التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 45 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         من فضائل الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          إياك والحلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          دروس إيمانية من قصة موسى عليه السلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 517 )           »          ما يجب على الحجاج الالتزام به من أنظمة وتعليمات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          أسباب تكفير السيئات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          الورع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          التحذير من سم الأفاعي في وسائل التواصل الاجتماعي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          الكعبة المشرفة: تاريخ وأشواق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          تقرير يحذر المؤسسات.. هجمات الذكاء الاصطناعى تتجاوز كل الدفاعات التقليدية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          واتساب ويب يدعم أخيرًا مكالمات الصوت والفيديو (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #441  
قديم 30-04-2026, 07:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 291 الى صـــ 310
الحلقة (441)



وحديث نافع أَنَّ ابن عُمَرَ كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوَيةَ، ثُمَّ حُدَّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ، فَذَهَبَ ابن عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ. فَقَالَ ابن عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ وَبِشَيءٍ مِنَ التِّبْنِ.
وحديث ابن عمر: كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الأَرْضَ تُكْرى. ثُمّ خَشِيَ عَبْدُ اللهِ أَنْ يَكُونَ رسول الله - ﷺ - قدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ.
الشرح:
هذِه الأحاديث أخرجها كلها مسلم (١) وقد سلف الكلام عليها، وتعليق الربيع بن نافع أسنده مسلم أيضًا فقال: حدثنا حسن الحلواني، ثنا أبو توبة. فذكره (٢). وقوله: (رافقًا) أي: ذا رفق، كقوله: ناصب: أي: ذو نصب، وقد يكون بمعنى: مرفق كما ذكره ابن التين.

-----------
(١) حديث رافع بن خديج عن عمه أخرجه مسلم (١٥٤٧/ ١٢٢، ١٥٤٨/ ١٤٤) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.
- وحديث عطاء عن جابر أخرجه مسلم (١٥٣٦/ ٨٩) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.
- وحديث ابن عباس أخرجه مسلم (١٥٥٠/ ١٢٠) كتاب: البيوع، باب: الأرض تمنح.
- وحديث ابن عمر أخرجه مسلم أيضًا (١٥٤٧) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.
(٢) مسلم (١٥٤٤) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض.



وفي الحديث: «من باع بالدراهم سلط الله عليه تالفًا» أي: متلفًا (١).
و(المحاقل): المزارع كما سلف. و(الربيع): الساقية. قاله الخطابي (٢). وقال ابن فارس: هو النهر (٣). وقال الجوهري: الجدول (٤)، وقيل: النهر الصغير، و(الأربعاء): جمع ربيع، وهو النهر الصغير.
قال الداودي: قد تبين أنَّ النهي عن الكراء بالربع مما يخرج منها؛ لأنه مجهول. قال: وذكر التبن والشعير معه فصار مجهولًا ومعلومًا فلا يجوز. وكأن الداودي حمل النهي على أنه جزء من الأرض، والصحيح أنَّ معناه: أنَّ ما جاءت به الساقية وهو الربيع، فهو خاص لرب الأرض، وفي بعض الروايات: على الربيع والأوسق، وهو نحو قول الداودي.

----------
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وإنما وجدته عند أحمد ٤/ ٤٤٥ بلفظ «من باع عقدة مال سلط الله عليها تالفًا يتلفها» والبخاري في «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٣٧، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١١٠: رواه أحمد وفيه: رجل لم يسم، ورواه الطحاوي في «المشكل» ٤/ ١٩٦ (٢٤٩٥) بلفظ: «ما من عبد يبيع تالف إلا سلط الله عليه تالفًا» وكذا رواه الطبراني في «الكبير» ١٨/ ٢٢٢ (٥٥٥) وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١١٠: رواه الطبراني في «الكبير» وفيه: بشير بن شريح وهو ضعيف.
وعن معقل بن يسار يرفعه بلفظ: «أيما رجل باع عقدة من غير حاجة بعث الله له تالفًا».
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١١١: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: جماعة لم أعرفهم، منهم عبد الله بن يعلى الليثي، وضعف الألباني الروايتين في «الضعيفة» (٤٥٧٧) «ضعيف الجامع» (٥٢٠٠).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٥٧.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٥٨، «المجمل» ١/ ٤١٥ مادة: (ريع).
(٤) «الصحاح» ٣/ ١٢١٢.



وقوله: «أزرعوها» أي: امنحوها من يزرعها لنفسه، يقال: أزرعته أرضًا إذا جعلتها له مزرعة.
وأرعيته: جعلت له مرعى، وأسقيته بئرًا: جعلت له سقياها.
وحديث جابر: «فليزرعها أو ليمنحها فإن أبي فليمسك أرضه»، قد بينه بقوله: (كانوا يزرعونها بالثلث والربع والماذيانات)، فانتهى ابن عمر عن ذلك، وخشي أن يكون حدث ما لم يعلم.
واحتج من جوَّز المزارعة بحديث ابن عمر في معاملته - عليه السلام - مع أهل خيبر بالشطر.
واحتج من منع بحديث رافع عن عمه، وبحديث جابر، وبترك ابن عمر إجارة الأرض من أجل ما جاء في ذلك، وقد سلف واضحًا.
وذكرنا ثم اختلاف العلماء في كرائها بالطعام، فعند الأئمة -خلافًا لمالك-: جوازه، وبه قال الأوزاعي والثوري وأبو ثور، وروي عن النخعي وعكرمة وسعيد بن جبير (١).

------------
(١) انظر: «المبسوط» ٢/ ٣٨ - ٣٩، «المدونة» ٣/ ٤٧٠، «الأم» ٣/ ٢٤٠، «المغني» ٧/ ٥٧٠.


١٩ - باب كِرَاءِ الأَرْضِ بِالذَّهَبِ وَالفِضَّةِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّ أَمْثَلَ مَا أَنْتُمْ صَانِعُونَ أَنْ تَسْتَأْجِرُوا الأَرْضَ البَيْضَاءَ مِنَ السَّنَةِ إِلَى السَّنَةِ.
٢٣٤٦، ٢٣٤٧ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمَّايَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الأَرْضَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ أَوْ شَيْءٍ يَسْتَثْنِيهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِعٍ: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِعٌ: لَيْسَ بِهَا بَأْسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ اللَّيْثُ وَكَانَ الَّذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ. [انظر: ٢٣٣٩ - مسلم: ١٥٤٧، ١٥٤٨ - فتح: ٥/ ٢٥]
ثم ساق حديث رافع بن خديج: حَدَّثَنِي عَمَّايَ، أَنَّهُمْ كَانُوا يُكْرُونَ الارْضَ عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ - بِمَا يَنْبُتُ عَلَى الأَرْبِعَاءِ أَوْ بِشَيءٍ يَسْتَثْييهِ صَاحِبُ الأَرْضِ، فَنَهَانَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ. فَقُلْتُ لِرَافِع: فَكَيْفَ هِيَ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ؟ فَقَالَ رَافِع بن خديج: لَيْسَ بِهَا بًاسٌ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ. وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: من ها هنا. وَقَالَ اللَّيْثُ: أُرَاهُ وَكَانَ الذِي نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ مَا لَوْ نَظَرَ فِيهِ ذَوُو الفَهْمِ بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ لَمْ يُجِيزُوهُ، لِمَا فِيهِ مِنَ المُخَاطَرَةِ.
انفرد البخاري بزيادة كلام الليث إلى آخره.
وأثر ابن عباس رواه وكيع في «مصنفه» عن سفيان، عن عبد الكريم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:


إنَّ أمثل ما أنتم صانعون أنْ تستاجروا الأرض البيضاء بالذهب
والفضة (١).
وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: حُكي جواز ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وسالم، وعروة، والزهري، وإبراهيم، وأبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، وذكر حديث رافع مرفوعًا في جواز ذلك (٢).
وفي حديث سعيد (بن يزيد) (٣): وأمرنا النبي - ﷺ - أن نكريها بالذهب والورق (٤).
وعمَّا رافع ستعلمهما في غزاة بدر.
وأمَّا حكم الباب: وهو كراء الأرض بالذهب والفضة فإجماع إلَّا من شذَّ كما أسلفته، قال ابن المنذر: أجمع الصحابة على جوازه (٥)، وذهب ربيعة إلى أنَّ الأرض لا يجوز أنْ تكرى بغيره.
وقال طاوس: لا تكرى بالذهب ولا بالفضة، وتكرى بالثلث والربع.

---------
(١) هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» عن وكيع به ٤/ ٤٩٤ (٢٢٤٢٩).
(٢) روى ابن أبي شيبة هذِه الآثار والحديث في «المصنف» ٤/ ٤٩٣ - ٤٩٤.
(٣) كذا في الأصل والصواب ابن المسيب كما في تخريج الحديث عند أحمد وغيره وسيأتي ذكره في التخريج التالي.
(٤) رواه أبو داود (٣٣٩١)، والنسائي ٧/ ٤١، وأحمد ١/ ١٧٦، ١٨٢ والبزار ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (١٠٨١)، وابن حبان في «صحيحه» ١١/ ٦١٢ (٥٢٠١) كلهم من طريق محمد بن عكرمة بن عبد الرحمن عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص به، وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٢٥: رجاله ثقات إلا أن محمد بن عكرمة المخزومي لم يرو عنه إلا إبراهيم بن سعد.
(٥) انظر: «الإجماع» ص ١٤٣، و«الإشراف» ٢/ ٧٣.



وقال الحسن البصري: لا يجوز أن تكرى الأرض بشيء لا بذهب ولا فضة (١) ولا غيرهما، حجته حديث رافع عن النهي عن كرائها مطلقًا، وقال: إذا استؤجرت وحرث فيها لعله أنْ يحترق زرعه فيردها وقد زادت بحرثه لها، فينتفع رب الأرض بتلك الزيادة دون المستأجر. وليس بشيء لأنَّ سائر البيوع لا تخلو من شيء من الغرر، والسلامة منها أكثر، ولو روعي في البيوع ما يجوز أن يحدث لم يصح بيع، ولا وجه لأجل خشية ما يحدث، وقد ثبت عن رافع في هذا الباب أنَّ كراء الأرض بالنقدين جائز، وذلك مضاف إلى رسول الله - ﷺ -، وهو خاص يقضي على العام، الذي فيه النهي عن كري الأرض بغير استثناء ذهب ولا فضة، والزائد من الأخبار أولى أنْ يؤخذ به، لئلا تتعارض الأخبار ويسقط شيء منها.
وقال الخطابي: لا خلاف في الصحة إذا كان نقدًا (٢).

-----------
(١) هذان الأثران رواهما ابن حزم في «المحلى» ٨/ ٢١٣ عن ابن أبي شيبة بسنده عنهما.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٥٨.



٢٠ - باب
٢٣٤٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [٧٥١٩ - فتح: ٥/ ٢٧]
ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَوْمًا يُحَدِّثُ، وَعِنْدَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فِي الزَّرْعِ فَقَالَ لَهُ: أَلَسْتَ فِيمَا شِئْتَ؟ قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَزْرَعَ. قَالَ: فَبَذَرَ فَبَادَرَ الطَّرْفَ نَبَاتُهُ وَاسْتِوَاؤُهُ وَاسْتِحْصَادُهُ، فَكَانَ أَمْثَالَ الجِبَالِ، فَيَقُولُ اللهُ تعالى: دُونَكَ يَا ابْنَ آدَمَ، فَإِنَّهُ لَا يُشْبِعُكَ شَيْءٌ». فَقَالَ الأَعْرَابِيُّ: وَاللهِ لَا تَجِدُهُ إِلَّا قُرَشِيًّا أَوْ أَنْصَارِيًّا، فَإِنَّهُمْ أَصْحَابُ زَرْعٍ، وَأَمَّا نَحْنُ فَلَسْنَا بِأَصْحَابِ زَرْعٍ. فَضَحِكَ النَّبِيُّ - ﷺ -.
أخرجه أبو يعلى في «مسنده» موقوفًا، وفيه: «فبذر حبه» (١).
والحديث دال أنَّ كل ما اشتهي في الجنة من أعمال الدنيا ولذاتها فممكن فيها؛ لقوله تعالى ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١] والطرف بفتح الطاء وإسكان الراء هو امتداد لَحْظِ الإنسان حيث أدرك، وقيل: طرف العين: حركتها، أي: تحرك أجفانها.

------------
(١) لم أقف عليه.


و(البادية) (١) وفي رواية: (البدو) وهما بغير همز؛ لأنَّه من: بدا الرجل يبدو إذا خرج إلى البادية فنزلها، والاسم البداوة بفتح الباء وكسرها هذا هو المشهور، وحكي بدأ بالهمز يبدؤ وهو قليل.
وفيه: من لزم طريقة أو حالة من الخير أو الشر أنه يجوز وصفه بها، ولا حرج على واصفه بالشر إن لزم طريقته.
وفيه: ما جبل الله نفوس بني آدم عليه من الاستكثار والرغبة في متاع الدنيا؛ لأنَّ الله تعالى أغنى أهل الجنة عن نصب الدنيا وتعبها فقال تعالى: ﴿وَقَالُوا الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ﴾ [فاطر: ٣٤].
وقوله: («دونك يا ابن آدم») فيه فضل القناعة والاقتصار على البلغة، وذم الشَّرَهِ والرغبة.

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: هذا كلام صاحبا «المطالع» ورقمه.


٢١ - باب مَا جَاءَ فِي الغَرْسِ
٢٣٤٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: إِنَّا كُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوزٌ تَأْخُذُ مِنْ أُصُولِ سِلْقٍ لَنَا كُنَّا نَغْرِسُهُ فِي أَرْبِعَائِنَا فَتَجْعَلُهُ فِي قِدْرٍ لَهَا فَتَجْعَلُ فِيهِ حَبَّاتٍ مِنْ شَعِيرٍ -لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ فِيهِ شَحْمٌ وَلَا وَدَكٌ -، فَإِذَا صَلَّيْنَا الجُمُعَةَ زُرْنَاهَا فَقَرَّبَتْهُ إِلَيْنَا، فَكُنَّا نَفْرَحُ بِيَوْمِ الجُمُعَةِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَمَا كُنَّا نَتَغَدَّى وَلَا نَقِيلُ إِلَّا بَعْدَ الجُمُعَةَ. [انظر: ٩٣٨ - مسلم: ٨٥٩ - فتح: ٥/ ٢٧]

٢٣٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ. وَاللهُ المَوْعِدُ، وَيَقُولُونَ: مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ مِثْلَ أَحَادِيثِهِ. وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَحْضُرُ حِينَ يَغِيبُونَ وَأَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمًا: «لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ مِنْكُمْ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَهُ إِلَى صَدْرِهِ، فَيَنْسَى مِنْ مَقَالَتِي شَيْئًا أَبَدًا». فَبَسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْبٌ غَيْرَهَا، حَتَّى قَضَى النَّبِيُّ - ﷺ - مَقَالَتَهُ، ثُمَّ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ مَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَاللهِ لَوْلَا آيَتَانِ فِي كِتَابِ اللهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ٥/ ٢٨]
ذكر حديث سهل بن سعد: قَالَ: لنَفْرَح يَوْم الجُمُعَةِ، كَانَتْ لَنَا عَجُوز تَأْخُذُ مِنْ أصُولِ سِلْقٍ .. الحديث.
وحديث أبي هريرة: قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ. والله المَوْعِدُ .. إلى آخره.


تقدَّما: الأول في الصلاة (١)، والثاني في البيع (٢). و(الموعد): بفتح الميم، أي: حسيب من يقول، وهناك يعلم صدقي ويجازيني.
وفيه: عمل الصحابة في الحرث والزرع بأيديهم وخدمة ذلك بأنفسهم، ألا ترى قول أبي هريرة: وإنَّ إخواني من الأنصار كان يشغلهم عمل أموالهم، وكذلك المرأة العجوز كانت تغرس السلق لرسول الله وأصحابه، ففي هذا أنَّ الامتهان في طلب المعاش للرجال والنساء من فعل الصالحين، وأنه لا عار فيه ولا نقيصة على أهل الفضل.
وفيه: إجابة المرأة الصالحة إلى الطعام.
وفيه: دليل على التهجير بالجمعة والمبادرة إليها عند أول الزوال.
وإنما كانوا يشتغلون بالغسل ومراعاة التهجير عن قائلتهم المعروفة في سائر الأيام، فلا يجدون السبيل إليها إلَّا بعد الصلاة، لا أنهم كانوا يصلونها قبل الزوال كما ظن بعضهم وخالف قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] (٣).

---------
(١) سلف برقم (٩٣٨) باب: قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾.
(٢) سلف في البيع برقم (٢٠٤٧) باب: ما جاء في قول الله تعالى ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ وقد سلف قبل في العلم برقم (١١٨) باب: حفظ العلم.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩٠ بتصرف.



٤٢
كتاب المساقاة


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤٢ - كتاب المساقاة
باب فِي الشُّرْبِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وَقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨)﴾ إلى قوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾. [الواقعة: ٦٨ - ٧٠].
الأُجَاجُ: المُرُّ، المُزْنُ: السَّحَابُ. [فتح: ٥/ ٢٩]
الشرح:
(الشرب) بكسر الشين: النصيب والحظ من الماء، قاله ابن التين؛ قال: ومنْ ضبطه بضم الشين (١) أراد المصدر، وسبقه إلى ذلك أبو المعالي في «المنتهى» فقال: الشرب بالكسر: النصيب والحظ من
الماء، يقال: كم شرب أرضك، وفي المثل: آخرها شربًا أقلها شربًا (٢).

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: والضم والكسر في «المطالع»، ونقل الضم الأصيلي.
(٢) انظر: «جمهرة الأمثال» ١/ ٨١، «مجمع الأمثال» ص ٤٣.



وأصله في سقي الماء لأنَّ آخر الإبل ترد وقد نزف الحوض، وقد سمع الكسائي عن العرب أقلها شربًا على الوجوه الثلاثة: يعني: الفتح، والضم، والكسر، قال: وسمعهم أيضًا يقولون: أعذب الله شربكم بالكسر، أي: ماءكم، وقيل: الشرب أيضًا وقت الشرب، وعن أبي عبيدة: الشرب بالفتح المصدر وبالضم والكسر (١) يقال: شرب يشرب شربًا.
بالحركات الثلاثة، وقرئ: (فشاربون شرب الهيم) بالوجوه الثلاث (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠].
قال قتادة: مخلوق من الماء (٣)، فإنْ قلت: قد رأينا مخلوقًا من الماء غير حي. قلت: أجاب عنه قطرب أنه لم يقل: لم يخلق من الماء إلَّا حيًّا، وقيل: معناه أنَّ كل حيوان أرضي لا يعيش إلَّا بالماء، وقال الربيع بن أنس: من الماء، أي: من النطفة (٤).
قال ابن بطال: أراد به حياة جميع الحيوان الذي يعيش في الماء. قال: ومن قرأ: ﴿حَيًّا﴾ (٥) يدخل فيه الحيوان والجماد؛ لأنَّ الزرع والشجر لهما موت، إذا جفت ويبست، وحياتها: خضرتها ونضرتها.

---------
(١) «مجاز القرآن» ٢/ ٨٩.
(٢) ذكره العكبري في «التبيان» ص ٧٣٨.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٢١.
(٤) رواه الربيع عن أبي العالية كما عند مجاهد في «تفسيره» ١/ ٤٠٩.
(٥) ذكرها ابن الجوزي في «زاد المسير» ٥/ ٣٤٨ وقال: قرأ بها ابن أبي عبلة، ومعاذ القارئ، وحميد بن قيس.



والمزن: السحاب (١) كما سلف قاله مجاهد وقتادة (٢)، والقطعة منها: مزنة، ويقال للهلال: ابن مزنة. و(الأجاج): المرّ كذا فسره البخاري، وهو قول أبي عبيدة (٣)، وفي بعض النسخ بدله: الملح، وقال ابن سيده: الأجاج: الملح، وقيل: الشديد المرارة، وقيل: الشديد الحرارة (٤)، وقال ابن فارس: هو الملح، ويقال: الحار (٥).
عدَّد الله تعالى على عباده نعمه في خلقه لهم الماء عذبًا يتلذذون بشربه وتنمو به ثمارهم، ولو شاء لجعله مالحًا فلا يشربون منه ولا ينتفعون به في زروعهم وثمارهم ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٠]
أي: فهلا تشكرون الله على ما فعل بكم.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩١.
(٢) «تفسير مجاهد» ٢/ ٦٥١، ورواهما الطبري في «تفسيره» ١١/ ٦٥٥.
(٣) ذكر نحوه في «مجاز القرآن» ٢/ ٧٧.
(٤) «المحكم» ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٥) «مقاييس اللغة» ص ٢٦ (أجَّ).



١ - باب فِي الشُّرْبِ، وَمَنْ رَأَى (١) صَدَقَةَ المَاءِ وَهِبَتَهُ وَوَصِيَّتَهُ جَائِزَةً، مَقْسُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَقْسُومٍ
(فراتًا: عذبًا، ثجَّاجًا: منصبًا) (٢) وَقَالَ عُثْمَانُ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ يَشْتَرِي بِئْرَ رُومَةَ فَيَكُونُ دَلْوُهُ فِيهَا كَدِلَاءِ المُسْلِمِينَ». فَاشْتَرَاهَا عُثْمَانُ.

٢٣٥١ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ القَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَهُ الأَشْيَاخَ؟». قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [٢٣٦٦، ٢٤٥١، ٢٦٠٢، ٢٦٠٥، ٥٦٢٠ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح: ٥/ ٢٩]

٢٣٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَاةٌ دَاجِنٌ وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ البِئْرِ التِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - القَدَحَ

---------
(١) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ في ابن بطال: باب من رأى إلى آخره، انتهى وكذا في نسختي أنا.
(٢) كذا في الأصل، وعلم عليها (لا .. إلى).
قلت: وقوله: (ثجَّاجًا منصبًا) من رواية أبي ذر، وقوله: (فراتًا: عذبًا) من رواية المستملي؛ كلاهما في الباب السابق، كذا في هامش اليونينية ٣/ ١٠٩. وهذِه العلامة أشار ابن الصلاح رحمه الله إلى أنها تحسن لما يصح في رواية ويسقط في أخرى، النوع الخامس والعشرون، من «المقدمة».
قلت: وكذا شرحه هنا المصنف وكان حقه الباب السابق أن يشرحه في السابق. والله أعلم.



فَشَرِبَ مِنْهُ، حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ، وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ. فَأَعْطَاهُ الأَعْرَابِيَّ الذِي عَلَى يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: «الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ». [٢٥٧١، ٥٦١٢، ٥٦١٩ - مسلم: ٢٠٢٩ - فتح: ٥/ ٣٠]
ثم ساق حديث أبي حازم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِقَدَحٍ فَشَرِبَ مِنْهُ، وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ أَصْغَرُ القَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ، فَقَالَ: «يَا غُلَامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِي الأَشْيَاخَ؟». قَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِفَضْلِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ. فَأعْطَاهُ إِياهُ.
وحديث أنس أَنَّهَا حُلِبَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَاةٌ دَاجِنٌ وَهْيَ فِي دَارِ أَنَسِ ابْنِ مَالِكٍ، وَشِيبَ لَبَنُهَا بِمَاءٍ مِنَ البِئْرِ التِي فِي دَارِ أَنَسٍ، فَأَعْطَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ - القَدَحَ فَشَرِبَ وشرب معه، حَتَّى إِذَا نَزَعَ القَدَحَ مِنْ فِيهِ، وَعَلَى يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ، فَقَالَ عُمَرُ، وَخَافَ أَنْ يُعْطِيَهُ الأَعْرَابِيَّ: أَعْطِ أَبَا بَكْرٍ يَا رَسُولَ اللهِ عِنْدَكَ. فَأَعْطَى الأَعْرَابِيَّ الذِي
عَلَى يَمِينِهِ، ثُمّ قَالَ: «الأَيْمَنَ فَالأَيْمَنَ».
الشرح:
قوله: (فراتًا: عذبًا)، يُقال: ماءٌ فرات ومياه فرات، وقوله: (ثجاجًا) صبَّابًا، وقال مجاهد: منصبًا (١) كما ذكره في الأصل، وقيل: متدفقًا، وقيل: سيالًا، وهو متقارب.
والماء في الحقيقة منصب أو مصبوب.
وتعليق عثمان أسنده في باب: إذا وقف أرضًا أو بئرًا واشترط لنفسه مثل دِلَاء المسلمين فقال:

----------
(١) «تفسير مجاهد» ٢/ ٧١٩ - ٧٢٠.


وقال عبدان (١): أخبرني أبي، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي عبد الرحمن: أنَّ عثمان حين حوصر أشرف عليهم فقال: أنشدكم ولا أنشد إلَّا أصحاب النبي - ﷺ -، ألستم تعلمون أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من حفر بئر رومة فله الجنة» فحفرتها، الحديث (٢).
وأسنده الإسماعيلي بلفظه من حديث أحمد بن سنان والقاسم بن محمد: ثنا عبدان عبد الله بن عثمان به. وأبو نعيم من حديث القاسم المروزي، ثنا عبدان فذكره، ولعل المراد بالحفر الشراء. وفي الترمذي من حديث أبي عبد الرحمن السُلمي: لما حصر عثمان، الحديث: أذكركم بالله، هل تعلمون أن رومة لم يكن يشرب منها أحد إلَّا بثمن فابتعتها فجعلتها للغني والفقير وابن السبيل؟ قالوا: اللهم نعم. ثم قال: حسن صحيح غريب (٣).
ثم رواه من حديث ثمامة بن حزن القشيري: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال: ائتوني بصاحبيكم اللذين ألَّباكم علي؟ فجيء بهما، كأنهما جملان أو كأنهما حماران، فقال: أنشدكم بالله والإِسلام، هل تعلمون أنَّ رسول الله - ﷺ - قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة؟ فقال: «من يشتريها فيجعل دلوه فيها مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة؟». فاشتريتها من صلب مالي .. الحديث. ثم قال: حسن، وقد رُوي من غير وجه عن عثمان (٤).

----------
(١) ورد بهامش الأصل: هذا محمول على أنه حدث به في المذاكرة وأخذ من هذِه العبارة، (قال لي) ويسميه قوم تعليقًا.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٧٨) كتاب: الوصايا.
(٣) «سنن الترمذي» (٣٦٩٩).
(٤) الترمذي (٣٧٠٣).



ورواه النسائي من طرق أيضًا بلفظ: «من يشتري بئر رومة؟» (١).
قال ابن بطال: ورواه معتمر، عن أبي نضرة عن أبي سعيد -مولى ابن أسد- عنه (٢).
وزعم الكلبي أنه كان قبل أن يشتريها عثمان يُشترى منها كل قربة بدرهم.
وزعم الإسماعيلي أنَّ البخاري بوَّب: دلوه فيها كدِلاء المسلمين (٣)، قال: ولم يذكر فيه حديثًا وكذا قاله ابن المنير (٤)، وقد علمت أنَّه مذكور هنا.
قال ابن التين: وفي رواية أخرى: «وله الجنة» وقد أسلفتها لك، ثم نقل عن الشيخ أبي الحسن: أنَّ أصل آبار الصدقة التي تبنى في الطريق للمشقة فكل بئر للصدقة، فإنما دلوه مع دلاء المسلمين.
وأمَّا ابن بطال فذكره في الباب قبله أيضًا.
وقال: بئر رومة كانت ليهودي، وكان يقفل عليها بقفل ويغيب، فيأتي المسلمون ليشربوا منها الماء فلا يجدونه حاضرًا فيرجعون بغير ماء، فشكا المسلمون ذلك، فقال - ﷺ - من يشتريها ويبيحها للمسلمين،

----------
(١) النسائي ٦/ ٢٣٤ - ٢٣٧ وقال الألباني في «الإرواء» (١٥٩٤) حسن. وقد علقه البخاري بصيغة الجزم.
(٢) «شرح ابن بطال» ٨/ ٢٠٣.
قلت: هكذا ذكره عن ابن بطال فقال عن معتمر ووقع في المطبوع منه: معمر بن سليمان عن أبي نضرة وهو خطأ؛ لأن معتمرًا إنما رواه عن أبيه -سليمان التيمي- عن أبي نضرة كما عند ابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ١٢٢ (٢٤٩٣) وابن حبان في «صحيحه» ١٥/ ٣٥٧.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني الباب الآتي في الوقف.
(٤) «المتواري» ص ٢٦٤. وليس فيه ما ذكره المصنف.



ويكون نصيبه فيها كنصيب أحدهم وله الجنة فاشتراها عثمان.
قال: وهو حجة لمالك ومن وافقه أنه لا بأس ببيع الآبار والعيون في الحضر إذا احتفرها لنفسه لا للصدقة، فلا بأس ببيع مائها، وكره بيع ما حفر من الآبار في الصحراء من غير أنْ يحرِّمه (١). وقوله: «فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين» يعني: يوقفها ويكون حظه منها كحظ غيره من غير مزية، وظاهره أنَّ له الانتفاع إذا شرطه، قال: ولا شك أنَّه إذا جعلها للسقاة أنَّ له الشرب إن لم يشرطه، لدخوله في جملتهم، بخلاف العقار، فلابد في الانتفاع به من الشرط، أنْ يكون نصيبه فيه كنصيب أحد المسلمين، وإلَّا فلا ينتفع به؛ لأنه أخرجه لله فلا رجوع فيه، قال: والفرق بين البئر والعقار: أنَّ سائر الغلات تنقطع في أوقات ما، وإذا أخذ منها المحبس فقد حرم ذلك الشيء أهل الحاجة، وانفرد به وماء الآبار لا ينقطع أبدًا لأنها نابعة، فلا يحرم أحدًا من أهل الحاجة ما أخذ منها محبسها، وسيأتي ما يجوز انتفاع المحبس به من حبسه في الوقف في باب: هل ينتفع الواقف (بوقفه) (٢).
وحديث سهل بن سعد، روى (أبو حازم) (٣) هذا الحديث عن أبيه؛ فقال فيه: وعن يساره أبو بكر، وذكر أبي بكر فيه عندهم خطأ وإنما هو محفوظ من حديث الزهري (٤).

--------
(١) انظر «المدونة» ٣/ ٢٨٩.
(٢) في الأصل: بنفسه والمثبت هو الصواب، وانظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩١ - ٤٩٣.
(٣) كذا بالأصل، وذكر ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٢١ أن اسمه ابن أبي حازم، حيث قال: روى ابن أبي حازم هذا الحديث عن أبيه، فقال فيه: وعن يساره أبو بكر، ثم ساق معنى حديث مالك سواء. اهـ.
(٤) قاله ابن عبد البر في «التمهد» ٢١/ ١٢١. ويقصد بحديث ابن شهاب الحديث الذي رواه مالك في «موطئه» عنه عن أنس بن مالك.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #442  
قديم 30-04-2026, 08:01 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 311 الى صـــ 330
الحلقة (442)





(و) (١) عن (عمرو بن حرملة) (٢)، عن ابن عباس قال: دخلت أنا وخالد بن الوليد مع رسول الله - ﷺ - على ميمونة، فجاءتنا بإناء من لبن فشرب رسول الله - ﷺ - وأنا معه، وخالد عن شماله فقال لي: «الشربة لك وإن شئت آثرت خالدًا» فقال: ما كنت لأوثر بسؤرك أحدًا ثم قال رسول الله - ﷺ -: «من أطعمه الله طعامًا فليقل: اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيرًا منه» ثم ذكر مثله في اللبن بزيادة: «وزدنا منه» (٣).
وروي من طريق إسماعيل بن جعفر: أخبرني أبو حازم، عن سهل بن سعد قال: أتى رسول الله - ﷺ - بقدح من لبن وغلام عن يمينه والأشياخ أمامه وعن يساره … الحديث (٤).
والغلام هنا هو: ابن عباس كما سلف، والأشياخ: خالد بن الوليد أو منهم خالد.
وقال ابن بطال: يقال إنَّ الغلام هو الفضل بن العباس (٥)، وكذا حكاه ابن التين، وقال في باب: من رأى أنَّ صاحب الحوض أحق بمائه: هو عبد الله بن عباس، وقيل: الفضل.

-----------
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) كذا بالأصل، والصواب عمر بن حرملة كما في «تهذيب الكمال» ٢١/ ٢٩٦، ورواه الترمذي فقال: عمر بن أبي حرملة، وعقب الرواية، قال: وقد روى بعضهم هذا الحديث عن علي بن زيد، فقال: عن عمر بن حرملة، وقال بعضهم: عمرو بن حرملة ولا يصح.
(٣) رواه أبو داود (٣٧٣٠)، والترمذي (٣٤٥٥)، وقال الترمذي: حديث حسن.
وحسنه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٣٢٠).
(٤) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٢٢.
(٥) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩٤.



قال ابن عبد البر: وروى الحميدي عن سفيان، عن على بن زيد، عن ابن حرملة، عن ابن عباس قال: دخلت مع رسول الله - ﷺ - على خالتي ميمونة ومعنا خالد بن الوليد (فأتي رسول الله - ﷺ -) (١) باناء فيه لبن .. الحديث (٢).
وحديث أنس أخرجه مسلم والأربعة (٣).
وقال الإسماعيلي بدل (فقال عمر): (فقال عبد الرحمن بن عوف: أعط أبا بكر، فأعطاه لأعرابي).
ولمسلم: عن عبد الله بن بسر قال: نزل بنا رسول الله - ﷺ - فقرب أبي إليه شرابًا فشربه، ثم ناوله الذي عن يمينه (٤).
وقال أبو عمر: رواه ابن مهدي، عن مالك عن ابن شهاب عنه بزيادة: «الأيمن فالأيمن» (٥). فمضت السنة قال: وفيه دلالة أنَّ من وجب له شيء من الأشياء لم يدفع عنه ولم يتسور عليه صغيرًا كان
أو كبيرًا إذا كان ممن يجوز إذنه.
وفيه أيضًا: أنَّ الجلساء شركاء في الهدية، وذلك على جهة الأدب والمروءة والفضل والإخوة لا على الوجوب؛ لإجماعهم على أنَّ

---------
(١) ورد فوق العبارة: يعني: عبد الله بن الزبير.
(٢) «التمهيد» ٢١/ ١٢٣.
(٣) مسلم (٢٠٢٩) كتاب: الأشربة، باب: استحباب إدارة الماء واللبن ونحوهما عن يمين المبتدئ، وأبو داود (٣٧٢٦)، والترمذي (١٨٩٣)، وابن ماجه (٣٤٢٥)، والنسائي في «الكبرى» ٤/ ١٩٣.
(٤) مسلم (٢٠٤٢) كتاب: الأشربة، باب: استحباب وضع النوى خارج التمر واستحباب دعاء الضيف لأهل الطعام وطلب الدعاء من الضيف الصالح وإجابته لذلك.
(٥) «التمهيد» ٦/ ١٥٢.



المطالبة بذلك غير واجبة لأحد.
قال: وقد روي أنه - عليه السلام - قال: «جلساؤكم شركاؤكم في الهدية» (١) بإسناد فيه لين (٢)، وقال الخطابي: العادة من الملوك والرؤساء في الجاهلية أيضًا تقديم الأيمن في مناولة الطيب والتحف وغيرهما.
قال عمرو بن كلثوم:
صددت الكأس عنا أمَّ عمرو … وكان الكأس مجراها اليمينا (٣).
ويشبه أن يكون المعنى فيه أن اليمين مفضلة على اليسار مقدمة عليها وقد أمرنا بالشرب بها والمعاطاة دون اليسار، وللعادة خشى عمر أن يناوله الأعرابي ويدع الصديق فاستحق الأعرابي دون الصديق ذلك لذلك كالشفعة للأقرب ونحوه.
وفي إعرابها وجهان: نصب النون بإضمار ناولوا الأيمن، ورفعها بالابتداء أي: الأيمن أولى.
فإذا قلت: استأذن الغلام ولم يستأذن الأعرابي.
قلت: كان من المشيخة أيضًا ولا علم له بالشرائع بعد، فلم يستأذنه استئلافًا وتشريفًا له ولم يجعل للغلام ذلك؛ لأنه من أقربائه، وسنه دون

-----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: قلت: قد علقه البخاري في الهدية عن ابن عباس بصيغة تمريض بلفظ: ويذكر عن ابن عباس: أن جلساءه شركاؤه، ولم يصح. انتهى.
(٢) لم أقف عليه مسندًا بهذا اللفظ وروى البيهقي نحوه في «السنن» ٦/ ١٨٣. وعلقه البخاري في «صحيحه» بصيغة التمريض قبل حديث (٢٦٠٩)، وقال: ولم يصح.
وذكره الألباني في «الضعيفة» (٥٢٥٤): وقال: ضعيف، روي عن ابن عباس وعائشة والحسن بن علي: وسيأتي في الشرح عند حديث (٥٦١٣)، انظر: «التمهيد» ٢١/ ١٢٣ - ١٢٤.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٦١ - ١١٦٢.



سن الأشياخ الذين كانوا على يساره، فاستأذن فيه أن يعطيهم؛ لئلا يوحشهم بإعطاء ابن عمه وهو صبي ويقدمه عليهم حتى أعلمهم أن ذلك يجب له بالتيامن في الجلوس.
وهل تجري هذِه السنة في غير المشروب كالملبوس والمأكول وغيرهما من جميع الأشياء؟ قال المهلب وغيره: نعم.
وعن مالك أن ذلك في الشراب خاصة. قال أبو عمر: ولا يصح ذلك عنه (١)، قال عياض في بعض الروايات: عمك أو ابن عمك أتأذن لي (٢). وعند أصحابنا لا يجوز الإيثار بالقرب، وإنما الإيثار المحمود ما كان من حظ النفوس دون الطاعات، فيكره أن يؤثر غيره بموضعه من الصف الأول وكذا نظائره (٣).
وفيه: دلالة أن من قدم إليه شيء يأكله أو يشربه فليس عليه أن يسأل من أين هو وما أصله إذا علم طيب مكسب صاحبه في الأغلب.
وفيه: إجازة خلط اللبن بالماء لمن أراد شربه ولم يرد بيعه، وأن من سبق من مجلس العالم إلى مكان كان أولى به من غيره كائنًا من كان، ولا يقام أحد من مجلس جلسه لأحد وإن كان أفضل منه. فلو كان من

------------
(١) «التمهيد» ٦/ ١٥٦ (تنبيه) ذكر الحافظ في «الفتح» ٥/ ٣١: أن البعض ألحق بتقديم الأيمن في المشروب تقديمه في المأكول قال: ونسب لمالك. اهـ. بتصرف. قلت: بل قال القرطبي في «المفهم» ٥/ ٢٩١: قال مالك: إن ذلك في الشراب خاصة.
وقال القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٦/ ٤٩٩: يشبه أن يكون قول مالك: إن ذلك في الشراب خاصة -يعني أن فيه جاءت السنة مثبتة بتقديم الأيمن فالأيمن- وغير ذلك إنما هو بالاجتهاد والقياس عليه، والبداية باليمين إنما جاءت في فعل الإنسان بنفسه وتقديمه يمينه من أعضائه في أعماله على شماله. اهـ.
(٢) «إكمال المعلم» ٦/ ٤٩٧.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١٣/ ٢٠١.



على اليمين كافرًا كان من أدب جليسه إيثاره على من كان على يساره.
فإن قلت ما وجه دخول حديث سهل هنا؟
قلت: بينه ابن المنير وقال: وجه دخوله أن الماء يملك ولهذا استأذن الشارع بعض الشركاء فيه، ورتب قسمته يمنة ويسرة ولو كان مباحًا لم يدخله ملك ولا ترتب قسمته.
والحديث الثاني مطابق لقوله «شيب بماء» والاستدلال به ضعيف.
ولعل هذا الترتيب؛ لأن اللبن هو الذي ملكه لا الماء (١).
قال الداودي: وإنما أتى هنا بهذا الباب لأن الأرض وما عليها من النبات إنما جعل لبني آدم يكفيهم أحياء وأمواتًا وجعل فيها معايش لهم.
قلت: وجميع ما يوهب للجماعة من الأشياء كلها هم فيه متشاركون وحقوقهم فيه متساوية لا فضل لأحد منهم على صاحبه، وإنما جازت هبة الماء واللبن غير مقسومين؛ لقلة التشاح فيهما ولأن العادة قد جرت من الجماعة إذا أكلت أو شربت معًا أنها تجري في ذلك على المكارمة، ولا يتقصى بعضهم على بعض؛ لأن ذلك إنما يوضع للناس قدر نهمتهم فمنهم من يكفيه اليسير، ومنهم من يكفيه أكثر منه، (إلا) (٢) من استعمل أدب المؤاكلة والمشاربة أولى، وأن لا يستأثر أحد منهم بأكثر من نصيب صاحبه. ألا ترى أن مالكًا (٣) قال: لا يقرن أحد بين تمرتين إلا أن يستأذن أصحابه في ذلك؛ لما كان التمر مما يتشاح فيه أكثر من التشاح من الماء واللبن (٤).

----------
(١) «المتواري» ص ٢٦٤.
(٢) في «شرح ابن بطال»: إلا أن.
(٣) ورد بهامش الأصل: ما نقله هنا عن مالك جاء في حديث النهي عن الإقران، وإلى آخره إلا أن يستأذن الرجل أخاه. والظاهر أنه مدرج من قول ابن عمر.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩٤.



فائدة:
الداجن: الشاة المقيمة في الدار لا تخرج إلى المرعى. من الشاء، وكذلك الوحش والطير وغير ذلك إذا ألفت البيت. وشيب: خلط وإذا خلط أطفأ ما فيه من حرارة (١).

--------
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السادس بعد الستين، كتبه مؤلفه.


٢ - باب مَنْ قَالَ: إِنَّ صَاحِبَ المَاءِ أَحَقُّ بِالمَاءِ حَتَّى يَرْوَى
لِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ».

٢٣٥٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ». [٢٣٥٤، ٦٩٦٢ - مسلم: ١٥٦٦ - فتح: ٥/ ٣١]

٢٣٥٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ فَضْلَ الكَلإِ». [انظر: ٢٣٥٣ - مسلم: ١٥٦٦ - فتح: ٥/ ٣١]
ثم ساق من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قالَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ المَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الكَلأُ».
ثم ساق من حديثه أيضًا (١) بلفظ: «لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ المَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الكَلأ».
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (٢)، وفي النهي عن بيع الماء حديث إياس بن عبدٍ المزني، صححه الترمذي (٣).
وفي مسلم عن جابر: نهى عن بيع فضل الماء (٤)، زاد الحاكم

----------
(١) ورد بهامش الأصل: من طريق غير الطريق الأولى.
(٢) رواه مسلم (١٥٦٦) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع فضل الماء الذي يكون بالفلاة …، وأبو داود (٣٤٧٣)، والترمذي (١٢٧٢)، وابن ماجه (٢٤٧٨)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٤٠٧.
(٣) الترمذي (١٢٧١)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١٠٢١).
(٤) مسلم (١٥٦٥) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع فضل الماء …



صحيحًا، وأن يبيع الرجل أرضه وماءه (١).
وفي أبي داود من حديث رجل من المهاجرين: غزوت مع النبي - ﷺ - ثلاثًا أسمعه يقول: «الناس شركاء في ثلاث في الكلأ والماء والنار» (٢)، وفي إسناده حبان (٣) بن زيد، وفيه جهالة.

--------
(١) «المستدرك» ٢/ ٤٤.
(٢) رواه أبو داود (٣٤٧٧) من طريق ابن الجعد، عن حريز بن عثمان عن حبان بن زيد، عن رجل من قرن، ثم رواه من طريق آخر عن حريز بن عثمان وفيه: عن رجل من المهاجرين بلفظ: «المسلمون شركاء ..» الحديث.
قال عبد الحق في «أحكامه» ٣/ ٢٩٨: حبان بن زيد لا أعلم روى عنه إلا حريز ابن عثمان وقد قيل فيه مجهول، وفي «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٣٢٢ - ٣٢٣: سألت أبي عن حديث أبي عثمان عن أبي خداش قال: كنا في غزاة فنزل الناس منزلًا فقطع الناس الطريق ومدوا الحبال على الكلأ فلما رأى ما صنعوا قال: سبحان الله! لقد غزوت مع رسول الله - ﷺ - غزوات فسمعته يقول: «الناس شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار». قال أبي: أبو عثمان هو عندي حريز بن عثمان، وأبو خداش لم يدرك النبي - ﷺ - إنما حكى عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - وقال المناوي: رمز لحسنه ولم بسم الرجل ولا يضر، فإنه صحابي وهم عدول. «فيض القدير» ٦/ ٣٥٣.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٦٥: سماه أبو داود في روايته: حبان بن زيد وهو الشرعبي، وهو تابعي معروف. وفهم المناوي من قول الحافظ أن الحديث مرسل. وتعقبه الألباني في «الإرواء» ٦/ ٨ فقال: يعني -فهو- ليس بصحابي ولا يعني أن الحديث مرسل، كما فسر كلامه به المناوي، في «فيض القدير»، كيف وهو قد رواه -في جميع الطرق عنه- عن الرجل؟ وهو صحابي؛ فالحديث صحيح.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في ترجمته: شيخ، وهو موثق في الدرجة الرابعة على ما بعده في الطبراني، وهو في الدرجة الثالثة عند ابن أبي حاتم، وقد اقتصر عليها، وقال: هو بالمنزلة التي قبلها يكتب حديثه وينظر فيه إلا أنه دونها.



وفيه: [عن] (١) والد بهيسة: «لا يحل منع الماء والملح» (٢).
وأخرج الأول ابن عدي من حديث ابن عباس، ورده بعبد الله بن خراش (٣)، وللحاكم وقال: صحيح الإسناد من حديث عائشة: «لا يمنع نقع البئر، وهو الرهو»، قال عبد الرحمن بن أبي الرحال، عن أبيه: الرهو: أن تكون البئر بين شركاء فيها الماء، فيكون للرجل فيها فضل فلا يمنع صاحبه (٤).
وقال ابن بريدة: منع الماء بعد الري من الكبائر، ذكره يحيى في «خراجه» (٥) ولا خلاف بين العلماء أنَّ صاحب الماء أحق بالماء حتى يروى؛ لأنه - عليه السلام - إنما نهى عن منع فضل الماء، فأمَّا من لا يفضل له

----------
(١) زيادة يقتضيها السياق.
(٢) رواه أبو داود (٣٤٧٦)، وأحمد ٣/ ٤٨٠ والبيهقي ٦/ ١٥٠، من طريق سيار بن منظور عن أبيه عن امرأة يقال بهيسة عن أبيها به.
قال عبد الحق في «أحكامه» ٣/ ٢٩٩: بهيسة مجهولة وكذلك الذي قبلها وصدقه ابن القطان في «بيان الوهم والإبهام» ٣/ ٢٦٢ ثم قال: بقى عليه أن يبين أن منظورًا أيضًا لا تعرف حاله وكذلك أيضًا أبوها فاعلم ذلك.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٦٥: وأعله عبد الحق وابن القطان بأن بهيسة لا تعرف، لكن ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة، ولكن الحافظ تعقب قول ابن حبان في «تهذيب التهذيب» ٤/ ٦٦٦؛ فقال: وقال ابن القطان: قال عبد الحق: مجهولة، وهي كذلك. وضعفه الألباني في «الإرواء» (١٥٥٢)؛ وقال: وهذا سند ضعيف؛ سيار بن منظور وبهيسة مجهولان لا يعرفان.
(٣) أخرجه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩؛ وقال: وعامة ما يرويه غير محفوظ، وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٦٥: وفيه عبد الله بن خراش متروك.
وقال البوصيري في «الزوائد»: هذا إسناد ضعيف؛ عبد الله بن خراش، ضعفه أبو زرعة والبخاري والنسائي وابن حبان وغيرهم.
(٤) «المستدرك» ٢/ ٦١ - ٦٢.
(٥) «الخراج» ص ١٠٢ (٣١٧).



ماء فلا يدخل في هذا النهي؛ لأنَّ صاحب الشيء أولى به.
وتأويل المنع عند مالك في «المدونة» وغيره معناه: في آبار الماشية في الصحراء يحفرها المرء ويقربها كلأ أي: مباح، فإذا منع الماء اختص بالكلأ فأمر أن لا يمنع فضل الماء لئلا يكون مانعًا للكلأ (١).
والنهي فيه على التحريم عند مالك (٢) والأوزاعي، ونقله الخطابي (٣) وابن التين عن الشافعي، واستحبه بعضهم وحمله على الندب، والأصح عندنا أنَّه يجب بذله للماشية (٤) لا للزرع (٥) (٦).
وعند المالكية إذا أجبر هل يأخذه بالقيمة أم لا؟
قولان سببهما معارضة عموم النهي عن بيع فضل الماء لأصل (الملكية) (٧)، وقياس الماء على الطعام إذا احتاج إليه.
قال القاضي في «إشرافه» في حافر البئر في الموات: لا يجوز له منع ما زاد على قدر حاجته لغيره بغير عوض، وقال قوم: يلزمه بالعوض.

----------
(١) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٧٤.
(٢) «المنتقى» ٦/ ٣٥؛ وقال الباجي: فظاهر ما في المدونة أنه على الكراهية، وظاهر ما في «المجموعة التحريم»، وقال ابن بطال: وكره مالك منع ما عمل من ذلك في الصحاري من غير أن يحرمه. اهـ. في «شرحه» ٦/ ٤٩٥.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٦٤ وذكر فيه أن النهي في هذا على التحريم عند مالك والأوزاعي والشافعي. وانظر: «طرح التثريب» ٦/ ١٨٠.
(٤) ورد بهامش الأصل: على الصحيح.
(٥) انظر: «مختصر المزني على الأم» ٣/ ١١٤ وفيه قال الشافعي: وليس له منع الماشية من فضل مائه وله أن يمنع ما يسقى به الزرع أو الشجر إلا بإذنه. وانظر «الحاوي الكبير» ٧/ ٥٠٧ - ٥٠٨، و«العزيز» ٦/ ٢٤٠.
(٦) ورد بهامش الأصل: وفي الزرع وجه.
(٧) وفي الأصل: (المكية) والصحيح ما أثبته.



أمَّا حافرها في ملكه فله منع فضله، وكره مالك منع ما عمل من ذلك في الصحاري من غير أنْ يحرمه، قال: ويكون أحق بمائها حتى يروي ويكون للناس ما فضل إلَّا من مرَّ بهم لشفاههم ودوابهم، فإنهم لا يمنعون كما يمنع من سواهم (١).
وقال الكوفيون: له أن يمنع من دخول أرضه وأخذ مائه إلَّا أن يكون لشفاههم وحيوانهم ماء فيسقيهم، وليس عليه سقي زرعهم (٢).
وقال عيسى بن دينار في تفسير قوله - عليه السلام -: «لا يمنع نقع بئر» يقول: من كان له جار انقطع ماؤه، وله عليه زرع أو أصل فلم يجد ما يسقي به زرعه أو حائطه وله بئر فيها فضل عن سقي زرعه أو حائطه فلا يمنع جاره أنْ يسقي بفضل مائه، قلت: أفنحكم عليه بذلك؟ قال: لا، وكان يؤمر
بذلك، فإن أبي منه لم يقض عليه (٣).
وقال ابن القاسم: يقضي بذلك عليه لجاره بالثمن (٤).
وقال مالك: بغير ثمن (٥).
قال عيسى: فإن باعه فجاره أولى به (٦).
وفيه من الفقه:
سد الذرائع؛ لأنه إذا منعه منع الكلأ.
وقال الكوفيون: لا تجوز إجارة المراعي ولا بيعها، ولا يملك

---------
(١) انظر: «المدونة» ٣/ ٢٨٩.
(٢) «بدائع الصنائع» ٦/ ١٨٩، «الهداية» ٤/ ٤٤١.
(٣) انظر: «المنتقى» ٦/ ٤٠ بتصرف.
(٤) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٧٤.
(٥) المرجع السابق.
(٦) انظر: «المنتقى» ٦/ ٤٠.



الكلأ صاحب الأرض حتى يأخذه فيحوزه (١) وهو قول الشافعي (٢).
وقال مالك: لا بأس أن يبيع مراعي أرضه سنة واحدة، ولا يبيعها سنتين ولا ثلاثا، ولا يبيعها حتى تطيب وتبلغ الخصب إلى أن يرعى (٣).
وقال الثوري: لا بأس أن يحمي الكلأ للبيع والشجر للحطب أو البيع (٤).
وقوله: (ليمنع به الكلأ)، هذِه اللام وإن سماها النحويون لام كي فهي لبيان العاقبة، كما قال تعالى: ﴿فَالتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨] وفي حكم الكلأ حجة لمالك في القول بسد الذرائع (٥)، وخالفه الشافعي وجماعة (٦).
والكلا: بالفتح مخفف من الكلأ المهموز، وهو اسم يقع على النبات كله أخضره ويابسه.
قال في «المحكم»: وهو اسم للنوع ولا واحد له (٧).
وقال الداودي: هو الحشيش.

----------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٤/ ١٧٥ - ١٧٦، «فتح القدير» ٦/ ٤١٨، و«تبيين الحقائق» ٤/ ٤٨.
(٢) انظر: «طرح التثريب» ٦/ ١٨٣، وقال أبو زرعة: وحكى ابن بطال عن الكوفيين والشافعي: أن صاحب الأرض لا يملك الكلأ حتى يأخذه فيحوزه، وما حكاه عن الشافعي مردود. اهـ.
(٣) انظر: «المدونة» ٣/ ٤٧٤.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ١٣٩.
(٥) «المنتقى» ٦/ ٣٧.
(٦) «الأم» ٤/ ٥١، تكلمة «المجموع» ١٠/ ١٤٧ - ١٤٨.
(٧) «المحكم» ٧/ ٦٦.



وقال ابن فارس: الكلأ: العشب (١)، والعشب: الكلأ أول الربيع، لا يقال حشيش حتى يهيج، وإنما الحشيش: النبات اليابس.
وقال الترمذي: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا بيع الماء، وهو قول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق، وقد رخص قوم في بيع الماء منهم: الحسن (٢)، ومذهبنا أنَّ من نبع في ملكه ماء صار مملوكًا له، وأبعد من قال: لا يملكه، بل يكون أخص به (٣)، أما إذا أخذه في إناء من المباح فيملكه على الصواب (٤)، ونقل بعضهم الإجماع عليه (٥)، ونهى عن بيع الماء عطاء، كما أسنده يحيى في «خراجه» قال: فذكرت ذلك لقتادة، فقال: إنما ذلك ماء نهر أو ماء بئر، وأمَّا من استسقى وباع فلا بأس به (٦).
وزعم القرطبي أنَّ السابق إلى الفهم من قوله: نهى عن بيع الماء، أنه الذي يشرب، وقد حمله بعض العلماء على ماء الفحل، وفيه بعد، قال: والأرجح إنْ شاء الله حمل الخبر على عمومه، فيجب بذل الفضل بغير قيمة، ويفرق بينه وبين الطعام بكثرته غالبًا، وعدم التشاح فيه، وقلة الطعام غالبًا ووجود المشاحة فيه (٧).

--------
(١) «مقاييس اللغة» ص ٨٧٤ مادة: (كلأ)، و«مجمل اللغة» ٣/ ٧٦٩.
(٢) «سنن الترمذي» عقب حديث (١٢٧١) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في بيع فضل الماء، «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١١٠.
(٣) هذا من قول النووي في «شرح صحيح مسلم» ١٠/ ٢٢٨ - ٢٢٩. وانظر: «الحاوي الكبير» ٧/ ٥٠٩، و«العزيز» ٦/ ٢٤٠.
(٤) انظر: «الحاوي الكبير» ٧/ ٥٠٨ - ٥٠٩، «العزيز» ٦/ ٢٤٠.
(٥) وممن نقل الإجماع على ذلك النووي في «شرح مسلم» ١٠/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٦) «الخراج» ص ١٠٩ (٣٤٣).
(٧) انظر: «المفهم» ٤/ ٤٤١.



٣ - باب مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ
٢٣٥٥ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». [انظر: ١٤٩٩ - مسلم: ١٧١٠ - فتح: ٥/ ٣٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: «المَعْدِنُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالعَجْمَاءُ جُبَارٌ».
سلف في الزكاة من طريق آخر إلى أبي هريرة به (١)، وعبيد الله المذكور في إسناده هو: ابن موسى العبسي مولاهم. وأبو حصين هو: عثمان بن عاصم الأسدي.
زاد الإسماعيلي: «لا عدوى ولا طيرة ولا صفر ولا هامة» زاد الخطيب: «والرجل جبار» وقال: إنها مدرجة (٢).
واعترض ابن المنير. فقال: الحديث مطلق، والترجمة مقيدة بالملك، وإذا كان الحديث تحته صور: أحدها: الملك، وهو: أقعد الصور بسقوط الضمان، كان دخولها في الحديث محققًا، فاستقام الاستدلال (٣).
قلت: وأسلفنا هناك أن الجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، والمعدن: ما يخرج منه تبر الذهب والفضة وغيرهما، ومعنى جبار البئر: إذا حفرها في موضع يسوغ له حفرها، وهو تأويل البخاري، وقيل: هو أن يستأجر من يحفر له بئرًا فتنهار عليه.

-----------
(١) سلف برقم (١٤٩٩) باب: في الركاز الخمس.
(٢) «الفصل للوصل المدرج في النقل» ٢/ ٧٢٣ - ٧٣٠.
(٣) «المتواري» ص ٢٦٤.



والعجماء: الدابة التي لا تنطق.
وفيه دليل على أبي حنيفة في قوله: إن المعدن: يسمى ركازًا (١).
قال ابن بطال: اختلف العلماء في مسألة الباب، فقال مالك: من حفر بئرًا أو أوقف دابة في موضع يجوز له أن يصنع ذلك فيه، فسقط أحد في البئر أو ضربت الدابة أحدًا أنه لا ضمان عليه ولا دية، وإنما يضمن من ذلك ما حفره في طريق المسلمين، أو صنع من ذلك ما لا يجوز له أن يصنعه فيه (٢)، وهذا بمنزلة الإمام إذا حدَّ حدًّا فمات المحدود فلا شيء على الإمام؛ لأنه فعل ما يجوز له، إنما يلزمه الضمان إذا تعدى في الحفر، وبمثله كله قال الشافعي (٣).
وقال أبو حنيفة: من حفر بئرًا أو أوقف دابة في موضع يجوز له ذلك، فليس يبرئه من الضمان ما أجاز إحداثه له (٤).
واختلفوا في رجل حفر في داره بئرًا لسارق يرصده، أو وضع حبالات له فعطب به السارق أو غيره، فقال مالك: هو ضامن (٥)، وقال الليث: لا ضمان عليه، وحجته هذا الحديث.
وحجة مالك أنه لا يجوز له أن يقصد بذلك الفعل أن يهلك به أحدًا؛ لأنه متعد بهذا القصد، وقد يمكنه التحرز بغيره، وإن حفر الحفير في حائطه للسباع فسقط به إنسان فلا ضمان عليه عند مالك (٦)؛ لأنه فعل

---------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٦٧، «الهداية» ١/ ١١٦.
(٢) انظر: «الموطأ» ص ٥٤٢، «المدونة» ٤/ ٥٠٦.
(٣) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ١٢٤.
(٤) انظر: «المبسوط» ٢٧/ ١٤ - ١٥.
(٥) انظر: «المدونة» ٤/ ٥٠٦.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ١٣/ ٥٢٠، «المنتقى» ٧/ ١١١.



ما يجوز له ولا غنى به عنه، ولم يقصد بالحفر تلف إنسان فيكون متعديًا، وسيكون لنا عودة إلى تفسير «العجماء جبار» في الديات (١) إن شاء الله تعالى (٢).
----------
(١) سيأتي برقم (٦٩١٢) باب: المعدن جبار والبئر جبار.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٩٧ - ٤٩٨.



٤ - باب الخُصُومَةِ فِي البِئْرِ وَالقَضَاءِ فِيهَا
٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ [مُسْلِم] هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] الآيَةَ.
فَجَاءَ الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، كَانَتْ لِي بِئْرٌ فِي أَرْضِ ابْنِ عَمٍّ لِي فَقَالَ لِي: «شُهُودَكَ». قُلْتُ: مَا لِي شُهُودٌ. قَالَ: «فَيَمِينَهُ». قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ إِذًا يَحْلِفَ. فَذَكَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - هَذَا الحَدِيثَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ذَلِكَ تَصْدِيقًا لَهُ. [٢٤١٦ - ٢٤١٧، ٢٥١٥ - ٢٥١٦، ٢٦٦٦ - ٢٦٦٧، ٢٦٦٩ - ٢٦٧٠، ٢٦٧٣، ٢٦٧٦ - ٢٦٧٧، ٤٥٤٩ - ٤٥٥٠، ٦٦٥٩ - ٦٦٦٠، ٦٦٧٦ - ٦٦٧٧، ٧١٨٣ - ٧١٨٤ - مسلم: ١٣٨ - فتح: ٥/ ٣٣]
ذكر فيه حديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْتَطِعُ بِهَا مَالَ امْرِئٍ هُوَ عَلَيْهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ»، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ الآيَةَ. فَجَاءَ الأَشْعَثُ فَقَالَ: مَا حَدَّثَكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيَّ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ .. الحديث.
هذا الحديث أخرجه البخاري في عدة أبواب: هنا عن عبدان عن أبي حمزة، والإشخاص (١)، والشهادات (٢) عن محمد -هو ابن سلام- عن أبي معاوية (٣)، وفي الإشخاص أيضًا: عن بشر بن خالد،

----------
(١) ورد بهامش الأصل: في باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض.
(٢) ورد بهامش الأصل: وفي الشهادات في: سؤال الحاكم المدعي هل …
(٣) سيأتي في الإشخاص (الخصومات) برقم (٢٤١٦)، باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض، وفي الشهادات برقم (٢٦٦٦) باب: سؤال الحاكم المدعي: هل لك بينة قبل اليمين.



عن غندر، عن شعبة (١).
وفي النذور: عن موسى (٢)، وفي التفسير: عن حجاج بن المنهال، كلاهما عن أبي عوانة أربعتهم عن الأعمش (٣)، وفي الشركة أيضًا: عن قتيبة، عن جرير، عن منصور (٤)، وفي النذور أيضًا: عن بندار عن ابن أبي عدي، عن شعبة (٥)، وفي الأحكام: عن إسحاق بن نصر، عن عبد الرزاق، عن سفيان (٦) كلاهما عن الأعمش ومنصور كلاهما، عن أبي وائل عنه به.
وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر وإسحاق وابن نمير ثلاثتهم عن وكيع (٧)، وعن ابن نمير، عن أبيه (٨) كلاهما عن الأعمش به. وعن

-----------
(١) لم أقف عليه في الإشخاص وإنما هو في الشهادات برقم (٢٦٧٦)، وقال الحافظ في «النكت الظراف» ١/ ٧٧: قلت هو في الشهادات لا في الإشخاص.
(٢) سيأتي برقم (٦٦٧٦) باب: قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
(٣) سيأتي برقم (٤٥٤٩) باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
(٤) لم أقف عليه في الشركة، وقال الحافظ في «النكت الظراف» ١/ ٧٦: لم يخرج هذا الحديث في الشركة أصلًا. ورواية قتيبة أخرجها في الرهن. اهـ. قلت: وستأتي برقم (٢٥١٥) باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن.
(٥) سيأتي برقم (٦٦٥٩) باب: عهد الله -عز وجل-.
(٦) سيأتي برقم (٧١٨٣) باب: الحكم في البئر ونحوها.
(٧) مسلم (١٣٨/ ٢٢٠) باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار.
(٨) لم أقف على هذِه الطريق عند مسلم وإنما رواه عن ابن نمير عن أبي معاوية، وقد تابع المصنف المزي في «التحفة» ولم يعلق الحافظ على قول المزي في «نكته» لكن محقق «تحفة الأشراف» ذكر أن الإسناد جاء هكذا في جميع النسخ ثم قال: والصواب عن أبي معاوية كما في مسلم. وهكذا هو في حاشية (ك) ولفظها بخط المؤلف (م) وعن ابن نمير، عن أبي معاوية، ذكره خلف وحده. انظر: «التحفة» ١/ ٧٧.



إسحاق عن جرير (١).
وأخرجه أبو داود في الأيمان والنذور (٢)، والترمذي في البيوع والتفسير (٣)، والنسائي في القضاء والتفسير (٤)، وابن ماجه في الأحكام (٥)، قال الإسماعيلي: أخرجه البخاري عن أبي حمزة، عن الأعمش، يعني: عن عبدان، عن أبي حمزة به: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر في أرض، قال: ولا أعلم في جماعة من رواه عن الأعمش إلا قال: في أرض.
وحكم الخصومة في البئر وفي الأرض واحد في هذا الخبر، وأورد لذكر البئر بابًا والخبر واحد، والأكثرون أولى بالحفظ من أبي حمزة، فإن أبا معاوية ووكيعًا وابن نمير وأبا أسامة وغيرهم ممن رواه وذكر قصة الأشعث بتمامها ذكر الأرض، فيحتمل أن تكون الأرض فيها بئر، فيصح اللفظان في التأويلين على هذا المعنى، ولكن كان ربما يقصد إلى ما تفرد به الواحد من لفظه فيفرد له بابًا إذا غمض ذلك، ولا وجه له وفيه نظر؛ لأن أبا عوانة رواه عن الأعمش في كتاب الإيمان والتفسير من الصحيح عن أبي وائل، عن عبد الله، وفيه قال: قال الأعمش: كانت لي بئر في أرض ابن عمٍّ لي (٦).

---------
(١) مسلم (١٣٨/ ٢٢١).
(٢) «سنن أبي داود» (٣٢٤٣).
(٣) «سنن الترمذي» (١٢٦٩) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في اليمين الفاجرة يقتطع بها مال مسلم، وبرقم (٢٩٩٦) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة آل عمران.
(٤) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥ كتاب: القضاء، و٦/ ٢٩٤ كتاب: التفسير.
(٥) «سنن ابن ماجه» (٢٣٢٣).
(٦) سيأتي برقم (٤٥٤٩، ٤٥٥٠) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ﴾، وفي الإيمان برقم (٦٦٧٦).



وفي كتاب الأيمان كذلك: نزلت في وفي صاحب لي في بئر كانت بيننا عن شعبة عن سليمان ومنصور عن أبي وائل، وفي آخره قال سليمان عن الأشعث (١)، فذكره.
وفي الأحكام من حديث سفيان، عن منصور والأعمش، عن أبي وائل الحديث (٢).
كذا رواه أبو نعيم الحافظ من حديث عليِّ بن مسهر، عن الأعمش.
وقال الطرقي: رواه عن أبي وائل منصور والأعمش، فمنصور لم يرفع قول عبد الله إلى رسول الله - ﷺ - والأعمش يقول: قال عبد الله: قال رسول الله - ﷺ -، وكذا ذكره المزي في «أطرافه» (٣).
وقد أسلفنا لك رواية منصور، عن أبي وائل مرفوعة من عند البخاري، قال الطرقي: رواه عبد الملك بن أعين، وجامع بن أبي راشد (٤)، ومسلم البطين (٥)، عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا، وليس فيه ذكر الأشعث، ورواه كردوس التغلبي (٦)، عن الأشعث بن قيس، عن رسول الله - ﷺ -، وليس فيه ذكر ابن مسعود (٧).
قلت: وفي اليمين الفاجرة عن: ابن عمرو (خ م)، وأبي أمامة (م)

---------
(١) سيأتي برقم (٦٦٥٩).
(٢) سيأتي برقم (٧١٨٣).
(٣) «تحفة الأشراف» ١/ ٧٦ - ٧٧.
(٤) سيأتي برقم (٧٤٤٥) كتاب: التوحيد، ورواه مسلم (١٣٨).
(٥) رواه النسائي في «الكبرى» ٦/ ٣٠٩ (١١٠٦٣).
(٦) ورد بهامش الأصل: يقال الثعلبي، ويقال: التغلبي، كذا قاله الذهبي في «الكاشف» وجعله في الحسبة الثعلبي
(٧) رواه أبو داود (٣٢٤٤)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٤٨٨ (٦٠٠٢).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #443  
قديم 30-04-2026, 08:08 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 331 الى صـــ 350
الحلقة (443)





و(إياس) (١) بن ثعلبة، ووائل بن حجر (م)، وعمران بن حصين (د)، وعدي بن عميرة (س)، وأبي موسى (أحمد)، ومعقل بن يسار، وأبي هريرة (أحمد) (٢).
وفي «تفسير ابن جرير الطبري»، عن ابن جريج: اختصم الأشعث هو ورجل في أرض كانت في يده لذلك الرجل أخذها لتعززه في الجاهلية، وفيه: فقام الأشعث يحلف فأنزل الله الآية فنكل الأشعث، فقال: إني أشهد الله وأشهدكم أن خصمي صادق، وأعطاه أرضه، وزاده من أرض نفسه زيادة كثيرة؛ مخافة أن يبقى في يده شيء من

----------
(١) كذا بالأصل، والصواب (إياس) بدون (الواو) وذلك لأن أبا أمامة هو إياس بن ثعلبة. والله أعلم. انظر: «الاستيعاب» ١/ ٢١٦ (١٣٠)، «الإصابة» ١/ ٨٩.
(٢) حديث ابن عمرو: سيأتي برقم (٦٩٢٠).
وأما حديث إياس بنِ ثعلبة (أبي أمامة الحارثي): فأخرجه مسلم (١٣٧) كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار، وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه مسلم أيضًا (١٣٩) كتاب: الإيمان، باب: وعيد من اقتطع حق مسلم بيمين فاجرة بالنار.
وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه أبو داود (٣٢٤٢)، وأحمد ٤/ ٤٣٦ وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٣٢).
وأما حديث عدي بن عميرة فأخرجه النسائي في «الكبرى» ٣/ ٤٨٦ وأحمد ٤/ ١٩١ - ١٩٢.
وأما حديث أبو موسى فأخرجه أحمد ٤/ ٣٩٤، والبزار في «مسنده» ٨/ ١٤٤ (٣١٦٣)، وأبو يعلى ١٣/ ٢٥٧ - ٢٥٨ (٧٢٧٤).
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٧٨: رواه أحمد والبزار وأبو يعلى والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» إسناده حسن.
وأما حديث معقل بن يسار فأخرجه النسائي في «الكبرى» ٣/ ٤٩٢ (٦٠٢١) وأحمد ٥/ ٢٥.
وأما حديث أبو هريرة؛ فسيأتي برقم (٢٣٦٩) باب: من رأى صاحب الحوض.



حقه، فهي لعقب ذلك الرجل من بعده (١).
وفي كتاب: «إدارة الأحكام» لأبي طاهر إسماعيل بن علي بن إبراهيم بن أبي القاسم الجنزوي، قال رسول الله - ﷺ - في قصة الكندي والحضرمي حين قال له المقضى عليه: قضيت عليَّ والحق لي، «إنما أقضي بالظاهر والله يتولى السرائر». وهذِه الرواية عزيزة تتبعناها فلم نجدها دهرًا فاستفدها.
وذكر البخاري لسبب نزول هذا الآية عن عبد الله بن أبي أوفي أن رجلًا أقام سلعة في السوق فحلف: لقد أعطي بها ما لم يعطه؛ ليوقع فيها رجلًا من المسلمين فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية، وهو من أفراده، وقد سلف في أوائل البيوع (٢)، ويحتمل أن يكونا في وقت فنزلت فيهما.
وحديث عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم». ذكره عقب هذا الباب، ثم قرأ هذِه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ (٣) [آل عمران: ٧٧].
قال الدارقطني: ورواه كذلك جماعة، وخالفهم صالح بن أبي الأسود؛ فرواه عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن أبي هريرة، والصحيح الأول (٤)، ولما رواه الإسماعيلي عن ابن خزيمة: حدثنا سعيد بن عبد الرحمن، ثنا سفيان، عن عمرو، عن أبي صالح، قال: تابعه عبد الرحمن بن يونس، فوصلوه عن ابن عيينة وجودوه، قال: وأرسله علي، وعبد الجبار بن العلاء، وغيرهما.

-----------
(١) «تفسير الطبري» ٣/ ٣٢٠ (٧٢٧٨).
(٢) سلف برقم (٢٠٨٨) باب: ما يكره من الحلف في البيع.
(٣) سياتى برقم (٢٣٥٨).
(٤) «علل الدارقطني» ١٠/ ١٧٠.



وذكر الواحدي أن الكلبي قال: إن ناسًا من علماء اليهود أولي فاقة اقتحموا إلى كعب بن الأشرف فسألهم كيف تعلمون هذا الرجل يعني: رسول الله - ﷺ - في كتابكم؟ قالوا: وما تعلمه أنت؟ قال: لا. قالوا: نشهد أنه عبد الله ورسوله. فقال كعب بن الأشرف: لقد حرمكم الله خيرًا كثيرًا. فقالوا: (رويد) (١) فإنه شبه علينا، وليس هو بالنعت الذي نعت لنا، ففرح كعب فمارهم وأنفق عليهم، فأنزل الله هذِه الآية.
وقال عكرمة: نزلت في أبي رافع وكنانة بن أبي الحقيق، وحيي بن أخطب، وغيرهم من رءوس اليهود، كتموا ما عهد الله إليهم في التوراة في شأن محمد، وبدلوه وكتبوا بأيديهم غيره، (وجعلوا) (٢) أنه من عند الله لئلَّا تفوتهم الرشا والمآكل التي كانت لهم على أتباعهم (٣) إذا تقرر ذلك، فالوعيد المذكور يخشى إنفاذه على كل يمين غموس يقتطع بها مال أحدٍ بغير حقٍّ.
وفيه: الترجمة.
وفيه: أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر.
وفيه: جواز تولي الخصوم بعضهم بعضًا مما عرف من أحوالهم؛ لقوله: إذن يحلف ويذهب بحقي؛ لأنه كان معروفًا بقلة التقوى.
وقد قيل: إنه كان يهوديًّا، فإن كان كذلك فليس بين المسلم والذمي قصاصٌ ولا حدٌّ، وإن كان غير ذمي فلأنه كان معروفًا بالمجاهرة بالباطل، والدليل على هذا نزول الآية بصدقه لقول رسول الله - ﷺ -

-----------
(١) كذا بالأصل، والذي في «أسباب النزول» للواحدي: (رويدًا).
(٢) كذا بالأصل، والذي في «أسباب النزول»: (وحلفوا).
(٣) «أسباب النزول»؟ ص ١١٥.



وليس لمعلوم بالأحوال الدنية من الحرمة ما لصالح المسلمين.
فائدة:
قال ابن الطلاع في «الأقضية»: الرجل الكندي هو خال أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وأم أبي سلمة: تماضر، واسم الحضرمي: جرير بن معدان، ويعرف بالجفشيش بالجيم والحاء والخاء، وقال هشام بن محمد بن السائب الكلبي: هو الجفشيش، واسمه: معدان بن الأسود بن معدي كرب الكندي، فعلى هذا يصح قوله: ابن عم لي.
وقال ابن الأثير: الحفشيش: اسم أبيه النعمان كندي، ويقال: حضرمي يكنى أبا الخير، له وفادة مع الأشعث في وفد كندة سنة عشر (١).
قلت: قد جاء في رواية في البخاري: أنه كان يهوديًّا (٢). والرجل الحضرمي اسمه ربيعة بن عَيْدان بفتح العين المهملة وسكون المثناة تحت، ويقال: بكسر العين المهملة وبباء موحدة بدلها، له صحبه وشهد فتح مصر.

--------
(١) «أسد الغابة» ١/ ٣٤٥.
(٢) سيأتي برقم (٢٤١٦) كتاب: الخصومات، باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض.



٥ - باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ المَاءِ
٢٣٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الأَعْمَشِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللهُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ كَانَ لَهُ فَضْلُ مَاءٍ بِالطَّرِيقِ، فَمَنَعَهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَامًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِدُنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا سَخِطَ، وَرَجُلٌ أَقَامَ سِلْعَتَهُ بَعْدَ العَصْرِ، فَقَالَ: وَاللهِ الذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، لَقَدْ أَعْطَيْتُ بِهَا كَذَا وَكَذَا، فَصَدَّقَهُ رَجُلٌ» ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧].
[٢٣٦٩، ٢٦٧٢، ٢٧١٢، ٧٤٤٦ - مسلم: ١٠٨ - فتح: ٥/ ٣٤].
ذكر فيه حديث أبي هريرة وقد أسلفناه في الباب (١) قبله واضحًا، وهو وعيد للمسلمين أيضًا، فهو تحت المشيئة، إن شاء عما عنه بفضله، وإن شاء أنقذه بعدله ولا خلود؛ فإنه قد رفع عن أهل التوحيد.
وقوله: «منع فضل» يدل أن صاحب البئر أولى من ابن السبيل عند الحاجة، فهذا أخذ صاحب البئر حاجته خلَّاها لابن السبيل ولم يجز له منعه، وابن السبيل: المسافر، فإذا كان الماء مما يحل منعه منع إلا بالثمن، إلا أن لا يكون معهم، وإن منعوه إلى أن يبلغوا ماءً غيره فلا، فإن منعوهم جاهدوهم، وأما بئر المواشي والسقاة التي لا يحل منع مائها فلا يمنعون، فإن منعوا قوتلوا وكان هدرًا وإن أصيب طالب الماء كانت ديته على صاحب الماء، مع العقوبة والسجن، كذا قاله الداودي، وصوب ابن التين أنها على العاقلة إن ماتوا عطشًا كما نصَّ

----------
(١) ورد أسفل العبارة: يعني: في كلامه، لا في الباب قبله من الصحيح.


عليه في «المدونة» (١)، وإن أصيب أحد من المسافرين أخذ به جميع مانعي الماء وقتلوا به.
وقوله: («ورجل بايع إماما») هو في معنى قوله - عليه السلام -: «ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها» الحديث. والرب تعالى لا يقبل في كل الأعمال إلا ما أريد به وجهه وإلَّا فهو وبال على صاحبه، وهو من أعظم الذنوب.
وقوله: («بعد العصر») يدل أنه وقت تعظم فيه المعاصي؛ لارتفاع الملائكة بالأعمال إلى الرب تعالى فيعظم أن يرتفعوا بالمعاصي، ويكون آخر عمله المرفوع والخواتم هي المرجوة، وإن كانت اليمين الفاجرة محرمة كل وقت، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾ [المائدة: ١٠٦]: إنها العصر؛ ولأنه كان وقت اجتماع الناس، وذكره فيما سيأتي قريبًا (٢) بزيادة: ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ﴾ (٣) [البقرة: ١٧٤] يعني وقتًا دون وقت، وليس على الاستمرار والخلود، هذا مذهب أهل السنة والجماعة.

----------
(١) «المدونة» ٤/ ٣٧٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: في باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أولى بمائه.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٦٩).



٦ - باب سَكْرِ الأَنْهَارِ
٢٣٥٩، ٢٣٦٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ الَّتِى يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلزُّبَيْرِ: «أسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِلِ المَاء إِلَى جَارِكَ». فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ. فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ احْبِسِ المَاءَ، حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ». فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]
[قَالَ مُحَّمدُ بْن العَبَّاسِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَيْسَ أَحَد يَذْكُرُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ، إِلَّا اللَّيثُ فَقَطْ]. [٢٣٦١، ٢٣٦٢، ٢٧٠٨، ٤٥٨٥ - مسلم: ٢٣٥٧ - فتح: ٥/ ٣٤]
هو بفتح السين وإسكان الكاف: حبس الماء، قاله ابن التين، وكذا قال ابن السكيت: سكرت النهر أسكره سكرًا: سددته (١).
قال صاحب العين: والسكر: اسم ذلك السِّداد، أن يجعل سد (العين) (٢) ونحوه (٣).
ومنه قوله: ﴿سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا﴾ [الحجر: ١٥].
وقال ابن دريد: أصله من سكرت الريح: سكن هبوبها (٤).

----------
(١) انظر: «إصلاح المنطق» ص ١٩٤ باب: ما جاء مفتوحًا فيكون له معنى فإذا كسر كان له معنى آخر.
(٢) كذا بالأصل، وفي «العين»: البثق.
(٣) انظر: «العين» ٥/ ٣٠٩، باب: الكاف والسين والراء معهما.
(٤) انظر: «جمهرة اللغة» ٢/ ٧١٩، باب: الراء والسين مع ما بعدهما من الحروف.



قال البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أنا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رسول الله - ﷺ - فِي شِرَاجِ الحَرَّةِ التِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ المَاءَ يَمُرُّ. فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ لِلزُّبَيْرِ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ … الحديث». قَالَ الزُّبَيْرُ: والله إِنِّي لأَحْسِبُ هذِه الآيةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ العَبَّاسِ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: لَيْسَ أَحَدٌ يَذْكُرُ عُرْوَةَ، عَنْ عَبْدِ الله، إِلَّا اللَّيْثُ فَقَطْ.


٧ - باب شُرْبِ الأَعْلَى قَبْلَ الأَسْفَلِ
٢٣٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا زُبَيْرُ، اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ». فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابْنُ عَمَّتِكَ. فَقَالَ - عليه السلام -: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ يَبْلُغُ المَاءُ الجَدْرَ، ثُمَّ أَمْسِكْ». فَقَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥]. [انظر: ٢٣٥٩ - فتح: ٥/ ٣٨]
حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَنا عَبْدُ اللهِ، أنا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَاصَمَ الزُّبَيْرَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا زُبَيْرُ، اسْقِ ثُمَّ أَرْسِلْ». فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: إِنَّهُ ابن عَمَّتِكَ. فَقَالَ - عليه السلام -: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ يَبْلُغُ المَاءُ … الحديث». قَالَ الزُّبَيْرُ: فَأَحْسِبُ هذِه الآيةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.


٨ - باب شِرْبِ الأَعْلَى إِلَى الكَعْبَيْنِ
٢٣٦٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا مَخْلَدٌ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ حَدَّثَهُ، أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجٍ مِنَ الحَرَّةِ .. الحديث. فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللهِ إِنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلَا وَرَبِّكِ …﴾ الآية [النساء: ٦٥]. قَالَ لِي ابْنُ شِهَابٍ: فَقَدَّرَتِ الأَنْصَارُ وَالنَّاسُ قَوْلَ النَّبِيِّ - ﷺ -: «اسْقِ، ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الجَدْرِ». وَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الكَعْبَيْنِ.
الشرح:
حديث ابن الزبير هذا يأتي في التفسير أيضًا (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢). وقوله: إن الليث تفرد بذكر عبد الله، فيه نظر فقد ذكر الدارقطني أن ابن أخي الزهري رواه كذلك أيضًا عن الزهري، قال ذلك ضرار بن صرد عن الدراوردي عنه، قال: وكذلك قال ابن وهب، عن يونس بن يزيد، عن الزهري.
ورواه شعيب بن أبي حمزة، ومحمد بن أبي عتيق، وابن جريج، ومعمر، وعمر بن (سعد) (٣)، عن الزهري، عن عروة، عن الزبير، لم يذكروا عبد الله. وكذلك قال شبيب بن سعيد عن يونس، وتابعه أحمد بن صالح وحرملة عن ابن وهب، عن يونس: وهو المحفوظ عن الزهري (٤).

---------
(١) سيأتي برقم (٤٥٨٥) باب: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾.
(٢) مسلم (٢٣٥٧) كتاب: الفضائل، باب: وجوب اتباعه - ﷺ -.
(٣) كذا بالأصل: سعد، والذي في «العلل» (سعيد).
(٤) «علل الدارقطني» ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٩.



وروى أبو بكر بن المقرئ في «معجمه» الحديث من طريق الليث عن الزهري، عن عروة: أن حميدًا رجلًا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة فذكره (١)، قال أبو موسى: هذا حديث صحيح له طرق لا أعلم في شيء منها ذكر حميد إلا في هذِه الطريق، قال: وحميد بضمِّ الحاء وآخره دال. ورواه ابن عيينة في «تفسيره» عن عمرو بن دينار، عن رجل من ولد أم سلمة عنها أنها قالت: كان بين الزبير وبين رجل خصومة، فجاء رسول الله - ﷺ - فقضى للزبير، فقال رجلٌ: إنما قضى له
لأنه ابن عمته، فنزلت الآية (٢).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
اختلف في اسم الأنصاري المذكور: هل هو حاطب بن أبي بلتعة، أو ثعلبة بن حاطب، أو حميد؟ والأول واهٍ؛ لأنَّه ليس أنصاريًّا، وقد ثبت في البخاري: أنه كان بدريًّا (٣)، وحكى الأول المهدوي ومكي في تفسيرهما (٤).

---------
(١) لم أقف عليه في المطبوع من «معجم ابن المقرئ»، ولم أقف على من أخرجه من طريقه.
(٢) رواه هكذا موصولًا عن أم سلمة الطبري في «تفسيره» ٤/ ١٦٢ من طريق عبد الله بن عمير عن الحميدي عن سفيان به، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٦٥٦ (٧٠٨) من طريق هارون بن عبدة عن الحميدي عن سفيان به. قلت: بل أخرجه الحميدي في «مسنده» ١/ ٣١٠ (٣٠٢) مرسلًا. فقال: ثنا سفيان قال: ثنا عمرو بن دينار قال أخبرني سلمة -رجل من ولد أم سلمة- أن الزبير .. فذكره.
(٣) سيأتي برقم (٢٧٠٨) كتاب: الصلح، باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبى.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٩٩٤ (٥٥٥٩) عن سعيد بن المسيب، وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٣٥: وإسناده قوي مع إرساله. وقاله البغوي في «تفسيره» ٢/ ٢٤٥.



قال الثعلبي (١): فلما خرجا مرَّا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا ثعلبة؟ فقال: قضى لابن عمته، وَلَوى شدقه، ففطن إليه يهودي كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء يشهدون أنه رسول الله، ثم يتهمونه في قضاء يقضى بينهم، وايم الله لقد أذنبنا مرة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة منه فقال: اقتلوا أنفسكم. فقتلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفًا في ربنا، حتَّى رضي عنا.
ونقل عن مجاهد والشعبي: أنها نزلت في بشر المنافق والذين اختصموا إلى عمر بن الخطاب (٢).
وحكى الثاني الواحدي في «أسباب نزوله» (٣)، وهو الذي سأل المال وامتنع من أداء زكاته (٤).

-----------
(١) ذكر الحافظ في «الفتح» ٥/ ٣٦ أن الثعلبي ذكره بغير سند.
(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» ٢/ ٢٤٥.
(٣) انظر: «أسباب النزول» ص ١٦٧.
(٤) يشير المؤلف إلى الحديث الذي روته كتب التفاسير وكتب الصحابة فقد روى ابن جرير في «تفسيره» ٦/ ٤٢٥ - ٤٢٦، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٨٤٧ - ١٨٤٩، والطبراني في «الكبير» ٨/ ٢١٨ - ٢١٩ (٧٨٧٣) وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ١٢٤، وابن عبد البر في «الاستيعاب» ١/ ٢٨٤، والبيهقي في «الشعب» ٤/ ٧٩ - ٨٠ (٤٣٥٧)، والبغوي في «معالم التنزيل» ٤/ ٧٦ - ٧٧ كلهم من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي أمامة أن ثعلبة بن حاطب … الحديث وعزاه ابن حجر في «الإصابة» ١/ ١٨٩ (٩٢٨) للباوردي وابن السكن وابن شاهين من الطريق المذكور. ولما ذكر القرطبي هذِه القصة في «تفسيره»؛ قال: ثعلبة بدري أنصاري وممن شهد له الله ورسوله بالإيمان، فما روي عنه غير صحيح. ثم قال: وقال أبو عمر: لعل قول من قال في ثعلبة أنه مانع الزكاة الذي نزلت فيه الآية غير صحيح، والله أعلم. وقال الضحاك: إن الآية نزلت في رجل من المنافقين نبتل بن الحارث، وجد بن قيس، ومعتب بن قشير؛ ثم قال القرطبي: وهذا أشبه بنزول الآية فيهم. اهـ =



وذكر ابن بشكوال: أنه ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري، وقال: قاله شيخنا أبو الحسن بن مغيث (١).
قلت: ثابت ليس بدريًّا، وقد سلف أن المخاصم بدريٌّ.
قال الزجاج: كان منافقًا، يعني: أنه كان من قبيلة الأنصار لا من الأنصار المسلمين فلا تخالف.
وقال ابن التين: قائل هذا الكلام رجل جاهل أو منافق.
وقيل: كان بدريًّا، ذكره الداودي، وهو غريب، فذا في البخاري كما أسلفناه، ثم قال: فإن كان فيه أنزلت فيحتمل أن يكون معنى الآية: إن كان منه ذلك بعد هذا إلا أن النفاق منتف عن أهل بدر؛
لشهوده - عليه السلام - لهم بالجنة.
وقال في الصلح: قد ذكر أن الرجل بدري فإن يكن أنزلت فيه فمعناه لا يكون مستكمل الإيمان؛ لشهودهعليه السلام - لأهل بدر بالجنة، أو يريد من فعله بعد نزولها.

---------
= «تفسير القرطبي» ٨/ ٢٠٩ - ٢١٠.
وقال البيهقي بعدما ذكره «الشعب» ٤/ ٨٠ - ٨١: وفي إسناد هذا الحديث نظر، وهو مشهور فيما بين أهل التفسير.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣١ - ٣٢: رواه الطبراني، وفيه: على بن يزيد الألهاني، وهو متروك.
وقال العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» ٢/ ٩١٩: رواه الطبراني بسند ضعيف. وضعفه الألباني في موضعين من «الضعيفة» الأول برقم (١٦٠٧)، وقال: هذا الحديث منكر على شهرته، والثاني برقم (٤٠٨١) ثم نبه قائلًا: هذا الحديث من الأحاديث التي ساقها ابن كثير في «تفسيره» ساكتًا عليه؛ لأنه ذكره بسند معان بن رفاعة .. به مشيرًا بذلك إلى علته الواضحة لدى أهل العلم بهذا الفن .. الخ. اهـ.
(١) «غوامض الأسماء المبهمة» ٢/ ٥٧٣.



قال: وروي أنها نزلت في رجل منافق خاصم إلى رسول الله - ﷺ - رجلًا، فقال له: رد قضاءنا إلى عمر، فقال الآخر: أجل يا رسول الله. فقال: «افعلا». فذهبا إلى عمر فحكيا له، فقال: امكثا حتى أقضي بينكما، فاشتمل على سيف فخرج وعلا به القائل وفر الآخر، فقال النبي - ﷺ -: «هناك عمر ضرب ضربة فرق بها بين الحق والباطل» فسمي من يومئذ الفاروق (١). وفي رواية أخرى: «ما كان لابن الخطاب أن يقتل نفسًا بغير حقٍّ» أو قال: «بغير نفس» فنزلت.
ثانيها:
قول البخاري عن عروة: (خاصم الزبير رجل من الأنصار، فقال رسول الله - ﷺ - ..) الحديث، قال الإسماعيلي: كذا جاء به البخاري مرسلًا. وقوله: (حدثنا محمد)، قال أبو نعيم، والجياني: هو ابن سلام (٢).
ومخلد هو: ابن يزيد، مات سنة ثلاث وسبعين ومائة.
وقوله في بعض الروايات: (فلما أحفظه الأنصاري) (٣)، يشبه كما قال الخطابي أن يكون من كلام ابن شهاب دون نفس الحديث، وقد كان من عادته أن يصل بعض الكلام بالحديث إذا رواه، ولذلك قال له موسى بن عقبة: من قولك أو من قول رسول الله - ﷺ -؟ ومعنى أحفظه: أغضبه (٤).

-----------
(١) ذكره الواحدي في «أسباب النزول» ١/ ١٦٦، والبغوي في «معالم التنزيل» ٢/ ٢٤٢ عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
(٢) انظر: «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٨.
(٣) سيأتي برقم (٢٧٠٨) كتاب: الصلح، باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبى.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٧١.



ثالثها:
الشراج: بكسر الشين المعجمة، وتخفيف الراء، قيل: هو واحد، وقيل: جمع، مثل: رهن ورهان، وهو: مجرى الماء من الحرة إلى السهل. قال الداودي: وهي نهر عند الحرة بالمدينة (١). وقال أبو المعالي (٢) في «المنتهى»: الشرج: مسيل الماء من الحزن إلى السهل، والجمع: شراج وشروج وشُرج. وقيل: الشرج جمع شراج، والشراج جمع شرح، ثم قالوا: شرح.
وقال ابن سيده: ويجمع على أشراج (٣) وفي رواية للبخاري: (شريج الحرة). وقال أبو عبيد: الشرج: نهر صغير، قال: والشروج والشراج: مسايل الماء من (انحدار) (٤) إلى سهوله، واحدها شرح (٥). وقال غيره: شرح.
وقال أبو حنيفة: تسمى الحواجز التي بين الديار التي تمسك الماء: الجدور، واحدها جدر.

-------
(١) قال العيني في «عمدة القاري» ١٠/ ٢٠٧ معقبًا على كلام الداودي: وهذا غريب وليس بالمدينة نهر. اهـ.
(٢) هو محمد بن تميم البرمكي اللغوي، له كتاب «المنتهى في اللغة» منقول من كتاب «صحاح الجوهري» وزاد فيه أشياء قليلة، وأغرب في ترتيبه، وكان هو والجوهري متعاصرين فإن صاحب «الصحاح» فرغ منه سنة ٣٦٩ أو ٣٩٣، وذكر البرمكي أنه صنفه في آخر سنة ٣٩٧ وتوفي سنة ٤١١ هـ.
وانظر ترجمته في: «معجم الأدباء» ٦/ ٤١٩، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٢٨٠، «كشف الظنون» ٢/ ١٨٥٨، «معجم المؤلفين» ٣/ ١٨٥.
(٣) انظر: «المحكم» ٧/ ١٧٥ مادة: الجيم والشين والراء.
(٤) كذا بالأصل، وفي «غريب الحديث»: (الحرار).
(٥) «غريب الحديث» ٢/ ١٦٠ مادة: (شرج).



وقال ابن التين: الشراج والشرج مجرى الماء من الحرة إلى السهولة، قال: وقيل: شجار جمع شجر، كبحر وبحار.
رابعها:
الحرَّة من الأرضين: الصلبة الغليظة التي لبستها كلها حجارة سود نخرة كلها، والجمع حرات وحرار (١)، قال سيبويه: وزعم يونس أنهم يقولون حَرَّةٌ، وإحَرُّونَ يعنون (الحراء) (٢) كأنه جمع إحرَّه، ولكن لا يُتكلم بها (٣).
وفي «مثلث ابن السيد»: ويجمع أيضًا على حرون (٤).
فائدة:
بالمدينة حرتان: حرة واقم وليلى، زاد ابن عديس في «المثنى والمثلث»: حرة الحوض بين المدينة والعقيق، وحرة قباء في قبلة المدينة. زاد يا قوت: وحرة الوبرة -بالتحريك- على أميال من المدينة، وحرة النار قرب المدينة (٥).
وقوله: («اسق يا زبير») قال ابن التين: يقرأ بفتح الهمزة (٦) رباعي، وبكسرها من الثلاثي. ومعنى (تلون وجه رسول الله - ﷺ -): تغير. قال ابن فارس: تلون: اختلفت أخلاقه (٧).

-------------
(١) «لسان العرب» ٢/ ٨٢٨ مادة: (حرر).
(٢) كذا بالأصل: والذي في «الكتاب»: (الحرار).
(٣) انظر: «الكتاب» ٣/ ٦٠٠.
(٤) «المثلث» ١/ ٤٥٨.
(٥) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٢٤٥ - ٢٥٠.
(٦) ورد بهامش الأصل: يعني مشددة، وكذا قاله في «المطالع».
(٧) انظر: «مجمل اللغة» ٤/ ٧٩٩ مادة: (لون).



خامسها:
قوله: (أن كان ابن عمتك؟) هو بفتح الهمزة من أن مفعول من أجله، معناه: من أجل أنه ابن عمتك، كقوله تعالى: ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (١٤)﴾ [القلم: ١٤] لأن أم الزبير: صفية بنت عبد المطلب عمة رسول الله - ﷺ -.
قوله: (إنه ابن عمتك)، يجوز فتح الهمزة وكسرها.
و(الجدر): بفتح الجيم (١) وكسرها، ورواه بعضهم بضمها، حكاه أبو موسى المديني، ثم دال مهملة، وحكي إعجامها: الحائط، وقيل: أصل الجدار، وقيل: أصل الشجر، وقيل: المسناة، وقيل: جدور المشارب التي يجتمع فيها الماء في أصول النخل.
قال الخطابي: هكذا الرواية الجدر، والمتقنون من أهل الرواية يقولون: يعني: بالذال المعجمة، وهو مبلغ تمام الشرب، ومنه جذر الحساب (٢)، وهو أصله تقول: عشرة في عشرة بمائة وعبارة ابن التين: الجدر أكثر الروايات بفتح الدال، وفي بعضها بالإسكان، وهو كذلك عند أهل اللغة.
وقول الزهري بعد ذلك: (وكان ذلك إلى الكعبين)، قال الداودي: ليس بمحفوظ، والمحفوظ أنه قال له أول مرة: «أمسك إلى الكعبين» فلما أغضبه قال: «احبس حتى يرجع إلى الجدر» وقوله تعالى:
﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النساء: ٦٥] أي: فيما اختلفوا فيه، ومنه: تشاجر القوم، وأصله من الشجر؛ لاختلاف أغصانه، ومنه: شجره

----------
(١) ورد بهامش الأصل: في «المطالع» بفتح الجيم وسكون الدال فقط.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٦٩.



بالرمح، أي: جعله فيه بمنزلة الغصن في الشجر.
«واستوعى»: استوفى واستكمل، من الوعاء، وأبعد من قال: أمره ثانيًا أن يستوفي أكثر من حقه عقوبة للأنصاري، حكاه ابن الصباغ، والأشبه: أنه أمره أن يستوفي حقه ويستقصي فيه تغليظًا على الأنصاري بعد أن سهل عليه. وقوله: يأمره بالمعروف فيه إشارة إلى العادة التي كانت جرت بينهم مقدار الشرب، والشريعة إذا صادفت شيئًا معهودًا فلم تغيره فقد قررته ووجب حمل الناس عليه.
سادسها:
قال العلماء فيما حكاه النووي عنهم: لو صدر مثل الكلام السالف: (أن كان ابن عمتك)، اليوم من إنسان جرت على قائله أحكام المرتدين فيجب قتله بشرطه، وإنما تركه الشارع؛ لأنه كان في أول الإسلام يتألف الناس، ويدفع بالتي هي أحسن، ويصبر على أذى المنافقين والذين في قلوبهم مرض (١).
سابعها:
فيه: أن أصل مياه الأودية، والسيول التي لا تملك منافعها، ولم تستنبط بعمل فيها من الحفر ونحوه مباح، وأن من سبق إليه وأحرزه كان أحق به.
وفيه: أن أهل الشرب الأعلى يقدم على من هو أسفل.
وفيه: دليل أن ليس للأعلى إذا أخذ حاجته أن يحبسه عن الأسفل.
وقد ذهب بعضهم إلى أنه نسخ حكمه الأول بحكمه الثاني، وقد كان له في الأصل أن يحكم بأيهما شاء إلا أنه قدم الأخف؛ مسامحةً وإيثارًا

---------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٠٨.


لحكم حسن الجوار، فلما رأى الأنصاري يجهل موضع حقه نسخ الأول بالآخر، حين رآه أصلح، وفي الزجر أبلغ، وقيل: إنما كان القول الأول منه على وجه المشورة للزبير على سبيل المسامحة لجاره ببعض حقه، لا على وجه الحكم منه عليه، فلما خالفه الأنصاري استقضى للزبير حقه وأمره باستيفائه منه.
وفيه: دليل أن للإمام أن يعفو عن التعزير، كما له أن يقيمه، وقد قيل: إن عقوبته وقعت في ماله، وكانت العقوبات قد تقع في الأموال.
وفيه: الإشارة بالصلح والأمر به، قاله المهلب (١)، وقال ابن التين: مذهب الجمهور: أن القاضي يشير بالصلح إذا رآه مصلحة، ومنع ذلك مالك، وعن الشافعي في ذلك خلاف، والصحيح جوازه.
وفيه: أن للحاكم أن يستوفي لكلِّ واحدٍ من المتخاصمين حقه، إذا لم ير قبولًا منهما للصلح ولا رضي بما أشار به، كما فعل - عليه السلام -.
وفيه: توبيخ من جفا على الإمام والحاكم، ومعاقبته؛ لأنه عاقبه عليه بما قال: بأن استوفى للزبير حقه، ووبخه تعالى في كتابه بأن نفي عنهم الإيمان حتى يرضوا بحكمه، فقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ [النساء: ٦٥] الآية.
وفيه: أنه لا يلزم الصلح إلا لمن التزمه.
ثامنها:
إنما حكم على الأنصاري في حال غضبه مع نهيه أن يحكم الحاكم وهو غضبان؛ لأنه مفارق غيره من البشر؛ إذ العصمة قائمة في حقِّه في حال الرضى والسخط. أن لا يقول إلا حقًّا.

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٠١.


تاسعها:
اختلف أصحاب مالك في صحة إرسال الماء الأعلى إلى الأسفل.
قال ابن حبيب: يُدْخِل صاحب الأعلى جميع الماء في حائطه ويسقي به حتى إذا بلغ الماء من قائمة الحائط إلى الكعبين القائم فيه أغلق مغلق (الماء) (١) وصرف مقدار ما زاد من الماء على مقدار الكعبين إلى من يليه، فيصنع به مثل ذلك حتى يبلغ ماء السيل إلى أقصى الحوائط وهكذا فسر لي مطرف وابن الماجشون، وقاله ابن وهب (٢)، وقال ابن القاسم: إذا انتهى الماء في الحائط إلى مقدار الكعبين أرسله كله إلى من تحته ولم يحبس منه شيئًا في حائطه.
قال: والأول أحب إلى، وهم أعلم بذلك لأن المدينة دارهما وبها كانت القضية، وبها جرى العمل فيها. وحكى عن ابن القاسم أيضًا.
وقال ابن كنانة: يمسك من أعلى الشجر إلى الكعبين، وفي الزرع إلى شراك النعلين، والجماعة على أن الحكم الآن أن يمسك إلى الكعبين (٣)، قاله ابن التين.
قال ابن حبيب: وما كان من الخلج والسواقي التي يجتمع أهل القرى على إنشائها وإجراء الماء فيها لمنافعهم، يقل الماء فيها ونضب عنها في أوقات نضوبه فالأعلى والأسفل فيها بالسواء، يقسم على قدر حقوقهم فيها استوت حاجاتهم أو اختلفت، قاله ابن القاسم وغيره (٤).

-------------
(١) ليست في (س).
(٢) انظر: «المنتقى» ٦/ ٣٤.
(٣) انظر: «المنتقى» ٦/ ٣٤، «النوادر والزيادات» ١١/ ٢٦.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١١/ ٧٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #444  
قديم 30-04-2026, 08:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 351 الى صـــ 370
الحلقة (444)




وقال الطبري: الأراضي مختلفة فيمسك لكل أرض بقدر ما يكفيها، ورأى أن الجواب للزبير قصة عين.
وقال القرطبي في حديث الباب: أن الأولى بالماء البخاري الأول فالأول حتى يستوفي حاجته، وهذا ما لم يكن أصله ملكًا للأسفل مختصًا به، فإن كان ملكه فليس للأعلى أن يشرب منه شيئًا، وإن كان
يمر عليه.
وفيه: الاكتفاء للخصوم بما يفهم عنهم مقصودهم وأن لا يكلفوا النص على الدعاوى ولا تحرير المدعى فيه ولا حصره بجميع صفاته.
وفيه: إرشاد الحاكم إلى الإصلاح (١).

--------
(١) «المفهم» ٦/ ١٥٦.


٩ - باب فَضْلِ سَقْيِ المَاءِ
٢٣٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا مِثْلُ الذِي بَلَغَ بِي فَمَلأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيهِ، ثُمَّ رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَإِنَّ لَنَا فِي البَهَائِمِ أَجْرًا؟ قَالَ: «فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ». تَابَعَهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ. [انظر: ١٧٣ - مسلم: ٢٢٤٤ - فتح: ٥/ ٤٠]

٢٣٦٤ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةَ الكُسُوفِ، فَقَالَ: «دَنَتْ مِنِّي النَّارُ حَتَّى قُلْتُ: أَيْ رَبِّ، وَأَنَا مَعَهُمْ؟! فَإِذَا امْرَأَةٌ -حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ:- تَخْدِشُهَا هِرَّةٌ، قَالَ: مَا شَأْنُ هَذِهِ؟ قَالُوا: حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا». [انظر: ٧٤٥ - فتح ٥/ ٤١]

٢٣٦٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا، فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ -قَالَ: فَقَالَ وَاللهُ أَعْلَمُ-: لَا أَنْتِ أَطْعَمْتِهَا وَلَا سَقَيْتِهَا حِينَ حَبَسْتِيهَا، وَلَا أَنْتِ أَرْسَلْتِيهَا فَأَكَلَتْ مِنْ خَشَاشِ الأَرْضِ». [٣٣١٨، ٣٤٨٢ - مسلم: ٢٢٤٢ - فتح: ٥/ ٤١]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: عن أبي هريرة أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ، فَنَزَلَ بِئْرًا فَشَرِبَ مِنْهَا، ثُمَّ خَرَجَ فَإِذَا هُوَ بِكَلْبٍ يَلْهَثُ، يَأكُلُ الثَّرى مِنَ العَطَش ..» الحديث.
ثانيها: حديث أسماء بنت أبي بكر في الكسوف، وذكر الهرة.


ثالثها: حديث ابن عمر في الهرة أيضًا.
الشرح:
حديث أبي هريرة سبق في الطهارة مختصرًا في باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (١). وسقي الماء من أعظم القربات، قال بعض التابعين: من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء. وإذا غفرت ذنوب الذي سقى كلب فما ظنكم بمن سقى مؤمنًا موحدًا وأحياه بذلك.
قال ابن التين: وقد روي عنه مرفوعًا أنه دخل على رجل في السياق (٢) فقال له: «ماذا ترى؟» فقال: أرى ملكين يستأخران وأسودان يدنوان وأرى الشر ينمى والخير يضمحل فأغثني منك بدعوة يا نبي الله. فقال: «اللهم أشكر له اليسير واعفُ عنه الكثير». ثم قال له: «ماذا ترى؟» فقال: أرى المبكين يدنوان والأسودان يستأخران وأرى الخير ينمى والشر يضمحل. قال: «فما وجدت أفضل عملك؟» قال: سقي الماء.
وفي حديث: سئل: أي الصدقة أفضل؟ قال: «سقي الماء» (٣).
قال الذي «الروضة» وجاءت أحاديث كثيرة بالحث على الصدقة بالماء (٤)، وقد احتج بهذا الحديث من أجاز صدقة التطوع على المشركين لعموم قوله آخر الحديث: «في كل كبد رطبة أجر».

--------
(١) سلف برقم (١٧٣).
(٢) السياق: نزع الروح. «الصحاح» ٤/ ١٥٠٠.
(٣) روى أبو داود مختصرًا (١٦٧٩) من حديث سعد بن عبادة بلفظ أن سعدًا أتى النبي - ﷺ - فقال: أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: «الماء». قال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (١٤٧٤): إسناده مرسل صحيح.
(٤) «روضة الطالبين» ٢/ ٣٤٣.



وفيه: أن المجازاة على الخير والشر قد يكون يوم القيامة من جنس الأعمال، كما قال - عليه السلام -: «من قتل نفسه بحديدة عذب بها في نار جهنم» (١).
وقوله: (يلهث). قال صاحب «الأفعال»: لهث الكلب -بفتح الهاء وكسرها-: إذا دلع لسانه عطشًا، ولهث الإنسان إذا اشتد عطشه (٢)، وقال صاحب «المطالع»: (لِهُث) (٣) [لهثًا] (٤) إذا خرج لسانُه من العطش أو الحر، واللُّهاث -بضم اللام- حرُّ العطش، وقال ابن التين: يلهث أي يخرج لسانه من العطش، وكذلك الطائر ولهث الرجل إذا أعيى، وقيل معناه يبحث بيديه ورجليه في الأرض، وفي «المنتهى» هو ارتفاع النفس. يلهث لهثًا ولهاثًا، ولهث يلهث لهثًا ولهاثًا إذا عطش، واللهَثَان بالتحريك العطش.
وقوله: («من العطش») كذا رأيناه في الأصول وذكره ابن التين: العطاش، ثم قال: وصوابه العطش قال: وكذا عند أبي ذر، وإنما العطاش داء يصيب الصبي فيشرب فلا يروى، وقيل يصح على تقدير أن العطش يحدث منه داء فيكون العطاش اسمًا للداء كالزكام.
وقوله («يأكل الثرى») مقصور يكتب بالياء إذا كان من الندى يقال: كان مطر التقى منه الثريان: أي: الباطن والظاهر، أي: ترشح الأرض لكثرة المطر حتى يلتقي هو وندى الأرض.

---------
(١) سلف برقم (١٣٦٣) من حديث ثابت بن الضحاك كتاب: الجنائز، باب: ما جاء في قاتل النفس.
(٢) كتاب: «الأفعال» ص ٢٥٠.
(٣) وردت في الأصل وعليها كلمة (كذا).
(٤) في الأصل: (بها)، ولعل الصواب ما أثبتناه.



وقوله: («بلغ هذا مثل الذي بلغ بي») قال ابن التين: ضبط بنصب لام مثل على تقدير أن الكلب بلغ مبلغًا مثل الذي بلغ بي، وهو ما ضبطه الدمياطي بخطه.
وقوله: («في كل كبد رطبة أجر») قال الداودي: يعني: كبد كل حي من ذوات الأنفس.
وقال أبو عبد الملك: هذا الحديث من أحاديث بني إسرائيل، فأما الإسلام فقد أمر الشارع بقتل الكلاب، والحديث خصوص لبعض البهائم، والخنزير والسبع وسائر الوحوش لها كبد رطبة لا يستعمل هذا الحديث فيها؛ لأنها تقوى على الضرر، ولا يستعمل الحديث إلا فيما لا يضر من البهائم.
و(الكبد) مؤنثة، ولذلك قال: «رطبة». وفيها لغتان: كَبِد وكِبِد ذكره ابن التين (١)، وأهمل ثالثة كِبْد بالتخفيف حكاها في «المنتهى» كما في فخذ، وقال أبو حاتم: كما نقله في «المخصص»: الكبد يذكر،
والجمع أكباد وأكبد وكبود (٢).
وقوله: («ثم رقي فسقى الكلب») كذا هو في الأصول بالياء، وقال ابن التين: كذا وقع: رقى، وصوابه: رقي، أي: صعد. قال تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ [الإسراء: ٩٣] وأما رقى -بفتح القاف- فمن الرقية، وليس هذا موضعه، وذكر أن لغة طيء: رقى بمعنى صعد، ويفعلون كذلك في

-----------
(١) والذي عليه أهل اللغة فتح الأول وكسر الثاني، فتح الأول وتسكين الثاني، كسر الأول وتسكين الثاني، وليس فيها كسر الأول والثاني على ما حكاه ابن التين إلا إذا كان الوسط حرف حلق. انظر: «شذور الذهب» ص ١٢.
(٢) «المخصص» ٥/ ١٨٦، قلت: والذي فيه: (الكبد مؤنثة، فيها ثلاث لغات: كَبِد وكَبْد وكِبْد، وجمعه أكباد وأكبد وكبود).



كل ما كان من الأفعال معتل اللام نحو: عمي ورقي يفتحون العين منه، وقوله في حديث أسماء: «دنت منِّي النار» أي: مثلت له في القبلة.
وقوله: «حبستها حتَّى ماتت جوعًا» فيه: أنه ليس على الشخص إطعام ما يعيش بصيده، والممنوع حبسها وتركها من غير طعام.
«وخشاش الأرض» بتثليث الخاء: الدَّواب، واقتصر ابن فارس على الفتح (١)، وأبو عبيد على الكسر. قال: إلا الطير الصغير فإنه ثبت بالفتح، قال في «الغريب المصنف»: وهي شرار الطير، وحكى
صاحب «المطالع»: الضم أيضًا، وتبعه القرطبي، وهي: الهوام (٢).
وقال الجوهري: هي بالكسر الحشرات وقد تفتح (٣).
قلت: والرجل الخشاش: الصغير الرأس، بالفتح والكسر، والخشاش: الحية الصغيرة، قال الداودي: وذكر البخاري قصة الهرة؛ لذكر الكبد، وعندي: إنما ذكرها لقوله: «ولا سقتها» ففي سقي الماء فضل كما سلف، وظاهر الحديث: يدلُّ على تملك الهر، وفيه خلاف، وهو الأصح؛ لأنه أضافها للمرأة بلا لام التي هي ظاهرة في الملك.

---------
(١) «مقاييس اللغة» ١/ ٣٠٣ مادة: (خشش).
(٢) «المفهم» ٥/ ٥٤٤.
(٣) «الصحاح» ٣/ ١٠٠٤ مادة: (خشش).



١٠ - باب مَنْ رَأَى أَنَّ صَاحِبَ الحَوْضِ وَالقِرْبَةِ أَحَقُّ بِمَائِهِ
٢٣٦٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقَدَحٍ فَشَرِبَ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ، هُوَ أَحْدَثُ القَوْمِ، وَالأَشْيَاخُ عَنْ يَسَارِهِ قَالَ: «يَا غُلَامُ، أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ الأَشْيَاخَ؟». فَقَالَ: مَا كُنْتُ لأُوثِرَ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا يَا رَسُولَ اللهِ. فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ. [انظر: ٢٣٥١ - مسلم: ٢٠٣٠ - فتح: ٥/ ٤٢]

٢٣٦٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَذُودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ». [مسلم: ٢٣٠٢ - فتح: ٥/ ٤٢]

٢٣٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَكَثِيرِ بْنِ كَثِيرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ - عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ- لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتَأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ». [٣٣٦٢، ٣٣٦٣، ٣٣٦٤، ٣٣٦٥ - فتح: ٥/ ٤٢]

٢٣٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ: رَجُلٌ حَلَفَ عَلَى سِلْعَةٍ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَى وَهْوَ كَاذِبٌ، وَرَجُلٌ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ العَصْرِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ، وَرَجُلٌ مَنَعَ فَضْلَ مَاءٍ، فَيَقُولُ اللهُ: اليَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ». قَالَ عَلِيٌّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ -غَيْرَ مَرَّةٍ- عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ أَبَا صَالِحٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - ﷺ -. [انظر: ٢٣٥٨ - مسلم: ١٠٨ - فتح: ٥/ ٤٣]


ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث سهل بن سعد الساعدي قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِقَدَحٍ .. الحديث. وقد سلف قريبا (١).
ثانيها: حديث أبي هريرة، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأذودَنَّ رِجَالًا عَنْ حَوْضِي كَمَا تُذَادُ الغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الحَوْضِ».
ثالثها: حديث ابن عباس، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَرْحَمُ اللهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ -أَوْ قَالَ: لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ- لَكَانَتْ عَيْنًا مَعِينًا، وَأَقْبَلَ جُرْهُمُ فَقَالُوا: أَتأْذَنِينَ أَنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، وَلَا حَقَّ لَكُمْ فِي المَاءِ. قَالُوا: نَعَمْ».
رابعها: حديث أبي هريرة: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «ثَلَاَثةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ..» الحديث، وقد سلف قريبًا (٢)، وفيه: ورجل منع فضل ماء، فيقول الله تعالى: «اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك»، وقال علي: ثنا سفيان غير مرة، عن عمرو، سمع أبا صالح يبلغ به النبي - ﷺ -.
الشرح: لا خلاف فيما ترجم له، وهو أن صاحب الحوض أحقُّ بمائه؛ لقوله: «لأذودن رجالًا عن حوضي».
أما حديث سهل في الغلام والأشياخ: فصاحب الماء واللبن أحقُّ به أيضًا أولًا ثم يستحقه المتيامن منه. وكان بين الحوض والقربة والقدح فرق لأنه لو كان صاحب القدح أحق به أبدًا لما استأذن الشارع
الغلام الذي كان عن يمينه أن يعطي الأشياخ، وإنما تصح الترجمة في

------------
(١) سلف برقم (٢٣٥١) باب في الشرب ومن رأى صدقة الماء ..
(٢) سلف برقم (٢٣٥٨) باب إثم من منع ابن السبيل من الماء ..



الابتداء أن صاحب الماء أولى به، ثم الأيمن فالأيمن أولى من صاحب الماء أن يعطيه غيره.
وإنما هذا فيما يؤكل أو يشرب من الموضع بين يدي الجماعة. وأما في المياه والآبار والجباب والعيون فصاحبها أولى بها في أن يعطي من شاء آخرًا بخلاف حديث الغلام، وكذلك في مسألة أم إسماعيل أحق بمائها أولًا وآخرًا، وسيأتي في أحاديث الأنبياء (١)، وهو مطابق للتبويب؛ لقولها: «ولا حقَّ لكم في الماء».
وقال ابن المنير: استدلال البخاري به ألطف من ذلك؛ لأنه إذا استحقه الأيمن في هذِه الحالة بالجلوس واختص، فكيف لا يختص صاحب اليد والمتسبب في تحصيله (٢)؟
والمراد بالرجال الذين يذادون عن حوضه هم المرتدون الذين بدلوا كما ذكره البخاري في «صحيحه» عن قبيصة فيما سيأتي (٣)، وقال ابن التين: هم المنافقون. وقال ابن الجوزي: هم المبتدعون. وقال القرطبي: هم الذين لا سيما لهم من غير هذِه الأمة.
فإن قلت: كيف يأتون غُرًّا محجلين والمرتد لا غرة له ولا تحجيل؟
فالجواب: أنه - عليه السلام - قال: «تأتي كل أمة فيها منافقوها» (٤)، وقد قال تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: ١٣] فصحَّ أن المؤمنين يحشرون وفيهم المنافقون الذين كانوا معهم في الدنيا حتى يضرب

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٣٦٢).
(٢) «المتواري» ص ٢٦٥.
(٣) سيأتي بعد حديث (٣٤٤٧) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله ﴿وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ الآية.
(٤) سلف برقم (٨٠٦) كتاب الأذان، باب فضل السجود.



بينهم بسور، والمنافق لا غرة له ولا تحجيل، لكن المؤمنون سموا غرًّا محجلين بالجملة، وإن كان المنافق في خلالهم.
وقال ابن المنير: ظن المهلب أن وجه الدليل من حديث الحوض اختصاص صاحب الحوض بمائه، وهو وهم فإن تنزيل أحكام التكاليف على وقائع الآخرة غير ممكن، وأما استدلاله بقوله: «كما تذاد الغريبة من الإبل عن الحوض» فما شبه بذودها في الدنيا إلا ولصاحب الحوض منع غير إبله من مائه، ولو كان المنع في الدنيا تعديًا لما شبه به ذلك المنع الذي هو حق (١)، وأخذه أيضًا ابن التين من ذلك.
فإن قلت: كيف خفي حالهم على صاحب الشريعة؟ وقد قال: «تعرض عليَّ أعمال أمتي» (٢).
فالجواب: إنما يعرض عليه أعمال الموحدين لا المنافقين والكافرين، نبه عليه ابن الجوزي، وقد يقال: إنهما ليسا من أمته.
وحديث أبي هريرة (٣) قال ابن التين: ليس هو ما يشبه الباب في شيء، وقال الخطابي: معناه: إذا كنت تمنع فضل الماء الذي لم تعطه بكدك وكدحك إنما هو رزق ساقه الله إليك فما الذي تسمح به بعد (٤)؟

-----------
(١) «المتواري» ص ٢٦٥ - ٢٦٦.
(٢) رواه مسلم (٥٥٣) كتاب المساجد، باب النهي عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: الظاهر أن البخاري أخذه من إضافة الماء إليه.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٧٩.



خاتمة:
لما أعاد البخاري حديث أبي هريرة في ذكر الحوض ذكره معلقًا من طريق عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة (١)، وهذا الحديث مما كاد أن يبلغ مبلغ القطع والتواتر على رأى جماعة من العلماء يجب الإيمان به، فيما حكاه غير واحد، رواه عنه الجم الغفير منهم في «الصحيح»: ابن عمر (٢)، وابن مسعود، وجابر بن سمرة، وجندب بن عبد الله، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، وحذيفة (٣).
وأخرجه أبو القاسم اللالكائي من طريق ثوبان، وأبي بردة، وجابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري، وبريدة (٤)، وأخرجه القاضي أبو الفضل من طريق عقبة بن عامر، وحارثة بن وهب، والمستورد، وأبي برزة، وأبي أمامة، وعبد الله بن زيد، وسهل بن سعد، وسويد بن جبلة، والصديق، والفاروق، والبراء، وعائشة، وأسماء أختها، وأبي بكرة، وخولة بنت قيس، وأبي ذر، والصنابحي في آخرين (٥).

----------
(١) سيأتي عقب حديث (٦٥٨٦) كتاب: الرقاق، باب: في الحوض.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وله في المسند حديث غير حديثه في «الصحيح».
(٣) روى هذِه الأحاديث البخاري في كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، ورواها مسلم في كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينًا - ﷺ - وصفاته.
(٤) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٦/ ١١٩١ - ١١٩٨.
(٥) وقع بالأصل: قال الذهبي: سويد لا تصح له صحبة. سيأتي حديثه مرسل، وبعضهم يقول: له صحبة. وفي «المسند» من حديث خولة بنت حكيم، وحديث بنت قيس في «المسند» للحميدي أيضًا، ومن حديث ابن عباس، وحديث جابر بن عبد الله في «المسند» وعزاه المصنف للَّالكائي، ويحتمل أن يكون غير الحديث الذي في «المسند»، ولأبي أمامة في «المسند» حديث فيه، وبعضه في الترمذي وابن ماجه، وقد عقبه عبد الله، فقال: وجدت هذا الحديث في كتاب أبي بخط يده =



فائدة:
معنى (لأذودن) لأطردن، وفي رواية: «ليذادن رجال» أي: يطردون، قال صاحب «المطالع»: كذا رواه أكثر الرواة عن مالك في «الموطأ»، ورواه يحيى ومطرف وابن نافع: «فلا يذادن» (١) ورده ابن وضاح على الرواية الأولى، وكلاهما صحيح المعنى، والنافية أفصح وأعرف، ومعناه: فلا تفعلوا فعلًا يوجب ذلك كما قال - عليه السلام -: «لا ألفين أحدكم على رقبته بعير» (٢) أي: لا تفعلوا ما يوجب ذلك.
فائدة: قوله: «اليوم أمنعك فضلي» إلى آخره إشارة إلى قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنْزِلُونَ (٦٩)﴾ [الواقعة: ٦٩] وفيه: أنه من باب المعروف لا الوجوب، وقال عبد الملك: هذا يخفي معناه، ولعله يريد أن البئر ليست من حفر هذا الرجل، وهو للسبيل وإنما هو في منعه ماءه غاصب ظالم، وهذا ليس يريد فيما حازه وعمله، ويحتمل أن يكون هو حفرها ومنع من صاحب الشنة، ويكون معنى: «ما لم تعمل يداك» أي بنبع ولا إخراج.

---------
= وضرب عليه، فظننتُ: إنه ضرب عليه؛ لأنه خطأ، إنما هو عن زيد عن أبي سلام، عن أبي أمامة. (…) فيه حديث.
(١) رواه يحيى في «الموطأ» ١/ ٤٤.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٧٣) كتاب الجهاد والسير، باب الغلول.



١١ - باب لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ - ﷺ -
٢٣٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ». وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ. [٣٠١٣ - فتح: ٥/ ٤٤]
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَا حِمَى إِلَّا للهِ وَلِرَسُولِهِ». وَقَالَ: بَلَغَنَا (١) أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَالرَّبَذَةَ.
هذا الحديث من أفراده، ووقع في «الإلمام» للشيخ تقي الدين القشيري أنه من المتفق عليه وهو من الناسخ، فقد قال هو في «الاقتراح»: إنه على شرطهما وإنهما لم يخرجاه (٢).
وهذا البلاغ من قول الزهري، كما نص عليه أبو داود (٣) وجعله عبد الحق من قول البخاري، وقد أسنده أبو داود والحاكم من حديث ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٤)، وبخط الدمياطي (٥)

----------
(١) ورد بهامش الأصل: في نسختي قال أبو عبد الله: وبلغنا .. إلى آخره وعليها صورة (…).
(٢) «الاقتراح» ص ٩٧.
(٣) رواه أبو داود (٣٠٨٣).
(٤) أبو داود (٣٠٨٤) والحاكم ٢/ ٦١ ووقع في المطبوع منه: البقيع بدلًا من النقيع، وقال الخطابي في «إصلاح غلط المحدثين» ص ١٥٥: النقيع موضع وليس البقيع الذي هو مدفن الموتى بالمدينة.
(٥) في هامش الأصل: وما كتبه الدمياطي بخطه قال وحكاه في «المطالع» فقال ما نصه: وأما عن حمى عمر بالمدينة فجاء فيها أنه حمى السرف والربذة كذا عنده



كذا عند البخاري: (السرَف) بسين مهملة وهو خطأ، والصواب بالشين المعجمة وفتح الراء، كذا رواه ابن وهب في «موطئه» وهو من عمل المدينة.
وقال ابن التين: إنه بين مكة والمدينة، وأما سَرِف فمن عمل مكة على ستة أميال منها، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة، وقيل: اثني عشر، ولا يدخله الألف واللام (١).
وقال ابن التين: وقع في بعض روايات البخاري: وقال أبو عبد الله: وبلغنا. فجعله من قول البخاري، وذكره ابن وهب في «موطئه» عن يونس.
(والنقيع) بنون قطعًا، ومن قاله بالباء فقد صحفه، كما نبه عليه الخطابي (٢)، وهو على عشرين فرسخًا من المدينة، وقيل: على عشرين ميلًا، ومساحته بريد في بريد. قال ياقوت: وهو غير نقيع الخَضِمَات الذي كان عمر حماه (٣)، وكذا ذكره الحازمى وعكس ذلك أبو عبيد البكري (٤).
والأصل في النقيع: أنه كل موضع يستنقع فيه الماء، فإذا نضب نبت فيه الكلأ. وزعم ابن الجوزي أن بعضهم ذهب إلى أنهما واحد، قال: والأول أصح وذكره الأصمعي بالباء خطأ، فقال: البقيع: القاع، يقال: انزل بذاك البقيع أي: القاع والجمع: البقعان.

----------
= بسين مهملة كالأول وفي «موطأ ابن وهب» الشرف بالمعجمة وفتح الراء وهكذا رواه بعض رواة البخاري وأصلحه وهو الصواب، انتهى وقد أعاد ذكره في المعجمة وقال تقدم.
(١) انظر: «معجم البلدان» ٣/ ٢١٢.
(٢) «إصلاح غلط المحدثين» ص ١٥٥.
(٣) «معجم البلدان» ٥/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٤) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٦٥، ٤/ ١٣٢٣ - ١٣٢٤.



وزعم ابن التين وابن الأثير أن الشريف كان في الجاهلية إذا نزل أرضًا في حيه استعوى كلبًا (فحمى) (١) مدى عوي الكلب لا يشركه فيه غيره، وهو يشارك القوم في سائر ما يرعون، فنهى الشارع عن ذلك وأضاف الحمى إلى الله ورسوله، أي: إلا ما حمى للخيل المرصدة للجهاد والإبل المعدة للحمل في سبيل الله ولإبل الزكاة وغيرها، كما حمى عمر النقيع لإبل الصدقة (٢)، وحماها بالكلب عجيب، فإنهم يحمون بما شاءوا، نعم كان وائل بن ربيعة التغلبي فعل ذلك فغلب عليه اسم كليب؛ لأنه حمى الحمى بعوي كلب كان يقطع يديه ويدعه وسط مكان يريده، فأي موضع بلغ عواه لا يقربه أحد، وبسببه كانت حرب البسوس المشهورة.
وأصل الحمى في اللغة: المنع، يعني: لا منع لما لا مالك له من الناس من أرضٍ أو كلأ إلا لله ورسوله. وذكر ابن وهب أن النقيع الذي حماه الشارع قدره ميل في ثمانية أميال حماه لخيل المهاجرين، وقد أسلفنا أن مساحته بريد في بريد، وحمى أبو بكر الربذة لما يحمل عليه في سبيل الله نحو خمسة أميال في مثلها، وحمى ذلك عمر لإبل الصدقة وحمى أيضًا السرف وهو مثل الربذة.
وزاد عثمان في الحمى لما كثرت الإبل والبقر في أيامه من الصدقات. أصل فعلهم ذلك من سنة رسول الله - ﷺ -، فمعنى قوله: («لا حمى إلا لله ولرسوله») أي: أنه لا حمى لأحد يخص نفسه يرعى فيه ماشيته دون سائر الناس، وإنما هو لله ولرسوله ولمن ورث

-----------
(١) كذا في الأصل وفي (ف): فحوى.
(٢) «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤٤٧.



ذلك عنه من الخلفاء بعده إذا احتاج إلى ذلك لمصلحة المسلمين، كما فعل الصديق والفاروق وعثمان لما احتاجوا إلى ذلك.
وقد عاتب رجل من العرب عمر، فقال له: بلاد الله حميت لمال الله، وأُنْكِرَ أيضًا على عثمان أنه زاد في الحمى، وليس لأحد أن ينكر ذلك؛ لأنه - عليه السلام - قد تقدم إليه ولخلفائه الاقتداء به والاهتداء، وإنما يحمي الإمام ما ليس بملك لأحد مثل: بطون الأودية والجبال والموات، وإن كان قد ينتفع المسلمون بتلك المواضع فمنافعهم في حماية الإمام لها أكثر.
وقال ابن التين: معنى الحديث: لا حمى إلا على ما أذن الله لرسوله أن يحميه لا ما كان يحميه العزيز في الجاهلية كما سلف.


١٢ - باب شُرْبِ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ مِنَ الأَنْهَارِ
٢٣٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ:»الخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ، فَأَمَّا الَّذِي لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَطَالَ بِهَا فِي مَرْجٍ أَوْ رَوْضَةٍ، فَمَا أَصَابَتْ فِي طِيَلِهَا ذَلِكَ مِنَ المَرْجِ أَوِ الرَّوْضَةِ كَانَتْ لَهُ حَسَنَاتٍ، وَلَوْ أَنَّهُ انْقَطَعَ طِيَلُهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ كَانَتْ آثَارُهَا وَأَرْوَاثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ، وَلَوْ أَنَّهَا مَرَّتْ بِنَهَرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَسْقِيَ كَانَ ذَلِكَ حَسَنَاتٍ لَهُ، فَهِيَ لِذَلِكَ أَجْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيًا وَتَعَفُّفًا ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا وَلَا ظُهُورِهَا، فَهِيَ لِذَلِكَ سِتْرٌ، وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْرًا وَرِيَاءً وَنِوَاءً لأَهْلِ الإِسْلَامِ، فَهِيَ عَلَى ذَلِكَ وِزْرٌ«. وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنِ الحُمُرِ، فَقَالَ:»مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهَا شَيْءٌ إِلَّا هَذِهِ الآيَةُ الجَامِعَةُ الفَاذَّةُ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة ٧ - ٨]. [٢٨٦٠، ٣٦٤٦، ٤٩٦٢، ٤٩٦٣، ٧٣٥٦، ١٤٠٢، ١٤٠٣، ٢٣٧٨، ٣٠٧٣، ٤٥٦٥، ٤٦٥٩، ٦٩٥٧، ٦٩٥٨، ٧٣٥٦ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٥/ ٤٥]

٢٣٧٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ -مَوْلَى المُنْبَعِثِ- عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَأَلَهُ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنَكَ بِهَا». قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «هِيَ لَكَ، أَوْ لأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ». قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ قَالَ: «مَالَكَ وَلَهَا؟ مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا». [انظر: ٩١ - مسلم: ١٧٢٢ - فتح: ٥/ ٤٦]
ذكر حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الخَيْلُ لثلاثة: لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُل وِزْرٌ ..» الحديث بطوله وفيه: «ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن يسقي كان ذلك حسنات له».


وحديث زيد بن خالد في اللقطة قال: فضالة الإبل، قال: «مالك ولها معها سقاؤها وغذاؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها».
وسيأتي في بابه (١) وموضع الترجمة «ترد الماء»، وقام الإجماع على جواز الشرب من الأنهار دون استئذان أحد؛ لأن الله خلقها للناس والبهائم، وأنه لا مالك لها غير الله، وقام أيضًا على أنه لا يجوز لأحد بيع الماء في النهر؛ لأنه لا يتعين لأحد فيه حق، فإذا أخذه في وعائه أو آنيته جاز له بيعه كما سلف. وقال مالك: لا بأس ببيع الماء بالماء متفاضلًا وإلى أجل (٢)، وهو قول أبي حنيفة. وقال محمد: هو مما يكال أو يوزن، كما صح أنه كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع، وعلى هذا لا يجوز عنده فيه التفاضل والنسيئة؛ لأن علته في الربا الكيل والوزن. وقال الشافعي: لا يجوز بيعه متفاضلًا ولا إلى أجل؛
لأن علته في الربا أن يكون مأكولًا جنسًا. ومعنى: («ولرجل سِتر») أي: تكفه عن المسألة وتغنيه عن الناس.
ومعنى («ربطها»): أعدها للجهاد، وأصله من الربط، ومنه الرباط، وهو حبس الرجل نفسه في الثغور وإعداده الأهبة لذلك. وقيل: من ربط صاحبه عن المعاصي وعقله عنها فمنَّ كمن ربط وعقل.
وقوله: (فأطال) أي: شدها في طِوَله، وهو حبل يشد أحد طرفيه في خية ووتد، ثم يعلق به الفرس من الطرف الآخر فيه ليدور فيه، ولا يعثر فيذهب على وجهه.
وقوله: («في مرج»)، المرج: الأرض الواسعة.

----------
(١) سيأتي في كتاب اللقطة برقم (٢٤٢٧) باب: ضالة الإبل، وبرقم (٢٤٢٨)، باب: ضالة الغنم، وبرقم (٢٤٢٩) باب: إذا لم يوجد صاحب اللقطة.
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٥.



قال أبو المعالي: تجمع الكلأ الكثير والماء تمرج فيها الدواب حيث شاءت، والجمع: مروج.
والروضة: الموضع الذي يستنقع فيه الماء ويكون فيه نبات مجتمع.
قال أبو عبيد: ولا يكون إلا في ارتفاع (١). وقال الداودي: المكان المرتفع أعلاه يكون فيه الكلأ.
وقال الجوهري: الروضة من البقل والعشب (٢).
وقال ابن مزين: المرج: المهمل في المرج، والروضة: ما في طيلة ذلك. والطيل والطول والطَّوِيْلَةُ والتطول كله حبل طويل تشد به قائمة الدابة. وقيل: هو الحبل تشد به ويمسك صاحبه بطرفه ويرسلها ترعى. وفي «الجامع»: ومنهم من يشدد فيقول: الطِّوَلُّ.
وقال الجوهري: لم يسمع في الطِّوَل الذي هو الحبل إلا بكسر الأول وفتح الثاني، وشدده الراجز منظور بن مرثد الأسدي ضرورة، وقد يفعلون مثل ذلك كثيرًا، ويزيدون في الحرف من بعض حروفه (٣).
وقال ابن وهب فيما حكاه عياض: هو الرسَن، وهو بالياء هنا للكافة (٤)، ووقع عند البخاري في موضع بالواو بدلها، وأنكر يعقوب الياء، وقال: لا يقال إلا بالواو، وعن الأخفش هما سواء، وهو
منتهى رسن الدابة. وعبارة يعقوب: أما الحبل فلم أسمعه إلا بكسر أوله وفتح الثاني كقولك: أرخ للفرس من طوله، وزعم الخضراوي أن بعضهم أجاز فيه طوال، كما تقوله العامة، وأنكر ذلك الزبيدي وقال: لا أعرفه صحيحًا.

----------
(١) «غريب الحديث» ١/ ١٥.
(٢) «الصحاح» ٣/ ١٠٨١ مادة: (روض).
(٣) «الصحاح» ٥/ ١٧٥٤ مادة: طول.
(٤) «مشارق الأنوار» ١/ ٣٢٢.



وقوله: («فاستنت شرفًا أو شرفين») أي: أفلتت فمرحت، والاستنان تفعل من السنن وهو القصد، وقيل: معناه: لجت في عدوها إقبا لًا وإدبارًا. وقيل: إنه يختص بالجري إلى فوق. وقيل: هو النشاط والمرح. وفي «البارع»: هو كالرقص. وقيل: استنت: رعت، وقيل: الجري بغير فارس.
وقال الداودي: استنت: علت وهذا لم يقله غيره، والشرف بفتح الشين المعجمة والراء: ما أشرف من الأرض وارتفع.
وقوله: («فشربت منه ولم يرد أن يسقي»)، هذا من باب التنبيه؛ لأنه إذا كان تحصل له هذِه الحسنات من غير أن يقصد سقيها، فإذا قصد وأوفى بأضعافها، ولا يريد به أن يمنعها من شرب يضرُّ بها أو به إذا
احتسبت للشرب بفوته ما يؤمله أو إدراك ما يخافه (١): أو لأنه كره أنها تشرب من ماء غيره بغير إذن.
قال الداودي: فيه دلالة أن يسقي إذا أراد. (والنهر) بفتح الهاء وإسكانها لغتان فصيحتان ذكرهما ثعلب في «فصيحه» (٢)، والفتح أفصح كما قاله القزاز والهروي. قال ابن خالويه: والأصل فيه التسكين، وإنما جاز فتحه؛ لأن فيه حرفًا من حروف الحلق قال وحروف الحلق إذا وقعت آخر الكلام فتح وسطها، وإذا وقعت وسطًا فتحت نفسها. وعند اللبلي (٣) قال بعضهم: لأنه حرف استعلاء وفتح

---------
(١) هكذا في الأصل، والكلام غير مستقيم، وانظر: «المفهم» ٣/ ٢٩، «عمدة القاري» ١٠/ ٢٢٦.
(٢) «فصيح ثعلب» ص ٤٥.
(٣) هو أبو جعفر أحمد بن يوسف الفهري، توفي بتونس سنة ٦٩١ ص، وله «تحفة المجد الصريح في شرح كتاب الفصيح». قال ابن الحنائي: لم تكتحل عين الزمان بمثله في تحقيقه وغزارة فوائده. انظر: «نفح الطيب» ٢/ ٢٠٨، «كشف الظنون» ٢/ ١٢٧٣.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #445  
قديم 30-04-2026, 08:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 371 الى صـــ 370
الحلقة (445)




لاستعلائه. وفي «الموعب»: نَهَر ونهور، وقال أبو حاتم: نَهْر وأنهار ولا يقال: نهر، وأصله الفسحة، وقوله: («تغنيًا وتعففًا») يعني: يستغني به عما في أيدي الناس، ويتعفف عن سؤالهم بما يعمله عليها
ويكتسبه على ظهورها.
وقوله: («ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها») هو ما للخيل على أربابها في ركوبهم عليها وقودهم إياها بأعناقها بغير تعسف ولا حمل ما لا تطيقه، وقد أمر الشارع بالرفق بها وقيل: هو أن يغيث بها الملهوف ومن تجب معونته. وقال أصحاب أبي حنيفة: يريد وجوب الزكاة فيها، وعلى هذا الحديث اعتمد أصحابه في زكاة الخيل السائمة.
وقوله: («ونِواء لأهل الإسلام») النواء: بكسر النون والمد: المعاداة، وهو أن ينوي إليك، وينوي إليه أي: ينهض. وقال الداودي: هو بفتح النون والقصر منونًا. كذا روى، والأول قول جماعة أهل اللغة من نوأته نواء إذا عاديته.
قال صاحب «المطالع»: والقصر (١) مع فتح النون وهم، وعند الإسماعيلي قال ابن أبي الحجاج عن أبي المصعب: (بواء) بالباء. و(الوزر) بكسر الواو و(الإثم) يريد باعتقاده وإن لم يقاتلهم عليها. و(الحُمُرُ) بضم الميم جمع حمار، و(الفاذة) بالذال المعجمة أي: المنفردة القليلة النظير في معناها، وجمعت على انفرادها حكم الحسنات والسيئات المتناولة لكل خير ومعروف، ومعناه: أن من أحسن إليها أو أساء رآه في الآخرة إذا كلفها فوق الطاقة.

-----------
(١) ورد بهامش الأصل: يعني مع القصر فإنه كذا عزاه الداودي ووهمه.


وقال ابن مسعود: هذِه أعدل آية في القرآن (١)، ولم ينكر عليه عمر، وقد يحتج به من رأى أنه - ﷺ - لم يكن مجتهدًا وإنما كان يحكم بالوحي، وأجيب: بأنه لم يظهر له أو (يفسر) (٢) الله من أحكامها وأحوالها ما قاله في الخيل وغيرها، وإنما لم يسأله عن البغال لقلتها عندهم أو لأنها بمنزلة الحمار، وفي الحديث إشارة إلى التمسك بالعموم وهو تنبيه الآية على الاستنباط والقياس وكيف يفهم معنى التنزيل؛ لأنه نبه بما لم يذكر الله في كتابه وهي الحمر بما ذكر «من عمل مثقال ذرة خيرًا» إذ كان معناهما واحدًا، وهذا نفس القياس الذي ينكره من لا تحصيل له.
وحديث اللقطة فيه العفاص والوكاء وهما بكسر أولهما، والأول: الوعاء، والثاني: الربط (٣)، يقال: أوكيته إيكاءً فهو موكى بغير همز. قال ابن القاسم: (العفاص): الخرقة، و(الوكاء): الخيط وعكسه أشهب. قال ابن التين: وأهل اللغة على الأول، و(سقاؤها): جوفها فتستغني به حتى ترد الماء، و(حذاؤها): خفها، وأصل الحذاء: النعال التي تحذى فقيل لأخفافها: حذاء من ذلك، وكذلك يقال لحوافر الخيل. قال المازري: أعناقها.

-----------
(١) وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤ عن ابن مسعود أنه قال «سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: أعظم آية في القرآن ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾ وأعدل آية في القرآن ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ وأخوف آية في القرآن ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ وأرجى آية في القرآن ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ﴾ وعزاه لابن مردويه والشيرازي في»الألقاب«، والهروي في»فضائله«.
(٢) كذا في الأصل وفي (ف): يعين.
(٣) انظر:»النهاية في غريب الحديث«لابن الأثير ٣/ ٢٦٣ مادة (عفص)،»لسان العرب«٥/ ٣٠١٤ مادة (عفص)، ٨/ ٤٩٠٤، مادة (وكأ)،»تاج العروس«٩/ ٣٠٨ (عفص)،»غريب الحديث" لابن سلام ١/ ٣١٧.



١٣ - باب بَيْعِ الحَطَبِ وَالكَلإِ
٢٣٧٣ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ، فَيَكُفَّ اللهُ بِهِ وَجْهَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أُعْطِيَ أَمْ مُنِعَ». [انظر: ١٤٧١ - فتح: ٥/ ٤٦]

٢٣٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ -مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ». [انظر: ١٤٧٠ - مسلم: ١٠٤٢ - فتح: ٥/ ٤٦]

٢٣٧٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ أَبِيهِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنهم أَنَّهُ قَالَ: أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَارِفًا أُخْرَى، فَأَنَخْتُهُمَا يَوْمًا عِنْدَ بَابِ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحْمِلَ عَلَيْهِمَا إِذْخِرًا لأَبِيعَهُ، وَمَعِي صَائِغٌ مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ فَأَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى وَلِيمَةِ فَاطِمَةَ، وَحَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ يَشْرَبُ فِي ذَلِكَ البَيْتِ مَعَهُ قَيْنَةٌ، فَقَالَتْ: أَلَا يَا حَمْزَ لِلشُّرُفِ النِّوَاءِ. فَثَارَ إِلَيْهِمَا حَمْزَةُ بِالسَّيْفِ، فَجَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا، وَبَقَرَ خَوَاصِرَهُمَا، ثُمَّ أَخَذَ مِنْ أَكْبَادِهِمَا -قُلْتُ لاِبْنِ شِهَابٍ: وَمِنَ السَّنَامِ؟ قَالَ: قَدْ جَبَّ أَسْنِمَتَهُمَا فَذَهَبَ بِهَا- قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه: فَنَظَرْتُ إِلَى مَنْظَرٍ أَفْظَعَنِي فَأَتَيْتُ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - وَعِنْدَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَأَخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، فَخَرَجَ وَمَعَهُ زَيْدٌ، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَدَخَلَ عَلَى حَمْزَةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهِ فَرَفَعَ حَمْزَةُ بَصَرَهُ وَقَالَ: هَلْ أَنْتُمْ إِلَّا عَبِيدٌ لآبَائِي فَرَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُقَهْقِرُ حَتَّى خَرَجَ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الخَمْرِ. [انظر: ٢٠٨٩ - مسلم: ١٩٧٩ - فتح: ٥/ ٤٦]


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث الزبير بن العوام، عن النبي - ﷺ - قال: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ أَحْبُلًا، فَيَأْخُذَ حُزْمَةً مِنْ حَطَبٍ فَيَبِيعَ، فَيَكُفَّ اللهُ بِهِ وَجْهَهُ، خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَسْأَل النَّاس أُعْطِيَ أو مُنِعَ».
ثانيها:
حديث أبي عبيد مولى عبد الرحمن بن عوف، أنه سمع أبا هريرة، قال رسول الله - ﷺ -: «لأن يحتطب أحدكم حزمة على ظهره خيرٌ له من أن يسال أحدًا فيعطيه أو يمنعه».
وقد سلفا في باب الاستعفاف عن المسألة (١) (٢)، وأبو عبيد (ع) هذا اسمه سعد بن عبيد مولى عبد الرحمن بن الأزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وينسب أيضًا إلى عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف؛ لأنهما ابنا عم، القرشي الزهري الذي مات سنة ثمانٍ وتسعين، تابعي.
ثالثها:
حديث علي: أَصَبْتُ شَارِفًا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي مَغْنَمٍ يَوْمَ بَدْرٍ قَالَ: وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَارِفًا أُخْرى فأنختهما يومًا عند باب رجل من الأنصار، وأنا أريد أن أحمل عليهما إذخرا لأبيعه، ومعي صائغ من بني قينقاع فأستعين به على وليمة عرس فاطمة، وحمزة بن عبد المطلب

---------
(١) سلف برقم (١٤٧٠ - ١٤٧١) كتاب: الزكاة.
(٢) ورد بهامش الأصل: في الزكاة.



يشرب في ذلك البيت .. الحديث، وسلف بعضه في باب: ما قيل في الصواغ (١).
في الباب: إباحة الاحتطاب في المباحات والاختلاء من نبات الأرض، كل ذلك مباح حتى يقع الحظر من مالك الأرض فترتفع الإباحة، وعن مالك: من كانت له أرض يملكها ليست بأرض جزية فأراد أن يبيع ما ينبت فيها من المرعى بعد (طيبه) (٢) أنه لا بأس به.
وقال أشهب: لا يجوز ذلك؛ لأنه رزق من رزق الله، ولا يحل لرب الأرض أن يمنع منه أحدًا للحديث السالف: «لا يمنع فضل الماء؛ ليمنع به الكلأ» (٣) ولو كان النبات في حائط إنسان لما حلَّ له أن يمنع منه أحدًا للحديث السالف. «لا حمى إلا لله ولرسوله». وقال الكوفيون كقول أشهب (٤).
وفيه: أن تضمين الجنايات بين ذوي الأرحام العادة فيها أن تهدر من أجل القرابة، كما هدر علي قيمة الناقتين، والجناية فيهما مع وكيد الحاجة إليهما، وإلى ما كان يستقبله من الإنفاق في وليمة عرسه.
وفيه: أن للإمام أن يمضي إلى أهل بيت بلغه أنهم على منكر فيغيره.
وفيه: علة تحريم الخمر. ومعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ﴾ [المائدة: ٩١] الآية، من أجل ما جفي به حمزة على الشارع من هُجْر القول (٥).

---------
(١) سلف برقم (٢٠٨٩) كتاب: البيوع.
(٢) كذا في الأصل وفي (ف): جنيه.
(٣) سلف برقم (٢٣٥٣) باب: من قال إن صاحب الماء أحق بالماء.
(٤) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٥٠٩.
(٥) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٠٨ وعزاه إلى المهلب في شرحه.



قوله: (ومعي رجل صائغ) كذا في الأصول، وعند أبي ذر وأبي الحسن. (طالع) أي: يدله على الطريق. و(قينقاع): مثلث النون كما سلف. و(القينة): المغنية وتطلق على الماشطة والأمة. قال ابن فارس: والعامة تسمي المغنية: قينة (١).
وقوله: (فقالت: يا حمز للشرف النواء) حمز مرخم، فإن شئت ضممت الزاي أو فتحتها. (والشُّرُف): جمع شارف وهي المسنة من النوق. قال الداودي: والشرب القوم يجتمعون على الشراب. و(النواء) جمع ناوية، والناوية: السمينة، وقد نوت نياءً ونواية. قال أبو حنيفة: أنوينا إبلنا أسمناها (٢)، وقال الخطابي: الني: السمين (٣)، والنيّ: اللحم الطري، وقال الداودي: النواء: الحباء والكرامة (٤)، جعل الفاء ياء توهمًا فعكس المعنى ولم يروه أحد بالباء، وكذلك تصحف عليه النواء والبيت معروف مشهور وآخره: فهن معقلات بالفِناء، وإنما أخذ حمزة السنام والكبد؛ لأن العرب تقول: أطايب الجزور السنام والكبد. (وثار): وثب. (وجَبَّ) قطع. وقيل: للخصي مجبوب أي: مقطوع، (وبقر): شق، (وأفظعني): هالني، قال ابن فارس: أفظع الأمر وفظع: اشتد وهو مفظع وفظيع (٥)، ودخول علي على رسول الله - ﷺ - وزيد بن حارثة عنده فيه خصوصيته به، وكانوا يلجئون إليه في نوائبهم.

----------
(١) «المجمل» ٢/ ٧٣٩.
(٢) انظر: «المخصص» لابن سيده ٢/ ١٦٤.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٨٢، «معالم السنن» ٣/ ٢٢.
(٤) انظر «مشارق الأنوار» ٢/ ٣٣.
(٥) «المجمل» ٢/ ٧٢٣ مادة (فظع).



وقوله: (هل أنتم إلا عبيد لأبي). قال الداودي: يعني: لأن أباه جدهم، وهو أب، والجد كالسيد، وظاهره بخلاف ذلك؛ لأن حمزة كان ثملًا، فقال ما ليس بحق، وكذلك قال: (هل أنتم إلا عبيد لآبائي).
وقيل فيه: إن السكران إذا نطق وافترى لا شيء عليه، وعورض بأن الشارع وعليًّا تركا حقوقهما، وأيضًا فالخمر كانت حلالًا إذ ذاك بخلاف الآن فيلزم بذلك؛ لأنه أدخله على نفسه.
ومعنى: (يقهقر): يرجع وراءه. وقوله: (وذلك قبل تحريم الخمر)، سببه أن حمزة توفي يوم أحد (١) وحرمت بعد، ولذلك عذره. قال الخطابي: ومن قال بعده لم يعذر (٢).

----------
(١) ورد بهامش الأصل: أي: في السنة الثالثة.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٨٢.



١٤ - باب القَطَائِعِ
٢٣٧٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بن زيد، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَس بن مالك قَالَ: أَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُقْطِعَ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: حَتَّى تُقْطِعَ لإِخْوَانِنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ مِثْلَ الذِي تُقْطِعُ لَنَا قَالَ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي». [٢٣٧٧، ٣١٦٣، ٣٧٩٤ - فتح: ٥/ ٤٧]
حدثنا سليمان بن حرب، ثنا حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد قال: سمعمت أنس بن مالك قال: أراد النبي - ﷺ - أن يقطع من البحرين، فقالت الأنصار: حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا، فقال: «سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني».


١٥ - باب كِتَابَةِ القَطَائِعِ
٢٣٧٧ - وَقَالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: دَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - الأَنْصَارَ لِيُقْطِعَ لَهُمْ بِالبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشٍ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً، فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي». [انظر: ٢٣٧٦ - فتح: ٥/ ٤٨]
وقالَ اللَّيْثُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَنَسٍ: دَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - الأَنْصَارَ ليُقْطِعَ لَهُمْ بِالبَحْرَيْنِ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ فَعَلْتَ فَاكْتُبْ لإِخْوَانِنَا مِنْ قُرَيْشِ بِمِثْلِهَا، فَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي ..» الحديث.
الشرح:
قال أبو نعيم: ذكر البخاري حديث الليث بلا رواية، وأراه أنه كان عنده عن عبد الله بن صالح فلذلك أرسله.
وعند الإسماعيلي: أقطع الأنصار البحرين أو أراد أن يعطيهم أو دعاهم ليقطعهم. قالوا: لا، حتى تقطع إخواننا من المهاجرين مثل الذي أقطعتنا، وفي لفظ: دعا الأنصار ليقطعهم البحرين أو طائفة منها.
قال حماد بن زيد: قال يحيى: فمن لهم في هذا الأمر ما للأنصار أمرهم أن يصبروا حتى يلقوه، فمن لم يكن له من الحق ما للأنصار أن يصبر.
قال الإسماعيلي: ذكر الكتاب الثوري وابن عيينة وأبو بكر بن عياش والثقفي وجرير والقاسم بن معن وغيرهم عن يحيى، ولفظه: «ستلقون بعدي أثرة» للأنصار، رواها البخاري، عن أسيد بن حضير في مناقب


الأنصار (١). وعن عبد الله بن زيد بن عاصم في غزوة الطائف (٢)، وعن أنس بن مالك بزيادة: «أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الخوض» (٣).
إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
(ليقطع لهم) بضم الياء من أقطع، يقال: استقطع فلان الإمام إذا سأله أن يعطيه شيئًا وهو تسويغ الإمام من مال الله شيئًا لمن يراه أهلًا لذلك، وأكثر ما يستعمل في إقطاع الأرض، وهو أن يخرج منها شيئًا يحوزه إما أن يملكه إياه فيعمره أو يجعل له غلته مدة. وفي الحديث: لما قدم المدينة أقطع الناس الدور (٤)، أي: أنزلهم في دور الأنصار.
قال صاحب «المطالع»: والذي في هذا الحديث ليس من هذا، فإن البحرين كانت صلحًا فلم يكن لهم في أرضها شيء وإنما هم أهل جزية، وإنما معناه عند علمائنا: إقطاع مال من جزيتهم يأخذونه فقال: منه أقطع بالألف وأصله من القطع كأنه قطعه له من جملة المال. وقد جاء في

-------
(١) البخاري (٣٧٩٢) المناقب: قول النبي - ﷺ - للأنصار: «اصبروا حتى تلقوني على الحوض».
(٢) سيأتي برقم (٤٣٣٠) كتاب المغازي.
(٣) سيأتي برقم (٣١٤٧) كتاب فرض الخمس، باب: ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه.
(٤) رواه الطبراني ١٠/ ٢٢٢ (١٠٥٣٤)، وفي «الأوسط» ٥/ ١٦٢ (٤٩٤٩)، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ٣١٥، عن يحيى بن جعدة، عن ابن مسعود، مرفوعًا، ورواه الشافعي في «مسنده» بترتيب السندي ٢/ ١٣٣ (٤٣٥)، والبيهقي في «الكبرى» ٦/ ١٤٥ (١١٨٠١)، عن يحيى بن جعدة، موقوفا. قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٩٧: رواه الطبراني في «الكبير» و«الأوسط» ورجاله ثقات.



حديث بلال بن الحارث أنه - عليه السلام - أقطعه معادن القبلية، رواه أحمد (١).
وقال الخطابي: إقطاعه من البحرين كان على أحد وجهين إما من الموات الذي لم يملكه أحد فيملك بالإحياء، وإما أن يكون من العمارة من حقه في الخمس، فقد روي أنه افتتح البحرين فترك أرضها فلم يقسمها كما فتح أرض بني النضير فتركها ولم يقسمها كما قسم خيبر.
قال: وذهب أكثر أهل العلم إلى أن العامر من الأرض للحاضر النفع، والأصول من الشجر كالنخل وغيرها، وأما المياه التي في العيون والمعادن الظاهرة كالملح والقار والنفط ونحوها لا يجوز إقطاعها، وذلك أن الناس كلهم شركاء في الماء والملح، وما في معناهما مما يستحقه الآخذ له بالسبق إليه، فليس لأحد أن يحتجزها لنفسه أو يحظر منافعها على أحد من شركائه المسلمين.
وقد روي أنه - عليه السلام - أقطع أبيض بن حمال المازني ملح مأرب، فقال رجل: يا رسول الله، إنه كالماء العدّ؛ قال: «فلا إذًا» (٢) رواه أصحاب السنن الأربعة واستغربه الترمذي، وفي بعض نسخه تحسينه (٣)، وصححه ابن حبان (٤).

-----------
(١) «مسند أحمد» ١/ ٣٠٦، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٦٩٢).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٨٩ - ١١٩٠.
(٣) رواه أبو داود (٣٠٦٤)، والترمذي (١٣٨٠) وقال: حديث غريب، وابن ماجه (٢٤٧٥)، والنسائي في «الكبرى» واللفظ له ٣/ ٤٠٥، ٤٠٦.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٦٤: وصححه ابن حبان وضعفه ابن القطان.
وقال الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٩٤): حسن دون جملة الخفاف وصححه ابن حبان.
(٤) «صحيح ابن حبان» ١٠/ ٣٥١ (٤٤٩٩).



وخالف ابن القطان (١).
ولابن ماجه أنه - ﷺ - لما استقاله أقطع له أرضًا بالجرف، جرف مراد مكانه حين أقاله منه (٢)، وللترمذي مصححًا أنه سأل النبي - ﷺ - عن حمى الآراك فقال: «لا حمى فيه» (٣)، فأما المعادن التي لا يتوصل إلى نيلها ونفعها إلا بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها، فإن ذلك لا يوجب الملك الباتَّ، ومن أقطع شيئًا منها كان له ما دام يعمل فيه، فإذا قطع العمل عاد إلى أصله، فكان للإمام إقطاعه غيره (٤).
ونقل ابن بطال عن إسماعيل بن إسحاق: أن مال البحرين كان من الجزية -وقد أسلفناه-؛ لأن المجوس كانوا فيها كثيرًا في ذلك الوقت بسبب سلطان كسرى كان بها وكان فيها أيضًا من أهل الذمة سوى
المجوس، وكان عامله عليها أبان بن سعيد بن العاص.
قال ابن بطال: فهذا يدل أن الذي أراد أن يقطع النبي - ﷺ - للأنصار من البحرين لم تكن نفس الأرض؛ لأنها كانت أرض صلح يؤدي أهلها الجزية عليها، وإنما أراد أن يقطع لهم مالًا يأخذونه من جزية البحرين؛ لأن الجزية تجري مجرى الخراج والخمس، يجوز أخذها للأغنياء، وليست تجري مجرى الصدقة.

---------
(١) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٨٠ (٢٣٢٣). وقال فيه: وسكت عنه -يعني: عبد الحق-[يعني عبد الحق]، وكل من دون أبيض بن حمال مجهول، وهم خمسة، ما منهم من يعرف له حال، ومنهم من لم يرو عنه شيء من العلم إلا هذا، وهم الأربعة يستثنى منهم محمد بن يحيي بن قيس، فإنه قد روى عنه جماعة.
(٢) «سنن ابن ماجه» (٢٤٧٥).
(٣) رواه الترمذي (١٣٨٠) بلفظ مقارب.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٩٠.



ثانيها:
قوله: (فلم يكن ذلك عند رسول الله - ﷺ -) يعني: فلم يرده؛ لأنه كان أقطع المهاجرين أرض بني النضير حين جلوا عنها فاستغنوا عن (زبد) (١) الأنصار ومشاركتهم وردوا إليهم منائحهم.
ثالثها:
قوله للأنصار: («إنكم سترون بعدي أثرة») يدل أن الخلافة لا تكون فيهم، ألا ترى أنهم جعلهم تحت الصبر إلى يوم يلقونه، والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه (٢).
رابعها:
(الأثرة): بضم الهمزة وإسكان الثاء، ويروى بفتحهما. قال صاحب «المطالع»: وبهما قيده الجياني وهما صحيحان، ويقال أيضًا: بكسر الهمزة وإسكان الثاء. قال الأزهري: وهو الاستئثار (٣) أي: يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم. وعن أبي علي القالي. الأُثْرة: الشدة، وفي «الواعي» عن ثعلب: إنها بالضم خاصة: الجدب والحال غير المرضية، وعن غيره: التفضيل في العطاء، وجمع الأُثرة: أُثر، والإِثرة: إِثر. وقال ابن التين: الأثرة: ما يؤثر به الرجل، أي: يفضل. قال: وقيل معناه: سترون استئثارًا عليكم واستبدادًا بالحظ دونكم فلم يبن من يؤثر عن نفسه في الخصاصة وبين من يستأثر بحق غيره.

----------
(١) كذا بالأصل، وفي المطبوع من ابن بطال: رفد.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٠٩ - ٥١٠.
(٣) «معجم تهذيب اللغة» ١/ ١٢٠ مادة (أثر).



خامسها:
روي في الإقطاعات أحاديث منها: حديث أسماء بنت أبي بكر عند الشيخين: كنت أنقل النوى من أرض الزبير -التي أقطعه رسول الله - ﷺ - على رأسي وهو على (ثلاثة فراسخ) (١).
ولأبي داود: أقطعه نخلًا (٢).
وعن ابن عمر من رواية العمري: أقطع رسول الله - ﷺ - الزبير حُضْرَ فرسه (٣).
وفي «الأموال» لأحمد بن عمرو (ق) بن أبي عاصم (ع) النبيل من حديث علقمة بن وائل عن أبيه أنه - ﷺ - أقطعه أرضًا فأرسل معي معاوية وقال: أعلمها إياه (٤)، ومن حديث زياد (٥) بن أبي هند الداري: سألنا رسول الله - ﷺ - ونحن ستة إخوة أن يقطعنا أرضًا من الشام وهو يومئذٍ بمكة فكتب لنا ببيت عين وجبرين وبيت إبراهيم لنا ولأعقابنا (٦).
وعن مجاعة اليمامي قال: أقطعني النبي - ﷺ - الغورة وعوانة والخبل (٧).
ولأبي داود عن عمرو بن حريث قال: خطَّ لي رسول الله - ﷺ - دارًا

--------
(١) كذا بالأصل وفي البخاري ومسلم (ثلثي فرسخ)، البخاري (٣١٥١)، ومسلم (٢١٨٢).
(٢) أبو داود (٣٠٦٩).
(٣) أبو داود (٣٠٧٢) وقال الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٥٥٠): إسناده ضعيف.
(٤) رواه الطبراني في «الكبير» ٢٢/ ١٣ (١٣) والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٤٤.
(٥) ورد بهامش الأصل: زياد تابعي هذا الصحيح.
(٦) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ ١١ - ١٢ مطولًا، والطبراني ٢٢/ ٣٢٠ (٨٠٦)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٨: وفيه: زياد بن سعيد وهو متروك.
(٧) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ٣٠٩.



بالمدينة بقوسه (١).
وعن ربيعة بن كعب الأسلمي قال: أعطاني رسول الله - ﷺ - أرضًا وأعطى أبا بكر .. الحديث (٢). وعن عثمان بن أبي حكيم عن أبيه، عن جده صخر أن رسول الله - ﷺ - غزا ثقيفًا .. الحديث.
وفيه: قلت: يا رسول الله، إنهم هربوا عن الماء فأنزلنيه أنا وقومي فأنزله .. الحديث (٣).

----------
(١) رواه أبو داود (٣٠٦٠)، بلفظ: خط لي رسول الله - ﷺ - دارا بالمدينة بقوس، وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٤/ ٤٢٤ (٢٠٠١): يرويه فطر بن خليفة عن أبيه عن عمرو بن حريث. وفطر ثقة، لكن أبوه لا تعرف حاله ولا من روى عنه غير ابنه وأيضًا فإن عمرو بن حريث لم يدرك سنه هذا المعنى فإنه إما أنه كان يوم بدر حملًا، حسب ما روى شريك عن أبي إسحاق، وإما قبض النبي - ﷺ - وهو ابن اثنتي عشرة سنة في قول ابن إسحاق. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٢/ ١٨٩: خبره عن عمرو بن حريث منكر، وقال ابن حجر في «التهذيب» ١/ ٥٥٢: وهذا الكلام تلقفه الذهبي من ابن القطان فإنه ضعف هذا الحديث به لما تعقبه على عبد الحق وأعله بأن خليفة مجهول الحال. وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٥٤٥).
(٢) رواه أحمد مطولًا ٤/ ٥٨ والطيالسي ٢/ ٤٩٣ (١٢٧٠) والطبراني ٥/ ٥٨ (٤٥٧٧) والحاكم في «المستدرك» ٢/ ١٧٢ - ١٧٤ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وتعقبه الذهبي فقال في «التلخيص» ٢/ ١٧٤: ولم يحتج مسلم بمبارك.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٤٥: رواه الطبراني وأحمد بنحوه في حديث طويل تقدم في النكاح وفيه مبارك بن فضالة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات.
(٣) رواه أبو داود (٣٠٦٧)، البيهقي في «سننه» ٩/ ١١٤ وقال: وإسناده ليس بقوي.
وقال عبد الحق في «أحكامه الوسطي» ٣/ ٧٥: والحديث معروف وليس طرقه بقوية. ا. هـ. وقال أيضًا: عثمان بن أبي حازم لا أعلم روى عنه إلا أبان بن عبد الله.
وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٢٦٠: أبو حازم بن صخر لا يعرف روى عنه إلا ابنه عثمان ولا يعرف بغير هذا الحديث. وضعفه الألباني في «ضعيف سنن أبي داود» (٥٤٧).



وعن قيلة بنت مخرمة قالت: سأل حريث بن حسان رسول الله - ﷺ - أن يكتب بينه وبين تميم بالدهناء لا يجاوزها منهم إلينا أحد؛ فقال: «اكتب يا غلام بالدهناء»، قلت: يا رسول الله، الدهناء مقيل الجمل ومرعى الغنم ونساء تميم وأبناؤها وراء ذلك فقال: «أمسك يا غلام صدقة المسكينة، المسلم أخو المسلم يسعهما الماء والشجر» (١).
وعن سبرة بن عبد العزيز بن الربيع الجهني، عن أبيه، عن جده، أن النبي - ﷺ - قال: «من أهل ذوي المروءة؟» فقالوا: (بني) (٢) رفاعة من جهينة فقال: «قد أقطعتها لبني رفاعة» (٣) (٤).

----------
(١) رواه أبو داود (٣٠٧٠)، والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٥٠، والطبراني ٢٥/ ٧، وقال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ١٢: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في «صحيح سنن أبي داود» (٢٦٩٧).
(٢) فوق هذِه الكلمة في (س، ف) كلمة: (كذا).
(٣) رواه أبو داود (٣٠٦٨)، والبيهقي ٦/ ١٤٩، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٥٤٨).
(٤) ورد بهامش الأصل: وبلغ في السابع بعد الستين، كتبه مؤلفه.



١٦ - باب حَلَبِ الإِبِلِ عَلَى المَاءِ
٢٣٧٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مِنْ حَقِّ الإِبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ». [انظر: ٢٣٧١ - مسلم: ٩٨٧ - فتح: ٥/ ٤٩]
الحلب (١): بفتح اللام، قاله: الخليل (٢)، وقال ابن فارس: الحلب: حلب اللبن، الاسم والمصدر صورة واحدة (٣).
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مِنْ حَقِّ الإبِلِ أَنْ تُحْلَبَ عَلَى المَاءِ».
يعني: الحق المعهود والمتعارف بين العرب من التصدق باللبن علي المياه إذا كانت طوائف الضعفاء والمساكين ترتصد يوم ورود الإبل على الماء لتنال من رسلها وتشرب من لبنها، وهذا حق حلبها على الماء؛ لا أنه فرض لازم عليهم، وقد تأول بعض السلف في قوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]، هو أن يعطى المساكين عند الجذاذ والحصاد ما تيسر من غير الزكاة، وهذا مذهب ابن عمر، وبه قال عطاء ومجاهد وسعيد بن جبير، وجمهور الفقهاء على أن المراد

--------
(١) ورد بهامش الأصل: قال في «المطالع»: وبالفتح ضبطناه في ترجمة الباب في البخاري وهو الذي خطه النحاة (…) في حلبها يوم وردها بالسكون وبالفتح وقال: كلاهما صحيح، وفي «الجمهرة» الحلب يعني: بالفتح المصدر وفي القاموس (....) الحلب بالفتح والسكون: استخراج ما في الضرع من اللبن.
(٢) «العين» ٣/ ٢٣٧.
(٣) انظر: «العين» ٣/ ٢٣٧، «مجمل اللغة» ١/ ٢٤٨.



بالآية الزكاة المفروضة، وهو تأويل ابن عباس وغيره، وقد سلف إيضاح ذلك في باب: إثم مانع الزكاة (١)، وهذا كما نهي عن جذاذ الليل؛ لأجل حضور المساكين، وأجازه مالك ليلًا، وأغرب الداودي فضبط تجلب بالجيم، وقال: أراد تجلب لموضع سقيها فيأتيه المصدق، ولو كان كما ذكره لكان أن تجلب إلى الماء ولم يقل: على الماء.
-----------
(١) سلف برقم (١٤٠٢) كتاب: الزكاة.


١٧ - باب الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَمَرٌّ، أَوْ شِرْبٌ فِي حَائِطٍ أَوْ فِي نَخْلٍ
قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ». فَلِلْبَائِعِ المَمَرُّ وَالسَّقْيُ حَتَّى يَرْفَعَ، وَكَذَلِكَ رَبُّ العَرِيَّةِ.

٢٣٧٩ - أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَالٌ فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ». [انظر: ٢٢٠٣ - مسلم: ١٥٤٣ - فتح: ٥/ ٤٩] وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: فِي العَبْدِ.

٢٣٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنهم قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا. [انظر: ٢١٧٣ - مسلم: ١٥٣٩ - فتح: ٥/ ٥٠]

٢٣٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنِ المُخَابَرَةِ، وَالمُحَاقَلَةِ، وَعَنِ المُزَابَنَةِ، وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، وَأَنْ لَا تُبَاعَ إِلَّا بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إِلَّا العَرَايَا. [انظر: ١٤٨٧ - مسلم: ١٥٣٦ - فتح: ٥/ ٥٠]

٢٣٨٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ حُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي سُفْيَانَ -مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: رَخَّصَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. شَكَّ دَاوُدُ فِي ذَلِكَ. [انظر: ٢١٩٠ - مسلم: ١٥٤١ - فتح: ٥/ ٥٠]
٢٣٨٣، ٢٣٨٤ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي الوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بُشَيْرُ بْنُ يَسَارٍ -مَوْلَى بَنِي حَارِثَةَ- أَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ، وَسَهْلَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أَصْحَابَ


العَرَايَا فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بُشَيْرٌ مِثْلَهُ. [انظر:

٢١٩١ - مسلم: ١٥٤٠ - فتح: ٥/ ٥٠]
ذكر فيه حديث ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنِ ابْتَاعَ نَخْلًا بَعْدَ أَنْ تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ، وَمَنِ ابْتَاعَ عَبْدًا وَلَهُ مَال فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ المُبْتَاعُ».
وَعَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: فِي العَبْدِ.
وحديث زيد بن ثابت: رَخَّصَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ تُبَاعَ العَرَايَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا.
وحديث جابر في النهي عن المخابرة والمحاقلة والمزابنة، وعن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، وأن لا يباع إلا بالدينار والدرهم إلا العرايا.
وحديث أبي هريرة: رَخَّصَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي بَيْعِ العَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، أَوْ فِي خَمْسَةِ أَوْسُقٍ. شَك دَاوُدُ فِي ذَلِكَ.
وحديث بشير بن يسار، عن رَافِع بْنِ خَدِيجٍ، وَسَهْل بْنِ أَبِي حَثْمَةَ، أنه - ﷺ - نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ بَيْع الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ، إِلَّا أصْحَابَ العَرَايَا فَإِنَّهُ أَذِنَ لَهُمْ. وَقَالَ ابن إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي بُشَيْرٌ مِثْلَهُ.
وقد سلفت هذِه الأحاديث مفرقة في مواطنها، وشيخ البخاري في الأخير: زكريا (خ. ت) بن يحيى هو: البلخي الحافظ، روى في العيد، عن زكري بن يحيى، وهو: الطائي الكوفي (١)، وفي طبقتهما آخر قاض

-----------(١) ذكر المصنف أن زكري ابن يحيى هنا هو البلخي وخالفه العيني في «عمدة القاري» ١٠/ ٢٣٣ فقال: وهنا أخرجه عن زكرياء بن يحيى الطائي الكوفي، وقال الجياني في: «تقييد المهمل» ٢/ ٥١٧ - ٥١٨: كلاهما حدث عنه البخاري. فالأول: زكرياء بن يحيى بن صالح أبو صالح البلخي الحافظ، وكناه المزي في «التهذيب» =



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #446  
قديم 30-04-2026, 08:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 391 الى صـــ 410
الحلقة (446)





شيخ مسلم (١)، ورابع -يعرف بخياط (س) السنة- شيخ النسائي (٢).
وأراد البخاري أن يستدل من حديث ابن عمر وحديث زيد بن ثابت على تصحيح ما ترجم به، وذلك أنه - ﷺ - لما جعل لبائع أصول النخل الثمرة بعد أن تؤبر كان له أن يدخل في الحائط لسقيها وتعهدها حتى

-------
= أبا يحيى عن أبي أسامة وعبد الله بن نمير حدث عنه في الوضوء والتيمم والمغازي في باب مرجع النبي، والثاني: زكري ابن يحيى أبو السكين الطائي يحدث عن ابن نمير وعبد الرحمن المحاربي في كتاب: «العيدين». وذكر الدارقطني في «تسمية رجال البخاري»: زكرياء بن يحيى الكوفي؛ ولعله يريد أبا السُّكين، وذكر أبو أحمد بن عدي في باب من حدث عنه البخاري: زكرياء بن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة الكوفي، وقال: يروى عن ابن نمير. ولم يذكره أبو نصر الكلاباذي إنما ذكر زكريا بن يحيى البلخي وزكرياء بن يحيى أبا السكين لا غير. اهـ.
قلت: لم أجد زكري ابن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة هذا ولعله وهم، وقال المصنف في كتابه «المقنع في علوم الحديث» ٢/ ٦١٤ باب معرفة المتفق والمفترق من الأسماء والأنساب ونحوها: هو متفق لفظًا وخطًّا -مع تباين الأشخاص- وهذا من قبيل ما يسمى في أصول الفقه: (المشترك). وزلق بسببه غير واحد من الأكابر ولم يزل الاشتراك من مظان الغلط في كل علم.
(١) هو زكريا بن يحيى بن صالح بن يعقوب القضاعي أبو يحيى المصري الحرس كاتب العمري القاضي واسمه عبد الرحمن بن عبد الله روى عن رشدين بن سعد وعبد الله بن وهب، روى عنه مسلم وأحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، وإسماعيل بن داود وغيرهم. انظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٩/ ٣٨٠ (٢٠٠) و«الكاشف» ١/ ٤٠٦.
(٢) هو زكريا بن يحيى بن إياس بن سلمة بن حنظلة بن قرة السجزي أبو عبد الرحمن المعروف بخياط السنة سكن دمشق. روى عن إبراهيم بن إسحاق البصري، وإبراهيم بن سعيد الجوهري، وأحمد بن السكن الأبلى روى عنه النسائي وهو من أقرانه وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سنان.
وقال النسائي: ثقة وقال عبد الغني بن سعيد حافظ ثقة وانظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ٩/ ٣٧٤، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٥٠٧ و«تهذيب التهذيب» ١/ ٦٣٣.



يجذها، ولم يجز لمشتري أصول النخل أن يمنعه الطريق والممر إليها، وكذلك يجوز لصاحب العرية أن يدخل في حائط المعرى لتعهد عريته وإصلاحها وسقيها، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء، وأما من له طريق مملوكة في أرض غيره، فقال مالك: ليس للذي له الطريق أن يدخل فيها بماشيته وغنمه؛ لأنه يفسد زرع صاحبه.
وقال الكوفيون والشافعي: ليس لصاحب الأرض أن يزرع في موضع الطريق.
وفي قوله: «وله مال» أن العبد يملك لإضافة المال إليه بلام التمليك، وإن كان يحتمل الاختصاص والنسبة، لا جرم تردد قول الشافعي فيما إذا ملك مالًا، والأظهر أنه لا يملك وفاقًا لأبي حنيفة، ومعنى قوله: «إلا أن يشترط المبتاع» أنه لمن كان له قبل البيع.
وقوله: «يشترط» كذا وقع هنا بغير هاء، وذكره الإسماعيلي بهاء وبغير هاء، واستدل به من استثنى بعض الثمرة وبعض مال العبد وهي رواية أشهب، ومنعه مالك.
وفي رواية ابن حبيب: وهذا إذا كان العبد جميعه للبائع وإن كان له بعضه فضربان أحدهما: أن يكون الباقي عبدًا أو حرًا فالأول إن باع نصيبه من شريكه لم يجز البيع على الإطلاق؛ لأن الإطلاق يقتضي
أن يكون له من مال العبد بقدر نصيبه، ولا يجوز انتزاعه إلا بإذن الشريك والإذن معدوم.
والثاني: يجوز بيعه مطلقًا، ولا يشترط كون المال للبائع؛ لأنه لا يملك انتزاع من فيه جزء من الجزية ويجوز بيعه بشرط تبقية المال في يد العبد.


خاتمة
وقوله: (وعَنْ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ: فِي العَبْدِ)، قال الداودي: حديث مالك عن نافع، عن ابن عمر في الثمرة إنما رواه عن عمر وهو وهم من نافع؟ والصحيح ما رواه ابن شهاب عن سالم، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - في العبد والثمرة، واعترض ابن التين فقال: لا أدري من أين أدخل الداودي الوهم على نافع وما المانع من أن يكون عمر قال ما تقدم من قوله - عليه السلام -!


٤٣
كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤٣ - كتاب الاستقراض وأداء الديون والحجر والتفليس
١ - باب مَنِ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ وَلَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُهُ، أَوْ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ
٢٣٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنِ المُغِيرَةِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: «كَيْفَ تَرَى بَعِيرَكَ؟ أَتَبِيعُنِيهِ». قُلْتُ: نَعَمْ. فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالبَعِيرِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَهُ. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح ٥/ ٥٣]

٢٣٨٦ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَمِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اشْتَرَى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح ٥/ ٥٣]


ذكر فيه حديث جَابِر: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: «كَيْفَ تَرى بَعِيرَكَ؟ أتبيعُنِيهِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَبِعْتُهُ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالبَعِيرِ، فَأعْطَانِي ثَمَنَهُ.
وحديث عَائِشَةَ أَنَّه - ﷺ - اشْتَرى طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ إِلَى أَجَلٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ.
وقد سلفا. وقام الإجماع على أن استقراض (النقدين) (١) والمطعوم جائز (٢)، والشراء بالدين مباح؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وقد اشترى الشارع الجمل من جابر في سفره ولم يقضه ثمنه إلا بالمدينة، وكذا شراؤه من اليهودي الطعام إلى أجل، فصار ذلك كله سنة متبعة لا محيص عنها.
فائدة:
قول البخاري في حديث جابر: (حدثنا محمد) هو ابن سلام البيكندي وليس محمد بن يوسف البيكندي كما ذكر بعضهم.
قال الجياني: نسبه ابن السكن: ابن سلام، وفي نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم (٣): حدثنا محمد بن يوسف، ثنا جرير، فذكر حديث بريرة. قال أبو علي: هو ابن سلام إن شاء الله (٤).

------------
(١) كذا في الأصل، وفي (ف): البدن.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٥١٢.
(٣) ورد بهامش الأصل: في نسختي كذلك عن أبي الهيثم.
(٤) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٩ - ١٠٣٠.



فائدة ثانية:
اعترض ابن المنير فقال: في الترجمة حيف؛ لأن مضمونها جواز الاستقراض والانتفاع بالدين لمن لا عنده وفاء، ويدخل في ذلك من لا قدرة له على الوفاء إذا لم يعلم البائع أو المقرض حاله، وهذا تدليس، والذي في الحديث غير هذا؛ لتحقيق قدرته - عليه السلام - على الوفاء بما عقد عليه (١).
قلت: مع أنه قال: «لا أشتري ما ليس عندي ثمنه»، أخرجه الحاكم من حديث ابن عباس وصححه (٢)، وعند الحاكم أيضًا عن عائشة أنها كانت تدان؛ فقيل لها: مالك والدين وليس عندك قضاء؟ قالت: إني سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ما من عبد كانت له نية في أداء دينه إلا كان له من الله -عز وجل- عون» فأنا ألتمس ذلك العون (٣).

------------
(١) «المتواري» ص ٢٦٧.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٢٤، من طريق سعيد بن سليمان الواسطي، ثنا شريك، عن سماك، عن عكرمة عن ابن عباس، به. ورواه أبو داود (٣٣٤٤) مرسلًا وموصولًا، وأحمد ١/ ٢٣٥ والطبراني ١١/ ٢٨٢ (١١٧٤٣).
قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١١٠: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. وقال ابن حجر في «الفتح» ٥/ ٥٣: قوله: (باب من اشترى بالدين وليس عنده أو بحضرته) أي: فهو جائز، وكأنه -أي: البخاري- يشير إلى ضعف ما جاء عن ابن عباس، مرفوعًا: «لا أشتري ما ليس عندي ثمنه». وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» ١٠/ ٣٠٩ (٤٧٦٦) وقال: هو ضعيف موصولا ومرسلا.
(٣) «المستدرك» ٢/ ٢٢، من طريق حجاج بن منهال، عن القاسم بن الفضل، عن محمد بن علي، عن عائشة به. ورواه أحمد ٦/ ٧٢، وابن راهويه في «مسنده» ٢/ ٥٢٩ (١١١١) ومن طريقه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٣٩١ (٢٧٦٨)، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٣٥٤.
وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (١٨٠١)، «صحيح الجامع» (٥٧٣٤).



وعن ميمونة بنت الحارث (١) وابن جعفر مثله (٢).
وعن أبي أمامة مرفوعًا: «من تداين وفي نفسه وفاؤه، ثم مات تجاوز الله عنه وأرضى غريمه بما شاء، ومن تداين بدينٍ وليس في نفسه وفاؤه، ثم مات اقتص الله لغريمه منه يوم القيامة» (٣).
وقد صح ما يقتضي التشديد فيه، فأخرج على شرط مسلم من حديث ابن عمر مرفوعًا:

-----------
(١) «المستدرك» ٢/ ٢٣، ورواه النسائي ٧/ ٣١٥، وابن ماجه (٢٤٠٨) وأحمد ٦/ ٣٣٢، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٤/ ٢١٤ (٢٠٢٠)، وأبو يعلى في «مسنده» ١٢/ ٥١٤ - ٥١٥ (٧٠٨٣) والطبراني ٢٤/ ٢٤ - ٢٥، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٣٥٤، وقال الألباني في «الصحيحية» (١٠٢٩): صحيح بمجموع طرقه.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٢٣، ورواه ابن ماجه (٢٤٠٩)، والدارمي في «مسنده» ٣/ ١٦٩٠ (٢٦٣٧)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٧٥ - ٤٧٦، والبزار في «مسنده» ٦/ ٢٠٢ (٢٢٤٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٠٤، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٣٥٥، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤٧٥، من طريق محمد بن إسماعيل بن أبي فديك، عن سعيد بن سفيان، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر به.
قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال أبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٠٤: حديث غريب من حديث جعفر وأبيه.
وقال البوصيري في «زوائده» ١/ ٣٢٧: هذا إسناد صحيح.
وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٥٤: إسناده حسن، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» برقم (١٠٠٠).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٢٣، والطبراني ٨/ ٢٤٠ (٧٩٣٧)؛ كلاهما من طريق بشير بن نمير، عن القاسم، عن أبي أمامة، به. قال الذهبي في «التلخيص»: بشر متروك، وكذا قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ٥٣.
ثم رواه الطبراني ٨/ ٢٤٣ (٧٩٤٩) من طريق جعفر بن الزبير عن القاسم عن أبي أمامة مطولًا.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٣٢: وفيه جعفر بن الزبير وهو كذاب.
وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١١٢٤): ضعيف جدًّا.



«الدين راية الله في الأرض، فإذا أراد أن يذل عبدًا وضعها في عنقه» (١).
وأخرج من حديث محمد بن جحش وقال: صحيح الإسناد أن النبي - ﷺ - قال: «سبحان الله! ما أنزل الله من التشديد»، فسئل عن ذلك التشديد قال: «الدَّيْن، والذي نفس محمد بيده (لو) (٢) قتل رجل في سبيل الله، ثم عاش وعليه دين ما دخل الجنة حتى يقضى دينه» (٣).
وأخرج أيضًا من حديث عقبة بن عامر وقال: صحيح الإسناد مرفوعًا: «لا تخيفوا أنفسكم» قيل: يا رسول الله، وما يخيف أنفسنا؟ قال: «الدين» (٤).

----------
(١) «المستدرك» ٢/ ٢٤، من طريق بشر بن عبيد، عن حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، به. وتعقبه الذهبي فقال: بشر واهٍ.
وكذا رواه الديلمي كما في «الفردوس بمأثور الخطاب» ٢/ ٢٢٧ (٣٠٩٧) وأورده السيوطي في «الجامع الصغير» ورمز له بالصحة وتعقبه المناوي في «فيض القدير» ٣/ ٧٤٣ (٤٣٠٤): فقال: ورده الذهبي؛ فقال: بشر واهٍ، فالصحة من أين؟ وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٧٤٣): موضوع.
(٢) في الأصل: ولو، والمثبت اللائق بالسياق.
(٣) «المستدرك» ٢/ ٢٥، من طريق العلاء بن عبد الرحمن، عن أبي كثير مولى محمد بن جحش، عن محمد بن جحش، به. ورواه النسائي ٧/ ٣١٤، وأحمد ٥/ ٢٨٩، وعبد بن حميد في «مسنده» ١/ ٣٢٥ (٣٦٧)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١٨٤ (٩٢٨) والطبراني ١٩/ ٢٤٨ (٥٦٠)، والبيهقي في «الشعب» ٤/ ٣٩٨ - ٣٩٩ (٥٥٣٦)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٤٦٠، وصححه الألباني كما في «أحكام الجنائز» ص ١٣٦، «صحيح الترغيب والترهيب» (١٨٠٤).
(٤) «المستدرك» ٢/ ٢٦، ورواه أحمد ٤/ ١٤٦، والبيهقي في «السنن» ٥/ ٣٥٥، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (٢٤٢٠).



ومن حديث ثوبان وقال: على شرطهما مرفوعًا: «من مات وهو بريء من ثلاث: الكبر (١) والغلول، والدين دخل الجنة» (٢).
وقد أسلفنا حديث أبي هريرة مرفوعًا: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى دينه». قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (٣).

----------
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: الكبر بالباء الموحدة والراء، قال شيخنا المؤلف: وقال ابن الحسين عن الدارقطني: إنما هو الكنز بالنون والزاي.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٢٦، ورواه الترمذي (١٥٧٢)، (١٥٧٣)، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٢٣٢ (٨٧٦٤)، وابن ماجه (٢٤١٢) وأحمد ٥/ ٢٧٦، وابن حبان في «صحيحه» ١/ ٤٢٧ (١٩٨).
وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٣٥١)، «صحيح الجامع الصغير» (٦٤١١).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٢٦ - ٢٧، والحديث سبق تخريجه.



٢ - باب مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَوْ إِتْلَافَهَا
٢٣٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِي الغَيْثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَ يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أَتْلَفَهُ اللهُ». [فتح ٥/ ٥٣]
ذكر فيه حديث أبي الغيث -واسمه سالم (١) - عن أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّاها اللهُ عَنْهُ، وَمَنْ أخذها يُرِيدُ إِتْلَافَهَا أتلَفَهُ اللهُ».
هذا الحديث شريف. ومعناه: الحض على ترك استئكال أموال الناس، والتنزه عنها، وحسن التأدية إليهم عند المداينة، وقد حرم الله تعالى في كتابه أكل أموال الناس بالباطل وخطب به - عليه السلام - في حجة الوداع، فقال: «إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام» (٢)، يعني: من بعضكم على بعض.
وفيه: أن الثواب قد يكون من جنس الحسنة، وأن العقوبة قد تكون من جنس الذنوب؛ لأنه جعل مكان أداء الإنسان أداء الله عنه، ومكان إتلافه إتلاف الله له.
(١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: وأبو الغيث سالم مولى عبد الله بن مطيع، ثقة.
(٢) سلف برقم (١٠٥) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، من حديث أبي بكرة.



قال الداودي: وفيه: أن من عليه دين لا يعتق ولا يتصدق، وإن فعل ردَّ.
قلت: هو مذهب مالك (١).
وفيه: أن من كان عليه دين يريد قضاءه، فإن الله معه حتى يقضيه (٢).

-----------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ٦ - ٧.
(٢) ورد بهامش الأصل: آخر ١ من ٨ من تجزئة المصنف.



٣ - باب أَدَاءِ الدُّيُونِ
وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾. [النساء: ٥٨].

٢٣٨٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا أَبُو شِهَابٍ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا أَبْصَرَ -يَعْنِي: أُحُدًا- قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنَّهُ يُحَوَّلُ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ». ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ الأَكْثَرِينَ هُمُ الأَقَلُّونَ، إِلَّا مَنْ قَالَ بِالمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا -وَأَشَارَ أَبُو شِهَابٍ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ- وَقَلِيلٌ مَا هُمْ» وَقَالَ: «مَكَانَكَ». وَتَقَدَّمَ غَيْرَ بَعِيدٍ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا، فَأَرَدْتُ أَنْ آتِيَهُ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَهُ: «مَكَانَكَ حَتَّى آتِيَكَ». فَلَمَّا جَاءَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، الَّذِي سَمِعْتُ؟ أَوْ قَالَ: الصَّوْتُ الَّذِي سَمِعْتُ؟ قَالَ: «وَهَلْ سَمِعْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «أَتَانِي جِبْرِيلُ - عليه السلام - فَقَالَ: مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ». قُلْتُ: وَإِنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ: «نَعَمْ». [انظر: ١٢٣٧ - مسلم: ٩٤ - فتح ٥/ ٥٤]

٢٣٨٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبِ بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ شَيْءٌ، إِلَّا شَيْءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ»
رَوَاهُ صَالِحٌ وَعُقَيْلٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٦٤٤٥، ٧٢٢٨ - مسلم: ٩٩١ - فتح ٥/ ٥٥]
ثم ذكر فيه حديث أَبِي ذَرٍّ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَلَمَّا أَبْصَرَ -يَعْنِي: أُحُدًا- قَالَ: «مَا أُحِبُّ أَنْ يُحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثُ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا دِينَارًا أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ» .. الحديث بطوله.
وحديث يُونُسَ، عن ابن شِهَابٍ، عن عُبَيْدِ الله بْنِ عَبْدِ الله بْنِ عُتْبَةَ


قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «لَوْ كَانَ عِنْدِي مِثْلُ أُحُدٍ ذَهَبًا، مَا يَسُرُّنِي أَنْ لَا يَمُرَّ عَلَيَّ ثَلَاث وَعِنْدِي مِنْهُ شَيء، إِلَّا شَيءٌ أُرْصِدُهُ لِدَيْنٍ».
رَوَا صَالِح وَعُقَيْلٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
حديث أبي ذر سلف في الزكاة (١)، والآية المذكورة أصل في أداء الأمانات وحفظها، ألا ترى أنه - عليه السلام - لم يحب أن يبقى عنده من مثل أحد ذهبًا فوق ثلاث إلا دينارًا يرصده لدين، ونزلت في عثمان بن طلحة الحجبي العبدري سادن الكعبة حين أخذ عليّ منه المفتاح يوم الفتح، ذكره ابن سعد (٢) وغيره (٣). وقال ابن زيد: هم الولاة أمروا بأداء الأمانات إلى من ولوا أمرهم (٤). وقيل: نزلت في السلطان يعظ النساء (٥)، والحديث دال على ما دلت عليه الآية من تأكيد أمر الدين والحض على أدائه.
قال ابن عباس: الآية عامة. وقال شريح لأحد الخصمين: أعط حقه، فإن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨]. قال شريح: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] إنما هذا في الربا خاصة، وربط المِدْيان إلى سارية (٦). ومذهب الفقهاء أن الآية عامة في الربا وغيره، واحتج سيبويه بأن

---------
(١) سلف برقم (١٤٠٨) باب: ما أدى زكاته فليس بكنز.
(٢) «الطبقات الكبرى» ٢/ ١٣٦ - ١٣٧.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٤/ ١٤٨ من طريق الحسين، عن الحجاج، عن ابن جريج، به. والواحدي في «أسباب النزول» ص ١٦٢.
(٤) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره» ٤/ ١٤٨، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٩٨٦، وهذا ما رجحه الطبري واختاره.
(٥) روى ذلك الأثر الطبري ٤/ ١٤٨ من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.
(٦) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١١٠.



القراءة: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] بمعنى: حضر ووقع.
قال: ولو كان كما قال شريح لكان: ذا عسرة. وقيل: يحتمل أن يكون شريح فعل ذلك بمن تبين لَدَدُهُ، وحبس سحنون رجلًا التوى بدين، فكان يخرجه في كل جمعة يومًا إلى صحن المسجد فيضربه،
فكان ذلك حتى مات في السجن، ذكره الداودي.
ومعنى «أرصده»: أهيئه، من أرصد يرصد، وضبط في بعض الأمهات بفتح الهمزة من رصد. وقال الأصمعي والكسائي رصدته: ترقبته، وأرصدته: أعددت له (١).
وفيه: الاستدانة بيسير الدين اقتداءً بالشارع في إرصاده دينارًا لِدَيْنِه، ولو كان عليه مائة دينار أو أكثر لم يرصد لأدائها دينارًا؛ لأنه كان أحسن الناس قضاء. وبان بهذا الحديث أنه ينبغي للمؤمن أن لا يستغرق في كثير الدين خشية الاهتمام به والعجز عن أدائه، وقد استعاذ الشارع من ضلع الدين (٢) (٣)، واستعاذ من المأثم والمغرم وقال: «إن الرجل إذا غرم حدث فكذب ووعد فأخلف» (٤).
وقد جاء في خيانة الأمانة من الوعيد ما رواه إسماعيل بن إسحاق من حديث زاذان عن عبد الله بن مسعود قال: إن القتل في سبيل الله يكفر كل ذنب إلا الدين والأمانة. قال: وأعظم ذلك الأمانة تكون عند الرجل فيخونها، فيقال له يوم القيامة: أدّ أمانتك، فيقول: من أين

---------
(١) انظر: «لسان العرب» ٣/ ١٦٥٤ مادة (رصد).
(٢) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: ضلع الدين بالضاد قال في «المطالع»: وروي في موضع عن الأصمعي بالظاء ووهمه بعضهم والذي (…) بالضاد.
(٣) سيأتي برقم (٢٨٩٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: من غزا بصبي للخدمة.
(٤) سيأتي برقم (٢٣٩٧) كتاب: الاستقراض، باب: من استعاذ من الدين.



وقد ذهبت الدنيا؟ فيقول له: نحن نريكها؛ فتمثل له في قعر جهنم، فيقال: انزل فأخرجها، فينزل فيحملها على عنقه حتى إذا كاد زلت، فهوت وهوى في إثرها أبد الأبد قال: والأمانة في كل شيء حتى في الصلاة والصيام والوضوء والغسل من الجنابة والأمانة في الكيل والوزن (١).
وقال الربيع: الأمانة ما أمروا به وما نهوا عنه (٢).
فائدة: في إسناد حديث أبي ذر أبو شهاب (خ. م. د. س. ق) واسمه عبد ربه بن نافع الحناط (٣).

----------
(١) رواه البيهقي في «السنن» ٦/ ٢٨٨، من طريق الثوري، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن ابن مسعود، موقوفًا: وفي «شعب الإيمان» ٤/ ٣٢٣ (٥٢٦٦) من طريق عبد الله بن بشر، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، به.
قال المنذري في «الترغيب والترهيب»: الموقوف أشبه. قال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٧٦٣): إسناده حسن بخلاف المرفوع، فهو ضعيف. اهـ.
قلت: المرفوع أخرجه الطبراني ١٠/ ٢١٩ (١٠٥٢٧)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٠١ من طريق شريك، عن الأعمش، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، قال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٤٠٧١): هذا إسناد ضعيف؛ لسوء حفظ شريك.
(٢) رواه المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٧٧ من طريق الربيع بن أنس، عن أبي العالية، به.
(٣) هو عبد ربه بن نافع الكناني، أبو شهاب الحفاظ الكوفي، نزيل المدائن، وهو الأصغر، روى عن سفيان الثوري، وسليمان الأعمش، وشعبة بن الحجاج، وعاصم بن بهدلة، روى عنه: سعيد بن منصور، وخلف بن هشام، وأبو داود الطيالسي، والفضل بن دكين، وغيرهم.
قال علي بن المديني: سمعت يحيى القطان يقول: لم يكن أبو شهاب الحفاظ بالحافظ، وقال الإمام أحمد: كان كوفيًّا، يقال: رجلا صالحا، ما علمت إلا خيرا، رحمه الله. =



وقوله: («إن الأكثرين هم الأقلون») أي: في الحسنات والحظ.
وقوله: («إلا من قال بالمال هكذا وهكذا») يعني: أنفقه في وجهه.
وقوله: («وقليل ما هم») أي: قليل فاعله من أهل الأموال، وفيه: ذم الغنى، بينه قوله: «والله ما الفقر أخشى عليكم …» الحديث (١).
وقوله: («من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة») أي: وإن قدر دخوله النار بإصرارٍ على الكبائر.
وقوله: «من أمتك» فيه تفضيلها.

----------
= ووثقه ابن معين، وقال العجلي: لا بأس به، ووثقه في موضع آخر.
روى له الجماعة، سوى الترمذي، مات سنة ١٧١ هـ بالموصل.
وانظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٩١، «التاريخ الكبير» ٦/ ٨١ (١٧٧٣)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٤٢ (٢١٧)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ١٥٤، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٤٨٥ (٣٧٤٤)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٢٠١.
(١) سيأتي برقم (٣١٥٨) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة، مع أهل الذمة والحرب، مسلم (٢٩٦١) كتاب: الزهد والرقائق من حديث عمرو بن عوف.



٤ - باب اسْتِقْرَاضِ الإِبِلِ
٢٣٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بِبَيْتِنَا يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا تَقَاضَى رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ: «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا، وَاشْتَرُوا لَهُ بَعِيرًا، فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ». وَقَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ. قَالَ: «اشْتَرُوهُ فَأَعْطُوهُ إِيَّاهُ، فَإِنَّ خَيْرَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً». [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح ٥/ ٥٦]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف في الوكالة (١). ثم ترجم عليه باب: هل يعطى أكبر من سنه، وباب: حسن القضاء، وذكرنا هناك اختلاف العلماء في استقراض الحيوان ولا بأس بإعادته، أجازه الأئمة: مالك والشافعي وأحمد وإسحاق، واحتجوا بهذا الحديث (٢)،
ولا يحل عندنا وعند مالك وأهل المدينة استقراض الإماء (٣)؛ لأن ذلك ذريعة إلى استحلال الفروج.
ومنع ذلك الكوفيون -أعني: استقراض الحيوان- وقالوا: لا يجوز استقراضه؛ لأن وجود مثله متعذر غير موقوف عليه (٤). وقالوا: يحتمل أن يكون حديث أبي هريرة قبل تحريم الربا ثم حرم الربا بعد ذلك وحرم كل قرض جرَّ منفعة، وردت الأشياء المستقرضة إلى مثالها فلم يجز القرض إلا فيما له مثل.

-----------
(١) سلف برقم (٢٣٠٥) باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة.
(٢) انظر: «الاستذكار» ٢٠/ ٩٢، «النوادر والزيادات» ٦/ ١٣١، «المغني» ٦/ ٤٣٣، «مراتب الإجماع» ص ١٦٥.
(٣) انظر: «البيان» ٥/ ٤٦١.
(٤) انظر: «المبسوط» ١٤/ ٣٢.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #447  
قديم 30-04-2026, 08:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 411 الى صـــ 430
الحلقة (447)






وحجة المجيز: محال أن يستقرض الشارع شيئًا لا يقدر على أداء مثله، ولا يوصف ذلك بصفة، ولو لم يكن إلى رد مثله سبيل لم يقترضه إذ كان أبعد الخلق من الظلم.
واحتج من فرق بينه وبين الإماء بأنه يتخذ ذريعة إلى استباحة الأبضاع بذلك، والشرع قد احتاط فيه.
وقال الأولون: رد الزيادة من غير شرط من باب المعروف، وهو قول ابن عمر وابن المسيب والنخعي والشعبي وعطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وجماعة (١).
وقد اختلف أصحاب مالك فيه، فقال ابن حبيب: لا بأس أن يرد أفضل مما استقرض في العدد والجودة؛ لأن الآثار جاءت بأنه - ﷺ - رد أكثر عددًا في طعام وإبل، وأجاز أشهب أن يزيده في العدد إذا طابت نفسه.
وقال ابن نافع: لا بأس أن يعطي أكثر عددًا إذا لم يكن له عادة.
وقال مالك: لا يجوز أن يكون زيادة في العدد، وإنما يصلح أن يكون في الجودة.
وقال ابن القاسم: لا يعجبني أن يعطيه أكثر في العدد ولا في الذهب والورق إلا اليسير مثل: الرجحان في الوزن والكيل، ولو زاده بعد ذلك لم يكن به بأس، وهو قول مالك وإنما لم يجز أن يشترط أن يأخذ
أفضل؛ لأنه يخرج من باب المعروف ويصير ربا، ولا خلاف بين العلماء أن اشتراط الزيادة في ذلك ربا لا يحل (٢).

------------
(١) انظر: «المغني» ٦/ ٤٣٨.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٥١٦ - ٥١٧.



والحاصل من الخلاف السالف عند المالكية ثلاثة أقوال في زيادة العدد، المشهور: منعه.
ثالثها: يغتفر القليل، والقليل إردبان في مائة.
وفيه: للغريم التجاوزُ عن إغلاظ الطالب.
وقوله: (أوفيتني أوفاك الله). يقال: أوفى ووفى.
وذكر في آخر باب: حسن القضاء حديث جابر بن عبد الله قال: أتيت النبي - ﷺ - وهو في المسجد، قال مسعر: أراه ضحًى، فقال: صلى ركعتين وكان لي عليه دين، فقضاني وزادني (١). وهو وافٍ بما ترجم له.

----------
(١) سيأتي برقم (٢٣٩٤).


٥ - باب حُسْنِ التَّقَاضِي
٢٣٩١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ، عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَاتَ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ: مَا كُنْتَ تقول؟ قَالَ: كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ، فَأَتَجَوَّزُ عَنِ المُوسِرِ، وَأُخَفِّفُ عَنِ المُعْسِرِ. فَغُفِرَ لَهُ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٢٠٧٧ - مسلم: ١٥٦٠ - فتح ٥/ ٥٨]
ذكر فيه حديث حُذَيْفَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رسول الله - ﷺ - يَقُولُ: «مَاتَ رَجُلٌ، فَقِيلَ لَهُ، فقَالَ: كُنْتُ أُبَايعُ النَّاسَ، فَأتَجَوَّزُ عَنِ المُوسِرِ، وَأُخَفِّفُ عَنِ المُعْسِرِ. فَغُفِرَ لَهُ». قَالَ أَبُو مَسْعُودٍ: سَمِعْتُهُ مِنَ رسول الله - ﷺ -.
وفي نسخة: «فأتجوز عن المعسر وأخفف على الموسر» وقد سلف في باب: من أنظر موسرًا (١)، وفيه ترغيب عظيم في حسن التقاضي، وأن ذلك مما يدخل الله به الجنة، وهذا المعنى نظير: «خيركم قضاء» فجاء الترغيب في كلا الوجهين في حسن التقاضي لرب الدين، وفي حسن القضاء للذي عليه الدين، كل قد رغب في الأخذ بأرفع الأحوال، وترك المشاحة في القضاء والاقتضاء واستعمال مكارم الأخلاق في البيع والشراء والأخذ والعطاء، وقد جاء هذا كله في الحديث السالف في أول البيوع «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (٢).

-------
(١) سلف برقم (٢٠٧٧) كتاب: البيوع.
(٢) سلف برقم (٢٠٧٦) باب: السهولة والسماحة في البيع والشراء.



٦ - باب هَلْ يُعْطَى أَكْبَرَ مِنْ سِنِّهِ؟ (١)
٢٣٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَقَاضَاهُ بَعِيرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَعْطُوهُ». فَقَالُوا: مَا نَجِدُ إِلَّا سِنًّا أَفْضَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ الرَّجُلُ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَاكَ اللهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَعْطُوهُ، فَإِنَّ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ أَحْسَنَهُمْ قَضَاءً». [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح ٥/ ٥٨]

--------
(١) هذا الباب وما بعده ليسا في نسخة المصنف، وقد أشار إليهما فيما سبق ص ٤١٠.


٧ - باب حُسْنِ القَضَاءِ
٢٣٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ - ﷺ -: «أَعْطُوهُ». فَطَلَبُوا سِنَّهُ، فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا. فَقَالَ: «أَعْطُوهُ». فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي، وَفَّى اللهُ بِكَ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً». [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح ٥/ ٥٨]

٢٣٩٤ - حَدَّثَنَا خَلاَّدٌ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، حَدَّثَنَا مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهْوَ فِي المَسْجِدِ -قَالَ مِسْعَرٌ: أُرَاهُ قَالَ: ضُحًى- فَقَالَ: «صَلِّ رَكْعَتَيْنِ». وَكَانَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَضَانِي وَزَادَنِي. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح ٥/ ٥٩]


٨ - باب إِذَا قَضَى دُونَ حَقِّهِ أَوْ حَلَّلَهُ فَهْوَ جَائِزٌ
٢٣٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ النَّبِيُّ - ﷺ - حَائِطِي، وَقَالَ: «سَنَغْدُو عَلَيْكَ». فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٥٩]
ذكر فيه حديث ابْنُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -وهو عبد الله الرحمن بن عبد الله بن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ (١) - أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا تَمْرَ حَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ النَّبِيُّ - ﷺ - حَائِطِي، وَقَالَ: «سَنَغْدُو عَلَيْكَ». فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ، فَطَافَ فِي النَّخْلِ، وَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالبَرَكَةِ، فَجَدَدْتُهَا فَقَضَيْتُهُمْ، وَبَقِيَ لَنَا مِنْ تَمْرِهَا.
وترجم عليه فيما سيأتي باب: من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم ير ذلك مَطْلًا. وذكره معلقًا بلفظ: وقال جابر: اشتد الغرماء (٢).
وقوله في الترجمة: (أو حلله) صوابه إسقاط الألف كما هو ثابت بخط الدمياطي، وذكر الآخر نسخة.
وكذا ترجم عليه أبو نعيم والإسماعيلي؛ لأنه لا يجوز أن يقضي رب الدين دون حقه وتسقط مطالبته بباقيه إلا إن تحلل منه، كذا قال

-----------
(١) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ٣٠٣ (٩٩١)، «الثقات» لابن حبان ٥/ ٨٠، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٣٨ (٣٨٧٦).
(٢) سيأتي بعد حديث رقم (٢٤٠٢).



ابن بطال (١)، وأما ابن المنير فصوبه، والمقصود: أو حلله من جميعه، وأخذ البخاري هذا من جواز قضاء البعض والتحلل من البعض (٢).
قلت: عرض ذلك - عليه السلام - فأبوا، ولا خلاف بين العلماء أنه لو حلله من جميع الدين وأبرأ ذمته أنه جائز، فكذلك إذا حلله من بعضه، وأما تأخير الغريم الواحد إلى الغد فهو مرتبط بالعذر، وأما من قدر على الأداء فلا مطل؛ لأنه ظلم، وإنما أخر جابر غرماءه رجاء بركته - عليه السلام -؛ لأنه كان وعده أن يمشي معه على التمر ويبارك فيها؛ فحقق الله رجاءه وظهرت بركة نبيه وذلك من أعلام نبوته.
وفيه: مشي الإمام في حوائج الناس واستشفاعه في الديون وقد ترجم لذلك (٣).
وقوله: (فسألهم أن يقبلوا)، وذكره بعده في باب الشفاعة في وضع الدين كذلك، وذكر بعد أيضًا على الأثر في باب: إذا قاصَّ أو جازف، أن الدين كان ثلاثين وسقًا لرجل من اليهود؛ وفيه: فكلم جابر رسول الله ليشفع إليه فكلمه فأبى اليهودي (٤)، وإنما شفع لقوله: «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء» (٥).
قال الحسن: مصداقه قوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ أي: من

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥١٨.
(٢) «المتواري» ص ٢٦٨.
(٣) أشار الشارح هنا إلى باب: الشفاعة في وضع الدين حديث رقم (٢٤٠٥).
(٤) ورد في الأصل فوق هذِه الكلمة كلام نصه: أي بعد هذا الباب الذي نشرحه.
(٥) سلف برقم (١٤٣٢) كتاب: الزكاة، باب: التحريض على الصدقة والشفاعة فيها، ورواه مسلم (٢٦٢٧) كتاب: البر والصلة والآداب، باب: استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام.



يشفع أثيب وإن لم يشفَّع (١)، وإنما سألهم في قبول تمر الحائط؛ لأنه كان أقل من حقوقهم بالأمر البين فسلموا من المزابنة.
وفيه: تأخير الغريم ما لا مضرة فيه على الطالب.
وفيه: ظهور بركته - عليه السلام - كما سلف، وتكثير القليل، وأجاز قوم تكثير القليل ولم يجيزوا في الكرامة إيجاد معدوم، ولا فرق بينهما في التحقيق.
وقوله: (فقال: «أخبر ذلك ابن الخطاب») (٢)، أي: ليزداد يقينًا.
فائدة:
قد أسلفت أن ابن كعب بن مالك هو عبد الرحمن (خ. م. د. س) بن عبد الله بن كعب بن مالك وهو ما رأيته بخط الدمياطي والإسماعيلي لما ساقه من حديث ابن شهاب قال: عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن كعب بن مالك أن جابرًا فذكره، ثم قال: كذا قال: عن كعب بن مالك، وذكر الحميدي أن البخاري خرجه من حديث عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر (٣)، وكذا ذكره خلف وأبو مسعود والطرقي، وصوب المزي عبد الله ولم يستدل (٤).

----------
(١) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٤/ ١٨٨ - ١٨٩، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ١٠١٨.
(٢) انظر: الحديث الآتي.
(٣) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٣٦٧.
(٤) «تحفة الأشراف» ٢/ ٢١٠، قال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٥٩: وذكر المزي أنه عبد الله واستدل بأن ابن وهب روى الحديث عن يونس بالسند الذي في هذا الباب فسماه عبد الله. اهـ.
ورد بهامش الأصل: والحديث صحيح على كل تقدير وعبد الرحمن سمع من عبد الله بن كعب ومن كعب، وعبد الله سمع من كعب والزهري سمع منهما، لكن قال أحمد بن صالح المصري: إنه لم يسمع من عبد الله بن كعب بن مالك شيئًا، والمشهور عنه هو المصري: عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك.



واعلم أن البخاري أيضًا ذكر حديث جابر هذا في الصلح وترجم عليه الصلح بين الغرماء، وفيه: فعرضت على غرمائه أن يأخذوا التمر بما عليه فأبوا فلم يروا أن فيه وفاء (١)، ورأيت بخط الدمياطي على ترجمة الباب: قيل ترجمة هذا الباب لا يصح استنباطها؛ لأن بيع التمر بالتمر مجازفة حرام لا يجوز لعدم المماثلة، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة إذا علم أنه أقل من دينه، وقد جاء في الصلح صريحًا فذكر ما أوردناه، وهذا هو قول المهلب كما ستعلمه على الأثر.
---------
(١) سيأتي برقم (٢٧٠٩).


٩ - باب إِذَا قَاصَّ أَوْ جَازَفَهُ فِي الدَّيْنِ تَمْرًا بِتَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِ (١)
٢٣٩٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَاهُ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ عَلَيْهِ ثَلَاثِينَ وَسْقًا لِرَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ، فَاسْتَنْظَرَهُ جَابِرٌ، فَأَبَى أَنْ يُنْظِرَهُ، فَكَلَّمَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِيَشْفَعَ لَهُ إِلَيْهِ، فَجَاءَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَكَلَّمَ اليَهُودِيَّ لِيَأْخُذَ ثَمَرَ نَخْلِهِ بِالَّذِي لَهُ فَأَبَى، فَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - النَّخْلَ، فَمَشَى فِيهَا ثُمَّ قَالَ لِجَابِرٍ: «جُدَّ لَهُ فَأَوْفِ لَهُ الَّذِي لَهُ». فَجَدَّهُ بَعْدَ مَا رَجَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَوْفَاهُ ثَلَاثِينَ وَسْقًا، وَفَضَلَتْ لَهُ سَبْعَةَ عَشَرَ وَسْقًا، فَجَاءَ جَابِرٌ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِيُخْبِرَهُ بِالَّذِي كَانَ، فَوَجَدَهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُ بِالفَضْلِ، فَقَالَ: «أَخْبِرْ ذَلِكَ ابْنَ الخَطَّابِ». فَذَهَبَ جَابِرٌ إِلَى عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَقَدْ عَلِمْتُ حِينَ مَشَى فِيهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُبَارَكَنَّ فِيهَا. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٦٠]
ثم ذكر حديث جابر بطوله.
قال المهلب: لا يجوز عند العلماء أن يأخذ من له دين من تمر على أحد تمرًا مجازفة في دينه؛ لأن ذلك من الغرر والمجهول، وذلك حرام فيما أمر فيه بالمماثلة، وإنما يجوز أن يأخذ مجازفة في حقه أقل من دينه إذا علم ذلك وتجاوز له (٢)، وهذا المعنى بين في حديث جابر؛ لأنه - عليه السلام - حين كلم اليهودي أن يأخذ تمر النخل بالذي على أبي جابر، وأبى اليهودي من ذلك، ثبت أن تمر النخل لا يفي بالدين، وأنه أقل مما

----------
(١) ورد في الأصل على قوله: تمرًا بتمر أو غيره علامة (لا .. إلى) وورد بالهامش تعليق: هذِه الزيادة من نسختي من قوله: (تمرًا) إلى آخرها وهي أصل فيها.
(٢) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٢٠.



كان يلزمه غرمه، وقد جاء هذا منصوصًا في الصلح (١)، فساقه كما أسلفناه، وقد يجوز في باب حسن القضاء أن يزيده من صنفه، وإنما تحرم الزيادة بالشرط. وقال في باب: الشفاعة في وضع الدين:
فأزحف الجمل (٢)، يقال: أزحف البعير إذا أعيا فجر فِرْسِنَه وزحف أيضًا (٣).

--------
(١) سيأتي برقم (٢٧٠٩) كتاب: الصلح، باب: الصلح بين الغرماء وأصحاب الميراث.
(٢) سيأتي برقم (٢٤٠٦).
(٣) انظر: «أعلام الحديث» للخطابي ٢/ ١٢٠٢.



١٠ - باب مَنِ اسْتَعَاذَ مِنَ الدَّيْنِ
٢٣٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ح. وَحَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ يَا رَسُولَ اللهِ مِنَ المَغْرَمِ؟ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ». [انظر: ٨٣٢ - مسلم: ٥٨٩ - فتح ٥/ ٦٠]
ذكر حديث عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ وَيقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَم وَالمَغْرَمِ». فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ من المغرم يَا رَسُولَ اللهِ؟ قالً: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ».
فيه: الدعاء في الصلاة بما ليس في القرآن خلافًا لأبي حنيفة (١)، واستعاذته من الدين الذي لا يطيق قضاءه، وقد توفي ودرعه مرهونة عند يهودي (٢). (والمأثم): كل إثم، وخص المغرم لما يخشى فيه من
الإثم مما ذكره من الكذب وإخلاف الوعد، وهما خصلتان من النفاق وما يبقى أيضًا من ذلك.
و(المغرم): ما يلزم الإنسان نفسه ويلزمه غيره وليس بواجبٍ عليه وهو الغرم، و(المغرم): المثقل دينًا، ومنه: ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: ٤٦] وسمي الغريم لإلحاحه؛ لأن الغريم: الملازم.

-------
(١) انظر: «الهداية» ١/ ٥٦، «شرح فتح القدير» ١/ ٢٧٧.
(٢) سلف برقم (٢٠٦٨) كتاب: البيوع، باب: شراء النبي - ﷺ - بالنسيئة، ورواه مسلم (١٦٠٣) كتاب: المساقاة، باب: الرهن وجوازه في الحضر والسفر، من حديث عائشة.



وفيه: قطع الذرائع؛ لأن استعاذته من الدين ذريعة إلى ما أسلفناه من الكذب والخلف في الوعد مع ما يقع للمديان تحته من الذلة وما لصاحب الدين عليه من المقال.
فإن قلت: فالأحاديث التي سقتها في باب: من اشترى بالدين قريبًا، وكذا حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر مرفوعًا: «إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه ما لم يكن فيه ما يكره الله». وكان عبد الله بن جعفر يقول لجاره: اذهب فخذ لي بدين فأنا أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي (١).
قلت: لا تنافي بينهما؛ فأحاديث النهي لمن استدان فيما يكره الرب ﷻ ولا يريد قضاءه والإباحة فيما يرضيه ويريد قضاءه، وعنده في الأغلب ما يؤديه منه، فالله تعالى في عونه على قضائه.
والمغرم الذي استعاذ منه؛ إما لكونه فيما يكره الرب ولا يجد سبيلًا إلى قضائه، وإما فيما لا يكرهه ولكن لا سبيل إلى قضائه فهو متعرض لهلاك مال أخيه ومتلف له، أو له يُسره ونوى ترك قضائه وجحده فهو عاص لربه ظالم لنفسه. فكل هؤلاء لوعدهم إن وعدوا من استدانوا منه القضاء مخلفون، وفي حديثهم كاذبون لوعودهم، وقد صحت الأخبار عنه أنه استدان في بعض الأحوال كما أسلفناه،
فكان معلومًا بذلك أن الحالة التي كره فيها غير الحال التي رخص لنفسه فيها.
وقد استدان السلف: استدان عمر وهو خليفة وقال لما طعن: انظروا كم عليَّ من الدين، فحسبوه فوجدوه ثمانين ألفًا وأكثر، وكان

--------
(١) سيأتي تخريج هذا الحديث في شرح حديث (٢٨٣٥).


على الزبير دين عظيم، ذكرهما البخاري كما ستعلمه في موضعه (١). فما ثبت عن الشارع وأصحابه والسلف من استدانتهم الدين مع تكريرهم له إلى غيرهم الدليل الواضح على أن اختلاف الأمر في ذلك كان على قدر اختلاف حال المستدينين.
--------
(١) قصة دَين عمر تأتي برقم (٣٧٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: قصة البيعة، أما قصة دين الزبير فستأتي برقم (٣١٢٩) كتاب: فرض الخمس، باب: بركة المغازي في ماله حيا وميتا مع النبي - ﷺ - وولاة الأمر.


١١ - باب الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ تَرَكَ دَيْنًا
٢٣٩٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلاًّ فَإِلَيْنَا». [انظر: ٢٢٩٨ - مسلم: ١٦١٩ - فتح ٥/ ٦١]

٢٣٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ». [٢٢٩٨ - مسلم: ١٦١٩ - فتح ٥/ ٦١]
ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «منْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا».
وحديثه أيضًا: «مَا مِنْ مُؤْمِنِ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. فَأيُّمَا مُؤْمِنٍ مَاتَ وَتَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، وَمَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِني فَأنا وليه (١)».
هذا الحديث ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين كما سلف واضحًا في الحوالة (٢).
قال الداودي: وقوله: («اقرءوا إن شئتم») أحسبه من كلام

----------
(١) في الأصل فوقها: مولاه.
(٢) سلف برقم (٢٢٨٩) باب: إن أحال دين الميت على رجل جاز. من حديث سلمة بن الأكوع.



أبي هريرة، واعترضه ابن التين فقال: ليس كما ظن؛ فقد روى جابر أن
النبي - ﷺ - قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم» (١). قال: وقيل: معنى
الآية أنه - ﷺ - كان إذا أمر بشيء أو نهى عنه كان أمره أولى بأن يتبع من
النفس وإن كان هواها في غيره.
و(الضياع) بفتح الضاد المعجمة: مصدر ضاع يضيع ضيعة وضياعًا، ثم جُعل اسمًا لكل ما هو مرصد أن يضيع من ولد أو عيال لا كافلَ لهم مثل قوله: («ومن ترك كَلًّا») أي: عيالًا، فمن ترك شيئًا ضائعًا كالأطفال ونحوهم فليأتني ذلك الضائع. («فأنا مولاه») أي: وليه، مثل قوله: ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾.
وقوله: «أيما امرأة تزوجت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (٢)، ورواه بعضهم بالكسر جمع ضائع كجائع وجياع (٣)، والأول أصح، وكذا قال ابن الجوزي (٤).
وقوله: («فلترثه عصبته») قال الداودي: هو هنا الورثة من كانوا ليس من يرث بالتعصيب وهو كما قال، فإن العاصب مخصوص بمن ليس له سهم مقدر من المجمع على توريثهم، فيرث كل المال عند

--------
(١) رواه مسلم (٧٦٨) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة. بلفظ: «أنا أولى بكل مؤمن من نفسه».
(٢) رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢)، وابن ماجه (١٨٧٩)، وأحمد ٦/ ١٦٥ - ١٦٦، والحاكم ٢/ ١٦٨، من طرق عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن. وصححه الحاكم والذهبي، وذكره الألباني في «الإرواء» (١٨٤٠)، وقال: صحيح.
(٣) «النهاية في غريب الحديث» ٣/ ١٠٧.
(٤) «غريب الحديث» ٢/ ٢٢.



الانفراد، وما فضل بعد الفروض. وقيل: العصبة: قرابة الرجل لأبيه سموا بذلك من قولهم: عصب القوم بفلان، أي: أحاطوا به وهم كل من يلتقي مع الميت في أبٍ واحد. وعند ابن سحنون: الابن عصبة
وهذا صحيح في الرجال، وأما المرأة فلا تسمى عصبة على الإطلاق، والواحد عاصب قياسًا، قاله الأزهري (١) وغيره.

-------
(١) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٤٥٥ مادة «عصب».


١٢ - باب مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ
٢٤٠٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ -أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ». [انظر: ٢٢٨٧ - مسلم: ١٥٦٤ - فتح ٥/ ٦١]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: «مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْمٌ».
هذا الحديث تقدم في الحوالة (١) واضحًا، ومفهوم الحديث أن مطل غير الغني ليس بظلم ولا مطالبة عليه إذًا، وإذا سقطت المطالبة زالت الملازمة، قال تعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] وهو يوجب تأخيره فصار كالدين المؤجل، فيمنع من لزومه.
وفيه: أن من وجب عليه زكاة ففرط فيها أنه يغرمها إذا بلغت المال خلافًا لأبي حنيفة (٢).

------------
(١) سلف برقم (٢٢٨٧) باب: في الحوالة وهل يرجع في الحوالة؟
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٤٥.



١٣ - باب لِصَاحِبِ الْحَقِّ مَقَالٌ
وَيُذْكَرُ (١) عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَهُ وَعِرْضَهُ». قَالَ سُفْيَانُ: عِرْضُهُ: يَقُولُ مَطَلْتَنِي. وَعُقُوبَتُهُ: الحَبْسُ.

٢٤٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ. فَقَالَ: «دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا». [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح ٥/ ٦٢]
ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - رَجُلٌ يَتَقَاضَاهُ فَأَغْلَظَ لَهُ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ. فَقَالَ: «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا». هذا قد سلف في باب: الحوالة (٢)، ولا شك أنه إذا مطله وهو غني، فقد ظلمه والظلم محرم وإن قل. وفسر الفقهاء الحديث كما فسره سفيان وهو كقوله: «إن لصاحب الحق مقالًا» أي: بصفة المطل، وقد جاء في التنزيل مصداقه، قال تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] وهذِه الآية نزلت في مانع الضيافة، فأبيح له أن يقول في المانع له أنه لئيم وأنه لم يقره، وشبه هذا، وقيل: نزلت في مطل الدين -وقيل: في المكره على الكفر؛ لأنه مظلوم- وعقوبته بالحبس إذا رجي له مال أو وفاء بما عليه، فإن ثبت إعساره وجب نظرته

----------
(١) ورد بهامش الأصل: حديث «ليُّ الواجدِ» رواه الطبراني في «المعجم الكبير» بإسناده إلى عمرو بن الشريد، عن أبيه قال: قال رسول الله: «ليُّ الواجد، يحل عرضه وعقوبته»، وفي هذا السند سفيان، فقال سفيان: يحل عرضه أي: يشكوه، وعقوبته: حبسه، نقله من خط الدمياطي .. وقد عزاه المؤلف في باب: الحوالة. [انظر: «المعجم الكبير» ٧/ ٣١٨]
(٢) سلف برقم (٢٢٨٧).



وحرم حبسه لزوال العلة الموجبة لحبسه وهي الوجدان.
واختلف في ثابت العسرة وأطلق من السجن هل يلازمه غريمه؟ فقال مالك والشافعي: لا، حتى يثبت له مال آخر (١).
وقال أبو حنيفة: لا يمنع الحاكم الغرماء من لزومه (٢).

---------
(١) انظر: «المنتقى» ٥/ ٨٣، «الإشراف» ٢/ ٦٦.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٨١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #448  
قديم 30-04-2026, 09:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال



الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 431 الى صـــ 450
الحلقة (448)





١٤ - باب إِذَا وَجَدَ مَالَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ فِي البَيْعِ وَالقَرْضِ وَالوَدِيعَةِ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ وَقَالَ الحَسَنُ: إِذَا أَفْلَسَ وَتَبَيَّنَ لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ وَلَا بَيْعُهُ وَلَا شِرَاؤُهُ. وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: قَضَى عُثْمَانُ مَنِ اقْتَضَى مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفْلِسَ فَهْوَ لَهُ، وَمَنْ عَرَفَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ.
٢٤٠٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺأَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ-: «مَنْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ». [مسلم: ١٥٥٩ - فتح ٥/ ٦٢]
ثم ساق حديث أبي هريرة (١) من طريق يحيى بن سعيد: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ، أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺأَوْ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ-: «منْ أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ أَوْ إِنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهْوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ».

--------
(١) ورد بهامش الأصل: وحديث أبي هريرة في «المسند» بزيادة: ولم يكن اقتضى من ماله شيئًا وفيه الحسن عن أبي هريرة و… واحد لم يسمع منه … [انظر «المسند» ٢/ ٥٢٥]


الشرح:
أثر الحسن الذي يحضرني منه ما رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن حفص، عن الأشعث، عن الحسن قال: هو أسوة الغرماء (١)، وهذِه صفة من استسلم للفلس فكل ذلك (…) (٢) عندنا إذا حجر عليه نعم لو باع في ذمته صح وعند المالكية من أحاط به الدين منع من العتق والهبة دون البيع والشراء، واختلف في قضائه ورهنه، والمشهور جوازه والقياس منعه، وكذلك اختلف في إقراره، والمشهور إجازته خلافًا لابن نافع (٣)، ولا وجه له إلا أن يكون لمن اتهم عليه ففيه قولان، والشراء يمد ويقصر.
قال ابن التين: ووقع ولا نراه مقصورًا وهي لغة فيه غير مشهورة.
وأثر عثمان رواه أبو عبيد في «أمواله» عن إسماعيل بن جعفر، ثنا محمد بن أبي حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: أفلس مولى لأم حبيب فاختصم فيه إلى عثمان، فقضى أن من كان اقتضى من حقه شيئًا قبل أن يتبين إفلاسه فهو له، ومن عرف متاعه بعينه فهو له.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم والأربعة (٤)، وهذا التردد في: (سمعت) أو (قال) هو من الراوي عن أبي هريرة وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وقال مرة أخرى عنه، عن النبي - ﷺ -

-----------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٢٨٤ (٢٠١٠٣).
(٢) غير واضحة بالأصل.
(٣) انظر: «المنتقى» ٥/ ٨٣.
(٤) مسلم (١٥٥٩) كتاب: المساقاة، باب: من أدرك ما باعه عند المشتري وقد أفلس فله الرجوع فيه، وأبو داود (٣٥١٩)، والترمذي (١٢٦٢)، والنسائي ٧/ ٣١١، وابن ماجه (٢٣٥٨).



أخرجه مسلم (١)، ورواه عراك بن مالك، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -. وبشير بن نهيك، عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ -، أخرجهما مسلم (٢).
وفيه من اللطائف:
رواية أربعة من التابعين بعضهم عن بعض يحيى بن سعيد فمن بعده، ورواه مالك في «موطئه» عن الزهري، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا (٣). وقال أبو داود: هو أصح ممن رواه عن مالك مسندًا (٤). وقال الدارقطني: لا يثبت عن الزهري مسندًا وإنما هو مرسل (٥). وقال أبو عمر: كذا هو مرسل في جميع الموطآت، وكذلك رواه جماعة الرواة عن مالك مرسلًا إلا عبد الرزاق؛ فإن رواه عن مالك عن الزهري، عن أبي بكر، عن أبي هريرة فأسنده (٦)، وقد اختلف فيه عن عبد الرزاق، قال (الدارقطني) (٧): وتابع عبد الرزاق على إسناده عن مالك: أحمد بن موسى، وأحمد بن أبي طيبة.
واختلف أصحاب ابن شهاب عليه في إسناده وإرساله وهو محفوظ لأبي هريرة لا يرويه غيره (٨).

------------
(١) مسلم (١٥٥٩/ ٢٣) كتاب: المساقاة.
(٢) مسلم (١٥٥٩/ ٢٤ - ٢٥).
(٣) «الموطأ» ص ٤٢٠ - ٤٢١.
(٤) «سنن أبي داود» ٣/ ٧٩٣.
(٥) «علل الدارقطني» ١١/ ١٦٦.
(٦) «المصنف» ٨/ ٢٦٤ (١٥١٦٠).
(٧) في الأصل: عبد الرزاق، ولعل الصواب ما أثبتناه، وهو الموافق لما حكاه ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٤٠٧ حيث قال: وذكر الدارقطني أنه قد تابع عبد الرزاق على إسناده عن مالك أحمد بن موسى وأحمد بن أبي طيبة. اهـ.
(٨) «التمهيد» ٨/ ٤٠٦ - ٤٠٧.



وفي الباب عن الحسن عن سمرة أخرجه أبو داود والنسائي وأعله الذهلي (١). وابن عمر ذكره الترمذي (٢).
إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
قوله: («عند رجل أو إنسان») الظاهر أنه شك من الراوي، ومعنى أفلس: صار مفلسًا، أي: صارت دراهمه فلوسًا، ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فلس، وهو في الشرع حجر الحاكم على المديون والمفلس المحجور عليه بالديون.
ثانيها:
فيه رجوع البائع إلى عين ماله عند تعذر الثمن بالفلس، وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق والأكثرين، وألحقوا الموت به -وخالف فيه مالك وأحمد فقالا: يكون فيه أسوة الغرماء (٣) - وخالف

---------
(١) رواه أبو داود (٣٥٣١)، والنسائي ٧/ ٣١٣ - ٣١٤، وذكر المزي في «تحفة الأشراف» (٤٥٩٥) قول الذهلي في الحديث.
وقال المنذري في «مختصره» ٥/ ١٨٤: وأخرجه النسائي. وقد تقدم الكلام على الاختلاف في سماع الحسن من سمرة. وحسنه الحافظ في «الفتح» ٥/ ٦٤، وتعقبه العلامة صديق خان في «الروضة الندية» ٣/ ١٩٢ فقال: لكن سماع الحسن عن سمرة فيه مقال معروف. وقال الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٠٦١): منكر بهذا اللفظ.
(٢) «جامع الترمذي» عقب حديث (١٢٦٢)، وقد رواه ابن حبان في «صحيحه» ١١/ ٤١٥ (٥٠٣٩) من حديث ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا عدم الرجل
فوجد البائع متاعه بعينه فهو أحق به».
قال الشوكاني في «نيل الأوطار» ٣/ ٦٦٦: أخرجه ابن حبان بإسناد صحيح.
(٣) انظر: «التمهيد» ٨/ ٤١٠ - ٤١٥، «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٦٢، «المغني» ٦/ ٥٨٩.



أبو حنيفة، فقال: لا يرجع فيهما بل يضارب مع الغرماء (١). وعزي إلى النخعي والحسن البصري.
حجة الأكثرين في الفلس هذا الحديث، وفي الموت حديث في «سنن أبي داود» وابن ماجه من حديث أبي هريرة أيضًا. وقال الحاكم: إنه صحيح الإسناد، ولفظه: «أيما رجل مات أو أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه» (٢)، وحمل أبو حنيفة الحديث على الغصب والوديعة؛ لأنه لم يذكر البيع فيه أو على ما قبل القبض، وأول الحديث بتأويلات ضعيفة مردودة وتعلق بشيء يروى عن علي وابن مسعود وليس بثابت عنهما، ودفعوا الحديث بالقياس بأن يده قد زالت كيد الراهن، وحجة مالك ما رواه في «موطئه» عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أن رسول الله - ﷺ - قال: «أيما رجل باع متاعًا فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض من ثمنه شيئًا فوجده بعينه فهو أحق به، وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع أسوة الغرماء» (٣)، وقد سلف أنه أسند أيضًا ولا يصح كما سلف.
قال ابن عبد البر: أجمع فقهاء الحجاز وأهل الأثر على القول بجملة حديث أبي هريرة وإن اختلفوا في أشياء من فروعه، ودفعه من

----------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٣٩٧.
(٢) رواه أبو داود (٣٥٢٣)، وابن ماجه (٢٣٦٠) واللفظ له والحاكم في «مستدركه» ٢/ ٥٠ - ٥١ من طريق ابن أبي ذئب، عن أبي المعتمر، عن ابن خلدة، عن أبي هريرة، به. وقال المنذري في «مختصره» ٥/ ١٧٧: وحكي عن أبي داود أنه قال: من يأخذ بهذا؟ وأبو المعتمر من هو؟ لا يعرف. وذكره الحافظ في «الفتح» ٥/ ٦٤؛ وقال: هو حديث حسن يحتج بمثله. وضعفه الألباني في «الإرواء» ٥/ ٢٧١ - ٢٧٢، و«ضعيف سنن ابن ماجه» (٥١٧).
(٣) سبق تخريجه قريبًا.



أهل العراق أبو حنيفة وأصحابه وسائر الكوفيين، وأولوا الحديث على الودائع والأمانات، وروى قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي أنه قال: هو فيها أسوة الغرماء إذا وجدها بعينها. وروى الثوري عن مغيرة، عن إبراهيم قال: هو والغرماء خاصة شرع سواء (١).
وحكاه ابن التين عن ابن شبرمة وأسنده ابن أبي شيبة عن الشعبي (٢)، وقد أسلفنا عدم ثبوت ذلك.
قال ابن المنذر: قضى عثمان وعلي أن صاحبها أحق بها ولا نعلم لهما مخالفًا من الصحابة (٣).
قلت: وابن مسعود وأبو هريرة وتابعهم عروة بن الزبير، وأما أبو محمد بن حزم فقال: صحَّ عن عمر بن عبد العزيز: أن من اقتضى من ثمن سلعته شيئًا، ثم أفلس فهو أسوة الغرماء، قضى به رسول الله - ﷺ -، وهو قول ابن شهاب ومالك: بعد الموت، وكذا قاله أحمد (٤). ورواه ابن ماجه أيضًا من طريق اليمان بن عدي الحمصي (٥)، وتكلم فيه أحمد بكلام فظيع.
قلت: وتأويل الحديث على المودع والمقرض دون البائع فاسد؛ لأن المودع أحق بعين ماله سواء كان على صفته أو تغير عنها بخلاف البائع، فإنه إذا تغير ماله لا يرجع، وتفرقة مالك بين الفلس والموت بأن المفلس

-----------
(١) «التمهيد» ٨/ ٤١٠ - ٤١٢؛ بتصرف، وروى أثر عليٍّ وإبراهيمَ عبدُ الرزاق ٨/ ٢٦٦ (١٥١٧٠، ١٥١٧١).
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٤ (٢٠٠٩٩).
(٣) «الإشراف» ٢/ ٦١.
(٤) «المحلى» ٨/ ١٧٧.
(٥) «سنن ابن ماجه» (٢٣٦١) وصححه الألباني في «الإرواء» ٥/ ٢٧١.



ذمته باقية بخلاف الموت. ونقل ابن التين عن الشافعي أنه ليس له المضاربة مع الغرماء وليس له إلا عين متاعه، وهو غريب عنه.
ثالثها:
مقتضى الحديث رجوعه أيضًا ولو قبض بعض الثمن؛ لإطلاق الحديث، وهو الجديد من قولي الشافعي، وخالف في القديم فقال: يضارب بباقي الثمن فقط (١)، وفي الحديث السالف وقد علمت حاله، ورجوع المقرض إلى عين ماله إذا كان باقيًا بعينه وأفلس بعد قبضه، كما ترجم عليه البخاري فيما سلف، ووجهه أن لفظ الحديث أعم من أن يكون المال أو المباع لبائع أو لمقرض، والفقهاء قاسوه عليه لجامع أنه مملوك تعذر تحصيله فأشبه البيع ولا حاجة إليه؛ لاندراجه تحته، وبهذا قال الشافعي وأبو محمد الأصيلي من المالكية، وخالف غيره، فقال: لا يكون القرض كالبيع.
رابعها:
فيه الحجر على المفلس، وبه قال الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد، وهو قول عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعروة والأوزاعي، وخالف فيه أبو حنيفة (٢)، وهو قول إبراهيم والحسن بن أبي الحسن، ولابد في الحديث من إضمار أمور تحمل عليه، مثل كون السلعة مقبوضة موجودة عند المشتري دون غيره والثمن غير مقبوض ومال المفلس لا يفي بالديون أو كان مساويًا، وقلنا بالحجر عليه فيها، فلو مات أو كاتب العبد فلا رجوع، ولو زال من يد المشتري وعاد إليه

----------
(١) «الإشراف» ٢/ ٦١.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٢١٥، «المنتقى» ٥/ ٨١، «المغني» ٦/ ٥٣٨.



فيجوز الرجوع على الأصح خلاف ما وقع في «الروضة» (١)، وللرجوع شروط محلها كتب الفروع وقد أوضحناها فيها.
وصح من حديث كعب بن مالك أن النبي - ﷺ - حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه. استدركه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين وقال مرة: صحيح الإسناد (٢)، ورواه الطبراني عن عبد الله بن أحمد، عن أبيه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك أن معاذًا أغلق ماله في الدين، فكلم رسول الله - ﷺ - أن يكلم غرماءه، ففعل فلم يضعوا له شيئًا، فلو ترك لأحد بكلام لترك لمعاذ بكلام رسول الله - ﷺ -، فدعا النبي - ﷺ - فلم يبرح حتى باع ماله وقسمه بين غرمائه، فقام معاذ لا مال له (٣).
وفي أفراد مسلم من حديث أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل على عهد رسول الله - ﷺ - في ثمار ابتاعها فأكثر دينه، فقال رسول الله - ﷺ -: «تصدقوا عليه»؛ فتصدق الناس عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول الله - ﷺ -: «خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ذلك» (٤).

------------
(١) «روضة الطالبين» ٤/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٢) «المستدرك» ٢/ ٥٨، ٤/ ١٠١، ووافقه الذهبي، ورواه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ٦٨، والدارقطني ٤/ ٣٣٠، والبيهقي ٦/ ٤٨، من طريق إبراهيم بن معاوية الزيادي، عن هشام بن يوسف، عن معمر، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه.
قال العقيلي: إبراهيم بن معاوية، بصري لا يتابع على حديثه.
وضعفه الألباني في «الإرواء» ٥/ ٢٦٠ (١٤٣٥) وذكر قول الحاكم والذهبي، ثم قال: وذلك منهما خطأ فاحش، وخصوصا الذهبي؛ نقد أورد إبراهيم هذا في «الميزان»، وقال: ضعفه زكريا الساجي وغيره. اهـ.
(٣) «المعجم الكبير» ٢٠/ ٣٠ - ٣١ (٤٤).
(٤) مسلم (١٥٥٦) كتاب: المساقاة، باب: استحباب الوضع من الدين.



وأثر أسيفع في «الموطأ» عن عمر: فليأتنا بالغداة نقسم ماله بين غرمائه (١).
واحتج المخالف بحديث جابر في دين أبيه السالف. وروي أن أسيد بن حضير كان عليه دين، فدعا عمر غرماءه فسلم إليهم أرضه أربع سنين بما لهم عليه (٢)، وبالحديث السالف «ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته» وهي الحبس كما سلف.
روى أبو بكر بن عياش عن أنس أنه عليه الصلاة والسلام حبس في تهمة (٣).

---------
(١) «الموطأ» ص ٤٨١، من طريق عمر بن عبد الرحمن بن دلاف المزني، عن أبيه، وذكره الألباني في «الإرواء» (١٤٣٦) وقال: ضعيف.
(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٦٠٦، من طريق خالد بن مخلد البجلي، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، ورواه المزي في «تهذيب الكمال» ٣/ ٢٥٣، من طريق عبد الأعلي بن حماد، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن عروة أن أسيد بن حضير، به ..
قلت: عروة لم يسمع من أسيد فهو منقطع، وفي سند ابن سعد: عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف، وترجمته في «تهذيب الكمال» ١٥/ ٣٢٧ - ٣٣١.
(٣) رواه العقيلي في «الضعفاء الكبير» ١/ ٥٣ - ٥٤، وابن عدي في «الكامل» ١/ ٤١٢، من طريق إبراهيم بن زكريا الواسطي، عن أبي بكر بن عياش، عن يحيى بن سعيد، عن أنس، به. قال العقيلي: إبراهيم بن زكريا الواسطي مجهول وحديثه خطأ. وقال ابن عدي: هذا باطل. وقال ابن حبان في «المجروحين» ١/ ١١٦: وليس هذا من حديث أنس ولا من حديث يحيى بن سعيد الأنصاري، وليس يحفظ هذا المتن إلا من رواية بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وهو مما تفرد به معمر، وقال ابن حزم في «المحلى» ٨/ ١٦٩: واحتجوا بآثار واهية منها رواية من طريق أبي بكر بن عياش عن أنس: أن رسول الله - ﷺ - حبس في تهمة. وفيه أبو بكر بن عياش، وهو ضعيف، وانفرد عنه أيضًا
إبراهيم بن زكريا الواسطى، ولا يدرى من هو. اهـ. بتصرف.
قلت: اعترض المصنف على كلام ابن حزم كما سيأتي في الصفحات القادمة.



وروى عبد الرزاق في «مصنفه» عن بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة، عن أبيه، عن جده أنه - عليه السلام - حبس في تهمة (١). قال ابن الطلاع: وذكره في غير «المصنف» -أنه - عليه السلام - حبس في تهمة ساعة من نهار، ثم خلى عنه (٢).
وروى ابن حزم من حديث أبي مجلز أن غلامين من جهينة كان بينهما غلام فأعتقه أحدهما فحبسه رسول الله - ﷺ - حتى باع غنيمة له.
وعن الحسن أن قومًا قتل بينهم قتيل، فبعث إليهم رسول الله - ﷺ - وحبسهم -قلت: والجواب عن ذلك: أما حديث جابر فالاستدلال أنه من العجائب؛ لأن الدين كان على أبيه لا عليه- وأما أثر عمر فرأى أن لا حجر عليه وحجر على الأسيفع، وحديث أنس رده ابن حزم بابن عياش (٣) قال: وهو ضعيف -قلت: لا بل ثقة- قال: وانفرد به أيضًا إبراهيم بن زكريا الواسطي ولا ندري من هو (٤).
قلت: قد عُرف ووهاه ابن عدي والترمذي وابن حبان والحاكم (٥)، ولو أعله بانقطاع ما بينه وبين أنس كان أولى، فإن مولده سنة خمس

---------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٣٠٦ (١٥٣١٣) والحديث أخرجه أبو داود (٣٦٣٠)، والترمذي (١٤١٧) والنسائي ٨/ ٦٧، ورواه أحمد مطولًا ٥/ ٢. قال الترمذي: حديث حسن. وقال ابن حزم في «المحلى» ٨/ ١٦٩ وحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ضعيف. وقال الألباني في تعليقه على «المشكاة» (٣٧٨٥)، و«الإرواء» (٢٣٩٧): إسناده حسن.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: قال الذهبي في «الكاشف» توفي سنة ١٩٣ في جمادى الأولى، وله ٩٦ سنة.
(٤) «المحلى» ٨/ ١٦٩.
(٥) انظر: «المجروحين» ١/ ١١٥، «الكامل في ضعفاء الرجال» ١/ ٤١٢. قلت: فرق ابن حبان بين إبراهيم بن زكريا الواسطي، وبين إبراهيم بن زكريا العجلي، أبي =



وتسعين. قال ابن حزم: وحديث بهز ضعيف وما كان لرسول الله - ﷺ - سجن قط، قلت: وكذا حبس ثمامة في المسجد.
قال: وروينا من طريق عبد بن سلام، ثنا أحمد بن خالد الوهبي، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن علي بن حسين قال: قال علي: حبس الرجل في السجن بعدما يعرف بما عليه من الدين ظلم. وروي عن عبيد الله بن أبي جعفر في الفلس قال: لا يحبس ولكن يرسل يسعى في دينه، وهو قول الليث، وبه يقول داود وأصحابه (١)، قلت: الوهبي (٢) (الأربعة) اتهمه أحمد في ابن إسحاق، ومحمد بن علي ولد بعد أبوه. وذكر ابن بطال عن وكيع بن الجراح أن عليًّا كان يحبس في الدين. وروى معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: كان شريح إذا لم يعط الرجل حق الرجل أمر به إلى السجن (٣). وذكر ابن الطلاع في «أحكامه» ثبت عن عمر أنه كان له سجن (٤) ولعثمان، وسجن علي بالكوفة. وبنى علي بعد نافع مخيسًا، وهما سجنان له وقال:
بنيت بعد نافع مخيسًا … حصنًا حصينًا وأمينًا كيسًا (٥)

------------
= إسحاق، فذكر الأخير في «الثقات» ٨/ ٧٠، وذكر الأول في «المجروحين» ولم يفرق بينهما ابن عدي، وقد فرق بينهما غير واحد، منهم العقيلي في «الضعفاء» ١/ ٥٣ - ٥٤، وابن حجر في «لسان الميزان» ١/ ٨٦.
(١) «المحلى» ٨/ ١٦٩ - ١٧٢.
(٢) بهامش الأصل: وثقه ابن معين لم يذكر في «الكاشف» فيه غير التوثيق، ولا في «التذهيب»، ولا ذكر في «المغني» ولا في «الميزان»، قال بعض أشياخي فيما بوب عليه وذكره ابن حبان في «الثقات» واحتج به ابن خزيمة في «صحيحه» وقال الدارقطني: لا بأس به.
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٤٢، وسيأتي تخريج هذِه الآثار عند حديث (٢٤٢٢).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٧ (٢٣١٩١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٢٧٦ (٢٦٠٢٥).



وفي «النوادر»: كان يحبس فيه المديونين (١)، وحديث هرماس بن حبيب عن أبيه عن جده في أبي داود: أتيت رسول الله - ﷺ - بغريم لي، فقال لي: «الزمه»، ثم قال: «يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك …» الحديث (٢) لا يدل على نفي الحبس؛ لأن الملازمة مثله.
خامسها:
الأحاديث المذكورة في الفلس تدل على أن جميع ما عليه من الدين تدخل فيه المحاصة ما حلَّ منها وما لم يحل، وهو قول الجمهور، كما نقله عنهم القرطبي (٣)، وللشافعي قولان أظهرهما أن المؤجل لا يحل به (٤)؛ لأن الأجل حق مقصود له، فلا يفوت، ووجه الأول القياس على الموت والجديد فرق بأن ذمة الميت خربت بخلافه، والخلاف مبني على أن حجر الفلس حجر سفه فيحل أو مرض فلا، ومن فروع مذهبنا: لو جن وعليه دين فالمشهور أنه يحل. وصحح ابن يونس في «تنبيهه» المنع، وانتصر القرطبي لمذهبه وقاسه على الموت (٥)، وقد عرفت الفرق. ويحكى عن الحسن أنه قال: لا يحل الدين
بالموت (٦)؛ وهو محجوج بالأدلة.

-----------
(١) «النوادر والزيادات» ١٠/ ١٥.
(٢) رواه أبو داود (٣٦٢٩)، وابن ماجه (٢٤٢٨) وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٥٢٦).
(٣) «المفهم» ٤/ ٤٣٥.
(٤) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٦٨.
(٥) انظر: «المفهم» ٤/ ٤٣٥.
(٦) رواه عبد الرزاق ٨/ ٣ (١٤٠٥٤)، وابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٩ (٢١٠٨٢): بلفظ: إذا أفلس أو مات حل دينه.



سادسها:
المؤجر كالبائع على الأصح عندنا، وهو قول المالكية (١)، وقد سلف حكم القرض.
قال ابن التين: واختلف في المحال عليه إذا أفلس، فقال محمد: يكون المحال أحق بالسلعة. وذكر عن أصبغ أنه لا يكون أحق بها، وأما من وجد عين ماله من العواري والودائع واللقطات، فلا خلاف أنه أحق بها وجدها عند مفلس أو غيره.
قال الخطابي: فتأويل الحديث على ذلك غير بين إذ الإجماع أغنى عنه، وما ذكره إذا قامت البينة على عينه، واختلف إذا لم تقم بينة على عينه، هل يقبل قوله (٢)؟
وقال ابن المنير: إدخال البخاري القرض والوديعة مع الدين إما لأن الحديث مطلق وإما لأنه وارد في البيع، والحكم في القرض والوديعة أولى، أما الوديعة فملك ربها لم تنتقل، وأما القرض فانتقال ملكه عنه معروف وهو أضعف من تمليك المعاوضة، فإذا بطل التفليس ملك المعاوضة القوي بشرطه فالضعيف أولى (٣).
فرع: توقف مالك في إبقاء كسوة زوجته، وقال سحنون: لا يترك لها كسوة، وفي رواية ابن نافع عن مالك لا يترك إلا ما يواريه، وبه قال ابن كنانة (٤)، واختلف في بيع كتب العلم على قولين، وهذا ينبني على كراهة بيع كتب الفقه أو جوازه.

------------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ٧٣.
(٢) «معالم السنن» ٢/ ١١٩٨.
(٣) «المتواري» ص ٢٧٠.
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ٨، «المنتقى» ٥/ ٨٤.



فرع:
للغرماء دفع ثمنها من مال المفلس، وفي دفعه من عندهم أجازه عبد الملك ومنعه ابن كنانة، وقال أشهب: ليس له أخذها بالثمن حتى يزيدوا على الثمن زيادة يحطونها من المفلس من دينهم، ذكره ابن التين.


١٥ - باب مَنْ أَخَّرَ الغَرِيمَ إِلَى الغَدِ أَوْ نَحْوِهِ، وَلَمْ يَرَ ذَلِكَ مَطْلًا (١)
وَقَالَ جَابِرٌ: اشْتَدَّ الغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فِي دَيْنِ أَبِي فَسَأَلَهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَ حَائِطِي فَأَبَوْا، فَلَمْ يُعْطِهِمِ الحَائِطَ وَلَمْ يَكْسِرْهُ لَهُمْ، قَالَ: «سَأَغْدُو عَلَيْكَ غَدًا». فَغَدَا عَلَيْنَا حِينَ أَصْبَحَ فَدَعَا فِي ثَمَرِهَا بِالبَرَكَةِ، فَقَضَيْتُهُمْ. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٦٥]

--------
(١) لم يذكر المصنف هذا الباب في شرحه، وكذا ابن بطال، فلعل المصنف قد تابعه في ذلك.


١٦ - باب مَنْ بَاعَ مَالَ المُفْلِسِ أَوِ المُعْدِمِ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الغُرَمَاءِ، أَوْ أَعْطَاهُ حَتَّى يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ
٢٤٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ المُعَلِّمُ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: أَعْتَقَ رَجُلٌ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي؟». فَاشْتَرَاهُ نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، فَأَخَذَ ثَمَنَهُ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح ٥/ ٦٥]
ذكر فيه حديث جابر في بيع المدبر، وقد سلف في باب: بيع المدبر (١)، ولا يفهم من الحديث معنى قوله في الترجمة: فقسمه بين الغرماء؛ لأن الذي باع عليه رسول الله - ﷺ - مدبره لم يكن له مال غيره، وذكره في الأحكام (٢)، ولم يذكر فيه أنه كان عليه دين، وإنما باع عليه مدبرًا لم يكن له مال غيره؛ لأن من سننه أن لا يتصدق المرء بماله كله ويبقى فقيرًا فيتعرض لفتنة الفقر، ولذلك قال - عليه السلام -: «خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول» (٣) وعوله لنفسه أوكد من الصدقة.
وأما قسمة مال المفلس بين الغرماء فهو أصل مجمع عليه إذا قام عليه غرماؤه، وحال الحاكم بينه وبين ماله ووقفه لهم، ولا يخرج هذا المعنى من حديث جابر أصلًا، قاله ابن بطال (٤).

----------
(١) سلف برقم (٢٢٣٠) كتاب: البيوع.
(٢) سيأتي برقم (٧١٨٦) باب: بيع الإمام على الناس أموالهم وضياعهم.
(٣) سلف برقم (١٤٢٦) كتاب الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى، ورواه مسلم (١٠٣٤) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٢٦.



وقال ابن المنير: احتمل عند البخاري دفع الثمن إليه أن يكون باعه عليه؛ لأنه لم يكن يملك سواه فلما أجحف بنفسه تولى بيعه بنفسه لأجل تعلق حق التدبير، والحقوق إذا بطلت احتيج في فسخها إلى الحكم، فعلى هذا التأويل يكون دفع الثمن إليه حتى ينفقه على نفسه، واحتمل عنده أن يكون باعه عليه؛ لأنه مديان؛ ومال المديان يقسم بين الغرماء ويكون سلمه إليه ليقسمه بين غرمائه، ولهذا ترجم على التقديرين (١).
قلت: الحديث صريح في الثاني، وقد قال - عليه السلام - في رواية: «اقض دينك» (٢)، وبيعه هو مذهب الشافعي وأحمد، وعند مالك: يرده الدين الذي قبله (٣).

---------
(١) «المتواري» ص ٢٧١.
(٢) رواها النسائي في «المجتبى» ٨/ ٢٤٦.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ١٨٦، «النوادر والزيادات» ١٠/ ١١، «الإشراف» ٢/ ٢٠٥.



١٧ - باب إِذَا أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى أَوْ أَجَّلَهُ فِي البَيْعِ
قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي القَرْضِ إِلَى أَجَلٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَإِنْ أُعْطِيَ أَفْضَلَ مِنْ دَرَاهِمِهِ، مَا لَمْ يَشْتَرِطْ. وَقَالَ عَطَاءٌ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: هُوَ إِلَى أَجَلِهِ فِي القَرْضِ.

٢٤٠٤ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَذَكَرَ الحَدِيثَ. [انظر: ١٤٩٨ - فتح ٥/ ٦٦]
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سألَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَذَكَرَ الحَدِيثَ.
الشرح:
تعليق ابن عمر أسنده ابن أبي شيبة عن وكيع ثنا حماد بن سلمة: سمعت شيخا يقال له: المغيرة قال لابن عمر: إني أسلف جيراني إلى العطاء فيقضوني أجود من دراهمي، قال: لا بأس ما لم تشترط.
قال وكيع: وحدثنا هشام الدستوائي، عن القاسم بن أبي بزة، عن عطاء بن يعقوب قال: استسلف مني ابن عمر ألف درهم فقضاني دراهم أجود من دراهمي، وقال: ما كان فيها من فضل فهو نائل مني إليك


أتقبله؟ قلت: نعم (١)، وأثر عطاء وعمرو (٢). قال ابن التين: قال به أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي: له أن يأخذ بالقرض قبل حلول أجله. وعند ابن عمر: يعطي أفضل من دراهمه، وهو قولنا وقول مالك.
وحديث الخشبة سلف غير مرة (٣)، وقد اختلف العلماء فيما إذا أقرض إلى أجل، فهل له المطالبة به قبله؟ فقال مالك وأصحابه: من أقرض رجلًا دنانير أو دراهم أو شيئًا مما يُكَال أو يوزن أو غير ذلك حالًّا ثم طاع له فأخره به إلى أجل، ثم أراد الانصراف عن ذلك وأخذه قبل الأجل لم يكن ذلك له؛ لأن هذا مما يتقرب به إلى الله -عز وجل- وهو من باب الحِسْبَة (٤).
وقال أبو حنيفة: سواء كان القرض إلى أجل أو غير أجل له أن يأخذه متى أحب، وكذلك العارية؛ لأنه من باب العدة والهبة غير مقبوضة، وهو قول الحارث العكلي وأصحابه وإبراهيم النخعي. قال ابن أبي شيبة: وبه نأخذ (٥). ولا يجوز عندهم تأخير القرض البتة، ويجوز تأخير المغصوب وقيم المتلفات. وقال الشافعي: إذا أخره بدين حال فله أن يرجع فيه متى شاء، وسواء كان ذلك من قرض أو غيره، وكذلك العارية وغيرها؛ لأن ذلك عندهم من باب العدة والهبة غير المقبوضة وهبة ما لم يخلق، وهذا كله لازم عند مالك في

-----------
(١) «المصنف» ٤/ ٥٢٤ (٢٢٧٦٢، ٢٢٧٦٥).
(٢) عزاه ابن حجر في «الفتح» ٥/ ٦٦ إلى عبد الرزاق، ولم أجده في المطبوع من «المصنف».
(٣) سلف برقم (١٤٩٨، ٢٠٦٣، ٢٢٩١).
(٤) انظر: «التمهيد» ٣/ ٢٠٧ - ٢٠٨.
(٥) «المصنف» ٤/ ٤١٣ (٢١٥٦٦).



تأجيل القرض، وفي عارية المنفعة للسكنى وغيرها (١)، ويحمل ذلك على العرف فيما يستعار الشيء لمثله من العمل والسكنى، وكل ذلك عنده من أعمال البر التي أوجبها على نفسه فيلزمه الوفاء بها. وحديث أبي هريرة يشهد لقول مالك؛ لأن القرض فيه إلى أجل مسمى ولا يجوز فيه تَعَدِّيهِ والاقتضاء قبله، ولو جاز ذلك لكان ضرب الأجل وتركه سواء، ولم يكن لضرب الأجل معنى وبطل معنى قوله: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالحِسَابَ﴾ [الإسراء: ١٢] وإنما فائدتها معرفة الآجال، وأما إذا أجله في البيع فلا خلاف بين العلماء في جواز الآجال فيه؛ لأنه من باب المعاوضات ولا يأخذه قبل محله.(١) انظر: «التمهيد» ٣/ ٢٠٩.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #449  
قديم 30-04-2026, 09:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 451 الى صـــ 470
الحلقة (449)






١٨ - باب الشَّفَاعَةِ فِي وَضْعِ الدَّيْنِ
٢٤٠٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَطَلَبْتُ إِلَى أَصْحَابِ الدَّيْنِ أَنْ يَضَعُوا بَعْضًا مِنْ دَيْنِهِ فَأَبَوْا، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا، فَقَالَ: «صَنِّفْ تَمْرَكَ كُلَّ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى حِدَتِهِ، عِذْقَ ابْنِ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، وَاللِّينَ عَلَى حِدَةٍ، وَالعَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَحْضِرْهُمْ حَتَّى آتِيَكَ». فَفَعَلْتُ، ثُمَّ جَاءَ - ﷺ - فَقَعَدَ عَلَيْهِ، وَكَالَ لِكُلِّ رَجُلٍ حَتَّى اسْتَوْفَى، وَبَقِيَ التَّمْرُ كَمَا هُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُمَسَّ. [انظر: ٢١٢٧ - فتح ٥/ ٦٧]

٢٤٠٦ - وَغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى نَاضِحٍ لَنَا، فَأَزْحَفَ الجَمَلُ، فَتَخَلَّفَ عَلَيَّ، فَوَكَزَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ خَلْفِهِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ». فَلَمَّا دَنَوْنَا اسْتَأْذَنْتُ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ. قَالَ - ﷺ -: «فَمَا تَزَوَّجْتَ بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟». قُلْتُ: ثَيِّبًا، أُصِيبَ عَبْدُ اللهِ وَتَرَكَ جَوَارِيَ صِغَارًا، فَتَزَوَّجْتُ ثَيِّبًا تُعَلِّمُهُنَّ وَتُؤَدِّبُهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: «ائْتِ أَهْلَكَ». فَقَدِمْتُ فَأَخْبَرْتُ خَالِي بِبَيْعِ الجَمَلِ فَلَامَنِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِإِعْيَاءِ الجَمَلِ، وَبِالَّذِي كَانَ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَوَكْزِهِ إِيَّاهُ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - غَدَوْتُ إِلَيْهِ بِالجَمَلِ، فَأَعْطَانِي ثَمَنَ الجَمَلِ وَالجَمَلَ وَسَهْمِي مَعَ القَوْمِ. [انظر: ٤٤٣ - مسلم:٧١٥ - فتح ٥/ ٦٧]
ذكر حديث جابر في قضاء دين والده. وقد سلف (١)، وموضع الشاهد منه: (فَاسْتَشْفَعْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ فَأَبَوْا).
وقوله: («عذق ابن زيد» (٢»: نوع من التمر وهو بفتح العين وبكسرها، حكاهما ابن التين عن النسخ، وهو بالفتح: النخلة،

--------
(١) سلف برقم (٢١٢٧).
(٢) ورد بهامش الأصل: لم يذكر في «المطالع» في عذق زيد سوى الفتح وهو المعروف.



وبالكسر: الكباسة كما سلف. وبخط الدمياطي المعروف: عذق زيد.
وقوله: («واللين على حدة») اللين: جمع لينة وهي: النخلة، قاله ابن عباس (١)، والنخل كله ما خلا البرني (٢) و(«العجوة») يسميها أهل المدينة الألوان، وهي أجود التمر، وأصل لينة: لونة فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، ذكره ابن فارس (٣)، وقيل: اللين: الدقل.
و(الناضح): الذي يسقى عليه النخل. (فأزحف) (٤) أي: أعيا وكَلَّ، يقال: أزحفه السير فزحف وهو أن يجر فرسنه من الإعياء. قال ابن التين: وصوابه: فزحف ثلاثي، قال: إلا أنه ضبط بضم الهمزة وكسر الحاء في أكثر النسخ وفي بعضها بفتحهما والأول أبين.
وقوله: (وبقي التمر كما هو لم يمس منه شيء)، كذا هنا. وفي رواية أخرى: بقي منه بقية، وفي أخرى: بقي منه أوسق. قال ابن التين: وكله من رواة الحديث، وفي رواية أخرى: بقي منه سبعة عشر وسقًا (٥)، وفي رواية: كان الدين لواحد (٦)، وفي أخرى: شفع إليهم فأبوا (٧)، فدل أنهم جماعة.
وقوله: (فوكزه) أي: ضربه بالعصا من خلفه ليسرع في مشيه، كذا هو بالواو.

----------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٢.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٠٢.
(٣) «مجمل اللغة» ٢/ ٧٩٩ مادة: لين.
(٤) ورد بهامش الأصل: هو رباعي وثلاثي في «المطالع».
(٥) سلف رقم (٢٣٩٦) باب: إذا قاص أو جازفه في الدين تمرا بتمر أو غيره.
(٦) المصدر السابق.
(٧) انظر: حديث الباب.



وذكره ابن التين بالراء (١) بدل الواو، وقال: يقال: ركزت الرمح ركزًا أي: ضربه بالرمح من خلفه، ثم قال: ورواه الخطابي بالواو فوكزه وهو: الضرب بالعصا ويكون بجمع الكف، كقوله تعالى: ﴿فَوكًزَهُ مُوسَى﴾ (٢) [القصص: ١٥] وقال غيره: (الوكز): الدفع، وكذا عند أبي ذر.
قال الخطابي: وفيه: الشفاعة في وضع الشطر، والذي في الحديث بعضًا من دينه (٣).

---------
(١) ورد بهامش الأصل: قال في «المطالع» فركزه يعني: بالراء … في الكلمتين، وعند ابن القاسم فوكزه يعني: بالواو قال: وهو الصواب، وعند النسفي فزجره.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٠٢.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٠١.



١٩ - باب مَا يُنْهَى (من) (١) إِضَاعَةِ المَالِ
وَقَوْلِ اللهِ -عز وجل-: ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]. وَقَالَ تَعَالى: ﴿أَصَلَوَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. وَقَالَ تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ﴾ [النساء: ٥] وَالحَجْرِ فِي ذَلِكَ، وَمَا يُنْهَى (عَنِ) (٢) الخِدَاعِ.

٢٤٠٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنِّي أُخْدَعُ فِي البُيُوعِ. فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ». فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ. [انظر: ٢١١٧ - مسلم: ١٥٣٣ - فتح ٥/ ٦٨]

٢٤٠٨ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ وَرَّادٍ -مَوْلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ- عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ». [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ - فتح ٥/ ٦٨]
ثم ساق حديث ابن عمر: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: إِنِّي أُخْدَعُ فِي البُيُوعِ. فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ». فَكَانَ الرَّجُلُ يَقُولُهُ.
وحديث المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ عُقُوقَ الأُمَّهَاتِ، وَوَأْدَ البَنَاتِ، وَمَنَعَ وَهَاتِ، وَكرِهَ لَكُمْ قِيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ».

----------
(١) فوقها في الأصل: عن، وعلام عليها أنها في نسخة.
(٢) فوقها في الأصل: من.



الشرح:
الآية الأولى وقع في بعض النسخ، و«شرح ابن بطال» (١): (إن الله لَا يُحِبُّ الفَسَادَ) و﴿لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾.
وفي كتاب ابن التين: ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] والتلاوة ما قدمناه وأصلحته.
قال مقاتل: نزلت الآية الأولى في الأخنس بن شَرِيق وكان يأتي النبي - ﷺ - فيخبره أنه يحبه ويحلف له على ذلك، فكان النبي - ﷺ - يعجبه ذلك في المجلس وفي قلبه غير ذلك، فأخبر الله نبيه بأنه إذا توارى عنَك -وكان رجلًا جريئًا على القتل- يسعى في الأرض بالمعاصي ليفسد فيها، يعني: في الأرض. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: ٥] قال: يعني: الجهال بموضع الحق في الأموال، يعني: لا تعطوا نساءكم ولا أولادكم أموالكم فإنهم سفهاء، وهو فيهم أكثر، وأصله: الخفة، يقال: ثوب سفيه إذا كان خفيفًا فإذا أعطيتموهم فوق حاجتهم أفسدوه. جعل الله شرط دفع أموالهم إليهم وجود الرشد، وهذِه الآية محكمة غير منسوخة كما سيأتي.
وقوله: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. قال زيد بن أسلم: كان ما نهي عنه حذف الدراهم أي: كسرها (٢).
وحديث ابن عمر سلف، مع الخلف في بيان الرجل (٣) وبوب عليه

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٢٨، وفي مطبوعه بلفظ: ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾. قلت: ذكر ابن حجر في «الفتح» ٥/ ٦٨ ذلك الخلاف قائلا: وقع في رواية النسفي (إن الله لا يحب الفساد) والأول هو الذي وقع في التلاوة. اهـ.
(٢) رواه ابن جرير الطبري في «تفسيره» ٧/ ١٠٠، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٥٦٩.
(٣) سلف برقم (٢١١٧) كتاب: البيوع، باب: ما يكره من الخداع في البيع.



باب: الحجر (١)، وليس فيه ذلك، بل فيه أنه مطلق لقوله: «إذا بايعت فقل: لا خلابة». وحديث المغيرة سلف في الزكاة في باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] القطعة الثانية منه (٢).
واختلف العلماء في إضاعة المال، فقال سعيد بن جبير: إضاعة المال أن يرزقك الله رزقًا فتنفقه فيما حرم الله عليك (٣)، وكذلك قال مالك (٤)، وقيل: إضاعته السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أنه - عليه السلام - ردَّ تدبير المعدم؛ لأنه أسرف على ماله فيما يحل له ويؤجر فيه، لكنه أضاع نفسه، وأجره في نفسه أوكد عليه من أجره في غيره.
واختلف العلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله، فقال جمهور العلماء: يجب الحجر على كل مضيع لماله صغيرًا كان أو كبيرًا؛ روي ذلك عن علي وابن عباس وابن الزبير وعائشة، وهو قول مالك والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور.
وقالت طائفة: لا يحجر على الحر البالغ، هذا قول النخعي وابن سيرين وبه قال أبو حنيفة وزفر. قال أبو حنيفة: فإن حجر عليه القاضي ثم أقر بدين أو تصرف في ماله جاز ذلك كله، واحتج بحديث الذي يخدع في البيوع فقال له - عليه السلام -: «إذا بايعت فقل: لا خلابة».

--------
(١) كتاب: الخصومات، قبل حديث (٢٤١٤).
(٢) سلف برقم (١٤٧٧).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٣٣١ (٢٦٥٩٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٨١، والبيهقي في «سننه» ٦/ ٦٣ وفي «الشعب» ٥/ ٢٥٠.
(٤) انظر: «التمهيد» ٢١/ ٢٩٣.



قال: ففي هذا الحديث وقوف النبي - ﷺ - على أنه كان يغبن في البيوع، فلم يمنعه من التصرف ولا حَجَرَ عليه (١).
وحجة الجماعة الآية التي ذكرها البخاري وهي قوله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ [النساء: ٥] فنهى عن دفع الأموال إلى السفهاء، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٦] فجعل شرط دفع أموالهم إليهم وجود الرشد، وهذِه الآية محكمة غير منسوخة، ومن كان مبذرًا لماله فهو غير رشيد. وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]. وقال تعالى: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨)﴾ [الشعراء: ١٢٨] فخبر -عز وجل- أن أنبياء منعوا قومهم من إضاعة الأموال والعبث، والأنبياء لا تأمر إلا بأمر الله.
واحتجوا بحديث المغيرة: «إن الله كره لكم قيل وقال وإضاعة المال» (٢) وما كره الله لنا فمحرم علينا فعله، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٨١]، ﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]. فالمبذر لماله داخل في النهي ممنوع منه.
واحتج الطحاوي على أبي حنيفة، فقال: لما قال له - عليه السلام -: «إذا بايعت فقل: لا خلابة» أي: لا شيء عليَّ من خلابتك إياي، جعل بيوعه معتبرة، فإن كان فيها خلابة لم يجز وليس في هذا الحديث دفع الحجر إنما فيه اعتبار عقود المحجور عليه (٣).

-----------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٢١٥، «مواهب الجليل» ٥/ ٧٤، «البيان» ٦/ ٢٢٨ - ٢٢٩، «المغني» ٦/ ٦٠٩ - ٦١٠.
(٢) سلف برقم (١٤٧٧).
(٣) قاله الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ١٢/ ٣٣٥.



قال غيره: ويحتمل أن يكون الرجل يغبن بما لا تنفك التجارة منه، فجعل له رسول الله - ﷺ - الخيار ثلاثًا ليستدرك الغبن في مدة الخيار ولو أوجبت الضرورة الحجر عليه لفعل. ألا ترى أنه قد شعر لما يمكر به فسأله رسول الله - ﷺ - وليس من شكى مثل هذا مضيعًا لماله وإنما هو حريص على ضبطه والنظر فيه، فخصه - عليه السلام - أن جعل له إذا بايع أن يقول: لا خلابة أي: لا تخدعوني فإن خديعتي لا تحل. قال الطحاوي: ولم أجد عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال: لا حجر كما قال أبو حنيفة إلا عن النخعي وابن سيرين (١).
وأما عقوق الأمهات اقتصاره عليه لا أن عقوق الآباء غير محرم ولكنه دلَّ بأحدهما عن الآخر.
واختلف العلماء في تقديم حق الأبوين فوقف مالك في ذلك، وذُكر عنه أن رجلًا قال له: أبي في بلاد السودان وكتب إليَّ أبي: أن اقْدم؛ وأمي تمنعني، فقال له: أطع أباك ولا تعص أمك. وذكر أن الليث
أمره بطاعة الأم؛ لأن لها ثلثي البر (٢).
وقال الخطابي: برُّها مقدم في باب النهي وبر الأب مقدم في الطاعة وحسن البياعة لرأيه والنفوذ لأمره (٣)، وأصل العقوق القطع من قولهم: عقَّ الشيء: قطعه فكأن العاق لأمه قطع ما بينه وبينها من أصل الرحم. وقيل: أصل العق: الشق، يقال: شق ثوبه وعقه.

---------
(١) المصدر السابق.
(٢) ورد بهامش الأصل: كأنه يشير إلى أنه جاء في الحديث من أبر؟: قال: «أمك» قال: ثم من؟ قال: «أمك»، قال: ثم من؟ قال: «أباك». فجعل لها الثلثين.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٠٣.



وقوله: («الأمهات»): جمع أمهة، والفرق بين أمهة وأم: أن أمهة إنما يقع غالبًا على من يعقل بخلاف أم.
قال ابن فارس: وجدت بخط سلمة: أمات للبهائم وأمهات للناس (١)، وخص الأمهات بالذكر كما تقدم؛ لأن حقهن مقدم على حق الأب، كذا قاله ابن الجوزي، أو لضعف الأم وقوة الأب وشدته
على الولد.
وقوله: («ووأد البنات») هو: مصدر وأدت الوليدة ابنتها: تئدها إذا دفنتها حية، وأْدًا: بإسكان الهمزة وضبط عند ابن فارس بفتحها (٢) وهو من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا المَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾ [التكوير: ٨، ٩]. قال أبو عبيد: كان أحدهم في الجاهلية إذا جاءته البنت يدفنها حية حين تولد. ويقولون: القبر صهر ونعم الصهر (٣)، وكانوا يفعلونه غيرة وأنفة، وبعضهم يفعله تخفيفًا للمؤنة. قلت: وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١] ومنهم من خاف السبي والاسترقاق، وسميت موءودة لثقل ما عليها من التراب.
وقوله: («ومنع وهات») أي: منع الواجب من الحقوق وأخذ ما لا يحل. وقيل: الأخذ مطلقًا.
وقال ابن بطال: أي يمنع الناس خيره ورفده ويأخذ منهم رفدهم (٤).
قال ابن التين: وضبط منع بغير ألف، وصوابه منعًا بالألف؛ لأنه مفعول حرم.

---------
(١) «مجمل اللغة» ١/ ٨١.
(٢) «مجمل اللغة» ١/ ٧٩ مادة (أد).
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٢٣٥.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٣١.



وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد بن حنبل: ما معنى منع وهات، قال: أن تمنع ما عندك فلا تتصدق ولا تعطي وتمد يدك فتأخذ من الناس، وقد أسلفنا الكلام على: «قيل وقال» إلى آخر الحديث.
قال مالك في: «قيل وقال»: هو الإكثار في الكلام والإرجاف نحو قول الناس: أعطى فلان كذا ومنع كذا، والخوض فيما لا يعني.
وقال أبو عبيد: كناية عن قيل وقول (١)، يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالا، وقرأ ابن مسعود: (ذَلِكَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَالَ الحَقَّ) [مريم: ٣٤] يعني: قول الحق (٢).
وقال ابن السكيت: هما اسمان لا مصدران (٣). وقيل: هما فعلان، وقال مالك في: «كثرة السؤال»: لا أدري أهو ما أنهاكم عنه -فقد كره - عليه السلام - المسائل وعابها- أم هو مسألة الناس أموالهم (٤).

--------
(١) «غريب الحديث» ١/ ٢٣٦.
(٢) ذكره الطبري في «تفسيره» ٨/ ٣٤٠ وقال: والصواب من القراءة في ذلك عندنا: الرفع لإجماع الحجة من القراء عليه.
(٣) «إصلاح المنطق» ص ٨٩.
(٤) انظر: «التمهيد» ٢١/ ٢٩٠.



٢٠ - باب العَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَلَا يَعْمَلُ إِلَّا بِإِذْنِهِ
٢٤٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ:»كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالإِمَامُ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ، وَهْيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ: فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَكُلُّكُمْ رَاعٍ -وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». [انظر: ٨٩٣ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح ٥/ ٦٩]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» إلى أن قال: «وَالخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ، وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
معنى كون العبد راع في مال سيده أنه يلزمه ما يلزم سائر الرعاة من حفظ ما استرعي عليه ولا يعمل في معظم الأمور إلا بإذن سيده وما كان من المعروف (المعتاد) (١) أن يعفى عنه مثل الصدقة بالكِسْرة والقطعة فلا يحتاج فيه إلى إذن سيده، وقد سلف أن الخازن أحد المتصدقين، ولم يشترط إذن السيد إلا في الكثير لقوله: «يعطي ما أمر به كاملًا موفرًا إلى الذي أمر له» (٢) فهذا يدل على العطاء الجزل؛ لأن اشتراط الكمال فيه دليل على الكثرة.

---------
(١) في الأصل: (المتعاد) ولعل المثبت هو الصواب.
(٢) سلف برقم (١٤٣٨) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسد.



٤٤
كتاب الخصومات


بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

٤٤ - كتاب الخصومات
١ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الإِشْخَاصِ وَالخُصُومَةِ بَيْنَ المُسْلِمِ وَاليَهُودِ (١)
٢٤١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَيْسَرَةَ: أَخْبَرَنِي قَالَ: سَمِعْتُ النَّزَّالَ، سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً، سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «كِلَاكُمَا مُحْسِنٌ». قَالَ شُعْبَةُ: أَظُنُّهُ قَالَ: «لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا». [٢٤٧٦، ٥٠٦٢ - فتح ٥/ ٧٠]

٢٤١١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ، قَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ. فَقَالَ اليَهُودِيُّ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى العَالَمِينَ. فَرَفَعَ المُسْلِمُ يَدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَلَطَمَ

---------
(١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد الستين، كتبه مؤلفه.


وَجْهَ اليَهُودِيِّ، فَذَهَبَ اليَهُودِيُّ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِهِ وَأَمْرِ المُسْلِمِ، فَدَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - المُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُخَيِّرُونِي عَلَى مُوسَى، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَصْعَقُ مَعَهُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يُفِيقُ، فَإِذَا مُوسَى بَاطِشٌ جَانِبَ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ فَأَفَاقَ قَبْلِي، أَوْ كَانَ مِمَّنِ اسْتَثْنَى اللهُ». [٣٤٠٨، ٣٤١٤، ٤٨١٣، ٦٥١٧، ٦٥١٨، ٧٤٢٨ - مسلم: ٢٣٧٣ - فتح ٥/ ٧٠]

٢٤١٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ يَا أَبَا القَاسِمِ، ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ: «مَنْ؟». قَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: «ادْعُوهُ». فَقَالَ: «أَضَرَبْتَهُ؟». قَالَ: ٣/ ١٥٩ سَمِعْتُهُ بِالسُّوقِ يَحْلِفُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُوسَى عَلَى البَشَرِ. قُلْتُ: أَيْ خَبِيثُ، عَلَى مُحَمَّدٍ - ﷺ -؟! فَأَخَذَتْنِي غَضْبَةٌ ضَرَبْتُ وَجْهَهُ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُخَيِّرُوا بَيْنَ الأَنْبِيَاءِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ تَنْشَقُّ عَنْهُ الأَرْضُ، فَإِذَا أَنَا بِمُوسَى آخِذٌ بِقَائِمَةٍ مِنْ قَوَائِمِ العَرْشِ، فَلَا أَدْرِي أَكَانَ فِيمَنْ صَعِقَ، أَمْ حُوسِبَ بِصَعْقَةِ الأُولَى». [٣٣٩٨ - ٤٦٣٨، ٦٩١٦، ٦٩١٧، ٧٤٢٧ - مسلم: ٢٣٧٤ - فتح ٥/ ٧٠]

٢٤١٣ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، قِيلَ: مَنْ فَعَلَ هَذَا بِكِ أَفُلَانٌ، أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَتْ بِرَأْسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَرُضَّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ. [٢٧٤٦، ٥٢٩٥، ٦٨٧٦، ٦٨٧٧، ٦٨٧٩، ٦٨٨٤، ٦٨٨٥ - مسلم: ١٦٧٢ - فتح ٥/ ٧١]
يقال: شخص -بفتح الخاء- من بلد إلى بلد، أي: ذهب، والمصدر: شخوصًا، وأشخصه غيره، وشخص التاجر: خرج من


المنزل، وشخص بكسر الخاء: رجع (١).
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها:
حديث النزال بن سبرة: قال: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَجُلًا قَرَأَ آيَةً، سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ - خِلَافَهَا، فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَأَتَيْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فقَالَ: «كلَاكُمَا مُحْسِنٌ». قَالَ شُعْبَةُ: أَظُنُّهُ قَالَ: «لَا تَخْتَلِفُوا، فَإِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ اخْتَلَفُوا فَهَلَكُوا».
ثانيها:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ: اسْتَبَّ رَجُلَانِ: رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَرَجُل مِنَ اليَهُودِ، فقَالَ المُسْلِمُ: وَالَّذِي اصْطَفَى مُحَمَّدًا عَلَى العَالَمِينَ .. الحديث. وفيه: فَلَطَمَ وَجْهَ اليَهُودِيِّ وفيه: فَدَعَا المُسْلِمَ فَسَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ.
ثالثها:
حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - جَالِسٌ جَاءَ يَهُودِيٌّ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِم، ضَرَبَ وَجْهِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِكَ. فَقَالَ: «مَنْ؟». فقَالَ: رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: «ادْعُوه» .. الحديث.
رابعها:
حديث قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ، أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فقِيلَ: مَنْ فَعَلَ بِكِ؟ أَفُلَانٌ؟ حَتَّى سُمِّيَ اليَهُودِيُّ، فَأَوْمَتْ بِرَأسِهَا، فَأُخِذَ اليَهُودِيُّ فَاعْتَرَفَ، فَأَمَرَ بِهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَرُضَّ رَأسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ.

--------
(١) انظر: «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٤٠، و«لسان العرب» ٤/ ٢٢١١ - ٢٢١٢ (شخص).


الشرح:
اختلف العلماء في إشخاص المدَّعَى عليه، فقال ابن القاسم -في معنى قول مالك- إن كان المدَّعَى عليه غائبًا إلى مثل ما يسافر الناس فيه ويقدمون، كتب إلى والي الموضع في أخذ المدعى عليه بالاستحلاف أو القدوم للخصومة، وإن كان غيبة بعيدة فيسمع من بينة المدعي ويقضى له. وقياس قول الشافعي -كما قال ابن بطال- أنه يجلب بدعوى المدعي. وقال الليث: لا يجلب المدعى عليه حتى تشهد بينة على الحق. قال الطحاوي: وليس عند أصحابنا المتقدمين فيه شيء، والقياس أنه لا يجلب ببينة ولا غيرها. قال غيره: إنما يريد أن يكتب إلى حاكم الجهة (١).
وفي الحديث الأخير: الإشخاص إذا قويت شبهة الدعوى والتوفيق والملازمة في الجواب عن الدعوى؛ لأن الجارية ادعت بإشارة، فأشخص اليهودي ووقف وألزم الجواب وشدد عليه فيه، واستدل على كذبه حتى أقر واعترف وإن كان الخصم في موضع يخاف فواته منه، فلا بأس بإشخاصه وملازمته وإن كان في موضع لا يخاف فواته فليس له إشخاصه إلا برفع من السلطان إلا أن يكون في شيء من أمور الدين، فإن من الإنكار على أهل الباطل أن يشخصوا ويرفعوا كما فعل ابن مسعود بالرجل، وكما فعل عمر بهشام بن حكيم حين تأول عليه أنه مخطئ.
وأما الملازمة فأوجبها من لم ير السجن على مدعي العدم حتى يثبت عدمه، وهم الكوفيون (٢)، وأما مالك وأصحابه فيرون أنه يسجن حتى

----------
(١) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٣٨٧، و«شرح ابن بطال» ٦/ ٥٣٣.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٣٣ - ٥٣٤.



يثبت العدم. وفرق الكوفيون بين الذي يكون أصله من معاوضة فيجب سجن من ادعى العدم، فإنه قد حصل بيده العوض ويدعي العدم، وأما إن كانت معاملة بغير معاوضة كالهبة وشبهها فلا يسجن؛ لأن أصل الناس عندهم على الفقر حتى يثبت الغنى. وإذا وجدت المعاوضة، فقد صح عنده ما ينفي الفقر.
والأصح عندنا أنه إن لزمه الدين في معاملة مال كشراء أو قرض فعليه البينة، وإلا كالصداق فيصدق يمينه؛ لأن الأصل العدم، ولم يفرق مالك بين شيء من ذلك وهم عنده على الغنى حتى يثبت العدم؛ فلذلك يلزمه السجن (١).
تنبيهات:
أحدها: في حديث أبي هريرة أنه لا قصاص بين المسلم والذمي؛ لأنه - عليه السلام - لم يقد اليهودي من المسلم في اللطمة، وقد ترجم في الديات باب: إذا لطم المسلم يهوديًّا عند الغضب (٢).
وفي «جامع سفيان» عن عمرو بن دينار: أن اللاطم هو الصديق يعني: الأول؛ لأن الثاني من الأنصار.
وفي تفسير ابن إسحاق أن اليهودي اسمه فنحاص، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] وفيه: تأدبه مع موسى عليهما الصلاة والسلام.
وإقراره لموسى بما خصه الله تعالى من الفضيلة به، فإن قلت: حديث الباب: «لا تخيروني على موسى ولا تخيروا بين الأنبياء»، وكذا

-------
(١) التخريج السابق.
(٢) سيأتي قبل حديث (٦٩١٦) كتاب، الديات.



حديث: «لا ينبغي لأحد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى» (١)، يعارض حديث: «أنا أول من تنشق عنه الأرض»، وحديث: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» (٢) قلت: لا، فعنه خمسة أجوبة:
أحدها: أنه نهى قبل أن يعلم أنه أفضلهم، فلما علم قال: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر».
ثانيها: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى الخصومة كما في الحديث مِنْ لطم المسلم اليهودي.
ثالثها: قاله تواضعًا ونفي الكبر والعجب كما قال الصديق: وليتكم ولست بخيركم (٣).
رابعها: أنه نهى عن تفضيل يؤدي إلى تنقيص بعضهم فإنه كفر.
خامسها: أنه نهى عن التفضيل في نفس النبوة لا في ذوات الأنبياء، وعموم رسالتهم وزيادة خصائصهم، وقد قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣].
وقال ابن التين: معنى: «لا تخيروا بين الأنبياء» معناه: من غير علم وإلا فقد قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الآية.

----------
(١) سيأتي برقم (٣٣٩٥) عن ابن عباس.
(٢) رواه الترمذي (٣١٤٨) وفي (٣٦١٥) وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٤٣٠٨) وأحمد ٣/ ٢ وصححه الألباني في «صحيح الترمذي».
وفي الباب عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة وواثلة بن الأسقع.
(٣) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٣٣٦، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ٢٦٧، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٥/ ١٨٣: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: عيسى بن سليمان وهو ضعيف، وعيسى بن عطية لم أعرفه.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #450  
قديم 30-04-2026, 09:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,075
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال


الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (15)
من صـــ 471 الى صـــ 490
الحلقة (450)



وأغرب ابن قتيبة فأجاب: بأنه أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة؛ لأنه الشافع يومئذٍ وله لواء الحمد والحوض (١).
فإن قلت: كيف خص يونس؟ قلت: لأنه دون غيره من الأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى، فهذا كنت لا أحب أن أفضل على يونس فكيف بمن فوقه، وقد قال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] أراد به يونس أنه لم يكن له صبر غيره من الأنبياء، وفي هذِه الآية ما يدل على أنه أفضل منه حيث قال: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. ذكره ابن بطال، قال: ويجوز أن يريد: لا تفضلوني عليه في العمل، فلعله أفضل عملًا مني ولا في البلوى والامتحان، فإنه أعظم محنة مني، وليس ما أعطى الله نبينا محمدًا من السؤدد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله تعالى إياه واختصاصه له، وكذا أمته أسهل الأمم محنة، بعثه الله إليها بالحنيفية السمحة، ووضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل في فرائضهم، وهي مع هذا خير أمة أخرجت للناس تفضلًا منه، ثم قال: هذا تأويل ابن قتيبة، واختاره المهلب.
وقوله: («أو حوسب بصعقة الطور») فيه: دليل على أن المحن في الدنيا والهموم والآلام يرجى أن يخفف الله بها يوم القيامة كثيرًا عن أهلها، وأما كفارة الذنوب بها فمنصوص عليه بقوله: «حتى الشوكة
يشاكها» (٢).

-----------
(١) «تأويل مختلف الحديث» ص ١٨٢.
(٢) متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها، فقد رواه البخاري (٥٦٤٠) كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرضى. ومسلم. (٢٥٧٢) كتاب: البر والصلة والآداب، باب: ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى ..



وفيه: رد قول سعيد بن جبير الذي ذكره البخاري في تفسير القرآن أن الكرسي العلم (١)؛ لأن العلم ليس له جانب ولا قائمة يقع اليد عليها؛ لأن اليد لا تقع إلا على ما له جسم والعلم ليس بجسم (٢). وسيأتي زيادة إيضاح له في الديات إن شاء الله تعالى.
ثانيها: قال الداودي في حديث عبد الله: «إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (٣)، وفي حديث آخر: «نزل على سبعة» وليس بالبين بل هما سواء لقوله: «كلاكما محسن».
وقوله: «لا تختلفوا» أي: في القرآن، والاختلاف فيه كفر إذا نفي إنزاله إذا كان يقرأ على خلاف ذلك، ولا تمييز بين القراءتين؛ لأنهما كلاهما كلامه قديم غير مخلوق، وإنما التفضيل في الثواب.
قال: وقوله: (استب رجلان) ليس بمحفوظ والمحفوظ حديث أبي سعيد إلا قوله: «أكان ممن صعق …» إلى آخره. ومعنى (يصعقون): يخرون صراعًا بصوت يسمعونه يوجب فيهم ذلك. و(الصعق): الغشيان أو الموت، وقيل: الإغماء من الفزع.
وقوله: («فإذا موسى باطش جانب العرش») أي: قابض عليه بيده.
وقوله: («أو كان ممن استثنى») يريد قوله: إلا من شاء الله، أي: لا يصعق.
وقال الداودي: معنى («أو كان ممن استثنى الله»)، أي: كان لي

-----------
(١) سيأتى بعد حديث (٤٥٣٤) كتاب: التفسير، باب: قوله -عز وجل- ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٣٥، ٥٣٦.
(٣) سيأتي برقم (٢٤١٩) عن عمر بن الخطاب.



ثانيًا (١) في الإفاقة، وحمل بعض الناس أن الصعقة في الموقف، ومن استثنى هم الشهداء وهو بعيد أن يصعق الرسل في الموقف، والله تعالى أمنهم فيه حيث قال: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النمل: ٨٩] ويستحيل أن يصعق الأنبياء ولا يصعق الشهداء.
وقال عبد الملك في قوله: «أو كان ممن استثنى الله» إشكال ولا يدرى ممن قال الله أم لا؛ لأن هذا هو الصعق الأول وهو الذي استثنى الله فيه، وأما صعق البعث فلا استثناء فيه والنبي - ﷺ - أخبر أنه صعق البعث.
وقوله: صعق البعث غير بين؛ لأن النفخة الثانية لا تسمى صعقة وإنما تسمى صعقة الأولى.

-----------
(١) قال الحافظ في «الفتح» ٦/ ٤٤٥: وأغرب الداودي الشارح فقال: معنى قوله «استثنى الله» أي جعله ثانيًا، كذا قال، وهو غلط شنيع. وقد وقع في مرسل الحسن في «كتاب البعث» لابن أبي الدنيا في هذا الحديث فلا أدري أكان ممن استثنى الله أن لا تصيبه النفخة أو بعث قبلي وزعم ابن القيم في «كتاب الروح» أن هذِه الرواية وهو قوله «أكان ممن استثنى الله» وهم من بعض الرواة، والمحفوظ «أو جوزي بصعقة الطور» قال: لأن الذين استثنى الله قد ماتوا من صعقة النفخة لا من الصعقة الأخرى، فظن بعض الرواة أن هذِه صعقة النفخة وأن موسى داخل فيمن استثنى الله، قال: وهذا لا يلتئم على سياق الحديث، فإن الإقامة حينئذ هي إفاقة البعث فلا يحسن التردد فيها، وأما الصعقة العامة فإنها تقع إذا جمعهم الله تعالى لفصل القضاء فيصعق الخلق حينئذ جميعًا إلا من شاء الله، ووقع التردد في موسىعليه السلام -. قال: ويدل على ذلك قوله «وأكون أول من يفيق» وهذا دال على أنه ممن صعق، وتردد في موسى هل صعق فأفاق قبله أم لم يصعق؟ قال: ولو كان المراد الصعقة الأولى للزم أن يكون النبي - ﷺ - جزم بأنه مات، وتردد في موسى هل مات أم لا، والواقع أن موسى قد كان مات لما تقدم من الأدلة، فدل على أنها صعقة فزع لا صعقة موت، والله أعلم.


وقوله: («فلا أدري كان فيمن صعق أو حوسب بصعقته الأولى»)، أنكره الداودي كما سلف، واستدل بهذا الحديث. قال: فأخبر فيه أن الصعقة قبل انشقاق الأرض عنه وهي النفخة الأولى في الصور، فيصعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله وهو جبريل وإسرافيل وميكائيل وعزرائيل، وزاد كعب: حملة العرش (١).
ورواه أنس مرفوعًا: «ثم يموت الثلاثة الأول، ثم ملك الموت بعدهم وملك الموت يقبضهم، ثم يميته الله» (٢) فكيف يصعق موسى بتلك الصعقة وقد مات قبل ذلك؟ قال: واعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض وأنه لم يعلم حين أفاق هل أفاق قبل موسى أو كان له ثانيًا؟ قال: وإن كان المحفوظ أم جوزي بصعقة طور سيناء يريد فلم يصعق، وعوفي لأجلها.
وروى أنس مرفوعًا: «آخرهم موتًا جبريل» وقال سعيد بن جبير: إلا من شاء الله، الشهداء مقلدين بالسيوف (٣) حول العرش، والصعق والصعقة: الهلاك والموت، يقال منه: صعق الإنسان -بفتح الصاد وضمها- وأنكر بعضهم الضم.
وقال ابن عباس فيما حكاه ابن جرير: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]: ترابًا، ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ [الأعراف: ١٤٣]

----------
(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٩/ ٣٠٢٨ (١٧٢١٦) عن كعب الأحبار وقال الحافظ في «الفتح» ١١/ ٣٧١: وعن كعب الأحبار نحوه، وقال: هم اثنا عشر ووجدته في المطبوع من التفسير قال: هم ثلاثة عشر.
(٢) رواه الطبري في «التفسير» ١١/ ٢٧ - ٢٨، وقال الحافظ في «الفتح» ١١/ ٣٧١: وله طريق أخرى عن أنس ضعيفة. وعزاه الحافظ للبيهقي وابن مردويه ولم أجده.
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٢١٢ (١٩٣٣٦) والطبري في «التفسير» ١١/ ٢٨.



مغشيًّا عليه. وفي رواية: «فلم يزل صعقًا ما شاء الله» (١). وهو في حديث أبي سعيد بالموت أشبه كما قال ابن الجوزي، ويؤيده قول قتادة وابن جريج فيما حكاه ابن جرير: صعقًا: ميتًا (٢). وقال الأزهري: في قوله: ﴿فَلَمَّآ أفَاقَ﴾ دليل على الغشي؛ لأنه يقال للذي غشي عليه والذي يذهب عقله: قد أفاق، وفي الميت: بعث ونشر، قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ (٣) [البقرة: ٥٦]. وكذا قاله ابن سيده (٤) وغيره. قال القزاز: ولا يقال: صعق، ولا: وهو مصعوق.
وقوله: («فأكون أول من يفيق»)، وفي لفظ: «أول من تنشق عنه الأرض» هو مشكل، كما قال القرطبي بالمعلوم من الأحاديث الدالة على أن موسى قد توفي وأنه - عليه السلام - رآه في قبره.
ووجه الإشكال أن نفخة الصعق إنما يموت بها من كان حيًّا في هذِه الدار، وأما من مات فيستحيل أن يموت ثانيًا، وإنما ينفخ في الموتى نفخة البعث، وموسى قد مات، فلا يصح أن يموت مرة أخرى، ولا يصح أن يكون مستثنى من نفخة الصعق؛ لأن الأنبياء أحياء لم يموتوا ولا يموتون، ولا يصح استثناءهم من الموتى، وقد قال بعضهم: يحتمل أن يكون موسى ممن لم يمت من الأنبياء وهو باطل (٥).
ويحتمل كما قال القاضي: أن يكون المراد بهذِه الصعقة صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السموات والأرض (٦)، ويحتمل كما قال النووي:

---------
(١) رواه ابن جرير في «التفسير» ٦/ ٥٣.
(٢) المصدر السابق.
(٣) «تهذيب اللغة» ٢/ ٢٠١٨ مادة: (صعق).
(٤) «المحكم» ١/ ٨١.
(٥) «المفهم» ٦/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٦) «إكمال المعلم» ٧/ ٣٥٧.



أنه - عليه السلام - قال هذا قبل أن يعلم أنه أول من تنشق عنه الأرض إن كان هذا اللفظ على ظاهره، وإن كان نبينا أول من تنشق عنه الأرض فيكون موسى من تلك الزمرة وهي -والله أعلم- زمرة الأنبياء (١).
فإن قلت: إذا جعلت له تلك عوضًا من الصعقة فيكون حيًّا حالة الصعق وحينئذ لم يصعق.
فالجواب: أن الموت ليس بعدم، إنما هو انتقال من دار إلى دار، بيانه أن الشهداء بعد قتلهم ودفنهم أحياء عند ربهم، وإذا كان هذا للشهداء، كان الأنبياء بذلك أحق وأولى مع أنه قد صحَّ عنه - عليه السلام - أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه اجتمع بهم ليلة الإسراء ببيت المقدس والسماء خصوصًا موسى (٢)، فتحصل من جملة هذا القطع، بأنهم غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا موجودين أحياء، وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم موجودون أحياءً ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله بكرامته، فإذا تقرر أنهم أحياء فيما بين السموات والأرض، وإذا نفخ في الصور نفخة الصعق صعق من في السموات والأرض إلا من شاء الله، وأما صعق غير الأنبياء فموت، وأما صعق الأنبياء فالأظهر أنه غشي، فإذا نفخ ثانيًا، فمن مات حَيي ومن غشي عليه أفاق، ويحصل من هذا أن نبينا تحقق أنه أول من يُفِيق، وأول من يخرج من قبره قبل الناس كلهم الأنبياء وغيرهم إلا موسى، فإنه حصل له فيه تردد، هل بعث قبله أو بقي على الحالة التي كان عليها؟ وعلى أي الحالتين فهي فضيلة عظيمة لموسى ليست لغيره.

---------
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ١٥/ ١٣١ - ١٣٢ وهو نص كلام القاضي كما نقله النووي عنه رحمه الله.
(٢) «الروح» ص (٢٣).



قلت: وقد يقال: إن نبينا لما يرفع بصره حين الإفاقة يكون إلى جهة من جهات العرش، ثم يرفع ثانيًا إلى جهة أخرى منه فيجد موسى وبه يلتئم: «أنا أول من تنشق عنه الأرض» وإن قدر الله الوصول إلى كتاب: الحشر نزيد ذلك إيضاحًا مع أن هذا كاف.
فائدة:
روينا من طريق علي بن معبد في كتاب «الطاعة» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «إن الله -عز وجل- خلق الصور وأعطاه إسرافيل» قلت: يا رسول الله، وما الصور؟ قال: «عظيم والذي نفسي بيده إن عظم داره كعرض السماء والأرض، فينفغ فيه ثلاث نفخات أول نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصعق، والثالثة: نفخة القيام، يقول له في الأولى: انفخ نفخة الفزع ويأمره فيمدها يطولها». وذكر الحديث بطوله.
وأخرجه الطبري لكن فيه رجل وهو مجهول (١) ثم قال: وهذا القول

----------
(١) رواه إسحاق بن راهويه في «مسنده» مطولًا، ١/ ٨٤ - ٩٥، والطبري في «تفسيره» ٩/ ١٠٥ رواه الطبراني في «الأحاديث الطوال» ص ٩٤ - ١٠١ حديث (٣٦) وأبو الشيخ في «العظمة» ص ١٧٧ - ١٨٤ (٣٣٨)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٢٨٣ - ٢٨٨ (٢٧٣) والبيهقي في «البعث والنشور» ٣٢٥ - ٣٣٤ (٦٦٩).
وقال: البخاري في «تاريخه الكبير» ١/ ٢٦٠ في ترجمة محمد بن يزيد بن أبي زياد: حديث الصور، مرسل ولا يصح.
وقال ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٥١٨ في ترجمة محمد بن يزيد: روى عنه إسماعيل بن رافع حديث الصور مرسل ولم يصلح ثم قال: وهذا الذي قال البخاري: إنه لا يصح لأنه ذكر في إسناده رجلًا.
وقال ابن كثير في «تفسيره» ٦/ ٩٢ هذا حديث مشهور، وهو غريب جدًا، ولبعضه شواهد الأحاديث المتفرقة، وفي بعض ألفاظه نكارة.
وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ١٨٧: هذا إسناد ضعيف.



الذي روي عن النبي - ﷺ - في ذلك، أعني: المستثنى في الفزع الشهداء
وفي الصعق جبريل وملك الموت وحملة العرش أولى بالصيحة.
ثالثها: روى ابن حبان في «صحيحه» عن عبد الله: أقرأني رسول الله - ﷺ - سورة الرحمن فخرجت إلى المسجد عشية، فجلست إلى رهط، فقلت لرجل: اقرأ علي، فإذا هو يقرأ أحرفًا لا أقرأ بها … الحديث (١).
وفي «مبهمات الخطيب الحافظ»: أقرأني رسول الله - ﷺ - سورة من الثلاثين (إلى) (٢) ﴿حم (١)﴾ يعني: الأحقاف، قال: وكانت السورة إذا (تكن) (٣) ثلاثين آية سميت ثلاثين فخرجت إلى المسجد، فإذا رجل يقرأ على غير ما أقرأ، فأتينا رسول الله - ﷺ - وعنده رجل، فقال الرجل الذي عنده: ليقرأ كل منكما ما سمع .. الحديث. قال الخطيب: القائل: ليقرأ كل رجل منكما، هو علي (٤).
وفي حديث أبي بن كعب في «صحيح ابن حبان»: قرأ رجل آية وقرأتها على غير قراءته، فقلت: من أقرأك هذِه؟ قال: رسول الله. فانطلقت، فقلت: يا رسول الله، أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: «نعم»، فقال الرجل: أقرأتني آية كذا وكذا؟ قال: «نعم، إن جبريل وميكائيل أتياني فجلس جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: يا محمد، اقرأ القرآن على حرف. فقال ميكائيل: استزده. فقلت:
زدني، فقال: اقرأه على حرفين. فقال ميكائيل: استزده. حتى بلغ سبعة أحرف وقال: كل كاف شاف» (٥).

-----------
(١) رواه ابن حبان ٣/ ٢٢ - ٢٣.
(٢) كذا بالأصل، وفي «الأسماء المبهمة»: من آل.
(٣) كذا بالأصل، وفي «الأسماء المبهمة»: فاتت.
(٤) «الأسماء المبهمة» ص ٢٠٢ (١٠٢).
(٥) ابن حبان ٣/ ١١ - ١٢ (٧٣٧).



وفي لفظ: «أنزل القرآن على سبعة أحرف» (١).
وللترمذي: «يا جبريل، إني بعثت إلى أمة أمية منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قط، قال: يا محمد، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (٢).
وعن أبي هريرة مرفوعًا: «أنزل القرآن على سبعة أحرف: حليمًا عليمًا غفورًا رحيمًا».
ثم قال: قال أبو حاتم: آخر الحديث عند قوله: «حليمًا عليمًا» والباقي قول: محمد بن عمرو، أدرجه في الخبر والخبر إلى سبعة أحرف فقط (٣).
ولأحمد من حديث زِرِّ عن حذيفة مرفوعًا: «لقيت جبريل عند أحجار (المراء) (٤) فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية، فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف» (٥).
وفي لفظ من حديث ربعي عنه: «فمن قرأ من أمتك على حرف واحد، فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه» (٦).

--------
(١) المصدر السابق ٣/ ١٧، ١٨.
(٢) رواه الترمذي (٢٩٤٣) وقال: حسن صحيح، وأشار أبو بكر بن العربي في «عارضة الأحوذي» ١١/ ٦٢ - ٦٣. إلى صحته.
(٣) رواه ابن حبان ٣/ ١٨ - ١٩.
(٤) رسمت في الأصل كلمة غير مقروءة ولعلها: الزيت، وما أثبتناه من مصادر التخريج.
(٥) «مسند أحمد» ٥/ ٤٠٠.
(٦) رواه أحمد ٥/ ٣٨٥، وقال الحافظ ابن كثير في «فضائل القرآن» ١/ ١٠٧: هذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.



وفي لفظ: «إن من أمتك الضعيف، فمن قرأ على حرف، فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه» (١).
وله من حديث أم أيوب امرأة أبي أيوب الأنصاري مرفوعًا: «نزل القرآن على سبعة أحرف، أيها قرأت أجزأك» (٢). ومن حديث الحسن بن سمرة مرفوعًا: «أنزل القرآن على ثلاثة أحرف» (٣).
ومن حديث أبي الجهيم بن الحارث بن الصمة مرفوعًا: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف فلا تماروا في القرآن فإن المراء فيه كفر» (٤). ورواه أبو عبيد في «القراءات» تأليفه أيضًا، وعند البخاري في: فضائل القرآن حديث عمر وابن عباس ستعرفهما (٥).
رابعها: حديث أنس أخرجه مسلم والأربعة (٦).

---------
(١) رواه أحمد ٥/ ٤٠١.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٣٣، وقال ابن كثير في «فضائل القرآن» ١/ ١١٧: إسناد صحيح ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة.
(٣) رواه أحمد ٥/ ٢٢، وأبو عبيد في «فضائل القرآن» ص ٣٣٩، والطحاوي في «مشكل الآثار» ٨/ ١٣٥ والحاكم ٢/ ٢٢٣، وضعفه الألباني في «السلسلة الضعيفة» (٢٩٥٨).
(٤) رواه أحمد ٤/ ١٦٩ - ١٧٠، والطحاوي في «المشكل» ٨/ ١١١، وابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٢٨٢ من طريق سليمان بن بلال عن يزيد بن خصيفة، عن بشر بن سعيد عن أبي جهيم به. وقال الحافظ بن كثير في «فضائل القرآن» ص ١١٨: هذا إسناد صحيح ولم يخرجوه.
(٥) سيأتي الكلام عليهما عند حديث (٤٩٩١)، (٤٩٩٢) كتاب: فضائل القرآن، باب: أنزل القرآن على سبعة أحرف.
(٦) رواه مسلم (١٦٧٢) كتاب: القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره من المحددات والمثقلات وقتل الرجل بالمرأة. وأبو داود (٤٥٢٧)، والترمذي (١٣٩٤)، والنسائي ٨/ ٢٢، وابن ماجه (٢٦٦٥).



وفي لفظ: «فلم يزل به حتى أقر» (١)، قال الترمذي: والعمل عليه عند بعض أهل العلم وهو قول أحمد وإسحاق، وقال بعض أهل العلم: لا قود إلا بالسيف (٢).
خامسها: قام الإجماع على أن القتل صنفان: عمد وخطأ، واختلفوا هل بينهما وسط أم لا؟ وهو الذي يسمونه شبه العمد، وبه قال جمهور فقهاء الأمصار، قالوا: وذلك راجع في الأغلب إلى الآلات التي يقع بها القتل وإلى الأحوال التي كانت من أجلها الضرب، فقال أبو حنيفة: كل ما عدا الحديد من القصب أو النار أو ما يشبه ذلك فهو شبه العمد. وقال صاحباه: شبه العمد ما لا يقتل مثله (٣) وقال الشافعي: هو ما كان عمدًا في الضرب خطأ في القتل أو ما كان ضربًا لم يقصد به القتل، فتولد عنه القتل.
والخطأ ما كان خطأ فيهما جميعًا، والعمد ما كان عمدًا فيهما جميعًا، وعمدة من نفي شبه العمد أنه لا واسطة بين الخطأ والعمد، أعني: بين أن يقصد القتل أو لا يقصده، وعمدة من أثبته أن النيات لا يطلع عليها إلا الله وإنما الحكم لما ظهر، فمن قصد ضرب آخر بآلة تقتل غالبًا كان حكمه حكم العامد.
سادسها: قال الطحاوي: يحتمل أن النبي - ﷺ - رأى أن اليهودي يجب قتله لله بذلك، فإن كان دم اليهودي قد وجب لله كما يجب دم قاطع الطريق لله، فكان له أن يقتله كيف يرى بسيفٍ أو بغيره، والمثلة

--------
(١) سيأتي برقم (٦٨٧٦) كتاب: الديات، باب: سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود.
(٢) «جامع الترمذي» (١٣٩٤).
(٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٨٥ - ٨٦.



حينئذٍ مباحة كما فعل الشارع بالعرنيين (١)، ثم نسخت بعد ذلك المثلة ونهي عنها، أو يحتمل أن يكون رأى ما فعل باليهودي واجبًا لأولياء الجارية، فقتله لهم فاحتمل أن يكون قتله كما فعل؛ لأن ذلك هو الذي وجب عليه؛ لأنه وجب عليه سفك الدم بأي طريق شاءه الولي، فاختاروا الرضخ، ففعل ذلك به. وقد روي عنه - ﷺ - أنه قتل ذلك اليهودي بخلاف ما قتل به الجارية (٢)، ففي مسلم من حديث أنس أنه أمر به أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات (٣). والرجم قد يصيب الرأس وغيره.
سابعها: اختلف العلماء في إشارة المريض، فذهب الشافعي ومالك والليث إلى أنه إذا ثبتت إشارته على ما يعرف من يحضره جازت وصيته. وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي: إذا سُئل المريض عن شيء فأومأ برأسه أو بيده، فليس بشيء حتى يتكلم. قال أبو حنيفة: وإنما تجوز إشارة الأخرس أو من لحقته سكتة لا يتكلم، وأما من اعتقل لسانه ولم يدم به ذلك فلا تجوز إشارته (٤).
قلت: الحديث حجة عليه لا جرم. قال الطحاوي: جعل الشارع إشارتها بمنزلة دعواها بلسانها من غير اعتبار دوام ذلك عليها مدة من الزمان، فدل على أن من اعتقل لسانه بمنزلة الأخرس في جواز إقراره

-----------
(١) سبق الحديث برقم (٢٣٣) كتاب: الوضوء، باب: أبوال الإبل والدواب والغنم.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٧٩، ١٨١.
(٣) مسلم (١٦٧٢) كتاب: القسامة، باب: ثبوت القصاص في القتل بالحجر وغيره ..
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٦٥ - ٦٦، «الأشباه والنظائر» لابن نجيم ص ٣٤٤، «الفروق» ٤/ ١٦٠، «الأشباه والنظائر» للسيوطي ص ٣١٤، «المغني» ٨/ ٥١١.



بالإيماء والإشارة (١).
وقد ثبت أن رسول الله - ﷺ - صلى قاعدًا وأشار إليهم فقعدوا، واحتج الشافعي بأن أمامة بنت أبي العاصى أصمتت، فقيل لها: لفلان كذا فأشارت أي: نعم فنفذت وصيتها.
قال المهلب: أصل الإشارة في كتاب الله ﴿فَأَشَارَت إِليهِ﴾ يعني: سلوه، وقوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: ٤١]
وقال الإسماعيلي: من أطاق الإبانة عن نفسه لم تكن إشارته فيما له أو عليه واقعة موقع الكلام، لكن يقع موقع الدلالة على ما يراد لا فيما يؤدي إلى الحكم على إنسان بإشارة غيره، ولو كان كذلك لقبلت شهادة الشاهدين بالإشارة والإيماء، وهذِه القضية أشارت إشارة وهي تعقل إشارة لم نفض البحث عن صحتها، فلما بحث عنها اعترف. كأنه ردَّ بهذا تبويب البخاري في باب: إذا أومأ المريض برأسه إشارة بينة جاز، من كتاب: الوصايا وستعلمه فيه (٢) وفي: الديات (٣) إن شاء الله تعالى.
ثامنها: معنى رضَّ: دق (٤). وقوله: (فأومأت) كذا في الأصول مصلحًا. وذكره ابن التين: فأومت وقال: صوابه فأومأت.
وفيه: القود بالمثقل خلافًا لأبي حنيفة وهو نص في موضع الخلاف (٥).

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٦٦.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٤٦) كتاب: الوصايا، باب: إذا أومأ المريض ..
(٣) سيأتي برقم (٦٨٧٩) كتاب: الديات، باب: من أقاد بالحجر.
(٤) «مجمل اللغة» ١/ ٣٦٧، مادة [رض].
(٥) انظر: «المبسوط» ٢٦/ ١٢٢، «الأم» ٦/ ٤ - ٥، «أسنى المطالب» ٤/ ٣ - ٤.



وفيه: قتل الرجل بالمرأة، ولا ترداد بينهما عند مالك. وقال قوم: يرد أولياء المرأة نصف دية الرجل (١).
وفيه: (قتل المسلم بالكافر) (٢). واختلف عند المالكية إذا جرحه هل له الدية أو يقتص كالقتل أو يجتهد السلطان أقوال، وكذلك إذا قطع كافر طرف مسلم (٣).

----------
(١) انظر: «المنتقى» ٧/ ١٢١، «الأم» ٦/ ١٨.
(٢) هذا الكلام يخالف كلام المصنف المتقدم في أول تنبيهاته ص ٤٦٩، ولعله سقط (عدم) من أول الجملة.
(٣) انظر: «الذخيرة» ١٢/ ٣٣٤.



٢ - باب مَنْ رَدَّ أَمْرَ السَّفِيهِ وَالضَّعِيفِ العَقْلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَجَرَ عَلَيْهِ الإِمَامُ
وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - رَدَّ عَلَى المُتَصَدِّقِ قَبْلَ النَّهْيِ ثُمَّ نَهَاهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مَالٌ، وَلَهُ عَبْدٌ لَا شَىْءَ لَهُ غَيْرُهُ، فَأَعْتَقَهُ، لَمْ يَجُزْ عِتْقُهُ. [فتح ٥/ ٧١]


٣ - باب ومَنْ بَاعَ عَلَى الضَّعِيفِ وَنَحْوِهِ
وَدَفَعَ إِلَيْهِ ثَمَنَهُ، وَأَمَرَهُ بِالإِصْلَاحِ وَالقِيَامِ بِشَأْنِهِ، فَإِنْ أَفْسَدَ بَعْدُ مَنَعَهُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ إِضَاعَةِ المَالِ، وَقَالَ لِلَّذِي يُخْدَعُ فِي البَيْعِ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ». وَلَمْ يَأْخُذِ النَّبِيُّ - ﷺ - مَالَهُ.

٢٤١٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يُخْدَعُ فِي البَيْعِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ». فَكَانَ يَقُولُهُ. [انظر: ٢١١٧ - مسلم: ١٥٣٣ - فتح ٥/ ٧٢]

٢٤١٥ - حَدَّثَنَا عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ، لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح ٥/ ٧٢]
ثم ساق حديث ابن عُمَرَ (١).
وحديث جابر في بيع المدبر، وفي آخره: فَابْتَاعَهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ.
الشرح:
هذان الحديثان سلفا (٢).
والتعليق الأول: هو حديث جابر الذي أسنده بعد.
وهذا التعليق ذكر بغير صيغة جزم، وهو صحيح لا كما قاله

---------
(١) ورد بهامش الأصل: هو قوله: «إذا بايعت …» إلى آخره.
(٢) حديث ابن عمر سلف برقم (٢١١٧) كتاب: البيوع، باب: ما يكره من الخداع في البيع، وأما حديث جابر فسلف برقم (٢١٤١) كتاب: البيوع، باب: بيع المزايدة.



ابن الصلاح (١) ومن تبعه، وكلام مالك هذا ذكره ابن وهب في «موطئه» إلى قوله: (لم يجز عتقه)، وما بعده من كلام البخاري، وليس في أكثر الأصول ذكر (باب) إثر ذلك.
وقوله: (ومن باع على الضعيف ..) إلى آخره. المراد به حديث جابر المذكور.
وقوله: (ونهى عن إضاعة المال) قد سلف من حديث المغيرة قريبًا (٢)، وهذِه الترجمة وسياقه فيها حديث المدبر، وحديث الذي يخدع في البيوع من محاسن البخاري اللطيفة كما نبه عليه ابن المنير؛ لأن العلماء اختلفوا في سفيه الحال قبل الحكم هل ترد عقوده، فاختار البخاري ردها واستدل بحديث المدبر، وذكر قول مالك في رد عتق المديان قبل الحجر إذا أحاط الدين بماله، ويلزم مالكًا رد أفعال سفيه الحال؛ لأن الحجر في السفيه والمديان مطرد، ثم فهم البخاري أنه يرد عليه حديث الذي يخدع في البيوع، فإنه - ﷺ - اطلع على أنه يخدع، وأمضى أفعاله الماضية والمستقبلة، فنبه على أن الذي ترد أفعاله هو الظاهر السفه البين الإضاعة كإضاعة صاحب المدبر.
والتفصيل بين الظاهر السفه والخفي السفه أحد أقوال مالك، وأن المخدوع في البيوع يمكنه الاحتراز، ثم فهم البخاري أنه يرد عليه

---------
(١) ورد بهامش الأصل: لكن استدرك ابن الصلاح في «العلوم» فقال: ومع ذلك فإراده له في أثناء الصحيح مشعر بصحة أصله إشعارًا يؤنس به ويركن إليه انتهى، فالذي يظهر لي في قوله: يذكر. لعله ذكره بصيغة تمريض أن الحديث الذي ساقه ليس هو لفظ الحديث وإنما هو معناه، وقد اختلف الناس في رواية الحديث بالمعنى، فلهذا ذكره بصيغة تمريض وهذا يصنعه كثيرًا فيما إذا اختصره أو ذكر معناه.
(٢) سلف برقم (١٤٧٧) كتاب الزكاة، باب: قول الله تعالى ﴿لَا يَسْأَلُونَ﴾.



كون النبي - ﷺ - أعطى صاحب المدبر ثمنه، فلو كان مَنْعُهُ لأجل السفه لما سلم إليه الثمن، فنبه على أنه إنما أعطاه بعد أن علمه طريق الرشد وأمره بالإصلاح والقيام بشأنه وما كان السفه حينئذٍ فسقًا، وإنما نشأ من الغفلة وعدم البصيرة بمواقع المصالح، فلما بينها له كفاه ذلك، ولو ظهر له بعد ذلك من حاله أنه لم يتنبه ولم يرشد لمنعه التصرف مطلقًا وحجر عليه حجرًا مطردًا (١)، والأقوال الثلاثة التي أشرنا إليها.
أحدها: قول مالك وأصحابه غير ابن القاسم: أن فعل السفيه وأمره كله جائز حتى يضرب الإمام على يديه وهو قول الشافعي (٢).
ثانيها: لابن القاسم أن أفعاله غير جائزة وإن لم يضرب عليه الإمام.
ثالثها: لأصبغ إن كان ظاهر السفه فأفعاله مردودة، وإن كان غير ظاهر السفه، فلا ترد عليه أفعاله حتى يحجر عليه الإمام.
واحتج سُحنون لقول مالك بأن قال: لو كانت أفعاله مردودة قبل الحجر ما احتاج السلطان أن يحجر على أحد، واحتج غيره بأن الشارع أجاز بيع الذي كان يخدع في البيوع، ولم يذكر في الحديث أنه فسخ ما تقدم من بيوعه.
وحجة ابن القاسم حديث جابر أنه - عليه السلام - ردَّ عتق الذي أعتق عبده ولم

--------
(١) «المتواري» ص ٢٧٢.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ٩٢ - ٩٣، «تبصرة الحكام» ١/ ٤٤، واعلم أن السفيه عند الإمام الشافعي هو المبذر، والتبذير، على ما نقله معظم الأصحاب محصور في التضييعات والإنفاق في المحرمات «الشرح الكبير» ٥/ ٦٧، ٧٢.
قال النووي في «منهاجه» ولا يصح من المحجور عليه لسفه بيع ولا شراء ولا إعتاق وهبة ونكاح بغير إذن وليه ..، ولا بعد فك الحجر، ويصح بإذن الولي نكاحه، لا التصرف المالي في الأصح. «المنهاج مع شرحه» للدميري ٤/ ٤١٤ - ٤١٦.



يكن حجر عليه قبل ذلك، ولما تنوع حكم الشارع في السفيهين نظر بعض الفقهاء في ذلك فاستعمل الحديثين جميعًا، فقال: ما كان من السفه اليسير والخداع الذي لا يكاد يسلم منه مع تنبه المخدوع إليه والشكوى به، فإنه لا يوجب الضرب على اليد، ولا رد ما دفع له قبل ذلك من البيع، ولا انتزاع ماله كما لم يرد - ﷺ - بيع الذي قال له: «لا خلابة» ولا انتزاع ماله وما كان من البيع فاحشًا في السفه، فإنه يرد كما رد الشارع تدبير العبد المذكور؛ لأنه لم يكن أبقى لنفسه سيدُه مالًا يعيش به، فرد عتقه وصرف إليه ماله الذي فوته بالعتق؛ ليقوم به على نفسه ويؤدي منه دينه، وإنما ذلك على قدر اجتهاد الإمام في ذلك وما يراه.
وقد سلف الكلام فيمن باع وغبن في حديث ابن عمر فراجعه.
وقوله: (فاشتراه نعيم بن النحام) صوابه: حذف (ابن)، وإنما هو: نعيم النحام، ووقع في «شرح ابن بطال» أيضًا: ابن النحام، وقد عرفت صوابه (١).

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٥٣٨. تتمة: قال القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٥/ ٤٤٦: نعيم نفسه هو النحام. وهو نعيم بن عبد الله بن أسد قرشي عدوى وهو النحام سمي بذلك لقول النبي - ﷺ - له: «دخلت الجنة فسمعت فيها نحمة لنعيم» وذكره مثله النووي في «شرح مسلم» ١١/ ١٤٢.
وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ١٦٦: والنحام بالنون والحاء المهملة الثقيلة عند الجمهور وضبطه ابن الكلبي بضم النون وتخفيف الحاء، ومنعه الصغاني وهو لقب نعيم وظاهر الرواية أنه لقب أبيه، ثم ذكر كلام النووي المذكور آنفًا ثم قال: وكذا قال ابن العربي وعياض وغير واحد ثم عقب على قولهم بقوله: ولكن الحديث المذكور من رواية الواقدي وهو ضعيف، ولا ترد الروايات الصحيحة بمثل هذا فلعل أباه أيضًا كان يفال له النحام. وروى الحارث في «مسنده» بإسناد حسن أن النبي - ﷺ - سماه صالحًا، وكان اسمه الذي يعرف به نعيمًا. اهـ من «الفتح» بتصرف.



٤ - باب كَلَامِ الخُصُومِ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ
٢٤١٦، ٢٤١٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَهْوَ فِيهَا فَاجِرٌ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ اللهَ وَهْوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ».
قَالَ: فَقَالَ الأَشْعَثُ: فِيَّ وَاللهِ كَانَ ذَلِكَ، كَانَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ مِنَ اليَهُودِ أَرْضٌ فَجَحَدَنِي، فَقَدَّمْتُهُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟». قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَقَالَ لِلْيَهُودِيِّ: «احْلِفْ». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِذًا يَحْلِفَ وَيَذْهَبَ بِمَالِي، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إِلَى آخِرِ الآيَةِ. [انظر: ٢٣٥٦، ٢٣٥٧ - مسلم: ١٣٨ - فتح ٥/ ٧٣]

٢٤١٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ رضي الله عنه أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا، حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى: «يَا كَعْبُ». قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا». فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ -أَىِ الشَّطْرَ- قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «قُمْ فَاقْضِهِ». [انظر: ٤٥٧ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح ٥/ ٧٣]

٢٤١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَقْرَأَنِيهَا، وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ، ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: «أَرْسِلْهُ». ثُمَّ قَالَ لَهُ: «اقْرَأْ». فَقَرَأَ. قَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ». ثُمَّ قَالَ لِي: «اقْرَأْ». فَقَرَأْتُ فَقَالَ: «هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ». [٤٩٩٢، ٥٠٤١، ٦٩٣٦، ٧٥٥٠ - مسلم: ٨١٨ - فتح ٥/ ٧٣]



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 412.19 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 406.35 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]