التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 48 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         من iPhone الأول إلى iOS 27.. خريطة دعم آبل لهواتف آيفون عبر 19 عامًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          كل ما تريد معرفته عن نموذج الذكاء الاصطناعى Claude Opus 4.6 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          يوتيوب يطلق ميزة مشاهدة الفيديوهات مدبلجة تلقائيًا بلغتك ويدعم 27 لغة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          طريقة عمل ترند شات جي بي تي الجديد بصورتك؟ كاريكاتير بالذكاء الاصطناعى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          تحذير عاجل لجميع مستخدمى أيفون بشأن عملية احتيال عبر البريد الإلكترونى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 63 - عددالزوار : 60384 )           »          ماذا تفعل المرأة الحائض لتنال فضل عشر ذي الحجة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          أهمية القدوة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          الفكر الليبرالي "النسوي"! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          تفقد بنتك وأختك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #471  
قديم 02-05-2026, 05:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,058
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 231 الى صـــ 250
الحلقة (471)





وقول يوسف: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ خاصة بمن يعقل، وما اشتهرت به عادتهم في المخاطبة، وفيه نظر لابن التين؛ لأن النبي لا يتلفظ إلا بما هو سائغ.
وقال ابن بطال: ما جاء في الباب من النهي عن التسمية فإنه من باب التواضع، وجائز أن يقول الرجل: عبدي وأمتي؛ لأن القرآن قد نطق بذلك في قوله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وإنما نهى - عليه السلام - عن ذلك على سبيل التطاول والغلظة لا على سبيل التحريم، واتباع ما حض عليه أولى وأجمل، فإن في ذلك تواضعًا لله؛ لأن قول الرجل: عبدي وأمتي يشترك فيه الخالق والمخلوق، ويقال: عبد الله وأمة الله، فكره ذلك لاشتراك اللفظ، وأما الرب فهي كلمة وإن كانت مشتركة وتقع على غير الخالق للشيء كربّ الدابة والدار، يراد صاحبهما، فإنها لفظة تختص بالله في الأغلب والأكثر، فوجب أن لا تستعمل في المخلوقين لنفي الله الشركة بينهم وبين الله، ألا ترى أنه لا يجوز أن يقال لأحد غير الله إله ولا رحمن، ويجوز أن يقال: رحيم، لاختصاص الله بهذِه الأسماء، وكذلك الرب لا يقال لغير الله (١).
فصل:
وقوله: «والمرأة راعية على بيت بعلها» سمي زوج المرأة بعلًا؛ لأنه يعلو عليها، ومنه قيل: لما شرب من السماء بعل. والأمر ببيع الأمة الزانية في الثالثة أو الرابعة، قد أسلفنا أنه للندب عند الجمهور خلافًا لداود، وذكر البخاري في التبويب «العبد راع في مال سيده» (٢) يحتمل

--------
(١) ابن بطال ٧/ ٦٨.
(٢) سيأتي قبل حديث (٢٥٥٨) كتاب: العتق.



أن يريد مال سيده الذي ائتمنه عليه، ويحتمل أن ينسبه إلى السيد مجازًا، إذ له انتزاعه منه، والدليل على ذلك ما أسلفناه من قوله: «من باع عبدًا وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع» (١)، وهذا مذهب مالك (٢)، ومذهب الشافعي وأبي حنيفة أنه لا يملك (٣)، وعليه احتج البخاري بقوله: «والعبد راع في مال سيده» كما ستعلمه؛ لأن الرق مناف لذلك، وماله لسيده عند عتقه وبيعه إياه، وإن لم يشترط ماله سيده، وروي عن ابن مسعود وابن عباس وأبي هريرة وسعيد بن المسيب، وهو قول الثوري، وبه قال أحمد وإسحاق (٤).
وقالت طائفة: ماله له دون سيده في العتق والبيع، روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة والنخعي والحسن (٥).
قال ابن بطال (٦): واضطرب قول مالك في ملك العبد، فقال: من باع وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع، وقال فيمن أعتق عبدًا أن ماله للعبد إلا أن يشترط السيد، فدل الأول: أنه يملك،
والثاني لا، والحجة له في البيع حديث ابن عمر: «من باع عبدًا وله مال ..» الحديث.

---------
(١) سلف برقم (٢٣٧٩) كتاب: المساقاة، باب: الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو نخل، ورواه مسلم (١٥٤٣) كتاب: البيوع، باب: من باع نخلًا عليها ثمر.
(٢) «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٨٤ - ٤٨٥.
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦٧، «البيان» ٨/ ٤٢٩.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٢٧١، «الاستذكار» ٢٣/ ٢٥٩، «المغني» ١٤/ ٤٥٧.
(٥) انظر: «الإشراف» ٣/ ١٨٣.
(٦) «شرح ابن بطال» ٧/ ٧١ - ٧٢.



والثاني حديثه أيضًا: «من أعتق عبدًا فماله له إلا أن يستثنيه سيده» (١).
وقال ابن شهاب: السنة أن العبد إذا أعتق تبعه ماله (٢). ولم يكن أحد أعلم بسنة ماضية منه. وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] هو الكافر (٣)، وقد سلف وإضافة المال إلى العبد؛ لأنه بيده.

----------
(١) رواه أبو داود (٣٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٩)، والنسائي في «الكبرى» (٤٩٨١) ٣/ ١٨٨.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٨٤.
(٣) رواه الطبري ٧/ ٦٢٢ (٢١٨٠٧).



١٨ - باب إِذَا أَتَاهُ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ
٢٥٥٧ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ، فَلْيُنَاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أُكْلَةً أَوْ أُكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهُ». [٥٤٦٠ - مسلم: ١٦٦٣ - فتح: ٥/ ١٨١]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بطَعَامِهِ، فَإِنْ لَمْ يجْلِسْهُ مَعَهُ، فَليُنَاوِلهُ لُقمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ، أَوْ أكلَةً أَوْ أُكْلَتَينِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ حره وعِلَاجَهُ».
هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضًا، والأُكلة بضم الهمزة وهي اللقمة، وأما بفتحها فالمرة الواحدة.
قال المهلب: هذا تفسير حديث أبي ذر في التسوية بين العبد وبين سيده في المطعم والكسوة أنه على سبيل الحض والندب والتفضل، لا على سبيل الإيجاب على السيد؛ لأنه لم يسوّه في هذا الحديث بسيده في المؤاكلة، وجعل إلى السيد الخيار في إجلاسه للأكل معه أو تركه، ثم حضه على إن لم يأكل معه أن ينيله من ذلك الطعام الذي تعب فيه وشمه (٢).

--------
(١) مسلم (١٦٦٣) كتاب: الإيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل ....
(٢) انظر: «ابن بطال» ٧/ ٦٩.



١٩ - باب العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ
وَنَسَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَالَ إِلَى السَّيِّدِ.

٢٥٥٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ -قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٥/ ١٨١]
ذكر حديث ابن عمر السالف قريبا «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ..» إلى أن قال: «وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
وقد سلف الكلام عليه قريبًا.
قال المهلب: أمانات يلزم من استرعيها أداء النصيحة فيها لله ولمن استرعاه عليها، ولكل واحد منهم أن يأخذ مما استرعي عليه ممن أمره ما يحتاج إليه بالمعروف من نفقة ومؤنة، وفيه حجة لمن قال: العبد
لا يملك (١).

----------
(١) انظر: «ابن بطال» ٧/ ٧٠ - ٧١.


٢٠ - باب إِذَا ضَرَبَ العَبْدَ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ
٢٥٥٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ فُلَانٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ». [مسلم: ٢٦١٢ - فتح: ٥/ ١٨٢]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قالَ: «إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكمْ فَلْيَجْتَنِبِ الوَجْهَ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
وقوله فيه: (وأخبرني ابن فلان) قائل ذلك هو ابن وهب وهو ابن سمعان.
قال الداودي: يريد: لأن فيه أكثر الجوارح وأكثو أمور الوضوء والجبهة وهي من المساجد واللسان والفم، وفي رواية في الصحيح علل ذلك بأن الله خلق آدم على صورته (٢). وأولى ما قيل فيه أن الحديث خرج على سبب وهو أنه - عليه السلام - مر برجل يضرب ابنه أو عبده في وجهه لطمًا ويقول: قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فقال - عليه السلام - ذلك (٣).

----------
(١) مسلم (٢٦١٢) كتاب: البر والصلة، باب: النهي عن ضرب الوجه.
(٢) ستأتي برقم (٦٢٢٧) كتاب: الاستئذان.
(٣) قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين في «شرح العقيدة الواسطية» ص ٢٤٦: إن أحد الوجهين الصحيحين في تأويلها أن الله خلق آدم على الصورة التي اختارها واعتنى بها، ولهذا أضافها الله إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، كإضافة الناقة والبيت إلى الله والمساجد إلى الله. =



وذكره المهلب بلفظ: يضرب عبده في وجهه لطمًا، إلى آخره.
وقال: نقل (الناقلون) (١) هذِه القصة من الطرق الصحيحة (٢)؛ لأن تلك المقالة سب للأنبياء والمرسلين فزجره الشارع عن ذلك وخص آدم؛ لأنه الذي ابتدئت خلقة وجهه على الحد الذي يحتذى عليها من بعده كأنه ينبهه على أنك سببت آدم ومن ولد مبالغة في الزجر عن مثله، هذا وجه ظاهر والهاء كناية عن المضروب في وجهه وقيل فيه غير ذلك في تأويل ضمير الهاء من صورته إلى من يرجع.
قال ابن بطال: لم أو لذكرها وجهًا إذ لا يصح عندي في ذلك غير ما سلف، وهو قول المهلب (٣) فلا تضرب صورة خلقها الله بيده، وحق الأبوة وهو آدم مُرَاعى، وتفضيل الله لها حين خلق آدم بيده وأسجد له ملائكته.

----------
= والقول الثاني: أنه على صورته حقيقة ولا يلزم من ذلك التماثل. اهـ. ولمزيد بيان انظر: «شرح العقيدة الواسطية» لابن العثيمين ص ٨٦ - ٨٩.
فقد أجاب هناك بجوابين جواب مجمل آخر مفصل.
(١) في الأصل: قائلون والمثبت من «ابن بطال» ٧/ ٧٠ وهو الأولى.
(٢) انظر: «ابن بطال» ٧/ ٧٠.
(٣) «ابن بطال» ٧/ ٧٠.



٥٠
كتاب المكاتب


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٥٠ - كتاب المكاتب
(الكتابة من الكتب) أي: الجمع وهي في الشرع تعليق عتق بصفة ضمنت معاوضة.

١ - باب المُكَاتَبِ وَنُجُومِهِ فِي كُلِّ سَنَةٍ نَجْمٌ
وَقَوْلِهِ عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِى آتَاكُمْ﴾ [النور: ٣٣]. وَقَالَ رَوْحٌ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَوَاجِبٌ عَلَيَّ إِذَا عَلِمْتُ لَهُ مَالًا أَنْ أُكَاتِبَهُ؟ قَالَ: مَا أُرَاهُ إِلَّا وَاجِبًا. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَتَاثُرُهُ عَنْ أَحَدٍ؟ قَالَ: لَا. ثُمَّ أَخْبَرَنِي أَنَّ مُوسَى بْنَ أَنَسٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ سِيرِينَ سَأَلَ أَنَسًا المُكَاتَبَةَ -وَكَانَ كَثِيرَ المَالِ- فَأَبَى، فَانْطَلَقَ إِلَى عُمَرَ فَقَالَ كَاتِبْهُ. فَأَبَى، فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ وَيَتْلُو عُمَرُ: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكَاتبَهُ.


٢٥٦٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا وَعَلَيْهَا خَمْسَةُ أَوَاقٍ، نُجِّمَتْ عَلَيْهَا فِي خَمْسِ سِنِينَ، فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ -وَنَفِسَتْ فِيهَا-: أَرَأَيْتِ إِنْ عَدَدْتُ لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، أَيَبِيعُكِ أَهْلُكِ، فَأُعْتِقَكِ، فَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي؟ فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا، فَعَرَضَتْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَنَا الوَلَاءُ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٨٥]
وقًالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ إِنَّ بَرِيرَةَ دَخَلَتْ عَلَيْهَا تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا … الحديث بطوله.
الشرح:
هذِه الآية أصل في مشروعية الكتابة وكانت معروفة قبل الإسلام فأقرها الشارع وعملت بها الأمة والسلف، واختلف في أول من كوتب في الإسلام، فقيل: سلمان الفارسي كاتب أهله على مائة وَدْيَة نجمها لهم. فقالعليه السلام -: «إذا غرستها فآذني» فلما غرستها آذنته، فدعا فيها، فلم تمت منها ودية واحدة (١).
وقيل: أول من كوتب في الإسلام أبو مؤمل. فقال - عليه السلام -: «أعينوا أبا مؤمل» فأعين فقضى كتابته وفضلت عنده، فاستفتى رسول الله - ﷺ - فقال: «أنفقها في سبيل الله» (٢).

-----------
(١) رواه أحمد ٥/ ٤٤١، الطبراني في «الكبير» (٦٠٦٥) ٦/ ٢٢٢، والحاكم ٢/ ٢١٧ - ٢١٨، والبيهقي ١٠/ ٣٢١.
(٢) رواه البيهقي في «السنن» ٧/ ٢١.



وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتَابَ﴾ [النور: ٣٣] احتج به على أن السيد لا يجبر عبده عليها ومعنى ﴿يَبْتَغُونَ﴾ يطلبون، وفيه خلاف للمالكية (١).
والكتاب والمكاتبة واحد، والمكاتبة مفاعلة مما يكون من اثنين؛ لأنها معاقدة بين السيد وعبده (٢)، والأمر بالكتابة على الندب خلافًا لداود حيث قال على الوجوب إذا سأله العبد أن يكاتبه بقيمته أو أكثر. وقال إسحاق بالوجوب. قال: أخشى أن يأثم سيده إن لم يفعل ولا يجبره الحاكم (٣).
قال ابن حزم: وبإيجابه وإجباره يقول أبو سليمان وأصحابنا (٤). وقال عكرمة أيضًا بالوجوب (٥).
حجة الجمهور أن الإجماع منعقد على أن السيد لا يجبر على بيع عبده وإن ضوعف له في الثمن، وإذا كان كذلك كان أحرى وأولى أن لا يخرج [عن]، (٦) ملكه بغير عوض لا يقال أنها طريق العتق، والشارع متشوف إليه فخالف البيع؛ لأن التشوف إنما هو في محل مخصوص، وأيضًا الكسب له فكأنه قال: اعتقني مجانًا.
وقال عطاء: يجب عليه إن علم له مالًا، كما حكاه البخاري، وأسنده ابن حزم من طريق إسماعيل بن إسحاق، حدثنا علي بن عبد الله، ثنا روح بن عبادة، ثنا ابن جريج به (٧).

--------
(١) نظر: «النوادر» ١٣/ ٦٣ - ٦٤.
(٢) انظر: «المصباح المنير» ص ٢٠٠، «التعريفات» ص ٣٥ مادة (كتب).
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤١٢، «الإشراف» ٢/ ١٧٤.
(٤) «المحلى» ٩/ ٢٢٤.
(٥) انظر: «أحكام القرآن» لابن العربي ٣/ ١٣٨٢.
(٦) من (ف).
(٧) «المحلى» ٩/ ٢٢٣.



وأثر ابن جريج رواه ابن سعد في «طبقاته».
أخبرنا يزيد بن هارون، أنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس قال: أرادني ابن سيرين على الكتابة فأبيت عليه فأتى عمر فذكر ذلك له، فأقبل علي عمر، فقال: كاتبه.
وأخبرنا محمد بن حميد العبدي، عن معمر، عن قتادة قال: سأل سيرين أبو محمد أنس بن مالك، فأبى أنس فرفع عمر بن الخطاب عليه الدرة، وقال: كاتبوهم، فكاتبه.
وأخبرنا (معن) (١) بن عيسى، ثنا محمد بن عمرو: سمعت محمد بن سيرين كاتب أنس أبي على أربعين ألف درهم (٢).
وقال ابن حزم: روينا من طريق إسماعيل بن إسحاق، حدثنا علي بن عبد الله، ثنا غندر، نا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس وفيه: فقال عمر: والله لتكاتبه وتناوله بالدرة فكاتبه (٣). وتعليق الليث أخرجه مسلم عن أبي الطاهر بن السرح، عن ابن وهب، عن يونس به (٤)، وأنها كانت لم تؤد من كتابتها شيئًا.
واختلف العلماء في الخير في الآية، فقالت طائفة: الدين والأمانة. وقالت أخرى: المال مثل ﴿﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾، و﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. والأول قول الحسن والنخعي (٥)، والثاني قول ابن عباس (٦).

-----------
(١) في الأصل: معمر، والمثبت من «الطبقات الكبرى» وهو الصواب.
(٢) «الطبقات الكبرى» ٧/ ١١٩ - ١٢٠.
(٣) «المحلى» ٩/ ٢٢٣.
(٤) مسلم (١٥٠٤/ ٧).
(٥) رواهما الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٨، ٢٦٠٣١).
(٦) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٤).



وقال مجاهد: الخير: المال والأداء (١). وقال مالك: سمعت بعض أهل العلم يقول: هو القوة على الاكتساب والأداء (٢). وعن الليث نحوه.
وكره ابن عمر كتابة من لا حرفة له فيبعثه على السؤال، وقال: يطعمني أوساخ الناس (٣)، وعن سليمان مثله. وضعف الطحاوي الثاني فقال: من قال: إنه المال لا يصح عندنا؛ لأن العبد نفسه مال لمولاه، فكيف يكون له مال؟ والمعنى عندنا: إن علمتم فيهم الدين والصدق، وعلمتم أنهم يعاملونكم على أنهم متعبدون بالوفاء لكم بما عليهم من الكتابة والصدق في المعاملة فكاتبوهم (٤).
وقال ابن حزم لما ذكر القول: والثاني موضوع كلام العرب؛ لأنه لو أراد المال لقال: إن علمتم لهم خيرًا أو عندهم أو معهم خيرًا؛ لأن بهذِه الحروف يضاف المال إلى من هو له في لغة العرب، ولا يقال أصلًا في فلان مال، فعلمنا أنه لم يرد المال، فيصح أنه الدين ولا خير في دين الكافر، وكل مسلم على أديم الأرض فقد علمنا فيه الخير بقول الشهادتين، وهذا أعظم ما يكون من الخير، روي عن علي أنه سئل: أكاتب وليس لي مال؟ فقال: نعم. فصح أن الخير عنده لم يكن المال (٥).
وفي «المصنف»: لما كاتب ابن التياح حث [عليّ] على عطيته فجمعوا له (٦)، وكذا فعله أبو موسى وابن عباس وردوا ما فضل في

-----------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣١٤.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٦).
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣١٣ (٢٦٠٢٤).
(٤) «أحكام القرآن» للطحاوي ٢/ ٤٥٧، ٤٥٨.
(٥) «المحلى» ٩/ ٢٢٢.
(٦) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣٧٣ (١٥٥٨١).



المكاتبين، وعن عبيدة ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] قال: إن أقاموا الصلاة، وعن الحسن: دين وأمانة (١)، وفي لفظ: الإسلام والوفاء (٢).
وقول ابن عباس قال به عطاء ومجاهد (٣) وأبو رزين (٤)، وفي «المصنف»: كتب عمر بن الخطاب إلى عمير بن سعد انه من قبلك من المسلمين أن يكاتبوا أرقاءهم على مسألة الناس، وكرهه أيضًا سلمان (٥).
وقالت طائفة بكلا الأمرين، وهو قول سعيد أخي الحسن والشافعي (٦)، وأباح الحنفيون والمالكيون كتابة الكافر الذي لا مال له ولما سئل عثمان في مكاتبة مولى له قال: لولا أنه في كتاب الله ما فعلت. وروي أيضًا عن مسروق والضحاك (٧).
واختلفوا في الإيتاء في الآية، فذهب مالك وجمهور العلماء كما حكاه عنهم ابن بطال إلى أن ذلك على الندب والحض أن يضع الرجل عن عبده من أجل كتابته شيئًا مسمى يستعين به على الخلاص، وذهب الشافعي وأهل الظاهر إلى أن الإيتاء للعبد واجب (٨).
قال ابن بطال: وقول الجمهور أولى؛ لأنه - ﷺ - لم يأمر موالي بريرة بإعطائها شيئًا، وقد كوتبت وبيعت بعد الكتابة، ولو كان الإيتاء واجبًا

-----------
(١) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣٧١ (١٥٥٧٣، ١٥٥٧٤).
(٢) انظر: «المحلى» ٩/ ٢٢٢.
(٣) رواها عبد الرزاق ٨/ ٣٦٩ - ٣٧٠ (١٥٥٧٠).
(٤) انظر: «المحلى» ٩/ ٢٢٢.
(٥) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣٧٤ (١٥٥٨٣).
(٦) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي ١/ ٣١٨، «المحلى» ٩/ ٢٢٢.
(٧) انظر: «المحلى» ٩/ ٢٢٣.
(٨) انظر: «الأم» ٧/ ٣٦٤، «الإشراف» ٢/ ١٧٦، «المحلى» ٩/ ٢٤٦.



لكان مقدرًا كسائر الواجبات، يعني: إذا امتنع السيد من حطه ادعاه عند الحاكم عليه، فأما دعوى المجهول فلا يحكم بها، ولو كان الإيتاء واجبًا وهو غير مقدر لكان الواجب للمولى على المكاتب هو الباقي بعد الحط، فأدى ذلك إلى جهل مبلغ الكتابة، وذلك لا يجوز.
قلت: حديث بريرة لا حجة فيه؛ لأن بالبيع ارتفعت الكتابة، وكان النخعي يذهب في تأويل الآية أنه خطاب للموالي وغيرهم (١)، وقاله الثوري (٢).
قال الطحاوي: وهو حسن من التأويل، حض الناس جميعًا على معاونة المكاتبين لكي يعتقوا (٣). واختلفوا في مقداره فروي عن ابن مسعود الثلث (٤)، وعن علي: الربع (٥). وقال سعيد بن جبير: يضع عنه شيئًا، ولم يحده.
تنبيهات: أحدها: قول البخاري: (ونجومه في كل سنة نجم) الظاهر من قول مالك أن الكتابة تكون منجمة، ولا نص في الحالّة عنده، كما قال مالك. (قال) (٦): ومحققو أصحابه يجوزونها ويقولون خلافًا للشافعي؛ لأنها عتق بعوض فجازت مع تعجيله وتأجيله، أصله بيع العبد من نفسه (٧).

----------
(١) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣٧٦ - ٣٧٧ (١٥٥٩٣).
(٢) انظر: «أحكام القرآن» للطحاوي ٢/ ٤٧٥.
(٣) «شرح مشكل الآثار» ١١/ ١٦١.
(٤) انظر: «أحكام القرآن» للطحاوي ٢/ ٤٧٤.
(٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣١٥ (٢٦٠٤٦).
(٦) كذا في الأصل، غير منسوب، بينما قد عزاه الحافظ في «الفتح» ٥/ ١٨٥ لابن التين، وعزاه العيني في «العمدة» ٤/ ٤٣ لأبي بكر في «الجواهر». فاستفده.
(٧) انظر: «المعونة» ٢/ ٣٨٠.



وعندنا لا يكون في أقل من نجمين (١)، واختاره بعض المالكية.
وقال ابن بطال: سنة الكتابة أن تكون على نجوم تؤدى نجمًا بعد نجم، قال: وأجاز مالك والكوفيون الكتابة الحالة، فإن وقعت حالة أو على نجم واحد فليست كتابة عند الشافعي، وإنما هو عتق على صفة (٢).
ثانيها: قد أسلفنا أن الخير هو الدين والأمانة أو المال، وبعضهم قال: إنه الصلاة. وهو قول عبيدة وهو داخل في الدين، وكذا قول من قال: إنه العقد والصلاح والوفاء. ونقل في «الزاهي» عن أكثر العلماء أنه المال.
ثالثها: احتج به القاضي في «معونته» على جواز جمع المكاتبين في كتابة واحدة لقوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: ٣٣] ومنعه الشافعي (٣).
رابعها: قوله: (قلت لعطاء: تأثره عن أحد؟) وفي نسخة أتأثره؟ وقال ابن التين: قوله: على أحد، أي: تذكره عن أحد.
وقوله: (فأبى، فضربه بالدرة) فعله نصحًا له، ولو كانت الكتابة لازمة ما أبى، وإنما ندبه عمر إلى الأفضل، وروي أنه أمره بكتابة سيرين فأبى، فرفع عليه الدرة فكاتبه، فأتاه بنجومه قبل محلها فأبى
قبولها حتى تحل، فرفعها عليه أيضًا فأخذها.

----------
(١) انظر: «البيان» ٨/ ٤١٧.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤١١، «شرح ابن بطال» ٧/ ٧٤.
(٣) «المعونة» ٢/ ٣٨٨، والذي نص عليه الشافعية: لو كاتب ثلاثة أعبد على ألف في صفقة واحدة، ولم يميز نجوم كل واحد، فالنص صحة الكتابة، والنص في شراء ثلاثة أعبد من ثلاثة ملاك بعوض واحد الفساد. اهـ.
انظر: «الوسيط» ٤/ ٤٠٢، «البيان» ٨/ ٤٢١، «روضة الطالبين» ١٢/ ٢١٦ - ٢١٧.



خامسها: يجوز نجم الكتابة قل أو كثر، ولا حدّ فيه، واعترض ابن بطال فقال: قول الشافعي: لا يجوز أقل من نجمين لو كان صحيحًا لجاز لغيره أن يقول: لا تجوز على أقل من خمسة نجوم؛ لأن أقل النجوم التي كانت على عهده - عليه السلام - في بريرة وعلم بها وحكم فيها كانت خمسة، وكان بصواب الحجة أولى، وأيضًا فإن النجم الثالث لما لم يكن شرطًا في صحتها بإجماع، فكذا الثاني؛ لأن كل واحد منهما له مدة يتعلق بها تأخير مال الكتابة، فإذا لم يكن أحدها شرطًا وجب أن لا يكون الآخر كذلك، ولما أجمعوا أنه لو قال له: إن جئتني من المال بكذا إلى شهر أنه جائز وليس بكتابة، فكذلك ما أشبهه من الكتابة (١).
وما ذكره غير وارد؛ لأنه واقعة عين، وسيأتي أنه سبع أواق من عند البخاري ففاته إيرادها عليه.
سادسها: احتج بقوله في الحديث: (وعليها خمس أواق نجمت عليها في خمس سنين) من أجاز النجامة في الديون كلها على أن يقول: في كل شهر وفي كل عام كذا ولا يقول: في أول الشهر، ولا في آخره ولا في وسطه؛ لأنه لم يذكر فيه أي وقت يحل النجم فيه ولم ينكر - عليه السلام - ذلك وأبى هذا القول أكثر الفقهاء. وقالوا: لا بد أن يذكر أي شهر من السنة يحل النجم فيه، أو أي وقت من الشهر يحل النجم فيه، فإن لم يذكر ذلك فهو أجل مجهول لا يجوز؛ لأنه - عليه السلام - نهى عن البيع إلا إلى أجل معلوم ونهى عن حبل الحبلة وهو نتاج النتاج وليس تقصير من قصر عن مثل هذا المعنى في حديث بريرة بضائر لتقرير هذا المعنى عندهم.

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٧٥.


