|
ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
#451
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (449) سُورَةُ يس صـ 293 إلى صـ 300 وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن الكفار : وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ، قد بين أنهم قد قالوا ذلك في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى : كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء الآية [ 67 \ 8 - 9 ] ، [ ص: 293 ] وقد بين تعالى أن الذين أنكروا إنزال الله الوحي كهؤلاء أنهم لم يقدروه حق قدره ، أي : لن يعظموه حق عظمته ، وذلك في قوله تعالى : وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء [ 6 \ 91 ] . قوله تعالى : قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم قالوا طائركم معكم . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الأعراف " ، في الكلام على قوله تعالى : وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [ 7 \ 131 ] ، وذكرنا بعض الكلام عليه في سورة " النمل " ، في الكلام على قوله تعالى : قالوا اطيرنا بك وبمن معك الآية [ 27 \ 47 ] . قوله تعالى : اتبعوا من لا يسألكم أجرا . قد قدمنا الآيات الموضحة له ، وما يتعلق بها من الأحكام في سورة " هود " ، في الكلام على قوله تعالى : ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله [ 11 \ 29 ] . قوله تعالى : وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون . قوله : فطرني ، معناه : خلقني وابتدعني ، كما تقدم إيضاحه في أول سورة " فاطر " . والمعنى : أي شيء ثبت لي يمنعني من أن أعبد الذي خلقني ، وابتدعني ، وأبرزني من العدم إلى الوجود ، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الذي يخلق هو وحده الذي يستحق أن يعبد وحده ، جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب الله . وقد قدمنا إيضاح ذلك في سورة " الفرقان " ، في الكلام على قوله تعالى : واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [ 25 \ 3 ] ، وفي سورة " الرعد " ، في الكلام على قوله تعالى : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه الآية [ 13 \ 16 ] . قوله تعالى : أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون إني إذا لفي ضلال مبين . [ ص: 294 ] الاستفهام في قوله تعالى : أأتخذ للإنكار ، وهو مضمن معنى النفي ، أي : لا أعبد من دون الله معبودات ، إن أرادني الله بضر لا تقدر على دفعه عني ، ولا تقدر أن تنقذني من كرب . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم فائدة المعبودات من دون الله جاء موضحا في آيات من كتاب الله تعالى ; كقوله تعالى : قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون [ 39 \ 38 ] ، وقوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا [ 17 \ 56 ] ، وقوله تعالى : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض الآية [ 10 \ 18 ] ، وقوله تعالى : ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [ 10 \ 18 ] ، وقوله تعالى : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [ 10 \ 106 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : لا تغن عني شفاعتهم شيئا ، أي : لا شفاعة لهم أصلا حتى تغني شيئا ، ونحو هذا أسلوب عربي معروف ، ومنه قول امرئ القيس : على لاحب لا يهتدى بمناره إذا سافه العود النباطي جرجرا فقوله : لا يهتدى بمناره ، أي : لا منار له أصلا حتى يهتدى به ، وقول الآخر : لا تفزع الأرنب أهوالها ولا ترى الضب بها ينجحر أي : لا أرنب فيها ، حتى تفزعها أهوالها ، ولا ضب فيها حتى ينجحر ، أي : يتخذ جحرا . وهذا المعنى هو المعروف عند المنطقيين ، بقولهم : السالبة لا تقتضي وجود الموضوع ; كما تقدم إيضاحه . قوله تعالى : يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون . [ ص: 295 ] بين جل وعلا أن العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون غير مكتفين بتكذيبه ، بل جامعين معه الاستهزاء . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ما يأتيهم من رسول ، نص صريح في تكذيب الأمم لجميع الرسل لما تقرر في الأصول ، من أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها من ، فهي نص صريح في عموم النفي ، كما هو معروف في محله . وهذا العموم الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات أخر ، وجاء في بعض الآيات إخراج أمة واحدة عن حكم هذا العموم بمخصص متصل ، وهو الاستثناء . فمن الآيات الموضحة لهذا العموم ، قوله تعالى : وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون [ 34 \ 34 ] ، وقوله تعالى : وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [ 43 \ 23 ] ، وقوله تعالى : وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء ، إلى قوله : فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون [ 7 \ 94 - 95 ] . وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة " قد أفلح المؤمنون " ، في الكلام على قوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه الآية [ 23 \ 44 ] . وقدمنا طرفا من الكلام عليه في سورة " الأنعام " ، في الكلام على قوله تعالى : وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها الآية [ 6 \ 123 ] . وأما الأمة التي أخرجت من هذا العموم فهي أمة يونس ، والآية التي بينت ذلك هي قوله تعالى : فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم ، وقوله تعالى : وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين [ 37 \ 147 - 148 ] ، والحسرة أشد الندامة ، وهو منصوب على أنه منادى عامل في المجرور بعده ، فأشبه المنادى المضاف . والمعنى : ياحسرة على العباد تعالي واحضري فإن الاستهزاء بالرسل هو أعظم الموجبات لحضورك . قوله تعالى : وآية لهم الأرض الميتة ، إلى قوله : أفلا يشكرون [ ص: 296 ] قد قدمنا أن إحياء الأرض المذكور في هذه الآية ، برهان قاطع على البعث في سورة " البقرة " ، في الكلام على قوله تعالى : وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم [ 2 \ 22 ] . وفي سورة " النحل " ، في الكلام على قوله تعالى : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون الآية [ 16 \ 10 ] ، وفي غير ذلك من المواضع . وأوضحنا في المواضع المذكورة ، بقية براهين البعث بعد الموت . قوله تعالى : وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون وخلقنا لهم من مثله ما يركبون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " النحل " ، في الكلام على قوله تعالى : وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا الآية [ 16 \ 14 ] . قوله تعالى : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين . ذم جل وعلا في هذه الآية الكريمة الكفار بإعراضهم عن آيات الله . وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية ، جاء في آيات أخر من كتاب الله ; كقوله تعالى في أول سورة " الأنعام " : وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين فقد كذبوا بالحق لما جاءهم الآية [ 6 \ 4 - 5 ] ، وقوله تعالى في آخر " يوسف " : وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون [ 12 \ 105 ] ، وقوله تعالى : اقتربت الساعة وانشق القمر وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر [ 54 \ 1 - 2 ] ، وقوله تعالى : وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا رأوا آية يستسخرون [ 37 \ 13 - 14 ] ، وأصل الإعراض مشتق من العرض بالضم ، وهو الجانب ; لأن المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه صادا عنه . قوله تعالى : ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة النفخة الأخيرة ، والصور قرن من نور ينفخ فيه الملك نفخة البعث ، وهي النفخة الأخيرة ، وإذا نفخها قام جميع أهل القبور من قبورهم ، أحياء إلى الحساب والجزاء . وقوله : فإذا هم من الأجداث ، جمع جدث بفتحتين ، وهو القبر ، وقوله : [ ص: 297 ] ينسلون ، أي : يسرعون في المشي من القبور إلى المحشر ; كما قال تعالى : يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون [ 70 \ 43 ] ، وقال تعالى : يوم تشقق الأرض عنهم سراعا الآية [ 50 \ 44 ] ، وكقوله تعالى : يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر مهطعين إلى الداعي الآية [ 54 \ 7 ] ، وقوله : مهطعين إلى الداعي ، أي : مسرعين مادي أعناقهم على أشهر التفسيرين ، ومن إطلاق نسل بمعنى أسرع ، قوله تعالى : حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون [ 21 \ 96 ] ، وقول لبيد : عسلان الذئب أمسى قاربا ، برد الليل عليه فنسل وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من أن أهل القبور يقومون أحياء عند النفخة الثانية ، جاء موضحا في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى ; كقوله تعالى : ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون [ 39 \ 68 ] ، وقوله تعالى : إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون [ 36 \ 53 ] ، وهذه الصيحة هي النفخة الثانية ; كقوله تعالى : يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج [ 50 \ 42 ] ، أي : الخروج من القبور . وقوله تعالى : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة [ 79 \ 13 - 14 ] ، والزجرة : هي النفخة الثانية . والساهرة : وجه الأرض والفلاة الواسعة ، ومنه قول أبي كبير الهذلي : يرتدن ساهرة ، كأن جميمها وعميمها أسداف ليل مظلم وقول الأشعث بن قيس : وساهرة يضحى السراب مجللا لأقطارها قد جئتها متلثما وكقوله تعالى : فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون [ 37 \ 19 ] ، وقوله تعالى : ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون [ 30 \ 25 ] ، وهذه الدعوة بالنفخة الثانية . وقوله تعالى : يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده [ 17 \ 52 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . [ ص: 298 ] قوله تعالى : قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون . قد قدمنا الكلام عليه في سورة " الروم " ، في الكلام على قوله تعالى : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث الآية [ 30 \ 56 ] . قوله تعالى : ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة " الكهف " ، في الكلام على قوله تعالى : ولا يشرك في حكمه أحدا [ 18 \ 26 ] ، وأوضحنا فيه التفصيل بين النظم الوضعية ، وفي سورة " بني إسرائيل " ، في الكلام على قوله تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ 17 \ 9 ] . قوله تعالى : ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون . قوله : جبلا كثيرا ، أي : خلقا كثيرا ; كقوله تعالى : واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين [ 26 \ 184 ] ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من كون الشيطان أضل خلقا كثيرا من بني آدم جاء مذكورا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى : ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس [ 6 \ 128 ] ، أي : قد استكثرتم أيها الشياطين ، من إضلال الإنس ، وقد قال إبليس : لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا [ 17 \ 62 ] ، وقد بين تعالى أن هذا الظن الذي ظنه بهم من أنه يضلهم جميعا إلا القليل صدقه عليهم ; وذلك في قوله تعالى : ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين [ 34 \ 20 ] ، كما تقدم إيضاحه . وقرأ هذا الحرف نافع وعاصم : جبلا بكسر الجيم والباء ، وتشديد اللام . وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي : جبلا ، بضم الجيم والباء وتخفيف اللام . وقرأه أبو عمرو وابن عامر : جبلا ، بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام ، وجميع القراءات بمعنى واحد ، أي : خلقا كثيرا . [ ص: 299 ] قوله تعالى : وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من شهادة بعض جوارح الكفار عليهم يوم القيامة ، جاء موضحا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى في سورة " النور " : يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون [ 24 \ 24 ] ، وقوله تعالى في " فصلت " : حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء [ 40 \ 20 - 21 ] . وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة " النساء " ، في الكلام على قوله تعالى : ولا يكتمون الله حديثا [ 4 \ 42 ] . وبينا هناك أن آية " يس " هذه توضح الجمع بين الآيات ; كقوله تعالى عنهم : ولا يكتمون الله حديثا [ 4 \ 42 ] مع قوله عنهم : ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين [ 6 \ 23 ] ، ونحو ذلك من الآيات . قوله تعالى : ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون . قوله تعالى : ننكسه في الخلق ، أي : نقلبه فيه ، فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل ، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده ، وخلو من عقل وعلم ، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال ، ويرتقي من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ أشده ، ويستكمل قوته ويعقل ويعلم ما له وما عليه ، فإذا انتهى نكسناه في الخلق ، فجعلناه يتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده ، وقلة عقله ، وخلوه من العلم . وأصل معنى التنكيس : جعل أعلى الشيء أسفله . وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، جاء موضحا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى : الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة الآية [ 30 \ 54 ] ، وقوله تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين الآية [ 95 \ 4 - 5 ] ، على أحد التفسيرين . وقوله تعالى في " الحج " : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا [ 22 \ 5 ] ، وقوله تعالى في " النحل " : ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا [ 16 \ 70 ] ، وقوله تعالى في سورة " المؤمن " : ثم لتكونوا شيوخا [ 40 \ 67 ] . [ ص: 300 ] وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة " النحل " ، وقرأ هذا الحرف عاصم ، وحمزة : ننكسه بضم النون الأولى ، وفتح الثانية وتشديد الكاف المكسورة ، من التنكيس ، وقرأه الباقون بفتح النون الأولى ، وإسكان الثانية ، وضم الكاف مخففة مضارع نكسه المجرد وهما بمعنى واحد . وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر : أفلا تعقلون بتاء الخطاب . وقرأه الباقون : أفلا يعقلون ، بياء الغيبة . قوله تعالى : وما علمناه الشعر وما ينبغي له . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الشعراء " ، في الكلام على قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون [ 26 \ 124 ] ، وذكرنا الأحكام المتعلقة بذلك هناك . قوله تعالى : لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " النمل " ، في الكلام على قوله تعالى : إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء الآية [ 27 \ 80 ] . وفي سورة " فاطر " ، في الكلام على قوله تعالى : وما يستوي الأحياء ولا الأموات [ 35 \ 22 ] . قوله تعالى : أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " النحل " ، في الكلام على قوله تعالى : خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين [ 16 \ 4 ] . قوله تعالى : وضرب لنا مثلا ونسي خلقه إلى قوله تعالى وهو الخلاق العليم قد بينا الآيات الموضحة له في سورة " البقرة " و " النحل " ، مع بيان براهين البعث . قوله تعالى : إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " النحل " ، في الكلام على قوله تعالى : إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون [ 16 \ 40 ] ، وبينا هناك أن الآيات المذكورة لا تنافي مذهب أهل السنة في إطلاق اسم الشيء على الموجود دون المعدوم ، وقد قدمنا القراءتين وتوجيههما في قوله : كن فيكون ، هناك . ![]()
__________________
|
#452
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (450) سُورَةُ الصَّافَّاتِ صـ 301 إلى صـ 308 [ ص: 301 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الصَّافَّاتِ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ . أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِـ : الصَّافَّاتِ هُنَا ، وَ الزَّاجِرَاتِ ، وَ التَّالِيَاتِ : جَمَاعَاتُ الْمَلَائِكَةِ ، وَقَدْ جَاءَ وَصْفُ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّهُمْ صَافُّونَ ، وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عَنْهُمْ : وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ [ 37 \ 165 - 166 ] ، وَمَعْنَى كَوْنِهِمْ صَافِّينَ : أَنْ يَكُونُوا صُفُوفًا مُتَرَاصِّينَ بَعْضُهُمْ جَنْبَ بَعْضٍ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، مِنْ صَلَاةٍ وَغَيْرِهَا . وَقِيلَ : لِأَنَّهُمْ يَصُفُّونَ أَجْنِحَتَهُمْ فِي السَّمَاءِ ، يَنْتَظِرُونَ أَمْرَ اللَّهِ ، وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ الَّذِي قَدَّمْنَا فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْمَائِدَةِ " فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ : جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ ، وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا ، وَجُعِلَتْ لَنَا تُرْبَتُهَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ " وَهُوَ دَلِيلٌ صَحِيحٌ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ يَصُفُّونَ كَصُفُوفِ الْمُصَلِّينَ فِي صَلَاتِهِمْ ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآيَاتِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ يُلْقُونَ الذِّكْرَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، لِأَجْلِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ بِهِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا عُذْرًا أَوْ نُذْرًا [ 67 \ 5 - 6 ] فَقَوْلُهُ : فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا كَقَوْلِهِ هُنَا : فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ الَّذِي تَتْلُوهُ تُلْقِيهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ ، كَمَا كَانَ جِبْرِيلُ يَنْزِلُ بِالْوَحْيِ عَلَى نَبِيِّنَا وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى الْجَمِيعِ ، وَقَوْلُهُ : عُذْرًا أَوْ نُذْرًا ، أَيْ : لِأَجْلِ الْإِعْذَارِ وَالْإِنْذَارِ ، أَيْ : بِذَلِكَ الذِّكْرِ الَّذِي نَتْلُوهُ وَتُلْقِيهِ ، وَالْإِعْذَارُ : قَطْعُ الْعُذْرِ بِالتَّبْلِيغِ . وَالْإِنْذَارُ قَدْ قَدَّمْنَا إِيضَاحَهُ وَبَيَّنَّا أَنْوَاعَهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ [ 7 \ 1 - 2 ] ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا الْمَلَائِكَةُ تَزْجُرُ السَّحَابَ ، وَقِيلَ : تَزْجُرُ الْخَلَائِقَ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ بِالذِّكْرِ الَّذِي تَتْلُوهُ ، وَتُلْقِيهِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ . [ ص: 302 ] وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الصَّافَّاتِ وَ الزَّجِرَاتِ وَ التَّالِيَاتِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ هِيَ جَمَاعَاتُ الْمَلَائِكَةِ : ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ ; كَمَا قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُمَا . وَزَادُ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ قَالَ بِهِ : مَسْرُوقًا وَالسُّدِّيَّ وَالرَّبِيعَ بْنَ أَنَسٍ ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : الصَّافَّاتِ فِي الْآيَةِ الطَّيْرُ تَصُفُّ أَجْنِحَتَهَا فِي الْهَوَاءِ ، وَاسْتَأْنَسَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ الْآيَةَ [ 67 \ 19 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ الْآيَةَ [ 24 \ 41 ] . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : الْمُرَادُ بِـ : الصَّافَّاتِ جَمَاعَاتُ الْمُسْلِمِينَ يَصُفُّونَ فِي مَسَاجِدِهِمْ لِلصَّلَاةِ ، وَيَصُفُّونَ فِي غَزْوِهِمْ عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ ; كَمَا قَالَ تَعَالَى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ [ 61 \ 4 ] . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا : الْمُرَادُ بِـ : فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا ، وَ فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا : جَمَاعَاتُ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ يُلْقُونَ آيَاتِ اللَّهِ عَلَى النَّاسِ ، وَيَزْجُرُونَ عَنْ مَعَاصِي اللَّهِ بِآيَاتِهِ ، وَمَوَاعِظِهِ الَّتِي أَنْزَلَهَا عَلَى رُسُلِهِ . وَقَالَ بَعْضُهُمِ : الْمُرَادُ بِـ : فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا : جَمَاعَاتُ الْغُزَاةِ يَزْجُرُونَ الْخَيْلَ لِتُسْرِعَ إِلَى الْأَعْدَاءِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَكْثَرُ قَائِلًا . وَوَجْهُ تَوْكِيدِهِ تَعَالَى قَوْلَهُ : إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ ، بِهَذِهِ الْأَقْسَامِ ، وَبِأَنَّ وَاللَّامِ هُوَ أَنَّ الْكُفَّارَ أَنْكَرُوا كَوْنَ الْإِلَهِ وَاحِدًا إِنْكَارًا شَدِيدًا وَتَعَجَّبُوا مِنْ ذَلِكَ تَعَجُّبًا شَدِيدًا ; كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْهُمْ : أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ [ 38 \ 5 ] ، وَلَمَّا قَالَ تَعَالَى : إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ أَقَامَ الدَّلِيلَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ، فَكَوْنُهُ خَالِقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي جَعَلَ فِيهَا الْمَشَارِقَ وَالْمَغَارِبَ بُرْهَانٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ . وَهَذَا الْبُرْهَانُ الْقَاطِعُ الَّذِي أَقَامَهُ هُنَا عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْإِلَهُ الْمَعْبُودُ وَحْدَهُ ، أَقَامَهُ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " : وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ [ 2 \ 163 ] فَقَدْ أَقَامَ الْبُرْهَانَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ بَعْدَهُ مُتِّصِلًا بِهِ : [ ص: 303 ] إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [ 2 \ 164 ] . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : فَإِنْ قُلْتَ : مَا حُكْمُ الْفَاءِ إِذَا جَاءَتْ عَاطِفَةً فِي الصِّفَاتِ ؟ قُلْتُ : إِمَّا أَنْ تَدُلَّ عَلَى تَرَتُّبِ مَعَانِيهَا فِي الْوُجُودِ ; كَقَوْلِهِ : يَا لَهْفَ زِيَابَةَ لِلْحَارِثِ الْـ صَّابِحِ فَالْغَانِمِ فَالْآئِبِ كَأَنَّهُ قِيلَ : الَّذِي صَبَّحَ فَغَنِمَ فَآبَ ، وَإِمَّا عَلَى تَرَتُّبِهَا فِي التَّفَاوُتِ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ ; كَقَوْلِكَ : خُذِ الْأَفْضَلَ فَالْأَكْمَلَ ، وَاعْمَلِ الْأَحْسَنَ فَالْأَجْمَلَ . وَإِمَّا عَلَى تَرَتُّبِ مَوْصُوفَاتِهَا فِي ذَلِكَ ; كَقَوْلِهِ : رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ فَالْمُقَصِّرِينَ ، فَعَلَى هَذِهِ الْقَوَانِينِ الثَّلَاثَةِ يَنْسَاقُ أَمْرُ الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ فِي الصِّفَاتِ . فَإِنْ قُلْتَ : فَعَلَى أَيِّ هَذِهِ الْقَوَانِينِ هِيَ فِيمَا أَنْتَ بِصَدَدِهِ ؟ قُلْتُ : إِنْ وَحَّدْتَ الْمَوْصُوفَ كَانَتْ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَرَتُّبِ الصِّفَاتِ فِي التَّفَاضُلِ ، وَإِنْ ثَلَّثْتَهُ فَهِيَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَرَتُّبِ الْمَوْصُوفَاتِ فِيهِ . بَيَانُ ذَلِكَ : أَنَّكَ إِذَا أَجْرَيْتَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ ، وَجَعَلْتَهُمْ جَامِعِينَ لَهَا فَعَطْفُهَا بِالْفَاءِ يُفِيدُ تَرَتُّبًا لَهَا فِي الْفَضْلِ ، إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْفَضْلُ لِلصَّفِّ ، ثُمَّ لِلزَّجْرِ ثُمَّ لِلتِّلَاوَةِ . وَإِمَّا عَلَى الْعَكْسِ ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَرَدْتَ الْعُلَمَاءَ وَقُوَّادَ الْغُزَاةِ . وَإِنْ أَجْرَيْتَ الصِّفَةَ الْأُولَى عَلَى طَوَائِفَ وَالثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ عَلَى أُخَرَ ، فَقَدْ أَفَادَتْ تَرَتُّبَ الْمَوْصُوفَاتِ فِي الْفَضْلِ أَعْنِي أَنَّ الطَّوَائِفَ الصَّافَّاتِ ذَوَاتِ فَضْلٍ ، وَالزَّاجِرَاتُ أَفْضَلُ ، وَالتَّالِيَاتُ أَبْهَرُ فَضْلًا أَوْ عَلَى الْعَكْسِ ، وَكَذَلِكَ إِذَا أَرَدْتَ بِالصَّافَّاتِ الطَّيْرَ ، وَبِالزَّاجِرَاتِ كُلَّ مَا يَزْجُرُ عَنْ مَعْصِيَةٍ ، وَبِالتَّالِيَاتِ كُلَّ نَفْسٍ تَتْلُو الذِّكْرَ ، فَإِنَّ الْمَوْصُوفَاتِ مُخْتَلِفَةٌ ، انْتَهَى كَلَامُ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي " الْكَشَّافِ " . قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ : كَلَامُ صَاحِبِ الْكَشَّافِ هَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو حَيَّانَ ، وَالْقُرْطُبِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَلَمْ يَتَعَقَّبُوهُ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَلَامٌ لَا تَحْقِيقَ فِيهِ ، وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ اعْتِرَافُ الزَّمَخْشَرِيِّ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا ذَكَرَهُ : هَلْ هُوَ كَذَا أَوْ عَلَى الْعَكْسِ ، وَذَلِكَ صَرِيحٌ [ ص: 304 ] فِي أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عِلْمٍ مِمَّا يَقُولُهُ ; لِأَنَّ مَنْ جَزَمَ بِشَيْءٍ ثُمَّ جَوَّزَ فِيهِ النَّقِيضَيْنِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى عِلْمٍ مِمَّا جَزَمَ بِهِ . وَالْأَظْهَرُ الَّذِي لَا يَلْزَمُهُ إِشْكَالٌ أَنَّ التَّرْتِيبَ بِالْفَاءِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ وَالْإِتْيَانِ بِأَدَاةِ التَّرْتِيبِ لِمُجَرَّدِ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ فَقَطْ ، دُونَ إِرَادَةِ تَرْتِيبِ الصِّفَاتِ أَوِ الْمَوْصُوفَاتِ أُسْلُوبٌ عَرَبِيٌّ مَعْرُوفٌ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ فِي مَوَاضِعَ ، وَهُوَ كَثِيرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، قَوْلُهُ تَعَالَى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ فَكُّ رَقَبَةٍ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا الْآيَةَ [ 90 \ 11 - 17 ] ، فَلَا يَخْفَى أَنْ ثُمَّ حَرْفُ تَرْتِيبٍ وَأَنَّ الْمُرَتَّبَ بِهِ الَّذِي هُوَ كَوْنُهُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرَتُّبَ لَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ إِلَّا مُطْلَقُ التَّرْتِيبِ الذِّكْرِيِّ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ الْآيَةَ [ 6 \ 153 - 154 ] كَمَا لَا يَخْفَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِيهِ ذِكْرِيٌّ . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا فِي سُورَةِ " الْبَقَرَةِ " ، فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [ 2 \ 199 ] ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ قَوْلُهُ : إِنَّ مَنْ سَادَ ثُمَّ سَادَ أَبُوهُ ثُمَّ قَدْ سَادَ قَبْلَ ذَلِكَ جَدُّهْ وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ، لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا الْمَشَارِقَ وَحْدَهَا ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْمَغَارِبَ . وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا " دَفْعَ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ " : وَجْهُ اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الْآيَاتِ فِي ذَلِكَ ، فَقُلْنَا فِيهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ 2 \ 115 ] ، مَا لَفْظُهُ أُفْرِدَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ، وَثَنَّاهُمَا فِي سُورَةِ " الرَّحْمَنِ " ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [ 55 \ 17 ] ، وَجَمَعَهُمَا فِي سُورَةِ " سَأَلَ سَائِلٌ " ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ [ 70 \ 40 ] ، وَجَمَعَ الْمَشَارِقَ فِي سُورَةِ " الصَّافَّاتِ " ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ . [ ص: 305 ] وَالْجَوَابُ : أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [ 2 \ 115 ] الْمُرَادُ بِهِ جِنْسُ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ، فَهُوَ صَادِقٌ بِكُلِّ مَشْرِقٍ مِنْ مَشَارِقِ الشَّمْسِ الَّتِي هِيَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ ، وَكُلُّ مَغْرِبٍ مِنْ مَغَارِبِهَا الَّتِي هِيَ كَذَلِكَ ، كَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ . قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، مَا نَصُّهُ : وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ : وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ الَّذِي تُشْرِقُ مِنْهُ الشَّمْسُ كُلَّ يَوْمٍ وَالْمَغْرِبُ الَّذِي تَغْرُبُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ . فَتَأْوِيلُهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ : وَلِلَّهِ مَا بَيْنَ قُطْرَيِ الْمَشْرِقِ وَقُطْرَيِ الْمَغْرِبِ إِذَا كَانَ شُرُوقُ الشَّمْسِ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ مَوْضِعٍ مِنْهُ لَا تَعُودُ لِشُرُوقِهَا مِنْهُ إِلَى الْحَوْلِ الَّذِي بَعْدَهُ ، وَكَذَلِكَ غُرُوبُهَا ، انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ . وَقَوْلُهُ : رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ [ 55 \ 17 ] ، يَعْنِي مَشْرِقَ الشِّتَاءِ ، وَمَشْرِقَ الصَّيْفِ وَمَغْرِبَهُمَا ، كَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ . وَقِيلَ : مَشْرِقَ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَمَغْرِبَهُمَا . وَقَوْلُهُ : بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ أَيْ : مَشَارِقِ الشَّمْسِ وَمَغَارِبِهَا كَمَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : مَشَارِقِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَالْكَوَاكِبِ وَمَغَارِبِهَا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . قوله تعالى : إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب الآية [ 37 \ 6 ] . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الأنعام " ، في الكلام على قوله تعالى : وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها الآية [ 6 \ 97 ] . وقرأ هذا الحرف السبعة غير عاصم وحمزة ، بإضافة زينة إلى الكواكب ، أي : بلا تنوين في زينة مع خفض الباء في الكواكب . وقرأه حمزة وحفص عن عاصم بتنوين زينة ، وخفض الكواكب على أنه بدل من زينة . وقرأه أبو بكر عن عاصم : بزينة الكواكب بتنوين زينة ، ونصب الكواكب ، وأعرب أبو حيان الكواكب على قراءة النصب إعرابين : أحدهما : أن الكواكب بدل من السماء في قوله تعالى : إنا زينا السماء [ 37 \ 6 ] . والثاني : أنه مفعول به لـ : زينة بناء على أنه مصدر منكر ; كقوله تعالى : أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيما الآية [ 90 \ 14 - 15 ] . [ ص: 306 ] والأظهر عندي : أنه مفعول فعل محذوف ، تقديره : أعني الكواكب ، على حد قوله في " الخلاصة " : ويحذف الناصبها إن علما وقد يكون حذفه ملتزما قوله تعالى : وحفظا من كل شيطان مارد إلى قوله : شهاب ثاقب . قد قدمنا الآيات الموضحة له في الكلام على قوله تعالى : وحفظناها من كل شيطان رجيم إلا من استرق السمع الآية [ 15 \ 17 - 18 ] في سورة " الحجر " . قوله تعالى : فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب ذكر في هذه الآية الكريمة برهانين من براهين البعث ، التي قدمنا أنها يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث . الأول : هو المراد بقوله : فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا ; لأن معنى : فاستفتهم ، استخبرهم والأصل في معناه : اطلب منهم الفتوى ، وهي الإخبار بالواقع فيما تسألهم عنه أهم أشد خلقا أي : أصعب إيجادا واختراعا ، أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر منهم ، وهي ما تقدم ذكره من الملائكة المعبر عن جماعاتهم بالصافات ، والزاجرات ، والتاليات ، والسماوات والأرض ، والشمس والقمر ، ومردة الشياطين ; كما ذكر ذلك كله في قوله تعالى : رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان مارد [ 37 \ 5 - 7 ] . وجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره ، هو أن يقال : من خلقت يا ربنا من الملائكة ، ومردة الجن ، والسماوات والأرض ، والمشارق ، والمغارب ، والكواكب ، أشد خلقا منا ; لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا ، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جل وعلا على البعث بعد الموت ; لأن من المعلوم بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض ، وما ذكر معهما قادر على أن يخلق الأصغر الأقل ; كما قال تعالى : لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ، أي : ومن قدر [ ص: 307 ] على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر ، كخلق الإنسان خلقا جديدا بعد الموت . وقال تعالى : أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم [ 36 \ 81 ] ، وقال تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير [ 46 \ 33 ] ، وقال تعالى : أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم [ 17 \ 99 ] ، وقال تعالى في " النازعات " ، موضحا الاستفتاء المذكور في آية " الصافات " هذه : أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم [ 79 \ 27 - 33 ] . وقد علمت أن وجه العبارة بمن التي هي للعالم ، في قوله تعالى : أم من خلقنا ، عن السماوات والأرض والكواكب هو تغليب ما ذكر معها من العالم كالملائكة على غير العالم ، وذلك أسلوب عربي معروف . وأما البرهان الثاني : فهو في قوله : إنا خلقناهم من طين لازب ; لأن من خلقهم أولا من طين ، وأصله التراب المبلول بالماء لا يشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا ترابا ، لأن الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جدا ; كقوله تعالى : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة الآية [ 36 \ 79 ] ، وقوله تعالى : وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [ 30 \ 27 ] ، وقوله تعالى : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب [ 22 \ 5 ] . وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذين البرهانين وغيرهما من براهين البعث في سورة " البقرة " ، و " النحل " ، و " الحج " وغير ذلك . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : من طين لازب ، اللازب : هو ما يلزق باليد مثلا إذا لاقته ، وعبارات المفسرين فيه تدور حول ما ذكرنا ، والعرب تطلق اللازب واللاتب واللازم ، بمعنى واحد ، ومنه في اللازب قول علي رضي الله عنه : تعلم فإن الله زادك بسطة وأخلاق خير كلها لك لازب وقول نابغة ذبيان : [ ص: 308 ] ولا يحسبون الخير لا شر بعده ولا يحسبون الشر ضربة لازب فقوله : ضربة لازب ، أي : شيئا ملازما لا يفارق ، ومنه في اللاتب قوله : فإن يك هذا من نبيذ شربته فإني من شرب النبيذ لتائب والبرهانان المذكوران على البعث يلقمان الكفار حجرا في إنكارهم البعث المذكور بعدهما قريبا منهما ، في قوله تعالى : وقالوا إن هذا إلا سحر مبين أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون أوآباؤنا الأولون قل نعم وأنتم داخرون فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون [ 37 \ 15 19 ] .صداع وتوصيم العظام وفترة وغم مع الإشراق في الجوف لاتب قوله تعالى : بل عجبت ويسخرون . قرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة والكسائي : عجبت بالتاء المفتوحة وهي تاء الخطاب ، المخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم . وقرأ حمزة والكسائي : بل عجبت ، بضم التاء وهي تاء المتكلم ، وهو الله جل وعلا . وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن القراءتين المختلفتين يحكم لهما بحكم الآيتين . وبذلك تعلم أن هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب لله تعالى ، فهي إذا من آيات الصفات على هذه القراءة . وقد أوضحنا طريق الحق التي هي مذهب السلف في آيات الصفات ، وأحاديثها في سورة " الأعراف " ، في الكلام على قوله تعالى : ثم استوى على العرش [ 7 \ 54 ] ، فأغنى ذلك عن إعادته هنا . قوله تعالى : وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الروم " ، في الكلام على قوله تعالى : وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث . الآية [ 30 \ 56 ] ![]()
__________________
|
#453
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (451) سُورَةُ الصَّافَّاتِ صـ 309 إلى صـ 316 [ ص: 309 ] قوله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم . المراد بـ : الذين ظلموا الكفار ، كما يدل عليه قوله بعده : وما كانوا يعبدون من دون الله . قوله تعالى : أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم . قد قدمنا إيضاحه بالقرآن في سورة " الفرقان " ، في الكلام على قوله تعالى : قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون [ 25 \ 15 ] . وقد قدمنا إطلاق الظلم على الشرك في آيات متعددة ; كقوله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم [ 31 \ 13 ] ، وقوله تعالى : والكافرون هم الظالمون [ 2 \ 254 ] ، وقوله تعالى : ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين [ 10 \ 106 ] . وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه فسر الظلم بالشرك ، في قوله تعالى : ولم يلبسوا إيمانهم بظلم [ 6 \ 82 ] ، وقوله تعالى : وأزواجهم ، جمهور أهل العلم منهم : عمر وابن عباس ، على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم ، فعابد الوثن مع عابد الوثن ، والسارق مع السارق ، والزاني مع الزاني ، واليهودي مع اليهودي ، والنصراني مع النصراني ، وهكذا وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في القرآن ، وفي كلام العرب ; كقوله تعالى : والذي خلق الأزواج كلها الآية [ 43 \ 12 ] ، وقوله تعالى : سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون [ 36 \ 36 ] ، وقوله تعالى : فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى الآية [ 20 \ 53 ] ، وقوله تعالى : ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم [ 15 \ 88 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . فقوله تعالى : احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ، أي : اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم ، فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم ، وبذلك تعلم أن قول من قال : المراد بـ أزواجهم نساؤهم اللاتي على دينهم ، خلاف الصواب . وقوله تعالى : وما كانوا يعبدون من دون الله ، أي : احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعا النار ; كما أوضح ذلك بقوله تعالى : إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون [ 21 \ 98 - 99 ] . وقد بين تعالى أن الذين عبدوا من دون الله من الأنبياء ، والملائكة ، والصالحين ; كعيسى وعزير خارجون عن هذا ، وذلك في [ ص: 310 ] قوله تعالى : إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون [ 21 \ 101 ] ، إلى قوله : هذا يومكم الذي كنتم توعدون [ 21 \ 103 ] ، وأشار إلى ذلك في قوله تعالى : ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن هو إلا عبد أنعمنا عليه الآية [ 43 \ 57 - 59 ] . وقوله تعالى : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه الآية [ 17 \ 57 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فاهدوهم ، من الهدى العام ، أي : دلوهم وأرشدوهم إلى صراط الجحيم ، أي : طريق النار ليسلكوها إليها ، والضمير في قوله تعالى : فاهدوهم ، راجع إلى الثلاثة ، أعني : الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون من دون الله . وقد دلت هذه الآية أن الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الشر ، ونظير ذلك في القرآن قوله : كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير [ 22 \ 4 ] ، ولذلك كان للشر أئمة يؤتم بهم فيه ; كقوله تعالى : وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار الآية [ 28 \ 41 ] . قوله تعالى : وقفوهم إنهم مسئولون ما لكم لا تناصرون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الأعراف " ، في الكلام على قوله تعالى : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [ 7 \ 6 ] ، وبينا هناك وجه الجمع بين الآيات في نحو قوله تعالى : ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون [ 28 \ 78 ] ، وقوله تعالى : فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان [ 55 \ 39 ] ، مع قوله تعالى : فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [ 15 \ 92 - 93 ] ، وقوله تعالى : فلنسألن الذين أرسل إليهم الآية [ 7 \ 6 ] . وقوله هنا : وقفوهم إنهم مسئولون . قوله تعالى : وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون . قد قدمنا الآيات الموضحة له مع التعرض لإزالة إشكالين في بعض الآيات المتعلقة بذلك ، في سورة " قد أفلح المؤمنون " ، في الكلام على قوله تعالى : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [ 23 \ 101 ] . [ ص: 311 ] قوله تعالى : فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون فأغويناكم إنا كنا غاوين . قد قدمنا الآيات المبينة للمراد بالقول الذي حق عليهم في سورة " يس " ، في الكلام على قوله تعالى : لقد حق القول على أكثرهم الآية [ 36 \ 7 ] ، وما ذكره جل وعلا عنهم من أنهم قالوا : إنه لما حق عليهم القول ، الذي هو : لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين [ 32 \ 13 ] ، فكانوا غاوين أغووا أتباعهم ; لأن متبع الغاوي في غيه لا بد أن يكون غاويا مثله ، ذكره تعالى في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى في سورة " القصص " : قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا الآية [ 28 \ 63 ] ، والإغواء : الإضلال . قوله تعالى : فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الضالين والمضلين مشتركون في العذاب يوم القيامة ، وبين في سورة " الزخرف " ، أن ذلك الاشتراك ليس بنافعهم شيئا ; وذلك في قوله تعالى : ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون [ 43 \ 39 ] ، وبين في مواضع أخر أن الأتباع يسألون الله ، أن يعذب المتبوعين عذابا مضاعفا لإضلالهم إياهم ; كقوله تعالى : حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف الآية [ 7 \ 38 ] ، وقوله تعالى : وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا [ 33 \ 67 - 68 ] . وقد قدمنا الكلام على تخاصم أهل النار ، وسيأتي إن شاء الله له زيادة إيضاح في سورة " ص " ، في الكلام على قوله تعالى : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ 38 \ 64 ] . قوله تعالى : إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون الآية [ 37 \ 34 - 35 ] . بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أن ذلك العذاب الذي فعله بهؤلاء المعذبين ، [ ص: 312 ] المذكورين في قوله تعالى : إنا لذائقون [ 37 \ 31 ] ، أي : العذاب الأليم . وقوله تعالى : فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون [ 37 \ 33 ] ، أنه يفعل مثله من التعذيب والتنكيل بالمجرمين ، والمجرمون جمع مجرم ، وهو مرتكب الجريمة وهي الذنب الذي يستحق صاحبه عليه التنكيل الشديد ، ثم بين العلة لذلك التعذيب ; لأنها هي امتناعهم من كلمة التوحيد التي هي لا إله إلا الله ، إذا طلب منهم الأنبياء وأتباعهم أن يقولوا ذلك في دار الدنيا . فلفظة إن في قوله تعالى : إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون ، من حروف التعليل ; كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه . وعليه فالمعنى : كذلك نفعل بالمجرمين لأجل أنهم كانوا في دار الدنيا ، إذا قيل لهم : لا إله إلا الله يستكبرون ، أي : يتكبرون عن قبولها ولا يرضون أن يكونوا أتباعا للرسل . وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، من كون ذلك هو سبب تعذيبهم بالنار ، دلت عليه آيات ; كقوله تعالى مبينا دخولهم النار : ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير [ 40 \ 12 ] ، وقوله تعالى في ذكر صفات الكفار وهم أهل النار : وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون [ 39 \ 45 ] . قوله تعالى : ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الشعراء " ، في الكلام على قوله تعالى : والشعراء يتبعهم الغاوون [ 26 \ 224 ] . قوله تعالى : لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون . قد قدمنا تفسيره مع ذكر الآيات الدالة على معناه في سورة " المائدة " ، في الكلام على قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون [ 5 \ 90 ] ، وبينا هنا كلام أهل العلم في نجاسة عين خمر الدنيا دون خمر الآخرة ، وأن ذلك يشير إلى قوله تعالى : وسقاهم ربهم شرابا طهورا [ 76 \ 21 ] . [ ص: 313 ] قوله تعالى : وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث صفات من صفات نساء أهل الجنة : الأولى : أنهن قاصرات الطرف ، وهو العين ، أي : عيونهن قاصرات على أزواجهن ، لا ينظرن إلى غيرهم لشدة اقتناعهن واكتفائهن بهم . الثانية : أنهن عين ، والعين جمع عيناء ، وهي واسعة دار العين ، وهي النجلاء . الثالثة : أن ألوانهن بيض بياضا مشربا بصفرة ; لأن ذلك هو لون بيض النعام الذي شبههن به ، ومنه قول امرئ القيس في نحو ذلك : كبكر المقانات البياض بصفرة غذاها نمير الماء غير المحلل لأن معنى قوله : كبكر المقانات البياض بصفرة : أن لون المرأة المذكورة كلون البيضة البكر المخالط بياضها بصفرة ، وهذه الصفات الثلاث المذكورة هنا ، جاءت موضحة في غير هذا الموضع مع غيرها من صفاتهن الجميلة ، فبين كونهن قاصرات الطرف على أزواجهن ، بقوله تعالى في " ص " : وعندهم قاصرات الطرف أتراب [ 38 \ 52 ] ، وكون المرأة قاصرة الطرف من صفاتها الجميلة ، وذلك معروف في كلام العرب ، ومنه قول امرئ القيس : من القاصرات الطرف لو دب محول من الذر فوق الإتب منها لأثرا وذكر كونهن عينا في قوله تعالى فيهن : وحور عين [ 56 \ 22 ] ، وذكر صفا ألوانهن وبياضها في قوله تعالى : كأمثال اللؤلؤ المكنون [ 56 \ 23 ] ، وقوله تعالى : كأنهن الياقوت والمرجان [ 55 \ 58 ] ، وصفاتهن كثيرة معروفة في الآيات القرآنية . واعلم أن الله أثنى عليهن بنوعين من أنواع القصر : أحدهما : أنهن قاصرات الطرف ، والطرف العين ، وهو لا يجمع ولا يثنى ; لأن أصله مصدر ، ولم يأت في القرآن إلا مفردا ; كقوله تعالى : لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء [ 14 \ 43 ] ، وقوله تعالى : ينظرون من طرف خفي ، ومعنى كونهن قاصرات الطرف هو ما قدمنا من أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن بخلاف نساء الدنيا . [ ص: 314 ] والثاني من نوعي القصر : كونهن مقصورات في خيامهن ، لا يخرجن منها ; كما قال تعالى لأزواج نبيه صلى الله عليه وسلم : وقرن في بيوتكن [ 33 \ 33 ] ، وذلك في قوله تعالى : حور مقصورات في الخيام [ 55 \ 72 ] ، وكون المرأة مقصورة في بيتها لا تخرج منه من صفاتها الجميلة ، وذلك معروف في كلام العرب ; ومنه قوله : من كان حربا للنساء فإنني سلم لهنه فإذا عثرن دعونني وإذا عثرت دعوتهنه وإذا برزن لمحفل فقصارهن ملاحهنه فقوله : قصارهن ، يعني : المقصورات منهن في بيوتهن اللاتي لا يخرجن إلا نادرا ، كما أوضح ذلك كثير عزة في قوله : وأنت التي حببت كل قصيرة إلي وما تدري بذاك القصائر عنيت قصيرات الحجال ولم أرد قصار الخطا شر النساء البحاتر والحجال : جمع حجلة ، وهي البيت الذي يزين للعروس ، فمعنى قصيرات الحجال : المقصورات في حجالهن . وذكر بعضهم أن رجلا سمع آخر ، قال : لقد أجاد الأعشى في قوله : غراء فرعاء مصقول عوارضها تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل كأن مشيتها من بيت جارتها مر السحابة لا ريث ولا عجل ليست كمن يكره الجيران طلعتها ولا تراها لسر الجار تختتل فقال له : قاتلك الله ، تستحسن غير الحسن هذه الموصوفة خراجة ولاجة ، والخراجة الولاجة لا خير فيها ولا ملاحة لها ، فهلا قال كما قال أبو قيس بن الأسلت : وتكسل عن جاراتها فيزرنها وتعتل من إتيانهن فتعذر [ ص: 315 ] قوله تعالى : إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم الآية . قد قدمنا إيضاحه في سورة " بني إسرائيل " ، في الكلام على قوله تعالى : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن [ 17 \ 60 ] . قوله تعالى : فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار في النار يأكلون من شجرة الزقوم ، فيملئون منها بطونهم ، ويجمعون معها : لشوبا من حميم ، أي : خلطا من الماء البالغ غاية الحرارة ، جاء موضحا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى في " الواقعة " : ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم [ 56 \ 51 - 52 ] . وقوله : شرب الهيم ، الهيم : جمع أهيم وهيماء وهي الناقة مثلا التي أصابها الهيام ، وهو شدة العطش بحيث لا يرويها كثرة شراب الماء فهي تشرب كثيرا من الماء ، ولا تزال مع ذلك في شدة العطش . ومنه قول غيلان ذي الرمة : فأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد صداها ولا يقضي عليها هيامها وقوله تعالى في " الواقعة " : فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم [ 56 \ 54 - 55 ] ، يدل على أن الشوب ، أي : الخلط من الحميم المخلوط لهم بشجرة الزقوم المذكور هنا في " الصافات " ، أنه شوب كثير من الحميم لا قليل . وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية : لشوبا من حميم ، الشوب : الخلط ، والشوب والشوب لغتان ، كالفقر والفقر ، والفتح أشهر . قال الفراء : شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبا وشيابة ، انتهى منه . قوله تعالى : إنهم ألفوا آباءهم ضالين فهم على آثارهم يهرعون . ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الكفار الذين أرسل إليهم نبينا صلى الله عليه وسلم : إنهم ألفوا آباءهم ، أي : وجدوهم على الكفر ، وعبادة الأوثان ، فهم على آثارهم يهرعون [ ص: 316 ] أي : يتبعونهم في ذلك الضلال والكفر مسرعين فيه ، جاء موضحا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى عنهم : قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا [ 2 \ 170 ] ، وقوله عنهم : قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا [ 5 \ 104 ] ، وقوله عنهم : إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون [ 43 \ 23 ] ، وقوله عنهم : إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا الآية [ 14 \ 10 ] . ورد الله عليهم في الآيات القرآنية معروف ; كقوله تعالى : أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون [ 2 \ 170 ] ، وقوله : أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون [ 5 \ 104 ] ، وقوله تعالى : قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم [ 43 \ 24 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فهم على آثارهم ، أي : فهم على اتباعهم والاقتداء بهم في الكفر والضلال ; كما قال تعالى عنهم : وإنا على آثارهم مقتدون [ 43 \ 23 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : يهرعون ، قد قدمنا في سورة " هود " ، أن معنى : يهرعون : يسرعون ويهرولون ، وأن منه قول مهلهل : فجاءوا يهرعون وهم أسارى تقودهم على رغم الأنوف قوله تعالى : ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين [ 37 \ 71 ] . قد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة " يس " ، في الكلام على قوله تعالى : لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون [ 36 \ 7 ] ، وفي سورة " الأنعام " ، في الكلام على قوله تعالى : وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله الآية [ 6 \ 116 ] . ![]()
__________________
|
#454
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (452) سُورَةُ ص صـ 317 إلى صـ 324 قوله تعالى : ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ونجيناه وأهله من الكرب العظيم وجعلنا ذريته هم الباقين . تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية ، وتفسيره في سورة " الأنبياء " ، في الكلام على قوله تعالى : ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم الآية [ 21 \ 76 ] . قوله تعالى : إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون . [ ص: 317 ] قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة " مريم " ، في الكلام على قوله تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا الآية [ 19 \ 41 - 42 ] . قوله تعالى : وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم ، إلى قوله تعالى : وفديناه بذبح عظيم . اعلم أولا : أن العلماء اختلفوا في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم في المنام بذبحه ، ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي ، ثم لما باشر عمل ذبحه امتثالا للأمر ، فداه الله بذبح عظيم ، هل هو إسماعيل أو إسحاق ؟ وقد وعدنا في سورة " الحجر " ، بأنا نوضح ذلك بالقرآن في سورة " الصافات " ، وهذا وقت إنجاز الوعد . اعلم ، وفقني الله وإياك ، أن القرآن العظيم قد دل في موضعين ، على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق . أحدهما في " الصافات " ، والثاني في " هود " . أما دلالة آيات " الصافات " على ذلك ، فهي واضحة جدا من سياق الآيات ، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين رب هب لي من الصالحين فبشرناه بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يابني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال ياأبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن ياإبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم وتركنا عليه في الآخرين سلام على إبراهيم كذلك نجزي المحسنين [ 37 \ 99 - 110 ] ، قال بعد ذلك عاطفا على البشارة الأولى : وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين [ 37 \ 112 ] ، فدل ذلك على أن البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية ; لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه : فبشرناه بإسحاق ، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضا : وبشرناه بإسحاق ، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزه عنه كلام الله ، وهو واضح في أن الغلام المبشر به أولا الذي فدي بالذبح العظيم ، هو إسماعيل ، وأن البشارة بإسحاق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك . وقد أوضحنا في سورة " النحل " ، في الكلام على قوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة الآية [ 16 \ 97 ] ، أن المقرر في الأصول : أن [ ص: 318 ] النص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، إذا احتمل التأسيس والتأكيد معا وجب حمله على التأسيس ، ولا يجوز حمله على التأكيد ، إلا لدليل يجب الرجوع إليه . ومعلوم في اللغة العربية ، أن العطف يقتضي المغايرة ، فآية " الصافات " هذه ، دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق ، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقينا عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم ، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم . وأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة " هود " ، فهو قوله تعالى : وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب [ 11 \ 71 ] ; لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق ، وأن إسحاق يلد يعقوب ، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه ، وهو صغير ، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب . فهذه الآية أيضا دليل واضح على ما ذكرنا ، فلا ينبغي للمنصف الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك ، والعلم عند الله تعالى . تنبيه اعلم أن قصة الذبيح هذه تؤيد أحد القولين المشهورين عند أهل الأصول في حكمة التكليف ، هل هي للامتثال فقط ، أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء ؟ لأنه بين في هذه الآية الكريمة أن حكمة تكليفه لإبراهيم بذبحه ولده ليست هي امتثاله ذلك بالفعل ، لأنه لم يرد ذبحه كونا وقدرا ، وإنما حكمة تكليفه بذلك مجرد الابتلاء والاختبار ، هل يصمم على امتثال ذلك أو لا ؟ كما صرح بذلك في قوله تعالى : إن هذا لهو البلاء المبين وفديناه بذبح عظيم [ 37 \ 106 - 107 ] ، فتبين بهذا أن التحقيق أن حكمة التكليف مترددة بين الامتثال والابتلاء . وإلى الخلاف المذكور أشار في " مراقي السعود " ، بقوله : للامتثال كلف الرقيب فموجب تمكنا مصيب أو بينه والابتلا ترددا شرط تمكن عليه انفقدا وقد أشار بقوله : فموجب تمكنا مصيب ، وقوله : شرط تمكن عليه انفقدا ، إلى أن شرط التمكن من الفعل في التكليف ، مبني على الخلاف المذكور ، فمن قال : إن الحكمة في التكليف هي الامتثال فقط اشترط في التكليف التمكن من الفعل ; لأنه لا امتثال إلا مع [ ص: 319 ] التمكن من الفعل ، ومن قال إن الحكمة مترددة بين الامتثال والابتلاء ، لم يشترط من الفعل ; لأن حكمة الابتلاء تتحقق مع عدم التمكن من الفعل ، كما لا يخفى . ومن الفروع المبنية على هذا الخلاف أن تعلم المرأة بالعادة المطردة أنها تحيض بعد الظهر غدا من نهار رمضان ، ثم حصل لها الحيض بالفعل ، فتصبح مفطرة قبل إتيان الحيض ، فعلى أن حكمة التكليف الامتثال فقط ، فلا كفارة عليها ، ولها أن تفطر ; لأنها عالمة بأنها لا تتمكن من الامتثال ، وعلى أن الحكمة تارة تكون الامتثال ، وتارة تكون الابتلاء ، فإنها يجب عليها تبييت الصوم ، ولا يجوز لها الإفطار إلا بعد مجيء الحيض بالفعل ، وإن أفطرت قبله كفرت . وكذلك من أفطر لحمى تصيبه غدا ، وقد علم ذلك بالعادة ، فهو أيضا ينبني على الخلاف المذكور .قوله تعالى : ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين . قد قدمنا الكلام عليه في سورة " البقرة " ، في الكلام على قوله تعالى : قال لا ينال عهدي الظالمين [ 2 \ 124 ] .قوله تعالى : ولقد مننا على موسى وهارون . ذكر جل وعلا منته عليهما في غير هذا الموضع ; كقوله في " طه " : قال قد أوتيت سؤلك ياموسى ولقد مننا عليك مرة أخرى [ 20 \ 36 - 37 ] ; لأن من سؤله الذي أوتيه إجابة دعوته في رسالة أخيه هارون معه ، ومعلوم أن الرسالة من أعظم المنن .قوله تعالى : ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم . قوله : وقومهما ، يعني بني إسرائيل . والمعنى : أنه نجى موسى وهارون وقومهما من الكرب العظيم ، وهو ما كان يسومهم فرعون وقومه من العذاب ، كذبح الذكور من أبنائهم وإهانة الإناث ، وكيفية إنجائه لهم مبينة في انفلاق البحر لهم ، حتى خاضوه سالمين ، وإغراق فرعون وقومه وهم ينظرون . وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة " البقرة " ، في الكلام على قوله تعالى : وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم وأغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون [ 2 \ 50 ] ، وقدمنا تفسير الكرب العظيم في سورة " الأنبياء " ، في الكلام على قوله تعالى في قصة نوح : فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم [ 21 \ 76 ] . [ ص: 320 ] قوله تعالى : ونصرناهم فكانوا هم الغالبين . بين جل وعلا أنه نصر موسى وهارون وقومهما على فرعون وجنوده ، فكانوا هم الغالبين ، أي : وفرعون وجنوده هم المغلوبون ، وذلك بأن الله أهلكهم جميعا بالغرق ، وأنجى موسى وهارون وقومهما من ذلك الهلاك ، وفي ذلك نصر عظيم لهم عليهم ، وقد بين جل وعلا ذلك في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى : قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون [ 28 \ 35 ] ، إلى غير ذلك من الآيات .قوله تعالى : وآتيناهما الكتاب المستبين . الكتاب هو التوراة ، كما ذكره في آيات كثيرة ; كقوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل ، وقوله تعالى : ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء [ 6 \ 154 ] ، وقوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون [ 23 \ 49 ] ، وقوله تعالى : ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين [ 21 \ 48 ] ، إلى غير ذلك من الآيات . وقد قدمنا بعض الكلام على ذلك في سورة " البقرة " ، في الكلام على قوله تعالى : وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان الآية [ 2 \ 53 ] .قوله تعالى : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الحجر " ، في الكلام على قوله تعالى : وإنها لبسبيل مقيم [ 15 \ 76 ] . وفي سورة " المائدة " ، في الكلام على قوله تعالى : من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا [ 5 \ 32 ] ، وغير ذلك من المواضع .قوله تعالى : فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون . تسبيح يونس هذا ، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام المذكور في " الصافات " ، جاء موضحا في " الأنبياء " ، في قوله تعالى : وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين [ 21 \ 87 - 88 ] . [ ص: 321 ] وقد قدمنا تفسير هذه الآية وإيضاحها في سورة " الأنبياء " . قوله تعالى : فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون ، إلى قوله : ما لكم كيف تحكمون . قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة " النحل " ، في الكلام على قوله تعالى : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون ، إلى قوله تعالى : ساء ما يحكمون [ 16 \ 57 - 59 ] . قوله تعالى : وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون . قد قدمنا الكلام على ما في معناه من الآيات في سورة " الأنعام " ، في الكلام على قوله تعالى : أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم الآية [ 6 \ 157 ] . قوله تعالى : ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون . هذه الآية الكريمة تدل على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم منصورون دائما على الأعداء بالحجة والبيان ، ومن أمر منهم بالجهاد منصور أيضا بالسيف والسنان ، والآيات الدالة على هذا كثيرة ; كقوله تعالى : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي [ 58 \ 21 ] ، وقوله تعالى : إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد [ 40 \ 51 ] ، وقوله تعالى : وكان حقا علينا نصر المؤمنين [ 30 \ 47 ] ، [ ص: 322 ] وقوله تعالى : فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم [ 14 \ 13 - 14 ] . وقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة " آل عمران " ، في الكلام على قوله تعالى : وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير الآية [ 3 \ 146 ] ، وسيأتي له إن شاء الله زيادة إيضاح في آخر سورة " المجادلة " . قوله تعالى : أفبعذابنا يستعجلون فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الرعد " ، في الكلام على قوله تعالى : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات [ 13 \ 6 ] . وذكرنا بعض الكلام على ذلك في سورة " يونس " ، في الكلام على قوله تعالى : أثم إذا ما وقع آمنتم به الآية [ 10 \ 15 ] ، وفي غير ذلك من المواضع . قوله تعالى : وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين . ختم هذه السورة الكريمة بالسلام على عباده المرسلين ، ولا شك أنهم من عباده الذين اصطفى مع ثنائه على نفسه ، بقوله تعالى : والحمد لله رب العالمين [ 37 \ 182 ] ، معلما خلقه أن يثنوا عليه بذلك ، وما ذكره هنا من حمده هذا الحمد العظيم ، والسلام على رسله الكرام ، ذكره في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى في سورة " النمل " : قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الآية [ 27 \ 59 ] ، ويشبه ذلك قوله تعالى : دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين [ 10 \ 10 ] . [ ص: 323 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ ص قَوْلُهُ تَعَالَى ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ . قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ : ص بِالسُّكُونِ مِنْهُمُ الْقُرَّاءُ السَّبْعَةُ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ ص مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ كَـ ( ص ) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : المص ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : كهيعص [ 19 \ 1 ] . وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ مُسْتَوْفًى عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا . وَبِذَلِكَ التَّحْقِيقِ الْمَذْكُورِ ، تَعْلَمُ أَنَّ قِرَاءَةَ مَنْ قَرَأَ ص بِكَسْرِ الدَّالِّ غَيْرِ مُنَوَّنَةٍ ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِكَسْرِ الدَّالِّ مُنَوَّنَةً ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِفَتْحِ الدَّالِّ ، وَمَنْ قَرَأَهَا بِضَمِّهَا غَيْرَ مُنَوَّنَةٍ ، كُلُّهَا قِرَاءَاتٌ شَاذَّةٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا . وَكَذَلِكَ تَفَاسِيرُ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى تِلْكَ الْقِرَاءَاتِ ، فَإِنَّهَا لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهَا أَيْضًا . كَمَا رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ صَادِ بِكَسْرِ الدَّالِّ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ صَادَى يُصَادِي مُصَادَاةً إِذَا عَارَضَ ، وَمِنْهُ الصَّدَى . وَهُوَ مَا يُعَارِضُ الصَّوْتَ فِي الْأَمَاكِنِ الصُّلْبَةِ الْخَالِيَةِ مِنَ الْأَجْسَامِ ، أَيْ عَارِضْ بِعَمَلِكَ الْقُرْآنَ وَقَابِلْهُ بِهِ ، يَعْنِي امْتَثِلْ أَوَامِرَهُ وَاجْتَنِبْ نَوَاهِيَهُ وَاعْتَقِدْ عَقَائِدَهُ وَاعْتَبِرْ بِأَمْثَالِهِ وَاتَّعَظْ بِمَوَاعِظِهِ . وَعَنِ الْحَسَنِ أَيْضًا : أَنَّ ص بِمَعْنَى حَادِثٍ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ . وَقِرَاءَةُ ص بِكَسْرِ الدَّالِّ غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ : مَرْوِيَّةٌ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَالْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ وَأَبِي السِّمَالِ وَابْنِ أَبِي عَيْلَةَ وَنَصْرِ بْنِ عَاصِمٍ . وَالْأَظْهَرُ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ الشَّاذَّةِ ، أَنَّ كَسْرَ الدَّالِّ سَبَبُهُ التَّخْفِيفُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَهُوَ حَرْفُ هِجَاءٍ لَا فِعْلُ أَمْرٍ مَنْ صَادَى . وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ ابْنِ أَبِي إِسْحَاقَ ، أَنَّهُ قَرَأَ ص بِكَسْرِ الدَّالِّ مَعَ التَّنْوِينِ عَلَى أَنَّهُ [ ص: 324 ] مَجْرُورٌ بِحَرْفِ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ ، وَهُوَ كَمَا تَرَى ، فَسُقُوطُهُ ظَاهِرٌ . وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ ص بِفَتْحِ الدَّالِّ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ، فَهِيَ قِرَاءَةٌ شَاذَّةٌ وَالتَّفَاسِيرُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَيْهَا سَاقِطَةٌ . كَقَوْلِ مَنْ قَالَ : صَادَ مُحَمَّدٌ قُلُوبَ النَّاسِ وَاسْتَمَالَهُمْ حَتَّى آمَنُوا بِهِ . وَقَوْلِ مَنْ قَالَ : هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْإِغْرَاءِ . أَيِ الْزَمُوا صَادَ ، أَيْ هَذِهِ السُّورَةِ ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ مَعْنَاهُ اتْلُ ، وَقَوْلِ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ مَنْصُوبٌ بِنَزْعِ الْخَافِضِ ، الَّذِي هُوَ حَرْفُ الْقَسَمِ الْمَحْذُوفُ . وَأَقْرَبُ الْأَقْوَالِ عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ الشَّاذَّةِ ، أَنَّ الدَّالَّ فُتِحَتْ تَخْفِيفًا لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ، وَاخْتِيرَ فِيهَا الْفَتْحُ إِتْبَاعًا لِلصَّادِّ ، وَلِأَنَّ الْفَتْحَ أَخَفُّ الْحَرَكَاتِ ، وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ الْمَذْكُورَةُ قِرَاءَةُ عِيسَى بْنِ عُمَرَ ، وَتُرْوَى عَنْ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو . وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ صَادُ بِضَمِّ الدَّالِّ مِنْ غَيْرِ تَنْوِينٍ ، عَلَى أَنَّهُ عَلَمٌ لِلسُّورَةِ ، وَأَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ ، وَالتَّقْدِيرُ هَذِهِ صَادُ وَأَنَّهُ مُنِعَ مِنَ الصَّرْفِ لِلْعَلَمِيَّةِ وَالتَّأْنِيثِ ; لِأَنَّ السُّورَةَ مُؤَنَّثَةٌ لَفْظًا . وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصَرِيِّ وَابْنِ السَّمَيْقَعِ وَهَارُونَ الْأَعْوَرِ . وَمَنْ قَرَأَ صَادَ بِفَتْحِ الدَّالِّ قَرَأَ : ق ، وَن كَذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَرَأَهَا ص بِضَمِّ الدَّالِّ فَإِنَّهُ قَرَأَ ق : وَ ن بِضَمِّ الْفَاءِ وَالنُّونِ . وَالْحَاصِلُ أَنَّ جَمِيعَ هَذِهِ الْقِرَاءَاتِ ، وَجَمِيعَ هَذِهِ التَّفَاسِيرِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَيْهَا ، كُلُّهَا سَاقِطَةٌ ، لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا . وَإِنَّمَا ذَكَرْنَاهَا لِأَجْلِ التَّنْبِيهِ عَلَى ذَلِكَ . وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّحْقِيقَ هُوَ مَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّ ص مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ ، وَأَنَّ الْقِرَاءَةَ الَّتِي لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهَا هِيَ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إِنَّ ص مِفْتَاحُ بَعْضِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالصَّبُورِ وَالصَّمَدِ . ![]()
__________________
|
#455
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (453) سُورَةُ ص صـ 325 إلى صـ 332 وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ : صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ [ ص: 325 ] الْأَقْوَالِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّا قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي أَوَّلِ سُورَةِ هُودٍ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ ، قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ أَصْلَ الْقُرْآنِ مَصْدَرٌ ، زِيدَ فِيهِ الْأَلِفُ وَالنُّونُ . كَمَا زِيدَتَا فِي الطُّغْيَانِ ، وَالرُّجْحَانِ ، وَالْكُفْرَانِ ، وَالْخُسْرَانِ ، وَأَنَّ هَذَا الْمَصْدَرَ أُرِيدَ بِهِ الْوَصْفُ . وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، يَقُولُونَ : إِنَّ هَذَا الْوَصْفَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَصْدَرِ هُوَ اسْمُ الْمَفْعُولِ . وَعَلَيْهِ فَالْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْمَقْرُوءِ مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ : قَرَأْتُ الشَّيْءَ إِذَا أَظْهَرْتُهُ وَأَبْرَزْتُهُ ، وَمِنْهُ قَرَأَتِ النَّاقَةُ السَّلَا وَالْجَنِينَ إِذَا أَظْهَرَتْهُ وَأَبْرَزَتْهُ مِنْ بَطْنِهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ كُلْثُومٍ فِي مُعَلَّقَتِهِ : تُرِيكَ إِذَا دَخَلْتَ عَلَى خَلَاءٍ وَقَدْ أَمِنَتْ عُيُونُ الْكَاشِحِينَا ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ هَجَانِ اللَّوْنِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْبَيْتِ . وَمَعْنَى الْقُرْآنِ عَلَى هَذَا الْمَقْرُوءُ الَّذِي يُظْهِرُهُ الْقَارِئُ ، وَيُبْرِزُهُ مِنْ فِيهِ ، بِعِبَارَاتِهِ الْوَاضِحَةِ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ : إِنَّ الْوَصْفَ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَصْدَرِ ، هُوَ اسْمُ الْفَاعِلِ . وَعَلَيْهِ فَالْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْقَارِئِ ، وَهُوَ اسْمُ فَاعِلٍ قَرَأْتُ ، بِمَعْنَى جَمَعْتُ . وَمِنْهُ قَوْلُ الْعَرَبِ : قَرَأْتُ الْمَاءَ فِي الْحَوْضِ أَيْ جَمَعْتُهُ فِيهِ . وَعَلَى هَذَا فَالْقُرْآنُ بِمَعْنَى الْقَارِئِ أَيِ الْجَامِعِ لِأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ فِيهِ جَمِيعَ مَا فِي الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ : ذِي الذِّكْرِ فِيهِ وَجْهَانِ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعْرُوفَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ . أَحَدُهُمَا : أَنَّ الذِّكْرَ بِمَعْنَى الشَّرَفِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ فُلَانٌ مَذْكُورٌ يَعْنُونَ لَهُ ذِكْرٌ أَيْ شَرَفٌ . [ ص: 326 ] وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ [ 43 \ 44 ] أَيْ شَرَفٌ لَكُمْ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ . الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الذِّكْرَ اسْمُ مَصْدَرٍ بِمَعْنَى التَّذْكِيرِ ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ فِيهِ التَّذْكِيرُ وَالْمَوَاعِظُ ، وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ جَرِيرٍ . تنبيه اعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله تعالى : والقرآن ذي الذكر ، فقال بعضهم : إن المقسم عليه مذكور ، والذين قالوا إنه مذكور اختلفوا في تعيينه ، وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط . فمنهم من قال : إن المقسم عليه هو قوله تعالى إن ذلك لحق تخاصم أهل النار [ 38 \ 64 ] . ومنهم من قال هو قوله : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد [ 38 \ 54 ] . ومنهم من قال هو قوله تعالى : إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب [ 38 \ 14 ] كقوله : تالله إن كنا لفي ضلال مبين . وقوله : والسماء والطارق وما أدراك ما الطارق النجم الثاقب إن كل نفس لما عليها حافظ [ 86 \ 1 - 4 ] . ومنهم من قال هو قوله : كم أهلكنا من قبلهم ، ومن قال هذا قال : إن الأصل لكم أهلكنا ولما طال الكلام ، حذفت لام القسم ، فقال : كم أهلكنا بدون لام . قالوا : ونظير ذلك قوله تعالى : والشمس وضحاها [ 91 \ 1 ] لما طال الكلام بين القسم والمقسم عليه ، الذي هو قد أفلح من زكاها ، حذفت منه لام القسم . ومنهم من قال : إن المقسم عليه هو قوله : ص قالوا معنى ص صدق رسول الله والقرآن ذي الذكر . وعلى هذا فالمقسم عليه هو صدقه صلى الله عليه وسلم . ومنهم من قال المعنى : هذه ص أي السورة التي أعجزت العرب ، والقرآن ذي الذكر ، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سقوطها . وقال بعض العلماء إن المقسم عليه محذوف ، واختلفوا في تقديره ، فقال الزمخشري [ ص: 327 ] في الكشاف ، التقدير والقرآن ذي الذكر . إنه لمعجز ، وقدره ابن عطية وغيره فقال : والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقوله الكفار ، إلى غير ذلك من الأقوال . قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن : أن جواب القسم محذوف وأن تقديره والقرآن ذي الذكر ما الأمر كما يقوله الكفار ، وأن قولهم : المقسم على نفيه شامل لثلاثة أشياء متلازمة . الأول : منها أن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقا وأن الأمر ليس كما يقول الكفار في قوله تعالى عنهم : ويقول الذين كفروا لست مرسلا [ 13 \ 43 ] . والثاني : أن الإله المعبود جل وعلا واحد ، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ 38 \ 5 ] . والثالث : أن الله جل وعلا يبعث من يموت ، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم : وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت [ 16 \ 38 ] وقوله : زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا [ 64 \ 7 ] وقوله تعالى : وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة [ 34 \ 3 ] . أما الدليل من القرآن على أن المقسم عليه محذوف فهو قوله تعالى : بل الذين كفروا في عزة وشقاق [ 38 \ 2 ] ; لأن الإضراب بقوله بل ، دليل واضح على المقسم عليه المحذوف . أي ما الأمر كما يقوله الذين كفروا ، بل الذين كفروا في عزة ، أي في حمية وأنفة واستكبار عن الحق ، وشقاق ، أي مخالفة ومعاندة . وأما دلالة استقراء القرآن على أن المنفي المحذوف شامل للأمور الثلاثة المذكورة ، فلدلالة آيات كثيرة : أما صحة رسالة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وكون الإله المعبود واحدا لا شريك له فقد أشار لهما هنا . أما كون الرسول مرسلا حقا ففي قوله تعالى هنا : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب [ 38 \ 4 ] يعني أي : لا وجه للعجب المذكور . لأن يجيء المنذر الكائن منهم . لا شك في أنه بإرسال من الله حقا . [ ص: 328 ] وقولهم : هذا ساحر كذاب إنما ذكره تعالى إنكارا عليهم وتكذيبا لهم . فعرف بذلك أن في ضمن المعنى والقرآن ذي الذكر أنك مرسل حقا ولو عجبوا من مجيئك منذرا لهم ، وزعموا أنك ساحر كذاب ، أي فهم الذين عجبوا من الحق الذي لا شك فيه ، وزعموا أن خاتم الرسل ، وأكرمهم على الله ، ساحر كذاب . وأما كون الإله المعبود واحدا لا شريك له ، ففي قوله هنا : أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ 38 \ 5 ] ; لأن الهمزة في قوله : أجعل للإنكار المشتمل على معنى النفي ، فهي تدل على نفي سبب تعجبهم من قوله صلى الله عليه وسلم : إن الإله المعبود واحد . وهذان الأمران قد دلت آيات أخر من القرآن العظيم ، على أن الله أقسم على تكذيبهم فيها وإثباتها بالقسم صريحا كقوله تعالى مقسما على أن الرسول مرسل حقا يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين [ 36 \ 1 - 3 ] فهي توضح معنى ص والقرآن ذي الذكر إنك لمن المرسلين . وقد جاء تأكيد صحة تلك الرسالة في آيات كثيرة كقوله تعالى : تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين [ 2 \ 252 ] ، وأما كونه تعالى هو المعبود الحق لا شريك له ، فقد أقسم تعالى عليه في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا إن إلهكم لواحد [ 37 \ 1 - 4 ] ونحو ذلك من الآيات فدل ذلك على أن المعنى تضمن ما ذكر أي والقرآن ذي الذكر ، إن إلهكم لواحد كما أشار إليه بقوله : أجعل الآلهة الآية [ 38 \ 5 ] . وأما كون البعث حقا ، فقد أقسم عليه إقساما صحيحا صريحا ، في آيات من كتاب الله ، كقوله تعالى : قل بلى وربي لتبعثن [ 64 \ 7 ] . وقوله تعالى : قل بلى وربي لتأتينكم [ 64 \ 3 ] أي الساعة . وقوله : قل إي وربي إنه لحق . [ 10 \ 53 ] وأقسم على اثنين من الثلاثة المذكورة وحذف المقسم عليه الذي هو الاثنان المذكوران ، وهي كون الرسول مرسلا ، والبعث حقا ، وأشار إلى ذلك إشارة واضحة ، وذلك في قوله تعالى : ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون هذا شيء عجيب أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد [ 50 \ 1 - 3 ] فاتضح [ ص: 329 ] بذلك أن المعنى : ق والقرآن المجيد ، إن المنذر الكائن منكم الذي عجبتم من مجيئه لكم منذرا رسول منذر لكم من الله حقا ، وإن البعث الذي أنكرتموه واستبعدتموه غاية الإنكار ، والاستبعاد ، في قوله تعالى عنكم : أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد أي : ذلك الرجع الذي هو البعث رجع بعيد في زعمكم واقع لا محالة ، وإنه حق لا شك فيه ، كما أشار له في قوله تعالى : قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ إذ المعنى : أن ما أكلته الأرض من لحومهم ، ومزقته من أجسامهم وعظامهم ، يعلمه جل وعلا ، لا يخفى عليه منه شيء فهو قادر على رده كما كان . وإحياء تلك الأجساد البالية ، والشعور المتمزقة ، والعظام النخرة كما قدمنا موضحا بالآيات القرآنية ، في سورة يس في الكلام على قوله تعالى : ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون [ 36 \ 51 ] وكونه صلى الله عليه وسلم مرسل من الله حقا ، يستلزم استلزاما لا شك فيه ، أن القرآن العظيم منزل من الله حقا ، وأنه ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين . ولذلك أقسم تعالى ، في مواضع كثيرة ، على أن القرآن أيضا منزل من الله ; كقوله تعالى في أول سورة الدخان : حم والكتاب المبين إنا أنزلناه في ليلة مباركة [ 44 \ 1 - 3 ] ، وقوله تعالى في أول سورة الزخرف : حم والكتاب المبين إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم [ 43 \ 1 - 4 ] . قوله تعالى : بل الذين كفروا في عزة وشقاق . قد قدمنا الكلام قريبا على الإضراب بـ " بل " في هذه الآية . وقوله تعالى هنا : في عزة أي : حمية واستكبار عند قبول الحق ، وقد بين جل وعلا في سورة البقرة أن من أسباب أخذ العزة المذكورة بالإثم للكفار أمرهم بتقوى الله ، وبين أن تلك العزة التي هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق من أسباب دخولهم جهنم ، وذلك في قوله عن بعض الكفار الذين يظهرون غير ما يبطنون : وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد [ 2 \ 206 ] . والظاهر أن وجه إطلاق العزة على الحمية والاستكبار : أن من اتصف بذلك كأنه [ ص: 330 ] ينزل نفسه منزلة الغالب القاهر ، وإن كان الأمر ليس كذلك ، لأن أصل العزة في لغة العرب الغلبة والقهر ، ومنه قوله تعالى : ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين الآية [ 63 \ 8 ] ، والعرب يقولون : من عزيز ، يعنون من غلب استلب ، ومنه قول الخنساء : كأن لم يكونوا حمى يحتشى إذ الناس إذ ذاك من عزيزا وقوله تعالى عن الخصم الذين تسوروا على داود : وعزني في الخطاب [ 38 \ 23 ] أي غلبني ، وقهرني في الخصومة . والدليل من القرآن على أن العزة التي أثبتها الله للكفار في قوله : بل الذين كفروا في عزة الآية . وقوله : أخذته العزة بالإثم الآية [ 2 \ 206 ] ، ليست هي العزة التي يراد بها القهر والغلبة بالفعل ، أن الله خص بهذه العزة المؤمنين دون الكافرين والمنافقين ، وذلك في قوله تعالى : يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين [ 63 \ 8 ] . ولذلك فسرها علماء التفسير ، بأنها هي الحمية والاستكبار ، عن قبول الحق . والشقاق : هي المخالفة ، والمعاندة كما قال تعالى : وإن تولوا فإنما هم في شقاق الآية [ 2 \ 137 ] . قال بعض العلماء : وأصله من الشق الذي هو الجانب ، لأن المخالف المعاند ، يكون في الشق أي في الجانب الذي ليس فيه من هو مخالف له ومعاند . وقال بعض أهل العلم : أصل الشقاق من المشقة ; لأن المخالف المعاند يجتهد في إيصال المشقة إلى من هو مخالف معاند . وقال بعضهم : أصل الشقاق من شق العصا وهو الخلاف والتفرق . قوله تعالى : كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص . كم هنا هي الخبرية ، ومعناها الإخبار عن عدد كثير ، وهي في محل نصب ، على أنها مفعول به لأهلكنا وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم ، ومن في قوله : من قرن ، مميزة لكم ، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن ، أشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة ، والمعنى أهلكنا كثيرا من الأمم السالفة من أجل الكفر ، وتكذيب الرسل [ ص: 331 ] فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم والكفر بما جاء به لئلا نهلككم بسبب ذلك كما أهلكنا به القرون الكثيرة الماضية . وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل : الأولى : أنه أهلك كثيرا من القرون الماضية ، يهدد كفار مكة بذلك . الثانية : أنهم نادوا أي عند معاينة أوائل الهلاك . الثالثة : أن ذلك الوقت الذي هو وقت معاينة العذاب ليس وقت نداء ، أي فهو وقت لا ملجأ فيه ، ولا مفر من الهلاك بعد معاينته . وقد ذكر جل وعلا هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا موضحة في آيات كثيرة من كتابه . أما المسألة الأولى وهي كونه أهلك كثيرا من الأمم ، فقد ذكرها في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح [ 17 \ 17 ] وقوله تعالى : فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة الآية [ 22 \ 45 ] . وقوله تعالى : ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله الآية [ 14 \ 9 ] . والآيات بمثل ذلك كثيرة . وقد ذكر جل وعلا في آيات كثيرة أن سبب إهلاك تلك الأمم الكفر بالله وتكذيب رسله كقوله في هذه الآية الأخيرة مبينا سبب إهلاك تلك الأمم التي صرح بأنها : لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب [ 14 \ 9 ] . وقد قدمنا في الكلام على هذه الآية من سورة إبراهيم ، أقوال أهل العلم في قوله تعالى : فردوا أيديهم في أفواههم وبينا دلالة القرآن على بعضها ، وكقوله تعالى وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا [ 65 \ 8 - 9 ] وقوله تعالى : وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية إلى قوله : وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا [ 25 \ 37 - 39 ] وقوله [ ص: 332 ] تعالى : إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب [ 38 \ 14 ] . وقوله تعالى كل كذب الرسل فحق وعيد [ 50 \ 14 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة . وقد بين تعالى أن المراد بذكر إهلاك الأمم الماضية بسبب الكفر وتكذيب الرسل تهديد كفار مكة ، وتخويفهم من أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك إن تمادوا على الكفر وتكذيبه صلى الله عليه وسلم . ذكر تعالى ذلك في آيات كثيرة كقوله تعالى : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها [ 47 \ 10 ] لأن قوله تعالى : وللكافرين أمثالها تهديد عظيم بذلك . وقوله تعالى : جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد [ 11 \ 82 - 83 ] فقوله : وما هي من الظالمين ببعيد فيه تهديد عظيم لمن يعمل عمل قوم لوط من الكفر وتكذيب نبيهم ، وفواحشهم المعروفة ، وقد وبخ تعالى من لم يعتبر بهم ، ولم يحذر أن ينزل به مثل ما نزل بهم ، كقوله في قوم لوط : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون [ 37 \ 137 - 138 ] وقوله تعالى : ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا [ 25 \ 40 ] . وقوله فيهم : ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون [ 29 \ 35 ] . وقوله فيهم : وإنها لبسبيل مقيم . وقوله فيهم وفي قوم شعيب وإنهما لبإمام مبين [ 15 \ 79 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة . وأما المسألة الثانية : وهي نداؤهم إذا أحسوا بأوائل العذاب ; فقد ذكر تعالى في آيات من كتابه نوعين من أنواع ذلك النداء : أحدهما : نداؤهم باعترافهم أنهم كانوا ظالمين ، وذلك في قوله تعالى : وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون إلى قوله قالوا ياويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين [ 21 \ 11 - 15 ] وقوله تعالى : وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين [ 7 \ 4 - 5 ] . ![]()
__________________
|
#456
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (454) سُورَةُ ص صـ 333 إلى صـ 340 الثاني : من نوعي النداء المذكور نداؤهم بالإيمان بالله مستغيثين من ذلك العذاب [ ص: 333 ] الذي أحسوا أوائله ، كقوله تعالى : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون [ 40 \ 84 ، 3 ] وهذا النوع الأخير هو الأنسب والأليق بالمقام ، لدلالة قوله : ولات حين مناص عليه . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ولات حين مناص الذي هو المسألة الثالثة ، معناه : ليس الحين الذي نادوا فيه ، وهو وقت معاينة العذاب ، حين مناص ، أي ليس حين فرار ولا ملجأ من ذلك العذاب الذي عاينوه . فقوله : ولات هي لا النافية زيدت بعدها تاء التأنيث اللفظية كما زيدت في ثم ، فقيل فيها ثمت ، وفي رب ، فقيل فيها ربت . وأشهر أقوال النحويين فيها ، أنها تعمل عمل ليس وأنها لا تعمل إلا في الحين خاصة ، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة ، كالساعة والأوان ، وأنها لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب ، وربما عكس ، وهذا قول سيبويه وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله : في النكرات أعملت كليس " لا " وقد تلي " لات " و " إن " ذا العملا وما للات في سوى حين عمل وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل والمناص مفعل من النوص ، والعرب تقول : ناصه ينوصه إذا فاته وعجز عن إدراكه ، ويطلق المناص على التأخر لأن من تأخر ومال إلى ملجأ ينقذه مما كان يخافه فقد وجد المناص . والمناص والملجأ والمفر والموئل معناها واحد ، والعرب تقول : استناص إذا طلب المناص ، أي السلامة والمفر مما يخافه ، ومنه قول حارثة بن بدر : غمر الجراء إذا قصرت عنانه بيدي استناص ورام جري المسحل والأظهر أن إطلاق النوص على الفوت والتقدم ، وإطلاقه على التأخر والروغان كلاهما راجع إلى شيء واحد ; لأن المناص مصدر ميمي معناه المنطبق على جزئياته ، أن يكون صاحبه في كرب وضيق ، فيعمل عملا ، يكون به خلاصه ونجاته من ذلك . [ ص: 334 ] فتارة يكون ذلك العمل بالجري والإسراع أمام من يريده بالسوء ، وتارة يكون بالتأخر والروغان حتى ينجو من ذلك . والعرب تطلق النوص على التأخر . والبوص بالباء الموحدة التحتية على التقدم ، ومنه قول امرئ القيس : أمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص فتقصر عنها خطوة وتبوص وأصوب الأقوال في لات أن التاء منفصلة عن حين وأنها تعمل عمل ليس خلافا لمن قال : إنها تعمل عمل إن ، ولمن قال : إن التاء متصلة بحين وأنه رآها في الإمام ، وهو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه متصلة بها . وعلى قول الجمهور منهم القراء السبعة ، أن التاء ليست موصولة بحين ، فالوقف على لات بالتاء عند جميعهم ، إلا الكسائي فإنه يقف عليها بالهاء . أما قراءة كسر التاء وضمها فكلتاهما شاذة لا تجوز القراءة بها ، وكذلك قراءة كسر النون من حين ، فهي شاذة لا تجوز ، مع أن تخريج المعنى عليها مشكل . وتعسف له الزمخشري وجها لا يخفى سقوطه ، ورده عليه أبو حيان في البحر المحيط ، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فنادوا أصل النداء : رفع الصوت ، والعرب تقول : فلان أندى صوتا من فلان ، أي أرفع ، ومنه قوله : فقلت ادعي وأدعو إن أندا لصوت أن ينادي داعيان وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الأمم الماضية المهلكة ينادون عند معاينة العذاب ، وأن ذلك الوقت ليس وقت نداء إذ لا ملجأ فيه ولا مفر ولا مناص . ذكره في غير هذا الموضع كقوله تعالى : فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا الآية [ 40 \ 84 - 85 ] . وقوله تعالى : فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون قالوا ياويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين [ 21 \ 12 - 15 ] إلى غير ذلك من الآيات . [ ص: 335 ] وقد بين تعالى وقوع مثل ذلك في يوم القيامة في آيات من كتابه كقوله تعالى : استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير [ 42 \ 47 ] . وقوله تعالى : فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر يقول الإنسان يومئذ أين المفر كلا لا وزر [ 75 \ 7 - 11 ] والوزر : الملجأ ، ومنه قول حسان بن ثابت رضي الله عنه : والناس إلب علينا فيك ليس لنا إلا الرماح وأطراف القنا وزر وكقوله تعالى : بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا [ 18 \ 58 ] والموئل اسم مكان من وأل يئل إذا وجد ملجأ يعتصم به ، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس : وقد أخالس رب البيت غفلته وقد يحاذر مني ثم ما يئل أي : ثم ما ينجو . قوله تعالى : وعجبوا أن جاءهم منذر منهم . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار قريش عجبوا من أجل أن جاءهم رسول منذر منهم ، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، من عجبهم المذكور ، ذكره في غير هذا الموضع وأنكره عليهم وأوضح تعالى سببه ورده عليهم في آيات أخر ، فقال في عجبهم المذكور ق والقرآن المجيد بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم [ 50 \ 1 - 2 ] . وقال تعالى في إنكاره عليهم في أول سورة يونس الر تلك آيات الكتاب الحكيم أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس [ 10 \ 1 - 2 ] وذكر مثل عجبهم المذكور في سورة الأعراف عن قوم نوح وقوم هود ، فقال عن نوح مخاطبا لقومه : أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ولتتقوا ولعلكم ترحمون [ 7 \ 63 ] . وقال عن هود مخاطبا لعاد : أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح الآية [ 7 \ 69 ] ، وبين أن سبب عجبهم من كون المنذر منهم أنه بشر مثلهم زاعمين أن الله لا يرسل إليهم أحدا من جنسهم . وأنه لو أراد أن يرسل إليهم أحدا لأرسل إليهم ملكا لأنه ليس بشرا مثلهم وأنه لا يأكل [ ص: 336 ] ولا يشرب ولا يمشي في الأسواق . والآيات في ذلك كثيرة كقوله تعالى : وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا [ 17 \ 94 - 95 ] وقوله تعالى : أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون [ 23 \ 47 ] وقوله تعالى : وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون [ 23 \ 33 - 34 ] . وقوله تعالى : وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق [ 25 \ 7 ] وقوله تعالى : ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا أبشر يهدوننا الآية [ 64 \ 6 ] . وقوله تعالى : كذبت ثمود بالنذر فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه إنا إذا لفي ضلال وسعر [ 54 \ 23 - 24 ] . وقوله تعالى : قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا الآية [ 14 \ 10 ] . وقوله تعالى : وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون [ 6 \ 8 - 9 ] وقوله تعالى : فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون [ 41 \ 13 - 14 ] وقوله تعالى : فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين [ 23 \ 24 ] وقوله تعالى : وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين [ 15 \ 6 - 8 ] . وقوله تعالى : أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا [ 25 \ 7 ] وقوله تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين الآية [ 25 \ 21 - 22 ] . وقوله تعالى عن فرعون مع موسى : فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين [ 43 \ 53 ] . وقد رد الله تعالى على الكفار عجبهم من إرسال الرسل من البشر في آيات من كتابه ، [ ص: 337 ] كقوله تعالى : وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [ 25 \ 20 ] وقوله تعالى : ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية [ 13 \ 38 ] وقوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى [ 12 \ 109 ] وقوله تعالى : وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين [ 21 \ 7 - 8 ] وقوله تعالى : قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده [ 14 \ 11 ] أي بالرسالة والوحي ولو كان بشرا مثلكم إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم . قد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى : إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها [ 25 \ 42 ] . قوله تعالى : أؤنزل عليه الذكر من بيننا . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار مكة ، أنكروا أن الله خص نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن عليه وحده ، ولم ينزله على أحد آخر منهم ، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة ، جاء في آيات أخر ، مع الرد على الكفار في إنكارهم خصوصه صلى الله عليه وسلم بالوحي ، كقوله تعالى عنهم : وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [ 43 \ 31 ] يعنون بالقريتين مكة والطائف ، وبالرجلين من القريتين الوليد بن المغيرة في مكة ، وعروة بن مسعود في الطائف زاعمين أنهما أحق بالنبوة منه . وقد رد جل وعلا ذلك عليهم في قوله تعالى : أهم يقسمون رحمة ربك [ 43 \ 32 ] لأن الهمزة في قوله : أهم يقسمون ، للإنكار المشتمل على معنى النفي ، وكقوله تعالى : قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله [ 6 \ 124 ] . وقد رد الله تعالى ذلك عليهم في قوله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون [ 6 \ 124 ] وأشار إلى رد ذلك عليهم في آية ص هذه في قوله : بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما الآية [ 38 \ 8 - 10 ] . [ ص: 338 ] لأنه لا يجعل الرسالة حيث يشاء ، ويخص بها من يشاء ، إلا من عنده خزائن الرحمة . وله ملك السماوات والأرض . وقوله تعالى : أؤنزل عليه الذكر من بيننا قد بين في موضع آخر أن ثمود قالوا مثله لنبي الله صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، وذلك في قوله تعالى عنهم : أؤلقي الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر [ 54 \ 25 ] وقد رد الله تعالى عليهم ذلك في قوله : سيعلمون غدا من الكذاب الأشر [ 54 \ 26 ] . قوله تعالى : أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما . قد قدمنا بعض الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى : وحفظناها من كل شيطان رجيم [ 15 \ 17 ] . قوله تعالى : كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى : وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح الآية [ 22 \ 42 ] وفي غير ذلك من المواضع . قوله تعالى : وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب . وقد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : ما عندي ما تستعجلون به . [ 6 \ 57 ] وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى : أثم إذا ما وقع آمنتم به الآية [ 10 \ 15 ] وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى : ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة الآية [ 13 \ 6 ] . وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى : ويستعجلونك بالعذاب الآية [ 22 \ 47 ] . وقد قدمنا أن القط ، النصيب من الشيء ، أي عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به . وأن أصل القط كتاب الجائزة ; لأن الملك يكتب فيه النصيب الذي يعطيه لذلك الإنسان ، وجمعه قطوط ، ومنه قول الأعشى : [ ص: 339 ] ولا الملك النعمان حين لقيته بغبطته يعطي القطوط ويأفق وقوله : ويأفق أي يفضل بعضهم على بعض في العطاء المكتوب في القطوط .قوله تعالى : إنا سخرنا الجبال معه إلى قوله : أواب . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنبياء ، في الكلام على قوله تعالى : وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير الآية [ 21 \ 79 ] . قوله تعالى : وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب فغفرنا له ذلك . قد قدمنا الكلام على مثل هذه الآية من الآيات القرآنية التي يفهم منها صدور بعض الشيء ، من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ، وبينا كلام أهل الأصول في ذلك في سورة طه ، في الكلام على قوله تعالى : وعصى آدم ربه فغوى [ 20 \ 121 ] . واعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة ، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، كله راجع إلى الإسرائيليات ، فلا ثقة به ، ولا معول عليه ، وما جاء منه مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصح منه شيء . قوله تعالى : ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله . قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : إنا جعلناك خليفة في الأرض ، قد بينا الحكم الذي دل عليه ، في سورة البقرة ، في الكلام على قوله تعالى وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة الآية [ 2 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله قد أمر نبيه داود فيه ، بالحكم بين الناس بالحق ونهاه فيه عن اتباع الهوى ، وأن اتباع الهوى ، علة للضلال عن سبيل الله ، لأن الفاء في قوله فيضلك عن سبيل الله تدل على العلية . وقد تقرر في الأصول ، في مسلك الإيماء والتنبيه ، أن الفاء من حروف التعليل كقوله : سهى فسجد ، وسرق فقطعت يده ، أو لعلة السهو في الأول ، ولعلة السرقة في الثاني ، وأتبع ذلك بالتهديد لمن اتبع الهوى ، فأضله ربنا عن سبيل الله ، في قوله تعالى بعده يليه : إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب [ 38 \ 26 ] . [ ص: 340 ] ومعلوم أن نبي الله داود لا يحكم بغير الحق ، ولا يتبع الهوى فيضله عن سبيل الله ، ولكن الله تعالى ، يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام ، وينهاهم ليشرع لأممهم . ولذلك أمر نبينا صلى الله عليه وسلم ، بمثل ما أمر به داود ، ونهاه أيضا عن مثل ذلك ، في آيات من كتاب الله كقوله تعالى : وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط [ 15 \ 42 ] . وقوله تعالى : وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك [ 15 \ 49 ] وكقوله تعالى : ولا تطع الكافرين والمنافقين [ 33 \ 48 ] وقوله تعالى : ولا تطع منهم آثما أو كفورا [ 76 \ 24 ] وقوله تعالى : ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه الآية [ 18 \ 28 ] . وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى : لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا [ 17 \ 22 ] . وبينا أن من أصرح الأدلة القرآنية الدالة على أن النبي يخاطب بخطاب ، والمراد بذلك الخطاب غيره يقينا قوله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما الآية [ 17 \ 23 ] ، ومن المعلوم أن أباه صلى الله عليه وسلم توفي قبل ولادته ، وأن أمه ماتت وهو صغير ، ومع ذلك فإن الله يخاطبه بقوله تعالى : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما ومعلوم أنه لا يبلغ عنده الكبر أحدهما ، ولا كلاهما لأنهما قد ماتا قبل ذلك بزمان . فتبين أن أمره تعالى لنبيه ونهيه له في قوله فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة الآية ، إنما يراد به التشريع على لسانه لأمته ، ولا يراد به هو نفسه صلى الله عليه وسلم ، وقد قدمنا هناك أن من أمثال العرب . إياك أعني واسمعي يا جارة ، وذكرنا في ذلك رجز سهل بن مالك الفزاري الذي خاطب به امرأة ، وهو يقصد أخرى وهي أخت حارثة بن لأم الطائي وهو قوله : يا أخت خير البدو والحضاره كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره ![]()
__________________
|
#457
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (455) سُورَةُ ص صـ 341 إلى صـ 348 وذكرنا هناك الرجز الذي أجابته به المرأة ، وقول بعض أهل العلم : إن الخطاب في [ ص: 341 ] قوله : إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما الآية ، هو الخطاب بصيغة المفرد ، الذي يراد به عموم كل من يصح خطابه . كقول طرفة بن العبد في معلقته : ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ويأتيك بالأخبار من لم تزود أي ستبدي لك ويأتيك أيها الإنسان الذي يصح خطابك ، وعلى هذا فلا دليل في الآية ، غير صحيح ، وفي سياق الآيات قرينة قرآنية واضحة دالة على أن المخاطب بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم . وعليه فالاستدلال بالآية ، استدلال قرآني صحيح ، والقرينة القرآنية المذكورة ، هي أنه تعالى قال في تلك الأوامر والنواهي التي خاطب بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، التي أولها : وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر الآية . ما هو صريح ، في أن المخاطب بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم ، لا عموم كل من يصح منه الخطاب ، وذلك في قوله تعالى : ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا [ 17 \ 39 ] . قوله تعالى : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا . قد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [ 15 \ 85 ] وفي آخر سورة قد أفلح المؤمنون . في الكلام على قوله : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا الآية [ 23 \ 115 ] . قوله تعالى : ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار . الإشارة في قوله ذلك راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي ، ذلك أي خلقنا السماوات والأرض باطلا هو ظن الذين كفروا بنا ، والنفي في قوله ما خلقنا ، منصب على الحال لا على عاملها الذي هو خلقنا ، لأن المنفي بأداة النفي التي هي ما : ليس خلقه للسماوات والأرض ، بل هو ثابت ، وإنما المنفي بها ، هو كونه باطلا ، فهي حال شبه العمدة وليست فضلة صريحة ; لأن النفي منصب عليها هي خاصة ، والكلام لا يصح دونها . والكلام في هذا معلوم في محله ، ونفي كون خلقه تعالى للسماوات والأرض باطلا نزه عنه نفسه ونزهه عنه عباده الصالحون ، لأنه لا يليق بكماله وجلاله تعالى . أما تنزيهه نفسه عنه ففي قوله تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون [ 23 \ 115 ] . [ ص: 342 ] ثم نزه نفسه ، عن كونه خلقهم عبثا ، بقوله تعالى : فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم [ 23 \ 116 ] أي : تعالى وتقدس وتنزه عن كونه خلقهم عبثا . وأما تنزيه عباده الصالحين له عن ذلك ، ففي قوله تعالى : إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ، فقوله تعالى عنهم سبحانك أي تنزيها لك ، عن أن تكون خلقت السماوات والأرض باطلا . فقولهم سبحانك تنزيه له ، كما نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى : فتعالى الله الملك الحق الآية [ 23 \ 116 ] . وقوله تعالى في هذه الآية : فويل للذين كفروا من النار يدل على أن من ظن بالله ما لا يليق به جل وعلا ، فله النار . وقد بين تعالى في موضع آخر أن من ظن بالله ما لا يليق به أرداه وجعله من الخاسرين ، وجعل النار مثواه . وذلك في قوله تعالى : ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين فإن يصبروا فالنار مثوى لهم الآية [ 41 \ 22 - 24 ] . وقولنا في أول هذا المبحث الإشارة في قوله ذلك راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى : إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم [ 17 \ 9 ] ، وبينا هناك أن الفعل نوعان ، أحدهما الفعل الحقيقي ، والثاني الفعل الصناعي ، أما الفعل الحقيقي ، فهو الحدث المتجدد المعروف عند النحويين بالمصدر . وأما الفعل الصناعي ، فهو المعروف في صناعة علم النحو بالفعل الماضي ، والفعل المضارع ، وفعل الأمر على القول بأنه مستقل عن المضارع . ومعلوم أن الفعل الصناعي ينحل عند النحويين ، عن مصدر وزمن ، كما أشار له في الخلاصة بقوله : [ ص: 343 ] المصدر اسم ما سوى الزمان من مدلولي الفعل كأمن من أمن وعند جماعات من البلاغيين ، أنه ينحل عن مصدر ، وزمن ونسبة ، وهو الأقرب ، كما حرره بعض علماء البلاغة في مبحث الاستعارة التبعية ، وبذلك تعلم أنه لا خلاف بينهم في أن المصدر والزمن كامنان في الفعل الصناعي ، فيصح رجوع الإشارة والضمير إلى كل من المصدر والزمن الكامنين في الفعل الصناعي . فمثال رجوع الإشارة إلى المصدر الكامن في الفعل ، قوله هنا : ذلك ظن الذين كفروا الآية ، فإن المصدر الذي هو الخلق كامن في الفعل الصناعي ، الذي هو الفعل الماضي في قوله : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك أي خلق السماوات المذكور الكامن في مفهوم خلقنا ظن الذين كفروا . ومثال رجوع الإشارة إلى الزمن الكامن في مفهوم الفعل الصناعي ، قوله تعالى : ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد [ 50 \ 20 ] أي ذلك الزمن الكامن في الفعل هو يوم الوعيد . ومثال رجوع الضمير للمصدر الكامن في مفهوم الفعل قوله تعالى : اعدلوا هو أقرب للتقوى [ 5 \ 8 ] فقوله : هو ، أي العدل الكامن في مفهوم اعدلوا ، كما تقدم إيضاحه . قوله تعالى : أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار . أم في قوله : أم نجعل الذين ، وقوله : أم نجعل المتقين ، كلتاهما ، منقطعة وأم المنقطعة ، فيها لعلماء العربية ثلاثة مذاهب : الأول : أنها بمعنى همزة استفهام الإنكار . الثاني : أنها بمعنى بل الإضرابية . والثالث : أنها تشمل معنى الإنكار والإضراب معا ، وهو الذي اختاره بعض المحققين . وعليه فالإضراب بها هنا انتقالي لا إبطالي ووجه الإنكار بها عليهم واضح ; لأن [ ص: 344 ] من ظن بالله الحكيم الخبير ، أنه يساوي بين الصالح المصلح ، والمفسد الفاجر ، فقد ظن ظنا قبيحا جديرا بالإنكار . وقد بين جل وعلا هذا المعنى ، في غير هذا الموضع ، وذم حكم من يحكم به ، وذلك في قوله تعالى في سورة الجاثية : أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون [ 45 \ 21 ] . قوله تعالى : كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب . قوله تعالى : كتاب خبر مبتدأ محذوف أي : هذا كتاب ، وقد ذكر جل وعلا ، في هذه الآية الكريمة ، أنه أنزل هذا الكتاب ، معظما نفسه جل وعلا ، بصيغة الجمع ، وأنه كتاب مبارك وأن من حكم إنزاله أن يتدبر الناس آياته ، أي يتفهموها ويتعقلوها ويمعنوا النظر فيها ، حتى يفهموا ما فيها من أنواع الهدى ، وأن يتذكر أولوا الألباب ، أي يتعظ أصحاب العقول السليمة ، من شوائب الاختلال . وكل ما ذكره في هذه الآية الكريمة جاء واضحا في آيات أخر . أما كونه جل وعلا ، هو الذي أنزل هذا القرآن ، فقد ذكره في آيات كثيرة كقوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة القدر [ 97 \ 1 ] وقوله تعالى : إنا أنزلناه في ليلة مباركة [ 44 \ 3 ] وقوله تعالى : هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات [ 3 \ 7 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة . وأما كون هذا الكتاب مباركا ، فقد ذكره في آيات من كتابه كقوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه الآية [ 6 \ 92 ] . وقوله تعالى : وهذا كتاب أنزلناه مبارك فاتبعوه واتقوا لعلكم ترحمون [ 6 \ 155 ] . والمبارك كثير البركات ، من خير الدنيا والآخرة . ونرجو الله القريب المجيب ، إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك ، أن يجعلنا مباركين أينما كنا ، وأن يبارك لنا وعلينا ، وأن يشملنا ببركاته العظيمة في الدنيا والآخرة ، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين ، الذين يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات ، في الدنيا والآخرة ، إنه قريب مجيب . [ ص: 345 ] وأما كون تدبر آياته ، من حكم إنزاله : فقد أشار إليه في بعض الآيات ، بالتحضيض على تدبره ، وتوبيخ من لم يتدبره ، كقوله تعالى أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها [ 47 \ 24 ] . وقوله تعالى : أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [ 4 \ 82 ] وقوله تعالى : أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين [ 23 \ 68 ] . وأما كون تذكر أولي الألباب من حكم إنزاله ، فقد ذكره في غير هذا الموضع ، مقترنا ببعض الحكم الأخرى ، التي لم تذكر في آية ( ص ) هذه كقوله تعالى في سورة إبراهيم هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب [ 14 \ 52 ] فقد بين في هذه الآية الكريمة ، أن تذكر أولي الألباب ، من حكم إنزاله مبينا منها حكمتين أخريين ، من حكم إنزاله ، وهما إنذار الناس به ، وتحقيق معنى لا إله إلا الله ، وكون إنذار الناس وتذكر أولي الألباب ، من حكم إنزاله ، ذكره في قوله تعالى : المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى للمؤمنين [ 7 \ 1 - 2 ] لأن اللام في قوله لتنذر ، متعلقة بقوله : أنزل ، والذكرى اسم مصدر بمعنى التذكير ، والمؤمنون في الآية لا يخفى أنهم هم أولو الألباب . وذكر حكمة الإنذار في آيات كثيرة كقوله : تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا [ 25 \ 1 ] . وقوله تعالى : وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ [ 6 \ 19 ] . وقوله تعالى : تنزيل العزيز الرحيم لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم الآية [ 36 \ 5 - 6 ] . وقوله تعالى : لينذر من كان حيا الآية [ 36 \ 70 ] . وذكر في آيات أخر ، أن من حكم إنزاله ، الإنذار والتبشير معا ، كقوله تعالى : فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا [ 19 \ 97 ] . وقوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات الآية [ 18 \ 1 - 2 ] . وبين جل وعلا أن من حكم إنزاله أن يبين صلى الله عليه وسلم للناس ما أنزل إليهم ولأجل أن يتفكروا ، وذلك قوله تعالى : وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون [ 16 \ 44 ] . [ ص: 346 ] وقد قدمنا مرارا كون لعل من حروف التعليل ، وذكر حكمة التبيين المذكورة مع حكمة الهدى والرحمة ، في قوله تعالى : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون [ 16 \ 64 ] . وبين أن من حكم إنزاله ، تثبيت المؤمنين والهدى والبشرى للمسلمين في قوله تعالى : قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين [ 16 \ 102 ] . وبين أن من حكم إنزاله ، إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، أن يحكم بين الناس بما أراه الله ، وذلك في قوله تعالى : إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله [ 4 \ 105 ] . والظاهر أن معنى قوله : بما أراك الله أي بما علمك من العلوم في هذا القرآن العظيم ، بدليل قوله تعالى : وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا الآية [ 42 \ 52 ] . وقوله تعالى : نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن وإن كنت من قبله لمن الغافلين [ 12 \ 3 ] . وبين جل وعلا أن من حكم إنزاله إخراج الناس من الظلمات إلى النور وذلك في قوله تعالى : الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم الآية [ 14 \ 1 ] . وبين أن من حكم إنزاله التذكرة لمن يخشى في قوله تعالى : طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى [ 20 \ 1 - 3 ] أي : ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى . وهذا القصر على التذكرة إضافي ، وكذلك القصر في قوله تعالى الذي ذكرناه قبل هذا : وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه الآية [ 16 \ 64 ] ، بدليل الحكم الأخرى التي ذكرناها . وبين أن من حكم إنزاله قرآنا عربيا وتصريف الله فيه من أنواع الوعيد أن يتقي [ ص: 347 ] الناس الله ، أو يحدث لهم هذا الكتاب ذكرا ، أي موعظة وتذكرا ، يهديهم إلى الحق ، وذلك في قوله تعالى : وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا [ 20 \ 113 ] والعلم عند الله تعالى . قوله تعالى : ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا . قد قدمنا الكلام على هذه الآية ، وعلى ما يذكره المفسرون فيها ، من الروايات التي لا يخفى سقوطها ، وأنها لا تليق بمنصب النبوة ، في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله [ 18 \ 23 - 24 ] . وما روي عنه من السلف من جملة تلك الروايات ، أن الشيطان أخذ خاتم سليمان ، وجلس على كرسيه وطرد سليمان إلى آخره يوضح بطلانه ، قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [ 15 \ 42 ] واعتراف الشيطان بذلك في قوله : إلا عبادك منهم المخلصين [ 15 \ 40 ] . قوله تعالى : ووهبنا لداود سليمان . ذكر في هذه الآية الكريمة ، أنه وهب سليمان لداود ، وقد بين في سورة النمل أن الموهوب ورث الموهوب له ، وذلك في قوله تعالى : وورث سليمان داود [ 27 \ 16 ] . وقد بينا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى عن زكريا : فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب الآية [ 19 \ 5 - 6 ] أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال . قوله تعالى : ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا . قد قدمنا الكلام على هذه الآية ، وعلى ما يذكره المفسرون فيها ، من الروايات التي لا يخفى سقوطها ، وأنها لا تليق بمنصب النبوة ، في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى : ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله [ 18 \ 23 - 24 ] . وما روي عنه من السلف من جملة تلك الروايات ، أن الشيطان أخذ خاتم سليمان ، وجلس على كرسيه وطرد سليمان إلى آخره يوضح بطلانه ، قوله تعالى : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين [ 15 \ 42 ] واعتراف الشيطان بذلك في قوله : إلا عبادك منهم المخلصين [ 15 \ 40 ] . قوله تعالى : فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب . قد قدمنا الكلام عليه موضحا بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى : ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره الآية [ 21 \ 81 ] . وفسرنا هناك قوله هنا حيث أصاب وذكرنا هناك أوجه الجمع بين قوله هنا : رخاء ، وقوله هناك : ولسليمان الريح عاصفة [ 21 \ 81 ] ووجه الجمع أيضا بين عموم الجهات المفهوم من قوله هنا : حيث أصاب أي : حيث أراد وبين خصوص الأرض المباركة المذكورة هناك في قوله : تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها الآية [ 21 \ 81 ] . [ ص: 348 ] قوله تعالى : والشياطين كل بناء وغواص . قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى : ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين [ 21 \ 82 ] . قوله تعالى : واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب إلى قوله لأولي الألباب . قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع التعرض لإزالة ما فيه من الإشكال في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى : وأيوب إذ نادى ربه إلى قوله : وذكرى للعابدين . قوله تعالى : واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق . أمر الله جل وعلا ، نبيه صلى الله عليه وسلم في هذه الآية الكريمة ، أن يذكر عبده إبراهيم ولم يقيد ذلك الذكر بكونه في الكتاب ، مع أنه قيده بذلك في سورة مريم ، في قوله تعالى : واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا الآية [ 19 \ 41 ] . قوله تعالى : واذكر إسماعيل واليسع . أطلق هنا أيضا الأمر بذكر إسماعيل وقيده في سورة مريم بكونه في الكتاب في قوله تعالى : واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد الآية [ 19 \ 54 ] ، وفي ذلك إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم مأمور أيضا بذكر جميع المذكورين في الكتاب . ولذلك جاء ذكرهم كلهم في القرآن العظيم كما لا يخفى . قوله تعالى : وعندهم قاصرات الطرف أتراب . قد قدمنا الكلام عليه ، في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى : وعندهم قاصرات الطرف عين [ 37 \ 48 ] . ![]()
__________________
|
#458
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (456) سُورَةُ الزُّمَرِ صـ 349 إلى صـ 356 قوله تعالى : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد . ما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن نعيم الجنة ، لا نفاد له ، أي : لا انقطاع له ولا زوال ، ذكره جل وعلا في آيات أخر كقوله تعالى فيه : عطاء غير مجذوذ [ 11 \ 108 ] [ ص: 349 ] وقوله تعالى : ما عندكم ينفد وما عند الله باق [ 16 \ 96 ] . قوله تعالى : إن ذلك لحق تخاصم أهل النار . قد قدمنا ما يوضحه ، من الآيات القرآنية في مواضع متعددة ، من هذا الكتاب المبارك ، ذكرنا بعضها في سورة البقرة ، في الكلام على قوله تعالى : إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا الآية [ 2 \ 166 ] ، وذكرنا بعضه في سورة الأعراف ، في الكلام على قوله تعالى : حتى إذا اداركوا فيها جميعا الآية [ 7 \ 38 ] وغير ذلك من المواضع . قوله تعالى : قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . قد تقدم إيضاحه ، مع بعض المباحث في سورة البقرة ، في الكلام على قوله تعالى : إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين [ 2 \ 34 ] . قوله تعالى : قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود ، وذكرنا الأحكام المتعلقة بالآيات ، في الكلام على قوله تعالى عن نبيه نوح : ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله الآية [ 11 \ 29 ] . قوله تعالى : ولتعلمن نبأه بعد حين . الحين المذكور هنا ، قال بعض العلماء : المراد به بعد الموت ، ويدل له ما قدمنا في سورة الحجر ، في الكلام على قوله تعالى : واعبد ربك حتى يأتيك اليقين [ 15 \ 99 ] . وقال بعض العلماء : الحين المذكور هنا ، هو يوم القيامة ولا منافاة بين القولين ; لأن الإنسان بعد الموت تتبين له حقائق الهدى والضلال . واللام في لتعلمن موطئة للقسم ، وقد أكد في هذه الآية الكريمة أنهم سيعلمون نبأ القرآن أي صدقه ، وصحة جميع ما فيه بعد حين بالقسم ، ونون التوكيد . وما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار بأنهم سيعلمون نبأه بعد حين ، قد أشار إليه تعالى ، في سورة الأنعام ، في قوله تعالى : وكذب به قومك وهو الحق قل لست عليكم بوكيل لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون [ 6 \ 66 - 67 ] . [ ص: 350 ] قال غير واحد من العلماء : لكل نبإ مستقر ، أي : لكل خبر حقيقة ووقوع ، فإن كان حقا تبين صدقه ولو بعد حين ، وإن كان كذبا تبين كذبه ، وستعلمون صدق هذا القرآن ولو بعد حين . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ الزُّمَرِ [ ص: 351 ] قَوْلُهُ تَعَالَى : تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ . قَدْ دَلَّ اسْتِقْرَاءُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، عَلَى أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا ، إِذَا ذَكَّرَ تَنْزِيلَهُ لِكِتَابِهِ ، أَتْبَعَ ذَلِكَ بِبَعْضِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى ، الْمُتَضَمِّنَةِ صِفَاتَهُ الْعُلْيَا . فَفِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ الْكَرِيمَةِ ، لَمَّا ذَكَرَ تَنْزِيلَهُ كِتَابَهُ ، بَيَّنَ أَنَّ مَبْدَأَ تَنْزِيلِهِ كَائِنٌ مِنْهُ جَلَّ وَعَلَا ، وَذَكَرَ اسْمَهُ اللَّهَ ، وَاسْمَهُ الْعَزِيزَ ، وَالْحَكِيمَ ، وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْجَاثِيَةِ ، فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ [ 45 \ 1 - 3 ] ، وَفِي أَوَّلِ سُورَةِ الْأَحْقَافِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ الْآيَةَ [ 46 \ 1 - 3 ] . وَقَدْ تَكَرَّرَ كَثِيرًا فِي الْقُرْآنِ ، ذِكْرُهُ بَعْضَ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ ، بَعْدَ ذِكْرِ تَنْزِيلِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، كَقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ سُورَةِ حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ [ 40 \ 1 - 3 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ فُصَّلَتْ : حم تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ [ 41 \ 1 - 2 ] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ هُودٍ : الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [ 11 \ 1 ] وَقَوْلِهِ فِي فُصِّلَتْ : وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ 41 \ 41 - 42 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي صَدْرِ يس تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ [ 36 \ 5 - 6 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ الْآيَةَ [ 26 \ 192 - 193 ] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى : تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ الْآيَةَ [ 69 \ 43 - 44 ] . وَلَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَهُ جَلَّ وَعَلَا هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى الْعَظِيمَةَ ، بَعْدَ ذِكْرِهِ تَنْزِيلَ هَذَا الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، يَدُلُّ بِإِيضَاحٍ ، عَلَى عَظَمَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَجَلَالَةِ شَأْنِهِ وَأَهَمِّيَّةِ نُزُولِهِ ، [ ص: 352 ] وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى . قوله تعالى : فاعبد الله مخلصا له الدين ألا لله الدين الخالص . أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم . في هذه الآية الكريمة ، أن يعبده في حال كونه ، مخلصا له الدين ، أي مخلصا له في عبادته ، من جميع أنواع الشرك صغيرها وكبيرها ، كما هو واضح من لفظ الآية . والإخلاص ، إفراد المعبود بالقصد ، في كل ما أمر بالتقرب به إليه ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من كون الإخلاص في العبادة لله وحده ، لا بد منه ، جاء في آيات متعددة ، وقد بين جل وعلا ، أنه ما أمر بعبادة ، إلا عبادة يخلص له العابد فيها . أما غير المخلص فكل ما أتى به من ذلك ، جاء به من تلقاء نفسه ، لا بأمر ربه ، قال تعالى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين الآية [ 98 \ 5 ] ، وقال جل وعلا : قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين وأمرت لأن أكون أول المسلمين إلى قوله تعالى : قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه [ 39 \ 14 ، 15 ] . وقد قدمنا الكلام على العمل الصالح ، وأنه لا بد فيه من الإخلاص ، في أول سورة الكهف ، في الكلام على قوله تعالى : ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات الآية . وفي غير ذلك من المواضع . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ألا لله الدين الخالص أي : التوحيد الصافي من شوائب الشرك ، أي : هو المستحق لذلك وحده ، وهو الذي أمر به . وقول من قال من العلماء : إن المراد بالدين الخالص كلمة لا إله إلا الله موافق لما ذكرناه . والعلم عند الله تعالى . ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده ، بين شبهة الكفار التي احتجوا بها للإشراك به تعالى ، في قوله تعالى هنا : والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى . فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام ، إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى ، والزلفى : القرابة . [ ص: 353 ] فقوله : زلفى ، ما ناب عن المطلق من قوله ليقربونا ، أي ليقربونا إليه قرابة تنفعنا بشفاعتهم في زعمهم . ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك . وقد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى : وابتغوا إليه الوسيلة [ 6 \ 35 ] أن هذا النوع من ادعاء الشفعاء ، واتخاذ المعبودات من دون الله وسائط من أصول كفر الكفار . وقد صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله جل وعلا : ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السماوات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون [ 10 \ 18 ] . فصرح تعالى بأن هذا النوع ، من ادعاء الشفعاء شرك بالله ، ونزه نفسه الكريمة عنه ، بقوله جل وعلا سبحانه وتعالى عما يشركون وأشار إلى ذلك في آية الزمر هذه ; لأنه جل وعلا لما قال عنهم : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون [ 39 \ 3 ] أتبع ذلك بقوله تعالى : إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار [ 39 \ 3 ] . وقوله : كفار ، صيغة مبالغة ، فدل ذلك على أن الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى جامعون بذلك ، بين الكذب والمبالغة في الكفر بقولهم ذلك ، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة الناس . قوله تعالى : لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار . قد قدمنا الآيات الموضحة ، بكثرة في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى : ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون [ 16 \ 57 ] . قوله تعالى : خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه خلق بني آدم من نفس واحدة هي أبوهم [ ص: 354 ] آدم ، ثم جعل من تلك النفس ، زوجها يعني حواء . أي : وبث جميع بني آدم منهما ، وأوضح هذا في مواضع أخر من كتابه ، كقوله تعالى في أول سورة النساء : ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء [ 4 \ 1 ] وقوله في الأعراف : هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها الآية [ 7 \ 189 ] ، وتأنيث الوصف ، بقوله واحدة ، مع أن الموصوف به مذكر ، وهو آدم نظرا إلى تأنيث لفظ النفس ، وإن كان المراد بها مذكرا ، ونظير ذلك من كلام العرب قوله : أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال قوله تعالى : وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج . قد قدمنا إيضاح هذه الأزواج الثمانية بنص القرآن العظيم ، في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى : والخيل المسومة والأنعام والحرث [ 3 \ 14 ] . قوله تعالى : يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج ، في الكلام على قوله تعالى : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب الآية [ 22 \ 5 ] وبينا هناك المراد بالظلمات الثلاث المذكورة هنا . قوله تعالى : إن تكفروا فإن الله غني عنكم . قد بين جل وعلا ، في هذه الآية الكريمة ، أنه غني عن خلقه الغنى المطلق ، وأنه لا يضره كفرهم به ، والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة ، كقوله تعالى وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد [ 14 \ 8 ] وقوله تعالى : فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد [ 64 \ 6 ] ، وقوله تعالى : قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني الآية [ 10 \ 68 ] . وقوله تعالى : ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد [ 35 \ 15 ] وقوله تعالى : والله الغني وأنتم الفقراء [ 47 \ 38 ] ، وقد أوضحنا هذا بالآيات في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك . [ ص: 355 ] قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم . قد قدمنا إيضاحه مع إزالة الإشكال ، والجواب عن الأسئلة الواردة ، على تلك الآيات في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى : ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] ، وأوضحنا ذلك ، مع إزالة الإشكال في بعض الآيات ، في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى : ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم الآية [ 16 \ 25 ] . قوله تعالى : وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس ، في الكلام على قوله تعالى : وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما الآية [ 10 \ 12 ] . قوله تعالى : قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار . قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الإشارة إلى بحث أصوله في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى : ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون [ 15 \ 3 ] . قوله تعالى : وأرض الله واسعة . الظاهر أن معنى الآية أن الإنسان إذا كان في محل لا يتمكن فيه من إقامة دينه على الوجه المطلوب ، فعليه أن يهاجر منه ، في مناكب أرض الله الواسعة ، حتى يجد محلا تمكنه فيه إقامة دينه . وقد أوضح تعالى هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى : إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها [ 4 \ 97 ] . وقوله تعالى : ياعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون [ 29 \ 56 ] ، ولا يخفى أن الترتيب بالفاء في قوله : فإياي فاعبدون على قوله : إن أرضي واسعة دليل واضح على ذلك . قوله تعالى : قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين . [ ص: 356 ] قد قدمنا الآيات الموضحة له ، من أوجه في سورة يونس ، في الكلام على قوله تعالى قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين [ 10 \ 45 ] . قوله تعالى : لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده . قد قدمنا الآيات الموضحة له ، في سورة الأنبياء ، في الكلام على قوله تعالى : لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم الآية [ 21 \ 39 ] ، وذكرنا طرفا من ذلك ، في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى : وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا [ 17 \ 8 ] . قوله تعالى : والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله . ما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من تحقيق معنى لا إله إلا الله ، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية ، في سورة الفاتحة ، في الكلام على قوله تعالى : إياك نعبد [ 1 \ 5 ] . قوله تعالى : الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه . أظهر الأقوال في الآية الكريمة ، أن المراد بالقول ، ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ، من وحي الكتاب والسنة ، ومن إطلاق القول على القرآن قوله تعالى : أفلم يدبروا القول الآية [ 23 \ 68 ] . وقوله تعالى : إنه لقول فصل وما هو بالهزل [ 86 \ 13 - 14 ] . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : فيتبعون أحسنه [ 39 \ 18 ] أي : يقدمون الأحسن ، الذي هو أشد حسنا ، على الأحسن الذي هو دونه في الحسن ، ويقدمون الأحسن مطلقا على الحسن . ويدل لهذا آيات من كتاب الله . أما الدليل على أن القول الأحسن المتبع . ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم من الوحي ، فهو في آيات من كتاب الله كقوله تعالى : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم [ 39 \ 55 ] وقوله تعالى لموسى يأمره بالأخذ بأحسن ما في التوراة : فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها [ 7 \ 145 ] . وأما كون القرآن فيه الأحسن والحسن ، فقد دلت عليه آيات من كتابه . ![]()
__________________
|
#459
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (457) سُورَةُ الزُّمَرِ صـ 357 إلى صـ 364 واعلم أولا أنه لا شك في أن الواجب أحسن من المندوب ، وأن المندوب أحسن من [ ص: 357 ] مطلق الحسن ، فإذا سمعوا مثلا قوله تعالى : وافعلوا الخير لعلكم تفلحون [ 22 \ 77 ] قدموا فعل الخير الواجب ، على فعل الخير المندوب ، وقدموا هذا الأخير ، على مطلق الحسن الذي هو الجائز ، ولذا كان الجزاء بخصوص الأحسن الذي هو الواجب والمندوب ، لا على مطلق الحسن ، كما قال تعالى : ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ 16 \ 97 ] وقال تعالى ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون [ 39 \ 35 ] كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ 16 \ 97 ] ، وبينا هناك دلالة الآيات على أن المباح حسن ، كما قال صاحب المراقي : ما ربنا لم ينه عنه حسن وغيره القبيح والمستهجن ومن أمثلة الترغيب في الأخذ بالأحسن وأفضليته مع جواز الأخذ بالحسن قوله تعالى : وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين [ 16 \ 126 ] فالأمر في قوله : فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به للجواز ، والله لا يأمر إلا بحسن . فدل ذلك على أن الانتقام حسن ، ولكن الله بين أن العفو والصبر ، خير منه وأحسن في قوله : ولئن صبرتم لهو خير للصابرين وأمثال ذلك كثيرة في القرآن ، كقوله تعالى في إباحة الانتقام : ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل [ 42 \ 43 ] ، مع أنه بين أن الصبر والغفران خير منه ، في قوله بعده : ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور [ 42 \ 43 ] ، وكقوله في جواز الانتقام : لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم [ 4 \ 148 ] مع أنه أشار إلى أن العفو خير منه ، وأنه من صفاته جل وعلا مع كمال قدرته وذلك في قوله بعده : إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا [ 4 \ 149 ] . وكقوله جل وعلا مثنيا على من تصدق ، فأبدى صدقته : إن تبدوا الصدقات فنعما هي [ 2 \ 271 ] ثم بين أن إخفاءها وإيتاءها الفقراء ، خير من إبدائها الذي مدحه بالفعل الجامد ، الذي هو لإنشاء المدح الذي هو نعم ، في قوله : إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم [ 2 \ 271 ] . [ ص: 358 ] وكقوله في نصف الصداق اللازم ، للزوجة بالطلاق ، قبل الدخول ، فنصف ما فرضتم [ 2 \ 237 ] ولا شك أن أخذ كل واحد من الزوجين النصف حسن ، لأن الله شرعه في كتابه في قوله : فنصف ما فرضتم مع أنه رغب كل واحد منهما ، أن يعفو للآخر عن نصفه ، وبين أن ذلك أقرب للتقوى وذلك في قوله بعدهوأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم [ 2 \ 237 ] . وقد قال تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ 42 \ 40 ] ثم أرشد إلى الأحسن بقوله : فمن عفا وأصلح فأجره على الله [ 42 \ 40 ] وقال تعالى : والجروح قصاص [ 5 \ 45 ] ثم أرشد إلى الأحسن ، في قوله : فمن تصدق به فهو كفارة له [ 5 \ 45 ] . واعلم أن في هذه الآية الكريمة أقوالا غير الذي اخترنا . منها ما روي عن ابن عباس ، في معنى فيتبعون أحسنه قال : " هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن ، وينكف عن القبيح ، فلا يتحدث به " . وقيل يستمعون القرآن وغيره ، فيتبعون القرآن . وقيل : إن المراد بأحسن القول لا إله إلا الله ، وبعض من يقول بهذا يقول : إن الآية نزلت فيمن كان يؤمن بالله قبل بعث الرسول صلى الله عليه وسلم ، كزيد بن عمرو بن نفيل العدوي ، وأبي ذر الغفاري ، وسلمان الفارسي ، إلى غير ذلك من الأقوال . قوله تعالى : أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار . أظهر القولين في الآية الكريمة ، أنهما جملتان مستقلتان ، فقوله : أفمن حق عليه كلمة العذاب جملة مستقلة ، لكن فيها حذفا ، وحذف ما دل المقام عليه واضح ، لا إشكال فيه . والتقدير : أفمن حق عليه كلمة العذاب ، تخلصه أنت منه ، والاستفهام مضمن معنى النفي ، أي لا تخلص أنت يا نبي الله أحدا سبق في علم الله أنه يعذبه من ذلك العذاب ، وهذا المحذوف دل عليه قوله بعده أفأنت تنقذ من في النار . وقد قدمنا مرارا قولي المفسرين في أداة الاستفهام المقترنة بأداة عطف كالفاء والواو [ ص: 359 ] وثم كقوله هنا : أفمن حق وقوله : أفأنت تنقذ . أما القول بأن الكلام جملة واحدة شرطية ، كما قال الزمخشري : أصل الكلام : أمن حق عليه كلمة العذاب ، فأنت تنقذه جملة شرطية ، دخل عليها همزة الإنكار ، والفاء فاء الجزاء ، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب ، تقديره : أأنت مالك أمرهم ، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه ، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد ، ووضع من في النار موضع الضمير ، فالآية على هذا جملة واحدة ، فإنه لا يظهر كل الظهور . واعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة يس في الكلام على قوله تعالى : لقد حق القول على أكثرهم الآية [ 36 \ 7 ] ، وبينا دلالة الآيات على المراد بكلمة العذاب . قوله تعالى : لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية . ما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من وعد أهل الجنة بالغرف المبنية ، ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع ، كقوله تعالى في سورة سبأ إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون [ 34 \ 37 ] . وقوله تعالى في سورة التوبة : وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن الآية [ 9 \ 72 ] . وقوله تعالى في سورة الصف : يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم [ 61 \ 12 ] ، لأن المساكن الطيبة المذكورة في التوبة والصف صادقة بالغرف المذكورة في الزمر وسبأ ، وقد قدمنا طرفا من هذا في سورة الفرقان ، في الكلام على قوله تعالى : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا الآية [ 25 \ 75 ] . قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض . الينابيع : جمع ينبوع ، وهو الماء الكثير . وقوله : فسلكه أي أدخله ، كما قدمنا إيضاحه بشواهده العربية ، والآيات القرآنية في سورة هود ، في الكلام على قوله تعالى : قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين الآية [ 11 \ 40 ] . [ ص: 360 ] وما تضمنته هذه الآية الكريمة من سورة الزمر ، قد أوضحناه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى : يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها الآية [ 34 \ 2 ] . قوله تعالى : ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه . قد قدمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى : ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم [ 30 \ 22 ] وأحلنا عليه في سورة فاطر ، في قوله تعالى : ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها الآية [ 35 \ 27 ] . قوله تعالى : ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب . قوله : ثم يهيج أي : ثم بعد نضارة ذلك الزرع وخضرته ييبس ، ويتم جفافه ويثور من منابته فتراه أيها الناظر مصفرا يابسا ، قد زالت خضرته ونضارته . ثم يجعله حطاما أي فتاتا ، متكسرا ، هشيما ، تذروه الرياح ، إن في ذلك المذكور من حالات ذلك الزرع ، المختلف الألوان ، لذكرى أي عبرة وموعظة وتذكيرا لأولي الألباب ، أي لأصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال ، فقد ذكر جل وعلا مصير هذا الزرع على سبيل الموعظة والتذكير ، وبين في موضع آخر ، أن ما وعظ به خلقه هنا من حالات هذا الزرع شبيه أيضا بالدنيا . فوعظ به في موضع وشبه به حالة الدنيا في موضع آخر ، وذلك في قوله تعالى في سورة الحديد : اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما [ 257 \ 20 ] . ويبين في سورة الروم أن من أسباب اصفراره المذكور إرسال الريح عليه ، وذلك في قوله : ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون [ 30 \ 51 ] . [ ص: 361 ] قوله تعالى : ومن يضلل الله فما له من هاد . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل الآية [ 16 \ 37 ] ، وفي غير ذلك من الموضع . قوله تعالى : قرآنا عربيا غير ذي عوج . قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف ، في الكلام على قوله تعالى : ولم يجعل له عوجا قيما الآية [ 18 \ 1 - 2 ] . وقوله في هذه الآية الكريمة : قرآنا انتصب على الحال وهي حال مؤكدة ، والحال في الحقيقة هو عربيا ، وقرآنا توطئة له وقيل انتصب على المدح . وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : عربيا ، أي : لأنه بلسان عربي كما قال تعالى : لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين [ 16 \ 103 ] . وقال تعالى في أول سورة يوسف : إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون [ 43 \ 3 ] . وقال في أول الزخرف : إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون [ 43 \ 3 ] . وقال في طه وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا [ 20 \ 113 ] وقال تعالى في فصلت : ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي [ 41 \ 44 ] وقال تعالى في الشعراء : وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين [ 26 \ 192 - 195 ] وقال تعالى في سورة الشورى : وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها الآية [ 42 \ 7 ] . وقال تعالى في الرعد : وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق [ 13 \ 37 ] إلى غير ذلك من الآيات . وهذه الآيات القرآنية تدل على شرف اللغة العربية وعظمها ، دلالة لا ينكرها إلا مكابر . [ ص: 362 ] قوله تعالى : والذي جاء بالصدق . أوضح جل وعلا أن الذي في هذه الآية بمعنى الذين ، بدليل قوله بعده : أولئك هم المتقون لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين [ 29 \ 33 - 34 ] . وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن " الذي " تأتي بمعنى الذين في القرآن وفي كلام العرب ، فمن أمثلة ذلك في القرآن ، قوله تعالى في آية الزمر هذه : والذي جاء بالصدق الآية . وقوله تعالى في سورة البقرة : مثلهم كمثل الذي استوقد نارا [ 2 \ 17 ] أي : الذين استوقدوا بدليل قوله بعده : ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون [ 2 \ 17 ] وقوله فيها أيضا : كالذي ينفق ماله رئاء الناس [ 2 \ 264 ] أي : كالذين ينفقون بدليل قوله بعده : لا يقدرون على شيء مما كسبوا الآية . وقوله تعالى في التوبة : وخضتم كالذي خاضوا [ 9 \ 69 ] على القول بأن الذي موصولة لا مصدرية ، ونظيره من كلام العرب قول أشهب بن رميلة : وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد وقول عديل بن الفرخ العجلي : فبت أساقي القوم إخوتي الذي غوايتهم غي ورشدهم رشد وقول الراجز : يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منها ولا فيمن قعد إلا الذي قاموا بأطراف المسد قوله تعالى : لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى : جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون الآية [ 16 \ 31 ] . قوله تعالى : ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون . قد قدمنا الآيات الموضحة له ، في هذه السورة الكريمة ، في الكلام على قوله تعالى : فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ 39 \ 17 - 18 ] وفي سورة [ ص: 363 ] النحل في الكلام على قوله تعالى : ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ 16 \ 97 ] . قوله تعالى : أليس الله بكاف عبده . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنفال ، في الكلام على قوله تعالى : ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين [ 8 \ 64 ] وعلى قراءة الجمهور بكاف عبده ، بفتح العين وسكون الباء ، بإفراد العبد ، والمراد به ، النبي صلى الله عليه وسلم . كقوله : فسيكفيكهم الله [ 2 \ 137 ] وقوله تعالى : ياأيها النبي حسبك الله الآية [ 8 \ 64 ] . وأما على قراءة حمزة والكسائي عباده بكسر العين وفتح الباء بعدها ألف على أنه جمع عبد ، فالظاهر أنه يشمل عباده الصالحين من الأنبياء وأتباعهم . قوله تعالى : ويخوفونك بالذين من دونه . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أن الكفار عبدة الأوثان ، يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم ، بالأوثان التي يعبدونها من دون الله ، لأنهم يقولون له : إنها ستضره وتخبله ، وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله ، يخوفون الرسل بالأوثان ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء . ومعلوم أن أنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه ، لا يخافون غير الله ولا سيما الأوثان ، التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تضر ولا تنفع ، ولذا قال تعالى عن نبيه إبراهيم لما خوفوه بها : وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن الآية [ 6 \ 81 ] . وقال عن نبيه هود وما ذكره له قومه من ذلك : إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظروني إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم [ 11 \ 54 - 56 ] . وقال تعالى في هذه السورة الكريمة ، مخاطبا نبينا صلى الله عليه وسلم ، بعد أن ذكر تخويفهم له بأصنامهم : ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون [ 39 \ 38 ] . [ ص: 364 ] ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله . وقد بين جل وعلا في موضع آخر ، أن الشيطان يخوف المؤمنين أيضا ، الذين هم أتباع الرسل من أتباعه وأوليائه من الكفار ، كما قال تعالى : إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [ 3 \ 175 ] . والأظهر أن قوله : يخوف أولياءه حذف فيه المفعول الأول ، أي : يخوفكم أولياءه ، بدليل قوله بعده : فلا تخافوهم وخافون الآية . قوله تعالى : قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته . ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن المعبودات من دونه ، لا تقدر أن تكشف ضرا أراد الله به أحدا ، أو تمسك رحمة أراد بها أحدا ، جاء موضحا في آيات كثيرة ، كقوله تعالى : لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [ 19 \ 42 ] وقوله تعالى : قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون [ 26 \ 72 - 74 ] . وقوله تعالى : ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم [ 35 \ 2 ] وقوله تعالى وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله يصيب به من يشاء من عباده الآية [ 10 \ 107 ] ، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة . قوله تعالى : وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الصافات ، في الكلام على قوله تعالى : إنا كذلك نفعل بالمجرمين إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون [ 34 \ 35 ] . ![]()
__________________
|
#460
|
||||
|
||||
![]() ![]() بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ المجلد السادس الحلقة (458) سُورَةُ غَافِرٍ صـ 365 إلى صـ 372 قوله تعالى : ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة . [ ص: 365 ] ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين ظلموا وهم الكفار ، ولو كان لهم في الآخرة ما في الأرض جميعا ومثله معه ، لفدوا أنفسهم به من سوء العذاب الذي عاينوه يوم القيامة ، وبين هذا المعنى في مواضع أخر وصرح فيها بأنه لا فداء البتة يوم القيامة كقوله تعالى : إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين [ 3 \ 91 ] . وقوله تعالى : إن الذين كفروا لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم [ 5 \ 36 - 37 ] وقوله تعالى : فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا مأواكم النار هي مولاكم وبئس المصير [ 57 \ 15 ] . وقوله تعالى : وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون [ 6 \ 70 ] . وقوله وإن تعدل كل عدل أي : وإن تفتد كل فداء ، وقوله تعالى : ولا يؤخذ منها عدل الآية [ 2 \ 48 ] . وقوله : ولا يقبل منها عدل الآية [ 2 \ 123 ] ، والعدل الفداء . وقوله تعالى : والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد [ 13 \ 18 ] . وقد قدمنا طرفا من هذا في سورة آل عمران ، في الكلام على قوله تعالى : فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به الآية [ 3 \ 91 ] . قوله تعالى : وبدا لهم سيئات ما كسبوا . قوله : وبدا لهم أي : ظهر لهم سيئات ما كسبوا ، أي : جزاء سيئاتهم التي اكتسبوها في الدنيا ، فالظاهر أنه أطلق السيئات هنا مرادا بها جزاؤها . ونظيره من القرآن قوله تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها [ 42 \ 40 ] . ونظير ذلك أيضا إطلاق العقاب ، على جزاء العقاب ، في قوله تعالى : ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله الآية [ 22 \ 60 ] . [ ص: 366 ] وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من أنهم يبدو لهم يوم القيامة ، حقيقة ما كانوا يعملونه في الدنيا جاء موضحا في آيات أخر ، كقوله تعالى : هنالك تبلو كل نفس ما أسلفت [ 10 ] وقوله تعالى ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر [ 75 \ 13 ] وقوله تعالى علمت نفس ما قدمت وأخرت [ 82 \ 5 ] . وقوله تعالى : ويقولون ياويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا الآية [ 18 \ 49 ] . وقوله تعالى وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا [ 17 \ 13 - 14 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس ، في الكلام على قوله تعالى : وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه الآية [ 10 \ 12 ] . قوله تعالى : واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم . قد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في قوله تعالى : فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه [ 39 \ 17 - 18 ] وقدمنا طرفا منه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون [ 16 \ 97 ] . قوله تعالى : أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين . قد قدمنا الآيات الموضحة له من جهات في سورة الأعراف ، في الكلام على قوله تعالى : يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل [ 7 \ 53 ] . قوله تعالى : ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة . قد قدمنا الكلام عليه وعلى ما يماثله من الآيات في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى : يوم تبيض وجوه وتسود وجوه الآية [ 3 \ 106 ] . [ ص: 367 ] قوله تعالى : أليس في جهنم مثوى للمتكبرين . تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية ، مع بيان جملة من آثار الكبر السيئة ، في سورة الأعراف ، في الكلام على قوله تعالى : قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين [ 7 \ 13 ] . قوله تعالى : ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك . قد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [ 6 \ 88 ] . وقد ذكرنا في سورة المائدة الآية المتضمنة للقيد الذي لم يذكر في هذه الآيات على قوله تعالى : ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله الآية [ 5 \ 5 ] . قوله تعالى : ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس ، في الكلام على قوله تعالى : ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون [ 36 \ 51 ] . قوله تعالى : ووضع الكتاب . قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية ، في سورة الكهف ، في الكلام على قوله تعالى : ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه [ 18 \ 49 ] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى : ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا [ 17 \ 13 ] . قوله تعالى : وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت . اختلف العلماء في المراد بالشهداء في هذه الآية الكريمة ، فقال بعضهم : هم الحفظة من الملائكة الذين كانوا يحصون أعمالهم في الدنيا ، واستدل من قال هذا بقوله تعالى وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد [ 50 \ 21 ] . وقال بعض العلماء : الشهداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، يشهدون على الأمم ، كما قال تعالى : وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا . [ ص: 368 ] وقيل : الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله ، وأظهر الأقوال في الآية عندي ، أن الشهداء هم الرسل من البشر ، الذين أرسلوا إلى الأمم ، لأنه لا يقضي بين الأمة حتى يأتي رسولها ، كما صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله تعالى : ولكل أمة رسول فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون [ 10 \ 47 ] فصرح جل وعلا بأنه يسأل الرسل عما أجابتهم به أممهم ، كما قال تعالى : يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم [ 5 \ 109 ] وقال تعالى : فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين [ 7 \ 6 ] وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى : فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا [ 4 \ 41 ] لأن كونه صلى الله عليه وسلم هو الشهيد على هؤلاء الذين هم أمته ، يدل على أن الشهيد على كل أمة هو رسولها . وقد بين تعالى أن الشهيد على كل أمة من أنفس الأمة ، فدل على أنه ليس من الملائكة ، وذلك في قوله تعالى : ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم [ 16 \ 89 ] والرسل من أنفس الأمم كما قال تعالى في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : لقد جاءكم رسول من أنفسكم [ 9 \ 128 ] . وقال تعالى : لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم الآية [ 3 \ 164 ] . والمسوغ للإيجاز بحذف الفاعل في قوله تعالى : وجيء بالنبيين [ 39 \ 69 ] هو أنه من المعلوم الذي لا نزاع فيه ، أنه لا يقدر على المجيء بهم إلا الله وحده جل وعلا . وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير الكسائي وهشام عن ابن عامر ، وجيء بكسر الجيم كسرة خالصة . وقرأه الكسائي وهشام عن ابن عامر بإشمام الكسرة الضم . وإنما كان الإشمام هنا جائزا ، والكسر جائزا ، لأنه لا يحصل في الآية البتة ، لبس بين المبني للفاعل ، والمبني للمفعول ، إذ من المعلوم أن قوله هنا : وجيء مبني للمفعول ولا يحتمل البناء للفاعل بوجه ، وما كان كذلك جاز فيه الكسر الخالص وإشمام الكسرة الضم كما أشار له في الخلاصة بقوله : واكسر أو أشمم فا ثلاثي أعل عينا وضم حاء كبوع فاحتمل [ ص: 369 ] أما إذا أسند ذلك الفعل إلى ضمير الرفع المتصل ، فإن ذلك قد يؤدي إلى اللبس ، فيشتبه المبني للمفعول ، بالمبني للفاعل ، فيجب حينئذ اجتناب الشكل الذي يوجب اللبس ، والإتيان بما يزيل اللبس من شكل أو إشمام كما أشار له في الخلاصة بقوله : وإن بشكل خيف لبس يجتنب ومن أمثلة ذلك قول الشاعر ، وقد أنشده صاحب اللسان : وإني على المولى وإن قل نفعه دفوع إذا ما ضمت غير صبور فقوله : ضمت أصله ضيمت بالبناء للمفعول فيجب الإشمام أو الضم ; لأن الكسر الخالص يجعله محتملا للبناء للفاعل كبعت وسرت . وقول جرير يرثي المرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة : وأقول من جزع وقد فتنا به ودموع عيني في الرداء غزار للدافنين أخا المكارم والندا لله ما ضمنت بك الأحجار أصله فوتنا بالبناء للمفعول فيجب الكسر أو الإشمام ; لأن الضم الخالص يجعله محتملا للبناء للفاعل ، كقلنا وقمنا . قوله تعالى : وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا . الزمر : الأفواج المتفرقة ، واحده زمرة ، وقد عبر تعالى عنها هنا بالزمر ، وعبر عنها في الملك بالأفواج في قوله تعالى : كلما ألقي فيها فوج الآية [ 67 \ 8 ] ، وعبر عنها في الأعراف بالأمم في قوله تعالى : قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم الآية [ 7 \ 38 ] . وقال في فصلت : وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين [ 41 \ 25 ] وقال تعالى : هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار [ 38 \ 59 ] . ومن إطلاق الزمر على ما ذكرنا قوله : [ ص: 370 ] وترى الناس إلى منزله زمرا تنتابه بعد زمر وقول الراجز : إن العفاة بالسيوب قد غمر حتى احزألت زمرا بعد زمر قوله تعالى : حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها . لم يبين جل وعلا هنا عدد أبوابها المذكورة ، ولكنه بين ذلك ، في سورة الحجر في قوله : وإن جهنم لموعدهم أجمعين لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم [ 16 \ 43 - 44 ] . وقوله تعالى : وفتحت أبوابها قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر : ( فتحت ) بالتاء . قوله تعالى : وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل ، في الكلام على قوله تعالى : وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا [ 17 \ 15 ] . قوله تعالى : وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين . قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى : الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون [ 16 \ 32 ] . قوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة إذا دخلوها وعاينوا ما فيها من النعيم ، حمدوا ربهم وأثنوا عليه ، ونوهوا بصدق وعده لهم ، وذكر هذا المعنى في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى : ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون [ 7 \ 43 ] . وقوله تعالى : ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا الآية [ 7 \ 44 ] . [ ص: 371 ] وقوله تعالى : جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب [ 35 \ 33 - 34 ] . [ ص: 372 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ سُورَةُ غَافِرٍ قَوْلُهُ تَعَالَى : غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ . جَمَعَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بَيْنَ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ; لِأَنَّ مَطَامِعَ الْعُقَلَاءِ مَحْصُورَةٌ فِي أَمْرَيْنِ ، هُمَا جَلْبُ النَّفْعِ وَدَفْعُ الضُّرِّ ، وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ [ 15 \ 49 - 50 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الْآيَةَ [ 7 \ 156 ] . وَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي آخِرِ الْأَنْعَامِ : إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ . [ 6 \ 165 ] وَقَوْلِهِ فِي الْأَعْرَافِ : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [ 7 \ 167 ] وَالْآيَاتُ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ مَعْرُوفَةٌ . قوله تعالى : ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ، أنه لا يجادل في آيات الله ، أي لا يخاصم فيها محاولا ردها ، وإبطال ما جاء فيها إلا الكفار . وقد بين تعالى في غير هذا الموضع الغرض الحامل لهم على الجدال فيها مع بعض صفاتهم ، وذلك في قوله : ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا [ 18 \ 56 ] وأوضح ذلك الغرض ، في هذه السورة الكريمة ، في قوله : وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق [ 40 \ 5 ] . وقد قدمنا في سورة الحج أن الذين يجادلون في الله منهم ، أتباع يتبعون رؤساءهم المضلين ، من شياطين الإنس والجن ، وهم المذكورون في قوله تعالى : ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير [ 22 \ 3 - 4 ] . ![]()
__________________
|
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |