الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التسليم عبادة العقل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          ماذا ينبغي في معاشرة الأهل والأولاد؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          تأملات في سورة الإسراء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          جهال المتكلمين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          عبث (قصيدة) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          تدبر في رحلة الإسراء: ولسوف يعطيك ربك فترضى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          وحيُ الشيطان ورسلُه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          حين يغيب الصبر تضعف التقوى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          ماالذي يُطمئنُك وسط عاصفة الحياة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          لا تجعل ذنبك أكبر من رحمة ربك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 12-01-2026, 04:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 166الى صــ 180
الحلقة (41)



حُكمها:
صلاة الضحى مستحبّة وجاء في تبويب «صحيح مسلم» (١) «باب استحباب صلاة الضحى».

وقتها:
يبدأ وقتها بارتفاع الشمس قدر رُمح (٢) وينتهي بدخول وقت الكراهة، قبل الزوال بقليل.
بيد أنَّ المستحبّ تأخيرها حتى ترتفع الشمس ويشتد الحرّ.
عن القاسم الشيباني أنَّ زيد بن أرقم رأى قومًا يُصلون من الضحى، فقال: أمَا لقد علموا أنَّ الصلاة في غير هذه الساعة أفضل، إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الأوابين حين تَرْمَض الفِصال (٣)» (٤).

عدد ركعاتها:
أقلّها ركعتان -لِما تقدّم- وأنَّ أقلها ركعتان وأكملها ثمان ركعات وأوسطها أربع ركعات أو ست (٥).

-------------------------
(١) انظر كتاب صلاة المسافرين وقصرها.
(٢) سألت شيخنا -حفظه الله - عن ذلك فقال: الرمح: (متران) بالقياس المعهود اليوم.
(٣) ترمَض الفصال: هي أن تَحمى الرمضاء -وهي الرمل- فتبرك الفصال -جمع فصيل- وهي الصغار من أولاد الإبل، من شدة حرّها وإحراقها أخفافها. «النهاية» بزيادة.
(٤) أخرجه مسلم: ٧٤٨
(٥) هذا عنوان من تبويب «صحيح مسلم» (كتاب صلاة المسافرين وقصرها).


وأكثر ما ثبت من فِعل رسول الله - ﷺ - ثماني ركعات كما في حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: «ما أخبَرني أحدٌ أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - يصلّي الضّحى إلاَّ أمّ هانئ، فإِنَّها حدّثت أنَّ النّبيّ - ﷺ - دخل بيتها يوم فتح مكّة، فصلّى ثماني ركعات» (١).
وأكثر ما ثبت من قوله - ﷺ -: اثنتا عشرة ركعة كما في حديث أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلّى الضحى ركعتين، لم يُكتب من الغافلين، ومن صلّى أربعًا كُتب من العابدين، ومن صلّى ستًا كُفي ذلك اليوم، ومن صلّى ثمانيًا كتبه الله من القانتين، ومن صلّى ثنتى عشرة ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة، وما من يوم ولا ليلة إِلا لله من يَمُنُّ به على عباده صدقة، وما من الله على أحد من عباده أفضل من أن يُلهمه ذِكره» (٢).

صلاة الاستخارة
يسنُّ لكلِّ من همَّ بأمرٍ ذي بال إِن لم يدرِ، إِنْ كان الخير في فِعله أو ترْكه؛
أن يستخير الله تعالى فيه، فيصلّي ركعتين من غير الفريضة؛ ثمَّ يدعو بعد السلام بالدعاء المبيَّن في حديث جابر -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يعلّمنا الاستخارة (٣) في الأمور كلّها؛ كالسورة من القرآن: إِذا همّ أحدكم

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١١٧٦، ومسلم: ٣٣٦
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير ورواته ثقات وحسّنه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب" (٦٧١).
(٣) الخير: ضد الشرّ، تقول: من خِرْت يا رجل فأنت خائر وخَيِّر، وخارَ الله لك: أي أعطاك ما هو خيرٌ لك، والخِيره بسكون الياء: الاسم منه، فأمّا بالفتح: (الخِيَرة) فهي =



بالأمر فليركع ركعتين، من غير الفريضة، ثمَّ ليقل: «اللهمّ إِنِّي أستخيرك بعلمك واستقدرك (١) بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإِنَّك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم وأنت علام الغيوب، اللهمّ إِنْ كنت تعلم أنَّ هذا الأمر -وتسمّيه باسمه- خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاقدُره لي ويسِّرْه لي ثمَّ بارِك لي فيه، وإِن كنتَ تعلم أنَّ هذا الأمر شرٌّ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري وعاجله وآجله، فاصرِفه عني واصرِفني عنه، واقدُر لي (٢) الخير حيث كان ثمَّ رضِّني به وفي بعض الروايات: قال: ويسمِّي حاجته» (٣).
والدليل على أنَّ الدعاء بعد الصلاة لا قبلها قوله - ﷺ -: «فليركع ركعتين من غير الفريضة ثمَّ ليقل» فإنّ «ثمَّ» تفيد الترتيب مع التراخي، فأفاد ذلك أنها بعد الصلاة.
* وينبغي أن يفعل بعد الاستخاره ما ينشرح له، فلا ينبغي أن يعتمد على انشراحٍ كان فيه هوى قبل الاستخارة، بل ينبعي للمستخير ترْك اختياره رأسًا، وإِلاَّ فلا يكون مستخيرًا لله، بل يكون غير صادقٍ في طلب الخير، وفي التبرِّي

------------------------
= الاسم، من قولك: اختاره الله ... والاستخارة طلب الخِيَرة في الشيء، وهو استفعال منه «النهاية» بحذف.
(١) أي: أطلب منك أن تجعل لي عليه قدره، قاله بعض العلماء.
(٢) أي: اقضِ لي به وهيِّئه. «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري بنحوه: ٦٣٨٢، وهو من «صحيح الكَلِم» (١١٥)، وخرّجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٩).



من العلم والقدرة وإِثباتهما لله تعالى، فإِذا صدق في ذلك؛ تبرّأ من الحول والقوّة ومن اختياره لنفسه. * (١)

صلاة التسابيح
عن عكرمة عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ - للعبّاس ابن عبد المطّلب:»يا عبّاس يا عمّاه! ألا أعطيك ألا أمنحك ألا أحبوك ألا أفعل لك عشرَ خصال؛ إِذا أنتَ فعلتَ ذلك غفَر الله ذَنبك أوّله وآخره، وقديمه وحديثه، وخطأه وعمدَه، وصغيره وكبيره، وسرَّه وعلانيته، عشرَ خصال (٢)؟ أن تصلّي أربع ركعاتٍ، تقرأ في كلّ ركعةٍ (فاتحة الكتاب) وسورةً، فإِذا فرغْتَ من القراءة في أوّل ركعة فقُل وأنت قائم: «سبحان الله والحمد لله، ولا إِله إلاَّ الله، والله أكبر» خمس عشرة مرة، ثمَّ تركعُ فتقولها وأنت راكع عشرًا، ثمَّ ترفع رأسك من الركوع فتقولها عشرًا، ثمَّ تهوي ساجدًا فتقولها وأنت ساجد عشرًا، ثمَّ ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، ثمَّ تسجد فتقولها عشرًا، ثمَّ ترفع رأسك من السجود فتقولها عشرًا، فذلك خمسٌ وسبعون في كلّ ركعةٍ، تفعل ذلك في أربع ركعاتٍ، إِن استطعت أن تصلِّيَها في كل يوم مرّة فافعل، فإِن لم تستطع، ففي كل جمعة مرّةً، فإِنْ لم تفعل، ففي كل شهر مرّةً، فإِنْ لم تفعل ففي كل سنة مرّة، فإِنْ لم تفعل ففي

---------------------
(١) ما بين نجمتين قاله النووي -رحمه الله- وذكره السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنّة» (١/ ٢١١).
(٢) أي: عشرة أنواع ذنوبك. «مرقاة» (٣/ ٤١٥).



عُمُرك مرةً (١)» (٢).

صلاة التوبة
عن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من رجلٍ يُذنب ذنبًا، ثمَّ يقوم فيتطهّر ثمَّ يصلّي، ثمَّ يستغفر الله، إلاَّ غفَر الله له، ثمَّ قرأ هذه الآية: ﴿والذين إِذا فعَلوا فاحشةً أو ظلموا أنفُسَهم ذكَروا الله﴾ إِلى آخر الآية» (٣).
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «مَن توضّأ فأحسَن الوضوء، ثمَّ قام فصلّى ركعتين أو أربعًا -يشكّ سهل- يُحسِن فيهنّ الذكر والخشوع، ثمَّ استغفر الله غفر له» (٤).

----------------------
(١) قال الحافظ المنذري: «وقد روي هذا الحديت من طرق كثيرة، وعن جماعة من الصحابة، وأمثلُها حديث عكرمة هذا، وقد صححه جماعة منهم الحافظ أبو بكر الآجُري، وشيخنا أبو محمد عبد الرحيم المصري، وشيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي -رحمهم الله تعالى-. وقال أبو بكر بن أبي داود: سمعْت أبي يقول:»ليس في صلاة التسبيح حديث صحيح غير هذا«. وقال مسلم بن الحجّاج -رحمه الله تعالى-: لا يُروى في هذا الحديث إِسناد أحسن من هذا يعني إِسناد حديث عكرمة عن ابن عباس».
(٢) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٤).
(٣) أخرجه الترمذي، وقال حديث حسن وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والبيهقي وقالا: «ثمَّ يصلّي ركعتين»، وصححه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٧).
(٤) أخرجه أحمد بإِسناد حسن، وحسّنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٢٣).



صلاة الكسوف (١)
اختلف العلماء في حُكم صلاة الكسوف ويرى الجمهور على أنَّها سنة مؤكّدة، وصَرَّح أبو عوانه في»صحيحه«بوجوبها، ونقل الزين ابن المنيّر عن أبي حنيفة أنَّه أوجبها، وكذا نقل بعض مصنّفي الحنفية أنَّها واجبة (٢).
وقال شيخنا -حفظه الله تعالى-:»... وهو ظاهر صنيع ابن خزيمة في «صحيحه» فإِنَّه قال فيه (٢/ ٣٠٨) «باب الأمر بالصلاة عند كسوف الشمس والقمر ...».
وذكَر أيضًا بعض الأحاديث في الأمر بها، ومن المعلوم من أسلوب ابن خزيمة في «صحيحه» أنَّه حين يكون الأمر عنده لغير الوجوب؛ يبيّن ذلك في أبواب كتابه فالمسألة فيها خلاف«.
وقال -حفظه الله تعالى- في القول بالوجوب:»وهو الأرجح دليلًا لما يأتي: «إِن القول بالسنيّة فقط؛ فيه إِهدار للأوامر الكثيرة التي جاءت عنه - ﷺ - في هذه الصلاة؛ دون أيّ صارف لها عن دلالتها الأصليّة ألا وهو الوجوب، ومال إِلى هذا الشوكاني في»السيل الجرار«(١/ ٣٢٣) وأقرّه صدّيق خان في»الروضة الندية«وهو الحقّ إِن شاء الله تعالى». انتهى.
ويُنادى لها: «إِنّ الصلاة جامعة» لحديث عبد الله بن عمرو -رضي الله

---------------------------
(١) الكسوف لغةً: التغيير إِلى سواد، ومنه: كسف وجهه وحاله، وكسفت الشمس: اسودّت وذهب شعاعها. «فتح» (٢/ ٥٢٦).
(٢) انظر «الفتح» (٢/ ٥٢٧).



عنهما- قال:»لمّا كسَفَت الشمس على عهد رسول الله - ﷺ - نودي: إِنَّ
الصلاة جامعة (١) «(٢).
ثمَّ يصلّي بهم الإِمام ركعتين؛ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: خسَفَت الشمس في حياة النّبيّ - ﷺ - فخرج إِلى المسجد فصفَّ الناس وراءهُ فكبَّر، فاقْترأ رسول الله - ﷺ - قراءةً طويلةً، ثمَّ كبَّر فركع ركوعًا طويلًا، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده، فقام ولم يسجد، وقرأ قراءةً طويلة؛ هي أدنى من القراءة الأولى، ثمَّ كبَّر وركع ركوعًا طويلًا، وهو أدنى من الركوع الأوّل، ثمَّ قال سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، ثمَّ سجد، ثمَّ قال في الركعة الآخرة مِثل ذلك، فاستكمل أربع ركعات في أربع سجداتٍ، وانجلت الشمس قبل أن ينصرف، ثمَّ قام فأثنى على الله بما هو أهله، ثمَّ قال: هما آيتان من آيات الله لا يَخْسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته. فإِذا رأيتموها فافزعوا إِلى الصلاة» (٣).
ويكون ذلك جهرًا كما تدّل على ذلك النصوص.
قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (٢٦٣): «أنَّ صلاة

------------------------
(١) والمعنى: احضروا الصلاة في حال كونها جامعة، أو: إِنّ الصلاة جامعة فاحضروها وانظر»الفتح" (٢/ ٥٣٣).
(٢) أخرجه البخاري: ١٠٤٥، ومسلم: ٩١٠
(٣) أخرجه البخاري: ١٠٤٦، ومسلم: ٩٠١



الكسوف؛ إِنّما صلاّها رسول الله - ﷺ - مرّة واحدة، وقد صحّ أنَّه جهر بها كما في»البخاري«، ولم يَثبُت ما يُعارضه ...».
قلت: وقد بوّب لذلك البخاري بقوله (باب الجهر بالقراءة في الكسوف) وقال الحافظ: استدلّ به على الجهر فيها بالنّهار.
ويحسن إِطالة السجود والركوع في الصلاة، لحديث عائشة: «ما سجدْت سجودًا قطّ كان أطول منه» (١).
وفي «مسلم» (٩١٠): «قالت عائشة: ما ركعتُ ركوعًا قطّ، ولا سجدت سجودًا قطّ؛ كان أطول منه».
والركعة الأولى في الكسوف أطول؛ كما في حديث عائشة أنَّ النّبيّ - ﷺ - «صلّى بهم في كسوف الشمس أربع ركعات في سجدتين الأوّل الأوّل أطول» (٢). وصرّح البخاري بذلك في تبويبه.
وتصلّى جماعةً لِما دلّت عليه الأحاديث المتقدّمة، وبوّب لذلك أيضًا البخاري في «كتاب الكسوف» فقال: (باب صلاة الكسوف جماعة).
قال الحافظ (٢/ ٥٤٠): «أي: وإن لم يحضروا الإِمام الراتب، فيؤمّ لهم بعضهم وبه قال الجمهور، وعن الثوري إِن لم يحضر الإِمام صلَّوا فرادى». انتهى.

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٠٥١، وانظر «الفتح» (٢/ ٥٣٩) -إِن شئت- للمزيد من الفوائد الحديثية.
(٢) أخرجه البخاري: ١٠٦٤، وانظر «الفتح» (٢/ ٥٤٨) إِن شئت للمزيد من الفائدة.



والأوّل أرجح ولا دليل على الثاني والله تعالى أعلم.
ويسنّ للنساء مشاركة الرجال في الكسوف، وفيه أحاديثُ، من ذلك قول عائشة -رضي الله عنها- المتقدّم- تَصِفُ صلاة النّبيّ - ﷺ - «ما سجدْت سجودًا قطّ كان أطول منه ...». وبوّب لذلك البخاري -رحمه الله بقوله: (باب صلاة النساء مع الرجال في الكسوف).

صلاتها في المسجد
وتُصلّى في المسجد لحديث عائشة -رضي الله عنها-: «فمرّ رسول الله بين ظَهْرانَي الحُجَر». وقد ذكره البخاري (١٠٥٦) -تحت باب (صلاة الكسوف في المسجد) وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٤٤) لم يقع فيه التصريح (أي صلاة الكسوف في المسجد) بكونها في المسجد، لكنّه يؤخذ من قولها أي [عائشة -رضي الله عنها-] فيه: «فمرّ بين ظَهرانَي الحُجَر؛ لأنَّ الحُجرَ بيوت أزواج النّبيّ - ﷺ - وكانت لاصقة بالمسجد، وقد وقَع التصريح بذلك في رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن عمرة عند مسلم ولفظه:»فخرجت في نسوة بين ظهراني الحُجر في المسجد فأَتَى النّبيّ - ﷺ - من مركبه حتى أتى إِلى مصلاه الذي كان يُصلّي فيه، الحديث«.
قال شيخنا -حفظه الله- في»الإِرواء«(٣/ ١٢٧):»وقد اختلفت الأحاديث في عدد ركوعات صلاة الكسوف اختلافًا كثيرًا، فأقلّ ما رُوي ركوع واحد في كلّ ركعة من ركعتين، وأكثر ما قيل خمسة ركوعات، والصواب أنَّه ركوعان في كل ركعة؛ كما في حديث أبي الزبير عن جابر، وهو الثابت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة وغيرها من الصحابة


-رضي الله عنهم- وقد حقَّقتُ القول في ذلك، وجمعْتُ الأحاديث الواردة فيه وخرّجتُها ثمَّ لخّصتُ ما صحّ منها في جزء عندي».

وقتها:
وقت الصلاة من حين الكسوف أو الخسوف حتى ينجليا لحديث جابر
ابن عبد الله: «إنّهما آيتان من آيات الله يريكموهما، فإِذا خَسَفا فصلُّوا حتى
لينجلي (تَنجلي)» (١).

الخطبة بعد الصلاة:
يُسنّ للإِمام بعد الانتهاء من الصلاة أن يخطب الناس، فيُثني على الله تعالى بما هو أهله، ويُذّكرهم أنّ كسوف الشمس والقمر آيتان من آيات الله تعالى؛ لا يخسِفان لموت أحدٍ ولا لحياته، ويأمر بالالتجاء إِلى الله، وكلّ ذلك مُبيّن في حديث عائشة -رضي الله عنها- المتقدّم.
ويحثّهم على الدعاء والتكبير والصدقة، ويذكّرهم بالله سبحانه ويخوفهم؛ كما في حديث عائشة -رضي الله عنها- أيضًا عند البخاري (١٠٤٤) ومسلم (٩٠١) بلفظ: «... إِنَّ الشمس والقمر آيتان من آيات الله، لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإِذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصلّوا وتصدّقوا ...». وأمرَ النّبيّ - ﷺ - بالعَتاقة في كسوف الشمس كما في حديث أسماء -رضي الله عنها- بلفظ: «لقد أمر النّبيّ - ﷺ - بالعَتاقة في كسوف الشمس» (٢).

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٩٠٤
(٢) أخرجه البخاري: ١٠٥٤



صلاة الاستسقاء
الاستسقاء لغة: «طلب سَقْي الماء من الغير للنفس أو الغير، وشرعًا: طلبه من الله عند حضور الجدب على وجهٍ مخصوص» (١).
وتُصلّى في أي وقت خلا وقت الكراهة.
وتكون في المصلّى كما في «صحيح البخاري» (١٠١٢) و«مسلم» (٨٩٤) من حديث عبد الله بن زيد «أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج إِلى المصلّى فاستسقى، فاستقبل القبلة وقلب رداءه».
ويخرج المسلمون للاستسقاء متذلّلين متواضعين متخشّعين متضرّعين، كما في حديث ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: قال: «خرج رسول الله - ﷺ - للاستسقاء متذلّلًا متواضعًا متخشعًا متضرّعًا» (٢).
ويصلّي الإِمام ركعتين؛ يجهر فيهما بالقراءة؛ لحديث عبد الله بن زيد قال: «خرج النّبيّ - ﷺ - يستسقي، فتوجّه إِلى القبلة يدعو، وحوّل رداءه، ثمَّ صلّى ركعتين جهرَ فيهما بالقراءة» (٣).

----------------------
(١) «فتح» (٢/ ٤٩٢).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٠٣٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٤٥٩)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١٤١٦)، وابن خزيمة «صحيح ابن خزيمة» (١٤٠٥)، وانظر «الإرواء» (٦٦٩).
(٣) أخرجه البخاري: ١٠٢٤، ومسلم دون الجهر بالقراءة وأشار شيخنا -حفظه الله تعالى- إِلى ذلك في «الإِرواء» تحت (٦٦٤).



ويقرأ بما تيسّر من القرآن العظيم، وليس هناك سُور معينة كما أشار شيخنا - حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ٢٦٤).
ويكثر الإِمام من الدعاء لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: شكا الناس إِلى رسول الله - ﷺ - قُحوط المطر، فأمَر بمنبر فوُضع له في المصلّى، ووعد الناس يومًا يخرجون فيه، قالت عائشة: فخَرَج رسول الله - ﷺ - وسلّم حين بدا حاجب الشمس (١). فقعد عى المنبر، فكبّر - ﷺ - وحمد الله عز وجل ثمَّ قال: إِنّكم شكوتم جدْب دياركم واستئخار المطر عن إِبّان زمانه (٢) عنكم، وقد أمَركم الله عز وجل أن تدْعوه، ووعدَكم أن يستجيب لكم.
ثمَّ قال: الحمد لله ربّ العالمين الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. لا إله إلاَّ الله يفعل ما يريد، اللهمّ أنت الله لا إِله إلاَّ أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيث، واجعل ما أنزلتَ لنا قوّة وبلاغًا (٣) إِلى حين (٤) ثمَّ رفع

------------------------
(١) أي: أوله أو بعضه، قال الطيبي: أي: أوّل طلوع شعاعها من الأفق، قال ميرك: الظاهر أنَّ المراد بالحاجب: ما طلع أوّلًا من جرم الشمس مستدقًّا مشبهًا بالحاجب. «مرقاة» (٣/ ٦١٦).
(٢) بكسر الهمزة وتشديد الباء، أي: وقته، يعني: عن أوّل زمان المطر. «مرقاة» بحذف.
(٣) أي: زادًا يبلغنا.
(٤) أي: من أحيان آجالنا، قال الطيبي: البلاغ: ما يُتَبلَّغ به إِلى المطلوب، والمعنى اجعل الخير الذي أُنزل علينا؛ سببًا لقوتنا ومددًا لنا مددًا طوالًا.



يديه (١)، فلم يزل في الرفع حتى بدا بياض إِبطيه، ثمَّ حوَّل إِلى الناس ظهره، وقلب (٢) أو حوّل رداءه وهو رافع يديه، ثمَّ أقبل على الناس، ونزَل، فصلّى ركعتين، فأنشأ الله سحابة فرعدت وبرقت، ثمَّ أمطرت بإِذن الله فلم يأت مسجده، حتى سالت السيول، فلمّا رأى سرعتهم إِلى الكِنّ (٣) ضحك رسول الله حتى بدت نواجذه (٤) فقال: أشهد أن الله على كل شيء قدير، وأنّي عبد الله ورسوله» (٥).
ويستغفر كما في النص الآتي إِن شاء الله تعالى عن زيد بن أرقم، ويرفع الإِمام يديه وكذا المأمومون، ويبالغ الإِمام في الرفع كما في «البخاري»: (١٠٣١)، «ومسلم» (٨٩٥): عن أنس يصف رفْع يديه: «وإنَّه يرفع حتى يُرى بياض إِبطيه».
قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المِنّة» (ص ٢٦٥): «... فأرى مشروعية المبالغة في الرفع للإِمام دون المؤتمّين».
ويحوّل رداءه كما تقدّم، وقد ورد في ذلك حديث عبد الله بن زيد بلفظ:

-------------------------
(١) عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كان إِذا دعا [رسول الله - ﷺ - في الاستسقاء] جعَلَ ظاهر كفّيه ممّا يلي وجهه». أخرجه أبو يعلى في «مسنده»، وانظر «الصحيحة» (٢٤٩١).
(٢) بالتشديد وفي نسخة بالتخفيف. «مرقاة».
(٣) ما يردّ به الحرّ والبرد من المساكن.
(٤) أي: آخر أضراسه.
(٥) أخرجه أبو داود والسياق له والطحاوي والبيهقي والحاكم وحسّنه شيخنا في «الإِرواء» (٦٦٨).



«وحوّل رداءه، فقلّبه ظهرًا لبطن» (١).
وفي «صحيح البخاري» (١٠٢٧): قال سفيان: فأخبَرني المسعودي عن أبي بكر قال: جعَل اليمين على الشمال.
ولا دليل لتحويل الناس أرديتهم (٢).
وقد ورد ما يدل على أنَّ الخطبة قبل الصلاة كما في حديث عائشة المتقدّم عندما «خرج النّبيّ - ﷺ - حين بدا حاجب الشمس ...».
وجاء في «الفتح» (٢/ ٥١٥): «قال ابن بطال: حديث أبي بكر يدلّ على أنَّ الصلاة قبل الخطبة، لأنَّه ذكر أنَّه صلّى قبل قلْب ردائه، قال: وهو أضبط للقصّة من ولده عبد الله بن أبي بكر؛ حيث ذكَر الخطبة قبل الصلاة».
ولفظ الحديث المشار إِليه: «خرج النّبيّ - ﷺ - إِلى المصلى يستسقي، واستقبل القِبلة فصلى ركعتين وقلب رداءه، قال سفيان فأخبَرني المسعودي عن أبي بكر قال جعل اليمين على الشمال» (٣).

لا أذان ولا إِقامة للاستسقاء
عن أبي إِسحاق: «خرج عبد الله بن زيد الأنصاري وخرج معه البراء بن عازب وزيد بن أرقم -رضي الله عنهم- فاستسقى، فقام بهم على رجليه على غير منبر، فاستغفر ثمَّ صلّى ركعتين يجهر بالقراءة، ولم يؤذّن ولم يُقم،

-----------------------
(١) أخرجه أحمد بسند قوي، وانظر»تمام المنّة«(ص ٢٦٤).
(٢) وهناك حديث شاذّ في ذلك وانظر»تمام المنّة" (ص ٢٦٤).
(٣) أخرجه البخاري: ١٠٢٧، وتقدّم بعضه.



قال أبو إِسحاق ورأى عبد الله بن يزيد النّبيّ - ﷺ -» (١).
«قال ابن بطال: أجمعوا على أنْ لا أذان ولا إِقامة للاستسقاء والله أعلم» (٢).

سجود التلاوة
فضله:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا قرأَ ابن آدم السجدة فسجد؛ اعتَزَل الشيطان يبكي، يقول: يا ويله (٣) أُمِر ابن آدم بالسجود فسجدَ فله الجنّة، وأُمِرت بالسجود فأبَيْتُ فلي النار» (٤).

حُكمه:
سجود التلاوة سُنّةٌ، وبوّب لذلك الإِمام البخاري -رحمه الله- بقوله: (باب من رأى أنَّ الله عز وجل لم يوجب السجود) ثمَّ روى تحته (٥) أثر عمر

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٠٢٢
(٢) «فتح» (٢/ ٥١٤)
(٣) هو من آداب الكلام، وهو أنَّه إِذا عَرَض في الحكاية من الغير ما فيه سوء، واقتضت الحكاية رجوع الضمير إِلى المتكلّم؛ صرَف الحاكي الضمير عن نفسه؛ تصاونًا عن صوره إِضافة السوء إِلى نفسه، قاله بعض العلماء، وقال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- يفعل هذا إِذا كان السامع يفهم المراد.
(٤) أخرجه مسلم: ٨١
(٥) برقم: ١٠٧٧







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 12-01-2026, 05:00 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 181الى صــ 195
الحلقة (42)



-رضي الله عنه- أنَّه»قرأ يوم الجمعة على المنبر بسورة النّحل، حتى إِذا جاء السجدة؛ نزل فسجَد وسجد الناس، حتى إِذا كانت الجمعة القابلة؛ قرأ بها حتى إِذا جاء السجدة قال: يا أيها الناسُ، إِنا نَمُرُّ بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إِثمَ عليه، ولم يسجد عمر -رضي الله عنه-.
وزاد نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما-: «إِنَّ الله لم يفرض السجود إلاَّ أن نشاء».
وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «قرأتُ على النّبيّ - ﷺ - والنجم؛ فلم يسجد فيها» (١).
وذكر الحافظ -رحمه الله تعالى- عدّة احتمالات، ورجّح أنَّه تركها لبيان الجواز وقال: «وبه جزم الشافعي؛ لأنَّه لو كان واجبًا لأمره بالسجود بعد ذلك».
قال ابن حزم -رحمه الله تعالى-: «وليس السجود فرضًا لكنّه فضل» (٢).
وجاء في «الفتح» (٢/ ٥٥٨): «ومن الأدلة على أنَّ سجود التلاوة ليس بواجب، ما أشار إِليه الطحاوي من أنّ الآيات التي في سجود التلاوة منها ما هو بصيغة الخبر ومنها ما هو بصيغة الأمر.
وقد وقع الخلاف في التي بصيغة الأمر هل فيها سجود أو لا، وهي ثانية الحجّ وخاتمة النجم واقرأ، فلو كان سجود التلاوة واجبًا؛ لكان ما ورَد بصيغة

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٠٧٢، ومسلم: ٥٧٧
(٢)»المحلّى" (٥/ ١٥٧).


الأمر أولى أن يُتفَق على السجود فيه ممّا ورد بصيغة الخبر«.

مواضع السجود
قال ابن حزم -رحمه الله تعالى- في»المحلى«(٥/ ١٥٦):»في القرآن أربع عشرة سجدة:
١ - في آخر خاتمة سورة الأعراف (٧: ٢٠٦).
٢ - ثمَّ في الرعد (١٣: ١٥).
٣ - ثمَّ في النحل (١٦: ٤٩).
٤ - ثمَّ في «سبحان» (١٧: ١٠٧).
٥ - ثمَّ في «كهيعص» (١٩: ٥٨).
٦ - ثمَّ في الحجّ (٢٢: ١٨) في الأولى -وليس في آخرها- سجدة.
٧ - ثمَّ في الفرقان (٢٥: ٦٠).
٨ - ثمَّ في النمل (٢٧: ٢٥، ٢٦).
٩ - ثمَّ في «ألم تنزيل» (٣٢: ١٥).
١٠ - ثمَّ في «ص» (٣٨: ٢٤).
١١ - ثمَّ في «حم» فُصّلت (٤١: ٣٧).
١٢ - ثمَّ في «والنجم» (٥٣: ٦٢) في آخرها.
١٣ - ثمَّ في ﴿إِذا السماء انشقّت﴾ عند قوله تعالى: ﴿لا يسجدون﴾ (٨٤: ٢١).


١٤ - ثمَّ في «اقرأ باسم ربك» (٩٦: ١٩) في آخرها.
وفي ذلك حديث غير ثابت بلفظ: «مواضع السجود في القرآن خمسة عشر موضعًا ...». خرّجه شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ٢٦٩) قائلًا: «... ليس بحسَن لأنَّ فيه مجهولين»، ثمَّ ذكر ما جاء في «التلخيص» للحافظ في ذلك وقال: (أي: شيخنا -حفظه الله-): ولذلك اختار الطحاوي أنْ ليس في الحج سجدة ثانية قرب آخرها، وهو مذهب ابن حزم في «المحلى»، قال: «لأنَّه لم يصحّ فيها سُنّة عن رسول الله - ﷺ - ولا أجمَع عليها، وصحّ عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي الدرداء السجود فيها».
ثمَّ ذهب ابن حزم إِلى مشروعية السجود في السجدات الأخرى المذكورة في الكتاب، وذكَر أن العشر الأولى متفق على مشروعية السجود فيها عند العلماء.
وكذلك حكى الاتفاق عليها الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٢١١)، إلاَّ أنَّه جعَل سجدة (فُصّلت) بدل سجدة (ص). ثمَّ أخرجا كلاهما بأسانيد صحيحة عن رسول الله - ﷺ - أنَّه سجد في (ص) و(النجم) و(الانشقاق) و(اقرأ). وهذه الثلاث الأخيرة من المفصّل التي أشير إليها في حديث عمرو هذا.
وبالجملة؛ فالحديث مع ضعف إِسناده قد شهد له اتفاق الأمّة على العمل بغالبه، ومجيء الأحاديث الصحيحة شاهدة لبقيّته، إلاَّ سجدة الحج الثانية فلم يوجد ما يشهد لها من السنّة والاتفاق، إلاَّ أن عمل بعض الصحابة على السجود فيها، قد يستأنس بذلك مشروعيتها، ولا سيما ولا يُعرَف لهم


مخالِف. والله أعلم».

هل يشترط له ما يشترط للصلاة؟
لا يشترط لسجود التلاوة ما يشترط للصلاة.
ففي «صحيح البخاري» (١) مُعلّقًا مجزومًا به «وكان ابن عمر -رضي الله عنهما- يسجد على غير وضوء» (٢).
وإِلى هذا ذهب ابن حزم -رحمه الله تعالى- في «المحلّى» (٥/ ١٥٧) فقد قال فيه: «ويسجد لها في الصلاة الفريضة والتطوّع، وفي غير الصلاة في كلّ وقت، وعند طلوع الشمس وغروبها واستوائها؛ إِلى القبلة، وإِلى غير القبلة وعلى طهارة وعلى غير طهارة».
وقال (ص ١٦٥): «وأمّا سجودها على غير وضوء، وإِلى غير القبلة كيف ما يمكن؟ فلأنّها ليست صلاة، وقد قال عليه السلام:»صلاة الليل والنهار مثنى مثنى«(٣) فما كان أقلّ من ركعتين فليس صلاة، إلاَّ أن يأتيَ نصٌّ بأنَّه صلاة، كركعة الخوف، والوتر، وصلاة الجنازة، ولا نصّ في أنّ سجدة التلاوة صلاة.
وجاء في»الاختيارات«(ص ٦٠):»فليس هو صلاة، فلا يشترط له شروط

----------------------------
(١) «كتاب سجود القرآن» (باب سجود المسلمين مع المشركين ...) وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٥٥٣): «كذا للأكثر (أي: على غير وضوء) وفي رواية الأصيلي بحذف غير والأوّل أولى.
(٢)»كتاب سجود القرآن«(باب سجود المسلمين مع المشركين ...) وقال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٥٥٣):»كذا للأكثر (أي: على غير وضوء) وفي رواية الأصيلي بحذف غير والأوّل أولى.
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١١٥١)، وانظر «تمام المنة» (ص ٢٤٠)، وتقدّم.



الصلاة، بل يجوز على غير طهارة، كان ابن عمر يسجد على غير طهارة، واختارها البخاري، لكن السجود بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يُخلّ بذلك إلاَّ لعُذر، فالسجود بلا طهارة خير من الإِخلال به ...».
وقال الشوكاني -رحمه الله-: «ليس في أحاديث سجود التلاوة ما يدلّ على اعتبار أن يكون الساجد متوضّئًا، وقد كان يسجد معه - ﷺ - من حضَر تلاوته، ولم يُنقل أنَّه أمَر أحدًا منهم بالوضوء، ويبعُد أن يكونوا جميعًا متوضئين ....» (١).
هذا وقد وردت بعض الآثار في اشتراط الطهارة ذكَرها الحافظ في «الفتح» وغيره، والأرجح ما تقدّم بيانه من عدم اشتراط ذلك والله تعالى أعلم.

هل ثبت فيه التكبير؟
أمَّا التكبير ففيه نصوص مرفوعة لا تصحّ وانظر لذلك «تمام المنّة» (ص ٢٦٧): «وفيه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-: وقد روى جمْع من الصحابة سجوده - ﷺ - للتلاوة في كثير من الآيات؛ في مناسبات مختلفة؛ فلم يذكُرْ أحدٌ منهم تكبيره عليه السلام للسجود، ولذلك نميل إِلى عدم مشروعيّة هذا التكبير، وهو رواية عن الإِمام أبي حنيفة -رحمه الله-.
وقال -حفظه الله- (ص ٢٦٩): وأخرج (أي: ابن أبي شيبة) عن أبي قلابة وابن سيرين أنَّهما قالا: إِذا قرأ الرجل السجدة في غير الصلاة قال: الله أكبر، وإِسناده صحيح.
وقال -حفظه الله تعالى-: ورواه عبد الرزاق في»المصنّف«

-----------------------
(١)»نيل الأوطار«(٣/ ١٢٧) وذكره السيد سابق في»فقه السنّة" (١/ ٢٢٢).


(٣/ ٣٤٩/‏٥٩٣٠) بإِسناد آخر صحيح عنهما نحوه ثمَّ روى التكبير عند سجود التلاوة هو والبيهقي عن مسلم بن يسار، وإِسناده صحيح». انتهى.

الدعاء فيه:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يقول في سجود القرآن بالليل؛ يقول في السجدة مرارًا: سجدَ وجهي للذي خلقه وشقَّ سمْعَه وبصرَه بحوله وقوّته» (١).
عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «كنت عند النّبيّ - ﷺ - فأتاه رجل فقال: إِنّي رأيت البارحة، فيما يرى النائم، كأني أُصلّي إِلى أصْل شجرة. فقرأْتُ السجدة، فسجدتُ، فسجدتِ الشجرة لسجودي. فسمعتُها تقول: اللهمّ احطُط عني بها وِزرًا، واكتب لي بها أجرًا، واجعلها لي عندك ذخرًا.
قال ابن عبّاس -رضي الله عنهما-: فرأيت النّبيّ - ﷺ - قرأ السجدة فسجد. فسمعتُه يقول في سجوده مِثل الذي أخبَره الرجل عن قول الشجرة» (٢).

-----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٥٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٤٧٤)، وانظر «المشكاة» (١٠٣٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٨٦٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٤٧٣)، وانظر «المشكاة» (١٠٣٦)، و«الصحيحة» (٢٧١٠)، وهو في مسلم (٧٧١) بلفظ مقارب: «وإذا سجدَ قال: اللهمّ لك ...» دون ذِكر سجدة التلاوة، وذكَر بعض أهل العلم أنَّه ليس هناك ذكْر خاص لسجود التلاوة ولكن ينفي هذا تبويبُ أهل الحديث في معظم كتبهم لهذا؛ كقول كثيرٍ منهم: (باب ما يقول في سجود القرآن) ونحو ذلك، وحصْر أدعية معينة تحته والله تعالى أعلم.



السجود في الصلاة الجهرية:
يشرع للإِمام والمنفرد أن يسجد حين يقرأ آية السجدة في الصلاة الجهرية.
وبوّب لذلك الإِمام البخاري -رحمه الله تعالى- في «صحيحه» في «كتاب سجود القرآن» بقوله: (باب من قرأ السجدة في الصلاة فسجَد معها).
ثمَّ ذكر حديث أبي رافع برقم (١٠٧٨) (١) قال: «صلّيتُ مع أبي هريرة العَتَمَة، فقرأ: ﴿إِذا السماء انشقّت﴾ فسجد، فقلتُ: ما هذه؟ قال سجدْت بها خلف أبي القاسم - ﷺ -، فلا أزال أسجد حتى ألقاه».
أمَّا الصلاة السرّية، فقد نُقل عن الإِمام مالك كراهية ذلك، وهو قول بعض الحنفية أيضًا وغيرهم. وانظر «الفتح» (٢/ ٥٥٩).
وقال شيخنا في «تمام المِنّة» (ص ٢٧٢): «... فالحقّ ما ذهب إِليه أبو حنيفة من الكراهية، وهو ظاهر كلام الإِمام أحمد ...».

السجود لسجود القارئ:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - يقرأ علينا السورة فيها السجدة، فيسجد ونسجد؛ حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته» (٢).

-------------------------
(١) وهو في صحيح مسلم: ٥٧٨
(٢) أخرجه البخاري: ١٠٧٥، ومسلم: ٥٧٥



سجود الشكر
«إِذا وَرَدت لله تعالى على المرء نعمة [أو صرف عنه نقمة]؛ فيستحبّ له السجود؛ لأنَّ السجود فِعْل خير، وقد قال الله تعالى: ﴿وافعلوا الخير﴾ (١) (٢)». انتهى.
وعن أبي بكرة -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا أتاه أمر يُسَرّ به؛ خرَّ ساجدًا» (٣).
وعن أنس بن مالك، «أن النّبيّ - ﷺ - بُشّر بحاجة؛ فخرّ ساجدًا» (٤).
«وخرّ النّبيّ - ﷺ - ساجدًا لمّا جاءه كتاب عليّ بإِسلام همدان» (٥).
وعن طارق بن زياد: «أنَّ عليًا سجد حين وجَد ذا الثديّة في الخوارج (٦)» (٧).

--------------------------
(١) الحج: ٧٧
(٢) «المحلى» (٥/ ١٦٦).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٤١٢)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١٢٨٢)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٤٣)، وانظر «الإِرواء» (٤٧٤).
(٤) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٤١)، وانظر «الإِرواء» (٢/ ٢٢٨).
(٥) انظر «الإرواء» (٢/ ٢٢٩)
(٦) أي: في قتلاهم.
(٧) أخرجه أحمد وغيره، وحسنّه شيخنا بطُرقه في «الإرواء» (٤٧٦).



عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك؛ عن أبيه قال: «لمّا تاب الله عليه خرَّ ساجدًا» (١).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإِرواء» (٢/ ٢٣٠) -بعد تخريج عدد من الأحاديث في سجود الشكر-: «... وبالجملة، فلا يشكّ عاقل في مشروعية سجود الشكر بعد الوقوف على هذه الأحاديث، لا سيّما وقد جرى العمل عليها من السلف الصالح -رضي الله عنهم-». انتهى.
وحُكمه حُكم سجود التلاوة، ولا يشترط له ما يشترط للصلاة من الوضوء واستقبال القبلة والتكبير والتسليم ... الخ.
جاء في «الاختيارات» (ص ٦٠): «وسجود الشكر لا يفتقر إِلى طهارة، كسجود التلاوة».

سجود السهو
سنّ رسول الله - ﷺ - حين يسهو الإِنسان في صلاته؛ أن يسجد سجدتين جبرًا لذلك.
قال في «سفر السعادة» (٢) (ص ٤٩): «مِن جملة مِنَن الحقّ تعالى ونِعمَه على الأمّة المحمّدية أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يسهو في الصلاة لتقتدي به في التشريع، وإذ ذاك يقول:»إِنّما أنا بشرٌ مِثلُكم؛ أنسى كما تنسَون، فإِذا نسيتُ

----------------------
(١) أخرجه ابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٤٢)، والقصة بتمامها أخرجها البخاري: ٤٤١٨ ومسلم: ٢٧٦٩
(٢) نقلًا عن «الروضة الندية» (١/ ٣٢٧).



فذكّروني» (١)

حُكمه:
سجود السهو واجب لأمر النّبيّ - ﷺ - به، من ذلك قوله - ﷺ -: «إِذا شكّ أحدكم في صلاته، فليتحرّ الصواب، فليتمّ عليه ثمَّ ليُسلِّم، ثمَّ يسجد سجدتين» (٢).
وهو قول جمهور العلماء (٣)

كيفيته (٤):
يسجد المصلّي سجدتين حين يسهو؛ قبل التسليم أو بعده، جاء في «الروضة النديّة» (١/ ٣٢٧) -بحذف-: «ووجه التخيير أنّ النّبيّ - ﷺ - صح عنه أنَّه سجَد قبل التسليم، وصحّ عنه أنَّه سجَد بعده، أمّا ما صحّ عنه مما يدلّ على أنَه قبل التسليم؛ فحديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه - قال:»قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدرِ كم صلّى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشَّكَّ وليبنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، فإِنْ كان صلّى خمسًا، شفَعْن له صلاته، وإِنْ كان صلّى إِتمامًا

--------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٠١، ومسلم: ٥٧٢
(٢) أخرجه البخاري: ٤٠١، ومسلم: ٥٧٢، وفي لفظ عند مسلم: ٥٧٢،»إِذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين«.
(٣) انظر»الفتاوى«(٢٣/ ٢٨).
(٤) هناك مبحث مُفصّل لشيخ الإِسلام في ذلك في»الفتاوى" (٢٣/ ١٧) فارجع إِليه -إِن شئت-.



لأربع؛ كانتا ترغيمًا للشيطان (١) «» (٢). وأمّا ما صحّ عنه مما يدلّ على أنَه بعد التسليم؛ فكحديث ذي اليدين الثابت في «الصحيحين»، فإِنّ فيه صلى الله تعالى عليه وآله وسلّم سجد بعد ما سلّم«. انتهى.
ولفظ الحديث الذي أشار إِليه في»الصحيحين«من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه- قال:»صلّى بنا النّبيّ - ﷺ - الظهر أو العصر، فسلَّم فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنقصَت؟ فقال النّبيّ - ﷺ - لأصحابه أحقٌ ما يقول، قالوا: نعم فصلّى ركعتين أُخريين ثمَّ سجد سجدتين، قال سعدٌ ورأيت عُروة ابن الزبير صلّى من المغرب ركعتين، فسلّم وتكلّم ثمَّ صلّى ما بقيَ وسجد سجدتين، وقال هكذا فعَل النّبيّ - ﷺ -«(٣).
ثمَّ قال بعد أن ذكَر عددًا من النصوص:»فهذه الأحاديث المصرِّحة بالسجود تارة قبل التسليم وتارة بعده، تدّل على أنَّه يجوز جميع ذلك. ولكنّه ينبغي في موارد النصوص أن يفعل كما أرشد إِليه الشارع، فيسجد قبل

------------------------
(١) قال في النهاية: «يقال: ... أرغم الله أنفه أي: ألصقه بالرَّغام وهو التراب، هذا هو الأصل، ثمَّ استعمل في الذّل والعَجز عن الانتصاف والانقياد على كُره».
قال النووي: «أي إِغاظة له وإِذلالًا. مأخوذ من الرَّغام وهو التراب، والمعنى أنَّ الشيطان لبَّس عليه صلاته، وتعرَّض لإِفسادها ونقْصها، فجعل الله تعالى للمصلّي طريقًا إلى جبر صلاته وتدارُكِ ما لبّسه عليه، وإرغامِ الشيطان وردِّه خاسئا مبعَدا عن مراده، وكملت صلاة ابن آدم».
(٢) أخرجه مسلم: ٥٧١
(٣) أخرجه البخاري: ١٢٢٧، ومسلم: ٥٧٣



التسليم فيما أرشد إِلى السجود فيه قبل التسليم، ويسجد بعد التسليم فيما أرشد فيه إِلى السجود بعد التسليم، وما عدا ذلك فهو بالخِيار والكلّ سنّة.
وقال بعد أن ذكر أقوال الأئمّة الأربعة - رحمهم الله تعالى- ولا يشكّ مُنصِف، أنَّ الأحاديث الصحيحة مصرِّحة بأنَّه كان يسجد في بعض الصلوات قبل السلام، وفي بعضها بعد السلام، فالجزم بأنّ محلّهما بعد السلام فقط طرْح لبعض الأحاديث الصحيحة، لا لموجب؛ إِلا لمجرّد مخالفتها لما قاله فلان أو فلان؛ كما أنَّ الجزم بأنّ محلّهما قبل التسليم فقط؛ طرح لبعض الأحاديث الصحيحة لمِثل ذلك ..... والحقّ عندي أنَّ الكل جائز وسنّة ثابتة، والمصلّي مُخيَّر بين أن يسجد قبل أن يسلّم، أو بعد أن يسلم، وهذا فيما كان من السهو غير موافق للسهو الذي سجد له - ﷺ - قبل السلام أو بعده.
وأمَّا في السهو الذي سجد له - ﷺ - فينبغي الاقتداء به في ذلك، وإيقاع السجود؛ في المواضع الذي أوقعه فيه صلّى الله تعالى عليه وسلّم مع الموافقة في السهو، وهي مواضع محصورة مشهورة؛ يعرفها من له اشتغال بعلم السنّة المطهّرة». انتهى.
قلت: أمَّا من لم يكن له اشتغال بالسنّة المطهرة، فله أن يسجد قبل التسليم أو بعده، وذلك من باب التيسير الذي هو سِمة هذا الدين.
وقد أفادني شيخنا -حفظه الله- جواز ذلك سواءٌ أكان ذلك قبل التسليم أو بعده. انتهى.
جاء في «شرح النووي» (٥/ ٥٦): "قال القاضي عياض -رحمه الله- وجماعة من أصحابنا: ولا خلاف بين هؤلاء المختلفين وغيرهم من العلماء


(بعد أن ذكر أقوالهم) أنَّه لو سجد قبل السلام أو بعده للزيادة أو النقص أنَّه يجزئه، ولا تفسد صلاته، وإِنّما اختلافهم في الأفضل».
ونقل الماوردي الإِجماع على الجواز وإِنّما الخلاف في الأفضل (١). كما في «الفتح» (٣/ ٩٤).

الأحوال التي يشرع فيها (٢).
١ - إِذا سلّم قبل إِتمام الصلاة لحديث ابن سيرين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - إِحدى صلاتَي العَشيِّ (٣)، إِمَّا الظهر وإِمَّا العصر، فسلَّمَ في ركعتين ثمَّ أتى جِذعًا (٤) في قبلة المسجد فاستند إِليها مُغضَبًا، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يتكلَّما وخرج سَرَعانُ النّاس (٥) قُصِرت الصلاة، فقام ذو اليدين (٦) فقال: يا رسول الله! أقُصِرت الصلاة أم نَسيت؟ فنظر النّبيّ - ﷺ - يمينًا وشمالًا، فقال:»ما يقول ذو اليدين؟ «قالوا: صدق، لم تُصلِّ إلاَّ ركعتين، فصلّى ركعتين وسلّم ثمَّ كبَّر ثمَّ سجد، ثمَّ كبّر

------------------------
(١) وخالف ذلك شيخ الإِسلام -رحمه الله- كما في»الفتاوى«(٢٣/ ٣٦) فارجع إِليه -إِن شئت-.
(٢) عن»فقه السنّة«-بتصرف وزيادة- من»الفتارى«و»الروضة الندية«و»تمام المنّة«.
(٣) العَشيّ: ما بعد الزوال إِلى المغرب، وانظر»النهاية«.
(٤) في رواية للبخاري:»ثمَّ قام إِلى خشبة في مُقدَّم المسجد فوضع يده عليها«.
(٥) قال الحافظ في»الفتح«(٣/ ١٠٠):»كأنّه جمع سريع، والمراد بهم: أوائل الناس خروجًا من المسجد، وهم أصحاب الحاجات غالبًا".
(٦) سمّي بذلك لطولٍ كان في يديه.



فرفع، ثمَّ كبَّر وسجد، ثمَّ كبّر ورفع (١) قال: وأخبرْتُ عن عمران بن حصين أنَّه قال: وسلّم».
٢ - عند الزيادة على الصلاة؛ لحديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى الظهر خمسًا، فلمّا سلّم قيل له: أزيد في الصلاة؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: صلَّيت خمسًا، فسجد سجدتين (٢).
٣ - عند نسيان مسنون؛ لحديث ثوبان -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لكلِّ سهوٍ سجدتان بعد ما يسلِّم» (٣).
وبيّن الشوكاني -رحمه الله- في «السيل الجرار» (١/ ٢٧٥): أنَّ السجود لترك مسنون لا يكون واجبًا، لئلا يزيد الفرع على أصله، فغايته أن يكون مسنونًا كأصله. ولم يَرِد في ترْك المسنون ما يدلّ على وجوب سجود السهو له ... بل يختصّ الوجوب بما ورد الأمر به؛ كالأحاديث التي فيها «ليسجد سجدتين» وليس ذلك في ترك المسنون. انتهى.
وأشار إِلى ذلك شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ٢٧٣).
٤ - عند نسيان التشهّد الأوسط؛ لحديث عبد الله بن بحينة -رضي الله

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٢٩، ومسلم: ٥٧٣، وهذا لفظه وتقدّم.
(٢) انظر صحيح البخاري: ١٢٢٦، وصحيح مسلم: ٥٧٢، و«صحيح سنن أبي داود» (٨٩٥)، و«صحيح سنن الترمذي» (٣٢١)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٩٩١).
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وهو حديث حسن كما أشار شيخنا -حفظه الله- إلى ذلك في «تمام المنّة» (ص ٢٧٣) و«الإِرواء» (٢/ ٤٧).



عنه- أنَّه قال: «إِنّ رسول الله - ﷺ - قام من اثنتين من الظهر لم يجلس بينهما، فلمّا قضى صلاته؛ سجد سجدتين، ثمَّ سلّم بعد ذلك» (١).
وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا قام الإِمام في الركعتين؛ فإِنْ ذكر قبل أن يستويَ قائمًا فليجلس، فإِن استوى قائمًا فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو» (٢).
قال شيخنا -حفظه الله- في «الصحيحة»: «وهو يدلّ على أنَّ الذي يمنع القائم من العودة إِلى التشهُّد، إِنّما هو إِذا استتمّ قائمًا، فأمّا إِذا لم يستتمَّ قائمًا؛ فعليه الجلوس، ففيه إِبطال القول الوارد في بعض المذاهب: إِنه إِذا كان أقرب إِلى القيام لم يرجع، وإذا كان أقرب إِلى القعود قعد؛ فإِنَّ هذا التفصيل؛ مع كونه ممَّا لا أصل له في السنَّة؛ فهو مخالف للحديث، فتشبَّثْ به، وعضَّ عليه بالنواجذ، ودع عنك آراء الرجال ...».
وانظر للمزيد -إِن شئت- الحديث (٢٤٥٧) من «الصحيحة» وما ذكر شيخنا -شفاه الله وعافاه- من الفوائد.
٥ - عند الشكّ في عدد الركعات أو السجدات.
عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعْت النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِذا سها أحدكم

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٢٥، ومسلم: ٥٧٠، وانظر»صحيح سنن أبي داود«(٩٠٧)، و»صحيح سنن الترمذي«(٣٢٠)، و»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٩٢)، و»صحيح سنن النسائي«(١١٩٦).
(٢) أخرجه أحمد والدارقطني وأبو داود وغيرهم، وانظر»الصحيحة«(٣٢١) و»الإِرواء" (٤٠٨).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 12-01-2026, 05:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 196الى صــ 210
الحلقة (43)



في صلاته، فلم يدْر واحدة صلّى أو اثنتين، فليبْنِ على واحدة، فإِن لم يدر ثنتين صلّى أو ثلاثًا؟ فليبْن على ثنتين، وإِن لم يدر ثلاثًا صلّى أو أربعًا؟ فليبن على ثلاث، وليسجد سجدتين قبل أن يُسلّم» (١).
وعن أنس عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا شكّ أحدكم في صلاته فلم يدر اثنتين صلّى أو ثلاثًا، فليُلْقِ الشكّ، وليبن على اليقين» (٢).
فإِذا شكّ المصلي أسجد سجدة واحدة أم سجدتين، بنى على الأقلّ، ثمَّ سجد سجدتي السهو.
وقد تقدّم حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا شكَّ أحدكم في صلاته فلم يدْر كم صلّى؟ ثلاثًا أم أربعًا؟ فليطرح الشكّ، وليَبْنِ على ما استيقن، ثمَّ يسجدُ سجدتين قبل أن يسلّم. فإِن كان صلّى خمسًا؛ شَفعن له صلاته، وإِنْ كان صلّى إِتمامًا لأربع؛ كانتا ترغيمًا للشيطان».
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ٢٧٣) - بتصرّف-: «... قد جاء عنه - ﷺ - ما يدلّ على أنَّ الحديثين المشار إِليهما ليسا على إِطلاقهما، بل هما مقيّدان بمن لم يغلب على رأيه شيء، فهذا هو الذي يبني على الأقلّ، وأمّا من ظهر له الصواب، ولو كان الأكثر، فإِنَّه يأخذ به ويبني عليه، وذلك قوله - ﷺ -:»إِذا شَكّ أحدكم في صلاته فليتحرّ الصواب

-------------------
(١) أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه وغيرهم وانظر «الصحيحة» (١٣٥٦).
(٢) أخرجه البيهقي وسنده صحيح وانظر «الصحيحة» تحت الحديث رقم (١٣٥٦).


(في رواية: فلينظر أحرى ذلك إِلى الصواب. وفي أخرى: فلينظر الذي يرى أنَّه الصواب. وفي أخرى: فليتحرّ أقرب ذلك من الصواب)، فليتمّ عليه، ثمَّ ليسلّم، ثمَّ يسجد سجدتين».
أخرجه الشيخان وأبو عوانة في «صحاحهم»، والرواية الثانية والثالثة لهم إلاَّ البخاري، والرابعة للنسائي، وهو عندهم من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه-.
وإِنَّ قوله - ﷺ -: «فلينظر الذي يرى أنَّه الصواب»؛ كالصريح في الأخذ بما يغلب على رأيه، ويؤيّده قوله في حديث أبي سعيد: «فلم يَدْرِ كمْ صلّى»، فإِنَّ مفهومه أنَّ من تحرّى الصواب بعد الشكّ حتى درى كم صلّى - أنه ليس له أن يبنيَ على الأقلّ، بل حُكم هذه المسألة مسكوت عنه في هذا الحديث، وقد تولّى بيانه حديث ابن مسعود، حيث أمرَ - ﷺ - فيه بالأخذ بما يظنّ أنَّه أقرب إِلى الصواب، سواءٌ كان الأقلّ أو الأكثر، ثمَّ يسجد بعد التسليم سجدتين.
وأمّا في حالة الحيرة وعدم الدراية، فإِنَّه يبني على الأقلّ، ويسجد قبل التسليم، وفي هذا إِشارة إِلى اختلاف ما في الحديثين من الفقه، فتأمّل.
وبعد: فإِن هذه المسألة تحتاج كثيرًا من البسط والشرح والتحقيق، ولعل ما ذكرتُه هاهنا؛ يكفي في بيان ما أردْته من إِثبات وجوب الأخذ بالظنّ الغالب إِذا وجد، وهو خلاصة رسالة كنت ألّفْتها في هذه المسألة؛ رددتُ فيها على النووي بتفصيل، وبيَّنتُ فيها معنى الشكّ المذكور في حديث أبي سعيد، ومعنى التحري الوارد في حديث ابن مسعود ... ".


صُوَر التحرّي:
وصور التحرّي كثيرة؛ منها:
«أن يستدلّ على ذلك بموافقة المأمومين، إِذا كان إِمامًا، وقد يتذكّر ما قرأ به في الصلاة، فيذكُر أنَّه قرأ بسورتين في ركعتين، فيعلم أنَه صلّى ركعتين لا ركعة، وقد يذكر أنَّه تشهّد التشهّد الأوّل، فيعلم أنَّه صلّى ثنتين لا واحدة، وأنَّه صلّى ثلاثًا لا اثنتين، وقد يذكُر أنَّه قرأ الفاتحة وحدها في ركعة، فيعلم أنَّه صلّى أربعًا لا ثلاثًا، وقد يذكُر أنَّه صلّى بعد التشهد الأوّل ركعتين، فيعلم أنَّه صلّى أربعًا لا ثلاثًا، واثنتين لا واحدة، وقد يذكُر أنَّه تشهَّد التشهُّد الأوّل، والشك بعده في ركعة، فيعلم أنَّه صلّى ثلاثًا لا اثنتين.
ومنها: أنَّه قد يعرض له في بعض الركعات: إِمّا من دعاء وخشوع وإمّا من سعال ونحوه، وإِمّا من غير ذلك، ما يعرف به تلك الركعة، ويعلم أنَّه قد صلّى قبلها واحدة أو اثنتين، أو ثلاثًا، فيزول الشكّ» (١).

السهو في سجود السهو:
ذكر ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٢٧) عن إِسحاق إِجماع أهل العلم من التابعين أنه ليس على من سها في سجود السهو سجود سهو.

----------------------
(١) من «الفتاوى» (٢٣/ ١٣) لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- ونقل بعضها الشيخ عبد العظيم بدوي -حفظه الله- في كتاب «الوجيز» (ص ١٢١).


صلاة الجماعة
حُكمها:
صلاة الجماعة واجبة على الأعيان على كلِّ مُصلٍّ، إلاَّ من عُذر، ودليل ذلك:
١ - قوله تعالى: ﴿وإِذا كُنتَ فيهم فأقمْتَ لهم الصلاة فلتقُم طائفةٌ منهم معك﴾ (١).
وفيه دليلان:
أحدهما: أنَّه أمَرهم بصلاة الجماعة معه في صلاة الخوف، وذلك دليل على وجوبها حال الخوف، وهو يدلّ بطريق الأولى على وجوبها حال الأمن.
الثاني: أنَّه سنّ صلاة الخوف جماعة، وسوَّغ فيها ما لا يجوز لغير عذر، كاستدبار القبلة، والعمل الكثير، فإِنَّه لا يجوز لغير عُذر بالاتفاق، وكذلك مفارقة الإِمام قبل السلام عند الجمهور، وكذلك التخلف عن متابعة الإِمام، كما يتأخّر الصف المؤخّر بعد ركوعه مع الإِمام، إذا كان العدوّ أمامهم.
قالوا: وهذه الأمور تبطل الصلاة لو فُعلت لغير عذر، فلو لم تكن الجماعة واجبة بل مستحبّة؛ لكان قد التزم فعل محظور مبطلٍ للصلاة، وتُركت المتابعة الواجبة في الصلاة لأجل فِعْل مستحبّ، مع أنَّه قد كان من الممكن أن يصلّوا وِحدانا صلاة تامّة فعُلم أنها واجبة (٢).

------------------------
(١) النساء: ١٠٢
(٢) قاله شيخ الإِسلام في «الفتاوى» (٢٣/ ٢٢٧).



٢ - وقوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتو الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾ (١).
قال ابن كثير في»تفسيره«: وقد استدلّ كثير من العلماء بهذه الآية على وجوب الجماعة.
قال القرطبي في»تفسيره«-بحذف-:»قوله تعالى: ﴿مع الراكعين﴾ مع: تقتضي المعيّة والجمعيّة، ولهذا قال جماعة من أهل التأويل بالقرآن: إِنَّ الأمر بالصلاة أوّلًا؛ لم يقتضِ شهود الجماعة، فأمَرهم بقوله: «مع» شهود الجماعة.
وقد اختلف العلماء في شهود الجماعة على قولين: فالذي عليه الجمهور أنَّ ذلك من السُّنن المؤكدة. وقد أوجبها بعض أهل العلم فرضًا على الكفاية.
وقال داود: الصلاة في الجماعة فرضٌ على كلّ أحد في خاصّته كالجمعة، وهو قول عطاء بن أبي رباح وأحمد بن حنبل وأبي ثور وغيرهم.
وقال الشافعي: «لا أرخّص لمن قدر على الجماعة؛ في ترْك إِتيانها إلاَّ مِن عُذر حكاه ابن المنذر ...».
ثمَّ ذكر العديد من الأدلة وقال: «هذا ما احتَجّ به من أوجب الصلاة في الجماعة فرضًا، وهي ظاهرة في الوجوب ...».
٣ - وما جاء في «صحيح مسلم» (٦٥٣) تحت (باب يجب إِتيان المسجد على من سمع النداء) من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:

----------------------
(١) البقرة: ٤٣


«أتى النّبيَّ - ﷺ - رجلٌ أعمى، فقال: يا رسول الله! إِنَّه ليس لي قائد يقودُني إِلى المسجد، فسأل رسول الله - ﷺ - أن يُرخِّص له فيصلّي في بيته، فرخَّص له، فلمّا ولَّى دعاه فقال:»هل تسمع النداء بالصلاة؟ «فقال: نعم. قال: فأجِب».
٤ - وعن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من سمع النداء فلم يأته، فلا صلاة له إلاَّ من عُذر» (١).
٥ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمر بحطبٍ فيُحطب، ثمَّ آمرُ بالصلاة فيؤذَّنُ لها، ثمَّ آمرُ رجلا فيؤمَّ الناس، ثمَّ أُخالفُ إِلى رجالٍ فأحرِّقُ عليهم بيوتهم. والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنَّه يجد عَِرَقًا (٢) سمينًا أو مِرماتين (٣) حسنتين

----------------
(١) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٦٤٥) والطبراني في»المعجم الكبير«وغيرهما، وانظر»الإِرواء«(٢/ ٣٣٧).
(٢) قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ١٢٩): عَرْقًا: بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف؛ قال الخليل: العراق العظم بلا لحم، وإن كان عليه لحم فهو عرق، وفي المحكم عن الأصمعي: العرْق بسكون الراء قطعة لحم.
وقال الأزهري: العرق واحد العراق، وهي العظام التي يؤخذ منها هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق؛ فيكسر ويطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق، ...، يقال عرقت اللحم واعترقته وتعرقته إِذا أخذت اللحم منه نهشًا.
وفي المحكم: جمع العرق على عُراق بالضم عزيز، وقول الأصمعي هو اللائق هنا. وقال (ص ١٣٠):»وإِنّما وَصف العرق بالسِّمَن والمرماة بالحسن ليكون ثمَّ باعث نفساني على تحصيلهما. وفيه الإِشارة إِلى ذمّ المتخلّفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشيء الحقير من مطعوم أو ملعوب به، مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات ومنازل الكرامة".
(٣) بكسر الميم وحُكي بالفتح، ما بين ظلفي الشاة.



لشهد العشاء» (١).
٦ - وعن عبد الله بن مسعود قال: «من سرَّه أن يلقى الله غدًا مُسلمًا؛ فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث يُنادى بهنَّ، فإِنَّ الله شرع لنبيِّكم - ﷺ - سُنن الهدى (٢)، وإِنَّهنَّ من سنن الهدى ولو أنّكم صليتم في بيوتكم؛ كما يصلّي هذا المتخلِّف في بيته لتركْتم سُنّة نبيِّكم، ولو تركتم سُنَّة نبيِّكم لضللتم، وما من رجلٍ يتطهَّر فيحسن الطُّهور، ثمَّ يعمد إِلى مسجد من هذه المساجد، إلاَّ كتَب الله له بكل خطوة يخطوها حسنةً، ويرفعه بها درجةً، ويحطّ عنه بها سيِّئةً، ولقد رأيتُنا وما يتخلَّف عنها إلاَّ منافقٌ معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يقامَ في الصَّفِّ» (٣).
قال القرطبي -رحمه الله تعالى- عقب هذا الحديث: «فبيَّن -رضي الله عنه- في حديثه أنَّ الإِجماع سُنَّة من سُنن الهدى وترْكه ضلال، ولهذا قال القاضي أبو الفضل عياض: اختُلف في التمالؤ على ترْك ظاهر السُّنن؛ هل يقاتَل عليها أو لا؛ والصحيح قتالهم؛ لأنَّ في التمالؤ عليها إِماتتها» انتهى.
٧ - وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: «ما من ثلاثةٍ في قرية ولا بدو، لا تقام فيهم الصلاة، إِلا قد استحوذَ (٤) عليهم

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٤٤، ومسلم: ٦٥١
(٢) بضم السين وفتحها وهما بمعنى متقارب، أي: طرائق الهدى والصواب، قاله بعض العلماء.
(٣) أخرجه مسلم: ٦٥٤
(٤) استحوذ: أي استولى عليهم وحواهم إِليه.»النهاية".



الشيطان، فعليكم بالجماعة؛ فإِنَّما يأكل الذئب من الغنم القاصية«(١).
قال شيخنا في»تمام المنّة«(ص ٢٧٥):»... فهو من الأدلّة على وجوبها، إِذ أنَّ مَن تَرَك سنّة، بل السّنن كلّها -مع المحافظة على الواجبات- لا يُقال فيه: «استحوذ عليه الشيطان ...».
٨ - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا كانوا ثلاثة، فليؤمّهم أحدهم، وأحقّهم بالإِمامة أقرؤهم» (٢).
ففي كلمة (فليؤمّهم) لام الأمر، والأمر يفيد الوجوب إلاَّ لقرينة تصرفه، والقرائن مؤكّدة؛ لا صارفة.
٩ - وجاء في صحيح البخاري: (باب وجوب صلاة الجماعة) ثمَّ قال: وقال الحسن: إِنْ منَعته أمّه عن العشاء في الجماعة شفقةً لم يُطعها.
قال الحافظ (٢/ ١٢٥): «هكذا بتَّ الحُكم في هذه المسألة، وكأنَّ ذلك لقوة دليلها عنده ...».
وقال -رحمه الله-: «وقد وجدْته بمعناه وأتمّ منه وأصرح؛ في كتاب»الصيام«للحسن بن الحسن المروزي بإِسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم -يعني تطوّعًا- فتأمره أمّه أن يفطر، قال: فليفطر ولا قضاء عليه، وله

--------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٥١١)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٨١٧)، وغيرهم، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٤٢٢)، و»رياض الصالحين" (١٠٧٧) بتحقيق شيخنا -حفظه الله تعالى-.
(٢) أخرجه مسلم: ٦٧٢



أجر الصوم وأجر البرّ. قيل: فتنهاه أن يصلّيَ العشاء في جماعة، قال: ليس
ذلك لها، هذه فريضة».
وقد استدلّ بعض العلماء على عدم وجوب الصلاة، ببعض الأحاديث التي تفيد صحة صلاة المنفرد (١) وأنَّ له درجة واحدة [و] هذا لا يُنافي الوجوب الذي من طبيعته أن يكون أجره مضاعفًا على أجر ما ليس بواجب؛ كما هو واضح. أفاده شيخنا في «تمام المنّة» (ص ٢٧٧).
فائدة: ينبغي الحرص على الجماعة حيث كانت في المسجد أو غيره، في السفر أو الحضر.
جاء في «الأوسط» (٤/ ١٣٨): «قال الشافعي: ذكر الله الأذان بالصلاة فقال: ﴿وإِذا ناديتم إِلى الصلاة ...﴾ (٢) الآية، وقال: ﴿إِذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إِلى ذكر الله ...﴾ الآية (٣)، وسنّ رسول الله - ﷺ - الأذان للصلوات المكتوبات، فأشبه ما وصفْتُ أن لا يحلّ ترك أن يصلّي كلّ مكتوبة في جماعة، حتى لا يخلّي جماعة مقيمون ولا مسافرون من أن يصلّي فيهم صلاة جماعة، فلا أرخص لمن قدر على صلاة الجماعة في ترك إِتيانها إِلا من عذر».

--------------------
(١) انظر -إِن شئت- ما أجاب به شيخ الإِسلام -رحمه الله- عن هذا في «الفتاوى» (٢٣/ ٢٣٢).
(٢) تتمّتها: ﴿... اتَّخَذوها هُزُوًا ولعبًا ذلك بأنّهم قومٌ لا يعقلون﴾. [المائدة: ٥٨].
(٣) الجمعة: ٩



فضلها:
١ - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الجماعة تفضُل صلاة الفَذ بسبع وعشرين درجة» (١).
٢ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الرجل في الجماعة تُضَعَّفُ على صلاته في بيته وفي سوقه خمسًا وعشرين ضعفًا، وذلك أنَّه إِذا توضّأ فأحسَن الوضوء، ثمَّ خرج إِلى المسجد لا يُخرجه إلاَّ الصلاة، لم يَخْطُ خُطوة إلاَّ رُفعتْ له بها درجةٌ وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، فإِذا صلّى لم تَزَل الملائكة تُصلّي عليه ما دام في مصلاّه: اللهمّ صَلِّ عليه، اللهمَّ ارحمه، ولا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما انتظر الصلاة» (٢).
٣ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من غدا إلى المسجد وراح أعدّ (٣) الله له نزُله (٤) من الجنّة كلما غدا أو راح» (٥).

--------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٤٥، ومسلم: ٦٥٠
(٢) أخرجه البخاري: ٦٤٧
(٣) أعدّ: هيأ.
(٤) قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ١٤٨): «النّزل بضم النون والزاي المكان الذي يُهيأ للنزول فيه، وبسكون الزاي ما يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها، فعلى هذا»من«في قوله من الجنّة للتبعيض على الأوّل وللتبيين على الثاني، ورواه مسلم وابن خزيمة وأحمد بلفظ:»نزلا في الجنة«وهو محتمل المعنيين».
(٥) أخرجه البخاري: ٦٦٢، ومسلم: ٦٦٩، قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ١٤٨): «المراد بالغدو: الذَّهاب وبالرواح: الرجوع، والأصل في الغدو المضي من بكرة النهار والرواح بعد الزوال، ثمَّ قد يستعملان في كل ذَهاب ورجوع توسّعًا».



وانظر للمزيد كتاب «صحيح الترغيب والترهيب» (الترغيب في صلاة لجماعة).

حضور النساء الجماعة في المساجد وفضل صلاتهنّ في بيوتهنّ (١)
يجوز للنساء الخروج إِلى المسجد وشهود الجماعة، بشرط اجتناب ما ثير الشهوة، ويدعو إِلى الفتنة من الزينة والطيب.
فعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول - ﷺ -: «لا تمنعوا نساءَكم المساجد، وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ» (٢).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تمنعوا إِماء
الله مساجد الله، ولكن ليخرجن وهنّ تَفِلات (٣)» (٤).
وعنه -رضي الله عنه- أيضًا قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أيُّما امرأةٍ أصابت بَخُورا (٥)، فلا تشهد معنا العشاء الآخرة» (٦).
والأفضل لهنّ الصلاة في بيوتهنّ، لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- المتقدّم: «وبيوتهنّ خيرٌ لهنّ».

------------------------
(١) هذا العنوان وما يتضمّنه بتصرف؛ من كتاب «فقه السنّة» للشيخ السيد سابق -حفظه الله تعالى-.
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥٣٠) وغيره وانظر «الإِرواء» (٥١٥).
(٣) تَفلات: أي تاركات للطيب. «النهاية».
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥٢٩) وغيره وانظر «الإِرواء» (٥١٥).
(٥) أصابت بَخورًا: أي ريحه.
(٦) أخرجه مسلم: ٤٤٤، وغيره.



ولحديث أمّ حميد امرأة أبي حميد الساعدي -رضي الله عنهما-: «أنّها جاءت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إِنّي أُحبُّ الصلاة معك؟ قال: قد علمتُ أنّكِ تُحبّين الصلاة معي، وصلاتك في بيتكِ (١) خيرٌ من صلاتكِ في حُجرتِك (٢)، وصلاتكِ في حُجرتكِ خير من صلاتكِ في داركِ، وصلاتك في داركِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجد قومكِ، وصلاتكِ في مسجد قومكِ خيرٌ من صلاتكِ في مسجدي. قال فأَمَرَتْ فبُني لها مسجدٌ في أقصى شيء من بيتها وأظلمِه، وكانت تصلّي فيه، حتى لقيَت الله عز وجل» (٣).
وعن عبد الله بن مسعود عن النّبيّ - ﷺ - قال: «صلاة المرأة في بيتها؛ أفضل من صلاتها في حُجرتها، وصلاتها في مخدعها (٤)؛ أفضل من صلاتها في بيتها» (٥).
وانظر للمزيد إن شئت في «صحيح الترغيب والترهيب» (ترغيب النساء في الصلاة في بيوتهنّ ولزومها، وترهيبهنّ من الخروج منها).

--------------------------
(١) في بيتك: الموضع المهيأ للنوم. «فيض».
(٢) كل محلّ حُجر عليه بالحجارة. «فيض»، وفي «الوسيط»: الغرفة في أسفل البيت، وفي «عون المعبود»: أي صحن الدار، قال ابن الملك: أراد بالحجرة ما تكون أبواب البيوت إِليها، وهي أدنى حالًا من البيت.
(٣) أخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٣٥).
(٤) مخدعها: الميم ثلاثية وهي خزانتها التي في أقصى بيتها. «فيض».
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥٣٣)، وصححه الحاكم والذهبي، وانظر «المشكاة» (١٠٦٣)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٣٤٠).



الترغيب في المشي إِلى المسجد الأبعد والأكثر جمعًا
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله! قال: إِسباغ الوضوء على المكاره. وكثرة الخُطا إِلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط (١)» (٢).
وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: «إِذا تطهَّر الرجل ثمَّ أتى المسجد يَرعى الصلاة، كتب له كاتباه أو كاتبه بكلِّ خطوةٍ يخطوها إلى المسجد عشر حسناتٍ، والقاعدُ يرعى الصلاة كالقانت، ويُكتبُ من المصلّين، من حين يَخرُجُ من بيته حتى يرجع إِليه» (٣).
وعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:

----------------------
(١) الرّباط في الأصل: الإِقامة على جهاد العدّو بالحرب، وارتباط الخيل وإعدادها، فشبَّه به ما ذُكر من الأفعال الصالحة والعبادة. قال القُتَيبي: أصل المُرابطة أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر، كلٌّ منهما مُعدٌّ لصاحبه فسمّى المُقام في الثغور رباطًا. ومنه قوله [- ﷺ -]: «فذلكم الرباط» أي أنَّ المواظبة على الطهارة والصلاة والعبادة، كالجهاد في سبيل الله، فيكون الرِّباط مصدر رَابَطت: أي لازَمت. وقيل الرِّباط هاهنا اسم لِما يُربَط به الشيء: أي يُشدّ، يعني أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكُفّه عن المحارم. «النهاية».
(٢) أخرجه مسلم: ٢٥١
(٣) أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» وبعض طرقه صحيح، وابن خزيمة في «صحيحه» وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» مفرّقًا في موضعين، عن «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٩٤).



«لِيُبَشّرِ المشّاؤون في الظُلَّم إِلى المساجد بالنور التامّ يوم القيامة» (١).
وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من خرج من بيته متطهرًا إِلى صلاة مكتوبةٍ؛ فأجْره كأجر الحاج المحْرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢) لا يُنْصبه (٣) إلاَّ إِياه، فأجره كأجر المعتمر، وصلاةٌ على إِثر (٤) صلاةٍ، لا لغوَ بينهما كتاب في عليين» (٥).
وانظر للمزيد -إِن شئت- «كتاب صحيح الترغيب والترهيب» (باب الترغيب في المشي إِلى المساجد ...).

استحباب تخفيف الإِمام:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا صلى أحدكم للنّاس فليخفّف، فإِنَّ منهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلّى أحدكم لنفسه فليطوِّل ما شاء» (٦).

----------------------
(١) أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة في «صحيحه» واللفظ له والحاكم وقال: «صحيح على شرط الشيخين». وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣١٤).
(٢) أي: صلاة الضحى.
(٣) بضمّ الياء من الإِنصاب وهو الإِتعاب، ويروى بفتح الياء [يَنصبه]: من نصبَه أي: أقامه. «عون المعبود» (٢/ ١٨٥)، وتقدّم.
(٤) بكسر الهمزة ثمَّ السكون، أو بفتحتين، أي: عقيبها.
(٥) أخرجه أبو داود من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣١٥)، وتقدّم.
(٦) أخرجه البخاري: ٧٠٣، ومسلم: ٤٦٧



وعن أبي مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «يا أيها النّاس إِنَّ منكم منفّرين فمن أمّ النّاس فليتجوّز (١)، فإِنَّ خلفه الضعيف والكبير وذا الحاجة» (٢).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِنّي لأدخُل الصلاة أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبيّ، فأخفّف مِن شدّة وجْد (٣) أمِّه به» (٤).
وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- أيضًا قال: «ما صليتُ وراء إِمام قطّ أخفّ صلاة ولا أتمّ من النّبيّ - ﷺ -» (٥).
وعنه أيضًا: «كان النّبيّ - ﷺ - يوجز الصلاة ويُكْمِلها» (٦).
قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٠١): «المراد بالايجاز مع الإِكمال: الإِتيان بأقلّ ما يمكن من الأركان والأبعاض».
وانظر للمزيد -إِن شئت- «صحيح مسلم» «كتاب الصلاة» (باب أمر الأئمّة بتخفيف الصلاة في تمام).

----------------------
(١) أي: يخفف.
(٢) أخرجه البخاري: ٧٠٤
(٣) الوجد: يُطلق على الحزن وعلى الحب أيضًا، وكلاها سائغ هنا، والحُزن أظهر، أي من حُزنها واشتغال قلبها به. قاله النووي.
(٤) أخرجه البخاري: ٧١٠، ومسلم: ٤٧٠، وتقدّم.
(٥) أخرجه البخاري: ٧٠٨، ومسلم: ٤٦٩
(٦) أخرجه البخاري: ٧٠٦







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 12-01-2026, 05:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 211الى صــ 225
الحلقة (44)



وروى البيهقي في «الشعب» بإِسناد صحيح عن عمر قال: «لا تبغضوا إِلى الله عباده يكون أحدكم إِمامًا فيطوّل على القوم الصلاة؛ حتى يبغض إِليهم ما هم فيه» (١).

إِطالة الإِمام الركعة الأولى:
عن أبي قتادة «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يطوّل في الركعة الأولى (٢) من صلاة الظهر، ويقصر في الثانية، ويفعل ذلك في صلاة الصبح» (٣).
وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- أيضًا عن النّبيّ - ﷺ -: «... ويطوّل في الركعة الأولى؛ ما لا يطوّل في الركعة الثانية، وهكذا في العصر، وهكذا في الصبح» (٤).
وعنه كذلك قال: «فظنَنّا أنَّه يريد بذلك أن يدرك النّاس الركعة الأولى» (٥).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «لقد كانت صلاة الظهر تُقام فيذهب الذاهب إِلى البقيع، فيقضي حاجته [ثمَّ يأتي أهله فيتوضّأ]، ثمَّ

----------------------
(١) انظر»الفتح«(٢/ ١٩٥).
(٢) قال الحافظ: أي في جميع الصلوات، وهو ظاهر الحديث المذكور في الباب.
قلت: يشير إِلى تبويب البخاري -رحمه الله- بعنوان: باب يطوّل في الركعة الأولى.
(٣) أخرجه البخاري: ٧٧٩، ومسلم: ٤٥١
(٤) أخرجه البخاري: ٧٧٦
(٥) أخرجه أبو داود بسند صحيح»صحيح سنن أبي داود«(٧١٨)، وابن خزيمة، وانظر»صفة الصلاة" (١١٢).


يأتي ورسول الله - ﷺ - في الركعة الأولى ممّا يطوّلها (١).

وجوب متابعة الإِمام وتحريم مسابقته:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «إنَّما جُعل الإمام ليؤتمّ به، فلا تختلفوا عليه، فإِذا ركع فاركعوا، وإذا قال سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا لك الحمد، وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا صلى جالسًا فصلّوا جلوسًا أجمعون، وأقيموا الصفّ في الصلاة، فإِنَّ إقامة الصفّ من حُسن الصلاة» (٢).
وعنه -رضي الله عنه- أيضًا عن النّبيّ - ﷺ - قال: «أمَا (٣) يخشى أحدكم -أو لا يخشى أحدُكم- إِذا رفع رأسه قبل الإِمام؛ أن يجعل الله رأسه رأس حمار، أو يجعل الله صورته صورة حمار» (٤).
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم، فلمّا قضى الصلاة؛ أقبل علينا بوجهه فقال:»أيها النّاس! إِنّي إِمامكم؛ فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف (٥) «(٦).

---------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٤٥٤، وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٢، ومسلم: ٤١٧
(٣) أما: حرف استفتاح مِثل ألا، وهو هنا استفهام توبيخ، (فتح) (٢/ ١٨٣)، وفي رواية لمسلم: ٤٢٧:»ما يأمن الذي يرفع رأسه في صلاته قبل الإمام؛ أن يُحوّل الله صورته في صورة حمار".
(٤) أخرجه البخاري: ٦٩١، ومسلم: ٤٢٧
(٥) أي: بالسلام.
(٦) أخرجه مسلم: ٤٢٦



وعن البراء بن عازب قال: «كنّا نصلّي خلف النّبيّ - ﷺ -، فإِذا قال: سمع الله لمن حمده؛ لم يحْنِ أحدٌ منّا ظهره؛ حتى يضع النّبيّ - ﷺ - جبهته على الأرض» (١).

انعقاد الجماعة بواحد مع الإِمام:
عن ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال: «بتُّ عند ميمونة، فقام النّبيّ - ﷺ - فأتى حاجته فغسل وجهه ويديه، ثمَّ نام، ثمَّ قام فأتى القربة فأطلق شناقها (٢)؛ ثمَّ توضّأ وضوءًا بين وضوءين لم يكثر وقد أبلغ، فصلّى فقمتُ فتمطّيتُ كراهية أن يرى أنّي كنتُ أتقيه، فتوضّأتُ، فقام يُصلّي فقمتُ عن يساره، فأخذ بأذُني فأدارني عن يمينه» (٣).
وروى أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: «أنَّ رجلًا دخل المسجد، وقد صلّى رسول الله - ﷺ - بأصحابه، فقال رسول الله - ﷺ -:»من يتصدّق على ذا، فيصلّي معه«فقام رجل من القوم فصلّى معه» (٤).
وفي رواية عن الحسن بلفظ: «... أنَّ رجلًا دخل المسجد وقد صلّى النّبيّ - ﷺ - فقال ألا رجل يقوم إِلى هذا فيصلّي معه، فقام أبو بكر فصلّى معه،

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٨١١، ومسلم: ٤٧٤
(٢) الشناق: هو رباط القربة يشدّ عنقها، فشبّه بما يُشنَق به، وقيل هو ما تُعلَّق به ورجّح أبو عبيد الأوّل.»فتح«(١١/ ١٦٦).
(٣) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود نحوه، وغيرهما وصححه شيخنا في»الإِرواء" (٥٣٥).



وقد كان صلّى تلك الصلاة» (١).

إِدراك الإِمام:
ينبغي متابعة الإِمام على أيّ حالٍ كان؛ إِذا لم يُدرك معه تكبيرة الإِحرام.
عن عليّ ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أتى أحدكم الصلاة والإِمام على حال، فليصنع كما يصنع الإِمام» (٢).
وعن ابن مُغفَّل المزني قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا وجدتم الإِمام ساجدًا فاسجدوا، أو راكعًا فاركعوا، أو قائمًا فقوموا، ولا تعتدّوا بالسجود إِذا لم تدركوا الركعة». أخرجه إِسحاق بن منصور المروزي في «مسائل أحمد وإسحاق» (٣).
والمسبوق يصنع مِثل ما يصنع الإِمام فيجلس معه التشهد الأخير ولا يقوم حتى يسلّم، ثمَّ يكبّر ويتمّ ما فاته.

--------------------
(١) قال شيخنا في «الإرواء» (٢/ ٣١٧): أخرجه ابن أبي شيبة والبيهقي وإسناده إِلى الحسن صحيح.
(٢) قال أبو عيسى: «هذا حديث غريب، لا نعلم أحدًا أسنده، إلاَّ ما روي من هذا الوجه. والعمل على هذا عند أهل العلم، قالوا: إِذا جاء الرجل والإِمام ساجد فليسجد، ولا تجزئه تلك الركعة، إِذا فاته الركوع مع الإمام. واختار عبد الله بن المبارك: أن يسجد مع الإِمام، وذكر عن بعضهم فقال: لعله لا يَرفع رأسه من تلك السجدة حتى يغفر له».
انظر «صحيح سنن الترمذي» (٤٨٤)، و«المشكاة» (١١٤٢).
(٣) قال شيخنا: وهذا إِسناد صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين، وانظر «الصحيحة» (١١٨٨).



من أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا جئتم إِلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعدّوها شيئًا، ومن أدرك ركعة فقد أدرك الصلاة» (١).
وعن ابن مُغفّل المزني قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا وجدتم الإِمام ساجدًا فاسجدوا، أو راكعًا فاركعوا، أو قائمًا فقوموا، ولا تعتدُّوا بالسجود إِذا لم تدركوا الركعة» (٢).
وعن زيد بن وهب قال: «خرجْتُ مع عبد الله من داره إِلى المسجد، فلمّا توسَّطنا المسجد ركَع الإِمام، فكبّر عبد الله ثمَّ ركَع، وركعتُ معه، ثمَّ مشينا راكعين حتى انتهينا إِلى الصفّ حتى رفع القوم رؤوسهم، قال: فلمّا قضى الإِمام الصلاة قمتُ وأنا أرى أنّي لم أدرِك، فأخذ بيدي عبد الله، فأجلَسني وقال: إِنّك قد أدركتَ»، قال شيخنا: وسنده صحيح، وله في الطبراني طرق أخرى (٣).
وعن عبد الله بن عمر قال: «إِذا جئتَ والإِمام راكع، فوضعت يديك على ركبتيك قبل أن يرفع؛ فقد أدركت».
قال شيخنا -حفظه الله- أخرجه ابن أبي شيبة: (١/ ٩٤/‏١) من طريق

------------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وفي لفظ له: «من أدرك الركوع أدرك الركعة»، وانظر «الإِرواء» (٤٩٦).
(٢) انظر «الصحيحة» (١١٨٨).
(٣) انظر «الإرواء» (٢/ ٢٦٣).



ابن جريج عن نافع عنه، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي إلاَّ أنَّه قرن مع ابن جريج مالكًا ولفظه: «من أدرك الإِمام راكعًا، فركع قبل أن يرفع الإِمام رأسه، فقد أدرك تلك الركعة».
ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: «وإِسناده صحيح، وأخرجه عبد الرزاق في»مصنّفه«(٢/ ٢٧٩/‏٣٣٦١) عن ابن جريج قال أخبَرني به نافع» (١).

أعذار التخلف عن الجماعة:
١ - البرد أو المطر:
عن نافع: «أنَّ ابن عمر أذَّن بالصلاة في ليلةٍ ذاتِ بردٍ وريح ثمَّ قال: ألا صلّوا في الرحال، ثمَّ قال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - كان يأمر المؤذن إذا كانت ليلةٌ ذاتُ بردٍ ومطر يقول: ألا صلُّوا في الرحال (٢)» (٣).
وعن عبد الله بن الحارث ابن عمِّ محمّد بن سيرين قال: قال ابنُ عبّاس لمؤذّنه في يومٍ مطير: إِذا قلتَ أشهد أنَّ محمدًا رسول الله فلا تقُل: حيَّ على الصلاة، قل: صلّوا في بيوتكم فكأنَّ النّاس استنكروا، قال: فعَله من هو خيرٌ منّي، إِنَّ الجُمعة عَزمةٌ (٤)، وإنِّي كرهتُ أن أحرجكم فتمشون في الطين

------------------------
(١) انظر «الإِرواء» (٢/ ٢٦٣). التحقيق الثاني.
(٢) الرحال: يعني الدور والمساكن والمنازل، وهي جمْع رَحْل، يُقال لمنزل الإنسان ومسكنه رحله، وانتهينا إِلى رحالنا: أي: منازلنا، «النهاية».
(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٦، ومسلم: ٦٩٧
(٤) قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٨٤): «استشكله الإسماعيلي فقال: لا إِخاله صحيحًا، فإِنَّ أكثر الرويات بلفظ:»أنَّها عزمة«أي: كلمة المؤذن وهي:»حي على =



والدَّحْض (١)» (٢)

٢ - العلّة:
عن محمود بن الربيع الأنصاري: «أنَّ عتبان بن مالك كان يؤمّ قومه وهو أعمى، وأنَّه قال لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، إِنَّها تكون الضلمة والسّيل، وأنا رجلٌ ضرير البصر، فصلِّ يا رسول الله في بيتي مكانًا أتخذه مُصلّى، فجاءه رسول الله - ﷺ - فقال: أين تحبُّ أنْ أصلّي؟ فأشار إِلى مكان من البيت، فصلّى فيه رسول الله - ﷺ -» (٣).
وذكَره الإِمام البخاري في «كتاب الأذان» تحت (باب الرخصة في المطر والعلّة أن يصلّي في رَحله).

٣ - حضور الطعام الذي يريد أكْله في الحال (٤):
عن عائشة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «إِذا وُضع العَشاء وأُقيمت الصلاة

-----------------------
= الصلاة» لأنَّها دعاء إِلى الصلاة تقتضي لسامعه الإِجابة، ولو كان معنى الجمعة عزمة لكانت العزيمة لا تزول بترك بقية الأذان انتهى. والذي يظهر أنَّه لم يترك بقية الأذان، وإنَّما أبدل قوله: «حي على الصلاة» بقوله: «صلّوا في بيوتكم»، والمراد بقوله: «إِن الجمعة عزمة» أى فلو تركْت المؤذّن يقول: «حي على الصلاة» لبادر من سمعه إِلى المجيء في المطر فيشقّ عليهم فأمرته أن يقول: «صلوا في بيوتكم لتعلموا أنَّ المطر من الأعذار التي تُصيّر العزيمة رخصة».
(١) الدَّحْض: الزلق.
(٢) أخرجه البخاري: ٩٠١
(٣) أخرجه البخاري: ٦٦٧
(٤) اقتباسًا ممّا جاء في تبويب «صحيح مسلم».



فابدأوا بالعَشاء» (١).
وعن أنس بن مالك أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قُدِّم العَشاء فابدأوا به قبل أن تصلُّوا صلاة المغرب، ولا تعجَلوا عن عَشائكم» (٢).
وعن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا وُضع عَشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعَشاء، ولا يعجل حتى يفرُغ منه» (٣).
«وكان ابن عمر يوضَع له الطعام وتقام الصلاة، فلا يأتيها حض يفرُغ، وإِنَّه ليسمع قراءة الإِمام» (٤).
وعن ابن عمر قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا كان أحدكم على الطعام فلا يعجل حتى يقضيَ حاجته منه، وإِنْ أقيمت الصلاة» (٥).
وعن أبي الدرداء قال: «من فقه المرء؛ إِقباله على حاجته حتى يُقبِل على صلاته وقلبه فارغ» (٦).

٤ - مدافعة الأخبثين:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٧١، ومسلم: ٥٥٨
(٢) أخرجه البخاري: ٦٧٢، ومسلم: ٥٥٧
(٣) أخرجه البخاري: ٦٧٣، ومسلم: ٥٥٩
(٤) أخرجه البخاري: ٦٧٣
(٥) أخرجه البخاري: ٦٧٤
(٦) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به ووصله ابن المبارك في»الزهد«وانظر»مختصر صحيح البخاري" (١/ ١٧٢) لشيخنا -حفظه الله تعالى-.



بحضرة الطعام، ولا هو يدافِعُه الأخبثان (١)» (٢).

من هو الأحقّ بالإِمامة:
عن أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يؤمُّ القوم أقرؤهم (٣) لكتاب الله فإِنْ كانوا في القراءة سواءً فأعلمُهم بالسنّة، فإِنْ كانوا في السنّة سواءً، فأقدمهم هجرة، فإِنْ كانوا في الهجرة سواءً، فأقدمهم سِلْمًا (٤)، ولا يَؤُمَّنَّ الرجل الرّجل في سلطانه، ولا يقعدْ في بيته على تَكرِمَته (٥) إلاَّ بإِذنه»

------------------------
(١) الأخبثان: البول والغائط.
(٢) أخرجه مسلم: ٥٦٠
(٣) أقرؤهم: أي: أكثرهم قرآنًا وحفظًا وجمعًا له؛ كما في حديث عمرو بن سلمة قال: لمّا كانت وقعة أهل الفتح بادر [بادر: أي: سابق وعجل بذلك.] كلُّ قوم بإِسلامهم، وبدر أبي قومي بإِسلامهم، فلمّا قدم قال: جئتكم والله من عند النّبيّ - ﷺ - حقًّا، فقال: صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا صلاة كذا في حين كذا، فإِذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم، وليؤمّكم أكثركم قرآنًا، فنَظروا، فلم يكن أحدٌ أكثر قرآنًا منّي، لِما كنتُ أتلَّقى من الرُّكبان [الركبان: جمع راكب: وجمع الراكب: رُكّاب ورُكوب ورُكبان، والراكب في الأصل: هو راكب الإِبل خاصّة، ثمَّ اتُّسع فيه، فأطلق على كلّ من ركب دابّة، ذكره بعض العلماء.]، فقدَّموني بين أيديهم وأنا ابنُ ستّ أو سبع سنين، وكانت عليَّ بُردةٌ كنتُ إِذا سجدتُ تقلصّت [أي ارتفعت وتكشّفت] عنّي، فقالت امرأةٌ من الحي: ألا تُغطّون عنّا إِست قارئكم، فاشتروا، فقطعوا لي قميصًا، فما فَرِحت بشيء فَرحي بذلك القميص«. أخرجه البخاري: ٤٣٠٢
(٤) سلمًا: أي إِسلامًا.
(٥) تكرمته: هو الموضع الخاص لجلوس الرجل، من فراشٍ وسرير؛ ممّا يعدُّ لإكرامه، وهي تفعلة من الكرامة.»النهاية". في رواية لمسلم (٦٧٣): لا يؤمُّ القوم =



قال الأشجُّ في روايته: مكان سِلمًا سِنًّا» (١).
ولفظه كما في «صحيح سنن أبي داود» (٥٤٦): «وكنتُ غلامًا حافظًا، فحفظت من ذلك قرآنًا كثيرًا، فانطلق أبي وافدًا إِلى رسول الله - ﷺ - في نفرٍ من قومه، فعلّمهم الصلاة فقال:»يؤمُّكم أقرؤكم«، وكنتُ أقرأَهم، لما كنت أحفظ، فقدّموني فكنت أؤمّهم وعليّ بردة لي صغيرة صفراء، فكنت إِذا سجدت تكشَّفت عنّي».
وفي لفظ آخر في «صحيح سنن أبي داود» (٥٤٨) أيضًا: «فلمّا أرادوا أن ينصرفوا قالوا: يا رسول الله، من يؤمّنا؟ قال:»أكثركم جمعًا للقرآن«أو»أخذًا للقرآن«قال: فلم يكن أحد من القوم جمَع ما جمْعته».
هذا وقد أفاد هذا الحديث أنَّ صاحب الدار والإِمام الراتب ونحوهما أحقّ بالإِمامة وأولى إلاَّ أن يأذنا، وعن نافع قال: «أقيمت الصلاة في مسجد بطائفة من المدينة، ولابن عمر قريبًا من ذلك المسجد أرض يعملها، وإمام ذلك المسجد مولى له، ومسكن المولى وأصحابه ثمّة، قال: فلمّا سمعهم عبد الله جاء ليشهَد معهم الصلاة، فقال له المولى صاحب المسجد: تقدّم فصلِّ، فقال عبد الله: أنت أحقّ أن تصلي في مسجدك مني، فصلّى المولى»، ومن طريق الشافعي أخرجه البيهقي (٣/ ١٢٦) وسنده حسن. انظر «الإِرواء»: (٥٢٢).

-----------------
= أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءةً، فإِن كانت قراءتهم سواءً فليؤمّهم أقدمهم هجرةً، فإِنْ كانوا في الهجرة سواءً فليؤمّهم أكبرهم سنًّا، ولا تؤُمَّنَّ الرّجل في أهله ولا في سلطانه، ولا تجلس على تكرمته في بيته، إلاَّ أن يأذن لك أو بإِذنه".
(١) أخرجه مسلم: ٦٧٣



متى تصحّ إِمامتهم (١):
كلّ من صحَّت صلاته لنفسه؛ صحت صلاته لغيره، وهذا ثابتٌ بالاستقراء وفي العناوين الآتية زيادة بيانٍ بإِذن الله تعالى:

إِمامة الصبي:
تصحّ إِمامة الصبيّ المميّز، بل هو الأولى في الإِمامة إِذا كان أقرأ القوم، وقد تقدّم حديث عمرو بن سلِمة وأنَّه كان يؤمّ قومه وهو ابن ست أو سبع سنين.

إِمامة الأعمى:
عن أنس «أنَّ النّبيّ - ﷺ - استخلف ابن أمّ مكتوم يؤم الناس وهو أعمى» (٢).

إِمامة المعذور بالصحيح:
لا بأس بإِمامة المعذور بالصحيح، إِذا توفّرت فيه شروط الأحقّ بالإِمامة.
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ٢٨٥) ردًّا على من يقول بكراهة إِمامة المعذور بصحيح أو عدم صحتها: «لا وجه للكراهة به عدم الصحة إِذا توفرت فيه شروط الأحَقّ بالإِمامة، ولا نرى فرقًا بينه وبين الأعمى الذي لا يمكنه الاحتراز من البول احتراز البصير، والقاعد العاجز عن القيام، وهو ركن، لأنّ كلًاّ منهما قد فعَل ما يستطيع، و﴿لا يُكلِّف الله نَفْسًا

-----------------------
(١) سألت شيخنا -شفاه الله تعالى-»هل أنتم مع من يقول: كلّ من صحّت صلاته لنفسه؛ صحّت صلاته لغيره، مع كراهة الصلاة خلف الفاسق والمبتدع فقال: نعم«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٥٥٥) والبيهقي وغيرهما، وانظر»الإِرواء" (٥٣٠).



إلاَّ وُسْعَها﴾ (١). وللإِمام الشوكاني بحث هامّ في صحّة الصلاة وراء المسلم الفاسق، والصبي غير البالغ، وناقص الصلاة والطهارة وغيرهم، فراجِعه في كتابه «السيل الجرّار» (١/ ٢٤٧ - ٢٥٥)، فإِنَّه نفيس جدًا«. انتهى.
قلت: قال الشوكاني في المصدر المذكور آنفًا: وأمّا ناقص الطهارة؛ فلا دليلَ يدلّ على المنع أصلًا، فيصحّ أن يؤمّ المتيمّمُ متوضِّئًا، ومَن ترك غُسل بعض أعضاء وضوئه لعذرٍ بغيره ونحوهما، ولا يحتاج إِلى الاستدلال بحديث عمرو بن العاص في صلاته بأصحابه بالتيمم وهو جنب، فإِنَّ الدليل على المانع كما عرفْت والأصل الصحّة».

إِمامة الجالس بالقادر على القيام وجلوسه معه:
عن أنس بن مالك: «أنَّ رسول الله - ﷺ - ركِب فرسًا فصُرع عنه فجُحش (٢) شقه الأيمن فصلّى صلاةً من الصلوات وهو قاعد فصلّينا وراءه قعودًا، فلمّا انصرف قال: إِنَّما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به، فإِذا صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا، فإِذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإِذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا ربَّنا ولك الحمد، وإذا صلّى قائمًا فصلّوا قيامًا، وإذا صلّى جالسًا فصلُّوا جُلُوسًا أجمعون» (٣) «(٤).

--------------------
(١) البقرة: ٢٨٦
(٢) فجُحش: أي: انخدش جلده وانقشر.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٨٩، ومسلم: ٤١٢
(٤) قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ١٨٠) -بتصرف-:»كذا في جميع الطرق في «الصحيحين» بالواو إلاَّ أنَّ الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة، فقال بعضهم: =



إِمامة المتنفّل بالمفترض:
عن جابر بن عبد الله: «أنَّ معاذ بن جبل كان يصلّي مع النّبيّ - ﷺ -، ثمَّ يرجع فيؤم قومه» (١).
فكانت صلاته مع النّبيّ - ﷺ - فريضة، وصلاته بقومه تطوّعًا وتنفّلًا، ولهم فريضة.

إِمامة المفترض بالمتنفّل:
وعن محجن بن الأذرع قال: «أتيتُ النّبيّ - ﷺ - وهو في المسجد، فحضرت الصلاة فصلّى، فقال لي: ألا صليتَ؟ قال: قلت: يا رسول الله قد صليت في الرحل، ثمَّ أتيتك، قال: فإِذا فعلْتَ، فصلِّ معهم واجعلها نافلة» (٢).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - أبصر رجُلًا يُصلي وحده فقال: «ألا رجلٌ يتصدق على هذا فيصلِّي معه» (٣).
وعن يزيد بن الأسود: «أنَّه صلّى مع رسول الله - ﷺ -، وهو غلام شابٌّ، فلمّا صلّى إِذا رجلان لم يصلّيا في ناحية المسجد، فدعا بهما فجيء بهما ترعد

-----------------------
= أجمعين -بالياء- والأول: (أجمعون) تأكيد لضمير الفاعل في قوله صلّوا، والثاني: (أجمعين): نصب على الحال أي: جلوسًا مجتمعين ...».
(١) أخرجه البخاري: ٧٠٠، ومسلم: ٤٦٥
(٢) أخرجه أحمد وغيره وصححه شيخنا بشواهد تقوّيه كما في «الإِرواء» (٥٣٤).
(٣) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥٣٧) وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (٥٣٥).



فرائصهما (١) فقال: ما منعكما أن تصليّا معنا؟ قالا: قد صلّينا في رحالنا، فقال: لا تفعلوا، إِذا صلّى أحدكم في رَحله ثمَّ أدرك الإِمام ولم يُصلِّ فليصلِّ معه، فإِنَّها له نافلة» (٢).

إِمامة المتوضّئ بالمتيمّم والمتيمّم بالمتوضّئ:
يُقدّم الأقرأ لكتاب الله تعالى في الإِمامة سواءٌ أكان متيمّمًا أو متوضئًا لعموم النصّ المتقدّم: «يؤمّ القوم اقرؤهم لكتاب الله ...». وكذا المقيم بالمسافر والمسافر بالمقيم ... الخ.
وقد أمّ عمرو بن العاص أصحابه -رضي الله عنهم- وهو جنُب، وكان قد احتلم وأشفق على نفسه أن يهلك إِذا اغتسل، فعنه قال: «احتلمْتُ في ليلة باردة، في غزوة ذات السلاسل، فأشفقْتُ إِن اغتسلت أن أهْلِكَ، فتيمّمت، ثمَّ صلّيت بأصحابي الصبح، فذكروا ذلك للنّبيّ - ﷺ -، فقال: يا عمرو، صليت بأصحابك وأنت جُنبٌ؟ فأخبرتُه بالذي منَعني من الاغتسال، وقلت: إِني سمعْت الله يقول: ﴿ولا تَقْتُلوا أنْفُسَكُم إِنَّ الله كان بِكُم رحيمًا﴾ (٣)، فضحك رسول الله - ﷺ - ولم يقُل شيئًا» (٤).

--------------------
(١) الفرائص: جمع فريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها أي: ترجف من الخوف. «النهاية». وسبب ارتعاد فرائصهما؛ ما اجتمع في رسول الله - ﷺ - من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة؛ لكلّ من رآه مع كثرة تواضعه. «عون» (٢/ ١٩٩).
(٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥٣٨) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٥٣٤).
(٣) النساء: ٢٩
(٤) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٢٣) وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (١٥٤)، وأخرجه البخاري معلَّقًا.



إِمامة المسافر بالمقيم:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «صلّى عمر بأهل مكة الظهر، فسلّم في ركعتين، ثمَّ قال: أتمّوا صلاتكم يا أهل مكة فإِنا قوم سَفْر» (١).

إِذا اقتدى المسافر بالمقيم أتمّ:
عن موسى بن سلمة الهُذليّ قال: «سألتُ ابن عباس كيف أصلّي إِذا كنتُ بمكة، إِذا لم أصلِّ مع الإِمام؟ فقال: ركعتين سنّة أبي القاسم - ﷺ -» (٢).
قال شيخنا في «الإِرواء» (٣/ ٢٢): «وروى البيهقي بسند صحيح عن أبي مجلز قال: قلتُ لابن عمر: المسافر يدرك ركعتين من صلاة القوم - يعني المقيمين- أتجزيه الركعتان أو يصلّي بصلاتهم؟ قال: فضحك وقال: يصلّي بصلاتهم».
وسئل ابن عبّاس: «ما بال المسافر يصلّي ركعتين حال الانفراد وأربعًا إِذا ائتمّ بمقيم، فقال: تلك السنّة». صححه شيخنا في «الإِرواء» (٥٧١).

---------------------
(١) أخرجه مالك في «الموطأ» وعبد الرزاق في «مصنفه» (٤٣٦٩) وغيرهما، وقال لي شيخنا -شفاه الله تعالى وعافاه-: هذا في حُكم المرفوع؛ لأنّ عمر -رضي الله عنه- فعَل ذلك في عدد كبير من الصحابة، ولا سيّما أنّه رُوي مرفوعًا وفيه ضعف.
ثمَّ قال شيخنا -شفاه الله تعالى- «فعلى الإِمام أن يُسلم عن يمينه سرًّا ويسمعهم قوله:»أتمّوا صلاتكم فإِنا قوم سَفر«لأن ما رُوي عن عمر؛ يفهم أنّه لم يُسمع سلامه والحكمة ظاهرة، فإِنّه إِذا سلّم سلّم الناس معه».
(٢) أخرجه مسلم: ٦٨٨



إِمامة الرجل بالنّساء:
وفيه أحاديث منها الحديث المتقدّم: «... وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أوّلها».

المرأة تؤمّ أهل دارها:
«كان رسول الله - ﷺ - يزور أمّ ورقة بنت عبد الله بن الحارث في بيتها، وجعَل لها مؤذنًا يؤذّن لها، وأمَرَها أن تؤمّ أهل دارها» (١).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 12-01-2026, 05:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 226الى صــ 240
الحلقة (45)



إِمامة الرجل بالنّساء:
وفيه أحاديث منها الحديث المتقدّم: «... وخير صفوف النساء آخرها، وشرّها أوّلها».

المرأة تؤمّ أهل دارها:
«كان رسول الله - ﷺ - يزور أمّ ورقة بنت عبد الله بن الحارث في بيتها، وجعَل لها مؤذنًا يؤذّن لها، وأمَرَها أن تؤمّ أهل دارها» (١).

إِمامة المرأة بالنّساء:
عن رائطة الحنفية «أنّ عائشة -رضي الله عنها- أمّت نسوةً في المكتوبة؛ فأمّتهنّ بينهنّ وسطًا» (٢).
وفي رواية: «أمّتهنّ وقامت بينهنّ في صلاةٍ مكتوبة» (٣).
وله شاهد من رواية حجيرة بنت حصين قالت: «أمّتنا أم سلمة في صلاة العصر قامت بيننا» (٤).

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥٥٣) وغيره وانظر «الإِرواء» (٤٩٣).
(٢) أخرجه عبد الرزاق (٣/ ١٤١)، والدارقطني (١/ ٤٠٤)، والبيهقي (٣/ ١٣١)، وانظر «تمام المنّة» (ص ١٥٤).
(٣) انظر «مصنف عبد الرزاق» (٥٠٨٦).
(٤) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» وغيره. قال شيخنا -شفاه الله تعالى- في «تمام المنة» (ص١٥٤): وبالجملة فهذه الآثار صالحة للعمل بها ولا سيما وهي مؤيَّدة بعموم قوله - ﷺ -: «إنما النساء شقائق الرجال». [أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٦)، التحقيق الثاني والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٩٨)، وانظر «المشكاة» (٤٤١)]، وانظر للمزيد مصنف عبد الرزاق (باب المرأة تؤمّ النساء) وفيه آثار كثيرة =


الصلاة خلف الفاسق والمبتدع والإِمام الجائر ومن يكرهه المأمومون:
عن ابن عمر «أنَّه كان يصلّي خلف الحجّاج» (١).
وقال البخاري في «صحيحه»: «باب إِمامة المفتون والمبتدع، وقال الحسن: صلِّ وعليه بدعته» (٢).
وروى البخاري (٦٩٥) أيضًا عن عبيد الله بن عدي بن خيار: «أنَّه دخل

------------------
= عن السلف، ومصنف ابن أبي شيبة (١/ ٤٣٠).
(١) صححه شيخنا في»الإِرواء«(٥٢٥) وقال:»قال الحافظ في «التلخيص» (١٢٨): رواه البخاري في حديث، قلت: -أي: شيخنا حفظه الله- ولم أجده عنده حتى الآن، وقد أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنّف» (٢/ ٨٤/‏٢): نا عيسى بن يونس عن الأوزاعي عن عمير بن هانئ قال: «شهدتُ ابن عمر والحجّاج محاصِر ابن الزبير، فكان منزل ابن عمر بينهما فكان ربما حضر الصلاة مع هؤلاء، وربما حضَر الصلاة مع هؤلاء».
قلت [أي: شيخنا -حفظه الله-]: وهذا سند صحيح على شرط الستة«. ثمَّ أخرج عن زيد بن أسلم أن ابن عمر كان في زمان الفتنة؛ لا يأتي أمير إلاَّ صلى خلفه، وأدّى إِليه زكاة ماله وسنده صحيح». انتهى.
وعن مسلم قال: كنّا مع عبد الله بن الزبير والحجّاج يُحاصر عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن عمر يصلّي مع ابن الزبير فإِذا فاتته الصلاة مع عبد الله سمع أذان مؤذن الحجاج انطلق فصلّى مع الحجاج فقيل: يا أبا عبد الرحمن: تصلي مع عبد الله بن الزبير، والحجاج؟ فقال: إِذا دعونا إِلى الله أجبناهم وإذا دعونا إِلى الشيطان تركناهم، فقلت: يا أبتاه: وما تعني الشيطان؟ قال: القتال«. انظر»الأوسط«(٤/ ١١٥) لابن المنذر.
(٢) كذا رواه البخاري معلقًا مجزومًا به، وانظر»كتاب الأذان" (باب: ٥٦). قال شيخنا -حفظه الله -: وقد وصَله سعيد بن منصور عن ابن المبارك عن هشام بن =



على عثمان بن عفّان وهو محصور فقال: إِنّك إِمام عامّة ونزل بك ما ترى، ويصلّي لنا إِمام فتنة ونتحرّج، فقال: الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإِذا أحسَن الناس فأحسِنْ معهم، وإِذا أساؤوا فاجتنب إِساءتهم».
قال الشوكاني: في «السيل الجرار» (١/ ٢٤٧): الفاسق من المسلمين المتعبّدين بالتكاليف الشرعية من الصلاة وغيرها، فمن زعم أنَّه قد حصَل فيه مانع من صلاحيته لإِمامة الصلاة مع كونه قارئًا عارفًا؛ بما يحتاج إِليه في صلاته، فعليه تقرير ذلك المانع بالدليل المقبول الذي تقوم به الحُجّة، وليس في المقام شيءٌ من ذلك أصلًا؛ لا من كتاب ولا من سنَّة ولا قياس صحيح، فعلى المنصِف أن يقوم في مقام المنع؛ عند كلّ دعوى يأتي بها بعض أهل العلم في المسائل الشرعية.
وما استُدلّ به على المنع من تلك الأحاديث الباطلة المكذوبة، فليس ذلك من دأب أهل الإِنصاف، بل هو صُنع أرباب التعصّب والتعنّت.
وإِذا عرفتَ هذا فلا تحتاج إِلى الاستدلال على جواز إِمامة الفاسق في الصلاة، ولا إِلى معارضة ما يسَتَدِلّ به المانعون، فليس هنا ما يصلح للمعارضة وإيراد الحجج، وبيان ما كان عليه السلف الصالح من الصلاة خلف الأُمراء المشتهرين بظلم العباد والإِفساد في البلاد.
نَعم يحسُن أن يجعل المصلّون إِمامَهم من خيارهم، ولكن ليس محلُّ النزاع إِلا كونه لا يصلح أن يكون الفاسق ومن في حُكمه إِمامًا، لا في كون

-----------------------
= حسان أنَّ الحسن سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة؟ فقال الحسن: صلِّ خلفه، وعليه بدعته. كما في «فتح الباري» (٢/ ١٥٨) والسند صحيح.


الأولى أن يكون الإِمام من الخيار، فإِنّ ذلك لا خلاف فيه».
وأمّا مَن أمّ قومًا يكرهونه، فقد أخبر النّبيّ - ﷺ - أنّ صلاته غير مقبولة. فعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم: العبد الآبق حتى يرجع، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وإِمام قوم وهم له كارهون» (١). أي: كارهون لبدعته أو فسقه أو جهله لا كراهة لأمر دنيوي. وانظر «التحفة» (٢/ ٣٤٤).

تنبيه:
استدلّ بعض العلماء على أنَّ القرشيّ مقدّم في إِمامة الصلاة على غيره، كما هو مقدّم في الإِمامة الكبرى لحديث: «الأئمة من قريش» (٢).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى وعافاه- في «الإِرواء» تحت الحديث السابق: وفي هذا الاستدلال نظر عندي، لأنَّ الحديث بمجموع ألفاظه ورواياته لا يدلّ إِلا على الإِمامة الكبرى، فإِنّ في حديث أنس وغيره: «ما عملوا فيكم بثلاث: ما رحموا إِذا استرحموا، وأقسطوا، إِذا قسموا، وعدلوا إِذا حكموا». فهذا نصٌّ في الإِمامة الكبرى، فلا تدخل فيه الإِمامة الصغرى، لا سيما وقد ورد في البخاري وغيره؛ أنَّ النّبيّ - ﷺ - قدَّم سالمًا مولى أبي حذيفة في إِمامة الصلاة ووراءه جماعة من قريش«.

-----------------------
(١) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٩٥)، وانظر»المشكاة«(١١٢٢)، و»غاية المرام«(٢٤٨).
(٢) حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الإِرواء" (٥٢٠) وقد أخرجه جمع من الأئمّة.



الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال (١):
عن هلب [والد قبيصة] أنّه صلّى مع النّبيّ - ﷺ - وكان ينصرف عن شقّيه» (٢).
وعن الأسود قال: قال عبد الله: «لا يجعل أحدكم للشيطان شيئًا من صلاته، يرى أنَّ حقًّا عليه أن لا ينصرف إلاَّ عن يمينه، لقد رأيت النّبيّ - ﷺ - كثيرًا ينصرف عن يساره» (٣).
وكان أنس ينفتِل عن يمينه وعن يَساره ويعيب على من يتوخّى -أو من يَعمِد- الانفتال عن يمينه (٤).
قال النووي -رحمه الله في «شرحه» (٥/ ٢٢٠): «في حديث أنس»أكثر ما رأيت رسول - ﷺ - ينصرف عن يمينه«، وفي رواية:»كان ينصرف عن يمينه«وجه الجمع بينهما أن النّبيّ - ﷺ - كان يفعل تارة هذا وتارة هذا، فأخبر كلّ واحد بما اعتقد أنه الأكثر فيما يعلمه، فدلَّ على جوازهما، ولا كراهة في واحد منهما، وأمّا الكراهة التي اقتضاها كلام ابن مسعود، فليست

-----------------
(١) هذا العنوان من»صحيح البخاري«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩١٩)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٤٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٧٥٧).
(٣) أخرجه البخاري: ٨٥٢، ومسلم: ٧٠٧
(٤) أخرجه البخاري معلّقًا مجزومًا به (كتاب الأذان)»باب الانفتال والانصراف عن اليمين والشمال«. وقال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٣٣٨):»وصله مسدّد في «مسنده الكبير».



بسبب أصل الانصراف عن اليمين أو الشمال، وإنّما هي في حقّ من يرى أنّ ذلك لا بد منه فإِنّ من اعتقد وجوب واحد من الأمرين مخطئ، ولهذا قال: يرى أنّ حقّا عليه فإِنما ذمّ من رآه حقّا عليه.
ومذهبنا أنه لا كراهة في واحد من الأمرين، لكن يستحبّ أن ينصرف في جهة حاجته؛ سواء كانت عن يمينه أو شماله، فإِن استوى الجهتان في الحاجة وعدمها؛ فاليمين أفضل لعموم الأحاديث المصرحة بفضل اليمين في باب المكارم ونحوها، هذا صواب الكلام في هذين الحديثين وقد يقال فيهما خلاف الصواب والله أعلم». وللحافظ تفصيلٌ طيب في «الفتح» (٢/ ٣٣٨) فارجع إِليه -إِن شئت-.

مُكث الإِمام (١) في مصلاّه بعد السلام (٢):
عن أمّ سلمة أنّ النّبيّ - ﷺ - كان يمكُث في مكانه يسيرًا. قال ابن شهاب: «فنُرى والله أعلم؛ لكي ينفُذ من ينصرف من النساء» (٣).
وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال:»اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإِكرام«. قال الوليد: فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله».

----------------
(١) قال العيني في «عمدة القاري» (٦/ ١٣٨): «أي: تأخّره في مصلاّه أي: موضعه الذي صلّى فيه الفرض بعد السلام، أي: بعد فراغه من الصلاة بالسلام».
(٢) هذا العنوان من «صحيح البخاري».
(٣) أخرجه البخاري: ٨٤٩



وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان النّبيّ - ﷺ - إِذا سلّم لم يقعد إلاَّ مقدار ما يقول: «اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإِكرام»، وفي رواية ابن نمير: «يا ذا الجلال والإِكرام».

علوّ الإِمام أو المأموم:
عن أبي مسعود الأنصاري قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يقوم الإِمام فوق شيء والناس خلفه -يعني: أسفل منه-» (١).
وعن همام أنَّ حذيفة أمَّ الناس بالمدائن على دكان (٢)، فأخذَ أبو مسعود بقميصه فجبَذه، فلمّا فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنّهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى، قد ذكرت حين مدَدْتني (٣) (٤) فإِذا كان للإِمام مصلحة من ارتفاعه على المأموم؛ لتعليمٍ ونحوه فجائز كما في حديث أبي حازم بن دينار: «أنَّ رجالًا أتوا سهل بن سعد الساعديّ، وقد امتروا (٥) في المنبر مِمَّ

------------------------
(١) أخرجه الدارقطني وسكت عنه الحافظ في»التلخيص«وقال شيخنا في»تمام المنّة«: وإسناده حسن.
(٢) في رواية لأبي داود»صحيح سنن أبي داود«(٥٥٨):»والناس أسفل منه«.
(٣) أي: اتبعتك حين أخذْت على يدي وجذَبتني.
(٤) أخرجه الشافعي في»الأم«وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٥٥٧) والحاكم وغيرهم، وانظر»الإِرواء«(٢/ ٣٣١).
(٥) قال الحافظ (٢/ ٣٩٧):»امتروا: من المماراة وهي المجادلة، وقال الكرماني: من الامتراء وهو الشك، ويؤيد الأوّل قوله في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عند مسلم: «أن تماروا، فإِنّ معناه تجادلوا، قال الراغب: الامتراء والمماراة: المجادلة، ومنه ﴿فلا تُمارِ فيهم إلاَّ مراءً ظاهرًا﴾، وقال أيضًا: المِرية: التردد في الشيء ...».



عُودُه؟ فسألوه عن ذلك فقال: والله إِنّي لأعرف ممّا هو، ولقد رأيته أوّل يوم وُضِعَ، وأوّل يوم جلس عليه رسول الله - ﷺ -: أرسل رسول الله - ﷺ - إِلى فُلانة -امرأة قد سمّاها سهل- مُرِي غُلامك النّجار أن يعمل لي أعوادًا أجلس عليهنّ إِذا كلّمتُ الناس، فأَمَرَتْه فعمِلها طرْفاء (١) الغابة، ثمَّ جاء بها فأرسلت إِلى رسول الله - ﷺ - فأمر بها فوضعت ها هنا. ثمَّ رأيت رسول الله - ﷺ - صلّى عليها، وكبّر وهو عليها، ثمَّ ركع وهو عليها، ثمَّ نزل القهقرى فسجد في أصل المنبر ثمَّ عاد، فلمّا فرغ أقبل على الناس فقال: أيها الناس، إنّما صنعتُ هذا لتأتموا، ولتعلموا صلاتي» (٢).
وينبغي على المأموم ألأَ يصلّي على ظهر المسجد أو خارجه مقتديًا بالإِمام إلاَّ مِن عُذر؛ كامتلاء المسجد.
قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (٢٨٢) ردًا على من يطلق الجواز مستدلًا ببعض الآثار: «يقابل هذه الآثار آثار أخرى عن عمر والشعبي وإبراهيم، عند ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣)، وعبد الرزاق (٣/ ٨١ - ٨٢): أنَّه ليس له ذلك إِذا كان بينه وبين الإمام طريق ونحوه. ولعلّ ما في الآثار الأولى محمول على العذر، كامتلاء المسجد كما قال هشام بن عروة:»جئت أنا وأبي مرة، فوجدنا المسجد قد امتلأ، فصلّينا بصلاة الإِمام في دارٍ عند المسجد بينهما طريق". رواه عبد الرزاق (٣/ ٨٢) بسند صحيح عنه.
وليس بخافٍ على الفقيه أنّ إِطلاق القول بالجواز ينافي الأحاديث الآمرة بوصل الصفوف وسدّ الفرج، فلا بد من التزامها والعمل بها إلاَّ لعذر، ولهذا

---------------------
(١) أي: من شجرها. قاله الكرماني.
(٢) أخرجه البخاري: ٩١٧، ومسلم: ٥٤٤



قال شيخ الإِسلام في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤١٠): «ولا يصفّ في الطرقات والحوانيت مع خلوّ المسجد، ومن فَعل ذلك استحق التأديب، ولمن جاء بعده تخطّيه، ويدخل لتكميل الصفوف المتقدمة؛ فإِن هذا لا حرمة له.
قال: فإِن امتلأ المسجد بالصفوف صفّوا خارج المسجد، فإِذا اتصلت الصفوف حينئذ في الطرقات والأسواق صحّت صلاتهم. وأمّا إِذا صفّوا وبينهم وبين الصف الآخر طريق يمشي الناس فيه؛ لم تصحّ صلاتهم في أظهر قولي العلماء. وكذلك إِذا كان بينهم وبين الصفوف حائط، بحيث لا يرون الصفوف، ولكن يسمعون التكبير من غير حاجة، فإِنّه لا تصحّ صلاتهم في الأظهر، وكذلك من صلّى في حانوته والطريق خال لم تصحّ صلاته، وليس له أن يقعد في الحانوت وينتظر اتصال الصفوف به، بل عليه أن يذهب إِلى المسجد، فيسد الأوّل فالأول فالأول»«.

اقتداء المأموم بالإِمام مع الحائل لعُذر:
قال الإِمام البخاري في (كتاب الأذان) (باب إِذا كان بين الإِمام وبين القوم حائط أو سترة): وقال الحسَن: لا بأس أن تصلّي وبينك وبينه نهر (١).
وقال أبو مِجلَز:»يأتمّ بالإِمام، وإنْ كان بينهما طريق أو جدار إِذا سمع تكبير الإِمام«(٢).
ويُحمل ذلك كله على وجود العذر لوجوب تسوية الصفوف وتراصّها

------------------------
(١) قال الحافظ: لم أره موصولًا.
(٢) وصله ابن أبي شيبة وعبد الزراق بإِسنادين عنه - انظر»الفتح«(٢/ ٢١٤)، و»مختصر البخاري": (١/ ١٨٤).



-والله تعالى أعلم-.

حُكم الائتمام بمن ترك شرطًا أو رُكنًا:
إِذا ترَك الإِمام شرطًا أو رُكنًا بطَلت صلاته وصلاة من ائتمّ به، أمّا إِذا لم يعلم المأمومون ذلك، فإِنَّ صلاتهم صحيحة، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «يصلّون لكم (١)، فإِنْ أصابوا فلكم (٢)، وإِن أخطأوا (٣) فلكم وعليهم (٤)» (٥).

--------------------
(١) أي: الأئمّة.
(٢) أي: لكم ثواب صلاتكم.
(٣) وإن أخطأوا: أي: ارتكبوا الخطيئة، ولم يُرِد به الخطأ المقابل للعمد لأنّه لا إِثم فيه. «الفتح».
(٤) قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ١٨٨) بحذف: «قال المهلب: فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إِذا خيف منه. ووجَّه غيره قوله إِذا خيف منه، بأن الفاجر إِنّما يؤمّ إِذا كان صاحب شوكة. وقال البغوي في»شرح السنّة«: فيه دليل على أنه إِذا صلى بقوم مُحدِثًا أنّه تصح صلاة المأمومين وعليه الإِعادة. واستدل به غيره على أعمّ من ذلك وهو صحة الاَئتمام بمن يخلّ بشيء من الصلاة، ركنًا كان أو غيره إِذا أتمّ المأموم، وهو وجه عند الشافعية بشرط أن يكون الإِمام هو الخليفة أو نائبه، والأصح عندهم صحة الاقتداء إلاَّ بمن علم أنّه ترك واجبًا، ومنهم من استدلّ به على الجواز مطلقًا بناء على أنّ المراد بالخطأ ما يقابل العمل، قال: ومحل الخلاف في الأمور الاجتهادية كمن يصلّي خلف من لا يرى قراءة البسملة، ولا أنّها من أركان القراءة، ولا أنها آية من الفاتحة، بل يرى أنّ الفاتحة تجزئ بدونها قال: فإن صلاة المأموم تصح إِذا قرأ هو البسملة لأن غاية حال الإِمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ. وقد دل الحديث على أنَّ خطأ الإِمام لا يؤثّر في صحة صلاة المأموم إِذا أصاب».
(٥) أخرجه البخاري: ٦٩٤



وعن عمر أنّه صلى بالنّاس الصبح ثمّ خرج إِلى الجُرُف، فأهراق الماء، فوجد في ثوبه احتلامًا، فأعاد الصلاة، ولم يُعدِ الناس».
قال شيخنا في «الإِرواء» (٥٣٣): وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعلي.

الاستخلاف:
للإمام أن يستخلف غيره ليستكمل المأمومون الصلاة، إِذا عَرض له عُذر أو طرأ له طارئ، لمرض مفاجئ ألمَّ به ونحوه.
ففي «صحيح البخاري» (٣٧٠٠): في قصة مقتل عمر -رضي الله عنه- قال: عمرو بن ميمون بعد أن طُعن -رضي الله عنه-: «... وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف فقدّمه فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى وأمّا نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر وهم يقولون سبحان الله سبحان الله، فصلّى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة».
وإذا لم يخشَ الإِمام الفتنة وذكر أنه على غير وضوء، أو على جنابة، والمتوضّأ قريب؛ فإِنه يشير للمأمومين أن مكانكم، ثمَّ يتوضّأ ويأمهم.
فعن أبي بكرة -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله - ﷺ - دخَل في صلاة الفجر، فأومأ بيده أنْ مكانكم، ثمَّ جاء ورأسه يقطر، فصلى بهم» (١).
وفي رواية: قال في أوّله: فكبّر، وقال في آخره: فلما قضى الصلاة، قال: «إِنّما أنا بشر، وإني كنتُ جنبًا».

----------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢١٣).


وهذا بعد أن كبّر وقد ورد في الصحيحين. حالة أخرى غير هذه (١)، وهي تذكُّرُه - ﷺ - أنه على جنابة قبل أن يكبّر.
فعن أبي هريرة «أن رسول الله - ﷺ - خرج وقد أقيمت الصلاة وعدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مُصلاه انتظرنا أن يكبّر، انصرف قال: على مكانكم، فمكثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطُف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل» (٣).
أمّا إِذا وجد الإِمام في ثوبه احتلامًا بعد الانتهاء من الصلاة أو تذكّر أنّه على غير وضوء، فعليه أن يعيد وليس على الناس إِعادة، فقد رُوي عن عمر أنه صلّى بالناس الصبح ثمَّ خرج إِلى الجُرُف فأهراق الماء، فوجَد في ثوبه احتلامًا، فأعاد الصلاة ولم يُعدِ الناس، وروى الأثرم نحو هذا عن عثمان وعليّ (٤).

موقف الإِمام والمأموم:
أين يقف المأموم الواحد من الإِمام؟
يقف عن يمين الإِمام لحديث ابن عبّاس -رضي الله عنهما- قال:
صلّيتُ مع النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة، فقُمت عن يساره، فأخَذَ رسول الله - ﷺ -

------------------------
(١) انظر «مختصر البخاري» (ص ٧٨) رقم (١٥٨).
(٢) أي: يقطر.
(٣) أخرجه البخاري: ٦٣٩، ومسلم: ٦٠٥
(٤) انظر «الإِرواء» (٥٣٣)، و«الأوسط» (٤/ ٢١٣)، وفي «مصنف عبد الرزاق» (٢/ ٣٤٨). عدد من الآثار في هذا.



برأسي من ورائي، فجعلني عن يمينه» (١).
وفي المسند من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أتيتُ رسول الله - ﷺ - من آخر الليل فصلّيتُ خلفه، فأخَذ بيدي فجرّني فجعلني حذاءه«(٢).
»ووقف رجل وراء عمر، فقرَّبه حتى جعلَه حذاءه عن يمينه«(٣).
قال شيخنا في»الصحيحة«تحت رقم (٦٠٦):»وفي الحديث من الفقه أنَّ الرجل الواحد إِذا اقتدى بالإِمام وقَف حذاءه عن يمينه، لا يتقدّم عنه ولا يتأخر، وهو مذهب الحنابلة كما في «منار السبيل» (١/ ١٢٨)، وإليه جنح البخاري؛ فقال في «صحيحه»: «باب يقوم عن يمين الإِمام بحذائه سواءً إِذا كانا اثنين».
وذكَر الحافظ في «الفتح» أثرًا من طريق ابن جريج قال: «قلت لعطاء: الرجل يُصلّي مع الرجل، أين يكون منه؟ قال: إِلى شقّه الأيمن. قلت: أيحاذي به حتى يصفّ معه، لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم، قلت: أتحبّ أن يساويه، حتى لا تكون بينهما فُرجة؛ قال: نعم».

أين تقف المرأة من الإِمام؟
تقف خلف الرجال وفيه أحاديث صحيحة من ذلك؛ حديث أبي هريرة

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧٢٦، ومسلم: ٧٦٣، بلفظ: «فأخَذَ بيدي فأدارني عن يمينه».
(٢) إِسناده صحيح على شرط الشيخين عن «الصحيحة» (٦٠٦).
(٣) أخرجه مالك وانظر «الصحيحة» (٦٠٦).



-رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «خير صفوف الرّجال أوّلها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرُّها أوّلها» (١).
والمراد بالحديث: صفوف النساء اللواتي يصليّن مع الرجال، أمّا إِذا صلّين متميّزات، لا مع الرجال، فهنّ كالرجال، خير صفوفهن أولها وشرّها آخرها، قاله النووي -رحمه الله-.
فائدة: لا بأس من وقوف الصبيان مع الرجال إِذا كان في الصفّ متسع، وصلاة اليتيم مع أنس وراءه - ﷺ - حُجَّة في ذلك. قاله شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ٢٨٤).

من ركع دون الصف:
إِذا كبّر المأموم خلف الصف، ثمَّ دخله وأدرك فيه الركوع مع الإِمام، فقد أدرك تلك الركعة وصحَّت صلاته لحديث أبي بكرة -رضي الله عنه-: «أنَّه انتهى إِلى النّبيّ - ﷺ - وهو راكع فرَكع قبل أن يصل إِلى الصف، فذكر ذلك للنّبيّ - ﷺ - فقال: زادك الله حرصًا ولا تعُد (٢)» (٣).
والذي يبدو أنَّ النهي عن إِسراعه في المشي؛ كما في رواية لأحمد (٥/ ٤٢) من طريق أخرى عن أبي بكرة أنّه جاء والنّبيّ - ﷺ - راكع، فسمع النّبيّ - ﷺ - صوت نعل أبي بكرة وهو يحضر (أي: يعدو) يريد أن يدرك

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٤٣٩، وتقدّم.
(٢) ولا تعُد: قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٦٨): «ضبطناه في جميع الروايات بفتح أوّله وضم العين من العَود».
(٣) أخرجه البخاري: ٧٨٣، وانظر «صحيح سنن أبي داود» (٦٣٤، ٦٣٥).



الركعة، فلما انصرف النّبيّ - ﷺ -؛ قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا. قال: «زادك الله حِرصًا ولا تعُدْ»، وإِسناده حسن في المتابعات، وقد رواه ابن السكن في «صحيحه» نحوه، وفيه قوله: «انطلقتُ أسعى ...»، وأنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من الساعي ...»، ويشهد لهذه الرواية رواية الطحاوي من الطريق الأولى بلفظ: «جئت ورسول الله - ﷺ - راكع، وقد حفزني النفس، فركعت دون الصف ...» الحديث وإِسناده صحيح، فإِنّ قوله: «حفَزَني النفَس، معناه: اشتدّ من الحفز وهو الحثّ والإِعجال وذلك كنايةً عن العدو. انظر»الصحيحة«تحت الحديث (٢٣٠).
وقال شيخنا في الاستدراكات:»ثمَّ وجدتُ ما يؤيدُ هذه الترجمة من قول راوي الحديث نفسه؛ أبي بكرة الثقفيّ -رضي الله عنه- كما يؤكّد أنَّ النّهي فيه: «لا تعُدْ» لا يعني الركوع دون الصفّ، والمشي إليه، ولا يشملُ الاعتداد بالركعةِ؛ فقد روى علي بن حجر في «حديثه» (١/ ١٧/‏١): حدّثنا إِسماعيل بن جعفر المدني: حدّثنا حميد، عن القاسم بن ربيعة، عن أبي بكرة -رجل كانت له صحبة- أنَّه كان يخرج من بيته فيجد الناس قد ركعوا، فيركع معهم، ثمَّ يدرج راكعًا حتّى يدخل في الصفّ، ثمَّ يعتدُّ بها.
قلت: وهذا إِسنادٌ صحيح، ورجاله كلُهم ثقات، وفيه حجّةٌ قويّة أنَّ المقصود بالنهي إِنّما هو الإِسراع في المشي، لأنَّ راوي الحديث أدرى بمرويّه من غيره، ولا سيّما إِذا كان هو المخاطب بالنهي، فخُذها؛ فإِنّها عزيزةٌ، قد لا تجدها في المطوّلات من كتب الحديث والتخريج، وبالله التوفيق".



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 12-01-2026, 05:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 241الى صــ 255
الحلقة (46)





عن عطاء أنَّه سمع ابن الزبير على المنبر يقول: «إِذا دَخَل أحدكم المسجد والناسُ ركوع، فليركع حين يدخل، ثمَّ يدبّ راكعًا حتى يدخل في الصف، فإِنَّ ذلك السُّنّة» (١).
قال شيخنا: وممّا يشهد لصحّته عمل الصحابة به من بعد النّبيّ - ﷺ -، منهم أبو بكر الصدّيق وزيد بن ثابت وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير.
ثمَّ ذكر بعض الآثار في ذلك:
١ - منها ما رواه أبو أمامة بن سهل بن حُنيف؛ أنّه رأى زيد بن ثابت دخل المسجد والإِمام راكع، فمشى حتّى أمكنه أن يصل الصف وهو راكع، كبّر فركع، ثمَّ دبّ وهو راكع حتى وصَل الصف. رواه البيهقي، وسنده صحيح.
٢ - وما رواه زيد بن وهب قال: «خرجتُ مع عبد الله -يعني: ابن مسعود- من داره إِلى المسجد، فلمّا توسَّطنا المسجد، ركع الإِمام، فكبّر عبد الله وركع وركعت معه، ثمَّ مشينا راكعين حتى انتهينا إِلى الصف حين رفع القوم رؤوسهم، فلمّا قضى الإِمام الصلاة؛ قمتُ وأنا أرى أنّي لم أُدرِك، فأخذ عبد الله بيدي وأجلسني، ثمَّ قال: إِنك قد أدركْت» (٢).
٣ - ومنها ما رواه عثمان بن الأسود قال: «دخلتُ أنا وعبد الله بن تميم المسجد، فركع الإِمام، فركعتُ أنا وهو، ومَشينا راكعين حتى دخلْنا الصفّ،

-----------------------
(١) أخرجه عبد الرزاق في»مصنفه«والطبراني في»الأوسط«وغيرهما، وانظر»الصحيحة«(٢٢٩).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في»المصنّف«، وكذا عبد الرزاق، والطحاوي في»شرح المعاني«، والطبراني في»المعجم الكبير«، والبيهقي في»سننه" بسند صحيح، وله عند الطبراني طرق أخرى.


فلمّا قضينا الصلاة؟ قال لي عمرو: الذي صنعتَ آنفًا ممّن سمعتَه؟ قلتُ: من مجاهد. قال: قد رأيتُ ابن الزّبير فعَله. أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، وسنده صحيح».
والخلاصة أنَّ ركوع المأموم قبل رفْع الإِمام رأسه ثمَّ دخوله في الصف من السنّة لعمل كبار الصحابة وخطبة ابن الزبير بحديثه على المنبر في أكبر جمْع يخطب عليهم في المسجد الحرام، وإعلانه أنَّ ذلك من السنّة؛ دون أن يعارضه أحد (١)، وأنَّ النهي في الحديث السابق إِنّما يتضمّن الإِسراع، وبه يقول الإِمام أحمد -رحمه الله- فقد قال أبو داود في «مسائله» (ص ٣٥): «سمعت أحمد سئل عن رجل ركع دون الصف، ثمَّ مشى حتى دخل الصف، وقد رفع الإِمام قبل أن ينتهي إِلى الصف؟ قال: تجزئه ركعة، وإنْ صلّى خلف الصف وحده أعاد الصلاة» (٢).
وبه يقول ابن خزيمة فقد قال في «صحيحه»: (باب الرخصة في ركوع المأموم قبل اتصاله بالصف، ودبيبه راكعًا حتى يتصل بالصفّ في ركوعه). والله تعالى أعلم.

صلاة المنفرد خلف الصف:
وما تقدّم من دبيب المأموم راكعًا، ثمَّ دخوله في الصف؛ أمرٌ غير صلاة المنفرد خلف الصف، فقد نهى النّبيّ - ﷺ - أن يصلّي الرجل خلف الصفّ وحده.

------------------------
(١) انظر «الصحيحة» (١/ ٤٥٩) -إِن شئت للمزيد من التفصيل-.
(٢) عن «تمام المنّة» (ص ٢٨٥).



فعن وابصة» أنَّ رسول الله - ﷺ - رأى رجلًا يصلّي خلف الصفّ وحده، فأمَره أن يعيد الصلاة«(١).
وعن علي بن شيبان -وكان من الوفد- قال:»خرجنا حتى قدمنا على النّبيّ - ﷺ -، فبايعناه. وصلّينا خلفه. ثمَّ صلينا وراءه صلاة أخرى، فقضى الصلاة، فرأى رجلًا فردًا يصلّي خلف الصف، قال: فوقف عليه نبيّ الله - ﷺ - حين انصرف قال: «اسْتَقْبِلْ صلاتك؛ لا صلاة للذي خلف الصفّ»«(٢).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في»الإِرواء«(٢/ ٣٢٩):»وجملة القول أن أمْره - ﷺ - الرجل بإِعادة الصلاة، وأنَه لا صلاة لمن يصلّي خلف الصف وحده، صحيح ثابت عنه - ﷺ - من طُرُق.
وأمّا أمْره - ﷺ - الرجل بأن يجرّ رجلًا من الصف لينضمّ إِليه؛ فلا يصحّ عنه - ﷺ - ...«.
وقال شيخنا -حفظه الله-:»إِذا لم يستطع الرجل أن ينضمّ إِلى الصفّ، فصلّى وحده، فهل تصحّ صلاته، الأرجح الصحة، والأمر بالإِعادة محمول على من لم يستطع القيام بواجب الانضمام.
وبهذا قال شيخ الإِسلام ابن تيمية كما بيّنته في «الأحاديث الضعيفة» المائة العاشرة«.

---------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٦٣٣) والترمذي والطحاوي وغيرهم، وانظر»الإرواء«(٥٤١).
(٢) أخرجه أحمد وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٨٢٢) والطحاوى وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم، وانظر»الإِرواء" تحت الحديث (٥٤١).



تسوية الصفوف (١):
أمَر النّبيّ - ﷺ - بتسوية الصفوف في عديد من الأحاديث منها:
١ - حديث جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «خرَج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربها؟ فقلنا: يا رسول الله وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: يُتمّون الصفوف الأُوَل، ويتراصّون في الصف» (٢).
٢ - عن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «استووا ولا تختلفوا؛ فتختلفَ قلوبكم» (٣).
٣ - عن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما- قال: «لتسوّن صفوفكم أو ليخالفنّ الله بين قلوبكم» (٤).
٤ - عن أنس -رضي الله عنه- قال: «أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله - ﷺ - بوجهه، فقال: أقيموا صفوفكم وتراصّوا، فإِنّي أراكم من وراء ظهري» (٥).
٥ - عن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «سوُّوا

--------------------
(١) انظر للمزيد كتابي»تسوية الصفوف وأثرها في حياة الأمّة".
(٢) أخرجه مسلم: ٤٣٠
(٣) أخرجه مسلم: ٤٣٢
(٤) أخرجه البخاري: ٧١٧، ومسلم: ٤٣٦
(٥) أخرجه البخاري: ٧١٩



صفوفكم، فإِنّ تسوية الصفِّ من تمام الصلاة» (١).
وفي رواية لأنس أيضًا -رضي الله عنه- قال: «سوُّوا صفوفكم، فإِن تسوية الصفوف من إِقامة الصلاة» (٢).
وفي رواية: «فإِنّ إِقامة الصفِّ من حُسن الصلاة» (٣).

الترغيب في وصل الصفوف والتخويف من قطعها:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أقيموا الصفوف، فإِنّما تصفّون بصفوف الملائكة، وحاذوا بين المناكب، وسدّوا الخلل، ولينوا بأيدي إِخوانكم (٤)، ولا تذروا فُرجات للشيطان ومن وصل صفًا؛ وصَله الله، ومن قطع صفًا؟ قطَعه الله عز وجل» (٥).
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من سدّ فرجة؛ رفعه الله بها درجة، وبنى له بيتًا في الجنّة» (٦).

--------------------
(١) أخرجه مسلم: ٤٣٣
(٢) أخرجه البخاري: ٧٢٣
(٣) أخرجه البخاري: ٧٢٢، ومسلم: ٤٣٥
(٤) قال أبو داود تحت الحديث (٦٦٦): «ومعنى ولينوا بأيدي إِخوانكم»: إِذا جاء رجل إِلى الصفّ فذهب يدخل فيه فينبغي أن يلين له كلّ رجل منكبه حتى يدخل في الصف«.
(٥) أخرجه أحمد، وأبو داود والنسائي وغيرهم وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة«(٧٤٣)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٤٩٢).
(٦) أخرجه أبو داود، وهو في»صحيح الترغيب والترهيب" (٥٠٢).



وفي الحديث: «خِياركم ألينكم مناكب في الصلاة، وما من خطوة أعظم أجرًا؛ مِن خطوة مشاها رجل إِلى فرجة في الصف فسدّها» (١).

كيف نسوِّي صفوفنا؟
يبيّن لنا أنس -رضي الله عنه- كيف كانت تسوية الصفوف في عهد النّبيّ - ﷺ - فيقول: «وكان أحدنا يلزق مَنكِبه بمَنكِب صاحبه، وقدمه بقدمه» (٢).
وفي قول للنعمان بن بشير -رضي الله عنه-: «فرأيت الرجل يلصق منكبه بمنكب صاحبه، وركبته بركبة صاحبه، وكعبه بكعبه» (٣).
ولا بد أن نحاذي بين المناكب والأعناق لقوله - ﷺ -: «وحاذوا بالأعناق» (٤).
وقوله عليه السلام: «وحاذوا بين المناكب» (٥). يُفهم مما سبق؛ أن

----------------------
(١) أخرجه البزار بإِسناد حسن، وابن حبان في «صحيحه» كلاهما بالشطر الأول، ورواه بتمامه الطبراني في «الأوسط» قاله المنذري في «الترغيب والترهيب»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٠١)، و«الصحيحة» (٢٥٣٣).
(٢) أخرجه البخاري: نحوه (٧٢٥).
(٣) أخرجه أبو داود وابن حبان وأحمد وقال شيخنا: وسنده صحيح، وانظر تفصيله في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٢).
(٤) جزء من حديث رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٩١).
(٥) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٩٢).



تسوية الصفوف وتراصها تعني:
١ - لصق مَنكِب المصلي بمَنكِب صاحبه، وقدمه بقدمه، وركبته بركبته، وكعبه بكعبه.
٢ - مراعاة المحاذاة بين المناكب والأعناق والصدور، بحيث لا يتقدم عنق على عنق، ولا مَنكِب على مَنكِب، ولا صدر على صدر، وقد قال - ﷺ -: «لا تختلف صدوركم، فتختلف قلوبكم» (١).

التوكيل في تسوية الصفوف:
وجاء في «الموطأ» (١/ ١٥٨): حدّثني مالك عن عمّه أبي سهيل بن مالك، عن أبيه أنّه قال: كنت مع عثمان بن عفان -رضي الله عنه- فقامت الصلاة، وأنا أكلّمه في أن يفرض لي، فلم أزل أكلّمه، وهو يسوّي الحصباء بنعله، حتى جاءه رجال، قد كان وكَّلَهم بتسوية الصفوف، فأخبروه أنَّ الصفوف قد استوت، فقال لي: استو في الصف، ثمَّ كبّر (٢).

الترغيب في الصف الأول وميامن الصفوف والترهيب من تأخُّر الرجال إِلى أواخر صفوفهم:
عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله - ﷺ -: خير صفوف الرجال أوّلها، وشرّها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرّها أوّلها» (٣).

---------------------
(١) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥١٠).
(٢) وهو صحيح كما أخبَرني بذلك شيخنا الألباني -حفظه الله-.
(٣) أخرجه مسلم: ٤٤٠، وتقدّم.



عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول؛ ثمّ لم يجدوا إلاَّ أن يستَهِموا (١) عليه لاستَهموا ...» (٢).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يزال قوم يتأخّرون عن الصف الأول حتى يؤخّرهم الله في النار» (٣).
وفي رواية (٤): حتى يخلفهم الله في النار.
وعن البراء بن عازب قال: «كان رسول الله - ﷺ - يقول: إِنَّ الله وملائكته يصلّون على الصفوف الأُوَل» (٥).
وعنه -رضي الله عنه- قال: «كُنّا إِذا صلّينا خلف رسول الله - ﷺ - أحبَبنا أن نكون عن يمينه» (٦).

التبليغ خلف الإِمام:
يحسن التبليغ خلف الإِمام إِذا دعت الحاجة إِليه، وقد يجب إِذا تعذّر متابعة الإِمام في ركوعه وسجوده، لضعف الصوت؛ إِذ ما لا يتمّ الواجب إلاَّ به

-----------------
(١) يستهموا: أي: يقترعوا.
(٢) أخرجه البخاري: ٦١٥، ومسلم: ٤٣٧
(٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٠٧).
(٤) لابن خزيمة وابن حبان، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٠٧).
(٥) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦١٨) وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥١٠).
(٦) أخرجه مسلم: ٧٠٩



فهو واجب.

متى يقوم الناس للإِمام؟
إِذا كان الإِمام مع المصلين في المسجد قاموا إِذا قام، وإن كانوا ينتظرون خروجه ومجيئه قاموا إِذا رأوه ولا يقوموا حتى يروه لحديث أبي قتادة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني قد خرجت» (١).

هل يشرع تكرار الجماعة في المسجد الواحد؟
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحطبُّ، ثمَّ آمرُ بالصلاة فيؤذن لها، ثمَّ آمرُ رجلًا فيؤم النّاس، ثمَّ أخالف إِلى رجال فأحرِّق عليهم بيوتهم» (٢).
ولو جاز تداركُها في جماعة أخرى؛ لما كان لتحريق النّبيّ - ﷺ - معنى.
وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- «أنّ رسول الله أقبَل من نواحي المدينة يريد الصلاة، فوجَد الناس قد صلَّوا، فمال إِلى منزله، فجمع أهله فصلّى بهم» (٣).
* ووجه الدلالة منه: أنّه لو كانت الجماعة الثانية جائزة بلا كراهه؛ لما

-------------------
(١) أخرجه البخاري: ٦٣٧، ومسلم: ٦٠٤، وانظر ما جاء في «الأوسط» (٤/ ١٦٨).
(٢) أخرجه البخاري: ٦٤٤، ومسلم: ٦٥١
(٣) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وحسنّه شيخنا في «تمام المنّة» (ص ١٥٥).



ترَك النّبيّ - ﷺ - فضل المسجد النبوي * (١).
قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ١٥٦): «وأحسن ما وقفْتُ عليه من كلام الأئمّة في هذه المسألة هو كلام الإِمام الشافعي -رضي الله عنه- ولا بأس مِن نقْله مع شيء من الاختصار، ولو طال به التعليق، نظرًا لأهميته، وغفلة أكثر الناس عنه، قال -رضي الله عنه- في»الأم«(١/ ١٣٦):»وإِنْ كان لرجلٍ مسجد يجمع فيه، ففاتته الصلاة، فإِنْ أتى مسجد جماعة غيره كان أحبّ إِليّ، وإِنْ لم يأته وصلّى في مسجده منفردًا، فحسن، وإذا كان للمسجد إِمامٌ راتب، ففاتت رجلًا أو رجالًا فيه الصلاة، صلّوا فرادى، ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإِن فعلوا أجزأتهم الجماعة فيه، وإِنما كرهت ذلك لهم لأنّه ليس مما فعل السلف قبلنا، بل قد عابه بعضهم، وأحسب كراهية من كره ذلك منهم إِنما كان لتفرقة الكلمة، وأن يرغب رجل عن الصلاة خلف إِمام الجماعة، فيتخلّف هو ومن أراد عن المسجد في وقت الصلاة، فإِذا قُضيت دخلوا فجمّعوا، فيكون بهذا اختلاف وتفرُّق الكلمة، وفيهما المكروه، وإِنما أكره هذا في كلّ مسجد له إِمام ومؤذن، فأمّا مسجد بُني على ظهر الطريق أو ناحية لا يؤذن فيه مؤذّن راتب، ولا يكون له إِمام راتب ويصلّي فيه المارّة، ويستظلّون، فلا أكره ذلك، لأنّه ليس فيه المعنى الذي وصفتُ مِن تفرُّق الكلمة، وأن يرغب رجالٌ عن إِمامة رجل فيتخذون إِمامًا غيره، قال: وإنّما معني أن أقول: صلاة الرجل لا

-----------------------
(١) ما بين نجمتين أفدته من «إِعلام العابد بحكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد» للشيخ مشهور حسن -حفظه الله تعالى-.


تجوز وحده وهو يقدر على الجماعة بحال تفضيل النّبيّ - ﷺ - صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ولم يقل: لا تجزي المنفرد صلاته، وأنَّا قد حفظنا أن قد فاتت رجالًا معه الصلاة، فصلّوا بعلمه منفردين، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا، وأن قد فاتت الصلاة في الجماعة قومًا فجاؤوا المسجد فصلّى كل واحد منفردًا، وقد كانوا قادرين على أن يجمعوا في المسجد، فصلّى كل واحد منهم منفردًا، وإِنما كرهوا لئلا يجمعوا في مسجد مرتين».
وما علقه الشافعي عن الصحابة قد جاء موصولًا عن الحسن البصري قال: «كان أصحاب محمّد - ﷺ - إِذا دخلوا المسجد وقد صُلِّي فيه صلَّوا فرادى».
رواه ابن أبي شيبة (٢/ ٢٢٣). وقال أبو حنيفة: «لا يجوز إِعادة الجماعة في مسجد له إِمام راتب». ونحوه في «المدوّنة» عن الإِمام مالك.
وبالجملة؛ فالجمهور على كراهة إِعادة الجماعة في المسجد بالشرط السابق، وهو الحقّ، ولا يعارض هذا الحديث المشهور: «ألا رجل يتصدق على هذا فيصلّي معه»، وسيأتي في الكتاب (ص ٢٧٧)، فإِنّ غاية ما فيه حضُّ الرسول - ﷺ - أحد الذين كانوا صلّوا معه - ﷺ - في الجماعة الأولى أن يصلّي وراءه تطوعًا، فهي صلاة متنفِّل وراء مفترض، وبحْثُنا إِنما هو في صلاة مفترض وراء المفترض، فاتتهم الجماعة الأولى، ولا يجوز قياس هذه على تلك لأنه قياس مع الفارق من وجوه:
الأول: أن الصورة الأولى المختلف فيها لم تنقل عنه - ﷺ - لا إِذنًا ولا تقريرًا مع وجود المقتضى في عهده - ﷺ -، كما أفادته رواية الحسن البصري.


الثاني: أن هذه الصورة تؤدي إِلى تفريق الجماعة الأولى المشروعة، لأن الناس إِذا علموا أنهم تفوتهم الجماعة يستعجلون فتكثر الجماعة، وإذا علموا أنها لا تفوتهم، يتأخّرون، فتقلّ الجماعة، وتقليل الجماعة مكروه، وليس شيء من هذا المحذور في الصورة التي أقرّها رسول الله - ﷺ -، فثبت الفرق، فلا يجوز الاستدلال بالحديث على خلاف المتقرر من هديه - ﷺ -». انتهى.
وقد فصّل أخي الشيخ مشهور حسن -حفظه الله- المسألة تفصيلًا دقيقًا في كتابه النفيس السابق الذّكر فارجع إِليه- إن شئت-.


المساجد
إِنّ ممّا اختصّ الله تعالى به أمّة محمّد - ﷺ - أن جعلَ لها الأرض مسجدًا وطَهورًا.
عن أبي ذر قال:»قلت يا رسول الله! أيّ مسجدٍ وُضِع في الأرض أوّل؟ قال: «المسجد الحرام، قلت: ثمَّ أي؟ قال: المسجد الأقصى، قلت: كم بينهما؟ قال: أربعون سنةً، وأينما أدركتكَ الصلاة فَصَلِّ فهو مسجد» (١).

فضل بنائها:
عن عثمان -رضي الله عنه-: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من بنى مسجدًا لله تعالى بنى الله له بيتًا في الجنّة» (٢).
وعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من بنى لله مسجدًا قدر مفحص قطاة؛ بنى الله له بيتًا في الجنّة» (٣).
عن أنس -رضي الله عنه- قال: «من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا؛ بنى الله له بيتًا في الجنّة» (٤).

-----------------
(١) أخرجه البخاري: ٣٣٦٦، ومسلم: ٥٢٠
(٢) أخرجه البخاري: ٤٥٠، ومسلم: ٥٣٣
(٣) أخرجه البزار واللفظ له، والطبراني في «الصغير» وابن حبان في «صحيحه» وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٦٣). والمفحص الموضع الذي تبيض فيه القطاة، وهي نوع من اليمام يُؤثِر الحياة في الصحراء.
(٤) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٦٣)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٦٧).



فضل الصلاة في المسجد الأكثر عددًا:
عن أُبيّ بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِن صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وما كثُر؛ فهو أحبّ إِلى الله تعالى» (١).
وعن قباث بن أشيم الليثي عن النّبيّ - ﷺ - قال: «صلاة رجلين يؤمُّ أحدهما صاحبه؛ أزكى عند الله من صلاة ثمانية تترى (٢)، وصلاة أربعة يؤمّهم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى» (٣).

ما يقول الرجل إذا خرج من بيته إِلى المسجد:
عن أنس بن مالك أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكّلتُ على الله، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، قال: يُقال حينئذ: هُديت وكُفيت ووقيت، فتتنحّى له الشياطين، فيقول شيطان آخر: كيف لك برجل قد هُدي وكُفي ووُقي؟» (٤).
وعن أمّ سلمة -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا خرجَ من بيته
قال: «اللهمّ إِنّي أعوذ بك أن أضِلَّ أو أُضَلَّ أو أزِلَّ أو أُزلَّ أو أظلِمَ أو أُظلَمَ أو أجهَلَ أو يُجهَلَ عليّ» (٥).

-----------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٥١٨) وانظر «المشكاة» (١٠٦٦).
(٢) تترى: متفرّقين.
(٣) أخرجه البخاري في «التاريخ» والبزار وغيرهما وانظر «الصحيحة» (١٩١٢).
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٢٤٩)، وانظر «المشكاة» (٢٤٤٣).
(٥) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح =



وفي حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- مرفرعًا: «... فأذّنَ المؤذّن فخرج إِلى الصلاة، وهو يقول: اللهمّ اجعل في قلبي نورًا، وفي لساني نورًا، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من خلفي نورًا، ومن أمامي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، ومن تحتي نورًا، اللهمّ أعطني نورًا» (١).
والظاهر أنّه كان يقول هذا الدعاء حين الذَّهاب إِلى صلاة الفجر، كما يدّل عليه تمام سياق الحديث.

دخول المسجد بالرِّجل اليمنى والخروج باليسرى:
عن أنس أنّه كان يقول: «من السُّنّة إِذا دخَلْت المسجد أن تبدأ رجلك اليمنى، وإذا خرَجْت أن تبدأ برجلك اليسرى» (٢).

أذكار دخول المسجد والخروج منه:
عن أبي حُميد أو أبي أُسيد -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا دخل أحدكم المسجد فليُسلّم على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ ليقل: اللهمّ افتح لي أبواب رحمتك، فإِذا خرج فليقل: اللهمّ إِنّي أسألك من فضلك» (٣).

---------------------
= وقال شيخنا إِسناده صحيح، انظر «المشكاة» (٢٤٤٢)، و«صحيح سنن أبي داود» (٤٢٤٨).
(١) أخرجه البخاري: ٦٣١٦، ومسلم: ٧٦٣
(٢) أخرجه الحاكم (١/ ٢١٨) في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وانظر «الإرواء» (٩٣).
(٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٤٠) وغيره، وهو في «صحيح مسلم» (٧١٣)، من غير ذِكر السلام على النّبي - ﷺ -.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 12-01-2026, 05:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 256الى صــ 270
الحلقة (47)



وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ - ﷺ - أنّه كان إِذا دخل المسجد قال: «أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم» (١).
عن فاطمة الكبرى قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا دخل المسجد صلّى على محمد وسلّم وقال: ربِّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك، وإِذا خرج صلّى على محمّد وسلّم وقال: ربّ اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك» (٢).

فضل المشي إِلى المساجد:
عن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من غدا إِلى المسجد وراح أعدّ (٣) الله له نزُله (٤) من الجنّة؛ كلمّا غدا أو راح (٥)» (٦).

استحباب المشي إِلى المساجد بالسكينة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: إِذا

-------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٤١)، وانظر»الكلم الطيب«(٦٥).
(٢) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٢٥٩) وانظر»تمام المنّة«(ص ٢٩٠).
(٣) أعدّ: هيّأ.
(٤) نزله: بضم النون والزاى: المكان الذي يهيأ للنزول فيه وبسكون الزاي: ما يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها.»فتح" (٢/ ١٤٨).
(٥) غدا أو راح: الأصل في الغدوّ: المضي من بكرة النهار والرواح: بعد الزوال، ثمَّ قد يستعملان في كلّ ذهاب ورجوعٍ توسُّعًا.
(٦) أخرجه البخاري: ٦٦٢، ومسلم: ٦٦٩، وتقدّم.


أقيمت الصلاة فلا تأتُوها تسعَون، وأتوها تمشون عليكم السكينة، فما أدركتم فصلّوا وما فاتكم فأتمّوا» (١).
وعنه أيضًا قال: «إِذا سمعتم الإِقامة فامشوا إِلى الصلاة وعليكم بالسكينة والوقار ولا تسرعوا فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتمّوا» (٢).

تحية المسجد:
عن أبي قتادة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إذا دخل أحدُكُم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس» (٣).

ما جاء في الصلاة في المساجد الثلاثة:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تشدُّ الرحال (٤) إلاَّ إِلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ -، ومسجد الأقصى» (٥).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٩٠٨، ومسلم: ٦٠٢
(٢) أخرجه البخاري: ٦٣٦، ومسلم: ٦٠٢
(٣) أخرجه البخاري: ٤٤٤، ومسلم: ٧١٤
(٤) قال القرطبي: هو أبلغ من صريح النهي؛ كأنّه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلاَّ هذه البقاع؛ لاختصاصها بما اختصّت.
والرحال: جمْع رحل وهو للسفر كالسرج للفرس، وكنّى بشدّ الرحال عن السفر لأنّه لازِمه.»فتح": (٣/ ٦٤).
(٥) أخرجه البخاري: ١١٨٩، ومسلم: ١٣٩٧



هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام» (١).
وعن جابر -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة في مسجدي أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلاَّ المسجد الحرام؛ وصلاة في المسجد الحرام؛ أفضل من مائة ألف صلاة فيما سواه» (٢).
وعن عبد الله بن عمرو عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لمّا فرغ سليمان بن داود من بناء بيت المقدس، سأل الله ثلاثًا: حُكمًا يُصادف حُكمه، ومُلْكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، وألاَّ يأتي هذا المسجد أحدٌ، لا يريد إلاَّ الصلاة فيه، إلاَّ خرج من ذنوبه كيومَ ولدته أمّه، فقال النّبيّ - ﷺ -: أمّا اثنتان فقد أعطيهما، وأرجو أن يكون قد أعطي الثالثة» (٣). وعن أُسيد بن ظُهير قال: قال رسول الله - ﷺ -: «صلاة في مسجد قُباء كعمرة» (٤).

تواضع بنائها والنهي عن زخرفتها:
عن أنس أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا تقوم الساعة؛ حتى يتباهى الناسُ في المساجد» (٥).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١١٩٠، ومسلم: ١٣٩٤
(٢) أخرجه أحمد وغيره بإِسناد صحيح وصححه جمْع ذكَرهم شيخنا في «الإرواء» (١١٢٩)، وانظر «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٥٥).
(٣) أخرجه أحمد وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٥٦) وغيرهما.
(٤) أخرجه أحمد وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (١١٥٩)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٦٧) وغيرهم.
(٥) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٣٢)، والنسائي =



وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما أُمرت بتشييد المساجد، قال ابن عباس: لتزخرفنّها كما زخرَفَت اليهود والنصارى» (١).
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا زخرفتم مساجدكم وحلّيتم مصاحفكم فالدمار عليكم» (٢).
وعن نافع أنّ عبد الله أخبره «أنَّ المسجد كان على عهد رسول الله - ﷺ - مبنيًّا باللِّبن وسقفه الجريدُ (٣) وعمدُه (٤) النخيل، فلم يزد فيه أبو بكر شيئًا» (٥).
وفى «صحيح البخاري» معلّقًا بصيغة الجزم (٦): «وأمر عمر ببناء المسجد وقال: أَكِنَّ (٧) الناس من المطر، وإيّاك أن تُحمرَ أو تُصَفرَ فتفتن الناس وقال

-----------
=»صحيح سنن النسائي«(٦٦٥)، وابن ماجه، وانظر»المشكاة«(٧١٩).
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٣١)، وانظر»المشكاة«(٧١٨).
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في»المصنف«وعبد الله ابن المبارك في»الزهد«، وانظر»الصحيحة«(١٣٥١).
(٣) الجريد: الذي يُجرد ويُزال عنه الخوص [أي: الورق] ولا يسمّى جريدًا ما دام عليه الخوص، وانظر»مختار الصحاح«.
(٤) وعَمَده: بفتح أوله وثانيه ويجوز ضمهما، قال الحافظ في»الفتح«: (١/ ٥٤٠): أي: أقامه بعماد ودعمه». والعماد: خشبة تقوم عليها الخيمة. «الوسيط».
(٥) أخرجه البخاري: ٤٤٦
(٦) انظر «الفتح» (١/ ٥٣٩).
(٧) من الكِنّ: وهو ما يرُدّ الحرّ والبرد من الأبنية والمساكن، ومعنى أكن النّاس من المطر: أي: صُنهم واحفظهم. «النهاية».



أنس: يتباهون بها ثمَّ لا يعْمُرونها إلاَّ قليلا«.

الترغيب في تنظيفها وتطهيرها وتجنيبها الأقذار والروائح الكريهة وما جاء في تجميرها (١):
عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ امرأة سوداء كانت تقُمُّ (٢) المسجد، ففقدها رسول الله - ﷺ -، فسأل عنها بعد أيامٍ، فقيل له: إِنّها ماتت. فقال: فهلا آذنتموني؟ فأتى قبرها، فصلى عليها» (٣).
وفي رواية: «إِنّ امرأة كانت تلقط الخِرَق والعِيدان من المسجد» (٤).
وعن سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قال: «أمرنا رسول الله - ﷺ - أن نتَّخذ المساجد في ديارنا، وأمرنا أن نُنظّفها» (٥).
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «أمرنا رسول الله - ﷺ - ببناء المساجد في الدُّور، وأن تُنظّف وتُطيّب» (٦).
وعن أنس بن مالك قال: «بينما نحن في المسجد مع رسول الله - ﷺ - إِذ

----------------
(١) أي: تبخيرها، والعنوان من»كتاب الترغيب والترهيب«للمنذري.
(٢) تقمّ: أي: تكنّس.
(٣) أخرجه البخاري: ٤٦٠، ومسلم: ٩٥٦، وابن ماجه بإِسناد صحيح واللفظ له، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٢٧٢).
(٤) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٢٧٢).
(٥) أخرجه أحمد وغيره، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٢٧٤).
(٦) أخرجه أحمد وغيره، وصحّحه شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب" (٢٧٥).



جاء أعرابيّ، فقام يبول في المسجد، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: مَهْ مَهْ (١)، قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تُزرموه (٢) دعوه، فتركوه حتّى بال، ثمَّ إِنَّ رسول الله - ﷺ - دعاه فقال له: إِنَّ هذه المساجد لا تَصْلُح لشيء من هذا البول ولا القَذَر، إِنّما هي لذِكر الله عز وجل، والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله - ﷺ -، قال فأمَر رجلًا من القوم فجاء بدلو من ماءٍ فشنّه (٣) عليه» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا قام أحدُكم إِلى الصلاة فلا يبصُق أمامه، فإِنّما يُناجي الله ما دام في مصلاّه، ولا عن يمينه؛ فإِنَّ عن يمينه مَلَكًا، وليبصُق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنُها» (٥).
وعن جابر بن عبد الله أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من أكلَ ثومًا أو بصلًا فليعتزلنا -أو قال: فليعتزل مسجدنا- وليقعد في بيتها، أنَّ (٦) النّبيّ - ﷺ - أُتي بقدرٍ فيه خَضِرات (٧) من بقولٍ فوجد لها ريحًا، فسأل فأُخبر بما فيها من البُقول فقال: قرّبوها -إِلى بعض أصحابه كان معه- فلمّا رآه كره أكلها قال:

-----------------------
(١) اسم فعل أمر مبني على السكون معناه: اكفُف.
(٢) أي: لا تقطعوا عليه بوله.
(٣) فشنّه: أي: صبّه.
(٤) أخرجه البخاري: ٢٢٠، ٦١٢٨، ومسلم: ٢٨٤ وهذا لفظه.
(٥) أخرجه البخاري: ٤١٦، ومسلم: ٥٥٢
(٦) يجوز فيها الكسر والفتح.
(٧) أي: بقول واحد ها خَضِرة.»النهاية".



كُلْ، فإِني أُناجي من لا تُناجى» (١).
وفي رواية: «من أكل البصل والثوم والكرّاث (٢) فلا يقربنَّ مسجدنا فإِنّ الملائكة تتأذّى ممّا يتأذّى منه بنو آدم» (٣).
وخطب عمر بن الخطاب خطب يوم الجمعة، فقال: «... ثمَّ إِنّكم أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلاَّ خبيثتين: هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا وجد ريحمها من الرجل في المسجد أمَرَ به فأُخرج إِلى البقيع، فمن أكلهما فليُمتْهما طبخًا» (٤).
أمّا ما لم يكن للمرء فيه كسب ولا هو يملك إِزالته كالبخر، فإِنَّه لا يلحق بالروائح الكريهة، والشارع الحكيم إِنّما منع أكل الثوم وغيره من حضور المساجد والحصول على فضيلة الجماعة؛ عقوبةً له على عدم مبالاته بإِيذاء المؤمنين والملائكة المقرّبين، فلا يجوز أن يحرم من هذه الفضيلة صاحب الأبْخَرُ ونحوه لما ذكرناه من الفارق. عن «تمام المنّة»: (ص ٢٩٥) ملخّصًا.

كراهة نشْد الضالة والبيع والشراء في المسجد:
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من سمع رجلًا ينشد

-------------------------
(١) أخرجه البخاري: ٨٥٥، ومسلم: ٥٦٤
(٢) الكُرّاث: عشب ذو بصلة أرضية له رائحة قوية. الوسيط -بحذف-.
(٣) أخرجه مسلم: ٥٦٤
(٤) أخرجه أحمد، ومسلم: ٥٦٧ وغيرهما.



ضالَّةً (١) في المسجد، فليقل: لا ردَّها الله عليك. فإِنَّ المساجد لم تُبْنَ لهذا» (٢).
وعن سليمان بن بريدة عن أبيه أنَّ رجلًا نشد في المسجد فقال: من دعا إِلى الجمل الأحمر. فقال النّبيّ - ﷺ -: «لا وجدْتَ إِنّما بُنيت المساجد لما ُبُنِيَت له» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك» (٤).
وفي رواية: «وإِذا رأيتم من ينشد فيه ضالّة فقولوا: لا ردّ الله عليك» (٥).

عدم رفع الصوت فيها:
عن عائشة عن النبي - ﷺ - «أنَّه اطلع من بيته والناس يصلّون يجهرون بالقراءة، فقال لهم: إِنَّ المصلّي يُناجي ربّه، فلينظر بما يُناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» (٦).
وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «اعتكف رسول الله - ﷺ -

-----------------------
(١) يطلب ما ضاع له.
(٢) أخرجه مسلم: ٥٦٨
(٣) أخرجه مسلم: ٥٦٩
(٤) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٠٦٦) والدارمي وابن خزيمة في»صحيحه«(١٣٠٥) وغيرهم، وصححه شيخنا في»الإرواء«(١٢٩٥).
(٥) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٠٦٦) والدارمي وابن خزيمة في»صحيحه«(١٣٠٥) وغيرهم، وصححه شيخنا في»الإرواء«(١٢٩٥).
(٦) أخرجه الطبراني في»الأوسط«، وغيره، وانظر»الصحيحة" (١٦٠٣).



في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، وهو في قُبّةٍ له، فكشف الستور وقال: ألا إِنّ كلكم مناجٍ ربّه، فلا يؤذينَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفعنَّ بعضكم على بعض بالقراءة. أو قال: في الصلاة«(١).
ويجوز التحدّث بما هو مباح في المسجد، حتى لو صاحبه تبسّم وضَحك؛ لحديث سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سَمُرهّ: أكنتَ تجالس رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، كثيرًا. كان لا يقوم من مُصلاه الذي يُصلّي فيه الصبح أو الغداة حتى تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون. فيأخذون في أمر الجاهلية. فيضحكون ويتبسَّم» (٢).
ويشرع إِنشاد الشعر المشتمل المعاني الحسنة، المتضمّن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحو ذلك، فعن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «الشعر بمنزلة الكلام، حسنُه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها كانت تقول: «الشِّعر حسَن ومنه قبيح، فخُذ بالحسن، ودع القبيح، ولقد رُوّيت من شعر كعب بن مالك أشعارًا؛ منها القصيدة فيها أربعون بيتًا ودون ذلك» (٤).

----------------------
(١) أخرجه أبو داود وإسناده صحيح على شرط الشيخين وانظر «صحيح سنن أبي داود» (١١٨٣)، و«الصحيحة» (١٦٠٣).
(٢) أخرجه مسلم: ٦٧٠
(٣) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وغيره، وهو صحيح لغيره كما في «الصحيحة» (٤٤٧).
(٤) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد»، وانظر «الصحيحة» (٤٤٧).



وعن أبي هريرة «أنَّ عمر مرّ بحسّان وهو ينشد الشعر في المسجد، فلحَظَ إِليه فقال: قد كنتُ أنشِدُ؛ وفيه مَن هو خيرٌ منك، ثمَّ التفت إِلى أبي هريرة فقال: أنشدك الله أسمعْتَ رسول الله - ﷺ - يقول: أجِبْ عنّي اللهمّ أيِّده بروح القُدُس؟ قال: اللهمّ نعم» (١).

هل يُباح الأكل والشرب والنوم فيها؟
عن عبد الله بن الحارث قال: «كنّا نأكل على عهد رسول الله - ﷺ - في المسجد الخبز واللحم» (٢).
وعن سهل بن سعد قال: «ما كان لعليّ اسم أحبّ إِليه من أبي تراب، وإنْ كان لفرح به إِذا دُعي بها، جاء رسول الله - ﷺ - بيتَ فاطمة فلم يَجِد عليًّا في البيت، فقال: أين ابن عمّك؟ فقالت: كان بيني وبينه شيء، فغاضبني فخرج، فلم يَقِلْ عندي. فقال رسول الله - ﷺ - لإِنسان: انظر أين هو؟ فجاء فقال: يا رسول الله، هو في المسجد راقدٌ، فجاء رسول الله - ﷺ - وهو مضطجعٌ؛ قد سقط رداؤه عن شقِّه فأصابه تراب، فجعل رسول الله - ﷺ - يمسحه عنه وهو يقول: قم أبا تُراب، قم أبا تراب» (٣).
قال البخاري: «وقال أبو قلابة عن أنس: قدم رهط من عُكْل على النّبيّ - ﷺ - فكانوا في الصُّفَّة (٤)، وقال عبد الرحمن بن أبي بكر: كان أصحاب الصُّفَّة

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٥٣، ومسلم: ٢٤٨٥
(٢) أخرجه ابن ماجه وصحح شيخنا إِسناده في»تمام المنّة" (ص ٢٩٥).
(٣) أخرجه البخاري: ٦٢٨٠، ومسلم: ٢٤٠٩
(٤) الصُّفّة: موضع مظلل في المسجد النبوي، كانت تأوي إِليه المساكين. =



الفقراء» (١).
وعن نافع قال: «أخبرني عبد الله بن عمر أنَّه كان ينام وهو شاب أعزب، لا أهل له في مسجد النّبيّ - ﷺ -» (٢).

عدم اتخاذ المساجد طُرُقًا:
عن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تتخذوا المساجد طُرُقًا إلاَّ لذِكر أو صلاة» (٣).

النهي عن تشبيك الأصابع عند الخروج إلى الصلاة:
عن كعب بن عُجْرة أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا توضّأ أحدُكم فأحسَن وضوءه، ثمَّ خرجَ عامدًا إِلى المسجد؛ فلا يشبكنّ بين أصابعه، فإِنَّه في صلاة» (٤).

الصلاة بين السواري:
عن معاوية بن قرّة عن أبيه قال: «كُنّا نُنهى أن نصفَّ بين السواري على عهد رسول الله - ﷺ - ونُطرد عنها طردًا» (٥).

---------------------
= «فتح» (١/ ٥٣٥).
(١) تقدّم موصولًا من هذا الكتاب (١/ ٥٠).
(٢) أخرجه البخاري: ٤٤٠
(٣) أخرجه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» وغيره، وانظر «الصحيحة» (١٠٠١).
(٤) أخرجه أحمد والترمذي. وانظر «الإِرواء» (٢/ ١٠٠)، و«الصحيحة» (٣/ ٢٨٤).
(٥) أخرجه ابن ماجه وابن خزيمة وغيرهم، وقال الحاكم صحيح الإِسناد ووافقه الذهبي وانظر «الصحيحة» (٣٣٥).



قال شيخنا في»الصحيحة«(٣٣٥) بحذف وتصرف:»وله شاهد من حديث أنس بن مالك يتقوّى به، ويرويه عبد الحميد بن محمود قال: «صلّيت مع أنس بن مالك يوم الجمعة، فدُفِعنا إِلى السواري، فتقدّمنا وتأخّرنا، فقال أنس: كنّا نتّقي هذا على عهد رسول الله - ﷺ -» (١).
وهذا الحديث نصٌّ صريح في ترك الصف بين السواري، وأنّ الواجب أن يتقدّم أو يتأخّر؛ إلاَّ عند الاضطرار؛ كما وقع لهم.
وعن ابن مسعود أنَّه قال: «لا تصفُّوا بين السواري». وقال البيهقي: «وهذا -والله أعلم- لأنّ الأسطوانة تحول بينهم وبين وصل الصف» (٢).
وقال مالك: «لا بأس بالصفوف بين الأساطين إِذا ضاق المسجد». انتهى.
ويستدلّ بعضهم على جواز الصلاة بين السواري بحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «دخل النّبيّ - ﷺ - البيت وأسامة بن زيد وعثمان ابن طلحة وبلال فأطال، ثمَّ خرج، كنت أول الناس دخل على أَثَره، فسألت بلالًا: أين صلّى؟ قال: بين العمودين المقدّمين» (٣). وبما رواه أيضًا أن رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبِيُّ، فأغلقها عليه ومكث فيها. فسألتُ بلالا حين خرج: ما صنَع النّبيّ - ﷺ -؟ قال:

-----------------
(١) قال شيخنا -حفظه الله- أخرجه أبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، والحاكم، وغيرهم بسند صحيح؛ كما بيّنته في «صحيح أبي داود» (٦٧٧).
(٢) أخرجه ابن القاسم في «المدونة» (١/ ١٠٦)، والبيهقي (٣/ ١٠٤) من طريق أبي إِسحاق عن معدي كرب.
(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٤، ومسلم: ١٣٢٩



جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة، ثمَّ صلّى. وقال لنا إِسماعيل: حدَّثني مالك وقال: عمودين عن يمينه» (١).
وهذا بعيد جدًّا، وإِنما يستدلّ به للإِمام والمنفرد، لذلك بوّب له البخاري -رحمه الله- بقوله: (باب الصلاة بين السواري في غير جماعة).

النهي عن التزام مكان خاص من المسجد:
عن عبد الرحمن بن شبل قال: «نهى رسول الله - ﷺ - عن نَقْرة الغراب (٢) وافتراش السبُع (٣) وأن يوطن الرجل المكان في المسجد، كما يُوطِن البعير (٤)» (٥).
وسألت شيخنا -شفاه الله- هل ترون هذا للتحريم، فقال: نعم.
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ١٣٠): من سبق إلى مكان من

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٠٥، ومسلم: ١٣٢٩
(٢) نَقْرة الغراب: يريد تخفيف السجود، وأنه لا يمكُث فيه إلاَّ قَدْر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكْله، «النهاية».
(٣) افتراش السبُع: هو أن يبسُط ذراعيه في السجود ولا يرفعهما عن الأرض؛ كما يبسُط الكلب والذئب ذراعيه، والافتراش: افتعال؛ من الفرش والفراش. «النهاية».
(٤) يوطن البعير: قيل: معناه أن يألف الرجل مكانًا معلومًا من المسجد مخصوصًا به؛ يصلّي فيه كالبعير لا يأوي إِلى مَبْرَك قد أوطنه واتخذَه مُناخًا. «النهاية» بحذف.
(٥) أخرجه أحمد وابن خزيمة وأبو داود والنسائي وغيرهم، وحسنه شيخنا لغيره في «الصحيحة» (١١٦٨).



المسجد فهو أحق به ما دام ثابتًا فيه، فإِذا زال عنه زال حقه، إِذ ليس أحد أحق به من أحد، قال الله عز وجل: ﴿وأن المساجد لله﴾ (١) الآية. وقال: ﴿إِنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر﴾ (٢).

المواضع المنهي عن الصلاة فيها:
١ - الصلاة في المقبرة:
عن أبي سعيد عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الأرض كلّها مسجد إلاَّ الحمّام والمقبرة» (٣).
وعن عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال في مرضه الذي مات فيه: «لعن الله اليهود والنصارى اتَّخذوا قبور أنبيائهم مسجدًا، قالت: ولولا ذلك لأبرزوا قبره، غير أنّي أخشى (٤) أن يُتَّخذ مسجدًا» (٥).
وعنها أيضًا أنَّ أمّ سلمة ذَكَرت لرسول الله - ﷺ - كنيسة رأتها بأرض الحبشة يُقال لها: مارية، فذكَرت له ما رأت فيها من الصّور، فقال رسول الله - ﷺ -: «أولئك قومٌ إِذا مات فيهم العبد الصالح -أو الرجل الصالح- بنوا على قبره

---------------------
(١) الجنّ: ١٨
(٢) التوبة: ١٨
(٣) أخرجه أبو داود والترمذي والدارمي وغيرهم وقال شيخنا: وهذا إِسناد صحيح على شرط الشيخين، وانظر»الإِرواء«تحت الحديث (٢٨٧).
(٤) قال الحافظ ابن حجر:»وكأنه - ﷺ - علم أنه مرتحِل من ذلك المرض، فخاف أن يُعظَّم قبره كما فعل من مضى، فلعن اليهود والنصارى إِشارة إِلى ذمّ من يفعل فِعلهم".
(٥) أخرجه البخاري: ١٣٣٠، ومسلم: ٥٣١



مسجدًا، وصوّروا فيه تلك الصُّور، أولئك شرار الخلق عند الله» (١).
قال شيخنا -حفظه الله-: «الذي يمكن أن يُفهَم من هذا الاتخاذ [أي: اتخاذ القبور مساجد]، إِنما هو ثلاث معان:
الأول: الصلاة على القبور، بمعنى السجود عليها.
الثاني: السجود إِليها واستقبالها بالصلاة والدعاء.
الثالث: بناء المساجد عليها، وقصْد الصلاة فيها» (٢).
ولا فرق فيما قلنا بين المقبرة فيها قبر أو أكثر.
قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ٢٩٨): قال: [أي: شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى-] في «الاختيارات العلمية»: «ولا تصحّ الصلاة في المقبرة ولا إِليها، والنهي عن ذلك إِنّما هو سدّ لذريعة الشرك، وذكر طائفة من أصحابنا أن القبر والقبرين لا يمنع من الصلاة، لأنه لا يتناوله اسم المقبرة، وإنّما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدًا (٣)، وليس في كلام أحمد وعامّة أصحابه هذا الفرق، بل عموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر واحد من القبور، وهو الصواب، والمقبرة كل ما قُبر فيه، لا أنه جمْع قبر، وقال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة ممّا حول القبور لا يصلى فيه، فهذا يعين أنّ المنع يكون متناولًا لحرمة القبر المنفرد وفنائه

--------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٣٤، ومسلم: ٥٢٨
(٢) انظر للمزيد والتفصيل»تحذير الساجد«(ص ٢١).
(٣) ويردّ على هذا قوله - ﷺ -:»لا تصلوا إِلى قبر ولا تصلوا على قبر«أخرجه الطبراني في»الكبير«وغيره، وانظر»الصحيحة" (١٠١٦).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 12-01-2026, 05:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 271الى صــ 285
الحلقة (48)



المضاف إليه، وذكر الآمدي وغيره أنه لا تجوز الصلاة فيه، أي: المسجد الذي قبلته إِلى القبر حتى يكون بين الحائط وبين المقبرة حائل آخر، وذكر بعضهم: هذا منصوص أحمد».

٢ - الحمّام:
عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «الأرض كلّها مسجد إلاَّ الحمام والمقبرة» (١).
فائدة: وقد ورد في بعض النصوص النهيُ عن الصلاة في مواطن معيّنة، كالصلاة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق وأعطان الإِبل وفوق ظهر بيت الله، وقد بيّن شيخنا ضعف هذا الحديث في «تمام المنّة» (ص ٢٩٩) -بحذف- وقال رادًّا على الشيخ السيد سابق -حفظهما الله تعالى-.
«... قلت: فذَكَر المواضع المذكورة، ثمَّ نقل عن الترمذي تضعيفه الحديث، وأقرّه على ذلك، وهو الصواب كما هو مُبيّن في»الإرواء«(٢٨٧)، فعادت الدعوى بدون دليل صحيح، فكان على المؤلّف أن يورد أحاديث أخرى صحيحة تشهد للحديث، ولو في بعض مفرداته:
فمنها قوله - ﷺ -:»الأرض كلها مسجد؛ إلاَّ المقبرة والحمام«.
ومنها قوله - ﷺ -:»إِذا حضرت الصلاة فلم تجدوا إلاَّ مرابض الغنم وأعطان الإِبل فصلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإِبل" (٢).

----------------------
(١) تقدّم.
(٢) أخرجه أحمد والدارمي وابن ماجه وغيرهم بسند صحيح على شرط الشيخين من حديث أبي هريرة.


ولا أعلم حديثًا صحيحًا في النهي عن الصلاة في المواطن الأخرى، ولا يجوز القول ببطلانها فيها إلاَّ بنص عنه - ﷺ -، فليعلم».

ما جاء في الصلاة في البِيَع (معابد النصارى) ونحوها:
جاء في «صحيح البخاري» تحت (باب الصلاة في البِيعة) وقال عمر - رضي الله عنه-: «إِنا لا ندخلُ كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصُّور، وكان ابن عباس يصلّي في البيعة إِلاَّ بيعةً فيها تماثيل» (١).
والذي قد بدا لي أنَّ الأصل جواز الصلاة في مِثل هذه المعابد إِذا أُمنت الفتنة وخلت من التماثيل وأرى في زماننا هذا المنع للعامّة من باب سدّ الذريعة -والله تعالى أعلم-.

ما جاء في الصلاة في مواضع الخسف (٢) والعذاب:
قال البخاري تحت (باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب): ويذكر أنَّ عليًا -رضي الله عنه- كره الصلاة بخسف بابل (٣).

---------------------
(١) كذا أورده معلّقًا بصيغة الجزم وقال الحافظ: «وهذا الأثر وصَله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر قال: لمّا قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعامًا، وكان من عظمائهم وقال: أحبّ أن تجيئني وتُكرمني. فقال له عمر: إِنّا لا ندخُل كنائسكم من أجل الصُّور التي فيها، يعني: التماثيل.
(٢) قال الحافظ:»المراد بالخسف هنا ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد فخرَّ عليهم السَّقْفُ من فوقهم﴾«. النحل: ٢٦
(٣) أخرجه البخاري معلّقًا غير مجزوم به، وقال الحافظ:»وهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله ابن أبي المُحِلّ قال: «كنّا مع عليّ؛ فمرَرْنا على الخسف الذى ببابل؛ فلم يصلِّ حتى أجازه» أي تعدّاه".



ثمَّ ذكر حديث عبد الله بن عمر (١) (برقم: ٤٣٣) أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا تدخلوا على هؤلاء المعذّبين؛ إلاَّ أن تكونوا باكين، فإِن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم؛ لا يصيبكم ما أصابهم» (٢).

الصلاة في الكعبة:
عن ابن عمر قال: دخل النّبيّ - ﷺ - البيت وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة وبلال فأطال، ثمّ خرج، كنت أوّل الناس دخل على أَثرِه، فسألتُ بلالًا: أين صلّى؟ قال: بين العمودين المقدّمين«(٣).
وفي رواية لابن عمر أيضًا أنّ رسول الله - ﷺ - دخل الكعبة وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة الحَجَبيّ، فأغلقها عليه ومكث فيها. فسألت بلالا حين خرج: ما صنع النّبيّ - ﷺ -؟ قال: جعل عمودًا عن يساره وعمودًا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه. وكان البيت يومئذ على ستة أعمدة ثمَّ صلّى، وقال لنا إِسماعيل: حدثني مالك وقال: عمودين عن يمينه» (٤).
وعن نافع أنَّ عبد الله كان إِذا دخل الكعبة مشى قِبلَ وجهه حين يدخل، وجعل الباب قِبل ظهره، فمشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قِبل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع صلّى يتوخّى المكان الذي أخبره به بلال أنَّ النّبي - ﷺ - صلّى فيه. قال: وليس على أحدنا بأس إِن صلّى في أي نواحي البيت شاء" (٥).

----------------
(١) هو في مسلم: ٢٩٨٠
(٢) أخرجه مسلم: ٢٩٨٠
(٣) أخرجه البخاري: ٥٠٤، ومسلم: ١٣٢٩، وتقدّم.
(٤) أخرجه البخاري: ٥٠٥، ومسلم: ١٣٢٩، وتقدّم.
(٥) أخرجه البخاري: ٥٠٦



السترة
حُكمها:
السترة واجبة على الإمام والمنفرد وذلك لقوله - ﷺ -: «لا تُصلِّ إلاَّ إِلى سُترة، ولا تَدع أحدًا يمرُّ بين يديك، فإِنْ أبى فلتقاتِله؛ فإِنَّ معه القرين (١)» (٢).
ولقوله - ﷺ -: «إِذا صلّى أحدكم إِلى سترة؛ فليدْنُ منها، لا يقطع الشيطان عليه صلاته» (٣).
ولا يعني قوله - ﷺ -: «إِذا صلّى أحدكم إِلى سترة» جواز الصلاة إِلى غير سترة؛ إِذ مفهوم الحديث: أنَّ من صلّى إِلى سترة ولم يدْنُ منها فهو مُعرّضٌ لقطع صلاته من قِبَل الشيطان، فكيف بمن لم يصلِّ إِلى سترة!
قال شيخنا في «تمام المِنّة» (ص ٣٠٠): وإنَّ ممّا يؤكدّ وجوبها أنها سبب شرعي لعدم بطلان الصلاة بمرور المرأة البالغة والحمار والكلب الأسود، كما صحّ ذلك في الحديث، ولمنع المار من المرور بين يديه، وغير ذلك من الأحكام المرتبطة بالسترة، وقد ذهب إِلى القول بوجوبها الشوكاني في «نيل الأوطار» (٣/ ٢)، و«السيل الجرار» (١/ ١٧٦)، وهو الظاهر من

----------------------
(١) في الحديث: «ما منكم من أحد إلاَّ وقد وكلّ به قرينه من الجن». أخرجه مسلم: ٢٨١٤، وغيره.
(٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» بسند جيد. وانظر «صفة الصلاة» (ص ٨٢).
(٣) أخرجه أبو داود والبزار والحاكم وصحّحه، ووافقه الذهبي والنووي. وانظر «صفة الصلاة» (ص ٨٢).



كلام ابن حزم في «المحلى» (٤/ ٨ - ١٥).

السُّترة في الكعبة والمسجد الحرام:
عن صالح بن كيسان قال: رأيت ابن عمر يصلّي في الكعبة، ولا يدع أحدًا يمر بين يديه (١).
وعن يحيى بن أبي كثير قال: رأيت أنس بن مالك دخل المسجد الحرام، فركز شيئًا، أو هيأ شيئًا يصلّي إليه (٢).

بمَ تتحقّق؟
تتحقق السترة بالأُسطوانة:
فعن يزيد بن أبي عبد قال: «كان سلمة بن الأكوع يتحرّى الصلاة عند الأسطوانة التي عِند المصحف (٣). فقلت له: يا أبا مسلم! أراك تتحرّى الصلاة عند هذه الأُسطوانة، قال: رأيتُ النّبيّ - ﷺ - يتحرّى الصلاة عندها» (٤). والعصا المغروزة، فإِن النبيّ - ﷺ - «كان إِذا صلّى [في فضاء ليس فيه شيء يستتر به] غرَز بين يديه حربة فصلّى إِليها والناس وراءه» (٥). وتتحقق السترة

-------------------------
(١) أخرجه أبو زرعة في «تاريخ دمشق» وابن عساكر بسند صحيح وانظر «الضعيفة» تحت الحديث (٩٢٨).
(٢) أخرجه ابن سعد في «الطبقات» بسند صحيح، وانظر «الضعيفة» تحت الحديث (٩٢٨).
(٣) وفي رواية لمسلم: «مكان المصحف».
(٤) أخرجه مسلم: ٥٠٩
(٥) أخرجه البخاري: ٤٩٤، ومسلم: ٥٠١ وانظر «صفة الصلاة» لأجل الزيادة (ص٨٣).



كذلك بالراحلة يعرّضها (١) فيصلّي إليها، فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - «كان يعرّض راحلته فيصلّي إِليها» (٢).
وبالشجرة «فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى مرّة إِلى شجرة» (٣). وبالجدار (٤) وبالسرير (٥) وما هو مثل مؤخرة الرحل -وهو أقلّ ما يجزئ- لقوله - ﷺ -: «إِذا وضع أحدكم بين يديه مثلُ مؤخِرة الرحل فليصلِّ ولا يبالِ من مرَّ وراء ذلك» (٦).

سترة الإِمام سترة من خلفه:
قال البخاري (باب سترة الإِمام سترة مَن خَلفه) وذكر تحته حديث ابن عباس برقم (٤٩٣): «أقبلتُ راكبًا على حمارٍ أتانٍ (٧) وأنا يومئذ قد ناهزْتُ الاحتلام ورسول الله - ﷺ - يصلّي بالناس بمنى إِلى غير جدار (٨)، فمررتُ بين

------------------------
(١) يعرِّض: بتشديد الراء: أي: يجعلها عَرضًا.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٧
(٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. وانظر»صفة الصلاة«(ص ٨٣).
(٤) لحديث سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- الآتي قريبًا -إِن شاء الله- بلفظ:»كان بين مصلّى رسول الله - ﷺ - وبين الجدار ممرّ شاة«.
(٥) لحديث عائشة -رضي الله عنها-:»... والله لقد رأيتُ النّبيّ - ﷺ - يصلّي وإنّي على السرير بينه وبين القبلة مضطجعة«. أخرجه البخاري: ٥١٤، ومسلم: ٥١٢
(٦) أخرجه مسلم: ٤٩٩
(٧) الحمارة الأنثى.»النهاية".
(٨) لا يستلزم أن يكون إِلى غير سُترة، إِذ كل جدار سُترة، وليس كل سترة جدارًا، وتبويب البخاري -رحمه الله- يدلّ عليه بالتأمّل، إِذ كيف يتحدّث عن سترة الإِمام =



يدي بعض الصفّ، فنزلتُ وأرسلتُ الأتانَ تَرتَع ودخلتُ في الصفّ، فلم ينكر ذلك عليَّ أحد» (١).
ثمَّ أورد البخاري (٢) -رحمه الله- حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا خرج يوم العيد أمر بالحربة فتوضع بين يديه فيصلّي إِليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمِن ثَمَّ اتخذها الأمراء».
وذكر بعده (٣) حديث عون بن أبي جحيفة قال: «سمعت أبي أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى بهم بالبطحاء -وبين يديه عَنَزَة (٤) - الظهر ركعتين والعصر ركعتين تَمُرُّ بين يديه (٥) المرأة والحمار».

دنوّ المصلي من السترة واقترابه منها:
لقوله - ﷺ - المتقدّم: «إِذا صلّى أحدكم إِلى سترةٍ فليدْنُ منها».
وعن سهل بن سعد الساعدي قال: «كان بين مصلّى رسول الله - ﷺ - وبين

-------------------------
= أنها سترة من خلفه، ويوردُ حديثًا ليس للإِمام فيه سُترة! ونقل الحافظ في»الفتح«(١/ ٥٧٢) قول النووي في»شرح مسلم«-في كلامه على فوائد هذا الحديث-: فيه أنّ سترة الإمام سترة لمن خلفه.
(١) أخرجه مسلم: ٥٠٤
(٢) وأخرجه مسلم: ٥٠١
(٣) وأخرجه مسلم: ٥٠٣
(٤) العَنَزة: مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا.»النهاية«.
(٥) أي: بين العَنَزَة والقبلة، لا بينه وبين العَنَزَة، كما ذكر الحافظ في»الفتح".



الجدار ممرّ الشاة» (١).
«وكان بينه وبين الجدار الذي قِبَل وجهه قريبًا من ثلاثة أذرع» (٢).

تحريم المرور بين يدي المصلِّي ودفْع المارّ ومقاتلته ومنع بهيمة الأنعام ونحوها من ذلك:
جاء في «صفة الصلاة» (ص ٨٣، ٨٤): «... وكان - ﷺ - لا يدَع شيئًا يمرّ بينه وبين السترة، فقد»كان يصلّي، إِذ جاءت شاة تسعى بين يديه؛ فساعاها (٣) حتى ألزق بطنه بالحائط، [ومرَّت من ورائه] «(٤).
و»صلّى صلاة مكتوبة فضمَّ يده، فلما صلّى قالوا: يا رسول الله! أحدَث في الصلاة شيء؟ قال: (لا؛ إلاَّ أنَّ الشيطان أراد أن يمرَّ بين يدي، فخنقتُه حتى وجدْت برد (٥) لسانه على يدي، وأيم الله لولا ما سبقني إِليه أخي سليمان؛ لارتُبط إِلى سارية من سواري المسجد، حتى يطيف به ولدان أهل المدينة، [فمن استطاع أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد؛ فليفعل] «(٦).

----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٤٩٦، ومسلم: ٥٠٨ وتقدّم.
(٢) أخرجه البخاري: ٥٠٦
(٣) أي: سابقَها.
(٤) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«، والطبراني والحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
(٥) أي: ريق.»المحيط«.
(٦) أخرجه أحمد والدارقطني والطبراني بسند صحيح، قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: وهذا الحديث قد ورد معناه في»الصحيحين" وغيرهما عن جمْع من الصحابة.



وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِذا صلّى أحدكم إِلى شيء يستره من الناس، فأراد أحد أن يجتاز بين يديه؛ فليدفع في نحره، [وليدرأ ما استطاع] (وفي رواية: فليمنعه، مرّتين)، فإِنْ أبى فليقاتله، فإِنّما هو شيطان» (١).
وكان يقول: «لو يعلم المارّ بين يدي المصلّي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيرًا له من أن يمرّ بين يديه» (٢).

ما يقطع الصلاة:
إِذا لم يتخذ المصلي سترة؛ فإِنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود لحديث أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: «قال رسول الله - ﷺ - إِذا قام أحدكم يصلّي، فإِنَّه يستره إِذا كان بين يديه مثل آخِرةِ الرَّحْل. فإِذا لم يكن بين يديه مِثلُ آخِرةِ الرَّحْل، فإِنَّه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود». قلت: يا أبا ذرّ ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي! سألتُ رسول الله - ﷺ - كما سألتني فقال: الكلب الأسود شيطان«(٣).
قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في»تمام المِنّة«(ص ٣٠٧):»... ووجَبَ القول بأن الصلاة يقطعها الأشياء المذكورة عند عدم السترة.

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ٥٠٩، ومسلم: ٥٠٧، والرواية الأخرى لابن خزيمة (١/ ٩٤/‏١).
(٢) أخرجه البخاري: ٥١٠، ومسلم: ٥٠٧
(٣) أخرجه مسلم: ٥١٠



وهو مذهب إِمام السنّة أحمد بن حنبل -رحمه الله- وهو اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية«.

لا يجزئ الخطّ في السترة
لا يجزئ الخطّ في السُّترة، ولا أعلم فيه حديثًا ثابتًا، وما رُوي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنه قال: قال أبو القاسم - ﷺ -:»إِذا صلّى أحدكم؛ فليجعل تلقاء وجهه شيئًا، فإِنْ لم يَجد شيئًا؛ فلينصب عصًا، فإِن لم يكن من عصًا؛ فليخُطّ خطًاّ، ولا يضرّه ما مرّ بين يديه«.
وممّا قاله شيخنا في»تمام المنّة«(ص ٣٠٠):»الحديث ضعيف الإِسناد لا يصحّ وإِن صحّحه مَن ذكرهم المؤلف، فقد ضعّفه غيرهم، وهم أكثر عددًا، وأقوى حُجة، ولا سيّما وأحمد قد اختلف في الرواية عنه فيه، فقد نقَل الحافظ في «التهذيب» عنه أنه قال: «الخطّ ضعيف».
وذكر في «التلخيص» تصحيح أحمد له نقلًا عن «الاستذكار» لابن عبد البرّ، ثم عقَّب على ذلك بقوله: «وأشار إِلى ضعفه سفيان بن عيينة والشافعي والبغوي وغيرهم».
وقال مالك في «المدوّنة»: «الخط باطل».

ما يُباح فِعله في الصلاة (١):
١ - غلبة البكاء والتأوّه والأنين، سواءٌ أكان ذلك من خشية الله أم كان لغير ذلك كالتأوه من المصائب والأوجاع ما دام عن غلبة؛ بحيث لا يمكن دفْعه:

----------------------
(١) عن فقه السنّة -بتصرف-.


لقول الله تعالى: ﴿إِذا تتلى عليهم آيات الرَّحمن خَرُّوا سُجدًا وبكيًّا﴾ (١). والآية تشمل المصلّي وغيره.
وعن عبد الله بن الشِّخّير قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - يصلّي وفي صدره أزيز كأزيز المرْجل (٢) من البكاء» (٣).
وعن علي -رضي الله عنه- قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد ابن الأسود؛ ولقد رأيتُنا وما فينا إلاَّ نائم إلاَّ رسول الله - ﷺ - تحت شجرة، يصلّي ويبكي حتى أصبح» (٤).
وقال عبد الله بن شداد: «سمعت نشيجَ عمر وأنا في آخر الصفوف يقرأ: ﴿إِنّما أشكو بثّي وحُزني إلى الله﴾ (٥)» (٦).

-----------------------
(١) مريم: ٥٨
(٢) صوت القِدر إِذا غلت.
(٣) أخرجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» وغيرهم وقوّى الحافظ إِسناده في «الفتح» (٢/ ٢٠٦)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٤٢).
(٤) أخرجه أحمد وابن خزيمة في «صحيحه» تحت (باب الدليل على أن البكاء في الصلاة لا يقطع الصلاة مع إباحة البكاء في الصلاة) وغيرهما وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٤٣).
(٥) يوسف: ٨٦
(٦) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم (كتاب الأذان) (باب وإذا بكى الإمام في الصلاة) وقال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٠٦): وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد بهذا وزاد «في صلاة الصبح» وأخرجه بن المنذر من طريق عبيد بن عمير عن عمر نحوه.



وعن عائشة أمّ المؤمنين «أنَّ رسول الله - ﷺ - قال في مرضه: مُروا أبا بكر يُصلّي بالناس قالت عائشة: قلت إِنَّ أبا بكر إِذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمُرْ عمر فليصلِّ. فقال: مُروا أبا بكر فليصلِّ للناس. قالت عائشة لِحفصة: قولي له إنَّ أبا بكر إذا قام في مقامك لم يُسمِع الناس من البكاء. فمرْ عمر فليُصلّ للناس. ففعلت حفصة، فقال رسول الله - ﷺ -: مه، إِنكنّ لأنتنّ صواحبُ يوسف، مروا أبا بكر فليصلّ للناس. قالت حفصة لعائشة: ما كنتُ لأُصيب منك خيرًا» (١).
وفي تصميم الرسول - ﷺ - على صلاة أبي بكر بالناس على هذا الحال دليل على جواز البكاء في الصلاة إِذا غلَبه ذلك.

٢ - الالتفات والإِشارة المُفهمة عند الحاجة (٢).
عن جابر قال: «اشتكى رسول الله - ﷺ - فصلّينا وراءه وهو قاعد، وأبو بكر يُسمع الناسَ تكبيره، فالتفَت إِلينا فرآنا قيامًا، فأشار إِلينا فقعَدنا، فصلّينا بصلاته قعودًا» (٣).
وعن سهل ابن الحَنْظَليَّة، قال: ثُوِّبَ بالصلاة -يعني: صلاة الصبح- فجعَل رسول الله - ﷺ - يصلّي، وهو يلتفت إِلى الشِّعْب (٤). قال أبو داود: وكان

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ٧١٦
(٢) هذا العنوان من كتاب «الوجيز» (ص ١٠١).
(٣) أخرجه مسلم: ٤١٣
(٤) الشِّعْب: الطريق في الجبل.



أرسل فارسًا إِلى الشعب من الليل يحرس» (١).
ولا ينبغي الالتفات في الصلاة لغير حاجة لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألْتُ رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة فقال: «هو اختلاسٌ (٢) يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (٣).
وعن الحارث الأشعري -رضي الله عنه- أنَّ النّبي - ﷺ - قال: «إِنَّ الله أمر يحيى بن زكريا بخمس كلمات أن يعمل بها ... وفيه وإِنَّ الله أمرَكم بالصلاة، فإِذا صليتم فلا تلتفتوا، فإِنّ الله يَنْصبُ (٤) وجهه لوجه عبده في صلاته، ما لم يلتفت» (٥).
وانظر للمزيد من الأحاديث كتاب «صحيح الترغيب والترهيب» (باب الترهيب من رفْع البصر إِلى السماء في الصلاة).
وهذا كلّه في الالتفات بالوجه أمّا الالتفات بجميع البدن والتحوّل به عن

---------------------
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨١٠) وغيره وانظر «الإِرواء» (٣٧١).
(٢) في «النهاية»: خَلَست الشيء واختلسته إِذا سلبته، والخُلسة: ما يؤخذ سلبًا ومكابرة، وجاء في «الفتح» (٢/ ٢٣٥): «الاختلاس: الاختطاف بسرعة، والمختلس الذي يخطف من غير غلبة ويهرب؛ ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوّة، والسارق يأخذ في خفية».
(٣) أخرجه البخاري: ٧٥١
(٤) النَّصْب: هو إِقامة الشيء ورفعه، وانظر «النهاية».
(٥) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح «صحيح سنن الترمذي» (٢٢٩٨)، وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» والحاكم وقال: «صحيح على شرط البخاري ومسلم»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٥٠).



القبلة؛ فهو مبطل للصلاة اتفاقًا؛ للإِخلال بواجب الاستقبال.

٣ - قتْل الحيّة والعقرب والزنابير ونحو ذلك من كلّ ما يضرّ.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب» (١).

٤ - المشي اليسير لحاجة.
عن عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي والباب عليه مُغلق، فجئت فاستفتَحْتُ، فمشى ففتحَ لي، ثمَّ رجع إِلى مصلاّه» (٢) وذكر (٣) أن الباب كان في القبلة.
وقال شيخنا في «الصحيحة» (٦/ ٤٨٥): جواز العمل اليسير الهادف في الصلاة وذكر تحته حديث رقم (٢٧١٦): «كانَ يصلّي قائمًا تطوعًا، والباب في القبلة مغلق عليه، فاستفتحتُ الباب، فمشى على يمينه أو شماله، ففتح الباب ثمَّ رجع إِلى مكانه».
وعن الأزرق بن قيس قال: «كنّا بالأهواز نقاتل الحروريّة، فبينا أنا على جُرُف نهر إِذا رجل يُصلي، وإذا لجامُ دابَّته بيده، فجعلتِ الدابَّة تُنازِعه، وجعل يتبعها -قال شعبة: هو أبو بَرْزَة الأسلمي- فجعل رجل من الخوارج يقول: اللهمّ افعل بهذا الشيخ فلمّا انصرف الشيخ قال: إِنّي سمعتُ قولكم

------------------
(١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٨١٤)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١١٤٧)، وانظر»المشكاة«(١٠٠٤).
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٨١٥) وغيره وانظر»الإِرواء«(٣٨٦).
(٣) أي: الإِمام أحمد كما في»سنن أبي داود«(٩٢٢) وفي»الإِرواء«(٣٨٦) و»صحيح سنن الترمذي" (٤٩١) تصريح عائشة -رضي الله عنها- بذلك.



وإِنّي غزوتُ مع رسول الله - ﷺ - ستَّ غزوات أو سبع غزوات وثمانيًا، وشهدت تيسيره، وإِنّي إِنْ كنتُ أن أرجع مع دابّتي أحبُّ إِليَّ من أن أدَعَها ترجع إِلى مأْلَفها (١) فيشقُّ عليّ» (٢).

٥ - حمْل الصبيّ وتعلّقه بالمصلّي.
عن أبي قتادة الأنصاري «أنَّ رسول الله - ﷺ -، كان يصلّي وهو حامل أُمامة بنت زينب بنت رسول الله - ﷺ - ولأبي العاص بن ربيعةَ بن عبدِ شمس، فإِذا سجدَ وضعها، وإِذا قام حملَها» (٣).
وعن عبد الله بن شدّاد عن أبيه قال: «خرج علينا رسول الله - ﷺ - في إِحدى صلاتي العَشِيِّ -الظهر أو العصر (٤) - وهو حامل حسَنًا أو حُسَينًا، فتقدّم النّبيّ - ﷺ - فوضَعه عند قدمه اليمنى، ثمَّ كبّر للصلاة فصلّى، فسجد بين ظهرانيْ (٥) صلاتِه سجدة أطالها، قال: فرفعتُ رأسي من بين الناس، فإِذا الصبي على ظهر رسول الله - ﷺ - وهو ساجد، فرجعتُ إِلى سجودي، فلمّا قضى رسول الله - ﷺ - الصلاة، قال الناس: يا رسول الله! إِنّك سجدتَ بين ظهرانَي صلاتك هذه سجدة أطلْتهَا؛ حتى ظننَّا أنّه حدَث أمر، أو أنَّه يوحى إِليك! قال: كلُّ

-------------------
(١) أي: مَعْلفها. قاله الكرماني.
(٢) أخرجه البخاري: ١٢١١
(٣) أخرجه البخاري: ٥١٦، ومسلم: ٥٤٣
(٤) العشي: ما بعد الزوال إِلى المغرب، وقيل: العشيَّ من زوال الشمس إِلى الصباح، وقيل لصلاة المغرب والعشاء العشاءان، ولِما بين المغرب والعَتَمة؛ عشاء.»النهاية«.
(٥) أقام بين ظهْرَيهِم وظَهْرانَيْهِم، وأظهُرِهم: بينهم.»الوسيط«، قال في»النهاية": زيدت فيه ألف ونون مفتوحة تأكيدًا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 12-01-2026, 05:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 286الى صــ 300
الحلقة (49)



ذلك لم يكن؛ ولكن ابني ارتحلني (١)، فكرهتُ أن أعجله حتى يقضيَ حاجتَه» (٢).
وعن عبد الله بن مسعود قال: «كان - ﷺ - يصلّي؛ فإِذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإِذا منعوهما؛ أشار إِليهم (٣) أن دعُوْهُما، فلمّا قضى الصلاة وضَعَهما في حِجْره وقال: من أحبّني فليُحبَّ هذين» (٤).

٦ - إِلقاء السلام على المصلّي ومخاطبته وجواز الردّ بالإِشارة على مَن سلّم عليه.
فعن جابر أنَّه قال: «إِنَّ رسول الله - ﷺ - بعثَني لحاجة، ثمَّ أدركتُه وهو يسير (قال قتيبة: يصلّي) فسلّمتُ عليه فأشار إِليّ، فلمّا فرَغَ دعاني فقال: إِنّك سلّمت آنفًا وأنا أصلّي، وهو موجِّهٌ حينئذٍ قِبلَ المشرِق» (٥).
وعن صهيب أنَّه قال: «مررت برسول الله - ﷺ - وهو يصلّي، فسلَّمتُ عليه، فرد إِشارةً. قال: ولا أعلمه إِلا قال: إِشارة بأصبعه» (٦).

------------------------
(١) أي: جعلني كالراحلة فركب ظهري. «النهاية».
(٢) أخرجه النسائي وابن عساكر (٤/ ٢٥٧/ ١ - ٢) والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر «الصفة» (ص ١٤٨).
(٣) وهذا من جملة الأدلّة على جواز الإِشارة المفهمة في الصلاة.
(٤) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» بإِسناد حسن وغيره، وانظر «الصفة» (١٤٨).
(٥) أخرجه مسلم: ٥٤٠
(٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨١٨) والنسائي وغيرهما، وانظر «المشكاة» (٩٩١).


وعن أنس بن مالك: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يشير في الصلاة» (١).
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «خرج رسول الله - ﷺ - إِلى قباء يصلّي فيه، فجاءته الأنصار، فسلّموا عليه وهو يصلّي؟ قال: فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله - ﷺ - يرد عليهم حين كانوا يسلّمون عليه وهو يصلّي؟ قال: يقول هكذا، وبسط كفّه وبسط جعفر بن عون كفّه، وجعل بطنه أسفل، وجعل ظهره إِلى فوق» (٢).
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٤٩): «الكلام في الصلاة لا يجوز، وقد سنّ رسول الله - ﷺ - أنّ المصلّي يردّ السلام بالإِشارة».
وذكر عددًا من الأحاديث والآثار في ذلك.
وقد فهمت من شيخنا -حفظه الله تعالى- أنَّ ردّ السلام بالرأس أو باليد بحسب حال المسلِّم، كأنْ يأتي من الخلف ولا يرى حركة اليد؛ فيومئ له بالرأس، أو يأتي من جهة يرى فيها حركة اليد فيرد عليه باليد -والله تعالى أعلم-.

٧ - التسبيح والتصفيق:
يجوز التسبيح للرجال والتصفيق للنساء إِذا عرَض أمْر من الأمور؛ كتنبيه الإِمام إذا أخطأ وكالإِذن للداخل، أو الإِرشاد للأعمى ونحو ذلك.

----------------------
(١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٣٢)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٨٨٥).
(٢) أخرجه أبو داود بسند جيد، وبقية أصحاب السنن، وانظر «الصحيحة» (١٨٥).



فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: يا أيها الناس، إِذا نابكم (١) شيء في صلاتكم أخذتم بالتصفيح (٢)، إنّما التصفيح للنساء، من نابه شيءٌ في صلاته فليقل سبحان الله، فإِنّه لا يسمعه أحدٌ إلاَّ التفت» (٣).
وفي رواية: «... يا أيها الناس، ما لكم حين نابكم شيء في الصلاة أخذتم في التصفيق؟ إِنّما التصفيق للنساء، من نابه شيء في صلاته فليقل سبحان الله، فإِنّه لا يسمعه أحدٌ حين يقول سبحان الله إلاَّ التفت ...» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء» (٥).

٨ - الفتح على الإِمام:
إِذا نسي الإِمام آية يفتح عليه المؤتمّ فيذكّره.
فعن عبد الله بن عمر: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلى صلاةً فقرأ فيها، فلُبِس عليه،

------------
(١) نابه: أي: أصابه شيء يحتاج فيه إِلى إِعلام الغير. ونابكم شيء: أي: أصابكم.»عون«.
وفي»اللسان«: ما ينوب الإِنسان أي: ما ينزل به من المهمّات والحوادث.
(٢) التصفيح: التصفيح والتصفيق واحد، وهو من ضرب صفحة الكفّ على صفحة الكفّ الآخر يعني إِذا سها الإمام نبّه المأموم، إِن كان رجلًا قال: سبحان الله، وإن كانت امرأةً ضربت كفّها عوضًا عن الكلام.»النهاية".
(٣) أخرجه البخاري: ٢٦٩٠، ومسلم: ٤٢١
(٤) أخرجه البخاري: ١٢٣٤، ومسلم: ٤٢١
(٥) أخرجه البخاري: ١٢٠٤، ومسلم: ٤٢٢



فلمّا انصرف قال لأبيَّ: أصلّيت معنا؟ قال: نعم قال: فما منعَك (١)؟» (٢).
وعن المسوَّر بن يزيد المالكي: «أنَّ رسول الله - ﷺ - يقرأ في الصلاة، فترك شيئًا لم يقرأهُ، فقال له رجل: يا رسول الله، تركْتَ آية كذا وكذا، فقال رسول الله - ﷺ -: هلاَّ أذكرتَنِيها» (٣).

أعمال أخرى مباحة في الصلاة:
ومن الأعمال المباحة في الصلاة:
١ - رجوع الإِمام القهقرى في صلاته، أو تقدُّمه بأمرٍ ينزل به (٤).
فعن أنس بن مالك «أنَّ المسلمين بينا هم في الفجر يوم الاثنين، وأبو بكر -رضي الله عنه- يُصلّي بهم، ففجَأَهم النّبيّ - ﷺ - قد كشف سِتر حجرة عائشة -رضي الله عنها- فنظر إِليهم وهم صفوف، فتبسَّم يضحك، فنكص أبو بكر -رضي الله عنه- على عقِبيه، وظنّ أنَّ رسول الله - ﷺ - يريد أن يخرج إِلى الصلاة، وهمّ المسلمون أن يفتَتِنوا في صلاتهم فَرَحًا بالنّبيّ - ﷺ - حين رأوه فأشار بيده أن أتمّوا، ثمَّ دخل الحُجرة وأرخى السِّتر، وتوفِّي ذلك اليوم» (٥).
٢ - مسْح الحصى مرة واحدة عند الحاجة لحديث معيقيب «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال في الرجل يسوِّي التراب حيث يسجد قال: إِنْ كنتَ فاعلًا

------------------------
(١) أي: أن تفتح عليّ.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٨٠٣)، والطبراني في»الكبير«.
(٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود" (٨٠٣).
(٤) مقتبس من تبويب البخاري -رحمه الله-.
(٥) أخرجه البخاري: ١٢٠٥



فواحدة» (١).
٣ - بسط الثوب في الصلاة لسجود لحديث أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: «كنّا مع النّبيّ - ﷺ - في شدّة الحرّ، فإِذا لم يستطع أحدنا أن يُمكّن وجهه في الأرض، بسط ثوبه فسجد عليه» (٢).
٤ - متابعة السارق:
قال قتادة: «إِنْ أُخِذ ثوبه يتبع السارق ويدَع الصلاة» (٣).
٥ - غمزْ رِجل النائم ونحوه.
فعن عائشة -رضي الله عنها- أنّها قالت: «كنتُ أنام بين يدي رسول الله - ﷺ - ورجلاي في قِبلته، فإذا سجد غمَزني (٤)، فقبضتُ رجليّ، فإِذا قام بسطتُهما، قالت: والبيوت يومئذٍ ليس فيها مصابيح» (٥).
٦ - مقاتلة من أراد المرور بين يدي المصلّي وتقدَّم.
٧ - شُغل القلب بغير أعمال الصلاة، ممّا لا يملك دفْعه:
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «إِذا نُودي بالصلاة

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٠٧، ومسلم: ٥٤٦
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٠٨
(٣) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، ووصله عبد الرزاق في مصنّفه بسند صحيح عنه، وانظر»مختصر البخاري" (١/ ٢٨٦).
(٤) الغمز: الكبس باليد.
(٥) أخرجه البخاري: ٥١٣، ومسلم: ٥١٢



أدبر الشيطان وله ضراط، فإِذا قُضي أقبل، فإِذا ثُوِّبَ بها أدبر، فإِذا قُضي أقبل حتى يخطُِرَ (١) بين الإِنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا، حتى لا يدري أثلاثًا صلّى أم أربعًا، فإِذا لم يدرِ ثلاثًا صلّى أو أربعًا؛ سجد سجدتي السهو» (٢).
وعن عمر -رضي الله عنه- قال: «إِنّي لأجهّز جيشي وأنا في الصلاة» (٣).

تنبيه: ينبغي للمصلّي أن يُقبل بقلبه على ربه ويصرف عنه الشواغل بالتفكير في معنى الآيات والأذكار والأدعية واستحضار الموت، ويحمل جواز العمل في الصلاة على الحاجة والضرورة، وما لا يمكن دفْعه.
فعن عمّار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «إِنَّ الرجل لينصرف وما كُتبَ له إلاَّ عُشرُ صلاته، تُسعُها، ثُمنها، سُبعها، سُدسها، خُمسها، رُبعها، ثُلثها، نصفها» (٤).
وعن أبي اليَسَر -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «منكم من يصلّي الصلاة كاملة، ومنكم من يصلّي النصف، والثلث، والربع، والخمس، حتى بلغ العُشر» (٥).

---------------------
(١) هو بضم الطاء وكسرها، وبالكسر معناها: يوسوس، وأما بالضمّ: من السلوك والمرور أي: يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله عمّا هو فيه. «النووي» (٤/ ٩٢).
(٢) أخرجه البخاري: ٣٢٨٥، ومسلم: ٣٨٩
(٣) أخرجه البخاري معلقًا بصيغة الجزم ووصله ابن أبي شيبة بإِسناد صحيح عنه وانظر «مختصر البخاري» (١/ ٢٨٨).
(٤) أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٥٣٥)، وابن حبان في «صحيحه» بنحوه.
(٥) أخرجه النسائي بإِسناد حسن، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٣٦).



وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الصلاة ثلاثةُ أثلاث، الطُّهور ثلث، والركوع ثُلث، والسجود ثُلث، فمن أدّاها بحقِّها قُبلت منه، وقُبل منه سائر عمله، ومن رُدّت عليه صلاته، رُدَّ عليه سائر عمله» (١).
وعن زيد بن خالد الجهني -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من توضّأ فأحسن الوضوء ثمّ صلّى ركعتين، لا يسهو فيهما غُفر له ما تقدّم من ذنبه» (٢).
وعن عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه- أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله! إِنَّ الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي، يَلْبِسُها عليّ، فقال رسول الله - ﷺ -: «ذاك شيطان يُقال له خِنْزَب فإِذا أحْسَسْتهُ فتعوّذ بالله منه، واتفُِل على يسارك ثلاثًا قال: ففعَلْت ذلك فأذهبه الله عنّي» (٣).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «قال الله تعالى: قسمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإِذا قال العبد: الحمد لله ربّ العالمين، قال الله تعالى: حَمِدَني عبدى، وإِذا قال:

-----------------------
(١) أخرجه البزار، وحسّنه المنذري في»الترغيب والترهيب«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٥٣٧).
(٢) أخرجه أبو داود في»سننه«والحاكم في»مستدركه«وغيرهما وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وشيخنا، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٢٢١).
(٣) أخرجه مسلم: ٢٢٠٣



الرحمن الرحيم قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال مالك يوم الدين قال: مجَّدني عبدي (وقال مرّة: فوَّضَ إِليَّ عبدي) فإِذا قال: إِيَّاك نعبد وإيّاك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل فإِذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضَّالين قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (١).
---------------------------
(١) أخرجه مسلم: ٣٩٥، وتقدّم.


ما يُنهى عن فِعله في الصلاة
١ - العبث بالثوب أو البدن إلاَّ لحاجة.
فعن مُعَيقيب «أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال في الرجل يسوّي التراب حيث يسجد قال: إِنْ كنتَ فاعلًا فَوَاحِدَةً» (١).

٢ - التخصّر في الصلاة:
فعن أبي هريرة عن النّبيّ - ﷺ - «أنَّه نهى أن يصلّي الرجل مختصرًا» (٢).

٣ - رفع البصر إِلى السماء:
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لينتهينّ أقوامٌ عن رفعهم أبصارَهم عند الدعاء في الصلاة إِلى السماء؛ أو لتخطَفَنّ أبصارُهم» (٣).

------------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٢٠٧، ومسلم: ٥٤٦، وتقدّم في أعمال أخرى مباحة في الصلاة.
سألت شيخنا -شفاه الله- عن العبث بالثوب أو الحصى فقلت: يقول بعض العلماء بكراهة ذلك، أو ليس النهي هنا يفيد التحريم؟
فأجاب إِن الكراهة قد تقوى إِذا كثُرت الحركات حكى تبلغ إِلى إِبطال الصلاة وهو يشير -شفاه الله تعالى- إِلى ما قاله بعض العلماء فيما لو رآه من كان في خارج الصلاة ظنّ أنه لا يصلّي لكثرة حركاته، فهنا يُحكم ببُطلان صلاته.
(٢) أخرجه البخاري: ١٢٢٠، ومسلم: ٥٤٥، والنهي يفيد التحريم إلاَّ لقرينة، فدلّ على التحريم، وبتحريم الاختصار يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-.
(٣) أخرجه مسلم: ٤٢٩



وقوله لتُخطَفَنّ أبصارُهم يدل على التحريم، وبه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى-.

٤ - الالتفات لغير حاجة (١):
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله - ﷺ - عن الالتفات في الصلاة، فقال: «هو اختلاسٌ (٢) يختلسه الشيطان من صلاة العبد» (٣).

٥ - النظر إِلى ما يلهي ويشغل:
عن عائشة «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى في خميصةٍ (٤) لها أعلام فنظر إِلى أعلامها نظرةً، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إِلى أبي جهم واْئتوني بأنبِجانية (٥) أبي جهم، فإِنّها ألهتني آنفًا عن صلاتي» (٦).

٦ - تغميض العينين:
ويفعله بعض المصلّين استجلابًا للخشوع، وليس هذا بصواب، وسألت شيخنا -حفظه الله- عمّن يُغمض عينيه في الصلاة فقال: «هو مكروه؛

--------------
(١) استفدته من» الوجيز«.
(٢) اختلاس: أي: اختطاف بسرعة.»فتح«(٢/ ٣٣٥).
(٣) أخرجه البخاري: ٧٥١، وتقدّم.
(٤) الخميصة: ثوب يُنسج من صوف مُعْلم ونحوه، وقيل: لا تسمّى خميصة إلاَّ أن تكون سوداء مُعلمة، وكانت من لباس الناس قديمًا.»النهاية«بتصرف يسير.
(٥) الأنْبِجانية: كساء غليظ لا علم له، يُقال: كبش أنبجاني: إِذا كان مُلْتفًّا، كثير الصوف وكساء أنبِجاني كذلك.»فتح".
(٦) أخرجه البخاري: ٣٧٣، ومسلم: ٥٥٦



خلاف السنّة».

٧ - السدل (١) وتغطية الفم:
عن أبي هريرة «أنَّ رسول الله - ﷺ - نهى السّدل في الصلاة، وأن يغطّي الرجل فاه» (٢).

٨ - الكلام في الصلاة:
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «نُهينا عن الكلام في الصلاة، إلاَّ بالقرآن، والذكر» (٣).

٩ - الصلاة بحضرة الطعام ومدافعة الأخبثين ونحو ذلك:
عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: لا

-----------------------
(١) قال الخطابي: السدل إِرسال الثوب حتى يصيب الأرض. وقال في»النيل«: قال أبو عبيد في»غريبه«: السدل إِسبال الرجل ثوبه من غير أن يضمّ جانبيه بين يديه، فإِنْ ضمّه فليس بسدل. قال صاحب»النهاية«: هو أن يلتحف بثوبه ويُدخِل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، قال: وهذا مطّرد في القميص وغيره من الثياب. قال: وقيل: هو أن يضع وسط الإِزار على رأسه، ويرسل طرفيه عن يمينه وشماله من غير أن يجعلهما على كتفيه. وقال الجوهرى: سَدَل ثوبه يسدله بالضم سدلًا أي: أرخاه، ولا مانع من حمل الحديث على جميع هذه المعاني إِنْ كان السدل مشتركًا بينها، وحمْل المشترك على جميع معانيه هو المذهب القويّ. عن»عون المعبود«(٢/ ٢٤٤) وذكره الشيخ عبد العظيم -حفظه الله تعالى- في»الوجيز«.
(٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٥٩٧) بإِسناد حسن، وانظر»المشكاة«(٧٦٤).
(٣) أخرجه الطبراني في»الكبير«، وانظر»الصحيحة" (٢٣٨٠).



صلاة بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الأخبثان (١)» (٢).
وهذا الحديث قد أفاد التحريم وبه يقول شيخنا -حفظه الله تعالى- وسألته هل ترون أنّ هذا الحديث قد أفاد التحريم، فأجاب: «نعم» وقال: «وهذا إِنْ كان تائقًا للطعام، وإِلا قدّم الصلاة على الطعام»: وقال: ... وابن حزم يرى البُطلان.
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «قال رسول الله - ﷺ - إِذا وُضع عَشاء أحدكم وأقيمت الصلاة؛ فابدَؤا بالعَشاء ولا يعجل حتى يفرغ منه، وكان ابن عمر يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرُغ وإنّه ليسمع قراءة الإِمام» (٣).

١٠ - الصلاة عند النعاس:
عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا نَعَس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم. فإِنّ أحدكم إِذا صلّى وهو ناعسٌ، لعلّه يذهب يستغفر فيسُبُّ نفسه» (٤).
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قام أحدكم

--------------------------
(١) الأخبثان: هما الغائط والبول.»النهاية".
(٢) أخرجه مسلم: ٥٦٠
(٣) أخرجه البخاري: ٦٧٣، والمرفوع عنه في مسلم: ٥٥٩، وتقدّم.
(٤) أخرجه البخاري: ٢١٢، ومسلم: ٧٨٦



من الليل فاستعجم القرآنُ على لسانه (١) فلم يدْرِ ما يقول فليضطجع» (٢).

١١ - البُصاق جهة القبلة، أو عن يمينه، لقوله - ﷺ -: «إِنَّ أحدكم إِذا قام يصلّي؛ فإِن الله -تبارك وتعالى- قِبَل وجهه، فلا يبصقنّ قِبَل وجهه، ولا عن يمينه» (٣).
١٢ - التثاؤب لقوله - ﷺ -: «إِذا تثاوب أحدكم في الصلاة، فليكظم ما استطاع؛ فإِنَّ الشيطان يدخل» (٤).
١٣ - كفْت (٥) الشعر والثوب، لقوله - ﷺ -: «أُمِرتُ أن أسجد على سبعة أعظُم: على الجبهة -وأشار بيده على أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين، ولا نكفتَ الثياب والشَّعَر» (٦).
١٤ - الاعتماد على اليد في الصلاة وتشبيك اليدين:
عن ابن عمر قال: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده» (٧).

---------------------
(١) استعجم القرآن على لسانه: «لم يُفصِح به، وأُرتِج عليه فلم يقدر أن يقرأ، كأنّه صار به عُجمة». «النهاية».
(٢) أخرجه مسلم: ٧٨٧، وتقدّم.
(٣) أخرجه مسلم: ٣٠٠٨
(٤) أخرجه مسلم: ٢٩٩٥
(٥) الكفْت: الجمع والضّم.
(٦) أخرجه البخاري: ٨١٢، ومسلم: ٤٩٠
(٧) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٧٥) والحاكم وغيرهما، وانظر =



وعن إِسماعيل بن أمية قال: «سألت نافعًا عن الرجل يصلّي وهو مشبك يديه، قال: قال ابن عمر: تلك صلاة المغضوب عليهم» (١).
وعن ابن عمر «أنّه رأى رجلًا يتّكي على يده اليسرى وهو قاعد في الصلاة -وقال هارون بن زيد-: ساقطًا على شقه الأيسر، فقال له: لا تجلس هكذا؛ فإِن هكذا يجلس الذين يعذبون» (٢).

---------------------
= «الإِرواء» (٣٨٠).
(١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٧٦) وغيره، وانظر «الإِرواء» (٣٨٠).
(٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٨٧٧) والبيهقي، وانظر «الإِرواء» (٣٨٠).



مبطلات الصلاة
١ - الأكل والشرب عمدًا:
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٤٨): «أجمع أهل العلم على أنَّ المصلّي ممنوع من الأكل والشرب، وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم أنَّ على من أَكل أو شرب في الصلاة عامدًا الإِعادة».

٢ - الكلام عمدًا في غير مصلحة الصلاة (١):
قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٣٤): «أجمع أهل العلِم على أنَّ من تكلّم في صلاته عامدًا لكلامه، وهو لا يريد إِصلاح شيء من أمرها أنّ صلاته فاسدة».
عن زيد بن الأرقم قال: «كنّا نتكلّم في الصلاة يُكلِّم الرجل صاحبه وهو إِلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وقوموا لله قانتين (٢)﴾ (٣) فأُمِرْنا بالسكوت ونُهِينا عن الكلام» (٤).
وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «كنّا نُسلِّم على النّبيّ - ﷺ -

------------------------
(١) هذا العنوان من»فقه السنة«.
(٢) قانتين: أى مطيعين: هو تفسير ابن مسعود أخرجه ابن أبي حاتم بإِسناد صحيح.»فتح«(٨/ ١٩٨). وقال ابن كثير في»تفسيره«: أي:»خاشعين: ذليلين مستكينين بين يديه، وهذا الأمر مستلزِمٌ ترْك الكلام في الصلاة؛ لمنافاته إِياها".
(٣) البقرة: ٢٣٨
(٤) أخرجه البخاري: ١٢٠٠، ومسلم: ٥٣٩ وهذا لفظه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #50  
قديم 12-01-2026, 05:28 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,242
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة


الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة
المؤلف: حسين بن عودة العوايشة

عدد الأجزاء: ٧
الجزء الثانى
من صــ 301الى صــ 315
الحلقة (50)



وهو في الصلاة فيردُّ علينا، فلمّا رجعْنا من عند النجاشيِّ سلّمْنا عليه فلم يردّ علينا وقال: إِنّ في الصلاة شُغُلًا» (١).
أمّا من تكلّم ناسيًا أو جاهلًا بالحُكم فصلاته صحيحة، كما في حديث معاوية بن الحكم السُّلميّ قال: «بَيْنا أنا أُصلّي مع رسول الله - ﷺ - إِذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله! فرماني القوم بأبصارهم (٢) فقلت: واثكْلَ أُمِّياهْ (٣)! ما شأنكم (٤) تنظرون إليَّ؛ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمّا رأيتهم يُصَمِّتُونني (٥) لكنِّي سكتُّ. فلما صلّى رسول الله - ﷺ - فبأبي هو وأمِّي! ما رأيتُ معلّمًا قبله ولا بعده أحسن تعليمًا منه. فوالله! ما كَهَرني (٦) ولا ضربني ولا شتمني. فال: إِنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إِنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن» (٧).
جاء في «المرقاة» (٣/ ٦٢): «قال القاضي: أضاف الكلام إِلى الناس ليخرج منه الدعاء والتسبيح والذكر، فإِنّه لا يراد بها خطاب الناس وإِفهامهم.

-----------------------
(١) أخرجه البخاري: ١١٩٩، ومسلم: ٥٣٨
(٢) أي: نظروا إِليّ نظْر زجْر؛ كيلا أتكلمّ في الصلاة. قاله الطيبي كما في»المرقاة«(٣/ ٦١).
(٣) بكسر الميم والثُّكْل بضمٍّ وسكون وبفتحهما: فقدان المرأة ولدها، والمعنى: وافقدها لي فإِني هلكْت.»المرقاة«.
(٤) أي: ما حالكم وأمركم؟
(٥) أي: يسكّتونني.
(٦) أي: ما قهرَني وزجَرني وما استقبَلني بوجه عبوس.»مرقاة" بتصرف.
(٧) أخرجه مسلم: ٥٣٧


قال النووي: وفيه أنّ من حلف أن لا يتكلّم فسبّح أو كبّر أو قرأ القرآن لا يحنث، وفي»شرح السنّة«، لا يجوز تشميت العاطس في الصلاة، فمن فعل بطلت صلاته، وفيه أنّ كلام الجاهل بالحكم لا يبطلها إِذ لم يأمره [رسول الله - ﷺ -] بإِعادة الصلاة، وعليه أكثر العلماء من التابعين، وبه قال الشافعي، وزاد الأوزاعي وقال: إِذا تكلم عامدًا بشيء من مصلحة الصلاة مِثل: إِنْ قام الإِمام في محل القعود فقال: اقعد، أو جهَر في موضع السرّ فأخبَره لم تبطل صلاته (١) اهـ.
وقال ابن حجر: أجمعوا على بطلانها بالكلام العمد لغير مصلحة الصلاة، واعترض الإِجماع بأنّ ابن الزبير قال: من قال وقد مطروا في الصلاة: يا هذا خفف فقد مُطِرنا لا تبطل صلاته».

٣ - الاشتغال الكثير بما ليس من الصلاة:
قال الشوكاني في «الدرر البهية» (١/ ٢٨٤): «وذلك مُقيَّد بأن يخرج به المصلّي عن هيئة الصلاة؛ كمن يشتغل مثَلًا بخياطة أو نجارة، أو مشْيٍ كثيرٍ، أو التفاتٍ طويل، أو نحو ذلك، وسبب بطلانها بذلك أنّ الهيئة المطلوبة من المصلّي قد صارت بذلك الفعل متغيرة عمّا كانت عليه، حتى صار الناظر لصاحبها لا يعدّه مصليًا».
وقال محمد صدّيق البخاري في «الروضة الندية» (١/ ٢٨٥) -بحذف-: «اختلف أنظار أهل العلم في تعريف الفعل الكثير المفسد للصلاة والمبطل لها والذي أراه طريقًا إِلى معرفة الفعل الكثير، أن ينظر المتكلّم في ذلك إِلى

----------------------
(١) قلت:»وهذا إِذا لم يعقل الإِمام مراده من التسبيح فيتكلّم".


ما صدر منه - ﷺ - من الأفعال (١)، مثل حمْله لأُمامة بنت أبي العاص، ونحو ذلك مما وقع منه - ﷺ - لا لإِصلاح الصلاة، فيحكم بأنّه غير كثير، وكذلك ما وقع لقصد إصلاح الصلاة مثل خلْعه - ﷺ - للنعل، وإِذنه بمقاتلة الحيّة وما أشبه ذلك (٢). ولكنه إِذا صدر من المصلي من الأفعال التي لمجرّد العبث ما يخرج به عن هيئة من يؤدي هذه العبادة؛ مِثل أن يشتغل بعملٍ من الأعمال التي لا مدخل لها في الصلاة ولا في إِصلاحها نحو: حمل الأثقال والخياطة، والنسج ونحو ذلك فهذا غير مُصلٍّ».
ثمَّ ذكر ما جاء في «الحجة البالغة» (٢/ ١٣ - ١٤): «إِنَّ النّبيّ - ﷺ - قد فعل أشياءَ في الصلاة بيانا للمشروعية، وقرر على أشياءَ، فذلك وما دونه لا يُبطِل الصلاة.
والحاصل من الاستقراء؛ أنّ القول اليسير مِثل: ألعنك بلعنه الله، ويرحمك الله وياثكل أمّاه، وما شأنكم تنظرون إِليَّ [بغير عمد]، والبطش اليسير مثل: وضع صبية من العاتق ورفعها، وغمز الرجل، ومثل فتح الباب (٣) والمشي اليسير كالنزول من درج المنبر إِلى مكان ليتأتى منه السجود في أصل المنبر، والتأخر من موضع الإِمام إِلى الصف، والتقدّم إِلى الباب المقابل ليفتح، والبكاء خوفًا من الله تعالى، والإِشارة المُفهِمة، وقتل الحية والعقرب،

---------------------
(١) انظر ما يباح فِعله في الصلاة.
(٢) لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»اقتلوا الأسودين في الصلاة: الحية والعقرب". وتقدّم.
(٣) إِن كان في جهة القبلة.



واللحظ يمينًا وشمالًا من غير ليِّ العنق لا يفسد، وإنْ تعلّق القذر بجسده أو ثوبه إِذا لم يكن بفعله، أو كان لا يعلمه لا يفسد» (١).

٤ - ترْك شرط أو رُكن عمدًا بلا عُذر:
وذلك لما تقدّم في قول النّبيّ - ﷺ - للمسيء صلاته: «ارجع فصلِّ فإِنّك لم تُصلِّ».
وقد أمَر النّبيّ - ﷺ - من رأى لمعة في ظهر قدمه لم يُصبها الماء؛ أن يعيد الوضوء والصلاة (٢).
جاء في «الروضة النديّة» (١/ ٢٨٨): «وإذا ترك الركن فما فوقه سهوًا فعَله، وإن كان قد خرج عن الصلاة، كما وقع منه -صلّى الله تعالى عليه وآله وسلّم- في حديث ذي اليدين (٣)، فإِنّه سلم عن ركعتين ثمَّ أخبر بذلك، فكبّر وفعل الركعتين المتروكتين، وأمّا ترْك ما لم يكن شرطًا ولا ركنًا من الواجبات فلا تبطل به الصلاة؛ لأنّه لا يؤثر عدمه في عدمها، بل حقيقة الواجب ما يمدح فاعله ويذمّ تاركه، وكونه يذمّ لا يستلزم أنّ صلاته باطلة».

٥ - الضحك في الصلاة:
نقل ابن المنذر الإِجماع على بُطلان الصلاة بالضحك (٤).

-----------------------
(١) وفي كل هذا أو ما يشبهه أحاديثُ ثابتة.
(٢) تقدم في الترهيب من النقص في غَسل الرجلين.
(٣) تقدّم.
(٤) الإِجماع: ٤٠



قضاء الصّلاة
إِنَّ الكلام في هذا الموضوع يطول، فأختصر منه ما يناسب المقام، فأقول وبالله أستعين: أوّلًا:
عن أنس -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «من نسي صلاة فليصلِّها إِذا ذكَرها، لا كفّارة لها إلاَّ ذلك ﴿وأقمِ الصلاة لذِكري﴾ (١)» (٢)
وفي رواية: «من نسي صلاة أو نام عنها، فكفارتها أن يُصليها إِذا ذَكرها» (٣).
وفي رواية: «إِنّه لا تفريط في النوم، إِنّما التفريط في اليقظة ...» (٤).
وعن أبي قتادة، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ليس في النوم تفريط (٥)، إِنما التفريط في اليقظة أن تؤخَّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى» (٦).
وقال إِبراهيم النخعي: من ترك صلاةً واحدةً عشرين سنة، لم يُعِد إلاَّ تلك الصلاة الواحدة (٧).

--------------------
(١) طه: ١٤
(٢) أخرجه البخاري: ٥٩٧، ومسلم: ٦٨٤، وتقدّم.
(٣) أخرجه مسلم: ٦٨٤
(٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٢٢).
(٥) أي تقصير.
(٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٢٥) وغيره، وتقدّم.
(٧) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، وقال شيخنا: «وصلَه الثوري في»جامعه«عن منصور وغيره كما في»الفتح«فهو صحيح الإِسناد».



بعد هذه النصوص المتقدمة أقول:
١ - ينبغي أن نعقل ما يترتّب على قوله - ﷺ -: «إِنّه ليس في النّوم تفريط»، ويُعيننا على ذلك قوله - ﷺ -: «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ (وفي رواية: وعن المجنون، وفي لفظ المعتوه حتى يعقل أو يُفيق)، وعن الصبي حتى يكبر (وفي رواية: حتى يحتلم)» (١).
فنفي التفريط عن النوم وإِثباته في اليقظة له شأن عظيم، ولا ينبغي التسوية بين النائم والمستيقظ، ولا نجعل قوله - ﷺ -: «ليس في النّوم تفريط» كقول الغافل: «ليس في اليقظة تفريط»! ولا سيما أنَّ ذلك جاء مُؤكَّدًا في قوله - ﷺ -: «إِنّما التفريط في اليقظة».
فهذا يفيد التعيين. جاء في «مختار الصحاح»: «وإِن زِدْتَ على إِنّ (ما) صارت للتعيين، كقوله تعالى: ﴿إِنّما الصّدقات للفقراء﴾ الآية، لأنّه يوجب إِثبات الحُكم للمذكور ونفيه عمّا عَداه».
وفسّر عليه الصلاة والسلام معنى التفريط في اليقظة فقال: «... إِنّما التفريط في اليقظة؛ أن تؤخّر صلاةً حتى يدخُل وقْت أُخرى».
والمراد من مقدّمات التفريط وعدمه؛ بيان من يجوز له أن يصلّي بعد الوقت المُقرَّر، فمن أخّر صلاة حتى يدخل وقت أخرى فقط فرّط، فضلًا عمّن أخّرها حتى تدخل صلوات كثيرة.
٢ - بيان جواز قضاء الفائتة لصنفٍ مُعيَّن ومحدّد وذلك في قوله - ﷺ -: «... من نسي صلاة أو نام عنها».

-------------------
(١) أخرجه أبو داود وغيره، وصححه شيخنا في «الإِرواء» (٢٩٧).


فبعد المقدّمات التي أشَرْت إليها؛ بيَّن النّبيّ - ﷺ - من يسوغ له أن يصلّي الفائتة بقوله: «من نسي صلاةً أو نام عنها».
فالعُذر: نسيان أو نوم، فإِذا سويّنا بين المتعمّد، أو النّاسي والنائم والمعذور وغير المعذور، فما قيمة الحديث؟
٣ - ولا شكّ أن (مَن) شَرْطيَّة، فِعْلها (نسي) و(نام) معطوفة على (نَسي)، وجواب الشرط (ليُصلّها إِذا ذكَرها). واللام هنا لام الأمر، وهي ممّا يُؤكّد ما نحن فيه مِن قول.
فهذه الصلاة فقط لمن نام أو نسي، ولكن هل هذه الرخصة مطلقة؟ كلاّ لأنها جاءت مشروطةً موقوتة.
فقوله - ﷺ -: «فليصلّها إِذا ذكَرها» يدّل على تقييد ذلك حين التذكر لا يتجاوزه، ولم يقُلِ النّبيّ - ﷺ -: «فليصلها متى شاء». وهذا للمعذور فكيف بغير المعذور!
ثمَّ يأتي قوله - ﷺ -: «لا كفّارة لها إلاَّ ذلك». فهذه اللام نافية للجنس، أي: تنفي جنس الكفّارات، والمعنى: لا كفّارة إلاَّ أن يُصلّيها حين يذكرها، وماذا إِذا أجَّلها مرَّة أُخرى وأخَّرها، أنقول إِنَّ له كفارة؟! وهل يليق بنا أن نُثبت ما نفاه رسول الله - ﷺ -؟
والخلاصة المتقدمة من هذه النّصوص:
من أضاع صلاةً حتى خرَج وقتها وهو مستيقظ لغير عُذر نصّ عليه الشرع فهو مفرّط؛ ومن نام عن صلاة أو نسيها فليس بمفرِّط أو مقصِّر، فله أن يصلّي ما فات، إِذ هو معذورٌ بذلك، ولكن عليه أن يصلّي ما فاته حين يذكر الصلاة،


ولا كفّارة لما وقَع فيه من ترْك الصلاة سوى ذلك: أي: الصلاة حين يذكرها.
ولا بدّ من مراعاة معرفة المفرّط من غير المفرّط، لأنّه بها يتحدّد من يجوز له الصلاة بعد فوات وقتها (١) ممّن لا يجوز له ذلك.
ثانيًا: وممّا يحسُن بنا أن نعلم أنّ أمر الكفَّارات توقيفيّ، فهناك أمور كفّارتها إِقامة الحدّ مِن جَلْد أو رجم أو إِطعام ... وأمور كفّارتها الصيام، وأمور لا كفّارة لها سوى التوبة والإِنابة، فاليمين الغموس لا كفّارة لها مِن صيام ونحوه، ككفّارة مَن حلف وهو غير قادر على الإطعام، ولا يُقال للقاتل عمدًا: لك أن تكفِّر كمن قتل خطأً ...، بل إِنّه قد خطئ الحقّ من قال: إِنَّ مَن قتَل عمدًا لهو أولى بصيام شهرين متتابعين ممّن قتَل خطأً.
فهذا أبلغ في الزجر والتعنيف، وبيان ما لهذه الأمور من حُرمة، وكذلك ليس مَن ترك الصلاة عمدًا حتى يخرج وقتها؛ كمن نام عنها أو نَسيها.
ولو أنَّ رجلًا حلف فقال: والله لأطعمنّ زيدًا قبل العصر، فإِنّه لا يجزئه أن يُطعم زيدًا نفسه بعد العشاء، ولكن عليه أن يطعم عشرة أشخاص.
ولو أنَّ رجلًا جامع في نهار رمضان عامدًا؛ فإِنّه لا يجزئه أن يصوم يومًا بعد رمضان، بل يجب عليه صيام شهرين متتابعين.
فليس لنا أن نقول لمن ضيّع صلاة وفرّط فيها: عليك أن تصلّي صلاةً واحدةً تكفِّر ما فَعَلْت!
ثالثًا: وفي الحديث: "أوّل ما يُحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإِنْ

---------------------
(١) بل هو وقتها بالنسبة للمعذور، فالوقت وقتان: وقت اختيار ووقت عُذر، وسيأتي قريبًا كلام ابن القيّم -رحمه الله- في ذلك.


كان أكملها كُتبت له كاملة، وإِن لم يكن أكمَلها، قال للملائكة: انظروا هل تجِدون لعبدي مِن تطوُّع؛ فأكمَلوا بها ما ضَيّع مِن فريضة، ثمَّ الزكاة، ثمَّ تُؤخذ الأعمال على حسب ذلك» (١).
ولم يقُل: «.. انظروا هل تجدون لعبدي من قضاء» فلنا من هذا الحديث أنْ نأمر من فاتته صلوات بغير ما سبق من أعذار، أن يكثر من التطوّع والتنفّل، وهو غير قضاء الفريضة، وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -.
رابعًا: قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الصحيحة» -بحذف يسير- تحت الحديث (٦٦) بلفظ: «إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فليتمّ صلاته، وإذا أدرك أوّل سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس؛ فليتمّ صلاته».
«ومعنى قوله - ﷺ -:»فليتمّ صلاته«؛ أي: لأنّه أدركها في وقتها وصلاّها صحيحة، وبذلك برئت ذمّته، وأنّه إِذا لم يدرك الركعة؛ فلا يتمّها؛ لأنها ليست صحيحة بسبب خروج وقتها؛ فليست مبرئة للذمّة.
ولا يخفى أنّ مثله -وأولى منه- من لم يدرك من صلاته شيئًا قبل خروج الوقت؛ فإِنّه لا صلاة له، ولا هي مبرئة لذمّته؛ أي: أنّه إِذا كان الذي لم يدرك الركعة لا يؤمر بإِتمام الصلاة؛ فالذي لم يدركها إِطلاقًا أولى أن لا يؤمر بها، وليس ذلك إلاَّ من باب الزجر والردع له عن إِضاعة الصلاة، فلم يجعل الشارع الحكيم لمثله كفّارة كي لا يعود إِلى إِضاعتها مرّة أخرى؛ متعلّلًا بأنّه يمكنه

-----------------------
(١) أخرجه ابن ماجه وأحمد بسند صحيح، وانظر»تخريج الإِيمان" لابن أبي شيبة رقم (١١٢).


أنْ يقضيها بعد وقتها، كلاّ فلا قضاء للمتعمّد؛ كما أفاد هذا الحديث الشريف وحديث أنس: «لا كفّارة لها إلاَّ ذلك».
ومن ذلك يتبيّن لكلّ من أوتي شيئًا من العلم والفقه في الدين؛ أنّ قول بعض المتأخّرين: «وإِذا كان النائم والناسي للصلاة -وهما معذوران- يقضيانها بعد خروج وقتها؛ كان المتعمد لتركها أولى»؛ أنه قياس خاطئ؛ بل لعله من أفسد قياس على وجه الأرض؛ لأنَّه من باب قياس النقيض على نقيضه، وهو فاسد بداهة، إِذ كيف يصحّ قياس غير المعذور على المعذور والمتعمد على الساهي؟! ومن لم يجعل الله له كفّارة على من جعل الله له كفّارة؟! وما سبب ذلك إلاَّ من الغفلة عن المعنى المراد من هذا الحديث الشريف، وقد وفّقنا الله تعالى لبيانه، والحمد لله تعالى على توفيقه.
وللعلامة ابن القيّم -رحمه الله تعالى- بحث هام مفصّل في هذه المسألة، أظنّ أنَّه لم يُسبَق إِلى مثله في الإِفادة والتحقيق، وأرى من تمام هذا البحث أن أنقل منه فصلين: أحدهما في إِبطال هذا القياس، والآخر في الردّ على من استدل بهذا الحديث على نقيض ما بيَّنَّا، قال -رحمه الله- بعد أن ذكر القول المتقدّم-: "فجوابه من وجوه:
أحدها: المعارضة بما هو أصحّ منه أو مِثله، وهو أن يقال: لا يلزم من صحة القضاء بعد الوقت من المعذور -المطيع لله ورسوله الذي لم يكن منه تفريط في فِعل ما أمر به وقبوله منه- صحته وقبوله من متعدٍّ لحدود الله، مضيِّع لأمره، تارك لحقّه عمدًا وعدوانًا؛ فقياس هذا في صحّة العبادة وقَبولها منه وبراءة الذمة بها من أفسد القياس.


الوجه الثاني: أن المعذور بنوم أو نسيان لم يصل الصلاة في غير وقتها، بل في نفس وقتهَا الذي وقّته الله له؛ فإِنّ الوقت في حقّ هذا حين يستيقظ ويذكر؛ فالوقت وقتان: وقت اختيار، ووقت عذر، فوقت المعذور بنوم أو سهو هو وقت ذِكْره واستيقاظه؛ فهذا لم يصلّ الصلاة إلاَّ في وقتها، فكيف يقاس عليه من صلاّها في غير وقتها عمدًا وعدوانًا؟!
الثالث: أن الشريعة قد فرَّقت في مواردها ومصادرها بين العامد والناسي، وبين المعذور وغيره، وهذا ممّا لا خفاء به؛ فإِلحاق أحد النوعين بالآخر غير جائز.
الرابع: أنّا لم نُسقِطها عن العامد المفرط ونأمر بها المعذور حتى يكون ما ذكرتم حجَّة علينا، بل ألزمْنا بها المفرِّط المتعدّي على وجه لا سبيل له إِلى استدراكها تغليظًا عليه، وجوزنا للمعذور غير المفرط.
وأمّا استدلالكم بقوله - ﷺ -: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرك»؛ فما أصحّه من حديث! وما أراه على مقتضى قولكم! فإِنكم تقولون: هو مُدرِكٌ للعصر، ولو لم يدرك من وقتها شيئًا البتة؛ بمعنى: أنّه مُدرِك لفعلها صحيحة منه مبرئة لذمته، فلو كانت تصح بعد خروج وقتها وُتقبل منه؛ لم يتعلّق إِدراكها بركعة، ومعلوم أن النّبيّ - ﷺ - لم يُرِد أن من أدرك ركعة من العصر صحت صلاته بلا إِثم، بل هو آثم بتعمّد ذلك اتفاقًا؛ فإِنّه أُمِر أنّ يوقع جميعها في وقتها، فعُلم أن هذا الإِدراك لا يرفع الإِثم، بل هو مُدرِك آثم، فلو كانت تصح بعد الغروب؛ لم يكن فرق بين أن يدرك ركعة من الوقت؛ أو لا يدرك منها شيئًا". انتهى.


هذا وقد استدل القائلون بالقضاء بحديث الخثعمية إِذ قال لها النّبيّ - ﷺ - فدَين الله أحقّ أن يُقضى وهو من حديث ابن عباس -رضي الله عنه- قال: «كان الفضل رديف رسول الله - ﷺ - فجاءت امرأة من خثعم فجعل الفضل ينظر إِليها وتنظر إِليه، وجعل النّبيّ - ﷺ - يصرف وجه الفضل إِلى الشقِّ الآخر فقالت: يا رسول الله إِن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة؛ أفأحُجُّ عنه، قال: نعم، وذلك في حَجَّة الوداع» (١).
وفي رواية: «فإِنّ الله أحق بالوفاء» (٢).
وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا أنَّ امرأة أتت رسول الله - ﷺ - فقالت: إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهرٍ. فقال: «أرأيتِ لو كان عليها دين، أكنتِ تقضينه؟» قالت: نعم. قال: «فدين الله أحقّ بالقضاء» (٣).
وردّ على ذلك بعض أهل العلم بقولهم: إِنّ قوله - ﷺ -: «فدين الله أحقّ أن يقضى»، فهذا إِنّما قاله - ﷺ - في حقِّ المعذور لا المفرّط، وقد قاله - ﷺ - في النذر المطلق الذي ليس له وقت محدود الطَّرَفين [وتقدّم في حديث المرأة التي جاءت إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالت: ... إِنَّ أمّي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ ... قال: فدين الله أحقّ أن يُقضى] ومثله الحجّ، ونحن نقول في مثل هذا الدين القابل للأداء: دين الله أحقّ أن يُقضى، فالقضاء المذكور

---------------------
(١) أخرجه البخاري: ١٥١٣، ومسلم: ١٣٣٤
(٢) انظر «الإِرواء» (٧٩٠).
(٣) أخرجه البخاري: ١٩٥٣، ومسلم: ١١٤٨، وغيرهما.



في هذه الأحاديث ليس بقضاء عبادة مؤقتة محدودة الطرفين وبالله التوفيق.
قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (٢/ ٣١٩) مسألة (٢٧٩): «وأمّا من تعمّد ترْك الصلاة حتى خرَج وقتها، فهذا لا يقدر على قضائها أبدًا، فليكثر مِن فِعل الخير وصلاة التطوع؛ ليثقل ميزانه يوم القيامة وليستغفر الله عز وجل». وردّ على من يقول بالقضاء ردًّا قويًا فارجع إِليه -إِن شئت-.
وكذلك لابن القيّم كلام بديع جدير بالاهتمام في «مدارج السالكين»، ولشيخنا -شفاه الله- تعليق طيّب على الحديث (١٢٥٧) من «الضعيفة»، والله تعالى أعلم.
إِذا صلاّها في غير وقتها لعُذر، فهل يُسمى قضاءً أو أداءً؟
قال شيخ الإِسلام -رحمه الله- في «الفتاوى» (٢٢/ ٣٧) -بحذف يسير-: فإِن قيل: هذا يسمّى قضاء أو أداء؟
قيل: الفرق بين اللفظين هو فرق اصطلاحي؛ لا أصل له في كلام الله ورسوله؛ فإِن الله تعالى سمّى فِعل العبادة في وقتها قضاءً، كما قال في الجمعة: ﴿فإِذا قُضِيت الصلاةُ فانتشِروا في الأرض﴾، وقال تعالى: ﴿فإِذا قضيتم مناسِكَكم فاذكروا الله﴾، مع أنّ هذين يُفعلان في الوقت.
و«القضاء» في لغة العرب: هو إِكمال الشيء وإتمامه، كما قال تعالى: ﴿فقضاهنّ سبعَ سموات﴾، أي: أكملهنّ وأتمّهن. فمَن فعَل العبادة كاملة فقد قضاها، وإنْ فعلها في وقتها.
وقد اتفق العلماء -فيما أعلم- على أنّه لو اعتقد بقاء وقت الصلاة فنواه أداء. ثمّ تبيّن أنّه صلّى بعد خروج الوقت صحت صلاته، ولو اعتقد خروجه


فنواها قضاء ثمَّ تبين له بقاء الوقت أجزأته صلاته. وكل من فعل العبادة في الوقت الذي أُمِر به أجزأته صلاته، سواءٌ نواها أداءً أو قضاءً، والنائم والناسي إِذا صلّيا وقت الذكر والانتباه فقد صلّيا في الوقت الذي أُمِرا بالصلاة فيه، وإِنْ كانا قد صليا بعد خروج الوقت المشروع لغيرهما. فمن سمّى ذلك قضاءً باعتبار هذا المعنى، وكان في لغته أنّ القضاء فِعل العبادة بعد خروج الوقت المقدر شرعًا للعموم، فهذه التسمية لا تضرّ ولا تنفع.

صلاة المريض
من لم يستطع الصلاة قائمًا مِن مرض صلّى قاعدًا، ومن لم يستطع الصلاة قاعدًا صلّى على جنب:
قال الله تعالى: ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾ (١).
قال ابن كثير في»تفسيره «-بتصرّف يسير-:»... ثمَّ وصف تعالى أولي الألباب فقال: ﴿الذين يذكرون الله قيامًا وقعودًا وعلى جنوبهم﴾ كما في حديث عمران بن حصين: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلِّ قائمًا، فإِن لم تستطع فقاعدًا، فإِن لم تستطع فعلى جنب» (٢) «أي: لا يقطعون ذِكْره في جميع أحوالهم بسرائرهم وضمائرهم وألسنتهم».
وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: عاد رسول الله - ﷺ - رجلًا من أصحابه مريضًا وأنا معه، فدخل عليه وهو يصلّي على عود، فوضع جبهته على العود فأومأ إِليه، فطرح العود، وأخذ وسادة، فقال رسول الله - ﷺ -: «دعها عنك إِن استطعت أن تسجد على الأرض، وإِلا فأوْمِ إِيماءً، واجعل سجودك أخفض من ركوعك» (٣).

---------------------
(١) آل عمران: ١٩١
(٢) أخرجه البخاري: ١١١٧، وغيره من حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- قال: كانت بي بواسير، فسألت النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة فقال: ... فذكره، وتقدّم في القيام في الفرض.
(٣) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» وغيره وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات وانظر التفصيل في «الصحيحة» (٣٢٣).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 319.70 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 313.86 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.83%)]