شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله - الصفحة 5 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         وسائل التواصل .. ميدان دعوة .. وجبهة قتال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          التطفيف (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          حِمَالُ خَـيْـبَر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          من بورك له في شيء فليلزمه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          معنى "إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي" (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          نفسك أولًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          مَن هم خيارُ النَّاس؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          ألا إن نصر الله قريب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ظاهرة التحريش حين يُقيَّد الدين بقيود المذهب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          من داوم على الشكر دام له الخير (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 19-03-2019, 06:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(41)


(باب مسح المرأة رأسها)
إلى (باب مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس)


بين الشارع أنه لا فرق في الأحكام الشرعية بين الرجال والنساء إلا فيما خصه الدليل، ومن جملة ذلك المسح على الأذنين في الوضوء فهو مشترك بينهما،كما جاء ببيان أن الأذنين من الرأس وحقهما المسح معه.
مسح المرأة رأسها

شرح حديث عائشة في مسح المرأة رأسها

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مسح المرأة رأسها.أخبرنا الحسين بن حريث حدثنا الفضل بن موسى عن جعيد بن عبد الرحمن أخبرني عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب أخبرني أبو عبد الله سالم سبلان وكانت عائشة تستعجب بأمانته وتستأجره، فأرتني كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ، فتمضمضت واستنثرت ثلاثاً، وغسلت وجهها ثلاثاً، ثم غسلت يدها اليمنى ثلاثاً واليسرى ثلاثاً، ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها مسحة واحدة إلى مؤخره، ثم أمرت يديها بأذنيها، ثم مرت على الخدين، قال سالم: كنت آتيها مكاتباً ما تختفي مني، فتجلس بين يدي وتتحدث معي، حتى جئتها ذات يوم، فقلت: ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين, قالت: وما ذاك؟ قلت: أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، وأرخت الحجاب دوني, فلم أرها بعد ذلك اليوم].يقول النسائي رحمه الله: باب: مسح المرأة رأسها. ذكر النسائي في التراجم السابقة بعض التراجم المتعلقة بمسح الرأس، وأورد فيه بعض الأحاديث التي فيها بيان كيفية المسح، وعدد ذلك، ثم أورد هذه الترجمة وهي باب: مسح المرأة رأسها.ومن المعلوم أن أحكام الشريعة هي مشتركةٌ بين الرجال والنساء، فلا فرق بين الرجال والنساء في الأحكام, إلا إذا جاء دليل يخص الرجال بشيء، أو يخص النساء بشيء، وحيث لا دليل على تخصيص أي منهما؛ فإن أحكام الشريعة مشتركة بينهما.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديث: عائشة رضي الله عنها الذي يرويه عنها سالم سبلان، وكانت تستعجب من أمانته وتستأجره، أي: أن هذا الرجل الرقيق كانت تستأجره, وتعرفه بالأمانة والجد في العمل، فأرته كيف الوضوء، فتوضأت وهو يرى، فأتت بماءٍ فأخذت منه وتمضمضت واستنشقت ثلاثاً، ثم غسلت وجهها ثلاثاً، ثم يديها إلى المرفقين ثلاثاً، ثم مسحت رأسها ومسحت أذنيها مع رأسها، ثم غسلت رجليها، والمقصود من ذلك: مسح الرأس؛ لأنها أمرت يدها على رأسها، ثم مسحت بأذنيها، أي: أن حكمهما المسح، وليستا من الوجه فيكون فرضهما الغسل، وإنما هما من الرأس ففرضهما المسح.وقد جاء في ذلك أحاديث في مسحهما مع الرأس، وفي بيان كيفية مسحهما.وحديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها هذا فيه مسح الأذنين مع الرأس، وفي الحديث أنها لما مسحت أذنيها مرت بيديها على خديها، وهذا كما هو معلوم لا دخل له في الوضوء؛ لأن الخدان من الوجه، وقد غسلا قبل غسل اليدين؛ لأن من فروض الوضوء غسل الوجه، ثم إن الوجه يدخل فيه الخدان، ولكن قيل: إن إمرارها يدها على خديها بعد أن مسحت أذنيها، ليذهب ما في يدها من الماء في الخدين، أو يحتمل أن يكون أيضاً: أن اليدين مرت على الخدين وهما في طريقهما للنزول، ويكون مرورهما إنما هو في الطريق إلى إرسالهما, بعد أن فرغت من مسحهما إلى إرسالهما, والاشتغال بغسل الرجلين، فليس لذكر الخدين بعد المسح على الأذنين بيان حكم فيما يتعلق بأحكام الوضوء.ومن المعلوم أن عدم ذكر الرجلين لا ينفيهما، وإنما هذا من اختصار الرواة، يعني: أحياناً يأتينا بالحديث مختصراً، وأحياناً يأتينا به مطولاً، وعدم إيراده لا يعني عدم ذكره.وفي الحديث أنه كان مكاتباً، وكان يأتي إليها وتجلس بين يديه فتتحدث إليه، ثم المكاتب هو: الذي اتفق مع أوليائه على أن يفدي نفسه بأن يجمع لهم الأموال، ويأتي بها إليهم شيئاً فشيئاً، فإذا أدى الذي اتفق معه عليه صار حراً، وما دام بقي عليه درهم فهو رقيق، وكان يأتي إليها وهو مكاتب، ثم إنه في مرةٍ من المرات جاء إليها، وقال: (ادعي لي بالبركة يا أم المؤمنين! قالت: وما ذاك؟ قال: أعتقني الله، قالت: بارك الله لك، ثم أرخت الحجاب, ولم يرها بعد ذلك اليوم).ومن المعلوم أن ملك اليمين يمكن التكشف له، وهو ممن ذكره الله عز وجل في القرآن بقوله: أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [النساء:3]، فإن ملك اليمين تبدي له المرأة أو سيدته زينتها، ولا تحتجب عنه، وهنا في هذا الحديث هو ليس مولى لها، ولا عبداً لها، وإنما هو عبد لغيرها، قال بعض العلماء: ولعله كان مولاً لأقربائها, أو عبداً لأقربائها، فكانت لا تحتجب عنه، وأنها ترى جواز ذلك بالنسبة لمن يكون عبداً للقريب، ومن المعلوم أن القرآن إنما جاء بأنها لا تحتجب عن ملك يمينها، أما ملك يمين غيرها ولو كان من أقربائها، فالواضح والأظهر أنه يُحتجب عنه، ولكن لعل عائشة رضي الله عنها وأرضاها كانت ترى هذا الشيء، ثم لما عتق وصار حراً أرخت الحجاب دونه, ولم يرها بعد ذلك اليوم الذي التقى بها، وطلب منها أن تدعو له بالبركة؛ لأن الله تعالى قد أعتقه.وفي هذا الحديث: مثل ما في الذي قبله من حرص الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم على بيان السنن والحق والهدى، رجالهم ونسائهم، هذا شأنهم وديدنهم، يبينون الحق للناس ابتداءً من دون أن يكون ذلك التوجيه والإرشاد مبني على سؤال؛ فإن عائشة رضي الله عنها وأرضاها أرته كيفية الوضوء, وتوضأت وهو يراها.وفيه أيضاً: بيان التعليم بالفعل, كما يكون بالقول، وهنا علمته, وبينت له بفعلها رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مسح المرأة رأسها

قوله: [أخبرنا الحسين بن حريث ].الحسين بن حريث هو: الخزاعي المروزي، وهو ثقةٌ, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه .[ حدثنا الفضل بن موسى]. وهو: الفضل بن موسى السيناني المروزي، هو أيضاً مروزي مثل تلميذه، وهو ثقةٌ, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن الجعيد بن عبد الرحمن].الجعيد بن عبد الرحمن هنا جاء مصغراً، ويأتي مكبراً فيقال: الجعد، يأتي مصغراً كما هنا فيقال: الجعيد. ويأتي منسوباً إلى أبيه وإلى جده، وهو الجعد بن عبد الرحمن بن أوس؛ يقال: الجعد بن عبد الرحمن، ويقال: الجعد بن أوس، وهو ثقةٌ, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه ، مثل: الحسين بن حريث شيخ النسائي هنا.[ عن عبد الملك بن مروان بن الحارث بن أبي ذباب ].وهذا الرجل وصفه الحافظ في التقريب: بأنه مقبول، ولم يخرج له إلا النسائي، وكلمة (مقبولٌ) كما عرفنا فيما مضى تعني أنه يحتاج إلى من يعضده ويساعده، ومن المعلوم أن صفة الوضوء وكيفيته , جاء فيها أحاديث كثيرة، وله شواهد عديدة عن جماعة من الصحابة، كلها تدل على بيان صفة الوضوء، مثل ما جاء عن عائشة وغيرها.[عن أبي عبد الله سالم سبلان].وهو: سالم بن عبد الله المصري، يقال له: سالم سبلان، وهو صدوقٌ, خرج له مسلم, وأبو داود, والنسائي, وابن ماجه، ولم يخرج له البخاري, ولا الترمذي.وأما عائشة فهي أم المؤمنين, التي مر ذكرها في الأسانيد الماضية مراراً وتكراراً، وهي صاحبة المناقب الكثيرة، والصفات الحميدة، وهي من أوعية العلم والسنة، حفظت الكثير من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورضي الله تعالى عنها وأرضاها، وهي التي أنزل الله تعالى براءتها من فوق سبع سماوات في عشر آياتٍ من سورة النور، بين الله تعالى فيها براءتها مما رميت به، فهي الصديقة بنت الصديق، المبرأة بالوحي من الله عز وجل، وكانت مع هذا الفضل الذي حصل لها، وهو إنزال الله عز وجل الوحي ببراءتها متواضعة لله عز وجل، وقد جاء في الصحيح أنها كانت تقول رضي الله عنها وأرضاها: وكنت أتمنى أن يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا يبرؤني الله تعالى بها، ولشأني في نفسي أهون من أن ينزل الله تعالى فيَّ آيات تتلى، أي: مثلها, وهي مع علو مكانتها تتواضع لله عز وجل.
مسح الأذنين

شرح حديث ابن عباس: (رأيت رسول الله توضأ... ومسح برأسه وأذنيه مرة ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مسح الأذنينأخبرنا الهيثم بن أيوب الطالقاني حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ، فغسل يديه, ثم تمضمض واستنشق من غرفة واحدة، وغسل وجهه، وغسل يديه مرة مرة، ومسح برأسه وأذنيه مرة، قال عبد العزيز: فأخبرني من سمع ابن عجلان يقول في ذلك: وغسل رجليه].ثم ذكر النسائي هذه الترجمة وهي باب: مسح الأذنين، لما ذكر مسح الرأس ذكر مسح الأذنين، وذلك أن الأذنين من الرأس، ويكون حكمهما المسح، كما أن حكم الرأس المسح، وليس حكمهما الغسل؛ لأنهما لا يعتبران من الوجه فيغسلان، وإنما يعتبران من الرأس فيمسحان.وقد أورد فيه حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهو في بيان صفة وضوء النبي عليه الصلاة والسلام مرةً مرة، أي: أن كل عضو من أعضاء الوضوء يغسله مرةً واحدة، وقد عرفنا فيما مضى: أن السنة جاءت بالغسل مرةً مرة، واثنتين اثنتين، وثلاثاً وثلاثاً، وبالتفاوت، يعني: يكون مرة ومرتين، أو ثنتين وثلاث، كل هذا جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، فحديث ابن عباس يدل على الغسل للأعضاء في الوضوء مرةً مرة، وبين فيه كيفية وضوء النبي عليه الصلاة والسلام، وأنه تمضمض واستنشق، وغسل وجهه مرة، وغسل يديه مرة مرة، ومسح رأسه مع الأذنين مرة.وذكر أن عبد العزيز بن محمد قال: أخبرني من سمع محمد بن عجلان أنه قال بعد ذلك: ثم غسل رجليه؛ لأن الرواية التي ذكرها ليس فيها ذكر غسل الرجلين، ولكنه أتى إلى طريقٍ أخرى فيها الإشارة إلى غسل الرجلين تبعاً لأعضاء الوضوء، والمقصود من إيراد الحديث هنا: أن ابن عباس توضأ ومسح رأسه مع الأذنين.وقوله: (ومسح برأسه وأذنيه مرة)، أي: أنه عطف الأذنين على الرأس، وجعل حكمهما المسح، كما أن حكم الرأس المسح، وأن ذلك مرة، وهذا مبنيٌ على هذه الصفة التي هي حصول الفعل مرةً مرة، وقد سبق أن مر الحديث من بعض الطرق.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (رأيت رسول الله توضأ ... ومسح برأسه وأذنيه مرة ...)

قوله: [أخبرنا الهيثم].وهو: الهيثم بن أيوب الطالقاني، وهذا هو شيخ النسائي ثقةٌ, انفرد النسائي بإخراج حديثه، ولم يخرج له بقية أصحاب الكتب الستة، أي: في طبعة التقريب المصرية ذكر فيها بعد رمز السين رمز الخاء، وهو خطأ؛ لأن البخاري لم يخرج له، ثم أيضاً هذا مع كونه خطأ، فترتيبه أيضاً خطأ؛ لأن الأصل أن يبدأ بالخاء إذا كان البخاري خرج له، ولا يكون ذكره بعد النسائي، وإنما يكون ذكر البخاري قبل النسائي، وهنا جاء بحرف السين, ثم جاء بعدها بحرف الخاء، فهو خطأ من حيث ذكره؛ حيث لم يخرج له البخاري، وخطأ من حيث الموضع؛ لأن البخاري يذكر مقدماً على غيره.[عن عبد العزيز بن محمد].عبد العزيز بن محمد الدراوردي هذا أيضاً يأتي ذكره لأول مرة، وهو صدوقٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن زيد بن أسلم]. زيد بن أسلم، وهو ثقةٌ, من رجال الجماعة.[عن عطاء بن يسار ].عطاء بن يسار شيخه، وهو ثقة، من رجال الجماعة.قوله: [عن ابن عباس].وكذلك ابن عباس رضي الله عنه مر مراراً وتكراراً، وحديثه في الكتب الستة، وهو أحد الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين هم سبعة جمعهم السيوطي في بيتين، قال فيهما: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيوالبحر المقصود به: ابن عباس، يقال له: البحر، ويقال: الحبر.
مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس

شرح حديث ابن عباس: (توضأ رسول الله... ثم مسح برأسه وأذنيه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مسح الأذنين مع الرأس، وما يستدل به على أنهما من الرأسأخبرنا مجاهد بن موسى حدثنا عبد الله بن إدريس حدثنا ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرف غرفة فمضمض واستنشق، ثم غرف غرفة فغسل وجهه، ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل يده اليسرى، ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسباحتين، وظاهرهما بإبهاميه، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليمنى، ثم غرف غرفة فغسل رجله اليسرى)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي باب: مسح الأذنين وما يستدل به على أنهما من الرأس، أي: أنهما يمسحان، فيكون فرضهما المسح، هذا هو المقصود بكونهما من الرأس، فيكون المقصود هو: هل حكمهما حكم الرأس فيمسحان أو حكم الوجه فيغسلان؟ المقصود أن حكمهما حكم الرأس فيمسحان.وأورد النسائي حديث ابن عباس من طريق أخرى وفيه: أنه مسح رأسه مع أذنيه، جعل السباحتين في داخلهما وإبهامه في ظاهرهما، أي: أن كيفية المسح أن يجعل السبابة أو السباحة في داخل الأذن, والإبهام في خارجها، فالسبابة تمسح داخلها، والإبهام تمسح خارجها، والسبابة وهي: الإصبع التي تلي الإبهام، يقال لها: السبابة، ويقال لها: السباحة والمسبحة؛ لأنه يسبح الله بها، ويشار إلى وحدانية الله عز وجل بها، فيقال لها: السباحة، ويقال لها: السبابة؛ لأنه يسب الشيطان بها؛ ولأنهم كانوا في الجاهلية عندما يكون سباب يشيرون بها، يعني: سباً أو من أجل السب.وهذه الترجمة التي عقدها النسائي هنا, مما يستدل به على أن الأذنين من الرأس، يعني: فيمسحان، واستدل بما حصل من مسحهما فيكون حكمها حكم الرأس، وفيه إشارة إلى ما ورد من حديث (الأذنان من الرأس)، وفيه كلام، ولكنه ثابت، ولكن للكلام الذي فيه لعل النسائي اختار أن يستدل على أن الأذنين من الرأس فيمسحان، بحديث ابن عباس هذا, فيكون هذا الحديث صحيح يؤدي ما يؤديه ذلك الحديث، وهو ثابت، يعني: حديث: (الأذنان من الرأس).

تراجم رجال إسناد حديث ابن عباس: (توضأ رسول الله ... ثم مسح برأسه وأذنيه ...)

قوله: [عن مجاهد بن موسى]. هو الخوارزمي، شيخ النسائي، ثقة، خرج حديثه مسلم, وأصحاب السنن الأربعة. [عن عبد الله بن إدريس].عبد الله بن إدريس هو: الأودي الكوفي، وهو ثقة, عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن ابن عجلان]. هو محمد بن عجلان، وهو ممن خرج حديثه البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن، وهو صدوق، وسبق أن ذكرت لكم: أنهم ذكروا في ترجمته أن أمه حملت به وبقي في بطنها ثلاث أو أربع سنين.[عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن ابن عباس].وبقية الإسناد كالذي تقدم، زيد بن أسلم، عطاء بن يسار، ابن عباس.

شرح حديث: (إذا توضأ العبد المؤمن ... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة وعتبة بن عبد الله عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه, حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه, حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه, حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه, حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له)، قال قتيبة عن الصنابحي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال].هنا أورد النسائي حديث عبد الله الصنابحي، ومقصوده منه بيان مسح الأذنين، والاستدلال على أنهما من الرأس، والحديث من حديث فضائل الأعمال، وأحاديث الترغيب، وفيه بيان فضل الوضوء، وما يحصل به من حط الخطايا والسيئات، فإنه جاء في هذا الحديث أن الإنسان إذا توضأ فغسل وجهه، خرجت الذنوب حتى تخرج من بين أشفار عينيه، بمعنى: أنها تخرج الذنوب من عينيه، يعني: ما حصل من النظر في عينيه، وما إلى ذلك، وكذلك إذا غسل يديه تخرج من تحت أظفار أصابع يديه، وإذا مسح رأسه خرجت من أذنيه، وهذا مما يدل على أن الأذنين من الرأس، فلما ذكر الرأس قال: (خرجت) يعني: خرجت خطاياه من أذنيه، وهذا معناه: أن الأذنين من الرأس، وأن حكمهما حكم الرأس في المسح، وهذا هو الذي أراده النسائي من إيراد الحديث هنا، وكذلك إذا غسل رجليه تخرج الذنوب والخطايا من أظفار قدميه، ثم يكون مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة، يعني: أنها كفرت سيئاته بفعله الوضوء، فيكون مشيه وصلاته نافلة، يعني: زيادة في الثواب، وزيادة في الأجر عند الله عز وجل.

تراجم رجال إسناد حديث: (إذا توضأ العبد المؤمن... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه ...)

قوله: [أخبرنا قتيبة وعتبة بن عبد الله].قتيبة هو: قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات, الأثبات.أما عتبة بن عبد الله فهو: عتبة بن عبد الله بن عتبة اليحمدي، وهو صدوقٌ, خرج حديثه النسائي وحده. [عن مالك]. ومالك هو إمام دار الهجرة, الذي مر ذكره مراراً وتكراراً. [عن زيد بن أسلم عن عطاء]. وزيد بن أسلم يروي عن عطاء، وكل منهما مر ذكره في الأحاديث الماضية.[ عن عبد الله بن الصنابحي ].وعبد الله الصنابحي اختلف فيه، بل قال الحافظ ابن حجر في التقريب: اختلف في وجوده، يعني: وجود شخص مثل عبد الله الصنابحي؛ لأن من العلماء من قال: إنه موجود، وأنه صحابي وله صحبة، ومنهم من قال: إنه لا يوجد أحد يقال له: عبد الله الصنابحي، وإنما يوجد عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، المخضرم الذي لم يلق النبي عليه الصلاة والسلام، وقد ذكروا في ترجمته أنه جاء قادماً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولما كان في الجحفة في الطريق جاءه الخبر بأن الرسول صلى الله عليه وسلم توفي، فلم يحصل له شرف صحبة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا قال بعض العلماء أظنه الذهبي: كاد أن يكون صحابياً، ما بينه وبين الصحبة إلا شيء يسير، فهو مخضرم، وهو من كبار التابعين، وهو هذا عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، وحديثه عند أصحاب الكتب الذي هو الصنابحي.ثم بالمناسبة الصنابحي ذكر أنه من رجال البخاري، وهو ليس من رجاله، وإنما له ذكر في البخاري، وطريقة المزي أن الرجل عندما يكون له ذكر في البخاري، يرمز له بأنه من رجال البخاري، وإن لم يكن من رواة البخاري. أما عبد الله وكنيته الصنابحي الذي هو عبد الرحمن بن عسيلة أبا عبد الله، فقالوا: إن هذا الذي هو عبد الله الصنابحي هو أبو عبد الله الصنابحي، وإنما حصل خطأ فانقلبت الكنية فصارت اسماً، وهذا هو المشهور عند العلماء أن الصنابحي هو: عبد الرحمن بن عسيلة، وحديثه مرسل، وليس بصحابي، وما يرويه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو من قبيل المرسل، وليس من المتصل؛ لأنه لم يلق النبي صلى الله عليه وسلم.والشيخ الألباني لما ذكر هذا الحديث في صحيح الترغيب والترهيب، وذكر كلام العلماء في عبد الله الصنابحي؛ لأن المشهور أنه عبد الرحمن بن عسيلة، قال: وإنما أوردته مع كونه مرسل, لوجود الشواهد الكثيرة في معناه، التي تدل على ما يدل عليه ذلك الحديث، فيكون من شواهده، يكون ثابتاً من شواهده، أما لو لم يأت في معناه, إلا هذا الحديث؛ فإنه كما هو معلوم لا يكون ثابتاً, لوجود الانقطاع فيه, لأن الصنابحي تابعي وليس بصحابي، فحديثه يكون مرسلاً، ومن المعلوم أن الحديث المرسل منقطع ليس بمتصل، وابن حجر وكذلك المزي لما ترجموا لـعبد الله الصنابحي رمزوا له بالدال والسين والقاف، يعني: لـأبي داود , والنسائي, وابن ماجه .أما عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي فقد جاء ذكره في الكتب الستة، لكن من جاء بلفظ عبد الله الصنابحي فهو في ثلاثة كتب، في أبي داود , والنسائي , وابن ماجه . ثم إنه في آخر الحديث قال: قال قتيبة عن الصنابحي : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال.فالمقصود من ذكر هذه الجملة هنا: أن سياق الإسناد يبدو أنه لـعتبة، وليس لـقتيبة، ثم إنه يمكن أن يستدل بهذا الصنيع على أن طريقة النسائي عندما يروي عن شيخين، فيكون اللفظ للثاني منهما؛ لأن الآن هنا السياق للثاني، وشيخه الأول الذي هو قتيبة أتى بعد ذكر سياق الحديث بلفظ الثاني، ما بينه وبينه من المخالفة، إنما هي يسيرة جداً؛ لأن عتبة إسناده وسياقه قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم..، وهذا قال: أن النبي صلى الله عليه وسلم، فالفرق بينهما: كلمة رسول ونبي، فهذا يشعر ويدل على هذا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 22-03-2019, 11:32 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(42)

تابع باب مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس - باب المسح على العمامة

بينت الشريعة أن الأذنين من الرأس في الوضوء وليستا من الوجه، ومن سماحتها أنها جاءت بمشروعية المسح على العمامة رفعاً للحرج، لا سيما إذا كان في نزعها مشقة.

تنبيهات على حديث عبد الله الصنابحي: (إذا توضأ العبد المؤمن... فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه...)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب: مسح الأذنين مع الرأس وما يستدل به على أنهما من الرأس.أخبرنا قتيبة وعتبة بن عبد الله عن مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه، فإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه، فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه، ثم كان مشيه إلى المسجد وصلاته نافلة له). قال قتيبة عن الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال].حديث عبد الله الصنابحي، يحكي فيه عن النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على فضل الوضوء وعظيم أجره وثوابه عند الله عز وجل، وقد مرّ بنا ما يتعلق بالحديث في إسناده ومتنه في الدرس الفائت.والذي أحب أن أنبه عليه بالنسبة لشيء من إسناد هذا الحديث، هو أولاً: أنني ذكرت في الدرس الفائت: أن هذا السياق الذي ذكره النسائي لـعتبة بن عبد الله بن عتبة اليحمدي وهو الشيخ الثاني من الشيخين اللذين روى عنهم الحديث؛ لأنه قرن هنا بادئاً بـقتيبة ومثنياً بـعتبة، والسياق هو سياق عتبة، بدليل أنه قال في آخر الحديث: وقال قتيبة؛ يعني: أن سياقه يختلف عن سياق عتبة عن الصنابحي، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال، فقلت بالأمس: إن الفرق بين السياقين: أن عتبة عبر بوصف الرسول صلى الله عليه وسلم بالرسالة، حيث قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما قتيبة فتعبيره بوصف النبوة، حيث قال: إن النبي صلى الله عليه وسلم.وهناك شيءٌ آخر يضاف إلى هذا، بل هو أهم منه من حيث تنبيه النسائي على هذا الفرق بين السياقين, وهو أنه قال: عن الصنابحي، فلم يسمه كما سماه عتبة؛ لأن إسناد عتبة فيه تسمية الصنابحي، بأنه عبد الله، وأما سياق قتيبة فليس فيه ذكر تسمية عبد الله، وإنما فيه ذكر الصنابحي فقط، هذا فرقٌ واضح جلي، ولعلّ هذا هو الذي أراده النسائي؛ لأن هذا اللفظ الذي هو الصنابحي يتفق مع ما هو معروفٌ عن أن المشهور بـالصنابحي هو عبد الرحمن بن عسيلة؛ لأنه ما سمي، ورواية عتبة وغيره ممن سموه وقالوا: عبد الله، قال بعض العلماء: إن هذا فيه انقلاب أو قلب؛ لأنه أبو عبد الله الصنابحي، فإذاً: حصل انقلاب على الراوي، فجعل بدل أبي عبد الله عبد الله، فصار فيه وجود هذا الشخص الذي لا يعرف، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: اختلف في وجوده؛ يعني: رجل باسم عبد الله الصنابحي اختلف في وجوده، هل هو موجود أو غير موجود؟ والأكثر على أنه عبد الرحمن بن عسيلة، والمشهور أنه عبد الرحمن بن عسيلة، و عبد الله الصنابحي، فجاء ذكره بهذا الاسم عند النسائي وأبي داود وابن ماجه، أما عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي فإنه جاء حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهذا أول ما أردت أن أنبه عليه بما يتعلق بهذا السياق الذي ذكره النسائي.وذكرت في الدرس الفائت أن هذا السياق الذي ذكره النسائي لـعتبة ثم التنبيه إلى السياق عند قتيبة، أن هذا قد يشعر بأن طريقة النسائي أنه عندما يذكر الحديث عن شيخين فإن اللفظ الذي يسوقه يكون للثاني منهما، قلت: إن هذا مما يستدل به على أن طريقة النسائي عندما يذكر شيخين ولا يذكر من له اللفظ أن اللفظ يكون للثاني؛ وذلك لأنه في هذا الحديث ساقه على سياق عتبة , وهو الثاني، ثم نبه على سياق قتيبة وأنه يختلف عن سياق عتبة.والأمر الثاني من الأمور التي أنبه عليها: أن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي ليس له رواية في صحيح البخاري، وأن المزي طريقته أن من له ذكر في الصحيح يعلم عليه أنه من رجال الصحيح وإن لم تكن له رواية في الصحيح، وهذا هو الواقع بالنسبة لطريقة المزي، ومن أمثلة ذلك: أويس القرني جاء ذكره في رجال الكتب الستة وليس له رواية في الصحيحين، ويزيد بن أبي كبشة جاء ذكره في صحيح البخاري وليس له رواية، وذلك في حديث أبي موسى الأشعري الذي قال في إسناده ابنه أبو بردة: اصطحبت أنا ويزيد بن أبي كبشة في سفر، فكان يصوم في السفر، فقال له أبو بردة: أفطر، فإني سمعت أبا موسى يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل وهو صحيح مقيم).فجاء ذكره في الإسناد بمناسبة أنه سافر هو وأبو بردة، وكان يزيد يصوم في السفر، فنبهه إلى أنه إذا كان من عادته أنه يصوم في الحضر ثم أفطر في السفر، فالله تعالى يكتب له في حال سفره ما كان يكتب له في إقامته، (إذا مرض العبد أو سافر, كتب له ما كان يعمل وهو صحيحٌ مقيم)، فاستدل أبو بردة بحديث أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأما يزيد بن أبي كبشة ليس ممن سمع ذلك ، فرمز له بخاء يعني: أنه من رجال البخاري، وهو كما هو واضح ليس من رجال البخاري.أما بالنسبة للصنابحي فأنا قد وهمت بأنه ليس له رواية، وإنما هو من الجماعة الذين ليس لهم إلا حديث واحد في البخاري، وفيه: (أنه قدم من اليمن مهاجراً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما كان في الجحفة جاءهم آت من المدينة, وقال: إنا دفنا الرسول صلى الله عليه وسلم في يوم كذا؛ يعني: أنه مات ودفن، فبلغه الخبر وهو في الجحفة، ثم إنه سأله عن حديث ليلة القدر فأجابه)، فهذا الحديث موجود في صحيح البخاري, وليس لـعبد الرحمن بن عسيلة ذكراً إلا في هذا الحديث الواحد، فقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في الجزء الثامن من فتح الباري صفحة مائة وثلاث وخمسين، قال: وليس لـعبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي في صحيح البخاري إلا هذا الحديث الواحد، أما الذين ليس لهم إلا مجرد الذكر فمنهم: أويس القرني، ومنهم: يزيد بن أبي كبشة الذي أشرت إليه.وهناك حديث سبق أن مر بنا قريباً وفيه ذكر محمد بن سلمة المرادي و الحارث بن مسكين، وقد مر ذكر محمد بن سلمة قبل تلك المرة، وذكرت في هذه المرة أن النسائي له شيخين، كل منهما يقال له: محمد بن سلمة، لكن الحديث رقم سبعة وتسعين لعله في باب حد الغسل، يرويه عن ابن القاسم، وقلت: إن النسائي له شيخين: أحدهما: محمد بن سلمة المرادي المصري، والثاني: محمد بن سلمة الباهلي، وقلت: إن الذي روى عنه النسائي هنا هو محمد بن سلمة المرادي، وهذا هو الواقع؛ لأن الحارث بن مسكين مصري، ومحمد بن سلمة المرادي مصري، وابن القاسم مصري، و النسائي كان في مصر في آخر عمره، فإذاً: محمد بن سلمة الذي يروي عنه النسائي هو المرادي.لكن الواقع أن محمد بن سلمة الباهلي ليس شيخاً للنسائي، وإنما روى له النسائي بالواسطة، والخطأ الذي حصل لي إنما هو من خطأ موجود في طبعة التقريب؛ لأن فيها: من الحادية عشرة، مات سنة إحدى وتسعين؛ يعني: الحادية عشرة بعد المائتين، والواقع أنه ليس من الحادية عشرة وإنما هو التاسعة أو العاشرة إذا كانت وفاته سنة ثلاثمائة وواحد وتسعين، يعني: معناه في القرن الثاني، أي: مات محمد بن سلمة الباهلي قبل أن يولد النسائي بخمس وعشرين سنة، فهو ليس من شيوخه ولم يدركه، وفي الطبعة المصرية قال: من الحادية عشرة، والحادية عشرة طبعاً بعد المائتين؛ لأن العاشرة أيضاً بعد المائتين؛ يعني: وفاة كثير منهم بعد المائتين والحادية عشرة بعد المائتين.

المسح على العمامة

قال المصنف رحمه الله: [باب المسح على العمامة:أخبرنا الحسين بن منصور حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش (ح) وأنبأنا الحسين بن منصور حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)]. ‏

شرح حديث بلال: (رأيت النبي يمسح على الخفين والخمار)

هنا أورد النسائي رحمه الله باب: المسح على العمامة.والمراد بالعمامة: هي العمامة التي يتخذها الرجال، وكان ذلك موجوداً في زمن النبوة، فكانوا يستعملون العمائم التي يدورونها تحت الحنك ويربطونها, ويكون في نزعها كل وقت مشقة؛ أي: جاءت السنة بأنه يمسح عليها كما يمسح على الخفين؛ لأن الخفين في نزعهما مشقة في كل وقت، فكذلك العمامة إذا شدت وربطت وصارت محكمة ومدارة تحت الحنك، ففي نزعها شيء من المشقة، فجاءت السنة بأنه يمسح عليها؛ يعني: إذا توضأ الإنسان فإنه يمسح على العمامة إذا كانت على الطريقة المعروفة عند العرب، والتي كان الرسول صلى الله عليه وسلم يستعملها، والتي هي تثبت من تحت الحنك ويحكم ربطها، ويكون في نزعها مشقة، فإنه يمسح عليها كما يمسح على الخف، وقد جاء المسح على الخفين في أحاديث كثيرة، وجاء المسح على العمامة في بعض الأحاديث، وهذا هو المقصود بالعمامة.وقد أورد النسائي حديث بلال بن رباح رضي الله عنه الذي يرويه عنه كعب بن عجرة رضي الله عنه، يقول بلال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)، والمقصود بالخمار: العمامة؛ لأنها هي التي يغطى بها الرأس، والخمار: هو الذي اشتهر بما تغطيه به النساء رءوسهن, يقال له: خمار، والعمامة أيضاً يقال لها: خمار؛ لأنها من التغطية، ولهذا يقال للغطاء: خمار، أي: غطاء, وجاء في حديث الذي وقصته ناقته في عرفة, قال: ( لا يمس طيباً, ولا تخمروا رأسه)، (ولا تخمروا) يعني: لا تغطوا رأسه؛ لأن التخمير هو التغطية، والخمار هو الغطاء، وكذلك الإناء كونه يخمر، يعني: يوضع عليه غطاء، ولكنه غلب بالاستعمال على خمار المرأة، ويطلق أيضاً على العمامة للرجل، فيقال لها: خمار؛ لأنه هنا في الحديث قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين والخمار)، يعني: العمامة.إذاً: فالخمار الذي هو العمامة في هذا الحديث يمسح عليه أو عليها، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث وغيره من الأحاديث التي سيذكرها النسائي فيما بعد.وكذلك النساء إذا حصل منهن شد الخمر عليهن وكان في نزعه مشقة, فيمكن أن يمسحن كما يمسح الرجال، أما إذا كانت الخمر لا تحكم أو نزعها خفيف، أو كانت مثل الغتر التي علينا، أو اللفائف التي تلف من فوق ثم تنزع وترد، أو ما يشبه الطواقي، فكل هذه لا يمسح عليها، وإنما يمسح على العمامة المعروفة عند العرب، والتي يغطى بها الرأس وتحكم وتشد وتدار من تحت الحلق، ويكون في نزعها مشقة، فجاءت السنة بالتخفيف في ذلك وأنه لا بأس بأن يمسح عليها الإنسان.ومن العلماء من منع ذلك وقال: إن الآية إنما جاءت في المسح على الرأس وليس في المسح على العمامة، ومن المعلوم أنه ما دام جاءت به السنة, فإن مجيء السنة كاف في الاستدلال والاعتبار ولو كان من طريق الآحاد، فطريق الآحاد ما ثبت بها يعول عليه في العقائد والأحكام وفي غير ذلك، هذا هو منهج أهل السنة في ذلك، وهذا هو المعروف عنهم، وأما الخفان فسيأتي لهما تراجم تخصهما، فقد مسح الرسول صلى الله عليه وسلم عليهما.

تراجم رجال إسناد حديث بلال: (رأيت النبي يمسح على الخفين والخمار)

قوله: [أخبرنا الحسين بن منصور].ابن جعفر السلمي أبو علي النيسابوري، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري والنسائي، وذكر الحديث من طريقين، وكل من الطريقين من طريق الحسين بن منصور، يعني: شيخ الطريقين واحد، إلا أن الحسين بن منصور يروي من طريقين، يعني: تنقسم الطريقان من بعد الحسين بن منصور. والحسين بن منصور هو الذي روى عنه النسائي الطريقين، يعني: الطريقان كلهما رواهما النسائي عن طريق الحسين بن منصور، فيقول: أخبرني الحسين بن منصور.[ حدثنا أبو معاوية]. هو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقةٌ حافظ، ويقال: هو أحفظ أصحاب الأعمش. والأعمش هو ملتقى الطريقين, ثم ذكر الطريقة الثانية التي يرويها النسائي، عن الحسين بن منصور.[ حدثنا عبد الله بن نمير].عبد الله بن نمير هذا هو: الهمداني الكوفي، وهو ثقةٌ وممن خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكل من أبي معاوية وعبد الله بن نمير يرويان عن الأعمش.[حدثنا الأعمش].والأعمش هو لقب له، وهو: سليمان بن مهران الكاهلي الكوفي، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره كثيراً بلقبه، كما يأتي ذكره باسمه في بعض المواضع أو في كثير منها، فيأتي باسمه ويأتي بلقبه، وقد ذكرت أن فائدة معرفة الألقاب حتى لا يظن الشخص الواحد شخصين، فإذا ذكر مرة بكنيته وذكر مرة بلقبه ومرة باسمه من لا يفهم، فيظن أن سليمان غير الأعمش، وأما الذي يعرف أن الأعمش لقب لـسليمان فلا يلتبس عليه ذلك.[ عن الحكم].الحكم يأتي ذكره لأول مرة، وهو: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وهو ثقة, فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عبد الرحمن بن أبي ليلى].هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الكوفي، وهو من كبار التابعين، وممن ولد في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وروى عن كثير من الصحابة، ولهذا فهذا الحديث الذي معنا رواه عن سعد، ورواه عن البراء بن عازب، يعني: رواه عن أكثر من صحابي؛ لأن النسائي ذكره من ثلاث طرق، وكلها فيها روايته عن الصحابة؛ لأنه متقدم، وكانت ولادته في خلافة عمر رضي الله عنه، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وله ابن اسمه محمد، وهو الفقيه, المشهور المعروف، فإذا ذكر في الفقه ابن أبي ليلى، فالمقصود منه: ابنه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، إلا أنه في الحديث سيئ الحفظ جداً كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر، أي أنه ليس بقوي وفيه ضعف، ولكنه هو المعروف بالفقه، وقد تولى القضاء، وليس له رواية في الصحيحين، لكن له رواية عند أصحاب السنن، ولكنه فيه كلام.أما أبوه فهو ثقة وتابعي جليل، وهو الذي روى عن كعب بن عجرة رضي الله عنه حديث الصلاة الإبراهيمية الذي يقول فيه في صحيح البخاري: (يقول عبد الرحمن بن أبي ليلى: لقيني كعب بن عجرة وقال: ألا أهدي لك هدية سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: بلى فاهدها إلي، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقلنا: قد علمنا كيف نسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد)، هذا هو الذي أهديت إليه تلك الهدية الثمينة النفيسة العظيمة.[ عن كعب بن عجرة].هو كعب بن عجرة صحابي مشهور، وهو صاحب الحديث المتعلق بحلق الرأس في الحج وحصول الفدية فيه، وله في الكتب سبعة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم على اثنين، وانفرد مسلم باثنين، ولم ينفرد البخاري بشيء.[ عن بلال ].هو بلال بن رباح مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو صحابي مشهور، وله في الكتب أربعة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري, ومسلم منها على حديث، وانفرد البخاري بحديثين، وانفرد مسلم بحديث. وهو مولى لـأبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه.وكل رجال الإسناد وهم: أبو معاوية , وعبد الله بن نمير , والأعمش، والحكم بن عتيبة، وابن أبي ليلى، وكعب بن عجرة، وبلال، فهؤلاء السبعة كلهم خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة، إلا الحسين بن منصور خرج له البخاري والنسائي.

شرح حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخفين) من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي عن طلق بن غنام قال: حدثنا زائدة وحفص بن غياث عن الأعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء بن عازب رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخفين)].وهذا الحديث فيه رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء عن بلال؛ لأنه في الأول يروي عن كعب عن بلال، فكل من الحديثين في الطريقين رواية صحابي عن صحابي.وقوله: (رأيته يمسح على الخفين) لا تعلق له في موضوع الباب؛ لأن الباب هو المسح على العمامة، والخفان شيء آخر؛ يعني: إيراد الحديث هنا بهذا اللفظ لا يدل على الترجمة، ولكنه طريق آخر من طرق حديث بلال رضي الله عنه، وفيه إفراد الخفين عن العمامة أو الخمار.

تراجم رجال إسناد حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخفين) من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي ].هو الحسين بن عبد الرحمن الجرجرائي شيخ النسائي، وروى له أبو داود، والنسائي , وابن ماجه ، وقال عنه في التقريب: إنه مقبول. [عن طلق بن غنام]. هو طلق بن غنام بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري وأصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له مسلم شيئاً.[ حدثنا زائدة وحفص بن غياث].هو زائدة بن قدامة الثقفي الكوفي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكان صاحب سنة، وكان لا يروي عن أهل البدع، ويمتحن من يروي عنه أو يحدثه بأنه لا يحدثه إلا عن صاحب سنة، فذكروا هذا في ترجمته رحمة الله عليه، كان لا يحدث عن الرافضة ولا عن القدرية ولا عن أصحاب البدع.وحفص بن غياث فهو ابن عم طلق بن غنام، وهو حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي الكوفي, وطلق بن غنام يروي عن ابن عمه حفص بن غياث؛ لأن غياث وغنام أبوهما طلق بن معاوية، فـطلق بن غنام ابن عم لشيخه أو أحد شيخيه في هذا الإسناد وهو حفص بن غياث، وحفص بن غياث ثقة, وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة؛ لأن ابن عمه الذي هو طلق بن غنام لم يخرج له مسلم، وكل من الاثنين ثقة.ثم اتحد الإسناد بعد ذلك مع إسناد الحديث السابق فقال: [عن الأعمش عن الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]، واختلف عند قوله: [عن البراء بن عازب عن بلال].وذكرنا كعب بن عجرة وقلنا: له سبعة وأربعون حديثاً, وبلال له أربعة وأربعون حديثاً، والبراء بن عازب له ثلاثمائة وخمسة أحاديث، اتفق البخاري ومسلم على اثنين وعشرين حديثاً، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستة أحاديث، وهو صحابي وأبوه صحابي، وفيه رواية صحابي عن صحابي.والإسناد الأول فيه تحويل للحسين بن منصور، والتحويل هو: أن تحول من إسناد إلى إسناد.وفائدته: حتى لا يظن فيما لو حذف التحويل أن يكون المتقدم آخذاً عن المتأخر، وأخبرنا أن معناه: أنه يرجع الإسناد من جديد بإسناد آخر ثم يلتقيان بعد ذلك، ولا يتحد الإسناد فيما بعد، وقد ذكرنا أن النسائي يستعمل التحويل قليلاً ولا يكثر منه ولا يحتاج إليه مثل البخاري؛ لأنه يكرر الحديث في مواضع متعددة، فلا يحتاج إلى التحويل بكثرة، بخلاف مسلم فإنه يحتاج إلى التحويل بكثرة لأنه يجمع الأحاديث في مكانٍ واحد ويستعمل التحويلات الكثيرة في الإسناد.

حديث بلال: (رأيت رسول الله يمسح على الخمار والخفين) من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هناد بن السري عن وكيع عن شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن بلال رضي الله عنه أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على الخمار والخفين)].أورد النسائي هذا الحديث، وهو من رواية عبد الرحمن عن بلال نفسه؛ لأن في الأول يرويه عن كلا الصحابيين، مرة عن كعب بن عجرة ومرة عن البراء بن عازب، وهنا يروي عن بلال رأساً؛ لأنه يروي عن الصحابة، وأولئك صحابة، إلا أنها رواية صحابي عن صحابي، وكما هو معلوم يمكن أن يروي الحديث عن كعب وعن البراء وكلاً عن بلال, ثم يلقى بلالاً فيروي عنه مباشرةً، فتكون الرواية على اختلاف الأحوال: مرة رواه نازلاً؛ لأنه ما لقي بلالاً، ثم لما لقي بلالاً صار يرويه عنه مباشرة، فيتحصل أنه لا اختلاف بين الروايات، وهذا يحصل كثيراً في رواية الأحاديث؛ لأن الراوي يروي الحديث عن شخص حي بواسطة؛ لأنه ما لقي ذلك الشخص، ثم يلقاه بعد ذلك فيسمع منه الحديث، فيرويه على الحالين، وهنا مرة يرويه عن كعب بن عجرة عن بلال، ومرة عن البراء عن بلال، ومرة عن بلال نفسه.والحديث هو مثل الحديث الأول إلا أن فيه تقديم الخمار على الخفين؛ يعني: هناك يمسح على الخفين والخمار، وهنا يمسح على الخمار والخفين، فلا فرق بينهما إلا بالتقديم والتأخير، واللفظ واحد، وهو يؤدي ما يؤديه, والحديث نفسه عن بلال؛ أي: صحابي واحد.أما إسناد الحديث فهو نفس الإسناد، وكل رجال الإسناد حديثهم عند أصحاب الكتب الستة، إلا هناد بن السري، فإنه لم يخرج له البخاري في الصحيح شيئاً، ولكنه خرج له في كتاب خلق أفعال العباد.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-03-2019, 12:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(45)

(باب الأمر بتخليل الأصابع) إلى (باب الوضوء في النعل)

أمر الشرع الحنيف بالتخليل بين الأصابع بالماء في الوضوء؛عدم وصول الماء إلى ثناياها، وأمر بغسل الرجلين إلى الكعبين، وأخبر أن السنة فيهما غسلهما ثلاث مرات، ثم جوز لنا شرعنا الحنيف الوضوء بالنعل ما لم يخش تلفها.
الأمر بتخليل الأصابع

شرح حديث: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الأمر بتخليل الأصابع:أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا يحيى بن سليم عن إسماعيل بن كثير وكان يكنى أبا هاشم ح وأنبأنا محمد بن رافع حدثنا يحيى بن آدم حدثنا سفيان عن أبي هاشم عن عاصم بن لقيط عن أبيه رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع) ].ذكر النسائي ترجمة تخليل الأصابع، والمراد بتخليلها هو: إسباغ الوضوء بحيث يجري الماء بينها، ويتحقق من أن الماء وصل إلى ما بين الأصابع، وإنما نص على تخليل الأصابع؛ لأنها أماكن قد ينبو عنها الماء، فالأصابع بعضها ببعض تكون سبباً في عدم الوصول إلى أصولها فيما بينها، فشرع التخليل، وذلك أن الإنسان يدخل أصابعه, أو يجري الماء بين الأصابع؛ بحيث يتحقق من أن الماء وصل بين الأصابع التي هي عرضة لأن ينبو عنها الماء؛ لأن الأماكن البارزة هذه في الغالب يصل إليها الماء، أما الأماكن المنخفضة، أو الأماكن التي يكون هناك ما يحول دونها، فإنه قد ينبو عنها الماء، مثل: الأعقاب، كما جاء في الحديث الذي مر: (ويلٌ للأعقاب من النار)؛ لأن الماء قد ينبو عنها، وكذلك الذي بين الأصابع ينبو عنها الماء، فجاءت السنة بالأمر بالتخليل، وذلك بإدخال الماء من خلالها، وإيصاله إلى ما بين الأصابع بحيث يصل إليه الماء. وإطلاق الحديث يدل على أن ذلك يكون في اليدين والرجلين، يعني: عند غسل اليدين, وعند غسل الرجلين يتحقق الإنسان أن الماء وصل إلى ما بين أصابع يديه، وإلى ما بين أصابع رجليه، وحديث لقيط بن صبرة رضي الله عنه، وهو أبو رزين العقيلي، وقد مر ذكره فيما مضى، يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: (أسبغوا الوضوء، وخللوا بين الأصابع)، والمقصود كما عرفنا: هو كون الماء يدخل بين الأصابع ويسيل بينها، ويتحقق من وصوله إلى الأماكن المنخفضة التي هي غير بارزة، والتي قد ينبو عنها الماء؛ لذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخليلها، والتحقق من وصول الماء إليها. وقوله: (أسبغوا الوضوء)، أمرٌ بإسباغه، ويكون بالاستيعاب, ويكون بالعدد، أما الاستيعاب فيكون بالتحقق من وصول الماء، وبدلك الأعضاء باليد. وبالنسبة للعدد: بحيث يوصل إلى ثلاث غسلات، ولا يزاد على الثلاث، فهذا هو الإسباغ.

ترجمة رجال إسناد حديث: (إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع)

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وإسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي, المعروف ابن راهويه، وهذا هو إطلاق المحدثين، وإطلاق أهل اللغة يقولون: ابن راهُوَيْه، يختمون بويه، وأما المحدثون فعندهم يقولون: ابن راهُوْيَه، وهو من الثقات, الحفاظ، وممن خرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه ، وهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فلم يخرج له شيئاً.[ أخبرنا يحيى بن سليم ].ويحيى بن سليم هو: الطائفي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، قال عنه الحافظ في التقريب: إنه صدوق سيئ الحفظ، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[ عن إسماعيل بن كثير ].وإسماعيل بن كثير يكنى بـأبي هاشم، ويأتي بكنيته أحياناً، ويأتي باسمه أحياناً، وهو ممن خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، وأصحاب السنن الأربعة، وهو ثقة. ثم ذكر النسائي إسناداً آخر، وأتى بصيغة التحويل، فقال: (ح) [وحدثنا محمد بن رافع].ومحمد بن رافع هو: القشيري النيسابوري، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه ، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، إذاً: فشيخا النسائي هنا في هذا الحديث، وهما: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي , ومحمد بن رافع النيسابوري، كل منهما خرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه، وهما شيخان لأصحاب الكتب الستة, وقد أكثر عنه الإمام مسلم، إذ روى عن محمد بن رافع أكثر من ثلاثمائة حديث، ولهذا كثيراً ما يأتي ذكره في صحيح مسلم، بل إن الأحاديث التي رواها مسلم في صحيحه من صحيفة همام بن منبه، هي عن طريق شيخه محمد بن رافع هذا.[عن يحيى بن آدم]. ويحيى بن آدم هو: يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، وهو ثقة, خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وهو من المصنفين، وله كتاب الخراج المطبوع.[ عن سفيان ]. يروي عن سفيان، وسفيان هو: الثوري، ويحيى بن آدم كوفي، وسفيان الثوري كوفي، ويحيى بن آدم روى عن سفيان الثوري، وسفيان لم ينسب، فالمراد به سفيان الثوري، وسفيان الثوري سبق أن مر بنا مراراً، وهو سفيان بن سعيد المسروق الثوري، الحافظ المتقن، الموصوف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، روى عنه أصحاب الكتب الستة.[ عن أبي هاشم ]. وهو: إسماعيل بن كثير ، والإسناد الثاني أنزل من الإسناد الأول؛ لأن بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير واسطتان, وهما: إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، ويحيى بن سليم الطائفي: وأما الطريق الثانية: فبين النسائي وبين أبي هاشم إسماعيل بن كثير ثلاث وسائط، وهم: محمد بن رافع، ويحيى بن آدم، وسفيان الثوري، فالطريق الأولى تعتبر أعلى من الطريق الثانية؛ لأن في الطريق الأولى: بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير اثنان، والطريق الثانية: بين النسائي وبين إسماعيل بن كثير ثلاثة أشخاص.[ عن عاصم بن لقيط ].وعاصم بن لقيط بن صبرة هو ثقة، خرج حديثه البخاري في الأدب المفرد, وأصحاب السنن الأربعة، وأبوه الصحابي لقيط بن صبرة أبو رزين العقيلي رضي الله عنه. إذاً: فعندنا في هذا الإسناد ثلاثة أشخاص متوالون، حديثهم عند البخاري في الأدب المفرد, وعند أصحاب السنن الأربعة، وهم: إسماعيل بن كثير، وعاصم بن لقيط، ولقيط بن صبرة، وفي الإسناد أيضاً شيخا النسائي: إسحاق بن إبراهيم , ومحمد بن رافع، والذين خرجوا لهم هم أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

عدد غسل الرجلين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب عدد غسل الرجلين:أخبرنا محمد بن آدم عن ابن أبي زائدة حدثني أبي وغيره عن أبي إسحاق عن أبي حية الوادعي أنه قال: (رأيت علياً رضي الله عنه توضأ، فغسل كفيه ثلاثاً، وتمضمض واستنشق ثلاثاً، وغسل وجهه ثلاثاً، وذراعيه ثلاثاً ثلاثاً، ومسح برأسه، وغسل رجليه ثلاثاً ثلاثاً، ثم قال: هذا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم) ]. ‏

شرح حديث علي في عدد غسل الرجلين

ذكر النسائي باب: عدد غسل الرجلين، يعني: الغسلات التي تكون للرجلين، وقد أورد النسائي حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، وقد مر من طرقٍ متعددة، إلا أنه أورد، هنا من إحدى الطرق, ليستدل به على أن غسل الرجلين يكون ثلاثاً، وأن كل رجلٍ تغسل ثلاث مرات وإلى الكعبين. وعرفنا فيما مضى: أن علياً رضي الله عنه هو أحد الصحابة الذين رووا صفة الوضوء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روى هو أن الرجلين فرضهما الغسل، وليس المسح كما تقوله الرافضة، وإنما فرضهما الغسل، وإلى الكعبين، والنسائي هنا أورده من أجل ذكر العدد، وهو أنه غسلهما ثلاثاً، غسل الرجل اليمنى ثلاثاً، والرجل اليسرى ثلاثاً، فإذاً ففيه الدلالة على العدد، وقد عرفنا فيما مضى: أنها تغسل مرة، وتغسل اثنتين وتغسل ثلاثاً، وكل هذا جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

ترجمة رجال إسناد حديث علي في عدد غسل الرجلين

قوله: [أخبرنا محمد بن آدم].ومحمد بن آدم هو: ابن سليمان الجهني المصيصي، وهو صدوق, خرج حديثه وأبو داود , والنسائي , في الطبعة المصرية (كتاب التقريب)، توفي سنة خمس ومائتين، والصواب: توفي سنة خمسين ومائتين ولهذا روى له النسائي. [عن ابن أبي زائدة]. وابن أبي زائدة يطلق على شخصين: أحدهما: ينسب إلى أبيه، والثاني: ينسب إلى جده، وهنا المقصود هو الذي ينسب إلى الجد؛ لأنه قال: ابن أبي زائدة يروي عن أبيه، وابن أبي زائدة يطلق على يحيى بن زكريا الذي هو حفيد ابن أبي زائدة، وعلى زكريا الذي هو: ابن أبي زائدة؛ وهنا الحفيد يروي عن الأب؛ ولهذا قال: ابن أبي زائدة عن أبيه، يعني: يحيى بن زكريا بن أبي زائدة يروي عن أبيه زكريا بن أبي زائدة، فإذاً: الموجود في الإسناد هو الحفيد، وقد نسب إلى جده، فقيل: ابن أبي زائدة، وقيل: إنه يروي عن أبيه، وأبوه يقال له: ابن أبي زائدة، إلا أن أباه منسوب إلى ابن أبي زائدة؛ لأنه أبوه، وأما ذاك فنسب إلى جده وليس أباه. ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة هذا ثقة متقن، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، أما أبوه زكريا بن أبي زائدة فهو أيضاً ثقة، ويدلس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة أيضاً. [عن أبي إسحاق]. وأبو إسحاق هو عمرو بن عبد الله الهمداني أبو إسحاق السبيعي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي حية الوادعي]. و أبو حية الوادعي سبق أن مر ذكره في بعض طرق هذا الحديث عن علي.وأبو حية هو: ابن قيس الوادعي الهمداني، وهو مقبول، خرج حديثه أصحاب السنن الأربعة. [رأيت علياً].وعلي هو: أمير المؤمنين ورابع الخلفاء الراشدين، وأحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وصهره، زوج فاطمة رضي الله تعالى عن الجميع، وهو أبو السبطين الحسن , والحسين رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، وقد مر ذكره في الأحاديث الماضية.
حد الغسل

شرح حديث عثمان في غسل الرجلين إلى الكعبين

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب حد الغسل:أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين قراءة عليه وأنا أسمع واللفظ له، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب: أن عطاء بن يزيد الليثي أخبره أن حمران مولى عثمان أخبره (أن عثمان دعا بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشق، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل رجله اليسرى مثل ذلك، ثم قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا, ثم قام فركع ركعتين لا يحدث فيهما نفسه، غفر له ما تقدم من ذنبه) ]. أورد النسائي رحمه الله [ باب حد الغسل ]، يعني: غسل الرجلين، بعدما ذكر عدد الغسلات, وأورد فيها حديث علي رضي الله عنه، وأنه غسلها ثلاثاً. قوله: [ باب حد الغسل ]، يعني: غسل الرجلين وأنه إلى الكعبين، والغاية داخلةٌ في المغي، أي: أن الكعبين مغسولان، فالغاية داخلة في المغي, وهو المغسول، وأورد فيه: حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه, الذي سبق أن مر من طرقٍ متعددة عن حمران نفسه مولى عثمان رضي الله تعالى عن عثمان. أورده هنا من أجل الاستدلال به على ما ترجم له وهو حد الغسل، وأنه إلى الكعبين، وهو مشتملٌ على ما ترجم له، حيث قال: ثم غسل الرجل اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً، ثم اليسرى كذلك، والحديث سبق أن مر؛ ولكنه أورده من أجل اشتماله على ما ترجم له وهو حد الغسل.

تراجم رجال إسناد حديث عثمان في غسل الرجلين إلى الكعبين

قوله: [ أخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح ].وأحمد بن عمرو بن السرح سبق أن مر ذكره، وهو أبو الطاهر المصري، روى عنه مسلم في صحيحه كثيراً، وكثير ما يذكره بكنيته، وأحياناً يذكره باسمه، يقول: حدثنا أبو الطاهر، والمقصود بـأبي الطاهر هو: أحمد بن عمرو بن السرح. وهو ثقةٌ، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.[ والحارث بن مسكين ].أما الحارث بن مسكين فهو أيضاً المصري، وهو ثقة، وهو قاض في مصر، وخرج له أبو داود , والنسائي، واللفظ المذكور لشيخ النسائي الثاني وهو: الحارث بن مسكين، وقد جرت عادة النسائي كما مر، أنه عندما يذكر الحارث بن مسكين وغيره معه يجعل الحارث بن مسكين هو الثاني، ويقول: واللفظ له، يعني: للحارث بن مسكين، ومرت أحاديث كثيرة متعددة على هذه الطريقة، كأن يذكر مسلم شيخين: أحدهما الحارث بن مسكين، ويجعله الثاني ويقول: [واللفظ له]، أي: للحارث بن مسكين.و الحارث بن مسكين وأحمد بن عمرو بن السرح -وهما مصريان- يرويان عن عبد الله بن وهب .[ عن ابن وهب ].و عبد الله بن وهب مصري، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن يونس ].يروي عن يونس بن يزيد الأيلي، وهو أحد الثقات، وحديثه في الكتب الستة أيضاً.[ عن ابن شهاب ].وابن شهاب هو الزهري الذي مر ذكره مراراً فيما مضى، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ أن عطاء بن يزيد الليثي ].وهو: عطاء بن يزيد الليثي، وعطاء بن يزيد الليثي هو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.قوله: [ أخبره: أن حمران ].وحمران هو مولى عثمان، وهو ثقة خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. ورجال هذا الإسناد من أولهم إلى آخرهم قد مروا: أحمد بن عمرو بن السرح، والحارث بن مسكين، وابن وهب، ويونس بن يزيد، والزهري، وعطاء بن يزيد الليثي، وحمران مولى عثمان، وعثمان، وأحاديثهم كلها عند أصحاب الكتب الستة إلا شيخي النسائي: الحارث بن مسكين روى له أبو داود, والنسائي، وأحمد بن عمرو بن السرح روى له بالإضافة.
الوضوء في النعل

شرح حديث ابن عمر في الوضوء بالنعال

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب الوضوء في النعل:أخبرنا محمد بن العلاء حدثنا ابن إدريس عن عبيد الله ومالك وابن جريج عن المقبري عن عبيد بن جريج قال: قلت لـابن عمر: (رأيتك تلبس هذه النعال السبتية، وتتوضأ فيها، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبسها ويتوضأ فيها) ]. يقول النسائي رحمه الله: [ باب الوضوء بالنعل ]. المراد من هذه الترجمة كما هو واضح: بيان حكم الوضوء في النعل، وهو كون الإنسان يتوضأ في النعال، معنى أنه يتوضأ والنعال عليه؛ لكن بشرط أن يستوعب الرجلين، وأن يكون الماء جاء عليهما جميعاً، وأيضاً ألا يكون في ذلك إتلاف لتلك النعال لكون الماء يؤثر عليها؛ لأن إضاعة المال قد جاء ما يدل على النهي عن ذلك في سنة الرسول صلوات الله وسلامه وبركاته عليه؛ لأن استيعاب الغسل أمر لازم وواجب؛ ولأن إتلاف المال جاء ما يدل على منعه والنهي عنه كما جاء في الحديث: ( إن الله ينهاكم عن ثلاث: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال). وقد أورد النسائي في هذا: حديث عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما: أن عبيد بن جريج التابعي قال له: ( رأيتك تلبس هذه النعال السبتية وتتوضأ فيها؟ فقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يلبسها ويتوضأ فيها)، والسبتية: هي المتخذة من الجلود التي لا شعر فيها، والتي دبغت، وقيل: إنها مأخوذةٌ من السبت, أو مضافة إلى السبت، وهي جلود البقر، وابن عمر رضي الله عنه وأرضاه لما سئل عن ما رؤي يفعله، أجاب بأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وفي هذا دليلٌ على ما كان عليه أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم من الالتزام بالسنن والأخذ بها، وكذلك أيضاً ما كان عليه سلف هذه الأمة؛ لأن ذلك التابعي الذي رآه يلبس النعال السبتية ويتوضأ فيها سأله عن ذلك, فأجابه بمستنده وبالمعول الذي عول عليه فيه، وهو كونه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك، ففيه بيان ما كان عليه الصحابة من اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، وبيان ما كان عليه التابعون من الحرص على معرفة السنن والآثار، وسؤالهم عما يرونه مما قد يرونه مشكلاً، فيسألون أو ينبهون على ذلك، فيعرفون وجه الصواب في ذلك، ويعرفون المستند إليه في ذلك، وهو ما جاء عن الرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.

تراجم رجال إسناد حديث ابن عمر في الوضوء بالنعال

قوله: [أخبرنا محمد بن العلاء]. ومحمد بن العلاء هو أبو كريب الهمداني، ويأتي ذكره لأول مرة، وهو مشهور بكنيته، وكثيرٌ ما يأتي بكنيته، والإمام مسلم أكثر من الرواية عنه، ويذكره غالباً بالكنية، أو يجمع الكنية والاسم، والنسائي ذكره هنا باسمه ونسبه، ولم يذكره بكنيته. وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [ حدثنا ابن إدريس ]. و ابن إدريس هو عبد الله بن إدريس الأودي الذي سبق أن مر ذكره فيما مضى، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عبيد الله ]. وعبيد الله هذا لم ينسب ولم يأت ذكره فيما مضى، وهو: عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو الذي يقولون له: العمري المصغر، ويقولون ذلك تمييزاً له عن أخيه الذي هو: عبد الله العمري المكبر، وهذان الأخوان، هذا الأول المصغر: هو عبيد الله المصغر هذا ثقة، وأما الثاني المكبر: هو عبد الله فهو ضعيف، فيميزون بين الاثنين بالتعبير بالمصغر والمكبر، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ ومالك ]. مالك بن أنس إمام دار الهجرة ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ وابن جريج ]. و ابن جريج هو: عبد الملك بن عبد العزيز المكي ، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، فـعبد الله بن إدريس الأودي يرويه عن ثلاثة من شيوخه، وهم: عبيد الله بن عمر، ومالك بن أنس، وعبد الملك بن جريج، وهؤلاء الثلاثة الذين هم مشايخه، هم من الثقات, ومن رجال أصحاب الكتب الستة.[ عن المقبري ].والمقبري هو سعيد بن أبي سعيد، واسمه كيسان أبو سعيد المقبري، فالمقبري تطلق على سعيد , وتطلق على كيسان، كلهم يقال لهم: المقبري؛ لكن المراد هنا في الإسناد هو: سعيد الذي هو الابن, وهو ثقةٌ، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [ عن عبيد بن جريج ].و عبيد بن جريج هو التيمي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب، إلا الترمذي فإنه لم يخرج له في السنن, وإنما خرج له في الشمائل.[ قلت لـابن عمر ]. وابن عمر هو الصحابي الجليل: عبد الله بن عمر وهو أحد العبادلة الأربعة من الصحابة، وهو أحد السبعة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذين قال فيهم السيوطي في ألفيته: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمروأنس والبحر كالخدريوجابرٌ وزوجة النبي
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 28-03-2019, 10:27 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(48)

- (باب التوقيت في المسح على الخفين للمقيم) إلى (باب صفة الوضوء من غير حدث)

من يسر الشريعة أنها أباحت المسح على الخفين؛ لكي لا يلحق المسلم مشقة في نزعها، وقد وقت النبي صلى الله عليه وسلم المسح للمقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن.
التوقيت في المسح على الخفين للمقيم

شرح حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم

قال المصنف رحمه الله تعالى: [التوقيت في المسح على الخفين للمقيم.أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن عمرو بن قيس الملائي عن الحكم بن عتيبة عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ عن علي رضي الله عنه أنه قال: (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، ويوماً وليلة للمقيم، يعني: في المسح)].هذه الترجمة تتعلق بتوقيت المسح على الخفين في حال الإقامة، وقد سبق أن مر في الترجمتين السابقتين ترجمة مطلقة, وهي تتعلق بالمسح على الخفين وليس فيها ذكر الحضر ولا السفر إلا في بعضها، وهي تتعلق بإثبات المسح على الخفين، أما الترجمة التي قبلها -وهي الثانية- فهي تتعلق بالتوقيت في المسح في حق المسافر، وأنه يمسح ثلاثة أيام بلياليها، وهذه الترجمة تتعلق بالتوقيت في حق المقيم، وأنه يمسح يوماً وليلة، وهي أيضاً مشتملة على ما يتعلق بالمسافر، ولكن كما عرفنا من طريقة النسائي أنه يورد الحديث الذي يدل على الترجمة وإن كان مشتملاً على الدلالة على موضوع آخر أو على أمور أخرى غير ما ترجم له.وقد أورد في هذه الترجمة حديث علي رضي الله تعالى عنه: (أن النبي عليه الصلاة والسلام جعل للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وجعل للمقيم يوماً وليلة، يعني: في المسح)؛ أي: جعل للمسافر ثلاثة أيام ولياليها يمسح في هذه المدة، وجعل للمقيم الحاضر يوماً وليلة يمسح فيها، فهو يدل على التفريق بين الحاضر والمقيم، وأن مدة المسح بالنسبة للمقيم يوم وليلة، وبالنسبة للمسافر ثلاثة أيام بلياليها.وهذا التفريق الذي حصل بين حال المسافر وحال المقيم؛ لأن المقيم لما كان في حال الإقامة وأمره فيه سعة، جعل له يوم وليلة، أما المسافر الذي هو بحاجة إلى التخفيف وأنه يمكن أن يكون عليه الخفاف هذه المدة، فيمسح عليها ولا يحتاج إلى الخلع، فجاءت السنة بالتفريق بين الحالين: حال المسافر طولت المدة، وحال المقيم جعلت المدة على الثلث من ذلك؛ أي: يوم وليلة في حق المقيم، وثلاثة أيام بلياليها في حق المسافر.

تراجم رجال إسناد حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم

قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].إسحاق بن إبراهيم هو: الحنظلي المعروف بـابن راهويه ، وهو محدث فقيه مجتهد حافظ، وقد مر ذكره مراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه وهو: مروزي من أهل مرو.[ أخبرنا عبد الرزاق ].عبد الرزاق هو: ابن همام الصنعاني الإمام المشهور, المحدث, وهو من اليمن، ورحل إليه المحدثون في اليمن لأخذ الحديث عنه، وهو صاحب مصنف عبد الرزاق المعروف المشهور، وهو كتاب كبير مشتمل على كثير من الآثار، وهو من المظآن التي توجد فيها الآثار عن السلف، فهو كتاب كبير وصاحبه إمام مشهور، وهو الذي جاءت عن طريقه صحيفة همام بن منبه؛ لأنها من رواية عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة، وهي مائة وأربعون حديثاً تقريباً، وكلها بإسناد واحد، فهو محدث مكثر من رواية الحديث عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، ورحل إليه العلماء في اليمن، وأخذوا عنه حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو من الثقات الذين خرج حديثهم أصحاب الكتب الستة.[ أخبرنا الثوري ].الثوري هو: سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي، وهو إمام محدث فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث -كما ذكرت ذلك من قبل- وهذه من أعلى صيغ التعديل وصيغ التوثيق، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عمرو بن قيس الملائي ].عمرو بن قيس الملائي هو كوفي، وهو ثقة متقن عابد, كما قال ذلك الحافظ ابن حجر، روى له البخاري في الأدب المفرد، ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة، ويقال له: الملائي نسبة إلى الملاء؛ وهي نوع من الألبسة كان يبيعها فنسب إليها, فيقال له: الملائي، ويؤثر عنه كلمة جيدة نقلها في تهذيب التهذيب، كان يقول: إذا كسد السوق إنني أرحم هؤلاء المساكين، يعني: أهل السوق الذين يبيعون ويشترون، يقول: لو أن الواحد منهم إذا كسدت الدنيا ذكر الله عز وجل لتمنى يوم القيامة أن يكون أكثر أهل الدنيا كساداً؛ لأنه نشأ على كونه يذكر الله عز وجل ويتنبه، ويستذكر الله عز وجل فيذكره ويعظمه ويثني عليه، لكان ذلك سبباً في تحصيله الخير، لكن إذا جمع بين مصيبتين: الدنيا ما حصلها، ولم يحصل على الآخرة، فما كان ذاكراً لله وما كان رابحاً الدنيا، فيكون قد خسر الدنيا والآخرة، ويقول الشاعر: ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعاوأقبح الكفر والإفلاس بالرجلفهو في هذه الكلمة العظيمة يقول: إنني أرحم هؤلاء المساكين، يعني: أهل السوق الذين تكسد تجارتهم، فلا يذكرون الله عز وجل ولا يتنبهون لذلك، فلو أن الواحد منهم إذا كسدت تجارته ذكر الله لتمنى يوم القيامة أن يكون أكثر أهل الدنيا كساداً؛ لأنه نتج عن ذلك كونه يذكر الله عز وجل، ونتج عن ذلك كونه يتنبه ويذكر الله عز وجل، وأن كل شيء بيده وبمشيئته وإرادته، فهو المعطي المانع، وهو النافع الضار، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.فهذا الرجل الذي هو عمرو بن قيس الملائي الكوفي ثقة متقن عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن الحكم بن عتيبة ].هو: الحكم بن عتيبة الكندي الكوفي، وقد تقدم ذكر هذا الرجل، وهو ثقة وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن القاسم بن مخيمرة ].القاسم بن مخيمرة كوفي أيضاً، نزل الشام, وهو ثقة، وحديثه عند البخاري تعليقاً، وعند مسلم وأصحاب السنن الأربعة، والبخاري خرج له في الأدب المفرد، لكن جرت العادة أنه إذا خرج له في الصحيح ولو تعليقاً لا يذكرون شيئاً غير ما في الصحيح، وإلا فإنه -أي: القاسم بن مخيمرة- خرج له البخاري في الأدب المفرد، والحديث رقم خمسمائة من الأدب المفرد في إسناده القاسم بن مخيمرة. إذاً: إذا كان الرجل له رواية في الكتب الستة ولو تعليقاً عند البخاري فإنهم لا يذكرون غير الكتب الستة، ويكتفون بما في صحيح البخاري ولو تعليقاً، وإن كان عنده شيء، أو خرجوا له في خارج الكتب الستة، إلا أنهم يذكرون ما يتعلق بالأصول أولاً ولو عن طريق التعليق، فإذا ما وجد في الكتب الستة شيء فعند ذلك يذكرون ما عنده في غير الكتب الستة.[عن شريح بن هانئ].شريح بن هانئ أيضاً كوفي, وتقدم ذكره فيما مضى، وهو مخضرم وثقة، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، وعند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن علي ].علي بن أبي طالب هو رابع الخلفاء الراشدين، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وهو أبو الحسنين، وهو زوج فاطمة ابنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، ورضي الله عن علي وعن الصحابة أجمعين، وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومناقبه كثيرة جمة رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وقد مر ذكره، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.وهذا الإسناد الذي هو: إسحاق بن إبراهيم يروي عن عبد الرزاق، وعبد الرزاق يروي عن سفيان الثوري، وسفيان الثوري يروي عن عمرو بن قيس الملائي، وعمرو بن قيس الملائي يروي عن الحكم بن عتيبة، والحكم بن عتيبة يروي عن القاسم بن مخيمرة، والقاسم بن مخيمرة يروي عن شريح بن هانئ، وشريح بن هانئ يروي عن علي بن أبي طالب، إسناده مكون من ثمانية أشخاص، وهو من الأسانيد الطويلة عند النسائي ، وعنده ما هو أطول من ذلك. وأقصر وأعلى ما عنده من الأسانيد: الرباعيات؛ لأنه ليس له ثلاثيات، فأعلى ما عنده وأقصر ما عنده في الأسانيد الرباعيات، يعني ما بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام أربعة أشخاص، والذي عنده ثلاثيات البخاري، والترمذي عنده ثلاثي واحد, وابن ماجه عنده خمسة أحاديث ثلاثيات, أما مسلم فعنده رباعيات، والنسائي عنده رباعيات وليس عنده ثلاثيات، وأبو داود كذلك عنده رباعيات، أما النسائي فأعلى ما عنده الرباعيات؛ أعلى وأقصر، وأقصر معناه: الرجال القليل، وأعلى معناه: أنه في علو، فالقصر من حيث قلة الرجال، والطول من حيث كثرة الرجال، فأعلى أسانيده الرباعيات، وعنده ما هو أطول من ذلك، بل عنده عشاريات -مكون من عشرة- كما سيأتي، لكن هذا الذي معنا -وهو ثمانية- من أطول ما يكون من الأسانيد؛ لأن الأعلى أربعة، وهذا ضعفه، وكانت وفاة النسائي ثلاثمائة وثلاث، فأعلى ما يكون عنده أربعة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.ومن أمثلة الأسانيد العالية ما سيأتي بعد هذا الحديث بعشرة أحاديث؛ وهو الحديث مائة وثمانية وثلاثين، فهذا مائة وثمانية وعشرين ثماني، والحديث مائة وثمانية وثلاثين رباعي، وهو من أعلى ما يكون عنده, وهو الحديث الذي يرويه عن محمد بن منصور، عن سفيان بن عيينة عن ابن المنكدر عن جابر، فأربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام.قد يقول قائل: المصنف ما الفرق بينه وبين الجوامع المصنفات؟المصنف هو مثل الجوامع، من حيث أنه مكون من كتب وأبواب، فهو على طريقتها من حيث أنه مبوب ليس مسنداً؛ يعني: أنه مبني على مسانيد الصحابة، فهو قريب منها في الطريقة، إلا أن المصنفات في الغالب يكون فيها كثرة الآثار، ولهذا مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة هي المراجع التي هي مظنة الآثار عن الصحابة ومن بعدهم.

شرح حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ أخبرنا هناد بن السري عن أبي معاوية عن الأعمش عن الحكم عن القاسم بن مخيمرة عن شريح بن هانئ قال: (سألت عائشة رضي الله عنها عن المسح على الخفين فقالت: ائت علياً فإنه أعلم بذلك مني، فأتيت علياً فسألته عن المسح فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن يمسح المقيم يوماً وليلة, والمسافر ثلاثاً)].هنا أورد النسائي أيضاً حديث علي رضي الله عنه من طريق أخرى، وفيه أن شريح بن هانئ سأل عائشة فدلته على علي، فسأل علياً فأخبره ( بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرنا إذا كنا في سفر ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليها، وفي حال الإقامة يوماً وليلة ).وقوله: (يأمرنا) معناه: يرشدهم؛ لأن هذا الأمر ليس أمر إيجاب؛ فلا يجب عليه لأن هذه رخصة، يعني: من لبس فله أن يمسح، ومن لم يلبس فعليه أن يغسل، فهذا الأمر ليس المقصود به الإيجاب، وإنما المقصود به الإرشاد وبيان الحكم والترخيص لهم هذه المدة, وإذا أرادوا أن يخلعوا قبل ذلك فلهم أن يخلعوا؛ لأنه لا يتعين عليهم، لكن من استمر على اللبس لا يجوز أن يمسح فوق ثلاثة أيام ولياليها، ولا يجوز له أن يبقيها عليه أكثر من ذلك، فإذا انتهت المدة يجب عليه أن يخلع وأن يتوضأ إذا مضت المدة المحددة -وهي ثلاثة أيام بلياليها للمسافر، ويوم وليلة في حق المقيم- ولو صلى ماسحاً بعد يوم وليلة في حق المقيم وثلاثة أيام بلياليها في حق المسافر فإن عليه أن يتوضأ ويعيد الصلاة التي صلاها بعد تلك المدة؛ لأنه لم يرخص في المسح إلا مدة معلومة، فلا يجوز تجاوزها وتعديها والمسح فيما وراءها.

تراجم رجال إسناد حديث علي في التوقيت في المسح على الخفين للمقيم من طريق أخرى

قوله: [ أخبرنا هناد بن السري ].هناد بن السري هو كوفي، وكنيته أبو السري ، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري في خلق أفعال العباد، وعند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن أبي معاوية ].أبو معاوية أيضاً مر ذكره، وهي كنية اشتهر بها محمد بن خازم بالخاء المعجمة والزاي، وهو: محمد بن خازم أبو معاوية الضرير ، وهو ثقة، وهو أحفظ أصحاب الأعمش لحديث الأعمش، وهو من رجال الكتب الستة، ويأتي بكنيته كثيراً، ويأتي باسمه أحياناً.[ عن الحكم ].الحكم بن عتيبة مر ذكره، وهو كندي كوفي من رجال الكتب الستة.[ عن القاسم بن مخيمرة ].القاسم بن مخيمرة هو الذي مر في الحديث الذي قبل هذا، وهو ثقة، وحديثه عند البخاري تعليقاً، وعند مسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[ عن شريح بن هانئ ].شريح بن هانئ أيضاً مر، وحديثه عند البخاري في الأدب المفرد، ومسلم وأصحاب السنن الأربعة.[سألت عائشة].عائشة هنا ليست من رواة الحديث، يعني: لا تعتبر من الرواة؛ لأنها واسطة دلت عندما سألها، فقالت: ائت علياً فإنه أعلم مني، فالإسناد سباعي لا ثماني، فالحديث من رواية شريح عن علي ، وليس من رواية شريح عن عائشة عن علي ؛ لأن عائشة ما روت الحديث عن علي وأعطته لـشريح بن هانئ ، فالحديث سباعي ليس كالذي قبله ثماني، وذكر عائشة، جاء للدلالة.إذاً: فالحديث من رواية شريح عن علي ، وليس من رواية شريح عن عائشة عن علي ؛ لأن عائشة ليست راوية في هذا الحديث، ولكنها دالة لـشريح على من عنده علم في هذا الحديث.وفي دلالة عائشة لـشريح على علي وإحالتها إياه إليه، دلالة على أن من سئل عليه أن يرشد من سأله إلى من عنده علم في المسألة؛ لأن عائشة رضي الله عنها أحالته على علي وأرشدته إلى علي ، وإنما أرشدته إلى علي رضي الله عنه؛ إما لكونها تعلم أن عنده علم في ذلك، أو لكونه كان يسافر مع النبي عليه الصلاة والسلام فيكون مشاهداً لأحواله في سفره، وأن الحاجة تدعو إلى ذلك، أو أن استعمال الخفاف يكون أكثر في حال السفر وإن كان يوجد في حال الإقامة كما هو معلوم، وحكمه معروف، إلا أنها أرشدته إلى علي لملازمته للرسول صلى الله عليه وسلم في السفر، ولكونه قد يكون عندها علم بأن عنده علم في ذلك فأرشدته إليه، فدل هذا على أن من سئل فإنه يرشد غيره إلى من يكون عنده علم بما سأل عنه ذلك السائل، وهو من الإعانة على الخير والدلالة على الخير، ومن التعاون على البر والتقوى.وفيه أيضاً معرفة عائشة رضي الله عنها لفضل علي وعلمه، ودلالتها عليه يدل على ذلك رضي الله تعالى عن الجميع؛ فإن كونها ترشد إلى علي وتدل عليه، ففي هذا اعتراف بعلمه وبفضله ونبله رضي الله تعالى عن الجميع.ثم هذا الإسناد كله كوفيون؛ لأن عائشة -كما هو معلوم- ليست من الرواة في الإسناد، لكن السبعة الذين هم رواة الإسناد كلهم كوفيون؛ لأن هناد بن السري كوفي، وأبو معاوية كوفي، والأعمش كوفي، والحكم بن عتيبة كوفي، والقاسم بن مخيمرة كوفي، وشريح بن هانئ كوفي، وعلي كوفي؛ لأنه انتقل من المدينة إلى الكوفة ومات بها رضي الله عنه، فهؤلاء السبعة كلهم كوفيون، فهو مسلسل بالرواة الكوفيين، من هناد بن السري إلى علي رضي الله تعالى عنه، كلهم من أهل الكوفة، وعلي كان في المدينة وانتقل إليها في زمن خلافته، فبعدما بويع ذهب إليها واستقر هناك ومات بها رضي الله تعالى عنه وأرضاه.إذاً: السبعة كلهم كوفيون: هناد, وأبو معاوية, والأعمش, والحكم, والقاسم بن مخيمرة, وشريح بن هانئ, وعلي.
صفة الوضوء من غير حدث

شرح حديث علي في صفة الوضوء من غير حدث

قال المصنف رحمه الله تعالى: [صفة الوضوء من غير حدث.أخبرنا عمرو بن يزيد حدثنا بهز بن أسد حدثنا شعبة عن عبد الملك بن ميسرة قال: سمعت النزال بن سبرة قال: (رأيت علياً رضي الله عنه صلى الظهر ثم قعد لحوائج الناس، فلما حضرت العصر أتي بتور من ماء، فأخذ منه كفاً فمسح به وجهه وذراعيه ورأسه ورجليه، ثم أخذ فضله فشرب قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث)].هنا أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: صفة الوضوء من غير حدث؛ الذي هو تجديد الوضوء؛ يعني: كون الإنسان على طهارة ولكنه يتطهر مرة أخرى يسمى تجديد الوضوء، ويقال له: الوضوء من غير الحدث، فهو وضوء على وضوء، من غير أن يكون الدافع على الوضوء الحدث، وإنما الدافع عليه تجديد الوضوء.وأورد فيه النسائي حديث علي رضي الله تعالى عنه: أنه صلى بالناس الظهر ثم جلس لحوائج الناس، يعني: يراجع الناس في حوائجهم؛ لأنه إمام المسلمين وأمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فكان يجلس للناس بعد الظهر إلى العصر يراجعونه في حاجاتهم، فلما جاء العصر أتي بتور من ماء -التور: وعاء فيه ماء- فأخذ منه كفاً ومسح وجهه به، ثم مسح يديه ورأسه ورجليه.والمقصود أنه أخذ كفاً فمسح وجهه؛ يعني: غسلها، والمسح يطلق على الغسل الخفيف الذي هو دون الغسل فيقال له أيضاً: مسح، فهنا المراد بذلك الغسل الخفيف، فقوله: (مسح وجهه) يعني: غسل وجهه غسلاً خفيفاً بكف واحدة.ثم قال: (وذراعيه ورأسه ورجليه) يعني: أنه مثل ذلك، وليس المقصود أنها كف واحدة مسح بها وجهه ويديه إلى المرفقين، ومسح رأسه ومسح رجليه كلها، فإن هذا لا يتأتى من كف واحدة أو من غرفة واحدة يغرفها بيده؛ فلا يمكن أن يحصل ذلك، وإنما المقصود أنه أخذ كفاً واحدة ومسح بها وجهه؛ أي: غسله غسلاً خفيفاً، ثم مثلها في يديه وكذلك لما وراء ذلك.والمقصود من ذلك: أنه مرة مرة ولكنه غسل خفيف، وأطلق عليه مسح مع استيعاب العضو؛ لأن هذا لا يقال له غسل، ولا يقال له وضوء إلا مع الاستيعاب.فإذاً: الكف الواحدة ليست لأعضاء الوضوء كلها، وإنما هي للوجه، والمراد بالمسح هو الغسل الخفيف، ولهذا قالوا في قوله سبحانه وتعالى: وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [المائدة:6] في قراءة الجر أن المقصود به الغسل الخفيف؛ يعني: أن المسح في حقها، إذا عطفت على الرءوس، المقصود من ذلك: الغسل الخفيف، الذي هو ليس المسح الذي مثل مسح الرأس، فيصيب ما يصيب ويترك ما يترك، وإنما هو مسح بمعنى الغسل الخفيف الذي يستوعب فيه العضو إلى الكعبين.فالمسح يطلق ويراد به الغسل الخفيف, وهذا منه؛ ولهذا سماه وضوءاً، ومن المعلوم أن الوضوء إنما هو الغسل، ولكنه غسل خفيف أطلق عليه مسح؛ لأنه غسل خفيف، والكف هي التي أخذها وغسل بها وجهه، ثم ذراعيه ورأسه ورجليه ومثل ذلك.وقوله: (منه) يعني: من الماء الذي في التور، وليس من هذه الكف الواحدة يغسل بها وجهه ويديه ويمسح رأسه ورجليه، فإن هذا لا يتيسر ولا يتأتى أن يتم ذلك وأن يحصل ذلك بالنسبة لجميع أعضاء الوضوء. هذا هو معنى هذا الحديث، يعني: أنه غسل غسلاً خفيفاً أطلق عليه مسح، والغسل الخفيف يطلق عليه أنه مسح، وهنا من هذا القبيل، يعني: هذا الذي معنا ذكر المسح، يعني: معناه أنه كف واحدة يغسل بها وجهه، وكف يغسل بها يديه، ثم كذلك يمسح رأسه ورجليه، وليس المقصود أنه من كف واحدة فعل بها هذا كله؛ لأنه سبق أن عرفنا ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد, ويغتسل بالصاع ). قال: (ثم أخذ فضله فشرب قائماً، وقال: إن ناساً يكرهون هذا، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، وهذا وضوء من لم يحدث).قوله: (ثم أخذ فضله) يعني: فضل هذا الماء الذي في التور، يعني: بعدما توضأ منه وضوءاً خفيفاً قام قائماً وشرب فضله؛ يعني: الباقي، وقال: (إن ناساً يكرهون هذا), فأردت أن أبين ما فعله رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنه شرب وهو قائم، فأراد أن يبين أن ذلك جائز وأنه سائغ، وقد سبق أن مر ذلك فيما مضى في حديث علي، وكونه توضأ وشرب فضل وضوئه، وقال: إنه فعل كما فعل رسول الله عليه الصلاة والسلام.وقد جاءت أحاديث في النهي عن الشرب قائماً، وأحاديث في جواز الشرب قائماً، والجمع بينها بأن الأولى والأفضل أن يكون الشرب عن جلوس، ويجوز الشرب قائماً، وما جاء من النهي عن الشرب قائماً فإنه يكون للتنزيه، وأنه خلاف الأولى، وأن الأولى هو أن يكون الإنسان جالساً، ولو قام وشرب قائماً فإنه لا بأس بذلك.ثم قال: (وهذا وضوء) يعني: الفعل الذي فعله، من كونه غسل غسلاً خفيفاً، (وضوء من لم يحدث) الذي هو تجديد الوضوء، ومن المعلوم أنه أيضاً يجوز للإنسان أن يتوضأ إذا جدد الوضوء, ولا يلزم أن يكون بهذه الطريقة، لكن إذا توضأ بهذه الطريقة فقد جاءت السنة بذلك، لكن كونه لا يجوز للإنسان أن يغسل العضو مرتين أو ثلاث وإن كان تجديداً فليس هناك ما يمنعه، لكن الحديث الذي معنا دل على أن الإنسان له أن يجدد الوضوء، وأنه يمكن أن يكون ذلك بمرة واحدة.
الأسئلة

كيفية المسح على الجوربين والنعلين
السؤال: ما هي كيفية المسح على الجوربين والنعلين؟ وهل نمسح على النعلين على حدة وعلى الجوربين على حدة؟الجواب: إن النعلين لا يمسح عليهما على حدة، وإنما المسح على الجوربين على حدة، ويمسح عليهما إذا كانا في نعلين على حدة؛ لأنهما مثل الخفين ساتران للمفروض، فلا فرق بينه مع الخفين إلا أن الخف من الجلد، وهذا من الصوف أو من القطن أو من القماش، فكل منهما ساتر، فيمسح على الجوارب مستقلة، ويمسح عليها إذا كانت أيضاً مع نعلين، ولا يمسح على النعلين مستقلين.ولا يمسح النعلان, ممكن أن ينزعها، وممكن أن يمسح عليهما.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 30-03-2019, 10:15 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(51)

- باب الانتفاع بفضل الوضوء

يجوز للشخص أن ينتفع بفضل وضوئه؛ بشربه أو غير ذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أنه لا يتبرك بفضل وضوء أحد سوى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهذا من خصائصه.
الانتفاع بفضل الوضوء

شرح حديث علي في الانتفاع بفضل الوضوء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الانتفاع بفضل الوضوء.أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف حدثنا أبو عتاب حدثنا شعبة عن أبي إسحاق عن أبي حية قال: (رأيت علياً رضي الله عنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام فشرب فضل وضوئه، وقال: صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صنعت)].ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب: الانتفاع بفضل الوضوء، أي: الانتفاع بما يبقى بعد الوضوء في الإناء، فالإنسان إذا توضأ منه، يمكن لإنسان آخر أن يأتي ويتوضأ منه، ويمكن للإنسان آخر أن يشربه أيضاً؛ لأن النسائي أورد أحاديث منها هذا الحديث الأول: حديث علي رضي الله عنه أنه توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام، وشرب فضل وضوئه، أي: شرب الماء الذي بقي بعد الوضوء، فالانتفاع بفضل الوضوء يدل عليه هذا الحديث، إلا أن النسائي ما أورد من الأحاديث -التي أوردها كلها- ليست كلها على هذا النحو، على اعتبار أنه يراد بها ما يبقى بعد الوضوء؛ لأنه قد يراد بها ما حصل منه الوضوء، مع أنه قد يراد بذلك في بعض الروايات، ولكن هذا الحديث واضح بأن المقصود به ما تبقى بعد الإناء، وكون الإنسان استعمله؛ بأن أدخل يده فيه ويتوضأ، ثم يدخل يده ويغرف ثم يدخل يده ويغرف هذا الاستعمال لا يؤثر عليه، فله أن يشرب هذا الماء الباقي، ولغيره أن يتوضأ فيه، وله أن يتوضأ به مرة أخرى أيضاً إذا بقي، فإذاً: ينتفع بفضل الوضوء، أي: ما يبقى في الإناء.وأما إذا توضأ الإنسان في طست، بحيث يغسل وجهه ويتساقط ماء الوجه في الصحن، ثم يغسل يديه، ويتساقط ماء اليدين في الطست، ثم يغسل رجليه ويتساقط، فهذا الماء لا يتوضأ به مرة أخرى؛ لأنه رفع به حدث، فلا يرفع به الحدث مرة أخرى، ولكن هو طاهر يمكن أن يستفاد منه، في أمور غير الوضوء، أما ما يبقى في الإناء بعد الوضوء فهذا يستفاد منه على كل حال، ولا إشكال فيه، ولا بأس به، فيُتوضأ به، ويستعمل في أي وجوه الاستعمال، في رفع الحدث، وفي غير رفع الحدث.فقد أورد النسائي أولاً: حديث علي، وقد تقدم عن أبي حية أنه قال: (رأيت علياً أتي بإناء فتوضأ ثلاثاً ثلاثاً، ثم قام وشرب فضل وضوئه، وقال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت)، ومحل الشاهد: كونه شرب فضل وضوئه، يعني: انتفع بفضل ما بقى بعد الوضوء بشربه.

تراجم رجال إسناد حديث علي في الانتفاع بفضل الوضوء

قوله: [أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف].هو أبو داود سليمان بن سيف وهو ثقة، حافظ، خرج حديثه النسائي.[حدثنا أبو عتاب].وهو سهل بن حماد أبو عتاب، وهو صدوق، خرج له مسلم، والأربعة.[حدثنا شعبة].وهو شعبة بن الحجاج وقد تقدم.[عن أبي إسحاق].هو: عمرو بن عبد الله الهمداني الكوفي أبو إسحاق السبيعي، وهو يذكر بكنيته كثيراً، كما هنا أبو إسحاق، وهو ثقة من رجال الجماعة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي حية].هو أبو حية بن قيس الهمداني الوادعي الكوفي، وهو مقبول، قال عنه في التقريب: مقبول، وهو من رجال أصحاب السنن الأربعة.

شرح حديث أبي جحيفة في انتفاع الصحابة بفضل وضوء النبي

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان حدثنا مالك بن مغول عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه رضي الله عنه أنه قال: (شهدت النبي صلى الله عليه وسلم بالبطحاء، وأخرج بلال فضل وضوئه فابتدره الناس، فنلت منه شيئاً، وركزتُ له العنزة فصلى بالناس، والحمر والكلاب والمرأة يمرون بين يديه)].أورد النسائي حديث أبي جحيفة وهب بن عبد الله السوائي رضي الله عنه أنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في البطحاء، فخرج بلال بوضوئه) أي: بفضل ما بقي من وضوئه الذي توضأ منه، فجعل الناس يأخذون منه يتبركون بهذا الماء الذي مسه رسول الله صلى الله عليه وسلم.قوله: [(فنلت منه)] أي: أخذت من هذا الماء بنصيب.قوله: ( وركزت له العنزة ) العنزة: هي عصا في رأسها حديدة تغرز في الأرض ويصلى إليها، وتجعل سترة: ( فجعل الحمر، والنساء، والكلاب يمرون بين يديه ) لأن هذه الأشياء جاء أنها تقطع الصلاة إذا مرت بين الإنسان وسترته، والمقصود في هذا الحديث بقوله: ( بين يديه ) أي: من وراء العنزة، ومن المعلوم أن المشي من وراء السترة لا يؤثر، ولا يقطع الصلاة فيما إذا مر وراءها كما جاء في بعض الأحاديث: أن المرأة، والحمار، والكلب، تقطع الصلاة.إذاً: فقوله: (جعلت المرأة، والحمر، والكلاب يمرون بين يديه) يعني: من وراء العنزة.فالمقصود من إيراد الحديث هو أوله؛ لأن هذا سيأتي في الصلاة فيما يتعلق بركز العنزة، وما يتعلق بالمرور، ولكن هو جاء به من أجل ما جاء في أوله، وهو أن بلالاً جاء بفضل وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فجعل الناس يصيبون منه، يعني: يأخذون منه، ويبلون به أجسادهم، فيتبركون بما مسه جسد الرسول صلى الله عليه وسلم.ومن المعلوم أن التبرك بفضلاته إنما هو خاص به، ولا يجوز مع غيره؛ لأن الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم ما فعلوا هذا مع أبي بكر، وعمر، وعثمان وهم خير من مشى على الأرض، فما كانوا يتبركون بفضل وضوئهم، ولا كانوا يفعلون هذا، فصنيع الصحابة وعدم فعلهم ذلك إلا مع النبي صلى الله عليه وسلم دل على أن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، فلا يفعل مع غيره، فلا يتبرك بغيره؛ لا بشعره، ولا ببصاقه، ولا بفضل وضوئه، وإنما ذلك من خصائص الرسول عليه الصلاة والسلام، فقد كانوا يتبركون بشعره، وبفضل وضوئه، وبعرقه، وبصاقه عليه الصلاة والسلام، وهذا من خصائصه صلى الله عليه وسلم.

تراجم رجال إسناد حديث أبي جحيفة في انتفاع الصحابة بفضل وضوء النبي

قوله: [أخبرنا محمد بن منصور].هو محمد بن منصور الجواز، وعند النسائي شيخان يسميان بمحمد بن منصور هما: محمد بن منصور الجواز المكي، ومحمد بن منصور الطوسي.والأقرب والأظهر أن سفيان المروي عنه هنا هو سفيان بن عيينة، لأنه مكي، ومحمد بن منصور الجواز مكي، فيكون هو الأولى.ومحمد بن منصور هذا روى له النسائي وحده كما عرفنا ذلك فيما مضى، وأما سفيان بن عيينة فهو ثقة، حافظ، عابد، حجة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا مالك بن مغول].هو مالك بن مغول أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عون بن أبي جحيفة عن أبيه].هو عون بن وهب بن عبد الله السوائي، وأبوه مشتهر بكنيته، ولهذا يقال: عون بن أبي جحيفة نسبة إلى أبيه بكنيته. وعون هذا ثقة، من رجال الجماعة، وأبوه أبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائي صحابي، وهو من أصحاب علي، ومن خاصته رضي الله تعالى عنهما، وله خمسة وأربعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.وقد يقول قائل: ورد في الإسناد الأول عن الحكم عن أبيه عن الرسول، وفي الإسناد الثاني عن الحكم بن سفيان قال: (رأيت...)، فأسقط الواسطة، فهل هذا هو الاضطراب؟نقول: هو واحد، وأنا قلت: إن الحكم في هذا الإسناد واحد إلا أن مجاهد اضطرب فيه وأتى به على ثمان صيغ أو تسع صيغ، فمرة يقول: الحكم بن سفيان، ومرة: الحكم عن أبيه، ومرة: الحكم عن رجل من ثقيف، ومرة يقول: سفيان بن الحكم، على تسعة أقوال أو عشرة أو ثمانية..، فيعد اضطراباً، ولو لم يأت إلا من هذا الطريق لصار الحديث ضعيفاً، ولكن لوجود شواهد له عن جماعة من الصحابة في معناه، يدل ذلك على ثبوته.

شرح حديث جابر في صب النبي فضل وضوئه عليه

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان قال: سمعت ابن المنكدر يقول: سمعت جابراً رضي الله عنهما يقول: (مرضت فأتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني، فوجداني قد أغمي عليَّ، فتوضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فصب عليَّ وضوءه)]. قوله: [(مرضت فجاء إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر يعوداني، فوجداني قد أغمي عليَّ، فتوضأ فصب عليَّ وضوءه)] هو هنا مختصر، وجاء في البخاري وفي غيره: أنه أفاق وأنه سأل عن مسألة في الميراث، ولكن النسائي أورده من أجل كونه صب وضوءه عليه، والانتفاع بفضل الوضوء، وهنا يحتمل أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم توضأ، ثم ما خرج من أعضائه صبه عليه، ويحتمل أن يكون ما بقي في الإناء مما استعمله صبه عليه، ولكن قوله: (وضوءه) يشعر بأنه الذي استعمله، ولما رش عليه الرسول صلى الله عليه وسلم هذا الوضوء أفاق، ولكن ذكرت في الحديث الذي قبله أن هذا من خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم، ولهذا البخاري رحمه الله لما أورد الحديث عقد له ترجمة خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: باب صب النبي صلى الله عليه وسلم وضوءه على المريض، ولم يقل: صب الإنسان، أو صب عائد المريض، وضوءه على المريض، وإنما قال: باب صب النبي صلى الله عليه وسلم فضل وضوءه على المريض، معناه: أن الترجمة أتى بها مضافة إلى الرسول، والعمل الذي أضافه إلى الرسول؛ لأن هذا من خصائصه، فليس لأحد إذا زار إنساناً أن يقول: أنا أفعل كما فعل رسول الله فيتوضأ، ويصب عليه فضل وضوئه؛ لأن ذاك من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وهو الذي يتبرك بما يتساقط من جسده، أو بما يناله جسده الشريف صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث إسناده رباعي، وهو أعلى الأسانيد عند النسائي، وقد أشرت إلى هذا من قبل، وذلك عندما جئنا عند الحديث رقم مائة وثمانية وعشرين، ورجاله ثمانية، وقلت: إن الحديث رقم مائة واثنين وثلاثين أعلى إسناداً عند النسائي ورجاله أربعة أشخاص، فليس بين النسائي فيه وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام إلا أربعة أشخاص: محمد بن منصور، وسفيان بن عيينة، ومحمد بن المنكدر، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.

تراجم رجال إسناد حديث جابر في صب النبي فضل وضوئه عليه

قوله: [أخبرنا محمد بن منصور عن سفيان].محمد بن منصور هو الذي مر في الإسناد الذي قبل هذا، وسفيان بن عيينة أيضاً مر في الإسناد قبل هذا.[سمعت ابن المنكدر].وهو محمد بن المنكدر التيمي المدني، وهو ثقة، فاضل، من رجال الجماعة.[عن جابر].وأما جابر بن عبد الله فهو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام رضي الله عنه، وقد مر ذكره.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 01-04-2019, 12:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(54)

- باب ثواب من توضأ كما أمر

رتب الشارع أجراً عظيماً على إسباغ الوضوء على المكاره، وجعل ذلك بمنزلة المرابط في سبيل الله، بل جعل الشارع للمتوضئ وضوءاً صحيحاً كما أمره الله أنه يُغفر له ما تقدم من ذنبه.
ثواب من توضأ كما أمر

شرح حديث: (من توضأ كما أمر... غفر له ما قدم من عمل)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ثواب من توضأ كما أمر.أخبرنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن أبي الزبير عن سفيان بن عبد الرحمن عن عاصم بن سفيان الثقفي أنه قال: (إنهم غزوا غزوة السلاسل، ففاتهم الغزو فرابطوا، ثم رجعوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب وعقبة بن عامر رضي الله عنهما، فقال عاصم: يا أبا أيوب! فاتنا الغزو العام، وقد أخبرنا أنه من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه، فقال: يا ابن أخي! أدلك على أيسر من ذلك، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما قدم من عمل، أكذلك يا عقبة ؟ قال: نعم)].أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب ثواب من توضأ كما أمر، يعني: من أتى بالوضوء كما أمره الله عز وجل بأن أدى الواجب الذي عليه.ومن المعلوم أن الأمر منه ما هو إيجاب ومنه ما هو استحباب، وأمر الإيجاب هو: المرة الواحدة التي يكون بها الاستيعاب للأعضاء، هذا هو الأمر الواجب الذي لا يجوز أقل منه، ولا يصح الوضوء مع ما هو أقل من ذلك، مرة واحدة فيها الاستيعاب، فلو حصل نقص في بعض أعضاء الوضوء أو في العضو الواحد فإنه لا يصح الوضوء، وقد مر الحديث الذي فيه: (ويل للأعقاب من النار) أي: الذين توضئوا وأعقابهم تلوح بياضاً ما جاءها الماء، فحصل الوعيد.فإذاً: أقل القدر المجزئ والأمر الواجب الذي لا يجوز شيء دونه هو المرة الواحدة مع الاستيعاب، وهو الذي لا بد منه، فإذا نقص، بمعنى: أن بعض الأعضاء ما حصل لها استيعاب من الماء، أو جزء من بعض الأعضاء، أو أحد الأعضاء، فإن الوضوء لا يصح.وأما الذي هو مستحب فهو الوصول إلى ثلاث غسلات، هذا هو المستحب الذي في إسباغ الوضوء والذي هو التثليث، والدلك، وإطالة التحجيل الذي هو عندما يغسل الإنسان اليدين إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين، يعني: يزيد قليلاً، وهذا هو الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، فأقصى ما فعله رسول الله هو الإشراع في العضد، أي: بمعنى أنه تجاوز المرفقين لكن لا يبعد كثيراً، فهذا إسباغ الوضوء من حيث الموضع ومن حيث الدلك. وأما من حيث العدد الذي هو التثليث فالإسباغ يكون بالتثليث، ويكون بالدلك، ويكون بمجاوزة المرفقين والكعبين قليلاً بحيث يدخل في الساق وفي العضد، لكنه لا يتوغل ولا يبعد كثيراً؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أقصى ما ثبت عنه أنه أشرع في العضد، معناه أنه دخل فيها لا أنه أكثر الغسل فيها وأنه غسل قسماً كبيراً منها، وإنما أشرع فيها يعني: دخل فيها، فهذا هو الإسباغ.إذاً: الأمر فيه أمر إيجاب لا أقل منه ولا يصح شيء دونه، وهو المرة الواحدة مع الاستيعاب، وأمر الاستحباب الذي فعله الرسول صلى الله عليه وسلم والذي أمر بالإسباغ، ويدخل تحته العدد الذي هو ثلاث؛ فمن توضأ كما أمره الله، وأدى الواجب الذي أوجبه الله عليه واعتنى بذلك، فإن له ثواباً عظيماً عند الله عز وجل. والترجمة هي: ثواب من توضأ كما أمر، يعني: من توضأ كما أمره الله عز وجل، فإن له ثواباً عظيماً عند الله عز وجل.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة أحاديث، أولها: حديث أبي أيوب، وعقبة بن عامر؛ لأن هذا الحديث يعتبر حديثين باعتبار الصحابيين؛ لأنه عن أبي أيوب، ثم إن عقبة قال: أكذلك؟ يعني: أكذلك قال رسول الله؟ قال: نعم، إذاً: هو حديث عن صحابيين، والحديث يعتبر حديثين الآن؛ لأن الحديث عندهم واحد باعتبار الصحابي؛ لأنه قد يكون جاء من صحابي آخر فيكون حديثاً آخر، فعندما يعدون الأحاديث في الصحيحين أو في غيرهما، يعدونها باعتبار الصحابة، فلو كان الحديث جاء عن عدة من الصحابة ما يعتبرونه حديث مكرر، هو حديث مكرر باعتبار الصحابي، فإذا جاء عن صحابي واحد في عدة مواضع قالوا: مكرر، لكن إذا جاء الحديث نفسه عن فلان وعن فلان وهو حديث واحد يعتبر حديثين، فلا يعتبرونه حديثاً واحداً، الحديث عندهم باعتبار الصحابي، فلو كان حديثاً جاء عن صحابي آخر اعتبر حديثين، وعندما يعدون ما يعدون عن الصحابيين حديثاً واحداً، وإنما عن كل صحابي حديثاً، والأحاديث بدون تكرار يعدون فيها، لو جاء الحديث عن عدد من الصحابة لاعتبروه عدة أحاديث؛ لأن الحديث عندهم باعتبار الصحابي لا باعتبار متنه ولو كثرت صحابته، وإنما المكرر عندهم باعتبار الصحابي الواحد كونه يأتي عن صحابي ويتكرر ألفاظه، مثل: حديث المغيرة بن شعبة في المسح على الخفين جاء في مواضع عديدة، هذا يقال له: حديث مكرر في سنن النسائي، لكن هذا الحديث الذي معنا الآن: حديث أبي أيوب، وحديث عقبة بن عامر يعتبران حديثين وليس حديثاً واحداً.إذاً: عاصم بن سفيان يروي الحديث عن أبي أيوب الأنصاري، وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنهما؛ لأن أبا أيوب هو الذي ساق الحديث، ثم قال أبو أيوب لـعقبة بن عامر: أكذلك؟ قال: نعم. معناه: أن عقبة بن عامر وافق أبا أيوب على أنه سمع الحديث من رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث قال له أبو أيوب: أكذلك يا عقبة ؟ قال عقبة: نعم.إذاً: الحديث عن عقبة وعن أبي أيوب معاً، وكما قلت لكم: إن الحديث يكون باعتبار الصحابي، مثل حديث جبريل المشهور، هو متفق عليه من حديث أبي هريرة، وانفرد به مسلم من حديث عمر، هو نفسه حديث جبريل المشهور، لكنه عند مسلم من حديث عمر، وعند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، فهو متفق عليه من حديث أبي هريرة، ومن أفراد مسلم من حديث عمر.إذاً: الحديث باعتبار الصحابي، لا يقال: إن حديث عمر وحديث أبي هريرة مكرر، وإنما حديث عمر إذا جاء في عدة مواضع مكرر، وحديث أبي هريرة إذا جاء في عدة مواضع مكرر، لكن حديث عمر مستقل، وحديث أبي هريرة مستقل.كذلك مثل حديث: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله)، فهو موجود في البخاري من حديث ابن عمر، وقد قال ابن حجر في شرح الحديث: وهذا الحديث من غرائب الصحيح، وقد خلا منه مسند الإمام أحمد على سعته، أربعين ألف حديث لا يوجد فيها حديث ابن عمر: (أمرت أن أقاتل الناس)، لكنه موجود من حديث أبي هريرة في مسند الإمام أحمد.فقوله: (خلا منه مسند الإمام أحمد) يعني: خلا منه من حديث ابن عمر، لكن ما خلا منه من حديث أبي هريرة؛ ذلك لأن الحديث باعتبار الصحابي لا باعتبار لفظه وباعتبار متنه، بل هو باعتبار صحابيه.ومتن الحديث يقول عاصم بن سفيان الثقفي: أننا غزونا السلاسل ففاتنا الغزو، فرابطنا، يعني: جلسوا في الثغور مدة عند الحدود التي تكون مع الأعداء، جلسوا في الثغور ليحرسوا بلاد المسلمين من أن ينقض عليهم الكفار، ثم عادوا وجاءوا إلى معاوية وعنده أبو أيوب الأنصاري وعقبة بن عامر الجهني رضي الله عنهما، فقال عاصم يخاطب أبا أيوب: إننا غزونا العام وفاتنا الغزو فرابطنا، وأخبرنا أن من صلى في المساجد الأربعة غفر له ما تقدم من ذنبه، فقال أبو أيوب: ألا أدلك على ما هو أيسر من ذلك؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر؛ غفر له ما تقدم من عمله) يعني من عمل سيئ. هذا هو المقصود من إيراد الحديث، من توضأ كما أمر ففضل الله تعالى أن يغفر له، لكن هذه المغفرة كما عرفنا مراراً هي للسيئات التي هي الصغائر، وأما الكبائر فلا بد فيها من توبة، فالكبائر تكفرها التوبة، وأما الصغائر فتكفرها الأعمال الصالحة، كما قال الله عز وجل: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [النساء:31] يعني: الصغيرة تكفر باجتناب الكبائر، وتكفرها الأعمال، فإذا وجدت الأعمال الصالحة ووجد معها توبة من جميع الذنوب لا شك أن هذه التوبة وهذا العمل الصالح كفر ما مضى من كبائر وصغائر، أما أن يعمل الإنسان العمل الصالح وهو مصر على عمل سيئ؛ فهذا العمل الصالح الذي حصل منه لا يكفر ذلك السيئ الذي هو مصر عليه، وإنما يكفر الصغائر التي تكفر باجتناب الكبائر، والتي تمحوها الحسنات إذا جاءت بعدها، والطاعات إذا جاءت بعد السيئات الصغيرة تمحوها، وأما الكبيرة فلا بد فيها من توبة.إذاً: الحديث يدل على عظم ثواب الوضوء عند الله عز وجل، فمن توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، غفر له ما تقدم من عمل.الحديث في أوله: أنا غزونا، يعني: السلاسل، يعني: غزوة من الغزوات، ولكن فاتهم الغزو، ولكنهم لما فاتهم جلسوا مرابطين في الثغور وفي المداخل، ولما لقوا أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم سألوهم، ووجهوا السؤال لـأبي أيوب الأنصاري: أنه بلغنا أن من صلى في المساجد الأربعة غفر له ذنبه، فـأبو أيوب قال: (ألا أدلك على ما هو أيسر من ذلك؟).هذا اللفظ الذي قال: (أخبرنا). هذا كما هو معلوم لم يبين المخبر، وهو كما هو معلوم لا يقال بالرأي، ولكن الذي قاله تابعي وما عزاه إلى أحد، ولا أدري شيئاً عن ثبوته، لكن أبو أيوب أرشده إلى ما هو أيسر من هذا، فذاك عمل فيه مشقة؛ لأنه يحتاج إلى سفر ويحتاج إلى عناء، لكن هذا الشيء ما يحتاج إلى سفر، كون الإنسان يتوضأ كما أمر، ويصلي كما أمر، ثم يغفر الله له ذنوبه، وهو أسهل من هذا الأمر الذي يحتاج إلى سفر.والمساجد الأربعة هنا مطلقة ولا ندري ما هي، وكما قال أحد الشراح: لعل المقصود بها المساجد الأربعة التي تشد الرحال إليها بإضافة مسجد قباء؛ لأن هذه هي المساجد التي جاءت فيها فضيلة تخصها، والمساجد الثلاثة -وهي: المسجد الحرام، ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى- ومسجد قباء، فالثلاثة التي يشد الرحال إليها وقباء، فمن جاء إلى المدينة ومن كان في المدينة؛ فإن ذهابه إلى قباء فيه فضيلة، وفيه أجر عظيم ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمساجد الأربعة لعله يريد بها هذه المساجد التي هي: المسجد الحرام، ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمسجد الأقصى، ومسجد قباء.لكن أبا أيوب رضي الله عنه أرشده إلى عمل لا يحتاج إلى سفر، وليس فيه مشقة يعني من حيث السفر، وإنما من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر غفر له ما قدم من عمل، أي: من عمل سيئ.فهذا يدلنا على فضل الوضوء وعلى ثواب الوضوء، والحديث واضح الدلالة على ما ترجم له؛ لأن فيه ثواب من توضأ كما أمر، وصلى كما أمر، وهو قوله: (غفر له ما تقدم له من عمل).ثم قال أبو أيوب: (أكذلك يا عقبة؟ قال: نعم).إذاً: الحديث جاء عن صحابيين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم.وهذا أيضاً يدلنا على ما كان عليه سلف هذه الأمة من الحرص على الجهاد، ومن العمل أو البحث عن عمل فيه أجر وفيه ثواب؛ لأن هؤلاء لما فاتهم الجهاد رابطوا، ثم أيضاً سألوا عن عمل تحط به الخطايا وترفع به الدرجات.

تراجم رجال إسناد حديث: (من توضأ كما أمر... غفر له ما قدم من عمل)

قوله: [أخبرنا قتيبة بن سعيد].وهو قتيبة بن سعيد، وهو الذي تقدم.[حدثنا الليث].هو الليث بن سعد المصري، الإمام المشهور، الثقة الفقيه المحدث، مكثر من الحديث، وإمام مشهور في الفقه، وهو فقيه مصر، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي الزبير].هو أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي، وهو صدوق يدلس، أي: صاحب تدليس، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن سفيان بن عبد الرحمن].وهو: سفيان بن عبد الرحمن بن عاصم بن سفيان بن عبد الله الثقفي، وسفيان بن عبد الرحمن مقبول، روى له النسائي وابن ماجه .وقوله: [عن عاصم].و عاصم هو جده، وسفيان بن عبد الرحمن يروي عن جده عاصم بن سفيان بن عبد الله، وعاصم هذا صدوق، وخرج له أصحاب السنن الأربعة، وهذا هو التابعي الذي لقي هؤلاء الصحابة وسأل أبا أيوب، وهو الذي حصل منه الجهاد والرباط، وحصل منه السؤال لـأبي أيوب وكان بحضور معاوية وعقبة، وأجابه أبو أيوب بما أجابه به، ثم قال: أكذلك يا عقبة ؟ فقال: نعم. فدل على أن عاصماً هذا يرويه عن صحابيين؛ يرويه عن أبي أيوب الأنصاري وعن عقبة بن عامر الجهني رضي الله تعالى عنهما.وقوله: [عن أبي أيوب الأنصاري].وهو: أبو أيوب الأنصاري الذي كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد نزل عليه في داره لما قدم المدينة، فأول ما قدمها نزل في دار أبي أيوب هذا، وقد مر ذكره فيما مضى، وتوفي وهو في الغزو في بلاد الروم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، والرسول صلى الله عليه وسلم لما نزل في داره كانت مكونة من دورين، أي: دار أبي أيوب كما في صحيح مسلم، فنزل الرسول صلى الله عليه وسلم في الدور الأول وكان هو فوق، ثم بعد ذلك جاء وقال: لا أريد أن أكون تحتك، بل أنت الذي تكون فوق، فألح عليه حتى قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل من فوق، والحديث في صحيح مسلم، يعني: هذا الرجل سبق أن مر، وهو الذي نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في داره عندما قدم المدينة قبل أن يبني المسجد وقبل أن يبني حجرات أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن.وقوله: [ عقبة بن عامر].هو: عقبة بن عامر الجهني صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جاء عنه في الصحيح أنه قال: (كنا نتناوب رعاية الإبل، فلما كانت نوبتي روحتها بعشي) يعني: بكر في الانصراف، ثم جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وحضر مجلسه وسمع حديثه، وكان يحدث عن الوضوء وعن الذكر بعد الأذان، فقال لما سمع قال. والحديث في صحيح مسلم، أنه قال: (كنا نتناوب رعاية الإبل) يعني: بعضهم بدل ما يكون كل واحد يسرح بإبله يجمعونها وكل واحد يروح فيها يوم، والباقين جالسين يسمعون حديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما صارت نوبته أتى بها مبكراً بعشي، ثم جاء وأدرك بقية المجلس مع رسول الله، وسمع حديثه رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

شرح حديث: (من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا خالد عن شعبة عن جامع بن شداد قال: سمعت حمران بن أبان أخبر أبا بردة في المسجد أنه سمع عثمان رضي الله عنه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يقول: (من أتم الوضوء كما أمره الله عز وجل، فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن).ثم أورد النسائي حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه الذي يرويه عنه مولاه حمران بن أبان، والذي يقول فيه عثمان: إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (من أتم الوضوء كما أمره الله، فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)، يعني: من أتم الوضوء وصلى الصلوات الخمس، فهو كفارة لما بينهن، فالصلاة من شرطها الوضوء، فمن أتى بالشرط وبالمشروط كما أمره الله، فالصلوات الخمس كفارة لما بينهن.ومن المعلوم أن الصلوات تنبني على وضوء، ولا صلاة بدون وضوء كما تقدم: (لا يقبل الله صلاة بغير طهور)، فإذا توضأ الإنسان وأتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارة لما بينهن، وهذا شاهد للحديث الذي مضى حديث أبي أيوب، وحديث عقبة بن عامر الجهني، أيضاً هو من الشواهد؛ لأنه في معناه والكل يدل على فضل الوضوء وفضل الصلاة، وثواب الوضوء، وثواب من توضأ كما أمر ومن صلى كما أمر، يعني: أن الصلوات كفارة لما بينهن، كل صلاة تكفِّر ما بينها وبين الصلاة الأخرى، أي: الصغائر، أما الكبائر فالأمر يحتاج فيها إلى توبة كما عرفنا ذلك من قبل.إذاً حديث حمران عن عثمان: (من أتم الوضوء كما أمر فالصلوات الخمس كفارة لما بينهن) يدل على فضل الوضوء، إذا توضأ كما أمر، وأتم الوضوء كما أمر، فهو دال على ثوابه وعظم أجره مع الصلوات الخمس؛ لأن الوضوء كما هو معلوم هو شرط للصلاة، والصلاة مشروط الوضوء، وكل منهما فيه هذا الثواب العظيم عند الله عز وجل.

تراجم رجال إسناد حديث: (من أتم الوضوء كما أمره الله فالصلوات الخمس كفارات لما بينهن)

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الأعلى].محمد بن عبد الأعلى، هو: الصنعاني، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، والترمذي، والنسائي وابن ماجه، وأبو داود في كتاب القدر ولم خرج له في السنن.[عن خالد].خالد، وهو ابن الحارث، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن شعبة بن الحجاج].وهو شعبة بن الحجاج أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن جامع بن شداد].وهو جامع بن شداد المحاربي أبو صخرة الكوفي، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حمران].وهو حمران بن أبان مولى عثمان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عثمان].وهو أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، وحديثه عند الكتب الستة. [أخبر أبا بردة].أبو بردة ليس من رواة الإسناد هنا؛ وإنما جاء ذكره لأن جامع بن شداد لم يحدث بالحديث، ولكن الذي حُدث به هو: أبو بردة؛ لأن حمران بن أبان يحدث أبا بردة، وهذا يسمع الذي هو: جامع بن شداد، فروى ما سمعه، وقد عرفنا فيما مضى أن الإنسان له أن يتحمل، وإن لم يقصد هو بالتحديث، فإذا سمع من يحدث غيره فله أن يتحمل ويحدث بما سمع، وقد ذكرنا عمل النسائي مع الحارث بن مسكين، بل إنه منعه من أن يأخذ عنه، ومع ذلك يجلس من وراء الستار ويسمع، وهو يحدث غيره، ثم هو يروي، فرواية الراوي ما سمع وإن لم يكن هو مقصوداً بالتحديث سائغ ومعروف عند المحدثين، وأن الإنسان إذا سمع غيره وإن لم يكن يحدثه هو وإنما يحدث غيره فإنه له أن يروي عنه. وهنا: جامع بن شداد ما حدثه حمران، ولكنه سمع حمران يحدث أبا بردة.إذاً: فالحديث يرويه جامع عن حمران، وحمران يروي عن عثمان، وأبو بردة ليس من رواة الإسناد هنا؛ لأنه ذكر على أنه يحدَّث. وذكرنا سابقاً أن شريح بن هانئ جاء وسأل عائشة عن المسح على الخفين، فدلته على علي، وراح إلى علي وأخبره بالحديث، فـعائشة ليست من رواة الإسناد؛ لأنها دالة فقط، والحديث أخذه شريح بن هانئ عن علي رضي الله عنه.أما هنا فـأبو بردة ليس من رجال الإسناد، وإنما هو الذي حدثه حمران، وفي وقت تحديث حمران إياه، وهو في المسجد سمعه جامع بن شداد.فإذاً: جامع بن شداد ضبط ما روى، وهو الحديث الذي رواه عن حمران عن عثمان.ومما يدل على ضبطه: أنه ذكر الشخص المحدث، وذكر المكان الذي حصل فيه التحديث وهو المسجد، فهذا مما يدل على ضبط الراوي؛ لأنه كونه يذكر مع التحديث أموراً لها علاقة فهذه تدل على ضبط الراوي، ومثلما جاء في الحديث حديث ابن عمر: (أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب)؛ لأنه تذكر الهيئة التي كان عليها.

شرح حديث: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء ... إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن حمران مولى عثمان أن عثمان رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)].يقول النسائي رحمه الله في هذا الحديث وهو حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة، إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها).وهذا الحديث هو من ضمن الأحاديث التي أوردها النسائي رحمه الله تحت باب: ثواب من توضأ كما أمر، وهو حديث عثمان رضي الله عنه وهو آخرها، وأن هذا من الثواب الذي يحصله من أدى الواجب عليه من الوضوء، الذي هو أحد شروطها، أي: الصلاة.وهذا الحديث من جملة الأحاديث التي أوردها، وبعده حديث في نفس الباب، يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه، ثم يصلي الصلاة إلا غفر له ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)، وهذا يدل على عظم فضل الوضوء، وعلى عظم ثوابه عند الله عز وجل، وأن الإنسان إذا توضأ، وصلى فإن الله تعالى يغفر له ما بين الصلاتين، ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها.فقوله: (حتى يصليها)، يشعر بأنه يغفر الذنوب المستقبلة، على أنها إذا وقعت التي هي الصغائر، فإنها تكفَّر باجتناب الكبائر، وتكفَّر أيضاً بفعل الصلوات وبفعل الطاعات، ومن ذلك الوضوء والصلاة، فإن الله تعالى جعل ذلك سبباً لمغفرة الخطايا التي هي الصغائر.وأما الكبائر فإنه لا بد فيها من التوبة، ولهذا فإن الإنسان يصلي وهو محسن في صلاته؛ لأن الصلاة من خير ما يفعل الناس، لكن قد يكون عنده ذنوب أخرى اقترفها كبائر؛ فإن صلاته لا تكفِّر عنه تلك الكبائر، وتكفير الكبائر يحتاج إلى توبة، فإذا حصل منه صلاة، وحصل منه وضوء، وقد تاب من الكبائر، وتاب إلى الله توبة نصوحاً، وعمل هذا العمل، فإنه يحصل تكفير الجميع، لكن تكفير الكبائر هو بالتوبة، أما تكفير الصغائر فهو بالأعمال الحسنة، والأعمال الطيبة التي يفعلها، ومن ذلك الوضوء والصلاة، فإنه يكفَّر له ما بينها وبين الصلاة الأخرى.

تراجم رجال إسناد حديث: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن الوضوء ... إلا غفر له ما بينه وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها)

قوله: [أخبرنا قتيبة ].هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني ، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكر هذا الرجل كثيراً، بل إن ورود ذكره أكثر من ذكر غيره، وهو أول شيخ روى له النسائي في سننه، وما أكثر ما يأتي ذكر قتيبة بن سعيد في رواية النسائي عنه.[عن مالك ].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، وأحد أصحاب المذاهب الأربعة المتبوعة المشهورة التي كان لأصحابها أتباع وأصحاب عنوا بتدوين ذلك الفقه وجمعه، فحفظت مذاهبهم وأقوالهم في المسائل الفقهية بسبب وجود أتباع لهم يعتنون بفقههم وغيرهم من الفقهاء في زمانهم وقبل زمانهم وبعد زمانهم، فحصل له مثل ما حصل لهؤلاء من وجود من يعنون بجمع فقههم ويخدمونه ويحرصون عليه، فلهذا لم يحصل تدوين ما جاء عنهم من الفقه وما جاء عنهم من الكلام في مسائل الفقه ما حصل، وإنما حصل لهؤلاء الأربعة الذين هم: أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد رحمة الله على الجميع.وهؤلاء الأربعة الذين أولهم: أبو حنيفة، ثم بعده مالك، ثم بعده الشافعي، ثم بعده الإمام أحمد بن حنبل وهو آخرهم، والشافعي ولد في السنة التي مات فيها أبو حنيفة ، وهي مائة وخمسين من الهجرة، وتوفي سنة مائتين وأربع، فعمره أربع وخمسون سنة، وكل من الثلاثة الأخيرين يروي بعضهم عن بعض، وبعضهم شيوخ لبعض، أي: أن مالك شيخ للشافعي ، والشافعي شيخ للإمام أحمد ، وقد جاء في مسند الإمام أحمد حديث يرويه الإمام أحمد عن الشافعي ، والإمام الشافعي يرويه عن الإمام مالك ، فهو مسلسل بثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة المعروفة، وهو حديث: (نسمة المؤمن كطائر يعلق في الجنة)، هذا هو الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن الإمام الشافعي عن الإمام مالك ، فهؤلاء الثلاثة يروي بعضهم عن بعض هذا الحديث، ولهذا لما ذكره ابن كثير في تفسير قول الله عز وجل في سورة آل عمران: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [آل عمران:169]، قال بعد أن ذكره بإسناده، قال: وهذا إسناد عزيز اجتمع فيه ثلاثة من أصحاب المذاهب الأربعة المشهورة يروي بعضهم عن بعض، حديث: (نسمة المؤمن طائر يعلق في الجنة). فإذاً: الثلاثة الأخيرين كل واحد يروي عن الآخر، وكل منهم يكنى بأبي عبد الله، فـمالك كنيته أبو عبد الله ، والشافعي كنيته أبو عبد الله، والإمام أحمد كنيته أبو عبد الله ، فالثلاثة يروي بعضهم عن بعض، وكل واحد منهم يكنى بأبي عبد الله، وهذا الحديث الذي أشرت إليه هو مما حصل بهذه السلسلة أو بهذه الرواية التي هي كون ثلاثة من أصحاب المذاهب في إسناد هذا الحديث.وحديث الإمام مالك عند أصحاب الكتب الستة: البخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه .[ عن هشام بن عروة ]. هو: هشام بن عروة بن الزبير ، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه].وهو عروة بن الزبير بن العوام ، وهذا من التابعين ومن الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، فيقال عن مسألة اتفقوا عليها: وقال بها الفقهاء السبعة، قال بها الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، ويقال لهم: الفقهاء السبعة؛ لأنهم في عصر واحد، وكانوا في المدينة، وكانوا أهل فقه، ويُرجع إليهم في الفقه، وهم أيضاً محدثون؛ لأنهم ممن روى عن الصحابة، وهؤلاء السبعة ستة متفق على عدهم في السبعة، والسابع مختلف فيه على ثلاثة أقوال، فالسبعة المتفق على ذكرهم هم: سعيد بن المسيب ، وعروة بن الزبير ، وسليمان بن يسار ، وخارجة بن زيد ، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، والقاسم بن محمد بن أبي بكر ، هؤلاء ستة متفق على عدهم في فقهاء المدينة السبعة.وأما السابع ففيه ثلاثة أقوال؛ فمن العلماء من يجعل السابع: سالم بن عبد الله بن عمر ، ومنهم من يجعل السابع: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، ومنهم من يجعل السابع: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ، فهؤلاء ثلاثة اختلف في جعلهم السابع.وقد ذكرهم ابن القيم في أول كتابه إعلام الموقعين، حيث ذكر فقهاء الأنصار من الصحابة والتابعين، ولما جاء عند ذكر المدينة وذكر فقهائها في زمن الصحابة وفي زمن التابعين ترى أن من فقهائها في زمن التابعين هؤلاء السبعة، ولكنه جعل السابع منهم: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وذكر بيتين يشتملان على عدهم لا أدري لمن هذين البيتين: هل هما لـابن القيم أو لغيره، يقول فيهما:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةهذا البيت الثاني يشمل السبعة، والسابع فيهم على أحد الأقوال: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام .وعروة بن الزبير هذا حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن حمران مولى عثمان ].هو حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عن عثمان وعن الصحابة أجمعين، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[ عن عثمان ].هو أمير المؤمنين ذي النورين، وصهر الرسول صلى الله عليه وسلم على ابنتيه: رقية ، ثم أم كلثوم ، وصاحب المناقب الكثيرة والخصال الحميدة، وهو ثالث الخلفاء الراشدين الهادين المهديين رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم وعن الصحابة أجمعين، لا سيما في ذكر هذا الحديث الذي يتعلق بالوضوء؛ فإن النسائي أورده في أبواب متعددة يستدل به على موضوعات مختلفة، وهنا أورد الحديث الذي هو حديث حمران عن عثمان الذي فيه بيان ثواب الوضوء، وأن من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى الصلاة فإن الله تعالى يغفر له ما بين الصلاة والصلاة الأخرى حتى يصليها.إذاً: فرجال هذا الإسناد هم: قتيبة بن سعيد ، ومالك بن أنس ، وهشام بن عروة ، وعروة بن الزبير ، وحمران مولى عثمان ، وعثمان، وهؤلاء الستة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 05-04-2019, 07:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(59)

- باب ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة - باب ترك الوضوء من القبلة

من الأمور التي لا تنقض الوضوء مس الرجل زوجته من غير شهوة، أو تقبيلها بشهوة ما لم يمذ، وقد ثبت مثل هذا من فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه.
ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة

شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي

قال المصنف رحمه الله تعالى: [ترك الوضوء من مس الرجل امرأته من غير شهوة. أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم عن شعيب عن الليث أخبرنا ابن الهاد عن عبد الرحمن بن القاسم عن القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وأني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة.ومقصود النسائي رحمه الله بهذه الترجمة: هو أن الرجل إذا مس امرأته بغير شهوة، فإن ذلك المس لا ينقض الوضوء، وهذه الترجمة التي عقدها، وأورد أحاديث تدل على مقتضاها؛ لأن الذي أورده تحتها هو حصول لمس في الصلاة، ومن المعلوم أن اللمس في الصلاة بعيد عن أن يكون بشهوة أو بقصد شهوة.إذاً: فهو غير ناقض للوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فبذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن ليس معنى هذه الترجمة أن المس إذا حصل بشهوة أنه ينقض الوضوء، فالمسألة خلافية؛ من العلماء من قال: مس الرجل المرأة مطلقاً ناقض للوضوء سواءً كان بشهوة أو بغير شهوة، ومنهم من يقول: إنه ينقض إذا كان بشهوة، وإذا كان بغير شهوة فإنه لا يكون ناقضاً للوضوء، والترجمة التي ذكرها المصنف أتى بها على هذا الموضع من أجل أن ما جاء في الأحاديث مطابق لها من جهة أن النبي عليه الصلاة والسلام مس أم المؤمنين وهو في الصلاة، ومن المعلوم أن المس في الصلاة بعيد عن أن يكون فيه شهوة أو إرادة شهوة، لكن هذا لا يدل على أن المس بشهوة يكون ناقضاً للوضوء؛ لأن الأصل هو عدم النقض حتى يأتي ما يدل على النقض إذا كان بشهوة، ولم يأت ما يدل على ذلك، بل قد جاء ما يدل عليه كما في التقبيل كما سيأتي؛ لأن التقبيل مظنة الشهوة، ومع ذلك لا يكون ناقضاً للوضوء، لكن إذا خرج مذي بسبب هذا اللمس بشهوة، فإن النقض ليس من أجل المس بشهوة، وإنما من أجل المذي الذي خرج من السبيل الذي هو ناقض للوضوء.وقد عرفنا -فيما مضى- في باب: الوضوء من المذي، والحديث الذي جاء عن علي رضي الله عنه من طرق متعددة أن المذي فيه الوضوء، وأن الإنسان يستنجي، ويغسل ذكره، ويتوضأ وضوءه للصلاة، فإذا حصل المس بشهوة، ووجد المذي بسبب ذلك، فإنه يكون ناقضاً للوضوء مطلقاً، سواء كان بمس بشهوة أو بتفكير.إذاً: فالمس بشهوة ليس هناك ما يدل على النقض به، وهو غير ناقض إلا إذا حصل بسبب اللمس خروج مذي، فإن النقض يكون بسبب المذي الذي خرج، أما مجرد اللمس بشهوة فإنه لا يكون ناقضاً؛ لأنه لم يرد دليلٌ يدل على حصول النقض به.وقد أورد النسائي تحت هذه الترجمة حديثين عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أحدهما: يتعلق بكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يغمزها وهو في الصلاة برجله إذا جاء في آخر صلاته؛ يوقظها لتقوم فتصلي وتوتر. وكذلك ما جاء في الحديث الآخر الذي جاء من طريقين أنها تكون معترضة، والمكان ضيق، وهي في قبلته، وهو يصلي، وإذا أراد أن يسجد غمزها، فتكف رجليها عن مكان سجوده، ثم إذا سجد وفرغ من السجود، وصار إلى القيام، ترجع رجليها إلى مكانها في قبلته عليه الصلاة والسلام، ويغمزها الرسول صلى الله عليه وسلم غمزات متعددة في الصلاة، فكلما نزل من القيام إلى السجود غمزها بيده أو غمزها برجله فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها، فدل هذا على أن المس لا ينقض الوضوء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يمس أم المؤمنين وهو في صلاته، ولم يكن ذلك ناقضاً للوضوء. وقوله: عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وإني لمعترضةٌ بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله).والحديث يدل على أن عائشة رضي الله عنها كانت معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام وهو يصلي؛ وذلك لضيق المكان، فكان إذا أراد أن توتر غمزها برجله، حتى تقوم وتتهيأ لصلاة الليل، أو للوتر الذي تختم به صلاة الليل.وفي هذا بيان ما كان عليه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من دعوة أهله إلى الصلاة، وتنبيههم إلى ذلك، وهو يدل على أن الزوجين يعين أحدهما صاحبه على فعل الخير، وينبهه على ما يحتاج إليه من الأمور التي ينبه عليها في التقرب إلى الله عز وجل. وفيه دليل على أن الجنازة عندما يصلى عليها تعرض أمام الذي يصلي عليها؛ أي: أنها تعرض وتكون معترضة، وقد جاءت السنة بأن المصلى عليه إذا كان رجلاً فإن الإمام يقوم عند رأسه، وإذا كانت امرأة فإنه يقوم عند وسطها، وهذه من الأحكام التي يختلف فيها الرجال عن النساء؛ لأنه يوقف عند رأس الرجل وعند وسط المرأة، فالحكم في الجنازة عندما يصلى عليها أنها تعرض؛ ولهذا قالت عائشة: (معترضةٌ اعتراض الجنازة)، ومعناه: أنها في قبلته كالجنازة التي يصلى عليها حيث تكون في القبلة.وفيه أيضاً: دليل على أن الإنسان إذا صلى وأمامه شخصٌ نائم فإنه لا يؤثر ذلك على صلاته؛ لأن عائشة كانت نائمة، وكانت ممتدة بين يديه عليه الصلاة والسلام، فدل ذلك على أن كون الإنسان يصلي، وأمامه شخصٌ نائم قريبٌ منه، فإن ذلك لا يؤثر عليه.وفيه أيضاً: دليل على أن الاعتراض غير المرور، فالمرور يمنع منه، فالمرأة إذا مرت أمام المصلي جاء ما يدل على أنها تقطع الصلاة. ومثل ذلك الكلب، والحمار، فقد جاء في ذلك حديث صحيح. وإن كان قد اختلف في معنى القطع، إلا أنه يختلف عن الاعتراض؛ لأن الاعتراض والامتداد أمام المصلي وإن كان في مكان سجوده لا يؤثر في ذلك، وهو يختلف عن المرور، فالمرور يمنع منه، وكون الرجل أو الأرجل تكون ممتدة، أو النائم يكون ممتداً أمام المصلي ولو كان امرأة، أن ذلك لا يؤثر على صلاته، ففيه فرقٌ بين المرور وبين الاعتراض، وسبب وجود فرق بين المرور بين يدي المصلي؛ لأن المصلي يمنع منه، والمار يجب عليه أن يمتنع من ذلك، وأما الاعتراض فإنه يختلف عنه؛ لأن عائشة رضي الله عنها تكون معترضة أمام النبي عليه الصلاة والسلام فتكف رجليها، لكن الحديث الذي هنا فيه أنه كان يغمزها وهو في الصلاة برجله؛ لتقوم للوتر، وهو دال على ما ترجم له المصنف من أن لمس الرجل للمرأة وهو في الصلاة لا يؤثر.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم]. هو محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وهو ثقة، وهو من شيوخ النسائي وحده.[عن شعيب، عن الليث]. هو ابن الليث بن سعد، وهو ثقة، وخرج حديثه الإمام مسلم، وأبو داود، والنسائي.فهو يروي عن أبيه الليث بن سعد، والليث بن سعد هو المصري، المعروف، المشهور، فقيه مصر ومحدثها، والذي سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه خرجه أصحاب الكتب الستة.[أخبرنا ابن الهاد].هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، ويقال له: ابن الهاد؛ لأن جده كان يوقد النيران في الطريق للدلالة على الطريق، ولإرشاد الناس، فكان يوقد النار ليهدي الناس إلى الطريق.[عن عبد الرحمن بن القاسم]. هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو ثقة جليل، قال عنه ابن عيينة: إنه أفضل أهل زمانه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، يروي عن أبيه القاسم.[عن القاسم ].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر، وهو أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وأن المدينة فيها في عصر التابعين سبعة معروفين بالفقه والحديث، وأحد السبعة القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وقد ذكرتهم مراراً، وذكرت أن ابن القيم ذكرهم في أول كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، بدأه ببيان الفقهاء في الأمصار في زمن الصحابة والتابعين ومن بعدهم، ولما جاء إلى ذكر المدينة، وذكر الفقهاء فيها في زمن الصحابة، ثم الفقهاء في زمن التابعين، ذكر أن من الفقهاء في زمن التابعين الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، الذين صار هذا علماً عليهم، عندما تأتي مسالة اتفق عليها الفقهاء السبعة يقولون: وقال بها الفقهاء السبعة، وذكر بيتين من الشعر يشتملان عليهم، أو بالأخص البيت الثاني يشملهم والأول تمهيد، يقول فيه ابن القيم ولا أدري الشعر هل هو له أو لغيره: إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةوقاسم هذا الذي معنا هو أحد هؤلاء السبعة، وهو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن عائشة]. يعني: يروي عن عمته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها؛ لأنه القاسم بن محمد بن أبي بكر، فهي عمته وهو يروي عنها، وهو كثير الرواية عنها، وهي الصديقة بنت الصديق، وهي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق، ليس في الصحابيات من هي مثلها، وهي أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة.

شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا يحيى عن عبيد الله قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (لقد رأيتموني معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي، فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي، فضممتها إليّ ثم يسجد)].هنا أورد النسائي حديث عائشة وهو غير الحديث الأول؛ لأن الحديث الأول يتعلق بغمزها لتقوم للوتر، وهنا يغمزها لتكف رجليها المعترضة في مكان سجوده؛ ليسجد مكان رجليها، والمقصود منه: أن اللمس لا ينقض الوضوء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يلمس أم المؤمنين وهو مستمر في صلاته، فلو كان ذلك ينقض الوضوء ما فعله رسول الله، فدل فعله للغمز وأنه مستمر في الصلاة أن اللمس غير ناقض للوضوء، وعائشة تقول: إنها كانت معترضة في مكان سجوده، فإذا سجد غمزها، فتكف رجليها، فيسجد مكان رجليها.وفيه ما في الذي قبله من جهة أن الإنسان كونه يصلي وأمامه شخص نائم أنه لا بأس به، وأيضاً يدل على أن العمل في الصلاة إذا كان يحتاج إليه ولو كان متكرراً فإنه لا يؤثر؛ لأنه كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من السجود غمزها، وإذا قام مدت رجليها، فيتكرر ذلك منه، فإذا كان هناك ما يدعو إليه فإنه لا يؤثر على الصلاة شيئاً؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغمزها إذا أراد أن يسجد، وهي إذا قامت مدت رجليها، وإذا غمزها كفت رجليها، وهكذا.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثانية

قوله: [أخبرنا يعقوب بن إبراهيم].هو يعقوب بن إبراهيم الدورقي الذي سبق أن مر ذكره مراراً، وهو من شيوخ البخاري، بل هو من شيوخ أصحاب الكتب الستة، كلهم رووا عنه مباشرة، فهو شيخ لأصحاب الكتب الستة، وقد ذكرت -فيما مضى- أن هناك ثلاثة شيوخ لأصحاب الكتب الستة وماتوا في سنة واحدة؛ وهي سنة 252، وهم: يعقوب بن إبراهيم الدورقي هذا، ومحمد بن المثنى الملقب الزمن، ومحمد بن بشار الملقب بندار، وهم من صغار شيوخ البخاري؛ معناه: أن وفاتهم كانت قريبة من وفاته، وسنهم كان قريباً من سنه، إلا أنهم أقدم منه، أما شيوخ البخاري الكبار فهم الذين أدركهم في أول بدئه للطلب، وماتوا في حال صغره، هؤلاء يقال لهم: شيوخ البخاري الكبار، أما الشيوخ الذين هم يقاربون له في السن والوفاة، فهؤلاء يقال لهم: شيوخه الصغار، ويعقوب بن إبراهيم هو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.[حدثنا يحيى].هو يحيى بن سعيد القطان، الإمام المشهور الذي مر ذكره مراراً وتكراراً، وهو من العارفين بالجرح والتعديل، وهو أحد الشخصين اللذين قال الذهبي عنهما: إنهما إذا جرحا شخصاً لا يكاد يندمل جرحه، هو وعبد الرحمن بن مهدي، فهذان الشخصان إذا جرحا شخصاً يعني: أنهما قد أصابا الهدف، فكلامهما معتبر، وكلامهما معول عليه، فـيحيى بن سعيد القطان هذا هو أحد العلماء الأثبات المحدثين، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله].هو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب الذي يقال له: عبيد الله المصغر؛ تمييزاً له عن أخيه عبد الله المكبر، والمصغر ثقة، ثبت، والمكبر ضعيف، فيقال: عبيد الله المصغر، وعبد الله المكبر، وهما أخوان.وهذا الرجل الذي معنا أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد خرج أصحاب الكتب الستة حديثه.[سمعت القاسم بن محمد].هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الذي مر ذكره في الإسناد السابق، وهو أحد الفقهاء السبعة، وهو يروي عن عائشة أم المؤمنين.

شرح حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا قتيبة عن مالك عن أبي النضر عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلاي، فإذا قام بسطهما، والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)].هنا أورد النسائي حديث عائشة المتعلق بمتدادها في قبلته وهو يصلي، وهو أنه إذا أراد أن يسجد غمزها، وأنها تكف رجليها، أورده من طريق أخرى، تقول: إنه كان يصلي وهي معترضة في قبلته فإذا سجد غمزها؛ يعني: إذا أراد أن يسجد غمزها؛ لأنه يغمزها قبل السجود ليسجد، وليس بعد السجود؛ لأنه يسجد في مكانها، فإنه يغمزها فتكف رجليها، فإذا قام بسطتهما؛ مدتهما وأعادتهما إلى مكانهما، وهو دال على ما دل الذي قبله.وفيه: زيادة اعتذار من عائشة لكونه يغمزها ويكرر غمزها بأن البيوت يومئذ ليس لها مصابيح، فهي ظلام؛ يعني: ما كانت هناك إضاءة بحيث أنها تنظر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يسجد، وبسبب الظلام وكونه ليس هناك مصابيح فيحتاج إلى أن يكرر غمزها كلما أراد أن يسجد، وكلما نزل من قيام فيريد السجود فيغمزها، فهي تعتذر لكونه يتكرر ذلك منه في كل ركعة؛ لأن البيوت ليس فيها مصابيح، وقولها: (يومئذ)، يعني: يشعر بأن الأمر تغير، وأنه كان هناك مصابيح فيما بعد؛ لأن قولها: (والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح)، يشعر بأنه قد حصل بعد ذلك وجود المصابيح، ووجود ما يحصل الاستضاءة به.وفي هذا دليل على إبطال ما يذكره بعض الذين يغلون في الرسول عليه الصلاة والسلام حيث يقولون: إنه لا ظل له، وأنه إذا ظهر في الشمس فلا يطلع له ظل؛ لأنه نور يعكس من الشمس، فإن هذا من الغلو ومن الإفراط، ومن الكلام بغير علم، فـعائشة كانت لا تراه إذا أراد أن يسجد، فلو كان له إضاءة أشد من إضاءة الشمس -كما يقولون- لما احتاجت عائشة إلى أن تقول هذا الكلام: (والبيوت يومئذ ليس لها مصابيح)، وتعتذر بذلك، بل ستكون هناك إضاءة شديدة، ولا يحتاج الأمر إلى مصابيح.ومما يدل عليه أن الرسول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر كان هناك امرأة أو رجل كان فقده، فقالوا: إنه مات، وأنهم دفنوه في الليل، ولامهم على ما حصل منهم، فقالوا: كانت ليلة مظلمة فكرهنا أن نشق عليك؛ يعني: في ظلام، وما أرادوا أن يشقوا على الرسول عليه الصلاة والسلام بكونه يذهب معهم للمقبرة في ليلة مظلمة، فلو كان الأمر كما يقوله هؤلاء المفرطون الغالون الواصفون للرسول عليه الصلاة والسلام بهذا الوصف -وهو من الغلو والإفراط- ما كان هناك حاجة إلى أن يقولوا: الليلة مظلمة؛ لأنه إذا مشى معهم ستكون الأرض كلها ضياء أشد من نور الشمس، فهذا من الإفراط، ومن الكلام بغير علم، ويعتبر هذا من المجاوزة في الحد، فالرسول صلى الله عليه وسلم ليس بحاجة إلى مثل هذه الأوصاف التي ما جاءت عنه، ولم يأت ما يدل عليها، وإنما هي إفراط وغلو فيه عليه الصلاة والسلام، فما خصه الله تعالى به من الخصائص، وما أكرمه الله تعالى به من الكرامات ففيه الكفاية، وفيه الغنية عن كذب الكذابين، ووضع الوضاعين، واختلاق المختلقين، وإفك الأفاكين، ليس بحاجة إلى أن يختلق له، وأن يتقول عنه أقوال ما هناك ما يدل عليها، ويكون فيها غلو وإفراط، وهو عليه الصلاة والسلام قد حذر من الغلو فيه والإفراط، حيث قال: (لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله).والله تعالى على كل شيء قدير، والرسول أهلٌ لكل إكرام، ولكل خير، لكن هذا ما ثبت، ولو ثبت أنه لا ظل له، وأنه يعكس الشمس لوجب القول به، ولوجب اعتقاده، لكن ما دام ليس هناك ما يدل عليه، فإن هذا من القول بغير علم، وهو من الرجم بالغيب.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مس النبي لها برجله وهو يصلي من طريق ثالثة

قوله: [أخبرنا قتيبة].هو قتيبة بن سعيد الذي كثيراً ما يأتي ذكره في الأسانيد، وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن مالك].هو مالك بن أنس إمام دار الهجرة، المحدث، الفقيه، صاحب المذهب المعروف المشهور، الذي هو معروف بالفقه، ومعروف بالحديث، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي النضر].أبو النضر، هذه كنية لـسالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال؛ لأن الفقهاء السبعة ستة منهم اتفق على عدهم في الفقهاء السبعة، والسابع: اختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أو سالم بن عبد الله بن عمر، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم السابع، أما الستة الباقون فهم متفق على عدهم في الفقهاء السبعة.إذاً: فـأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال الثلاثة في السابع منهم.[عن عائشة].عائشة هي أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وهي صاحبة الأحاديث الماضية، ومر ذكرها كثيراً.

شرح حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج واللفظ له قالا: حدثنا أبو أسامة عن عبيد الله بن عمر عن محمد بن يحيى بن حبان عن الأعرج عن أبي هريرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة، فجعلت أطلبه بيدي، فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان، وهو ساجد يقول: أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك)].هنا أورد النسائي حديثاً آخر لـعائشة، وفيه أن اللمس حصل للرسول صلى الله عليه وسلم منها وهو في الصلاة، واستمر في صلاته، وقد لمسته ولمست رجليه وهما منصوبتان، وهو ساجد لله عز وجل في الليل، وهو دال على ما ترجم له النسائي من جهة أن مس المرأة بشهوة لا ينقض الوضوء، والأحاديث التي مضت المس فيها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة، وهذا فيه المس من عائشة له وهو في الصلاة، واستمر في صلاته وقد لمسته، فسواء كان اللمس من الرجل للمرأة، أو من المرأة للرجل في الصلاة فذلك لا ينقض الوضوء، ولا يؤثر على الصلاة شيئاً، سواء كان ذلك بشهوة أو بغير شهوة، أما بالنسبة بغير شهوة فإن هذه الأحاديث دالة عليه، وأما بشهوة فإن الأصل عدم النقض، ولم يأت ما يدل على النقض، إلا إذا خرج بسبب الشهوة مذي، فإن النقض يكون للمذي كما ذكرت ذلك من قبل.وعائشة رضي الله عنها وأرضاه، قالت: (فقدت النبي صلى الله عليه وسلم)، يعني: قامت واستيقظت من الليل، فلم تجده في فراشه، فصارت تبحث عنه، (فوقعت يدها عليه وهو يصلي)، وطبعاً كان هناك ظلام -وهو يصلي- ولعل ذلك كان في المسجد؛ لأن المسجد متصل بالبيت، ولا يفصل بينهما إلا الباب، فقد يكون عليه الصلاة والسلام خرج من الحجرة، وجعل يصلي في المسجد قريباً من الباب، وهي لما لم تجده صارت تبحث وتتلمس في الظلام (حتى وقعت يدها على رجلي النبي صلى الله عليه وسلم وهما منصوبتان وهو ساجد)؛ يعني: يصلي من الليل صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.والحديث يدل على أن المصلي ينصب رجليه في حالة السجود، ولا يجعلهما معترضتين، بل جاء ما يدل على أنه يجعل بطون أصابعهما إلى القبلة، كما جاء في حديث أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه.إذاً: فالسجود يكون على الأعضاء السبعة، ومنها: القدمان، ولا بد من تمكينهما، والسنة أن تكونا منصوبتين، وأن تكون بطون أصابعهما إلى القبلة.وفيه أيضاً: مشروعية هذا الدعاء الذي كان يدعو به النبي عليه الصلاة والسلام وهو في سجوده، والذي روته أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وأرضاها كما في هذا الحديث، ومن المعلوم أن السجود هو أحد المواطن التي يكثر فيها الدعاء؛ لأنه قد جاء في الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد)، وجاء قوله عليه الصلاة والسلام: (أما الركوع فعظموا فيها الرب، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم)، وإذا حرص الإنسان على أن يدعو بأدعية الرسول عليه الصلاة والسلام التي ثبتت عنه في سجوده -كما في هذا الحديث- فإن هذا من أفضل ما يدعى به؛ لأن هذا دعاء دعا به الرسول عليه الصلاة والسلام في سجوده، وهو الذي ينبغي أن يختار وأن يحرص عليه.ثم هذا الحديث فيه استعاذة؛ فيه مستعاذ به ومستعاذ منه، وفيه التعوذ بصفة من صفة، وبفعل من فعل، وبالله من الله، وذلك أن قوله عليه الصلاة والسلام في دعائه: (اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك)، استعاذ بصفة الرضا من صفة الغضب، واستعاذ بفعل العفو من فعل العقوبة، واستعاذ بالله من الله؛ لأن كل شيء هو من الله عز وجل، لا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا وهو بقضاء الله وقدره، وبخلق الله وإيجاده، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فما يكون من مخلوق؛ حركة ولا سكون، ولا نفع ولا ضر إلا وهو بخلق الله وبإرادته وبمشيئته؛ ولهذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح؛ حديث وصية النبي صلى الله عليه وسلم لـابن عباس: (واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك)، فالكل من الله، والكل بقضاء الله وقدره، لا يخرج عن قضاء الله شيء، ولا يخرج عن خلق الله شيء، ولا يوجد في ملك الله عز وجل إلا ما شاءه الله سبحانه وتعالى، وهذا الحديث وهذه الاستعاذة هي من جنس: (لا ملجأ ولا منجى منك إلا إليك، ولا مفر منك إلا إليك)، فالفرار إلى الله منه، ويلجأ إليه منه؛ لأن كل شيء فهو بقضائه وقدره، وبخلقه وإيجاده، وغيره لا يفعل شيئاً إلا بتقديره وبخلقه وإيجاده سبحانه وتعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.ومن المعلوم أن الكلام في هذا الحديث وجد بعض الناس يزل فيه، ويغلط فيه، ويتكلف في تفسيره، وقد جاء في الحواشي الموجودة في شرح هذا الحديث كلام لا يليق ولا ينبغي أن يذكر، ولا أن تسود به الأوراق؛ مثل ما نقله السيوطي أو السندي -لعله السيوطي- قال عن كتاب في أخبار العارفين الذي يقول: إن طلب الاستغاثة من الله نقص في التوكل، هذا كلام ساقط لا قيمة له، فإن الاستغاثة بالله، والاستعانة بالله هذه عبادة وتوحيد وصرف العبادة لمن يستحقها، فكيف يقال: إن طلب الاستغاثة من الله أنه نقص في التوكل؟! هذا كلام باطل، وكلام لا ينبغي أن يقال.ومن أحسن من شرح هذا الحديث شرحاً حسناً سليماً واضحاً جلياً ابن القيم في كتابه شفاء العليل؛ لأن شفاء العليل في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، وهذا كتاب نفيس من أحسن الكتب التي ألفت في القضاء والقدر، وقد عقد فيه ثلاثين باباً، مسائل القضاء والقدر أحد هذه الأبواب الثلاثين، وهو الباب السادس والثلاثون شرحٌ لهذا الحديث الذي معنا، وبيان لفقهه، وحكمه وأسراره، ودلالته على القضاء والقدر، وأن كل شيء من الله، وكل شيء بقضاء الله، وأن الله عز وجل هو الذي يفر منه إليه، وأنه لا يحصل إلا ما قدره وقضاه، ولا يوجد في ملك الله إلا شاءه الله.وفيه: أنه يستعاذ بصفات الله كما يستعاذ بالله عز وجل، فمنها ما يستعاذ به، ومنها ما يستعاذ منه؛ لأن صفة الرضا يستعاذ بها، وصفة الغضب يستعاذ منها؛ يعني: يستعيذ الإنسان برضا الله من غضب الله، ومن عفو الله من عقوبة الله، وبالله من الله؛ لأن كل شيء هو بخلقه وإيجاده، فلا يقع حركة ولا سكون في الوجود إلا بقضاء الله، والسحر الذي هو من أعظم الأشياء ضرراً قال الله فيه: وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ [البقرة:102]؛ يعني: السحرة ما يحصل منهم الضرر إلا إذا شاء الله، فإذا شاء الله عز وجل يوجد السبب ولا يوجد المسبب، مثل: إيراد المريض على الصحيح، فإيراد المريض على الصحيح سبب للعدوى، لكن قد يوجد السبب وقد لا يوجد المسبب، فإذا شاء الله أنه لا ينزل فلا ينزل، فقد يكون أمراض مع أصحاء ثم لا يحصل للأصحاء شيء؛ لأنه لا يحصل الضرر إلا بإذن الله، ولهذا الرسول صلى الله عليه وسلم بين ذلك في قوله: (من أعدى الأول؟) فلو كان القضية كلها عدوى، وأن المريض يعدي الصحيح، فالمريض الذي أصابه المرض لأول مرة من الذي أعداه؟! فليس هناك مريض يعديه الذي قبله، وإنما الله تعالى هو الذي أوجد هذا المرض، وهو الذي خلق فيه المرض.فإذاً: هذا حديث عظيم، ودعاء عظيم، ومن أحسن ما يرجع إلى فقهه، وفهم معناه كلام ابن القيم في شفاء العليل.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في مسها قدمي النبي وهو يصلي

قوله: [أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ونصير بن الفرج].محمد بن عبد الله بن المبارك هذا ثقة، وخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.ونصير بن الفرج هو أيضاً ثقة، وخرج حديثه أبو داود، والنسائي.[حدثنا أبو أسامة].هو حماد بن أسامة، وهو مشهور بكنيته، وكنيته توافق اسم أبيه، فهو حماد بن أسامة، وأبو أسامة، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن عبيد الله بن عمر].هو المصغر الذي مر ذكره قريباً، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، وهو ثقة، ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن محمد بن يحيى بن حبان].هو محمد بن يحيى بن حبان، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الأعرج].هو عبد الرحمن بن هرمز، وهو مشهور بلقبه، ويأتي ذكره بلقبه وباسمه، وهنا جاء ذكره باللقب، واسمه عبد الرحمن بن هرمز، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي هريرة].أبو هريرة رضي الله تعالى عنه هو الصحابي الجليل، وهو أكثر الصحابة على الإطلاق حديثاً.[عن عائشة].هي أم المؤمنين، وهي أكثر الصحابيات حديثاً، وإذاً: فالحديث من رواية صحابي عن صحابي، والصحابيان اللذان في الحديث الرجل هو أكثر الصحابة حديثاً على الإطلاق، والمرأة هي أكثر الصحابيات حديثاً على الإطلاق.
ترك الوضوء من القبلة

شرح حديث: (إن النبي كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ترك الوضوء من القبلة.أخبرنا محمد بن المثنى عن يحيى بن سعيد عن سفيان أخبرني أبو روق عن إبراهيم التيمي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ)، قال أبو عبد الرحمن: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلاً، وقد روى هذا الحديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قال: قال يحيى القطان: حديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها هذا، وحديث حبيب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها: (تصلي وإن قطر الدم على الحصير لا شيء)].هنا أورد النسائي رحمه الله: باب: ترك الوضوء من القبلة.لما ذكر النسائي في الترجمة السابقة، وهي ترك الرجل الوضوء من مس امرأته بغير شهوة، وأن المس إذا حصل في الصلاة أنه لا ينقض الوضوء، وكذلك إذا حصل في غير الصلاة، لكن الأحاديث التي أوردها النسائي كلها مس في الصلاة، وهو بعيد عن أن يكون بشهوة، ولهذا قال: بغير شهوة، لكن -كما عرفنا- ليس التقييد بقوله: (بغير شهوة) بمعنى أنه إذا كان بشهوة أنه ينقض الوضوء؛ لأنه ما جاء دليل يدل على نقض الوضوء بالمس بشهوة، اللهم إلا إذا حصل مذيٌ بسبب المس بشهوة، فإن النقض يكون بسبب خروج المذي، وليس بسبب المس بشهوة.ولما ذكر النسائي في الترجمة السابقة وذكر الأحاديث التي تحتها، وكل الأحاديث التي أوردها دالة على عدم النقض، وكله لم تكن في الصلاة، والأصل هو عدم النقض إلا إذا جاء دليل يدل على النقض، ولم يثبت في ذلك شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عقب هذا بترجمة هي: ترك الوضوء من القبلة، ومن المعلوم بأن تقبيل المرأة إنما يكون غالباً مع الشهوة، فهذه الترجمة وهي: ترك الوضوء من القبلة هي مماثلة للترجمة السابقة؛ لأن الكل فيه ترك، فمس المرأة بشهوة ومس المرأة بغير شهوة كل هذا لا ينقض الوضوء، لكن إذا حصل التقبيل بشهوة ووجد مذي، فإنه يحصل النقض بسبب المذي، لا بسبب التقبيل ولا بسبب اللمس بشهوة.وهنا أورد النسائي رحمه الله تحت هذه الترجمة حديث عائشة رضي الله تعالى عنها مسنداً، وحديثاً أشار إليه دون أن يذكره مسنداً، ودون أن يذكر لفظه، فهو أورد الإسناد أولاً عن إبراهيم التيمي عن عائشة (أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه، ثم صلى، ولم يتوضأ).وهو واضح مطابق لما ترجم له؛ من حيث حصول التقبيل وعدم النقض، وإن الرسول صلى الله عليه وسلم صلى ولم يتوضأ، فدل على أن التقبيل غير ناقض للوضوء.ثم أشار إلى حديث من طريق أخرى؛ من طريق حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، لكن النسائي لما ذكر حديث عائشة الذي ساق إسناده عن طريق إبراهيم التيمي قال: وهذا أحسن شيء في هذا الباب وإن كان مرسلاً، ومن المعلوم أن المرسل ليس حجة عند المحدثين؛ لأن فيه انقطاع، والمراد بالإرسال الذي أشار إليه هو كون إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، فحديثه عنها مرسل، ولكن ذكر المرسل هنا ليس على اصطلاح المعروف عند المحدثين، وإنما هو جار على استعمالهم، لكن المعروف والمشهور بالمرسل عندهم ما قال فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، فلا يذكر الصحابي، أي: ما كان السقوط فيه من أعلاه -من فوق- وذلك بأن يسقط الصحابي، وقد يسقط معه غيره، لكن ليست العلة في سقوط الصحابي؛ لأنه لو لم يسقط إلا الصحابي فليس فيه إشكال، فالصحابة علموا أو جهلوا فما يحتاجون إلى أن يتعرف عليهم، ولا إلى أن يبحث فيهم؛ لأنهم عدول بتعديل الله لهم، وتعديل رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن احتمال أن يكون الساقط تابعياً أيضاً، واحتمال أن يكون التابعي أخذه عن صحابي أو تابعي آخر، والتابعي هذا يحتمل أن يكون ثقة وأن يكون ضعيفاً، من أجل هذا صار المرسل عندهم من قبيل المردود، وليس من قبيل ما يحتج به، لكن هناك اصطلاح آخر عند الأصوليين؛ وهو أن المرسل ما حصل فيه سقوط؛ يعني: كون الإنسان يروي عمن لم يسمع منه، أو يروي عمن لم يلقه، أو لم يدركه فهذا هو المرسل، والمرسل الذي أشار إليه النسائي هنا في الإسناد هو من هذا القبيل؛ لأن إبراهيم التيمي أرسل عن عائشة؛ يعني: لم يرو عنها، فروايته عنها مرسلة، والمحدثون يستعملون كلمة أرسل، وفلان يرسل، فالمشهور عندهم أنه ما يقول فيه التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا.وإذا كان السقوط في أثناء الإسناد -سواء كان واحداً أو اثنين- فكل هذا منقطع، وإذا كان السقوط اثنين متواليين فيقال له: معضل، سواء في أعلى السند أو وسطه، وإذا كان في أسفله يقال له: معلق، فكل هذا يسمى مرسلاً عند الأصوليين.فقول النسائي: هذا أحسن شيء ورد في الباب وإن كان مرسلاً، ثم أشار إلى حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة، ولكنه أشار إلى علته، وهو أن يحيى بن سعيد القطان قال عن هذا الحديث وحديث آخر بهذا الإسناد، قال: لا شيء؛ يعني: هذان الحديثان أو هذان الإسنادان لا شيء.وفي بعض الألفاظ عند الترمذي وعند أبي داود: (شبه لا شيء)، بدل (لا شيء)، فهنا قال: (لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهذين الحديثين، وعند الترمذي وأبي داود: (شبه لا شيء)، معناه: أنه لا يحتج بهما، لكن حديث ترك الوضوء من القبلة ثابت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ليس من هذه الطريقة المرسلة فقط، والطريقة المرسلة لو لم تكن إلا هي لما ثبت به الحديث لوجود الانقطاع، لكن جاء في الطريق الأخرى التي أشار إليها النسائي وهي رواية حبيب بن أبي ثابت عن عروة عن عائشة التصريح بأن عروة هو ابن الزبير، فهو حديث متصل، فيكون ثابتاً؛ لأن الذين ضعفوا الحديث قالوا: إن عروة هذا لم ينسب، والمراد به عروة المزني، لكن جاء في بعض الطرق تسميته، وأنه عروة بن الزبير، وعلى هذا يكون الإسناد صحيحاً، ويكون الإسناد ثابتاً، ويكون مقوياً لهذا المرسل الذي أسنده النسائي، والذي قال: إنه أحسن شيء في الباب.إذاً: فالحديث ثابت، وقد صححه الشيخ الألباني، وكذلك صححه أحمد شاكر، وبين الشيخ أحمد شاكر أن المراد بـعروة هو ابن الزبير، كما جاء في بعض الطرق، فعلم أنه ليس عروة المزني، وإنما هو عروة بن الزبير، وعلى هذا فيكون الحديث صحيحاً، ثم إن الأصل هو عدم النقض، وقد جاء في الحديث الصحيح ما يؤيد الأصل، وهو عدم النقض، ولو لم يأت الحديث لكان الأصل هو عدم النقض؛ لأنه لا يثبت النقض إلا بدليل، والآن جاء الدليل مطابق للأصل الذي هو عدم النقض، فصارت القبلة أو مس المرأة بشهوة غير ناقض للوضوء، اللهم إلا أن يحصل بسبب اللمس، أو التقبيل مذيٌ، فيصير النقض بسبب المذي، كالذي مرت أحاديثه سابقاً عن علي رضي الله عنه: (أنه كان رجلاً مذاء فطلب من المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد استحيا من أن يسأله لمكانة ابنته فاطمة منه، فقال عليه الصلاة والسلام: يغسل ذكره ويتوضأ)؛ أي: وضوءه للصلاة، فدل هذا على أن المذي إذا حصل بسبب المداعبة، أو اللمس، أو التقبيل، وكذلك أيضاً التفكير فإنه يكون ناقضاً للوضوء.إذاً: فالصحيح هو القول بعدم النقض، والأصل هو عدم النقض، لو لم يأت بذلك حديث، وقد جاء الحديث بذلك وهو ثابت، فيكون مؤيداً للأصل، ومطابقاً للأصل الذي هو البراءة من التكليف بالوضوء، فصار ما جاء في الحديث مؤيداً له ومطابقاً له، ولا يقال بالنقض إلا بدليل ولا دليل، بل قد جاء الدليل بعدم النقض، وهو حديث عائشة الذي أشار إليه النسائي، ولكنه أشار إلى تضعيفه في كلام يحيى بن سعيد القطان، لكن الحديث ثابت، وعروة الذي فيه هو ابن الزبير، فلا إشكال فيه حينئذ.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-04-2019, 02:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(61)
- تابع باب الوضوء مما غيرت النار

أمر الشارع بالوضوء مما مست النار، ومما غيرت النار، وذلك في بداية الأمر، ثم نسخ هذا وبقي الأمر بالوضوء من لحم الإبل لورود ما يخصه.
تابع الوضوء مما غيرت النار

حديث أبي أيوب: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار قالا: أنبأنا ابن أبي عدي عن شعبة عن عمرو بن دينار عن يحيى بن جعدة عن عبد الله بن عمرو قال محمد : القاري عن أبي أيوب قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (توضؤوا مما غيرت النار)]. ‏ هنا أورد النسائي حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه الذي يقول فيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضؤوا مما غيرت النار). وهو بمعنى الأحاديث المتقدمة، وكما عرفنا أن هذا الحكم هو منسوخ.قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ومحمد بن بشار].عمرو بن علي هو الفلاس، الإمام، الناقد، الكثير كلامه في الجرح والتعديل، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.ومحمد بن بشار هو الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً، ويلقب بـبندار.[أنبأنا ابن أبي عدي].ابن أبي عدي، وهو في الإسناد الذي قبله.[عن شعبة].وشعبة في الإسناد الذي قبله.[عن عمرو بن دينار].وعمرو بن دينار كذلك هو في الإسناد الذي قبله.[عن يحيى بن جعدة].ويحيى بن جعدة أيضاً في الإسناد الذي قبله.[عن عبد الله بن عمرو].ثم قال: قال محمد : القاري. وعمرو بن علي الفلاس عندما ساق الإسناد قال: حدثنا عبد الله بن عمرو، وما قال: القاري؛ أما محمد بن بشار، فإن في إسناده أضاف إلى ما ذكره عمرو بن علي كلمة: القاري، التي هي نسبته، فقوله: قال: محمد؛ يعني: شيخه في الإسناد، أو أحد الشيخين في الإسناد، اللذين روى عنهما النسائي فإنه ساق الإسناد مساقاً واحداً، ولكنه ذكر أن أحد الشيخين أضاف في التعريف بـعبد الله بن عمرو هذا, بأن قال: القاريِّ؛ يعني: أن هذا الإسناد رواية عمرو بن علي الفلاس مثل الإسناد الذي قبله، وليس فيه القاريِّ.وأما محمد بن بشار فهنا قال: القاريِّ، مع أن محمد بن بشار في الإسناد الأول؛ أي: ليس فيها ذكر: القاري، والرواية هنا اشترك فيها مع عمرو بن علي، والتي جمع بينهم النسائي قال: إن محمداً قال: القاري؛ يعني: أضاف كلمة: القاريِّ، فقوله: قال محمد، فهذه كلمة من النسائي، قالها مشيراً إلى شيخه محمد بن بشار, زاد في التعريف بـعمرو بن علي أن قال: القاريِّ.قوله: [عن أبي أيوب].هو أبو أيوب الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي نزل النبي عليه الصلاة والسلام في داره لما قدم مهاجراً إلى المدينة، وقد جاء الحديث في صحيح مسلم: (أنه لما نزل في داره، وكانت مكونة من دورين، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم في الدور الأسفل, وأبو أيوب صار في الدور العلوي، ثم جاء وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحول إلى الدور العلوي، وأن يكون هو في الدور الأسفل، وقال: إنه لا يحب أن يكون فوق رسول الله عليه الصلاة والسلام، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام إلى هذا)، والحديث في صحيح مسلم.وأبو أيوب الأنصاري سبق أن مر ذكره مراراً وتكراراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

حديث أبي طلحة: (توضئوا مما غيرت النار) وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد وهارون بن عبد الله قالا: حدثنا حرمي وهو ابن عمارة بن أبي حفصة حدثنا شعبة عن عمرو بن دينار قال: سمعت يحيى بن جعدة يحدث عن عبد الله بن عمرو القاري عن أبي طلحة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما غيرت النار)]. ثم أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله تعالى عنه الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: (توضئوا مما غيرت النار)، وهو مثل الذي قبله، مثل حديث أبي أيوب المتقدم، وبلفظه: [(توضئوا مما غيرت النار)]، فهي كلها أحاديث في موضوع واحد، وهو الوضوء مما مست النار، والحكم -كما عرفنا- منسوخ.قوله: [أخبرنا عبيد الله بن سعيد].هو اليشكري، وهو ثقة، قال عنه في التقريب: ثقة, مأمون, سني، وخرج حديثه البخاري، ومسلم، والنسائي، وقال في تهذيب التهذيب: إنه أظهر السنة في سرخس بلده، فهو سرخسي، فلهذا يقال له: سني؛ لأن كلمة سني تستعمل في من كان يتبع السنة، أو أظهر السنة، أو يحارب البدع، فيقولون عنه: سني، فلكونه أظهر السنة في بلده سرخس، قيل له: سني، ويقال له: صاحب سنة؛ يعني: اتباع السنة، وابتعاد عن البدع.[وهارون بن عبد الله].هو أبو موسى الحمال، وقد مر ذكره كثيراً، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.[حدثنا حرمي].هو ابن عمارة بن أبي حفصة.حرمي هو اسم على صيغة النسب، مثل مكي، وقوله: (هو: ابن عمارة بن أبي حفصة)، هذا هو زيادة تعريف، لكنه ليس من تلاميذه في الإسناد؛ لأن الذين رووا عنه في الإسناد هم: عبيد الله بن سعيد اليشكري، وهارون بن عبد الله، هؤلاء هم الذين رووا عنه، لكن ذكروه بكلمة: حرمي، وما أضافوا إليها شيئاً آخر، والنسائي، أو من دون النسائي هم الذين أتوا بكلمة ابن عمارة بن أبي حفصة، لكن أتوا بكلمة: (هو) حتى يتبين بأنها زيدت ممن دون التلاميذ؛ لأنها لو لم تزد هذه لفهم أن التلاميذ هم الذين قالوا هذا الكلام، لكن لما كانت الزيادة ممن دون التلاميذ أتي بكلمة: (هو) حتى يعرف أنها زيدت في الإسناد ممن دون التلاميذ، إما من النسائي، أو ممن دون النسائي من أجل التعريف بهذا الشخص، وهو حرمي بن عمارة بن أبي حفصة العتكي البصري.وأبو حفصة الذي هو جده؛ لأنه حرمي بن عمارة بن أبي حفصة، اسمه: نابت، بالنون، ذكر هذا في التقريب، وقال: بالنون، وبالتاء المثناة، ثم قال: وقيل كالجادة، والمراد بقوله: الجادة في اللغة هي: الطريق المسلوك، الذي من كثرة المشي عليه وكثرة السير عليه صار أثراً في الأرض، فهذا يقال له: الجادة، فهنا قال: وقيل: كالجادة، يعني: ثابت؛ لأن ثابتاً لفظ مشهور، ويسمى فيه كثير، وهو لما قال: نابت بالنون وبالتاء؛ لأن هذا اسم غريب, واسم نادر، ثم قال: وقيل: كالجادة، يعني: وقيل: اسم أبيه ثابت، فهو بدلاً من أن يقول: ثابت، قيل كالجادة؛ لأن ثابتاً اسم مشهور، يطلق عليه, أو على مثل هذا يقال له: الجادة.ولهذا فإن الإنسان إذا قرأ مثلاً في كتاب: تبصير المنتبه لـابن حجر أو غيره من الكتب التي تعنى بالمؤتلف والمختلف، والألفاظ التي تتفق في الرسم، عندما يأتي اسم يقول وهو كثير، أو يقول: وهو الجادة كذا، ثم يأتي بالألفاظ التي هي قليلة في الاستعمال، وهي على ذلك قريبة من ذلك الوزن؛ لأن الوزن في نابت، وثابت هو واحد، يعني: الرسم, إلا أن الفرق النقط، هذا فيه ثلاث نقط على الثاء، وهذا نون بدل الثاء، فثابت هذا مشهور الاسم، وهذا هو معنى الجادة، وهذا هو الذي يراد بالجادة، معناه: الكثير في الاستعمال المشهور، ونابت اسم قليل في الاستعمال، ونادر أن يسمى أحد (نابت) فيؤتى بعبارة الجادة.وحرمي بن عمارة هذا هو صدوق يهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا عند الترمذي، أي: خرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج له الترمذي.[حدثنا شعبة عن عمرو قال: سمعت يحيى بن جعدة , عن عبد الله بن عمرو القاري].وشعبة هو ابن الحجاج، وهنا اتفق الإسناد مع الإسناد الذي قبله.وهذان الشيخان وهما: هارون بن عبد الله، وعبيد الله بن سعيد في روايتهما نسبة عبد الله بن عمرو وأنه القاري؛ يعني: في إسنادهما جميعاً ذكر النسبة، وهي نسبة عبد الله بن عمرو حيث قالوا: القاري بالتشديد نسبة إلى القارة.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري، وفي بعض الكتب كثيراً ما يأتي الخطأ، بدل النجاري يقال: البخاري؛ لأن رسم النجاري والبخاري واحد، فيحصل التحريف، والتصحيف, فيقال بدل النجاري: البخاري، وهذا كل ما جاء كلمة الأنصاري، وبعدها النجاري، فيقال: البخاري فهو خطأ؛ لأن الأنصاري لقب عام، والنجاري اسم يطلق على جماعة من الأنصار، فهنا: أبو طلحة الأنصاري النجاري، في نسخة التقريب المصرية: الأنصاري البخاري؛ يعني: تصحيف عن النجاري، وهو من بني النجار، وهو صحابي مشهور بكنيته، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وله اثنان وتسعون حديثاً، اتفق البخاري، ومسلم منها على حديثين، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بحديث؛ أي: الأحاديث التي له في الصحيحين أربعة.

حديث أبي طلحة: (توضئوا مما أنضجت النار) من طريق أخرى وتراجم رجال إسناده

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هارون بن عبد الله قال: حدثنا حرمي بن عمارة حدثنا شعبة عن أبي بكر بن حفص عن ابن شهاب عن ابن أبي طلحة عن أبي طلحة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما أنضجت النار)].أورد النسائي حديث أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه من طريق أخرى، ويقول فيه: النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(توضئوا مما أنضجت النار)]، وهو كالذي قبله.قوله: [أخبرنا هارون بن عبد الله].هارون بن عبد الله هو أحد شيخي النسائي في الإسناد المتقدم.[حدثنا حرمي بن عمارة].وحرمي بن عمارة هو في الإسناد المتقدم.[حدثنا شعبة].وشعبة أيضاً متقدم.[عن أبي بكر بن حفص].هو عبد الله بن حفص بن عمر بن سعد بن أبي وقاص، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن ابن شهاب].هو الزهري الذي جاء ذكره كثيراً، وهو: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو أحد الثقات الأثبات، والأئمة الأجلة، وهو الذي قام بجمع السنة وتدوينها بتكليف من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله على الجميع، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي ذكروا في ترجمته رحمة الله عليه: أنه كان إذا دخل منزله عكف على كتبه، وعلى ما عنده من الحديث، فكانت زوجته تقول: والله لهذه الكتب أشد عليَّ من ثلاث ضرائر، معناه: أنه ينشغل بها كثيراً، وأنها أشد عليها من أن يكون له أربع زوجات هي إحداهن؛ لكثرة انشغاله بكتبه وبعلمه رحمة الله عليه.[عن ابن أبي طلحة].هو عبد الله بن أبي طلحة أخو أنس بن مالك لأمه، وهو الذي لما ولد أخذه أنس إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام فحنكه ودعا له، وهو ثقة، وحديثه عند مسلم, والنسائي.[عن أبي طلحة].هو زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النجاري الذي تقدم في الإسناد الذي قبل هذا.

شرح حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا محمد حدثنا الزبيدي أخبرني الزهري أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره أن خارجة بن زيد بن ثابت أخبره أن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (توضئوا مما مست النار)].فهذا الحديث من الأحاديث التي أوردها النسائي تحت باب: الوضوء مما غيرت النار. وهي أحاديث عديدة مر جملة منها في الدروس الثلاثة الماضية، وكلها تدل على الوضوء مما مست النار، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وقد ذكرت -فيما مضى-: أن هذا الحكم قد نسخ، وأن الأحاديث التي في الباب الذي بعده ناسخة له، وأن العمل على تلك الأحاديث المتأخرة، والتي فيها ما يدل على النسخ، ومنها حديث جابر رضي الله عنه: (كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار)؛ يعني: فيكون ترك الوضوء ناسخاً للوضوء.وقد ذكرت أنه يستثنى من ذلك لحم الإبل، سواء كان مطبوخاً أو مشوياً، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل: (أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئتم، وسئل عن الوضوء من لحم الإبل فقال: نعم توضئوا من لحوم الإبل)، فدل على أن الوضوء من لحم الإبل حكم باق، ولهذا الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه أورد الأحاديث المنسوخة التي فيها الوضوء مما مست النار، ثم الأحاديث التي فيها ترك الوضوء مما مست النار، ثم أورد الحديث المتعلق بالوضوء من لحم الإبل.والحديث الذي معنا حديث: زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (توضئوا مما مست النار)، وهو كغيره من الأحاديث المتقدمة عن أبي هريرة، وعن أبي أيوب، وعن أبي طلحة، وعن عدد من الصحابة رضوان الله عليهم أنهم رووا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديث الدالة على هذا المعنى، وهو الوضوء مما مست النار.

تراجم رجال إسناد حديث زيد بن ثابت: (توضئوا مما مست النار)

قوله: [أخبرنا هشام بن عبد الملك].هو ابن عمران الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه أبو داود , والنسائي , وابن ماجه ، أي: خرج له ثلاثة من أصحاب السنن الأربعة، ولم يخرج له البخاري، ومسلم، ولا الترمذي , وقد تقدم في أول هذا الباب ذكر هذا الرجل، وأنه جاء في إسناد حديث، وكذلك شيخه، وشيخ شيخه، فكلهم جاءوا في إسناد متقدم يروي بعضهم عن بعض.[حدثنا محمد].محمد هنا غير منسوب، وقد مر في الإسناد المتقدم وهو ذو الرقم (172)، قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، فهناك جاء بيان هذا المهمل، وهنا بقي على الإهمال؛ لأنه قد بين هذا المهمل قريباً في إسناد متقدم، وفي الإسناد الذي بعده قال: حدثنا ابن حرب؛ يعني: ذكر نسبته، ولم يذكر اسمه، وهو: محمد بن حرب، وفي الإسناد المتقدم قال: حدثنا محمد يعني: ابن حرب، هو مثل هذا, إلا أن فيه إضافة توضيح ممن دون تلميذه الذي هو: هشام بن عبد الملك شيخ النسائي وتلميذ هذا الشخص.إذاً: فذكر ابن فلان من النسائي ومن دونه، فهو أحياناً يأتي محمد, وأحياناً يأتي ابن حرب، وهو حمصي ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[حدثنا الزبيدي].هو محمد بن الوليد بن عامر الحمصي، وهو ثقة، وخرج حديثه الجماعة إلا الترمذي.وقد مر ذكره في الإسناد المتقدم الذي هو برقم: (172)، فالثلاثة الذين ورد ذكرهم هنا قد مر ذكرهم في ذلك الإسناد وهم: هشام بن عبد الملك، ومحمد بن حرب، ومحمد بن الوليد الزبيدي. والزبيدي هو من أثبت أصحاب الزهري.[أخبرني الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهور بالنسبة إلى جده شهاب، ومشهور بالنسبة إلى جده الزهري، فينسب إلى جده شهاب, فيقال: ابن شهاب، وينسب إلى جده زهرة بن كلاب, فيقال: الزهري، وزهرة بن كلاب أخو قصي بن كلاب، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في جده كلاب، فهو زهري نسبة إلى زهرة بن كلاب، وهو من الأئمة الأجلة والحفاظ من أهل الحديث والفقه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو الذي كلفه عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بجمع السنة، والذي قال فيه السيوطي:أول جامع الحديث والأثرابن شهاب آمر له عمرأي: عمر بن عبد العزيز الخليفة.[أن عبد الملك بن أبي بكر أخبره].هو عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، أبوه أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وابنه عبد الملك هذا ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أن خارجة بن زيد أخبره].هو خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري، أحد الفقهاء السبعة بلا خلاف، وهو محدث فقيه، جمع بين الفقه والحديث، وهو أحد الفقهاء المشهورين في المدينة الذين أطلق عليهم لقب: الفقهاء السبعة، وقد جُمعوا في بيتين ذكرهما ابن القيم، ولا أدري هل البيتان لـابن القيم أم لغيره، وهو قوله:إذا قيل من في العلم سبعة أبحرروايتهم ليست عن العلم خارجةفقل هم عبيد الله عروة قاسمسعيد أبو بكر سليمان خارجةفـخارجة هذا الأخير هو الذي معنا في الإسناد، وهو خارجة بن زيد بن ثابت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[زيد بن ثابت].هو زيد بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي جليل، وهو الذي أسند إليه أبو بكر جمع القرآن، وله اثنان وتسعون حديثاً اتفق البخاري, ومسلم على أربعة، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بحديث واحد، وأحاديثه اثنان وتسعون حديثاً.

شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا هشام بن عبد الملك حدثنا ابن حرب حدثنا الزبيدي عن الزهري أن أبا سلمة بن عبد الرحمن أخبره عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أنه أخبره أنه دخل على أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وهي خالته، فسقته سويقاً، ثم قالت له: توضأ يا بن أختي! فإن رسول الله صلى الله عليـه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي رحمه الله هذا الحديث بعد حديث زيد بن ثابت، وهو: عن أم حبيبة أم المؤمنين ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وعن أبيها وعن الصحابة أجمعين، دخل عليها ابن أختها أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن الأخنس، فسقته سويقاً، وقالت له: توضأ يا ابن أختي! فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار)، فأرشدته إلى الحكم، وهو: أن يتوضأ، وذكرت الدليل على ذلك، وهو: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (توضئوا مما مست النار).فإذاً: فهذا الحديث كغيره من الأحاديث المتقدمة التي فيها الوضوء مما مست النار، وهو حكم منسوخ كما ذكرت ذلك مراراً.

تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار)

أما إسناد الحديث فأربعة منهم رجال الإسناد الذي قبله، هشام بن عبد الملك الحمصي، وشيخه محمد بن حرب الحمصي، وكذلك شيخ شيخه محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي الحمصي، ثم الزهري.[عن أبي سلمة].هو ابن عبد الرحمن بن عوف، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال في السابع؛ لأن الأقوال في السابع ثلاثة: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين، فهؤلاء الثلاثة اختلف في عدهم أو عد كل واحد منهم السابع من الفقهاء السبعة، لأن الستة متفق على عدهم، والسابع مختلف فيه، هل هو: أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام؟ أو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف؟ أو سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ؟ وهو ثقة، وحديثه وعند أصحاب الكتب الستة، وقد مر ذكره مراراً وتكراراً.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس بن شريق أخبره].هو أبو سفيان بن سعيد بن المغيرة بن أخنس، قال عنه في التقريب: مقبول، ورمز لكونه من رجال أبي داود , والنسائي، يعني: ما خرج له الشيخان, ولا الترمذي, ولا ابن ماجه ، وإنما خرج له اثنان من أصحاب السنن الأربعة، وهما: أبو داود، والنسائي.[أنه دخل على أم حبيبة].يروي عن خالته وهي أم حبيبة، أم المؤمنين، ابنة أبي سفيان رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

شرح حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر حدثني بكر بن مضر عن جعفر بن ربيعة عن بكر بن سوادة عن محمد بن مسلم بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس أن أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت له وشرب سويقاً: (يا ابن أختي! توضأ، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)].أورد النسائي حديث أم حبيبة من طريق أخرى، والإسناد الذي أورده يتفق مع الذي قبله في آخره، أما أوله فهو يختلف، وأكثر هذا الإسناد من أوله جاء في (173) في أول الباب الذي معنا، والحديث متنه هو متن الحديث الذي قبله، أم حبيبة قالت لابن أختها -أبي سفيان بن سعيد- وقد شرب سويقاً: (توضأ يا ابن أختي! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: توضئوا مما مست النار)، فهو نفس الذي قبله.

تراجم رجال إسناد حديث أم حبيبة: (توضئوا مما مست النار) من طريق أخرى

قوله: [أخبرنا الربيع بن سليمان بن داود].الربيع بن سليمان، وهنا قال: ابن داود، وفي ذلك الحديث قال: الربيع بن سليمان فقط، فهنا جاء ذكر ابن داود، وابن داود قلنا -فيما مضى- أنه الجيزي المصري، وهو ثقة، خرج حديثه أبو داود، والنسائي، وذكرت -فيما مضى- أن النسائي له شيخان كل منهما يقال له: الربيع بن سليمان، أحدهما هذا، وهو: الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري، والثاني: الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي المصري صاحب الشافعي، فهو هنا الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المصري.[حدثنا إسحاق بن بكر بن مضر].وإسحاق بن بكر بن مضر صدوق، وحديثه عند مسلم، والنسائي. [حدثني بكر بن مضر].هو بكر بن مضر، وهو ثقة، وأخرج حديثه الجماعة إلا ابن ماجه.[عن جعفر بن ربيعة].هو ابن شرحبيل بن حسنة الكندي، وهو ثقة، وخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن بكر بن سوادة].هو بكر بن سوادة بن ثمامة، وقد مر ذكره، وهو ثقة، وخرج حديثه البخاري تعليقاً, ومسلم, وأصحاب السنن الأربعة.[عن محمد بن مسلم بن شهاب].وفي الإسناد المتقدم قال: محمد بن مسلم فقط، وهنا قال: محمد بن مسلم بن شهاب، وهو الزهري، الذي يأتي ذكره كثيراً، وأكثر ما يأتي ذكره بلفظين: ابن شهاب، أو الزهري، أما كونه يأتي باسمه محمد بن مسلم فهذا قليل، وهنا جاء ذكر اسمه، واسم أبيه، وجده ابن شهاب، وليس هو جده القريب, وإنما هو جد جده؛ لأنه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، فـشهاب جد عبيد الله، وعبيد الله هو جد محمد بن مسلم الأول، فهو جد جده، وقد نسب إلى جد من أجداده، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].هو ابن عبد الرحمن بن عوف الذي مر ذكره، وهو أحد الفقهاء السبعة على أحد الأقوال, وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبي سفيان بن سعيد بن الأخنس].وأبو سفيان بن سعيد هو الذي مر ذكره في الإسناد المتقدم.وأبو سلمة وأبو سفيان مر ذكرهما في الإسناد المتقدم، وهذا الذي هو أبو سفيان مقبول، وحديثه عند أبي داود, والنسائي.[أن أم حبيبة].وهي خالته أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضها.وهذا الإسناد رجاله أولاً: الربيع بن سليمان بن داود، ثم إسحاق بن بكر بن مضر، ثم بكر بن مضر، ثم جعفر بن ربيعة، ثم بكر بن سوادة، ثم الزهري، ثم أبو سلمة، ثم أبو سفيان، ثم أم حبيبة، تسعة أشخاص، فهو من أطول الأسانيد عند النسائي؛ لأن بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أشخاص، فهذا من أطول الأسانيد وليس أطولها، لأن النسائي عنده أسانيد عشارية؛ يعني: عشرة أشخاص بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن لم يمر بنا حتى الآن شيء يزيد على التساعيات التي منها هذا الحديث الذي معنا, والحديث الذي برقم: (173) الذي سبق أن مر ذكره قريباً، وهو الذي أكثر رجاله هم رجال هذا الإسناد، فذاك الإسناد وهذا الإسناد تساعيات، وهي متفقة في أول السند لكنها في أعلى السند تختلف.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 13-04-2019, 08:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(66)

- (تابع باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل) إلى (باب الفصل بين ماء الرجل وماء المرأة)

لقد ربط الشارع الحكيم وجوب الغسل على المحتلم بنزول المني؛ سواء كان المحتلم رجلاً أو امرأة، وفرق بين مني الرجل ومني المرأة في الأوصاف؛ فمني الرجل غليظ أبيض ومني المرأة رقيق أصفر، وأخبر أن شبه الولد يكون لسبق المني، فإذا سبق مني الرجل كان الشبه به، وإن سبق ماء المرأة كان الشبه بها.
تابع غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل

شرح حديث أم سلمة في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثالثة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب غسل المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.أخبرنا شعيب بن يوسف حدثنا يحيى عن هشام أخبرني أبي عن زينب بنت أم سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها: (أن امرأةً قالت: يا رسول الله! إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فضحكت أم سلمة، وقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ففيم يشبهها الولد)]. يقول النسائي رحمه الله: غسل المرأة إذا رأت في منامها ما يرى الرجل. هذه الترجمة سبق البدء بها في الحديث الماضي، وبقي من الأحاديث التي أوردها النسائي تحتها حديثان: أولهما: حديث أم المؤمنين أم سلمة رضي الله تعالى عنها وأرضاها: ( أن امرأةً قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يستحيي من الحق، فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: نعم، إذا هي رأت الماء، فضحكت أم سلمة، وقالت: أتحتلم المرأة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ففيم يكون الشبه ).هذا الحديث، حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها واضح في الدلالة على اغتسال المرأة إذا رأت في منامها أنها تجامع، وحصل منها الإنزال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قيد ذلك برؤية الماء، فقال: (نعم، إذا هي رأت الماء)، فدل هذا على أن الاغتسال من الجنابة التي سببها الاحتلام، وهي الجنابة الاضطرارية التي لا يملك الإنسان فيها شيئاً؛ الذي هو الاحتلام لازم، فإذا رؤي الماء بعد الاستيقاظ من النوم، والمراد بالماء: المني، فإن الغسل واجب، ولازم، ويفهم منه أنه إذا لم ير الماء، ولم يحصل ماء، ولا أثر للماء في الجسد والثوب، فإنه لا غسل؛ لأن الأمر منوط بوجود الماء ورؤيته.وفي هذا الحديث ما في الذي قبله من حرص الصحابيات على معرفة أمور دينهن، ولو كان ذلك في الأمور التي تستحي منها النساء، فإن الحياء لم يمنعهن من أن يتفقهن في دين الله عز وجل، بحيث تذكر المرأة ما يستحيا من ذكره، ولكن ذلك في سبيل معرفتها للحق، وفي سبيل معرفتها للحكم الشرعي الذي تتعبد الله تعالى به، فهو دال على حرص الصحابة والصحابيات على معرفة أمور الدين.وقد مهدت تلك المرأة لسؤالها بتمهيد، فقالت: (إن الله لا يستحي من الحق)، فهذا عذر مسبق لإقدامها على هذا السؤال الذي تستحي النساء غالباً من ذكره بحضرة الرجال، فقدمت بين يدي ذلك هذا التمهيد المشتمل على الاعتذار من كونها تسأل هذا السؤال، والحافز لها، والملجئ لها معرفة الحكم الشرعي؛ لتتعبد الله عز وجل به، ولتأخذ بما يأتي عن الشارع؛ عن الرسول صلى الله عليه وسلم، فكان جوابه عليه الصلاة والسلام لها بقوله: (نعم، إذا هي رأت الماء).فقوله: (إذا هي رأت الماء)، مع قوله: (نعم)، يعني: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ نعم؛ أي: عليها غسل، فكلمة (نعم) تعطي الجواب عن السؤال المسئول عنه، لكن لما كان الأمر مقيداً برؤية الماء، قال: (نعم، إذا هي رأت الماء)، فمنطوقه: أن وجوب الغسل من الجنابة التي حصلت عن طريق الاحتلام مقيد بحصول الماء الذي هو المني. فضحكت أم سلمة رضي الله تعالى عنها وقالت: (أو تحتلم المرأة؟)، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: (ففيم يكون الشبه؟)؛ يعني: إذا كان يشبه أخواله، ويشبه أمه، ويشبه أقاربه من أمه، فإن ذلك سببه؛ أنه مخلوق من مائها، كما أنه مخلوق من ماء الرجل، فهو مخلوق من الماءين، ومن أجل ذلك صار يشبه أخواله، أو يشبه أعمامه، وهذا الجواب الذي أجاب به النبي صلى الله عليه وسلم استفهام فيه تقرير وتوضيح، وبيان للإجابة على السؤال عنه؛ يعني: فكونه قال: نعم تحتلم المرأة، وفيم يكون الشبه؟ أتى بشيء مشاهد معاين، قرر به الجواب على هذا السؤال، فهو دليل واضح، وماثل للعيان؛ أي: الشبه الذي أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم، والشبه بالأم دليل على أن لها ماءً، يخرج منها مثلما يخرج من الرجل.

تراجم رجال إسناد حديث أم سلمة في غسل المرأة إذا رأت الماء من طريق ثالثة

قوله: [أخبرنا شعيب بن يوسف].هو شعيب بن يوسف النسائي، وهو ثقة، خرج له النسائي وحده، وهو من شيوخ النسائي، ومن أهل بلده؛ يعني: كل منهما ينسب إلى نساء.[حدثنا يحيى].ويحيى هو ابن سعيد القطان الإمام، المشهور، الحجة، الثقة، العارف بالجرح والتعديل، الذي ذكر عنه الذهبي أنه فيمن يعتمد قوله في الجرح والتعديل، وذكر عدداً كبيراً من العلماء ممن يعتمد على قولهم في الجرح والتعديل، ومنهم يحيى بن سعيد القطان وقال عنه: إذا اتفق يحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي على جرح رجل فهو لا يكاد يندمل جرحه؛ يعني: أنهما قد أصابا الهدف، فصار قولهما معتمداً لا يعدل عنه وهو من الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن هشام]. وهو هشام بن عروة بن الزبير بن العوام، وهو تابعي ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.[أخبرني أبي]. وأبوه هو عروة بن الزبير التابعي الجليل، أحد الفقهاء السبعة المشهورين في المدينة، وهو ثقة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن زينب بنت أم سلمة]. وهي زينب بنت أم سلمة ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم، وحديثها عند أصحاب الكتب الستة. [عن أم سلمة]. وهي أم سلمة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة.إذاً: فهذا الإسناد كل رواته خرج لهم أصحاب الكتب الستة إلا شيخ النسائي فلم يخرج له إلا النسائي، أما الباقون وهم: يحيى بن سعيد القطان، وهشام بن عروة، وعروة، وزينب بنت أم سلمة، وأم سلمة، فهؤلاء الخمسة حديثهم عند أصحاب الكتب الستة.وفي هذا الإسناد رواية صحابية عن صحابية؛ لأن زينب بنت أم سلمة صحابية، وفيه رواية بنت عن أمها؛ لأن زينب بنت أم سلمة تروي عن أمها أم سلمة. ورواية هشام بن عروة فيه رواية تابعي عن تابعي، ورواية ابن عن أب؛ لأن هشام وعروة تابعيان، وأم سلمة وبنتها صحابيتان.

شرح حديث خولة بنت حكيم في غسل المرأة إذا رأت الماء

قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا يوسف بن سعيد حدثنا حجاج عن شعبة قال: سمعت عطاء الخراساني عن سعيد بن المسيب عن خولة بنت حكيم رضي الله عنها أنها قالت: (سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء، فلتغتسل)].أورد النسائي حديث خولة بنت حكيم رضي الله عنها: (أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المرأة تحتلم في منامها؟ فقال: إذا رأت الماء، فلتغتسل)، وهو بمعنى الحديث الذي قبله؛ لأنه كله سؤال عن احتلام من المرأة أو من النساء، والجواب فيه الأمر بالاغتسال عند وجود الماء، وعند رؤية الماء الذي هو المني بعد الاستيقاظ، فهو دال على ما دل عليه الذي قبله. وفي هذا الحديث أن خولة هي التي سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وفي حديث مضى أن أم سليم سألت رسول الله عليه الصلاة والسلام، وفي بعض الروايات إبهام السائلة، ويمكن أن يكون إحدى هاتين المرأتين هي المقصودة في رواية في حالة الإبهام، ويحتمل أن يكون غيرهما، وجواب النبي صلى الله عليه وسلم فيهما أن الحكم هو الاغتسال عند رؤية الماء.

تراجم رجال إسناد حديث خولة بنت حكيم في غسل المرأة إذا رأت الماء

قوله: [أخبرنا يوسف بن سعيد].ويوسف بن سعيد هذا ثقة، وهو من شيوخ النسائي، خرج له النسائي وحده.[حدثنا حجاج]. وهو ابن محمد المصيصي، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة. [عن شعبة]. وهو شعبة بن الحجاج أحد الثقات، الأثبات، والذي وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من أمراء المؤمنين في الحديث، وهذا الوصف -كما ذكرت سابقاً- من أعلى صيغ التعديل، وأرفع صيغ التعديل؛ لأن التعديل له صيغ من أعلاها الوصف بأمير المؤمنين في الحديث، وكذلك قولهم: فلان أثبت الناس، وفلان إليه المنتهى في التثبت، فهذه تعتبر من أعلى الصيغ في التعديل، ويقابلها صيغ التجريح أن يقال: هو ركن الكذب، وما إلى ذلك من العبارات الدالة على شدة الجرح، وعلى عظمه. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [سمعت عطاء الخراساني]. وهو: عطاء بن أبي مسلم الخراساني، وأبوه اسمه: ميسرة، وهو صدوق، كثير الوهم، ويرسل ويدلس، وحديثه عند مسلم، وأصحاب السنن الأربعة. [عن سعيد بن المسيب]. وهو سعيد بن المسيب، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين يأتي ذكرهم كثيراً في أسانيد الأحاديث، وهو أحد الثقات، الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن خولة].وهي خولة بنت حكيم، وهي صحابية، مشهورة، روت عن الرسول صلى الله عليه وسلم خمسة عشر حديثاً، وقد روى لها مسلم حديثاً واحداً من هذه الخمسة عشر حديثاً، وخرج حديثها البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه ، ولم يخرج لها أبو داود، ولم يخرج لها البخاري في كتابه الصحيح.وهذا الإسناد كما هو معلوم وجد له طرق وشواهد، فلا يؤثر ذلك فيه، وإنما يؤثر فيما إذا كان الحديث لم يأت إلا من طريق واحد.
الذي يحتلم ولا يرى الماء

شرح حديث: (الماء من الماء)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الذي يحتلم ولا يرى الماء.أخبرنا عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عن عمرو عن عبد الرحمن بن السائب عن عبد الرحمن بن سعاد عن أبي أيوب رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الماء من الماء)].أورد النسائي رحمه الله هذه الترجمة وهي: الذي يحتلم ولا يرى ماءً؛ يعني: أن الذي يحتلم ولا يرى ماء فإنه ليس عليه الغسل؛ لأن الترجمة السابقة فيها الاغتسال عند حصول الاحتلام ورؤية الماء، وأن الاغتسال قيد برؤية الماء، وهنا الترجمة عندما يوجد احتلام، ولا يرى ماء، فإنه لا يكون عليه غسل، والذي يفهم من الأحاديث السابقة؛ وهو المحتلم عندما يرى ماءً مفهومه أن من احتلم، ولم ير ماءً أنه لا غسل عليه، وهذه الترجمة هي بهذا الموضوع، وقد أورد فيه حديث أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الماء من الماء)، و(الماء)، الذي هو الاغتسال، و(من الماء) الذي هو المني؛ لأن الماء الأول غير الماء الثاني، والأول سببه الثاني؛ يعني: سبب الماء الأول الذي هو الاغتسال الماء الثاني الذي هو الإنزال. إنزال الماء؛ الذي هو المني، فقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء من الماء) يدل على ما دل عليه الذي قبله أنه عند وجود الماء من الإنسان رجل أو امرأة -سواءً كان عن طريق جماع في اليقظة، أو عن طريق منام- فإنه لا بد من الاغتسال، وليس الأمر مقيداً بوجود الماء الذي هو المني في حال اليقظة، بل الأمر كما عرفنا سابقاً أنه عند التقاء الختانين يتعين الغسل، وإن لم يحصل إنزال، لكن إذا صار هناك مداعبة وملاعبة، ولم يكن هناك إيلاج، ولم يحصل التقاء الختانين، فإنه لا اغتسال إلا مع إنزال، وكذلك في المنام لا اغتسال إلا مع إنزال، ولكن في هذه الحالة التي دلت عليها الأحاديث السابقة، وهي (إذا جلس بين شعبها، ثم جهدها فقد وجب الغسل)؛ يعني: هذا يدل على أنه وإن لم يوجد إنزال.وقوله صلى الله عليه وسلم: (الماء من الماء) فيه نوع من البلاغة يقال له: الجناس، وهو اتفاق اللفظين ومعناهما مختلف؛ لأن هنا (الماء) اللفظ واحد، ولكن المعنى مختلف؛ فالماء الأول: هو الماء المعروف الذي يتطهر به، والماء الثاني: هو المني الذي هو سببُ الاغتسال، فهذا يسمى في علم البلاغة: جناس، مثل قوله تعالى: وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَة [الروم:55]، (الساعة) التي هي نهاية الدنيا (ما لبثوا غير ساعة)؛ يعني: في الدنيا ما لبثوا إلا ساعة من الزمان، فهذا يقال له: جناس. فإذاً: الحديث دال على ما ترجم له من جهة أنه إذا لم يوجد ماء في المنام فإنه لا غسل، ويدل عليه أيضاً التقييد في الأحاديث السابقة حيث قال: (نعم، إذا رأت الماء)، فكلمة: (إذا رأت الماء) معناه: إذا لم يوجد ماء فإنه لا غسل.

تراجم رجال إسناد حديث: (الماء من الماء)

قوله: [أخبرنا عبد الجبار بن العلاء]. عبد الجبار بن العلاء هذا سبق أن مر، وهو ثقة، قال الحافظ: لا بأس به. وخرج له مسلم، والنسائي، والترمذي.[عن سفيان]. هو: ابن عيينة، هنا مهمل، وليس مبهماً؛ لأن المبهم غير هذا، فالمبهم مثل أن يقال: رجل، وعن رجل، فهذا مبهم، ولكن إذا كان الشخص مذكوراً اسمه، ولكن لم يذكر نسبه، وهو يحتمل أشخاصاً، فيقال له: مهمل في علم المصطلح؛ يعني: مهمل النسبة، هنا جاء في الإسناد مهملاً، ولكنه جاء في سنن ابن ماجه مسمى، قال ابن ماجه: حدثنا سفيان بن عيينة فجاءت تسميته وتعيينه، ونسبته في سنن ابن ماجه ، فعرف أنه ابن عيينة، وأنه ليس الثوري. ومعلوم فيما مضى أن سفيان بن عيينة ثقة، إمام، حجة، عابد، وأنه ممن خرج له أصحاب الكتب الستة. [عن عمرو]. وهنا عمرو ولم ينسبه، فهو مهمل أيضاً، ولكنه نسب في سنن ابن ماجه ، وذكر اسمه واسم أبيه، وهو: عمرو بن دينار المكي، وهو ثقة، ثبت، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عبد الرحمن بن السائب]. و عبد الرحمن بن السائب يقال له: ابن السائب، ويقال: ابن السائبة، وقد خرج له النسائي، وابن ماجه، وهو مقبول كما قال الحافظ ابن حجر، وهذا الحديث هو الحديث الوحيد له في هذين الكتابين.[عن عبد الرحمن بن سعاد]. وكذلك شيخه عبد الرحمن بن سعاد أيضاً ليس له في الكتب إلا هذا الحديث الواحد. وعبد الرحمن بن السائب، وعبد الرحمن بن سعاد كل منهما قال عنه في التقريب: مقبول، وكل منهما خرج له النسائي، وابن ماجه .[عن أبي أيوب]. وهو أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهو صحابي جليل ممن تقدم إسلامه، وهو الذي نزل عنده الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة مهاجراً، نزل في دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه كما جاء ذلك مبيناً في صحيح مسلم وغيره.


يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 16-04-2019, 04:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,801
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح سنن النسائي - للشيخ : ( عبد المحسن العباد ) متجدد إن شاء الله

شرح سنن النسائي
- للشيخ : ( عبد المحسن العباد )
- كتاب الطهارة
(68)

- باب ذكر الأقراء
الأقراء في اللغة من الألفاظ المشتركة التي تطلق على الحيض وعلى الطهر، لكن الأحاديث تدل على أن المراد بالقرء هو الحيضة.
ذكر الأقراء

شرح حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا إسحاق بن بكر حدثني أبي عن يزيد بن عبد الله عن أبي بكر بن محمد عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (إن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وأنها استحيضت لا تطهر، فذكر شأنها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنها ليست بالحيضة، ولكنها ركضة من الرحم، فلتنظر قدر قرئها التي كانت تحيض لها، فلتترك الصلاة، ثم تنظر ما بعد ذلك، فلتغتسل عند كل صلاة)]. يقول النسائي رحمة الله عليه: ذكر الأقراء. والأقراء جمع قرء، والقرء: هو اسمٌ لمدة الطهر أو الحيض عند النساء؛ لأنه من الألفاظ التي تطلق على الأضداد، تطلق على الشيء وضده، على الطهر والدم، والنسائي رحمه الله، لما ذكر المستحاضة، وما جاء فيها من الأحاديث الدالة على أنها تترك الصلاة وقت مجيء الحيض لها، وأنها في الأوقات الزائدة على ذلك فأنها تصلي، وتؤدي ما كان يجب عليها، وأن الاستحاضة ليست كالحيض، وهي لا تمنع من الصلاة، ولا تمنع من قراءة القرآن، ولا من الجماع؛ لأن الحيض يخالف الاستحاضة، ولما كان ذكر الاستحاضة أتى بعدها ذكر القرء في الأحاديث، فعقد هذه الترجمة فقال: باب ذكر الأقراء؛ لأن الأحاديث المتعلقة بالاستحاضة جاء فيها ذكر الأقراء، ولهذه المناسبة عقد هذه الترجمة، فما هي الأقراء؟ الأقراء: جمع قرء، وكذلك يجمع على قروء، وقد جاء في القرآن: وَالْمُطَلَّقَا تُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [البقرة:228]، وفُسر القرء بأنه: الحيض، وفُسر بأنه: الطهر، وهو اسم لزمان الطهر، أو زمان الحيض، وعلى هذا فهو من الأضداد، يعني: يطلق اللفظ على الشيئين المتضادين، يطلق على الشيء وضده؛ والقرء من الأضداد يطلق على الطهر وعلى الحيض، وهما متقابلان ومتضادان، ومن ذلك: (عسعس)، فإنه بمعنى أقبل وأدبر، والإقبال والإدبار من الأضداد، وهناك ألفاظٌ كثيرة تأتي في اللغة يطلق اللفظ على الشيئين المتضادين، يطلق على الشيء وضده. والأحاديث التي أوردها النسائي هنا تدل على أن القرء يراد به الحيض، كل الأحاديث التي وردت في هذا الباب، في باب ذكر الأقراء، هي في أن القرء يراد به الحيض، وأول الأحاديث التي أوردها النسائي في هذا الباب حديث عائشة رضي الله عنها: في قصة أم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله عنها، وكانت تحت عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وأنها كانت تستحاض، فذكر شأنها لرسول الله عليه الصلاة والسلام، يعني: ذكر شأنها من أجل الاستفتاء، وفي استفتائه ماذا تصنع، وهل تمتنع من الصلاة في حال الاستحاضة كما هو شأنها في حال الحيض، أو أن الأمر يختلف؟ فأجاب رسول الله عليه الصلاة والسلام: (إن ذلك ليس بالحيضة، وإنما هي ركضة من الرحم)، يعني: تحصل في الرحم، وهي سيلان عرق فيه، يحصل معه جريان الدم باستمرار في وقت الحيض، وفي غير وقت الحيض، فبين عليه الصلاة والسلام بأن هذا عرقٌ يكون في الرحم، يسيل منه الدم بصفةٍ مستمرة، وأنها إذا جاء وقت القرء الذي هو الحيض، فإنها تمتنع من الصلاة، وإذا أدبر القرء الذي هو الحيض، فإنها تغتسل وتصلي. وفي هذه الرواية أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة، وقد ذكرت فيما مضى: أن بعض العلماء قال: إن ذكر الاغتسال لكل صلاة إنما هو من فعلها، وليس من أمر رسول الله عليه الصلاة والسلام، والأحاديث التي جاءت في الصحيحين ليس فيها ذكر هذه الزيادة، أنه أمرها بالاغتسال لكل صلاة، وإنما فيها أنه أمرها بالاغتسال عند انقضاء دم الحيض، وعند إدبار الحيضة، وأنها هي التي كانت تغتسل لكل صلاة باجتهادٍ منها، وبفعلٍ منها رضي الله تعالى عنها وأرضاها، لكن هذه الرواية التي معنا فيها أن اغتسالها لكل صلاة، إنما هو بأمر رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وذكرت فيما مضى: أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمنهم من رأى إيجاب ذلك عليها، ومنهم من رأى أن ذلك مستحب، لكن اغتسالها عند انقضاء العادة الذي هو دم الحيض، فهذا أمرٌ لا بد منه، وهو واجب، أي: اغتسالها من الحيض.إذاً: فالحديث الذي أورده النسائي هنا مشتمل على ما ترجم له النسائي من ذكر القرء، وأنه بمعنى الحيض، وهو أحد المعنيين اللذين يرد لهما لفظ القرء، وهما المعنيان المتضادان: الطهر والحيض، أو زمن الطهر وزمن الحيض.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها
قوله: [إسحاق بن بكر]. وهو إسحاق بن بكر بن مضر، وهو صدوق، فقيه، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي. [عن أبيه]. وهو بكر بن مضر، وهو ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، إلا ابن ماجه . [عن يزيد بن عبد الله]. وهو ابن الهاد، وهو ثقةٌ، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وقيل له: ابن الهاد؛ لأن جده لقب الهاد؛ لأنه كان يوقد النيران في الطريق حتى يهتدي المسافرون بها، وحتى يعرفوا الطريق بها، فقيل له: ابن الهاد.[عن أبي بكر بن محمد]. وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم المدني، وهو ثقةٌ، عابد، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة].وهي بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية، وهي ثقةٌ، خرج حديثها أصحاب الكتب الستة، وهي مكثرةٌ من الرواية عن أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها.[عن عائشة]. وعائشة أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق مر ذكرها مراراً، وهي الصحابية التي لم يرو أحدٌ من الصحابيات مثل ما روت من الحديث، وهي أحد السبعة من الصحابة المكثرين من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، الذين زادت أحاديثهم على ألف حديث، والذين سبق أن ذكرت مراراً أن السيوطي نظمهم في ألفيته فقال: والمكثرون في رواية الأثرأبو هريرة يليه ابن عمر وأنس والبحر كالخدريوجابر وزوجة النبيزوجة النبي المراد بها عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها.

شرح حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها من طريق أخرى
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن المثنى حدثنا سفيان عن الزهري عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها: (أن أم حبيبة بنت جحش كانت تستحاض سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ليست بالحيضة، إنما هو عرق، فأمرها أن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها، وتغتسل وتصلي، فكانت تغتسل عند كل صلاة)].ثم أورد النسائي حديث عائشة رضي الله عنها وأرضاها المتعلق أيضاً بـأم حبيبة بنت جحش أخت زينب بنت جحش أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهما، والمتعلق بسؤال النبي صلى الله عليه وسلم عن شأنها، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام أمرها بأن تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضها، والمراد بالحيض هو الأقراء، من عطف الشيء على مثله؛ لأن الحيض هو القرء هنا؛ لأنه قال: (تترك الصلاة قدر أقرائها وحيضتها)، فهو من عطف الشيء على مثله مع مغايرته بالمعنى؛ لأن القرء هنا بمعنى الحيض، فهي تترك الصلاة قدر الأقراء التي هي الحيض، ثم بعدما تدبر الأقراء التي هي الحيض وعندما تنتهي كل حيضة، فإنها تغتسل وتصلي كل الصلوات في حال استحاضتها؛ لأن الاستحاضة لا تمنع الصلاة، وإنما الذي يمنعها الحيض. والاستحاضة كما سبق أن ذكرت أنها مثل سلس البول، يعني: خروج نجاسة بصفةٍ مستمرة، لا يتمكن الإنسان من الخلاص منها، فلا يمنع ذلك من الصلاة، فهي تصلي على حسب حالها، كما أن الذي به سلس البول يصلي على حسب حاله، وإن كان يخرج منه البول بصفة مستمرة، فكذلك هذه تصلي ولو كان يخرج منها الدم، أي: دم الاستحاضة بصفةٍ مستمرة. المقصود من إيراد الحديث هو ذكر الأقراء وهي الحيض، فهو مطابق لما ترجم له المصنف.


تراجم رجال إسناد حديث عائشة في ذكر الأقراء وما يلزم المستحاضة فيها من طريق أخرى

قوله: [أخبرنا محمد بن المثنى].ومحمد بن المثنى هو العنزي الملقب بـالزمن، وقد مر ذكره كثيراً، وهو أحد الثقات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، وهو رفيق محمد بن بشار الملقب بندار الذي قال عنهما الحافظ في التقريب: وكانا كفرسي رهان؛ لأنهما ولدا في سنةٍ واحدة وماتا في سنة واحدة، واتفقا في الشيوخ والتلاميذ، وكونهما من بلدٍ واحد صار بينهما تشابهٌ وتماثل حتى قيل في وصفهما: إنهما كفرسي رهان.[عن سفيان].وسفيان يروي عن الزهري، والمراد بـسفيان هو ابن عيينة؛ لأنه إذا جاء ذكر سفيان يروي عن الزهري، فالمراد به سفيان بن عيينة؛ لأن الحافظ ابن حجر ذكر في الفتح بأن سفيان معروف بالرواية عن الزهري بخلاف الثوري، وقد قال أيضاً في موضع آخر من فتح الباري: بأن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وقد ذكرت فيما مضى: أن ابن عيينة مكثر من الرواية عن الزهري، بخلاف الثوري، فإنه مقل من الرواية عنه، وأن هذا الذي ذكرته مبني على ما ذكره ابن خلكان في وفيات الأعيان، لكن الذي ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح: بأن الثوري لا يروي عن الزهري إلا بواسطة، وأن الذي هو معروف بالرواية عن الزهري إنما هو سفيان بن عيينة. فعلى هذا، إذا جاء سفيان غير منسوب، وهو الذي يسمى المهمل في علم المصطلح يروي عن الزهري فإنه يحمل على أنه ابن عيينة، وليس على أنه الثوري؛ لأن القاعدة المعروفة عند المحدثين: أنه عندما يذكر شخص غير منسوب، وهو يحتمل شخصين، فإنه يحمل على من يكون أكثر ملازمة، ومن يكون له علاقة خاصة بذلك الذي يروي عنه؛ لأنه في الغالب إنما يهمل فيما إذا كان معروفاً بكثرة الرواية عنه، ثم أيضاً هو من بلده؛ لأن سفيان بن عيينة مكي، والزهري مدني، يعني: أن كلاً منهما من أهل الحجاز، فهما متقاربان مكة والمدينة، وأما سفيان الثوري فهو من أهل الكوفة، وهي في العراق. إذاً فعندما يأتي ذكر سفيان غير منسوب يروي عن الزهري، فإنه يحمل على سفيان بن عيينة، ولا يحمل على الثوري.وسفيان بن عيينة ثقة، ثبت، حجة، إمام، عابد، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن الزهري].هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب، وهو مشهورٌكما ذكرت سابقاً بالنسبة إلى جده زهرة بن كلاب فيقال له: الزهري، ومشهوراً أيضاً بالنسبة إلى أحد أجداده شهاب حيث يقال له: ابن شهاب، وأحياناً يأتي ذكره باسمه واسم أبيه، فيقال: محمد بن مسلم، وهذا قليلٌ في الاستعمال، وإنما الكثير في الاستعمال أحد هذين اللفظين، وهما ابن شهاب أو الزهري. وهو ثقة، فقيهٌ إمام، جليل، مكثر من رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو الذي جمع السنة بتكليفٍ من الخليفة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، وحديث الزهري عند أصحاب الكتب الستة.[عن عمرة عن عائشة]. وهي عمرة بنت عبد الرحمن وعائشة قد مر ذكرهما في الإسناد الذي قبل هذا.

شرح حديث فاطمة بنت أبي حبيش في شأن استحاضتها
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عيسى بن حماد حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله عن المنذر بن المغيرة عن عروة أن فاطمة بنت أبي حبيش حدثته: (أنها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشكت إليه الدم، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق، فانظري إذا أتاك قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء). هذا الدليل على أن الأقراء حيض. قال أبو عبد الرحمن: وقد روى هذا الحديث هشام بن عروة عن عروة، ولم يذكر فيه ما ذكر المنذر].هنا ذكر النسائي حديثاً آخر: وهو حديث قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وهو قيس بن المطلب، وهي أحياناً يقال لها: فاطمة بنت قيس، وأحياناً يقال: فاطمة بنت أبي حبيش، وتنسب أحياناً إلى أبيها باسمه، وأحياناً إلى أبيها بكنيته، وهي سواء جاءت بذكر نسبتها إلى أبيها باسمه، أو إلى كنيته؛ لأنها امرأة واحدة وليست امرأتين؛ لأن فاطمة بنت أبي حبيش وفاطمة بنت قيس هي بمعنى واحد؛ لأن أبا حبيش هو قيس، فإذا جاء مرة فاطمة بنت قيس، ومرة بنت أبي حبيش، فهي هي.وفيه: أنها استفتت الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال لها عليه الصلاة والسلام: (انظري إذا جاء قرؤك -أي: الحيض- فدعي الصلاة)، يعني: اتركي الصلاة في حال القرء، يعني: أن دم الاستحاضة مستمر، وأحياناً يأتي الحيض مع الاستحاضة، فهي في الوقت الذي يأتي الحيض هي تمتنع من الصلاة، فإذا أدبر قرؤها، أي: حيضتها، فإنها ترجع إلى الصلاة وتصلي ما بين القرء والقرء، يعني: من الحيضة إلى الحيضة، فالطهر الذي بين الحيضتين هو طهر، بمعنى أنه طهرٌ من الحيض، وإن كان دم الاستحاضة موجوداً، ما هناك طهر، يعني: سلامته من الدم، لكن هناك طهر من الحيض الذي تترك فيه الصلاة، وأما الباقي الذي هو بين القرأين الذي هو دم الحيض في المرة الأولى، والمرة التي بعدها، يعني: بين القرأين، أي: الحيضتين، فإنها تصلي ولا تترك الصلاة؛ لأن ذلك ليس بحيض، وإنما هو عرق الذي هو الاستحاضة. قال: وفي هذا دليل على أن القرء يراد به الحيضة، وأن الأقراء هي الحيض. ثم ذكر النسائي أن هشام بن عروة رواه عن عروة، ولم يذكر ما ذكره المنذر بن المغيرة الذي روى عن عروة، ثم أتى بهذا الاستنباط الذي هو ذكر أن القرء يراد به الحيض، هذه من المنذر الذي في الإسناد، المنذر بن المغيرة الذي يروي عن عروة بن الزبير.

تراجم رجال إسناد حديث فاطمة بنت أبي حبيش في شأن استحاضتها
قوله: [أخبرنا عيسى بن حماد].وعيسى بن حماد هو: ابن مسلم المصري، ولقبه زغبة، وهو ثقة، خرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي. وابن ماجه لم يخرج له ولا الترمذي.[الليث]. وهو الليث بن سعد المصري، الفقيه، المحدث، الثقة، الثبت، الذي خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن يزيد بن أبي حبيب]. يزيد بن أبي حبيب، هو أيضاً مصري، وهو ثقة، يرسل، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن بكير بن عبد الله]. هو بكير بن عبد الله بن الأشج، وهو أيضاً ثقة، خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.[عن المنذر بن المغيرة]. والمنذر بن المغيرة قال عنه في التقريب: إنه مدني، وإنه مقبول، وإن حديثه خرجه أبو داود، والنسائي.[عن عروة]. هو: عروة بن الزبير بن العوام، أحد الفقهاء السبعة في المدينة المشهورين الذين مر ذكرهم كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [عن فاطمة بنت أبي حبيش]. وفاطمة بنت أبي حبيش مر ذكرها، وهي: فاطمة بنت قيس، وهي صحابية مشهورة، لها هذا الحديث في الاستحاضة، وخرج حديثها أبو داود، والنسائي.

شرح حديث عائشة في شأن استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش
قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبدة ووكيع وأبو معاوية قالوا: حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إني امرأة استحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة، وإذا أدبرت، فاغسلي عنك الدم وصلي)].ثم أورد النسائي حديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش، وأنها جاءت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وقالت: (إني استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ قال: لا، إنما ذلك عرقٌ وليس بالحيضة، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي)، وليس فيه ذكر القرء، يعني: كما ترجم له المصنف، ولكن في الروايات التي قبله فيما يتعلق بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، فيه ذكر القرء، والمراد بالقرء هو الحيض؛ لأن القرء يأتي ويراد به الحيض، ويراد به الطهر، وهو هنا في هذا الباب يراد به الحيض.

تراجم رجال إسناد حديث عائشة في شأن استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش
قوله: [أخبرنا إسحاق بن إبراهيم].وهو ابن راهويه الحنظلي، وهو ثقة، محدث، فقيه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه؛ لأنه خرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه فإنه لم يخرج له شيئاً. قوله: [أخبرنا عبدة]عبدة هو ابن سليمان الكلابي، وقد مر ذكره قريباً، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[و وكيع].وهو ابن الجراح الرؤاسي، وهو ثقة، محدث، فقيه، وقد مر ذكره كثيراً، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة. [و أبو معاوية].وهو محمد بن خازم الضرير الكوفي، وهو ثقة ثبت، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[حدثنا هشام بن عروة]. و هشام هو ابن عروة بن الزبير، وهو أحد الثقات الأثبات، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.[عن أبيه]. وهو عروة بن الزبير، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مر ذكرهم كثيراً، وقد مر في الحديث الذي قبل هذا.[عن عائشة].وعائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها وأرضاها، وقد مر ذكرها في الأحاديث السابقة وفي غيرها.
الأسئلة

حكم التسول في المساجد
السؤال: ما حكم التسول في المساجد؟ وما حكم من يعطيهم وهو في المسجد؟ الجواب: التسول في المساجد الذي ينبغي للإنسان ألا يفعل هذا، لكن لا أعلم فيه ما يمنع منه، ولا شك أن الاستغناء عن السؤال والابتعاد عنه، وخاصة في المساجد هو الأولى، لكنني لا أعلم عن شيء يدل على المنع، والأصل هو الجواز، وإذا احتاج الإنسان وكان ممن تحل له المسألة فليسأل، وينبغي أن يكون ذلك في غير المساجد، لكن لا أعلم ما يدل على منعه، وعلى تحريمه.

حكم قراءة القرآن وإهدائها للأموات
السؤال: ما هي الأمور التي تصل ثوابها للميت؟ وهل قراءة القرآن، وإهداء ثوابها للميت ينفع الميت؟ الجواب: قراءة القرآن، وإهداء ثوابه للأموات لم يرد دليل يدل عليه من السنة عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، والذي ورد ذكره من انتفاع الأموات بسعي الأحياء هو الدعاء للأموات، فإنه ينفعهم، فدعاء الأحياء للأموات ينفعهم، وصدقة الأحياء للأموات تنفعهم، وقد جاءت بذلك السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكذلك الحج والعمرة تنفعهم؛ لأنه جاء ما يدل عليها، وكذلك الأضحية؛ لأنه جاء ما يدل عليها في العموم، والصوم إذا كان واجباً، وقد جاء ما يدل عليه، حيث قال عليه الصلاة والسلام: (من مات وعليه صيام، صام عنه وليه)، سواء كان ذلك الصيام صوم نذر أوجبه الإنسان على نفسه، أو واجب عليه بحكم الشرع، كصيام رمضان، هذا الذي أعلم أنه ورد في الأدلة ما يدل عليه، أما قراءة القرآن، وإهداء ثوابه للأموات فلم يرد ما يدل عليه، والذي ينبغي هو ألا يفعل، ومن أراد أن ينفع ميته بشيء، فلينفعه بما جاءت به السنة، وهي الأمور التي ذكرتها.
الواجب على من جامع زوجته الحائض
السؤال: إذا جامع الإنسان زوجته وهي حائض، فماذا عليه؟ وهل يتصدق بشيء؟ وهل الزوجة آثمة إذا لم تكن راضية؟ الجواب: لا يجوز للإنسان أن يطأ امرأته في فرجها في حال حيضها؛ لأن ذلك حرام، وإنما له أن يباشرها، ويفعل كل شيءٍ إلا الجماع في الفرج، ويبتعد عن فرجها حتى لا يقع في المحظور الذي جاء تحريمه في كتاب الله، وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، ومن حصل منه الجماع في الفرج وهي حائض، فإنه آثم؛ لأنه حصل منه المعصية والمخالفة، وعليه أن يتصدق بدينار، أو نصفه، وهي كفارة، وقد جاء بذلك حديثٌ عن رسول الله صلوات الله وسلامه وبركاته عليه. وأما قوله: هل الزوجة آثمة إذا لم تكن راضية؟ فالجواب: لا، إذا كانت مكرهة ولم تتمكن من منعه، فهي لا تأثم؛ لأنها مكرهة، لكن إذا كانت راضية وموافقة، فلا شك أنها آثمة.
حكم ثياب من به سلس البول
السؤال: ما حكم ملابس من به سلس البول؟ الجواب: من به سلس البول إذا أصاب ثيابه البول، فهي نجسة، وعلى الإنسان أن يغسل ثيابه، ولا يستعمل الثياب النجسة، لكن إذا تطهر وتوضأ وذهب للصلاة، أو صلى بعدما تطهر وحصل على ثيابه شيء، فإنه لا شيء عليه في ذلك، ولكن عليه كما عرفنا فيما مضى، أنه عندما يتوضأ يرش على فرجه شيئاً من الماء؛ حتى لا يكون هناك شيءٌ من الوسواس، أو شيء يشوش عليه، لكن كما هو معلوم الإنسان يغسل النجاسة عنه، ولكنه إذا توضأ وذهب للصلاة وحصل ذلك المستمر معه، فإنه يصلي على حسب حاله، والله تعالى يقول: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن:16]، وهو لا يستطيع أكثر من هذا.مداخلة: لكن هو ينزل منه بعض قطرات البول بعد الوضوء دائماً، وأحياناً لا تنزل شيء من ذلك؟ الشيخ: إذا كان بعد الاستنجاء، فعليه ألا يستعجل حتى يفرغ منه، وينزل هذا الذي كان بعد الاستنجاء، أما إذا كان بصفة مستمرة بعد الوضوء وفي الأوقات المختلفة، فهذا هو الذي ذكرته في الجواب السابق.
مدى شمولية النهي عن مس القرآن بحائل
السؤال: ورد النهي عن مس القرآن للحائض، فهل يشمل النهي من يحمل القرآن بحائل؟ الجواب: لا يشمله ذلك، يعني: حمل القرآن، فكون الإنسان يحمل القرآن وينقله من مكان إلى مكان، فإن ذلك لا يؤثر، وإنما الذي هو ممنوع هو كون الإنسان يقرأ ويفتش، أما كونه يمسه مثلاً بحائل أو بدون حائل فلا بأس بذلك.
مدى ثبوت مقولة: أن فاطمة رضي الله عنها كانت لا تحيض
السؤال: هل ثبت أن بنت النبي صلى الله عليه وسلم لا تحيض، ولذلك سميت بالزهراء؟الجواب : أبداً، ما ثبت أن فاطمة رضي الله عنها لا تحيض، وإنما شأنها شأن بنات آدم، ومن المعلوم أن التي تحمل هي التي تحيض، وهي تحمل وتلد، والتي هي آيسة وهي التي انقطع عنها الدم لا تحمل، وإنما الحمل يكون مع الحيض، وعلامة إمكانية الحمل هو وجود الحيض، فلم يأت شيء يدل على أنها لا تحيض، بل كونها تحمل يدل على أنها تحيض، والأصل أنها كغيرها، والرسول صلى الله عليه وسلم لما حاضت عائشة قال: (هذا شيءٌ كتبه الله على بنات آدم)، وهي من بنات آدم، ولم يأت شيء يخصها رضي الله عنها وأرضاها، لكن ورد في فضلها ما يكفي ويشفي، ورد أنها سيدة نساء أهل الجنة، وهذا شرف عظيم لها رضي الله عنها وأرضاها.
حكم الاستيطان في المكان الذي يصلى فيه
السؤال: ما الحكم فيمن يتخذ موضعاً معيناً يصلي فيه دائماً، سواءٌ كان ذلك في المسجد أو في بيته؟ الجواب: كون الإنسان يتخذ مكاناً يصلي فيه دائماً في بيته، فلا بأس بذلك، وكونه يخصص مكاناً للصلاة، فإن هذا معروف في زمنه عليه الصلاة والسلام، كانوا يتخذون أماكن في بيوتهم للصلاة، وقد كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم أن يأتي ويصلي بها لأول مرة ثم يتخذونها مصلى. وأما بالنسبة للمسجد، فلا يتخذ الإنسان مكاناً معيناً ثابتاً يصلي فيه إلا الإمام؛ لأن الإمام هو الذي يصلي في مكانه أمام الناس، أما اتخاذ أحد من المأمومين مكاناً لا يصلي فرضه إلا فيه، فهذا ورد فيه حديث يدل على المنع.
مدى جواز اتخاذ مكان للصلاة في البيت
السؤال: هل حديث الرجل الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي له في داره، وسأله النبي صلى الله عليه وسلم في أي موضعٍ من داره يريد أن يصلي له، وأشار إليه في موضعٍ من داره يدل على عدم كراهة ذلك؟الجواب: أما كونه في مكان من البيت فلا بأس أن يصلي الإنسان في مكانٍ معين، وقد كانوا يتخذون أماكن في بيوتهم للصلاة، وقلت: أنهم كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم، يعني: بعضهم كان يطلب منه أن يأتي ليصلي في هذا المكان، ويتخذه مصلى، مثل ما حصل لـعتبان بن مالك الأنصاري رضي الله تعالى عنه.
اصطفاف السني وأهل البدع من الرافضة في الصلاة
السؤال: بعض الرافضة يأتون ويصطفون بجانبنا في الصلاة، فماذا نفعل حينئذٍ؟ وهل يعتبرون أنهم في الصف أو لا؟ الجواب: على كلٍ، الإنسان إذا صلى بجواره مصل فلا يضره من يصلي بجواره، سواء كان من الرافضة أو من غير الرافضة، أقول: ليس عليه شيء في مجاورة الرافضي له أو غير الرافضي من أهل البدع.
معنى رواية: (إنما هي ركضة من الشيطان)
السؤال: جاء في بعض الروايات حديث أم حبيبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: (إنما هي ركضةٌ من الشيطان)، فما المراد من ذلك؟ الجواب: ما أدري ركضة من الشيطان هل هي ثابتة، المعروف هو ركضة من الرحم، هذا الذي مر في الحديث، أما من الشيطان فما أدري، ولعلها تأتي فيما يأتي من الأحاديث فنتعرض لها.
ما يعادل الدينار من دراهم
السؤال: كم يعادل الدينار درهم؟الجواب: الدينار يعادل اثنا عشر درهماً.

حكم تعليق رءوس الحيوانات المحنطة في مقدمة البيوت
السؤال: هل يجوز تعليق رأس الحيوان بآلة كهربائية في البيت مثل الغزال؟ يعني: بعض الناس يجعلون رءوس الحيوان أمام بيوتهم، فهل يجوز ذلك؟الجواب: أولاً: اتخاذ الحيوانات سواء كانت مصورة أو محنطة لا ينبغي، هذا ولو كانت محنطة؛ لأن هذا قد يؤدي إلى محظور في المستقبل، وأيضاً: قد يكون فيه اعتقاد أنه يدفع شيئاً، أو ما إلى ذلك، واعتقاده مثل هذا لا يسوغ؛ لأن الذي ينفع ويضر هو الله سبحانه وتعالى، ومثل وجود رأس يوضع أو حيوان محنط، يوضع ليدفع به شيئاً، أو يعتقد أنه يدفع شيئاً، لا يصح هذا ولا يسوغ، وترك ذلك والابتعاد عنه لا شك أنه هو الذي ينبغي أن يفعله المسلم، ولا ينبغي للإنسان أن يفعل ذلك، حتى ولو كان للزينة، فلا يصح مثل هذا بل يتخذ من الزينة غير هذه الصور الحقيقية، أو الأشياء الحقيقية المحنطة.

التردد على مسجد بلال للصلاة فيه والتبرك
السؤال: ما حكم من يتردد ويصلي في الغمامة ومسجد بلال بحجة التبرك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها؟ الجواب: أولاً لا يوجد مسجد باسم مسجد بلال، وإنما هذه مساجد تسمى بأسماء الصحابة، والصحابة ما لهم مساجد خاصة، وكيف يكون لهم مساجد قرب مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم يصلون بها، ويتركون الصلاة خلف رسول الله؟! وبنو سلمة يأتون من منازلهم، وهي في أطراف المدينة ليصلوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم، والصحابة يصلون رمية حجر في مساجد حول مسجده صلى الله عليه وسلم، هذا لا يصح ولا يليق، ومن ذهب ليصلي بها، ويترك الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه قد فاته صلاة بألف صلاة، ولا يحصل إلا على صلاة واحدة؛ لأنها هي كغيرها من المساجد، لكن كونه يصلي بها ويترك الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم مع قربه منه، فهذا لا شك أنه فوت على نفسه خيراً كثيراً. حتى في غير وقت الفريضة لا يشغل نفسه، فإذا كان عنده شيء من الوقت فليقضه في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم الذي هو خير، والذي الثواب فيه محقق، والذي فيه الأجر مضاعف، أما تلك فلم يرد فيها شيء.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 429.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 423.44 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.37%)]