سابعها: (أواق) جمع أوقية مشدد والجمع أواقي مشدد ومخفف أيضًا، (ونفست): رغبت، ﴿فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ﴾ وفيه أن بيع الأمة لا يكون طلاقًا، خلافًا لابن عباس وابن المسيب وأنس وأُبي (١)؛ لأنه لو كان طلاقًا ما خيرها الشارع، وفيه: رد على ابن عباس حيث قال: إن المكاتب حر بنفس الكتابة (٢)، وفيه: جواز بيع المكاتب للعتق، ويجوز بيع كتابته عند مالك (٣)، ومنعه أبو حنيفة والشافعي وعبد العزيز وربيعة (٤).
وفيه: فسخها، وقيل: إنها عجزت نفسها.
وفيه: أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم. وقال ابن مسعود: إذا أدى النصف كان حرًّا ويتبع، وقيل: إذا أدى الثلث كان حرًّا ويتبع أيضًا، وقيل: الربع، وقيل: إذا أدى قيمته (٥).
وفي قوله: («من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فهو باطل»)، وفي الباب الذي بعده: «وإن اشترط مائة مرة».
فيه: أن مفهوم الخطاب لا يقوم مقام الخطاب، وأن ما فوق المائة داخل في حكم المائة وهو مثل قوله: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾

----------
(١) انظر: «السنن الكبرى» للبيهقي ٧/ ١٦٨.
(٢) قال الطحاوي في «أحكام القرآن» ٢/ ٤٥٩: وهذا القول عندنا فاسد، ولم نجد له إمامًا قال به، غير أن بعض أهل العلم ذكره عن ابن عباس، ولم يذكر إسنادًا، وذلك عندنا غير صحيح عن ابن عباس، بل قد وجدنا عنه عن رسول الله - ﷺ - خلافه. اهـ.
(٣) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ٢٩٨.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٢٩، «الإشراف» ٢/ ١٨٩.
(٥) «السنن الكبرى» للبيهقي ١٠/ ٣٢٦.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #472  
قديم 02-05-2026, 05:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,058
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 251 الى صـــ 270
الحلقة (472)





وفيه: جواز كتابة الأمة وإن كانت تسأل، وذكر القاضي في «معونته» أن ذلك مكروه ولما روي عن عثمان: لا تكلفوا الأمة الكسب فتكتسب بفرجها. ونقل اتفاق أصحاب مالك أنه لا ينبغي أن يكاتب إلا لمن في يدها صنعة (١).
واختلف في كتابة الكبير إذا لم يكن له حرفة والمشهور جوازه، وروي منعه وعزي لابن عمر وأبيه، واختلف في كتابة الصغير ففي «المدونة»: هي جائزة. وقال أشهب: لا (٢)، وذكر ابن القصار عن مالك في ذلك قولين وقول أهل بريرة في الباب الذي بعده: إن شاءت أن تحتسب عليك -وهو من الحسبة- أن تحتسب الأجر من الله.

---------
(١) «المعونة» ٢/ ٣٨٢.
(٢) «المدونة» ٣/ ١٤.



٢ - باب مَا يَجُوزُ مِنْ شُرُوطِ المُكَاتَبِ، وَمَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ
٢٥٦١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُهَا فِي كِتَابَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ قَضَتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ ارْجِعِي إِلَى أَهْلِكِ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ أَقْضِيَ عَنْكِ كِتَابَتَكِ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ ذَلِكَ بَرِيرَةُ لأَهْلِهَا، فَأَبَوْا وَقَالُوا إِنْ شَاءَتْ أَنْ تَحْتَسِبَ عَلَيْكِ فَلْتَفْعَلْ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ابْتَاعِي فَأَعْتِقِي، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَ ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «مَا بَالُ أُنَاسٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ، شَرْطُ اللهِ أَحَقُّ وَأَوْثَقُ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٨٧]

٢٥٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَرَادَتْ عَائِشَةُ -أُمُّ المُؤْمِنِينَ- أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا، فَقَالَ أَهْلُهَا: عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا. قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَمْنَعُكِ ذَلِكِ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». [انظر: ٢١٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٨٨]
ثم ساق حديث عائشةَ في قصة بَريرة بطوله، وقال في أوله: حدثنا قتيبة، ثنا الليث، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة. وبخط الدمياطي على (الليث) صح وفي الحاشية عن عقيل، وعليه علامة نسخة. ثم ساقه من حديث ابن عمر وترجم عليه أيضًا.


٣ - باب اسْتِعَانَةِ المُكَاتَبِ، وَسُؤَالِهِ النَّاسَ
٢٥٦٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ بَرِيرَةُ فَقَالَتْ إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ وَقِيَّةٌ، فَأَعِينِينِي. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَّةً وَاحِدَةً، وَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ، وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي. فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلِهَا، فَأَبَوْا ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَأَبَوْا إِلَّا أَنْ يَكُونَ الوَلَاءُ لَهُمْ. فَسَمِعَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَنِي فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: «خُذِيهَا، فَأَعْتِقِيهَا، وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الوَلَاءَ، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أمَّا بَعْدُ، فَمَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ؟ فَأَيُّمَا شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهْوَ بَاطِلٌ، وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ، فَقَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ، مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ: أَعْتِقْ يَا فُلَانُ وَلِيَ الوَلَاءُ. إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٩٠]
ثم ساق من حديث عائشةَ، وفيه: فقالت -تعني: بريرة- كَاتَبْتُ عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ، فِي كُلِّ عَامٍ أوقية، فَأَعِينِينِي. وترجم عليه أيضًا.


٤ - باب بَيْعِ المُكَاتَبِ إِذَا رَضِيَ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: هُوَ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: هُوَ عَبْدٌ إِنْ عَاشَ وَإِنْ مَاتَ وَإِنْ جَنَى، مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.

٢٥٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ بَرِيرَةَ جَاءَتْ تَسْتَعِينُ عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ لَهَا: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَصُبَّ لَهُمْ ثَمَنَكِ صَبَّةً وَاحِدَةً فَأُعْتِقَكِ فَعَلْتُ. فَذَكَرَتْ بَرِيرَةُ ذَلِكَ لأَهْلِهَا، فَقَالُوا: لَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَلَاؤُكِ لَنَا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ يَحْيَى: فَزَعَمَتْ عَمْرَةُ أَنَّ عَائِشَةَ ذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٩٤]
ثم ساق حديثها (١) في قصتها ثم ترجم عليه:

-----------
(١) جاء في هامش الأصل: ساق في سنده إلى عمرة بنت عبد الرحمن أن بريرة جاءت تستعين .. وهذا مرسل؛ لأنها حكت قصة لم تدركها. فكان نقلها لذلك مرسلًا، فاعلمه وإن تشأ فقل: منقطع.


٥ - باب إِذَا قَالَ المُكَاتَبُ: اشْتَرِنِي وَأَعْتِقْنِي؛ فَاشْتَرَاهُ لِذَلِكَ
٢٥٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَيْمَنُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقُلْتُ: كُنْتُ غُلَامًا لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ، وَمَاتَ وَوَرِثَنِي بَنُوهُ، وَإِنَّهُمْ بَاعُونِي مِنَ ابْنِ أَبِي عَمْرٍو، فَأَعْتَقَنِي ابْنُ أَبِي عَمْرٍو، وَاشْتَرَطَ بَنُو عُتْبَةَ الوَلَاءَ. فَقَالَتْ: دَخَلَتْ بَرِيرَةُ وَهْيَ مُكَاتَبَةٌ فَقَالَتِ اشْتَرِينِي وَأَعْتِقِينِي. قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَتْ: لَا يَبِيعُونِي حَتَّى يَشْتَرِطُوا وَلَائِي. فَقَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ. فَسَمِعَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ - ﷺأَوْ بَلَغَهُ- فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ مَا قَالَتْ لَهَا، فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، وَدَعِيهِمْ يَشْتَرِطُونَ مَا شَاءُوا». فَاشْتَرَتْهَا عَائِشَةُ فَأَعْتَقَتْهَا، وَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا الوَلَاءَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ، وَإِنِ اشْتَرَطُوا مِائَةَ شَرْطٍ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٩٦]
ثم ساق حديثها في قصتها، وفي أوله: قال أيمن: دخلت على عائشة فقلت: كُنْتُ غُلَامًا لِعُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَب، وَمَاتَ وَوَرِثَنِي بَنُوهُ، وَإِنَّهُمْ بَاعُونِي مِنَ عبد الله بن أَبِي عَمْرٍو المخزومي، فَأَعْتَقَنِي ابن أَبِي عَمْرٍو، وَاشْتَرَطَ بَنُو عُتْبَةَ الوَلَاءَ. فَقَالَتْ: دَخَلَتْ بَرِيرَةُ، .. ثم ساقت قصتَها.
الشرح:
تعليق عائشة أخرجه الطحاوي عن يونس، ثنا ابن وهب، ثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بشير، عن سالم، عنها: إنك عبد ما بقي عليك شيء، وحدثنا أبو بشر، ثنا أبو معاوية وشجاع بن الوليد، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة، فقالت: كم بقي عليك من كتابتك؟، قلت: عشر أواق، قالت: ادخل


فإنك عبد ما بقي عليك شيء (١).
وللبيهقي: ما بقي عليك درهم. وله أنها قالت: سالم، لا تزال مملوكًا ما بقي من كتابتك درهم (٢).
وأثر زيد رواه الشافعي عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عنه به (٣). وللطحاوي: عن علي بن شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أنا سفيان به: كان زيد بن ثابت يقول: المكاتب عبد ما بقي عليه شيء من كتابته (٤)، وكان جابر بن عبد الله يقول: شروطهم جائزة بينهم (٥).
وأثر ابن عمر أسنده الطحاوي أيضًا، عن يونس، عن ابن وهب، أخبرني أسامة بن زيد ومالك، عن نافع، عن ابن عمر قال: المكاتب عبدما بقي عليه من كتابته شيء (٦). وللبيهقي من حديث عبيد، عن نافع: ما بقي عليه درهم (٧). وللنسائي من حديث قتادة عن خلاس بن عمرو، عن علي بن أبي طالب. وقال أيوب عن عكرمة، عن ابن عباس، عن رسول الله - ﷺ -: «المكاتب يعتق منه بقدر ما أدى، ويقام عليه الحد بقدر ما عتق منه» (٨).

----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١١٢.
(٢) «السنن الكبرى» ١٠/ ٣٢٤.
(٣) «الأم» ٧/ ٣٨٢.
(٤) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١١٢.
(٥) سيأتي قبل حديث (٢٧٣٥) كتاب: الصلح، باب: المكاتب وما لا يحل من الشروط.
(٦) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١١٢.
(٧) «السنن» ١٠/ ٣٣٢.
(٨) «المجتبى» ٨/ ٤٦.



ولأبي داود من حديث ابن عباس قضى رسول الله - ﷺ - في المكاتب يقتل يؤدي ما أدى من كتابته دية الحر وما بقي دية المملوك (١).
وللنسائي من حديث علي مرفوعًا: «يؤدي المكاتب بقدر ما أدى» (٢).
قال ابن حزم: هذا خبر صحيح ولا يضره من خطأه، وأن حماد بن زيد أرسله عن أيوب وأن ابن عُلية رواه أيضًا عن أيوب موقوفًا؛ لأن الثقات الأثبات أسندوه: حماد بن سلمة ووهيب ويحيى بن أبي كثير وقتادة بن دعامة، عن خلاس، عن علي وما منهم أحد إن لم يكن فوق ابن زيد لم يكن دونه، فكيف وقد أسنده أيضًا حماد بن زيد، عن أيوب ويحيى بن أبي كثير كلاهما، عن عكرمة عند النسائي (٣)، وأما ما ذكروا من إيقاف ابن علية له على عليّ فهو قوة للخبر؛ لأنه أفتى بما روى (٤).
قال ابن حزم: روي عن عمر وعثمان وجابر وأمهات المؤمنين: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، ولا يصح عن أحد منهم؛ لأنه عن عمر من طريق ابن أرطاة وهو هالك، عن ابن أبي مليكة أن عمر مرسل، ومن طريق محمد بن عبيد الله العرزمي وهو مثله أو دونه، عن ابن المسيب أن عمر مرسل، ومن طريق سليمان التيمي أن عمر، ومن طريق ابن وهب، عن رجال من أهل العلم أن عمر وعثمان وجابرًا، فذكره. والذي عن أمهات المؤمنين من طريق عمر بن قيس سندل وعن أم سلمة من طريق أبي معشر وهو ضعيف، ولكنه صحيح، عن عائشة

----------
(١) أبو داود (٤٥٨١).
(٢) «المجتبى» ٨/ ٤٦.
(٣) «المجتبى» ٨/ ٤٦.
(٤) «المحلى» ٩/ ٢٢٧ - ٢٢٨.



وابن عمر وزيد بن ثابت، ومأثور عن طائفة من التابعين منهم عروة وسليمان بن يسار وصح عن ابن المسيب والزهري وقتادة، ويؤيد هذا ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده يرفعه: «المكاتب عبد ما بقي عليه درهم».
قلت: أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم وقال: صحيح الإسناد (١).
وصححه ابن حبان من طريق عطاء، عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله - ﷺ - قال: «ومن كان مكاتبًا على مائة درهم فأداها إلا عشرة دراهم، فهو عبد، أو على مائة أوقية فقضاها إلا أوقية فهو عبد» (٢).
قال ابن حزم: وكذا رواه ابن عمر مرفوعًا وهو خبر موضوع إنما يعرف من فُتياه (٣). وعن جابر في المكاتب يؤدي صدرًا من كتابته ثم يعجز، قال: يُرد عبدًا، سيده أحق بشرطه الذي شرط (٤).
قال ابن جريج: وأخبرني ابن (أمية) (٥) أن نافعًا أخبره أن ابن عمر فعل ذلك بعد أن مر نصف كتابة مكاتبه (٦).
وعن علي: إذا عجز المكاتب، فأدخل نجمًا في نجمين رُدّ في الرِّقِّ (٧). في سنده ابن أرطاة.

-----------
(١) أبو داود (٣٩٢٦)، واللفظله والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٩٧ (٥٠٢٦)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٢١٨، وقال النووي في «روضة الطالبين» ١٢/ ٢٣٦: حسن. اهـ.
(٢) «صحيح ابن حبان» ١٠/ ١٦١ (٤٣٢١).
(٣) «المحلى» ٩/ ٢٢٩ - ٢٣١.
(٤) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٠٦ (١٥٧١٩)، والبيهقي ١٠/ ٣٤٢.
(٥) في الأصول (علية)، وهو تحريف، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج.
(٦) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٤٠٧ (١٥٧٢٤)، وابن حزم في «المحلى» ٩/ ٢٤١، والبيهقي في «الكبرى» ١٠/ ٣٤١.
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٩٩ (٢١٤٠٦)، والبيهقي ١٠/ ٣٤٢ وقال: ضعيف. اهـ.



وعن أبي أيوب الأنصاري أنه كاتب أفلح، ثم بَدَا له فسأله إبطال الكتابة دون أن يعجز، فأجابه فرده عبدًا ثم أعتقه بتلًا (١)، وقد ذكر ذلك مخرمة بن بكير، عن أبيه أنه لا بأس به، وبه يقول أبو حنيفة والشافعي ومالك وأبو سليمان، وقال هؤلاء: تعجيز المكاتب جائز بينه وبين سيده دون السلطان (٢).
ثم اختلف القائلون بتعجيزه، فعن علي: إذا عجز استسعى حولين، فإن أَدى وإلا رُدّ في الرّقّ (٣)، وبهذا يقول الحسن وعطاء بن أبي رباح ولم يقل جابر ولا ابن عمر بالتلوم بل أرقه ابن عمر ساعة وذكر أنه عجز، وبه يقول أبو سليمان وأصحابنا (٤)، وعن عليٍّ أيضًا في المكاتب يعجز أنه يعتق بالحساب (٥).
قال ابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة والحسن بن حي وأبو يوسف وأحمد بن حنبل: لا يرق حتى يتوالى عليه نجمان لا يؤديهما (٦).
وقال الأوزاعي: إذا عجز استوفي به شهران.

----------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ٨٦.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٧، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٩١.
(٣) رواه البيهقي ١٠/ ٣٤٢ من طريق سعيد، عن قتادة، عن خلاس، عن علي، ثم قال: رواية خلاس عن عليّ لا تصح عند أهل الحديث، فإن صحت فهي محمولة على وجه المعروف من جهة السيد، فإن لم ينتظر رد في الرق. اهـ.
(٤) انظر: «المحلى» ٩/ ٢٤١.
(٥) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٠٦ (١٥٧٢١).
(٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٦ - ٤٣٧، «الإشراف» ٢/ ١٩١، «الواضح في شرح مختصر الخرقي» ٥/ ٣٦٠.



وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا عجز استوفي به ثلاثة أيام فقط ثم يرق (١).
وقال مالك: يتلوم له السلطان بقدر ما يرى (٢).
وإذا كانت الكتابة نجمين أو أكثر، فأراد العبد تعجيلها كلها أو تعجيل بعضها قبل أجله لم يلزم السيد قبول ذلك ولا عتق العبد، وهي إلى أجلها.
وقال مالك: يجبر السيد على قبض ذلك ويعجل العتق للمكاتب (٣)،
محتجين مما روي أنّ سيرين كاتب أنسًا وعجل له كتابته فأبى فكتب إليه عمر بقبولها فقبلها (٤).
وقال الشافعي: إن كانت الكتابة دنانير أو دراهم أجبر السيد على قبولها، وإن كانت عروضًا لم يجبر (٥).

-----------
(١) عزاه لهما ابن في «المحلى» ٩/ ٢٤١، وفيه نظر، نعم هو ثابت من كلام أبي حنيفة وليس كذلك بالنسبة للشافعي.
قال أبو حنيفة في المكاتب يعجز، فيقول: أخروني وقد أجل بنجم، قال: إن كان له مال حاضر أو مال غائب، يرجو قدومه آخره يومين أو ثلاثة، لا يزيده على ذلك شيئًا، إلا ردّ في الرق. اهـ. انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٥، و«الإشراف» ٢/ ١٩١.
وقال الشافعي: وإذا قال المكاتب قد عجزت عن محل نجم من نجومه فهو كما قال هو كمن لم يكاتب، يبيعه سيده ويصنع به ما شاء كان ذلك عند قاضٍ أو لم يكن اهـ انظر: «الأم» ٧/ ١٢٥.
أضف إلى ذلك أن الطحاوي عند نقل قول أبي حنيفة السابق لم يشر إلى أن الشافعي وافقه، بل نقل عنه كلامًا آخر. انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٥، ٤٣٧، وكذلك فعل ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ١٧٨.
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ١١.
(٣) «الموطأ» برواية يحيى ص ٥٠١.
(٤) سبق تخريجه في أول كتاب: المكاتب.
(٥) انظر: «الأم» ٧/ ٣٩٠.



فرع: قال ابن عبد البر: عند الشافعي لا يكون حرًّا بأداء جميع كتابته إلا أن يكون في عقد كتابته، فإذا أديت ذلك فأنت حر يشترط ذلك في نفس الكتابة (١).
وقال أبو حنيفة وأصحابه ومالك: لا يضر المكاتب أن يقول له مولاه ذلك (٢).
فرع (٣): عن مالك لا ينبغي أن يطأ مكاتبته، فإن جهل ووطئها فحملت فهي بالخيار إن شاءت كانت أم ولد وإن شاءت قرت على كتابتها (٤)، وهو قول جمهور العلماء، وكان ابن المسيب يجيز للرجل أن يشترط على مكاتبته وطأها (٥)، وتابعه أحمد وداود (٦)؛ لأنها بملكه يشترط فيها ما شاء قبل العتق قياسًا على المدبرة.
وحجة سائر الفقهاء أنه وطء تقع الفرقة فيه إلى أجل آت لا محالة فأشبه نكاح المتعة، وممن قال ذلك الحسن وابن شهاب وقتادة والثوري ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي والليث ويحيى بن سعيد وربيعة وأبو الزناد والحسن بن حي.
واختلف فيها عن إسحاق فروي عنه مثل قول أحمد، وروى عنه مثل قول الجماعة.

-----------
(١) «الاستذكار» ٢٣/ ٢٣٠.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤١٢، «الاستذكار» ٢٣/ ٢٣٠.
(٣) هذا الفرع بتمامه ذكره ابن البر في «الاستذكار» ٢٣/ ٢٦٣ - ٢٦٦.
(٤) «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٩٤.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ١٤ (١٧٣٠٠).
(٦) انظر: «المغني» ١٤/ ٤٨٧، «المحلى» ٩/ ٢٤١.



واجمعوا أنها إذا عجزت حل له وطؤها، واختلفوا فيما عليه إذا وطئها، فقال أبو الزناد ويحيى: إن طاوعته فلا شيء عليه وإن استكرهها جلد وغرم لها صداق مثلها، فإن حملت كانت أم ولد وبطلت كتابتها (١).
وقال الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حي: لا حدّ عليه بالوطء كارهة أو مطاوعة (٢). إلا أن الشافعي قال: إن كان جاهلًا عُذِر وإن كان عالمًا عُزِّر (٣).
وقال مالك: إن استكرهها عوقب (٤).
وقال الحسن والزهري: من وطئ مكاتبة عليه الحد (٥). وقال الأوزاعي: يجلد مائة بكرًا كان أو ثيبًا وتجلد الأمة خمسين (٦). وقال قتادة: يجلد مائة إلا سوطًا (٧).
وقال أحمد: إن وطئها، ولم يشترط أُدِّب وكان لها عليه مهر مثلها (٨)، وأما الصداق فأوجبه لها من أسقط الحد عنها: سفيان بن

------------
(١) رواه عبدُ الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٤٣٠ (١٥٨٠٩) وتمامه: إن طاوعته جُلدا، ولا شيء لها ..
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٤، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨١.
(٣) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨١.
(٤) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦، «الاستذكار» ٢٣/ ٢٦٤.
(٥) أما أثر الزهري، فرواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٤٣٠ (١٥٨٠٦)، وأما الحسن فانظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨١.
(٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٤، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨١.
(٧) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٤٣٠ (١٥٨٠٧).
(٨) انظر: «مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج» ٢/ ٤٩١ (٣١٥٨).



سعيد والشافعي وأبو حنيفة (١)، وأوجبه لها الحسن وقتادة وهو ممن يرى الحد على سيدها (٢).
قال أبو حنيفة: الحد والصداق لا يجتمعان (٣). وقال الحكم بن عتيبة: تبطل كتابتها إذا حملت وتصير أم ولد ولا خيار لها (٤).
تنبيهات:
أحدها: أجمع العلماء أن من شرط ما لا يجوز في السنة أنه لا ينفعه
شرطه ذلك وأنه مردود في بيع كان الشرط أو عتق أو غير ذلك من الأحكام؛ لأنه - عليه السلام - لم يخص شيئًا دون غيره، بل عم الأشياء كلها في حديث بريرة (٥)، وقد سلف اختلافهم في جواز الشرط في البيع في البيوع. وقوله: («كل شرط ليس في كتاب الله») معناه في حكم الله وقضائه من كتابه أو سنة نبيه أو إجماع الأمة فهو باطل.
ثانيها: في حديث بريرة دلالة على اكتساب المكاتب بالسؤال وأن

-----------
(١) أما أثر الثوري فرواه عبد الرزاق ٨/ ٤٣٠ (١٥٨٠٨)، وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٤، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨٢.
(٢) أما أثر الحسن فرواه ابن أبي شيبة ٤/ ١٤ (١٧٢٩٧)، وأما أثر قتادة فرواه عبد الرزاق ٨/ ٤٣٠ (١٥٨٠٧).
(٣) لم أقف عليه من قول أبي حنيفة، بل من قول إبراهيم النخعي رواه ابن أبي شيبة ٤/ ١٥ من طريق أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم: لا يجتمع حد ولا صداق على زان. ومن طريق الحكم عن إبراهيم: إذا أوقعت عليه الحد، لم آخذ منه العُقْر. وهذِه العبارة: الحد والصداق لا يجتمعان كثر ذكرها في كتب الحنيفة دون عزو لقائل، فكأنها كالقاعدة المقررة، والله أعلم.
(٤) كذا ذكره ابن حزم في «المحلى» ٩/ ٢٣٦، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٤/ ١٤ بلفظ مقارب له فقال: إذا غشي مكاتبته فهي أمّ ولده، إن كان استكرهها فعليه العقد والحد، وإن كانت طاوعته فعليه الحد وليس عليه العقد.
(٥) نقل الإجماع على ذلك ابن بطال في «شرحه» ٧/ ٧٩.



ذلك طيب لمولاه وهذا يرد على من قال ذلك أوساخ الناس؛ لأن ما طاب لبريرة أخذه طاب لسيدها أخذه منها اعتبارًا باللحم الذي كان عليها صدقة وللشارع هدية، واعتبارًا أيضًا بجواز معاملة الناس للسائل، وقد تأول قوم من العلماء في قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أنه يجوز للمكاتبين أخذ الزكاة المفروضة، فكيف بالتطوع!
واتفق مالك والكوفيون والشافعي على جواز كتابة من لا حرفة له ولا مال معه (١)، وقد روي عن مالك كراهته أيضًا (٢) وكرهه الأوزاعي وأحمد وإسحاق (٣).
ومما يدل على جواز سعي المكاتب وسؤاله أن بريرة ابتدأت بالسؤال، ولم يقل - عليه السلام - هل لها مال أو عمل أو كسب، ولو كان واجبًا لسأل عنه ليقع حكمه عليه؛ لأنه بُعِثَ معلمًا - ﷺ - وهذا يدل أن من تأول دي قوله (تعالى) (٤): ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] أن الخير المال ليس بالتأويل الجيد، وأنه القوة على الكسب مع الأمانة وقد يكتسب بالسؤال.
ثالثها: قوله: («واشترطي لهم الولاء») قد سلف في موضعه ما فيه (٥) والمراد: أظهري لهم حكمه وعرفيهم. والاشتراط: هو الإظهار ومنه: أشراط الساعة. أي: ظهور علاماتها.

------------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٨٤، «التمهيد» ٢٣/ ١٦٥، «الإشراف» ٢/ ١٧٥.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٧٩.
(٣) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٧٥، «مسائل أحمد وإسحاق
برواية الكوسج» ٢/ ٤٧٨، ٤٨١ (٣١٢١، ٣١٢٨).
(٤) في الأصل: (عليه السلام)، وهو خطأ بيِّن.
(٥) تقدم برقم (٤٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد.



وقال الداودي وغيره: لم يقل لها الشارع ذلك إلا بعد المتقدم إليهم وإعلامهم أن الولاء كالنسب لا يباع ولا يوهب، ومعناه: اشترطي لهم الولاء، فإن اشتراطهم إياه بعد علمهم أن اشتراطه لا يجوز غير نافع، يوضحه قوله معلنًا على رءوس الناس: «ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله» فإنما وبخهم بما تقرر عندهم من علم السنة في ذلك، ألا ترى قوله: «قضاء الله حق، وشرطه أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق» فكان هذا على وجه الوعيد لمن رَغِبَ عن سنته في بيع الولاء، وليحذروا من موافقة مثله، ولم يكن ليتوعد في الأمر إلا بعد المتقدم فيه.
وقيل: قاله على وجه العقوبة لهم بأن حَرَمَهم الولاء إذ تقدموا على ذلك قبل أن يسألوا وهو بين أظهرهم يوضحه -أي: ربما قال الشيء أو فعله وليس بالأفضل عنده، لما يريد من تنكيل الناس وعقوبتهم- أنه - عليه السلام - نهاهم عن الوصال فلم ينتهوا، فلما واصل بهم يومًا ثم يومًا حتى رأوا الهلال وقال: «لو تأخر لزدتكم» (١) كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا ومثله قوله يوم الطائف: «إنا قافلون غدًا إن شاء الله» فقال الناس: قبل أن نفتحها، قال: «فاغدوا على القتال» فغدوا فأصيبوا بجراحات، فقال: «إنا قافلون غدًا إن شاء الله»، فسروا بذلك (٢).
رابعها: فيه: أنه كان إذا أراد أن يعاقب في أمر يكون تأديبًا لمن عاقبه عليه خطب قائمًا؛ ليكون أثبت في قلوبهم وأردع لمن أراد مثل ذلك.

----------
(١) تقدم برقم (١٩٦٥) كتاب: الصوم، باب: التنكيل لمن أكثر الوصال.
(٢) سيأتي برقم (٤٣٢٥) كتاب: المغازي، باب: غزوة الطائف في شوال سنة ثمان.



خامسها: فيه أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، روى ذلك عن عمر وابن المسيب والقاسم وسالم وعطاء وهو قول مالك والثوري والكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق (١).
قال مالك: وكل من أدركنا من أهل العلم ببلدنا يقولون ذلك (٢).
وفيها قول آخر: روي عن علي أنه إذا أدى نصف كتابته عتق (٣)، كما سلف.
وقال ابن مسعود: لو كانت الكتابة مائتي دينار وقيمة العبد مائة فأدى العبد المائة التي هي قيمته عُتِق (٤). وهو قول النخعي (٥)، وعنه أيضًا أنه إذا أدى ثلث الكتابة عتق. وهو قول شريح (٦).
حُجة الجماعة أنَّ الشارعَ أجازَ بيعَ المكاتب بقوله: «اشتريها وأعتقيها» فبان بذلك أن عقد الكتابة لا يوجب لها عتقًا حتى يؤدى ما انعقد عليه وإن عتقه يتعلق بشرط الأداء، ولا تخلو الكتابة أن

----------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٣٢، «التمهيد» ٢٢/ ١٧٥، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٩٤، «مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج» ٢/ ٤٨١ (٣١٢٩).
(٢) «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٩٤.
(٣) رواه النسائي في «الكبرى» ٣/ ١٩٧ (٥٠٢٥) بلفظ: إذا أدى النصف فهو غريم، أي: مدين، ولا إشكال بين قول المصنف: عتق، وما عند النسائي: فهو غريم، لأن المعنى أنه صار حرًّا، ويصير الباقي دينًا عليه. قاله النووي في «شرح مسلم» ١٠/ ١٤٢.
(٤) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤١١ (١٥٧٣٧)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٢٣ (٢٠٥٦٧)، الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١١٢.
(٥) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٨١.
(٦) رواه عنهما -أي: ابن مسعود وشريح- عبدُ الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٤١١ (١٥٧٣٧) ورواه عن ابن مسعود، ابن أبي شيبة ٤/ ٣٢٣ (٢٠٥٦٨).



تجري مجرى العتق بالصفة، فيجب أن لا يعتق إلا بعد أداء جميع الكتابة كما لو قال أنت حر إن دخلت الدار فلا يعتق إلا بعد دخولها وإن كان جرى مجرى البيع، فيجب أن لا يعتق أيضًا إلا بعد الأداء كما لو باع عبدًا، فإنه لا يلزمه تسليم المبيع إلا بقبض جميع الثمن وإن جرى مجرى الرهن، فلذلك لا يستحق أخذ الرهن حتى يؤدي جميع ما عليه.
سادسها: ترجمته بما إذا قال: اشترني وأعتقني، فاشتراه لذلك مما اختلف فيه العلماء.
فقال الأوزاعي: لا يباع المكاتب إلا للعتق ويكره أن يباع قبل عجزه (١).
وهو قول أحمد وإسحاق (٢). وقال الكوفيون: لا يجوز بيعه حتى يعجز (٣). وقال الداودي: اختلف قول مالك في فسخ الكتابة بالبيع للعتق (٤). وقال بعض أصحابه: كانت بريرة عجزت (٥)، وقد سلف.
وهو دعوى من قائله وتحكم، والحديث يدل على خلافه.
قال ابن المنذر: واختلف عن الشافعي في هذِه المسألة، فقال: ولا أعلم حجة لمن قال: ليس له بيع المكاتب إلا أن يقول: لعل بريرة عجزت. قال الشافعي: وأظهر معانيه: أن لمالك المكاتب بيعه (٦).

------------
(١) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨٩.
(٢) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ٢٩٧.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٤٢٧ - ٤٢٨.
(٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٢.
(٥) هذا قول مالك، كما ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ١٧٧.
(٦) كذا في الأصول، وفي «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٢، هذا الكلام معزوًا إلى الشافعي وفيه نظر، فقد حكى اختلاف الشافعي ابن المنذر في «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨٩ ثم قال: بيعت بريرة بعلم النبي - ﷺ - وهي مكاتبة، ولو كان بيع =



قال ابن المنذر والداودي: وفي تركه سؤال بريرة: هل عجزت أم لا؟ دليل على أن المكاتب يباع للعتق عجز أو لم يعجز. قال ابن المنذر: وإذا لم يختلف أهل العلم أن للرجل أن يبيع عبده قبل أن يكاتبه فعقده الكتابة غير مبطل ما كان له من بيعه، كما هو غير مبطل شيئًا كان له من عتقه، ولو لم يكن له بيعه لم يكن له عتقه؛ لأن بيعة إياه إزالة ملكه عنه كما عتقه سواء ودل خبر عائشة في قصة بريرة أنها بيعت بعلم رسول الله - ﷺ - فلم ينكره ومن قول عوام أهل العلم: أن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم فلم يمنع الرجل من بيع عبده الذي لو شاء أعتقه وخبر عائشة مستغنى به عن قول كل أحد (١).
سابعها: قال الطبري في قوله لعائشة: «اشتريها وأعتقيها» أوضح دليل على أن بريرة إذ عتقت لم تعتق عند عائشة بالتحرير الذي كان من مواليها لها عند عتقها عند الكتابة ولكنها عتقت لعتق كان من عائشة لها بعد ابتياعها، فلذلك جاز ولاؤها لعائشة دون مواليها البائعين لها وفي ذلك أبين البيان الذي كان عقد لها مواليها انفسخ

----------
= المكاتب غير جائز لنهى عنه، وفي هذا أبين البيان على أن بيعه جائز، ولا أعلم خبرًا يعارضه، ولا أعلم في شيء من الأخبار دليلًا على عجزها. اهـ.
فأنت ترى أن ما نسب إلى الشافعي هو فحوى كلام ابن المنذر، ولم أقف عليه للشافعي، فلعله خطأ في النقل.
أضف إلى هذا أن كلام الشافعي الأخير: وأظهر معانيه … إلى آخره، يعتبر كالمرجح في المسألة، فكيف يكون كذلك، ولا يتعرض له المحققون من فقهاء الشافعية كالرافعي في «العزيز» ١٣/ ٥٣٤ - ٥٣٥، والنووي في «الروضة» ١٢/ ٢٧١، بل قال: والأظهر: الجديد -أي: بطلانه- ومنهم من قطع ببطلانه. اهـ.
(١) هو بنصه من ابن بطال ٧/ ٨٢ - ٨٣، وانظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨٨.



بابتياع عائشة لها، وهذا يرد قول من زعم أن عائشة أرادت أن تشتري منهم الولاء بعد عقدهم الكتابة وتؤدي إليهم الثمن؛ ليكون لها الولاء ولو كان هذا صحيحًا لكان النكير على عائشة دون موالي بريرة؛ لأنها أرادت أن تشتري الولاء الذي نهى رسول الله - ﷺ - عنه وليس الأمر كذلك وإنما كان الإنكار على موالي بريرة؛ لأن الولاء لا يباع ولا يكون إلا للمعتق (١).
ثامنها: فيه أن كتابة الأمة ذات الزوج جائزة دون زوجها وفي ذلك دليل أنه ليس لزوجها منعها من الكتابة، وإن كان ذلك يؤدي إلى فراقها إياه بغير إذنه إذا خيرت فاختارت نفسها، ولما كان للسيد عتق الأمة تحت العبد وإن أدى ذلك إلى بطلان نكاحه، وله أن يبيع أمته من زوجها الحر، وإن كان في ذلك بطلان زَوْجيَّتها كان هذا المعنى يجيز له كتابتها على رغم زوجها.
تاسعها: فيه حجة لقول مالك: إن للمرأة أن تتجر بمالها بغير علم زوجها؛ لأن عائشة اشترت بريرة وإنما استأمرت رسول الله - ﷺ - في أمر الولاء خاصة. وفيه: أن للمرأة أن تعتق بغير إذن زوجها.
قال ابن بطال: وقد أكثر الناس في تخريج الوجوه في حديث بريرة (٢) حتى بلغوها نحو مائة وجه وللناس أوضاع (٣).
قلت: قد بلغوها أكثر من ذلك فوق الأربعمائة، وقد أشرنا إلى بعضها فيما مضى، وسيأتي بعضها في كتاب النكاح.

---------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٣.
(٢) ورد بهامش الأصل: أفرده ابن خزيمة بالتأليف، وكذلك ابن جرير وغيرهما وبلغ به ابن خزيمة الأربعمائة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٤.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #473  
قديم 02-05-2026, 08:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,058
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 271 الى صـــ 290
الحلقة (473)





كتاب الهبة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٥١ - كِتَابُ الهِبَةِ
١ - باب الهِبَةِ وَفَضْلِهَا وَالتَّحْرِيضِ فيْهَا (١)
٢٥٦٦ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنِ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ». [٦٠١٧ - مسلم: ١٠٣٠ - فتح: ٥/ ١٩٧]

٢٥٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ لِعُرْوَةَ: ابْنَ أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - نَارٌ. فَقُلْتُ يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَا.

--------
(١) ذكر فوق الكلمة: في نسخة: عليها.


ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَا نِسَاءَ المُسْلِمَاتِ، لَا تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا، وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ».
وحديث عائشةَ أنها قالت لِعُرْوَةَ: ابن أُخْتِي، إِنْ كُنَّا لَنَنْظُرُ إِلَى الهِلَالِ ثُمَّ الهِلَالِ، ثَلَاثَةَ أَهِلَّةٍ فِي شَهْرَيْنِ، وَمَا أُوقِدَتْ فِي أَبْيَاتِ رسُولِ اللهِ - ﷺ - نَارٌ. فَقُلْتُ: يَا خَالَةُ، مَا كَانَ يُعِيشُكُمْ؟ قَالَتِ: الأَسْوَدَانِ التَّمْرُ وَالمَاءُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - جِيرَانٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَتْ لَهُمْ مَنَائِحُ، وَكَانُوا يَمْنَحُونَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مِنْ أَلْبَانِهِمْ، فَيَسْقِينَاه.
الشرح:
أصل الهبة من هبوب الريح، أي: مروره، وحقيقتها التمليك بلا عوض شرعًا في الحياة. وحقيقة ما ذكره البخاري أنه هدية، فإنها ما نقل إلى مكان الموهوب له على وجه الإكرام، فكل هدية هبة ولا عكس، وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١)، وللترمذي في أوله: «تهادوا فإن الهدية تذهب وحر الصدور ولا تحقرن جارة ..» إلى آخره (٢)، والبخاري ساقه عن عاصم بن علي أنا ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال الدارقطني: رواه عن ابن أبي ذئب يحيى القطان وابن عجلان وأبو معشر، عن سعيد، عن أبي هريرة من غير ذكر أبيه (٣).
وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٤).

----------
(١) برقم (١٠٣٠) كتاب: الزكاة، باب: الحمد على الصدقة ولو بالقليل.
(٢) برقم (٢١٣٠).
(٣) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٦٢.
(٤) برقم (٢٩٧٣) كتاب: الزهد والرقائق.



إذا عرفت ذلك، فالكلام على الحديثين من أوجه:
أحدها:
في إعراب «يا نساء» أوجه ذكرها القاضي عياض أصحها وأشهرها بنصب النساء وجر المسلمات على الإضافة.
قال الباجي: وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق (١)، وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوف إلى صفته، والأعم إلى الأخص، كمسجد الجامع، وجانب الغربي. وهو عند الكوفيين جائز على ظاهره، وعند البصريين يقدرون فيه محذوفًا أي: مسجد المكان الجامع وجانب المكان الغربي ويقدر هنا: يا نساء الأنفس المسلمات أو الجماعات، وقيل: تقديره يا فاضلات المسلمات، كما يقال:
هؤلاء رجال القوم أي: ساداتهم وأفاضلهم.
ثانيها: رفعهما على معنى النداء والصفة، أي: يأيها النساء المسلمات. قال الباجي: كذا يرويه أهل بلدنا (٢).
ثالثها: رفع النساء وكسر التاء من المسلمات على أنه منصوب على الصفة على الموضع، كما يقال: يا زيدُ العاقل برفع زيد ونصب العاقل (٣).
واقتصر ابن التين على أن قال: هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه مثل قوله: ﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾.
وقال ابن بطال: هو على غير الإضافة، التقدير: يأيها النساء

----------
(١) «المنتقى» ٧/ ٣٢١.
(٢) «المنتقى» ٧/ ٣٢١.
(٣) «إكمال العلم» ٣/ ٥٦١ بتصرف.



المسلمات، ومثله: يا رجال الكرام، فالمنادي هنا محذوف وهو أيها، والنساء في تقدير النعت لأيها والمؤمنات نعت النساء. وحكى سيبويه: يا فاسق الخبيث (١)، ومذهبه أن فاسق وشبهه يعرف بـ (يا) كتعريف زيد في النداء، وكذلك يا نساء ها هنا، فَيُخّرج على مذهبه أن يجوز نصب نعته، كما جازيا زيد العاقلَ، فيجوز على هذا يا نساءُ المسلمات.
ومن رواه بالإضافة ونصب النساء، فيستحيل أن يكون المسلمات هنا من صفات النساء؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه وإنما يضاف إلى غيره مما يبينه به ويضمه إليه، ومحال أن يبينه بنفسه أو يضمه إليه. هذا مذهب البصريين.
وقد أجازه الكوفيون -أعني: إضافة الشيء إلى نفسه- واحتجوا بآيات من القرآن تتخرج معانيها على غير تأويلهم منها قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الآخِرَةِ﴾، و﴿دِينُ القَيِّمَةِ﴾.
وقال الزجاج وغيره: معناه: دار الحال الآخرة، أن للناس حالتين حال الدنيا وحال الآخرة، ومثله: صلاة الأولى، والمراد: صلاة الفريضة الأولى والساعة الأولى؛ لأنها أول ما فرض منها، ومعنى: دين القيمة: دين الملة القيمة، ولهذا وقع التأنيث لكنه يخرج يا نساء المسلمات على تقدير بعيد، وهو أن يُجعل نعتًا لشيء محذوف كما سلف في المسلمات كأنه قال: يا نساء الأنفس المسلمات والمراد بالأنفس: الرجال، وفيه بعد لفساد المعنى؛ لأنه - ﷺ - إنما خاطب النساء بذلك على وجه الفضيلة لهن والتخصيص، وعلى هذا الوجه لا فضيلة لهن في ذلك إلا أن يُراد بالأنفس الرجال والنساء معًا،

----------
(١) «الكتاب» ٢/ ١٩٧، ١٩٨، ١٩٩.


فيكون تقديره: يا نساء من الأنفس المؤمنات، على تقدير إضافة البعض إلى الكل، كما تقول: أخذت دراهم مال زيد، ومال زيد واقع على الدراهم وغيرها.
الثاني:
الفْرسن -بفاء مكسورة ثم راء ساكنة ثم سين ثم نون- وأصل الفرسن للإبل وهو موضع الحافر من الفرس، ويقال لموضع ذلك من البقر والغنم الظلف (١). قال ابن دريد: وهو ظاهر الخف والجمع: فراسن (٢).
وقال ابن سيده: هو طرف خُفِّ البعير، أنثى، حكاه سيبويه في الثلاثي، ولا يقال في جمعه: فِرْسِنَات، كما قالوا: خَناصِر ولم يقولوا خِنْصِرات (٣).
وقال في «المخصص»: هو عند سيبويه (فِعْلِنْ). لم يحك غيره في الأسماء ولا علمه صفة (٤). وقال أبو عبيد: السلامى: عظام الفرسن كلها (٥).
وقال في «الجامع»: هو للبعير بمنزلة الظفر من الإنسان.
وقال في «المغيث»: هو عظم قليل اللحم وهو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة، وقيل: هو خف البعير (٦).

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٦ - ٨٧.
(٢) «جمهرة اللغة» ٢/ ١١٥١.
(٣) «المحكم» ٨/ ٣١٨.
(٤) «المخصص» ٢/ ٥٤.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ٣٨١.
(٦) «المجموع المغيث» ٢/ ٦٠٥.



وقال الجوهري: ربما استعير للشاة (١)، وكذا قال ابن السكيت وأنشد:
أشكو إلى مولاي من مولاتي … ترْبُط (٢) بالحبل أكرعاتي
فاستعار الأكارع للإنسان كما استعار الفرسن للشاة.
قال ابن السراج: والنون زائدة (٣)، ووضعها النضر بن شميل في كتاب «الإبل» فأحسن فقال في الفرسن: أم القِردان من ظاهر وباطن، وفي كل فرسن ست سلاميات ومنسمان، والأظل والخف: هو الجلدة الغليظة التي في باطن فرسنه. وفي الفراسن ستة أشياء عَدَّدَها. والفرسن أسفل الرجل من البعير ثم الوظيف ثم الذراع ثم العضد ثم الكتف، وعبارة الأصمعي: الفرسن ما دون الرسغ من يدي البعير
وهي مؤنثة والجمع: الفراسن.
الثالث:
فيه الحض على التهادي والمتاحفة ولو باليسير؛ لما فيه من استجلاب المودة وإذهاب الشحناء واصطفاء الجيرة، ولما فيه من التعاون على أمر المعيشة المقيمة للأرماق، وأيضًا فإن الهدية إذا كانت يسيرة فهي أدل على المودة وأسقط للمؤنة وأسهل على المهدي لإطراح التكليف، وفي حديث عائشة ما كان عليه إليك من الزهد في الدنيا والصبر على التعلل وأخذ البلغة من العيش وإيثاره الآخرة على الدنيا؛ لأنه قد خير بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة، وأن يكون نبيًّا عبدًا ولا يكون ملكًا فهذِه سنته وطريقته.

---------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢١٧٧.
(٢) كذا بالأصل، وفوقها في الأصل كلمة (معًا) وهي دالة أن الكلمة تقرأ (تربِط) و(تربُط).
(٣) انظر: «تاج العروس» ١٨/ ٤٣١.



وفيه فضل التقلل والكفاف على النعم والترفه، وفيه حجة لمن آثر الفقر على الغنى، وفيه: أن من السنة مشاركة الواجد المعدم، وأن يكون الناس يشتركون فيما في أيديهم بالتفضل من الواجد.
قال عياض: وفيه الحض على الصدقة، ويحتمل أن يكون نهيًا للمعطاة عن الاحتقار، ولا يحقر المهدي إليه ولا المهدي؛ لأن في احتقاره انقطاعًا عن المعروف وربما لم يكن الكثير كل وقت، فإذا تواصل اليسير كان كثيرًا.
وفيه: ما كانت الأنصار عليه من الكرم والمواساة، وقد آثروا على أنفسهم.
الرابع:
قولها: (الأسودان: التمر والماء) هو من باب التغليب كالأبيضين الماء واللبن وغير ذلك.
وقال ابن سيده: فسره أهل اللغة بالماء والتمر وعندي أنها إنما أرادت: الحرة والليل، قيل لهما: الأسودان لاسودادهما؛ وذلك لأن وجود التمر والماء عندهم شبع وري وخصب لا شِصْب، وإنما أرادت عائشة أن تبالغ في شدة الحال، وتنتهى في ذلك بأن لا يكون معها إلا الليل والحرة، أذهب في سوء الحال من وجود التمر والماء، وضاف مُزبّدًا المدني قوم فقال لهم: ما لكم عندنا إلا (الأسودان) (١). فقالوا: إن في ذلك لمقْنَعا التمر والماء. فقال: ما ذلك أردت والله، إنما أردت الحرة والليل. وقيل: إن الأسودين الماء واللبن وجعلهما بعض الرجاز الماء والفَثّ وهو ضرب من البقل يُخْتَبَر، فيؤكل فقال:

---------
(١) في الأصل: (الأسودين)، وهو خطأ.


الأسودان أبردا عظامي … الماء والفث دوا أسقامي (١)
والمنائح: جمع منيحة، قال الفراء: منحته أَمْنَحُه وأَمْنِحُه: وهي الناقة والشاة يعطيها الرجل لآخر يحلبها ثم يردها، وزعم بعضهم أن المنيحة لا تكون إلا ناقة.
قال أبو عبيد: المنيحة عند العرب على وجهين: أن يعطي الرجل صاحبه صلة فتكون له، وأن يمنحه ناقة أو شيئًا هبةً، أو شاة ينتفع بحلبها ووبرها زمنًا ثم يردها (٢).
وقال الحربي: العرب تقول: منحتك الناقة، وأنحلتك الوبر، وأعومتك (٣) النخلة، وأعمرتك الدار، وهذِه كلها هبة منافع يعود بعدها مثلها.
قال الداودي: ويقال لعطية ركوب الدواب ولبس الثياب: عارية، مشددة ومخففة.
قال ابن حبيب: ويقال للعبد: أخدمتك، ومن المنحة قرض الذهب
والورق، ويقال لما وقف مؤبدًا: حَبْس. وأكثر العرب يجعلها للعارية دون الهبة وهو تأويل قوله: «المنيحة مردودة» (٤).

----------
(١) «المحكم» ٨/ ٣٩٧.
(٢) «غريب الحديث» ١/ ١٧٦.
(٣) هكذا بالأصل: أعومتك، ولعل الصواب: أعريتك.
(٤) رواه النسائي في «الكبرى» (٥٧٨٢)، وابن حبان ١١/ ٤٩١ (٥٠٩٤)، والطبراني في «الكبير» ٨/ ١٤٣ (٧٦٣٧) من طريق حاتم بن حريث عن أبي أمامة مرفوعًا.
رواه عبد الرزاق ٤/ ١٤٨ (٧٢٧٧)، ٩/ ٤٨ (١٦٣٠٨)، وفي «مسند الشاميين» ١/ ٣٠٩ (٥٤١) من طريق شرحبيل بن مسلم، عن أبي أمامة مرفوعًا مطولًا.
ورواه الطبراني في «مسند الشاميين» ١/ ٣٦٠ (٦٢١) من حديث أنس بن مالك.



وقال التوزي في «شرح شعر أبي (…) (١)»: أصلها العارية، ثم استعمل حتى صارت كل هبة منيحة.
وقال اللحياني: لا تكون إلا المعارة للبن (٢) خاصة، وقيل: كل شيء يقتصد به قصد شيء فقد منحته إياه، كما تمنح المرأة وجهها المرأة (٣).
وقول القزاز: قيل: لا تكون المنيحة إلا ناقة، ولا تكون شاة، والأول أعرف.

---------
(١) غير واضحة بالأصل.
(٢) في الأصل: (اللبن)، والمثبت من «تاج العروس».
(٣) انظر: «تاج العروس» ٤/ ٢٢٠.



٢ - باب القَلِيلِ مِنَ الهِبَةِ
٢٥٦٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ». [٥١٧٨ - فتح: ٥/ ١٩٩]
ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعِ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ».
هذا الحديث من أفراده وأخرجه في الأنكحة بلفظ: «لو دعيتُ إلى كراعِ لأجبتُ، ولو أهدي إلى ذراع لقبلتُ» (١) والكُراع في حد الرسغ وهو في البقر والغنم بمنزلة الوظيف في الفرس والبعير أي: وهو خفه وهو مستدق الساق، يذكر ويؤنث وفي المثل: (أُعْطِى) (٢) العبد كراعًا فطلب ذراعًا (٣). والذراع من جيد اللحم، وقيل: إن الكراع هنا اسم موضع وذكره الغزالي في «الإحياء» بلفظ: كراع الغميم (٤)، ولم أره كذلك، ويرده رواية الترمذي عن أنس مرفوعًا: «لو أهدي إلى كراع لقبلت، ولو دعيت عليه لأجبت» ثم صححه (٥).
وادعى صاحب «التنقيب على المهذب» أن سبب هذا الحديث أن أم حكيم بنت وادع قالت: يا رسول الله، أتكره الهدية؟ فقال - ﷺ -:

---------
(١) سيأتي برقم (٥١٧٨) كتاب: النكاح، باب: من أجاب إلى كراع.
(٢) في الأصل: (أعط) والمثبت من «الجمهرة»، «اللسان» ٧/ ٣٨٥٨.
(٣) ذكره أبو هلال العسكري في «جمهرة الأمثال» ١/ ١٠٧ وقال: يضرب مثلا للرجل الشَّرِه، يُعطى الشيءَ فيأخذه ويطلب أكثر منه. اهـ.
(٤) «الإحياء» ٢/ ١٨.
(٥) برقم (١٣٣٨).



«ما أقبح ردّ الهدية، لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إلى ذراع لقبلت» (١).
فائدة: الذراع أفضل من الكراع وكان - ﷺ - يحب أكله ولهذا سُمَّ فيه وإنما كان يحبه؛ لأنه مبادئ الشاة وأبعد من الأذى.
ثانية: قد ذكرنا الحديث من طريقين وزيادة ثالث إن صح، وذكره ابن منده في «مستخرجه» أيضًا من حديث أبي الدرداء وجابر بن عبد الله.
ثالثة: هذا منه - ﷺ - حَضّ لأمته على المهاداة والصلة والتأليف والتحاب، وإنما أخبر أنه لا يحتقر شيئًا مما يُهدى إليه أو يدعى إليه؛ لئلا يمنع الباعث من المهاداة لاحتقار المهدي، وإنما أشار بالكراع وفرسن الشاة إلى المبالغة في قبول القليل من الهدية لا إلى إعطاء الكراع والفرسن ومهاداته؛ لأن أحدًا لا يفعل ذلك.
رابعة: قوله: «لو أهدي إليّ ذراع» أي: لحم ذراع؛ لأن الذراع مؤنثة وسُمِعَ من العرب: جاءته كتابي فخرقها (٢).
وادعى ابن التين أن الكراع من الدواب ما دون الكعب من غير الإنسان، ومن الإنسان ما دون الركبة. قال عن ابن فارس: كراع كل شيء طرفه (٣).

-----------
(١) رواه الطبراني ٢٥/ ١٦٢ (٣٩٢)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٩: وفيه من لا يعرف.
(٢) ورد بهامش الأصل: المعروف فاحتقرها.
[قلت: وهو الموافق لما في كتب اللغة، كما في «الصحاح» ١/ ٢٢٠، «تاج العروس» ٢/ ٤٠٧، فعن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: سمعت أعرابي يقول: جاءته كتابي فاحتقرها، فقلت: أتقول جاءته كتابي؟ قال: أليس بصحيفة؟ فقلت: ما اللغوب؟ فقال: الأحمق. اهـ.]
(٣) «معجم مقاييس اللغة» ص ٨٩٠.



وقال أبو عبيد: الأكارع قوائم الشاة وأكارع الأرض أطرافها (١).
وفي الحديث: «لا بأس بالطلب في أكارع الأرض» (٢) أي: أطرافها القاصية، شبهه بأكارع الشاة أي: قوائمها.
قال (٣): وفيه إجابة الدعوة لما قَلّ أو كَثُر، وَتَقبَّلهَا هدية ليُقْتدى به فيه.

---------
(١) «غريب الحديث» ٢/ ٤٢٢.
(٢) كذا في الأصول، وعند أبي عبيد في «غريب الحديث» ٢/ ٤٢٢، والزمخشري في «الفائق» ٣/ ٢٥٨: كانوا يكرهون الطلب في أكارع الأرض.
وهذا الأثر من قول إبراهيم النخعي كما في «الغريب» و«الفائق».
(٣) أي: ابن التين.



٣ - باب مَنِ اسْتَوْهَبَ مِنْ أَصْحَابِهِ شَيْئًا
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا». [انظر: ٢٢٧٦]

٢٥٦٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَكَانَ لَهَا غُلَامٌ نَجَّارٌ، قَالَ لَهَا: «مُرِى عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ المِنْبَرِ». فَأَمَرَتْ عَبْدَهَا، فَذَهَبَ فَقَطَعَ مِنَ الطَّرْفَاءِ، فَصَنَعَ لَهُ مِنْبَرًا، فَلَمَّا قَضَاهُ أَرْسَلَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَدْ قَضَاهُ، قَالَ - ﷺ -: «أَرْسِلِي بِهِ إِلَيَّ». فَجَاءُوا بِهِ، فَاحْتَمَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَوَضَعَهُ حَيْثُ تَرَوْنَ. [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٥/ ٢٠٠]

٢٥٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ السَّلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ يَوْمًا جَالِسًا مَعَ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي مَنْزِلٍ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - نَازِلٌ أَمَامَنَا، وَالقَوْمُ مُحْرِمُونَ، وَأَنَا غَيْرُ مُحْرِمٍ، فَأَبْصَرُوا حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَأَنَا مَشْغُولٌ أَخْصِفُ نَعْلِي، فَلَمْ يُؤْذِنُونِي بِهِ، وَأَحَبُّوا لَوْ أَنِّي أَبْصَرْتُهُ، وَالتَفَتُّ فَأَبْصَرْتُهُ، فَقُمْتُ إِلَى الفَرَسِ فَأَسْرَجْتُهُ، ثُمَّ رَكِبْتُ وَنَسِيتُ السَّوْطَ وَالرُّمْحَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: نَاوِلُونِي السَّوْطَ وَالرُّمْحَ. فَقَالُوا: لَا وَاللهِ، لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ. فَغَضِبْتُ فَنَزَلْتُ فَأَخَذْتُهُمَا، ثُمَّ رَكِبْتُ، فَشَدَدْتُ عَلَى الحِمَارِ فَعَقَرْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُ بِهِ وَقَدْ مَاتَ، فَوَقَعُوا فِيهِ يَأْكُلُونَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ شَكُّوا فِي أَكْلِهِمْ إِيَّاهُ، وَهُمْ حُرُمٌ، فَرُحْنَا وَخَبَأْتُ العَضُدَ مَعِي، فَأَدْرَكْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: «مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَنَاوَلْتُهُ العَضُدَ فَأَكَلَهَا، حَتَّى نَفَّدَهَا وَهْوَ مُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ، [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٥/ ٢٠٠]
ثم ساق حديث سهل أَنَّ رسول الله - ﷺ - أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ: «مُرِي عَبْدَكِ فَلْيَعْمَلْ لَنَا أَعْوَادَ المِنْبَرِ» .. الحديث.


وحديث أبي قتادة مطولًا، وفيه: فناولته العَضُدَ فَأَكَلَهَا، حَتَّى نَفَّدَهَا وَهْوَ مُحْرِمٌ. فَحَدَّثَنِي بِهِ زيدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ.
وقد سلفا (١)، وقائل ذلك هو محمد بن جعفر راويه أولًا، عن أبي حازم، عن عبد الله بن أبي قتادة السلمي، عن أبيه، كما سيأتي في الأطعمة (٢)، والتعليق سلف عنده مسندًا في أجر الرقية (٣) إذا تقرر ذلك فاستيهاب الصديق الملاطف حسن إذا علم أنّ ما يستوهبه تطيب به نفسه ويُسَرّ بهبته.
ويبينُ هذا أنه قد جاء أن المرأة كانت تطوعت لرسول الله - ﷺ - وسألته أن تصنع له المنبر ووعدته بذلك، وإنما قال: «اضربوا لي معكم سهمًا» في الغنم التي أخذوا في الرقية بالفاتحة. وقال في لحم الصيد: «هل معكم منه شيء؟» ليؤنسهم لما تحرجوا من أكله بأن يريهم حله عيانًا بأكله منه، ومن هذا الحديث قال بعض الفقهاء: إن المآكل إذا وردت على قوم دون مجالسيهم أنهم مندبون إلى مشاركتهم.
فصل:
قوله في الحديث الأول: (امرأة من المهاجرين)، كذا وقع هنا، وفي أصل ابن بطال بدله: من الأنصار (٤)، وهو الصواب.

-----------
(١) الأول برقم (٣٧٧) كتاب: الصلاة، باب: الصلاة في السطوح والمنبر والخشب، والثاني برقم (١٨٢١) كتاب: جزاء الصيد، باب: وإذا صاد الحلال فأهدى المحرم الصيد أكله.
(٢) برقم (٥٤٠٦) كتاب: الأطعمة، باب: تعرق العضد.
(٣) برقم (٢٢٧٦) كتاب: الإجارة، باب: ما يعطى في الرقية على أحياء العرب.
(٤) «شرح ابن بطال» ٧/ ٨٨.



قال ابن التين: أكثر الروايات أنها من الأنصار، ولعلها كانت هاجرت وهي مع ذلك أيضًا أنصارية الأصل أو يكون وَهَلا (١).
ومعنى قضاه: صنعه وأحكمه. قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ [فصلت: ١٢].
وقوله: «فليعمل لنا أعواد المنبر» وحكاه الخطابي (فليفعل) أي: فعلا في أعواد المنبر من نجر وتسوية وخرط، قال: والظاهر في الاستعمال أن يقال: فليصنع أو فليجعل وذلك أن لفظ الفعل جملة تحتها أقسام، وجنس يتفرع منه أنواع، وتمام البيان إنما يقع بتنزيل الكلام منازله، وصنع يستعمل غالبًا فيما يدخله التدبير والتقدير، ولذلك اختير في اسم الله الصانع (٢).

-------
(١) قال ابن فارس: قال أبو زيد: وَهَلْت عن الشيء: نسيته، وقال الفيروز آبادي: وهل: غلط فيه ونسيه. اهـ.
انظر: «معجم مقاييس اللغة» ١٠٦٨، «القاموس المحيط» ١٠٦٩ (وهل).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٧٦ - ١٢٧٨ بتصرف.
أعلم -رحمك الله- أن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمائه، بل يطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع.
قال ابن القيم رحمه الله: فإن هذِه الألفاظ لا تدخل في أسمائه، ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلًا وخبرًا. اهـ.
وقال أيضًا: وأما لفظ الصانع فلم يرد في أسماء الرب تعالى، ولا يمكن وروده، فإن الصانع من صنع شيئًا، عدلًا كان أو ظلمًا، سفهًا كان أو حكمة، جائزًا أو غير جائز، ومما انقسم مسماه إلى مدح وذم لم يجيء اسمه المطلق في الأسماء الحسنى كالفاعل والعامل والصانع والمريد والمتكلم؛ لانقسام معاني هذِه الأسماء إلى محمود ومذموم، بخلاف العالم والقادر والحي والسميع والبصير. اهـ.
انظر: «بدائع الفوائد» ١/ ١٤٦، «شفاء العليل» ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥، «معجم المناهي اللفظيه» ص ٣٣٠ - ٣٣٢.



فصل:
قوله: في حديث أبي قتادة: «أخصف نعلي».
قال الداودي: أصله أعمل له شعسًا إذا انقطع، والذي قاله أهل اللغة: إن خصف النعل إطباق طاق على طاق، مثل قوله تعالى: ﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: يطبقان على أبدانهما ورقه.
وقوله: (حتى نفدها وهو محرم) أي: أتى عليها، يقال: نفد الشيء إذا أفنى، وأنفد القوم: نفدت أزوادهم.


٤ - باب مَنِ اسْتَسْقَى
وَقَالَ سَهْلٌ قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «اسْقِنِي». [انظر: ٥٢٥٦]

٢٥٧١ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو طَوَالَةَ -اسْمُهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي دَارِنَا هَذِهِ، فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لَنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هَذِهِ، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هَذَا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ فَضْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: «الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا». قَالَ أَنَسٌ: فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنَّةٌ. ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. [انظر: ٢٣٥٢ - مسلم: ٢٠٢١ - فتح: ٥/ ٢٠١].

ثم ساق حديث أنس: أَتَانَا النبي - ﷺ - فِي دَارِنَا فَاسْتَسْقَى، فَحَلَبْنَا لَهُ شَاةً لنَا، ثُمَّ شُبْتُهُ مِنْ مَاءِ بِئْرِنَا هذِه، فَأَعْطَيْتُهُ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ يَسَارِهِ، وَعُمَرُ تُجَاهَهُ، وَأَعْرَابِيّ عَنْ يَمِينِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ عُمَرُ: هذا أَبُو بَكْرٍ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ، ثُمِّ قَالَ: «الأَيْمَنُونَ، الأَيْمَنُونَ، أَلَا فَيَمِّنُوا». قَالَ أَنَسٌ: فَهْيَ سُنَّةٌ، فَهْيَ سُنّةٌ، فهي سنة.
هذا الحديث سلف في باب: الشرب مطولًا (١)، وأخرجه مسلم في الأشربة (٢)، وهو مثل الباب الذي قبله، لا بأس بطلب ما يتعارف الناس بطلب مثله من شرب الماء واللبن وما تطيب به النفوس، ولا يتشاح فيه، ولا سيما أنه من النبي - ﷺ -، ومن مكارمه ومشاركته، وقد وصفهم الله تعالى أنهم كانوا يؤثرون على أنفسهم، وإنما أعطى الأعرابي ولم يستأذنه كما استأذن الغلام ليتألفه بذلك؛ لقرب عهده بالإِسلام.

-----------
(١) برقم (٢٣٥٢) باب: في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة.
(٢) برقم (٢٠٢٩) باب: استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ.



وفيه: أن السنة لمن استسقى أن يسقي من عن يمينه، وإن كان من عن يساره أفضل ممن جلس عن يمينه، ألا ترى قول أنس: وهي سنَّة ثلاث مرات وذلك يدل على تأكيدها، وقد تقدم ذلك، وستأتي له
زيادة في الأشربة.
وقوله: (فاستسقى).
فيه: جواز ذلك ولا دناءة فيه، بخلاف طلب الأكل منا للمنة فيه بخلافه.
وفيه: جواز المسألة بالممعروف على وجه الفقر.
وفيه: إتيان دار من يصحبه اقتداء به.
وفيه: كما قال الداودي: الإتيان بأفضل ما يجد.
وفيه: شرب اللبن إذا خلطه بالماء.
وفيه: جلوس القوم على قدر سبقهم.
وقوله: (وعُمر تجاهه) أي: مستقبله، وكان أصله: وجاهه فأبدل من الواو تاء مثل تراث. وقوله: (وأعرابي عن يمينه). قال ابن التين: قيل: هو خالد بن الوليد.
وقوله: «ألا فيمنوا» ثلاثًا فيه: فضل التيامن وتكرار الكلام للتأكيد.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #474  
قديم 02-05-2026, 08:29 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,058
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 291 الى صـــ 310
الحلقة (474)





٥ - باب قَبُولِ هَدِيَّةِ الصَّيْدِ
وَقَبِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ أَبِي قَتَادَةَ عَضُدَ الصَّيْدِ. [انظر: ١٨٢١]

٢٥٧٢ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَسَعَى القَوْمُ فَلَغَبُوا، فَأَدْرَكْتُهَا فَأَخَذْتُهَا، فَأَتَيْتُ بِهَا أَبَا طَلْحَةَ فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِوَرِكِهَا -أَوْ فَخِذَيْهَا، قَالَ: فَخِذَيْهَا. لَا شَكَّ فِيهِ- فَقَبِلَهُ. قُلْتُ: وَأَكَلَ مِنْهُ؟ قَالَ: وَأَكَلَ مِنْهُ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَبِلَهُ. [٥٤٨٩، ٥٥٣٥ - مسلم: ١٩٥٣ - فتح: ٥/ ٢٠٢]

٢٥٧٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ رضي الله عنهم أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «أَمَا إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ». [انظر: ١٨٢٥ - مسلم: ١١٩٣ - فتح: ٥/ ٢٠٢]
ثُم ساق حديث أنس أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا .. إلى أن قال: فَذَبَحَهَا، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِوَرِكِهَا أَوْ فَخِذَيْهَا فَقَبِلَهُ.
وحديث الصعب بن جثامة السالف في الحج (١).
ومعنى أنفجنا: أثرنا، يقال: أنفجت الأرنب أي: أثرته، فثار، وأصله: انتفجت الأرنب إذا وثبت فوسعت الخطوة. قال الخليل: نفج اليربوع، ينفُج وينفِجُ نفوجًا، وينتفج [انتفاجًا] (٢)، وهو (٣) أوحى عَدْوِه. وأنفجه الصائد أثاره من مجثمه ومكمنه (٤).

--------
(١) برقم (١٨٢٥) باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًّا لم يقبل.
(٢) من «العين».
(٣) في الأصل: (وهي) والمثبت من «العين».
(٤) «العين» ٦/ ١٤٥ مادة (نفج).



و(لغبوا) بفتح اللام والغين وهو الأجود.
قال ابن قتيبة: لَغِيب ولَغَيب والفتح أجود. قال ابن التين: ضبط في بعض الأمهات بكسر الغين، وقيل: هي لغة، والفتح أعرف، ومعنى لغبوا: أعيوا. قال الله تعالى: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨].
وقال الأصمعي: تقول العرب: لغَبت ألغب لغوبًا: أعييتُ، ولا يقال: لغبت.
وقال أبو عبيد: لغبت من الإعياء ولغَبت.
وقال الداودي: لغبوا: عطشوا ولم يذكر غيره.
و(الوَرِك) بفتح الواو وكسر الراء وبكسر الواو وإسكان الراء، و(الفخذ) تكسر الخاء وتخفف، وقد سلف، والورك: ما فوق الفخذ.
وقوله: قال: (فخذها لا شك فيه فقبله. قلت: وأكل منه؟ قال: وأكل منه. ثم قال بعد: قبله) كأن شعبة شك في الفخذين أولًا، ثم استيقن، وكذلك شك أخيرًا في الأكل، (ومر الظهران) هو الذي تسميه العامة بطن مر، وكان القوم غير حرم.
وفيه: حل الأرنب ولا عبرة بمن شذ فيها.
وفيه: قبول هدية الصيد وغيره.
وفيه: أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية؛ لأنهعليه السلام - إنما رده عليه؛ لأنه لا يحل له قتل الصيد وهو محرم، وكان الحمار حيًّا، فدل أن المهدي إذا كان معروفًا بكسب الحرام أو بالغصب والظلم فإنه لا يجوز قبول هديته.
وفيه: الاعتذار إلى الصديق وإذهاب ما يخشى أن يقع بنفسه من الوحشة وسوء الظن.


٧ - باب قَبُولِ الهَدِيَّةِ
٢٥٧٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِهَا -أَوْ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ- مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [٢٥٨٠، ٢٥٨١، ٣٧٧٥ - مسلم: ٢٤٤١ - فتح: ٥/ ٢٠٣]

٢٥٧٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ -خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ- إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا، فَأَكَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ الأَقِطِ وَالسَّمْنِ، وَتَرَكَ الضَّبَّ تَقَذُّرًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا مَا أُكِلَ عَلَى مَائِدَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [٥٣٨٩، ٥٤٠٢، ٧٣٥٨ - مسلم: ١٩٤٧ - فتح: ٥/ ٢٠٣]

٢٥٧٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ: «أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ» فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ. قَالَ لأَصْحَابِهِ: «كُلُوا». وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَبَ بِيَدِهِ - ﷺ - فَأَكَلَ مَعَهُمْ. [مسلم: ١٠٧٧ - فتح: ٥/ ٢٠٣]

٢٥٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي لله عنه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَحْمٍ فَقِيلَ: تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ. قَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».

٢٥٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ قَالَ: سَمِعْتُهُ مِنْهُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ، وَأَنَّهُمُ اشْتَرَطُوا وَلَاءَهَا، فَذُكِرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَقَالَ لِلنَّبِيُّ - ﷺ -: «هَذَا تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ». وَخُيِّرَتْ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ زَوْجُهَا حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ


قَالَ شعْبَة: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ عَنْ زَوْجِهَا، قَالَ: لَا أَدْرِي أَحرّ أَمْ عبد. [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ٢٠٣]

٢٥٧٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَالَ: «عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». قَالَتْ لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ مِنَ الشَّاةِ التِي بُعِثَت إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». [انظر: ١٤٤٦ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٥/ ٢٠٣]
ذكر فيه ستة أحاديث:
أحدها:
حديث عائشة: أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ، يَبْتَغُونَ بِهَا -أَوْ يَبْتَغُونَ بِذَلِكَ- مَرْضَاةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.
ثانيها:
حديث ابن عباس. أَهْدَتْ أُمُّ حُفَيْدٍ -خَالَةُ ابن عَبَّاسٍ- إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - أَقِطًا وَسَمْنًا وَأَضُبًّا.
ثالثها:
حديث أبي هريرة: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ: «أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟» فَإِنْ قِيلَ: صدَقَةٌ. قَالَ لأَصْحَابِهِ: «كُلُوا». وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَبَ بِيَدِهِ فَأَكَلَ مَعَهُمْ.
رابعها:
حديث أنس: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَحْمٍ فَقِيلَ: تُصُدِّقَ به عَلَى بَرِيرَةَ. فقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».


خامسها:
حديث عائشة في قصة بريرة وفيه: وَأُهْدِيَ لَهَا لَحْمٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «ما هذا؟» فقلت: تُصدِّقَ به عَلَى بَرِيرَةَ قال: «هُوَ لَهَا صَدَقَة وَلَنَا هَدِيَة».
سادسها: حديث أم عطية: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - على عَائِشَةَ فَقَالَ: «أعِنْدَكُمْ شَيْ؟». قَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ أُمُّ عَطيَّةَ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثَتْ إِلَيْهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. قَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا».
الشرح:
في حديث عائشة جواز تحري الهدية ابتغاء مرضات المهدي إليه، وفي حديث ابن عباس إهداء الأقط والسمن والأضب، والأقط سلف بيانه في صدقة الفطر، وهو: لبن مجمد غير منزوع الزبد، والأضب:
جمع ضب مثل: فلس وأفلس.
وأم حُفَيد خالة ابن عباس بضم الحاء المهملة.
وقول ابن عباس: (لو كان حرامًا ما أكل على مائدة رسول الله - ﷺ -) احتجاج حسن، وهو قول الفقهاء كافة، ونص عليه مالك في «المدونة» (١)، وعنه رواية بالمنع، وعن أبي حنيفة الكراهة (٢).
وقد روى مالك في حديث الضب أنه - ﷺ - أمر ابن عباس وخالد بن الوليد بأكله في بيت ميمونة، وقالا له: لم لا تأكل يا رسول الله؟ فقال: «إني يحضرني من الله حاضرة» (٣) يعني: الذين يناجيهم، ورائحة الضب

--------
(١) «المدونة» ١/ ٤٢٦
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٤٤١.
(٣) «الموطأ» ص ٥٩٩. =



ثقيلة، ولذلك تقذره خشية أن يؤدي الملائكة بريحه، ففيه من الفقه أنه يجوز للإنسان أن يتقذر ما ليس بحرام عليه لقلة عادته لأكله ولزومه.
وقوله: (أكل على مائدته). قال الداودي: يعني القصعة والمنديل ونحوهما؛ لأن أنسًا قال: ما أكل على خوان قط، وأصل المائدة من الميد وهو العطاء يقال: مادني يميدني.
وقال أبو عبيدة: هي فاعلة بمعنى مفعولة من العطاء (١). وقال الزجاج: هي عندي من ماد يميد إذا تحرك. وقال ابن فارس: هي من ماد يميد إذا أطعم، وقال قوم: مادني يميدني إذا أنعشني، ومنه المائدة (٢).
قال: والخوان -فيما يقال- اسم أعجمي غير أني سمعت إبراهيم ابن علي القطان يقول: سئل ثعلب وأنا أسمع: أيجوز أن يقال: إن الخوان سمي بذلك؛ لأنه يتخون ما عليه؟ أي: ينتقص. فقال: ما يبعد ذلك (٣).
وفي حديث أبي هريرة: حرمة الصدقة عليه دون غيره، وفي آله خلاف، والأصح عندنا إلحاقهم به في الفرض دون التطوع (٤)، وهي

--------
= قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٢٣٥: أما قوله: «إني يحضرني من الله حاضرة». فمعناه إن صحت هذِه اللفظه؛ لأنها لا توجد في غير هذا الحديث معناها ما ظهر في حديث ابن عباس وخالد بن الوليد عن النبي - ﷺ - أنه قال فيه: «لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه». اهـ.
(١) «مجاز القرآن» ١/ ١٨٢.
(٢) «مجمل اللغة» ٢/ ٨٢٠ مادة: ميد.
(٣) «مجمل اللغة» ١/ ٣٠٧ (خون).
(٤) انظر: «البيان» ٣/ ٤٣٨، «العزيز» ٧/ ٤١٩.



عند المالكية حرام على آله -أعني: التطوع (١) - خلافًا لابن القاسم (٢).
وقال أصبغ: يكره (٣). ذكره ابن التين.
وقد علل الشارع كونه لا يتناولها لأنها أوساخ الناس، الصلاة والسلام لقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلى» والأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن مواضع الضعة والذلة، والصدقة لا تنبغي للأغنياء، وقد عدد الله على نبيه كونه وجده عائلًا فأغناه، فكذا حرمت عليه الصدقة، ومن أعلام نبوته عدم قبولها بخلاف الهدية. وقوله في لحم بريرة: «هو لها صدقة ولنا هدية».
وقوله: «قد بلغت محلها» فإن الصدقة يجوز فيها تصرف الفقير بالبيع والهدية وغير ذلك؛ لصحة ملكه لها، فلما أهدتها بريرة إلى بيت مولاتها عائشة حلت لها ولرسول الله - ﷺ - وتحولت عن معنى الصدقة لملك المتصدق عليه بها، ولذلك قال: «وهي لنا هدية» أي: من قبلها، و«قد بلغت محلها» أي: صارت حلالًا بانتقالها من باب الصدقة إلى باب الهدية؛ لأن الهدية جائز أن يثيب عليها بمثلها وأضعافها على المعهود منه - ﷺ -، وليس ذلك شأن الصدقة، وقد أسلفنا هذِه المعاني فيما مضى أيضًا وأعدناها لطول العهد بها.
وقول عبد الرحمن في زوج بريرة: (لا أدري حر أو عبد).
المشهور أنه عبد، وهو قول مالك والشافعي، وعليه أهل الحجاز، وهو ما ذكره النسائي عن ابن عباس (٤)، واسمه مغيث كما سلف، وذكره

--------
(١) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٣.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٧.
(٤) النسائي ٨/ ٢٤٥ (٥٤١٧)، وسيأتي برقم (٥٢٨٠)، كتاب: الطلاق، باب: خيار الأمة تحت العبد.



أبو داود والنسائي عن عائشة (١)، وخالف أهل العراق فقالوا: كان حرًا (٢).
وفيه: أن للحرة أن تنكح العبد؛ لتخييره بريرة في بقائها معه وهو عبد.
قال الداودي: والذي بعثت به أم عطية، إنما بعثت به إلى عائشة هدية، وظنت عائشة أنه إذا كان أصلها صدقة لا تحل لرسول الله - ﷺ -، وفيه دليل أنه كان قبل لحم بريرة، أو إنما تأولت أن أم عطية ابتدأت بتوجيهه وأن بريرة لم تبتدئ بإعطائه، أو يكون في أحد الحديثين وهم.

--------
(١) أبو داود (٢٢٣٦)، النسائي ٦/ ١٦٥ (٣٤٥٢)، وهو عند مسلم برقم (١٥٠٤)، والترمذي برقم (١١٥٤).
(٢) سيأتي في حديث (٦٧٥١) معلقا من قول الحكم، وفي (٦٧٥٤) معلقا من قول الأسود.
وروي عن عائشة عند الترمذي (١١٥٥)، والنسائي ٥/ ١٠٧ - ١٠٨ (٢٦١٤).
قال البخاري تعقيبًا على قول الحكم والأسود: وقول الحكم مرسل، وقول الأسود منقطع، وقول ابن عباس: رأيته عبدًا، أصح اهـ وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. اهـ.
وقال الألباني: شاذ بلفظ: حرًا والمحفوظ بلفظ عبد. اهـ.



٨ - باب مَنْ أَهْدَى إِلَى صَاحِبِهِ، وَتَحَرَّى بَعْضَ نِسَائِهِ دُونَ بَعْضٍ
٢٥٨٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمُ يَوْمِي. وَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: إِنَّ صَوَاحِبِي اجْتَمَعْنَ. فَذَكَرَتْ لَهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهَا. [انظر: ٢٥٧٤ - مسلم: ٢٤٤١ - فتح: ٥/ ٢٠٥]

٢٥٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ نِسَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - كُنَّ حِزْبَيْنِ: فَحِزْبٌ فِيهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ وَصَفِيَّةُ وَسَوْدَةُ، وَالحِزْبُ الآخَرُ أُمُّ سَلَمَةَ وَسَائِرُ نِسَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَكَانَ المُسْلِمُونَ قَدْ عَلِمُوا حُبَّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَائِشَةَ، فَإِذَا كَانَتْ عِنْدَ أَحَدِهِمْ هَدِيَّةٌ يُرِيدُ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَخَّرَهَا، حَتَّى إِذَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ بَعَثَ صَاحِبُ الهَدِيَّةِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي بَيْتِ عَائِشَةَ.
فَكَلَّمَ حِزْبُ أُمِّ سَلَمَةَ، فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِي رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَيَقُولُ: مَنْ أَرَادَ أَنْ يُهْدِيَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - هَدِيَّةً فَلْيُهْدِهِ إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ مِنْ بُيُوتِ نِسَائِهِ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ بِمَا قُلْنَ، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا. فَقَالَتْ: مَا قَالَ لِي شَيْئًا. فَقُلْنَ لَهَا: فَكَلِّمِيهِ. قَالَتْ: فَكَلَّمَتْهُ حِينَ دَارَ إِلَيْهَا أَيْضًا، فَلَمْ يَقُلْ لَهَا شَيْئًا، فَسَأَلْنَهَا. فَقَالَتْ مَا قَالَ لِي شَيْئًا. فَقُلْنَ لَهَا: كَلِّمِيهِ حَتَّى يُكَلِّمَكِ. فَدَارَ إِلَيْهَا فَكَلَّمَتْهُ، فَقَالَ لَهَا: «لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ، فَإِنَّ الوَحْيَ لَمْ يَأْتِنِي، وَأَنَا فِي ثَوْبِ امْرَأَةٍ إِلَّا عَائِشَةَ». قَالَتْ: فَقَالَتْ: أَتُوبُ إِلَى اللهِ مِنْ أَذَاكَ يَا رَسُولَ اللهِ.
ثُمَّ إِنَّهُنَّ دَعَوْنَ فَاطِمَةَ بِنْتَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَأَرْسَلْتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تَقُولُ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللهَ العَدْلَ فِي بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ. فَكَلَّمَتْهُ. فَقَالَ: «يَا بُنَيَّةُ، أَلَا تُحِبِّينَ مَا أُحِبُّ». قَالَتْ: بَلَى. فَرَجَعَتْ إِلَيْهِنَّ فَأَخْبَرَتْهُنَّ، فَقُلْنَ: ارْجِعِي إِلَيْهِ. فَأَبَتْ أَنْ تَرْجِعَ، فَأَرْسَلْنَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، فَأَتَتْهُ فَأَغْلَظَتْ، وَقَالَتْ: إِنَّ نِسَاءَكَ يَنْشُدْنَكَ اللهَ


العَدْلَ في بِنْتِا ابن أَبِي قُحَافَةَ. فَرَفَعَتْ صَوْتَهَا، حَتَّى تَنَاوَلَتْ عَائِشَةَ وَهْيَ قَاعِدَة فَسَبَّتْهَا، حَتَّى إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَيَنْظُرُ إِلَى عَائِشَةَ هَلْ تَكَلَّمُ، قَالَ: فَتَكَلَّمَتْ عَائِشَةُ تَرُدّ عَلَى زَيْنَبَ حَتَّى أَسْكَتَتْهَا. قَالَتْ: فَنَظَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى عَائِشَةَ وَقَالَ: «إِنَّهَا بِنْتُ أَبِي بَكرٍ». [انظر: ٢٥٧٤ - مسلم: ٢٤٤١ - فتح: ٥/ ٢٠٥]
قَالَ البُخَارِيُّ: الكَلَامُ الأخَيرُ قِصَّة فَاطِمَةَ يُذْكَرُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ. وَقَالَ أَبُو مَرْوَانَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عُرْوَةَ: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ. وَعَنْ هِشَامٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ مِنَ الَموَالِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الَحارِثِ بْنِ هِشَامٍ: قَالَتْ عَائِشَة: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ.
فيه حديث عائشة: كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمُ يَوْمِي. ثم ساقه بطوله، وفي آخره: عن هشام عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَجُلٍ مِنَ المَوَالِي، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ قال: قَالَتْ عَائِشَةُ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَاسْتَأْذَنَتْ فَاطِمَةُ.
وهذا أخرجه مسلم (١) عن حسن الحلواني وأبي بكر بن النضر (٢) وعبد بن حميد، ثلاثتهم: عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، [عن أبيه] (٣) عن صالح بن كيسان، عن محمد بن عبد الله بن قهزاذ، عن عبد الله بن عثمان، عن ابن المبارك، عن يونس، عن الزهري.

---------
(١) برقم (٢٤٤٢) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: فضل عائشة رضي الله عنها.
(٢) في الأصل: أبو بكر بن أبي النضر، وهو خطأ والمثبت هو الصواب كما في مسلم و«تحفة الأشراف» (١٧٥٩٠).
(٣) ساقطه من النسخ، وهي مثبتة من صحيح مسلم.



ولما رواه النسائي (١) من طريق يعقوب بن إبراهيم (٢) وشعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: وكذلك رواه موسى بن أعين، عن معمر، عن الزهري.
ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة.
ورواه يحيى بن صالح الوحاظي، عن إسحاق بن يحيى الكلبي، عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن عائشة ولم يتابع عليه.
ورواه ابن عيينة وزياد بن سعد، عن الزهري، عن علي بن الحسين مرسلًا.
قال الذهلي محمد بن يحيى: ورواه أبو مروان الغساني أيضًا عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، والصواب حديث الزهري، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عائشة (٣).
وقوله قبل ذلك: (وقال أبو مروان: عن هشام، عن عروة) أبو مروان اسمه يحيى بن أبي زكريا (٤) الغساني، وأصله من الشام نزل واسط (٥).

------------
(١) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٨١، ٢٨٢ (٨٨٩٢، ٨٨٩٣).
(٢) في المطبوع من «سنن النسائي الكبرى» ٥/ ٢٨١ وكذا في «التحفة» عن أبيه، أي: إبراهيم بن سعد عن صالح عن الزهري.
(٣) انظر: «تحفة الأشراف» ١٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (١٧٥٩٠).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: ضعفه أبو داود، توفي سنة ١٨٨ هـ.
(٥) روى عن: إسماعيل بن أبي خالد، وهشام بن عروة، ويونس بن عبيد.
روى عنه: أبو سفيان، أيوب بن أبي هند الحراني، ومحمد بن حرب النشائي.
قال أبو حاتم: شيخ، ليس بمشهور. وقال أبو عبيد الآجري عن أبي داود:
ضعيف. قال البخاري: مات سنة ثمان وثمانين ومائة، وقال محمد بن الوزير الواسطي: مات سنة تسعين ومئة.=



وهذا الحديث تقدم بعضه في الباب قبله، وفيه هنا زيادات، منها: أن نساءه كن حزبين.
وقوله في زينب: (فأغلظت، وقالت: إن نساءك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة). قيل: إنا ذلك على ما ظهر لها، ولا بأس أن يحابي بعض نسائه إذا لم ينقص من لوازم الباقيات شيئًا، وفيه إدلال زينب لقرابتها منه، ولأن الله أنكحها منه، كانت تقول لنسائه: كلكن زوجكن الأولياء، إلا أنا فإن الله زوجني إياه (١). وكانت بنت عمته، وكانت تسامي عائشة وقد سألها - ﷺ - حين قال أهل الإفك ما قالوا في عائشة فقالت: أحمي سمعي وبصري! ما علمت عليها إلا خيرًا. قالت عائشة: فعصمها الله بالورع (٢).
وفيه: أن الناس لم يكونوا يتحرون يوم عائشة بأمره.
وفيه: كما قال الداودي: عذره - ﷺ - لزينب. قال ابن التين: ولا أدري من أين أخذه.
وقوله: «إنها بنت أبي بكر» أي: يعلم مناقب مضر ومثالبها، ولما أمر حسان أن يهجو قريشًا. قال: «امض إلى أبي بكر فإنه أعلم مثالب العرب»، وكان من أعلم الناس، وكان أعلمهم به بعده جبير بن مطعم، تعلم من أبي بكر.

--------
= انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٢٤٧ (٢٩٧٥)، «الجرح والتعديل» ٩/ ١٤٦ (٦١٤)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٣١٤ - ٣١٥ (٦٨٢٨).
(١) سيأتي من حديث أنس برقم (٧٤٢٠) كتاب: التوحيد.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادات.



قال المهلب: وفيه من الفقه أنه ليس على الزوج حرج في إيثار بعض نسائه بالتحف والطرف من المأكل، وإنما يلزمه العدل في المبيت والمقام معهن، وإقامة نفقاتهن، وما لا بد منه من القوت والكسوة، وأما غير ذلك فلا.
وفيه: تحري الناس بالهدايا أوقات المسرة ومواضعها من المهدى إليه ليزيد بذلك في سروره.
وفيه: أن الرجل يسعه السكوت بين نسائه إذا تناظرن في ذلك، ولا يميل مع بعضهن علي بعض، كما سكت - عليه السلام - حين تناظرت زينب وعائشة، ولكن قال أخيرًا: «إنها بنت أبي بكر» ففيه إشارة إلى التفضيل بالشرف والفهم.


٩ - باب مَا لَا يُرَدُّ مِنَ الهَدِيَّةِ
٢٥٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ رضي الله عنه لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. قَالَ وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. [٥٩٢٩ - فتح: ٥/ ٢٠٩]
ذكر فيه حديث ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَنَاوَلَنِي طِيبًا، قَالَ: كَانَ أَنَسٌ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ. قَالَ: وَزَعَمَ أَنَسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يَرُدُّ الطِّيبَ.
ويأتي في اللباس أيضًا (١)، وأخرجه الترمذي في الاستئذان وصححه، والنسائي في الوليمة والزينة (٢).
الشرح:
الضمير في قوله: (دخلت عليه) على أنس؛ لأنه جده والراوي عنه، وإنما كان لا يرد الطيب لمناجاته الملك، كما كان لا يأكل الثوم وما شاكله، وكان مما حبب إليه من الدنيا حيث قال: «حبِّب إليَّ من دنياكلم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة» (٣) فكان أنس يتبع آثاره اقتداء به، وكذا ابن عمر في خضابه وإهلاله، ومسه الأركان اليمانية، والتحري في منازله، وكان أشبه الناس برسول الله - ﷺ - وأشبه

-----
(١) برقم (٥٩٢٩) باب: من لم يرد الطيب.
(٢) الترمذي (٢٧٨٩)، والنسائي ٨/ ١٨٩.
(٣) رواه من حديث أنس: أحمد ٣/ ١٢٧، محمد بن نصر في «تعظيم قدر الصلاة» (٣٢٢، ٣٢٣)، والنسائي ٧/ ٦١ - ٦٢، والحاكم ٢/ ١٦٠ وقال: صحيح على شرط مسلم، وقال الألباني في تعليقه في «المشكاة» (٥٢٦١): إسناده حسن.



ولده به سالم، وكذا كان ابن مسعود يتحرى الاقتداء بأفعاله، وكان علقمة أشبه الناس به وكان إبراهيم النخعي أشبه الناس بعلقمة. وقال - عليه السلام - في جعفر: «أشبهت خَلقي وخُلقي» (١).
وفي الحديث دلالة أن من الهدايا ما يرد لعلة إذا كان لذلك وجه، وأن الطيب لا وجه لرده؛ لأنه من المباحات المستحسنات.
فائدة:
في الترمذي، -وقال: غريب- من حديث ابن عمر مرفوعًا: «ثلاث لا ترد: الوسائد، والدهن، واللبن» (٢).

---------
(١) يأتي برقم (٤٢٥١) كتاب: المغازي، باب: عمرة القضاء.
(٢) برقم (٢٧٩٠)، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٢٤١).



١٠ - باب مَنْ رَأَى الهِبَةَ الغَائِبَةَ جَائِزَةً
٢٥٨٣ و٢٥٨٤ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا». فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا لَكَ. [انظر: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - فتح: ٥/ ٢٠٩]
فيه عن ابن شهاب قَالَ: ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ المِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَأثْنَي عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قد رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ» .. الحديث، وفي آخره: فَقَالَ النَّاسُ: قد طَيَّبْنَا لَكَ.
قال المهلب: هبة الشيء الغائب جائزة عند العلماء، ولا أعلم في ذلك خلافًا (١).
وفيه: أن للسلطان أن يدفع أملاك قوم إذا كان في ذلك مصلحة وائتلاف.

-------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٩٥.


١١ - باب المُكَافَأَةِ فِي الهدية (١)
٢٥٨٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا. لَمْ يَذْكُرْ وَكِيعٌ وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ. [فتح: ٥/ ٢١٠]
المكافأة: مهموز من قولك: كفأت فلانًا إذا قابلته (٢).
ذكر فيه حديث عيسى بن يونس، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَقْبَلُ الهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَليْهَا.
قال أبو عبد الله: لَمْ يَذْكُرْ وَكِيع وَمُحَاضِرٌ عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ.
الشرح:
هذا الحديث من أفراده، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث عيسى بن يونس (٣).
وقال البزار: لا نعلم أحدًا رواه عن أبيه عن عائشة إلا عيسى بن يونس. يعني: ذكر عائشة في الإسناد تفرد به عيسى.
ووقع في كتاب الطرقي أن أبا داود أخرجه من طريق عيسى وأبي إسحاق كلاهما عن هشام.
ثم قال: وذكر أبي إسحاق مع (أبي عيسى) (٤) لا أدري كيف هو.

-------
(١) كذا في الأصل، وفي بعض النسخ: الهبة.
(٢) «مجمل اللغة» لابن فارس ٢/ ٧٨٨ مادة: (كفي).
(٣) الترمذي (١٩٥٣)، وعبارته: حسن غريب صحيح من هذا الوجه ..
(٤) كذا في الأصل، وهو خطأ، والصواب عيسى.



وهو كما قال، والذي في أصول أبي داود عن عيسى بن يونس وهو ابن أبي إسحاق السبيعي (١)، فتنبَّه لذلك.
إذا تقرر ذلك فالمكافأة على الهبة مطلوبة؛ اقتداءً بالشارع، وعندنا لا يجب فيها ثواب مطلقًا، سواء وهب الأعلى للأسفل أو عكسه أو للمساوي (٢).
قال المهلب: والهدية ضربان: للمكافأة فهي بيع وجبر على دفع العوض. ولله وللصلة فلا يلزم عليها مكافأة، وإن فعل فقد أحسن.
واختلف العلماء فيمن وهب هبة ثم طلب ثوابها وقال: إنما أردت الثواب.
فقال مالك: ينظر فيه فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله ذلك، مثل هبة الفقير للغني والغلام لصاحبه والرجل لأميره ومن فوقه (٣). وهو أحد قولي الشافعي (٤).
وقال أبو حنيفة: لا يكون له ثواب إذا لم يشترطه (٥). وهو قول الشافعي الثاني، قال: والهبة للثواب باطل لا تنعقد؛ لأنها بيع بثمن مجهول (٦).
واحتج الكوفي بأن موضوع الهبة التبرع فلو أوجبنا فيها العوض لبطل معنى التبرع وصار في معنى المعاوضات، والعرب قد فرقت

--------
(١) «سنن أبي داود» (٣٥٣٦).
(٢) انظر: «التهذيب» للبغوي ٤/ ٥٢٩ - ٥٣٠.
(٣) انظر: «عيون المجالس» ٤/ ١٨٣٨.
(٤) انظر: «التهذيب» ٤/ ٥٣٠.
(٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٣٨.
(٦) انظر: «الأم» ٧/ ١٠٥.



بين لفظ البيع ولفظ الهبة، فجعلت لفظ البيع واقعًا على ما يستحق فيه العوض، والهبة بخلاف ذلك.
واحتُج لمالك بحديث الباب والاقتداء به واجب؛ قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وروى أحمد في «مسنده» وابن حبان في «صحيحه» من حديث ابن عباس أن أعرابيًا وهب للنبي - ﷺ - هبة فأثابه عليها وقال: «رضيت؟» قال: لا. فزاده قال: «رضيت؟» قال: لا. فزاده قال: «رضيت؟» قال: نعم. قال النبي - ﷺ -: «لقد هممت ألا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي» (١).
وعن أبي هريرة نحوه، رواه أبو داود والنسائي والترمذي، وقال: حسن. والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم (٢).
وهو دال على الثواب فيها (٣) وإن لم يشرطه؛ لأنه أثابه وزاده منه حتى بلغ رضاه.
احتج به من أوجبه، قال: ولو لم يكن واجبًا لم يشبه ولم يرده، ولو أثاب تطوعًا لم يلزمه الزيادة، وكان ينكر على الأعرابي طلبها.
قلت: طمع في مكارم أخلاقه وعادته في الإثابة.

--------
(١) أحمد ١/ ٢٩٥، وابن حبان ١٤/ ٢٩٦ (٦٣٨٤) كتاب: التاريخ، باب: ذكر إرادة المصطفي - ﷺ - ترك قبول الهدية إلا عن قبائل معروفة. وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٨: رجال أحمد رجال الصحيح.
(٢) رواه أبو داود (٣٥٣٧) كتاب: أبواب الإجارة، باب: في قبول الهدا يا، والترمذي (٣٩٤٥) كتاب: المناقب، باب: في ثقيف وبني حنيفة، والنسائي ٦/ ٢٧٩ - ٢٨٠، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٦٣، وصححه الألباني في «الصحيحة» برقم (١٦٨٤).
(٣) أي: في الهبة.



وأما قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ [النساء: ٨٦] فمحمول على الندب إن استدل به على كل هدية وهبة.
قالوا: وقد روي عن عمر وعلى أنهما قالا: إذا وهب الرجل هبةً ولم يُثب منها، فهو أحق بها (١). ولا مخالف لهما، قلت: وصححه الحاكم (٢).
وقال ابن التين: إذا شرط الثواب أجازه الجماعة إلا عبد الملك، وله عند الجماعة أن يردها ما لم تتغير إلا عبد الملك فألزمه الثواب بنفس القبول (٣)، وعبارة ابن الحاجب: فإذا صرح بالثواب فإن عَيّنه فبيع وإن لم يعيّنه. فصححه ابن القاسم ومنعه بعضهم للجهل بالثمن، قال: ولا يلزم الموهوب إلا قيمتها قائمة أو فائتة.
وقال مطرف: للواهب أن يأبى إن كانت قائمةً. وفي تعين الدنانير والدراهم.
ثالثها (٤) لابن القاسم: إلا الحطب والتِّبن وشِبْهَهُ وليس له الرجوع في الثواب بعد تعينه وإن لم يقبض (٥).

------
(١) رواهما عبد الرزاق ٩/ ١٠٦ - ١٠٧ (١٦٥٢٤، ١٦٥٢٦)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٢٤ (٢١٦٩٣، ٢١٦٩٦) موقوفًا عليهما.
(٢) الذي في «المستدرك» ٢/ ٥٢ عن ابن عمر مرفوعًا.
(٣) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ٩٨٧.
(٤) هكذا في الأصل، ولم ينقل المصنف النوعين الأولين من المصدر الذي نقل منه.
(٥) «جامع الأمهات» ص ٢٩٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #475  
قديم 02-05-2026, 08:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,058
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 311 الى صـــ 330
الحلقة (475)






١٢ - باب الهِبَةِ لِلْوَلَدِ
وَإِذَا أَعْطَى بَعْضَ وَلَدِهِ شَيْئًا لَمْ يَجُزْ، حَتَّى يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ وَيُعْطِيَ الآخَرِينَ مِثْلَهُ، وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ». [٢٥٨٧]
وَهَلْ لِلْوَالِدِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ؟ وَمَا يَأْكُلُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ بِالمَعْرُوفِ وَلَا يَتَعَدَّى؟ وَاشْتَرَى النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ عُمَرَ بَعِيرًا، ثُمَّ أَعْطَاهُ ابْنَ عُمَرَ، وَقَالَ: «اصْنَعْ بِهِ مَا شِئْتَ» [انظر:٢١١٥]

٢٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا. فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَارْجِعْهُ». [٢٥٨٧، ٢٦٥٠ - مسلم: ١٦٢٣ - فتح: ٥/ ٢١١]
ثم ساق حديث النعمان بن بشير أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى النبي - ﷺ - فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابني هذا غُلَامًا. فَقَالَ: «أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَارْجِعْهُ».
الشرح:
هذا التبويب منتزع من حديث النعمان بن بشير.
وقوله: ولا يشهد عليه. قال ابن بطال: معناه الرد لفعل الأب إذا فضّل بعض بنيه، وأنه لا يسع الشهود أن يشهدوا على ذلك إذا تبين لهم الميل من الأب كما لم يشهد الشارع على عطية بشير ابنه النعمان دون أخوته، وكان ذلك سُنّة من الشارعِ ألا يشهد على عطية


تبين فيها الجور (١).
قلت: هذا تأويل من منع، وهو الظاهر، ومن قال: خالف المستحب، أجاب بأنه قد أَذِن في الشهادة وقال: «أشهد على هذا غيري».
وقد يجاب بأنه من باب التهكم، وقد ذكره البخاري في كتاب: الشهادات، وقال فيه: «لا أشهد على جور» (٢).
وقوله: وقال النبي - ﷺ -: «اعدلوا بين أولادكم في العطية» قد أسنده في الباب بعده بدون لفظ العطية (٣).
وقوله: (وهل للوالد أن يرجع في عطيته)؟
قد أسند بعده قوله: فارجعه.
ومراده إذا جاز له ارتجاع هبته -كما في الحديث- جاز الأكل.
وهذا يدل على أن مذهبه الصحة، كما سيأتي.
وقوله: (وما يأكل من مال ولده). إلى آخره. هذا في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند الحاكم مرفوعًا (٤)، وحسنه الترمذي من حديث عائشة (٥).

----------
(١) ابن بطال ٧/ ١٠٣.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٥٠).
(٣) سيأتي برقم (٢٥٨٧) كتاب: الهبة، باب: الإشهاد في الهبة.
(٤) رواه الحاكم ٢/ ٤٦ - بغير هذا الإسناد- من طريق عمارة بن عمير، عن عمته، عن عائشة مرفوعًا، وقد تقدم تخريجه بهذا الإسناد في شرح حديث (٢٠٧٣ - ٢٠٧٥) وعزاه المصنف هناك لأبي داود.
(٥) «سنن الترمذي» (١٣٥٨). وهو حديث صحيح تقدم تخريجه في شرح حديث ٢٠٧٣ - ٢٠٧٥ وعزاه المصنف هناك للنسائي.



قال ابن المنير: جميع ما في هذِه الترجمة يظهر استخراجه من حديث النعمان إلا هذا (١).
ووجه مناسبة هذِه الزيادة أن الاعتصار انتزاع، وكأنه حقق معناه من الحديث ويُمَكّن الأب منه بالوفاق على أن له أن يأكل من ماله، فإذا انتزع ما يأكله من ماله الأصلي، ولم يتقدم له فيه ملك، فلأن ينتزع ما وهبه بحقه السابق فيه أولى، واشتراؤه من عمر البعير وإعطاؤه ابن عمر قد سلف قريبًا مسندًا (٢)، وهو دال على ما بوب به البخاري من التسوية بين الأبناء في الهبة لأنه - عليه السلام - لو سأل عمر أن يهب البعير لابنه عبد الله لم يكن عدلًا بين بني عمر، فلذلك اشتراه ووهبه لابنه عبد الله، ولو أشار على عمر ليهبه لابنه عبد الله لبادر إلى ذلك، وهذا من لطيف تبويبه، وإن كان يحتمل أنه - عليه السلام - اشتراه ثم بدا له بعد ذلك هبته لابن عمر، وفي ذلك إشارة إلى أنّ غير الأبّ لا يلزمه التسوية فيما يهبه بعض ولد الرجل كما يلزم الأب أو يستحب في ولده لما جبل الله النفوس عليه من الغضب عند أثرة الأباء بعض بنيهم دون بعض، ولو لزمت التسوية بين الأخوة من غير الأب كما لزمت من الأب لما وهب - عليه السلام - أحد بني عمر دون أخوته.
وحديث النعمان أخرجه مسلم أيضًا (٣).
وله ألفاظ منها: أعطاني عطية فقالت عمرة بنت رواحة: لا أرضى؛
حتى تُشهد رسول الله - ﷺ -. فأتاه فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطية، فأمرتني أن أشهدك. فقال: «أعطيت سائر ولدك مثل هذا؟» قال: لا.

----------
(١) «المتواري» ص ٢٧٧.
(٢) سلف برقم (٢١١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته.
(٣) مسلم (١٦٢٣) كتاب: الهبات، باب: كراهية تفضيل الأولاد في الهبة.



قال: «فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم» (١) قال: فرجع فرد عطيته.
وفي لفظ: «لا تشهدني على جور» (٢).
وفي لفظ سلف: «لا أشهد على جور» وقال أبو حريز، عن الشعبي: «لا، لا أشهد على جور» (٣).
ووصله ابن حبان من حديث الفضيل عنه (٤) -وهو ابن ميسرة كما بينه الطبراني (٥) - ولمسلم: «فأشهد على هذا غيري»، ثم قال: «أيسرك أن يكونوا لك في البر سواء» قال: بلى، قال: «فلا آذن» (٦). وفي لفظ: «ليس يصلح هذا» (٧). قال ابن عون: فحدثت به محمدًا فقال: إنما يحدثنا أنه قال: «قاربوا بين أبنائكم» (٨).
وفي لفظ لأبي داود أنه قال للغلام: «رده» (٩).
وله: «اعدلوا بين أبنائكم، أعدلوا بين أبنائكم» (١٠).
وله أنه تصدق عليه به (١١).

-----------
(١) هو الحديث التالي في الشرح.
(٢) يأتي برقم (٢٦٥٠) كتاب: الشهادات، باب: لا يشهد على شهادة جورٍ إذا أشهد.
(٣) التخريج السابق.
(٤) ابن حبان ١١/ ٥٠٦ (٥١٠٧) كتاب: الهبة.
(٥) الطبراني ٢٤/ ٣٣٨ (٨٤٥).
(٦) مسلم (١٦٢٣) (١٧) كتاب: الجهاد، باب: كراهية تفضيل بعض الأولاد.
(٧) مسلم (١٦٢٤) كتاب: الهبات، باب: كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة.
(٨) أحمد ٤/ ٢٧٨.
(٩) أبو داود (٣٥٤٣).
(١٠) أبو داود (٣٥٤٤).
(١١) النسائي ٦/ ٢٦١.



وله: «ألك ولد غيره» قال: نعم، فصف بيده بكفه أجمع كذا: «ألا سويت بينهم» (١)، وللنسائي: إني نحلت ابني غلامًا فإن شئت أن أنفذه أنفذته، قال: «لا، فاردده» (٢).
وللإسماعيلي في «صحيحه»: «هذا جور» وهَجَّنه.
وللبزار: «إن لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، كما أن لك عليهم من الحق أن يبروك» (٣).
وللطبراني: «لا أشهد على حيف».
وله: «اعدلو ابين أولادكم».
قالها ثلاثًا. ولعبد الرزاق في «مصنفه» عن ابن جريج: أنا ابن طاوس، عن أبيه أنه - عليه السلام - مر ببشير فقال له بشير: أشهد أني قد نحلت ابني هذا عبدًا أو أمة.
وفيه: «فإني لا أشهد إلا على الحق» (٤).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قال ابن حبان في «صحيحه»: تباين ألفاظ هذِه القصة يوهم تضاد الخبر وليس كذلك؛ لأن النحل من بشير لابنه كان في موضعين متباينين؛ وذلك أنه أول ما ولد أبتْ عمرة أن تربيه؛ حتى يجعل له حديقة ففعل، وأراد الإشهاد على ذلك، فقال - عليه السلام -: «لا تشهدني

--------
(١) النسائي ٦/ ٢٦٢.
(٢) النسائي ٦/ ٢٥٨ - ٢٥٩.
(٣) البزار في»البحر الزخار«٨/ ٢١٧ (٣٢٦٥).
(٤)»مصنف عبد الرزاق" ٩/ ٩٨ (١٦٤٩٦).



إلا على عدل، فإني لا أشهد على جور» على ما جاء في خبر أبي حريز فلما أتى على الصبي مدة. قالت عمرة لبشير: انحل ابني هذا فالتوى عليها سنة أو سنتين. على ما في خبر أبي حيان والمغيرة عن الشعبي فنحله غلامًا فلما جاء إلى رسول الله - ﷺ - ليشهده فقال: «لا تشهدني على جور».
قال: ويشبه أن يكون أبا النعمان قد نسي الحكم الأول وتوهم أنه قد نسخ وقوله ثانيًا: «لا تشهدني على جور» زيادة تأكيد في نفي جوازه.
والدليل على أن النحل في الغلام للنعمان كان ذلك وهو مترعرع أن في خبر عاصم عن الشعبي أنه - عليه السلام - قال له: «ما هذا الغلام الذي معك»
قال: أعطانيه أبي، فدلتك هذِه اللفظة أن هذا النحل الذي في خبر أبي حريز في الحديقة أن أمه امتنعت من تربيته عندما ولدته ضد قول من زعم أن أخبار المصطفي متضادة (١).
الثاني:
اختلف العلماء في الرجل ينحل ولده دون بعض على قولين:
أحدهما: لا يجوز ذلك، قال طاوس: لا يجوز ولا رغيفًا محرقًا (٢).
وهو قول عروة ومجاهد، وبه قال أحمد وإسحاق قال إسحاق: فإن فعل فالعطية باطلة وإن مات الناحل فهو ميراث بينهم (٣).
واحتجوا بحديث الباب وردِّه عطية النعمان وقال له: «اتقوا الله واعدلوا»، و«لا أشهد على جور»، و«إلا على الحق».

---------
(١) «صحيح ابن حبان» ١١/ ٥٠٧ (٥١٠٧).
(٢) انظر: «التمهيد» ٧/ ٢٢٩.
(٣) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٢٠، «المغني» ٨/ ٢٥٦، «المحلى» ٩/ ١٤٣.



قال ابن عبد البر: لا يجوز لأحد أن يفضل بعض ولده على بعض، فإن فعل لم ينفذ وفسخ (١)، وبه قال داود وأصحابه (٢). وقال الخرقي في «مختصره» عنه وإذا فاضل بعض ولده في العطية أمره برده كما فعل رسول الله - ﷺ - فإن مات ولم يرده فقد ثبت لمن وهب له إذا كان ذلك في صحته (٣)، وقال ابن حبان في «صحيحه»: لا يجوز (٤). وبسطه بسطًا شافيًا.
وثانيهما: الجواز، وهو الأشهر عن مالك، وبه قال الكوفيون والشافعي، وإن كانوا يستحبون التسوية بينهم، ذكرانًا كانوا أو إناثًا (٥).
وقال عطاء وطاوس: يجعل للذكر مثل حظ الأنثيين كقسمة الإرث (٦).
وهو قول شريح والثوري (٧) ومحمد بن الحسن (٨) وأحمد

--------
(١) «التمهيد» ٧/ ٢٢٦.
(٢) انظر: «المحلى» ٩/ ١٤٣.
(٣) «مختصر الخرقي» ص ٦٧.
(٤) «صحيح ابن حبان» ١١/ ٥٠٨ (٥١٠٧).
(٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٤٢ - ١٤٣، «الاستذكار» ٢٢/ ٢٩٣، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٢٠.
(٦) أما عطاء فنعم، انظر: «التمهيد» ٧/ ٢٣٤، «المغني» ٨/ ٢٥٩، «المحلى» ٩/ ١٤٣، وأما طاوس فقد ذكره ابن المنذر في «الإشراف» ٢/ ٢٢١، مع القائلين بالتسوية بين الذكر والأنثى، وكذلك ذكر عطاء.
(٧) أما شريح فنعم، انظر: «رءوس المسائل» ٢/ ٦٦٤، «المغني» ٨/ ٢٥٩، «المحلى» ٩/ ١٤٣، وأما الثوري فقد ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ٢٣٤، و«الاستذكار» ٢٢/ ٢٩٧، وابن المنذر في «الإشراف» ٢/ ٢٢١ مع القائلين بالتسوية بين الذكر والأنثى.
(٨) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٤٢.



وإسحاق (١)، وبعض المالكية (٢)، وبعض الشافعية (٣)، ومن حجة من منع أنه مؤدٍ إلى قطع الرحم والعقوق، فيجب أن يكون ممنوعًا؛ لأنه لا يجوز عليه - علية السلام - أن يحث على صلة الرحم ويجيز ما يؤدي إلى قطعها، قالوا: وكان النعمان وقت ما نحله أبوه صغيرًا، وكان أبوه قابضًا له؛ لصغره عنه، فلما قال: «اردده» بعدما كان في حكم ما قبض، دل على أن النحل لبعض ولده لا ينعقد ولا يملكه المنحول.
ومن حجة المجيز أن حديث النعمان لا دليل فيه على أنه كان حينئذٍ صغيرًا، ولعله كان كبيرًا ولم يكن قبضه.
وقوله: (فأشهد على هذا غيري) خلاف ما في الحديث الأول، وهذا قول لا يدل على فساد العقد الذي عقد للنعمان؛ لأنه - عليه السلام - قد يتوقى الشهادة على ما له أن يشهد عليه.
وقوله: (أشهد على هذا غيري) دليل على صحة العقد، وقد أمره - عليه السلام - بالتسوية بينهم؛ ليستووا جميعًا في البر، وليس في شيء من هذا فساد العقد على التفضيل، وكان كلامه - عليه السلام - على سبيل المشورة، وعلى ما ينبغي أن يفعل عليه إن آثر فعله، وكان - عليه السلام - إذا قسم شيئًا بين أهله سوى بينهم جميعًا وأعطى المملوك كما يعطي الحر، ليس ذلك على الوجوب، ولكن من باب الإحسان.
وقد روى معمر، عن الزهري، عن أنس قال: كان مع رسول الله - ﷺ - رجل فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، ثم جاءت ابنة له فأجلسها

----------
(١) انظر: «رؤوس المسائل» ٢/ ٦٦٤، «المغني» ٨/ ٢٥٩.
(٢) انظر: «إكمال المعلم» ٥/ ٣٤٩.
(٣) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١١/ ٦٦.



إلى جنبه قال: «هلا عدلت بينهما» (١) أفلا ترى رسول الله - ﷺ - أراد منه التعديل بين الابن والبنت، وألا يفضل أحدهما على الآخر.
فإن قلت فما الجواب عن قوله: «لا أشهد على جور». فإن ظاهره المنع.
قلت: جوابه: أنه ليس بأشد من قوله: «فارْجعه».
وهذا يدل أن العطية قد لزمت وخرجت عن يده، ولو لم تكن صحيحه لم يكن له أن يرتجع؛ لأنها ما مضت ولا صحت فيرتجع فأمره بذلك؛ لأن المستحب التسوية، ولما أجمعوا على أنه مالك لماله وأن له أن يعطيه من شاء من الناس، كذلك يجوز أن يعطيه من شاء من ولده.
والدليل على جواز ذلك أن الصديق نحل ابنته عائشة دون سائر ولده (٢)، ونحل عمر ابنه عاصمًا دون سائر ولده (٣)، ونحل عبد الرحمن ابن عوف ابنته (٤) أم كلثوم (٥) ولم ينحل غيرها.
وأبو بكر وعمر إماما هدى وعبد الرحمن ونحله ولم يكن في الصحابة من أنكر ذلك.

-----------
(١) رواه بإسناده ومعناه البزار كما في «كشف الأستار» (١٨٩٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٨٩ وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٥٦: رواه البزار فقال: حدثنا بعض أصحابنا ولم يسمه، وبقية رجاله ثقات.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ٤٦٨ - ٤٦٩.
(٣) ذكره الشافعي في «اختلاف الحديث» ص ١٧٨.
(٤) كذا في الأصل، وعلق عليها الناسخ لقوله: لعله من.
[أي: ابنته من أم كلثوم، وهو الصواب، كما سيأتي من كلام المصنف بعد قليل].
(٥) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٨٨، وفيه: أن عبد الرحمن فضَّل بني أم كلثوم بنحل.



وحجة من جعله كالفرائض قوله: «أكل ولدك نحلت مثل هذا» ولم يقل له: هل فضلت الذكر على الأنثى، ولو كان ذلك مستحبًّا لسأله عنه كما سأله عن التشريك في العطية، فثبت أن المعتبر عطية الكل على التسوية، وفي حديث: «سووا بين أولادكم في العطية فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضلت البنات» (١) لكنه لا يقاوم ظاهر ما في الصحيح فإن قلت: لم يكن لبشير بنت، فلذلك لم يسأله كما صرح به ابن إسحاق في «سيره».
قلت: قد كان له -أي النعمان- أخت لها خبر، كما نقله المحدثون (٢)، وأبعد من قال: يحتمل أن يكون أولاده كلهم ذكورًا.
وقال ابن حزم: ما سلف في التطوعات أعني: التسوية، وأما النفقات الواجبة فلا، وكذا الكسوة يعطي كل واحد بحسب حاجته، وينفق على فقيرهم دون غيرهم. قال: ولا يلزمه ما ذكرنا في ولد الولد ولا في أمهاتهم ولا نسائهم ولا رقيقهم، فإن كان له ولد، فأعطاهم ثم ولد له فعليه أن يعطيه كما أعطاهم، أو شاركهم فيما أعطاهم وإن تغيرت عين العطية ما لم يَمُت أحدهم فيصير ماله لغيره، فعلى الأب حينئذٍ أن يعطي هذا الولد كما أعطى غيره، فإن لم يفعل أعطي ما ترك أبوه من رأس ماله قبل ذلك، روي ذلك عن جمهور السلف.

---------
(١) رواه الطبراني ١١/ ٣٥٤، من حديث ابن عباس؛ قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٥٣: وفيه عبد الله بن صالح كاتب الليث. قال عبد الملك بن شعيب: ثقة مأمون ورفع من شأنه، وضعفه أحمد وغيره اهـ.
(٢) ورد في هامش الأصل: قال الذهبي في «تجريده»: أخت النعمان بن بشير لها صحبة وحديث في «السيرة» لابن إسحاق.



روى عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: أن سعد بن عبادة قسم ماله بين بنيه في حياته، فولد له بعد ما مات، فلقي عمر أبا بكر، فقال: ما نمت الليلة من أصل ابن سعد، هذا المولود لم يُترك له شيء. فقال أبو بكر: وأنا والله. فأتوا قيس ابن سعد فكلماه. فقال: أما شيء أمضاه سعد، فلا أرده، ولكن أُشْهِدُكُما أن نصيبي له (١).
قال ابن حزم: فقد زاده قيس على حقه، وإقرار أبي بكر ذلك دليل على صحة اعتدالها (٢).
قلت: ابن سيرين لم يولد إلا بعد وفاة أبي بكر وعمر وقرب وفاة عثمان، ولا ذَكَرَ له أحدٌ رواية عن قيس بن سعد؛ لاحتمال أن يكون سمع ذلك منه (٣).
قال (٤): وأخبرنا ابن جريج: أخبرني ابن أبي مليكة أن القاسم بن محمد أخبره أن أبا بكر قال لعائشة: إني (نحلتك) (٥) من خيبر، وإني أخاف أن أكون آثرتك على ولدي وإنك لم تحوزيه (فرديه) (٦) على
ولدي فقالت: يا أبتاه لو كانت لي خيبر بجدادها ذهبًا لرددتها (٧).

----------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ٨٩ (١٦٤٩٨)، ورواه الطبراني ١٨/ ٣٤٧، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ٢٢٥: رواه الطبراني من طرق رجالها كلها ثقات اهـ.
(٢) «المحلى» ٩/ ١٤٢ - ١٤٣.
(٣) قال إسماعيل بن علية: كنا نسمع أن ابن سيرين ولد في سنتين بقيما من إمارة عثمان.
انظر: «التاريخ الكبير» ١/ ٩١ (٢٥١)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٥٣ (٥٢٨٠).
(٤) يعني: عبد الرزاق.
(٥) في الأصل: (نحلتكم)، والمثبت من «المصنف».
(٦) في الأصل: (فرديه فردته)، والمثبت من «المصنف».
(٧) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٠١ (١٦٥٠٨).



قال ابن حزم: فهؤلاء أبو بكر وعمر (وعثمان) (١) وقيس بن سعد وعائشة فعلوا ذلك بحضرة الصحابة أجمعين ولا يعرف لهم منهم مخالف، وقاله مجاهد وطاوس وعطاء وعروة وابن جريج وإبراهيم والشعبي وشريح وعبد الله بن شداد بن الهاد وابن شبرمة والثوري وجميع أصحابنا.
قال: وروينا الإجازة عن القاسم وربيعة وغيرهما، وكرهه أبو حنيفة، وأجازه إن وقع.
وذكروا من طريق ابن لهيعة عن بكير بن الأشج، عن نافع، عن ابن عمر أنه قطع ثلاثة أرؤس أو أربعة لبعض ولده دون بعض.
قال بكير: وحدثني القاسم أنه كان مع ابن عمر إذ اشترى لرجل من الأنصار (٢)، ثم قال له ابن عمر: هذِه الأرض لابْني واقد، فإنه مسكين نحله إياها دون ولده.
قال ابن وهب: بلغني عن عمرو بن دينار أن عبد الرحمن بن عوف نحل ابنته من أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أربعة آلاف درهم، وله ولد من غيرها.
وذكروا ما روينا عن ابن وهب عن سعيد بن أبي أيوب، عن بشير بن أبي سعيد، عن (محمد بن المنكدر) (٣) أن رسول الله - ﷺ - قال: «كل ذي مال أحق بماله» (٤)، وتعللوا في حديث النعمان أن أباه وهبه جميع ماله، وهو غير جيد لما أسلفناه.

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: ولم يذكر عثمان في كتابه.
(٢) الذي وقع في «المحلى» ٩/ ١٤٤، و«السنن الكبرى» للبيهقي ٦/ ١٧٨: أرضًا من رجل من الأنصار.
(٣) ووقع في «السنن الكبرى» ٦/ ١٧٨: عمر بن المنكدر.
(٤) «المحلى» ٩/ ١٤٣ - ١٤٤.



وقوله: (أشهد على هذا غيري) يريد الوعيد لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ ليس على إباحة الشهادة على الجور والباطل لكن كما قال تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وحاشا له - ﷺ - أن يبيح لأحد الشهادة على ما يخبر هو أنه جور أو أن يمضيه ولا يرده.
الثالث:
في قوله - عليه السلام -: «اردده» أن للأب الرجوع فيما وهب لولده وفيه قولان لأهل العلم:
أحدهما: نعم. قال مالك: له ذلك وإن أقبضها الولد ما لم تتغير في يد ولده أو يستحدث دينًا أو تتزوج البنت بعد الهبة (١). وقال الشافعي: له الرجوع مطلقًا (٢)، ولم يعتبر طروء دين أو تزويجًا.
وثانيهما: لا، وبه قال أبو حنيفة (٣)، وحديث النعمان حجة عليه؛ لأنه - عليه السلام - أمره بالرجوع فيما وهب لابنه.
فإن قلتَ: لم يكن قبضها النعمان، فلذلك جاز الرجوع فيها.
قلتُ: هي تلزم عند مالك بالقول ولا يفتقر في صحتها إلى القبض، ولو كان الحكم فيها يختلف بين أن تكون مقبوضة أو غير مقبوضة لاستعلم الشارع الحال، وفضل بينهما.
وأيضًا فإن مجيئه له يُشْهِدُهُ يدل على أنه كان أقبضه، ولو كان لم يقبضه لما كان لقوله: «ارْجعه» معنى؛ لأنه عندكم قبل القبض لا يلزمه

--------
(١) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٣٧.
(٢) انظر: «مختصر المزني» ٣/ ١٢٢.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٥٣.



شيء رجع فيه، وليس لقوله حكم، حجة مالك أنه لا يرجع إذا استحدث ابنه دينًا؛ لأن حق الغرماء قد وجب في مال الآبن؛ لأنهم إنما داينوه على ماله، فليس للأب أن يتلف حقوق غرماء ابنه، وكذلك البنت إنما تزوجت بمالها؛ لأن الزوج له معونة فيه وجمال في مال زوجته، وقد قال - عليه السلام -: «تنكح المرأة لمالها» (١) فليس للأب أن يبطل ما وجب للزوج من الحقوق في مال زوجته بأن يأخذ ذلك منها، وليس لغير الأب الرجوع عند مالك. وأكثر أهل المدينة، إلا أن عندهم أن الأم لها الرجوع أيضًا فيما وهبت لولدها إذا كان أبوهم حيًّا، هذا هو الأشهر عن مالك، وروي عنه المنع ولا يجوز عند أهل المدينة أن ترجع الأم ما وهبت ليتيم من ولدها؛ لأن الهبة لليتيم على وجه القربة لله فهي بمنزلة الصدقة عليه، ولا يجوز الرجوع في الصدقة؛ لأنها شيء لله كما لا يجوز الرجوع في العتق والوقف وأشباهه (٢).
وهذا فيه اضطراب عندنا في الترجيح.
وعندنا لا رجوع إلا للأصول أبًا كان أو أمًّا أو جدًا (٣)، وعن ابن وهب: إلحاق الجد بالأب (٤).

-----------
(١) قطعة من حديث سيأتي برقم (٥٠٩٠) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ورواه مسلم (١٤٦٦) كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.
(٢) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ٢٩٧ - ٢٩٨ بتصرف.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ٥/ ٣٧٩.
(٤) لم أقف على هذا القول لابن وهب، بل روى ابن وهب عن مالك في هذِه المسألة: لا يعتصر، ولا تلزمه النفقة اهـ.
وروى أشهب عن مالك، أن الجد والجدة يعتصران كالأبوين اهـ.
انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٩٢، «المنتقى» ٦/ ١١٧.



وعند الكوفي: لا يرجع فيما وهبه لكل ذي رحم محرم بالنسب كالابن والأخ والأخت والعم والعمة وكل من لو كان امرأة لم يحل له أن يتزوجها؛ لأجل النسب (١).
وقد أسلفنا أنه لا رجوع فيها، وبه قال الحسن وطاوس وأحمد وأبو ثور (٢)، وقال مالك: يجوز الرجوع مطلقًا وهب لذي رحم أو غيره، ولا يرجع فيها وهب لله أو لصلة الرحم (٣).
وسيأتي إيضاح ذلك في آخر باب: هبة الرجل لامرأته (٤).
تنبيهات:
أحدها: قول البخاري في الباب: (لم يجز حتى يعدل بينهم) ظاهر في نفي الجواز.
وقال ابن التين: يصح أن يقال: مراده أن يفسخ إن وقع، مثل قول عروة وطاوس وسفيان ومن سلف، وقاله مالك مرة: إن كانت الهبة كل ماله ويصح حمله على الكراهة.
قلت: ويؤيده ما ذكره بعد من قوله في أكله من مال ولده.
ثانيها: سأل أشهب مالكًا عن هذا الحديث فقال: ذلك في رأيي؛ لأنه كان ماله كله (٥). قيل له: أفيرد؛ قال: إن ذلك ليقال ولقد قضى به بالمدينة فأما إذا كان البعض وأبقى البعض فلا بأس.

-----------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٥٢.
(٢) انظر: «رءوس المسائل» ٢/ ٦٦٥، «المحلى» ٩/ ١٤٣.
(٣) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ٢٩٨.
(٤) الباب التالي برقم (١٤).
(٥) انظر: «النوادر» ١٢/ ٢١٠، «الاستذكار» ٢٢/ ٢٩٣



وقد نحل أبو بكر عائشة جادّ عشرين وسقًا وقال فيه عمر وعثمان ما قالا (١)، فلو كان الحديث على البعض ماجهله أبو بكر وعمر وعثمان، وقال سحنون مثله، وعارض بعضهم هذا وقال: هذا غير حسن لقوله: «أكل ولدك نحلته مثل هذا» (٢).
فجعل الرد لعدم المساواة والفضل عن عطية أبي بكر عائشة بأنه كان أعطى إخوتها مثلها، أو أنه خصوص لها لمحبة الشارع لها، وأن إخوتها يرضون بذلك، أو حمل عروة الحديث على هذا وقال: لا يجوز بعض ماله أو كله.
ثالثها: أوَّل ابن القصار: «أشهد على هذا غيري». بأنه أمر بالتوثقة في العطية؛ لأنه هو الإمام ولا يحكم بعلمه وهذا على مذهبه في ذلك.
والجور: هو الميل، من قولهم جار السهم إذا مال. فأخبر أنه ميل إلى المعطي ولم يرد أنه ظلم.
رابعها: مشهور مذهب مالك كما قال ابن التين أن اليسير يجوز (٣).
قال ابن القاسم: وأخشى عليه الإثم.
ووقع لمالك في «العتبية» إن أخرج البنات من حبسه إن تزوجن، فالحبس باطل (٤).
وقال ابن شعبان: إن من أخرج البنات بطل وقفه (٥)، فقال بعضهم: هذا من مالك أخذ بحديث النعمان.

----------
(١) تقدم تخريجه قريبًا.
(٢) انظر: «المنتقى» ٦/ ٩٢ - ٩٣.
(٣) انظر: «المعونة» ٢/ ٥٠٥، «الكافي» لابن عبد البر ص ٥٣٠.
(٤) انظر: «النوارد والزيادات» ١٢/ ٨.
(٥) انظر: «المنتقى» ٦/ ١٢٣.



وحمله على الوجوب والصدقة كالحبس، فإن تصدق بكل ماله على أحد بنيه فقال مالك: لا أراه جائزًا (١).
قال ابن شعبان: ويرد.
قال ابن المواز: ويذكر عن ابن القاسم أن من تصدق بماله كله على بعض ولده، وتبين أنه حيف وفرار من كتاب الله يرد ذلك في حياته وبعد موته وقال أصبغ: إذا جيز ذلك جاز على كل حال.
وقد اجتمع أمر القضاة والفقهاء على هذا، وحَرَجُهُ بينه وبين الله قال محمد: صواب.
وقال ابن القاسم: إنه مكروه وعليه البغاددة (٢).
قال ابن الجلاب: إلا أن يكون ماله يسيرًا.
وحكى الداودي عن ابن القاسم أنه يرتجعه ما لم يمت فيمضي.
وفي «المختصر الكبير»: وقيل إن الرجل إذا تصدق بالدار على بعض ولده وهي جل ماله فلا بأس، وغيره أحسن منه (٣).
خامسها: النحل: العطاء، من غير عوض وكذلك النحلة، قيل النحلة: ما طابت به النفس، ولا يكون ما أكرهت عليه نحلة، قال الداودي: ناظرت بعض أصحابنا ممن تصدق ببعض ماله على أحد ولده قال: هو جائز.
قلت: بحديث النعمان فقال لي: أجمعوا على خلافه.

---------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢١٠.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢١٠ - ٢١١.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢١٠.



فذكرت له قول عروة فقال: إنما في الحديث أنه نحله، قلت له: فقد ذكر العلة التي (رد ما فعله) (١)، ولم يكن ينهي عن فعل الخير فسكت وقال: هذا مما أتوقف عن القول فيه؛ للأثر (ولمطابقة) (٢) أصحابنا على جوازه لغير أثر يخالفه.
وقال سحنون: من أعطى جميع ماله لولد أو غيره لم يجز فعله (٣)؛ لأنه - عليه السلام - لم يقبل من أحد ذلك إلا من أبي بكر نفسه.
قلت: حمله أصحابنا على أن من قوي توكله وصبره على الضير والإضاقة يلحق به (٤).

---------
(١) كذا بالأصل.
(٢) كذا بالأصل، ولعل الصواب: ولإطباق.
(٣) انظر: «المنتقى» ٦/ ٩٣.
(٤) ورد بهامش الأصل: آخر ٩ من ٨ من تجزئه المصنف.
ورد هامش آخر نصه: ثم بلغ في السادس بعد السبعين كتبه مؤلفه.



١٣ - باب الإِشْهَادِ فِي الهِبَةِ
٢٥٨٧ - حَدَّثَنَا حَامِدُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ يَقُولُ: أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً، فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -. فَأَتَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً، فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «أَعْطَيْتَ سَائِرَ وَلَدِكَ مِثْلَ هَذَا؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ». قَالَ: فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. [انظر: ٢٥٨٦ - مسلم: ١٦٢٣ - فتح: ٥/ ٢١١]
ذكر فيه حديث النعمان المذكور، ولا شك أن الإشهاد ليس من شرط صحة الهبة والصدقة، وإنما هو ليعلم عزيمة المتصدق على إنفاذ ما تصدق به أو وهب، ولو أن رجلًا تصدق على أحد بشيء، وجوزه المتصدق عليه دون إشهاد، ووافق ورثته، فقد بلغت محلها، وإن كان لم يشهد عليها في الأصل عند مالك وأصحابه (١).
والإشهاد فيها كالإشهاد في البيع والعتق للتوثقة.
وفيه: أن الإمام إذا عرف من الواهب هروبًا من بعض الورثة أن يرد ذلك؛ لأن قوله: فأمرتني أن أشهدك وأنها لم ترض حتى يشهد رسول الله - ﷺ - دليل على هروبه من ماله عن سائر بنيه؛ لأن في بعض طرقه: «لا أشهد على جور» (٢). كما مضى، وكان معروفًا بالميل إلى تلك المرأة.

--------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٤.
(٢) سبق تخريجه.



١٤ - باب هِبَةِ الرَّجُلِ لاِمْرَأَتِهِ وَالمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا
قَالَ إِبْرَاهِيمُ: جَائِزَةٌ. وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ: لَا يَرْجِعَانِ. وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - نِسَاءَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِيمَنْ قَالَ لاِمْرَأَتِهِ: هَبِى لِي بَعْضَ صَدَاقِكِ أَوْ كُلَّهُ. ثُمَّ لَمْ يَمْكُثْ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ فِيهِ، قَالَ يَرُدُّ إِلَيْهَا إِنْ كَانَ خَلَبَهَا، وَإِنْ كَانَتْ أَعْطَتْهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ لَيْسَ فِي شَىْءٍ مِنْ أَمْرِهِ خَدِيعَةٌ جَازَ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤].

٢٥٨٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَاشْتَدَّ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، فَخَرَجَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ، تَخُطُّ رِجْلَاهُ الأَرْضَ، وَكَانَ بَيْنَ العَبَّاسِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ آخَرَ. فَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَذَكَرْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ، فَقَالَ لِي: وَهَلْ تَدْرِي مَنِ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ تُسَمِّ عَائِشَةُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.

٢٥٨٩ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ». [فتح ٥/ ٢١٦]
ثم ساق حديث عائشة لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ - ﷺ - واشتد وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ، .. الحديث.
وحديث ابن عباس قال: قال النَّبِيُّ - ﷺ -: «العَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ».



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #476  
قديم 02-05-2026, 08:53 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,058
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 331 الى صـــ 350
الحلقة (476)






الشرح:
تعليق إبراهيم ذكره عبد الرزاق عن الثوري عن منصور عنه (١)، والطحاوي: وليس لواحد منهما أن يرجع في هبته (٢).
والثاني: أخرجه عبد الرزاق أيضًا، عن الثوري، عن عبد الرحمن بن زياد عنه (٣)، وبه قال عطاء وربيعة فيما ذكره ابن المنذر (٤).
والتعليق الأول: أسنده في الباب، وسلف مسندًا في الطهارة أيضًا (٥).
والثاني: أسنده في الباب، وقد أخرجه مسلم والأربعة (٦)، وعنده أيضًا فيما سلف عن عمر أنه - ﷺ - قال له: «لا تعد في صدقتك؛ فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه» (٧).
ولعبد الرزاق من حديث ابن سيرين، أنه كان تصدق بفرس أو جمل فوجد بعض نتاجها يباع فسأل رسول الله - ﷺ - فقال: «دعها حتى يلقاها وولدها» (٨)، ولابن ماجه من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «مثل الذي يعود في عطائه كمثل الكلب يأكل حتى إذا شبع قام إلى قيئه فأكله» (٩).

--------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٣ (١٦٥٥٥).
(٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٨٤.
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١١ (١٦٥٤٦).
(٤) «الإشراف» ٢/ ٢٢١.
(٥) برقم (١٩٨) كتاب: الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب ..
(٦) مسلم (١٦٢٢) كتاب: الهبات، باب: تحريم الرجوع في الصدقة والهبة، وأبو داود (٣٥٣٨)، والترمذي (١٢٩٨)، والنسائي ٦/ ٢٦٧، وابن ماجه (٢٣٨٥)، من حديث ابن عباس.
(٧) سلف برقم (١٤٩٠).
(٨) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٧ (١٦٥٧٣).
(٩) ابن ماجه (٢٣٨٤) وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٩٣١).



وللأربعة من حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: «لا يحل لرجلٍ أنْ يُعطي عطيةً أو يهب هبةً فيرجع فيها إلا الوالد فيما يُعطي ولده، ومثل الذي يعطي الهدية ثم يرجعُ فيها كمثل الكلبِ أكل حتى إذا شبع قاءَ ثم عادَ في قَيْئه» (١). وصححه الترمذي وابن حبان (٢) والحاكم (٣) وغيرهم.
واختلف العلماء في المراد بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ هل هو للأزواج عند من جعله للأزواج أو الأولياء عند من رآه لهم.
والهنيء: ما أعقب نفعًا وشفاء، ومنه هنأ البعير لشفائه.
قال ابن عباس: إذا كان من غير إضرار ولا خديعة (٤).
وعن قتادة: ما طابت به نفسها من غير كره ولا هوان (٥).
إذا تقرر ذلك؛ فاختلف العلماء في الزوجين يهب كل واحد منهما لصاحبه: فقال جمهور العلماء: ليس لواحد منهما أن يرجع فيما يعطيه الآخر.
هذا قول عمر بن عبد العزيز والنخعي وعطاء (٦) وربيعة، وبه قال مالك والليث والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور (٧).

--------
(١) أبو داود (٣٥٣٩)، الترمذي (٢١٣٢)، والنسائي ٦/ ٢٦٦، وابن ماجه (٢٣٧٧).
(٢) «صحيح ابن حبان» ١١/ ٥٢٤ (٥١٢٣).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٤٦. وقال: صحيح الإسناد.
(٤) رواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٢/ ٢١٢، الطبري ٣/ ٥٨٤ (٨٥١٩)، وابن أبي حاتم ٣/ ٨٦٢ (٤٧٨٠).
(٥) رواه الطبري ٣/ ٥٨٥ (٨٥٢٣)، وابن أبي حاتم ٣/ ٨٦١ (٤٧٧٤).
(٦) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٣ (١٦٥٥٤، ١٦٥٥٥، ١٦٥٥٦).
(٧) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧٧ - ٨٤، «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٥، «الإشراف» ٢/ ٢٢١.



وفيه قول ثانٍ: أن لها الرجوع دونه، روي عن شريح (١) والشعبي والزهري قال: وعليه عمل القضاة (٢).
وروى عبد الرزاق، عن الثوري، عن سليمان الشيباني قال: كتب عمر: إن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ترجع رجعت (٣).
والقول الأول أحسن؛ للآية المذكورة.
وروي عن علي أنه قال: إذا اشتكى أحدكم فليسأل امرأته ثلاثة دراهم ويشتري بها عسلًا ويأخذ من ماء السماء فيتداوى به فيجمع هنيئًا مريئًا (٤) وماءً مباركًا (٥).
فلو كان لهن فيه رجوع لم يكن هنيئًا مريئًا؛ ألا ترى ما وهبه أمهات المؤمنين له من أيامهن ولياليهن وأنه يمرض في بيت عائشة، لم يكن لهن فيه رجوع؛ لأنه كان عن طيب نفس منهن لا عن عوض.
فرع: لها أن تهب يومها لضرتها؛ لأنه حقها، لكن بشرط رضي الزوج؛ لأن له حقًّا في الواهبة، ولا يجوز أن تأخذ على هذِه عوضًا، ويجوز أن تهبها للزوج فيجعلها لمن شاء.
وقيل: يلزمه التوزيع على الباقيات، ويجعل الواهبة كالمعدومة.
والأول أصح، وللواهبة الرجوع متى شاءت في المستقبل دون الماضي.

---------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٤ (١٦٥٥٨).
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٤ (١٦٥٥٩).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٥ (١٦٥٦٢).
(٤) ورد بهامش الأصل ما نصه: لعله سقط (وشفاءً).
(٥) «مصنف أبي شيبة» ٥/ ٥٨ - ٥٩ (٢٣٦٧٧).



واختلفوا فيما إذا وهب أحد الزوجين لصاحبه هل يحتاج إلى حيازة وقبض: فقال ابن أبي ليلى والحسن البصري: الهبة جائزة وإن لم يقبضها (١).
وقال النخعي وقتادة: ليس بين الزوجين حيازة (٢).
وقال ابن سيرين وشريح ومسروق والشعبي: لا بد في ذلك من القبض (٣).
وهو قول الثوري والكوفيين والشافعي (٤)، ورواية أشهب عن مالك: قال مالك: إن ما وهبه الرجل لامرأته والمرأة لزوجها وهو في أيديهما كما كان أنه حوز ضعيف لا يصح (٥).
وعنه من رواية ابن القاسم في «العتبية»: في الرجل يهب لامرأته خادمًا ولا يخرجها عن البيت الذي هما فيه، ويهبها دار سكناهما أو تهب له، أن ذلك جائز للمرأة (٦).
وروى عيسى، عن ابن القاسم: في الرجل يهب لامرأته دار سكناهما ثم يسكنان بعد ذلك فيها، أو المرأة تفعل مثل ذلك يفرق بينهما.
وقال: إذا كان الزوج الواهب فالصدقة غير تامة؛ لأن عليه أن يسكن

-------
(١) أما أثر ابن أبي ليلى فرواه عبد الرزاق ٩/ ١١٦ (١٦٥٧١)، وأما أثر الحسن فذكره ابن بطال ٧/ ١٠٦.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١٦ (١٦٥٦٨، ١٦٥٦٩).
(٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٦.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٣٧، «الإشراف» ٢/ ٢٢٣.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٨١.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٨٠.



زوجته مكانة هو يسكنها، وإذا كانت المرأة الواهبة فالصدقة جائزة؛ لأنه يسكن ما يحوزه لنفسه (١).
واختلفوا أيضًا في تأويل قوله: «العائد في هبته». كما قال ابن
العربي: فمنهم من حمله على التحريم، منهم قتادة وقال: أكل القيء حرام، ومنهم من حمله على الكراهة؛ لأن المثل مضروب بالكلب ولا يتعلق به تحريم، ولكنه أمر إذا عاينه أحد من الناس استقبحه من غير تحريم، كذلك إذا عاد في الهبة كان مستقبحًا (٢).
قال ابن التين: وهذا إذا قبلها المعطي، فإن لم يقبل رجعت إليه من غير كراهة.
وقد رد الشارع على الصعب بن جثامة هديته (٣)، وردَّ علي أبي جهم خميصته (٤).
خاتمة:
في «مصنف عبد الرزاق» وابن أبي شيبة: من وهب هبة لذي رحم فهي جائزة، ومن وهب هبة لغير ذي رحم فهو أحق بها ما لم يُثب منها قاله عمر (٥).

-------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٨١.
(٢) «عارضة الأحوذي» ٦/ ٣٢.
(٣) سلف من حديثه برقم (١٨٢٥) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا حيًّا وحشيًّا لم يقبل.
وسيأتي قريبا جدًّا برقم (٢٥٩٦) باب من لم يقبل الهدية بعلة.
(٤) سلف من حديث عائشة (٣٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام ونظر إلى علمها.
(٥) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٠٦ (١٦٥٢٤)، و«مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٤ (٢١٦٩٣).



قال الحاكم: هو صحيح على شرطهما ولم يخرجاه إلا أن يكون الحمل فيه على شيخنا إسحاق بن محمد الهاشمي (١)، ورفعه الدارقطني برجال ثقات ثم ادعى وهمه وأن الصواب وقفه، ورواه أيضًا من حديث أبي هريرة وابن عباس، وفي سندهما ضعف (٢)، وفي «المصنف» قال فضالة بن عبيد: إنما يرجع في المواهب النساء وشرار الأقوام (٣).
وعن علي: الرجل أحق بهبته ما لم يثب منها (٤).
وقال ابن عمر: هو أحق بها ما لم يرض منها (٥).
وفي لفظ: من وهب هبة لوجه الثواب فلا بأس أن يرد (٦).
وقال ابن المسيب: من وهب هبة بغير ذي رحم فله أن يرجع ما لم يثب (٧).
وقال الشعبي: هو أحق بها ما دامت في يده فإذا أعطاها فقد جازت (٨).
وقال سفيان بن سعيد: لا رجوع إلا عند القاضي (٩).

----------
(١) «المستدرك» ٢/ ٥٢، والذي فيه مرفوع من حديث ابن عمر.
(٢) «سنن الدارقطني» ٣/ ٤٣ - ٤٤.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٤ (٢١٦٩٤).
(٤) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٠٧ (١٦٥٢٦١)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٤ - ٤٢٥ (٢١٦٩٦).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٢١٦٩٨).
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٩٧٠٠)، «المحلى» ٩/ ١٢٩.
(٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٢١٧٠١)، «المحلى» ٩/ ١٢٧.
(٨) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٥ (٢١٧٠٢).
(٩) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١١ (١٦٥٤٦)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٣ (٢٣٢٥١).



وقال ابن أبي ليلى: يرجع دون القاضي (١).
وقال عمر بن عبد العزيز: يرجع علانية دون سرٍّ (٢).
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الهبة إن كانت لأجنبي فله الرجوع فيها إلا أن يعوضه عنها، أو يزيده زيادة متصلة، أو يموت أحدهما، أو تخرج الهبة من ملك الموهوب له، وإن كان لذي رحم محرم منه فلا رجوع فيها وكذا ما وهبه أحد الزوجين للآخر (٣)، وفي الدارقطني من حديث الحسن، عن سمرة مرفوعًا: «إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع فيها» (٤). قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري (٥) أي: في أنه سمع منه، كما نقله البخاري في «تاريخه الكبير» عن علي بن المديني، وأنه أخذ بحديثه عنه.
وسيأتي في «صحيحه» بإسناده إلى حبيب بن الشهيد قال: أمرني ابن سيرين أن أسأل الحسن ممن سمع حديث العقيقة؟ قال: من سمرة بن جندب (٦).
وأوَّل الحنفيةُ حديثَ: «لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب إلا الوالد فيما وهب لولده» (٧). فإنه قد ورد هذا اللفظ في السنة، ولم يرد التحريم كقوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» (٨) ولم يكن معناه

----------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٣ (٢٣٢٥١).
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١١١ (١٦٥٤٥).
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٣٨ - ١٣٩، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٥٢.
(٤) «السنن» ٣/ ٤٤.
(٥) «المستدرك» ٢/ ٥٢.
(٦) برقم (٥٤٧٢) كتاب: العقيقة، باب: إماطة الأذى عن الصبي.
(٧) تقدم تخريجه آنفًا.
(٨) رواه النسائي ٥/ ٩٩، وابن ماجه (١٨٣٩)، وأحمد ٢/ ٣٨٩، وابن حبان ٨/ ٨٤ (٣٢٩٠)، وصححه المصنف في «البدر المنير» ٧/ ٣٦٢ من حديث أبي هريرة.



حرمتها عليه كالأغنياء، ولكنها لا تحل من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة والزمانة، فإن الزمانة لا تشترط مع الفقر.
وهذا الحديث وصفَ فيه ذلك الرجوع أنه لا يحل؛ تغليظًا للكراهة كي لا يكون أحد من أمته له مثل السوء، يعني: لا يحل له كما تحل له الأشياء التي قد أحلها الله لعباده، ولم يجعل لمن فعل فعلًا، مثلًا كمثل السوء.
ثم استثنى من ذلك ما وهب الوالد لولده، فذلك على إباحته للوالد أن يأخذ ما وهب؛ لأنه في وقت حاجة إلى ذلك وفقره إليه؛ لأن ما يجب للوالد من ذلك ليس يفعل بفعله، فيكون من ذلك رجوعًا منه، يكون مثله كمثل الكلب الراجع في قيئه، ولكنه شيء أوجبه الله؛ لفقره، كما روي أن رجلًا وهب لأمه حديقة ثم ماتت من غير وارث غيره فقال له - عليه السلام -: «وجبت صدقتك ورجعت إليك حديقتك» (١)، ألا ترى أنه - عليه السلام - قد أباح للمصدق صدقته لما رجعت إليه بالميراث ومنع عمر من ابتياع صدقته.
فثبت بهذين الحديثين إباحة الصدقة الراجعة إلى المصدق بفعل الله تعالى وكراهة الصدقة الراجعة إليه بفعل نفسه، وكذلك وجوب النفقة للأب في مال الابن بحاجته وفقره وجبت بإيجاب الله تعالى إياها، فأباح الشارع ارتجاع هبته وإنفاقها على نفسه، كما رجع إليه بالميراث، لا كما رجع إليه بالابتياع (٢).

-----------
(١) رواه ابن ماجه (٢٣٩٥)، وأحمد ٢/ ١٨٥ وحسنه الألباني في «الصحيحة» (٢٤٠٩).
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧٩ - ٨٠.



فائدة أخرى:
قول الزهري: إن كان خلبها. أي: خدعها، فإذا وقع ذلك فعندما أعطته طلقها. قال بعضهم: إن ادعت المرأة أنه خدعها أو ضربها حتى أعطته، صدقت ورجعت في عطيتها.
وقال الداودي: وبه كان بعضهم يقول، وقالت فرقة: عليها البينة أنه ضربها أو خدعها.
وهو قول مالك وأصحابه، وقال الشافعي: لا ترد شيئًا إذا خالعها وهو يضربها.
واحتج الزهري بالآية المذكورة، وهي أصل في جواز الخلع، وكذلك قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩].


١٥ - باب هِبَةِ المَرْأَةِ لِغَيْرِ زَوْجِهَا
وَعِتْقُهَا إِذَا كَانَ لَهَا زَوْجٌ فَهْوَ جَائِزٌ، إِذَا لَمْ تَكُنْ سَفِيهَةً، فَإِذَا كَانَتْ سَفِيهَةً لَمْ يَجُزْ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥].

٢٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَسْمَاءَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، فَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: «تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَي عَلَيْكِ». [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٥/ ٢١٧]

٢٥٩١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «أَنْفِقِي، وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِيَ اللهُ عَلَيْكِ، وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللهُ عَلَيْكِ». [انظر: ١٤٣٣ - مسلم: ١٠٢٩ - فتح: ٥/ ٢١٧]

٢٥٩٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، عَنِ اللَّيْثِ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَنَّ مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ».
وَقَالَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ: إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ. [٢٥٩٤ - مسلم: ٩٩٩ - فتح: ٥/ ٢١٧]

٢٥٩٣ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ، وَكَانَ يَقْسِمُ لِكُلِّ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، غَيْرَ أَنَّ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا وَلَيْلَتَهَا، لِعَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -، تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [٢٦٣٧، ٢٦٦١، ٢٦٨٨، ٢٨٧٩، ٤٠٢٥، ٤١٤١، ٤٦٩٠، ٤٧٤٩،


٤٧٥٠، ٤٧٥٧، ٥٢١٢، ٦٦٦٢، ٦٦٧٩، ٧٣٦٩، ٧٥٠٠، ٧٥٤٥ - مسلم: ١٤٦٣، ٢٧٧٠ - فتح: ٥/ ٢١٨]
ثم ذكر أحاديث:
أحدها: حديث أسماء قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لِي مَالٌ إِلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ، أفَأَتَصَدَّقُ؟ قَالَ: «تَصَدَّقِي، وَلَا تُوعِي فَيُوعَى عَلَيْكِ». وقد سلف في الزكاة (١)، ثم ذكره من طريق آخر سلف أيضًا (٢).
ثانيها: حديث ميمونة أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنِ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَليدَتِي؟ قَالَ: «أَوَفَعَلْتِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَال: «أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِيهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ».
قال: وَقَالَ: تابعه بَكْرُ بْنُ مُضَرَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ: إِنَّ مَيْمُونَةَ أَعْتَقَتْ.
أراد بهذا متابعة الليث بن سعد، فإن يحيى بن بكير رواه عنه، عن يزيد، عن بكير، عن كريب، وإن بكرا تابعه، وإن عَمرا تابع يزيد بن أبي حبيب، وهو مروي عند الإسماعيلي عن الحسن، ثنا أحمد بن يحيى، ثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله عن كريب، فذكره.
ثالثها: حديث عائشة في القرعة في السفر وأن سودة وهبت يومها وليلتها لعائشة، وقد سلف (٣).

-----------
(١) برقم (١٤٣٣) باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها.
(٢) ورد بهامش الأصل: بلفظ: «أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك، ولا توعي فيوعي الله عليك».
(٣) لعل المصنف رحمه الله يقصد في الشرح، أما في موضعه من الصحيح فهذا هو أول مواضعه. والله أعلم.



أما الآية فالمراد بالسفهاء فيها: اليتامى والنساء، وهن أسفه السفهاء، وهما الضعيفان، وذكر المعتمر بن سليمان عن أبيه قال: زعم حضرمي أن رجلًا عمد فدفع ماله إلى امرأة فوضعته في غير الحق فقال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ (١) [النساء: ٥] ومن قال: عني بالسفهاء النساء خاصة، فإنه حَمَلَ اللفظ على غير وجهه، وذلك أن العرب لا تكاد تجمع فعيلًا على فُعَلاء إلا في جمع الذكور أو الذكور والإناث.
فأما إذا أردوا جمع الإناث خاصة لا ذكران معهن جمعوه على فعائل وفعيلات، مثل غريبة تجمع غرائب وغريبات، فأما الغرباء فجمع غريب، نبه عليه الطبري (٢).
وكأن البخاري أراد بالتبويب وما فيه من الأحاديث الردَّ على من خالف ذلك، روى (حسين) (٣) المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن النبي - ﷺ - قال لما فتح مكة: «لا تجوز عطية امرأة في مالها إلا بإذن زوجها» أخرجه النسائي (٤).
وفي رواية داود بن أبي هند والمعلم عن عمرو أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمر «ولا يجوز لامرأة هبة في مالها إذا ملك زوجها عصمتها» (٥).
قال الحاكم: صحيح الإسناد (٦).

-----------
(١) «تفسير الطبري» ٣/ ٥٨٨ (٨٥٤٨).
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ٥٨٦ (٨٥٢٥).
(٣) في الأصل: (حبيب) والمثبت من مصدر التخريج.
(٤) «المجتبى» ٥/ ٦٥ - ٦٦. وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٨٢٥).
(٥) «المجتبى» ٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٦) «المستدرك» ٢/ ٤٧.



ولأبي داود، عن عمرو أن أباه أخبره، عن عبد الله بن عمرو بن العاص فذكره (١).
ولابن ماجه من حديث المثنى بن الصباح، عن عمرو: «إذا هو مالك عصمتها» (٢).
ولعبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه مرفوعًا: «لا يجوز لامرأة عطية في مالها إلا بإذن زوجها» (٣).
وعن معمر، عن رجل، عن عكرمة قال: قضى به رسول الله - ﷺ - (٤).
وعن معمر عن الزهري أن عمر بن عبد العزيز جعل لها في مالها الثلث في حياتها (٥).
وقد اختلف العلماء في المرأة المالكة لنفسها الرشيدة ذات الزوج على قولين:
أحدهما: أنه لا فرق بينها وبين البالغ من الرجال فما جاز من عطايا الرجل البالغ الرشيد جاز من عطاياها.
وهو قول الثوري والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي (٦).
وبمعناه قال عطاء، قال ابن المنذر: وبه نقول (٧).

----------
(١) أبو داود (٣٥٤٦).
(٢) ابن ماجه (٢٣٨٨).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٢٥ (١٦٦٠٧).
(٤) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٢٥ (١٦٦٠٨).
(٥) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٢٥ (١٦٦٠٩)
(٦) انظر: «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.
(٧) «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.



ثانيهما: لا يجوز لها أن تعطي من مالها شيئًا بغير إذن زوجها روي عن أنس وطاوس والحسن البصري (١).
وفيه قول ثالث: قال مالك: لا يجوز عطاؤها بغير إذن زوجها إلا ثلث مالها خاصة، قياسًا على الوصية.
وفيه قول رابع: قال الليث: لا يجوز عتق المزوجة وصدقتها إلا في الشيء اليسير الذي لا بد منه في صلة الرحم أو غيره مما يتقرب به إلى الله تعالى (٢).
حجة الأول أن الرب -ﷻ- سوى بين الرجال والنساء عند بلوغ الحكم وظهور الرشد فقال: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦] الآية فأمر بدفع أموالهم إليهم، ولم يخص رجلًا من امرأة فثبت أن من صح رشده صح تصرفه في ماله بما شاء. وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] الآية، فأباح للزوج ما طابت له به نفس امرأته. وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] فأجاز عفوها عن مالها بعد طلاق زوجها إياها بغير استئمار من أحد.
فدل ذلك على جواز أمر المرأة في مالها، وعلى أنها فيه كالرجل سواء.
واحتجوا بأمره - عليه السلام - أسماء بالصدقة، ولم يأمرها باستئذان الزبير وبعتق ميمونة الوليدة من غير استئذان الشارع وبحديث ابن عباس أنه - عليه السلام - أنه خطب النساء يوم عيد وقال لهن: «تصدقن ولو من حليكن» (٣).

---------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٧، «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٧ - ١٠٨.
(٣) سلف برقم (١٤٦٢) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الأقارب، ورواه مسلم (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين …



وليس في شيء من الأخبار أنهنّ استأذنّ أزواجهنّ، ولا أنه أمرهنّ باستئذانهم، ولا يختلفون في أن وصاياها من ثلث مالها جائزة كالرجل ولم يكن لزوجها عليها في ذلك سبيل ولا أمر، وبذلك نطق الكتاب، وهو ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢]، فإذا كانت وصاياها في ثلث مالها جائزة بعد وفاتها فأفعالها في مالها في حياتها أجوز.
وحجة النسائي حديث عمرو بن شعيب السالف (١)، وأحاديث الباب أصح منه، وروى النسائي من حديث عطاء بن السائب، عن ميمونة: كانت لي جارية سوداء فقلت: يا رسول الله، إني أردت أن أعتق هذِه: فقال: «أفلا تفدين بها بنت أختك أو بنت أخيك من رعاية الغنم» (٢).
واحتج ابن حزم مما رواه من طريق ابن عيينة، عن ابن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن امرأته أن امرأة سألت عائشة: أطعم من بيت زوجي؟ فقالت عائشة: ما لم تقي مالك بماله (٣).
وهذا فيه جهالة كما ترى.
ولما ذكر حديث أبي هريرة في مسلم السالف: «وما أنفقت المرأة في كسبه ..» الحديث (٤).
قال: اعترض بعض الناس بأن قال: هذا رواه أبو هريرة وقد سئل هل تصدق المرأة من بيت زوجها قال: لا إلا من قوتها، والأجر بينهما،

-----------
(١) النسائي ٦/ ٧٨.
(٢) النسائي في «الكبرى» ٣/ ١٧٩ (٤٩٣٣).
(٣) «المحلى» ١٠/ ٧٣.
(٤) مسلم (١٠٢٦) كتاب: الزكاة، باب: ما أنفق العبد من مال مولاه.



ولا يحل لها أن تصدق من بيته إلا بإذنه (١).
وهذِه الفتيا إنما رويناها من طريق عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي، وهو متروك- عن عطاء، عن أبي هريرة، فهي ساقطة (٢).
قلت: عبد الملك هذا ثقة قال ابن سعد: كان ثقة مأمونًا ثبتًا (٣).
وذكره ابن حبان في «ثقاته» ووصفه بالحفظ وقال جرير بن عبد الحميد: كان المحدثون إذا وقع بينهم الاختلاف في الحديث سألوه فكان حكمهم (٤). وقال أحمد فيما ذكره الساجي: ثقة من الحفاظ.
وكان الثوري يمدحه ويسميه الميزان (٥)، وقال الترمذي: ثقة مأمون، لا نعلم أحدًا تكلم فيه غير شعبة (٦)، وحدث عمن هو دونه في الحفظ والعدالة. وقال شعبة: إنما تركته لحديث السقيفة الذي
تفرد به وكان يعجب من حفظه (٧).
وقال ابن خلفون في «ثقاته»: وثقه ابن نمير وغيره.
وتأول مالك الأحاديث في أمره النساء بالصدقة: بأنه إنما أمرهن بإعطاء ما ليس بالكثير المجحف بغير إذن أزواجهن؛ لقوله:

------
(١) أبو داود (١٦٨٨) وقال: هذا يضعف حديث همام، والبيهقي في «الكبرى» ٤/ ١٩٣ (٧٨٥٣)، وقال ابن التركماني: في سند هذا الأثر عبد الملك العرزمي متكلم فيه. اهـ.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٨١) إسناده صحيح موقوف اهـ.
(٢) «المحلى» ١٠/ ٧٣.
(٣) «الطبقات الكبرى» لابن سعد ٦/ ٣٥٠.
(٤) «الثقات» لابن حبان ٧/ ٩٧.
(٥) «تاريخ بغداد» ١٠/ ٣٩٦، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٣٢٤.
(٦) «سنن الترمذي» ٣/ ٦٤٣.
(٧) «تاريخ بغداد» ١٠/ ٣٩٤، وفيه: أنه سئل عن تركه له مع حُسْن حديثه قال: من حُسْنِها فررت.



«تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها» (١) فسوى بين ذلك، فكان لزوجها في مالها حق فلم يكن لها أن تتلفه إلا بإذنه.
وعلى هذا يصح الجمع بين حديث عمرو بن شعيب، وسائر الأحاديث المعارضة له فيكون حديث عمرو بن شعيب واردًا في النهي عن إعطاء الكثير المجحف وغيره مما ليس بالكثير.
وأما حديث هبة سودة يومها لعائشة، فليس من هذا الباب في شيء؛ لأن للمرأة السفيهة أن تهب يومها لضرتها، وإنما السفه في إفساد المال خاصة، كذا قاله ابن بطال (٢).
وأيضًا فهذِه الهبة للزوج لا للضرة، وهما قولان للعلماء: هل الهبة للزوج أو للضرة؟ فترجمته على أحد القولين إذن.
واختلفوا في البكر إذا تزوجت متى تكون في حال من يجوز لها العطاء على قولين:
أحدهما: أنه ليس لها في مالها أمر؛ حتى تلد أو يحول عليها الحول.
روي هذا عن عمر- وشريح والشعبي، وبه قال أحمد وإسحاق (٣).
ثانيهما: الفرق بين البكر ذات الأب والوصي، وبين التي لا أب لها ولا وصي، قاله أصحاب مالك. فقال ابن القاسم: البكر التي لا أب لها لا يجوز قضاؤها في مالها وإن عنست؛ حتى يدخل بيتها وترضى حالها (٤).

-------
(١) سيأتي برقم (٥٠٩٠) كتاب: النكاح، باب: الأكفاء في الدين، ورواه مسلم (١٤٦٦) كتاب: الرضاع، باب: استحباب نكاح ذات الدين.
(٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ١٠٩.
(٣) انظر: «الإشراف» ٢/ ٢٢٤.
(٤) انظر: «المدونة» ٤/ ١٤٥.



واختلف في حد تعنيسها: فقال ابن وهب: ثلاثون إلى خمس وثلاثين، وقال ابن القاسم: أربعون إلى خمس وأربعين (١).
وقال ابن الماجشون ومطرف في اليتيمة لا أب لها ولا وصي تختلع من زوجها بشيء تهب له: الخلع ماض، ويرد الزوج ما أخذ؛ لأنه لا يجوز لها عطاء حتى تملك نفسها ومالها، وذلك بعد سنة من ابتناء زوجها بها أو تلد ولدًا.
وخالف هذا سحنون فقال في البكر تعطي زوجها بعض مالها وذلك قبل الدخول فيملكها أمرها، أو تباريه بشيء من مالها فقال: إن كان لها أب أو وصي فلا يجوز ذلك ويلزم الزوج الطلاق ويرد عليها ما أخذ منها، وإن كانت لا أب لها ولا وصي جاز ذلك؛ وهي عندي بمنزلة السفيه الذي لا وصي له، أن أموره جائزة بيوعه وصدقته وهبته ما لم يحجر عليه الإمام (٢).
تنبيهات:
أحدها: في حديث ميمونة دلالة على أن صلة الأقارب وإغناء الفقراء أفضل من العتق، وإن كان جاء في العتق: أنه يعتق لكل عضو منه عضوًا منه من النار (٣)، وبه تجاز العقبة يوم القيامة (٤).
قال مالك: الصدقة على الأقارب أفضل من العتق (٥).

-------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٧٣.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٠.
(٣) تقدم حديثه عن أبي هريرة برقم (٢٥١٧) كتاب: العتق، باب: ما جاء في العتق وفضله.
(٤) إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا العَقَبَةُ (١٢) ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣)﴾.
(٥) انظر: «إكمال المعلم» ٣/ ٥١٩.



ثانيها: وقع في رواية الأصيلي: أخواتك بالتاء.
قال عياض: ولعله أصح من رواية: أخوالك (١).
بدليل رواية مالك في «الموطأ»: «أعطيها أختك» (٢).
وقال النووي: الجمع صحيح ولا تعارض، ويكون - عليه السلام - قال ذلك كله.
ثالثها: على قول مالك السالف لو تصدقت بأكثر من ثلثها.
فذهب مالك إلى بطلان الجميع، وقال المغيرة: تمضي قدر الثلث.
واختلف إذا قصدت الضرر في أقل من الثلث هل تمضي أم لا؟
واختلف أيضًا إذا تصدقت ثم تصدقت وقرب ما بينهما وهما أكثر من الثلث إذا جمعا، فقال أصبغ: إن كان ما بينهما يوم أو يومان بطل جميعًا وإن طال مثل الشهرين مضت الأولى، وإن طال مثل الستة أشهر صحتا جميعًا، وقيل: إذا كان بينهما يومان وشبه ذلك صح في الأولى، وقيل: إذا كان بينهما كبير وإن طال صحت الأولى دون الثانية، وحمل مالك النهي على مجاوزة الثلث (٣)، وقد سلف.
رابعها: قول أسماء: (مالي مال إلا ما أدخل عليَّ الزبير). يعني: ما صيره ملكًا لها، فأمرها - عليه السلام - أن تنفق ولم يقل لها بالمعروف؛ لعلمها بمراده، ويحتمل أن يريد ما جعله الزبير تحت يدها من ماله، فإن كان كذلك فينفق ما كان يجب على الزبير إنفاقه من إعانة ملهوف وإعطاء سائل.

-----
(١) «إكمال المعلم» ٣/ ٥١٩.
(٢) «الموطأ» رواية يحيى ص ٥٩٩.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢١١ بتصرف.



ومعنى: «لا توعي» لا تجعليه في الوعاء فيدخره، ولا تنفقيه فيجعله في الوعاء، ومنه: ﴿وَجَمَعَ فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] فمادة الرزق متصلة بالإنفاق ومنقطعة بانقطاعه، فلا يمنع فضل الزاد تحرٍّ من مادة الرزق.
وكذا قوله: «لا تحصي فيحصي الله عليك» أي: تحصي النفقة فيحصي الله بقطع البركة، وقد يكون مرجع الإحصاء إلى المنافسة في الآخرة.
خامسها: قال ابن التين: ليس في أحاديث الباب التي ذكرها البخاري دلالة على جواز فعل المرأة في أكثر من ثلثها.
أما قصة أسماء فسلف ما فيها، وأما قصة ميمونة فقال الداودي: ليس فيه أنها أكثر من ثلثها.
وأما حديث سودة وِهَبِتَها فليس من هذا في شيء، وقد سلف ما في ذلك.
سادسها: في حديث عائشة: القرعة.
قال مالك في «المدونة»: يخرج من شاء منهن في أي الأسفار شاء (١).
وقال ابن الجلاب: إن أراد سفر تجارة ففيها روايتان: القرعة بينهن كالحج والغزو، والأخرى: لا إقراع، قال: وإن أراد سفر حج أو غزو فأقرع بينهن، ثم إذا انقضى سفره قضى لهن وبدأ بها أو بمن شاء غيرها.
قلت: لم ينقل القضاء إذا عاد، والبداءة بغيرها أحب.
(١) «المدونة» ٢/ ١٩٨.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #477  
قديم 02-05-2026, 08:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,058
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 351 الى صـــ 370
الحلقة (477)






١٦ - باب بِمَنْ يُبْدَأُ بِالهَدِيَّةِ؟
٢٥٩٤ - وَقَالَ بَكْرٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ بُكَيْرٍ، عَنْ كُرَيْبٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-: إِنَّ مَيْمُونَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً لَهَا، فَقَالَ لَهَا: «وَلَوْ وَصَلْتِ بَعْضَ أَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لأَجْرِكِ». [انظر: ٢٥٩٢ - مسلم: ٩٩٩ - فتح: ٥/ ٢١٩]

٢٥٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الجَوْنِيِّ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ -رَجُلٍ مِنْ بَنِي تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ- عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَي أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا». [انظر: ٢٢٥٩ - فتح: ٥/ ٢١٩]
ذكر فيه تعليق بكر عن عمرو الذي في الباب قبله.
وحديث عائشة: إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا منك بَابًا».
وفيه: أن أقرب الجيران أولى بالصلة والبر والرعاية، وأن صلة الأقرب منهم أفضل من صلة الأبعد؛ إذ لا يقدر على عموم جميعهم بالهدية، وقد أكد الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ﴾ [النساء: ٣٦]، فدل على تفضيل الأقرب، وقد سلف ذلك في باب: أي الجوار أقرب في كتاب الشفعة (١).
--------
(١) سلف برقم (٢٢٥٩).


١٧ - باب مَنْ لَمْ يَقْبَلِ الهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ كَانَتِ الهَدِيَّةُ فِي زَمَنِ النبي - ﷺ - هَدِيَّةً، وَاليَوْمَ رِشْوَةٌ.

٢٥٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيَّ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُخْبِرُ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارَ وَحْشٍ وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- وَهْوَ مُحْرِمٌ، فَرَدَّهُ، قَالَ صَعْبٌ: فَلَمَّا عَرَفَ فِي وَجْهِي رَدَّهُ هَدِيَّتِي قَالَ: «لَيْسَ بِنَا رَدٌّ عَلَيْكَ، وَلَكِنَّا حُرُمٌ». [انظر: ١٨٢٥ - مسلم: ١١٩٣ - فتح: ٥/ ٢٢٠]

٢٥٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ الأتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي. قَالَ: «فَهَلاَّ جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ بَيْتِ أُمِّهِ، فَيَنْظُرَ يُهْدَى لَهُ أَمْ لَا؟! وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَا يَأْخُذُ أَحَدٌ مِنْهُ شَيْئًا إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ أَوْ شَاةً تَيْعَرُ -ثُمَّ رَفَعَ بِيَدِهِ، حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَةَ إِبْطَيْهِ- اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ». ثَلَاثًا. [انظر: ٩٢٥ - مسلم: ١٨٣٢ - فتح: ٥/ ٢٢٠]
ثم ساق حديث الصعب بن جثامة السالف في الحج (١).
وحديث أبي حميد الساعدي: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَزْدِ عَلَى الصَّدَقَةِ .. الحديث.
والرشوة: السحت، مثلث الراء أشهرها الضم (٢)، وهي كل ما يأخذ
-----------
(١) سلف برقم (١٨٢٥) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا.
(٢) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٦٥٣ مادة (رشا).


الإنسان على غير عوض، ويلزم آخذه العار، يعني بذلك الأمراء ومن في معناهم ممن يتقى شره.
والرغاء: صوت الإبل (١)، والخوار -بالخاء-: صوت البقر (٢)، وقال ابن التين: هو بالخاء والجيم، وهو في «المطالع» بلفظ الجرار الصوت، وروي حوار، والمعنى واحد، إلا أنه بالخاء يستعمل في الظباء والشاء والجيم للبقر والناس. و(تيعر): تصيح، واليعار: صوت الشاة، يعرت تيعر يعارًا (٣).
و(عفرة إبطيه): بياضهما، قال صاحب «العين»: العفرة: غبرة في حمرة كون الظبي الأعفر (٤).
وتكريره: «اللهم هل بلغت» ليسمع من لم يسمع؛ وليبلغ الشاهد الغائب، كرره للتأكيد.
وفيه -أعني حديث الصعب-: رد الهدية وهو غاية الأدب فيه؛ لأنها لا تحل للمهدى إليه؛ من أجل أنه محرم.
ومن حسن الأدب أن يكافأ المهدي، وربما عسرت المكافأة فردها إلى من يجوز له الانتفاع بها أولى من تكلف المكافأة، مع أنه لو قبله لم يكن له سبيل إلى غير تسريحه؛ لأنه لا يجوز له ذبحه، وهو محرم.
ويؤخذ منه أنه لا يجوز قبول هدية من كان ماله حراصًا على المهدى إليه، وكذا من عرف بالغصب والظلم.
---------
(١) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٦٨٤ (رغا).
(٢) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٢٨٥ (خور).
(٣) انظر: «مقاييس اللغة» (١١١٠) مادة (يعر).
(٤) «العين» ٢/ ١٢٣.


وفي حديث ابن اللتبية أن هدايا العمال يجب أن تجعل في بيت المال، وأنه ليس لهم منها شيء إلا أن يستأذنوا الإمام في ذلك، كما جاء في قصة معاذ أنه - عليه السلام - طيب له الهدية فأنفذها له أبو بكر بعد رسول الله، لما كان دخل عليه في ماله من الفلس (١).
وفيه كراهية قبول هدية طالب العناية، ويدخل في معنى ذلك كراهية هدية المديان والمقارض، وكل من لهديته سبب غير سبب الجيرة أو صلة الرحم.
--------
(١) رواه الطبراني ٢٠/ ١٣١، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٤/ ١٤٤: رواه الطبراني في «الكبير» مرسلًا ورجاله رجال الصحيح.


١٨ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً أَوْ وَعَدَ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَيْهِ
وَقَالَ عَبِيدَةُ: إِنْ مَاتَ وَكَانَتْ فُصِلَتِ الهَدِيَّةُ وَالمُهْدَى لَهُ حَيٌّ فَهْيَ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فُصِلَتْ فَهْيَ لِوَرَثَةِ الذِي أَهْدَى. وَقَالَ الحَسَنُ أَيُّهُمَا مَاتَ قَبْلُ فَهْيَ لِوَرَثَةِ المُهْدَى لَهُ. إِذَا قَبَضَهَا الرَّسُولُ.

٢٥٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ، سَمِعْتُ جَابِرًا رضي الله عنه قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا». فَلَمْ يَقْدَمْ حَتَّى تُوُفِّيَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ مُنَادِيًا فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَعَدَنِي. فَحَثَى لِي ثَلَاثًا. [انظر: ٢٢٩٦ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٥/ ٢٢١]
ثم ذكر حديث جابر «لَوْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا ثَلَاثًا». وقد سلف (١).
واختلف العلماء في الذي يهب أو يتصدق على رجل ثم يموت الواهب أو المتصدق قبل أن يصل إلى الموهوب له: فذكر البخاري قول عبيدة -وهو السَلْماني بفتح العين- والحسن، وبمثل قول الحسن
قال مالك: إن كان أشهد عليها أو أبرزها أو دفعها إلى من يدفعها إلى الموهوب له، فهي جائزة.
كذا نقله عنه ابن بطال (٢).
----------
(١) سلف برقم (٢٢٩٦) كتاب: الكفالة، باب: من تكلف عن ميت دينًا.
(٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٣.


وقال ابن التين: قول مالك: إن شهد الباعث والمبعوث إليه حي يومئذ. وفي كتاب محمد: من مات منهما رجحت إلى ورثة الميت، إن لم يشهد.
وفيها قول ثالث وهو: إن كان بعث بها المهدي مع رسوله، فمات الذي أهديت إليه، فإنها ترجع إليه، وإن كان أرسل بها مع رسول الذي أهديت إليه، فمات المهدي إليه، فهي لورثته.
هذا قول الحكم وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: لا تتم الهبة إلا بقبض الموهوب له أو وكيله، فأيهما مات قبل أن تصل الهبة إلى الموهوب له، فهي راجعة إلى الواهب أو إلى ورثته. هذا قول الشافعي (١).
وروى مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أبيه، عن أم كلثوم: لما تزوج النبي - ﷺ - أم سلمة قال: «إني أهديت للنجاشي أواقي من مسك وحلة، ولا أراه إلا قد مات، ولا أرى الهدية التي أهديت إليه إلا سترد إليَّ، فإذا ردت فهي لك» (٢).
واختلف الفقهاء فيما يلزم من العِدَة، وفيما لا يلزم منها، فقال الكوفيون والأوزاعي والشافعي: لا يلزم من العِدَة شيء؛ لأنها منافع لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها. وقال مالك: أما العِدَة مثل أن
يسأل الرجل الرجل أن يهب له هبة، فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل، فلا أرى ذلك يلزمه.
-----------
(١) انظر «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٣ - ١١٤، «الإشراف» ٢/ ٢٢٦.
(٢) «المعجم الكبير» ٢٣/ ٣٥٢ (٨٢٥) وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٨/ ٢٨٩: رواه الطبراني وأم موسى بن عقبة لا أعرفها ومسلم بن خالد وثقه ابن معين وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح.


قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال: نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان.
وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء فقال: أشهدكم أني قد وهبت لهذا من أين يؤدى إليكم، فإن هذا يلزمه، وأما أن يقول: نعم، أنا أفعل. ثم يبدو له، فلا أرى ذلك عليه (١).
وقال سحنون: الذي يلزمه في العدة في السلف والعارية أن يقول للرجل: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبنيها به، أو أخرج إلى الحج وأنا أسلفك ما يبلغك، أو اشتر سلعة كذا، أو تزوج وأنا أسلفك.
ذلك مما يدخله فيه وينشئه به، فهذا كله يلزمه، قال: وأما أن يقول: أنا أسلفك وأنا أعطيك بغير شيء، يلزمه المأمور نفسه، فإن هذا لا يلزمه شيء. وقال أصبغ: يلزمه في ذلك كل ما وعد به (٢).
قال ابن العربي: وأجلُّ من ذهب إلى هذا المذهب عمر بن عبد العزيز، ورجح الأول ابن بطال وقال: إنه أشبه بمعنى الحديث، ألا ترى فُتيا عبيدة السلماني والحسن في أن الهبة والعدة إنما تتم إذا وصلت إلى المهدي له قبل موت الواهب والموهوب له في قول الحسن، وفي قول عبيدة: إن مات الموهوب له قبل أن تصل إليه الهبة، فهي لورثة الواهب.
وذكر عبد الرزاق، عن قتادة كقول الحسن (٣)، وهذا يدل من فتياهم أنهم تأولوا قوله - عليه السلام - لجابر: «لو قد جاء مال البحرين أعطيك». أنها عدة
--------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢٠٣.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥.
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ٨٤ (١٦٤٣٩) كتاب: المواهب، باب: الرجل يوصي للرجل فيموت قبله.


حر، لازم الوفاء بها في القضاء؛ لأنها لم تكن فصلت من عند رسول الله - ﷺ - قبل موته، وإنما وعد بها جابرًا، وهو قوله: «لو قد جاء مال البحرين» فمات رسول الله - ﷺ - قبل ذلك، ولذلك ذكر البخاري قول عبيدة والحسن في أول الباب؛ ليدل أن فعل الصديق في قضائه عدات رسول الله - ﷺ - بعد موته، أنها كانت منه على التطوع ولم يكن يلزم الشارع ولا الصديق قضاء شيء منها؛ لأنه لم يرو عن أحد من السلف وجوب القضاء بالعدة، وإنما أنفذ ذلك الصديق بعد موته - عليه السلام -؛ اقتداءً بطريقة رسول الله - ﷺ - ولفعله، فإنه كان أوفى الناس بعهدٍ وأصدقهم لوعدٍ (١).
قلت: قد ذكر البخاري أن ابن أشوع وسمرة قضيا به (٢) وفي «تاريخ المنتجيلي» أن عبد الله بن شبرمة قضى على رجل بوعد وحبسه فيه، وتلى قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ [الصف: ٣].
تنبيهان:
أحدهما: اعترض الإسماعيلي فقال: هذا الباب لا يدخل في الهبة بحال، وليس ما قاله لجابر هبة، وإنما هو عِدَة على وصف إذا كان صح الوعد، ولكن لما كان وعده لا يجوز أن يعترضه خُلْف أو يعوق دون الوفاء به معنى جعلوا وعده بمنزلة الضمان في الصحة، فرقًا بين وعده الذي لا خلف له وبين وعد غيره من الأمة، ممن يجوز أن يفي به وقد لا يفي.
----------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٤ - ١١٥.
(٢) سيأتي قبل حديث (٢٦٨١) كتاب: الشهادات، باب: من أمر بإنجاز الوعد.


ثانيهما: قال المهلب: إنجاز الوعد مندوب إليه، وليس بواجب فرضًا، والدليل على ذلك اتفاق الجمع على أن من وعد بشيء لم يضارب به مع الغرماء.
ولا خلاف أنه مستحسن ومن مكارم الأخلاق، وعدة جابر لم تكن في ذمة رسول الله - ﷺ -، إنما ادعى شيئًا في بيت المال والفيء، وذاك موكول إلى اجتهاد الإمام. وقال ابن التين: إنما أعطاه الصديق؛ ليبلغ مراد رسول الله - ﷺ -.
وقول جمهور العلماء: إن هذا لو كان من غير مراد رسول الله - ﷺ - لم يقبض له في ماله بعد موته في العدة، قال: والحاصل في العدة ثلاثة أقوال: لا، نعم، إن كانت العدة سبب مثل أن يقول: اهدم دارك وأنا أبنيها. أن ذلك يلزم وإن لم يهدم، وأما أن يهدمها فمتفق عليه أن ذلك يلزمه ما شاء، وعاش في ذمته أو فلس كالدين.

١٩ - باب كَيْفَ يُقْبَضُ العَبْدُ وَالمَتَاعُ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ كُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ، فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ». [انظر: ٢١١٥]

٢٥٩٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رضي الله عنهما قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ مِنْهَا شَيْئًا، فَقَالَ مَخْرَمَةُ: يَا بُنَيَّ، انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَقَالَ: ادْخُلْ فَادْعُهُ لِي. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: «خَبَأْنَا هَذَا لَكَ». قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ. [٢٦٥٧، ٣١٢٧، ٥٨٠٠، ٥٨٦٢، ٦١٣٢ - مسلم: ١٠٥٨ - فتح: ٥/ ٢٢٢]
ثم ذكر حديث المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أنه قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أقْبِيَةً، وَلَمْ يُعْطِ مَخْرَمَةَ .. قَالَ: فَدَعَوْتُهُ لَهُ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ وَعَلَيْهِ قَبَاءٌ مِنْهَا، فَقَالَ: «خَبَأْنَا هذا لَكَ». قَالَ: فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَقَالَ: رَضِيَ مَخْرَمَةُ.
الشرح:
التعليق سلف قريبًا، والحديث ذكره البخاري في مواضع أخر تأتي (١).
وفيه: فخرج ومعه قباء وهو يريه محاسنه (٢).
وفي آخره في الجهاد: أهديت له أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها بين أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة (٣).
-----------
(١) سيأتي برقم (٢٦٥٧) كتاب: الشهادات، باب: شهادة الأعمى، (٥٨٠٠) كتاب: اللباس، باب: القباء وفروج حرير …
(٢) يأتي برقم (٢٦٥٧).
(٣) يأتي برقم (٦١٣٢) كتاب: الأدب، باب: المداراة مع الناس.


وفيه: فاستقبله بأزراره (١). وفي بعض الطرق: يا بني إنه قدمتْ عليه أقبية وهو يقسمها. وفيه: (يا بني ادعه لي). قال: فأعظمت ذلك. فقال: (يا بني، إنه ليس بخيار فدعوته فخرج) (٢).
وأخرجه مسلم وقال: (ولم يعط منه) (٣) بضمير الواحد، كأنه عائد على نوع الأقبية في المعنى.
والقباء: ممدود، قال ابن دريد: هو من قبوت الشيء: جمعته (٤).
وقوله: («خبأنا هذا»). وقبله: (فخرج إليه وعليه قباء) وقال ابن التين: قوله: «خبأنا لك هذا».
وقال: (وخرج وعليه قباء) فقال: «خبأنا لك هذا».
فيه إشكال؛ للباسه - عليه السلام - بعد أن خبأه لمخرمة.
ويحمل قوله: (فخرج وعليه قباء). أنه كان في يده. وفيه بُعْد يُبَيّنه حديث أنه خرج ومعه قباء، وهو يريه محاسنه ويقول: «خبأت هذا لك».
وقد قيل: قد كان في خلقه شيء ولاطفه. كما ذكره في الجهاد، ولفظه: وكان في خلقه شدة (٥).
وقوله: «رضي مخرمة؟» هو من قوله - عليه السلام -، وصرح به الداودي، قال: أي: هل رضيت.
----------
(١) يأتي برقم (٣١٢٧) كتاب: فرض الخمس، باب: قسمة الإمام ما يقدم عليه ويخبأ لمن لم يحضره أو غاب.
(٢) يأتي معلقا برقم (٥٨٦٢) كتاب: اللباس، باب: المزرر بالذهب.
(٣) مسلم (١٠٥٨) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء من سأل بفحش وغلظة.
(٤) «الجمهرة» ١/ ٣٧٥ مادة: (بقو).
(٥) سيأتي برقم (٣١٢٧) كتاب: فرض الخمس، باب: قسمة الإمام ما يقدم عليه ويخبأ لمن لم يحضره أو غاب عنه.


ويحتمل أن يكون من قول مخرمة.
وقوله: (فخرج إليه وعليه قباء منها). ظاهره استعمال الحرير، ويجوز أن يكون قبل النهي، وأن يكون المراد أنه نشره على أكتافه؛ ليراه مخرمة كله.
وفيه ائتلاف أهل اللسانة وغيرهم.
فرع: مجرد التخبية لا يصيره ملكًا؛ لانتفاء الحوز، وممن صرح باشتراط الحوز الصديق والفاروق (١)، وعثمان وابن عباس ومعاذ (٢) وشريح ومسروق والشعبي (٣)، وإليه ذهب الثوري والكوفيون والشافعي، وقالوا: ليس للموهوب له مطالبة الواهب بالتسليم إليه؛ لأنها ما لم تقبض عِدَة يحسن الوفاء بها ولا تقضى عليه (٤)، وعندنا مع اشتراط الحوز لابد من إذنه فيه، على الأصح.
وقال آخرون: يصح بالكلام دون القبض كالبيع (٥).
روي عن علي وابن مسعود (٦) والحسن البصري والنخعي (٧)، وبه قال مالك وأحمد وأبو ثور (٨)، إلا أن أحمد وأبا ثور قالا: للموهوب
---------
(١) رواهما ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٥ (٢٠١١٦).
(٢) رواها ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٥، ٢٨٦ أما عثمان (٢٠١١٨)، وأما ابن عباس (٢٠١٣٠)، وأما معاذ (٢٠١٢٣).
(٣) رواها عبد الرزاق ٩/ ١٢١ - ١٢٢ (١٦٥٩٠، ١٦٥٩١، ١٦٥٩٢).
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٣٧، «الإشراف» ٢/ ٢٢٢ - ٢٢٣، «البيان» ٨/ ١١٥.
(٥) «التمهيد» ١/ ٢١١.
(٦) رواهما عبد الرزاق ٩/ ١٢٢ (١٦٥٩٥).
(٧) أثر النخعي رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٨٦ (٢٠١٣١).
(٨) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ٣٠٣.


له المطالبة في حياة الواهب، فإن مات الواهب بطلت الهبة (١).
قال ابن بطال: وتقبض الهبات والمتاع عند جماعة العلماء بإسلام الواهب لها إلى الموهوب له.
وحيازة الموهوب له كركوب ابن عمر الجمل، وكإعطاء رسول الله - ﷺ - القباء لمخرمة وتلقيه بأزراره، كما ذكر البخاري في الجهاد أنه عليه (٢).
حجة أهل المقالة الأولى: أنه - عليه السلام - قال لابن عمر وهو راكب الجمل: «هو لك» (٣).
فكان حكم الهبات كلها كذلك لا تتم إلا بالقبض.
حجة الثاني: أنه - عليه السلام - قال لابن عمر في الجمل: «هو لك» مَلَّكَهُ إياه، ولا يُمَلِّك الشارع شيئًا أحدًا إلا وهو مالك له ويستحقه، فكان لابن عمر المطالبة بهذا الجمل لو لم يركبه لحقه الذي تعين فيه، فوجب له طلبه، وكذلك دل فعله في القباء الذي تلقى به مخرمة واسترضاه به قبل سؤاله إياه، أنه قد تعين للمسور فيه حق وجب للمسور طلبه على ما ذهب إليه مالك، فإن قلت: فإذا بقي في الهبة حق للموهوب له وجبت به مطالبة الواهب في حياته، فكذلك يجوز
-----------
(١) انظر: «المغني» ٨/ ٢٤٣.
(٢) كذا بالأصل، والكلام ناقص، وتمامه من ابن بطال ٧/ ١١٦: وذكر البخاري في كتاب الجهاد أن النبي - ﷺ - أهديت إليه أقبية من ديباج مزررة بالذهب، فقسمها بين أصحابه، وعزل منها واحدًا لمخرمة، فجاء مخرمة إلى النبي - عليه السلام - فسمع صوته فتلقاه به، واستقبله بأزراره، فقالى: يا أبا المسور خبأت لك هذا مرتين وكان في خلقه شدة.
(٣) سيأتي قريبًا (٢٦١٠) باب: من أهدي له هدية وعنده جلساؤه فهو أحق به.


مطالبته بعد مماته كسائر الحقوق. قيل: هذا هو القياس، لولا حكم الصديق بين ظهراني الصحابة وهم متوافرون فيما وهب لابنته جداد عشرين وسقًا من ماله بالغابة، ولم تكن قبضته، وقال لها: لو كنت حُزْتيه كان لك، وإنما هو اليوم مال وارث.
ولم يرو عن أحد من الصحابة أنه أنكر قوله ذلك، ولا رد عليه، فكان هذا دليلًا لصحة قول مالك (١).
-------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٦ - ١١٧.


٢٠ - باب إِذَا وَهَبَ هِبَةً وَقَبَضَهَا الآخَرُ، وَلَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ
٢٦٠٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مَحْبوبٍ، حَدَّثَنَا عبد الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: هَلَكْت. فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟». قَالَ: وَقَعْتُ بِأَهْلِي فِي رَمَضَانَ. قَالَ: «تَجِدُ رَقَبَةً؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ». قَالَ: لَا. قَالَ: «فَتَسْتَطِيعُ أَنْ تُطْعِمَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟». قَالَ: لَا. قَالَ: فَجَاءَ رجلٌ مِنَ الأنصَارِ بِعَرَقٍ -وَالعَرَقُ: الِمكْتَل- فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «اذْهَبْ بهذا فَتَصَدَّقْ بِه». قَالَ: عَلَى أَحْوَجَ مِنَّا يَا رَسُولَ اللهِ؟! وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالَحْقِّ مَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ مِنَّا. قَالَ: «اذْهَبْ فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». [انظر: ١٩٣٦ - مسلم: ١١١١ - فتح: ٥/ ٢٢٣]
ذكر فيه حديث المجامع في رمضان وفيه قال: «اذْهَبْ بهذا فَتَصَدَّقْ بِه».
رواه عن محمد بن محبوب (خ. د. س)، وهو محمد بن الحسن (خ. د. س) بن هلال بن أبي زينب القرشي البناني، أبو جعفر، وقيل: أبو عبد الله المعروف بابن محبوب، ومحبوب لقب لأبيه الحسن، مات محمد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، روى عنه البخاري وأبو داود، وروى النسائي عن رجل عنه (١).
ولا شك أن القبض في الهبة هو غاية القبول، قال ابن بطال: ولا يحتاج القابض أن يقول قبلت، وهو قد قبضها، قال: وعلى هذا جماعة العلماء، ألا ترى أن الواقع على أهله في رمضان قبض من
--------
(١) انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٢ (٤٤٠)، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٧٤ (٥١٥٢)، «لسان الميزان» ٥/ ١٥٠ (٨١١٩).


الشارع المكتل من التمر ولم يقل قد قبلت، إذ كان مستغنيًا عنه بالقبض، ومثل هذا المعنى في حديث جابر حين اشترى منه الشارع الجمل، فلما رجع إليه الثمن قال: «الثمن والجمل لك» (١). ولم يقل له جابر: قد قبلته يا رسول الله.
فدل ذلك أن الهبة تتم بإعطاء الواهب وقبض الموهوب له، دون قوله باللسان: قد قبلت.
وأما إذا قال: قبلت ولم يقبض. فتعود المسألة إلى ما سلف من اختلافهم في قبض الهبة في الباب قبله (٢).
قلت: مذهبنا أنه لا بد من الإيجاب والقبول لفظًا، كما في البيع وسائر التمليكات فلا يقوم الأخذ والإعطاء مقامهما كما في البيع (٣)، قال الإمام: ولا شك أن من يصير إلى انعقاد البيع بالمعاطاة يجزئه
في الهبة.
واختار ابن الصباغ من أصحابنا أن الهبة المطلقة لا تتوقف على إيجاب وقبول.
----------
(١) تقدم برقم (٢٤٧٠) كتاب: المظالم، باب: من عقل بعيره على البلاط أو باب المسجد.
(٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٨.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ٥/ ٣٦٥.


٢١ - باب إِذَا وَهَبَ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ
قَالَ شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ: هُوَ جَائِزٌ. وَوَهَبَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ لِرَجُلٍ دَيْنَهُ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ: «مَنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ حَقٌّ فَلْيُعْطِهِ، أَوْ لِيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ». وَقَالَ جَابِرٌ: قُتِلَ أَبِي وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - غُرَمَاءَهُ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي، وَيُحَلِّلُوا أَبِي.

٢٦٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَكَلَّمْتُهُ، فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي، فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَائِطِي، وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، وَلَكِنْ قَالَ: «سَأَغْدُو عَلَيْكَ». فَغَدَا عَلَيْنَا حَتَّى أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ، وَدَعَا فِي ثَمَرِهِ بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ ثَمَرِهَا بَقِيَّةٌ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ جَالِسٌ، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِعُمَرَ: «اسْمَعْ -وَهْوَ جَالِسٌ- يَا عُمَرُ». فَقَالَ: أَلاَّ يَكُونُ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ؟ وَاللهِ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ. [انظر: ٢١٢٧ - فتح: ٥/ ٢٢٤]
ثم ساقه من حديثه.
الشرح:
أثر الحكم أخرجه ابن أبي شيبة، عن ابن أبي زائدة، عن شعبة، عنه في رجل وهب لرجل دينًا له عليه، قال: ليس له أن يرجع فيه.
وحدثنا (١) أبو داود الطيالسي عن شعبة قال: قال لي الحكم: أتاني ابن أبي ليلى فسألني عن رجل كان له على رجل دين، فوهبه له، أله أن
----------
(١) الضمير هنا يعود على ابن أبي شيبة.


يرجع فيه؟ قلت: لا. فسألت حمادًا فقال: بلى، له أن يرجع فيه (١).
وقوله: «عليه حق ..» إلى آخره، ذكره مسندًا بلفظ: فإنه ليس في الآخرة دينار ولا درهم (٢). وحديث جابر قد أسنده، وقد سلف أيضًا في الصلاة (٣).
ولا خلاف بين العلماء أن من كان عليه دين لرجل فوهبه له ربه (أو) (٤) أبرأه منه. وقبل البراءة أنه لا يحتاج فيه إلى قبض؛ لأنه مقبوض في ذمته، وإنما يحتاج في ذلك إلى قبول الذي عليه الدين؛ لأنه - عليه السلام - سأل غرماء أبي جابر أن يقبضوا ثمر حائطه ويحللوه من بقية دينه، فكان ذلك إبراء لذمة جابر لو رضوا بما دعاهم إليه رسول الله، ولم يكن يعرف ذلك إلا بقولهم: قد قبلنا ذلك ورضينا. فلم يتم التحلل في ذلك إلا بالقول.
واختلفوا إذا وهب دينًا له على رجل لرجل آخر، فقال [مالك] (٥): تجوز الهبة إذا سلم إليه الوثيقة بالدين، وأحله به محل نفسه، وإن لم يكن له وثيقة وأشهد على ذلك وأعلن فهو جائز (٦). وقال أبو ثور: الهبة جائزة أشهد أو لم يشهد إذا تقارا على ذلك (٧)، وقال الكوفيون والشافعي: الهبة غير جائزة؛ لأنها لا تجوز عندهم إلا مقبوضة (٨).
----------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٩٠ (٢٢٣٨٤، ٢٢٣٨٥).
(٢) تقدم برقم (٢٤٤٩).
(٣) لم أعثر عليه، ولم يشر إليه المزي في «تحفة الأشراف» ٢/ ٢١٠ (٢٣٦٤). والله أعلم.
(٤) في الأصول (و)، والمثبت من ابن بطال، وهو الصواب.
(٥) زيادة يقتضيها السياق، لإبهام القائل، وهو من «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٩.
(٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١١٩.
(٧) انظر: «الإشراف» ٢/ ٢٢٥.
(٨) انظر: «الهداية» ٣/ ٢٥١، «الإشراف» ٢/ ٢٢٥.


وقد سلف قريبًا مذاهب العلماء في قبض الهبات.
والحجة لمالك وأبي ثور أنهم جعلوا الموهوب له حل محل الواهب في ملك الدين، وينزل منزلته في اقتضائه.
ولما أجمعوا أنه يجوز للرجل أن يحيل الرجل على من له عليه دين، كذلك يجوز له أن يجعل ماله من المطالبة بدينه على رجل لرجل آخر، يحله محله وينزل منزلته إن شاء الله.
وحديث جابر فيه الشفاعة في وضع بعض الدين، وتأخير الغريم المدة اليسيرة التي لا تضر المطالب.
وجاء في رواية: اعزل كل صنف على حدة، وأنه جلس عليه وأمرهم أن يكيلوه (١).
وهنا أن جابرًا قضاهم ثم أخبر رسول الله - ﷺ -.
ويحتمل أن يكون - عليه السلام - جلس حتى اكتالوا بعض حقهم، ثم ذهب ووفاهم، ثم أخبر رسول الله - ﷺ - بما كان بعده. ومعنى: جددتها: قطعتها، بالدال المهملة والمعجمة (٢).
-----------
(١) سلف برقم (٢٤٠٥) كتاب: الاستقراض وأداء الديون، باب: الشفاعة في وضع الدين.
(٢) انظر: «لسان العرب» ١/ ٥٧٤ مادة (جذذ).


٢٢ - باب هِبَةِ الوَاحِدِ لِلْجَمَاعَةِ
وَقَالَتْ أَسْمَاءُ لِلْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَابْنِ أَبِي عَتِيقٍ: وَرِثْتُ عَنْ أُخْتِي عَائِشَةَ بِالغَابَةِ، وَقَدْ أَعْطَانِي بِهِ مُعَاوِيَةُ مِائَةَ أَلْفٍ، فَهُوَ لَكُمَا.

٢٦٠٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: «إِنْ أَذِنْتَ لِي أَعْطَيْتُ هَؤُلَاءِ». فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ يَا رَسُولَ اللهِ أَحَدًا. فَتَلَّهُ فِي يَدِهِ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح: ٥/ ٢٢٥]
ثم ساق حديث سهل بن سعد أنَّه - عليه السلام - أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، .. الحديث، وقد سلف (١).
وقوله: (وابن أبي عتيق). كذا هو في الأصول، ونقل ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أن في كتابه إسقاط الواو من (وابن).
وأبو عتيق: هو عبد الرحمن (س) بن أبي عتيق، واسم أبيه عبد الله، قال: وأظن الواو سقْطٌ من كتابي، وعند أبي ذر بإثباتها.
وقال الداودي: القاسم ابن أخي عائشة وابن أبي عتيق ابن أختها فوصلتهما بما أعطت فيه مائة ألف، وكانت من أجود الناس، كما أن رسول الله - ﷺ - أجودهم، وهي ضلع منه.
وظاهر إيراده أن المتصدقة عائشة، وهو خالف ما في البخاري أنها أسماء.(١) سلف برقم (٤٣٥١) كتاب: المساقاة، باب: في الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 301.04 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 296.57 كيلو بايت... تم توفير 4.47 كيلو بايت...بمعدل (1.48%)]