|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 182الى صـــ 187 (461) ولو لم يكن استكرى به ولكنه استقرض مائة درهم فاستكرى بها بأعيانها دواب يحمل على كل دابة كذا وكذا ثوبا فله أن يبيعها مرابحة على ألف ومائة ، وهذا قول أبي حنيفة - رحمه الله - وإن لم ينص عليه في الكتاب ، وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يبيع الثياب مرابحة على ألف درهم ، ولا يدخل في ذلك حصة الكراء ، وأصل المسألة فيما إذا اكترى دواب للثياب بمائة من مال نفسه ; لأن ما استقرض له خاصة ثم وجه قولهما : أنه متطوع فيما أدى من مال نفسه في الكراء . ولو تطوع إنسان آخر بحمل الثياب على دوابه ; لم يكن للمضارب أن يلحق ذلك برأس المال ، فكذلك إذا تطوع المضارب به وأبو حنيفة - رحمه الله - يقول : المضارب في حمل الثياب كالمالك ; لأنه محتاج إلى ذلك لتحصيل حصة الربح ، والمالك لو استكرى دواب للثياب المشتراة بماله كان له أن يلحق ذلك برأس المال في بيع المرابحة ، فكذلك للمضارب أن يلحق الكراء برأس المال ، فيبيعها مرابحة على ألف ومائة ، فإن باعها بألفين كانت عشرة أسهم من أحد عشر سهما . من ذلك حصة المضاربة على شرطهما ، وسهم واحد للمضارب خاصة ، وإن باعها مساومة كان الثمن كله مضاربة ; لأن الثمن بمقابلة الثياب هنا ، والثياب كلها مال المضاربة ، وضمان الكراء في مال المضاربة خاصة ; لأنه هو المستقرض فعليه ضمان ما استقرضه ، فإن قال المضارب لرب المال : إنما استكريت الدواب لك : تحمل ثيابك ، وقال رب المال : إنما استكريت بمالك لنفسك ، ثم حملت ثيابي عليها ، فالقول قول رب المال ; لأنه استكرى بالمائة التي استقرض بعينها ، وملك المائة للمضارب ، فإضافته العقد إلى مال نفسه دليل على أنه استكراها لنفسه . ولو لم يأمره أن يعمل في المضاربة برأيه فاشترى بها كلها ثيابا تساوي ألف درهم ، ثم اشترى من عنده عصفرا بمائة درهم فصبغها ، فهو ضامن للثياب ; لأن ما اشترى من الصبغ له ، وقد خلط مال المضاربة به حين صبغ الثياب ، والمضارب بمطلق العقد لا يملك الخلط ، فيصير به غاصبا ضامنا ، وصاحب المال بالخيار إن شاء أخذ ثيابه ، وأعطاه ما زاد العصفر في ثيابه ، وإن شاء ضمنه ثيابه غير مصبوغة ألف درهم ، فأخذها منه فكانت الثياب للمضارب بمنزلة ما لو غصب ثوبا فصبغه ، فإن [ ص: 183 ] لم يختر شيئا من ذلك حتى باع المضارب المتاع بألفي درهم جاز بيعه ; لأن عقد المضاربة باق بينهما ببقاء المال ، وإن صار مخالفا ونفوذ بيع المضارب باعتبار الوكالة ، ووجوب الضمان عليه لا ينفي جواز بيعه بحكم الوكالة ، فيقسم الثمن على قيمة الثياب ، وما زاد الصبغ فيها ، فما أصاب زيادة الصبغ فهو للمضارب ; لأنه بدل ملكه ، وما أصاب الثياب فهو بينهما على شرطهما ; لأنه بدل مال المضاربة فإن هلك الثمن من المضارب بعد ما قبضه فلا ضمان عليه فيه ; لأنه ببيع الثياب خرج من أن يكون مخالفا ، والاختلاط الذي في الثمن حكمي ، وبه لا يكون المضارب مخالفا ضامنا ، فإن كانت الثياب حين اشتراها المضارب تساوي ألفي درهم فصبغها بعصفر من عنده ، فإن شاء رب المال ضمنه ثلاثة أرباع قيمة الثياب ، وسلم الثياب للمضارب ، وإن شاء أخذ ثلاثة أرباع الثياب ، وأعطى المضارب ما زاد الصبغ في ثلاثة أرباعها ; لأنه في مقدار الربع عامل لنفسه بالصبغ ، فإن مقدار حصته من الربح مملوك له في الثياب ، وفي ثلاثة أرباعها هو مخالف لعمله في مال رب المال بالخلط من غير أمره ، فتكون ثلاثة أرباع الثياب في هذا الفصل نظير جميع الثياب في الفصل الأول في حكم الضمان والخيار ، فإن لم يختر شيئا حتى باعها المضارب جاز بيعه لبقاء عقد المضاربة بينهما بعد الصبغ ، وكان للمضارب حصة الصبغ من الثمن ، والباقي مضاربة بينهما على شرطهما . ولو أن المضارب لم يصبغ الثياب ، ولكن قصرها بمائة درهم من عنده ، وذلك يزيد فيها أو ينقص منها فلا ضمان عليه في ذلك إن زادت أو نقصت ; لأنه لم يخلط بها شيئا من ماله ، وهو إنما يصير ضامنا بالخلط لا بعمل القصارة . ( ألا ترى ) أنه لو كان في يده فضل من مال المضاربة كان له أن يقصر الثياب به ، ولا يكون مضمونا عليه إن زادت ، أو نقصت فكذلك إذا قصرها بمال نفسه ، بخلاف الصبغ فإنه عين قائم في الثوب ، فيصير بخلط مال المضاربة بماله ضامنا هناك ، فإن باعها بربح ، أو وضيعة فهو على المضاربة ; لأنه متبرع فيما غرم من مال نفسه في قصارتها ، قيل : هذا على قولهما ، فأما عند أبي حنيفة فينبغي أن يكون الجواب في هذا كالجواب في مسألة الكراء ; لأن مؤنة القصارة جرى الرسم بإلحاقها برأس المال بمنزلة الكراء . وكذلك لو اشترى بها ثيابا تساوي ألفا فصبغها أسود فهذا والقصارة سواء ; لأن السواد نقصان وليس بزيادة ، ولا ضمان على المضارب في ذلك ; لأنه لم يخلط مالا من عنده بالمضاربة . ( ألا ترى ) أنه لا قيمة للسواد في الثياب ، ولا يضمن النقصان الذي دخل في الثياب ; لأنه بمطلق عقد المضاربة يملك أن يصبغ الثياب بالسواد . ( ألا ترى ) أنه لو كان [ ص: 184 ] فضل في يده من مال المضاربة فصبغ الثياب بها سوادا لم يضمن ، وقيل : هذا قول أبي حنيفة - رحمه الله - فأما على قولهما فالسواد كالصفرة والحمرة ، وقد بينا ذلك في كتاب الغصب . والأصح أن هذا في ثياب ينقص السواد من قيمتها ، فأما في ثياب يزيد السواد في قيمتها فهو بمنزلة ما لو صبغها أصفر أو أحمر ولو كان أمره أن يعمل في المضاربة برأيه فاشترى بها ثيابا ثم صبغها بعصفر من عنده ، فهو شريك في الثياب بما زاد العصفر فيها ; لأنه يملك الخلط عند تفويض الأمر في المضاربة إلى رأيه على العموم ، فلا ضمان عليه في ذلك ، وأصل الثياب على المضاربة ، والصبغ فيه ملك للمضارب خاصة . وإذا دفع إلى رجل ألف درهم مضاربة بالثلث ، وأمره أن يستدين على المال ، فاشترى بها وبثلاثة آلاف درهم جارية تساوي خمسة آلاف درهم ، فقبضها وباعها بخمسة آلاف درهم ، وقبض الدراهم فهلكت المضاربة الأولى ، والجارية وثمنها في يد المضارب : فعلى المضارب تسعة آلاف : أربعة آلاف لبائع الجارية ; لأنه قبضها وهلكت في يده ، وخمسة آلاف لمشتري الجارية ; لأن بهلاكها قبل التسليم انفسخ البيع فيها فعليه رد المقبوض من الثمن ، ثم يرجع على رب المال بخمسة آلاف وخمسمائة وواحد وأربعين درهما وثلثي درهم ، وعلى المضارب في ماله بثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانية وخمسين وثلث ; لأنه حين اشتراها اشتراها بأربعة آلاف : فألف منها مال المضاربة ، وثلاثة آلاف كانت دينا عليهما نصفين : نصف ذلك على المضارب وهو ألف وخمسمائة ، ثم باع الجارية بخمسة آلاف درهم ، فيكون هو في قبض الثمن عاملا لنفسه في مقدار ألف وخمسمائة ، وحصتها من الربح . وذلك في الحاصل ثلاثة أثمان : خمسة آلاف ، مقداره ألف وثمانمائة وخمسة وسبعون ، وخمسة أثمان هذه : الخمسة الآلاف كانت على المضاربة ، مقدار ذلك ثلاثة آلاف ومائة وخمسة وعشرون ، حصة ألف المضاربة من ذلك ألف ومائتان وخمسون ، فتبين أن الربح في مال المضاربة مائتان وخمسون ، وللمضارب ثبت ذلك ، وثلثه ثلاثة وثمانون وثلث ، فإذا ضممت ذلك إلى ألف وثمانمائة وخمسة وسبعين يكون جملة ذلك ألفا وتسعمائة وثمانية وخمسين وثلثا ، فإذا ضممت إليه أيضا ألفا وخمسمائة يكون ذلك ثلاثة آلاف وأربعمائة وثمانية وخمسين وثلثا ، هذا حاصل ما على المضارب ، وما زاد على ذلك إلى تمام تسعة آلاف كله على رب المال ، وذلك خمسة آلاف وخمسمائة وواحد وأربعون وثلثا درهم ، وإذا جمعت حاصل ما وجب عليه متفرقا بلغ هذا المقدار ، فإن هلكت الألف المضاربة أولا ، ثم هلكت الجارية ، والخمسة آلاف بعد ذلك معا ، والمسألة على حالها يؤدي تسعة آلاف درهم كما بينا ، ويرجع على رب المال بخمسة آلاف وستمائة وخمسة [ ص: 185 ] وعشرين درهما ; لأن الألف الأولى حين هلكت فقد لحق رب المال في المضاربة ألف درهم : دين ، وصارت المضاربة لا ربح فيها ، فلم يبق على المضارب إلا حصته من الدين وربحها ، فأما حصة المضارب من الربح وذلك : ثلاثة وثمانون وثلث كما بيناه في المسألة الأولى فيتحول غرم ذلك إلى رب المال مع ما عليه من خمسة آلاف وخمسمائة وواحد وأربعين وثلثين ، فيكون جميع ما عليه خمسة آلاف وستمائة وخمسة وعشرين درهما . والله أعلم . ( قال - رحمه الله - ) : وإذا أقر رب المال للمضارب بسدس الربح ، وقال المضارب : لي نصف الربح ، وأقام شاهدين فشهد أحدهما أنه شرط له ثلث الربح ، وشهد الآخر أنه شرط له نصف الربح : فالشهادة باطلة في قياس قول أبي حنيفة ; لأنه يشترط الموافقة بين الشهادتين لفظا ، ولم يوجد ، والثلث غير النصف ، وإذا بطلت الشهادة كان للمضارب ما أقر به رب المال وهو السدس ، وفي قول أبي يوسف ومحمد الشهادة جائزة على ثلث الربح للمضارب ; لأنهما يعتبران الموافقة بين الشهادتين معنى ، وقد اتفقا على مقدار الثلث ، فالشاهد بالنصف شاهد بالثلث وزيادة فيقضي القاضي له بثلث الربح ، ويبطل ما زاد على ذلك إلى تمام النصف ; لأن الشاهد به واحد . ولو كان ادعى المضارب نصف الربح فشهد له شاهد على نصف الربح ، وشهد له شاهد آخر أن رب المال شرط له ثلثي الربح فالشهادة باطلة عند أبي حنيفة وعندهما ; لأن المضارب يكذب أحد شاهديه ، وهو الذي شهد له بأكثر مما ادعاه ، بخلاف الأول فهناك المضارب يدعي الأكثر ، فلا يكون مكذبا أحد شاهديه . ولو قال رب المال : دفعته إليك بضاعة ، وادعى المضارب أنه شرط له مائتي درهم من الربح ، فالقول قول رب المال مع يمينه ; لأن المضارب يدعي عليه أجر المثل في ذمته ، ورب المال ينكر ذلك فالقول قوله مع يمينه ، وإن أقام المضارب شاهدين فشهد أحدهما أنه شرط له مائتي درهم ، وشهد الآخر أنه شرط له مائة درهم ، ففي قول أبي حنيفة الربح كله لرب المال ، ولا شيء للمضارب على رب المال من أجر ولا غيره ; لأن الشاهدين اختلفا في المشهود به لفظا ; فتبطل الشهادة أصلا ، وعندهما له أجر مثله فيما عمل ; لأنهما اتفقا على شرط المائة معنى ; فيوجب قبول شهادتهما على ذلك فكان للمضارب أجر مثله لفساد عقد المضاربة . ولو ادعى المضارب أنه شرط مائتين وخمسين ، وشهد له شاهد بها ، وشاهد بمائة فله أجر مثله عندهم [ ص: 186 ] جميعا لاتفاق الشاهدين على المائة لفظا ومعنى ، وإن كان المضارب يدعي المائة لم تقبل الشهادة ; لأنه مكذب أحد شاهديه فيما يشهد به من الزيادة على المائة . ولو دفع إلى رجلين ألف درهم مضاربة فعملا بها وربحا ربحا ، فادعى أحدهما أنه شرط لهما نصف الربح ، وادعى الآخر أنه شرط لهما الثلث ، وادعى رب المال أنه شرط لهما مائة درهم من الربح ، فالقول قول رب المال ; لأن المضارب يستحق الربح على رب المال بالشرط ، فهما يدعيان عليه استحقاق جزء من الربح ، ورب المال ينكر ذلك ، فالقول قوله مع يمينه ، فإن أقاما شاهدين فشهد أحدهما بنصف الربح ، والآخر بثلث الربح ، ففي قياس قول أبي حنيفة لا تقبل هذه الشهادة ; لاختلاف الشاهدين في المشهود به لفظا ، يكون للمضاربين أجر مثلهما فيما عملا ; لأن رب المال أقر لهما بذلك فيأخذان ذلك منه من الوجه الذي يدعيانه ، وعندهما الشهادة جائزة للمضارب الذي ادعى نصف الربح ، ويكون له من الربح سدسه ; لأنه مدع للأكثر ، فلا يكون مكذبا أحد شاهديه ، ولكن الشهادة تقبل له في مقدار ما اتفق الشاهدان عليه معنى ، وهو سدس الربح ، وللآخر أجر مثله ; لأنه صار مكذبا أحد شاهديه ، وهو الذي شهد له بأكثر مما ادعاه . فإذا بطلت شهادتهما له ; كان له أجر مثله كما أقر به رب المال ومن كتاب المضاربة الصغيرة قال : وإذا اشترى المضارب بالمال وهو ألف درهم خادما ، ثم هلكت الألف فيرجع بمثلها على رب المال ونقدها ثم باع الخادم بثلاثة آلاف درهم فاشترى بها متاعا فهلكت قبل أن ينقدها فإنه يرجع على رب المال بألفين وخمسمائة ويؤدي من عنده خمسمائة ; لأنه حين رجع بمثل الألف التي هلكت على رب المال فقد لحق رب المال في المضاربة دين ألف درهم وصار رأس ماله ألفين فلما باع الغلام بثلاثة آلاف فألفان من ذلك مشغولان برأس المال وألف ربح بينهما نصفان فحين اشترى بها متاعا كان هو في الشراء بحصته من الربح عاملا لنفسه وذلك خمسمائة فيغرم ذلك من ماله ، وفي مقدار رأس المال ، وحصة رب المال من الربح عامل له فيرجع عليه بذلك ، وهو ألفان وخمسمائة ، فإن باع المتاع بعد ذلك بعشرة آلاف كان للمضارب سدس الثمن ; لأن سدس المتاع كان مملوكا ، فقد نقد ثمنه من مال نفسه فيكون سدس الثمن له من غير المضاربة ، وخمسة أسداس الثمن على المضاربة يستوفي منها رب المال ما غرم في المرات ، وذلك أربعة آلاف وخمسمائة ، والباقي ربح بينهما . وقال أبو يوسف : إذا عمل الوصي بمال اليتيم فوضع أو ربح ، فقال عملت به مضاربة فهو مصدق في حال الوضيعة ; لأنه ليس مسلطا على التصرف فيما في يده من مال اليتيم ، وهو [ ص: 187 ] بمقابلته ينكر وجوب الضمان عليه ، فالقول قوله في ذلك ، ولا يصدق في حال الربح حتى يشهد قبل العمل أنه يعمل به مضاربة ; لأن الربح نماء المال فيكون مملوكا لليتيم بملك المال ، والوصي يدعي استحقاق بعض الربح لنفسه ، والقول قول الأمين في براءته عن الضمان لا في استحقاق الأمانة لنفسه ، إلا أن يشهد قبل العمل فحينئذ يكون هذا إقرارا بما منه يملك استئنافه على ما بينا : أن للوصي أن يأخذ مال اليتيم مضاربة فيعمل به . ولو قال استقرضته لم يصدق وإن كان فيه ربح حتى يشهد قبل العمل ; لأن ما حصل من الربح مستحق لليتيم بملكه أصل المال في الظاهر ، فالوصي يدعي استحقاق ذلك لنفسه فلا يقبل قوله في ذلك ، وإن أشهد قبل العمل فقد علمنا أنه في التصرف عامل لنفسه ، ضامن لمال الصبي ; لأنه ليس له أن يستقرض مال اليتيم لنفسه ، ولكن الفاسد من القرض معتبر بالصحيح ، فيكون الربح الحاصل بعمل له ، وإن كانت فيه وضيعة فهو ضامن لها وإن لم يشهد قبل العمل ; لأنه في قوله استقرضه أقر لليتيم على نفسه بالضمان وفي مقدار الوضيعة وإقراره على نفسه حجة . وكذلك لو دفعه إلى رجل فعمل به ثم قال : دفعته قرضا ليعمل به ، وصدقه ذلك الرجل فهو يقر له باستحقاق الربح ، وإقراره في مال اليتيم ليس بحجة ، وإن قال : مضاربة لليتيم ، أو بضاعة له وصدقه الرجل وفيه وضيعة فلا ضمان عليهما ; لأن في تصادقهما انتفاء الضمان عن العامل ، لا إثبات الاستحقاق له في شيء من مال اليتيم وللوصي هذه الولاية فإنه يودع مال اليتيم ويبضعه ، وإن كان فيه ربح فهو لليتيم كله ، إلا أن يشهد على ما صنع من ذلك قبل أن يعمل به ; لأن الصبي صار مستحقا لجميع الربح بملكه أصل المال ، فإقرار الوصي بجزء منه للعامل يكون إقرارا في مال اليتيم لغيره ، وذلك غير مقبول عن الوصي ، وكل هذا يسعه فيما بينه وبين الذي يعمل على ما قال : إن كان صادقا ; لأن الله تعالى مطلع على ضميرهما ، عالم بما كان منهما ، إلا أن القاضي لا يقبل قوله إلا ببينة ; لأن القاضي مأمور باتباع الظاهر ، وأصله في الوصي إذا عرف وجوب الدين على الميت فإنه يسعه فيما بينه وبين ربه أن يقضي دينه من التركة ، ولكن إن علم به القاضي ضمنه إذا لم يكن لصاحب الدين بينة على حقه فهذا قياسه ، والله أعلم بالصواب . انتهى المجلد (22) ![]()
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 92الى صـــ 101 (471) فإن الأصل في العقود الصحة ، وحاجة المزارع إلى دفع استحقاق رب الأرض ، والظاهر يكفي لذلك ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المزارع أيضا ; لأنه يثبت ببينته اشتراط نصف الخارج ، ورب الأرض ليس يثبت ببينته ما شهد به الشهود ; لأنهم شهدوا باشتراط عشرين قفيزا ، وذلك لا يستحق بالشرط بل يفسد به العقد ، فيجب أجر المثل ، فتترجح بينة من تثبت بينته صحة العقد وصحة الشرط ، ولو لم يزرع حتى اختلفا كان القول قول رب الأرض ، وإن ادعى أنه دفعها بأقفزة معلومة ; لأن المزارع يدعي عليه استحقاق منفعة الأرض ووجوب تسليمها إليه ، ورب الأرض منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه وإن ادعى رب الأرض أنه دفنها فالقول قول المزارع أنه أخذها بعشرين قفيزا مع يمينه على ما ادعى رب الأرض ; لأن رب الأرض يدعي استحقاق بعض الخارج عليه ، والمزارع منكر لذلك وقيل لا معنى ليمين المزارع هنا ; لأنه متمكن من فسخ العقد قبل إلقاء البذر في الأرض ، وقد ادعى ما يفسد العقد ، فكان ذلك بمنزلة الفسخ منه ثم اليمين إنما تنبني على دعوى ملزمة ، ودعوى رب الأرض لا تلزمه شيئا قبل الزراعة ، فلا معنى لاستحلافه ، فإن كان البذر من صاحب الأرض فلما أدرك الزرع قال العامل : شرطت لي النصف ، وقال رب الأرض : شرطت لك عشرين قفيزا من الخارج ، فالقول قول رب الأرض ، والبينة بينة العامل ; لأن العامل يدعي استحقاق جزء من الخارج على رب الأرض بالشرط ، ورب الأرض منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، والبينة بينة العامل ; لأنها تثبت الاستحقاق له ، وإن لم تخرج الأرض شيئا ، فقال العامل : [ ص: 93 ] شرطت لي عشرين ; قفيزا ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف ، فالقول قول رب الأرض ; لأن العامل يدعي أجر العمل دينا في ذمته ، وهو منكر لذلك ، والبينة بينة رب الأرض أيضا ; لأنه يثبت ببينته صحة العقد ، ويشهد شهوده باشتراط ما يثبت بالشرط في المزارعة ، والآخر إنما يشهد شهوده باشتراط ما لا يثبت بالشرط في المزارعة ، فكان الإثبات في بينة رب الأرض أظهر ، ولو لم يزرع حتى اختلفا ، فالقول قول الذي يدعي الفساد منهما مع يمينه ; لأنه ينكر وجوب تسليم شيء عليه ، ولو أقاما البينة فالبينة بينة الذي يدعي المزارعة بالنصف أيهما كان ; لأنه يثبت ببينته صحة العقد ، وكونه سببا للاستحقاق ، فتترجح بينته بذلك ، ولو أخرج زرعا كثيرا ، فقال لصاحب الأرض والبذر : شرطت لك النصف وزيادة عشرة أقفزة ، وقال العامل : شرطت لي النصف فالقول قول العامل ; لأنهما اتفقا على اشتراط النصف ثم ادعى رب الأرض زيادة على ذلك ، والعامل منكر لتلك الزيادة ، ثم رب الأرض متعنت في كلامه ; لأنه يقر له بزيادة ليبطل به أصل استحقاقه ، لا ليثبت حقه فيما أقر له به ، وقول المتعنت غير مقبول ، وإن أقاما جميعا البينة فالبينة بينة رب الأرض ; لأنه يثبت ببينته زيادة الشرط ; ولأنه يثبت ببينته فساد العقد بعد ما ظهر باتفاقهما ما هو شرط الصحة ، وهو اشتراط نصف الخارج فالزيادة هاهنا في بينته ، ولو ادعى رب الأرض أنه اشترط له نصف ما تخرج الأرض إلا خمسة أقفزة ، وقال العامل : لم يستثن شيئا فالقول قول رب الأرض ; لأن الكلام المقيد بالاستثناء يكون عبارة عما وراء المستثنى ، فالمزارع يدعي عليه استحقاق نصف كامل بالشرط ، ورب الأرض ينكر الشرط في بعض ذلك النصف معنى ، فالقول قوله ; لإنكاره ، والبينة بينة المزارع ; لأنه يثبت صحة المزارعة ، والفضل فيما يدعيه لنفسه إن لم تخرج الأرض شيئا ، وقال المزارع : شرطت لي النصف وزيادة عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف فالقول قول رب الأرض ; لاتفاقهما على اشتراط النصف ، وتفرد المزارع بدعوى الزيادة لا ليستحقها ، بل ليبطل العقد بها ، والبينة بينة المزارع ; لأنه يثبت زيادة شرط ببينته ، ويثبت لنفسه أجر المثل دينا في ذمة رب الأرض ، ولو قال المزارع : شرطت لي النصف إلا عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف ، ولم تخرج الأرض شيئا فالقول قول رب الأرض ; لأن المزارع يدعي الأجر دينا في ذمة رب الأرض ، ورب الأرض منكر لذلك ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة رب الأرض أيضا ; لأنه يثبت ببينته شرط صحة العقد ، وإن اختلفا قبل العمل فقال المزارع : شرطت لي [ ص: 94 ] النصف وزيادة عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف فالقول قول رب الأرض في قياس قول أبي حنيفة - رحمه الله - على قول من يرى جواز المزارعة ، وفي قول أبي يوسف ومحمد : القول قول المزارع ، وهذا ; لأن رب الأرض يدعي صحة العقد ، ومن أصل أبي حنيفة أن القول قول من يدعي الصحة . بيانه فيما تقدم في السلم إذا ادعى أحد المتعاقدين الأجل في السلم ، وأنكره الآخر أن عند أبي حنيفة القول قول من يدعي الأجل أيهما كان ; لأنه يدعي صحة العقد ، وعندهما القول قول رب السلم ; لأن المسلم إليه إذا كان يدعي الأجل ، ورب السلم منكر لدعواه فالقول قوله ، وإن كان في إنكاره إفساد العقد ، وإن كان المسلم إليه منكرا للأجل فهو متعنت في هذا الإنكار ; لأن رب السلم يقر له بالأجل ، وهو ينكر ذلك تعنتا ليفسد به العقد فهنا كذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - يجعل القول قول رب الأرض ; لأنه يدعي صحة العقد ، وعندهما يجعل القول قول المزارع ; لأن كلامهما خرج مخرج الدعوى والإنكار ، فرب الأرض يدعي على المزارع استحقاق تسليم النفس لإقامة العمل ، وهو منكر فالقول قوله مع يمينه ، وإن كان في إنكاره إفساد العقد ، وإن أقاما البينة فالبينة بينة المزارع في قولهم جميعا ; لأنه يثبت السبب المفسد بعد تصادقهما على ما هو شرط الصحة ، ولا يثبت الفضل فيما شرط له ولو قال المزارع : شرطت لي النصف إلا عشرة أقفزة ، وقال رب الأرض : شرطت لك النصف فالقول قول رب الأرض عندهم جميعا أما عند أبي حنيفة - رحمه الله - ; فلأنه يدعي الصحة ، وأما عندهما ; فلأن المزارع متعنت ; لأن رب الأرض يقر له بزيادة فيما شرط له ، والمزارع يكذبه فيما أقر له به ، ليفسد به العقد ، فكان متعنتا ، فإن أقاما البينة فالبينة بينة رب الأرض ; لأنه يثبت شرط صحة العقد ، واستحقاق العمل على المزارع ببينته ، ولو قال المزارع قبل العمل : شرطت لي النصف وقال رب الأرض شرطت لك النصف وزيادة عشرة أقفزة فالقول قول المزارع ; لأنهما اتفقا على شرط صحة العقد ، وهو اشتراط النصف ثم رب الأرض يدعي شرط الزيادة على ذلك ; ليفسد به العقد ، والمزارع منكر لذلك فالقول قوله مع يمينه ، والبينة بينة رب الأرض ; لإثباته الشرط المفسد مع تصادقهما على ما هو شرط صحة العقد ، ولو قال رب الأرض : شرطت لك النصف إلا عشرة أقفزة ، وقال المزارع : شرطت لي النصف فالقول قول رب الأرض ; لأن المزارع يدعي زيادة أقفزة فيما شرط ، ورب الأرض منكر ; لما قلنا : إن الكلام المصدر بالاستثناء يصير عبارة عما وراء المستثنى ، والبينة بينة المزارع ; لأنه يثبت الفضل [ ص: 95 ] في المشروط له ببينته ، ولو كان البذر من قبل العامل كان حاله في جميع هذه الوجوه بمنزلة حال رب الأرض حتى كان البذر من قبله للمعنى الذي أشرنا إليه وإذا دفع الرجل إلى رجلين أرضا وبذرا على أن يزرعاها سنتهما هذه ، فما أخرج الله - تعالى - من ذلك فلأحدهما بعينه الثلث منه ولرب الأرض الثلثان ، وللآخر على رب الأرض أجر مائة درهم فهو جائز على ما اشترطوا ; لأنه استأجر أحدهما ببدل معلوم لعمل مدة معلومة واستأجر الآخر بجزء من الخارج مدة معلومة ، وكل واحد من هذين العقدين جائز عند الانفراد ، فكذا عند الجمع بينهما ، فإن أخرجت الأرض زرعا كثيرا فاختلف العاملان ، فقال كل واحد منهما : أنا صاحب الثلث فالقول قول رب الأرض في ذلك ; لأن كل واحد منهما يدعي استحقاق الثلث عليه بالشرط فإذا صدق أحدهما فقد أقر له بالثلث وأنكر استحقاق الآخر فالقول قوله ، ثم لما كان كل واحد منهما يستحق عليه كان القول قوله في بيان ما يستحقه كل واحد منهما عليه من الأجر أو ثلث الخارج ، وإن أقام كل واحد منهما البينة أنه صاحب الثلث أخذ الذي أقر له رب الأرض الثلث بإقراره وأخذ الآخر الثلث ببينته ; لأنه أثبت ما ادعاه بالبينة ، ولا شيء له من الأجر ; لأن من ضرورة استحقاقه ثلث الخارج ابتغاء الأجر الذي به أقر له رب الأرض ، ولو لم تخرج الأرض شيئا ، فقال كل واحد منهما : أنا صاحب الأجر فالقول قول رب الأرض لما قلنا ، وإن أقاما البينة فلكل واحد منهما على رب الأرض مائة درهم لأحدهما بإقرار رب الأرض له ، وللآخر بإثباته بالبينة ، ولا يلتفت إلى بينة رب الأرض في هذا الوجه ، ولا في الوجه الأول مع بينتهما ; لأنهما المدعيان للحق قبله والبينة على المدعي دون المنكر ، ولو كان دفع الأرض إليهما على أن يزرعاها ببذرهما على أن ما خرج منه فلأحدهما بعينه نصفه ، ولرب الأرض عليه أجر مائة درهم ، وللآخر ثلث الزرع ، ولرب الأرض سدس الزرع فهذا جائز ; لأنه أجر الأرض منهما نصفها من أحدهما بمائة درهم ، ونصفها من الآخر بثلث ما يخرجه ذلك النصف ، وكل واحد من هذين العقدين صحيح عند الانفراد ، وقد بينا أن باختلاف البدل لا تتفرق الصفقة في حق صاحب الأرض ، فإن زرعها ، فلم تخرج الأرض شيئا ، فقال كل واحد منهما لرب الأرض : أنا شرطت لك سدس الزرع فالقول قول كل واحد منهما فيما زعم أنه شرط له ; لأن رب الأرض يصدق أحدهما في ذلك ، ويدعي على الآخر وجوب الأجر دينا في ذمته ، وهذا منكر لذلك فالقول قوله ; لإنكاره مع يمينه ، وإن أقاما البينة أخذ ببينة رب الأرض [ ص: 96 ] لأنه يثبت للآخر ببينته دينا في ذمته ، ولو أخرجت زرعا كثيرا ، فادعى كل واحد منهما أنه هو الذي شرط له الأجر ، وادعى صاحب الأرض على أحدهما الأجر ، وعلى الآخر سدس الزرع ، فإنه يأخذ الأجر من الذي ادعاه عليه لتصادقهما على ذلك ، وفي حق رب الأرض يدعي عليه استحقاق بعض الخارج ، وهو منكر فالقول قوله ، ويقال لرب الأرض : أقم البينة على السدس الذي ادعيته عليه ، وإن أقام البينة أخذ ببينة رب الأرض ; لأنه هو المدعي المثبت لحقه ببينته ولو دفع رجل إلى رجل أرضا على أن يزرعها ببذره وعمله ، فما خرج منه فثلثاه للعامل ، والثلث لأحد صاحبي الأرض بعينه ، وللآخر مائة درهم أجر نصيبه فهو جائز ; لأنه استأجر من أحدهما نصيبه بأجر مسمى ، واستأجر من الآخر نصيبه بثلث ما يخرجه نصيبه ، وكل واحد منهما مستقيم ، فإن أخرجت زرعا كثيرا ، فادعى كل واحد من صاحبي الأرض أنه صاحب الثلث فالقول قول الزارع ; لأن كل واحد منهما يدعي استحقاق الخارج عليه ، وإن أقام كل واحد من صاحبي الأرض البينة كان لكل واحد منهما ثلث الخارج ; لأنه أقر لأحدهما بثلث الخارج ، والآخر أثبت ببينته استحقاق ثلث الخارج ، ولا يلتفت إلى بينة المزارع مع بينتهما ; لأنهما المدعيان ، والبينة في جانب المدعي دون المنكر وإذا دفع الرجل إلى رجلين أرضا وبذرا على أن لأحدهما بعينه ثلث الخارج وللآخر عشرين قفيزا من الخارج ، ولرب الأرض ما بقي ، فزرعاها ، فأخرجت الأرض زرعا كثيرا فالثلث للذي سمي له الثلث ، والثلثان لصاحب الأرض ، وللآخر أجر مثله : أخرجت الأرض شيئا ، أو لم تخرج ; لأن عقد المزارعة بينه وبين الذي شرط له الثلث صحيح ، وبينه وبين الآخر فاسد ; لأنه شرط له شرطا يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج مع حصوله ، والمزارعة بمثل هذا الشرط تفسد ، ولكن عقده مع أحدهما معطوف على العقد مع الآخر بحرف العطف ، وليس بمشروط فيه ، ففساد العقد بينه وبين أحدهما لا يفسد العقد بينه وبين الآخر ، فإن اختلفا في الذي شرط له الثلث منهما فالقول قول رب الأرض ; لأن كل واحد منهما يدعي الاستحقاق عليه بالشرط ، وإن أقاما البينة كان لكل واحد منهما ثلث الخارج لأحدهما بإقرار رب الأرض له به ، وللآخر بإثباته بالبينة ، ولو لم تخرج الأرض شيئا كان القول قول رب الأرض في الذي له أجر مثله منهما ، فإن أقام كل واحد منهما البينة على ما ادعى فالبينة بينة رب الأرض ; لأن رب الأرض صدق أحدهما فيما ادعى عليه من أجر المثل ، وإنما بقيت الدعوى بينه وبين الآخر ، ورب الأرض ببينة تثبت شرط [ ص: 97 ] صحة العقد بينه وبين الآخر والآخر ينفي ذلك ببينته ، وقد بينا أن البينة التي تثبت شرط صحة العقد تترجح بخلاف ما سبق ، فهناك كل واحد من العقدين صحيح ، فلا يكون رب الأرض ببينته مثبتا شرط صحة العقد ، ولو كان صاحب الأرض اثنين على مثل هذا الشرط دفعاه إلى واحد ، والبذر من قبل المزارع كان في جميع هذه الوجوه مثل ما بينا من حكم صاحب الأرض حين كان البذر من قبله ; لاستوائهما في المعنى ، وذلك يتضح لك إذا تأملت . والله أعلم ( قال - رحمه الله ) - : وإذا دفع رجل إلى رجل أرضا سنته هذه على أن يزرعها ببذره وعمله بالنصف ، فأخرجت الأرض زرعا كثيرا ، والأرض أرض عشر ، ففي قياس قول أبي حنيفة على قول من أجاز المزارعة يكون للمزارع نصف الخارج كاملا ، ويأخذ السلطان عشر جميع الخارج من نصيب صاحب الأرض ، إن كانت تشرب سحا أو تسقيها السماء ، وإن كانت تسقى بدلو ، أو دالية فنصف عشر جميع الخارج على صاحب الأرض ; لأنه مؤاجر لأرضه بجزء من الخارج ، ومن أصل أبي حنيفة - رحمه الله - أن من أجر أرضه العشرية فالعشر يكون على الآخر ، وعندهما العشر في الخارج على المستأجر ، فهنا أيضا عندهما العشر على كل واحد منهما في الخارج نصفان ، وإن سرق الخارج قبل القسمة أو بعد القسمة فلا عشر عليهما لفوات محل الحق ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - عشر جميع الخارج على رب الأرض ، فإن سرق الطعام بعد ما حصد أو حرق قبل أن يأخذ السلطان العشر يبطل عن رب الأرض نصفه ، ولزمه في ماله نصفه ; لأن حصة النصف الذي صار للمزارع من العشر صار دينا في ذمة رب الأرض ، فلا يسقط ذلك عنه بهلاك الخارج ، وفي النصف الذي هو ملك رب الأرض العشر باق في عينه ، فإذا هلك سقط عشر ذلك عنه ; لفوات المحل وكذلك لو كان البذر من قبل رب الأرض ، فإنه مستأجر للعامل بنصف الخارج ، فيكون عشر الكل عليه عند أبي حنيفة ; لأن العشر مؤنة الأرض النامية ، كالخراج ، وهو المالك للأرض ، فإذا سرق الطعام بعد الحصاد سقط عنه النصف حصة نصيبه من الخراج ، وأما حصة نصيب المزارع فصارت دينا في ذمته بتمليكه إياه من المزارع فلا يسقط ذلك عنه بهلاك الخارج ، ولو أجر أرضه من رجل بمائة درهم يزرعها هذه السنة ، فأخرجت زرعا كثيرا ثم توي الأجر على المستأجر - فعشر جميع الطعام على رب الأرض [ ص: 98 ] في قول أبي حنيفة - رحمه الله - وقد صار ذلك دينا في ذمته ، وللآخر دين له على المستأجر ، فإن توي دينه على المستأجر فإن سرق طعام المستأجر لا يسقط عن المؤاجر العشر الذي صار دينا عليه . ولو استحصد الزرع فلم يحصد حتى هلك فالأجر واجب ; لأن وجوب الأجر بالتمكن من استيفاء المعقود عليه ، وقد تمكن المستأجر من ذلك وقد استوفاه حقيقة ، ولا عشر على واحد منهما ; لأن وجوب العشر عند الحصاد ، قال الله تعالى : { وآتوا حقه يوم حصاده } وإنما يصير دينا في ذمة الآجر بعد وجوبه ، فإذا هلك الخارج قبل الحصاد لم يكن عليه شيء ، بخلاف ما إذا هلك بعد الحصاد ; لأن العشر قد تقرر وجوبه هنا وصار دينا في ذمة الآجر . وكذلك في المزارعة إذا هلك الزرع بعد ما استحصد قبل أن يحصد فلا عشر على واحد منهما في القولين جميعا ، سواء كان البذر من قبل رب الأرض أو من قبل المزارع ; لأن المحل فات قبل أن يأتي وقت وجوب العشر ، فهو بمنزلة ما لو استهلك النصاب قبل تمام الحول ، والهلاك هنا في حق المؤاجر بمنزلة الاستهلاك في مال الزكاة حتى إذا استهلك بعد تمام الحول فالزكاة دين عليه ، فإذا هلك هنا بعد الحصاد يكون العشر دينا عليه ، وكذلك الجواب في معاملة النخيل والكروم ، وهو مثل الجواب في المزارعة أنه إذا هلك قبل الجذاذ فلا عشر على رب النخيل ، وإن هلك بعد الجذاذ فعشر نصيب العامل دين عليه في قول أبي حنيفة ، فإن الجذاذ في الثمار بمنزلة الحصاد في الزرع ، وإن استهلكه رجل فليس على رب النخيل في حصته شيء من العشر إلا أن يستوفي بدله من المستهلك ، فحينئذ يؤدي عشره ; لأن المحل فات وأخلف بدلا ، وإن استوفى منه بعض البدل يؤدي العشر بقدر ذلك اعتبارا للجزء بالكل . ولو صالح الإمام قوما من أهل الحرب على أن صاروا ذمة له ، ووضع على رءوسهم شيئا معلوما ، وجعل خراج أراضيهم ونخيلهم وأشجارهم المناصفة - فذلك جائز ; لأنه نصب ناظرا للمسلمين ، وربما يكون خراج المقاسمة أنفع للفريقين من خراج الوظيفة . فإذا دفع رجل أرضا مزارعة والبذر منه أو من العامل ، أو أجرها بدراهم ، أو أعارها رجلا ليزرعها لنفسه ، أو دفع الأشجار معاملة - كان الجواب في جميع ذلك على نحو ما بينا في العشر ; لأن الخراج هنا بجزء من الخارج لا يجب إلا بعد حصول الخارج حقيقة ، فيكون بمنزلة العشر في التخريج على القولين كما بينا ، بخلاف خراج الوظيفة ، فإنه يجب بالتمكن من الانتفاع ، وإن لم يزرع كان على رب الأرض في الوجوه كلها . وإذا دفع أرضا من أرض العشر وبذرا إلى رجل على أن يزرعها سنته هذه ، على أن للمزارع [ ص: 99 ] عشرين قفيزا من الخارج فأخرجت الأرض زرعا كثيرا - فللعامل أجر مثله وعلى رب الأرض عشر جميع الخارج ; لأنه استأجر العامل إجارة فاسدة ، ولو استأجره إجارة صحيحة بدراهم مسماة للعمل - كان عشر جميع الخارج على رب الأرض فكذلك هنا ، ولا يرفع مما أخرجت الأرض نفقة ولا أجر عامل ; لأن بإزاء ما غرم من الأجر دخل في ملكه العوض وهو منفعة العامل ، وصار إقامة العمل بأجيره كإقامته بنفسه . ولو زرع الأرض كان عليه عشر جميع الخارج من غير أن يرفع من ذلك بذرا أو نفقة أنفقها فكذلك أجر العامل ، ولو كان البذر من العامل كان الخارج له وعليه أجر مثل الأرض ، ثم في قول أبي حنيفة - رحمه الله - عشر جميع الخارج على رب الأرض ، وعندهما العشر في الخارج اعتبارا للإجارة الفاسدة بالإجارة الصحيحة في القولين . ولو دفع إليه الأرض على أن يزرعها ببذر منهما ، فما خرج فهو بينهما نصفان - فالمزارعة فاسدة ؟ لأنه جعل منفعة نصف الأرض للعامل مقابلة عمله في النصف الآخر لرب الأرض ، ثم الخارج بينهما نصفان ; لأن البذر بينهما نصفان ، والخارج نماء البذر ، وعشر الطعام كله على رب الأرض في قول أبي حنيفة - رحمه الله - ; لأنه صار مؤاجرا نصف الأرض بما شرط بمقابلته من عمله في النصف الآخر ، فهو بمنزلة ما لو أجرها بدراهم ، وعندهما العشر في الخارج ولرب الأرض نصف أجر مثل أرضه ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بحكم عقد فاسد ، ولهذا المعنى يكون العشر في نصيب العامل على رب الأرض في قول أبي حنيفة ; لأنه قد حصل له منفعة ذلك النصف من الأرض وهو أجر المثل ، ولا أجر للعامل ; لأنه عمل فيما هو شريك فيه فلا يستوجب الأجر على غيره . ولو دفع إلى رجل أرض عشر على أن يزرعها ببذره وعمله بالنصف فاستحصد الزرع ولم يحصد حتى استهلكه رجل أو سرقه وهو مقر به - فلا عشر على واحد منهما حتى يؤدي المستهلك ما عليه ، وما أدى من شيء كان على رب الأرض عشره في قول أبي حنيفة - رحمه الله - سواء كان البذر من قبل العامل أو من قبل رب الأرض ; لأن حكم البدل حكم المبدل ، وسلامته بأن يستوفى ممن عليه ، فأما ما كان دينا في ذمته فهو كالتاوي ، وفي قولهما : ما خرج من شيء أخذ السلطان عشر ذلك والباقي بينهما نصفان ، وكذلك لو كانت الأرض مما صالح الإمام أهلها على أن جعل خراجها نصف الخارج - فإن خراج المقاسمة بمنزلة العشر . وكذلك لو كان أجر أرضه العشرية بدراهم فزرعها المستأجر فاستحصد زرعها ثم استهلكها مستهلك - فلا عشر على واحد منهما حتى يؤدي المستهلك ما عليه [ ص: 100 ] من البدل ، فإذا أدى شيئا منه فعند أبي حنيفة عشر مقدار ما وصل إلى المستأجر على رب الأرض ، وعندهما عشر ذلك القدر في الخارج ; لأن رب الأرض في حكم العشر بمنزلة ما لو كان زرعها بنفسه عند أبي حنيفة - رحمه الله . وإذا غصب الرجل أرض عشر أو خراج فزرعها فأخرجت زرعا كثيرا ، ولم تنقصها الزراعة شيئا - فالخارج على الزارع ، والعشر عليه في الخارج ; لأن رب الأرض لم يسلم له شيء من منفعة الأرض ، ولا كان متمكنا من الانتفاع بها مع منع الغاصب إياه من ذلك ، فلا يلزمه عشر ولا خراج ، فإذا تعذر إيجاب ذلك عليه وجب على الغاصب ; لأن المنفعة سلمت له من غير عوض ، فكما التحق هو بالمالك في سلامة منفعة الأرض له بغير عوض ، فكذلك في وجوب العشر والخراج عليه . ولو كانت المزارعة نقصت الأرض فعلى الزارع غرم النقصان ; لأن ذلك الجزء تلف بفعله فيجب عليه ضمانه ، ثم في قول أبي حنيفة - رحمه الله - على ما ذكره أبو يوسف : عشر جميع ما أخرجت الأرض على رب الأرض . وكذلك إن كانت له أرض خراج فعليه خراجها ; لأن ما استوفى هو من قيمة النقصان منفعة سلمت له باعتبار عمل الزراعة ، فكان بمنزلة ما لو أجر الأرض بذلك القدر ، فعليه العشر والخراج ، سواء كان ما وصل إليه مثل العشر أو الخراج الواجب أو أقل أو أكثر . وهذا يقوي قول من يقول من أصحابنا - رحمهم الله - : إن نقصان الأرض عوض عن منفعتها ، وإن الطريق في معرفة النقصان أن ينظر بكم تؤجر الأرض قبل المزارعة وبعدها فمقدار التفاوت هو نقصان الأرض . وفي هذا اختلاف بين أئمة بلخي ، فإن بعضهم يقولون : إن المنفعة عندنا لا تضمن بالإتلاف ، ولكن النقصان في حكم بدل جزء فائت من العين ، وطريق معرفته أن ينظر بكم كانت تشترى تلك الأرض قبل الزراعة وبكم تشترى بعدها ، فتفاوت ما بينهما هو النقصان ، والقول الأول أقرب إلى الصواب بناء على الجواب الذي ذكره هنا ، فإنه جعل النقصان بمنزلة الأجرة عند أبي حنيفة . وأما في قول محمد فإن كان نقصان الأرض مثل الخراج أو أكثر فلرب الأرض قيمة النقصان على الغاضب ، والخراج على رب الأرض . يعطيه بما يستوفي ، وإن كانت قيمة النقصان أقل من الخراج فالخراج على الغاصب وليس عليه شيء من النقصان لرب الأرض ، فكأنه استحسن ذلك لدفع الضرر عن رب الأرض ، فإنه لا يمكن إيجاب موجبين على الغاصب بسبب زراعة واحدة ، فيجعل كأنه لم يتمكن نقصان في الأرض حتى يجب الخراج على الغاصب ، ولا يتضرر به رب الأرض . وأما العشر على قوله وعلى قول أبي يوسف ففي الخارج ، والخارج للغاصب فيؤدي [ ص: 101 ] عشر الخارج ويغرم لصاحب الأرض النقصان مع ذلك كما يغرم الأجر لو كان استأجرها منه . وقع في بعض نسخ الأصل الجمع بين الخراج والعشر في تخريج قول محمد - رحمه الله - وهو سهو ، إنما الصحيح ما ذكرناه . والله أعلم . [ قال رحمه الله ] : وإذا دفع إلى رجل نخلا معاملة سنين معلومة بالنصف - فهو جائز على قول من يرى جواز المزارعة . وكذلك معاملة الشجر والكرم والرطاب في قول علمائنا - رحمهم الله - . وقال الشافعي : لا تجوز المعاملة إلا في النخيل والكروم خاصة ; لأن جواز ذلك بالأثر ، وإنما ورد الأثر في النخيل والكروم ، وهو ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر ، ولكن هذا فاسد ، فقد كان أهل خيبر يعملون في الأشجار والرطاب أيضا كما يعملون في النخيل والكروم ، ثم هذا الكلام إنما يستقيم ممن لا يرى تعليل النصوص ، فإذا كان الشافعي يرى تعليل النصوص فلا يستقيم منه معنى ; فيصير حكم المعاملة على النخيل والكروم باعتبار أن الأثر ورد فيها ، فإن أراد صاحب النخيل أن يخرج العامل لم يكن له ذلك إلا من عذر ، بخلاف ما لو دفع الأرض والبذر مزارعة ; لأن صاحب البذر يحتاج إلى أن يلقي بذره في الأرض وفيه إتلاف ملكه ; فله أن لا يرضى به ، وهنا صاحب النخيل لا يحتاج في إيفاء العقد إلى إتلاف شيء من ماله ، فيلزمه العقد في الجانبين بنفسه ، ولا ينفرد أحدهما بفسخه إلا بعذر كسائر الإجارات ، والعذر هنا أن يلحقه دين فادح لا وفاء عنده إلا ببيع النخيل ، أو يكون العامل سارقا معروفا بالسرقة فخاف منه على أخذ سعف النخل وسرقته أو على سرقته الثمار قبل الإدراك وقد بينا أن هذا عذر في سائر الإجارات نحو إجارة الظئر لما يلحقه فيه من ضرر لم يلزمه بالعقد ، فكذلك في المعاملة . وإن كان الثمر قد خرج ولم يبلغ ، ثم لحقه دين لا وفاء عنده إلا ببيع النخيل ، لم يكن له أن ينقض المعاملة ، ولا يبيعه حتى يبلغ الثمر ، فيباع نصيب صاحب النخل من النخل من الثمر في الدين وتنتقض المعاملة فيما بقي ، وقد تقدم نظيره في المزارعة والمعنى فيهما سواء ، فإن الشركة انعقدت بينهما في الثمر ، ولإدراكه نهاية معلومة ففي الانتظار توفير المنفعة ، ودفع الضرر من الجانبين ، وفي نقض المعاملة في الحال إضرار بالعامل من حيث إن فيه إبطال حقه من نصيب الثمر ، فلدفع الضرر قلنا : يخرج رب النخيل من الشجر وتبقى المعاملة بينهما إلى أن يدرك ما خرج [ ص: 102 ] من الثمر ، ولو أراد العامل ترك العمل قبل خروج الثمر لم يكن له ذلك ، إلا أن يمرض مرضا يضعف عن العمل معه فيكون ذلك عذرا ، ولا يقال : ينبغي أن يؤمر في المرض أن يستأجر عاملا ليقيم العمل ; لأن في ذلك إلحاق ضرر به لم يلتزمه بعقد المعاملة ، وإذا كان عليه في إيفاء العقد ضرر فوق ما التزمه يصير ذلك عذرا في فسخ المعاملة ، قال في الأصل : أو يريد سفرا أو يترك ذلك العمل فيكون هذا عذرا له . وقد بينا في أول الكتاب أن في هذا الفصل روايتين ، وتأويل ما ذكر هنا أن العمل كان مشروطا بيده . ![]()
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 192الى صـــ 201 (481) وإذا كان لرجل نهر في أرض رجل فأراد أن يدخل في أرضه ليعالج من النهر شيئا فمنعه رب الأرض من ذلك فليس له أن يدخل أرضه إلا أن يمضي في بطن النهر ، وكذلك القناة ، والبئر ، والعين ; لأنه لا حق له في أرضه ، ولا نفع للحاجة إلى التطرق في أرضه لتمكنه من تحصيل مقصوده بأن يمضي في أرض النهر مع أن هذا فيه ضرر خاص ، وفي الأول ضرر عام ، وقد يتحمل عند الحاجة إلى دفع الضرر العام ما لا يتحمل عند الحاجة إلى دفع الضرر الخاص فإن كان له طريق في الأرض فله أن يمر في طريقه إلى النهر ، والعين ، والقناة ; لأنه يستوفي ما هو مستحق له . وإذا اصطلح الرجلان على أن يخرجا نفقة يحفران بها بئرا في أرض موات على أن يكون البئر لأحدهما ، والحريم للآخر لم يجز ; لأنهما قصدا التفرق بين شيئين ثبت الجمع بينهما شرعا ، وهو البئر ، والحريم ثم استحقاق الحريم على طريق التبع لتمكن الانتفاع به من البئر فلا يجوز أن يستحق بالشرط مقصودا منفصلا عن البئر ثم في هذا الشرط إضرار بصاحب الأرض ; لأنه لا يتمكن من الانتفاع ببئره من غير حريم ، واعتبار الشرط للمنفعة لا للضرر ، وسواء كانت المنفعة بينهما مختلفة أو متفقة ، وإن اشترطا أن يكون الحريم ، والبئر بينهما نصفين على أن ينفق أحدهما أكثر مما ينفق الآخر لم يجز ; لأن النفقة عليهما بقدر الملك فشرط المناصفة في الملك يوجب أن تكون النفقة بينهما نصفين شرعا فيكون اشتراط زيادة النفقة على أحدهما مخالفا لحكم الشرع فإن فعلا كذلك رجع صاحب الأكثر بنصف الفضل على صاحبه ; لأنه أنفق بأمر صاحبه فلا يكون متبرعا في حصة صاحبه . . وإذا كانت بئر في أرض بين رجلين فباع أحدهما نصيبه من البئر بطريقه في الأرض فإن ذلك لا يجوز ; لأنه يبيع طريقا بينه ، وبين آخر ، وأحد الشريكين في الأرض لا يملك أن يبيع طريقا فيها إلا برضا شريكه . ولو باع نصف البئر بغير طريق جاز [ ص: 193 ] ولم يكن له طريق في الأرض لما بينا أن بتسمية البئر في البيع مطلقا لا يدخل الطريق الخاص في ملك الغير كما أن بتسمية الدار ، والبيت في البيع لا يدخل الطريق ، وإن باع نصيبه من الأرض مع البئر ، ونصيبه نصف الأرض جاز كله ; لأن البيع معلوم ، والمشتري يقوم مقام البائع في ملكه ، ولا ضرر على الشريك في صحة هذا البيع ، والله أعلم . ( قال رحمه الله ) وإذا كان لرجل نهر في أرض رجل فادعى رجل فيه شرب يوم في الشهر ، وأقام البينة على ذلك قضي له به ، وكذلك مسيل الماء ; لأن الثابت بالبينة كالثابت باتفاق الخصمين عليه ، وقد بينا أن الجهالة في الشرب ، والمسيل لا تمنع إثباته بالبينة . ولو ادعى يومين في الشهر فجاء بشاهد على يوم في رقبة النهر ، وشاهد آخر على يومين ففي قياس قول أبي حنيفة رحمه الله لا يقضي بشيء ، وفي قولهما يقضي بيوم ، وهو نظير ما تقدم من اختلاف الشاهدين في التطليقة ، والتطليقتين ، والألف ، والألفين ، وإن كان المدعي يدعي شرب يوم في الشهر لم تقبل الشهادة ; لأنه كذب أحد شاهديه ، وإن شهدوا أن له شرب يوم ، ولم يسموا عددا ، ولم يشهدوا أن له في رقبة النهر شيئا لم تجز شهادتهم ; لأن المشهود به مجهول جهالة يتعذر على القاضي القضاء معها . وإن ادعى عشر نهر أو قناة فشهد له أحدهما بالعشر ، والآخر بأقل من ذلك ففي قول أبي حنيفة رحمه الله الشهادة باطلة ، وإن شهدوا بالإقرار لاختلاف الشاهدين لفظا ، ومعنى ، وعلى قولهما تقبل على الأقل استحسانا ، وإن شهد أحدهما بالخمس بطلت الشهادة ; لأنه قد شهد له بأكثر مما ادعى . وإذا ادعى رجل أرضا على نهر شربها منه فأقام شاهدين أنها له ، ولم يذكر الشرب سببا فإني أقضي له بها ، وبحصته من الشرب ; لأن الشرب تبع الأرض ، واستحقاق التبع باستحقاق الأصل ، وإن شهدوا له بالشرب دون الأرض لم نقض له من الأرض بشيء ; لأن المشهود به تبع ، ولا يستحق الأصل باستحقاق التبع ( ألا ترى ) أنهم لو شهدوا له بالبناء لا يستحق موضعه من الأرض . ولو شهدوا له بالأرض استحق البناء تبعا ، وكذلك الأشجار مع الثمار . . وإذا ادعى أرضا في يد رجل فشهد له شاهد أنها له ، وشهد آخر على إقرار ذي اليد بذلك لم تقبل الشهادة لاختلافهما في المشهود به فإن أحدهما شهد بإقرار هو كلام محتمل للصدق ، والكذب ، والآخر شهد له بملك الأرض ، وهما متغايران . . ولو كاتب رجل عبده [ ص: 194 ] على شرب بغير أرض أو على أرض ، وشرب لم يجز أما الشرب بغير أرض فلا يستحق بالتسمية في شيء من عقود المعاوضات في الأرض مع الشرب إذا لم تكن بعينها فهي مما لا يستحق دينا بشيء من عقود المعاوضات ، وإن كانت أرضا بعينها لغيره لم يجز أيضا ; لأن عقد الكتابة يستدعي تسمية البدل فتسمية عين هو مملوك لغير العاقد لا يكون صحيحا كالبيع ، ولا يتصور أن يكون مملوكا ; لأن كسبه عند الكتابة مملوك للمولى فإنما يصير هو أحق بكسبه بعد الكتابة فيكون هذا من المولى مبادلة ملكه بملكه ، وقد بينا اختلاف الروايات في الكتابة على الأعيان في كتاب العتاق ، وإن شهد شاهد أن فلانا أوصى له بثلث أرضه ، وثلث شربه ، وشهد آخر بثلث شربه دون أرضه فإنه يقضي بثلث الشرب له لاتفاق الشاهدين عليه لفظا ، ومعنى ، وليس له في ثلث الأرض إلا شاهد واحد ، ولو أوصى بثلث شربه بغير أرضه في سبيل الله تعالى أو في الحج أو الفقراء أو في الرقاب كان باطلا ; لأن صرف الموصى به إلى هذه الجهات يكون بتمليك العين أو بالبيع ، وصرف الثمن إليها ، والشرب لا يحتمل شيئا من ذلك فإن كان أوصى بثلث حقه في النهر في كل شيء من ذلك جاز ; لأنه أوصى معه بشيء من الأرض يعني أرض النهر ، وهو مما يحتمل التمليك مع الأرض . وإذا كان لرجل أرض ، وشرب فادعى الرجل أنه اشترى ذلك منه بألف فشهد له شاهد أنه اشترى الشرب ، والأرض بألف ، وشهد الآخر أنه اشترى الأرض ، وحدها بغير شرب أو لم يذكر شربا فهذه الشهادة لا تجوز ; لأن المشتري يكذب أحد شاهديه ; ولأن القاضي لا يتمكن من القضاء بالشرب له ; لأن الشاهد على شراء الشرب مع الأرض واحد ، والمدعي غير راض بالتزام الألف بمقابلة الأرض بدون الشرب فإن كان هذا الثاني شهد أنه اشتراها بكل حق هو لها أو بمرافقها أو بكل قليل وكثير ، وهو فيها أو منها جازت الشهادة ; لأن الشرب يدخل في شراء الأرض بذكر هذه الألفاظ ، وإنما اختلف الشاهدان في العبارة بعد اتفاقهما في المعنى ، وذلك لا يمنع العمل بشهادتهما كما لو شهد أحدهما بالهبة ، والآخر بالنحلة ، ولوجحد المشتري البيع ، وادعى رب الأرض أنه باعها بألف بغير شرب فزاد أحد شاهديه الشرب أو الحقوق أو المرافق لم تجز الشهادة ; لأن البائع مكذب أحد شاهديه . وإذا باع الرجل شربا بأمة ، وقبضها فوطئها فولدت منه فهي أم ولد له ; لأنه ملكها بالقبض بحكم عقد فاسد ، وهو ضامن لقيمتها ، ولم يذكر العقر هنا ، وقد بينا أن هذا هو الأصح خصوصا فيما إذا تعذر ردها بأن صارت أم ولد له ، ولو وطئها رجل بشبهة ، وأخذ بائع الشرب المهر أو قطع رجل يدها [ ص: 195 ] أو فقأ - عينها فأخذ المشتري أرش ذلك ثم ماتت الجارية عنده ضمن قيمتها ، والأرش والمهر له ; لأنه إنما يضمن قيمتها من ، وقت القبض فيتقرر ملكه فيها من ذلك الوقت فكان الأرش ، والعقر حاصلا بعد ملكه فيكون له . وهذا بخلاف الولد فإنها لو ، ولدت ثم ماتت فالمشتري ضامن لقيمتها ، وعليه رد الولد مع رد القيمة ; لأن الولد ليس بعوض عن جزء مضمون منها ، وإنما يتقرر له الملك بالضمان فيتقرر الملك في المضمون أو فيما هو عوض عن المضمون أو فيما هو تبع للمضمون ; لأن التبع يملك بملك الأصل ، والولد بعد الانفصال ليس بمضمون ، ولا هو عوض عن المضمون ، ولا هو تبع للمضمون فلا يسقط عنه وجوب رد الولد بتقرر الضمان عليه في الأم فأما الأرش فبدل جزء مضمون ، وقد سلم بدل هذا الجزء لمشتري الشرب حين ضمنه قيمتها صحيحة فلا يجوز أن يسلم له بدل آخر إذ لا يسلم للمرء بدلان عن شيء واحد ، وكذلك المهر فإنه عوض عن المستوفي بالوطء ، والمستوفي بالوطء في حكم جزء من العين ، وقد ضمن قيمة جميع العين فيسلم له ما كان بدل جزء من العين فإن قيل : المستوفي بالوطء في حكم جزء ، ولكنه جزء غير مضمون ( ألا ترى ) أنه إذا لم يتمكن بالوطء نقصان فيها ، وتعذر استيفاء العقر من الواطئ ردها المشتري ، ولم يضمن شيئا قلنا نعم المستوفي بالوطء جزء غير مضمون حقيقة ، ولكنه في حكم جزء من العين الذي هو مضمون ، ولهذا قلنا إن وطء المشتري يمنع الرد بالعيب أو بمنزلة جزء هو ثمره كالكسب فالكسب تبع للمضمون في حكم الملك فكذلك العقر المستوفي من الواطئ فإن قيل : فالولد أيضا خلف عن جزء هو مضمون ، وهو النقصان المتمكن بالولادة ، ولهذا ينجبر به قلنا الخلافة بحكم اتحاد السبب لا ; لأنه عوض عن ذلك الجزء ، وإنما يمتنع رد العوض لوصول مثله إلى بائع الجارية ، وذلك غير موجود في الولد . ولو كانت حية فأخذ البائع الجارية تبعها الأرش ، والمهر ; لأنه لم يتقرر ملك المشتري فيها بل انعدم من الأصل بردها ; ولأنه كان يلزمه رد هذا الجزء حال قيامه فكذلك يلزمه رد بدله مع رد الأصل ، والله أعلم . ( قال رحمه الله ) وإذا اشترى أرضا بشربها ، وهو بالخيار ثلاثة أيام ، وفي الأرض زرع قد اشترطه معها ثم سقى الزرع من ذلك الشرب أو من غيره أو سقى بذلك الشرب زرعا في أرض أخرى أو نخلا أو شجرا فهذا رضا ، وقطع للخيار ; لأنه تصرف في المشترى تصرفا [ ص: 196 ] بصفة المالك ، وهو لا يملكه شرعا إلا باعتبار الملك ، ويقصد بمباشرته إصلاح الملك ، وإحرازه فكان دليل الرضا بتقرر ملكه ، ودليل الرضا في إسقاط الخيار كصريح الرضا ، ولو كان الخيار للبائع ، وصنع شيئا من ذلك فهو قطع للخيار ، وفسخ للعقد ; لأنه مقرر لملكه بما باشر من التصرف فيه ، وكذلك لو كانت نخيلا فلقحها أو أرضا فكربها أو سرقنها فهو قطع للخيار ، وفسخ للعقد ; لأنه مقرر لملكه ، وكذلك لو جد النخيل أو قطف الكرم فهذا كله تصرف باعتبار الملك ، ويقصد به إحراز الملك ، وإصلاحه . وإذا اشترى عشر نهر أو بئر على أنه بالخيار ثلاثة أيام ثم سقى أرضا له من ذلك فهذا قطع للخيار بخلاف ما لو سقى منه بقرا أو غنما أو استقى للشقة من البئر أو للوضوء فهذا لا يكون رضا ; لأن سقي الأرض هو المقصود بالبئر ، والنهر ، ولا يملكه شرعا إلا باعتبار ملكه فإقدامه عليه يكون تقريرا لملكه ، وأما الاستقاء للشقة فغير مقصود بالنهر ، والبئر ، ولا يختص ذلك بالملك شرعا فإقدامه عليه لا يكون دليل الرضا بملكه يوضحه : أن قبل البيع كان يملك الاستقاء من هذا البئر للشقة فكذلك بعد فسخ البيع بملكه فعرفنا أنه لا أثر للبيع فيه ، وأن إقدامه عليه لا يوجب تنفيذ البيع فأما سقي الأرض فما كان يملكه قبل البيع ، ولا بعد فسخ البيع بل إنما يمكن منه باعتبار البيع فإقدامه عليه تقرير للبيع ، وكذلك لو كان الخيار للبائع فالاستقاء للشقة لا يكون قطعا لخياره ; لأن تمكنه منه ليس باعتبار قيام ملكه شرعا ( ألا ترى ) أنه يتمكن منه بعد تمام البيع بالإجارة بخلاف سقي الأرض منه . وإذا اشترى نهرا ، وهو بالخيار ثلاثة أيام فسقى أجنبي أرضا له من ذلك النهر ، والمشتري لا يعلم به فليس هذا بقطع للخيار ; لأنه لم يتمكن بفعل الأجنبي نقصان في العين ، ولا ، وجد من المشتري دليل الرضا به بخلاف ما لو عيبه أجنبي في يد المشتري فإن خياره إنما يسقط هناك لتمكن النقصان في العين ، وعجزه عن رده كما قبض . وإذا اشترى نهرا بقناة ، وأسقط الخيار ثلاثة أيام فإن سقى أرضه مما اشترى فهو إجازة للبيع ، وإن سقاها مما باع فهو نقض للبيع ; لأن خياره فيما باع خيار للبائع فسقيه للأرض مما باع دليل تقرر ملكه فيما باع ، وفيما اشترى دليل الرضا بتملكه . ولو أن الآخر هو الذي سقى أرضه منهما أو من أحدهما لم يكن هذا نقضا للبيع ، ولا إجارة ; لأن البيع في جانبه لازم ، وهو غير متمكن من إسقاط خيار صاحبه ، وهو نظير ما لو اشترى عبدا لجاريته ، وشرط الخيار لنفسه ثلاثة أيام فإن أعتق ما باع فهو نقض منه للبيع ، وإن أعتق ما اشترى فهو إجازة ، وإن فعل ذلك صاحبه لم يكن نقضا ، ولا إجازة ; لأن عتق صاحبه فيما باع لم ينفذ [ ص: 197 ] لزوال ملكه ، وفيما اشترى لا ينفذ ; لأنه لم يملكه فإن خيار البائع يمنع خروج المبيع عن ملكه . ولو اشترى بئرا ، وهو بالخيار ثلاثة أيام ، وقبضها فانخسفت أو انهدمت أو ذهب ماؤها أو نقص نقصانا فاحشا لزمه البيع لتغير المبيع في يد المشتري فإنه باختياره يملك الرد كما قبض ، ولا يملك إلحاق الضرر بالبائع بالرد عليه متغيرا ، وقد عجز عن رده كما قبض ، ولو كان الخيار للبائع فذهب ماؤها عند المشتري فالبائع على خياره إن شاء أمضى البيع ، وأخذ الثمن ، وإن شاء رد المبيع ، وأخذ قيمة النقصان ; لأنها تعيبت في ضمان المشتري ، وذلك لا يمنع البائع من التصرف بحكم خياره ، وإذا فسخ البيع بقيت مضمونة عند المشتري بالقبض ، والعقار يضمن بالقبض بجهة العقد فلهذا ضمنه النقصان ، ولو كان الخيار للمشتري فبناها ، وطواها حتى عادت كما كانت لم يكن له أن يردها ; لأن هذا تصرف بحكم الملك ، وهو مسقط للخيار فكيف يعود به خياره الذي سقط . وإذا اشترى بئرا ، وحريمها بشرط الخيار ، وفي حريمها كلأ فأرعاها الغنم ، وأبانها في عطن البئر لم يكن هذا رضا بمنزلة ما لو سقى منها غنما له أو أبانها في العطن ; لأن تمكنه من الكلإ شرعا ليس باعتبار الملك فقد كان متمكنا منه قبل البيع ، وبعد فسخ البيع بخلاف ما لو حفر بئرا في حريمها أو بنى فيها فإن هذا التصرف لا يملكه إلا باعتبار ملكه فيكون إقدامه عليه دليل الرضا . ولو كان فيه شجر مما تنبته الناس فأفسدته الغنم أو قلعته كان هذا ملزما له ; لأنه بمنزلة العيب الحادث في يد المشتري ، وذلك مسقط لخياره ، وكذلك لو فعل ذلك أجنبي . ولو هدم البئر إنسان فضمنه المشتري قيمة الهدم كان ذلك منه قطعا للخيار ; لأن قبل التضمين سقط خياره للتعنيت ، والتضمين تصرف باعتبار الملك فلا يجوز أن يعود به ما سقط من الخيار ، وكري النهر ، وكسر البئر رضا بالبيع ; لأن هذا التصرف لا يفعل إلا في الملك على قصد الإصلاح فهو كالبناء ، والحفر في القناة ، وإن ، وقع في البئر ما ينجسه من عذرة أو شاة أو عصفور أو فأرة فماتت فذلك يلزمه البيع سواء ، وجب نزح جميع الماء أو نزح بعض الدلاء ; لأن الماء قد تنجس بما وقع في البئر قبل النزح منه فالنجاسة في الماء عيب في العرف ، والتعيب في ضمان المشتري مسقط لخياره . وإذا استعار من رجل نهرا ليسقي منه به أرضه ثم اشتراه على أنه بالخيار ثم سقى به أرضه فهذا قطع للخيار ; لأنه بعد الشراء إنما سقى به بحكم البيع لا بحكم الاستعارة فإن الإعارة تنقطع بزوال ملك البائع بالبيع الثابت في حقه فتقدم الاستعارة وجودا ، وعدما بمنزلة ، وكذلك لو باع المشتري الشرب بغير أرض أو ساوم به أو أجره إجارة صحيحة [ ص: 198 ] أو أجر الشرب إجارة فاسدة أو رهن واحدا منهما أو تزوج عليه أو أعاره واحدا منهما فزرع المستعير الأرض أو سقى بالشرب أو لم يفعل فهذا كله قطع للخيار ; لأن ما باشر من التصرف لا يفعله إلا المالك عادة فإقدامه عليه دليل الرضا بملكه . ولو اشترى رحا ماء بنهرها ، والبيت الذي هو فيه ، ومتاعها على أنه بالخيار ثلاثا فإن طحن بها لم يكن رضا بها ; لأن الطحن للاختبار لا للاختيار فإن مقصوده من اشتراط الخيار أنه ينظر هل يتم مقصوده بها أو لا يتم ، ولا يعرف ذلك إلا بالطحن فهو نظير الاستخدام في المماليك ، وركوب الدابة للنظر إلى سيرها فإن نقصها الطحن أو انكسرت فهذا رضا منه بسبب التعيب في ضمانه لا بسبب الطحن . ولو اشترى أرضا ، وشربا ، وقال لي الرضا إلى ثلاثة أيام إن رضيت أجزت ، وإن كرهت تركت ، أو قال : لي الخيار ثلاثة أيام فهذا جائز ; لأن المقصود بهذه الألفاظ اشتراط الخيار لنفسه ثلاثة أيام ، وإنما يبنى الحكم على ما هو المقصود . وإذا باع أرضا ، وشربا بجارية ، واشترط الخيار ثلاثة أيام ، وكان مع الجارية مائة درهم فأنفقها لم يكن هذا رضا بخلاف ما إذا قبل الجارية أو جامعها أو عرضها على البيع ; لأن الجارية متعينة في العقد فإقدامه على تصرف فيها هو دليل الرضا بملكها ، ويكون إسقاطا للخيار فأما المائة التي قبضها فغير متعينة في العقد ( ألا ترى ) أنه كان لمشتري الأرض أن يعطي غيرها ، وإنه بعد الفسخ لا يجب على البائع رد المقبوض من الدراهم بعينه فلا يكون تصرفه فيها دليل الرضا بحكم البيع فكان على خياره بعد إنفاقها . ولو اشترى أرضا ، وشربا ، وشرط الخيار في الأرض دون الشرب أو في الشرب دون الأرض فهذا بيع فاسد ; لأن الصفقة واحدة ، والثمن جملة ، والذي لم يشترط الخيار فيه يتم البيع فيه ، وثمنه مجهول بمنزلة ما لو اشترى ثوبين بثمن واحد على أنه بالخيار في أحدهما بعينه . وإذا اشترى العبد التاجر أرضا ، وشربا بشرط الخيار ، ونقض مولاه البيع أو أجازه فنقضه باطل سواء كان على العبد دين أو لم يكن ; لأنه حجر خاص في إذن عام ، وإجازته تصح إن لم يكن عليه دين ; لأن كسبه ملكه ( ألا ترى ) أنه يتمكن من التصرف فيه بالبيع ، والهبة ، ويسقط به خيار العبد لا محالة فكذلك يصح منه إسقاط خياره ، وإن كان عليه دين لم يجز ; لأنه أجنبي من كسبه لا يتمكن فيه من التصرف المسقط لخياره فكذلك لا يملك إسقاط خياره فيه قصدا . وإن كان نهر بين قوم لهم عليه أرضون ، ولبعض أرضهم سواني في ذلك النهر ، ولبعضها دوالي ، وبعضها ليست لها ساقية ، ولا دالية ، وليس لها شرب معروف من هذا النهر ، ولا من غيره فاختصموا في هذا النهر ، وادعى [ ص: 199 ] صاحب الأرض أن لها فيه شربا ، وهي على شاطئ النهر فإنه ينبغي في القياس أن يكون النهر بين أصحاب السواني والدوالي دون أهل الأرض ; لأن يد أصحاب السواني ، والدوالي ثابتة عليه بالاستعمال ، وليس لصاحب الأرض مثل ذلك اليد فهو نظير ما لو تنازع اثنان في ثوب ، وأحدهما لابسه ، والآخر متعلق بذيله أو تنازعا في دابة ، وأحدهما راكبها ، والآخر متعلق بلجامها . ولكنه استحسن فقال : النهر بينهم جميعا على قدر أراضيهم التي على شط النهر ; لأن المقصود بحفر النهر سقي الأراضي لا اتخاذ السواني والدوالي ، ففيما هو المقصود على حالهم على السواء في إثبات اليد فهو بمنزلة ما لو تنازعا في حائط ، ولأحدهما عليه جرادي أو بواري أو تنازعا في دابة ، ولأحدهما عليهما مخلاة أو منديل فإنه لا يترجح بذلك ; لأنه تحمل ليس بمقصود فوجوده كعدمه فكذلك اتخاذ السواني ، والدوالي على النهر تبع غير مقصود فلا يترجح بذلك صاحبه فإن كان يعرف لهم شرب قبل ذلك فهو على ذلك المعروف ، وإلا فهو بينهم على قدر أراضيهم ; لأن الشرب لحاجة الأراضي فتقدر بقدر الأرض . وإن كان لهذا الأرض شرب معروف من غير هذا النهر فلها شربها من ذلك النهر ، وليس لها من هذا النهر شيء ; لأن الأرض الواحدة لا يجعل شربها من نهرين عادة فكون شرب معروف لها من نهر آخر دليل ظاهر على أنه لا شرب لها في هذا النهر ، وإن كانت على شطه ; ولأن صاحب هذه الأرض إنما كان يستحق لها شربا من هذا النهر لحاجة الأرض إلى الشرب ، وقد انعدم ذلك بالشرب المعروف لها من نهر آخر فإن لم يكن لها شرب من غيره قضيت لها فيه بشرب ، ولو كان لصاحبها أرض أخرى إلى جنبها ليس لها شرب معلوم فإني أستحسن أن أجعل لأراضيه كلها إن كانت متصلة الشرب من هذا النهر ، وفي القياس لا يستحق الشرب من هذا النهر للأرض الأخرى إلا بحجة ; لأن هذه الأخرى غير متصلة بالنهر بل الأرض الأولى حائلة بين النهر وبينها ، ولكنه استحسن فقال لا بد للأرض من شرب ; لأن الانتفاع بها لا يتأتى إلا بالشرب ، والظاهر عند اتصال أراضيه بعضها ببعض أن تشرب كلها من هذا النهر فيجب البناء على هذا الظاهر ما لم يتبين خلافه فإن قيل : الظاهر يعتبر في دفع الاستحقاق لا في إثبات الاستحقاق ، والحاجة هنا إلى إثبات الاستحقاق قلنا نعم ، ولكن استحقاق المتنازعين له في هذا النهر غير ثابت إلا بمثل هذا الظاهر فيصلح هذا الظاهر له معارضا ، ومزاحما لخصمائه ، وإن كان إلى جانب أرضه أرض لآخر ، وأرض الأول بين النهر ، وبينها ، وليس لهذه الأرض شرب معروف ، ولا يدري من أين كان شربها فإني أجعل لها شربا [ ص: 200 ] من هذا النهر أيضا ; لأن ما قررنا من الظاهر لا يختلف باتحاد مالك الأرضين ، واختلاف المالك إلا أن يكون النهر معروفا لقوم خاصا بهم فلا أجعل لغيرهم فيه شربا إلا ببينة ; لأن المنازعين هنا دليل لاستحقاق سوى الظاهر ، وهو إضافة النهر إليهم ، وهذه الإضافة إضافة ملك أو إضافة إحداث أنهم هم الذين حفروا هذا النهر ، وهو مملوك لهم فلا يستحق غيرهم فيه شيئا إلا ببينة فإن كان هذا النهر يصب في أجمة ، وعليه أرض لقوم مختلفين ، ولا يدري كيف كانت حاله ، ولا لمن كان أصله فتنازع أهل الأرض ، وأهل الأجمة فيه فإني أقضي به بين أصحاب الأرض بالحصص ، وليس لهم أن يقطعوه عن أهل الأجمة ، وليس لأهل الأجمة أن يمنعوه من المسيل في أجمتهم ; لأن النهر إنما يحفر لسقي الأراضي في العادة فالظاهر فيه شاهد لأصحاب الأراضي ، وهم المنتفعون بالنهر في سقي أراضيهم منه ، ولكن لأهل الأجمة نوع منفعة أيضا ، وهو فضل الماء الذي يقع في أجمتهم فلا يكون لأصحاب الأراضي قطع ذلك عنهم بالظاهر ، ولأصحاب الأراضي منفعة في مسيل فضل الماء في الأجمة فلا يكون لأصحاب الأجمة أن يمنعوهم ذلك بمنزلة حائط تنازع فيه رجلان ، ولأحدهما فيه اتصال تربيع ، ولآخر عليه جذوع فالحائط لصاحب الاتصال ، وليس له أن يكلف الآخر رفع جذوعه ، وهذا ; لأن ما وجد على صفة لا يغير عنها إلا بحجة ملزمة ، والظاهر لا يكفي لذلك . ولو أن رجلا بنى حائطا من حجارة في الفرات ، واتخذ عليه رحا يطحن بالماء لم يجز له ذلك في القضاء ، ومن خاصمه من الناس فيه هدمه ; لأن موضع الفرات حق العامة بمنزلة الطريق العام ، ولو بنى رجل في الطريق العام كان لكل واحد أن يخاصمه في ذلك ، ويهدمه فأما بينه وبين الله تعالى فإن كان هذا الحائط الذي بناه في الفرات يضر بمجرى السفن أو الماء بأن لم يسعه وهو فيه أثم ، وإن كان لا يضر بأحد فهو في سعة من الانتفاع بمنزلة الطريق العام إذا بني فيه بناء فإن كان يضر بالمارة فهو آثم في ذلك لقوله عليه الصلاة والسلام { لا ضرر ، ولا ضرار في الإسلام } ، وإن كان لا يضر بهم فهو في سعة من ذلك ، ومن خاصمه من مسلم أو ذمي قضى عليه بهدمه ; لأن الحق فيه للناس كافة فالمسلم والذمي في هذه الخصومة سواء ( ألا ترى ) أن للذمي حق المرور في الطريق كما للمسلم فكان له في هذه الخصومة من المنفعة مثل ما للمسلم ، وكذلك النساء ، والمكاتبون ، وأما العبد فلا خصومة له في ذلك ; لأن العبد تبع لمولاه فلا حق له في الانتفاع بالطريق ، والفرات مقصود بنفسه بخلاف المكاتب ، والمرأة فهما في ذلك كالحر ، والصبي بمنزلة العبد تبع لا خصومة له في ذلك ، والمغلوب ، والمعتوه كذلك إلا أن يخاصم عنه أبوه أو [ ص: 201 ] وصيه ، ولا فائدة في هذا الجواب الذي قال أنه يخاصم عن الصبي والمجنون أبوه أو وصيه ; لأنهما يخاصمان في ذلك عن أنفسهما ، وإن كانا قد أسقطا حقهما فهذا مما لا يسقط بالإسقاط فلا معنى لخصومتهما على وجه النيابة ، وهما يملكان ذلك عن أنفسهما . وإن كان نهر بين رجلين لأحدهما ثلثاه ، وللآخر ثلثه فاصطلحا على أن يسقي صاحب الثلث منه يوما ، وصاحب الثلثين يومين فهو جائز ; لأنهما اقتسما ماء النهر بينهما على تراض ، والمناوبة بالأيام في هذا كالقسمة قال الله تعالى { ، ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر } ، وقال تعالى { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } . وإذا كانت الأرض في يد المشتري ، وهو بالخيار ثلاثة أيام فهدم البائع بناءها أو أفسد نهرها أو بئرها لم يكن للمشتري أن يرد بخياره ، وقد لزمه البيع ، ويضمن البائع قيمة ذلك ; لأنها تعيبت في ضمان المشتري ، والبائع صار كالأجنبي ; لأن البيع من جهته تم بالتسليم ، وكذلك لو كان المبيع عبدا فقتله البائع في يد المشتري كان البيع لازما للمشتري بالثمن ، وعلى البائع قيمته ، وكذلك لو اشترى ثوبا ، وقبضه ، ولم يره فحرقه البائع في يد المشتري لزم البيع للمشتري ، وهذا كله قول أبي حنيفة ومحمد ، وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع فقال : لا يسقط خيار المشتري بما أحدث البائع في المبيع ، وليس البائع في ذلك كغيره من الأجانب ; لأن تعذر الرد عند التعيب في ضمان المشتري لدفع الضرر عن البائع ، وقد وجد منه الرضا بهذا الضرر حين عيبه بخلاف ما إذا عيبه أجنبي ، والصحيح أن هذا الخلاف في خيار الشرط ، وخيار الرؤية ، وخيار العيب سواء ، وقد بينا المسألة في كتاب البيوع . ثلاثة نفر بينهم حرث حصدوه ، وجمعوه ، وفي يد أحدهم وضعوه ; ليحفظ لهم فزعم أنه قد دفع نصيب الرجلين إلى أحدهما ، والمدفوع إليه ينكر ذلك ، والآخر ينكر أن يكون دفع إليه حقه أو يقول دفع إليه بغير أمري أو بقي الثلث في يد الثالث ، وقال الدافع دفعت إلى صاحبي ثلثه أو حقه ثم قال دفعت إليه أيضا بعد ذلك ثلث صاحبه بأمره ، وهما ينكران ذلك قال يقتسمون الثلث الذي بقي في يده بينهم أثلاثا ، ويضمن ثلث ما دفع فيكون للآخرين بينهم نصفين ، وهذه المسألة تشتمل على أحكام ثلاثة حكم الاختصاص ، وحكم أداء الأمانة ، وحكم الخلاف فأما بيان حكم الاختصاص فنقول جميع الزرع كان مشتركا بين ثلاثتهم ، وكان الحافظ أمينا في نصيب الآخرين ، ودعواه الدفع إلى أحدهما بأمر صاحبه بمنزلة دعواه دفع نصيب كل واحد منهما إليه . والقول قول الأمين في براءته عن الضمان ، ولكن قوله في استحقاق شيء على صاحبه ، والثلث الذي بقي في يده مشترك بين ثلاثتهم [ ص: 202 ] باعتبار الأصل ; لأنه جزء من ذلك المشترك فهو يدعي استحقاق نصيب الآخرين من هذا الثلث عليهما فلا يقبل قوله في ذلك ، ويقسم هذا الثلث بينهم أثلاثا باعتبار شركة الأصل ( ألا ترى ) أن المكيل لو كان مشتركا بين اثنين فظهر نصفه في يد أحدهما ، وزعم أن صاحبه قد استوفى النصف الآخر ، وجحد صاحبه ، وحلف يجعل هذا النصف مشتركا بينهما ، والنصف الآخر كالتاوي فكذلك هنا إذا حلف الآخران على دعواه يجعل هذا الثلث بينهم أثلاثا ، وأما حكم الأمانة فقد زعم أنه دفع نصيب المدفوع إليه من الثلثين إليه فالقول فيه قوله مع اليمين ; لأنه أمين ادعى رد الأمانة على صاحبه ، ولكن بيمينه تثبت براءته عن الضمان ، ولا يثبت الوصول إلى من زعم أنه دفع إليه كالمودع إذا ادعى رد الوديعة على الوصي فإن الوصي لا يكون ضامنا للصبي شيئا بيمين المودع ، وأما حكم الخلاف فقد زعم أنه قد دفع نصيب الآخر إلى شريكه ، ودفع الأمين الأمانة إلى غير صاحبها موجب الضمان عليه إلا أن يكون الدفع بأمر صاحبها فقد أقر بالسبب الموجب للضمان في نصيبه ، وهو ثلث الثلثين ، وادعى المسقط ، وهو أمره إياه بالدفع إليه فلا يقبل قوله في ذلك إلا بحجة ، وعلى المنكر اليمين فإذا حلف غرم له ثلث الثلثين ثم هذا الثلث بين الآخرين نصفان ; لأنهما متفقان على أنه لم يدفع إليه شيئا ، وأن هذا المقبوض جزء من المشترك بينهما أو بدل جزء مشترك فيكون بينهما نصفين باعتبار زعمهما . ![]()
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ82 الى صـــ 91 (491) فإن شاء البائع ضمنها المشتري ; لأن فعله في القبض مقصور عليه ، وقد قبضه على وجه التملك ، وإن لم يكن راضيا بسببه ، ثم لا يرجع المشتري على المكره بالقيمة ، ولا بالثمن أما القيمة ، فلأنه إنما ضمنها بقبض كان هو فيه عاملا لنفسه ، وأما الثمن ، فلأنه كان مكرها على دفع الثمن بالحبس ، وذلك لا يوجب نسبة الفعل إلى المكره في حكم الضمان ، وفي هذا طعن أبو حازم رحمه الله أيضا كما في الهبة ، ولو كان أكره البائع بالحبس ، وأكره المشتري بالقتل ، فلا ضمان للبائع في العبد على المشتري ، ولا على المكره ; لأن المشتري ملجأ إلى القبض ، فلا يكون ضامنا شيئا ، والبائع ما كان ملجأ إلى الدفع من جهة المكره ، فيقتصر [ ص: 83 ] حكم الدفع عليه ، فلهذا لا ضمان على المكره ، وللمشتري أن يضمن الثمن - إن شاء - البائع - وإن شاء - المكره لأنه كان ملجأ إلى دفع الثمن من جهة المكره ، وكان البائع غير ملجأ إلى قبضه ، فاقتصر حكم فعله بالقبض عليه ، وللمشتري الخيار ، فإن ضمن المكره رجع به على البائع ; لأنه قام مقام من ضمنه ، ولأنه ملك المضمون بالضمان ، ولم ينفذ البيع من جهة من تملك الثمن ، فرجع على البائع بالثمن ، والله أعلم بالصواب . ( قال رحمه الله ) وإذا أكره الرجل بوعيد تلف ، أو غير تلف على أن يقر بعتق ، أو طلاق ، أو نكاح ، وهو يقول لم أفعله ، فأقر به مكرها فإقراره باطل ، والعبد عبده كما كان ، والمرأة زوجته كما كانت ; لأن الإقرار خبر متمثل بين الصدق ، والكذب ، والإكراه الظاهر دليل على أنه كاذب فيما يقر به قاصد إلى دفع الشر عن نفسه ، والمخبر عنه إذا كان كذبا ، فبالإخبار لا يصير صدقا . ( ألا ترى ) أن فرية المفترين ، وكفر الكافرين لا يصير حقا بإخبارهم به ، والدليل عليه أنه لو أقر به طائعا ، وهو يعلم أنه كاذب في ذلك ، فإنه يسعه إمساكها فيما بينه ، وبين الله تعالى إلا أن القاضي لا يصدقه على ذلك ; لأنه مأمور باتباع الظاهر ، والظاهر أن الإنسان لا يكذب فيما يلحق الضرر به ، فإذا كان مكرها ، وجب تصديقه في ذلك لوجود الإكراه ، فلهذا لا يقع به شيء . والإكراه بالحبس ، والقتل في هذا سواء ; لأن الإقرار تصرف من حيث القول ، ويعتمد تمام الرضا ، وبسبب الإكراه بالحبس ينعدم ذلك ، وكذلك الإقرار بالرجعة ، أو الفيء في الإيلاء ، أو العفو عن دم العمد ، فإنه لا يصح مع الإكراه لما قلنا ، وكذلك الإقرار في عبده أنه ابنه ، أو جاريته أنها أم ولده ; لأن هذا إخبار عن أمر سابق خفي ، فالإكراه دليل على أنه كاذب فيما يخبر به ، فإن قيل : أليس عند أبي حنيفة رحمه الله إذا قال لمن هو أكبر سنا منه هذا : ابني يعتق عليه ، وهناك يتيقن بكذبه فيما قال فوق ما يتيقن بالكذب عند الإقرار مكرها ، فإذا نفذ العتق ثمة ينبغي أن ينفذ هنا بطريق الأولى قلنا أبو حنيفة رحمه الله يجعل ذلك الكلام مجازا عن الإقرار بالعتق كأنه قال : عتق علي من حين ملكته ، وباعتبار هذا المجاز لا يظهر رجحان جانب الكذب في إقراره ، فأما عند الإكراه ، فأكثر ما فيه أن يجعل هذا مجازا عن الإقرار بالعتق ، ولكن الإكراه يمنع صحة الإقرار بالعتق كما يمنع صحة الإقرار [ ص: 84 ] بالنسب . . ، ولو أكره نصرانيا على الإسلام ، فأسلم كان مسلما لوجود حقيقة الإسلام مع الإكراه ، فإن ذلك بالتصديق بالقلب ، والإقرار باللسان ، وقد سمعنا إقراره بلسانه ، وإنما يعبر عما في قلبه لسانه ، فلهذا يحكم بإسلامه ، والأصل فيه قوله تعالى { وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها } وقال عليه الصلاة والسلام { أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله } ، وقد قبل من المنافقين ما أظهروا من الإسلام مع علمه أنهم أظهروا ذلك خوفا من السيف ، وهذا في أحكام الدنيا ، فأما فيما بينه ، وبين ربه إذا لم يكن يعتقد فيما يقول لا يكون مسلما ، والذمي في هذا ، والحربي سواء عندنا والشافعي رحمه الله يفرق بينهما باعتبار أن إكراه الحربي على الإسلام إكراه بحق ، وقد قررناه فيما سبق ، وفرق بين الإكراه على الإسلام ، وبين الإكراه على الردة ، وقال : الردة إنما تحصل بتبديل الاعتقاد ، والإكراه دليل ظاهر على أنه غير مبدل لاعتقاده ، فأما الإسلام في أحكام الدنيا ، فإنما يثبت بالإقرار باللسان مع التصديق بالقلب ، ولا طريق لنا إلى الوقوف على ما في قلبه ، وقد سمعنا إقراره مع الإكراه ، فلذلك حكمنا بإسلامه ، فإن رجع عنه إلى النصرانية أجبر على الإسلام ، ولم يقتل استحسانا ، وفي القياس يقتل ; لأنه بدل الدين ، وقد قال عليه الصلاة والسلام { من بدل دينه ، فاقتلوه } ، وهذا ; لأن الإكراه لما لم يمنع صحة الإسلام كان المكره كالطائع فيه ، ولكنه استحسن إسقاط القتل عنه للشبهة التي فعلت ; لأنا لا نعلم سره حقيقة ، والأدلة قد تعارضت ، فكون الإسلام مما يجب اعتقاده دليل على أنه معتقد ، والإكراه دليل على أنه غير معتقد بما يقول ، وتعارض الأدلة شبهة في درء ما يندرئ بالشبهات ، وهذا نظير القياس ، والاستحسان في المولود بين المسلمين إذا بلغ مرتدا يجبر على الإسلام ، ولا يقتل استحسانا ، والذي أسلم بنفسه في صغره إذا بلغ مرتدا يجبر على الإسلام ، ولا يقتل للشبهة المتمكنة فيه بسبب اختلاف العلماء . رحمهم الله . ولو كان أكرهه على الإقرار - بإسلام ماض منه ، فالإقرار باطل ; لأن الإكراه دليل على أنه كاذب فيما أخبر به من الإقرار بالإسلام ماضيا ، وكذلك لو أكره بوعيد تلف ، أو غير تلف على أن يقر بأنه لا قود له قبل هذا الرجل ، ولا بينة له عليه به ، فالإقرار باطل ; لأن الإكراه دليل على أنه كاذب فيما يقر به بخلاف ما إذا أكره على إنشاء العفو ، فإن أعاده بعد ذلك ، وأقام البينة عليه به حكم له بالقود ; لأن ما سبق منه من الإقرار بالعفو قد بطل ، فكان وجوده كعدمه ، وكذلك لو أكرهه على أن يقر بأنه لم يتزوج هذه المرأة ، وأنه لا بينة له عليها بذلك ، أو على أن هذا ليس بعبده ، وأنه حر [ ص: 85 ] الأصل فإقراره بذلك باطل ; لأن الإكراه دليل على أنه كاذب فيما أقر به ، فلا يمنع ذلك قبول بينته على ما يدعيه من النكاح ، والرق بعد ذلك . ( ألا ترى ) أنه لو أقر بشيء من هذا هازلا لا يلزمه شيء فيما بينه ، وبين ربه ، ولو أقر به طائعا ، وهو يعلم أنه كاذب فيما قال وسعه إمساك المرأة ، والعبد فيما بينه ، وبين ربه بخلاف الإنشاء ، فمن هذا الوجه يقع الفرق بين هذه الفصول ، والله أعلم بالصواب . ( قال رحمه الله ) ولو أن رجلا أكره بوعيد تلف حتى خلع امرأته على ألف درهم ، ومهرها الذي تزوجها عليه أربعة آلاف ، وقد دخل بها ، والمرأة غير مكرهة ، فالخلع ، واقع ; لأن الخلع من جانب الزوج طلاق ، والإكراه لا يمنع وقوع الطلاق بغير جعل ، فكذلك بالجعل ، وللزوج على امرأته ألف درهم ; لأنها قد التزمت الألف طائعة بإزاء ما سلم لها من البينونة ، ولا شيء على المكره للزوج ; لأنه أتلف عليه ملك النكاح ، وقد بينا أنه لا قيمة لملك النكاح عند الخروج من ملك الزوج ، وأنه ليس بمال ، فلا يكون مضمونا بالمال أصلا بل عند الحاجة إلى الصيانة ، والمضمون المحل المملوك لا الملك الوارد عليه ، ولهذا جاز إزالة الملك بغير شهود ، ولا عوض ، وكذلك لو أكره ، ولي العمد على أن يصالح منه على ألف درهم ، فالإكراه لا يمنع إسقاط القود بالعفو ، فكذلك لا يمنع إسقاطه بالصلح ، ولا شيء له سوى الألف على الذي كان قبله الدم ، ولا شيء لصاحب الدم على الذي أكرهه ; لأن القاتل ما التزم الزيادة على الألف ، والمكره أتلف عليه ما ليس بمال متقوم ، وهو ملك استيفاء القود ، وهذا ملك غير مضمون بالعفو مندوب إليه شرعا ، وبه ، فارق النفس ، فإنها مضمونة بالمال عند الإتلاف خطأ صيانة لها عن الإهدار . ولو أكره على أن يعتق عبده على مائة درهم ، وقبله العبد ، وقيمته ألف ، والعبد غير مكره ، فالعتق جائز على المائة ; لأن الإكراه لا يمنع صحة إسقاط الرق بالعتق ، والعبد التزم المائة طوعا ، ثم يتخير مولى العبد ، فإن شاء ضمن الذي أكرهه قيمة العبد ; لأنه أتلف عليه ملكه في العبد بالإكراه الملجئ ، وملكه في العبد ملك مال متقوم ، فيكون مضمونا على المتلف بخلاف ما سبق ، ثم يرجع المكره على العبد بمائة ; لأن المولى أقامه مقام نفسه حين ضمنه القيمة في الرجوع على العبد بالمسمى ، وإن شاء المولى أخذ العبد بالمائة ، ورجع على المكره [ ص: 86 ] بتسعمائة تمام القيمة ; لأن ما زاد على قدر المسمى من المالية أتلفه المكره عليه بغير عوض . فإن قيل : لماذا كان له أن يرجع بجميع الألف على المكره ، وقد أتلف عليه مقدار المائة بعوض قلنا ; لأن هذا العوض في ذمة مفلسه ، فإن العبد يخرج من ملك المولى ، ولا شيء له ، فهو كالتاوي ، فإن قيل : لماذا لم يجعل اختياره للمسمى إبراء منه للمكره قلنا في مقدار المائة يجعل هكذا ; لأن له أن يرجع بها على أيهما شاء ، فأما في الزيادة على ذلك ، فحقه متعين في ذمة المكره ، ولو كان أكرهه على العتق بألفي درهم إلى سنة ، وقيمته ألف ، فالمولى بالخيار إن شاء ضمن المكره قيمة عبده ; لأنه أتلف عليه ماليته ببدل لا يصل إليه إلا بعد مضي الأجل ، وإن شاء أتبع العبد بالألفين بعد مضي السنة ; لأنه التزم ذلك طوعا ، فإن اختار تضمين المكره قام المكره مقام المولى في الرجوع على العبد بالمسمى عند حلول الأجل ، فإذا أخذ ذلك منه أمسك ألفا مقدار ما غرم ، وتصدق بالفضل ; لأنه حصل له بكسب خبيث ، وإن اختار إتباع العبد ، فلا شيء له على المكره بعد ذلك ; لأنه صار راضيا بما صنع حين اختار إتباع العبد ، فإن كان الألفان نجوما ، فحل نجم منها ، فطلب المولى العبد بذلك النجم بغير إكراه ، فهذا منه اختيار لإتباع العبد ، ولا ضمان له على المكره بعد ذلك ; لأن مطالبته إياه بذلك النجم دليل الرضا منه بما سبق ، فيكون كالتصريح بالرضا ، وذلك يسقط حقه في تضمين المكره . ولو أكرهت امرأة بوعيد تلف ، أو حبس حتى تقبل من زوجها تطليقة على ألف درهم فقبلت ذلك منه ، وقد دخل بها ، ومهرها الذي تزوجها عليه أربعة آلاف أو خمسمائة ، فالطلاق رجعي ، ولا شيء عليه من المال ; لأن التزام البدل يعتمد تمام الرضا ، وبالإكراه ينعدم الرضا سواء كان الإكراه بحبس ، أو بقتل ، ولكن وقوع الطلاق يعتمد وجود القبول لا وجود المقبول . ( ألا ترى ) أنه لو طلق امرأته الصغيرة على مال فقبلت وقع الطلاق ، ولم يجب المال ، وبسبب الإكراه لا ينعدم القبول ، فلهذا كان الطلاق واقعا ، ثم الواقع بصريح اللفظ يكون رجعيا إذا لم يجب العوض بمقابلته ، وهنا لا عوض عليه ، فكان الطلاق رجعيا ، وقد ذكر في الجامع الصغير إذا شرطت الخيار لنفسها ثلاثة أيام في الطلاق بمال عند أبي حنيفة لا يقع الطلاق ما لم يسقط الخيار وعندهما الطلاق واقع ، والمال لازم ، وكذلك لو هزلت بقبول الطلاق بمال ، واتفقا على ذلك عند أبي حنيفة لا يقع الطلاق ما لم يرض بالتزام المال . وعندهما الطلاق واقع ، والمال واجب ، فبالكل حاجة إلى الفرق بين مسألة الإكراه ، ومسألة الخيار ، والهزل ، فأما أبو حنيفة رحمه الله ، فقال الإكراه لا يعدم [ ص: 87 ] الاختيار في السبب ، والحكم ، وإنما يعدم الرضا بالحكم ، فلوجود الاختيار في السبب ، والحكم تم القبول ، ووقع الطلاق ، ولانعدام الرضا لا يجب المال ، فكأن المال لم يذكر أصلا ، فأما خيار الشرط ، فلانعدام الاختيار ، والرضا بالسبب ، وبعدم الاختيار ، والرضا بالحكم يتوقف الحكم ، وهو وقوع الطلاق ، ووجوب المال على وجود الاختيار ، والرضا به ، وكذلك الهزل لا ينافي الاختيار ، والرضا بالسبب ، وإنما يعدم الرضا ، والاختيار بالحكم ، فتوقف الحكم لانعدام الاختيار في حقه ، وصح التزام المال به موقوفا على أن يلزمه عند تمام الرضا به ، وهما يقولان : الإكراه يعدم الرضا بالحكم ، ولا يعدم الاختيار في السبب ، والحكم جميعا ، فيثبت الحكم ، وهو الطلاق ، ولا يجب المال لانعدام الرضا به ، فكأنه لم يذكر ، فأما الهزل ، وشرط الخيار ، فلا يعدم الرضا بالسبب ، والحكم لا ينفصل عن السبب ، فالرضا بالسبب فيهما يكون رضا بالحكم فيقع الطلاق ، ويجب المال ; لأن المال صار تبعا للطلاق في الحكم ، وفي الإكراه انعدم الرضا بالسبب ، فلا يثبت ما يعتمد ثبوته الرضا ، وهو المال ، ويثبت من المال ما لا يعتمد ثبوته الرضا ، وهو الطلاق ، فإن قالت بعد ذلك قد رضيت بتلك التطليقة بذلك المال جاز ، ولزمها المال ، وتكون التطليقة بائنة في قول أبي حنيفة ، وقال محمد إجازتها باطلة ، وهي تطليقة رجعية ، ولم يذكر قول أبي يوسف ، فقيل قوله كقول محمد رحمهما الله . والأصح أن قوله كقول أبي حنيفة رحمه الله ، فمن جعل قوله كقول محمد قال : المسألة فرع لما بينا في كتاب الطلاق إذا قال لامرأته : أنت طالق كيف شئت عند أبي حنيفة تقع تطليقة رجعية ، ولها الخيار في جعلها بائنة وعندهما لا يقع عليها شيء ما لم تشأ ، فمن أصله أنه يقع أصل الطلاق ، ويبقى لها المشيئة في الصفة فهنا أيضا وقع أصل الطلاق بقبولها ، وبقي لها المشيئة في صفته ، فإذا التزمت المال طوعا صارت تطليقة بائنة وعندهما لا يجوز أن يبقى لها مشيئة بعد وقوع أصل الطلاق بقبولها ، فلا رأي لها بعد ذلك في التزام المال لتغير صفة تلك التطليقة ، ومن قال إن قول أبي يوسف كقول أبي حنيفة جعل المسألة ، فرعا ; لما بيناه في كتاب الدعوى أن من طلق امرأته تطليقة رجعية ، ثم قال : جعلتها بائنة عند أبي حنيفة وأبي يوسف تصير بائنا ، وعند محمد لا تصير بائنا ، فلما كان من أصلهما أن للزوج أن يجعل الواقع بصفة الرجعية بائنا ، فكذلك للمرأة ذلك بالتزام المال ، وعند محمد لما لم يكن للزوج ولاية جعل التطليقة الرجعية بائنة ، فكذلك لا يكون لها ذلك بالتزام المال ، ولو كان مكان التطليقة خلع بألف درهم كان الطلاق بائنا ، ولا شيء عليها ; لأن الواقع بلفظ الخلع بائن من غير اعتبار وجوب المال ، فإن الخلع مشتق من الخلع ، والانتزاع [ ص: 88 ] ففي اللفظ ما يوجب البينونة ، ولهذا لو خلع الصغيرة على مال ، وقبلت كان الواقع بائنا بخلاف لفظ صريح الطلاق ، وكذلك الصلح عن دم العمد إذا أكره القاتل بقتل ، أو حبس على أن يصالح الولي على أكثر من الدية ، أو أقل منها ، فصالحه بطل الدم لوجود القبول مع الإكراه ، وليس على القاتل من المال شيء ; لأن التزام المال يعتمد تمام الرضا ، وينعدم بالإكراه . ولو خلع امرأته قبل أن يبلغ ، وقد دخل بها على ألف درهم ، فقبلت ، وقع الخلع لوجود القبول منها ، ولم يجب المال ; لأن الصغر لا ينافي التكلم بالقبول ، ولكن ينافي صحة التزام المال . ( ألا ترى ) أن التزام المال منه عوضا عن مال لا يكون صحيحا ، فعن غير مال أولى ، ولذلك لو كان لرجل على رجل دم عمد ، فصالحه عنه غلام لم يبلغ على مال ضمنه له الغلام على إن عفا جاز العفو لوجود القبول ممن شرط عليه الضمان ، ولا شيء عليه ; لأن الصغر ينافي التزام المال بجهة الضمان ، وإنما ، أورد هذا لإيضاح مسألة الإكراه ، وكذلك لو أكره العبد على أن يقبل العتق من مولاه بمال قليل ، أو كثير عتق لوجود القبول ، ولا شيء عليه من المال لانعدام الرضا من العبد بالتزام المال . ولو أكره الزوج على أن يطلق امرأته بألف درهم ، وأكرهت المرأة على أن تقبل ذلك ، ففعلا وقع الطلاق بغير مال ; لأن الإكراه لا ينافي الاختيار في الإيجاب ، والقبول ، وإنما يعدم الرضا به ، والمال لا يجب بدون الرضا به ، وكذلك هذا في الصلح من القود ، والعتق على مال ; لأن للمولى أن يضمن المكره قيمة عبده إن كان أكرهه بوعيد قتل ، وإن كان أكرهه بحبس لم يضمن شيئا ; لما بينا أن الإتلاف إنما يصير منسوبا إلى المكره عند الإلجاء التام ، وذلك الإكراه بالقتل دون الإكراه بالحبس . ( قال رحمه الله ) كان أبو حنيفة رحمه الله يقول أولا لو أن سلطانا ، أو غيره أكره رجلا حتى زنى ، فعليه الحد ، وهو قول زفر رحمه الله ، ثم رجع ، فقال لا حد عليه إذا كان المكره سلطانا ، وهو قولهما : وجه قوله الأول أن الزنا من الرجل لا يتصور إلا بانتشار الآلة ، ولا تنتشر آلته إلا بلذة ، وذلك دليل الطواعية ، فمع الخوف لا يحصل انتشار الآلة ، وفرق على هذا القول بين الرجل والمرأة قال المرأة في الزنا محل الفعل ، ومع الخوف يتحقق التمكين منها . ( ألا ترى ) أن فعل الزنا يتحقق ، وهي نائمة ، أو مغمى عليها لا تشعر بذلك بخلاف جانب الرجل ، وفرق على هذا القول [ ص: 89 ] بين الإكراه على الزنا ، وبين الإكراه على القتل قال : لا قود على المكره ، وعليه الحد ، ففي كل واحد من الموضعين الحرمة لا تنكشف بالإكراه ، ولكن القتل فعل يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره ، فبسبب الإلجاء يصير الفعل منسوبا إلى المكره ، ولهذا لزمه القصاص ، وإذا صار منسوبا إلى المكره صار المكره آلة ، فأما الزنا ، ففعل لا يتصور أن يكون المكره فيه آلة للمكره ; لأن الزنا بآلة الغير لا يتحقق ، ولهذا لا يجب الحد على المكره ، فبقي الفعل مقصورا على المكره ، فيلزمه الحد ووجه قوله الآخر أن الحد مشروع للزجر ، ولا حاجة إلى ذلك في حالة الإكراه ; لأنه منزجر إلى أن يتحقق الإلجاء ، وخوف التلف على نفسه ، فإنما كان قصده بهذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا اقتضاء الشهوة ، فيصير ذلك شبهة في إسقاط الحد عنه ، وانتشار الآلة لا يدل على انعدام الخوف ، فقد تنتشر الآلة طبعا بالفحولة التي ركبها الله تعالى في الرجال ، وقد يكون ذلك طوعا . ( ألا ترى ) أن النائم تنتشر آلته طبعا من غير اختيار له في ذلك ، ولا قصد ، ثم على القول الآخر قال أبو حنيفة رحمه الله إن كان المكره غير السلطان يجب الحد على المكره ، وقال أبو يوسف ومحمد إذا كان قادرا على إيقاع ما هدده به ، فلا حد على المكره سواء كان المكره سلطانا ، أو غيره قيل : هذا اختلاف عصر ، فقد كان السلطان مطاعا في عهد أبي حنيفة ، ولم يكن لغير السلطان من القوة ما يقدر على الإكراه ، فأجاب بناء على ما شاهد في زمانه ، ثم تغير حال الناس في عهدهما ، وظهر كل متغلب في موضع ، فأجابا بناء على ما عاينا ، وقيل بل هو اختلاف - حكم ، فوجه قولهما أن المعتبر في إسقاط الحد - هو الإلجاء ، وذلك بأن يكون المكره قادرا على إيقاع ما هدد به ; لأن خوف التلف للمكره بذلك يحصل . ( ألا ترى ) أن السلطان لو هدده ، وهو يعلم أنه لا يفعل ذلك به لا يكون مكرها ، وخوف التلف يتحقق عند قدرة المكره على إيقاع ما هدده به بل خوف التلف بإكراه غير السلطان أظهر منه بإكراه السلطان ، فالسلطان ذو أناة في الأمور لعلمه أنه لا يفوته ، وغير السلطان ذو عجلة في ذلك لعلمه أنه يفوته ذلك بقوة السلطان ساعة فساعة . وأبو حنيفة لا يقول الإلجاء لا يتحقق بإكراه غير السلطان ، وإنما يتحقق بإكراه السلطان ; لأنه لا يتمكن من دفع السلطان عن نفسه بالالتجاء إلى من هو أقوى منه ، ويتمكن من دفع اللص عن نفسه بالالتجاء بقوة السلطان ، فإن اتفق في موضع لا يتمكن من ذلك ، فهو نادر ، والحكم إنما ينبني على أصل السبب لا على الأحوال ، وباعتبار الأصل يمكن دفع إكراه غير السلطان بقوة السلطان ، ولا يمكن دفع إكراه السلطان بشيء ، ثم ما يكون [ ص: 90 ] مغيرا للحكم يعتبر فيه السلطان كتغيير الفرائض من الأربع إلى الركعتين يوم الجمعة ، وإقامة الخطبة مقام الركعتين يعتبر فيه السلطان ، ولا يقوم في ذلك غير مقامه ، وفي كل موضع ، وجب الحد على المكره لا يجب المهر لها ، وقد بينا هذا في الحدود إذ الحد ، والمهر لا يجتمعان عندنا بسبب فعل واحد خلافا للشافعي رحمه الله ، وفي كل موضع سقط الحد ، وجب المهر ; لأن الواطئ في غير الملك لا ينفك عن حد ، أو مهر ، فإذا سقط الحد ، وجب المهر لإظهار خطر المحل ، فإنه مصون عن الابتذال محترم كاحترام النفوس ، ويستوي إن كانت أذنت له في ذلك ، أو استكرهها أما إذا استكرهها ، فغير مشكل ; لأن المهر يجب عوضا عما أتلف عليه ، ولم يوجد الرضا منها بسقوط حقها ، وأما إذا أذنت له في ذلك ، فلأنه لا يحل لها شرعا أن تأذن في ذلك ، فيكون إذنها لغوا لكونها محجورة عن ذلك شرعا بمنزلة إذن الصبي ، والمجنون في إتلاف ماله ، أو هي متهمة في هذا الإذن لما لها في هذا الإذن من الحظ ، فجعل الشرع إذنها غير معتبر للتهمة ، ووجوب الضمان لصيانة المحل عن الابتذال ، والحاجة إلى الصيانة لا تنعدم بالإذن . ( ألا ترى ) أنها لو زوجت نفسها بغير مهر ، وجب المهر ، ولو مكنت نفسها بعقد فاسد حتى وطئها الزوج ، ولم يكن سمى لها مالا وجب المال ، فهذا مثله ، وهو واجب في الوجهين . أما إذا استكرهها ، فإنه ظالم ، وحرمة الظلم حرمة باتة ، وكذلك إذا أذنت له في ذلك ; لأن إذنها لغو غير معتبر ، ثم حرمة الزنا حرمة باتة لا استثناء فيها ، ولم يحل في شيء من الأديان بخلاف حرمة الميتة ، ولحم الخنزير ، فتلك الحرمة مقيدة بحالة الاختيار لوجود التنصيص على استثناء حالة الضرورة في قوله تعالى { إلا ما اضطررتم إليه } ، وإن امتنع من الزنا حتى قتل كان مأجورا في ذلك ; لأنه امتنع من ارتكاب الحرام ، وبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في الوقوف على حد الدين بالتحرز عن مجاوزته ، وفيما يرخص له فيه ، وهو إجراء كلمة الشرك ، وقد بينا أنه إذا امتنع حتى قتل كان مأجورا ، فما لا رخصة فيه أولى ، وإن كان الإكراه على الزنا بحبس ، ففعل ذلك كان عليه الحد ; لأن تمكن الشبهة باعتبار الإلجاء ، وبسبب الإكراه بالحبس لا يتحقق الإلجاء فوجوده وعدمه في حق الحكم سواء . . ولو قال له : لأقتلنك ، أو لتقطعن يد هذا الرجل ، فقال له ذلك الرجل : قد أذنت لك في القطع ، فاقطعه ، وهو غير مكره لا يسع المكره أن يقطع يده ; لأن هذا من المظالم ، وليس المقصود بالفعل أن يأذن في ذلك شرعا ; لأنه يبذل طرفه لدفع الهلاك عن غيره ، وذلك لا يسعه كما لو رأى مضطرا ، فأراد أن يقطع يد نفسه ليدفعها إليه حتى يأكلها ، ولا يسعه ذلك فهذا مثله ، ولو لم [ ص: 91 ] يوجد الإذن لم يسعه الإقدام على القطع ، فكذلك بعد الإذن ، وإن قطعها ، فلا شيء عليه ، ولا على الذي أكرهه ; لأن القاطع لو لم يكن مكرها ، وقال له إنسان اقطع يدي ، فقطعه لم يلزمه شيء ، فإذا كان القاطع مكرها أولى ، وهذا ; لأن الحق في الطرف لصاحب الطرف ، وقد أسقطه بالإذن في الابتداء ، ولو أسقطه بالعفو في الانتهاء لا يجب شيء ، فكذلك الإذن في الابتداء ، والدليل عليه أن الطرف يسلك به مسلك الأموال من وجه ، وفي الأموال البدل مفيد عامل في الإباحة ، والبدل الذي هو سعته عامل في إسقاط الضمان حتى إذا قال له : أحرق ثوبي هذا لا يباح له أن يفعله ، ولكن لا يلزمه شيء إن فعله ، فكذلك في الطرف البدل المفيد عامل في الإباحة ، وهو إذا وقع في يده أكلة ، فأمر إنسانا أن يقطع يده ، فالبدل الذي هو سعته يكون مسقطا للضمان فيه أيضا ، فلهذا لا يجب على القاطع ، ولا على المكره شيء ، وإن كان صاحب اليد مكرها أيضا من ذلك المكره ، أو من غيره على الإذن في القطع بوعيد تلف ، فالقصاص على المكره ; لأن بسبب الإلجاء يلغو إذنه ، وفعل القطع منسوب إلى المكره ; لأن المكره يصلح أن يكون آلة في ذلك ، فلهذا كان عليه القود . ولو قال له لأقتلنك ، أو لتقتلنه ، فقال له المقصود اقتلني ، فأنت في حل من ذلك ، وهو غير مكره ، فقتله بالسيف ، فعلى الآمر الدية في ماله ; لأن المباشر ملجأ إلى القتل ، فيصير الفعل منسوبا إلى الملجئ ، وصار هذا بمنزلة ما لو قتل إنسانا بإذنه ، وفي هذا يجب الدية عليه دون القصاص في ظاهر الرواية ، وعلى قول زفر رحمه الله عليه القصاص ، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله لا شيء عليه ، أو رده في اختلاف زفر ويعقوب رحمهما الله إلا أن هذا إنما يتحقق في حق من باشر القتل بنفسه لا في حق المكره ، فإن زفر لا يرى القود على المكره ، وأورد على هذا أيضا أنه إذا قال : اقتل أبي ، أو ابني ، فقتله ، فعليه القصاص في قول زفر رحمه الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله أستحسن أن يكون عليه الدية في ماله إذا كان هو الوارث . وذكر الحسن بن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة رحمه الله في قوله اقتل ابني كقول زفر ، وفي قوله اقتلني كقول أبي يوسف أنه لا شيء عليه وجه تلك الرواية أن الإذن في الابتداء كالعفو في الانتهاء ، وبعدما جرحه لو عفي عن الجناية ، ومات لم يجب شيء ، فكذلك إذا أذن في الابتداء ; وهذا لأن الحق في بدل نفسه له حتى يقضي منه ديونه ، فيسقط بإسقاطه كما في الطرف : وجه قول زفر أن بدل النفس إنما يجب بعد زهوق الروح ، والحق عند ذلك للوارث ، فإذنه في القتل صادف محلا هو حق الغير ، فكان لغوا ، وعليه القصاص بخلاف بدل الطرف [ ص: 92 ] فإن الحق له بعد تمام الفعل فيعتبر إسقاطه ، وهذا بخلاف العفو ، فإن العفو إسقاط بعد وجود السبب ، والإسقاط بعد وجود السبب ، وقبل الوجوب يصح ، فأما الإذن ، فلا يمكن أن يجعل إسقاطا ; لأن السبب لم يوجد بعد ، وباعتبار عينه الإذن لاقى حق الغير ، فلا يصح ، ووجه ظاهر الرواية أن إذنه في القتل باعتبار ابتدائه صادف حقه ، وباعتبار مآله صادف حق الوارث ، فلاعتبار الابتداء يمكن شبهة ، والقصاص يسقط بالشبهة ، ولاعتبار المال تجب عليه الدية في ماله . ولهذا قال أبو يوسف في الآذن في قتل أبيه ، أو ابنه أنه باعتبار الابتداء لاقى حق الغير ، وباعتبار المآل لاقى حقه ، فيصير المال شبهة في إسقاط القود ، ويجب عليه الدية . . ![]()
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الرابع والعشرون صـــ162 الى صـــ 171 (499) وإلى هذا أشار في الكتاب ، فقال أرأيت لو بلغ ستين سنة ، ولم يؤنس منه الرشد ، وصار ولده قاضيا ، أو نافلته أكان يحجر على أبيه وحده ، ويمتنع المال منه هذا قبيح ، ثم يقول بعد تطاول الزمان به لا بد أن يستفيد رشدا إما بطريق التجربة ، أو الامتحان ، فإن كان منع المال عنه بطريق العقوبة فقد تمكنت شبهة بإصابة نوع من الرشد ، والعقوبة تسقط بالشبهة ، وإن كان هذا حكما ثابتا بالنص غير معقول المعنى فقوله رشدا منكرا في موضع الإثبات ، والنكرة في موضع الإثبات تخص ، ولا تعم ، فإذا وجد رشد ما فقد وجد الشرط ، فيجب دفع المال إليه ، وهذا معنى ما نقل عن مجاهد رحمه الله في معنى قوله { فإن آنستم منهم رشدا } [ ص: 163 ] أي عقلا ; لأنه بالعقل يحصل له رشد ما وفي الكتاب تتبع على أبي حنيفة رحمه الله بقوله أي فائدة في منع المال منه مع إطلاق التصرف وفي منع المال منه زمانا ثم الدفع إليه قبل إيناس الرشد منه ، وقد أوضحنا الفرق لأبي حنيفة رحمه الله بما ذكرنا ثم السفيه إنما يبذر ماله عادة في التصرفات التي لا تتم إلا بإثبات اليد على المال من اتخاذ الضيافة ، أو الهبة أو الصدقة ، فإذا كانت يده مقصورة عن المال لا يتمكن من تنفيذ هذه التصرفات ، فيحصل المقصود بمنع المال منه ، وإن كان لا يحجر عليه ، ثم إذا بلغ سفيها عند محمد رحمه الله يكون محجورا عليه بدون حجر القاضي ، وقال أبو يوسف رحمه الله : لا يصير محجورا عليه ما لم يحجر عليه القاضي ، وكذلك لو بلغ رشيدا ، ثم صار سفيها فمحمد يقول : قد قامت الدلالة لنا على أن السفيه في ثبوت الحجر به نظير الجنون ، والعته والحجر يثبت بهما من غير حاجة إلى قضاء القاضي ، فكذلك في السفه وقاس الحجر بسبب الصغر والرق وأبو يوسف يقول : الحجر على السفيه لمعنى النظر له ، وهو متردد بين النظر والضرر ، ففي إبقاء الملك له نظر ، وفي إهدار قوله ضرر ، وبمثل هذا لا يترجح أحد الجانبين منه إلا بقضاء القاضي : توضيحه أن السفه ليس بشيء محسوس ، وإنما يستدل عليه بأن يغبن في التصرفات ، وقد يكون ذلك للسفه ، وقد تكون جبلة لاستجلاب قلوب المجاهرين فإذا كان مختبلا مترددا لا يثبت حكمه إلا بقضاء القاضي بخلاف الصغر ، والجنون والعبد ، ولأن الحجر بهذا السبب مختلف فيه بين العلماء رحمهم الله ، فلا يثبت إلا بقضاء القاضي كالحجر بسبب الدين . والكلام في الحجر بسبب الدين في موضعين : أحدهما أن من ركبته الديون إذا خيف أن يلجئ ماله بطريق الإقرار ، فطلب الغرماء من القاضي أن يحجر عليه عند أبي حنيفة رحمه الله : لا يحجر عليه القاضي ، وعندهما يحجر عليه ، وبعد الحجر لا ينفذ تصرفه في المال الذي كان في يده عند الحجر ، وتنفذ تصرفاته فيما يكتسب من المال بعده ، وفي هذا الحجر نظر للمسلمين ، فإذا جاز عندهما الحجر عليه بطريق النظر ، فكذلك يحجر لأجل النظر للمسلمين وعند أبي حنيفة لا يحجر على المديون نظرا له ، فكذلك لا يحجر عليه نظرا للغرماء ، ولما في الحيلولة بينه ، وبين التصرف في ماله من الضرر عليه ، وإنما يجوز النظر لغرمائه بطريق لا يكون فيه إلحاق الضرر به إلا بقدر ما ، ورد الشرع به وهو الحبس في الدين لأجل ظلمه الذي تحقق بالامتناع من قضاء الدين مع تمكنه منه ، وخوف التلجئة ظلم موهوم منه ، فلا يجعل كالمتحقق ، ثم الضرر عليه في إهدار قوله فوق الضرر في حبسه ولا يستدل بثبوت الأدنى على ثبوت الأعلى كما في منع المال من السفيه مع الحجر عليه . ثم [ ص: 164 ] هذا الحجر عندهما لا يثبت إلا بقضاء القاضي ومحمد رحمه الله يفرق بين هذا ، وبين الأول ، فيقول : هنا الحجر لأجل النظر للغرماء فيتوقف على طلبهم ، وذلك لا يتم إلا بقضاء القاضي له ، والحجر على السفيه لأجل النظر له وهو غير موقوف على طلب أحد ، فيثبت حكمه بدون القضاء . والفصل الثاني - أنه لا يباع على المديون ماله في قول أبي حنيفة رحمه الله العروض ، والعقار في ذلك سواء لا مبادلة أحد النقدين بالآخر فللقاضي أن يفعل ذلك استحسانا لقضاء دينه ، وقال أبو يوسف ومحمد يبيع عليه ماله ، فيقضي دينه بثمنه لحديث { معاذ رضي الله عنه ، فإنه ركبته الديون ، فباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله ، وقسم ثمنه بين غرمائه بالحصص } ، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في خطبته : أيها الناس إياكم ، والدين ، فإن أوله هم ، وآخره حزن ، وإن أسيفع جهينة قد رضي من دينه ، وأمانته أن يقال : سبق الحاج ، فادان معرضا ، فأصبح ، وقد دين به ألا إني بائع عليه ماله فقاسم ثمنه بين غرمائه بالحصص ، فمن كان له عليه دين ، فليفد ، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة فكان هذا اتفاقا منهم على أنه يباع على المديون ماله ، والمعنى فيه أن بيع المال لقضاء الدين من ثمنه مستحق عليه بدليل أنه يحبس إذا امتنع منه وهو ما يجزي فيه النيابة والأصل إن امتنع عن إيفاء حق مستحق عليه وهو مما يجزي فيه النيابة ناب القاضي فيه منابه كالذي إذا أسلم عبده ، فأبى أن يبيعه باعه القاضي عليه بهذا والتعيين بعد مضي المدة إذا أبى أن يفارقها ناب القاضي منابه في التفريق بينهما ، وهذا بخلاف المديون إذا كان معسرا ، فإن القاضي لا يؤاجره ليقضي دينه من أجرته ، وكذلك لا يبيع ما عليه من ثياب بدنه ; لأن ذلك غير مستحق عليه بدليل أنه لا يحبسه لأجله وكذلك الدين إذا وجب على امرأة ، فإن القاضي لا يزوجها ليقضي الدين من صداقها ; لأن ذلك غير مستحق عليها بدليل أنها لا تحبس لتباشر ذلك بنفسها فلا ينوب القاضي فيه منابها وأبو حنيفة رحمه الله استدل بقوله تعالى { لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم } ، وبيع المال على المديون بغير رضاه ليس بتجارة عن تراض . وقال عليه الصلاة والسلام { لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه } . ونفسه لا تطيب ببيع القاضي ماله عليه ، فلا ينبغي له أن يفعله لهذا الظاهر ، والمعنى فيه أن بيع المال غير مستحق عليه ، فلا يكون للقاضي أن يباشر ذلك عند امتناعه كالإجارة والتزويج : بيان الوصف أن المستحق عليه قضاء الدين ، وجهة بيع المال غير متعين لقضاء الدين ، فقد يتمكن من قضاء الدين بالاستيهاب ، والاستقراض وسؤال الصدقة من الناس فلا يكون [ ص: 165 ] للقاضي تعيين هذه الجهة عليه بمباشرة بيع ماله ، والدليل عليه أنه يحبسه بالاتفاق وقد ورد الأثر به على ما روي { أن رجلا من جهينة أعتق شقصا من عبد بينه ، وبين غيره ، فحبسه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى باع غنيمة له ، وضمن نصيب شريكه } ، ونحن نعلم أنه ما حبسه إلا بعد علمه بيساره ; لأن ضمان المعتق لا يجب إلا على الموسر ومع ذلك اشتغل رسول الله صلى الله عليه وسلم بحبسه حتى باع بنفسه ، فعرفنا أن المديون يحبس لقضاء الدين ، ولو جاز للقاضي بيع ماله لم يشتغل بحبسه لما في الحبس من الإضرار به وبالغرماء في تأخير وصول حقهم إليهم ، فلا معنى للمصير إليه بدون الحاجة وفي اتفاق العلماء رحمهم الله على حبسه في الدين دليل على أنه ليس للقاضي ولاية بيع ماله في دينه ، وهذا بخلاف عبد الذمي إذا أسلم ; لأن عند إصرار المولى على الشرك إخراج العبد عن ملكه مستحق عليه بعينه ، فينوب القاضي منابه . وكذلك في حق العنين لما تحقق عجزه عن الإمساك بالمعروف فالتسريح مستحق عليه بعينه ، فأما مبادلة أحد النقدين بالآخر بأن كان الدين عليه دراهم وماله دنانير ، ففي القياس ليس للقاضي أن يباشر هذه المصارفة ; لما بينا أن هذا الطريق غير متعين لما هو مستحق عليه ، وهو قضاء الدين ، وفي الاستحسان يفعل ذلك ; لأن الدراهم والدنانير جنسان صورة وجنس ، واحد معنى ، ولهذا يضم أحدهما إلى الآخر في حكم الزكاة ، ولو كان ماله من جنس الدين صورة كان للقاضي أن يقضي دينه به فكذلك إذا كان ماله من جنس الدين معنى ، فإن قيل : فعلى هذا ينبغي أن يكون لصاحب الدين ولاية الأخذ من غير قضاء كما لو ظفر بحبس حقه ، وبالإجماع ليس له ذلك قلنا ; لأنهما جنسان صورة ، وإن كانا جنسا واحدا حكما ، فلانعدام المجانسة صورة لا ينفرد صاحب الدين ، فيأخذه ; لأن فيه معنى المبادلة من وجه ، ولوجود المجانسة معنى قلنا للقاضي أن يقضي دينه به يوضحه أن من العلماء من يقول لصاحب الدين أن يأخذ أحد النقدين بالآخر من غير قضاء ، ولا رضا ، وهو قول ابن أبي ليلى رحمه الله والقاضي مجتهد ، فجعلنا له ولاية الاجتهاد هنا في مبادلة أحد النقدين بالآخر لقضاء الدين منه ، ولا يوجد هذا المعنى في سائر الأموال ، وفيه إضرار بالمديون من حيث إبطال حقه عن عين ملكه ، وللناس في الأعيان أغراض ، ولا يجوز للقاضي أن ينظر لغرمائه على وجه يلحق الضرر به ، فوق ما هو مستحق عليه ، ثم هذا المعنى لا يوجد في النقود ; لأن المقصود هناك المالية دون العين . وأما تأويل معاذ رضي الله عنه ، فنقول إنما باع رسول الله صلى الله عليه وسلم ماله بسؤاله ; لأنه لم يكن في ماله ، وفاء بدينه فسأل رسول [ ص: 166 ] الله صلى الله عليه وسلم أن يتولى بيع ماله لينال ماله بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيصير فيه وفاء بديونه ، وهذا ; لأن عندهما يأمر القاضي المديون ببيع ماله أولا ، فإذا امتنع ، فحينئذ يبيع ماله ولا يظن بمعاذ رضي الله عنه أنه كان يأبى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياه ببيع ماله حتى يحتج ببيعه عليه بغير رضاه ، فإنه كان سمحا جوادا لا يمنع أحدا شيئا ، ولأجله ركبته الديون ، فكيف يمتنع من قضاء دينه بماله بعد أمر رسول الله . صلى الله عليه وسلم والمشهور في حديث أسيفع رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه قال إني قاسم ماله بين غرمائه ، فيحمل على أنه كان ماله من جنس الدين ، وإن ثبت البيع فإنما كان ذلك برضاه ( ألا ترى ) أن عندهما القاضي لا يبيعه إلا عند طلب الغرماء ، ولم ينقل أن الغرماء طالبوه بذلك وإنما المنقول أنه ابتدأهم بذلك ، وأمرهم أن يفدوا إليه ، فدل أنه كان ذلك برضاه . ، ثم قد تم الكتاب على قول أبي حنيفة رحمه الله ، وإنما التفريع بعد هذا على قول من يرى الحجر ، فنقول بين من يرى الحجر بسبب السفه اختلاف في صفة الحجر ، فعلى قول الشافعي رحمه الله الحجر به بمنزلة الحجر بسبب الرق حتى لا ينفذ بعد الحجر شيء من تصرفاته سوى الطلاق ; لأن السفه لا يزيل الخطاب ، ولا يخرجه من أن يكون أهلا لالتزام العقوبة باللسان باكتساب سببها ، أو بالإقرار بها بمنزلة الرق ، فكما أن بعد الرق لا ينفذ شيء من تصرفاته سوى الطلاق فكذلك بعد الحجر بسبب السفه وأبو يوسف ومحمد قالا : المحجور عليه بسبب السفه في التصرفات كالهازل يخرج كلامه على غير نهج كلام العقلاء لقصده اللعب به دون ما وضع الكلام له لا لنقصان في عقله ، فكذلك السفيه يخرج كلامه في التصرفات على غير نهج كلام العقلاء لاتباع الهوى ، ومكابرة العقل لا لنقصان في عقله ، وكل تصرف لا يؤثر فيه الهزل كالنكاح ، والطلاق ، والعتاق لا يؤثر فيه السفه ، ولا يجوز أن يجعل هذا نظير الحجر بسبب الرق ; لأن ذلك الحجر لحق الغير في المحل الذي يلاقيه تصرفه حتى فيما لا حق للغير فيه يكون تصرفه نافذا ، وهنا لا حق لأحد في المحل الذي يلاقيه تصرفه ، ثم على مذهبهما القاضي ينظر فيما باع واشترى هذا السفيه . فإن رأى إجازته أجازه ، وكان جائزا لانعدام الحجر قبل القضاء عند أبي يوسف رحمه الله ، ولإجازة القاضي عند محمد رحمه الله فإن لا يكون دون حال الذي لم يبلغ إذا كان عاقلا ، وهناك إذا باع واشترى ، وأجازه القاضي جاز وهذا ; لأن الحجر عليه لمعنى النظر ، وربما يكون النظر له في إجازة هذا التصرف ، فلهذا نفذ بإجازة القاضي سواء باشره السفيه ، أو الصبي العاقل قال : وهما [ ص: 167 ] سواء في جميع الأشياء إلا في خصال أربع أحدها : لا يجوز لوصي الأب أن يبيع شيئا من مال هذا الذي بلغ ، وهو سفيه إلا بأمر الحاكم ، ويجوز له البيع والشراء على الذي لم يبلغ ; لأن ولاية الوصي عليه ثابتة إلى وقت البلوغ ( ألا ترى ) أنه ينفرد بالإذن له ، والحجر عليه ، وأنه قائم مقام الأب في ذلك ، وللأب ولاية على ولده ما لم يبلغ فأما بعد ما بلغ عاقلا لا يبقى للوصي عليه ولاية أما عند أبي يوسف فلأنه صار ولي نفسه ما لم يحجر عليه القاضي ، ومن ضرورة كونه ولي نفسه انتفاء ولاية الوصي عنه وأما عند محمد فلأن البلوغ عن عقل مخرج له من أن يكون مولى عليه ، ويثبت له الولاية على نفسه . ( ألا ترى ) أن لمعنى النظر له امتنع ثبوت أحد الحكمين ، وهو ثبوت الولاية له في التصرفات بنفسه ، ولا يتحقق مثل ذلك النظر في إبقاء ولاية الولي عليه ثم قد بينا أن تأثير السفه كتأثير الهزل ، ولا أثر للهزل في إثبات الولاية عليه للوصي ، وللهزل تأثير في إبطال تصرفه ، فلهذا لا يجوز تصرف الوصي عليه إلا أن يأمره الحاكم بذلك ، فحينئذ يقوم هو في التصرف له مقام القاضي ومعلوم أن القاضي إذا حجر عليه لا يتركه ليموت جوعا ، ولكن يتصرف له فيما يحتاج إليه وربما لا يتمكن من مباشرة ذلك بنفسه لكثرة أشغاله ، فلا بد من أن يقيم غيره فيه مقامه والثاني - أن السفيه إذا أعتق مملوكا له نفذ عتقه بخلاف الذي لم يبلغ ; لما بينا أن تأثير السفه كتأثير الهزل ، ثم في قول محمد وهو قول أبي يوسف الأول على العبد أن يسعى في قيمته ، وفي قول أبي يوسف الآخر ليس عليه السعاية في قيمته ; لأنه لو سعى إنما يسعى لمعتقه ، والمعتق لا تلزمه السعاية قط لحق معتقه بحال إنما تلزمه السعاية لحق غيره والثاني - أن تأثير السفه كتأثير الهزل ، ومن أعتق مملوكه هازلا لا تلزمه السعاية في قيمته فهذا قياسه : وجه قول محمد رحمه الله أن الحجر على السفيه لمعنى النظر له ، فيكون بمنزلة الحجر على المريض لأجل النظر لغرمائه ، وورثته ، ثم هناك إذا أعتق عبدا ، وجب عليه السعاية لغرمائه أو في ثلثي قيمته لورثته إذا لم يكن عليه دين ، ولا مال سواه ; لأن رد العتق واجب لمعنى النظر ، وقد تعذر رده عليه ، فيكون الرد بإيجاب السعاية ، فهنا أيضا رد العتق واجب لمعنى النظر وقد تعذر رد عينه ، فيكون الرد بإيجاب السعاية ، فهنا أيضا واجب لمعنى النظر له ، وقد تعذر رده ، فكان الرد بإيجاب السعاية ، وقد بينا أن معنى النظر له في حكم الحجر بمنزلة النظر للمسلمين في الحجر بسبب الدين فكذلك في حكم السعاية . والثالث - أن الذي لم يبلغ إذا دبر عبده لا يصح تدبيره وهذا السفيه إذا دبر عبده جاز تدبيره ; لأن التدبير يوجب حق العتق للمدبر ، فيعتبر بحقيقة العتق إلا أن [ ص: 168 ] هناك تجب عليه السعاية في قيمته ، وهنا لا تجب إلا بعد صحة التدبير في مال مملوك له يستخدمه ، ولا يمكن إيجاب نقصان التدبير عليه ; لأنه لما بقي على ملكه ، والمولى لا يستوجب على مملوكه دينا تعذر إيجاب النقصان عليه . ( ألا ترى ) أنه لو دبر عبده بمال وقبله العبد كان التدبير صحيحا ، ولا يجب المال بخلاف ما إذا كاتبه أو أعتقه على مال ، فإن مات المولى قبل أن يؤنس منه الرشد سعى الغلام في قيمته مدبرا ; لأن بموت المولى عتق ، فكأنه أعتقه في حياته ، فعليه السعاية في قيمته ، وإنما لاقاه المعتق ، وهو مدبر ، فيسعى في قيمته مدبرا ( ألا ترى ) أن مصلحا لو دبر عبدا له في صحته ، ثم مات وعليه دين يحيط بقيمته أن على العبد أن يسعى في قيمته مدبرا لغرمائه فهذا مثله ، وكذا لو أعتقه بعد التدبير نفذ عتقه ، وعليه السعاية في قيمته ; لما قلنا . والرابع أن ، وصايا الذي لم يبلغ لا تكون صحيحة ، والذي بلغ مفسدا إذا أوصى بوصايا فالقياس فيه كذلك أنها باطلة بمنزلة تبرعاته في حياته ، ولكنا نستحسن أن ما وافق الحق وما يتقرب به إلى الله تعالى ، وما يكون على وجه الفسق من الوصية للقرابات ، ولم يأت بذلك سرف ، ولا أمر يستقبحه المسلمون أنه ينفذ ذلك كله من ثلث ماله ; لأن الحجر عليه لمعنى النظر له حتى لا يتلف ماله فيبتلى بالفقر الذي هو الموت الأحمر ، وهذا المعنى لا يوجد في وصاياه ; لأن أوان وجوبها بعد موته ، وبعد ما وقع الاستغناء عن المال في أمر دنياه ، فإذا حصلت وصاياه على وجه يكون فيه نظر منه لأمر أضر به أو لاكتساب الثناء الحسن بعد موته لنفسه وجب تنفيذه ; لأن النظر له في تنفيذ هذه الوصايا والتدبير من هذه الجملة فيعتق به بعد الموت لهذا ، وكان ينبغي أن لا يجب على المدبر السعاية ولكنه ، أوجب السعاية لما فيه من معنى إبطال المالية ، فكلام أبي يوسف يتضح في هذا الفصل ، ثم العلماء رحمهم الله اختلفوا في ، وصية الذي لم يبلغ : أهل المدينة رحمهم الله يجوزون من وصاياه ما وافق الحق ، وبه أخذ الشافعي رحمه الله على ما سنبينه في كتاب الوصايا ، وقد جاءت فيه الآثار حتى روي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجاز وصية غلام يفاع ، وفي رواية يافع ، وهو المراهق ، وأن شريحا رحمه الله سئل عن وصية غلام لم يبلغ ، فقال إن أصاب الوصية ، فهو جائز ، وهكذا نقل عن الشعبي رحمه الله ، فحال هذا الذي بلغ وصار مخاطبا بالأحكام أقوى من حال الذي لم يبلغ ، فاختلاف العلماء في وصية الذي لم يبلغ يكون اتفاقا منهم في وصية السفيه أنه إذا وافق الحق وجب تنفيذه ، فهذا وجه آخر للاستحسان . ، ثم الحاصل أن السفه لا يجعل كالهزل في جميع التصرفات ، ولا كالصبا ، ولا كالمرض ، ولكن الحجر به لمعنى النظر له فالمعتبر فيه توفر النظر عليه ، وبحثه يلحق ببعض هذه الأصول [ ص: 169 ] في كل حادثة ، فإن جاءت جاريته بولد فادعاه ثبت نسبه منه وكان الولد حرا لا سبيل عليه ، والجارية أم ولد له ، فإن مات كانت حرة لا سبيل عليها ; لأن توفر النظر في إلحاقه بالمصلح في حكم الاستيلاد ، فإنه محتاج إلى ذلك لإبقاء نسله ، وصيانة مائه ، ويلحق في هذا الحكم بالمريض المديون إذا ادعى نسب ولد جاريته كان هو في ذلك كالصحيح حتى أنها تعتق من جميع ماله بموته ، ولا تسعى هي ، ولا ولدها في شيء ; لأن حقه مقدم على حق غرمائه بخلاف ما لو أعتقها ، ولو لم يكن معها ولد ، وقال هذه أم ولد كانت بمنزلة أم الولد يقدر على بيعها ، فإن مات سعت في جميع قيمتها بمنزلة المريض إذا قال لجاريته وليس معها ولد : هذه أم ولدي ، وهذا ; لأنه إذا كان معها ولد ، فثبوت نسب الولد بمنزلة الشاهد لها في إبطال حق الغير فكذلك في دفع حكم الحجر عن تصرفه بخلاف ما إذا لم يكن معها ولد ، فإنه لا شاهد له هنا فإقراره لها بحق العتق بمنزلة إقراره بحقيقة الحرية ، فلا يقدر على بيعها بعد ذلك ، ويسعى في قيمتها بعد موته كما لو أعتقها ، ولو كان له عبد لم يولد في ملكه ، فقال : هذا ابني ، ومثله يولد لمثله فهو ابنه يعتق ، ويسعى في قيمته ; لأنه أصل العلوق ، ولما لم يكن في ملكه كانت دعواه دعوى تحرير ، فيكون كالإعتاق . ( ألا ترى ) أن المريض المديون إذا قال لعبد لم يولد في ملكه هذا ابني عتق ، وسعى في قيمته ، ولو اشترى هذا المحجور عليه ابنه ، وهو معروف ، وقبضه كان شراؤه ، فاسدا ، ويعتق الغلام حين قبضه ، ويجعل في هذا الحكم بمنزلة شراء المكره ، فيثبت له الملك بالقبض ، ويعتق عليه ; لأنه ملك ابنه ثم يسعى في قيمته للبائع ولا يكون للبائع في مال المشتري شيء من ذلك ; لأنه ، وإن ملكه بالقبض فالتزام الثمن ، أو القيمة بالعقد منه غير صحيح لما في ذلك من الضرر عليه وهو في هذا الحكم ملحق بالصبي ، وإذا لم يجب على المحجور شيء لا يسلم له أيضا شيء من سعايته فتكون السعاية الواجبة على العبد للبائع ، ولو وهب له ابنه المعروف ، أو وهب له غلام ، فقبضه وادعى أنه ابنه ، فإنه يعتق ، ويلزمه السعاية في قيمته بمنزلة ما لو أعتقه . ( ألا ترى ) أن المريض المديون لو وهب له ابنه المعروف ، أو وهب له غلام في مرضه ، فادعى أنه ابنه ، ثم مات سعى الغلام في قيمته لغرمائه ولو أن هذا الذي بلغ مفسدا تزوج امرأة جاز نكاحه ، وينظر إلى ما تزوجها عليه ، وإلى مهر مثلها ، فيلزمه أقلهما ويبطل الفضل عن مهر مثلها مما سمى ، وهو في ذلك كالمريض المديون فإن التزوج من حوائجه ومن ضرورة صحة النكاح وجوب مقدار مهر المثل فأما الزيادة على ذلك فالتزام بالتسمية ، ولا نظر له في هذا الالتزام فلا تثبت هذه الزيادة كالمريض [ ص: 170 ] إذا تزوج امرأة بأكثر من صداق مثلها يلزمه من المسمى مقدار مهر مثلها فإذا طلقها قبل الدخول ، وجب لها نصف المهر في ماله ; لأن التسمية صحيحة في مقدار مهر المثل ، وتنصف المفروض بالطلاق قبل الدخول حكم ثابت بالنص . وكذلك لو تزوج أربع نسوة ، أو تزوج كل يوم واحدة ، ثم طلقها ، وبهذا يحتج أبو حنيفة رحمه الله أنه لا فائدة في الحجر عليه ; لأنه لا ينسد باب إتلاف المال عليه ، وإنه يتلف ماله بهذا الطريق إذا أعجز عن إتلافه بطريق البيع ، والهبة ، وهو يكتسب المحمدة في البر والإحسان ، والمذمة في التزوج ، والطلاق قال : عليه الصلاة والسلام { لعن الله كل ذواق مطلاق } ، ولو حلف بالله أو نذر نذورا من هدي ، أو صدقة لم ينفذ له القاضي شيئا من ذلك ، ولم يدعه يكفر أيمانه بذلك ; لأنه حجره عن التصرف في ماله فيما يرجع إلى الإتلاف ، ولو لم يمنعه ذلك إذا ، أوجبه على نفسه لم يحصل المقصود بالحجر ; لأنه تيسر عليه النذر بالتصدق بجميع ماله ، ثم عليه أن يصوم لكل يمين حنث فيها ثلاثة أيام متتابعات ، وإن كان هو مالكا للمال ; لأن يده مقصورة عن ماله فهو بمنزلة ابن السبيل المنقطع عن ماله وبمنزلة من يكون ماله دينا على إنسان ، أو غصبا في يده ، وهو يأبى أن يعطيه ، فله أن يكفر بالصوم كذلك هنا . ولو ظاهر هذا المفسد من امرأته صح ظهاره كما يصح طلاقه ، ويجزيه الصوم في ذلك لقصور يده عن ماله بمنزلة من كان ماله غائبا عنه ، فإن قيل : هناك لو كان في ماله عبد لم يجز له أن يكفر بالصوم قلنا ; لأن هناك يقدر على إعتاقه عن ظهاره ، وإن لم يكن في يده ، وهنا لا يقدر على ذلك ; لأنه لو أعتق عبده وجب على العبد السعاية في قيمته ، ومع وجوب السعاية عليه لا يجوز عتقه عن الظهار . ( ألا ترى ) أن مريضا مصلحا لو أعتق عبده عن ظهاره ، أو قتله وعليه دين مستغرق ، ثم مات سعى الغلام في قيمته ولم يجز عن الكفارة للسعاية التي وجبت فلهذا ، أوجبنا عليه صوم شهرين متتابعين في كفارة الظهار ، والقتل فإن قيل : كان ينبغي أن ينفذ إعتاقه من غير سعاية ; لأن هذا مما يتقرب به إلى ربه ويسقط به الواجب عن ذمته ، فالنظر له في تنفيذه قلنا لو فتح عليه هذا الباب لكان إذا شاء أن يعتق عبدا من عبيده ، وقيل : له إن عتقك لا يجوز إلا بالسعاية ظاهر من امرأته ، ثم أعتق بعد ذلك العبد ، أو حلف بيمين ، وحنث فيها ، ثم أعتق ذلك ، فيحصل له مقصوده من التبذير بهذا الطريق ; لأنه يصير بعد هذا العتق بمنزلة من لم يظاهر ، فلزجره عن هذا القصد ، أوجبنا السعاية على العبد إذا أعتقه ، وعينا عليه التكفير بالصوم ، فإن صام المفسد أحد الشهرين ، ثم صار مصلحا لم يجزه إلا العتق بمنزلة معسر أيسر ; لأنه كان معسرا ابتداء ، وقد وصلت يده إلى المال [ ص: 171 ] قبل سقوط الكفارة عنه بالصوم ، فعليه التكفير بالمال . وأما ما وجب على المفسد من أمر أوجبه الله تعالى من زكاة ماله ، أو حجة الإسلام ، أو غير ذلك فهو ، والمصلح فيه سواء ; لأنه مخاطب ، وإن كان مفسدا ، وبسبب الفساد لا يستحق النظر في إسقاط شيء من حقوق الشرع عنه بمنزلة الفاسق الذي يقصر في أداء بعض الفرائض لا يستحق به التخفيف في حكم الخطاب ، وهذا بخلاف ما أوجبه على نفسه لا فيما يوجبه على نفسه بسبب التزامه ، فيمكن فيه معنى التبذير فيما يرجع إلى الدنيا ، وإن كان فيه معنى النظر له في الآخرة كما في مباشرة التصدق ، فأما فيما أوجب الله تعالى عليه ، فلا يتوهم معنى التبذير فهو ، والمصلح فيه سواء ، وينبغي للحاكم أن ينفذ له ما أوجب الله تعالى عليه من ذلك إذا طلبه من أداء زكاة ماله ولكن لا يدفع المال إليه ، ويخلي بينه وبينه ; لأنه يصرفه إلى شهوات نفسه ، ولكن لا يخلي بينه ، وبين ذلك حتى يعطيه المساكين بمحضر من أمينه ; لأن الواجب عليه الإيتاء ، وهو عبارة عن فعل هو عبادة ولا يحصل ذلك إلا بنيته ، فلهذا يدفع المال إليه ليعطيه المساكين من زكاته بمحضر من أمينه ، وكذلك إن طلب من القاضي مالا يصل به قرابته الذي يجبر على نفقتهم أجابه إلى ذلك ; لأن وجوب نفقتهم عليه يكون شرعا لا بسبب من جهته ، ولكن القاضي لا يدفع المال إليه بل يدفعه بنفسه إلى ذوي الرحم المحرم منه ; لأنه لا حاجة إلى فعله ونيته حتى أن من له الحق إذا ظفر بجنس حقه من ماله كان له أن يأخذه فكذلك القاضي يعينه على ذلك بالدفع إليه ولكن لا ينبغي للقاضي أن يأخذ بقوله في ذلك حتى تقوم البينة على القرابة ، وعشرة القرائب ; لأن إقراره بذلك بمنزلة الإقرار له بدين على نفسه ، فلا يكون ملزما إياه شيئا إلا في الوالد ، فإنهما إذا تصادقا على النسب قبل قولهما فيه كل واحد منهما في تصديق صاحبه يقر على نفسه بالنسب وقد بينا أن السفه لا يؤثر في المنع من الإقرار بالنسب ; لأن ذلك من حوائجه ، ولكن لا يعتبر قوله في عسرة المقر له حتى يعرف أنه كذلك كما عسرة سائر الأقارب . وكذلك يقبل إقراره بالزوجية ; لأنه يملك إنشاء التزوج فيملك الإقرار به ، ويجب لها مقدار مهر مثلها ويعطيها القاضي ذلك ; لأن وجوب ذلك حكما لصحة النكاح ، وإن كان قد مضى بعد إقراره أشهر ، ثم أقر أنه كان فرض عليه نفقة في أول تلك الشهور لم يصدق على ما مضى من ذلك ; لأن هذا منه إقرار بالدين لها ، فإن نفقته لزوجة في الزمان الماضي لا تصير دينا إلا بقضاء القاضي ، وإقراره لها بالدين باطل ، وإن أراد أن يحج حجة الإسلام لم يمنع منها ; لأنها تلزمه شرعا من غير صنع من جهته ، فلا يتوهم معنى التبذير فيه [ ص: 172 ] ثم لا يمنع من أداء ما لزمه شرعا ، ويعطى ما يحتاج إليه كالزاد والراحلة ; لأن ذلك من أصول حوائجه ، وإن أراد عمرة واحدة لم يمنع منها أيضا استحسانا ، وفي القياس لا يعطى نفقة السفر لذلك ; لأن العمرة عندنا تطوع كما لو أراد الخروج للحج تطوعا بعد ما حج حجة الإسلام ، ولكنه استحسن لاختلاف العلماء في ، فريضة العمرة ، وتعارض الأخبار في ذلك ، ولظاهر قوله تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } ، فهذا منه أخذ بالاحتياط في أمر الدين وهو من جملة النظر له ليس من التبذير في شيء . ![]()
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 2الى صـــ 11 (462) [ ص: 2 ] قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله - إملاء : اعلم بأن المزارعة مفاعلة من الزراعة ، والاكتساب بالزراعة مشروع ، أول من فعله آدم - صلوات الله وسلامه عليه - على ما روي أنه لما أهبط إلى الأرض أتاه جبريل بحنطة وأمره بالزراعة ، وازدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف وقال عليه الصلاة والسلام { : الزارع يتاجر ربه عز وجل } وقال عليه الصلاة والسلام { : اطلبوا الرزق تحت خبايا الأرض } يعني : عمل الزراعة ، والعقد الذي يجري بين اثنين لهذا المقصود يسمى مزارعة ، ويسمى مخابرة أيضا على ما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم { نهى عن المخابرة فقيل : وما المخابرة قال : المزارعة بالثلث والربع } وإنما سميت مخابرة من تسمية العرب الزارع خبيرا وقيل : هذا الاشتقاق من معاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر فسميت مخابرة بالإضافة إليهم ، وبيانه في الحديث الذي بدئ الكتاب به ، ورواه عن أبي المطرف عن الزهري قال : حدثني من لا أتهمه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لليهود حين عاملهم على خيبر أقركم ما أقركم الله } وفيه بيان أن المرسل حجة فإن الزهري - رحمه الله - أرسل الحديث حين لم يبين اسم الراوي ، ورواه محمد - رحمه الله - مستدلا به على جواز المزارعة والمعاملة ، فقد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على الشطر ، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دليل الجواز ، وتأويل ذلك عند أبي حنيفة - رحمه الله - من وجهين : أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر استرقهم وتملك أراضيهم ونخيلهم ، ثم جعلها في أيديهم يعملون فيها للمسلمين بمنزلة العبيد في نخيل مواليهم ، وكان في ذلك منفعة للمسلمين ; ليتفرغوا للجهاد بأنفسهم ; ولأنهم كانوا أبصر بذلك العمل من [ ص: 3 ] المسلمين ، وما جعل لهم من الشرط بطريق النفقة لهم فإنهم مماليك للمسلمين ، يعملون لهم في نخيلهم فيستوجبون النفقة عليهم ، فجعل نفقتهم فيما يحصل بعملهم وجعل عليهم نصف ما يحصل بعملهم ; ليكون ذلك ضريبة عليهم بمنزلة المولى يشارط عبده الضريبة إذا كان مكتسبا ، وقد نقل بعض هذا عن الحسين بن علي رضي الله عنهما ، والثاني : أنه من عليهم برقابهم وأراضيهم ونخيلهم ، وجعل شطر الخارج عليهم بمنزلة خراج المقاسمة ، وللإمام رأي في الأرض الممنون بها على أهلها إن شاء جعل عليها خراج الوظيفة ، وإن شاء جعل عليها خراج المقاسمة ، وهذا أصح التأويلين فإنه لم ينقل أحد من الولاة أنه تصرف في رقابهم ، أو رقاب أولادهم كالتصرف في المماليك ، وكذلك عمر رضي الله عنه أجلاهم ، ولو كانوا عبيدا للمسلمين لما أجلاهم ، فالمسلم إذا كان له مملوك في أرض العرب يتمكن من إمساكه واستدامة الملك فيه فعرفنا أن الثاني أصح ، ثم بين لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ما فعله من المن عليهم بنخيلهم وأراضيهم غير مؤبد بقوله عليه الصلاة والسلام : " أقركم ما أقركم الله " وهذا منه شبه الاستثناء ، وإشارة إلى أنه ليس لهم حق المقام في نخيلهم على التأييد ; لأنه من طريق الوحي أنه يؤمر بإجلائهم فتحرز بهذه الكلمة عن نقض العهد ; لأنه كان أبعد الناس عن نقض العهد والغدر وفيه دليل : أن المن المؤقت صحيح ، سواء كان لمدة معلومة أو مجهولة ، وأن الغدر ينتفي بمثل هذا الكلام وإن لم يفهم الخصم ، فإنهم لم يفهموا مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد صح منه التحرز عن الغدر بهذا اللفظ ، قال : وإن بني عذرة جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر ، وجاءته يهود وادي القرى : شركاء بني عذرة بالوادي فأعطوا بأيديهم وخشوا أن يغزوهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهؤلاء كانوا بالقرب من أهل خيبر ، وأن اليهود بالحجاز كانوا ينتظرون ما يئول إليه حال النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل خيبر ، فقد كانوا أعز اليهود بالحجاز ، كما روي أنه كان بخيبر عشرة آلاف مقاتل ، فلما صاروا مقهورين ذلت سائر اليهود ، وانقادوا لطلب الصلح ، فمنهم يهود وادي القرى جاءوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطوا بأيديهم أي : انقادوا له وطلبوا الأمان ، وخشوا أن يغزوهم فكان هذا من النصرة بالرعب كما قال عليه الصلاة والسلام { : نصرت بالرعب مسيرة شهر } فلما أعطوا بأيديهم ، والوادي حين فعلوا ذلك نصفان : نصف لبني عذرة ، ونصف لليهود ، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الوادي أثلاثا : ثلثا له وللمسلمين ، وثلثا خاصة لبني عذرة ، وثلثا لليهود فكان هذا بطريق الصلح من رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 4 ] فدل أن للإمام أن يصالح أهل بلده على بعض الأموال والأراضي إذا رضوا بذلك ، ثم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قد هم بإجلاء اليهود إلى الشام على ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يجتمع في جزيرة العرب دينان " وقال عليه الصلاة والسلام { إن عشت إلى قابل لأخرجن نجران من جزيرة العرب } وكان في ذلك إظهار فضيلة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفضيلة أمته ، حيث إن جزيرة العرب مولده ومنشؤه - طهر الله تلك البقعة عن سكنى غير المؤمن فيها - وهي أفضل البقاع ; لأن فيها الحرم ، وبيت الله تعالى حرم الله تعالى ، نعم مشاركة غير المؤمن مع المؤمن في السكنى فيها إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض قبل أن يتمم ذلك ، ولم يتفرغ أبو بكر الصديق رضي الله عنه لذلك ; لأنه لم تطل مدة خلافته ، وقد كان مشغولا بقتال أهل الردة حتى إذا كان في زمن عمر رضي الله عنه ، وكان قد سمع ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى اليهود من خيبر وأمر يهود الوادي أن يتجهزوا بالجلاء إلى الشام ، وكان المعنى في ذلك أن اليهود إنما جاءوا من الشام إلى أرض الحجاز ، وكان مقصود رؤسائهم من ذلك طلب الحنيفية لما وجدوا في كتبهم من بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ونعت أمته ، وبذلك كان يوصي بعضهم بعضا فلما بعث الله تعالى رسول الله صلى الله عليه وسلم امتنعوا من متابعته والانقياد للحق الذي دعا إليه حسدا وكفرا ، قال الله تعالى { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا } الآية فجوزوا على سوء صنيعهم بأن لا يمكنوا من المقام في أرض العرب ، وأن يعودوا إلى الموضع الذي جاء من ذلك الموضع آباؤهم ، فلهذا أجلاهم عمر رضي الله عنه ، ثم احتج عليه يهود الوادي بقولهم : إنما نحن في أموالنا قد أقرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاسمنا ، ومعنى هذا الكلام الإشارة منهم إلى الفراق بينهم وبين أهل خيبر ، فإن خيبر قد افتتحها المسلمون فصارت مملوكة لهم ، فأما نحن فصالحنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعض الأراضي فأقرنا في أموالنا على ما كنا عليه في الأصل ، ولم يظهر منا خيانة فليس لك أن تجلينا من أرضنا ، فقال لهم عمر رضي الله عنه : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لكم : " أقركم ما أقركم الله " يعني أن هذا اللفظ كان استثناء من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلح الذي جرى بينه وبينكم ، فلا يمنعني ذلك من إجلائكم ، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد أن لا يجتمع في أرض العرب دينان ، وإني مجل من لم يكن له عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني : عهدا خاصا سوى ذلك الصلح العام ، فقد كان ذلك مقيدا بالاستثناء ، وأنا [ ص: 5 ] مقوم أموالكم هذه فمعطيكم أثمانها ، يعني بهذا الإجلاء لا أبطل حقكم عن أموالكم ولا أتملكها عليكم مجانا ، ولكني أعطيكم قيمتها وفيه دليل أن لملك الذمي من الحرمة ما لملك المسلم ، وأنه متى تعذر إيفاء العين في ملكه يجب إزالته بالقيمة ، ولهذا قلنا في الكافر إذا أسلم عبده يجبر على بيعه ، وإذا أسلمت أم ولده تخرج إلى الحرية بالسعاية في القيمة ، وفيه دليل أن الإمام إذا أحس بالغدر من أهل بلدة من بلاد أهل الذمة ، وأنهم يخبرون المشركين بعورات المسلمين يكون له أن يجليهم من تلك الأرض إلى أرض أخرى ، وأنه يقوم من أملاكهم ما يتعذر نقله ، فيعطيهم عوض ذلك من بيت المال ، أو من أرض أخرى إن كانت لعامة المسلمين كما فعل عمر رضي الله عنه ، فإنه أمر بأموالهم فقومت بتسعين ألف دينار فدفعها إليهم وأجلاهم وقبض أموالهم ، ثم قال لبني عذرة : " إنا لن نظلمكم ، ولن نستأثر عليكم أنتم شفعاؤنا في أموال اليهود ، فإن شئتم أعطيتم نصف ما أعطيناهم ، وأعطيتكم نصف أموالهم ، وإن شئتم سلمتم لنا البيع فتولينا الذي لهم " وفيه دليل : أن الشفعة تستحق بالشركة في العقار ، فقد كانت بنو عذرة في الوادي شركاء ، وإن أحد الشركاء إذا اشترى فله الشفعة فيما اشترى كما للشريك الآخر ، وإنما يشتريه الإمام للمسلمين بمال بيت المسلمين ليستحق بالشفعة ، ولكن الإشكال في أنهم لم يطلبوا الشفعة حتى قال لهم عمر رضي الله عنه ما قال ، والشفعة تبطل بترك الطلب بعد العلم بالبيع ، فقيل : هم قد طلبوا الشفعة وأظهروا ذلك بينهم ، ولكنهم احتشموا عمر رضي الله عنه فلم يجاهروه بذلك ، فلما بلغه طلبهم قال ما قال ، وقيل فهم عمر رضي الله عنه أن ذلك بيع شرعي ، وأن لهم الشفعة بذلك فعند ذلك طلبوا الشفعة ، وقالوا : بل نعطيكم نصف الذي أعطيتم من المال وتقاسمونا أموالهم فباعت بنو عذرة في ذلك الرقيق والإبل والغنم حتى دفعوا إلى عمر رضي الله عنه خمسة وأربعين ألف دينار ، فقسم عمر الوادي نصفين بين الإمارة وبين بني عذرة ، وذلك زمان التحظير حين حظر عمر رضي الله عنه الوادي نصفين يعني : جمع أنصباء المسلمين في جانب ، وأنصباء بني عذرة في جانب وكان ذلك أمرا عظيما ، وقد اشتهر في العرب حتى جعلوه تاريخا ، وكانوا يسمون ذلك زمان التحظير ، فيقول بعضهم لبعض : كنت زمان التحظير ابن كذا سنة كما يكون مثله في زماننا إذا حدث أمر عظيم في الناس يجعل التاريخ منه بمنزلة وقت الوباء وغيره وقال الزهري - رحمه الله - { : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صالح أهل خيبر أعطاهم النخل على أن يعملوا ويقاسمهم نصف الثمار ، وكان يبعث لقسمة ذلك عبد الله بن رواحة ، فيخرص عليهم فيقول : إن شئتم [ ص: 6 ] فلكم وإن شئتم فلنا } وفي هذا الحديث بيان حكمين : حكم المعاملة ، وقد بيناه ، وحكم الخرص فهو دليل على أن للإمام في الأراضي التي يكون للإمام خراجها خراج المقاسمة ، وفي الأرض العشرية أن يبعث من يخرص الثمار والزروع على أربابها ، إلا أن عند الشافعي هذا الخرص بمنزلة الكيل ، حتى إذا ادعوا النقصان بعد ذلك لا يقبل قولهم إلا بحجة ، وعندنا هذا الخرص لا يكون ملزما إياهم شيئا ; لأن الذي يخرص إنما يقول شيئا بظن والظن لا يغني من الحق شيئا ، فالقول قولهم في دعوى النقصان ، وعلى من يدعي عليهم الخيانة والسرقة إثبات ذلك بالبينة ، وعلى هذا الأصل جوز الشافعي - رحمه الله - بيع العرايا وهو بيع الثمر على رءوس النخل بتمر مجدود على الأرض خرصا فيما دون خمسة أوسق ، وقال : الخرص بمنزلة الكيل ، ولا يجوز ذلك علماؤنا - رحمهم الله - وقالوا : الخرص ليس بمعيار شرعي تظهر به المماثلة فيكون هذا بيع الثمر بالثمر مجازفة . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم { التمر بالتمر مثلا بمثل } ، وتأويل ما فعله عبد الله بن رواحة رضي الله عنه بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجهين أحدهما : أن ذلك كان على سبيل النظر للمسلمين منه حتى يتحرز اليهود من كتمان شيء ، فقد كانوا في عداوة المسلمين ، بحيث لا يمتنعون مما يقدروا عليه من الإضرار بالمسلمين ، وقيل كان ابن رواحة مخصوصا بذلك حتى كان خرصه بمنزلة كيل غيره لا يتفاوت ، قد علم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق الوحي ، أو كان له ذلك بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكونه مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بين فيما رواه بعد هذا ، ولا يوجد مثل ذلك في حق غيره ، ومعنى قوله : " إن شئتم فلكم ، وإن شئتم فلنا " أي : إن شئتم أخذتم ما خرصت وأعطيتمونا نصف ذلك بعد الإدراك ، وإن شئتم أخذنا ذلك وأعطيناكم نصف ذلك بعد الإدراك ، فهذا منه بيان ، أنه عدل في الخرص ولم يمل إلى المسلمين ، ولا قصد الحيف على اليهود ، وعن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دفع خيبر إلى أهلها الذين كانت لهم على أن يعملوها ، فإذا بلغت الثمار كان لهم النصف وللمسلمين النصف ، فبعث ابن رواحة رضي الله عنه فخرصها عليهم ، وقد بينا فائدة الحديث ، وفي اللفظ المذكور في هذا الحديث دليل على ما ذهب إليه أبو حنيفة - رحمه الله - أنه من عليهم بأراضيهم وجعل عليهم نصف الخارج بطريق خراج المقاسمة ، وعن حجاج بن أرطاة قال : سألت محمد بن علي رضي الله عنه عن المزارعة بالثلث فالنصف فقال : أعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر بالشطر وأبو بكر وعثمان وعلي رضي الله عنهم ، وأهلوهم إلى يومهم هذا يفعلونه ، وفيه دليل جواز [ ص: 7 ] استعمال القياس ، فقد سئل عن المزارعة وجوازها استدلالا بالمعاملة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل خيبر في النخيل ، وقيل : بل كانت بخيبر نخيل ومزارع ، فقد كان عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم معه في المزارعة عقد مزارعة ، وفي هذا الحديث دليل لهما على أبي حنيفة - رحمه الله - وفي جواز المزارعة والمعاملة وعن سعيد بن المسيب رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين افتتح خيبر قال لليهود : أقركم ما أقركم الله على أن التمر بيننا وبينكم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ابن رواحة فخرص عليهم ، ثم يقول : إن شئتم فلكم ، وإن شئتم فلنا فكانوا يأخذونه } وفي هذا الحديث بيان أن ما جرى بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبينهم كان على طريقة الصلح ، وقد يجوز من الإمام المعاملة بين بيت المال وبين الكفار على طريق الصلح ، ما لا يجوز مثله فيما بين المسلمين فيضعف من هذا الوجه استدلالهم بمعاملة رسول الله صلى الله عليه وسلم معهم ، وفيه دليل هداية ابن رواحة رضي الله عنه في باب الخرص ; فإنهم كانوا أهل نخل ، وقد علموا أنه أصاب في الخرص حين رغبوا في أخذ ذلك ، وعن سليمان بن يسار { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبعث ابن رواحة فيخرص بينه وبين اليهود قال : فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا : هذا لك وخفف عنا وتجاوز في القسم فقال : يا معشر اليهود إنكم أبغض خلق الله تعالى إلي ، وما ذاك بحاملي على أن أحيف عليكم ، أما الذي عرضتم من الرشوة فهو سحت ، وإنا لا نأكلها فقالوا : بهذا قامت السموات والأرض } وإنما طلبوا من ابن رواحة رضي الله عنه ما ظهر منهم من الميل إلى أخذ الرشوة وترك بيان الحق لأجله ، فإنهم كتموا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعث أمته من كتابهم ، وحرفوا الكلم عن مواضعه بهذا الطريق ، كما قال الله تعالى { ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون } وما طلبوا منه التخفيف من غير ميل وخيانة ، فقد كان ابن رواحة رضي الله عنه يفعل ذلك من غير طلبهم وبه كان أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي { أنه عليه الصلاة والسلام قال للخراصين : خففوا في الخرص فإن في المال العارية والوصية } ثم إنه قطع طمعهم بما قال : " إنكم من أبغض خلق الله تعالى إلي " وهكذا ينبغي لكل مسلم أن يكون في بغض اليهود بهذه الصفة ، فإنهم في عداوة المسلمين بهذه الصفة كما قال الله تعالى { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود } وقال عليه الصلاة والسلام { ما خلا يهودي بمسلم إلا حدثته نفسه بقتله } وكان شكواهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في كل وقت حتى قال [ ص: 8 ] { : لو آمن بي اثنا عشر منهم آمن بي كل يهودي على وجه الأرض } يعني رؤساءهم ، ثم بين أن هذا البغض لا يحمله على الحيف والظلم عليهم ، فالحيف هو الظلم قال الله تعالى { أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } فكيف يحمله ما عرضوا من الرشوة على الميل إليهم ؟ ، وقال : " أما الذي عرضتم من الرشوة فإنها سحت يعني تناول السحت من معامليكم دون المسلمين ، وقد وصفهم الله بذلك بقوله { سماعون للكذب أكالون للسحت } والسحت هو الحرام الذي يكون سببا للاستئصال ، مأخوذ من السحت قال الله تعالى { فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى } أي يستأصلكم فقالوا بهذا قامت السموات والأرض ، يعني : ما يقوله حق وعدل وبالعدل قامت السموات والأرض ، وكان شيخنا الإمام - رحمه الله - يقول في هذا الحديث إشارة إلى أن أمتعة النساء وحليهن لم تزل عرضة لحوائج الرجال ، فإن اليهود لحاجتهم إلى ذلك تحكموا على نسائهم فجمعوا من حلي نسائهم ، وحكي أن رجلا من أهل العلم كانت له امرأة ذات يسار فسألها شيئا من مالها لحاجته إلى ذلك فأبت فقال : لا تكوني أكفر من نساء خيبر كن يواسين أزواجهن بحليهن وأنت تأبين ذلك { ، وعن ابن سيرين - رحمه الله - قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن رواحة رضي الله عنه إلى خيبر فقال : بعثني إليكم من هو أحب إلي من نفسي ، ولأنتم علي أهون من الخنازير ، ولا يمنعني ذلك من أن أقول الحق هكذا } ينبغي لكل مسلم أن يكون في محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الصفة فيكون رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وأهله وولده وماله ; لأنه به نال العز في الدنيا ، والنجاة في الآخرة قال الله تعالى { : وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } يعني بمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتصديقه وينبغي أن يكون اليهود عند كل مسلم بهذه الصفة والمنزلة أيضا ، فهم شر من الخنازير فيما أظهروا من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم حسدا وتعنتا ، فكأنه قال ذلك ; لأنه قد مسخ منهم قردة وخنازير كما قال الله تعالى { وجعل منهم القردة والخنازير } وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حاصر بني قريظة فسمع من بعض سفهائهم شتيمة فقال : صلى الله عليه وسلم " أتشتمونني يا إخوة القردة والخنازير " فقالوا : " ما كنت فحاشا يا أبا القاسم " قال : " وذلك لا يمنعني من أن أقول الحق " فقالوا : " بهذا قامت السموات والأرض " أي : بالحق ومخالفته الهوى والميل بها ، ثم قال : " قد خرصت عليكم نخيلكم " ففيه دليل : أن النخيل كانت مملوكة لهم ، وأن ما كان يؤخذ منهم بطريق خراج المقاسمة فإن شئتم فخذوه ولي عندكم الشطر ، وإن شئتم أخذته ، ولكم عندي الشطر [ ص: 9 ] فخذوه فإن لكم فيه منافع فأخذوه فوجدوا فيه فضلا قليلا ، وهذا دليل على حذاقته في باب الخرص ، وأن خرصه بمنزلة كيل غيره حين لم يخف عليه الفضل اليسير ، وإنما تجوز بذلك ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمره بالتخفيف في الخرص ، ولم يترك النصيحة لهم في الأخذ مع شدة بغضه إياهم ، فدل أنه لا ينبغي للمسلم أن يترك النصيحة لأحد من ولي أو عدو إذا كان لا يخاف على نفسه ; لأن نصيحته بحق الدين ، وعن الحسن بن علي رضي الله عنهما { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر بالشطر وقال : لكم السواقط } قيل المراد من السواقط ما يكسر من الأغصان من النخيل مما يستعمل استعمال الحطب ، والأصح أن المراد ما سقط من الثمار قبل الإدراك فإن ذلك مما لم يمكن ادخاره إلى وقت القسمة ; لأنه يفسد فشرط ذلك لهم دفعا للحرج عنهم ، وفيه دليل على أن مثل هذا يجعل عفوا في حق المزارع والمعامل ; لأنه لا يتأتى التحرز عنه إلا بحرج ، والحرج مدفوع ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما { أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن رواحة رضي الله عنه فخرص عليهم مائة وسق فقالت اليهود : أشططتم علينا فقال عبد الله رضي الله عنه : نحن نأخذه ونعطيكم خمسين وسقا فقالت : بهذا تنصرون وقوله : أشططتم علينا أي : ظلمتمونا وزدتم في الخرص } ، والشطط عبارة عن الزيادة قال عليه السلام { : لا وكس ولا شطط } ، وكان ذلك منهم كذبا وكانوا يعلمون ذلك ولكن كان من عادتهم الكذب ، وقول الزور مع علمهم بذلك كما وصفهم الله تعالى به بقوله { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا } فرد عليهم تعنتهم بما قال : إنا نأخذه ونعطيكم خمسين وسقا فقالوا بهذا تنصرون أي : بالعدل والتحرز عن الظلم ، فالنصر موعود من الله تعالى للعادلين المتمسكين بالعدل والحق في الدنيا والآخرة ، قال الله تعالى { إن تنصروا الله ينصركم } يعني إن تنصروا الله تعالى بالانقياد للحق والدعاء إليه وإظهار العدل ينصركم ويثبت أقدامكم ، وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : " لا بأس بالمزارعة بالثلث والربع " واعلم بأن المزارعة في جوازها اختلاف بين العلماء - رحمهم الله - وكان الخلاف في الصدر الأول والتابعين - رحمهم الله تعالى - بعدهم واشتبهت فيها الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمع محمد - رحمه الله - ما نقل من الآثار في ذلك ، ثم بنى عليه بيان المسألة من طريق المعنى فممن قال بجوازها من الصحابة رضي الله عنهم علي رضي الله عنه ومعاذ رضي الله عنه على ما روي عن طاوس - رحمه الله - قال : قدم علينا معاذ رضي الله عنه اليمن ونحن نعطي أراضينا بالثلث والربع فلم يعب ذلك علينا ، وفيه بيان : أن ترك التكثر ممن تعين عليه البيان [ ص: 10 ] دليل التقرير ، فقد كان معاذ رضي الله عنه متعينا للبيان لأهل اليمن ; لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثه إليهم ليبين لهم الأحكام ، واستدل بترك التكثر عليهم بعد ما اشتهر هذا العقد بينهم على جوازه ، ثم روي عنه أنه أمضى ذلك ، وفي هذا تنصيص على الفتوى بالجواز وعن طاوس - رحمه الله - أنه سئل عن المخابرة في الأرض فقال : " خابروا على الشطر ، والثلث ، والربع ، ولا تخابروا على كيل معلوم " فكأن طاوسا تعلم من معاذ رضي الله عنه ، وفيه دليل : أن المزارعة على كيل معلوم يشترطه أحدهما لا تجوز ، وبه يأخذ من يجوز المزارعة ; لأن هذا الشرط يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج بعد حصوله ، وعن موسى بن طلحة قال : أقطع عمر رضي الله عنه خمسة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن سعد بن مالك والزبير ، وخبابا ورأيت هذين يعطيان أرضهما بالثلث والربع وعبد الله وسعدا رضي الله عنهم والمراد عبد الله بن مسعود . وقد ذكره مفسرا بعد هذا وهو من كبار فقهاء الصحابة وسعد بن مالك من العشرة ، وكانا يباشران المزارعة بالثلث والربع ، وفي الحديث دليل : أن للإمام ولاية الإقطاع فيما ليس بملك لإنسان بعينه ; لأن ما كان الحق فيه لعامة المسلمين فالتدبير فيه إلى الإمام ، وله أن يخص بعضهم بشيء من ذلك على حسب ما يرى ، كما يفعله في بيت المال وعن أبي الأسود قال : إنا كنا لنزارع على عهد علقمة والأسود - رحمهما الله - بالثلث والربع فما يعيبان ذلك علينا وهما من كبار أصحاب علي وعبد الله رضي الله عنهما ، وفتواهما في ذلك على موافقة فتوى علي وعبد الله رضي الله عنهما حجة أيضا ، وعن محمد بن رافع بن خديج قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا إلى قوم يطمس عليهم نخلا فجاء أرباب النخيل فقالوا : يا رسول الله إن فلانا قد طمس علينا نخلنا فقال : عليه الصلاة والسلام قد بعثت رجلا في نفسي أمينا فإن أحببتم أن تتخذوا نصيبكم بما طمس ، وإلا أخذنا وأعطيناكم نصيبكم فقالوا : هذا الحق وبالحق قامت السموات والأرض ، والمراد بالطمس المذكور في أول الحديث " الحزر " والمذكور ثانيا " الظلم " فالطمس هو الاستئصال ومنه يقال عين مطموسة قال الله تعالى { . فطمسنا أعينهم } وكان الحديث في ابن رواحة رضي الله عنه في أهل خيبر وإن لم يفسره في هذه الرواية ، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بعثت رجلا في نفسي أمينا " في معنى الرد لتعنتهم عليه وهكذا ينبغي للإمام أن يختار لعمله من هو أمين عنده ، ثم يقبل قوله فيما يخبر به ولا يرده لطعن الطاعنين ، فالقائل بحق لا بد أن يطعن فيه بعض الناس ، فالناس أطوار وقليل منهم الشكور ، وقد تحقق تعنتهم لما خيرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 11 ] فقالوا : " هذا الحق وبالحق قامت السموات والأرض " وبيانه في قوله تعالى { : ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض } ، وعن الضحاك رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه كان يكري الأرض الجرز بالثلث والربع ، وكان لا يرى بذلك بأسا ، والمراد به الأرض البيضاء التي تصلح للزراعة ، قال الله تعالى { : أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز } وعمر رضي الله عنه كان ممن يرى جواز المزارعة ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، { أينما دار عمر فالحق معه } رضي الله عنه فهو حجة لمن يجوزها { وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال لرافع بن خديج : ما حديث بلغني عن عمومتك في كراء المزارع فقال : دخل عمومتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرجوا إلينا فأخبرونا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع } فقال ابن عمر رضي الله عنه : قد كنت أعلم إنا كنا نكري الأرض على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لرب الأرض ماء في الربيع الساقي الذي يتفجر منه الماء ، وطائفة من الدين قال : لا أدري كم هو قال محمد - رحمه الله - وهذا عندنا هو الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم من كراء المزارع أنهم كانوا يكرونها بشيء لا يدرون كم هو ولا ما يخرج ، وفيه دليل : أن النهي العام يجوز أن يقيد بالسبب الخاص إذا علم ذلك ، فقد قيد ابن عمر رضي الله عنه النهي المطلق بما عرف من السبب والخصوصية ، وهو تأويل النهي عند من أجاز المزارعة قال : المزارعة بهذه الصفة لا تجوز ; لأنها تؤدي إلى قطع الشركة في الخارج مع حصولها فمن الجائز أن يحصل الخارج في الجانب الذي شرط لأحدهما دون الجانب الآخر ، والربيع الساقي الماء وهو ماء السيل ينحدر من الموضع المرتفع فيجتمع في موضع ثم ، يسقي منه الأرض ولكن أبو حنيفة - رحمه الله - أخذ بعموم النهي بحديثين رويا في الباب عن رافع بن خديج رضي الله عنه أحدهما : أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بحائط فأعجبه فقال لمن هذا فقال رافع رضي الله عنه : لي استأجرته فقال عليه الصلاة والسلام : لا تستأجره بشيء منه وهذا الحديث يمنع حمله على هذا التأويل ، والثاني : ما روي عن رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي { صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء المزارع فقلت إنا نكريها بما على الربيع الساقي فقال لا فقلت إنا نكريها بالتبن فقال : لا فقلت إنا نكريها بالثلث والربع فقال عليه السلام : لا ازرعها أو امنحها أخاك } ، وهذا إن ثبت فهو نص وكأن هذه الزيادة لم تثبت عند من يرى جوازها ، وإنما الثابت القدر الذي رواه محمد - رحمه الله - عن رافع بن خديج رضي الله عنه { أن أسد بن ظهير جاء ذات يوم إلى قومه فقال يا بني خارجة [ ص: 12 ] قد دخلت عليكم اليوم مصيبة قالوا : ما هي ؟ قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض قلنا يا رسول الله إنا نكريها بما يكون على الربيع الساقي من الأرض فقال عليه السلام : لا ازرعها أو امنحها أخاك } وإنما سمى ذلك مصيبة لهم ; لأن اكتسابهم كان بطريق المزارعة ، وكانوا قد تعارفوا ذلك وكان يشق عليهم تركها ، فلو كان المراد التأويل الذي أشار إليه في الحديث الأول لم يكن في ذلك كبير مصيبة ; لتمكنهم من تحصيل المقصود بدفع الأرض مزارعة بجزء شائع من الخارج ، فهو دليل لأبي حنيفة - رحمه الله - وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام : " ازرعها أو امنحها أخاك " يدل على سد باب المزارعة عليهم بالنهي مطلقا ، وبه يستدل من يقول من المتعسفة : إنه لا يجوز استئجار الأرض بالذهب والفضة لمقصود الزراعة ، ولكن ما روينا من حديث رافع بن خديج رضي الله عنه وهو قوله لي استأجرته دليل على جواز ذلك ، وقد ذكر بعد هذا آثارا تدل على جوازه ، والمراد ههنا الانتداب إلى ما هو من مكارم الأخلاق بأن يمنح الأرض غيره إذا استغنى عن زراعتها بنفسه ، ولا يأخذ منه أجرا على ذلك ، وعن يعلى بن أمية وكان عاملا لعمر رضي الله عنه على نجران فكتب إليه يذكر له أرض نجران فكتب إليه عمر رضي الله عنه ما كان من أرض بيضاء يسقيها السماء ، أو تسقى سحا فادفعها إليهم ، لهم الثلث ولنا الثلثان وما كان من أرض تسقى بالغروب فادفعها إليهم ، لهم الثلثان ولنا الثلث ، وما كان من كرم يسقيه السماء أو يسقى سحا فادفعه إليهم لهم الثلث ، ولنا الثلثان ، وما كان يسقى بالغروب فادفعه إليهم ، لهم الثلثان ولنا الثلث ، والمراد بالأراضي التي هي لبيت المال حق عامة المسلمين أنه يدفعها إليهم مزارعة . ![]()
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 12الى صـــ 21 (463) ( ألا ترى ) أنه فاوت في نصيبهم بحسب تفاوت عملهم بين ما تسقيها السماء ، أو تسقى بالغروب وهي الدوالي ، فهو دليل لمن يجوز المزارعة ، وعن عمرو بن دينار قال قلت لطاوس : يا أبا عبد الرحمن لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فقال : أخبرني أعلمهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عنها ، ولكنه قال : يمنح أحدكم أخاه خير له من أن يأخذ منه خرجا معلوما ، أو قال خراجا معلوما ، وكل واحد من اللفظين لغة صحيحة ، والمراد بقوله : " أعلمهم " ( معاذ ) رضي الله عنه فكأنه أشار به إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم { أعلمكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل } أو قال ذلك ; لأنه أخذ العلم منه ، وهكذا ينبغي لكل متعلم أن يعتقد في معلمه أنه أعلم أقرانه ليبارك له فيما أخذ منه ، ثم قد دعاه عمرو بن دينار إلى الأخذ بالاحتياط ، والتحرز عن موضع الشبهة والاختلاف فأبى ذلك ; لأنه كان يعتقد فيه الجواز كما تعلمه من [ ص: 13 ] أستاذه ، وفيه دليل أنه لا بأس للإنسان من مباشرة ما يعتقد جوازه وإن كان فيه اختلاف العلماء - رحمهم الله - ولا يكون ذلك منه تركا للاحتياط في الدين ، وقوله : " يمنح أحدكم أخاه " إشارة إلى الانتداب الذي بيناه في الحديث الأول ، وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : { لم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها حتى تظالموا كان الرجل يكري أرضه ويشترط ما يسقيه الربيع والنطف فلما تظالموا نهى عنها ، والنطف جوانب الأرض } فهذا إشارة إلى التأويل الذي ذكره محمد - رحمه الله - وأن النهي كان بناء على تلك الخصومة ، فكان تقييدا بها ، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى زعم رافع بن خديج أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عنها فتركنا من أجل قوله يعني : من أجل روايته وابن عمر كان معروفا بالزهد والفقه بين الصحابة رضي الله عنهم ، وأشار بهذا إلى أنه يعتقد في المزارعة الجواز ، ولكنه تركها لحيثية مطلق النهي المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وكم من حلال يتركه المرء على طريق الزهد وإن كان يعتقد الجواز على ما جاء في الحديث : { لا يبلغ العبد محض الإيمان حتى يدع تسعة أعشار الحلال مخافة الحرام } وعن ابن عمر قال : أكثر رافع رضي الله عنه على نفسه ليكريها كراء الإبل معناه : شدد الأمر على نفسه بروايته النهي مطلقا من غير رجوعه إلى سبب النهي ، ولأجل روايته يترك المزارعة ويكري الأرض بالذهب والفضة كراء الإبل ، فهو دليلنا على جواز الإجارة في الأراضي لمقصود الزراعة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا أكرى الأرض اشترط على صاحبها أن لا يدخلها كلبا ، ولا يعذرها وهذا من المتقرر الذي اختاره عمر رضي الله عنه ، ولسنا نأخذ به فلا بأس بإدخال الكلب الأرض لحفظ الزرع . ( ألا ترى ) أن الحديث جاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص في ثمن الكلب للصيد والحرث والماشية وقوله : " لا يعذرها " أي : لا يلقي فيها العذرة وهو ما ينفصل من بني آدم ، وقد كان بين الصحابة خلاف في جواز استعمال ذلك في الأرض ، فابن عمر رضي الله عنه كان لا يجوز ذلك ، وكذلك ابن عباس رضي الله عنهما كان ينهى عن إلقاء العذرة في الأرض وعن سعد رضي الله عنه أنه كان يجوز ذلك ، وهكذا روي عن أبي هريرة رضي الله عنه حتى كان يباشر ذلك بنفسه فعاتبه إنسان على ذلك فجعل يقول : مكيل بر بمكيل بر ، وعن أبي حنيفة فيه روايتان في إحدى الروايتين يجوز إلقاؤها في الأرض إذا كان غير مخلوط بالتراب ، وفي الرواية الأخرى لا يجوز ذلك إلا مخلوطا وهو الظاهر من المذهب إذا صار مغلوبا بالتراب فحينئذ [ ص: 14 ] يجوز إلقاؤها في الأرض ، ويجوز بيعها ; لأن المغلوب في حكم المستهلك فأما إذا كانت غير مخلوطة بالتراب فلا يجوز بيعها ، ولا استعمالها في الأرض لنجاسة عينها بمنزلة الخمر ، وكانت هذه الحرمة لاحترام بني آدم فبيع السرقين ، وإلقاؤه في الأرض جائز ولكن لاحترام بني آدم لا يجوز ذلك في الرجيع وهو كالشعر فإن شعر الآدمي لا ينتفع به بعد ما بان عنه ، بخلاف شعر سائر الحيوانات وصوفها ، وعلى الرواية الأخرى عن أبي حنيفة إذا ألقاها في الأرض وخلطها بالأرض ، وصارت مستهلكة فيها يجوز استعمالها كذلك ، ولكن لا يجوز بيعها غير مخلوطة بالتراب ، وعن خالد الحذاء قال : كنت عند مجاهد فذكر حديث رافع بن خديج رضي الله عنه في كراء الأرض فرفع طاوس يده فضرب صدره ثم قال : قدم علينا معاذ رضي الله عنه اليمن وكان يعطي الأرض على الثلث والربع فنحن نعمل به إلى اليوم ، ومعنى ما قاله طاوس أن معاذا رضي الله عنه كان أعلمهم بالحلال والحرام ، وما كان يخفى عليه النهي الذي رواه رافع بن خديج وقد كان يباشر المزارعة بالثلث والربع ، فنحن نتبرم في ذلك ونحمل النهي على ما حمله معاذ رضي الله عنه ، فقد كان دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمد الله تعالى لما وفقه لما يرضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن كليب بن وائل قال قلت لابن عمر رضي الله عنهما رجل له أرض وليس له بذر ولا بقر أعطاني أرضه بالنصف فزرعتها ببذري وبقري ، ثم قاسمته فقال : حسن وفيه منه دليل على أن العالم يفتي بما يعتقد فيه الجواز ، وإن كان لا يباشره فقد روينا أن ابن عمر رضي الله عنهما ترك المزارعة لأجل النهي ، ثم أفتى بحسنها وجوازها للسائل وعن جابر رضي الله عنه قال { دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أم مبشر فقال يا أم مبشر من غرس هذا النخل مسلم أو كافر ؟ قالت : بل مسلم قال عليه الصلاة والسلام لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا سبع ولا طير إلا كانت له صدقة يوم القيامة } وفي رواية وما أكلت العافية منها فهي له صدقة يعني الطيور الخارجة عن أوكارها ، الطالبة لأرزاقها ، وفيه دليل أن المسلم مندوب إلى الاكتساب بطريق الزراعة ، والغراسة ولهذا قدم بعض مشايخنا - رحمهم الله - الزراعة على التجارة ; لأنها أعم نفعا وأكثر صدقة ، وقد باشرها رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روينا أنه ازدرع بالجرف ، وفي الحديث رد على من يكره من المتعسفة الغرس والبناء وقالوا : إنه يركن به إلى الدنيا وينتقص بقدره من رغبته في الآخرة ، والآخرة خير لمن اتقى ، وهذا غلط ظنوه فإنه يتوصل بهذا الاكتساب إلى الثواب في الآخرة [ ص: 15 ] وهو معنى قوله عليه الصلاة والسلام { نعم مطية المؤمن الدنيا إلى الآخرة : الغرس ، والبناء } وإن كان حسنا من كل واحد ولكن معنى القربة فيه إذا باشره المسلم دون الكافر ، فإن الكافر ليس من أهل القرابة وهو مأمور بتقديم الإسلام على الاشتغال بالغرس ، ولكن قد ورد أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يأثر عن ربه عز وجل قال : { عمروا بلادي فعاش فيها عبادي } فلهذا قلنا هذا الفعل حسن من كل أحد . وعن ابن المسيب رضي الله عنه أنه كان لا يرى بأسا بكراء الأرض البيضاء بذهب وفضة ، وعن جبير أنه كان لا يرى بأسا بإجارة الأرض بدراهم ، أو بطعام مسمى ، وقال هل ذلك إلا مثل دار أو بيت ؟ ، وهو حجة على مالك - رحمه الله - فإنه لا يجوز إجارة الأرض بالطعام لظاهر قوله صلى الله عليه وسلم لا يستأجر بشيء منه ، ولكنا نقول الأرض غير منتفع بها كالدار والبيت ، وكل ما يصلح ثمنا في البيع يصلح أجرة في الإجارة ، وتأويل النهي الاستئجار بأجرة مجهولة معدومة هي على خطر الوجود كما يكون في المزارعة وهذا ينعدم في الاستئجار بطعام مسمى ، وربما يكون في هذا نوع رفق ; لأن من يستأجر الأرض للزراعة فأداء الطعام أجرة أيسر عليه من أداء الدراهم ; لقلة النقود في أيدي الدهاقين ، وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال { نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحاقلة ، والمزابنة ، وقال : إنما يزرع ثلاثة : رجل له أرض فهو يزرعها أو رجل منح أرضا فهو يزرع ما منح ، أو رجل استكرى أرضا بذهب أو فضة } ، والمزابنة بيع التمر على رءوس النخل بتمر مجدود على الأرض خرصا فالنهي عنها حجة لنا في إفساد ذلك العقد ، والمحاقلة قيل : بيع الحنطة في سنبلها بحنطة ، والعرب تقول الحقلة تنبت الحقلة أي : الحنطة تنبت السنبلة وقيل المحاقلة المزارعة وهذا أظهر فقد فسره عليه الصلاة والسلام بقوله : " إنما يزرع ثلاثة " فهو دليل لأبي حنيفة على أن الانتفاع بالأرض للزراعة مقصور على هذه الطرق الثلاثة ، وأن المزارعة بالربع والثلث لا تكون صحيحة ; لأن كلمة إنما لتقرير الحكم في المذكور ، ونفيه عما عداه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : إن أمثل ما أنتم صانعون أن يستكري أحدكم الأرض البيضاء بذهب أو فضة عاما بعام يعني : أبعدها عن المنازعة ، والجهالة واختلاف العلماء - رحمهم الله - فإن الأمثل ما يكون أقرب إلى الصواب والصحة وذلك فيما يكون أبعد عن شبهة الاختلاف . ، وعن مجاهد قال { اشترك أربعة نفر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهم : من عندي البذر ، وقال الآخر : من عندي العمل ، وقال الآخر : من عندي الفدان . وقال الآخر : من عندي الأرض [ ص: 16 ] فقضى في ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لصاحب الفدان أجرا مسمى ، وجعل لصاحب العمل درهما كل يوم ، وألحق الزرع كله لصاحب البذر ، وألغى الأرض } وبهذا يأخذ من يجوز المزارعة فيقول : المزارعة بهذه الصفة فاسدة ; لما فيها من اشتراط الفدان وهي البقر وآلات الزراعة على أحدهم مقصودا به وبما فيها من دفع البذر مزارعة على الانفراد ، وكل واحد من هذين مفسد للعقد ، ثم في المزارعة الفاسدة الخارج كله لصاحب البذر ; لأنه بما بذره . ( ألا ترى ) أن النبي صلى الله عليه وسلم ألحقه بصاحب البذر وألغى الأرض يعني : لم يجعل لصاحب الأرض من الخارج شيئا ، إلا أنه يستوجب على صاحب البذر أجر مثل أرضه ، بل يستوجب ذلك عليه كصاحب الفدان ، وقد أعطاه أجرا مسمى ، والمراد أجر المثل وصاحب العمل فقد أعطاه درهما كل يوم ، وتأويله أن ذلك كان أجر مثله في عمله ، وكما أنه سلم لصاحب البذر منفعة الفدان ، والعامل بحكم عقد فاسد فقد سلم له منفعة الأرض بعقد فاسد فيستوجب أجر المثل ، وبهذا تبين أن المراد بالإلغاء أنه لم يجعل لصاحب الأرض شيئا من الخارج ، فكان الطحاوي لا يصحح هذا الحديث ويقول : " الخارج لصاحب الأرض " أورد ذلك في المشكل وقال : البذر يصير مستهلكا ; لأن النبات يحصل بقوة الأرض ، فيكون النابت لصاحب الأرض وجعل الأرض كالأم ، وفي الحيوانات الولد يكون مملوكا لصاحب الأم لا لصاحب الفحل ، ولكن هذا وهم منه ، والحديث صحيح وكل قياس بمقابلته متروك ، ثم في الحيوانات توجد الحضانة من الأم لماء الفحل في رحمها ، وفي حجرها بلبنها نموه بعد الانفصال فلهذا جعلت تابعة للأم في الملك ، وذلك لا يوجد في الأرض ، ثم الخارج نماء البذر ألا ترى أنه يكون من جنس البذر وقوة الأرض ، ويكون بصفة واحدة ، ثم جنس الخارج يختلف باختلاف جنس البذر فعرفنا أنه يكون نماء البذر ، فيكون لصاحب البذر ، وهذا هو الحكم في كل مزارعة فاسدة أن للعامل أجر مثل عمله إن عمل بنفسه ، أو بأجرائه أو بغلمانه ، أو بقوم استعان بهم بغير أجر ، ويكون الخارج لصاحب البذر في هذه المسألة بعينها ، قول جميع المتقدمين من أصحابنا - رحمهم الله - أما عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلأن المزارعة فاسدة على كل حال ، وعندهما المزارعة فاسدة هنا كما بينا ، ثم صاحب البذر يؤمر فيما بينه وبين ربه عز وجل أن ينظر إلى الخارج فيدفع فيه مثل ما بذر ومقدار ما غرم فيه من الأجر لصاحب الأرض ، ولصاحب العمل ولصاحب البقر فيطيب له ذلك بما غرم فيه ، ويتصدق بالفضل لتمكن الحنث فيه باعتبار فساد العقد ، والأصل في المزارعة الفاسدة [ ص: 17 ] أنه متى ربى زرعه في أرض غيره يؤمر بالتصدق بالفضل ، وإن ربى زرعه في أرض نفسه بعقد فاسد لا يؤمر بالتصدق في عقد فاسد ، وسيأتي بيان هذا الفصل في موضعه إن شاء الله تعالى قال - رحمه الله - : اعلم أن المزارعة والمعاملة فاسدتان في قول أبي حنيفة وزفر - رحمهما الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد وابن أبي ليلى هما جائزتان ، وقال الشافعي : المعاملة في النخيل والكروم ، والأشجار صحيحة ويسمون ذلك مساقاة ، والمزارعة لا تصح إلا تبعا للمعاملة بأن يدفع إليه الكرم معاملة ، وفيه أرض بيضاء فيأمره أن يزرع الأرض بالنصف أيضا ، وقد قدمنا بيان الكلام من حيث الأخبار في المسألة ، فأما من حيث المعنى فهما يقولان : المزارعة عقد شركة في الخارج ، والمعاملة كذلك فتصح كالمضاربة وتحقيقه من وجهين : أحدهما : أن الربح هناك يحصل بالمال والعمل جميعا فتنعقد الشركة بينهما في الربح بمال من أحد الجانبين ، وعمل من الجانب الآخر وهما باعتبار عمل من أحد الجانبين وبذر وأرض من الجانب الآخر ، أو نخيل من الجانب الآخر ، والدليل على أن للعمل تأثيرا في تحصيل الخارج أن الغاصب للبذر أو الأرض إذا زرع كان الخارج له وجعل الزرع حاصلا بعمله ، والثاني : أن بالناس حاجة إلى عقد المضاربة ، فصاحب المال قد يكون عاجزا عن التصرف بنفسه ، والقادر على التصرف لا يجد مالا يتصرف فيه ، فيجوز عقد المضاربة لتحصيل مقصودهما ، فكذلك هنا صاحب الأرض والبذر قد يكون عاجزا عن العمل والعامل لا يجد أرضا وبذرا ليعمل فيجوز العقد بينهما شركة في الخارج لتحصيل مقصودهما ، وفي هذا العقد عرف ظاهر فيما بين الناس في جميع البلدان ، كما في المضاربة فيجوز بالعرف وإن كان القياس يأباه كالاستبضاع ، وبهذا الطريق جوز الشافعي - رحمه الله - المعاملة ولم يجوز المزارعة ; لأن المعاملة بالمضاربة أشبه من المزارعة فإن في المعاملة الشركة في الزيادة دون الأصل وهو النخيل ، كما أن المضاربة الشركة في الربح دون رأس المال ، وفي المزارعة لو شرط الشركة في الفضل دون أصل البذر بأن شرطا دفع البذر من رأس الخارج لم يجز العقد ، فجوزنا المعاملة مقصودا لهذا ولم نجوز المزارعة إلا تبعا للحاجة إليها في ضمن المعاملة ، وقد يصح العقد في الشيء تبعا وإن كان لا يجوز مقصودا [ ص: 18 ] كالوقف في المنقول ، وبيع الشرب وهذا كله بخلاف دفع الغنم معاملة بنصف الأولاد أو الألبان ; لأن ذلك ليس في معنى المضاربة ، فإن تلك الزوائد تتولد من العين ولا أثر لعمل الراعي والحافظ فيها ، وإنما تحصل الزيادة بالعلف والسقي ، والحيوان يباشر ذلك باختياره فليس لعمل العامل تأثير في تحصيل تلك الزيادة ، وليس في ذلك العقد عرف ظاهر في عامة البلدان أيضا ، ولهذا لو فعل الغاصب لم يملك شيئا من تلك الزوائد ، فأما هنا فلعمل الزارع تأثير في تحصيل الخارج ، وكذلك لعمل العامل من السقي والتلقيح والحفظ تأثير في جودة الثمار ; لأن بدون ذلك لا يحصل إلا ما ينتفع به من الحشف ، فلهذا جوزنا المزارعة والمعاملة ولم نجوز المعاملة في الزوائد التي تحصل من الحيوانات كدود القز والديباج وما أشبه ذلك وأبو حنيفة يقول : هذا استئجار بأجرة مجهولة معدومة في وجودها خطر وكل واحد من المعنيين يمنع صحة الاستئجار ، والاستئجار بما يكون على خطر الوجود في معنى تعليق الإجارة بالخطر ، والاستئجار بأجرة مجهولة بمنزلة بيع بثمن مجهول ، وكل واحد منهما عقد معاوضة يعتمد تمام الرضا ، ثم البيع بثمن مجهول يكون فاسدا ، فكذلك الاستئجار بأجرة مجهولة ، وهذا القياس سنده الأثر وهو قوله عليه الصلاة والسلام { : من استأجر أجيرا فليعلمه أجره } وبيان ما ذكرنا أن البذر إن كان من قبل العامل فهو مستأجر للأرض بما سمى لصاحبها من الخارج ، وفي حصول الخارج خطر ومقداره مجهول ، وإن كان من قبل رب الأرض فهو مستأجر للعامل ، والدليل على أن هذا إجارة لا شركة أنه يتعلق به اللزوم من جانب من لا بذر من قبله وكذلك من جانب الآخر بعد إلقاء البذر في الأرض ، وعقد المعاملة يتعلق به اللزوم من الجانبين في الحال ، والشركة والمضاربة لا يتعلق بهما اللزوم ، والدليل عليه أنه لا بد من بيان المدة ، واشتراط بيان المدة في عقد الإجارة لإعلام ما تناوله العقد من المنفعة ، فأما في الشركة والمضاربة فلا يشترط التوقيت ، ولا معنى لاعتبار العرف ; لأن العرف يسقط اعتباره عند وجود النص بخلافه ، وقد وجد ذلك هنا وقوله صلى الله عليه وسلم " لا تستأجره بشيء منه " وقوله عليه الصلاة والسلام " فليعلمه أجره " وكما وجد العرف هنا فقد وجد العرف في دفع الدجاج معاملة بالشركة في البيض ، والفروج ، وفي دفع البقر والغنم معاملة للشركة في الأولاد والألبان والسمون وفي دفع دود القز معاملة للشركة في الإبريسم ، ومعنى الحاجة يوجد هناك أيضا ، ثم لا يحكم بصحة شيء من ذلك باعتبار العرف والحاجة فهنا كذلك ، وإذا ثبت فساد العقد على قوله كان الخارج كله [ ص: 19 ] لصاحب البذر ، فإن كان صاحب البذر هو العامل فعليه أجر مثل الأرض فينبغي لصاحب الأرض أن يشتري منه نصف الخارج بعد القسمة بما استوجب عليه من أجر المثل ، وكذلك يفعله العامل إن كان البذر من قبل صاحب الأرض ، وبهذا الطريق يطيب لكل واحد منهما على قوله ، ثم التفريع بعد هذا على قول من يجوز المزارعة والمعاملة ، وعلى أصول أبي حنيفة أن لو كان يرى جوازها وأبو حنيفة - رحمه الله - هو الذي فرع هذه المسائل لعلمه أن الناس لا يأخذون بقوله في هذه المسألة ، ففرع على أصوله أن لو كان يرى جوازها ثم المزارعة على قول من يجيزها تستدعي شرائط ستة : أحدها : التوقيت ; لأن العقد يرد على منفعة الأرض أو على منفعة العامل بعوض والمنفعة لا يعرف مقدارها إلا ببيان المدة فكانت المدة معيارا للمنفعة بمنزلة الكيل والوزن ، وهذا بخلاف المضاربة ، فإن هناك بالتصرف المال لا يصير مستهلكا فلا حاجة إلى إثبات صفة اللزوم ، كذلك العقد وهنا البذر يصير مستهلكا بالإلقاء في الأرض ، فبنا حاجة إلى القول بلزوم هذا العقد لدفع الضرر من الجانبين ، ولا يكون ذلك إلا بعد علم مقدار المعقود عليه من المنفعة . والثاني : أنه يحتاج إلى بيان من البذر من قبله ; لأن المعقود عليه يختلف باختلافه ، فإن البذر إن كان هو من قبل العامل فالمعقود عليه منفعة الأرض ، وإن كان من قبل صاحب الأرض فالمعقود عليه منفعة العامل فلا بد من بيان المعقود عليه ، وجهالة من البذر من جهته تؤدي إلى المنازعة بينهما . والثالث : أنه يحتاج إلى بيان جنس البذر ; لأن إعلام جنس الأجرة لا بد منه ، ولا يصير ذلك معلوما إلا ببيان جنس البذر . والرابع : أنه يحتاج إلى بيان نصيب من لا بذر من قبله ; لأنه يستحق ذلك عوضا بالشرط فما لم يكن معلوما لا يصح استحقاقه بالعقد شرطا . والخامس : أنه يحتاج إلى التخلية بين الأرض وبين العامل ، حتى إذا شرط في العقد ما تنعدم به التخلية وهو عمل رب الأرض مع العامل لا يصح العقد . والسادس الشركة في الخارج عند حصوله حتى إن كل شرط يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج بعد حصوله يكون مفسدا للعقد ثم المزارعة على قول من يجيزها على أربعة أوجه أحدها : أن تكون الأرض من أحدهما والبذر والعمل والبقر وآلات العمل كله من الآخر ، فهذا جائز ; لأن صاحب البذر مستأجر للأرض بجزء معلوم من الخارج ، ولو استأجرها بأجرة معلومة من الدراهم والدنانير صح ، فكذا إذا أستأجرها بجزء مسمى من الخارج شائع . والوجه الثاني : أن تكون الأرض والبذر والبقر والآلات من أحدهما والعمل من الآخر فهذا جائز أيضا ; لأن صاحب الأرض استأجر العامل [ ص: 20 ] ليعمل بآلاته له ، وذلك صحيح كما لو استأجر خياطا ليخيط بإبرة صاحب الثوب ، أو طيانا ليجعل الطين بآلة صاحب العمل . والوجه الثالث : أن تكون الأرض والبذر من أحدهما ، والبقر والآلات من العامل وهذا جائز أيضا ; لأن صاحب الأرض استأجره ليعمل بآلات نفسه وهذا جائز ، كما إذا استأجر خياطا ليخيط بإبرة نفسه ، أو قصارا ليقصر الثوب بآلات نفسه ، أو صباغا ليصبغ الثوب بصبغ له ، فكذلك هنا وهذا ; لأن منفعة البقر والآلات من جنس منفعة العامل ; لأن إقامة العمل يحصل بالكل ، فيجعل ذلك نابعا لعمل العامل في جواز استحقاقه بعقد المزارعة والرابع : أن يكون البذر من قبل العامل والبقر من قبل رب الأرض وهذا فاسد في ظاهر الرواية ; لأن صاحب البذر مستأجر للأرض والبقر ، واستئجار البقر بجزء من الخارج مقصودا لا يجوز وهذا لأن منفعة البقر ليست من جنس منفعة الأرض فإن منفعة الأرض قوة في طبعها يحصل به الخارج ، ومنفعة البقر يقام به العمل ، فلانعدام المجانسة لا يمكن جعل البقر تبعا لمنفعة الأرض ، ولا يجوز استحقاق منفعة البقر مقصودا بالمزارعة كما لو كان البقر مشروطا على أحدهما فقط . والأصل فيه حديث مجاهد في اشتراك أربعة نفر كما بينا ، وروى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف - رحمه الله تعالى - أن هذا النوع جائز أيضا للعرف ; ولأنه لما جاز أن يكون البقر مع البذر مشروطا على رب الأرض في المزارعة فكذلك يجوز أن يكون البقر بدون الأرض مشروطا عليه ، كما في جانب العامل لما جاز أن يكون البذر مع البقر مشروطا على العامل جاز أن يكون البقر مشروطا عليه بدون البذر ، ثم في الوجوه الثلاثة إن حصل الخارج كان بينهما على الشرط ، وإن لم يحصل الخارج فلا شيء لواحد منهما على صاحبه ; لأن العقد بينهما شركة في الخارج ، ولئن كان إجارة فالأجرة يتعين محلها بتعيينها وهو الخارج ومع انعدام المحل لا يثبت الاستحقاق ، وهكذا في الوجه الرابع على رواية أبي يوسف . فأما في ظاهر الرواية فالخارج كله لصاحب البذر ; لأنه نماء بذره فإنه يستحقه الغير عليه بالشرط بحكم عقد صحيح ولم يوجد وعليه لصاحب الأرض أجرة مثل الأرض والبقر ; لأنه مستوفيا منفعة أرضه وبقره بحكم عقد فاسد ، ومن أصحابنا - رحمهم الله - من يقول تأويل قوله عليه أجر المثل لأرضه وبقره أنه يغرم له أجر مثل الأرض مكروبة ، فأما البقر فلا يجوز أن يستحقه بعقد المزارعة بحال فلا ينعقد العقد عليه صحيحا ولا فاسدا ، ووجوب أجر المثل لا يكون بدون انعقاد العقد فالمانع لا يتقوم إلا بالعقد ، والأصح أن عقد المزارعة من جنس الإجارة ، ومنافع البقر يجوز استحقاقها بعقد الإجارة فينعقد عليها [ ص: 21 ] عقد المزارعة بصفة الفساد ، ويجب أجر مثلها كما يجب أجر مثل الأرض ، وزعم بعض أصحابنا أن فساد العقد هنا على أصل أبي حنيفة ; لأنه فسد العقد في حصة البقر ، ومن أصله أن العقد إذا فسد بعضه فسد كله ، فأما عندهما فينبغي أن يجوز العقد في حصة الأرض وإن كان يفسد في حصة البقر ، والأصح أنه قولهم جميعا ; لأن حصة البقر لم يثبت فيه الاستحقاق أصلا ، وحصة الأرض من المشروط مجهول فيفسد العقد فيه للجهالة ، وقد بينا نظيره في الصلح إذا صولح أحد الورثة من العين والدين على شيء في التركة ، وسواء أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج فأجر المثل واجب لصاحب الأرض والبقر ; لأن محل وجوب الأجر هنا الذمة دون الخارج ، وإنما يجب استيفاء المنفعة ، وقد تحقق ذلك سواء أحصل الخارج أم لم يحصل ، وقيل : ينبغي في قياس قول أبي يوسف - رحمه الله - أن لا يزاد بأجر مثل أرضه وبقره على نصف الخارج الذي شرط له ، وفي قول محمد يجب أجر المثل بالغا ما بلغ على قياس الشركة في الاحتطاب ، وقد بيناه في كتاب الشركة فإن كان البذر من عند صاحب الأرض واشترط أن يعمل عنده مع العامل ، والخارج بينهم أثلاث جازت المزارعة وللعامل ثلث الخارج والباقي كله لرب الأرض ; لأن اشتراط العبد على رب الأرض والبذر كاشتراط البقر عليه في هذا الفصل ، وأنه صحيح فكذلك اشتراط العبد عليه ، ثم المشروط للعبد إن لم يكن عليه دين فهو مشروط لصاحب الأرض ، وإن كان عليه دين ففي قولهما كذلك ، وفي قياس قول أبي حنيفة : المولى من كسب عبده المديون كالأجنبي ، فكأنه دفع الأرض والبذر مزارعة إلى عاملين ، على أن لكل واحد منهما ثلث الخارج ، حتى إن في هذا الفصل لو لم يشترط العمل على العبد ففي قولهما : المشروط للعبد يكون لرب الأرض فيجوز العقد ، وفي قياس قول أبي حنيفة المشروط للعبد كالمسكوت عنه ; لأنه لا يستحق شيئا من غير بذر ولا عمل ، والمسكوت عنه يكون لصاحب البذر ، وإن كان البذر من العامل والمسألة بحالها فالعقد فاسد ; لأن اشتراط العمل على رب الأرض كاشتراط البقر عليه ، وذلك مفسد للعقد ، وإن كان شرط ثلث الخارج لعبد العامل ، فإن كان البذر من قبل العامل ولا دين على العبد فالعقد صحيح ولرب الأرض ثلث الخارج ، والباقي للعامل ; لأن اشتراط العبد عليه كاشتراط البقر ، والمشروط لعبده إن لم يكن عليه دين كالمشروط له ، وإن شرط لعبده ثلث الخارج ولم يشرط على عبده عملا فإن كان على العبد دين ففي قول أبي يوسف ومحمد هذا جائز والمشروط للعبد يكون للعامل ; لأنه يملك كسب عبده المديون ، وعند أبي حنيفة كذلك الجواب ; لأن [ ص: 22 ] المشروط للعبد كالمسكوت عنه إذا لم يشرط عليه العمل فهو للعامل ; لأنه صاحب البذر بخلاف ما إذا شرط عليه العمل ، والعبد مديون ; لأن العبد منه كأجنبي فكأنه شرط عمل أجنبي آخر مع صاحب البذر ، على أن يكون له ثلث الخارج وذلك مفسد للعقد في حصة العامل الآخر على ما بينه في آخر الكتاب ، وإن كان البذر من عند صاحب الأرض واشترط أن يعمل هو مع العامل لم يجز ; لأن هذا الشرط يعدم التخلية بين العامل وبين الأرض والبذر ، وقد بينا نظيره في المضاربة أنه إذا شرط عمل رب المال مع المضارب يفسد العقد لانعدام التخلية والحاكم - رحمه الله - في المختصر ذكر في جملة ما يكون فاسدا من المزارعة على قولهما يجمع بين الرجل وبين الأرض ، ومراده أن يكون البقر والبذر مشروطا على أحدهما ، والعمل والأرض مشروطا على الآخر وهذا فاسد ، إلا في رواية عن أبي يوسف يجوز هذا بالقياس على المضاربة ; لأن البذر في المزارعة بمنزلة رأس المال في المضاربة ، ويجوز في المضاربة دفع رأس المال إلى العامل ، فكذلك يجوز في المزارعة دفع البذر مزارعة إلى صاحب الأرض والعمل . ![]()
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثانى والعشرون صـــ 22الى صـــ 31 (464) فأما في ظاهر الرواية فصاحب البذر مستأجر للأرض ولا بد من التخلية بين المستأجر وبين ما استأجر في عقد الإجارة وتنعدم التخلية هنا ; لأن الأرض تكون في يد العامل فلهذا فسد العقد ، ثم في كل موضع صار الريع لصاحب البذر من قبل فساد المزارعة ، والأرض له لم يتصدق بشيء ; لأنه لا يتمكن في الخارج خبث فإن الخارج نماء البذر بقوة الأرض ، والأرض ملكه والبذر ملكه وإذا لم تكن الأرض له تصدق بالفضل ; لأنه تمكن خبث في الخارج فإن الخارج إنما يحصل بقوة الأرض ، وبهذا جعل بعض مشايخنا الخارج لصاحب الأرض عند فساد العقد ، ومنفعة الأرض إنما سلمت له بالعقد الفاسد لا بملكه رقبة الأرض فيتصدق لذلك بالفضل ، ونعني بالفضل أنه يرفع من الخارج مقدار بذره وما غرم فيه من المؤن والأجر ، ويتصدق بالفضل وإن كان هو العامل لا يرفع منه أجر مثله ; لأن منافعه لا تتقوم بدون العقد ، ولا عقد على منافعه إذا كان البذر من قبله ، فلهذا لا يرفع أجر مثل نفسه من الخارج ، ولكن يتصدق بالفضل ، وما يشترط للبقر من الخارج فهو كالمشروط لصاحب البقر ; لأن البقر ليس من أهل الاستحقاق لنفسه فالمشروط له كالمشروط لصاحبه ، وما يشترط للمساكين للخارج فهو لصاحب البذر ; لأن المساكين ليس من جهتهم أرض ولا عمل ولا بذر ، واستحقاق الخارج في المزارعة لا يكون إلا بأحد هذه الأشياء فكان المشروط لهم كالمسكوت عنه ، فيكون لصاحب البذر ; لأن استحقاقه بملك [ ص: 23 ] البذر لا يشترط ، والأجرة تستحق عليه بالشرط فلا يستحق إلا مقدار ما شرط له ، وإذا لم يسم لصاحب البذر وسمي ما للآخر جاز ; لأن من لا بذر من قبله إنما يستحق بالشرط فأما صاحب البذر فيستحق بملكه البذر ، فلا ينعدم استحقاقه بترك البيان في نصيبه ، وإن سمى نصيب صاحب البذر ولم يسم ما للآخر ففي القياس هذا لا يجوز ; لأنهم ذكروا ما لا حاجة بهم إلى ذكره وتركوا ما يحتاج إليه لصحة العقد ومن لا بذر من قبله يستحق بالشرط فبدون الشرط لا يستحق شيئا ، ولكنه استحسن فقال الخارج مشترك بينهما ، والتنصيص على نصيب أحدهما يكون بيان أن الباقي للآخر قال الله سبحانه وتعالى { وورثه أبواه فلأمه الثلث } معناه وللأب ما بقي فكأنه قال صاحب البذر : على أن لي ثلثي الخارج ولك الثلث وإذا قال له اعمل ببذري في أرضي بنفسك وبقرك وأجرائك فما خرج فهو كله لي جاز ، والعامل معين ; لأن صاحب الأرض والبذر استعان به في العمل حين لم يشترط له بمقابلته شيئا ; ولأن الذي من جانب العامل منفعة والمنفعة لا تتقوم إلا بالتسمية في العقد ، فإذا لم يسم لم تتقوم منافعه ، وإن قال : على أن الخارج كله لك فهو جائز أيضا ، وصاحب الأرض معير لأرضه مقرض لبذره ; لأنه شرط للعامل جميع الخارج ، ولا يستحق جميع الخارج إلا بعد أن يكون البذر ملكا له ، ولتمليك البذر منه هنا طريقان : أحدهما : الهبة ، والثاني : القرض فيثبت الأدنى وهو القرض ; لأنه متيقن به ثم البذر عين متقوم بنفسه فلا يسقط تقومه عنه إلا بالتنصيص على الهبة ، ومنفعة الأرض غير متقومة بنفسها فلا تتقوم إلا بتسمية البدل بمقابلتها ولم يوجد فلهذا كان معير الأرض مقرضا للبذر بمنزلة ما لو دفع إليه حانوتا وألف درهم ، وقال : اعمل بها في حانوتي على أن الربح كله لك فإنه يكون مقرضا للألف معيرا للحانوت ولو قال : ازرع في أرضي كرا من طعامك على أن الخارج كله لك لم يجز هذا العقد ; لأنه دفع الأرض مزارعة بجميع الخارج . وحكي عن عيسى بن أبان - رحمه الله - أنه قال يجوز هذا ; لأنه لما شرط جميع الخارج لنفسه ولا يكون ذلك إلا بملك البذر فكأنه استقرض منه البذر ، وأمره بأن يزرعه في أرضه فيصير قابضا له باتصاله بملكه ، وقد بينا نظير هذا في كتاب الصرف ، ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ; لأن الأصل أن يكون الإنسان في إلقاء بذره في الأرض عاملا لنفسه ، وقوله : " على أن الخارج لي " محتمل بجواز أن يكون المراد الخارج لي عوضا عن منفعة الأرض ، ويجوز أن يكون المراد الخارج لي بحكم استقراض البذر ، والمحتمل لا يترك الأصل به ولا يثبت تمليك البذر منه بالمحتمل فكان الخارج كله لصاحب [ ص: 24 ] البذر وعليه أجر مثل الأرض ; لأن صاحب الأرض ابتغى عن منفعة أرضه عوضا ولم ينل فله أجر مثله أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ولو قال : ازرع لي في أرضي كرا من طعامك على أن الخارج لي أو على أن الخارج نصفين جاز على ما قال ، والبذر قرض على صاحب الأرض أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ; لأن قوله ازرع لي تنصيص على استقراض البذر منه فإنه لا يكون عاملا له إلا بعد استقراضه البذر منه ، فكان عليه بذرا مثل ما استقرض أخرجت الأرض شيئا أو لم تخرج ; لأنه صار قابضا له باتصاله بملكه ، ثم إن كان قال : إن الخارج بيننا نصفان فهي مزارعة صحيحة وإن قال : على أن الخارج لي فهو استعانة في العمل ، وكان محمد بن مقاتل رحمه الله - يقول : ينبغي أن يفسد العقد هنا ; لأنه مزارعة شرط فيها القرض إذا قال : على أن الخارج بيننا نصفان ، والمزارعة كالإجارة تبطل بالشرط الفاسد ولكن في ظاهر الرواية قال : الاستقراض مقدم على المزارعة فهذا قرض شرط فيه المزارعة ، والقرض لا يبطل بالشروط الفاسدة كالهبة وفي الأصل استشهد فقال : أرأيت لو قال أقرضني مائة درهم فاشتر لي بها كرا من الطعام ، ثم ابذره في أرضي على أن الخارج بيننا نصفان ألم يكن هذا جائزا ؟ فكذلك ما سبق إلا أن هذا مكروه ; لأنه في معنى قرض جر منفعة ولو دفع بذرا إلى صاحب الأرض على أن يزرعه في أرضه على أن الخارج بينهما نصفان فهو فاسد ، وهذه مسألة دفع البذر مزارعة ، وقد بينا قول أبي يوسف - رحمه الله - وحكم هذه المسألة على ظاهر الرواية نفي الإشكال في أنه أوجب لصاحب الأرض أجر مثل أرضه ، ولم يسلم الأرض إلى صاحب البذر فكيف يستوجب عليه أجر مثله ؟ ، ولكنا نقول صارت منفعته ومنفعة الأرض حكما كلها مسلمة إلى صاحب البذر لسلامة الخارج له حكما ، وكذلك إن لم تخرج الأرض شيئا ; لأن عمل العامل بأمره في إلقاء البذر كعمله بنفسه فيستوجب عليه أجر المثل في الوجهين جميعا ، وإن قالا على أن الخارج لصاحب البذر فهو جائز ، وصاحب البذر معين له في العمل معير لأرضه لأنه ما شرط بإزاء منافعه ومنافع أرضه عوضا فيكون متبرعا بذلك كله ، وإن قال ازرعه لي في أرضك على أن الخارج لك لم يجز ; لأنه نص على استئجار الأرض والعامل بجميع الخارج حين قال : ازرعه لي في أرضك ، والخارج كله لصاحب البذر وعليه للعامل أجر مثل أرضه وعمله ، وإن قال ازرعه في أرضك لنفسك على أن الخارج لي لم يجز ; لأن قوله ازرعه لنفسك تنصيص على إقراض البذر منه ، ثم شرط جميع الخارج لنفسه عوضا عما أقرضه وهذا شرط فاسد ; لأن القرض مضمون بالمثل شرعا ، ولكن [ ص: 25 ] القرض لا يبطل بالشرط الفاسد ، والخارج كله لرب الأرض ، وعليه مثل ذلك البذر لصاحبه ، ولو دفع إليه الأرض على أن يزرع ببذره وبقره ، ويعمل فيها معه هذا الأجنبي لم يجز ذلك فيما بينهما وبين الأجنبي ، وهو فيما بينهما جائز ، وثلث الخارج لصاحب الأرض وثلثاه لصاحب البذر ; لأن صاحب البذر استأجر بثلث الخارج وذلك فاسد ، كما لو كانت الأرض مملوكة له ، وهذا فيما بينهما في معنى اشتراط عمل رب الأرض مع العامل ولكنهما عقدان مختلفان ، أحد العقدين على منفعة الأرض ، والآخر على منفعة العامل ، فالمفسد في أحدهما لا يفسد الآخر ، فلهذا كان لصاحب الأرض ثلث الخارج والباقي كله لصاحب البذر وعليه أجر مثل الرجل الذي عمل معه ، وقد أجاب بعد هذا في نظير هذه المسألة فقال : يفسد العقد كله وإنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع فإنه قال هناك : على أن يعمل معه الرجل الآخر فبهذا اللفظ يصير العقد الفاسد مشروطا في العقد الذي جرى بين صاحب الأرض وبين صاحب البذر فيفسد كله ، وهنا قال ويعمل معه الرجل الآخر والواو للعطف لا للشرط ، فقد جعل العقد الفاسد معطوفا على العقد الصحيح لا مشروطا فيه ، فلهذا لم يفسد العقد بين صاحب الأرض وصاحب البذر ، ولو كان البذر من قبل رب الأرض كانت المزارعة جائزة ، والخارج أثلاثا كما اشترطوا ; لأن صاحب الأرض والبذر استأجر عاملين وشرط لكل واحد منهما ثلث الخارج وذلك صحيح والله أعلم بالصواب . قال - رحمه الله - وإذا دفع إلى رجل أرضا مزارعة بالنصف يزرعها هذه السنة ببذره وبقره ولما تراضيا على ذلك قال الذي أخذ الأرض مزارعة : قد بدا لي في ترك زرع هذه السنة ، أو قال أريد أن أزرع أرضا أخرى سوى هذه فله ذلك ; لأن المزارعة على قول من يجيزها إجارة ، والإجارة تنقض بالعذر ، وترك العمل الذي استأجر العين لأجله عذر له في فسخ العقد كمن استأجر حانوتا ليتجر فيه ، ثم بدا له ترك التجارة يكون ذلك عذرا له في الفسخ ، وكذلك لو استأجر أرضا بدراهم أو بدنانير ليزرعها ثم بدا له ترك الزراعة يكون ذلك عذرا له في الفسخ وهذا ; لأن الإجارة جوزت لحاجة المستأجر ، ففي إلزام العقد إياه بعد ما بدا له ترك ذلك العمل إضرار به فيؤدي إلى أن يعود إلى موضوعه بالإبطال ، والضرر عذر في فسخ العقد [ ص: 26 ] اللازم ، وكذلك إن قال أريد أن أزرع أرضا أخرى ; لأن البذر من قبله وفي إلقاء البذر في الأرض إتلاف البذر ، وقد يحصل الخارج ، وقد لا يحصل الخارج ، وفي إلزام العقد صاحب البذر قبل الإلقاء في الأرض إضرار به من حيث إنه يلزم إتلاف ملكه وذلك لا يجوز ، ثم له في ترك هذه الأرض وزرعه أرضا أخرى غرض صحيح فتلك الأرض مملوكة له أو يمنحه إياها صاحبها ، أو تكون أكثر ريعا من هذه الأرض فلا يجوز لنا أن نلزمه زراعة هذه الأرض شاء أو أبى ، وهكذا لو كان استأجرها بدراهم أو دنانير إلا أن هناك لا يفسخ العقد إذا أراد زراعة أرض أخرى ; لأن في إبقاء العقد بينهما مع اختياره أرضا أخرى للزراعة منفعة لصاحب الأرض ، وهو أنه استوجب الأجر دينا في ذمته بالتمكن من الانتفاع وإن لم يزرع ، وفي المزارعة لا فائدة في إبقاء العقد مع امتناعه من زراعة هذه الأرض ; لأن حق صاحب الأرض في الغلة ، والغلة لا تحصل بدون الزراعة فلهذا قلنا يفسخ العقد بينهما ، ثم في الاستئجار بالدراهم إذا أراد ترك الزراعة أصلا يكون ذلك عذرا ; لأنه يتحرز عن إتلاف البذر بإلقائه في الأرض ، وإذا أراد أن يزرع أرضا أخرى لا يكون ذلك عذرا له ، وذلك لا يصير مستحقا له بمطلق العقد ، وإذا كان البذر من جهة رب الأرض أجبر العامل على أن يزرعها إن أراد ترك الزراعة سنته تلك أو لم يرد ; لأن العامل هنا أجير لرب الأرض ، وعلى الأجير الإيفاء بما التزم بعد صحة العقد وهذا ; لأنه ليس في إيفاء العقد إلحاق ضرر به سوى ما التزمه بالعقد ; لأنه التزم بالعقد إقامة العمل وهو قادر على إقامة العمل ، كما التزمه بالعقد ، وموجب العقود اللازمة وجوب تسليم المعقود عليه ، فأما في الفصل الأول ففي إلزام العقد إياه إلحاق ضرر به فيما لم يتناوله العقد ; لأن البذر ليس بمعقود عليه ، وفي إلقائه في الأرض إتلافه وإن بدا لرب الأرض والبذر أن يترك الزراعة في تلك الأرض ، أو في غيرها فله ذلك ; لأنه في إلزام العقد إياه إتلاف بذره ، والبذر ليس بمعقود عليه فلا يجوز أن يلزمه إتلافه بالإلقاء في الأرض إنما هو موهوم عسى يحصل ، وعسى لا يحصل . وإن كان البذر من العامل لم يكن لصاحب الأرض أن يمنع الزارع من الزراعة ; لأنه مؤجر لأرضه ولا يلحقه بإيفاء العقد ضرر فيما لم يتناوله العقد ، وإنما الضرر عليه في إلزام تسليم الأرض ، وقد التزم ذلك بمطلق الزراعة إلا أن يكون له عذر ، والعذر دين لا يقدر على قضائه إلا من ثمن هذه الأرض ، فإن حبس فيه كان له أن يبيعها لقضاء الدين ; لأن في إيفاء العقد هنا إلحاق الضرر به فيما لم يتناوله العقد وهو تعينه ، وقد بينا في كتاب الإجارات أن [ ص: 27 ] مثل هذا عذر له في فسخ الإجارة ، وأنه يفسخ العقد بنفسه في إحدى الروايتين ، وفي الرواية الأخرى القاضي هو الذي يتولى ذلك ببيعه في الدين على ما فسره في الزيادات ولو دفع نخلا له معاملة بالنصف ثم بدا للعامل أن يترك العمل أو يسافر فإنه يجبر على العمل ، أما إذا بدا له ترك العمل ; فلأن في إيفاء العقد لا يلحقه ضرر لم يلتزمه بالعقد ; لأنه التزم بالعقد إقامة العمل ، ولا يلحقه سوى ذلك ، وأما في السفر فقد ذكر في غير هذا الموضع أن ذلك عذر له ; لأن بالامتناع يلحقه ضرر لم يلتزمه بالعقد وفيما ذكر هنا لا يكون عذرا له ; لأنه يتعلل بالسفر ليمتنع من إقامة العمل الذي التزمه بالعقد ، وقيل : إنما اختلف الجواب لاختلاف الموضوع ، فهناك وضع المسألة فيما إذا شرط عليه إقامة العمل بيده ، وبعد السفر لا يتمكن من ذلك ، ولا يجوز أن يحول بينه وبين سفر يبتلى به في المدة لما في ذلك من الضرر عليه ، وهنا وضع المسألة فيما إذا لم يشترط عليه العمل بيده ، فهو متمكن من إقامة العمل بأجرائه وأعوانه وغلمانه بعد السفر بنفسه ، فلا يكون ذلك عذرا له في الفسخ ، وكذلك إن بدا لصاحب النخيل أن يمنع العامل منه ويعمل بنفسه ، أو يدفعه إلى عامل آخر ، فذلك لا يكون عذرا له في الفسخ بخلاف من البذر من قبله في باب المزارعة ; لأن هناك هو يحتاج إلى إتلاف بذره بالإلقاء في الأرض ، وهنا رب النخيل لا يحتاج إلى ذلك فيكون العقد لازما من جانبه بنفسه كما في جانب العامل ، وإنما العذر من جانبه أن يلحقه دين فادح لا وفاء عنده إلا من ثمن النخل ، فإذا حبس فيه كان ذلك عذرا له في فسخ المعاملة للبيع في الدين كما بينا في الأرض والله أعلم . قال - رحمه الله - : وإذا كانت الأرض بين رجلين فدفعها أحدهما إلى صاحبه مزارعة على أن يزرعها هذه السنة ببذره وبقره على أن الخارج بينهما نصفان فالمزارعة فاسدة ; لأن الدافع كأنه قال لصاحبه : ازرع نصيبك من الأرض ببذرك على أن الخارج كله لك ، وهذه مشهورة صحيحة ، أو قال : وازرع نصيبي ببذرك على أن الخارج كله لي وهذا فاسد ; لأنه دفع الأرض مزارعة بجميع الخارج وهي مطعونة عيسى - رحمه الله - وقد بيناها بالأمس ; فإن قيل لماذا لم يجعل كأنه قال : ازرع نصيبي ببذرك على أن الخارج بيننا نصفين ، وازرع نصيبك ببذرك على أن الخارج بيننا نصفين حتى تصح المزارعة في نصيب الدافع من الأرض ، قلنا : لأنه يكون ذلك منه [ ص: 28 ] انتهاب المعدوم وطمعا في غير مطمع ، وهو أن يشترط لنفسه جزءا بما أخرجه نصيب صاحبه من غير أن يكون منه أرض أو بذر أو عمل ، والعاقل لا يقصد ذلك بكلامه عادة ، فلذلك حملناه على الوجه الأول ، وأفسدنا المزارعة ، والخارج كله للزارع ; لأنه نماء بذره وعليه أجر مثل نصف الأرض لصاحبه ; لأنه استوفى منفعة نصيبه من الأرض بعقد فاسد ، ويطيب له نصف الخارج ; لأنه ربى نصف الزرع في أرض نفسه ، ولا فساد في ذلك النصف ويأخذ من النصف الآخر ما أنفق فيه وغرم ، ويتصدق بالفضل ; لأنه ربى زرعه في أرض الغير بسبب فاسد فيتصدق بالفضل ، ولو كان البذر من الدافع فالعقد فاسد ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبي من الأرض ببذري على أن الخارج كله لي ، وهذه استعانة صحيحة لو اقتصر عليها ولكنه قال : وازرع نصيبك من الأرض ببذري على أن الخارج كله لك ، وهذا أيضا إقراض صحيح للبذر لو اقتصر عليه ولكن الجمع بينهما يظهر الفساد باعتبار أنه جعل بإزاء عمله في نصيب الدافع منفعة إقراض البذر إياه ، أو تمليك البذر منه هبة في مقدار ما يزرع به نصيب نفسه ، فلهذا فسد العقد ، والزرع كله للدافع ; لأن إقراض شيء من البذر غير منصوص عليه ، وإنما كنا نثبت التصحيح للعقد بينهما ، وليس فيه تصحيح العقد فلا يجعل مقرضا شيئا من البذر منه ، فلهذا كان الخارج كله لصاحب البذر ، وللعامل عليه أجر مثل عمله وأجر حصته من الأرض ; لأن منفعة حصته من الأرض ومنفعة عمله سلمت للدافع بعقد فاسد ، ويطيب له نصف الريع ; لأنه رباه في أرض نفسه ويأخذ من النصف الآخر نصف البذر وما غرم من أجر مثل نصف الأرض ونصف أجر مثل العامل ، ويتصدق بالفضل ; لأنه رباه في أرض غيره بسبب فاسد ولو كان البذر من العامل على أن ثلثي الخارج له وللدافع الثلث جاز ; لأن تقدير كلامه كأنه قال : ازرع نصيبك ببذرك على أن الخارج كله لك وهي مشهورة صحيحة ، وازرع نصيبي ببذرك على أن ثلثي الخارج منه لي والثلث لك وهي مزارعة صحيحة ، ولا يتولد من الجمع بينهما فساد فكان الخارج بينهما على الشرط ، ولو كان البذر من الدافع كان العقد فاسدا ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبي ببذري على أن لك ثلث الخارج وهذا صحيح ، ولكنه قال : وازرع نصيبك ببذرك على أن الخارج كله لك ، وهذا إقراض للبذر لو اقتصر عليه إلا أنه باعتبار الجمع بينهما يظهر الفساد من حيث إنه جعل له بالعمل في نصيبه من الأرض ثلث الخارج ومنفعة إقراض نصف البذر ، وكذلك إن كان شرط الثلثين للدافع [ ص: 29 ] لأنه يصير كأنه قال ازرع نصيبي ببذرك على أن الخارج كله لي ، وهذه استعانة صحيحة ولكنه قال : وازرع نصيبك ببذري على أن لي ثلث الخارج ، وهذا دفع البذر مزارعة إلى صاحب الأرض فلهذا كان فاسدا ولو كان البذر بينهما نصفين على أن ثلثي الخارج للعامل ، وثلثه للآخر فهذا فاسد لأن الدافع شرط للعامل ثلث الخارج من نصيبه من البذر وذلك فاسد ; لأن عمله يلاقي بذرا أو زرعا مشتركا بينهما ، وأحد الشريكين بعمله فيما هو فيه شريك لا يستوجب الأجر على صاحبه فلهذا فسد العقد ، والخارج بينهما نصفان طيب لهما ; لأن البذر بينهما نصفان ، وكل واحد منهما إنما ربى زرعه في أرضه ولا أجر لواحد منهما على صاحبه ; لأن العامل إنما عمل فيما هو فيه شريك وهو لعمله فيما هو فيه شريك لا يستوجب الأجر ; لأن شريكه في المعمول يمنع تسليم العمل إلى غيره ، وبدون التسليم لا يجب الأجر فاسدا كان العقد أو جائزا ، وكذلك لو شرط الثلثين للدافع ، ومعنى الفساد هنا أبين ; لأن الدافع شرط لنفسه جزءا مما يحصل في أرض العامل ببذره من غير أن يكون له في ذلك أرض ولا بذر ولا عمل ، ولو اشترطا أن الخارج بينهما نصفان فهذا جائز ; لأن العامل معين للدافع هنا ، فإن المشروط لكل واحد منهما بقدر حصته من البذر فكأنه قال : ازرع أرضك ببذرك على أن الخارج كله لك ، وازرع أرضي ببذري على أن الخارج كله لي وهذه استعانة صحيحة فيكون العامل معينا له في نصيبه ولو اشترطا ثلثي البذر على الدافع وثلثه على العامل ، والريع نصفان فهذا فاسد ; لأن الدافع يصير كأنه قال ازرع أرضي ببذري على أن الخارج كله لي ، وازرع أرضك ببذرك وبذري على أن الخارج كله لك وباعتبار الجمع بين هذين العقدين يفسد العقد ; لأنه جعل له بإزاء عمله في نصيبه منفعة إقراض ثلث البذر وذلك فاسد ; ولأنه أوجب له جزءا من الخارج من بذره بعمله فيما هو شريك فيه وذلك فاسد ، وما خرج فثلثاه لصاحب ثلثي البذر ، وثلثه لصاحب ثلث البذر على قدر بذرهما ، والأجر للعامل ; لأنه عمل في شيء هو شريك فيه ، ولا يتصدق صاحب الثلث بشيء منه لأنه رباه في أرض نفسه ، وصاحب الثلثين يغرم أجر مثل سدس الأرض للعامل ; لأنه استوفى منفعة ثلث نصيبه من الأرض بعقد فاسد ، والشركة في الأرض لا تمنع وجوب الأجر على الشريك ، كما لو استأجر أحد الشريكين من صاحبه بيتا ليحفظ فيه الطعام المشترك ، ثم يطيب له نصف الزرع ; لأنه رباه في أرضه ويبقى سدس الزرع فيستوفي منه ربع بذره وما غرم من أجر مثل سدس الأرض ويتصدق بالفضل ; لأنه ربى زرعه في [ ص: 30 ] أرض غيره في ذلك الجزء بسبب فاسد ولو اشترطا أن ثلث البذر على الدافع وثلثيه على العامل والخارج نصفان فهو فاسد ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع ببذرك نصيبك على أن الخارج كله لك ، وازرع نصيبي ببذري وبذرك على أن الخارج كله لي ، وهذه مطعونة عيسى - رحمه الله - والعقد فيها فاسد على رواية الكتاب ، لأن في الجزء المشروط على العامل من البذر استئجار الأرض بجميع ما تخرجه وذلك فاسد فيكون للعامل ثلثا الريع ، وعليه سدس أجر مثل الأرض ; لأنه ربى زرعه في ثلث نصيب صاحبه ، وذلك سدس الأرض بعقد فاسد فيلزمه أجر مثل ذلك ، ويطيب له نصف الريع ويرفع من السدس الباقي ربع نصيبه من البذر وما غرم من الأجر ، ويتصدق بالفضل ، وثلث الريع طيب للدافع ; لأنه رباه في أرض نفسه ولو اشترطا البقر على الدافع ، والبذر على العامل والخارج نصفان فهذا فاسد ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبك ببذرك وبقري على أن الخارج كله لك ، وازرع نصيبي ببذري وبذرك على أن الخارج كله لي وهذا فاسد من وجهين : أحدهما : ما بينا ، والثاني : أنه جعل له بإزاء عمله في نصيبه منفعة البقر ليعمل به في نصيب نفسه ، ولو كان البذر كله من العامل ، والبقر من الدافع والشرط أن يكون الخارج بينهما نصفين فهو فاسد ; لأنه جعل بإزاء منفعة عمله في نصيب منفعة البقر له بزراعته نصيب نفسه ، وذلك مفسد للزراعة ثم الخارج كله لصاحب البذر ، وللآخر مثل أجر بقره وأجر مثل نصف الأرض يستوفي الزارع نصف الخارج فيطيب له ، ويأخذ من النصف الآخر نصف البذر ، ونصف أجر البقر ، ونصف أجر مثل الأرض ، ويتصدق بالفضل ، وكذلك لو اشترطا الثلثين لصاحب البذر ; لأنه يصير كأنه قال : ازرع نصيبي من الأرض ببذرك وبقري على أن لك ثلث الخارج ، وقد بينا أن البقر إذا كان مشروطا على صاحب الأرض ولا بذر من قبله إن المزارعة تكون فاسدة والله أعلم . قال - رحمه الله - وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضا على أن يزرعها بنفسه وبقره ، والبذر بينهما نصفان ، والخارج بينهما نصفان فهذه مزارعة فاسدة ; لأن الدافع يصير كأنه قال : ازرع نصف الأرض ببذري على أن الخارج كله لي ، وازرع نصف الأرض ببذرك على أن الخارج كله لك ، وكل واحد من هذين صحيح لو اقتصر عليه ; لأن أحدهما استعان بالعامل ، والآخر [ ص: 31 ] أعاره الأرض ولكن عند الجمع بينهما يظهر المفسد بطريق المقابلة ، وهو أنه لما جعل للعامل بإزاء عمله في نصف الأرض منفعة نصف الأرض وذلك في المزارعة لا يجوز ، والخارج بينهما نصفان على قدر بذرهما ولا أجر للعامل ; لأنه عمل في شيء هو شريك فيه ، فإنه ألقى في الأرض بذرا مشتركا ثم عمل في زرع مشترك فلا يستوجب الأجر ، ولصاحب الأرض على العامل نصف أجر مثل الأرض ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بحكم عقد فاسد ، وقد بينا أن الشركة في الخارج لا تمنع وجوب أجر مثل الأرض ; لأنه يجب أجر مثل النصف الذي هو مشغول بزرع العامل ، ثم يطيب نصف الخارج لصاحب الأرض ; لأنه رباه في أرضه ، وأما العامل فيتصدق بالفضل فيما بينه وبين ربه ; لأنه رباه في أرض غيره بسبب فاسد ، وكذلك لو اشترط للعامل ثلثي الخارج والفساد هنا أبين ; لأن الدافع شرط للعامل ثلث الخارج من نصيبه ، ومنفعة نصف الأرض بإزاء عمله وذلك مفسد للعقد ، وكذلك لو اشترط لصاحب الأرض ثلثي الخارج ; لأن العامل جعل له بمقابلة منفعة نصف الأرض ثلث الخارج منه ، وعمله في النصف الآخر من الأرض له ، وكذلك لو كان البذر ثلثاه من أحدهما بعينه واشترط الريع على قدر البذر فهو فاسد إن كان ثلثا البذر من العامل فلمقابلة منفعة ثلثي الأرض بمقابلة عمله في ثلث الأرض لصاحبه ، وإن كان ثلث البذر من قبل الدافع فلمقابلة منفعة ثلث الأرض بعمله في ثلثي الأرض لصاحبه ، وكذلك إن اشترطا أن الريع بينهما نصفان فهذا فاسد ، والفساد هنا أبين ; لأنه جعل الدافع للعامل ثلث منفعة الأرض وبعض الخارج من بذره بإزاء عمله في نصيبه ، أو على عكس ذلك فيكون العقد فاسدا في الوجوه كلها ، والخارج بينهما على قدر البذر وإذا دفع الرجل إلى الرجل أرضا له على أن يعمل فيها رب الأرض ، والمدفوع إليه سنته هذه ببذر بينهما نصفان على أن الخارج بينهما نصفان فهذا جائز ; لأنه أعاره نصف الأرض ليزرعه ببذر نفسه ، وزرع نصف الأرض بنفسه لنفسه وكل واحد منهما صحيح ، ولا يظهر فساد بالجمع بينهما ، ولو اشترط لرب الأرض ثلثي الخارج كان هذا فاسدا ; لأنه دفع إليه نصف الأرض مزارعة بثلث ما يخرج ولكن شرط عمل رب الأرض معه ، وهذا شرط يعدم التخلية بين المستأجر وبين ما استأجر فيفسد به العقد ، والخارج بينهما على قدر بذرهما ولا أجر لواحد منهما على صاحبه ; لأنه عمل فيما هو شريك فيه ولصاحب الأرض على الآخر أجر مثل نصف الأرض ; لأنه استوفى منفعة نصف الأرض بعقد فاسد ويطيب [ ص: 32 ] لصاحب الأرض نصيبه ، ويتصدق العامل بما زاد على البذر والنفقة والأجر الذي غرمه ; لأنه رباه في أرض غيره بسبب فاسد ، ولو اشترطا الثلثين للعامل كان فاسدا أيضا ; لأن الدافع دفع إليه نصف الأرض مزارعة بثلث الخارج ، وشرط عمل نفسه معه ثم جعل له منفعة نصف الأرض بإزاء عمله مع ما شرط له من ثلث الخارج فلهذا كان فاسدا ، والخارج بينهما نصفان ولا أجر لصاحب الأرض على العامل هنا ; لأنه ما ابتغى على منافع أرضه عوضا حين لم يشترط لنفسه فضلا بخلاف الأول فإن هناك شرط الفضل لنفسه فعرفنا أنه ابتغى على منافع الأرض عوضا ، ولم ينل فكان له أجر مثل نصف الأرض على صاحبه ، ثم يطيب لكل واحد منهما نصيبه من الزرع ; لأن العامل لما لم يجب عليه الأجر عرفنا أن نصف الأرض كان في يده بطريق العارية ، ولا فساد في ذلك فيطيب له الخارج ![]()
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 32الى صـــ 41 (465) ولو اشترطا العمل عليهما جميعا والخارج بينهما نصفان ، والبذر من المدفوع إليه خاصة فعملا أو عمل صاحب الأرض وحده جعل له منفعة نصف الأرض بمقابلة عمله في النصف الآخر معه من الأرض ، وشرط لنفسه مع ذلك منفعة إقراض نصف البذر منه وذلك مفسد للعقد ، ثم الخارج كله لصاحب البذر ، ولصاحب الأرض نصف أجر مثل أرضه وأجر مثل نفسه في عمله إن كان عمل ; لأنه لا شركة في الخارج هنا ، فصاحب البذر استوفى منفعة أرضه وعمله بعقد فاسد فيجب عليه أجر المثل والله أعلم . قال - رحمه الله - : وإذا اشترطا أن يرفع صاحب البذر بذره من الريع والباقي بينهما نصفان فهو فاسد أيا ما كان البذر ; لأن جواز المزارعة على قول من يجوزها لمتابعة الآثار ، فأما القياس فما ذهب إليه أبو حنيفة - رحمه الله - فمتى كان العقد لا على الوجه الذي ورد به الأثر أخذ فيه بالقياس ، ثم المزارعة شركة في الخارج وكل شرط يؤدي إلى قطع الشركة بينهما مع حصول الخارج في بعضه أو في كله كان مفسدا للعقد ، وقدر البذر من جملة الريع فإن البذر بالإلقاء في الأرض يتلف ، فهذا الشرط يؤدي إلى قطع الشركة بينهما في بعض الريع أو في جميعه إذا كان لا يحصل من الخارج إلا قدر البذر ، وهذا بخلاف المضاربة ; لأن رأس المال هنا ليس من الربح فإن بالتصرف لا يتلف رأس المال ، فاشتراط دفع رأس المال لا يوجب قطع الشركة بينهما في شيء من الربح ، ثم اشتراطه دفع البذر هنا في كونه مخالفا لموجب العقد كاشتراط [ ص: 33 ] كون رأس المال بينهما في المضاربة ، ولو اشترطا أن الربح ورأس المال كله نصفان فسد العقد فهذا قياسه ، ولو اشترطا أن يرفع صاحب البذر عشر الخارج لنفسه والباقي بينهما نصفان جاز ; لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة في شيء من الريع بينهما مع حصول الخارج ، فإنه ما من قدر يخرج إلا ويبقى بعد رفع العشر منه تسعة أعشاره ، ثم هذا في المعنى اشتراط خمسة ونصف من عشرة لصاحب البذر وأربعة ونصف للآخر ، وذلك لا يؤدي إلى قطع الشركة في شيء من الريع ، وكذلك لو اشترط العشر لمن لا بذر من قبله والباقي بينهما نصفان جاز لما قلنا ، ولو اشترطا رفع الخراج من الريع والباقي بينهما نصفان كان فاسدا ; لأن الخراج على رب الأرض وهو دراهم مسماة ، أو حنطة مسماة فاشتراط رفع الخراج بمنزلة اشتراط ذلك القدر من الخارج لرب الأرض ، وهذا شرط يؤدي إلى قطع الشركة في الريع مع حصوله لجواز أن لا يحصل إلا ذلك القدر أو دونه ولو كانت الأرض عشرية فاشترطا رفع العشر إن كانت الأرض تشرب سحا ، أو نصف العشر إن كانت تشرب بدلو والباقي بينهما نصفان فهذا جائز ; لأن هذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج فإنه ما من مقدار تخرجه الأرض إلا وإذا دفع منه العشر أو نصف العشر يبقى شيء ليكون مشتركا بينهما نصفين ، فإن حصل الخارج أخذ السلطان حقه من عشر أو نصف ، والباقي بينهما نصفان ; لأنهما شرطا كذلك والمؤمنون عند شروطهم ، وإن لم يأخذ السلطان منهم شيئا ، أو أخذوا بعض طعامهم سرا من السلطان فإن العشر الذي شرط من ذلك للسلطان يكون لصاحب الأرض في قول أبي حنيفة - رحمه الله - على قياس من أجاز المزارعة ، وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - يكون بينهما نصفين ، وأصل المسألة فيما تقدم بيانه في الزكاة أن من أجر أرضه العشرية فالعشر عند أبي حنيفة على رب الأرض وعندهما العشر في الخارج على المستأجر ، ففي المزارعة رب الأرض مؤجر للأرض أو مستأجر للعامل إن كان البذر من قبله فالعشر عليه - عند أبي حنيفة - في الوجهين فالمشروط للعبد مشروط لرب الأرض وعندهما العشر في الخارج ، فإذا لم يأخذ السلطان منهما العشر أو أخذا بعض الطعام سرا من السلطان ، فالخارج بينهما نصفان وكذلك المشروط للعشر يكون بينهما نصفين ، وكان ذلك مشروطا لهما ولو كان صاحبه قال للعامل : لست أدري ما يأخذ السلطان منا العشر أو نصف العشر ، فإنما تلك على أن النصف لي مما تخرج الأرض بعد الذي يأخذ السلطان ولك النصف فهذا فاسد في قياس أبي حنيفة [ ص: 34 ] رحمه الله - وفي قول أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله - هو جائز بينهما على ما قالا ، ومعنى هذه المسألة أن الأرض قد تكون بحيث تكتفي بماء السماء عند كثرة الأمطار وقد تحتاج إلى أن تسقى بالدلاء عند قلة المطر ، وفي مثله السلطان يعتبر الأغلب فيما يأخذ من العشر أو نصف العشر فكأنهما قد قالا لا ندري كيف يكون حال المطر في هذه السنة وماذا يأخذ السلطان من الخارج فتعاقدا على هذه الصفة ، ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله - العشر أو نصف العشر يكون على رب الأرض فبهذا الشرط هما شرطا لرب الأرض جزءا مجهولا من الخارج إما العشر أو نصف العشر وذلك مفسد للعقد ، وعند أبي يوسف ومحمد العشر أو نصف العشر يكون في الخارج ، والخارج بينهما نصفان ، فهذا في معنى اشتراط جميع الخارج بينهما نصفين ، وذلك غير مفسد للعقد وإذا دفع إلى رجل أرضا من أرض الخراج يزرعها بنفسه وبذره وبقره فما خرج منها دفع منه حظ السلطان وهو النصف مما تخرج وكان ما بقي بينهما لرب الأرض ثلثه ، وللعامل الثلثان فهو جائز على ما اشترطا وإنما يعني خراج المقاسمة ، وللإمام رأي في الخراج بين خراج المقاسمة وبين خراج الوظيفة ، وخراج المقاسمة جزء من الخارج حتى لا يجب إلا بوجود حقيقة الخارج بخلاف خراج الوظيفة ، فكان ذلك بمنزلة العشر عند أبي حنيفة ، وهو على رب الأرض فالمشروط لخراج المقاسمة كالمشروط لرب الأرض ، وهذا الشرط لا يؤدي إلى قطع الشركة وعندهما خراج المقاسمة في الخارج فيكون عليهما على قدر الخارج بينهما ، فكأنهما شرطا الثلث والثلثين في جميع الخارج فيصح العقد ، فإن أخذ السلطان من رب الأرض الخراج وترك المقاسمة فالنصف الذي شرطاه للسلطان هو لرب الأرض والباقي بينهما على ما اشترطا ، ومعنى هذا أن السلطان قد يفتح بلدة ويمن بها على أهلها ، ثم يتردد رأيه في توظيف خراج المقاسمة عليهم ، أو خراج الوظيفة فلا يعزم على شيء من ذلك حتى يحصل الخارج ، أو كان جعل عليهم خراج المقاسمة على أنه إن بدا له أن يجعل عليهم خراج الوظيفة فعل ذلك ، وقد يشترط ذلك حتى لا يعطلوا الأراضي فيكون هذا من الإمام نظرا لأرباب الخراج ، فإذا بدا له بعد حصول الخارج أن يأخذ خراج الوظيفة فإنه يأخذ ذلك من رب الأرض ، ثم النصف المشروط للسلطان يكون لرب الأرض ، أما عند أبي حنيفة - رحمه الله - فلا يشكل ; لأن ذلك على رب الأرض وإن كان خراج المقاسمة فالمشروط له مشروط لرب الأرض وعندهما ; لأن بدل ذلك أخذه السلطان من رب الأرض والغنم مقابل بالغرم فما شرط لخراج المقاسمة يكون لرب الأرض [ ص: 35 ] بهذا الطريق ، وكذلك لو لم يأخذ السلطان خراجا ولا مقاسمة وترك ذلك أصلا ، أو أخذا شيئا من الطعام سرا ، ثم قاسمهم السلطان ما بقي فأخذ نصفه فإن ما أخذاه سرا لصاحب الأرض ثلثه وللمزارع ثلثاه ، فقد عطف أحد الفصلين على الآخر بقوله : " وكذلك وجوابهما يختلف فإنه يأخذ إذا لم يأخذ السلطان شيئا " فعطف ذلك على المسألة الأولى دليل على أن المشروط لخراج المقاسمة يكون لرب الأرض ، وفيما إذا أخذا شيئا من الطعام سرا نص على أنه يكون أثلاثا بينهما ففيما ذكره في هذا النوع نوع من التشويش ، والحاصل أن على قول أبي حنيفة المشروط للخراج يكون مشروطا لرب الأرض ففي الفصلين يكون النصف المشروط لخراج المقاسمة يكون لرب الأرض والباقي بينهم أثلاثا ، وعند أبي يوسف ومحمد خراج المقاسمة في الخارج إلا إذا أخذ السلطان الخراج من رب الأرض فحينئذ يكون ذلك له عوضا عما أخذه السلطان منه ، فإذا لم يأخذ منه شيئا أو أخذا شيئا من الطعام سرا فذلك مقسوم بينهما على أصل المشترط ، لصاحب الأرض ثلثه وللمزارع ثلثاه ، وقد ذكر في بعض النسخ في هذا الفصل الأخير أن ما أخذاه سرا يكون لصاحب الأرض ثلثاه وللمزارع ثلثه ، فعلى هذا يتفق الجواب في الفصول الثلاثة ويتحقق العطف فإن ذلك النصف لرب الأرض والثلث من النصف الباقي له ، فإذا أخذ ثلثي الخارج فقد وصل إليه جميع هذا ، ولكن هذا الجواب بناء على قول أبي حنيفة فأما عندهما فالتخريج ما ذكرنا ، وقيل : بل هذا الجواب قولهم جميعا لأن المقاسمة واجبة باسم الخراج كالوظيفة ، والخراج مؤنة تجب على رب الأرض ، فالمشروط للخراج بمنزلة المشروط لرب الأرض عندهما جميعا ، وكذلك لو كان البذر من صاحب الأرض . والذي قلناه أولا من أن المسألة على الخلاف هو الأصح ، وقد نص عليه في بعض نسخ الأصل ، ولو قال : لا أدري ما يأخذ السلطان في هذه السنة المقاسمة أو الخراج فإنما تلك على أن أرفع مما تخرج الأرض حظ السلطان مقاسمة كان أو خراجا أو يكون ما بقي بيننا لي الثلث ولك الثلثان فرضي المزارع بذلك ، فهذه مزارعة فاسدة من أيهما كان البذر ; لأن هذا شرط يؤدي إلى قطع الشركة في الخارج مع حصول الخارج عشرا بأن يأخذ السلطان خراج الوظيفة ويكون الخارج بقدر ذلك أو دونه ، ثم الريع كله لصاحب البذر كما هو الحكم في المزارعة الفاسدة ، والخراج والمقاسمة أيهما كان على صاحب الأرض لما بينا أن الخراج مؤنة للأرض فيكون على صاحب الأرض ، ثم إن كان البذر من قبل صاحب الأرض فهو مستأجر للعامل ولو عمل بنفسه كان الخراج عليه ، فكذلك [ ص: 36 ] إذا استأجر العامل فيه ، وإن كان البذر من قبل العامل فرب الأرض مؤجر للأرض ، ومنفعة الأرض تحصل له بهذه الإجارة كما يحصل إذا استوفاها بنفسه فيكون الخراج عليه والله أعلم . قال - رحمه الله - : وإذا اشترط رب الأرض على العامل الحصاد فالمزارعة فاسدة من أيهما كان البذر ، والأصل أن العمل الذي به يحصل الخارج أو يتربى في المزارعة الصحيحة يكون على العامل ، وذلك بمنزلة الحفظ والسقي إلى أن يدرك الزرع ; لأن المزارعة على قول من يجيزها شركة في الخارج ، ورأس مال العامل فيها عمل مؤثر في تحصيل الخارج ، كما في المضاربة وما يكون من العمل بعد الإدراك التام إلى أن يقسم كالحصاد والدياس والتذرية يكون عليهما ; لأن الخارج ملكهما فالمؤنة فيه عليهما بقدر الملك ، وما يكون من العمل بعد القسمة كالحمل إلى البيت والطحن يكون على كل واحد منهما في نصيبه خاصة ; لأن بالمقاسمة تميز ملك أحدهما عن ملك الآخر ، فيكون التدبير في ملك كل واحد منهما إليه ، فإذا شرطا الحصاد على العامل فهذا لا يقتضيه العقد وفيه منفعة لأحد المتعاقدين فيفسد به العقد ، كما لو شرط رب الأرض الحمل ، والطحن عليه في نصيب نفسه ; ولأن المزارعة تنتهي باستحصاد الزرع . ( ألا ترى ) أن الزرع بعد ما استحصد لو دفعه معاملة إلى رجل ليقيم فيه هذه الأعمال بالثلث لم يجز ، بخلاف ما إذا كان الزرع بقلا فدفعه معاملة إلى من يحفظه ويسقيه بالثلث فإذا شرط الحصاد على العامل فهذا عمل شرط عليه بعد انتهاء العقد ، واستحقاق العمل عليه بالعقد ، وكل شرط يوجب عليه عملا بعد انتهاء العقد فهو فاسد يفسد به العقد ، وروى بشر وابن سماعة عن أبي يوسف أن العقد لا يفسد بهذا الشرط ، ولكن إن لم يشترطا فهو عليهما ، وإن شرطا فهو على المزارع ; لأن العرف الظاهر أن المزارع يباشر هذه الأعمال ، فهذا شرط يوافق المتعارف فلا يفسد به العقد ولكن بمطلق العقد لا يستحق عليه إلا ما يقتضيه العقد ، فإن شرط ذلك عليه صار مستحقا بالعرف ، كما لو اشترى حطبا في المصر بشرط أن يوفيه في منزله . وفي المعاملة قال : هذا الشرط يفسد المعاملة ; لأنه ليس فيه عرف ظاهر وكان نصر بن يحيى ومحمد بن سلمة - رحمهما الله - يقولان : هذا كله على العامل شرط عليه أو لم يشرط ; لأن فيه عرفا ظاهرا يتناوله والمعروف كالمشروط فقد جوزنا بعض العقود للعرف ، وإن كان القياس [ ص: 37 ] يأباه كالاستبضاع فهذا مثله وهذا هو الصحيح في ديارنا أيضا . وكان أبو بكر محمد بن الفضل - رحمه الله - إذا استفتي في هذه المسألة قال : فيها عرف ظاهر ، ومن أراد أن لا يتعطل فعليه أن لا يمتنع مما هو العرف ، وكذلك لو اشترطا شيئا من ذلك على صاحب الأرض كان العقد فاسدا لما بينا ، وفي جانب رب الأرض فساد العقد بهذا الشرط على الأقاويل كلها ; لأنه ليس فيه عرف ظاهر . ( ألا ترى ) أن رجلا لو جاء إلى رجل قد صار زرعه بقلا فعامله على أن يقوم عليه ويسقيه حتى يستحصد فما خرج فهو بينهما نصفان كان جائزا ، ولو عامله بعد ما استحصد على أن يحصده ويدوسه ويذريه وينقيه ويحمله إلى منزله ، أو إلى موضع كذا كان العقد فاسدا وهذا ; لأن المزارعة على قول من يجيزها إنما تكون باعتبار الأثر ، والأثر إنما جاء في مزارعة يكون للعمل فيها تأثير في تحصيل الخارج ، وذلك لا يوجد في الفصل الثاني وفي الفصل الأول يوجد ذلك ; لأن الزرع يزداد بعمل العامل بمنزلة الثمار تخرج بعمل العامل فلهذا صح العقد هناك ، ولم يصح هنا ، ولو دفع إليه أرضا وبذرا على أن يزرعها سنته هذه على أن ما رزق الله تعالى من شيء فهو بيننا نصفان فصار قصيلا فأرادا أن يقصلاه ويبيعاه ، فحصاد القصيل وبيعه عليهما ; لأنهما أنهيا العقد بما عزما عليه ، والقصل في القصيل كالحصاد بعد الاستحصاد ; لأنه عمل في ملك مشترك ، وليس له تأثير في زيادة الخارج فكما أن الحصاد بعد الإدراك عليهما فكذلك حصاد القصيل عليهما ، ويستوي إن كان البذر من قبل رب الأرض ، أو المزارع ، ولو استحصد الزرع فمنعهم السلطان من حصاده إما ظلما ، أو لمصلحة رأى في ذلك أو استوفى منهم الخراج فالحفظ عليهما ; لأن الحفظ بعد الاستحصاد بمنزلة الحصاد ، فإن عقد المزارعة ينتهي بالحصاد ولو دفع إلى رجل نخلا له معاملة على أن يقوم عليه ويسقيه ويلحقه على أن الخارج بينهما نصفان فهو جائز ، وعلى العامل حفظه بالليل والنهار حتى يصير تمرا ; لأن عقد المعاملة قائم بينهما ما لم يصر تمرا ، والحفظ من الأعمال التي تستحق على العامل بعقد المعاملة ، فإذا صار تمرا فقد انتهى العقد وبقي التمر مشتركا بينهما ، فكان الحفظ بعد ذلك والجذاذ عليهما بقدر ملكيهما ، فإن اشترط صاحب النخل على العامل في أصل المعاملة بعد ما يصير تمرا كانت المعاملة فاسدة ; لأنه شرط لنفسه منفعة عليه بعد انتهاء العقد ، ولو أراد في المعاملة الصحيحة أن يجداه بسرا فيبيعانه ، أو يلقطانه رطبا فيبيعانه فإن اللقاط والجذاذ عليهما نصفين لما بينا أنهما أنهيا العقد بما عزما عليه ، فإن الجذاذ قبل الإدراك بمنزلته بعد الإدراك ، ولكن الحفظ على العامل ما دام في رءوس النخيل [ ص: 38 ] حتى يصير تمرا ; لأن عقد المعاملة بينهما باق فإنه إنما ينتهي ضمنا للجذاذ واللقاط ، فلا يكون منتهيا قبله ، وحال قيام العقد الحفظ مستحق على العامل والله أعلم . قال - رحمه الله - : إذا دفع الرجل أرضا له مزارعة بالنصف سنته هذه على أن البذر من قبل العامل فقال صاحب الأرض : اكربها ثم ازرعها فقال العامل : أزرعها بغير كراب فإنه ينظر في ذلك فإن كانت تزرع بغير كراب ويحصل الريع إلا أن بالكراب أجود فإن شاء العامل كرب ، وإن شاء لم يكرب ، وإن كانت لا تخرج زرعا بغير كراب لم يكن له أن يزرع إلا بكراب ; لأن المقصود بالمزارعة تحصيل الخارج ، فإن العمل الذي لا بد منه لتحصيل الخارج يصير مستحقا عليه بمطلق العقد ، وما يحصل الخارج بدونه لا يصير مستحقا عليه إلا بالشرط ; لأن بمطلق العقد يستحق المعقود عليه بصفة السلامة ولا يستحق صفة الجودة إلا بالشرط ، فإذا كانت تلك الأرض بحيث لا يحصل ريعها إلا بكراب فهذا عمل لا بد منه فيصير مستحقا على العامل بمطلق العقد إلا إن شاء أن يدع الزرع ; لأن البذر من قبله فلا يكون العقد لازما في حقه قبل إلقاء البذر في الأرض ، وإن كان الريع يحصل بغير كراب ، ومع الكراب يكون أجود ، ولكن صفة الجودة لا تستحق بمطلق العقد ، وبدون الكراب صفة السلامة تحصل في الريع فيتخير العامل لذلك ، وإن كانت تخرج بعد الكراب شيئا قليلا نظرت فيه فإن كان مما يقصد الناس ذلك بالزراعة تخير المزارع في الكراب ، وإن كان ذلك شيئا لا يقصده الناس بالعمل يجبر على الكراب ; لأن مطلق العقد يتقيد بالمتعارف ; ولأن ما لا يقصد تحصيله بالزراعة عادة يكون معينا . وقضية عقد المعاوضة صفة السلامة عن العيب فيصير الكراب مستحقا على العامل لتحصيل صفة السلامة لصاحب الأرض في نصيبه من الخارج ، وإذا كان يخرج بغير كراب ما يقصد بالزراعة فأدنى السلامة يحصل بغير كراب ، والأعلى لا يصير مستحقا إلا بالشرط ، وكذلك إن زرع ثم قال : لا أسقي ولكن أدعها حتى تسقيها السماء ، فإن كانت تكتفي بماء السماء إلا أن السقي أجود للزرع لم يجبر على السقي ، وإن كانت مما لا يكفيه سقي السماء أجبر على السقي ، وكذلك لو كان البذر من قبل صاحب الأرض في جميع ذلك للمعنى الذي قلنا . ولو دفع إليه أرضا وبذرا على أن يكربها ويزرعها سنته هذه بالنصف فأراد أن [ ص: 39 ] يزرعها بغير كراب فليس له ذلك ، ويجبر على الكراب سواء كان البذر من قبل المزارع ، أو من قبل رب الأرض ; لأن أصل الريع وإن كان يحصل بغير كراب ، فمع الكراب أجود ، وصفة الجودة تصير مستحقة بالشرط كصفة الجودة في المسلم فيه ، وصفة الكتابة والحبر في العبد تصير مستحقة بالشرط ، وإن كان لا يستحق بمطلق العقد ، وكذلك لو شرط في المسلم فيه أن يوفيه في مصر كذا فله أن يوفيه في أي ناحية من نواحي المصر شاء ، وإن شرط عليه أن يوفيه في منزله في المصر فليس له أن يوفيه في موضع آخر ، إلا أن يكون الريع يحصل بالكراب وغير الكراب على صفة واحدة فحينئذ لا يعتبر هذا شرط ; لأنه غير مفيد ، وكذلك إن كان الكراب بحيث يضر بالزرع ، وقد يكون ذلك عند قوة الأرض فإن الكراب يحرق الأرض والزرع ، وإذا كان بهذه الصفة فليس على المزارع أن يكربها ; لأن اعتبار الشرط للمنفعة لا للضرر ، واشتراط التثنية على المزارع في المزارعة يفسد العقد قال : لأنه يبقي منفعتها في الأرض بعد مضي السنة بخلاف الكراب فإنه لا تبقى منفعته في الأرض بعد مضي السنة ، فاشتراطه لا يفسد المزارعة . وتكلموا في تفسير التثنية فقيل المراد أن يكربها مرتين ، ثم يزرع فعلى هذا اشتراط التثنية في ديارنا لا يفسد المزارعة ; لأنه لا تبقى منفعتها بعد مضي السنة ، وفي الديار التي تبقى منفعتها في الأرض بعد سنة إن كانت المزارعة بينهما سنة واحدة يفسد بهذا العقد ; لأنه لا تبقى منفعتها في الأرض بعد المدة وقيل معنى التثنية : أن يكربها بعد ما يحصد الزرع فيردها مكروبة وهذا الشرط مفسد للعقد ; لأن المزارعة تنتهي بإدراك الزرع فقد شرط عليه عملا بعد انتهاء العقد ، وفيه منفعة لرب الأرض وقيل معنى التثنية : أن يجعلها جداول كما يفعل بالمبطخة فيزرع ناحية منها ويبقي ما بين الجداول مكروبا فينتفع رب الأرض بذلك بعد انتهاء المزارعة وهذا مفسد للعقد ، والحاصل أنه متى شرط على العامل ما تبقى منفعته لرب الأرض بعد مضي المدة فالمزارعة تفسد به ، كما لو شرط عليه أن يكرب أنهارها والمزارعة بينهما سنة واحدة ، فإن كرب الأنهار تبقى منفعتها بعد انقضاء السنة ، وكذلك لو شرط عليه إصلاح مشاربها أو بناء حائط فيها ، أو أن يسرجنها فهذا كله مما تبقى منفعته في الأرض بعد مضي مدة المزارعة ، فتكون مفسدة للمزارعة ، ولو دفع إليه الأرض والبذر على أن يعمل سنته هذه على أنه إن زرع بغير كراب فللمزارع ربع الخارج ، وإن كربها ثم زرعها فللمزارع ثلث الخارج ، وإن كرب وثنى ثم زرع فالخارج بينهما نصفان فهذه مزارعة جائزة على ما اشترطا ; لأنه ذكر أنواعا من [ ص: 40 ] العمل وأوجب له بمقابلة كل نوع شيئا معلوما من الخارج ، فيصح العقد كما لو دفع ثوبا إلى خياط فقال : إن خطته رومية فلك درهم وإن خطته فارسية فلك نصف درهم وهذا ; لأن أوان لزوم العقد بين الجانبين ، وانعقاد الشركة بينهما في الخارج عند إلقاء البذر في الأرض ، والكراب والتثنية كل ذلك يسبق إلقاء البذر ، فعند لزوم العقد نوع العمل معلوم ، وبدله معلوم فيجوز العقد كما في مسألة الخياطة ، فإن وجوب الأجر عند إقامة العمل وذلك عند العمل معلوم ، والبدل معلوم ، وقال عيسى - رحمه الله - : هذا الجواب غلط ; لأنه ذكر قبل هذا أن اشتراط التثنية على المزارع يفسد العقد ، وهنا قد شرط عليه التثنية ، وضم إليه نوعين آخرين من العمل فتمكنت الجهالة هنا من العمل ، ومقدار البدل عند العقد مع اشتراط التثنية ، فلأن يكون مفسدا للعقد كان أولى وإن كان لا يفسد العقد إذا كربها أو زرعها بغير كراب فينبغي أن يفسد العقد إذا ثنى ; لأنه تعين ذلك بعمله فكان شرط ذلك في الابتداء بعينه ولكن ما ذكره في الكتاب أصح ، أما إذا جعلنا تفسير التثنية أن يردها مكروبة فلا حاجة إلى الفرق بين هذا وبين ما سبق أن جعلنا تفسير التثنية أن يكربها مرتين ، فهناك تعين عليه التثنية بالشرط وهي مما تبقى منفعتها بعد مضي المدة ، فلا يجوز أن يجبر المزارع على إقامتها ، وهنا لا يتعين عليه التثنية بل يتخير هو في ذلك إن شاء فعل ، وإن شاء لم يفعل ، وهذا غير مفسد للعقد ، كما إذا أطلق العقد يصح ، ويتخير المزارع بين أن يثني الكراب ، وبين أن يكربها ويدع التثنية فإن زرع بعضها بكراب وبعضها بغير كراب وبعضها بكراب وثنيان فهو جائز ، وما زرعها بغير كراب فالخارج بينهما يكون أرباعا وما زرعها بكراب فهو بينهما أثلاثا وما زرع بكراب وثنيان فهو بينهما نصفان اعتبارا للبعض بالكل ، وهذا ; لأنه لا يتعين على صاحب الأرض والبذر شرط عقده بهذا التبعيض ، وهو متعارف بين الناس أن يزرع بعض الأرض بكراب وثنيان ، وبعضها بكراب ، وبعضها بغير كراب ، وهذا بخلاف مسألة الخياطة ; فإن هناك ليس له أن يخيط بعض الثوب رومية وبعضه فارسية ; لأن ذلك يفوت المقصود على صاحب الثوب ، وهذا غير متعارف في الثوب الواحد أن يخاط بعضه رومية ، وبعضه فارسية ، بل يعد ذلك عيبا في الثوب ، وكذلك لو كان البذر من قبل المزارع في جميع ذلك ، وكذلك لو كان الشرط أن ما زرع بكراب وثنيان فهو بينهما نصفان ، فهذا والأول سواء ، وقد طعنوا في هذه المسألة ، فقالوا : ينبغي أن لا يصح العقد هنا ; لأن كلمة " من " للتبعيض فقد شرط عليه أن يزرع البعض بكراب ، والبعض بثنيان ، والبعض [ ص: 41 ] بغير كراب ، وذلك البعض مجهول ، وهذه الجهالة تفضي إلى تمكن المنازعة ; لأن العقد لازم من جانب العامل أو من جانب رب الأرض ، إذا كان البذر من قبل العامل ، فينبغي أن يفسد العقد ، واستدلوا على هذا بما ذكره في آخر الباب من التخيير بين أجناس البذر بهذا اللفظ ، وأفسدوا العقد به لهذا المعنى إلا أنا نقول : حرف " من " قد يكون للصلة خصوصا في موضع يكون الكلام بدونه مختلا قال الله - تعالى - { فاجتنبوا الرجس من الأوثان } . وإذا كان حرف " من " صلة كان له أن يزرع الكل بأي نوع من الأعمال الثلاثة شاء . فهذه المسألة والأولى سواء ، والفرق بين هذا وبين التخيير في جنس البذر بهذا اللفظ نذكره في آخر الباب ولو دفع إليه الأرض على أن يزرعها ببذره سنته هذه على أن يزرعها حنطة فالخارج بينهما نصفان ، وإن زرعها شعيرا فلصاحب الأرض ثلثه ، وإن زرعها سمسما فلصاحب الأرض ربعه ، فهذا جائز على ما اشترطا لما بينا أن أوان لزوم العقد ، وانعقاد الشركة عند إلقاء البذر في الأرض ، وعند ذلك المعقود عليه معلوم والبذر معلوم . والجهالة قبل ذلك لا تفضي إلى المنازعة ، وإن زرعها بعضها حنطة ، وبعضها شعيرا ، وبعضها سمسما فذلك جائز في كل نوع على ما اشترطا اعتبارا للبعض بالكل ; لأنه لما رضي رب الأرض بأن يزرع كلها على صفة يكون راضيا بأن يزرع بعضها على تلك الصفة ، وبذلك البذر ، كما في المسألة الأولى ، وكذلك لو دفع إليه أرضا ثلاثين سنة على أن ما زرع فيها من حنطة أو شعير أو شيء من غلة الصيف أو الشتاء فهو بينهما نصفان ، وما غرس فيها من نخل أو شجر أو كرم فهو بينهما أثلاثا فلصاحب الأرض الثلث ، وللعامل الثلثان ، فهو بينهما على ما اشترطا سواء زرع الكل على أحد النوعين أو زرع بعضها ، وجعل في بعضها كرما قال : ولا يشبه البيوع في هذا الإجارات ، والإجارات في مثل هذا تجوز ، وذكر حماد عن إبراهيم - رحمه الله - قال سألته عن الأجير ، أقول له : إن عملت في كذا كذا فبكذا ، وإن عملت كذا فبكذا ؟ فقال : لا بأس به إنما يكره ذلك في البيوع . قيل : معنى هذا الفرق أن في البيوع إذا اشترى أحد شيئين ، وسمى لكل واحد منهما ثمنا ، ولم يشترط الخيار ثلاثة أيام لواحد منهما كان العقد فاسدا ، وفي الإجارات يكون العقد صحيحا بدون شرط الخيار ، كما في مسألة الخياطة والمزارعة ; لأن الثمن في البيع يجب بنفس العقد ، والعقد يلزم بنفسه فإذا لم يشترط الخيار فيه كان المعقود عليه مجهولا ، والثمن مجهولا عند لزوم العقد ، وهذه الجهالة تفضي إلى المنازعة ، وفي باب المزارعة العقد لا يلزم من جانب من البذر من قبله قبل إلقاء البذر في الأرض ، وفي الإجارة العقد ، وإن كان يلزم بنفسه ، ولكن البدل [ ص: 42 ] لا يجب إلا بالعمل ، وعند ذلك العمل والبدل معلوم ، وجهالة صفة العمل قبل ذلك لا تفضي إلى المنازعة ، وقيل : بل مراده من هذا الفرق أن في البيع إذا قال : إلى شهر بكذا أو إلى شهرين بكذا فهذا يكون مفسدا للعقد لجهالة مقدار الثمن عند وجوبه بالعقد ، وفي الإجارة وجوب البدل عند إقامة العمل ، وكذلك في المزارعة انعقاد الشركة عند إلقاء البذر في الأرض ، وعند ذلك هو معلوم ، وفي بعض النسخ قال : ولا يشبه هذا البيوع والإجارات ، فهو إشارة إلى الفرق بين المزارعة والبيع والإجارة ، إذ في المزارعة له أن يزرع بعضها حنطة ، وبعضها شعيرا ، وفي الإجارة في مسألة الخياطة ليس له مثل ذلك ، وكذلك في البيع إذا اشترى أحد الثوبين على أنه بالخيار يأخذ أيهما شاء ، وسمى لكل واحد منهما ثمنا ليس له أن يلتزم العقد في نصف كل واحد منهما لما في التبعيض في البيع والإجارة من الضرر على البائع ، وعلى صاحب الثوب ، وذلك لا يوجد في المزارعة ; لأنه ليس في زرعه البعض حنطة والبعض شعيرا معنى الإضرار بصاحب الأرض ، ثم فرق أبو يوسف - رحمه الله - ومحمد - رحمه الله - بين الإجارة والمزارعة فيما إذا استأجر بيتا على أنه إن قعد فيه طحانا فله عشرة دراهم وإن قعد يبيع الطعام فيه فأجره خمسة دراهم فالعقد فاسد في قولهما ، وهو قول أبي حنيفة الأول - رحمه الله - وقد بينا المسألة في الإجارات ، والفرق لهما بين هذه المسألة ، وبين مسألة المزارعة أن هناك يجب الأجر بالتخلية وإن لم يسكنها المستأجر ، وعند التخلية مقدار ما يجب عليه من الأجر مجهول ، وأما في المزارعة فالشركة لا تنعقد إلا بإلقاء البذر في الأرض ، وعند ذلك حصة كل واحد منهما معلومة ، فيكون هذا قياس مسألة الخياطة الرومية والفارسية على ما بينا ![]()
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (ت ٤٨٣ هـ) عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس) المجلد الثالث والعشرون صـــ 42الى صـــ 51 (466) ولو دفع إليه أرضا مزارعة على أن يزرعها ببذره وبقره وعمله على أن يزرع بعضها حنطة ، وبعضها شعيرا ، وبعضها سمسما فما زرع منها حنطة بينهما نصفان ، وما زرع منها شعيرا فلرب الأرض ثلثه ، وما زرع منها سمسما فلرب الأرض منه ثلثاه ، وللعامل ثلثه ، فهذا فاسد كله ; لأنه نص على التبعيض هنا ، وذلك البعض مجهول في الحال ، وكذلك عند إلقاء البذر في الأرض ; لأنه إذا زرع بعضها حنطة فلا يعلم ماذا يزرع في ناحية أخرى منها فكان العقد فاسدا ; لهذا ، وعند فساد العقد الخارج كله لصاحب البذر ، وقد بينا حكم المزارعة الفاسدة ، وهذا بخلاف الأول ، فإن هناك حرف " من " صلة ، فله أن يزرع الكل شعيرا إن شاء ، وحنطة إن شاء ، وهنا نص على التبعيض ، فليس له أن يزرعها كلها أحد الأصناف ، وكذلك لو قال خذها على أن ما زرعت منها حنطة فالخارج بيننا نصفان ، وما زرعت منها شعيرا فلي ثلثه ولك ثلثاه [ ص: 43 ] وما زرعت منها سمسما فلي ثلثاه ، ولك ثلثه ، فالعقد فاسد ، وهذه المسألة هي التي استشهد بها الطاعن قال علي القمي - رحمه الله - : وجدت في بعض النسخ العتيقة في هذه المسألة زيادة أنه قال : على أن يزرع كل ذلك فيها ، فعلى هذا لا حاجة إلى الفرق بينه ، وتبين من هذه الزيادة أن مراده من حرف " من " التبعيض ، فهو وما لو نص على التبعيض سواء ، وأما على ما ذكره في ظاهر الرواية فوجه الفرق بين هذا ، وبين ما سبق أن الجهالة هنا تتمكن في سلب العقد ; لأن الجهالة في البذر ، فلا بد من بيان جنس البذر في عقد المزارعة ، وكذلك الأجر لا يصير معلوما إلا ببيان جنس البذر ، فكانت الجهالة متمكنة في صلب العقد ، فيفسد به العقد ، فأما في مسألة الكراب والثنيان فالجهالة لم تتمكن في صلب العقد ، فالعقد بينهما صحيح بدون ذلك ; فلهذا لم تكن الجهالة المتمكنة بذكر حرف التبعيض مفسدة للعقد هناك يوضح الفرق أن الكراب والثنيان كل ذلك يسبق إلقاء البذر في الأرض ، وانعقاد الشركة عند إلقاء البذر وعند ذلك البعض الذي ثني ، والبعض الذي كرب معلوم ، فيجوز العقد ، وأما هنا عند إلقاء أحد الأصناف من البذر في ناحية من الأرض ، العقد في الناحية الأخرى مجهول في حق جنس البذر وجنس البدل ; فلهذا فسد العقد بهذا الشرط ، ولو دفع الأرض إليه ليزرعها ببذره على أنه إن زرعها حنطة فالخارج بينهما نصفان ، وإن زرعها شعيرا فالخارج للعامل ، فهذا جائز ; لأنه خيره بين المزارعة والإعارة ، فاشتراط الخارج كله للعامل يكون إعارة للأرض منه ، وذلك صحيح واشتراط المناصفة بينهما في الخارج من الحنطة يكون مزارعة صحيحة ، ولا يتولد من ضم أحدهما إلى الآخر سبب مفسد ، وإن سمى الخارج من الشعير لنفسه جاز في الحنطة ، ولم يجز في الشعير ، وهي مطعونة عيسى - رحمه الله - على ما بينا ، وإذا دفع الأرض إلى صاحب البذر على أن الخارج كله لصاحب الأرض إلا أنه ما جعل أحد العقدين مشروطا في الآخر ، ولكنه عطف أحدهما على الآخر ، ففساد أحدهما لا يمنع صحة الآخر ، فإن زرعها حنطة فالخارج بينهما نصفان ، وإن زرعها شعيرا فالخارج لصاحب البذر ، كما هو الحكم في المزارعة الفاسدة ولو دفع إليه أرضا ، وكر حنطة ، وكر شعير على أنه إن زرع الحنطة فيها فالخارج بينهما نصفان ، والشعير مردود عليه ، وإن زرعها الشعير فالخارج لصاحب الأرض ، ويرد الحنطة كلها ، فهو كله جائز على ما اشترطا ; لأنه استعان بالعامل في أحد العقدين ، واستأجره بنصف الخارج في الآخر ، وخيره بينهما ، وكل واحد منهما صحيح عند الانفراد ، ولو اشترط الخارج من الشعير للعامل جاز أيضا ; لأن اشتراط [ ص: 44 ] جميع الخارج له يكون إقراضا منه ، وقد بينا هذا أنه بانفراده صحيح ، فكذلك عند التخيير بينه ، وبين المزارعة ، ولو دفع إليه الأرض وحدها على أنه إن زرعها حنطة فالخارج بينهما نصفان ، وإن زرعها شعيرا فالخارج كله للعامل ، وإن زرعها سمسما فالخارج كله لصاحب الأرض ؟ ; فلهذا جاز في الحنطة والشعير على ما قالا ; لأن العقد في الحنطة مزارعة صحيحة بينهما في النصف ، وفي الشعير إعارة للأرض من العامل ، وهو صحيح أيضا ، وأما في السمسم فلا يجوز ; لأن في السمسم يكون دافعا للأرض مزارعة بجميع الخارج ، وهي مطعونة عيسى - رحمه الله - لما بينا ، ولو كان البذر من صاحب الأرض جاز في جميع ذلك على ما قالاه ; لأنه في الحنطة العقد مزارعة صحيحة ، وفي السمسم استعانة بالعامل ، وفي الشعير إقراض للبذر منه ، وإعارة للأرض ، وكل واحد صحيح عند الانفراد ، فكذلك إذا خيره بين هذه الأنواع ; لأنه ما جعل البعض مشروطا في البعض إنما عطف البعض على البعض فلا يتولد من هذا العطف معنى يفسد به العقد ، والله أعلم قال - رحمه الله - : إذا دفع الرجل إلى رجل أرضه سنته هذه على أن يزرعها ببذره ونفقته بالنصف ، فلما تراضيا على ذلك أراد صاحب الأرض أن يأخذ أرضه قبل أن يعمل فيها الذي قبضها شيئا ، وبعد ما كربها ، وحفر أنهارها ، وسوى مساقيها لم يكن له ذلك ، لأنه مؤاجر لأرضه ، ولا يحتاج في المضي على هذا العقد إلى إتلاف شيء من ملكه ، فيلزم العقد بنفسه في حقه ، كما لو أجرها بدراهم لم يكن له أن يفسخها إلا بعذر الدين ، فإن حبس في الدين ، ولا وفاء عنده إلا من ثمن الأرض فحينئذ يكون هذا عذرا لصاحب الأرض في فسخ المزارعة وبيع الأرض في الدين ; لأن في المضي على أن هذا العقد يلحقه ضرر في نفسه ، وإذا كان الضرر الذي يلحقه في ماله يدفع صفة اللزوم فالضرر الذي يلحقه في النفس ، وهو الحبس في الدين أولى . ( ألا ترى ) أن العقد قد تمتنع صحته في الابتداء لدفع الضرر ; فإن من باع جذعا من سقف لا يمكنه تسليمه إلا بضرر لا يجوز البيع ، ولو أجر ما يلحقه ضرر في تسليمه لا يلزمه الإجارة ، فكذلك تنعدم صفة اللزوم بعذر الدين لدفع الضرر ، فإن باعها بعد الدين لم يكن عليه من نفقة العامل شيء ; لأنه لم يزد فيها مالا متقوما من عنده ، والذي أتى به مجرد المنفعة ، والمنفعة لا تتقوم إلا بالتسمية والعقد ، والمسمى بمقابلة المنفعة هنا جزء من الخارج ، فإن لم يحصل الخارج بأن لم يزرع [ ص: 45 ] أصلا لا يستوجب شيئا آخر ، ولأن المزارع عامل لنفسه ; لأنه استأجر الأرض ليقيم العمل فيها لنفسه ، والعامل لنفسه لا يستوجب الأجر على غيره ، وإن لم يأخذها حتى زرعها فنبت الزرع ، ولم يستحصد حتى حبس القاضي رب الأرض في الدين ، فأراد أن يأخذها ليبيعها ، فليس له ذلك لأن المزارعة تأكدت بإلقاء البذر في الأرض ، والشركة انعقدت بينهما في الخارج ، وفي البيع إضرار بالعامل في إبطال حقه في الزرع ، وفي التأخير إلى أن يستحصد الزرع ضرر بالغرماء ; فإن نصيب رب الأرض من الزرع يباع في دينهم أيضا ، وما فيه من النظر للكل يترجح على ما فيه إضرار بالبعض ، ولئن كان في التأخير إضرار بالغرماء فضرر التأخير دون ضرر الإبطال ، وإذا لم يكن بد من إلحاق الضرر بأحدهما ترجح أهون الضررين ، وإذا علم القاضي ذلك أخرجه من السجن ; لأنه إنما يحبسه ليقضي دينه إذا كان متمكنا منه ، فإذا لم يكن عنده وفاء إلا من ثمن الأرض ، وهو غير متمكن من بيعها شرعا لم يكن ظالما في تأخير قضاء الدين ، وإنما يحبس الظالم . ( ألا ترى ) أن المديون إذا ثبت إفلاسه عند القاضي أخرجه من السجن ، فهنا أيضا يخرجه حتى يستحصد الزرع ، ولا يحول بين صاحب الدين وبين ملازمته ، كما في المفلس لجواز أن يحصل في يده مال ، فإذا كان ملازما له أخذ ذلك المال بحقه ، والمال غاد ورائح ، فإذا استحصد الزرع رد في الحبس حتى يبيع الأرض ، ونصيبه من الزرع ; لأن المزارعة قد انتهت وتمكن من قضاء الدين ببيع ملكه فيحبسه ; لذلك ، ولو كان دفع الأرض مزارعة ثلاث سنين ، فلما نبت الزرع لم يستحصد حتى مات رب الأرض ، فأراد ورثته أخذ أرضهم فليس لهم ذلك استحسانا ، ولكن الأرض تترك في يد الزارع حتى يستحصد الزرع ، وفي القياس المزارعة تنتقض بموت رب الأرض ; لأنها إجارة ، وإنما يستحق على رب الأرض بعقده ما يحدث على ملكه من المنفعة ، فالمنفعة بعد الموت إنما تحدث على ملك الورثة ، ولم يوجد من جهتهم الرضا بذلك ، وفي الاستحسان العقد يبقى بينهما لدفع الضرر عن المزارع ; فإن في قلع الزرع من الضرر عليه ما لا يخفى ، وكما يجوز نقض الإجارة لدفع الضرر يجوز إبقاؤها بعد ظهور سبب النقض لدفع الضرر . ( ألا ترى ) أن الإجارة تعقد ابتداء لدفع الضرر ; فإن المستعير للأرض ، إذا زرعها ثم بدا للمعير أن يستردها لم يكن له ذلك ، وتترك في يد المستعير بأجر المثل إلى وقت إدراك الزرع ، وكذلك إذا انتهت مدة إجارة الأرض ، والزرع بقل فإنها تترك إلى وقت الإدراك بأجر المثل ، وهذا ; لأنه كان محقا في المزارعة في الابتداء ، فلا يقلع زرعه ويعقد بينهما عقد [ ص: 46 ] الإجارة ; لدفع الضرر ، فكذلك هذا كان محقا في الابتداء فتبقى الإجارة لدفع الضرر ، وهو نظير ما تقدم فيما إذا مات المكاري في طريق الحج ، أو مات صاحب السفينة ، والسفينة في لجة البحر ، فإذا استحصد الزرع أخذوها ، وقد انتقضت الإجارة فيما بقي من السنين ، ولو مات قبل أن يزرع انتقضت المزارعة ، وأخذ الوارث الأرض ; لأنه لا حاجة إلى إيفاء العقد هنا ; فإن العقد ما تأكد بالزراعة ، وليس في إعمال سبب النقض إبطال حق العامل عن الزرع ثم لا شيء على الوارث من نفقة العامل ; لأن المنافع لا تتقوم إلا باعتبار التسمية ، والمسمى بمقابلة منفعة الأرض جزء الخارج ، ولم يحصل ، ولو كان الوقت سنة واحدة ، فأخر العامل الزرع حتى زرع في آخر السنة لم يمنع ; لأن المزارعة باقية بينهما ببقاء شيء من المدة ، فإن انتقضت المدة ، والزرع بقل بعد ، فالزرع بين العامل ورب الأرض نصفان ، كما كان الشرط بينهما ، والعمل فيما بقي عليهما ; لأن العمل كان على المزارع في المدة ، وقد انتهت المدة ، والعمل بعد ذلك يكون باعتبار الشركة في الزرع ، وهما شريكان في الزرع ، فالعمل والمؤنة عليهما كنفقة ، العبد المشترك بينهما إذا كان عاجزا عن الكسب ، وعلى العامل أجر مثل نصف الأرض ; لأن المزارعة لما انتهت لم يبق للعامل حق في منفعة الأرض ، وهو يستوفي منفعة الأرض بتربية نصيبه من الزرع فيها إلى وقت الإدراك ، فلا يسلم له ذلك بل عليه أجر مثل نصف الأرض لصاحبها ، كما لو كان استأجرها بدراهم ، والزرع بقل كان عليه أجر مثلها إلى وقت الإدراك بخلاف ما تقدم من موت رب الأرض ; لأن هناك بقي العقد بينهما ببقاء المدة ، ومنفعة الأرض كانت مستحقة في المدة ، فإذا لم يعلم سبب التقضي بقي العقد ، كما كان فلا يلزمه أجر ، وهنا العقد ما تناول ما وراء المدة المذكورة ، فالمنفعة فيما وراء المدة لا تسلم له إلا بأجر المثل ، فإن أراد رب الأرض أن يأخذ الزرع بقلا لم يكن له ذلك لما فيه من الإضرار بالعامل في إبطال حقه ، وهو كان محقا في الزراعة ، فيجب دفع الضرر عنه ، وإذا كان يسلم لرب الأرض أجر مثل نصف الأرض كان هو في المطالبة بالقلع متعنتا قاصدا للإضرار به ، فيرد عليه قصده ، وإن أراد العامل أن يأخذه بقلا فله ذلك ; لأنه إنما كان يترك لدفع الضرر عنه ، وقد رضي بالتزام الضرر ولأنه ناظر لنفسه من وجه ; فإنه يمتنع من التزام أجر مثل نصف الأرض مخافة أن لا يفي نصيبه بذلك ثم يقال لصاحب الأرض : اقلعه ، فيكون بينكما ، أو أعطه قيمة حصته منه ، أو أنفق على الزرع كله ، وارجع بحصته مما ينفق في نصيبه ; لأنه زرع مشترك بينهما في أرض أحدهما ، فلصاحب الأرض أن يتملك على شريكه نصيبه بقيمته ، كما في البناء [ ص: 47 ] والأشجار المشتركة بينهما في ملك أحدهما ، وهذا ; لأن المزارع لما رضي بالقلع فقد رضي بسقوط حقه عن حصته مجانا ، فيكون أرضى بذلك إذا وصل إليه قيمة حصته أو رضي بقيمة حصته بعد القلع ; لأن أكثر ما فيه أن يبيع نصيبه مقلوعا ، وقيمة حصته قبل القلع أكثر ، فلصاحب الأرض أن يعطيه ذلك إن شاء ، وإن شاء ساعده على القلع ، فيكون المقلوع بينهما ، وإن شاء أنفق على الزرع كله ; لأنه محتاج إلى إبقاء حقه في نصيبه من الزرع حتى يستحصد ، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالإنفاق ، فيكون له أن ينفق على الزرع كله بمنزلة العبد المشترك إذا كان عاجزا عن الكسب لصغره وزمانة به ، وأحدهما غائب فللآخر أن ينفق عليه ، ولا يكون متبرعا في نصيب الآخر ، بل يرجع عليه بما ينفق في نصيبه ، فهذا مثله إلا أنه لا يرجع إلا بقدر نصيبه حتى إذا كان نصيبه من النفقة أكثر من نصيبه من الزرع لم يرجع عليه بالفضل ; لأن العامل ما كان مجبرا على الإنفاق فلا يكون له أن يلزمه الزيادة على نصيبه ، وإنما يرجع في نصيبه باعتبار أن سلامة ذلك له بما أنفق ، وهذا المعنى لا يوجد فيما زاد على قيمة نصيبه من النفقة ، ولأن حق الإنفاق إنما يثبت له باعتبار النظر منه لنفسه لا على سبيل الإضرار به ، وذلك يختص بمقدار نصيبه من الزرع ، ولو كان البذر من صاحب الأرض ، فبدا له أن لا يزرع بعد ما كربها العامل ، وحفر أنهارها كان له ذلك ; لأنه يتضرر بالمضي على العقد من حيث إتلاف البذر بإلقائه في الأرض ولا يعلم أيحصل الخارج أم لا ؟ ثم لا شيء عليه للعامل على ما بينا أن المنافع لا تتقوم إلا بالتسمية ، والمسمى للعامل بإزاء عمله بعض الخارج ، ولم يحصل الخارج قال مشايخنا - رحمهم الله - : وهذا الجواب في الحكم ، فأما فيما بينه وبين ربه يعني بأن يعطي العامل أجر مثل عمله ; لأنه إنما اشتغل بإقامة العمل ليزرع فيحصل له الخارج ، فإذا أخذ الأرض بعد إقامة هذه الأعمال كان هو غارا للعامل ملحقا الضرر به ، والغرور والضرر مدفوع فبقي بأن يطلب رضاه ، وإن كان قد زرع وصار الزرع بقلا لم يكن لصاحب الأرض إخراج العامل منه ، وإن لحقه دين لا وفاء عنده إلا من ثمن هذه الأرض ، ولكنه يخرج من الحبس حتى يستحصد الزرع ; لأن العقد تأكد بإلقاء البذر في الأرض ، وانعقدت الشركة في الخارج ، وفي البيع إضرار بالمزارع من حيث إبطال حقه في نصيبه من الزرع ، وهذا نظير الفصل الأول ، كما بينا ، ولو مات رب الأرض عمل المزارع على حاله حتى يستحصد الزرع ; لما بينا من وجه الاستحسان في الفصل الأول ، ولو انقضت السنة ، والزرع لم يحصد ترك في الأرض على حاله حتى يستحصد ; لأنه كان محقا في [ ص: 48 ] المزارعة في الابتداء ، فلا يجوز أن يقلع زرعه قبل الاستحصاد ، والنفقة عليهما نصفان ; لأن الزرع بينهما نصفان ، واستحقاق العمل على العامل كان في المدة خاصة ، وعلى المزارع أجر مثل نصف الأرض ; لأنه يستوفي منفعة نصف الأرض لتربية حصته فيها إلى وقت الإدراك ، فإن أنفق أحدهما بغير أمر صاحبه ، ولا أمر قاض فهو متطوع في النفقة ; لأن كل واحد منهما غير مجبر على الإنفاق ، فكان المنفق منهما متطوعا ، كالدار المشتركة بينهما إذا اشتريت فأنفق أحدهما في مرمتها بغير أمر صاحبه كان متطوعا في ذلك ولو دفع إليه أرضا وبذرا على أن يزرعها سنته هذه على أن الخارج بينهما نصفان فزرعها ولم يستحصد حتى هرب العامل فأنفق صاحب الأرض بأمر القاضي على الزرع حتى استحصد ثم قدم المزارع فلا سبيل له على الزرع حتى يوفي صاحب الأرض جميع نفقته أولا ; لقول القاضي : لا نأمره بالإنفاق حتى يقيم البينة على ما يقول ; لأنه يدعي ثبوت ولاية النظر للقاضي في الأمر بالإنفاق على هذا الزرع ، ولا يعرف القاضي بينته فيكلفه إقامة البينة عليه ويقبل هذه البينة منه ; ليكشف الحال بغير خصم أو يكون القاضي فيه خصمه ، كما يكون في الإنفاق على الوديعة واللقطة ، فإذا أقام البينة كان أمر القاضي إياه بالإنفاق كأمر المودع ، ولو كان حاضرا فيكون له أن يرجع عليه بجميع ما أنفق بخلاف ما سبق فرجوعه هناك بقدر حصته من الزرع ; لأن العمل والإنفاق هناك غير مستحق على العامل ، وأمر القاضي إنما ينفذ على الغائب باعتبار النظر له ، وذلك في مقدار حصته من الزرع لا في إيجاب الزيادة دينا في ذمته ، وهنا العمل مستحق على المزارع ، لو كان حاضرا أجبره القاضي عليه فيعتبر أمره في إثبات حق الرجوع عليه بجميع النفقة ، ولا سبيل له على الزرع حتى يوفيه نفقته ; لأن نصيبه من الزرع إنما هو بالإنفاق ، فيكون محبوسا بما أنفق ، كالآبق يحبس بالجعل ; ولأنه استفاد نصيبه من جهة رب الأرض بهذه النفقة ، فيكون بمنزلة المبيع محبوسا عنه بالثمن ، فإن اختلفا في النفقة فالقول قول المزارع مع يمينه ، كما لو كان هو الذي أمره بالإنفاق ، وهذا ; لأن رب الأرض يدعي عليه زيادة فيما استوجبه دينا في ذمته ، وهو منكر لذلك ، وإنما يحلف على العلم ; لأنه استحلاف على فعل باشره غيره ، وهو الإنفاق الذي كان من صاحب الأرض ، ولو لم يهرب ، ولكن انقضت مدة المزارعة قبل أن يستحصد الزرع ، والمزارع غائب ، فإن القاضي يقول لصاحب الأرض أنفق عليه إن شئت ، فإذا استحصد لم يصل العامل إلى الزرع حتى يعطيك نفقتك فإن أبى أن يعطيك نفقتك أبيع حصته عليه من الزرع ، وأعطيك [ ص: 49 ] من ثمنه حصته من النفقة ، فإن لم تف حصته بذلك فلا شيء لك عليه ، وهذا ; لأن بعد انقضاء مدة المزارعة المزارع لا يجبر على العمل لو كان حاضرا فأمر القاضي عليه لا ينفذ إلا بطريق النظر له ، وذلك في أن يقصر الرجوع على مقدار حصته من الزرع ، وفي الزيادة على ذلك يلحقه خسران ، وهو لم يرض به ، وبين ذلك لصاحب الأرض ; ليكون إقدامه على الإنفاق على بصيرة ، ولكن لا يكون القاضي غارا يحسب حصته من الزرع بحصته من النفقة ; لأنه حيي بتلك النفقة ، فإن أبى أن يعطي النفقة باع القاضي حصته ، قيل : هذا بناء على قولهما ، فأما عند أبي حنيفة : فلا يبيع القاضي حصته من ذلك ; لأنه لا يرى الحجر على الحر ، وبيع ماله عليه في دينه ، وقيل : بل هو قولهم جميعا ; لأن الدين الذي لزمه تعلق بنصيبه من الزرع على معنى أن سلامته له متعلقة بوصول النفقة إلى صاحب الأرض ، فيباع فيه ، كما يباع المرهون والتركة في الدين ، ولا يتصدق واحد منهما بشيء في هذه المسائل من الزرع الذي صار له ; لأنه لا يتمكن خبث ، ولا فساد في السبب الذي به سلم لكل واحد منهما نصيبه من الزرع ، ولو كان البذر من العامل ، فزرع الأرض ثم مات المزارع قبل أن يستحصد فقال ورثته : نحن نعلمها على حالها فلهم ذلك ; لأنهم قائمون مقام المورث في ملك نصيبه من الزرع ، فيقومون مقامه في العمل إذا اختاروا ذلك ، وهذا ; لأن مقصود رب الأرض إقامة العمل لا عين العامل ، ألا ترى أنه كان للعامل أن يستعين بهم أو بغيرهم في حياته ، ليقيموا العمل ، فكذلك بعد وفاته إذا اختاروا العمل ، ولا أجر لهم في العمل ; لأنهم يعملون فيما لهم فيه شركة على سبيل الخلافة عن مورثهم ، ولا أجر عليهم في الأرض إن عملوها بقضاء قاض أو بغير قضاء قاض ; لأنهم قائمون مقام مورثهم ، وعقد المزارعة لم يبطل بموت مورثهم إذا اختاروا العمل ، وإن قالوا : لا نعملها لم يجبروا على العمل ; لأنهم إنما يخلفون الميت في أملاكه وحقوقه ، وليس عليهم إيفاء شيء مما كان مستحقا على مورثهم من ملكهم . ( ألا ترى ) أنهم لا يجبرون على قضاء ديونه من ملكهم ، فكذلك لا يجبرون على إقامة العمل الذي كان مستحقا عليه بمنافعهم ، وقيل لصاحب الأرض : اقلع الزرع فيكون بينك وبينهم نصفين ، أو أعطهم قيمة حصتهم من الزرع ، وأنفق على حصتهم ، فتكون نفقتك في حصتهم مما تخرج الأرض ; لأن المزارعة قد انقطعت بموت العامل إذا أبى الوارث إقامة العمل ; لفوات المعقود عليه لا إلى خلف ، وبقي الزرع مشتركا بينهما ، فهو بمنزلة ما لو انقضت مدة العمل ، والزرع بقل ، فأراد أن يقلع نصيبه ، وقد بينا هناك أن صاحب الأرض يتخير بين هذه الأشياء الثلاثة ، فهو قياسه إلا أن هناك إذا أراد صاحب الأرض [ ص: 50 ] الإنفاق فإنه يرجع بنصف النفقة في نصيب العامل ، وهنا يرجع بجميع النفقة في نصيب الورثة ; لأن هناك استحقاق العمل على العامل بمقابلة حصته من الزرع في المدة لا بعدها ، وقد انتهت المدة ، فكانت النفقة عليهما نصفين ، وهنا المدة لم تنته ، وقد كان العمل مستحقا على المزارع بمقابلة ما يسلم له من نصف الزرع ، وما كان مستحقا عليه يجب إيفاؤه من تركته ، ولا يسلم التركة للورثة إلا بعد إيفاء ما كان مستحقا عليه ; فلهذا رجع بجميع ما أنفق في حصة الورثة من الزرع ، فيستوفيه ثم يعطيهم الفضل على ذلك ، وكذلك لو كان الذي مات رب الأرض وبقي العامل ، وكذلك لو كان البذر من قبل رب الأرض ثم مات أحدهما ، فالأمر فيه على ما بينا إن شاء المزارع إن كان حيا أو ورثته إن كان ميتا أن يمضوا على المزارعة ، فذلك لهم ، وإن أبوا خير رب الأرض وورثته بين القلع ، وإعطاء قيمة حصة العامل وبين الإنفاق على نحو ما ذكرنا ، ولو كان البذر من العامل فلما صار الزرع بقلا انقضى وقت المزارعة ، فأيهما أنفق ، والآخر غائب فهو متطوع في النفقة ; لأن الغائب لو كان حاضرا لم يكن مجبرا على الإنفاق ، فيكون صاحبه في الإنفاق على نصيبه متطوعا ، ولا أجر لصاحب الأرض على العامل ; لأن أجر مثل نصف الأرض إنما يلزم بالتزامه ، وهو اختياره إمساك الأرض إلى وقت الاستحصاد بعد مطالبة صاحب الأرض بالتفريغ ، ولم يوجد ذلك ، وإن رفع العامل الأمر إلى القاضي ، وصاحب الأرض غائب ، فإنه يكلفه البينة على ما ادعى ; لأنه ادعى ثبوت ولاية القاضي في الأمر بالإنفاق ، فلا يقبل ذلك منه إلا ببينة ، فإن أتى بالبينة على الزرع أنه بينه وبين فلان الغائب أمره القاضي بالنفقة ، وإن تأخرت إقامة البينة ، وخيف على الزرع الفساد ، فإن القاضي يقول له ; أمرتك بالإنفاق إن كنت صادقا ، والنظر لهذا يحصل ; لأنه إن كان صادقا في مقالته فالأمر من القاضي في موضعه ، وإن كان كاذبا لم يثبت حكم الأمر ; لأنه علقه بالشرط ، فإن أنفق حتى يستحصد ثم حضر رب الأرض كان المزارع أحق بحصة رب الأرض حتى يستوفي نفقته ، فإن بقي شيء كان لرب الأرض ، وإن كانت نفقته أكثر لم يرجع على رب الأرض ; لأن أمر القاضي إنما نفذ في حق الغائب على وجه النظر منه له ، وكذلك يقول له القاضي : أنفق على أن تكون نفقتك في حصته من الزرع لدفع الغرر ، ويجعل القاضي عليه مثل أجر نصف الأرض ; لأن القاضي قام مقام الغائب في ما يرجع إلى النظر له ، ولو كان حاضرا يلزمه أجر مثل نصف الأرض بتربية نصيبه من الزرع في الأرض إلى وقت الإدراك ، فكذلك القاضي يلزمه ذلك بخلاف ما لو أنفق بغير أمر القاضي [ ص: 51 ] فإن هناك ليس عن الغائب نائب ليلزمه أجر مثل نصف الأرض . ( ألا ترى ) أنه لا يثبت له حق الرجوع على الغائب بحصته فيما أنفق بغير أجر القاضي ، وثبت له حق الرجوع بحصته مما أنفق بأمر القاضي ، فكذلك في أجر مثل نصف الأرض يقع الفرق بين الفصلين ; لهذا المعنى ، ولو حضروا جميعا فقال المزارع : يقلع الزرع ، وقال رب الأرض : ينفق عليه وآخذ منك أجر مثل نصف الأرض لم يكن له ذلك ; لأنه لا بد أن يلزم المزارع دينا في ذمته وربما يتضرر به المزارع بأن لا يفي نصيبه من الزرع بذلك ، فيكون له أن يأبى ذلك ، ثم يقول القاضي لصاحب الزرع : إن شئت فاقلع الزرع مع المزارع ، وإن شئت فأعطه نصف قيمة الزرع ، وإن شئت فأنفق على الزرع كله ، وتكون حصته إلى حصة العامل من النفقة في حصته من الخارج ، ولا يجبر المزارع على نفقة ولا أجر ; لأن فيه إتلاف ملكه ، وأحد لا يجبر على ذلك ، وإن كان ينتفع به غيره ، وإن قال المزارع : ينفق على الزرع ، وأبى ذلك صاحب الأرض وقال : يقلع الزرع أمر القاضي أن ينفق على الزرع فتكون نفقته على حصة صاحب الأرض في حصته من الزرع ، وعليه أجر مثل نصف الأرض ; لأنه في اختيار الإنفاق ناظر لنفسه ، ولصاحب الأرض ، فإنه يحيي به نصيبه من الزرع ، ويسلم له أجر مثل نصف الأرض ، وصاحب الأرض في الإباء متعنت قاصد إلى الإضرار به ، فلا يلتفت القاضي إلى تعنته بخلاف الأول ، فإن المزارع هناك يلزمه الأجر بما اختاره صاحب الأرض من الإنفاق ، ولو ساعده على ذلك فهو بالإباء يدفع الغرم عن نفسه ، وهنا صاحب الأرض لا يلزمه شيء وكل شيء من هذا الباب أمر القاضي أحدهما بالنفقة كلها ، وصاحبه غائب لم يأمره بذلك حتى تقوم البينة على الشركة ، فإن خيف الهلاك عليه إلى أن تقوم البينة ، قال له القاضي : أمرتك بالنفقة إن كان الأمر كما وصفت ، وقد بينا وجه هذا ، ولو كان البذر من صاحب الأرض فلما صار الزرع بقلا قال العامل : لا أنفق عليه ، ولا أسقيه فإن القاضي يجبره على أن ينفق عليه ، ويسقيه ; لأنه التزم ذلك بمباشرة العقد طائعا فيجبر على إيفاء ما التزمه ، فلو أجبره ، ولم يكن عنده ما أنفق أمر صاحب الأرض والبذر أن ينفق عليه ويسقيه على أن يرجع بذلك كله على صاحبه ، وإن كان أكثر من نصيبه ; لأن ذلك شيء يجبره عليه ، وكل نفقة يجبر عليها صاحبها ، فلم ينفق ، فأمر القاضي صاحبه بالنفقة ، فأنفق رجع بكلها على شريكه هلكت الغلة أو بقيت ، وكل نفقة لا يجبر عليها صاحبها فأنفق شريكه بأمر القاضي فإنها تكون في حصة الآخر ، فإن لم تف بها لم يكن للمنفق غير ذلك ، ولو أصاب الغلة آفة وتعذر عليه [ ص: 52 ] إيفاؤه للإفلاس فيستحق النظرة إلى الميسرة ، ولا يبطل أصل الاستحقاق ، فيكون الآخر كالفائت عنه شرعا فيما كان مستحقا عليه ، فيرجع بجميعه دينا في ذمته ، كما لو كان أمره بذلك ، وفيما لم يكن هو مجبرا عليه لم يؤخذ منه الالتزام بمباشرة سببه ، وإنما يلزم القاضي ذلك على سبيل النظر منه له ، ومعنى النظر إنما يتحقق إذا كان الإلزام بقدر نصيبه من الغلة على وجه يبقى ببقائه ، ولا يطالب بشيء بعد هلاكه ; فلهذا لا يعتبر أمر القاضي إلا في هذا المقدار . ( ألا ترى ) أن عبدا صغيرا لو كان بين رجلين فقال أحدهما : ليس عندي ما أنفق عليه ، ولا ما أسترضع به أجبره القاضي على ذلك ، فإن لم يقدر على ذلك ، وأمر شريكه فاسترضع له رجع عليه بحصته من الأجر بالغا ما بلغ إذا كان رضاع مثله ، وإن كان أكثر من قيمة الصبي سواء بقي الصبي أو هلك ; لأنه لما كان مجبرا على الإنفاق كان أمر القاضي شريكه بالإنفاق ، كأمره ; لأن القاضي نائب عنه في إيفاء ما كان مستحقا عليه ودفع الظلم ، فيرجع عليه بنصيبه بالغا ما بلغ وبمثله في الدابة المشتركة لما لم يكن مجبرا على الإنفاق في القضاء ، فإذا أنفق الشريك لم يكن له أن يرجع عليه فيما زاد على قيمة نصيبه ، ولا بعد هلاك الدابة ; فبهذا يتضح الفرق بينهما ، ولو أوصى لرجل بنخل ولآخر بغلته فالنفقة على صاحب الغلة تسلم له بمقابلة ما ينفق ، والغرم مقابل بالغنم ، فإن أحاله ، فلم يخرج شيئا في سنته لم يجبر واحد منهما على النفقة ، أما صاحب النخل فلأنه لا يسلم له شيء من الغلة ، ولأنه لا يجبر على الإنفاق على ملكه في غير بني آدم ، وصاحب الغلة إنما كان ينفق لتسلم له الغلة ، وفي هذه السنة لا يسلم له شيء من الغلة فلا يجبر على النفقة ، فإن أنفق عليه صاحب النخل حتى حمل لم يكن لصاحب الغلة شيء حتى يستوفي صاحب النخل النفقة من الغلة ، وإن لم يخرج من الغلة فيما يستقبل مثل ما أنفق لم يكن له على صاحب الغلة غرم نفقته ، وإنما نفقته فيما أخرجت النخل ; لأن الغلة إنما حصلت بالنفقة ، فلا تسلم له الغلة حتى يعطيه ما أنفق ، ولكن صاحب الغلة لم يكن مجبرا على الإنفاق ، فلا يرجع بالفضل عليه ، فكذلك الزرع الذي وصفنا قبل هذا ، ولو أنفق عليه المزارع بأمر صاحبه رجع عليه بذلك بالغا ما بلغ ; لأنه استقرض منه ما أمره بأن ينفق عليه ، وقد أقرضه ، فيكون ذلك دينا عليه في ذمته ، ولا سبيل له على حصته من الزرع وهذا ; لأن أمره على نفسه نافذ مطلقا فلا يتقيد بما فيه نظر له ، وأمر القاضي عليه يتقيد بما فيه نظر له فيما لم يكن هو مجبرا عليه . ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء 0 والزوار 3) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |