|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 162الى صـــ 171 (478) ، وعمله في موضع البئر خاصة فكان ينبغي أن لا يستحق شيئا من الحريم ، ولكنا تركنا القياس بالنص فبقدر ما اتفقت عليه الآثار ثبت الاستحقاق ، وما زاد على ذلك مما اختلف فيه الأثر لا يثبت استحقاقه بالشك هذا أصل أبي حنيفة رحمه الله في مسائل الحريم ، ولهذا لم يجعل للنهر حريما ، وكذلك في غير هذا الموضع فإنه قال : لا يستحق الغازي لفرسه إلا سهما واحدا ; لأن استحقاقه ثبت بخلاف القياس بالنص فلا يثبت إلا القدر المتيقن به فأما حريم العين خمسمائة ذراع كما ورد به الحديث ; لأن الآثار اتفقت عليه . [ ص: 163 ] ولكن عند بعضهم الخمسمائة في الجوانب الأربعة من كل جانب مائة وخمسة وعشرون ذراعا والأصح أن له خمسمائة ذراع من كل جانب ، وقد ذكر أبو يوسف في الأمالي هذا مفسرا في بئر الناضح قال : يتقدر حريمه بستين ذراعا من كل جانب إلا أن يكون الرشا أطول من ذلك ، فهذا دليل على أن المذهب التقدير من كل جانب بما سمي من الذرعان ، ثم الاستحقاق من كل جانب في الموات من الأرض بما لا حق لأحد فيه . أما فيما هو حق الغير فلا حتى لو حفر إنسان بئرا ، فجاء آخر وحفر على منتهى حد حريمه بئرا ; فإنه لا يستحق الحريم من الجانب الذي هو حريم صاحب البئر الأول وإنما يستحقه من الجوانب الأخر فيما لا حق فيه ; لأن في ذلك الجانب الأول قد سبق إليه ، وقد ثبت استحقاقه كما قال عليه الصلاة والسلام { : منا مباح من سبق } فلا يكون لأحد أن يبطل عليه حقه ، ويشاركه فيه . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال أسفل النهر آمر على أهل أعلاه حتى يرووا . وفيه دليل أنه ليس لأهل الأعلى أن يسكروا النهر ويحبسوا الماء عن أهل الأسفل ; لأن حقهم جميعا ثابت فلا يكون لبعضهم أن يمنع حق الباقين ويختص بذلك . وفيه دليل على أنه إذا كان الماء في النهر حيث لا يجري في أرض كل واحد منهم إلا بالسكر ، فإنه يبدأ بأهل الأسفل حتى يرووا ، ثم بعد ذلك لأهل الأعلى أن يسكروا ليرتفع الماء إلى أراضيهم ، وهذا ; لأن في السكر إحداث شيء في وسط النهر المشترك ، ولا يجوز ذلك في حق جميع الشركاء ، وحق أهل الأسفل ثابت ما لم يرووا ، فكان لهم أن يمنعوا أهل الأعلى من السكر ، ولهذا سماهم آمرا ; لأن لهم أن يمنعوا أهل الأعلى من السكر ، وعليهم طاعتهم في ذلك ، ومن تلزمك طاعته فهو أميرك . بيانه في قوله عليه الصلاة والسلام { صاحب الدابة القطوف أمير على الراكب } ; لأنه يأمرهم بانتظاره ، وعليهم طاعته بحق الصحبة في السفر ، وفيه حكاية أبي يوسف رحمه الله حين ركب مع الخليفة يوما فتقدمه الخليفة لجودة دابته فناداه أيها القاضي الحق بي فقال أبو يوسف : إن دابتك إذا حركت طارت ، وإن دابتي إذا حركت قطفت ، وإذا تركت وقفت فانتظرني فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال { صاحب الدابة القطوف أمير على الراكب } فأمر بأن يحمل أبو يوسف رحمه الله على جنبة له وقال : أحمل إياك على هذا أهون من تأميرك علي . وعن محمد بن إسحاق يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم { قال : إذا بلغ الوادي الكعبين لم يكن لأهل الأعلى أن يحبسوه عن الأسفل } ، والمراد به الماء في الوادي والوادي اسم لموضع في أسفل الجبل ينحدر الماء من كل جانب من الجبل فيجتمع [ ص: 164 ] فيه ، ويجري إلى الموضع الذي ينتفع به الناس فقوله : إذا بلغ الوادي الكعبين ليس بتقدير لازم بالكعبين بل الإشارة إلى كثرة الماء ; لأن في موضع الوادي سعة ، فإذا بلغ الماء فيه هذا المقدار فهو كثير يتوصل كل واحد منهم إلى الانتفاع به بقدر حاجته عادة فإذا أراد أهل الأعلى أن يحبسوه عن أهل الأسفل فإنما قصدوا بذلك الإضرار بأهل الأسفل فكانوا متعنتين في ذلك لا منتفعين بالماء ، وإذا كان الماء دون ذلك فربما لا يفضل عن حاجة أهل الأعلى فهم منتفعون بهذا الحبس ، والماء الذي ينحدر من الجبل إلى الوادي على أصل الإباحة فمن يسبق إليه فهو أحق بالانتفاع به ، بمنزلة النزول في الموضع المباح . كل من سبق إلى موضع فهو أحق به ، ولكن ليس له أن يتعنت ، ويقصد الإضرار بالغير في منعه عما وراء موضع الحاجة ، فعند قلة الماء بدا أهل الأعلى أسبق إلى الماء فلهم أن يحبسوه عن أهل الأسفل . به { قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير بن العوام رضي الله عنه في حادثة معروفة } ، وعند كثرة الماء يتم انتفاع صاحب الأعلى من غير حبس فليس له أن يتعنت بحبسه عن أهل الأسفل . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { المسلمون شركاء في ثلاث في الماء والكلإ والنار } وفي الروايات : الناس شركاء في ثلاث ، وهذا أعم من الأول ففيه إثبات الشركة للناس كافة : المسلمين والكفار في هذه الأشياء الثلاثة ، وهو كذلك ، وتفسير هذه الشركة في المياه التي تجري في الأودية ، والأنهار العظام كجيحون وسيحون ، وفرات ، ودجلة ، ونيل فإن الانتفاع بها بمنزلة الانتفاع بالشمس ، والهواء ويستوي في ذلك المسلمون ، وغيرهم ، وليس لأحد أن يمنع أحدا من ذلك ، وهو بمنزلة الانتفاع بالطرق العامة من حيث التطرق فيها . ، ومرادهم من لفظة الشركة بين الناس بيان أصل الإباحة ، والمساواة بين الناس في الانتفاع لا أنه مملوك لهم فالماء في هذه الأودية ليس بملك لأحد . فأما ما يجري في نهر خاص لأهل قرية ففيه نوع شركة لغيرهم ، وهو حق السعة من حيث الشرب ، وسقي الدواب فإنهم لا يمنعون أحدا من ذلك ، ولكن هذه الشركة أخص من الأول فليس لغير أهل القرية أن يسقوا نخيلهم ، وزروعهم من هذا النهر ، وكذلك الماء في البئر فيه لغير صاحب البئر شركة لهذا القدر ، وهو السعة ، وكذلك الحوض فإن من جمع الماء في حوضه ، وكرمه ، فهو أخص بذلك الماء مع بقاء حق السقي فيه للناس ، حتى إذا أخذ إنسان من حوضه ماء للشرب فليس له أن يسترده منه ، وإذا أتى إلى باب كرمه ليأخذ الماء من حوضه للشرب فله أن يمنعه من أن يدخل كرمه ; لأن هذا ملك خاص له . ولكن إن كان يجد الماء قريبا [ ص: 165 ] من ذلك الموضع في غير ملك أحد يقول له : اذهب إلى ذلك الموضع ، وخذ حاجتك من الماء ; لأنه لا يتضرر بذلك ، وإن كان لا يجد ذلك فإما أن يخرج الماء إليه أو يمكنه من أن يدخل فيأخذ بقدر حاجته ; لأن له حق السعة في الماء الذي في حوضه عند الحاجة . فأما إذا أحرز الماء في جب أو جرة أو قربة فهو مملوك له حتى يجوز بيعه فيه ، وليس لأحد أن يأخذ شيئا منه إلا برضاه ، ولكن فيه شبهة الشركة من وجه ، ولهذا لا يجب القطع لسرقته ، وعلى هذا حكم الشركة في الكلإ في المواضع التي لا حق لأحد فيها بين الناس فيه شركة عامة ، فلا يكون لأحد أن يمنع أحدا من الانتفاع به . فأما ما نبت من الكلإ في أرضه مما لم ينبته أحد فهو مشترك بين الناس أيضا حتى إذا أخذه إنسان فليس لصاحب الأرض أن يسترده منه ، وإذا أراد أن يدخل أرضه ليأخذ ذلك فلصاحب الأرض أن يمنعه من الدخول في أرضه ، ولكن إن كان يجد ذلك في موضع آخر يأمره بالذهاب إلى ذلك الموضع ، وإن كان لا يجد ، وكان بحيث يخاف على ظهره ، فإما أن يخرج إليه مقدار حاجته أو يمكنه من أن يدخل أرضه فيأخذ مقدار حاجته . فأما ما أنبته صاحب الأرض بأن سقى أرضه ، وكربها لنبت الحشيش فيها لدوابه فهو أحق بذلك ، وليس لأحد أن ينتفع بشيء منه إلا برضاه ; لأنه حصل بكسبه ، والكسب للمكتسب ، وهذا الجواب فيما لم ينبته صاحب الأرض من الحشيش دون الأشجار ، فأما في الأشجار فهو أحق بالأشجار النابتة في أرضه من غيره ; لأن الأشجار تحرز عادة ، وقد صار محرزا له من يده الثابتة على أرضه ، فأما الحشيش فلا يحرز عادة . وتفسير الحشيش ما تيسر على الأرض مما ليس له ساق ، والشجر ما ينبت على ساق ، وبيان ذلك في قوله تعالى { والنجم والشجر يسجدان } والنجم ما ينجم فتيسر على الأرض ، والشجر ما له ساق . وبيان الشركة في النار أن من أوقد نارا في صخر لا حق لأحد فيه فلكل واحد أن ينتفع بناره من حيث الاصطلاء بها ، وتجفيف الثياب ، والعمل بضوئها ، فأما إذا أراد أن يأخذ من ذلك الجمر فليس له ذلك إذا منعه صاحب النار ; لأن ذلك حطب أو فحم قد أحرزه الذي أوقد النار ، وإنما الشركة التي أثبتها رسول الله صلى الله عليه وسلم في النار ، والنار جوهر الحر دون الحطب ، والفحم فإن أخذ شيئا يسيرا من ذلك الجمر نظر فإن كان ذلك ما له قيمة إذا جعله صاحبه فحما كان له أن يسترده منه ، وإن كان يسيرا لا قيمة له فليس له أن يسترده منه . وله منه أن يأخذه من غير استئذان ; لأن الناس لا يمنعون هذا القدر عادة ، والمانع يكون متعنتا لا منتفعا ، وقد بينا أن المتعنت ممنوع [ ص: 166 ] من التعنت شرعا . ، وعن عائشة رضي الله عنها قالت { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع بقع الماء } يعني المستنقع في الحوض ، وبه نأخذ فإن البيع تمليك فيستدعي محلا مملوكا ، والماء في الحوض ليس بمملوك لصاحب الحوض فلا يجوز بيعه فلظاهر الحديث لا يجوز بيع الشرب وحده ; لأن ما يجري في النهر الخاص ليس بمملوك للشركاء ، والبيع لا يسبق الملك ، وإنما الثابت للشركاء في النهر الخاص حق الاختصاص بالماء من حيث سقي النخيل ، والزرع ، ولصاحب المستنقع مثل ذلك ، وبيع الحق لا يجوز ، وعن الهيثم أن قوما ، وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا ، فسألوهم أن يعطوهم دلوا ، فأبوا أن يعطوهم فقالوا لهم : إن أعناقنا ، وأعناق مطايانا قد كادت تقطع ، فأبوا أن يعطوهم فذكروا ذلك لعمر رضي الله عنه فقال لهم عمر فهلا ، وضعتم فيهم السلاح . وفيه دليل أنهم إذا منعوهم ليستقوا الماء من البئر فلهم أن يقاتلوهم بالسلاح فإذا خافوا على أنفسهم أو على ظهورهم من العطش كان لهم في البئر حق السعة ، فإذا منعوا حقهم ، وقصدوا إتلافهم كان لهم أن يقاتلوهم عن أنفسهم ، وعن ظهورهم كما لو قصدوا قتلهم بالسلاح ، فأما إذا كان الماء محرزا في إناء فليس للذي يخاف الهلاك من العطش أن يقاتل صاحب الماء بالسلاح على المنع ، ولكن يأخذ منه فيقاتله على ذلك بغير سلاح ، وكذلك في الطعام ; لأنه ملك محرز لصاحبه ، ولهذا كان الآخذ ضامنا له فإذا جاز له أخذه لحاجته فالمانع يكون دافعا عن ماله . وقال عليه الصلاة والسلام { من قتل دون ماله فهو شهيد } فكيف يقاتل من إذا قتله كان شهيدا على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأما البئر مباح غير مملوك لصاحب البئر فلا يكون هو في المنع دافعا عن ملكه ، ولكنه مانع عن المضطر حقه فكان له أن يقاتله بالسلاح ، وللأول أن يقاتل بما دون السلاح ; لأن صاحب الماء مأمور بأن يدفع إليه بقدر ما يدفع به الضرورة عنه فهو في المنع مرتكب ما لا يحل فيؤدبه على ذلك بغير سلاح ، وليس مراد عمر رضي الله عنه المقاتلة بالسلاح على منع الدلو فإن الدلو كان ملكا لهم . ولو كان المراد ذلك فتأويل قوله فهلا وضعتم فيهم السلاح أي رهنتم عندهم ما معكم من السلاح ليطمئنوا إليكم فيعطونكم الدلو لا أن يكون المراد الأمر بالقتال . ، وعن عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم { قال : من أحيا أرضا ميتة فهي له وليس لعرق ظالم حق } ، وفيه دليل على أن الموات من الأراضي يملك بالإحياء . وأصح ما قيل في حد الموات أن يقف الرجل في طرف العمران فينادي بأعلى صوته فإلى أي موضع ينتهي صوته ، يكون من فناء العمران ; لأن سكان ذلك الموضع يحتاجون إلى ذلك [ ص: 167 ] لرعي المواشي ، وما أشبه ذلك ، وما وراء ذلك من الموات ثم عند أبي حنيفة رحمه الله إنما يملكها بالإحياء بعد إذن الإمام ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا حاجة فيه إلى إذن الإمام ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن في ذلك ، وملكها ممن أحياها أو ; لأنه لا حق لأحد فيها فكل من سبقت يده إليها ، وتم إحرازه لها فهو أحق بها كمن أخذ صيدا ، أو حطبا أو حشيشا أو وجد معدنا ، أو ركازا في موضع لا حق لأحد فيه وأبو حنيفة استدل بقوله عليه الصلاة والسلام { : ليس للمرء إلا ما طابت به نفس إمامه } ، وهذا وإن كان عاما فمن أصله : أن العام المتفق على قبوله يترجح على الخاص . وقال صلى الله عليه وسلم { إلا أن عادي الأرض هي لله ، ورسوله ثم هي لكم من بعد } فما كان مضافا إلى الله تعالى والرسول صلى الله عليه وسلم فالتدبير فيه إلى الإمام فلا يستبد أحد به بغير إذن الإمام كخمس الغنيمة فرسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أشار إلى أن هذه الأراضي كانت في يد المشركين ثم صارت في يد المسلمين بإيجاف الخيل فكان ذلك لهم من الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ، وما كان بهذه الصفة لم يختص أحد بشيء منه دون إذن الإمام كالغنائم . وقوله : صلى الله عليه وسلم { من أحيا أرضا ميتة } لبيان السبب ، وبه نقول إن سبب الملك بعد إذن الإمام هو الإحياء ، ولكن إذن الإمام شرط ، وليس في هذا اللفظ ما ينفي هذا الشرط بل في قوله عليه الصلاة والسلام { : وليس لعرق ظالم حق } إشارة إلى هذا الشرط فالإنسان على رأي الإمام ، والأخذ بطريق التغالب في معنى عرق ظالم ، وقيل معنى قوله : عليه الصلاة والسلام { وليس لعرق ظالم حق } أن الرجل إذا غرس أشجارا في ملكه فخرجت عروقها إلى أرض جاره ، أو خرجت أغصانها إلى أرض جاره فإنه لا يستحق ذلك الموضع من أرض جاره بتلك الأغصان والعروق الظالمة فالظلم عبارة عن تحصيل الشيء في غير موضعه قيل : المراد بعرق ظالم أن يتعدى في الإحياء ما وراء أحد الموات فيدخل في حق الغير ، ولا يستحق بذلك شيئا من حق الغير ، وعن عمر رضي الله عنه قال : من أحيا أرضا ميتة فهي له ، وليس بعد ثلاث سنين حق والمراد بالمحجر المعلم بعلامة في موضع ، واشتقاق الكلمة من الحجر ، وهو المنع فإن من أعلم في موضع من الموات علامة فكأنه منع الغير من إحياء ذلك الموضع فسمي فعله تحجيرا . وبيان ذلك أن الرجل إذا مر بموضع من الموات فقصد إحياء ذلك الموضع ، فوضع حول ذلك الموضع أحجارا أو حصد ما فيها من الحشيش ، والشوك ، وجعلها حول ذلك فمنع الداخل من الدخول فيها فهذا تحجير ، ولا يكون إحياء إنما الإحياء أن يجعلها صالحة للزراعة بأن [ ص: 168 ] كربها أو ضرب عليها المسناة أو شق لها نهرا ثم بعد التحجير له من المدة ثلاث سنين كما أشار إليه عمر رضي الله عنه ; لأنه يحتاج إلى أن يرجع إلى وطنه ، ويهيئ أسبابه ثم يرجع إلى ذلك الموضع فيحييه فيجعل له من المدة للرجوع إلى وطنه سنة ، وإصلاح أموره في وطنه سنة ، والرجوع إلى ذلك الموضع سنة فإلى ثلاث سنين لا ينبغي أن يشتغل بإحياء ذلك الموضع غيره ، ولكن ينتظره ليرجع ، وبعد مضي هذه المدة الظاهر أنه قد بدا له ، وأنه لا يريد الرجوع إليها فيجوز لغيره إحياؤها هذا من طريق الديانة فأما في الحكم إذا أحياها إنسان بإذن الإمام فهي له ; لأن بالتحجير لم تصر مملوكة للأول فسبب الملك هو الإحياء دون التحجير ، وعن طاوس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : إن عادي الأرض لله ، ورسوله فمن أحيا أرضا ميتة فهي له } ، والمراد الموات من الأراضي سماه عاديا على معنى أنها ما خربت على عهد عاد ، وفي العادات الظاهرة ما يوصف بطول مضي الزمان عليه ينسب إلى عاد فمعناه ما تقدم خرابه مما يعلم أنه لا حق لأحد فيه ، وعن أبي معسر عن أشياخه رفعوه إلى النبي صلى الله عليه وسلم { أنه قضى في السراج من ماء المطر إذا بلغ الماء الكعبين أن لا يحبسه إلا على جاره } قال أبو معسر السراج : السواقي ، وهي الجداول التي عند سفح الجبل يجتمع ماء السيل فيها ثم ينحدر منها إلى الوادي ، وقد بينا أن مراده من هذا اللفظ العبارة عن كثرة الماء . وعن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من أخذ شبرا من أرض بغير حق طوقه الله من سبع أرضين } قيل : معناه من تطوق في أرض الغير فالموضع الذي يضع عليه القدم بمنزلة شبر من الأرض ، وقيل معناه من نقص من المسناة في جانب أرضه بأن حول ذلك إلى أرض جاره فذلك قدر شبر من الأرض أخذه أو كان أرضه بجنب الطريق فجعل المسناة على الطريق لتتسع به أرضه فهو في معنى شبر من الأرض أخذه بغير حق ، وهو معنى الحديث الذي روي : لعن الله من غير منار الطريق . يعني العلامة بين الأرضين . وقيل : إنما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الشبر على طريق التمثيل للمبالغة في المنع من غصب الأراضي ، وليس المراد به التحقيق ثم في الحديث بيان عظم الماء ثم في غصب الأراضي ، وهو دليل أبي حنيفة رحمه الله في أنه لا ضمان على غاصب الأراضي في الدنيا ; لأن النبي عليه الصلاة والسلام بين جزاء الآخذ بالوعيد الذي ذكره في القيامة ، ولو كان حكم الضمان ثابتا لكان الأولى أن يبينه ; لأن الحاجة إلى معرفته أمس ثم جعل المذكور من الوعيد جميع جزائه فلو أوجبنا الضمان مع ذلك لم يكن الوعد جميع جزائه [ ص: 169 ] وللفقهاء في معنى مثل هذه الألفاظ طريقين أحدهما الحمل على حقيقته أنه يطوق ذلك الموضع في القيامة ليعرف به ما فعله ، ويكون ذلك عقوبة له كما قال عليه الصلاة والسلام { : لكل غادر لواء يوم القيامة يركز عند باب استه تعرف به غدرته } . والمراد به بيان شدة العقوبة لا حقيقة ما ذكر من أنه يطوق ذلك الموضع من الأرض يوم القيامة ، فقد قال الله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض } ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم { قال : لا تمنعوا الماء مخافة الكلإ } يريد به أن صاحب البئر إذا كان له مرعى حول بئره فلا ينبغي له أن يمنع من يستقي الماء من بئره لنفسه أو لظهوره مخافة أن يصيب ظهره من ذلك الكلإ ; لأن له في حق الشقة في ماء البئر فلا يمنعه حقه ، ولكن يحفظ جانب أرضه ، وما فيه من الكلإ حتى لا يدخل دابة المستقي في ذلك الموضع ، وإن شق عليه ذلك أخرج إليه من الماء مقدار حاجته ، وحاجة ظهره ، وعن نافع رفع حديثه إلى النبي صلى الله عليه وسلم { قال : لا تمنعوا أحدا ماء ولا كلأ ولا نارا فإنه متاع للمقوين وقوة للمستعينين } ، والمقوي هو الذي فني زاده ، والمستعين هو المضطر المحتاج . وقد بينا أن صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام أثبت بين الناس في هذه الأشياء الثلاثة شركة عامة بطريق الإباحة فلا ينبغي لأحد أن يمنع أحدا مما جعله الشرع حقا له . وإذا كان لرجل نهر أو بئر أو قناة فليس له أن يمنع ابن السبيل أن يسقي منها فيشرب ، ويسقي دابته ، وبعيره ، وشياهه فإن ذلك من الشقة ، والشقة عندنا الشرب لبني آدم ، والبهائم وهذا ; لأن الحاجة إلى الماء تتجدد في كل وقت ، ومن سافر لا يمكنه أن يستصحب الماء من وطنه لذهابه ورجوعه فيحتاج إلى أخذ الماء من الآبار ، والأنهار التي تكون على طريقه ، وفي المنع من ذلك حرج ، وكما يحتاج إلى ذلك لنفسه فكذلك يحتاج إليه لظهره ; لأنه في العادة يعجز عن السفر بغير مركب ، وكذلك يحتاج إلى ذلك للطبخ والخبز ، وغسل الثياب ، وأحد لا يمنع أحدا من ذلك . فإن كان له جدول يجري فيه الماء إلى أرضه ، وبجنب ذلك الموضع صاحب ماشية إذا شربت الماشية منها انقطع الماء لكثرة المواشي ، وقلة ماء الجدول فقد اختلف المتأخرون رحمهم الله في هذا الفصل منهم من يقول : هذا من الشقة ، وليس لصاحب الجدول أن يمنع ذلك ، وأكثرهم على أن له أن يمنع في مثل هذه الصورة ; لأن الشقة ما لا يضر بصاحب النهر والبئر فأما ما يضر به ، ويقطع حقه فله أن يمنع ذلك اعتبارا بسقي الأراضي ، والنخيل والشجر ، والزرع فله أن يمنع من يريد سقي نخله وشجره ، وزرعه من نهره أو قناته أو بئره [ ص: 170 ] أو عينه . وليس لأحد أن يفعل ذلك إلا بإذنه إما لأنه يريد أن يسوي نفسه بصاحب الحق فيما هو المقصود فالنهر والقناة إنما يشق لهذا المقصود ، وليس لغير المستحق أن يسوي نفسه بالمستحق فيما هو المقصود بخلاف الشقة ، فذلك بيع غير مقصود ; لأن النهر ، والقناة لا يشق في العادة لأجله أو لأنه يحتاج إلى أن يحفر نهرا من هذا النهر إلى أرضه فيكسر به ضفة النهر ، وليس له أن يكسر ضفة نهر الغير ، وكذلك في البئر يحتاج إلى أن يشق نهرا من رأس البئر إلى أرضه ، وما حول البئر حق صاحب البئر حريما له فليس لغيره أن يحدث فيه شيئا من ذلك بغير إذنه ، وكذلك إن كان يريد أن يجري ماؤه في هذا النهر مع صاحب النهر ليسقي به أرضه ; لأن النهر ملك خاص لأهل النهر فلا يجوز له أن ينتفع بملك الغير إلا بإذنه فإن كان قد اتخذ شجره أو خضرة في داره فأراد أن يسقي ذلك الموضع بحمل الماء إليه بالجرة فقد استقضى فيه بعض المتأخرين من أئمة بلخي رحمهم الله ، وقالوا ليس له ذلك إلا بإذن صاحب النهر ، والأصح أنه لا يمنع من هذا المقدار ; لأن الناس يتوسعون فيه ، والمنع منه يعد من الدناءة قال عليه الصلاة والسلام { أن الله يحب معالي الأمور ، ويبغض سفسافها } فإن أذن له صاحب النهر في سقي أرضه أو عادة ذلك الموضع فلا بأس بذلك ; لأن المنع كان لمراعاة حقه فإذا رضي به فقد زال المانع . وإن باعه شرب يوم أو أقل من ذلك أو أكثر لم يجز ; لأن ذلك الماء في النهر غير مملوك إنما هو حق صاحب النهر ، وبيع الحق لا يجوز ; ولأنه مجهول لا يدري مقدار ما يسلم له من الماء في المدة المذكورة ، وبيع المجهول لا يجوز ، وهو غرر فلا تدري أن الماء يجري في ذلك الوقت في النهر أو لا يجري ، وإذا انقطع الماء فليس للبائع تمكن إجرائه { ، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر } ، وكذلك لو استأجره ; لأنه يلتزم تسليم ما لا يقدر على تسليمه أو تسليم ما لا يعرف مقداره ثم المقصود من هذا الاستئجار الماء ، وهو عين ، والاستئجار المقصود لاستهلاك العين لا يجوز كاستئجار المرعى للراعي ، واستئجار البقرة لمنفعة اللبن بخلاف استئجار الظئر فإن لبن الآدمية في حكم المنفعة ; لأن منفعة كل عضو بحسب ما يليق به فمنفعة الثدي اللبن ، ولهذا لا يجوز بيع لبن الآدمية ; ولأن العقد هناك يرد على منفعة التربية ، واللبن آلة في ذلك بمنزلة الاستئجار على غسل الثياب فالحرض والصابون آلة في ذلك ، والاستئجار لعمل الصناعة فإن الصنع بمنزلة الآلة في ذلك فأما هنا لا مقصود في هذا الاستئجار سوى الماء ، وهو عين ، وكذلك لو شرط في إجارته أو شرابه شرب هذه الأرض ، وهذا الشجر ، وهذا [ ص: 171 ] الزرع أو قال حتى يكتفي فهذا كله باطل لمعنى الجهالة ، والغرر . وإذا اشترى الرجل شرب ماء ، ومعه أرض فهو جائز ; لأن الأرض عين مملوكة مقدورة التسليم فالعقد يرد عليها ، والشرب يستحق بيعا ، وقد يدخل في البيع بيع ما لا يجوز إفراده بالبيع كالأطراف من الحيوانات لا يجوز إفرادها بالبيع ثم يدخل بيعا في بيع الأصل ، وبعض المتأخرين من مشايخنا رحمهم الله أفتى أن يبيع الشرب ، وإن لم يكن معه أرض للعادة الظاهرة فيه في بعض البلدان ، وهذه عادة معروفة بنسف قالوا المأجور الاستصناع للتعامل ، وإن كان القياس يأباه فكذلك بيع الشرب بدون الأرض . وإذا استأجر أرضا مع شربها جاز كما يجوز الشراء ، وهذا ; لأن المقصود الانتفاع بالأرض من حيث الزراعة ، والغراسة ، وإنما يحصل هذا المقصود بالشرب فذكر الشرب مع الأرض في الاستئجار لتحقيق ما هو المقصود بالاستئجار فلا يفسد به العقد . وإذا اشترى الرجل أرضا لم يكن له شربها ، ولا مسك ما بها ; لأن العقد يتناول عين الأرض بذكر حدودها فما يكون خارجا من حدودها لا يدخل تحت العقد إلا بالتسمية ، والشرب والمسيل خارج من الحدود المذكورة فإن اشترط شربها فله الشرب ، وليس له المسيل ; لأن الشرب غير المسيل فالمسيل الموضع الذي يسيل فيه الماء ، والشرب الماء الذي يسيل في المسيل فباشتراط أحدهما لا يثبت له استحقاق الأجر ، وإنما يستحق المشروط خاصة ، ويجعل فيما لم يذكر كأنه لم يشترط شيئا . ولو اشترط مسيل الماء مع الشرب يستحق ذلك كله بالشرط ، ولو اشتراها بكل حق هو لها كان له المسيل ، والشرب ; لأنهما من حقوقها فالمقصود بالأراضي الانتفاع بها ، وإنما يتأتى ذلك بالمسيل ، والشرب فكانت من حقوقها كالطريق للدار ، وكذلك لو اشترط مرافقها ; لأن المرافق ما يترفق به فإنما يتأتى الترفق بالأرض بالشرب ، والمسيل ، وكذلك لو اشترط كل قليل ، وكثير هو فيها أو منها كان له الشرب ، والمسيل ; لأنه من القليل والكثير ثم المراد بقوله منها أي من حقوقها ، ولكنه حذف المضاف ، وأقام المضاف إليه مقامه ، ومثل هذا الحذف عرف أهل اللسان . وإذا استأجر أرضا فليس له مسيل ماء ، ولا شرب في القياس إذا أطلق العقد كما في الشراء فالمستأجر يستحق بالعقد بذكر الحدود كالمشتري فكما أن الشرب ، والمسيل الذي هو خارج عن الحدود المذكورة لا يستحق بالشراء فكذلك بالاستئجار ، ولكنه استحسن فجعل للمستأجر مسيل الماء ، والشرب هنا بخلاف الشراء ; لأن جواز الاستئجار باعتبار التمكن من الانتفاع . ( ألا ترى ) أن ما لا ينتفع به لا يجوز استئجاره كالمهر [ ص: 172 ] الصغير ، والأرض السبخة ، والانتفاع بالأرض لا يتأتى إلا بالشرب ، والمسيل فلو لم يدخلهما يفسخ العقد ، والمتعاقدان قصدا تصحيح العقد فكان هنا ذكر الشرب ، والمسيل بخلاف الشراء فموجبه ملك العين ( ألا ترى ) أن شراء ما لا يملك الانتفاع به جائز نحو الأرض السبخة ، والمهر الصغير فلا يدخل في الشراء ما وراء المسمى بذكر الحدود ، وفي الكتاب ذكر حرفا آخر فقال ; لأن الأرض لم تخرج من يد صاحبها يعني أن بعقد الإجارة لا يتملك المستأجر شيئا من العين ، وإنما يملك الانتفاع به في المدة المذكورة فلو أدخلنا الشرب ، والمسيل لم يتضرر صاحب الأرض بإزالة ملكه عنها ، وفي إدخالهما تصحيح العقد فأما البيع يزيل ملك العين عن البائع ففي إدخال الشرب ، والمسيل في البيع إزالة ملكه عما لم يظهر رضاه به ، وذلك لا يجوز ، وهذا نظير ما تقدم أن الثمار ، والزرع يدخل في رهن الأشجار ، والأرض من غير ذكر ، ولا يدخل في الهبة ، وإذا ثبت أن بدون الشرط يدخل الشرب ، والمسيل في الأشجار فمع الشرط أولى ، وكذلك إن شرط كل حق هو لها أو مرافقها أو كل قليل أو كثير ، هو فيها أو منها فعند ذكر هذه الألفاظ يدخل الشرب ، والمسيل في الشراء ففي الإجارة أولى . ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 172الى صـــ 181 (479) وإذا كان نهر بين قوم لهم عليه أرضون ، ولا يعرف كيف كان أصله بينهم فاختلفوا فيه ، واختصموا في الشرب فإن الشرب بينهم على قدر أراضيهم ; لأن المقصود بالشرب سقي الأراضي ، والحاجة إلى ذلك تختلف بقلة الأراضي ، وكثرتها فالظاهر أن حق كل واحد منهم من الشرب بقدر أرضه ، وقدر حاجته ، والبناء على الظاهر ، واجب حتى يتبين خلافه فإن قيل : فقد استووا في إثبات اليد على المال في النهر ، والمساواة في اليد توجب المساواة في الاستحقاق عند الاشتباه قلنا لا كذلك فاليد لا تثبت على الماء في النهر لأحد حقيقة ، وإنما ذلك الانتفاع بالماء . والظاهر أن انتفاع من له عشر قطاع لا يكون مثل انتفاع من له قطعة واحدة ثم الماء لا يمكن إحرازه بإثبات اليد عليه ، وإنما إحرازه بسقي الأراضي فإنما ثبت اليد عليه بحسب ذلك ، وهذا بخلاف الطريق إذا اختصم فيه الشركاء فإنهم يستوون في ملك رقبة الطريق ، ولا يعتبر في ذلك سعة الدار ، وضيقها ; لأن الطريق عين تثبت اليد عليه ، والمقصود التطرق فيه ، والتطرق فيه إلى الدار الواسعة ، وإلى الدار الضيقة بصفة واحدة بخلاف الشرب على ما ذكرنا فإن كان الأعلى لا يشرب حتى يسكر النهر على الأسفل ، ولكنه يشرب بحصته ; لأن في السكر قطع منفعة الماء عن أهل الأسفل في بعض المدة ، وليس لبعض الشركاء هذه الولاية في نصيب شركائه يوضحه أن في السكر [ ص: 173 ] إحداث شيء في وسط النهر ، ورقبة النهر مشتركة بينهم فليس لبعض الشركاء أن يحدث فيها شيئا بدون إذن الشركاء ، وربما ينكسر النهر بما يحدث فيها عند السكر فإن تراضوا على أن الأعلى يسكر النهر حتى تشرب حصته أجزت ذلك بينهم ; لأن المانع حقهم ، وقد انعدم بتراضيهم فإن اصطلحوا على أن يسكر كل واحد منهم في يومه أجزته أيضا فإن قسمة الماء في النهر تكون بالأجر تارة ، وبالأيام أخرى فإن تراضوا على القسمة بالأيام جاز لهم ذلك ، وهذا لحاجتهم إلى ذلك فقد يقل الماء في النهر بحيث لا يتمكن كل واحد منهم أن ينتفع بحصته من ذلك إلا بالسكر ، ولكنه إن تمكن من أن يسكر بلوح أو باب فليس له أن يسكر بالطين والتراب ; لأن به ينكسر النهر عادة ، وفيه إضرار بالشركاء إلا أن يظهروا التراضي على ذلك فإن اختلفوا لم يكن لأحد منهم أن يسكره على صاحبه . وإن أراد أحد منهم أن يكتري منه نهرا لم يكن له ذلك إلا برضاء من أصحابه ; لأن في كري النهر كسر ضفة النهر المشترك بقدر فوهة النهر الذي يكريه ، وفي الملك المشترك ليس لبعض الشركاء أن يفعل ذلك إلا برضاء أصحابه كما لو أراد هدم الحائط المشترك أو إحداث باب فيه ، وكذلك إن أراد أن ينصب عليه رحا لم يكن له ذلك إلا برضا من أصحابه ; لأن ما ينصب من الرحا إنما يضعه في ملك مشترك إلا أن تكون رحا لا تضر بالنهر ، ولا بالماء فيكون موضعها في أرض خاص له فإن كان هكذا فهو جائز يعني إذا لم يكن يغير الماء عن سنته . ولا يمنع جريان الماء بسبب الرحا بل يجري كما كان يجري قبل ذلك ، وإنما يضع الرحا في ملك خاص له فإذا كان بهذه الصفة فله أن يفعل ذلك بغير رضا الشركاء ; لأنه إنما يحدث ما يحدثه من الأبنية في خالص ملكه ، وبسبب الرحا لا ينتقص الماء بل ينتفع صاحب الرحا بالماء مع بقاء الماء على حاله فمن يمنعه عن ذلك يكون متعنتا قاصدا إلى الإضرار به لا دافعا الضرر عن نفسه فلا يلتفت إلى تعنته ، وإن أراد أن ينصب عليها دالية أو سانية ، وكان ذلك لا يضر بالنهر ، ولا بالشرب ، وكان بناء ذلك في ملكه خاصة كان له أن يفعل لما بينا أنه يتصرف في خالص ملكه ، ولا يلحق الضرر بغيره ، وإن أراد هؤلاء القوم أن يكروا هذا النهر فإن أبا حنيفة رحمه الله قال عليهم مؤنة الكراء من أعلاه فإذا جاوز أرض رجل دفع عنه ، وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله الكراء عليهم جميعا من أوله إلى آخره بحصص الشرب ، والأراضي ، وبيان ذلك أن الشركاء في النهر إذا كانوا عشرة فمؤنة الكراء من أول النهر على كل واحد منهم عشرة إلى أن يجاوز أرض أحدهم فحينئذ تكون مؤنة الكراء على الباقين اتساعا إلى أن يجاوز أرضا [ ص: 174 ] أخرى ثم يكون على الباقين أثمان على هذا التفصيل إلى آخر النهر وعندهما المؤنة عليهم اعتبارا من أول النهر إلى آخره ; لأن لصاحب الأعلى حقا في أسفل النهر ، وهو تسييل الفاضل عن حاجته من الماء فيه فإذا سد ذلك فاض الماء على أرضه فأفسد زرعه فبهذا تبين أن كل واحد منهم ينتفع بالنهر من أوله إلى آخر ، والدليل عليه أنه يستحق الشفعة بمثل هذا النهر ، وحق أهل الأعلى ، وأهل الأسفل في ذلك سواء فإذا استووا في الغنم يستوون في الغرم أيضا ، وهو مؤنة الكراء وأبو حنيفة رحمه الله يقول مؤنة الكراء على من ينتفع بالنهر بسقي الأرض منه . ( ألا ترى ) أنه ليس على صاحب الشقة من مؤنة الكراء شيء ، وإذا جاوز الكراء أرض رجل فليس له في كراء ما بقي منفعة سقي الأرض فلا يلزمه شيء من مؤنة الكراء ثم منفعته في أسفل النهر من حيث إجراء فضل الماء فيه ، وصاحب المسيل لا يلزمه شيء من عمارة ذلك الموضع