|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#461
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 31 الى صـــ 50 الحلقة (461) كان معلقًا، والنمارق تمتهن بالأرجل. وقيل: لما شقه خرجت الصور في القطع ولم يبق منها شيء في النمرقتين. وقال الداودي: الذي يحتمل أن تكون التماثيل من الشجرة ونحوها، فكرهها وقطع منها نمرقتين يريد أنها لم تكن صورة ممنوعة مما فيه روح، وهذا مذهب ابن عباس (١). ---------(١) سلف برقم (٢٢٢٥) كتاب: البيوع، باب: بيع التصاوير، ورواه مسلم (٢١١٠). ٣٣ - باب مَنْ قَاتَلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ ٢٤٨٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ -هُوَ: ابْنُ أَبِي أَيُّوبَ- قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الأَسْوَدِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». [مسلم: ١٤١ - فتح: ٥/ ١٢٣] ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وهو للأربعة من حديث سعيد بن زيد بزيادة: «ومن قتل دون أهله أو دون دمه أو دون دينه فهو شهيد». قال الترمذي: حسن صحيح (١). ولأبي داود من حديث ابن عمرو: «من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد» (٢). وللإسماعيلي: «من قتل دون ماله مظلومًا فله الجنة». ثم قال البخاري: رواه عن المقرئ (٣)؛ فقال: «فهو شهيد» ودحيم، وابن أبي عمر، وعبد العزيز بن سلام؛ كلهم رووه عن المقرئ، فقالوا: «فله الجنة» وكلهم قال: «مظلومًا» ولم يقله البخاري، ويشبه أن يكون نقله من حفظه، أو سمعه من المقرئ من حفظه، فجاء بالحديث على ما جرى به اللفظ في هذا الباب، ومن جاء به على غير ما اعتيد من اللفظ فيه فهو بالحفظ أولى ولا سيما فيهم مثل: دُحيم، وكذلك ما زادوه من قوله مظلومًا، فإن المعنى لا يجوز إلا أن يكون كذلك. ورواه أبو نعيم في «مستخرجه» عن محمد بن أحمد، عن بشر بن --------- (١) أبو داود (٤٧٧٢)، والنسائي ٧/ ١١٦، والترمذي (١٤٢١)، وابن ماجه (٢٥٨٠)، وليس عند ابن ماجه هذِه الزيادة. (٢) أبو داود (٤٧٧١). (٣) هو عبد الله بن يزيد. موسى، عن عبد الله بن يزيد المقرئ بلفظ: «من قتل دون ماله مظلومًا فهو شهيد»، كما رواه البخاري بزيادة: «مظلومًا». إذا تقرر ذلك؛ فـ (دون) في الأصل ظرف مكان بمعنى: أسفل، وتحت نقيض فوق، وقد استعملت في هذا الحديث بمعنى: لأجل السببية وهو مجاز وتوسع، ووجهه: أن الذي يقاتل على ماله إنما جعله خلفه أو تحته، ثم يقاتل عليه. والشهيد سمي بذلك؛ لأنه حيّ؛ لأن أرواحهم شهدت دار السلام وأرواح غيرهم لا تشهدها إلا يوم القيامة؛ ولأن الرب وملائكته يشهدون له بالجنة فشهيد مشهود له أو لأنه يشهد عند خروج روحه ما له من الثواب والكرامة، وغير ذلك مما أوضحته في كتاب «لغات المنهاج». قال الترمذي: قد رخص بعض أهل العلم للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله. وقال ابن المبارك: يقاتل عن ماله ولو درهمين (١)، وإنما أدخل هذا الحديث في هذِه الأبواب ليريك أن للإنسان أن يدفع عن نفسه وماله، فإذا كان شهيدًا إذا قُتِل في ذلك، كان إذا قتل من أراده في مدافعته له عن نفسه لا دية فيه عليه ولا قود. قال المهلب: وكذلك كل من قاتل على ما يحل له القتال عليه من أهل أو دين، فهو كمن قاتل دون نفسه وماله، فلا دية عليه ولا تبعة، ومن أخذ في ذلك بالرخصة وأسلم المال والأهل والنفس، فأمره إلى الله، والله تعالى (يقدره) (٢) ويأجره، ومن أخذ في ذلك بالشدة وقتل كانت له الشهادة بهذا الحديث. --------- (١) الترمذي (١٤١٩). (٢) هكذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» ٦/ ٦٠٧: (يعذره). واختلفت أقوال أهل العلم في الباب: قال ابن المنذر: روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم (١)، وقد أخذ ابن عمر لصًّا في داره فأصلت عليه السيف. قال سالم: فلولا أنا لضربه به (٢). وقال النخعي: إذا خفت أن يبدأك اللص فابدأه. وقال الحسن: إذا طرق اللص بالسلاح فاقتله، وروينا هذا المعنى عن غير واحد من المتقدمين، وسئل مالك عن القوم يكونون في السفر فيلقاهم اللصوص. قال: تناشدونهم الله، فإن أبوا وإلا قوتلوا (٣). وعن الثوري وابن المبارك قال: تقاتلونهم ولو على دانق. وقد سلف عن ابن المبارك على درهمين، ونقله الثوري عن جماهير العلماء. وقال بعض المالكية: لا يجوز قتله إذا طلب شيئًا يسيرًا كالثوب والطعام. وحكاه ابن التين عن مالك، وقال عبد الملك: إن قدر أن يمتنع مع اللصوص فلا يعطيهم شيئًا. وقال أحمد: إذا كان اللص مقبلًا، وأما موليًا فلا. وعن إسحاق مثله. وقال أبو حنيفة في رجل دخل على رجل ليلًا للسرقة ثم خرج بالسرقة من الدار، فأتبعه الرجل فقتله: لا شيء عليه. وكان الشافعي يقول: من أريد ماله في مصر أو صحراء أو أريد حريمه فالاختيار له أن يكلمه ويستغيث، فإن منع أو امتنع لم يكن له قتاله، فإن أبي أن يمتنع من قتله من أراده فله أن يدفع عن نفسه وعن --------- (١) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٣٢٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٤٦٦ (٢٨٠٣٢). (٣) «النوادر والزيادات» ١٤/ ٤٧١. ماله وليس له عمد قتله، فإن أتى ذلك على نفسه فلا عقل فيه ولا قود ولا كفارة (١). قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وأهله وماله إذا أريد ظلمًا لحديث الباب، ولم يخص وقتًا دون وقت ولا حالًا دون حال إلا السلطان، فإن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على أن من لم يمكنه أن يدفع عن نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان ومحاربته أن لا يفعل؛ للآثار التي جاءت عن الشارع بالأمر بالصبر على ما يكون منه من الجور والظلم وترك القيام عليهم ما أقاموا الصلاة (٢)، وما قلناه من إباحة أن يدفع الرجل عن نفسه وماله قول عوام أهل العلم إلا الأوزاعي، فإنه كان يفرق بين الحال التي الناس فيها جماعة وإمام، وبين حال الفتنة التي لا جماعة فيها ولا إمام. فقال في تفسير قوله: «فمن قتل دون ماله فهو شهيد»: إذا أقلعت الفتنة عن الجماعة وأمنت السبل وحج البيت وجوهد العدو قعد اللص لرجل يريد دمه أو ماله قاتله، وإن كان الناس في معمعة وقتال فدخل عليه يريد دمه وماله اقتدى بمحمد بن مسلمة. فرع: لا يجب الدفع عندنا عن المال إذا لم يكن ذا روح، أما الحيوان فكالنفس ما لم يخش على نفسه لحرمته، ويجب عن البُضع بشرطه، وكذا نفس قصدها كافر أو بهيمة لا مسلم على الأصح. ---------- (١) «الأم» ٦/ ٢٦ - ٢٧. (٢) «الإشراف» ٢/ ٣٢٥. فرع: لو أراد استهلاك القوم قوتلوا جزمًا كالمحاربين إن قدر عليهم قبل التربة، وإلا أقُيد منهم (وبيعوا) (١) بالأموال وأخذ منهم صداق من (وطئوه) (٢) أمة كانت أو حرة عند مالك مع الحد. وقال غيره: لا يجتمع الحد والصداق، وهو قول أبي حنيفة وإذا انهزم اللصوص فاختلف في اتباعهم. --------- (١) كذا في الأصل، وفي (ف): يبعثوا. (٢) كذا في (ف)، وفي الأصل: ظتوه. ٣٤ - باب إِذَا كَسَرَ قَصْعَةً أَوْ شَيْئًا لِغَيْرِهِ ٢٤٨١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: «كُلُوا». وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. [٥٢٢٥ - فتح: ٥/ ١٢٤] وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ أَيّوبَ، حَدَّثَنَا حمُيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ذكر فيه حديث أنس أنه - عليه السلام - كَانَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ مَعَ خَادِمٍ بِقَصْعَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ بِيَدِهَا، فَكَسَرَتِ القَصْعَةَ، فَضَمَّهَا وَجَعَلَ فِيهَا الطَّعَامَ، وَقَالَ: «كُلُوا». وَحَبَسَ الرَّسُولَ وَالقَصْعَةَ حَتَّى فَرَغُوا، فَدَفَعَ القَصْعَةَ الصَّحِيحَةَ وَحَبَسَ المَكْسُورَةَ. وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أَنَا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ، ثَنَا حُمَيْدٌ، ثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. هذا الحديث من أفراده، وفي رواية للترمذي: أهدت بعض أزواج رسول الله - ﷺ - إلى النبي - ﷺ - طعامًا في قصعة، فضربت عائشة القصعة بيدها، فألقت ما فيها، فقال - عليه السلام: «طعام بطعام وإناء بإناء»، ثم قال: حسن صحيح (١)، وفي رواية لأبي داود والنسائي بإسناد فيه مقال من حديث عائشة: أن المرسلة صفية (٢)، وهو أحد الأقوال في ------------ (١) الترمذي (١٣٥٩). (٢) أبو داود (٣٥٦٨)، والنسائي ٧/ ٧١، وقال المنذري في «مختصره» ٥/ ٢٠٢: وفي إسناده أفلت بن خليفة بن حسان، أبو حسان، ويقال: فليت العامري. قال الإمام= ذلك. وقيل: زينب بنت جحش، وأنه كان جفنة من حيس. ذكره في «المحلى» (١). وقيل: أم سلمة حكاهما المحب الطبري في «أحكامه»، وحكى الثاني المنذري (٢). وللترمذي من حديث سويد بن عبد العزيز، عن حميد، عن أنس استعار النبي - ﷺ - قصعة فضاعت فضمنها لهم، ثم قال: حديث غير محفوظ (٣). وقال أبو حاتم الرازي في «علله»: حديث باطل ليس فيه استعارة، وهم فيه سويد (٤)، وفي «علله» سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه عمران بن خالد، عن ثابت، عن أنس: كان - عليه السلام- في بيت عائشة ومعه أصحابه، فأرسلت حفصة بقصعة فكسرتها عائشة، فقضى - عليه السلام -: «من كسر شيئًا فهو له وعليه مثله»، فقال أبو زرعة: هذا خطأ، رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أبي المتوكل أنه - عليه السلام - وهو الصحيح (٥). ولم يقض، أي: فيه بشيء. قلت: فالحاصل في المرسلة أربعة أقوال والكاسرة عائشة. واختلف العلماء فيمن استهلك عروضًا أو حيوانًا؛ فذهب الكوفيون والشافعي وجماعة -كما قاله ابن بطال- إلى أن عليه مثل ما استهلك.=أحمد: ما أرى به بأسًا، وقال أبو حاتم الرازي: شيخ. وقال الخطابي: وفي إسناد الحديث مقال. «معالم السنن» ٣/ ١٥١. (١) «المحلى» ٨/ ١٤١. (٢) «مختصر سنن أبي داود» ٥/ ٢٠١. (٣) الترمذي (١٣٦٠). (٤) «علل الحديث» ١/ ٤٠٧ (١٤١٢). (٥) «علل الحديث» ١/ ٤٤٦ (١٤٠٠). قالوا: ولا يقضى بالقيمة إلا عند عدم المثل، واحتجوا بحديث الباب، ألا ترى أنه - عليه السلام - ضمن القصعة بقصعة، وذهب مالك إلى أن من استهلك شيئًا من العروض أو الحيوان، فعليه قيمته يوم استهلاكه والقيمة أعدل في ذلك، واحتج بأنه - عليه السلام - قضى فيمن أعتق شركًا له في عبد بقيمة حصة شريكه دون حصته من عبد مثله، لأن ضبط المثل بالقيمة أخص منه في الخلقة. والمثل لا يوصل إليه إلا بالاجتهاد كما أن القيمة تدرك بالاجتهاد وقسمة العدل في الصنعة مثل. وقد ناقض العراقيون في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقالوا: القيمة مثل في هذا الموضع، واتفق مالك والكوفيون والشافعي وأبو ثور فيمن استهلك ذهبًا أو ورقًا أو طعامًا مكيلًا أو موزونًا أن عليه مثل ما استهلك في صفته ووزنه وكيله. قال مالك: وفرق بين الذهب والفضة والطعام وبين الحيوان والعروض العمل المعمول عليه (١). قال ابن المنذر: ولا أعلم في هذِه المسألة خلافًا (٢). وقال ابن التين: احتج بهذا الحديث من قال: يقضي في العروض بالأمثال. وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ورواية عن مالك، وعنه كل ما صنعه الآدميون غرم مثله كالثوب وبناء الحائط والصناعة ونحو ذلك، وكل ما كان من صنع الله كالعبد والدابة، ففيه القيمة والمشهور من مذهبه أن كل ما ليس بمكيل ولا موزون ففيه القيمة، وما كان مكيلًا أو موزونًا فيقضى بمثله. --------- (١) «الموطأ» ص ٤٥٨. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٦٠٩ - ٦١٠، «الإشراف» ٣/ ٣٣٦. والجواب عن حديث الباب أن البيت الذي كان فيه سيدنا رسول الله - ﷺ - بيته والظاهر أن ما فيه له، وكذا بيت المُهْدِية، أي: لا على وجه الغرامة، ولو سلم أن القصعتين للمرأتين لم يكن فيه حجة إذا اتفق الجاني والمجني عليه على الرضا بهما، وإنما يجب ما قلناه عن القيمة إذا أباه أحدهما، ويحتمل أن يكون - عليه السلام - رأى ذلك سدادًا بينهما فرضيتاه، فالحديث لا يتناول موضع الخلاف، ويحتمل أن يكون أخذ القصعة من بيتها عقوبة، والعقوبة بالأموال كانت مشروعة. وزعم المنذري أن ذلك من باب المعونة والإصلاح دون بن الحكم بوجوب المثل، فإن القصعة والطعام ليس لهما مثل معلوم، وقد أسلفنا هذا. ومن تعدى على قصعة فكسرها أو ثوبًا فقطعه، فإن كان يسيرًا أصلحه وغرم ما بين قيمته صحيحًا ومَرْفُوًّا. وإن كان كبيرًا، فاختلف قول مالك؛ فقال مرة: يغرم ما نقصه مثل الأول. وقال أخرى: هو مخير بين أن يضمنه جميع قيمته أو ما نقصت قيمته، ولم يختلف قول مالك إذا أراد ربُّه أخذَه وما نقص له أن ذلك له. وقال أشهب ومطرف وابن الماجشون: إن قدر على غرامة قيمته، فليس له أخذه وما نقصه. تنبيهات: أحدها: لما استدل ابن حزم بحديث القصعة، قال: هذا قضاء بالمثل لا بالدراهم، قال: وقد روي عن عثمان بن عفان وابن مسعود أنهما قضيا فيمن استهلك فصلانًا بفصلان مثلها (١)، وشبهه داود بجزاء الصيد في العبد العبد، وفي العصفور العصفور. ------- (١) «المحلى» ٨/ ١٤١. ثانيها: إن قلت: فهلا أدبها ولو بالكلام، فالجواب: لعله فهم أن المهدية كانت أرادت بإرسالها ذلك إلى بيتها أذاها والمظاهرة عليها، فلما كسرتها لم يزد على أن قال: «غارت أمكم» وجمع الطعام بيده، وقال: «قصعة بقصعة» وأما «طعام بطعام» فلم يغرم الطعام؛ لأنه كان مهدى فإتلافه قبول له أو في حكمه، وتؤيده رواية أبي داود عن عائشة قالت: ما رأيت صانع طعام مثل صفية، وأنها صنعت لرسول الله - ﷺ - طعامًا، فبعثت به فأخذتني أَفْكَل -تعني: رعدة- فكسرت الإناء، فقلت: يا رسول الله، ما كفارة ما صنعت؟ فقال: «إناء مثل إناء وطعام مثل طعام» (١)، وفي إسناده أفلت بن خليفة (٢) صدوق. ثالثها: عند الحنفية إذا تغيرت العين المغصوبة بفعل الغاصب حتى زال اسمها وعظم منافعها زال ملك المغصوب عنها وملكها الغاصب وضمنها ولم يجز له الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها (٣). رابعها: (القصعة) بفتح القاف وسكون الصاد: إناء من عود. قال ابن سيده: هي صحفة تشبع عشرة، جمعها: قصاع، وقصع (٤)، وكان بعض شيوخنا يقول: لا تكسر القصعة ولا تفتح الجراب. ------- (١) أبو داود (٣٥٦٨)، وقد سبق. (٢) ورد بهامش الأصل: قال الخطابي في حديث ذكره لأفلت: «إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» ضعف جماعة هذا الحديث وقالوا: أفلت مجهول. قال الإمام أحمد: لا أرى بأفلت بأسًا. وقال الدارقطني: كوفي صالح … من كلام النووي في «شرح المهذب». (٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٨١. (٤) «المحكم» ١/ ٨٢. ٣٥ - باب إِذَا هَدَمَ حَائِطًا فَلْيَبْنِ مِثْلَهُ ٢٤٨٢ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «كَانَ رَجُلٌ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، يُقَالُ لَهُ جُرَيْجٌ، يُصَلِّي، فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَأَبَى أَنْ يُجِيبَهَا، فَقَالَ أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ ثُمَّ أَتَتْهُ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ [وُجُوهَ] المُومِسَاتِ. وَكَانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَتِ امْرَأَةٌ: لأَفْتِنَنَّ جُرَيْجًا. فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْهُ، وَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ فَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ، فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ قَالَ الرَّاعِى. قَالُوا نَبْنِى صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ. قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ». [انظر: ١٢٠٦ - مسلم: ٢٥٥٠ - فتح ٥/ ١٢٦] ذكر فيه حديث جريج بطوله، وقد سبق، وإلى تبويب البخاري نحا الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور، فقالوا: إذا هدم رجل لآخر حائطًا، فإنه يبني له مثله، فإن تعذرت المماثلة رجع إلى القيمة، واقتضى بحث المتأخرين من الشافعية أن الجدار متقوم وأنه يضمن بالمثل ونقله النووي في «فتاويه» عن النص (١)، واختلف قول مالك في ذلك، والأشبه بالحديث الإعادة. و(المومسات) الزواني. وفيه: أن الطفل يدعى غلامًا وهو أحد من تكلم في المهد، كما سلف. وقيل: إنه أجاب في بطن أمه (٢). ---------- (١) «فتاوى الإمام النووي» ص ٩٢. (٢) ورد بهامش الأصل: ويدل له ما رواه أحمد في «المسند» من حديث أبي هريرة وفيه: «فجعلوا يطوفون بهما في الناس وجعل إصبعه على بطنها، فقال: أي فلان، من أبوك؟ قال: أبي فلان راعي الضأن …» الحديث. وفيه: المطالبة كما طالبت بنو إسرائيل جريجًا بما ادعته المرأة عليه. وفيه: استنقاذ الرب ﷻ لصالح عباده وأوليائه عند جور العامة وأهل الجهل عليهم بآية فيريهم الله إياها، فإن كانت عرضت في الإسلام، فكرامة يكرمه الله بها وسبب يسببه لا بخرق عادة ولا قلب عين. قال ابن بطال: وإنما كانت الآيات في بني إسرائيل؛ لأن النبوة كانت ممكنة فيهم غير ممتنعة عليهم، ولا نبي بعد نبينا فليس يجري من الآيات بعده ما يكون خرقًا للعادة ولا قلبًا لعين، وإنما يكون كرامة لأوليائه، مثل دعوة مجابة، ورؤيا صالحة، وبركة ظاهرة، وفضل بيِّن، وتوفيق من الله إلى الإبراء بما اتهم به الصالحون وامتحن به المتقون، وفي دعاء أمه عليه وهو في الصلاة، دليل أن دعاء الوالدين إذا كان بنية خالصة أنه قد يجاب، وإن كان في حال ضجر وحرج ولم يكن على صواب؛ لأنه قد أجيب دعاء أمه بأن امتحن مع المرأة التي كذبت عليه، إلا أنه تعالى استنقذه بمراعاته لأمر ربه فابتلاه وعافاه، وكذلك يجب (اللإنسان) (١) أن يراعي أمر ربه تعالى ودينه ويقدمه على أمور دنياه فتحمد عاقبته (٢). وقوله: («فتوضأ وصلى») فيه دلالة أن الوضوء كان لغير هذِه الأمة، وأن هذِه الأمة خصت بالغرة والتحجيل خلافًا لمن خصها بأصل الوضوء، وقد جاء في حديث سارة حين أخذها الكافر من إبراهيم أنها توضأت وصلت حتى غط الكافر وركض برجله (٣)، كما سيأتي في الإكراه، وقد روي أنه لما توضأ ثلاثًا ثلاثًا. قال: «هذا --------- (١) في الأصل: الإنسان. (٢)»شرح ابن بطال" ٦/ ٦١١ - ٦١٢. (٣) سلف برقم (٢٢١٧) كتاب: البيوع، باب: شراء المملوك .. من حديث أبي هريرة. وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي» (١)، فثبت بهذا كله أن الوضوء مشروع قبل هذِه الأمة. -------- (١) رواه ابن ماجه (٤٢٠) من حديث أبي بن كعب، بلفظ: «ووضوء المرسلين من قبلي». وضعَّف البوصيري إسناده في «مصباح الزجاجة» ١/ ٦٢. ٤٧ كتاب الشركة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٤٧ - كتاب الشَّرِكَةِ هي بفتح الشين وكسر الراء، وكسر الشين، وإسكان الراء، وفتح الشين وإسكان الراء وفيها لغة رابعة: شرك بغير تاء تأنيث. قال تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ [سبأ:٢٢] أي: من نصيب، وجمع الشركة: شرك بفتح الراء وكسر الشين، وهي في اللغة: الاختلاط على الشيوع أو على المجاورة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]. وفي الشرع: ثبوت الحق لاثنين فصاعدًا في الشيء الواحد كيف كان. قال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ﴾ [الزمر: ٢٩] أي: متشاجرون في خدمته؛ يريد كل منهم أن ينفرد بها، ثم هي تارة تحصل بالخلط وتارة بالشيوع الحكمي كالإرث. ١ - باب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَالنَّهْدِ وَالعُرُوضِ وَكَيْفَ قِسْمَةُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ مُجَازَفَةً أَوْ قَبْضَةً قَبْضَةً، لَمَّا لَمْ يَرَ المُسْلِمُونَ فِي النَّهْدِ بَأْسًا أَنْ يَأْكُلَ هَذَا بَعْضًا، وَهَذَا بَعْضًا وَكَذَلِكَ مُجَازَفَةُ الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ، وَالقِرَانُ فِي التَّمْرِ. ٢٤٨٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعْثًا قِبَلَ السَّاحِلِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةٍ وَأَنَا فِيهِمْ، فَخَرَجْنَا حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِيَ الزَّادُ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدَيْ تَمْرٍ، فَكَانَ يُقَوِّتُنَا كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى فَنِيَ، فَلَمْ يَكُنْ يُصِيبُنَا إِلَّا تَمْرَةٌ تَمْرَةٌ، فَقُلْتُ وَمَا تُغْنِي تَمْرَةٌ فَقَالَ لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ. قَالَ ثُمَّ انْتَهَيْنَا إِلَى البَحْرِ فَإِذَا حُوتٌ مِثْلُ الظَّرِبِ، فَأَكَلَ مِنْهُ ذَلِكَ الجَيْشُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، ثُمَّ أَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِضِلَعَيْنِ مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنُصِبَا، ثُمَّ أَمَرَ بِرَاحِلَةٍ، فَرُحِلَتْ ثُمَّ مَرَّتْ تَحْتَهُمَا فَلَمْ تُصِبْهُمَا. [٢٩٨٣، ٤٣٦٠، ٤٣٦١، ٤٣٦٢، ٥٤٩٣، ٥٤٩٤ - مسلم: ١٩٣٥ - فتح: ٥/ ١٢٨] ٢٤٨٤ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ القَوْمِ وَأَمْلَقُوا، فَأَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - فِي نَحْرِ إِبِلِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَقِيَهُمْ عُمَرُ فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ مَا بَقَاؤُكُمْ بَعْدَ إِبِلِكُمْ؟ فَدَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا بَقَاؤُهُمْ بَعْدَ إِبِلِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نَادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ». فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ، وَجَعَلُوهُ عَلَى النِّطَعِ. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَدَعَا وَبَرَّكَ عَلَيْهِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ بِأَوْعِيَتِهِمْ، فَاحْتَثَى النَّاسُ حَتَّى فَرَغُوا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ». [١٩٨٢ - فتح: ٥/ ١٢٨] ٢٤٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو النَّجَاشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - العَصْرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. [مسلم: ٦٢٥ - فتح: ٥/ ١٢٨] ٢٤٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ». [مسلم: ٢٥٠٠ - فتح: ٥/ ١٢٨] (النهد) بفتح النون وإسكان الهاء، قال الأزهري في «تهذيبه»: هو إخراج القوم نفقاتهم على قدر عدد الرفقة، يقال: تناهدوا وقد ناهد بعضهم بعضا (١). وقال ابن سيده: إنه العون، وطرح نهده مع القوم أعانهم وخارجهم، وقد تناهدوا، أي: تخارجوا يكون ذلك في الطعام والشراب، وقيل: إنه إخراج القوم نفقاتهم على قدر في الرفقة (٢). وقال صاحب «العين»: هو ما يجمعه الرفقاء من مال أو طعام على قدر في الرفقة ينفقونه بينهم (٣). وقال ابن دريد: يقال من ذلك: تناهد القوم الشيء: تناولوه بينهم (٤). وقال ثعلب: هو النهد بالكسر. قال: والعرب تقول: هات نهدك، مكسورة النون، وحكى عمرو بن عبيد عن الحسن أنه قال: أخرجوا نهدكم، فإنه أعظم للبركة، وأحسن لأخلاقكم وأطيب لنفوسكم. ----------- (١) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٦٧٢. (٢) «المحكم» ٤/ ١٩٠. (٣) «العين» ٤/ ٢٨. (٤) «جمهرة اللغة» ٢/ ٦٨٧. وذكر صاحب «المطالع» أن القابسي فسره بطعام الصلح بين القبائل. قال: وحكى بعضهم فيه فتح النون، وهذا غريب منه كونه قدم الكسرة. وذكر محمد بن عبد الملك التاريخي في كتاب «النهد» عن المدائني وابن الكلبي وغيرهما: أن أول من وضع النهد الحضير بن المنذر الرقاشي، وعن قتادة ما أفلس المتلازمان. يعني: المتناهدين. ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بَعَثَ النبيُّ - ﷺ - بَعْثًا، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الجَرَّاحِ … إلى أن قال: فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِأَزْوَادِ ذَلِكَ الجَيْشِ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَكَانَ مِزْوَدي تَمْرٍ .. الحديث بطوله، وقد ساقه مسلم أيضًا. ثانيها: حديث سَلَمَةَ قَالَ: خَفَّتْ أَزْوَادُ القَوْمِ وَأَمْلَقُوا إلى أن قال: «نَادِ فِي النَّاسِ فَيَأْتُونَ بِفَضْلِ أَزوَادِهِمْ». فَبُسِطَ لِذَلِكَ نِطَعٌ .. الحديث. ثالثها: حديث رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ: كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - العَصرَ فَنَنْحَرُ جَزُورًا، فَتُقْسَمُ عَشْرَ قِسَمٍ، فَنَأْكُلُ لَحْمًا نَضِيجًا قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ. رابعها: حديث أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرمَلُوا فِي الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ». ![]()
__________________
|
|
#462
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 51 الى صـــ 70 الحلقة (462) الشرح: أما حديث جابر فكرره البخاري، كما ستعلمه بعد، وقد أسلفنا أن مسلمًا طرقه. وأما حديث سلمة فمن أفراده. قال الإسماعيلي: أخبرني محمد بن العباس، ثنا أحمد بن يونس، ثنا النضر بن محمد، ثنا عكرمة بن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه بمعنى هذا الحديث. قال: وقال أحمد بن حنبل: عكرمة عن إياس صحيح أو محفوظ أو كلامًا هذا نحوه، ولم يرضه في يحيى بن أبي كثير. قلت: قد ساقه الطبري من حديث أبي حذيفة، حدثنا عكرمة به. وفيه: أن الأزواد كربض الشاة فحشونا جربنا منه، ثم دعا بنطفة من ماء في إداوة، فأمر بها فصبت في قدح، فجعلنا نتطهر به حتى تطهرنا جميعًا (١)، وأخرجه مسلم من حديث أبي هريرة: كنا مع رسول الله - ﷺ - في سفر فنفدت أزواد القوم حتى هم أحدهم بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: … الحديث (٢). وأخرجه البيهقي في «دلائله» من حديث عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري عن أبيه، وفيه: فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه، وبقي مثله فضحك حتى بدت نواجذه، وقال: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد مؤمن بهما إلا حجب عن النار»، وأخرجه أيضًا من حديث أبي خنيس الغفاري بلفظ: خرجت مع النبي - ﷺ - في غزوة تهامة، حتى إذا كنا بعُسفان جهدوا … الحديث (٣). --------- (١) رواه الطبراني ٧/ ١٨ (٦٢٤٤)، عن محمد بن الحسن المصيصي، ثنا أبو حذيفة، به. (٢) مسلم (٢٧) كتاب: الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة .. (٣) «دلائل النبوة» ٦/ ١٢١ - ١٢٢. وأما حديث رافع فسلف في الصلاة (١)، وشيخ البخاري محمد بن يوسف هو الفريابي. إذا تقرر ذلك فقال المهلب: هذِه القسمة لا تصلح إلا فيما جعل للأكل خاصة؛ لأن طعام النهد وشبهه لم يوضع للآكلين على أنهم يأكلون بالسواء، وإنما يأكل كل واحد على قدر نهمته، وقد يأكل الرجل أكثر من غيره، وهذِه القسمة موضوعة للمعروف وعلى طريقة بين الأكلين، ألا ترى جمع أبي عبيدة بقية أزواد الناس، ثم شركهم فيها بأن قسم لكل واحد منهم، وقد كان فيهم من لم تكن له بقية طعام، وقد أعطى لبعضهم أقل مما كان بقي له ولآخر أكثر، وكذلك في حديث سلمة قسمه بينهم بالاحتثاء وهو غير متساو، وهذا الفعل للشارع هو الذي امتثل أبو عبيدة في جمعه للأزواد، وإنما يكون هذا عند شدة المجاعة، فللسلطان أن يأمر الناس بالمواساة، ويجبرهم على ذلك ويشركهم فيما بقي من أزوادهم، وإحياءً لأرماقهم، وإبقاءً لنفوسهم (٢). ويجوز أن يكون حكمًا حكم به لما شاهد من الضرورة وخوفه من تلف من لم يبق معه زاد، فظهر له المواساة أو عن رضى منهم، وكذلك قال بعض العلماء: إن ذلك سنة. وفيه: أن للإمام أن يواسي بين الناس في الأقوات في الحضر بثمن وغيره، كما له فعل ذلك في السفر، وقد استدل بعض العلماء بهذا الحديث؛ وقال: إنه أجل في أن لا يقطع سارق في مجاعة؛ لأن المواساة واجبة للمحتاجين، وسيأتي كثير من معاني هذا الحديث في ---------- (١) سلف برقم (٥٥٩) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت المغرب، في بيان تعديل صلاة المغرب، وليس فيه ذكر صلاة العصر. (٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ٦ - ٧. الجهاد في باب: حمل الزاد في الغزو. وخصه أبو عمر بسرقة المأكل (١)، وفي حديث رافع: قسمة اللحم بالتجزيء بغير ميزان؛ لأنه من باب المعروف وهو موضوع للأكل. وأما قسمة الذهب والفضة مجازفة فغير جائز بالإجماع؛ لتحريم التفاضل في كل واحد منهما، وإنما اختلفوا في قسمة الذهب مع الفضة مجازفة أو بيع ذلك مجازفة، فكرهه مالك، ورآه من بيع الغرر والقمار، ولم يجزه، وأما الكوفيون والشافعي وجماعة من العلماء فأجازوا ذلك؛ لأن الأصل في الذهب بالفضة جواز التفاضل، فلا حرج في بيع الجزاف من ذلك وقسمته، وكذلك قسمة البر مجازفة لا تجوز، كما لا يجوز بيع جزاف بُر ببُرٍّ ونحوه، بما حرم فيه التفاضل وما يجوز فيه التفاضل فإنما الربا فيه في النسيئة خاصة، وأملق الرجل: افتقر ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، أي: الفقر، ومثله أرملوا، يقال: أرمل القوم في زادهم، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل، كما قيل في المسكين: الذي لصق بالتراب. وفيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ومواساتهم بشهادة الشارع، وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه وليس المقصود هنا بالقسمة المعروفة عند الفقهاء، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضًا بموجوده. تنبيهات: أحدها: كان بعث أبي عبيدة في رجب سنة ثمان للهجرة، وفيه قوة إيمان هؤلاء المبعوثين؛ إذ لو ضعف -والعياذ بالله- إيمانهم لما خرجوا -------- (١) «التمهيد» ٢٣/ ١٢. وهم ثلاثمائة وليس معهم سوى جراب تمر. ثانيها: ذكر هنا أنه لما كنا ببعض الطريق فني الزاد، وفي رواية فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة (١)، وفي أخرى ونحن نحمل أزوادنا على رقابنا (٢)، وفي أخرى زودهم جرابًا من تمر (٣)، وفي أخرى: فجمع أبو عبيدة زادهم (٤)، ولمسلم: يعطينا قبضة قبضة (٥)؛ ووجه الجمع كما قال عياض: أن يكون - عليه السلام - زودهم الجراب زائدًا على ما كان معهم من الزاد من أموالهم، ويحتمل أنه لم يكن في زادهم تمر غير هذا الجراب، وكان معهم غيره من الزاد، وإعطاء أبي عبيدة تمرة تمرة كان في الحال الثاني بعد أن فني زادهم وبعد أن أعطاهم قبضة قبضة، ثم فرغ وفقدوا التمرة ووجدوا لفقدها وقعًا، فلما فقدوها جمع أبو عبيدة الأزواد (٦). قلت: ويحتمل أن الجراب الذي زودهم الشارع كان على سبيل البركة، فلذا كانوا يأخذونه تمرة تمرة. ثالتها: الحوت يقع على الواحد والجميع، جمعه: حيتان وهي العظام منها. وقال ابن سيده: الحوت: السمك، اسم جنس، وقيل: هو ما عظم منه، والجمع: أحوات (٧). وقال الفراء: جمعه حِوَته وأحوات في القليل، فإذا كثرت فهي الحيتان. ----------- (١) رواه مسلم (١٩٣٥) كتاب: الصيد، باب: إباحة ميتات البحر. (٢) رواه مسلم (١٩٣٥/ ٢٠) (٣) رواه مسلم (١٩٣٥/ ١٧) (٤) سيأتي برقم (٤٣٦٠) كتاب: المغازي، باب: غزوة سيف البحر. ورواه مسلم (١٩٣٥/ ٢١) (٥) مسلم (١٩٣٥/ ١٨). (٦) «إكمال المعلم» ٦/ ٣٧١ - ٣٧٢. (٧) «المحكم» ٣/ ٣٧٩. وقوله: (ثماني عشرة ليلة) كذا في أصل الدمياطي ثماني لكن مصلحًا. وقال ابن التين: إنه الصواب الذي في نسخة الأصيلي، وجاء في رواية فأكلنا منه شهرًا (١)، وفي أخرى نصف شهر (٢). قال عياض: أكلوا منه نصف شهر طريًّا وبقيته قديدًا (٣). وقال النووي: من قال شهرًا هو الأصل ومعه زيادة علم، ومن روى دونه لم يَنْف الزيادة، ولو نفاها قدم المثبت، والمشهور عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له، ولا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه إثباتها، كيف وقد عارضه، فوجب قبولها (٤). رابعها: قد أسلفنا الكلام على المجازفة، وفي الحديث الأول والذي بعده الشركة، وزعم الداودي أنها ليست من هذا الباب؛ لأنهم لم يريدوا المبايعة ولا البدل، إنما تفضل بعضهم على بعض، أو أخذ الإمام من أحدهم، واعترض ابن التين فقال: البخاري إنما أراد أن حقوقهم تساوت فيه بعد جمعه، فيسمونه جزافًا ولم يرد أصل أخذه، كما تأول الداودي، ولكن مجازفة الذهب والفضة لم يأت في الباب ما يدل عليها، فإن كانت مصكوكة، فلم يجزها مالك، واختلف هل هو على الكراهة أو التحريم؟ وأجازها غيره من أصحابه، وإن كانت غير مصكوكة جاز بيع بعضها ببعض جزافًا، ذهبًا بفضة نقدًا. ------- (١) رواه مسلم (١٩٣٥). (٢) سيأتي برقم (٤٣٦١) كتاب: المغازي، باب: غزوة سيف البحر. ورواه مسلم (١٩٣٥/ ١٨). (٣) «إكمال المعلم» ٦/ ٣٧٧. (٤) «شرح صحيح مسلم» ١٣/ ٨٨. خامسها: فيه: فضل أبي عبيدة، وقد سماه الشارع أمين هذِه الأمة (١). وفيه: النظر في القوم والتدبير فيه، وفضل الصحابة على ما كان ينالهم من البؤس، وقد استجابوالله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وفيه: رضاهم بالقضاء وطاعتهم للأمير. وقوله: (تمرة تمرة) هو بما ترجم عليه بالقران في التمر. وقوله: (ثم انتهينا إلى البحر). قال الداودي: موضع، والظاهر أنه المعهود. و(الظرب) بفتح الظاء -يعني: المعجمة- وكسر الراء: الجبل الصغير. قال الفراء: هو بسكودن الراء، وهو الجبل المنبسط ليس بالعالي. وقوله: (فأمر بضلعين) -يعني: بالمعجمة- ضبط ذلك بكسر الضاد وفتح اللام. وقال في «أدب الكاتب» ضَلْع وضلَع (٢) (٣). وقال الهروي: هما لغتالن والضلع مؤنثة. وفي حديث سلمة: ما كان عمر عليه من التوفيق والتأييد، وتذكير الشارع، والتعريض بالطلب. وفيه: ما للإمام أدن يأخذ من أموال بعض عند الضرورة إلى ذلك. وفيه: مراعاة أحوال الجيش. -------- (١) سيأتي برقم (٤٣٨٢) كتاب: المغازي، باب: قصة أهل نجران، من حديث أنس، ورواه مسلم (٢٤١٩) كتاب: «فضائل الصحابة»، باب: فضائل أبي عبيدة. (٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: في «المطالع» اللغتان، وزاد: أنه وقع في موضع من البخاري بالظاء. (٣) «أدب الكاتب» ص ٢٤٠. وفيه: جواز الشركة في الطعام وخلط الأزواد في السفر إذا كان ذلك أرفق بهم. و(النطع): بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح، ومعنى (برك) دعا فيه بالبركة. وقوله: (احتثى الناس) أي: أخذوا ما بأيديهم. وفي حديث رافع: الشركة في الإبل. وفيه: جمع حظوظ رجال في المقسم، ومالك لا يقول بذلك. وفيه: نحر إبل المغنم. وفيه: أنه لا يتخير منها إلا بعد القسمة، ومالك يجيز قبلها. وقوله فيه: (فنأكل لحمًا نضيجًا قبل الغروب) قد يحتج به على أبي حنيفة أن أول وقت العصر بعد القامتين. و(النضيج) المطبوخ. وفيه: جواز هبة المجهول ومشهور مذهب مالك جوازه. ٢ - باب مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ ٢٤٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: حَدَّثَنِي ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ، أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ التِي فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ». [انظر: ١٤٤٨ - فتح: ٥/ ١٣٠] ذكر فيه حديث أنس السالف في الزكاة، وهي خلطة ولها تأثير في الزكاة عندنا وعند مالك، وخالف أبو حنيفة، والحديث دليل عليه؛ لأن التراجع لا يصح بين الشريكين والرقاب. قال ابن بطال: وفقه الباب أن الشريكين إذا كان رأس مالهما واحدًا فهما شريكان في الربح، فمن أنفق من مال الشركة أكثر مما أنفق صاحبه تراجعا عند الربح بقدر ما أنفق كل واحد منهما، فمن أنفق قليلًا رجع على من أنفق أكثر منه؛ لأنه - ﷺ - لما أمر الخليطين في الغنم بالتراجع بينهما بالسوية وهما شريكان دل على أن كل شريك في معناهما (١). ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٨. ٣ - باب قِسْمَةِ الغَنَمِ ٢٤٨٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَكَمِ الأَنْصَارِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِذِي الحُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إِبِلًا وَغَنَمًا. قَالَ وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أُخْرَيَاتِ القَوْمِ فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرَةً مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ، وَكَانَ فِي القَوْمِ خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَأَهْوَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللهُ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». فَقَالَ جَدِّي إِنَّا نَرْجُو -أَوْ نَخَافُ- العَدُوَّ غَدًا، وَلَيْسَتْ مَعَنَا مُدى، أَفَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ قَالَ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَة». [٢٥٠٧، ٣٠٧٥، ٥٤٩٨، ٥٥٠٣، ٥٥٠٦، ٥٥٠٩، ٥٥٤٣، ٥٥٤٤ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح: ٥/ ١٣١] ذكر فيه حديث عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، عَنْ جدَّهِ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِذِي الحُلَيْفَةِ فَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ، فَأَصَابُوا إِبِلًا وَغَنَمًا. وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي أُخْرَيَاتِ القَوْمِ، فَعَجِلُوا وَذَبَحُوا وَنَصَبُوا القُدُورَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالقُدُورِ فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ قَسَمَ فَعَدَلَ عَشْرَةً مِنَ الغَنَمِ بِبَعِيرٍ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ، فَطَلَبُوهُ فَأَعْيَاهُمْ .. الحديث، وترجم عليه قريبًا بباب: من عدل عشرة من الغنم بجزور في القسمة، وقال فيه: فعدل عشرة من الغنم بجزور، وفيه: «أعجل أو أرني» (١)، وقد أخرجه مسلم والأربعة (٢). ---------- (١) سيأتي برقم (٢٥٠٧) كتاب: الشركة. (٢) مسلم (١٩٦٨) كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم .. أبو داود (٢٨٢١)، والترمذي (١٤٩٢)، والنسائي ٧/ ١٩١ - ١٩٢، وابن ماجه (٣١٣٧). قال الدارقطني: ورواه أبو الأحوص، عن سعيد بن مسروق، عن عباية بن رفاعة، عن أبيه، عن جده. وتابعه عبد الوارث بن سعيد، عن ليث بن أبي سليم ومبارك بن سعيد بن مسروق فقالا: عن عباية، عن أبيه، عن جده. إذا تقرر ذلك؛ فـ (ندَّ) بتشديد آخره: هرب، والأوابد بفتح الهمزة وبالموحدة: النفور والتوحش، و(مُدى) بضم الميم، و(أَنْهَر) بالراء: أسال، وحكي إعجامها و(ليس السن والظفر) بالنصب على الاستثناء بـ (ليس)، وذو الحليفة هذِه ليست الميقات إنما هي التي من تهامة عند ذات عرق، كما ذكره ياقوت (١) وغيره. وقال في باب: من عدل عشرة (…) (٢) وكان ذلك سنة ثمان من الهجرة، كما نبه عليه ابن التين، ووقع للقابسي أنها المهل التي بقرب المدينة، وقاله النووي أيضًا، وما ذكرناه يرد عليهما (٣). و(أخريات الناس): أعقابهم، جمع أخرى، وكان يفعله رفقًا بمن معه ويحمل المنقطع. وقوله: (فأكفئت) أي: قلبت على أفواهها. قال ثعلب: كُفِئَتِ القِدْر: إذا كبت، وكذا ذكره الكسائي وغيره، فعلى هذا إنما يقال: --------- (١) «معجم البلدان» ٢/ ٢٩٦. (٢) كلمة غير واضحة بالأصل. (٣) ورد بهامش الأصل: ونقل صاحب «المطالع» أنها غيرها عن الداودي، وصريح عبارته أنه وقع في الرواية: كنا مع النبي - ﷺ - بذي الحليفة من تهامة، وعبارة النووي؛ وربما أشبه هذا -يعني: ذا الحليفة- بالحليفة على لفظ الميقات وهي موضع بين حاذة وذات عرق من تهامة، فهما ممران، قاله في «التهذيب». [انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١١٤. فكفئت، وعلى قول ابن السكيت في «إصلاحه» عن ابن الأعرابي وأبي عبيد وغيرهما يقال: أكفئت (١). وقال ابن التين: صوابه كفئت بغير ألف من كفأت الإناء مهموز، واختلف في إمالة الإناء، فيقال فيها: كفأت أو أكفأت، وكذلك اختلف في أكفأت الشيء لوجهه. وقد اختلف في سبب أمره بإكفاء القدور، فقيل: إنهم انتهبوها متملكين لها من غير قسمة، ولا على وجه الحاجة إلى أكلها، يشهد له قوله في رواية: (فانتهبناها) (٢)، قلت: قد أسلفنا في باب النهبى قول الراوي: فأصابتنا مجاعة. فهو بيان لوجه الحاجة، وفيه أيضًا (قبل أن تقسم) (٣) وقيل: إنما كان لتركهم الشارع في أخريات القوم، واستعجالهم ولم يخافوا من مكيدة العدو، فحرمهم الشارع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيض قصدهم، كما منع القاتل من الميراث، حكاه القرطبي (٤)، ويؤيده رواية أبي داود: وتقدم سرعان الناس فتعجلوا فأصابوا الغنائم ورسول الله - ﷺ - في آخر الناس (٥). وقال النووي: إنما أمرهم بذلك؛ لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام والمحل الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة، فإن الأكل منها قبل القسم إنما يباح في دار الحرب، والمأمور به من الإراقة إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم، وأما اللحم فلم يتلفوه بل --------- (١) «إصلاح المنطق» كما في ترتيبه «المشوف المعلم» ٢/ ٦٧٨. (٢) رواها ابن ماجه (٣٩٣٨) من حديث ثعلبة بن الحكم. (٣) رواه ابن ماجه (٣١٣٧). (٤) «المفهم» ٥/ ٣٧٥. (٥) أبو داود (٢٨٢١). يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم، ولا يظن أنه أمر بإتلافه؛ لأنه مال الغانمين، ولأنه - عليه السلام - نهى عن إضاعة المال، فإن قلت: لم ينقل أنهم حملوه إلى القسمة، فالجواب: ولا نقل أيضًا أنهم أخرجوه ولا أتلفوه، فوجب تأويله على وفق القواعد الشرعية، بخلاف لحم الحمر الأهلية يوم خيبر؛ لأنها صارت نجسة (١). وأجاز قسم الغنم والبقر والإبل بغير تقويم مالك. والكوفيون وأبو ثور إذا كان ذلك على التراضي. وقال الشافعي: لا يجوز قسم شيء من الحيوان بغير تقويم، حجة من أجاز ذلك أنه - ﷺ - قسم الغنائم وكانت أكثر غنائم خيبر الإبل والغنم، ولم يذكر في شيء من ذلك تقويم. قالوا: وتعديل الغنم بالغنم والبقر بالبقر، والإبل بالإبل جائز على التراضي في القسمة، ولا ربا يدخلها؛ لأنه يجوز فيها التفاضل يدًا بيد، ومن حجة الشافعي أن قسمته - ﷺ - الغنم مع الإبل إنما كانت على طريق القيمة، ألا ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير! وهذا هو معنى التقويم (٢). قال القرطبي: وهذِه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل والغنم، ولو كان فيها غير ذلك لقوَّم جميعها وقسمه على القيمة (٣) والإبل والغنم لا واحد لهما من لفظهما، وإنما واحد الإبل جمل وناقة، وواحد الغنم كبش وشاة. وقوله: (ندّ) أي: ذهب على وجهه، وقد أسلفنا أن معناه هرب، يقال: ندّ ندًّا أو ندودًا، و(أهوى إليه رجل بسهم) أي: ردَّ يده إليه ---------- (١) «شرح صحيح مسلم» ١٣/ ١٢٦ - ١٢٧. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٩. (٣) «المفهم» ٥/ ٣٧٥. ليأخذه، والأوابد جمع آبدة بالمد، وكسر الباء المخففة، يقال: منه أبدت تأبد بضم الباء وكسرها، وهي النافرة من الإنس، وتوحشت كما أسلفناه. وقال الداودي: يعني النفار، أبد يأبد أبودا، وتأبد تأبيدًا إذا توحش ونفر. وقال القزاز: مأخوذة من الأبد وهو الدهر؛ لطول بقائها. وقال أبو عبيد: أخذت من تأبدت الدار تأبدًا، وأبدت تأبد أُبُودًا إذا خلا منها أهلها (١). وقوله: («فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا») ظاهره أن ما ندّ من الإنسي، ولم يقدر عليه جاز أن يذكى بما يذكى به الصيد. وبه قال أبو حنيفة والشافعي وهو قول علي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وطاوس وعطاء والشعبي والحسن والأسود بن يزيد والنخعي والحكم وحماد والثوري وأحمد والمزني وداود، وحكاه النووي عن الجمهور (٢) ذاهبين إلى حديث أبي العشراء الدارمي (٣)، عن أبيه قلت: يا رسول الله، أما تكون الذكاة إلا في اللبة والحلق. قال: «لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك». قال الترمذي: قال يزيد بن هارون: هذا في الضرورة (٤). -------- (١) «غريب الحديث» ١/ ٢٣٨. (٢) «شرح صحيح مسلم» ١٣/ ١٢٦. (٣) أبو العُشراء الدارمي: اختلف في اسمه، وقال أحمد: ما أعرف أنه يروى عن أبي العشراء حديث غير هذا، يعني الحديث المذكور، وقال البخاري: في حديثه واسمه وسماعه من أبيه نظر، وقال الذهبي: لا يُدْرى من هو، ولا مَن أبوه، انفرد عنه حماد بن سلمة، انظر: «تهذيب الكمال» ٣٤/ ٨٥ (٧٥١٤)، «ميزان الاعتدال» ٦/ ٢٢٥ (١٠٤١٩)، «تهذيب التهذيب» ٤/ ٥٥٦. (٤) الترمذي (١٤٨١)، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرفه لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث. وقال أبو داود: لا يصلح هذا إلا في المتردية والمتوحشة (١). وقال مالك: لا تؤكل إلا بذكاة الإنسي بالنحر أو الذبح استصحابًا لمشروعية أصل ذكاته، وأنه وإن كان قد لحق بالوحشي في الامتناع، فلم يلتحق بها لا في النوع ولا في الحكم، ألا ترى أن ملك مالكه باق عليه! وهو قول ابن المسيب وربيعة والليث. قال مالك: ليس في الحديث أن السهم قتله، وإنما قال: حبسه ثم بعد أن حبسه صار مقدورًا عليه، فلا يؤكل إلا بالذبح، ولا فرق بين أن يكون وحشيًّا أو إنسيًّا، وخالف مالكًا ابن حبيب في البقر خاصة؛ لأن لها أصلًا في التوحش، وألزمه بعضهم كل الإنسية قياسًا على قوله فيها: إذا سقطت في بئر، ولم يقدر على ذبحها ولا نحرها، إنما تطعن في الجنب. قال: وكذلك إذا ندّت. قال أبو الحسن في معنى الحديث: إنما ذلك؛ لأنه حبسه بجرح ولم يصب مقاتله. والشارع إنما نهى عن تعذيب الحيوان وهو رميها وجرحها. قال: فهذا معناه عندي، لأنه منفوذ المقاتل، كما تأوله من احتج به لما تقدم. وقوله: (فاصنعوا به هكذا). قال مالك: نقول بموجبه، أي: برميه وبحبسه فإن أدركناه حيًّا ذكيناه، وإن تلف بالرمي فهل يأكله أو لا؟ وليس في الحديث تعين أحدهما، فلحق بالمجملات ولا تنهض حجة. قالوا في حديث أبي العشراء: ليس بصحيح؛ لأن الترمذي قال فيه: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة، ولا نعرف عن أبي العشراء عن أبيه غيره. ------ (١) أبو داود (٢٨٢٥). قلت: قد ذكر أبو موسى المديني مسندًا لأبي العشراء عن أبيه، فبلغت أحاديثه نحو ثمانية عشر حديثُا، وتفرُّدُ حماد غير قادح فيه لثقته وأمانته. قالوا: ولو سلمنا صحته لما كان فيه حجة، إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقًا في المقدور على تذكيته وغيره، ولا قائل به في المقدور عليه، فظاهره ليس مرادًا. و(المُدى) جمع مدية وهي السكين. وقوله: (أفنذبح بالقصب؟) وفي مسلم بالليط (١) -بلام مكسورة، ثم مثناة تحت ساكنة، ثم طاء مهملة- وهي قطع القصب، قاله القرطبي (٢). وقال النووي: قشوره، الواحدة ليطة (٣)، وفي أبي داود: أنذكي بالمروة (٤)؟ ولعلهما قتلا فأجابهم بجواب جامع لما سألوا ولغيره نفيًا وإثباتًا. فقال: «ما أنهر الدم …» إلى آخره (٥)، ومعنى هذا السؤال أنهم كانوا عازمين على قتال العدو، وأنهم صانوا سيوفهم وأسنتهم وغيرها عن استعمالها؛ لأن ذلك يفسد الآلة أو يعيبها، ولم يكن لهم سكاكين صغار معدة للذبح. وقوله: (إنا نرجو أو نخاف العدو غدًا). قال ابن التين: هما سواء. قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ١١٠] أي: يخافه، ومعنى «أنهر» (٦): أسال -كما سلف- أسأله وصبه بكثرة، وهو مشبه بجري ---------- (١) مسلم (١٩٦٨/ ٢٢) كتاب: الأضاحي، باب: جواز الذبح بكل ما أنهر الدم. (٢) «المفهم» ٥/ ٣٦٧. (٣) «شرح مسلم» ١٣/ ١٢٧. (٤) أبو داود (٢٨٢١) بلفظ: (أفنذبح). (٥) «شرح صحيح مسلم» ١٣/ ١٢٧. (٦) ورد بهامش الأصل: في «المطالع» أنهر كذا الرواية في الأمهات ووقع للأصيلي نهر، قال: وليس بشيء، قال: وجاء في باب إذا ند بعير: (أنهر أو نهر) على الشك وتأخيره الحكم مقاربته. الماء في النهر، وروي بالزاي، كما سلف، والنهر: الدفع، وهو غريب، وشرط في الذكاة سيلان الدم؛ ليتميز بذلك حلها من حرمتها، فإن الميتة لا دم لها. والظفر يدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات وسواء المتصل والمنفصل، والطاهر والنجس، ويلتحق به سائر العظام من كل حيوان مطلقًا، وكل ما صدق عليه اسم العظم فلا يجوز الذكاة بشيء منها، وهو قول النخعي والحسن بن صالح والليث وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين ويجوز بالمنفصلتين، وعن مالك روايات: أشهرها: جوازه بالعظم دون السن، كيف كانا. والثانية: كمذهبنا. والثالثة: كأبي حنيفة. والرابعة: يجوز بكل شيء بالسن والظفر، وعن ابن جريج جوازها بعظم الحمار دون القرد، وأجيب عن الحديث بحمله على الكراهة، أو على سن وعظم لا يصح القطع بهما دون ما إذا كانا عريضين. وقوله: («أما السنن فعظم») معناه: لا تذبحوا لئلا ينجس بالدم، وقد نهيتم عن الاستنجاء به لئلا تنجس؛ لكونها زاد الجن. وقال ابن الجوزي: يدل على أنه مقدر في عرفهم أن لا تذبحوا بعظم؛ لأنه لا يقطع العروق، وإنما يزهق النفس خنقًا لا ذبحًا؛ لغرز أظفارهم في الحلق. وقيل: لأن الحبشة كفار، وقد نهيتكم عن التشبه بالكفار، وهذا من شعارهم، وحمله القرطبي على الظفر المتصل (١). ---------- (١) «المفهم» ٥/ ٣٦٩. قال الخطابي: ظاهره يوهم أن مدى الحبشة لا يقع بها ذكاة، ولا خلاف في صحة ذلك، وإنما معناه أنهم (يدمون) (١) مذابح الشاة بأظفارهم، ثم يدعونها فتذهب النفس خنقًا وتعذيبًا ويحلونها محل الذكاة، فلذلك ضرب المثل به (٢). وقوله: («وذكر اسم الله») مقتضاه شرطيتها؛ لأنه قرنها بالذكاة المشترطة، وعلق الإباحة عليها، فقد صار كل واحد منهما شرطًا أو جزء شرط، والخلاف فيه شهير عمدًا ونسيانًا. وقوله: («أعجل») ضبط في بعض النسخ بضم الهمزة، وفي بعضها بالفتح وكسر الجيم. قال أبو الحسن: وهو وصف للرجل بالعجلة. وقوله: (أرن) أي: هات، وهي لفظة تترد في كلام بعضهم، فيكون معنى الحديث اسمع وافهم. قال الخطابي: إنما هو (وأرني -مهموز- على وزن، وعر) (٣) أي: خف واعجل على الذبيحة، وأصله من أرن يأرن إذا نشط وخف (٤)، فعلى هذا يقرأ بهمزة ساكنة. ومن فوائده: عجلهم على وجه التأويل، وسقوط الإثم عنهم، والغرم على المتأول وعقوبتهم بالإكفاء. وفيه: جمع الإبل والغنم في القسمة ومالك لا يراه. وفيه: أنهما يقسمان في القسمة ولا يقوله مالك ولا يعارض هذا بالجواب الذي في الحديث الآخر لوجوه: ---------- (١) في الأصل: (يديمون)، والمثبت من «أعلام الحديث». (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٤٦ - ١٢٤٧. (٣) هكذا في الأصل، وفي «أعلام الحديث»: وَأْرَنْ -مهموزًا- على وزن وعْرًا. (٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٥٥ - ١٢٥٦. منها: أن ذلك كان في خيبر سنة ست، وهذِه نازلة حنين سنة ثمان، والآخر لا ينسخه الأول. ومنها: أنه قضية في عين. ومنها: أنه صار إليه بعطية من رسول الله - ﷺ -. ٤ - باب القِرَانِ فِي التَّمْرِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ ٢٤٨٩ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا، حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. [انظر: ٢٤٥٥ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح: ٥/ ١٣١] ٢٤٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ قَالَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: لَا تَقْرُنُوا فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. [انظر: ٢٤٥٥ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح: ٥/ ١٣١] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: نَهَى رسول الله - ﷺ - أَنْ يَقْرُنَ الرَّجُلُ بَيْنَ التَّمْرَتَيْنِ جَمِيعًا حَتَّى يَسْتَأْذِنَ أَصْحَابَهُ. وحديث جَبَلَةَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فَأَصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: لَا تَقْرُنُوا فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. وقد سلف واضحًا، والنهى عن القرآن فيه عند العلماء من باب حسن الأدب في الأكل؛ لأن القوم الذين وضع بين أيديهم هم كالمتساوين في أكله، فإن استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له ذلك، ومن هذا الباب جعل أهل العلم النهي عن النهبة في طعام النثر في الأعراس وغيرها لما فيه من سوء الأدب والاستئثار بما لا تطيب عليه نفس صاحب الطعام. وقال أهل الظاهر: إن النهي عنه على (التحريم) (١) وفاعله عاص إذا كان عالمًا بالنهي، ولا نقول: إنه أكل حرامًا؛ لأن أصله الإباحة جملة، ودليل الجمهور إنما وضع بين أيدي الناس للأكل، فإنما سبيله سبيل المكارمة لا على التشاح؛ لاختلاف الناس في الأكل فبعضهم يكفيه اليسير وبعضهم لا يكفيه أضعافه، ولو كانت سهمانهم سواء لما ساغ لمن لا يشبعه اليسير أن يأكل أكثر من مثل نصيب من يشبعه اليسير، ولما لم يتشاحَّ الناس في هذا المقدار علم أن سبيل هذِه المكارمة ليس على معنى الوجوب. -----------(١) ورد في الأصل (الوجوب) وفوقها (التحريم) فأثبتناها لأنها الأصوب. ![]()
__________________
|
|
#463
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 71 الى صـــ 90 الحلقة (463) ٥ - باب تَقْوِيمِ الأَشْيَاءِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ بِقِيمَةِ عَدْلٍ ٢٤٩١ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ مِنْ عَبْدٍ -أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ نَصِيبًا- وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». قَالَ: لَا أَدْرِى قَوْلُهُ: «عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». قَوْلٌ مِنْ نَافِعٍ أَوْ فِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٢٥٠٣، ٢٥٢١، ٢٥٢٢، ٢٥٢٣، ٢٥٢٤، ٢٥٢٥، ٢٥٥٣ - مسلم: ١٥٠٥ - فتح: ٥/ ١٣٢] ٢٤٩٢ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ المَمْلُوكُ، قِيمَةَ عَدْلٍ ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». [٢٥٠٤، ٢٥٢٦، ٢٥٢٧ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ٥/ ١٣٢] ذكر فيه حديث نافع عن ابن عمر قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ في عَبْدٍ -أَوْ شِرْكًا، أَوْ قَالَ: نَصِيبًا- وَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ ثَمَنَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». قَالَ: لَا أَدْرِي قَوْلُهُ: «عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». قَوْلٌ مِنْ نَافِعٍ أَوْ فِي الحَدِيثِ عَنِ رسول الله - ﷺ -. وحديث عبد الله عن سعيد بن أبي عروبة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ مَمْلُوكِهِ فَعَلَيْهِ خَلَاصُهُ فِي مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ قُوِّمَ المَمْلُوكُ قِيمَةَ عَدْلٍ، ثُمَّ اسْتُسْعِيَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». الشرح: الحديثان في مسلم (١). وقوله: (قال) هو أيوب، وكذا صرح به الطرقي وهو أيوب بن أبي تميمة، وكذا صرح به الإسماعيلي. قال: وفي رواية المعلى عن حماد، عن أيوب، قاله (نافع) (٢)، وله: «لا وكس ولا شطط»، وفي لفظ: «قوم عليه بأعلى القيمة»، قال: وهذا ليس بمضبوط. قال ابن عبد البر: ورواه يحيى بن سعيد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «كلف عتق ما بقي منه إن كان له مال، فإن لم يكن له مال، فقد جاز بما صنع» (٣). وقال الشافعي: لا أحسب عالمًا بالحديث يشك أن مالكًا أحفظ لحديث نافع من أيوب؛ لأنه ألزم له من أيوب. ورواه عن نافع من غير شك (٤). قال البيهقي: وتابع مالكًا عبيد الله بن عمر (٥). وفي «الأفراد» للدارقطني: «ورَقَّ منه ما رق». وقال: تفرد به إسماعيل بن مرزوق، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عنه (٦). ------ (١) برقم: (١٥٠١، ١٥٠٢) كتاب: العتق، باب: ذكر سعاية العبد .. (٢) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة: أنه مجهول. (٣) «التمهيد» ١٤/ ٢٧١ - ٢٧٢. (٤) «اختلاف الحديث» ص ٢١٩. (٥) «السنن الكبرى» ١٠/ ٢٧٨. (٦) «الأفراد» كما في «أطراف الغرائب» ٣/ ٤٨١ - ٤٨٢ (١، ٣٣). وقال ابن حزم: هي زيادة موضوعة (١). ولابن أبي شيبة: إن كان موسرًا ضمن، وإن كان معسرًا عتق منه ما عتق (٢). وفي رواية الحجاج، عن نافع قال ابن عمر إثر الحديث: إن لم يكن له مال سعى العبد. وللحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن ابن المسيب قال: كان ثلاثون من الصحابة يضمنون الرجل يعتق العبد بينه وبين الرجل إن كان موسرًا. وقال الخطيب في حديث أبي هريرة: رواه يزيد بن هارون، عن سعيد، عن قتادة، عن النضر بن أنس بلفظ: «من أعتق نصيبًا له من عبد، ولم يكن له مال استسعي العبد في ثمن رقبته غير مشقوق عليه». هكذا رواه يزيد، قصر عن بعض الألفاظ التي ذكرها عبد الله بن بكر، عن ابن أبي عروبة، وقد رواه عن سعيد بن المبارك، ويزيد بن زريع، ومحمد بن بشر العبدي، ويحيى القطان، ومحمد بن أبي عدي، فأحسنوا سياقه واستوفوا ألفاظه. وكذلك رواه أبان بن يزيد، وجرير بن حازم، وموسى بن خلف، عن قتادة. ورواه شعبة، عن قتادة فلم يذكر استسعاء العبد، وكذلك رواه روح بن عبادة ومعاذ بن هشام كلاهما عن هشام الدستوائي، عن قتادة إلا أن معاذًا لم يذكر في إسناده النضر، إنما قال عن قتادة، عن بشير. --------- (١) «المحلى» ١٠/ ٣٣٢. (٢) «المصنف» ٤/ ٤٣٩ (٢١٨٥٢). ورواه محمد بن كثير العبدي، عن همام، عن قتادة مثل رواية روح عن هشام، عن قتادة. وروى (أبو) (١) عبد الرحمن عبد الله بن يزيد المقري، عن همام معنى ذلك، إلا أنه زاد فيه ذكر الاستسعاء، وجعله من قول قتادة، وميزه من كلام رسول الله - ﷺ -، فقال: وكان قتادة يقول: إن لم يكن له مال استسعى (٢). وللإسماعيلي: أن رجلًا أعتق شقصًا من مملوكه، فغرمه رسول الله - ﷺ - بقية ثمنه، ثم قال: إن كان الاستسعاء على ما يذهب إليه الكوفي، فقد جمع بين حديثي ابن عمر وأبي هريرة، وهما متدافعان وجعلهما صحيحين، وهذا بعيد جدًّا، والقول في ذلك أحد قولين: أحدهما: قوله: (استسعى العبد) ليس في الخبر المسند، وإنما هو قول لقتادة مدرج في الخبر على ما رواه همام عن قتادة، وإما أن يكون استسعاء العبد السيد يستسعيه في قوته غير مشقوق عليه أن العتق لم يكمل فيه، فإنه لم يبين في الخبر من يستسعيه، وبَيَّن أن المعتق لم ينفذ فيه فصار سيده هو الذي يستسعيه، وللنسائي عن ابن عمر وجابر مرفوعًا: «من أعتق عبدًا وله فيه شركاء وله وفاء فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته لما أساء من مشاركتهم، وليس على العبد شيء» (٣). ولأبي داود: عن ملقام بن التلب (٤) عن أبيه أن رجلًا أعتق نصيبًا من ------ (١) في الأصل: ابنه، وهو خطأ والمثبت هو الصواب كما في «الفصل للوصل». (٢) «الفصل للوصل المدرج في النقل» ١/ ٣٧٩. (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ١٨٥ (٤٩٦١). (٤) ورد بهامش الأصل: التلب بالمثناة فوق … وغيره يقوله بالمثلثة [وهو ملقام ويقال: هلقام بن التلب بن ثعلبة بن ربيعة التميمي العنبري، بصري، روى عنه: أبيه، وروى عنه: ابن أخيه غالب بن حجرة، وابنته أم عبد الله بنت ملقام، روى له أبو داود، انظر: ترجمته في «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٤٨٣]. مملوك، فلم يضمنه رسول الله - ﷺ - (١). وروى عبد الرزاق، عن عمر بن حوشب (٢)، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده، قال: كان لهم غلام يقال له: طهمان أو ذكوان، فأعتق جده نصيبه من العبد، فأتى رسول الله - ﷺ - فسأله: فقال: «تعتق في عتقِكَ وترق في رِقك» (٣). وروى أيضًا مرسلًا أن بني سعيد بن العاص كان لهم غلام فأعتقوه كلهم إلا رجل واحد، فذهب العبد إلى رسول الله - ﷺ - يستشفع به إلى الرجل، فوهب الرجل نصيبه الرسول) (٤) الله - ﷺ - فأعتقه (٥). إذا تقرر ذلك، فاختلف العلماء في قسمة الرقيق على قولين: أحدهما: أنه لا يجوز قسمته، إلا بعد التقويم، وهو قول أبي حنيفة والشافعي واحتجا بحديثي الباب، فأجاز تقويمه في البيع للعتق، وكذلك تقويمه في القسمة. وثانيهما: يجوز بغير تقويم إذا تراضوا على ذلك، وهو قول مالك وأبي يوسف ومحمد، واحتجوا بأنه - عليه السلام - قسم غنائم حنين، وكان أكثرها السبي والماشية ولا فرق بين الرقيق وسائر الحيوانات، ولم يذكر في شيء من السبي تقويم (٦). -------- (١) أبو داود (٣٩٤٨). (٢) هو عمر بن حوشب الصنعاني، روى عن إسماعيل بن أمية، وروى عنه عبد الرزاق، ذكره ابن حبان في «الثقات»، روى له أبو داود في كتاب «المراسيل» حديثًا. انظر: «تهذيب التهذيب» ٣/ ٢٢٠. (٣) «المصنف» ٩/ ١٤٨ - ١٤٩ (١٦٧٠٥). (٤) في الأصل: من رسول، والمثبت هو الصواب. (٥) «المصنف» ٩/ ١٥٥ - ١٥٦ (١٦٧٣٣). (٦) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١١. قال ابن بطال: وتناقض أبو حنيفة، فأجاز قسمة الإبل والبقر والغنم بغير تقويم، وزعم أن الفرق بين الرقيق وسائر الحيوان أن اختلاف الحيوان متفاوت، وهذا ليس بشيء؛ لأن القسمة بيع من البيوع، وكل بيع صحيح جائز إذا انعقد على التراضي، ولا خلاف بين العلماء أن قسمة العُروض وسائر الأمتعة بعد التقويم جائز، وإنما اختلفوا في قسمتها بغير تقويم، فأجازه مالك والكوفيون وأبو ثور إذا كان ذلك على سبيل التراضي. ومنع من ذلك الشافعي، وقال: لا يجوز قسم شيء من ذلك إلا بعد التقويم قياسًا على حديث ابن عمر في تقويم العبد (١). تنبيهات: أحدها: قوله: «شقيصًا» وفي رواية: «شقصًا» (٢) مثل: نصف ونصيف. قال ابن دريد: هو العدل من كل شيء (٣). وقال القزاز: لا يكون إلا القليل من الكثير. وقال في «الجامع»: الشقص النصيب والسهم تقول: لي (في هذا) (٤) المال شقص -أي: نصيب قليل- والجمع: أشقاص وقد شقصت الشيء إذا جزأته. وقال ابن سيده: وقيل: هو الحظ، وجمعه: شِقاص (٥). قال الداودي: الشقص والنصيب والسهم والحظ كله واحد. ثانيها: خالف البتي وربيعة هذا الخبر، فقالا: لا يُقَوَّم عليه نصيب ------- (١) «شرح ابن بطال» ٧/ ١١. (٢) ستأتي برقم (٢٥٠٤) باب: الشركة في الرقيق. (٣) في «الجمهرة» ٢/ ٨٦٥: شقيص: قليل من كثير. (٤) في الأصل: هذا في، والمثبت هو الصواب. (٥) «المحكم» ٦/ ٩٥. شريكه، حكاه ابن التين عنهما قال: واختلفا هل يمضي عتق نصيبه، فأباه ربيعة (١)؛ لأنه لا يضر بغيره. وقال عثمان البتي: يعتق نصيبه خاصة (٢)، كأنه أشار إلى رواية عبد الرزاق السالفة، وعند أبي حنيفة شريكه بالخيار بين أن يعتق نصيبه أو يستسعي العبد في قيمة نصيبه ويعتق، وبين أن يُقَوَّمه على المعتق (٣)، وسيأتي إيضاح ذلك في موضعه. ثالثها: قوله: («وإلا فقد عَتق منه ما عتق») هو بفتح العين على الأول ويجوز فتحها في الثاني وضمها، قاله الداودي وتعقبه ابن التين، فقال: هذا لم يقله غيره ولا يعرف عتق بالضم؛ لأن الفعل لازم غير متعد، وإن كان سيبويه أجازه على أنه أقام المصدر مقام ما لم يسم فاعله. وقوله: («فهو عتيق») بمعنى: معتق. رابعها: السعاية أن يستخدم لمالكه، ولهذا قال: «غير مشقوق عليه» إذ لا يُحَمَّل من الخدمة فوق ما يلزمه بحصة الرق. وقال أبو عبد الله: غير مشقوق عليه: غير مكاتب، وسيأتي له تتمة في باب إذا أعتق عبد بيبن اثنين (٤)، وبالسعاية قال الأوزاعي (٥)، وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن: يعتق جميع العبد في الحال، وإن كان المعتق معسرًا فلشريكه أن يستسعي العبد وهو حر في قيمه نصيبه منه (٦). ----------- (١) انظر: «التمهيد» ١٤/ ٢٨٤، «إكمال المعلم» ٥/ ١٠٠. (٢) انظر: «الإشراف» لابن المنذر ٣/ ١٧٤. (٣) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٧٠. (٤) برقم (٢٥٢١ - ٢٥٢٥) كتاب: العتق. (٥) انظر: «إكمال المعلم» ٥/ ١٠٢. (٦) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٧٠. وقال مالك والشافعي: يصير نصيب الشريك رقيقًا (١)، واحتج لأبي حنيفة بهذا الحديث ولا دلالة فيه؛ لأنه قال: إن اختار السيد وليس فيه ذكر خيار، وقد أسلفنا أن الاستسعاء من قول قتادة، وقال بعضهم: لا يستعلي عليه في الثمن (٢). وقوله: («قيمة عدل») يدل على أنه عبد كله، ولا يقوم بعيب العتق، قاله أصبغ وغيره (٣). وقال ابن أبي لبابة: يقوم على أنه مسه العتق. وفيه دليل على أن من أتلف عرضًا عليه قيمته، وسلف. ---------- (١) انظر: للمالكية: «المدونة» ٢/ ٣٧٩، «عيون المجالس» ٤/ ١٨٤٧، وللشا فعية: «الأم» ٧/ ١٢٣، «التهذيب» ٨/ ٣٦١، «كفاية الأخيار» ص ٨٠٩. (٢) هو قول ابن التين، قاله الحافظ في «الفتح» ٥/ ١٥٧. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٣٢٣. ٦ - باب هَلْ يُقْرَعُ فِي القِسْمَةِ وَالاِسْتِهَامِ فِيهِ ٢٤٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ قَالَ: سَمِعْتُ عَامِرًا يَقُولُ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا». [٢٦٨٦ - فتح: ٥/ ١٣٢] ذكر حديث عامر: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللهِ وَالوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ المَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقًا، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ تَرَكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعًا، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعًا». هذا الحديث ذكره البخاري، فيما سيأتي «مثل المدهن»، وقال فيه: «فأخذ فأسًا، فجعل ينقر أسفل السفينة، فأتوه ..» الحديث (١). وللترمذي: «مثل القائم على حدود الله والمدهن فيها» (٢). ولا شك أن القرعة سنة لكل من أراد العدل في القسمة بين الشركاء، والفقهاء متفقون على القول بها، وخالفهم بعض الكوفيين وَرُدَّت الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنه لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام ---------- (١) سيأتي برقم (٢٦٨٦) كتاب: الشهادات، باب: القرعة في المشكلات. (٢) «جامع الترمذي» (٢١٧٣). التي نهى الله عنها. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوزها، وقال: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنة. وقال إسماعيل بن إسحاق: ليس في القرعة إبطال شيء من الحق كما زعم الكوفيون، وإذا وجبت القسمة بين الشركاء في دار أو أرض، فعليهم أن يعدلوا ذلك بالقيمة ثم يستهموا، ويصير لكل واحد منهم ما وقع له بالقرعة مجتمعًا مما كان له في الملك مشاعًا، ويضم في موضع بعينه ويكون ذلك بالعوض الذي صار لشريكه؛ لأن مقادير ذلك قد عدل بالقيمة، وإنما منعت القرعة أن يختار كل واحد منهم موضعًا معينًا، وهذا إنما يكون فيما يتشابه من الدور والأرضين والعروض وما يستوي فيه الناس في كل موضع مما يقرع عليه (١). وفي قوله - عليه السلام -: «كمثل قوم استهموا على سفينه» جواز الاقتراع؛ لإقراره - عليه السلام - لها، وأنه لم يذم المستهمين في السفينة، ولا أبطل فعلهم، بل رضيَه وضربه مثلًا لمن نجته نفسه من الهلكة في دينه، وقد ذكر البخاري أحاديث كثيرة في القرعة في آخر الشهادات وترجم له باب: القرعة في المشكلات (٢)، وذكر حديث عائشة في الإفك: كان إذا خرج أقرع بين نسائه (٣). قال البخاري: وقال: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٤]، وقال: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ [الصافات: ١٤١]. وفي حديث أم العلاء أن عثمان بن مظعون طار لهم سهمه في ---------- (١) انظر: ما سبق في «شرح ابن بطال» ٧/ ١٢ - ١٣، و«طرح التثريب» ٨/ ٤٨. (٢) سيأتي برقم (٢٦٨٦ - ٢٦٨٩). (٣) سيأتي برقم (٢٦٦١) باب: تعديل النساء بعضهن بعض. السكنى حين اقترعت الأنصار سكنى المهاجرين .. الحديث (١). وفي حديث أبي هريرة: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه» (٢). وفي مسلم من حديث عمران بن حصين أن رجلًا كان له ستة مملوكين فأعتقهم، فجزأهم رسول الله - ﷺ - فأعتق اثنين وأرق أربعة (٣). وفي «مستدرك الحاكم» من حديث زيد بن أرقم: أتى عليٌّ وهو باليمن في ثلاثة وقعوا على امرأة في طهر واحد، فأقرع بينهم، وألحق الولد بالذي أصابته القرعة، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ -، فضحك حتى بدت نواجذه (٤). ولابن ماجه عن أبي هريرة مرفوعًا أن رجلين تدارءا في بيع ليس لواحد منهما بينة، فأمرهما النبي - ﷺ - أن يستهما على اليمين أحبا ذلك أم كرها (٥). ولابن أبي شيبة عن صفية بنت عبد المطلب أنها أقرعت بين حمزة ورجل في كفن، وكتب عثمان إلى معاوية فأمره بالقرعة، وممن أقرع سعيد بن جبير وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز، وعن أم سلمة أنه - ﷺ - قال للرجلين: «استهما، ثم توخيا الحق، ثم ليتحلل كل رجل منكما صاحبه» (٦). --------- (١) سيأتي برقم (٢٦٨٧) باب: القرعة في المشكلات. (٢) سلف برقم (٦١٥) كتاب: الأذان، باب: الاستهام في الأذان. (٣) «صحيح مسلم» برقم (١٦٦٨) كتاب: الأيمان، باب: من أعتق شركا له في عبد. (٤) «المستدرك» ٢/ ٢٠٧ وصححه، ورواه مختصرًا ابن أبي شيبة ٥/ ٢٦ - ٢٧ (٢٣٧٩). (٥) «سنن ابن ماجه» (٢٣٤٦) وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٨٩٩). (٦) «المصنف» ٥/ ٢٧ (٢٣٣٨١). وفي حديث الباب: تعذيب العامة بذنوب الخاصة. وفيه: استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وفيه: تبيين العالم المسألة بضرب المثل الذي يفهم للعوام. وفيه: أنه يجب على الجار أن يصبر على شيء من الأذى لجاره؛ خوفًا مما هو أشد منه، وأما أحكام العلو والسفل يكون بين رجلين، فيعتل السفل أو يريد صاحبه هدمه، فعن أشهب أنه قال: إذا أراد صاحب السفل أن يهدم والعلو أن يبني علوه، فليس لصاحب السفل هدمه إلا من ضرورة، يكون هدمه له أرفق لصاحب العلو لئلا ينهدم بانهدامه العلو، وليس لرب العلو أن يبني على علوه شيئًا لم يكن قبل ذلك إلا الشيء الخفيف الذي لا يضر بصاحب السفل، ولو انكسرت خشبة من سقف العلو لأدخل مكانها خشبة ما لم تكن أثقل منها، ويخاف ضررها على صاحب السفل (١). قال أشهب: وباب الدار على صاحب السفل. قال: ولو انهدم السفل أجبر صاحبه على بنائه، وليس على صاحب العلو بناء السفل، فإن أبى صاحب السفل من البناء، قيل له: بع ممن يبني (٢). وعن مالك فيما رواه ابن القاسم في السفل لرجل والعلو لآخر فاعتل السفل، فإن صلاحه على رب السفل، وعليه تعليق العلو حتى يصلح سفله، لأن عليه أن يحمله إما على بنيان، وإما على تعليق، وكذلك لو كان العلو على علو فتعليق العلو الثاني على صاحب -------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١١/ ٢٢٧. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١١/ ٢٢٧. الأوسط في إصلاح الأوسط، وقد قيل: إن تعليق العلو على رب العلو حتى يبني الأسفل (١). وحديث الباب حجة لقول مالك وأشهب، وفيه دليل على أن صاحب السفل ليس له أن يحدث على صاحب العلو ما يضر به، وأنه إن حدث عليه ضررًا لزمه إصلاحه دون صاحب العلو، وأن لصاحب العلو منعه من الضرر لقوله - ﷺ -: «فإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا» ولا يجوز الأخذ إلا على يد الظالم، ومن هو ممنوع بإحداث ما لا يجوز له في السنة. فائدة: (القائم): هو المستقيم، كما نبه عليه ابن الجوزي، والحدود: ما منع الله تعالى من مجاوزتها، وأصله لغة: المنع، ومنه حد الدار، وهو ما يمنع غيرها من الدخول فيها، والحداد: الحاجب والبواب، والمدهن: الغالش، ذكره ابن فارس (٢)، وقيل: هو التليين لمن لا ينبغي التليين لهم. وقيل: هي كالمصانعة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩]. وقال ابن بطال قبيل الصلح (٣): يعني: المداهن فيها المضيع لها الذي لا يغير المعاصي، ولا يعملها فهو مستحق العقوبة على سكوته ومداهنته (٤). وأما (الواقع) فهو القائم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ [الواقعة: ١] أي: قامت، قاله ابن التين، وذكره في آخر الشهادات في -------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٤. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ٣٣٨، مادة (دهن). (٣) أي: كتاب الصلح. (٤) «شرح ابن بطال» ٨/ ٧٧. باب: القرعة في المشكلات (١)، وفيه: فأخذ فأسًا فجعل ينقر أسفلها. والفأس مؤنثة مهموزة ومعنى ينقر: يفتح. ذكره ابن التين هناك. قال: وفيه إثبات القرعة في السفينة إذا تشاحوا، وذلك إذا نزلوا معًا، فأما من سبق منهم فهو أحق. ---------- (١) سيأتي برقم (٢٦٨٧). ٧ - باب شَرِكَةِ اليَتِيمِ وَأَهْلِ المِيرَاثِ ٢٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ العَامِرِيُّ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها. وَقَالَ اللَّيْثُ حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ رضي الله عنها عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ٣] إِلَى ﴿وَرُبَاعَ﴾. فَقَالَتْ: يَا ابْنَ أُخْتِي، هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَلِيِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَنْ يُقْسِطَ فِي صَدَاقِهَا، فَيُعْطِيهَا مِثْلَ مَا يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ وَيَبْلُغُوا بِهِنَّ أَعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وَأُمِرُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا طَابَ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ. قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وَالَّذِي ذَكَرَ اللهُ أَنَّهُ يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الكِتَابِ الآيَةُ الأُولَى الَّتِى قَالَ فِيهَا ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقَوْلُ اللهِ فِي الآيَةِ الأُخْرَى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] يَعْنِى: هِيَ رَغْبَةُ أَحَدِكُمْ لِيَتِيمَتِهِ التِي تَكُونُ فِي حَجْرِهِ، حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المَالِ وَالجَمَالِ، فَنُهُوا أَنْ يَنْكِحُوا مَا رَغِبُوا فِي مَالِهَا وَجَمَالِهَا مِنْ يَتَامَى النِّسَاءِ إِلَّا بِالقِسْطِ مِنْ أَجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ. [٢٧٦٣، ٤٥٧٣، ٤٥٧٤، ٤٦٠٠، ٥٠٦٤، ٥٠٩٢، ٥٠٩٨، ٥١٢٨، ٥١٣١، ٥١٤٠، ٦٩٦٥ - مسلم: ٣٠١٨ - فتح: ٥/ ١٣٣] ذكر فيه عن عروةَ أَنَّهُ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ إلي قوله: ﴿وَرُبَاعَ﴾ قالت: هِيَ اليَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حَجْرِ وَليِّهَا تُشَارِكُهُ فِي مَالِهِ، فَيُعْجِبُهُ مَالُهَا وَجَمَالُهَا، فَيُرِيدُ وَلِيُّهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا … الحديث بطوله. وسيأتي في النكاح (١)، والتفسير أيضًا (٢). وعند مسلم: تكون له اليتيمة هو وليها ووارثها ولها مال، وليس لها أحد يخاصم دونها، فلا ينكحها لمالها فيضر بها ويسيء صحبتها (٣). قال الإسماعيلي: وعامة من روى هذا الحديث عن هشام، أي: الذي ساقه في التفسير عنه، عن أبيه، عنها كأنه مضطرب، وهذا لأن يكون تفسيرًا لقوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ﴾ [النساء: ١٢٧] أشبه أن يكون تفسيرًا لقوله: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣]، وحديث حجاج عن ابن جريج أشبه، ولفظه ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا﴾، أنزلت في الرجل تكون عنده اليتيمة، وهي ذات مال فلعله ينكحها على مالها ولا يعجبه شيء من أمرها، ثم يضر بها ويسيء صحبتها، فوعظ في ذلك. وقال سعيد بن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي فيما نقله الواحدي عنهم: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى، فلما سألوا عن أموال اليتامى نزل: ﴿وَءَاتُواْ اليَتَاَمَى أَمْوَالَهُمْ﴾، وأنزل الله أيضًا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾ (٤). وقال قتادة: نزلت في خميصة بن الشمردل الأسدي. إذا تقرر ذلك فشركة اليتيم ومخالطته في ماله لا تجوز عند العلماء، إلا أن يكون اليتيم في رجحان، فإن كان الرجحان لمخالطة أو مشاركة فلا يحل؛ لقوله تعالى بعد أن حرم أموال اليتامى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ اليَتَامَى﴾ -------- (١) سيأتي برقم (٥١٤٠) باب: تزويج اليتيمة. (٢) سيأتي برقم (٤٥٧٣) باب: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي اليَتَامَى﴾. ورد بهامش الأصل تعليق نصه: رواه من طريقين ثانيهما معلق آخر الكتاب. (٣) «صحيح مسلم» (٣٠١٨) (٧) كتاب: التفسير. (٤) «أسباب نزول القرآن» ص ١٤٧. قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ ﴿البقرة: ٢٢٠﴾ فأباحت هذِه الآية مخالطتهم ومشاركتهم بغير ظلم بهم (١). وقوله: (رغبة أحدكم بيتيمته) صوابه: عن يتيمته، كذا بخط الدمياطي. --------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٥. ٨ - باب الشَّرِكَةِ فِي الأَرَضِ وَغَيْرِهَا ٢٤٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: إِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - الشُّفْعَةَ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. [انظر: ٢٢١٣ - مسلم: ١٦٠٨ - فتح: ٥/ ١٣٣] ذكر فيه حديث جابر: إِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. وقد سلف (١)، واختلف العلماء فيما يحتمل القسمة من الدور والأرضين، هل يقسم بين الشركاء إذا دعا بعضهم إلى ذلك، وفي قسمه ضرر على بعضهم؟ فقال مالك والشافعي: نعم، يقسم بينهم. وقال أبو حنيفة: في الدار الصغيرة بين اثنين يطلب أحدهما القسمة وأبى صاحبه، قسمت له (٢). وقال ابن أبي ليلى: إن كان فيهم من لا ينتفع بما يقسم له فلا تقسم، وكل قسم يدخل الضرر على أحدهم دون الآخر، فإنه لا يقسم. وهو قول أبي ثور. قال ابن المنذر: وهو أصح القولين (٣). وأجاز مالك قسمة البيت وإن لم يكن في نصيب أحدهم ما ينتفع به وأجاز قسمة الحمام وغيره، واحتج بقوله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ (٤) [النساء: ٧]. -------- (١) برقم (٢٢١٣) كتاب: البيوع، باب: بيع الشريك من شريكه. (٢) انظر: «الكافي» لابن عبد البر ص ٤٤٨، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ٢٨١. (٣) «الإشراف» ٣/ ٢٨١. (٤) انظر: «بداية المجتهد» ٤/ ١٤٢١، «الذخيرة» ٧/ ١٩٢. قال ابن القاسم: وأنا أرى أن كل ما لا ينقسم من الدور والمنازل والحمامات، وفي قسمته الضرر ولا ينتفع به إذا قسم أن يباع ولا يقسم، ولا شفعة فيه؛ لقولهعليه السلام-: «لا ضرر ولا ضرار» (١) وحديث الباب، فجعل الشفعة في كل ما يتأتى فيه إيقاع الحدود، وعلق الشفعة بما لم ينقسم مما لم يمكن إيقاع الحدود فيه، هذا دليل الحديث، ولا حجة للكوفيين في إجازة الضرر اليسير من ذلك ومنعهم للكثير (٢)؛ لأن دفع الضرر واجب عن المسلمين في كل شيء (٣). ---------- (١) انظر: «بداية المجتهد» ٤/ ١٤٢٢، «الذخيرة» ٧/ ١٩٢ - ١٩٣. والحديث تقدم مرارًا. (٢) انظر: «تحفة الفقهاء» ٣/ ٢٨٠. (٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثاني بعد السبعين، كتبه مؤلفه. ٩ - باب إِذَا اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ الدُّورَ أَوْ غَيْرَهَا فَلَيْسَ لَهُمْ رُجُوعٌ وَلَا شُفْعَةٌ ٢٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. [انظر: ٢٢١٣ - مسلم: ١٦٠٨ - فتح: ٥/ ١٣٦٤] ذكر فيه حديث جابر قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ .. الحديث. وقد ترجم عليه قبل آنفًا (١)، وإذا كانت قسمة مراضاة واتفاق فلا رجوع فيها، وإن كانت قسمة قرعة وتعديل ثم بان التغابن فيها، فللمغبون الرجوع ونقض القسمة عند العلماء، كما نقله عنهم ابن بطال (٢)، وأما الشفعة فلا تكون في شيء مقسوم عند أحد من العلماء، وإنما هي في المشاع؛ لقوله: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة». ----------- (١) انظر الباب السابق. (٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ١٦. ![]()
__________________
|
|
#464
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 91 الى صـــ 110 الحلقة (464) ١٠ - باب الاِشْتِرَاكِ فِي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ وَمَا يَكُونُ فِيهِ الصَّرْفُ ٢٤٩٧ و٢٤٩٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ عُثْمَانَ -يَعْنِي: ابْنَ الأَسْوَدِ قَالَ: أَخْبَرَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا المِنْهَالِ عَنِ الصَّرْفِ يَدًا بِيَدٍ فَقَالَ: اشْتَرَيْتُ أَنَا وَشَرِيكٌ لِي شَيْئًا يَدًا بِيَدٍ وَنَسِيئَةً، فَجَاءَنَا البَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ فَسَأَلْنَاهُ، فَقَالَ: فَعَلْتُ أَنَا وَشَرِيكِي زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ، وَسَأَلْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «مَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ فَخُذُوهُ، وَمَا كَانَ نَسِيئَةً فَذَرُوهُ». ذكر فيه حديث أبي المنهال السالف (١)، وفيه: أن المتأول لا يؤثم؛ لقوله: «وما كان نسيئة ردوه» وأن الذنب لا يدرك إلا من علم، وفيه: رد ما لا يجوز، والنسيئة: التأخير، فلا يجوز في شيء من الصرف نسيئة، وإنما يكون يدًا بيد، وأما صفة الشركة في الصرف وغيرها، فقام الإجماع على أن الشركة بالدينار والدرهم جائزة (٢)، واختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما والدراهم من الآخر. فقال مالك (٣) والكوفيون (٤) وأبو ثور (٥): لا يجوز حتى يخرج أحدهما مثل ما أخرج صاحبه. -------- (١) تقدم برقم (٢٠٦٠ - ٢٠٦١) كتاب: البيوع، باب: التجارة في البَر. (٢) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ص ١٣٧. (٣) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٥، «الكافي» لابن عبد البر ص ٣٩٠. (٤) في نسبة هذا القول إلى الكوفيين نظر، فمذهب أبي حنيفة وصاحبيه جواز ذلك، وخالف زفر فقال: لا يجوز، قال أبو الليث السمرقندي في «تحفة الفقهاء» ٣/ ٦: ولو كان من أحدهما دراهم ومن الآخر دنانير جازت الشركة عندنا، وعند زفر: لا يجوز. اهـ. (٥) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨. وقال ابن القاسم: إنما لم يجزِ ذلك؛ لأنه صرف وشركة، وكذلك قال مالك (١). وحكى ابن أبي زيد خلافًا عن مالك فيه، فأجازه سحنون، وأكثر قول مالك: أنه لا يجوز (٢). وقال الثوري: يجوز أن يجعل أحدهما دنانير والآخر دراهم فيخلطانها (٣)، وذلك أن كل واحد منهما قد باع نصف نصيبه بنصف نصيب صاحبه، فآل أمرهما إلى قسمة ما يحصل في أيديهما، وأجمع العلماء على أن الشركة الصحيحة أن يخرج كل واحد من الشريكين مالًا مثل مال صاحبه، إلا أن يجعل كل واحد منهما لصاحبه أن يتجر بما رآه ويقيمه مقام نفسه (٤). ----------- (١) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٥. (٢) «النوادر والزيادات» ٧/ ٣١٧. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٥. (٤) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٧. ١١ - باب مُشَارَكَةِ الذِّمِّيِّ وَالمُشْرِكِينَ فِي المُزَارَعَةِ ٢٤٩٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْبَرَ اليَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. ذكر فيه حديث ابن عمر أن النبي - ﷺ - أعطى خَيْبَرَ اليَهُودَ على أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وقد سلف (١). قال المهلب: وكل ما لا يدخله ربا، ولا ينفرد به الذمي فلا بأس بشركة المسلم له فيه، وهذِه المشاركة إنما معناها معنى الأجرة، واستئجار أهل الذمة جائز حلال، وأما مشاركة الذمي ودفع المال إليه ليعمل فيه فكرهه ابن عباس والكوفيون والشافعي وأبو ثور وأكثر العلماء؛ لما يخاف عليه من التجر بالربا وبيع ما لا يحل بيعه، وهو جائز عندهم (٢). وقال مالك: لا يجوز شركة المسلم الذمي، إلا أن يكون النصراني يتصرف بحضرته، ولا يغيب عنه في بيع ولا شراء ولا تقاضٍ، أو يكون المسلم هو يتولى البيع والشراء (٣). وروي ذلك عن عطاء والحسن، وبه قال الليث والثوري وأحمد --------- (١) برقم (٢٢٨٥) كتاب: الإجارة، باب: إذا استأجر أرضا فمات أحدهما. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٠٧، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٧، «المبسوط» ١/ ١٥٧، «شرح ابن بطال» ٧/ ١٨، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٠، «البيان» ٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣. (٣) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٨. وإسحاق (١)، واحتج من أجاز ذلك بمعاملته - عليه السلام - لهم في مساقاة خيبر، وإذا جاز مشاركتهم في عمارة الأرض جاز في غير ذلك، واحتج لمالك أن الذمي إذا تولى الشراء باع بحكم دينه، وأدخل في مال المسلم ما لا يحل له، والمسلم ممنوع من أن يجعل ماله متجرًا في الربا والخمر والخنزير، وإنما أخذ أموالهم في الجزية، فالضرورة دعت إلى ذلك إذ لا مال لهم غيرها (٢). وقوله: (أن يعملوها) أي: نخيلها ويزرعوا بياض أرضها، وكذلك سموا المساقاة معاملة. وفيه: إثبات المساقاة والمزارعة معًا، وقد سلف ذلك، ومالك لا يجيزه (٣)، ولكنه قال: كان البياض يسيرًا بين أَضعاف السواد الثلث فما دون (٤). قال ابن التين: استدل به من أجاز قراض النصراني، ولا دليل فيه؛ لأنه قد يعمل الربا ونحوه بخلاف المسلم، والعمل في النخل والزرع لا يختلف فيه عمل يهودي من نصراني، ولو كان المسلم فاسقًا يخشى أن يعمل به ذلك كره أيضًا كالنصراني، أي: بل أشد. وقوله: (ولهم شطر ما يخرج منها) فيه دليل على أن رب الأرض والشجر إذا بين حصة نفسه جاز، وكان الباقي للعامل، كما لو بين حصة العامل. ---------- (١) انظر: «مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج» ٢/ ٤٣ - ٤٤، «المغني» ٧/ ١٠٩ - ١١٠. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ١٨. (٣) انظر: «إكمال المعلم» ٥/ ٢٠٩. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٧/ ٣٠٠. وقال بعض الفقهاء: إذا سمى حصة نفسه لم يكن الباقي للعامل حتى يسمي له حصة، واحتج به أحمد أنه إذا كان البذر من عند العامل جاز (١)، وذهب ابن أبي ليلى وأبو يوسف إلى أنها جائزة سواء كان البذر من عند الأكار أو رب الأرض (٢)، وفقهاء الأمصار منعوا ذلك، وتأولوا حديث ابن عمر على أنه قصة في عين تحتمل ما قال أحمد، وأن يكون البياض يسيرًا فلا تعلق به إذًا. ---------- (١) انظر: «المغني» ٧/ ٥٣٨. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٣٣. ١٢ - باب قِسْمَةِ الغَنَمِ وَالعَدْلِ فِيهَا ٢٥٠٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ» [انظر: ٢٣٠٠ - مسلم: ١٩٦٥ - فتح: ٥/ ١٣٥] ذكر فيه حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أنه - عليه السلام - أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى أصحابه ضَحَايَا، فَبَقِيَ عَتُودٌ، فَذَكَرَهُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ». العتود من أولاد المعز: ما رعى وقوي وبلغ حولًا، وعبارة الداودي أنه الجذع من المعز، وهذِه القسمة يجوز فيها ما لا يجوز في القسمة التي هي تمييز الحقوق بعضها من بعض؛ لأنه - ﷺ - إنما وكَّل عقبة على تفريق الضحايا على أصحابه، ولم يعين لأحدهم شيئًا بعينه، فيخاف أن يعطي غيره عند القسمة فيكون ذلك ظلمًا ونقصانًا عن حقه، فكان تفرقها موكولًا إلى اجتهاد عقبة، وكان ذلك على سبيل التطوع من رسول الله - ﷺ -، لا أنها كانت واجبة عليه لأصحابه، فلم يكن على عقبة حرج في قسمتها، ولا لزمه من أحد منهم ملامة إن أعطاه دون ما أعطى صاحبه، وليس كذلك القسمة بين [من] (١) حقوقهم واجبة متساوية في المقسوم، فهذِه لا يكون فيها تغابن ولا ظلم على أحد منهم، وستعلمه في الضحايا إن شاء الله، وفيه: استئمار الوكيل ما يصنع بما فضل. وفيه: التفويض إلى الوكيل. وفيه: قبول العطية والضحية بها. -------- (١) زيادة يقتضيها السياق. ١٣ - باب الشَّرِكَةِ فِي الطَّعَامِ وَغَيْرِهِ وَيُذْكَرُ أَنَّ رَجُلًا سَاوَمَ شَيْئًا فَغَمَزَهُ آخَرُ، فَرَأَى عُمَرُ أَنَّ لَهُ شَرِكَةً. ٢٥٠١، ٢٥٠٢ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدٌ عَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ -وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَذَهَبَتْ بِهِ أُمُّهُ زَيْنَبُ بِنْتُ حُمَيْدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْهُ. فَقَالَ: «هُوَ صَغِيرٌ». فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ. وَعَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهم فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكْنَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ دَعَا لَكَ بِالبَرَكَةِ. فَيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى المَنْزِلِ. الحديث: ٢٥٠١ - [٧٢٠١ - فتح: ٥/ ١٣٦] الحديث: ٢٥٠٢ - [٦٣٥٣ - فتح: ٥/ ١٣٦] ثم ساق حديث زُهْرَةَ بْن مَعْبَدٍ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هِشَامٍ -وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَذَهَبَتْ بِهِ أَمُّهُ زَيْنَبُ ابنة حُمَيْدٍ إِلَى النبي - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، بَايِعْهُ. فَقَالَ: «هُوَ صَغِيرٌ». فَمَسَحَ رَأْسَهُ وَدَعَا لَهُ. وَعَنْ زُهْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ بِهِ جَدُّهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ هِشَامٍ إِلَى السُّوقِ فَيَشْتَرِي الطَّعَامَ، فَيَلْقَاهُ ابن عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ فَيَقُولَانِ لَهُ: أَشْرِكْنَا، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَدْ دَعَا لَكَ بِالبَرَكَةِ. فَيَشْرَكُهُمْ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الرَّاحِلَةَ كَمَا هِيَ، فَيَبْعَثُ بِهَا إِلَى المَنْزِلِ. قال أبو عبد الله: إذا قال الرجل للرجل: أشركني، فإذا سكت فيكون شريكه بالنصف. الشرح: الأثر أخرجه سفيان ومن خط الدمياطي نقلت عن هشام بن حجير. قال إياس بن معاوية: قال بلغني أن عمر بن الخطاب قضى في رجلين حضرا سلعة فسام بها أحدهما، فأراد صاحبه أن يزيد فغمز يده، فاشترى، فقال: أنا شريكك، فأبى أن يشركه فقضى له عمر بالشركة. قال ابن التين: وبه قال فريق من العلماء، وهو بيِّن، والغامز أفهمه أنه شركه إذا سكت عن مزايدته عملًا بالإشارة، ولك أن تقول: الأمر بترك المزايدة والمواطأة على ذلك غير جائز، وأما الحديث فأخرجه في الأحكام أيضًا بزيادة: وكان يضحي بالشاة الواحدة عن جميع أهله. وأخرجه أبو داود. ولم يذكر: ودعا له (١). قال الإسماعيلي: روى هذا الحديث الخلق، فلم يذكر أحد هذِه الزيادة -يعني: قول ابن عمر وابن الزبير إلى آخره- إلا عبد الله بن وهب. وقال أبو نعيم: زاد أصبغ: وكان قد أدرك النبي - ﷺ - إلى قوله: ودعا له. ووقع لابن منده: أن زينب هذِه هي جدة عبد الله بن هشام. والصواب فيه كما ذكره البخاري. إذا تقرر ذلك فالشركة بيع من البيوع، فتجوز في الطعام وفي كل شيء يجوز تملكه عند العلماء كافة، وإنما اختلفوا في الشركة بالطعام وإن تساووا في الكيل والقيمة، وسواء كان نوعًا واحدًا أو أنواعًا مختلفة، وهو قول الشافعي (٢). -------- (١) برقم (٧٢١٠) باب: بيعة الصغير، وأبو داود (٢٩٤٢). (٢) ذهب الشافعية إلى أن غير النقود ضربان: ضرب لا مثل له، وضرب له مِثل. فأما ما لا مثل له، كالثياب والحيوان وما أشبههما، فلا يصح عقد الشركة عليهما. وأما ما له مثل، كالحبوب والأدهان، ففيه وجهان: = وخالف ابن القاسم مالكًا، فقال: تجوز الشركة بالحنطة إذا اشتركا على الكيل، ولم يشتركا على القيمة، وكانتا في الجودة سواء (١)، وأجاز الشركة بالطعام الكوفيون وأبو ثور (٢). وقال الأوزاعي: تجوز الشركة بالقمح والزبيب؛ لأنهما يختلطان جميعًا ولا يتميز أحدهما من الآخر (٣). قال إسماعيل بن إسحاق: إنما كره مالك الشركة بالطعام وإن تساووا في الكيل والجودة؛ لأنه يختلف في الصفة والقيمة، ولا تجوز الشركة إلا على الاستواء في القيمة، واحتيج في الطعام أن يستوي أمره في الشركة في الكيل والقيمة، وكان الاستواء في ذلك لا يكاد أن يجتمع فيه فكرهه، وليس الطعام مثل الدنانير والدراهم التي هي على الاستواء عند الناس. وكان الأبهري يقول: قول ابن القاسم أشبه، لأن الشركة تشبه البيع، وكما جاز بيع الطعام بالطعام إذا استويا في الكيل، وإن اختلفا في القيمة، فكذلك تجوز الشركة فيه (٤). واختلفوا في الشركة بالعروض فجوزه مالك (٥) وابن أبي ليلى (٦)، ------- = أحدهما: يجوز، وهو ظا هو ما نقله المزني، وهو الأصح. والثاني: لا يجوز، لأن الشافعي قال في البويطي: ولا تجوز الشركة في العروض اهـ. انظر: «الحاوي» ٦/ ٤٧٤ - ٤٧٥، «التهذيب» ٤/ ١٩٧ - ١٩٨، «البيان» ٦/ ٣٦٤. (١) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٢. (٢) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٩. (٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٥ بتصرف. (٤) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٢٠ - ٢١. (٥) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٠، «المعونة» ٢/ ١٤٣. (٦) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨. ومنعه الثوري والكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (١). وقال الشافعي: لا تجوز الشركة في كل ما يرجع في حال المفاضلة إلى القيمة، إلا أن يبيع نصف عرضه بنصف عرض الآخر ويتقايضا (٢). وقال ابن المنذر: إنما لم تجز فيه؛ لأن رءوس أموالهم مجهولة، و(غير جائز) (٣) عقد الشركة على مجهول، وحجة مالك في إجازة ذلك أن الشركة إنما وقعت على قيمة العروض التي أخرجها كل واحد منهما، فلم يكن رأس المال مجهولًا، وأما إجازة عمر الشركة التي غمز صاحبه فهو قول مالك. قال ابن حبيب من قول مالك في الذي يشتري الشيء للتجارة، فيقف به الرجل لا يقول له شيئًا حتى إذا فرغ من الشراء استشركه، فرأى مالك أن الشركة له لازمة وأن يقضي بها؛ لأنه أرفق بالناس من إفساد بعضهم على بعض، ووجه ذلك أن المشتري قد انتفع بترك الزيادة عليه، فوجبت الشركة بينهما بسبب انتفاعه بذلك؛ وكذلك إذا غمزه أو سكت فسكوته رضي بالشركة؛ لأنه كان يمكنه أن يقول: لا أشركك، فيزيد عليه، فلما سكت كان ذلك رضي. قال ابن حبيب: وذلك لتجار تلك السلعة خاصة، كان مشتريها في الأول من أهل تلك التجارة أو غيرهم. قال: وروي أن عمر قضى بمثل ذلك. قال: وكل ما اشتراه لغير تجارة فسأله رجل أن يشركه وهو يشتري -------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٥، «تحفة الفقهاء» ٣/ ٦، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٨، «الحاوي» ٦/ ٤٧١، «البيان» ٦/ ٣٦٣، «رءوس المسائل في الخلاف» ٢/ ٥٤٢، «المغني» ٧/ ١٢٣. (٢) انظر: «مختصر المزني» المطبوع مع «الأم» ٢/ ٢٣٠. (٣) في الأصل: عن جابر، والمثبت هو الصواب كما في «شرح ابن بطال» ٧/ ٢١. فلا تلزمه الشركة، وإن كان الذي استشركه من أهل التجارة، والقول قول المشتري مع يمينه أن شراءه ذلك لغير التجارة. قال: وما اشتراه الرجل من تجارته في حانوته أو بيته فوقف به ناس من أهل تجارته، فاستشركوه، فإن الشركة لا تلزمه وليس مثل اشترائه ذلك في غير حانوته ولا بيته، ونقل ابن التين عن مالك في رواية أشهب فيمن يبتاع سلعة وقوم وقوف، فإذا تم البيع سألوه الشركة، فقال: أما الطعام فنعم، وأما الحيوان فما علمت ذلك فيه، زاد في «الواضحة»: وإنما رأيت ذلك خوفًا أن يفسد بعضهم على بعض إذا لم يقض لهم بهذا. قال: فإن حضر الطعام مشتروه وهم أهل ذلك ومن يتجر فيه فلا يختلف المذهب أنهم شركاء، واختلف في غير الطعام. فقال مالك: ما قدمناه عنه. وقال أصبغ: الشركة بينهم في جميع السلع من الأطعمة والعروض والدقيق والحيوان والثياب، واختلف فيما إذا حضرها من ليس من أهل سوقها ولا من يتجر بها. فقال مالك وأصبغ: لا شركة لهم (١). وقال أصبغ: نعم (٢). فائدة: في الحديث رد على جهلة المتزهدين في اعتقادهم أن سعة الحال مذمومة، نبه عليه ابن الجوزي. -------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٧/ ٣٣٤ - ٣٣٥. (٢) كذا في الأصول، وهو خطأ ظاهر؛ كيف يقول: لا، ثم يقول: نعم، وقد نقل هذا الكلام العيني في «عمدة القاري» ١٠/ ٣٨٨، وقال: وقال أشهب: نعم اهـ. وحكى ابن رشد في «البيان والتحصيل» ٨/ ٥٠ هذا القول عن ابن الماجشون، والله أعلم. فرع: كل ما جاز أن يملكه رجل جاز أن يملكه رجلان بشراء أو بهبة أو غيرهما، إلا أن الشريك إذا وطئ جارية من مال الشركة فإنهما يتقاومانها، وتصير لأحدهما بثمن قد عرفه؛ لأنه لا تحل الشركة ولا الإعارة في الفروج، ويدرأ عنه الحد بالشبهة. فائدة: في الأثر أيضًا القول بالإشارة، ولم يبين ذلك الشيء في أثر عمر هل هو طعام أو غيره؟ وفي الحديث: أن الصغير إذا عقل عن الشارع شيئًا كان ذلك صحبة، (قاله) (١) الداودي. قال ابن التين: وفيه نظر. وفيه: أن النساء كن يذهبن بالأطفال إليه، وكان يبايع المراهق الذي يطيق القتال، قاله الداودي. قال ابن التين: وفيه نظر، وفيه أنه كان يمسح رأس الصغير؛ لتناله بركة يده. وفيه: طلب التجارة، وسؤال الشركة. ----------- (١) في الأصل: قال، والمثبت هو الصواب. ١٤ - باب الشَّرِكَةِ فِي الرَّقِيقِ ٢٥٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْتِقَ كُلَّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ قَدْرَ ثَمَنِهِ يُقَامُ قِيمَةَ عَدْلٍ وَيُعْطَى شُرَكَاؤُهُ حِصَّتَهُمْ وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ». [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ - فتح: ٥/ ١٣٧] ٢٥٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا لَهُ فِي عَبْدٍ أُعْتِقَ كُلُّهُ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا يُسْتَسْعَ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». [انظر: ٢٤٩٢ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ٥/ ١٣٧] ذكر فيه حديث ابن عمر: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا ..» وحديث أبي هريرة: «مَنْ أَعْتَقَ شِقْصًا ..» وقد سلفا (١)، والشركة بيع من البيوع تجوز في العبد، وفي كل شيء، وكل ما جاز أن يملكه رجل جاز أن يملكه رجلان بشراء أو هبة أو غيره إلا الوطء، كما ذكرناه آنفًا. --------- (١) الأول برقم (٢٤٩١) والثاني برقم (٢٤٩٢) كتاب: الشركة، باب: تقويم الأشياء بقيمة عدل. ١٥ - باب الاِشْتِرَاكِ فِي الهَدْيِ وَالبُدْنِ، وَإِذَا أَشْرَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي هَدْيِهِ بَعْدَ مَا أَهْدَى ٢٥٠٥، ٢٥٠٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ. وَعَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم، قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الحَجَّةِ مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، لَا يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً، وَأَنْ نَحِلَّ إِلَى نِسَائِنَا، فَفَشَتْ فِي ذَلِكَ القَالَةُ. قَالَ عَطَاءٌ فَقَالَ جَابِرٌ فَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا. فَقَالَ جَابِرٌ بِكَفِّهِ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «بَلَغَنِي أَنَّ أَقْوَامًا يَقُولُونَ كَذَا وَكَذَا، وَاللهِ لأَنَا أَبَرُّ وَأَتْقَى لله مِنْهُمْ، وَلَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ». فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هِيَ لَنَا أَوْ لِلأَبَدِ فَقَالَ: «لَا بَلْ لِلأَبَدِ». قَالَ وَجَاءَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -فَقَالَ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لَبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَ: وَقَالَ الآخَرُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَشْرَكَهُ فِي الهَدْيِ. [انظر: ١٠٨٥، ١٥٥٧ - مسلم: ١٢١٦، ١٢٤٠ - فتح: ٥/ ١٣٧] ثم ساق حديث جابر وابن عباس: قدِمَ رسولُ الله - ﷺ - صُبح رابعةٍ من ذي الحجة مُهِلِّينَ بِالحَجِّ، لَا يَخْلِطُهُمْ شَيْءٌ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً" .. إلى قوله: وَجَاءَ عَلِيُّ فَقَالَ لبَّيْكَ بِمَا أَهَلَّ بِهِ النبي - ﷺ -، فَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى إِحْرَامِهِ، وَأَشْرَكَهُ فِي الهَدْيِ. وقد سلف في الحج (١). --------- (١) برقم (١٥٥٧) باب: من أهلَّ في زمن النبي - ﷺ - كإهلال النبي - ﷺ -. وقوله: (صُبْحَ رابعة من ذي الحجة) قال الداودي: اختلف فيه، وكان خروجه من المدينة لخمس بقين في ذي القعدة. وقوله: (مهلين بالحج لا يخلطه شيء) فيه دلالة واضحة على الإفراد. وقوله: (ففشت في ذلك القالة) هي أنهم كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، كما سلف فأجازها الإسلام. وقيل: هو فسخ الحج إلى العمرة، كما سلف هناك. وقوله في عليّ: (وأشركه في الهدي) الشارع قلد هديه من ذي الحليفة، وقدم عليّ بالبدن فأمره أن يهدي منها هديًا، وكذا جاء في حديث آخر أن عليًّا قدم ومعه الهدي (١). وقال المهلب: لا يصح في هذا الحديث ما ترجم له من الاشتراك في الهدي بغير ما أهدى؛ لأنه ما كان بعد تقليد الهدي وإشعاره، وإنما هو تشريك في الفضل؛ لأنه لا يجوز هبة الهدي ولا بيعه بعد تقليده، وما كان قبل تقليده يمكن الشركة في رقابه وهبته لمن يهدي عنه. وأجاب (٢) ابن بطال فقال: ذكر البخاري في المغازي عن بريدة الأسلمي أنه - ﷺ - كان بعث عليًّا إلى اليمن قبل حجة الوداع، ليقبض الخمس، وقال غير جابر: فقدم عليّ من سعايته. قال النبي - ﷺ -: «بم أهللت يا علي؟». فقال: بما أهلَّ به النبي - ﷺ -. قال: «فأهد وامكث حرامًا كما أنت». قال: فأهدى له عليّ هديًا (٣)، فهذا تفسير قوله: (وأشركه في الهدي) أنه الهدي الذي أهداه عليّ عن رسول الله - ﷺ -. --------- (١) تقدم برقم (١٧٨٥) كتاب: العمرة، باب: عمرة التنعيم. (٢) ورد بهامش الأصل: يراجع من المغازي ما ذكره. (٣) تعليقًا ذكره البخاري بعد حديث (٤٣٥٢) باب: بعث علي بن أبي طالب - عليه السلام-. وجعل له ثوابه. فيحتمل أن يفرده بثواب ذلك الهدي كله، فهو تشريك له في هديه؛ لأنه أهداه عنه - ﷺ - متطوعا من ماله، ويحتمل أن يشركه في ثواب هدي واحد يكون بينهما، كما ضحى - ﷺ - عنه وعن أهل بيته بكبش، وعمن لم يضح من أمته وأشركهم في ثوابه، ويجوز الاشتراك في هدي التطوع، وراجع اختلاف العلماء في الاشتراك في الهدي من الحج، تجده واضحًا. ١٦ - باب مَنْ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ فِي القَسْمِة ٢٥٠٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا وَكِيعٌ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ، عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِذِي الحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ، فَأَصَبْنَا غَنَمًا وَإِبِلًا، فَعَجِلَ القَوْمُ، فَأَغْلَوْا بِهَا القُدُورَ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَمَرَ بِهَا فَأُكْفِئَتْ، ثُمَّ عَدَلَ عَشْرًا مِنَ الغَنَمِ بِجَزُورٍ، ثُمَّ إِنَّ بَعِيرًا نَدَّ وَلَيْسَ فِي القَوْمِ إِلَّا خَيْلٌ يَسِيرَةٌ، فَرَمَاهُ رَجُلٌ فَحَبَسَهُ بِسَهْمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ لِهَذِهِ البَهَائِمِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الوَحْشِ، فَمَا غَلَبَكُمْ مِنْهَا فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا». قَالَ: قَالَ جَدِّي: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّا نَرْجُو -أَوْ نَخَافُ- أَنْ نَلْقَى العَدُوَّ غَدًا وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى، فَنَذْبَحُ بِالقَصَبِ؟ فَقَالَ: «اعْجَلْ -أَوْ أَرْنِى-، مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوا، لَيْسَ السِّنَّ وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحَبَشَةِ». [انظر: ٢٤٨٨ - مسلم: ١٩٦٨ - فتح: ٥/ ١٣٩] ذكر فيه حديث رافع بن خديج السالف قريبًا، وقد شرحناه. قوله: فقال: «اعجل أو أَرْنِ» وفي نسخة: إِرَنْ (١). وقيل: صوابه: أيرن، وراجع ذلك تجده واضحًا و(أو) شك من الراوي. ----------- (١) على هامش اليونينية ٣/ ١٤٢ أنها صحيحة لأبي ذر الهروي. ٤٨ كتاب الرهن ![]()
__________________
|
|
#465
