التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 46 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5281 - عددالزوار : 2678493 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4882 - عددالزوار : 2014654 )           »          من فضائل الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          إياك والحلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 520 )           »          ما يجب على الحجاج الالتزام به من أنظمة وتعليمات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          أسباب تكفير السيئات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          الورع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          التحذير من سم الأفاعي في وسائل التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          الكعبة المشرفة: تاريخ وأشواق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #451  
قديم 01-05-2026, 03:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 491 الى صـــ 510
الحلقة (451)



ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ ..» الحديث.
وقد سلف في باب: الخصومة في البئر والقضاء فيها (١) وهو هنا أتم.
وشيخ البخاري فيه حدثنا محمد وهو: ابن سلام، كما صرح به أبو نعيم وخلف.
ثانيها:
حديث كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، إلى آخره، وقد سلف في: أبواب المساجد (٢).
و(سجف الحجرة) بفتح السين وكسرها. ومعنى: (حتى كشف سجف حجرته): أرسله. وقال الذي رواية: أمر بهما رسول الله - ﷺ -. ولعله عند وقوفه عند كشف السجف.
وقوله هنا: (تقاضاه في المسجد)، وكذا سلف هناك، وقال في رواية أخرى: لقيه، فإما أن تكون إحداهما وهمًا أو لقيه، ثم سارا إلى المسجد، قاله ابن التين.
ثالثها:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ يُوسُفَ، عن مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّاب يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا،

----------
(١) سلف برقم (٢٣٥٦، ٢٣٥٧) كتاب: المساقاة.
(٢) سلف برقم (٤٥٧) باب: التقاضي والملازمة في المسجد.



وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُم لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بهِ النبي - ﷺ - فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ سورة الفرقان عَلَى غَيْرِ مَا أًقْرَأتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: «أَرْسِلْهُ». ثُم قَالَ لَهُ: «اقْرَأْ». فَقَرَأَ، قَالَ: «هَكَذَا أنزِلَتْ». ثُم قَالَ لِي: «اقْرَأْ». فَقَرَأْتُ فَقَالَ: «هَكَذَا أنزِلَتْ، إِنَّ القُرْانَ أنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ». وتقدم عليه أنه لا يجوز من كلام الخصوم بعضهم لبعض إلا ما يجوز من كلام غيرهم مما لا يوجب أدبًا ولا حدًا.
ورواه في: فضائل القرآن من حديث عقيل عن ابن شهاب، عن عروة، عن المسور وعبد الرحمن بن عبد القاري عن عمر به (١).
قال الدارقطني: رواه عبد الأعلي بن عبد الأعلى، عن معمر، عن ابن شهاب، عن عروة، عن المسور، عن عمر. ورواه مالك بإسقاط المسور، وكلها صحاح عن الزهري، ورواه يحيى بن بكير، عن مالك، فقال: عن هشام وهم، والصحيح ابن شهاب (٢).
ومعنى الترجمة من حديث ابن مسعود قول الأشعث: إذًا والله يحلف فيذهب بحقي، فمثل هذا الكلام مباح فيمن عرف فسقه، كما عرف فسق اليهودي الذي خاصم الأشعث، وقلة مراقبته لله. فحينئذٍ يسمح الحكم للقائل لخصمه ذلك، وأما إن قال ذلك في رجل صالح أو من لا يعرف له فسق؛ فيجب أن ينكر عليه ويؤخذ له بالحق، ولا يبيح له النيل من عرضه.
وحديث عمر مع هشام في تولي الخصوم بعضهم بعضًا سديد في

--------
(١) سيأتي برقم (٤٩٩٢) باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف.
(٢) «العلل» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ (٢٢٩).



هذا الباب؛ لأن فيه امتدادًا باليد فهو أقوى من القول، وإنما جاز له ذلك. والله أعلم؛ لأنه أنكر عليه في أمر الدين.
وفي حديث كعب جواز ارتفاع الأصوات بين الخصوم؛ لما في خلائق الناس من ذلك، ولو قصر الناس عن أخلاقهم لكان ذلك من المشقة عليهم بل يسمح لهم فيما جبلهم الله عليه؛ لأن الشارع سمعهما ولم ينههما عن رفع أصواتهما.
وفيه: أن الحكم إذا سمع قول الخصوم واستعجم عليه أمرهما أشار عليهما بالصلح وأمرهما به، وإذا رأى مديانًا غير مستطيع بدينه ولا مَلِيء به وثبتت عسرته أنه لا بأس للحكم أن يأمر صاحب الدين بالوضيعة؛ لقطع الخصام لما في تماديه من قطع ذات البين وفساد النيات. قال ابن التين: واختلف الناس في حديث عمر مع هشام قديمًا وحديثًا، ولم يعين أحد الخلاف الذي وقع بينهما.
واختلف في معنى الحرف على عشرة أقوال:
فقال الخليل: هو هنا القراءة، وقال أبو عبيد وأبو العباس أحمد بن
يحيى هي سبع لغات من لغات العرب قريش ونزار (١) وغير ذلك.
وقيل: كلها لمضر لا لغيرها وهي مفترقة في القرآن غير مجتمعة في الكلمة الواحدة (٢).
وقيل: تصح في الكلمة الواحدة، ومنهم من جعلها في صورة التلاوة كالإدغام وغيره مما يأتي.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: النمر ومعَد.
(٢) «فضائل القرآن» لأبي عبيد ص ٣٣٩ - ٣٤٠ و«غريب الحديث» ٣/ ١٥٩، «المفهم» ٢/ ٤٤٧ - ٤٥٠.



وقيل: سبعة أنحاء: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال. وقيل: أحكام وأمثال وقصص إلى غير ذلك، وفيه نظر؛ لأن الشارع أجاز القراءة بكل حرف منها وإبدال حرف بحرف آخر منها، وتقرر الإجماع على أنه لا يحل إبدال آية أمثال بآية أحكام، قال تعالى: ﴿مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ [يونس: ١٥].
وقيل: الحرف هنا الإعراب؛ لأنه يقع في آخر الكلمة. وذكر عن مالك أن المراد به إبدال خواتم الآي فيجعل مكان (غفور رحيم) (سميع بصير) ما لم يبدل آية رحمة بعذاب أو عكسه.
وقيل: الحروف: الأسماء والأفعال المؤلفة من الحروف التي تنتظم منها الكلمة؛ فيقرأ على سبعة أوجه نحو: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ (١) [المائدة: ٦٠] و﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ (٢) [يوسف: ١٢] قرئا على سبعة أوجه.
وقال أكثر العلماء (٣): أي: سبعة أوجه من المعاني المتفقة المتقاربة

----------
(١) قرأ حمزة بضم الباء وبجر التاء (وعَبُدَ الطاغوتِ)، يقال عبْد وعبُد، قال الشاعر:
أبني لُبَيْنَى إن أمكم … أمة وإن أباكم عبُد
قال الفراء: الباء تضمها العرب للمبالغة في المدح والذم نحو: رجل حذُر ويقظ أي مبالغ في الحذر، فتأويل عَبُد على ذلك أنه بلغ الغاية في طاعة الشيطان. «السبعة في القراءات» لابن مجاهد ص ٢٤٦، «حجة القراءات» لابن زنجلة ص ٢٣١ - ٢٣٢.
(٢) بالنون قراءة ابن كثير وأبي عمرو وابن عامر. وحجتهم قوله تعالى بعدها: ﴿إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ فأسندوا جميع ذلك إلى جماعتهم. وقرأ أهل المدينة والكوفة: ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ بالياء إخبارًا عن يوسف. وحجتهم في ذلك أن القوم إنما كان قولهم ذلك ليعقوب اختداعًا منهم إياه عن يوسف إذ سألوه أن يرسله معهم لينشط يوسف لخروجه إلى الصحراء ويلعب هناك.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: من خط الشيخ: نقله القرطبي أيضًا.



نحو: أقبل وتعال وهلم. وعن مالك: إجازة القراءة بما ذكر عن عمر: (فامضوا إلى ذكر الله) (١) قيل: أراد أنه لا بأس بقراءته على المنبر كما فعل عمر ليبين ﴿فَاسْعَوْا﴾ أن لا يراد به الجري. وقيل: المراد بها: الإمالة والفتح والترقيق والتفخيم والهمز والتسهيل والإدغام والإظهار (٢)
وعاشرها لبعض المتأخرين قال: تدبرت وجوه الاختلاف في القراءات فوجدتها سبعة منها يتغير حركته ويبقى معناه وصورته مثل: ﴿هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ [هود: ٧٨] و(أطهرَ) (٣) ومنها ما يتغير معناه ويزول بالإعراب ولا تتغير صورته مثل: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ﴾ و(بعد) (٤) ومنها ما يتغير بالحروف واختلافها بالإعراب ولا تتغير صورته نحو: ﴿نُنشِزُهَا﴾ (٥)

--------
(١) الموطأ ص ٨٧ (١٤).
(٢) ورد بها مثل الأصل: والمد.
(٣) قرأ العامة برفع الراء، وقرأ الحسن وعيسى بن عمرو (هن أطهرَ) بالنصب على الحال و(هن) عماد ولا يجيز الخليل وسيبويه والأخفش أن يكون (هن) ها هنا ضميرًا للعماد، وإنما يكون عمادا فيما لا يتم الكلام إلا بما بعدها، نحو: كان زيد هو أخاك، لتدل بها على أن الأخ ليس بنعت. وقال الزجاج: ويدل بها على أن كان تحتاج إلى خبر. وقال غيره: يدل بها على أن الخبر معرفة أو ما قاربها.
«أحكام القرآن» للقرطبي ٩/ ٧٦ - ٧٧ وقال أبو جعفر الطبري: والقراءة التي لا أستجيز خلافها في ذلك الرفع؛ لإجماع الحجة من قرأة الأمصار عليه مع صحته في العربية، وبُعد النصب فيه من الصحة. «تفسير الطبري» ٧/ ٨٤.
(٤) قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فقالوا ربنا بعد) بالتشديد، وقرأ الباقون ﴿بَاعِدْ﴾ بالألف.
قال سيبويه: إن (فاعل وفعَّل) يجيئان بمعنى، كقولهم (ضاعف وضعّف) واللفظان جميعًا على معنى الطلب والدعاء ولفظهما أمر. «حجة القراءات» ص ٥٨٨.
(٥) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: «ننشرها» بالراء. أي كيف نحييها. وحجتهم قوله قبلها ﴿أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللهُ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. والزاي يعني بها: (كيف نرفعها من الأرض إلى الجسد). وقرأ الباقون: «كيف ننشزها» بالزاي أي نرفعها .. اهـ.
وانظر «حجة القراءات» ١٤٤، و«الحجة للقراء السبعة» ٢/ ٣٧٩.



[البقرة: ٢٥٩] و(نَنْشُزُهَا) ومنها ما يتغير صورته دون معناه ﴿كَالعِهْنِ المَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥].
وقرأ سعيد بن جبير: (كالصوف) ومنها ما تتغير صورته ومعناه مثل: ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة: ٢٩] قرأ عليُّ: (وطلع) (١)، ومنها التقديم ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ﴾ [ق: ١٩] قرأ أبو بكر وطلحة: (وجاءت سكرت الحق بالموت) (٢). ومنها: الزيادة والنقصان: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] (أنثى) في قراءة ابن مسعود.
واختلف الأصوليون هل يقرأ اليوم على سبعة أحرف؟ فمنعه الطبري (٣) وغيره وقال: إنما يجوز بحرف واحد اليوم وهو حرف زيد، ونحا إليه القاضي أبو بكر.
وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز حظر ما وسعه الله من القراءات بالأحرف التي أنزلها، ولا يسوغ للأمة أن تمنع ما يطلقه، بل هي موجودة في قراءتنا اليوم وهي مفرقة في القرآن غير معلومة بأعيانها، فيجوز على هذا، وبه قال القاضي أن يقرأ بكل ما نقله أهل التواتر من غير تمييز حرف من حرف، فيخلط حرف نافع بحرف الكسائي وحمزة ولا حرج في ذلك؛ لأن الله تعالى أنزلها تيسيرًا على عباده ورفقًا (٤).

---------
(١) ذكره الطبري في «تفسيره» ١١/ ٦٣٦.
(٢) ذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ٨/ ١٢.
(٣) «تفسير الطبري» ١/ ٥٠ - ٥١.
(٤) «إكمال المعلم» ٣/ ١٨٦ - ١٩٣، «المفهم» ٢/ ٤٤٧ - ٤٥٠. «عارضة الأحوذي» ١١/ ٦٠ - ٦٣.



فائدة:
معنى (لببته بردائه) جمعت عليه ثوبه الذي (لابسه) (١) وقبض عليه نحره.
وقوله: («أرسله») أي: أزل يدك من لبته.
وفيه: انقياد هشام لعلمه أن عمر لم يرد إلا خيرًا.
وفيه: ما كان عمر عليه من الصلابة، وكان هشام من أصلب الناس بعده، كان عمر إذا كره شيئًا يقول: لا يكون هذا ما بقيت أنا وهشام بن حكيم (٢).
وقوله: («فاقرؤوا منه ما تيسر») (٣) أي: تيسر لكم حفظه.

------------
(١) كذا بالأصل.
(٢) ذكره ابن عبد البر في «الاستيعاب» في ترجمة هشام بن حكيم ٤/ ٩٩ - ١٠٠ (٢٧١٠) وفي «التمهيد» ٨/ ٣١٥، وفي «الاستذكار» ٨/ ٥٤. وذكره أيضًا ابن الأثير في «أسد الغابة» ٥/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٣) في الأصل: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾، والمثبت هو الموافق لليوينية ولما ساقه المصنف في متنه آنفًا.



٥ - باب إِخْرَاجِ أَهْلِ المَعَاصِي وَالخُصُومِ مِنَ البُيُوتِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ
وَقَدْ أَخْرَجَ عُمَرُ أُخْتَ أَبِي بَكْرٍ حِينَ نَاحَتْ.

٢٤٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ». [انظر: ٦٤٤ - مسلم: ٦٥١ - فتح ٥/ ٧٤]
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى مَنَازِلِ قَوْمِ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ».
وقد سلف هذا في باب: فضل العشاء (١)، والأثر أخرجه ابن سعد في «طبقاته» من طريق سعيد بن المسيب قال: لما توفي أبو بكر أقامت عليه أخته، فبلغ عمر فنهاهن فأبين أن ينتهين، فقال لهشام بن الوليد: اخرج إلى ابنة أبي قحافة، يعني: أم فروة فعلاها بالدرة ضربات فتفرق النوائح حين سمعن ذلك (٢).
قلت: وهو منقطع فيما بين سعيد وعمر (٣) (٤) فينظر في جزم البخاري

-------
(١) سلف برقم (٦٥٧) كتاب: الأذان.
(٢) «الطبقات» ٣/ ٢٠٨ وفيه: أقامت عائشة عليه النوح … إلخ.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال الإمام أحمد فيما نقله عنه المزي في «تهذيبه» رأى سعيد عمر وسمع منه وإذا لم يقبل سعيد عن عمر، فمن يقبل! انتهى وقد ولد سعيد لسنتين مضتا من خلافة عمر وقال ابن أبي حاتم: لا يصح له سماع منه إلا رؤية رآه على المنبر ينعى النعمان بن مقرن، وحديثه عنه في مسلم، وإن كان كما قال الإمام أحمد فيمكن أن عمر حدثه بذلك بعد الواقعة أو يكون للبخاري طريق غير هذا، والله أعلم.
(٤) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٠٨ - ٢٠٩ بسنده إلى سعيد بن المسيب =



به، وفيه: أن من ترك سنة من سنن رسول الله - ﷺ - المجتمع عليها في الإقامة أنه يعاقب في نفسه وماله؛ لأن حرق المنازل عقوبة في المال على عمل الأبدان، فإذا كانت العقوبة تتعدى إلى المال عن البدن، فهي أحرى أن تقع في البدن.
وفيه: أن العقوبات على أمور الدين التي لا حدود فيها موكولة إلى اجتهاد الإمام لقوله: («لقد هممت»)، فهذا نظر واجتهاد. وقد قيل: إنه كان في المنافقين وليس كذلك؛ لأنه - عليه السلام - (لم) (١) يعن بإخراجهم إلى الصلاة ولا التفت إلى شيء من أمرهم. وقيل فيه: إنه في المؤمنين، وقد سلف القولان في بابه وسيكون لنا عودة إليه في الأحكام (٢) إن شاء الله.

---------
= إلا أنه قال: «أقامت عليه عائشة» بدلًا من «أقامت أخته» ورواه عبد الرزاق أيضًا في «المصنف» ٣/ ٥٥٦ - ٥٥٧ (٦٦٨٠) مطولًا وفيه فقال عمر: إن النبي - ﷺ - قال: «إن الميت يعذب ببكاء الحي». وذكره البوصيري في «الإتحاف» ٢/ ٥٠٤، والحافظ في «المطالب العالية»: ١/ ٣٣٨ وعزياه لإسحاق بن راهويه ولم أجده، ولعله في المفقود منه وقالا: المرفوع منه مخرج عندهم. ورواه أحمد عن عبد الرزاق بهذا الإسناد ١/ ٤٧ - إسناد عبد الرزاق- خاصة دون باقي القصة. وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٧٤: وصله ابن سعد في «الطبقات» بإسناد صحيح من طريق الزهري عن ابن المسيب.
(١) في الأصل لمن ولعل الصحيح ما أثبتناه.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٢٤) باب: إخراج الخصوم وأهل الريب من البيوت بعد المعرفة.



٦ - باب دَعْوَى الوَصِيِّ لِلْمَيِّتِ
٢٤٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ اخْتَصَمَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فِي ابْنِ أَمَةِ زَمْعَةَ، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَوْصَانِي أَخِي إِذَا قَدِمْتُ أَنْ أَنْظُرَ ابْنَ أَمَةِ زَمْعَةَ فَأَقْبِضَهُ، فَإِنَّهُ ابْنِي. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ أَمَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي. فَرَأَى النَّبِيُّ - ﷺ - شَبَهًا بَيِّنًا فَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ». [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح ٥/ ٧٤]
ذكر فيه حديث عائشة في الاختصام في ابن أمة زمعة بطوله.
وقد سلف (١) وترجم له في: الوصايا: ما يجوز (للموصى) (٢) إليه من الدعوى (٣)، وهي هذِه الترجمة، وستأتي ضروب تأويله في باب: أمر الولد أيضًا.
وقوله: «هو لك يا عبد بن زمعة» يجوز رفع عبد ونصبه (٤).

----------
(١) سلف برقم (٢٠٥٣) كتاب: البيوع، باب: تفسير المشبهات.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٤٥).
(٣) قال ابن مالك في ألفيته:
ونحو (زيدٍ) ضم وافتحن، مِنْ … نحو «أزيد بن سعيد» لا تَهِن
وقال ابن عقيل في شرحه لهذا البيت: إذا كان المنادى مفردًا علمًا، ووصف بـ «ابن» مضاف إلى علم، ولم يُفصل بين المنادى وبين «ابن» -جاز لك في المنادى وجهان: البناء على الضم، نحو: «يا زيدُ بن عمرو» والفتح إتباعًا، نحو: «يا زيد ابن عمرو» ٣/ ٢٦١.
(٤) في الأصل: (للمواصي)، والمثبت الصواب؛ علمًا بأن الذي في اليونينية مكانها: للوصي.



٧ - باب التَّوَثُّقِ مِمَّنْ تُخْشَى مَعَرَّتُهُ
وَقَيَّدَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِكْرِمَةَ عَلَى تَعْلِيمِ القُرْآنِ وَالسُّنَنِ وَالفَرَائِضِ.

٢٤٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، سَيِّدُ أَهْلِ اليَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟». قَالَ عِنْدِي: يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- قَالَ: «أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ». [انظر: ٤٦٢ - مسلم: ١٧٦٤ - فتح ٥/ ٧٥]
ثم ساق حديث أبي هريرة في ربط ثمامة في المسجد، وقد سلف في أبواب المساجد في موضعين منه (١)، ووقع في كتاب ابن بطال: أن البخاري ترجم له في كتاب: الصلاة، باب: الأسير والغريم يربط في المسجد (٢) وليس كذلك، بل ذكر فيه حديثًا آخر (٣)، نعم. ذكره عقبه في باب آخر.
وفعل ابن عباس أخرجه ابن سعد من طريق الزبير بن الخريت عن عكرمة قال: كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني الكتاب والسنة (٤).

-----------
(١) سبق برقم (٤٦٢) كتاب الصلاة، باب: الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير في المسجد، وسلف أيضًا برقم (٤٦٩) كتاب الصلاة باب: دخول المشرك المسجد.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٢.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: وهو حديث «أن عفريتًا»، لكن الباب الذي بعده قال فيه: باب: الاغتسال إذا أسلم، وربط الأسير أيضًا في المسجد. كذا في نسختي وأما لفظ الأسير والغريم فالترجمة التي قبله.
(٤) «الطبقات الكبرى» ٢/ ٣٨٦، ٥/ ٢٨٧.



وأهل العلم يوجبون التوثق بالسجن والضامن وما أشبهه، فمن وجب عليه حق لغيره فأبى أن يخرج منه وادعى تحرجًا لم يحضره في الوقت.
وقد روي عن وكيع أن عليًّا كان يحبس في الدين (١). وروى معمر عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم، فإن أعطى حقه وإلا أمر به إلى
السجن (٢).
وقال طاوس: إذا لم يقر الرجل بالحكم حبس (٣). وروى معمر عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - حبس رجلًا في تهمة (٤).
وحديث ثمامة أصل في ذلك؛ لأنه كان قد حلَّ دمه بالكفر، والسنة في مثله أن يقتل أو يستعبد أو يفادى به أو يمن عليه، فحبسه الشارع حتى يرى فيه رأيه، وأي الوجوه أصلح للمسلمين في أمره.
قال ابن التين: وربطه بسارية من سواري المسجد يحتمل أن يكون قبل نزول ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللهِ﴾ الآية [التوبة: ١٧].
وفيه: رفقه بمن أحسن إسلامه وإطلاقه.

-------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٣٠٦ (١٥٣١٢).
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٣٠٦ (١٥٣١٠).
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٣٠٦ (١٥٣١٤).
(٤) سبق تخريجه قريبًا عند حديث (٢٤٠٢) باب: إذا وجد ماله عند مفلس …



٨ - باب الرَّبْطِ وَالحَبْسِ فِي الحَرَمِ
وَاشْتَرَى نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ دَارًا لِلسِّجْنِ بِمَكَّةَ مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ (١) عَلَى أَنَّ عُمَرَ إِنْ رَضِيَ فَالبَيْعُ بَيْعُهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ عُمَرُ فَلِصَفْوَانَ أَرْبَعُمِائَةٍ. وَسَجَنَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمَكَّةَ.

٢٤٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ. [انظر: ٤٦٢ - مسلم: ١٧٦٤ - فتح ٥/ ٧٥]
ثم ساق حديث أبي هريرة في ربط ثمامة بسارية من سواري المسجد، وقد سلف آنفًا.
وأثر نافع سلف قريبًا، واشتراه نافع من مال المسلمين كما سيأتي.
وأثر ابن الزبير أخرجه ابن سعد من طريق ضعيفة عن محمد بن

----------
(١) ورد بهامش الأصل: نافع (م. د. س. ق وأحمد) بن عبد الحارث بن جبالة بفتح الجيم وكسرها ابن عمر الخزاعي، كان من فضلاء الصحابة. قيل: أسلم يوم الفتح وأقام بمكة واستعمله عمر عليها وعلى الطائف، وفيهما سادات قريش وثقيف وله عند مسلم وأبي داود والنسائي وابن ماجه وأحمد، روى عنه أبو الفضيل وأبو سلمة بن عبد الرحمن وفي «التهذيب» أن عمر أمره بشراء دار بمكة للسجن، ذكره الأزرقي وغيره، كذا عزاه النووي، وقد أنكر الواقدي صحبته، وقال: هو تابعي والصحيح الأول.
وصفوان بن أمية الجمحي: ابن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي أسلم بعد أن شهد حُنينًا مع النبي - ﷺ - كافرًا وكان من المؤلفة، وشهد اليرموك توفي بمكة سنة ٤٣ هـ، وقيل: في خلافة عثمان، وقيل: عام الجمل سنة ٣٦ هـ وكنيته أبو وهب. وقيل: أبو أمية.



عمر، ثنا ربيعة بن عثمان وغيره، عن سعد بن محمد بن جبير والحسين بن الحسن بن عطية العَوْفي، عن أبيه، عن جده فذكره (١).
قال المهلب: اشتراء نافع الدار للسجن بمكة من مال المسلمين؛ لأن عمر كان يومئذٍ أمير المؤمنين، فاشترى نافع الدار من صفوان، وشرط عليه إن رضي عمر الابتياع فهي لعمر وإن لم يرض ذلك بالثمن المذكور، فالدار لنافع بأربعمائة، قال: وهذا بيع جائز فابتياع الدار يكون سجنًا بمكة يدل أن الحبس في الحرم والربط والأسر فيه جائز، بخلاف قول من قال من التابعين: إن من فرَّ إلى الحرم بحد أو جرم أنه لا يقاد منه في الحرم. واحتجوا بقوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وأئمة الفتوى بالأمصار لا يمنع عندهم الحرم إقامة الحدود والقود فيه على من وجب عليه في غير الحرم، وكلهم يقول: إن من قَتَل في الحرم قُتل فيه. وقال الداودي: ما فعله نافع هو بيع العُربان المنهي عنه ويدخله شرطان في شرط وأكل المال بالباطل، وليس فيه أن عمر علم.

---------
(١) «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٠٠ - ١٠٢ وفيه: سعيد بن محمد بدلًا من سعد.


٩ - باب المُلَازَمَةِ
٢٤٢٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ -وَقَالَ غَيْرُهُ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ لَهُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيِّ دَيْنٌ، فَلَقِيَهُ فَلَزِمَهُ، فَتَكَلَّمَا حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَمَرَّ بِهِمَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «يَا كَعْبُ». وَأَشَارَ بِيَدِهِ كَأَنَّهُ يَقُولُ النِّصْفَ، فَأَخَذَ نِصْفَ مَا عَلَيْهِ وَتَرَكَ نِصْفًا. [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح ٥/ ٧٦]
ذكر فيه حديث كعب مع ابن أبي حدرد، وقد لازمه كعب …
وقد سلف في الصلاة (١) وهو حجة للكوفيين في قولهم بالملازمة للغريم؛ لعدم إنكار الشارع الملازمة، وأشار عليه بالصلح، وسائر الفقهاء لا ينكرون على صاحب الدين أن يطلب دينه كيف أمكنه بإلحاح عليه أو ملازمته أو غير ذلك، وإنما اختلفوا في الغريم المعدم، هل يلازمه غريمه بعد ثبوت الأعذار وإطلاقه من السجن أم لا؟ وقد سلف ذلك في حديث: «مطل الغني ظلم» (٢).

--------
(١) سلف برقم (٤٥٧) باب: التقاضي والملازمة في المسجد.
(٢) سلف برقم (٢٤٠٠) كتاب: الاستقراض، باب: مطل الغني ظلم.



١٠ - باب التَّقَاضِي
٢٤٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَرَاهِمُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: لَا وَاللهِ لَا أَكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ - حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ ثُمَّ يَبْعَثَكَ. قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ ثُمَّ أُبْعَثَ فَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا، ثُمَّ أَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧] الآيَةَ. [انظر: ٢٠٩١ مسلم: ٢٧٩٥ - فتح ٥/ ٧٧]
ذكر فيه حديث خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ.
وقد سلف قريبًا في باب: القين (١)، وشيخ البخاري فيه حدثنا إسحاق، ثنا وهب بن جرير بن حازم ذكر الكلاباذي أن إسحاق بن راهويه يروي عن وهب بن جرير.
وفيه من الفقه: أن الرجل الفاضل إذا كان له دين عند الفاسق والكافر أنه لا بأس أن يطلبه ويشخص فيه بنفسه، ولا نقيصة عليه في ذلك؛ لأنه - عليه السلام - قد نهى عن إضاعة المال.

--------
(١) سلف برقم (٢٠٩١) كتاب البيوع، باب: ذكر القين والحداد.


٤٥
كتاب في اللقطة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤٥ - كتاب في اللقطة
١ - وإِذَا أَخْبَرَهُ رَبُّ اللُّقَطَةِ بِالعَلَامَةِ دَفَعَ إِلَيْهِ
٢٤٢٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ، سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنه فَقَالَ: أَخَذْتُ صُرَّةً مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَعَرَّفْتُهَا حَوْلَهَا فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا» فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثًا، فَقَالَ: «احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلاَّ فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». فَاسْتَمْتَعْتُ، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا. [٢٤٣٧ - مسلم: ١٧٢٣ - فتح ٥/ ٧٨]
كذا في الأصول وهو ما في كتاب ابن التين، وفي كتاب ابن بطال: كتاب اللقطة باب: إذا أخبر رب اللقطه بالعلامة دفع إليه (١)، وتابعه شيخنا علاء الدين.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٥.


وفي اللقطة لغات جمعها ابن مالك في بيت فقال:
ولُقْطَةٌ لقَاطة ولُقَطَة … ولَقَطٌ ما لاقطٌ قد لقطه.
والثلاث الأول، حكاهن ابن سيده (١).
قال صاحب «الجامع»: اللقطة: ما التقطه الإنسان فاحتاج إلى تعريفه محركة.
وقيل: هو الرجل الذي يلتقط، واسم الموجود: لقطة، يعني: بالإسكان. وعن الأصمعي وابن الأعرابي والفراء: الفتح: اسم المال.
وعن الخليل كذلك كسائر ما جاء على هذا الوزن يكون اسم الفاعل كـ ﴿هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ﴾ [الهمزة: ١]. وسكون القاف: اسم المال الملقوط.
قال الأزهري: هذا قياس اللغة إلا أن كلام العرب في اللغة على غير القياس؛ لأن الرواة أجمعوا على أن اللُقَطَة يعني -بالفتح-: اسم للشيء الملتقط (٢).
والالتقاط: العثور على الشيء من غير قصد وطلب، وفي «أدب الكاتب» تسكينها من لحن العامة (٣)، ورد عليه بأن فعله بإسكان العين من صفة المفعول وبتحريكها للفاعل، وردَّ بأن اللغة موقوفة على السماع والمسموع بالفتح، كذا ضبطها ثعلب عن ابن الأعرابي وغيره، ونقله ابن درستويه عن عامة اللغويين (٤).
وعبارة ابن التين هي بضم اللام وفتح القاف. وقال الداودي بسكونها ولم يزد عليه.

--------
(١) «المحكم» ٦/ ١٧٠.
(٢) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٢٨٦ مادة: (لقط).
(٣) «أدب الكاتب» ص ٢٩٦.
(٤) «شرح تصحيح الفصيح» ص ٣٥٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #452  
قديم 01-05-2026, 03:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 511 الى صـــ 530
الحلقة (452)





ذكر البخاري في الباب حديث (١) شعبة عن سلمة -يعني: ابن كهيل- سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: لَقِيتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقَالَ: وجدت صُرَّةً فيها مِائَةَ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَلَمْ أَجِدْ مَنْ يَعْرِفُهَا، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَعَرَّفْتُهَا فَلَمْ أَجِدْ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ ثَلَاثا، فَقَالَ: «احْفَظْ وِعَاءَهَا وَعَدَدَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَاسْتَمْتِعْ بِهَا». فَاسْتَمْتَعْتُ بها، فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَةَ. فَقَالَ: لَا أَدْرِي ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.
هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) والأربعة (٣) (٤).
والقائل (فلقيته بعد) هو شعبة يريد بذلك سلمة بن كهيل، وذلك أن أبا داود الطيالسي قال الذي هذا الحديث: قال شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: لا أدري، وساقه (٥). وفي لفظ ذكره بعد: ثم أتيته الرابعة (٦).
قال ابن حزم: هو حديث ظاهره صحة السند إلا أن سلمة أخطأ فيه بلا شك (٧).
قلت: سيأتي الكلام بعد. وقال الداودي: الشك من سلمة. قلت: لا، من أُبي كما سيأتي، وإنما قال له أولًا: («عرفها حولًا») ثم أتاه

-------
(١) ورد بهامش الأصل: من طريقين إلى شعبة، الأولى أعلى برجل وهي: آدم عنه.
(٢) مسلم (١٧٢٣) كتاب: اللقطة.
(٣) أبو داود (١٧٠١ - ١٧٠٣)، والترمذي (١٣٧٢)، وابن ماجه (٢٥٠٦) والنسائي في «السنن الكبرى» ٣/ ٤٢١ - ٤٢٣ (٥٨٢٠ - ٥٨٢٥).
(٤) ورد بهامش الأصل إشارة إلى أنه في نسخة: ابن ماجه والترمذي في الأحكام.
(٥) «مسند الطيالسي» ١/ ٤٤٧ (٥٥٤).
(٦) يأتي برقم (٢٤٣٧)، كتاب اللقطة، باب: هل يأخذ اللقطة ولا يدعها ..
(٧) «المحلى» ٨/ ٢٦٢.



فقال: («عرفها») ثم أتاه في الآخر، فقال: («عرفها حولًا»).
وفي الباب عن جماعة من الصحابة: زيد بن خالد ساقه البخاري بعد من طرق كما ستعلمه في موضعها، يقول (يزيد) (١): إن لم تعرف استنفق بها صاحبها وكانت وديعة عندك.
قال يحيى -يعني: ابن سعيد-: فهذا الذي لا أدري أفي حديث رسول الله - ﷺ - هو أم شيء من عنده؟ قال ابن حزم: قطع يحيى بن سعيد مرة أخرى أنه من قول (يزيد) (٢) ولم يشك ربيعة أنه من قول رسول الله - ﷺ -، وكذا لم يشك بُسر بن سعيد عن زيد بن خالد، عن رسول الله - ﷺ - (٣).
وفي رواية ربيعة وعبد الله بن عمر أخرجه الترمذي وحسنه (٤)، والحاكم (٥) والدارقطني (٦)، وأبي ثعلبة الخشني أخرجه النسائي (٧)

----------
(١) في الأصل: سويد، والمثبت هو الصواب كما في البخاري (٢٤٢٨).
(٢) في الأصل: زيد، والمثبت هو الصواب كما في «المحلى» ٨/ ٢٦٩، ولأنه قائل هذِه العبارة كما في البخاري.
(٣) «المحلى» ٨/ ٢٦٩. بتصرف.
(٤) لعله يقصد عبد الله بن عمرو، وإلا فليس لابن عمر أحاديث في باب اللقطة؛ فإن كان كذلك فحديث ابن عمرو أخرجه الترمذي -مختصرًا- (١٢٨٩) أن النبي - ﷺ - سئل عن الثمر المعلق فقال: .. الحديث، وإنما قلنا: يقصد ابن عمرو؛ لأن حديث ابن عمرو يُروى مطولًا وفيه السؤال عن اللقطة والضوال.
وأيضًا؛ لأنه عزاه بعدُ إلى الحاكم والدارقطني، وقد أخرجا حديث ابن عمرو بالشاهد المشار إليه.
(٥) «المستدرك» ٢/ ٦٥ عن ابن عمرو.
(٦) «سنن الدارقطني» ٣/ ١٢٤ عن ابن عمرو.
(٧) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٣٣ (٥٨٢٩).



وابن الجارود. وعبد الله بن الشخير أخرجه (١) (…) (٢) وكذا الجارود (٣) ولفظهما: «ضالة المسلم حَرقُ النار»، وعياض بن حمار بالراء في آخره أخرجه أيضًا أبو داود (٤) وفيه: «فليُشْهد عليها ذا عدل أو ذوي عدل»، وخرجه الحاكم من حديث أبي هريرة وقال: صحيح على شرط مسلم (٥).
قال أبو إسحاق فيما حكاه أبو عبيد في كتاب القضاء قال: أجاز شريح شهادتي وحدي (٦)، (وكذا فعل أبو مجلز بزرارة بن أوفى) (٧).
وجرير أخرجه أبو داود (٨) ولفظه: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (٩). وأبي هريرة أخرجه الحاكم كما سلف والبزار (١٠).

----------
(١) هو عند ابن ماجه (٢٥٠٢)، وأحمد ٤/ ٢٥ وعند النسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١٤ (٥٧٩٠) وغيرهم.
(٢) بياض في الأصل بمقدار كلمة، وفي الهامش تعليق نصه: وكذا الجارود ليس في أبي داود حديثه وإنما هو في النسائي.
(٣) أخرجه أحمد ٥/ ٨٠، وهو عند النسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١٤ (٥٧٩٢ - ٥٧٩٨) وغيرهما.
(٤) أبو داود (١٧٠٩).
(٥) «المستدرك» ٢/ ٦٤.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٣٩ (٢٢٩٢٥).
(٧) كذا بالأصل وهو خطأ، والصواب ما جاء عند عبد الرزاق ٨/ ٣٣٧ (١٥٤٤٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٥٣٩ (٢٢٩٢٤) عن عمران بن حدير عن أبي مجلز قال: شهدت عند زرارة بن أوفى على شهادة وحدي فأجاز شهادتي وبئس ما صنع.
(٨) أبو داود (١٧٢٠).
(٩) ورد بهامش الأصل: زاد مسلم ما لم يعرفها من طريق زيد بن خالد.
(١٠) «كشف الأستار» ٢/ ١٣١ (١٣٦٧)، وقال البزار: لا نعلم أسند مطرف عن أبي هريرة إلا هذا.



قال ابن حزم: فيها مجهولان (١)، وعمر أخرجه النسائي (٢)، وعليّ أخرجه أبو داود (٣)، ولابن حزم فيه: «عرفه -يعني: الدينار- ثلاثًا». فعرفه فلم يجد أحدًا يعرفه، فقال: «كله»، وضعفه. وفي آخره: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام لهذا الحديث.
قال ابن حزم: لا ندري مِنْ كلام مَنْ هذِه الزيادة (٤). وجابر أخرجه أبو داود (٥)، ولابن ماجه أن المقداد دخل خربة، فخرج جرذ ومعه دينار، ثم آخر، حتى أخرج سبعة عشر دينارًا فأخبرت النبي - ﷺ - خبرها، فقال: «لا صدقة فيها، بارك الله لك فيها» (٦) وسويد الجهني أخرجه ابن بنت منيع (٧). قال البغوي: لا أعلم لسويد غيره (٨). وصحابي آخر أخرجه النسائي (٩).
ووالد حكيمة أخرجه ابن حزم بلفظ: «من التقط لقطة يسيرة درهمًا
أو حبلًا أو شبه ذلك، فليعرفه ثلاثة أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه ستة أيام»، ثم قال: هذا لا شيء، إسرائيل ضعيف، وعمر مجهول، وحكيمة عن أبيها أنكر وأنكر ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ (١٠).

---------
(١) «المحلى» ٨/ ٢٦٦.
(٢) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١ (٥٨١٨، ٥٨١٩).
(٣) أبو داود (١٧١٥، ١٧١٦).
(٤) «المحلى» ٨/ ٢٦٣.
(٥) أبو داود (١٧١٧).
(٦) ابن ماجه (٢٥٠٨).
(٧) هو أبو القاسم البغوي.
(٨) «معجم الصحابة» ٣/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٩) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٢٠ (٥٨١٦).
(١٠) «المحلى» ٨/ ٢٦٣ - ٢٦٤.



قلت: إسرائيل احتج به الشيخان ووثق، وعمر ليس بمجهول؛ بل ضعيف (١)، وحكيمة بنت غيلان الثقفي امرأة يعلى بن مرة ذكرها وأباها جماعة في الصحابة (٢).
إذا تقرر ذلك فزعم بعضهم أن الاختلاف في حديث أبي بن كعب «عرفها ثلاثًا»، وفي أخرى: أو «حولًا واحدًا»، وفي أخرى: في سنة أو في ثلاث، وفي أخرى عامين أو ثلاثة يقتضي تعدد الواقعة الأولى لأعرابي أفتاه بما يجوز له بعد عام، والثانية لأُبي أفتاه بالكف عنها والتربص بحكم الورع ثلاثة أعوام، وقد يكون ذلك لحاجة الأول وغنى الثاني.
وقد رجع أُبي إلى عام آخر وترك الشك.

----------
(١) هو عمر بن عبد الله بن يعلى بن مرة الثقفي، الكوفي، وقد ينسب إلى جده.
روى عن: أنس بن مالك، وسعيد بن جبير، وأبيه عبد الله بن يعلى، وجدته حُكيمة امرأة يعلى بن مرة.
روى عنه: إسرائيل بن يونس، وجرير بن عبد الحميد، وزياد بن عبد الله البكائي، وسفيان الثوري.
قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ضعيف الحديث.؟ وكذلك قال عباس الدوري عن يحيى بن معين، وأبو حاتم، والنسائي. زاد أبو حاتم: منكر الحديث.
انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٧٠ (٢٠٦٥)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ١١٨ (٦٣٨)، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤١٧ (٤٢٧٠)، «ميزان الاعتدال» ٤/ ١٣١ (٦١٥٦)،.
(٢) هي حُكيمة بالتصغير. قال ابن عبد البر: روت عن زوجها يعلى بن مرة، ما أدري
أسمعت من النبي - ﷺ - شيئًا أم لا. قال ابن الأثير: انفرد بإخراجها- يعني ابن عبد البر.
انظر ترجمتها في «الاستيعاب» ٤/ ٣٧٤ (٣٣٣٥)، و«أسد الغابة» ٧/ ٦٧ (٦٨٤٧)، و«الإصابة» ٤/ ٢٧٤ (٢٩٨).



ثم هذا الحديث لم يقل بظاهره أحد من أئمة الفتوى كما قال ابن بطال (١) ثم المنذري أن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام؛ لأن سويد بن غفلة قد وقف عليه أبي بن كعب مرة أخرى من لقيه بمكة، فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولًا واحدًا، وهذا الشك يوجب سقوط التعريف ثلاثة أحوال، ولا يحفظ عن أحد ذلك إلا رواية جاءت عن عمر بن الخطاب ذكرها عبد الرزاق عن ابن جريج قال: قال مجاهد: وجد سفيان بن عبد الله عبية فيها مال عظيم فجاء بها عمر، فقال: عرفها سنة. فعرفها سنة، ثم جاءه، فقال: عرفها سنة. فعرفها، ثم جاءه، فقال: عرفها سنة. فعرفها سنة، ثم جاءه بها فجعلها عمر في بيت مال المسلمين (٢)، وأخرجه النسائي بنحوه كما أسلفناه، ويحتمل أن يكون الذي قال له عمر ذلك كان موسرًا على من يرى ذلك، وقد روي عن عمر أيضًا أن اللقطة تعرف سنة (٣) مثل قول الجماعة. وفي «الحاوي» عن شواذ من الفقهاء أنها تعرف ثلاثة أحوال (٤). ونقل ابن المنذر عن عمر: تعرف ثلاثة أشهر. قال: وروينا عنه: يذكرها ثلاثة أيام، ثم يعرفها سنة.
وزعم ابن الجوزي أن رواية «ثلاثة أحوال» إما أن تكون غلطًا من بعض الرواة وإما أن يكون المعرف عرفها تعريفًا غير جيد (٥) كما قال للمسيء صلاته: «ارجع فصل فإنك لم تصل» (٦).

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٥.
(٢) «المصنف» ١٠/ ١٣٥، ١٣٦ (١٨٦١٨).
(٣) «الموطأ» ص ٤٧٢. ومن طريقه البيهقي ٦/ ١٩٣. وفي «المصنف» لعبد الرزاق ١٠/ ١٣٦ (١٨٦١٩).
(٤) «الحاوي» ٨/ ١٢.
(٥) «التحقيق» ٧/ ٤٣ - ٤٤.
(٦) سلف برقم (٧٥٧) كتاب الأذان، باب: وجوب القراءة ..



وذكر ابن حزم عن عمر رواية: ثلاثة أشهر، وأخرى: أربعة. وعن الثوري: الدرهم يعرف أربعة أيام (١).
وفي «الهداية»: إن كانت أقل من عشرة دراهم عرفها أيامًا وإن كانت عشرة فصاعدًا عرفها حولًا، وهذِه رواية عن أبي حنيفة، وقدر محمد بالحول. (بَيَّن تفصيل) (٢) بين القليل والكثير (٣)، وهو ظاهر المذهب كما قاله أبو إسحاق في «تنبيهه»، والمذهب الفرق، فالكبير يعرف سنة والقليل يعرف مدة يغلب على الظن قلة أسف صاحبه عليه.
وممن روي عنه تعريف سنة علي (٤) وابن عباس (٥) وسعيد بن المسيب (٦) والشعبي (٧) وإليه ذهب مالك (٨) والكوفيون والشافعي (٩) وأحمد (١٠).
ونقل الخطابي فيه إجماع العلماء واحتجوا بحديث زيد بن خالد الجهني (١١).

---------
(١) «المحلى» ٨/ ٢٦٤.
(٢) كذا بالأصل وكُتِبَ تحت هذِه الكلمة (لعله: لم يفصل).
ووقع في «الهداية» ٢/ ٤٧٠: من غير.
(٣) «الهداية» ٢/ ٤٧٠.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤١٨.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤١٨.
(٦) «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ١٣٧.
(٧) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤١٩.
(٨) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٩) «الأم» ٧/ ١٦٥.
(١٠) «مختصر الخرقي» ص ٦٧.
(١١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢١٥. ولفظ الخطابي: وفي سائر الروايات إنما هو حول واحد، وعليه العمل عند عامة العلماء.



وقد سلف في حديث زيد بن خالد تفسير العفاص والوكاء في باب: شرب الناس والدواب من الأنهار قريبًا (١). وأمر بحفظ هذِه الأشياء لوجوه من المصالح منها: أن العادة جارية بإلقاء الوكاء والوعاء إذا فرغ من النفقة، فأمر بمعرفته وحفظه لذلك. ومنها: أنه إذا أمر بحفظ هذين فحفظ ما فيهما أولى، ومنها: أن يتميز عن ماله فلا يختلط به. ومنها: أن صاحبها إذا جاء نعته، فربما غلب على ظنه صدقه، فيجوز له الدفع إليه. ومنها: أنه إذا حفظ ذلك وعرفه أمكنه التعريف بها والإشهاد عليه، وأمره - عليه السلام - بحفظ هذِه الأوصاف الثلاثة، هو على قول من يقول بمعرفة الأوصاف تدفع إليه بغير بينة.
وقال ابن القاسم: لا بد من ذكر جميعها ولم يعتبر أصبغ العدد (٢)، وقول ابن القاسم أوضح.
فإذا أتى بجميع الأوصاف هل يحلف مع ذلك أو لا؟ قولان: النفي لابن القاسم، وتحليفه لأشهب (٣). ولا يلزمه بينة عند مالك وأصحابه (٤) وأحمد وداود (٥) وهو قول البخاري، وبوب عليه بقوله. وإذا أخبر رب اللقطة بالعلامة دفع إليه. حجة الأولين إطلاق الحديث بتسليمها إليه، ولم يذكر إقامة البينة، ولو لم يجب الدفع لم يكن لمعرفة صفتها معنى، ولو كلف البينة لتعذر عليه؛ لأنه لا يعلم متى تسقط فيشهد عليها من

---------
(١) سلف برقم (٢٣٧٢)، كتاب: المساقاة.
(٢) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٧١ - ٤٧٢.
(٣) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٤) السابق.
(٥) «الإنصاف» ١٦/ ٢٥١ وقال: نص عليه، وجزم في «المغني» وانظر ذلك في «المغني» ٨/ ٣٠٩.



أجل ذلك. حجة النافي أنه مدع، وقد قال - ﷺ -: «البينة على المدعي» (١) وأجاب الأولون: بأن ذلك إذا لم يكن فيه ذكر صفة وكان يدعيه لنفسه، واختلفوا إذا جاء يصفها ودفعها إليه، ثم جاء آخر فأقام بينة أنها له، فقال ابن القاسم: لا يضمن الملتقط شيئًا (٢)؛ لأنه فعل ما وجب عليه وهو أمين، فتقسم بينهما كما يحكم في نفسين ادعيا شيئًا وأقاما بينة. وقال أشهب: إذا أقام الثاني البينة حكم له بها على الذي أخذها بالعلامة (٣).
وقال أبو حنيفة والشافعي: إذا أقام الثاني البينة فعلى الملتقط الضمان، وقول ابن القاسم أولى كما قال ابن بطال؛ لأن الضمان لا يلزم فيما سبيله الأمانة، ولا خلاف عن مالك وأصحابه أن الثاني إذا أتي بعلامتها بلا بينة أنه لا شيء عليه (٤).
وقوله: «فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها». تمسك به جماعة وقالوا: يجوز للغني والفقير إذا عرفها حولًا أن يستمتع بها، وقد أخذها علي وهو يجوز له أخذ النفل دون الفرض. وأبي بن كعب وهو من مياسير المدينة. وقال أبو حنيفة: إن كان غنيًا لم يجز له الانتفاع بها، وله أن يستمتع بها إن كان فقيرًا، ولا يتصدق بها على غني ويتصدق بها على فقير، فإن جاء صاحبها وأمضى الصدقة، وإلا فله أن يضمنه إياها؛ لما روى الطحاوي أن ابن مسعود اشترى خادمًا بتسعمائة درهم، فطلب صاحبها فلم يجده، فعرفها حولًا فلم يجده، فجمع المساكين وجعل يعطيهم ويقول: اللهم عن صاحبها فإن أبي

----------
(١) الترمذي (١٣٤١).
(٢) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٧٣.
(٣) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٧٣.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٧.



ذلك فمني وعليَّ الثمن ثم هكذا يفعل بالضال (١).
فرع:
إذا ذكر بعض الصفات؟ فقيل: لا يدفع بصفة واحدة، وقيل: يدفع بصفة الوعاء والوكاء، وقيل: حتى يصف ما وعى العفاص واشتمل عليه الوكاء، ذكره ابن التين.
فرع:
إذا جاء رب اللقطة بعد الحول لزم الملتقط ردها له أو بدلًا بإجماع أئمة الفتوى، وليس قوله: فشأنك بها بمبيح له أخذها ويسقط عنه ضمانها لما ثبت عنه في الحديث، «فإن جاء صاحبها بعد السنة أدها إليه»؛ لأنها وديعة عند ملتقطها. وزعم بعض من نسب نفسه إلى العلم أنها لا تؤدى إليه بعد الحول استدلالًا بقوله - عليه السلام -: «فشأنك بها» وهو يدل على ملكها.
قال: وهذا القول يؤدي إلى تناقض السنن إذا قال: فأدها إليه. قال: ولا يجب عند جماعة العلماء على الملتقط إن لم تكن ضالة من الحيوان أن يدفعها للسلطان، فإن كان الملتقط غير مأمون فهل للسلطان أخذها منه أو لا؟ قال ابن بطال: وخرق الإجماع رجل ينسب إلى العلم يعرف بداود بن علي، فقال: ..، فذكر ما أسلفناه عنه، ولا سلف له في ذلك إلا اتباع الهوى والجرأة على مخالفة الجماعة، التي لا يجوز عليها تحريف التأويل ولا الخطأ فيه. أعاذنا الله من اتباع الهوى والابتداع في دينه بما لم يأذن به تعالى (٢).

-----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٢.



ونقل ابن التين عن جميع فقهاء الأمصار أنه ليس له أن يتملكها قبل السنة، ثم نقل عن داود أنه يأكلها ويضمنها إذا جاء ربها. واختلف الجمهور ما يفعل بعد السنة، قال مالك في «المدونة»: أحب إليَّ أن يتصدق بها ويخير إذا جاء صاحبها في غرامتها (١).
وعنه: يخير بين ثلاثة أشياء: الصدقة بشرط الضمان، أو تركها أمانة في يده، أو تملكها وتكون في ذمته على كراهية في ذلك. وقال الشافعي: ليس له أن يتصدق بها (٢). حجة الجمهور قوله - ﷺ -: «عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يومًا من الدهر فأدها إليه» (٣).
فرع:
نقل ابن التين عن أبي الحسن الجزري ابتداء الحول من يوم التعريف لا من يوم الوجود لقوله: «عرفها حولًا» وقال بعده: «من يوم أخذها».
فرع:
لو ضاعت قبل الحول فلا ضمان. وقال أبو حنيفة: إن كان حين أخذها أشهد عليها ليردها لم يضمن، وإلا ضمن لحديث عياض بن حمار (٤): «وليشهد ذا عدل أو ذوي عدل» (٥). واختلف أيضًا في ضياعها بعد الحول من غير تفريط، والجمهور على عدم الضمان. ونقل ابن التين عن أصحابنا: إذا نوى تملكها ثم ضاعت ضمنها. وقال بعضهم: لا ضمان.

----------
(١) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٢) «الأم» ٣/ ٢٨٩.
(٣) مسلم (١٧٢٢) كتاب اللقطة، باب: استحباب إصلاح الحاكم.
(٤) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٤.
(٥) أبو داود (١٧٠٩)، ابن ماجه (٢٥٠٥).



٢ - باب ضَالَّةِ الإِبِلِ
٢٤٢٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، حَدَّثَنِي يَزِيدُ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَمَّا يَلْتَقِطُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ احْفَظْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِهَا، وَإِلاَّ فَاسْتَنْفِقْهَا». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: ضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَتَمَعَّرَ وَجْهُ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ».
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني بطوله، وقد أخرجه مسلم (١) والأربعة (٢).

---------
(١) مسلم (١٧٢٢) كتاب: اللقطة، باب: استحباب إصلاح الحاكم.
(٢) أبو داود (١٧٠٤)، الترمذي (١٣٧٣)، النسائي في «السنن الكبرى» ٣/ ٤١٦، ابن ماجه (٢٥٠٧).



٣ - باب ضَالَّةِ الغَنَمِ
٢٤٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- أَنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ رضي الله عنه يَقُولُ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ اللُّقَطَةِ، فَزَعَمَ أَنَّهُ قَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً». يَقُولُ يَزِيدُ: إِنْ لَمْ تُعْتَرَفِ اسْتَنْفَقَ بِهَا صَاحِبُهَا وَكَانَتْ وَدِيعَةً عِنْدَهُ -قَالَ يَحْيَى: فَهَذَا الَّذِي لَا أَدْرِي أَفِي حَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - هُوَ أَمْ شَيْءٌ مِنْ عِنْدِهِ؟ - ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الغَنَمِ؟ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِىَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ يَزِيدُ: وَهْيَ تُعَرَّفُ أَيْضًا. ثُمَّ قَالَ: كَيْفَ تَرَى فِي ضَالَّةِ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَقَالَ: «دَعْهَا، فَإِنَّ مَعَهَا حِذَاءَهَا وَسِقَاءَهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا». [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٨٣]
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني ثم ترجم عليه أيضًا:


٤ - باب إِذَا لَمْ يُوجَدْ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ فَهْيَ لِمَنْ وَجَدَهَا
٢٤٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلاَّ فَشَأْنَكَ بِهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٨٤].
واختلف العلماء في ضالة الإبل هل تؤخذ؟ على قولين:
أحدهما: لا يأخذها ولا يعرفها، قاله مالك والأوزاعي والشافعي لنهيه - عليه السلام - عن ضالة الإبل (١).
الثاني: أخذها وتعريفها أفضل، قاله الكوفيون (٢)؛ لأن تركها سبب لضياعها.
وفيها قول ثالث: إن وجدها في القرى عرفها وفي الصحراء لا يقربها، والأصح عندنا أنه إن وجده بمفازة فللقاضي التقاطه للحفظ، وكذا لغيره، ويحرم التقاطه للتملك وإن وجده بقرية فيجوز للتملك.
وأمر عمر بتعريف البعير؛ ليدل على جواز ذلك، وإنما النهي عن أخذها لمن يأكلها، وهو قول عمر بن الخطاب: لا يأوي الضالة إلا ضال (٣).

------------
(١) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ١٥٨.
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٧.
(٣) رواه مالك ص ٤٧٣، وعبد الرزاق ١٠/ ١٣٣ (١٨٦١١، ١٨٦١٢).



وقد أسلفناه حديثًا من طريق جرير (١).
وباع عثمان ضوال الإبل وحبس أثمانها على أربابها (٢) ورأى ذلك أقرب إلى جمعها عليهم؛ لفساد الزمان، وترك عمر لضوال الإبل أشبه لمعنى قوله: «معها حذاؤها وسقاؤها» الحديث، وذلك أقرب إلى جمعها على صاحبها مع جور الأئمة؛ لأن صاحبها لا يستطيع أن يخاصم فيها الإمام الجائر ولا يجد من يحكم له عليه، ويستطيع أن يخاصم فيها الرعية فيقضي عليه السلطان.
وظاهر الحديث على تركها حيث وجدها، والنهي عن أخذها.
قال ابن المنذر: وممن رأى أن ضالة البقر كضالة الإبل طاوس والأوزاعي والشافعي، وبعض أصحاب مالك (٣).
وقال مالك والشافعي في ضالة البقر: إن وجدت في موضع يخاف عليها فهي بمنزلة الشاة وإلا فكالبعير. وقيل: إن كان لها قرون تمتنع بها فكالبعير وإلا فكالشاة، حكاه ابن التين.
وقال القرطبي: عندنا في البقر والغنم قولان، ورأى مالك إلحاقها بالغنم، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع (٤)، وكأن هذا تفصيل أحوال لا اختلاف أقوال، ومثله جار في الإبل، والأولى إلحاقها بها. واختلف في التقاط الخيل والبغال والحمير، وظاهر قول ابن القاسم الجواز (٤)، ومنعه أشهب وابن كنانة.

---------
(١) سلف ص ٥١٣.
(٢) رواه مالك ص ٤٧٣، وعبد الرزاق ١٠/ ١٣٢ (١٨٦٠٧).
(٣) «الإشراف على مذهب أهل العلم» ٢/ ١٥٩.
(٤) «المدونة» ٤/ ٣٦٧.



وقال ابن حبيب: والخيل والبغال والعبيد، وكل ما يستقل بنفسه ويذهب، هو داخل في اسم الضالة، وقد شدد الشارع في أخذ كل ما رجا أن يصل إليه صاحبه، فمن أخذ شيئًا من ذلك في غير الفيافي فهو كاللقطة، ومن أخذ شيئًا مجمعًا على أخذه، ثم أرسله فهو له ضامن إلا أن يأخذ غير مجمع على أخذه مثل أن يمر رجل من آخر الركب أو آخر الرفقة فيجد شيئًا ساقطًا، فيأخذه وينادي عليه من أمامه: ألكم هذا: فيقال: لا ثم يخليه في مكانه فلا شيء عليه، فهذا قول مالك، قال غيره: فأما إذا وجد عرضًا فأخذه وعرفه فلم يجد صاحبه، فلا يجوز له رده إلى الموضع الذي وجده فيه، فإن فعل
وتلف ضمنه لصاحبه.
وذكر ابن المنذر عن الشافعي إن أخذ بعيرًا ضالًا، ثم أرسله فتلف فعليه الضمان (١).
وقال ابن الجوزي: الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاء والظباء لا يجوز عندنا التقاطه إلا أن يأخذها الإمام للحفظ. قال: وهو قول مالك والشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز التقاطها.
أما ضالة الغنم -وهو الباب الثاني-. فقال ابن المنذر: روينا عن عائشة أنها منعت من ضالة الغنم ومن ذبحها. وقال الليث: الأحب أن تعرف ضالة الغنم إلا أن تحرزها لصاحبها.
وقال أبو حنيفة والشافعي: إن أكلها فعليه الضمان إذا جاء صاحبها وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون.
وقال مالك: من وجد شاة في أرض فلاة وخاف عليها فهو مخير في

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٨ - ٥٤٩.


أكلها وتركها ولا ضمان عليه. حجة مالك أن الشارع أذن في أكل الشاة وأقام الذي وجدها مقام ربها، فقال: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» فإذا أكلها بإذن الشارع لم يجز أن يغرم في حال ثانٍ إلا بحجة من كتاب الله أو سنة أو إجماع. قالوا: وهذا أصل في كل ما يؤخذ من الطعام الذي لا يبقى ويسرع إليه الفساد، فلمن وجده أكله إذا لم يمكنه تعريفه ولا يضمنه؛ لأنه في معنى الشاة، والشاة في حكم المباح الذي لا قيمة له، ألا ترى أنه - عليه السلام - وجه تمرة، فقال: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» (١) فإنما نبه أنه يجوز أكلها من ملك الغير لو لم تكن من الصدقة؛ لأنها في معنى التافه، فكذلك الشاة في الفلاة لا قيمة لها.
واحتج الطحاوي للكوفيين، فقال: ليس قوله: «هي لأخيك» إلى آخره في معنى التمليك عملًا بقوله: «أو للذئب» لانتفاء الملك منه، إنما يأكلها على ملك صاحبها وينزل على آخر قصتها، فكذلك الواجد إن أكلها أكلها على ملك صاحبها فإن جاء ضمنها له.
وقد روى ابن وهب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ -، فقال: كيف ترى في ضالة الغنم؟ قال: «طعام مأكول لك أو لأخيك أو للذئب فاحبس على أخيك ضالته» (٢).
فهذا دليل أن الشاة على ملك صاحبها، وأجمع العلماء أن صاحبها لو جاء قبل أن يأكلها الواجد لها أخذها منه، وكذلك لو ذبحها أخذها منه مذبوحة، وكذلك لو أكل بعضها أخذ ما وجد منها، فدل على أنها

----------
(١) سيأتي برقم (٢٤٣١) كتاب اللقطة، باب: إذا وجد تمرة في الطريق.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٥ (٦٠٧١)، والدارقطني ٤/ ٢٣٦ والبيهقي ٤/ ١٥٢ - ١٥٣ من طرق عن ابن وهب.



ملك صاحبها في الفلوات وغيرها ولا يزول ملكه عنها إلا بإجماع، ولا فرق بين قوله في الشاة: «هي لك أو لأخيك أو للذئب» وبين قوله في اللقطة: «فشأنك بها»، بل هذا أشبه بالتمليك؛ لأنه لم يشرك معه في التمليك ذئبًا ولا غيره.
تنبيهات (١):
أحدها: الضالة المراد هنا بها: ما يحمي نفسه ويقدر على الإبعاد في طلب المرعى والماء. وقيل: هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره. يقال: ضلَّ الشيء إذا ضاع وضل عن الطريق إذا جار، وهي في الأصل فاعلة، ثم اتسع فيها فصارت من الصفات الغالبة، ويقع على الذكر والأنثى والاثنين والجمع ويجمع على ضوال.
ثانيها: روى القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار أن ثابت بن الضحاك وجد بعيرًا ضالًا بالحرة، فقال له عمر: عرفه فعرفه ثلاث مرات، ثم جاء إلى عمر، فقال: قد شغلني عن ضيعتي، فقال له عمر: ألق خطامه ثم أرسله حيث وجدته (٢). وروى همام، عن نافع وابن سيرين أن رجلًا سأل ابن عمر، فقال: إني قد أصبت ناقة، فقال: عرفها، فقال: عرفتها فلم تعرف، فقال: ادفعها إلى الوالي (٣).

---------
(١) ورد بهامش الأصل: السائل عن اللقطة، فقال له رسول الله - ﷺ -: «أعرف عفاصها» هو بلال، كذا قاله ابن بشكوال في «مبهماته» وساق شاهده، والظاهر أنه في أبي داود.
(٢) هو في «الموطأ» رواية يحيى ص ٤٧٢ - ٤٧٣ ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٣ (١٨٦٠٩) عن معمر عن أيوب، عن سليمان بن يسار به.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٩.



وقال مالك: سمعت ابن شهاب يقول: كانت ضوال الإبل في زمان عمر إبلًا مؤبلة تناكح لا يمسها أحد حتى إذا كان زمن عثمان أمر بتعريفها ثم تباع، فإذا جاء صاحبها أعطي ثمنها (١).
وأما حديث زيد، فقيل: إن فيه إشارة أنه يجوز أخذها إذا خيف عليها، وأن أخذها لصاحبها وحفظها عليه أولى من تركها، والمعني فيه إنما هو لمن يأخذها ليأكلها وهو معنى الحديث السالف: «لا يأوي الضالة إلا ضال» (٢). كذا كان في أول الإسلام واستمر زمن أبي بكر وعمر، فلما كان زمن عثمان وعلي وكثر الفساد رأيا التقاطها، وهذا كله منهم وفاء بمقصود الحديث في التقاط الإبل، فإن مقصوده أنها إذا أمن عليها الهلاك وبقيت حيث تتمكن مما يعيشها فلا يتعرض لها أحد، فلو تعذر شيء من ذلك وخيف عليها الهلاك التقطت لتحفظ؛ لأنها مال مسلم.
ثالثها: إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله وجاء صاحبه أخذه بزيادتها المتصلة، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك، وإن حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة.
رابعها: إذا عرفها سنة لم يملكها حتى يحتازه بلفظة كـ: تملكت، وقيل: تكفي النية، وقيل: تملك بمضي السنة وإن لم يرض به لرواية مسلم: «فإن جاء صاحبها فأعطها وإلا فهي لك» (٣). وقيل: لا تملك ما لم تتصرف تخريجًا من الفرض. وقيل: تحصل بالنية والتصرف،

---------
(١) «الموطأ» رواية يحيى ص ٤٧٣.
(٢) أبو داود (١٧٢٠).
(٣) مسلم (١٧٢٢/ ٦).



وقيل: تحصل بمجرد التصرف، وقيل: تحصل بالنية واللفظ والتصرف، فهذِه سبعة أوجه لأصحابنا.
خامسها: إذا تملك ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه ولا مطالبة في الآخرة، فإن تلفت بعد التملك وجاء مالكها لزم الملتقط بدلها عندنا وعند الجمهور كما سبق مخالفة لداود، والنص يدفعه حيث قال: «فإن جاء صاحبها يومًا من الدهر فأدها إليه» (١).
سادسها: قوله: «إنما هي لك أو لأخيك أو للذئب».
(أو): فيه للتقسيم والتنويع، ويفيد هذا أن الغنم إذا كانت في موضع
يخاف عليها فيه الهلاك؛ جاز لملتقطها أكلها ولا ضمان عليه، إذ سوى بينه وبين الذئب، والذئب لا ضمان عليه. وكذا الملتقط وهو مذهب مالك وأصحابه (٢)، وضمنه الشافعي (٣) وأبو حنيفة تمسكًا ببقاء ملك ربها عليها.
قال ابن التين: ومشهور مذهب مالك أنه إذا وجدها بفلاة لا يعرفها ويأكلها ولا ضمان عليه، وعنه أيضًا: أنه يعرفها لربها قال: وهو قول أبي حنيفة والشافعي.
سابعها: قوله في ضالة الإبل: (فتمعر وجه رسول الله - ﷺ -). في بعض النسخ: (فتغير)، وهو معناه، أي: تغير لون وجهه غضبًا، وسيأتي تبويب البخاري عليه: الغضب والشدة لأمر الله (٤).

-------
(١) مسلم (١٧٢٢/ ٥).
(٢) «المدونة» ٤/ ٣٦٧، «مختصر أختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٧.
(٣) «الأم» ٣/ ٢٩١، «الإشراف» ٢/ ١٦٠، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٦.
(٤) سيأتي برقم (٦١١٢) كتاب: الأدب.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #453  
قديم 01-05-2026, 03:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 531 الى صـــ 550
الحلقة (453)





وقوله: «مالك ولها ..» إلى آخره أخذ به الثلاثة وخالف أبو حنيفة فمكن منها (١).
---------
(١) ورد بهامش الأصل: آخر ٤ من ٨ من تجزئه المصنف، ثم بلغ في التاسع بعد الخمسين، كتبه مؤلفه.


٥ - باب إِذَا وَجَدَ خَشَبَةً فِي البَحْرِ أَوْ سَوْطًا أَوْ نَحْوَهُ
٢٤٣٠ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَسَاقَ الحَدِيثَ: «فَخَرَجَ يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا هُوَ بِالخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ». [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٥/ ٨٥].
وقال الليث (١)، فذكر حديث الخشبة من حديث أبي هريرة ولم يذكر للسوط سندًا، وكأنه قاسه عليها. وحكم هذِه الخشبة حكم اللقطة كما صرح به ابن بطال (٢)، وإنما أخذها حطبًا لأهله؛ لأنه قوي عنده انقطاعها من صاحبها لغلبة العطب على صاحبها وانكسار سفينته. وروى ابن عبد الحكم عن مالك إذا ألقى البحر خشبة فترك أخذها أفضل، وفيه قول: إن وجدها يأخذها، فإن جاء ربها غرم له قيمتها.
واختلف العلماء فيما يفعل باللقطة اليسيرة على أقوال:
رخصت طائفة في أخذها والانتفاع بها وترك تعريفها وممن روي ذلك عنه عمر وعلي وابن عمر (٣) وعائشة، وهو قول عطاء والنخعي وطاوس (٤).

-----------
(١) ورد فوقها بالأصل: معلق.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٣.
(٣) عن عمر وعلي وابن عمر رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٤٣، ١٤٤ (١٨٦٣٩، ١٨٦٤٠، ١٨٦٤١، ١٨٦٤٣).
(٤) عن عطاء، والنخعي، وطاوس رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٤٤ - ١٤٥ (١٨٦٤٥، ١٨٦٤٦، ١٨٦٤٨).



قال ابن المنذر: روينا عن عائشة في اللقطة لا بأس بما دون الدرهم أن يستمتع به (١). وعن جابر بن عبد الله: كانوا يرخصون في السوط والحبل ونحوه أن ينتفع به (٢).
وقال عطاء: لا بأس للمسافر إذا وجد السوط والسقاء والنعلين أن يستمتع بها (٣).
وحديث الباب حجة لهذِه المقالة؛ لأنه - عليه السلام - أخبر أنه أخذها حطبًا لأهله ولم يأخذها ليعرفها، وأقر الشارع ذلك ولم يذكر أنه فعل ما لا ينبغي. وفي «الهداية»: وإن كانت اللقطة مما يعلم أن صاحبها لا يطلبها كالنواة وقشور الرمان، فإلقاؤه إباحة أخذه فيجوز الانتفاع به من غير تعريف، ولكنه يبقى على ملك مالكه؛ لأن التمليك من المجهول لا يصح (٤).
واحتج له ابن رشد بحديث التمرة الآتي ولم يذكر فيها تعريفًا، وهذا مثل العصا والسوط، وإن كان أشهب قد استحب تعريف ذلك (٥) فإن كان يسيرًا إلا أن له قدرًا ومنفعة فلا خلاف في تعريفه سنة. وقيل: أيامًا وإن كان مما لا يبقى في يد ملتقطه ويخشى عليه التلف، فإنه يأكله الملتقط فقيرًا كان أو غنيًا، وهل يضمن؟ فيه روايتان أشهرهما: لا، فإن كان مما يسرع إليه الفساد في الحاضرة، فقيل: لا ضمان عليه، وقيل: نعم، وقيل: بالفرق أن يتصدق به

----------
(١) «الإشراف» ٢/ ١٥١ بمعناه.
(٢) أبو داود (١٧١٧).
(٣) «المصنف» لعبد الرزاق ١٠/ ١٤٤ (١٨٦٤٥).
(٤) «الهداية» ٢/ ٤٧١.
(٥) «بداية المجتهد» ٤/ ١٤٩٣.



أو يأكله، أعني: أنه يضمن في الأكل دونها. وأوجبت طائفة تعريف قليل اللقطة وكبيرها حولًا إلا ما لا قيمة له.
قال ابن المنذر: روينا ذلك عن أبي هريرة أنه قال الذي لقطة الحبل والزمام ونحوه عرفه، فإن وجدت صاحبه رددته عليه وإلا استمتعت به، وهو قول مالك والشافعي وأحمد. قال مالك: ومن وجد لقطة دينارًا أو درهمًا أو أقل من ذلك، فليعرفه سنة إلا الشيء اليسير مثل: القرص أو الفلس أو الجوزة أو نحو ذلك فإنه يتصدق به من يومه (١)، ولا أرى أن يأكله ولا يأكل التمرات والكسرة إلا المحتاج، وأما النعلان والسوط وشبه ذلك فإنه يعرفه، فإن لم يجد له صاحبًا تصدق به، فإن جاء صاحبه غرمه وهو قول الكوفيين إلا في مدة التعريف، فإنهم قالوا: ما كان عشرة دراهم فصاعدًا عرفه حولًا، وما كان دونه عرفه بقدر ما يراه.
وقال الثوري: يعرف الدرهم أربعة أيام. وقال أحمد: سنة. وقال
إسحاق: ما دون الدينار يعرف جمعة أو نحوها (٢). وحجة هذِه المقالة إطلاق الحديث، فإنه لم يخص قليلها من كثيرها فيجب على ظاهر
حديث زيد بن خالد أن يستوي حكم قليلها وكثيرها في ذلك.
قال ابن المنذر: ولا نعلم شيئًا استثني من جملة هذا الخبر إلا التمرة التي منعه من أكلها؛ خشية كونها من الصدقة (٣) فما له بقاء مما زاد على التمرة، وله قيمة يجب تعريفه.

------------
(١) «الإشراف» ٢/ ١٥٢.
(٢) «الإشراف» ٢/ ١٥٢، «المغني» ٨/ ٢٩٣.
(٣) «الإشراف» ٢/ ١٥٢، «الإقناع» ص ٤١٠.



واختلفوا فيما لا يبقى إلى مدة التعريف، فقال مالك: يتصدق به أعجب إليَّ. قيل لابن القاسم: فإن أكله أو تصدق به، فأتى صاحبه قال: لا يضمنه في قياس قول مالك على الشاة يجدها في فيافي الأرض (١). وفي قول الكوفيين ما لا يبقى إذا أتى عليه يومان أو يوم فسد. قالوا: يعرفه فإن خاف فساده تصدق به، فإن جاء ربه ضمنه وهو قول الشافعي (٢)، وحجتهم أن ما كان له رب فلا يملكه عليه
أحد إلا بتمليكه إياه قل أو كثر.

---------
(١) «المدونة» ٤/ ٣٦٧.
(٢) «الأم» ٣/ ٢٩٠، «الإشراف» ٢/ ١٥٢.



٦ - باب إِذَا وَجَدَ تَمْرَةً فِي الطَّرِيقِ
٢٤٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ قَالَ: «لَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الصَّدَقَةِ لأَكَلْتُهَا». [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧١ - فتح ٥/ ٨٦]

٢٤٣٢ - وَقَالَ يَحْيَى: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنِي مَنْصُور.
وَقَالَ زَائِدَة، عَنْ مَنْصُورِ، عَنْ طَلْحَةَ: حَدَّثَنَا أَنَس وَحَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ مُقَاتِلِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّام بْنِ منَبِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنِّي لأَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِي، فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي فَأَرْفَعُهَا لآكُلَهَا، ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلقِيَهَا». [انظر: ٢٠٥٥ - مسلم: ١٠٧٠ - فتح ٥/ ٨٦]
ذكر فيه حديثي أنس وأبي هريرة، وقد سلفا في البيوع في باب: ما يتنزه من الشبهات (١)، ولا شك أن ما لا بال له، ولا يتشاح الناس فيه، ولا يطلبونه كالتمرة والجوزة والحبة من الفضة ونحو ذلك يباح تناوله، ولا شيء في تعريفه.
وقد قال سيد الأمة في التمرة الساقطة: «لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها» فالصدقة محرمة عليه قليلها وكثيرها، فالشيء التافه الملتقط معفو عنه وخارج من حكم اللقطة؛ لأن صاحبه لا يطلبه
فلذلك استحل أكلها لولا شبهة الصدقة.
وقد روى عبد الرزاق أن عليًا التقط حبًا أو حبة من رمان الأرض فأكلها (٢).

----------
(١) سلف برقم (٢٠٥٥).
(٢) «المصنف» ١٠/ ١٤٤ (١٨٦٤٣).



وعن ابن عمر أنه وجد تمرة في الطريق فأخذها فأكل نصفها، ثم لقيه مسكين فأعطاه النصف الآخر (١).
وفيه: إسقاط الغرم عن أكل الطعام الملتقط. وقيل: يضمنه وإن أكله محتاجًا إليه، ذكره ابن الجلاب.
فائدة:
قوله في حديث أنس: (حدثنا محمد بن يوسف) هو الفريابي، (ثنا سفيان) هو الثوري، صرح به أبو نعيم وغيره. وقوله فيه: (وقال زائدة عن منصور، عن طلحة، عن أنس) هذا أخرجه مسلم عن أبي كريب، عن أبي أسامة، عن زائدة، عن منصور به (٢) (٣).

----------
(١) «المصنف» ١٠/ ١٤٣ (١٨٦٤٠).
(٢) مسلم (١٠٧١٢) كتاب: الزكاة، باب: تحريم الزكاة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله.
(٣) ورد بهامش الأصل: وقال يحيى: حدثني سفيان، ثنا منصور، كذا في نسختي قبل ما وصله [قلت هو كذلك، وانظر المتن].



٧ - باب كَيْفَ تُعَرَّفُ لُقَطَةُ أَهْلِ مَكَّةَ؟
وَقَالَ طَاوُسٌ: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «لا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهَا إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا». وَقَالَ خَالِد: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - «لَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ».

٢٤٣٣ - وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: ثَنَا رَوْحٌ، ثَنَا زَكَرِيَّاءُ، ثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ به. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح ٥/ ٨٧]

٢٤٣٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مَكَّةَ قَامَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّهَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهْوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُفْدَى، وَإِمَّا أَنْ يُقِيدَ». فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ لِقُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِلَّا الإِذْخِرَ». فَقَامَ أَبُو شَاهٍ -رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ اليَمَنِ- فَقَالَ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اكْتُبُوا لأَبِي شَاهٍ». قُلْتُ لِلأَوْزَاعِيِّ: مَا قَوْلُهُ: اكْتُبُوا لِي يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ هَذِهِ الخُطْبَةَ الَّتِي سَمِعَهَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ١١٢ - مسلم: ١٣٥٥ - فتح ٥/ ٨٧].
وقال أحمد بن سعيد، ثنا روح، ثنا زكريا، ثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة به (١).
ثم ساق حديث أبي هريرة في ذلك مطولًا.

----------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: أي: بالسند والحديث الذي ساقه البخاري مطولًا.


والتعليق الأول سبق مسندًا في الحج (١) وكذا الثاني عن ابن المثنى ثنا عبد الوهاب، ثنا خالد به (٢)، والثالث أسنده النسائي (٣).
قال أبو مسعود: وقال لي ابن منده: رواه -يعني: البخاري- في موضع آخر من الصحيح عن رجل آخر عن أبي عاصم، عن زكرياء قال أبو مسعود: ولم أره في كتاب البخاري من حديث أبي عاصم أصلًا (٤). واختلف في أحمد بن سعيد هذا، فذكر ابن طاهر أنه أبو عبد الله أحمد بن سعيد الرباطي (٥)، ورواه أبو نعيم من جهة خلف بن سالم، عن روح، ثنا زكريا، وقال آخره: ذكره البخاري، عن أحمد بن سعيد وهو الدارمي -فيما أرى- عن روح.
واختلف العلماء في لقطة مكة، فقالت طائفة: حكم لقطتها حكم لقطة سائر البلدان. قال ابن المنذر: رويناه عن عمر وابن عباس وعائشة وسعيد بن المسيب (٦)، وبه قال مالك (٧) وأبو حنيفة وأحمد (٨). وقالت طائفة: إن لقطتها لا تحل البتة، وليس لواجدها إلا إنشادها، هذا قول الشافعي وابن مهدي وأبي عبيد، قال ابن مهدي: معنى قوله: «إلا لمنشد لا تحل لقطتها» كأنه يريد البتة، فقيل له: إلا لمنشد؟

-----------
(١) سلف برقم (١٥٨٧) باب: فضل الحرم.
(٢) سلف برقم (١٨٣٢) باب: لا يعضد شجر الحرم. وسلف قبله في كتاب: الجنائز، باب: الإذخر والحشيش في القبر. برقم (١٣٤٩).
(٣) النسائي ٥/ ٢١١ من طريق سفيان عن عمرو بن دينار به.
(٤) نقله ابن القيسراني في «الجمع بين رجال الصحيحين» ١/ ٦.
(٥) السابق.
(٦) «الإشراف» ٢/ ١٥٧.
(٧) «الهداية» ٢/ ٤٧٢.
(٨) «المغني» ٨/ ٣٠٥ - ٣٠٧.



فقال: «إلا لمنشد» وهو يريد المعنى الأول (١) كما يقول الرجل: والله لا فعلت كذا وكذا، ثم يقول: إن شاء الله وهو لا يريد الرجوع عن يمينه، فمعناه أنه ليس يحل منها إلا إنشادها، وأما الانتفاع بها فلا يجوز، وفيها قول ثالث قاله جرير بن عبد الحميد. قوله: «إلا لمنشد» يعني: إلا من سمع ناشدًا يقول: من أصاب كذا فحينئذٍ يجوز للملتقط أن يرفعها إذا رآها لكي يردها على صاحبها (٢).
ومال إسحاق بن راهويه إلى هذا القول، وقاله النضر بن شميل (٣).
قال الطحاوي: وجاء في حديث يزيد بن أبي زياد، عن مجاهد، عن ابن عباس مرفوعًا ووصف مكة قال: «ولا ترفع لقطتها إلا لمنشدها». ومن حديث أبي هريرة مرفوعًا: «ولا يرفع لقطتها إلا منشد» (٤).
وفيها قول رابع- يعني: لا تحل إلا لربها الذي يطلبها. قال أبو عبيد: وهو جيد في المعنى، ولكن لا يجوز في العربية أن يقال للطالب: منشد، إنما المنشد المعرف والطالب هو الناشد، يدل على ذلك أنه - عليه السلام - سمع رجلًا ينشد ضالة في المسجد فقال: «أيها الناشد غيرك الواجد» (٥).
قال أبو عبيد: وليس للحديث وجه إلا ما قاله ابن مهدي (٦).
قال ابن بطال: ولو كان حكم لقطة مكة حكم غيرها ما كان لقوله:

---------
(١) «الإشراف» ٢/ ١٥٧، «المغني» ٨/ ٣٠٦.
(٢) «الإشراف» ٢/ ١٥٧.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٤٠.
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٤٠.
(٥) رواه عبد الرزاق ١/ ٤٤٠ (١٧٢٣).
(٦) «غريب الحديث» ١/ ٢٧٩.



«لا تحل لقطتها إلا لمنشد» معني تختص به مكة دون غيرها كما تختص سائرِ ما ذكر في الحديث؛ لأن لقطة غيرها كذلك يحل لمنشدها بعد الحول الانتفاع بها، فدل مساق هذا الحديث كله على تخصيص مكة، ومخالفة لقطتها غيرها من البلدان، كما خالفتها في كل ما ذكر في الحديث، من أنها حرام لا تحل لأحد ساعة من نهار بعد رسول الله - ﷺ -، إلى غير ذلك مما خصت به، من أنه لم يستبح دماءهم ولا أموالهم ولا جرى فيهم الرق كغيرهم.
ومن الحجة أيضًا لذلك: أن الملتقط إنما يتملك اللقطة في غير مكة بعد الحول؛ حفظًا لها على ربها وحرزًا لها؛ لأنه لا يقدر على إيصالها إليه، ويخشى تلفها فيتملكها وتتعلق قيمتها بذمته. ولقطة مكة يمكن إيصالها إلى ربها؛ لأنه إن كان من أهل مكة فإن معرفته تقرب، وإن كان غريبًا لا يقيم بها. فإنه يعود إليها بنفسه أو يقدر على من يسير إلى مكة من أهل بلده فيتعرف له ذلك؛ لأنها تقصد في كل عام من أقطار الأرض، فإذا كانت اللقطة فيها معرضة للإنشاد أبدًا أوشك أن يجدها باغيها ويصل إليها ربها، فهذا الفرق بين مكة وسائر البلاد (١).
قال الطحاوي: رواية ابن عباس وأبي هريرة السالفتين تمنع أخذها إلا للإنشاد بها، وقد أباح الحديث أخذ لقطة الحرم لتعرف؛ فاحتمل أن يكون ذلك أن تنشد ثم ترد مكانها، واحتمل أن يكون لغيرها. وسئلت عائشة عن ضالة الحرم بعد تعريفها، فقالت لملتقطتها: استنفقي بها (٢)، رواه عنها معاذة.

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٧ - ٥٥٨.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٤٠. بتصرف يسير.



وأما النهي عن لقطة الحاج؛ فلأن الحاج يجمع أهل البلدان، ثم عسى أن لا يلتقوا بعد ذلك، فإذا أخذها لا يقدر على صاحبها بخلاف غيرها.
فائدة:
قوله: (فقام أبو شاه) (١). قال القاضي عياض: مصروفًا ضبطه -يعني: بعضهم-، وقرأته أنا معرفة ونكرة، وكذا هو في «المطالع». وعن ابن دحية أنه بالتاء منصوبة. وقال النووي: هو بهاء في آخره تكون هاء في الدرج كما تكون في الوقف (٢) لا خلاف في ذلك.

---------
(١) هو: أبو شاه اليماني، يقال: إنه كلبي، ويقال: فارسي من الأبناء الذين قدموا اليمن في نصرة سيف بن ذي يزن. قيل: إن هاءه أصلية، وهو بالفارسية معناه: الملك. قال ابن حجر: ومن ظن أنه باسم أحد الشياه، فقد وهم.
انظر: ترجمته في «الاستيعاب» ٤/ ٢٤٩ (٣٠٥٨) و«أسد الغابة» ٦/ ١٦٢ (٥٩٨٩)، و«الإصابة» ٤/ ١٠٠ (٦٠٦).
(٢) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٢٩.



٨ - باب لَا تُحْتَلَبُ مَاشِيَةُ أَحَدٍ بِغَيْرِ بإِذْنه
٢٤٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ». [مسلم: ١٧٢٦ - فتح ٥/ ٨٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ امْرِئٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرُبَتُهُ فَتُكْسَرَ خِزَانَتُهُ، فَيُنْتَقَلَ طَعَامُهُ؟ فَإِنَّمَا تَخْزُنُ لَهُمْ ضُرُوعُ مَوَاشِيهِمْ أَطْعِمَاتِهِمْ، فَلَا يَحْلُبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِهِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
ويحمل هذا الحديث على ما لا تطيب به النفس لقوله - ﷺ -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (٢) وقال أيضًا: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام» (٣).
وإن اختص اللبن بالذكر لتساهل الناس في تناوله، ولا فرق بين اللبن والتمر وغيرهما في ذلك إلا المضطر الذي لا يجد ميتة ويجد

----------
(١) مسلم (١٧٢٦) كتاب: اللقطة، باب: تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها.
(٢) أخرجه أحمد ٥/ ٧٢ - ٧٣، وأبو يعلى ٣/ ١٤٠ (١٥٧٠)، والبيهقي في «الكبرى» ٦/ ١٠٠ من طريق علي بن زيد عن أبي حرة الرقاشي عن عمه، وأخرجه أحمد ٥/ ١١٣، والدارقطني ٣/ ٢٦ من طريق عبد الملك بن حسن البخاري، عن عمارة بن حارثة، عن عمرو بن يثربي، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٤١ من طريق أصبغ بن الفرج، عن حاتم بن إسماعيل، به.
(٣) سلف برقم (١٧٣٩) كتاب الحج، باب: الخطبة أيام منًى.



طعام غيره فيأكل الطعام للضرورة ويلزمه بدله لمالكه. وذهب الجمهور إلى أنه لا يحل شيء من لبن الماشية ولا من التمر إلا إذا علم طيب نفس صاحبه.
وذهب بعض المحدثين إلى أن ذلك يحل وإن لم يعلم حال صاحبه؛ لأن ذلك حق جعله الشارع، يريد حديث أبي داود من طريق الحسن عن سمرة مرفوعًا: «إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثًا، فإن أجاب فليستأذنه فإن أذن له وإلا فليحتلب ويشرب ولا يحمل» (١).
وفي الترمذي من حديث يحيى بن سليم عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه - عليه السلام - سئل عن الثمر المعلق، فقال: «من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه» (٢)، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم.
ومن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده سئل رسول الله عن الثمر المعلق فذكر مثله (٣)، ثم حسنه ورده القرطبي، فقال: لا حجة فيه لأوجه:
أحدها: أن التمسك بالقاعدة المعلومة أولى.

----------
(١) أبو داود (٢٦١٩)، والترمذي (١٢٩٦) وقال: حسن صحيح غريب والعمل على هذا الحديث عند بعض أهل العلم وبه يقول أحمد وإسحاق. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٢) الترمذي (١٢٨٧) وليس هذا المتن لحديث ابن عمر وإنما متن حديث ابن عمر: «من دخل حائطًا فليأكل ولا يتخذ خبنة» والمتن المذكور إنما هو لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي - ﷺ - سئل .. الحديث.
وقد حسنه الترمذي. انظر التخريج التالي.
(٣) الترمذي (١٢٨٩).



ثانيها: أن حديث النهي أصح.
ثالثها: أن ذلك محمول على ما إذا علم طيب نفوس أرباب الأموال بالعادة أو بغيرها.
رابعها: أن ذلك محمول على أوقات الضرورات كما كان في أول الإسلام (١). ونقل ابن بطال إجماع العلماء على أنه لا يجوز كسر قفل مسلم ولا ذمي ولا أخذ شيء من ماله بغير إذنه، يشبه الشارع اللبن في الضرع بالطعام المخزون تحت الأقفال، وهذا هو قياس الأشياء على نظائرها وأشباهها أرانا به قياس الأمور إذا تشابهت معانيها، فوجب امتثال ذلك واستعماله؛ خلافًا لقول من أبطل القياس (٢)
ولا يتشاغل به.
ومعنى قوله: «أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته» أن يكره المسلم لأخيه المسلم ما يكرهه لنفسه، وهذا في معنى قوله: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (٣).
وأكثر العلماء على إجازة أكل مال الصديق إذا كان تافهًا لا يتشاح في مثله. وإن كان ذلك بغير إذنه ما لم يكن تحت قفله. و(المشربة) بضم الراء وفتحها وهي الموضع المصون لما يخزن فيه كالغرفة يخزن الرجل فيها متاعه فشبه ضروع الغنم بها. وقال ابن قتيبة: كالصفة بين يدي الغرفة.
والخزانة: -بكسر الخاء المعجمة-: الموضع أو الوعاء الذي يخزن فيه الشيء، أي: يغيب، وسمي الوعاء خزانة؛ لأنه يخزن فيه.

------------
(١) «المفهم» ٥/ ١٩٥.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٥٨.
(٣) سبق تخريجه قريبًا.



وقوله: (فينتثل) هو بمثناة ثم نون ثم مثناة فوق ثم مثلثة، وبخط الدمياطي بالقاف بدلها ثم لام، أي: ينتثر، يقال: نثلت الشيء بمعنى: نثرته مرة واحدة، يقال: نثل ما في كنانته إذا صبها ونثرها، ولما حكى النووي المقالة السالفة عن بعض المحدثين عزاها لبعض السلف أيضًا، وحكاها في أنه لا يلزمه البدل ثم ضعفه.
فإن قلت: كيف شرب الصديق من غنم الراعي حين الهجرة وأعطاه الشارع أيضًا كما سيأتي؟
قلت: ذاك من باب الإدلال على صاحبها لمعرفته إياه، أو أنه كان يعلم أنه أذن للراعى أنه يسقي منه من مرَّ به، أو أنه كان عرفه أنه أباح ذلك، أو أنه مال حربي لا أمان له (١).
وقال ابن أبي صفرة: حديث الهجرة في زمن المكارمة وهذا في زمن التشاح لما عَلم - عليه السلام - من تغير الأحوال بعده، أو أن هذا الحديث محمول على التسور والاختلاس.
وحديث الهجرة لم يتسور الشارع ولا الصديق، وإنما سأل الصديق الراعي هل أنت حالب لنا؟ والراعي في المال له عادة العرب، فلذلك أجاز - عليه السلام - شرب ما حلبه. وكذلك عادة العرب في الحلب على الماء، ولابن السبيل مباحة، وكل مسترعى له مثل ذلك في الذي استُرعي، كالمرأة في بيت زوجها تعطي اللقمة من ماله والتمرات والكف، وقال - عليه السلام -: «إنها أحد المتصدقين» (٢).
وقال أشهب: خرجنا مرابطين للإسكندرية فمررنا بجنان الليث بن

--------(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٢/ ٢٩.
(٢) سلف برقم (٢٢٦٠) كتاب الإجارة، باب: استئجار الرجل الصالح.



سعد فأكلنا من التمر، فلما رجعت دعتني نفسي أن أستحل ذلك من الليث، فدخلت إليه فأخبرته بذلك، فقال: يا ابن أخي لقد نسكت نسكًا أعجميًّا، أما سمعت الله يقول: ﴿أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ [النور: ٦١]. فلا بأس أن يأكل الرجل من مال أخيه الشيء التافه يسره بذلك (١). وروى ابن وهب، عن مالك في الرجل يدخل الحائط فيجد التمر ساقطًا، قال: لا يأكل منه إلا أن يعلم أن صاحب الحائط طيب النفس به أو يكون محتاجًا إلى ذلك فأرجو أن لا يكون به بأس.
ومن فوائده: إباحة خزن الطعام واحتكاره؛ خلافًا لغلاة المتزهدة حيث يقولون: لا يجوز الادخار مطلقًا.
وأن اللبن يسمى طعامًا فيحنث به من حلف لا يتناول طعامًا إلا أن
يكون له نية تخرج اللبن. وأن من حلب من ضرع شاة أو بقرة أو ناقة بعد أن تكون في حرزها ما يبلغ قيمته ما يجب فيه القطع أن عليه القطع؛ لأن الحديث أفصح بأن ضروع الأنعام خزائن الطعام، ومعلوم أن من فتح خزانة غيره أو كسرها فاستخرج منها من المال أو الطعام أو غيره شيئًا يجب فيه القطع، قطع بلا خلاف إلا على قول من لا يرى القطع في الأطعمة الرطبة والفواكه.
وبيع الشاة اللبون بالطعام عملًا بقوله: «فإنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم»، فجعل اللبن طعامًا، وقد اختلف الفقهاء في بيع الشاة اللبون باللبن وسائر الطعام نقدًا أو إلى أجل، فذهب مالك
وأصحابه إلى أنه لا بأس بالشاة اللبون باللبن يدًا بيد ما لم يكن في

--------
(١) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٢٠٩.


ضرعها لبن، فإن كان في ضرعها لبن لم يجز يدًا بيد باللبن من أجل المزابنة، فإن كانت الشاة غير لبون جاز في ذلك الأجل وفي غير الأجل (١).
وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما: لا يجوز بيع الشاة اللبون بالطعام إلى أجل، ولا يجوز عند الشافعي بيع شاة في ضرعها لبن بشيء من اللبن يدًا بيد ولا إلى أجل.
خاتمة:
قال الداودي: إنما شرب الشارع والصديق؛ لأنهما ابنا سبيل ولهما شرب ذلك إذا احتاجا إليه، وهذا قد أسلفته، قال: وإنما أتى بهذا الحديث والآتي لما في الأموال من الحقوق غير الزكاة.

--------
(١) «النوادر والزيادات» ٦/ ١٨.


٩ - باب إِذَا جَاءَ صَاحِبُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ سَنَةٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ؛ لأَنَّهَا وَدِيعَةٌ عِنْدَهُ
٢٤٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اعْرِفْ وِكَاءَهَا وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «خُذْهَا، فَإِنَّمَا هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ -أَوِ احْمَرَّ وَجْهُهُ- ثُمَّ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا حِذَاؤُهَا وَسِقَاؤُهَا، حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح: ٥/ ٩١]
ذكر فيه حديث زيد بن خالد الجهني أيضًا. وفيه: «ثُمَّ اسْتَنْفِقْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ».
وقد أجمع أئمة الفتوى على أن صاحب اللقطة إذا جاء بعد الحول أن الذي وجدها يلزمه ردها إليه لقوله: «فأدها إليه». وقد أسلفنا أن بعض من ينسب إلى العلم وحقه منه أن يوسم منه مخالفة الأئمة خالف إجماعهم في اتباع هذا الحديث، وخالف قوله: («فأدها إليه») وقال: لا يؤدي إليه شيئًا بعد الحول؛ استدلالًا منه بما سلف من قوله: («فشأنك بها»)؛ لأن هذا إطلاق منه على ملكها ولا يلزمه تأديتها، وهذا قول يؤدي إلى تناقض السنن، وقد جلَّ الشارع أن تتناقض سننه.
وقوله: («فأدها إليه») فيه بيان وتفسير لقوله: («فشأنك بها») ولو كان المراد بقوله: «فشأنك بها» انطلاق يده عليها وسقوط ضمانها عنه لبطلت فائدة قولِه: («فأدها إليه») واستعمال الحديثين لفائدتين أولى


من إسقاط إحداهما، هذِه طريقة العلماء في التأليف بين الآثار والقضاء بالمجمل على المفسر.
واختلفوا هل للواجد بعد الحول أن يأكلها أو يتصدق بها. فروي عن
علي وابن عباس (١) أنه يتصدق بها ولا يأكلها وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والشعبي، وإليه ذهب الثوري (٢)، وقال أبو حنيفة: لا يأكلها الغني، والفقير يأكلها بشرط الضمان (٣).
وروى ابن القاسم عن مالك أنه استحب له أن يتصدق بها، وقد أسلفنا هذا عنه (٤). وروى ابن وهب عنه: إن شاء أمسكها وإن شاء استنفقها، وإن شاء تصدق بها فإن جاء صاحبها أداها إليه.
وروي مثل هذا عن عمر وابن مسعود وابن عمر وعائشة وهو قول عطاء (٥)، وبه قال الشافعي (٦) وأحمد وإسحاق.
وقوله: («ثم استنفق بها») حجة لمن قال: يصنع بها ما شاء من صدقة بها أو أكل أو غيره لعمومه، ولم يخص وجهًا يستنفقها فيه من غيره، وأيضًا فإنه لما قال: «استنفق بها» لم يفرق بين الغني والفقير دلَّ على رد قول أبي حنيفة.
تنبيهان:
الأول: إنما لم يذكر البخاري في هذا الباب رواية سليمان بن بلال

--------
(١) رواه عنهما عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٨ - ١٤٠ (١٨٦٢٨، ١٨٦٣٢).
(٢) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٤٠.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٣٥.
(٤) «المدونة» ٤/ ٣٦٦.
(٥) رواه -قريبًا منه- عنهم عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٩ - ١٤٠ (١٨٦٣٠،
١٨٦٣١، ١٨٦٣٤).
(٦) «الأم» ٣/ ٢٨٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #454  
قديم 01-05-2026, 06:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 551 الى صـــ 570
الحلقة (454)




عن يحيى بن سعيد: «وكانت وديعة عنده»، وذكرها في باب: ضالة الغنم (١)؛ لأنه قد بين سليمان في الحديث: أن يحيى بن سعيد قال عن يزيد مولى المنبعث: لا أدري أفي حديث رسول الله - ﷺ - هو أم شيء من عنده؟ فاستراب البخاري بهذا الشك، وترجم بالمعنى ولم يذكره في الحديث؛ لأنه استغنى بقوله: «فأدها إليه» عن قوله: «وكانت وديعة عنده».
ثانيهما: ترجمة البخاري السالفة إذا لم يوجد صاحب اللقطة بعد سنة فهي لمن وجدها، اعترض عليها ابن التين، فقال: ليس هو بقول مالك ولا أحد من فقهاء الأمصار. واحتج البخاري بقوله: «فشأنك بها» أي: خذها بشرط الضمان إن جاء صاحبها بدليل رواية الباب، وحينئذٍ فلا تنافي بينهما، وتأويل ذلك مناف، فما سمعنا به هو الصواب.
فائدة:
في الحديث: (حتى احمرت وجنتاه، أو احمر وجهه)، الظاهر أنه من الراوي.
والوجنة: مثلثة الواو، ووجنة: بفتح الجيم وكسرها، قاله كراع. زاد غيره: أجنة (٢) بضم الألف: وهي أعلى الخد والعظم المشرف عليه، والجمع: وجنات (٣).

--------
(١) سلف برقم (٢٤٢٨) كتاب، اللقطة.
(٢) ورد بهامش الأصل: أي: مع سكون الجيم، هذِه اللغات في «المطالع».
(٣) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٧٧٤ (وجن).



١٠ - باب هَلْ يَأْخُذُ اللُّقَطَةَ وَلَا يَدَعُهَا تَضِيعُ حَتَّى لَا يَأْخُذَهَا مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ؟
٢٤٣٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: كُنْتُ مَعَ سَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ فِي غَزَاةٍ، فَوَجَدْتُ سَوْطًا. فَقَالَ لِي: أَلْقِهِ. قُلْتُ: لَا، وَلَكِنْ إِنْ وَجَدْتُ صَاحِبَهُ، وَإِلَّا اسْتَمْتَعْتُ بِهِ. فَلَمَّا رَجَعْنَا حَجَجْنَا، فَمَرَرْتُ بِالمَدِينَةِ، فَسَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ رضي الله عنه، فَقَالَ: وَجَدْتُ صُرَّةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِيهَا مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَتَيْتُ بِهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ، فَقَالَ: «عَرِّفْهَا حَوْلًا». فَعَرَّفْتُهَا حَوْلًا ثُمَّ أَتَيْتُهُ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: «اعْرِفْ عِدَّتَهَا وَوِكَاءَهَا وَوِعَاءَهَا، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ بِهَا». [انظر: ٢٤٢٦ - مسلم: ١٧٢٣ - فتح ٥/ ٩١]
حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بهذا قَالَ: فَلَقِيتُهُ بَعْدُ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: لَا أَدْرِي أَثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ أَوْ حَوْلًا وَاحِدًا.
ذكر فيه حديث أبي بن كعب السالف أول الباب (١) بزيادة.
واختلف العلماء في اللقطة هل أخذها أفضل أم تركها؟ فكرهت طائفة أخذها ورأوا تركها أفضل، روي ذلك عن ابن عمر (٢) وابن عباس (٣) وهو قول عطاء. وروى ابن القاسم عن مالك أنه كره أخذها والآبق (٤)، فإن أخذ ذلك وضاعت وأبق من غير تضييعه لم يضمن،

---------
(١) سلف برقم (٢٤٣٧).
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٧ (١٨٦٢٣)، والبيهقي ٦/ ١٨٨.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ١٣٧ - ١٣٨ (١٨٦٢٤)، والبيهقي ٦/ ١٩٢.
(٤) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٦٧، «بداية المجتهد» ٤/ ١٤٨٧.



وكره أحمد أخذها أيضًا (١) وقالت طائفة: أخذها وتعريفها أفضل من تركها، هذا قول سعيد بن المسيب (٢).
وقال أبو حنيفة: تركها سبب لإضاعتها (٣)، وبه قال الشافعي، وعن مالك: إن كان شيء له بال فأخذه وتعريفه أحب إليَّ (٤).
حجة الأول الحديث السالف: «ضالة المؤمن حرق النار» (٥)، و«لا يأوي الضالة إلا ضال» (٦).
حجة الثاني: أمر الشارع بتعريفها ولم يقل له: لم أخذتها: وذلك دليل على أن الفضل في أخذها وتعريفها؛ لأن تركها عون على ضياعها، ومن الحق النصيحة للمسلم وأن يحوطه في ماله بما أمكنه. وتأولوا ما سلف أن المراد به: من لم يعرفها وأراد الانتفاع بها حتى لا تتضاد الأخبار، ويدل على ذلك رواية زيد بن خالد الجهني مرفوعًا: «من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها» (٧).
وروى الجارود قال: أتينا على رسول الله - ﷺ - ونحن على إبل عجاف، فقلنا: يا رسول الله، إنا نمر بالجرف فنجد إبلًا فنركبها، فقال: «ضالة المؤمن حرق النار» وكان سؤالهم عن أخذها إنما هو لأن يركبوها، فأجاب بذلك، أي: ضالة المسلم حكمها أن تحفظ

-----------
(١) «المغني» ٨/ ٢٩١.
(٢) «الإشراف» ٢/ ١٥١.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٧.
(٤) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٦٧.
(٥) الترمذي (١٨٨١) عن الجارود، وابن ماجه (٢٥٠٢) عن عبد الله بن الشخير عن أبيه والبيهقي ٦/ ١٩٠.
(٦) أبو داود (١٧٢٠).
(٧) مسلم برقم (١٧٢٥) كتاب اللقطة، باب: لقطة الحاج.



على صاحبها حتى تؤدي إليه، لا لأن ينتفع بها لركوب ولا لغيره.
فائدة: قول سويد: (كنت مع سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان في غزاة فوجدت سوطًا فقال لي: ألقه) قال الداودي: قول سويد صواب، وقد أدرك الجاهلية والإسلام. وقيل: له صحبة وصحب عليًّا وابن مسعود، وتوفي سنة ست وعشرين ومائة (١). وسلمان باهلي كان عمر يوليه على الجيوش، وزيد بن صوحان كان عمر يرحِّل رحله بيده إكرامًا له لفضله. قطعت رجله يوم الجمل وهو مع علي.
قال الشيخ أبو إسحاق في «زاهيه»: خالف سعيد بن المسيب أهل مكة والمدينة وقال: تؤخذ اللقطة وتعرف؛ لأنه مال يجمع على ربه، وأحسب أنه أراد أن حرمته كحرمة اللقيط، وبه قال الحسن بن صالح.

---------
(١) ورد بهامش الأصل: قال الذهبي في «تجريده» ولد عام الفيل وكذا قال في «الكاشف» وفي «الكاشف» أنه توفي سنة ٨١ وكذا في وفاته، قال النووي: قال هشيم: بلغ سويد مائة وثمانيًا وعشرين سنة، قال ذلك ابن نمير. توفي سنة ٨١ وله مائة وعشرون سنة، وقيل: توفي ابن مائة وإحدى وثلاثين، وقال الفلاس: توفي سنة ٨٣ وهو ابن ١٣٦.


١١ - باب مَنْ عَرَّفَ اللُّقَطَةَ وَلَمْ يَدْفَعْهَا إِلَى السُّلْطَانِ
٢٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ رَبِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍرضي الله عنه، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يُخْبِرُكَ بِعِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا، وَإِلَّا فَاسْتَنْفِقْ بِهَا». وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الإِبِلِ، فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ قَالَ: «مَا لَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ، دَعْهَا حَتَّى يَجِدَهَا رَبُّهَا». وَسَأَلَهُ عَنْ ضَالَّةِ الغَنَمِ، فَقَالَ: «هِيَ لَكَ أَوْ لأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ». [انظر ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح ٥/ ٩٣]
ذكر فيه حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ أيضًا، أَنَّ أَعْرَابِيًّا سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ اللُّقَطَةِ، قَالَ: «عَرِّفْهَا سَنَةً» .. الحديث.
ولا يجب عند جماعة العلماء على الملتقط -إن لم يكن من ضالة الحيوان- أن يدفعها إلى السلطان، وإنما معنى هذِه الترجمة: أن السنة وردت بأن واجد اللقطة هو الذي يعرفها دون غيره لقوله: «عرفها» إلا أنهم اختلفوا في الملتقط إذا كان غير مأمون عليها، على قولين:
أحدهما: أنه يعرفها وليس للسلطان أخذها منه.
والثاني: أن له أخذها منه ودفعها إلى ثقة يعرفها، والقولان للشافعي أيضًا (١).
وأما حكم الضوال فإنها تحتاج إلى حرز ومؤنة، وهذا لا يكون إلا بحكم حاكم، ولهذا كانت ترفع ضوال الإبل إلى عمر وعثمان وسائر الخلفاء بعدهما.

--------
(١) «الأم» ٣/ ٢٨٧.


واختلفوا إذا التقط لقطة فضاعت عنده، فقال أبو حنيفة وزفر: إن أشهد أنه أخذها ليعرفها لم يضمنها إن هلكت وإلا ضمنها (١) وقد سلف.
واحتج بحديث عياض السالف فيه الإشهاد.
وقال مالك (٢) وأبو يوسف ومحمد (٣) والشافعي: لا ضمان عليه إلا أن يفرط، وحجتهم إجماع العلماء أن المغصوبات لو أشهد الغاصب على نفسه أنه غصبها لم يدخلها إشهاد ذلك في حكم الأمانات، فلذلك ترك الإشهاد على الأمانات لا يدخلها في حكم المغصوبات، ولا خلاف أن الملتقط أمين لا يضمن إلا ما يضمن به الأمانات من التعدي والتضييع.
وأما حديث عياض فمعناه أن الملتقط إذا لم يعرف اللقطة ولم ينشدها وكتمها، ثم قامت عليه بينة أنه وجد لقطة وضمها إلى ماله، ثم ادعى تلفها أنه لا يصدق ويضمن؛ لأنه بفعله ذلك خارج عن الأمانة، إلا أن تقوم البينة على تلفها، وأما إذا عرفها في المحافل وإن لم يشهد فلا ضمان عليه.
وقوله: «وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء» فإنه يريد انطلاق يد الملتقط عليها بعد الحول ثم يضمنها لصاحبها إن جاء بإجماع.

---------
(١) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٤.
(٢) «بداية المجتهد» ٤/ ١٤٩٤.
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٣٤٤.



١٢ - باب (١)
٢٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: أَخْبَرَنِي البَرَاءُ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَ: انْطَلَقْتُ، فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَسَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ فَقَالَ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: هَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرْتُهُ، فَاعْتَقَلَ شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ كَفَّيْهِ، فَقَالَ هَكَذَا -ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى- فَحَلَبَ كُثْبَةً مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِدَاوَةً عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ، حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ. [٣٦١٥، ٣٦٥٢، ٣٩٠٨، ٣٩١٧، ٥٦٠٧ - مسلم: ٢٠٠٩ - فتح ٥/ ٩٣]
ذكر فيه حديث أبي بكر في الهجرة قَالَ: انْطَلَقْتُ، فَإِذا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ. فَسَمَّاهُ فَعَرَفتُهُ. فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟
الحديث بطوله، وقد أسلفناه في باب: لا يحتلب أحد ماشية أحد إلا بإذنه، وذكرنا الجواب عن شربه، وشرب الصديق من اللبن فراجعه.
قال ابن بطال: سألت بعض شيوخي عن وجه استجازة الصديق لشرب اللبن من ذلك الراعي، فقال لي: يحتمل أن يكون الشارع قد كان أذن له في الحرب، وكانت أموال المشركين له حلالًا. فعرضته على المهلب، فقال لي: ليس هذا بشيء؛ لأن الحرب والجهاد إنما

----------
(١) ورد بهامش الأصل: في نسختي بعد، حديث زيد حديث أبي بكر قال: انطلقت فهذا أنا براعي غنم .. الحديث مختصرًا ولم يفصل بباب.


فرض بالمدينة، وكذلك المغانم إنما نزل تحليلها يوم بدر بنص القرآن قال: وإنما شرباه بالمعنى المتعارف عندهم في ذلك الزمن من المكارمات، وبما استفهم به الصديق الراعي من أنه حالب أو غير حالب، ولو كان بمعنى الغنيمة ما استفهمه، ولحلب على ما أراد الراعي أو كره، ولساق الغنم غنيمة، وقتل الراعي إن شاء أو أخذه أسيرًا.
يبين أن ذلك كان على وجه العادة عندهم ما رواه الثوري عن أبي عبيدة قال: مر رجل من أهل الشام بامرأة من كلب، فقال لها: هل من لبن يباع؟ فقالت: إنك للئيم، أو حديث عهد بقوم لئام هل يبيع الرِّسْل كريم أو يمنعه إلا اللئيم؟ إنا لندع الكوم لأضيافنا، تكوس، إذا عكف الزمن الضروس ونُغْلِي اللحم غريضًا ونُهِينه نضيجًا.
قال أبو علي: (الرسل) اللبن، و(تكوس): تمشي على ثلاث، و(نغلي) من الغلاء (١).
قال المهلب: وقد قال أخي أبو عبد الله: إنه لا معارضة بينهما؛ لأن هذا (قوله) (٢) - عليه السلام - لما علم أنه سيكون من التشاح وقلة المواساة، والحديث معناه: لا يهجمن أحدكم على ماشية غيره، فيحتلبها بغير إذنه أو غير إذن راعيها الذي له حكم العادات فيما استرعى فيه من المعروف، وكان بين الحديثين فرق يمنع من التعارض.
وفي حديث أبي بكر من الأدب والتنظف ما صنعه بنفض يد الراعي وبنفض الضرع، وخدمته لرسول الله - ﷺ - وإلطافه به ما يجب أن يمتثل في كل عالم وإمام (٣)، وسيأتي هذا الحديث أيضًا في باب: اللبن من

---------
(١) «الأمالي» ١/ ٢٠٦ - ٢٠٧.
(٢) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال»: قاله.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٦٦ - ٥٦٧.



كتاب: الأشربة (١).
وقوله: (هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنِ): هو بفتح اللام والباء. قال القاضي: وروي بضم اللام وتشديد الباء (٢). و(الكثبة): بالضم، قال ابن فارس: هي القطعة من اللبن ومن التمر، سميت بذلك لاجتماعها (٣)، وكذا قال الهروي: إنها القليل من اللبن ومن غيره، وكل ما جمعت من طعام أو غيره بعد أن يكون قليلًا فهو كثبة، وقد كثبته أكثبه: إذا جمعته (٤).
وقوله: (فَمِها خِرقة)، كذا هو (فمها) بالميم وهي لغة غير مشهورة يشهد لها قوله: يصبح ظمآن وفي البحر فمه.
وصوابه بالمثناة تحت بدل الميم وهو الأشهر (٥).

---------
(١) سيأتي برقم (٥٦٠٧).
(٢) قال في «المشارق»: وقال ابن مكي في كتابه: إن ذكر اللبن لبنات آدم خطأ إنما هو لغيرهن، وللمرأة لبان. ثم قال القاضي: وهذا الحديث يرد عليه- يقصد حديث الرضاعة. «المشارق» ١/ ٣٥٤.
(٣) «مجمل اللغة» ٢/ ٧٧٩.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٥) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: وكذا في «المطالع» أن الأشهر: (فيها).



٤٦
كتاب المظالم


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤٦ - كِتَابُ المظَالِم والغَصْبِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ إلى قوله: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٢ - ٤٧] ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾: رَافِعِي رُؤوسِهِم، المُقْنِعُ والمُقْمِحُ وَاحِدٌ.
وَقَالَ مُجَاهِد: ﴿مُهطِعِينَ﴾ [إبراهيم: ٤٣]: مُدِيمِين النَّظَرَ. وَيُقَالُ: مُسْرِعِينَ. ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] يَعْنِي: جُوفًا لَا عُقُولَ لَهُمْ.
الشرح:
قوله: (ويقال: (مسرعين» هو قول قتادة (١).

---------
(١) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ٢٩٧ (١٤١٧)، والطبري ٧/ ٤٦٨ (٢٠٨٩٦).


وقال ابن التين: وهو المعروف في اللغة. قال أبو عبيد: وقد يكون الوجهان جميعًا، يعني: الإسراع كما قال قتادة يعني: مع إدامة النظر كقول مجاهد. وقال أحمد بن يحيى: المهطع: الذي ينظر في ذل وخشوع لا يقلع بصره (١).
وقيل: (مُهْطِعِينَ): مسرعين في خوف، وما فسره في (مُقْنِعِي) بمعنى: رافعي هو قول أكثر أهل اللغة والتفسير. يقال: أقنع: إذا رفع رأسه، وأقنع: إذا طأطأه ذلًا وخضوعًا.
وقيل: في الآية القولان، وقيل: يجوز أن يريدهما أن يرفع رأسه يديم النظر ثم يطأطئه ذلًّا وخضوعًا، وقيل: أقنع رأسه: إذا نصبه لا يلتفت يمينًا ولا شمالًا وجعل طرفه موازيًا لما بين يديه، وكذلك الإقناع في الصلاة. وقال ابن فارس: الإقناع: الإقبال بالوجه على الشيء (٢)، ومنه المقنع: الرافع رأسه مع غض بصره، وهذا تفسير المقمح.
وقيل: المقمح: الذي حدب ذقنه إلى صدره ورفع رأسه. وأصل أقنع: إذا رفع، ومنه: المقنعة لأنها تجعل في الأعلى، ومنه: قَنِعَ بالكسر: رفع رأسه عن السؤال. ويروى أنهم لا يزالون يرفعون رءوسهم ينظرون ما يأتي من عند الله. وقيل: مقنعي: ناكسى بلغة قريش، الطرف: البصر، وبه سميت العين؛ لأنه بها يكون.
وقوله: (﴿وَأَفئدَتُهُم هَوَآءٌ﴾ [إبراهيم: ٤٣] يعني: جُوفًا لا عقول لهم) أي: من الخوف.

---------
(١) «مجالس ثعلب» ١/ ٢٠.
(٢) «مجمل اللغة» ٣/ ٧٣٥.



وقيل: نزعت أفئدتهم من أجوافهم فلا تنفصل ولا تعود.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿إِذِ القُلُوبُ لَدَى الحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] فهذا
إعلام أن القلوب فارقت الأفئدة. وقيل: خالية من الخير. وقيل: تتردد في أجوافهم ليس لها مكان تستقر به فكأنها تهوي، وأنذر: خَوِّف.
وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٤] الآية. قال مجاهد: هم قريش أقسموا أنهم لا يموتون (١). وقال الداودي: يريد إنكارهم البعث. وقيل: مَا لَهم من زَوَال عن العذاب ﴿مَكرُهُمْ﴾: الشرك
أو بالعتو والتجبر.
﴿وَعِنْدَ اللهِ مَكْرُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٦] يحفظه ليجازيهم عليه أو يعلمه، فلا يخفي عليه.
وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ﴾ [إبراهيم: ٤٦] الآية: أي: ما كان مكرهم ليزول منه أمر رسول الله - ﷺ - ونبوته احتقارًا لمكرهم.
وقرأ الكسائي «لَتَزُولُ» بفتح اللام الأولى ورفع الثانية (٢) أي: إن كان مكرهم لو بلغ إلى الجبال ولم يبلغوا هذا ما قدروا على إزالة الإسلام حين دعوا لله ولدًا.
قال الداودي: المعنى: وإن كان مكرهم ليكاد تزول منه الجبال، أي: تعظيمًا لمكرهم، وقرئ: (كاد) بالدال بدل النون (٣).

---------
(١) «تفسير مجاهد» ١/ ٣٣٦، ورواه أيضًا الطبري في «تفسيره» ٧/ ٤٧٣ (٢٠٩١٣).
(٢) انظر: «الحجة للقراء السبعة» للفارسي ٥/ ٣١، «الكشف» لمكي ٢/ ٢٧.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٧/ ٤٧٥ - ٤٧٦ عن مجاهد، وعمر، وأنس، وابن مسعود.



وقال علي: إن نمروذًا لما طلعت به النسور بعد أن علق لها اللحم في الرماح استعلى، قيل له: أين تريد أيها الفاسق فأهبط وهو قوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ﴾ [مريم: ٩٠] الآية (١)، و(الجبال): جبال الأرض أو الإسلام والقرآن؛ لأنه في ثبوته كالجبال.
--------
(١) رواه أيضًا الطبري في «تفسيره» ٧/ ٤٧٤ - ٤٧٥، وهو في تفسير قوله تعالى ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجِبَالُ﴾. وذكرها ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٨/ ٢٦٥، وقال: وذلك عندي لا يصح عن علي، وفي هذِه القصة، كلها ضعف من طريق المعنى، وذلك أنه غير ممكن أن تصعد الأنسر كما وصف، وبعيد أن يغرر أحد بنفسه في مثل هذا.


١ - باب قِصَاصِ المَظَالِمِ
٢٤٤٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ فِي الدُّنْيَا». وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ. [٦٥٣٥ - فتح ٥/ ٩٦]
حَدّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، ثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ النَّاجِيِّ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ حُبِسُوا بِقَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فَيَتَقَاصُّونَ مَظَالِمَ كَانَتْ بَيْنَهُمْ فِي الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا نُقُّوا وَهُذِّبُوا أُذِنَ لَهُمْ بِدُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نَفْسُ مُحمدٍ - ﷺ - بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ بِمَسْكَنِهِ فِي الجَنَّةِ أَدَلُّ بِمَنْزِلِهِ كَانَ بِهِ فِي الدُّنْيَا». وَقَالَ يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ قَتَادَةَ، ثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ.
الشرح:
يريد البخاري بهذا التعليق بيان سماع قتادة لهذا الحديث من أبي المتوكل.
ورواه أبو نعيم الحافظ، عن أبي علي محمد بن أحمد، ثنا إسحاق بن الحسن بن ميمون، ثنا يونس بن محمد المروزي، ثنا شيبان، عن قتادة، ثنا أبو المتوكل فذكره وهو من أفراد البخاري، ومعاذ (ع) المذكور سكن اليمن مات سنة مائتين، ووالده هو هشام


(ع) الدستوائي مات بعد الخمسين سنة إحدى أو ثلاث أو أربع (١).
وقيل: في زمن أبي جعفر.
وأبو المتوكل (ع) (٢) اسمه علي بن دُؤاد الناجي، أما أبو الصديق الناجي فاسمه: بكر بن عمرو. وقيل: ابن قيس، وأبو سعيد الخدري سعد بن مالك. وهذِه المقاصة كما قال ابن بطال: هي لقوم دون قوم وهم قوم لا تستغرق مظالمهم جميع حسناتهم إذ لو استغرقتها كانوا ممن وجب لهم العذاب، ولما جاز أن يقال فيهم: خلصوا من النار، فمعنى الحديث -والله أعلم- على الخصوص لمن يكون له تبعات يسيرة؛ إذ المقاصة أصلها في كلام العرب مقاصصة وهي مفاعلة وهي لا تكون غالبًا إلا من اثنين كالمشاتمة والمقاتلة، وكأن كل واحد منهم له على أخيه مظلمة وعليه له مظلمة، ولم يكن في شيء منها ما يستحق عليه النار، فيتقاصون بالحسنات والسيئات، فمن كانت مظلمته أكثر من مظلمة أخيه أخذ من حسناته فيدخلون الجنة، ويقتطعون فيها المنازل على قدر ما بقي لكل واحد منهم من الحسنات؛ فلهذا يتقاصون بعد خلاصهم من النار -والله أعلم- لأن أحدًا لا يدخل الجنة ولأحدٍ عليه تباعة وإن قلت. فإذا نقوا وهذبوا دخلوا الجنة. وإنما عرفوا منازلهم بها لتكرر عرضها عليهم بالغداة والعشي، فيقال له: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة.
وقال المهلب: هذِه المقاصة إنما تكون في المظالم في الأبدان من اللطمة وشبهها، مما يمكن فيه أداء القصاص بحضور بدنه، فيقال

-------
(١) وقع بهامش الأصل: في «الكاشف» مخرومًا يشبه: أربع وخمسين ومائة، ولعله في «الوفيات» في سنة ٥٢.
(٢) ورد بهامش الأصل: الراجح في اسم أبي المتوكل داود.



للمظلوم: إن شئت أن تنتصف وإن شئت أن تعفو.
وقال غيره: الآثار تدل على أنه لا قصاص في الآخرة في العرض والمال وغيره إلا بالحسنات والسيئات، فمن ظلم غيره وكانت له حسنات أخذ منها وزيد في حسنات المظلوم، فإن لم يكن للظالم حسنات أخذ من سيئات المظلوم وردت على الظالم (١).
قلت: قد روى أبو الفضل في «ترغيبه» (٢) من حديث سعيد بن المسيب أنه - عليه السلام - قال: «إذا فرغ الله من القضاء أقبل على البهائم حتى أنه ليجعل للجماء التي تنطحها القرناء قرنين تنطح بهما الأخرى».
وقال ابن التين: القنطرة: كل شيء ينصب على عين أو وادٍ أو شيء له عين، ويحتمل أن يكون طرف الصراط، قاله الداودي.
وقال الهروي: سمي البناء قنطرة؛ لتكاتف بعض البناء على بعض، والقناطر عند العرب: الملأ الكبير، وسماها القرطبي: الصراط الثاني (٣). والأول لأهل المحشر كلهم إلا من دخل الجنة بغير حساب أو تلتقطه عنق النار، فإذا خلص من خلص من الأكثر - ولا يخلص منه إلا المؤمنون حبسوا على صراط خاص بهم، ولا يرجع إلى النار من هذا أحد، وهو معنى قوله: «يخلص المؤمنون من النار»، أي: من الصراط المضروب على النار.

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
(٢) هو محمد بن أبي القاسم، أبو الفضل البقالي الحنفي الخوارزمي المعروف
بالآدمي، توفي سنة ٥٧٦ هـ، وكتابه هو «ترغيب العلم» انظر: «كشف الظنون» ١/ ٤٠٠، «هدية العارفين» ١/ ٤٩٧.
(٣) «التذكر» ص ٣٩٢.



قال مقاتل: إذا قطعوا جسر جهنم حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فإذا هذبوا قال لهم رضوان: سلام عليكم.
وذكر القرطبي حديثًا أن الجنة بعد الصراط، فلعله بعد الثاني، هذا بدليل حديث البخاري أو يكون ذلك في حق من يدخل النار ويخرج بالشفاعة، فهؤلاء لا يحبسون بل إذا خرجوا بثوا على أنهار الجنة.
وقد صحَّ عن النبي - ﷺ - أنه قال: «أصحاب الجسر محبوسون بين الجنة والنار يسئلون عن فضول أموال كانت بأيديهم» (١)، ولا تعارض بين هذا وحديث الباب؛ لأن معناهما مختلف لاختلاف أحوال الناس، وكذا لا تعارض بين قوله: «لأحدهم أهدى بمنزله كان في الدنيا» وبين قول عبد الله بن سلام: إن الملائكة تدلهم على طريق الجنة. فإن هذا يكون ممن لم يحبس على قنطرة ولم يدخل النار، فيخرج منها فيطرح على باب الجنة. وقد يحتمل أن يكون ذلك في الجمع، فإذا وصلت بهم الملائكة كان كل واحد أعرف بمنزله، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ (٦)﴾ [محمد: ٦] وقال أكثر المفسرين: إذا دخل أهل الجنة الجنة يقال لهم: تفرقوا إلى منازلكم فهم أعرف بها من أهل (الجمعة) (٢) إذا انصرفوا. وقيل: إن هذا التعريف إلى المنازل بدليل وهو الملك الموكل بعمل العبد يمشي بين يديه (٣). وفيه بعد.

----------
(١) كذا ساقه المصنف وتابعه العيني في «عمدة القاري»، ولم أقف عليه بهذا اللفظ وهو عند البخاري كما سيأتي (٥١٩٦) بلفظ: «قمت على باب الجنة فكان عامة من دخلها من المساكين، وأصحاب الجد محبوسون غير أن أصحاب النار قد أمر بهم إلى النار ..».
(٢) في الأصل: الجنة، والمثبت من «التذكرة».
(٣) «التذكر» ص ٣٩٢ - ٣٩٤.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #455  
قديم 01-05-2026, 06:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 571 الى صـــ 590
الحلقة (455)





وقوله: («يتقاصون») أي: يتتاركون؛ لأنه ليس موضع مقاصة ولا حساب؛ لكن يلقي الرب ﷻ في قلوبهم العفو لبعضهم عن بعض، فيتتاركون أو يعوض الله بعضهم من بعض. قال صاحب «المطالع»: قوله: («نقوا وهذبوا») لكافتهم، وعند المستملي: حتى إذا نقصوا وهدأوا. والتنقية: إفراد الجيد من الرديء، وسيأتي له تكملة في الرقاق والحشر إن شاء الله تعالى.

٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]
٢٤٤١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي قَتَادَةُ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ مُحْرِزٍ المَازِنِيِّ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما آخِذٌ بِيَدِهِ إِذْ عَرَضَ رَجُلٌ، فَقَالَ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ. فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُونَ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾». [هود: ١٨]. [٤٦٨٥، ٦٠٧٠، ٧٥١٤ - مسلم: ٢٧٦٨ - فتح ٥/ ٩٦]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ فِي النَّجْوَى؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ لَيُدْنِي المُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ، وَيَسْتُرُهُ فَيَقُولُ: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ أَيْ رَبِّ. حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَالَ: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ اليَوْمَ. فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الكَافِرُ وَالمُنَافِقُ، فَيَقُولُ الأَشْهَادُ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾».
الشرح:
(النجوى): ما يكلمه به ولا يسمعه غيره.
و(كنفه) ستره.
و(الأشهاد): الأنبياء أو الملائكة أو الخلائق، أو الأنبياء والمرسلون والملائكة والمؤمنون والأجساد.


يؤيد الأول قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: ٤١] الآية.
و(الأشهاد): جمع شهيد كشريف وأشراف أو شاهد كصاحب وأصحاب.
قال المهلب: فيه عظيم تفضل الله تعالى على عباده وستره لذنوبهم
يوم القيامة، وأنه يغفر ذنوب من شاء منهم، بخلاف قول من أنفذ الوعيد على أهل الإيمان؛ لأنه لم يستثن في هذا الحديث ممن يضع عليه كنفه وستره أحدًا إلا الكفار والمنافقين، وأنهم الذين ينادى عليهم على رءوس الأشهاد باللعنة لهم.
وسيأتي في كتاب: الأدب في باب: ستر المؤمن على نفسه (١) حديث الباب والاستقصاء فيه.
وفي كتاب التوحيد في باب: كلام الرب تعالى يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم (٢)، ويأتي أيضًا في: تفسير سورة هود (٣)، وهو حجة أيضًا لأهل السنة أن أهل الذنوب من المؤمنين لا يكفرون بالمعاصي
كما زعمت الخوارج.
والمراد بالظلم في الآية: الكفر والنفاق، كما ذكر في الحديث: وليس كل ظلم يدخل في معنى الآية ويستحق اللعنة؛ لأنه لا تكون عقوبة الكفر عند الله كعقوبة صغائر الذنوب، واللعن: الإبعاد، فدلت
هذِه الآية أن الكلام ليس على العموم وأنه يفتقر إلى ما يبين معناه.

----------
(١) سيأتي برقم (٦٠٧٠).
(٢) سيأتي برقم (٧٥١٤).
(٣) سيأتي برقم (٤٦٨٥) باب: قوله: ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾.



وهذا الحديث يبين أن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨)﴾ [التكاثر: ٨] أن السؤال عن النعيم الحلال، إنما هو سؤال تقرير وتوقيف له على نعمه التي أنعم بها عليه، ألا ترى أنه تعالى يوقفه على ذنوبه التي عصاه فيها ثم يغفرها له، وإذا كان ذلك فسؤاله تعالى عباده عن النعيم الحلال أولى أن يكون سؤال تقرير، لا سؤال حساب وانتقام.

٣ - باب لَا يَظْلِمُ المُسْلِمُ المُسْلِمَ وَلَا يُسْلِمُهُ
٢٤٤٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمًا أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ». [٦٩٥١ - مسلم: ٢٥٨٠ - فتح ٥/ ٩٧]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِم كُرْبَةً فَرَّجَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. قال الترمذي: غريب (١).
وأخرجه من حديث أبي هريرة وهو في مسلم أيضًا، قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب الآخرة، ومن ستر على مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» (٢).
ولمسلم عن عقبة بن عامر مرفوعًا: «المؤمن أخو المؤمن» الحديث (٣). وهو حديث شريف يحتوي على كثير من آداب الإسلام.

-----------
(١) الترمذي (١٤٢٦)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.
(٢) مسلم (٢٦٩٩) كتاب: الذكر، باب: فضل الاجتماع على تلاوة القرآن، والترمذي (١٤٢٥).
(٣) مسلم (١٤١٤) كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه.



ومعنى («لا يسلمه»): لا يتركه مع من يؤذيه، بل ينصره ويدفع عنه، ونصره فرض كما سيأتي. قال ابن التين: كونه لا يظلمه فرض عليه.
(«ولا يسلمه») قال أبو عبد الملك: هو مستحب.
وظاهر كلام الداودي أنه كظلمه، وهو يحتاج إلى تفصيل إما أن يفجأه عدو أو نحوه فيجب عليه نصره، وأما أن يعينه في أمر دنياه فمستحب.
وقوله: («المسلم أخو المسلم») هو من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] والله تعالى حرم كثير الظلم وقليله.
وقوله: («ولا يسلمه») هو مثل قوله - عليه السلام -: «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» (١).
وباقي الحديث حض على التعاون وحسن المعاشرة والألفة والستر على المؤمن وترك التسمع به والإشهار لذنوبه، وقال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢].
وفيه: أن المجازاة في الآخرة قد تكون من جنس الطاعة في الدنيا.
وقال ابن المنذر: ويستحب لمن اطلع من أخيه على عورة أو زلة توجب حدًّا أو تعزيرًا أو يلحقه في ذلك عيب أو عار أن يستر عليه رجاء الثواب، ويجب لمن بُلِيَ بذلك أن يستتر بستر الله، فإن لم يفعل ذلك الذي أصاب الحد، وأبدى ذلك للإمام وأقر بالحد لم يكن آثمًا؛ لأنا لم نجد في الأخبار الثابتة عن رسول الله - ﷺ - أنه نهى عن ذلك؛ بل الأخبار دالة على أن من أصاب حدًا أقيم عليه فهو كفارته (٢).

-----------
(١) سيأتي في الباب الذي بعده.
(٢) «الإشراف» ٣/ ٥٥ - ٥٦.



قلت: والستر عليه لا يدفع الإنكار عليه خفية، وهذا في غير المجاهر بل الذي وقع ذلك فلتة أو زلة، أما المجاهر فخارج عنه ولا غيبة له لحديث: «أترعون عن ذكر الفاجر اذكروه بما فيه يحذره الناس» (١) لكنه ضعيف. ومعنى (فرج كربة): غمة.
وقولى: («من كرب»). وفي رواية: «من كربات»، وعليها اقتصر ابن التين قال: وضبط بضم الراء، ويجوز فتحها وإسكانها.

--------
(١) رواه ابن أبي الدنيا في «الصمت» ص ١٤١ (٢٢٠)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ٢٢٠، والطبراني ١٩/ ٤١٨ (١٠١٠)، وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٤٣٠؛ كلهم من حديث معاوية بن حيدة، وروى ابن عدي عن الإمام أحمد أنه قال: هذا حديث منكر.


٤ - باب أَعِنْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا
٢٤٤٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ، وَحُمَيْدٌ الطَّوِيلُ سَمِعَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». [٢٤٤٤، ٦٩٥٢ - فتح ٥/ ٩٨]

٢٤٤٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذَا نَنْصُرُهُ مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ يَدَيْهِ». [انظر: ٢٤٤٣ - فتح ٥/ ٩٨]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا».
وفي رواية (١): قَالَ يَا رَسُولَ اللهِ، هذا نَنْصُره مَظْلُومًا، فَكَيْفَ نَنْصُرُهُ ظَالِمًا؟ قَالَ: «تَأْخُذُ فَوْقَ بَدَيْهِ».
النصرة عند العرب: الإعانة والتأييد، وقد فسر الشارع أن نصر الظالم منعه من الظلم؛ لأنه إذا تركه على ظلمه ولم يكفه عنه أداه إلى أن يقتص منه، فمنعك له ما يوجب عليه القصاص نصرة له، وهذا من باب الحكم للشيء، وتسميته بما يئول إليه وهو من عجيب الفصاحة ووجيز البلاغة، وسيأتي إيضاحه في الباب بعده.
واعلم أن البخاري روى هذا الحديث عن شيخين أحدهما: عثمان بن أبي شيبة، والثاني: مسدد.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: ساقها البخاري بسنده إلى حميد، عن أنس أيضًا وأولها أول الحديث الذي قبلها.


وأبو بكر بن أبي شيبة رواه مطولًا، والبخاري رواه عن عثمان مختصرًا، ولفظ ابن أبي شيبة (١) قيل: يا رسول الله، هذا أنصره مظلومًا فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: «تمنعه من الظلم وتحجزه».
ثم إن البخاري بوب بلفظ: أَعِنْ. وأورد لفظ: «انصر» ولا شك أنه أعانه، وعثمان شيخ البخاري رواه كتبويبه، كما ساقه أبو نعيم، فيجوز أن يكون قصر به.
وزعم المفضل بن سلمة في كتاب «الفاخر» أن أول من قال: أنصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم بن مري بن أُدّ بقوله لسعيد بن زيد مناة لما أسر:
يا أيها المرء الكريم المكسوم … انصر أخاك ظالمًا أو مظلوم
وأنشد التاريخي للأسلع بن عبد الله النعامي:
إذا أنا لم أنصر أخي وهو ظالمُ … على القوم لم أنصر أخي حين يُظْلَمُ

---------
(١) ورد بهامش الأصل: يعني: أبا بكر.


٥ - باب نَصْرِ المَظْلُومِ
٢٤٤٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ مُعَاوِيَةَ بْنَ سُوَيْدٍ، سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. فَذَكَرَ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّبَاعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ المَظْلُومِ، وَإِجَابَةَ الدَّاعِى، وَإِبْرَارَ المُقْسِمِ. [انظر: ١٢٣٩ - مسلم: ٢٠٦٦ - فتح ٥/ ٩٩]

٢٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ. [انظر: ٤٨١ - مسلم: ٢٥٨٥ - فتح ٥/ ٩٩]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ: أَمَرَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِسَبْعٍ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ. فَذَكَرَ: عِيَادَةَ المَرِيضِ، وَاتِّباعَ الجَنَائِزِ، وَتَشْمِيتَ العَاطِسِ، وَرَدَّ السَّلَامِ، وَنَصْرَ المَظْلُومِ، وإِجَابَةَ الدَّاعِي، وإِبْرَارَ المُقْسِمِ.
وحديث أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ.
هذان الحديثان سلفا، الأول: في الجنائز، والثاني: في باب تشبيك الأصابع في المسجد.
ونصر المظلوم فرض واجب على المؤمنين على الكفاية، فمن قام به سقط عن الباقين، ويتعين فرض ذلك على السلطان، ثم على كل من له قدرة على نصرته إذا لم يكن هناك من ينصره غيره من سلطان وشبهه.
وأما عيادة المريض فهي سنة مرغب فيها مندوب إليها.
واتباع الجنائز من فروض الكفايات لمن قام بها.


وتشميت العاطس سنة (١). وقيل: فرض كفاية. حكاه ابن بطال (٢)، وبه قال ابن سراقة -من أصحابنا- في كتاب «الدرة» أنه واجب كرد السلام، وإجابة الداعي سنة أيضًا إلا إنه في الوليمة فرض عين، وقيل: فرض كفاية، وقيل: سنة.
وقال ابن بطال: هو في الوليمة آكد، وإبرار المقسم مندوب إليه إذا أقسم عليه في مباح يستطيع فعله، فإن أقسم على ما لا يجوز أو يشق على صاحبه لم يندب إلى الوفاء به، وسيأتي كلام الطبري في حديث البراء في إفشاء السلام من الاستئذان بعد تقصي القول في معانيه -إن شاء الله تعالى- وفي النكاح في إجابة دعوة الوليمة، وقد سلف جملة منه في الجنائز (٣).

----------
(١) ورد بهامش الأصل: أو على الكفاية كما صرح به بعض أصحابنا في عدة مسائل معها.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٧٣.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٧٣ - ٥٧٤.



٦ - باب الاِنْتِصَارِ مِنَ الظَّالِمِ
لِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعًا عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٤٨]. ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْىُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩]. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يُسْتَذَلُّوا، فَإِذَا قَدَرُوا عَفَوْا. [فتح: ٥/ ٩٩]
الشرح:
الانتصار من الظالم مباح بهذِه الآية.
روى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: نزلت هذِه الآية في الرجل يمر بالرجل فلا يضيفه فرخص له أن يقول فيه: إنه لم يحسن ضيافته ويؤذيه بما فعل به (١).
وقيل ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ الآية [النساء: ١٤٨] يدعو على ظالمه أو يخبر بظلمه إياه أو يستنصر منه.
وقيل: إنه الصديق شتمه رجل فسكت، ثم أعاد فردَّ عليه.
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ البَغْيُ﴾ الآية [الشورى: ٣٩] أي: بغي المشركين عليهم، في الذين انتصروا منهم بالسيف. أو إذا بغى عليهم باغ كره أن يستذلوا لئلا يجترئ عليهم الفساق، فإذا قدروا عفوا كما ذكر عن إبراهيم، وقد أخرجه عبد بن حميد في «تفسيره» عن قبيصة، ثنا سفيان، عن منصور عنه -كما ذكره البخاري، وفي رواية أخرى كما ذكرنا- ولفظه: قال منصور: سألته عن الآية قال: كانوا يكرهون للمؤمنين أن يذلوا أنفسهم فيتجرأ الفساق عليهم، هذا يرد قول ابن التين: قول

----------
(١) «تفسير مجاهد» ١/ ١٧٩، ورواه الطبري ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١.


إبراهيم كانوا يكرهون أن يذلوا، زاد غيره: فيجترئ عليهم الفساق. وقد علمت أنه زادها لا غيره.
وقيل: معنى الآية: إذا بُغي عليهم تناصروا وأزالوه، وقال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ [الشورى: ٤١] أي: استوفى حقه، فأباح الانتصار بهذِه الآيات.
و(البغي): الظلم، فينتصر المظلوم ممن ظلمه، فيقتص منه جزاء سيئة سيئة مثلها، وقراءة العامة: (ظُلم) بضم الظاء، أي: فإنه يذكر ما فُعل به كما أسلفناه.
قال الحسن: لا ينبغي أن يدعو عليه وليقل: اللهم أعني عليه (١).
وقال قطرب: يريد المكره عليه فإنه موضوع عنه وإن كفر (٢).
وقرئ بفتح الظاء، قال الضحاك: فإنه يجهر فيه اعتداء (٣).
وقيل: ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] فقال سوءًا، فإنه ينبغي أن يأخذوا على يديه ويكون استثناء ليس من الأول (٤).
وأما قول إبراهيم: إنهم كانوا يكرهون أن يُستذلوا فإنه - عليه السلام - قد روي عنه هذا المعنى في استعاذته من غلبة الرجال ومن شماتة الأعداء (٥).

-----------
(١) رواه الطبري ٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠ (١٠٧٥٧).
(٢) انظر: «معاني القرآن» للنحاس ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(٣) ذكره النحاس في «معاني القرآن» ٢/ ٢٢٦، عقب قول الضحاك، ولم ينسبه إليه.
(٤) انظر: «معاني القرآن» للنحاس ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦.
(٥) استعاذته - ﷺ - من غلبة الرجال، سيأتي برقم (٢٨٩٣) كتاب: الجهاد، باب من غزا بصبي للخدمة، من حديث أنس، واستعاذته - ﷺ - من شماتة الأعداء، ستأتي برقم (٦٣٤٧) كتاب: الدعوات، باب: التعوذ من جهد النبلاء، من حديث أبي هريرة؛ ورواه النسائي ٨/ ٢٦٥، وأحمد ٢/ ١٧٣ من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، بلفظ: «غلبة العدو وشماتة الأعداء».



وقوله: (فإذا قدروا عفوا)، فإن العفو أجمل وأفضل لما جاء في ثوابه وعظيم أجره، وقد أثنى الله على من فعل ذلك فقال: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (٤٣)﴾ [الشورى: ٤٣] وهذِه السبيل امتثل الشارع في خاصة نفسه، فكان لا ينتقم لنفسه ولا يقتص ممن جفا عليه ولم يوقره، وقد جفا عليه كثير من الأعراب وقال له القائل (١): إنك ما عدلت منذ اليوم (٢). فآثر الأخذ بالعفو وليسن لأمته.
وقال الداودي لما ذكر قول إبراهيم: سببه أنه قد تنتهك حرمته ويؤخذ ماله ويضيع حقه.
قال: ولما ولي الحجاج العراق قال: لا يؤم مولى. فقال أهل مسجد ليحيى بن وثاب (خ م ت س ق) وكان يؤمهم: قد أمر الأمير أن لا يؤم مولى وأنت مولى. فقال: ليس عن مثلي نهى. وكان أحد القراء واحد العلماء فمضى إلى قرب قصر الحجاج فجلس يقرأ، فقال الحجاج ماله؟ قيل له: هو مولى وأنت نهيت لا يؤم مولى فقال: ليس عن مثل هذا نهيت، فرجع يحيى فصلى بهم صلاة يؤم ثم قال: إنما كرهت أن تذلوني، فهذا صار إليَّ فوالله الذي لا إله إلا هو لا أصلي بكم أبدًا (٣).

-------------
(١) ورد بهامش الأصل: القائل ذو الخويصرة.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٦٥، وسيأتي برقم (٣٦١٠) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة، بلفظ: يا رسول الله اعدل؛ كلاهما من حديث أبي سعيد الخدري.
(٣) رواها العجلي في «ثقاته» ٢/ ٣٥٨ ترجمة (١٩٩٩)، وانظر في ترجمته «الطبقات» ٦/ ٢٩٩، و«تهذيب الكمال» ٣٢/ ٢٦.



٧ - باب عَفْوِ المَظْلُومِ
لِقَوْلِهِ تَعَالَى -عز وجل-: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا﴾ [النساء: ١٤٩]، ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [الشورى: ٤٠ - ٤٤] [فتح ٥/ ١٠٠]
التفسير:
معنى ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا﴾ [النساء: ١٤٩] بدلًا من السوء أو تخفوا السوء، وإن لم تبدوا خيرًا عفوًا عن السوء كان أولى، وإن كان ترك العفو جائزًا.
وقال الثعلبي: الخير هنا: المال، وقيل: الحسنة. وقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] يريد به القصاص في الجراح المتماثلة أو في الجراح.
وإذا قال: أخزاه الله أو لعنه الله قابله بمثله، ولا يقابل القذف بالقذف ولا الكذب بالكذب. وأصلح العمل، أي: بينه وبين أخيه فأجره على رب العفو. وسميت الثانية سيئة لازدواج الكلام، ليعلم أنه
جزاء على الأول.
وقوله: (﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ﴾) [الشورى: ٤١] سلف تفسيرها في الباب قبله. قال قتادة: هذا في القصاص، وأما من ظلمك فلا يحل لك أن تظلمه (١).

---------
(١) رواه عبد الرزاق في «التفسير» ٢/ ١٥٧ - ١٥٨ (٢٧٤٦)، والطبري ١١/ ١٥٧ (٣٠٧٣١).


وروي عن الحسن قال: إذا لُعن لَعن، وإذا سُب دسَب ما لم يكن حدًّا أو كلمة لا تصلح (١). وقيل: المستحب العفو بدليل: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣].
والصحيح لا كراهة فيه وأنه مخير، نعم الأفضل العفو من غير كراهة في الآخَر، ومن كانت له زلة وعلم أنه لا يعود إلى ظلمه كان الصبر أولى، ومن كان متماديًا على جرأته فالصبر فيه ليس بمحمود.
وقوله: (﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾) [الشورى: ٤٢] أي: بعداوتهم، أي: بالشرك المخالف لدينهم، ﴿وَيَبغُونَ﴾ [الشورى: ٤٢] يعملون المعاصي، أو نزلت في النفوس والأموال، أو ما ترجوه قريش من أن يكون بمكة غير الإسلام.
﴿عَزم الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] العزائم التي أمر الله بها أو عزائم الصواب التي وفق لها، نزلت مع ثلاث آيات قبلها في أبي بكر، شتمه بعض الأنصار فرد عليه ثم سكت عنه، وقد سلف.
وما أسلفناه من أن العفو أولى وجهه ما جاء فيه من الترغيب.
وروي عن أحمد بن حنبل قال: قد جعلت المعتصم بالله في حل من ضربي ومحنتي؛ لأنه حدثني هاشم بن القاسم عن ابن المبارك: حدثني من سمع الحسن البصري يقول: إذا جثت الأمم بين يدي رب العالمين يوم القيامة ينادي منادٍ: ليقم من أجره على الله. فلا يقوم إلا من عفا في الدنيا، ويصدق هذا الحديث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾ [الشورى: ٤٠] وكان أحمد يقول: ما أحب أن يعذب الله بسببي أحدًا (٢).

----------
(١) انظر: «معاني القرآن» للنحاس ٢/ ٣٢٣.
(٢) انظر: «حلية الأولياء» ٩/ ٢٠٣ - ٢٠٤، «محنة الإمام أحمد» للمقدسي ص ٩٨ - ٩٩.



وقال ابن الأنباري: كان الحسن البصري يدعو ذات ليلة: اللهم اعف عمن ظلمني. وأكثر في ذلك فقال له رجل: يا أبا سعيد، لقد سمعتك الليلة تدعو لمن ظلمك حتى تمنيت أن أكون أنا فيمن ظلمك، فما دعاك إلى ذلك: قال: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ﴾.

٨ - باب الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ
٢٤٤٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ المَاجِشُونُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ». [مسلم: ٢٥٧٩ - فتح ٥/ ١٠٠]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ».
وقد أخرجه مسلم أيضًا وأخرجاه من حديث جابر أيضًا بلفظ: «اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا
محارمهم» (١).
وقال الترمذي في الأول حديث حسن غريب من حديث ابن عمر (٢).
قلت: وروي، من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: «إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والفحش فإن الله لا يحب الفحش ولا التفحش» (٣).
والظلم يشتمل على معصيتين أخذ مال الغير بغير حق، ومبارزة الآمر بالعدل بالمخالفة، وهذِه أدهى؛ لأنه لا يكاد يقع الظلم إلا للضعيف الذي لا ناصر له غير الله تعالى، وإنما ينشأ من ظلمة القلب؛ لأنه لو استنار بنور الهدى لنظر في العواقب، نبه عليه ابن الجوزي.

---------
(١) مسلم (٢٥٧٨) كتاب: البر والصلة، باب: تحريم الظلم، ولم يخرجه البخاري في «الصحيح»، وإنما أخرجه في «الأدب المفرد» برقم (٤٨٣).
(٢) الترمذي (٢٠٣٠).
(٣) رواه أبو داود (١٦٩٨)، وأحمد ٢/ ١٥٩ - ١٦٠، واللفظ لأحمد.



وقال القزاز: الظلم هنا هو الشرك، أي: هو عليهم ظلام وعمى، ومن هذا زعم بعض اللغويين أن اشتقاق الظلم من الظلام كأن ما عليه في ظلام عن الحق، والذي عليه الأكثرون أنه وضع الشيء في غير موضعه.
قال المهلب: وهذِه الظلمات لا نعرف كيف هي؟ إن كانت من عمى القلب أو هي ظلمات على البصر، والذي يدل عليه القرآن أنها ظلمات على البصر حتى لا يهتدي سبيلًا، قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ﴾ [الحديد: ١٣] فدلت هذِه الآية أنهم حين منعوا النور بقوا في ظلمة غشيت لأبصارهم، كما كانت أبصارهم في الدنيا عليها غشاوة من الكفر، وقال تعالى في المؤمنين: ﴿يَسْعَى نُورُهُمْ﴾ [الحديد: ١٢] [فأثاب] (١) المؤمنين بلزوم نور الإيمان لهم ولذذهم بالنظر إليه وقوى
به أبصارهم، وعاقب الكفار والمنافقين بأن أظلم عليهم ومنعهم لذة النظر إليه تعالى، وهذا حديث مجمل بينه دليل القرآن.

--------
(١) في الأصل: (فأثابت)، والمثبت من «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٧٦.


٩ - باب الاِتِّقَاءِ وَالحَذَرِ مِنْ دَعْوَةِ المَظْلُومِ
٢٤٤٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ المَكِّيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ». [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح ٥/ ١٠٠]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيِّ - ﷺ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى اليَمَنِ، فَقَالَ: «اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَاب».
هذا الحديث تقدم في الزكاة، ويريد به أنه لا يردها، ولو كانت من كافر لم ينجح بظلمه. وقد فسر ذلك عمر في حديث الحمى فقال: اتق دعوة المظلوم فإنها مجابة (١).
وقد روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «دعوة المظلوم مجابة، وإن كان فاجرًا فجوره على نفسه» (٢).
وقال عون بن عبد الله: أربع دعوات لا تُرد ولا يحجبن عن الله: دعوة والد راض، وإمام مقسط، ودعوة مظلوم، ودعوة رجل دعا لأخيه بظهر الغيب (٣).

---------
(١) سيأتي برقم (٣٠٥٩) كتاب: الجهاد والسير، باب: إذا أسلم قوم في دار الحرب.
(٢) «المصنف» ٦/ ٤٩ (٢٩٣٦٥).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٦/ ٤٩ (٢٩٣٦٤).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #456  
قديم 01-05-2026, 06:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 591 الى صـــ 610
الحلقة (456)






١٠ - باب مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ عِنْدَ الرَّجُلِ فَحَلَّلَهَا لَهُ، هَلْ يُبَيِّنُ مَظْلَمَتَهُ؟
٢٤٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَىْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيَّ، لأَنَّهُ كَانَ نَزَلَ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَنِى لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ، وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ. [٦٥٣٤ - فتح ٥/ ١٠١]
ذكر فيه حديث سعيد المقبري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كانَ لَهُ عَمَل صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ نَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: قَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ: إِنَّمَا سُمِّيَ المَقْبُرِيُّ، لأَنَّهُ كَانَ ينْزِلُ نَاحِيَةَ المَقَابِرِ. قَالَ أبُو عَبْدِ اللهِ: وَسَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ هُوَ مَوْلَى بَني لَيْثٍ، وَهُوَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانَ.
الشرح:
قام الإجماع على أنه إذا بين ما ظلمه به فأبرأه فهو نافذ.
واختلفوا فيمن بينهما ملابسة أو معاملة، ثم حلل بعضهم بعضا من كل ما جرى بينهما من ذلك، فقال قوم: إن ذلك براءة له في الدنيا والآخرة وإن لم يبين مقداره.


وقال آخرون: إنما تصح البراءة إذا بين له وعرف ماله عنده أو قارب ذلك بما لا مشاحة في مثله، وهذا الحديث حجة لهذا؛ لأن قوله - عليه السلام -: «أخذ منه بقدر مظلمته» يدل أنه يجب أن يكون معلوم القدر مشارًا إليه.
وكان ابن المسيب لا يحلل أحدًا، وكان ابن يسار يحلل من العرض والمال.
قال مالك: أما من المال فنعم، وأما من العرض فإنما السبيل على الذين يظلمون الناس.
قال الداودي: أحسب مالكًا أراد إن أصاب من عرض رجل لم يجز لوارثه أن يحلله.
قال ابن التين: وأراه خلافًا لقول مالك؛ لأنه قال: إن مات ولا وفاء عنده فالأفضل أن يحلله، وأما من ظلم أو اغتاب فلا، وذكر الآية. وكان بعضهم يحلل من ظلمه، ويتأول: (الحسنة بعشر أمثالها)، وكان القاسم يحلل من ظلمه.
وجاء رجل إلى ابن سيرين فقال له: يا أبا بكر، اجعلني في حل فقد اغتبتك. فقال: لا أحل ما حرم الله، ولكن ما كان من قبلي فأنت في حل (١).
وقال الخطابي: إذا اغتاب رجل رجلًا فإن كان بلغ المقول فيه ذلك فلابد أن يستحله، وإن لم يبلغه استغفر الله ولا يخبره، وأما التحلل في المال فإنما يصح ذلك في أمر معلوم، وقال بعض أهل العلم: إنما يصح ذلك في المنافع التي هي أعراض مثل أن يكون قد غصبه دارًا فسكنها أو دابة فركبها أو ثوبًا فلبسه أو تكون أعيانًا فتلفت، فإذا تحلل منها

----------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٧/ ٢٠٠، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٢٦٣، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٥/ ٢١٢ - ٢١٣.


صح التحلل، وإن كانت الدار قائمة والدراهم في يده حاصلة لم يصح التحلل منها إلا أن يهب أعيانها منه فتكون هبة مستأنفة (١).
تنبيهات:
أحدها: «مظلمة»: بضم اللام وكسرها، قاله القزاز، وفي «أدب الكاتب» لابن قتيبة: بفتح اللام، ونقل ابن التين عن ابن قتيبة: بفتح اللام وكسرها، قال: وضبط عن صاحب «الصحاح» ضمها، وهو كما
قال خطأ.
ثانيها: جاء في حديث آخر: «أيعجز أحدكم أن يكون كأبي ضمضم كان إذا خرج من منزله قال: اللهم إني تصدقت بعرضي على الناس» (٢) وهو دال على البراءة قبل الوقوع، وهذا الحديث أخرجه البخاري في «الضعفاء»، وكذا ابن عدي من حديث العمي عن ثابت، عن أنس وهو علته (٣).
ورواه البخاري في «الضعفاء» من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن عجلان مرفوعًا (٤)، وهذا مرسل، وكذا أخرجه أبو داود في «مراسيله»، ثم قال: إنه أصح من رواية العمي (٥).

---------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢١٦ - ١٢١٧.
(٢) رواه أبو داود (٤٨٨٧) عن حماد، عن ثابت، عن عبد الرحمن بن عجلان، عن النبي - ﷺ -. مرسلًا قال أبو داود: رواه هاشم بن القاسم، قال: عن محمد بن عبد الله العمي، عن ثابت قال: حدثنا أنس، عن النبي - ﷺ -. بمعناه، وحديث حماد أصح. اهـ. وانظر: كلام المصنف عليه بعد.
(٣) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ١٣٧، ومن طريقه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٤٤٧.
(٤) ذكره البخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ١٣٧، وفي «الصغير» ٢/ ٨١ وقال: وهذا بإرساله أولى.
(٥) لم أقف عليه في مطبوع «المراسيل» وهو في «السنن» كما سبق تخريجه.



وظن ابن عبد البر أنه صحابي (١)، وتبعه الذهبي، وليس كذلك، فإنه من الأمم قبلنا كما وقع في رواية البخاري في «الضعفاء» وغيره (٢).
ثالثها: قوله: («فليتحلله») يقال: تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل.
ومعنى أخذ الحسنات والسيئات أن يجعل ثوابها لصاحب المظلمة، ويجعل على الظالم عقوبة سبابه بدل حقه. وقال في الحديث السالف: «يتقاصون مظالم كانت بينهم» (٣) وهي مواقف ومظالم.

---------
(١) «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٧ (٣٠٨٠).
(٢) ورد بهامش الأصل: غير البخاري.
(٣) سلف برقم (٢٤٤٠).



١١ - باب إِذَا حَلَّلَهُ مِنْ ظُلْمِهِ (١) فَلَا رُجُوعَ فِيهِ
٢٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨] قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي ذَلِكَ. [٢٦٩٤، ٤٦٠١، ٥٢٠٦ - مسلم: ٣٠٢١ - فتح ٥/ ١٠٢]
ذكر فيه حديث عائشة في هذِه الآية: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ [النساء: ١٢٨]، قَالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأَةُ، لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرِ مِنْهَا، يُرِيدُ أَنْ يُفَارِقَهَا، فَتَقُولُ: أَجْعَلُكَ مِنْ شَأنِي فِي حِلٍّ. فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ فِي ذَلِكَ.
قوله في الترجمة: (فلا رجوع فيه) يريد كما قال ابن التين: ليس للمرأة رجوع فيما مضى، ولها عند مالك أن ترجع فيما يستقبل.
وقال الداودي: ليس الاسم بموافق للحديث؛ لأن هذا فيما يأتي وليس بظلم. والنشوز من الزوج: أن يسيء عشرتها ويمنعها النفقة.
وروى عكرمة عن ابن عباس قال: خشيت سودة بنت زمعة أن يطلقها النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، لا تطلقني وأمسكني واجعل يومي لعائشة. ففعل فأنزل الله: «أَن يَصَّالحَا بَيْنَهُمَا صُلْحَا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ» (٢) [النساء: ١٢٨]، فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز (٣)، فلم يكن

--------
(١) بالأصل فوقها: مظلمته. وأشار إلى أنها نسخة.
(٢) قرأها كذلك ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر. وقرأ عاصم، وحمزة والكسائي: ﴿أَن يُصلِحَا﴾ انظر: «الحجة» للفارسي ٣/ ١٨٣، «الكشف» لمكي ١/ ٣٩٨.
(٣) رواه الترمذي (٣٠٤٠)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب.



لسودة الرجوع في يومها الذي وهبته لعائشة، كذا قاله ابن بطال (١).
وروى الشافعي عن ابن [عيينة] (٢)، عن الزهري، عن ابن المسيب أن ابنة محمد بن مسلمة كانت عند رافع بن خديج فكره منها أمرًا إما كبرًا وإما غيره، فأراد طلاقها، فقالت: لا تطلقني وأمسكني [واقسم لي] (٣) ما بدا لك فأنزل الله: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا﴾ الآية (٤) [النساء: ١٢٨].
وفي «الموطأ» عن ابن شهاب، عن رافع أنه تزوج بنت محمد بن
مسلمة حتى كبرت، فتزوج عليها شابة فآثر الشابة عليها، فطلقها، ثم راجعها، ثم طلقها، ثم راجعها، ثم رضيت باستقرارها على الأثرة ولم ير رافع عليه إثمًا (٥).
ولأبي داود نزولها في سودة أيضًا وأشباهها فوهبت يومها لعائشة، وصححه الحاكم على شرط مسلم (٦).
وذكر ابن أبي حاتم أنها نزلت بسبب أبي السنابل بن بعكك وامرأته (٧).
وفي «تفسير مقاتل» أنها نزلت في خويلة بنت معمر بن مسلمة حين أراد زوجها رافع بن خديج طلاقها.

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٧٨.
(٢) في الأصل: علية. والمثبت من «مسند الشافعي».
(٣) زيادة من «مسند الشافعي».
(٤) «مسند الشافعي بترتيب سنجر» ٣/ ٨٣ (١٢١٥).
(٥) «الموطأ» ص ٣٣٩ (٥٧).
(٦) أبو داود (٢١٣٥)، والحاكم ٢/ ١٨٦ وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ورواه أيضًا مختصرًا ٢/ ٦٠ وقال: صحيح على شرط مسلم.
(٧) «تفسير ابن أبي حاتم» ٤/ ١٠٧٩ (٦٠٣٨).



وفي كتاب عبد الرزاق خولة. وقيل إن زوجها سعد بن الربيع.
وفي «تفسير الثعلبي»: هي عمرة بنت محمد بن مسلمة.
واعلم أن ما قدمناه من اعتراض الداودي على الترجمة خالفه ابن المنير فقال: [ما] (١) الترجمة في الظاهر مطابقة؛ لأنها تتناول إسقاط الحق المستقبل حتى لا يكون عدم الوفاء به مظلمة لسقوطه، وأما البخاري فتلطف في الاستدلال وكأنه يقول: إذا نفذ الإسقاط في الحق المتوقع فلأن ينفذ في الحق المحقق أولى، ولهذا اختلف العلماء في إسقاط الحق قبل وجوبه هل ينفذ أم لا؟ وما اختُلف في نفوذه بعد الوجوب (٢).
ثم اعلم أيضًا أن البخاري ذكر حديث الباب في باب: المرأة تهب (يومها) (٣) من زوجها لضرتها، وكيف يقسم ذلك (٤)؟
زاد مسلم: قالت عائشة: وكانت سودة أول امرأة تزوجها من بعدي (٥).
وفيه إشكال؛ لأنه تزوجها قبلها إلا أن يكون عقد (٦) عليها قبل عائشة ولم يدخل بها إلا بعدها نبه عليه ابن الجوزي.

---------
(١) من «المتواري» ص ٢٧٦.
(٢) «المتواري» ص ٢٧٦.
(٣) بالأصل: نفسها.
(٤) سيأتي برقم (٥٢١٢) كتاب: النكاح.
(٥) مسلم (١٤٦٣/ ٤٨) كتاب: الرضاع، باب: جواز هبتها نوبتها لضرتها.
(٦) ورد بهامش الأصل تعليق، نصه:
قال أحمد في «المسند» [٦/ ٢١٠ - ٢١١]: حدثنا محمد بن بشر، ثنا محمد بن عمرو، ثنا أبو سلمة ويحيى قالا: لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم. إلى أن قال: ادعي لي رسول الله. فدعته، فزوجها إياه -تعني: عائشة- وعائشة يومئذٍ =



وقول البخاري: (كيف يقسم ذلك) يريد أن يكون فيه الموهوبة بمنزلة الواهبة في رتبة القسمة، فإن كان يوم سودة ثالثًا ليوم عائشة أو رابعًا أو خامسًا استحقت عائشة على حسب القسمة التي كانت لسودة، ولا تتأخر عن ذلك اليوم ولا تتقدم ولا يكون تاليًا ليوم عائشة إلا أن يكون يوم سودة بعد يوم عائشة، وعندنا أنها إن وهبت لمعينة بات عندها ليلتيهما، وقيل: يواليهما أَوْ لَهُنَّ سوى. أَوْ لَهُ فَلَه التخصيص على الأصح. وقيل: يسوي، وأجراه الشارع مجرى الحقوق الواجبة، ولم يجره على أصل المسألة من الحكم فيما جعله الله له من ذلك، قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فأجراه مجرى الحقوق وتفضلًا منه - عليه السلام - ليكون أبلغ في رضاهن كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥١] الآية، أي: لا يحزنَّ إذا كان هذا منزلًا عليك من الله ويرضين بما أعطيتهن من تقريب وإرجاء.
قال قتادة في قوله: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ إنه شيء خص الله به نبيه وليس لأحد غيره، كان يدع المرأة من نسائه ما بدا له بغير طلاق وإذا شاء راجعها.
قال غيره: وكان ممن آوى إليه عائشة وأم سلمة وزينب وحفصة، وكان قسمه من نفسه وماله فيهن سواء، وكان ممن أرجأ سودة وجويرية وصفية وأم حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء.

--------
= بنت ست سنين، ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة. إلى أن قال: ادعيه لي.
فجاء رسول الله - ﷺ - فزوجها إياه. وظاهر هذا أنه عقد على عائشة قبل سودة، وهو مخالف لما جمع به ابن الجوزي، فالظاهر أنه عقد على عائشة قبل ودخل على سودة قبل عائشة، وبه يحصل الجمع، إن شاء الله تعالى.



واختلفوا في كم يقسم لكل واحدة من نسائه، فقيل: يوم.
قال ابن القاسم: لم أسمع مالكًا يقول إلا يومًا لهذِه ويومًا لهذِه (١).
وقيل: ليلة. وهو أفضل، ويجوز ثلاثًا ولا زيادة، وهو مذهبنا.
قال ابن المنذر: ولا أرى مجاوزة يوم إذ لا حجة مع من تخطى سنة رسول الله - ﷺ - إلى غيرها، ألا ترى قوله في الحديث أن سودة وهبت يومها لعائشة ولم يحفظ عن رسول الله - ﷺ - في قسمته لأزواجه أكثر من يوم وليلة، ولو جاز ثلاثة أيام لجاز خمسة وشهرًا ثم تخطى بالقول إلى ما لا نهاية له، ولا يجوز معارضة السنة، وكان مالك يقول: لا بأس أن يقيم الرجل عند أم ولده اليوم واليومين والثلاثة، ولا يقيم عند الحرة إلا يومًا من غير أن يكون مضارًا، وكذلك قال الشافعي: يأتي الإماء ما شاء أكثر مما يأتي الحرائر الأيام والليالي، فهذا صار إلى الحرائر عدل بينهن (٢)، وهذا موضعه كتاب النكاح، لكنا تعجلناه.
وفي الحديث أيضًا جواز هبة بعض الزوجات يومها لبعضهن، ولا يكون ذلك إلا برضا الزوج، والتسوية بينهن كان غير واجب عليه (٣) على أحد الوجهين عندنا، وإنما كان يفعله تفضلًا.
قال الداودي: وإذا رضيت بترك القسم والإنفاق عليها ثم سألته العدل فلها ذلك.
وفي «المدونة»: النفقة تلزمها إذا تركها؛ لأن المغيرة لا تملكها بخلاف النفقة.

---------
(١) «المدونة» ٢/ ١٩٧.
(٢) «الإشراف» ١/ ١١٧، وانظر: «المدونة» ١٩٩/ ٢، «الأم» ٥/ ١٧٤.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال الإصطخري: لا يجب عليه. والأصح عند الشيخ أبي حامد والعراقيين والبغوي الوجوب.



١٢ - باب إِذَا أَذِنَ لَهُ أَوْ أَحَلَّلُهُ وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ هُوَ
٢٤٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: «أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ؟». فَقَالَ الغُلَامُ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا. قَالَ: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي يَدِهِ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح ٥/ ١٠٢]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد السالف: أَنَّه - عليه السلام - أُتِيَ بِشَرَابٍ، فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، وَعَنْ يَسَارِهِ الأَشْيَاخُ. وفي آخره: فَتَلَّهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي يَدهِ.
قال المهلب: لو حلل الغلام من نصيبه الأشياخ وأذن في إعطائه لهم: لكان ما حلل منه غير معلوم؛ لأنه لا يعرف مقدار ما كانوا يشربون ولا مقدار ما كان يشرب هو، ولا شك أن سبيل ما يوضع للناس للأكل والشرب سبيله المكارمة وقلة التشاح، وقد طابت نفوس أصحاب رسول الله - ﷺ - في سبي هوازن جملة. وقبل ذلك التطييب، ولم يعرف مقدار ما كان بيد كل واحد منهم، وسيأتي في كتاب: الهبات، في باب: الهبة المقسومة الخلاف في ذلك واضحًا، والمعروف من مذهب مالك أن هبة المجهول جائزة مثل أن يهب رجل نصيبه من ميراث رجل أو من دار لا يعرف مقداره، وكذلك كل ما لا يؤخذ عليه عوض فهبته عنده جائزة.
ومذهب مالك وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور جواز هبة المشاع، ويأتي فيها القبض كما يجوز فيها البيع، وسواء أكان المشاع مما يقسم كالدور والأرض أو مما لا يقسم كالعبيد والثياب


والجواهر، وسواء كان مما يقبض بالتخلية أو مما يقبض بالتحويل.
وقال أبو حنيفة: إن كان المشاع مما يقسم لم يجز هبة شيء منه مشاعًا، وإن كان مما لا يقسم يجوز هبته (١).
فائدة:
معنى: (تلَّه): دفعه إليه بعنف وقوة. قاله الخطابي (٢).
وقال غيره: تله: وضعه في يده، وأنكر مقالته هذِه، واستدل بقوله تعالى: ﴿وَتَلَهُ للجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] أي: صرعه ولكن برفق لا بعنف.
قال ابن التين: ومن قال: الغلام ابن عباس يؤخذ منه أن الصبي يسمى غلامًا، ومن قال: إنه الفضل، أخذ منه أن البالغ يسمى غلامًا.
فائدة ثانية:
حديث هذا الباب مثل حديث أبي هريرة السالف في باب: من كانت له مظلمة فحللها له هل يبين مظلمته (٣)، إلا أن تلك كبائر وواجبات، وهذا ضرب من الاستحباب وليس فيه بيان لما بوب عليه، كما نبه عليه ابن التين (٤).

----------
(١) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ٣٠٤، «بداية المجتهد» ٤/ ١٥٣٦، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٣٩، «المغني» ٨/ ٢٤٧، «بدائع الصنائع» ٦/ ١٢١.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢١٨.
(٣) سلف برقم (٢٤٤٩).
(٤) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السبعين. كتبه مؤلفه.



١٣ - باب إِثْمِ مَنْ ظَلَمَ شَيْئًا مِنَ الأَرْضِ
٢٤٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَمْرِو بْنِ سَهْلٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». [٣١٩٨ - مسلم: ١٦١٠ - فتح ٥/ ١٠٣]

٢٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَةٌ، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ». [٣١٩٥ - مسلم: ١٦١٢ - فتح ٥/ ١٠٣]

٢٤٥٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». قال الفِرَبْريُّ: قَالَ أَبُو جَعْرِ بنُ أَبي حَاتم: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ هَذَا الحَدِيثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانَ فِي كِتَابِ ابْنِ المُبَارَكِ، أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ بِالبَصْرَةِ. [٣١٩٦ - فتح ٥/ ١٠٣]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ النبي - ﷺ -: «مَنْ ظَلَمَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».
ثانيها:
حديث أبي سَلَمَةَ حدثهُ أَنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُنَاسٍ خُصُومَة، فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ؛ فَقَالَتْ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، اجْتَنِبِ الأَرْضَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ ظَلَمَ قِيدَ شِبْرٍ مِنَ الأَرْضِ طُوِّقَهُ مِنْ سَبْعِ أَرَضِينَ».


ثالثها:
حديث ابن عمر قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَرْضِ شَيْئًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: هذا الحَدِيثُ لَيْسَ بِخُرَاسَانِي فِي كِتَابِ ابن المُبَارَكِ، أَمْلَاهُ عَلَيْهِمْ بِالبَصْرَةِ.
الشرح: حديث سعيد بن زيد أخرجه مسلم أيضًا، وكذا حديث عائشة وحديث ابن عمر من أفراده، وخرجه في بدء الخلق أيضًا، وانفرد به مسلم من حديث أبي هريرة (١).
قال الدارقطني في حديث سعيد بن زيد: تابع شعيبًا -يعني: شيخ شيخ البخاري- مالك … وعدَّد جماعات (٢).
ورواه يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن طلحة بن عبد الله، عن عبد الرحمن بن عمرو بن سهل الراوي، عن سعيد بن زيد قوله.
ورواه ابن عيينة عن الزهري، عن طلحة، عن سعيد نفسه (٣)، ولم يذكر عبد الرحمن.
وكذا رواه ابن خزيمة عن محمد بن يحيى، عن يزيد بن هارون، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن طلحة.
قال ابن خزيمة: إن كان ابن إسحاق سمع هذا الخبر من الزهري ففيه دلالة واضحة على صحة رواية ابن عيينة، وأن طلحة سمع من سعيد بن زيد.

--------
(١) مسلم (١٦١١) كتاب: المساقاة، باب: تحريم الظلم وغصب الأرض وغيرها.
(٢) «العلل» ٤/ ٤٢٤.
(٣) رواه النسائي ٧/ ١١٥، وابن ماجه (٢٥٨٠)، وأحمد ١/ ١٨٧.



وكذا رواه أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون (١)، ورواه سعيد بن الصلت عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، عن الزهري، عن طلحة، عن عمرو بن سهل، عن سعيد.
ورواه سعيد بن عبد الرحمن عن الزهري، عن سعيد لم يذكر بينهما أحدًا، وكذا قال أبو جعفر الرازي، عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد، وقال سعيد بن سليمان: عن سليمان بن كثير، عن الزهري، عن سعيد. وقال سعيد بن سليمان، مرة به وأبدل سعيدًا بطلحة، وزاد بعده عن سعيد. ورواه سفيان بن حسين، عن الزهري قال: ابن المسيب، عن سعيد بن زيد، وهو وهم.
قال الدارقطني: وأحبها إليَّ من قال الزهري، عن طلحة، عن عبد الرحمن (٢).
قال الخطابي: قوله: («طوقه من سبع أرضين») له وجهان:
أحدهما: أنه يكلف نقل ما ظلم منها في القيامة إلى المحشر، فيكون كالطوق في عنقه.
وروي معناه في بعض الأحاديث.
والآخر: أن يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين كما في حديث ابن عمر (٣).
وقال ابن بطال: قد جاء عن النبي - ﷺ - كيف صورة هذا التطويق، رواه الطبري، حدثنا سفيان بن وكيع، ثنا حسين بن علي، عن زائدة،

---------
(١) أحمد ١/ ١٨٩.
(٢) «العلل» ٤/ ٤٢٧.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢١٩.



عن الربيع، (عن أيمن وابن أبي ثابت) (١)، حدثني يعلى بن مرة الثقفي سمعت النبي - ﷺ - يقول: «أيما رجل ظلم شبرًا من الأرض كلفه الله أن يحفره حتى يبلغ سبع أرضين، ثم يطوقه يوم القيامة حتى يقضي بين الناس».
رواه الشعبي عن أيمن، عن يعلى، عن رسول الله - ﷺ - وقال فيه: «من سرق شبرًا من أرض أو غله جاء يحمله يوم القيامة على عنقه إلى سبع أرضين».
ورواه مروان بن معاوية الفزاري حدثنا أبو يعفور، ثنا أيمن (عن) (٢) يعلى بن مرة (٣) قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «من أخذ أرضًا بغير حقها كلف أن يحمل ترابها إلى المحشر» (٤).
قلت: الصواب: أيمن عن يعلى، وظن ابن منده وأبو نعيم صحبة أيمن بن يعلى فوهما (٥).
وقال ابن الجوزي: هذا من تطويق التكليف لا من التقليد.

-----------
(١) كذا بالأصل، والصواب كما وقع في «تهذيب الآثار» (عن أيمن أبي ثابت أو ابن أبي ثابت).
انظر: «تهذيب الآثار» مسند علي ص ١٨١ (٢٨٩).
(٢) كذا بالأصل وهي صواب، غير أن كلام المصنف بعدُ يشير أنها بأصله (ابن) وكذا تعليق الناسخ بالهامش. والنص منقول من «شرح ابن بطال» وقد أشار محققه أن في بعض أصوله المخطوطة وقع (ابن) فكأن منشأ الخطأ منه؛ لأنها في «تهذيب الآثار» المصدر الأصلي المنقول منه على الصواب (حدثني يعلى).
(٣) ورد بهامش الأصل: كذا في ابن بطال: أبو يعفور: ثنا أيمن بن يعلى.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٨٠، وانظر: «تهذيب الآثار» مسند علي ص ١٧٩ - ١٨١.
(٥) «معرفة الصحابة» ١/ ٣٢٠ (١٩٩)، وانظر: «أسد الغابة» ١/ ١٨٩ (٣٥٤).



قال: وليس ذلك بممتنع فإنه صح عن رسول الله - ﷺ - قال: «لا ألفين أحدكم يأتي على رقبته بعير أو شاة» (١) وأما الخسف أن تخسف به الأرض بعد موته أو في حشره.
وقال المهلب: معنى الخسف به: أن يلج في سبع أرضين فتكون كلها على عنقه، فهذا تطويق له.
وعبارة غيره: يتجلجل فيما بينها. أي: يهوي، كقوله في قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١].
قال الخطابي: وفيه دليل أن من ملك أرضًا ملك أسفلها إلى منتهاها، وله أن يمنع من حفر تحتها سردابًا أو بئرًا سواء ضرَّ ذلك بأرضه أم لا (٢)؛ لأن حكم أسفلها تبع أعلاها كما قال ابن الجوزي.
واختلف فيما إذا حفر أرضه فوجد فيها معدِنًا أو شبهه:
فقيل: هو له. وقيل: بل للمسلمين. حكاهما القرطبي.
قال: وعلى ذلك فله أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم يضر بمن يجاوره، وكذلك له أن يرفع في الهواء المقابل لذلك القدر من الأرض من البناء ما شاء ما لم يضر بأحد.
واستدل الداودي على أن السبع الأرضين بعضها على بعض لم يفتق بعضها من بعض؛ لأنه لو فتقت لم يطوق منها ما ينتفع به غيره.

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٠٧٣) كتاب: الجهاد، باب: الغلول، ورواه مسلم (١٨٣١) كتاب: الإمارة، باب: غلظ تحريم الغلول. من حديث أبي هريرة بلفظ: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء … لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء».
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٢٠



وقيل: بين كل أرض وأرض خمسمائة عام مثل ما بين كل سماء وسماء وغلظ كل سماء، كذلك قيل في خبر فيه معارضة السند (١)، قال: وقيل: معنى يطوَّق: يحتمل أن يقوم بها كما غصبها فهو يعذب ليقوم وهو لا يقوم (٢)، وهذا سلف وقيد الشيء: قدره.
---------
(١) رواه الترمذي (٣٢٩٨) من حديث أبي هريرة، وقال: هذا حديث غريب من هذا الوجه.
وانظر: «كشف الخفاء» ١/ ١١٤ - ١١٥.
(٢) «المفهم» ٤/ ٥٣٤ - ٥٣٥.



١٤ - باب إِذَا أَذِنَ إِنْسَانٌ لآخَرَ شَيْئًا جَازَ (١)
٢٤٥٥ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ: كُنَّا بِالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأَصَابَنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ. [٢٤٨٩، ٢٤٩٠، ٥٤٤٦ - مسلم: ٢٠٤٥ - فتح ٥/ ١٠٦]

٢٤٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةٍ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ - الجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُلٌ لَمْ يُدْعَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ هَذَا قَدِ اتَّبَعَنَا أَتَأْذَنُ لَهُ؟». قَالَ: نَعَمْ. [٢٠٨١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح ٥/ ١٠٦]
تقدير ذلك كما قال ابن التين: إذا أذن إنسان لآخر في شيء، فلما سقط حرف الجر تعدى الفعل فنصب مثل: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ [الأعراف: ١٥٥].
ثم ساق حديث جَبَلَةَ: كُنَّا بالمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَهْلِ العِرَاقِ، فَأصَابَتْنَا سَنَةٌ، فَكَانَ ابن الزُّبَيْرِ يَرْزُقُنَا التَّمْرَ، فَكَانَ ابن عُمَرَ يَمُرُّ بِنَا فَيَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ الإِقْرَانِ، إِلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ أَخَاهُ.
وحديث أَبِي مَسْعُودٍ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو شُعَيْبِ كَانَ لَهُ غُلَامٌ لَحَّامٌ، فَقَالَ لَهُ أَبُو شُعَيْبٍ: اصْنَعْ لِي طَعَامَ خَمْسَةِ لَعَلِّي أَدْعُو النَّبِيَّ - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ. وَأَبْصَرَ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ - ﷺ - الجُوعَ، فَدَعَاهُ، فَتَبِعَهُمْ رَجُل لَمْ يُدْعَ .. لحديث.

--------
(١) ورد بهامش الأصل: أذن لازم، فلا يجوز تعديه، والظاهر أن أذن معناها أمضى أو ما شابهها، ويستقيم الكلام.


وقد سلف بطوله في باب: ما قيل في اللحام والجزار من البيوع، وانفرد به مسلم من طريق جابر (١)، وأخرج الأول مسلم أيضًا والأربعة (٢).
قال شعبة: لا أرى هذِه الكلمة إلا كلمة ابن عمر. يعني: الاستئذان، كذا في مسلم، وفي البخاري عن شعبة: الإذن من قول ابن عمر (٣).
وذكر الحافظ الخطيب في كتابه «الفصل والوصل» أن قوله: (إلا أن يستأذن الرجل منكم أخاه) من قول ابن عمر وليس من قول رسول الله - ﷺ -، بيَّن ذلك آدم بن أبي إياس وشبابة بن سوار عن شعبة، وقال عاصم بن علي عن شعبة: أرى الإذن من قول ابن عمر (٤).
قلت: قد أخرجا من حديث جبلة بن سحيم: سمعت ابن عمر يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعًا حتى يستأذن أصحابه، وهذا ظاهر في رفعه.
ولأحمد من حديث الحسن عن سعد مولى أبي بكر قال: قدمت بين يدي رسول الله - ﷺ - تمرًا، فجعلوا يقرنون فقال - عليه السلام -: «لا تقرنوا» (٥).
ولابن شاهين في «ناسخه» من حديث عطاء الخراساني عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعًا: «إني كنت نهيتكم عن الإقران في التمر، وإن الله -عز وجل- قد أوسع الخير فأقرنوا».

----------
(١) مسلم (٢٠٣٦) كتاب: الأشربة، باب: ما يفعل الضيف إذا تبعه غير من دعاه.
(٢) أبو داود (٣٨٣٤)، والترمذي (١٨١٤)، وابن ماجه (٣٣٣١)، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ١٦٧ (٦٧٢٨).
(٣) سيأتي برقم (٥٤٤٦) كتابْ الأطعمة، باب: القران في التمر.
(٤) «الفصل للوصل» ١/ ١٨٢.
(٥) «مسند أحمد» ١/ ١٩٩.



ثم قال: الحديث الذي فيه النهي صحيح الإسناد، والذي فيه الإباحة ليس بذاك القوي؛ لأن في سنده اضطرابًا، وإن صح فيحتمل نسخه للنهي (١).
وقال الحازمي -وقد ذكرهما-: الإسناد الأول أصح وأشهر من الثاني، غير أن الخطب في هذا الباب يسير؛ لأنه ليس من باب العبادات والتكاليف، وإنما هو من قبيل المصالح الدنياوية فيكفي في ذلك الحديث الثاني، ثم يشيده إجماع الأمة على خلاف ذلك، ثم قيل: إن النهي كان حيث كان العيش زهيدًا والقوت متعذرًا؛ مراعاة لجانب الضعفاء والمساكين؛ حثًّا على الإيثار والمواساة ورغبة في تعاطي أسباب المعدلة حالة الاجتماع والاشتراك، فلما اتسع الحال قال: فشأنكم إذًا (٢).
إذا تقرر ذلك، فالإذن لا يكون إلا فيما يملكه الذي أذن فيه كما أذن صاحب اللحم للرجل الذي جاء مع رسول الله - ﷺ - فجاز له الأكل من ذلك الطعام، وكما أجاز - عليه السلام - القرآن في التمر -إذا أذن فيه أصحابه- الذي وضع بين أيديهم؛ لأنهم متساوون في الاشتراك في أكله، فهذا استأثر أحدهم بأكثر من صاحبه لم يجز له ذلك من الاستئثار بما لا تطيب عليه نفس صاحب الطعام، ولا أنفس الذين بين أيديهم إلا ما وضع للناس، فسبيله سبيل المكارمة لا سبيل التشاح وإن تفاضلوا في الأكل.
وقوله: (نهى عن الإقران): كذا في البخاري، والمعروف خلافه.
(١) «ناسخ الحديث ومنسوخه» ص ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٢) «الاعتبار» ص ١٨٨.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #457  
قديم 01-05-2026, 06:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 611 الى صـــ 630
الحلقة (457)





قال ابن التين: وقع رباعيًّا، والذي في اللغة: قرن ثلاثي.
قال القرطبي: كذا لجميع رواة مسلم الإقران (١)، وليست معروفة، والصواب: القرآن ثلاثي.
قال الفراء: لا يقال: أقرن. وقال غيره: إنما يقال: أقرن على الشيء إذا قوي عليه وأطاقه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ [الزخرف: ١٣] أي: مطيقين. قال: وقد جاء في «الصحاح»: أقرن الدم العرق، واستقرن أي: كثر (٢)، فيحتمل أن الإقران في هذا الحديث على ذلك، ويكون معناه النهي عن الإكثار من أكل التمر إذا كان مع غيره، ويرجع معناه إلى القرآن المذكور في الرواية الأخرى (٣).
ونقل المنذري عن أبي محمد المعافري أنه يقال: قرن بين الشيئين وأقرن: إذا جمع بينهما. والنهي عن القران وجهان ذكرهما أبو موسى في «مغيثه» أحدهما: ذهبت عائشة وجابر إلى أنه قبيح وفيه شره وهلع وهو يزري بصاحبه. الثاني: أن التمر كان من جهة ابن الزبير وكان ملكهم فيه سواء، فيصير الذي يقرن أكثر أكلًا من غيره، فأما إذا كان ملكًا له فله أن يأكل، كما روي أن سالمًا كان يأكل التمر كفًّا كفًّا.
وقيل: إذا كان الطعام بحيث يكون شبعًا للجميع كان مباحًا له لو أكله، وجاز أن يأكل كما شاء (٤) (٥).

---------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق، نصه: وكونه ثلاثيًّا كذا صوبه في «المطالع» في موضع، وقال: إنه المعروف. في آخر.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢١٨١.
(٣) «المفهم» ٥/ ٣١٨.
(٤) ورد بهامش الأصل: تأول بعموم اللفظ.
(٥) «المجموع المغيث» ٢/ ٦٩٥.



وحمل أهل الظاهر النهي على التحريم مطلقًا، وهو منهم ذهول عن مساق الحديث ومعناه، وحمله جمهور العلماء على حالة المشاركة بدليل مساق الحديث، وقد اختلف العلماء فيما يملك من الطعام حين وضعه، فإن قلنا: إنهم يملكونه بوضعه بين أيديهم فيحرم أن يأكل أحد أكثر من الآخر، وإن قلنا إنما يملك كل واحد منهم ما رفع إلى فيه فهو سوء أدب وشَرَهٍ ودناءة وكان مكروهًا.
وحمله ابن التين على ما إذا استوت أثمانهم فيه، مثل أن يتخارجوا في ثمنه أو يهبه لهم رجل أو يوصي لهم به، وأما إن أطعمهم هو فروى ابن نافع عن مالك: لا بأس به.
وفي رواية ابن وهب: ليس بجميل أن يأكل تمرتين أو ثلاثًا في لقمة دونهم.
وقال النووي: اختلفوا في أن هذا النهي على التحريم أو على الكراهة والأدب، والصواب التفصيل (١) -كما سبق- وستأتي له تكملة في كتاب: الأطعمة، إن شاء الله.
وقوله في حديث أبي مسعود: (وأبصر في وجه رسول الله - ﷺ - الجوع) إنما ذلك ليعظم، وتتأسى أمته به.
وفيه: أنهم كانوا يرصدون أحواله.
وقوله: («إن هذا تبعنا») كذا في الأصول. قال ابن التين: كذا وقع عند أبي ذر، ووقع عند أبي الحسن (اتبعنا) بالألف. قال الداودي: معنى اتَّبعنا: سار معنا، وتَبِعَهم: لحقهم. واحتج بقول الشاعر:
مازلت أتبعهم حتى تبعتهم

----------
(١) «شرح مسلم» ١٣/ ٢٢٨.


وقال ابن فارس: تبعت فلانًا: إذا تلوته، واتبعته: إذا لحقته (١)، وبنحوه ذكره الجوهري: تبعت القوم: إذا تلوتهم وقفوني فسرت معهم. وقال الأخفش: تبع وأتبع سواء مثل ردف وأردف (٢).
قال ابن التين: والصواب: أن يُقرأ اتَّبعنا بتشديد التاء على بناء افتعل من تبع، فمعناه مثل معنى تبع. وعلى قول الداودي: إنه رباعي يتوهم أنه يناقض الحديث؛ لأنه قال في رواية في أوله: فتبعهم رجل. وقوله: (تبعهم): لحقهم. لم يقله أحد غير الفراء قال: تبعهم: لحقهم، وأتبعهم: ألحقهم، والشعر الذي ذكره ليس بشعر، وإنما هو مثل كما نص عليه الهروي، وهو صحيح؛ لأن معناه لا يستقيم على ما توهمه أبو جعفر؛ لأنه على قوله مازلت أسير معهم حتى لحقتهم، وهو كلام غير صحيح.

----------
(١) «مجمل اللغة» ١/ ١٥٣.
(٢) «الصحاح» ٣/ ١١٨٩ - ١١٩٠.



١٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]
٢٤٥٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الخَصِمُ». [٤٥٢٣، ٧١٨٨ - مسلم: ٢٦٦٨ - فتح ٥/ ١٠٦]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ أَبْغَضَ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلدُّ الخَصِمُ».
الشرح:
أسلفنا فيما مضى أن هذِه الآية نزلت في الأخنس بن شَريِق، وقال ابن عباس فيما حكاه ابن أبي حاتم في «تفسيره»: لما أصيب أصحاب الرجيع: قال المنافقون: يا ويح هؤلاء لا هم قعدوا في أهليس ولا هم أدوا رسالة صاحبهم، فنزلت (١).
وهذا الحديث أدخله العلماء في تفسير هذِه الآية.
قال أهل اللغة: والألد: هو العسر الخصومة، الشديد الحرب مشتق من اللدتين وهما صفحتا العنق، أي في جانب أخذ من الخصومة غلب. وقيل: هو من لديدي الوادي، أي: جانباه، فصاحب الصفة يأخذ في جانب ويدع الاستقامة.
وقيل: معناه إذا منع من جانب جاء من آخر، يزيد في الحجة، يقال: لددته ألده: إذا جادلته فغلبته.

------------
(١) «تفسير ابن أبي حاتم» ٢/ ٣٦٣ (١٩١٠).


وقال ابن سيده: لَدِدْتُ لدًّا: صرت ألد. وَلَدَدْتُهُ أَلُدُّهُ: إذا خصمته، وقوله تعالى: ﴿قومًا لُّدًّا﴾ [مريم: ٩٧] قيل: معناه: خصماء، عوج عن الحق. وقيل: صُمٌّ عنه (١).
وفي «الجامع»: اللدد: مصدر الألد، ورجل ألد: إذا اشتد في الخصومة، والأنثى: لداء، وقد ذمه الله تعالى لمدافعته عن الحق ما يعلمه ويشهد به نفسه.
قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤].
وقد ترجم بهذِه الترجمة في كتاب: الأحكام. وفي «تفسير ابن أبي حاتم» عن ابن عباس: ألد الخصام. أي: ذو (ضلال) (٢) إذا كلمك وراجعك. وعن الحسن: كاذب القول. وعن مجاهد: ظالم لا يستقيم.
وعن قتادة: شديد القسوة في معصية الله جدل بالباطل (٣).
والخَصِم: المولع بالخصومة الماهر فيها.
قال الزجاج: الخصام: جمع خصم. وقيل: هو مصدر خاصمته.

-------
(١) «المحكم» ٩/ ٢٢٢.
(٢) في «التفسير»: جدال.
(٣) «تفسير ابن أبي حاتم» ٢/ ٣٦٥.



١٦ - باب إِثْمِ مَنْ خَاصَمَ فِي بَاطِلٍ وَهْوَ يَعْلَمُهُ
٢٤٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ أُمَّهَا أُمَّ سَلَمَةَ رضي الله عنهازَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَخْبَرَتْهَا عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأَقْضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمٍ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكْهَا». [٢٦٨٠، ٦٩٦٧، ٧١٦٩، ٧١٨١، ٧١٨٥ - مسلم: ١٧١٣ - فتح ٧/ ١٠٥]
ذكر فيه حديث أم سلمة أنه - ﷺ - سَمِعَ خُصُومَةً بِبَابِ حُجْرَتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَإِنَّهُ يَأْتِينِي الخَصْمُ، فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ مِنْ بَعْضٍ، فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَدَقَ، فَأقضِيَ لَهُ بِذَلِكَ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ مُسْلِمِ فَإِنَّمَا هِيَ قِطْعَةٌ مِنَ النَّارِ، فَلْيَأْخُذْهَا أَوْ فَلْيَتْرُكهَا».
اَلشرح: الحديث دال على أن [القوي على] (١) البيان البليغ في تأدية الحجة قد يغلب بالباطل من أجل بيانه فيقضي له على خصمه، وليس ذلك يحل ما حرم عليه لقوله: «فإنما هي قطعة من النار» أي: يوجبها في الآخرة إلا أن يقتص لصاحبها منه أو يعوضه الله منه، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٨] وسيأتي بسط ذلك وما ينتزع منه في كتاب الأحكام، إن شاء الله.
ونذكر لك منه أمورًا منها قوله: («فليأخذها»): خرج بلفظ الخبر، والمراد به النهي والتهديد والوعيد كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]

-------
(١) ليست بالأصل، والمثبت من «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٨٢.


ومنها الحكم بالظاهر تشريعًا للأمة وهو كقوله: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله» (١)، وقوله في حديث المتلاعنين: «لولا الإيمان لكان لي ولها شأن» (٢).
وحكم الحاكم لا يبيح محظورًا؛ خلافًا لأبي حنيفة إذا شهدا بزور أن فلانًا طلق زوجته أن للشاهد تزوجها، كما ستعلمه في موضعه.
ومنها: أن كل مجتهد ليس مصيبًا وأن إثم الخطأ مرفوع عنه إذا اجتهد ووقع الاجتهاد موضعه، وقام الإجماع على أن حكم الحاكم في المال لا يبيح محظورًا، واختلفوا في النكاح والطلاق (٣).
ومنها: حكمه بالاجتهاد وهو قول المحققين كما نقله القاضي (٤).
ومنها: أنه روي في هذا: «إنما أحكم بما أسمع» و(إنما) للحصر، فكأنه قال: لا أحكم إلا بما أسمع.
وقد اختلف في هذا، فقال مالك في المشهور عنه: إن الحاكم لا يحكم بعلمه في شيء، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو عبيد والشعبي، وروي عن شريح. وذهبت فرقة أخرى إلى أنه (يقضي) (٥) بعلمه في كل شيء من الأموال والحدود، وبه قال أبو ثور والشافعي في أحد قوليه، والأصح عنده أنه يقضي بعلمه إلا في الحدود.

--------
(١) سلف برقم (٢٥) كتاب: الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ من حديث ابن عمر.
(٢) رواه أبو داود (٢٢٥٦)، وأحمد ١/ ٢٣٨ - ٢٣٩، من حديث ابن عباس، وسيأتي برقم (٤٧٤٧) كتاب: التفسير، باب: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا العَذَابَ﴾ من حديث ابن عباس بلفظ: «لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن».
(٣) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ١٦ - ١٧.
(٤) «إكمال المعلم» ٥/ ٥٦١.
(٥) في الأصل: قضى، وما أثبتناه هو الملائم للسياق.



وذهبت فرقة ثالثة إلى التفريق، فمنهم من قال يقضي بما سمعه في مجلس قضائه خاصة، لا قبله ولا في غيره إذا لم يحضر مجلسه بينة في الأموال خاصة، وهو قول الأوزاعي وجماعة من أصحاب مالك، وحكوه عنه أيضًا، ومنهم من قال: يحكم بما سمعه في مجلس قضائه وفي غيره، لا قبل قضائه ولا في غير مصره في الأموال خاصة؛ سواء سمع ذلك في مجلس قضائه أو في غيره قبل ولايته أو بعدها، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي في أحد قوليه.
وذهب بعض أصحابهم إلى أنه يقضي بعلمه في الأموال والقذف خاصة ولم يشترط مجلس القضاء (١).
واتفقوا على أنه يحكم بعلمه في الجرح والتعديل؛ لأن ذلك ضروري في حقه (٢).
ومنها: أن البينة مسموعة بعد اليمين وهو الذي فهمه البخاري وبوب له بَعْدُ: من أقام البينة بعد اليمين؛ وإن كان الإسماعيلي أنكر ذلك وقال: ليس في الخبر الذي ذكره دلالة على قبول البينة بعد يمين المسلم.
ومنها: معنى («أبلغ من بعض»)، ولابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة: «ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض» (٣).
قال الزجاج: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه.

------
(١) انظر: «إكمال المعلم» ٥/ ٥٦٢، «الأم» ٧/ ١٠٣، «الاستذكار» ٢٢/ ١٣ - ١٥، «المغني» ١٤/ ٣٠ - ٣١، «عيون المجالس» ٤/ ١٥٣٥ - ١٥٣٧.
(٢) «المغني» ١٤/ ٣٣.
(٣) «المصنف» ٤/ ٥٤٢ (٢٢٩٦٥)، ٧/ ٣٢١ (٣٦٤٧٩).



وقال غيره: البلاغة: إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، ولهم عبارات أخر، قيل: الإيجاز مع الإفهام والتصرف من غير إضمار.
وذكر ابن رشيق في «عمدته» أنها قليل يفهم وكثير لا يسأم.
وقيل: إجاعة اللفظ وإشباع المعنى، أو معان كثيرة في ألفاظ قليلة، أو إصابة المعنى وحسن الإيجاز، أو سهولة اللفظ مع حسن البديهة، أو لمحة دالة، أو كلمة تكشف عن البغية أو الإيجاز من غير عجز
والإطناب من غير خطأ.
وجعل ابن المقفع من السكوت بلاغة رغبة في الإيجاز، ولبعض الكلبيين: واعلم بأن من السكوت إبانة ومن التكلم ما يكون خبالًا. وقيل: أنها معرفة الفصل و(الوصل) (١) أو يكون أول الكلام يدل على
آخره وعكسه.
وأما اللحن، فقال أبو زيد: لحنت له بالقول ألحن لحنًا إذا قلت له قولًا يفهمه عنك ويخفى على غيره، واللحن بالتحريك كما قال الخطابي: الفطنة، وقد لحن (٢) بالكسر يلحن لحنًا بسكون الحاء: الزيغ في الإعراب، والمصدر من الأول بفتح حائه وتسكن (٣).
قال مالك بن أسماء الفزاري من أبيات:
منطق صائب وتلحن أحيا … نًا وخير الحديث ما كان لحنًا

---------
(١) في الأصل: الوصول، والصواب ما أثبتناه، وانظر: «البيان» ١/ ٦١.
(٢) ورد بهامش الأصل: لحن بفتح الحاء: أخطأ، وبكسرها: فطن، وقد ذكره بعد ذلك على الصواب.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٣١٣.



وما ذكره الجاحظ في «تبيانه» من أن الجارية يستحسن منها اللحن، واستشهد بقول مالك (١)، فقد رُدَّ عليهِ.
ومنها: وهو ينعطف على ما مضى- قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن كل ما يقضي به الحاكم من تمليك مال أو إزالة ملك أو إثبات نكاح أو طلاق وما أشبه ذلك، أن ذلك كله إن كان في الباطن كهو في الظاهر وجب ذلك على ما علم، وإن كان في الباطن على خلاف ما شهد به الشاهدان، وعلى خلاف ما حكم بشهادتهما على الحكم بالظاهر لم يكن قضاء القاضي موجبًا شيئًا من تمليك ولا تحليل ولا تحريم، وممن قال ذلك أبو يوسف، وخالفهم آخرون، فقالوا: ما كان من ذلك من تمليك مال فهو على حكم الباطن، كما قال - عليه السلام -: «فمن قضيت له شيئًا» الحديث. وما كان من ذلك قضاء بطلاق أو نكاح بشهودٍ ظاهرهم العدالة وباطنهم الجرح، فحكم الحاكم بشهادتهم على ظاهرهم، فإنه ينفذ ظاهرًا وباطنًا.
واستدل بأنه - عليه السلام - فرق بين المتلاعنين (٢)، ولو علم صدق المرأة لحد الزوج لها بقذفه إياها، ولو علم أن الزوج صادق لحد المرأة للزنا، ولم يفرق بينهما، فلما خفي عليه الصادق منهما وجب حكم آخر، وهو حرمة الفرج على الزوج ظاهرًا وباطنًا، ولم يرد ذلك إلى حكم الباطن، فلما ثبت هذا في المتلاعنين ثبت أن يكون كل قضاء ليس فيه تمليك أموال أنه على الظاهر لا على حكم الباطن، وأن حكم القاضي يحدث في ذلك التحريم، والتحليل في الظاهر والباطن جميعًا، وأنه خلاف الأموال

-------
(١) «البيان» ١/ ٩٢.
(٢) سيأتي برقم (٤٧٤٨) كتاب: التفسير، باب: قوله ﴿وَالخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللهِ عَلَيْهَا﴾.



التي يقضى بها على حكم الظاهر، وهي في الباطن على خلاف ذلك، فيكون حديث الباب على القضاء في الأموال، وأن حديث المتلاعنين على القضاء بغير الأموال حتى تتفق معاني الأخبار، وقد حكم الشارع في المتبايعين إذا اختلفا في الثمن والسلعة قائمة أنهما يتحالفان ويترادان، فتعود الجارية إلى البائع ويحل له فرجها وتحرم على المشتري، ولو علم الكاذب منهما بعينه إذًا لقضى بما قال الصادق منهما ولم يقض بفسخ بيع، ولا بوجوب حرمة فرج الجارية المبيعة على المشتري، فلما كان ذلك على ما وصفنا كان ذلك كل قضاء بتحريم أو تحليل أو عقد نكاح على ما حكم القاضي فيه في الظاهر لا على حكمه في الباطن، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وأجاب ابن رشد عن اللعان بأن الفرقة فيه إنما وقعت؛ عقوبة للعلم بأن أحدهما كاذب.
ومنها: العمل بالظن حيث قال: فأحسب أنه (صادق) (١) وهو أمر لم يختلف فيه في حق الحاكم، ومنها مخرج الغالب حيث قال: («من حق أخيه») فإنه خرج مخرج الغالب؛ لأن مال الذمي والمعاهد والمرتد في هذا كمال المسلم.

----------
(١) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة (صدق).


١٧ - باب إِذَا خَاصَمَ فَجَرَ
٢٤٥٩ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ خَالِدٍ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا، أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ، حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ». [انظر: ٣٤ - مسلم: ٥٨ - فتح ٥/ ١٠٧]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو السالف في الإيمان، وقال هنا: «وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ».
والمراد: تعظيم ذنبه وقربه من النفاق لا حقيقة، فيخشى على مرتكبها ذلك أو أنه منافق في تلك الخصلة دون غيرها مما صح فيه اعتقاده.
والفجور: الكذب والريبة، وذلك حرام، ألا ترى أنه - عليه السلام - قد جعل ذلك خصلة من النفاق، وأطلق اسم النفاق على صاحب هذِه الخصال وعلى بعضها؛ لأنها تغلب على أحوال المرء وتستولي على أكثر الأفعال، فاستحق هذِه التسمية بما غلب عليه من قبيح أفعاله ومشابهته فيها المنافقين والكفار، فوصف بصفتهم تقبيحًا لحاله، ولا شيء أقبح على المرء من ملازمته أفعال الكفار ومجانبته أفعال المؤمنين، أعاذنا الله من ذلك.


١٨ - باب قِصَاصِ المَظْلُومِ إِذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ
وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ يُقَاصُّهُ. وَقَرَأَ: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾. [النحل: ١٢٦].

٢٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الَّذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ». [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح ٥/ ١٠٧]

٢٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا لِلنَّبِىِّ - ﷺ -: إِنَّكَ تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرَى فِيهِ؟ فَقَالَ لَنَا: «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ». [٦١٣٧ - مسلم: ١٧٢٧ - فتح ٧/ ١٠٥]
ثم ساق حديث عائشة في قصة هند: «لَا حَرَجَ عَلَيْكِ أَنْ تُطْعِمِيهِمْ بِالمَعْرُوفِ».
وحديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قُلْنَا لرسول الله - ﷺ -: إِنَّكَ تَبْعَثنا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا، فَمَا تَرى فِيهِ؟ فَقَالَ لنَا: «إِنْ نَزَلْتُمْ بِقَوْم، فَأُمِرَ لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الًضَّيْفِ».
الشرح:
أثر ابن سيرين قال به الحسن، وحديث عقبة رواه من حديث يزيد، عن أبي الخير، عنه، به. أخرجه الترمذي من حديث ابن لهيعة، عن يزيد، وحسنه. ولفظه: إنا نمر بقوم فلا هم (يضيفونا) (١) ولا هم

----------
(١) في الأصل فوق هذِه الكلمة لفظة: كذا.


يؤدون ما لنا عليهم من الحق ولا نحن نأخذ منهم، فقال - عليه السلام -: «إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا» ثم قال: معناه أنهم كانوا يخرجون في الغزو، فيمرون بقوم ولا يجدون من الطعام ما يشترونه بالثمن؛ فقال - عليه السلام -: «إن أبوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا». قال: هكذا روي في بعض الحديث مفسرًا. قال: وروي عن عمر أنه كان يأمر بنحو من هذا (١).
واختلف العلماء في الذي يجحد وديعة غيره، ثم المودع يجد له مالًا هل يأخذه عوضًا من حقه أم لا؟ وفيه خلاف عن مالك أيضًا. فروى ابن القاسم عنه أنه لا يفعل واحتج بحديث: «أدَّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» (٢)، وروي عنه أن له أن يأخذ حقه إذا وجده من ماله إذا لم يكن فيه شيء من الزيادة، وهو قول الشافعي، واحتج بحديث هند، وعندنا أن من له حق على شخص وعجز عن استيفائه يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه (٣).
وروى ابن وهب عن مالك أنه إذا لم يكن على الجاحد للمال دين، فله أن يأخذ مما يظفر له به من المال حقه، وإن كان على الجاحد للمال دين فليس له أن يأخذ إلا بمقدار ما يكون فيه أسوة الغرماء (٤).
وقال أبو حنيفة: يأخذ من الذهب الذهب، ومن الفضة الفضة، ومن المكيل المكيل، ومن الموزون الموزون، ولا يأخذ غير ذلك. وحكي

----------
(١) الترمذي (١٥٨٩).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٣٥)، والترمذي (١٢٦٤)، من حديث أبي هريرة، وقال: هذا حديث حسن غريب.
(٣) «مختصر المزني» بهامش «الأم» ٥/ ٢٦٧.
(٤) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٥٤.



عنه المنع المطلق. وقال زفر: له أن يأخذ العرض بالقيمة.
وأولى الأقوال في ذلك قول من أجاز الانتصاف من حقه إذا وجد مال من ظلمه بدلالة الآية، ودلالة حديث هند، ألا ترى أنه أجاز لها أن تطعم عياله من ماله بالمعروف عوض ما قصر فيه من طعامهم، فدخل في معنى ذلك كل من وجب عليه حق لم يوفه أو جحده أنه يجوز له الاقتصاص منه.
وليس حديث «أدِّ الأمانة» مخالف لهذا المعنى؛ لأن من أخذ حقه فلا يسمى خائنًا، فمعناه الخصوص، فكأنه قال: أدها إن لم يكن غاصبًا لمالكَ ولا جاحدًا له، وأما من غصبك حقك وجحدك فليس يدخل فيمن أُمِرَ بأداء الأمانة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] ولدلالة حديث هند، وهذا التأويل ينفي التضاد ودليل القرآن.
وتبويب البخاري دال عليه، وإذا سرق من غريمه فأراد قطع يده فادعى أنه اقتص من حقه لم يقطع كما قال الخطابي؛ للشبهة فيه إذا قامت له بينة بما ادعاه من الحق وإلا قطع (١).
وفي «الهداية» من له على آخر دراهم فسرق مثلها لم يقطع؛ لأنه استيفاء لحقه، والحال والمؤجل فيه سواء؛ لأن التأخير لتأخر المطالبة، وكذا لو سرق زيادة على حقه؛ لأنه بمقدار حقه يصير شريكًا فيه، وإن سرق عروضًا قطع؛ لأنه ليس له ولاية الاستيفاء منه إلا بالتراضي، وعن أبي يوسف لا يقطع؛ لأن له أن يأخذه عند بعض العلماء قضاء من حقه أو رهنًا بحقه (٢).

------------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٢٣.
(٢) «الهداية» ٢/ ٤١٢.



قال الخبازي (١) في «حواشيه»: أراد ببعض العلماء الشافعي في أخذه العروض، وقوله: أو رهنًا عند بشر المريسي.
وأما حديث عقبة، فقال أكثر العلماء كما حكاه ابن بطال عنهم أنه كان في أول الإسلام حين كانت المواساة واجبة، وهو منسوخ بقوله - عليه السلام -: «جائزته يوم وليلة» (٢)، والجائزة تفضل وليست بواجبة (٣).
وقال ابن التين: قيل: نسخها: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨] قال: وقيل: كان ذلك في أهل العمود والمواطن التي لا أسواق فيها. وسيأتي مذاهب العلماء في الضيافة في باب: إكرام
الضيف من كتاب الأدب إن شاء الله تعالى.
قال الخطابي: وهؤلاء المبعوثون في حديث عقبة إنما يأخذون ممن نزلوا بهم بحق الضيافة على معنى أنهم أبناء سبيل، وحق الضيافة من المعروف الذي يكره تركه ولا يجبر عليها أحد ويقبض من ماله إلا عند الضرورة ولو كانوا عمالًا كان على المبعوث إليهم طعامهم وما يصلحهم، وإنما كان يلزم ذلك لمن كان - عليه السلام - يبعثهم في زمانه وليس إذ ذاك للمسلمين بيت مال، وأما اليوم فيعطَون أرزاقهم، فليس لهم حق في أموال المسلمين، وإلى نحو منه ذهب أبو يوسف فيما كان شرط من أمر الضيافة على أهل نجران، فزعم أنها كانت خاصًّا

----------
(١) هو جلال الدين، عمر بن محمد بن عمر الخبازي، توفي سنة ٦٩١ هـ، عن اثنتين وستين سنة، وله حاشية على «الهداية»، وكتاب: «المغني في أصول الفقه». انظر: «تاج التراجم في من صنف من الحنفية» لابن قطلوبغا ص ١٦٤ (١٨٥).
(٢) سيأتي برقم (٦٠١٨) كتاب: الأدب، باب: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر» من حديث أبي هريرة.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٨٥.



بأيامه ليس لأحد بعده، وقد كان عمر حين ضرب الجزية على نصارى الشام جعل عليهم الضيافة لمن نزل بهم، فإذا كانت الضيافة مشروطة على قوم من أهل الذمة مع الجزية فمنعوها كان للضيف أن يأخذ حقه من عرض أموالهم (١).
تنبيهات:
أحدها: لما ذكر ابن التين عن الداودي أن المراد بحديث: «لا تخن من خانك» لا تأخذ أكثر من حقك، قال: وهذا أحد قولي مالك؛ لأنه ائتمنه، فإن لم يكن ائتمنه واختفي فله الأخذ، وأما من ائتمنه ففي «المدونة»: لا يأخذ، واحتج بهذا الحديث (٢)، والآخر أنه يأخذ قدر حقه ويحلف ما دفعت لي شيئًا. يعني: يجب عليَّ رده عليك. وقيل: ينوي إلا ولي عليك مثله، وكأنه كالمكره على اليمين. وقيل: يحرك لسانه بما تقدم. وقيل: واسع أن لا يحركه. وقيل: إن أمن أن يحلف جاز له أن يأخذ، ويجزئ الحلِف بقوله: مالك عندي حق.
قال: وهذا إذا كان الظالم لا دين عليه، فإن كان عليه دين؛ فقيل: يأخذ قدر ما يقع له في المخاصمة. وقيل: يأخذ جميع ماله؛ لأنه لم يفلس بعد، قاله محمد بن عبد الحكم.
ثانيها: معنى (ممسك) وفي نسخة: (مسيك) (٣) في حديث هند هو بكسر الميم وتشديد السين: بخيل شديد التمسك بما في يديه.

---------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٢٤ - ١٢٢٥.
(٢) «المدونة» ٤/ ٣٦٠.
(٣) ورد بهامش الأصل: قال في «المطالع» كذا رواية أكثر المحدثين -يعني: ما هو مبسوط هنا- قال ورواية المتقنين بفتح الميم وتخفيف السين وكذا للمستملي عن أبي بحر فبالوجهين وجدته على ابن الحسن وكذا ذكره أهل اللغة؛ لأن أمسك لا يبنى منه فعيل، إنما يبنى من الثلاثي وقد يقال: مسك لغة قليلة. انتهى.



وفعيل: من أبنية المبالغة كشريب وسكير وخمير.
وقولها: (من الذي له) أي: من ماله الذي في يدي أو بيدي.
قال الخطابي: وفيه: أن من له حقٌّ على رجل، وفي يده مال له استوفاه، وإن كان من غير حقه؛ لأن معلومًا أن بيت الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه عياله على مر الأيام حتى يستغني به عما سواه (١).
قال ابن التين: وهذا غير ظاهر من الحديث، بل يحتمل أن يكون تحت يدها ما تريد أو تبيع منه ما تشتري ما تحتاج إليه.
قال الشيخ أبو إسحاق في «زاهيه»: من أصحابنا من منع من ذلك أن يأخذه أو يبيعه بمثل ما له عليه؛ لأنه لم يوكل في ذلك، وبه أقول.
قال الخطابي: وفيه جواز الحكم على الغائب. قلت: فيه نظر فإنه كان بالمدينة (٢)، قال: وفيه حكم الحاكم بعلمه (٣).
وفيه: أن السارق إذا سرق من غريمه لا يقطع.
وقوله: («بالمعروف»)، أي: بقدر حاله وما يجب عليه.
ثالثها: قد أسلفنا نسخ حديث عقبة وقيل: إنه المراد بقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وحق الضيف معروف لا يمنعه إلا عند الضرورة.

-----------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٢٣.
(٢) ورد بهامش الأصل -يعني: بمكة-: بل قال السهيلي أنه كان حاضرًا السؤال فاعلمه، وقد ساقه في «روضه» رواية، وذلك في مكة لا في المدينة.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٢٣.



واختلف هل يؤخذ من مانعه قيمته إذا كان المضطر غير حاضر، ذكره ابن التين، قال: وأما من بعثهم الإمام، فيجب على المبعوث إليهم طعامهم إلا أن يكون هناك بيت مال يحمل كلَّهم، وكان المسلمون يومئذٍ لا بيت مال لهم.
وقولهم: (لم يقرونا) أي: يضيفونا من قريت الضيف إذا جمعته إليك، وليس قولهم هذا غيبة كما سلف. وقيل: حق الضيف أن يأخذ ضيافته.


١٩ - باب مَا جَاءَ فِي السَّقَائِفِ
وَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَصْحَابُهُ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.

٢٤٦٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنهم قَالَ حِينَ تَوَفَّى اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ -: إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا، فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ. [٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣ - مسلم: ١٦٩١ - فتح ٩/ ١٠٩]
حَدَّثنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبِ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، وَأَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابن عَبَّاسٍ أَخْبَرَهُ، عَنْ عُمَرَ قَالَ حِينَ تَوَفى اللهُ نَبِيَّهُ - ﷺ -: إِنَّ الأَنْصَارَ اجْتَمَعُوا فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقُلْتُ لأَبِي بَكْرٍ: انْطَلِقْ بِنَا، فَجِئْنَاهُمْ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ.
وهذا الحديث ذكره مسلم والأربعة (١) مطولًا ومختصرًا وليس فيها جلوسه - عليه السلام - في السقيفة، وقد نبه على ذلك الإسماعيلي أيضًا.
وقوله: (حدثني ابن وهب، حدثني مالك، وأخبرني يونس) قيل: إن ابن وهب أول من فرق بين أخبرني وحدثني (٢) (٣).

----------
(١) أبو داود (٤٤١٨)، والترمذي (١٤٣٢)، وابن ماجه (٢٥٥٣)، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٢٧٢ (٧١٥٣).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: تقدمه ابن جريج والأوزاعي.
(٣) رواه عن ابن وهب الترمذي ٥/ ٧٥٢ كتاب: العلل، وانظر: «علوم الحديث» لابن الصلاح ص ١٣٩ - ١٤٠، وروى الخطيب في «الكفاية» ص ٤٣٤ التفريق بين أخبرنا وحدثنا عن ابن جريج والأوزاعي.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #458  
قديم 01-05-2026, 06:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 631 الى صـــ 650
الحلقة (458)







والسقائف صفف لها سقف، والسقيفة: فعيلة بمعنى مفعولة.
قال ابن التين: ولما كان لأهل الموضع أن يرتفقوا بسقائفهم وأفنيتهم؛ لأنه لو لم يجز ذلك لم يجلس رسول الله - ﷺ - هناك، ثم اقتدى به أصحابه.
وقال ابن بطال: السقائف والحوانيت قد علم الناس ما وضعت له ومن اتخذها مجلسًا، فذلك مباح له إذا التزم ما في ذلك من غض البصر ورد السلام وهداية الضال وجميع شروطه (١).

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٨٦.


٢٠ - باب لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ
٢٤٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ. [٥٦٢٧، ٥٦٢٨ - مسلم: ١٦٠٩ - فتح ٥/ ١١٠]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَمْنَعُ جَارٌ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَهُ فِي جِدَارِهِ». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَا لِي أَرَاكُمْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ؟! وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بِهَا بَيْنَ أَكْتَافِكُمْ.
قال ابن عبد البر: كذا روى هذا الحديث رواة «الموطأ» عن مالك، ورواه خالد بن مخلد عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج به، ويحتمل أن يكون عنده بهما جميعًا، ورواه أكثر أصحاب ابن شهاب عنه عن الأعرج كما رواه مالك إلا معمر بن راشد، فإن عنده عن ابن شهاب إسنادين أحدهما كما سلف، والثاني عن ابن المسيب بدل الأعرج.
قال الرازيان: وَهِمَ معمرٌ فيه؛ إنما هو الزهري عن الأعرج (١).
وبهذا الإسناد كان هذا الحديث عن عقيل.
ورواه محمد بن أبي حفصة عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ولم يتابع على ذلك عن ابن شهاب، ورواه هشام بن

----------
(١) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٤٧١ (١٤١٣).


يوسف الصنعاني، عن معمر ومالك عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة فوهِم فيه، وليس بصحيح فيه عن مالك ولا عن معمر ذكرُ أبي سلمة- فيما ذكره الدارقطني (١).
وقد روى بشر بن عمر عن مالك، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة.
والصواب: مالك، عن الزهري، عن الأعرج كما سلف (٢).
ولما سئل أبو حاتم عن حديث ابن الطباع، عن وهيب وابن علية، عن أيوب، عن عكرمة، عن أبي هريرة. الحديث من غير ذكر ابن سيرين، قال: إن كان حديث ابن الطباع محفوظًا فهو غريب، وأحسب غير ابن الطباع رواه في حماد ولم يذكر ابن سيرين (٣).
وروى أسد بن موسى، حدثنا قيس بن الربيع، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: «من ابتنى فليدعم جذوعه على حائط جاره» (٤).
ولابن ماجه: «لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبَهُ في حائط جاره» (٥).

--------
(١) «العلل» ١٠/ ٢٩٣.
(٢) «التمهيد» ١٠/ ٢١٥ - ٢١٧.
(٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧ (١٤٠١).
(٤) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٦/ ٢٠٠ - ٢٠١ (٢٤٠٨)، عن الربيع بن سليمان المرادي، ثنا أسد، به. ورواه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٤٩ (٢٣٠٢٧) من طريق سفيان، عن سماك، به.
(٥) ابن ماجه (٢٣٤١) من حديث ابن عباس بلفظ: «لا ضرر ولا ضرار» فقط، ورواه بتمامه أحمد ١/ ٣١٣.



وله من حديث عكرمة بن سلمة بن ربيعة أن أخوين من بني المغيرة لقيا مجمع بن جارية الأنصاري (١) ورجالًا كثيرًا، فقالوا: نشهد أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبًا في جداره» (٢).
قال أبو عمر: قيل: إن حديث مجمع هذا مرسل، وإنما يروى عن عمر، عن رسول الله - ﷺ -، وربما رواه عن أبي هريرة (٣).
إذا تقرر ذلك، فـ«خشبة» روي بالإفراد والجمع و(أكتافكم) بالتاء، وصُحِّفَ بالنون.
قال عبد الغني: كل الناس يقولونه «خشبَهُ» بالجمع إلا الطحاوي (٤)، ويؤيده حديث مجمع، وإنما وقع الاعتناء بذلك؛ لأن أمر الواحدة أخف في محل التسامح بخلاف الكثير، فإن الضرر يحصك ولا تحصل
المسامحة.
وقوله: (مالي أراكم عنها معرضين) يعني: عن المقالة التي قالها، أنكر عليهم لما رأى من إعراضهم واستثقالهم لما سمعوه.
قال ابن عبد البر: يقول ابن عيينة في هذا الحديث: «إذا استأذن»

---------
(١) هكذا ذكره المصنف.
وفي «السنن» مجمع بن يزيد بن جارية الأنصاري، وفرَّق بينهما ابن عبد البر: فجعل الثاني -مجمع بن يزيد- ابن أخي الأول، وقال ابن منده: أراهما واحدًا. وقال أبو نعيم: أفرده بعض المتأخرين عن الأول، وهما واحد، وقال المزي في ترجمة مجمع بن يزيد: هو ابن أخي مجمع بن جارية، وقيل: هما واحد، ينسب تارة إلى أبيه، وتارة إلى جده.
انظر: «الاستيعاب» ٣/ ٤١٨، «أسد الغابة» ٥/ ٦٨، «تهذيب الكمال» ٢٧/ ٢٥٠.
(٢) ابن ماجه (٢٣٣٦).
(٣) «الاستيعاب» ٣/ ٤١٨.
(٤) انظر: «المنتقى» للباجي ٦/ ٤٥، «التمهيد» ١٠/ ٢٢١.



وكذلك في رواية ابن أبي حفصة (و) (١) عقيل عن سليمان بن كثير: «إذا سأل أحدكم جاره» و«من سأله جاره أن يضع خشبه في جداره فلا يمنعه» (٢)، وهكذا روى هؤلاء هذا الحديث على سؤال الجار جاره واستئذانه إياه أن يجعل خشبه على جداره، ولم يذكر معمر ويونس في هذا الحديث السؤال والمعنى فيه واحد، وروى هذا الحديث عن مالك الليثُ، فقال فيه: «من سأله جاره ..» (٣).
واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث هل هو على وجه الندب أو الإيجاب؟
فقالت طائفة بالثاني إذا لم يكن في ذلك مضرة على صاحب الجدار، وهو قول الشافعي في القديم، وإن أطلقه عنه ابن بطال وأحمد وإسحاق وداود وأبي ثور وجماعة من أصحاب الحديث وابن حبيب من المالكية، وهو مذهب عمر بن الخطاب. وحكى عن مالك ذلك المطلب -قاض- أنه كان بالمدينة يقضي به، وقاله أبو هريرة في زمن الأعرج والتابعين (٤).
وقالت طائفة بالأول لا يغرز الخشب في حائط أحد إلا بإذنه، والحديث محمول على الندب، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي في الجديد (٥)، والحجة لهم قوله - ﷺ -: «إن دماءكم وأموالكم عليكم

----------
(١) في الأصل: (عن)، والمثبت من»التمهيد«، وهو الصواب.
(٢) رواه عنهم الطحاوي في»شرح مشكل الآثار«٦/ ٢٠٤ - ٢٠٦ (٢٤١٧ - ٢٤٢٠).
(٣)»التمهيد«١٠/ ٢١٨ - ٢١٩.
(٤) انظر:»الاستذكار«٢٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧،»شرح ابن بطال«٦/ ٥٨٦،»شرح مسلم«للنووي ١١/ ٤٧،»روضة الطالبين«٤/ ٢١٢.
(٥) انظر:»مختصر اختلاف العلماء«٣/ ٤٠١،»الاستذكار«٢٢/ ٢٢٥،»شرح مسلم«١١/ ٤٧،»روضة الطالبين" ٤/ ٢١٢.



حرام» (١) وأنه لا يجوز لأحد أن يجبر أحدًا على أن يفعل في ملكه ما يضر به، وقد قال - عليه السلام -: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه» (٢)، فعلمنا أن حديث أبي هريرة للندب وحسن المجاورة لا للوجوب، وهي كقوله - عليه السلام -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (٣)، ولقوله: «ما آمن من بات شبعان وجاره طاوٍ» (٤).
قالوا: ولو كان الحديث معناه الوجوب ما جهل الصحابة تأويله ولا كانوا معرضين عن أبي هريرة حين حدثهم به، وإنما جاز لهم ذلك لتقرير العمل، والأحكام عندهم بخلافه، ولا يجوز عليهم جهل الفرائض، فدل ذلك أن معناه على الندب، وفي هذا دليل أن تأويل الأحاديث على ما بلغناها عنه الصحابة لا على ظاهرها.
قال المهلب: ولو بلغ من اجتهاد حاكم أن يحكم فيه لنفذ حكمه بما خص رسول الله - ﷺ - أمته من ذلك، كما حكم عمر على ابن مسلمة في تحويل الساقية إلى جنبه.
وسئل ابن القاسم عن رجل كانت له خشبة في حائط أدخلها بإذنه، ثم إن الذي له الحائط وقع بينه وبين الذي له الخشب شحناء، فقال له: أخرج خشبك من حائطي، فقال مالك: ليس لنا أن نخرجه على وجه

------------
(١) سلف برقم (٦٧) كتاب: العلم، باب: قول النبي - ﷺ -: «رب مبلغ أوعى من سامع» من حديث أبي بكرة.
(٢) رواه أحمد ٥/ ٧٢ - ٧٣، من حديث أبي حُرَّة الرقاشي، و٣/ ٤٢٣ من حديث عمرو بن يثربي بنحوه.
(٣) سيأتي برقم (٦٠١٤) كتاب: الأدب، باب: الوصاة بالجار، من حديث عائشة.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٦٤ (٣٠٣٥٠) من حديث ابن عباس، ورواه الطبراني ١/ ٢٥٩ (٧٥١) من حديث أنس بن مالك.



الضرر، ولكن ننظر في ذلك، فإن احتاج الرجل إلى حائطه ليهدمه فهو أولى به.
وروى ابن عبد الحكم أنه قال: وإن أراد بيع داره، فقال: انزع خشبك فليس له ذلك. وقال مطرف وابن الماجشون: لا يقلع الخشب أبدًا وإن احتاج صاحب الجدار إلى جداره (١).
وفي رواية عن ابن عبد الحكم، عن مالك، قال: ليس يقضى على رجل أن يغرز خشبة في (جداره لجاره) (٢)، وإنما نرى أن ذلك كان من رسول الله - ﷺ - على الوصاة بالجار (٣)، وأكثر علماء السلف على الأول أنه على الندب، وحملوه على معنى قوله - عليه السلام -: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها» (٤).
قلت: وأجيب بجواب آخر وهو أن الهاء في «جداره» يرجع إلى الغارز؛ لأن الجدار إذا كان بين اثنين وهو لأحدهما فأراد صاحبه أن يضع عليه الجذوع ويبني ربما منعه جاره؛ لئلا يشرف عليه، فأخبر
الشارع أنه لا يمنعه ذلك.
قال ابن التين: وعورض هذا بأنه إحداث قول ثالث في معنى الخبر، وذلك ممنوع عند أكثر الأصوليين، ولا نسلم له.

-----------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٨٧ - ٥٨٨، «التمهيد» ١٠/ ٢٢٢ - ٢٢٣، «الاستذكار» ٢٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦، «النوادر والزيادات» ١١/ ٩٣ - ٩٥.
(٢) في الأصل: جدار جاره، والمثبت من «التمهيد»، و«الاستذكار».
(٣) «الاستذكار» ٢٢/ ٢٢٥، «التمهيد» ١٠/ ٢٢٢.
(٤) سلف برقم (٨٧٣) كتاب: الجمعة، باب: استئذان المرأة زوجها ..، ورواه مسلم (٤٤٢) كتاب: الصلاة، باب: خروج النساء إلى المساجد ..، من حديث ابن عمر.



ومعنى (لأرمين بها بين أكتافكم) أي: أذيعها فيكم. وقال الخطابي: إن لم تقبلوه وتتلقوه بأيديكم راضين جعلته على رقابكم كارهين (١).
وغرزت الخشبة أغرزها -بالكسر-: أدخلتها الجدار.
واعلم أن ما قدمناه عن الشافعي من حمل الحديث على الوجوب في القديم رأيته في البويطي أيضًا، حيث قال في باب اختلاف مالك والشافعي. قال مالك: للجار أن يغرز خشبه في جداره. وقال الشافعي: ليس له أن يمنعه (٢). هذا لفظه، ورجحه البيهقي حيث قال: لم نجد له في السنة معارضًا، ولا تصح معارضته بالعمومات، وقد نص عليه في القديم والجديد ولا عذر لأحد في مخالفته (٣).
واختار الروياني التفصيل بين أن يظهر تعنت فاعله أم لا، ثم للإجبار شروط أن لا يحتاج مالك الجدار إليه لوضع جذوعه، وأن تكون خفيفة لا تضر، وأن لا يمكن الجدار أن يسقف إلا بالوضع، وأن تكون الأرض له، كما أوضحتها في كتب الفروع (٤).

----------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٢٨.
(٢) انظر: «الاستذكار» ٢٢/ ٢٢٨.
(٣) «معرفة السنن والآثار» ٩/ ٣٧.
(٤) ورد بهامش الأصل: آخر ٣ من ٨ من تجزئة المصنف.



٢١ - باب صَبِّ الخَمْرِ فِي الطَّرِيقِ
٢٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ أَبُو يَحْيَى، أَخْبَرَنَا عَفَّانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآيَةَ [المائدة: ٩٣]. [٤٦١٧، ٤٦٢٠، ٥٥٨٠، ٥٥٨٢، ٥٥٨٣، ٥٥٨٤، ٥٦٠٠، ٥٦٢٢، ٧٢٥٣ - مسلم: ١٩٨٠ - فتح ٥/ ١١٢]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ رضي الله عنه: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُنَادِيًا يُنَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ. قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِي سِكَكِ المَدِينَةِ، فَقَالَ بَعْضُ القَوْمِ: قَدْ قُتِلَ قَوْمٌ وَهْيَ فِي بُطُونِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾.
هذا الحديث ذكره فيما يأتي بألفاظ أخر منها، فقال أبو طلحة: فاخرج فانظر لنا ما هذا الصوت فخرجت، فقلت: هذا منادٍ ينادي ألا إن الخمر قد حُرِّمت، ومنها: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب، وفي لفظ: وأبا دجانة وسهيل بن بيضاء، فقال أبو طلحة: قم يا أنس إلى هذِه الجرار فاكسرها. قال أنس: فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى انكسرت؛ ويأتي في التفسير أيضًا، وأخرجه مسلم وأبو داود في الأشربة (١).

--------
(١) أبو داود (٣٦٧٣).


إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
سميت الخمر لمخامرتها العقل، أي: مخالطتها له أو لتغطيتها إياه، تذكر وتؤنث (١).
وجزم ابن التين بالتأنيث. قال ابن سيده: هي ما أسكر من عصير العنب، والأعرف فيها التأنيث، وقد تذكر، والجمع: خمور (٢).
وقال ابن المسيب فيما حكاه النحاس في «ناسخه»: سميت؛ لأنها صعد صفوها ورسبت كدرتها (٣).
وقال ابن الأعرابي: لأنها تركت فاختمرت واختمارها تغير ريحها (٤).
وجعلها أبو حنيفة الدينوري (٥) من الحبوب وهو تسمح؛ لأن

--------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال النووي في «التهذيب»: وهي مؤنثة على اللغة الفصيحة المشهورة، وحكى أبو حاتم في «المؤنث والمذكر» في موضعين منه أنَّ قومًا فصحاء يُذَكِّرونها، قال: وسمعت ذلك ممن أثق به. وذكرها ابن قتيبة في «أدبه» فيما جاء فيه اللغتان ولا يقال: خمرة بالهاء في اللغة الفصيحة وتكرر استعمالها في «الوسيط» بالهاء بلا إنكار. قال: وقد روينا في «الجعديات» مرفوعًا: «إن الشيطان يحب الخمرة» بالهاء، وكذا ذكره أهل اللغة الجوهري وغيره. وذكر أبو حاتم أنه يقال: خمرة. وكذا ابن مالك في «المثلث». قال: الخمرة، الخمر، انتهى بمعنا. [انظر: «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ٩٨].
(٢) «المحكم» ٥/ ١١٤.
(٣) «الناسخ والمنسوخ» ١/ ٥٩٥.
(٤) «الصحاح» ٢/ ٦٤٩.
(٥) هو أحمد بن داود الدينوري النحوي، تلميذ ابن السكيت، صدوق، كبير الدائرة، طويل الباع، ألف في النحو واللغة والهندسة والهيئة والوقت … وأشياء، مات سنة ٢٨٢ ص انظر: «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٢٢ (٢٠٨).



حقيقتها من العنب (١)، ولها عدة أسماء نحو المائتين عددتها على حروف المعجم في «لغات المنهاج» فراجعها منه.
ثانيها:
(الفضيخ) بفاء مفتوحة، ثم ضاد وخاء معجمتين. قال أبو حنيفة عن الأعراب: هو ما اعتصر من العنب اعتصارًا فهو الفضيخ؛ لأنه يفتضخ، وكذلك فضيخ البسر.
قال ابن سيده: وهو شراب يتخذ من البسر المفضوخ (٢) -يعني: المشدوخ- زاد الجوهري: من غير أن تمسه النار (٣).
وقال ابن فارس: يشدخ وينبذ (٤)، وفي «مجمع الغرائب»: ويروى عن ابن عمر أنه قال: ليس بالفضيخ ولكنه الفضوح.
وقال بعضهم: هو شراب يتخذ من البسر المشدوخ، فهو فضيخ أو فضوح؛ لأنه من البسر المشدوخ. أي: لأنه يسكر صاحبه فيفضحه (٥).
وقال الداودي: يهشم البسر ويجعل معه الماء، وقاله الليث، وسيأتي إيضاحه في الأشربة أيضًا.
ثالثها:
كان تحريم الخمر في السنة الثالثة (٦) من بعد غزوة أحد، قاله ابن سعد.

--------
(١) «المحكم» ٥/ ١٤٤.
(٢) «المحكم» ٥/ ٢٨.
(٣) «الصحاح» ١/ ٤٢٩.
(٤) «مجمل اللغة» ٣/ ٧٢٣.
(٥) انظر: «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٧٩٨.
(٦) ورد بهامش الأصل: حرم في أول الرابعة في ربيع الأول بعد أحد.



وقوله: (فأمر مناديًا ينادي) وفي رواية: (وأتاهم آت)، يعني: أن الآتي أخبرهم بالنداء، والنداء عن الآمر يتنزل في العمل به منزلة سماع قوله، قاله الداودي. والظاهر كما قال ابن التين أنهما مختلفان، وفيه الإشهار بالنداء.
والسكك: الطرق، جمع سكة.
وقوله: (كنت ساقي القوم) لأنه ربيب أبي طلحة، والذين سقاهم أبو طلحة وأبو عبيدة وأبي بن كعب وغيرهم كما سلف.
وقوله: (اخرج فأهرقها) قال ابن التين: الهاء زائدة ليست أصلية؛ لأن فاءه راء، وإنما دخلت الهاء لأنها دخلت في مستقبله وثبتت فيه بخلاف غيره لإبدالها هاء، وكذا أرقتُ الماء فأنا أهريقه، بدلت من الهمزة لقرب الهاء منها، والأمر من المستقبل.
وقوله: (فهرقتها) بدلت أيضًا من الهمزة، وليست من أصل الفعل. أعني: الهمزة والهاء.
رابعها:
كان هذا في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء وتنظف، وأما الآن فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق، نبه عليه ابن التين، وعلَّلَهُ بخوف أذى المسلمين.
قال: وقد منع سحنون أن يصب ماء من بئر وقعت فيه فأرة في الطريق، وأيضًا فكان صبها في الطريق أشهر؛ لبيان تحريمها وإظهاره، وكذا قال المهلب: إنما جاز هرقها في الطرق للسمعة بذلك، والتشنيع والإيثار لله في رفضها، والإعلان بنبذها، ولولاه ما حسن هرقها في الطرق من أجل أذى الناس في ممشاهم، ونحن


نمنع من إراقة الماء الطاهر في الطريق من أجل أذى الناس في ممشاهم، فكيف الخمر (١)!
واستُدل لابن حزم على طهارتها بهذا الحديث؛ لأن الصحابة كان أكثرهم يمشي حافيًا فما يصيب قدمه لا ينجس به.
خامسها:
فيه: قبول خبر الواحد.
سادسها:
حرمة إمساكها، ونقل النووي اتفاق الجمهور عليه (٢).
سابعها:
قول من قال: (قتل قوم وهي في بطونهم) صدر عن غلبة خوف وشفقة أو عن غفلة عن المعنى؛ لأن الخمر كانت مباحة أولًا، ومن فعل ما أبيح له لم يكن له ولا عليه شيء؛ لأن المباح مستوي الطرفين
بالنسبة إلى الشرع.

-----------
(١) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٨٨.
(٢) «شرح مسلم» ١٣/ ١٥٠.



٢٢ - باب أَفْنِيَةِ الدُّورِ وَالجُلُوسِ فِيهَا وَالجُلُوسِ عَلَى الصُّعُدَاتِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَابْتَنَى أَبُو بَكْرٍ مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ، وَالنَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ. [انظر: ٤٧٦]

٢٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ». فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ». [٦٢٢٩ - مسلم: ٢١٢١ - فتح ٥/ ١١٢]
وهذا مختصر من خروجه إلى الحبشة، وقد سلف في الصلاة.
ثم ساق حديث أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه، عَن النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «إِيَّاكُمْ وَالجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ». فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدَّ، إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. قَالَ: «فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلَّا المَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطُّرُقَ حَقَّهَا» قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطُّرُقِ؟ قَالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وَكفُّ الأَذى، وَرَدُّ السَّلَامِ، وَأَمْرٌ بِالمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ المُنْكَرِ».
الشرح: عند أبي داود من حديث أبي هريرة: «وإرشاد السبيل» (١)، وعن إسحاق بن سويد، عن ابن حجير العدوي، عن عمر مرفوعًا في هذِه القصة «وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضال» (٢).

------------
(١) «سنن أبي داود» (٤٨١٦).
(٢) «سنن أبي داود» (٤٨١٧).



قال البزار: لا نعلم أحدًا أسنده إلا جرير بن حازم عن إسحاق بن سويد. ولا رواه عن جرير مسندًا إلا ابن المبارك، ويروي هذا الحديث حماد بن زيد عن إسحاق بن سويد مرسلًا (١).
إذا عرفت ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الفناء بكسر الفاء وبالمد. قال ابن ولاد (٢): هو حريم الدار.
والصعدات -بضمتين-: الطرقات واحدها: صعيد، وهو أحسنُ ممَّن ضبطه بفتح العين، كما نبه عليه ابن التين؛ لأنه جمع صعد، وصعد جمع صعيد مثل طريق وطرق وطرقات والصعيد وجه الأرض.
ثانيها:
نهيه - عليه السلام - عن الجلوس فيها؛ لئلا يضعفَ الجالس عن الشروط التي ذكرها الشارع، فلما ذكروا أنهم لا يجدون منه بدًّا. قال لهم: «أعطوا الطريق حقها» ووصف لهم الأشياء التي وصفها، وذلك مثل نهيه عن الانتباذ في الأوعية، فلما قالوا: لا بد لهم من ذلك، أباح لهم الانتباذ فيها إلا أن يسكر، والذي فهمه العلماء أن هذا النهي ليس على وجه التحريم، وإنما هو من باب سد الذرائع والإرشاد إلى الأصلح.
وفي رواية: «وحسن الكلام» (٣) من رد الجواب يريد من جلس على الطريق، فقد تعرض لكلام الناس، فليحسن لهم كلامه ويصلح شأنه.

-----------
(١) «مسند البزار» ١/ ٤٧٣.
(٢) «المقصور والممدود» ص ٨٦.
(٣) رواه مسلم (٢١٦١) كتاب: السلام، باب: من حق الجلوس على الطريق رد السلام. من حديث أبي طلحة،



روى هشام بن عروة عن عبد الله بن الزبير، قال: المجالس حلق
الشيطان إن رأوا حقًّا لا يقومون به، وإن يروا باطلًا فلا يدفعونه. وقال عامر: كان الناس يجلسون في مساجدهم، فلما قتل عثمان خرجوا إلى الطريق يسألون عن الأخبار.
قال سلمان: لا تكونن أول من يدخل السوق ولا آخر من يخرج منها، فإنها معركة الشيطان، وبها ينصب رايته (١).
وقال: السوق مبيض الشيطان ومفرخه (٢).
وقد ترخص في الجلوس بالأفنية والطرق والأسواق قوم من أهل الفضل والعلم ولعلهم إنما فعلوا ذلك؛ لأنهم قاموا بما عليهم فيه.
وقال طلحة بن عبيد الله: مجلس الرجل ببابه مروءة. وقال ابن عوف: مررت بعامر وهو جالس بفنائه. وقال ابن أبي خالد: رأيت الشعبي جالسًا في الطريق.
ثالثها:
فيه: وجوب غض البصر عن النظر إلى عورة مؤمن ومؤمنة، وعن جميع المحرمات، وكل ما يخشى الفتنة منه. وقد قال - عليه السلام - لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى وعليك الآخرة» (٣).
وفيه: وجوب رد السلام على من سلم عليه، ولزوم الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكف الأذى.

-----------
(١) رواه مسلم (٢٤٥١) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أم سلمة رضي الله عنها.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ١٣٨ (٣٤٦٦٤).
(٣) رواه أبو داود (٢١٤٩)، والترمذي (٢٧٧٧)، وأحمد ٥/ ٣٥١، من حديث بريدة بن الحصيب. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديث شريك.



وفيه: قطع الذرائع؛ لأن الجلوس ذريعة تسليط البصر وقلة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلذلك نهى عنه. قال المهلب: وإنما يلزم المؤمن النفير والإغاثة والعون ما وقعت الحضرة إليه وليس
عليه طلب ذلك، إنما عليه ما حضر منها.
وفيه: الدلالة على الندب إلى لزوم المنازل التي يسلم لازمها من رؤية ما يكره رؤيته، وسماع ما لا يحل له سماعه، وما يجب عليه إنكاره، ومن معاونة مستغيث يلزمه إغاثته، وذلك أنه - ﷺ - إنما أذن في الجلوس بالأفنية والطرق بعد نهيه عنه إذا كان من يقوم بالمعاني التي ذكرها، وإذا كان ذلك كذلك، فالأسواق التي تجمع المعاني التي أمر الشارع الجالس بالطرق باجتنابها مع الأمور التي هي أوجب منها وألزم من ترك الكذب، والحلف بالباطل، وتحسين السلع بما ليس فيها، وغش المسلم، وغير ذلك من المعاني التي لا يطيق القيام بما يلزمه فيها إلا من عصمه الله أحق وأولى بترك الجلوس فيها من
الأفنية والطرق، وقد روي نحو هذا عن جماعة من أهل العلم، ونقل ابن التين عن بعض العلماء: إذا كان كارهو المنكر الثلث وفاعلوه الثلثين وجب على كارهيه قتالهم لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: ٦٦].


٢٣ - باب الآبَارِ عَلَى الطُّرُقِ إِذَا لَمْ يُتَأَذَّ بِهَا
٢٤٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُمَىٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ بِطَرِيقٍ، اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبَ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي كَانَ بَلَغَ مِنِّي. فَنَزَلَ البِئْرَ، فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ لأَجْرًا؟ فَقَالَ: «فِي كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». [انظر: ١٧٣ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح ٥/ ١١٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف قريبًا في باب: سقي الماء (١)، وفيه: «فَوَجَدَ بِئْرًا فَنَزَلَ فِيهَا فَشَرِبَ، ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كلْبٌ» (٢). وساقه بطوله.
قال المهلب: هذا يدل أن حفر الآبار بحيث يجوز للحافر حفرها من أرض مباحة أو مملوكة له جائز، ولم يمنع ذلك لما فيه من البركة وتلافي العطشان، وكذلك لم يكن ضامنًا؛ لأنه قد يجوز مع الانتفاع بها أن يستضر بها ساقط بليل أو تقع فيها ماشية، لكنه لما كان ذلك نادرًا كان المنفعة بها أكثر، غلب حال الانتفاع على حال الاستضرار، فكانت جُبَارًا لا دية لمن هلك فيها.
وقوله: (وإن لنا في البهائم لأجرًا؟) قال الداودي: كل نفس يقال لها: بهيمة.

----------
(١) سلف برقم (٢٣٦٣) كتاب: المساقاة.
(٢) ورد بهامش الأصل: وجه مطابقة الترجمة للحديث: أن في بعض طرقه: بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش فوجد بئرا .. فذكر الحديث.



٢٤ - باب إِمَاطَةِ الأَذَى
وَقَالَ هَمَّامٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يُمِيطُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». [انظر: ٢٧٠٧ - فتح ٥/ ١١٤]
وهذا الحديث أسنده في باب: من أخذ بالركاب (١) وغيره. وأورده
ابن بطال من قول أبي هريرة، ثم قال: ليس هو من رأيه؛ لأن الفضائل لا تدرك بقياس، وإنما تؤخذ توقيفًا عن رسول الله - ﷺ -، قال: وقد أسند مالك معناه من حديث أبي هريرة، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «بينما رجل يمشي إذ وجد غصن شوك على الطريق فأخره، فشكر الله له فغفر له» (٢).
وهذا عجيب منه، فالذي وجدناه في الأصول رفعه كما ذكرناه، ثم عزوه ما ذكره من طريق مالك هو في البخاري من هذا الوجه بعد وترجم عليه باب: من أخذ الغصن كما سيأتي (٣).
ثم قال: فإن قلت: كيف تكون إماطة الأذى عن الطريق صدقة؟
قيل: معنى الصدقة إيصال النفع إلى المتصدق عليه، فأما إماطة الأذى عن الطريق فقد تسببت إلى سلامة أخيه المسلم من ذلك الأذى، فكأنه قد تصدق عليه بالسلامة منه، فكان له على ذلك أجر الصدقة وهذا كما جعل الإمساك عن الشر صدقة على نفسه، وإماطة الأذى وكل ما أشبهه حث على الاستكثار من الخير، وأن لا يُستقل منه شيء. وقد قال - عليه السلام - لأبي تميمة الهُجَيْمي:

--------
(١) سيأتي برقم (٢٩٨٩) كتاب: الجهاد والسير.
(٢) «الموطأ» ص ١٠١ (٦).
(٣) سيأتي برقم (٢٤٧٢).



«لا تحقرن من المعروف شيئًا ولو أن تضع من دلوك في إناء المستقي» (١).
قلت: أبو تميمة الهجيمي تابعي.
فائدة: معنى «يميط الأذى»: ينحِّيه. قال أبو عبيد عن الكسائي: مطت عنه الأذى، وأمطت: نحيت، وكذلك مط غيري وأمطته، وأنكر الأصمعي ذلك وقال: مطت أنا وأمطت غيري.

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٩١ - ٥٩٢. وحديث أبي تميمة رواه أحمد ٥/ ٦٤ من طريق عُبيدة الهجيمي، عن أبي تميمة الهجيمي، عن جابر بن سليم مرفوعًا. وقوله: (عن جابر بن سليم) سقط من الطبعة الميمنية لـ«المسند» وأثبته الحافظ في «أطراف المسند» ١/ ٦٧٤ (١٣٥٩).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #459  
قديم 01-05-2026, 08:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 651 الى صـــ 661
الحلقة (459)





٢٥ - باب الغُرْفَةِ وَالعُلِّيَّةِ المُشْرِفَةِ وَغَيْرِ المُشْرِفَةِ فِي السُّطُوحِ وَغَيْرِهَا
٢٤٦٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ، ثُمَّ قَالَ: «هَلْ تَرَوْنَ مَا أَرَى [إِنِّي أَرَى] مَوَاقِعَ الفِتَنِ خِلَالَ بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ القَطْرِ». [انظر: ١٨٧٨ - مسلم: ٢٨٨٥ - فتح ٥/ ١١٤]

٢٤٦٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ رضي الله عنه عَنِ المَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فَحَجَجْتُ مَعَهُ، فَعَدَلَ وَعَدَلْتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ، فَتَبَرَّزَ حَتَّى جَاءَ، فَسَكَبْتُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الإِدَاوَةِ فَتَوَضَّأَ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَنِ المَرْأَتَانِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - اللَّتَانِ قَالَ [الله -عز وجل-] لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ﴾ [التحريم: ٤]؟ فَقَالَ وَاعَجَبِي لَكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، عَائِشَةُ، وَحَفْصَةُ. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ عُمَرُ الحَدِيثَ يَسُوقُهُ، فَقَالَ: إِنِّى كُنْتُ وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ -وَهْيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ- وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الأَمْرِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَهُ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الأَنْصَارِ إِذَا هُمْ قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الأَنْصَارِ، فَصِحْتُ عَلَى امْرَأَتِي، فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، فَقَالَتْ: وَلِمَ تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - لَيُرَاجِعْنَهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ. فَأَفْزَعَنِي، فَقُلْتُ: خَابَتْ مَنْ فَعَلَ مِنْهُنَّ بِعَظِيمٍ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ: أَيْ حَفْصَةُ، أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اليَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟! فَقَالَتْ: نَعَمْ. فَقُلْتُ: خَابَتْ وَخَسِرَتْ، أَفَتَأْمَنُ أَنْ يَغْضَبَ اللهُ لِغَضَبِ رَسُولِهِ - ﷺ - فَتَهْلِكِينَ؟ لَا تَسْتَكْثِرِي


عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ، وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَاسْأَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺيُرِيدُ عَائِشَةَ- وَكُنَّا تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ النِّعَالَ لِغَزْوِنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي يَوْمَ نَوْبَتِهِ فَرَجَعَ عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أَنَائِمٌ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ. وَقَالَ: حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَتْ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْهُ وَأَطْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - نِسَاءَهُ. قَالَ: قَدْ خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفَجْرِ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَدَخَلَ مَشْرُبَةً لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَإِذَا هِىَ تَبْكِي. قُلْتُ: مَا يُبْكِيكِ؟ أَوَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هُوَ ذَا فِي المَشْرُبَةِ. فَخَرَجْتُ، فَجِئْتُ المِنْبَرَ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ الَّتِي هُوَ فِيهَا فَقُلْتُ لِغُلَامٍ لَهُ أَسْوَدَ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ. فَدَخَلَ، فَكَلَّمَ النَّبِيَّ - ﷺ - ثُمَّ خَرَجَ، فَقَالَ: ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ -فَذَكَرَ مِثْلَهُ- فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الَّذِينَ عِنْدَ المِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ فَجِئْتُ الغُلَامَ فَقُلْتُ: اسْتَأْذِنْ لِعُمَرَ -فَذَكَرَ مِثْلَهُ- فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا، فَإِذَا الغُلَامُ يَدْعُونِي قَالَ: أَذِنَ لَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى رِمَالِ حَصِيرٍ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ، قَدْ أَثَّرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ، مُتَّكِئٌ عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ: وَأَنَا قَائِمٌ: طَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ بَصَرَهُ إِلَيَّ، فَقَالَ: «لَا». ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى قَوْمٍ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فَذَكَرَهُ، فَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، ثُمَّ قُلْتُ: لَوْ رَأَيْتَنِي، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ هِيَ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺيُرِيدُ عَائِشَةَ- فَتَبَسَّمَ أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، ثُمَّ رَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللهِ مَا رَأَيْتُ فِيهِ شَيْئًا يَرُدُّ البَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: ادْعُ اللهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ

وَالرُّومَ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا، وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللهَ، وَكَانَ مُتَّكِئًا. فَقَالَ: «أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟! أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا». فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، اسْتَغْفِرْ لِي. فَاعْتَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ الحَدِيثِ حِينَ أَفْشَتْهُ حَفْصَةُ إِلَى عَائِشَةَ، وَكَانَ قَدْ قَالَ: «مَا أَنَا بِدَاخِلٍ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا». مِنْ شِدَّةِ مَوْجَدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حِينَ عَاتَبَهُ اللهُ. فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: إِنَّكَ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وَإِنَّا أَصْبَحْنَا لِتِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، أَعُدُّهَا عَدًّا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ». وَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأُنْزِلَتْ آيَةُ التَّخْيِيرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ، فَقَالَ: «إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ». قَالَتْ: قَدْ أَعْلَمُ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِكَ. ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللهَ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]». قُلْتُ: أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. ثُمَّ خَيَّرَ نِسَاءَهُ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ. [انظر: ٨٩ - مسلم: ١٤٧٩ - فتح ٥/ ١١٤]

٢٤٦٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ حَدَّثَنَا الفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ آلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ فَجَلَسَ فِي عِلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ قَالَ: «لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا». فَمَكُثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ.
ذكر فيه حديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: أَشْرَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ المَدِينَةِ .. الحديث.
وقد سلف في باب مفرد في أواخر الحج فيما يتعلق بالمدينة -شرفها الله تعالى- والأُطُمُ: بضم الهمزة والطاء: الحصن المبني بالحجارة، وجمعه آطام.
وقوله: («خلال بيوتكم») أي: بينها.


وقوله: («كمواقع القطر»): لكثرتها، وهو من أعلام نبوته، والرؤية فيه بمعنى العلم مثل: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الفِيلِ (١)﴾ [الفيل: ١]، ويحتمل أن تكون الفتن مثلت له حتى كأنه ينظر إليها، وخيل إليه أن أصحابه يرونها. ولذلك قال لهم: «هل ترون ما أرى؟».
وحديث ابن عباس: لَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى أَنْ أَسْأَلَ عُمَرَ عَنِ المَرْأَتَيْنِ
مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - اللَّتَيْنِ قَالَ اللهُ لَهُمَا: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] فذكره بطوله، وفيه: فَجِئْتُ المَشْرُبَةَ التِي هُوَ فِيهَا .. وساق الحديث.
وحديث أَنَسٍ آلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ قَدَمُهُ فَجَلَسَ فِي عِلِّيَّةٍ لَهُ، فَجَاءَ عُمَرُ، فَقَالَ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: «لَا، وَلَكِنِّي آلَيْتُ مِنْهُنَّ شَهْرًا». فَمَكُثَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ نَزَلَ، فَدَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ.
فهذِه ثلاثة أحاديث دالة على ما ترجم له.
والغرف والسطوح وغيرها مباحة ما لم يطلع منها على حرمة أحد وعورة له. و(المشرُبة): الغرْفة؛ بضم الراء وفتحها، ذكرهما ابن قتيبة وقال: هي كالصُّفَّة بين يدي الغرفة (١).
وقال ابن فارس: هي الغرفة (٢). وسلف ذلك.
وقال الداودي: هي الغرفة الصغيرة.

----------
(١) «غريب الحديث» ٢/ ٢١٦، وقوله: (هي كالصفة ..) ذكره في (المسربة) بالسين المهملة.
(٢) «مجمل اللغة» ٢/ ٥٢٨.



وقال ابن بطال في النكاح: المشربة: الخزانة التي يكون فيها طعامه وشرابه. وقيل لها: مشربة -فيما أرى- لأنهم كانوا يتخذون فيها شرابهم، كما قيل للمكان الذي تطلع عليه الشمس وتشرق فيه:
ضاحية مشرقة (١).
وفي حديث ابن عباس: الحرص على العلم سنة وتفسيرًا. قال طاوس: أبي ذلك البحر. يعني: ابن عباس، وقد دعا له - عليه السلام - بالتفقه في الدين (٢)، كما سلف، فكان كما دعا له. قيل له: بم نلت هذا؟ قال: بلسان سئول وقلب عقول.
وفيه: خدمة الرجل الشريف للسلطان والعالم وأنه لا ضعة عليه في خدمته.
وفيه: الكلام في العلم على كل حال في المشي والطرق والخلوات.
وقوله: (واعجبًا لك) عجيب من حرصه على سؤاله عما لا يتنبه عليه إلا الحريص على العلم من تفسير ما لا محكم فيه من القرآن.
وقوله: (استقبل عمر الحديث) فيه: أن المحدث قد يأتي بالحديث على وجهه ولا يختصره؛ لأنه قد كان يكتفي حين سأله ابن عباس عن المرأتين بما أخبره (منه) (٣) من قول عائشة وحفصة.
وقوله: (كنا نغلب النساء) يريد أن شدة الوطأة على النساء مذموم؛ لأنه - عليه السلام - سار بسيرة الأنصار فيهن وترك سيرة قومه قريش.
وفيه: موعظة الرجل ابنته وإصلاح خلقها لزوجها.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٣١٥.
(٢) سلف برقم (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء.
(٣) هكذا في الأصل، وفي «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٩٦ (به).



وفيه: الحزن والبكاء لأمور رسول الله - ﷺ - وما يكرهه والاهتمام بما يهمه.
وفيه: الاستئذان والحجابة للناس كلهم كان مع المستأذن عليه عيال أو لم يكن.
وفيه: الانصراف بغير صرف من المستأذن عليه.
ومن هذا الحديث قال بعض العلماء: إن السكوت يحكم به كما حكم عمر بسكوت رسول الله - ﷺ - عن صرفه له.
وفيه: التكرير بالاستئذان.
وفيه: أن للسطان أن يأذن أو يسكت أو يصرف.
وفيه: تقلله من الدنيا وصبره على مضض ذلك، وكانت له فيه مندوحة.
وفيه: أنه يسأل السلطان عن فعله إذا كان ذلك مما يهم أهل طاعته، وفي قوله لعمر: «لا» رد لما أخبر به الأنصاري من طلاق نسائه، ولم يخبر عمر بما أخبر به الأنصاري ولا شكاه؛ لعلمه أنه لم يقصد الإخبار بخلاف القصة، وإنما هو وَهَمٌ جرى عليه.
وفي قوله: (أستأنس) استنزال السلطان والاستئناس بين يديه بالحديث وأخذ إذنه في الكلام، وفي تبسمه لعمر حين ذكر غلبة قريش لنسائها وتحكم نساء الأنصار عليهم دليل أن المعنيين ليسا محرمين.
وفيه: الجلوس بين يدي السلطان وإن لم يأمر به إذا استؤنس منه إلى انبساط خلق.
وفيه: أنه لا يحب أن يسخط أحد حاله ولا ما قسم الله له، ولا يستحقر نعمة الله عنده ولا سابق قضائه؛ لأنه يخاف عليه ضعف نفسه.


وفيه: أن التقلل من الدنيا لرفع طيباته إلى دار البقاء خير حال من تعجلها في الدنيا الفانية والمتعجل لها أقرب إلى السفه.
وفيه: الاستغفار من التسخط وقلة الرضى.
وفيه: سؤال الشارع الاستغفار، وكذلك يجب أن يسأل أهل الفضل والخير الدعاء والاستغفار.
وفيه: أن المرأة تُعاقب على إفشاء سرّ زوجها وعلى التحيل عليه بالأذى، والمنع من مرافقه وشهواته بالتوبيخ لها بالقول كما وبخ الله تعالى أزواج نبيه على تظاهرهما عليه وإفشاء سره، وعاقبهن الشارع بالإيلاء والاعتزال والهجران، كما قال تعالى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي المَضَاجِعِ﴾ [النساء: ٣٤].
وفيه: أن الشهر يكون تسعة وعشرين يومًا، وإنما يجري فيه على الأهلة التي جعلها الله تعالى مواقيت للناس في آجالهم.
وفيه: أن الرجل إذا قدم من سفر أو طرأ على أزواجه أن يبدأ بمن شاء منهن، وأنه ليس عليه أن يبدأ من حيث بلغ قبل الخروج، وفي نقض رتبة الدوران وابتدائه من حيث بدأ دليل أن القسمة بين النساء فيها توسعة، يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ١٢٩]، ومن أبيح له بعض الميل، فقد رخص له في التقصير عن العدل في القسمة،
وفيه: أن المرأة الرشيدة لا بأس أن تشاور أبويها وذوي الرأي من أهلها في أمر نفسها ومالها؛ لأن أمر نفسها أخف من أمر مالها، وإن كان الشارع أمر بالمساعدة في أمر نفسها التي هي أحق بها من وليها، فهي في المال أولى بالمشاورة، لا على أن المشاورة لازمة لها إذا كانت رشيدة


كعائشة، وليس على من تبين له رشد رأيه أن يشاور ويسقط عنه الندب فيه.
وقوله: (مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش، قد أثر الرمال بجنبه) قال أبو عبيدة: رملتُ الحصير رملًا وأرملته: إذا نسجته، ومعنى (أثر بجنبه): جعلت فيه خططًا.
وقوله: (عن المرأتين اللتين) كذا هو في الأصول وذكره ابن التين بلفظ (التي) ثم قال: وصوابه اللتين، ومعنى ﴿صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾: مالت إلى الحق ورجعت.
وقوله: (فحججت معه) فيه: ذكر العمل الصالح، وليأتي بالحديث على هيئته، ومعنى (تبرَّزَ): قضى حاجته.
وقوله: (فسكبت على يديه) أي: صببت، وفيه: الاستعانة في الوضوء إذ هو الظاهر من قوله (فتوضأ) قال ابن التين: ويحتمل الاستنجاء، وذلك أن يصب الماء على يده اليمنى، ثم يرسله حيث شاء.
وقوله: (فقلت: من المرأتان؟)، وفي رواية أخرى: (لي سنة أتحين أن أسألك عن شيء) وفيه: هيبة عمر.
وقوله: (واعجبًا لك) أي: على حرصك لم تعلم هذا إلى الآن؟!
وقوله: (إني كنت وجار لي)، فيه: العطف على الضمير المرفوع من غير أن يؤكد، والأحسن توكيده، قال تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] ومعنى: (نتناوب) نتداول أنا مرة وهو أخرى، ومنه قيل: نابت فلانًا نائبة: إذا حدثت به حادثة، والنوب عند العرب: القرب.
وقوله: (كنا معشر قريش) أي: جمع قريش.


وقوله: (فطفق نساؤنا) أي: ظلوا، وطفق بكسر الفاء وفتحها، قال تعالى: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا﴾ [طه: ١٢١]، أي: أخذا في ذلك، وفيه لغة ثالثة: طبق بالباء بدل الفاء.
وقوله: (فصحت على امرأتي) كذا هنا. وقال في النكاح: (فصخبت على امرأتي) (١)، أي: صحت كما هو في بعض النسخ.
وقوله: (وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل). قال الداودي: يومًا من الأيام أجمع.
وقوله: (فجمعت عليَّ ثيابي) أي: لبستها.
وقوله: (أفتأمن) إلى قوله: (فتهلكن) (٢). فيه: رد الخطاب إلى الجمع، قاله الداودي، ويجوز أن يكون عائدًا إلى إحداكن؛ لأنه قال: (خابت وخسرت، أفتأمن) فالكلام راجع إلى أحد و(جارتك) أي: عائشة ضرتها (أوضأ) أي: أحسن وأجمل من الوضاءة وهو الجمال.
و(غسان) رهط من قحطان نزلوا حين تفرقوا من مأرب بماء يقال له: غسان المشلل، فسموا به فسكنوا بطرف الشام، ومعنى (تُنْعِل النعال): تصنع الحديد لأجل حوافر الخيل.
وقوله: (فرجع عشاء) أي: بعد عشاء الآخرة أو بعدها شيئا.
وقوله: (أعظم منه وأطول) يريد: أعظم منه وأطول حزنًا، ظنوا أنه طلق نساءه؛ لاعتزالهن. قال الفراء في قوله تعالى: (عَرَف بعضه) بتخفيف الراء ﴿وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ﴾ [التحريم: ٣]: جازى على ذلك

---------
(١) سيأتي برقم (٥١٩١) باب: موعظة الرجل ابنته ..
(٢) كذا بالأصل، وفي «اليونينة»: فتهلكين.



وغضب منه، كما تقول لمن أساء إليك: قد عرفت ذلك لك، وقد جازى حفصة بالطلاق (١). و(يوشك) بكسر الشين: أي: يسرع كونه.
وسلف الاختلاف في الرهط هل يطلق على ما فوق العشرة. وقيل: هو كالبضع من الثلاث إلى العشرة.
وقوله: (فقلت لغلام أسود: استأذن) كان أكثر شأنه - عليه السلام -، أنه لا بواب له، ويحتمل جلوس هذا؛ لئلا يكثر الناس عليه ويخبرهم بإذنه ومنعه، وصمته - عليه السلام - ولم يأذن له لعله لشدة غضبه إذًا.
وقوله: (على رمال حصير) يعني: ما شدته من أحبله، يقال: رملت الحصير: نسجته، وحصير مرمول: منسوج، والرمل: هو النسج، والراملة: الناسجة، وفي رواية أخرى: على رمال سرير (٢).
وقوله: (من أدم). قال الداودي: أي: من جلد، وأهل اللغة يقولون: أدم جمع أديم.
وقوله: (فتبسم رسول الله - ﷺ -») هو شأنه؛ إذ ضحكه التبسم؛ إكرامًا لمن يضحك إليه. قال جرير: ما رآني رسول الله - ﷺ - أسلمت إلا تبسم (٣).
وقوله: (أهَبَة) هو بفتحهما جمع إهاب على غير قياس، وضبط أيضًا بضمهما وهو الجلد مطلقًا.
وقال قوم: إنه الجلد قبل أن يدبغ، وبه جزم ابن بطال، فقال في

----------
(١) «معاني القران» ٣/ ١٦٦.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٩٤) كتاب: فرض الخمس، عن مالك بن أوس، أنه دخل على عمر، فإذا هو جالس على رمال سرير.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ٤٠٠ (٣٢٣٣٠)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٢/ ٥٩٣ (١٦١١)، من حديث جرير بن عبد الله البجلي.



النكاح: هو الجلد غير مدبوغ يجمع أهبًا وأهبة (١)، وحكى ابن التين الخلاف فقال: هو الجلد، وقيل: قبل أن يدبغ، والهاء في أهبة مزيدة للمبالغة.
وقوله: (فاعتزل من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة) فوقفت له على الباب، فلما خرج كلمته، فقال: فإنها عليَّ حرام، لا تخبري عائشة، فأخبرتها، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم: ١] إلى آخر القصة (٢). وقيل في قوله: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ [التحريم: ٣] أن الصديق الخليفة بعده، قاله ميمون بن مهران (٣). وقيل: إنه شرب عسلًا في بيت زينب بنت جحش وتواصت عليه عائشة وحفصة بأن تقول له كل واحدة: أجد منك ريح مغافير، فقال: «بل شربت عسلًا ولن أعود» (٤)، ودخوله - عليه السلام - لتسع وعشرين فيه دلالة على أن من حلف على فعل شيء أنه يبر بأقل ما يقع عليه الاسم، وبه قال محمد بن عبد الحكم، وقال مالك: إن دخل بالهلال خرج به، وإن دخل بالأيام لم يبر إلا بثلاثين يومًا.
وقولها: (فأنزل التخيير) اختلف العلماء هل خيرهن في الطلاق أو بين الدنيا والآخرة؟ وهل اختيارها صريح أو كناية؟ وهل هو فرقة أم لا: وهل يشترط الفور أم لا؟ وهل هو بالمجلس أو بالعرف؟

------
(١) «شرح ابن بطال» ٧/ ٣١٥.
(٢) رواه الواحدي في «أسباب النزول» (٨٣١).
(٣) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٠/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٤) سيأتي برقم (٤٩١٢) كتاب التفسير، تفسيو سورة التحريم، ورواه مسلم (١٤٧٤)، كتاب الطلاق، باب: وجوب الكفارة على من حرم امرأته، من حديث عائشة رضي الله عنها.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #460  
قديم 01-05-2026, 08:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (16)
من صـــ 9 الى صـــ 30
الحلقة (460)







٢٦ - باب مَنْ عَقَلَ بَعِيرَهُ عَلَى البَلَاطِ أَوْ بَابِ المَسْجِدِ
٢٤٧٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ حَدَّثَنَا أَبُو عَقِيلٍ حَدَّثَنَا أَبُو المُتَوَكِّلِ النَّاجِيُّ قَالَ أَتَيْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَسْجِدَ، فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ، وَعَقَلْتُ الجَمَلَ فِي نَاحِيَةِ البَلَاطِ فَقُلْتُ هَذَا جَمَلُكَ. فَخَرَجَ فَجَعَلَ يُطِيفُ بِالجَمَلِ قَالَ: «الثَّمَنُ وَالجَمَلُ لَكَ». [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٥/ ١١٧]
ذكر فيه حديث جابر في بيع الجمل وقد سلف، وفي إسناده أبو عقيل واسمه: بشير بن عقبة (١).
وفيه: أن للداخل في المسجد رحابه وما حواليه مناخًا لبعيره ومحبسًا له.
وفيه: جواز إدخال الأمتعة والأثاث في المساجد قياسًا على دخول البعير فيه.
وفيه: حجة لمالك والكوفيين في طهارة أبوال الإبل وأرواثها (٢).
قال ابن بطال: وفيه رد على الشافعي في قوله بنجاستها. قال: وهذا خلاف منه لدليل الحديث، ولو كانت نجسة -كما زعم- ما كان لجابر إدخال البعير في المسجد، وحين أدخله فيه ورآه الشارع لم يسوغه ذلك، ولأنكره عليه، ولأمره بإخراجه من المسجد خشية ما يكون فيه من الروث والبول إذ لا يؤمن من حدوث ذلك منه،

--------
(١) ورد بهامش الأصل: ثقة قاله في «الكاشف».
(٢) «المدونة» ١/ ٢١، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ١٢٥، وفيه أن أبا حنيفة وأبا يوسف يقولان: هو نجس.



وعلى قول الشافعي: لا يجوز إدخال البعير في المسجد؛ لنجاسة بوله وروثه، وعلى مذهب الآخرين يجوز إدخالها فيه؛ لطهارة أبوالها وأرواثها (١).
قلت: مذهبه جواز إدخاله، فيه ولا يرد عليه ما ذكره.

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٩٩.


٢٧ - باب الوُقُوفِ وَالبَوْلِ عِنْدَ سُبَاطَةِ قَوْمٍ
٢٤٧١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، أَوْ قَالَ: لَقَدْ أَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ قَائِمًا. [انظر: ٢٢٤ - مسلم: ٢٧٣ - فتح:٥/ ١١٧]
ذكر فيه حديث حذيفة السالف في الطهارة بأحكامه.
والسباطة: الكناسة، كما قاله ابن فارس (١)، وقول من قال: إنها المزبلة يرجع إليه؛ لأن الكناسة: الزبل الذي يكنس. قال المهلب: ولا حرج على أحد على البول فيها وإن كانت لقوم بأعيانهم؛ لأنها أعدت لطرح الكناسات والنجاسات فيها، وهو كما قال، فالانتفاع بالسباطات والطرق التي لا يضر أهلها ما يحدث فيها جائز.
وفيه: التستر عند البول، واختلف هل يبعد فيه كما في الغائط؟
حكاه ابن التين. قال: واختلف في علة بوله قائمًا، فقيل: لقذارة الموضع فيخشى أن تصيبه النجاسة إذا جلس، وقيل: تواضعًا ومجانبة للكبر. قلت: وقيل غير ذلك، كما أوضحته هناك. قال: وعلى الوجهين فهو يأمن أن يصل إليه؛ لأنه ليس بصفاء.

----------
(١) «مجمل اللغة» ٢/ ٤٨٣.


٢٨ - باب مَنْ أَخَذَ الغُصْنَ وَمَا يُؤْذِي النَّاسَ فِي الطَّرِيقِ فَرَمَى بِهِ
٢٤٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَى، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِى بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». [انظر: ٦٥٢ - مسلم: ١٩١٤ - فتح: ٥/ ١٨٨]
ذكر فيه حديث مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ، وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ فَأَخَذَهُ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ».
الشرح:
إماطة الأذى وكل ما يؤذي الناس في الطريق مأجور عليه.
وفيه: أن قليل الأجر قد يغفر الله به كثير الذنوب، وقد قال - عليه السلام -: «الإيمان بضع وسبعون -أو وستون- شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
وفيه: دلالة على أن طرح الشوك في الطريق والحجارة والكناسة والمياه المفسدة للطريق، وكلُّ ما يؤذي الناس يخشى العقوبة عليه في الدنيا والآخرة، ولا شك أن نزع الأذى عن الطريق من أعمال البر، وأن أعمال البر تكفر السيئات، وتوجب الغفران، ولا ينبغي للعاقل أن يحتقر شيئًا من أعمال البر. وفي بعض طرقه: «إما كان في شجرة فقطعه وألقاه، وإما كان موضوعًا فأماطه» (١)، والأصل في هذا كله قوله

-------
(١) رواه أبو داود (٥٢٤٥).


تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧].
وروى البزار بإسناد جيد، كأنه من حديث أبي هريرة: «حوسب رجل فلم يجد له من الخير إلا غصن شوك نحاه عن الطريق» (١)، ولابن زنجويه من حديث إبراهيم الهجري، عن أبي عياض، عنه: «على كل مسلم في كل يوم صدقة»، قالوا: ومن يطيق هذا يا رسول الله؟ قال: «إماطتك الأذى عن الطريق صدقة».
ومن حديث ابن لهيعة، عن دراج أبي السَّمْح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد مرفوعًا: «غفر الله لرجل أماط عن الطريق غصن شوك ما تقدم من ذنبه وما تأخر».
ولابن أبي شيبة من حديث عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة
مرفوعًا: «أو ماط أذى عن طريق فحسنته بعشر أمثالها» (٢).
ومن حديث أبي هلال، عن قتادة، عن أنس كانت سمرة على طريق الناس فكانت تؤذيهم فعزلها رجل عن طريقهم، قال النبي - ﷺ -: «فلقد رأيته يتقلب في ظلها في الجنة» (٣).
ولأبي داود من حديث بريدة مرفوعًا: «في الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلًا، فعليه أن يتصدق عن كل مفصل منه بصدقة»، قالوا: ومن يطيق ذلك؟ قال: «النخاعة في المسجد يدفنها، والشئ ينحيه عن الطريق» الحديث (٤).

--------
(١) رواه أيضًا هناد في «الزهد» ٢/ ٥٢٣ (١٠٧٨)، وابن حبان في «صحيحه» ٢/ ٢٩٦ (٥٣٨) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا.
(٢) «المصنف» ٢/ ٤٤٤ (١٠٨٣٨).
(٣) «المصنف» ٥/ ٣٠٧ (٢٦٣٣٨).
(٤) أبو داود (٥٢٤٢).



ولابن ماجه من حديث أبي برزة قلت: يا رسول الله، دلني على عمل انتفع به، قال: «اعزل الأذى عن طريق المسلمين» (١).
ولابن عبد البر من حديث مالك بن يزيد، عن أبيه، عن أبي ذر مرفوعًا: «إماطتك الحجر والشوك والعظم عن الطريق صدقة» (٢) (٣).

---------
(١) ابن ماجه (٣٦١٨)، وهو في مسلم (٢٦١٨) كتاب: البر والصلة، باب: فضل إزالة الأذى عن الطريق.
(٢) «التمهيد» ٢٢/ ١٢.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الحادي بعد السَّبعين، كتبه مؤلفه.



٢٩ - باب إِذَا اخْتَلَفُوا فِي الطَّرِيقِ المِيتَاءِ -وَهْيَ: الرَّحْبَةُ تَكُونُ بَيْنَ الطَّرِيقِ- ثُمَّ يُرِيدُ أَهْلُهَا البُنْيَانَ، فَتُرِكَ مِنْهَا الطَّرِيقُ سَبْعَةَ أَذْرُعٍ.
٢٤٧٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ (الميتاء) (١) بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ. [مسلم: ١٦١٣ - فتح: ٥/ ١١٨]
هذِه الترجمة لفظ حديث (٢) رواه عبادة بن الصامت، عند عبد الله بن أحمد -فيما زاده مطولًا- عن أبي كامل الجحدري، ثنا الفضيل بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة، عن إسحاق بن يحيى بن (الوليد) (٣)، عنه (٤).
قال أبو عمرو الشيباني: (الميتاء) أعظم الطرق، وهي التي يكثر إتيان الناس عليها. وقال ابن التين: هي الطريق الواسعة، وقيل: العامرة، وفي الحديث: «الموت طريق موتاء» أي: مشاركة. والميثاء بالمثلثة: الأرض السهلة.

----------
(١) قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ٥/ ١١٩: زاد المستملي في روايته: (الميتاء) ولم يتابع عليه، وليست بمحفوظة في حديث أبي هريرة، وإنما ذكرها المؤلف في الترجمة مشيرًا بها إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته.
(٢) ورد بهامش الأصل: ولفظة: وقضى في الرحبة .. إلى آخره، ثم قال: قال: وكانت تلك الطريق تسمى الميتاء. وعند ابن ماجه طرف من الحديث الطويل المشار إليه.
(٣) في الأصل: طلحة، والمثبت من «المسند»، وهو إسحاق بن يحيى بن الوليد بن عبادة بن الصامت، يروي عن عبادة، ولم يدركه.
انظر: «تهذيب الكمال» ٢/ ٤٩٣ (٣٩١)، «ميزان الاعتدال» ١/ ٢٠٤ (٨٠٣).
(٤) «المسند» ٥/ ٣٢٦ - ٣٢٧.



ثم ساق البخاري حديث الزُّبَيْرِ بْنِ خِرِّيتٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ سَمِعْتُ: أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا تَشَاجَرُوا فِي الطَّرِيقِ بِسَبْعَةِ أَذْرُعٍ. وأخرجه مسلم أيضًا، ولابن ماجه من حديث سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا: «إذا اختلفتم في الطريق، فاجعلوه سبعة أذرع» (١)، وفيه أيضًا عن أنس، أخرجه ابن عدي من حديث عبَّاد بن منصور، عن أيوب السختياني، عنه: قضى رسول الله - ﷺ - في الطريق الميتاء التي تؤتى من كل مكان .. الحديث (٢).
قال المهلب: هذا حكم من الشارع في الأفنية إذا أراد أهلها البنيان أن تُجعل الطريق سبعة أذرع حتى لا تضر بالمارة عليها، وإنما جعلها سبعة أذرع لمدخل الأحمال والأثقال ومخرجها، ومدخل الركبان، والرجال ومطرح ما لا بد لهم من مطرحه عند الحاجة إليه، وما لا يجد الناس بدًّا من الارتفاق من أجله لطرقهم.
قال الطبري: والحديث على الوجوب عند العلماء القضاء به، ومخرجه على الخصوص عندهم، ومعناه: أن كل طريق تجعل سبعة أذرع وما يبقى بعد ذلك لكل واحد من الشركاء في الأرض قدر ما ينتفع به، ولا مضرة عليه فيه فهي المرادة بالحديث، وكل طريق يؤخذ لها سبعة أذرع ويبقى لبعض الشركاء من نصيبه بعد ذلك ما لا ينتفع به، فغير داخل في معنى الحديث.
وقال غيره: هذا الحديث في أمهات الطرق وما يكثر الاختلاف فيه والمشي عليه، وأما ثنيات الطريق فيجوز في أفنيتها ما اتفقوا عليه، وإن كان أقل من سبعة أذرع.

--------
(١) ابن ماجه (٢٣٣٩).
(٢) «الكامل» ٥/ ٥٤٦، وفيه: عن أيوب السختياني، عن أبي قلابة، عن أنس، به.



وروى ابن وهب، عن ابن سمعان: أن من أدرك من العلماء قالوا في الطريق يريد أهلها بنيان عرصتها (١): إن أهلها الذين هم أقرب الناس إليها يقتطعونها بالحصص على قدر ما يشرع فيها من ربعهم، فيعطى صاحب الربع الواسع بقدره، وصاحب الصغير بقدره، ويتركون لطريق المسلمين ثمانية أذرع أو سبعة على ما روي عن رسول الله - ﷺ -.
ونقل ابن التين عن ابن شعبان أنه إذا اختلف البانيان المتقابلان، وأراد أن يقرب كل واحد جداره بجدار صاحبه، جعلا للطريق سبعة أذرع بالذراع المعروفة بذراع البنيان.
واختلف أصحاب مالك فيمن أراد أن يبني في الفناء الواسع، ولا يضر فيه بأحد بعد أن يترك للطريق سبعة أذرع أو ثمانية، فروى ابن وهب أنه ليس له ذلك، وقال أصبغ: أكرهه، فإن ترك لم يعرض له. قال أصبغ: قد تركت فأفتى فيها أشهب، قال: إذا كانت الطريق واسعة وأخذ منها يسيرًا لا ضرر فيه ولا بأس بذلك.
قال ابن حبيب: وقول مالك أعجب إلي؛ لأن الطريق لمنفعة الناس عامة، وربما ضاق الطريق بأهله وبالدواب ويميل الراكب وصاحب الحمل عن الطريق إلى تلك الأفنية والرحاب، فيتسع فيها، فليس لأهلها تغييرها عن حالها. وقول أصبغ وأشهب يعضده حديث الباب، وما وافق الحديث أولى بما خالفه، ففيه الحجة البالغة، ومن معنى هذا الباب ما ذكره ابن حبيب أن عمر قضى بالأفنية لأرباب
الدور؛ وتفسير هذا يعني: أنه قضى بالانتفاع والمجالس والمرابط

--------
(١) العَرْصَة: كل بقعة من الدور واسعة ليس فيها بناء. «الصحاح» ٣/ ١٠٤٤.


والمصاطب (١) وجلوس الباعة وليس بأن يحاز بالبنيان والتحظير، وقد مرَّ عُمر بِكِيرِ حَدَّادٍ في السوق، فأمر به فهدم وقال: تضيقون على الناس (٢).
وقال الطحاوي: لم نجد لهذا الحديث معنى أولى أن يحمل عليه من أن الطريق المبتدأة إذا اختلف مبتدئوها في المقدار الذي يوقفونه لها من المواضع التي يحاولون اتخاذها فيها كالقوم يفتتحون مدينة من مدائن العدو، فيريد الإمام قسمتها ويريد مع ذلك أن يجعل فيها طرقًا لمن يسلكها من الناس إلى ما سواها من البلدان ولا يحدها مما كان المفتتحة عليهم أهملوا ذلك فيها فيجعلون كل طريق منها سبعة أذرع، ومثل ذلك الأرض الموات يقطعها الإمام ويجعل إليه إحياءها ووضع طريقًا بها لاجتياز الناس فيه بها إلى ما سواها، فيكون ذلك الطريق سبعة أذرع (٣).
وقال ابن التين: معنى (تشاجروا): اختلفوا. قال: وهذا يصح في الطرق الواسعة التي هي ممر الناس دون طرف الدار الواحدة، وكذلك يفعل أيضًا إذا جلس في الطريق من يبيع بتركه سبع أذرع، فإن بقي أقل من سبع منع الجالس هناك. قال: وكذلك القرى التي يزرع أهلها يكون الطريق هذا القدر. وقال أبو عبد الملك: أرادوا البنيان في الطريق المسلوك، واصطلحوا على أقل من سبعة أذرع جاز.

---------
(١) ورد بهامش الأصل: المصاطب بالصاد والسين أخرجه شيخنا مجد الدين في «القاموس». انتهى.
(٢) «النوادر والزيادات» ١١/ ٤٧ - ٥٣.
(٣) «شرح مشكل الآثار» ٣/ ٢٢٨.



٣٠ - باب النُّهْبَى بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهِ
وَقَالَ عُبَادَةُ: بَايَعْنَا النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْ لَا نَنْتَهِبَ. [انظر: ١٨]

٢٤٧٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصَارِيَّ -وَهُوَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ- قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ. [٥٥١٦ - فتح: ٥/ ١١٩]

٢٤٧٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهْوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِنٌ». وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِى سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ، إِلَّا النُّهْبَةَ.
قَالَ الفِرَبْرِيُّ: وَجَدْتُ بِخَطِّ أَبِي جَعْفَرٍ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: تَفْسِيرُة: أَنْ يُنْزَعَ مِنْهُ، يُريدُ الإيمَانَ
[٥٥٧٨، ٦٧٧٢، ٦٨١٠ - مسلم: ٥٧ - فتح: ٥/ ١١٩]
ثم ساق حديث شُعْبَةَ، ثَنَا عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ يَزِيدَ الأَنْصارِيَّ -وَهُوَ جَدُّهُ أَبُو أُمِّهِ- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنِ النُّهْبَى وَالمُثْلَةِ.
وحديث أَبِيِ هُرَيْرَةَ قال: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - .. الحديث، وفيه: «وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهْوَ مُؤْمِن». الحديث.
وَعَنْ سَعِيدٍ (١)، وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مِثْلَهُ، إِلَّا النُّهْبَةَ.

-------
(١) كتب فوقها بالأصل: معلق.


الشرح:
تعليق عبادة أسنده في وفود الأنصار وفي المناقب (١)، وحديث عبد الله بن يزيد من أفراده. والأخير: قال الزهري: أخبرني عبد الملك بن أبي بكر أنه كان يحدثهم بهؤلاء عن أبي هريرة قال: وكان أبو (بكر) (٢) يلحق بهن: «ولا ينتهب نهبة ذات شرف» إلى آخره (٣) وعند مسلم من حديث الأوزاعي عن الزهري، عن سعيد وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبي
هريرة، وذكر النهبة ولم يقل: «ذات شرف» (٤).
قال أبو عبد الله: تفسيره أن ينزع منه الإيمان، وصح: «من انتهب نهبة فليس منا»، أخرجه أبو داود من حديث جابر (٥)، وابن حبان من حديث الحسن عن عمران بن الحصين (٦) (٧) وصححه الترمذي من حديث أنس (٨)، ولابن حبان من حديث ثعلبة بن الحكم مرفوعًا:

-----------
(١) سيأتي برقمي (٣٨٩٢، ٣٨٩٣) كتاب: مناقب الأنصار، باب: وفود الأنصار.
(٢) في الأصل: هريرة. والصواب ما أثبتناه، هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام.
(٣) سيأتي برقم (٥٥٧٨) كتاب: الأشربة، باب: قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ﴾.
(٤) رواه مسلم (٥٧/ ١٠٢) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ..
(٥) رواه أبو داود (٤٣٩١).
(٦) «صحيح ابن حبان» ١١/ ٥٧٤ (٥١٧٠).
(٧) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال علي بن المديني فيما حكاه العلائي عنه في «المراسيل»: لم يسمع الحسن عن عمران. وقال صالح بن أحمد: أنكر على من يقول عن الحسن: حدثني عمران بن حصين -أي أنه لم يسمع منه- وقال عباد بن سعد: قلت ليحيى ابن معين: الحسن لقي عمران بن حصين قال: أما في حديث البصريين فلا، وأما في حديث الكوفيين فنعم، وقال بهز بن أسد: سمع منه.
(٨) الترمذي (١٦٠١)، وقال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث أنس.



«إن النهبة لا تحل» (١)، ولأحمد عن زيد بن خالد: نهى رسول الله - ﷺ - عن النهبة (٢)، ولابن أبي شيبة من حديث صحابي: «ليست النهبة بأحل من الميتة»، وله من حديث (عبد الرحمن بن سمرة) (٣): أن رسول الله - ﷺ- نهى عن المثلة. ومن حديث ابن أبي أوفى مرفوعًا: «ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع المسلمون إليها رءوسهم وهو مؤمن» (٤).
إذا تقرر ذلك؛ فالانتهاب الذي قام الإجماع على تحريمه هو ما كانت العرب عليه من الغارات وانطلاق الأيدي على أموال المسلمين بالباطل، فهذِه النهبة لا ينتهبها مؤمن كما لا يسرق ولا يزني مؤمن، يعني: مستكمل الإيمان؛ وعلى هذا وقعت البيعة من حديث عبادة في قوله: (بايعنا رسول الله - ﷺ - أن لا ننتهب) يعني: أن لا نغير على المسلمين في أموالهم.
قال ابن المنذر: وفسر الحسن والنخعي هذا الحديث فقالا: النهبة المحرمة: أن يُنتهب مال الرجل بغير إذنه وهو له كاره؛ وهو قول قتادة.
قال أبو عبيد: وهذا وجه الحديث على ما فسراه، وأما النهبة المكروهة: فهو ما أذن فيه صاحبه للجماعة وأباحه لهم وغرضه تساويهم فيه أو مقاربة التساوي، فإذا كان القوي مثهم يغلب الضعيف
ويحرمه فلم تطب نفس صاحبه بذلك الفعل، وقد اختلف العلماء فيما

------
(١) رواه ابن حبان ١١/ ٥٧٢ - ٥٧٣ (٥١٦٩) من حديث ثعلبة بن الحكم أنه سمع منادي رسول الله - ﷺ - ينهى عن النهبة.
(٢) أحمد ٤/ ١١٧.
(٣) هكذا في الأصل، وفي «المصنف» ٥/ ٤٥٤ (٢٧٩٢٦): سمرة بن جندب، وفي ٤/ ٤٨٤ (٢٢٣٢٠): عبد الرحمن بن سلمة. بلفظ: نهى عن النهبة.
(٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٨٣ - ٤٨٤.



ينثر على رءوس الضيفان، وفي الأعراس فيكون فيه النهبة فكرهه مالك والشافعي وأجازه الكوفيون (١)، وإنما كره؛ لأنه قد يأخذ منه من لا يحب صاحب الشيء أخذه، ويحب أخذ غيره له، وما حكي عن الحسن من أنه كان لا يرى بأسًا بالنهاب في العُرسات والولائم، وكذلك الشعبي فيما رواه ابن أبي شيبة (٢)، فليس من النهبى المحرمة، وكذا حديث عبد الله بن قرط عن النبي - ﷺ - أنه قال في البدن التي نحرها: «من شاء اقتطع» (٣).
قال الشافعي: صار ملكًا للفقراء خلى بينه وبينهم، وحديث معاذ: «إنما نهيتكم عن نهبى العساكر، فأما العرسات فلا» فجاذبهم وجاذبوه، ضعفه البيهقي بالضعف والجهالة والانقطاع (٤).
قال الشافعي: فإن أخذ النثار (٥) آخذٌ لا تجرح شهادته؛ لأن كثيرًا يزعم أنه مباح؛ لأن مالكه إنما طرحه لمن يأخذه، وأما أنا فأكرهه لمن أخذه، وكان أبو مسعود الأنصاري يكرهه، وكذلك إبراهيم
وعطاء وعكرمة ومالك (٦).

--------
(١) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٢٩٤.
(٢) «المصنف» ٤/ ٣٧٢.
(٣) رواه أبو داود (١٧٦٥)، وأحمد ٤/ ٣٥٠.
(٤) «سنن البيهقي» ٧/ ٢٨٨.
(٥) ورد بهامش الأصل: الذي في الرافعي أن التقاط المارة كذلك، الأولى ما تابعه على ذلك في «الروضة» الوليمة، وليس لتفصيل نص الشافعي على أنه يكره. وقد نقله المصنف كما تراه كما نص عليه في «الأم» في آخر شهادة القاذف. ولفظه: وأما أنا فأكرهه لمن أخذه من قبل أن يأخذه من بعده، ولا يأخذه إلا تسلية لمن حضره. وأما تفصيل قرة وكذا تفصيل مذهبنا. وقد نقل الكراهة في «الروضة» في كتاب النهابات عن السائل، عن الشافعي، ولم يحك به خلافه.
(٦) انظر: «معرفة السنن والآثار» ١٠/ ٢٧٢.



وقال ابن المنذر: إنما أكرهه؛ لأن من أخذه إنما أخذه بفضل قوة وقلة حياء، ولم يقصد به هو وحده، وإنما قصد به الجماعة، ولا يعرف حظه من حظ غيره، فهو خلسة وسحت. قال: وحديث البدنات حجة في إجازة ما ينثر في الملاك وغيره وأبيح أخذه؛ لأن المبيح لهم ذلك قد علم اختلاف قوتهم في الأخذ، وليس في البدن التي أباحها لأصحابه معنى إلا وهو موجود في النثار.
فرع: ذكر ابن قدامة: أنه يجب القطع على المنتهب قبل القسمة، وحكي عن داود وجوبه على من أخذ مال الغير ولو من غير حرز.
فائدة:
(النهبى) و(النهبة): اسم ما نهب؛ مأخوذة من النهب كالعمرى من العمر، والمنتهِب: هو الذي يأخذ الشيء عيانًا بغلبة سابقه ومبادرة لغيره.
أخرى: (المثلة) بضم الميم وإسكان المثلثة، ويقال أيضًا: بفتح الميم وضم الثاء، وجمعها مثلات، وضبطه ابن التين بفتح الميم وضم الثاء، ثم قال: وضبط في بعض الكتب بالأول، قال: وهي العقوبة في الأعضاء، كجدع الأنف والأذن وفقء العين. قال ابن فارس: مثل بالقتيل: إذا جدعه (١).
فرع:
مَنْ مَثَّلَ بعبده عتق عند مالك؛ خلافًا لأبي حنيفة والشافعي. وقال بعض المتأخرين: يخير العبد في ذلك، وهل يعتق بنفس المثلة؟ فيه روايتان للمالكية. واختلفوا إذا مثل بعبد غيره، فنص «المدونة»: يعتق
عليه (٢). وقال عبد الملك: لا يعتق عليه بخلاف عبده.

---------
(١) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٢٣.
(٢) «المدونة» ٢/ ٣٩٦.



تنبيه:
قال ابن التين: معلوم أن أموال المسلمين محرمة، والحديث إنما هو مؤول في المغازي ينهب بما غنم من غير قسمة، وكذا إذا قدم إليهم طعام أكل كل واحد بما يليه ولا ينتهب. قال: وحمل بعضهم الحديث على عمومه ولم يجزه في النثار ونحوه. وقال بعضهم: إنما ذلك فيما لم يؤذن في انتهابه، وإما ما أذن فيه فغير ذلك، واحتج بحديث البدنات، وهذا مثل تبويب البخاري النهبة بغير الإذن.
خاتمة:
قوله: («لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن»)، وذكر مثله في شرب الخمر، وأكثر العلماء أن معناه ليس بمستكمل لشرائع الإيمان.
وقال البخاري: تفسيره أن ينزع عنه نور الإيمان وهو قريب من الأول. وقيل: يزول منه اسم البناء بالإيمان لا نفس الإيمان. وقيل: أنذره أن يزول إيمانه إذا استمر على ذلك، مثل من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وقيل: يعتزله الإيمان عند مقارنة فعله هذِه الأشياء. وقيل: إن ارتكبها مستحِلًّا، ورواه بعضهم: «لا يشربِ الخمر» بكسر الباء على معنى النهي، يعني: إذا كان مؤمنًا فلا يفعل، وستأتي له تكملة في الحدود إن شاء الله تعالى.


٣١ - باب كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الخِنْزِيرِ
٢٤٧٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». [انظر: ٢٢٢٢ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٥/ ١٢١]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ ..» الحديث. وقد سلف في باب قتل الخنزير (١) فراجعه، وهو وعد منه بنزول عيسي - ﷺ -.
وفيه من الفقه: كسر نصب المشركين وجميع الأوثان، وإنما قصد إلى ذكر الصليب وقتل الخنزير من أجل أنهما في دين النصارى المعتدين في شريعتهم إليه، فأخبر أن عيسى سيغير ما نسبوه إليه، كما غيره هو، وأعلمهم أنهم على الباطل في ذلك، فدل هذا أن عيسى يأتي بتصحيح شريعة نبينا، حاكمًا بالعدل بين أهلها.
ومعنى («يضع الجزية»): يتركها، فلا يقبلها كما أسلفناه هناك؛ لأنا إنما قبلناها لحاجتنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى عند خروجه إلى مال؛ لأنه يفيض في أيامه حتى لا يقبله أحد ولا يقبل إلا الإيمان بالله وحده.
وأما الساعة؛ فلو كسر صليب لأهل الكتاب المعاهدين بين أظهرنا لكان ذلك تعديًا؛ لأن على ذلك يؤدون الجزية وإن كسره لأهل الحرب كان مشكورًا، وكذلك قتل الخنزير (٢).

----------
(١) ورد بهامش الأصل: في البيع، (…) فيكم.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٦٠٥.



٣٢ - باب هَلْ تُكْسَرُ الدِّنَانُ الَّتِى فِيهَا الخَمْرُ أَوْ تُخَرَّقُ الزِّقَاقُ؟
فَإِنْ كَسَرَ صَنَمًا أَوْ صَلِيبًا أَوْ طُنْبُورًا أَوْ مَا لَا يُنْتَفَعُ بِخَشَبِهِ. وَأُتِيَ شُرَيْحٌ فِي طُنْبُورٍ كُسِرَ فَلَمْ يَقْضِ فِيهِ بِشَيْءٍ.

٢٤٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ. قَالَ: «عَلَى مَا تُوقَدُ هَذِهِ النِّيرَانُ». قَالُوا: عَلَى الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. قَالَ: «اكْسِرُوهَا، وَأَهْرِقُوهَا». قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالَ: «اغْسِلُوا».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كَانَ ابن أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ: الُحمُرِ الأنَسِيَّةِ. بِنَصْبِ الألَفِ وَالنُّون [٤١٩٦، ٥٤٩٧، ٦١٤٨، ٦٣٣١، ٦٨٩١ - مسلم: ١٨٠٢ - فتح: ٥/ ١٢١]

٢٤٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، وَحَوْلَ الكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتّونَ نُصُبًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨١]. [٤٢٨٧، ٤٧٢٠ - مسلم: ٧٨١١ - فتح: ٥/ ١٢١]

٢٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْن الُمنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أنَهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ على سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانَتَا فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا. [٥٩٥٤، ٥٩٥٥، ٦١٠٩ - مسلم: ٢١٠٧ - فتح: ٥/ ١٢٢]
ثم ساق ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَع أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأى نِيرَانًا تُوقَدُ يَوْمَ خَيْبَرَ؛ فَقَالَ: «على مَا تُوقَدُ هذِه النِّيرَانُ؟». قَالُوا: عَلَى الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ. قَالَ:


«اكسِرُوهَا، وَأَهْرِقُوهَا». قَالُوا: أَلَا نُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا؟ قَالطَ: «اغْسِلُوا».
ثانيها:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، وَحَوْلَ البَيْتِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ (صَنَمًا) (١)، فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَجَعَلَ يَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ الآيَةَ [الإسراء: ٨١].
ثالثها:
حديث عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتِ اتَّخَذَتْ عَلَى سَهْوَةٍ لَهَا سِتْرًا فِيهِ تَمَاثِيلُ، فَهَتَكَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَاتَّخَذَتْ مِنْهُ نُمْرُقَتَيْنِ، فَكَانتَا فِي البَيْتِ يَجْلِسُ عَلَيْهِمَا.
الشرح:
أثر شريح ذكره وكيع بن الجراح، عن سفيان، عن أبي حصين أن رجلًا كسر طنبور رجل، فحاجَّه إلى شريح، فلم يضمنه شيئًا (٢).
وقال ابن التين: قضى شريح في الطنبور الصحيح يكسر ويدفع لمالكه فينتفع به. وحديث سلمة هو أحد ثلاثياته.
قال البخاري: (كان ابن أبي أويس يقول: الحمر الأَنَسية بنصب الألف والنون). وحديث عائشة سلف. أما كسر الدنان التي فيها الخمر فلا معنى له؛ لأنه إضاعة مال وما طهره الماء جاز الانتفاع
به، ألا ترى أنه - عليه السلام - قال في القدور: «اغسلوها»؟
وفي الترمذي عن أبي طلحة قال: يا نبي الله اشتريت خمرًا لأيتام في حجري، قال: «أهرق الخمر واكسر الدنان» (٣). وفي سنده ليث بن أبي سليم.

--------
(١) ورد في الهامش: نُصُبًا. [قلت: سيأتي أنها نسخة].
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٩ (٢٣٢١٤) عن وكيع، به.
(٣) الترمذي (١٢٩٣).



ولأحمد من حديث ابن عمر: أخذ النبي - ﷺ - شفرة وخرج إلى السوق وبها زقاق خمر جلبت من الشام فشق بالمدية ما كان من تلك الزقاق، وأمرني أن آتي الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته، ففعلت (١).
وأما الزقاق، فرأى مالك أن الماء لا يطهرها لما يداخلها وغاص فيها من الخمر، ورأى غيره تطهيرها وغسلها بالماء؛ لأن الماء أيضًا يغوص فيها ويطهر ما غاص فيها من الخمر.
وفي حديث ابن مسعود من الفقه: كسر آلات الباطل وما لا يصلح إلا للمعصية كالطنابير والعيدان والمزامير والبرابط، التي لا معنى لها إلا التلهي بها عن ذكر الله والشغل بها عما يحبه إلى ما يسخطه أن يغيره عن هيئته المكروهة إلى خلافها من الهيئات التي يزول معها المعنى المكروه، وذلك أنه - عليه السلام - كسر الأصنام، والجوهر الذي فيه لا شك أنه يصلح -إذا غير عن الهيئة- المكروهة لكثير من منافع بني آدم، وقد روي عن جماعة من السلف كسر آلات الملاهي، وروى سفيان عن منصور، عن إبراهيم قال: كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري معهن الدفوف فيخرقونها (٢)، وروى نافع عن ابن عمر أنه كان إذا وجد أحدًا يلعب بالنرد ضربه وأمر بها فكسرت (٣).
قال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في خشبها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة، إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة على وجه الاجتهاد، كما فعل عمر حين أحرق

---------
(١) أحمد ٢/ ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٣١٧ (٢٦٤٥٦).
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ص ٥٩٤ (٧).



دار رويشد على بيع الخمر، وقد هم الشارع بتحريق دور من يتخلف عن صلاة الجماعة (١)، وهذا أصل في العقوبة في المال إذا رأى ذلك.
قلت: أصحابنا ادعوا نسخه. وهتكه - عليه السلام - الستر الذي فيه الصور دليل على إفساد الصور وآلات الملاهي. وقال ابن المنذر: في معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا للهو المنهي عنه، فلا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقرًا أو قطعًا، فيجوز بيعها والشراء بها.
وقوله في القدور: «اكسروها» أراد به التغليظ على أصحاب المنكر؛ ليكون حسمًا للمراد، وكذا خرق الزقاق، كما نبه عليه ابن الجوزي، فأما إذا قبلوا قول الحق فاللين أولى بهم؛ ولهذا لما رأى استجابتهم لمراده أجاز الغسل، ثم قال: فإن قلت: قد نهى عن إضاعة المال (٢).
فالجواب: أن إضاعة الشيء الخاص للمصلحة العامة حسن كتحريق مال الغال وشبهه وهذا على قول من لم يدع نسخه.
تنبيهات:
أحدها: (الدنان) جمع دن ككلب وكلاب، وكذلك (الزقاق) جمع زق. قال أبو عبد الملك: يغسل الفخار كما في الحديث، وكذا أواني المجوس التي يطبخون فيها الميتة، وأما الزقاق فتشق؛ لأنها تشرب.
ثانيها: أمر بإراقة لحم الحمر؛ ليكون أبلغ في التحريم، وقد كان

--------
(١) سلف برقم (٦٤٤) كتاب: الأذان، باب: وجوب صلاة الجماعة، من حديث أبي هريرة.
(٢) سلف برقم (١٤٧٧) كتاب: بزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾.



تؤكل قبل ذلك واختلف في علة تحريمها، وسيأتي في بابه. وقوله: (ألا نهريقها؟) وفي نسخة: نهرقها. وصوب ابن التين الأولى.
ثالثها: قوله: («صنمًا») وفي نسخة: «نصبًا» -بضم النون والصاد- جمع نصاب وهو صنم أو حجر ينصب ويذبح عنده، وليس ببيّن أن يكون جمعًا؛ لأنه لا يأتي بعد ستين إلا مفردًا، تقول: عندي ستون ثوبًا ونحو ذلك، ولا تقول أثوابًا. قال ابن التين: كذا ضبط في رواية أبي الحسن، وقد قيل: نُصُب ونُصَب ونُصِبَ بمعنى واحد؛ فعلى هذا يكون جمعًا لا مفردًا.
رابعها: طعنه في الأنصاب إعلام بأنها لا تدفع عن نفسها، فكيف تكون آلهة؟!
خامسها: السهوة كالصُّفة تكون بين يدي البيت. قاله الأصمعي، وقد سلف.
وقال غيره: تكون شبيهة بالرف أو الطاق يوضع فيه الشيء. وقيل: هي الطاق في وسط البيت. وقيل: هو بيت صغير سمكه مرتفع عن الأرض يشبه الخزانة الصغيرة يكون فيها المتاع، ومعنى (هتكه): شقه. والنمرقة سلفت لغاتها. وقال فيما تقدم: دخل البيت فوجد نمرقة فيها تصاوير فمنع من اتخاذها (١)، فيحتمل هذا أن يكون بعد إذنه: «إلا ما كان رقمًا في ثوب» (٢)، وإن كان الستر ثوبًا؛ لكنه هتكه لما

----------
(١) سلف برقم (٢١٠٥) كتاب: البيوع، باب: التجارة فيما يكره لُبْسُهُ … من حديث عائشة رضي الله عنها. ورواه مسلم أيضًا (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٢٦) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين .. من حديث أبي طلحة، ورواه مسلم (٢١٠٦).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 398.44 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 392.60 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.47%)]