باعتبار تسييل الماء فيه ( ألا ترى ) أن من له حق تسييل ماء سطحه على سطح جاره لا يلزمه شيء من عمارة سطح جاره بهذا الحق ثم هو يتمكن من دفع الضرر عن نفسه بدون كري أسفل النهر بأن يسد فوهة النهر من أعلاه إذا استغنى عن الماء فعرفنا أن الحاجة المعتبرة في التزام مؤنة الكراء الحاجة إلى سقي الأرض . فرع بعض مشايخنا رحمهم الله أن الكراء إذا انتهى إلى فوهة أرضه من النهر فليس عليه شيء من مؤنة بعد ذلك ، والأصح أن عليه مؤنة الكراء إلى أن يجاوز حد أرضه كما أشار إليه في الكتاب ; لأن له رأيا في اتحاد فوهة الأرض من أعلاها ، وأسفلها فهو منتفع بالكراء منفعة سقي الأرض ما لم يجاوز أرضه ، ويختلفون فيما إذا جاوز الكراء أرض رجل فسقط عنه مؤنة الكراء هل له أن يفتح الماء لسقي أرضه . منهم من يقول له ذلك ; لأن الكراء قد انتهى في حقه حين سقطت مؤنته ، ومنهم من يقول ليس له ذلك ما لم يفرغ شركاؤه من الكري كما ليس له أن يسكر على شركائه فيختص بالانتفاع بالمأذون شركاؤه ، ولأجل التحرز عن هذا الخلاف جرى الرسم بأن يوجد في الكراء من أسفل النهر أو يترك بعض النهر من أعلاه حتى يفرغ من أسفله قال ، وقال أبو حنيفة رحمه الله فيما أعلم ليس على أهل الشقة من الكراء شيء ; لأنهم لا يحصون فمؤنة الكراء لا تستحق على قوم لا يحصون ; ولأنهم لا يستحقون الشفعة لحق الشفعة ; ولأنهم أتباع ، والمؤنة على الأصول دون الأتباع . ( ألا ترى ) أن الدية في القتيل الموجود في المحلة على عاقلة أصحاب الحطة دون المشترين ، والسكان . قال : والمسلمون جميعا شركاء في الفرات ، وفي كل نهر عظيم أو واد يستقون منه ، ويسقون منه [ ص: 175 ] الشقة ، والخف ، والحافر ليس لأحد أن يمنع أحدا من ذلك ; لأن الانتفاع بمثل هذه الأنهار كالانتفاع بالطرق العامة فكما لا يمنع أحد أحدا من التطرق في الطريق العام فكذلك لا يمنعه من الانتفاع بهذا النهر العظيم ، وهذا ; لأن الماء في هذه الأنهار على أصل الإباحة ليس لأحد فيه حق على الخصوص فإن ذلك الموضع لا يدخل تحت قهر أحد ; لأن قهر الماء يمنع قهر غيره فالانتفاع به كالانتفاع بالشمس ، ولكل قوم شرب أرضهم ، ونخلهم ، وشجرهم ، لا يحبس عن أحد دون أحد ، وإن أراد رجل أن يكري منه نهرا في أرضه فإن كان ذلك يضر بالنهر الأعظم لم يكن له ذلك ، وإن كان لا يضر به فله ذلك بمنزلة من أراد الجلوس في الطريق فإن كان لم يضر بالمارة لم يمنع من ذلك ، وإن كان يضر بهم في المنع من التطرق يمنع من ذلك لكل واحد منعه من ذلك الإمام وغيره في ذلك سواء فكذلك في النهر الأعظم فإن كسر ضفة النهر الأعظم ربما يضر بالناس ضررا عاما من حيث إن الماء يفيض عليهم ، وقال عليه الصلاة والسلام { لا ضرر ، ولا ضرار } في الإسلام ، وعند خوف الضرر يمنع من ذلك لدفع الضرر ، وعلى السلطان كراء هذا النهر الأعظم إن احتاج إلى الكراء ; لأن ذلك من حاجة عامة المسلمين ، ومال بيت المال معد لذلك فإن مال المسلمين أعد للصرف إلى مصالحهم . ( ألا ترى ) أن مال القناطر ، والجسور ، والرباطات على الإمام من مال بيت المال فكذا كراء هذا النهر الأعظم ، وكذلك إصلاح مسناته إن خاف منه غرقا فإن لم يكن في بيت المال مال فله أن يجبر المسلمين على ذلك ، ويحرجهم ; لأن المنفعة فيه للعامة ففي تركه ضرر عام ، والإمام نصب ناظرا فيثبت له ولاية الإجبار فيما كان الضرر فيه عاما ; لأن العامة قل ما ينفقون على ذلك من غير إجبار ، وفي نظيره قال عمر رضي الله عنه لو تركتم لبعتم أولادكم ، وليس هذا النهر خاص لقوم ليس لأحد أن يدخل عليهم فيه ، ولهم أن يمنعوا من أراد أن يسقي من نهرهم أرضه ، وشجره ، وزرعه ; لأن ذلك شركة خاصة . ( ألا ترى ) أنهم يستحقون به الشفعة بخلاف الشركة في الوادي ، والأنهار العظام فإنه لا تستحق به الشفعة ثم في الشركة الخاصة التدبير في الكراء إليهم ، ومؤنة الكراء عليهم في مالهم ، وإن طلب بعض الشركاء فللإمام أن يجبر الباقين على ذلك لدفع الضرر فأما إذا اتفقوا على ترك الكراء ففي ظاهر الرواية لا يجبرهم الإمام على ذلك كما لو امتنعوا من عمارة أراضيهم ، ودورهم ، وقال بعض المتأخرين من أصحابنا رحمهم الله يجبرهم على ذلك لحق أصحاب الشقة في النهر . . قال أبو يوسف ، وسألت أبا حنيفة رحمه الله عن الرجل استأجر النهر يصيد فيه السمك أو استأجر جهة يصيد [ ص: 176 ] فيها السمك قال لا يجوز ; لأن المقصود بهذا الاستئجار ما هو عين ، وهو السمك ; ولأن السمك في النهر والأجمة على أصل الإباحة لا اختصاص به لصاحب النهر والأجمة ، فلا يكون له أن يأخذ العوض عنهم بطريق الإجارة ، والبيع ثم استئجار النهر لصيد السمك كاستئجار المقابض للاصطياد فيها ، وذلك كله من باب الغرر . ولو اشترى عشر نهر أو عشر قناة أو بئر أو عين ماء بأرضه جاز ; لأن الأرض أصلها مملوكة فقد اشترى جزءا مملوكا معلوما من عين مملوكة مقدور التسليم بخلاف ما لو اشترى الشرب بغير أرضه ، وهو بمنزلة ما لو باع عشر الطريق يجوز بخلاف ما لو باع حق التطرق فيه . ولو استأجر حوضا أو بركة أو بئرا يستقي منه الماء كل شهر بأجر مسمى لم يجز ; لأن المقصود الماء ، وهو عين لا يستحق إتلافه بالإجارة . نهر جار لرجل في أرض رجل فادعى كل واحد منهما المسناة ، ولا يعرف في يد من هي قال أبو حنيفة رحمه الله هي لرب الأرض يغرس فيها ما بدا له ، وليس له أن يهدمها ، وقال أبو يوسف ومحمد المسناة لصاحب النهر ، وأصل المسألة أن من حفر نهرا بإذن الإمام في موضع لا حق لأحد فيه عند أبي حنيفة لا يستحق له حريما وعندهما يستحق له حريما من الجانبين لملقى طينه ، والمشي عليه لإجراء الماء في النهر ، وحريم النهر عندهما بقدر عرض النهر حتى إذا كان قدر عرض النهر بقدر ثلاثة أذرع فله من الحريم بقدر ثلاثة أذرع من الجانبين جميعا ، وفي اختيار الطحاوي رحمه الله من كل جانب ذراع ، ونصف فيما نقل عنه الكرخي رحمه الله أنه يستحق من كل جانب بقدر عرض النهر عندهما فاستحقاق الحريم لأجل الحاجة ، وصاحب النهر محتاج إلى ذلك كصاحب البئر ، والعين ، ومتى كان المعنى في المنصوص عليه معلوما تعدى الحكم بذلك المعنى إلى الفرع ، وحاجة صاحب النهر إلى المشي على حافتي النهر ليجري الماء في النهر إذا احتبس بشيء وقع في النهر فإنه لا يمكنه أن يمشي في وسط النهر ، وكذلك يحتاج إلى موضع يلقي فيه الطين من الجانبين عند الكراء لما في النقل إلى أسفله من الحرج ما لا يخفى وأبو حنيفة رحمه الله يقول استحقاق الحريم ثابت بالنص بخلاف القياس فلا يلحق به ما ليس في معناه من كل ، وجه ، والنهر ليس في معنى البئر ، والعين ; لأن الحاجة إلى الحريم هناك متحققة في الحال ، وهنا الحاجة موهومة باعتبار الكراء ، وقد يحتاج إلى ذلك ، وقد لا يحتاج ثم هناك الانتفاع لا يتأتى بالبئر بدون الحريم ، وهنا يتأتى إلا في أن يلحقه ذلك بعض الحرج في نقل الطين أو المشي في ، وسط النهر فإذا لم يكن هذا في معنى المنصوص يؤخذ فيه بأصل القياس . ( ألا ترى ) أن من بنى قصرا في مغارة لا يستحق لذلك [ ص: 177 ] حريما ، وإن كان وقد يحتاج إلى ذلك لإلقاء الكناسة فيه ، وهذا ; لأن استحقاق الحريم لا يكون بدون التقدير فيه ، ونصب المقادير بالرأي لا يكون فإذا ثبت أن من أصلهما أن صاحب النهر يستحق الحريم قلنا عند المنازعة الظاهر شاهد له ، وعند أبي حنيفة لما كان لا يستحق للنهر حريما فالظاهر شاهد لصاحب الأرض ، وعلى سبيل الابتداء في هذه المسألة هما يقولان عند المنازعة القول قول ذي اليد ، وصاحب النهر مستعمل لحريم النهر لاستمساك الماء في النهر ، وإلقاء الطين عليه ، والاستعمال يدفعها فباعتبار أنه في يده جعل القول قوله كما لو اختصما في ثوب ، وأحدهما لابسه وأبو حنيفة يقول الحريم من جنس الأرض صالح لما تصلح له الأرض ، وليس من جنس النهر ، ومن حيث الانتفاع كما أن صاحب النهر يمسك الماء بالحريم في نهره فصاحب الأرض يدفع الماء بالحريم عن أرضه فقد استويا في استعمال الحريم ، ويترجح جانب صاحب الأرض من الوجه الذي قررنا فكان الظاهر شاهدا له فله أن يغرس فيه ما بدا له من الأشجار ، ولكن ليس له أن يهدمه ; لأن لصاحب النهر حق استمساك الماء في نهره فلا يكون لصاحب الأرض أن يبطل حقه بهدمه بمنزلة حائط لرجل ، ولآخر عليه جذوع لا يكون لصاحب الحائط أن يهدم الحائط ، وإن كان مملوكا له لمراعاة حق صاحب الجذوع . وإذا قال الرجل لرجل اسقني يوما من نهرك على أن أسقيك يوما من نهري الذي في مكان كذا لم يجز ; لأن معاوضة الماء بالماء لا تجوز وإن كان البدل معلوما لجهالة الشرب ومعنى الغرر فلأن لا تجوز معاوضة الشرب بالشرب ، ومعنى الغرر ، والجهالة فيه أظهر وأولى ، وكذا لو قال اسقني يوما نخدمك عبدي هذا شهرا أو برقبته أو بركوب دابتي هذه شهرا أو بركوبها كذا كذا يوما ، وما أشبه ذلك فهو كله باطل لمعنى الغرر ، والجهالة ، وعلى الذي أخذ العبد رده إن كان قائما بعينه ، وقيمته إن كان مستهلكا ، وإن كان شرط خدمته شهرا ، وقد استوفاها فعليه أجر المثل ; لأن خدمة العبد ، ورقبته محل للعقد فإذا استوفاه بحكم عقد فاسد كان عليه عوضه ، وليس له بما أخذ الآخر من شربه قيمة ، ولا عوض ; لأن الشرب ليس بمحل للعقد فلا يتناوله العقد فاسدا ، ولا جائزا ، وكل عقد لا جواز له بحال فهو كالإذن فكما أنه لو سقى أرضه بإذنه لم يكن عليه من عوض الماضي فكذا بحكم العقد الباطل فيه لا يتقوم فلا يلزمه شيء . وسئل أبو يوسف عن نهر مرو ، وهو نهر عظيم قريب من الفرات إذا دخل مرو كان ماؤه قسمة بين أهله بالحصص لكل قوم كوى معروفة فأخذ رجل أرضا كانت مواتا ، ولم يكن لها من ذلك [ ص: 178 ] النهر شرب ثم كرى لها نهرا من فوق مرو في موضع لا يملكه أحد فساق الماء إليها من ذلك النهر العظيم قال إن كان هذا النهر يضر بأهل مرو ضرارا بينا في مائهم فليس له ذلك ، ويمنعه السلطان منه ، وإن كان لا يضر بهم فله ذلك ، ولم يكن لهم أن يمنعوه ; لأن الماء في هذا الوادي على أصل الإباحة ، ولكل واحد من المسلمين حق الانتفاع به إذا كان لا يضر بغيره . وهذا ; لأنه ما لم يدخل في المقاسم لا يصير الحق فيه خالصا للشركاء ، ولهذا وضع المسألة فيما إذا كرى نهرا من فوق مرو فإذا كان لا يضر بهم فبصرفه لا يمس حقوقهم ، ولا يلحق الضرر بهم فلا يمنعوه من ذلك ، وإذا كان لا يضر بهم فكل أحد ممنوع من أن يلحق الضرر بغيره فكيف لا يمنع من إلحاق الضرر بالعامة ، والسلطان نائب عنهم في النظر لهم فيمنعه من ذلك لا بطريق أنه يختص به بل ; لأنه إلى تسكين الفتنة أقرب فأما لكل أحد أن يمنعه من ذلك ، والضرر يتوهم من ، وجهين أحدهما من حيث كسر ضفة الوادي ، والثاني أنه يكثر دخول الماء في هذا النهر ، وربما يتحول أكثر الماء إلى هذا الماء ليضر بأهل مرو ، وقيل له فإن كان رجل له كوى معروفة أله أن يزيد فيها قال إن كانت الكوى في النهر الأعظم فزاد في ملكه كوة أو كوتين ، ولا يضر ذلك بأهل النهر فله ذلك ; لأن الماء في النهر الأعظم لم يقع في المقاسم بعد فهو على أصل الإباحة كما كان قبل أن يدخل مرو فزيادة كوة أو كوتين في خالص ملكه لا يكون أقوى من سبق نهر ابتداء من هذا النهر الأعظم ، وهو غير ممنوع من ذلك كما بينا فهذا مثله . فإن كان نهر خاص لقوم فأخذ من هذا النهر الأعظم لكل رجل منهم في هذا النهر كوى مسماة لشربه لم يكن لأحد منهم أن يزيد كوة ، وإن كان لا يضر بأهل النهر الخاص ; لأن الماء في هذا النهر الخاص قد ، وقع في المقاسمة ، والشركة في هذا النهر شركة خاصة حتى يستحق فيها الشفعة ، وليس لبعض الشركاء أن يزيد فيما يستوفي على مقدار حقه سواء أضر ذلك بالشركاء أو لم يضر فزيادة كوة في فوهة أرضه يكون ليزداد فيه دخول الماء على مقدار حقه ، وهو كالشركاء في الطريق ليس لأحدهم أن يحدث فيه طريقا لدار لم يكن لها طريقا في هذه السكة الخاصة بفتح باب حادث فإن قيل : كيف يمنع من إحداث الكوة في لوح ، وهو خالص ملكه قلنا ; لأن الكوى منهم سبب لبيان مقدار كل واحد منهم فلو لم يمنع من ذلك لكان إذا تقادم العهد ادعى لنفسه زيادة حق ، واستدل بالكوى إن كان الماء يدخل في هذه الكوى في الحال فسبب المنع ظاهر فإن ما يدخل في هذه الكوى زيادة على حقه في النهر . وكان هذه المسائل [ ص: 179 ] سأل عنها إبراهيم بن رستم ، وأبو عصمة سعد بن معاذ المرويان أبا يوسف أو ابن المبارك رضي الله عنهم ثم فرع محمد رحمه الله على ذلك فقال فسألته هل لأحد من أهل هذا النهر الخاص أن يتخذ عليه رحا ماء يكري لها نهرا منه في أرضه يسيل فيه ماء النهر ثم يعيده إليه ، وذلك لا يضر بأهل الشرب قال ليس له ذلك ; لأنه من أعلاه إلى أسفله مشترك بينهم فليس لأحد منهم أن يحدث فيه حدثا ، ولا يتخذ عليه جسرا ، ولا قنطرة إلا برضاهم بمنزلة طريق خاص بين قوم ، والجسر اسم لما يوضع ، ويرفع مما يتخذ من الخشب ، والألواح . والقنطرة ما يتخذ من الآجر ، والحجر ، ويكون موضوعا ، ولا يرفع ، وكل ذلك يحدثه من يتخذه في ملك مشترك فلا يملكه إلا برضاهم سواء كان منهم أو من غيرهم ثم من يتخذه إذا كرى له نهرا منه ففيه كسر ضفة النهر ، وتغيير الماء عن سننه فلا بد أن ينتقص الماء منه فإنه إذا كان يجري على سننه لا يتبين فيه نقصان ، وإذا انفرج يتبين فيه النقصان ، وإن عاد إلى النهر ، وكذلك العين أو البركة يكون بين قوم فالشركة فيهما خاصة كما بينا . وسألته عن نهر بين رجلين له خمس كوى من هذا النهر الأعظم ، وأحد الرجلين أرضه في أعلى هذا النهر ، والآخر أرضه في أسفل هذا النهر فقال صاحب الأعلى أني أريد أن أشد بعض هذه الكوى ; لأن ماء النهر يكثر فيفيض في أرضي ، وأتأذى منه ، ولا يبلغك حتى يقل فيأتيك منه ما ينفعه قال ليس له ذلك ; لأنه يقصد الإضرار بشريكه ثم ضرر النزلاء يلحق صاحب الأعلى بفعل صاحب الأسفل بل تكون أرضه في أعلى النهر ، وبمقابلة هذا الضرر منفعة إذا قل الماء . ولو سد بعض الكوى يلحق صاحب الأسفل ضرر لنقصان صاحب الأعلى ، وهو ممنوع من ذلك كما لو أراد أن يسكر النهر ، وكذلك لو قال اجعل لي نصف هذا النهر ، ولك نصفه فإذا كان في حصة سددت منها ما بدا لي ، وأنت في حصتك تفتحها كلها فليس له ذلك ; لأن القسمة قد تمت بينهما مرة بالكوى فلا يكون لأحد أن يطالب بقسمة أخرى ، وفي القسمة الأولى الانتفاع بالماء لكل واحد منهما مستدام ، وفيما يطالب هذا به يكون انتفاع كل واحد منهما بالماء في بعض المدة ، وربما يضر ذلك بصاحب الأسفل فإن تراضيا على ذلك فلهما ما تراضيا عليه فإن أقاما على هذا التراضي زمانا ثم بدا لصاحب الأسفل أن ينقض فله ذلك ; لأن كل واحد منهما معير لصاحبه نصيبه من الشرب في نوبته من الشهر ، وللمعير أن يرجع متى شاء ، وكذلك لورثته بعد موته ; لأنهم خلفاؤه في ذلك ، وهذا ; لأنه لا يمكن أن يجعل ما تراضيا عليه مبادلة فإن بيع الشرب بالشرب ، وإجارة الشرب [ ص: 180 ] بالشرب باطل . وسألته عن نهر بين رجلين له أربع كوى فأضاف إليها رجل أجنبي كوتين في نهرهما برضاهما حتى إذا انتهى إلى أسفل النهر كرى منه نهرا إلى أرضه ثم بدا لأحدهما أن ينقضه بعد زمان أو بدا لورثته أو لبعضهم بعد موته نقضه فله ذلك ; لأنهم أعاروا الأجنبي النهر ليجري ماءه فيه إلى نهره خاصة فلهم أن يستردوا العارية متى شاءوا لكل واحد منهم ذلك في نصيبه . ( ألا ترى ) أن لأحدهم أن يأبى ذلك في الابتداء فله أن ينقضه أيضا في الانتهاء ، وهذا ; لأن رضا بعض الشركاء معتبر في حقه لا في حق بقية الشركاء . ( ألا ترى ) أن من أراد أن يتطرق في طريق مشترك شركة خاصة فيرضى به بعض الشركاء دون البعض لم يكن له أن يتطرق فيه ، وهذا ; لأنه لا يتصور انتفاعه بنصيب التراضي على الخصوص بل يكون انتفاعه بنصيب جميع الشركاء فليس له أن ينتفع بنصيب المانع إلا برضاه . ، وسألته عن نهر خاص من النهر الأعظم بين قوم لكل واحد منهم نهر منه فمنهم من يكون له كوتان ، ومنهم من يكون له ثلاث فقال صاحب الأسفل لصاحب الأعلى أنكم تأخذون أكثر من نصيبكم ; لأن دفقة الماء ، وكثرته ، وفي رواية ; لأن دفعة الماء ، وكثرته من أعلى النهر فدخل في كواكم شيء كثير ، ولا ماء هنا إلا ، وهو قليل غائر فنحن نريد أن ننقصكم بقدر ذلك ، ونجعل لكم أياما معلومة ، ونسد فيها كوانا ، ولنا أياما معلومة تسدون فيها كواكم قال ليس لهم ذلك ، ويترك على حاله كما كان قبل اليوم ; لأنها قسمت مرة فلا يكون لبعضهم أن يطالب بقسمة أخرى ثم الأصل إن ما وجد قديما فإنه يترك على حاله ، ولا يغير إلا بحجة ، وقد ذكرنا هذا في أول الوكالة في حديث عثمان رضي الله عنه حيث قال أرأيت هذا الضفير أكان على عهد عمر رضي الله عنه . ولو كان جور الماء تركه عمر رضي الله عنه . وكذلك إن قال أهل الأسفل نحن نريد أن نوسع رأس النهر ، ونزيد في كواه ، وقال أهل الأعلى إن فعلتم ذلك كثر الماء حتى يفيض في أرضنا ، وينز لم يكن لأهل الأسفل أن يحدثوا فيه شيئا لم يكن ; لأنهم يتصرفون فيما هو مشترك على ، وجه يضر ببعض الشركاء فيمنعون من ذلك ، وإن باع رجل منهم كوة له فيه كل يوم بشيء معلوم أو أجرة لم يجز ; لأنه غرر لا يعرف ، وهو ليس بملك ، وبيع مجرد الحق باطل . وسألته عن هذا النهر إذا خافوا أن ينبثق ، وأرادوا أن يحصنوه فامتنع بعضهم من الدخول معهم قال إن كان فيه ضرر عام أجبرتهم جميعا على تحصينه بالحصص ; لأن في ترك الإجبار هنا تهييج الفتنة ، وتسكين الفتنة لازم شرعا فلأجل التسكين يجبرهم الإمام على تحصينه بالحصص فإن لم يكن [ ص: 181 ] فيه ضرر عام أو أجبرهم عليه ، وأمرت كل إنسان أن يحصن نصيب نفسه يعني بطريق الفتوى ; لأن التدبير في الملك يكون إلى المالك فإذا لم يكن فيه ضرر عام كان له رأي في ذلك من التعجيل ، والتأجيل ، وربما لا يتمكن منه في كل ، وقت ، ولا يتفرغ لذلك بخلاف الكري فإن بعض الشركاء في هذا النهر الخاص إذا امتنع من الكري أجبر عليه إذا طلبه بعض الشركاء ; لأن ذلك شيء قد التزموه عادة فحاجة النهر إلى الكري في كل ، وقت معلوم بطريق العادة فالذي يأبى الكري يريد قطع منفعة الماء عن نفسه ، وشركائه ، وليس له ذلك فلهذا أجبر عليه فأما البثق فموهوم غير معلوم الوقوع عادة فإذا لم يكن فيه ضرر عام لا يجبر الممتنع من ذلك لحق موهوم لشريكه . وسألته عن رجل اتخذ في أرض له رحا ماء على هذا النهر الأعظم الذي للعامة مفتحه في أرضه ، ومصبه في أرضه لا يضر بأحد فأراد بعض جيرانه أن يمنعوه من ذلك قال ليس له أن يمنعه ; لأن تصرفه في خالص ملكه ، وشق نهر من هذا النهر الأعظم لمنفعة الرحا كشق نهر من هذا النهر الأعظم ليسقي به أرضا أحياها ، وقد بينا أنه لا يمنع من ذلك ; لأنه لم يدخل الماء في المقاسم بعد فهذا مثله . قال ، وسألته عن هذا النهر الأعظم إذا كانت عليه أرض لرجل خدها الماء فنقص الماء ، وجرز عن أرض فاتخذها هذا الرجل ، وجرها إلى أرضه قال ليس له ذلك ; لأن الأرض جرز عنها الماء من النهر الأعظم ، وهو حق العامة قد يحتاجون إليه إذا كثر الماء في النهر الأعظم أو تحول إلى هذا الجانب فليس له أن يجعلها لنفسه بأن يضمها إلى أرضه إذا كان ذلك يضر بالنهر ، ومنهم من يروي جرز ، وهو صحيح قال الله تعالى { أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } . وسألته فقلت بلغني أن الفرات بأرض الجزيرة يجرز عن أرض عظيمة فيتخذها الرجل مزرعة ، وهي في حد أرضه قال ليس له ذلك إذا كان يضر بالفرات ; لأن هذا حق عامة المسلمين ، وإن كان لا يضر بالفرات فله ذلك عندهما بغير إذن الإمام ، وعند أبي حنيفة رحمه الله إذن الإمام بمنزلة إحياء الموات قال ، وإذا حصنها من الماء فقد أحياها ; لأن هذه الأرض صالحة للزراعة ، وإن كان لا يتمكن من زراعتها لأجل الماء فإذا حصنها منه فقد أحياها فأما سائر الأراضي فبمجرد التحصين لا يتم الإحياء بل ذلك تحجر فإنها إنما تصير صالحة للزراعة إذا أحرق الحصائد فيها ، وبقي الحشيش منها ، وكربها فبذلك يتم إحياؤها . وسألته عن نهر بين قوم يأخذ من هذا النهر الأعظم له فيه كوى مسماة ، ولكل رجل منهم نهر من هذا النهر الخاص فأراد رجل أن يسد كوة له ، ويفتح كوة أعلى من تلك في ذلك النهر قال [ ص: 182 ] ليس له ذلك ; لأنه يكسر ضفة النهر المشترك ، ويريد أن يزيد في حقه ; لأن دخول الماء في أعلى النهر من كوة يكون أكثر من دخوله من أسفل النهر في مثل تلك الكوة ، وهذا بخلاف الطريق فمن يكون طريقه في أعلى السكة الخاصة إذا أراد أن يجعله في أسفل السكة لا يمنع منه ; لأن هذا هو بتصرفه لا يزيد في حقه فهو الذي يتطرق في ذلك الطريق سواء كان باب داره في أعلى السكة أو في أسفلها ثم هناك إنما يتصرف في حائط هو ملكه بفتح باب في أسفله . ![]()
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 182الى صـــ 191 (480) ( ألا ترى ) أنه لو أراد أن يفتح بابين أو ثلاثة أو يرفع جميع الحائط لم يمنعه أحد من ذلك بخلاف الكوى فإنه إن أراد أن يزيد كوة أخرى منع من ذلك فكذلك إن أراد أن يحولها من جانب إلى جانب . وسألته عن هذه الكوى لو أراد صاحبها أن يكريها فيسفلها عن موضعها ليكون أكثر لأخذها من الماء قال له ذلك ; لأنه بالكري يتصرف في خالص ملكه . ( ألا ترى ) أن له أن يكري جميع النهر فكذلك له أن يكري هذا الموضع قال رضي الله عنه ، وكان شيخنا الإمام رحمه الله يقول هذا إذا علم أنها في الأصل كانت مسفلة فارتفعت بانكباس ذلك الموضع من الماء فإنه بالكري يعيدها إلى الحالة الأولى ، وذلك حقه فأما إذا علم أنها كانت بهذه الصفة فأراد أن يسفلها منع من ذلك ; لأنه يريد أن يزيد على مقدار حقه من الماء ، وكذلك إن أراد أن يرفع الكوى ، وكانت متسفلة ليكون أقل للماء في أرضه فله ذلك ، وعلى ما قال شيخنا الإمام رحمه الله هذا إذا كان هو بالرفع يعيدها إلى ما كانت عليه في الأصل فأما إذا أراد أن يغيرها عما كانت عليه في الأصل فيمنع عنه ( قال الشيخ الإمام رحمه الله ) ، والأصح عندي أنه لا يمنع على كل حال ; لأن القسمة في الأصل باعتبار سعة الكوة ، وضيقها من غير اعتبار السفل ، والترفع هو العادة بين أهل مرو فإنما يمنع من يوسع الكوة ، ويضيقها ، ولا يمنع من أن يسفلها أو يرفعها ; لأنه ليس فيه تغيير ما ، وقعت القسمة عليه . وسألته عن نهر خاص لرجل من هذا النهر الخاص أراد أن يقنطر فيه ، ويستوثق منه قال له ذلك ; لأنه يتصرف في خالص ملكه ، وإن كان مقنطرا أو مستوثقا منه فأراد أن ينقص ذلك لعلة أو لغير علة فإن كان ذلك لا يزيد في أخذ الماء فله ذلك ; لأنه يرفع بناء هو خالص ملكه ، وإن كان يزيد في أخذه الماء منع منه لحق الشركاء فإن أراد أن يوسع فم النهر منع من ذلك ; لأنه بهذا التوسع يرفع ضفة النهر المشترك من الجانبين ، وهو ممنوع من ذلك ثم يزيد على هذا مقدار حصة في أصل الماء أما في الموضع الذي لا تكون القسمة بالكوى فغير مشكل أو في الموضع الذي تكون القسمة بالكوى إذا ، وسع [ ص: 183 ] فم النهر ، واحتبس الماء في ذلك الموضع فيدخل في كواه أكثر مما يدخل إذا لم يوسع فم النهر ، وكذلك إذاأراد أن يؤخر الكوى عن فم النهر فجعلها في أربعة أذرع من فم النهر إلى أسفله فليس له ذلك ; لأن الماء يحتبس في ذلك الموضع فيدخل في كواه أكثر مما يدخل إذا كانت الكوى في فم النهر . وسألته عن رجل مات ممن له هذا الشرب قال الشرب ميراث بين ، ورثته ; لأنهم خلفاؤه يقومون مقامه في أملاكه ، وحقوقه ، وقد تملك بالميراث ما لا يملك بسائر أسباب الملك كالقصاص ، والدين ، والخمر يملك بالإرث فكذلك الشرب ، وإن أوصى فيه بوصية جاز ; لأن الوصية أخت الميراث ثم ما امتنع البيع ، والهبة ، والصدقة في الشرب للغرور ، والجهالة أو لعدم الملك فيه في الحال ، والوصية بهذه الأسباب لا تبطل . ( ألا ترى ) أن الوصية بما يثمر نخيله العام يصح فكذلك الوصية بالشرب . ، وسألته عن أمير خراسان إذا جعل لرجل شربا في هذا النهر الأعظم ، وذلك الشرب لم يكن فيما مضى أو كان له شرب كوتين فزاد مثل ذلك ، وأقطعه إياه ، وجعل مفتحة في أرض يملكها الرجل أو في أرض لا يملكها قال إن كان ذلك يضر بالعامة لم يجز فإن كان لا يضر بهم فهو جائز إذا كان ذلك في غير ملك أحد ; لأن للسلطان ولاية النظر دون الإضرار بالعامة ففيما لا يضر بالعامة يكون هذا الإقطاع منه نظرا لمن أقطعه إياه ، وفيما يضر بهم يكون هذا الإقطاع إضرارا بالعامة ، وليس له ذلك يوضحه أن فيما يضر بهم لكل واحد منهم أن يمنع فالإمام في الإقطاع يكون مبطلا حقه ، وله ولاية استيفاء حق العامة لا ولاية الإبطال ، وفيما لا يضر بهم قد كان له أن يحدث ذلك بغير إقطاع من الإمام فبعد الإقطاع أولى ، وإذا أصفى أمير خراسان شرب رجل ، وأرضه ، وأقطعها لرجل آخر لم يجز ، ويرد إلى صاحبها الأول ، وإلى ، ورثته ، والمراد بالإصفاء الغصب ، ولكن حفظ لسانه ، ولم يذكر لفظ الغصب في أفعال السلاطين لما فيه من بعض الوحشة ، واختار لفظ الإصفاء ليكون أقرب إلى توقير السلطان ، وكان أبو حنيفة رحمه الله يوصي أصحابه بذلك فينبغي للمرء أن يكون مقبلا على شأنه حافظا للسانه موقرا لسلطانه ثم في هذا الفعل السلطان كغيره شرعا قال النبي صلى الله عليه وسلم { على اليد ما أخذت حتى ترد } ، وتمليك ملك غيره من غير المالك يكون لغوا فيجب رد ذلك على صاحبه إن كان حيا ، وعلى ، ورثته بعد موته ، وهكذا فيما حازه لنفسه من أملاك الناس . ( ألا ترى ) أن عمر بن عبد العزيز رحمه الله لما استخلف أمر برد أموال بيت المال على أربابها ; لأن من كان قبله من بني أمية كانوا أخذوها ظلما . وإذا تزوج الرجل المرأة على شرب بغير أرض [ ص: 184 ] فالنكاح جائز ، وليس لها من الشرب شيء ; لأن الشرب بدون الأرض لا يحتمل التمليك بعقد المعاوضة ; ولأنه ليس بمال متقوم ، ولهذا لا يضمن بالإتلاف بعقد ، ولا بغيره ثم هو مجهول جهالة متفاحشة فلا يصح تسميته ، ولكن بطلان التسمية لا يمنع جواز النكاح بمنزلة ترك التسمية فيكون لها مهر مثلها إن دخل بها ، والمتعة إن طلقها قبل الدخول بها . ولو أن امرأة اختلعت من زوجها على شرب بغير أرض كان باطلا ، ولا يكون له من الشرب شيء ، ولكن الخلع صحيح ، وعليها أن ترد المهر الذي أخذت ; لأنها أطمعت الزوج بهذه التسمية فيما هو مرغوب فيه فتكون غارة له بهذه التسمية ، والغرور في الخلع يلزمها رد ما قبضت كما لو اختلعت بما في بيتها من المتاع فإذا ليس في بيتها شيء ، والصلح في الدعوى على الشرب باطل ; لأن المصالح عليه مما لا يملك بشيء من المعقود ، وقد بينا أن ما لا يستحق بشيء من المعقود فالصلح عليه باطل ، وصاحب الدعوى على دعواه ، وحقه فإن كان قد شرب من ذلك الشرب مدة طويلة فلا ضمان عليه فيه ; لأن الشرب ليس بمحل للعقد أصلا فكان العقد فيه كالإذن المطلق فإن كان الصلح عليه من قصاص في نفس أو فيما دونه فالصلح باطل ، وجاز العفو ، وعلى القاطع الدية ، وأرش الجراحة ; لأن الصلح من القود على شرب نظير الخلع على معنى أن جهالة البدل ، وإن تفاحشت في كل واحد منهما فالخلع ، والصلح صحيح باعتبار أنه إسقاط ليس فيه تمليك إلا أن في الصلح على القود إذا لم يثبت المسمى ، وتمكن في التسمية معنى الغرور يجب رد الدية ، وفي الخلع يجب رد المقبوض ; لأن النفس تتقوم بالدية ، والبضع عند خروجه من ملك الزوج لا يتقوم فيجب رد المقبوض لدفع الضرر ، والغرور . ولو مات صاحب الشرب ، وعليه ديون لم يبع في دينه إلا أن يكون معه أرض فيباع مع أرضه ; لأن في حال حياته كان لا يجوز منه بيع الشرب بدون الأرض فكذا بعد موته ، وقد تكلم مشايخنا رحمهم الله في أن الإمام ماذا يصنع بهذا الشرب فمنهم من يقول يتخذ حوضا ، ويجمع فيه ذلك الماء في كل يومه ثم يبيع الماء الذي جمعه في الحوض بثمن معلوم - فيقضي به الدين . ( قال الشيخ الإمام الأجل ) رحمه الله ، والأصح عندي أنه ينظر صاحب أرض ليس له شرب فيضم ذلك الشرب إلى أرضه ، ويبيعها برضاه ثم ينظر إلى قيمة الأرض بدون الشرب ، ومع الشرب فيجعل تفاوت ما بينهما من الثمن مصروفا إلى قضاء دين الميت ، وما ، وراء ذلك لصاحب الأرض ، وإن لم يجد ذلك اشترى على تركة هذا الميت أرضا بغير شرب ثم ضم هذا الشرب إليها ، وباعها فيصرف الثمن إلى قضاء ثمن الأرض المشتراة ، وما يفضل [ ص: 185 ] من ذلك للغرماء ، وكذلك لو أوصى أن يباع من هذا الرجل أو يوهب له أو يتصدق عليه كان ذلك باطلا ; لأنه لو باعه بنفسه في حياته لم يجر فكذلك إذا أوصى أن يباع منه بعد موته قال إلا أن يكون معه أرض فيجوز من ثلثه يريد الهبة أو الصدقة أو المحاباة في البيع فإن ذلك يجوز من ثلثه . قال : وإن أوصى أن يسقي أرض فلان يوما أو شهرا أو سنة من شربه أجزت ذلك من ثلثه لما بينا أن الوصية بالشرب كالوصية بالغلة المجهولة ، وذلك ينفذ من ثلثه ، وإن مات الذي له الوصية بطلت ، وصيته في الشرب قال ، وهي بمنزلة الخدمة يعني إذا أوصى بخدمة عبده لإنسان فمات الموصى له بطلت الوصية ، وهذا ; لأن الشرب كالمنفعة إلا أنها مجهولة جهالة لا تقبل الإعلام ، والخدمة تقبل الإعلام ببيان المدة فيجوز استحقاقها بالإجارة إذا كانت معلومة فيجوز استحقاقها بالوصية من الثلث ، وإن لم يكن معلوما ببيان المدة فكذلك استحقاق الشرب بالوصية يجوز ، وإن كانت مجهولة ، ولكن الاستحقاق للموصى له باعتبار حاجته فيبطل بموته ; لأن الورثة يخلفونه فيما كان ملكا أو حقا متأكدا له ، وذلك غير موجود في الشرب كما في الخدمة فإن أوصى أن يتصدق بشربه على المساكين فهذا باطل ; لأن حاجة المساكين إلى الطعام دون الماء ، وإنما يحتاج إلى الشرب من له أرض ، وليس للمساكين ذلك ، ولا بدل للشرب حتى يصرف بدله إلى المساكين فإنه لا يحتمل البيع ، والإجارة فكان باطلا ، وكذلك لو قال في حياته : هو صدقة في المساكين إن فعلت كذا ففعله لم يلزمه شيء ; لأنه لا طريق لتنفيذ هذه الوصية في عين الشرب ، ولا في بدله إلا أن يكون معه أرض فحينئذ تصح ، وصيته ، ونذره فتنعقد - يمينه فإذا حنث يجب تنفيذه في التصدق بعينه أو بقيمته بعد البيع . ولو أوصى بأن يسقي مسكينا بعينه في حياته فذلك جائز فيه باعتبار عينه كما لو أوصى له - بعين بخلاف ما أوصى به في المساكين فتصحيح تلك الوصية باعتبار التقرب إلى الله تعالى يجعل شيء من ماله خالصا لله تعالى ليكون مصروفا إلى سد حاجة المحتاجين ، وذلك لا يتأتى في الشرب بدون الأرض . ولو باع الشرب بعبد ، وقبض العبد ، وأعتقه جاز عتقه ، ويضمن قيمته لأن العقد في العبد فاسد فإن شراء العبد من غير تسمية الثمن يكون فاسدا فكذلك عند تسمية الشرب ، والمشترى شراء فاسدا يملك بالقبض فينفذ العتق فيه ، وعلى المشتري ضمان القيمة ، وكذلك لو كانت أمة فوطئها فولدت منه كانت أم ولد ، وعليه قيمتها ، وعقرها ، وذكر هذه المسألة في موضع آخر من هذا الكتاب ، ولم يذكر العقد ، وهو الأصح ، وقد قال في البيوع في المشتراة [ ص: 186 ] شراء فاسدا ، وليس عليه عقر في ، وطئها ، وقد بينا في البيوع ، وجه الروايتين ، والتوفيق بينهما ، وكذلك لو أجره بعبد فأعتقه ; لأن البدل في الإجارة إذا كان عينا فهو كالمبيع فيصير مملوكا بالقبض ، وينفذ العتق فيه ، ويجب رد قيمته . ولو ادعى شربا في يدي رجل أنه بغير أرض فإنه ينبغي في القياس أن لا يقبل منه ذلك ; لأن شرط صحة الدعوى إعلام المدعي في الدعوى ، والشهادة ، والشرب مجهول جهالة لا تقبل الإعلام ، ولأنه يطلب من القاضي أن يقضي له بالملك في المدعى إذا أثبت دعواه بالبينة ، والشرب لا يحتمل التمليك بغير أرض فلا يسمع القاضي فيه الدعوى ، والخصومة . كالخمر في حق المسلمين ، ولكن في الاستحسان يقبل ببينة ، ويقضي له به ; لأن الشرب مرغوب فيه ، ومنتفع به ، وقد يكون الاستحقاق فيه للإنسان منفردا عن الأرض بالميراث ، والوصية ، وقد يبيع الأرض بدون الشرب فيبقى له الشرب ، وحده فإذا استولى عليه غيره كان له أن يدفع الظلم عن نفسه بإثبات حقه بالبينة ثم القاضي لا يملكه بالقضاء شيئا ابتداء ، ولهذا لا ينفذ قضاؤه باطنا في الأملاك المرسلة ، وإنما يظفر بقضاء حقه أو ملكه ، والشرب يحتمل ذلك . ( ألا ترى ) أنه يقضي له بالدين بالحجة ، والدين في ذمة الغير لا يحتمل التمليك ابتداء . وإذا كانت لرجل أرض ، ولرجل فيها نهر يجري فأراد رب الأرض أن لا يجري النهر في أرضه لم يكن له ذلك بل يترك على حاله ; لأنه وجد كذلك ; لأن موضع النهر في يد صاحب النهر ; لأنه مستعمل له بإجراء مائه فيه فعند الاختلاف القول قوله في أنه ملكه فإن لم يكن في يده ، ولم يكن جاريا سألته البينة على أن هذا النهر له فإن جاء ببينة قضيت به له لإثباته حق نفسه بالحجة ، وإن لم يكن له بينة على أصل النهر ، وجاء ببينة أنه كان مجراه في هذا النهر يسوقه إلى أرضه حتى يسقيها منه أجزت ذلك ; لأنهم شهدوا له بحق مستحق في النهر ، وهو المجرى ، وقد بينا نظائر هذا في الطريق ، والمسيل ، وبينا أن الجهالة هناك لا تمنع قبول الشهادة فكذا المجرى هنا ، وكذلك المصب إذا كان نهره ذلك يصب في أرض أخرى فمنعه صاحب الأرض السفلى المجرى ، وأقام بينة على أصل النهر أنه له ، وأقام البينة على أن له فيه مصبا أجزت ذلك ; لأن المصب كالمسيل ، ولو أقام البينة أن له مسيل ماء على سطح جاره كانت البينة مقبولة فهذا مثله . ولو سقى الرجل أرضه أو شجرها أو ملأها ماء فسال من مائها في أرض رجل فغرقها لم يكن عليه ضمانها لأنه في هذا التسبيب غير متعد بل هو متصرف في ملك نفسه ، وللإنسان أن يتصرف في ملك نفسه مطلقا ، والمتسبب إذا لم يكن متعديا في تسببه لا يكون ضامنا كحافر البئر ، وواضع الحجر في [ ص: 187 ] ملكه ، وهو نظير ما لو أوقد النار في أرضه فوقع الحريق بسبب ذلك فإنه لا يكون ضامنا لكونه متصرفا في خالص ملكه ، وكذلك لو نزت أرض جاره من هذا الماء . ولو اجتمع في هذا الماء سمك فصاده رجل كان للصياد لقوله عليه الصلاة والسلام { الصيد لمن أخذه } ، وهو نظير ما لو اصطاد من أرض رجل ظبيا فإنه يكون له دون صاحب الأرض ، وإن كان لصاحب الأرض أن يمنعه من الدخول في أرضه . وإذا كانت لرجل أرض فيها مراعي فأجر مراعيها أو باعها كل سنة بشيء مسمى ترعى فيها غنم مسماة فإن ذلك لا يجوز ; لأن المقصود هو الكلأ ، وهو على أصل شركة الإباحة لا اختصاص لصاحب المرعى به ثم هذا استئجار المقصود به استهلاك العين ، وشراء ما هو مجهول لا يعرف فيكون باطلا كبيع الشرب ، وإجارته . ولو أخذ صاحب الأرض شيئا من هذا فأحرزه ثم باعه كان جائزا بمنزلة الماء الذي أحرزه في الأواني ، وهذا ; لأن ملكه بالإحراز فيه قد تم ، وهو متقوم لكونه منتفعا به . ولو كان زرع رجل قصيلا في أرضه ثم أجره من رجل يرعى فيه غنمه كان باطلا ; لأن المقصود بهذا الاستئجار استهلاك العين ; ولأنه إنما يستحق بالإجارة ما لا يجوز بيعه ، والقصيل عين يجوز بيعه فلا يستحق بالإجارة على المستأجر قيمة ما رعت غنمه من ذلك ; لأنه صار مستوفيا مستهلكا له بحكم عقد فاسد ، وهذا بخلاف الكلإ في المراعي فقد نبت ذاك من غير إنبات أحد فكان على أصل الإباحة المشتري ، والبائع في الانتفاع به سواء ، وهذا مما استنبته صاحب الأرض فيكون مملوكا له حتى لو باعه جاز بيعه ، وإنما لم تجز إجارته لما قلنا ، ولمعنى الغرر فيه فإذا أتلف ملكا متقوما لغيره بسبب عقد فاسد كان مضمونا عليه بقيمته . ولو استأجر مرعى لعبد بعينه فرعاه في تلك السنة لم يضمن ما رعى ، ويأخذ عبده ; لأن العقد كان فاسدا فيسترد عبده بحكم العقد الفاسد فإن كان المؤاجر قد أعتقه أو باعه جاز ذلك ، ويضمن قيمته ; لأنه ملكه بالقبض بحكم عقد فاسد فينفذ عتقه فيه ، وهذا ; لأن البيع محل للملك فينفذ العقد مقيدا بحكمه ، وهو نظير ما إذا اشترى عبدا بشرب بخلاف العبد بالربح فهناك ، وإن قبض المشتري لا يملكه ، ولا ينفذ عتقه فيه بمنزلة البيع بالميتة ، والدم ; لأن الربح لا يتقوم بالعبد بحال ، ولا يدخل في العقد أصلا فبتسميته يخرج السبب من أن يكون تمليك مال بمال فأما الشرب ، والكلأ فما يجوز أن يستحق بالعقد تبعا للأرض ، وهو منتفع به شرعا . ( ألا ترى ) أنه يتصور فيه الإحراز الموجب للملك ، وبعد الإحراز يكون مالا متقوما فقبل الإحراز ينعقد العقد بتسميته على [ ص: 188 ] ما هو محل للتمليك بالعقد فينفذ عتقه فيه بعد القبض . ولو تزوج امرأة على أن يرعى غنمها في أرضه سنة كان لها مهر مثلها ; لأن شرط صحة التسمية أن يكون المسمى مالا متقوما في نفسه أو يستحق بذكره تسليم مال ، والكلأ ، والشرب قبل الإحراز ليس بمال فلا تصح تسميته في النكاح . ولو أوصى بكلأ في أرضه سنين أو ، وهبه أو صالح عليه من قصاص أو مال كان القول فيه كالقول في الشرب لاستوائهما في المعنى فكل واحد منهما مبقى على شركة الإباحة قبل الإحراز . ولو أحرق كلأ أو حصائد في أرضه فذهبت النار يمينا ، وشمالا ، وأحرقت شيئا لغيره لم يضمنه ; لأنه غير متعد في هذا السبب فإن له أن يوقد النار في ملك نفسه مطلقا ، وتصرف المالك في ملكه لا يتقيد بشرط السلامة قال بعض مشايخنا رحمهم الله : وهذا إذا كانت الرياح هادئة حين أوقد النار فأما إذا أوقد النار في يوم ريح على ، وجه يعلم أن الريح يذهب بالنار إلى ملك غيره فإنه يكون ضامنا بمنزلة ما لو أوقد النار في ملك غيره . ( ألا ترى ) أن من صب في ميزاب مائعا ، وهو يعلم أن ما تحت الميزاب إنسان جالس فأفسد ذلك المائع ثيابه كان الذي صبه ضامنا ، وإن كان صبه في ملك نفسه . ولو أن رجلا أتى طائفة من البطيحة مما ليس لأحد فيه ملك مما قد غلب عليه الماء فضرب عليه المسناة ، واستخرجه ، وأحياه ، وقطع ما فيه من القصب رأيتها له بمنزلة أرض الميتة ، وكذلك ما عالج من أجمة أو جزيرة في بحر بعد أن لا يكون لأحد فيه ملك ; لأن هذا كله من جملة الموات ، وقد بينا حد الموات فأعاد ذلك هنا ، وذكر أن كل أرض من السواد ، والجبال التي لا يبلغها الماء من أرض العرب مما لم يكن لأحد فيها ملك فهو كله من الموات ، ومراده ما كان من فناء العمران ، وقد بينا أن ذلك من حق السكان في العمران ، ولو أحياه ، وكان له مالك قبل ذلك رددته إلى مالكه الأول ، ولم أجعل للثاني فيه حقا ، ولكنه ضامن لما قطع من قضبها ; لأن ملك الغير محترم لحرمة المالك فلا يكون له أن يتملك عليه بالأحياء بغير رضاه ، ولكنه أتلف ما قطع من قضبها ، وكانت مملوكة لصاحبها فعليه ضمانها ، وإن كان الثاني قد زرعها فالزرع له ، وهو ضامن لما نقص من الأرض بمنزلة من غصب أرضا فزرعها . وإن احتفر الرجل بئرا في مفازة بإذن الإمام فجاء رجل آخر ، واحتفر في حريمها المذكورة بئرا كان للأول أن يسد ما احتفره الثاني ; لأن حريم البئر صار مملوكا لصاحب البئر إذا حفر بإذن الإمام ، والثاني متعد في تصرفه في ملكه فلا يستحق بهذا التصرف شيئا ; ولأنه ضامن للنقصان ، وللأول أن يأخذه بسد ما احتفر ، وهو عرق ظالم [ ص: 189 ] ولا حق له بظاهر الحديث ، وكذلك لو بنى أو زرع أو أحدث فيه شيئا للأول أن يمنعه من ذلك لملكه ذلك الموضع ، وما عطب في بئر الأول فلا ضمان عليه فيه ; لأنه غير متعد في حفره ، وما عطب في بئر الثاني فهو مضمون على الثاني ; لأنه متعد في تسببه . ولو أن الثاني حفر بئرا بأمر الإمام في غير حريم الأول ، وهي قريبة منه فذهب ماء البئر الأول ، وعرف أن ذهاب ذلك من حفر الثاني فلا شيء له عليه ; لأنه غير متعد فيما صنع بل هو محق في الحفر في غير حريم الأول ، والماء تحت الأرض غير مملوك لأحد فليس له أن يخاصمه في تحويل ماء بئره إلى بئر الثاني كالتاجر إذا كان له حانوت فاتخذ آخر بجنبه حانوتا لمثل تلك التجارة فكسدت تجارة الأول بذلك لم يكن له أن يخاصم الثاني . ولو احتفر قناة بغير إذن الإمام في مفازة ثم ساق الماء حتى أتى به أرضا فأحياها فإنه يجعل لقناته ، ومخرج مائه حريما على قدر ما يصلحه ، وهذا بناء على قولهما فأما عند أبي حنيفة رحمه الله إذا فعل ذلك بإذن الإمام يستحق الحريم للموضع الذي يقع الماء فيه على ، وجه الأرض فأما إذا كان بغير إذن الإمام فلا ، وهذا بمنزلة ما لو أخرج عينا إلا أنه تحرز عن بيان المقدار فيه بالرأي ، ولم يجد في القناة نصا بعينه فقال : حريمه بقدر ما يصلحه فأما في الموضع الذي لا يقع فيه ماؤه على الأرض من القناة فبمنزلة النهر إلا أنه يجري تحت الأرض ، وقد بينا الكلام في الحريم للنهر فكذلك القناة ، وإذا كانت القناة على هذا الوجه بين رجلين ، والأرض بينهما ثم استحيا أحدهما أرضا أخرى فأراد أن يسقيها لم يكن له ذلك بمنزلة نهر مشترك بين رجلين ، وهذا ; لأنه يريد أن يستوفي أكثر من حقه ، ويثبت لهذه الأرض الأخرى شربا من هذه القناة فلا يملك ذلك إلا برضا شريكه . ولو كان نهر بين قوم لهم عليه أرضون لكل رجل منهم أرض معلومة فأراد بعضهم أن يسوق شربه إلى أرض أخرى لم يكن لها في ذلك النهر شرب فيما مضى فليس له ذلك ; لأنه يستوجب بذلك في النهر غير ما لم يكن له قبل ذلك أما إذا كان يسقي أرضه التي لها شرب من هذا النهر مع ذلك فهو يستوفي أكثر من حقه ، وإن كان يريد أن يسوق شربه الأول إلى هذه الأرض الأخرى لم يكن له ذلك أيضا ; لأنه إذا فعل ذلك ، وتقادم العهد ادعى للأرض شربا من هذا النهر مع الأول ، واستدل على ذلك بالنهر المعد لإجراء الماء فيه من ذلك النهر إلى هذه الأرض فهذا معنى قوله يستوجب بذلك في النهر شربا لم يكن له قبل ذلك ، وكذلك لو أراد أن يسوق شربه في أرضه الأولى حتى ينتهي إلى هذه الأخرى فليس له ذلك ; لأنه يستوفي فوق حقه فالأرض تنشف بعض [ ص: 190 ] الماء قبل أن ينتهي إلى هذه الأرض الأخرى ثم هذا بمنزلة طريق بين قوم إذا أراد أحدهم أن يفتح فيه طريقا في دار أخرى ، وساكن تلك الدار غير ساكن هذه الدار فهو ممنوع من ذلك ، وقد بينا الفرق في كتاب القسمة بين هذا ، وبين ما إذا كان ساكن الدارين واحدا ، وإذا أراد هذا الرجل أن يسقي من هذا النهر نخيلا في أرض أخرى ليس لها في هذا النهر شرب فليس له ذلك كما لو أراد أن يسقي زرعا من هذه الأرض الأخرى ، وإذا استأجر أصحاب النهر رجلا يقسم بينهم الشرب كل شهر بشيء معلوم ، ويقوم على نهرهم فذلك جائز ; لأن العقد يتناول منافعه التي توجد في المدة ، وهي معلومة ببيان المدة ، والبدل الذي بمقابلتها معلوم ، وإن استأجروه بشرب من النهر مكان الآخر لم يجز ; لأن الأجرة إذا كانت معينة فهي كالمبيع ، والشرب لا يجوز أن يكون مبيعا مقصودا ، ويكون له أجر مثله ; لأنه أوفاه منافعه بعقد فاسد . ولو أعطوه كفيلا بذلك لم يجز ، ولو لم يكن على الكفيل شيء ; لأن الكفيل إنما التزم المطالبة بما هو مستحق على الأصيل ، وليس على الأصيل من تسليم الشرب شيء فكذلك لا يجب على الكفيل . وإذا احتفر القوم بينهم نهرا على أن يكون بينهم على مساحة أراضيهم ، وتكون نفقته بينهم على قدر ذلك ، ووضعوا على رجل منهم أكثر مما عليه غلطا رجع بذلك عليهم ; لأنهم استوفوا ذلك منه بغير حق فعليهم رده ، ولو ، وضعوا عليه أقل من نصيبه - رجعوا عليه بالفضل ; لأنه تبين أنه ما أوفاهم بعض ما كان مستحقا عليه ، ولم يوجد منهم إسقاط شيء من حقهم عنه فيكون لهم أن يرجعوا عليه بالفضل . وإذا كان نهرا بين قوم فاصطلحوا على أن يسموا لكل رجل منهم شربا مسمى ، وفيهم الغائب ، والشاهد فقدم الغائب فله أن ينقض ; لأن قسمتهم لم تكن بحضرته ، ولا بحضرة نائبه ، ولا ولاية لهم عليه في تمييز نصيبه بالقسمة فيكون له أن يبطلها ليستوفي حقه فإن كانوا أوفوه حقه ، وحازوه ، وقسموه ، وأبانوه فليس له أن ينقض ; لأنه لو نقض احتاج إلى إعادته من ساعته ، ولا يمكن من النقض لدفع الضرر عن نفسه ، ولا ضرر عليه في هذا الموضع فكان في النقض متعنتا . ، ولا تجوز الكفالة بثمن الشرب ، ولا بالأجرة بمقابلة الشرب ; لأن ذلك ليس بمستحق على المطلوب فلا يصلح التزام المطالبة بالكفالة فإن نقد الكفيل الثمن رجع به على البائع الذي نقده إن شاء ; لأنه استوفى منه ما لم يكن مستحقا له ، وإن شاء رجع به على المشتري ; لأنه أدى عنه بأمره ثم يرجع به المشتري على البائع ; لأنه ملك المؤدي بالضمان فكان بمنزلة ما لو أداه بنفسه ، وإذا ، وكل رجل ، وكيلا بشربه يسوقه إلى أرضه ، ويقوم عليه [ ص: 191 ] فهو جائز ; لأن جهة الانتفاع بالشرب تتعين ، وقد أناب الوكيل فيه مناب نفسه فلا يحتاج بيانه لصحة التوكيل ; لأن الحاجة إلى البيان لتمكن الوكيل من تحصيل مقصود الموكل ، وذلك فيما لا تكون الجهة متعينة فيه ، وليس له أن يبيع شرب أرضه كما ليس لصاحب الشرب أن يبيعه بنفسه ، ولا أن يسقي أرض غيره ; لأن ذلك تبرع ، وبمطلق التوكيل لا يملك التبرع كمن وكل غيره بماله ملك الحفظ بهذا اللفظ دون التبرع . وإذا اتخذ الرجل مشرعة على شاطئ الفرات ليستقي منها السقاءون ، ويأخذ منهم الأجر لم يجز ذلك ; لأنه لم يبتعهم شيئا ، ولم يؤاجرهم أرضا ، معناه : أنهم يأخذون الماء من الفرات في أوانيهم ، والماء في الفرات غير مملوك لصاحب المشرعة ثم الموضع الذي اتخذ فيه المشرعة من الأرض غير مملوك له ، ولو كان مملوكا فهو لم يؤاجرهم ذلك الموضع . ( ألا ترى ) أنه في يده على حاله ، وشرط إجارة الأرض تسليمها إلى المستأجر ; ولأنهم لا ينتفعون بالأرض ، وإنما ينتفعون بالماء فما يعطونه من الماء لا يكون عوضا عن منفعة الأرض بل هو أكل مال الغير بالباطل ، ولو تقبل هذه المشرعة كل شهر بشيء مسمى تقوم فيه الدواب أجزت ذلك ; لأنه التزم الأجر بمقابلة منفعة الأرض فإن إيقاف الدواب في موضع من الأرض انتفاع بها ، ويد المستأجر تثبت عليه بإيقاف الدواب فيها ، وهي معلومة ببيان المدة فصحت الإجارة لذلك ، وكذلك لو استأجر رجل قطعة منها يوم يقيم فيها بغير آلة جاز ، وهذا بخلاف الأول فإن السقائين ما استأجروا موضعا معلوما ، ولا بينوا لوقوفهم مدة معلومة فبطلت الإجارة هناك للغرر ، والجهالة ، وإن كانت هذه المشرعة لا يملكها الذي اتخذها فلا ينبغي له هذا ، ولا يصح له بمنزلة من أراد أن يبني دكانا في الطريق ليؤاجره من الناس منع من ذلك ، وهذا ; لأن في الطريق حق عامة المسلمين فكذلك في موضع المشرعة من شط الفرات حق جميع المسلمين فلا ينبغي له أن يحول بينهم ، وبين حقهم باتخاذ المشرعة فيه ليؤاجره فيكتسب لنفسه . ولو كانت في موضع لا حق فيه لأحد فاتخذ مشرعة في ذلك المكان كان للمسلمين أن يستقوا من ذلك المكان بغير أجر كما كان لهم ذلك قبل أن تتخذ فيه مشرعة ، وهذا ; لأن بتصرفه لا يملك إبطال حق المسلمين ، ولا أن يحول بينهم ، وبين حوائجهم ، وإنما أرخص له في ذلك إذا كانت الأرض له يملك رقبتها فحينئذ لا حق لأحد فيه خصوصا في غير وقت الضرورة . ولو أراد المسلمون أن يمروا في تلك الأرض ليسقوا من ذلك الماء فمنعهم منه فإن لم يكن له طريق غيره لم يكن له أن يمنعهم ، وإن كان يملك رقبتها [ ص: 192 ] ولكنهم يمرون في أرضه ، ومشرعته بغير إذنه ; لأن الموضع موضع الحاجة ، والضرورة فالماء سبب لحياة العالم قال الله تعالى { ، وجعلنا من الماء كل شيء حي } فإذا لم يجدوا طريقا آخر كان هذا الطريق متعينا لوصولهم منه إلى حاجتهم فليس له أن يمنعهم من ذلك فإن كان لهم طريق غير ذلك كان له أن يمنعهم من ذلك ; لأنه لا ضرورة إلى التطرق في ملكه ، وهو نظير من أصابته مخمصة يباح له أن يتناول من طعام الغير فإن كان عنده مثل ذلك الطعام لم يكن له أن يتناول من طعام الغير بغير إذنه إلا أن هناك عند الضرورة يجب الضمان لما في التناول من إتلاف مال متقوم على صاحبه ، وهنا ليس في المرور بين أرضه إتلاف شيء عليه . ![]()
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 202الى صـــ 204 (482) رجل عمد إلى نهر المسلمين عامة أو نهر خاص عليه طريق العامة أو لقوم خاص فاتخذ عليه قنطرة ، واستوثق من العمل ، ولم يزل الناس ، والدواب يمرون عليه حتى انكسر أو وهى فوقع إنسان فيه أو دابة فمات أو عبر به إنسان ، وهو يراه متعمدا يريد المشي عليه فلا ضمان عليه في شيء من هذا ; لأن ما فعله حسبة ، وقد ، وجد الرضا من عامة المسلمين باتخاذهم ذلك الموضع ممرا فكأنه فعله بإذن الإمام فلهذا لا يضمن ما تلف بسببه ، وإن ، وضع عارضة أو بابا في طريق المسلمين فمشى عليه إنسان متعمد لذلك فانكسر الباب ، وعطب الماشي فضمان الباب على الذي كسره ، ولا ضمان على واضع الباب الذي عطب به ; لأن الماشي متعمد المشي على الباب مباشر كسره ( ألا ترى ) أن من أوطأ إنسانا فقتله كان مباشرا لقتله حتى تلزمه الكفارة ، وواضع الباب ، وإن كان في تسببه متعديا ، ولكن الماشي تعمد المشي عليه ، ولا يعتبر التسبب إذا طرأت المباشرة عليه كمن حفر بئرا في الطريق فتعمد إنسان إلقاء نفسه في البئر ، وألقاه فيه غيره لا يكون على الحافر شيء ، وعلى هذا من رش الطريق فتعمد إنسان المشي في ذلك الموضع ، وزلقت رجله ، وعطب لم يكن على [ ص: 203 ] الذي رش ضمان بخلاف من مشى على ذلك الموضع ، وكان لا يبصره بأن كان أعمى أو كان ليلا فحينئذ يجب الضمان على الذي رش الطريق إذا عطب به الماشي ، وتمام بيان هذه الفصول في الديات ، وإصلاح النهر العام على بيت المال ; لأنه من تمام نوائب المسلمين ، ومال بيت المال معد لذلك . ولو أن الوالي أذن لرجل أن ينصب طاحونة على ماء لقوم خاصة في أرض لرجل ، ولا يضر أهل النهر شيء ، وأهل النهر يكرهون ذلك أو يضرهم ، والوالي يرى في ذلك صلاحا للعامة فإنه لا ينبغي أن يضع ذلك إلا بإذن صاحب الأرض ، وصاحب النهر ; لأنه ملك خاص ، وليس للإمام ولاية النظر في الملك الخاص لإنسان بتقديم غيره فيه عليه بل هو في ذلك كسائر الرعايا ، وإنما يثبت له حق الأخذ من المالك عند تحقق الضرورة وخوف الهلاك على المسلمين بشرط العوض كما يكون لصاحب المخمصة فلهذا لم يعتبر إذن الإمام هنا . أهل مدينة بنوها بعد قسمة الوالي بينهم ، وترك فيها طريقا للعامة فرأى الوالي بعد ذلك أن يعطي بعض الطريق أحدا ينتفع به ، ولا يضر ذلك بأهل الطريق فإن كانت المدينة للوالي فهو جائز ، وإن كانت للمسلمين فلا ينبغي له أن يعطي منها شيئا ، ولا ينبغي للذي يعطى أن يأخذ من ذلك شيئا ; لأن الحق في ذلك الموضع ثابت للمسلمين ، وللإمام ولاية استيفاء حقهم دون الإسقاط ، وإيثار غيرهم عليهم في ذلك . ( ألا ترى ) أن الرجل لما جاء بكبة من شعر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال أخذتها من الفيء لأخيط بها برذعة بعيري فقال عليه الصلاة والسلام أما نصيبي منها فهو لك فلما تحرز رسول الله صلى الله عليه وسلم من تخصيصه بتلك الكبة دون سائر الغانمين عرفنا أن على كل والي أن يتحرز من مثل ذلك أيضا . قوم اقتسموا أرضا لهم بينهم بالسوية ثم اختلفوا في مقدار الطريق فإن كانوا قد اختلفوا بعد تمام القسمة فالقول قول المدعى عليه لإنكاره حق الغير فيما في يده ، وإن كانوا لم يفرغوا من القسمة جعلوا الطريق بينهم على ما شاءوا ، وقد بينا الكلام في الطريق في كتاب القسمة ، وإن الأثر المروي فيه بالتقدير بسبعة أذرع غير مأخوذ به ، وإلى ذلك أشار هنا فقال بلغنا في ذلك عن عكرمة أثر يرفعه { إذا اشتجر القوم في الطريق جعل سبعة أذرع } ، ولا نأخذ به ; لأنا لا ندري أحق هذا الحديث أم لا . ولو علمنا أنه حق أخذنا به ، ومعنى هذا أنه أثر شاذ فيما يحتاج الخاص ، والعام إلى معرفته ، وقد ظهر عمل الناس بخلافه فإن الصحابة رضي الله عنهم فتحوا البلاد ، ولم ينقل عن أحد أنه أخذ بهذا الحديث في تقدير الطريق المنسوب إلى الناس بسبعة أذرع فعرفنا أن الحديث غير صحيح . ولو علم أنه حق [ ص: 204 ] وجب الأخذ به ; لأن ما قدره صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام بتقدير يجب العمل به ، ولا يجوز الإعراض عنه بالرأي ، قولهم عشر بستات من ماء يجري لهم جميعا في نهر ، ومنهم من يرى عشر منتات ، وهو صحيح أيضا ، وكل واحد من اللفظين مستعمل في قسمة الماء ، وكل منت ست بستات ، وكل بست ست شعرات ، وهو معروف بين أهل مرو ، ومقصوده ما قال إذا أصفى منها من رجل منهم ، وقطع ذلك من نهرهم بحق الذي أصفى عنه من غير قسمة فهو شريكهم فيما بقي ، والذي أصفى من حقهم جميعا فالإصفاء هو الغصب فمعناه إذا غصب الوالي نصيب أحد الشركاء من الشرب ، وجعل ذلك لنفسه أو غيره فهذا المغصوب يكون من حق الشركاء كلهم ، وما بقي مشترك بينهم على أصل حقهم أن المغصوب كالمستهلك ، وما توى من المشترك يتوي على الشركة ، وما يبقى يبقى على الشركة فهذا مثله ، رجل له مجرى ماء يجري إلى بستانه أو يجري إلى دار قوم ميزاب له أو كان له ممشى في دار قوم قد كان يمشي فيه إلى منزله فاختلفوا في ذلك من أين يعلم أنه للمدعي قال إذا شهدوا أن له طريقا فيها أو مجرى ماء أو مسيل ماء قبلت الشهادة ، وقضى له بذلك ; لأنه يدعي لنفسه حقا في ملك الغير فلا تسمع دعواه إلا بحجة ، وما غاب عن القاضي علمه فالحجة فيه شهادة شاهدين ، ولا حاجة بالشاهدين إلى بيان صفة الطريق ، والمجرى ، والمسيل ، وإن كانوا لو بينوا ذلك كان أحسن ، وقد بينا هذا في كتاب الدعوى ، والله أعلم بالصواب انتهى المجلد الثالث عشر ![]()
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ 2الى صـــ 11 (483) [ ص: 2 ] قال ) الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله : إملاء اعلم أن الخمر حرام بالكتاب ، والسنة . : أما الكتاب فقوله تعالى { : يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر ، والميسر } إلى أن قال { فهل أنتم منتهون } ، وسبب نزول هذه الآية سؤال عمر رضي الله عنه على ما روي أنه { قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : الخمر مهلكة للمال مذهبة للعقل فادع الله تعالى يبينها لنا فجعل يقول اللهم بين لنا بيانا شافيا فنزل قوله تعالى { يسألونك عن الخمر ، والميسر قل فيهما إثم كبير ، ومنافع للناس } فامتنع منها بعض الناس ، وقال بعضهم : نصيب من منافعها ، وندع المأثم فقال عمر رضي الله عنه : اللهم زدنا في البيان ، فنزل قوله تعالى { لا تقربوا الصلاة ، وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } فامتنع بعضهم ، وقالوا : لا خير لنا فيما يمنعنا من الصلاة ، وقال بعضهم : بل نصيب منها في غير وقت الصلاة فقال عمر : اللهم زدنا في البيان فنزل قوله تعالى { إنما الخمر ، والميسر } الآية فقال عمر رضي الله عنه : انتهينا ربنا } . والخمر هو النيء من ماء العنب المشتد بعدما غلى ، وقذف بالزبد اتفق العلماء رحمهم الله على هذا ، ودل عليه قوله تعالى { : إني أراني أعصر خمرا } أي عنبا يصير خمرا بعد العصر ، والميسر القمار ، والأنصاب ذبائحهم باسم آلهتهم في أعيادهم ، والأزلام القداح واحدها زلم كقولك قلم ، وأقلام ، وهذا شيء كانوا يعتادونه في الجاهلية إذا أراد أحدهم أمرا أخذ سهمين مكتوب على أحدهما أمرني ربي ، والآخر نهاني ربي فجعلهما في وعاء ثم أخرج أحدهما فإن خرج الأمر ، وجب عليه مباشرة ذلك الأمر ، وإن خرج النهي حرم عليه مباشرته ، وبين الله تعالى أن كل ذلك رجس . والرجس ما هو محرم العين ، وإنه من عمل الشيطان يعني أن من لا ينتهي عنه متابع للشيطان مجانب لما فيه رضا الرحمن ، وفي قوله عز ، وجل { : فاجتنبوه } أمر بالاجتناب منه ، وهو نص في التحريم ثم بين المعنى فيه بقوله عز ، وجل { إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة [ ص: 3 ] والبغضاء في الخمر ، والميسر ، ويصدكم عن ذكر الله ، وعن الصلاة } ، وكان هذا إشارة إلى الإثم الذي بينه الله تعالى في الآية الأولى بقوله عز ، وجل ، : { وإثمهما أكبر من نفعهما } ، وفي قوله { : فهل أنتم منتهون } أبلغ ما يكون من الأمر بالاجتناب عنه ، وقال تعالى { : قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها ، وما بطن ، والإثم } ، والإثم من أسماء الخمر قال القائل . شربت الإثم حتى ضل عقلي كذاك الإثم يذهب بالعقول ، وقيل : هذا إشارة إلى قوله ، { وإثمهما أكبر من نفعهما } ، والسنة ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال { لعن الله في الخمر عشرا } الحديث ، وذلك دليل نهاية التحريم ، وقال : عليه الصلاة والسلام { شارب الخمر كعابد الوثن } ، وقال : عليه الصلاة والسلام { الخمر أم الخبائث } ، وقال : عليه الصلاة والسلام { إذا ، وضع الرجل قدحا فيه خمر على يده لعنته ملائكة السموات والأرض فإن شربها لم تقبل صلاته أربعين ليلة ، وإن داوم عليها فهو كعابد الوثن } ، وكان جعفر الطيار رحمه الله يتحرز عن هذا في الجاهلية ، والإسلام ، ويقول العاقل يتكلف ليزيد في عقله فأنا لا أكتسب شيئا يزيل عقلي ، والأمة أجمعت على تحريمها ، وكفى بالإجماع حجة هذه حرمة قوية باتة حتى يكفر مستحلها ، ويفسق شاربها . .، ويجب الحد بشرب القليل ، والكثير منها ، وهي نجسة نجاسة غليظة لا يعفى عن أكثر من قدر الدرهم منها ، ولا يجوز بيعها بين المسلمين لقوله عليه الصلاة والسلام { إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، وأكل ثمنها } ، وبعض المعتزلة يفصلون بين القليل ، والكثير منها في حكم الحرمة ، ويقولون المحرم ما هو سبب لوقوع العداوة ، والبغضاء ، والصد عن ذكر الله تعالى ، وعن الصلاة ، وذلك الكثير دون القليل ، وعند أهل السنة ، والجماعة القليل منها ، والكثير في الحرمة ، وجميع ما ذكرنا من الأحكام سواء لقوله عليه الصلاة والسلام { : حرمت الخمر لعينها قليلها ، وكثيرها ، والمسكر من كل شراب } ، ثم في تناول القليل منها معنى العداوة ، والصد عن ذكر الله تعالى ، فالقليل يدعو إلى الكثير على ما قيل : ما من طعام ، وشراب إلا ولذته في الابتداء تزيد على اللذة في الانتهاء إلا الخمر ، فإن اللذة لشاربها تزداد بالاستكثار منها ، ولهذا يزداد حرصه على شربها إذا أصاب منها شيئا ، فكان القليل منها داعيا إلى الكثير منها فيكون محرما كالكثير . ( ألا ترى ) أن الربا لما حرم شرعا حرم دواعيه أيضا ، وأن المشي على قصد المعصية معصية . . وأما السكر ، فهو النيء من ماء التمر المشتد ، وهو حرام عندنا ، وقال شريك بن عبد الله : هو حلال لقوله تعالى { : ومن ثمرات النخيل ، والأعناب تتخذون منه سكرا ، ورزقا [ ص: 4 ] حسنا } ، والرزق الحسن شرعا ما هو حلال ، وحكم المعطوف ، والمعطوف عليه سواء ، ولأن هذه الأشربة كانت مباحة قبل نزول تحريم الخمر فيبقى ما سوى الخمر بعد نزول تحريم الخمر على ما كان من قبل . ( ألا ترى ) أن في الآيات بيان حكم الخمر ، وما كان يكثر وجود الخمر فيهم بالمدينة ، فإنها كانت تحمل من الشام ، وإنما كان شرابهم من التمر ، وفي ذلك ورد الحديث : { نزل تحريم الخمر ، وما بالمدينة يومئذ منها شيء ، } فلو كان تحريم سائر الأشربة مرادا بالآية لكان الأولى التنصيص على حرمة ما كان موجودا في أيديهم ; لأن حاجتهم إلى معرفة ذلك . وحجتنا في ذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { : الخمر من هاتين الشجرتين الكرم ، والنخل } ، ولم يرد به بيان الاسم لغة ; لأنه ما بعث مبينا لذلك ، وبين أهل اللغة اتفاق أن الاسم حقيقة للتي من ماء العنب ، وواضع اللغة خص كل عين باسم هو حقيقة فيه ، وإن كان قد يسمى الغير به مجازا لما في الاشتراك من اتهام غفلة الواضع ، والضرورة الداعية إلى ذلك ، وذلك غير متوهم هنا ، فعرفنا أن المراد حكم الحرمة أن ما يكون من هاتين الشجرتين سواء في حكم الحرمة ، ولما سئل ابن مسعود رضي الله عنه عن شرب المسكر لأجل الصفر ، : قال إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ، فأما قوله تعالى { تتخذون منه سكرا ، ورزقا حسنا } ، فقد قيل : كان هذا قبل نزول آية التحريم ، وقيل : في الآية إضمار ، وهو مذكور على سبيل التوبيخ ، أي تتخذون منه سكرا ، وتدعون رزقا حسنا ؟ فإن طبخ من العنب أدنى طبخه ، أو ذهب منه بالطبخ أقل من الثلثين ، ثم اشتد ، وغلا ، وقذف بالزبد ، فهو حرام عندنا . وقال حماد بن أبي سليمان رحمه الله إذا طبخ حتى نضج حل شربه ، وكان بشر المريسي يقول : إذا طبخ أدنى طبخه ، فلا بأس بشربه ، وكان أبو يوسف رحمه الله يقول أولا : إذا طبخ حتى ذهب منه النصف ، فلا بأس بشربه ، ثم رجع ، فقال ما لم يذهب منه الثلثان بالطبخ لا يحل شربه إذا اشتد ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعن محمد رحمه الله أنه كره الثلث أيضا ، وعنه أنه توقف فيه ، وعنه أنه حرم ذلك كله إذا كان مسكرا ، وهو قول مالك والشافعي ، وطريق من توسع في هذه الأشربة ما ذكرنا أن قبل نزول التحريم كان الكل مباحا ، ثم نزل تحريم الخمر ، وما عرفنا هذه الحرمة إلا بالنص ، فبقي سائر الأشربة بعد نزول تحريم الخمر على ما كان عليه قبل نزوله ، ومن أثبت التحريم في الكل قال : نص التحريم بصفة الخمرية ، والخمر ما خامر العقل ، وكل ما يكون مسكرا ، فهو مخامر للعقل ، فيكون النص متناولا له ، ولكنا نقول الاسم للتي من ماء العنب حقيقة ، ولسائر الأشربة مجازا [ ص: 5 ] ومتى كانت الحقيقة مرادة باللفظ تنحى المجاز ، وهبك أن الخمر يسمى لمعنى مخامرة العقل ، فذلك لا يدل على أن كل ما يخامر العقل يسمى خمرا . ( ألا ترى ) أن الفرس الذي يكون أحد شقيه أبيض ، والآخر أسود يسمى أبلق ، ثم الثوب الذي يجتمع فيه لون السواد ، والبياض لا يسمى بهذا الاسم ، وكذلك النجم يسمى نجما لظهوره ، قالوا : نجم أي ظهر ، ثم لا يدل ذلك على أن كل ما يظهر يسمى نجما ، وإمامنا فيما ذكرناه من إباحة شرب المثلث عمر رضي الله عنه ، فقد روي عن جابر بن الحصين الأسدي رحمه الله أن عمار بن ياسر رضي الله عنه أتاه بكتاب عمر رضي الله عنه يأمره أن يتخذ الشراب المثلث لاستمراء الطعام ، وكان عمار بن ياسر رضي الله عنه يقول لا أدع شربها بعد ما رأيت عمر رضي الله عنه يشربها ، ويسقيها الناس ، وقد كان عمر رضي الله عنه هو الذي سأل تحريم الخمر ، فلا يظن به أنه كان يشرب ، أو يسقي الناس ما تناوله نص التحريم بوجه ، ولا يجوز أن يقال : إنما كان يشرب الحلو منه دون المسكر بدليل قوله قد ذهب بالطبخ نصيب الشيطان وربح جنونه ، وهذا ; لأنه إنما كان يشرب ذلك لاستمراء الطعام ، وإنما يحصل هذا المقصود بالمشتد منه دون الحلو . وقد دل على هذه الجملة الآثار التي بدأ محمد رحمه الله بها الكتاب ، فمن ذلك حديث زياد قال : سقاني ابن عمر رضي الله عنه شربة ما كدت أهتدي إلى منزلي ، فغدوت عليه من الغد ، فأخبرته بذلك ، فقال ما زدناك على عجوة وزبيب وابن عمر رضي الله عنه كان معروفا بالزهد ، والفقه بين الصحابة رضي الله عنهم ، فلا يظن به أنه كان يسقي غيره ما لا يشربه ، ولا أنه كان يشرب ما يتناوله نص التحريم ، وقد ذكرنا أن ما سقاه كان مشتدا حتى أثر فيه على وجه ما كان يهتدي إلى أهله ، وإنما قال هذا على طريق المبالغة في بيان التأثير فيه لا حقيقة السكر ، فإن ذلك لا يحل ، وفي قوله ما زدناك على عجوة وزبيب دليل على أنه لا بأس بشرب القليل من المطبوخ من ماء الزبيب ، والتمر ، وإن كان مشتدا ، وأنه لا بأس بشراب الخليطين بخلاف ما يقوله المتقشفة : إنه لا يحل شراب الخليطين . وإن كان حلوا لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن شراب الخليطين } ، وتأويل ذلك عندنا أن ذلك كان في زمان الجدب كره للأغنياء الجمع بين النعمتين ، وفي الحديث زيادة ، فإنه قال ، وعن القران بين النعمتين ، وعن الجمع بين نعمتين ، والدليل على أنه لا بأس بذلك في غير زمان القحط حديث { عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أنبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم تمرا ، فلم يستمرئه ، فأمرني ، فألقيت فيه زبيبا } ، ولما جاز اتخاذ الشراب من كل واحد منهما بانفراده جاز الجمع بينهما بمنزلة ماء السكر ، والفانيذ [ ص: 6 ] ، وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه سئل عن المسكر ، فقال الخمر ليس لها كنية ، وفيه دليل تحريم السكر ، فإن مراده من هذا الجواب : أن السكر في الحرمة كالخمر ، وإن كان اسمه غير اسم الخمر ، فكأنه أشار إلى قوله عليه الصلاة والسلام { الخمر من هاتين الشجرتين } . قال : وسئل عن الفضيخ قال مراده بذلك الفضوح ، والفضيخ الشراب المتخذ من التمر بأن يفضخ التمر أي يشدخ ، ثم ينقع في الماء ليستخرج الماء حلاوته ، ثم يترك حتى يشتد ، وفيه دليل على أن التي من شراب التمر إذا اشتد ، فهو حرام سكرا كان ، أو فضيخا ، فإن السكر ما يسيل من التمر حين يكون رطبا ، وفي قوله بذلك الفضوح بيان أنه يفضح شاربه في الدنيا والآخرة لارتكابه ما هو محرم قال : وسئل عن النبيذ ، والزبيب يعتق شهرا ، أو عشرا قال الخمر أختها ، وفي رواية اجتنبها أي هي في الحرمة كالخمر ، فاجتنبها ، فظاهر هذا اللفظ دليل لما روي عن أبي يوسف قال لا يحل ماء الزبيب ما لم يطبخ حتى يذهب منه الثلثان ، فإن قوله الخمر اجتنبها إشارة إلى ذلك أي الزبيب إذا نقع في الماء عاد إلى ما كان عليه قبل أن يتزبب ، فكما أنه لا يحل قبل أن يتزبب بالطبخ ما لم يذهب منه الثلثان ، فكذلك الزبيب بخلاف ماء التمر ، ولكن في ظاهر الرواية نبيذ التمر وماء التمر سواء إذا طبخ أدنى طبخه يحل شربه مشتدا بعد ذلك ما لم يسكر منه ، ومراد ابن عمر رضي الله عنه تشبيهه النيء منه بالخمر في حكم الحرمة ، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما وجهه إلى اليمن قال { انههم عن نبيذ السكر ، والمراد النيء من ماء التمر المشتد } ، وقد عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عادة أهل اليمن في شرب ذلك ، فلهذا خصه بالأمر بالنهي عنه ، وسماه نبيذ الحمرة في لونه ، وعن حصين بن عبد الرحمن قال كان لأبي عبيدة كرم بزبالة كان يبيعه عنبا ، وإذا أدرك العصير باعه عصيرا ، وفي هذا دليل على أنه لا بأس ببيع العصير ، والعنب مطلقا ما دام حلوا . كما لا بأس ببيع العنب . وأخذ أبو حنيفة رحمه الله بظاهره ، فقال لا بأس ببيع العصير ، والعنب ممن يتخذه خمرا ، وهو قول إبراهيم رحمه الله ; لأنه لا فساد في قصد البائع ، فإن قصده التجارة بالتصرف فيما هو حلال لاكتساب الربح ، وإنما المحرم قصد المشتري اتخاذ الخمر منه ، وهو كبيع الجارية ممن لا يستبرئها ، أو يأتيها في غير المأتى ، وكبيع الغلام ممن يصنع به ما لا يحل . وعن الضحاك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : من بلغ حدا في غير حد ، فهو من المعتدين } معناه ، فهو من الظالمين المجاوزين لحدود الله تعالى قال الله تعالى { : ومن يتعد حدود الله ، فقد ظلم نفسه } ، وفيه دليل أنه لا يجوز أن يبلغ بالتعزير الحد الكامل ; لأن [ ص: 7 ] الحدود ثبتت شرعا جزاء على أفعال معلومة ، فتعديتها إلى غير تلك الأفعال يكون بالرأي ، ولا مدخل للرأي في الحدود لا في إثبات أصلها ، ولا في تعدية أحكامها عن مواضعها . وعن إبراهيم رحمه الله قال : لا بأس إذا كان للمسلم خمر أن يجعلها خلا ، وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله ، وقالوا : تخليل الخمر جائز خلافا لما قاله الشافعي رحمه الله ، وهذا ; لأن الآثار جاءت بإباحة خل الخمر على ما قال عليه الصلاة والسلام { خير خلكم خل خمركم } ، وعن علي رضي الله عنه أنه كان يصطبغ الخبز بخل خمر ، ويأكله ، وإذا كان بالاتفاق يحل تناول خل الخمر ، فالتخليل بالعلاج يكون إصلاحا للجوهر الفاسد ، وذلك من الحكمة ، فلا يكون موجبا للحرمة ، ويأتي بيان المسألة في موضعه ، وعن محمد بن الزبير رضي الله عنه قال استشار الناس عمر رضي الله عنه في شراب مرقق ، فقال رجل من النصارى : إنا نصنع شرابا في صومنا ، فقال عمر رضي الله عنه : ائتني بشيء منه قال : فأتاه بشيء منه قال : ما أشبه هذا بطلاء الإبل كيف تصنعونه ؟ قال نطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى ثلثه ، فصب عليه عمر رضي الله عنه ماء ، وشرب منه ، ثم ناوله عبادة بن الصامت رضي الله عنه ، وهو عن يمينه فقال عبادة ما أرى النار تحل شيئا ، فقال عمر يا أحمق أليس يكون خمرا ؟ ثم يصير خلا ، فنأكله ، وفي هذا دليل إباحة شرب المثلث ، وإن كان مشتدا ، فإن عمر رضي الله عنه استشارهم في المشتد دون الحلو ، وهو مما يكون ممريا للطعام مقويا على الطاعة في ليالي الصيام ، وكان عمر رضي الله عنه حسن النظر للمسلمين ، وكان أكثر الناس مشورة في أمور الدين خصوصا فيما يتصل بعامة المسلمين ، وفيه دليل أنه لا بأس بإحضار بعض أهل الكتاب مجلس الشورى ، فإن النصراني الذي قال ما قاله قد كان حضر مجلس عمر رضي الله عنه للشورى ، ولم ينكر عليه . وفيه دليل أن خبر النصراني لا بأس بأن يعتمد عليه في المعاملات إذا وقع في قلب السامع أنه صادق فيه ، وقد استوصفه عمر رضي الله عنه ، فوصفه له ، واعتمد خبره حتى شرب منه ، وفيه دليل أن دلالة الإذن من حيث العرف كالتصريح بالإذن ، وإنه لا بأس بتناول طعامهم ، وشرابهم ، فإن عمر رضي الله عنه لم يستأذنه في الشرب منه ، وإنما كان أمره أن يأتي به لينظروا إليه ، ثم جوز الشرب منه بناء على الظاهر ، ومن يستقصي في هذا الباب يقول : تأويله أنه أخذه منه جزية لبيت المال ، ثم شرب منه ، وفيه دليل أن المثلث إن كان غليظا لا بأس بأن يرقق بالماء ، ثم يشرب منه كما ، فعله عمر رضي الله عنه ، والأصل فيه ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى العباس في حجة الوداع ، فأتاه بشراب ، فلما قربه إلى فيه قطب وجهه ، ثم دعا بماء ، فصبه [ ص: 8 ] عليه ، ثم شربه ، وقال عليه الصلاة والسلام إذا رابكم شيء من هذه الأشربة ، فاكسروا متونها بالماء } ، وعن عمر رضي الله عنه أنه أتي بنبيذ الزبيب ، فدعا بماء ، وصبه عليه ، ثم شرب ، وقال إن لنبيذ زبيب الطائف غراما ، وفي مناولته عبادة بن الصامت ، وكان عن يمينه دليل على أن من يكون من الجانب الأيمن ، فهو أحق بالتقديم ، والأصل فيه ما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بعس من لبن ، فشرب بعضه ، وكان عن يمينه أعرابي ، وعن يساره أبو بكر رضي الله عنه ، فقال للأعرابي أنت على يميني ، وهذا أبو بكر ، فقال : الأعرابي ما أنا بالذي أوثر غيري على سؤرك ، فثله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : الأيمنون الأيمنون } ، ومنه قول القائل : ثلاثة يمنة تدور الكأس والطست والبخور ثم أشكل على عبادة رضي الله عنه ، فقال : ما أرى النار تحل شيئا يعني أن المشتد من هذا الشراب قبل أن يطبخ بالنار حرام ، فبعد الطبخ كذلك إذ النار لا تحل الحرام ، فقال له عمر رضي الله عنه يا أحمق أي يا قليل النظر ، والتأمل أليس يكون خمرا ؟ ثم يكون خلا ؟ فنأكله يعني أن صفة الخمرية تزول بالتخليل ، فكذلك صفة الخمرية بالطبخ حتى يذهب منه الثلثان تزول ، ومعنى هذا الكلام أن النار لا تحل ، ولكن بالطبخ تنعدم صفة الخمرية كالذبح في الشاة عينه لا يكون محللا ، ولكنه منهر للدم ، والمحرم هو الدم المسفوح ، فتسييل الدم المسفوح يكون محللا لانعدام ما لأجله كان محرما ، وبهذا أخذنا ، وقلنا يجوز التخليل ; لأنه إتلاف لصفة الخمرية ، وإتلاف صفة الخمرية لا يكون محرما .. وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : كل نبيذ يفسد عند إبانه ، فهو نبيذ ، ولا بأس به ، وكل نبيذ يزداد جوره على طول الترك ، فلا خير فيه ، وإنما أراد به النيء من ماء الزبيب ، أو التمر أنه ما دام حلوا ، ولم يصر معتقا ، فهو بحيث يفسد عند إبانه ، فلا بأس بشربه ، وإذا صار معتقا بأن غلا ، واشتد ، وقذف بالزبد ، فهو يزداد جوره على طول الترك ، فلا خير فيه ، وبه كان يقول أبو يوسف رحمه الله في الابتداء في المطبوخ من ماء الزبيب ، والتمر إنه إذا صار معتقا لا يحل شربه ، وإن كان بحيث يفسد إذا ترك عشرة ، فلا بأس بشربه ، ثم رجع عن ذلك ، فقال : قول ابن عباس رضي الله عنه في النيء خاصة ، فهو النبيذ حقيقة مشتق من النبذ ، وهو الطرح أي ينبذ الزبيب ، والتمر في الماء ليستخرج حلاوته ، فأما إذا طبخ ، فالطبخ يغيره عن حاله ، فلا يتناوله اسم النبيذ حقيقة ، وإن كان قد يسمى به مجازا ، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال : حرمت [ ص: 9 ] الخمرة لعينها قليلها ، وكثيرها ، والمسكر من كل شراب ، وفيه دليل أن المحرم هو الأخير الذي يكون منه السكر كالمؤلم اسم لما يتولد الألم منه ، وإن الخمر حرام لعينها ، والقليل والكثير في الحكم سواء ، وفي المثلث ، والمطبوخ من الزبيب ، والتمر يفصل بين القليل ، والكثير ، فلا بأس بشرب القليل منه ، وإنما يحرم منه ما يتعقبه السكر ، وهو القدح الأخير قال ابن عباس رضي الله عنه : الكأس المسكرة هي الحرام قال أبو يوسف رحمه الله ، وأما مثل ذلك دم في ثوب ، فلا بأس بالصلاة فيه إن كان قليلا ، فإذا كثر لم تحل الصلاة فيه ، ومثله رجل ينفق على نفسه وأهله من كسبه ، فلا بأس بذلك ، فإذا أسرف في النفقة لم يصلح له ذلك ، ولا ينبغي ، وكذلك النبيذ لا بأس بأن يشربه على طعام ، ولا خير في المسكر منه ; لأنه إسراف ، فإذا جاء السكر ، فليدع الشرب . ( ألا ترى ) أن اللبن ، وما أشبهه من الشراب حلال ، ولا ينبغي له إن كان يسكر أن يستكثر منه . ( ألا ترى ) أن البنج لا بأس بأن يتداوى به الإنسان ، فإذا كاد أن يذهب عقله منه ، فلا ينبغي أن يفعل ذلك ، وفي هذا كله بيان أن المحرم هو السكر إلا أن الخمر القليل يدعو إلى الكثير كما قررنا ، فيحرم شرب القليل منها ; لأنها داعية إلى الكثير ، وذلك في المثلث لا يوجد ، فإنه غليظ لا يدعو قليله إلى كثيره بل بالقليل يستمرئ طعامه ، ويتقوى على الطاعة ، والكثير يصدع رأسه . ( ألا ترى ) أن الذين يعتادون شرب المسكر لا يرغبون في المثلث أصلا ، ولا يقال : القدح الأخير مسكر بما تقدمه ; لأن المسكر ما يتصل به السكر بمنزلة المتخم من الطعام ، فإن تناول الطعام بقدر ما يغذيه ، ويقوي بدنه حلال ، وما يتخمه ، وهو الأكل ، فوق الشبع حرام ثم المحرم منه المتخم ، وهو ما زاد على الشبع ، وإن كان هذا لا يكون متخما إلا باعتبار ما تقدمه ، فكذلك في الشراب . . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن إنسانا أتاه ، وفي بطنه صفراء ، فقال وصف لي السكر ، فقال عبد الله : إن الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم ، وبه نأخذ ، فنقول : كل شراب محرم ، فلا يباح شربه للتداوي حتى روي عن محمد أن رجلا أتى يستأذنه في شرب الخمر للتداوي قال إن كان في بطنك صفراء ، فعليك بماء السكر ، وإن كان بك رطوبة ، فعليك بماء العسل ، فهو أنفع لك ، ففي هذا إشارة إلى أنه لا تتحقق الضرورة في الإصابة من الحرام ، فإنه يوجد من جنسه ما يكون حلالا ، والمقصود يحصل به ، وقد دل عليه قول النبي صلى الله عليه وسلم { : إن الله لم يجعل في رجس شفاء } ، ولم يرد به نفي الشفاء أصلا ، فقد يشاهد ذلك ، ولا يجوز أن يقع الخلف في خبر الشرع عليه الصلاة والسلام ، ولكن المراد أنه لم يعين رجسا للشفاء على وجه لا يوجد من الحلال ما يعمل عمله ، أو يكون [ ص: 10 ] أقوى منه ، وعن بريدة { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نهيتكم عن ثلاث : عن زيارة القبور ، فزوروها ، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه ، ولا تقولوا هجرا ، وعن لحم الأضاحي أن تمسكوه ، فوق ثلاثة أيام ، فأمسكوه ما بدا لكم ، وتزودوا ، فإنما نهيتكم ليتسع به موسركم على معسركم ، وعن النبيذ في الدباء ، والحنتم ، والمزفت ، فاشربوا في كل ظرف ، فإن الظرف لا يحل شيئا ، ولا يحرمه ، ولا تشربوا مسكرا } ، وفي رواية ابن مسعود رضي الله عنه قال { ، وعن الشرب في الدباء ، والحنتم ، والنقير ، والمزفت ، فاشربوا في الظروف ، ولا تشربوا مسكرا } ، وهذا اللفظ رواه أبو بردة بن نيار أيضا ، وفي الحديث دليل نسخ السنة بالسنة ، فقد أذن في هذه الأشياء الثلاثة بعد ما كان نهي عنها ، وبالإذن ينسخ حكم النهي ، وقيل : المراد النهي عن زيارة قبور المشركين ، فإنهم ما منعوا عن زيارة قبور المسلمين قط . ( ألا ترى ) أنه عليه الصلاة والسلام قال قد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه ، وكانت قد ماتت مشركة ، وروي أنه زار قبرها في أربعمائة فارس فوقفوا بالبعد ، ودنا هو من قبرها ، فبكى حتى سمع نشيجه ، وقيل : إنما نهوا عن زيارة القبور في الابتداء على الإطلاق لما كان من عادة أهل الجاهلية أنهم كانوا يندبون الموتى عند قبورهم ، وربما يتكلمون بما هو كذب ، أو محال ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام { : ولا تقولوا هجرا } أي لغوا من الكلام ، ففيه بيان أن الممنوع هو التكلم باللغو ، فذلك موضع ينبغي للمرء أن يتعظ به ، ويتأمل في حال نفسه ، وهذا قائم لم ينسخ إلا أنه في الابتداء نهاهم عن زيارة القبور لتحقيق الزجر عن الهجر من الكلام ، ثم أذن لهم في الزيارة بشرط أن لا يقولوا هجرا ، ومن العلماء من يقول : الإذن للرجال دون النساء ، والنساء يمنعن من الخروج إلى المقابر لما روي { أن فاطمة رضي الله عنها خرجت في تعزية لبعض الأنصار ، فلما رجعت قال لها رسول الله : صلى الله عليه وسلم لعلك أتيت المقابر قالت لا ، فقال عليه الصلاة والسلام لو أتيت ما فارقت جدتك يوم القيامة } أي كنت معها في النار ، والأصح عندنا أن الرخصة ثابتة في حق الرجال والنساء جميعا . فقد روي أن عائشة رضي الله عنها كانت تزور قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل وقت ، وأنها لما خرجت حاجة زارت قبر أخيها عبد الرحمن رضي الله عنه ، وأنشدت عند القبر قول القائل : وكنا كندماني جذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا ، فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا ، والنهي عن إمساك لحوم الأضاحي ، فوق ثلاثة أيام قد انتسخ بقوله عليه الصلاة والسلام [ ص: 11 ] { فامسكوا ما بدا لكم وتزودوا } ، فإن القربة تنادي بإراقة الدم ، والتدبير في اللحم بعد ذلك من الأكل ، والإمساك ، والإطعام إلى صاحبه ، إلا أنه للضيق والشدة في الابتداء نهاهم عن الإمساك على وجه النظر والشفقة ليتبع موسرهم على معسرهم ، ولما انعدم ذلك التضييق أذن لهم في الإمساك ، فأما النهي عن الشرب في الأواني ، فقد كان في الابتداء نهاهم عن الشرب في الأواني المتثلمة تحقيقا للزجر عن العادة المألوفة ، ولهذا أمر بكسر الدنان ، وشق الروايا ، فلما تم انزجارهم عن ذلك أذن لهم في الشرب في الأواني ، وبين لهم أن المحرم شرب المسكر ، وأن الظرف لا يحل شيئا ، ولا يحرمه ، وقد بينا أن المسكر ما يتعقبه السكر ، وهو الكأس الأخير . .وعن إبراهيم رحمه الله قال أتي عمر رضي الله عنه بأعرابي سكران معه إداوة من نبيذ مثلث ، فأراد عمر رضي الله عنه أن يجعل له مخرجا ، فما أعياه إلا ذهاب عقله ، فأمر به ، فحبس حتى صحا ، ثم ضربه الحد ، ودعا بإداوته ، وبها نبيذ ، فذاقه ، فقال : أوه هذا فعل به هذا الفعل ، فصب منه في إناء ، ثم صب عليه الماء ، فشرب ، وسقى أصحابه ، وقال إذا رابكم شرابكم ، فاكسروه بالماء ، وفيه دليل أنه ينبغي للإمام أن يحتال لإسقاط الحد بشبهة يظهرها كما قال : عليه الصلاة والسلام { ادرءوا الحدود بالشبهات } ، وقد كانوا يفعلون ذلك في الحدود كلها ، وفي حديث الشرب على الخصوص لضعف في سببه على ما روي عن علي رضي الله عنه قال : ما من أحد أقيم عليه حدا ، فيموت ، فآخذ في نفسي من ذلك شيئا إلا حد الخمر ، فإنه يثبت بآرائنا ، فلهذا طلب عمر رضي الله عنه مخرجا له ، وفيه دليل على أن السكران يحبس حتى يصحو ، ثم يقام عليه الحد ; لأن المقصود هو الزجر ، وذلك لا يتم بالإقامة عليه في حال سكره ، فإنه لاختلاط عقله ربما يتوهم أن الضارب يمازحه بما يضربه ، والمقصود إيصال الألم إليه ، ولا يتم ذلك ما لم يصح . وتأخير إقامة الحد بعذر جائز كالمرأة إذا لزمها حد الزنا بالرجم ، وهي حبلى لا يقام عليها حتى تضع . وفيه دليل أنه لا بأس بشرب نبيذ الزبيب إذا كان مطبوخا ، وإن كان مشتدا ، فإن عمر رضي الله عنه قد شرب منه بعد ما صب عليه الماء ، وسقى أصحابه ، ثم لم يبين أن الأعرابي أذن له في الشرب من إداوته ، ولكن الظاهر أنه شرب ذلك بإذنه حتى روي أنه قال أتضربني فيما شربته ، فقال عمر رضي الله عنه إنما حددتك لسكرك ، فهو دليل أنه إذا سكر من النبيذ الذي يجوز شرب القليل منه يلزمه الحد ، وعن حماد رضي الله عنه قال دخلت على إبراهيم رحمه الله ، وهو يتغذى ، فدعا بنبيذ ، فشرب ، وسقاني ، فرأى في الكراهة ، فحدثني عن علقمة رحمه الله أنه كان يدخل على عبد الله بن مسعود [ ص: 12 ] رضي الله عنه ، فيتغدى عنده ، ويشرب عنده النبيذ يعني نبيذ الجر وقد روي أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يعتاد شربه حتى ذكر عن أبي عبيدة أنه أراهم الجر الأخضر الذي كان ينبذ فيه لابن مسعود رضي الله عنه ، وعن نعيم بن حماد رضي الله عنه قال كنا عند يحيى بن سعيد القطان رحمه الله ، وكان يحدثنا بحرمة النبيذ ، فجاء أبو بكر بن عياش رحمه الله ، فقال اسكت يا صبي حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة رحمه الله أنه شرب عبد الله بن مسعود رضي الله عنه نبيذا مشتدا صلبا ، وكذلك علي بن أبي طالب رضي الله عنه نبيذا مشتدا كان يعتاد شربه ، وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال سقاني علي رضي الله عنه نبيذا ، فلما رأى ما بي من التغير بعث معي قنبرا يهديني ، وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليا رضي الله عنه قال إن القوم ليجتمعون على الشراب ، وهو لهم حلال ، فلا يزالون يشربون حتى يحرم عليهم يعني إذا بلغوا حد السكر . ![]()
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ12 الى صـــ 21 (484) وكذلك عمر رضي الله عنه كان يشرب المثلث ، ويأمر باتخاذه للناس حتى روي عن داود بن أبي هند قال : قلت لسعيد بن المسيب الطلاء الذي يأمر عمر رضي الله عنه باتخاذه للناس ، ويسقيهم منه كيف كان قال كان يطبخ العصير حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى ثلثه ، والمراد أنه كان يسقيهم بعد ما يشتد لما ذكر عن عمر رضي الله عنه قال : إنا ننحر جزورا للمسلمين ، والعنق منها لآل عمر ، ثم يشرب عليه من هذا النبيذ ، فيقطعه في بطوننا ، ولكثرة ما روي من الآثار في إباحة شرب المثلث ذكر أبو حنيفة رحمه الله فيما عد من خصال مذهب أهل السنة ، وأن لا يحرم نبيذ الجر ، وعن بعض السلف قال : لأن أخر من السماء ، فأنقطع نصفين أحب إلي من أن أحرم نبيذ الجر ، وإنما قال ذلك لما في التحريم من رد الآثار المشهورة ، وإساءة القول في الكبار من الصحابة رضي الله عنهم ، وذلك لا يحل ، فأما مع الإباحة ، فقد لا يعجب المرء الإصابة من بعض المباحات للاحتياط ، أو لأنه لا يوافق طبعه ، وهذه الرخصة تثبت بعد التحريم ، فقد كانوا في الابتداء نهوا عن ذلك كله لتحقيق الزجر هكذا روي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : شهدت تحريمه كما شهدتم ، ثم شهدت تحليله ، فحفظت ذلك ، ونسيتم . فبهذا تبين أن ما يروى من الآثار في حرمته قد انتسخ بالرخصة فيه بعد الحرمة ، وعن إبراهيم رحمه الله قال : إنما كره التمر ، والزبيب لشدة الغش في ذلك الزمان كما كره اللحم ، والتمر ، وكما كره أن يقرن الرجل بين التمرتين ، فأما اليوم ، فلا بأس به ، وهذا منه بيان تأويل النهي عن شراب الخليطين ، وأنه لا بأس به اليوم ، وعن إبراهيم قال : قول الناس ما أسكر كثيره [ ص: 13 ] فقليله حرام خطأ منهم ، إنما أراد السكر حرام ، فأخطئوا ، وسنبين تأويل هذا اللفظ بعد هذا ، وعن علي بن الحسين رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا غزوة تبوك ، فمر بقوم يزفتون ، فقال ما هؤلاء ، فقيل : أصابوا من شراب لهم ، فنهاهم أن يشربوا في الدباء ، والحنتم ، والمزفت ، فلما مر بهم راجعا من غزاتهم شكوا إليه ما لقوا من التخمة ، فأذن لهم أن يشربوا منها ، ونهاهم عن المسكر } ، وفيه دليل أن الرخصة كانت بعد النهي ، وأنه عليه الصلاة والسلام نهاهم في الابتداء لتحقق الزجر عن شرب المسكر ، ثم أذن لهم في شرب القليل منه بعد أن لا يبلغوا حد المسكر ، والزبيب المعتق إذا لم يطبخ ، فلا بأس بشربه مما لم يغل ، فإذا غلا ، واشتد ، فلا خير فيه ، والكلام هنا في فصول أحدها في الخمر ، وقد بيناه . وإنما بقي الكلام فيه في ، فصل واحد ، وهو أن عند أبي حنيفة : العصير ، وإن أشتد ، فلا بأس بشربه ما لم يغل ، ويقذف بالزبد ، فإذا غلا ، وقذف بالزبد ، فهو خمر حينئذ ، وقال أبو يوسف ، ومحمد - رحمهما الله - إذا اشتد ، فهو خمر ; لأن صفة الخمرية فيه لكونه مسكرا مخامرا للعقل ، وذلك باعتبار صفة الشدة فيه يوضحه أن حرمة الخمر لما في شربها من إيقاع العداوة ، والصد عن ذكر الله تعالى ، وذلك باعتبار اللذة المطربة ، والقوة المسكرة فيها ، فأما بالغليان ، والقذف بالزبد ، فيرق ، ويصفو ، ولا تأثير لذلك في إحداث السكر ، فبعدما صار مشتدا ، فهو خمر سواء غلا ، وقذف بالزبد ، أو لم يغل : يوضحه أنه قد يحتال بإلقاء شيء عليه ، ويحتال للمنع من الغليان حتى لا يكون له غليان ، ولا قذف بالزبد أصلا ، ولكنه لا بد من أن يشتد ليكون مسكرا ، فعرفنا أن المعتبر فيه الشدة ولأبي حنيفة رحمه الله أن المسكر صفة العصير ، وهو أصل لما يعصر من العنب ، وما بقي أثر من آثار الأصل ، فالحكم له . ( ألا ترى ) أن مع بقاء واحد من أصحاب الحطة في المحلة لا يعتبر السكان . ، ثم حكم الصحة ، والحد لا يمكن إثباته بالرأي ، ولكن طريق معرفته النص والنص إنما ، ورد بتحريم الخمر ، والخمر مغاير للعصير ، ولا تتم المغايرة مع بقاء شيء من آثار العصير ، وقد كان الحل ثابتا فيه ، وما عرف ثبوته بيقين لا يزال إلا بيقين مثله ، وذلك بعد الغليان ، والقذف بالزبد ، والأصل في الحدود اعتبار نهاية الكمال في سببها كحد الزنا ، والسرقة لا يجب إلا بعد كمال الفعل اسما ، وصورة ، ومعنى من كل وجه لما في النقصان من شبهة العدم ، والحدود تندرئ بالشبهات ، فلهذا استقصى أبو حنيفة رحمه الله ، وقال : لا تتوفر أحكام الخمر على العصير بمجرد الشدة إلا بعد الغليان ، والقذف بالزبد . . فأما نبيذ التمر ، ونبيذ الزبيب ، فإن لم يطبخ حتى غلا ، واشتد وقذف [ ص: 14 ] بالزبد ، فهو حرام لما روينا من الآثار فيه ، وبعد الطبخ يحل شربه ، وإن اشتد ، واتفقت الروايات في التمر أن المعتبر فيه أدنى الطبخ ، وهو أن ينضج ، وفي الزبيب المعتق كذلك ، وهو أن يكسر بشيء ثم تستخرج حلاوته بالماء كما في التمر ، وأما إذا وقع في الماء ، فقد روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهما الله - أنه يعتبر فيه الطبخ حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى ثلثه كما في العصير ، والوجه فيه ما حكي عن السلف رحمهم الله أن ما يكون منه العصير ابتداء إذا أعيد إلى ما كان عليه في الابتداء ، فحكم ما يعصر منه حكم العصير ، وما لا يكون منه العصير في الابتداء لا يثبت فيه حكم العصير في الانتهاء ، فما يسيل من الرطب في الابتداء يحل بأدنى الطبخ ، فكذلك في الانتهاء ، وما يسيل من العنب في الابتداء لا يحل ما لم يذهب بالطبخ ثلثاه ، فكذلك في الانتهاء ، فأما في ظاهر المذهب ، فالزبيب ، والتمر سواء ، وإذا طبخ أدنى طبخه ، فإنه يحل شرب القليل منه ، وإن اشتد ; لأن العصير الذي كان في العنب قد ذهب حين زبب ، والزبيب عين آخر سوى العنب . ( ألا ترى ) إن غصب عنبا ، فجعله زبيبا انقطع حق المغصوب منه في الاسترداد ، فإذا تعتبر حاله على هذه الصفة ، وعلى هذه الصفة هو والتمر سواء في الحكم ، ثم التي من نبيذ التمر والزبيب ، وإن كان لا يحل شربه ، فهو ليس نظير الخمر في الحكم حتى يجوز بيعه في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وعلى قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله : لا يجوز بيعه ، ولا يجب الحد بالشرب منه ما لم يسكر ، وإذا أصاب الثوب منه أكثر من قدر الدرهم تجوز الصلاة فيه ، وكذلك المنصف ، وهو الذي ذهب بالطبخ نصفه إذا غلا ، واشتد لا يحل شربه ، ولكن يجوز بيعه عند أبي حنيفة ولا يجب الحد على من شرب منه ما لم يسكر ، وتجوز الصلاة فيه إذا أصاب الثوب منه ما لم يكن كثيرا فاحشا ، وفي النادق ، وهو ما طبخ أدنى طبخه ، وكان دون النصف ، فأظهر الروايتين عن أبي حنيفة رحمه الله أنه بمنزلة المنصف في حكم البيع والحد ، وعنه في رواية أخرى أنه ألحق بالخمر في أنه لا يجوز بيعه ، وأما حكم النجاسة فيه ; فلأنه مختلف بين العلماء رحمهم الله في حرمته ، ويتحقق فيه معنى البلوى أيضا ، وباعتبار هذين المعنيين يخف حكم النجاسة كما في بول ما يؤكل لحمه ، وأما في حكم الحد ، فلأن العلماء رحمهم الله لما اختلفوا في حرمته ، فالاختلاف المعتبر يورث شبهة ، والحد مما يندرئ بالشبهات . وأما حكم البيع ، فهما يقولان إن عينه محرمة التناول ، فلا يجوز بيعه كالخمر ، وهذا ; لأن البيع باعتبار صفة المالية ، والتقوم باعتبار كونه منتفعا به شرعا ، ولا منفعة في هذا المشروب سوى الشرب ، وإذا كان محرم الشرب شرعا كان ، فاسدا لماليته ، والتقوم شرعا ، فلا يجوز بيعه كالخمر ; ولأن صاحب الشرع صلى الله عليه وسلم [ ص: 15 ] سوى في الخمر بين البيع والشرب حين لعن بائعها ومشتريها كما لعن شاربها ، وهذا ; لأن البيع يكون تسليطا للمشتري على الشرب عادة ، فإذا كان الشرب حراما حرم البيع أيضا ، وهذا المعنى موجود في هذه الأشربة وأبو حنيفة رحمه الله يقول هذا شراب مختلف في إباحة شربه بين العلماء رحمهم الله ، فيجوز بيعه كالمثلث ; وهذا لأنه ليس من ضرورة حرمة التناول حرمة البيع ، فإن الدهن النجس لا يحل تناوله ، ويجوز بيعه ، وكذلك بيع السرقين جائز ، وإن كان تناوله حراما ، والسرقين محرم العين ، ومع ذلك كان بيعه جائزا ، فكذلك المنصف ، وما أشبهه ، وبطلان بيع الخمر عرفناه بالنص الوارد فيه ، وما عرف بالنص لا يلحق به إلا ما يكون في معناه من كل وجه . وهذه الأشربة ليست في معنى الخمر من كل وجه بدليل حكم الحد ، وحكم النجاسة ، فجاز بيعها باعتبار الأصل ، فأما المثلث على قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله ، فلا بأس بشربه ، والمسكر منه حرام ، وهو رواية عن محمد رحمه الله أيضا ، وعنه أنه كره شربه ، وعنه أنه حرم شربه ، وهو قول مالك والشافعي رحمهما الله احتجوا في ذلك بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : كل مسكر حرام } ، وفي رواية قال { : ما أسكر كثيره ، فقليله حرام } ، وفي رواية { ما أسكرت الجرعة منه ، فالجرعة منه حرام } ، وفي رواية { ، فملء الكف منه حرام } ; ولأن المثلث بعد ما اشتد خمر ; لأن الخمر إنما يسمى بهذا الاسم لا لكونه ماء . ( ألا ترى ) أن العصير الحلو لا يسمى خمرا ، وإنما تسميته بالخمر لمعنى مخامرته العقل ، وذلك موجود في سائر الأشربة المسكرة ، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال { كل مسكر خمر } . ولو سماه أحد من أهل اللغة خمرا لكان مستدلا بقوله على إثبات هذا الاسم له ، فإذا سماه صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام به وهو أفصح العرب أولى ، يوضحه أن الكثير من هذه الأشربة مساو للكثير من الخمر في حكم الحرمة ، ووجوب الحد ، فكذلك القليل ، وبهذا تبين أن القليل في الحرمة كالكثير ; لأن شرب القليل منه لو كان مباحا لما ، وجب الحد ، وإن سكر منه ; لأن السكر إنما حصل بشرب الحلال والحرام جميعا ، فباعتبار جانب الحلال يمنع وجوب الحد عليه . وإذا اجتمع الموجب للحد ، والمسقط له ترجح المسقط على الموجب وأبو حنيفة وأبو يوسف استدلا بما روينا من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن الصحابة رضي الله عنهم ، وأقوى ما يستدل به قول الرسول عليه الصلاة والسلام { : حرمت الخمر لعينها ، والمسكر من كل شراب } ، وبهذا تبين أن اسم الخمر لا يتناول سائر الأشربة حقيقة ; لأن عطف الشيء على نفسه لا يليق بحكمة الحكيم [ ص: 16 ] وقد بينا أنه كان يسمى خمرا لمعنى مخامرة العقل بطريق المجاز ، والمجاز لا يعارض الحقيقة ، وما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { : كل مسكر خمر } لا يكاد يصح ، فقد قال يحيى بن معين رحمه الله ثلاث لا يصح فيهن حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وذكر في جملتها كل مسكر خمر ، ثم مراد النبي عليه الصلاة والسلام تشبيه المسكر بالخمر في حكم خاص ، وهو الحد ، فقد بعث مبينا للأحكام دون الأسامي ، ونحن نقول : إن المسكر ، وهو القدح الأخير مشبه للخمر في أنه يجب الحد بشربه ، وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى يوم النحر عام حجة الوداع ، فأتي بنبيذ من السقاية ، فلما قربه إلى فيه قطب وجهه ، ورده قال العباس رضي الله عنه : أحرام هذا يا رسول الله ؟ فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا بماء ، وصب عليه ، ثم شرب ، وقال إنه إذا استلبث عليكم شيء من الأشربة ، فاكسروا متونها بالماء } ، فقد كان مشتدا ، ولهذا قطب وجهه ، ورده ثم لما خاف أن يظن الناس أنه حرام أخذه ، وشربه ، فدل أن المشتد من المثلث لا بأس بشربه . ولا يقال : إنما قطب وجهه لحموضته ; لأن شرب السقاية إنما كان يتخذ لشرب الحاج ، ولا يسقى الخل العطشان ، فعرفنا أنه قطب وجهه للشدة ، والمعنى فيه أن الخمر موعود للمؤمنين في الآخرة قال الله تعالى { : وأنهار من خمر لذة للشاربين } ، فينبغي أن يكون من جنسه في الدنيا مباحا يعمل عمله ليعلم بالإصابة منه تلك اللذة ، فيتم الترغيب فيه ، وما هو مباح في الدنيا يصير كالأنموذج لما هو موعود في دار الآخرة . ( ألا ترى ) أنه لما وعد الله المؤمنين الشرب في الكأس في الذهب والفضة في الآخرة أحل من جنسه في الدنيا ، وهو الشرب من الكأس المتخذ من الزجاج ، والبلور ، وغير ذلك لهذا المعنى ، ولهذا المعنى وعد المؤمنين الحلية في الآخرة أحل لهم ما هو من جنس ذلك في ذلك ، وتقرر هذا الحرف من وجه آخر ، فنقول إن الشرع حرم الخمر ، ولا شك أن هذه الحرمة لمعنى الابتلاء ، وإنما يتحقق معنى الابتلاء بعد العلم بتلك اللذة ليكون في الامتناع منه عملا بخلاف هوى النفس ، وتعاطيها للأمر ، وحقيقة تلك اللذة لا تصير معلومة بالوصف بل بالذوق ، والإصابة ، فلا بد من أن يكون من جنس ذلك ما هو حلال لتصير تلك اللذة به معلومة بالتجربة ، فيتحقق معنى الابتلاء في تحريم الخمر يعتبر هذا بسائر المحرمات كالزنا ، وغيره إلا أن في الخمر القليل والكثير منه حرام ; لأن قليله يدعو إلى كثيره ، فأما هذه الأشربة ، ففيها من الغلظ ، والكثافة ما لا يدعو قليلها إلى كثيرها ، فكان القليل منها مباحا مع وصف الشدة ، والمسكر منها حرام . وقد بينا أن [ ص: 17 ] المسكر هو الكأس الأخير ، وأنه مباين في الحكم لما ليس بمسكر منه ، وهو كمن شرب أقداحا من ماء ، ثم شرب قدحا من الخمر ، فالمحرم عليه هو الخمر ، وبها يلزمه الحد دون ما سبق من الأقداح ، فهذا مثله . فإن كان يسكر بشرب الكثير منه ، فذاك لا يدل على أنه يحرم تناول القليل منه كالبنج ، ولبن الفرس ، وأما الحديث ، فنحن نقول به ، وكل مسكر عندنا حرام ، وذلك القدح الأخير ، وروي عن أبي يوسف أنه قال في تأويله : إذا كان يشرب على قصد السكر ، فإن القليل ، والكثير على هذا القصد حرام ، فأما إذا كان يشرب لاستمراء الطعام فلا ، فهو نظير المشي على قصد الزنا يكون حراما ، وعلى قصد الطاعة يكون طاعة ، وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام ما أسكر كثيره ، فقليله حرام هو على ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والقدح الأخير الذي هو مسكر قليله ، وكثيره حرام ، ثم هذا عند التحقيق دليلنا ، فبهذا يتبين أن ما هو الكثير منه يكون مسكرا ، فالمحرم عليه قليل من ذلك الكثير ، وإنما يكون ذلك إذا جعلنا المحرم هو القدح الأخير ، فأما إذا جعلنا الكل محرما ، فلا يكون المحرم قليلا من ذلك الكثير كما اقتضاه ظاهر الحديث ، ثم قد بينا أن هذا كان في الابتداء لتحقيق الزجر ، ثم جاءت الرخصة بعد ذلك في شرب القليل منه ، ومهما أمكن الجمع بين الآثار ، فذلك أولى من الأخذ ببعضها ، والإعراض عن بعضها ، ولا بأس بنبيذ التمر والبسر جميعا ، أو أحدهما وحده إذا طبخ ; لأن البسر من نوع التمر ، فإنه يابس العصب ، وقد بينا : أن المطبوخ من نبيذ التمر شربه حلال ، والمسكر منه حرام ، وكذلك التمر والزبيب ، أو البسر والزبيب ، وهو شراب الخليطين ، وقد بينا الكلام فيه ، وبعد ما طبخ معتقه ، وغير معتقه سواء في إباحة الشرب يعني المشتد منه ، وغير المشتد منه ، والمحرم المسكر منه ، وذلك بغير المشتد لا يحصل . ولو حصل كان محرما أيضا بمنزلة الأكل فوق الشبع ، ولا بأس بهذه الأنبذة كلها من العسل ، والذرة ، والحنطة ، والشعير ، والزبيب ، والتمر ، وكل شيء من ذلك ، أو غيره من النبيذ عتق ، أو لم يعتق خلط بعضها ببعض ، أو لم يخلط بعد أن يطبخ أما الكلام في نبيذ التمر ، والزبيب ، فقد بيناه . وأما في سائر الأنبذة ، ففي ظاهر الجواب لا بأس بالشرب منه مطبوخا كان ، أو غير مطبوخ ، وفي النوادر روى هشام عن محمد رحمهما الله أن شرب النيء منه بعد ما اشتد لا يحل لقوله عليه الصلاة والسلام : { الخمر من خمسة : من النخل ، والكرم ، والحنطة ، والشعير ، والذرة } ، وليس المراد به أنه خمر حقيقة ، وإنما المراد التشبيه بالخمر في أنه لا يحل شربه ، وقد ثبت بالدليل أن النيء من نقيع الزبيب ، والتمر إذا كان مشتدا لا يحل شربه ، فكذلك من سائر الأشربة ; لأن [ ص: 18 ] معنى الشدة يجمع الكل ، وجه ظاهر الرواية أن العسل ، والذرة ، والشعير حلال التناول متغيرا كان ، أو غير متغير ، فكذلك ما يتخذ منها من الأشربة ; لأن هذا في معنى الطعام ، والتغير في الطعام لا يؤثر في الحرمة ، فكذلك نفس الشدة لا توجب الحرمة ، فقد يوجد ذلك في بعض الأدوية كالبنج ، وفي بعض الأشربة كاللبن ، والحديث فيه شاذ والشاذ فيما تعم به البلوى لا يكون مقبولا ، وهو محمول على التحريم الذي كان قبل الرخصة لتحقق المبالغة في الزجر . ولا حد على شارب ما يتخذ من العسل ، والحنطة ، والشعير ، والذرة ، وكذلك ما يتخذ من الفانيد ، والتوت ، والكمثرى ، وغير ذلك أسكر ، أو لم يسكر ; لأن النص ، ورد بالحد في الخمر ، وهذا ليس في معناه فلو أوجبنا فيه الحد كان بطريق القياس ثم الحد مشروع للزجر عن ارتكاب سببه ، ودعاء الطبع إلى هذه الأشربة لا يكون كدعاء الطبع إلى المتخذ من الزبيب ، والعنب ، والتمر ، فلا يشرع فيه الزجر أيضا ، وإن اشتد عصير العنب ، وغلا ، وقذف بالزبد ، ثم طبخ بعد ذلك لم يحل بالطبخ ; لأن الطبخ لاقى عينا حراما ، فلا يفيد الحل فيه كطبخ لحم الخنزير ، وهذا ; لأنه ليس للنار تأثير في الحل ، ولا في تغيير طبع الجوهر بخلاف العصير الحلو إذا طبخ ، فالطبخ هناك حصل في عين حلال ، وللطبخ تأثير في منع ثبوت صفة الحرمة فيه كما بينا أن الخمر هي التي من ماء العنب إذا اشتد ، فإذا طبخ العصير ، ثم اشتد ، فهو حين اشتد ما كان نيئا ، فلا يكون خمرا ، فأما الأول فحين اشتد كان نيئا ، وصار خمرا ، ثم الطبخ في الخمر لا يوجب تبديل عينه ، ولهذا يحد من شرب منه قليلا كان ، أو كثيرا . ولا بأس بنبيذ الفضيخ يعني إذا صب عليه الماء ، ثم طبخ ، وترك حتى اشتد ، فهذا لا بأس به ; لأن الطبخ لاقى عينا حلالا ، ولأنه إن رق فرقته باعتبار ما فيه من أجزاء الماء ، والماء حلال الشرب وحده ، والفضيخ كذلك ، فكذلك بعد الجمع بينهما . قلت ، فهل يرخص في شيء من المطبوخ على النصف ، أو أقل من ذلك ، وهو حلو ، قال لا أرخص في شيء من ذلك إلا ما قد ذهب ثلثاه ، وبقي ثلثه قيل : هذا غلط ، والصحيح ، وهو غير حلو ، فالحلو حلال ، وإن كان نيئا كيف لا يحل بعد الطبخ ، وقيل : المراد به أنه طبخ ، وهو حلو لم يتغير حين ذهب منه النصف ، أو أقل ، ثم ترك حتى اشتد ، فهذا هو المنصف ، والقاذف ، وقد بينا الكلام فيهما في حكم الشراء ، والبيع . . وإذا ، وقعت قطرة من خمر ، أو مسكر ، أو نقيع زبيب قد اشتد في قدح من ماء أمرت بإراقته ، وكرهت شربه ، والتوضؤ به ; لأنه تنجس بما وقع فيه ، والتوضؤ بالماء النجس لا يجوز ، وإذا شربه ، فلا بد أن يكون شاربا للقطرة الواقعة فيه ، وذلك حرام ، ولأنه اجتمع فيه المعنى الموجب للحل [ ص: 19 ] والموجب للحرمة ، فيغلب الموجب للحرمة على الموجب للحل ، فإن شرب رجل ماء فيه خمر ، فإن كان الماء غالبا بحيث لا يوجد فيه طعم الخمر ، ولا ريحه ، ولا لونه لم يحد ; لأن المغلوب مستهلك بالغالب ، والغالب ماء نجس ; ولأن الحد للزجر ، والطباع السليمة لا تدعو إلى شرب مثله على قصد التلهي ، فأما إذا كان الخمر غالبا حتى كان يوجد فيه طعمه ، وريحه ، وتبين لونه حددته ; لأن الحكم للغالب ، والغالب هو الخمر ; ولأن الطباع تميل إلى شرب مثله للتلهي ، وقد يؤثر المرء الممزوج على الصرف ، وقد يشرب بنفسه صرفا ، ويمزج لجلسائه ، وهو وإن مزجه بالماء لم يخرج من أن يكون خمرا اسما ، وحكما ، ومقصودا ولو لم يجد فيه ريحها ، ووجد طعمها حد ; لأن الرغبة في شربها لطعمها لا لريحها . ( ألا ترى ) أنه يتكلف لإذهاب ريحها ، ولزيادة القوة في طبعها . ولو ملأ فاه خمرا ، ثم مجه ، ولم يدخل جوفه منها شيء ، فلا حد عليه ; لأنه ذاق الخمر ، وما شرب . ( ألا ترى ) أنه لا يحنث في اليمين المعقودة على الشرب بهذه ، وأن الصائم لو فعله مع ذكره للصوم لا يفسد صومه ، وكذلك الطبع لا يميل إلى هذا الفعل ، فلا يشرع فيه الزجر بخلاف شرب القليل ، فإنه من جنس الشرب ، والطبع مائل إلى شرب الخمر قلت ، والتمر المطبوخ يمرس فيه العنب ، فيغليان جميعا ، والعنب غير مطبوخ قال : أكره ذلك ، وأنهى عنه ، ولا أحد من شرب منه إلا أن يسكر ، والكلام في فصلين أحدهما في طبخ العنب قبل أن يعصر ، فإن الحسن روى عن أبي حنيفة رحمهما الله أنه بمنزلة الزبيب ، والتمر يكفي أدنى الطبخ فيه ، ولكن الحسن بن أبي مالك رحمه الله أنكر هذه الرواية ، وقال سمعت أبا يوسف عن أبي حنيفة يقول : إنه لا يحل ما لم يذهب ثلثا ما فيه بالطبخ ، وهو الأصح ; لأن الذي في العنب هو العصير ، والعصر مميز له عن التفل والقشر ، وكما لا يحل العصير بالطبخ ما لم يذهب منه ثلثاه ، فكذلك العنب . فإن جمع في الطبخ بين العنب ، والتمر ، أو بين الزبيب ، والتمر لا يحل ما لم يذهب بالطبخ ثلثاه بخلاف ما لو خلط عصير العنب بنقيع التمر ، والزبيب ، وهذا ; لأن العصر لا يحل بالطبخ ما لم يذهب ثلثاه إذا كان وحده ، فكذلك إذا كان مع غيره ; لأنه اجتمع فيه الموجب للحل ، والحرمة ، وفي مثله يغلب الموجب للحرمة احتياطا ، وذكر المعلى في نوادره أن نقيع التمر ، والزبيب إذا طبخ أدنى طبخه ثم نقع فيه تمر ، أو زبيب ، فإن كان ما نقع فيه شيئا يسيرا لا يتخذ النبيذ من مثله ، فهو معتبر ، ولا بأس بشربه ، وإن كان يتخذ النبيذ من مثله لم يحل شربه ما لم يطبخ قبل أن يشتد ; لأنه في معنى نقيع مطبوخ ، ولو صب في المطبوخ قدح من نقيع لم يحل شربه إذا اشتد ، ويغلب الموجب للحرمة [ ص: 20 ] على الموجب للحل ، فهذا مثله . ولا يحد في شرب شيء من ذلك ما لم يسكر إما لاختلاف العلماء رحمهم الله في إباحة شربه ، أو ; لأن ثبوت الحرمة للاحتياط ، وفي الحدود يحتال للدرء ، وللإسقاط ، فلا يجب به الحد ما لم يسكر ، وإن خلط الخمر بالنبيذ ، وشربه رجل ، ولم يسكر ، فإن كانت الخمر هي الغالبة حددته ، وإن كان النبيذ هو الغالب لم نحده ; لما بينا أن المغلوب يصير مستهلكا بالغالب ، ويكون الحكم للغالب ، وهذا في الجنسين مجمع عليه ، والنبيذ ، والخمر جنسان مختلفان ، فإن أحكامهما مختلفة ، فإن طبخ الزبيب وحده ، أو التمر ، ثم مرس العنب فيه ، فلا بأس به ما دام حلوا ، فإذا اشتد ، فلا خير فيه ، وكذلك إن مرس العنب في نبيذ العسل ، فهو بمنزلة عصير خلط بنبيذ ، واشتد ، فإن طبخا جميعا حتى ذهب ثلثا العصير ، ثم اشتد ، فلا بأس به ; لأن ما هو الشرط في العصير ، وهو ذهاب الثلثين بالطبخ قد وجد ، والعنب الأبيض ، والأسود يعصران لا بأس بعصيرهما ما دام حلوا ، فإذا اشتد فهو خمر ، وإنما ، أورد هذا ; لأنه وقع عند بعض العوام أن الخمر من العنب الأسود دون الأبيض هذا ، وإن كان لا يشكل على الفقهاء ، فلرد ما ، وقع عند العوام كما ذكر في الاصطياد بالكلب الكردي في كتاب الصيد ، وقد بيناه . وما طبخ من التمر ، والزبيب ، وعتق ، فلا بأس به ، وقال أبو يوسف رحمه الله : أكره المعتق من الزبيب ، والتمر ، وأنهى عنه ، وهذا قوله الأول على ما بينا أنه كان يقول أولا : كل نبيذ يزداد جودة عند إبانه ، فلا خيار فيه ، وقد رجع عن هذا إلى قول أبي حنيفة ، وقد ذكر رجوعه في روايات أبي حفص رحمه الله ، وكذلك نبيذ التمر المعتق يجعل فيه الرازي ، وهو شيء يجعلونه في نبيذ التمر عند الطبخ لتقوى به شدته ، وينتقص من النفخ الذي هو فيه ، والشدة بعد الطبخ لا تمنع شربه ، فكذلك إذا جعل فيه ما تتقوى به الشدة ، فذلك يمنع شربه ، ويكره شرب دردي الخمر ، والانتفاع به ; لأن الدردي من كل شيء بمنزلة صافيه ، والانتفاع بالخمر حرام ، فكذلك بدرديه ، وهذا ; لأن في الدردي أجزاء الخمر . ولو وقعت قطرة من خمر في ماء لم يجز شربه ، والانتفاع به ، فالدردي أولى ، والذي روي أن سمرة بن جندب رضي الله عنه كان يتدلك بدردي الخمر في الحمام ، فقد أنكر عليه عمر رضي الله عنه ذلك حتى لعنه على المنبر لما بلغه ذلك عنه ، وليس لأحد أن يأخذ بذلك بعد ما أنكره عمر رضي الله عنه . ولو شرب منه ، ولم يسكر ، فلا حد عليه عندنا ، وقال الشافعي رحمه الله يلزمه الحد ; لأن الحد يجب بشرب قطرة من الخمر ، وفي الدردي قطرات من الخمر ، ولكنا نقول : وجوب الحد للزجر ، وإنما يشرع الزجر فيما تميل إليه الطباع السليمة ، والطباع لا تميل إلى شرب الدردي بل من [ ص: 21 ] يعتاد شرب الخمر يعاف الدردي ، فيكون شربه كشرب الدم ، والبول ، ثم الغالب على الدردي أجزاء تفل العنب من القشر ، وغيره . ولو كان الغالب هو الماء لم يجب الحد بشربه كما بينا ، فكذلك إذا كان الغالب تفل العنب ، ولا بأس بأن يجعل ذلك في خل ; لأنه يصير خلا ، فإن من طبع الخمر يصير خلا إذا ترك كذلك ، فإذا غلب عليه الخل ، أولى أن يصير خلا وخل الخمر حلال وإذا طبخ في الخمر ريحان يقال : له سوسن حتى يأخذ ريحها ثم يباع لا يحل لأحد أن يدهن ، أو يتطيب به ; لأنه عين الخمر ، وإن تكلفوا لإذهاب رائحته برائحة شيء آخر غلب عليها ، والانتفاع بالخمر حرام قد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر عشرا بقوله عليه الصلاة والسلام { : لعن الله في الخمر عشرا } ، وقال في الجملة من ينتفع بها ، ولا تمتشط المرأة بالخمر في الحمام ; لأنها في خطاب تحريم الشرب كالرجل ، وكذلك في وجوب الحد عليها عند الشرب ، فكذلك في الانتفاع بها من حيث الامتشاط ، وذلك شيء يصنعه بعض النساء ; لأنه يزيد في ترنيق الشعر ، وقد صح عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تنهى النساء عن ذلك أشد النهي ، وكذلك لا يحل أن يسقى الصبيان الخمر للدواء ، وغير ذلك ، والإثم على من يسقيهم ; لأن الإثم ينبني على الخطاب ، والصبي غير مخاطب ، ولكن من يسقيه مخاطب ، فهو الآثم ، والأصل فيه حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال : إن أولادكم ولدوا على الفطرة ، فلا تداووهم بالخمر ، ولا تغذوهم بها ، فإن الله تعالى لم يجعل في رجس شفاء ، وإنما الإثم على من سقاهم ، ويكره للرجل أن يداوي بها جرحا في بدنه ، أو يداوي بها دابته ; لأنه نوع انتفاع بالخمر والانتفاع بالخمر محرم شرعا من كل وجه ، ثم الضرورة لا تتحقق لما بينا أنه لا بد أن يوجد غير ذلك من الحلال ما يعمل عمله في المداواة . . وإن غسل الظرف الذي كان فيه الخمر ، فلا بأس بالانتفاع به ، ولا بأس أن يجعل فيه النبيذ ، والمربى ; لأن الظرف كان تنجس بما جعل فيه من الخمر ، فهو كما لو تنجس بجعل البول ، والدم فيه ، فيطهر بالغسل ، وإذا صار طاهرا بالغسل حل الانتفاع به ، والدليل على أنه يطهر بالغسل قوله عليه الصلاة والسلام { ، وإنما يغسل الثوب من خمس ، وذكر فيها الخمر } ، فعرفنا أنه يطهر الثوب بعد ما يصيبه الخمر بالغسل فكذلك الظروف والذي روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بكسر الدنان ، وشق الروايا } قد بينا أنه كان في الابتداء للمبالغة في الزجر عن العادة المألوفة ، ثم قيل : في تأويله المراد ما يشرب فيه الخمر حتى لا يمكن استخراجه بالغسل ، وتوجد رائحة الخمر من كل ما يجعل فيه ، فأما إذا لم يكن بهذه الصفة ، فهو يطهر بالغسل ، فلا [ ص: 22 ] يحل كثيره ; لأنه عين منتفع به بطريق حلال شرعا . ![]()
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ22 الى صـــ 31 (485) قلت : فالخمر يطرح فيها السمك ، والملح ، فيصنع مربى قال : لا بأس بذلك إذا تحولت عن حال الخمر ، وأصل المسألة أن تخليل الخمر بالعلاج جائز عندنا ، ويحل تناول الخل بعد التخليل ، وعند الشافعي التخليل حرام بإلقاء شيء في الخمر من ملح ، أو خل ، ولا يحل ذلك الخل قولا واحدا ، والتخليل من غير إلقاء شيء فيه بالنقل من الظل إلى الشمس ، أو إيقاد النار بالقرب منه لا يحل عنده أيضا ، ولكن إذا تخلل ، فله قولان في إباحة تناول ذلك الخل ، واحتج في ذلك بما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تخليل الخمر } ، وفي رواية { نهى أن تتخذ الخمر خلا } ، وفي { حديث أبي طلحة رضي الله عنه أنه كان في حجره خمور ليتامى ، فلما نزل تحريم الخمر قال ماذا أصنع بها يا رسول الله ؟ قال عليه الصلاة والسلام : أرقها قال : أفلا أخللها قال : عليه الصلاة والسلام لا } ، فقد أمره بالإراقة . ولو كان التخلل جائزا لأرشده إلى ذلك لما فيه من الإصلاح في حق اليتامى ، فلما سأله عن التخلل نهاه عن ذلك ، فلو كان جائزا لكان الأولى أن يرخص فيه في خمور اليتامى ، وإذا ثبت بهذه الأخبار أن التخليل حرام ، فالفعل المحرم شرعا لا يكون مؤثرا في الحل كذبح الشاة في غير مذبحها ; ولأن الخمر عين محرم الانتفاع بها من كل وجه ، والتخليل تصرف فيها على قصد التمول ، فيكون حراما كالبيع ، والشراء ، وكما لو ألقى في الخمر شيئا حلوا كالسكر ، والفانيذ حتى صار حلوا ، وهذا ; لأن نجاسة العين توجب الاجتناب ، وفي التخليل اقتراب منه ، وذلك ضد المأمور به نصا في قوله عز وجل { ، فاجتنبوه } بخلاف الخمر للإراقة ، فإنه مبالغة في الاجتناب عنه ، ثم ما يلقى في الخمر نجس بملاقاة الخمر إياه ، وما يكون نجسا في نفسه لا يفيد الطهارة في غيره ، وعلى هذا الحرف تفصيل بين ما إذا ألقي فيه شيء ، وبين ما إذا لم يجعل فيه شيء ، وهذا بخلاف ما إذا تخلل بنفسه ; لأنه لم يوجد هناك تنجيس شيء بإلقائه فيه ، ولا مباشرة فعل حرام في الخمر ، فهو نظير الصيد إذا خرج من الحرم بنفسه حل اصطياده . ولو أخرجه إنسان لم يحل ، ووجب رده إلى الحرم ومن قتل مورثه يحرم من الميراث بمباشرته فعلا حراما بخلاف ما إذا مات بنفسه ، وحقيقة المعنى فيه أن من طبع الخمر أن يتخلل بمضي الزمان ، فإذا تخللت ، فقد تحولت بطبعها ، وصارت في حكم شيء آخر ، فأما التخليل ، فليس بتقليب للعين ; لأنه ليس للعباد تقليب الطباع ، وإنما الذي إليهم إحداث المجاورة بين الأشياء ، فيكون هذا تنجيسا لما يلقى في الخمر لا تقليبا لطبع الخمر ، وهو نظير الشاب يصير شيخا بمضي الزمان ، وبتكليفه لا يصير شيخا ، فإذا لم يتبدل طبعه [ ص: 23 ] بهذا التخليل بقي صفة الخمرية فيه ، وإن كان لم يطهر كما إذا ألقي فيه شيئا من الحلاوة ، وهذا بخلاف جلد الميتة إذا دبغ ، فإن نجاسة الجلد بما اتصل به من الدسومات النجسة ، والدبغ إزالة لتلك الدسومة ، وإلى العباد الفصل ، والتمييز بين الأشياء ، فكان فعله إصلاحا من حيث إنه يميز به الطاهر من النجس ، فأما نجاسة الخمر ، فلعينها لا لغير اتصل بها ، وإنما تنعدم هذه الصفة بتحولها بطبعها ، ولا أثر للتخليل في ذلك . وحجتنا في ذلك ما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال { : أيما إهاب دبغ ، فقد طهر كالخمر يخلل ، فيحل } ، ولا يقال : قد روي كالخمر تخلل ، فحل ; لأن الروايتين كالخبرين ، فيعمل بهما ، ثم ما رويناه أقرب إلى الصحة ; لأنه شبه دبغ الجلد به ، والدبغ يكون بصنع العباد لا بطبعه ، فعرفنا أن المراد التخليل الذي يكون بصنع العباد ، والمعنى فيه : أن هذا صلاح لجوهر فاسد ، فيكون من الحكمة ، والشرع أن لا ينهى عما هو حكمة ، وبيان الوصف أن الخمر جوهر ، فاسد ، فإصلاحه بإزالة صفة الخمرية عنه ، والتخليل إزالة لصفة الخمرية ، فعرفنا أنه إصلاح له ، وهو كدبغ الجلد ، فإن عين الجلد نجس ، ولهذا لا يجوز بيعه . ولو كانت النجاسة بما اتصل به من الدسومات لجوز بيعه كالدسومات النجسة ، ولكن الدبغ إصلاح له من حيث إنه يعصمه عن النتن ، والفساد ، فكان جائزا شرعا ، ولا معنى لما قال إن هذا إفساد في الحال لما يلقى فيه ; لأن هذا موجود في دبغ الجلد ، فإنه إفساد لما يجعل فيه من الشب ، والقرظ ، وهذا إصلاح باعتبار مآله ، والعبرة للمآل لا للحال ، فإن إلقاء البذر في الأرض يكون إتلافا للبذر في الحال ، ولكنه إصلاح باعتبار مآله ، وبهذا يتبين أن التخليل ليس بتصرف في الخمر على قصد تمول الخمر بل هو إتلاف لصفة الخمرية ، وبين تمول الخمر ، وإتلاف صفة الخمرية منافاة ، فما كان الاقتراب من العين لإتلاف صفة الخمرية إلا نظير الاقتراب منها لإراقة العين ، وذلك جائز شرعا ، ونحن نسلم أن تقليب الطباع ليس إلى العباد ، وإنما إليهم إحداث المجاورة ، ولكن إحداث المجاورة بين الخل والخمر بهذه الصفة يقوى على إتلاف صفة الخمرية بتحولها إلى طبع الحل في أسرع الأوقات ، فكان هذا أقرب إلى الجواز من الإمساك ، وإذا جاز الإمساك إلى أن يتخلل ، فالتخليل ، أولى بالجواز ، وأما إذا ألقى فيه شيئا من الحلاوة ، فذلك ليس بإتلاف لصفة الخمرية ; لأنه ليس من طبع الخمر أن يصير حلوا ، فعرفنا أن معنى الشدة ، والمرارة قائم فيه ، وإن كان لا يظهر لغلبة الحلاوة عليه ، فأما من طبع الخمر أن يصير خلا ، فيكون التخليل إتلافا لصفة الخمرية كما بينا ، يوضحه أن من وجه ، فعليه إحداث المجاورة ، ومن وجه إتلاف لصفة [ ص: 24 ] الخمرية كما قلنا ، فيوفر حظه عليهما ، فيقول لاعتبار جانب إحداث المجاورة لا يحل بإلقاء شيء من الحلاوات فيه ، ولاعتبار جانب إتلاف صفة الخمرية يحل التخليل . فأما ما روي من النهي عن التخليل ، فالمراد أن يستعمل الخمر استعمال الخل بأن يؤتدم به ، ويصطبغ به ، وهو نظير ما روي { أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن تحليل الحرام ، وتحريم الحلال ، وأن تتخذ الدواب كراسي } ، والمراد الاستعمال { ، ولما نزل قوله تعالى { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } قال عدي بن حاتم رضي الله عنه ما عبدناهم قط قال النبي صلى الله عليه وسلم أليس كانوا يأمرون ، وينهون ، فيطيعونهم ؟ قال : نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام : هو ذاك } قد فسر الاتخاذ بالاستعمال ، وفي حديث أبي طلحة ذكر بعض الرواة ، { أفلا أخللها ؟ قال نعم } ، وإن صح ما روي ، فإنما نهى عن التخليل في الابتداء للزجر عن العادة المألوفة ، فقد كان يشق عليهم الانزجار عن العادة في شرب الخمر ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة الخمور ، ونهى عن التخليل لذلك كما أمر بقتل الكلاب للمبالغة في الزجر عن العادة المألوفة في اقتناء الكلاب ، ثم كان لا يأمن عليهم أن يعفوا في خمور اليتامى إذ لم يبق بأيديهم شيء من الخمر ، فأمر في خمور اليتامى أيضا بالإراقة للزجر ، والواجب على الوصي المنع من إفساد مال اليتيم لا إصلاح ما فسد منه . ( ألا ترى ) أن شاة اليتيم إذا ماتت لا يجب على الوصي دبغ جلدها ، وإن كان لو فعله جاز ، فكذلك لا يجب عليه التخليل ، وإن كان لو فعله كان جائزا إذا ثبت جواز التخليل ، فكذلك جواز اتخاذ المربى من الخمر بإلقاء الملح ، والسمك فيه ; لأنه إتلاف لصفة الخمرية كما في التخليل ، والذي روي عن عمر رضي الله عنه أنه نهى عن ذلك يعارضه ما روي أن ابن عباس رضي الله عنه سئل عن ذلك ، فقال لا بأس به ، ثم تأويل حديث عمر رضي الله عنه مثل ما بينا من تأويل الحديث المرفوع أنه نهى عن ذلك على طريق السياسة للزجر ، ولا يحل للمسلم بيع الخمر ، ولا أكل ثمنها ; لأن الله تعالى سماها رجسا ، فيقضي ذلك بنجاسة العين ، وفساد المالية ، والتقويم كما في الميتة ، والدم ، ولحم الخنزير ، وقد أمر بالاجتناب عنها ، فاقتضى ذلك أن لا يجوز للمسلم الاقتراب منها على جهة التمول بحال ، وفي الحديث { أن أبا عامر كان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم راوية من خمر كل عام ، فأهدى له في العام التي حرمت فيه ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن الله قد حرم الخمر ، فلا حاجة لي في خمرك قال : خذها ، وبعها ، وانتفع بثمنها في حاجتك ، فقال عليه الصلاة والسلام يا أبا عامر إن الذي حرم شربها حرم بيعها ، وأكل ثمنها . } { ، وسئل ابن عمر رضي الله عنه عن بيع الخمر ، وأكل ثمنها ، فقال : قاتل الله اليهود [ ص: 25 ] حرمت عليهم الشحوم ، فجملوها ، وباعوها ، وأكلوا ثمنها ، وإن الذي حرم الشرب حرم بيعها ، وأكل ثمنها ، وممن لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر بائعها ، ومشتريها . } . فإن صنع الخمر في مرقة ، ثم طبخ لم يحل أكله ، ولا يحل هذا الصنع ; لأن فيه استعمال الخمر كاستعمال الخل ، وقد بينا أن هذا منهي عنه ، ثم الطبخ في الخمر لا يحلها ، ولا يغير الحكم الثابت فيها كما لو طبخها لا في مرقة ، ولكن لا يحد من شرب تلك المرقة ; لأن الغالب عليها غير الخمر ، وقد بينا أن المعتبر هو الغالب في حكم الحد ; ولأن وجوب الحد بشرب الخمر ، والمرقة تؤكل مع الطعام ، والأكل غير الشرب ، ولهذا لا نوجب الحد في الدردي ; لأنه إلى الأكل أقرب منه إلى الشرب ، ويكره الاحتقان بالخمر ، والإقطار منها في الإحليل ، ولا حد في ذلك أما الاستشفاء بعين الخمر ، فقد بينا أنه لا يحل عندنا والشافعي يجوز ذلك إذا أخبره عدلان أن شفاءه في ذلك ، ولا حد عليه لشبهة اختلاف العلماء رحمهم الله في إباحة هذا الفعل ، ولحاجته إلى التداوي ، ثم ما يقطر في إحليله لا يصل إلى جوفه ، ولهذا لا يفطره عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، والحقنة ، وإن كانت مفطرة ، فالحد لا يلزمه فيما يصل إلى جوفه من أسافل البدن ; لأن الحد للزجر ، والطبع لا يميل إلى ذلك ، والتمر يطبخ ، ويطبخ معه الكشوثاء فنبذ فلا بأس به ; لأن ما يطبخ معه يزيد في شدته ، وقد بينا أن الشدة لا توجب الحرمة في المطبوخ من التمر ولو عجن الدقيق بالخمر ، ثم خبز كرهت أكله ; لأن الدقيق تنجس بالخمر ، والعجين النجس لا يطهر بالخبز ، فلا يحل أكله . ولو صب الخمر في حنطة لم يؤكل حتى تغسل ; لأنها تنجست بالخمر ، فإن غسل الحنطة ، وطحنها ، ولم يوجد فيها طعم الخمر ، ولا ريحها ، فلا بأس بأكلها ; لأن النجاسة كانت على ظاهرها ، وقد زالت بالغسل بحيث لم يبق شيء من آثارها ، فهو ، وما لو تنجست ببول ، أو دم سواء ، فإن تشربت الخمر في الحنطة ، فقد ذكر في النوادر عن أبي يوسف تغسل ثلاث مرات ، وتجفف في كل مرة ، فتطهر ، وعند محمد رحمه الله لا تطهر بحال ; لأن الغسل إنما يزيل ما على ظاهرها ، فأما ما تشرب فيها ، فلا يستخرج إلا بالعصر ، والعصر في الحنطة لا يتأتى ، وهو إلى القياس أقرب ، وما قاله أبو يوسف أرفق بالناس لأجل البلوى ، والضرورة في جنس هذا ، فإن هذا الخلاف في فصول منها التروي إذا تشرب البول فيه ، واللوح ، والآجر ، والخزف الجديد ، والنعل في الحمام ، وما أشبه ذلك ، فإن للتجفيف أثرا في استخراج ما تشرب منه ، فيقام التجفيف في كل مرة مقام العصر فيما يتأتى فيه العصر ، فيحكم بطهارته . . ويكره أن يسقى الدواب الخمر ; لأنه نوع انتفاع بالخمر ، واقتراب [ ص: 26 ] منها على قصد التمول ، ولذلك يكره للمسلم أن يسقيها ، أو المسكر الذمي كما لا يحل له أن يشربها ، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر ساقيها كما لعن شاربها . وإن كان لرجل دين على رجل ، فقضاه من ثمن خمر ، أو خنزير لم يحل له أن يأخذه إلا أن يكون الذي عليه الدين كافرا ، فلا بأس حينئذ أن يأخذها منه ; لأنها مال متقوم في حق الكافر ، فيجوز بيعه ، ويستحق البائع ثمنه ، ثم المسلم يأخذ ملك مديونه بسبب صحيح ، وما يأخذه عوض عن دينه في حقه لا ثمن الخمر ، فأما بيع الخمر من المسلم ، فباطل ، والثمن غير مستحق له بل هو ، واجب الرد على من أخذ منه ، وصاحب الدين ليس يأخذ ملك مديونه بل ملك الغير الحاصل عنده بسبب ، فاسد شرعا ، فيكون هو بهذا الأخذ مقررا الحرمة ، والفساد ، وذلك لا يحل . ولا بأس ببيع العصير ممن يجعله خمرا ; لأن العصير مشروب طاهر حلال ، فيجوز بيعه ، وأكل ثمنه ، ولا ، فساد في قصد البائع إنما الفساد في قصد المشتري ، ولا تزر وازرة وزر أخرى . ( ألا ترى ) أن بيع الكرم ممن يتخذ الخمر من عينه جائز لا بأس به ، وكذلك بيع الأرض ممن يغرس فيها كرما ليتخذ من عنبه الخمر ، وهذا قول أبي حنيفة ، وهو القياس ، وكره ذلك أبو يوسف ومحمد رحمهما الله استحسانا ; لأن بيع العصير ، والعنب ممن يتخذه خمرا إعانة على المعصية ، وتمكين منها ، وذلك حرام ، وإذا امتنع البائع من البيع يتعذر على المشتري اتخاذ الخمر ، فكان في البيع منه تهييج الفتنة ، وفي الامتناع تسكينها . ومن أهراق خمر مسلم ، فلا ضمان عليه ; لأن الخمر ليس بمال متقوم في حق المسلم ، وإتلاف ما ليس بمال متقوم لا يوجب الضمان كإتلاف الميتة ، وهذا ; لأن الضمان إنما يجب جبرا لما دخل على المتلف عليه من نقصان المالية ، وإن كان سكرا ، أو طلاء قد طبخ حتى ذهب ثلثه ، أو ربعه ، فأهراقه رجل ، فعليه قيمته عند أبي حنيفة ، ولا شيء عليه في قول أبي يوسف ومحمد وهذا بناء على اختلافهم في جواز البيع . فإن أبا حنيفة لما جوز البيع في هذه الأشربة كانت المالية ، والتقوم فيها ثابتة ، فقال إنها مضمونة على المتلف ، ولكن بالقيمة لا بالمثل ; لأنه ممنوع من تمليك عينها ، وإن كان لو فعل ذلك جاز ، وعندهما لا يجوز بيع هذه الأشربة كما لا يجوز بيع الخمر ، فلا يجب الضمان على متلفها أيضا ، وفي الكتاب قال قلت من أين اختلفا ؟ قال : الخمر حرام ، وهذا ليس كالخمر إنما هو شيء نكرهه نحن ، ومعنى هذا أن حرمة الخمر ثبتت بالنص ، فتعمل في إسقاط المالية ، والتقوم ، وحرمة هذه الأشربة لم تكن بنص مقطوع به ، فلا تسقط المالية ، والتقوم به ، فإن غصب من مسلم خمرا ، فصارت في يده خلا ، ثم ، وجدها صاحبها [ ص: 27 ] فهو أحق بها ; لأن العين كانت مملوكة له ، والعين باقية بعد التخلل ، والكلام في هذا ، وفي جلد الميتة إذا دبغه الغاصب قد بيناه في كتاب الغصب . . ولا بأس بطعام المجوس ، وأهل الشرك ما خلا الذبائح ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأكل ذبائح المشركين ، وكان يأكل ما سوى ذلك من طعامهم ، فإنه كان يجيب دعوة بعضهم تأليفا لهم على الإسلام ، فأما ذبائح أهل الكتاب ، فلا بأس بها لقوله تعالى { ، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم } ، ولا بأس بالأكل في أواني المجوس ، ولكن غسلها أحب إلي ، وأنظف ; لما روي { أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن طبخ المرقة في أواني المشركين ، فقال عليه الصلاة والسلام اغسلوها ، ثم اطبخوا فيها } ; ولأن الآنية تتخذ مما هو طاهر ، والأصل فيها الطهارة إلا أن الظاهر أنهم يجعلون فيها ما يصنعونه من ذبائحهم ، فيستحب غسلها لذلك ، وإن ترك ذلك ، وتمسك بالأصل لم يضره ، وهو نظير الصلاة في سراويل المجوس ، وقد بيناه في كتاب الصلاة ، ولا بأس بالجبن ، وإن كان من صنعة المجوس لما روي أن غلاما لسلمان رضي الله عنه أتاه يوم القادسية بسلة فيها جبن ، وخبز ، وسكين ، فجعل يقطع من ذلك الجبن لأصحابه ، فيأكلونه ، ويخبرهم كيف يصنع الجبن ; ولأن الجبن بمنزلة اللبن ، ولا بأس بما يجلبه المجوس من اللبن إنما لا يحل ما يشترط فيه الذكاة إذا كان المباشر له مجوسيا ، أو مشركا ، والذكاة ليست بشرط لتناول اللبن ، والجبن ، فهو نظير سائر الأطعمة ، والأشربة بخلاف الذبائح ; وهذا لأن الذكاة إنما تشترط فيما فيه الحياة ، ولا حياة في اللبن ، وقد بينا ذلك في النكاح . . وعلى هذا الأصل الشاة إذا ماتت ، وفي ضرعها لبن عند أبي حنيفة رحمه الله لا يتنجس اللبن بموتها ، وعلى قول الشافعي يتنجس ; لأن اللبن عنده حياة ، وعند أبي يوسف ، ومحمد يتنجس بتنجس الوعاء بمنزلة لبن صب في قصعة نجسة وأبو حنيفة رحمه الله يقول : لو كان اللبن يتنجس بالموت لتنجس بالحلب أيضا ، فإن ما أبين من الحي ميت ، فإذا جاز أن يحلب اللبن ، فيشرب عرفنا أنه لا حياة فيه ، فلا يتنجس بالموت ، ولا بنجاسة وعائه ; لأنه في معدنه ، ولا يعطى الشيء في معدنه حكم النجاسة . ( ألا ترى ) أن في الأصل ، اللبن إنما يخرج من موضع النجاسة قال الله تعالى { من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين } ، وعلى هذا إنفحة الميتة عند أبي حنيفة رحمه الله طاهرة مائعة كانت ، أو جامدة بمنزلة اللبن ، وعند الشافعي نجسة العين ، وعند أبي يوسف ومحمد إن كانت مائعة ، فهي نجسة بنجاسة الوعاء كاللبن ، وإن كانت جامدة ، فلا بأس بالانتفاع بها بعد الغسل ; لأن بنجاسة الوعاء لا يتنجس باطنها ، وما على ظاهرها يزول بالغسل ، وأشار لأبي حنيفة [ ص: 28 ] رحمه الله في الكتاب إلى حرف ، فقال ; لأنها لم تكن إنفحة ، ولا لبنا ، وهي ميتة ، ولا يضرها موت الشاة يعني أن اللبن ، والإنفحة تنفصل من الشاة بصفة واحدة حية كانت الشاة ، أو ميتة ذبحت ، أو لم تذبح ، فلا يكون لموت الشاة تأثير في اللبن ، والإنفحة ، وعلى هذا لو ماتت دجاجة ، فوجد في بطنها بيضة ، فلا بأس بأكل البيضة عندنا ، وعنده إن كانت صلبة ، فكذلك ، وإن كانت لينة لم يجز الانتفاع بها كاللبن ، والإنفحة على أصله . . ولو سقى شاة خمرا ثم ذبحت ساعتئذ ، فلا بأس بلحمها ، وكذلك لو حلب منها اللبن ، فلا بأس بشربه ; لأن الخمر صارت مستهلكة بالوصول إلى جوفها ، ولم تؤثر في لحمها ، ولا في لبنها ، وهي على صفة الخمرية بحالها ، فلهذا لا بأس بأكل لحمها ، وشرب لبنها ولو صب رجل خابية من خمر في نهر مثل الفرات ، أو أصغر منه ، ورجل أسفل منه ، فمرت به الخمر في الماء ، فلا بأس بأن يشرب من ذلك الماء إلا أن يكون يوجد فيه طعمها ، أو ريحها ، فلا يحل له حينئذ بخلاف ما لو ، وقعت قطرة من خمر في إناء فيه ماء ; لأن ماء الإناء قد تنجس ، فلا يحل شربه ، وإن كان لا يوجد فيه طعم الخمر ، وأما الفرات ، فلا يتنجس إذ لم يتغير طعمه ، ولا رائحته بما صب فيه لقوله عليه الصلاة والسلام { خلق الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير طعمه ، أو لونه ، أو ريحه } ، والمراد الماء الجاري ، ثم ما صب في الفرات يصير مغلوبا مستهلكا بالماء ، فما يشربه الرجل ماء الفرات ، ولا بأس بشرب ماء الفرات إلا إذا كان يوجد فيه ريح الخمر ، أو طعمها ، فيستدل بذلك على وجود عين الخمر فيما شربه ، والصحيح من المذهب في الجيفة الواقعة في نهر يجري فيه الماء أنه إن كان جميع الماء ، أو أكثره يجري على الجيفة ، فذلك الماء نجس ، وإن كان أكثره لا يجري على الجيفة ، فهو طاهر ; لأن الأقل يجعل تبعا للأكثر فيما تعم به البلوى . وإذا خاف المضطر الموت من العطش ، فلا بأس بأن يشرب من الخمر ما يرد عطشه عندنا ، وقال الشافعي لا يحل شرب الخمر للعطش ; لأن الخمر لا ترد العطش بل تزيد في عطشه لما فيها من الحرارة ، ولكنا نقول : لا بأس بذلك لقوله تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } الآية ، فإن كانت في الميتة ، ففيها بيان أن موضع الضرورة مستثنى من الحرمة الثابتة بالشرع وحرمة الخمر ثابتة بالشرع كحرمة الميتة ، ولحم الخنزير ، ولا بأس بالإصابة منها عند تحقق الضرورة بقدر ما يدفع الهلاك به عن نفسه ، وشرب الخمر يرد عطشه في الحال ; لأن في الخمر رطوبة ، وحرارة ، فالرطوبة التي فيها ترد عطشه في الحال ، ثم بالحرارة التي فيها يزداد العطش في الثاني ، وإلى أن يهيج ذلك به ربما يصل إلى الماء ، فعرفنا أنه يدفع الهلاك به عن نفسه ، ولا يحل له أن يشرب [ ص: 29 ] منها إلى السكر ; لأن الثابت للضرورة يتقدر بقدر الضرورة ، فإن سكر نظرنا ، فإن لم يزد على ما يسكن عطشه ، فلا حد عليه ; لأن شرب هذا المقدار حلال ، وهو وإن سكر من شرب الحلال لا يلزمه الحد كما لو سكر من اللبن ، أو البنج ، وإن استكثر منه بعد ما سكن عطشه حتى سكر ، فعليه الحد ; لأن بعد ما سكن عطشه ، وهو غير مضطر ، فالقليل ، والكثير منها سواء في حكمه ، فمقدار ما شرب بعد تسكين العطش حرام عليه ، وذلك يكفي في إيجاب الحد عليه . وكذلك النبيذ إذا شرب منه ، فوق ما يجزئه حتى سكر لما بينا أن السكر من النبيذ موجب للحد كشرب الخمر ، ولا ضرورة له في شرب القدح المسكر ، فعليه الحد لذلك ، وإذا كان مع رقيق له ماء كثير ، فأبى أن يسقيه حل له أن يقاتله عليه بما دون السلاح ; لأن الماء محرز مملوك لصاحبه بمنزلة الطعام إلا أن الماء في الأصل كان مباحا مشتركا ، وذلك الأصل بقي معتبرا بعد الإحراز حتى لا يتعلق القطع بسرقته ، فلاعتبار إباحة الأصل قلنا يقاتله بما دون السلاح ، ولكونه مالا مملوكا له في الحال له أن يقاتله عليه بالسلاح لقوله عليه الصلاة والسلام { من قتل دون ماله ، فهو شهيد } ، فكيف يقاتل بالسلاح من إذا قتله كان شهيدا ، وفي الماء المباح إذا منعه منه قاتله بالسلاح ، وقد بينا ذلك في كتاب الشرب ، فأما في الطعام ، فلا يحل له أن يقاتله ، ولكنه يغصبه إياه إن استطاع ، فيأكله ، ثم يعطيه ثمنه بعد ذلك ; لأنه ما كان للمضطر حق في هذا الطعام قط ، ولكن الطعام ملك لصاحبه ، فهو يمنع الغير من ملكه ، وذلك مطلق له شرعا ، فلا يجوز لأحد أن يقاتله على ذلك ، ولكن المضطر يخاف الهلاك على نفسه ، وذلك مبيح له التناول من طعام الغير بشرط الضمان ، وهو إنما يتأتى بفعل مقصور على الطعام غير متعد إلى صاحبه ، والمقصور على الطعام الأخذ ، فأما القتال ، فيكون مع صاحب الطعام لا مع الطعام ، فلهذا لا يقاتله بالسلاح ، ولا بغيره ، فإن كان الرقيق الذي معه الماء يخاف على نفسه الموت إن لم يحرز ماءه ، فإنه يأخذ منه بعضه ، ويترك بعضه ; لأن الشرع ينظر للكل ، وإنما يحل للمضطر شرعا دفع الهلاك عن نفسه بطريق لا يكون فيه هلاك غيره ، وفي أخذ جميع الماء منه هلاك صاحب الماء لقلته بحيث لا يدفع الهلاك إلا عن أحدهما ، فليس له أن يأخذه من صاحب الماء ; لأن حقه في ملكه مقدم على حق غيره . ثم ذكر بعد هذا مسائل قد بينا أكثرها في الحدود ، فقال يضرب الشارب الحد بالسوط في إزار ، وسراويل ليس عليه غيرها ; لأن جنايته مغلظة كجناية الزاني ، فينزع عنه ثيابه عند إقامة الحد عليه ليخلص الألم إلى بدنه ، والمرأة في حد الشرب كالرجل على قياس حد الزنا ، ويفرق الضرب على [ ص: 30 ] أعضائها كما في حق الرجل إلا أنها لا تجرد عن ثيابها ; لأن بدنها عورة ، وكشف العورة حرام ، ولكن ينزع عنها الحشو ، والفرو لكي يخلص الألم إلى بدنها ، فإن لم يكن عليها غير جبة محشوة لم ينزع ذلك عنها ; لأن كشف العورة لا يحل بحال ، وكذلك لا يطرح عنها خمارها ، وتضرب قاعدة ليكون أستر لها هكذا قال علي رضي الله عنه يضرب الرجال قياما ، والنساء قعودا . والأصل في حد الشرب ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشارب خمر ، وعنده أربعون رجلا ، فأمرهم أن يضربوه ، فضربوه ، كل رجل منهم بنعليه } ، فلما كان زمان عمر رضي الله عنه جعل ذلك ثمانين سوطا ، والخبر ، وإن كان من أخبار الآحاد ، فهو مشهور ، وقد تأكد باتفاق الصحابة رضي الله عنهم إنما العمل به في زمن عمر رضي الله عنه ، فإنه جعل حد الشرب ثمانين سوطا من هذا الحديث ; لأنه لما ضربه كل رجل منهم بنعليه كان الكل في معنى ثمانين جلدة ، والإجماع حجة موجبة للعلم ، فيجوز إثبات الحد به ، وفيما يجب عليه الحد بالسكر ، فحد السكر الذي يتعلق به الحد عند أبي حنيفة أن لا يعرف الأرض من السماء ، ولا الأنثى من الذكر ، ولا نفسه من حمار ، وعند أبي يوسف ومحمد أن يختلط كلامه ، فلا يستقر في خطاب ، ولا جواب ، واعتبر العرف في ذلك ، فإن من اختلط كلامه بالشرب يسمى سكران في الناس ، وتأيد ذلك بقوله تعالى { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } وأبو حنيفة رحمه الله اعتبر النهاية ، فقال في الأسباب الموجبة للحد تعتبر النهاية كما في السرقة ، والزنا ، ونهاية السكر هذا أن يغلب السرور على عقله حتى لا يميز شيئا عن شيء . وإذا كان يميز بين الأشياء عرفنا أنه مستعمل لعقله مع ما به من السرور ، ولا يكون ذلك نهاية السكر ، وفي النقصان شبهة العدم ، والحدود تندرئ بالشبهات ، ولهذا ، وافقهما في السكر الذي يحرم عنده الشرب إذ المعتبر اختلاط الكلام ; لأن اعتبار النهاية فيه يندرئ بالشبهات ، والحل ، والحرمة يؤخذ فيهما بالاحتياط ، وأيد هذا ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : من بات سكرانا بات عروس الشيطان ، فعليه أن يغتسل إذا أصبح ، وهذا إشارة إلى أن السكران من لا يحس بشيء مما يصنع به ، وأكثر مشايخنا - رحمهم الله - على قولهما ، وحكي أن أئمة بلخي رحمهم الله اتفقوا على أنه يستقرأ سورة من القرآن ، فإن أمكنه أن يقرأها ، فليس بسكران حتى حكي أن أميرا ببلخ أتاه بعض الشرط بسكران ، فأمره الأمير أن يقرأ { قل يا أيها الكافرون } ، فقال السكران للأمير : اقرأ أنت سورة الفاتحة أولا ، فلما قال الأمير { : الحمد لله رب العالمين } : فقال قف ، فقد أخطأت من وجهين تركت التعوذ عند افتتاح القراءة ، وتركت التسمية [ ص: 31 ] وهي آية من الفاتحة عند بعض الأئمة ، والقراء ، فخجل الأمير ، وجعل يضرب الشرطي الذي جاء به ، ويقول له أمرتك أن تأتيني بسكران ، فجئتني بمقرئ بلخي . ، وإذا شهد عليه الشهود بالشرب ، وهو سكران حبسه حتى يصحو ; لأن ما هو المقصود لا يتم بإقامة الحد عليه في حال سكره ، وقد بينا هذا ، والمملوك فيما يلزمه من الحد بالشرب كالحر إلا أن على المملوك نصف ما على الحر لقوله تعالى { ، فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } . ولا حد على الذمي في شيء من الشراب ; لأنه يعتقد إباحة الشرب ، واعتقاد الحرمة شرط في السبب الموجب للحد ، وهذا ; لأن الحد مشروع للزجر عن ارتكاب سببه ، وبدون اعتقاد الحرمة لا يتحقق هذا ، ثم قد بينا أن حكم الخطاب قاصر عنهم في أحكام الدنيا ; لأنا أمرنا أن نتركهم ، وما يعتقدون ، ولهذا بقي الخمر مالا متقوما في حقهم ، ولهذا قلنا : المجوسي إذا تزوج أمه ، ودخل بها لم يلزمه الحد ، وإن كان يقام عليه الحد بالزنا . ولا يحد المسلم بوجود ريح الخمر منه حتى يشهد الشهود عليه بشربها ، أو يقر ; لأن ريح الخمر شاهد زور ، فقد يوجد ريح الخمر من غير الخمر ، فإن من استكثر من أكل السفرجل يوجد منه ريح الخمر ، ومنه قول قول القائل يقولون لي أنت شربت مدامة ، فقلت لهم لا بل أكلت السفرجلا ، وقد توجد رائحة الخمر ممن شربها مكرها ، أو مضطرا لدفع العطش ، فلا يجوز أن يعتمد ريحها في إقامة الحد عليه .. ولو شهد عليه واحد أنه شربها ، وآخر أنه قاءها لم يحد ; لأن من شربها مكرها ، أو مضطرا قد يقيء الخمر ، فسقط اعتبار شهادة الشاهد ، وإنما بقي على الشرب شاهد واحد ، وكذلك لو شهد على الشرب ، والريح منه موجود ، فاختلفا في الوقت ; لأن الشرب فعل ، فعند اختلافهما في الوقت يكون كل واحد منهما شاهدا بفعل آخر ، وكذلك لو شهد أحدهما أنه شربها ، وشهد الآخر أنه أقر بشربها ، فإنه لا معتبر بالشهادة على الإقرار بالشرب ; لأنه لو أقر ثم رجع لا يقام عليه الحد ; ولأن الشهادة قد اختلفت ، فأحدهما يشهد بالفعل ، والآخر بالقول ، وكذلك لو شهد أحدهما أنه سكران من الخمر ، وشهد الآخر أنه سكران من السكر ، فإنما شهد كل واحد منهما بفعل آخر ، ولا يقال : ينبغي أن يقام عليه الحد لما يرى من سكره ; لأنه قد يكون سكران من غير الشرب ، أو من الشرب بالإيجار ، أو الإكراه على الشرب ، أو كان شرب على قصد التداوي ، وقد بينا أن ذلك غير موجب للحد عليه . . ولا يحد بإقراره في حال سكره من الخمر ; لأن السكران لا يثبت على كلام واحد ، ولكنه يتكلم بالشيء ، وبضده ، والإصرار على [ ص: 32 ] الإقرار بالسبب لا بد منه لإيجاب حد الخمر . ولو أقر عند القاضي أنه شرب أمس خمرا لم يحد أيضا ، وإنما يحد إذا أتاه ساعة شرب ، والريح يوجد منه في قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، وفي قول محمد يؤخذ بإقراره متى جاء مثل حد الزنا ، وقد بينا هذه المسألة في كتاب الحدود بالبينة ، والإقرار جميعا . ![]()
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ32 الى صـــ 41 (486) وإذا أكره على شرب الخمر لا يحد ; لأن الشرب في حال الإكراه مباح له على ما بينا أن موضع الضرورة مستثنى من الحرمة ; ولأن الحد مشروع للزجر ، وقد كان منزجرا حين لم يقدم على الشرب ما لم تتحقق الضرورة بالإكراه . . وإذا أسلم الحربي ، وجاء إلى دار الإسلام ثم شرب الخمر قبل أن يعلم أنها محرمة عليه لم يحد ; لأن الخطاب لم يبلغه ، فلا يثبت حكم الخطاب في حقه ، وهذا بخلاف المسلم المولود في دار الإسلام إذا شرب الخمر ، ثم قال : لم أعلم أنها حرام ; لأن حرمة الخمر قد اشتهرت بين المسلمين في دار الإسلام ، فالظاهر يكذب المولود في دار الإسلام فيما يقول ، والظاهر لا يكذب الذي جاء من دار الحرب فيما يقول ، فيعذر بجهله ، ولا يقام عليه الحد بخلاف ما إذا زنى ، أو شرب ، أو سرق ، فإنه يقام عليه الحد ، ولا يعذر بقوله لم أعلم ; لأن حرمة الزنا ، والسرقة في الأديان كلها ، فالظاهر يكذبه إذا قال لم أعلم بحرمتها ; ولأن حد السرقة ، والزنا مما تجوز إقامته على الكافر في حال كفره ، وهو الذمي ، فبعد الإسلام ، أولى أن يقام بخلاف حد الخمر ; ولأن حد الزنا ، والسرقة ثبت بنص يتلى ، وحد الخمر بخبر يروى ، فكان أقرب إلى الدرء من حد الزنا ، والسرقة ، ويستوي في حد الزنا إن طاوعته المرأة على ذلك في دار الإسلام ، أو أكرهها ; لأن حرمة الزنا في حقهما جميعا قد اشتهرت ، وإذا شرب قوم نبيذا ، فسكر بعضهم دون بعض حد من سكر ; لأن مشروب بعضهم غير مشروب البعض ، فيعتبر في حق كل واحد منهم حاله كأنه ليس معه غيره . ( ألا ترى ) أن القوم إذا سقوا خمرا على مائدة ، فمن علم أنه خمر لزمه الحد ، ومن لم يعلم ذلك منهم لم يلزمه الحد ، والمحرم في حد الخمر كالحلال ; لأنه لا تأثير للمحرم ، والإحرام في إباحة الشرب ، ولا في المنع من إقامة هذا الحد . وإذا قذف السكران رجلا حبس حتى يصحو ، ثم يحد للقذف ، ويحبس حتى يخف عنه الضرب ، ثم يحد للسكر ; لأن حد القذف في معنى حق العباد ، وسكره لا يمنع وجوب الحد عليه بقذفه ; لأنه مع سكره مخاطب . ( ألا ترى ) أن بعض الصحابة رضي الله عنهم أخذ حد الشرب من القذف على ما روي عن علي رضي الله عنه قال : إذا شرب هذى ، وإذا هذى افترى ، وحد المفترين في كتاب الله ثمانون جلدة . وإذا شرب الخمر في نهار رمضان حد حد الخمر ، ثم يحبس حتى يخف عنه الضرب ، ثم يعزر [ ص: 33 ] لإفطاره في شهر رمضان ; لأن شرب الخمر ملزم للحد ، ومهتك حرمة الشهر ، والصوم يستوجب التعزير ، ولكن الحد أقوى من التعزير ، فيبتدأ بإقامة الحد عليه ، ثم لا يوالي بينه ، وبين التعزير لكي يؤدي إلى الإتلاف ، والأصل فيه حديث علي رضي الله عنه أنه أتي بالنجاشي الحارثي قد شرب الخمر ، فحده ، ثم حبسه حتى إذا كان الغد أخرجه ، فضربه عشرين سوطا ، وقال : هذا لجراءتك على الله ، وإفطارك في شهر رمضان . رجل ارتد عن الإسلام ، ثم أتي به الإمام ، وقد شرب خمرا ، أو سكر من غير الخمر ، أو سرق ، أو زنى ثم تاب ، وأسلم ، فإنه يحد في جميع ذلك ما خلا الخمر ، والسكر ، فإنه لا يحد فيهما ; لأن المرتد كافر ، وحد الخمر ، والسكر لا يقام على أحد من الكفار لما بينا أنه يعتقد إباحة سببه ، فإذا كان ارتكابه سببه في حال يعتقد إباحته لا يقام ذلك عليه ، فأما حد الزنا ، والسرقة ، فيقام على الكافر لاعتقاده حرمة سببه ، فيقام على المرتد بعد إسلامه أيضا كالذمي إذا باشر ذلك ، ثم أسلم . وإن لم يتب ، فلا حد عليه في شيء من ذلك غير حد القذف ; لأن حد الزنا ، والسرقة خالص حق الله تعالى ، وقد صارت مستحقة لله تعالى ، فإنه يقتل على ردته ، ومتى اجتمع في حق الله تعالى النفس ، وما دونها يقتل ، ويلغى ما سوى ذلك ، وأما حد السرقة ، ففيه معنى حق العبد ، فيقام عليه ، ويضمن السرقة لحق المسروق منه ، فإن شرب ، وهو مسلم ، فلما ، وقع في يد الإمام ارتد ، ثم تاب لم يحد ، وإن كان زنى ، أو سرق أقيم عليه الحد ; لأن ما اعترض من الردة يمنع وجوب حد الخمر ، والسكر عليه ، فيمنع بقاءه ، ولا يمنع وجوب حد الزنا ، والسرقة ، فكذلك لا يمنع البقاء ، وقد قال في آخر الكتاب : إذا ارتد عن الإسلام ، ثم سرق ، أو زنى ، أو شرب الخمر ، أو سكر من غير الخمر ، ثم تاب ، وأسلم لم يحد في شيء من ذلك إلا في القذف ، فإن لم يتب لم يقم عليه أيضا شيء من الحدود غير حد القذف ، ويقتل ، وإن أخذته ، وهو مسلم شاربا خمرا ، أو زانيا ، أو سارقا ، فلما ، وقع في يدك ارتد عن الإسلام ، فاستتبته ، فتاب أقيم عليه الحدود إلا حد الخمر . وهذه الرواية تخالف الرواية الأولى في فصل واحد ، وهو أنه إذا زنى ، أو سرق في حال ردته لا يقام عليه الحد بعد توبته كما لا يقام قبل توبته ; لأن المرتد بمنزلة الحربي ، فإنه اعتقد محاربته لو تمكن منها ، والحربي إذا ارتكب شيئا من الأسباب الموجبة للحد ، ثم أسلم لا يقام عليه الحد ، فكذلك المرتد ، وفرق على هذه الرواية بين هذا ، وبين ما إذا زنى ، أو سرق ، وهو مسلم ، ثم ارتد ، ثم أسلم ، فقال هناك حين ارتكب السبب ما كان حربيا للمسلمين ، فيكون مستوجبا للحد ، ولم يزل تمكن الإمام من إقامته عليه بنفس الردة إلا أنه كان لا يشتغل به قبل توبته لاستحقاق نفسه بالردة [ ص: 34 ] وقد انعدم بالإسلام ، فلهذا يقام عليه ، وتزويج السكران ، ولده الصغير ، وهبته ، وما أشبه ذلك من تصرفاته قولا ، أو فعلا صحيح ; لأنه مخاطب كالصاحي ، وبالسكر لا ينعدم عقله إنما يغلب عليه السرور ، فيمنعه من استعمال عقله ، وذلك لا يؤثر في تصرفه سواء كان شرب مكرها ، أو طائعا ، فأما إذا شرب البنج ، أو شيئا حلوا ، فذهب عقله لم يقع طلاقه في تلك الحالة ; لأنه بمنزلة المعتوه في التصرفات . وإن شهد رجلان على شهادة سكران ، أو شهد السكران على شهادة رجلين لم يصح ذلك من قبل أنه رجل ، فاسق ، وأنه سكران لا يستقر على شيء واحد فيما يخبر به ، ولهذا لو ارتد في حال سكره لا تبين منه امرأته استحسانا قال : لا أظن سكرانا ينفلت من هذا ، وأشباهه ، وقد بينا هذا في السير ، وإذاأتي الإمام برجل شرب خمرا ، وشهد به عليه شاهدان ، فقال : إنما أكرهت عليها ، أو قال : شربتها ، ولم أعرفها أقيم عليه الحد ; لأن السبب الموجب للحد قد ظهر ، وهو يدعي عذرا مسقطا ، فلا يصدق على ذلك ببينة إذ لو صدق عليه من غير بينة لانسد باب إقامة حد الخمر أصلا ، وهذا بخلاف الزاني إذا ادعى النكاح ; لأنه هناك ينكر السبب الموجب للحد ، فبالنكاح يخرج الفعل من أن يكون زنا محضا ، وهنا بعد الإكراه ، والجهل لا ينعدم السبب ، وهو حقيقة شرب الخمر إنما هذا عذر مسقط ، فلا يثبت إلا ببينة يقيمها على ذلك . ، ويكره للرجل أن يأكل على مائدة يشرب عليها الخمر هكذا نقل { عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يأكل المسلم على مائدة يشرب عليها الخمر } ; ولأن في ذلك تكثير جمع الفسقة ، وإظهار الرضا بصنيعهم ، وذلك لا يحل للمسلم في عشر دواريق عصير عنب في قدر ، ثم يطبخ ، فيغلى ، فيقذف بالزبد ، فجعل يأخذ ذلك الزبد حتى جمع قدر دورق ، فإنه يطبخ حتى يبقى ثلاثة دواريق ثلث الباقي ; لأن ما أخذه من الزبد انتقص من أصل العصير ، فيسقط اعتباره في الحساب ، فظهر أن الباقي من العصير تسعة دواريق ، فإنما يصير مثلثا إذا طبخ حتى يذهب ثلثاه ، ويبقى ثلثه ثلاثة دواريق ، وإن نقص منه دورق آخر في ذلك الغليان ، فكذلك الجواب لأن ما نقص بالغليان في معنى الداخل فيما بقي ، فلا يصير ذلك كأن لم يكن ، وإنما يلزمه الطبخ إلى أن يذهب ثلثا العصير . ولو صب رجل في قدر عشرة دواريق عصيرا ، وعشرين دورقا ماء ، فإن كان الماء يذهب بالطبخ قبل العصير ، فإنه يطبخه حتى يذهب ثمانية أتساعه ، ويبقى التسع ; لأنه إذا ذهب ثلثاه بالغليان ، فالذاهب هو الماء فقط ، فعليه أن يطبخه بعد ذلك حتى يذهب ثلثا العصير ، ويبقى ثلثه ، وهو سبع الجملة ، وإن كانا يذهبان بالغليان معا طبخه حتى يذهب ثلثاه ; لأنه ذهب بالغليان ثلثا [ ص: 35 ] العصير ، وثلثا الماء ، والباقي ثلث العصير ، وثلث الماء ، فهو ، وما لو صب الماء في العصير بعد ما طبخه على الثلث ، والثلثين سواء . وإذا طبخ عصير حتى ذهب ثلثه ، ثم صنع منه مليقا ، فإن كان ذلك قبل أن يتغير عن حاله ، فلا بأس به ، وإن صنعه بعد ما غلى فتغير عن حال العصير ، فلا خير فيه ; لأنه لما غلى ، واشتد صار محرما ، والمليق المتخذ من عين المحرم لا يكون حلالا كالمتخذ من الخمر ، فأما قبل أن يشتد ، فهو حلال الشرب ، فأما صنيع المليق من عصير ، فحلال ، وإذا طبخ الرجل عصيرا حتى ذهب ثلثه ، ثم تركه حتى برد ، ثم أعاد عليه الطبخ حتى ذهب نصف ما بقي ، فإن كان أعاد عليه الطبخ قبل أن يغلي ، أو يتغير عن حال العصير ، فلا بأس به ; لأن الطبخ في دفعتين إلى ذهاب الثلثين منه ، وفي دفعة سواء ، وإن صنعه بعد ما غلى ، وتغير عن حال العصير ، فلا خير فيه ; لأن الطبخ في المرة الثانية لاقى شيئا محرما ، فهو بمنزلة خمر طبخ حتى ذهب ثلثاه به ، وإذا طبخ الرجل عصيرا حتى ذهب ثلاثة أخماسه ، ثم قطع عنه النار ، فلم يزل حتى ذهب منه تمام الثلثين ، فلا بأس به ; لأنه صار مثلثا بقوة النار ، فإن الذي بقي منه من الحرارة بعد ما قطع عن النار أثر تلك النار ، فهو ، وما لو صار مثلثا ، والنار تحته سواء ، وهذا بخلاف ما لو برد قبل أن يصير مثلثا ; لأن الغليان بعدما انقطع عنه أثر النار لا يكون إلا بعد الشدة ، وحين اشتد ، فقد صار محرما بنفسه ; ولأن الغليان بقوة لا ينقص منه شيئا بل يزيد في رقته بخلاف الغليان بقوة النار ، فإن شرب الطلاء الذي قد طبخ حتى ذهب عشره ، فلا حد عليه إلا أن يسكر لما بينا أنه ذهب بالطبخ شيء ، فيخرج من أن يكون خمرا ، وفي غير الخمر من الأشربة لا يجب الحد إلا بالسكر . . وإذا استعط الرجل بالخمر ، أو اكتحل بها ، أو اقتطرها في أذنه ، أو داوى بها جائفة ، أو آمة ، فوصل إلى دماغه ، فلا حد عليه ; لأن وجوب الحد يعتمد شرب الخمر ، وهو بهذه الأفعال لا يصير شاربا ، وليس في طبعه ما يدعوه إلى هذه الأفعال لتقع الحاجة إلى شرع الزاجر عنه . ولو عجن دواء بخمر ، ولته ، أو جعلها أحد أخلاط الدواء ، ثم شربها ، والدواء هو الغالب ، فلا حد عليه ، وإن كانت الخمر هي الغالبة ، فإنه يحد ; لأن المغلوب يصير مستهلكا بالغالب إذا كان من خلاف جنسه ، والحكم للغالب ، والله أعلم بالصواب . ( قال رحمه الله ) ذكر عن الشعبي رحمه الله قال : لا يبلغ بالتعزير أربعون سوطا ، وبه أخذ [ ص: 36 ] أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله قالا ; لأن الأربعين سوطا أدنى ما يكون من الحد ، وهو حد العبيد في القذف ، والشرب ، وقال عليه الصلاة والسلام { من بلغ حدا في غير حد ، فهو من المعتدين } ، وهذا قول أبي يوسف الأول ، ثم رجع ، وقال يبلغ بالتعزير خمسة ، وسبعين سوطا ; لأن أدنى الحد ثمانون سوطا ، وحد العبد نصف الحر ، وليس بحد كامل ، وهذا مروي عن محمد أيضا ، وعن أبي يوسف أنه يجوز أن يبلغ بالتعزير تسعة ، وسبعين سوطا ، وهذا ظاهر على الأصل الذي بينا ، وأما تقدير النقصان بالخمسة على الرواية الأولى ، فهو بناء على ما كان من عادته أنه كان يجمع في إقامة الحد ، والتعزير بين خمسة أسواط ، ويضرب دفعة ، فإنما نقص في التعزير ضربة واحدة ، وذلك خمسة أسواط . . وإذا أخذ الرجل مع المرأة ، وقد أصاب منها كل محرم غير الجماع عزر بتسعة ، وثلاثين سوطا ، وقد بينا في كتاب الحدود أن كل من ارتكب محرما ليس فيه حد مقدر ، فإنه يعزر ، ثم الرأي في مقدار ذلك إلى الإمام ، ويبني ذلك على قدر جريمته ، وهذه جريمة متكاملة ، فلهذا قدر التعزير فيها بتسعة ، وثلاثين سوطا ، وقد بينا أن الضرب في التعزير أشد منه في الحدود ; لأنه دخله تخفيف من حيث نقصان العدد ، وأنه ينزع ثيابه عند الضرر ، ويضرب على ظهره ، ولا يفرق على أعضائه إنما ذلك في الحدود ، وإذا نقب السارق النقب ، وأخذ المتاع ، فأخذ في البيت ، أو أخذ ، وقد خرج بمتاع لا يساوي عشرة دراهم ، فإنه يعزر لارتكابه محرما ، والمرأة في التعزير كالرجل ; لأنها تشاركه في السبب الموجب للتعزير ، وإذا كان الرجل ، فاسقا متهما بالشر كله ، فأخذ عزر لفسقه ، وحبس حتى يحدث توبة ; لأنه متهم ، وقد {حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في تهمة . } . والذي يزني في شهر رمضان نهارا ، فيدعي شبهة يدرأ بها الحد عن نفسه يعزر لإفطاره ; لأنه مرتكب للحرام بإفطاره ، وإن خرج من أن يكون زانيا بما ادعى من الشبهة ، ولا يحبس هنا ; لأن الحبس للتهمة ، فأما جزاء الفعل الذي باشره ، فالتعزير ، وقد أقيم عليه ، والمسلم الذي يأكل الربا ، أو يبيع الخمر ، ولا ينزع عن ذلك إذا رفع إلى الإمام يعزره ، وكذلك المخنث ، والنائحة ، والمغنية ، فإن هؤلاء يعزرون بما ارتكبوا من المحرم ، ويحبسون حتى يحدثوا التوبة ; لأنهم بعد إقامة التعزير عليهم مصرون على سوء صنيعهم ، وذلك ، فوق التهمة في إيجاب حبسهم إلى أن يحدثوا التوبة ، وإذا شتم المسلم امرأة ذمية ، أو قذفها بالزنا عزر ; لأن الذمية غير محصنة ، فلا يجب الحد على قاذفها ، ولكن قاذفها مرتكب ما هو محرم ، فيعزر ، وكذلك إذا قذف مسلمة قد زنت ، أو مسلما قد زنى ، أو أمة مسلمة ; لأن المقذوف من هؤلاء غير محصن ، ولكن القاذف [ ص: 37 ] مرتكب ما هو حرام ، وهو إشاعة الفاحشة ، وهتك للستر على المسلم من غير حاجة ، وذلك موجب للتعزير عليه ، وإذا قطع اللصوص الطريق على قوم ، فلهم أن يقاتلوهم دفعا عن أنفسهم ، وأموالهم قال عليه الصلاة والسلام { من قتل دون ماله ، فهو شهيد } ، وإذا استعانوا بقوم من المسلمين لم يحل لهم أن يعينوهم ، ويقاتلوهم معهم ، وإن أتوا على أنفسهم ; لأن النهي عن المنكر ، فرض ، وبذلك ، وصف الله تعالى هذه الأمة بأنهم خير أمة ، فلا يحل لهم أن يتركوا ذلك إذا قدروا عليه . قلت ، والرجل يخترط السيف على الرجل ، ويريد أن يضربه ، ولم يفعل ، أو شد عليه بسكين ، أو عصا ، ثم لم يضربه بشيء من ذلك هل يعزر قال : نعم ; لأنه ارتكب ما لا يحل من تخويف المسلم ، والقصد إلى قتله ، قلت ، والرجل يوجد في بيته الخمر بالكوفة ، وهو فاسق ، أو يوجد القوم مجتمعين عليها ، ولم يرهم أحد يشربونها غير أنهم جلسوا مجلس من يشربها هل يعزرون قال : نعم ; لأن الظاهر أن الفاسق يستعد الخمر للشرب ، وأن القوم يجتمعون عليها لإرادة الشرب ، ولكن بمجرد الظاهر لا يتقرر السبب على وجه لا شبهة فيه ، فلا يمكن إقامة الحد عليهم ، والتعزير مما يثبت مع الشبهات ، فلهذا يعزرون ، وكذلك الرجل يوجد معه ركوة من الخمر بالكوفة ، أو قال ركوة ، وقد كان بعض العلماء في عهد أبي حنيفة رحمه الله يقول : يقام عليه الحد كما يقام على الشارب ; لأن الذي يسبق إلى وهم كل أحد أنه يشرب بعضها ، ويقصد الشرب فيما بقي معه منها إلا أنه حكي أن أبا حنيفة رحمه الله قال لهذا القائل لم تحده قال : لأن معه آلة الشرب ، والفساد قال : رحمه الله ، فارجمه إذا ، فإن معه آلة الزنا ، فهذا بيان أنه لا يجوز إقامة الحد بمثل هذا الظاهر ، والتهمة ، والله أعلم . ( قال رحمه الله ) رجل طبخ عشرة أرطال عصير حتى ذهب منه رطل ، ثم أهراق ثلاثة أرطال منه ثم أراد أن يطبخ البقية حتى يذهب ثلثاها كم يطبخها قال : يطبخها حتى يبقى منها رطلان ، وتسعا رطل ; لأن الرطل الذاهب بالغليان في المعنى داخل فيما بقي ، وكان الباقي قبل أن ينصب منه شيء تسعة أرطال ، فعرفنا أن كل رطل من ذلك في معنى رطل ، وتسع ; لأن الذاهب بالغليان اقتسم على ما بقي أتساعا ، فإن انصب منه ثلاثة أرطال ، وثلاثة أتساع رطل يكون الباقي ستة أرطال ، وستة أتساع رطل ، فيطبخه حتى يبقى منه الثلث ، وهو رطلان ، وتسعا رطل . ولو كان ذهب بالغليان رطلان ثم إهراق منه رطلان قال : يطبخه حتى يبقى منه رطلان ، ونصف ; لأنه لما [ ص: 38 ] ذهب بالغليان رطلان ، فالباقي ثمانية أرطال كل رطل في معنى رطل ، وربع ، فلما انصب منه رطلان ، فالذي انصب في المعنى رطلان ، ونصف ، والباقي من العصير سبعة أرطال ، ونصف ، وإن ذهب بالغليان خمسة أرطال ، ثم انصب رطل واحد منه ، أو أخذ رجل منه رطلا قال يطبخ الباقي حتى يبقى منه رطلان ، وثلثا رطل ; لأنه لما ذهب بالغليان خمسة أرطال ، فما ذهب في المعنى داخل فيما بقي ، وصار كل رطل بمعنى رطلين ، فلما انصب من الباقي رطل كان الباقي بعده من العصير ثمانية أرطال ، فيطبخه إلى أن يبقى ثلث ثمانية أرطال ، وذلك رطلان ، وثلثا رطل ، وفي الكتاب أشار إلى طريق آخر في تخريج جنس هذه المسائل ، فقال : السبيل أن يأخذ ثلث الجميع ، فيضربه فيما بقي بعد ما انصب منه ، ثم يقسمه على ما بقي بعد ما ذهب بالطبخ قبل أن ينصب منه شيء ، فما خرج بالقسمة ، فهو حلال ما بقي منه ، وبيان هذا : أما في المسألة الأولى ، فتأخذ ثلث العصير ثلاثة ، وثلثا ، وتضربه فيما بقي بعدما انصب منه ، وهو ستة ، فيكون عشرين ، ثم تقسم العشرين على ما بقي بعد ما ذهب بالطبخ منه قبل أن ينصب منه شيء ، وذلك تسعة ، وإذا قسمت عشرين على تسعة ، فكل جزء من ذلك اثنان وتسعان ، فعرفنا أن حلال ما بقي رطلان ، وتسعا رطل . وفي المسألة الثانية تأخذ أيضا ثلاثة وثلثا ، وتضربه فيما بقي بعد الانصباب ، وهو ستة ، فيكون عشرين ، ثم تقسم ذلك على ما بقي بعد الطبخ قبل الانصباب ، وهو ثمانية ، فكل قسم من ذلك اثنان ، ونصف ، فعرفنا أن حلال ما بقي منه رطلان ، ونصف . وفي المسألة الثالثة تأخذ ثلاثة ، وثلثا ، وتضربه فيما بقي بعد الانصباب ، وهو أربعة ، فيكون ثلاثة عشر ، وثلثا ، ثم تقسمه على ما بقي قبل الانصباب بعد الطبخ ، وذلك خمسة ، فيكون كل قسم اثنين ، وثلثين ، فلهذا قلنا يطبخه حتى يبقى رطلان ، وثلثا رطل ، وفي الأصل قال : حتى يبقى رطلان ، وثلاثة أخماس ، وثلث خمس ، وذلك عبارة عن ثلثي رطل إذا تأملت ، وربما يتكلف بعض مشايخنا - رحمهم الله - لتخريج هذه المسائل على طريق الحساب من الجبر ، والمقابلة ، وغير ذلك ، ولكن ليس في الاشتغال بها كثير فائدة هنا ، والله أعلم . قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي رحمه الله تعالى إملاء الإكراه : اسم لفعل يفعله المرء بغيره ، فينتفي به رضاه ، أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به الأهلية في حق المكره أو يسقط عنه الخطاب ; لأن المكره [ ص: 39 ] مبتلى ، والابتلاء يقرر الخطاب ، ولا شك أنه مخاطب في غير ما أكره عليه ، وكذلك فيما أكره عليه حتى يتنوع الأمر عليه فتارة يلزمه الإقدام على ما طلب منه ، وتارة يباح له ذلك ، وتارة يرخص له في ذلك ، وتارة يحرم عليه ذلك ، فذلك آية الخطاب ، ولذلك لا ينعدم أصل القصد ، والاختيار بالإكراه ، كيف ينعدم ذلك ، وإنما طلب منه أن يختار أهون الأمرين عليه ، وزعم بعض مشايخنا رحمهم الله : أن أثر الإكراه التام في الأفعال في نقل الفعل من المكره إلى المكره ، وهذا ليس بصحيح ، فإنه لا يتصور نقل الفعل الموجود من شخص إلى غيره ، والمسائل تشهد بخلاف هذا أيضا ، فإن البالغ إذا أكره صبيا على القتل يجب القود على المكره ، وهذا الفعل في محله غير موجب للقود ، فلا يصير موجبا بانتقاله إلى محل آخر ، ولكن الأصح أن تأثير الإكراه في جعل المكره آلة للمكره ، فيصير الفعل منسوبا إلى المكره بهذا الطريق ، وجعل المكره آلة لا باعتبار أن بالإكراه ينعدم الاختيار منه أصلا ، ولكن ; لأنه يفسد اختياره به لتحقق الإلجاء فالمرء مجبول على حب حياته ، وذا يحمله على الإقدام على ما أكره عليه فيفسد به اختياره من هذا الوجه ، والفاسد في معارضة الصحيح كالمعدوم فيصير الفعل منسوبا إلى المكره لوجود الاختيار الصحيح منه ، والمكره يصير كالآلة للمكره لانعدام اختياره حكما في معارضة الاختيار الصحيح ، ولهذا اقتصر على ما يصلح أن يكون آلة له فيه دون ما لا يصلح كالتصرفات قولا ، فإنه لا يتصور تكلم المرء بلسان غيره ، وتأثير الإكراه في هذه التصرفات في انعدام الرضا من المكره بحكم الشبه . وشبهه بعض أصحابنا رحمهم الله بالهزل ، فإن الهزل عدم الرضا بحكم السبب مع وجود القصد ، والاختيار في نفس السبب ، فالإكراه كذلك إلا أن الهازل غير محمول على التكلم ، والمكره محمول على ذلك ، وبذلك لا ينعدم اختياره كما بينا ، وشبهه بعضهم باشتراط الخيار ، فإن شرط الخيار يعدم الرضا بحكم السبب دون نفس السبب ، ثم في الإكراه يعتبر معنى في المكره ، ومعنى في المكره ، ومعنى فيما أكره عليه ، ومعنى فيما أكره به ، فالمعتبر في المكره تمكنه من إيقاع ما هدده به ، فإنه إذا لم يكن متمكنا من ذلك ، فإكراهه هذيان . وفي المكره المعتبر أن يصير خائفا على نفسه من جهة المكره في إيقاع ما هدده به عاجلا ; لأنه لا يصير ملجأ محمولا طبعا إلا بذلك ، وفيما أكره به بأن يكون متلفا ، أو مزمنا ، أو متلفا عضوا ، أو موجبا عما ينعدم الرضا باعتباره ، وفيما أكره عليه أن يكون المكره ممتنعا منه قبل الإكراه إما لحقه ، أو لحق آدمي آخر ، أو لحق الشرع ، وبحسب اختلاف هذه الأحوال [ ص: 40 ] يختلف الحكم في الكتاب لتفصيل هذه الجملة ، وقد ابتلي محمد رحمه الله بسبب تصنيف هذا الكتاب على ما حكي عن ابن سماعة رحمه الله قال لما صنف محمد رحمه الله هذا الكتاب سعى به بعض حساده إلى الخليفة . فقال : إنه صنف كتابا سماك فيه لصا غاليا فاغتاظ لذلك ، وأمر بإحضاره ، وأتاه الشخص ، وأنا معه ، فأدخله على الوزير أولا في حجرته ، فجعل الوزير يعاتبه على ذلك فأنكره محمد أصلا ، فلما علمت السبب أسرعت الرجوع إلى داره ، وتسورت حائط بعض الجيران ; لأنهم كانوا سمروا على بابه ، فدخلت داره ، وفتشت الكتب حتى وجدت كتاب الإكراه ، فألقيته في جب في الدار ; لأن الشرط أحاطوا بالدار قبل خروجي منها ، فلم يمكني أن أخرج ، واختفيت في موضع حتى دخلوا ، وحملوا جميع كتبه إلى دار الخليفة بأمر الوزير ، وفتشوها ، فلم يجدوا شيئا مما ذكره الساعي لهم ، فندم الخليفة على ما صنع به ، واعتذر إليه ، ورده بجميل ، فلما كان بعد أيام أراد محمد رحمه الله أن يعيد تصنيف الكتاب ، فلم يجبه خاطره إلى مراده ، فجعل يتأسف على ما فاته من هذا الكتاب ، ثم أمر بعض وكلائه أن يأتي بعامل ينقي البئر ; لأن ماءها قد تغير ، فلما نزل العامل في البئر ، وجد الكتاب في آجرة ، أو حجر بناء من طي البئر لم يبتل ، فسر محمد رحمه الله بذلك ، وكان يخفي الكتاب زمانا ، ثم أظهره ، فعد هذا من مناقب محمد ، وما يستدل به على صحة تفريعه لمسائل هذا الكتاب ، ثم بدأ الكتاب بحديث رواه عن إبراهيم رحمه الله قال في الرجل يجبره السلطان على الطلاق ، والعتاق ، فيطلق ، أو يعتق ، وهو كاره إنه جائز واقع ، ولو شاء الله لابتلاه بأشد من هذا ، وهو يقع كيفما كان ، وبه أخذ علماؤنا رحمهم الله ، وقالوا : طلاق المكره ، واقع سواء كان المكره سلطانا ، أو غيره أكرهه بوعيد متلف ، أو غير متلف ، والخلاف في هذا الفصل كان مشهورا بين السلف من علماء التابعين رحمهم الله ، ولهذا استكثر من أقاويل السلف على موافقة قول إبراهيم . وفي قوله : ولو شاء الله لابتلاه بأشد من هذا إشارة إلى ما ذكرنا من بقاء الأهلية ، والخطاب مع الإكراه ، وإنه غير راض في ذلك ، ولكن عدم الرضا بحكم الطلاق لا يمنع الوقوع ، ولهذا وقع مع اشتراط الخيار عند الإيقاع ، ومع الهزل من الموقع ، وإن كان معلوما ، وكأنه أخذ هذا اللفظ مما ذكره علي رضي الله عنه في امرأة المفقود : إنها ابتليت فلتصبر ، ولو شاء الله لابتلاها بأشد من هذا ، وعن عمر بن عبد العزيز رحمه الله أنه أجاز طلاق المكره ، وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه أنه ذكر له أن رجلا ضرب غلامه حتى طلق امرأته ، فقال : بئس ما صنع ، وإنما فهموا منه بهذا الفتوى بوقوع الطلاق حتى [ ص: 41 ] قال يحيى بن سعيد راوي الحديث : أي هو جائز عليه في معنى قوله بئس ما صنع أي حين فرق بينه ، وبين امرأته بغير رضاه ، وإنما يكون ذلك إذا وقعت الفرقة ، ومن قال : لا يقع طلاق المكره يقول : مراد سعيد رضي الله عنه بئس ما صنع في اكتسابه بالإكراه ، وتضييعه ، وقت نفسه ، وقد رد عليه الشرع قصده ، وجعل طلاق المكره لغوا ، ولكن الأول أظهر . وأصل هذا فيما إذا باع رجلا عينا من مال غيره بغير أمره ، ثم أخبر المالك به ، فقال : بئس ما صنعت ، وهذا اللفظ في رواية هشام عن محمد لا يكون إجازة للبيع بخلاف قوله : نعم ما صنعت ، أو أحسنت ، أو أصبت ، فإن في اللفظ الأول إظهار الكراهة لصنعه ، وفي اللفظ الثاني إظهار الرضا به ، وروى ابن سماعة رحمه الله على عكس هذا : أن قوله نعم ما صنعت يكون على سبيل الاستهزاء به في العادة ، فيكون ردا لا إجازة ، وقوله بئس ما صنعت يكون إجازة ; لأنه إظهار للتأسف على ما فاته ، وذلك إنما يتحقق إذا نفذ البيع ، وزال ملكه ، فجعلناه إجازة لذلك ، وعن صفوان بن عمرو الطائي أن { رجلا كان مع امرأته نائما ، فأخذت سكينا ، وجلست على صدره ، فوضعت السكين على حلقه ، وقالت : لتطلقني ثلاثا ألبتة أو لأذبحنك ، فناشدها الله ، فأبت عليه ، فطلقها ثلاثا ، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام : لا قيلولة في الطلاق } ، وفيه دليل وقوع طلاق المكره ; لأن لقوله عليه الصلاة والسلام { لا قيلولة في الطلاق } تأويلين : أحدهما أنها بمعنى الإقالة ، والفسخ أي لا يحتمل الطلاق ، والفسخ بعد وقوعه ، وإنما لا يلزمه عند الإكراه ما يحتمل الإقالة ، أو يعتمد تمام الرضا ، والثاني - أن المراد إنما ابتليت بهذا لأجل يوم القيلولة ، وذلك لا يمنع وقوع الطلاق . وبطريق آخر يروى هذا الحديث { أن رجلا خرج مع امرأته إلى الجبل ليمتار العسل ، فلما تدلى من الجبل بحبل ، وضعت السكين على الحبل ، فقالت لتطلقني ثلاثا ، أو لأقطعنه ، فطلقها ثلاثا ، ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستفتي ، فقال : عليه الصلاة والسلام لا قيلولة في الطلاق ، وأمضى طلاقه } ، وذكر نظير هذا عن عمرو بن شرحبيل رضي الله عنه أن امرأة كانت مبغضة لزوجها ، فراودته على الطلاق ، فأبى ، فلما رأته نائما قامت إلى سيفه فأخذته ، ثم وضعته على بطنه ، ثم حركته برجلها ، فلما استيقظ قالت له ، والله لأنفذنك به ، أو لتطلقني ثلاثا فطلقها ، فأتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، فاستغاث به فشتمها ، وقال : ويحك ما حملك على ما صنعت ، فقالت بغضي إياه ، فأمضى طلاقه . ، وهو دليل لنا على أن طلاق المكره واقع ، ولا يقال : في هذا كله إن هذا الإكراه كان من غير السلطان ; لأن الإكراه بهذه [ ص: 42 ] الصفة يتحقق بالاتفاق ، فإنه صار خائفا على نفسه لما كانت متمكنة من إيقاع ما خوفته به ، وإن كان ذلك يعارض قوله : فشتمها أي نسبها إلى سوء العشرة ، والصحبة ، وإلى الظلم كما يليق بفعلها لا أن يكون ذكر ما ليس بموجود فيها ; لأن ذلك بهتان لا يظن به ، وعن أبي قلابة قال : طلاق المكره جائز ، وعن عمر رضي الله عنه قال : أربع واجبات على من تكلم بهن : الطلاق ، والعتاق ، والنكاح ، والنذر يعني النذر المرسل إذ اليمين بالنذر يمين ، وبه نأخذ ، فنقول : هذا كله جائز لازم إن كان جادا فيه ، أو هازلا أكره عليه ، أو لم يكره ; لأنه لا يعتمد تمام الرضا ، ولا يحتمل الفسخ بعد وقوعه ، وعن علي رضي الله عنه قال : ثلاث لا لعب فيهن : الطلاق ، والعتاق ، والصدقة يعني النذر بالصدقة ، ومراده أن الهزل ، والجد في هذه الثلاثة سواء ، فالهازل لاعب من حيث إنه يريد بالكلام غير ما وضع له الكلام . وذكر نظيره عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ثلاث لا لعب بهن ، واللعب فيهن جد النكاح ، والطلاق ، والعتاق ، وعن ابن المسيب رضي الله عنه قال : ثلاث ليس فيهن لعب : الطلاق ، والنكاح ، والعتاق ، وأيد هذا كله حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال { : ثلاث جدهن جد ، وهزلهن جد الطلاق ، والرجعة ، والنكاح } ، وإنما ، أورد هذه الآثار ليستدل بها على صحة هذه التصرفات من المكره ، فللوقوع حكم الجد من الكلام ، والهزل ضد الجد ، ثم لما لم يمتنع الوقوع مع وجود ما يضاد الجد ، فلأن لا يمتنع الوقوع بسبب الإكراه أولى ; لأن الإكراه لا يضاد الجد ، فإنه أكره على الجد ، وأجاب إلى ذلك ، وإنما ضد الإكراه الرضا ، فيثبت بطريق البينة لزوم هذه التصرفات مع الإكراه ; لأنه لما لم يمتنع لزومها بما هو ضد الجد ، فلأن لا يمتنع لزومها مع جد أقدم عليه عن إكراه أولى ، ![]()
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ42 الى صـــ 51 (487) وعن عمر رضي الله عنه : أربع مبهمات مقفلات ليس فيهن رد يد الطلاق ، والعتاق ، والنكاح ، والنذر ، وقوله مبهمات أي واقعات على صفة واحدة في اللزوم مكرها كان الموقع أو طائعا يقال : فرس بهيم إذا كان على لون واحد ، وقوله مقفلات أي لازمات لا تحتمل الرد بسبب العذر ، وقد بين ذلك بقوله : ليس فيهن رد يد ، وعن الشعبي رضي الله عنه قال إذا أجبر السلطان على الطلاق فهو جائز ، وإن كان لصا فلا شيء ، وبه أخذ أبو حنيفة رحمه الله قال : الإكراه يتحقق من السلطان ، ولا يتحقق من غيره ، ثم ظاهر هذا اللفظ يدل على أنه كان من مذهب الشعبي أن المكره على الطلاق إذا كان سلطانا يقع ، ولا يقع طلاق المكره إذا كان المكره لصا ، ولكنا نقول : مراده بيان الوقوع بطريق التشبيه يعني أن المكره على الطلاق ، وإن كان سلطانا فالطلاق واقع جائز [ ص: 43 ] فإذا كان لصا ، أولى أن يكون واقعا ; لأن إكراه اللص ليس بشيء . وعن علي وابن عباس رضي الله عنهم قالا : كل طلاق جائز إلا طلاق الصبي ، والمعتوه ، وإنما استدل بقولهما على وقوع طلاق المكره ; لأنهما حكما بلزوم كل طلاق إلا طلاق الصبي ، والمعتوه ، والمكره ليس بصبي ، ولا معتوه ، ولا هو في معناهما لبقاء الأهلية ، والخطاب مع الإكراه ، وعن الزهري رحمه الله أن فتى أسود كان مع أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكان يقرأ القرآن ، فبعث أبو بكر رضي الله عنه رجلا يسعى على الصدقة ، وقال له : اذهب بهذا الغلام معك يرع غنمك ، ويعنك ، فتعطيه من سهمك فذهب بالفتى فرجع ، وقد قطعت يده فقال : ويحك مالك ؟ قال : زعموا أني سرقت فريضة من فرائض الإبل ، فقطعني قال أبو بكر رضي الله عنه والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأقيدنك منه قال فلبثوا ما لبثوا ، ثم إن متاعا لامرأة أبي بكر سرق ، وذلك الأسود قائم يصلي ، فرفع يده إلى السماء ، وقال : اللهم أظهر على السارق اللهم أظهر على السارق ، فوجدوا ذلك المتاع عنده ، فقال أبو بكر رضي الله عنه ، ويحك ما أجهلك بالله ، ثم أمر به ، فقطعت رجله ، فكان أول من قطعت رجله ، وقد بينا ، فوائد هذا الحديث في كتاب السرقة ، واختلاف الروايات أنه ذكر هناك أن الفتى كان أقطع اليد ، والرجل ، فقطعت يده اليسرى ، وهنا ذكر أنه كان أقطع اليد ، فقطع أبو بكر رضي الله عنه رجله ، وإنما أورد الحديث هنا لحرف ، وهو قوله ، ( والله لئن وجدته قطعك بغير حق لأقيدنك منه ) وبه نأخذ ، فنقول إذا بعث الخليفة عاملا ، فأمر رجلا بقطع يد غيره ، أو قتله بغير حق ، فعله أن القصاص على العامل الذي أمر به لأن أمر مثله إكراه ، فإن من عادة العمال أنهم يأمرون بشيء ، ثم يعاقبون من امتنع من ذلك بالقتل ، وغيره ، والفعل يصير منسوبا إليه بمثل هذا الأمر قال الله تعالى { يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين } ، واللعين ما كان يباشر حقيقته ، ولكنه كان مطاعا بأمره ، والأمر من مثله إكراه ، والكلام في الإكراه على القتل يأتي في موضعه . . ، وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال { أخذ المشركون عمار بن ياسر رضي الله عنه ، فلم يتركوه حتى سب الله ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ، ثم تركوه ، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عليه الصلاة والسلام ما وراءك ؟ قال : شر ما تركوني حتى نلت منك ، وذكرت آلهتهم بخير قال عليه الصلاة والسلام : فكيف تجد قلبك ؟ قال : أجده مطمئنا بالإيمان قال : عليه الصلاة والسلام إن عادوا ، فعد } ، ففيه دليل أنه لا بأس للمسلم أن يجري كلمة الشرك على اللسان مكرها بعد أن يكون مطمئن [ ص: 44 ] القلب بالإيمان ، وإن ذلك لا يخرجه من الإيمان ; لأنه لم يترك اعتقاده بما أجراه على لسانه . ( ألا ترى ) أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل عمار بن ياسر رضي الله عنه عن حال قلبه ، فلما أخبر أنه مطمئن بالإيمان لم يعاتبه على ما كان منه ، وبعض العلماء رحمهم الله يحملون قوله عليه الصلاة والسلام { ، فإن عادوا فعد } على ظاهره يعني إن عادوا إلى الإكراه ، فعد إلى ما كان منك من النيل مني ، وذكر آلهتهم بخير ، وهو غلط ، فإنه لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يأمر أحدا بالتكلم بكلمة الشرك ، ولكن مراده عليه الصلاة والسلام ، فإن عادوا إلى الإكراه ، فعد إلى طمأنينة القلب بالإيمان ، وهذا ; لأن التكلم وإن كان يرخص له فيه ، فالامتناع منه أفضل . ( ألا ترى ) { أن خبيب بن عدي رضي الله عنه لما امتنع حتى قتل سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل الشهداء ، وقال : هو رفيقي في الجنة وقصته أن المشركين أخذوه ، وباعوه من أهل مكة ، فجعلوا يعاقبونه على أن يذكر آلهتهم بخير ، ويسب محمدا صلى الله عليه وسلم ، وهو يسب آلهتهم ، ويذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخير ، فأجمعوا على قتله ، فلما أيقن أنهم قاتلوه سألهم أن يدعوه ليصلي ركعتين ، فأوجز صلاته ، ثم قال إنما أوجزت لكي لا تظنوا أني أخاف القتل ، ثم سألهم أن يلقوه على وجهه ليكون هو ساجدا لله حين يقتلونه ، فأبوا عليه ذلك ، فرفع يديه إلى السماء ، وقال اللهم إني لا أرى هنا إلا وجه عدو ، فأقرئ رسول الله صلى الله عليه وسلم مني السلام اللهم احص هؤلاء عددا ، واجعلهم بددا ، ولا تبق منهم أحدا ، ثم أنشأ يقول : ولست أبالي حين أقتل مسلما على أي جنب كان لله مصرعي ، فلما قتلوه ، وصلبوه تحول ، وجهه إلى القبلة ، وجاء جبريل عليه الصلاة والسلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئه سلام خبيب رضي الله عنه ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم له ، وقال هو أفضل الشهداء ، وهو رفيقي في الجنة } ، فبهذا تبين أن الامتناع أفضل .وعن أبي عبيدة أيضا في قوله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه } قال ذلك عمار بن ياسر رضي الله عنه { ولكن من شرح بالكفر صدرا } { عبيد الله بن أبي سرح ، فإنه كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أخذه المشركون ، وأكرهوه على ما أكرهوا عليه عمار بن ياسر رضي الله عنه أجابهم إلى ذلك معتقدا ، فأكرموه ، وكان معهم إلى أن فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ، فجاء به عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله أن يبايعه ، وفيه قصة ، وهو المراد بقوله تعالى { ، ولكن من شرح بالكفر صدرا } } ، فعرفنا أنه إذا بدل الاعتقاد يحكم بكفره مكرها كان ، أو طائعا ، وهذا [ ص: 45 ] لأنه لا ضرورة إلى تبديل الاعتقاد ، فإنه لا اطلاع لأحد من العباد على اعتقاده ، وهو المراد أيضا من قوله تعالى { من كفر بالله من بعد إيمانه } ، فأما قوله تعالى { إلا من أكره ، وقلبه مطمئن بالإيمان } ، فهو عمار بن ياسر رضي الله عنه ، وقد ذكرنا قصته ، وعن جابر الجعفي أنه سأل الشعبي رحمه الله عن الرجل يأمر عبده أن يقتل رجلا قال فيها ثلاثة أقاويل : قائل : يقتل العبد ، وآخر قال : يقتل المولى ، والعبد ، وآخر قال : يقتل المولى ، والمراد بيان حكم القصاص عند القتل مكرها أنه على من يجب ، فإن أمر المولى عبده بمنزلة الإكراه ; لأنه يخاف على نفسه إن خالف أمره كأمر السلطان في حق رعيته ، ثم لم يذكر القول الرابع ، وهو الذي ذهب إليه أبو يوسف أنه لا يقتل واحد منهما ، وكان هذا القول لم يكن في السلف ، وإنما سبق به أبو يوسف رحمه الله ، واستحسنه ، وبيان المسألة يأتي في موضعه . وفي الحديث دليل أن المفتي لا يقطع الجواب على شيء ، ولكن يذكر أقاويل العلماء في الحادثة كما ، فعلها الشعبي رحمه الله ، ولكن هذا إذا كان المستفتي ممن يمكنه التمييز بين الأقاويل ، ويرجح بعضها على البعض ، فإن كان بحيث لا يمكنه ذلك ، فلا يحصل مقصوده ببيان أقاويل العلماء رحمهم الله ، فلا بد للمفتي من أن يبين له أصح الأقاويل عنده للأخذ به ، وعن الحسن البصري رحمه الله التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية ، وبه نأخذ . ، والتقية أن يقي نفسه من العقوبة بما يظهره ، وإن كان يضمر خلافه ، وقد كان بعض الناس يأبى ذلك ، ويقول : إنه من النفاق ، والصحيح أن ذلك جائز لقوله تعالى { إلا أن تتقوا منهم تقاة } ، وإجراء كلمة الشرك على اللسان مكرها مع طمأنينة القلب بالإيمان من باب التقية ، وقد بينا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص فيه لعمار بن ياسر رضي الله عنه إلا أن هذا النوع من التقية يجوز لغير الأنبياء ، والرسل عليهم الصلاة والسلام ، فأما في حق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين ، فما كان يجوز ذلك فيما يرجع إلى أصل الدعوة إلى الدين الحق ، وقد جوزه بعض الروافض لعنهم الله ، ولكن تجويز ذلك محال ; لأنه يؤدي إلى أن لا يقطع القول بما هو شريعة لاحتمال أن يكون قال ذلك أو فعله تقية ، والقول بهذا محال ، وقوله إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية : يعني إذا أكره على قتل مسلم ليس له أن يقتله لما فيه من طاعة المخلوق في معصية الخالق ، وإيثار روحه على روح من هو مثله في الحرمة ، وذلك لا يجوز ، وبهذا يتبين عظم حرمة المؤمن ; لأن الشرك بالله أعظم الأشياء وزرا ، وأشدها تحريما قال الله تعالى : { تكاد السموات يتفطرن منه } إلى قوله عز ، وجل { أن دعوا للرحمن ، ولدا } ، ثم يباح له إجراء كلمة الكفر في حالة الإكراه [ ص: 46 ] ولا يباح الإقدام على القتل في حالة الإكراه فيه يتبين عظم حرمة المؤمن عند الله تعالى ، وهو مراد ابن عباس رضي الله عنه إنما التقية باللسان ليس باليد يعني القتل ، والتقية باللسان هو إجراء كلمة الكفر مكرها ، وعن حذيفة رضي الله عنه قال : فتنة السوط أشد من فتنة السيف قالوا له : وكيف ذلك ؟ قال إن الرجل ليضرب بالسوط حتى يركب الخشب يعني الذي يراد صلبه يضرب بالسوط حتى يصعد السلم ، وإن كان يعلم ما يراد به إذا صعد ، وفيه دليل أن الإكراه كما يتحقق بالتهديد بالقتل يتحقق بالتهديد بالضرب الذي يخاف منه التلف ، والمراد بالفتنة العذاب ، قال الله تعالى : { ذوقوا فتنتكم } ، وقال الله تعالى { : إن الذين فتنوا المؤمنين ، والمؤمنات } أي عذبوهم ، فمعناه عذاب السوط أشد من عذاب السيف ; لأن الألم في القتل بالسيف يكون في ساعته ، وتوالي الألم في الضرب بالسوط إلى أن يكون آخره الموت ، وقد { كان حذيفة رضي الله عنه ممن يستعمل التقية على ما روي أنه يداري رجلا ، فقيل له : إنك منافق ، فقال لا ، ولكني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله ، وقد ابتلي ببعض ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي أن المشركين أخذوه ، واستحلفوه على أن لا ينصر رسول الله في غزوة ، فلما تخلص منهم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك ، فقال عليه الصلاة والسلام أوف لهم بعهدهم ، ونحن نستعين بالله عليهم } ، وذكر عن مسروق رحمه الله قال : بعث معاوية رضي الله عنه بتماثيل من صفر تباع بأرض الهند ، فمر بها على مسروق رحمه الله قال : والله لو أني أعلم أنه يقتلني لغرقتها ، ولكني أخاف أن يعذبني ، فيفتنني ، والله لا أدري أي الرجلين معاوية رجل قد زين له سوء عمله ، أو رجل قد يئس من الآخرة ، فهو يتمتع في الدنيا ، وقيل هذه تماثيل كانت أصيبت في الغنيمة ، فأمر معاوية رضي الله عنه ببيعها بأرض الهند ليتخذ بها الأسلحة ، والكراع للغزاة ، فيكون دليلا لأبي حنيفة رحمه الله في جواز بيع الصنم ، والصليب ممن يعبده كما هو طريقة القياس . وقد استعظم ذلك مسروق رحمه الله كما هو طريق الاستحسان الذي ذهب إليه أبو يوسف ومحمد رحمهما الله في كراهة ذلك ومسروق من علماء التابعين ، وكان يزاحم الصحابة رضي الله عنهم في الفتوى ، وقد رجع ابن عباس إلى قوله في مسألة النذر بذبح الولد ، ولكن مع هذا قول معاوية رضي الله عنه مقدم على قوله ، وقد كانوا في المجتهدات يلحق بعضهم الوعيد بالبعض كما قال علي رضي الله عنه من أراد أن يتقحم جراثيم جهنم ، فليقل في الحديث يعني بقول زيد رضي الله عنه ، وإنما قلنا هذا ; لأنه لا يظن بمسروق رحمه الله أنه قال في [ ص: 47 ] معاوية رضي الله عنه ما قال عن اعتقاد ، وقد كان هو من كبار الصحابة رضي الله عنهم ، وكان كاتب الوحي ، وكان أمير المؤمنين ، وقد أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملك بعده ، فقال له عليه السلام يوما إذا ملكت أمر أمتي ، فأحسن إليهم إلا أن نوبته كانت بعد انتهاء نوبة علي رضي الله عنه ، ومضى مدة الخلافة ، فكان هو مخطئا في مزاحمة علي رضي الله عنه تاركا لما هو واجب عليه من الانقياد له ; لا يجوز أن يقال فيه أكثر من هذا ، ويحكى أن أبا بكر محمد بن الفضل رحمه الله كان ينال منه في الابتداء ، فرأى في منامه كأن شعرة تدلت من لسانه إلى موضع قدمه ، فهو يطؤها ، ويتألم من ذلك ، ويقطر الدم من لسانه ، فسأل المعبر عن ذلك فقال إنك تنال من واحد من كبار الصحابة رضي الله عنه فإياك ، ثم إياك . وقد قيل : في تأويل الحديث أيضا أن تلك التماثيل كانت صغارا لا تبدو للناظر من بعد ، ولا بأس باتخاذ مثل ذلك على ما روي أنه وجد خاتم دانيال عليه السلام في زمن عمر رضي الله عنه كان عليه نقش رجل بين أسدين يلحسانه ، وكان على خاتم أبي هريرة ذبابتان ، فعرفنا أنه لا بأس باتخاذ ما صغر من ذلك ، ولكن مسروقا رحمه الله كان يبالغ في الاحتياط ، فلا يجوز اتخاذ شيء من ذلك ، ولا بيعه ، ثم كان تغريق ذلك من الأمر بالمعروف عنده ، وقد ترك ذلك مخافة على نفسه ، وفيه تبيين أنه لا بأس باستعمال التقية ، وأنه يرخص له في ترك بعض ما هو فرض عند خوف التلف على نفسه ، ومقصوده من إيراد الحديث أن يبين أن التعذيب بالسوط يتحقق فيه الإكراه كما يتحقق في القتل ; لأنه قال لو علمت أنه يقتلني لغرقتها ، ولكن أخاف أن يعذبني ، فيفتنني ، فتبين بهذا أن فتنة السوط أشد من فتنة السيف . وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : لا جناح علي في طاعة الظالم إذا أكرهني عليها ، وإنما أراد بيان جواز التقية في إجراء كلمة الكفر إذا أكرهه المشرك عليها ، فالظالم هو الكافر قال الله تعالى { : والكافرون هم الظالمون } ، ولم يرد به طاعة الظالم في القتل ; لأن الإثم على المكره في القتل لا يندفع بعذر الإكراه بل إذا قدم على القتل كان آثما إثم القتل على ما بينه ، والله أعلم . ( قال رحمه الله ) ولو أن لصوصا من المسلمين غير المتأولين ، أو من أهل الذمة تجمعوا ، فغلبوا على مصر من أمصار المسلمين ، وأمروا عليهم أميرا ، فأخذوا رجلا ، فقالوا لنقتلنك [ ص: 48 ] أو لتشربن هذا الخمر ، أو لتأكلن هذه الميتة ، أو لحم هذا الخنزير ، ففعل شيئا من ذلك كان عندنا في سعة ; لأن حرمة هذه الأشياء ثابتة بالشرع ، وهي مفسدة بحالة الاختيار ، فإن الله تعالى استثنى حالة الضرورة من التحريم بقوله عز وجل { إلا ما اضطررتم إليه } ، والكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى ، فظهر أن التحريم مخصوص بحالة الاختيار ، وقد تحققت الضرورة هنا لخوف التلف على نفسه بسبب الإكراه ، فالتحقت هذه الأعيان في حالة الضرورة بسائر الأطعمة والأشربة ، فكان في سعة من التناول منها ، وإن لم يفعل ذلك حتى يقتل كان آثما ، وعن أبي يوسف رحمه الله أنه لا يكون آثما ، وكذلك هذا فيمن أصابته مخمصة ، فلم يتناول من الميتة حتى مات ، فعلى ظاهر الرواية يكون آثما ، وعلى رواية أبي يوسف لا يكون آثما ، فالأصل عند أبي يوسف أن الإثم ينتفي عن المضطر ، ولا تنكشف الحرمة بالضرورة قال الله تعالى { : فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه } ، وقال تعالى { : فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم } . وهذا لأن الحرمة بصفة أنها ميتة ، أو خمر ، وبالضرورة لا ينعدم ذلك ، فإذا امتنع كان امتناعه من الحرام ، فلا يكون آثما فيه وجه ظاهر الرواية أن الحرمة لا تتناول حالة الضرورة ; لأنها مستثناة بقوله تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } ، فأما أن يقال : يصير الكلام عبارة عما وراء المستثنى ، وقد كان مباحا قبل التحريم فبقي على ما كان في حالة الضرورة ، أو يقال : الاستثناء من التحريم إباحة ، وإذا ثبتت الإباحة في حالة الضرورة ، فامتناعه من التناول حتى تلف كامتناعه من تناول الطعام الحلال حتى تلفت نفسه ، فيكون آثما في ذلك ، وصفة الخمرية توجب الحرمة لمعنى الرفق بالمتناول ، وهو أن يمنعه من استعمال عقله ، ويصده عن ذكر الله ، وعن الصلاة ، وكذلك لحم الخنزير لما في طبع الخنزير من الانتهاب ، وللغذاء أثر في الخلق ، والرفق هنا في الإباحة عند الضرورة ; لأن إتلاف البعض أهون من إتلاف الكل ، وفي الامتناع من التناول هلاك الكل ، فتثبت الإباحة في هذه الحالة لهذا المعنى ، وكذلك لو أوعد بقطع عضو ، أو بضرب مائة سوط ، أو أقل منها مما يخاف على نفسه ، أو عضو من أعضائه ; لأن حرمة الأعضاء كحرمة النفس . ( ألا ترى ) أن المضطر كما لا يباح له قتل الإنسان ليأكل من لحمه لا يباح له قطع عضو من أعضائه ، والضرب الذي يخاف منه التلف بمنزلة القتل على ما بينا أن فتنة السوط أشد من فتنة السيف ، والأعضاء في هذا سواء حتى لو أوعده بقطع أصبع ، أو أنملة يتحقق به الإلجاء ، فكل ذلك محرم باحترام النفس تبعا لها ، ولو أوعده بضرب سوط ، أو سوطين لم يسعه [ ص: 49 ] تناول ذلك ; لأنه لا يخاف على نفسه ، ولا على عضو من أعضائه بما هدده به إنما يغمه ذلك ، أو يؤلمه ألما يسيرا ، والإلجاء لا يتحقق به . ( ألا ترى ) أن بالإكراه بالحبس ، والقيد لا يتحقق الإلجاء حتى لا يباح له تناول هذه الأشياء ، والغم الذي يصيبه بالحبس ربما يزيد على ما يصيبه بضرب سوط ، أو سوطين . ( ألا ترى ) أن الجهال يتهازلون فيما بينهم بهذا المقدار ، وكذلك كل ضرب لا يخاف منه تلف نفس ، أو ذهاب عضو في أكثر الرأي ، وما يقع في القلب ; لأن غالب الرأي يقام مقام الحقيقة فيما لا طريق إلى معرفته حقيقة ، قال : وقد وقت بعضهم في ذلك أدنى الحدود أربعين سوطا ، فإن هدد بأقل منها لم يسعه الإقدام على ذلك ; لأن ما دون الأربعين مشروع بطريق التعزير ، والتعزير يقام على وجه يكون زاجرا لا متلفا ، ولكنا نقول : نصب المقدار بالرأي لا يكون ، ولا نص في التقدير هنا ، وأحوال الناس تختلف باختلاف تحمل أبدانهم للضرب ، وخلافه ، فلا طريق سوى رجوع المكره إلى غالب رأيه ، فإن وقع في غالب رأيه أنه لا تتلف به نفسه ، ولا عضو من أعضائه لا يصير ملجأ ، وإن خاف على نفسه التلف منه يصير ملجأ . وإن كان التهديد بعشرة أسواط ، وهكذا نقول في التعزير للإمام أن يبلغ بالتعزير تسعة وثلاثين سوطا إذا كان في أكثر رأيه أنه لا يتلف به نفسه ، ولا عضوا من أعضائه ، وكذلك إن تغلب هؤلاء اللصوص على بلد ، ولكنهم أخذوا رجلا في طريق ، أو مصر لا يقدر فيها على غوث ; لأن المعتبر خوفه التلف على نفسه ، وذلك بتمكنهم من إيقاع ما هددوه به قبل أن يحضر الغوث ، ولو توعدوه على شيء من ذلك بحبس سنة ، أو بقيد ذلك من غير أن يمنعوه طعاما ، ولا شرابا لم يسعه الإقدام على شيء من ذلك ; لأن الحبس ، والقيد يوجب الهم ، والحزن ، ولا يخاف منه على نفس ، ولا عضو ، ولدفع الحزن لا يسعه تناول الحرام ( ألا ترى ) أن شارب الخمر في العادة إنما يقصد بشربها دفع الهم ، والحزن عن نفسه ، ولو تحقق الإلجاء بالحبس لتحقق بحبس يوم ، أو نحوه ، وذلك بعيد ، وإن قالوا لنجيعنك أو لتفعلن بعض ما ذكرنا لم ينبغ له أن يفعل ذلك حتى يجيء من الجوع ما يخاف منه التلف ; لأن الجوع شيء يهيج من طبعه ، وبادي الجوع لا يخاف منه التلف إنما يخاف التلف عند نهاية الجوع بأن تخلو المعدة عن مواد الطعام فتحترق ، وشيء منه لا يوجد عند أدنى الجوع . ( ألا ترى ) أن الإكراه في هذا معتبر بالضرورة ، والمضطر الذي يخاف على نفسه من العطش ، والجوع يباح له تناول الميتة ، وشرب الخمر ، ولا يباح له ذلك عند أدنى الجوع ما لم يخف التلف على نفسه ، وهذا بخلاف ما تقدم إذا هددوه بضرب سوط [ ص: 50 ] فإن هناك يباح له التناول ، ولا يلزمه أن يصبر إلى أن يبلغ الضرب حدا يخاف منه التلف على نفسه ; لأن الضرب فعل الغير به ، فينظر إلى ما هدده به ، فإذا كان يخاف منه التلف يباح الإقدام عليه باعتبار أن تمكنه من إيقاع ما هدده به يجعل كحقيقة الإيقاع ، والرجوع هنا يهيج من طبعه ، وليس هو فعل الغير به ، فإنما يعتبر القدر الموجود منه . وقد قيل : إنما يعتبر إذا كان يعلم أن الجوع صار بحيث يخاف منه التلف ، وأراد أن يتناول مكنوه من ذلك ، فأما إذا كان يعلم أنه لو صبر إلى تلك الحالة ، ثم أراد أن يتناول لم يمكنوه من ذلك ، فليس له أن يتناول إلا إذا كان بحيث يلحقه الغوث إلى أن ينتهي حاله إلى ذلك ، فحينئذ لا يسعه الإقدام عليه بأدنى الجوع قال : وكل شيء جاز له فيه تناول هذه المحرمات من الإكراه ، فكذلك يجوز عندنا الكفر بالله إذا أكره عليه ، وقلبه مطمئن بالإيمان ، وهذا يجوز في العبادة ، فإن حرمة الكفر حرمة ثابتة مضمنة لا تنكشف بحال ، ولكن مراده أنه يجوز له إجراء كلمة الشرك على اللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان ; لأن الإلجاء قد تحقق ، والرخصة في إجراء كلمة الشرك ثابتة في حق الملجأ بشرط طمأنينة القلب بالإيمان إلا أن هنا إن امتنع كان مثابا على ذلك ; لأن الحرمة باقية ، فهو في الامتناع متمسك بالعزيمة ، والمتمسك بالعزيمة أفضل من المترخص بالرخصة قال : وقد بلغنا عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : ما من كلام أتكلم به يدرأ عني ضربتين بسوط غير ذي سلطان إلا كنت متكلما به ، وإنما نضع هذا على الرخصة فيما فيه الألم الشديد ، وإن كان من سوطين ، فأما أن يقول السوطان اللذان لا يخاف منهما تلف يوجبان الرخصة له في إجراء كلمة الشرك ، فهذا مما لا يجوز أن يظن بعبد الله رضي الله عنه أما تصرف هذا اللفظ منه على سبيل المثل ، فلبيان الرخصة عند خوف التلف ، وقيل السوطان في حقه كان يخاف منهما التلف لضعف نفسه ، فقد كان بهذه الصفة على ما روي أنه { صعد شجرة يوما ، فضحكت الصحابة رضي الله عنهم من دقة ساقيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تضحكوا ، فهما ثقيلان في الميزان } . ولو أن هؤلاء اللصوص قالوا شيئا من ذلك للرجل ، والرجل لا يرى أنهم يقدمون عليه لم يسعه الإقدام على المحرم ; لأن المعتبر خوف التلف ، ولا يصير خائفا التلف إذا كان يعلم أنهم لا يقدمون عليه ، وإن هددوه به ، وقد بينا أن ما لا طريق إلى معرفته حقيقة يعتبر فيه غالب الرأي ، فإن كان لا يخاف أن يقدموا عليه في أول مرة حتى يعاودوه لم ينبغ له أن يقدم على ذلك حتى يعاودوه ، وهذا على ما يقع في القلب . ( ألا ترى ) أنك لو رأيت رجلا ينقب عليك دارك من [ ص: 51 ] خارج ، أو دخل عليك ليلا من الثقب بالسيف ، وخفت إن أنذرته يضربك ، وكان على أكثر رأيك ذلك وسعك أن تقتله قبل أن تعلمه إذا خفت أن يسبقك إن أعلمته ، وفي هذا إتلاف نفس ، ثم أجاز الاعتماد على غالب الرأي لتعذر الوقوع على حقيقته ، فكذلك فيما سبق . ، ولو هددوه بقتل ، أو إتلاف عضو ، أو بحبس ، أو قيد ليقر لهذا الرجل بألف درهم فأقر له به ، فالإقرار باطل أما إذا هددوه بما يخاف منه التلف ، فهو ملجأ إلى الإقرار محمول عليه ، والإقرار خبر متميل بين الصدق ، والكذب ، فإنما يوجب الحق باعتبار رجحان جانب الصدق ، وذلك ينعدم بالإلجاء ، وكذلك إن هددوه بحبس ، أو قيد ; لأن الرضا ينعدم بالحبس ، والقيد بما يلحقه من الهم ، والحزن به ، وانعدام الرضا يمنع ترجيح جانب الصدق في إقراره ، ثم قد بينا أن الإكراه نظير الهزل ، ومن هزل بإقراره لغيره ، وتصادقا على أنه هزل بذلك لم يلزمه شيء ، فكذلك إذا أكره عليه فإن قيل : لماذا لم يجعل هذا بمنزلة شرط الخيار ؟ ، وشرط الخيار يمنع صحة الإقرار قلنا لا كذلك بل متى صح شرط الخيار مع الإقرار بالمال لا يجب المال حتى لو قال : كفلت لفلان عن فلان بألف درهم على أني بالخيار لا يلزمه المال . فأما إذا أطلق الإقرار بالمال ، وهو خبر عن الماضي ، فلا يصح معه شرط الخيار ، والإكراه هنا متحقق ، فإنما يعتبر بموضع يصح فيه اشتراط الخيار ، وهذا بخلاف ما تقدم من تناول الحرام ; لأن المؤثر هناك الإلجاء ، وذلك ما يخاف منه التلف ، وهنا المانع من وجوب المال انعدام الرضا بالالتزام ، وقد انعدم الرضا بالإكراه ، وإن كان بحبس ، أو قيد قال شريح رحمه الله : القيد كره ، والوعيد كره ، والضرب كره ، والسجن كره ، وقال عمر رضي الله عنه : ليس الرجل على نفسه بأمين إذا ضربت ، أو بغيت ، أو جوعت أي هو ليس بطائع عند خوف هذه الأشياء ، وإذا لم يكن طائعا كان مكرها ، ولو توعدوه بضرب سوط واحد ، أو حبس يوم ، أو قيد يوم على الإقرار بألف ، فأقر به كان الإقرار جائزا ; لأنه لا يصير مكرها بهذا القدر من الحبس ، والقيد ، فالجهال قد يتهازلون به فيما بينهم ، فيحبس الرجل صاحبه يوما ، أو بعض يوم ، أو يقيده من غير أن يغمه ذلك ، وقد يفعل المرء ذلك بنفسه فيجعل القيد في رجله ، ثم يمشي تشبيها بالمقيد أرأيت لو قالوا له لنطرقنك طرقة ، أو لنسمنك ، أو لتقرن به - أما كان إقراره جائزا ، والحد في الحبس الذي هو إكراه في هذا ما يجيء منه الاغتمام البين ، وفي الضرب الذي هو إكراه ما يجد منه الألم الشديد ، وليس في ذلك حد لا يزاد على ذلك ، ولا ينقص منه ; لأن نصب المقادير بالرأي لا يكون . ، ولكن ذلك على قدر [ ص: 52 ] ما يرى الحاكم إذا رفع ذلك إليه ، فما رأى أنه إكراه أبطل الإقرار به ; لأن ذلك يختلف باختلاف أحوال الناس ، فالوجيه الذي يضع الحبس من جاهه تأثير الحبس ، والقيد يوما في حقه ، فوق تأثير حبس شهر في حق غيره ، فلهذا لم تقدر فيه بشيء ، وجعلناه موكولا إلى رأي القاضي ليبني ذلك على حال من ابتلي به . . ![]()
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ52 الى صـــ 61 (488) ولو أكرهوه على أن يقر لرجل بألف درهم ، فأقر له بخمسمائة كان باطلا ; لأنهم حين أكرهوه على ألف ، فقد أكرهوه على أقل منها ، فالخمسمائة بعض الألف ، ومن ضرورة امتناع صحة الإقرار بالألف إذا كان مكرها امتناع صحة إقراره بما هو دونه ، ولأن هذا من عادات الظلمة أنهم يكرهون المرء على الإقرار ، وبدل الحط بألف ، ويقنعون منه ببعضه ، فبهذا الطريق جعل مكرها على ما دون الألف ، ولو أقر بألفين لزمه ألف درهم ; لأنه طائع في الإقرار في أحد الألفين ، وليس من عادات الظلمة أن يتحكموا على المرء بمال ، ومرادهم أكثر من ذلك ، وفرق أبو حنيفة بين هذا ، وبين ما إذا شهد أحد الشاهدين بألف ، والآخر بألفين ، فإن هناك لا تقبل الشهادة على شيء ، وقال هناك لا يصح إقراره بقدر ألف ، وتصح الزيادة ; لأن في الشهادة تعتبر الموافقة من الشاهدين لفظا ، ومعنى ، وقد انعدمت الموافقة لفظا ، فالألف غير الألفين ، وهنا المكره مضار متعنت ، فإنما يعتبر في حقه المعنى دون اللفظ ، وقد قصد الإضرار به بإلزام الألف إياه بإقراره ، فيرد عليه قصده ، ولا يلزمه الألف بما أقر به ، ويلزمه ما زاد عليه ، ولو أقر بألف دينار لزمته ; لأن الدراهم ، والدنانير جنسان حقيقة ، فيكون هو طائعا في جميع ما أقر به من الجنس الآخر . ولا يقال : الدراهم ، والدنانير جعلا كجنس ، واحد في الأحكام ; لأن هذا في الإنشاءات ، فأما في الإخبارات ، فهما جنسان كما في الدعوى ، والشهادة ، فإنه إذا ادعى الدراهم ، وشهد له الشهود بالدنانير لا تقبل ، والإقرار إخبار هنا ، فالدراهم ، والدنانير فيه جنسان ، وكذلك إن أقر له بنصف غير ما أكرهوه عليه من المكيل ، أو الموزون ، فهو طائع متى أقر به . . ولو أكرهوه على أنه يقر له بألف ، فأقر له ، ولفلان الغائب بألف ، فالإقرار كله باطل في قول أبي حنيفة وأبي يوسف سواء أقر الغائب بالشركة ، أو أنكرها ، وقال محمد : إن صدقه الغائب فيما أقر به بطل الإقرار كله ، وإن قال لي عليه نصف هذا المال ، ولا شركة بيني ، وبين هذا الذي أكرهوه على الإقرار له جاز الإقرار للغائب بنصف المال ، وأصل المسألة ما بيناه في الإقرار أنالمريض إذا أقر لوارثه ، ولأجنبي بدين عند أبي حنيفة وأبي يوسف الإقرار باطل على كل حال ; لأنه أقر بأن المال مشترك بينهما ، ولا وجه لإثبات الشركة للوارث ، فيبطل الإقرار [ ص: 53 ] كله ، وهنا أقر بالمال مشتركا بينهما ، ولا وجه لإثبات الشركة لمن أكره على الإقرار له ، فكان الإقرار باطلا ، وكذلك عند محمد إن صدقه الأجنبي بالشركة ، وإن كذبه ، فله نصف المال ; لأنه أقر له بنصف المال ، وادعى عليه شركة الوارث معه ، وهنا أيضا أقر للغائب بنصف المال طائعا ، وادعى عليه شركة الحاضر معه ، فكان إقراره للغائب بنصف المال صحيحا ، ودعواه الشركة باطلة . ولو أكرهوه على هبة جاريته لعبد الله ، فوهبها لعبد الله ، وزيد ، وقبضاها بأمره جازت في حصة زيد ; لأنه ملكه نصف الجارية طائعا ، والشيوع فيما لا يحتمل القسمة لا يمنع صحة الهبة ، وبطلت في حصة عبد الله بالإكراه ، ثم الهبة إنشاء التصرف ، فبطلانه في نصيب من أكره عليه لا يمنع من صحته في نصيب الآخر كالوصية ، فإن من أوصى لوارثه ، ولأجنبي جازت الوصية في نصيب الأجنبي بخلاف الإقرار ، ولو كان ذلك في ألف درهم بطلت الهبة كلها أما عند أبي حنيفة ، فلأنه لا يجوز هبة ما يحتمل القسمة من رجلين إذا كان طائعا في حقهما ، فإذا كان مكرها في حق أحدهما كان أولى ، وأما عند أبي يوسف ومحمد ، فإنما لا يجوز هنا ; لأن الهبة بطلت في نصيب عبد الله من الأصل ، فلو صحت في نصيب زيد كانت في مشاع يحتمل القسمة ، وذلك يمنع صحة الهبة . ( ألا ترى ) أنه لو ، وهب داره من رجل ، فاستحق نصفها بطلت الهبة في الثاني ، واستشهد لهذا بما لو اشترى دارا ، وهو شفيعها مع رجل غائب فقبضها ، ووهبها ، وسلمها ، ثم حضر الغائب ، فأخذ نصفها بالشفعة بطلت الهبة في النصف الآخر ; لأن في النصف المأخوذ بالشفعة الهبة تبطل من الأصل . ، وكذلك لو ، وهب لرجل دارا على أن يعوضه من نصفها خمرا ، فالهبة تبطل في النصف الباقي لبطلانها في النصف الذي شرط فيه الخمر عوضا ، وهذا بخلاف المريض إذا وهب داره من إنسان ، ولا مال له غيرها ، ثم مات ، فإن الهبة تنتقض في الثلثين لحق الورثة ، وتبقى في الثلث صحيحة ; لأن الهبة في الكل صحيحة في الابتداء ، وإنما تنتقض في الثلثين لحق الورثة بعد موت الواهب ، فكان الشيوع في الثلث طارئا ، وذلك لا يبطل الهبة كما لو وهب داره من إنسان ، ثم رجع في نصفها ، وفيما تقدم من المسائل ، المبطل للهبة في النصف مقترن بالسبب ، فبطلت الهبة في ذلك النصف من الأصل ، فالشيوع في النصف الباقي يكون مقارنا لا طارئا . ولو أكرهوه على هبة جاريته لرجل ، ودفعها إليه ، فوهب ، ودفع ، فأعتقها الموهوب له جاز عتقه ، وغرم المعتق قيمتها ، أما قوله ، ولو دفعها إليه ، فهو فصل من الكلام ، فإن الإكراه على الهبة يكون إكراها على الدفع بخلاف الإكراه على البيع ، فإنه لا يكون إكراها [ ص: 54 ] على التسليم ، والفرق أن المكره مضار متعنت ، والهبة لا توجب الملك بنفسها ما لم يتصل بها القبض ، فإذا كان الضرر الذي قصده المكره ، وهو إزالة ملكه لا يحصل إلا بالقبض تعدى الإكراه إليه ، وإن لم ينص عليه ، فأما البيع ، فموجب الملك بنفسه ، والإضرار به يتحقق متى صح ، فلا يتعدى الإكراه عن البيع إلى شيء آخر ، وإذا سلم بعد ذلك بغير أمره كان طائعا في التسليم . يوضحه : أن القبض في باب البيع يوجب ملك التصرف ، وذلك حكم آخر غير ما هو الموجب الأصلي بالبيع ، وهو ملك الغير ، فلا يتعدى الإكراه إليه بدون التنصيص عليه ، وأما القبض في باب الهبة ، فيوجب الملك الذي هو حكم الهبة ، وهو ملك الغير ، فلهذا كان الإكراه على الهبة إكراها على التسليم ، ثم بسبب الإكراه تفسد الهبة ، ولكن الهبة الفاسدة توجب الملك بعد القبض كالهبة الصحيحة بناء على أصلنا أن فساد السبب لا يمنع وقوع الملك بالقبض ، فإذا أعتقها ، أو دبرها أواستولدها ، فقد لاقى هذه التصرفات منه ملك نفسه فكانت نافذة ، وعليه ضمان قيمتها ; لأن رد العين كان مستحقا عليه ، وقد تعذر بنفوذ تصرفه فيه ، فعليه قيمتها كالمشتراة شراء فاسدا ، وإذا شاء المكره في هذا كله رجع على الذين أكرهوه بقيمتها ; لأنهم أتلفوا عليه ملكه ، فإن الإكراه بوعيد متلف يجعل المكره ملجأ ، وذلك يوجب كون المكره آلة للمكره ، ونسبة الفعل إليه فيما يصلح أن يكون آلة ، وهو في التسليم ، والإتلاف الحاصل به يصلح أن يكون آلة للمكره ، فإذا صار الإتلاف منسوبا إلى المكره كان ضامنا للقيمة ، فإن ضمنهم القيمة رجعوا بها على الموهوب له ; لأنهم قاموا في الرجوع عليه مقام من صحبهم ، ولأنهم ملكوها بالصحبة ، ولو كانت قائمة من هذا الموهوب له كان لهم أن يأخذوها منه ، وإذا أتلفوها بالإعتاق كان لهم أن يضمنوه قيمتها . فإن قيل : لماذا لا تنفذ الهبة من جهتهم ؟ قلنا : لأنهم ما وهبوها له ، وإنما قصدوا الإضرار بالمكره لا التبرع من جهتهم بخلاف الغاصب إذا وهب المغصوب ، ثم ضمن القيمة ، فإن هناك قصد تنفيذ الهبة من جهته ، فإذا ملكه بالضمان نفذت الهبة من جهته كما قصدها ، ولذلك لو أكرهوه على البيع ، والتسليم ، ففعل ، فأعتقه المشتري ، أو دبره ، أو كانت أمة ، فاستولدها نفذ ذلك كله عندنا ، وقال زفر لا ينفذ شيء من ذلك ، وأصل المسألة أن المشتري من المكره بالقبض يصير مالكا عندنا خلافا لزفر رحمه الله ، وحجته في ذلك أن بيع المكره دون البيع بشرط الخيار للبائع ، فالبائع هناك راض بأصل السبب ، والبيع هناك يتم بموت البائع ، وهنا لا يتم ، ثم هناك المشتري لا يملكه بالقبض ، فهنا أولى إذ بيع المكره كبيع الهازل . [ ص: 55 ] ولو تصادقا أنه كان البيع بينهما هزلا لم يملك المشتري المبيع بالقبض ، فكذلك إذا كان البائع مكرها ، وكلامه في الإكراه بالقتل ، أوضح ; لأن الفعل ينعدم في جانب المكره بالإلجاء ، فيصير كأن المكره باشر ذلك بنفسه ، فلا يملكه المشتري بالقبض ، وإن كان لو أجازه المالك طوعا صح : وحجتنا في ذلك أن بيع المكره ، فاسد ، والمشتري بالقبض بحكم البيع الفاسد يصير مالكا ، وبيان الوصف أن ما هو ركن العقد لم ينعدم بالإكراه ، وهو الإيجاب ، والقبول في محله ، وإنما انعدم ما هو شرط الجواز ، وهو الرضى قال الله تعالى { : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ، وتأثير انعدام شرط الجواز في إفساد العقد كما هو في الربا ، فإن المساواة في أموال الربا شرط جواز العقد ، فإذا انعدمت المساواة كان العقد ، فاسدا ، وكان الملك ثابتا للمشتري بالقبض . فهذا مثله بخلاف البيع بشرط الخيار ، فإن شرط الخيار يجعل العقد في حق حكمه كالمتعلق بالشرط ، والمتعلق بالشرط معدوم قبل الشرط ، وهذا ; لأن قوله على أنى بالخيار شرط ، ولكن لا يمكن إدخاله على أصل السبب ; لأن البيع لا يحتمل التعليق بالشرط ، فيكون داخلا على حكم السبب ; لأن الحكم يحتمل التأخر عن السبب ، وبهذا تبين أن البائع هناك غير راض بالسبب في الحال ; لأنه علقه بالشرط ، فلا يتم رضاه به قبل الشرط ، فكان أضعف من بيع المكره ; لأن المكره راض بالسبب لدفع الشر عن نفسه غير راض بحكم السبب ، والخيار الثابت للمكره من طريق الحكم ، فيكون نظير خيار الرؤية ، وخيار العيب ، وذلك لا يمنع انعقاد السبب في الحكم مقيدا لحكمه ، فكذلك بيع المكره ، وكذلك الهازل ، فإنه غير راض بأصل البيع ; لأن البيع اسم للجد الذي له في الشرع حكم . والهزل ضد الجد ، فإذا تصادقا على أنهما لم يباشرا ما هو سبب الملك لا ينعقد البيع بينهما موجبا للملك ، وهنا المكره دعي إلى الجد ، وقد أجاب إلى ذلك ; لأنه لو أتى بغيره كان طائعا ، فكان بيع المكره أقوى من بيع الهازل من هذا الوجه ، وإنما ينعدم الفعل في جانب المكره إذا صار منسوبا إلى المكره ، وذلك يقتصر على ما يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره ، وفي البيع لا يصلح أن يكون هو آلة للمكره ; لأن التكلم بلسان الغير لا يتحقق فيه المكره مباشرا للبيع فإن قيل : هو في التسليم يصلح أن يكون آلة للمكره ، فينتقل ذلك إلى المكره ، ويصير كأنه سلم بنفسه ، فلا يملكه المشتري قلت : هو في التسليم متمم للعقد ، فلا يصلح أن يكون آلة للمكره ، وإنما يصلح أن يكون آلة للمكره في تسليم ابتداء غصب . وثبوت الملك في البيع الفاسد لا ينبني على ذلك ، وإنما ينبني على تسليم هو حكم العقد ، وذلك متصور على المكره [ ص: 56 ] أيضا ; يوضحه : أنه لا تأثير للإكراه في تبديل محل الفعل ، ولو أخرجنا هذا التسليم من أن يكون متمما للعقد جعلناه غصبا ابتداء بنسبته إلى المكره ، فيتبدل بسبب الإكراه ذات الفعل ، وإذا كان لا يجوز أن يتبدل محل الفعل بسبب الإكراه ، فكيف يجوز أن تتبدل ذاته ، ومن أصحابنا رحمهم الله من علل لتنفيذ عتق المشتري من غير تعرض للملك ، فنقول : إيجاب البيع مطلقا تسليط للمشتري على العتق ، والإكراه لا يمنع صحة التسليط على العتق ، ونفوذ العتق بحكمه كما لا يمنع الإكراه صحة الإعتاق . ( ألا ترى ) أنه لو أكره على أن يوكل في عتق عبده ، ففعل ، وأعتقه الوكيل نفذ عتقه ، فهذا مثله ، وإذا ثبت نفوذ العتق ، والتدبير ، والاستيلاء ، فقد تعذر على المشتري رد عينها ، فيضمن قيمتها للبائع ، فإن شاء البائع ضمن الذين أكرهوه ; لأن العقد ، وما يتممه ، وإن لم يصر مضافا إليهم ، فالإتلاف الحاصل به يصير مضافا إليهم في حق البائع ; لأن المكره يصلح أن يكون آلة لهم في الإتلاف ، فكان له أن يضمنهم قيمتها ، ثم يرجعون بها على المشتري ; لأنهم قاموا مقام البائع ; أو لأنهم ملكوها بالضمان ، ولا يمكن تنفيذ البيع من جهتهم ، فيرجعون على المشتري بقيمتها ; لأنه أتلفها عليهم طوعا بالإعتاق ، ولو أن المشتري أتلفها ، والموهوب له لم يفعل بها ذلك ، ولكنه باعها ، أو وهبها ، وسلمها ، أو كاتبها كان لمولاها المكره أن ينقض جميع ذلك ; لأن هذه التصرفات تحتمل النقض ، فينقض لحق المكره بخلاف العتق . ( ألا ترى ) أن العتق لا ينتقض لحق المرتهن ، والبيع ، والهبة ، والكتابة تنتقض لحقه فإن قيل : فأين ذهب قولكم أن بيع المكره فاسد ، والمشترى شراء ، فاسدا لا ينقض منه هذه التصرفات بعد القبض لحق البائع قلنا ; لأن هناك البائع سلم المبيع راضيا به ، فيصير بالتسليم مسلطا للمشتري على هذه التصرفات ، وهنا المكره غير راض بالتسليم ، ولو رضي بالتسليم تم البيع ، فوازنه المشتري شراء ، فاسدا إذا أكره البائع على التسليم ، فسلمه مكرها ، وهذا ; لأن الفاسد معتبر بالصحيح ، وفي البيع الصحيح إذا قبضه المشتري بغير إذن البائع ، وتصرف فيه ينقض من تصرفاته ما يحتمل النقض لإبقاء حق البائع في الحبس دون ما لا يحتمل النقض . قال وليس في شيء يكره عليه الإنسان إلا ، وهو يرد إلا ما جرى فيه عتق ، أو تدبير ، أو ولادة ، أو طلاق ، أو نكاح ، أو نذر ، أو رجعة في العدة ، أو في الإيلاء ممن لا يقدر على الجماع ، فإن هذه الأشياء تجوز في الإكراه ، ولا ترد ، وأصل المسألة أن تصرفات المكره قولا منعقد عندنا إلا أن ما يحتمل الفسخ منه كالبيع ، والإجارة يفسخ ، وما لا يحتمل الفسخ منه كالطلاق ، والنكاح ، والعتاق ، وجميع ما سمينا ، فهو لازم ، وقال الشافعي : تصرفات المكره قولا [ ص: 57 ] يكون لغوا إذا كان الإكراه بغير حق بمنزلة تصرفات الصبي ، والمجنون ، ويستوي إن كان الإكراه بحبس ، أو قتل . وحجته في ذلك قوله تعالى { لا إكراه في الدين } ، والمراد نفي الحكم لما يكره عليه المرء في الدين قال : عليه الصلاة والسلام { رفع عن أمتي الخطأ ، والنسيان ، وما استكرهوا عليه } ، فهذا يدل على أن ما يكره عليه يكون مرفوعا عنه حكمه ، وإثمه ، وعينه إلا بدليل ، والمعنى فيه أن هذا قول موجب للحرمة ، فالإكراه الباطل عليه يمنع حصول الفرقة كالردة ، وتأثيره أن انعقاد التصرفات شرعا بكلام يصدر عن قصد ، واختيار معتبر شرعا ، ولهذا لا ينعقد شيء من ذلك بكلام الصبي ، والمجنون ، والنائم ، وليس للمكره اختيار صحيح معتبر شرعا فيما تكلم به بل هو مكره عليه ، والإكراه يضاد الاختيار ، فوجب اعتبار هذا الإكراه في انعدام اختياره به لكونه إكراها بالباطل ، ولكونه معذورا في ذلك ، فإذا لم يبق له قصد معتبر شرعا التحق بالمجنون بخلاف العنين إذا أكرهه القاضي على الفرقة بعد مضي المدة أو المولى بعدها ; لأن ذلك إكراه بحق لانعدام اختياره شرعا . ( ألا ترى ) أن المديون إذا أكرهه القاضي على بيع ماله نفذ بيعه ، والذمي إذا أسلم عبده ، فأجبر على بيعه نفذ بيعه بخلاف ما إذا أكرهه على البيع بغير حق قال : وعلى هذا قلت ، وإذا أكره الحربي على الإسلام صح إسلامه ، ولو أكره المستأمن ، أو الذمي على الإسلام لا يصح إسلامه ; لأنه إكراه بالباطل ، ولا يدخل فيه السكران ، فإنه غير معذور شرعا ، فهو في المعنى كالمكره بحق ، فيكون قصده ، واختياره معتبرا شرعا ، ولهذا نفذ منه جميع التصرفات ، ولهذا صح إقراره بالطلاق هناك ، ولا يصح هنا إقراره بالطلاق بالاتفاق ، فكذلك إنشاؤه ، وهذا بخلاف الهازل ; لأنه قاصد إلى التكلم بالطلاق مختار له ، فإن باب الهزل واسع ، فلما اختار عند الهزل التكلم بالطلاق من بين سائر الكلمات عرفنا أنه مختار للفظ ، وإن لم يكن مريدا لحكمه ، فأما المكره ، فغير مختار في التكلم بالطلاق هنا ; لأنه لا يحصل له النجاة إذا تكلم بشيء آخر ، وهذا بخلاف ما إذا أكره على أن يجامع امرأة ، وهي أم امرأته ، فإنها تحرم عليه ; لأنا ادعينا هذا في الأقوال التي يكون ثبوتها شرعا بناء على اختيار صحيح ، فأما الأفعال فتحققها بوجودها حسا . ( ألا ترى ) أنه إذا تحقق ذلك من المجنون كان موجبا للفرقة أيضا ، فكذلك من المكره بخلاف ما نحن فيه ; ولأن سبب الإكراه محافظة قدر الملك على المكره حتى قلتم في الإكراه على العتق : المكره يضمن القيمة للمكره ، وكما تجب محافظة قدر ملكه عليه تجب محافظة عين ملكه عليه ، ولا طريق لذلك سوى أن يجعل الفعل عدما في جانب المكره ، ويجعل هو آلة [ ص: 58 ] للمكره ، وإذا صار آلة له امتنع وقوع الطلاق ، والعتاق ، ولا معنى لقولكم : إنه في التكلم لا يصلح آلة ، فإنكم جعلتموه آلة حيث أوجبتم ضمان القيمة على المكره في العتاق ، وضمان نصف الصداق على المكره في الطلاق قبل الدخول ، ثم إن لم يمكن أن يجعل آلة حتى يصير الفعل موجودا من المكره يجعل آلة حتى ينعدم الفعل في جانب المكره ، فيلغو طلاقه ، وعتاقه . وحجتنا في ذلك ما روينا من الآثار في أول الكتاب ، والمعنى فيه أنه تصرف من أهله في محله ، فلا يلغى كما لو كان طائعا ، وبيانه أن هذا التصرف كلام ، والأهلية للكلام يكون مميزا ، ومخاطبا ، وبالإكراه لا ينعدم ذلك ، وقد بينا أنه مخاطب في غير ما أكره عليه ، وكذلك فيما أكره عليه حتى ينوع عليه الأمر كما قررنا ، وهذا ; لأن الخطاب ينبني على اعتدال الحال ، وذلك لا يختلف فيه أحوال الناس ، فأقام الشرع البلوغ عن عقل مقام اعتدال الحال في توجه الخطاب ، واعتبار كلامه شرعا تيسيرا للأمر على الناس ، وبسبب الإكراه لا ينعدم هذا المعنى ، والسبب الظاهر متى قام مقام المعنى الخفي دار الحكم معه وجودا ، وعدما ، وبيان المحلية أنه ملكه ، ولو لم يكن مكرها لكان تصرفه مصادفا محله ، وليس للطواعية تأثير في جعل ما ليس بمحل محلا ، فعرفنا أن التصرف صادف محله إلا أن بسبب الإكراه ينعدم الرضا منه بحكم السبب ، ولا ينعدم أصل القصد ، والاختيار ; لأن المكره عرف الشرين ، فاختار أهونهما ، وهذا دليل حسن اختياره ، فكيف يكون مفسدا لاختياره ، وهو قاصد إليه أيضا ; لأنه قصد دفع الشر عن نفسه ، ولا يتوصل إليه إلا بإيقاع الطلاق . وما لا يتوصل إلى المقصود إلا به يكون مقصودا ، فعرفنا أنه قاصد مختار ، ولكن لا لعينه بل لدفع الشر عنه ، فيكون بمنزلة الهازل من حيث إنه قاصد إلى التكلم مختار له لا لحكمه بل لغيره ، وهو الهزل ، ثم طلاق الهازل واقع ، فبه يتبين أن الرضا بالحكم بعد القصد إلى السبب ، والاختيار له غير معتبر ، وقد بينا أن حال المكره في اعتبار كلامه ، فوق حال الهازل ; لأن الحكم للجد من الكلام ، والهزل ضد الجد ، والمكره يتكلم بالجد ; لأنه يجيب إلى ما دعي إليه ، ولكنه غير راض بحكمه ، وهذا بخلاف الردة ، فإنها تنبني على الاعتقاد ، وهو التكلم بخبر عن اعتقاده ، وقيام السيف على رأسه دليل ظاهر على أنه غير معتقد ، وأنه في إخباره كاذب ، وكذلك الإقرار بالطلاق ، والإقرار متميل بين الصدق ، والكذب ، وإنما يصح من الطائع لترجح جانب الصدق ، فإن دينه ، وعقله يدعوانه إلى ذلك . ، وفي حق المكره قيام السيف على رأسه دليل على أنه كذب ، والمخبر عنه إذا كان كاذبا ، فالإخبار به لا يصير صدقا ، فإن أقر به [ ص: 59 ] المقر باختياره لا يصير كائنا حقيقة ، وهذا بخلاف ما إذا هزل بالردة ; لأن هناك إنما يحكم بكفره لاستخفافه بالدين ، فإن الهازل مستخف لا محالة إذ الاستخفاف بالدين كفر ، فأما المكره ، فغير مستخف ، ولا معتقد لما يخبر به مكرها ، ثم إن وجب محافظة قدر الملك على المكره ، فذلك لا يدل على أنه يجب محافظة عين الملك عليه كما لو أعتق أحد الشريكين نصيبه من العبد ، وهو موسر ، فإنه يجب محافظة قدر الملك على الساكت بإيجاب الضمان له على العتق ، ولا يجب محافظة عين ملكه بإبطال عتق المعتق ، وهذا ; لأنه مكره على شيئين : التكلم بالعتاق ، والإتلاف ، وهو في التكلم لا يصلح آلة للمكره ; لأن تكلمه بلسان الغير لا يتحقق ، وفي الإتلاف يصلح آلة له ، فجعلنا الإتلاف مضافا إلى المكره ، فأوجبنا الضمان عليه ، وجعلنا التكلم بالطلاق ، والعتاق مقصورا على المكره ، فحكمنا بنفوذ قوله بأن المكره ينبغي أن يجعل آلة حتى ينعدم التكلم في جانبه حكما . قلنا هذا شيء لا يمكن تحقيقه هنا ، فإن الخلاف في الإكراه بالقتل ، والإكراه بالحبس سواء ، وعند الإكراه بالحبس لا ينعدم الفعل في جانب المكره بحال ، ثم نقول ليس للإكراه تأثير في الإهدار ، والإلغاء . ( ألا ترى ) أن المكره على إتلاف المال لا يجعل فعله لغوا بمنزلة فعل التهمة ، ولكن يجعل موجبا للضمان على المكره ، فعرفنا أن تأثير الإكراه في تبديل النسبة حتى يكون الفعل منسوبا إلى المكره ، وهذا يقتصر على ما يصلح أن يكون المكره آلة للمكره ، فلو اعتبرنا ذلك لانعدم الفعل في جانب المكره من غير أن يصير منسوبا إلى المكره كان تأثير الإكراه في الإلغاء ، وذلك لا يجوز ، والمراد بالآية ، والحديث نفي الإثم لا رفع الحكم ، وبه نقول : إن الإثم يرتفع بالإكراه حتى لو أكرهه على إيقاع الطلاق الثلاث ، أو الطلاق حالة الحيض لا يكون آثما إذا ثبت أن تصرفاته تنعقد شرعا ، فما لا يكون محتملا للفسخ بعد وقوعه يلزم من المكره ، وما لا يعتمد تمام الرضا يكون لازما منه ، والطلاق ، والعتاق لا يعتمد تمام الرضا حتى إن شرط الخيار لا يمنع وقوعهما ، وما يحتمل الفسخ ، ويعتمد لزومه تمام الرضا قلنا لا يكون لازما إذا صدر من المكره إلا أن يرضى به بعد زوال الإكراه صريحا ، أو دلالة ، فحينئذ يلزم لوجود الرضا منه به ، فإن باع المشتري من المكره العبد من غيره ، وأعتقه المشتري الآخر نفذ عتقه ; لأن المشتري من المكره ملك بالشراء ، وإن كان للمكره حق الفسخ كما كان المشتري منه مالكا بالشراء ، وإن كان له حق الفسخ إلا أن عتق المشتري من المكره قبل القبض لا ينفذ ، وعتق المشتري من المشتري من المكره نافذ قبضه ، أو لم يقبضه [ ص: 60 ] لأن بيع المكره ، فاسد ، فالمشتري منه لا يصير مالكا إلا بالقبض . فأما بيع المشتري منه ، فصحيح ، وإن كان للمكره حق الفسخ كالمشتري إذا قبض المبيع بغير إذن البائع ، وباعه صح بيعه ، وإن كان للبائع حق الفسخ ، فإذا صح البيع ملكه بنفس العقد ، وينفذ عتقه فيه ، ويصير بالعتق قابضا له : يوضحه أن المشتري بإيجاب البيع لغيره يصير مسلطا له على العتق ، وهو لو أعتق بنفسه نفذ عتقه ، فينفذ عتق المشتري منه بتسليطه أيضا ، ثم كان للمولى الخيار إن شاء ضمن المكره قيمته إذا كان الوعيد بقتل ; لأن الإتلاف صار منسوبا إليه ، وإن شاء ضمن الذي أخذه منه ; لأنه قبضه بشراء فاسد ، وقد تعذر رده ، وإن شاء ضمن الذي أعتقه ; لأنه أتلف المالية فيه بالإعتاق ، والعتق ينفذ من جهته حتى يثبت الولاء له ، فإن ضمن المكره رجع المكره بالقيمة إن شاء على المشتري الأول ، وإن شاء على المشتري الثاني ; لأنه قام مقام المكره بعد ما ضمن له ; ولأنه ملكه بالضمان ، وكل واحد منهما متعد في حقه ، فيضمن أيهما شاء ، فإن ضمن المشتري الآخر المكره ، أو المكره رجع على المشتري الأول ; لأن استرداد قيمته منه كاسترداد عينه ، وذلك مبطل للبيعين جميعا . ، فيرجع هو بالثمن على المشتري الأول ، ويرجع المشتري الأول بالثمن على مولاه ، وإن ضمن المكره المشتري الأول ، أو ضمنه المكره نفذ البيع بين المشتري الأول ، والمشتري الآخر ، وكان الثمن له ; لأنه كان باع ملك نفسه ، وكان البيع صحيحا فيما بينهما إلا أنه كان للمكره حق الفسخ ، فإذا سقط حقه بوصول القيمة إليه ، وقد تقرر الملك للمشتري الأول نفذ البيع بينه ، وبين المشتري الآخر . . ولو كان الإكراه بقيد ، أو حبس ، أو قتل على أن يبيعها منه بألف درهم ، وقيمتها عشرة آلاف ، فباعها منه بأقل من ألف درهم ، ففي القياس هذا البيع جائز ; لأنه أتى بعقد آخر سوى ما أكره عليه ، فالبيع بخمسمائة غير البيع بألف بدليل الدعوى ، والشهادة ، وإذا أتى بعقد آخر كان طائعا فيه كما لو أكره على البيع فوهب له ، وفي الاستحسان البيع باطل ; لأنه إذا أكرهه على البيع بألف ، فقد أكرهه على البيع بأقل من ألف ; لأن قصد المكره الإضرار بالمكره ، وفي معنى الإضرار هذا المبيع ، فوق البيع بألف ، فكان هو محصلا مقصود المكره ، فلهذا كان مكرها . ( ألا ترى ) أن الوكيل بالبيع بألف إذا باع بألفين ينفذ على الموكل ، والوكيل بشراء عين بألف إذا اشتراها بخمسمائة ينفذ على الموكل ; لأن في هذا تحصيل مقصود الموكل ، فوق ما أمره به ، فلا يعد خلافا ، ولو باعه بأكثر من ألف كان البيع جائزا ; لأن هذا في معنى الإضرار دون ما أمره به المكره ، فلم يكن [ ص: 61 ] هو محصلا مقصود المكره فيما باشره ، وهذا ; لأن الممتنع من البيع بألف لا يكون ممتنعا من البيع بألفين ، والممتنع من البيع بألف يكون ممتنعا من البيع بخمسمائة . . ولو أكرهوه على البيع ، فوهبه نفذ ذلك ; لأن الممتنع من البيع قد لا يكون ممتنعا من الهبة للقصد إلى الإنعام ، ثم هو مخالف للمكره في جنس ما أمره به ، فلا يكون محصلا مقصود المكره بل يكون طائعا مخالفا له كالوكيل بالبيع بألف درهم إذا باع بألف دينار بخلاف البيع بخمسمائة ، فهناك ما خالف المكره في جنس ما أمره به ، وتحصيل مقصود المكره فيما باشره إثم ، فكان مكرها ، وكذلك لو أكرهوه على أن يقر له بألف درهم ، فوهب له ألف درهم جاز ; لأن الهبة غير الإقرار من التجارة ، والهبة تبرع ، والممتنع من الإقرار قد لا يكون ممتنعا من الهبة ، فكان هو في الهبة طائعا . ولو أكرهوه على بيع جاريته ، ولم يسموا أحدا ، فباعها من إنسان كان البيع باطلا ; لأن قصد المكره الإضرار بالمكره لا منفعة المشتري ، وإن لم يبين المشتري لا يتمكن الخلل في مقصود المكره ، فكان هو مكرها في البيع ممن باعه ، ولو أخذوه بمال ليؤديه ، وذلك المال أصله باطل ، فاكرهوه على أدائه ، ولم يذكروا له بيع جاريته ، فباعها ليؤدي ذلك المال ، فالبيع جائز ; لأنه طائع في البيع ، وإنما أكره على أداء المال : ووجهه أن بيع الجارية غير متعين لأداء المال ، فقد يتحقق أداء المال بطريق الاستقراض ، والاستيهاب من غير بيع الجارية ، وهذا هو عادة الظلمة إذا أرادوا أن يصادروا رجلا يحكمون عليه بالمال ، ولا يذكرون له بيع شيء من ملكه حتى إذا باعه ينفذ بيعه ، فالحيلة لمن ابتلي بذلك أن يقول : من أين أؤدي ولا مال لي ؟ فإذا قال له الظالم : بع جاريتك ، فالآن يصير مكرها على بيعها فلا ينفذ بيعها . ولو أكرهوه على أن يبيع جاريته من فلان بألف درهم ، فباعها منه بقيمة ألف درهم دنانير جاز البيع في القياس ; لأن الدراهم ، والدنانير جنسان حقيقة ، وهو في الاستحسان باطل ; لأنهما في المعنى ، والمقصود جنس واحد ، وقد بينا فيما تقدم أن في الإنشاءات جعلا كجنس واحد كما في شراء ما باع بأقل مما باع ، وفي شراء المضارب بأحد النقدين ، ورأس المال من النقد الآخر ، وفي الإخبارات هما جنسان مختلفان ، وبهذا يتضح الفرق بين هذا ، وبين الإقرار الذي سبق فالإقرار إخبار ، والدراهم ، والدنانير في ذلك جنسان مختلفان ، وهنا إنما أكره على إنشاء البيع ، والدراهم ، والدنانير في ذلك جنس واحد ، فكان البيع باطلا ، ولو أكرهوه على أن يبيعها بألف درهم ، فباعها بعرض ، أو حنطة ، أو شعير جاز البيع بكل حال ; لأن البيع يختلف باختلاف العرض ، وهو آت بعقد آخر سوى [ ص: 62 ] ما أكره عليه حقيقة ، وحكما . ، وقد يمتنع الإنسان من البيع بالنقد ، ولا يمتنع من البيع بالعرض لما له من الغرض في ذلك العرض ، وقد يمتنع من البيع بالعرض ، ولا يمتنع من البيع بالنقد ، فالمكره على أحد النوعين يكون طائعا في العقد الآخر إذا باشره ، والله أعلم بالصواب . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |