السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 94 - عددالزوار : 3448 )           »          دورة الاستعداد لرمضان | النفسية في رمضان | الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3 - عددالزوار : 129 )           »          طريقة عمل أكلات سهلة بالمشروم.. 5 أطباق تنافس أكل المطاعم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          5 حيل ديكور لمنطقة التليفزيون فى أوضة الليفنج الصغيرة.. موضة 2026 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          طريقة عمل طاجن اللحمة بالبصل وقرع العسل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          3 وصفات طبيعية لزيادة كثافة الشعر ووقف التساقط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          أكلات ما ينفعش تتاكل إلا بطشة الثوم.. مش الملوخية بس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          طريقة عمل طواجن سهلة مناسبة لليالى الشتاء.. تدفى القلب والمعدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          طريقة عمل سندوتشات البقالة.. أوفر وأضمن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          طريقة عمل عصائر شتوية منعشة.. قدميها لطفلك قبل نزوله المدرسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث > ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #41  
قديم 07-01-2026, 05:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (41)

صــ 381إلى صــ 390





قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: سُخَامٌ [١] .

قِصَّةُ إسْلَامِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ

(تَحْذِيرُ قُرَيْشٍ لَهُ مِنْ الِاسْتِمَاعِ لِلنَّبِيِّ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، عَلَى مَا يَرَى مِنْ قَوْمِهِ، يَبْذُلُ لَهُمْ النَّصِيحَةَ، وَيَدْعُوهُمْ إلَى النَّجَاةِ مِمَّا هُمْ فِيهِ. وَجَعَلَتْ قُرَيْشٌ، حِينَ مَنَعَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ، يُحَذِّرُونَهُ النَّاسَ وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْعَرَبِ.
وَكَانَ الطُّفَيْلُ بْنُ [٢] عَمْرٍو الدَّوْسِيُّ يُحَدِّثُ: أَنَّهُ قَدِمَ مَكَّةَ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِهَا، فَمَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ الطُّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا، فَقَالُوا لَهُ: يَا طُفَيْلُ، إنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا، وَهَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ [٣] بِنَا، وَقَدْ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا قَوْلُهُ كَالسِّحْرِ يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قَوْمِكَ مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا، فَلَا تُكَلِّمَنَّهُ وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْهُ شَيْئًا.

(اسْتِمَاعُهُ لِقَوْلِ قُرَيْشٍ، ثُمَّ عُدُولُهُ وَسَمَاعُهُ مِنَ الرَّسُول):
قَالَ: فو الله مَا زَالُوا بِي حَتَّى أَجْمَعْتُ أَنْ لَا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُكَلِّمَهُ، حَتَّى حَشَوْتُ فِي أُذُنَيَّ حِينَ غَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا [٤] فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ. قَالَ: فَغَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ. قَالَ: فَقُمْتُ مِنْهُ قَرِيبًا، فَأَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ. قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفسِي:

--------------------------
[()] بسين مُهْملَة وخاء مُعْجمَة. وَلَفظ (شخام) من شخم الطَّعَام: إِذا تَغَيَّرت رَائِحَته. قَالَه أَبُو حنيفَة» .
[١] فِي ط: «شخام» .
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَبُو عَمْرو» . وعَلى هَذِه الرِّوَايَة، فَهُوَ مكنى بِابْنِهِ عَمْرو.
[٣] أعضل: اشْتَدَّ أمره.
[٤] الكرسف: الْقطن.


وَا ثكل أُمِّي، وَاَللَّهِ إنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيَّ الْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ! فَإِنْ كَانَ الَّذِي يَأْتِي بَهْ حَسَنًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتُهُ.

(الْتِقَاؤُهُ بِالرَّسُولِ وَقَبُولُهُ الدَّعْوَةَ):
قَالَ: فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى بَيْتِهِ فَاتَّبَعْتُهُ، حَتَّى إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ، إنَّ قَوْمَكَ قَدْ قَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، للَّذي قَالُوا، فو الله مَا بَرِحُوا يُخَوِّفُونَنِي أَمْرَكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنَيَّ بِكُرْسُفٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي قَوْلَكَ، فَسَمِعْتُهُ قَوْلًا حَسَنًا، فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ. قَالَ: فَعَرَضَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيَّ الْقُرْآنَ، فَلَا وَاَللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ.
قَالَ: فَأَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، وَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَأَنَا رَاجِعٌ إلَيْهِمْ، وَدَاعِيهمْ إلَى الْإِسْلَامِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ: اللَّهمّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً.

(الْآيَةُ الَّتِي جُعِلَتْ لَهُ):
قَالَ: فَخَرَجْتُ إلَى قَوْمِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ [١] تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ [٢] وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ الْمِصْبَاحِ، فَقُلْتُ: اللَّهمّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، إنِّي أَخْشَى، أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دِينَهُمْ. قَالَ: فَتَحَوَّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي. قَالَ: فَجَعَلَ الْحَاضِرُ يَتَرَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلَّقِ، وَأَنَا أَهْبِطُ إلَيْهِمْ مِنْ الثَّنِيَّةِ، قَالَ: حَتَّى جِئْتُهُمْ فَأَصْبَحْتُ فِيهِمْ.

(دَعْوَتُهُ أَبَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ):
قَالَ: فَلَمَّا نَزَلْتُ أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، قَالَ: فَقُلْتُ: إلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَتِ، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، قَالَ: وَلِمَ يَا بُنَيَّ؟ قَالَ: قُلْتُ: أَسْلَمْتُ وَتَابَعْت دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، فَدِينِي دِينُكَ، قَالَ:

------------------------
[١] الثَّنية: الفرجة بَين الجبلين.
[٢] الْحَاضِر: الْقَوْم النازلون على المَاء.



فَقُلْتُ: فَاذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عُلِّمْتُ. قَالَ:
فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ. قَالَ: ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ.

(دَعْوَتُهُ زَوْجَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ):
(قَالَ) [١]: ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي، فَقُلْتُ: إلَيْكَ عَنِّي، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، قَالَتْ: لِمَ؟ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: (قُلْتُ: قَدْ) [٢] فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْإِسْلَامُ، وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ ﷺ، قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ، قَالَ: قُلْتُ:
فَاذْهَبِي إلَى حِنَا ذِي الشَّرَى- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: حِمَى [٣] ذِي الشَّرَى- فَتَطَهَّرِي مِنْهُ.
(قَالَ) [٤]: وَكَانَ ذُو الشَّرَى صَنَمًا لِدَوْسٍ، وَكَانَ الْحِمَى حِمَى حَمَوْهُ لَهُ، (وَ) [٤] بِهِ وَشَلٌ [٥] مِنْ مَاءٍ يَهْبِطُ مِنْ جَبَلٍ.
قَالَ: فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، أَتَخْشَى عَلَى الصَّبِيَّةِ مِنْ ذِي الشَّرَى شَيْئًا، قَالَ:
قُلْتُ: لَا، أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، فَذَهَبَتْ فَاغْتَسَلَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَتْ.

(دَعْوَتُهُ قَوْمَهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْهُمْ، وَلِحَاقُهُمْ بِالرَّسُولِ):
ثُمَّ دَعَوْتُ دَوْسًا إلَى الْإِسْلَامِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيَّ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهُ قَدْ غَلَبَنِي على دوس الزّنا [٦]، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: اللَّهمّ اهْدِ دَوْسًا، ارْجِعْ إلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ. قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ

-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] قَالَ السهيليّ: «فَإِن صحت رِوَايَة ابْن إِسْحَاق فالنون قد تبدل من الْمِيم كَمَا قَالُوا: حلان وحلام، للجدى، وَيجوز أَن يكون من حنوت الْعود، وَمن محنية الْوَادي، وَهُوَ مَا انحنى مِنْهُ.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] الوشل: المَاء الْقَلِيل.
[٦] الزِّنَا: لَهو مَعَ شغل قلب وبصر.



ﷺ بِمَنْ أَسْلَمَ مَعِي مِنْ قَوْمِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ، حَتَّى نَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، ثُمَّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِخَيْبَرِ، فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ.

(ذَهَابُهُ إِلَى ذِي الْكَفَّيْنِ ليحرقه، وشعره فِي ذَلِك):
ثُمَّ لَمْ أَزَلْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى إذَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَكَّةَ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ابْعَثْنِي إلَى ذِي الْكَفَّيْنِ، صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ حَتَّى أُحْرِقَهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَخَرَجَ إلَيْهِ، فَجَعَلَ طُفَيْلٌ يُوقِدُ عَلَيْهِ النَّارَ وَيَقُولُ:
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبَّادِكَا [١] ... مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إنِّي حَشَوْتُ النَّارَ فِي فُؤَادِكَا

(جِهَادُهُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ قَبْضِ الرَّسُولِ، ثُمَّ رُؤْيَاهُ وَمَقْتَلُهُ):
قَالَ: ثُمَّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَانَ مَعَهُ بِالْمَدِينَةِ حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ. فَلَمَّا ارْتَدَّتْ الْعَرَبُ، خَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَارَ مَعَهُمْ حَتَّى فَرَغُوا مِنْ طُلَيْحَةَ، وَمِنْ أَرْضِ نَجْدٍ كُلِّهَا. ثُمَّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْيَمَامَةِ، وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطُّفَيْلِ، فَرَأَى رُؤْيَا وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إلَى الْيَمَامَةِ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: إنِّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فَاعْبُرُوهَا لِي، رَأَيْتُ أَنَّ رَأْسِي حُلِقَ، وَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ، وَأَنَّهُ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَأَدْخَلَتْنِي فِي فَرْجِهَا، وَأَرَى ابْنِي يَطْلُبُنِي حَثِيثًا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ حُبِسَ عَنِّي، قَالُوا: خَيْرًا، قَالَ: أَمَّا أَنَا وَاَللَّهِ فَقَدْ أَوَّلْتُهَا، قَالُوا: مَاذَا؟ قَالَ: أَمَّا حَلْقُ رَأْسِي فَوَضْعُهُ، وَأَمَّا الطَّائِرُ الَّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِي، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ الَّتِي أَدَخَلَتْنِي فَرْجَهَا فَالْأَرْضُ تُحْفَرُ لِي، فَأُغَيَّبُ فِيهَا، وَأَمَّا طَلَبُ ابْنِي إيَّايَ ثُمَّ حَبْسُهُ عَنِّي، فَإِنِّي أُرَاهُ سَيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَنِي. فَقُتِلَ رحمه الله شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ، وَجُرِحَ ابْنُهُ جِرَاحَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ اسْتَبَلَّ [٢] مِنْهَا، ثُمَّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رضي الله عنه شَهِيدًا.

-----------------------
[١] قَالَ السهيليّ: قَوْله: «
يَا ذَا الْكَفَّيْنِ لست من عبادكا
» أَرَادَ: الْكَفَّيْنِ (بِالتَّشْدِيدِ) فَخفف للضَّرُورَة.
[٢] استبل: أَفَاق وشفى.
٢٥- سيرة ابْن هِشَام- ١



أَمْرُ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ

(شِعْرُهُ فِي مَدْحِ الرَّسُولِ عِنْدَ مَقْدَمِهِ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي خَلَّادُ بْنُ قُرَّةَ بْنِ خَالِدِ السَّدُوسِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ مَشَايِخِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ أَعْشَى بَنِي قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ ابْن عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ، فَقَالَ يَمْدَحُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ:
أَلَمْ تَغْتَمِضْ عَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَرْمَدَا ... وَبِتَّ كَمَا بَاتَ السَّلِيمُ مُسَهَّدَا [١]
وَمَا ذَاكَ مِنْ عِشْقِ النِّسَاءِ وَإِنَّمَا ... تَنَاسَيْتَ قَبْلَ الْيَوْمِ صُحْبَةَ [٢] مَهْدَدَا [٣]
وَلَكِنْ أَرَى الدَّهْرَ الَّذِي هُوَ خَائِنٌ ... إذَا أَصْلَحَتْ كَفَّايَ عَادَ فَأَفْسَدَا
كُهُولًا وَشُبَّانًا فَقَدْتُ وَثَرْوَةً ... فَلِلَّهِ هَذَا الدَّهْرُ كَيْفَ تَرَدَّدَا
وَمَا زِلْتُ أَبْغِي الْمَالَ مُذْ أَنَا يَافِعٌ ... وَلِيدًا وَكَهْلًا حِينَ شِبْتُ وَأَمْرَدَا [٤]
وَأَبْتَذِلُ الْعِيسَ الْمَرَاقِيلَ تَغْتَلِي ... مَسَافَةَ مَا بَيْنَ النُّجَيْرِ فَصَرْخَدَا [٥]
أَلَا أَيُّهَذَا السَّائِلِي أَيْنَ يَمَّمَتْ ... فَإِنَّ لَهَا فِي أَهْلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا [٦]
فَإِنْ تَسْأَلِي عَنِّي فَيَا رُبَّ سَائِلٍ ... حَفِيٍّ عَنْ الْأَعْشَى بِهِ حَيْثُ أَصْعَدَا [٧]
أَجَدَّتْ بِرِجْلَيْهَا النَّجَاءَ وَرَاجَعَتْ ... يَدَاهَا خِنَافًا لَيِّنًا غَيْرَ أَحْرَدَا [٨]

-------------------------
[١] الأرمد: الّذي يشتكي عَيْنَيْهِ من الرمد. والسليم: الملدوغ. والمسهد: الّذي منع من النّوم.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول، وَشرح قصيدة الْأَعْشَى (المخطوط وَالْمَحْفُوظ بدار الْكتب المصرية برقم ١٧٣٦ أدب): «خلة» وَكَذَلِكَ فِي شرح للسيرة لأبى ذَر صفحة ١١٠.
[٣] مهدد: اسْم امْرَأَة، وَهُوَ بِفَتْح الْمِيم، ووزنه: فعلل.
[٤] اليافع: الّذي قَارب الِاحْتِلَام.
[٥] العيس: الْإِبِل الْبيض تخالطها حمرَة. والمراقيل: من الإرقال، وَهُوَ السرعة فِي السّير. وتغتلى:
يزِيد بَعْضهَا على بعض فِي السّير. والنجير: مَوضِع فِي حَضرمَوْت من الْيمن. وصرخد: مَوضِع بالجزيرة.
[٦] يممت: قصدت.
[٧] أصعد: ذهب.
[٨] النَّجَاء: السرعة. والخناف: أَن تلوي يَديهَا فِي السّير من النشاط. والأحرد: الّذي لَا ينبعث فِي الْمَشْي ويعتقل.



وَفِيهَا إذَا مَا هَجَّرَتْ عَجْرَفِيَّةٌ ... إذَا خِلْتُ حِرْبَاءَ الظَّهِيرَةِ أَصْيَدَا [١]
وَآلَيْتُ لَا آوِي [٢] لَهَا مِنْ كَلَالَةٍ ... وَلَا مِنْ حَفًى [٣] حَتَّى تُلَاقِي مُحَمَّدَا
مَتَى مَا تُنَاخِي عِنْدَ بَابِ ابْنِ هَاشِمٍ ... تُرَاحِي وَتَلْقَيْ مِنْ فَوَاضِلِهِ نَدَى [٤]
نَبِيًّا يَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَذِكْرُهُ ... أَغَارَ لَعَمْرِي فِي الْبِلَادِ وَأَنْجَدَا [٥]
لَهُ صَدَقَاتٌ مَا تُغِبُّ وَنَائِلٌ ... وَلَيْسَ عَطَاءُ الْيَوْمِ مَانِعَهُ غَدَا [٦]
أَجِدَّكَ لَمْ تَسْمَعْ وَصَاةَ مُحَمَّدٍ ... نَبِيِّ الْإِلَهِ حَيْثُ أَوْصَى وَأَشْهَدَا
إذَا أَنْتَ لَمْ تَرْحَلْ بِزَادِ مَنْ الْتَقَى ... وَلَاقَيْتَ بَعْدَ الْمَوْتِ مَنْ قَدْ تَزَوَّدَا
نَدِمْتَ عَلَى أَنْ لَا تَكُونَ كَمِثْلِهِ ... فَتُرْصِدَ لِلْأَمْرِ [٧] الَّذِي كَانَ أَرْصَدَا [٨]
فَإِيَّاكَ وَالْمَيْتَاتِ لَا تَقْرَبَنَّهَا ... وَلَا تَأْخُذَنْ سَهْمًا حَدِيدًا لِتُفْصِدَا
وَذَا النُّصَبَ [٩] الْمَنْصُوبَ لَا تَنْسُكَنَّهُ ... وَلَا تَعْبُدْ الْأَوْثَانَ وَاَللَّهَ فَاعْبُدَا [١٠]

--------------------------
[١] هجرت: مشت فِي الهاجرة، وَهِي القائلة. والحرباء: دويبة أكبر من العظاءة يَدُور بِوَجْهِهِ مَعَ الشَّمْس حَيْثُ دارت. والأصيد: المائل الْعُنُق تكبرا أَو من دَاء أَصَابَهُ. وَلما كَانَ الحرباء يَدُور بِوَجْهِهِ مَعَ الشَّمْس كَيفَ دارت كَانَ فِي وسط السَّمَاء فِي أول الزَّوَال كالأصيد، وَذَلِكَ أحر مَا تكون الرمضاء.
يصف نَاقَته بالنشاط وَقُوَّة الْمَشْي فِي ذَلِك الْوَقْت.
[٢] لَا آوى: لَا أشْفق وَلَا أرْحم. ويروى: لَا أرثى، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
[٣] ويروى: «وجى»، وَهُوَ بِمَعْنى الحفي.
[٤] كَذَا فِي الْأُصُول. والندى: الْجُود. ويروى: «يدا» . وَالْيَد: النِّعْمَة.
[٥] أغار: بلغ الْغَوْر، وَهُوَ مَا انخفض من الأَرْض. وأنجد: بلغ النجد، وَهُوَ مَا ارْتَفع من الأَرْض.
[٦] أَي لَيْسَ الْعَطاء الّذي يُعْطِيهِ الْيَوْم مَانِعا لَهُ غَدا من أَن يُعْطِيهِ، فالهاء عَائِدَة على الممدوح، فَلَو كَانَت عَائِدَة على الْعَطاء لقَالَ:
وَلَيْسَ عَطاء الْيَوْم مانعه هُوَ،
بإبراز الضَّمِير الْفَاعِل، لِأَن الصّفة إِذا جرت على غير من هِيَ لَهُ برز الضَّمِير الْمُسْتَتر بِخِلَاف الْفِعْل. وَلَو «نصب الْعَطاء» لجَاز على إِضْمَار الْفِعْل الْمَتْرُوك إِظْهَاره، لِأَنَّهُ من بَاب اشْتِغَال الْفِعْل عَن الْمَفْعُول بضميره، وَيكون اسْم لَيْسَ على هَذَا مضمرا فِيهَا عَائِدًا على النَّبِي ﷺ.
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «للْمَوْت» .
[٨] أرصد: أعد.
[٩] كَذَا فِي أ، ط، وَشرح قصيدة الْأَعْشَى. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَلَا النصب» .
[١٠] وقف على النُّون الْخَفِيفَة بِالْألف هُنَا، وَفِي غير هَذَا من الْأَفْعَال الْآتِيَة، وَقد قيل إِنَّه لم يرد النُّون الْخَفِيفَة، وَإِنَّمَا خَاطب الْوَاحِد بخطاب الِاثْنَيْنِ.



وَلَا تَقْرَبَنَّ حُرَّةً [١] كَانَ سِرُّهَا ... عَلَيْكَ حَرَامًا فَانْكِحَنْ أَوْ تَأَبَّدَا [٢]
وَذَا الرَّحِمِ الْقُرْبَى فَلَا تَقْطَعَنَّهُ ... لِعَاقِبَةِ وَلَا الْأَسِيرَ الْمُقَيَّدَا
وَسَبِّحْ عَلَى حِينِ الْعَشِيَّاتِ وَالضُّحَى ... وَلَا تَحْمَدْ الشَّيْطَانَ وَاَللَّهَ فَاحْمَدَا
وَلَا تَسْخَرًا مِنْ بَائِسٍ ذِي ضَرَارَةٍ [٣] ... وَلَا تَحْسَبَنَّ الْمَالَ لِلْمَرْءِ مُخْلِدَا

(رُجُوعُهُ لَمَّا عَلِمَ بِتَحْرِيمِ الرَّسُولِ لِلْخَمْرِ، وَمَوْتُهُ):
فَلَمَّا كَانَ بِمَكَّةَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، اعْتَرَضَهُ بَعْضُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلَهُ عَنْ أَمْرِهِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ جَاءَ يُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِيُسْلِمَ، فَقَالَ لَهُ:
يَا أَبَا بَصِيرٍ، إنَّهُ يُحَرِّمُ الزِّنَا، فَقَالَ الْأَعْشَى: وَاَللَّهِ إنَّ ذَلِكَ لَأَمْرٌ مَا لِي فِيهِ مِنْ أَرَبٍ، فَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا بَصِيرٍ، فَإِنَّهُ يُحَرِّمُ الْخَمْرَ، فَقَالَ الْأَعْشَى: أمّا هَذِه فو الله إنَّ فِي النَّفْسِ مِنْهَا لَعُلَالَاتٍ، وَلَكِنِّي مُنْصَرِفٌ فَأَتَرَوَّى مِنْهَا عَامِي هَذَا، ثُمَّ آتِيهِ فَأُسْلِمُ.
فَانْصَرَفَ فَمَاتَ فِي عَامِهِ ذَلِكَ، وَلَمْ يَعُدْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [٤] .

(ذُلُّ أَبِي جَهْلٍ لِلرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ مَعَ عَدَاوَتِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبُغْضِهِ إيَّاهُ، وَشِدَّتِهِ عَلَيْهِ، يُذِلُّهُ اللَّهُ لَهُ إذَا رَآهُ.

------------------------
[١] فِي ط: «جَارة» .
[٢] السِّرّ: النِّكَاح. وتأبد: تعزب وَبعد عَن النِّسَاء.
[٣] ذُو ضرارة: مُضْطَر. ويروى: ذُو ضَرُورَة. كَمَا يرْوى: ذُو ضراعة.
[٤] قَالَ السهيليّ: «وَهَذِه غَفلَة من ابْن هِشَام وَمن قَالَ بقوله، فَإِن النَّاس مجمعون على أَن الْخمر لم ينزل تَحْرِيمهَا إِلَّا بِالْمَدِينَةِ بعد أَن مَضَت بدر وَأحد، وَحرمت فِي سُورَة الْمَائِدَة، وَهِي من آخر مَا نزل.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من ذَلِك قصَّة حَمْزَة حِين شربهَا وغنته الْقَيْنَتَانِ. فَإِن صَحَّ خبر الْأَعْشَى، وَمَا ذكر لَهُ فِي الْخمر، فَلم يكن هَذَا بِمَكَّة، وَإِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ، وَيكون الْقَائِل لَهُ: «أما علمت أَنه يحرم الْخمر» من الْمُنَافِقين أَو من الْيَهُود. وَفِي القصيدة مَا يدل على هَذَا، وَهُوَ قَوْله:
فَإِن لَهَا فِي أهل يثرب موعدا
وَقد ألفيت للقالى رِوَايَة عَن أَبى حَاتِم عَن أَبى عُبَيْدَة، قَالَ: لَقِي الْأَعْشَى عَامر بن الطُّفَيْل فِي بِلَاد قيس، وَهُوَ مقبل إِلَى رَسُول الله ﷺ، فَذكر لَهُ أَنه يحرم الْخمر فَرجع. فَهَذَا أولى بِالصَّوَابِ» .



أَمْرُ الْإِرَاشِيِّ الَّذِي بَاعَ أَبَا جَهْلٍ إبِلَهُ

(مُمَاطَلَةُ أَبِي جَهْلٍ لَهُ، وَاسْتِنْجَادُهُ بِقُرَيْشِ، وَاسْتِخْفَافُهُمْ بِالرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ الثَّقَفِيُّ، وَكَانَ وَاعِيَةً، قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشٍ [١]- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: إرَاشَةَ [٢]- بِإِبِلِ لَهُ مَكَّةَ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ، فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَنْ رَجُلٌ يُؤَدِّينِي [٣] عَلَى أَبِي [٤] الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقِّي؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَجْلِسِ: أَتَرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الْجَالِسَ- لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ- اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّيكَ عَلَيْهِ.

(إنْصَافُ الرَّسُولِ لَهُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ):
فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إنَّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقٍّ لِي قِبَلَهُ، وَأَنَا (رَجُلٌ) [٥] غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ سَأَلْتُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدِّينِي عَلَيْهِ، يَأْخُذُ لِي حَقِّي مِنْهُ، فَأَشَارُوا لِي إلَيْكَ، فَخُذْ لِي حَقِّي مِنْهُ، يَرْحَمُكَ اللَّهُ، قَالَ: انْطَلِقْ إلَيْهِ، وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ. قَالُوا لِرَجُلِ مِمَّنْ مَعَهُمْ: اتْبَعْهُ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ.
قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ.

--------------------------
[١] إراش هُوَ ابْن الْغَوْث، أَو ابْن عَمْرو بن الْغَوْث بن نبت بن مَالك بن زيد بن كهلان بن سبإ، وَهُوَ وَالِد أَنْمَار الّذي ولد بجيلة وخثعم.
[٢] قَالَ السهيليّ: «وإراشة، الّذي ذكر ابْن هِشَام: بطن من خثعم، وإراشة مَذْكُورَة فِي العماليق فِي نسب فِرْعَوْن صَاحب مصر، وَفِي بلَى أَيْضا بَنو إراشة» .
[٣] يؤدينى: يُعِيننِي على أَخذ حَقي.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أَبَا» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] زِيَادَة عَن أ، ط.



فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، فَاخْرُجْ إلَيَّ، فَخَرَجَ إلَيْهِ، وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ [١]، قَدْ اُنْتُقِعَ [٢] لَوْنُهُ، فَقَالَ: أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ، قَالَ: نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُعْطِيَهُ الَّذِي لَهُ، قَالَ: فَدَخَلَ، فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ، فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. (قَالَ) [٣]:
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَقَالَ لِلْإِرَاشِيِّ: الْحَقْ بِشَأْنِكَ، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، فَقَالَ: جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَاَللَّهِ أَخَذَ لِي حَقِّي.

(مَا رَوَاهُ أَبُو جَهْلٍ عَنْ سَبَبِ خَوْفِهِ مِنْ الرَّسُولِ):
قَالَ: وَجَاءَ الرَّجُلُ الَّذِي بَعَثُوا مَعَهُ، فَقَالُوا: وَيْحَكَ! مَاذَا رَأَيْتُ؟ قَالَ:
عَجَبًا مِنْ الْعَجَبِ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا مَعَهُ رُوحُهُ فَقَالَ لَهُ: أَعْطِ هَذَا حَقَّهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، لَا تَبْرَحْ حَتَّى أُخْرِجَ إلَيْهِ حَقَّهُ، فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقِّهِ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهُ. قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَبُو جَهْلٍ أَنْ جَاءَ، فَقَالُوا (لَهُ) [٣] وَيْلَكَ! مَا لَكَ؟ وَاَللَّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَ مَا صَنَعْتُ قَطُّ! قَالَ: وَيْحَكُمْ، وَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيَّ بَابِي، وَسَمِعْتُ صَوْتَهُ، فَمُلِئَتْ رُعْبًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إلَيْهِ، وَإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ لَفَحْلًا مِنْ الْإِبِلِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ، وَلَا قَصَرَتِهِ [٤]، وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، وَاَللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لَأَكَلَنِي.

أَمْرُ رُكَانَةَ الْمُطَّلِبِيِّ وَمُصَارَعَتُهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ

(غَلَبَةُ النَّبِيِّ لَهُ، وَآيَةُ الشَّجْرَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، قَالَ: كَانَ رُكَانَةُ [٥]

---------------------------
[١] أَي بَقِيَّة روح، فَكَأَن مَعْنَاهُ: روح بَاقِيَة، فَلذَلِك جَاءَ بِهِ على وزن فاعلة. وَالدَّلِيل على أَنه أَرَادَ معنى الرّوح، وَإِن جَاءَ بِهِ على بِنَاء فاعلة، مَا جَاءَ فِي آخر الحَدِيث: خرج إِلَى وَمَا عِنْده روحه. وَقيل يُرِيد:
مَا فِي وَجهه قَطْرَة من دم.
[٢] انتقع لَونه: تغير. ويروى: امتقع، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] القصرة: أصل الْعُنُق.
[٥] توفى ركَانَة فِي خلَافَة مُعَاوِيَة، وَهُوَ الّذي طلق امْرَأَته الْبَتَّةَ، فَسَأَلَهُ رَسُول الله ﷺ



ابْن عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَشَدَّ قُرَيْشٍ، فَخَلَا يَوْمًا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي بَعْضِ شِعَابِ مَكَّةَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَا رُكَانَةُ، أَلَا تَتَّقِي اللَّهَ وَتَقْبَلُ مَا أَدْعُوكَ إلَيْهِ؟ قَالَ: إنِّي لَوْ أَعْلَمُ أَنَّ الَّذِي تَقُولُ حَقٌّ لَاتَّبَعْتُكَ، فَقَالَ (لَهُ) [١] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَفَرَأَيْتَ إنْ صَرَعْتُكَ، أَتَعْلَمُ أَنَّ مَا أَقُولُ حَقٌّ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَقُمْ حَتْي أُصَارِعَكَ. قَالَ:
فَقَامَ إلَيْهِ رُكَانَةُ يُصَارِعُهُ، فَلَمَّا بَطَشَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَضْجَعَهُ، وَهُوَ لَا يَمْلِكُ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ: عُدْ يَا مُحَمَّدُ، فَعَادَ فَصَرَعَهُ، فَقَالَ- يَا مُحَمَّدُ، وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا لَلْعَجْبُ، أَتَصْرَعُنِي! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ إنْ شِئْتَ أَنْ أُرِيَكَهُ، إنْ اتَّقَيْتَ اللَّهَ وَاتَّبَعْتَ أَمْرِي، قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ:
أَدْعُو لَكَ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الَّتِي تَرَى فَتَأْتِينِي، قَالَ: اُدْعُهَا، فَدَعَاهَا، فَأَقْبَلَتْ حَتَّى وَقَفَتْ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. قَالَ: فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي إلَى مَكَانِكَ. قَالَ: فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا. قَالَ: فَذَهَبَ رُكَانَةُ إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، سَاحِرُوا بِصَاحِبِكُمْ أهل الأَرْض، فو الله مَا رَأَيْتُ أَسْحَرَ مِنْهُ قَطُّ، ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ بِاَلَّذِي رَأَى وَاَلَّذِي صَنَعَ.

أَمْرُ وَفْدِ النَّصَارَى الَّذِينَ أَسْلَمُوا

(مُحَاوَلَةُ أَبِي جَهْلٍ رَدَّهَمُ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَإِخْفَاقِهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النَّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلَّمُوهُ وَسَأَلُوهُ، وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَمَّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى اللَّهِ عز وجل وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. فَلَمَّا سَمِعُوا

------------------------
[()] عَن نِيَّته. فَقَالَ: إِنَّمَا أردْت وَاحِدَة، فَردهَا عَلَيْهِ. وَمن حَدِيثه عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «إِن لكل دين خلقا وَخلق هَذَا الدَّين الْحيَاء» . ولابنه يزِيد بن ركَانَة صُحْبَة أَيْضا.
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #42  
قديم 07-01-2026, 05:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (42)

صــ 391إلى صــ 400




الْقُرْآنَ فَاضَتْ أَعَيْنُهُمْ مِنْ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُوا للَّه [١]، وَآمَنُوا بِهِ وَصَدَّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ. فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ ابْن هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمْ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ! بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ، حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ. أَوْ كَمَا قَالُوا. فَقَالُوا لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا [٢] .

(مَوَاطِنُهُمْ وَمَا نَزَلَ فِيهِمْ مِنَ الْقُرْآنِ):
وَيُقَالُ: إنَّ النَّفَرَ مِنْ النَّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.
فَيُقَالُ- وَاَللَّهُ أَعْلَمُ- فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ. وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ٢٨: ٥٢- ٥٣ ... إلَى قَوْلِهِ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ ٢٨: ٥٥.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ فَقَالَ لِي: مَا أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنَّهُنَّ أُنْزِلْنَ فِي النَّجَاشِيِّ وَأَصْحَابِهِ. وَالْآيَةُ مِنْ سُورَةِ الْمَائِدَةِ مِنْ قَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبانًا، وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ ٥: ٨٢ ... إلَى قَوْلِهِ: فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ٥: ٨٣.

(تَهَكُّمُ الْمُشْرِكِينَ بِمَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وَنُزُولُ آيَاتٍ فِي ذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ، فَجَلَسَ إلَيْهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: خَبَّابٌ، وَعَمَّارٌ، وَأَبُو فَكِيهَةَ يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ مُحَرِّثٍ، وَصُهَيْبٌ، وَأَشْبَاهُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، هَزِئَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ:: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ كَمَا تَرَوْنَ، أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالْهُدَى وَالْحَقِّ! لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بَهْ مُحَمَّدٌ خَيْرًا مَا سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إلَيْهِ،

========================
[١] فِي أ: «ثمَّ اسْتَجَابُوا لَهُ» .
[٢] أَي نقصرها عَن بُلُوغ الْخَيْر. يُقَال: مَا ألوت أَن أَفعلهُ كَذَا وَكَذَا أَي مَا قصرت.


وَمَا خَصَّهُمْ اللَّهُ بِهِ دُونَنَا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ، مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ، وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ، وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا، أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا، فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ٦: ٥٢- ٥٤

(ادِّعَاءُ الْمُشْرِكِينَ عَلَى النَّبِيِّ بِتَعْلِيمِ جَبْرٍ لَهُ، وَمَا أَنَزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ):
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- كَثِيرًا مَا يَجْلِسُ عِنْدَ الْمَرْوَةِ إلَى مَبْيَعَةِ غُلَامٍ نَصْرَانِيٍّ، يُقَالُ لَهُ: جَبْرٌ، عَبْدٌ لِبَنِي الْحَضْرَمِيِّ، فَكَانُوا يَقُولُونَ: وَاَللَّهِ مَا يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مِمَّا يَأْتِي بَهْ إلَّا جَبْرٌ النَّصْرَانِيُّ، غُلَامُ بَنِي الْحَضْرَمِيِّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ: وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّما يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ، وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ١٦: ١٠٣.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُلْحِدُونَ إلَيْهِ: يَمِيلُونَ إلَيْهِ. وَالْإِلْحَادُ: الْمَيْلُ عَنْ الْحَقِّ.
قَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ:
إذَا تَبِعَ الضَّحَّاكَ كُلُّ مُلْحِدٍ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يَعْنِي الضَّحَّاكَ الْخَارِجِيَّ، وَهَذَا الْبَيْت فِي أُرْجُوزَةٌ لَهُ.

نُزُولُ سُورَةِ الْكَوْثَرِ

(مَقَالَةُ الْعَاصِ فِي الرَّسُولِ، وَنُزُولُ سُورَةِ الْكَوْثَرِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ- فِيمَا بَلَغَنِي- إذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: دَعُوهُ، فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ أَبْتَرُ لَا عَقِبَ لَهُ، لَوْ مَاتَ لَانْقَطَعَ ذِكْرُهُ وَاسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ١٠٨: ١ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا. وَالْكَوْثَرُ: الْعَظِيمُ.


(صَاحِبَا مَلْحُوبٍ وَالرِّدَاعِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ الْكِلَابِيُّ:
وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ [١] فُجِعْنَا بِيَوْمِهِ [٢] ... وَعِنْدَ الرِّدَاعِ [٣] بَيْتُ آخِرَ كَوْثَرِ
يَقُولُ: عَظِيمٌ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَصَاحِبُ مَلْحُوبٍ: عَوْفُ بْنُ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ، مَاتَ بِمَلْحُوبِ. وَقَوْلُهُ: «
وَعِنْدَ الرِّدَاعِ بَيْتُ آخِرَ كَوْثَرِ
»: يَعْنِي شُرَيْحَ بْنَ الْأَحْوَصِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ كِلَابٍ [٤]، مَاتَ بِالرِّدَاعِ.
وَكَوْثَرٌ: أَرَادَ: الْكَثِيرَ. وَلَفْظُهُ مُشْتَقٌّ مِنْ لَفْظِ الْكَثِيرِ. قَالَ الْكُمَيْتُ بْنُ زَيْدٍ يَمْدَحُ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ:
وَأَنْتَ كَثِيرٌ يَا بْنَ مَرْوَانَ طَيِّبٌ ... وَكَانَ أَبُوكَ ابْنُ الْعَقَائِلِ كَوْثَرَا
وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي عَائِذٍ الْهُذَلِيُّ يَصِفُ حِمَارَ وَحْشٍ:
يُحَامِي الْحَقِيقَ إذَا مَا احْتَدَمْنَ ... وحَمْحَمْنَ فِي كَوْثَرٍ كَالْجِلَالْ [٥]
يَعْنِي بِالْكَوْثَرِ: الْغُبَارَ الْكَثِيرَ، شَبَّهَهُ لِكَثْرَتِهِ عَلَيْهِ بِالْجِلَالِ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.

(سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْكَوْثَرِ مَا هُوَ؟ فَأَجَابَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ جَعْفَرُ بْنُ عَمْرِو [٦]

------------------------
[١] ملحوب: اسْم مَاء لبني أَسد بن خُزَيْمَة، وَقيل: قَرْيَة لبني عبد الله بن الدول بن حنيفَة بِالْيَمَامَةِ.
[٢] فِي مُعْجم الْبلدَانِ عِنْد الْكَلَام على «ملحوب» و«رداع»: بِمَوْتِهِ. وَكَذَلِكَ فِي اللِّسَان.
[٣] الرداع: مَاء لبني الْأَعْرَج بن كَعْب.
[٤] ذهب ياقوت فِي مُعْجَمه عِنْد الْكَلَام على «الرداع» إِلَى أَن الّذي مَاتَ بالرداع هُوَ عَوْف.
[٥] كَذَا ورد هَذَا الْبَيْت فِي لِسَان الْعَرَب (مَادَّة كثر) . والحقيق: حُرْمَة الْإِنْسَان وَمَا يحميه، وَيُرِيد بِهِ هُنَا أتانه. والجلال: جمع جلّ (بِالضَّمِّ وَالْفَتْح)، وَهُوَ مَا تلبسه الدَّابَّة لتصان بِهِ. وَرِوَايَة هَذَا الْبَيْت فِي الأَصْل:
يحمى الْحقيق، إِذا مَا احتدمن ... حمحم فِي كوثر كالجلال
واحتدمن: أسر عَن الجرى فأكثرته.
[٦] فِي الْأُصُول: «جَعْفَر بن جَعْفَر بن عَمْرو بن عَمْرو بن أُميَّة الضمريّ» وَالْمَعْرُوف أَن جَعْفَر بن عَمْرو الّذي يرْوى عَنهُ ابْن إِسْحَاق هُوَ هَذَا الّذي أَثْبَتْنَاهُ والّذي كَانَت وَفَاته سنة ٩٦ هـ. وبعيد أَن يكون مَا ذهبت إِلَيْهِ الْأُصُول صَحِيحا، إِذْ لَو صَحَّ هَذَا لكَانَتْ وَفَاة جَعْفَر الّذي ذهبت إِلَيْهِ الْأُصُول فِي حُدُود سنة ٢٠٠ أَي بعد وَفَاة ابْن إِسْحَاق، وَيظْهر أَن مَا زَاد فِي النّسَب جَاءَ مقحما من النساخ. (رَاجع الْأَنْسَاب للسمعاني والطبري وتهذيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) .



ابْن أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ أَخِي مُحَمَّدِ (بْنِ مُسْلِمِ) [١] بْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَقِيلَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الْكَوْثَرُ الَّذِي أَعْطَاكَ اللَّهُ؟ قَالَ: نَهْرٌ كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ إلَى أَيْلَةَ [٢]، آنِيَتُهُ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ، تَرِدُهُ طُيُورٌ لَهَا أَعْنَاقٌ كَأَعْنَاقِ الْإِبِلِ. قَالَ:
يَقُولُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: إنَّهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَنَاعِمَةٌ، قَالَ: آكِلُهَا أَنْعَمُ مِنْهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَمِعْتُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ غَيْرِهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ: مَنْ شَرِبَ مِنْهُ لَا يَظْمَأُ أَبَدًا.

نُزُولُ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ٦: ٨

(مَقَالَةُ زَمْعَةَ وَصَحْبِهِ، وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَكَلَّمَهُمْ فَأَبْلَغَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ (لَهُ) [٣] زَمَعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَالنَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وَأُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، وَالْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النَّاسَ وَيُرَى [٤] مَعَكَ! فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ، وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ، وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا، وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ ٦: ٨- ٩.

نُزُولُ وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ ٦: ١٠

(مَقَالَةُ الْوَلِيدِ وَصَحْبِهِ، وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- بِالْوَلِيدِ

=======================
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] أَيْلَة: هِيَ الْعقبَة الْآن.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ويروى» .



ابْن الْمُغِيرَةِ، وَأُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، وَبِأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَهَمَزُوهُ [١] وَاسْتَهْزَءُوا بِهِ، فَغَاظَهُ ذَلِكَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ، فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ٦: ١٠

ذِكْرُ الْإِسْرَاءِ وَالْمِعْرَاجِ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ قَالَ:
ثُمَّ أُسْرِيَ [٢] بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَهُوَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ مِنْ إيلِيَاء [٣]، وَقَدْ فَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ فِي قُرَيْشٍ، وَفِي الْقَبَائِلِ كُلِّهَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: كَانَ مِنْ الْحَدِيثِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَالْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ (الْبَصْرِيِّ)، وَابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ، وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَأُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ، مَا اجْتَمَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، كُلٌّ يُحَدِّثُ عَنْهُ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنْ أَمْرِهِ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ ﷺ، وَكَانَ فِي مَسْرَاهُ، وَمَا ذُكِرَ عَنْهُ بَلَاءٌ وَتَمْحِيصٌ، وَأَمْرٌ مِنْ أَمْرِ

========================
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَغَمَزُوهُ وهمزوه ... إِلَخ» .
[٢] قَالَ السهيليّ: «اتّفقت الروَاة على تَسْمِيَته إسراء وَلم يسمه أحد مِنْهُم «سرى» وَإِن كَانَ أهل اللُّغَة قد قَالُوا: سرى وَأسرى، بِمَعْنى وَاحِد، فَدلَّ على أَن أهل اللُّغَة لم يحققوا الْعبارَة، وَذَلِكَ أَن الْقُرَّاء لم يَخْتَلِفُوا فِي التِّلَاوَة من قَوْله: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ ١٧: ١. وَلم يقل: سرى، وَقَالَ: اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ ٨٩: ٤.
وَلم يقل: «يسرى» فَدلَّ على أَن «السّري» من «سريت» إِذا سرت لَيْلًا وَهِي مُؤَنّثَة تَقول: طَالَتْ سراك اللَّيْلَة والاسراء مُتَعَدٍّ فِي الْمَعْنى، وَلَكِن حذف مَفْعُوله كثيرا حَتَّى ظن أهل اللُّغَة أَنَّهُمَا بِمَعْنى وَاحِد لما رأوهما غير متعديين إِلَى مفعول فِي اللَّفْظ، وَإِنَّمَا «أَسْرى بِعَبْدِهِ ١٧: ١»: أَي جعل الْبراق يسرى كَمَا تَقول: أمضيته أَي جعلته يمضى. لَكِن كثر حذف الْمَفْعُول لقُوَّة الدّلَالَة عَلَيْهِ أَو للاستغناء عَن ذكره، إِذْ الْمَقْصُود بالْخبر ذكر مُحَمَّد لَا ذكر الدَّابَّة الَّتِي سَارَتْ بِهِ، وَجَاز فِي قصَّة لوط عليه السلام أَن يُقَال لَهُ: «فَأسر بأهلك» أَي سر بهم، وَأَن يقْرَأ: فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ ١١: ٨١ بِالْقطعِ، أَي فَأسر بهم مَا يتحملون عَلَيْهِ من دَابَّة أَو نَحْوهَا، وَلم يتَصَوَّر ذَلِك فِي السّري بالنبيّ ﷺ، إِذْ لَا يجوز أَن يُقَال: «سرى بِعَبْدِهِ» بِوَجْه من الْوُجُوه، فَلذَلِك لم تأت التِّلَاوَة إِلَّا بِوَجْه وَاحِد فِي هَذِه الْقِصَّة» .
[٣] إيلياء (بِكَسْر أَوله وَاللَّام وياء وَألف ممدودة): مَدِينَة بَيت الْمُقَدّس.



اللَّهِ (عز وجل) [١] فِي قُدْرَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، فِيهِ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ وَثَبَاتٌ لِمَنْ آمَنَ وَصَدَّقَ، وَكَانَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ سبحانه وتعالى عَلَى يَقِينٍ، فَأَسْرَى بَهْ سبحانه وتعالى كَيْفَ شَاءَ، لِيُرِيَهُ مِنْ آيَاتِهِ مَا أَرَادَ، حَتَّى عَايَنَ مَا عَايَنَ مِنْ أَمْرِهِ وَسُلْطَانِهِ الْعَظِيمِ، وَقُدْرَتِهِ الَّتِي يَصْنَعُ بِهَا مَا يُرِيدُ.

(رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ- فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ- يَقُولُ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْبُرَاقِ- وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَيْهَا الْأَنْبِيَاءُ قَبْلَهُ، تَضَعُ حَافِرَهَا فِي مُنْتَهَى طَرْفِهَا- فَحُمِلَ عَلَيْهَا، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُ، يَرَى الْآيَاتِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى انْتَهَى إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ قَدْ جُمِعُوا لَهُ، فَصَلَّى بِهِمْ. ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ، إنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ خَمْرٌ، وَإِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ. (قَالَ) [١] .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَسَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ حِينَ عُرِضَتْ عَلَيَّ: إنْ أَخَذَ الْمَاءَ غَرِقَ وَغَرِقَتْ أُمَّتُهُ، وَإِنْ أَخَذَ الْخَمْرَ غَوَى وَغَوَتْ أُمَّتُهُ، وَإِنْ أَخَذَ اللَّبَنَ هُدِيَ وَهُدِيَتْ أُمَّتُهُ. قَالَ: فَأَخَذْتُ إنَاءَ اللَّبَنِ، فَشَرِبْتُ مِنْهُ، فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام: هُدِيتَ وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ.

(حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ فِي الْحِجْرِ، إذْ جَاءَنِي جِبْرِيلُ، فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي، فَجَاءَنِي الثَّانِيَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَعُدْتُ إلَى مَضْجَعِي، فَجَاءَنِي الثَّالِثَةَ فَهَمَزَنِي بِقَدَمِهِ، فَجَلَسْتُ، فَأَخَذَ بِعَضُدِي، فَقُمْتُ مَعَهُ، فَخَرَجَ (بِي) [١] إلَى بَابِ الْمَسْجِدِ، فَإِذَا دَابَّةٌ أَبْيَضُ، بَيْنَ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، فِي فَخِذَيْهِ جَنَاحَانِ يَحْفِزُ [٢] بِهِمَا رِجْلَيْهِ، يَضَعُ يَدَهُ فِي مُنْتَهَى طَرْفِهِ، فَحَمَلَنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَعِي لَا يَفُوتُنِي وَلَا أَفُوتُهُ.

-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] يحفز: يدْفع.



(حَدِيثُ قَتَادَةَ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحُدِّثْتُ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ لِأَرْكَبَهُ شَمَسَ [١]، فَوَضَعَ جِبْرِيلُ يَدَهُ عَلَى مَعْرَفَتِهِ [٢]، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تَسْتَحِي يَا بُرَاقُ [٣] مِمَّا تصنع، فو الله مَا رَكِبَكَ عَبْدٌ للَّه قَبْلَ مُحَمَّدٍ أَكْرَمُ عَلَيْهِ [٤] مِنْهُ. قَالَ: فَاسْتَحْيَا حَتَّى ارْفَضَّ [٥] عَرَقًا، ثُمَّ قَرَّ حَتَّى رَكِبْتُهُ

(عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ وَسَبَبُ تَسْمِيَةِ أَبِي بَكْرٍ:
الصِّدِّيقَ):
قَالَ الْحَسَنُ فِي حَدِيثِهِ: فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وَمَضَى جِبْرِيلُ عليه السلام مَعَهُ، حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَوَجَدَ فِيهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فِي نَفَرٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، فَأَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ أُتِيَ بِإِنَاءَيْنِ، فِي أَحَدِهِمَا خَمْرٌ، وَفِي الْآخَرِ لَبَنٌ. قَالَ: فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إنَاءَ اللَّبَنِ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَتَرَكَ إنَاءَ الْخَمْرِ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ:
هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ، وَهُدِيَتْ أُمَّتُكَ يَا مُحَمَّدُ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْخَمْرُ. ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا عَلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ. فَقَالَ أَكْثَرُ النَّاسِ: هَذَا وَاَللَّهِ الْإِمْرُ [٦] الْبَيِّنُ، وَاَللَّهِ إنَّ الْعِيرَ لَتُطْرَدُ، شَهْرًا مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ مُدْبِرَةً، وَشَهْرًا مُقْبِلَةً، أَفَيَذْهَبُ ذَلِكَ مُحَمَّدٌ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَرْجِعُ إلَى مَكَّةَ! قَالَ: فَارْتَدَّ كَثِيرٌ مِمَّنْ كَانَ أَسْلَمَ، وَذَهَبَ النَّاسُ إلَى أَبِي بَكْرٍ،

=======================
[١] يُقَال: شمس الْفرس: إِذا لم يُمكن أحدا من ظَهره وَلَا من الإسراج والإلجام، وَلَا يكَاد يسْتَقرّ.
[٢] الْمعرفَة: اللَّحْم الّذي ينْبت عَلَيْهِ شعر الْعرف.
[٣] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على شماس الْبراق وَقَول جِبْرِيل لَهُ: أما تَسْتَحي ... إِلَخ «فقد قيل فِي نفرته مَا قَالَ ابْن بطال فِي شرح الْجَامِع الصَّحِيح، قَالَ: كَانَ ذَلِك لبعد عهد الْبراق بالأنبياء وَطول الفترة بَين عِيسَى وَمُحَمّد عليهما السلام. وروى غَيره فِي ذَلِك سَببا آخر، قَالَ فِي رِوَايَته فِي حَدِيث الْإِسْرَاء: قَالَ جِبْرِيل لمُحَمد عليه الصلاة والسلام حِين شمس بِهِ الْبراق: لَعَلَّك يَا مُحَمَّد مسست الصَّفْرَاء الْيَوْم فَأخْبرهُ النَّبِي ﷺ أَنه مَا مَسهَا إِلَّا أَنه مر بهَا، فَقَالَ: تَبًّا لمن يعبدك من دون الله، وَمَا مَسهَا إِلَّا لذَلِك» . والصفراء: صنم بعضه من ذهب، كسرهَا رَسُول الله ﷺ يَوْم الْفَتْح.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «على الله» .
[٥] ارْفض: سَالَ وترشش.
[٦] الإمر (بِكَسْر الْهمزَة): العجيب الْمُنكر.



فَقَالُوا لَهُ: هَلْ لَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِكَ، يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ جَاءَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَصَلَّى فِيهِ وَرَجَعَ إلَى مَكَّةَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ أَبُو بَكْرٍ: إنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ فِي الْمَسْجِدِ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاَللَّهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ، فَمَا يُعْجِبُكُمْ من ذَلِك! فو الله إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي أَنَّ الْخَبَرَ لَيَأْتِيهِ (مِنْ اللَّهِ) [١] مِنْ السَّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ فَأُصَدِّقُهُ، فَهَذَا أَبْعَدُ [٢] مِمَّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَحَدَّثْتَ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنَّكَ جِئْتَ بَيْتَ [٣] الْمَقْدِسِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَصِفْهُ لِي، فَإِنِّي قَدْ جِئْتُهُ- قَالَ الْحَسَنُ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَرُفِعَ لِي حَتَّى نَظَرْتُ إلَيْهِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصِفُهُ لِأَبِي بَكْرٍ، وَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، كَلَمَّا وَصَفَ لَهُ مِنْهُ شَيْئًا، قَالَ: صَدَقْتَ، أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، حَتَّى (إذَا) [١] انْتَهَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأَبِي بَكْرٍ: وَأَنْتَ يَا أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، فَيَوْمَئِذٍ سَمَّاهُ الصِّدِّيقَ. قَالَ الْحَسَنُ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ ارْتَدَّ عَنْ إسْلَامِهِ لِذَلِكَ: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ، وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ، وَنُخَوِّفُهُمْ، فَما يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيانًا كَبِيرًا ١٧: ٦٠.
فَهَذَا حَدِيثُ الْحَسَنِ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَمَا دَخَلَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ.

(حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ آلِ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَقُولُ: مَا فُقِدَ جَسَدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَسْرَى بِرُوحِهِ.

---------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] فِي ط: «أعجب» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أتيت الْمُقَدّس» .



(حَدِيثُ مُعَاوِيَةَ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَخْنَسِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ، كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: كَانَتْ رُؤْيَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى صَادِقَةً.

(جَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْرَاءُ رُؤْيَا):
فَلَمْ يُنْكَرْ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا، لِقَوْلِ الْحَسَنِ: إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ، قَوْلُ اللَّهِ تبارك وتعالى: وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ ١٧: ٦٠، وَلِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْخَبَرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عليه السلام إذْ قَالَ لِابْنِهِ: يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ٣٧: ١٠٢ ثُمَّ مَضَى عَلَى ذَلِكَ. فَعَرَفْتُ أَنَّ الْوَحْيَ مِنْ اللَّهِ يَأْتِي الْأَنْبِيَاءَ أَيْقَاظًا وَنِيَامًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- يَقُولُ: تَنَامُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي يَقْظَانُ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ قَدْ جَاءَهُ، وَعَايَنَ فِيهِ مَا عَايَنَ، مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، عَلَى أَيِّ حَالَيْهِ كَانَ: نَائِمًا، أَوْ يَقْظَانَ، كُلُّ ذَلِكَ حَقٌّ وَصِدْقٌ.

(وَصْفُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَزَعَمَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَصَفَ لِأَصْحَابِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى حِينَ رَآهُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ:
أَمَّا إبْرَاهِيمُ، فَلَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ (قَطُّ) [١] بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ طَوِيلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ أَقْنَى [٢] كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ [٣]، وَأَمَّا عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، فَرَجُلٌ أَحْمَرُ، بَيْنَ الْقَصِيرِ وَالطَّوِيلِ، سَبْطُ الشَّعَرِ، كَثِيرُ خِيلَانِ [٤] الْوَجْهِ، كَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ [٥]، تَخَالُ رَأْسَهُ يَقْطُرُ مَاءً، وَلَيْسَ بِهِ مَاءٌ، أَشْبَهُ رِجَالِكُمْ بِهِ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ.

======================
[١] زِيَادَة عَن ط.
[٢] الضَّرْب من الرِّجَال: الْخَفِيف اللَّحْم. والجعد: المتكسر الشّعْر، والأقنى: الْمُرْتَفع قَصَبَة الْأنف.
[٣] شنُوءَة، قَبيلَة من الأزد.
[٤] الخيلان: جمع خَال، وَهُوَ الشامة السَّوْدَاء.
[٥] الديماس (بِالْفَتْح وَيكسر): الْحمام.



(وَصْفُ عَلِيٍّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَتْ صِفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيمَا- ذَكَرَ عُمَرُ مَوْلَى غُفْرَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام، إذَا نَعَتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمْ يَكُنْ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ [١]، وَلَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ. وَكَانَ رَبْعَةً مِنْ الْقَوْمِ، وَلَمْ يَكُنْ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ [٢] وَلَا السَّبِطِ، كَانَ جَعْدًا رَجِلًا [٣]، وَلَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ [٤] وَلَا الْمُكَلْثَمِ [٥]، وَكَانَ أَبْيَضَ مُشْرَبًا، أَدْعَجَ [٦] الْعَيْنَيْنِ، أَهْدَبَ [٧] الْأَشْفَارِ، جَلِيلَ الْمُشَاشِ [٨] وَالْكَتَدِ [٩]، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ [١٠]، أَجْرَدَ [١١] شَثْنِ [١٢] الْكَفَّيْنِ وَالْقَدَمَيْنِ، إذَا مَشَى تَقَلَّعَ [١٣]، كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ [١٤]، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعًا، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، وَهُوَ (ﷺ) [١٥] خَاتَمُ النَّبِيِّينَ، أَجْوَدُ النَّاسِ كَفًّا، وَأَجْرَأُ النَّاسِ صَدْرًا، وَأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً [١٦]، وَأَوْفَى النَّاسِ ذِمَّةً [١٧]، وَأَلْيَنُهُمْ

========================
[١] كَذَا فِي الْأُصُول، ويروى: «الممعط» بِالْعينِ الْمُهْملَة، والممغط والممعط: الممتد. وَقيل:
الممعط (بِالْعينِ الْمُهْملَة): المضطرب الْخلق.
[٢] القطط: الشَّديد جعودة الشّعْر.
[٣] رجلا: مسرح الشّعْر.
[٤] المطهم: الْعَظِيم الْجِسْم.
[٥] المكلثم: المستدير الْوَجْه فِي صغر.
[٦] الأدعج: الْأسود الْعَينَيْنِ.
[٧] أهدب الأشفار: طويلها.
[٨] المشاش: عِظَام رُءُوس المفاصل.
[٩] الكتد (بِفتْحَتَيْنِ وبفتح فَكسر): مَا بَين الْكَتِفَيْنِ.
[١٠] المسربة: الشّعْر الّذي يَمْتَد من الصَّدْر إِلَى السُّرَّة.
[١١] الأجرد: الْقَلِيل شعر الْجِسْم.
[١٢] الشثن: الغليظ.
[١٣] تقلع: لم يثبت قَدَمَيْهِ.
[١٤] الصبب: مَا انحدر من الأَرْض.
[١٥] زِيَادَة عَن أ، ط.
[١٦] أصل اللهجة: طرف اللِّسَان، ويكنى بِصدق اللهجة عَن الصدْق.
[١٧] الذِّمَّة: الْعَهْد.
٢٦- سيرة ابْن هِشَام- ١







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #43  
قديم 07-01-2026, 05:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (43)

صــ 401إلى صــ 410





عَرِيكَةً [١]، وَأَكْرَمُهُمْ عِشْرَةً، مَنْ رَآهُ بَدِيهَةً [٢] هَابَهُ، وَمَنْ خَالَطَهُ أَحَبَّهُ، يَقُولُ نَاعِتُهُ: لَمْ أَرَ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ مِثْلَهُ، ﷺ.

(حَدِيثُ أُمِّ هَانِئٍ عَنْ مَسْرَاهُ ﷺ):
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ أُمِّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنها، وَاسْمُهَا هِنْدٌ، فِي مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ:
مَا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا وَهُوَ فِي بَيْتِي، نَامَ [٣] عِنْدِي تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي بَيْتِي، فَصَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، ثُمَّ نَامَ وَنِمْنَا، فَلَمَّا كَانَ قُبَيْلَ الْفَجْرِ أَهَبَّنَا [٤] رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، قَالَ: يَا أُمَّ هَانِئٍ، لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَكُمْ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ كَمَا رَأَيْتِ بِهَذَا الْوَادِي، ثُمَّ جِئْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّيْتُ فِيهِ، ثُمَّ قَدْ صَلَّيْتُ صَلَاةَ الْغَدَاةِ مَعَكُمْ الْآنَ كَمَا تَرَيْنَ، ثُمَّ قَامَ لِيَخْرُجَ، فَأَخَذْتُ بِطَرَفِ رِدَائِهِ، فَتَكَشَّفَ عَنْ بَطْنِهِ كَأَنَّهُ قُبْطِيَّةٌ [٥] مَطْوِيَّةٌ، فَقُلْتُ لَهُ:
يَا نَبِيَّ اللَّهِ، لَا تُحَدِّثْ بِهَذَا النَّاسَ فَيُكَذِّبُوكَ وَيُؤْذُوكَ، قَالَ: وَاَللَّهِ لِأُحَدِّثَنَّهُمُوهُ.
قَالَتْ: فَقُلْتُ لِجَارِيَةٍ لِي حَبَشِيَّةٍ: وَيْحَكَ اتْبَعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَتَّى تَسْمَعِي مَا يَقُولُ لِلنَّاسِ، وَمَا يَقُولُونَ لَهُ. فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى النَّاسِ أَخْبَرَهُمْ، فَعَجِبُوا وَقَالُوا: مَا آيَةُ ذَلِكَ يَا مُحَمَّدُ؟ فَإِنَّا لَمْ نَسْمَعْ بِمِثْلِ هَذَا قَطُّ، قَالَ: آيَةُ ذَلِكَ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ بِوَادِي كَذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حسّ الدابّة، فندلّهم بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَا مُوَجَّهٌ إلَى الشَّامِ. ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إذَا كُنْتُ بِضَجَنَانَ [٦] مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ، فَوَجَدْتُ الْقَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهِ بِشَيْءِ، فَكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ مَا فِيهِ،

====================
[١] العريكة (فِي الأَصْل): لحم ظهر الْبَعِير، فَإِذا لانت سهل ركُوبه. يُرِيد أَنه أحْسنهم معاشرة.
[٢] بديهة: ابْتِدَاء.
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «نَائِم» .
[٤] أهبنا: أيقظنا.
[٥] الْقبْطِيَّة (بِالضَّمِّ وتكسر): ثِيَاب من كتَّان تنسج بِمصْر منسوبة إِلَى القبط على غير قِيَاس.
[٦] ضجنَان (بِالتَّحْرِيكِ): جبل بِنَاحِيَة تهَامَة، وَيُقَال: هُوَ على بريد من مَكَّة. وَقَالَ الْوَاقِدِيّ:
بَين ضجنَان وَمَكَّة خَمْسَة وَعِشْرُونَ ميلًا.


ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ عِيرَهُمْ الْآنَ يَصُوبُ [١] مِنْ الْبَيْضَاءِ [٢]، ثَنِيَّةِ التَّنْعِيمِ [٣]، يَقْدُمُهَا جَمَلٌ أَوْرَقُ [٤]، عَلَيْهِ غِرَارَتَانِ، إحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، وَالْأُخْرَى بَرْقَاءُ [٥] . قَالَتْ: فَابْتَدَرَ الْقَوْمُ الثَّنِيَّةَ فَلَمْ يَلْقَهُمْ أَوَّلُ مِنْ [٦] الْجَمَلِ كَمَا وَصَفَ لَهُمْ، وَسَأَلُوهُمْ عَنْ الْإِنَاءِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً ثُمَّ غَطَّوْهُ، وَأَنَّهُمْ هَبُّوا فَوَجَدُوهُ مُغَطًّى كَمَا غَطَّوْهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً. وَسَأَلُوا الْآخَرِينَ وَهُمْ بِمَكَّةَ، فَقَالُوا: صَدَقَ وَاَللَّهِ، لَقَدْ أُنْفِرْنَا فِي الْوَادِي الَّذِي ذَكَرَ، وَنَدَّ لَنَا بَعِيرٌ، فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إلَيْهِ، حَتَّى أَخَذْنَاهُ.

قِصَّةُ الْمِعْرَاجِ

(حَدِيثُ الْخُدْرِيِّ عَنِ الْمِعْرَاجِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَمَّا فَرَغْتُ مِمَّا كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ، أُتِيَ بِالْمِعْرَاجِ، وَلَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَمُدُّ إلَيْهِ مَيِّتُكُمْ عَيْنَيْهِ إذَا حُضِرَ، فَأَصْعَدَنِي صَاحِبِي فِيهِ، حَتَّى انْتَهَى بِي إلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، يُقَالُ لَهُ: بَابُ الْحَفَظَةِ، عَلَيْهِ مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، يُقَالُ لَهُ: إسْمَاعِيلُ، تَحْتَ يَدَيْهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ، تَحْتَ يَدَيْ كُلِّ مَلَكٍ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ مَلَكٍ- قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيثِ: وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلَّا هُوَ- فَلَمَّا دُخِلَ بِي، قَالَ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: (هَذَا) [٧] مُحَمَّدُ.
قَالَ: أَوَقَدْ بُعِثَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَدَعَا لِي بِخَيْرِ: وَقَالَهُ.

=================
[١] يصوب: ينزل من عل.
[٢] الْبَيْضَاء: عقبَة قرب مَكَّة تهبطك إِلَى فخ، وَأَنت مقبل من الْمَدِينَة تُرِيدُ مَكَّة، أَسْفَل مَكَّة من قبل ذِي طوى.
[٣] التَّنْعِيم: مَوضِع بِمَكَّة فِي الْجَبَل، وَهُوَ بَين مَكَّة وسرف على فرسخين من مَكَّة. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ)
[٤] الأورق: الّذي لَونه بَين الغبرة والسواد.
[٥] البرقاء: الَّتِي فِيهَا ألوان مُخْتَلفَة.
[٦] يُرِيد أَن الْجمل كَانَ أول مَا لَقِيَهُمْ.
[٧] زِيَادَة عَن أ.



(عَدَمُ ضَحِكِ خَازِنِ النَّارِ لِلرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أَنَّهُ قَالَ: تَلَقَّتْنِي الْمَلَائِكَةُ حِينَ دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَلَمْ يَلْقَنِي مَلَكٌ إلَّا ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا، يَقُولُ خَيْرًا وَيَدْعُو بِهِ، حَتَّى لَقِيَنِي مَلَكٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ، فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا، وَدَعَا بِمِثْلِ مَا دَعَوْا بِهِ، إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَضْحَكْ، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ مَا رَأَيْتُ مِنْ غَيْرِهِ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَذَا الْمَلَكُ الَّذِي قَالَ لِي كَمَا قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ وَلَمْ يَضْحَكْ (إلَيَّ)، وَلَمْ أَرَ مِنْهُ مِنْ الْبِشْرِ مِثْلَ الَّذِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ [١]؟ قَالَ: فَقَالَ لِي جِبْرِيلُ: أَمَا إنَّهُ لَوْ ضَحِكَ إلَى أَحَدٍ كَانَ قَبْلَكَ، أَوْ كَانَ ضَاحِكًا إلَى أَحَدٍ بَعْدَكَ، لَضَحِكَ إلَيْكَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَضْحَكُ، هَذَا مَالِكٌ خَازِنُ [٢] النَّارِ [٣] . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ، وَهُوَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَكَانِ الَّذِي وُصِفَ لَكُمْ مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ٨١: ٢١: أَلَا تَأْمُرُهُ أَنْ يُرِيَنِي النَّارَ؟ فَقَالَ:
بَلَى، يَا مَالِكُ، أَرِ مُحَمَّدًا النَّارَ. قَالَ: فَكَشَفَ عَنْهَا غِطَاءَهَا، فَفَارَتْ وَارْتَفَعَتْ، حَتَّى ظَنَنْتُ لَتَأْخُذَنَّ مَا أَرَى. قَالَ: فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: يَا جِبْرِيلُ، مُرْهُ فَلْيَرُدَّهَا إلَى مَكَانِهَا. قَالَ: فَأَمَرَهُ، فَقَالَ لَهَا: اُخْبِي [٤]، فَرَجَعَتْ إلَى مَكَانِهَا الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ.
فَمَا شَبَّهْتُ رُجُوعَهَا إلَّا وُقُوعَ الظِّلِّ. حَتَّى إذَا دَخَلَتْ مِنْ حَيْثُ خَرَجَتْ رَدَّ عَلَيْهَا غِطَاءَهَا.

=================
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «من غَيره» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «صَاحب» .
[٣] قَالَ السهيليّ بعد ذكر هَذَا الْخَبَر وَعدم ضحك مَالك إِلَى رَسُول الله ﷺ: «وَذَلِكَ أَنه لم يضْحك لأحد قبله، وَلَا هُوَ ضَاحِك لأحد، ومصداق هَذَا فِي كتاب الله تَعَالَى، قَالَ الله سُبْحَانَهُ:
عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ ٦٦: ٦. وهم موكلون بغضب الله تَعَالَى، فالغضب لَا يزايلهم أبدا. وَفِي هَذَا الحَدِيث مُعَارضَة للْحَدِيث الّذي فِي صفة مِيكَائِيل، أَنه مَا ضحك مُنْذُ خلق الله جَهَنَّم، وَكَذَلِكَ يُعَارضهُ مَا خرج الدارقطنيّ أَن رَسُول الله ﷺ تَبَسم فِي الصَّلَاة، فَلَمَّا انْصَرف سُئِلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: رَأَيْت مِيكَائِيل رَاجعا من طلب الْقَوْم وعَلى جناحيه الْغُبَار، فَضَحِك إِلَى، فتبسمت إِلَيْهِ. وَإِذا صَحَّ الحديثان فَوجه الْجمع بَينهمَا أَن يكون: لم يضْحك مُنْذُ خلق الله النَّار إِلَى هَذِه الْمدَّة الَّتِي ضحك فِيهَا لرَسُول الله ﷺ، فَيكون الحَدِيث عَاما يُرَاد بِهِ الْخُصُوص، أَو يكون الحَدِيث الأول حدث بِهِ رَسُول الله ﷺ قبل هَذَا الحَدِيث الْأَخير، ثمَّ حدث بِمَا حدث بِهِ من ضحكه إِلَيْهِ»
[٤] خبت النَّار: زَاد لهيبها.



(عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ عَنْ الْمِعْرَاجِ):
(وَ) [١] قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ فِي حَدِيثِهِ: إنَّ [٢] رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَمَّا دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا، رَأَيْتُ بِهَا رَجُلًا جَالِسًا تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ، فَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَيُسَرُّ بِهِ، وَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ، وَيَقُولُ لِبَعْضِهَا إذَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ: أُفٍّ، وَيَعْبِسُ بِوَجْهِهِ وَيَقُولُ:: رُوحٌ خَبِيثَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، تُعْرَضُ عَلَيْهِ أَرْوَاحُ ذُرِّيَّتِهِ، فَإِذَا مَرَّتْ بِهِ رُوحُ الْمُؤْمِنِ مِنْهُمْ سُرَّ بِهَا. وَقَالَ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ خَرَجَتْ مِنْ جَسَدٍ طَيِّبٍ. وَإِذَا مَرَّتْ بَهْ رُوحُ الْكَافِرِ مِنْهُمْ أَفَّفَ [٣] مِنْهَا وَكَرِهَهَا، وَسَاءَ ذَلِكَ، وَقَالَ: روح خبيثة خرجت مِنْ جَسَدٍ خَبِيثٍ.

(صِفَةُ أَكَلَةِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ كَمَشَافِرِ [٤] الْإِبِلِ، فِي أَيْدِيهمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالْأَفْهَارِ [٥]، يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ، فَتَخْرُجُ مِنْ أَدْبَارِهِمْ. فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ أَمْوَالِ الْيَتَامَى ظُلْمًا.

(صِفَةُ أَكَلَةِ الرِّبَا):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ بِسَبِيلِ آلِ فِرْعَوْنَ [٦]، يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ كَالْإِبِلِ الْمَهْيُومَةِ [٧] حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ، يَطَئُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ أَكَلَةُ الرِّبَا.

===================
[١] زِيَادَة عَن: أ.
[٢] كَذَا فِي ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «عَن» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط: وأفف: قَالَ أُفٍّ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أنف» .
[٤] المشافر: جمع مشفر. ومشفر الْإِبِل: شفته.
[٥] الأفهار: جمع فهر، وَهُوَ حجر على مِقْدَار ملْء الْكَفّ
[٦] خص آل فِرْعَوْن، لأَنهم أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة. قَالَ تَعَالَى أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ ٤٠: ٤٦.
[٧] المهيومة: العطاش. وَكَانَ قِيَاس هَذَا الْوَصْف أَلا يُقَال فِيهِ (مهيومة) كَمَا لَا يُقَال معطوشة، إِنَّمَا يُقَال: هائم وهيمان، وَقد يُقَال: هيوم، وَيجمع على هيم.
وَلَكِن جَاءَ فِي الحَدِيث (مهيومة) كَأَنَّهُ شَيْء فعل بِهِ، كالمجمومة والمختونة.



(صِفَةُ الزُّنَاةِ):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ ثَمِينٌ طَيِّبٌ، إلَى جَنْبِهِ لَحْمٌ غَثٌّ مُنْتِنٌ، يَأْكُلُونَ مِنْ الْغَثِّ [١] الْمُنْتِنِ، وَيَتْرُكُونَ السَّمِينَ الطَّيِّبَ. قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ النِّسَاءِ، وَيَذْهَبُونَ إلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُنَّ.

(صِفَةُ النِّسَاءِ اللَّاتِي يُدْخِلْنَ عَلَى الْأَزْوَاجِ مَا لَيْسَ مِنْهُمْ):
قَالَ: ثُمَّ رَأَيْتُ نِسَاءً مُعَلَّقَاتٍ بِثُدِيِّهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ:
هَؤُلَاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ عَمْرٍو [٢]، عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، قَالَ: اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَأَكَلَ حَرَائِبَهُمْ [٣]، وَاطَّلَعَ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ.

(عَوْدٌ إلَى حَدِيثِ الْخُدْرِيِّ عَنْ الْمِعْرَاجِ):
ثُمَّ رَجَعَ إلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَإِذَا فِيهَا ابْنَا [٤] الْخَالَةِ: عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَيَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا، قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ صُورَتُهُ كَصُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا [٥] يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ. قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ فَسَأَلْتُهُ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: هَذَا إدْرِيسُ- قَالَ: يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا- قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ الْخَامِسَةِ

===================
[١] الغث: الضَّعِيف المهزول.
[٢] هُوَ جَعْفَر بن عَمْرو بن أُميَّة الضمريّ الْمدنِي، وَهُوَ أَخُو عبد الْملك بن مَرْوَان من الرضَاعَة، روى عَن أَبِيه ووحش بن حَرْب وَأنس. وَعنهُ أَبُو سَلمَة وَأَبُو قلَابَة وَسليمَان بن يسَار وَأَخُوهُ الزبْرِقَان وَغَيرهم، وَمَات جَعْفَر فِي خلَافَة الْوَلِيد. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب وتراجم رجال) .
[٣] الحرائب: جمع حريبة، وَهِي المَال. يُرِيد أَن الْوَلَد إِذا كَانَ لغير رشدة نسب إِلَى الّذي ولد على فرَاشه فيأكل من مَاله صَغِيرا، وَينظر إِلَى بَنَاته من غير أمه، وَإِلَى أخواته ولسن بعمات لَهُ، وَإِلَى أمه وَلَيْسَت بجدة لَهُ، وَهَذَا فَسَاد كَبِير.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ابْن» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «هُوَ» .



فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ أَبْيَضُ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ، عَظِيمُ الْعُثْنُونِ [١]، لَمْ أَرَ كَهْلًا أَجْمَلَ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الْمُحَبَّبُ فِي قَوْمِهِ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ.
قَالَ: ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَإِذَا فِيهَا رَجُلٌ آدَمُ [٢] طَوِيلٌ أَقْنَى [٣]، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ، فَقُلْتُ لَهُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَخُوكَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ. ثُمَّ أَصْعَدَنِي إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَإِذَا فِيهَا كَهْلٌ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ إلَى بَابِ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، لَا يَرْجِعُونَ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. لَمْ أَرَ رَجُلًا أَشْبَهَ بِصَاحِبِكُمْ، وَلَا صَاحِبُكُمْ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا أَبُوكَ إبْرَاهِيمُ. قَالَ: ثُمَّ دَخَلَ بِي الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ فِيهَا جَارِيَةً لَعْسَاءَ [٤]، فَسَأَلْتهَا: لِمَنْ أَنْتِ؟ وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي حِينَ رَأَيْتُهَا، فَقَالَتْ: لِزَيْدِ ابْن حَارِثَةَ، فَبَشَّرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ. قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ حَدِيثِ (عَبْدِ اللَّهِ) [٥] بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ ﷺ، فِيمَا بَلَغَنِي: أَنَّ جِبْرِيلَ لَمْ يَصْعَدْ بِهِ إلَى سَمَاءٍ مِنْ السَّمَوَاتِ إلَّا قَالُوا لَهُ حِينَ يَسْتَأْذِنُ فِي دُخُولِهَا: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُونَ:
أَوَقَدْ بُعِثَ [٦]؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُونَ: حَيَّاهُ اللَّهُ مِنْ أَخٍ وَصَاحِبٍ! حَتَّى انْتَهَى بِهِ إلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، ثُمَّ انْتَهَى بِهِ إلَى رَبِّهِ، فَفَرَضَ عَلَيْهِ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ.

(مَشُورَةُ مُوسَى عَلَى الرَّسُولِ عليهما السلام فِي شَأْنِ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ):
(قَالَ) [٥]: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأَقْبَلْتُ رَاجِعًا، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِمُوسَى (بْنِ) [٥] عِمْرَانَ، وَنِعْمَ الصَّاحِبُ كَانَ لَكُمْ، سَأَلَنِي كَمْ فُرِضَ عَلَيْكَ مِنْ الصَّلَاةِ؟ فَقُلْتُ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَقَالَ: إنَّ الصَّلَاةَ ثَقِيلَةٌ، وَإِنَّ أُمَّتَكَ ضَعِيفَةٌ، فَارْجِعْ إلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ وَعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُ

======================
[١] العثنون: اللِّحْيَة.
[٢] الآدم: الْأسود.
[٣] الأقنى: مَا ارْتَفع أَعلَى أَنفه واحدودب وَسطه وسبغ طرفه.
[٤] اللعس فِي الشفاه: حمرَة تضرب إِلَى السوَاد.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أوقد بعث إِلَيْهِ ... إِلَخ» .



رَبِّي أَنْ يُخَفِّفَ عَنِّي وَعَنْ أُمَّتِي، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُ رَبِّي [١]، فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا. ثُمَّ انْصَرَفْتُ [٢] فَمَرَرْتُ عَلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَجَعْتُ فَسَأَلْتُهُ [٣] فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا.
ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، كُلَّمَا رَجَعْتُ إلَيْهِ، قَالَ: فَارْجِعْ [٤] فَاسْأَلْ، حَتَّى انْتَهَيْتُ إلَى أَنْ وَضَعَ ذَلِكَ عَنِّي، إلَّا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. ثُمَّ رَجَعْتُ إلَى مُوسَى، فَقَالَ لِي مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ: قَدْ رَاجَعْتُ رَبِّي وَسَأَلْتُهُ، حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْهُ، فَمَا أَنَا بِفَاعِلِ.
فَمَنْ أَدَّاهُنَّ مِنْكُمْ إيمَانًا بِهِنَّ، وَاحْتِسَابًا لَهُنَّ، كَانَ لَهُ أَجْرُ خَمْسِينَ صَلَاةً (مَكْتُوبَةً) [٥] .

كِفَايَةُ الله أَمر المستهزءين
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُؤَدِّيًا إلَى قَوْمِهِ النَّصِيحَةَ عَلَى مَا يَلْقَى مِنْهُمْ مِنْ التَّكْذِيبِ وَالْأَذَى (وَالِاسْتِهْزَاءِ) [٥] . وَكَانَ عُظَمَاء المستهزءين، كَمَا حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ [٦]، عَنْ عُرْوَةَ [٧] بْنِ الزُّبَيْرِ، خَمْسَةَ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَكَانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ وَشَرَفٍ فِي قَومهمْ.

-------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَسَأَلت ربى أَن يُخَفف عَنى، وَعَن أمتى. .. إِلَخ» .
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «رجعت» .
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَسَأَلت ربى. .. إِلَخ» .
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فَارْجِع إِلَيْهِ فسل رَبك. .. إِلَخ» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] هُوَ يزِيد بن رُومَان الْأَسدي أَبُو روح الْمدنِي مولى آل الزبير. روى عَن ابْن الزبير، وَأنس، وَعبيد الله وَسَالم ابْني عبد الله بن عمر وَغَيرهم. وَعنهُ هِشَام بن عُرْوَة، وَعبيد الله بن عمر، وَأَبُو حَازِم سَلمَة بن دِينَار وَغَيرهم، وَتوفى يزِيد سنة ١٠٣ هـ، وَكَانَ عَالما كثير الحَدِيث ثِقَة. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .
[٧] هُوَ عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام بن خويلد بن أَسد، روى عَن أَبِيه وأخيه عبد الله وَأمه أَسمَاء وَغَيرهم، وَعنهُ أَوْلَاده: عبد الله، وَعُثْمَان، وَهِشَام، وَمُحَمّد، وَيحيى، وَابْن ابْنه عمر بن عبد الله بن عُرْوَة وَغَيرهم. مَاتَ سنة ٩٩، وَقيل سنة ١٠١ هـ، وَكَانَ عمره إِذْ ذَاك ٦٧ سنة.



(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ):
مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَسَدِ أَبُو زَمَعَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- قَدْ دَعَا عَلَيْهِ لِمَا كَانَ يَبْلُغُهُ مِنْ أَذَاهُ وَاسْتِهْزَائِهِ بِهِ، فَقَالَ: اللَّهمّ أَعْمِ بَصَرَهُ، وأثكله وَلَده.

(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ بَنِي زُهْرَةَ):
وَمِنْ بَنِي زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ: الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ بْنِ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ ابْن زهرَة.

(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ مَخْزُومٍ):
وَمِنْ بَنِي مَخْزُومِ بْنِ يَقَظَةَ بْنِ مُرَّةَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ابْن مَخْزُوم.

(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ سَهْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِلِ بْنِ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْعَاصُ بْنُ وَائِل بن هَاشم بْنِ سُعَيْدِ بن سهم.

(المستهزءون بِالرَّسُولِ مِنْ خُزَاعَةَ):
وَمِنْ بَنِي خُزَاعَةَ: الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ [١] بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ (لُؤَيِّ بْنِ) [٢] مَلَكَانَ [٣] .
فَلَمَّا تَمَادَوْا فِي الشَّرِّ، وَأَكْثَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ الِاسْتِهْزَاءَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ١٥: ٩٤- ٩٦.

===================
[١] الطُّلَاطِلَة (لُغَة): الداهية، وَهِي اسْم أمه، قَالَ ذَلِك أَبُو الْوَلِيد الوقشى، وَنَقله عَنهُ ابْن إِسْحَاق، وَخَالَفَهُمَا ابْن الْكَلْبِيّ فِي اسْمه فَقَالَ: هُوَ الْحَارِث بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم. والّذي فِي السِّيرَة الشامية: أَن اسْمه مَالك، وَأَن الطُّلَاطِلَة أَبوهُ.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] ملكان: هُوَ بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام، أَو بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام. وَقيل: إِنَّه لَيْسَ فِي النَّاس ملكان (بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام) إِلَّا ملكان بن جرم بن ربان، وملكان بن عباد بن عِيَاض، وَغَيرهمَا ملكان بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون اللَّام، وَزَاد بَعضهم ملكان (بِفَتْح الْمِيم) فِي خُزَاعَة (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .



(مَا أصَاب المستهزءين):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ: أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ، فَقَامَ وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى جَنْبِهِ، فَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ الْمُطَّلِبِ، فَرَمَى فِي وَجْهِهِ بِوَرَقَةِ خَضْرَاءَ، فَعَمِيَ. وَمَرَّ بَهْ الْأَسْوَدُ بْنُ عَبْدِ يَغُوثَ.، فَأَشَارَ إلَى بَطْنِهِ، فَاسْتَسْقَى (بَطْنُهُ) [١] فَمَاتَ مِنْهُ حَبَنًا [٢] . وَمَرَّ بِهِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَأَشَارَ إلَى أَثَرِ جُرْحٍ بِأَسْفَلِ كَعْبِ رِجْلِهِ، كَانَ أَصَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِسِنِينَ [٣]، وَهُوَ يَجُرُّ سَبَلَهُ [٤]، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرَّ بِرَجُلِ مِنْ خُزَاعَةَ وَهُوَ يَرِيشُ نَبْلًا لَهُ، فَتَعَلَّقَ سَهْمٌ مِنْ نَبْلِهِ بِإِزَارِهِ، فَخَدَشَ فِي رِجْلِهِ ذَلِكَ الْخَدْشَ، وَلَيْسَ بِشَيْءِ، فَانْتَقَضَ [٥] بِهِ فَقَتَلَهُ.
وَمَرَّ بَهْ الْعَاصُ بْنُ وَائِلٍ، فَأَشَارَ إلَى أَخْمَصِ [٦] رِجْلِهِ وَخَرَجَ عَلَى حِمَارٍ لَهُ يُرِيدُ الطَّائِفَ، فَرَبَضَ بِهِ عَلَى شُبَارِقَةٍ [٧]، فَدَخَلَتْ فِي أَخْمَصِ رِجْلِهِ شَوْكَةٌ فَقَتَلَتْهُ.
وَمَرَّ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ الطُّلَاطِلَةِ، فَأَشَارَ إلَى رَأْسِهِ، فَامْتَخَضَ [٨] قَيْحًا، فَقَتَلَهُ.

قِصَّةُ أَبِي أُزَيْهِرٍ الدَّوْسِيِّ

(وُصَاتُهُ لِبَنِيهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا حَضَرَتْ الْوَلِيدَ الْوَفَاةُ دَعَا بَنِيهِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً: هِشَامَ ابْن الْوَلِيدِ، وَالْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، وَخَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْ بَنِيَّ، أُوصِيكُمْ بِثَلَاثِ، فَلَا تُضَيِّعُوا فِيهِنَّ: دَمِي فِي خُزَاعَةَ فَلَا تَطُلُّنَّهُ [٩]، وَاَللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُمْ

=====================
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والحبن (محركة): انتفاخ الْبَطن من دَاء. وَفِي أ: «حنبا» .
[٣] هَذِه الْعبارَة سَاقِطَة فِي أ.
[٤] السبل: فضول الثِّيَاب.
[٥] انْتقض الْجرْح: إِذا تجدّد بعد مَا بري.
[٦] الأخمص من بَاطِن الْقدَم: مَا لم يصب الأَرْض.
[٧] الشبارقة: شَجَرَة عالية، وَفِي طبعة بِهَامِش الرَّوْض الْأنف: شبْرقَة.
[٨] كَذَا فِي أ، ط: أَي أَن الْقَيْح تحرّك فِي رَأسه وانتشر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «فامتحض» بِالْحَاء الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٩] طل الدَّم وأطله: هدره، فَلم يثأر بِهِ.



مِنْهُ بُرَآءُ، وَلَكِنِّي أَخْشَى أَنْ تُسَبُّوا بِهِ بَعْدَ الْيَوْمِ، وَرِبَايَ فِي ثَقِيفٍ، فَلَا تَدَعُوهُ حَتَّى تَأْخُذُوهُ، وَعُقْرِي [١] عِنْدَ أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَلَا يَفُوتَنَّكُمْ بِهِ. وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ قَدْ زَوَّجَهُ بِنْتًا، ثُمَّ أَمْسَكَهَا عَنْهُ، فَلَمْ يُدْخِلْهَا عَلَيْهِ حَتَّى مَاتَ.

(مُطَالَبَةُ بَنِي مَخْزُومٍ خُزَاعَةَ بِدَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ):
فَلَمَّا هَلَكَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، وَثَبَتْ بَنُو مَخْزُومٍ عَلَى خُزَاعَةَ يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ عَقْلَ [٢] الْوَلِيدِ، وَقَالُوا: إنَّمَا قَتَلَهُ سَهْمُ صَاحِبِكُمْ- وَكَانَ لِبَنِي كَعْبٍ حِلْفٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- فَأَبَتْ عَلَيْهِمْ خُزَاعَةُ ذَلِكَ، حَتَّى تَقَاوَلُوا أَشْعَارًا، وَغَلُظَ بَيْنَهُمْ الْأَمْرُ- وَكَانَ الَّذِي أَصَابَ الْوَلِيدَ سَهْمُهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو، مِنْ خُزَاعَةَ- فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الله بن عمر بْنِ مَخْزُومٍ:
إنِّي زَعِيمٌ أَنْ تَسِيرُوا فَتَهْرُبُوا ... وَأَنْ تَتْرُكُوا الظَّهْرَانَ تَعْوِي ثَعَالِبُهُ [٣]
وَأَنْ تَتْرُكُوا مَاءً بِجِزْعَةِ أَطْرِقَا ... وَأَنْ تَسْأَلُوا: أَيُّ الْأَرَاكِ أَطَايِبُهُ؟ [٤]
فَإِنَّا أَنَاسٌ لَا تُطَلُّ [٥] دِمَاؤُنَا ... وَلَا يَتَعَالَى [٦] صَاعِدًا مَنْ نُحَارِبُهُ
وَكَانَتْ الظَّهْرَانُ وَالْأَرَاكُ مَنَازِلَ بَنِي كَعْبٍ، مِنْ خُزَاعَةَ. فَأَجَابَهُ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ، أَخُو بَنِي كَعْبِ بْنِ عَمْرِو الْخُزَاعِيِّ، فَقَالَ:
وَاَللَّهِ لَا نُؤْتِي الْوَلِيدَ ظُلَامَةً ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا تَزُولُ كَواكِبُهْ
وَيُصْرَعُ مِنْكُمْ مُسْمِنٌ بَعْدَ مُسْمِنٍ ... وَتُفْتَحُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَسْرًا مَشَارِبُهْ [٧]

======================
[١] الْعقر (بِضَم الْعين): دِيَة الْفرج الْمَغْصُوب.
[٢] كَذَا فِي أ. وَالْعقل: الدِّيَة. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «العفل»، بِالْفَاءِ وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] الزعيم (هُنَا): الضَّامِن، والظهران: وَاد قرب مَكَّة.
[٤] الجزعة والجزع: مُعظم الْوَادي، وَقيل: مَا انثنى مِنْهُ. وأطرقا: اسْم علم لموْضِع، سمى بِفعل الْأَمر للاثنين، فَهُوَ محكي لَا يعرب.
[٥] طل دَمه (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول): هدر وَلم يثأر بِهِ.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «يتعاطى» .
[٧] كَذَا ورد هَذَا الْبَيْت فِي أ. والمسمن: السمين، وَأَرَادَ بِهِ هُنَا الظَّاهِر فِي النَّاس. والمشارب:
جمع مشربَة، وَهِي الغرفة. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
ويسرع مِنْكُم مسمن عِنْد مسمن ... وَيفتح بعد الْمَوْت قسرا مشاربه
وَهُوَ ظَاهر التحريف، وقسرا: قهرا.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #44  
قديم 07-01-2026, 05:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (44)

صــ 411إلى صــ 420




إذَا مَا أَكَلْتُمْ خُبْزَكُمْ وَخَزِيرَكُمْ [١] ... فَكُلُّكُمْ بَاكِي الْوَلِيدِ وَنَادِبُهْ
ثُمَّ إنَّ النَّاسَ تَرَادُّوا وَعَرَفُوا أَنَّمَا يَخْشَى الْقَوْمُ السُّبَّةَ، فَأَعْطَتْهُمْ خُزَاعَةُ بَعْضَ الْعَقْلِ، وَانْصَرَفُوا عَنْ بَعْضٍ. فَلَمَّا اصْطَلَحَ الْقَوْمُ قَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ:
وَقَائِلَةٍ لَمَّا اصْطَلَحْنَا تَعَجُّبًا ... لِمَا قَدْ حَمَلْنَا لِلْوَلِيدِ وَقَائِلِ
أَلَمْ تُقْسِمُوا تُؤْتُوا [٢] الْوَلِيدَ ظُلَامَةً ... وَلَمَّا تَرَوْا يَوْمًا كَثِيرَ الْبَلَابِلِ [٣]
فَنَحْنُ خَلَطْنَا الْحَرْبَ بِالسِّلْمِ فَاسْتَوَتْ ... فَأَمَّ هَوَاهُ آمِنًا كُلُّ رَاحِلِ
ثُمَّ لَمْ يَنْتَهِ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ حَتَّى افْتَخَرَ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ أَصَابُوهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا. فَلَحِقَ بِالْوَلِيدِ [٤] (وَ) [٥] بِوَلَدِهِ وَقَوْمِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا حَذَّرَهُ [٦]، فَقَالَ الْجَوْنُ بْنُ أَبِي الْجَوْنِ:
أَلَا زَعَمَ الْمُغِيرَةُ أَنَّ كَعْبًا ... بِمَكَّةَ مِنْهُمْ قَدْرٌ كَثِيرُ [٧]
فَلَا تَفْخَرْ مُغِيرَةُ أَنْ تَرَاهَا ... بِهَا يَمْشِي الْمُعَلْهَجُ وَالْمَهِيرُ [٨]
بِهَا آبَاؤُنَا وَبِهَا وُلِدْنَا ... كَمَا أَرْسَى بِمَثْبَتِهِ ثَبِيرُ [٩]
وَمَا قَالَ الْمُغِيرَةُ ذَاكَ إلَّا ... لِيَعْلَمَ شَأْنَنَا أَوْ يَسْتَثِيرُ
فَإِنَّ دَمَ الْوَلِيدِ يُطَلُّ إنَّا ... نَطُلُّ دِمَاءً أَنْتَ بِهَا خَبِيرُ
كَسَاهُ الْفَاتِكُ الْمَيْمُونُ سَهْمًا ... زُعَافًا وَهْوَ مُمْتَلِئٌ بَهِيرُ [١٠]

==================
[١] الخزير: شبه عصيدة بِلَحْم، وَبلا لحم، وَقيل: هِيَ حساء يتَّخذ بشحم، أَو هِيَ مرقة من بلالة النخالة.
[٢] يُرِيد: أَن تُؤْتوا، وَمَعْنَاهُ: أَن لَا تُؤْتوا. كَمَا جَاءَ فِي التَّنْزِيل: يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ٤: ١٧٦.
[٣] البلابل: وساوس الأحزان.
[٤] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْوَلِيد» .
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مَا حذر» .
[٧] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كَبِير» .
[٨] المعلهج: المطعون فِي نسبه، كَأَنَّهُ منحوت من أصلين، من «العلج» لِأَن الْأمة علجة، وَمن اللهج» كَأَن واطئ الْأمة قد لهج بهَا. والمهير: الصَّحِيح النّسَب يُرِيد أَن أمه حرَّة تزوجت بِمهْر.
[٩] ثبير: جبل بِمَكَّة.
[١٠] الذعاف: السم، أَو سم السَّاعَة. والبهير: الْمُنْقَطع النَّفس، من البهر بِضَم الْبَاء.


فَخَرَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مُسْلَحِبًّا ... كَأَنَّهُ عِنْدَ وَجْبَتِهِ بَعِيرُ [١]
سَيَكْفِينِي مِطَالَ أَبِي هِشَامٍ ... صِغَارٌ جَعْدَةُ الْأَوْبَارِ خُورُ [٢]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: تَرَكْنَا مِنْهَا بَيْتًا وَاحِدًا أُقْذِعَ فِيهِ [٣] .

(مَقْتَلُ أَبِي أُزَيْهِرٍ وَثَوْرَةُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لِذَلِكَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ عَدَا هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَهُوَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ وَكَانَتْ عِنْدَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ (عَاتِكَةُ) [٤] بِنْتُ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَكَانَ أَبُو أُزَيْهِرٍ رَجُلًا شَرِيفًا فِي قَوْمِهِ- فَقَتَلَهُ بِعُقْرِ الْوَلِيدِ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ، لِوَصِيَّةِ أَبِيهِ إيَّاهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ وَمَضَى بَدْرٌ، وَأُصِيبَ بَهْ مَنْ أُصِيبَ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ، فَخَرَجَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، فَجَمَعَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بِذِي الْمَجَازِ، فَقَالَ النَّاس:
أَخْفَر [٥] أَبُو سُفْيَانَ فِي صِهْرِهِ، فَهُوَ ثَائِرٌ بِهِ. فَلَمَّا سَمِعَ أَبُو سُفْيَانَ بِاَلَّذِي صَنَعَ ابْنُهُ يَزِيدُ- وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ رَجُلًا حَلِيمًا مُنْكَرًا [٦]، يُحِبُّ قَوْمَهُ حُبًّا شَدِيدًا- انْحَطَّ سَرِيعًا إلَى مَكَّةَ، وَخَشِيَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حَدَثٌ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ، فَأَتَى ابْنَهُ وَهُوَ فِي الْحَدِيدِ، فِي قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَالْمُطَيِّبِينَ، فَأَخَذَ الرُّمْحَ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ عَلَى رَأْسِهِ ضَرْبَةً هَدَّهُ مِنْهَا، ثُمَّ قَالَ لَهُ، قَبَّحَكَ اللَّهُ! أَتُرِيدُ أَنْ تَضْرِبَ قُرَيْشًا بَعْضَهُمْ بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ. سَنُؤْتِيهِمْ الْعَقْلَ إنْ قَبِلُوهُ، وَأَطْفَأَ ذَلِكَ الْأَمْرَ.
فَانْبَعَثَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يُحَرِّضُ فِي دَمِ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَيُعَيِّرُ أَبَا سُفْيَانَ خُفْرَتَهُ وَيُجْبِنُهُ، فَقَالَ:

=================
[١] المسلحب: الممتد. والوجبة: السقطة.
[٢] الخور: الغزار اللَّبن.
[٣] أقذع: أفحش فِي الْمقَال.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] الخفر: الْغدر، وَنقض الْعَهْد.
[٦] رجل مُنكر: أَي داهية فطن.



غَدَا أَهْلُ ضَوْجَيْ ذِي الْمَجَازِ كِلَيْهِمَا ... وَجَارَ ابْنُ حَرْبٍ بِالْمُغَمَّسِ مَا يَغْدُو [١]
وَلَمْ يَمْنَعْ الْعَيْرُ الضَّرُوطُ ذِمَارَهُ ... وَمَا مَنَعَتْ مَخْزَاةَ وَالِدِهَا هِنْدُ [٢]
كَسَاكَ هِشَامُ بْنُ الْوَلِيدِ ثِيَابَهُ ... فَأَبْلِ وَأَخْلِفْ مِثْلَهَا جُدُدًا بَعْدُ
قَضَى وَطَرًا مِنْهُ فَأَصْبَحَ مَاجِدًا ... وَأَصْبَحْتَ رَخْوًا مَا تُخِبُّ وَمَا تَعْدُو [٣]
فَلَوْ أَنَّ أَشْيَاخًا بِبَدْرٍ تَشَاهَدُوا ... لَبَلَّ نِعَالَ الْقَوْمِ مُعْتَبِطٌ وَرْدُ [٤]
فَلَمَّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ قَوْلُ حَسَّانَ قَالَ: يُرِيدُ حَسَّانُ أَنْ يَضْرِبَ بَعْضَنَا بِبَعْضِ فِي رَجُلٍ مِنْ دَوْسٍ! بِئْسَ وَاَللَّهِ مَا ظَنَّ!

(مُطَالَبَةُ خَالِدٍ بِرِبَا أَبِيهِ، وَمَا نَزَلَ فِي ذَلِكَ):
وَلَمَّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطَّائِفِ كَلَّمَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي رِبَا الْوَلِيدِ، الَّذِي كَانَ فِي ثَقِيفٍ، لِمَا كَانَ أَبُوهُ أَوْصَاهُ بِهِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَذَكَرَ لِي بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا بِأَيْدِي النَّاسِ نَزَلْنَ فِي ذَلِكَ مِنْ طَلَبِ خَالِدٍ الرِّبَا يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ، وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ٢: ٢٧٨ إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ فِيهَا.

(ثَوْرَةُ دَوْسٍ لِلْأَخْذِ بِثَأْرِ أَبِي أُزَيْهِرٍ، وَحَدِيثُ أُمِّ غَيْلَانَ):
وَلَمْ يَكُنْ فِي أَبِي أُزَيْهِرٍ ثَأْرٌ نَعْلَمُهُ، حَتَّى حَجَزَ الْإِسْلَامُ بَيْنَ النَّاسِ، إلَّا أَنَّ ضِرَارَ بْنَ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ الْفِهْرِيَّ خَرَجَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ إلَى أَرْضِ دَوْسٍ، فَنَزَلُوا عَلَى امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ غَيْلَانَ، مَوْلَاةٌ لِدَوْسٍ، وَكَانَتْ تَمْشُطُ النِّسَاءَ، وَتُجَهِّزُ الْعَرَائِسَ، فَأَرَادَتْ دَوْسٌ قَتْلَهُمْ بِأَبِي أُزَيْهِرٍ، فَقَامَتْ دُونَهُمْ أُمُّ غَيْلَانَ وَنِسْوَةٌ مَعَهَا، حَتَّى مَنَعَتْهُمْ، فَقَالَ ضِرَارُ بْنُ الْخَطَّابِ فِي ذَلِكَ:

==================
[١] الضوج: جَانب الْوَادي وَمَا انعطف مِنْهُ. والمغمس: مَوضِع بطرِيق الطَّائِف، فِيهِ قبر أَبى رِغَال دَلِيل أَبْرَهَة.
[٢] العير: الْحمار. والذمار: مَا تحق حمايته. وَهِنْد: هِيَ بنت أَبى سُفْيَان. وَقد ورد هَذَا الْبَيْت فِي أ، ط بعد الْبَيْت الأول. وَورد فِي سَائِر الْأُصُول فِي آخر الأبيات.
[٣] تخب: من الخبب: وَهُوَ ضرب من السّير.
[٤] يعْنى بالمعتبط الْورْد: الدَّم العبيط، وَهُوَ الطري.



جَزَى اللَّهُ عَنَّا أُمَّ غَيْلَانَ صَالِحًا ... وَنِسْوَتَهَا إذْ هُنَّ شُعْثٌ [١] عَوَاطِلُ
فَهُنَّ دَفَعْنَ الْمَوْتَ بَعْدَ اقْتِرَابِهِ ... وَقَدْ بَرَزَتْ لِلثَّائِرِينَ الْمَقَاتِلُ
دَعَتْ دَعْوَةً دَوْسًا فَسَالَتْ شِعَابُهَا [٢] ... بِعِزٍّ وَأَدَّتْهَا الشَّرَاجُ [٣] الْقَوَابِلُ [٤]
وَعَمْرًا جًزًاهُ اللهُ خَيْرًا فَمَا وَنَى ... وَمَا بَردَتْ مِنْهُ لَدَيَّ الْمَفَاصِلُ
فَجَرَّدْتُ سَيْفِي ثُمَّ قُمْتُ بِنَصْلِهِ ... وَعَنْ أَيِّ نَفْسٍ بَعْدَ نَفْسِي أُقَاتِلُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ: أَنَّ الَّتِي قَامَتْ دُونَ ضِرَارٍ أُمُّ جَمِيلٍ، وَيُقَالُ أُمُّ غَيْلَانَ، قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ أُمُّ غَيْلَانَ قَامَتْ مَعَ أُمِّ جَمِيلٍ فِيمَنْ قَامَ دُونَهُ.

(أُمُّ جَمِيلٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ):
فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَتَتْهُ أُمُّ جَمِيلٍ، وَهِيَ تُرَى أَنَّهُ أَخُوهُ: فَلَمَّا انْتَسَبَتْ لَهُ عَرَفَ الْقِصَّةَ، فَقَالَ: إنِّي لَسْتُ بِأَخِيهِ إلَّا فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ غَازٍ، وَقَدْ عَرَفْتُ مِنَّتَكَ عَلَيْهِ، فَأَعْطَاهَا عَلَى أَنَّهَا ابْنَةُ سَبِيلٍ.

(ضِرَارٌ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ):
قَالَ الرَّاوِي: قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ ضِرَارٌ لَحِقَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلَ يَضْرِبُهُ بِعَرْضِ الرُّمْحِ وَيَقُولُ: اُنْجُ يَا بن الْخَطَّابِ لَا أَقْتُلُكَ، فَكَانَ عُمَرُ يَعْرِفُهَا لَهُ بَعْدَ إسْلَامِهِ [٥] .

وَفَاةُ أَبِي طَالب وَخَدِيجَة

(صَبر الرَّسُول على إِيذَاء الْمُشْركين):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ النَّفَرُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

====================
[١] الشعث: المتغبرات الشُّعُور. والعواطل: اللَّاتِي لَا حلى عليهنّ.
[٢] الشعاب: جمع شعب، وَهِي مسيل المَاء فِي الْحرَّة (عَن أَبى ذَر) .
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والشراج: جمع شرج، وَهُوَ مسيل مَاء من الْحرَّة إِلَى السهل، وَفِي أ:
السراج» بِالسِّين الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٤] القوابل: الَّتِي تقَابل بَعْضهَا بَعْضًا.
[٥] هَذِه الْعبارَة من قَوْله: قَالَ ابْن هِشَام إِلَى قَوْله: «بعد إِسْلَامه» سَاقِطَة فِي أ.



فِي بَيْتِهِ: أَبَا [١] لَهَبٍ، وَالْحَكَمَ بْنَ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ، وَعَدِيَّ بْنَ حَمْرَاءَ الثَّقَفِيَّ، وَابْنَ الْأَصْدَاءِ الْهُذَلِيَّ، وَكَانُوا جِيرَانَهُ لَمْ يُسْلِمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلَّا الْحَكَمُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ، فَكَانَ أَحَدُهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- يَطْرَحُ عَلَيْهِ ﷺ رَحِمَ الشَّاةِ وَهُوَ يُصَلِّي، وَكَانَ أَحَدُهُمْ يَطْرَحُهَا فِي بُرْمَتِهِ [٢] إذَا نُصِبَتْ لَهُ، حَتَّى اتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِجْرًا [٣] يَسْتَتِرُ بِهِ مِنْهُمْ إذَا صَلَّى، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا طَرَحُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْأَذَى، كَمَا حَدَّثَنِي عُمَرُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، يَخْرُجُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الْعُودِ، فَيَقِفُ بِهِ عَلَى بَابِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَيُّ جِوَارٍ هَذَا! ثُمَّ يُلْقِيهِ فِي الطَّرِيقِ.

(طَمَعُ الْمُشْرِكِينَ فِي الرَّسُولِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ وَخَدِيجَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ وَأَبَا طَالِبٍ هَلَكَا فِي عَامٍ وَاحِدٍ، فَتَتَابَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَصَائِبُ بِهُلْكِ خَدِيجَةَ، وَكَانَتْ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ عَلَى الْإِسْلَامِ، يَشْكُو إلَيْهَا، وَبِهُلْكِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ لَهُ عَضُدًا وَحِرْزًا فِي أَمْرِهِ، وَمَنَعَةً وَنَاصِرًا عَلَى قَوْمِهِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مُهَاجَرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ. فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ، نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: لَمَّا نَثَرَ ذَلِكَ السَّفِيهُ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ التُّرَابَ، دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إلَيْهِ إحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لَهَا:
لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةِ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكَ. قَالَ: وَيَقُولُ بَيْنَ ذَلِكَ: مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ، حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ.

=================
[١] كَذَا فِي ط، وَفِي سَائِر الْأُصُول «أَبُو» .
[٢] البرمة: الْقدر من الْحجر.
[٣] الْحجر: كل مَا حجرته من حَائِط.



(الْمُشْرِكُونَ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ لَمَّا ثَقُلَ بِهِ الْمَرَضُ، يَطْلُبُونَ عَهْدًا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا اشْتَكَى أَبُو طَالِبٍ، وَبَلَغَ قُرَيْشًا [١] ثِقَلُهُ، قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضِ: إنَّ حَمْزَةَ وَعُمَرَ قَدْ أَسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، فَانْطَلِقُوا بِنَا إلَى أَبِي طَالِبٍ، فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، وَلْيُعْطِهِ مِنَّا، وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَبْتَزُّونَا [٢] أَمْرَنَا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ (بْنِ عَبَّاسٍ) [٣] عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: مَشَوْا إلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلَّمُوهُ، وَهُمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَأَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، فِي رِجَالٍ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَبَا طَالِبٍ، إنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وَتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ أَخِيكَ، فَادْعُهُ، فَخُذْ لَهُ مِنَّا، وَخُذْ لَنَا مِنْهُ، لِيَكُفَّ عَنَّا، وَنَكُفَّ عَنْهُ، وَلِيَدَعَنَا وَدِينَنَا، وَنَدَعَهُ وَدِينَهُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَجَاءَهُ، فَقَالَ: يَا بن أَخِي: هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ قَوْمِكَ، قَدْ اجْتَمَعُوا لَكَ، لِيُعْطُوكَ، وَلِيَأْخُذُوا مِنْكَ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَعَمْ [٤]، كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تُعْطُونِيهَا تَمْلِكُونَ بِهَا الْعَرَبَ، وَتَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ. قَالَ: فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ وَأَبِيكَ، وَعَشْرَ كَلِمَاتٍ، قَالَ: تَقُولُونَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ.
قَالَ: فَصَفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إلَهًا وَاحِدًا، إنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ! (قَالَ) [٥]: ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: إنَّهُ وَاَللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ، فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ.
قَالَ: ثُمَّ تَفَرَّقُوا.

=====================
[١] فِي م: «قُرَيْش» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] ابتزه أمره: سلبه إِيَّاه وغلبه عَلَيْهِ.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي م، ر: «يَا عَم» .
[٥] زِيَادَة عَن أ، ط.
٢٧- سيرة ابْن هِشَام- ١



(طَمَعُ الرَّسُولِ فِي إسْلَامِ أَبِي طَالِبٍ، وَحَدِيثُ ذَلِكَ):
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: وَاَللَّهِ يَا بن أَخِي، مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا، قَالَ: فَلَمَّا قَالَهَا أَبُو طَالِبٍ طَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي إسْلَامِهِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَيْ عَمِّ، فَأَنْتَ فَقُلْهَا أَسْتَحِلَّ لَكَ بِهَا الشَّفَاعَةَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. قَالَ: فَلَمَّا رَأَى حِرْصَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِ، قَالَ: يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَوْلَا مَخَافَةُ السُّبَّةِ عَلَيْكَ وَعَلَى بَنِي أَبِيكَ مِنْ بَعْدِي، وَأَنْ تَظُنَّ قُرَيْشٌ أَنِّي إنَّمَا قُلْتهَا جَزَعًا مِنْ الْمَوْتِ لَقُلْتهَا، لَا أَقُولُهَا إلَّا لِأَسُرَّكَ بِهَا. قَالَ: فَلَمَّا تَقَارَبَ مِنْ أَبِي طَالِبٍ الْمَوْتُ قَالَ: نَظَرَ الْعَبَّاسُ إلَيْهِ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ، قَالَ: فَأَصْغَى إلَيْهِ بِأُذُنِهِ، قَالَ: فَقَالَ يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ قَالَ أَخِي الْكَلِمَةَ الَّتِي أَمَرْتَهُ أَنْ يَقُولَهَا، قَالَ:
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ أَسْمَعْ [١] .

(مَا نَزَلَ فِيمَنْ طَلَبُوا الْعَهْدَ عَلَى الرَّسُولِ عِنْدَ أَبِي طَالِبٍ):
قَالَ: وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي الرَّهْطِ الَّذِينَ كَانُوا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ، وَقَالَ لَهُمْ مَا قَالَ، وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا رَدُّوا: ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ، بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ ٣٨: ١- ٢ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهًا واحِدًا، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ. وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلى آلِهَتِكُمْ، إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرادُ. مَا سَمِعْنا بِهذا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ ٣٨: ٥-
٧
=======================
[١] شَهَادَة الْعَبَّاس لأبى طَالب لَو أَدَّاهَا بعد مَا أسلم لكَانَتْ مَقْبُولَة، وَلم يرد بقوله «لم أسمع»، لِأَن الشَّاهِد الْعدْل إِذا قَالَ: سَمِعت، وَقَالَ من هُوَ أعدل مِنْهُ: لم أسمع، أَخذ بقوله من أثبت السماع، لِأَن عدم السماع يحْتَمل أسبابا منعت الشَّاهِد من السّمع، وَلَكِن الْعَبَّاس شهد بذلك قبل أَن يسلم. مَعَ أَن الصَّحِيح من الْأَثر قد أثبت لأبى طَالب الْوَفَاة على الْكفْر والشرك، وَأثبت نزُول هَذِه الْآيَة فِيهِ: مَا كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ٩: ١١٣. وَثَبت فِي الصَّحِيح أَيْضا أَن الْعَبَّاس قَالَ لرَسُول الله ﷺ:
إِن أَبَا طَالب كَانَ يحوطك وينصرك ويغضب لَك، فَهَل يَنْفَعهُ ذَلِك؟ قَالَ: نعم، وجدته فِي غَمَرَات من النَّار، فَأَخْرَجته إِلَى ضحضاح. وَفِي الصَّحِيح أَن رَسُول الله ﷺ دخل على أَبى طَالب عِنْد مَوته وَعِنْده أَبُو جهل وَعبد الله ابْن أَبى أُميَّة، فَقَالَ: يَا عَم، قل: لَا إِلَه إِلَّا الله، كلمة أشهد لَك بهَا عِنْد الله، فَقَالَ أَبُو جهل وَابْن أَبى أُميَّة: أترغب عَن مِلَّة عبد الْمطلب، فَقَالَ: أَنا على مِلَّة عبد الْمطلب. وَظَاهر الحَدِيث يَقْتَضِي أَن عبد الْمطلب مَاتَ على الشّرك. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .



يَعْنُونَ النَّصَارَى، لِقَوْلِهِمْ: إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ ٥: ٧٣- إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ ٣٨: ٧ ثُمَّ هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ.

سَعْيُ الرَّسُولِ إلَى ثَقِيفٍ يَطْلُبُ النُّصْرَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَنَالُ مِنْهُ فِي حَيَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ، يَلْتَمِسُ النُّصْرَةَ مِنْ ثَقِيفٍ، وَالْمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ، وَرَجَاءَ أَنْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ اللَّهِ عز وجل، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ وَحْدَهُ.

(نُزُولُ الرَّسُولِ بِثَلَاثَةِ مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَتَحْرِيضُهُمْ عَلَيْهِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ، قَالَ:
لَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الطَّائِفِ، عَمَدَ إلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وَأَشْرَافُهُمْ، وَهُمْ إخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالَيْلَ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَمَسْعُودُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ، وَحَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُقْدَةَ بْنِ غِيرَةَ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَقِيفٍ، وَعِنْدَ أَحَدِهِمْ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَجَلَسَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، وَكَلَّمَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَالْقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمْ:
هُوَ يَمْرُطُ [١] ثِيَابَ الْكَعْبَةِ إنْ كَانَ اللَّهُ أَرْسَلَكَ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرَكَ! وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاَللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا. لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنْ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ، لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ الْكَلَامَ، وَلَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ عِنْدِهِمْ وَقَدْ يئس من خبر ثَقِيفٍ، وَقَدْ قَالَ لَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي-: إذَا فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَنِّي، وَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَبْلُغَ قَوْمَهُ عَنْهُ، فَيُذْئِرَهُمْ [٢] ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ عَبِيدُ بْنُ الْأَبْرَصِ:

======================
[١] يمرطه: أَي يَنْزعهُ ويرمى بِهِ.
[٢] يذئرهم عَلَيْهِ: يثيرهم عَلَيْهِ ويجرئهم.



وَلَقَدْ أَتَانِي عَنْ تَمِيمٍ أَنَّهُمْ ... ذَئِرُوا لِقَتْلَى عَامِرٍ وَتَعَصَّبُوا [١]
فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وَعَبِيدَهُمْ، يَسُبُّونَهُ وَيَصِيحُونَ بِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وَأَلْجَئُوهُ إلَى حَائِطٍ [٢] لِعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ وَشَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَهُمَا فِيهِ، وَرَجَعَ عَنْهُ مِنْ سُفَهَاءِ ثَقِيفٍ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ، فَعَمَدَ إلَى ظِلِّ حَبَلَةٍ [٣] مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ. وَابْنَا رَبِيعَةَ يَنْظُرَانِ إلَيْهِ، وَيَرَيَانِ مَا لَقِيَ مِنْ سُفَهَاءِ أَهْلِ الطَّائِفِ، وَقَدْ لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- الْمَرْأَةَ الَّتِي مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَقَالَ لَهَا: مَاذَا لَقِينَا مِنْ أَحْمَائِكَ [٤]؟

(تَوَجُّهُهُ ﷺ إلَى رَبِّهِ بِالشَّكْوَى):
فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ- فِيمَا ذُكِرَ لِي-: اللَّهمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وَهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ الْمُسْتَضْعَفِينَ، وَأَنْتَ رَبِّي، إلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي [٥]؟ أَمْ إلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الَّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ [٦]، وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سُخْطُكَ، لَكَ الْعُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِكَ.

===================
[١] فِي ط: «وتغضبوا» .
[٢] الْحَائِط: الْبُسْتَان.
[٣] الحبلة: شَجَرَة الْعِنَب، أَو قضبانها.
[٤] هِيَ الْمَرْأَة الَّتِي ذكر أَنَّهَا عِنْد وَاحِد من النَّفر الثَّلَاثَة الثقفيين الَّذين نزل بهم الرَّسُول والأحماء: أقَارِب الزَّوْج.
[٥] تجهمه: استقبله بِوَجْه كريه.
[٦] الْوَجْه، إِذا جَاءَ ذكره فِي الْكتاب وَالسّنة، فَهُوَ يَنْقَسِم فِي الذّكر إِلَى موطنين: موطن تقرب واسترضاء بِعَمَل، كَقَوْلِه تَعَالَى: يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ٦: ٥٢، وَكَقَوْلِه: إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ ٩٢: ٢٠، فالمطلوب فِي هَذَا الموطن رِضَاهُ وقبوله للْعَمَل، وإقباله على العَبْد الْعَامِل، وَأَصله أَن من رضى عَنْك أقبل عَلَيْك، وَمن غضب عَلَيْك أعرض عَنْك، وَلم يَرك وَجهه.
والموطن الثَّانِي من مَوَاطِن ذكر الْوَجْه يُرَاد بِهِ مَا ظهر إِلَى الْقُلُوب والبصائر من أَوْصَاف جَلَاله ومجده، كَقَوْلِه تَعَالَى: وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ٥٥: ٢٧. وَالْوَجْه لُغَة: مَا ظهر من الشَّيْء معقولا كَانَ أَو محسوسا.
أما النُّور فعبارة عَن الظُّهُور وانكشاف الْحَقَائِق الإلهية. وَبِه أشرقت الظُّلُمَات، أَي أشرقت محالها، وَهِي الْقُلُوب الَّتِي كَانَت فِيهَا ظلمات الْجَهَالَة والشكوك. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .



(قِصَّةُ عَدَّاسٍ النَّصْرَانِيِّ مَعَهُ ﷺ):
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ، عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ، وَمَا لَقِيَ، تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا [١]، فَدَعَوْا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَانِيًّا، يُقَالُ لَهُ عَدَّاسٌ، فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطْفًا (مِنْ هَذَا) [٢] الْعِنَبِ، فَضَعْهُ فِي هَذَا الطَّبَقِ، ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلُ مِنْهُ.
فَفَعَلَ عَدَّاسٌ، ثُمَّ أَقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُلْ، فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ يَدَهُ، قَالَ:
بِاسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَكَلَ، فَنَظَرَ عَدَّاسٌ فِي وَجْهِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمِنْ أَهْلِ أَيِّ الْبِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ، وَمَا دِينُكَ؟ قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى [٢]، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بْنِ مَتَّى، فَقَالَ لَهُ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بْنُ مَتَّى؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاكَ أَخِي، كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ، فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقَبِّلُ رَأْسَهُ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ [٣] .
قَالَ: يَقُولُ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ. فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ، قَالَا لَهُ: وَيْلَكَ يَا عدّاس! مَا لَك تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ؟ قَالَ: يَا سَيِّدِي مَا فِي الْأَرْضِ شَيْءٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرِ مَا يَعْلَمُهُ إلَّا نَبِيٌّ، قَالَا لَهُ: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ، لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ.

(أَمْرُ الْجِنِّ الَّذِينَ اسْتَمَعُوا لَهُ وَآمَنُوا بِهِ):
قَالَ: ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْصَرَفَ مِنْ الطَّائِفِ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ،

--------------------------
[١] الرَّحِم: الصِّلَة والقرابة.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] قَالَ السهيليّ: «وَزَاد التَّيْمِيّ فِيهَا: أَن عداسا حِين سَمعه يذكر ابْن مَتى، قَالَ: وَالله لقد خرجت مِنْهَا- يعْنى نِينَوَى- وَمَا فِيهَا عشرَة يعْرفُونَ مَا مَتى، فَمن أَيْن عرفت أَنْت مَتى، وَأَنت أمى وَفِي أمة أُميَّة؟
فَقَالَ رَسُول الله ﷺ: هُوَ أخى، إِلَى آخر الْقِصَّة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #45  
قديم 07-01-2026, 05:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (45)

صــ 421إلى صــ 430






حِينَ يَئِسَ مِنْ خَيْرِ ثَقِيفٍ، حَتَّى إذَا كَانَ بِنَخْلَةَ [١] قَامَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَمَرَّ بِهِ النَّفَرُ مِنْ الْجِنِّ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تبارك وتعالى، وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي- سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ جِنِّ أَهْلِ نَصِيبِينَ [٢]، فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إلَى مَا سَمِعُوا. فَقَصَّ اللَّهُ خَبَرَهُمْ عَلَيْهِ ﷺ، قَالَ اللَّهُ عز وجل: وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ ٤٦: ٢٩ ... إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ٤٦: ٣١. وَقَالَ تبارك وتعالى: قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ ٧٢: ١ ... إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ مِنْ خَبَرِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ.

عَرْضُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ

(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي مَوَاسِمِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ، وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، إلَّا قَلِيلًا مُسْتَضْعَفِينَ، مِمَّن آمن بِهِ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ، إذَا كَانَتْ، عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللَّهِ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَيِّنَ (لَهُمْ) [٣] اللَّهُ مَا بَعَثَهُ بِهِ [٤] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مِنْ أَصْحَابِنَا، مَنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ [٥] عَنْ

===============
[١] نَخْلَة: أحد واديين على لَيْلَة من مَكَّة، يُقَال لأَحَدهمَا نَخْلَة الشامية، وَللْآخر نَخْلَة اليمانية.
[٢] نَصِيبين: قَاعِدَة ديار ربيعَة.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي أ: «لَهُ» .
[٥] هُوَ زيد بن أسلم الْعَدوي أَبُو أُسَامَة. وَيُقَال أَبُو عبد الله الْمدنِي النقير، مولى عمر. روى عَن أَبِيه وَابْن عمر وأبى هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَجَابِر وَرَبِيعَة هَذَا وَغَيرهم. وَعنهُ أَوْلَاده الثَّلَاثَة أُسَامَة وَعبد الله وَعبد الرَّحْمَن أَو مَالك وَابْن عجلَان وَغَيرهم. (رَاجع تَهْذِيب التَّهْذِيب) .


رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدِّيلِيِّ [١]، أَوْ مَنْ [٢] حَدَّثَهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنْهُ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَبِيعَةُ ابْن عَبَّادٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ [٣] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ:
سَمِعْتُ رَبِيعَةَ بْنَ عَبَّادٍ، يُحَدِّثُهُ أَبِي، قَالَ: إنِّي لَغُلَامٌ شَابٌّ مَعَ أَبِي بِمِنًى، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقِفُ عَلَى مَنَازِلِ الْقَبَائِلِ مِنْ الْعَرَبِ، فَيَقُولُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ، يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَخْلَعُوا مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْدَادِ، وَأَنْ تُؤْمِنُوا بِي، وَتُصَدِّقُوا بِي، وَتَمْنَعُونِي، حَتَّى أُبَيِّنَ عَنْ اللَّهِ مَا بَعَثَنِي بِهِ. قَالَ: وَخَلْفَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ وَضِيءٌ، لَهُ غَدِيرَتَانِ [٤] عَلَيْهِ حُلَّةٌ عَدَنِيَّةٌ. فَإِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ قَوْلِهِ وَمَا دَعَا إلَيْهِ، قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ: يَا بَنِي فُلَانٍ، إنَّ هَذَا إنَّمَا يَدْعُوكُمْ أَنْ تَسْلُخُوا اللَّاتَ وَالْعُزَّى مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَحَلْفَاءَكُمْ مِنْ الْجِنِّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ أُقَيْشٍ [٥]، إلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ، فَلَا تُطِيعُوهُ، وَلَا تَسْمَعُوا مِنْهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي: يَا أَبَتِ، مَنْ هَذَا الَّذِي يَتْبَعُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ؟ قَالَ:
هَذَا عَمُّهُ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، أَبُو لَهَبٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَالَ النَّابِغَةُ:

==================
[١] كَذَا فِي تَهْذِيب التَّهْذِيب فِي تَرْجَمَة زيد بن أسلم، وتراجم رجال ص ٦٥. وَفِي الْأُصُول «الدؤَلِي» وَهِي رِوَايَة فِيهِ. وَعباد. بِكَسْر الْمُهْملَة، وخفة الْمُوَحدَة. (كَذَا فِي الْمَوَاهِب) وَفِي كنَانَة بن خُزَيْمَة الديل (بِكَسْر الدَّال وَسُكُون الْيَاء) ابْن بكر بن عبد مَنَاة، رَهْط أَبى الْأسود الديليّ، واسْمه ظَالِم بن عَمْرو، وَقيل: هم ثَلَاثَة: الدول بن حنيفَة (سَاكن الْوَاو) والديل فِي عبد الْقَيْس (سَاكن الْيَاء)، والدؤل فِي كنَانَة رَهْط أَبى الْأسود، (الْوَاو مَهْمُوزَة) وَقيل: فِي عبد الْقَيْس: أَيْضا:
الديل بن عَمْرو بن وَدِيعَة بن أفصى، وَفِي الأزد: الديل بن هداد بن زيد مَنَاة بن حجر، وَفِي تغلب وَفِي ربيعَة أَيْضا.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَمن» .
[٣] هُوَ الْحُسَيْن بن عبد الله بن عبيد الله بن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَبُو عبد الله الْهَاشِمِي الْمدنِي. روى عَن ربيعَة هَذَا وَعِكْرِمَة، وروى عَنهُ غير ابْن إِسْحَاق، ابْن عجلَان، وَابْن جريج وَابْن الْمُبَارك وَغَيرهم.
وَتوفى الْحُسَيْن سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَة. (رَاجع تراجم رجال) .
[٤] الغديرة: الذؤابة من الشّعْر.
[٥] إِلَى هَذَا الْحَيّ من الْجِنّ «بنى أقيش» تنْسب الْإِبِل الأقيشية، وَهِي غير عتاق تنفر من كل شَيْء.



كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ خَلْفَ [١] رِجْلَيْهِ بِشَنِّ [٢]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ: أَنَّهُ أَتَى كِنْدَةَ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِيهِمْ سَيِّدٌ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ: مُلَيْحٌ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.

(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي كَلْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُصَيْنٍ: أَنَّهُ أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلِهِمْ، إلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ.

(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ [٣] فِي مَنَازِلِهِمْ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ أَقْبَحَ عَلَيْهِ رَدًّا مِنْهُمْ.

(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّهُ أَتَى بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ- يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ ابْن فِرَاسٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فِرَاسُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ (الْخَيْرِ) [٤] بْنِ قُشَيْرِ ابْن كَعْبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ-: وَاَللَّهِ، لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ، لَأَكَلْتُ بِهِ الْعَرَبَ، ثُمَّ قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ نَحْنُ بَايَعْنَاكَ [٥] عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ

===============
[١] ويروى: «بَين» .
[٢] الشن: الْقرْبَة الْخلق. وَالْجمع: شنان. يُشِير إِلَى أَنه يُحَرك هَذَا الْجلد الْيَابِس لِلْإِبِلِ لتفزع.
وَمِنْه الْمثل: «فلَان لَا يقعقع لَهُ بالشنان»: أَي لَا يخدع وَلَا يروع.
[٣] وَاسم حنيفَة: أَثَال بن لجيم (على التصغير) ابْن صَعب بن على بن بكر بن وَائِل، وسمى:
حنيفَة، لحنف كَانَ فِي رجلَيْهِ (أَي اعوجاج)، وَقيل: بل حنيفَة أمّهم، وَهِي بنت كَاهِل بن أَسد، عرفُوا بهَا، وهم أهل الْيَمَامَة وَأَصْحَاب مُسَيْلمَة الْكذَّاب.
[٤] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٥] كَذَا فِي أ: وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تابعناك» .



أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالَفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ قَالَ: الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: أَفَتُهْدَفُ [١] نَحُورُنَا لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الْأَمْرُ لِغَيْرِنَا! لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمْ الْمَوَاسِمَ، فَكَانُوا إذَا رَجَعُوا إلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ الْمَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ الْعَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا:
جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إلَى أَنْ نَمْنَعَهُ وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إلَى بِلَادِنَا. قَالَ: فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ، هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ، هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ [٢]، وَاَلَّذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوَّلَهَا إسْمَاعِيلِيٌّ [٣] قَطُّ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ.

(عَرْضُ الرَّسُولِ نَفْسَهُ عَلَى الْعَرَبِ فِي الْمَوَاسِمِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِ، كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بِالْمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو الْقَبَائِلَ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنْ اللَّهِ مِنْ الْهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَهُوَ لَا يَسْمَعُ بِقَادِمِ يَقْدَمُ مَكَّةَ مِنْ الْعَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ، إلَّا تَصَدَّى لَهُ، فَدَعَاهُ إلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ.

(سُوَيْدُ بْنُ صَامِتٍ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ، ثُمَّ الظَّفَرِيُّ عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا:
قَدِمَ سُوَيْدُ بْنُ [٤] صَامِتٍ، أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا،

==================
[١] تهدف: أَي تصير هدفا يرْمى.
[٢] هَذَا مثل يضْرب لما فَاتَ. وَأَصله من «ذنابى الطَّائِر» إِذا أفلت من الحبالة فطلبت الْأَخْذ.
[٣] أَي مَا ادّعى النُّبُوَّة كَاذِبًا أحد من بنى إِسْمَاعِيل
[٤] هُوَ سُوَيْد بن الصَّامِت بن حوط بن حبيب بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف بن مَالك بن الْأَوْس، وَأمه ليلى بنت عَمْرو النجارية، أُخْت سلمى بنت عَمْرو، أم عبد الْمطلب بن هَاشم. فَهُوَ على هَذَا ابْن خَالَة عبد الْمطلب. وَبنت سُوَيْد، هِيَ أم عَاتِكَة، أُخْت سعيد بن زيد، امْرَأَة عمر بن الْخطاب، فَهُوَ جدها لأمها، وَاسم أمهَا زَيْنَب، وَقيل: جليسة بنت سُوَيْد (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .



وَكَانَ سُوَيْدُ إنَّمَا يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ فِيهِمْ: الْكَامِلَ، لِجَلَدِهِ وَشِعْرِهِ وَشَرَفِهِ وَنَسَبِهِ، وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ:
أَلَا رُبَّ مَنْ تَدْعُو صَدِيقًا وَلَوْ تَرَى ... مَقَالَتَهُ بِالْغَيْبِ سَاءَكَ مَا يَفْرِي [١]
مَقَالَتُهُ كَالشَّهْدِ مَا كَانَ شَاهِدًا ... وَبِالْغَيْبِ مَأْثُورٌ عَلَى ثُغْرَةِ النَّحْرِ [٢]
يَسُرُّكَ بَادِيهِ وَتَحْتَ أَدِيَمِهِ ... نَمِيمَةُ غِشٍّ تَبْتَرِي عَقَبَ الظَّهْرِ [٣]
تُبِينُ لَكَ الْعَيْنَانِ مَا هُوَ كَاتِمٌ ... مِنْ الْغِلِّ وَالْبَغْضَاءِ بِالنَّظَرِ الشَّزْرِ
فَرِشْنِي بِخَيْرٍ طَالَمَا قَدْ بَرَيْتنِي [٤] ... فَخَيْرُ [٥] الْمَوَالِي مَنْ يَرِيشُ وَلَا يَبْرِي
وَهُوَ الَّذِي يَقُولُ: وَنَافَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ، ثُمَّ أَحَدَ بَنِي زِعْبِ [٦] بن مَالك مائَة نَاقَةٍ، إلَى كَاهِنَةٍ مِنْ كُهَّانِ الْعَرَبِ، فَقَضَتْ لَهُ. فَانْصَرَفَ عَنْهَا هُوَ وَالسُّلَمِيُّ، لَيْسَ مَعَهُمَا غَيْرُهَا، فَلَمَّا فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الطَّرِيق، قَالَ: مَا لي، يَا أَخَا بَنِي سُلَيْمٍ قَالَ: أَبْعَثُ إلَيْكَ بِهِ، قَالَ: فَمَنْ لِي بِذَلِكَ إذَا فُتَّنِي بِهِ؟ قَالَ: أَنَا، قَالَ: كَلَّا، وَاَلَّذِي نَفْسُ سُوَيْدٍ بِيَدِهِ، لَا تُفَارِقَنِّي حَتَّى أُوتَى بِمَالِي، فَاِتَّخَذَا [٧] فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ، ثُمَّ أَوْثَقَهُ رِبَاطًا، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إلَى دَارِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ حَتَّى بَعَثَتْ إلَيْهِ سُلَيْمٌ بِاَلَّذِي لَهُ، فَقَالَ فِي ذَلِكَ:
لَا تَحْسَبَنِّي يَا بْنَ زِعْبِ بْنِ مَالِكٍ ... كَمَنْ كُنْتَ تُرْدِي بِالْغُيُوبِ وَتَخْتِلُ [٨]
تَحَوَّلْتَ قِرْنًا إذْ صُرِعْتَ بِعِزَّةٍ [٩] ... كَذَلِكَ إِنَّ الْحَازِمَ الْمُتَحَوِّلُ

================
[١] يفرى: يختلق.
[٢] الْمَأْثُور: السَّيْف الْمُوشى.
[٣] تبترى: تقطع. وعقب الظّهْر (بِالتَّحْرِيكِ): عصبه.
[٤] راشه: أَي قواه. وبراه: أَي أضعفه.
[٥] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَخير» .
[٦] قَالَ أَبُو ذَر فِي الْكَلَام على «زعب»: «وَقع هُنَا بالروايات الثَّلَاث، بِفَتْح الزاى وَضمّهَا وَكسرهَا، الْعين مُهْملَة، وزغب، بالزاي الْمَكْسُورَة والغين الْمُعْجَمَة، قَيده الدارقطنيّ، وَذكر أَن الطَّبَرِيّ حَكَاهُ كَذَلِك» .
[٧] اتخذا: أَخذ كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه فِي قتال أَو نَحوه.
[٨] يردى: يهْلك. ويختل: يخدع.
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «بغرة» .



ضَرَبْتُ بِهِ إِبْطَ «الشَّمَالِ فَلَمْ يَزَلْ ... عَلَى كُلِّ حَالٍ خَدُّهُ هُوَ أَسْفَلُ
فِي أَشْعَارٍ كَثِيرَةٍ كَانَ يَقُولُهَا.
فَتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ سَمِعَ بِهِ، فَدَعَاهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدٌ: فَلَعَلَّ الَّذِي مَعَكَ مِثْلُ الَّذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وَمَا الَّذِي مَعَكَ؟ قَالَ: مَجَلَّةُ [١] لُقْمَانَ [٢]- يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اعْرِضْهَا عَلَيَّ، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ:
إنَّ هَذَا لَكَلَامٌ حَسَنٌ، وَاَلَّذِي مَعِي أَفَضْلُ مِنْ هَذَا، قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ، هُوَ هُدًى وَنُورٌ. فَتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقُرْآنَ، وَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وَقَالَ: إنَّ هَذَا لَقَوْلٌ حَسَنٌ. ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قتلته الْخَزْرَج، فان كَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ لَيَقُولُونَ:
إنَّا لَنَرَاهُ قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ. وَكَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ [٣] .

إسْلَامُ إيَاسِ بْنِ مُعَاذٍ وَقِصَّةُ أَبِي الْحَيْسَرِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي الْحُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ، قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، مَكَّةَ وَمَعَهُ فِتْيَةٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِيهِمْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ، يَلْتَمِسُونَ الْحِلْفَ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الْخَزْرَجِ، سَمِعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأَتَاهُمْ فَجَلَسَ إلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إلَى الْعِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الْكِتَابَ. قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: فَقَالَ إيَاسُ

==============
[١] الْمجلة: الصَّحِيفَة وَفِي رِوَايَة: حِكْمَة.
[٢] قَالَ السهيليّ: «ولقمان كَانَ نوبيا من أهل أَيْلَة، وَهُوَ لُقْمَان بن عنقاء بن سرُور، فِيمَا ذكرُوا، وَابْنه الّذي ذكر فِي الْقُرْآن هُوَ ثاران، فِيمَا ذكر الزّجاج وَغَيره، وَقد قيل فِي اسْمه غير ذَلِك، وَلَيْسَ بلقمان بن عَاد الْحِمْيَرِي» وَالله أعلم.
[٣] بُعَاث (بِالْعينِ الْمُهْملَة، ويروى بالغين الْمُعْجَمَة أَيْضا): مَوضِع كَانَت فِيهِ حَرْب بَين الْأَوْس والخزرج.



ابْن مُعَاذٍ، وَكَانَ غُلَامًا حَدَثًا: أَيْ قَوْمِ، هَذَا وَاَللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ. قَالَ: فَيَأْخُذُ أَبُو الْحَيْسَرِ، أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ، حَفْنَةً مِنْ تُرَابِ الْبَطْحَاءِ، فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إيَاسِ ابْن مُعَاذٍ، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا. قَالَ: فَصَمَتَ إيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ.
قَالَ: ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ. قَالَ مَحْمُودُ بْنُ لَبِيدٍ: فَأَخْبَرَنِي مَنْ حَضَرَهُ مِنْ قَوْمِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: أَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا يَسْمَعُونَهُ يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَبِّرُهُ وَيَحْمَدُهُ وَيُسَبِّحُهُ حَتَّى مَاتَ، فَمَا كَانُوا يَشُكُّونَ أَنْ قَدْ مَاتَ مُسْلِمًا، لَقَدْ كَانَ اسْتَشْعَرَ الْإِسْلَامَ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ، حِينَ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَا سَمِعَ.

بَدْءُ إسْلَامِ الْأَنْصَارِ

(رَسُولُ اللَّهِ وَرَهْطٌ مِنْ الْخَزْرَجِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ عز وجل إظْهَارَ دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ ﷺ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنْ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنْ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ أَشْيَاخٍ مِنْ قَوْمِهِ، قَالُوا: لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قَالَ لَهُمْ: مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنْ الْخَزْرَجِ، قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟
قَالُوا: بَلَى. فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ [١] فِي الْإِسْلَامِ، أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ وَأَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قَدْ غَزَوْهُمْ [٢] بِبِلَادِهِمْ، فَكَانُوا إذَا كَانَ بَيْنَهُمْ شَيْءٌ قَالُوا لَهُمْ: إنَّ

==============
[١] كَذَا فِي ط، فِي أ: «مِمَّا صنع الله بِهِ فِي الْإِسْلَام»، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «مِمَّا صنع الله لَهُم بِهِ فِي الْإِسْلَام» .
[٢] كَذَا فِي الْأُصُول ولعلها محرفة عَن «عزوهم» بتَشْديد الزاى أَي غلبوهم.



نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ، قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُولَئِكَ النَّفَرَ، وَدَعَاهُمْ إلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ: يَا قَوْمِ، تَعْلَمُوا وَاَللَّهِ إنَّهُ لَلنَّبِيُّ الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا تَسْبِقُنَّكُمْ إلَيْهِ.
فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْإِسْلَامِ، وَقَالُوا: إنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنْ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمْ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ، فَنَدْعُوهُمْ إلَى أَمْرِكَ، وَتَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ.
ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا.

(أَسَمَاءُ الرَّهْطِ الْخَزْرَجِيِّينَ الَّذِينَ الْتَقَوْا بِالرَّسُولِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهُمْ- فِيمَا ذُكِرَ لِي-: سِتَّةُ نَفَرٍ مِنْ الْخَزْرَجِ، مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ- وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ- ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ: أَسْعَدُ [١] بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفُ [٢] بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَعَفْرَاءُ بِنْتُ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ [٣] بْنِ غَنْمِ ابْن مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ ابْن غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ: رَافِعُ [٤] بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ.

=================
[١] كَانَ أسعد نَقِيبًا، شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة، وَبَايع فيهمَا. وَيُقَال: إِنَّه أول من بَايع النَّبِي ﷺ يَوْم الْعقبَة. وَمَات قبل بدر، أَخَذته الذبْحَة وَالْمَسْجِد يبْنى، فكواه النَّبِي ﷺ، وَمَات فِي تِلْكَ الْأَيَّام. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٢] شهد عَوْف بَدْرًا مَعَ أَخَوَيْهِ معَاذ ومعوذ. وَقتل هُوَ ومعوذ شهيدين يَوْم بدر (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب وَفِي أ: «وعفراء ابْنة عبيد بن ثَعْلَبَة بن غنم»
[٤] يكنى رَافع: أَبَا مَالك، وَقيل: أَبُو رِفَاعَة. وَهُوَ نقيب بَدْرِي، شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة،



قَالَ [١] ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: عَامِرُ بْنُ الْأَزْرَقِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ [٢] بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ [٣] ابْن جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: قُطْبَةُ [٤] ابْن عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ [٥] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ:
عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ [٦] بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ.
وَمِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: جَابِرُ [٧] بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْن رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ.
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ إلَى قَوْمِهِمْ ذَكَرُوا لَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.

================
[()] وَشهد بَدْرًا. وَلم يذكرهُ ابْن إِسْحَاق فِي الْبَدْرِيِّينَ. وَذكر فيهم ولديه رِفَاعَة وخلادا. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[١] مَكَان هَذِه الْعبارَة فِي أ، ط: بعد كلمة «الْخَزْرَج» وَقبل كلمة «رَافع»
[٢] سَلمَة: بِكَسْر اللَّام، كَمَا ذكر السهيليّ. وَالنِّسْبَة إِلَيْهِم: سلمى (بِالْفَتْح)
[٣] كَذَا فِي أ، وَالرَّوْض الْأنف، وَفِي جَمِيع الْأُصُول فِيمَا سَيَأْتِي وَلَا يعرف فِي الْعَرَب تزيد (بِالتَّاءِ) إِلَّا هَذَا. وتزيد بن الحاف بن قضاعة، وهم الَّذين تنْسب إِلَيْهِم الثِّيَاب التزيدية. وَفِي سَائِر الْأُصُول:
«يزِيد» بِالْمُثَنَّاةِ التَّحْتِيَّة، وَهُوَ تَصْحِيف
[٤] وَيُقَال: قُطْبَة بن عَمْرو. ويكنى أَبَا زيد. شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة وبدرا وأحدا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ. وَكَانَت مَعَه راية بنى سَلمَة يَوْم الْفَتْح. وجرح يَوْم أحد تسع جراحات.
وَتوفى زمن عُثْمَان رضي الله عنه. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٥] تقدم عَن ابْن إِسْحَاق فِي سِيَاق قبيل «قُطْبَة» مَا يُؤَيّد مَا ذهب إِلَيْهِ ابْن هِشَام
[٦] شهد «عقبَة» بَدْرًا بعد شُهُوده الْعقبَة الأولى، ثمَّ شهد أحدا فَأعْلم بعصابة خضراء فِي مغْفرَة. وَلَقَد شهد الخَنْدَق وَسَائِر الْمشَاهد. وَقتل يَوْم الْيَمَامَة شَهِيدا. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٧] شهد جَابر بَدْرًا وأحدا وَالْخَنْدَق وَسَائِر الْمشَاهد مَعَ رَسُول الله ﷺ. وَهُوَ أول من أسلم من الْأَنْصَار قبل الْعقبَة الأولى بعام. (رَاجع الِاسْتِيعَاب) وَجَابِر هَذَا غير جَابر بن عبد الله بن عَمْرو بن حرَام الْأنْصَارِيّ الصَّحَابِيّ ابْن الصَّحَابِيّ (الزرقانى على الْمَوَاهِب)



الْعَقَبَةُ الْأُولَى وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ
حَتَّى إذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ وَافَى الْمَوْسِمَ مِنْ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَلَقَوْهُ بِالْعَقَبَةِ. (قَالَ) [١]: وَهِيَ الْعَقَبَةُ الْأُولَى، فَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ [٢]، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ الْحَرْبُ.

(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي النَّجَّارِ):
مِنْهُمْ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ، وَعَوْفٌ، وَمُعَاذٌ، ابْنَا الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ.

(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ):
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ [٣] بْنِ عَامِرٍ: رَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسِ بْنِ خَلَدَةَ بْنِ مُخْلِدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: ذَكْوَانُ، مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ.

(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي عَوْفٍ):
وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ عَوْفِ [٤] بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ [٥]: عُبَادَةُ بْنُ [٦] الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ [٧]

================
[١] زِيَادَة عَن أ
[٢] قد ذكر الله تَعَالَى بيعَة النِّسَاء فِي الْقُرْآن، فَقَالَ: يُبايِعْنَكَ عَلى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ٦٠: ١٢ فَأَرَادَ ببيعة النِّسَاء أَنهم لم يبايعوه على الْقِتَال. وَكَانَت مبايعته للنِّسَاء أَنه يَأْخُذ عليهنّ الْعَهْد والميثاق. فَإِذا أقررن بألسنتهن، قَالَ: قد بايعتكن. (رَاجع الرَّوْض الْأنف)
[٣] فِي أهنا: «وَمن بنى عَامر بن زُرَيْق»
[٤] فِي أ: «ثمَّ من بنى غنم بن عَوْف بن الْخَزْرَج»
[٥] سيعرض ابْن هِشَام لتفسير كلمة «القواقل» بعد قَلِيل
[٦] يكنى عبَادَة: أَبَا الْوَلِيد. وَأمه: قُرَّة الْعين بنت عبَادَة بن نَضْلَة بن مَالك بن العجلان وَكَانَ عبَادَة نَقِيبًا شهد الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة وَالثَّالِثَة وَشهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا. ثمَّ وَجهه عمر إِلَى الشَّام قَاضِيا ومعلما، فَأَقَامَ بحمص ثمَّ انْتقل إِلَى فلسطين وَمَات بهَا وَدفن بِبَيْت الْمُقَدّس، وقبره مَعْرُوف بهَا إِلَى الْيَوْم.
وَفِي وَفَاته أَقْوَال أُخْرَى. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٧] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب، وَفِي أ: «أحرم»




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #46  
قديم 08-01-2026, 07:25 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (46)

صــ 431إلى صــ 440



ابْن فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمٍ، وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزْمَةَ [١] ابْن أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ [٢]، مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ، مِنْ بَلِيٍّ، حَلِيفٌ لَهُمْ.

(مَقَالَةُ ابْنِ هِشَامٍ فِي اسْمِ الْقَوَاقِلِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُمْ الْقَوَاقِلُ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ الرَّجُلُ دَفَعُوا لَهُ سَهْمًا، وَقَالُوا لَهُ: قَوْقِلْ بِهِ بِيَثْرِبَ حَيْثُ شِئْتَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقَوْقَلَةُ: ضَرْبٌ مِنْ الْمَشْيِ.

(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَالِمٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمٍ: الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ [٣] بْنِ نَضَلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ.

(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ، بِلَامِ مَكْسُورَةٍ):
وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَلِمَةَ: عُقْبَةُ بْنُ [٤] عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ.

(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ بَنِي سَوَادٍ):
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلِمَةَ قُطْبَةُ بْنُ [٥] عَامِرِ بْنِ حَدِيدَةَ ابْن عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادِ.

---------------------
[١] قَالَ الطَّبَرِيّ: خزمة (بِفَتْح الزاى) فِيمَا ذكر الدارقطنيّ. وَقَالَ ابْن إِسْحَاق وَابْن الْكَلْبِيّ:
خزمة (بِسُكُون الزاى) وَهُوَ الصَّوَاب. قَالَ أَبُو عمر: لَيْسَ فِي الْأَنْصَار خزمة، بِالتَّحْرِيكِ عَن الِاسْتِيعَاب
[٢] عمَارَة: هُوَ بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْمِيم. (رَاجع الِاسْتِيعَاب)
[٣] شهد الْعَبَّاس بيعَة العقبتين، وَأقَام مَعَ رَسُول الله ﷺ بِمَكَّة حَتَّى هَاجر إِلَى الْمَدِينَة، فَكَانَ يُقَال لَهُ: مُهَاجِرِي أنصارى: قتل يَوْم أحد شَهِيدا، وَلم يشْهد بَدْرًا (عَن الِاسْتِيعَاب)
[٤] رَاجع التَّعْرِيف بِهِ فِي الْحَاشِيَة (رقم ٦ ص ٤٣٠)
[٥] رَاجع التَّعْرِيف بِهِ فِي الْحَاشِيَة (رقم ٤ ص ٤٣٠)


(رِجَالُ الْعَقَبَةِ مِنْ الْأَوْسِ):
وَشَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ:
أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَاسْمُهُ مَالِكٌ [١] .
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: التَّيِّهَانُ: يُخَفَّفُ وَيُثَقَّلُ، كَقَوْلِهِ مَيْتٌ وَمَيِّتٌ.

(رِجَالُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى مِنْ بَنِي عَمْرٍو):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: عُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ [٢] .

(عَهْدُ الرَّسُولِ عَلَى مُبَايِعِي الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ (أَبِي) [٣] مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُسَيْلَةَ الصَّنَابِحِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ:
كُنْتُ فِيمَنْ حَضَرَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى، وَكُنَّا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْتَرَضَ الْحَرْبُ، عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ باللَّه شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ. فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ.
وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل إنْ شَاءَ عَذَّبَ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ.

--------------------------------
[١] هُوَ مَالك بن التيهَان بن مَالك بن عبيد بن عَمْرو بن عبد الأعلم بن عَامر، أَبُو الْهَيْثَم الْبلوى، من بلَى ابْن الحاف بن قضاعة حَلِيف بنى عبد الْأَشْهَل، شهد بيعَة الْعقبَة الأولى وَالثَّانيَِة، وَكَانَ أحد السِّتَّة الَّذين لقوا قبل ذَلِك رَسُول الله ﷺ بِالْعقبَةِ. قيل: إِنَّه هُوَ أول من بَايع النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْعقبَة، شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا. وَتوفى فِي خلَافَة عمر سنة عشْرين أَو إِحْدَى وَعشْرين، وَقيل بل قتل يَوْم صفّين مَعَ على سنة سبع وَثَلَاثِينَ. وَقيل: بل بَقِي حَتَّى مَاتَ بعْدهَا بِيَسِير. (رَاجع الرَّوْض الْأنف، والاستيعاب)
[٢] هُوَ عويم بن سَاعِدَة بن عائش بن قيس بن النُّعْمَان بن زيد بن أُميَّة بن زيد بن مَالك بن عَوْف بن عَمْرو بن عَوْف، ويكنى: أَبَا عبد الرَّحْمَن. وَكَانَ ابْن إِسْحَاق يَقُول فِي نسبه: عويم بن سَاعِدَة بن صلجعة، وَأَنه من بلَى بن عَمْرو بن الحاف بن قضاعة. حَلِيف لبني أُميَّة بن زيد، وَلم يذكر ذَلِك غَيره شهد عويم- على قَول الْوَاقِدِيّ- العقبتين جَمِيعًا، وَشهد بَدْرًا وأحدا وَالْخَنْدَق. وَمَات فِي حَيَاة رَسُول الله ﷺ، وَقيل: بل مَاتَ فِي خلَافَة عمر بِالْمَدِينَةِ، وَهُوَ ابْن خمس أَو سِتّ وَسِتِّينَ سنة.
(عَن الِاسْتِيعَاب)
[٣] زِيَادَة عَن أ ٢٨- سيرة ابْن هِشَام- ١



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ، عَنْ عَائِذِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيِّ أَبِي إدْرِيسَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قَالَ: بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ باللَّه شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانِ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيَهُ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَيْتُمْ فَلَكُمْ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشِيتُمْ مِنْ ذَلِكَ (شَيْئًا) [١] فَأُخِذْتُمْ بِحَدِّهِ فِي الدُّنْيَا، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَإِنْ سُتِرْتُمْ عَلَيْهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إلَى اللَّهِ عز وجل، إنْ شَاءَ عَذَّبَ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ.

(إرْسَالُ الرَّسُولِ مُصْعَبًا مَعَ وَفْدِ الْعَقَبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا انْصَرَفَ عَنْهُ الْقَوْمُ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَعَهُمْ مُصْعَبَ [٢] بْنَ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمِ [٣] بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمْ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمَهُمْ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَكَانَ يُسَمَّى الْمُقْرِئَ بِالْمَدِينَةِ: مُصْعَبٌ. وَكَانَ مَنْزِلُهُ [٤] عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ، أَبِي أُمَامَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ، وَذَلِكَ

------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ
[٢] يكنى مُصعب: أَبَا عبد الله، وَكَانَ من جلة الصَّحَابَة وفضلائهم، هَاجر إِلَى الْحَبَشَة فِي أول من هَاجر إِلَيْهَا. ثمَّ شهد بَدْرًا. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ قد بَعثه إِلَى الْمَدِينَة قبل الْهِجْرَة بعد الْعقبَة الثَّانِيَة، يُقْرِئهُمْ الْقُرْآن، ويفقههم فِي الدَّين، وَكَانَ مُصعب بن عُمَيْر فَتى مَكَّة شبَابًا وجمالا وتيها. وَكَانَ رَسُول الله ﷺ يذكرهُ وَيَقُول: مَا رَأَيْت بِمَكَّة أحسن لمة، وَلَا أرق حلَّة، وَلَا أنعم نعْمَة من مُصعب بن عُمَيْر. وَقتل مُصعب يَوْم أحد شَهِيدا، قَتله ابْن قميئة اللَّيْثِيّ، وَلم يخْتَلف أهل السّير فِي أَن راية رَسُول الله ﷺ كَانَت مَعَ مُصعب يَوْم بدر وَأحد، ثمَّ إِنَّه لما قتل يَوْم أحد أَخذهَا على بن أَبى طَالب. (رَاجع الِاسْتِيعَاب وَالرَّوْض الْأنف)
[٣] فِي أ: «هِشَام» . وَهُوَ تَحْرِيف
[٤] قَالَ السهيليّ عِنْد الْكَلَام على: «وَكَانَ منزله ... إِلَخ» . منزل: (بِفَتْح الزاى)، وَكَذَلِكَ كل مَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب من منزل فلَان على فلَان، فَهُوَ بِالْفَتْح، لِأَنَّهُ أَرَادَ الْمصدر وَلم يرد الْمَكَان، وَكَذَلِكَ قَيده الشَّيْخ أَبُو بَحر (بِفَتْح الزاى)



أَنَّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَرِهَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَؤُمَّهُ بَعْضٌ.

أَوَّلُ جُمُعَةٍ أَقِيمَتْ بِالْمَدِينَةِ

(أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَإِقَامَةُ أَوَّلِ جُمُعَةٍ بِالْمَدِينَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي، كَعْبِ ابْن مَالِكٍ، حِينَ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَكُنْتُ إذَا خَرَجْتُ بِهِ إلَى الْجُمُعَةِ، فَسَمِعَ الْأَذَانَ بِهَا صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ. قَالَ: فَمَكَثَ حِينًا عَلَى ذَلِكَ: لَا يَسْمَعُ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ إلَّا صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاَللَّهِ إنَّ هَذَا بِي لَعَجْزٌ، أَلَّا أَسْأَلَهُ مَا لَهُ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ؟ قَالَ: فَخَرَجْتُ بِهِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ كَمَا كُنْتُ أَخْرُجُ، فَلَمَّا سَمِعَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّى عَلَيْهِ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، مَا لَكَ إذَا سَمِعْتَ الْأَذَانَ لِلْجُمُعَةِ صَلَّيْتَ عَلَى أَبِي أُمَامَةَ؟ قَالَ: فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمَّعَ بِنَا بِالْمَدِينَةِ فِي هَزْمِ النَّبِيتِ [١]، مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ، يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ، قَالَ قُلْتُ: وَكَمْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا.

(أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَإِسْلَامُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ مُعَيْقِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ خَرَجَ بِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظَفَرٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنَ خَالَةِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظَفَرٍ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَاسْمُ ظَفَرٍ كَعْبُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو

---------------------------
[١] قَالَ السهيليّ: هزم النبيت: جبل على بريد من الْمَدِينَة، وَأنكر ياقوت أَن يكون «هزم النبيت» جبلا، لِأَن «الهزم» لُغَة: المطمئن من الأَرْض، وَاسْتحْسن نصا ذكر عَن بعض أهل المغاربة، وَقَالَ:
إِن صَحَّ فَهُوَ الْمعول عَلَيْهِ، وَهُوَ: «جمع بِنَا فِي هزم بنى النبيت من حرَّة بنى بياضة فِي نَقِيع يُقَال لَهُ:
نَقِيع الْخضمات»



ابْن مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ- قَالَا: عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ [١]، فَجَلَسَا فِي الْحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِمَا رِجَالٌ مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ، يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَا بِهِ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ: لَا أَبَا لَكَ، انْطَلِقْ إلَى هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ قَدْ أَتَيَا دَارَيْنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابْنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مُقَدَّمًا، قَالَ: فَأَخَذَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُ أَسْعَدُ ابْن زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقْ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ مُصْعَبٌ: إنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ. قَالَ: فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إلَيْنَا تُسَفِّهَانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَجْلِسُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟ قَالَ: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَرْبَتَهُ وَجَلَسَ إلَيْهِمَا، فَكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالْإِسْلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فَقَالَا: فِيمَا يُذْكَرُ عَنْهُمَا: وَاَللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي إشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الْكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا لَهُ: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي. فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إنَّ وَرَائِي رَجُلًا إنْ اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إلَيْكُمَا الْآنَ، سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا، قَالَ:
أَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَى النَّادِي قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: كلّمت الرجلَيْن، فو الله مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهَيْتُهُمَا، فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجُوا إلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابْنُ خَالَتِكَ، لِيُخْفِرُوكَ [٢] .
قَالَ: فَقَامَ سَعْدٌ مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِرَ لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الْحَرْبَةَ

--------------------------------
[١] قَالَ ياقوت فِي مُعْجم الْبلدَانِ: «بِئْر مرق: بِالْمَدِينَةِ، ذكر فِي الْهِجْرَة، ويروى بِسُكُون الرَّاء»
[٢] كَذَا فِي أ. والإخفار: نقض الْعَهْد والغدر.. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليحقروك»



مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَاَللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ إلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنَّيْنِ، عَرَفَ سَعْدٌ أَنَّ أُسَيْدًا إنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ، (أَمَا وَاَللَّهِ) [١]، لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنْ الْقَرَابَةِ مَا رُمْتَ هَذَا مِنِّي، أَتَغْشَانَا فِي دَارَيْنَا بِمَا نَكْرَهُ- وَقَدْ قَالَ أَسْعَدُ ابْن زُرَارَةَ لِمُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ: أَيْ مُصْعَبُ، جَاءَكَ وَاَللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ قَوْمِهِ، إنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْكَ مِنْهُمْ اثْنَانِ- قَالَ: فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ: أَوَتَقْعُدُ فَتَسْمَعَ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا عَنْكَ مَا تَكْرَهُ؟
قَالَ سَعْدٌ: أَنْصَفْتَ. ثُمَّ رَكَزَ الْحَرْبَةَ وَجَلَسَ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، قَالَا: فَعَرَفْنَا وَاَللَّهِ فِي وَجْهِهِ الْإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، لِإِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إذَا أَنْتُمْ أَسْلَمْتُمْ وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟ قَالَا: تَغْتَسِلُ فَتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَتَشَهَّدَ شَهَادَةَ الْحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَامِدًا إلَى نَادِي قَوْمِهِ وَمَعَهُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ.
قَالَ: فَلَمَّا رَآهُ قَوْمُهُ مُقْبِلًا، قَالُوا: نَحْلِفُ باللَّه لَقَدْ رَجَعَ إلَيْكُمْ سَعْدٌ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي ذَهَبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟ قَالُوا: سَيِّدُنَا (وَأَوْصَلُنَا) [١] وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنِسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا باللَّه وبرسوله [٢] .
قَالَا: فو الله مَا أَمْسَى فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً، وَرَجَعَ أَسْعَدُ وَمُصْعَبٌ إلَى مَنْزِلِ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ، فَأَقَامَ عِنْدَهُ يَدْعُو النَّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ، إلَّا مَا كَانَ مِنْ دَارِ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَخَطْمَةَ وَوَائِلٍ وَوَاقِفٍ، وَتِلْكَ أَوْسُ اللَّهِ، وَهُمْ مِنْ الْأَوْسِ بْنِ حَارِثَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ أَبُو قَيْسِ بْنُ الْأَسْلَتِ، وَهُوَ صَيْفِيٌّ، وَكَانَ شَاعِرًا لَهُمْ قَائِدًا يَسْتَمِعُونَ مِنْهُ وَيُطِيعُونَهُ، فَوَقَفَ بِهِمْ عَنْ

----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط
[٢] كَذَا فِي أ: «قَالَ» وَفِي م، ر. وَفِي ط: «وَرَسُوله فو الله» .



الْإِسْلَامِ، فَلَمْ يَزَلْ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالْخَنْدَقُ، وَقَالَ فِيمَا رَأَى مِنْ الْإِسْلَامِ، وَمَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ أَمْرِهِ:
أَرَبَّ النَّاسِ أَشْيَاءُ أَلَمَّتْ ... يُلَفُّ الصَّعْبُ مِنْهَا بِالذَّلُولِ
أَرَبَّ النَّاسِ أَمَّا إذْ ضَلِلْنَا ... فَيَسِّرْنَا لِمَعْرُوفِ السَّبِيلِ
فَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا يَهُودًا ... وَمَا دِينُ الْيَهُودِ بِذِي شُكُولِ [١]
وَلَوْلَا رَبُّنَا كُنَّا نَصَارَى ... مَعَ الرُّهْبَانِ فِي جَبَلِ الْجَلِيلِ [٢]
وَلَكِنَّا خُلِقْنَا إذْ خُلِقْنَا ... حَنِيفًا دِينُنَا عَنْ كُلِّ جِيلِ
نَسُوقُ الْهَدْيَ تَرْسُفُ مُذْعِنَاتٍ ... مُكَشِّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَنْشَدَنِي قَوْلَهُ: فَلَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: لَوْلَا رَبُّنَا، وَقَوْلَهُ: مُكَشِّفَةَ الْمَنَاكِبِ فِي الْجُلُولِ، رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ، أَوْ مِنْ خُزَاعَةَ.

أَمْرُ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ

(مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَالْعَقَبَةُ الثَّانِيَةُ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إنَّ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ رَجَعَ إلَى مَكَّةَ، وَخَرَجَ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ [٤] الْمُسْلِمِينَ إلَى الْمَوْسِمِ مَعَ حَجَّاجِ قَوْمِهِمْ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَوَاعَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الْعَقَبَةَ، مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، حِينَ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ، وَالنَّصْرِ لِنَبِيِّهِ، وَإِعْزَازِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَإِذْلَالِ الشِّرْكِ وَأَهْلِهِ.

=====================
[١] الشكول: جمع شكل، وشكل الشَّيْء (بِالْفَتْح): مثله. فَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَن دين الْيَهُود بدع فَلَيْسَ لَهُ شكول: أَي لَيْسَ لَهُ نَظِير فِي الْحَقَائِق، وَلَا مثيل يعضده من الْأَمر الْمَعْرُوف المقبول، وَقد قَالَ الطَّائِي:
وَقلت أخى قَالُوا أَخ من قرَابَة ... فَقلت لَهُم إِن الشكول أقَارِب
قريبي فِي رَأْيِي وديني ومذهبي ... وَإِن باعدتنا فِي الخطوب الْمُنَاسب
[٢] كَذَا فِي أ، ط. والجليل: جبل بِالشَّام مَعْرُوف، وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْخَلِيل» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] ترسف: تمشى مَشى الْمُقَيد. ومذعنات: منقادات. والجلول جمع جلّ (بِالضَّمِّ وبالفتح)، وَهُوَ مَا تلبسه الدَّابَّة لتصان بِهِ.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «إِلَى» وَهُوَ تَحْرِيف.



(الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَصَلَاتُهُ إلَى الْكَعْبَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ، أَخُو بَنِي سَلِمَةَ، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ، وَكَانَ مِنْ أَعْلَمِ الْأَنْصَارِ، حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبًا حَدَّثَهُ، وَكَانَ كَعْبٌ مِمَّنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، قَالَ: خَرَجْنَا فِي حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ [١]، سَيِّدُنَا وَكَبِيرُنَا، فَلَمَّا وَجَّهْنَا [٢] لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ، قَالَ الْبَرَاءُ لَنَا: يَا هَؤُلَاءِ، إنِّي قَدْ رَأَيْت رَأيا، فو الله مَا أَدْرِي، أَتُوَافِقُونَنِي عَلَيْهِ، أَمْ لَا؟ قَالَ: قُلْنَا: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَ: قَدْ رَأَيْتُ أَنْ لَا أَدَعَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، يَعْنِي الْكَعْبَةَ، وَأَنْ أُصَلِّيَ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا، وَاَللَّهِ مَا بَلَغَنَا أَنَّ نَبِيَّنَا ﷺ يُصَلِّي إلَّا إلَى الشَّامِ [٣]، وَمَا نُرِيدُ أَنْ نُخَالِفَهُ. قَالَ: فَقَالَ:
إنِّي لَمُصَلٍّ إلَيْهَا. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: لَكِنَّا لَا نَفْعَلُ. قَالَ: فَكُنَّا إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ صَلَّيْنَا إلَى الشَّامِ، وَصَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ، حَتَّى قَدِمْنَا مَكَّةَ. قَالَ: وَقَدْ كُنَّا عِبْنَا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ، وَأَبَى إلَّا الْإِقَامَةَ عَلَى ذَلِكَ. فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ لِي: يَا بن أَخِي، انْطَلِقْ بِنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى نَسْأَلَهُ عَمَّا صَنَعْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ لَقَدْ وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْءٌ، لِمَا رَأَيْتُ مِنْ خِلَافِكُمْ إيَّايَ فِيهِ.
قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ، وَلَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَقِينَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ؟ فَقُلْنَا: لَا، قَالَ: فَهَلْ تَعْرِفَانِ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَمَّهُ؟
قَالَ: قُلْنَا: نَعَمْ- قَالَ: وَقَدْ كُنَّا نَعْرِفُ الْعَبَّاسَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَقْدَمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا- قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا الْمَسْجِدَ فَهُوَ الرَّجُلُ الْجَالِسُ مَعَ الْعَبَّاسِ. قَالَ: فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا الْعَبَّاسُ جَالِسٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَالِسٌ مَعَهُ، فَسَلَّمْنَا ثُمَّ

-----------------------
[١] يكنى الْبَراء بن معْرور: أَبَا بشر، بِابْنِهِ بشر. وَهُوَ الّذي أكل مَعَ رَسُول الله ﷺ من الشَّاة المسمومة، فَمَاتَ. ومعرور: اسْم أَبِيه. وَمَعْنَاهُ: مَقْصُود، يُقَال: عره واعتره: إِذا قَصده.
والبراء هَذَا، مِمَّن صلى رَسُول الله ﷺ على قَبره بعد مَوته.
[٢] وجهنا: اتجهنا.
[٣] يعْنى بَيت الْمُقَدّس.



جَلَسْنَا إلَيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْعَبَّاسِ: هَلْ تَعْرِفُ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يَا أَبَا الْفَضْلِ؟ قَالَ: نَعَمْ، هَذَا الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، سَيِّدُ قَوْمِهِ، وَهَذَا كَعْبُ (بْنُ) [١] مَالك. قَالَ: فو الله مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُول الله ﷺ: لشاعر؟
قَالَ: نَعَمْ. (قَالَ) [١]: فَقَالَ (لَهُ) [١] الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إنِّي خَرَجْتُ فِي سَفَرِي هَذَا، وَقَدْ هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أَجْعَلَ هَذِهِ الْبَنِيَّةَ مِنِّي بِظَهْرٍ، فَصَلَّيْتُ إلَيْهَا، وَقَدْ خَالَفَنِي أَصْحَابِي فِي ذَلِكَ، حَتَّى وَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَمَاذَا تَرَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: (قَدْ) [١] كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ [٢] عَلَيْهَا. قَالَ: فَرَجَعَ الْبَرَاءُ إلَى قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَصَلَّى مَعَنَا إلَى الشَّامِ. قَالَ: وَأَهْلُهُ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ صَلَّى إلَى الْكَعْبَةِ حَتَّى مَاتَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ [٣] كَمَا قَالُوا، نَحْنُ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَقَالَ عَوْنُ بْنُ أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ:
وَمِنَّا الْمُصَلِّي أَوَّلَ النَّاسِ مُقْبِلًا ... عَلَى كَعْبَةِ الرَّحْمَنِ بَيْنَ الْمَشَاعِرِ
يَعْنِي الْبَرَاءَ بْنَ مَعْرُورٍ. وَهَذَا الْبَيْتُ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ.

(إسْلَامُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي مَعْبَدُ بْنُ كَعْبٍ، أَنَّ أَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَاهُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، قَالَ كَعْبٌ: ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى الْحَجِّ، وَوَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالْعَقَبَةِ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. قَالَ: فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنْ الْحَجِّ، وَكَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي وَاعَدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَهَا، وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو

-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] قَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق على هَذَا الحَدِيث «قَوْله: لَو صبرت عَلَيْهَا، إِنَّه لم يَأْمُرهُ بِإِعَادَة مَا قد صلى، لِأَنَّهُ كَانَ متأولا وَفِي الحَدِيث دَلِيل على أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يصلى بِمَكَّة إِلَى بَيت الْمُقَدّس وَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس. وَقَالَت طَائِفَة: مَا صلى إِلَى بَيت الْمُقَدّس إِلَّا مذ قدم الْمَدِينَة سَبْعَة عشر شهرا أَو سِتَّة عشر شهرا فعلى هَذَا يكون فِي الْقبْلَة نسخان: نسخ سنة بِسنة وَنسخ سنة بقرآن. وَقد بَين حَدِيث ابْن عَبَّاس منشأ الْخلاف فِي هَذِه الْمَسْأَلَة، فروى عَنهُ من طرق صِحَاح: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا صلى بِمَكَّة اسْتقْبل بَيت الْمُقَدّس، وَجعل الْكَعْبَة بَينه وَبَين بَيت الْمُقَدّس، فَلَمَّا كَانَ عليه السلام يتحَرَّى الْقبْلَتَيْنِ جَمِيعًا لم يبن توجهه إِلَى بَيت الْمُقَدّس للنَّاس حَتَّى خرج من مَكَّة» .
[٣] فِي أ: «وَلَيْسَ كَذَلِك نَحن ... إِلَخ» .



ابْن حرَام أَبُو جَابِرٌ، سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا [١]، أَخَذْنَاهُ مَعَنَا، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، ثُمَّ دَعَوْنَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ، وَأَخْبَرْنَاهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إيَّانَا الْعَقَبَةَ. قَالَ: فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ مَعَنَا الْعَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا.
قَالَ: فَنِمْنَا تَلِكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا، حَتَّى إذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمَعَادِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، نَتَسَلَّلُ تَسَلُّلَ الْقَطَا مُسْتَخْفِينَ، حَتَّى اجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ الْعَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا: نُسَيْبَةُ [٢] بِنْتُ كَعْبٍ، أُمُّ عُمَارَةَ، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، إحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ، وَهِيَ أُمُّ مَنِيعٍ.

(الْعَبَّاسُ يَتَوَثَّقُ لِلنَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام):
قَالَ: فَاجْتَمَعْنَا فِي الشِّعْبِ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، حَتَّى جَاءَنَا وَمَعَهُ (عَمُّهُ) [٣] الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابْنِ أَخِيهِ وَيَتَوَثَّقَ لَهُ. فَلَمَّا جَلَسَ كَانَ أَوَّلَ [٤] مُتَكَلِّمٍ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ- قَالَ: وَكَانَتْ الْعَرَبُ إنَّمَا يُسَمُّونَ هَذَا الْحَيَّ مِنْ الْأَنْصَارِ: الْخَزْرَجَ، خَزْرَجَهَا وَأَوْسَهَا-: إنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا، مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فَهُوَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ، وَإِنَّهُ قَدْ أَبَى إلَّا الِانْحِيَازَ إلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالَفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ

=======================
[١] الْعبارَة «وشريف من أشرافنا» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] هِيَ امْرَأَة زيد بن عَاصِم، وَقد شهِدت بيعَة الْعقبَة وبيعة الرضْوَان، كَمَا شهِدت يَوْم الْيَمَامَة وباشرت الْقِتَال بِنَفسِهَا. وشاركت ابْنهَا عبد الله فِي قتل مُسَيْلمَة، فَقطعت يَدهَا. وجرحت اثنى عشر جرحا، ثمَّ عاشت بعد ذَلِك دهرا. ويروى أَنَّهَا قَالَت لرَسُول الله ﷺ: مَا أرى كل شَيْء إِلَّا للرِّجَال، وَمَا أرى للنِّسَاء شَيْئا! فَأنْزل الله تَعَالَى: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ ٣٣: ٣٥ ... الْآيَة.
[٣] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٤] فِي أ: «أول من تكلم» .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #47  
قديم 08-01-2026, 07:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (47)

صــ 441إلى صــ 450



كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الْخُرُوجِ بِهِ إلَيْكُمْ، فَمِنْ الْآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ. قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتُ، فَتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلِرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتُ.

(عَهْدُ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام عَلَى الْأَنْصَارِ):
قَالَ: فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَتَلَا الْقُرْآنَ، وَدَعَا إلَى اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِي الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ أُبَايِعُكُمْ عَلَى أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ. قَالَ: فَأَخَذَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَاَلَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ (نَبِيًّا) [١]، لَنَمْنَعَنَّكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا [٢]، فَبَايِعْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ وَاَللَّهِ أَبْنَاءُ [٣] الْحُرُوبِ، وَأَهْلُ الْحَلْقَةِ [٤]، وَرِثْنَاهَا كَابِرًا (عَنْ كَابِرٍ) [١] . قَالَ:
فَاعْتَرَضَ الْقَوْلَ، وَالْبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ [٥]، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ حِبَالًا، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا- يَعْنِي الْيَهُودَ- فَهَلْ عَسَيْتَ إنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ قَالَ: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ قَالَ: بَلْ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ [٦]، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ.

-------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] أزرنا، أَي نِسَاءَنَا. وَالْمَرْأَة قد يكنى عَنْهَا بالإزار، كَمَا يكنى أَيْضا بالإزار عَن النَّفس، وَيجْعَل الثَّوْب عبارَة عَن لابسه. قَالَ الشَّاعِر:
رَمَوْهَا بأثواب خفاف فَلَا ترى ... لَهَا شبها إِلَّا النعام المنفرا
وعَلى هَذَا يَصح أَن يحمل قَول الْبَراء على إِرَادَة الْمَعْنيين جَمِيعًا.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أهل» .
[٤] الْحلقَة، أَي السِّلَاح.
[٥] التيهَان: يرْوى بتَشْديد الْيَاء وتخفيفها.
[٦] قَالَ ابْن قُتَيْبَة: كَانَت الْعَرَب تَقول عِنْد عقد الْحلف والجوار: دمي دمك، وهدمي هدمك:
أَي مَا هدمت من الدِّمَاء هدمته أَنا.
ويروى أَيْضا: بل اللدم اللدم، وَالْهدم الْهدم. وَأنْشد:
ثمَّ الحقي بهدمى ولدمى
فاللدم: جمع لادم، وهم أَهله الَّذين يلتدمون عَلَيْهِ إِذا مَاتَ، وَهُوَ من لدمت صدرها، إِذا ضَربته


قَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال: الْهَدْمَ [١] الْهَدْمَ: (يَعْنِي الْحُرْمَةَ) [٢] . أَيْ ذِمَّتِي ذِمَّتُكُمْ [٣]، وَحُرْمَتِي حُرْمَتُكُمْ [٤] .
قَالَ كَعْبُ (بْنُ مَالِكٍ) [٢]: وَقَدْ (كَانَ) [٢] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أَخْرِجُوا إلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ. فَأَخْرَجُوا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا، تِسْعَةً مِنْ الْخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةً مِنْ الْأَوْسِ.

أَسَمَاءُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ وَتَمَامُ خَبَرِ الْعَقَبَةِ

(نُقَبَاءُ الْخَزْرَجِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: مِنْ الْخَزْرَجِ- فِيمَا حَدَّثَنَا زِيَادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَكَّائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْن إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ-: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنُ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ [٥] بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ، وَسَعْدُ ابْن الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ [٦] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ (الْأَكْبَرِ) [٧] بْنِ مَالِكٍ (الْأَغَرِّ) [٧] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَادِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ ابْن زُرَيْقِ [٨] بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْبَرَاءُ

-------------------------
[١] الْهدم (بِالْفَتْح): الْمصدر: (وبالتحريك) كل مَا تهدم.
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] فِي أ: «يَقُول: حرمتي حرمتكم، وَدمِي دمكم» .
[٤] قَالَ السهيليّ: «وَإِنَّمَا كنى ابْن هِشَام عَن حُرْمَة الرجل وَأَهله «بالهدم»، لأَنهم كَانُوا أهل نجعة وارتحال، وَلَهُم بيُوت يستخفونها يَوْم ظعنهم، فَكلما ظعنوا هدموها. وَالْهدم: بِمَعْنى المهدوم.
ثمَّ جعلُوا الْهدم، وَهُوَ الْبَيْت المهدوم، عبارَة عَمَّا حوى.
[٥] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والطبري. وَفِي أ «تيم الله بن عَمْرو ... إِلَخ» .
[٦] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي أ. «وَعبد الله بن رَوَاحَة بن امْرِئ الْقَيْس بن ثَعْلَبَة بن عَمْرو بن امْرِئ الْقَيْس بن مَالك ... إِلَخ»، وَقد سَقَطت «ابْن ثَعْلَبَة» الأولى، من سَائِر الْأُصُول.
[٧] زِيَادَة عَن الِاسْتِيعَاب.
[٨] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «... ابْن عَامر بن زُرَيْق بن عَامر بن زُرَيْق ... إِلَخ» .



ابْن مَعْرُورِ بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمَ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَعُبَادَةُ ابْن الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي حَزِيمَةَ [١] بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ- قَالَ [٢] ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: ابْنُ خُنَيْسٍ [٣] .

(نُقَبَاءُ الْأَوْسِ):
وَمِنْ الْأَوْسِ: أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُبَيْرِ [٤] بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ.

-------------------------------
[١] فِي الْأُصُول والاستيعاب: «خُزَيْمَة» بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة وزاي مَفْتُوحَة، والتصويب عَن أَبى ذَر، فقد ضَبطه بالعبارة بِالْحَاء الْمُهْملَة الْمَفْتُوحَة والزاى الْمَكْسُورَة. وَزَاد ابْن عبد الْبر فِيهِ رِوَايَة، يُقَال: «وَيُقَال: ابْن أَبى حليمة» .
[٢] هَذِه الْعبارَة: «قَالَ ابْن هِشَام ... خُنَيْس» سَاقِطَة فِي أ.
[٣] فِي م: «خنيش» .
[٤] كَذَا فِي أ، ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زنير» .



(شِعْرُ كَعْبٍ فِي حَصْرِ النُّقَبَاءِ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَعُدُّونَ فِيهِمْ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ، وَلَا يَعُدُّونَ رِفَاعَةَ. وَقَالَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ يَذْكُرُهُمْ، فِيمَا أَنْشَدَنِي أَبُو زَيْدٍ الْأَنْصَارِيُّ:
أَبْلِغْ أُبَيًّا أَنَّهُ فَالَ رَأْيُهُ ... وَحَانَ غَدَاةَ الشِّعْبِ وَالْحَيْنُ وَاقِعُ [١]
أَبَى اللَّهُ مَا مَنَّتْكَ نَفْسُكَ إنَّهُ ... بِمِرْصَادِ أَمْرِ النَّاسِ رَاءٍ وَسَامِعُ
وَأَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ قَدْ بَدَا لَنَا ... بِأَحْمَدَ نُورٌ مِنْ هُدَى اللَّهِ سَاطِعُ
فَلَا تَرْغَبَنْ [٢] فِي حَشْدِ أَمْرٍ تُرِيدُهُ ... وَأَلِّبْ وَجَمِّعْ كُلَّ مَا أَنْتَ جَامِعُ
وَدُونَكَ فَاعْلُمْ أَنَّ نَقْضَ عُهُودِنَا ... أَبَاهُ عَلَيْكَ الرَّهْطُ حِينَ تَتَابَعُوا [٣]
أَبَاهُ الْبَرَاءُ وَابْنُ عَمْرٍو كِلَاهُمَا ... وَأَسْعَدُ يَأْبَاهُ عَلَيْكَ وَرَافِعُ
وَسَعْدٌ أَبَاهُ السَّاعِدِيُّ وَمُنْذِرٌ ... لِأَنْفِكَ إنْ حَاوَلْتَ ذَلِكَ جَادِعُ [٤]
وَمَا ابْنُ رَبِيعٍ إنْ تَنَاوَلْتَ عَهْدَهُ ... بِمُسْلِمِهِ لَا يَطْمَعَنْ ثَمَّ طَامِعُ
وَأَيْضًا فَلَا يُعْطِيكَهُ ابْنُ رَوَاحَةَ ... وَإِخْفَارُهُ مِنْ دُونِهِ السُّمُّ نَاقِعُ [٥]
وَفَاءً بِهِ وَالْقَوْقَلِيُّ بْنُ صَامِتٍ ... بِمَنْدُوحَةِ عَمَّا تُحَاوِلُ يَافِعُ [٦]
أَبُو هَيْثَمٍ أَيْضًا وَفِيٌّ بِمِثْلِهَا ... وَفَاءً بِمَا أَعْطَى مِنْ الْعَهْدِ خَانِعُ [٧]
وَمَا ابْنُ حُضَيْرٍ إنْ أَرَدْتَ بِمَطْمَعِ ... فَهَلْ أَنْتَ عَنْ أُحْمُوقَةِ الْغَيِّ نَازِعُ
وَسَعْدٌ أَخُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَإِنَّهُ ... ضَرُوحٌ لِمَا حَاوَلْتَ مِلْأَمْرِ مَانِعُ [٨]
أُولَاكَ نُجُومٌ لَا يُغِبُّكَ مِنْهُمْ ... عَلَيْكَ بِنَحْسٍ فِي دُجَى اللَّيْلِ طَالِعُ
فَذَكَرَ كَعْبٌ فِيهِمْ «أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيِّهَانِ» وَلَمْ يَذْكُرْ «رِفَاعَةَ» .

--------------------------
[١] فال: بَطل.
[٢] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي ط: «فَلَا ترعين»: أَي فَلَا تبقين، يُقَال: مَا أرعى عَلَيْهِ: أَي مَا أبقى عَلَيْهِ.
[٣] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تبايعوا» .
[٤] جادع: قَاطع.
[٥] الإخفار: نقض الْعَهْد.
[٦] اليافع: الْموضع الْمُرْتَفع. ويروى: «باقع»: أَي بعيد.
[٧] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. والخانع: الْمقر المتذلل. وَفِي ط: «خَالع» .
[٨] ضروح: أَي مَانع ودافع عَن نَفسه.



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كُفَلَاءُ، كَكَفَالَةِ الْحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي- يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ [١]- قَالُوا: نَعَمْ.

(كَلِمَةُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُبَادَةَ فِي الْخَزْرَجِ قَبْلَ الْمُبَايَعَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ: أَنَّ الْقَوْمَ لَمَّا اجْتَمَعُوا لِبَيْعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ الْأَنْصَارِيُّ، أَخُو بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟
قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إنَّكُمْ تُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ مِنْ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إذَا نُهِكَتْ أَمْوَالُكُمْ مُصِيبَةً، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمْتُمُوهُ، فَمِنْ الْآنَ، فَهُوَ وَاَللَّهِ إنْ فَعَلْتُمْ خِزْيُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إلَيْهِ عَلَى نَهْكَةِ [٢] الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاَللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الْأَمْوَالِ، وَقَتْلِ الْأَشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا (بِذَلِكَ) [٣]؟ قَالَ: الْجَنَّةُ. قَالُوا: اُبْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ. وَأَمَّا عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ فَقَالَ: وَاَللَّهِ مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إلَّا لِيَشُدَّ الْعَقْدَ [٤] لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أَعْنَاقِهِمْ.
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: مَا قَالَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ إلَّا لِيُؤَخِّرَ الْقَوْمَ تَلِكَ اللَّيْلَةَ، رَجَاءَ أَنْ يَحْضُرَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ، فَيَكُونَ أَقْوَى لِأَمْرِ الْقَوْمِ.
فاللَّه أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ.

(نَسَبُ سَلُولَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَلُولُ: امْرَأَةٌ مِنْ خُزَاعَةَ، وَهِيَ أُمُّ أُبَيِّ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ

------------------------
[١] هَذِه الْجُمْلَة: «يعْنى الْمُسلمين» سَاقِطَة فِي أ.
[٢] نهكة الْأَمْوَال: نَقصهَا.
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «الْعقل» وَهُوَ تَحْرِيف.



(أَوَّلُ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ الرَّسُولِ فِي بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَبَنُو النَّجَّارِ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَبَا أُمَامَةَ، أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِهِ، وَبَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَقُولُونَ: بَلْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَمَّا مَعْبَدُ [١] بْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَحَدَّثَنِي فِي حَدِيثِهِ، عَنْ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، عَنْ أَبِيهِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ، ثُمَّ بَايَعَ بَعْدُ [٢] الْقَوْمُ.

(تَنْفِيرُ الشَّيْطَانِ لِمَنْ بَايَعَ فِي الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ):
فَلَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سَمِعْتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الْجُبَاجِبِ- وَالْجُبَاجِبُ: الْمَنَازِلُ [٣]- هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ [٤] وَالصُّبَاةُ [٥] مَعَهُ، قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذَا أَزَبُّ [٦] الْعَقَبَةِ، هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ أُزَيْبٍ [٧]- أَتَسْمَعُ [٨] أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاَللَّهِ لَأَفْرُغَنَّ لَكَ.

(اسْتِعْجَالُ الْمُبَايِعِينَ لِلْإِذْنِ بِالْحَرْبِ):
قَالَ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ارْفَضُّوا [٩] إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ:

----------------------
[١] كَذَا فِي ط. وَفِي أ: «قَالَ ابْن إِسْحَاق: فَحَدثني معبد بن كَعْب فِي حَدِيثه ... إِلَخ» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «قَالَ ابْن إِسْحَاق: قَالَ الزُّهْرِيّ: حَدثنِي معبد بن كَعْب بن مَالك، فَحَدثني فِي حَدِيثه ... إِلَخ»
[٢] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ، ط.
[٣] الْمنَازل: منَازِل منى. وأصل إِطْلَاق «الجباجب» على الْمنَازل، مَأْخُوذ من أَن الأوعية من الْأدم، كالزنبيل وَنَحْوه، تسمى: جبجبة، فَجعل الْخيام والمنازل لأَهْلهَا كالأوعية.
[٤] المذمم: المذموم جدا.
[٥] الصباة: جمع صابى، وَهُوَ الصَّابِئ (بِالْهَمْز) . وَكَانَ يُقَال للرجل إِذا أسلم فِي زمن النَّبِي ﷺ: «صابئ» . وَقد وَردت هَذِه الْكَلِمَة فِي الْأُصُول محرفة.
[٦] أزب الْعقبَة: اسْم شَيْطَان، ويروى بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الزاى. والأرب: الْقصير أَيْضا
[٧] فِي هَامِش الأَصْل: أزيب (الأولى): بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الزاى وَفتح الْيَاء (وَالثَّانيَِة) بِضَم الْهمزَة وَفتح الزاى وَسُكُون الْيَاء، كَمَا ضبط كَذَلِك فِي بعض النّسخ» . إِلَّا أَن هَذِه الصِّيغَة الثَّانِيَة لم ينص عَلَيْهَا فِي كتب اللُّغَة.
[٨] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول. «اسْتمع» .
[٩] ارفضوا: تفَرقُوا.



فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ: وَاَللَّهِ الَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ: إنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ [١] عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا؟ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارْجِعُوا إلَى رِحَالِكُمْ. قَالَ: فَرَجَعْنَا إلَى مَضَاجِعِنَا، فَنِمْنَا عَلَيْهَا حَتَّى أَصْبَحْنَا.

(غُدُوُّ قُرَيْشٍ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي شَأْنِ الْبَيْعَةِ):
(قَالَ) [٢]: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا غَدَتْ عَلَيْنَا جُلَّةُ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَاءُونَا فِي مَنَازِلِنَا، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ، إنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إلَى صَاحِبِنَا هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنْ الْعَرَبِ أَبْغَضُ إلَيْنَا، أَنْ تَنْشَبَ الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، مِنْكُمْ. قَالَ: فَانْبَعَثَ مَنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي قَوْمِنَا يَحْلِفُونَ باللَّه مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْنَاهُ. قَالَ: وَقَدْ صَدَقُوا، لَمْ يَعْلَمُوهُ. قَالَ: وَبَعْضُنَا يَنْظُرُ إلَى بَعْضٍ. قَالَ: ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ، وَفِيهِمْ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيُّ، وَعَلَيْهِ نَعْلَانِ لَهُ جَدِيدَانِ [٣] . قَالَ فَقُلْتُ لَهُ كَلِمَةً- كَأَنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْرَكَ الْقَوْمَ بِهَا فِيمَا قَالُوا-: يَا أَبَا جَابِرٍ، أَمَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَتَّخِذَ، وَأَنْتَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، مِثْلَ نَعْلَيْ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ؟
قَالَ: فَسَمِعَهَا الْحَارِثُ، فَخَلَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ ثُمَّ رَمَى بِهِمَا إلَيَّ، وَقَالَ: وَاَللَّهِ لِتَنْتَعِلَنَّهُمَا. قَالَ: يَقُولُ: أَبُو جَابِرٍ: مَهْ، أَحْفَظْتَ [٤] وَاَللَّهِ الْفَتَى، فَارْدُدْ إلَيْهِ نَعْلَيْهِ. قَالَ: قُلْتُ: وَاَللَّهِ لَا أَرُدُّهُمَا [٥]، فَأْلٌ وَاَللَّهِ صَالِحٌ، لَئِنْ صَدَقَ الْفَأْلُ لَأَسْلُبَنَّهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: أَنَّهُمْ أَتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ

----------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «لتميلن» بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة الْفَوْقِيَّة.
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. وَفِي أ: «جديدتان» قَالَ السهيليّ: «... والنعل مُؤَنّثَة، وَلَكِن لَا يُقَال: جَدِيدَة فِي الفصيح من الْكَلَام، وَإِنَّمَا يُقَال: ملحفة جَدِيد، لِأَنَّهَا فِي معنى مجدودة، أَي مَقْطُوعَة فَهِيَ من بَاب: كف خضيب، وَامْرَأَة قَتِيل. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: وَمن قَالَ: جَدِيدَة، فَإِنَّمَا أَرَادَ معنى حَدِيثَة.
أَرَادَ سِيبَوَيْهٍ أَن حَدِيثَة بِمَعْنى حَادِثَة، وكل فعيل بِمَعْنى فَاعل يدْخلهُ التَّاء فِي الْمُؤَنَّث» .
[٤] أحفظت: أغضبت.
[٥] فِي أ: «قَالَ» . وَهُوَ تَصْحِيف.



ابْن سَلُولَ، فَقَالُوا لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ كَعْبٌ مِنْ الْقَوْلِ، فَقَالَ لَهُمْ: (وَاَللَّهِ) [١] إنَّ هَذَا الْأَمْرَ جَسِيمٌ، مَا كَانَ قَوْمِي لِيَتَفَوَّتُوا [٢] عَلَيَّ بِمِثْلِ هَذَا، وَمَا عَلِمْتُهُ كَانَ. قَالَ:
فَانْصَرَفُوا عَنْهُ.

(خُرُوجُ قُرَيْشٍ فِي طَلَبِ الْأَنْصَارِ):
قَالَ: وَنَفَرَ النَّاسُ مِنْ مِنًى، فَتَنَطَّسَ [٣] الْقَوْمُ الْخَبَرَ، فَوَجَدُوهُ قَدْ كَانَ، وَخَرَجُوا فِي طَلَبِ الْقَوْمِ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِأَذَاخِرَ [٤]، وَالْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو، أَخَا بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكِلَاهُمَا كَانَ نَقِيبًا. فَأَمَّا الْمُنْذِرُ فَأَعْجَزَ الْقَوْمَ، وَأَمَّا سَعْدٌ فَأَخَذُوهُ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ بِنِسْعِ [٥] رَحْلِهِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ يَضْرِبُونَهُ، وَيَجْذِبُونَهُ بِجُمَّتِهِ [٦]، وَكَانَ ذَا شَعَرٍ كَثِيرٍ.

(خَلَاصُ ابْنِ عُبَادَةَ مِنْ أَسْرِ قُرَيْشٍ، وَمَا قِيلَ فِي ذَلِكَ مِنْ شِعْرٍ):
قَالَ سعد: فو الله إنِّي لَفِي أَيْدِيهمْ إذْ طَلَعَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ رَجُلٌ وَضِيءٌ أَبْيَضُ، شَعْشَاعٌ، حُلْوٌ مِنْ الرِّجَالِ [٧] .
قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إنْ يَكُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ هَذَا، قَالَ:
فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَفَعَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي [٨] لَكْمَةً شَدِيدَةً. قَالَ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا وَاَللَّهِ

--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] تفوت عَلَيْهِ بِكَذَا: فَاتَهُ بِهِ.
[٣] تنطس الْقَوْم الْخَبَر: أَي أَكْثرُوا الْبَحْث عَنهُ. والتنطس: تدقيق النّظر. قَالَ الراجز:
وَقد أكون عِنْدهَا نقريسا ... طِبًّا بأدواء النسا نطيسا
[٤] قَالَ ياقوت: «أذاخر (بِالْفَتْح وَالْخَاء الْمُعْجَمَة مَكْسُورَة) قَالَ ابْن إِسْحَاق: لما وصل رَسُول الله ﷺ إِلَى مَكَّة عَام الْفَتْح دخل من أذاخر، حَتَّى نزل بِأَعْلَى مَكَّة، وَضربت هُنَاكَ قُبَّته» .
[٥] النسع: الشرَاك الّذي يشد بِهِ الرحل.
[٦] الجمة: مُجْتَمع شعر الرَّأْس، وَهِي أَكثر من الوفرة، وَالْجمع: جمم.
[٧] كَذَا فِي أ. وَقد زَادَت سَائِر الْأُصُول بَين كلمتي «الرِّجَال» و«قَالَ» الْعبارَة الْآتِيَة: قَالَ ابْن هِشَام: الشعشاع الطَّوِيل الْحسن. قَالَ رؤبة:
يمطوه من شعشاع غير مودن
يعْنى: عنق الْبَعِير غير قصير، يَقُول: مودن الْيَد، أَي نَاقص الْيَد. يمطوه من السّير شعشاع حُلْو من الرِّجَال» .
[٨] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول. واللكم: الضَّرْب بِجمع الْكَفّ. وَفِي أ: «لطمني» .
٢٩- سيرة ابْن هِشَام- ١



مَا عِنْدَهُمْ بَعْدَ هَذَا مِنْ خير. قَالَ: فو الله إنِّي لَفِي أَيْدِيهِمْ يَسْحَبُونَنِي إذْ أَوَى [١] لِي رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُمْ، فَقَالَ وَيْحَكَ! أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ جِوَارٌ وَلَا عَهْدٌ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلَى، وَاَللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أُجِيرُ لِجُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمِ بْنِ عَدِيِّ ابْن نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ تِجَارَةً [٢]، وَأَمْنَعُهُمْ مِمَّنْ أَرَادَ ظُلْمَهُمْ بِبِلَادِي، وَلِلْحَارِثِ ابْن حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، قَالَ: وَيْحَكَ! فَاهْتِفْ بِاسْمِ الرَّجُلَيْنِ، وَاذْكُرْ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمَا. قَالَ: فَفَعَلْتُ، وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إلَيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: إنَّ رَجُلًا مِنْ الْخَزْرَجِ الْآنَ يُضْرَبُ بِالْأَبْطَحِ وَيَهْتِفُ [٣] بِكُمَا، وَيَذْكُرُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمَا جِوَارًا، قَالَا: وَمَنْ هُوَ؟ قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، قَالَا: صَدَقَ وَاَللَّهِ، إنْ كَانَ لَيُجِيرُ لَنَا تِجَارَنَا، وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يُظْلَمُوا بِبَلَدِهِ. قَالَ: فَجَاءَا فَخَلَّصَا سَعْدًا مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَانْطَلَقَ. وَكَانَ الَّذِي لَكَمَ [٤] سَعْدًا، سُهَيْلَ بن عَمْرو، أَخُو [٥] بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَكَانَ الرَّجُلُ الَّذِي أَوَى إلَيْهِ، أَبَا الْبَخْتَرِيِّ بْنَ هِشَامٍ [٦] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ أَوَّلُ شِعْرٍ قِيلَ فِي الْهِجْرَةِ بَيْتَيْنِ، قَالَهُمَا ضِرَارُ [٧] بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ مِرْدَاسٍ، أَخُو بَنِي مُحَارِبِ بْنِ فِهْرٍ (فَقَالَ):
تَدَارَكْتَ سَعْدًا [٨] عَنْوَةً فَأَخَذْتَهُ

-------------------------
[١] أَوَى لَهُ: رَحمَه ورق لَهُ. قَالَ الشَّاعِر: «
لَو أننى استأويته مَا أَوَى ليا
»
[٢] كَذَا فِي أ، ط. والتجار (بِكَسْر فَفتح، وبضم التَّاء مَعَ تَشْدِيد الْجِيم وَفتحهَا): جمع تَاجر.
وَفِي سَائِر الْأُصُول: «تِجَارَة» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ليهتف» .
[٤] فِي أ: «لطم» .
[٥] فِي أ: «أحد» .
[٦] فِي أ: «هَاشم» .
[٧] كَانَ ضرار شَاعِر قُرَيْش وفارسها، وَلم يكن فِي قُرَيْش أشعر مِنْهُ، ثمَّ ابْن الزبعري. وَكَانَ جد ضرار، وَهُوَ مرداس، رَئِيس بنى محَارب بن فهر فِي الْجَاهِلِيَّة، يسير فيهم بالرباع، وَهُوَ ربع الْغَنِيمَة، وَكَانَ أَبوهُ أَيَّام الْفجار رَئِيس بنى محَارب بن فهر. وَأسلم ضرار عَام الْفَتْح.
[٨] فِي الرَّوْض الْأنف: «عَمْرو» وَقَالَ السهيليّ فِي التَّعْلِيق عَلَيْهِ: يعْنى «بعمر»: عَمْرو بن خُنَيْس وَالِد الْمُنْذر. يَقُول: لست إِلَيْهِ وَلَا إِلَى ابْنه الْمُنْذر، أَي أَنْت أقل من ذَلِك.



وَكَانَ شِفَاءً لَوْ تَدَارَكْتَ مُنْذِرَا [١] ... وَلَوْ نِلْتُهُ طُلَّتْ هُنَاكَ جِرَاحُهُ [٢]
وَكَانَتْ حَرِيًّا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُرْوَى:
وَكَانَ حَقِيقًا أَنْ يُهَانَ وَيُهْدَرَا
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَأَجَابَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِيهِمَا [٤] فَقَالَ:
لَسْتَ إلَى سَعْدٍ وَلَا الْمَرْءِ مُنْذِرٍ ... إذَا مَا مَطَايَا الْقَوْمِ أَصْبَحْنَ ضُمَّرَا
فَلَوْلَا أَبُو وَهْبٍ لَمَرَّتْ قَصَائِدٌ ... عَلَى شَرَفِ الْبَرْقَاءِ يَهْوِينَ حُسَّرًا [٥]
أَتَفْخُرُ بِالْكَتَّانِ لَمَّا لَبِسْتَهُ ... وَقَدْ تَلْبَسُ الْأَنْبَاطُ رَيْطًا مُقَصَّرَا [٦]
فَلَا تَكُ كَالْوَسْنَانِ يَحْلُمُ أَنَّهُ ... بِقَرْيَةِ كِسْرَى أَوْ بِقَرْيَةِ قَيْصَرَا [٧]
وَلَا تَكُ كَالثَّكْلَى وَكَانَتْ بِمَعْزِلٍ ... عَنْ الثُّكْلِ لَوْ كَانَ الْفُؤَادُ تَفَكَّرَا [٨]
وَلَا تَكُ كَالشَّاةِ الَّتِي كَانَ حتفها ... بِحَفر ذِرَاعَيْهَا فَلَمْ تَرْضَ مَحْفَرَا [٩]
وَلَا تَكُ كَالْعَاوِي فَأَقْبَلَ نَحْرَهُ ... وَلَمْ يَخْشَهُ، سَهْمًا مِنْ النَّبْلِ مُضْمَرَا [١٠]

------------------------------
[١] عنْوَة: قسرا وقهرا. وَيُرِيد «الْمُنْذر» الْمُنْذر بن عَمْرو الّذي تقدم ذكره مَعَ سعد بن عبَادَة، والّذي أعجز الْقَوْم فَلم يلحقوه. يلومهما لتخليصهما سَعْدا، ويتمنى أَن لَو كَانَ سعيهما لطلب الْمُنْذر واللحاق بِهِ، لَا إِلَى تَخْلِيص سعد.
[٢] يُقَال: طل دَمه (بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول وبالبناء للمعلوم، وَالْأول أَكثر): إِذا هدر وَلم يثأر بِهِ.
[٣] فِي أ:
وَكَانَ جراحا أَن تهان وتهدرا
[٤] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.
[٥] قَالَ ياقوت: «البرقاء فِي الْبَادِيَة. قَالَ الراجز: «
يتْرك بالبرقاء شَيخا قد ثلب
» أَي سَاءَ جِسْمه وهزل. وحسرا: أضناها الإعياء.
[٦] الأنباط: قوم من الْعَجم. والريط: الملاحف الْبيض، الْوَاحِدَة: ريطة.
[٧] الْوَسْنَان: النَّائِم. وكسرى: لقب ملك الْفرس، وَقَيْصَر: لقب ملك الرّوم.
[٨] الثكلى: الَّتِي فقدت وَلَدهَا.
[٩] يُشِير بِهَذَا الْبَيْت إِلَى الْمثل الْقَدِيم فِيمَن أثار على نَفسه شرا: كالباحث عَن المدية.
وَأنْشد أَبُو عُثْمَان عَمْرو بن بَحر:
وَكَانَ يجير النَّاس من سيف مَالك ... فَأصْبح يبغى نَفسه من يجيرها
وَكَانَ كعنز السوء قَامَت بظلفها ... إِلَى مدية تَحت التُّرَاب تثيرها
[١٠] فِي ديوَان حسان طبع أوربا:
فَلَا تَكُ كالغاوى ... إِلَخ




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #48  
قديم 08-01-2026, 07:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (48)

صــ 451إلى صــ 460



فَإِنَّا وَمَنْ يُهْدِي الْقَصَائِدَ نَحْوَنَا ... كَمُسْتَبْضِعٍ تَمْرًا إلَى أَرْضِ [١] خَيْبَرَا [٢]

قِصَّةُ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ

(عُدْوَانُ قَوْمِ عَمْرٍو عَلَى صَنَمِهِ):
فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ بِهَا، وَفِي قَوْمِهِمْ بَقَايَا مِنْ شُيُوخٍ لَهُمْ عَلَى دِينِهِمْ مِنْ الشِّرْكِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ ابْن كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ، وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرٍو شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا، وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلِمَةَ، وَشَرِيفًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ قَدْ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مِنْ خَشَبٍ، يُقَالُ لَهُ: مَنَاةُ [٣]، كَمَا كَانَتْ الْأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، تَتَّخِذُهُ إلَهًا تُعَظِّمُهُ وَتُطَهِّرُهُ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلِمَةَ: مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعَاذُ بْنُ عَمْرِو (بْنِ الْجَمُوحِ) [٤]، فِي فِتْيَانٍ مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ الْعَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ بِاللَّيْلِ عَلَى صَنَمِ عَمْرٍو ذَلِكَ، فَيَحْمِلُونَهُ فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ [٥] النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! مَنْ عَدَا عَلَى آلِهَتِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ قَالَ:
ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إذَا وَجَدَهُ غَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاَللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكَ لَأُخْزِيَنَّهُ. فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا [٦] عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنْ الْأَذَى، فَيَغْسِلُهُ وَيُطَهِّرُهُ وَيُطَيِّبُهُ، ثُمَّ يَعْدُونَ عَلَيْهِ إذَا أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. فَلَمَّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ،

-----------------------
[١] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أهل» .
[٢] يُشِير بالشطر الثَّانِي إِلَى الْمثل الْمَعْرُوف: كمستبضع التَّمْر إِلَى خَيْبَر. وخيبر: موطن التَّمْر.
وَفِي معنى هَذَا الْبَيْت يَقُول النَّابِغَة الجعديّ:
وَإِن امْرأ أهْدى إِلَيْك قصيدة ... كمستبضع تَمرا إِلَى أَرض خيبرا
[٣] مَنَاة: مَأْخُوذ من قَوْلك: منيت الدَّم وَغَيره، إِذا صببته، لِأَن الدِّمَاء كَانَت تمنى عِنْده، تقربا إِلَيْهِ، وَمِنْه سميت الْأَصْنَام الدمى.
[٤] زِيَادَة عَن أ.
[٥] الْعذر: جمع عذرة، وَهِي فضلات النَّاس.
[٦] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «غدوا» بالغين الْمُعْجَمَة.


اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ يَوْمًا، فَغَسَلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا تَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ. فَلَمَّا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو، عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّيْفَ مِنْ عُنُقِهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيِّتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلِ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلِمَةَ، فِيهَا عِذَرٌ مِنْ عِذَرِ النَّاسِ، ثُمَّ غَدَا عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ الَّذِي كَانَ بِهِ.

(إسْلَامُ عَمْرٍو، وَشِعْرُهُ فِي ذَلِكَ):
فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبِ مَيِّتٍ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شَأْنَهُ، وَكَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ (رِجَالِ) [١] قَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ، وَحَسُنَ إسْلَامُهُ. فَقَالَ حِينَ أَسْلَمَ وَعَرَفَ مِنْ اللَّهِ مَا عَرَفَ، وَهُوَ يَذْكُرُ صَنَمَهُ ذَلِكَ وَمَا أَبْصَرَ مِنْ أَمْرِهِ، وَيَشْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى الَّذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ الْعَمَى وَالضَّلَالَةِ:
وَاَللَّهِ لَوْ كُنْتَ إلَهًا لَمْ تَكُنْ ... أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ [٢]
أُفٍّ لِمَلْقَاكَ إلَهًا مُسْتَدَنْ [٣] ... الْآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الْغَبَنْ [٤]
الْحَمْدُ للَّه الْعَلِيِّ ذِي المِنَنْ ... الْوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ [٥]
هُوَ الَّذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ ... أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ
بِأَحْمَدَ الْمَهْدِيِّ النَّبِيِّ الْمُرْتَهِنْ [٦]

--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ.
[٢] الْقرن: الْحَبل.
[٣] قَالَ أَبُو ذَر: «مستدن: ذليل مستعبد» . وَقَالَ السهيليّ: «مستدن، من السدَانَة، وَهِي خدمَة الْبَيْت وتعظيمه» .
[٤] الْغبن: السَّفه.
[٥] قَالَ السهيليّ فِي الْكَلَام على هَذَا الْبَيْت: وَقَوله «ديان الدَّين»، الدَّين: جمع دينة، وَهِي الْعَادة، وَيُقَال لَهَا: دين (أَيْضا) . وَقَالَ ابْن الطثرية، واسْمه يزِيد:
أرى سَبْعَة يسعون للوصل كلهم ... لَهُ عِنْد ليلى دينة يستدينها
فألقيت سهمي بَينهم حِين أوخشوا ... فَمَا صَار لي فِي الْقسم إِلَّا ثمينها
وَيجوز أَن يكون أَرَادَ «بِالدّينِ»: الْأَدْيَان، أَي هُوَ ديان أهل الْأَدْيَان، وَلَكِن جمعهَا على الدَّين، لِأَنَّهَا ملل وَنحل، كَمَا قَالُوا فِي جمع «الْحرَّة» حرائر، لِأَنَّهُنَّ فِي معنى الكرائم والعقائل، وَكَذَلِكَ مرائر الشّجر، وَإِن كَانَت الْوَاحِدَة مرّة، وَلكنهَا فِي معنى فعيلة، لِأَنَّهَا عسيرة فِي الذَّوْق، وشديدة على الْأكل، وكريهة إِلَيْهِ» .
[٦] هَذَا الشّطْر سَاقِط فِي أ، ط.



شُرُوطُ الْبَيْعَةِ فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَكَانَتْ [١] بَيْعَةَ الْحَرْبِ، حِينَ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ (ﷺ) [٢] فِي الْقِتَالِ شُرُوطًا سِوَى شَرْطِهِ عَلَيْهِمْ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى، كَانَتْ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَايَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي الْعَقَبَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى حَرْبِ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْتَرَطَ عَلَى الْقَوْمِ لِرَبِّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الْوَفَاءِ بِذَلِكَ الْجَنَّةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي عُبَادَةُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، عَنْ أَبِيهِ الْوَلِيدِ، عَنْ جَدِّهِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ، قَالَ:
بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْعَةَ الْحَرْبِ- وَكَانَ عُبَادَةُ مِنْ الِاثْنَيْ عَشَرَ الَّذِينَ بَايَعُوهُ فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءِ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فِي عُسْرِنَا وَيُسْرِنَا وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ بِالْحَقِّ أَيْنَمَا كُنَّا، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ.

أَسَمَاءُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ

(عَدَدُهُمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَهَذَا تَسْمِيَةُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِهَا مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَسَبْعِينَ رَجُلًا وَامْرَأَتَيْنِ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ الْأَوْسِ ابْنُ حَارِثَةَ وَبَنِيَّ عَبْدِ الْأَشْهَلِ):
شَهِدَهَا مِنْ الْأَوْس بن حَارِثَة بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ ابْنِ جُشَمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ [٣] مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ أُسَيْدُ [٤]

-------------------------
[١] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «وَكَانَ» .
[٢] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٣] فِي أهنا «عَمْرو بن عَامر ... إِلَخ» . وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] يكنى أسيد: أَبَا عِيسَى، وَقيل غير ذَلِك. أسلم قبل سعد بن معَاذ على يَد مُصعب بن عُمَيْر، وجرح



ابْن حُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكِ بْنِ رَافِعِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ، نَقِيبٌ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا. وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَاسْمُهُ [١] مَالِكٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَسَلَمَةُ بْنُ سَلَامَةَ بْنِ وَقْشِ بْنِ زِغْبَةَ [٢] بْنِ زَعُورَاءَ [٣] بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ [٤]، شَهِدَ بَدْرًا، ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ وَيُقَالُ: ابْنُ زَعَوْرَاءَ (بِفَتْحِ الْعَيْنِ) .

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: ظُهَيْرُ [٥] بْنُ رَافِعِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُشَمَ بْنِ حَارِثَةَ. وَأَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ [٦]، وَاسْمُهُ هَانِئُ بْنِ نِيَارِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ [٧] بْنِ كِلَابِ بْنِ دُهْمَانَ بْنِ غَنْمِ ابْن ذُبْيَانَ بْنِ هُمَيْمِ بْنِ كَامِلِ [٨] بْنِ ذُهْلِ بْنِ هَنِيِّ [٩] . بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَافِّ بْنِ قُضَاعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، شَهِدَ بَدْرًا [١٠] . وَنُهَيْرُ بْنُ الْهَيْثَمِ، مِنْ بَنِي نَابِي بْنِ مَجْدَعَةَ ابْن حَارِثَةَ، (بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ) [١١]، (ثُمَّ

-------------------------
[()] يَوْم أحد سبع جراحات، وَثَبت مَعَ رَسُول الله ﷺ حِين انْكَشَفَ النَّاس، وَكَانَت وَفَاته فِي شعْبَان سنة ٢٠ هـ، وَقيل: إِحْدَى وَعشْرين.
[١] هُوَ مَالك بن التيهَان بن مَالك بن عبيد بن عمر بن عبد الأعلم، أَبُو الْهَيْثَم الْبلوى، من بلَى بن الحاف ابْن قضاعة. ثمَّ الْأنْصَارِيّ، حَلِيف بنى عبد الْأَشْهَل، شهد بَدْرًا وأحدا والمشاهد كلهَا، وَتوفى فِي خلَافَة عمر بِالْمَدِينَةِ سنة ٢٠ هـ، وَقيل غير ذَلِك.
[٢] كَذَا فِي أ، والاستيعاب والقاموس (مَادَّة وقش) . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «زعبة» بِالْعينِ الْمُهْملَة، وَهُوَ تَصْحِيف.
[٣] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول والاستيعاب. وَفِي أ: «زعوار» .
[٤] وَأم سَلمَة: سلمى بنت سَلمَة بن خَالِد بن عدي، أنصارية حارثية. ويكنى سَلمَة: أَبَا عَوْف، شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا، وَاسْتَعْملهُ عمر رضي الله عنه على الْيَمَامَة، وَتوفى سنة خمس وَأَرْبَعين.
[٥] هُوَ عَم رَافع بن خديج، ووالد أسيد بن ظهير. لم يشْهد بَدْرًا، وَشهد أحدا وَمَا بعْدهَا من الْمشَاهد هُوَ وَأَخُوهُ مظهر بن رَافع.
[٦] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، والاستيعاب. والقاموس (مَادَّة نير) . وَفِي م: «دِينَار» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٧] فِي أ: «عبيد بن كلاب بن دهمان بن غنم بن ذهل بن هميم بن كَاهِل بن ذهل» .
[٨] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب، وَفِي الْأُصُول: «كَاهِل» .
[٩] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ذهني» .
[١٠] وَشهد هَانِئ أَيْضا سَائِر الْمشَاهد، وَمَات سنة خمس وَأَرْبَعين، وَقيل: سنة اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعين.
[١١] زِيَادَة عَن أ.



مِنْ آلِ السَّوَّافِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ) [١] . ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ: سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كَعْبِ بْنِ النَّحَّاطِ بْنِ كَعْبِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ السَّلْمِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ابْن مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، فَقُتِلَ بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَهِيدًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَنَسَبَهُ ابْنُ إسْحَاقَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَهُوَ مِنْ بَنِي غَنْمِ ابْن السَّلْمِ، لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَتْ دَعْوَةُ الرَّجُلِ فِي الْقَوْمِ، وَيَكُونُ فِيهِمْ فَيُنْسَبُ إلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرَ [٢] بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ [٣] بْنِ زَيْدِ ابْن مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرٍو، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرِ بْنِ النُّعْمَانِ ابْن أُمَيَّةَ بْنِ الْبُرَكِ- وَاسْمُ الْبُرَكِ: امْرُؤُ الْقَيْسِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو (بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ) [٤]- شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى الرُّمَاةِ، وَيُقَالُ: أُمَيَّةُ بْنُ الْبَرْكِ [٥]، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمَعْنُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْجَدِّ [٦] بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ (حَارِثَةَ) [٤] بْنِ ضُبَيْعَةَ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه. وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ. خَمْسَةُ نَفَرٍ.
فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ الْخَزْرَجِ بْنُ حَارِثَةَ):
وَشَهِدَهَا مِنْ الْخَزْرَجِ بْنُ حَارِثَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ، ثُمَّ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ، وَهُوَ تَيْمُ اللَّهِ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ: أَبُو أَيُّوبَ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ زَيْدِ

--------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ، ط.
[٢] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي م: «زنير» . وَفِي الِاسْتِيعَاب: «زبير» .
[٣] فِي م: «ابْن أَبى أُميَّة» .
[٤] زِيَادَة عَن أ:
[٥] فِي هَامِش م: «البرك (الأولى) بِضَم الْبَاء وَفتح الرَّاء، (وَالثَّانيَِة) بِفَتْح الْبَاء وَسُكُون الرَّاء» .
[٦] فِي أ: «الْحل»، وَهُوَ تَحْرِيف.



ابْن كُلَيْبِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، مَاتَ بِأَرْضِ الرُّومِ غَازِيًا فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَمُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، وَهُوَ ابْنُ عَفْرَاءَ. وَأَخُوهُ عَوْفُ [١] بْنُ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهِ شَهِيدًا، وَهُوَ (لِعَفْرَاءَ. وَأَخُوهُ مُعَوَّذُ بْنُ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ بِهِ شَهِيدًا) [٢]، وَهُوَ الَّذِي قَتَلَ أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهُوَ لِعَفْرَاءَ- وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ سَوَادٍ، فِيمَا قَالَ ابْنُ هِشَامٍ- وَعُمَارَةُ بْنُ حَزْمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ.
شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا، قُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه. وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، نَقِيبٌ، مَاتَ قَبْلَ بَدْرٍ وَمَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُبْنَى، وَهُوَ أَبُو أُمَامَةَ. سِتَّةُ نَفَرٍ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَبْذُولٍ- وَمَبْذُولٌ: عَامِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ-: سَهْلُ ابْن عَتِيكِ بْنِ نُعْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتِيكِ بْنِ عَمْرٍو، شَهِدَ بَدْرًا. رَجُلٌ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكٍ):
وَمِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ، وَهُمْ بَنُو حُدَيْلَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: حُدَيْلَةُ:
بِنْتُ مَالِكِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ [٣] بْنِ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ ابْن الْخَزْرَجِ- أَوْسُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ (بْنِ النَّجَّارِ) [٢]، شَهِدَ بَدْرًا [٤] . وَأَبُو طَلْحَةَ، وَهُوَ زَيْدُ [٥] بْنُ سَهْلِ

------------------------
[١] وَيُقَال فِيهِ: عوذ (بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة) .
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] فِي م: «زيد الله» .
[٤] وَقتل أَوْس يَوْم أحد شَهِيدا، وَهُوَ أَخُو حسان بن ثَابت الشَّاعِر.
[٥] وَهُوَ ربيب أنس بن مَالك، وَكَانَت وَفَاته سنة إِحْدَى وَخمسين.



ابْن الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ (بْنِ النَّجَّارِ) [١] شَهِدَ بَدْرًا. رَجُلَانِ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ، قَيْسُ بْنُ أَبِي صَعْصَعَةَ، وَاسْمُ أَبِي صَعْصَعَةَ:
عَمْرُو بْنُ زَيْدِ بْنِ عَوْفِ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَعَلَهُ عَلَى السَّاقَةِ يَوْمئِذٍ. وَعَمْرُو بْنُ غُزَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ [٢] خَنْسَاءَ بْنِ مَبْذُولِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ. رَجُلَانِ. فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا.

(تَصْوِيبُ نَسَبِ عَمْرِو بْنِ غُزَيَّةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عَمْرُو بْنُ غُزَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَنْسَاءَ، هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ، إنَّمَا هُوَ غُزَيَّةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَلْحارثِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكٍ (الْأَغَرِّ) [٣] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ ابْن أَبِي زُهَيْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكِ (الْأَغَرِّ) [٣] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ ابْن الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ (ابْنِ ثَعْلَبَةَ) [٣] بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ (الْأَكْبَرِ) [٣] بْنِ مَالِكِ (الْأَغَرِّ) [٣] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَشَاهِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّهَا، إلَّا الْفَتْحَ وَمَا بَعْدَهُ، وَقُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ شَهِيدًا أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ. وَبَشِيرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ خِلَاسِ [٤] بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْحَارِثِ، أَبُو النُّعْمَانِ

-----------------------------
[١] زِيَادَة عَن أ:
[٢] فِي أ: «بن ثَعْلَبَة بن عَطِيَّة ... إِلَخ» .
[٣] زِيَادَة عَن الِاسْتِيعَاب.
[٤] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب، وَفِي أَكثر الْأُصُول: «جلاس» بِالْجِيم. وَقد سقط فِي أمعظم هَذَا السَّنَد.



ابْن بَشِيرٍ، شَهِدَ بَدْرًا [١] . وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ [٢] بْنِ زَيْدِ (مَنَاةِ) [٣] ابْن الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ [٤]، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ الَّذِي أُرِيَ النِّدَاءَ لِلصَّلَاةِ، فَجَاءَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِهِ [٥] . وَخَلَّادُ بْنُ سُوِيدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو ابْن حَارِثَةَ بْنِ امْرِئِ الْقِيسِ بْنِ مَالِكِ (الْأَغَرِّ) [٦] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ [٤]، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ، وَقُتِلَ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ شَهِيدًا، طُرِحَتْ عَلَيْهِ رَحَى مِنْ أُطُمٍ مِنْ أُطَامِهَا فَشَدَخَتْهُ شَدْخًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ- فِيمَا يَذْكُرُونَ-: إنَّ لَهُ لَأَجْرَ شَهِيدَيْنِ. وَعُقْبَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَسِيرَةَ ابْن عُسَيْرةَ بْنِ جَدَارَةَ [٧] بْنِ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ (بْنِ الْخَزْرَجِ) [٣]، وَهُوَ أَبُو مَسْعُودٍ وَكَانَ أَحْدَثَ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ سِنًّا، (مَاتَ فِي أَيَّامِ مُعَاوِيَةَ) [٨]، لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا.
سَبْعَةُ نَفَرٍ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ بْنِ عَامِرٍ):
وَمِنْ بَنِي بَياضَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ (بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ) [٨]: زِيَادُ بْنُ لَبِيَدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ أُمَيَّةَ ابْن بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا [٩] . وَفَرْوَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ وَذْفَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: وَدْفَةُ [١٠] .

-------------------------
[١] وَشهد بشير أحدا والمشاهد بعْدهَا، وَيُقَال: إِنَّه هُوَ أول من بَايع أَبَا بكر الصّديق يَوْم السَّقِيفَة من الْأَنْصَار، وَقيل وَهُوَ مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد بِعَين التَّمْر فِي خلَافَة أَبى بكر.
[٢] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب، وَفِي الْأُصُول «عبد ربه» .
[٣] زِيَادَة عَن أ.
[٤] فِي م: «ابْن الْخَزْرَج بن الْحَارِث» .
[٥] وَتوفى عبد الله بِالْمَدِينَةِ سنة اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
[٦] زِيَادَة عَن الِاسْتِيعَاب.
[٧] جدارة، هُوَ بِفَتْح الْجِيم وَكسرهَا، وَقَيده الدارقطنيّ بِكَسْر الْجِيم، ويروى «خدارة» بخاء مُعْجمَة مَضْمُومَة، وَهُوَ أَخُو خدرة الّذي ينْسب إِلَيْهِ أَبُو سعيد الخدريّ.
[٨] زِيَادَة عَن م.
[٩] وَشهد زِيَاد أَيْضا أحدا وَالْخَنْدَق والمشاهد كلهَا، وَاسْتَعْملهُ رَسُول الله ﷺ على حَضرمَوْت. وَمَات زِيَاد فِي خلَافَة مُعَاوِيَة.
[١٠] كَذَا فِي الْأُصُول. وَفِي الِاسْتِيعَاب: «ودفة» قَالَ السهيليّ فِي الْكَلَام على «وذفة»: «وَذكر فِي بنى بياضة: عَمْرو بن وذقة، بذال مُعْجمَة. وَقَالَ ابْن هِشَام: ودفة: بدال مُهْملَة، وَهُوَ الْأَصَح ...



قَالَ ابْنُ إسْحَاقٍ: وَخَالِدُ بْنُ قِيسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ [١] بْنِ عَامِرِ بْنِ بَيَاضَةَ، شَهِدَ بَدْرًا. ثَلَاثَةُ نَفَرٍ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ):
وَمِنْ بَنِي زُرَيْقِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقِ بْنِ عَبْدِ حَارِثَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَضْبِ بْنِ جُشَمِ ابْن الْخَزْرَجِ: رَافِعُ [٢] بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، نَقِيبٌ.
وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قِيسِ بْنِ خَلْدَةَ بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَكَانَ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَكَانَ مَعَهُ بِمَكَّةَ وَهَاجَرَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، شَهِدَ بَدْرًا وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا. وَعَبَّادُ [٣] بْنُ قِيسِ بْنِ عَامِرِ بْنِ خَلْدَةَ [٤] بْنِ مُخَلَّدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَالْحَارِثُ بْنُ قِيسِ بْنِ خَالِدِ [٥] بْنِ مُخَلَّدِ [٦] بْنِ عَامِرِ بْنِ زُرَيْقٍ، وَهُوَ أَبُو خَالِدٍ [٦] شَهِدَ بَدْرًا. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدٍ):
وَمِنْ بَنِي سَلِمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ تَزِيدَ بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ ابْن صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمٍ، نَقِيبٌ، وَهُوَ الَّذِي تَزْعُمُ

---------------------------
[()] وَعمر بن ودفة هَذَا هُوَ البياضي الّذي روى عَنهُ مَالك فِي كتاب الصَّلَاة وَلم يسمعهُ» . وَقَالَ أَبُو ذَر: «ذكره ابْن إِسْحَاق»: وذفة، أعنى بذال مُعْجمَة. قَالَ ابْن هِشَام: وَيُقَال: ودفة، يعْنى بدال مُهْملَة. وَمن رَوَاهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة، فَهُوَ من: توذف فِي مشيته إِذا تبختر، وَيُقَال: إِذا أسْرع، وَمن رَوَاهُ بِالدَّال الْمُهْملَة فَهُوَ من ودفت الشحمة: إِذا قطرت، واستودفتها أَنا، وبالدال الْمُهْملَة ذكره صَاحب كتاب الْعين، قَالَ:
ودفة: اسْم رجل. وَقَالَ ابْن الظريف: ودف الْمَطَر، وَغَيره ودفا قطر، وَقد قَالُوا أَيْضا: وذف (بِالذَّالِ الْمُعْجَمَة) بذلك الْمَعْنى» .
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «الْجعلَان» .
[٢] يكنى رَافع: أَبَا مَالك، وَقد قتل يَوْم أحد شَهِيدا.
[٣] فِي أ: «عبَادَة»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٤] كَذَا فِي أ، ط. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خَالِد» .
[٥] كَذَا فِي أ، ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «خلدَة» .
[٦] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ.



بَنُو سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَشَرَطَ لَهُ، وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِ، ثُمَّ تُوُفِّيَ قَبْلَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ. وَابْنُهُ بِشْرُ بْنُ الْبَراء بن معزور، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَمَاتَ بِخَيْبَرٍ مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنْ الشَّاةِ الَّتِي سُمَّ فِيهَا- وَهُوَ الَّذِي قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَيْنَ سَأَلَ بَنِي سَلَمَةَ: مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟
فَقَالُوا: الْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، عَلَى بُخْلِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:
وَأَيُّ دَاءٍ أَكْبَرُ مِنْ الْبُخْلِ! سَيِّدُ بَنِي سَلِمَةَ الْأَبْيَضُ الْجَعْدُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ [١]-. وَسِنَانُ بْنُ صَيْفَى بْنِ صَخْرِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، (وَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا) [٢] . وَالطُّفَيْلُ [٣] بْنُ النُّعْمَانِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَهِيدًا. وَمَعْقِلُ بْنُ الْمُنْذِرِ بْنِ سَرْحِ ابْن خُنَاسِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، [٤] شَهِدَ بَدْرًا. و(أَخُوهُ) [٢] يَزِيدُ بْنُ الْمُنْذِرِ، شَهِدَ بَدْرًا. وَمَسْعُودُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَالضَّحَّاكُ ابْن حَارِثَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَيَزِيدُ بْنُ حَرَامِ [٥] بْنِ سُبَيْعِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ. وَجُبَارُ بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانَ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: جَبَّارُ [٦] بْنُ صَخْرِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ خُنَاسٍ [٧] .

-------------------------
[١] وروى عَن الزُّهْرِيّ وعامر الشّعبِيّ أَنَّهُمَا قَالَا فِي هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ: «بل سيدكم عَمْرو بن الجموح» . وَقَالَ شَاعِر الْأَنْصَار فِي ذَلِك:
وَقَالَ رَسُول الله وَالْحق قَوْله ... لمن قَالَ منا: من تَعدونَ سيدا
فَقَالُوا لَهُ جد بن قيس على الَّتِي ... نبخله فِينَا وَمَا كَانَ أسودا
فسود عَمْرو بن الجموح لجوده ... وَحقّ لعَمْرو عندنَا أَن يسودا
[٢] زِيَادَة عَن أ.
[٣] وَيُقَال: هُوَ الطُّفَيْل بن مَالك بن النُّعْمَان ... إِلَخ.
[٤] فِي الْأُصُول هُنَا: «عبد» (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .
[٥] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي الْأُصُول: «خذام» .
[٦] فِي هَامِش م: «جَبَّار (هُنَا): بِفَتْح الْجِيم وَتَشْديد الْبَاء الْمُوَحدَة، وَضبط الأول بِضَم الْجِيم وَتَخْفِيف الْمُوَحدَة» .
[٧] لَعَلَّه «خُنَيْس» . (رَاجع الِاسْتِيعَاب) .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #49  
قديم 08-01-2026, 07:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (49)

صــ 461إلى صــ 470



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالطُّفَيْلُ [١] بْنُ مَالِكِ بْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدٍ، شَهِدَ بَدْرًا.
أَحَدَ [٢] عَشَرَ رَجُلًا.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ، ثُمَّ مِنْ بَنِي كَعْبِ بْنِ سَوَادٍ:
كَعْبُ [٣] بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي كَعْبِ بْنِ الْقَيْنِ بْنِ كَعْبٍ. رَجُلٌ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ):
وَمِنْ بَنِي غَنْمِ بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ: سُلَيْمُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حُدَيْدَةَ ابْن عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا. وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ [٤] بْنِ حُدَيْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ [٥]، شَهِدَ بَدْرًا. و(أَخُوهُ) [٦] يَزِيدُ بْنُ عَامِرِ بْنِ حُدَيْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ، وَهُوَ أَبُو الْمُنْذِرِ، شَهِدَ بَدْرًا. وَأَبُو الْيَسَرِ، وَاسْمُهُ كَعْبُ [٧] بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو ابْن غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا [٨] . وَصَيْفِيُّ بْنُ سَوَادِ بْنِ عَبَّادِ [٩] بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمٍ خَمْسَةُ نَفَرٍ.

(تَصْوِيبُ اسْمِ صَيْفِيٍّ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: صَيْفِيُّ بْنُ أَسْوَدَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ سَوَادٍ، وَلَيْسَ لِسَوَادٍ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ: غَنْمٌ.

---------------------------
[١] تقدم فِي الْكَلَام على بنى سَلمَة اسْم الطُّفَيْل بن النُّعْمَان، وَذكر هُنَا باسم الطُّفَيْل بن مَالك بن النُّعْمَان.
وَقد ذكر ابْن عبد الْبر أَنَّهُمَا شخص وَاحِد.
[٢] فِي م: «إِحْدَى» وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] وَلم يشْهد كَعْب بَدْرًا، وَشهد أحدا والمشاهد كلهَا حاشا تَبُوك، وَتوفى فِي زمن مُعَاوِيَة سنة ٥٠ هـ.
[٤] وَيُقَال: «عَمْرو» .
[٥] سَاق ابْن عبد الْبر نسب قُطْبَة هَذَا نقلا عَن ابْن إِسْحَاق فَقَالَ: هُوَ قُطْبَة بن عَامر بن حَدِيدَة بن عمر ابْن سَواد بن غنم بن كَعْب بن سَلمَة الخزرجي.
[٦] زِيَادَة عَن أ.
[٧] فِي الِاسْتِيعَاب: «كَعْب بن عمر بن عباد بن عمر بن سَواد» .
[٨] وَمَات كَعْب بِالْمَدِينَةِ سنة ٥٥ هـ.
[٩] فِي م: «عَبَّاس»، وَهُوَ تَحْرِيف.


(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرٍو):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ:
ثَعْلَبَةُ بْنُ غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي [١]، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالْخَنْدَقِ شَهِيدًا. وَعَمْرُو ابْن غَنَمَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، وَعَبْسُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي، شَهِدَ بَدْرًا.
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ قُضَاعَةَ. وَخَالِدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي.
خَمْسَةُ نَفَرٍ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ:
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَرَامٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، وَابْنُهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ. وَمَعَاذُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ بْنِ يَزِيدَ [٢] بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا [٣] . وَثَابِتُ بْنُ الْجِذْعِ- وَالْجِذْعُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ- شَهِدَ بَدْرًا، وَقُتِلَ بِالطَّائِفِ شَهِيدًا. وَعُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ ثَعْلَبَةَ [٤] بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَرَامٍ، شَهِدَ بَدْرًا. قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: عُمَيْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ لَبْدَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَخَدِيجُ [٥] بْنُ سَلَامَةَ بْنِ أَوْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْفُرَافِرِ [٦]، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَلِيٍّ. وَمَعَاذُ بْنُ جَبَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسِ بْنِ عَائِذِ [٧] بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَدَّى [٨] بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدٍ، وَيُقَالُ: أَسَدُ بْنُ سَارِدَةَ

-------------------------
[١] كَذَا فِي الْأُصُول وَأسد الغابة. وَفِي الِاسْتِيعَاب: «هَانِئ» .
[٢] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي الْأُصُول: «زيد» .
[٣] وَمَات معَاذ فِي خلَافَة عُثْمَان رضي الله عنه.
[٤] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ثَعْلَبَة بن زيد بن الْحَارِث» .
[٥] خديج، بخاء منقوطة مَفْتُوحَة، ودال مَكْسُورَة، كَذَا ذكره الدارقطنيّ وَغَيره. وَذكر الطَّبَرِيّ وَقَالَ: شهد الْعقبَة وَلم يشْهد بَدْرًا. وَقَالَ: يكنى أَبَا رشيد. (رَاجع الرَّوْض الْأنف) .
[٦] الفرافر، يرْوى بِالْفَاءِ وَالْقَاف، قَيده الدارقطنيّ لَا غير (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر) .
[٧] كَذَا فِي الِاسْتِيعَاب. وَفِي الْأُصُول: «عَائِد بن عدي بن كَعْب» .
[٨] كَذَا فِي الرَّوْض الْأنف، وَفِي أ: «أذن» . وَفِي سَائِر الْأُصُول: «أد» وَهُوَ تَحْرِيف. قَالَ



ابْن تَزِيدَ [١] بْنِ جُشَمِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ فِي بَنِي سَلَمَةَ، شَهِدَ بَدْرًا، وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا وَمَاتَ بِعِمْوَاسَ [٢]، عَامَ الطَّاعُونِ بِالشَّامِ، فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، وَإِنَّمَا ادَّعَتْهُ بَنُو سَلَمَةَ أَنَّهُ كَانَ أَخَا سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ قِيسِ بْنِ صَخْرِ ابْنِ خَنْسَاءَ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ لِأُمِّهِ. سَبْعَةُ نَفَرٍ.

(تَصْوِيبُ نَسَبِ خَدِيجِ بْنِ سَلَامَةَ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَوْسٌ: ابْنُ عَبَّادِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُذَنِ [٣] بْنِ سَعْدٍ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو ابْن عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قِيسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: هُوَ غَنْمُ بْنُ عَوْفٍ، أَخُو سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ ابْن الْخَزْرَجِ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَالْعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْعِجْلَانِ بْنِ زَيْدِ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِمَكَّةَ، فَأَقَامَ مَعَهُ بِهَا، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ [٤]: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ، وَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا.

--------------------------
[()] السهيليّ: «وَذكر معَاذ بن جبل وَنسبه إِلَى أدّى بن سعد بن على، أخى سَلمَة. وَقد انقرض عقب أدّى، وَآخر من مَاتَ مِنْهُم عبد الرَّحْمَن بن معَاذ بن جبل. وَقد يُقَال فِي أدّى (أَيْضا) أذن، فِي غير رِوَايَة ابْن إِسْحَاق وَابْن هِشَام» .
[١] فِي الِاسْتِيعَاب: «يزِيد» .
[٢] عمواس (بِكَسْر أَوله وَسُكُون الثَّانِي، أَو بِفَتْح أَوله وثانيه): كورة بفلسطين بِالْقربِ من بَيت الْمُقَدّس. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٣] فِي الْأُصُول: هُنَا «أدّى» وَمَا أَثْبَتْنَاهُ أصوب، تمشيا مَعَ مَا سقناه عَن السهيليّ فِي الْحَاشِيَة الأولى من هَذِه الصفحة.
[٤] فِي م: «لَهَا»، وَهُوَ تَحْرِيف.



وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ [١] يَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ بْنِ خَزَمَةَ [٢] بْنِ أَصْرَمَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَمَّارَةَ [٣]، حَلِيفٌ لَهُمْ مِنْ بَنِي غُصَيْنَةَ [٤] مِنْ بَلِيٍّ. وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ لَبْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ. أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، وَهُمْ الْقَوَاقِلُ [٥] .

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ):
وَمِنْ بَنِي سَالِمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ بَنُو الْحُبُلِيِّ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ:
الْحُبُلِيُّ [٦]: سَالِمُ بْنُ غَنْمِ بْنِ عَوْفٍ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ «الْحُبُلِيَّ- لِعِظَمِ بَطْنِهِ-: رِفَاعَةُ ابْن عَمْرِو بْنِ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمٍ، شَهِدَ بَدْرًا، وَهُوَ أَبُو الْوَلِيدِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: رِفَاعَةُ: ابْنُ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ: ابْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْن مَالِكِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ جُشَمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَعُقْبَةُ بْنُ وَهْبِ بْنِ كِلْدَةَ بْنِ الْجَعْدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ ابْن عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ جُشَمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ بُهْثَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَطَفانَ بْنِ سَعْدِ بْنِ قِيسِ بْنِ عَيْلَانَ، حَلِيفٌ لَهُمْ، شَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ مِمَّنْ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُهَاجِرًا مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكَّةَ، فَكَانَ يُقَالُ لَهُ: مُهَاجِرِيٌّ أَنْصَارِيٌّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: رَجُلَانِ.

-----------------------
[١] فِي م: «وَأَبُو عبد الرَّحْمَن بن يزِيد»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٢] خزمة، هُوَ بِسُكُون الزاى عِنْد ابْن إِسْحَاق وَابْن الْكَلْبِيّ، وبتحريكها عِنْد الطَّبَرِيّ، وَهُوَ الصَّوَاب. (رَاجع الرَّوْض الْأنف والاستيعاب) .
[٣] عمَارَة، هِيَ بِفَتْح الْعين وَتَشْديد الْمِيم، وَلَا يعرف «عمَارَة» فِي الْعَرَب إِلَّا هَذَا، كَمَا لَا يعرف «عمَارَة» بِكَسْر الْعين إِلَّا أَبى بن عمَارَة الّذي يرْوى حَدِيثا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَقد قيل فِيهِ: عمَارَة بِضَم الْعين. وَأما مَا سوى هذَيْن فعمارة بِالضَّمِّ. (رَاجع الرَّوْض، ومختلف الْقَبَائِل ومختلفها والمشتبه للذهبى) .
[٤] فِي أ: «عصينة» بِالْعينِ الْمُهْملَة.
[٥] قد تقدم الْكَلَام على القواقل فِي هَذَا الْجُزْء.
[٦] قَالَ السهيليّ: «وَذكر بنى الحبلى، وَالنّسب إِلَيْهِم: حُبْلَى، بِضَم الْحَاء وَالْبَاء، قَالَه سِيبَوَيْهٍ على غير قِيَاس النّسَب، وتوهم بعض من ألف فِي الْعَرَبيَّة أَن سِيبَوَيْهٍ قَالَ فِيهِ: حُبْلَى، بِفَتْح الْبَاء لما ذكره مَعَ جذمي فِي النّسَب إِلَى «جذيمة» . وَلم يذكرهُ سِيبَوَيْهٍ مَعَه لِأَنَّهُ على وَزنه، وَلَكِن لِأَنَّهُ شَاذ مثله فِي الْقيَاس الّذي ذَكرْنَاهُ عَن سِيبَوَيْهٍ من تقيده بِالضَّمِّ، ذكره أَبُو على القالي فِي البارع. وَقَالَ: هَكَذَا تقيد فِي النّسخ الصَّحِيحَة من سِيبَوَيْهٍ، فَدلَّ هَذَا كُله على غلط من نسب إِلَى سِيبَوَيْهٍ أَنه فتح الْبَاء» .
٣٠- سيرة ابْن هِشَام- ١



(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمِنْ بَنِي سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ [١] بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ طَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ [٢] وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خُنَيْسِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَبْدِ وُدَّ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ ابْن جُشَمِ [٣] بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ، نَقِيبٌ، شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا، وَقُتِلَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ أَمِيرًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ: أَعْنَقَ لِيَمُوتَ [٤] . رَجُلَانِ.
(قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ: الْمُنْذِرُ: ابْنُ عَمْرِو بْنِ خَنْشٍ) [٥] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَجَمِيعُ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ مِنْهُمْ، يُزْعِمُونَ أَنَّهُمَا قَدْ بَايَعَتَا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ، إنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ، قَالَ: اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايَعَتْكُنَّ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ):
وَمِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ: نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ مِنْ مَبْذُولِ ابْن عَمْرِو بْنِ غَنْمِ بْنِ مَازِنٍ، وَهِيَ أُمُّ عِمَارَةَ، كَانَتْ شَهِدَتْ الْحَرْبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَشَهِدَتْ مَعَهَا أُخْتُهَا. وَزَوْجُهَا زَيْدُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ كَعْبٍ.
وَابْنَاهَا: حَبِيبُ [٦] بْنُ زَيْدِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ، وَابْنُهَا حَبِيبٌ [٦] الَّذِي أَخَذَهُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ الْحَنَفِيُّ، صَاحِبُ الْيَمَامَةِ، فَجَعَلَ يَقُولُ لَهُ: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: أَفَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لَا أَسْمَعُ، فَجَعَلَ يُقَطِّعُهُ عُضْوًا عُضْوًا حَتَّى مَاتَ فِي يَدِهِ، لَا يَزِيدُهُ عَلَى ذَلِكَ، إذَا ذُكِرَ لَهُ

--------------------------
[١] وَيُقَال: ابْن أَبى حليمة.
[٢] مَاتَ سعد بحوران من أَرض الشَّام لِسنتَيْنِ وَنصف مضتا من خلَافَة عمر، وَقيل بل مَاتَ فِي خلَافَة أَبى بكر سنة إِحْدَى عشرَة.
[٣] فِي الِاسْتِيعَاب: «ابْن ثَعْلَبَة بن الْخَزْرَج» .
[٤] وَقيل: «المعنق للْمَوْت» . رَاجع الِاسْتِيعَاب والإعناق: ضرب من السّير السَّرِيع.
[٥] زِيَادَة عَن أ.
[٦] فِي م: «خبيب» بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ تَصْحِيف.



رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آمَنَ بِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِذَا ذُكِرَ لَهُ مُسَيْلِمَةُ قَالَ:
لَا أَسْمَعُ- فَخَرَجَتْ إلَى الْيَمَامَةِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَبَاشَرَتْ الْحَرْبَ بِنَفْسِهَا. حَتَّى قَتَلَ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ، وَرَجَعَتْ. وَبِهَا اثْنَا عَشَرَ جُرْحًا، مِنْ بَيْنِ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: حَدَّثَنِي هَذَا الْحَدِيثَ عَنْهَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ.

(مَنْ شَهِدَهَا مِنْ بَنِي سَلِمَةَ):
وَمِنْ بَنِي سَلَمَةَ: أُمُّ مَنِيعٍ، وَاسْمُهَا: أَسَمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيِّ بْنِ نَابِي بْنِ عَمْرِو بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ.

نُزُولُ الْأَمْرِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي الْقِتَالِ
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا زِيَادُ ابْن عَبْدِ اللَّهِ الْبُكَائِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحَاقَ الْمُطَّلِبِيِّ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْحَرْبِ وَلَمْ تُحَلَّلْ لَهُ الدِّمَاءُ، إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى، وَالصُّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِ وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اضْطَهَدَتْ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى فَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ وَنَفَوْهُمْ مِنْ بِلَادِهِمْ، فَهُمْ مِنْ بَيْنِ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ، وَمِنْ بَيْنِ مُعَذَّبٍ فِي أَيْدِيهِمْ، وَبَيْنِ هَارِبٍ فِي الْبِلَادِ فِرَارًا مِنْهُمْ، مِنْهُمْ مَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ بِالْمَدِينَةِ، وَفِي كُلٍّ وَجْهٌ، فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ عز وجل، وَرَدُّوا عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُمْ بِهِ مِنْ الْكَرَامَةِ، وَكَذَّبُوا نَبِيَّهُ ﷺ، وَعَذَّبُوا وَنَفَوْا مَنْ عَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ وَصَدَّقَ نَبِيَّهُ، وَاعْتَصَمَ بِدِينِهِ، أَذِنَ اللَّهُ عز وجل لِرَسُولِهِ ﷺ فِي الْقِتَالِ وَالِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إذْنِهِ لَهُ فِي الْحَرْبِ، وَإِحْلَالِهِ لَهُ الدِّمَاءَ وَالْقِتَالَ، لِمَنْ بَغَى عَلَيْهِمْ، فِيمَا بَلَغَنِي عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ، قَوْلُ اللَّهِ تبارك وتعالى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ. الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ، إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا


الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ ٢٢: ٣٩- ٤١-:
أَيْ أَنِّي إنَّمَا أَحْلَلْتُ لَهُمْ الْقِتَالَ لِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ ذَنْبٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النَّاسِ، إلَّا أَنَّ يَعْبُدُوا اللَّهَ، وَأَنَّهُمْ إذَا ظَهَرُوا أَقامُوا الصَّلاةَ، وَآتَوُا الزَّكاةَ، وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ٢٢: ٤١ [١]، يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ رضي الله عنهم أَجْمَعِينَ، ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّهُ تبارك وتعالى عَلَيْهِ: وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ٢: ١٩٣: أَيْ حَتَّى لَا يُفْتَنَ مُؤْمِنٌ عَنْ دِينِهِ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ٢: ١٩٣: أَيْ حَتَّى يُعْبَدَ اللَّهُ، لَا يَعْبُدُ مَعَهُ غَيْرُهُ.

(إذْنُهُ ﷺ لِمُسْلِمِي مَكَّةَ بِالْهِجْرَةِ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ﷺ فِي الْحَرْبِ، وَبَايَعَهُ هَذَا الْحَيُّ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالنُّصْرَةِ لَهُ وَلِمَنْ اتَّبَعَهُ، وَأَوَى إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَصْحَابَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنْ مَعَهُ بِمَكَّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَدِينَةِ وَالْهِجْرَةِ إلَيْهَا، وَاللُّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: إنَّ اللَّهَ عز وجل قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بِهَا. فَخَرَجُوا أَرْسَالًا [٢]، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ.

ذِكْرُ الْمُهَاجِرِينَ إلَى الْمَدِينَةِ

(هِجْرَةُ أَبِي سَلَمَةَ وَزَوْجُهُ، وَحَدِيثُهَا عَمَّا لَقِيَا):
فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ، وَاسْمُهُ: عَبْدُ اللَّهِ، هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ بَيْعَةِ أَصْحَابِ الْعَقَبَةِ بِسَنَةٍ، وَكَانَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ مِنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَلَمَّا آذَتْهُ قُرَيْشٌ وَبَلَغَهُ إسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الْأَنْصَارِ، خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ مُهَاجِرًا.

------------------------
[١] الْعبارَة من قَوْله «أَي أَنى» إِلَى هُنَا سَاقِطَة فِي أ.
[٢] أَرْسَالًا: جمَاعَة فِي إِثْر جمَاعَة.



قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي أَبِي إسْحَاقُ بْنُ يَسَارٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ابْن أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ سَلَمَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ، قَالَتْ:
لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الْخُرُوجَ إلَى الْمَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إلَيْهِ، فَقَالُوا هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ هَذِهِ؟ عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي الْبِلَادِ؟ قَالَتْ: فَنَزَعُوا خِطَامَ الْبَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ. قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا وَاَللَّهِ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا.
قَالَتْ: فَتَجَاذَبُوا بَنِي سَلِمَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ، وَحَبَسَنِي بَنُو الْمُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ. قَالَتْ: فَفَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي. قَالَتْ: فَكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ فَأَجْلِسُ بِالْأَبْطُحِ، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتَّى أَمْسَى سَنَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي، أَحَدُ بَنِي الْمُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي فَرَحِمَنِي فَقَالَ لِبَنِي الْمُغِيرَةِ: أَلَا تُخْرِجُونَ [١] هَذِهِ الْمِسْكِينَةَ، فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا! قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكَ إنْ شِئْتِ. قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الْأَسَدِ إلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي. قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: أَتَبَلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيَّ زَوْجِي، حَتَّى إذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ [٢] لَقِيتُ عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ فَقَالَ لِي: إلَى أَيْنَ يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالْمَدِينَةِ. قَالَ:
أَوَمَا مَعَكَ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: فَقُلْتُ: لَا وَاَللَّهِ، إلَّا اللَّهُ وَبُنَيَّ هَذَا. قَالَ: وَاَللَّهِ مَا لَكَ مِنْ مَتْرَكٍ، فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْبَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يهوى بى، فو الله مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنْ الْعَرَبِ قَطُّ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إذَا بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطَّ عَنْهُ، ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرَةِ، ثُمَّ تَنَحَّى

---------------------
[١] فِي الْأُصُول: «أَلا تخرجُونَ من هَذِه ... إِلَخ» .
[٢] التَّنْعِيم: مَوضِع بَين مَكَّة وسرف، على فرسخين من مَكَّة.



(عَنِّي) [١] إلَى شَجَرَةٍ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ، قَامَ إلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَلَهُ، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، وَقَالَ: ارْكَبِي. فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ، حَتَّى يَنْزِلَ بِي. فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي الْمَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إلَى قَرْيَةِ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، قَالَ: زَوْجُكَ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ- وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى مَكَّةَ.
قَالَ: فَكَانَتْ تَقُولُ [٢]: وَاَللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الْإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ كَانَ أَكْرَمَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ [٣] .

(هِجْرَةُ عَامِرٍ وَزَوْجُهُ وَهِجْرَةُ بَنِي جَحْشٍ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَهَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ: عَامِرُ ابْن رَبِيعَةَ، حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ، مَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ. ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبْرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَثِيرِ [٤] بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، احْتَمَلَ بِأَهْلِهِ وَبِأَخِيهِ عَبْدِ بْنِ جَحْشٍ، وَهُوَ أَبُو أَحْمَدَ- وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلًا ضَرِيرَ الْبَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ مَكَّةَ، أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، بِغَيْرِ قَائِدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ الفرعة بنت أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ- فَغُلِّقَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ [٥] هِجْرَةً، فَمَرَّ بِهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ. وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَهِيَ دَارُ أَبَانَ

-------------------------
[١] زِيَادَة عَن ط.
[٢] هَذِه الْكَلِمَة سَاقِطَة فِي أ، ط.
[٣] قد كَانَ عُثْمَان يَوْم هجرته بِأم سَلمَة على الْكفْر، وَإِنَّمَا أسلم فِي هدنة الحديبيّة، وَهَاجَر قبل الْفَتْح مَعَ خَالِد بن الْوَلِيد، وَقتل يَوْم أحد إخْوَته مسافع وكلاب والْحَارث وأبوهم، وَقتل عَمه عُثْمَان بن أَبى طَلْحَة أَيْضا يَوْم أحد كَافِرًا، وَبِيَدِهِ كَانَت مَفَاتِيح الْكَعْبَة. وَدفعهَا رَسُول الله ﷺ عَام الْفَتْح إِلَى عُثْمَان بن طَلْحَة بن أَبى طَلْحَة وَإِلَى عَمه شيبَة بن عُثْمَان بن أَبى طَلْحَة، وَهُوَ جد بنى شيبَة، حجبة الْكَعْبَة.
وَاسم أَبى طَلْحَة، جدهم: عبد الله بن عبد الْعُزَّى. وَقتل عُثْمَان رحمه الله شَهِيدا بأجنادين فِي أول خلَافَة عمر.
[٤] كَذَا فِي ط، والاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «كَبِير» .
[٥] قَالَ السهيليّ فِي ذكر بنى جحش غير من ذكر ابْن إِسْحَاق: «وَزَيْنَب بنت جحش أم الْمُؤمنِينَ،



ابْن عُثْمَانَ الْيَوْمَ الَّتِي بِالرَّدْمِ [١]، وَهُمْ مُصْعِدُونَ إلَى أَعَلَى مَكَّةَ، فَنَظَرَ إلَيْهَا عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا يَبَابًا [٢]، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمَّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ، ثُمَّ قَالَ:
وَكُلُّ دَارٍ وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهَا ... يَوْمًا سَتُدْرِكُهَا النَّكْبَاءُ وَالُحُوبُ
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَهَذَا الْبَيْت لأبى دؤاد الْإِيَادِيِّ فِي قَصِيدَةٍ لَهُ. وَالُحُوبُ: التَّوَجُّعُ، (وَهُوَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الْحَاجَةُ، وَيُقَالُ: الْحُوبُ: الْإِثْمُ) [٣] .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ (بْنُ رَبِيعَةَ) [٣]: أَصْبَحَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلَاءً مِنْ أَهْلِهَا! فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَا تَبْكِي عَلَيْهِ مِنْ قُلِّ بْنِ قُلٍّ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: الْقُلُّ: الْوَاحِدُ. قَالَ لَبِيدُ بْنُ رَبِيعَةَ:
كُلُّ بَنِي حُرَّةٍ مُصِيرُهُمْ ... قُلُّ وَإِنْ أَكْثَرَتْ مِنْ الْعَدَدِ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ: هَذَا عَمَلُ ابْنِ أَخِي هَذَا، فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتْ أَمْرَنَا وَقَطَعَ بَيْنَنَا. فَكَانَ مَنْزِلُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ، وَعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ،

----------------------
[()] الَّتِي كَانَت عِنْد زيد بن حَارِثَة، وَنزلت فِيهَا: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها ٣٣: ٣٧. وَأم حبيب بنت جحش الَّتِي كَانَت تستحاض، وَكَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَحمْنَة بنت جحش، الَّتِي كَانَت تَحت مُصعب بن عُمَيْر، وَكَانَت تستحاض أَيْضا. وَقد روى أَن زَيْنَب استحيضت أَيْضا. وَوَقع فِي الْمُوَطَّأ «أَن زَيْنَب بنت جحش الَّتِي كَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَكَانَت تستحاض وَلم تَكُ قطّ زَيْنَب عِنْد عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف، وَلَا قَالَه أحد، والغلط لَا يسلم مِنْهُ بشر. وَإِنَّمَا كَانَت تَحت عبد الرَّحْمَن أُخْتهَا أم حبيب، وَيُقَال فِيهَا: أم حَبِيبَة، غير أَن شَيخنَا أَبَا عبد الله مُحَمَّد بن نجاح أخبرنى أَن أم حبيب كَانَ اسْمهَا: زَيْنَب، فهما زينبان، غلبت على إِحْدَاهمَا الكنية، فعلى هَذَا لَا يكون فِي حَدِيث الْمُوَطَّأ وهم وَلَا غلط، وَالله أعلم.
وَكَانَ اسْم زَيْنَب بنت جحش: برة، سَمَّاهَا رَسُول الله ﷺ: زَيْنَب، وَكَذَلِكَ زَيْنَب بنت أم سَلمَة ربيبته عليه السلام، كَانَ اسْمهَا: برة، فسماها: «زَيْنَب» . كَأَنَّهُ كره أَن تزكّى الْمَرْأَة نَفسهَا بِهَذَا الِاسْم.
وَكَانَ اسْم «جحش بن رِئَاب»: «برة» . (بِضَم الْبَاء)، فَقَالَت زَيْنَب لرَسُول الله ﷺ: يَا رَسُول الله، لَا غيرت اسْم أَبى، فان الْبرة صَغِيرَة؟ فَقيل: إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ لَهَا: لَو أَبوك مُسلما لَسَمَّيْته باسم من أسمائنا أهل الْبَيْت، ولكنى قد سميته: جحشا، والجحش أكبر من الْبرة» . وَقد فَاتَ السهيليّ فِيمَا استدركه أَن ابْن إِسْحَاق ذكر هَؤُلَاءِ بعد قَلِيل.
[١] الرَّدْم: مَوضِع بِمَكَّة.
[٢] اليباب: القفر.
[٣] زِيَادَة عَن أ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #50  
قديم 08-01-2026, 07:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,601
الدولة : Egypt
افتراضي رد: السيرة النبوية (ابن هشام)-----متجدد إن شاء الله


السيرة النبوية (ابن هشام)
ابن هشام - عبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري

الجزء الاول
الحلقة (50)

صــ 471إلى صــ 480





وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وَأَخِيهِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ، عَلَى مُبْشَرِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُنْبُرٍ بقُباءٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، ثُمَّ قَدِمَ الْمُهَاجِرُونَ أَرْسَالًا [١]، وَكَانَ بَنُو غَنْمِ ابْنِ دُودَانَ أَهْلَ إسْلَامٍ، قَدْ أَوْعَبُوا [٢] إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هِجْرَة رِجَالهمْ ونساءهم: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ ابْن جَحْشٍ، وَعُكَّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ، وَشُجَاعٌ، وَعُقْبَةٌ، ابْنَا وَهْبٍ، وَأَرْبَدُ ابْن حُمَيِّرَةَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ ابْنُ حُمَيْرَةَ [٣] .

(هِجْرَةُ قَوْمٍ شَتَّى):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَمُنْقِذُ بْنُ نُبَاتَةَ، وَسَعِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَمُحْرِزُ بْنُ نَضْلَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ رُقَيْشٍ، وَقَيْسُ بْنُ جَابِرٍ، وَعَمْرُو بْنُ مِحْصَنٍ، وَمَالِكُ بْنُ عَمْرٍو، وَصَفْوَانُ بْنُ عَمْرٍو، وَثَقْفُ [٤] بْنُ عَمْرٍو، وَرَبِيعَةُ بْنُ أَكْثَمَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ عُبَيْدٍ، وَتَمَّامُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَسَخْبَرَةُ بْنُ عُبَيْدَةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ.

(هِجْرَةُ نِسَائِهِمْ):
وَمِنْ نِسَائِهِمْ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ جَحْشٍ، وَجُذَامَةُ بِنْتُ جَنْدَلٍ، وَأُمُّ قَيْسٍ بِنْتُ مُحْصَنٍ، وَأُمُّ حَبِيبٍ بِنْتُ ثُمَامَةَ، وَآمِنَةُ [٥] بِنْتُ رُقَيْشٍ، وَسَخْبَرَةُ بِنْتُ تَمِيمٍ، وحَمْنةُ بِنْتُ جَحْشٍ.

(شِعْرُ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْشٍ فِي هِجْرَةِ بَنِي أَسَدٍ):
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ، وَهُوَ يَذْكُرُ هِجْرَةَ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ مِنْ قَوْمِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَإِيعَابُهُمْ فِي ذَلِكَ حَيْنَ دُعُوا إلَى الْهِجْرَةِ:
وَلَوْ حَلَفَتْ بَيْنَ الصَّفَا أُمُّ أَحُمَدٍ ... وَمَرْوَتِهَا باللَّه بَرَّتْ يَمِينُهَا

---------------------
[١] أَرْسَالًا: جمَاعَة إِثْر جمَاعَة.
[٢] يُقَال: جَاءُوا موعبين: إِذا جمعُوا مَا اسْتَطَاعُوا من جمع.
[٣] كَذَا فِي الْأُصُول، وَقد ضبط بالشكل فِي (أ) الْمرة الأولى بِضَم الْحَاء وَتَشْديد الْيَاء مَكْسُورَة، وَفِي الثَّانِيَة بِضَم الْحَاء وَإِسْكَان الْيَاء وَفتح ثَانِيهمَا، وَهُوَ فِي الِاسْتِيعَاب: «أَرْبَد بن حمير» .
[٤] كَذَا فِي أوالاستيعاب. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «ثَقِيف» .
[٥] قَالَ أَبُو ذَر: «قَالَ الأقشى: صَوَابه: أُمَيْمَة» .


لَنَحْنُ الْأُلَى كُنَّا بِهَا ثُمَّ لَمْ نَزَلْ ... بِمَكَّةَ حَتَّى عَادَ غَثًّا سَمِينُهَا
بِهَا خَيَّمَتْ غَنْمُ بْنُ دُودَانَ وَابْتَنَتْ ... وَمَا [١] إنْ غَدَتْ غَنْمُ وَخَفَّ قَطِينُهَا [٢]
إلَى اللَّهِ تَغْدُو بَيْنَ مَثْنَى وَوَاحِدٍ ... وَدِينُ رَسُولِ اللَّهِ بِالْحَقِّ دِينُهَا
وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ جَحْشٍ أَيْضًا:
لَمَّا رَأَتْنِي أُمُّ أَحْمَدَ غَادِيًا ... بِذِمَّةِ مَنْ أَخْشَى بِغَيْبٍ وَأَرْهَبُ [٣]
تَقُولُ: فَإِمَّا كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلًا ... فَيَمِّمْ بِنَا الْبُلْدَانَ ولتَنْأَ يَثْرِبَ [٤]
فَقُلْتُ لَهَا: بَلْ يَثْرِبُ الْيَوْمَ وَجْهُنَا [٥] ... وَمَا يَشإِ الرَّحْمَنُ فَالْعَبْدُ يَرْكَبُ
إلَى اللَّهِ وَجْهِي وَالرَّسُولِ وَمَنْ يُقِمْ ... إلَى اللَّهِ يَوْمًا وَجْهَهُ لَا يُخَيَّبُ
فَكَمْ قَدْ تَرَكْنَا مِنْ حَمِيمٍ مُنَاصِحٍ ... وَنَاصِحَةٍ تَبْكِي بِدَمْعٍ وَتَنْدُبُ
تَرَى أَنَّ وِتْرًا [٦] نَأْيُنَا عَنْ بِلَادِنَا [٧] ... وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ الرَّغَائِبَ نَطْلُبُ
دَعَوْتُ بَنِي غَنْمٍ لِحَقْنِ دِمَائِهِمْ ... وَلِلْحَقِّ لَمَّا لَاحَ لِلنَّاسِ مَلْحَبُ [٨]
أَجَابُوا بِحَمْدِ اللَّهِ لَمَّا دَعَاهُمْ ... إلَى الْحَقِّ دَاعٍ وَالنَّجَاحُ [٩] فَأَوْعَبُوا [١٠]
وَكُنَّا وَأَصْحَابًا لَنَا فَارَقُوا الْهُدَى ... أَعَانُوا عَلَيْنَا بِالسِّلَاحِ وأجْلَبوا [١١]
كَفَوْجَيْنِ: أَمَّا مِنْهُمَا فَمُوَفَّقٌ ... عَلَى الْحَقِّ مَهْدِيٌّ، وَفَوْجٌ مُعَذَّبُ [١٢]
طَغَوْا وَتَمَنَّوْا كِذْبَةً وَأَزَلَّهُمْ ... عَنْ الْحَقِّ إبْلِيسُ فَخَابُوا وَخُيِّبُوا

-----------------------
[١] فِي أ: «وَمِنْهَا غَدَتْ» .
[٢] القطين: الْقَوْم المقيمون.
[٣] الذِّمَّة: الْعَهْد.
[٤] يمم: قصد. وتنأى: تبعد.
[٥] فِي أ، ط: «
فَقلت لَهَا يثرب منا مَظَنَّة
»
[٦] الْوتر: طلب الثأر.
[٧] فِي أ: «بلادها» .
[٨] ملحب: طَرِيق بَين وَاضح.
[٩] فِي أ: «النُّحَاة» .
[١٠] أوعبوا: اجْتَمعُوا وكثروا.
[١١] كَذَا فِي أَكثر الْأُصُول، وَفِي أ: «فأحلبوا» . وَمن رَوَاهُ بِالْجِيم، فَمَعْنَاه: صاحوا. وَمن رَوَاهُ بِالْحَاء الْمُهْملَة، فَمَعْنَاه: أعانوا.
[١٢] الفوج: الْجَمَاعَة من النَّاس.



وَرِعْنَا إلَى قَوْلِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ... فَطَابَ وُلَاةُ الْحَقِّ مِنَّا وطُيِّبوا [١]
نَمُتُّ بِأَرْحَامٍ إلَيْهِمْ قَرِيبَةٍ ... وَلَا قُرْبَ بِالْأَرْحَامِ إذْ لَا نُقَرَّبُ [٢]
فَأَيُّ ابْنِ أُخْتٍ بَعْدَنَا يَأْمَنَنَّكُمْ ... وَأَيَّةُ صِهْرٍ بَعْدَ صِهْرِي تُرْقَبُ
سَتَعْلَمُ يَوْمًا أَيُّنَا إذْ تُزَايِلُوا ... وَزُيِّلَ أَمْرُ النَّاسِ لِلْحَقِّ أَصْوَبُ [٣]
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قَوْلُهُ «وَلْتَنْأَ يَثْرِبَ»، وَقَوْلُهُ «إذْ لَا نَقْرَبُ»، عَنْ غَيْرِ ابْنِ إسْحَاقَ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «إذْ» إذَا، كَقَوْلِ اللَّهِ عز وجل: إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ٣٤: ٣١. قَالَ أَبُو النَّجْمِ الْعِجْلِيُّ:
ثُمَّ جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا إذْ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ فِي الْعَلَالِيِّ وَالْعُلَا

هِجْرَةُ عُمَرَ وَقِصَّةُ عَيَّاشٍ مَعَهُ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ الْمَخْزُومِيُّ، حَتَّى قَدِمَا الْمَدِينَةَ. فَحَدَّثَنِي نَافِعٌ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ: اتَّعَدْتُ، لَمَّا أَرَدْنَا الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ، أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بْنُ الْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ التَّناضِبَ [٤] مِنْ أَضَاةِ [٥] بَنِي غِفَارٍ، فَوْقَ سَرِفٍ [٦]، وَقُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبِحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ.
قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّنَاضُبِ، وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَفُتِنَ فَافْتُتِنَ.

(تَغْرِيرُ أَبِي جَهْلٍ وَالْحَارِثِ بِعَيَّاشٍ):
فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ نَزَلْنَا فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، وَخَرَجَ أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ

-----------------------
[١] ورعنا: أَي رَجعْنَا.
[٢] نمت: نتقرب.
[٣] تزايلوا: تفَرقُوا.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «التَّنَاضِب»، يُقَال: هُوَ اسْم مَوضِع، وَمن رَوَاهُ بِالْكَسْرِ، فَهُوَ جمع تنضب وَهُوَ شجر، واحدته تنضبة، وَقَيده الوقشى: «التَّنَاضِب»، بِكَسْر الضَّاد. كَمَا ذكرنَا.
[٥] أضاة بنى غفار: على عشرَة أَمْيَال من مَكَّة.
[٦] سرف: مَوضِع على سِتَّة أَمْيَال من مَكَّة. (رَاجع شرح السِّيرَة لأبى ذَر، ومعجم الْبلدَانِ، ومعجم مَا استعجم للبكرى) .



وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ إلَى عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَكَانَ ابْنَ عَمِّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، حَتَّى قَدِمَا عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَكَلَّمَاهُ وَقَالَا:
إنَّ أُمَّكَ قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهَا مُشْطٌ حَتَّى تَرَاكَ، وَلَا تَسْتَظِلَّ مِنْ شَمْسٍ حَتَّى تَرَاكَ، فَرَقَّ لَهَا، فَقُلْتُ لَهُ: يَا عَيَّاشُ، إنَّهُ وَاَللَّهِ إنْ يُرِيدَكَ الْقَوْمُ إلَّا لِيَفْتِنُوكَ عَنْ دينك فَاحْذَرْهُمْ، فو الله لَوْ قَدْ آذَى أُمَّكَ الْقَمْلُ لَامْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدْ اشْتَدَّ عَلَيْهَا حَرُّ مَكَّةَ لَاسْتَظَلَّتْ. قَالَ: فَقَالَ: أَبَرُّ قَسَمَ أُمِّي، وَلِي هُنَالِكَ مَالٌ فَآخُذُهُ.
قَالَ: فَقُلْتُ: وَاَللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَكَ نِصْفُ مَالِي وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا. قَالَ: فَأَبَى عَلَيَّ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا، فَلَمَّا أَبَى إلَّا ذَلِكَ، قَالَ:
قُلْتُ لَهُ: أَمَّا إذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ ذَلُولٌ، فَالْزَمْ ظَهْرَهَا، فَإِنْ رَابَكَ مِنْ الْقَوْمِ رَيْبٌ، فَانْجُ عَلَيْهَا.
فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتَّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَا بن أَخِي، وَاَللَّهِ لَقَدْ اسْتَغْلَظْتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تُعْقِبَنِي عَلَى نَاقَتِكَ هَذِهِ؟ قَالَ: بَلَى.
قَالَ: فَأَنَاخَ، وَأَنَاخَا لِيَتَحَوَّلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَوْا بِالْأَرْضِ عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَوْثَقَاهُ وَرَبَطَاهُ، ثُمَّ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ، وَفَتَنَاهُ فَافْتُتِنَ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي بِهِ بَعْضُ آلِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: أَنَّهُمَا حَيْنَ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ دَخَلَا بِهِ نَهَارًا مُوثَقًا، ثُمَّ قَالَا: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ، كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا.

(كِتَابُ عُمَرَ إلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ، قَالَ: فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِمَّنْ اُفْتُتِنَ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَلَا تَوْبَةً، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى الْكُفْرِ لِبَلَاءٍ أَصَابَهُمْ! قَالَ: وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ.
فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ، وَفِي قَوْلِنَا وَقَوْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ: قُلْ يَا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ


ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ. وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ٣٩: ٥٣- ٥٥.
قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: فَكَتَبْتهَا بِيَدِي فِي صَحِيفَةٍ، وَبَعَثْتُ بِهَا إلَى هِشَامِ بْنِ الْعَاصِي قَالَ: فَقَالَ هِشَامُ بْنُ الْعَاصِي: فَلَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا بِذِي طُوًى [١]، أُصَعِّدُ بِهَا فِيهِ وَأُصَوِّبُ وَلَا أَفْهَمُهَا، حَتَّى قُلْتُ: اللَّهمّ فَهِّمْنِيهَا. قَالَ: فَأَلْقَى اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِي أَنَّهَا إنَّمَا أُنْزِلَتْ فِينَا، وَفِيمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا وَيُقَالُ فِينَا. قَالَ: فَرَجَعْتُ إلَى بَعِيرِي، فَجَلَسْتُ عَلَيْهِ، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ.

(خُرُوجُ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ إلَى مَكَّةَ فِي أَمْرِ عَيَّاشٍ وَهِشَامٍ):
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: فَحَدَّثَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ، وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ: مَنْ لِي بِعَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامِ بْنِ الْعَاصِي؟ فَقَالَ الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ: أَنَا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بِهِمَا، فَخَرَجَ إلَى مَكَّةَ، فَقَدِمَهَا مُسْتَخْفِيًا، فَلَقِيَ امْرَأَةً تَحْمِلُ طَعَامًا، فَقَالَ لَهَا: أَيْنَ تُرِيدِينَ يَا أَمَةَ اللَّهِ؟ قَالَتْ: أُرِيدُ هَذَيْنِ الْمَحْبُوسَيْنِ- تَعْنِيهِمَا- فَتَبِعَهَا حَتَّى عَرَفَ مَوْضِعَهُمَا، وَكَانَا مَحْبُوسَيْنِ فِي بَيْتٍ لَا سَقْفَ لَهُ، فَلَمَّا أَمْسَى تَسَوَّرَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ أَخَذَ مَرْوَةَ [٢] فَوَضَعَهَا تَحْتَ قَيْدَيْهِمَا، ثُمَّ ضَرَبَهُمَا بِسَيْفِهِ فَقَطَعَهُمَا، فَكَانَ يُقَالُ لِسَيْفِهِ: «ذُو الْمَرْوَةِ» لِذَلِكَ، ثُمَّ حَمَلَهُمَا عَلَى بَعِيرِهِ، وَسَاقَ بِهِمَا، فَعَثَرَ فَدَمِيَتْ أُصْبُعُهُ، فَقَالَ:
هَلْ أَنْتِ إلَّا أُصْبُعٌ دَمَيْتِ ... وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقَيْتِ
ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْمَدِينَةَ.

مَنَازِلُ الْمُهَاجِرِينَ بِالْمَدِينَةِ

(مَنْزِلُ عُمَرَ وَأَخِيهِ وَابْنَا سُرَاقَةَ وَبَنُو الْبَكِيرِ وَغَيْرِهِمْ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَيْنَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَقَوْمِهِ، وَأَخُوهُ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَمْرٌو وَعَبْدُ اللَّهِ ابْنَا سُرَاقَةَ بْنِ الْمُعْتَمِرِ وَخُنَيْسُ

-------------------------
[١] ذُو طوى (مَقْصُورا): مَوضِع بِأَسْفَل مَكَّة.
[٢] الْمَرْوَة: الْحجر.



ابْن حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ- وَكَانَ صِهْرَهُ عَلَى ابْنَتِهِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَهُ- وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَوَاقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التَّمِيمِيُّ، حَلِيفٌ لَهُمْ، وَخَوْلِيُّ بْنُ أَبِي خَوْلِيٍّ، وَمَالِكُ بْنُ أَبِي خَوْلِيٍّ، حَلِيفَانِ لَهُمْ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: أَبُو خَوْلِيٍّ: مِنْ بَنِي عِجْلِ بْنِ لُجَيْمِ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ ابْن وَائِلٍ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَبَنُو الْبُكَيْرِ أَرْبَعَتُهُمْ: إيَاسُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَاقِلُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَعَامِرُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَخَالِدُ بْنُ الْبُكَيْرِ، وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ لَيْثٍ، عَلَى رِفَاعَةَ ابْن عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زَنْبَرٍ، فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ، وَقَدْ كَانَ مَنْزِلُ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ مَعَهُ عَلَيْهِ حَيْنَ قَدِمَا الْمَدِينَةَ.

(مَنْزِلُ طَلْحَةَ وَصُهَيْبٍ):
ثُمَّ تَتَابَعَ الْمُهَاجِرُونَ، فَنَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ، وَصُهَيْبُ بْنُ سِنَانٍ عَلَى خُبَيْبِ [١] بْنِ إِسَافٍ [٢]، أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بِالسُّنْحِ [٣] . وَيُقَالُ [٤]:
بَلْ نَزَلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ.
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَذُكِرَ لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهَيْبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الَّذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ، وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْبٌ: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: رَبِحَ صُهَيْبٌ، رَبِحَ صُهَيْبٌ.

------------------
[١] خبيب هَذَا هُوَ الّذي خلف على بنت خَارِجَة بعد أَبى بكر الصّديق، وَاسْمهَا حَبِيبَة. وَمَات خبيب فِي خلَافَة عُثْمَان، وَهُوَ جد خبيب بن عبد الرَّحْمَن الّذي يرْوى عَنهُ مَالك فِي موطئِهِ.
[٢] وَيُقَال فِيهِ: يسَاف، بياء مَفْتُوحَة فِي رِوَايَة الْكتاب. وَهُوَ ابْن عتبَة، وَلم يكن حِين نزُول الْمُهَاجِرين عَلَيْهِ مُسلما، بل أخر إِسْلَامه حَتَّى خرج رَسُول الله ﷺ إِلَى بدر. (عَن الِاسْتِيعَاب)
[٣] هِيَ بعوالي الْمَدِينَة، وَبَينهَا وَبَين منزل النَّبِي ﷺ ميل. (رَاجع مُعْجم الْبلدَانِ) .
[٤] وزادت (م) قبل هَذِه الْكَلِمَة. قَالَ ابْن هِشَام: «وَيُقَال: يسَاف، فِيمَا أخبرنى عَنهُ ابْن إِسْحَاق»



(مَنْزِلُ حَمْزَةَ وَزَيْدٍ وَأَبِي مَرْثَدٍ وَابْنِهِ وَأَنَسَةَ وَأَبِي كَبْشَةَ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَأَبُو مَرْثَدٍ كَنَّازُ بْنُ حِصْنٍ.
- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وَيُقَالُ، ابْنُ حُصَيْنٍ- وَابْنُهُ مَرْثَدٌ الْغَنَوِيَّانِ، حَلِيفَا حَمْزَةَ ابْن عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَنَسَةُ [١]، وَأَبُو كَبْشَةَ [٢]، مَوْلِيَّا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلَى كُلْثُومِ بْنِ هِدْمٍ، أَخِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ بقُباءٍ [٣]: وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلُوا عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ، وَيُقَالُ: بَلْ نَزَلَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ، أَخِي بَنِي النَّجَّارِ. كُلُّ ذَلِكَ يُقَالُ

: (مَنْزِلُ عُبَيْدَةَ وَأَخِيهِ الطَّفِيلِ وَغَيْرِهِمَا):
وَنَزَلَ عُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَأَخُوهُ الطُّفَيْلُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْحُصَيْنُ ابْن الْحَارِثِ، وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَسُوَيْبِطُ بْنُ سَعْدِ بْنِ حُرَيْمِلَةَ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَطُلَيْبُ بْنُ عُمَيْرٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ بْنِ قُصَيٍّ، وَخَبَّابٌ [٤]، مَوْلَى عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ، أَخِي بَلْعِجْلَانَ بقُباءٍ.

--------------------------
[١] كَانَ أنسة من مولدِي السراة، ويكنى أَبَا مسروح، وَقيل: أَبَا مشروح، شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ، وَمَات فِي خلَافَة أَبى بكر.
[٢] أصل أَبى كَبْشَة من فَارس، وَيُقَال: بل هُوَ مولد من مولدِي أَرض دوس، وَاسم أَبى كَبْشَة:
سليم، وَقد شهد بَدْرًا والمشاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ، وَمَات فِي خلَافَة عمر فِي الْيَوْم الّذي ولد فِيهِ عُرْوَة بن الزبير.
وَأما الّذي كَانَت كفار قُرَيْش تذكره، وتنسب النَّبِي ﷺ إِلَيْهِ وَتقول: قَالَ ابْن أَبى كَبْشَة، وَفعل ابْن أَبى كَبْشَة، فَقيل فِيهِ أَقْوَال، قيل: إِنَّهَا كنية أَبِيه لأمه، وهب بن عبد منَاف، وَقيل: كنية أَبِيه من الرضَاعَة الْحَارِث بن عبد الْعُزَّى، وَقيل: إِن سلمى أُخْت عبد الْمطلب كَانَ يكنى أَبوهَا: أَبَا كَبْشَة، وَهُوَ عَمْرو بن لبيد. وَأشهر من هَذِه الْأَقْوَال كلهَا عِنْد النَّاس، أَنهم شبهوه بِرَجُل كَانَ يعبد الشعرى وَحده دون الْعَرَب، فنسبوه إِلَيْهِ لِخُرُوجِهِ عَن دين قومه.
[٣] قبَاء: على فَرسَخ من الْمَدِينَة.
[٤] قَالَ أَبُو ذَر: «وخباب، مولى عتبَة، كَذَا وَقع هُنَا بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَتَشْديد الْبَاء، وروى أَيْضا: حباب، بحاء مُهْملَة مَضْمُومَة وباء مُخَفّفَة. وخباب، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة وَالْبَاء الْمُشَدّدَة، قَيده الدارقطنيّ» .



(مَنْزِلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ):
وَنَزَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ أَخِي بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ، فِي دَارِ بَلْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ.

(مَنْزِلُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو سَبْرَةَ):
وَنَزَلَ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى، عَلَى مُنْذِرِ ابْن مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ بِالْعُصْبَةِ، دَارِ بَنِي جَحْجَبَى.

(مَنْزِلُ مُصْعَبٍ):
وَنَزَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ هَاشِمٍ، أَخُو بَنِي عَبْدِ الدَّارِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ، أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِي دَارِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ.

(مَنْزِلُ أَبِي حُذَيْفَةَ وعُتْبَةَ):
وَنَزَلَ أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ سَائِبَةٌ [١]، لِثُبَيْتَةَ [٢] بِنْتِ يَعَارِ [٣] بْنِ زَيْدِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ، سَيَّبْتُهُ فَانْقَطَعَ إلَى أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَتَبَنَّاهُ، فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَيُقَالُ: كَانَتْ ثُبَيْتَةُ بِنْتُ يَعَارَ تَحْتَ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، فَأَعْتَقَتْ سَالِمًا سَائِبَةً.
فَقِيلَ: سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ- قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَنَزَلَ عُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بْنِ جَابِرٍ عَلَى عَبَّادِ بْنِ بِشْرِ بْنِ وَقْشٍ أَخِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، فِي دَارِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ.

(مَنْزِلُ عُثْمَانَ):
وَنَزَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ عَلَى أَوْسِ بْنِ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ، أَخِي حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ فِي دَارِ بَنِي النَّجَّارِ، فَلِذَلِكَ كَانَ حَسَّانٌ يُحِبُّ عُثْمَانَ وَيَبْكِيهِ حَيْنَ قُتِلَ.

----------------------------
[١] سائبة: أَي لَا وَلَاء عَلَيْهِ لأحد.
[٢] كَذَا فِي أ. وَفِي سَائِر الْأُصُول «نبيتة» وَهِي رِوَايَة أُخْرَى فِيهَا. (رَاجع الْقَامُوس وَشَرحه مادتي ثَبت وَنبت) . كَمَا قيل فِيهَا: عمْرَة، وسلمى.
[٣] وَيُقَال فِيهَا أَيْضا: «بنت تعار» .



وَكَانَ يُقَالُ: نَزَلَ الْأَعْزَابُ [١] مِنْ الْمُهَاجِرِينَ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثمةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبًا، فاللَّه أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ.

هِجْرَةُ الرَّسُولِ ﷺ

(تَأَخُّرُ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ):
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ مَعَهُ بِمَكَّةَ أَحَدٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَّا مَنْ حُبِسَ أَوْ فُتِنَ، إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ الصِّدِّيقُ رضي الله عنهما، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي الْهِجْرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا، فَيَطْمَعُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَكُونَهُ.

(اجْتِمَاعُ الْمَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَتَشَاوُرُهُمْ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ ﷺ):
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَةً، فَحَذِرُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ أَجَمَعَ لِحَرْبِهِمْ. فَاجْتَمَعُوا لَهُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ- وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الَّتِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إلَّا فِيهَا- يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، حَيْنَ خَافُوهُ.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ مِنْ أَصْحَابِنَا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جُبَيْرٍ [٢] أَبِي الْحَجَّاجِ، وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَا أَتَّهِمُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا أَجَمَعُوا لِذَلِكَ، وَاتَّعَدُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ لِيَتَشَاوَرُوا فِيهَا فِي أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، غَدَوْا فِي الْيَوْمِ الَّذِي اتَّعَدُوا لَهُ، وَكَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يُسَمَّى يَوْمَ الزَّحْمَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ إبْلِيسُ فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ، [٣]

------------------------
[١] فِي الْأُصُول: «العزاب» . والتصويب عَن شرح السِّيرَة لأبى ذَر.
[٢] كَذَا فِي أ، وَشرح السِّيرَة لأبى ذَر. وَفِي سَائِر الْأُصُول: «حبر»، وَهُوَ تَحْرِيف.
[٣] جليل، أَي حسن، يُقَال: جلّ الرجل، وجلت الْمَرْأَة: إِذا أَسِنَت. قَالَ الشَّاعِر:
«وَمَا حظها إِن قيل عزت وجلت
»



عَلَيْهِ بَتْلَةٌ [١]، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا، قَالُوا: مَنْ الشَّيْخُ؟
قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ [٢] سَمِعَ بِاَلَّذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيًا وَنُصْحًا، قَالُوا: أَجَلْ، فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ، وَقَدْ اجْتَمَعَ فِيهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةُ ابْن رَبِيعَةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ. وَمِنْ بَنِي نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: طُعَيْمَةُ بْنُ عَدِيٍّ، وَجُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ، وَالْحَارِثُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَوْفَلٍ. وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ: النَّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ. وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى: أَبُو الْبَخْتَرِيِّ ابْن هِشَامٍ، وَزَمْعَةُ بْنُ الْأَسْوَدِ بْنِ الْمُطَّلِبِ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ. وَمِنْ بَنِي مَخْزُومٍ:
أَبُو جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ. وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: نُبَيْهٌ وَمُنَبِّهٌ ابْنَا الْحَجَّاجِ، وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ:
أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَاَللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الْوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا، فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا. قَالَ: فَتَشَاوَرُوا ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنْ الشُّعَرَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، مِنْ هَذَا الْمَوْتِ، حَتَّى يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُمْ [٣]، فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ: لَا وَاَللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ. وَاَللَّهِ لَئِنْ حَبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ الَّذِي أَغْلَقْتُمْ

---------------------------
[١] فِي أ «بت» . والبتلة والبت: الكساء الغليظ.
[٢] قَالَ السهيليّ ... وَإِنَّمَا قَالَ لَهُم: إِنِّي من أهل نجد، فِيمَا ذكر بعض أهل السِّيرَة، لأَنهم قَالُوا:
لَا يدخلن مَعكُمْ فِي الْمُشَاورَة أحد من أهل تهَامَة، لِأَن هواهم مَعَ مُحَمَّد، فَلذَلِك تمثل لَهُم فِي صُورَة شيخ نجدى.
وَقد ذكر فِي خبر بُنيان الْكَعْبَة أَنه تمثل فِي صُورَة شيخ نجدى أَيْضا، حِين حكمُوا لرَسُول الله ﷺ فِي أَمر الرُّكْن من يرفعهُ، فصاح الشَّيْخ النجدي: يَا معشر قُرَيْش، أقد رَضِيتُمْ أَن يَلِيهِ هَذَا الْغُلَام دون أشرافكم وذوى أسنانكم؟ فان صَحَّ هَذَا الْخَبَر فلمعنى آخر تمثل نجديا، وَذَلِكَ أَن نجدا مِنْهَا يطلع قرن الشَّيْطَان كَمَا قَالَ رَسُول الله ﷺ حِين قيل لَهُ: وَفِي نجدنا يَا رَسُول الله قَالَ:
هُنَاكَ الزلازل والفتن، وَمِنْهَا يطلع قرن الشَّيْطَان. فَلم يُبَارك عَلَيْهَا كَمَا بَارك على الْيمن وَالشَّام وَغَيرهَا.
وَحَدِيثه الآخر: أَنه نظر إِلَى الْمشرق، فَقَالَ: إِن الْفِتْنَة هَاهُنَا، من حَيْثُ يطلع قرن الشَّيْطَان. وَفِي حَدِيث ابْن عمر: أَنه حِين قَالَ هَذَا الْكَلَام وقف عِنْد بَاب عَائِشَة وَنظر إِلَى الْمشرق فقاله. وَفِي وُقُوفه عِنْد بَاب عَائِشَة نَاظرا إِلَى الْمشرق يحذر من الْفِتَن وفكر فِي خُرُوجهَا إِلَى الْمشرق عِنْد وُقُوع الْفِتْنَة نفهم من الْإِشَارَة، واضمم إِلَى هَذَا قَوْله عليه الصلاة والسلام حِين ذكر نزُول الْفِتَن: «أيقظوا صَوَاحِب الْحجر» .
[٣] كَانَ صَاحب هَذَا الرأى والمشير بِهِ أَبَا البخْترِي بن هِشَام.
٣١- سيرة ابْن هِشَام- ١






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 359.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 353.45 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]