|
|||||||
| ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (39) الشيخ خالد بن علي الجريش الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير النبيين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: فمرحبًا بكم أيها الكِرام في برنامجكم خاتم النبيين، أيها الأفاضل كان الحديث في الحلقة الماضية عن المسير إلى فتح مكة وخروج الجيش الإسلامي من المدينة، وأيضًا ما هي الأحداث التي حدثت حينها? وذكرنا أيضًا عددًا من المسلمين الذين أسلموا من أهل مكة عندما علموا بذلك، فخرجوا مهاجرين، وأيضًا كذلك أسلفنا الحديث عن زعيم مكة أبي سفيان وكيف تعامَلَ معه النبي صلى الله عليه وسلم، وأيضًا ذكرنا كيف كان الحال في دخول مكة، وماذا حصل بعد دخولها، إلى غير ذلك من الدروس والعِبَر من ذلك كله. ونكمل في حلقتنا هذه أعماله عليه الصلاة والسلام عندما أقام بمكة، فقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة تسعة عشر يومًا يَقْصُر الصلاة، فقد روى البخاري رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنه قال: (أقام النبيُّ صلى الله عليه وسلم تسعةَ عشرَ يومًا يَقْصُر الصلاة) وأرسل النبي عليه الصلاة والسلام الدُّعاة إلى البوادي للدعوة وكسر الأصنام، وقد بعث سعد بن زيد رضي الله عنه في سريَّة تبلغ عشرين رجلًا ليهدم الصنم مناة، وذلك في منتصف العشر الأواخر من رمضان، فهدموه ورجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأخبروه بذلك، وبعث أيضًا النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في سريَّة في ثلاثين فارسًا لهدم العُزَّى، وكانت العُزَّى ثلاث شجرات عليها بيت، فهدموا البيت وقطعوا الشجر، وقتلوا الشيطانة التي فيه. وبعث النبي صلى الله عليه وسلم أيضًا عمرو بن العاص إلى سواع ليهدمه، فلمَّا وصل إليه قال له السادن: ماذا تريد? قال له عمرو: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم لهدم سواع، قال له السادن: إنك لا تقدر؛ سيمنعك سواع من ذلك، قال عمرو: فبادرت فهدمته، وكسرتُ الصَّنَم، فلمَّا رأى السادن أن سواعًا لم يعمل شيئًا أسلم ذلك السادن. وهكذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث السرايا للبوادي حول مكة، فقد كان لذلك الفتح المبين الأثر الكبير في إسلام الكثير والكثير من الناس، فقد روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن سلمة الجرمي قال: (كانت العرب ينتظرون بإسلامهم الفتح، فيقولون: اتركوا محمدًا وقومه، فإنه إن ظهر عليهم فهو نبيٌّ صادق)، فلما كان الفتح وحصل بادر الناس بالإسلام، ثم بعد فتح مكة حدثت غزوة حنين في العام الثامن نفسه في شهر شوال، ويُقال لها: أوطاس وهوازن، وكان سببها أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة خاف أشراف هوازن وثقيف أن يغزوهم، فحشدوا له وعزمُوا على قِتاله، فاجتمع إلى هوازن وثقيف عدد من القبائل حتى بلغ جيشهم عشرين ألف مُقاتِل، فساروا إلى قتاله، وأخذوا معهم أيضًا كذلك نساءهم وأموالهم وأبناءهم، وأراد أميرُهم من هؤلاء وحضورهم أن يُقاتِل كل رجل ولا يفر من الميدان؛ وذلك ليُدافِع عن نسائه وماله وأبنائه، وقد كانوا عارضوه على ذلك فعزم على هذا الفعل، وعندما علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أرسل عبدالله بن أبي حدرد إلى هوازن خفيةً ليدخل فيهم، ويعرف خبرهم ويأتيه به، ففعل رضي الله عنه، فاستعدَّ النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة لغزوة حنين، في اثني عشر ألف مقاتل؛ عشرة آلاف مقاتل هم جيش فتح مكة، وألفان ممن أسلموا في الفتح وخرجوا من مكة إلى حنين، وفي الطريق جاء فارس من المسلمين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن هوازن خرجت بنسائها وأموالها لقتالنا يا رسول الله، فتبسَّم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((تلك غنيمةُ المسلمين غدًا إن شاء الله))، ووصل جيش المسلمين إلى حنين في العاشر من شوال، ولمَّا كان في السحر تجهَّز رسول الله صلى الله عليه وسلم للقتال؛ فلبس درعينِ والمِغْفر، واستقبل الصفوف، وحثَّهم على القتال، وبشَّرهم بالفتح إن صبروا وصدقوا، وعندما انحدر المسلمون مع وادي حنين في بداية المعركة، وكان منحدرًا شديدًا فُوجِئوا بالكمائن من ثقيف، تنحدر عليهم حتى فرَّ بعضُهم، وقد وجدوا من هوازن رُماةً لا يكادون يخطئون رميهم، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذات اليمين وثبَتَ معه نفرٌ من المهاجرين والأنصار، وأخذ يُناديهم: ((أيُّها الناس، هلمُّوا إليَّ، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبدالله))؛ لكن لم يلتفتوا إليه من شدة ما وجدوا، وانطلق عليه الصلاة والسلام على بغلته نحو المشركين، وهو يقول: ((أنا النبيُّ لا كَذِب أنا ابن عبد المطلب))، ثم نزل عن بغلته فاستنصر ربَّه عزَّ وجلَّ قائلًا: ((اللهُمَّ أنزل نصْرَك، اللهُمَّ بِكَ أُحاولُ، وبِكَ أصاوُلُ، وبِكَ أُقاتِلُ))، ثم أخذ يُقاتِلهم ومن معه من الصحابة الذين ثبتوا، وكانوا يتَّقون به عليه الصلاة والسلام؛ ولذلك يقول البراء: كُنَّا والله إذا احمَرَّ البأس اتَّقَيْنا برسول الله صلى الله عليه وسلم، فما يكون أحد أدنى إلى القوم منه، فقاتلوا قتالًا شديدًا حتى انهزم المشركون وقذف رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات، فرمى بها وجوه الكُفَّار، وقال: ((شاهت الوجوه))، فلم يبق منهم أحدٌ إلا وأصابته ثم قال: ((انهزموا ورب الكعبة))، ونزلت الملائكة لإرهاب الكُفَّار وتخويفهم؛ ولهذا يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ [التوبة: 25] إلى قوله عزَّ وجل: ﴿ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ [التوبة: 26]، فالملائكة عليهم السلام نزلوا تخويفًا وتخذيلًا للكُفَّار، ولم يقاتلوا في حنين؛ بل لم يقاتلوا إلا في بَدْر، كما ذكر ذلك ابن عباس رضي الله عنه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الغزوة: ((مَن قتل كافرًا فله سلبه)) فقتل أبو طلحة الأنصاري رضي الله عنه عشرين رجلًا وأخذ أسلابهم، فالمسلمون أُصيبوا في أول المعركة بسبب تلك الكمائن التي وضعها الكُفَّار؛ لكن الله عز وجل برحمته وفضله أيَّدهم بالملائكة، فاستعادوا قوَّتَهم،وضعف أمرُ الكافرين، فهُزِمُوا هزيمةً منكرةً حتى إن بعض الطلقاء الذين هم من أهل مكة ولم يسلموا بعد عندما رأوا هذا الواقع كان سببًا في إسلامهم، وعندما انهزمت هوازن تفرَّقوا، فبعضهم ذهب إلى الطائف، وبعضهم ذهب إلى أماكن أخرى، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم بعض السرايا على إثرهم، فقاتلوهم وكان السبي والغنائم من حنين شيء كثير، فقد بلغ ما يُقارِب الستة آلاف من النساء والصبيان؛ لأنهم حضروا بنسائهم وأبنائهم وأيضًا بلغ من الإبل أربعة وعشرين ألفًا، وأيضًا كذلك بلغ أكثر من أربعين ألف شاة، وبلغ أيضًا أربعة آلاف أوقية، وأشياء أخرى كثيرة، ولم يستشهد من المسلمين إلا أربعة رجال فقط. وعندما تحصَّن كبار هوازن وثقيف ومن معهم في حصونهم في الطائف سار إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، فعسكر جيش المسلمين قرب الطائف، وضرب النبي صلى الله عليه وسلم الحصار ليالي عديدة قد تصل إلى بضع وعشرين ليلة، فبدأوا يرمون المسلمين بالنِّبَال، وبدأ جيش المسلمين يرميهم بالمنجنيق، ويقذف عليهم القذائف، ونادى مُنادٍ النبي صلى الله عليه وسلم: أن من نزل واستسلم فهو حُرٌّ، فنزل حينها ثلاثة وعشرون رجلًا، فلما أسلموا أعتقهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولما صعب على المسلمين فتح الحصن وكثرت عليهم النِّبَال، قال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: ادْعُ الله عليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهُمَّ اهْدِ ثقيفًا، وائْتِ بهم))، وقد استجاب الله عز وجل دعوة نبيِّه عليه الصلاة والسلام، فجاء كثير منهم في عام الوفود وهو العام التاسع، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة بعد ذلك إلى الجعرانة، فأقام فيها ثلاث عشرة ليلة، ثم قام عليه الصلاة والسلام بتقسيم الغنائم، وبدأ بالمؤلَّفة قلوبُهم يتألَّفهم لتقوية إسلامهم، وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في الجعرانة جاءت إليه أُمُّه من الرَّضاع وهي حليمة السعدية، فأكرمها النبي عليه الصلاة والسلام، وبسط لها رداءه وجلست عليه، وأعطى النبي صلى الله عليه وسلم الناس كلهم من الغنائم؛ لكنه لم يُعْطِ الأنصار شيئًا، فكأنَّهم وجدوا بأنفسهم شيئًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلمَّا علم ذلك النبي عليه الصلاة والسلام جمعهم، وقال لهم: ((ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاةِ والبعيرِ وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالِكم؟)) إلى آخر الحديث، فبكى الأنصار وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا وحظًّا، وذكرنا آنفًا أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا أن تسلم ثقيف، وكان هذا هو الواقع، فقد جاء وفْدٌ منهم وجاء بعد ذلك رئيسهم فأسلموا وبدأوا يقاتلون من لم يسلم من قومهم من ثقيف، وبعد أن قسم النبي صلى الله عليه وسلم الغنائم أحرم بالعمرة من الجعرانة وأكمل عمرته. وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم أربع مرات كلهُنَّ في شهر ذي القعدة؛ وهي: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، وعمرة الجعرانة، والعمرة التي كانت مع حجته عليه الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك رجع إلى المدينة واستخلف على مكة عتاب بن أسيد، وهو أول أمير على مكة في الإسلام، وفي طريقه في الرجوع إلى المدينة حان وقت الأذان فأذَّن المؤذِّن وكان قريبًا من المؤذِّن بعضُ القوم من العرب غير المسلمين، فيهم أبو محذورة، فيقول أبو محذورة: كُنَّا نحاكيهم بالأذان استهزاءً وسخريةً بهم، وكانوا غير مسلمين، فلمَّا سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي محذورة واستحسنه ناداه، ثم مسح على ناصيته، ومرت يده الشريفة على وجه أبي محذورة حتى بلغت سُرَّتَه، وقال له: بارك الله فيك، فيقول أبو محذورة: ذهبت كل الكراهية التي كانت في قلبي اتجاه النبي صلى الله عليه وسلم، وامتلأ قلبي من حبِّه عليه الصلاة والسلام فأسلمت حينها، وعلمني الأذان فأذَّنْتُ، وطلبتُ أن يجعلني مؤذِّنًا في مكة، فكان ذلك، وكان عمر أبي محذورة آنذاك ستةَ عشرَ عامًا، فأذَّنَ بعدها خمسين سنةً، وتوارث الأذان في المسجد بعده أولادُه وأحفادُه، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم المدينة في الرابع والعشرين من ذي القعدة. أيها الكرام، نختم حلقتنا هذه ببعض الدروس والعِبَر المستفادة ممَّا تم ذِكْرُه ومنها: الدرس الأول: في قصر النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة وهو في مكة تسعة عشر يومًا دليلٌ على أن المسافر يقصُر الصلاة إذا مكث في مكان معين تلك المدة المذكورة، وقد اختلفت آراء أهل العلم رحمهم الله في ذلك على أقوال عديدة؛ فمنهم من قال: أربعة أيام فقط وبعدها يُتِمُّ صلاته، وقال آخرون بأقوال تزيد على الأربعة أيام بأقوال مختلفة في حين أنه قال آخرون بأكثر من تسعةَ عشرَ يومًا، ولعل هذا العدد وهو تسعة عشر يومًا يُرجِّحه عدد من العلماء المعاصرين وهو قد ورد في صحيح البخاري من كلام ابن عباس رضي الله عنه، ومن أخذ بالأحوط وهو أربعة أيام فقد أخذ بما أجمع عليه أهل العلم. الدرس الثاني: لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة بادر بإنكار الشرك، فأرسل مَن يهدم الأصنام؛ مثل: مَناة والعُزَّى وسواع واللات والأصنام التي على الكعبة، ولم يؤخِّر ذلك، فعلى المسلم إذا رأى المنكر فلا يسوِّف في تأخير إنكاره وهو يستطيع الإنكار؛ حتى لا تحصل أمامه عقبات، وقد تكون وهمية في كثير من الأحيان، وهذا أبرأ للذِّمَّة، ففي مجالسك وأهل بيتك وطريقك ومسجدك ونحوها قد ترى أو تسمع شيئًا من المنكر، فبادِرْ برفق وحلم وعلم بدرء المفسدة وجلب المصلحة وفي الزمن المناسب أيضًا بادر بالإنكار وادعُ بعد إنكارك بهداية ذلك الفاعل. الدرس الثالث: كان النبي صلى الله عليه وسلم يعيش التفاؤل حتى في أصعب الظروف وهي ظروف الحرب؛ فعندما أخرجت ثقيف أموالهم ونساءهم للحرب قال حينها النبي صلى الله عليه وسلم: ((تلك غنيمة المسلمين غدًا))، فكم هو جميل أن تعيش التفاؤل أخي الكريم في جميع أمورك وظروفك؛ لأن هذا التفاؤل يزيد طاقتك ويزيدك أيضًا اطمئنانًا وسكينةً، وتعمل العمل أيضًا بارتياح وإن استصحبت مع التفاؤل الدعاء بقضاء حاجتك تلك، فهو نورٌ على نورٍ، وخيرٌ على خيرٍ. فإذا أتم الله تعالى لك أمرك وظرفك، حمدته وشكرته ليزيدك من ذلك، فأنت بهذا على خيرٍ عظيمٍ، واجعل هذا منهجًا لك أمَّا من يعيش التشاؤم فإنه يعمل العمل بتعب وحرقة، وربما كان واقعه ونتيجته هو ما تشاءم به، فاحرص على فتح أسارير وجهك وقلبك عند أعمالك متفائلًا بنجاحها. الدرس الرابع: عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((تلك غنيمة المسلمين غدًا))، قال بعدها: ((إنْ شاءَ الله))، وهذا منهج كبير ومُهِمٌّ أن يُعلِّق المسلم أعمالَه ونتائجه بمشيئة الله تعالى، والله عز وجل يقول: ﴿ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف: 23، 24]، فلا تنْسَ أخي الكريم، أنك إذا قلت: سأعمل كذا، أو سيكون كذا، أن تقول: إن شاء الله. وفي الحديث المتفق عليه أن سليمان بن داود عليه السلام قال: لأطوفَنَّ الليلة على سبعين امرأة، تلد كل امرأة منهن غلامًا يُقاتِل في سبيل، فقيل له: قل إن شاء الله، فلم يقل، فلم تلد منهن إلَّا امرأةٌ واحدةٌ، ولدت نصف إنسان، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو قال: إن شاء الله، لم يحنث، وكان دركًا لحاجته))؛ ولذلك الحالف إذا قال: إن شاء الله، فإنه لا يحنث إذا لم يفعل، فلو قال مثلًا: والله، لأدخُلَنَّ هذا البيت إن شاء الله، فلو لم يدخل، لم يحنث في يمينه، فلنستمسك بتلك الكلمة (إن شاء الله) فهي مباركة. الدرس الخامس: في تلك الغزوة تظهر وتتجلَّى معية الله تعالى لأوليائه بنصرتهم وتسديدهم؛ حيث أنزل الله تعالى هؤلاء الملائكة الكِرام يُرعبون الكُفَّار ويخذلونهم وتتقوَّى بالله، ثم بهم عزيمة المؤمنين؛ ولذلك كانوا عاملًا مُهِمًّا في نصر المسلمين في تلك الغزوة، فذلك من نصر الله تعالى لعباده وأوليائه الذي لا يتخلَّف؛ ولكن قد يتأخَّر، وهذا لحكمة يعلمها الله عز وجل. الدرس السادس: في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من قتل قتيلًا فله سلبه)) هذا تشجيع على الخير وفعله، وفي هذا دليل على تحفيز العاملين في المجالات الخيرية بشيء من المكافآت المالية تعزيزًا لهم؛ ولكن ليكن المقصد الأول هو العمل الخيري، ثم يأتي المال تبعًا، وذلك كالمعلمين في الحلقات القرآنية والجمعيات الدعويَّة ونحوها، ولهم مِنَّا الدعاء والسداد والإعانة، فهم بذلك جمعوا خيري الدنيا والآخرة بإذن الله عز وجل. الدرس السابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أُمِّه ثم استأذن بالاستغفار لها، فلم يُؤذَن له، فما حالنا نحن والوالدان مسلمان شبَّا وشابا على الإسلام؟! كيف استغفارنا لهما? فإنه قد ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة، فيقول: يا ربي، من أين لي هذا? فيقول: باستغفار ولدك لك))؛ إسناده صحيح. فلنعمل على دعواتنا لوالدينا بالاستغفار، فإننا إن فعلنا ذلك ربحوا هم وربحنا نحن أكثر منهم، فأما ربحهم هم فهو المغفرة، وأما ربحنا نحن فهو دعوة الملك، بقوله: "آمين، ولك بمثل"، وأيضًا هو بِرٌّ منا بوالدينا، فيا أخي، لا تنس والديك من استغفارك ودعواتك، فهم ينتظرونك أحياءً وأمواتًا. الدرس الثامن: في قصة أبي محذورة درسٌ عظيمٌ وهو تشجيع وتحفيز لأصحاب المواهب والمخرجات الطيبة، فإنَّ أبا محذورة رضي الله عنه قد وهَبَه الله تعالى صوتًا حسنًا ونديًّا، فلما سمعه النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه وإنما ناداه وعزَّزه وشجَّعَه ودعا له بالبركة، فكانت النتيجة أنه كان مُؤذِّنًا خمسين سنةً، فعلينا جميعًا إذا رأينا أصحاب المواهب من أولادنا أو أقاربنا أو جيراننا أو غيرهم من المسلمين إذا رأيت منه ما يعجبك فعزِّزْه وشجِّعه وافتح له آفاقًا أخرى في تنمية تلك الموهبة، فإن أحدُهم صلَّى بالمسجد إمامًا، وكان صوتُه نديًّا حسنًا، فقال له بعضهم: صوتك حسن ونديٌّ ولم يبق عليك إلا أن تحفظ القرآن كاملًا، فأرشده إلى الحفظ، فعزم صاحبنا هذا الإمام على حفظ القرآن، فحفظ القرآن بحمد الله؛ فصار ذلك التعزيز والتحفيز صدقةً جاريةً لذلك المُعزِّز والمُحفِّز، فما أكثر المواقف والتصرُّفات التي نراها! وهي متميزة، فلنتحدَّث مع أصحابها، وأحيلك أخي الكريم إلى حلقة إذاعية في النت بعنوان (التربية بالمواقف نماذج وتعليق) فقد ذكرت من خلالها عددًا من المواقف المتميزة مع التعليق اللطيف عليها، فارجع إليها فلربَّما وجدت فيها ما يُعزِّز هذا الجانب لديك، فكثيرًا ما نحتاج في أولادنا أو أقاربنا أو أولاد المسلمين نحتاج أن نُعزِّزَهم؛ لأننا إذا عزَّزْناهم وحفَّزْناهم وشجَّعْناهم، فإن نتيجة هذا التعزيز والتحفيز إنما هي صدقة جارية لنا ولهم بإذن الله عز وجل، وهكذا السيرة أيها الأخوة الكِرام مملوءة من الدروس والعِبَر والحكم والأحكام التي يضطر المسلم لمعرفتها وتدارسها وتطبيقها، وأن تكون سجيةً من سجاياه، وصفةً من صفاته، فعلينا أن نعمل ذلك، وأن نحصد ذلك من خلال قراءة السيرة. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من عباده المفلحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، اللهُمَّ وفِّقْنا لهُداك، واجعل عملنا في رضاك، وصلَّى الله وسلَّم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (40) الشيخ خالد بن علي الجريش الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: فأهلًا وسهلًا، ومرحبًا بكم أيها الكرام في برنامجكم خاتم النبيين، أيها الأكارم، قد أسلفنا الحديث في الحلقة الماضية عن بدايات فتح مكة، وما حدث بين خزاعة وبني بكر، وماذا كان تصرف النبي صلى الله عليه وسلم عندما علم بذلك، وأيضًا كذلك ذكرنا ما فعله كفار قريش تجاه هذا الحدث، وأتبعنا هذا أيضًا بما فعله حاطب رضي الله عنه، وكيف قُوبِل هذا العمل إلى غير ذلك مما تم ذكره، وختمنا الحلقة بالدروس المستفادة. والآن في حلقتنا لهذا الأسبوع نستأنف أحداث ذلك الفتح العظيم المبين؛ وهو فتح مكة، فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ومعه جيش جرار، تعداده عشرة آلاف مقاتل من أصحابه رضي الله عنهم، من المهاجرين والأنصار، ومن بوادي المدينة، وكانوا رضي الله عنهم صائمين؛ حيث كان الفتح في شهر رمضان المبارك، وقد اختلف أهل العلم في تحديد اليوم؛ لكن يترجح عند الأكثر أنه خرج في اليوم العاشر من رمضان، ودخل مكة في اليوم التاسع عشر منه، كما ذكر ذلك ابن حجر، وابن هشام، وغيرهما، ولما مرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالأبواء زار قبر أمه، وقد أقبل على الصحابة بعد زيارته وعيناه تذرفان، فسأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فداك أبي وأمي! ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني سألت ربي في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي، فدمعت عيناي رحمةً لها من النار))، وكانت أمه قد ماتت على غير الإسلام، وأكمل النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم طريقهم إلى مكة، فلما كان في مكان يقال له نقيب العقاب لقيه أبو سفيان بن الحارث -وهو ابن عمه- وكذلك لقيه عبدالله بن أمية، أما أبو سفيان فكان محبًّا للنبي صلى الله عليه وسلم قبل النبوة، فلما كان بعد النبوة عاداه وهجاه، وأبغضه وآذاه، وأما عبدالله بن أمية فقد كان مؤذيًا أشد الأذى للنبي صلى الله عليه وسلم، فهذان الرجلان لقيا النبي صلى الله عليه وسلم ليسلما، فأعرض عنهما النبي عليه الصلاة والسلام؛ وذلك لما كان عليه من الأذى له صلى الله عليه وسلم، فلما رأى منهما الجد والرغبة، والحرص على الإسلام رقَّ لهما، وأذن لهما بالدخول عليه، وقالا له: تالله، لقد آثرك الله، وإنا كنا لخاطئين، فقال لهما: ((لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين))، فأسلما، وحسن إسلامهما، وشهدا غزوة حنين مع النبي صلى الله عليه وسلم. وعندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من مكة صائمين حتى بلغوا الكديد -وهو مكان قريب من عسفان- أفطروا؛ أخرجه البخاري. وقد روى مسلم عن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إنكم قد دنوتم من عدوكم، والفطر أطوى لكم))، فأفطر بعضهم، وصام آخرون، فلما قربوا من عدوهم أمرهم بالفطر، قال الراوي: فأفطرنا أجمعين، ولما كانوا بمر الظهران أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإشعال النيران، فأوقدوها في كل مكان، حتى صار منظرًا مهيبًا، ولما بلغ الجحفة لقيه العباس مهاجرًا بأهله، فكان العباس آخر من هاجر؛ لأن بعده فُتحت مكة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا هجرة بعد الفتح))؛ متفق عليه. وأخذت قريش تتحسس أخبار المسلمين، فأرسلوا أبا سفيان بن حرب ورجالًا معه، وقالوا له: إن لقيت محمدًا؛ فخذ لنا منه أمانًا، فخرجوا يتحسسون الأخبار، فرأوا تلك النيران العظيمة، فأخذوا يتحدثون عنها وهم قريبون منهم، ولا يعلمون أنهم جيش المسلمين، وكان العباس حينها يبحث عن أحد يخبر قريشًا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، حتى تستسلم قريش ولا تقاتل، فاقترب أبو سفيان من العباس وهو قرب جيش المسلمين، فعرفه العباس فقال: ويحك! لأن ظفر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربن عنقك؛ ولكن اركب معي على هذه البغلة حتى أستأمن لك من النبي صلى الله عليه وسلم، فركب معه أبو سفيان، ورجع البقية إلى مكة، فذهب العباس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فلما رآه عمر قال: يا رسول الله، دعني أضرب عنقه –يعني: أبا سفيان- فقال العباس رضي الله عنه: إني أجرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟))، قال أبو سفيان: بلى، علمت ذلك، ولو كان معه غيره لأغنى عني ذلك الغير، فأسلم أبو سفيان، وشهد الشهادة، وكان أبو سفيان يحب الفخر قبل إسلامه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))؛ الحديث. ثم أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل أبا سفيان في مضيق الوادي؛ لأنه في أول إسلامه، فأمره أن يجعله في مضيق الوادي حتى تمر به جنود الله فيراها؛ وذلك ليعرف الحقيقة للمسلمين عن قرب؛ لأنه زعيم من زعماء مكة، وكلما مرت قبيلة سأل أبو سفيان العباس عنهم، فمرت القبائل أمامه كتيبة كتيبة، فقال أبو سفيان للعباس: ما لأحد بهؤلاء طاقة، ثم قال أبو سفيان للعباس: لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيمًا، وأشار العباس على أبي سفيان أن يسرع الذهاب إلى مكة، ويخبر قومه، ويأمرهم بالاستسلام وعدم القتال، فذهب أبو سفيان إلى مكة مسرعًا، فقال: يا معشر قريش، قد جاءكم محمد بما لا طاقة لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، فعاتبه بعضهم ومنهم زوجته، وتفرَّق كثير من الناس إلى دورهم حيث سمعوا زعيمهم يقول ذلك. وقرب الجيش من مكة، ومكثوا قليلًا للتنظيم الأخير للجيش، ونهاهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتلوا النساء والصبيان، ولا يتبعوا من أدبر، واستثنى النبي صلى الله عليه وسلم عشرة من قريش أمر بقتلهم، وإن كانوا متعلقين بأستار الكعبة، ذكرهم أهل السير؛ وذلك لشدة عداوتهم للإسلام، فلما علمت قريش بذلك جمعت جموعًا من القبائل؛ وهم الأوباش، وجعلتهم يتلقون الجيش ويدافعون، فلما علم بذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر بعض الكتائب أن يتجهوا إلى تلك الجموع المدافعة، فأمرهم أن يحصدوهم ويقتلوهم، ويأتوا إليه عند الصفا، فتحركت تلك الكتائب حتى قابلت تلك الجموع والأوباش، فلم يلقوا منهم مقاومة تُذكَر، فحصدوهم، وقتلوا منهم كثيرًا حتى قتل خالد بن الوليد عشرين رجلًا منهم، فلما بلغوا باب المسجد أخذ أبو سفيان يصيح على قريش: من أغلق عليه بابه فهو آمن، فأخذوا يقتحمون الدور، ويغلقون على أنفسهم، وفي هذه الأثناء انكسرت قريش، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أبيحت خضراء قريش، فلا قريش بعد اليوم، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى خالد بن الوليد يأمره أن يرفع يده عن القتال، وأمر الصحابة رضي الله عنهم أن يكفُّوا عن القتال، ثم دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة من أعلاها في كتيبته، وبين يديه المهاجرون والأنصار، وذلك في صباح يوم الجمعة عشرين من رمضان، وهو على ناقته القصواء، ومردفًا أسامة بن زيد، واضعًا رأسه الشريف على راحلته تواضعًا لله تعالى، حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح المبين وهو يقرأ سورة الفتح؛ فقد أخرجوه منها مطاردًا، واليوم يدخلها عزيزًا منصورًا مؤيدًا. ولما ارتفع النهار أتى النبي صلى الله عليه وسلم دار أم هانئ، فاغتسل، وصلى ثماني ركعات، قال ابن القيم: وكانت هذه تُسمَّى صلاة الفتح، وكان الأمراء إذا فتحوا حصنًا أو بلدًا صلَّوا تلك الصلاة، ثم أتى المسجد الحرام، والأنصار والمهاجرون حوله يُكبِّرون ويُهلِّلُون، فأقبل على الحجر فاستلمه، ثم طاف سبعة أشواط، وكان على الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فكلما دنا من صنم ضربه بمحجنه عليه الصلاة والسلام حتى سقط، فما انتهى من الطواف إلا وتلك الأصنام قد سقطت كلها، وهو يقرأ قول الله تعالى:﴿ وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ﴾ [الإسراء: 81]، ثم دخل الكعبة، وصلى فيها، ثم خرج، ووقف عند باب الكعبة، وخطب الناس وفيهم قريش، وقال في خطبته: ((يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟))، قالوا: خيرًا، أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: ((لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء))، فعفا عنهم جميعًا، فدخلوا في الإسلام، ثم جلس في المسجد، فقال: ((أين عثمان بن أبي طلحة؟))، فجاءه عثمان، فسلمه مفتاح الكعبة، وقال عليه الصلاة والسلام: ((خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم))، ولا يزال مفتاح الكعبة مع بني شيبة إلى يومنا هذا، وإلى يوم القيامة. ثم أذن بلال فوق الكعبة، وكان قريبًا منه عتاب بن أسيد، والحارث بن هشام، وأبو سفيان بن حرب، فقال عتاب والحارث -وهما لم يسلما- قالا كلامًا سيئًا بينهما، فقال أبو سفيان: أنا لا أقول شيئًا؛ لأنني لو قلت شيئًا لأخبرته هذه الحصى، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: ((قد علمت الذي قلتم))، فأخبرهم بما قالوا، وهم قد تخافتوا فيما بينهم، فلما ذكر ذلك لهم علموا صدق نبوَّته عليه الصلاة والسلام، فكان ذلك سببًا في إسلامهما. وعندما جلس النبي صلى الله عليه وسلم جاء أبو بكر رضي الله عنه بأبيه أبي قحافة، فأسلم أبو قحافة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتابع الناس يسلمون، ويشهدون شهادة الحق، وهو على الصفا، ثم لما انتهى الرجال بايع نساء قريش النبي عليه الصلاة والسلام، بايعوه على الإسلام، حيث يقول الله تعالى: ﴿ يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ ﴾ [الممتحنة: 12] الآية، فقالت هند: نصافحك يا رسول الله؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إني لا أصافح النساء))؛ متفق عليه. وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم في مكة أيامًا، فماذا عمل في تلك الأيام؟ هذا ما سنعرفه بإذن الله تعالى في حلقة الأسبوع القادم، ونختم حلقتنا تلك بشيء من الدروس والعبر مما سبق ذكره. الدرس الأول: النبي صلى الله عليه وسلم في خروجه من المدينة زار قبر أمه وهي مشركة، فلو أن المسلم زار قبور والديه المسلمين من غير شد الرحل لهما فلا جناح عليه، وإن كان الأصل في ذلك الدعاء لهما، والإكثار منه، والصدقة عنهما؛ لكنه لو زار المقبرة، فجاء قبور والديه وسلم ودعا؛ فهو من البر بهما؛ لكن لا يطيل؛ لأن الأصل هو السلام. الدرس الثاني: النبي صلى الله عليه وسلم استأذن ربه أن يستغفر لأمه وكانت مشركة، فلم يأذن له، وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى ﴾ [التوبة: 113]، فقد نزلت تلك الآية في منع النبي صلى الله عليه وسلم أن يستغفر لأبي طالب، فكل هذا يمنع من الدعاء أو الاستغفار لغير المسلم، سواء كان حيًّا أو ميتًا؛ لأن هذا لا ينفعه؛ لأن غير المسلم لا يُصلَّى عليه، ولا يُدعى له، فهو بمثابة الجيفة التي لا احترام لها، نعوذ بالله من ذلك؛ حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الأنفال: 55]، ولا يدفنون في مقابر المسلمين؛ بل يدفنون بعيدًا عنهم في فلاة من الأرض، وقد يكون بعض أولاد هذا الكافر، أو بعض جلسائه عطفوا عليه بعد موته، فيرغبون بالدعاء له، أو الاستغفار له جهلًا منهم، فيُقال بأن هذا لا ينفعه، ولا يُقدِّم ولا يُؤخِّر، وأيضًا بفعلهم هذا يكونوا خالفوا القرآن والسنة، ولو كان هذا العطف في حياته، وفي دعوته إلى الإسلام لكان خيرًا، أما إن مات على الكفر؛ فإن الحبل قد انقطع، ولا ينفعه صدقة، ولا صلاة عليه، ولا دعاء، ولا غيرها. الدرس الثالث: النبي صلى الله عليه وسلم هو أفضل خلق الله تعالى وأشرفهم، ومع ذلك مات والداه على الكُفْر، فسبحان من يخرج الحي من الميت؛ ومن هذا يستفيد المسلم أن يسأل الله تعالى دائمًا الثبات على دين الله، ويعمل على ما يكون سببًا لذلك، ولا يتساهل، ولا يتنازل؛ وإنما يستمسك بعُرى الإيمان، ويخشى الزيغ؛ لأن قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، فلا يشمت بأحد؛ وإنما يسأل الله تعالى العافية. الدرس الرابع: إن أبا سفيان بن الحارث، وعبدالله بن أمية لما رغبا في الإسلام، واتضح لهما الحق ذهبا ليسلما؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم ردهما؛ وذلك لشدة عداوتهما للإسلام، ولنبيه عليه الصلاة والسلام، فما كان منهما إلا أنهما قاما بالإلحاح على النبي صلى الله عليه وسلم، وطلبوا الشفاعة عنده، فَرَقَّ لهما وقبلهما، وهذا يعطينا درسًا أن المسلم إذا تبين له الحق في شيء؛ فليثبت على طلبه وحصوله، ويحاول أن يتجاوز العقبات، ولا يتنازل عن الحق؛ بل يطلبه قدر استطاعته، فاعرف مصالح دينك ودنياك، واطلبها بجد وإصرار لتفوز وتفلح. الدرس الخامس: أيهما أفضل للصائم في حال سفره الفطر أم الصيام؟ قال بعض أهل العلم بأن الأفضل هو الفطر، وقال آخرون بأن الأفضل هو الصيام، ولكل دليله؛ لكن الذي يرجحه الأكثر من أهل العلم أنه إن كان في السفر مشقة؛ فالأفضل الفطر، وإن كان السفر ليس فيه مشقة؛ فالأفضل الصيام، جمعًا بين القولين. الدرس السادس: إذا أراد الله تعالى أمرًا هيَّأ له أسبابه، فانظر إلى فتح مكة كان في الأصل أنه شاق على المسلمين؛ ولذلك جهزوا له جيشًا جرَّارًا تعداده عشرة آلاف مقاتل؛ ولكن الله عز وجل أراد أن يفتحوها بكل يسر وسهولة، فعندما أرسلوا أحد زعمائهم الكبار -وهو أبو سفيان بن حرب- ليطلب الأمن لهم، فإذا هو بأمر الله تعالى يرجع مسلمًا، ورجع أيضًا كذلك محذرًا لهم ومخوفًا من جيش محمد، فأصيب أهل مكة بالرعب والخوف، فما كان هناك مقاومة تُذكَر، فتمَّ فتحُها بيسر ولله الحمد، فإذا أراد الله تعالى أن يتم أمرًا فإنه يُهيِّئ أسبابه، فأكثروا من دعاء الله تعالى أن ييسر أموركم وظروفكم، وربما انتهت مشاكل وظروف بدعوة خالصة، فاستمسكوا بذلك فإنه سلاح. الدرس السابع: حكمة العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه عندما رأى أبا سفيان، فإنه دعاه إلى دين الله تعالى، وأشار عليه بالإسلام، ورغَّبَه في ذلك ولم يبادره بقتل أو أذى، مع أن أبا سفيان في تلك الحال من الأعداء، وحكمة أخرى عند العباس أيضًا أنه عندما أسلم أبو سفيان أشار عليه أن يذهب إلى مكة ويخذلهم، ويدخل الرعب في قلوبهم، ففعل، فهذه الأعمال للعباس هي حكمة حباه الله إيَّاها، فنتج منها خير كثير؛ وهو إسلام أبي سفيان، وتخذيل قريش؛ مما كان له الأثر الكبير بعد توفيق الله تعالى في فتح مكة بيسر وسهولة، ودون قتال كبير وكثير. الدرس الثامن: لقد عفا النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء الذين قدموا إليه ليسلموا، مع أنه لقي منهم الأذى الكبير، وأخرجوه من بلده، وهجوه، وآذوه، ومع ذلك عفا عنهم، فكيف بمسلم يخطئ في حق آخر، ثم يعتذر ذلك المخطئ فلا يقبل اعتذاره، مع أنه ما أتاه من الأذى ولا معشار معشار ما أتى النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا يفيدنا أننا عندنا ضعف في النظر في عواقب الأمور ومآلاتها، فعندما لم يصطلحا، فسيستمر الهجر، وقد يتعدَّى إلى الأولاد والأحفاد، وتتكاثر الأحقاد، فلو كان هؤلاء عندهم نظر في المآلات وعواقب الأمور لاصطلحوا وعفوا، وليتذكروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين والخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا، انظروا هذين حتى يصطلحا))؛ رواه مسلم. فهل يرضى عاقل أن تتوقف عنه المغفرة بسبب الهجر؟ قد يكون الحق مع أحدهما بشكل كامل؛ لكن من أين الاحتساب في العفو؟ أين خلق التسامح؟ أين النظر في عواقب الأمور؟ فلو نظر المتهاجران للمفاسد التي تلحق بهما جميعًا لأسرعا إلى الصلح، وليتذكرا أنهما مسئولان في الدنيا والآخرة عن ذلك الهجر، حتى على صاحب الحق عليه أن يطلب الأجر من الله تعالى بالتنازل والصفح حتى لا تتسع رقعة الشقاق والخلاف، وإذا طلب الإصلاح والصلح والعفو أحدُهما فأبى الآخر؛ فقد باء بها ذلك الآخر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وخيرهما الذي يبدأ بالسلام)). الدرس التاسع: في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لا أصافح النساء)) فيه نهي صريح أن يصافح الرجل المرأة الأجنبية عنه التي ليست من محارمه، قالت عائشة رضي الله عنها: ما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة لا تحل له؛ إنما كان يبايعهن بالكلام، فأين من يصافحونهن ويضاحكونهن؟! والله عز وجل نهاهم عن ذلك، وهو يراهم ويسمعهم، ألا يخافون سطوته وعذابه؟! ألا يرجعون؟! ألا يتذكرون؟! ألا يعقلون أن الجوارح التي تفعل ما يخالف الشرع هي التي ستشهد يوم القيامة على صاحبها؟! قال تعالى: ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُون ﴾ [النور: 24]، والذكرى تنفع المؤمنين. الدرس العاشر: كثيرة هي المعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ومنها: إخباره عليه الصلاة والسلام لعتاب وإخباره للحارث بكلامهما السيئ الذي قالاه خفية بينهما، فهذه المعجزات للنبي صلى الله عليه وسلم هي مقويات للإيمان، ومثبتات عليه، فاقرأ أخي الكريم فيها، وتعرف عليها، فهي قصص ومواقف مفيدة؛ لتستفيد منها الدروس والعبر، ولتستقيم أيضًا على صراط الله المستقيم؛ لأنها خوارق وآيات تدل على صدق نبوَّة النبي صلى الله عليه وسلم، واجعل لك ولأسرتك نصيبًا وافرًا حتى يتفقَّهوا ويتعلَّموا، ويعرفوا السيرة عن قرب، وتثبت أقدامُهم على صراط الله المستقيم، اللهمَّ فقِّهْنا في الدين، وعلِّمْنا العلم النافع، وارزقنا العمل الصالح، ووفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (43) الشيخ خالد بن علي الجريش حجة الوداع بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خاتم النبيين، وعلى صحبه والتابعين؛ أما بعد: فمرحبًا بكم - أيها الكرام - في برنامجكم خاتم النبيين، أيها الأكارم، أسلفنا حديثنا في الحلقة الماضية عن قصة كعب بن مالك رضي الله عنه، وهو أحد الثلاثة الذين خُلِّفوا عن غزوة تبوك، وتحدثنا أيضًا عن وقفات تربوية في هذه القصة، ثم اتبعنا ذلك ببعض الأحداث التي حصلت وحدثت بعد غزوة تبوك، وفي حلقتنا هذه نتحدث عن الحدث الكبير في السنة العاشرة؛ وهو حدث حجة الوداع، فلما تمَّ ما أراده الله عز وجل من فتح هذا البلد العظيم؛ وهو مكة، وتم تطهيره من الأصنام والأوثان، خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون من المدينة لحجة الوداع، وقد سجل الرواة دقائق هذه الحجة، ورَوَوها للأمة لتكون شرعًا يسيرون عليه في أداء فرضهم، وسُمِّيتْ تلك الحجة بذلك؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم ودَّع الناس فيها، ولم يحج بعدها؛ ففي ذي القعدة من السنة العاشرة نُودِيَ في الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم سيحج، فتوافد الناس على المدينة، كلٌّ يريد أن يقتديَ برسول الله عليه الصلاة والسلام ويحج معه، ويقول جابر رضي الله عنه: فنظرت الحجاج مع النبي صلى الله عليه وسلم مدَّ بصري عن يميني وشمالي، وأمامي ومن خلفي، مشاة وركبانًا، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة يوم السبت في الخامس والعشرين من ذي القعدة، وقد خرج معه أكثر من مائة ألف حاج، وكانت نساؤه كلهن معه في الهوادج، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام من المدينة إلى ذي الحليفة، وصلى في الوادي خمس صلوات، ثم اغتسل عليه الصلاة والسلام لإحرامه، وطيَّبتْهُ عائشة، ولبس الإزار والرداء، ثم صلى الظهر عليه الصلاة والسلام في ذي الحليفة، ثم أهلَّ بالحج والعمرة، فقَرَن بينهما وهو في المسجد، ثم أهلَّ مرة أخرى لَما ركب ناقته، ثم أهلَّ مرة ثالثة لَما كان على البيداء، وقال: اللهم حجة لا رياء فيها، ولا سمعة، ثم لبَّى عليه الصلاة والسلام بقوله: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، لبيك إن الحمد والنعمة لك، والملك لا شريك لك، وقد أمره جبريل عليه السلام أن يأمر أصحابه برفع أصواتهم في التلبية؛ فإنها شعار، فكانوا رضي الله عنهم يرفعون أصواتهم حتى تبح حلوقهم، وسُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أفضل الحج، فقال: ((العج الثج))، وفي ذي الحليفة ولدت أسماء بنت عميس رضي عنها زوجة أبي بكر، ولدت ابنها محمد بن أبي بكر، فسأل أبو بكر النبي صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يأمرها أن تغتسل، وتستذفر بثوب، ثم تُهِلَّ بالحج، وتصنع كما يصنع الحاج، غير ألَّا تطوف بالبيت حتى تطهر، وخلال الطريق حصل مواقف وأحكام، وأكمل طريقه عليه الصلاة والسلام حتى وصل إلى سرف، فحاضت عائشة رضي الله عنها، فأمرها كذلك أن تفعل كما يفعل الحاج، غير ألَّا تطوف بالبيت حتى تطهر، ولما وصل إلى ذي طوى بات فيه عليه الصلاة والسلام، فلما أصبح سار إلى مكة، ودخلها من أعلاها من كدا، ونزل بظاهر مكة عند الحجون، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم المسجدَ الحرام ضُحًى، ثم دخله من باب السلام، ثم بدأ بالحجر الأسود، فاستلمه وقبَّله، ثم طاف بالبيت ماشيًا، ورمل ثلاثة منها، ومشى أربعة، واضطبع عليه الصلاة والسلام، وكان يقول بين الركنين: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 201]، ولم يثبت أنه كبَّر عند الركن اليماني، فلما فرغ صلى الركعتين خلف المقام، وقرأ فيهما بـ(الكافرون والإخلاص)، ثم عاد إلى الحجر، فاستلمه، ثم خرج إلى الصفا، فلما دنا من الصفا، قال: ((أبدأ بما بدأ الله به: ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 158]، ثم قال الذكر على الصفا، ثم مضى إلى المروة، وأكمل سعيه، ثم بعد أن أنهى ذلك، ذهب إلى الأبطح شرقي مكة، فأقام فيه أربعة أيام، ثم خرج في اليوم الثامن إلى مِنًى، وكان ذلك ضحًى، ومكث فيها يومه، فلما أصبح اليوم التاسع توجَّه عليه الصلاة والسلام إلى عرفة، وخطب الناس في عرفة خطبة عظيمة جليلة، فذكر فيها تحريم الدماء والأموال والأعراض، وذكر شيئًا من أحكام الحج، وذكر تحريم الربا، وحقوق النساء، وتحريم الزنا، وغير ذلك من الأحكام، ثم أشهدهم أنه بلغ رسالة ربه، ثم اشتغل عليه الصلاة والسلام بالدعاء والتضرع والابتهال، حتى غربت الشمس، وهذا اليوم يوم عرفة هو يوم العتق والمباهاة؛ ففي صحيح مسلم، قال عليه الصلاة والسلام: ((ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم ملائكته، فيقول: ما أراد هؤلاء؟))؛ [رواه مسلم]، ثم أفاض إلى المزدلفة بعد غروب الشمس، فنزل فيها، وجمع بين المغرب والعشاء، وأذِن للضَّعَفَةِ أن ينصرفوا قبل الناس، فكان ذلك في آخر الليل، فلما أصبح يوم النحر، وصلى الصبح، وأسفر جدًّا، انصرف عليه الصلاة والسلام إلى مِنًى قبل طلوع الشمس، وهذا هو السُّنَّة، وكان يسير إليها بسَكِينة، وكان يلبي في مسيره حتى شرع في الرمي، فلما أتى جمرة العقبة، جعل الكعبة عن يساره، ومِنًى عن يمينه، ثم رماها بسبع حصيات، وكانت الحصيات بمثل حصى الخذف؛ وعند الإمام أحمد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فارموها بمثل حصى الخذف))، وما سُئل عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر، إلا قال: ((افعل ولا حرج))، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم مائة بَدَنَة، نحر منها هو بنفسه عليه الصلاة والسلام ثلاثًا وستين بدنة، وأكمل عليٌّ ما بقِيَ منها؛ وهو سبع وثلاثون بدنة، فلما فرغ من نحره، حلق رأسه عليه الصلاة والسلام؛ وفي صحيح مسلم يقول أنس رضي الله عنه: ((لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم والحلاق يحلقه، وأطاف به أصحابه، فما يريدون أن تقع شعرة إلا في يد رجل))؛ [رواه مسلم]، وقد دعا عليه الصلاة والسلام للمحلقين ثلاثًا، ودعا للمقصرين مرة، ثم بعد ذلك حلَّ من إحرامه؛ لأنه رمى وحلق، ثم تطيب ولبس قميصه، ثم اتجه عليه الصلاة والسلام إلى البيت، فطاف به، ثم رجع إلى مِنًى، وأقام فيها ثلاثة أيام؛ وهي أيام التشريق، وكان خلالها يرمي الجمار بعد زوال الشمس، وبعد أيام التشريق اتجه إلى المحصب، فأقام فيه بقية يومه؛ وهو مكان بين مكة ومِنًى، ورقد فيه عليه الصلاة والسلام ثم قام سَحَرًا، فطاف طواف الوداع، ورخص للحائض ألَّا تطوف الوداع، فأسقطه عنها، ثم خرج من مكة متجهًا إلى المدينة، وكان مكثه في المشاعر ومكة عشرة أيام، ثم سار عليه الصلاة والسلام إلى المدينة فدخلها نهارًا، واتجه إلى المسجد فركع ركعتين، ثم اتجه إلى بيته، وهكذا تمت هذه الحجة باختصار وإجمال، أيها الكرام، نختم حلقتنا هذه بشيء من العبر والدروس من هذه الحجة العظيمة؛ ومما ذلك ما يلي: الدرس الأول: لقد تكاثر الناس، وتوافدوا على المدينة يريدون صحبة النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الحجة؛ ليقتدوا به، ويصدروا عنه، فكلٌّ روى وفعل ما رآه من النبي عليه الصلاة والسلام، فكان تشريع ورواية للأمة من بعدهم إلى يوم القيامة، وهذا الاقتداء والحرص عليه يعطينا درسًا عظيمًا مهمًّا في جميع عباداتنا أن نكون مقتدين، ولا نفعل ما تمليه عليه نفوسنا، أو نسمعه من عوام الناس؛ فالعبادة لا تصح إلا إذا كانت خالصة لله تعالى، وصوابًا على منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينما نرى البعض من الناس في الحج أو العمرة أو في العبادات الأخرى يرى الناس يعملون، فيعمل كما يعملون، وهذا جانب من الخطأ؛ فإن فعل عوام الناس فيه الخطأ والصواب، فيا أخي الكريم، إذا أشكل عليك شيء في عباداتك، فاقرأ عنه، واسأل أهل العلم ليفيدوك؛ فقد يبطل عمل العامل من حيث لا يشعر، وهذا كثير لمن تأمله، خصوصًا في المناسك. الدرس الثاني: في قوله عليه الصلاة والسلام: ((أفضل الحج العج الثج)) هو حثٌّ على كثرة التلبية، فهي المرادة بقوله: ((العَجُّ))، وعلى الهَدْيِ والذبح والنحر وكثرته؛ وهو الثَّجُّ، فالمسلم يستحب له أن يهدي في الحرم ما شاء من بهيمة الأنعام، ولو في غير الحج، فالسنة أن يسوقه معه من بلده أو من أدنى الحل، كما ساق صلى الله عليه وسلم هَدْيَهُ في الحديبية، وللمسلم أن يرسل هديه إلى مكة، ولو لغير الحج تقربًا لله تعالى، وهذا من السنن المندثرة، فعلينا بإحيائها، والعج هو الإكثار من التلبية، فيشرع للمحرم أن يكثر منها، خصوصًا إذا كان متنقلًا بين مشعَرَينِ من المشاعر. الدرس الثالث: عندما نفست أسماء بنت عميس، وحاضت عائشة رضي الله عنهما، وجَّههما النبي صلى الله عليه وسلم أن يفعلا مثل ما يفعل الحاج، غير ألَّا يطوفا بالبيت حتى تطهرا، فعلى المرأة إذا اعتمرت أو حجَّت، ثم جاءتها الدورة الشهرية وهي في الميقات أو نحو ذلك - أن تغتسل وتدخل في الإحرام، ولكن لا تطوف، حتى تطهر، فإن كانت عمرة، فتنتظر حتى تطهر، ثم تغتسل من سكنها ومكانها من الحيض، ثم تعتمر، وإن كانت حاجة، فلتفعل كما يفعل الحاج، غير أنها تؤجل الطواف للحج، حتى تطهر، لكن البعض من النساء قد تتجه للعمرة، فإذا جاءتها الدورة في الميقات أو نحوه في الطريق، تركت العمرة بسبب حيضتها، وبهذا يكون فاتها خير عظيم، وهو تلك العمرة، ولكن عليها أن تحرم، وإذا طهرت اعتمرت. الدرس الرابع: البعض من الحُجَّاج والمعتمرين قد يتساهل في بعض السنن؛ كالدعاء على الصفة الواردة على الصفا وعلى المروة، أو بسنن الطواف من الرمل والاضطباع، وغيرهما، وكذلك في بعض مناسك الحج، فإن هذه السنن وإن كان تركها قد لا يؤثر في صحة الحج والعمرة، لكن الإتيان بها هو مما يكمل عمل المناسك ويتممها بمستحبَّاتها، فاحرص عليه يا رعاك الله. الدرس الخامس: من الناس مَن يكبِّر إذا حاذى الركن اليماني، وهذا خطأ وخلل؛ فإن التكبير هو عند محاذاة الحجر الأسود فقط، كما كان يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، أما الركن اليماني، فليس عنده تكبير ولا إشارة؛ لأن التكبير الموجود الآن عند بعض المعتمرين والحجاج هو من تأثير بعضهم على بعض، فعلى المسلم ألَّا يكون مصدره في العمل والعلم هو عموم الناس، وإنما يصدر عن أهل العلم ويسألهم. الدرس السادس: صلاة ركعتي الطواف، وهي خلف المقام لا يلزم أن تكون خلفه مباشرة، وإنما يجعل المقام بينه وبين الكعبة، حتى لو كان بعيدًا عنه، فإنه في تلك الحال هو خلف المقام؛ لأن خلفه مباشرة هو مكان للطواف، والطائفون أحق بهذا المكان من المصلِّي، وقد يكون فيه أذية للناس وعدم ارتياح للمصلي في صلاته، إذا صلى خلف المقام مباشرة، ولكن ليجعل صلاته خلف المقام، وإن كان بعيدًا عنه ليطمئن في صلاته ولا يؤذي أحدًا من الناس. الدرس السابع: مكث النبي صلى الله عليه وسلم الأيام الأربعة قبل الحج في الأبطح، وصلى فيه الصلوات الخمس، وقد استدل جمهور أهل العلم بهذا وأمثاله أن المضاعفة للصلاة في مكة هي كل ما كانت داخل حدود الحرم، وليس المسجد فقط، ولا شك أن المسجد الحرام هو الأفضل، لكن الرأي الذي عليه جمهور أهل العلم أن المضاعفة عامة في جميع حدود الحرم، وبهذا الرأي يكون الناس في سَعَةٍ من أمرهم. الدرس الثامن: مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مزدلفة حتى أصبح وأذِن للضعفة بالانصراف قبل الناس، وقد قال أهل العلم بأن انصرافهم يكون بعد غياب القمر، وقد كانت أسماء رضي الله عنها تنصرف إذا غاب القمر؛ [متفق عليه]، ولكن عتبنا على من يمكث شيئًا من الوقت ثم ينصرف قد يكون ساعة أو ساعتين، وهو بهذا لم يمكث الوقت المقدر شرعًا، وهو أكثر من نصف الليل للضعفة، فعليهم أن يتعرفوا على الحكم؛ لأنهم يتحملون ذمة هؤلاء الحجاج الذين معهم، خصوصًا إذا كانوا جاهلين. الدرس التاسع: على الحاجِّ أن يتأكد أنه داخل عرفة في وقوفه في يومها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((الحج عرفة))، فإن وقف خارجها ولم يرجع إليها، لم يصحبها حجُّه. الدرس العاشر: عندما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ، بدأ فصلى في المسجد ركعتين، وهذه سنة شبه مهجورة في وقتنا الحاضر؛ وهي ركعتا القدوم من السفر، أن يصليهما في المسجد، فإن في تلك الركعتين خيرًا عظيمًا، وطمأنينة وسكينة، واقتداء وهدًى؛ فلا تتكاسل عنها، واستعن بالله تعالى على إحيائها. الدرس الحادي عشر: عندما حلق النبي صلى الله عليه وسلم شعره في مِنًى بعد الرمي، كان الصحابة رضي الله عنهم يتسابقون لأخذ شعره تبركًا به، وكانوا يأخذون فضل وضوئه وآثاره عليه الصلاة والسلام يتبركون بها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجل مبارك، وقد وضع الله فيه بركة، وآثاره فيها بركة؛ وذلك كشعره وبصاقه ووضوئه، ونحو ذلك مما خرج منه، أو لامس جسده، وهذا متفق عليه بين أهل العلم، لكن هل هذا التبرك يحصل بغير النبي صلى الله عليه وسلم كما يقوله بعض الفرق وأهل البدع؟ الجواب: إن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم فقط لا يتعدى إلى غيره؛ لأنه أقرهم عليه الصلاة والسلام على ما فعلوا، ولم يَنْهَهُم، ولو كان ذلك حاصلًا لغيره من الصالحين والأولياء، لتبرَّك الصحابة والتابعون بالخلفاء الراشدين، ولكن هذا لم يحصل منه شيء قط؛ وذلك لعلمهم واجتماعهم رضي الله عنهم أن هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أما ما نسمعه ونقرؤه عن بعض أهل البدعة أنهم يتبركون بآثار أوليائهم، فهذا لا شك أنه تسويل من الشيطان، ولم يدلَّ دليل على صحة ذلك، ولو كان هذا يحصل لأوليائهم، لَحَصَلَ لأبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ فهما أفضل الأمة بعد نبيها عليه الصلاة والسلام، ولكن الجهل قد يطمس البصائر، حتى في الآثار الأخرى من الأحجار كالحجر الأسود، والأماكن كالغار في مكة، ونحو ذلك، فهي لا يُتبرَّك بها، فأما الحجر، فقد كان عمر رضي الله عنه يُقبِّله ويقول: ((إني أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يُقبِّلك، ما قبَّلتك))، فهو حجر من الأحجار، وكذلك الغار في مكة، مِن الناس مَن يتجشَّم المصاعب والمتاعب ليصعد إليه؛ تبركًا، وهذا لا أصل له في الشريعة؛ إذ إن الصحابة رضي الله عنهم وهم أعلم الأمة بعد نبيها لم يفعلوا شيئًا من ذلك، ولو كان خيرًا لسبقونا إليه، بل كانوا ينهَون عن ذلك أشدَّ النهي؛ لأن التبرك بالأماكن أو آثار الصالحين تعظيم، والتعظيم لله تعالى وحده، وقد يصل الأمر ببعضهم بعد التبرك للطواف على قبره، ودعائه من دون الله عز وجل، وهكذا يبدأ الشرك، نعوذ بالله تعالى من ذلك، وإن تعجب فاعجب ممن يبذل وقته وجهده وماله على شيء باطل، ليس له زمام ولا خِطام من الشريعة؛ كمن يذبح أو ينذر لغير الله، ونحو ذلك، وربما كان في أول أمره قد بدأ بأشياءَ صغيرة، حتى وقع في الشرك الأكبر الذي يخلد صاحبه في النار، والعياذ بالله. الدرس الثاني عشر: في قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن يسأله يوم النحر: ((افعل ولا حرج)) دليل على يُسْرِ تلك الشريعة وسماحتها، ودليل على رحمة الله تبارك وتعالى بعباده، ورأفته بهم؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [الحج: 78]، وقال عز وجل: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾ [البقرة: 185]، فهذه الصلوات الخمس كانت خمسين، فخُفِّفت إلى خمس، وبقِيَ أجرها أجر خمسين، وهذا كله تيسير من الله تبارك وتعالى لعباده، فاللهم لك الحمد على تيسيرك ورحمتك، وإن المسلم عندما يعلم ذلك التيسير ورفع الحرج، لَيقع في قلبه محبة الله تبارك وتعالى، بل يملأ قلبه من ذلك، وكذلك يُكثِر من العمل الصالح، والدلالة عليه، فعندما تنظر إلى أركان الإسلام، تعلم ذلك التيسير ورفع الحرج؛ فالصلاة – مثلًا - خمس بدل خمسين، والزكاة اثنان ونصف في المائة، والصيام شهر واحد من اثني عشر شهرًا، والحج والعمرة مرة واحدة في العمر، وهذا كله تيسير ورحمة ورأفة من الله تبارك تعالى بعباده؛ فليشكروه وليحْمَدوه، ويمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه، فإن فعلوا ذلك، فإن الله عز وجل برحمته يدخلهم جنته ودار كرامته، فإن المسلم عندما يعلم ذلك التيسير، ويتحدث به مع أصحابه وإخوانه المسلمين هو بذلك يشيع محبة الله تعالى بين عباده، ويجعل العباد يحبون الله عز وجل على هذا التيسير، كما أنه أيضًا بذلك يقوِّي عزيمتهم على عمل الصالح، وأن كل ما شرعه الله عز وجل إنما هو يسير وعمل قليل، مقابل ما يرحمهم الله تعالى بسببه، فيدخلهم الجنة التي يخلدون فيها بلا خروج ولا موت، فلو نظرت إلى العمل، ثم نظرت إلى الجزاء، لَرأيت الفرق الشاسع، والبعد الكبير بينهما، لكن الذي أوصلهم إلى هذا هو رحمة الله تبارك وتعالى لعباده، التي كان سببها هذا العمل الصالح. اللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعفُ عنا وعن والدينا ووالديهم والمسلمين، اللهم اجعلنا من عبادك المفلحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى أصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (44) الشيخ خالد بن علي الجريش بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على خير النبيين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين؛ أما بعد: فمرحبًا بكم - أيها الكرام - في برنامجكم خاتم النبيين، وقد أسلفنا في الحلقة الماضية عرضًا مجملًا لحجة الوداع، وبيانًا لبعض الأحكام الشرعية في الحج، وأوضحنا أيضًا يُسْرَ الشريعة من خلال ذلك العرض، ثم ختمنا الحلقة بجملة من الدروس والعِبر من تلك الحجة العظيمة، وفي حلقتنا هذه نستعرض ما حدث في السنة الأخيرة من حياته عليه الصلاة والسلام؛ ففي تلك السنة الحادية عشرة عَقَدَ النبي صلى الله عليه وسلم الجيش لغزو الروم، وجعل عليه أسامة بن زيد رضي الله عنه، وكان مع الجيش كثير من كبراء الصحابة، وكان عمرُ أسامةَ ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة، لكن أسامة رضي الله عنه لم يستعجل قيادة ذلك الجيش؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم مرِضَ، فانتظر حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا، فحصل بعد ذلك المرض علامات تدل على دنوِّ أجَلِ النبي صلى الله عليه وسلم، وقُرْبِ وفاته، ومن هذه العلامات: أولًا: نزول سورة النصر؛ فقد قال ابن عباس رضي الله عنه فيها: ((هو مَثَلٌ ضُرب لمحمدٍ نُعيَت له نفسه))، وفي رواية عند البخاري: ((هو أجَلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم))، وثانيًا: من العلامات أن جبريل عليه السلام كان يدارسه القرآن في رمضان كل سنة مرة، أما في هذه السنة فدارسه القرآن مرتين، وثالثًا: من العلامات على دنوِّ أجل النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعتكف كل سنة العشر الأخيرة من رمضان، أما في السنة الأخيرة فاعتكف عشرين يومًا، والعلامة الرابعة: توديعه عليه الصلاة والسلام لهم في حجة الوداع؛ حيث قال: ((لعلي لا أحج بعد حجتي هذه))، خامسًا: من العلامات صلاته عليه الصلاة والسلام على شهداء أحد، ومن خلال كلامه كان كالمودِّع لهم، فهذه العوامل هي علامات على دنو أجله عليه الصلاة والسلام، وابتدأت شكواه عليه الصلاة والسلام في أواخر صفر، وكانت مدة مرضه صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشر يومًا تقريبًا، وكان يطوف على أزواجه كعادته، فلما كان عند ميمونة رضي الله عنها اشتدَّ به المرض، فاستأذن أزواجه أن يمرَّض في بيت عائشة، فأذِنَّ له، واشتد به المرض عليه الصلاة والسلام أكثر من ذي قبل، واشتدت عليه الحمَّى؛ وقال النبي صلى الله عليه وسلم حينها: ((ما من مسلم يصيبه أذًى من مرض فما سواه، إلا حطَّ الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها))؛ [رواه البخاري]، ((وكانت عائشة رضي الله عنها حال مرضه تقرأ المعوِّذتين، وتنفث عليه بيده الشريفة؛ رجاء بركتها))؛ [رواه البخاري]، وكان النبي عليه الصلاة والسلام في مرضه يحذر من اتخاذ القبور مساجدَ؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))؛ [متفق عليه]، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حريصًا أن يصلي إمامًا بالناس مع شدة وجعه ومرضه؛ فقد روى البخاري ومسلم ((أن النبي صلى الله عليه وسلم ثقُل عليه وجعه، فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا هم ينتظرونك، فاغتسل، فلما همَّ بالخروج، أُغمِيَ عليه، وحصل ذلك ثلاثًا، فقال الراوي في آخر الحديث: فأرسل إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فصلى بهم أبو بكر رضي الله عنه تلك الأيام، وقبل وفاته عليه الصلاة والسلام بثلاثة أيام أوصى أصحابه بحسن الظن بالله تعالى، وهي وصية للأمة جميعًا؛ فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله))؛ [رواه مسلم]، وقبل وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيومٍ؛ وهو يوم الأحد، رجع أسامة بن زيد رضي الله عنه بالجيش من الجرف؛ حيث وصلت إليهم الأخبار بمرض رسول الله صلى الله عليه وسلم واشتداده، فشاع الحزن، فرجع إلى المدينة، فدخل أسامة على النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي لا يستطيع الكلام من شدة ما أصابه، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام يرفع يديه إلى السماء، ثم يميلها على أسامة، قال أسامة رضي الله عنه: "فعرفت أنه يدعو لي"، وبات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الاثنين وقد اشتد به المرض، فلما أصبح من يوم الاثنين أفاق، فكشف الستر من حجرة عائشة، ونظر إلى الناس وهم صفوف خلف أبي بكر، فتبسَّم لفرحه بذلك؛ يقول الراوي: ((فَهَمَمْنَا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي صلى الله عليه وسلم))؛ [قال ذلك أنس كما عند البخاري]، ولما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم طيبًا، استأذنه أبو بكر رضي الله عنه أن يتوجه إلى أهله بعوالي المدينة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أصبح طيبًا، فأذِن له النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن في أثناء ذلك اشتد عليه الوجع والمرض، وجعل يغشاه الكربُ الشديد، حتى تأذَّت فاطمة من شدة وجعه، ((فقالت: وا كربَ أبتاه، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: لا كربَ على أبيك بعد اليوم، إنه قد حضر من أبيك ما ليس بتاركٍ منه أحدًا؛ الموافاةُ يوم القيامة))، وكان عليه الصلاة والسلام وهو يعالج سكرات الموت بين يديه ماء، فيدخل يده في الماء، ويمسح وجهه؛ ويقول: ((لا إله إلا الله، إن للموت لسكراتٍ، ثم رفع يده، فجعل يقول: في الرفيق الأعلى، حتى قُبِض عليه الصلاة والسلام ومالت يده))؛ [رواه البخاري]، وفاضت أطهر روح في الدنيا من جسدها، وصعدت إلى بارئها، راضية مرضية، ولم يترك مالًا ولا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ترك إيمانًا وعلمًا وشريعة خالدة، فكانت وفاته عليه الصلاة والسلام في يوم الاثنين آخر النهار، في الثاني عشر من ربيع الأول، من السنة الحادية عشرة، وكان عمره ثلاثًا وستين سنة، وشاع خبر وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، ونزل خبر وفاته على الصحابة كالصاعقة، وجاء عمر ومعه المغيرة حتى دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنظر إليه عمر، فقال: ما أشدَّ غشيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو لم يصدق وفاته؛ من هول الموقف، ولما سأله المغيرة: هل مات رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال له عمر: كذبت إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يموت، حتى يُفنيَ الله عز وجل المنافقين، ثم سلَّ عمر سيفه، وقال: لا أسمع أحدًا يقول: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ضربته، ثم قام خطيبًا، وقال: ((إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يمت، ولكن ذهب إلى ربه، كما ذهب موسى بن عمران، فغاب أربعين ليلة، ثم رجع إليهم، والله ليرجعنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رجع موسى))؛ [رواه البخاري]، ثم أقبل أبو بكر على فرس من مسكنه بالعوالي حين بلغه الخبر، ثم دخل المسجد، وعمر يكلم الناس على المنبر، ثم دخل غرفة عائشة، فنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مسجًّى ببرد له، فكشف عن وجهه، فقال: "إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم قبَّله وبكى، ثم قال: طبتَ حيًّا وميتًا بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ثم خرج إلى الناس وهم بين منكر ومصدِّق لهول الأمر، فرأى عمر يتوعد الناس، فقال له: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يسكت، فتحدث أبو بكر، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد: فمن كان منكم يعبد محمدًا، فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله، فان الله حي لا يموت؛ وتلا قوله تعالى: ﴿ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ ﴾ [آل عمران: 144]؛ الآية، فبكى الناس، فقال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها، فعُقرت حتى لا تحملني قدماي، فعلمت أن محمدًا قد مات، ثم بدأ الناس يتشاورون في الخلافة، فاتفقوا على أبي بكر فبايعوه وخطب فيهم خطبته المشهورة، فلما تمَّتْ البيعة، أقبل الناس على تجهيز رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك في يوم الثلاثاء، فاختلفوا هل يجردونه للتغسيل، أم يغسلونه وعليه ثيابه؟ فأُلقِيَ عليهم النعاس، ثم سمعوا كلامًا من ناحية البيت أن اغسلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه ثيابه، ((فتولَّى غسله ستة من الصحابة، وهم عليٌّ، والعباس، والفضل بن العباس، وقثم بن العباس، وأسامة بن زيد، وشقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كفنوه في ثلاثة أثواب بِيضٌ))؛ [رواه البخاري]، ولما جهَّزوه وُضع في بيت عائشة رضي الله عنها، ثم دخل الناس أفواجًا وفرادى يصلون عليه، وهذا مجمع عليه، لكن اختلفوا في علة ذلك، وعندما أرادوا دفنه، اختلفوا، فقال بعضهم: يُدفَن في البقيع، وقال آخرون أقوالًا أخرى، فاستشاروا أبا بكرٍ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يحب أن يُدفَن فيه))، ادفنوه في موضع فراشه، ونشهد أنه عليه الصلاة والسلام بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وتركها على المحجة البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فصلوات الله وسلامه عليه، أيها الكرام، نختم تلك الحلقة بشيء من الدروس والعِبر من خلال هذا العرض؛ وهي على النحو الآتي: الدرس الأول: أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما مرِض، وأراد أن يمرَّض في بيت عائشة رضي الله عنها، استأذن أزواجه في ذلك، وفي هذا درس لأهمية العدل بين الزوجات؛ فالعدل بينهن واجب، وعدمه محرم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام عدل بينهن، فاستأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، فأذِن له؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كانت له امرأتان، فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة، وشقُّه مائل))، فهذا وعيدٌ على من لم يعدل بين زوجاته، ومما يجيب فيه العدل النفقة والقسم والسُّكنى، أما المحبة، فلا يملك الإنسان فيها عدلًا في الغالب، فليتقِ الله تعالى هؤلاء الأزواج الذين يبخسون زوجاتهم من العدل أن يصيبهم ذلك الوعيد المذكور في الحديث. الدرس الثاني: أوضح النبي صلى الله عليه وسلم عند اشتداد مرضه أن تلك الأمراض والمصائب هي كفارات للذنوب والخطيئات، فيا أحبابي الكرام، عندما يصيب المسلم أذًى من شوكة أو غيرها، فليعلم أن ذلك مُقدَّر من عند الله تعالى، فليصبر وليحتسب الأجر عند الله عز وجل، ولا يجزع، ولا يتحدث بما لا يُرضي الله تعالى، بل إذا أكمل ذلك بالحمد على ذلك المصاب، فإنه أعظم لأجره، لا شكَّ أن الإنسان يبغض المرض والمصيبة، لكن إذا علم أن الله قدَّرها لحكمة، فإنه يرضى ويصبر، ويحمد ويسلِّم، فهي أربع مراتب للمصاب ليحفظها إذا إصابته أي مصيبة، صغرت أو كبرت، وهذه المراتب الأربع هي: أولًا: التسليم لله تعالى، وثانيًا: الصبر على تلك المصيبة، والثالث: الرضا بها، والرابع: الحمد عليها، أما إذا جزع وتسخط، ونحو ذلك، فإن هذا لا يخفف من المصيبة شيء، بل تزداد وتكبر وتضيق عليه نفسه. الدرس الثالث: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجدَ، وذلك في آخر حياته عليه الصلاة والسلام، فإن هذا من وسائل الشرك العظيمة؛ فقد ذكر أهل العلم تحريم الصلاة في المسجد الذي فيه قبر، وقالوا: إنها لا تصح؛ ففي حديث أم حبيبة وأم سلمة رضي الله عنهما أنهما ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينَها بأرض الحبشة، وما فيها من الصور، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنَوا على قبره مسجدًا، وصوَّروا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله))، فجعلهم من شرار الخلق، فالواجب على أهل الإسلام أن يحذروا ذلك، ولا يبنوا المساجد على القبور، ولا يجعلوا القبور داخل المساجد؛ وقال عليه الصلاة والسلام: ((لا تصلُّوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها))؛ كما ذكر أهل العلم أنه إذا كان المسجد هو الذي بُنيَ أولًا، فينبش القبر إلى مكان آخر، وإن كان القبر هو الذي وُضع أولًا، فيُهدم المسجد، فليستدرك مَن صنع شيئًا من هذا قبل فوات الأوان؛ حفظًا للتوحيد، وتعبدًا لله تعالى الواحد الأحد. الدرس الرابع: لقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه - وهي وصية للأمة جميعًا - بحسن الظن بالله تعالى، ومعنى إحسان الظن بالله أن يظن بالله تعالى أنه غفور، وأنه جواد كريم، وأنه يقبل التوبة، وأنه يحب من عباده أن يرجعوا إليه ليرحمهم ويدخلهم جنته، ويظن أن الله تعالى قبِلَ عمله، ونحو ذلك، لكن يظن هذا الظن وهو مطيع لله تعالى، ولكن لا يقيم على المعاصي ويعملها، ويقول: أنا محسن الظن؛ حيث قال السلف رحمهم الله: "لو أحسن الظن لأحسن العمل"، أما من يعمل المعاصي، ويتابعها، ويقول: أنا محسن الظن، فهذا قد يكون غرورًا، ومن إحسان الظن قوة اليقين بما وعد الله تعالى عباده المؤمنين من الخيرات، ومن إحسان الظن ظنُّه أن دعاءه مقبول، لكن قد تتأخر الإجابة لحكمة يريدها الله تعالى؛ يقول ابن القيم رحمه الله: "ولا ريب أن حسن الظن يكون مع الإحسان، وأما المسيء العاصي، فإن وحشة المعصية قد تمنعه من حسن الظن"، فلنَظُنَّ بربنا - معاشر الكرام - كل خير، ولنُحْسِن العمل. الدرس الخامس: فرح النبي صلى الله عليه وسلم بصفوف أصحابه رضي الله عنهم عندما رآهم في صلاتهم، وهو في مرضه، وإن هذا الفرح لَيعطينا دليلًا واضحًا على اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الركن العظيم؛ وهو الصلاة، وقد أوصى الأمة في آخر حياته بالصلاة، فلنكُنْ - معاشر الكرام - كما أحبه نبينا عليه الصلاة والسلام وفرح به، مقيمين لصلاتنا، محافظين عليها في أوقاتها وأذكارها، وقد حضرت فيها قلوبنا، فمن المؤسف جدًّا أن بعض المصلين تجده في صلاته متململًا ومكسرًا للحركات، وكأنه يريد أن ينطلق وينفلت منها، أو ربما يكون مستعجلًا في أدائها، أو مؤخرًا لها عن وقتها، أو غير حاضر الذهن، أو يصليها على غير صفتها الشرعية، أو يكون عنده خلل في أذكارها الواجبة، أو يكون مصليًا محافظًا متممًا لها، لكن أولاده متروكون على فرشهم، وفي لهوهم، إن تلك الصور وأمثالها يجب أن تختفي؛ لأن الصلاة ستشهد لك أو عليك، وإذا كان فيها نقص، فسيُقال عنك يوم القيامة: ((انظروا هل لعبدي من تطوع؟))، فعليك الانتباه والحذر، وإتمام الأمر؛ فإن الصلاة من الدين بمنزلة الرأس من الجسد، فستقول الصلاة: ((حفظك الله كما حفظتني، أو تقول ضيعك الله كما ضيعتني))، وكم هو جميل أن تضع الأسرة لها مجلسًا، ولو مرتين في الأسبوع، يتدارسون فيهما أحكام الصلاة؛ ليعبدوا الله تعالى على بصيرة، ويعرفوها عن قرب ويستشعروها حال فعلها، فوالله لو علم العباد ما في الصلاة من الخيرات والبركات على دينهم ودنياهم وأخراهم، لجعلوها أول اهتمامهم، فيكفيك أن ذهابك إليها هو نُزُلٌ في الجنة، وأن انتظارك لها هو مغفرة ورحمة، وأن خطواتك إليها هي حسنات ودرجات، وأنها من الأفعال والأقوال المكفِّرة للذنوب، وإن فيها من الخضوع والخشوع ما يجعل القلب يطير فرحًا في استشعاره لذلك، ومفتاح الحصول على هذه المصالح وغيرها هو الاهتمام وحضور القلب، والاستشعار، فكونوا - رحمكم الله – كذلك، تُفلحوا وتسعدوا في دنياكم وأخراكم، وأنشئوا أولادكم على ذلك. الدرس السادس: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم دينارًا ولا درهمًا، بل أنفق ذلك في حياته، فما هي منهجيتنا في أموالنا؟ لنعلم أولًا أن المال الذي بين أيدينا ليس لنا منه إلا ما أكلنا فأفنينا، أو لبسنا فأبلينا، أو تصدقنا فأمضينا، ولا جناح على المسلم أن يتمتع بالمال فيما أباح الله تعالى له، لكن ليعلم أن ما يدفعه لوجه الله تعالى من الصدقات، فهو لم يزل له، لكنه نقله من حساب الدنيا إلى حساب الآخرة، فهو قد قدمه وينتظره هناك، فما رأيك عندما تأتي في الآخرة وأموالك التي قدمتها هي أمثال الجبال، ينتظرك ظل لك، وتطفئ غضب ربك، وتكون حسنات في موازينك، غير ما يحصل لك من المصالح العظيمة في الدنيا؟ فعند ذلك يتمنى صاحب المال أنه كان مكثرًا من الصدقات، فالأمر الآن بين يديك، كم من بلاء زال بسبب الصدقة! وكم من توفيق حصل بسبب الصدقة! وكم من كربة انفرجت بسبب الصدقة! وكم من جائع شبع أو عطشان روي بسبب الصدقة! فاجعل لك - أخي الكريم - منهجية مع الصدقة؛ فهي مخلوقة، وليست منقصة للمال، وإنني أقترح على أهل البيت أن يضعوا حصالة في البيت أو ما يشبهها، فيتصدقوا من خلالها بالقليل والكثير، يتصدق الكبير والصغير، وقد تكون أحيانًا صدقة سرٍّ لا يراه أحد منهم، ثم تفتح بشكل شهري، فتُصرف في وجوه البر، وفي هذا مصالح عظيمة في تعليم النفس والأولاد على البذل والجود، وأيضًا تكون مجالًا يسيرًا للصدقة اليومية؛ لأن أهل البيت قد لا يستطيعون أن يتصدقوا كل يوم على الفقراء، أما إذا وُجد هذا البرنامج وهذا المقترح، فإنه باستطاعتهم أن يتصدقوا في كل يوم مرة، والكل منا يعلم أن كل يوم يأتي فيه ملكان، ((يقول أحدهما: اللهم أعطِ منفقًا خلفًا، ويقول الآخر: اللهم أعطِ ممسكًا تلفًا))، فإن هذا المقترح وإن كان يسيرًا إلا أن فيه مصالح وقد يزداد وينمو فيما بعد ذلك، ثم يكون برنامجًا كبيرًا لأهل البيت. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا الهدى والتقى، والسداد والرشاد، والعفو والعافية، اللهم أوصلنا دار السلام بسلام، واحفظنا بحفظك التام، وقنا عذابك يوم تبعث عبادك، واجعلنا ممن رحمتهم ووسعت عليهم في دينهم وأخراهم، ووالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (45) الشيخ خالد بن علي الجريش شيء من هديه عليه الصلاة والسلام بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلِّي وأسلِّم على مَن أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد أيها الأكارم: فمرحبًا بكم في برنامجكم خاتم النبيين، وقد أسلفنا الحديث في الحلقة الماضية عن الأحداث الأخيرة في حياته عليه الصلاة والسلام؛ من تجهيزه الجيشَ لغزو الروم بقيادة أسامة بن زيد رضي الله عنه، ومعه بعض أكابر الصحابة، ولكن أسامة لم يستعجل الذهاب بذلك الجيش؛ لأن بداية المرض بالنبي صلى الله عليه وسلم قد ظهرت، وذكرنا أيضًا في ثنايا الحلقة حصول علامات لدنوِّ أجَلِه عليه الصلاة والسلام، واستطردنا أيضًا في الحديث عن واقع الصحابة مع تلك الأجواء للنبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا كذلك عددًا من وصاياه عليه الصلاة والسلام في آخر حياته للأمة، وقد عرجنا أيضًا على موقف أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، مختتمين تلك الحلقة بالدروس والعِبر العظيمة الْمُستنتَجة من ذلك، وفي حلقتنا هذه نذكر شيئًا من هَدْيِه عليه الصلاة والسلام؛ ليكون ذلك نبراسًا لنا ومنهجًا في حياتنا؛ فهو المعصوم عليه الصلاة والسلام، ومنهجه هو الدليل؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 4]، فهَديُه عليه الصلاة والسلام أكمل الهديِ، وسيرته أكمل السِّيَرِ وأجملها، وهو رسول رب العالمين، والهدي النبوي هو الطريقة التي كان يسير عليها النبي صلى الله عليه وسلم مرشدًا أمَّتَه بأن تكون على حَذْوِه؛ ولذلك جعل من سار على نهجه فرقةً ناجية؛ حيث عرَّفهم عليه الصلاة والسلام بقوله: ((ما أنا عليه وأصحابي))؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني وغيره]، فمنهجه هو المنهج السليم، وطريقه هو الموصِّل إلى جنات النعيم، وقد كتب العلماء رحمهم الله في هديه من كل وجهة؛ في العبادة والمعاملة، والجهاد والدعوة، وفي العسر واليسر، وفي السفر والحضر، وغيرها، وممن كتب في ذلك ابن القيم رحمه الله في كتابه القيِّم: (زاد المعاد في هدي خير العباد)، فكم هو جميل أن تعقد الأسرة درسًا أسبوعيًّا مع هذا الكتاب؛ للتعرف على هديه عليه الصلاة والسلام في حياته كلها. إن هذا الهدي النبوي الكريم يتسم بسماتٍ وصفات جليلة جميلة؛ ومن أهمها: الرفق والتيسير، والتعليم والإرشاد، والتواضع والإشفاق، وأيضًا البذل في النفس والمال، وكذلك البشارة والنذارة، والصدق والأمانة، إلى غير ذلك مما يطول الحديث عنه؛ وقد قال الله تبارك وتعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، فهو الأُسْوَةُ والقدوة عليه الصلاة والسلام، ولعلِّي في تلك الحلقة أذكر شيئًا من هديه عليه الصلاة والسلام في بعض شؤون الحياة. فمن هديه في أذكار الصباح والمساء التي هي بإذن الله تعالى كالحصن الحصين للمسلم إذا قالها؛ فهي حفظ له من جميع الشرور؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليها، ويرشد أمته إليها، ويذكر لهم فضائلها، وقد يسمعه الصحابة رضي الله عنهم وهو يقولها، ثم يَرْوُونها إلى من بعدهم، وهذه الأذكار غاية في الأهمية؛ فعلى الآباء والأمهات تحصين نفسيهما وأولادهم بها؛ ليحفظهم الله تعالى بسببها؛ ومن تلك الأذكار: أولًا: آية الكرسي. ثانيًا: السور الثلاث؛ وهي الإخلاص والفلق والناس. ثالثًا: قول: (بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض، ولا في السماء، وهو السميع العليم) ثلاثًا في الصباح، وثلاثًا في المساء. رابعًا: سيد الاستغفار؛ وهو أن يقول المسلم في صباحه ومسائه: ((اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت))؛ [رواه البخاري]، وقد ورد أن المحافظة على هذا هو سبب من أسباب دخول الجنة. خامسًا: أن يقول المسلم: (رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا ثلاثًا في الصباح، وثلاثًا في المساء). سادسًا: أن يقول: (سبحان الله وبحمده في اليوم؛ مائة مرة). سابعًا: مما يُقال في المساء فقط آخر آيتين من سورة البقرة: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ ﴾ [البقرة: 285]، إلى آخر السورة. ثامنًا: أن يقول: (أعوذ بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق)؛ إن هذا من أهم الأذكار التي ينبغي للمسلم أن يحافظ عليها؛ ليحفظه الله عز وجل بسببها، فوالله لو علِم الناس ما فيها من الأجور، وتكفير الذنوب، ودفع البلايا والشرور، ما غفلوا عنها يومًا ولا ليلة، ومن أراد الاستزادة من تلك الأذكار، فليرجع إلى مظانِّها في كتب أهل العلم؛ كالوابل الصيب في صحيح الكلم الطيبـ وأيضًا رياض الصالحين، والصحيحين، وغيرهما، وإن وقت تلك الأذكار من بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في الصباح، وتُقضى بعد ذلك لمن نسِيَها، وأما في المساء، فهي من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، وتُقضى بعد ذلك لمن نسِيَها. ومن هديه عليه الصلاة والسلام الأذكار في المواقف العارضة خلال اليوم والليلة؛ كأذكار الدخول للمنزل والخروج منه، ودخول المسجد والخروج منه، وأذكار ركوب الدابة، ودخول الخلاء والخروج منه، وأذكار المأكل والمشرب، وأذكار الأذان والوضوء والصلاة والنوم، ونحو ذلك، فمن لزم ذلك كله، فهو من الذاكرين الله كثيرًا؛ فإن تلك الأذكار مما يزكِّي النفس ويطهِّرها، وتكسب من خلاله صلاح القلب والمظهر والجوهر، وتكسب أيضًا طهرة الجوارح من المخالفات بإذن الله تعالى؛ فإن لها تأثيرًا تربويًّا عظيمًا عند التزامها؛ فعلى الآباء والأمهات أن يستثمروا الفرصة في أولادهم في برمجة تلك الأذكار وتحفيظهم إياها. ومن هديه صلى الله عليه وسلم الذي كان يُكْثِرُ منه، وهو طريق واسع وميدان للتنافس في كسب الأجور والمصالح - السلام على الآخرين؛ فقد حثَّ عليه الصلاة والسلام أمته عليه كثيرًا؛ فقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أفضل الإسلام وخيره إطعام الطعام، وأن تقرأ السلام على من عَرَفت وعلى من لم تعرِف))، فيا أخي الكريم، ماذا لو استثمرنا جميع مواقفنا مع معارفنا وغيرهم، وبذلنا لهم السلام، فكم سيحصل من المصالح الدنيوية والأخروية على ذلك؟ لا شك أن ذلك كبير وعظيم، فهو سبب لتآلف القلوب والنفوس، وباب عظيم في تحصيل الأجور والحسنات، وأعلم أنك إذا لقيتَ أخاك المسلم، فإن الأجر الأكبر لمن بادر بالسلام، وإن صحب ذلك المصافحة، فهي نور على نور، وإن صحبه أيضًا ابتسامة، فهي خير على خير، وإن أتْبَعْتَها بكلمة طيبة، فهي صدقة عظيمة، فهذه أربعة أعمال عظيمة في خلال لقائك بأحد إخوانك ممن تعرفه، أو لا تعرفه، وهي لا تستغرق بفضل الله تعالى أكثر من ربع دقيقة، فما أعظم الأجر وأيسر العمل! وذلك كله يدل على سَعَةِ فضل الله تعالى على عباده، فليسلم الصغير على الكبير، والماشي على القاعد، ولنكمل سلامنا إلى البركة، ولنرد التحية بأفضلَ منها، وإذا سلم علينا غير المسلم، قلنا: وعليكم، ولنسلم حال قيامنا من المجلس؛ فكل هذا من هديه عليه الصلاة والسلام. ومن هديه أيضًا صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن ألفاظ اشتهرت بين الناس، فأوضح لأمته النهي عنها، وأيضًا أمر بتركها، ومن ذلك أن يقول أحدهم: (هلك الناس) أو (فسد الزمان)، بل عليه أن يفعل ما يستطيعه في سبيل الصلاح والإصلاح، بدلًا من أن يقول تلك الألفاظ، ومن ذلك أيضًا قول بعضهم: (ما شاء الله وفلان)، فهذا شرك أصغر؛ لأن الواو للمساواة، والمشروع أن يقول: (ما شاء الله ثم فلان)، ومثله قول بعضهم: (لولا الله وفلان)، والصحيح أن يقول: (لولا الله ثم فلان)، ومن ذلك أن يحلف بغير الله؛ كمن يحلف بالنبي، أو بالأمانة، أو نحو ذلك؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من كان حالفًا، فليحلف بالله أو ليصمت))، ومن الألفاظ التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول المسلم للمسلم: (يا كافر) أو (يا خبيث) أو (يا عدو الله)، ونحو ذلك؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أيما امرئ قال لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما، إن كان كما قال، وإلا رجعت عليه))؛ [رواه البخاري ومسلم]، ومن ذلك أيضًا سبُّ الريح والزمان، بل عليه أن يسأل الله خير تلك الريح، وخير هذا الزمان، ومن ذلك أيضًا التعصب للأنساب والقبائل؛ لأن مقياس الكرامة والشرف هو التقوى؛ قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، ومن ذلك نهيه صلى الله عليه وسلم عن الغِيبة والنميمة والكذب؛ فهذه ثلاثة طرق واسعة للفساد والإفساد، وزوال الحسنات عن صاحبها، إلى غيره، ومما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم تعليق الدعاء بالمشيئة؛ فبعض الناس إذا دعا ذكر في دعائه كلمة: إن شاء الله، وهذه مع الأسف أخذتها بعض الألسن وكأنها شيء طبيعي، والأمر على خلاف ذلك؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يقل أحدكم: اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني إن شئت، ولْيَعْزِمِ المسألة؛ فإن الله لا مُكْرِهَ له))؛ [متفق عليه]، ومن ذلك أيضًا الإكثار من الحَلِفِ؛ فبعض الناس يحلف ويقسم في كثير من قضاياه وكلامه؛ وقد قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ ﴾ [البقرة: 224]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إياكم وكثرةَ الحلف))؛ [رواه مسلم]، فأمْسِكْ لسانك - أخي الكريم - عن الحلف ما لم تُستحلَف، فإن استُحْلفت، فإن كان المقام يستحق ذلك، فاحلف، وإلا فأمسك، وذلك بخلاف من يطلق للسانه العِنان، فيحلف في كل قضية ومسألة، وأحيانًا في توافه الأمور وسفاسفها، فكيف يطمئن ذلك الحالف، والله عز وجل قد نهى عن ذلك؟ ومن ذلك الحديث للآخرين عن أسرار البيوت من غير مصلحة تُرتجى من ستر الله تعالى، فليُبْقِ على ستر الله عز وجل له، إن هذه الألفاظ السابقة ونحوها نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تكن من هديه، فلنحاول تربية أنفسنا وذرياتنا على الابتعاد عنها، ومجانبتها، ومن هديه صلى الله عليه وسلم أنه حثَّ أمته على قراءة القرآن وملازمته، والإكثار من ذلك؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))، وقال عليه الصلاة والسلام: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه))؛ [رواه مسلم]، فما أجمل أن تجعل لك منهجية واضحة في ذلك المضمار العظيم، والمجال الفسيح لكسب الأجور والحسنات! أخي الكريم، إن كل ما تم طرحه في تلك الحلقة من هَدْيِ النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو يخص جارحة واحدة من الجوارح، وهي جارحة اللسان، فأذكار الصباح والمساء، والأذكار العارضة، والسلام وبذله، والألفاظ المنهي عنها، وقراءة القرآن، إن هذه كلها هي مما يوضح منزلة اللسان في كسب الأجور أو الأوزار؛ فاحفظ لسانك وسخِّره على هلكته في الحق والخير، وأختتم - أخي الكريم - تلك الحلقة ببعض المقترحات في ذلك الجانب؛ فمن ذلك: المقترح الأول: استحداث برمجة ولو يسيرة للأولاد في تطبيق الهدي النبوي في حياتهم العملية؛ وذلك من خلال النقاط الآتية: أولًا: الحديث الودي والعفوي مع الأولاد؛ لإيجاد هذا البرنامج ومشاركتهم في إعداده، وأخذ رأيهم فيه. ثانيًا: البداية في رسم البرنامج بالأسهل فالأسهل حسب الجو الأسري؛ فالبداية علامة النجاح، ولو كانت يسيرة جدًّا، فهي ستنمو وتكثر بإذن الله عز وجل. ثالثًا: بداية الواقع العملي لهذا البرنامج المرسوم، والتشجيع والتعزيز على تفعيله، والاهتمام به. رابعًا: دراسة الوالدين في نهاية الشهر الأول للسلبيات والإيجابيات؛ لتصحيحها. خامسًا: استشعار الوالدين الكريمين أن هذا العمل هو صدقة جارية لهم، وتربية لأولادهم، وسبب لصلاحهم. سادسًا: طباعة هذا البرنامج وتوزيعه على الأولاد؛ حتى يزداد حماسهم وقوتهم. سابعًا: المكافأة الشهرية أو الفصلية للأولاد حسب التنفيذ، مع استمرار التشجيع اللفظي. ثامنًا: يتضمن البرنامج أن يحفظ الأولاد ذِكْرَين من الأذكار العارضة في اليوم والليلة من الهدي النبوي، في كل أسبوع، مع التوجيه بالمحافظة عليهما، وتفعيلهما على أرض الواقع. تاسعًا: جلسة أسبوعية خفيفة لمناقشة مجريات هذا البرنامج، والتعرف على مرئياتهم، ومدى استعدادهم وقبولهم للمعالجة والتشجيع. معاشر الآباء والأمهات، إن ما تقدمونه لأولادكم من أمثال تلك البرامج هو الزاد الحقيقي الذي يحتاجه الأولاد، وربما قام بعضهم بالرعاية وهو يظن أنه قام بالتربية؛ ففرق بين التربية والرعاية؛ فما ذكرناه مما تُربَّى به العقول هو يسمى تربية، وأما الرعاية فهي على معنى آخر؛ فهي توفير المأكول والمشروب، والملبوس والمسكون والمركوب، وما إلى ذلك، فهذه رعاية، والأولى تربية، فلا نخلط - رحمكم الله - بين الرعاية والتربية. المقترح الثاني: كيف نحافظ على الهدي النبوي في أنفسنا وأولادنا؟ إن هذا السؤال كبير، وغاية في الأهمية؛ إذ إن المحافظة عليه هي الاستقامة والصلاح والإصلاح، وهو مبتغى كل أب وأم لأنفسهم وأولادهم، والمحافظة على الهدي النبوي تكمن في النقاط الآتية: أولًا: التعرف على هذا الهدي والقراءة عنه، والرغبة فيه؛ فإن هذا دافع قوي ومتين للتمسك به، والدعوة إليه. ثانيًا: مما يجعلنا نحافظ على الهدي النبوي تفعيله في الواقع العملي للأسرة، ولو بالتدريج، في المجال الفردي والأسري؛ فالوالدان قدوة واضحة للأولاد، بل إن عقول الأولاد الباطنة تخزن ما يفعله الوالدان من خير أو شر؛ فلا تجعل أولادك ينظرون منها إلا خيرًا. ثالثًا: محاولة استنباط القيم الإيجابية من الهدي النبوي، فيمكن للوالدين الكريمين أن يجعلا لأولادهم في كل أسبوع قيمةً من القيم الإيجابية للحديث عنها، وتطبيقها؛ ومن أمثلة تلك القيم: قيمة البِرِّ بالوالدين، وقيمة اللفظ الحسن، وقيمة الصدق، وقيمة الاحترام، وقيمة الحياء، وقيمة القدوة الصالحة، إلى غير ذلك من القيم الإيجابية، فسيحصل الأولاد خلال عام واحد على نحو أكثر من خمسين قيمة إيجابية، وهذه حصيلة عظيمة جزيلة، تستحق العناية والجهد والمال لتربيتهم عليها، وعندما يقوم الوالدان بذلك، فإنهما يدرأان شرًّا عظيمًا قد يحيط بالأولاد من كل حَدَبٍ وصوب. رابعًا: الدعاء والابتهال إلى الله تعالى أن يجعلنا وأولادنا من المحافظين على ذلك الهدي النبوي، والمتمسكين به؛ فإن الدعاء سلاح المؤمن، وربما أخفقت الأسباب، وأفلح الدعاء. المقترح الثالث: من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه حثَّ أمته على تلاوة القرآن وتدبره، والإكثار من ذلك، وهذا الهدي النبوي اقتبسه الصالحون لأنفسهم وذرياتهم، وجعلوه من أولويات شؤونهم؛ حيث إنه نهر يجري لصاحبه بالحسنات والأجور، وإنني أقترح عليك - أخي الأب وأختي الأم الكريمين - الاحتساب في تنمية هذا الحس الإيماني لدى الأولاد؛ حتى يتمسكوا في ذلك الهدي الكريم، فحدِّثوهم عن ذلك، واجعلوا عقولهم الباطنة تستقي ذلك، وتأخذ به، ثم ضعوا لهم برنامجًا يناسبهم، كل على حِدَةٍ، فارسموا لهم الجداول المحررة بعدد الصفحات اليومية التي يقرؤونها، ثم يزيدون منها؛ لأنهم - أصلحهم الله - إذا وجدوا أمامهم شيئًا محسوسًا من أوراق وجداولَ، ونحو ذلك، فإن ذلك يشجعهم ويحفزهم ويعززهم، ومما يُقترَح في ذلك أن يقرأ الابن أو البنت مع كل وقت أربع صفحات فقط، فسيختم في كل شهر ختمة، وفي الختمة ما يزيد على ثلاثة ملايين حسنة، وإن كان مع كل وقت صلاة ثماني صفحات، فسيختمون في كل شهر ختمتين، وهكذا، كلما زادوا، زادت الختمات، وقد يتفاوتون في قدراتهم ورغباتهم، ولكن لا مانع أن يبدؤوا بالأقل، ولو كان قليلًا جدًّا، ولكن يزيدون بعد ذلك، يزيدون في محصولهم القرائي من القرآن، حتى يصلوا بعد ذلك إلى مستويات عالية بإذن الله تبارك وتعالى. إن هذا الجهد وأمثاله مما يهنأ به الوالدان؛ لأنهما سببٌ في ذلك؛ فلهما مثل أجور ما قرأه هؤلاء الأولاد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي رواه مسلم: ((مَن دلَّ على خيرٍ، فله مثل أجر فاعله))، ولربما أن تلك الجدولة استمرت وتسلسلت إلى أولادهم وإلى أصدقائهم، فهنيئًا للوالدين بذلك، لكن ليَكُنِ الوالدان موضع القدوة في ذلك، وليكن التشجيع حاضرًا، خصوصًا في الأشهر الأولى من البرنامج، مع المتابعة المستمرة النشطة. معاشر الآباء والأمهات، ماذا لو كنا كذلك في تمسكنا بالهدي النبوي فيما تم ذكره في جميع تلك الحلقة؟ سيكون أولادنا مضرب المثل في الأدب والأخلاق والسلوك الحسن، بإذن الله تبارك وتعالى، نرجو أن يتم ذلك، وكل ما نفعله من هذا أو غيره مما يصب في دائرة تربية أولادنا إنما هو في صالحنا قبل أن يكون في صالحهم، فمما نستفيده نحن أنهم سيصلحون، فإذا صلحوا، ارتاحت قلوبنا، وزالت عنا المشقة، وبدؤوا يدعون لنا، وبدأنا ندعو لهم، وعاشت الأسرة عيشة هنيئة، لا منغص فيها مما يفسد الأخلاق، أو يخل بالدين. أسأل الله عز وجل أن يعين الآباء والأمهات على تطبيق مثل هذه المقترحات؛ فإنها مقترحات إيمانية تربوية يكسب من خلالها الآباء والأمهات الأجورَ العظيمة، لا سيما أن هؤلاء الأولاد قد يدلون عليها غيرهم، مما يمكن أن يكون في وسائل التواصل، أو في جلساتهم مع أصحابهم، أو لربما مع أولادهم وأحفادهم، وما إلى ذلك، وما ذلك على الله بعزيز، خصوصًا إذا أوصيناهم بهذا وبيَّنَّا لهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن ((من دل على خير، فله مثل أجر فاعله))، فهؤلاء الأولاد سيذهبون في طرق شتى، ومجالات مختلفة، وسيعلمون الناس ويدلونهم على هذا الخير العظيم الذي بذل فيه الوالدان جهدًا، ربما أنه ليس بكثير على تلك النتيجة المرجوة، أسأل الله تبارك وتعالى أن يصلح نياتنا وذرياتنا، وأن يجعلنا من المتمسكين بالهدي النبوي الكريم، كما أساله عز وجل أن يغفر لنا ووالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |