني: النفس، فترك ذكرها لدلالة الكلام، وأنشدوا من ذلك:


إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر


قوله تعالى: وأنتم يعني أهل الميت "تنظرون" إلى سلطان الله وأمره . والثاني: تنظرون إلى الإنسان في تلك الحالة، ولا تملكون له شيئا "ونحن أقرب إليه منكم" فيه قولان .

أحدهما: ملك الموت أدنى إليه من أهله "ولكن لا تبصرون" الملائكة، رواه أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: ونحن أقرب إليه منكم بالعلم والقدرة والرؤية ولكن لا تبصرون أي: لا تعلمون، والخطاب للكفار، ذكره الواحدي .

قوله تعالى: غير مدينين فيه خمسة أقوال .

أحدها: محاسبين، رواه الضحاك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وابن جبير، وعطاء، وعكرمة . والثاني: موقنين، قاله مجاهد . والثالث: [ ص: 156 ] مبعوثين، قاله قتادة . والرابع: مجزيين . ومنه يقال: دنته، وكما تدين تدان، قاله أبو عبيدة . والخامس: مملوكين أذلاء من قولك: دنت له بالطاعة، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى: ترجعونها أي: تردون النفس . والمعنى: إن جحدتم الإله الذي يحاسبكم ويجازيكم، فهلا تردون هذه النفس؟! فإذا لم يمكنكم ذلك، فاعلموا أن الأمر لغيركم .

قال الفراء: وقوله تعالى: ترجعونها هو جواب لقوله تعالى: فلولا إذا بلغت الحلقوم ولقوله تعالى: فلولا إن كنتم غير مدينين فإنهما أجيبتا بجواب واحد . ومثله قوله تعالى: فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم [البقرة: 38] ثم ذكر طبقات الخلق عند الموت فقال تعالى: فأما إن كان يعني: الذي بلغت نفسه الحلقوم من "المقربين" عند الله . قال أبو العالية: هم السابقون "فروح" أي: فله روح . والجمهور يفتحون الراء . وفي معناها ستة أقوال .

أحدها: الفرح، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس . والثاني: الراحة، رواه أبو طلحة عن ابن عباس . والثالث: المغفرة والرحمة، رواه العوفي عن ابن عباس . والرابع: الجنة، قاله مجاهد . والخامس: روح من الغم الذي كانوا فيه، قاله محمد بن كعب . والسادس: روح في القبر، أي: طيب نسيم، قاله ابن قتيبة . وقرأ أبو بكر الصديق، وأبو رزين، والحسن، وعكرمة، [ ص: 157 ] وابن يعمر، وقتادة، ورويس عن يعقوب، وابن أبي سريج عن الكسائي: "فروح" برفع الراء . وفي معنى هذه القراءة قولان .

أحدهما: أن معناها: فرحمة، قاله قتادة .

والثاني: فحياة وبقاء، قاله ابن قتيبة . وقال الزجاج: معناه: فحياة دائمة لا موت معها . وفي "الريحان" أربعة أقوال .

أحدها: أنه الرزق، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس .

والثاني: أنه المستراح، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثالث: أنه الجنة، قاله مجاهد، وقتادة .

والرابع: أنه الريحان المشموم . وقال أبو العالية: لا يخرج أحد من [ ص: 158 ] المقربين من الدنيا حتى يؤتى بغصن من ريحان الجنة، فيشمه، ثم تقبض فيه روحه، وإلى نحو هذا ذهب الحسن . وقال أبو عمران الجوني: بلغنا أن المؤمن إذا قبض روحه تلقى بضبائر الريحان من الجنة، فتجعل روحه فيه .

قوله تعالى: فسلام لك من أصحاب اليمين فيه ثلاثة أقوال .

أحدها: فسلامة لك من العذاب، قاله أبو صالح عن ابن عباس .

والثاني: تسلم عليه الملائكة، وتخبره أنه من أصحاب اليمين، قاله عطاء . والثالث: أن المعنى: أنك ترى فيهم ما تحب من السلامة . وقد علمت ما أعد لهم من الجزاء، قاله الزجاج .

قوله تعالى: وأما إن كان من المكذبين أي: بالبعث "الضالين" عن الهدى "فنزل" وقد بيناه في هذه السورة [الواقعة: 56] .

قوله تعالى: إن هذا يعني: ما ذكر في هذه السورة لهو حق اليقين أي: هو اليقين حقا، فأضافه إلى نفسه، كقولك: صلاة الأولى، وصلاة العصر، ومثله: ولدار الآخرة [يوسف: 109] وقد سبق هذا المعنى وقال قوم: معناه: وإنه للمتقين حقا . وقيل للحق: اليقين .

[ ص: 159 ] قوله تعالى: فسبح باسم ربك قد ذكرناه في هذه السورة [الواقعة: 74] .

سُورَةُ الْحَدِيدِ

وَفِيهَا قَوْلَانِ

أحدهما: أنها مدنية، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال الحسن، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، وقتادة، ومقاتل .

والثاني: أنها مكية، قاله ابن السائب .

بسم الله الرحمن الرحيم

سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور

قوله تعالى سبح لله ما في السماوات والأرض أما تسبيح ما يعقل، فمعلوم، وتسبيح ما لا يعقل، قد ذكرنا معناه في قوله تعالى: وإن من شيء إلا يسبح بحمده [الإسراء: 44] .

[ ص: 161 ] قوله تعالى: هو الأول قال أبو سليمان الخطابي: هو السابق للأشياء "والآخر" الباقي بعد فناء الخلق "والظاهر" بحججه الباهرة، وبراهينه النيرة، وشواهده الدالة على صحة وحدانيته . ويكون: الظاهر فوق كل شيء بقدرته . وقد يكون الظهور بمعنى العلو، ويكون بمعنى الغلبة . والباطن: هو المحتجب عن أبصار الخلق الذي لا يستولي عليه توهم الكيفية . وقد يكون معنى الظهور والبطون: احتجابه عن أبصار الناظرين، وتجليه لبصائر المتفكرين . ويكون معناه: العالم بما ظهر من الأمور، والمطلع على ما بطن من الغيوب هو الذي خلق السماوات والأرض مفسر في [الأعراف: 54] إلى قوله تعالى: يعلم ما يلج في الأرض وهو مفسر في [سبإ: 2] إلى قوله تعالى: وهو معكم أين ما كنتم أي: بعلمه وقدرته . وما بعده ظاهر إلى قوله تعالى: آمنوا بالله ورسوله [ ص: 162 ] قال المفسرون: هذا الخطاب لكفار قريش وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه يعني: المال الذي كان بأيدي غيرهم، فأهلكهم الله، وأعطى قريشا ذلك المال، فكانوا فيه خلفاء من مضى .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 24-06-2024 الساعة 12:35 AM.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 532.95 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 526.78 كيلو بايت... تم توفير 6.17 كيلو بايت...بمعدل (1.16%)]