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 111 الى صـــ 130 الحلقة (465) كتاب الرهن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٤٨ - كِتَابُ الرَّهْنِ هو في اللغة: الثبوت والدوام، ومنه الحالة الراهنة، أي: الثابتة. وقال الماوردي: هو: الاحتباس (١)، ومنه: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨)﴾ [المدثر: ٣٨]، ورهنت أفصح من أرهنت وهو في الشرع جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر استيفائه ممن هو عليه. ١ - باب فِي الرَّهْنِ فِي الحَضَرِ وقول الله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾. [البقرة: ٢٨٣] ٢٥٠٨ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَال: وَلَقَدْ رَهَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ، وَمَشَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ، وَلَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَا أَصْبَحَ لآلِ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِلَّا صَاعٌ، وَلَا أَمْسَى». وَإِنَّهُمْ لَتِسْعَةُ أَبْيَاتٍ. [انظر: ٢٠٦٩ - فتح: ٥/ ١٤٠] فيه حديث أنس رَهَنَ النَّبِيُّ - ﷺ - دِرْعَهُ بِشَعِيرٍ. وذكره بطوله. --------- (١) «الحاوي» ٦/ ٤. وقد سلف في باب الشراء بالنسيئة (١)، وأنه بالمدينة، وهو أصرح من روايته هنا، وقد أسلفنا أن الرهن جائز حضرًا وسفرًا عند جميع الفقهاء، وعن مجاهد تخصيصه بالسفر (٢). قال ابن حزم: صح عنه (٣). وبه قال داود (٤) لظاهر الآية المذكورة، وحجة الجماعة أن الله تعالى لم يذكر السفر على أن يكون شرطًا في الرهن، وإنما ذكره لأن الغالب فيه أن الكاتب يعدم في السفر، وقد يوجد الكاتب في السفر، ويجوز فيه الرهن، فكذلك الحضر وإن كان الكاتب حاضرًا؛ لأن الرهن إنما هو معنى التوثقة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية [البقرة: ٢٨٣] وكل ما جاز أن يستوثق به في السفر جاز في الحضر كالضمين، وقد رهن سيد الأمة درعه بالمدينة عند يهودي في شعير أخذه لأهله من المدينة -حضرته ووطنه- فطاح قولهم. وقال ابن حزم: حديث الباب ليس فيه اشتراط الرهن، ونحن لا نمنع من الرهن بغير شرط في العقد، إنما هو تطوع من الراهن، والتطوع بما لم ينه عنه حسن. قال: فإن ذكر حديث أبي رافع وبعثه النبي - ﷺ - إلى يهودي ليسلفه طعامًا لضيف نزل به فأبى إلا برهن فرهنه درعه، قلنا: هذا حديث تفرد به موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف (٥). -------- (١) ورد بهامش الأصل: باب شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة في أول البيع. [هو برقم (٢٠٦٩)]. (٢) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢١. (٣) «المحلى» ٨/ ٨٧. (٤) انظر: «الحاوي» ٦/ ٤. (٥) «المحلى» ٩/ ٨٧ - ٨٨. وعند ابن أبي شيبة: كان الحارث والحكم لا يريان بأسًا بالرهن إذا كان على يدي عدل مقبوضًا. وعن الشعبي: هو رهن. وقال الحكم: لا يكون رهنًا حتى يقبضه صاحبه، وعن سعيد أنه قرأها: (فرهان مقبوضة). قال: لا يكون الرهن إلا مقبوضًا (١). تنبيه: بوب الرهن في الحضر وأتى بالآية، وليس فيها ذكر الحضر، وكذا الحديث، ولكنا أجبنا عنه أنه أسلفه في موضع آخر فأحال عليه. --------- (١) ثلاثة هذِه الآثار في «المصنف» ٤/ ٤٠٣ - ٤٠٤ (٢١٤٦٣ - ٢١٤٦٦). ٢ - باب مَنْ رَهَنَ دِرْعَهُ ٢٥٠٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ، وَالقَبِيلَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ٥/ ١٤٢] ذكر فيه حديث عائشة: اشْتَرى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. وقد سلف أيضًا (١). وترجم له فيما سيأتي باب: الرهن عند اليهود وغيرهم (٢)، وإنما أراد البخاري أن يستدل بأن الرهن لما جاز في الثمن بالسنة المجمع عليها جاز في المثمن وهو السلم، وبيانه أنه لما جاز أن يشتري الرجل طعامًا أو عرضًا بثمن إلى أجل ويرهن في الثمن رهنًا، كذلك يجوز إذا دفع عينًا سلمًا في عرض طعام أو غيره أن يأخذ في الشيء المسلم فيه رهنًا، وكل ما جاز تملكه وبيعه جاز رهنه. وفي رهنه درعه عند اليهودي دلالة أن متاجرة أهل الكتاب والمشركين جائزة، إلا أن أهل الحرب لا يجوز أن يباع منهم السلاح ولا كل ما يتقوون به على أهل الإسلام، ولا أن يرهن ذلك عندهم، وكان هذا اليهودي الذي رهنه من أهل المدينة، وممن لا يخشى منه غائلة ولا مكيدة للإسلام، ولم يكن حربيًّا. --------- (١) برقم (٢٠٦٨) كتاب: البيوع، باب: شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة. (٢) هو الآتي رقم (٥). فائدة: في الحديث الأول (١) أن الشعير كان أكثر أكله، وصرح به الداودي، وفي إهداء أنس ما ذكر إهداء ما تيسر، والإهاله: الودك، والسنخة: المتغيرة الرائحة. وقال الداودي: الإهالة: القُلة وفيها سمن تغير طعمه شيئًا. وفيه: جواز رهن السلاح عند الذمي، وذلك أن من أمنه فأنت آمن منه بخلاف الحربي، وقد سلف. وفي الحديث الثاني: تذاكرنا الرهن والكفيل في السلف، وفي نسخة: والقبيل -بالقاف (٢) - وهو الحميل أيضًا. واحتج به بعضهم على اليمين مع الشاهد، فقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآيه [البقرة: ٢٨٣]؛ لأنه لم يأمر بما لا نفع فيه، وفيه أن الرهن يقوم مقام الشاهد ويؤيده ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ فأخبر أن المرتهن لم يأتمن الراهن، فصار القول قوله إلى مبلغ قيمة الرهن، وأباه بعضهم. وقال: لا يحلف مع الرهن بخلاف الشاهد، ومن الغريب أن بعضهم منع أخذ الرهن إلا في السلم، حكاه ابن التين. ---------- (١) يعني حديث (٢٥٠٨). (٢) وهذِه اللفظة التي اعتمدت في متن اليونينية ٣/ ١٤٢. ٣ - باب رَهْنِ السِّلَاحِ ٢٥١٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ آذَى اللهَ وَرَسُولَهُ - ﷺ -». فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ: أَنَا. فَأَتَاهُ فَقَالَ: أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا أَوْ وَسْقَيْنِ. فَقَالَ ارْهَنُونِي نِسَاءَكُمْ. قَالُوا: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا، وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ؟ قَالَ: فَارْهَنُونِي أَبْنَاءَكُمْ. قَالُوا كَيْفَ نَرْهَنُ أَبْنَاءَنَا فَيُسَبُّ أَحَدُهُمْ، فَيُقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ؟ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ -قَالَ سُفْيَانُ يَعْنِي: السِّلَاحَ- فَوَعَدَهُ أَنْ يَأْتِيَهُ، فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ أَتَوُا النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ. ذكر فيه حديث جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - «مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الأَشْرَفِ؟ فَإنَّهُ قَدْ آذى اللهَ وَرَسُولَهُ». إلى أن قال: وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللأْمَةَ -يَعْنِي: السَّلَاحَ- وفيه: فَقَتَلُوهُ. وليس (١) فيه ما بوب له؛ لأنهم لم يقصدوا إلا الخديعة. قال ابن إسحاق: وكعب كان من طيء، وكانت أمه من بني النضير، وكان يعادي رسول الله - ﷺ - ويحرض المشركين عليه، فلما أصيب المشركون ببدر خرج إلى مكة يحرض على النبي - ﷺ -، ثم رجع إلى المدينة يشبب بنساء المسلمين حتى آذاهم. فقال رسول الله - ﷺ -: «مَنْ له؟ فإنَّهُ قد آذى الله ورسوله» (٢). -------- (١) ورد بهامش الأصل: يحتمل أنه إنما قصدوا الخديعة مع الصدق في الذي يجوز رهنه إذ لو أرادوا الخديعة فقط لقالوا: نعم نرهنك أبناءنا، أو وافقوه أيضًا على النساء، فلما عدلوا عن هذين الشيئين وذكروا اللأمة، كان ظاهر ذلك أن رهنها جائز والظاهر أيضًا أن رهنها كان متعارفًا عندهم. ويحتمل أنهم إنما ذكروا اللأمة لخديعة لئلا ينكر عليهم وهذا هو الظاهر لا لمشاهدة منصوصة في بعض طرقه. (٢) «سيرة ابن إسحاق» ص ٢٩٧. ولم يكن بنو النضير ذمة لرسول الله - ﷺ -، ولم يكن كعب في عهد لرسول الله - ﷺ -، يوضحه إعلانه بأنه آذى الله ورسوله على رءوس الناس، وكيف يكون في عهد من شكوا منه الأذى، بل كان ممتنعًا بقومه في حصنه، وكان المسلمون يقنعون منه بالقعود عن حربهم، وإنما كانت بينهم مسالمة وموافقة للجيرة، وكان - عليه السلام - يمسك عنهم لإمساكهم عنه من غير عهد ولا عقد، ولو كان لكعب عهد انتقض بالأذى ووجب عليه، ولكان بقول: «مَنْ لكعب، فإنه قد آذى الله ورسوله» نابذًا إليه عهده ومسقطًا بذلك ذمته، ولو كان من أهل العهد والذمة لوجب حربه واغتياله بكل وجه، فمن لام الشارع على ذلك فقد كذَّب الله في قوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ [الذاريات: ٥٤] ووصف رسوله بما لا يحل له بما نزهه الله عنه والله ولي الانتقام منه وسيكون لنا عودة إليه -إن شاء الله- في الجهاد، ولم يجز أن يرهن عند ابن الأشرف سلاح ولا شيء مما يتقوى به على أذى المسلمين وليس قولهم له: نرهنك اللأمة بما يدل على جواز رهن السلاح عند الحربي، وإنما كان ذلك من معاريض الكلام المباحة في الحرب وغيره. قال السهيلي في قوله: «من لكعب بن الأشرف ..» إلى آخره جواز قتل من سبه وإن كان ذا عهد خلافًا لأبي حنيفة، فإنه لا يرى قتل الذمي في مثل هذا (١). وزعم المازري أنه إنما قتله؛ لأنه نقض العهد وكان عاهده أنه لا يعين عليه، ثم جاءه مع أهل الحرب وأغرى قريشًا وغيرهم حتى اجتمعوا بأحد (٢). --------- (١) «الروض الأنف» ٣/ ١٤٥. (٢) «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٥٤. وكذا ذكره الخطابي زاد: وقال شعرًا (١)، يعني: قبيحًا مفظعًا. وكذا قال ابن التين: قَتْلُه كعبًا؛ لأنه نكث ما عاهد عليه وأخفر الذمة. وقوله: («آذى الله») يحتمل أن يريد أن من آذى رسوله، فقد آذى مُرْسِلَهُ أو يريد تكذيبه بما أنزل الله وهو مجاز؛ لأن الرب -ﷻ- لا يدركه أذى (٢)، وفيه جواز الكذب لمصلحة، وفي رواية أنه قال: إن محمدًا عنانا (٣) وسألنا الصدقة (٤). واللأمة: السلاح. قال ابن التين: قال اللغويون اللأمة مهموزة: الدرع، وجمعها لؤم على غير قياس، كأنه جمع لؤمة وهي الحديدة التي يحرث بها. --------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٦٠ - ١٢٦١. (٢) اعلم أولًا: أن لفظ الأذى في اللغة هو لما خفّ أمره وضعف أثره. قاله ابن تيمية في «الصارم المسلول» ص ٥٩. ئانيًا: ليس أذاه -سبحانه وتعالى- من جنس الأذى الحاصل للمخلوقين كما أن سخطه وغضبه وكراهته ليست من جنس ما للمخلوقين. قاله ابن القيم في «الصواعق المرسلة» ٤/ ١٤٥١. ثالثًا: أن المجاز اختلف في أصل وقوعه، قال أبو إسحاق الإسفرائيني، وأبو علي الفارسي أنه لا مجاز في اللغة أصلًا كما عزاه لهما ابن السبكي في «جمع الجوامع»، وإن نَقَلَ عن الفارسي تلميذُهُ أبو الفتح: أن المجاز غالب على اللغات كما ذكره عنه صاحب «الضياء اللامع»، وكل ما يسميه القائلون بالمجاز مجازا فهو عند من يقول بنفي المجاز أسلوب من أساليب اللغة العربية. قاله الشنقيطي في «منع جواز المجاز» ص ٦. رابعًا: أن من آذى رسول الله فقد آذى الله. خامسًا: أن الأذى قد فسر كما في «سيرة ابن إسحاق» ص ٢٩٧: فإن كعب بن الأشرف لما علم بهزيمة المشركين في بدر أتى مكة وجعل يحرض على رسول الله - ﷺ -، وينشد الأشعار ويبكي على أصحاب القليب من قريش، ثم رجع إلى المدينة فشبب بأم الفضل ابنة الحارث، ثم شبب بنساء المسلمين، فقال - ﷺ -: «من لكعب بن الأشرف فقد آذى الله ورسوله». (٣) ورد بهامش الأصل: إنما قال ذلك بإذنه له - عليه السلام - بأن يقول. (٤) ستأتي برقم (٣٠٣١) كتاب: الجهاد والسير، باب: الكذب في الحرب. ٤ - باب الرَّهْنُ مَرْكُوبٌ وَمَحْلُوبٌ وَقَالَ مُغِيرَةُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: تُرْكَبُ الضَّالَّةُ وَتُحْلَبُ بِقَدْرِ عَلَفِهَا، وَالرَّهْنُ مِثْلُهُ. ٢٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا». [٢٥١٢ - فتح: ٥/ ١٤٣] ٢٥١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَةُ». [انظر: ٢٥١١ - فتح: ٥/ ١٤٣] ثم ساق حديث أبي هريرة بلفظين (١): «الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ، وَيُشْرَبُ لَبَنُ الدَّرِّ إِذَا كانَ مَرْهُونًا». والآخر: «الظهر يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا، وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كانَ مَرْهُونًا، وَعَلَى الذِي يَرْكَبُ وَيَشْرَبُ النَّفَقَة». الشرح: أثر إبراهيم حمله ابن التين على موضع لا إمام فيه، فإن كان فيه إمام فيكون ذلك بإذنه. قال ابن حزم: روينا من طريق حماد بن سلمة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي فيمن ارتهن شاة ذات لبن، فقال: يشرب المرتهن من لبنها بقدر ثمن علفها، فإن استفضل من اللبن بعد ----------- (١) ورد في الأصل تعليق على الكلمة نصه: من طريقين. ثمن العلف فهو ربا. قال: وهذِه الزيادة من إبراهيم لا تقوم بها حجة (١). وعموم قوله - ﷺ - أحب إلينا، ولفظ ترجمة الباب حديث أخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - ﷺ - قال: «الرهن مركوب ومحلوب» ثم قال: إسناده على شرط الشيخين (٢). ولما ساقه البيهقي قال في آخره، قال: يعني: الأعمش، فذكر ذلك لإبراهيم فقال: إن كانوا ليكرهون أن يستمتعوا من الرهن بشيء وفي لفظ فكره أن ينتفع منه بشيء (٣). وحديث أبي هريرة من أفراده، ولما خرجه أبو داود، قال: هو عندنا صحيح (٤). وقال الترمذي: لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث الشعبي عن أبي هريرة، وقد روى غيرُ واحد هذا الحديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة موقوفًا (٥). وقال الدارقطني: رفعه أبو الحارث نصر بن حماد الوراق، عن شعبة، عن الأعمش، وروي عن وهب بن جرير أيضًا مرفوعًا، وغيرهما يرويه عن شعبة موقوفًا وهو الصواب. قال: ورفعه أيضًا لوين، عن عيسى بن يونس، عن الأعمش، والمحفوظ عن الأعمش وقفه على أبي هريرة، ورواه خلاد الصفار عن منصور، عن أبي صالح مرفوعًا، وغيره وقفه وهو أصح (٦). -------- (١) «المحلى» ٨/ ٩٠ - ٩١. (٢) «المستدرك» ٢/ ٥٨. (٣) «السنن الكبرى» ٦/ ٣٨. (٤) برقم (٣٥٢٦). (٥) «سنن الترمذي» ٣/ ٥٥٥. (٦) «علل الدارقطني» ١٠/ ١١٢ - ١١٤. وعند ابن حزم من حديث زكريا عن الشعبي عنه مرفوعًا: «إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يُشرب، وعلى الذي يشرب نفقته، وتركب». وقال: هذِه الزيادة إنما هي من طريق إسماعيل بن سالم الصائغ مولى بني هاشم، عن هشيم، فالتخليط من قبله لا من قبل هشيم (١). قلت: إسماعيل احتج به مسلم وتابعه زياد بن أيوب عند الدارقطني ويعقوب الدورقي عند البيهقي، إذا تقرر ذلك فاختلف العلماء فيمن له منفعة الرهن من الركوب واللبن وغيرهما على قولين: أحدهما: أنه للراهن، ليس للمرتهن أن ينتفع بشيء من ذلك، قاله الشعبي وابن سيرين. قال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، وهو قول الشافعي، فإن للراهن أن يركب الرهن ويشرب لبنه بحق نفقته عليه، وتأوي في الليل إلى المرتهن (٢). وثانيهما: نعم رخصت فيه طائفة أن ينتفع المرتهن من الرهن بالركوب والحلب دون سائر الأشياء، على لفظ الحديث أن الرهن مركوب ومحلوب، وهو قول أحمد وإسحاق (٣) والزهري. وقال أبو ثور: إن كان الراهن لا ينفق عليه وتركه في يد المرتهن فأنفق عليه، فله ركوبه واستخدامه (٤) على ظاهر الحديث، وعن -------- (١) «المحلى» ٨/ ٩١ - ٩٢. (٢) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٧، «الحاوي» ٦/ ٢٠٦. (٣) انظر: «مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج» ٢/ ٥٣، «المغني» ٦/ ٥١١. (٤) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٣. الأوزاعي والليث مثله (١)، ولا يجوز عند مالك والكوفيين للراهن الانتفاع بالرهن وركوبه بعلفه وغلَّته لربه (٢)، واحتج الطحاوي لأصحابه فقال: أجمع العلماء على أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن، وأنه ليس على المرتهن استعمال الرهن. قال: والحديث مجمل فيه لم يبين فيه الذي يركب ويشرب، فمن أين جاز للمخالف أن يجعله للراهن دون المرتهن؟ ولا يجوز حمله على أحدهما إلا بدليل. قال: وروى هشيم، عن زكرياء، عن الشعبي فساق ما ذكره ابن حزم، ثم قال: فدل هذا الحديث أنّ المَعْنِيَّ بالركولب وشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن، فجعل ذلك له وجعلت النفقة عليه بدلًا مما ينقص منه، وكان هذا -والله أعلم- وقت كون الربا مباحًا، ولم يُنْهَ حينئذ عن قرض جر منفعة، ولا عن أخذ الشيء بالشيء إن كانا غير متساويين، ثم حُرِّم الربا بعد ذلك، وحُرّم كل قرض جر منفعة، ونهي عن أخذ الشيء بالشيء إن كانا غير متساويين، وحرمت أشكاله كلها، وردت الأشياء المأخوذة إلى أبدالها المساوية لها وحرم بيع اللبن في الضرع، ودخل في ذلك النهي عن النفقة التي يملك بها المنفق لبنًا في الضرع، وتلك النفقة غير موقوف على مقدارها، واللبن كذلك أيضًا، فارتفع بنسخ الربا أن تجب النفقة على المرتهن بالمنافع التي تجب له عوضًا منها وباللبن الذي يحلبه فيشربه. --------- (١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٧٢٥. (٢) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٧٢٤. ويقال لمن جوز للراهن استعمال الرهن، أيجوز للراهن أن يرهن دابة هو راكبها؟ فلا يجد بدًّا من أن يقول: لا، فيقال له: فإذا كان الرهن لا يجوز إلا أن يكون مُخَلًّى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يد دون الراهن، كما وصف الله تعالى الرهن بقوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فقد ثبت أن دوام القبض في الرهن لا بد منه؛ إذ كان الرهن إنما هو وثيقة في يد المرتهن بالدين، وقد أجمعت الأُمَّةُ أن الأَمَةَ المرهونة لا يجوز للراهن أن يطأها، فكذلك لا يجوز له خدمتها، وللمرتهن منعه، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه. قال الشعبي: لا ينتفع من الرهن بشيء. فهذا الشعبي روى الحديث وأفتى بخلافه، ولا يجوز عليه ذلك إلا وهو عنده مخصوص (١). وقال ابن القاسم عن مالك: إذا خلى المرتهن بين الراهن وبين الرهن يركبه أو يعيره أو يسكنه لم يكن رهنًا، وإذا أجره المرتهن بإذن الراهن أو أعاره لم يخرج من الرهن والأجرة لرب الرهن، ولا يكون الكراء رهينة إلا أن يشترط المرتهن، فإذا اشترط في البيع أن يرتهن ويأخذ حقه من الكراء، فإن مالكًا كرهه، وإن كان البيع وقع بهذا الشرط إلى أجل معلوم فإن ذلك يجوز عند مالك في الدور والأرضين وكرهه في الحيوان والثياب؛ إذ لا يدري كيف ترجع إليه، وكرهه في القرض؛ لأنه يصير سلفًا جر منفعة (٢). وقال الكوفيون: إذا أجر المرتهن بإذن الراهن أو أجره الراهن بإذن المرتهن، فقد خرج من الرهن (٣)، وحكم الضالة مخالف لحكم الرهن --------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٩٩ - ١٠٠. (٢) انظر: «المدونة» ٤/ ١٦٣. (٣) انظر: «تحفة الفقهاء» ٣/ ٤٤، «المبسوط» ٢١/ ١٠٨. عند مالك وغيره. وقال مالك: إذا أنفق على الضالة من الإبل والدواب فله أن يرجع بذلك على صاحبها إذا جاء وإن أنفقها بغير أمر السلطان، وله أن يحبس ذلك بالنفقة إذ لا يقدر على صاحبها، ولابد من النفقة عليها، والرهن يأخذ راهنه بنفقته، فإن غاب رفع ذلك إلى الإمام (١). وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أنفق بغير أمر القاضي فهو متطوع، وإن كان بأمره فهو دين على صاحبها (٢). فائدة: قوله: «ويشرب لبن الدر» هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه؛ لأن الدر اللبن مثل قوله: ﴿وَحَبَّ الحَصِيدِ﴾، نبه عليه ابن التين. خاتمة: لخص ابن التين الخلاف في المسألة، فقال: اختلف الناس في تأويل الحديث فذهب مالك والشافعي إلى أن المنافع لربه والنفقة عليه، وذهب أحمد وإسحاق والزهري إلى أن المرتهن ينتفع من الرهن بقدر النفقة. قال أحمد: وليس له أن ينتفع منه بشيء سواهما (٣)، وذكر أن الدر ملك المرتهن دون الراهن (٤). وقال أبو حنيفة: لا يملك الراهن والمرتهن شيئًا من منافع الرهن وتكون ضائعة، ولو كان الرهن عبدًا كسوبًا لعطل عن العمل أصحاب الرهن حتى يؤدى الدين. ولا يجوز عند مالك أن يعقد الرهن على أن تعطل المنافع، وهذِه --------- (١) انظر: «المدونة» ٤/ ١٦١. (٢) انظر: «تحفة الفقهاء» ٣/ ٤٤، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٨. (٣) انظر: «المغني» ٦/ ٥١١، ٥١٢. (٤) في هذا القول نظر؛ قال ابن قدامة: وإذا انتفع المرتهن بالرهن حُسب من دينه بقدر ذلك قال أحمد: يوضع عن الراهن بقدر ذلك؛ لأن المنافع ملك الراهن، فإذا استوفاها فعليه قيمتها في ذمته للراهن اهـ. «المغني» ٦/ ٥١٣. الأحاديث حجة على أبي حنيفة، ودليلنا على ذلك قوله - ﷺ -: «الرهن من راهنه له غنمه وعليه غرمه» (١) وإن شرط أن منفعة الرهن للمرتهن في قرضٍ أو بيعٍ فسخ ذلك، إلا أن يضرب أجلًا فيجوز في البيع إذا كان عقارًا، واختلف إذا كان حيوانًا أو ثيابًا فكرهه مالك وأجازه ابن القاسم (٢)، ولا تدخل الغلة في الرهن عند مالك (٣). وقال أبو حنيفة: تكون رهنًا مع الأصول (٤). واختلف إذا كان الرهن غنمًا وعليه صوف نام، فأدخله في الرهن ابن القاسم، وخالفه أشهب (٥)، والولد عند مالك داخل في الرهن مع أمه (٦)، فإن أنفق عليه فنفقته في ذمة الراهن، وليس له حبسه عند ابن القاسم (٧)، خلافًا لأشهب فإنه قال: هو أحق به كالضالة إذا كانت بغير أمرِ الراهن (٨). وقال ابن مسلمة: النفقة مبدَّاة على الدين (٩). ---------- (١) رواه ابن حبان ١٣/ ٢٥٨ (٥٩٣٤)، والدارقطني ٣/ ٣٢، ٣٣ وقال: حسن. والحاكم ٢/ ٥١، ٥٢ وقال: صحيح على شرط الشيخين. بلفظ: لا يغلق الرهن ..... (٢) انظر: «المدونة» ٤/ ١٦٣. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ١٧٩ - ١٨٠، «المنتقى» ٥/ ٢٤١. (٤) انظر: «تبيين الحقائق» ٦/ ٩٤، «الجوهرة النيرة» ١/ ٤٣٦. (٥) انظر: «المنتقى» ٥/ ٢٤١. (٦) انظر: «المدونة» ٤/ ١٥٦. (٧) في نسبه هذا القول لابن القاسم نظر، فقد نَصَّ على خلافه فقال: إذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه فهو سلف، ولا يكون في الرهن إلا بشرط أنه رهن، إلا أن له حبسه بما أنفق وبدينه اهـ. انظر: «المدونة» ٤/ ١٦١، «النوادر والزيادات» ١٠/ ١٨٤ - ١٨٥، «التاج والإكليل» ٦/ ٥٧٢. (٨) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ١٨٤ - ١٨٥، «المنتقى» ٥/ ٢٥٤ - ٢٥٥. (٩) لم أقف عليه من قول ابن مسلمة، ووجدته لابن القاسم كما في «التاج والإكليل» ٦/ ٥٧٥. ٥ - باب الرَّهْنِ عِنْدَ اليَهُودِ وَغَيْرِهِمْ ٢٥١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ٥/ ١٤٥] ذكر فيه حديث عائشة، وقد سلف بفقهه (١). --------- (١) سلف فقهه في شرح حديث (٢٥٠٩). ٦ - باب إِذَا اخْتَلَفَ الرَّاهِنُ وَالمُرْتَهِنُ وَنَحْوُهُ (١)، فَالبَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي، وَاليَمِينُ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ ٢٥١٤ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ. [٢٦٦٨، ٤٥٥٢ - مسلم: ١٧١١ - فتح: ٥/ ١٤٥] ٢٥١٥، ٢٥١٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ رضي الله عنه: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَقَرَأَ إِلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٧]. ثُمَّ إِنَّ الأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ وَاللهِ أُنْزِلَتْ، كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «شَاهِدُكَ أَوْ يَمِينُهُ». قُلْتُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا هُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ». فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ، ثُمَّ اقْتَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ إِلَى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. ذكر فيه حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى ابن عَبَّاسٍ، فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَضَى أَنَّ اليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ .. وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وفي إسناده نافع بن عمر الحافظ المكي الثقة، مات سنة تسع وستين ومائة. وابن أبي مليكة اسمه عبد الله بن ------- (١) ورد بهامش الأصل: وغيرهما. (٢) برقم (١٧١١) كتاب: الأقضية، باب: اليمين على المدعى عليه. عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان المكفوف القاضي، مات سنة سبع عشرة ومائة. وفي الترمذي مضعفًا من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه» (١). وذكر فيه حديث أبي وائل قال: قَالَ عَبْدُ اللهِ رضي الله عنه: مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ فَأَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ فَقَرَأَ إِلَى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ثُمَّ إِنَّ الأَشعَثَ بْنَ قَيْسٍ خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: فيَّ أُنْزِلَتْ. وساق الحديث، وقد سلف (٢)، والتبويب يدل على أن مذهبه أن الرهن لا يكون عليه شاهد، كما نبه عليه ابن التين. وإذا اختلف الراهن والمرتهن في مقدار الدين والرهن قائم، فقال الراهن: رهنتك بعشرة دنانير. وقال المرتهن: بعشرين. فقال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور: القول قول الراهن مع يمينه (٣). وقالوا: المرتهن مدعٍ، فإذا لم يكن له بينة حلف الراهن؛ لأنه مدعى عليه على ظاهر السنة في الدعوى لو لم يكن ثم رهن، ولا يلزم الراهن من الدين إلا ما أقر به أو قامت عليه بينة. وفيه قول ثان: وهو أن القول قول المرتهن ما لم يجاوز دينه قيمة رهنه، روي هذا عن الحسن وقتادة ونحوه قال مالك: مع يمينه بما بينه وبين قيمة الرهن؛ لأن الرهن كشاهد للمرتهن إذا حازه، وإذا ------- (١) برقم (١٣٤١) وقال: حديث في إسناده مقال. (٢) برقم (٢٣٥٦، ٢٣٥٧) كتاب: المساقاة، باب: الشرب ومن رأى صدقة الماء وهبته ووصيته جائزة. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٠٧، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٣، «المغني» ٦/ ٥٢٤ - ٥٢٥. ادعى أكثر من قيمة الرهن لم يصدق في الزيادة، ويكون القول قول الراهن مع يمينه، ويبرأ من الزيادة على قيمته ويؤدي قيمته. وحجته أن الراهن مدعٍ لاستحقاق أخذ الرهن وإخراجه عن يد المرتهن، والمرتهن منكر أن يكون الراهن مستحقًّا لذلك بما ذكره، (فاليمين) (١) على المرتهن؛ لأن الراهن معترف بكونه رهنًا في يد المرتهن، والرهن وثيقة بالحق وشاهد له كالشهادة أنها وثيقة بالحق ومصدق له فأشبه اليد، فصار القول قول من في يده الرهن إلى مقدار قيمته، وإنما كان القول قول المرتهن فيما زاد على قيمة الرهن؛ لأن المرتهن مدعٍ جملة ما يذكره من الحق، فعليه أن يحلف على جملة ذلك، ثم له مما (حلف) (٢) عليه قدر ما شهد الرهن له من قيمته، فيكون كالشاهد واليمين؛ لأن المرتهن لا شهادة له فيما يذكره فيما زاد على قيمة الرهن، فصار مدعيًا لذلك والراهن مدعى عليه، فكان حكم ذلك حكم المدعِي والمدعَى عليه فإما بينة المدعي أو يمين المدعَى عليه (٣). وقوله: (فكتب إليَّ ابن عباس) فيه العمل بالكتابة كالإجازة. قال الداودي: والحديث خرج مخرج العموم وأريد به الخصوص. قال ابن التين: والأولى أن يقال: إنها نازلة في عين والأفعال لا عموم لها كالأقوال على الأصح، وقد جاء في حديث: «إلا في القسامة» (٤) --------- (١) في الأصل: في اليمين وهو خطأ والمثبت هو الصواب كما في «شرح ابن بطال» ٧/ ٣٣. (٢) في الأصل: حلفه، والمثبت من «ابن بطال». (٣) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٣٢ - ٣٣. (٤) رواه الدارقطني ٣/ ١١١، والبيهقي ٨/ ١٢٣، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٨٤) من حديث ابن عمر. أي: فإنها على المدعي إذا قال: دمي عند فلان. وادعى ابن التين أن الشافعي وأبا حنيفة وجماعة من متأخري المالكية أبَوْا ذلك، ثم قال: وقيل: يحلف المدعي وإن لم يقل الميت: دمي عند فلان، وهو قول شاذ لم يقله أحد من فقهاء الأمصار. وقالت فرقة: لا يجب القتل إلا ببينة أو اعتراف القاتل وإلا أخرت أيمان المظلومين. قال: ويؤيد ما ذكروه ما رواه مالك والبخاري وغيرهما أنه - عليه السلام - قال: «لو يعطى الناس بدعواهم لادَّعَى ناس دماءَ قومٍ وأموالهَم، لكن البينة على من ادَّعَى واليمين على من أنكر» (١). قلت: هذا -أعني: قوله: «واليمين على من أنكر»- ليس في البخاري ولا في «الموطأ» فيما أعلم، وقد أسلفناها (٢) بإسناد ضعيف وانفصل عنه بعض من قال بالأول وبحمله على ما في حديث حويصة ومحيصة من إظهار العداوة بين المسلمين واليهود (٣). ---------- (١) سيأتي بهذا اللفظ (٤٥٥٢) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ﴾. ولم أعثر عليه عند مالك. (٢) ورد بهامش الأصل: الذي أسلفه: (واليمين على المدعى عليه). بهذا اللفظ، وإن كان قال بمعناه. (٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثالث بعد السبعين، كتبه مؤلفه. ![]()
__________________
|
|
#466
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 131 الى صـــ 150 الحلقة (466) كتاب العتق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٤٩ - كِتَابُ الْعِتْقِ أصله من عتق الفرخ إذا استقل، وهو شرعًا: إزالة ملك عن آدمي لا إلى مالك تقربًا إلى الله تعالى. ١ - باب: فِي العِتْقِ وَفَضْلِهِ وَقَوْلِهِ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤)﴾ [البلد: ١٣ - ١٤] ٢٥١٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي وَاقِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدٌ ابْنُ مَرْجَانَةَ صَاحِبُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قَالَ: قال لِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَعْتَقَ امْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّارِ». قَالَ سَعِيدُ ابْنُ مَرْجَانَةَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَي عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَعَمَدَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رضي الله عنهما إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ -أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ- فَأَعْتَقَهُ. [٦٧١٥ - مسلم: ١٥٠٩ - فتح: ٥/ ١٤٦] ثم ساق حديث سعيد ابن مرجانة صاحب علي بن حسين قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَيُّمَا رَجُلِ أَعْتَقَ أمْرَأً مُسْلِمًا اسْتَنْقَذَ اللهُ بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ مِنَ النَّار». قَالَ سَعِيدُ ابن مَرْجَانَةَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ، فَعَمَدَ عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ رضي الله عنهما إِلَى عَبْدٍ لَهُ قَدْ أَعْطَاهُ بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ جَعْفَرٍ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ -أَوْ أَلْفَ دِينَارٍ- فَأَعْتَقَهُ .. معنى ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾: اقتحام العقبة فك رقبة، أو فلم يقتحم العقبة إلا من فك رقبة أو أطعم، وفكها: تخليصها من الأسر أو عتقها من الرق، وسمي الرقيق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته. قال سعيد بن مسعدة: قراءة: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ أحب إلى؛ لأنه فسر (العقبة) أي: في فك رقبة. وكذا قال الزجاج: من قرأ: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ فالمعنى اقتحام العقبة فك رقبة أو إطعام، ومن قرأ: (فكَّ رقبةً) فهو محمول على المعنى، والمسغبة: المجاعة. وقوله: (ذا مقربة) أي: ذا قرابة، تقول: زيد ذو قرابتي وذو مقربتي، وزيد قرابتي قبيح؛ لأن القرابة المصدر. قال الشاعر: يبكي الغريب عليه ليس يعرفه … وذو قرابته في الحي مسرور ولابن زنجويه في «فضائل الأعمال» من حديث البراء بن عازب جاء أعرابي إلى رسول الله - ﷺ - فقال: علمني عملًا يدخلني الجنة. فقال: «لئن كنت أقصرت الخطبة، لقد أعرضت المسألة، أعتق النسمة وفك الرقبة». فقال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا. قال: "لا، عتق النسمة أن تنفرد بعتقها، وفك الرقبة أن تعين في عتقها» (١) وللبيهقي: «من أعتق امرأً مسلمًا كان فكاكه من النار، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار» (٢). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وفي رواية له: «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله تعالى بكل أرب منه أربًا منه من النار» (٤). ولهما من حديثه: «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا من أعضائه من النار حتى فرجه بفرجه». ذكره البخاري في كتاب النذور (٥)، ولأبي الفضل الجوزي: «حتى إنه ليعتق اليد باليد والرجل بالرجل والفم بالفم» (٦). فقال له علي بن حسين: أنت سمعت هذا من أبي هريرة؟ قال: نعم. قال: ادعوا لي أَفْرَهَ غلماني مطرفًا، فأعتقه (٧). وجاء في فضله عدة أحاديث، منها: حديث أبي أمامة وغيره من الصحابة مرفوعًا: «أيما امرئ مسلم أعتق امرأً مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزئ كل عضو منهما عضوًا منه من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكلها من النار ------- (١) رواه أحمد ٤/ ٢٩٩، والبخاري في»الأدب المفرد«(٦٩)، والدارقطني ٢/ ١٣٥، وقال الهيثمي ٤/ ٢٤٠ رجاله ثقات. وقال الألباني في تعليقه على»الأدب المفرد«(٦٩): صحيح. (٢)»السنن الكبرى«١٠/ ٢٧٢. (٣) برقم (١٥٠٩) كتاب: العتق، باب: فضل العتق. (٤) برقم (١٥٠٩/ ٢١). (٥) برقم (٦٧١٥). ومسلم (١٥٠٩/ ٢٢). (٦) رواه البيهقي في»شعب الإيمان«٤/ ٦٧ (٤٣٣٩). (٧) رواه البيهقي»شعب الإيمان" ٤/ ٦٧، وهو في مسلم بمعناه (١٥٠٩/ ٢٤). يجزئ كل عضو منها عضوًا منها». ثم قال (١): حسن صحيح غريب (٢). ولأبي داود عن مرة بن كعب أو كعب بن مرة الأسلمي عن النبي - ﷺ - مثله (٣). ولأبي داود والنسائي من حديث واثلة بن الأسقع: أتينا النبي - ﷺ - في صاحب لنا قد استوجب -يعني: النار- بالقتل. فقال: «أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار» وصححه ابن حبان والحاكم. وقال: صحيح على شرط الشيخين (٤). ومعنى أوجب: ركب معصية توجب النار، ويقال للحسنة أيضًا: موجبة. ولأبي داود، عن عمرو بن عبسة سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «أيما رجل مسلم أعتق رجلًا مسلمًا فإن الله جاعل وقاء كل عظم من عظامه عظمًا من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله جل وعز جاعل وقاء كل عظم من عظامها عظمًا من عظام محررها من النار» (٥). وللجوزي: «من أعتق نفسًا مسلمة كانت فديته من جهنم» (٦). --------- (١) كذا بالأصل، ولعل الساقط: رواه الترمذي. (٢) برقم (١٥٤٧)، وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (١٢٥٢): صحيح. (٣) برقم (٣٩٦٧)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٧٠٠). (٤) أبو داود (٣٩٦٤)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٧١ - ١٧٢ (٤٨٩٠)، وابن حبان ١٠/ ١٤٠ - ١٤٦ (٤٣٠٧)، والحاكم ٢/ ٢١٢، وصححه المؤلف في «البدر المنير» ٨/ ٥٠٣، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٩٢٩). (٥) برقم (٣٩٦٦)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٧٢٦). (٦) رواه أحمد ٤/ ٣٨٦. ولأحمد من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: «من أعتق رقبة مؤمنة فهي فكاكه من النار» (١). وفي لفظ «فداؤه» (٢). قال الحاكم: صحيح الإسناد وشاهده حديث أبي موسى (٣). يعني الآتي بعد. وعن معاذ مرفوعًا مثله (٤). وللنسائي من حديث مالك بن عمرو القشيري: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار» (٥). ولأحمد: «رقبة مؤمنة فهي فداؤه من النار، مكان كل عظم من عظام محرره بعظم من عظامه» (٦). -------- (١) رواه أحمد ٤/ ١٤٧، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٤٤٣: ورجاله رجال الصحيح خلا قيس الجدامي ولم يضعفه أحد والحديث صححه الألباني في «صحيح الترغيب» (١٨٩٣). (٢) رواه أحمد ٤/ ١٥٠، وأبو يعلى ٣/ ٢٩٦ (١٧٦٠). (٣) «المستدرك» ٢/ ٢٣٠. (٤) رواه أحمد ٥/ ٢٤٤. (٥) الحديث رواه أحمد ٤/ ٣٤٤، والطبراني في «الكبير» ١٩/ ٢٩٩، وأبو يعلى (٩٢٦) من حديث مالك بن عمرو القشيري. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٣/ ٢١٩: رواه أحمد من طرق أحدها حسن اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٣٩: رواه أحمد وفي بعض طرقه: أيما مسلم ضم يتيمًا بين أبوين ...... الحديث. وإسناده حسن. والحديث عند النسائي في «الكبرى» ٣/ ١٧١ (٤٨٨٩) من حديث عمرو بن عبسة، ولم يخرجه من طريق مالك بن عمرو، وعندما ذكره المصنف في «البدر المنير» ٩/ ٧٠٣ عزاه لأحمد. (٦) أحمد ٤/ ٣٤٤ وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٥٩: إسناده حسن، وصححه الألباني لغيره في «صحيح الترغيب» (٢٤٩٦). وللحاكم من حديث أبي موسى مرفوعًا: «من يعتق أعتق الله مكان كل عضو منه عضوًا منه من النار» (١). ولابن زنجويه من حديث عائشة مرفوعًا: «من أعتق عضوًا من مملوك أعتق الله بكل عضو منه عضوًا» (٢). قال الخطابي: فعلى هذا لا ينبغي أن يكون المعتق ناقصًا بعور أو شلل وشبههما ولا معيبًا بعيب يضر بالعمل، وقيل بالسعي والاكتساب، وربما كان نقص بعض الأعضاء زيادة في الثمن كالخصي؛ إذ يصلح لما لا يصلح له غيره من حفظ الحريم ونحوه، فلا يكره، على أنه لا يخل بالعمل (٣). وقال القاضي عياض: اختلف العلماء: أيما أفضل عتق الإناث أو الذكور؟ فقال بعضهم: الإناث أفضل؛ لأنها إذا عتقت كان ولدها حرًّا سواء تزوجها حر أو عبد. وقال آخرون: الذكر أفضل؛ لحديث أبي إمامة؛ ولما في الذكر من المعاني العامة التي لا توجد في الإناث؛ ولأن من الإماء من لا ترغب في العتق وتضيع به، بخلاف العبد (٤)، وهذا هو الصحيح، واستحب بعض العلماء أن يعتق الذكرُ الذكرَ والأنثى مثلَها، ذكره الفريابي في «الهداية» لتتحقق مقابلة الأعضاء بالأعضاء. تنبيهات: أحدها: لا شك أن الزنا كبيرة لا تُكَفَّر إلا بالتوبة، فيحمل الحديث على أنه أراد مسَّ الأعضاء بعضها بعضًا من غير إيلاج، وهذا صغيرة، ----------- (١) «المستدرك» ٢/ ٢٣٠ وجعله الحاكم شاهدًا لحديث عقبة السابق. (٢) أشار إليه الترمذي في «سننه» ٤/ ١١٤. (٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٦٤ - ١٢٦٥. (٤) «إكمال المعلم» ٥/ ١٢٢ - ١٢٣. ويحتمل أن يريد أن لعتق الفرج حظًّا في الموازنة فيكفر الزنا. ثانيها: قال المهلب: فيه فضل العتق، وأنه من أرفع الأعمال، ومما ينجي الله به من النار، وفيه أن المجازاة قد تكون من جنس الأعمال، فجوزي المعتق للعبد بالعتق من النار، وإن كانت صدقة تصدق عليه واجتنى في الآخرة. ثالثها: هذا الحديث يبين أن تقويم باقي العبد على من أعتق شقصًا منه إنما هو لاستكمال عتق نفسه من النار، وصارت حرمة العتق تتعدى إلى الأموال لفضل النجاة به من النار، وهذا أولى من قول من قال: إنما ألزم عتق باقيه لتكميل حرمة العبد، فتتم شهادته وحدوده، وهو قول لا دلالة عليه (١). --------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٣٤. ٢ - باب: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ ٢٥١٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟، قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ». قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ». قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ». [مسلم: ٨٤ - فتح: ٥/ ١٤٨] ذكر فيه حديث أبي ذر، هو جندب بن جنادة، مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين وصلى عليه ابن مسعود، وقد جاء من العراق ثم قدم المدينة فمات بها بعد عشرة أيام. سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ باللهِ، وَجِهَادٌ فِي سَبِيلِهِ». قُلْتُ فَأَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا». قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تُعِينُ صَانِعًا أَوْ تَصْنَعُ لأَخْرَقَ». قَالَ: فَإِنْ لَمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ: «تَدَعُ النَّاسَ مِنَ الشَّرِّ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ تَصَدَّقُ بِهَا عَلَى نَفْسِكَ». «أغلاها» ضبطه الشيخ أبو الحسن بعين مهملة وضبطه أبو ذر بمعجمة (١)، ومعناه أن من اشتراها بكثير الثمن، فإنما فعل ذلك لنفاستها عنده، ومن أعتق رقبة نفيسة عنده وهو مغتبط بها فلم يعتقها إلا لوجه الله، وهذا الحديث في معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وكان لابن عمر جارية يحبها فأعتقها -------- (١) ورد في اليونينية ٣/ ١٤٤ أن أبا ذر ضبطها بعين مهملة رواية عن الحموي والمستملي. لهذِه الآية، ثم اتبعتها نفسه فأراد أن يتزوجها فمنعه بنوه، فكان بعد ذلك يقرب بنيها من غيره لمكانها من قلبه (١). قال المهلب: وإنما قرن الجهاد في سبيل الله بالإيمان به؛ لأنه كان عليهم أن يجاهدوا في سبيل الله حتى تكون كلمة الله هي العليا، وحتى يفشو الإسلام وينتشر فكان الجهاد ذلك الوقت أفضل من كل عمل. وقوله: «تعين صانعًا» أي: فقيرًا «أو تصنع لأخرق» عاملًا لا يستطيع عمل ما يحاوله، والخرق لا يكون إلا في البدن، وهو الذي لا يحسن الصناعات. قال ابن سيده: خرق الشيء: جهله ولم يحسن عمله وهو أخرق (٢)، وفي «المثلث» لابن عديس: الخرق جمع الأخرق من الرجال والخرقاء من النساء وهما ضد الصناع والصنع. وقوله: «ضائعًا» أي: فقيرًا هو ما فسره ابن بطال (٣)، وكذا ضبطه غيره بالضاد المعجمة، وأنه رواية هشام، وصوابه «صانعًا» بالصاد المهملة وبالنون. وقال النووي: الأكثر في الرواية بالمعجمة (٤). وقال عياض: روايتنا في هذا من طريق هشام بالمعجمة، وعن أبي بحر بالمهملة، وهو صواب الكلام؛ لمقابلته بالأخرق وإن كان المعنى من جهة معونة الصانع أيضًا صحيحًا، لكن صحت الرواية عن هشام ----------- (١) رواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، والبزار كما في «كشف الأستار» (٢١٩٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٩٥، وقال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٣٢٦: فيه من لم أعرفه. (٢) «المحكم» ٤/ ٣٨٧. (٣) «شرح ابن بطال» ٧/ ٣٥. (٤) «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٧٥. (بالمهملة) (١). وقال ابن المديني: الزهري يقوله بالمهملة، ويرون أن هشامًا صحفه بالمعجمة، والصواب قول الزهري (٢). تنبيهات: أحدها: إذا كانا مسلمين فأفضلهما أغلاهما ثمنًا كما سلف. قال أبو عبد الملك: إذا كان ذلك في ذوي الدين، واختلف إذا كان النصراني أو اليهودي أو غيرهما أكثر ثمنًا من المسلم. فقال مالك: عتق الأغلى أفضل، وإن كان غير مسلم. وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل (٣)، وهو أبين، كما قال ابن التين؛ لتقييده بالمسلم فيما سلف، وقياسًا على عتق الواجب في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. ثانيها: هذا الحديث رواه مالك في «موطئه» (٤) عن هشام، عن أبيه عن عائشة مرفوعًا به، كما ساقه البخاري: وذكر بعضهم أنه مما يعد على مالك؛ لأن غير واحد رواه عن هشام، عن أبيه، عن أبي مراوح، عن أبي ذر كما في البخاري. وقال أبو عمر: زعم قوم أن هذا الحديث كان أصله عند مالك، عن هشام، عن أبيه مرسلًا (٥). ---------- (١) كذا في الأصل، وهو خطأ وفي المطبوع من «إكمال المعلم» ١/ ٣٤٩ ما نصه: لكن صحت الرواية هنا عن هشام بالضاد اهـ وهو الصواب، وقد أشار محقق «الإكمال» إلى أنه جاء في نسخة (ت): بالصاد المهملة. (٢) «إكمال المعلم» ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩. (٣) انظر: «المنتقى» ٦/ ٢٧٨. (٤) «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٨٧. (٥) كذا في الأصل، وفي «التمهيد» ما نصه: وزعم قوم أن هذا الحديث كان أصله عند مالك: عن هشام عن أبيه عن عائشة، فلما بلغه أن غيره من أصحاب هشام يخالفونه في الإسناد، جعله عن هشام عن أبيه مرسلًا، هكذا قالت طائفة من أهل العلم بالحديث، فالله أعلم اهـ. ورواه ابن وهب، عنه، عن الزهري، عن حبيب، عن عروة مرسلًا (١). وقال الدارقطني: المحفوظ عن مالك الإرسال (٢). وذكره الإسماعيلي في «صحيحه» من حديث يحيى بن سعيد، عن هشام، عن أبيه قال: أخبرني ابن أبي مراوح عن أبيه أن أبا ذر أخبره به. ولابن زنجويه من حديث الأوزاعي، عن يزيد بن أبي يزيد، عن أبيه، عنه مقلوبًا، قلت: فإن كان ضعيفًا؟ قال: «يقول المعروف بلسانه»، قلت: فإن كان لسانه لا يبلغ عنه؟ قال: «ما تريد أن تدع في صاحبك خيرًا؟!». ثالثها: لو أراد أن يعتق رقبة واحدة بألف، وأمكن أن يشتري بالألف رقبتين مفضولتين فهما أفضل، بخلاف الأضحية، والفرق أن المقصود بها طيب اللحم، وبالعتق الخلاص من ربقة الرق. --------- (١) «التمهيد» ٢٢/ ١٥٧. (٢) «العلل» ٦/ ٢٨٩. ٣ - باب: مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ العَتَاقَةِ فِي الكُسُوفِ وَالآيَاتِ ٢٥١٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ مَسْعُودٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ بْنُ قُدَامَةَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. تَابَعَهُ عَلِيٌّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - ٥/ ١٥٠] ٢٥٢٠ - (١) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا عَثَّامٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الخُسُوفِ بِالعَتَاقَةِ. [انظر: ٨٦ - مسلم: ٩٠٥ - فتح: ٥/ ١٠٥] ذكر فيه حديث زائدة بن قدامة عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالعَتَاقَةِ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ. تَابَعَهُ عَلِيٌّ، عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ، عَنْ هِشَامٍ. وحديث عثَّام، عن هِشَام، عَنْ فَاطِمَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ: كُنَّا نُؤْمَرُ عِنْدَ الكسوف بِالعَتَاقَةِ. هذا الباب سلف في بابه من الصلاة (٢). قال المهلب: إنما أمر بالعتاقة في الكسوف؛ لأن بالعتق يستحق العتق من النار، والكسوف آية من آيات الله، قال تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]، فلذلك صلى وأطال من أجل الخوف الذي توعد الله عليه في القرآن وأمر بالعتاقة (٣). ---------- (١) في بعض نسخ البخاري يبدأ من هنا كتاب: العتق. (٢) سلف برقم (١٠٥٤) كتاب: الكسوف، باب: النداء بالصلاة جامعه في الخسوف. (٣) نقله عنه ابن بطال في «شرحه» ٧/ ٣٦. ٤ - باب إِذَا أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ أَمَةً بَيْنَ الشُّرَكَاءِ ٢٥٢١ - حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ سَالم عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ». ٢٥٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ العَبْدُ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ وَعَتَقَ عَلَيْهِ، وَإِلاَّ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». ٢٥٢٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأُعْتِقَ مِنْهُ مَا أَعْتَقَ». [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ - فتح: ٥/ ١٥١] حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. اخْتَصَرَهُ ٢٥٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ -أَوْ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ- وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بِقِيمَةِ العَدْلِ، فَهْوَ عَتِيقٌ». قَالَ نَافِعٌ: «وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي أَشَيْءٌ قَالَهُ نَافِعٌ، أَوْ شَيْءٌ فِي الحَدِيثِ. [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ - فتح: ٥/ ١٥١] ٢٥٢٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مِقْدَامٍ، حَدَّثَنَا الفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ، يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ، إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ، يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى سَبِيلُ المُعْتَقِ. يُخْبِرُ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَجُوَيْرِيَةُ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. مُخْتَصَرًا. [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ - فتح: ٥/ ١٥١] ذكر فيه حديث سالم عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ عَبْدًا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قُوِّمَ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُعْتَقُ». وفي لفظ (١) «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ ما يَبْلُغُ ثَمَنَ العَبْدِ، قُوِّمَ العَبْدُ عليه قِيمَةَ عَدْلٍ، فَأَعْطَى شُرَكَاءَهُ حِصَصَهُمْ، وَعَتَقَ عَلَيهِ العَبْدُ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». وفي لفظ (٢) «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ فَعَلَيْهِ عِتْقُهُ كلِّهِ، إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ يَبْلُغُ ثَمَنَهُ، فَإِن لَمْ يَكُنْ لَهُ قالٌ يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ على العتق، وأعتق مِنْهُ مَا أَعْتَقَ». وفي لفظ (٣) «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ فِي مَمْلُوكٍ -أَوْ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ- وَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ بقِيمَةِ العَدْلِ، فَفوَ عَتِيقٌ». قَالَ نَافِعٌ: «وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ». قَالَ أيُّوبُ: لَا أَدْرِي أَشَئ قَالَهُ نَافِعٌ، أَوْ شَيْءٌ فِي الحَدِيثِ. وفي لفظ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي فِي العَبْدِ أَوِ الأَمَةِ يَكُونُ بَيْنَ الشُّرَكَاءَ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمْ نَصِيبَهُ مِنْهُ، يَقُولُ: قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ عِتْقُهُ كُلِّهِ، إِذَا كَانَ لِلَّذِي أَعْتَقَ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ، يُقَوَّمُ مِنْ مَالِهِ قِيمَةَ العَدْلِ، وَيُدْفَعُ إِلَى الشُّرَكَاءِ أَنْصِبَاؤُهُمْ، وَيُخَلَّى سبِيلُ المُعْتَقِ. يُخْبِرُ ذَلِكَ ----------- (١) ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر إلى ابن عمر. (٢) ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر إلى نافع عنه. (٣) ورد بهامش الأصل: ساقه من طريقين إلى نافع عنه. ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَرَوَاهُ اللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبِ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَجُوَيْرِيَةُ وَيحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أمَيَّةَ، عَن نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. مُخْتَصَرًا. الشرح: حديث ابن عمر سلف أيضًا في الشركة (١)، وقد اختلف العلماء في العبد المشترك يعتق أحدهما نصيبه. فقالت طائفة: لا ضمان عليه بقيمة نصيب شريكه لعتاقته إلا أن يكون موسرًا على ظاهر حديث ابن عمر، وإنما في حديث ابن عمر وجوب الضمان على الموسر خاصة دون المعسر، يدل عليه قوله: «وإلا فقد عتق منه ما عتق» هذا قول ابن أبي ليلى ومالك والثوري وأبي يوسف ومحمد والشافعي (٢). وقال زفر: يضمن قيمة نصيب شريكه موسرًا كان أو معسرًا ويخرج العبد كله حرًا. وقال: العتق من الشريك الموسر جناية على نصيب شريكه يجب بها عليه ضمان قيمته من ماله، ومن جنى على مال رجل وهو موسر أو معسر وجب عليه ضمان ما أتلف بجنايته، ولم يفترق حكمه إن كان موسرًا أو معسرًا في وجوب الضمان عليه (٣). وهذا قول مخالف للحديث، فلا وجه له، وإلا فقوله: «فقد عتق منه ما عتق» دليل أن ما بقي من العبد لم يدخله عتاق فهو رقيق للذي لم يعتق على حاله، ولو نفذ العتق في الكل إذا كان معسرًا لرجع الشريك إلى ذمة --------- (١) سلف برقم (٢٤٩١). (٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨، «المدونة» ٢/ ٣٧٩، «إكمال المعلم» ٥/ ١٠٠، «البيان» ٨/ ٣٢٣. (٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٥، ولم يعزه لأحد. غير مالية فلا يحصل عوض، وفيه إضاعة المال وإتلاف له، وقد نهي عن ذلك. واختلف في معنى الحديث، فقال مالك في المشهور عنه: للشريك أن يعتق نصيبه قبل التقويم كما أعتق شريكه أولًا، ويكون الولاء بينهما، ولا يعتق نصيب الشريك إلا بعد التقويم وأداء القيمة (١). وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: إن كان المعتق الأول موسرًا عتق جميع العبد إذًا وكان حرًّا، ولا سبيل للشريك على العبد، وإنما له قيمة نصيبه على شريكه، كما لو قتله. قالوا: لأنه - عليه السلام - قال: «من أعتق شقصًا له في عبد قوم عليه قيمة عدل»، ثم يعتق إن كان موسرًا، فأمر بالتقويم الذي يكون في الشيء المتلف، فعلم أنه إذا أعتق نصيبه فقد أتلف نصيب شريكه بالعتق فلزمته القيمة، وقد روي مثله عن مالك والحجة لمالك في مشهور قوله: إن نصيب كل واحد من الشريكين غير تابع لنصيب صاحبه، يدل عليه أنه لو باع أحدهما نصيبه لم يصر نصيب شريكه مبيعًا، فكذا العتق، وأيضًا فإنه لو أعتق نصيب شريكه ابتداء لم يعتق، وكان يجب إذا ابتدأ عتق نصيب شريكه أن ينعتق، وينعتق نصيب شريكه فلما لم يكن نصيبه هنا بيعًا ولا يسري إليه العتق، كذلك لا يكون نصيب شريكه تبعًا لنصيبه ولا يسري إليه العتق، واحتج مالك في «المدونة» فقال: ألا ترى أنه لو مات العبد قبل التقويم لم يلزم المعتق الأول شيء! (٢) ---------- (١) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ١٢١. (٢) «المدونة» ٢/ ٢٧٩. فائدة: استدل ابن التين بقوله: ثم يعتق، للمشهور من مذهب مالك أن عتق العبد لا يكون إلا بعد التقويم، وفي أنه لا يعتق بالسراية (١)، وكذا هو في حديث ابن عمر آخر الباب، وفي قول لمالك: أنه يفتقر إلى حكم (٢)، (ونقل سحنون إجماع الأصحاب على خلافه) (٣)، وفي قول: موقوف على أداء القيمة (٤). فرع: إن ادعى الفقر ولا مال ظاهر له لا يحلف، وانفرد ابن الماجشون، فقال: يحلف (٥). فرع: إذا كان معسرًا وأحب شريكه أن يقوم عليه ويطالبه متى أيسر، فالأشبه بما في «المدونة» المنع عملًا بقوله: «وإلا فقد عتق منه ما عتق»، ووجه مقابله: أن ترك الاستكمال لحق الشريك (٦). فرع: احتج القاضي في «معونته» بقوله: «قوم عليه»، لإحدى الروايتين أن من أوصى بعتق عبده أو شركاء له في عبد يقوَّم عليه (٧)، والمشهور المنع. ---------- (١) انظر: «المعونة» ٢/ ٣٥٥، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١١٨٤. (٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٣٥٥، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١١٨٤. (٣) كذا في الأصول، ولعله سبق نظر، وموضعها الصحيح في الفرع التالي بعد قوله: يحلف، انظر: «النوادر» ١٢/ ٢٨٦، «المنتقى» ٦/ ٢٥٦ - ٢٥٧. (٤) انظر: «جامع الأمهات» ص ٣٤٧. (٥) انظر: «المنتقى» ٦/ ٢٥٦. (٦) انظر: «المنتقى» ٦/ ٢٥٦. (٧) «المعونة» ٢/ ٣٦١ - ٣٦٢. فائدة: قوله: «فهو عتيق» يريد: معتوق، فعيل بمعنى مفعول، وحقيقة هذا القول وشبهه عند أكثر النحاة لا يبني منه فعل ما لم يسم فاعله ولا مفعول إذا كان لازمًا، واختاره سيبويه خاصة على تقدير إقامة المصدر مقام ما لم يسم فاعله، والداودي أجاز أن يبني الثاني من قوله: «وإلا فقد عتق ما عتق» لما لم يسم فاعله دون الأول، وقد سلفت. وذكر الداودي عن أبي حنيفة: إن شاء استسعى وإن شاء يمسك بما له فيه من الرق. قال: وخالف الروايتين جميعًا. فائدة: أبو النعمان المذكور في إسناده شيخ البخاري، اسمه: محمد بن الفضل عارم (١)، مات سنة أربع، وقيل: ثلاث وعشرين ومائتين (٢). ------------ (١) عارم لقب محمد. (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٥، «التاريخ الكبير» ١/ ٢٠٨ (٦٥٤)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٨٧ (٥٥٤٧). ![]()
__________________
|
|
#467
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 151 الى صـــ 170 الحلقة (467) ٥ - باب إِذَا أَعْتَقَ نَصِيبًا فِي عَبْدٍ، وَلَيْسَ لَهُ مَالٌ، اسْتُسْعِيَ العَبْدُ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ، عَلَى (نَحْوِ الكِتَابَةِ) (١) ٢٥٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ آدَمَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شَقِيصًا مِنْ عَبْدٍ». [انظر: ٢٤٩٢ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ٥/ ١٥٦] ٢٥٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنِ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا -أَوْ شَقِيصًا- فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ، وَأَبَانُ، وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ قَتَادَةَ. اخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ. [انظر: ٣٤٩٢ - مسلم: ١٥٠٢، ١٥٠٣ - فتح: ٥/ ١٥٦] ذكر فيه حديث جَرِير بْن حَازِمٍ، سَمِعْتُ قَتَادَةَ: حَدَّثَنِي النَّضْرُ بْنُ أَنَسِ، عَنْ بَشِيرِ بْنِ نَهِيكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ شقصا مِنْ عَبْدٍ» وفي لفظ آخر: «من نفس» ثم رواه من حديث سعيد عن قتادة به بلفظ: «مَن أَعْتَقَ شقيصا من عبد أو نصيبا فِي مَمْلُوكٍ، فَخَلَاصُهُ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، وَإِلَّا قُوِّمَ عَلَيْهِ، فَاسْتُسْعِيَ بِهِ غَيْرَ مَشْقُوقٍ عَلَيْهِ». ------ (١) كذا في الأصل: نحو الكتابة، وكذا عند «ابن بطال»، وفي اليونينية ٢/ ١٤٥: على نحو الكتابة. تَابَعَهُ حَجَّاجُ بْنُ حَجَّاجٍ، وَأَبَانُ، وَمُوسَى بْنُ خَلَفٍ، عَنْ قَتَادَةَ. واخْتَصَرَهُ شُعْبَةُ. حديث سعيد وهو ابن أبي عروبة، عن قتادة، سلف في باب تقويم الأشياء بين الشركاء (١). وقوله: (تابعه) يعني ابن أبي عروبة، ومتابعة أبان أخرجها أبو داود عن مسلم بن إبراهيم عنه (٢)، والنسائي عن المخرمي، عن أبي هشام المخزومي، عنه (٣)، ومتابعة موسى بن خلف سلفت من عند الحافظ أبي بكر. قال ابن عبد البر (٤): حديث أبي هريرة خلاف حديث ابن عمر وأما هشام الدستوائي وشعبة وهمام بن يحيى فرووه عن قتادة من غير ذكر السعاية، وهم أثبت من ذكرها، وأصحاب قتادة الذين هم الحجة على غيرهم عند أهل العلم بالحديث ثلاثة: شعبة وهشام وسعيد بن أبي عروبة، فإذا اتفق منهم اثنان فهم حجة على الواحد منهم، وقد اتفق شعبة وهشام على ترك ذكر السعاية في هذا الحديث فضعف بذلك كله ذكر السعاية. وذهب مالك وأصحابه إلى أن المليء إذا أعتق نصيبه من عبد مشترك فلشريكه أن يعتق وأن يقوم، فإن أعتق نصيبه كما أعتق شريكه قبل التقويم، فالولاء بينهما، وما لم يقوم ويحكم بعتقه فهو كالعبد في جميع أحكامه، فإن كان المعتق عديمًا لا مال له لم يعتق من العبد ------- (١) برقم (٢٤٩٢) كتاب: الشركة. (٢) برقم (٣٩٣٧). (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ١٨٥ (٤٩٦٥). (٤) «التمهيد» ١٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩ بتصرف. غير حصته، ويبقى نصيب الآخر رقًّا له يخدمه العبد يومًا، ويكتسب لنفسه يومًا، وهو في جميع أحواله كالعبد، وإن كان المعتق موسرًا ببعض نصيب شريكه قوم عليه بقدر ما يجد معه من المال ورق بقيته، ويقضي عليه بذلك كما يقضي في سائر الديون اللازمة والجنايات الواجبة، ويباع عليه شوار بيته وما له من كسوته، وكذلك قال داود وأصحابه: إنه لا يعتق عليه حتى يؤدي القيمة إلى شريكه، وهو قول الشافعي في القديم. وقال في الجديد (١): إذا كان المعتق لحصته موسرًا في حين العتق جميعه حينئذ، وكان حرًّا من يومه، يرث ويورث وله ولاؤه، ولا سبيل للشريك على العبد، وإنما له قيمة نصيبه على شريكه، كما لو قتله، وسواء أعطاه القيمة أو منعه إذا كان موسرًا يوم العتق، وإن كان معسرًا فالشريك على ملكه يقاسمه كسبه، أو يخدمه يومًا ويخلَّى ونفسه يومًا، ولا سعاية عليه. وقال أيضًا (٢): فإن مات العبد وله وارث ورث بقدر ولائة، وإن مات له موروث لم يرث منه شيئًا، له وله قول آخر في ميراث من كان بعضه حرًّا، واختار المزني الجديد، وقال: هو الصحيح على أصله؛ لأنه قال: لو أعتق الثاني كان عتقه باطلًا، وقد قطع بأن هذا أصح في أربعة مواضع من كتبه، قاله في «اختلاف الحديث» وفي «اختلاف ابن أبي ليلى وأبي حنيفة». وقال في كتاب [الوصايا] (٣) بالقول الأول (٤). --------- (١) انظر: «الأم» ٧/ ١٢٣. (٢) «التمهيد» ١٤/ ٢٨٢ - ٢٨٣. (٣) في الأصل بياض، والمثبت من «مختصر المزني» ٥/ ٢٦٧. (٤) «مختصر المزني» ٥/ ٢٦٧ - ٢٦٨. وقال سفيان الثوري: إذا كان المعتق حصته من العبد مال ضمن نصيب شريكه، ولم يرجع به على العبد ولا سعاية على العبد، وكان الولاء له، وإن لم يكن له مال فلا ضمان عليه، وسواء نقص العبد من قيمة نصيب الآخر أو لم ينقص، يسعى العبد في نصف قيمته حينئذ، وكذلك قال أبو يوسف ومحمد (١)، وفي قولهم يكون العبد كله حرًّا ساعة أعتق الشريك نصيبه، فإن كان موسرًا ضمن لشريكه نصف قيمة عبد، وإن كان معسرًا سعى العبد في ذلك الذي لم يعتق، ولا يرجع على أحد بشيء، والولاء كله للمعتق، وهو بمنزلة الحر في جميع أحكامه ما دام في سعايته من يوم أعتق، يرث ويورث. وهو قول الأوزاعي. وعن ابن شبرمة وابن أبي ليلى مثله، إلا أنهما جعلا للعبد أن يرجع على المعتق بما سعى فيه متى أيسر (٢). وعن ابن عباس أنه جعل المعتق بعضه حرًّا في جميع أحكامه. وقال أبو حنيفة: إذا أعتق نصيبه وهو موسر فالشريك بالخيار، إن شاء أعتق نصيبه كما أعتق الآخر، وكان الولاء بينهما، وإن شاء استسعى العبد في نصف قيمته ويكون الولاء بينهما، وإن شاء ضمن شريكه نصف قيمته، ويرجع الشريك بما ضمن من ذلك على العبد يستسعيه فيه إن شاء، ويكون الولاء كله للشريك (٣) وقد سلف. واحتج لهم بما رواه ابن حزم من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن أبي حمزة، عن النخعي: أن رجلًا أعتق شركًا له في عبد وله شركاء يتامى. فقال عمر: ينظر لهم حتى يبلغوا، فإن أحبوا أن يعتقوا وإن ------- (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨. (٢) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٧٥. (٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨. أحبوا أن يضمن لهم ضمن (١). قال ابن حزم: وهذا لا يصح عن عمر، إنما رواه أبو حمزة ميمون، وليس بشيء، ثم هي منقطعة؛ لأن إبراهيم لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين كثيرة (٢). قلت: قد أخرجه الطحاوي متصلًا من حديث يونس، عن أبي معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد: أن الأسود ذكر لعمر .. الحديث (٣). وقال أبو حنيفة: وإن كان المعتق معسرًا، فالشريك بالخيار، إن شاء ضمن العبد نصف قيمته يسعى فيها، والولاء بينهما وإن شاء أعتقه كما أعتق صاحبه والولاء بينهما (٤). قال: والعبد المستسعى ما دام في سعايته بمنزلة المكاتب في جميع أحكامه (٥). وقال زفر: العبد كله على المعتق حصته منه ويتبع بقيمته حصة شريكه موسرًا كان أو معسرًا (٦). قال ابن عبد البر: لم يقل زفر بحديث ابن عمر ولا بحديث أبي هريرة في هذا الباب، وكذا أبو حنيفة لم يقل بواحد منهما على وجهه. وقال أحمد بحديث ابن عمر في هذا الباب، وقوله فيه كنحو قول الشافعي، وهو يدل على أن حديث ابن عمر عنده أصح من -------- (١) «المصنف» ٩/ ١٥٥ (١٦٧٣٢)، وعنه في «المحلى» ٩/ ١٩٢. (٢) «المحلى» ٩/ ١٩٢. (٣) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨، وفيه بدل يونس: أبو بشر الرقي، عبد الملك بن مروان، وليس فيمن يروي عن أبي معاوية الضرير من اسمه يونس انظر: «تهذيب الكمال» ٤/ ٥٢٧ (٩١٣). (٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٨. (٥) انظر: «بدائع الصنائع» ٤/ ٩٤. (٦) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٥. حديث أبي هريرة، وأنه لم يصح عنده ذكر السعاية (١). وقال إسحاق: إن كان للشريك المعتق مال فكما قال أحمد: يضمن، وإن لم يكن له إلا دار وخادم فإنه لا يجعل ذلك مالًا. قال: وإن كان معسرًا استسعى العبد لصاحبه (٢)، واتفق أحمد وإسحاق وسفيان بأن العتق إذا وقع والمعتق موسرًا ثم أفلس لم يتحول عنه الغرم، كما لو وقع وهو مفلس ثم أيسر لم يلزمه شيء (٣). وقال ربيعة: من أعتق حصته من عبد أن العتق باطل موسرًا كان أو معسرًا (٤). وذكر عن ابن سيرين عن بعضهم أنه جعل قيمة حصة الشريك في بيت المال (٥). وقال عثمان البتي: لا شيء على المعتق إلا أن تكون جارية رائعة تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على صاحبه فيها من الضرر (٦). قال ابن حزم (٧): وقال بكير بن الأشج في اثنين بينهما عبد، فأراد أحدُهما أن يعتقَ أو يكاتب فإنهما يتقاومانه، وعن الأسود قال: كان لي ---------- (١) «التمهيد» ١٤/ ٢٨٣. (٢) انظر: «مسائل أحمد وإسحاق برواية الكوسج» ٢/ ٤٨٠ (٣١٢٦). (٣) المصدر السابق ٢/ ٤٧١ (٣١٠٢). (٤) رواه ابن حزم في «المحلى» ٩/ ١٩١، وذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٢٨٤ وقال: وهذا تجريد لرد الحديث أيضًا، وما أظنه عرف الحديث؛ لأنه لا يليق بمثله غير ذلك اهـ. (٥) كذا ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٢٨٢ حكاه ابن سيرين عن بعضهم، والذي في «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٧٤، و«المحلى» ٩/ ١٩٣ أنه من قول ابن سيرين. (٦) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٧٣، و«المحلى» ٩/ ١٩١ - ١٩٢. (٧) «المحلى» ٩/ ١٩١. ولإخوتي غلام أردت عتقه فذكرت ذلك لعمر، فقال: أتفسد عليهم نصيبهم؟ اصبر حتى يبلغوا، فإن رغبوا فيما رغبت فيه وإلا لم تفسد عليهم نصيبهم. وعن عطاء وعمرو بن دينار في اثنين أعتق أحدهما نصيبه، فأراد الآخر أن يجلس على حقه في العبد، فقال العبد: أنا أقضي قيمتي، فقالا: سيده أحق بما بقي يجلس عليه إن شاء (١). وعن معمر في عبد بين رجلين أعتق أحدهما نصيبه، ثم أعتق الآخر بعد، فولاؤه وميراثه بينهما، وهو قول الزهري أيضًا (٢). وقال ربيعة في عبد بين ثلاثة، أعتق أحدهم نصيبه، وكاتب الآخر نصيبه، وتمسك الآخر بالرق ثم مات العبد، فإن الذي كاتب يرد ما أخذ منه، ويكون جميع ما ترك بينه وبين المتمسك بماله ويقتسمانه. وقال عبيد الله بن أبي يزيد: إن أعتق شركًا له في عبد وهو مفلس، فأراد العبد نفسه بقيمته، فهو أولى بذلك (٣). قال أبو عمر: وأما من أعتق حصة من عبده الذي لا شركة فيه لأحد معه، فإن جمهور العلماء بالحجاز والعراق يقولون: يعتق عليه كله ولا سعاية عليه (٤). وقال أبو حنيفة وربيعة وهو قول طاوس وحماد: يعتق منه ذلك النصيب ويسعى لمولاه في بقية قيمته موسرًا كان أو معسرًا (٥). ------ (١) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٤ (١٦٧٢٦). (٢) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٦ (١٦٧٣٤). (٣) أثر ربيعة، وعبيد الله بن أبي يزيد، رواهما ابن حزم في «المحلى» ٩/ ١٩١. (٤) «التمهيد» ١٤/ ٢٨٤. (٥) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦٧، «الاستذكار» ٢٣/ ١٢٦. وهو قول أهل الظاهر (١)، وخَالَفَ أبا حنيفة أبو يوسف ومحمد وزفر فأعتقوا العبد كله دون سعاية (٢)، وهو قول مالك والثوري والشافعي والأوزاعي وابن أبي ليلى وابن شبرمة والحسن بن صالح والليث وأحمد وإسحاق، كلهم قال: يعتق عليه كله إذا كان العتق في الصحة (٣)، وفي مثل هذا جاء الأثر: «ليس لله شريك». روى أبو الوليد الطيالسي، عن همام، ثنا قتادة، عن أبي المليح، عن أبيه أن رجلًا أعتق شقصًا له من غلام، فذكر ذلك لسيدنا رسول الله - ﷺ - فقال: «ليس لله شريك» (٤). وكذا روي عن ابن عمر بسند قال فيه ابن حزم وفي الأول: هذان إسنادان صحيحان (٥). وما حكاه أبو عمر عن أهل الظاهر خالف فيه ابن حزم فقال: إذا أعتق من عبده ظفرًا أو شعرةً أو غير ذلك عتق كله بلا استسعاء، وكذا لو أعتق جنين أَمَتِهِ قبل أن تنفخ فيه الروح عتقت هي بذلك؛ لأنه بعضها وشيء منها، وسئل ابن عباس عن رجل قال لخادمه: فرجكِ حُرٌّ. قال: هي حرة أعتق منها قليلًا أو كثيرًا فهي حرة (٦). -------- (١) انظر: «المحلى» ٩/ ١٩٠، «الاستذكار» ٢٣/ ١٢٧. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٦٧. (٣) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ١٢. (٤) رواه أبو داود (٣٩٣٣)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٨٦ (٤٩٧٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٠٧، والبيهقي في «الكبرى» ١٠/ ٢٧٣ بهذا الإسناد. (٥) «المحلى» ٩/ ١٩٠. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٣٤ (٢٠٦٩٤). قال ابن حزم: ولا يعلم لابن عباس في هذا مخالف من الصحابة، وعن الحسن: إذا أعتق من غلامه شعره أو إصبعه فقد عتق (١)، وكذا قاله قتادة والشعبي. وقال مالك: إذا أوصى أن يعتق من عبده تسعة أعشاره عتق ما سمى دون سائره، وهذا نقض لمذهبه. وقال أبو حنيفة وأصحابه: حاشا زفر: لا يحب العتق بذكر شيء من الأعضاء في ذكر عتق الرأس أو الوجه أو الروح أو النفس أو الجسد أو البدن، فأي هذا عتق عتق جميعه. واختلف عنه في عتقه الرأس أو الفرج أيعتق بذلك أم لا (٢)؟ وحجة أبي حنيفة ما رواه إسماعيل بن أمية، عن أبيه، عن جده أنه أعتق نصف عبده، فلم ينكر رسول الله - ﷺ - عتقه (٣)، وقد جاء عن الحسن مثل قوله أيضًا وهو قول الشعبي وعبيد الله بن الحسن، وروي عن علي أيضًا وليس بالثابت (٤). وقد روي أيضًا عن الشعبي: لو أعتق من عبده عضوًا أو إصبعًا عتق عليه كله (٥)، وكذا قاله قتادة (٦). قلت: وقد تقرر أن الاستسعاء مذهب أهل الكوفة، وهو قول الثوري والأوزاعي، ومذهب الثلاثة نفيها؛ لأنه لم يتعدّ ولا جنى ما يجب عليه ضمانه ولا يؤخذ أحد بجناية غيره، وحديث ابن عمر يبطل الاستسعاء؛ --------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٣٤ (٢٠٧٠٠). (٢) «المحلى» ٩/ ١٨٩ - ١٩٠. (٣) سبق تخريجه في شرح حديث (٢٤٩١، ٢٤٩٢). (٤) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ١٢٨. (٥) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٠ (١٦٧١٠). (٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ١٥٠ (١٦٧١١). لأنه لم يذكر فيه، وقد روى همام وشعبة وهشام هذا الحديث عن قتادة بدونها، ولما ساقه الدارقطني ساقه من قول قتادة، ثم قال: ما أحسن ما رواه همام وضبطه، فصل قول قتادة (١). قال الأصيلي: ومن أسقطها أولى ممن ذكرها، وحديث عمران في الستة (٢) لم يذكره فيه، وعلى مذهب أبي حنيفة كان يجب أن يعتق من كل واحد يلزمه السعي في قيمة الباقي منه، والشارع أقرع بينهم فأعتق اثنين منهم، وهذا مخالف لما يقوله أبو حنيفة. -------- (١) ذكره الحافظ في «الفتح» ٥/ ١٥٨. (٢) يقصد حديث عمران بن حصين في الرجل الذي أعتق ستة أعبد له عند موته … ٦ - باب الخَطَإِ وَالنِّسْيَانِ فِي العَتَاقَةِ وَالطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ، وَلَا عَتَاقَةَ إِلَّا لِوَجْهِ اللهِ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى» وَلَا نِيَّةَ لِلنَّاسِي وَالمُخْطِئِ. [انظر: ١] ٢٥٢٨ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسْوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ». [٥٢٦٩، ٦٦٦٤ - مسلم: ١٢٧ - فتح: ٥/ ١٦٠] ٢٥٢٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، عَنْ سُفْيَانَ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَلاِمْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». ثم ساق حديث أبي هريرة: «إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لِي عَنْ أُمَّتِي مَا وَسوَسَتْ بِهِ صُدُورُهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكَلَّمْ». ثم ساق حديث عمر: «الأعمال بالنية» بطوله. والخطأ والنسيان إنما يكون في الحنث في الأيمان بعتق كانت اليمين أو طلاق أو غيره، وقد اختلف العلماء في الناسى في يمينه، هل يلزمه حنث أم لا؟ على قولين: أحدهما: لا. وهو قول عطاء (١) واحد قولي الشافعي، وبه قال ------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٢٦٠، «الكافي» لابن عبد البر ص ١٩٦. إسحاق، وإليه ذهب البخاري في الباب. وثانيهما: وهو قول الشعبي وطاوس: من أخطأ في الطلاق فله نيته. وفيه قول ثالث: أنه يحنث في الطلاق خاصة، قاله أحمد (١). حجة الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، وهو ظاهر أحاديث الباب، وذهب مالك والكوفيون إلى أنه يحنث في الخطأ أيضًا (٢). وادعى ابن بطال أنه الأشهر عن الشافعي، وروي ذلك عن أصحاب ابن مسعود (٣)، وسيأتي في الأيمان والنذور اختلافهم فيمن حنث ناسيًا في يمينه. ومن الخطأ في العتق والطلاق ما اختلف فيه ابن القاسم وأشهب أنه إذا دعا عبدًا يقال له: ناصح، فأجابه مرزوق فقال له: أنت حر، وهو يظن الأول وشهد عليه بذلك. فقال ابن القاسم: يعتقان جميعًا مرزوق بمواجهته بالعتق وناصح بما نواه، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فلا يعتق إلا ناصح، قال ابن القاسم: وإن لم يكن عليه بينة لم يعتق إلا الذي نوى، وقال أشهب: يعتق مرزوق فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين العباد لا يعتق ناصح؛ لأنه دعاه ليعتقه فأعتق غيره وهو يظنه مرزوقًا فرزق هذا وحرم هذا (٤). وروى مطرف وابن الماجشون فيمن أراد أن يطلق امرأته واحدة ---------- (١) انظر هذِه المسألة في: «شرح ابن بطال» ٧/ ٤٠ - ٤١، «الإشراف» ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩. (٢) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٢٦٠، «الكافي» لابن عبد البر ص: ١٩٦. (٣) «شرح ابن بطال» ٧/ ٤١. (٤) انظر: قول ابن القاسم وأشهب في «المدونة» ٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣. فأخطأ لسانه فطلقها البتة طلقت عليه البتة، ولا ينفعه ما أراد، ولا نية له في ذلك، وهو قول مالك، قال: يؤخذ الناس بلفظهم في الطلاق ولا تنفعهم نياتهم (١)، وقال أصبغ عن ابن القاسم: وعلى هذا القول يكون تأويل: «الأعمال بالنيات» على الخصوص، كأنه قال: إلا العتق والطلاق فإن الأعمال فيها بالأقوال والنيات، فمن ادعى الخطأ بلسانه فيهما، فإثم ذلك ساقط عنه، وهو مأخوذ بما نطق به لسانه حياطة للفروج وتحصينًا لها من الإقدام على وطئها بالشك واحتياطًا من الرجوع في عتق الرقاب المنجية من النار التي أمر الشارع بعتق شقص منها بتمام عتقها كلها وتخليصها من الرق. وروى ابن نافع وزياد بن عبد الرحمن، عن مالك أنه تنفعه نيته ولا تطلق إلا واحدة، وقد روي عن الحسن البصري في رجل كان يكلم امرأته في شيء فغلط فقال: أنت طالق. قال: ليس عليه شيء فيما بينه وبين ربه، والمعمول عليه من مذهب مالك المشهور عند أصحابه القول الأول (٢). والمفتى عليه عندنا: عدم وقوع طلاق الناسي. تنبيهات: أحدها: نحا البخاري إلى مشهور مذهب الشافعي: أن فعل الناسي لا يحنث، وهو ظاهر تبويبه، وما ذكر فيه من الأخبار؛ لأن الساهي لا نية له ولا عتق عليه بفعل سهو، وكأنه يشير أيضًا إلى خلاف أبي حنيفة في قوله: ومن أعتق عبده لوجه الله أو للشيطان أو للصنم عتق (٣)؛ لوجود ركن الإعتاق من أهله في محله، ووصف القربة واللفظ الأول زيادة ----------- (١) انظر: «المدونة» ٢/ ٢٨٦. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٤١ - ٤٢. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ٤/ ٤٧، «تبيين الحقائق» ٣/ ٧١. فلا يختل العتق بعدمه في اللفظين الآخرين، فإذا قال لعبده: أنت حر أو معتق، أو عتيق، أو محرر، وقد حررتك أو أعتقتك، فقد عتق نوى به العتق أو لم ينو. ثانيها: حديث عمر سلف أول الباب، وحديث أبي هريرة، كأن البخاري يريد به وبالأول مخالفة أبي حنيفة في إيقاعه العتق على السكران والمكره (١) متعلقًا بما رواه ابن حزم من قوله - عليه السلام -: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد» (٢)، فذكر العتاق، ثم قال: خبر مكذوب (٣). قال: ولو صح لم يكن فيه حجة؛ لأن الحديث في الذي هزل فأعتق وهم يقولون فيمن أكره، وأين الإكراه من الهزل وهم لا يجيزون بيع المكره ولا إقراره ولا هبته، وهذا تناقض (٤). ثالثها: بوب البخاري على الخطأ والنسيان، ولم يأت في الباب بحديث صريح لذلك، ولو ذكر حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قال: «وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه» كان جيدًا، فإنه حديث جيد أخرجه ابن ماجه وصححه ابن حبان والحاكم. وقال: صحيح على شرط الشيخين (٥)، وصححه ابن حزم أيضًا (٦). وقال العقيلي: سنده جيد (٧). ---------- (١) انظر: «تبيين الحقائق» ٣/ ٧١. (٢) الحديث رواه أبو داود (٢١٩٤)، والترمذي (١١٨٤)، وابن ماجه (٢٠٣٩)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (١٨٢٦). (٣) في مطبوع «المحلى» ٩/ ٢٠٧: جابر كذاب. (٤) «المحلى» ٩/ ٢٠٧ - ٢٠٨. (٥) ابن ماجه (٢٠٤٥)، وابن حبان ١٦/ ٢٠٢ (٧٢١٩)، والحاكم ٢/ ١٩٨. (٦) «المحلى» ٥/ ١٩٣. (٧) «الضعفاء الكبير» ٤/ ١٤٥ ترجمة: محمد بن مصفى الحمصي. وسأل عبد الله بن أحمد أباه عنه، فقال (١): رواه شيخ عن الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي ومالك. قال مالك: عن نافع، عن ابن عمر يرفعه، وقال الأوزاعي: عن عطاء، عن ابن عباس. قال: هذا كذب وباطل وليس يروى إلا عن الحسن، عن رسول الله - ﷺ - (٢). قال ابن حزم: إنما كذّب أحمد من رواه من حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر، ومن طريق الوليد، عن الأوزاعي، عن عطاء، عن ابن عباس، ومن بدل الأسانيد فقد أخطأ أو كذب إن تعمده (٣). وقال ابن عساكر في «الرغائب» إثر حديث ابن عمر: هذا حديث غريب. ورواه أيضًا من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وَرْدَان عن عقبة بن عامر. وقال: غريب. وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث أبي ذر بإسناد فيه ضعف (٤). ويشد ذلك حديث مسلم من طريق أبي هريرة: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤]، اشتد ذلك على الصحابة فشكوا إلى رسول الله - ﷺ -. فقال: «قولوا: سمعنا وأطعنا»، -------- (١) أي: عبد الله بن أحمد. (٢) «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ٥٦١ - ٥٦٢ (١٣٤٠). (٣) «المحلى» ٨/ ٣٣٤. (٤) ابن ماجه (٢٠٤٣)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٦٦٢)، ولعل المصنف ضعفه هنا لأجل شهر بن حوشب. قال الحافظ في «التقريب» (٢٨٣٠): صدوق كثير الإرسال والأوهام. ولأجل أيوب بن سويد هو الرملي، صدوق يخطئ كما في «التقريب» (٦١٥). فنزل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] قال: «نعم». ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. قال: «نعم». إلى آخر السورة (١). فحديثُ النفسِ والوسواسِ لا يدخل تحت طوق العبد، وإنما غاية قدرته أن يعرض عنه، ولو حَدَّثَ نفْسَهُ بمعصيةٍ لم يؤاخذ، فإذا عَزَمَ خَرَجَ عن تحديثِ النفسِ ويصيرُ مِن أعمالِ القلبِ، فإنْ عَقَدَ النيةَ على الفعلِ فحينئذ يَأْثمُ بنيةِ الشِّر، وبيانُ الفرق بين النيةِ والعزمِ أنه لو حدث نفسه في الصلاة بقطعِهَا لم تنقطع، فإذا عَزَمَ حَكَمْنُا بقطعهِاَ، وقد سئل (الهروي) (٢): أيؤاخذُ الإنسانُ بالهمة؟ قال: إذا عزم (٣). وقال: الملكان يجدان ريح الحسنات والسيئات إذا عقد القلب (٤). وقوله: «ما وسوست به صدورها» وفي رواية: «ما حدثت به أنفسها». الرواية بالنصبِ على أنه مفعول حَدَّثَت، وأهلُ اللغةِ يرفعون على أنه فاعل، قاله القرطبي (٥). وقال عياض: الهمُّ: ما يمر في الفكرِ من غيرِ استقرار ولا توطن، فإن استقر وَوَطَّنَ قلبَهُ عليه كان عزمًا يؤاخذ به أو يثاب عليه (٦). قال القرطبي: وما ذهب إليه هو الذي عليه عامة السلف وأهل العلم ----------- (١) مسلم (١٢٥) كتاب: الإيمان، باب: قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. (٢) كذا بالأصل، وفي «الحلية»: سفيان الثوري. (٣) «الحلية» ٦/ ٣٧٩. (٤) «الحلية» ٧/ ١٥. (٥) «المفهم» ١/ ٣٤٠ وأشار إلى أنه قول الطحاوي. (٦) «إكمال المعلم» ١/ ٤٢٥. والفقهاء والمحدثين والمتكلمين، ولا يلتفت إلى من خالفهم في ذلك، فزعم أن ما يهم به الإنسان وإنْ وَطَّنَ به لا يؤاخذ به، متمسكًا في ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ﴾ [يوسف: ٢٤] وبقوله - ﷺ -: «ما لم تعمل أو تكلم» ومن لم يعمل بما عزم عليه ولا نطق به فلا وأما الآية فَمِنَ الهمِّ ما يؤاخذ به وهو ما استقر واستوطن، ومنه ما يكون أحاديث لا تستقر فلا يؤاخذ بها، كما شَهِدَ به الحديث، يوضح ذلك حديث أبي كبشة عمرو بن سعد سمع رسول الله - ﷺ - (١). فذكر حديثًا فيه: «قالت الملائكة: ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به». وزعم الطبري أن فيه دلالة أن الحفظة يكتبون أعمال القلوب، خلافًا لمن نفاه، ولا تكتب إلا الأعمال الظاهرة (٢). رابعها: قوله: (ولا نية للناسي ولا المخطئ) كذا في الأصول، وذكره ابن التين أولًا بلفظ: «الخاطئ»، ثم قال: وفي رواية غير أبي الحسن: «المخطئ» وهو أشبه بالتبويب؛ لأن الخاطئ: المذنب المتعمد للذنب، وأخطأ إذا لم يتعمد وهو الأشبه بالناسي الذي قَرَنَهُ في التبويب، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أي: خطئنا، أي: أذنبنا. وقيل: معناه: دخلنا في الخطيئة، مثل: أَصَبْحَ وأَظْلَمَ إذا دَخَلَ في ذلك. قال الداودي: إنما الخطأ في الطلاق والعتاق، يريد إن تلفظ بشيء فيخطئ لسانه فيلفظ بالطلاق أوالعتاق، مثل أن يريد أن يقول: ادخل ---------- (١) العبارة هنا مبتورة، وتمامها من «المفهم»: يقول: «إنما الدنيا لأربعة نفر …» الحديث إلى آخره اهـ. (٢) إلى هنا انتهى نقل المصنف من «المفهم» ١/ ٣٤١ - ٣٤٢. أو أخرج لا يريد أن يلفظ بهما، فإذا كان هذا ولم يكن عليه نية حين قال كذلك فلا يعد نادمًا فلا شيء عليه، وإن كانت عليه نية مثل نية دعوى الخطأ. قال: وأما النسيان فلا يكون في الطلاق ولا العتاق إلا أن يريد أنه حلف بهما علي فعل ثم نسي يمينه وفعله، فهذا إنما يوضح فيه النسيان إذا لم يذكر يمينه، كما توضع الصلاة عمن نسيها إذا لم يذكرها حتى يموت، وكذلك ديون الناس وغيرها لا يأثم بتركها ناسيًا. قال ابن التين: وهذا من الداودي على مذهب مالك، ولعل البخاري بني على مذهب الشافعي أن الساهي لا يحنث وهو الأظهر من تبويبه كما سلف؛ لأن الساهي لا نية له فلا يلزمه عتق بفعل سهو. ٧ - باب إِذَا قَالَ رَجُلٌ لِعَبْدِهِ: هُوَ للهِ. وَنَوَى العِتْقَ، وَالإِشْهَادُ فِي العِتْقِ ٢٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: النَّبِيُّ - ﷺ - «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ». فَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ فَهُوَ حِينَ يَقُولُ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ [٢٥٣١، ٢٥٣٢، ٤٣٩٣ - فتح: ٥/ ١٦٢] ٢٥٣١ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَامٌ لِي فِي الطَّرِيقِ -قَالَ:- فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ». فَقُلْتُ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. لَمْ يَقُلْ أَبُو كُرَيْبٍ، عَنْ أَبِي أُسَامَةَ: حُرٌّ. [انظر: ٢٥٣٠ - فتح: ٥/ ١٦٢] ٢٥٣٢ - حَدَّثَنَا شِهَابُ بْنُ عَبَّادٍ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فَأَضَلَّ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بِهَذَا، وَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ للهِ. [انظر: ٢٥٣٠ - فتح: ٥/ ١٦٢] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمَّا أَقْبَلَ يُرِيدُ الإِسْلَامَ وَمَعَهُ غُلَامُهُ، ضَلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، فَأَقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَبُو هُرَيْرَةَ جَالِسٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ قَدْ أَتَاكَ». فَقَالَ: أُشْهِدُكَ أَنَّهُ حُرٌّ. قَالَ: فَهُوَ حِينَ يَقُولُ: يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا … عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ وعنه (١) لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ … البيت. قَالَ: وَأَبَقَ مِنِّي غُلَام لِي فِي الطَّرِيقِ -قَالَ:- فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بَايَعْتُةُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، هذا غُلَامُكَ». فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَأَعْتَقْتُهُ. (٢) وعَنْ قَيْسٍ قَالَ: لَمَّا أَقْبَلَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، وَمَعَهُ غُلَامُهُ وَهْوَ يَطْلُبُ الإِسْلَامَ، فضل أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بهذا، وَقَالَ: أَمَا إِنِّي أُشْهِدُكَ أَنَّهُ لله. الشرح: هذا الحديث من أفراده، وقيس (٣) هو ابن أبي حازم، عوف بن عبد الحارث أبو عبد الله الأحمسي، مات سنة أربع وثمانين. وقيل: في آخر سلطان سليمان بن عبد الملك (٤). وشيخ البخاري في الثاني عبيد الله بن سعيد (خ، م، س) وهو السرخسي اليشكري مولاهم، ----------- (١) ورد بهامش الأصل: ساقه بسند آخر إلى إسماعيل. (٢) ورد بهامش الأصل تعليقا على الحديث: في نسختي قال أبو عبد الله: لم يقل أبو غريب عن أبي أسامة: حر. (٣) ورد بهامش الأصل: في «وفيات الذهبي»: توفي قيس سنة تسع وتسعين، وفي «كاشفه»: سنة تسع وما ذكره المصنف قدمه النووي في «تهذيبه» فقال: وقيل: سنة سبع وسبعين، وقيل: سنة ثمان وسبعين. [في «الكاشف»: سنة ثمان وتسعين]. (٤) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٦٧، «التاريخ الكبير» ٧/ ١٤٥ (٦٨٤)، «تهذيب الكمال» ٢٤/ ١٠ (٤٨٩٦). ![]()
__________________
|
|
#468
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 171 الى صـــ 190 الحلقة (468) مات سنة إحدى وأربعين ومائتين (١). وشيخه في الثالث: شهاب (خ، م، ت، ق) بن عباد وهو العبدي الكوفي: مات سنة أربع وعشرين ومائتين (٢). وشيخ شهاب: إبراهيم (٣) بن حميد أبو إسحاق، مات سنة ثمان وسبعين ومائة (٤). قال المهلب: ولا خلاف بين العلماء علمتُ إذا قال لعبده: هو حر أو هو لوجه الله أو هو لله ونوى العتق أنه يلزمه العتق، وكل ما يفهم به عن المتكلم أنه أراد به العتق لزمه ونفذ عليه. وروى ابن أبي شيبة، عن هشيم، عن مغيرة أن رجلًا قال لغلامه: أنت لله، فسئل الشعبي والمسيب بن رافع وحماد بن سليمان فقالوا: هو حر، وعن إبراهيم كذلك (٥). قال إبراهيم: وإن قال: إنك لحر النفس فهو حر، وعن الحسن أنه إذا قال: ما أنت إلا حر قال: نيته، وعن الشعبي مثله (٦). وأما الإشهاد في العتق فمن حقه، والعتق قام عند الله وجميع ما يراد به وجهه تعالى بالقول والنية، وإن لم يكن ثم إشهاد، وقد قالت امرأة عمران: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] أي: لخدمة المسجد، ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾، فتم ما نذرته بدعوة الله -------- (١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٨٣ (١٢٢٧)، «الثقات» ٨/ ٤٠٦، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٠ (٣٦٣٩). (٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٤١٠، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٣٥ (٢٦٣٧)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٧٣ (٢٧٧٧). (٣) ورد بهامش الأصل: ذكره ابن حبان في «الثقات». (٤) انظر: «تهذيب الكمال» ٢/ ٧٨ (١٦٧). (٥) «المصنف» ٥/ ٢٢ (٢٣٣٣٧). (٦) «المصنف» ٥/ ٢٩ (٢٣٤٠٠ - ٢٣٤٠٢). تعالى، وقبل الله ذلك منها، فكان ما في بطنها موقوفًا لما نذرته من خدمة المسجد، ولم تُشْهد غير الله. وفيه أيضًا من الفقه: العتق عند بلوغ الأمل والنجاة مما يخاف من الفتن والمحن، كما فعل أبو هريرة حين نَجّاه الله من دارة الكفر ومن ضلاله في الليل عن الطريق أعتق الغلام حين جمعه الله عليه وهداه إلى الإسلام، وفيه: جواز قول الشعر وتوجعه من طول ليلته ومبيته فيها، وحمد عاقبتها إذ نجته من دار الكفر، ومنه المثل: عند الصباح يَحْمَدُ القومُ السُّرى (١)، وظاهر (٢) رواية «الصحيح» أن أبا هريرة هو قائل هذا البيت. وقال ابن التين: فيه خلاف هل هو لأبي هريرة أو غلامه. وقوله: «هذا غلامك» إما أن يكون وصفه له، أو رآه مقبلًا إليه، أو أخبره الملك. وقوله: (يطلب الإسلام) يحتمل أن يكون حقيقة، فإنه لم يسلم وأسلم بعد، ويحتمل أن يكون المراد يظهر إسلامه. --------- (١) انظر: «جمهرة الأمثال» ٢/ ٣٢. (٢) ورد بهامش الأصل: صريح في الثانية. ٨ - باب أُمِّ الوَلَدِ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّهَا». ٢٥٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنْ يَقْبِضَ إِلَيْهِ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، قَالَ عُتْبَةُ إِنَّهُ ابْنِي. فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَمَنَ الفَتْحِ أَخَذَ سَعْدٌ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَأَقْبَلَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَقْبَلَ مَعَهُ بِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا ابْنُ أَخِي، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا أَخِي ابْنُ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ، فَإِذَا هُوَ أَشْبَهُ النَّاسِ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ». مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ». مِمَّا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ. وَكَانَتْ سَوْدَةُ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٥/ ١٦٣] هذا سلف (١) من عند البخاري مسندًا في كتاب الإيمان (٢) فراجعه. قال ابن التين: معناه: أن تكثر السراري في آخر الزمان فيكون ابن الأمة مولاها، وقيل: هو أن يستطيل الولد على أمه ولا يبرها، فكأنه ربها. ثم ساق حديث عائشة في قصة الوليدة. وقوله: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ». مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِيهِ، إلى آخره. ------- (١) يعني: التعليق السابق. (٢) برقم (٥٠) باب: سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان. .... وقد سلف واضحًا (١)، ويريد هنا أن الأُمَّةَ أشكلَ عليها معنى قصة عتبة، وتأولوا فيه ضروبًا من التأويل، لخروجه عن الأصول المجمع عليها، منها: أن الأمة متفقة أنه لا يدَّعي أحد عن أحد إلا بوكالة من المدعي، ولم يذكر في الحديث توكيل عتبة لأخيه سعد على ما ادعاه عنه. ومنها: ادعاء عبد بن زمعة على أبيه، وكذا بقوله: أخي، وابن وليدة أبي وُلِدَ على فراشه ولم يأت ببينة تشهد بإقرار أبيه، ولا يجوز أن تُقْبَلَ دعواه على أبيه؛ لأنه لا يستلحق غير الأب لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الأمة إذا وطئها مولاها فقد لزمه كل ولد يجيء بعد ذلك ادعاه أو لم يدعه، هذا قول مالك والشافعي احتجاجًا بهذا الحديث (٢)؛ لأنهعليه السلام- قال: «هو لك يا عبد بن زمعة»، ثم قال: «الولد للفراش وللعاهر الحجر» فألحقه بزمعة لا لدعوة ابنه؛ لأن دعوة الابن بالنسب بغيره من أبيه غير مقبولة، ولكن؛ لأن أمه كانت فراشًا لزمعة بوطئه إياها. واحتجوا أيضًا بما رواه مالك عن نافع، عن صفية بنت أبي عبيد أن عمر بن الخطاب قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يدعونهن يخرجن لا تأتيني وليدة تقر أن سيدها قد ألمَّ بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن بعد أو أمسكوهن (٣). ------ (١) برقم (٢٠٥٣) كتاب: البيوع، باب: تفسير المشبهات. (٢) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ٢٠١. (٣) «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٦٣. وفي حديث آخر: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يعزلونهن (١). وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: ما جاءت به هذِه الأمة فلا يلزم مولاها إلا أن يقر به، وإن مات قبل أن يُقر به لم يلزمه، وهو قول الكوفيين. واحتجوا على ذلك بأنه - ﷺ -، إنما قال لعبد بن زمعة: «هو لك» ولم يقل: هو أخوك، فيجوز أن يكون أراد بقوله: «هو لك» أي: هو مملوك لك بحق ما لَكَ عليه من اليد، ولم يحكم في نسبه بشيء، والدليل على ذلك أمره سودة بالاحتجاب منه، فلو جعله ابن زمعة [لما حجب منه بنت زمعة] (٢)؛ لأنه لا يأمر بقطع الأرحام، وإنما كان يأمر بصلتها، ومن صلتها التزاور، وكيف يجوز أن يأمرها أن تحتجب من أخيها وهو يأمر عائشة أن تأذن لعمها من الرضاعة بالدخول عليها (٣)، ولكن وجه ذلك أنه لم يكن حكم فيه بشيء غير اليد التي جعلها لعبد ولسائر ورثة زمعة دون سعد. واحتجوا أيضًا بما رواه شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة قال: كان ابن عباس يأتي جارية له فحملت، فقال: ليس هو مني، إني أتيتها إتيانًا لا أريد به الولد. وروى الثوري، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد أن أباه كان يعزل عن جارية فارسية فأتت يحمل فأنكره، وقال: إني لم أكن أريد ولدك وإنما استطبت نفسك فجلدها وأعتقها (٤). ------- (١) «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٦٣. (٢) الزيادة من ابن بطال ٧/ ٤٥ حتى يستقيم المعنى، وهي أيضًا عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١١٥، وقدمنا ابن بطال لأن المصنف ينقل كلام الطحاوي من عنده. (٣) سيأتي برقم (٢٦٤٤) كتاب: الشهادات، باب: الشهادة على الأنساب. (٤) وتمامه في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١١٦: وأعتقها وأعتق الولد. وقول ابن عباس وزيد خلاف ما رَوى عن عمرَ في ذلك أهلُ المقالةِ الأولى (١). واختلفوا في معنى قوله: «هو لك يا عبد بن زمعة». فقالت طائفة: أي: أخوك كما ادعيته، قضاء منه في ذلك بعلمه؛ لأن زمعة بن قيس كان صهره - عليه السلام -، وسودة بنت زمعة كانت زوجته، فيمكن أن يكون علم أن تلك الأمة كان يمسها زمعة، فألحق ولدها به لما علم من فراشه، لا أنه قضى بذلك لاستحقاق عبد بن زمعة له (٢). وقال الطحاوي: هو لك بيدك عليه لا أنك تملكه، ولكن تمنع منه مَن سواك كما في اللقطة: هي لك بيدك عليها تدفع غيرك عنها حتى يجيء صاحبها، ليس على أنها ملك لك، ولما كان عبد بن زمعة له شريك فيما ادعاه، وهي أخته سودة، ولم يُعلم منها تصديق له، ألزم ابن زمعة ما أقر به على نفسه، ولم يجعل ذلك حجة على أخته إذ لم تصدقه، ولم تجعله أخاها، وأمرها بالحجاب منه (٣). وقال الطبري: هو لك ملك، لا أنه قضى له بنسبه، وعنه جوابان لابن القصار: أحدهما: أنه كان يدعي عبد بن زمعة أنه حر وأنه أخوه ولد على فراش أبيه، فكيف يقضي له بالملك؟ ولو كان مملوكًا لعتق بهذا القول. وثانيهما: أنه لو قضى بالملك لم يقل: «الولد للفراش»؛ لأن المملوك لا يلحق الفراش، ولكان يقول: هو ملك لك. -------- (١) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١١٤ - ١١٦. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٤٦. (٣) «شرح مشكل الآثار» ١١، ١٨، ١٩. وقال المزني: يحتمل أن يكون أجاب فيه على المسألة، فأعلمهم بالحكم أن هذا يكون إذا ادعى صاحب فراش وصاحب زنا لا أنه قبل قول سعد على أخيه ولا على زمعة قول ابنه عبد بن زمعة أنه أخوه؛ لأن كل واحد منهما أخبر عن غيره، وقد قام الإجماع على أنه لا يقبل إقرار أحد على غيره، فحكم بذلك ليعرفهم الحكم في مثله إذا نزل، وقد حكى الله تعالى مثل ذلك في قصة داود: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين، ولا كان لواحد منهما تسع وتسعون نعجة، ولكنهم كلموه ليعرف ما أرادوا، فيحتمل أن يكون حكم في هذِه القصة بنحو ذلك، ويحتمل أن تكون سودة جهلت ما علم أخوها عبد بن زمعة فسكتت، فلما لم يصح أنه أخ لعدم البينة بذلك، [أو]، (١) الإقرار فيمن يلزم إقراره وزاده بُعدًا شبهه بعتبة أمرها بالاحتجاب منه، فكان جوابه عن السؤال لا على تحقيق زنا عتبة بقول أخيه، ولا بالولد أنه لزمعة لقول ابنه، بل قال: «الولد للفراش» على قولك يا عبد بن زمعة، لا على ما قال سعد، ثم أخبر بالذي يكون إذا ثبت مثل هذا. وقال الكوفيون: قوله: «واحتجبي منه يا سودة» دليل أنه جعل للزنا حكمًا فحرم به رؤية ذلك المستلحق لأخته سودة. وقال لها: «احتجبي منه» فمنعها من أخيها في الحكم؛ لأنه ليس بأخيها في غير الحكم؛ لأنه من زِنًا في الباطن إذا كان شبيهًا بعتبة، فجعله كأنه أجنبي لا يراها بحكم الزنا، وجعله أخاها بالفراش، وزعموا أن ما حرم الحلال فالزنا أشد تحريمًا له. --------- (١) في الأصل: و، وكذا في النسخة التي اعتبرها محقق «شرح ابن بطال» أصلًا، لكنه أثبت (أو) من نسخة أخرى سماها (هـ) وهو الأليق بالمعنى. وقال الشافعي: رؤية ابن زمعة لسودة مباح في الحكم، ولكنه كرهه للشبهة، وأمرها بالستر عنه اختيارًا. وقال بعض أصحابه: يجوز للرجل أن يمنع زوجته من رؤية أخيها، وذهب إلى أنه أخوها على كل حال؛ لأنه قضى بالولد للفراش، وألحق ابن أمة زمعة بفراش زمعة، قالوا: وما حكم به فهو الحق. وفي قوله: «الولد للفراش» من الحكم: إلحاق الولد بصاحب الفراش في الحرة والأمة. وقوله: «وللعاهر الحجر» أي: لا شيء له في الزاني إذا ادعاه صاحب الفراش، وهذِه كلمة تقولها العرب. واختلف السلف والخلف في عتق أم الولد وفي جواز بيعها، فالثابت عن عمر ما رواه مالك في «الموطأ»، عن نافع، عن عبد الله أن عمر قال: أيما وليدة ولدت من سيدها، فإنه لا يبيعها ولا يهبها ولا يورثها، وهو يستمتع منها فإذا مات فهي حرة (١). وروي رفعه، أخرجه كذلك الدارقطني في «سننه» (٢). وقال في «علله»: وقفه هو الصحيح (٣). والبيهقي. وقال: رفعه غلط (٤). وأما ابن القطان فقال: رواته كلهم ثقات. قال: وهو عندي حسن أو صحيح (٥). -------- (١) «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٨٥. (٢) «السنن» ٤/ ١٣٤. (٣) «علل الدارقطني» ٢/ ٤١ - ٤٢ وعبارته: والحديث عن عمر موقوف. (٤) «سنن البيهقي» ١٠/ ٣٤٨. (٥) قال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ١٣٨ عن مرفوع الحديث. ثم ضعفه أي: عبد الحق بحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، وترك دونه أبا أويس، وهو عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي، صدوق ضعيف الحديث، ودونه عبيد الله بن يحيى الرهاوي، ولا تعرف حاله اهـ. وروى الدارقطني من حديث ابن عيينة، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن مسلم بن يسار، عن سعيد بن المسيب أن عمر أعتق أمهات الأولاد وقال عمر: اعتقهن رسول الله - ﷺ - (١). ورواه ابن حبيب في «الواضحة». فقال: حدثني المقبري، عن ابن أنعم، عن مسلم، عن ابن المسيب، فذكر نحوه. وعبد الرحمن هذا ضعفوه، وسعيد لم يسمع من عمر شيئًا على الصحيح (٢). -------- (١) «سنن الدارقطني» ٤/ ١٣٦، والحديث ضعيف لضعف عبد الرحمن الأفريقي كما عند البيهقي ١٠/ ٣٤٤. (٢) هذا الذي ذهب إليه المصنف هو ما ذهب إليه يحيى بن معين، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو حاتم الرا زي، وغيرهم. قال عثمان بن سعيد الدرامي: سئل يحيى بن معين: سمع ابن المسيب من عمر؟ فقال: يقولون: لا. «تاريخ عثمان بن سعيد» ص ١١٧. وعن إسحاق بن منصور قال: قلت ليحيى بن معين: يصح لسعيد سماع من عمر؟ قال: لا. «المراسيل» لابن أبي حاتم ص ٧١. وقال الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: سعيد بن المسيب رأى عمر، وكان صغيرا. قلت ليحيى: هو يقول: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر. قال يحيى: ابن ثمان سنين يحفظ شيئًا، قال: إن هؤلاء قوم يقولون: إنه أصلح بين على وعثمان، وهذا باطل، ولم يثبت له السماع من عمر. «المراسيل» لابن أبي حاتم ص ٧٢. وقال الواقدي: والذي رأيت الناس عليه في مولد سعيد أنه ولد لسنتين خلتا من خلافة عمر، ويروى أنه سمع من عمر، ولم أر أهل العلم يصححون ذلك وإن كانوا قد رووه. «الطبقات الكبرى» ٥/ ١١٩. وسئل مالك: أأدرك سعيدٌ عمرَ؟ قال: لا، لكنه ولد في زمان عمر، فلما كبر أكبّ على المسألة عن شأنه وأمره حتى كأنه رآه. «تهذيب الكمال» ١١/ ٧٤. وقال أبو حاتم: سعيد بن المسيب عن عمر، مرسل، يدخل في المسند على = ----------- = المجاز. «المراسيل» ص ٧١. وروى ابن سعد في «الطبقات» ٥/ ١٢٠ أن سعيدًا سئل: هل أدركت عمر؟ قال: لا. وذهبت طائفة إلى صحة سماع سعيد بن المسيب من عمر، منهم أحمد وابن المديني والحاكم والنووي. سئل أحمد: سعيد عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يقبل سعيد عن عمر فمن يقبل! «الجرح والتعديل» ٤/ ٦١ (٢٦٢). وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٣/ ٩٤: وكان عليّ بن المديني يصحح سماعه من عمر. وروى ابن عبد البر عن قتادة أنه قال: قلت لسعيد: رأيت عمر؟ قال: نعم. «التمهيد» ٢٣/ ٩٣ وقال الحاكم في «معرفة علوم الحديث» ص ٢٥: وقد أدرك سعيدٌ عمرَ وعثمان وعليًّا وطلحة والزبير إلى آخر العشرة وليس في جماعة التابعين من أدركهم وسمع منهم غير سعيد، وقيس بن أبي حازم اهـ. وقال العلائي في «جامع التحصيل» ص ١٨٥: حديثه عن عمر في السنن الأربعة اهـ. وقال ابن القيم في «حاشيته على أبي داود» ٧/ ٢٩٤: ولم يحفظ عن أحد من الأئمة أنه طعن في رواية سعيد عن عمر، بل قبلوها كلهم بالقبول والتصديق اهـ. قلت: وفيه نظر؛ لما سبق ذكره. ثم قال: والصحيح أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، فيكون له وقت وفاة عمر ثمان سنين، فكيف ينكر سماعه، ويقدح في اتصال روايته عنه؟ اهـ ومما يدل على صحة هذا القول الأخير، ما رواه الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٥ بسنده إلى سعيد بن المسيب قال: سمعت عمر بن الخطاب على المنبر يقول: عسى أن يكون بعدي أقوام يكذبون بالرجم يقولون: لا نجده في كتاب الله، لولا أن أزيد في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت أنه حق، قد رجم رسول الله - ﷺ - ورجم أبو بكر ورجمت. قال الحافظ: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ. وقيل: سمع منه نعي النعمان بن مقرن (١)، وقوله عند رؤية البيت كما رواه سعيد بن منصور (٢). ورواه الثوري في «جامعه»، عن عبد الرحمن المذكور، عن مسلم بن يسار، قال: سألت سعيد بن المسيب عن عتق أمهات الأولاد، فقال: إن الناس يقولون: إن أول من أمر بعتق أمهات الأولاد عمر وليس كذلك، ولكن رسول الله - ﷺ - أول من اعتقهن فلا يجعلن في ثلث ولا يبعن في دين (٣). قلت: وروي ذلك عن عثمان وعمر بن عبد العزيز (٤). قال أبو عمر: وهو قول أكثر التابعين منهم الحسن ومحمد بن سيرين وعطاء ومجاهد وسالم وابن شهاب وإبراهيم، وإلى ذلك ذهب مالك والثوري والأوزاعي والليث وأبو حنيفة والشافعى في أكثر كتبه، وقد أجاز بيعها في بعض كتبه. قال المزني: قطع في أربعة عشر موضعًا من كتبه بألا تباع (٥)، وهو -------- (١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٦/ ١٩، وابن أبي شيبة ٧/ ١٥ (٣٣٧٨٠)، ٧/ ٣٤ (٣٣٨٩٨)، والبخاري في «التاريخ الصغير» ١/ ٥٦، ٢١٦، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٣١٦ (١٠٧٩). (٢) رواه سعيد بن منصور في «سننه» كما في «نصب الراية» ٣/ ٣٦ - ٣٧، و«التلخيص الحبير» ٢/ ٢٤٢، من قول ابن المسيب. ورواه ابن سعد ٥/ ١٢٠، وأحمد في «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ١٩٩ - ٢٠٠ (١٩٧)، وأبو داود في «سؤالاته لأحمد» (٦)، والحاكم كما في «التلخيص الحبير» ٢/ ٢٤٢، ومن طريقه البيهقي ٥/ ٧٣. (٣) ذكره البيهقي في «سننه» ١٠/ ٣٤٤. (٤) رواه البيهقي ١٠/ ٣٤٤. (٥) «مختصر المزني» المطبوع بهامش «الأم» ٥/ ٢٨٨، ووقع فيه: قَطَعَ. في خمسة عشر كتابًا بعتق أمهات الأولاد ووقف في غيرها اهـ. الصحيح من مذهبه وعليه جمهور أصحابه وأبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن صالح وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور. وكان الصديق وعلى وابن عباس وابن الزبير وجابر وأبو سعيد الخدري يجيزون بيع أم الولد. وبه قال داود. وقال جابر وأبو سعيد: كنا نبيع أمهات الأولاد على عهد رسول الله - ﷺ - (١)، وذكر عبد الرزاق: أنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: كنا نبيع أمهات الأولاد ورسول الله - ﷺ - فينا لا نرى بذلك بأسًا. وأخبرنا ابن جريج، أنا عبد الرحمن بن الوليد أن أبا إسحاق الهمداني أخبره أن أبا بكر الصديق كان يبيع أمهات الأولاد في إمارته وعمر في نصف إمارته (٢). وقال ابن مسعود: تعتق في نصيب ولدها (٣)، وقد روي ذلك عن ابن عباس وابن الزبير. قال (٤): وقد روي عن رسول الله - ﷺ - في مارية سريته لما ولدت إبراهيم، قال: «أعتقها ولدها» من وجه ليس بالقوي ولا يثبته أهل الحديث، قال: وكذا حديث ابن عباس عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أيما أمة ولدت من سيدها فإنها حرة إذا مات» لا يصح أيضًا من جهة ---------- (١) أما أثر أبي سعيد فرواه أحمد ٣/ ٢٢، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٩٩، والحاكم ٢/ ١٩. وأما أثر جابر فرواه النسائي في «الكبرى» ٣/ ١٩٩، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٨ - ١٩. (٢) «المصنف» ٧/ ٢٨٨ (١٣٢١١)، ٧/ ٢٨٧. (٣) رواه عبد الرزاق ٧/ ٢٨٩ - ٢٩٠ (١٣٢١٥). (٤) أي ابن عبد البر. الإسناد؛ لأنه انفرد به حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس وهو متروك الحديث، عن عكرمة، عن ابن عباس (١). أخرجه أحمد وابن ماجه (٢). ورواه عن حسين شَريك القاضي وأخرجه ابن ماجه من حديث أبي بكر يعني: النهشلي، عن حسين هذا (٣)، كذا وقع وإنما هو عن أبي بكر بن أبي سبرة المتروك؛ كذا صرح به الدارقطني والبيهقي في روايتهما، قال البيهقي: وقد روى هذا الحديث أبو أويس عن حسين إلا أنه أرسله (٤). قلت: قد وصله من طريق الدارقطني (٥). وأخرجه الدارقطني من حديث أبي سارة عن ابن أبي حسين، عن عكرمة به (٦). وأبو سارة هذا قال بعض الحفاظ: إنه ابن أبي سبرة وابن أبي حسين هو حسين السالف. وأخرجه أيضًا -أعني: الدارقطني- من حديث الحسن بن عيسى الحنفي عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا (٧). ورواه ابن عيينة، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن عمر، قوله، وكذا رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه»، عن وكيع، عن أبيه، عن عكرمة، -------- (١) «الاستذكار» ٢٣/ ١٥٢ - ١٥٥. (٢) ابن ماجه (٢٥١٥)، وأحمد ١/ ٣١٧. (٣) ابن ماجه (٢٥١٦). (٤) الدارقطني ٤/ ١٣٢، والبيهقي ١٠/ ٣٤٦. (٥) الدارقطني ٤/ ١٣٢. (٦) الدارقطني ٤/ ١٣١ - ١٣٢ ومن طريقه البيهقي ١٠/ ٣٤٦، ووقع فيهما. قال الدارقطني: تفرد بحديث ابن أبي حسين، زياد بن أيوب، وزياد ثقة اهـ. (٧) الدارقطني ٤/ ١٣١. عن عمر ورواه خصيف عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عمر قال البيهقي: فرجع الحديث إلى قول ابن عباس عن عمر. قال البيهقي: وهو الأصل في ذلك (١). قال أبو عمر: والصحيح عن عكرمة أنه سئل عن أم الولد، فقال: هي حرة إذا مات سيدها، فقيل له: عمن هذا؟ قال: عن القرآن. قال الله -عزوجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢) [النساء: ٥٩]. وكان عمر من أولي الأمر، وقد قال: أعتقها ولدها ولو كان سقطًا، رواه سعيد بن منصور (٣). قلت: ورواه أبو محمد ابن حزم في «محلاه» بإسناد كل رجاله ثقات من طريق قاسم بن أصبغ إلى عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس: لما ولدت مارية -أُمُّ إبراهيم- قال رسول الله - ﷺ -: «أعتقها ولدها». وقال في كتاب البيع: صحيح الإسناد (٤). وقال في أمهات الأولاد: خبر جيد السند كل رواته ثقات (٥). قلت: وفي المسألة حديثان آخران: أحدهما: حديث أبي سعيد الخدري في البخاري ومسلم أيضًا: يا رسول الله إنا نصيب سبيًا ونحب المال كيف ترى في العزل؟ فقال - عليه السلام -: «أو إنكم تفعلون ذلك! لا عليكم أن لا تفعلوا، إنه ليست نسمة كتب الله أن تخرج إلا وهي كائنة» (٦). --------- (١) «سنن البيهقي» ١٠/ ٣٤٦. (٢) «الاستذكار» ٢٣/ ١٥٥ - ١٥٦. وأثر عمر أخرجه البيهقي ١٠/ ٣٨٤. (٣) «السنن» لسعيد بن منصور ٤/ ١٢٩٢ (٦٥٧). (٤) «المحلى» ٩/ ١٨. (٥) «المحلى» ٩/ ٢١٩. (٦) سبق برقم (٢٢٢٩) كتاب: البيوع، باب: بيع الرقيق. وفي مسلم برقم (١٤٣٨) كتاب: النكاح، باب: حكم العزل. ثانيهما: حديث البخاري عن عمرو بن الحارث، قال: ما ترك رسول الله - ﷺ - درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضًا جعلها لابن السبيل صدقة، وذكره الحاكم وقال صحيح الإسناد (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي خالد الأحمر، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبيدة، عن علي قال: استشارني عمر في بيع أمهات الأولاد، فرأيت أنا وهو أنها إذا ولدت عتقت، فقضى به عمر حياته وعثمان بعده، فلما وليت رأيت أن أرقهن. قال الشعبي: فحدثني ابن سيرين أنه قال لعبيدة: فما ترى أنت؟ قال: رأي علي وعمر في الجماعة أحب إلى من قول علي حين أدرك الاختلاف (٢). وعند معمر، عن أيوب، عن محمد قال عبيدة: قلت لعلي: رأيك ورأي عمر في الجماعة أحب إلى من رأيك وحدك في الفرقة -أو قال في الفتنة- قال: فضحك علي (٣). قال ابن عبد البر: وقد انعقد الإجماع أنها لا تعتق قبل موت سيدها وأنها في ديتها وأرش (جنايتها) (٤) كالأمة، وسئل ابن شهاب عن أم الولد ترق. فقال: لا يصلح لسيدها أن يبيعها ويقام عليها حد الأمة، وعن ------ (١) سيأتي برقم (٢٧٣٩) كتاب: الوصايا، باب: الوصايا. والحاكم ١/ ٤٢٠، والحديث عنده من رواية عمرو بن الحارث عن جويرية بنت الحارث. أما في البخاري فمن رواية عمرو بن الحارث عن النبي - ﷺ -. (٢) «المصنف» ٤/ ٤١٤ (٢١٥٨٣). (٣) رواه عبد الرزاق ٧/ ٢٩١ - ٢٩٢ (١٣٢٢٤). (٤) في الأصل: جوارحها، والمثبت من «الاستذكار» ٢٣/ ١٥٧، وقد أشار محققه إلى أنه في نسخة: جراحتها. مجاهد لا يرقها حدث. وقال عمر بن عبد العزيز: يقام عليها الحد ولا تسترق. وروى معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي العجفاء، عن عمر أنها إذا زنت رقت (١). وجمهور العلماء القائلين بأن أم الولد لا تباع على خلاف هذا، ويحصل من الخلاف في بيعها سبعة أقوال بعد الاتفاق على أنها لا تعتق بمجرد الاستيلاد في حياة سيدها، كما قاله ابن عبد البر (٢). أحدها: أنه لا يجوز بيعها البتة وهو مذهب الجمهور كما أسلفناه وهو المشهور عن عمر الذي صار إليه في أثناء خلافته وعثمان، وعلى في أول أمره وجابر والشعبي وحماد بن أبي سليمان ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو الزناد وربيعة وابن شبرمة والليث (٣)، وابن حزم وغيره من أهل الظاهر (٤) وغيرهم ممن سلف، وحكاه غير واحد إجماعًا، منهم الخطابي (٥) وابن بطال (٦) والبيهقي وابن عبد البر (٧) والباجي (٨) والغزالي والبغوي (٩)، وقد سلف بعضه وقد استدل أيضًا بقوله تعالى: ---------- (١) روى أثر ابن شهاب ومجاهد وعمر بن عبد العزيز وعمر بن الخطاب عبد الرزاق في «مصنفه» ٧/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (١٣٢٣٧، ١٣٢٣٨)، (١٣٢٤٠، ١٣٢٤١). (٢) «الاستذكار» ٢٣/ ١٥٧ - ١٥٩. (٣) انظر: «الاستذكار» ٢٣/ ١٥٢ - ١٥٣، «الإشراف» ٢/ ٢١٣، «المحلى» ٩/ ٢١٩. (٤) «المحلى» ٩/ ١٨. (٥) «معالم السنن» المطبوع مع سنن أبي داود ٥/ ٤١٢. (٦) «شرح ابن بطال» ٧/ ٥٩ - ٦٠. (٧) «التمهيد» ٣/ ١٣٦ - ١٣٧. (٨) «المنتقى» ٦/ ٢٦٨. (٩) «التهذيب» ٨/ ٤٨٧. ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [محمد: ٢٢] ممن احتج بها عمر، كما رواه المنتجالي عنه والبيهقي أيضًا (١). وقال ابن حبيب في «واضحته»: حدثني الأويسي، عن إسماعيل بن عياش، عن مسلم بن يسار، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - ﷺ - أمر بعتق أمهات الأولاد، وقال: «لا يجعلن في وصية، ولا يجعلق في دين» وهو معلول من أوجه: أحدها: أن جماعة من المالكية تكلموا في ابن حبيب (٢) كابن سحنون وغيره واتهموه في لفظه (٣). ثانيها: الكلام في إسماعيل لاسيما في روايته عن غير الشاميين (٤). ثالثها: أنه مرسل ولما أخرج الشافعي أثر «الموطأ» السالف، عن عمر قال: قلت: تقليدًا لعمر، وفي «علل ابن أبي حاتم» مثله من رواية أبي هريرة، لكنه قال: إنه حديث باطل (٥). فرع: يجوز عندنا عتقها على مال، صرح به القفال من أصحابنا في «فتاويه». المذهب الثاني: أنه يجوز بيعها مطلقًا، وقد سلف وهو مذهب جماعة من الصحابة كأبي بكر وخلائق، وهو قول قديم للشافعي. الثالث: أنه يجوز لسيدها بيعها حياته، فإذا مات عتقت، حكي عن الشافعي أيضًا. ------ (١) «السنن الكبرى» ١٠/ ٣٤٤. (٢) ورد بهامش الأصل: قال الذهبي في «المغني»: عبد الملك بن حبيب القرطبي الفقيه كثير الوهم صحفي وقد اتهم. [«المغني» ٢/ ٤٠٤]. (٣) انظر في ذلك: «ميزان الاعتدال» ٣/ ٣٦٦ - ٣٦٧، «لسان الميزان» ٤/ ٤٤٦ - ٤٥٠. (٤) انظر: «تاريخ بغداد» ٦/ ٢٢٦، «تهذيب الكمال» ٣/ ٦٣ (٤٧٢). (٥) «علل ابن أبي حاتم» ٢/ ٤٣٣ (٢٨٠٤). الرابع: أنها تباع في الدين، وفيه حديث سلامة بن معقل في «سنن أبي داود» (١). الخامس: أنها تباع ولكن إن كان ولدها موجودًا عند موت أبيه سيدها حسب من نصيبه إن كان ثَمَّ مشارك له في التركة، وهو مذهب ابن مسعود وابن عباس وابن الزبير السادس: أنه يجوز بيعها بشرط العتق، ولا يجوز بغيره، حكي عن عمر. سابعها: أنها إن عتقت وأبقت لم يجز بيعها وإن فجرت أو كفرت جاز بيعها، حكي عن عمر، وحكى المزني عن الشافعي التوقف (٢)، فهذا مع الفرع الذي ذكرناه، تصير الأقوال تسعة، ومن الغريب ما أنبأني الحجار عامة أنا ابن اللتي، أنا أبو الفتح مسعود بن محمد بن سيف، أنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن الحسين المعروف بابن السراج، وأبو غالب محمد بن محمد بن عبد الله العطار قالا: أنا أبو علي الحسن بن أحمد بن إبراهيم بن شاذان، أنا أبو الحسن علي ابن محمد بن الزبير القرشي، أنا الحسن بن علي بن عفان العامري، ثنا جعفر بن عون العُمري، أنا يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه قال: إذا أعتق الرجل أمته، فإنه يجوز له وطؤها واستخدامها، ولا يجوز له بيعها ولا إجارتها ولا رهنها وولدها مثلها. وهذا إسناد صحيح إليه، وقد يكون أراد أن يبين حكم أم الولد وغير ذلك بقوله إذا أعتق الرجل وليدته كما جاء في الحديث عن مارية: «أعتقها ولدها». -------- (١) برقم (٣٩٥٣)، وقال الخطابي في «معالم السنن» ٤/ ٦٨: ليس إسناده بذاك. (٢) «مختصر المزني» ٥/ ٢٨٨. ٩ - باب بَيْعِ المُدَبَّرِ (١) ٢٥٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنَّا عَبْدًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَدَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِهِ فَبَاعَهُ. قَالَ جَابِرٌ مَاتَ الغُلَامُ عَامَ أَوَّلَ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٥/ ١٦٥] ذكر فيه حديث جابر، وقد سلف في باب: بيع المُدبر قبيل السلم (٢)، وقد اختلف العلماء في بيعه، فلنذكره لبعد العهد به. فقالت طائفة: يجوز بيعه ويرجع فيه متى شاء، وهو قول مجاهد وطاوس، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣)، واحتجوا بهذا الحديث. قالوا: وهو مذهب عائشة، وروي عنها أنها باعت مدبرة لها سحرتها (٤). --------- (١) ورد بهامش الأصل: بخط المصنف في هامش أصله ما صورته: أهمل مغلطاي من هنا الكتابة. (٢) سبق برقم (٢٢٣٠) كتاب: البيوع. (٣) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٠٥، «المغني» ١٤/ ٤١٩ - ٤٢٠. (٤) رواه مالك في «الموطأ» براوية أبي مصعب (٢٧٨٢)، وعبد الرزاق ٩/ ١٤١ (١٦٦٦٧)، وأحمد ٦/ ٤٠، والدارقطني ٤/ ١٤٠ عن عمرة قالت: مرضت عائشة فتطول مرضها، قالت: فذهب بنو أخيها إلى رجل فذكروا مرضها، فقال: إنكم تخبروني خبر امرأة مطبوبة، قال: فذهبوا ينظرون، فإذا جارية لها سحرتها، وكانت قد دبرتها، فدعتها، فسألتها فقالت: ماذا أردت؟ قا لت: أردت أن تموتي حتى أعتق، قالت: فإن لله عليّ أن تباعي من أشد العرب ملكة، فباعتها، وأمرت بثمنها فجُعل في مثلها. قال الهيثمي ٤/ ٢٤٩: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. اهـ. وقال ابن حجر في «التلخيص» ٤/ ٤١: إسناده صحيح. اهـ. وقال آخرون: لا يجوز بيعه، روي ذلك عن زيد بن ثابت وابن عمر وهو قول الشعبي وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى والنخعي (١)، وبه قال مالك والثوري والليث والكوفيون والأوزاعي (٢). قالوا: لا يباع في دين ولا غيره في الحياة ولا بعد الموت وعن «المدونة» أنه لا يباع في حياة سيده في فلس ولا غيره إلا في دين قبل التدبير، ويباع بعد الموت إذا اغترقه الدين كان التدبير قبل الدين أو بعده. وعن أبي حنيفة لا يباع في الدين ولكن يستسعي للغرماء، فإذا أدى ما لهم عتق (٣)، والحجة لهم قوله تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]. والتدبير: عقد طاعة يلزم الوفاء به، فلا سبيل إلى حله والرجوع فيه؛ لأنه عقد حرية بصفة آتية لا محالة. وحديث: «المدبر لا يباع ولا يوهب» (٤) قالوا: ولا حجة في حديث جابر لمن أجاز بيعه؛ لأن في الحديث أن سيده كان عليه دين فباعه رسول الله - ﷺ - بثمانمائة درهم وأعطاه له، وقال له: «اقض دينك»، فثبت بهذا أن بيعه إنما كان لأجل الدين الذي عليه، فأما إذا لم يكن عليه دين قبل تدبيره، فلا سبيل إلى بيعه. ----------- (١) انظر: «مصنف عبد الرزاق» ٩/ ١٤٢، ١٤٣ (١٦٦٧٥، ١٦٦٧٩)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٣٣٠ - ٣٣١ (٢٠٦٥٥، ٢٠٦٥٧، ٢٠٦٦١). (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ١٨٣، «الموطأ» برواية يحيى ص ٥٠٩، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٢٠٥. (٣) انظر: «اختلاف الفقهاء» لابن جرير ص ٤٠. (٤) قطعة من حديث ابن عمر تمامه: «وهو حر من الثلث». رواه الدارقطني ٤/ ١٣٨، والبيهقي ١٠/ ٣١٤، قال المصنف في «البدر المنير» ٩/ ٧٣٣: ضعيف ضعفه الأئمة. وقال: وقد اتفق الحفاظ على تصحيح رواية الوقف. قلت: رواها البيهقي وصححها ١٠/ ٣١٣ - ٣١٤. ![]()
__________________
|
|
#469
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 191 الى صـــ 210 الحلقة (469) وقد ترجم البخاري باب: من باع مال المفلس والمعدم وقسمه بين الغرماء (١). وأيضًا: فإنَّ سيده كان سفيهًا، ولذلك باعه - عليه السلام -. وبيع المدبر عند من أجازه لا يفتقر صاحبه فيه إلى بيع الإمام، وهذا الحديث عند العلماء أصل في أن أفعال السفيه مردودة، فلا حجة لهم فيه. وأجيب أيضًا بأنه يحتمل أن يكون أعتقه عن دبر في مرضه، فقال: إن مت من مرضي هذا فأنت حر عن دبر مني، وهو قول للمالكية. فإن قلت: التدبير وصية فالرجوع سائغ. قيل: ليس كونه وصية يجوز الرجوع فيه؛ لأن العتق البذل في المرض لا يجوز الرجوع فيه، وإن كان يخرج من الثلث، فكذلك المدبر، وجمهور العلماء كما حكاه ابن بطال (٢) متفقون أن ولد المدبرة الذين تلدهم بعد التدبير بمنزلتها يعتقون بموت سيدها، فإذا كان التدبير يسري إلى الولد فلأن يلزم في الأم أولى. قال الطبري: وفيه أن للإمام القيم بأمور المسلمين أن يحملهم في أموالهم على ما فيه صلاحهم ويرد في أفعالهم ما فيه مضرة لهم (٣). قال ابن التين: ولم يختلف قول مالك وأصحابه أن من دبر عبده ولا دين عليه أنه لا يجوز بيعه ولا هبته ولا نقض تدبيره ما دام حيًّا خلافًا للشافعي. -------- (١) سبق في كتاب: الاستقراض، باب رقم (١٦). (٢) «شرح ابن بطال» ٧/ ٥٠. (٣) السابق ٧/ ٥٠. فرع: يخرج المدبر بعد موت سيده من ثلثه. وقال داود: يخرج من جميع المال، فإن لم يحمله الثلث رق ما لم يحمله الثلث منه. وقال أبو حنيفة: يسعى في فكاك رقبته، فإن مات سيده ومحليه دين (سعى) (١) للغرماء. وقال أبو حنيفة: يسعى للغرماء ويخرج حرًّا (٢). --------- (١) في الأصل: بيع، والمثبت هو الصواب كما في مصادر التخريج. (٢) كذا في الأصل بتكرار قوله: وقال أبو حنيفة يسعى للغرماء، وهو ذهول من الناسخ، فقد نقل عبارة المصنف العيني في «عمدة القاري» ١٠/ ٤٢٤ فقال: وفي «التوضيح»: وقال أبو حنيفة: يسعى في فكاك رقبته، فإن مات سيده وعليه دين سعى للغرماء ويخرج حرًّا. اهـ. وانظر قول أبي حنيفة في «بدائع الصنائع» ٤/ ١٢٣، «الجوهرة النيرة» ٢/ ١٠٦. ١٠ - باب بَيْعِ الوَلَاءِ وَهِبَتِهِ ٢٥٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ، وَعَنْ هِبَتِهِ. [٦٧٥٦ - مسلم: ١٥٠٦ - فتح: ٥/ ١٦٧] ٢٥٣٦ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: اشْتَرَيْتُ بَرِيرَةَ، فَاشْتَرَطَ أَهْلُهَا وَلَاءَهَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْطَى الوَرِقَ». فَأَعْتَقْتُهَا، فَدَعَاهَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَخَيَّرَهَا مِنْ زَوْجِهَا فَقَالَتْ: لَوْ أَعْطَانِي كَذَا وَكَذَا مَا ثَبَتُّ عِنْدَهُ. فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا. [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ٥/ ١٦٧] ذكر فيه حديث ابن عمر نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الوَلَاءِ وَعَنْ هِبَتِهِ. وأخرجه مسلم أيضًا (١). وحديث عائشة في بريرة، وقد سلف (٢). والفقهاء بالحجاز والعراق مجمعون على أنه لا يجوز بيع الولاء ولا هبته، وهذا أصله. قال ابن المنذر: وفيه قول ثان: روي أن ميمونة بنت الحارث وهبت ولاء مواليها من العباس وولاؤهم اليوم لهم، وأن عروة ابتاع ولاء طهمان لورثة مصعب بن الزبير. وذكر عبد الرزاق عن عطاء أنه يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء (٣)، هذا هو هبة الولاء. ---------- (١) برقم (١٥٠٤) كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق. (٢) برقم (٤٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد. (٣) «المصنف» ٩/ ٥ (١٦١٥١). وستأتي المسألة في باب: إثم من تبرأ من مواليه، في الفرائض (١). وصح من حديث ابن عمر مرفوعًا: «الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يورث» (٢) صححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد. وخالف البيهقي فأعله (٣). --------- (١) سيأتي في كتاب رقم (٨٥)، باب رقم (٢١). (٢) رواه الشافعي في «مسنده» ٢/ ٧٢ - ٧٣ عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر به، ومن طريقه الحاكم ٤/ ٣٤١ والبيهقي ١٠/ ٢٩٢. ورواه ابن حبان ١١/ ٣٢٥ من طريق بشر عن الوليد عن يعقوب بن إبراهيم عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر به. قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد لم يخرجاه. اهـ. وتعقبه الذهبي: فقال: بالدبوس!. اهـ. كالمتعجب. ونقل البيهقي ١٠/ ٢٩٢ عن أبي بكر بن زياد النيسابوري أنه قال عقب هذا الحديث: هذا خطأ لأن الثقات لم يروه هكذا وإنما رواه الحسن مرسلًا. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» ١٢/ ٤٤: اتفق جميع من ذكرنا على هذا اللفظ -أي: النهي عن بيع الولاء وعن هبته- وخالفهم أبو يوسف القاضي فرواه عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر بلفظ الولاء لحمة كلمة النسب. أخرجه الشافعي ومن طريقه الحاكم ثم البيهقي، وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف وبين ابن دينار عبيد الله بن عمر، أخرجه أبو يعلى في «مسنده» عنه وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» عن أبي يعلى. اهـ. ورواه الطبراني في «الأوسط» ٢/ ٨٢ (١٣١٨) من طريق يحيى بن سليم الطائفي، والحاكم ٤/ ٣٤١ من طريق محمد بن مسلم الطائفي كلاهما عن إسماعيل بن أمية عن ابن عمر به. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٦٦٨). (٣) قال البيهقي: كذا رواه الشافعي عن محمد بن الحسن الفقيه، عن أبي يوسف القاضي، وكأنه رواه محمد بن الحسن للشافعي من حفظه فنزل عن ذكر عبيد الله بن عمر في إسناده، وقد رواه محمد بن الحسن في كتاب «الولاء» عن أبي يوسف عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - باللفظ الذي رواه الشافعي عنه. = وذكره ابن بطال من حديث إسماعيل بن أمية، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «الولاء لحمة كالنسب»، وأورده ابن التين بلفظ بزيادة: «لا يحل بيعه ولا هبته». ثم قال: وعليه جماعة أهل العلم، وقام الإجماع على أنه لا يجوز تحويل النسب، وقد نسخ الله المواريث بالتبني بقوله: ﴿﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾، إلى قوله ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، ولعن رسول الله - ﷺ - من انتسب إلى غير أبيه، وانتمى إلى غير مواليه، فكان حكم الولاء كحكم النسب في ذلك. فكما لا يجوز بيع النسب ولا هبته كذلك الولاء ولا نقله ولا تحويله، وأنه للمعتق، كما قال - ﷺ -، وهذا ينفي أن يكون الولاء للذي يسلم على يديه والملتقط، وسيأتي إيضاحه في الفرائض (١). ونقل ابن التين عن قوم أنه إذا أذن المولى الأعلى للأسفل فوالى غيره جاز، وكانت العرب تبيع الولاء وتهبه، فنهى الشارع عنه. ---------- = وهذا اللفظ بهذا الإسناد غير محفوظ، ورواية الجماعة عن عبيد الله بن دينار عن ابن عمر: أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الولاء وعن هبته. هكذا رواه عبد الله بن عمر في رواية عبد الوهاب الثقفي وغيره، ومالك، والثوري، وشعبة، والضحاك بن عثمان، وسفيان بن عيينة، وسليمان بن بلال، وإسماعيل بن جعفر وغيرهم. ورواه أبو عمر بن النحاس عن ضمرة، عن الثوري، على اللفظ الأول الذي رواه أبو يوسف، وقد أجمع أصحاب الثوري على خلافه. وروي من أوجه أخر ضعيفة، وأصح ما روي فيه حديث هشام بن حسان عن الحسن قال: قال رسول الله - ﷺ -: «الولاء لحمة كلمة النسب لا يباع ولا يوهب» وهذا مرسل. اهـ. «معرفة السنن» ١٤/ ٤٠٩ - ٤١٠. (١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٥١. قال: واختلف في ولاء النسب (١)، فمشهور مذهب مالك أن ولاءه لجميع المسلمين (٢)، وقيل: لمعتقه، قاله ابن نافع وابن الماجشون (٣)، وهو قول أبي حنيفة والشافعي (٤). وقال ابن شهاب والأوزاعي عن السائبة يوالي من شاء (٥)، وهو عند مالك مكروه، وأنكرها سحنون وأصبغ، وقالا: هو جائز فعله (٦). واختلف في ولاء من أعتق عبدًا عن غيره، فمذهب مالك أنه للمعتق عنه (٧)، وقيل: الولاء للمعتق. وقال الشافعي (٨): بالأول إن كان بأمره وإلا فللمعتق؛ لقوله - ﷺ -: «الولاء لمن أعتق» (٩). وذُكر عن سحنون أن إجماعهم على الوَصِي يُعْتِق بأمر الموصي أن الولاء للموصي (١٠). يدل أن هذا الحديث ليس على عمومه، وهذا احتجاج فيه نظر. ------- (١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: لعله السائبة. (٢) انظر: «عيون المجالس» ٤/ ١٨٥٧. (٣) انظر: «المنتقى» ٦/ ٢٨٦. (٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٣٩٧، «بدائع الصنائع» ٤/ ١٦٦، «الأم» ٤/ ٥٣. (٥) انظر: «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٩١، و«الاستذكار» ٢٣/ ٢٢٤. (٦) انظر: «الموطأ» برواية يحيى ص ٤٩١، «النوادر والزيادات» ١٣/ ٢٤٠، «المنتقى» ٦/ ٢٨٦. (٧) انظر: «المدونة» ٣/ ٦٤. (٨) انظر: «طرح التثريب» ٦/ ٢٣٧. (٩) سلف برقم (٤٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد. (١٠) انظر: «النوادر والزيادات» ١٣/ ٢٣٧ وعزاه لكتاب ابن سحنون. وكذا احتج في «المدونة» وإن أعتق نصراني مسلمًا ثم أسلم لم يرجع الولاء (إليه) (١) في مشهور مذهب مالك (٢). وكذلك لا ولاء لعصبته من المسلمين (٣). وقال أبو حنيفة والشافعي: الولاء له إن أسلم، ولعصبته من المسلمين ما لم يسلم، وقاله محمد بن عبد الحكم، واحتج في «المدونة» (٤) ابن القاسم أن الولاء لمن أعتق عنه؛ لحديث سعد بن عبادة: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أينفعها أن أعتق عنها وليس لها مال؟ قال: «نعم» (٥). واختلف في الولاء إذا أُعْتِقَ عبدٌ من الخمس أو الزكاة، فقال مالك: ولاؤه للمسلمين (٦). وقال الشافعي والكوفيون: لا يعتق منهما (٧). واختلف إذا أسلم على يديه. فقال مالك: ولاؤه لجميع المسلمين، وخالف الشافعي (٨). وقال العراقيون: إذا أسلم على يديه (ووالاه أو والاه فقط) (٩). ------ (١) في الأصل: عنه، والمثبت هو الصواب كما في مصدر التخريج. (٢) انظر: «المدونة» ٣/ ٧٦. (٣) المصدر السابق. (٤) «المدونة» ٣/ ٦٤. (٥) رواه مالك في «الموطأ» ٢/ ٧٧٩، والبيهقي ٦/ ٢٧٩ وقال: هذا مرسل، ورواه هشام بن حسان، عن الحسن، عن النبي - ﷺ - مرسلًا ببعض معناه. (٦) «المدونة» ٣/ ٧٦. (٧) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨١. (٨) كذا في الأصل، وفيه نظر، فإن الشافعي قد وافق مالكا على هذا القول كما في: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٢٦٤، «التمهيد» ٣/ ٨٠، «مسلم بشرح النووي» ١٠/ ١٤٠، «طرح التثريب» ٦/ ٢٣٧. (٩) كذا بالأصل، ولعل صوابها: (فولاؤه له فقط). انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٢٦٤. وحديث بريرة سلف الكلام عليه، واختلف إذا عتقت الأمة تحت حر هل لها خيار؟ فعند مالك: لا (١). واختلف في المكاتب يموت سيده، فيؤدي بعض نجومه بعد موت سيده، فقيل: هو للسيد ولمن يرث ولاءه، وقيل: هو بين الورثة. وقيل: للسيد منه بحساب ما أدى وللورثة بحساب ما أدى بعد موته. واختلف في ولاء المنبوذ، فقال مالك: لجماعة المسلمين (٢)، وزاد العراقيون إلا أن يشاء أن يوالي أحدًا (٣). وقال الليث: للملتقطة (٤)، وولاء ابن المعتقة لموالي أمه حرًّا كان أبوه أو عبدًا عربيًّا كان أو غيره (٥). وقيل: يرثه العرب إن كان أبوه عربيًّا. واحتجوا بزيد بن حارثة مولى رسول الله - ﷺ -؛ لأنه من العرب وأولاده إلى يومنا هذا بعتق رسول الله - ﷺ - يعدون في موالي بني هاشم ويعقل عنهم بنو هاشم (٦). --------- (١) انظر: «التمهيد» ٣/ ٥٧. (٢) انظر: «المدونة» ٣/ ٧٦. (٣) انظر: «المبسوط» ١٠/ ٢١٣. (٤) انظر: «المغني» ٩/ ٢٥٥. (٥) انظر: «المفهم» ٤/ ٣٣٣. (٦) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد السبعين له مؤلفه. ١١ - باب إِذَا أُسِرَ أَخُو الرَّجُلِ أَوْ عَمُّهُ، هَلْ يُفَادَى إِذَا كَانَ مُشْرِكًا؟ وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ العَبَّاسُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. [انظر: ٤٢١] وَكَانَ عَلِيٌّ لَهُ نَصِيبٌ فِي تِلْكَ الغَنِيمَةِ التِي أَصَابَ مِنْ أَخِيهِ عَقِيلٍ وَعَمِّهِ عَبَّاسٍ. ٢٥٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ مُوسَى، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسٌ رضي الله عنه أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ. فَقَالَ: «لَا تَدَعُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا». [٣٠٤٨، ٤٠١٨ - فتح: ٥/ ١٦٧] ثم ساق حديث أنس أَنَّ رِجَالًا مِنَ الأَنْصَارِ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالُوا: ائْذَنْ لَنَا فَلْنَتْرُكْ لاِبْنِ أُخْتِنَا عَبَّاسٍ فِدَاءَهُ. فَقَالَ: «لَا تَدَعُوا مِنْهُ دِرْهَمًا». الشرح: قوله: (وكان علي له نصيب في تلك الغنيمة) يريد: فلم يعتق عليه أخوه عقيل ولا عمه إذ كان مشركًا. كذا تأوله البخاري، ولا فرق عند مالك بين كونه مشركًا أو مسلمًا؛ لأنه حكم بين مسلم ومشركين فيجري فيه حكم المسلمين، واحتج به لقول الشافعي: إن ملك أخاه لا يعتق عليه (١). ومشهور قول مالك أنه يعتق عليه (٢). وانفصل عنه بعض الشافعية بأن نصيب عليٍّ لا يتعين إلا بالقسمة. وقد ------ (١) انظر: «البيان» ٨/ ٣٥١، «العزيز» ١٣/ ٣٤٢ - ٣٤٣. (٢) انظر: «المدونة» ٢/ ٣٨٥. قال مالك: مَن سرق مِن الغنيمة قُطِع، أو زنى يُحَدُّ. فقيل: له فيها نصيب. فقال: كم عسى نصيبه من ذلك (١)! فعلى هذا إن قبل الغانمون لا يحد ويعتق ولا يقطع، وقيل: الغنيمة لا تملك إلا بالقسمة، فلذلك لم يعتق عليه، وأما العم فالمشهور من مذهب مالك أنه لا يعتق عليه (٢) خلافًا لابن وهب (٣). وقال سحنون: إن كان فيها من يعتق عليه أعتق نصيبه وغرم ما سواه وإذا أولد الجارية لم يحد؛ للشركة التي له فرأى أنه ملك بنفس الغنيمة وأشهب يقول: لا يحد ولا يقطع وإن سرق فوق سهمه أقل من ثلاثة دراهم، واختلف: هل يراعي حقه من جميع الغنيمة أو من المسروق خاصة؟ وقول الأنصار: (ائذن لنا فلنترك لابن أُختنا عباس فداءه) كان العباس جدته من بني النجار، تزوجها هاشم بن عبد مناف فولدت له عبد المطلب وقال الكلبي: اسمها سلمى (٤). ---------- (١) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٢٧. (٢) انظر: «المدونة» ٢/ ٣٨٥. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ٣٨٣. (٤) قيل: إن اسمها: سلمى ابنة زيد بن خداش بن لبيد بن حرام بن عدي بن النجار من الأنصار. وقيل: سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. والأول قاله مؤرج السدوسي في كتاب «حذف من نسب قريش» ص ٤، والثاني قاله الزبيري في «نسب قريش» ص ١٥، والبلاذري في «أنساب الأشراف» ١/ ٦٤. والذي تراه أن من ترجم لها أثبت أن اسمها سلمى؛ وعليه فلم يتفرد الكلبي بهذِه التسمية. واختلف في علة منعه إياهم من ذلك، فقيل: لأنه كان مشركًا، ولذلك عطف عليه رسول الله - ﷺ - لما أسلم وأعطاه من المغانم ما جبر به صدعه، وقيل: منعهم خشية أن يقع في قلوب بعض المسلمين شيء، كما منع الأنصار أن يبارزوا عتبة وشيبة والوليد وأمر قرناءهم عليًّا وحمزة وعبيدة أن يبارزوهم؛ لئلا يبارزهم الأنصار، فيصابوا فيقع في نفس بعضهم شيء. وقيل: كان العباس أسر يوم بدر مع قريش ففاداهم رسول الله - ﷺ -، فأراد الأنصار أن يتركوا له فداءه إكرامًا لرسول الله - ﷺ -، ثم لقرابتهم منه، فلم يأذن لهم في ذلك ولا في أن يحابوه في ذلك، وكان العباس ذا مال فاستوفيت منه الفدية وصرفت مصرفها من حقوق الغانمين. وفي هذِه القصة في أُسار العباس وعقيل معه دلالة على أن الأخ لا يعتق على أخيه إذا ملكه كما يعتق عليه أصوله وفروعه، وكان لعليٍّ جزء في الغنيمة، فلم يعتق عليه عقيل، كما سلف. والسبي يوجب الرق في الصغير والكبير. قال المهلب: أسر العباس وعقيل مع من أسر يوم بدر، فأخذ - عليه السلام - رأي الصديق في استحيائهم وكره استعبادهم وأباح لهم أن يفادوا أنفسهم بالمال من ذلة العبودية، فقطع كل واحد على نفسه بعدد من المال وقطع العباس بفدائه وفداء ابن أخيه عقيل، فأراد الأنصار أن يتركوا فداء العباس؛ إكرامًا لرسول الله - ﷺ - لمكان عمومته وللرحم التي بينهم في الخئولة فقال لهم: «لا تَدَعُون منه درهمًا» أراد أن يوهنهم بالغرم ويضعفهم، وسيأتي في الجهاد في باب فداء المشركين (١). --------- (١) سيأتي برقم (٣٠٤٨). وإنما ذكر البخاري هذا هنا؛ لأنه استنبط منه أن العم وابن العم لا يعتقان على من ملكهما من ذوي رحمهما؛ لأن الشارع قد ملك من عمه العباس ومن ابن عمه عقيل بالغنيمة التي له فيها نصيب، وكذلك ملك علي منها المشركين في ذلك الوقت بنصيبه من الغنيمة ولم يعتقا عليه. وهذا حجة على من قال من السلف: إن من ملك ذا رحم محرم أنه يعتق عليه، وهو قول الكوفيين. وفيه حجة للشافعي في قوله: إنه لا يعتق الأخ على من ملكه؛ لأن عقيلًا كان أخا علي، فلم يعتق عليه بما ملك من نصيبه منه. وقد اختلف العلماء فيمن يعتق على الرجل إذا ملكه، فذهب مالك أنه لا يعتق عليه إلا أهل الفرائض في كتاب الله تعالى، وهم الولد ذكرًا كان أو أنثى، وولد الولد وإن سفلوا، وأبوه وأجداده وجداته من قبل الأب والأم وإن بعدوا، وإخوته لأبوين أو لأب أو لأم (١)، وبه قال الشافعي، إلا في الإخوة فإنهم لا يعتقون على ما سلف في الباب. وقال الكوفيون: من ملك ذا رحم محرم عتق عليه (٢)، وروي ذلك عن عمر (٣) وابن مسعود، وعن عطاء والشعبي والحسن والحكم والزهري (٤). وحجتهم ما رواه ضمرة عن الثوري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا؟ «من ملك ذا رحم محرم، فهو حر» (٥) (١) انظر: «المدونة» ٢/ ٣٨٥. (٢) انظر: «الهداية» ٢/ ٣٣٥. (٣) رواه النسائي في «الكبرى» ٤/ ١٧٣ (٤٩٠٣). (٤) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٨١. (٥) رواه ابن ماجه (٢٥٢٥)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٧٣ (٤٨٩٧)، وضعفه. ورواه الحسن عن سمرة مرفوعًا (١). وقال ابن المنذر: قد تكلم الناس في هذين الحديثين، فقالوا: لم يرو حديث ابن عمر عن الثوري غير ضمرة، وحديث الحسن عن سمرة، وقد تكلم الناس فيهما وليس منهما ثابت (٢). والحجة لمالك أنه لا يجوز ملك الأخ، وأنه يعتق على من ملكه قوله تعالى حكايته عن موسى - عليه السلام -: ﴿رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي﴾ [المائدة: ٢٥]، وكما لا يجوز أن يسترق نفسه، كذلك لا يجوز أن يسترق أخاه. وحجة الجميع في أنه لا يجوز ملك الأبوين قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء: ٢٣] واسترقاقهما أعظم من قول: أف والأجداد داخلون في اسم الآباء، ولم يجز ملك الولد لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ (٣)، فلا يجوز أن يستعبد الابن بهذا النص. وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه» وفي رواية: «ولد والده» (٤). ----------- (١) رواه أبو داود (٣٩٤٥)، والترمذي (١٣٦٥)، وابن ماجه (٢٥٢٤)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١٧٣ (٤٨٩٨ - ٤٩٠٢) وضعفه ابن القيم في «تهذيب سنن أبي داود» ٥/ ٤٠٧ بخمس علل. (٢) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٨٢. (٣) وردت الآية في الأصل: (وما كان للرحمن أن يتخذ ولدًا) وهي خطأ. (٤) «صحيح مسلم» (١٥١٠) كتاب: العتق، باب: فضل عتق الوالد. ١٢ - باب عِتْقِ المُشْرِكِ ٢٥٣٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسْلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، قَالَ: فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا، يَعْنِي أَتَبَرَّرُ بِهَا، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ». [انظر: ١٤٣٦ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٥/ ١٦٩] ذكر حديث هشام: أَخْبَرَنِي أَبِي، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَعْتَقَ فِي الجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ، وَحَمَلَ على مِائَةِ بَعِيرٍ، فَلَمَّا أَسلَمَ حَمَلَ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ، وَأَعْتَقَ مِائَةَ رَقَبَةٍ، فَسَأَلْتُ رَسُول اللهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: يَا رَسُول اللهِ، أَرَأَيْتَ أَشْيَاءَ كُنْتُ أَصْنَعُهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، كُنْتُ أَتَحَنَّثُ بِهَا يَعْنِي أَتَبَرَّرُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَسْلَمْتَ على مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ الخير» (١). الشرح: هذا الحديث سلف بعضه في الزكاة (٢)، لا خلاف أن عتق المشرك على وجه التطوع جائز لهذا الحديث (٣)، حيث جعل عتق المائة رقبة في الجاهلية من أفعال الخير المجازى بها عند الله، المتقرب بها إليه، ودل ذلك على أن مسلمًا لو أعتق كافرًا لكان مأجورًا على عتقه؛ لأن حكيمًا إنما جعل له الأجر على ما فعل في جاهليته بالإِسلام الذي صار إليه، ---------- (١) ورد بهامش الأصل: وقد يكون في باب: من تصدق في الشرك، ثم أسلم، في: الزكاة. (٢) برقم (١٤٣٦) باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم. (٣) نقل الإجماع على هذا ابن عبد البر في «الاستذكار» ٢٣/ ١٨٧. فلم يكن المسلم الذي فعل مثل فعله في الإسلام دون حال حكيم، بل هو أولى بالأجر. واختلف في عتق المشرك في كفارة اليمين والظهار، فأجازه قوم وقالوا: لما أطلق اللفظ في عتق رقبة الظهار وكفارة اليمين، ولم يشترط فيها الإيمان جاز في ذلك المشرك، ومنع ذلك آخرون، وقالوا: لا يجوز في شيء من الكفارات إلا عتق رقبة مؤمنة، واستدلوا على ذلك بقوله تعالى في كفارة القتل: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] فقيد: الرقبة بالإيمان. قالوا: فوجب حمل المطلق على المقيد إذا كان في معناه، وهذا في معناه؛ لأن الكفارة تجمع ذلك واحتجوا على ذلك بأن الله تعالى أمر بالإشهاد عند التبايع، فقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ثم قيد ذلك بالعدالة في موضع آخر بقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فلم يجز من الشهداء إلا العدول، فوجب حمل المطلق على المقيد (١). --------- (١) ورد بهامش الأصل: آخر ٤ من ٨ من تجزئة المصنف. ١٣ - باب مَنْ مَلَكَ مِنَ العَرَبِ رَقِيقًا، فَوَهَبَ وَبَاعَ وَجَامَعَ وَفَدَى وَسَبَى الذُّرِّيَّةَ وَقَوْلِهِ -عز وجل-: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَىْءٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾. [النحل: ٧٥]. ٢٥٣٩ و٢٥٤٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، ذَكَرَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ: «إِنَّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ، وَأَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ، فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا المَالَ، وَإِمَّا السَّبْيَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ». وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي النَّاسِ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ». فَقَالَ النَّاسُ: طَيَّبْنَا ذَلِكَ. قَالَ: «إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ». فَرَجَعَ النَّاسُ، فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا، فَهَذَا الذِي بَلَغَنَا عَنْ سَبْيِ هَوَازِنَ. وَقَالَ أَنَسٌ قَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَادَيْتُ نَفْسِي، وَفَادَيْتُ عَقِيلًا. [انظر: ٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - فتح: ٥/ ١٦٩] ٢٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ الحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ. حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الجَيْشِ. [مسلم: ١٧٣٠ - فتح: ٥/ ١٧٠] ٢٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنِ ابْنِ مُحَيْرِيزٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا سَعِيدٍ رضي الله عنه فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ، فَأَصَبْنَا سَبْيًا مِنْ سَبْىِ العَرَبِ، فَاشْتَهَيْنَا النِّسَاءَ، فَاشْتَدَّتْ عَلَيْنَا العُزْبَةُ وَأَحْبَبْنَا العَزْلَ، فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «مَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا، مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ إِلَّا وَهْيَ كَائِنَةٌ». [انظر: ٢٢٢٩ - مسلم: ١٤٣٨ - فتح: ٥/ ١٧٠] ٢٥٤٣ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ. وَحَدَّثَنِي ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ، عَنِ المُغِيرَةِ عَنِ الحَارِثِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَعَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ فِيهِمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ». قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا». وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ: «أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ». [٤٣٦٦ - مسلم: ٢٥٢٥ - فتح: ٥/ ١٧٠] ثم ساق فيه أربعة أحاديث: أحدها: حديث مروان والمسور بن مخرمة: أنه - عليه السلام - قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، .. الحديث بطوله. ثانيها: حديث ابن عون: كَتَبْتُ إِلَى نَافِعٍ فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَغَارَ عَلَى بَنِي المُصطَلِقِ وَهُمْ غَارُّونَ وَأَنْعَامُهُمْ تُسْقَى عَلَى المَاءِ، فَقَتَلَ مُقَاتِلَتَهُمْ، وَسَبَى ذَرَارِيَّهُمْ، وَأَصَابَ يَوْمَئِذٍ جُوَيْرِيَةَ. حَدَّثَنِي بِهِ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ الجَيْشِ. ثالثها: حديث أبي سعيد: خَرَجْنَا مَعَ النَّبي - ﷺ - فِي غَزْوَةِ بَنِي المُصْطَلِقِ فذكر حديث العزل. رابعها: حديث أبي هريرة قال: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيم. وفي لفظٍ: مَا زِلْتُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمِ مُنْذُ ثَلَاثٍ سَمِعْتُ مِنْ رَسُول اللهِ - ﷺ - يَقُولُ فِيهِمْ، يَقُولُ: «هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِيَ عَلَى الدَّجَّالِ». قَالَ: وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ رَسُول اللهِ - ﷺ -: «هذِه صَدَقَاتُ قَوْمِنَا». وَكَانَتْ سَبِيَّةٌ مِنْهُمْ عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَال: «أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ». الشرح: اختلف المفسرون في معنى هذِه الآية، فقال مجاهد والضحاك: هذا المثل لله تعالى ومن عُبِدَ دونه (١). وقال قتادة: هذا المثل للمؤمن والكافر، يذهب إلى أن العبد المملوك هو الكافر؛ لأنه لا ينتفع في الآخرة بشيء من عبادته ﴿وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ هو المؤمن فَحسن الأول؛ لأنه وقع بين كلامين لا نعلم بين أهل التفسير خلافًا فيه إلا من شذ منهم أنهما لله تعالى وهما: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأَمْثَالَ﴾ وبعده ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ (٢) [النحل: ٧٦]. وقد تأول بعض الناس هذِه الآية على أن العبد لا يملك شيئًا، وسيأتي اختلاف العلماء في ذلك قريبًا. --------- (١) رواه الطبري ٧/ ٦٢٣ (٢١٨١١، ٢١٨١٢). (٢) رواه عبد بن حميد في «تفسيره» كما في «الدر المنثور» ٤/ ٢٣٤ - ٢٣٥، والطبري ٧/ ٦٢٢ (٢١٨٠٦) بمعناه، وابن أبي حاتم ٧/ ٢٢٩٢ (١٢٥٩٦). وأتى البخاري بأحاديث أتى فيها بقبائل سماها من العرب (١)، وفي التبويب: من ملك من العرب رقيقا، وروى في موضع آخر أنه - ﷺ - قال: «سبعة موالي ليس لهم مولى إلا الله -عز وجل- قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأشجع وأسلم وغفار» (٢) فهؤلاء ليس لأحد عليهم ولاء، ولذلك قال لأسارى بدر طلقاء وسمي غيرهم عتقاء؛ لأنهم لم يجر عليهم ملك ولا عتق ومن سوى هؤلاء يجري عليهم الرق ويكون الولاء لمعتقهم، ذكره الداودي. وقال ابن بطال في هذِه الآثار: إنه - ﷺ - سبى العرب واسترقهم من هوازن وبني المصطلق وغيرهم. وقال - عليه السلام - لعائشة في السبية التميمية: «[اعتقيها] (٣) فإنها من ولد إسماعيل». فصحَّ بهذا كله جواز استرقاق العرب وتملكهم كسائر فرق العجم، وقام الإجماع على أن من وطئ أمة بملك يمينه أن ولده منها أحرار عربية كانت أو عجمية (٤). واختلفوا إذا تزوج العربي أمة، هل يكون ولده منها رقيقًا تبعًا لها أم لا؟ فقال مالك والكوفيون والليث والشافعي: الولد مملوك لسيد الأمة تَبَع لها. وحجتهم أحاديث الباب في سبى العرب واسترقاقهم. ---------- (١) منها حديث أبي هريرة، يأتي (٣٥٠٤) كتاب: المناقب، باب: مناقب قريش. (٢) سيأتي (٣٥١٢) كتاب: المنا قب، باب: ذكر أسلم وغفار ومزينة وجهينة وأشجع. (٣) زيادة يقتضيها السياق من «شرح ابن بطال» ٧/ ٥٧. (٤) نقل الإجماع ابن بطال في «شرحه» ٧/ ٥٧. وقال الثوري والأوزاعي وأبو ثور وإسحاق: يلزم سيد الأمة أن يقومه على أبيه، ويلزم (أباه) (١) أداء القيمة إليه ولا يسترق (٢)، وهو قول سعيد بن المسيب (٣) واحتجوا بما روي عن عمر أنه قال لابن عباس: لا يسترق ولد عربي من أمةٍ (٤). وقال الليث: أما ما روي عن عمر من فداء ولد العرب من الولائد (٥) إنما كان من أولاد الجاهلية، وفيما أقر به الرجل من نكاح الإماء، فأما اليوم فمن تزوج أمة وهو يعلم أنها أمة فولده عبد [لسيدها] (٦) عربيًّا كان أو قرشيًّا أو غيره (٧). ومن حجة من جعلهم رقيقًا أنه - عليه السلام - لما سوى بين العرب والعجم في الدماء، فقال: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم» وأجمع العلماء على القول به، وَجَبَ إذا اختلفوا فيما دون الدماء أن يكون حكم ذلك حكم الدماء (٨). ----------- (١) كذا في الأصل، وهي لغة شاذة شاهدها قول الشاعر: إنَّ أباها وأبا أباها … قدْ بلغا في المجدِ غايتاها (٢) انظر: «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٤/ ٦٥. (٣) رواه الشافعي في «الأم» ٤/ ١٨٦. (٤) رواه الشافعي في «الأم» ٤/ ١٨٦، وليس فيه ذكر ابن عباس. (٥) رواه البيهقي ٩/ ٧٤ من طريق ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن عمر فرض في كل سبي فدي من العرب ستة فرائض، وأنه كان يقضي بذلك فيمن تزوج الولائد من العرب. قال البيهقي: وهذا مرسل إلا أنه جيد. اهـ. ورواه عبد الرزاق ٧/ ٢٧٨ (١٣١٥٨)، وابن حزم في «المحلى» ١٥/ ٣٨ من طريقه عن الزهري قال: قضى عمر في فداء سبي العرب ستة فرائض. (٦) زيادة يقتضيها السياق من «شرح ابن بطال». (٧) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٣٥٦. (٨) نقل الإجماع على ذلك ابن المنذر في «الإشراف» ١/ ٦٥. ![]()
__________________
|
|
#470
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (16) من صـــ 211 الى صـــ 220 الحلقة (470) وقوله لعائشة: «أعتقيها فإنها من ولد إسماعيل» يدل على جواز تملك العرب إلا أن عتقهم أفضل لمراعاة الرحم التي تجمعهم. وكذلك فعل عمر في خلافته بمن ملك رقيقًا من العرب الذين ارتدوا في خلافة الصديق وقال: إن الله قد أوسع عليكم في سبي أهل الكتاب من غير العرب، وإن من العار أن يملك الرجل بنت ابن عمه، فأجابوه إلى ما حض عليه وهذا كله على وجه الندب لا على أنه لا يجوز تملكهم (١). وقال ابن التين: أجل مذهب مالك أن الولاء لمن أعتق سواء كان عربيًّا أو غيره. وقيل: إن كان من العرب فلا، والذي قاله أشهب نعم. وهو ما في كتاب ابن حبيب. تنبيهات: أحدها: في حديث سبي هوازن وبني المصطلق، وقول أبي سعيد: (اشتهينا) دليل على أن الصحابة أطبقوا على وطء ما وقع في سهامهم من السبي، وهذا لا يكون إلا بعد الاستبراء بإجماع من العلماء، وهذا يدل على أن السباء يقطع العصمة بين الزوجين الكافرين. واختلف السلف في حكم وطء الوثنيات والمجوسيات إذا سبين، فأجازه سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد، وحجتهم أنه - عليه السلام - أباح وطء سبايا العرب إذا حاضت الحائض أو وضعت الحامل منهن، وهذا القول شذوذ عند العلماء لم يلتفت أحد إليه. واتفق أئمة الفتوى بالأمصار وعامة العلماء على أنه لا يجوز وطء الوثنيات بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] ----------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٥٨. وإنما أباح الله تعالى وطء نساء أهل الكتاب خاصة بقوله: ﴿وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ وَالمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١). وإنما أطلق أصحابه على وطء سبايا العرب بعد إسلامهن؛ لأن سبي هوازن كان سنة ثمان وسبي بني المصطلق سنة ست، وسورة البقرة من أول ما نزل بالمدينة، فقد علموا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]. وتقرر عندهم أنه لا يجوز وطء الوثنيات البتة حتى يسلمن. وروى عبد الرزاق، ثنا جعفر بن سليمان، ثنا يونس بن عبيد أنه سمع الحسن يقول: كنا نغزو مع أصحاب رسول الله - ﷺ -، فإذا أصاب أحدهم جارية من الفيء فأراد أن يصيبها أمرها فاغتسلت، ثم علمها الإسلام وأمرها بالصلاة واستبرأها بحيضة، ثم أصابها (٢). قال: وسمعت الثوري يقول: أما السنة فلا يقع عليها حتى تصلي إذا استبرأها (٣). وعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا المُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] يقتضي تحريم وطء المجوسيات بالتزويج وبملك اليمين، ألا ترى أنه - عليه السلام - سن أن تؤخذ الجزية من المجوس على أن لا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم، وعلى هذا أئمة الفتوى وعامة العلماء. ثانيها: قولهم: (وأحببثا الفداء وأردنا أن نعزل) استدل به جماعة على منع بيع أمهات الأولاد وقالوا: معلوم أن الحبل منهن يمنع --------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٥٨ - ٥٩. (٢) «المصنف» ٧/ ١٩٦ (١٢٧٥٣)، وعنه ابن حزم في «المحلى» ٩/ ٤٤٧. (٣) «المصنف» ٧/ ١٩٦ (١٢٧٥٧). الفداء ويذهب بالثمن، والعلماء مجمعون على أنه لا يجوز بيعها وهي حامل، فإذا وضعت فهي على الأصل الذي اتفقوا عليه في منع البيع، ولا يجوز الانتقال عنه إلا باتفاق آخر، وأئمة الفتوى بالأمصار متفقون على أنه لا يجوز بيع أم الولد (١)، وإنما خالف ذلك أهل الظاهر وبشر المريسي وهو شذوذ لا يلتفت إليه (٢). وقد أسلفنا حديث ابن عباس في مارية «أعتقها ولدها» (٣). وحديث عمرو بن الحارث: ما ترك النبي - ﷺ - أمة (٤). وأورده ابن بطال من حديث عائشة: ما خلَّف النبي - ﷺ - عبدًا ولا أمة، وقد كان خلَّف مارية، فعلم أنها عتقت بموته ولم تكن أمة، وقد قال - عليه السلام -: «لا نورث ما تركنا صدقة» ولم ينقل أن مارية كانت صدقة، فعلم أنها عتقت بموته ولم تكن مما تركه (٥)، وقد أسلفنا ذلك مبسوطًا. ثالثها: قوله: «ما عليكم أن لا تفعلوا»، احتج به من أباح العزل ومن كرهه. واختلف السلف في ذلك قديمًا، وإباحته أظهر في الحديث، وهو حاصل مذهبنا حرة كانت أو أمة مع الإذن ودونه (٦). وروى مالك عن سعد بن أبي وقاص وأبي أيوب الأنصاري وزيد بن ثابت وابن عباس أنهم كانوا يعزلون (٧)، وروي ذلك أيضًا عن ابن مسعود ---------- (١) انظر: «التمهيد» ٣/ ١٣٦. (٢) انظر انظر: «المبسوط» ٧/ ١٤٩، «بدائع الصنائع» ٤/ ١٣٠. (٣) سلف في شرح الحديث (٢٥٣٣). (٤) سيأتي برقم (٢٧٣٩) كتاب: الوصايا، باب: الوصايا. (٥) «شرح ابن بطال» ٧٠/ ٦٠. (٦) انظر: «طرح التثريب» ٧/ ٦٠. (٧) «الموطأ» برواية يحيى ص ٣٦٧ - ٣٦٨. وجابر (١)، وذكر مالك أيضًا عن ابن عمر أنه كره العزل (٢)، وروي كراهته عن عمر وعثمان (٣)، وقد روي عن علي القولان جميعًا (٤). واحتج من كره العزل بأنه: «الوأد الخفي» كما روته عائشة (عن) (٥) جذامة (م. الأربعة) بنت وهب الأسدية (٦). واتفق أئمة الفتوى على جواز العزل عن الحرة إذا أذنت فيه لزوجها (٧)، واختلفوا في الأمة المزوجة. فقال مالك وأبو حنيفة: الإذن في ذلك لمولاها (٨). وقال أبو يوسف: الإذن في ذلك إليها (٩). وقال الشافعي: يعزل عنها دون إذنها ودون إذن مولاها (١٠). واحتج من أباحه بما روي عن الليث وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن معمر بن أبي حبيبة، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار. قال: تذاكر أصحاب النبي - ﷺ - عند عمر العزل فاختلفوا فيه، فقال عمر: قد اختلفتم وأنتم أهل بدر الأخيار، فكيف بالناس بعدكم؟ فقال علي: لا تكون موءودة حتى تمر بالتارات السبع، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا ------- (١) رواهما عبد الرزاق في «مصنفه» ٧/ ١٤٤. (٢) «الموطأ» براوية يحيى ص ٣٦٨. (٣) رواهما سعيد بن منصور في «سننه» ٢/ ١٠٠ (٢٢٣٠). (٤) رواهما سعيد بن منصور في «سننه» ٢/ ٩٩ (٢٢٢٣)، ٢/ ١٠١ (٢٢٣٧). (٥) في الأصل: (و) وهو خطأ والمثبت من مسلم (١٤٤٢). (٦) رواه مسلم (١٤٤٢/ ١٤١) كتاب: النكاح، باب: جواز الغيلة، وهي وطء المرضع وكراهة العزل. (٧) انظر: «التمهيد» ٣/ ١٤٨. (٨) انظر: «الموطأ» برواية يحيى ص ٣٦٨، «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣١. (٩) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣١. (١٠) انظر: «طرح التثريب» ٧/ ٦٠. الإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [المؤمنون: ١٢] إلى آخر الآية (١). وروى سفيان عن الأعمش، عن أبي الودّاك، عن ابن عباس أنه سئل عن العزل، فذكر مثل كلام علي سواء (٢). قال الطحاوي: فهذا علي وابن عباس قد اجتمعا على ما ذكرنا ووافقهما عمر ومن كان بحضرتهم من الصحابة، فدل على أنه غير مكروه (٣). قال: وقوله: «ما عليكم أن لا تفعلوا» إلى آخر الحديث يدل على أنه غير مكروه؛ لأنه لما أخبروه أنهم يفعلون ذلك لم ينكره عليهم ولا نهاهم عنه. وقال: «ما عليكم أن لا تفعلوا» فإنما هو القدر، فإن الله تعالى إذا قدّر تَكَوّن الولد لم يمنعه عزل ووصل الله من الماء إلى الرحم شيئًا وإنْ قَلّ يكون منه الولد وإن لم يقدر كونه لم يكن بالإفضاء، فأعلمهم أن الإفضاء لا يكون منه ولد إلا بالقدرة وأن العزل لا يمنع الولد إذا سبق في علم الله أنه كائن. وقال ابن مسعود: لو أن النطفة التي أخذ الله ميثاقها كانت في صخرة لنفخ فيها الروح (٤)، وروي أيضًا مرفوعًا (٥). -------- (١) رواه الطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ٦٢٦ - ٦٢٧ (٢٢٢١)، «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣٢. (٢) رواه عبد الرزاق ٧/ ١٤٥ (١٢٥٧٠)، والطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ٦٢٨ (٢٢٢٣)، «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣٢، والبيهقي ٧/ ٢٣٠. (٣) «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣٢ - ٣٣. (٤) رواه سعيد بن منصور في «سننه» ٢/ ٩٨ (٢٢٢١). (٥) رواه أيضًا سعيد بن منصور ٥/ ٦٧ (٩٦٩) في التفسير. رابعها: في قوله: «إلا وهي كائنة» إثبات قدم العلم، فإن العباد يجرون في قدر الله وعلمه والقدر: هو سر الله وعلمه لا يدرك بحجة ولا بجدال وأنه لا يكون في ملكه إلا بما شاء ولا يقوم شيء إلا بإذنه له الخلق والأمر. خامسها: قول أبي هريرة: (مازلت أحب بني تميم) لأنهم: «أشد أمتي على الدجال»، وقد روي عنهم أنهم كانوا يختارون ما يخرجون من الصدقات من أفضل ما عندهم، فأعجب رسول الله - ﷺ - بفراهيتها، فقال هذا المعنى على معنى المبالغة في نصحهم لله ولرسوله في جودة الاختيار للصدقة، وبنو تميم يلقون رسول الله في مدركة بن إلياس (١) بن مضر، وكان لهم شرف في الجاهلية والإسلام منهم: قيس بن عاصم المنقري (خ، د، ت، س) قيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: من قيس بن عاصم أتى يومًا وأنا عنده، قيل له: إن ابن أخيك قتل ابنك. قال: عصى ربه وقطع رحمه وفت عضده، ثم قال: جهزوه وما حل حبوته. سادسها: معنى (وهم غارون): على غرة، بتشديد الراء وضمها. قال ابن فارس: الغرارة كالغفلة. قال الكسائي: من الإنسان الغر يغر غرارة، ومن الغار وهو القائل أغررت. وقال الفارسي: كذا في بعض النسخ، وأنا أظن أن ذلك: وهم غادون بدال مهملة مخففة. قال الداودي على رواية وهم غارون: يعني أنهم خرجوا لقتال المسلمين وكانوا قد خرجوا بالنساء والذراري؛ لئلا يعرفوا، فكان --------- (١) ورد بهامش الأصل: وفي «صحاح الجوهري» أنه تميم بن مُر بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، فعلى هذا يلقونه - ﷺ - في إلياس. والله أعلم. أقل لحدهم وأضعف لقوتهم، فخالفهم المسلمون إلى الأموال، ثم قوتلوا فغلبوا. سابعها: قوله: (وأصاب يومئذ جويرية) يعني: بنت الحارث، أسلفنا أن غزوة بني المصطلق (١) سنة ست وهي على ست مراحل أو سبع من المدينة مما يلي مكة، وجاءت جويرية تستعينه في كتابتها. قالت عائشة: فلما رأيتها كرهت مكانها وعلمت أني ألقى منها ما لقيت، وكانت إملاحة ذات حدقتين، فقال لها النبي - ﷺ -: «هل لك أن أشتريك فأعتقك وأتزوجك». قالت: ذاك إليك. فاشتراها وأعتقها وتزوجها، فبلغ الناس ذلك، فقالوا: أصهار رسول الله - ﷺ - وأطلقوا ما كان بأيديهم من السبي، فما رأيت امرأة أيمن على قومها منها، قاله الداودي. وقال الشيخ أبو محمد: سباها وأعتقها وتزوجها، وكانت الأسرى أكثر من سبعمائة فوهبهم لها ليلة دخل بها. -------- (١) ورد بهامش الأصل: كونها سنة ست كذا قال خليفة، وأما الواقدي فإنه قال: سنة خمس. وقال: ابن قتيبة في «المعارف»: كان يوم بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس. ١٤ - باب فَضْلِ مَنْ أَدَّبَ جَارِيَتَهُ وَعَلَّمَهَا ٢٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ فُضَيْلٍ، عَنْ مُطَرِّفٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَعَالَهَا، فَأَحْسَنَ إِلَيْهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ». [انظر: ٩٧ - مسلم: ١٥٤ - فتح: ٥/ ١٧٣] ذكر فيه حديث أبي موسى السالف في العلم، في باب تعليم الرجل أمته أو أهله مطولًا (١). وفيه: أجر التأديب والتعليم، وأجر التزوج لله تعالى، وأن الله تعالى قد ضاعف له أجره بالنكاح والتعليم وجعله كمثل أجر المعتق. وفيه: الحض على العتق، وعلى نكاح المعتق وعلى التواضع وترك الغلو في أمر الدنيا، وأخذ القصد والبلغة منها، وأن من تواضع لله في منكحه وهو يقدر على نكاح أهل الشرف والحسب والمال، فإن ذلك مما يرجى عليه جزيل الأجر وجسيم الثواب. وقوله: «له أجران» أي: أجر الإحسان وأجر العتق، وروى البزار في «مسنده» عن ابن عمر: لما نزل: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢]، ذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئًا أحب إلى من جارية رومية فأعتقتها، فلو أني أعود في شيء جعلته لله لنكحتها (٢). ---------- (١) سبق برقم (٩٧). (٢) البزار كما في «كشف الأستار» (٢١٩٤)، ورواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، وقال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٣٢٦: فيه من لم أعرفه. فائدة: اسم الجارية ورد مصرحًا به في «الكشف»: مرجانة. وجمع بعض العلماء بينه وبين حديث عمر: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم (١). على من لا يرغب في نكاحها لكون فعله امتثالًا للحديث؛ لأن عادة العرب الرغبة عن تزويج المعتقة. وحمل الحديث الآخر على أن المعتق هو الراغب، فيكون كغيره، فيكره له حينئذ النكاح، ويحتمل أن يفرق بينهما؛ لأن النكاح ليس يراجع في عتقه، وإنما يملك الآن منفعة الوطء. وقد أجاز مالك وأكثر أصحابه الرجوع في المنافع إذا تصدق بها وشراءها والحجة لهم، حديث العرايا، فكيف إن تصدق بالرقبة؟! فإنه يجوز شراء منفعتها، بل هو أولى من الصدقة بالمنفعة، والذي منع من الرجوع في المنافع إذا تصدق بها ابن الماجشون وحده كما حكاه ابن التين. ----------- (١) سبق رقم (١٤٩٠) كتاب: الزكاة، باب: هل يشتري الرجل صدقته. ١٥ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «العَبِيدُ إِخْوَانُكُمْ فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ». وَقَوْلِهِ -عز وجل-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦]. ذِي القُرْبَى: القَرِيبُ، وَالجُنُبُ: الغَرِيبُ، الجَارُ الجُنُبُ يَعْنِي: الصَّاحِبَ فِي السَّفَرِ. ٢٥٤٥ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا وَاصِلٌ الأَحْدَبُ قَالَ: سَمِعْتُ المَعْرُورَ بْنَ سُوَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ رضي الله عنه وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْنَاهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ». [انظر: ٣٠ - مسلم: ١٦٦١ - فتح: ٥/ ١٧٣] ثم ساق حديث أبي ذر السالف في الإيمان، في باب المعاصي من أمر الجاهلية (١)، وساق الآية لقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٦] والتقدير: وصاكم بالوالدين إحسانًا أي: أحسنوا للوالدين إحسانًا وبكل من ذكر عطفه عليهم، وما ذكره في ذي القربى هو كذلك، وما ذكره في الجنب هو قول ابن عباس: والصاحب بالجنب هو المرأة (٢)، قاله علي وابن مسعود وابن أبي ليلى (٣). ----------- (١) برقم (٣٠). (٢) رواه الطبري ٤/ ٨٤ (٩٤٧٤). (٣) قول علي وابن مسعود: رواه عبد بن حميد كما في «الدر المنثور» ٢/ ٢٨٤، والطبري ٤/ ٨٤ (٩٤٧٢)، وابن أبي حاتم/ ٩٤٩ (٥٣٠٢)، وابن المنذر كما في «الدر المنثور» ٢/ ٢٨٤. وقول ابن أبي ليلى رواه الطبري ٤/ ٨٤ (٩٤٧٥). وقال عكرمة والضحاك: هو الرفيق في السفر، وابن السبيل هو الضيف، والمختال ذو الخيلاء، ولما كان من الناس من يتكبر على أقربائه أعلم الرب ﷻ أنه لا يحب من كان كذا. وقوله: (إني ساببتُ رجلًا) قيل: هو بلال. وقوله: («إخوانكم خَوَلُكُمْ») أي: حشمكم وخدمكم، والمراد: أخوة الإسلام والنسب؛ لأن الناس كلهم بنو آدم. وقوله: («تحت يده») أي: ملكه، وإن كان العبد محترفًا فلا وجوب على السيد. وقوله: («فليطعمه مما يأكل وليلبسه مما يلبس») هو أمر ندب. وقيل لمالك: أيأكل من طعام لا يأكل منه عياله ورقيقه، ويلبس ثيابًا لا يكسوهم؟ قال: أراه من ذلك في سعة. قيل له: فحديث أبي ذر؟ قال: كانوا يومئذ ليس لهم هذا القوت (١). وقوله: («ولا تكلفوهم ما يغلبهم»)، هو أمر واجب، وكان عمر بن الخطاب يأتي الحوائط فمن رآه من العبيد كلف ما لا يطيق وضع عنه، ومن أقل رزقه زاده منه. قال مالك: وكذلك كان يفعل فيمن يعمل بالأجر ولا يطيقه، وروي أنه - ﷺ - قال: «أوصيكم بالضعيفين: المرأة والمملوك» (٢)، وأمر - عليه السلام - موالي أبي طيبة أن يخففوا عنه من خراجه (٣)، وقد قررنا أن التسوية في المطعم والملبس استحباب وهو ما عليه العلماء، فلو كان سيده يأكل الفائق ويلبس الغالي، فلا يجب عليه مساواة مملوكه ----------- (١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣٠٦. (٢) رواه الطبراني ١/ ١٠٢ (١٦٨)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/ ١٤٣: وهو مرسل، وإسناده حسن. وقال الألباني في «الإرواء» (١٦٤٠) ٦/ ٧٦: وهذا إسناد ضعيف معضل. (٣) سبق برقم (٢١٠٢) كتاب: البيوع. وما أحسن تعليل مالك رضي الله عنه أنه كان ليس لهم هذا القوت، يشير إلى أن ما ذكرناه لم يكن لأحد من الصحابة الذين خاطبهم بما خاطبهم به بأكل مثلها، إنما كان الغالب من قوتهم التمر والشعير، وقد صح أن سيدنا رسول الله - ﷺ - قال: «للمملوك طعامه وكسوته بالمعروف، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق، فإن زاد على ما فرض عليه من قوته وكسوته بالمعروف كان متفضلًا متطوعًا» (١). وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: لو أن رجلًا عمل لنفسه خبيصًا، فأكله دون خادمه ما كان بذلك بأس (٢)، وكان يرى أنه إذا أطعم خادمه من الخبز الذي يأكل منه فقد أطعمه مما يأكل منه؛ لأن (من) عند العرب للتبعيض، ولو قال: أطعموهم من كل ما تأكلون لعم الخبيص وغيره، وكذا في اللباس. وقوله: («ولا تكلفوهم ما يغلبهم») هو كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ولما لم يكلفنا الله فوق طاقتنا ونحن عبيده وجب أن نمتثل لحكمه وطريقته في عبيدنا. وقوله: («فإن جلفتموهم فأعينوهم»)، فيه جواز تكليف ما فيه مشقة، فإن كانت غالبة وجب العون عليها، وروى هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا: «لا تستخدموا رقيقكم بالليل، فإن النهار لكم والليل لهم» (٣). ----------- (١) رواه مسلم (١٦٦٢) كتاب: الإيمان، باب: إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس ولا يكلفه ما يغلبه. وأحمد ٢/ ٢٤٧. (٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٧/ ٦٤. (٣) ذكره ابن بطال في «شرحه» ٧/ ٦٥. وروى معمر عن أيوب، عن أبي قلابة يرفعه إلى سليمان أن رجلًا أتاه وهو يعجن فقال: أين الخادم؟ قال: أرسلته في حاجة فلم لكن لنجمع عليه ثنتين، أن نرسله ولا نكفيه عمله (١). وفيه: الوصاة من الشارع بما ملكت أيماننا، وهو آخر ما أوصى به عند موته؛ لأن الله تعالى وصى بهم في كتابه، وفيه أنه لا حدّ على من قذف عبدًا ولا عقوبة ولا تعزير، وقد قال بعض العلماء: أرى إذا كان العبد صالحًا أن يعاقب القاذف له والمؤذي. ---------- (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ١٠/ ٣٩٣ (١٩٤٦٤). ١٦ - باب العَبْدِ إِذَا أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَنَصَحَ سَيِّدَهُ (١) ٢٥٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ». [٢٥٥٠ - مسلم: ١٦٦٤ - فتح: ٥/ ١٧٥] ٢٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَيُّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَأَيُّمَا عَبْدٍ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، فَلَهُ أَجْرَانِ». [انظر: ٩٧ - مسلم: ١٥٤ - فتح: ٥/ ١٧٥] ٢٥٤٨ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقُولُ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحِ أَجْرَانِ» وَالَّذِي نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ«. [مسلم: ١٦٦٥ - فتح: ٥/ ١٧٥] ٢٥٤٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:»نِعْمَ مَا لأَحَدِهِمْ، يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ«. [مسلم: ١٦٦٦ - فتح: ٥/ ١٧٥] ذكر فيه أربعة أحاديث: حديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:»العَبْدُ إِذَا نَصَحَ سَيِّدَهُ وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ«. وحديث أبي موسى: قال: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -:»أيّمَا رَجُلٍ كَانَتْ لَهُ ---------- (١) ورد بهامش الأصل تعليقًا على هذِه الكلمة: في نسخة: لسيده. جَارِيَةٌ فَأَدَّبَهَا» الحديث، كما سلف قريبًا، وزيادة: «وأيما عبد أدى حق الله وحق مواليه فله أجران» وسلف في العلم (١). وحديث أبي هريرة: قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لِلْعَبْدِ المَمْلُوكِ الصَّالِحِ (٢) أَجْرَانِ» وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ. وحديثه أيضًا: «نِعْمَ مَا لأَحَدِهِمْ، يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيَنْصَحُ لِسَيِّدِهِ». الشرح: وقع في كتاب ابن بطال عزو حديث أبي هريرة الأول لأبي موسى، وهو غلط، فإنه أسقط حديث أبي موسى وركبه على حديث أبي هريرة (٣). ولما كان للعبد في عبادة ربه أجر كان له في طاعة سيده ونصحه له أجر أيضًا، لكن لا بالتساوي؛ لأن طاعة الرب أوجب من طاعة السيد. وفيه: حض المملوك على نصح سيده؛ لأنه راع في ماله وهو مسئول عما استرعى، فبان أن أثر نصحه طاعة الله وهذا يبين فضل أجره في طاعة ربه على طاعة سيده. وقوله: (والذي نفسي بيده لولا الجهاد .. إلى آخره)، هو من قول أبي هريرة، كما نبه عليه الداودي وغيره (٤)، وفيه دليل أنه لا جهاد على عبد إلا أن يتعين ولا حج؛ لأنه غير مستطيع السبيل، وأما بر الوالدين ---------- (١) برقم (٩٧)، في باب: تعليم الرجل أمته وأهله. (٢) ورد بهامش الأصل تعليقًا على كلمة الصالح: في نسخة: الناصح. (٣) «شرح ابن بطال» ٧/ ٦٥. (٤) ورد بهامش الأصل: ورأيت بخط بعض أصحابي أن الخطيب بينه في كتابه «المدرجات». انظر: «الفصل للوصل المدرج في النقل» ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩. فيلزم العبد منه من خفض الجناح ولين القول والتذلل ما يلزم المسلمين، وأما السعي عليهما بالنفقة والكسوة فلا يلزمه؛ لأن نفقته وكسوته على مولاه وكسبه لمولاه ولا تصرف له في شيء إلا بإذنه. وقوله: («نِعْمَ مَا لأحدهم») أي: نعم العمل، ووقع في نسخة الشيخ أبي الحسن نعمَّ ما بتشديد الميم الأولى (١). قال ابن التين: ولا أعلم له وجهًا، وإنما صوابه نعمَّا لأحدهم بالتشديد، إذا وصلت تدغم مثل: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾. وقوله: («له أجران في العبد والأمة») يعني: بتضعيفهما، قاله ابن التين، ثم قال: وقيل: معناه: له أجره مرتين على كل واحد من هذين الغرضين؛ لأنه زاد لربه إحسانًا ولسيده نصحًا فكان له أجر الواجبين وأجر الزيادة عليهما؛ لأن الدليل قد علم من غير هذا أنه على كل واحد أجر، فحمل على فائدة جديدة. وقال: والظاهر من الأخبار خلاف هذا، وأن الشارع إنما بين ذلك لئلا يظن ظان أنه غير مأجور على العبودية، ويدل على ذلك قوله: «أيما عبد أدى» إلى آخره، والنصح واجب عليه لسيده وليس هو زيادة على الواجب. وقوله: (الأحببت أن أموت وأنا مملوك)، على هذا المعنى امتحان الله أنبياءه وأولياءه، ابتلى يوسف بالرق، ودانيال حين سباه بختنصر في جملة بني إسرائيل، وكذا ما روي أن الخضر وقع في الرق حين سأله سائل بوجه الله فلم يكن عنده ما يعطيه، فقال له: سألتني بوجه الله ولا أملك إلا رقبتي فبعني واستنفق ثمني أو كما قال. --------- (١) وبعد مراجعة النسخة اليونينية ٢/ ١٤٩ وجدتها بتخفيف الميم الأولى، منفصلة (نعم ما) ولم أعثر فيها على من شدد الميم الأولى. والله أعلم. ١٧ - باب كَرَاهِيَةِ التَّطَاوُلِ عَلَى الرَّقِيقِ، وَقَوْلِهِ: عَبْدِي، أَوْ أَمَتِي وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢]، وَقَالَ: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا﴾ [النحل:٧٥]، ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى البَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]، وَقَالَ: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ المُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥]، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ». [انظر: ٣٠٤٣] و: ﴿اذْكُرْنِى عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]: سَيِّدِكَ، «وَمَنْ سَيِّدُكُمْ؟» ٢٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ الله، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا نَصَحَ العَبْدُ سَيِّدَهُ، وَأَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ، كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ». [انظر: ٢٥٤٦ - مسلم: ١٦٦٤ - فتح: ٥/ ١٧٧] ٢٥٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَمْلُوكُ الَّذِى يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّى إِلَى سَيِّدِهِ الذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ، لَهُ أَجْرَانِ». [انظر: ٩٧ - مسلم: ١٥٤ - فتح: ٥/ ١٧٧] ٢٥٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِمْ رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، اسْقِ رَبَّكَ. وَلْيَقُلْ سَيِّدِي مَوْلَايَ. وَلَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: عَبْدي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي». [مسلم: ٢٢٤٩ - فتح: ٥/ ١٧٧] ٢٥٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنَ العَبْدِ، فَكَانَ لَهُ مِنَ المَالِ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ، يُقَوَّمُ عَلَيْهِ قِيمَةَ عَدْلٍ، وَأُعْتِقَ مِنْ مَالِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ». [انظر: ٢٤٩١ - مسلم: ١٥٠١ - فتح: ٥/ ١٧٧] ٢٥٥٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:»كُلُّكُمْ رَاعٍ فَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالأَمِيرُ الذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ وَهْىَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ، وَالعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ«. [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٥/ ١٧٧] ٢٥٥٥، ٢٥٥٦ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ، سَمِعْتُ أَبَا هريرَةَ رضي الله عنه، وَزَيْدَ بْنَ خَالِدٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:»إِذَا زَنَتِ الأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِذَا زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا -فِي الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ- بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ«.. [انظر: ٢١٥٣، ٢١٥٤ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح: ٥/ ١٧٨] ثم ذكر سبعة أحاديث: حديث ابن عمر السالف في الباب قبله:»إِذَا نَصَحَ العَبْدُ سَيِّدَهُ، .. إلى آخره. وحديث أبي موسى السالف فيه أيضًا: «المَمْلُوكُ الذِي يُحْسِنُ عِبَادَةَ رَبِّهِ، وَيُؤَدِّي إِلَى سَيِّدِهِ الذِي لَهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَقِّ وَالنَّصِيحَةِ وَالطَّاعَةِ، لَهُ أَجْرَانِ». وحديث أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ -: «لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ: أَطْعِم رَبَّكَ، وَضِّئْ رَبَّكَ، واسْقِ رَبَّكَ. وَلْيَقُلْ: سَيِّدِي مَوْلَايَ. وَلَا يَقُلْ أَحَدُكمْ: عَبْدِي أَمَتِي. وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَغُلَامِي». وحديث ابن عمر: «مَنْ أَعْتَقَ نَصِيبًا لَهُ مِنَ العَبْدِ، .. إلى آخره». وقد سلف. وحديث نافع عن عبد الله: «كلكم راع ومسئول عن رعيته» بطوله وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد: «إذا زنت الأمة فاجلدوها» وقد سلف. الشرح: التطاول على الرقيق مكروه؛ لأن الكل عبيد الله، وهو لطيف بعباده، رفيق بهم، فينبغي للسادة امتثال ذلك في عبيدهم ومن مَلَّكهم الله إياهم، وواجب عليهم حسن الملك ولين الحديث، كما يجب على العبيد حسن الطاعة والنصح لساداتهم والانقياد لهم وترك مخالفتهم، وقد جاء في الحديث «الله الله وما ملكت أيمانكم، فلو شاء الله لملكهم إياكم» وإنما منع «أطعم ربك» إلى آخره؛ لأن الإنسان مربوب متعبد بإخلاص التوحيد لخالقه، فُكِرَه له المضاهاة بالاسم؛ لئلا يكون في معنى الشرك، والحر والعبد في ذلك سواء، بخلاف ما لا يعبد عليه من سائر الجمادات والحيوان، فيقال: رب الدابة والثوب ولم يمنع العبد أن يقول: سيدي ومولاي؛ لأن مرجع السيادة إلى معنى الرئاسة على من تحت يده والسياسة له وحسن التدبير، ولذلك سمي الزوج سيدًا، قال تعالى: ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى البَابِ﴾ [يوسف: ٢٥]. وقد قيل لمالك: هل كَرِهَ أحد بالمدينة قوله لسيده: يا سيدي؟ قال: لا. واحتج بهذِه الآية وبقوله: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾. قيل له: يقولون: السيد هو الله. فقال أين هو في كتاب الله تعالى؟ وإنما في القرآن ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ﴾ (١) [نوح: ٢٨]، قيل: أتكره أن ندعو يا سيدي؟ قال: ما في القرآن أحب إلى ودعاء الأنبياء. وقال بعض أهل اللغة إنما سمي السيد؛ لأنه ----------- (١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣٠٦. يملك السواد الأعظم (١)، وقد قال - عليه السلام - في الحسن: «إن ابني هذا سيد» (٢)، فأما لفظة: (مولاي) فلها وجوه في التصريف من ولي وناصر وابن عم وحلف، ولكن لا يقال: المولى من غير إضافة إلا لله تعالى، واختلف هل يطلق على الله اسم سيد (٣)؟ ولا يقال: السيد على الإطلاق لمن أجاز أن يسمى به الخالق إلا لله تعالى. فصل: وكره أن يقول عبدي؛ لأن هذا الاسم من باب المضاف، ومقتضاه إثبات العبودية له، وصاحبه الذي هو المالك عبد لله تعالى، متعبد بأمره ونهيه، فإدخال مملوك الله تعالى تحت هذا الاسم يوجب الشرك؛ ويعنى: المضاهاة، فلذلك استحب له أن يقول: فتاي، والمعنى في ذلك كله راجع إلى البراءة من الكبر والتزام الذل، وهو أليق بالعبد المملوك أن لا يقول: فلان عبدي، وإن كان قد ملك قياده في الاستخدام ابتلاء فيه من الله لخلقه، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ [الفرقان: ٢٠]. وقال الداودي: إن قال: عبدي، أو أمتي ولم يرد التكبر فأرجو أن لا إثم عليه. --------- (١) انظر: «التعريفات» للجرجاني ص ١٥٤ باب (السين). (٢) سيأتي برقم (٢٧٠٤) كتاب: الصلح، باب: قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي. (٣) روى أبو داود (٤٨٠٦)، وأحمد ٤/ ٢٤، ٢٥. من حديث مطرف قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله - ﷺ - فقلنا: أنت سيدنا. فقال: «السيد الله تبارك وتعالى». قلنا: وأفضلنا فضلًا، وأعظمنا طولًا. فقال: «قولوا بقولكم أو بعض قولكم ولا يستجرينكم الشيطان». قال الألباني في «صحيح الجامع» (٣٧٠٠): صحيح. اهـ. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |