تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 45 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 90 )           »          الخلاصة في تدبر القرآن الكريم -----يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 125 )           »          أشهى الوصفات للإفطار فى رمضان جدول أكل رمضان ثلاثون يوما تابعونا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 2 - عددالزوار : 101 )           »          ركائز الأمن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          أوجاع المؤمن كلها كفارة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          وصايا لقارئ القرآن في رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          شهر رمضان وتربية الزهد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          العودة للتهجد بعد التراويح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          ثلاثون يومًا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          ابدأ بما تستطيع الاستمرار عليه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #441  
قديم 09-12-2025, 01:24 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة ص
من صـ 91 الى صــ 100
الحلقة (441)






لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم "وألقينا على كرسيه جسدا" قال هو الشيطان صخر وقال السدي "ولقد فتنا سليمان" أي ابتلينا سليمان "وألقينا على كرسيه جسدا" قال شيطانا جلس على كرسيه أربعين يوما قال كان لسليمان عليه الصلاة والسلام مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها جرادة وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة نزع خاتمه ولم يأمن عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاها يوما خاتمه ودخل الخلاء فخرج الشيطان في صورته فقال هاتي الخاتم فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان عليه الصلاة والسلام وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه فقالت ألم تأخذه قبل ؟ قال لا وخرج كأنه تائه ومكث الشيطان يحكم بين الناس أربعين يوما قال فأنكر الناس أحكامه فاجتمع قراء بني إسرائيل وعلماؤهم فجاءوا حتى دخلوا على نسائه فقالوا لهن إنا قد أنكرنا هذا فإن كان سليمان فقد ذهب عقله وأنكرنا أحكامه قال فبكى النساء عند ذلك قال فأقبلوا يمشون حتى أتوه فأحدقوا به ثم نشروا يقرءون التوراة قال فطار من بين أيديهم حتى وقع على شرفة والخاتم معه ثم طار حتى ذهب إلى البحر فوقع الخاتم منه في البحر فابتلعه حوت من حيتان البحر قال وأقبل سليمان عليه الصلاة والسلام في حاله التي كان فيها حتى انتهى إلى صياد من صيادي البحر وهو جائع وقد اشتد جوعه فسألهم من صيدهم وقال إني أنا سليمان فقام إليه بعضهم فضربه بعصا فشجه فجعل يغسل دمه وهو على شاطئ البحر فلام الصيادون صاحبهم الذي ضربه فقالوا بئس ما صنعت حيث ضربته قال إنه زعم أنه سليمان قال فأعطوه سمكتين مما قد مذر عندهم ولم يشغله ما كان به من الضرب حتى قام إلى شاطئ البحر فشق بطونهما فجعل يغسل فوجد خاتمه في بطن إحداهما فأخذه فلبسه فرد الله عليه بهاءه وملكه فجاءت الطير حتى حامت عليه فعرف القوم أنه سليمان عليه الصلاة والسلام فقام القوم يعتذرون مما صنعوا فقال ما أحمدكم على عذركم ولا ألومكم على ما كان منكم كان هذا الأمر لا بد منه قال فجاء حتى أتى ملكه وأرسل إلى الشيطان فجيء به فأمر به فجعل في صندوق من حديد ثم أطبق عليه وقفل عليه بقفل وختم عليه بخاتمه ثم أمر به فألقي في البحر فهو فيه
حتى تقوم الساعة وكان اسمه حبقيق قال وسخر الله له الريح ولم تكن سخرت له قبل ذلك وهو قوله "وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب"

وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تبارك وتعالى "وألقينا على كرسيه جسدا" قال شيطانا يقال له آصف فقال له سليمان عليه السلام كيف تفتنون الناس ؟ قال أرني خاتمك أخبرك فلما أعطاه إياه نبذه آصف في البحر فساح سليمان عليه السلام وذهب ملكه وقعد آصف على كرسيه ومنعه الله تبارك وتعالى من نساء سليمان فلم يقربهن ولم يقربنه وأنكرنه قال فكان سليمان عليه الصلاة والسلام يستطعم فيقول أتعرفونني ؟ أطعموني أنا سليمان فيكذبونه حتى أعطته امرأته يوما حوتا ففتح بطنه فوجد خاتمه في بطنه فرجع إليه ملكه وفر آصف فدخل البحر هذه كلها من الإسرائيليات ومن أنكرها ما قاله ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء وعثمان بن أبي شيبة وعلي بن محمد قالوا حدثنا أبو معاوية أخبرنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب" قال أراد سليمان عليه الصلاة والسلام أن يدخل الخلاء فأعطى الجرادة خاتمه وكانت الجرادة امرأته وكانت أحب نسائه إليه فجاء الشيطان في صورة سليمان فقال لها هاتي خاتمي فأعطته إياه فلما لبسه دانت له الإنس والجن والشياطين فلما خرج سليمان عليه السلام من الخلاء قال لها هاتي خاتمي قالت قد أعطيته سليمان قال أنا سليمان قالت كذبت ما أنت بسليمان فجعل لا يأتي أحدا يقول له أنا سليمان إلا كذبه حتي جعل الصبيان يرمونه بالحجارة فلما رأى ذلك سليمان عرف أنه من أمر الله عز وجل قال وقام الشيطان يحكم بين الناس فلما أراد الله تبارك وتعالى أن يرد على سليمان سلطانه ألقى في قلوب الناس إنكار ذلك الشيطان قال فأرسلوا إلى نساء سليمان فقالوا لهن أتنكرن من سليمان شيئا ؟ قلن نعم إنه يأتينا ونحن حيض وما كان يأتينا قبل ذلك فلما رأى الشيطان أنه قد فطن له ظن أن أمره قد انقطع فكتبوا كتبا فيها سحر وكفر فدفنوها تحت كرسي سليمان ثم أثاروها وقرءوها على الناس وقالوا بهذا كان يظهر سليمان على الناس ويغلبهم فأكفر الناس سليمان عليه الصلاة والسلام فلم يزالوا يكفرونه وبعث ذلك الشيطان بالخاتم فطرحه في
البحر فتلقته سمكة فأخذه وكان سليمان عليه السلام يحمل على شط البحر بالأجر فجاء رجل فاشترى سمكا فيه تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فدعا سليمان عليه الصلاة والسلام فقال تحمل لي هذا السمك ؟ فقال نعم قال بكم ؟ قال بسمكة من هذا السمك قال فحمل سليمان عليه الصلاة والسلام السمك ثم انطلق به إلى منزله فلما انتهى الرجل إلى بابه أعطاه

تلك السمكة التي في بطنها الخاتم فأخذها سليمان عليه الصلاة والسلام فشق بطنها فإذا الخاتم في جوفها فأخذه فلبسه قال فلما لبسه دانت له الجن والإنس والشياطين وعاد إلى حاله وهرب الشيطان حتى لحق بجزيرة من جزائر البحر فأرسل سليمان عليه السلام في طلبه وكان شيطانا مريدا فجعلوا يطلبونه ولا يقدرون عليه حتى وجدوه يوما نائما فجاءوا فبنوا عليه بنيانا من رصاص فاستيقظ فوثب فجعل لا يثب في مكان من البيت إلا انماط معه من الرصاص قال فأخذوه فأوثقوه وجاءوا به إلى سليمان عليه الصلاة والسلام فأمر به فنقر له تخت من رخام ثم أدخل في جوفه ثم سد بالنحاس ثم أمر به فطرح في البحر فذلك قوله تبارك وتعالى "ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا" ثم أناب يعني الشيطان الذي كان سلط عليه إسناده إلى ابن عباس رضي الله عنهما قوي ولكن الظاهر أنه إنما تلقاه ابن عباس رضي الله عنهما إن صح عنه من أهل الكتاب وفيهم طائفة لا يعتقدون نبوة سليمان عليه الصلاة والسلام فالظاهر أنهم يكذبون عليه ولهذا كان في السياق منكرات من أشدها ذكر النساء فإن المشهور عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يسلط على نساء سليمان بل عصمهن الله عز وجل منه تشريفا وتكريما لنبيه عليه السلام وقد رويت هذه القصة مطولة عن جماعة من السلف رضي الله عنهم كسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وجماعة آخرين وكلها متلقاة من قصص أهل الكتاب والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب وقال يحيى بن أبي عروبة الشيباني : وجد سليمان خاتمه بعسقلان فمشى في حرقة إلى بيت المقدس تواضعا لله عز وجل رواه ابن أبي حاتم وقد روى ابن أبي حاتم عن كعب الأحبار في صفة كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام خبرا عجيبا فقال حدثنا أبي رحمه الله حدثنا أبو صالح كاتب الليث أخبرني أبو إسحاق المصري عن كعب الأحبار أنه لما فرغ من حديث إرم ذات العماد قال له
معاومة يا أبا إسحاق أخبرني عن كرسي سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام وما كان عليه ومن أي شيء هو ؟ فقال كان كرسي سليمان من أنياب الفيلة مرصعا بالدر والياقوت والزبرجد واللؤلؤ وقد جعل له درجة منها مفصصا بالدر والياقوت والزبرجد ثم أمر بالكرسي فحف من جانبيه بالنخل نخل من ذهب شماريخها من ياقوت وزبرجد ولؤلؤ وجعل على رءوس النخل التي عن يمين الكرسي طواويس من ذهب ثم جعل على رؤوس النخل التي على يسار الكرسي نسورا من ذهب مقابلة الطواويس وجعل على يمين الدرجة الأولى شجرتي صنوبر من
ذهب عن يسارها أسدان من ذهب وعلى رءوس الأسدين عمودان من زبرجد وجعل من جانبي الكرسي شجرتي كرم من ذهب قد أظلتا الكرسي وجعل عناقيدهما درا وياقوتا أحمر ثم جعل فوق درج الكرسي أسدان عظيمان من ذهب مجوفان محشوان مسكا وعنبرا فإذا أراد سليمان عليه السلام أن يصعد على كرسيه استدار الأسدان ساعة ثم يقعان فينضحان ما في آجوافهما من المسك والعنبر حول كرسي سليمان عليه الصلاة والسلام ثم يوضع منبران من ذهب واحد لخليفته والآخر لرئيس أحبار بني إسرائيل ذلك الزمان ثم يوضع أمام كرسيه سبعون منبرا من ذهب يقعد عليها سبعون قاضيا من بني إسرائيل وعلمائهم وأهل الشرف منهم والطول ومن خلف تلك المنابر كلها خمسة وثلاثون منبرا من ذهب ليس عليها أحد فإذا أراد أن يصعد على كرسيه وضع قدميه على الدرجة السفلى فاستدار الكرسي كله بما فيه وما عليه ويبسط الأسد يده اليمنى وينشر النسر جناحه الأيسر ثم يصعد عليه الصلاة والسلام على الدرجة الثانية فيبسط الأسد يده اليسرى وينشر النسر جناحه الأيمن فإذا استوى سليمان عليه الصلاة والسلام على الدرجة الثالثة وقعد على الكرسي أخذ نسر من تلك النسور عظيم تاج سليمان عليه الصلاة والسلام فوضعه على رأسه فإذا وضعه على رأسه استدار الكرسي بما فيه كما تدور الرحى المسرعة فقال معاوية رضي الله عنه وما الذي يديره يا أبا إسحاق ؟ قال تنين من ذهب ذلك الكرسي عليه وهو عظيم مما عمله صخر الجني فإذا أحست بدورانه دارت تلك الأسود والنسور والطواويس التي في أسفل الكرسي دون التي أعلاه فإذا وقف وقفن كلهن منكسات رءوسهن على رأس سليمان عليه الصلاة والسلام وهو جالس ثم ينضحن جميعا ما في أجوافهن من المسك والعنبر على رأس
سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام ثم تتناول حمامة من ذهب واقفة على عمود من جوهر التوراة فتجعلها في يده فيقرأها سليمان عليه الصلاة والسلام على الناس وذكر تمام الخبر وهو غريب جدا .
قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35)
قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب
قال "رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب" قال بعضهم معناه لا ينبغي لأحد من بعدي أي لا يصلح لأحد أن يسلبنيه بعدي كما كان من قضية الجسد الذي ألقي على كرسيه لا أنه يحجر على من بعده من الناس والصحيح أنه سأل من الله تعالى ملكا لا يكون لأحد من بعده من البشر مثله وهذا هو ظاهر السياق من الآية وبذلك وردت الأحاديث الصحيحة من طرق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البخاري عند تفسير هذه الآية حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا روح

ومحمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة - أو كلمة نحوها ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله تبارك وتعالى منه وأردت أن أربطه إلى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا إليه كلكم فذكرت قول أخي سليمان عليه الصلاة والسلام" رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي "قال روح فرده خاسئا وكذا رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به وقال مسلم في صحيحه حدثنا محمد بن سلمة المرادي حدثنا عبد الله بن وهب عن معاوية بن صالح حدثني ربيعه بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فسمعناه يقول" أعوذ بالله منك - ثم قال ألعنك بلعنة الله "ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك قال صلى الله عليه وسلم" إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات ثم أردت أن آخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به صبيان أهل المدينة "وقال الإمام أحمد حدثنا أبو أحمد ثنا ميسرة بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلي فذهبت أمر بين يديه فردني ثم قال حدثني أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام يصلي صلاة"
الصبح وهو خلفه فقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال "لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين أصبعي هاتين - الإبهام"
والتي تليها - ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل "وقد روى أبو داود منه" من استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل "عن أحمد بن أبي سريج عن أبي أحمد الزبيري به وقال الإمام أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري حدثنا الأوزاعي حدثني ربيعة بن يزيد بن عبد الله الديلمي قال دخلت على عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وهو في حائط له بالطائف يقال له الوهط وهو مخاصر فتى من قريش يزن بشرب الخمر فقلت بلغني عنك حديث أنه" من شرب من الخمر لم يقبل الله عز وجل له توبة أربعين صباحا وأن الشقي من شقي في بطن أمه وأنه من أتى بيت المقدس لا تنهزه إلا الصلاة فيه خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه "فلما سمع الفتى ذكر الخمر اجتذب يده من يده ثم انطلق فقال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما إني لا أحل لأحد أن يقول علي ما لم أقل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" من شرب من الخمر شربة لا تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد لم تقبل له صلاة أربعين صباحا فإن تاب تاب الله عليه - قال فلا أدري في الثالثة أو الرابعة قال - فإن عاد كان حقا على الله تعالى أن يسقيه من طينة الخبال يوم القيامة "قال وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" إن الله عز وجل خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله عز وجل "وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" إن سليمان عليه السلام سأل الله تعالى ثلاثا فأعطاه اثنتين ونحن نرجو أن تكون لنا الثالثة سأله حكما يصادف حكمه فأعطاه إياه وسأله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه إياه وسأله أيما رجل خرج من بيته لا يريد

إلاالصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته كيوم ولدته أمه فنحن نرجو أن يكون الله عز وجل قد أعطانا إياها "وقد روى هذا الفصل الأخير من هذا الحديث النسائي وابن ماجه من طرق عن عبد الله بن فيروز الديلمي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن سليمان عليه الصلاة والسلام لما بنى بيت المقدس سأل ربه عز وجل خلالا
ثلاثا "وذكره وقد روي من حديث رافع بن عمير رضي الله عنه بإسناد وسياق غريبين فقال الطبراني حدثنا محمد بن الحسن بن قتيبة العسقلاني حدثنا محمد بن أيوب بن سويد حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة عن أبي الزاهرية عن رافع بن عمير قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" قال الله عز وجل لداود عليه الصلاة والسلام ابن لي بيتا في الأرض فبنى داود بيتا لنفسه قبل البيت الذي أمر به فأوحى الله إليه : يا داود نصبت بيتك قبل بيتي قال : يا رب هكذا قضيت من ملك استأثر ثم أخذ في بناء المسجد فلما تم السور سقط ثلاثا فشكا ذلك إلى الله عز وجل فقال : يا داود إنك لا تصلح أن تبني لي بيتا قال : ولم يا رب ؟ قال : لما جرى على يديك من الدماء قال : يا رب أوما كان ذلك في هواك ومحبتك ؟ قال : بلى ولكنهم عبادي وأنا أرحمهم فشق ذلك عليه فأوحى الله إليه : لا تحزن فإني سأقضي بناءه على يدي ابنك سليمان فلما مات داود أخذ سليمان في بنائه ولما تم قرب القرابين وذبح الذبائح وجمع بني إسرائيل فأوحى الله إليه قد أرى سرورك ببنيان بيتي فسلني أعطك قال أسألك ثلاث خصال حكما يصادف حكمك وملكا لا ينبغي لأحد من بعدي ومن أتي هذا البيت لا يريد إلا الصلاة فيه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أما الثنتان فقد أعطيهما وأنا أرجو أن يكون قد أعطي الثالثة "وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا عمر بن راشد اليمامي حدثنا إياس"

بن سلمة بن الأكوع عن أبيه رضي الله عنه قال ما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلا استفتحه "سبحان الله ربي العلي الأعلى الوهاب" وقد قال أبو عبيد حدثنا علي بن ثابت عن جعفر بن برقان عن صالح بن مسمار قال : لما مات نبي الله داود عليه السلام أوحى الله تبارك وتعالى إلى ابنه سليمان عليه الصلاة والسلام أن سلني حاجتك قال : أسألك أن تجعل لي قلبا يخشاك كما كان قلب أبي وأن تجعل قلبي يحبك كما كان قلب أبي فقال الله عز وجل : أرسلت إلى عبدي وسألته حاجته فكانت حاجته أن أجعل قلبه يخشاني وأن أجعل قلبه يحبني لأهبن له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده .
فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36)
فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب
قال الله جلت عظمته : "فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب" - والتي بعدها - قال فأعطاه ما أعطاه وفي الآخرة لا حساب عليه .
هكذا أورده أبو القاسم بن عساكر في ترجمة سليمان عليه الصلاة والسلام في تاريخه وروي عن بعض السلف أنه قال : بلغني عن داود عليه الصلاة والسلام أنه قال إلهي كن لسليمان كما كنت لي فأوحى الله عز وجل إليه : أن قل لسليمان أن يكون لي كما كنت لي أكن له كما كنت لك وقوله تبارك وتعالى "فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب" قال الحسن البصري رحمه الله لما عقر سليمان عليه الصلاة والسلام الخيل غضبا لله عز وجل عوضه الله تعالى ما هو خير منها وأسرع الريح التي غدوها شهر ورواحها شهر وقوله جل وعلا "حيث أصاب" أي حيث أراد من البلاد .
والشياطين كل بناء وغواص (37)
والشياطين كل بناء وغواص
قوله جل جلاله "والشياطين كل بناء وغواص" أي منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها "وآخرين مقرنين في الأصفاد" أي موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى .
وآخرين مقرنين في الأصفاد (38)
وآخرين مقرنين في الأصفاد
قوله جل جلاله "والشياطين كل بناء وغواص" أي منهم من هو مستعمل في الأبنية الهائلة من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات إلى غير ذلك من الأعمال الشاقة التي لا يقدر عليها البشر وطائفة غواصون في البحار يستخرجون ما فيها من اللآلئ والجواهر والأشياء النفيسة التي لا توجد إلا فيها "وآخرين مقرنين في الأصفاد" أي موثقون في الأغلال والأكبال ممن قد تمرد وعصى وامتنع من العمل وأبى أو قد أساء في صنيعه واعتدى .
هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39)
هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب
وقوله عز وجل "هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب" أي هذا الذي أعطيناك من الملك التام والسلطان الكامل كما سألتنا فأعط من شئت واحرم من شئت لا حساب عليك أي مهما فعلت فهو جائز لك احكم بما شئت فهو صواب وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما خير بين أن يكون عبد

ا رسولا - وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس كما أمره الله تعالى به - وبين أن يكون نبيا ملكا يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح : اختار المنزلة الأولى بعدما استشار جبريل عليه الصلاة والسلام فقال له تواضع , فاختار المنزلة الأولى لأنها أرفع قدرا عند الله عز وجل وأعلى منزلة في المعاد وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضا في الدنيا والآخرة ولهذا لما ذكر تبارك وتعالى ما أعطى سليمان عليه الصلاة والسلام في الدنيا نبه تعالى على أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضا .
وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40)
وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب
قال تعالى "وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب" أي في الدار والآخرة.
واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41)
واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب
يذكر تبارك وتعالى عبده ورسوله أيوب عليه الصلاة والسلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق من جسده مغرز إبرة سليما سوى قلبه ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا فسلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته رضي الله عنها فإنها كانت لا تفارقه صباحا ومساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبا فلما طال المطال واشتد الحال وانتهى القدر وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال "أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" وفي هذه الآية الكريمة قال "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" قيل بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله ففعل فأنبع الله تعالى عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ولهذا قال تبارك وتعالى "اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب" قال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله

عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين قال له صاحبه وما ذاك ؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب عليه الصلاة والسلام لا أدري ما تقول غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى"
إلا في حق وقال وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام "أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب" فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو قال وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض "هذا لفظ ابن جرير رحمه الله وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب عليه الصلاة والسلام يحثو في ثوبه فناداه ربه عز وجل يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال عليه الصلاة والسلام بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك "انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به ولهذا قال تبارك وتعالى" ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب "قال الحسن وقتادة أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم وقوله عز وجل" رحمة منا "أي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته" وذكرى لأولي الألباب "أي لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة ."
اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42)
اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب
يذكر تبارك وتعالى عبده ورسوله أيوب عليه الصلاة والسلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق من جسده مغرز إبرة سليما سوى قلبه ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا فسلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته رضي الله عنها فإنها كانت لا تفارقه صباحا ومساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبا فلما طال المطال واشتد الحال وانتهى القدر وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال "أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" وفي هذه الآية الكريمة قال "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" قيل بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله ففعل فأنبع الله تعالى عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ولهذا قال تبارك وتعالى "اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب" قال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين قال له صاحبه وما ذاك ؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب عليه الصلاة والسلام لا أدري ما تقول غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى"
إلا في حق وقال وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام "أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب" فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو قال وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض "هذا لفظ ابن جرير رحمه الله وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب عليه الصلاة والسلام يحثو في ثوبه فناداه ربه عز وجل يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال عليه الصلاة والسلام بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك "انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به ولهذا قال تبارك وتعالى" ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب "قال الحسن وقتادة أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم وقوله عز وجل" رحمة منا "أي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته" وذكرى لأولي الألباب "أي لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة ."
ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (43)
ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب
يذكر تبارك وتعالى عبده ورسوله أيوب عليه الصلاة والسلام وما كان ابتلاه تعالى به من الضر في جسده وماله وولده حتى لم يبق من جسده مغرز إبرة سليما سوى قلبه ولم يبق له من الدنيا شيء يستعين به على مرضه وما هو فيه غير أن زوجته حفظت وده لإيمانها بالله تعالى ورسوله فكانت تخدم الناس بالأجرة وتطعمه وتخدمه نحوا من ثماني عشرة سنة وقد كان قبل ذلك في مال جزيل وأولاد وسعة طائلة من الدنيا فسلب جميع ذلك حتى آل به الحال إلى أن ألقي على مزبلة من مزابل البلدة هذه المدة بكمالها ورفضه القريب والبعيد سوى زوجته رضي الله عنها فإنها كانت لا تفارقه صباحا ومساء إلا بسبب خدمة الناس ثم تعود إليه قريبا فلما طال المطال واشتد الحال وانتهى القدر وتم الأجل المقدر تضرع إلى رب العالمين وإله المرسلين فقال "إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين" وفي هذه الآية الكريمة قال "واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب" قيل بنصب في بدني وعذاب في مالي وولدي فعند ذلك استجاب له أرحم الراحمين وأمره أن يقوم من مقامه وأن يركض الأرض برجله ففعل فأنبع الله تعالى عينا وأمره أن يغتسل منها فأذهبت جميع ما كان في بدنه من الأذى ثم أمره فضرب الأرض في مكان آخر فأنبع له عينا أخرى وأمره أن يشرب منها فأذهبت جميع ما كان في باطنه من السوء وتكاملت العافية ظاهرا وباطنا ولهذا قال تبارك وتعالى "اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب" قال ابن جرير وابن أبي حاتم جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى أخبرنا ابن وهب أخبرني نافع بن يزيد عن عقيل عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن نبي الله أيوب عليه الصلاة والسلام لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين كانا من أخص إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه تعلم والله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين قال له صاحبه وما ذاك ؟ قال منذ ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله تعالى فيكشف ما به فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب عليه الصلاة والسلام لا أدري ما تقول غير أن الله عز وجل يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله تعالى فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكر الله تعالى"
إلا في حق وقال وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها فأوحى الله تبارك وتعالى إلى أيوب عليه الصلاة والسلام "أن اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب" فاستبطأته فالتفتت تنظر فأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى ؟ فوالله القدير على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فإني أنا هو قال وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله تعالى سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض "هذا لفظ ابن جرير رحمه الله وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب عليه الصلاة والسلام يحثو في ثوبه فناداه ربه عز وجل يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال عليه الصلاة والسلام بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك "انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به ولهذا قال تبارك وتعالى" ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب "قال الحسن وقتادة أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم وقوله عز وجل" رحمة منا "أي به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته" وذكرى لأولي الألباب "أي لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج والمخرج والراحة ."
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب (44)
وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب
قوله جلت عظمته "وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث" وذلك أن أيوب عليه الصلاة والسلام







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #442  
قديم 09-12-2025, 01:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة ص
من صـ 101 الى صــ 107
الحلقة (442)


كان قد غضب على زوجته ووجد عليها في أمر فعلته قيل باعت ضفيرتها بخبز فأطعمته إياه فلامها على ذلك وحلف إن شفاه الله تعالى ليضربنها مائة جلدة وقيل لغير ذلك من الأسباب فلما شفاه الله عز وجل وعافاه ما كان جزاؤها مع هذه الخدمة التامة والرحمة والشفقة والإحسان أن تقابل بالضرب فأفتاه الله عز وجل أن يأخذ ضغثا وهو الشمراخ فيه مائة قضيب فيضربها به ضربة واحدة وقد برت يمينه وخرج من حنثه ووفى بنذره وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله تعالى وأناب إليه ولهذا قال جل وعلا "إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب" أثنى الله تعالى عليه ومدحه بأنه "نعم العبد إنه أواب" أي رجاع منيب ولهذا قال جل جلاله "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا" واستدل كثير من الفقهاء بهذه الآية الكريمة على مسائل في الأيمان وغيرها وقد أخذوها بمقتضاها والله أعلم بالصواب .
واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار (45)
واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار
يقول تبارك وتعالى مخبرا عن فضائل عباده المرسلين وأنبيائه العابدين "واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار" يعني بذلك العمل الصالح والعلم النافع والقوة في العبادة والبصيرة النافذة قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "أولي الأيدي" يقول أولي القوة "والأبصار" يقول الفقه في الدين وقال مجاهد "أولي الأيدي" يعني القوة في طاعة الله تعالى والأبصار يعني البصر في الحق وقال قتادة والسدي أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين .
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46)
إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار
وقوله تبارك وتعالى "إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار" قال مجاهد أي جعلناهم يعملون للآخرة ليس لهم هم غيرها وكذا قال السدي ذكرهم للآخرة وعملهم لها وقال مالك بن دينار نزع الله تعالى من قلوبهم حب الدنيا وذكرها وأخلصهم بحب الآخرة

وذكرها وكذا قال عطاء الخراساني وقال سعيد بن جبير يعني بالدار الجنة يقول أخلصناها لهم بذكرهم لها وقال في رواية أخرى ذكرى الدار عقبى الدار وقال قتادة كانوا يذكرون الناس الدار الآخرة والعمل لها وقال ابن زيد جعل لهم خاصة أفضل شيء في الدار الآخرة .
وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار (47)
وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار
وقوله تعالى "وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار" أي لمن المختارين المجتبين الأخيار فهم أخيار مختارون.
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار (48)
واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار
وقوله تعالى "واذكر إسماعيل واليسع وذا الكفل وكل من الأخيار" قد تقدم الكلام على قصصهم وأخبارهم مستقصاة في سورة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بما أغنى عن إعادته ههنا وقوله عز وجل .
هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49)
هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب
هذا ذكر "أي هذا فصل فيه ذكر لمن يتذكر وقال السدي يعني القرآن العظيم."
جنات عدن مفتحة لهم الأبواب (50)
جنات عدن مفتحة لهم الأبواب
يخبر تعالى عن عباده المؤمنين السعداء أن لهم في الدار الآخرة لحسن مآب وهو المرجع والمنقلب ثم فسره بقوله تعالى "جنات عدن" أي جنات إقامة مفتحة لهم الأبواب والألف واللام ههنا بمعنى الإضافة كأنه يقول مفتحة لهم أبوابها أي إذا جاءوها فتحت لهم أبوابها قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن ثواب الهباري حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبد الله بن مسلم يعني ابن هرمز عن ابن سابط عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب عند كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله - أو لا يسكنه - إلا نبي"

أو صديق أو شهيد أو إمام عدل "وقد ورد في ذكر أبواب الجنة الثمانية أحاديث كثيرة من وجوه عديدة ."
متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51)
متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب
قوله عز وجل "متكئين فيها" قيل متربعين على سرر تحت الحجال "يدعون فيها بفاكهة كثيرة" أي مهما طلبوا وجدوا وأحضر كما أرادوا "وشراب" أي من أي أنواعه شاءوا أتتهم به الخدام "بأكواب وأباريق وكأس من معين" .
وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52)
وعندهم قاصرات الطرف أتراب
وعندهم قاصرات الطرف "أي عن غير أزواجهن فلا يلتفتن إلى غير بعولتهن" أتراب "أي متساويات في السن والعمر هذا معنى قول ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن كعب والسدي ."
هذا ما توعدون ليوم الحساب (53)
هذا ما توعدون ليوم الحساب
هذا ما توعدون ليوم الحساب "أي هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار ثم أخبر تبارك وتعالى عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى" إن هذا لرزقنا ما له من نفاد "كقوله عز وجل" ما عندكم ينفد وما عند الله باق "وكقوله جل وعلا" عطاء غير مجذوذ "وكقوله تعالى" لهم أجر غير ممنون "أي غير مقطوع وكقوله عز وجل" أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار "والآيات في هذا كثيرة جدا ."
إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (54)
إن هذا لرزقنا ما له من نفاد
هذا ما توعدون ليوم الحساب "أي هذا الذي ذكرنا من صفة الجنة هي التي وعدها لعباده المتقين التي يصيرون إليها بعد نشورهم وقيامهم من قبورهم وسلامتهم من النار ثم أخبر تبارك وتعالى عن الجنة أنه لا فراغ لها ولا زوال ولا انقضاء ولا انتهاء فقال تعالى" إن هذا لرزقنا ما له من نفاد "كقوله عز وجل" ما عندكم ينفد وما عند الله باق "وكقوله جل وعلا" عطاء غير مجذوذ "وكقوله تعالى" لهم أجر غير ممنون "أي غير مقطوع وكقوله عز وجل" أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار "والآيات في هذا كثيرة جدا ."
هذا وإن للطاغين لشر مآب (55)
هذا وإن للطاغين لشر مآب
لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال عز وجل "هذا وإن للطاغين" وهم الخارجون عن طاعة الله عز وجل المخالفون لرسل الله صلى الله عليه وسلم "لشر مآب" أي لسوء منقلب ومرجع ثم فسره بقوله جل وعلا "جهنم يصلونها"

"أي يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم" فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق "أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم ولهذا قال عز وجل" وآخر من شكله أزواج "أي وأشياء من هذا القبيل : الشيء وضده يعاقبون بها قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا "ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال لا نعرفه إلا من حديث رشدين كذا قال وقد تقدم من غير حديثه ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به ."
وقال كعب الأحبار : غساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه رواه ابن أبي حاتم .
جهنم يصلونها فبئس المهاد (56)
جهنم يصلونها فبئس المهاد
لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال عز وجل "هذا وإن للطاغين" وهم الخارجون عن طاعة الله عز وجل المخالفون لرسل الله صلى الله عليه وسلم "لشر مآب" أي لسوء منقلب ومرجع ثم فسره بقوله جل وعلا " جهنم يصلونها "أي يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم" فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق "أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم ولهذا قال عز وجل" وآخر من شكله أزواج "أي وأشياء من هذا القبيل : الشيء وضده يعاقبون بها قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال لا نعرفه إلا من حديث رشدين كذا قال وقد تقدم من غير حديثه ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به .
وقال كعب الأحبار : غساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه رواه ابن أبي حاتم .
هذا فليذوقوه حميم وغساق (57)
هذا فليذوقوه حميم وغساق
لما ذكر تبارك وتعالى مآل السعداء ثنى بذكر حال الأشقياء ومرجعهم ومآبهم في دار معادهم وحسابهم فقال عز وجل "هذا وإن للطاغين" وهم الخارجون عن طاعة الله عز وجل المخالفون لرسل الله صلى الله عليه وسلم "لشر مآب" أي لسوء منقلب ومرجع ثم فسره بقوله جل وعلا " جهنم يصلونها "أي يدخلونها فتغمرهم من جميع جوانبهم" فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق " أما الحميم فهو الحار الذي قد انتهى حره وأما الغساق فهو ضده وهو البارد الذي لا يستطاع من شدة برده المؤلم ولهذا قال عز وجل " وآخر من شكله أزواج "أي وأشياء من هذا القبيل : الشيء وضده يعاقبون بها قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" لو أن دلوا من غساق يهراق في الدنيا لأنتن أهل الدنيا " ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن ابن المبارك عن رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال لا نعرفه إلا من حديث رشدين كذا قال وقد تقدم من غير حديثه ورواه ابن جرير عن يونس بن عبد الأعلى عن ابن وهب عن عمرو بن الحارث به .
وقال كعب الأحبار : غساق عين في جهنم يسيل إليها حمة كل ذات حمة من حية وعقرب وغير ذلك فيستنقع فيؤتى بالآدمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في كعبيه وعقبيه ويجر لحمه كله كما يجر الرجل ثوبه رواه ابن أبي حاتم .
وآخر من شكله أزواج (58)
وآخر من شكله أزواج
وقال الحسن البصري في قوله تعالى "وآخر من شكله أزواج" ألوان من العذاب وقال غيره كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسبب وقوله عز وجل "هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى "كلما دخلت أمة لعنت أختها" يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية "هذا فوج مقتحم" أي "داخل معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" أي لأنهم من أهل جهنم "قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم" أي فيقول لهم الداخلون "بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا" أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير "فبئس القرار" أي فبئس المنزل والمستقر والمصير قالوا "ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" كما قال عز وجل "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون" أي لكل منكم عذاب بحسبه "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفتقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا ما لنا لا نراهم معنا في النار ؟ قال مجاهد هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا .
وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا" أي في الدار الدنيا "أم زاغت عنهم الأبصار" يسلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين إلى قوله - ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" .
هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59)
هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار
وقال الحسن البصري في قوله تعالى "وآخر من شكله أزواج" ألوان من العذاب وقال غيره كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسبب وقوله عز وجل "هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى "كلما دخلت أمة لعنت أختها" يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل

الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية "هذا فوج مقتحم" أي "داخل معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" أي لأنهم من أهل جهنم "قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم" أي فيقول لهم الداخلون "بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا" أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير "فبئس القرار" أي فبئس المنزل والمستقر والمصير قالوا "ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" كما قال عز وجل "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون" أي لكل منكم عذاب بحسبه "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" هكذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفتقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا ما لنا لا نراهم معنا في النار ؟ قال مجاهد هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا .
وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا" أي في الدار الدنيا "أم زاغت عنهم الأبصار" يسلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين إلى قوله - ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" .
قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار (60)
قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار
وقال الحسن البصري في قوله تعالى "وآخر من شكله أزواج" ألوان من العذاب وقال غيره كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسبب وقوله عز وجل "هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى "كلما دخلت أمة لعنت أختها" يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية "هذا فوج مقتحم" أي "داخل معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" أي لأنهم من أهل جهنم "قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم" أي فيقول لهم الداخلون "بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا" أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير "فبئس القرار" أي فبئس المنزل والمستقر والمصير قالوا "ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" كما قال عز وجل "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون" أي لكل منكم عذاب بحسبه "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" هكذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفتقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا ما لنا لا نراهم معنا في النار ؟ قال مجاهد هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا .
وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا" أي في الدار الدنيا "أم زاغت عنهم الأبصار" يسلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين إلى قوله - ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" .
قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61)
قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار
وقال الحسن البصري في قوله تعالى "وآخر من شكله أزواج" ألوان من العذاب وقال غيره كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسبب وقوله عز وجل "هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى "كلما دخلت أمة لعنت أختها" يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية "هذا فوج مقتحم" أي "داخل معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" أي لأنهم من أهل جهنم "قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم" أي فيقول لهم الداخلون "بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا" أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير "فبئس القرار" أي فبئس المنزل والمستقر والمصير قالوا "ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" كما قال عز وجل "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون" أي لكل منكم عذاب بحسبه "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" هكذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفتقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا ما لنا لا نراهم معنا في النار ؟ قال مجاهد هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا .
وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا" أي في الدار الدنيا "أم زاغت عنهم الأبصار" يسلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين إلى قوله - ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" .
وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62)
وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار
وقال الحسن البصري في قوله تعالى "وآخر من شكله أزواج" ألوان من العذاب وقال غيره كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسبب وقوله عز وجل "هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى "كلما دخلت أمة لعنت أختها" يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية "هذا فوج مقتحم" أي "داخل معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" أي لأنهم من أهل جهنم "قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم" أي فيقول لهم الداخلون "بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا" أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير "فبئس القرار" أي فبئس المنزل والمستقر والمصير قالوا "ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" كما قال عز وجل "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون" أي لكل منكم عذاب بحسبه "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" هكذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفتقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا ما لنا لا نراهم معنا في النار ؟ قال مجاهد هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا .
وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا" أي في الدار الدنيا "أم زاغت عنهم الأبصار" يسلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين إلى قوله - ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" .
أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار (63)
أأتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار
وقال الحسن البصري في قوله تعالى "وآخر من شكله أزواج" ألوان من العذاب وقال غيره كالزمهرير والسموم وشرب الحميم وأكل الزقوم والصعود والهوى إلى غير ذلك من الأشياء المختلفة المتضادة والجميع مما يعذبون به ويهانون بسبب وقوله عز وجل "هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" هذا إخبار من الله تعالى عن قيل أهل النار بعضهم لبعض كما قال تعالى "كلما دخلت أمة لعنت أختها" يعني بدل السلام يتلاعنون ويتكاذبون ويكفر بعضهم ببعض فتقول الطائفة التي تدخل قبل الأخرى إذا أقبلت التي بعدها مع الخزنة من الزبانية "هذا فوج مقتحم" أي "داخل معكم لا مرحبا بهم إنهم صالو النار" أي لأنهم من أهل جهنم "قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم" أي فيقول لهم الداخلون "بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا" أي أنتم دعوتمونا إلى ما أفضى بنا إلى هذا المصير "فبئس القرار" أي فبئس المنزل والمستقر والمصير قالوا "ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار" كما قال عز وجل "قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون" أي لكل منكم عذاب بحسبه "وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الأبصار" هذا إخبار عن الكفار في النار أنهم يفتقدون رجالا كانوا يعتقدون أنهم على الضلالة وهم المؤمنون في زعمهم قالوا ما لنا لا نراهم معنا في النار ؟ قال مجاهد هذا قول أبي جهل يقول ما لي لا أرى بلالا وعمارا وصهيبا وفلانا وفلانا .
وهذا ضرب مثل وإلا فكل الكفار هذا حالهم يعتقدون أن المؤمنين يدخلون النار فلما دخل الكفار النار افتقدوهم فلم يجدوهم فقالوا "ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار أتخذناهم سخريا" أي في الدار الدنيا "أم زاغت عنهم الأبصار" يسلون أنفسهم بالمحال يقولون أو لعلهم معنا في جهنم ولكن لم يقع بصرنا عليهم فعند ذلك يعرفون أنهم في الدرجات العاليات وهو قوله عز وجل "ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين إلى قوله - ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون" .
إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64)
إن ذلك لحق تخاصم أهل النار
وقوله تعالى "إن ذلك لحق تخاصم أهل النار" أي إن هذا الذي أخبرناك به يا محمد من تخاصم أهل النار بعضهم في بعض ولعن بعضهم لبعض لحق لا مرية فيه ولا شك .
قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار (65)
قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار

يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار بالله المشركين به المكذبين لرسوله إنما أنا منذر لست كما تزعمون "وما من إله إلا الله الواحد القهار" أي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه .
رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار (66)
رب السماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفار
رب السماوات والأرض وما بينهما "أي هو مالك جميع ذلك ومتصرف فيه" العزيز الغفار "أي غفار مع عظمته وعزته ."
قل هو نبأ عظيم (67)
قل هو نبأ عظيم
قل هو نبأ عظيم "أي خبر عظيم وشأن بليغ وهو إرسال الله تعالى إياي إليكم."
أنتم عنه معرضون (68)
أنتم عنه معرضون
أنتم عنه معرضون "أي غافلون قال مجاهد وشريح القاضي والسدي في قوله عز وجل" قل هو نبأ "عظيم يعني القرآن."
ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69)
ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون
وقوله تعالى "ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون" أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملإ الأعلى ؟ يعني .
شأن آدم عليه الصلاة والسلام وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا جهضم اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ رضي الله عنه قال احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج صلى الله عليه وسلم سريعا فثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال عليه الصلاة والسلام "كما أنتم" ثم أقبل إلينا فقال "إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة فقال يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت لا أدري يا رب - أعادها ثلاثا فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت في الكفارات قال وما الكفارات ؟ قلت نقل الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات ؟ قال وما الدرجات ؟ قلت إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام قال سل قلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك - وقال رسول"

الله صلى الله عليه وسلم إنها حق فادرسوها وتعلموها "فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به وقال حسن صحيح وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو قوله تعالى ."
إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين (70)
لا يوجد تفسير لهذه الأية
إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين (71)
إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين
وقوله تعالى "ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون" أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملإ الأعلى ؟ يعني .
شأن آدم عليه الصلاة والسلام وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربه في تفضيله عليه فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا جهضم اليمامي عن يحيى بن أبي كثير عن زيد بن أبي سلام عن أبي سلام عن عبد الرحمن بن عائش عن مالك بن يخامر عن معاذ رضي الله عنه قال احتبس علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات غداة من صلاة الصبح حتى كدنا نتراءى قرن الشمس فخرج صلى الله عليه وسلم سريعا فثوب بالصلاة فصلى وتجوز في صلاته فلما سلم قال عليه الصلاة والسلام "كما أنتم" ثم أقبل إلينا فقال "إني قمت من الليل فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي حتى استيقظت فإذا أنا بربي عز وجل في أحسن صورة فقال يا محمد أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت لا أدري يا رب - أعادها ثلاثا فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين صدري فتجلى لي كل شيء وعرفت فقال يا محمد فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت في الكفارات قال وما الكفارات ؟



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #443  
قديم 09-12-2025, 01:39 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة الزمر
من صـ 107 الى صــ 121
الحلقة (443)





قلت نقل الأقدام إلى الجماعات والجلوس في المساجد بعد الصلوات وإسباغ الوضوء عند الكريهات ؟ قال وما الدرجات ؟ قلت إطعام الطعام ولين الكلام والصلاة والناس نيام قال سل قلت اللهم إني أسألك فعل الخيرات وترك المنكرات وحب المساكين وأن تغفر لي وترحمني وإذا أردت فتنة بقوم فتوفني غير مفتون وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك - وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنها حق فادرسوها وتعلموها" فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط وهو في السنن من طرق وهذا الحديث بعينه قد رواه الترمذي من حديث جهضم بن عبد الله اليمامي به وقال حسن صحيح وليس هذا الاختصام هو الاختصام المذكور في القرآن فإن هذا قد فسر وأما الاختصام الذي في القرآن فقد فسر بعد هذا وهو قوله تعالى .
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72)
فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين
هذه القصة ذكرها الله تبارك وتعالى في سورة البقرة وفي أول سورة الأعراف وفي سورة الحجر وسبحان والكهف وهنا وهي أن الله سبحانه وتعالى أعلم الملائكة قبل خلق آدم عليه الصلاة والسلام بأنه سيخلق بشرا من صلصال من حمإ مسنون وتقدم إليهم بالأمر : متى فرغ من خلقه وتسويته فليسجدوا له إكراما وإعظاما واحتراما وامتثالا لأمر الله عز وجل فامتثل الملائكة كلهم ذلك سوى إبليس ولم يكن منهم جنسا كان من الجن فخانه طبعه وجبلته أحوج ما كان إليه فاستنكف عن السجود لآدم وخاصم ربه عز وجل فيه وادعى أنه خير من آدم فإنه مخلوق من نار وآدم خلق من طين والنار خير من الطين في زعمه وقد

أخطأ في ذلك وخالف أمر الله تعالى وكفر بذلك فأبعده الله عز وجل وأرغم أنفه وطرده عن باب رحمته ومحل أنسه وحضرة قدسه وسماه إبليس إعلاما له بأنه قد أبلس من الرحمة وأنزله من السماء مذموما مدحورا إلى الأرض فسأل الله النظرة إلى يوم البعث فأنظره الحليم الذي لا يعجل على من عصاه فلما أمن الهلاك إلى القيامة تمرد وطغى وقال "فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين" كما قال عز وجل "أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا" وهؤلاء هم المستثنون في الآية الأخرى وهي قوله تعالى "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا" وقوله تبارك وتعالى "قال فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين" قرأ ذلك جماعة منهم مجاهد برفع الحق الأول وفسره مجاهد بأن معناه أنا الحق والحق أقول وفي رواية عنه : الحق مني وأقول الحق وقرأ آخرون بنصبهما قال السدي هو قسم أقسم الله به "قلت" وهذه الآية كقوله تعالى "ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" وكقوله عز وجل "قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا" .
قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين
يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين ما أسألهم على هذا البلاغ وهذا النصح أجرا تعطونيه من عرض الحياة الدنيا "وما أنا من المتكلفين" أي وما أريد على ما أرسلني الله تعالى به ولا أبتغي زيادة عليه بل ما أمرت به أديته لا أزيد عليه ولا أنقص منه وإنما أبتغي بذلك وجه الله عز وجل والدار الآخرة قال سفيان الثوري عن الأعمش ومنصور عن أبي الضحى عن مسروق قال : أتينا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال يا أيها الناس من علم شيئا فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول الرجل لما لا يعلم الله أعلم فإن الله عز وجل قال لنبيكم "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" أخرجاه من حديث الأعمش به .

إن هو إلا ذكر للعالمين (87)
وقوله تعالى "إن هو إلا ذكر للعالمين" يعني القرآن ذكر لجميع المكلفين من الإنس والجن قاله ابن عباس رضي الله عنهما وروى ابن أبي حاتم عن أبيه عن أبي غسان مالك بن إسماعيل حدثنا قيس بن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "للعالمين" قال الجن والإنس وهذه الآية كقوله تعالى "لأنذركم به ومن بلغ" وكقوله عز وجل "ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده" .
ولتعلمن نبأه بعد حين (88)
وقوله تعالى "ولتعلمن نبأه" أي خبره وصدقه "بعد حين" أي عن قريب قال قتادة بعد الموت وقال عكرمة يعني يوم القيامة ولا منافاة بين القولين فإن من مات فقد دخل في حكم القيامة وقال قتادة في قوله تعالى "ولتعلمن نبأه بعد حين" قال الحسن يا ابن آدم عند الموت يأتيك الخبر اليقين.
آخر تفسير سورة ص ولله الحمد المنة
تفسير سورة الزمر وهي مكية .

قال النسائي : حدثنا محمد بن النضر بن مساور ، حدثنا حماد ، عن مروان أبي لبابة ، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول : ما يريد أن يفطر . ويفطر حتى نقول : ما يريد أن يصوم . وكان يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر .

بسم الله الرحمن الرحيم

تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (1)
سورة الزمر : قال النسائي حدثنا محمد بن النضر بن مساور حدثنا حماد عن مروان بن أبي لبابة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم وكان صلى الله عليه وسلم يقرأ في كل ليلة بني إسرائيل والزمر .
يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن العظيم من عنده تبارك وتعالى فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عز وجل "وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين" وقال تبارك وتعالى "وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" وقال جل وعلا ههنا "تنزيل الكتاب من الله العزيز" أي المنيع الجناب "الحكيم" أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره .
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين (2)
إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين
أي فاعبد الله وحده لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده وأنه ليس له شريك ولا عديل ولا نديد ولهذا قال تعالى "ألا لله الدين الخالص" أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له .
ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار (3)
ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار
وقال قتادة في قوله تبارك وتعالى "ألا لله الدين الخالص" شهادة أن لا إله إلا الله ثم أخبر عز وجل عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى"


الله زلفى "أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام اتخذوها على صور الملائكة المقربين في زعمهم فعبدوا تلك الصور تنزيلا لذلك منزلة عبادتهم الملائكة ليشفعوا لهم عند الله تعالى في نصرهم ورزقهم وما ينوبهم من أمور الدنيا فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به ."
قال قتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وابن زيد "إلا ليقربونا إلى الله زلفى" أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهليتهم لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم لم يأذن الله فيه ولا رضي به بل أبغضه ونهى عنه "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون" وأخبر أن الملائكة التي في السماوات من الملائكة المقربين وغيرهم كلهم عبيد خاضعون لله لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم يشفعون عندهم بغير إذنهم فيما أحبه الملوك وأبوه "فلا تضربوا لله الأمثال" تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا وقوله عز وجل "إن الله يحكم بينهم" أي يوم القيامة "فيما هم فيه يختلفون" أي سيفصل بين الخلاف يوم معادهم ويجزي كل عامل بعمله "ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون" وقوله عز وجل "إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار" أي لا يرشد إلى الهداية من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهينه ثم بين تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة والمعاندون من اليهود والنصارى في العزير وعيسى .
لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (4)
لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار
فقال تبارك وتعالى "لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء" أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عز وجل "لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين" "قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين" كل هذا من باب الشرط ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم وقوله تعالى "سبحانه هو الله الواحد القهار" أي تعالى وتنزه وتقدس عن أن يكون له ولد فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد الذي كل شيء عبد لديه فقير إليه وهو الغني

عما سواه الذي قد قهر الأشياء فدانت له وذلت وخضعت تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا .
خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار (5)
خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار
يخبر تعالى أنه الخالق لما في السماوات والأرض وما بين ذلك من الأشياء وبأنه مالك الملك المتصرف فيه يقلب ليله ونهاره "يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل" أي سخرهما يجريان متعاقبين لا يفتران كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا كقوله تبارك وتعالى "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا" هذا معنى ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وقتادة والسدي وغيرهم .
وقوله عز وجل "وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى" أي إلى مدة معلومة عند الله تعالى ثم ينقضي يوم القيامة "ألا هو العزيز الغفار" أي مع عزته وعظمته وكبريائه هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه .
خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون (6)
خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون
وقوله جلت عظمته "خلقكم من نفس واحدة" أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة وهو آدم عليه الصلاة والسلام "ثم جعل منها زوجها" وهي حواء عليها السلام كقوله تعالى "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء" وقوله تعالى "وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج" أي وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج وهي المذكورة في سورة الأنعام ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين وقوله عز وجل "يخلقكم في بطون أمهاتكم" أي قدركم في بطون أمهاتكم "خلقا من"

بعد خلق "يكون أحدكم أولا نطفة ثم يكون علقة ثم يكون مضغة ثم يخلق فيكون لحما وعظما وعصبا وعروقا وينفخ فيه الروح فيصير خلقا آخر" فتبارك الله أحسن الخالقين "."
وقوله جل وعلا "في ظلمات ثلاث" يعني في ظلمة الرحم وظلمة المشيمة التي هي كالغشاوة والوقاية على الولد وظلمة البطن كذا قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وأبو مالك والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد .
وقوله جل جلاله "ذلكم الله ربكم" أي هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما وخلقكم وخلق آباءكم هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك "لا إله إلا هو" أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له "فأنى تصرفون" أي فكيف تعبدون معه غيره ؟ أين يذهب بعقولكم ؟.
إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور (7)
إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور
يقول تبارك وتعالى مخبرا عن نفسه تبارك وتعالى أنه الغني عما سواه من المخلوقات كما قال موسى عليه الصلاة والسلام "إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد" وفي صحيح مسلم "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا" .
وقوله تعالى "ولا يرضى لعباده الكفر" أي لا يحبه ولا يأمر به "وإن تشكروا يرضه لكم" أي يحبه لكم ويزدكم من فضله

"ولا تزر وازرة وزر أخرى" أي لا تحمل نفس عن نفس شيئا بل كل مطالب بأمر نفسه "ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور" أي فلا تخفى عليه خافية .
وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (8)
وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار
وقوله عز وجل "وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه" أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له كما قال تعالى "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا" ولهذا قال تبارك وتعالى "ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل" أي في حال الرفاهية ينسى ذلك الدعاء والتضرع كما قال جل جلاله "وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه" وقوله تعالى "وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله" أي في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أندادا "قل تمتع بكفرك فليلا إنك من أصحاب النار" أي قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه تمتع بكفرك قليلا وهو تهديد شديد ووعيد أكيد كقوله تعالى "قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار" وقوله تعالى "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ" .
أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (9)
أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو
يقول عز وجل أمن هذه صفته كمن أشرك بالله وجعل له أندادا ؟ لا يستوون عند الله كما قال تعالى "ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون" وقال تبارك وتعالى ههنا "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما" أي في حال سجوده وفي حال قيامه ولهذا استدل بهذه الآية من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة ليس هو القيام وحده كما ذهب إليه آخرون .
قال الثوري عن فراس عن الشعبي عن مسروق عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : القانت المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم وقال ابن عباس رضي الله عنهما والحسن والسدي وابن زيد آناء الليل جوف الليل وقال الثوري عن منصور بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء وقال الحسن وقتادة آناء الليل أوله وأوسطه وآخره

وقوله تعالى "يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" أي في حال عبادته خائف راج ولا بد في العبادة من هذا وهذا وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب ولهذا قال تعالى "يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" فإذا كان عند الاحتضار فليكن الرجاء هو الغالب عليه كما قال الإمام عبد بن حميد في مسنده حدثنا يحيى بن عبد الحميد حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال له "كيف تجدك ؟" فقال له أرجو وأخاف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله عز وجل الذي يرجو وأمنه الذي يخافه" .
ورواه الترمذي والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث سيار بن حاتم عن جعفر بن سليمان به قال الترمذي غريب وقد رواه بعضهم عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن أبي شيبة عن عبيدة النميري حدثنا أبو خلف بن عبد الله بن عيسى الخراز حدثنا يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ "أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه" قال ابن عمر ذاك عثمان بن عفان رضي الله عنه وإنما قال ابن عمر رضي الله عنهما ذلك لكثرة صلاة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه بالليل وقراءته حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة كما روى ذلك أبو عبيدة عنه رضي الله تعالى عنه وقال الشاعر :
ضحوا بأشمط عنوان السجود به ... يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
وقال الإمام أحمد كتب إلي الربيع بن نافع حدثنا الهيثم بن حميد عن زيد بن واقد عن سليمان بن موسى عن كثير بن مرة عن تميم الداري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قنوت ليلة

"وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن إبراهيم بن يعقوب عن عبد الله بن يوسف والربيع بن نافع كلاهما عن الهيثم بن حميد به ."
وقوله تعالى "قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون" أي هل يستوي هذا والذي قبله ممن جعل لله أندادا ليضل عن سبيله "إنما يتذكر أولوا الألباب" أي إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا من له لب وهو العقل والله أعلم .
قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (10)
قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بالاستمرار على طاعته وتقواه "قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة" أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا حسنة في دنياهم وأخراهم.
وقوله "وأرض الله واسعة" قال مجاهد فهاجروا فيها وجاهدوا واعتزلوا الأوثان وقال شريك عن منصور عن عطاء في قوله تبارك وتعالى "وأرض الله واسعة" قال إذا دعيتم إلى معصيته فاهربوا ثم قرأ "ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها" وقوله تعالى "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" قال الأوزاعي ليس يوزن لهم ولا يكال لهم إنما يغرف لهم غرفا وقال ابن جريج بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط ولكن يزادون على ذلك وقال السدي "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب" يعني في الجنة .
قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين (11)
قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين
أي إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له .
وأمرت لأن أكون أول المسلمين (12)
وأمرت لأن أكون أول المسلمين
قال السدي يعني من أمته صلى الله عليه وسلم.

قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13)
قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم
يقول تعالى قل يا محمد وأنت رسول الله "إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم" وهو يوم القيامة وهذا شرط ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى.
قل الله أعبد مخلصا له ديني (14)
قل الله أعبد مخلصا له ديني
"قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه" وهذا أيضا تهديد وتبر منهم .
فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15)
فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين
"قل إن الخاسرين" أي إنما الخاسرون كل الخسران "الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة" أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار أو أن الجميع أسكنوا النار ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور "ألا ذلك هو الخسران المبين" أي هذا هو الخسران المبين الظاهر الواضح .
لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون (16)
لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد
ثم وصف حالهم في النار فقال "لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل" كما قال عز وجل "لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين" وقال تعالى "يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون" وقوله جل جلاله "ذلك يخوف الله به عباده" أي إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده لينزجروا عن المحارم والمآثم وقوله تعالى "يا عباد فاتقون" أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي .
والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17)
والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عبادي
قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه "والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها" نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل وأبي ذر وسلمان الفارسي رضي الله تعالى عنهم والصحيح أنها شاملة لهم

ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة .
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب (18)
الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب
ثم قال عز وجل "فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه" أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله تبارك وتعالى لموسى عليه الصلاة والسلام حين آتاه التوراة "فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها" "أولئك الذين هداهم الله" أي المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة "وأولئك هم أولوا الألباب" أي ذوو العقول الصحيحة والفطر المستقيمة .
أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (19)
أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار
يقول تعالى أفمن كتب الله أنه شقي تقدر تنقذه مما هو فيه من الضلال والهلاك ؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله لأنه من يضلل الله فلا هادي له ومن يهده فلا مضل له .
لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (20)
لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد
ثم أخبر عز وجل عن عباده السعداء أن لهم غرفا في الجنة وهي القصور أي الشاهقة "من فوقها غرف مبنية" طباق فوق طباق مبنيات محكمات مزخرفات عاليات قال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا عباد بن يعقوب الأسدي حدثنا محمد بن فضيل عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة لغرفا يرى بطونها من ظهورها وظهورها من بطونها" فقال أعرابي لمن هي يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم "لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام" ورواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن إسحاق وقال حسن غريب وقد تكلم بعض أهل العلم فيه من قبل حفظه

وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يحيى بن أبي كثير عن ابن معانق أو أبي معانق - عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة لغرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها أعدها الله تعالى لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى والناس نيام" تفرد به أحمد من حديث عبد الله بن معانق الأشعري عن أبي مالك الأشعري رضي الله عنه به وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكوكب في أفق السماء" قال فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال سمعت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول "كما تراءون الكوكب الذي في الأفق الشرقي أو الغربي" أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي حازم وأخرجاه أيضا في الصحيحين من حديث مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال الإمام أحمد حدثنا فزارة أخبرني فليح عن هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة أهل الغرف كما تراءون الكوكب الدري الغارب في الأفق الطالع في تفاضل أهل الدرجات - فقالوا يا رسول الله أولئك النبيون ؟ فقال صلى الله عليه وسلم" بلى والذي نفسي بيده وأقوام آمنوا بالله وصدقوا الرسل "ورواه الترمذي عن سويد عن ابن المبارك عن فليح به وقال حسن صحيح"

وقال
الإمام أحمد حدثنا أبو النضر وأبو عامر قالا حدثنا زهير حدثنا سعد الطائي حدثنا أبو المدلة مولى أم المؤمنين رضي الله عنها أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قلنا يا رسول الله إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا وكنا من أهل الآخرة فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا وشممنا النساء والأولاد قال صلى الله عليه وسلم "لو أنكم تكونون على كل حال على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم ولو لم تذنبوا لجاء الله عز وجل بقوم يذنبون كي يغفر لهم" قلنا يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها ؟ قال صلى الله عليه وسلم "لبنة ذهب ولبنة فضة وملاطها المسك الأذفر وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت وترابها الزعفران من يدخلها ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه ثلاثة لا ترد دعوتهم : الإمام العادل والصائم حتى يفطر ودعوة المظلوم تحمل على الغمام وتفتح لها أبواب السماوات ويقول الرب تبارك وتعالى وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين" وروى الترمذي وابن ماجه بعضه من حديث سعد بن أبي مجاهد الطائي وكان ثقة عن أبي المدلة وكان ثقة به .
وقوله تعالى "تجري من تحتها الأنهار" أي تسلك الأنهار بين خلال ذلك كما يشاءون وأين أرادوا "وعد الله" أي هذا الذي ذكرناه وعد وعده الله عباده المؤمنين "إن الله لا يخلف الميعاد" .
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (21)
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #444  
قديم 09-12-2025, 01:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة الزمر
من صـ 122 الى صــ 135
الحلقة (444)





يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال عز وجل "وأنزلنا من السماء ماء طهورا" فإذا أنزل الماء من السماء كمن في الأرض ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها ولهذا قال تبارك وتعالى "فسلكه ينابيع في الأرض" قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا عمرو بن علي حدثنا أبو قتيبة عتبة بن اليقظان عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض" قال ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فذلك قوله تعالى "فسلكه ينابيع في الأرض" فمن سره أن يعود الملح عذبا فليصعده وكذا .
قال سعيد بن جبير وعامر والشعبي إن كل ماء في الأرض فأصله من السماء وقال سعيد بن جبير أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال فيسكن في قرارها فتنبع العيون من أسافلها وقوله تعالى "ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه" أي ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض زرعا مختلفا ألوانه أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه "ثم يهيج" أي بعد نضارته وشبابه يكتهل فتراه مصفرا قد خالطه اليبس "ثم يجعله حطاما" أي ثم يعود يابسا يتحطم "إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب" أي الذين يتذكرون بهذا فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة نضرة حسناء ثم تعود عجوزا شوهاء والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا وبعد ذلك كله الموت فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير وكثيرا ما يضرب الله تعالى مثل الحياة الدنيا بما ينزل الله من السماء من ماء وينبت به زروعا وثمارا ثم يكون بعد ذلك حطاما كما قال تعالى "واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا" .
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين (22)
أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين
وقوله تبارك وتعالى "أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه" أي هل يستوي هذا ومن هو قاسي القلب بعيد عن الحق كقوله عز وجل "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" ولهذا قال تعالى "فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله" أي فلا تلين عند ذكره ولا تخشع ولا تعي ولا
تفهم "أولئك في ضلال مبين" .
الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد (23)
الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد
هذا مدح من الله عز وجل لكتابه القرآن العظيم المنزل على رسوله الكريم قال الله تعالى "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني" قال مجاهد يعني القرآن كله متشابه مثاني وقال قتادة : الآية تشبه الآية والحرف يشبه الحرف وقال الضحاك : مثاني ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى وقال عكرمة والحسن ثنى الله فيه القضاء زاد الحسن تكون السورة فيها آية وفي السورة الأخرى آية تشبهها قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : مثاني مردد ردد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما "مثاني" قال القرآن يشبه بعضه بعضا ويرد بعضه على بعض وقال بعض العلماء ويروى عن سفيان بن عيينة معنى قوله تعالى "متشابها مثاني" أن سياقات القرآن تارة تكون في معنى واحد فهذان من المتشابه وتارة تكون بذكر الشيء وضده كذكر المؤمنين ثم الكافرين وكصفة الجنة ثم صفة النار وما أشبه هذا فهذا من المثاني كقوله تعالى "إن الأبرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم" وكقوله عز وجل "كلا إن كتاب الفجار لفي سجين - إلى أن قال - كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين" "هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب - إلى أن قال - هذا وإن للطاغين لشر مآب" ونحو هذا من السياقات فهذا كله من المثاني أي في معنيين اثنين وأما إذا كان السياق كله في معنى واحد يشبه بعضه بعضا فهو المتشابه وليس هذا من المتشابه المذكور في قوله تعالى "منه"

آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات "ذاك معنى آخر."
وقوله تعالى "تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" أي هذه صفة الأبرار عند سماع كلام الجبار المهيمن العزيز الغفار لما يفهمون منه من الوعد والوعيد والتخويف والتهديد تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف "ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه "أحدها" أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات "الثاني" أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم كما قال تبارك وتعالى "إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم" وقال تعالى "والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا" أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها فاهمين بصيرين بمعانيها فلهذا إنما يعملون بها ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم "الثالث" أنهم يلزمون الأدب عند سماعها كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى من تلاوة رسول الله تقشعر جلودهم ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله لم يكونوا يتصارخون ولا يتكلفون ما ليس فيهم بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية ما لا يلحقهم أحد في ذلك ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة قال عبد الرزاق حدثنا معمر قال تلا قتادة رحمه الله "تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" قال هذا نعت أولياء الله نعتهم الله عز وجل بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وهذا من الشيطان وقال السدي "ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله" أي إلى وعد الله

وقوله "ذلك هدى الله يهدي به من يشاء من عباده" أي هذه صفة من هداه الله ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله "ومن يضلل الله فما له من هاد" .
أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون (24)
أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون
يقول تعالى "أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب يوم القيامة" ويقرع فيقال له ولأمثاله من الظالمين "ذوقوا ما كنتم تكسبون" كمن يأتي آمنا يوم القيامة كما قال عز وجل "أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم" وقال جل وعلا "يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر" وقال تبارك وتعالى "أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة" واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر كقول الشاعر :
فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني
يعني الخير أو الشر .
كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (25)
كذب الذين من قبلهم فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون
يعني القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واق .
فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (26)
فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون
وقوله جل وعلا "فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا" أي بما أنزل بهم من العذاب والنكال وتشفي المؤمنين منهم فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم والذي أعده الله جل جلاله لهم في الآخرة من العذاب الشديد أعظم مما أصابهم في الدنيا ولهذا قال عز وجل "ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون" .
ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون (27)
ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون

يقول تعالى "ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل" أي بينا للناس فيه بضرب الأمثال "لعلهم يتذكرون" فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال تبارك وتعالى "ضرب لكم مثلا من أنفسكم" أي تعلمونه من أنفسكم وقال عز وجل "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون" .
قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون (28)
قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون
وقوله جل وعلا "قرآنا عربيا غير ذي عوج" أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه ولا انحراف ولا لبس بل هو بيان ووضوح وبرهان وإنما جعله الله تعالى كذلك وأنزله بذلك "لعلهم يتقون" أي يحذرون ما فيه من الوعيد ويعملون بما فيه من الوعد .
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (29)
ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل هل يستويان مثلا الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
ثم قال "ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون" أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم "ورجلا سلما" أي سالما "لرجل" أي خالصا لا يملكه أحد غيره "هل يستويان مثلا" أي لا يستوي هذا وهذا كذلك لا يستوي المشرك الذي يعبد آلهة مع الله والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له فأين هذا من هذا ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وغير واحد : هذه الآية ضربت مثلا للمشرك والمخلص ولما كان هذا المثل ظاهرا بينا جليا قال "الحمد لله" أي على إقامة الحجة عليهم "بل أكثرهم لا يعلمون" أي فلهذا يشركون بالله .
إنك ميت وإنهم ميتون (30)
إنك ميت وإنهم ميتون
هذه الآية من الآيات التي استشهد بها الصديق رضي الله عنه عند موت الرسول صلى الله عليه وسلم حتى تحقق الناس موته مع قوله عز وجل "وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين" ومعنى هذه الآية أنكم ستنقلون من هذه الدار لا محالة وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة وتختصمون فيما أنتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك بين يدي الله عز وجل فيفصل بينكم ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم فينجي المؤمنين المخلصين الموحدين ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة

ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31)
ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون
قال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا محمد بن عبيد الله بن يزيد المقري حدثنا سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي حاطب - يعني يحيى بن عبد الرحمن - عن ابن الزبير رضي الله عنهما قال لما نزلت "ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" قال الزبير رضي الله عنه : يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة ؟ قال صلى الله عليه وسلم "نعم" قال رضي الله عنه "إن الأمر إذا لشديد ."
وكذا رواه الإمام أحمد عن سفيان وعنده زيادة ولما نزلت "ثم لتسألن يومئذ عن النعيم" قال الزبير رضي الله عنه : أي رسول الله أي نعيم نسأل عنه وإنما نعيمنا الأسودان : التمر والماء ؟ قال صلى الله عليه وسلم "أما إن ذلك سيكون" وقد روى هذه الزيادة الترمذي وابن ماجه من حديث سفيان به وقال الترمذي حسن وقال أحمد أيضا حدثنا ابن نمير حدثنا محمد - يعني ابن عمرو - عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عبد الله بن الزبير عن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : لما نزلت هذه السورة على رسول الله صلى الله عليه وسلم "إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" قال الزبير رضي الله عنه أي رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال صلى الله عليه وسلم "نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه" قال الزبير رضي الله عنه : والله إن الأمر لشديد رواه الترمذي من حديث محمد بن عمرو به وقال حسن صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي عياش عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول الخصمين يوم القيامة"

جاران "تفرد به أحمد وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" والذي نفسي بيده إنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحتا "تفرد به أحمد رحمه الله وفي المسند عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم شاتين ينتطحان فقال" أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر ؟ "قلت لا قال صلى الله عليه وسلم" لكن الله يدري وسيحكم بينهما "وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا سهل بن محمد حدثنا حيان بن أغلب حدثنا أبي حدثنا ثابت عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية فيفلحون عليه فيقال له سد ركنا من أركان جهنم "ثم قال الأغلب بن تميم ليس بالحافظ ."
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" يقول يخاصم الصادق الكاذب والمظلوم الظالم والمهتدي الضال والضعيف المستكبر وقد روى ابن منده في كتاب الروح عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد فتقول الروح للجسد أنت فعلت ويقول الجسد للروح أنت أمرت وأنت سولت فيبعث الله تعالى ملكا يفصل بينهما فيقول لهما إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير والآخر ضرير دخلا بستانا فقال المقعد للضرير إني أرى ههنا ثمارا ولكن لا أصل إليها فقال له الضرير اركبني فتناولها فركبه فتناولها فأيهما المعتدي ؟ فيقولان كلاهما فيقول لهما الملك فإنكما قد حكمتما على أنفسكما يعني أن الجسد للروح كالمطية وهو راكبه .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا جعفر بن أحمد بن عوسجة حدثنا ضرار حدثنا أبو سلمة

الخزاعي حدثنا منصور بن سلمة حدثنا القمي - يعني يعقوب بن عبد الله - عن جعفر بن المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت "ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" قال قلنا من نخاصم ؟ ليس بيننا وبين أهل الكتاب خصومة فمن نخاصم ؟ حتى وقعت الفتنة فقال ابن عمر رضي الله عنهما : هذا الذي وعدنا ربنا عز وجل نختصم فيه ورواه النسائي عن محمد بن عامر عن منصور بن سلمة به وقال أبو العالية في قوله تبارك وتعالي "ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون" قال يعني أهل القبلة وقال ابن زيد : يعني أهل الإسلام وأهل الكفر وقد قدمنا أن الصحيح العموم والله سبحانه وتعالى أعلم.
فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين (32)
فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين
يقول عز وجل مخاطبا للمشركين الذين افتروا على الله وجعلوا معه آلهة أخرى وادعوا أن الملائكة بنات الله وجعلوا لله ولدا تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ولهذا قال عز وجل "فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه" أي لا أحد أظلم من هذا لأنه جمع بين طرفي الباطل كذب على الله وكذب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا الباطل وردوا الحق ولهذا قال جلت عظمته متوعدا لهم "أليس في جهنم مثوى للكافرين" وهم الجاحدون المكذبون .
والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون (33)
والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون
ثم قال جل وعلا "والذي جاء بالصدق وصدق به" قال مجاهد وقتادة والربيع بن أنس وابن زيد : الذي جاء بالصدق هو رسول الله صلى الله عليه وسلم

وقال السدي هو جبريل عليه السلام "وصدق به" يعني محمدا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "والذي جاء بالصدق" قال من جاء بلا إله إلا الله "وصدق به" يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ الربيع بن أنس "الذين جاءوا بالصدق" يعني الأنبياء "وصدقوا به" يعني الأتباع .
وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد "والذي جاء بالصدق وصدق به" قال أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة فيقولون هذا ما أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا .
وهذا القول عن مجاهد يشمل كل المؤمنين فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به والرسول صلى الله عليه وسلم أولى الناس بالدخول في هذه الآية على هذا التفسير فإنه جاء بالصدق وصدق المرسلين وآمن بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله .
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "والذي جاء بالصدق" هو رسول الله صلى الله عليه وسلم "وصدق به" قال المسلمون "أولئك هم المتقون" قال ابن عباس رضي الله عنهما اتقوا الشرك .
لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (34)
لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين
"لهم ما يشاءون عند ربهم" يعني في الجنة مهما طلبوا وجدوا .
ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (35)
ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون
"ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون" كما قال عز وجل في الآية الأخرى "أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا ونتجاوز عن سيئاتهم في أصحاب الجنة وعد الصدق الذي كانوا يوعدون" .
أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد (36)
أليس الله بكاف عبده ويخوفونك بالذين من دونه ومن يضلل الله فما له من هاد

يقول تعالى "أليس الله بكاف عبده" وقرأ بعضهم "عباده" يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكل عليه وقال ابن أبي حاتم ههنا حدثنا أبو عبد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا أبو هانئ عن أبي علي عمرو بن مالك الجنبي عن فضالة بن عبيد الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به" ورواه الترمذي والنسائي من حديث حيوة بن شريح عن أبي هانئ الخولاني به وقال الترمذي صحيح "ويخوفونك بالذين من دونه" يعني المشركين يخوفون الرسول صلى الله عليه وسلم ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم التي يدعونها من دون الله جهلا منهم وضلالا ولهذا قال عز وجل "ومن يضلل الله فما له من هاد ."
ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام (37)
ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام
أي منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه ولجأ إلى بابه فإنه العزيز الذي لا أعز منه ولا أشد انتقاما منه ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله صلى الله عليه وسلم.
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون (38)
ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون
وقوله تعالى "ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله" يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله عز وجل هو الخالق للأشياء كلها ومع هذا يعبدون معه غيره مما لا يملك لهم ضرا ولا نفعا ولهذا قال تبارك وتعالى "قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته" أي لا تستطيع شيئا من الأمر وذكر ابن أبي حاتم ههنا حديث قيس بن الحجاج عن حنش الصنعاني عن ابن عباسرضي الله عنهما

مرفوعا "احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله واعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك لم يضروك ولو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم ينفعوك جفت الصحف ورفعت الأقلام واعمل لله بالشكر في اليقين واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا وأن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع العسر يسرا" "قل حسبي الله" أي الله كاف "عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون" كما قال هود عليه الصلاة والسلام حين قال قومه "إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدون جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم" .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عصام الأنصاري حدثنا عبد الله بن بكر السهمي حدثنا محمد بن حاتم عن أبي المقدام مولى آل عثمان عن محمد بن كعب القرظي حدثنا ابن عباس رضي الله عنهما رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله عز وجل أوثق منه بما في يديه ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله عز وجل" .
قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون (39)
قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف
وقوله تعالى "قل يا قوم اعملوا على مكانتكم" أي على طريقتكم وهذا تهديد ووعيد "إني عامل" أي على طريقتي ومنهجي "فسوف تعلمون" أي ستعلمون غب ذلك ووباله .
من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم (40)
من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم
"من يأتيه عذاب يخزيه" أي في الدنيا "ويحل عليه عذاب مقيم" أي دائم ومستمر لا محيد عنه وذلك يوم القيامة أعاذنا الله منها .
إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل (41)
إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنت عليهم بوكيل

يقول تعالى مخاطبا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم "إنا أنزلنا عليك الكتاب" يعني القرآن "للناس بالحق" أي لجميع الخلق من الإنس والجن لتنذرهم به "فمن اهتدى فلنفسه" أي فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه "ومن ضل فإنما يضل عليها" أي إنما يرجع وبال ذلك على نفسه "وما أنت عليهم بوكيل" أي بموكل أن يهتدوا "إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل" "إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب" .
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (42)
الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
ثم قال تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان والوفاة الصغرى عند المنام كما قال تبارك وتعالى "وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليقضى أجل مسمى ثم إليه مرجعكم ثم ينبئكم بما كنتم تعملون وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون" فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى ولهذا قال تبارك وتعالى "الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى" فيه دلالة على أنها تجتمع في الملإ الأعلى كما ورد بذلك الحديث المرفوع الذي رواه ابن منده وغيره وفي صحيحي البخاري ومسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين" وقال بعض السلف يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا وأرواح الأحياء إذا ناموا فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف "فيمسك التي قضى عليها الموت" التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى

قال السدي إلى بقية أجلها وقال ابن عباس رضي الله عنهما يمسك أنفس الأموات ويرسل أنفس الأحياء ولا يغلط "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" .
أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون (43)
أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون
يقول تعالى ذاما للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان هداهم على ذلك وهي لا تملك شيئا من الأمر بل وليس لها عقل تعقل به ولا سمع تسمع به ولا بصر تبصر به بل هي جمادات أسوأ حالا من الحيوان بكثير .
قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون (44)
قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون
ثم قال قل أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما اتخذوه شفعاء لهم عند الله تعالى أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له فمرجعها كلها إليه "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" "له ملك السماوات والأرض" أي هو المتصرف في جميع ذلك "ثم إليه ترجعون" أي يوم القيامة فيحكم بينكم بعدله ويجزي كلا بعمله.
وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (45)
وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون
ثم قال تعالى ذاما للمشركين أيضا "وإذا ذكر الله وحده" أي إذا قيل لا إله إلا الله وحده "اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة" قال مجاهد اشمأزت انقبضت وقال السدي نفرت وقال قتادة كفرت واستكبرت وقال مالك عن زيد بن أسلم استكبرت كما قال تعالى "إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون" أي عن المتابعة والانقياد لها فقلوبهم لا تقبل الخير ومن لم يقبل الخير يقبل الشر ولذلك قال تبارك وتعالى "وإذا ذكر الذين من دونه" أي من الأصنام والأنداد قاله مجاهد "إذا هم يستبشرون" أي يفرحون ويسرون .
قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46)
قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون

يقول تبارك وتعالى بعدما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة لهم في حبهم الشرك ونفرتهم عن التوحيد "قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة" أي ادع أنت الله وحده لا شريك له الذي خلق السماوات والأرض وفطرها أي جعلها على غير مثال سبق "عالم الغيب والشهادة" أي السر والعلانية "أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون" أي في دنياهم ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم .
قال مسلم في صحيحه حدثنا عبد بن حميد حدثنا عمر بن يونس حدثنا عكرمة بن عمار حدثنا يحيى بن أبي كثير حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن قال : سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل ؟ قالت رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل افتتح صلاته "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" .
وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا سهيل عن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خثيم عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من قال اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد إلا قال الله عز وجل لملائكته يوم القيامة إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه فيدخله الله الجنة"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #445  
قديم 09-12-2025, 01:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة الزمر
من صـ 136 الى صــ 149
الحلقة (445)






"قال سهيل فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونا أخبر بكذا وكذا فقال ما فينا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها انفرد به الإمام أحمد ."
وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثني حيي بن عبد الله أن أبا عبد الرحمن حدثه قال أخرج لنا عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قرطاسا وقال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا نقول "اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت رب كل شيء وإله كل شيء أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك والملائكة يشهدون أعوذ بك من الشيطان وشركه وأعوذ بك أن أقترف على نفسي إثما أو أجره إلى مسلم" قال أبو عبد الرحمن رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن يقول ذلك حين يريد أن ينام تفرد به أحمد أيضا.
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا خلف بن الوليد حدثنا ابن عياش عن محمد بن زياد الألهاني عن أبي راشد الحبراني قال : أتيت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فقلت له حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فألقى بين يدي صحيفة فقال هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا بكر قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شي ومليكه أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه أو أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم" ورواه الترمذي عن الحسن بن عرفة عن إسماعيل بن عياش به وقال حسن غريب من هذا الوجه وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم حدثنا سيار عن ليث عن مجاهد قال : قال أبو بكر الصديق أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي من الليل "اللهم فاطر السماوات والأرض الخ"

ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47)
ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون
وقوله عز وجل "ولو أن للذين ظلموا" وهم المشركون "ما في الأرض جميعا ومثله معه" أي ولو أن جميع ما في الأرض وضعفه معه "لافتدوا به من سوء العذاب" أي الذي أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة ومع هذا لا يقبل منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهبا كما قال في الآية الأخرى "وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون" أي وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم.
وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (48)
وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون
"وبدا لهم سيئات ما كسبوا" أي وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم "وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون" أي وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا .
فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون (49)
فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون
يقول تبارك وتعالى مخبرا عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله عز وجل وينيب إليه ويدعوه وإذا خوله نعمة منه بغى وطغى وقال "إنما أوتيته على علم" أي لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا قال قتادة على علم عندي على خبر عندي قال الله عز وجل "بل هي فتنة" أي ليس الأمر كما زعم بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي مع علمنا المتقدم بذلك فهي فتنة .
أي اختبار "ولكن أكثرهم لا يعلمون" فلهذا يقولون ما يقولون ويدعون.
قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (50)
قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون
أي قد قال هذه المقالة وزعم هذا الزعم وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم "فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون" أي فما صح

قولهم ولا نفعهم جمعهم وما كانوا يكسبون .
فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين (51)
فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين
"فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء" أي من المخاطبين "سيصيبهم سيئات ما كسبوا" أي كما أصاب أولئك "وما هم بمعجزين" كما قال تبارك وتعالى مخبرا عن قارون إنه قال له قومه "لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون" وقال تعالى "وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين" .
أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (52)
أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون
وقوله تبارك وتعالى "أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" أي يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين "إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون" أي لعبرا وحججا.
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (53)
قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور
هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة وإخبار بأن الله تبارك وتعالى

يغفر الذنوب جميعا لمن تاب منها ورجع عنها وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر ولا يصح حمل هذه على غير توبة لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه .
قال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال يعلى إن سعيد بن جبير أخبره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناسا من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا فأتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة فنزل "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون" ونزل "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث ابن جريج عن يعلى بن مسلم المكي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما به .
والمراد من الآية الأولى قوله تعالى "إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا" الآية .
وقال الإمام أحمد حدثنا حسن ثنا ابن لهيعة حدثنا أبو قبيل قال : سمعت أبا عبد الرحمن المزني يقول سمعت ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية" قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم "إلى آخر الآية فقال رجل يا رسول الله فمن أشرك ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال" إلا من أشرك "- ثلاث مرات - تفرد به الإمام أحمد ."
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا شريح بن النعمان حدثنا نوح بن قيس عن

أشعث بن جابر الحداني عن مكحول عن عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم شيخ كبير يدعم على عصا له فقال : يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات فهل يغفر لي ؟ فقال صلى الله عليه وسلم "ألست تشهد أن لا إله إلا الله ؟" قال : بلى وأشهد أنك رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم "قد غفر لك غدراتك وفجراتك" تفرد به أحمد.
وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ "إنه عمل غير صالح" وسمعته صلى الله عليه وسلم يقول "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا" ولا يبالي "إنه هو الغفور الرحيم" ورواه أبو داود والترمذي من حديث ثابت فهذه الأحاديث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة ولا يقنطن عبد من رحمة الله وإن عظمت ذنوبه وكثرت فإن باب الرحمة والتوبة واسع قال الله تعالى "ألم يعلموا أن الله هو يقبل التوبة عن عباده" وقال عز وجل "ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما" وقال جل وعلا في حق المنافقين "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا" وقال جل جلاله "لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم" ثم قال جلت عظمته "أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم" وقال تبارك وتعالى "إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا" قال الحسن البصري رحمة الله عليه انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة والآيات في هذا كثيرة جدا .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث الذي قتل تسعة وتسعين نفسا ثم ندم وسأل عابدا من عباد بني إسرائيل هل له من توبة ؟ فقال لا فقتله وأكمل به مائة ثم سأل عالما من علمائهم هل له من توبة فقال ومن يحول بينك وبين التوبة ؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد

الله فيها فقصدها فأتاه الموت في أثناء الطريق فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب فأمر الله عز وجل أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما كان أقرب فهو منها فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر فقبضته ملائكة الرحمة وذكر أنه نأى بصدره عند الموت وأن الله تبارك وتعالى أمر البلدة الخيرة أن تقترب وأمر تلك البلدة أن تتباعد هذا معنى الحديث وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله عز وجل "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا" إلى آخر الآية قال قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله ومن زعم أن المسيح هو ابن الله ومن زعم أن عزيرا ابن الله ومن زعم أن الله فقير ومن زعم أن يد الله مغلولة ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة يقول الله تعالى لهؤلاء "أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم" ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولا من هؤلاء من قال أنا ربكم الأعلى وقال "ما علمت لكم من إله غيري" قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من آيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله عز وجل.
ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه وروى الطبراني من طريق الشعبي عن سنيد بن شكل أنه قال سمعت ابن مسعود يقول إن أعظم آية في كتاب الله "الله لا إله إلا هو الحي القيوم" وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" وإن أكثر آية في القرآن فرحا في سورة الغرف "قل يا عبادي الذي أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" وإن أشد آية في كتاب الله تفويضا "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" فقال له مسروق صدقت .
وقال الأعمش عن أبي سعيد عن أبي الكنود قال مر عبد الله - يعني ابن مسعود - رضي الله عنه على قاص وهو يذكر الناس فقال يا مذكر لم تقنط الناس من رحمة الله ؟ ثم قرأ "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله" رواه ابن أبي حاتم رحمه الله .
"ذكر أحاديث فيها نفي القنوط" .
قال الإمام أحمد حدثنا شريح بن النعمان حدثنا أبو عبيدة عبد المؤمن بن عبيد الله

السدي حدثني حسن السدوسي قال دخلت على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم" والذي نفس محمد صلى الله عليه وسلم بيده لو لم تخطئوا لجاء الله عز وجل بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم "تفرد به أحمد ."
وقال الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى حدثني الليث حدثني محمد بن قيس قاص عمر بن عبد العزيز عن أبي صرمة عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة قد كنت كتمت منكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لولا أنكم تذنبون لخلق الله عز وجل قوما يذنبون فيغفر لهم" هكذا رواه الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه والترمذي جميعا عن قتيبة عن الليث بن سعد به .
ورواه مسلم من وجه آخر به عن محمد بن كعب القرظي عن أبي صرمة - وهو الأنصاري صحابي عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنهما به .
وقال الإمام أحمد حدثنا أحمد بن عبد الملك الحراني حدثنا يحيى بن عمرو بن مالك البكري قال سمعت أبي يحدث عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كفارة الذنب الندامة" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم" تفرد به أحمد .
وقال عبد الله ابن الإمام أحمد حدثني عبد الأعلى بن حماد القرشي حدثنا داود

بن عبد الرحمن حدثنا أبو عبد الله مسلمة بن عبد الله الرازي عن أبي عمرو البجلي عن عبد الملك بن سفيان الثقفي عن أبي جعفر محمد بن علي عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى يحب العبد المفتن التواب" ولم يخرجوه من هذا الوجه .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد حدثنا ثابت وحميد عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال "إن إبليس - لعنه الله تعالى - قال يا رب إنك أخرجتني من الجنة من أجل آدم وإني لا أستطيعه إلا بسلطانك قال فأنت مسلط قال يا رب زدني قال لا يولد له ولد إلا ولد لك مثله قال يا رب زدني قال أجعل صدورهم مساكن لكم وتجرون منهم مجرى الدم قال يا رب زدني قال أجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا فقال آدم عليه الصلاة والسلام يا رب قد سلطته علي وإني لا أمتنع إلا بك قال تبارك وتعالى لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء قال يا رب زدني قال الحسنة عشر أو أزيد والسيئة واحدة أو أمحوها قال يا رب زدني قال باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد قال يا رب زدني قال" يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم "."
وقال محمد بن إسحاق قال نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر رضي الله عنهما في حديثه قال وكنا نقول ما الله بقابل ممن افتتن صرفا ولا عدلا ولا توبة عرفوا الله ثم رجعوا إلى الكفر لبلاء أصابهم قال وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم قال فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أنزل الله تعالى فيهم وفي قولنا وقولهم لأنفسهم "يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون" قال عمر رضي الله عنه فكتبتها بيدي في صحيفة وبعثت بها إلى هشام بن العاص رضي الله عنه قال : فقال هشام لما أتتني جعلت أقرأها بذي طوى أصعد بها فيه وأصوت ولا أفهمها حتى قلت اللهم أفهمنيها قال فألقى الله عز وجل في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا ويقال فينا فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله صلى الله
عليه وسلم بالمدينة .
وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (54)
وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون
ثم استحث تبارك وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة فقال "وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له" إلخ : أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له "من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون" أي بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة .
واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون (55)
واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون
"واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم" وهو القرآن العظيم "من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون" أي من حيث لا تعلمون ولا تشعرون.
أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين (56)
أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن
ثم قال عز وجل "أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله" أي يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله عز وجل وقوله تبارك وتعالى "وإن كنت لمن الساخرين" أي إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ غير موقن مصدق .
أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين (57)
أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين
"أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" أي تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخبر الله سبحانه وتعالى ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه وقال تعالى "ولا ينبئك مثل خبير" "أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" فأخبر الله عز وجل أن لو ردوا لما قدروا على الهدى فقال "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" وقد قال الإمام أحمد حدثنا أسود حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة قال وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لولا أن الله هداني قال فيكون له الشكر" ورواه


النسائي من حديث أبي بكر بن عياش به ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله .
أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (58)
أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين
"أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" أي تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل .
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخبر الله سبحانه وتعالى ما العباد قائلون قبل أن يقولوه وعملهم قبل أن يعملوه وقال تعالى "ولا ينبئك مثل خبير" "أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" فأخبر الله عز وجل أن لو ردوا لما قدروا على الهدى فقال "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" وقد قال الإمام أحمد حدثنا أسود حدثنا أبو بكر عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كل أهل النار يرى مقعده من الجنة فيقول لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة قال وكل أهل الجنة يرى مقعده من النار فيقول لو أن الله هداني قال فيكون له الشكر" ورواه النسائي من حديث أبي بكر بن عياش به ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله قال تعالى "بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين" .
بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين (59)
بلى قد جاءتك آياتي فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين
أي قد جاءتك أيها العبد النادم على ما كان منه آيات في الدار الدنيا وقامت حججي عليك فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكافرين بها الجاحدين لها .
ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (60)
ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين
يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة قال تعالى ههنا "ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله" أي في دعواهم له شريكا وولدا "وجوههم مسودة" أي بكذبهم وافترائهم وقوله تعالى "أليس في جهنم مثوى للمتكبرين" أي أليست جهنم كافية لهم سجنا وموئلا لهم فيها الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم وإبائهم عن الانقياد للحق .
قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو عبيد الله ابن أخي ابن وهب حدثنا عمي حدثنا عيسى بن أبي عيسى الخياط عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا من النار في واد يقال له بولس من نار الأنيار ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينة الخبال" .
وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون (61)
وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون
وقوله تبارك وتعالى "وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم" أي بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله "لا يمسهم السوء" أي يوم القيامة "ولا هم يحزنون" أي ولا يحزنهم الفزع الأكبر بل هم آمنون من كل فزع مزحزحون عن كل شر نائلون كل خير

الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62)
الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل
يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها وكل تحت تدبيره وقهره وكلاءته .
له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63)
له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون
وقوله عز وجل "له مقاليد السماوات والأرض" قال مجاهد : المقاليد هي المفاتيح بالفارسية وكذا قال قتادة وابن زيد وسفيان ابن عيينة وقال السدي "له مقاليد السماوات والأرض" أي خزائن السماوات والأرض والمعنى على كلا القولين أن أزمة الأمور بيده تبارك وتعالى له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ولهذا قال جل وعلا "والذين كفروا بآيات الله" أي حججه وبراهينه "أولئك هم الخاسرون" وقد روى ابن أبي حاتم ههنا حديثا غريبا جدا وفي صحته نظر ولكن نحن نذكره كما ذكره فإنه قال حدثنا يزيد بن سنان البصري بمصر حدثنا يحيى بن حماد حدثنا الأغلب بن تميم عن مخلد بن هذيل العبدي عن عبد الرحمن المدني عن عبد الله بن عمر عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله تعالى "له مقاليد السماوات والأرض" فقال "ما سألني عنها أحد قبلك يا عثمان" قال صلى الله عليه وسلم "تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده أستغفر الله ولا قوة إلا بالله الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير من قالها يا عثمان إذا أصبح عشر مرار أعطي خصالا ستا : أما أولاهن فيحرس من إبليس وجنوده وأما الثانية فيعطى قنطارا من الأجر وأما الثالثة فترفع"

له درجة في الجنة وأما الرابعة فيتزوج من الحور العين وأما الخامسة فيحضره اثنا عشر ملكا وأما السادسة فيعطى من الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور وله مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته واعتمر فتقبلت عمرته فإن مات من يومه طبع عليه بطابع الشهداء "ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد به مثله وهو غريب وفيه نكارة شديدة والله أعلم ."
قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون (64)
قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون
ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله إلى عبادة آلهتهم ويعبدوا معه إلهه فنزلت "قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ."
ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65)
ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين
وهذه كقوله تعالى "ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون" .
بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66)
بل الله فاعبد وكن من الشاكرين
أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدقك.
وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون (67)
وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون
يقول تبارك وتعالى "وما قدروا الله حق قدره" أي ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم الذي لا أعظم منه القادر على كل شيء المالك لكل شيء وكل شيء تحت قهره وقدرته قال مجاهد نزلت في قريش وقال السدي ما عظموه حق تعظيمه وقال محمد بن كعب لو قدروه حق قدره ما كذبوا .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "وما قدروا الله حق قدره هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم فمن آمن أن الله على كل شي قدير فقد قدر الله حق قدره ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره"

وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف .
قال البخاري قوله تعالى "وما قدروا الله حق قدره" حدثنا آدم حدثنا سفيان عن منصور عن إبراهيم عن عبيدة عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد أن الله عز وجل يجعل السماوات على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع فيقول أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقا لقول الحبر ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة" الآية ورواه البخاري أيضا في غير هذا الموضع من صحيحه والإمام أحمد ومسلم والترمذي والنسائي في التفسير من سننيهما كلهم من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم عن عبيدة عن ابن مسعود رضي الله عنه بنحوه وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله رضي الله عنه قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب فقال يا أبا القاسم أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على أصبع والسماوات على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع ؟ قال فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه قال وأنزل الله عز وجل "وما قدروا الله حق قدره" إلى آخر الآية وهكذا رواه البخاري ومسلم والنسائي من طرق عن الأعمش به وقال الإمام أحمد حدثنا حسين بن حسن الأشقر حدثنا أبو كدينة عن عطاء

عن أبي الضحى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس فقال : كيف تقول يا أبا القاسم يوم يجعل الله سبحانه وتعالى السماء على ذه - وأشار بالسبابة - والأرض على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه - كل ذلك يشير بأصابعه - قال فأنزل الله عز وجل "وما قدروا الله حق قدره" الآية وكذا رواه الترمذي في التفسير عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي عن محمد بن الصلت عن أبي جعفر عن أبي كدينة يحيى بن المهلب عن عطاء بن السائب عن أبي الضحى مسلم بن صبيح به وقال الحسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه .
ثم قال البخاري حدثنا سعيد بن عفير حدثنا الليث حدثنا عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن ابن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يقبض الله تعالى الأرض ويطوي السماء بيمينه ثم يقول أنا الملك أين ملوك الأرض" تفرد به من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر .
وقال البخاري في موضع آخر حدثنا مقدم بن محمد حدثنا عمي القاسم بن يحيى عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله تبارك وتعالى يقبض يوم القيامة الأرضين على أصبع وتكون السماوات بيمينه ثم يقول أنا الملك" تفرد به أيضا من هذا الوجه ورواه مسلم من وجه آخر وقد رواه الإمام أحمد من طريق أخرى بلفظ آخر أبسط من هذا السياق وأطول فقال




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #446  
قديم 09-12-2025, 01:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة الزمر
من صـ 150 الى صــ 163
الحلقة (446)






حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون" ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر "يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم" فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرن به وقد رواه مسلم والنسائي وابن ماجه من حديث عبد العزيز بن أبي حازم زاد مسلم ويعقوب بن عبد الرحمن كلاهما عن أبي حازم عن عبيد الله بن مقسم عن ابن عمر رضي الله عنهما به نحوه ولفظ مسلم عن عبيد الله بن مقسم في هذا الحديث أنه نظر إلى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كيف يحكي النبي صلى الله عليه وسلم قال يأخذ الله تبارك وتعالى سماواته وأراضيه بيده ويقول أنا الملك ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول أساقط هو برسول الله ؟ صلى الله عليه وسلم.
وقال البزار حدثنا سليمان بن سيف حدثنا أبو علي الحنفي حدثنا عباد المنقري حدثني محمد بن المنكدر قال حدثنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية على المنبر "وما قدروا الله حق قدره" - حتى بلغ - "سبحانه وتعالى عما يشركون" فقال المنبر هكذا فجاء وذهب ثلاث مرات والله أعلم ورواه الإمام الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبيد بن عمير عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وقال صحيح وقال الطبراني في المعجم الكبير حدثنا عبد الرحمن بن معاوية العتبي حدثنا حسان بن نافع عن صخر بن جويرية حدثنا سعيد بن سالم القداح عن معمر بن الحسن عن بكر بن خنيس عن أبي شيبة عن عبد الملك بن عمير عن جرير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفر من أصحابه رضي الله عنهم "إني قارئ عليكم آيات من آخر سورة الزمر فمن بكى منكم وجبت له الجنة" فقرأها صلى الله عليه وسلم من عند "وما قدروا الله حق قدره" إلى آخر السورة فمنا من بكى ومنا من لم يبك فقال الذين لم يبكوا يا رسول الله لقد جهدنا أن نبكي فلم نبك فقال صلى الله عليه وسلم "إني سأقرؤها عليكم فمن لم يبك فليتباك"

"هذا حديث غريب جدا وأغرب منه ما رواه في المعجم الكبير أيضا حدثنا هاشم بن زيد حدثنا محمد بن إسماعيل بن عياش حدثني أبي حدثني ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله" إن الله تعالى يقول ثلاث خلال غيبتهن عن عبادي لو رآهن رجل ما عمل بسوء أبدا : لو كشفت غطائي فرآني حتى استيقن ويعلم كيف أفعل بخلقي إذا أتيتهم وقبضت السماوات بيدي ثم قبضت الأرضين ثم قلت أنا الملك من ذا الذي له الملك دوني فأريهم الجنة وما أعددت لهم فيها من كل خير فيستيقنوها وأريهم النار وما أعددت لهم فيها من كل شر فيستيقنوها ولكن عمدا غيبت ذلك عنهم لأعلم كيف يعملون وقد بينته لهم "وهذا إسناد متقارب وهي نسخة تروى بها أحاديث جمة والله أعلم ."
ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (68)
ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون
يقول تبارك وتعالى مخبرا عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة فقوله تعالى "ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله" هذه النفخة هي الثانية وهي نفخة الصعق وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله كما جاء مصرحا به مفسرا في حديث الصور المشهور ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت وينفرد الحي القيوم الذي كان أولا وهو الباقي آخرا بالديمومة والبقاء ويقول "لمن الملك اليوم" ثلاث مرات ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول "لله الواحد القهار" أنا الذي كنت وحدي وقد قهرت كل شيء وحكمت بالفناء على كل شيء ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل ويأمره أن ينفخ في الصور أخرى وهي النفخة الثالثة نفخة البعث قال الله عز وجل "ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون" أي أحياء بعدما كانوا عظاما ورفاتا صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة كما قال تعالى "فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة" .
وقال عز وجل "يوم يدعوكم"

فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلا "وقال جل وعلا" ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون "قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن النعمان بن سالم قال سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود قال سمعت رجلا قال لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما إنك تقول الساعة تقوم إلى كذا وكذا قال لقد هممت أن لا أحدثكم شيئا إنما قلت سترون بعد قليل أمرا عظيما ثم قال عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين لا أدري أربعين يوما أو أربعين شهرا أو أربعين عاما أو أربعين ليلة فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه عروة بن مسعود الثقفي فيظهر فيهلكه الله تعالى ثم يلبث الناس بعده سنين سبعا ليس بين اثنين عداوة ثم يرسل الله تعالى ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته حتى أن لو كان أحدهم كان في كبد جبل لدخلت عليه "قال سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم" ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا قال فيتمثل لهم الشيطان فيقول ألا تستجيبون فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها وهم في ذلك دارة أرزاقهم حسن عيشهم ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا ورفع ليتا وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق ثم لا يبقى أحد إلا صعق ثم يرسل الله تعالى أو ينزل الله عز وجل مطرا كأنه الظل - أو الطل شك نعمان - فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ثم يقال أيها الناس هلموا إلى ربكم "وقفوهم إنهم مسئولون" قال ثم يقال أخرجوا بعث النار قال فيقال كم ؟ فيقال من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين فيومئذ تبعث الولدان شيبا ويومئذ يكشف عن ساق "انفرد بإخراجه مسلم في صحيحه ."
"حديث أبي هريرة رضي الله عنه" وقال البخاري حدثنا عمر بن حفص بن غياث حدثنا أبي حدثنا الأعمش قال سمعت أبا صالح قال سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما بين"

النفختين أربعون "قالوا يا أبا هريرة أربعون يوما ؟ قال رضي الله تعالى عنه أبيت قالوا أربعون سنة ؟ قال أبيت قالوا أربعون شهرا ؟ قال أبيت ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق وقال أبو يعلى حدثنا يحيى بن معين حدثنا أبو اليمان حدثنا إسماعيل بن عياش عن عمر بن محمد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" سألت جبريل عليه الصلاة والسلام عن هذه الآية "ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله" من الذين لم يشأ الله تعالى أن يصعقهم ؟ قال هم الشهداء يتقلدون أسيافهم حول عرشه تتلقاهم ملائكة يوم القيامة إلى المحشر بنجائب من ياقوت نمارها ألين من الحرير مد خطاها مد أبصار الرجال يسيرون في الجنة يقولون عند طول النزهة انطلقوا بنا إلى ربنا لننظر كيف يقضي بين خلقه يضحك إليهم إلهي وإذا ضحك إلى عبد في موطن فلا حساب عليه "رجاله كلهم ثقات إلا شيخ إسماعيل بن عياش فإنه غير معروف والله سبحانه وتعالى أعلم ."
وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (69)
وأشرقت الأرض بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون
وقوله تبارك وتعالى "وأشرقت الأرض بنور ربها" أي أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء "ووضع الكتاب" قال قتادة كتاب الأعمال "وجيء بالنبيين" قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله إليهم "والشهداء" أي الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر "وقضي بينهم بالحق" أي بالعدل "وهم لا يظلمون" قال الله تعالى "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" وقال جل وعلا "إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما" .
ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون (70)
ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون
أي من خير أو شر "وهو أعلم بما يفعلون" .
وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (71)
وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم

لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين
يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار كيف يساقون إلى النار وإنما يساقون سوقا عنيفا بزجر وتهديد ووعيد كما قال عز وجل "يوم يدعون إلى نار جهنم دعا" أي يدفعون إليها دفعا وهذا وهم عطاش ظماء كما قال جل وعلا في الآية الأخرى "يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا" وهم في تلك الحال صم وبكم وعمي منهم من يمشي على وجهه "ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيرا" وقوله تبارك وتعالى "حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها" أي بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعا لتعجل لهم العقوبة ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية الذين هم غلاظ الأخلاق شداد القوى على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل "ألم يأتكم رسل منكم" أي من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم "يتلون عليكم آيات ربكم" أي يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه "وينذرونكم لقاء يومكم هذا" أي ويحذرونكم من شر هذا اليوم ؟ فيقول الكفار لهم "بلى" أي قد جاءونا وأنذروا وأقاموا علينا الحجج والبراهين "ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين" أي ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقوة التي كنا نستحقها حيث عدلنا عن الحق إلى الباطل كما قال عز وجل مخبرا عنهم في الآية الأخرى "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير" أي رجعوا على أنفسهم بالملامة والندامة "فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير" أي بعدا لهم وخسارا .
قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (72)
قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين
وقوله تبارك وتعالى ههنا "قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها" أي كل من رآهم وعلم حالهم يشهد عليهم بأنهم مستحقون للعذاب ولهذا لم يسند هذا القول إلى قائل معين بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه بما حكم العدل الخبير عليهم به ولهذا قال جل وعلا "قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها" أي ماكثين فيها لا

خروج لكم منها ولا زوال لكم عنها "فبئس مثوى المتكبرين" أي فبئس المصير وبئس المقيل لكم بسبب تكبركم في الدنيا وإبائكم عن اتباع الحق فهو الذي صيركم إلى ما أنتم فيه فبئس الحال وبئس المآل .
وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (73)
وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين
وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين حين يساقون على النجائب وفدا إلى الجنة "زمرا" أي جماعة بعد جماعة : المقربون ثم الأبرار ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كل طائفة مع من يناسبهم : الأنبياء مع الأنبياء والصديقون مع أشكالهم والشهداء مع أضرابهم والعلماء مع أقرانهم وكل صنف مع صنف كل زمرة تناسب بعضها بعضا "حتى إذا جاءوها" أي وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة وقد ورد في حديث الصور أن المؤمنين إذا انتهوا إلى أبواب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول فيقصدون آدم ثم نوحا ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمدا وعليهم أجمعين كما فعلوا في العرصات عند استشفاعهم إلى الله عز وجل أن يأتي لفصل القضاء ليظهر شرف محمد صلى الله عليه وسلم على سائر البشر في المواطن كلها وقد ثبت في صحيح مسلم عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنا أول شفيع في الجنة" وفي لفظ لمسلم "وأنا أول من يقرع باب الجنة"

وقال الإمام أحمد حدثنا هاشم حدثنا سليمان عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت ؟ فأقول محمد - قال - فيقول بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك" ورواه مسلم عن عمرو بن محمد الناقد وزهير بن حرب كلاهما عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن سليمان وهو ابن المغيرة القيسي عن ثابت عن أنس رضي الله عنه به .
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتغوطون فيها آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب واحد يسبحون الله تعالى بكرة وعشيا" ورواه البخاري عن محمد بن مقاتل عن ابن المبارك ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق كلاهما عن معمر بإسناده نحوه وكذا رواه أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر والذين يلونهم على ضوء أشد كوكب دري في السماء إضاءة لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون أمشاطهم الذهب ورشحهم المسك"

ومجامرهم الألوة وأزواجهم الحور العين أخلاقهم على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء "."
وأخرجاه أيضا من حديث جرير .
وقال الزهري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يدخل الجنة من أمتي زمرة هم سبعون ألفا تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر" فقام عكاشة بن محصن فقال يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم فقال "اللهم اجعله منهم" ثم قام رجل من الأنصار فقال يا رسول الله ادع الله تعالى أن يجعلني منهم فقال صلى الله عليه وسلم "سبقك بها عكاشة" أخرجاه وقد روى هذا الحديث - في السبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب - البخاري ومسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجابر بن عبد الله وعمران بن حصين وابن مسعود ورفاعة بن عرابة الجهني وأم قيس بنت محصن رضي الله عنهم ولهما عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ليدخلن الجنة من أمتي سبعون ألفا أو سبعمائة ألف آخذ بعضهم ببعض حتى يدخل أولهم وآخرهم الجنة وجوههم على صورة القمر ليلة البدر" .
وقال أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا إسماعيل بن عياش عن محمد بن زياد قال سمعت أبا أمامة الباهلي رضي الله عنه يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "وعدني ربي عز وجل أن يدخل الجنة من أمتي سبعين ألفا مع كل ألف سبعون ألفا لا حساب عليهم ولا عذاب وثلاث حثيات من حثيات ربي عز وجل" وكذا رواه الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو عن حكيم بن عامر عن أبي اليمان

عامر بن عبد الله بن يحيى عن أبي أمامة ورواه الطبراني عن عيينة بن عبد السلمي "ثم مع كل ألف سبعين ألفا" ويروى مثله عن ثوبان وأبي سعيد الأنماري وله شواهد من وجوه كثيرة وقوله تعالى "حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين" لم يذكر الجواب ههنا وتقديره حتى إذا جاءوها وكانت هذه الأمور من فتح الأبواب لهم إكراما وتعظيما وتلقتهم الملائكة الخزنة بالبشارة والسلام والثناء كما تلقى الزبانية الكفرة بالتثريب والتأنيب فتقديره إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم وإذا حذف الجواب ههنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل ومن زعم أن الواو في قوله تبارك وتعالى "وفتحت أبوابها" واو الثمانية واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية فقد أبعد النجعة وأغرق في النزع وإنما يستفاد كون أبواب الجنة ثمانية من الأحاديث الصحيحة .
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه يا رسول الله ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله ؟ قال صلى الله عليه وسلم "نعم وأرجو أن تكون منهم" رواه البخاري ومسلم من حديث الزهري بنحوه وفيهما من حديث أبي حازم سلمة بن دينار عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن في الجنة ثمانية أبواب باب منها يسمى الريان لا يدخله إلا الصائمون"

وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء" .
وقال الحسن بن عرفة حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبي حسين عن شهر بن حوشب عن معاذ رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "مفتاح الجنة لا إله إلا الله" "ذكر سعة أبواب الجنة - نسأل الله من فضله العظيم أن يجعلنا من أهلها" .
في الصحيحين من حديث أبي زرعة عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل "فيقول الله تعالى يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة وهجر - أو هجر ومكة - وفي رواية - مكة وبصرى" .
وفي صحيح مسلم عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام وفي المسند عن حكيم بن معاوية عن أبيه رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مثله

وقال عبد بن حميد حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن ما بين مصراعين في الجنة مسيرة أربعين سنة" وقوله تبارك وتعالى "وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم" أي طابت أعمالكم وأقوالكم وطاب سعيكم وطاب جزاؤكم كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينادى بين المسلمين في بعض الغزوات "إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة - وفي رواية - مؤمنة" وقوله "فادخلوها خالدين" أي ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا.
وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين (74)
وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين
أي يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر والعطاء العظيم والنعيم المقيم والملك الكبير يقولون عند ذلك "الحمد لله الذي صدقنا وعده" أي الذي كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا "ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد" "وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق" "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب" وقولهم "وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين" .
قال أبو العالية وأبو صالح وقتادة والسدي وابن زيد أي أرض الجنة فهذه الآية كقوله تعالى "ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" ولهذا قالوا "نتبوأ من الجنة حيث نشاء" أي أين شئنا حللنا فنعم الأجر أجرنا على عملنا وفي الصحيحين من حديث الزهري عن أنس رضي الله عنه في قصة المعراج قال النبي صلى الله عليه وسلم "أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" .
وقال عبد بن حميد حدثنا روح بن عبادة حدثنا حماد بن سلمة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل ابن صائد عن تربة الجنة فقال : درمكة بيضاء مسك خالص فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صدق"

"وكذا رواه مسلم من حديث أبي سلمة عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه به ورواه مسلم أيضا عن أبي بكر بن شيبة عن أبي أسامة عن الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال إن ابن صائد سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تربة الجنة فقال" درمكة بيضاء مسك خالص "وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله" وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا "قال سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها فجرت عليهم نضرة النعيم فلم تغير أبشارهم بعدها أبدا ولم تشعث أشعارهم أبدا بعدها كأنما دهنوا بالدهان ثم عمدوا إلى الأخرى كأنما أمروا بها فشربوا منها فأذهبت ما كان في بطونهم من أذى أو قذى وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة" سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين "وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة أبشر قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا قال وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين فيقول هذا فلان باسمه في الدنيا - فيقلن أنت رأيته فيقول نعم فيستخفهن الفرح حتى تخرج إلى أسكفة الباب قال فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة وأكواب موضوعة وزرابي مبثوثة قال ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض ومن كل لون ثم يرفع طرفه إلى سقفه فلولا أن الله تعالى قدره له لذهب ببصره إنه لمثل البرق ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين ثم يتكئ على أريكة ثم يقول" الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله "."
ثم قال حدثنا أبي حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي حدثنا مسلمة بن جعفر البجلي قال : سمعت أبا معاذ البصري يقول إن عليا رضي الله عنه كان ذات يوم

عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون - أو يؤتون - بنوق لها أجنحة وعليها رحال الذهب شراك نعالهم نور يتلألأ كل خطوة منها مد البصر فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدا وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون - أو فيأتون - باب الجنة فإذا حلقة من ياقوتة حمراء على صفائح الذهب فيضربون بالحلقة على الصفيحة فيسمع لها طنين يا علي فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها فيفتح له فإذا رآه خر له - قال مسلمة أراه قال ساجدا - فيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك فيتبعه ويقفو أثره فتستخف الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه ثم تقول أنت حبي وأنا حبك وأنا الخالدة التي لا أموت وأنا الناعمة التي لا أبأس وأنا الراضية التي لا أسخط وأنا المقيمة التي لا أظعن فيدخل بيتا من أسه إلى أسقفه مائة ألف ذراع بناؤه على جندل اللؤلؤ طرائق أصفر وأخضر وأحمر ليس منها طريقة تشاكل صاحبتها في البيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون حشية على كل حشية سبعون زوجة على كل زوجة سبعون حلة يرى مخ ساقها من باطن الحلل يقضي جماعها في مقدار ليلة من لياليكم هذه الأنهار من تحتهم تطرد أنهار من ماء غير آسن - قال صاف لا كدر فيه - وأنهار من لبن لم يتغير طعمه - قال لم يخرج من ضروع الماشية - وأنهار من خمر لذة للشاربين - قال لم تعصرها الرجال بأقدامهم - وأنهار من عسل مصفى - قال لم يخرج من بطون النحل - يستجني الثمار فإن شاء قائما وإن شاء قاعدا وإن شاء متكئا - ثم تلا" ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا "- فيشتهي الطعام فيأتيه طير أبيض - قال وربما قال أخضر قال - فترفع أجنحتها فيأكل من جنوبها أي الألوان شاء ثم يطير فيذهب فيدخل الملك فيقول : سلام عليكم تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون ."
ولو أن شعرة من شعر الحوراء وقعت في الأرض لأضاءت الشمس معها سوادا في نور "هذا حديث غريب وكأنه مرسل والله أعلم ."

وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين (75)
وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين
لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار وأنه كلا في المحل الذي يليق به ويصلح له وهو العادل في ذلك الذي لا يجور أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور وقد فصل القضية وقضى الأمر وحكم بالعدل ولهذا قال عز وجل "وقضي بينهم" أي بين الخلائق "بالحق" .
ثم قال "وقيل الحمد لله رب العالمين" أي نطق الكون أجمعه ناطقه وبهيمه لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد قال قتادة افتتح الخلق بالحمد في قوله "الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض" واختتم بالحمد في قوله تبارك وتعالى "وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين"



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #447  
قديم 09-12-2025, 02:00 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة غافر
من صـ 164 الى صــ 180
الحلقة (447)





تفسير سورة غافر وهي مكيةحم (1)
حم
سورة غافر : قد كره بعض السلف منهم محمد بن سيرين أن يقال الحواميم وإنما يقال آل حم قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه آل حم ديباج القرآن وقال ابن عباس رضي الله عنهما إن لكل شيء لبابا ولباب القرآن آل حم أو قال الحواميم .
وقال مسعر بن كدام كان يقال لهن العرائس روى ذلك كله الإمام العالم أبو عبيد القاسم بن سلام رحمه الله تعالى في كتاب فضائل القرآن .
وقال حميد بن زنجويه حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله رضي الله عنه قال : إن مثل القرآن كمثل رجل انطلق يرتاد لأهله منزلا فمر بأثر غيث فبينما هو يسير فيه ويتعجب منه إذ هبط على روضات دمثات فقال عجبت من الغيث الأول فهذا أعجب وأعجب فقيل له إن مثل الغيث الأول مثل عظم القرآن وإن مثل هؤلاء الروضات الدمثات مثل آل حم في القرآن أورده البغوي .
وقال ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب أن الجراح بن أبي الجراح حدثه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لكل شيء لباب ولباب القرآن الحواميم

وقال ابن مسعود رضي الله عنه إذا وقعت في آل حم فقد وقعت في روضات أتأنق فيهن .
وقال أبو عبيد ثنا الأشجعي حدثنا مسعر - هو ابن كدام - عمن حدثه أن رجلا رأى أبا الدرداء رضي الله عنه يبني مسجدا فقال له ما هذا ؟ فقال أبنيه من أجل آل حم وقد يكون هذا المسجد الذي بناه أبو الدرداء رضي الله عنه هو المسجد المنسوب إليه داخل قلعة دمشق وقد يكون صيانتها وحفظها ببركته وبركة ما وضع له فإن هذا الكلام يدل على النصر على الأعداء كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض الغزوات "إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون - وفي رواية - لا تنصرون" وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا أحمد بن الحكم بن ظبيان بن خلف المازني ومحمد بن الليث الهمداني قالا حدثنا موسى بن مسعود حدثنا عبد الرحمن بن أبي بكر المليكي عن زرارة بن مصعب عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ آية الكرسي وأول حم المؤمن عصم ذلك اليوم من كل سوء" ثم قال لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد ورواه الترمذي من حديث المليكي وقال تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه .
بسم الله الرحمن الرحيم قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان .
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور.
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم وحم والمص وص .
فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قيل إن "حم" اسم من أسماء الله عز وجل وأنشدوا في ذلك بيتا

يذكرني حم والرمح شاجر ... فهلا تلا حم قبل التقدم
وقد ورد في الحديث الذي رواه أبو داود والترمذي من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن المهلب بن أبي صفرة قال : حدثني من سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن بيتم الليلة فقولوا حم لا ينصرون" وهذا إسناد صحيح واختار أبو عبيد أن يروى فقولوا حم لا ينصروا أي إن قلتم ذلك لا ينصروا جعله جزاء لقوله فقولوا.
تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (2)
تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم
أي تنزيل هذا الكتاب وهو القرآن من الله ذي العزة والعلم فلا يرام جنابه ولا يخفى عليه الذر وإن تكاثف حجابه .
غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير (3)
غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير
أي يغفر ما سلف من الذنب ويقبل التوبة في المستقبل لمن تاب إليه وخضع لديه وقوله جل وعلا "شديد العقاب" أي لمن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا وعتا عن أوامر الله تعالى وبغى وهذه كقوله "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" يقرن هذين الوصفين كثيرا في مواضع متعددة من القرآن ليبقى العبد بين الرجاء
والخوف .
وقوله تعالى "ذي الطول" قال ابن عباس رضي الله عنهما يعني السعة والغنى .
وهكذا قال مجاهد وقتادة وقال يزيد بن الأصم : ذي الطول يعني الخير الكثير وقال عكرمة "ذي الطول" ذي المن وقال قتادة ذي النعم والفواضل والمعنى أنه المتفضل على عباده المتطول عليهم بما هم فيه من المنن والإنعام التي لا يطيقون القيام بشكر واحدة منها "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" الآية .
وقوله جلت عظمته "لا إله إلا هو" أي لا نظير له في جميع صفاته فلا إله غيره ولا رب سواه "إليه المصير" أي المرجع والمآب فيجازي كل عامل بعمله "وهو سريع الحساب" وقال أبو بكر بن عياش سمعت أبا إسحاق السبيعي يقول : جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين إني قتلت فهل لي من توبة ؟ فقرأ عمر رضي الله عنه "حم تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب" وقال اعمل ولا تيأس.
رواه ابن أبي حاتم واللفظ له وابن جرير .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي ثنا موسى بن مروان الرقي ثنا عمر يعني ابن أيوب أنا جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم قال : كان رجل من أهل الشام ذو بأس وكان يفد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ففقده عمر فقال ما فعل فلان بن فلان ؟ فقالوا يا أمير المؤمنين تتابع في هذا الشراب قال فدعا عمر كاتبه فقال اكتب من عمر بن الخطاب إلى فلان بن فلان سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ثم قال لأصحابه ادعوا الله لأخيكم أن يقبل بقلبه ويتوب الله عليه فلما بلغ الرجل كتاب عمر رضي الله عنه جعل يقرؤه

ويردده ويقول غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب قد حذرني عقوبته ووعدني أن يغفر لي .
ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث جعفر بن برقان وزاد فلم يزل يرددها على نفسه ثم بكى ثم نزع فأحسن النزع فلما بلغ عمر خبره قال هكذا فاصنعوا إذا رأيتم أخا لكم زل زلة فسددوه ووثقوه وادعوا الله له أن يتوب ولا تكونوا أعوانا للشيطان عليه .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمر بن شبة ثنا حماد بن واقد ثنا أبو عمر الصفار ثنا ثابت البناني قال كنت مع مصعب بن الزبير رضي الله عنه في سواد الكوفة فدخلت حائطا أصلي ركعتين فافتتحت حم المؤمن حتى بلغت لا إله إلا هو إليه المصير فإذا رجل خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي وإذا قلت وقابل التوب فقل يا قابل التوب اقبل توبتي وإذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني قال فالتفت فلم أر أحدا فخرجت إلى الباب فقلت مر بكم رجل عليه مقطعات يمنية ؟ قالوا ما رأينا أحدا فكانوا يرون أنه إلياس ثم رواه من طريق أخرى عن ثابت بنحوه وليس فيه ذكر إلياس والله سبحانه وتعالى أعلم .
ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد (4)
ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد
يقول تعالى ما يدفع الحق ويجادل فيه بعد البيان وظهور البرهان "إلا الذين كفروا" أي الجاحدون لآيات الله وحججه وبراهينه "فلا يغررك تقلبهم في البلاد" أي في

أموالها ونعيمها وزهرتها كما قال جل وعلا "لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد" وقال عز وجل "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ" .
كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب (5)
كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب
ثم قال تعالى مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه بأن له أسوة من سلف من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فإنه قد كذبهم أممهم وخالفوهم وما آمن بهم منهم إلا قليل فقال "كذبت قبلهم قوم نوح" وهو أول رسول بعثه الله ينهى عن عبادة الأوثان "والأحزاب من بعدهم" أي من كل أمة "وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه" أي حرصوا على قتله بكل ممكن ومنهم من قتل رسوله "وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق" أي ما حلوا بالشبهة ليردوا الحق الواضح الجلي.
وقد قال أبو القاسم الطبراني ثنا علي بن عبد العزيز ثنا عارم أبو النعمان ثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي يحدث عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "من أعان باطلا ليدحض به حقا فقد برئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم"

وقوله جلت عظمته "فأخذتهم" أي أهلكتهم على ما صنعوا من هذه الآثام والذنوب العظام "فكيف كان عقاب" أي فكيف بلغك عذابي لهم ونكالي بهم قد كان شديدا موجعا مؤلما قال قتادة كان شديدا والله.
وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار (6)
وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار
أي كما حقت كلمة العذاب على الذين كفروا من الأمم السالفة كذلك حقت على المكذبين من هؤلاء الذين كذبوك وخالفوك يا محمد بطريق الأولى والأحرى لأن من كذبك فلا وثوق له بتصديق غيرك والله أعلم .
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (7)
الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم
يخبر تعالى عن الملائكة المقربين من حملة العرش الأربعة ومن حوله من الملائكة الكروبيين بأنهم يسبحون بحمد ربهم أي يقرنون بين التسبيح الدال على نفي النقائص والتحميد المقتضي لإثبات صفات المدح "ويؤمنون به" أي خاشعون له أذلاء بين يديه وأنهم "يستغفرون للذين آمنوا" أي من أهل الأرض ممن آمن بالغيب فقيض الله تعالى ملائكته المقربين أن يدعوا للمؤمنين بظهر الغيب ولما كان هذا من سجايا الملائكة عليهم الصلاة والسلام كانوا يؤمنون على دعاء المؤمن لأخيه بظهر الغيب كما ثبت في

صحيح مسلم "إذا دعا المسلم لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثله" وقد قال الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن محمد - هو ابن شيبة - حدثنا عبيدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عتبة عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صدق أمية بن أبي الصلت في شيء من شعره" فقال :
زحل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صدق" فقال :
والشمس تطلع كل آخر ليلة ... حمراء يصبح لونها يتورد
تأبى فما تطلع لنا في رسلها ... إلا معذبة وإلا تجلد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صدق" وهذا إسناد جيد وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة فإذا كان يوم القيامة كانوا ثمانية كما قال تعالى "ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية" وهنا سؤال وهو أن يقال ما الجمع بين المفهوم من هذه الآية ودلالة هذا الحديث ؟ وبين الحديث الذي رواه أبو داود
ثنا محمد بن الصباح البزار ثنا الوليد بن أبي ثور عن سماك عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف بن قيس عن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال : كنت بالبطحاء في عصابة فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فمرت بهم سحابة فنظر إليها فقال "ما تسمون هذه ؟" قالوا السحاب قال "والمزن" قالوا والمزن قال "والعنان" قالوا والعنان - قال أبو داود ولم أتقن العنان جيدا - قال "هل تدرون بعد ما بين السماء والأرض ؟" قالوا لا ندري قال "بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتان أو ثلاث وسبعون سنة ثم السماء فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات ثم فوق السماء السابعة بحر ما بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم فوق ذلك ثمانية"
أوعال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه مثل ما بين سماء إلى سماء ثم الله تبارك وتعالى فوق ذلك "."
ثم رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث سماك بن حرب به وقال الترمذي حسن غريب وهذا يقتضي أن حملة العرش ثمانية كما قال شهر بن حوشب رضي الله عنه حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك وأربعة يقولون سبحانك اللهم وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك ولهذا يقولون إذا استغفروا للذين آمنوا "ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما" أي رحمتك تسع ذنوبهم وخطاياهم وعلمك محيط بجميع أعمالهم وأقوالهم وحركاتهم وسكناتهم "فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك" أي فاصفح عن المسيئين إذا تابوا وأنابوا وأقلعوا عما كانوا فيه واتبعوا ما أمرتهم به من فعل الخيرات وترك المنكرات "وقهم عذاب الجحيم" أي وزحزحهم عن عذاب الجحيم وهو العذاب الموجع الأليم .
ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم (8)
ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم
أي اجمع بينهم وبينهم لتقر بذلك أعينهم بالاجتماع في منازل متجاورة كما قال تبارك وتعالى "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء" أي ساوينا بين الكل في المنزلة لتقر أعينهم وما نقصنا العالي حتى يساوي الداني بل رفعنا ناقص العمل فساويناه بكثير العمل تفضلا منا ومنة .
وقال سعيد بن جبير إن المؤمن إذا دخل الجنة سأل عن أبيه وابنه وأخيه أين هم

؟ فيقال إنهم لم يبلغوا طبقتك في العمل فيقول إني إنما عملت لي ولهم فيلحقون به في الدرجة ثم تلا سعيد بن جبير هذه الآية "ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم" قال مطرف بن عبد الله بن الشخير أنصح عباد الله للمؤمنين الملائكة ثم تلا هذه الآية "ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم" الآية وأغش عباده للمؤمنين الشياطين .
وقوله تبارك وتعالى "إنك أنت العزيز الحكيم" أي الذي لا يمانع ولا يغالب وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن الحكيم في أقوالك وأفعالك من شرعك وقدرك .
وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم (9)
وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم
"وقهم السيئات" أي فعلها أو وبالها ممن وقعت منه "ومن تق السيئات يومئذ" أي يوم القيامة "فقد رحمته" أي لطفت به ونجيته من العقوبة "وذلك هو الفوز العظيم" .
إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون (10)
إن الذين كفروا ينادون لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون
يقول تعالى مخبرا عن الكفار أنهم ينادون يوم القيامة وهم في غمرات النيران يتلظون وذلك عندما باشروا من عذاب الله تعالى ما لا قبل لأحد به فمقتوا عند ذلك أنفسهم وأبغضوها غاية البغض بسبب ما أسلفوا من الأعمال السيئة التي كانت سبب دخولهم إلى النار فأخبرتهم الملائكة عند ذلك إخبارا عاليا نادوهم نداء بأن مقت الله تعالى لهم في الدنيا حين كان يعرض عليهم الإيمان فيكفرون أشد من مقتكم أيها المعذبون أنفسكم اليوم في هذه الحالة.

قال قتادة في قوله تعالى "لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون" يقول لمقت الله أهل الضلالة حين عرض عليهم الإيمان في الدنيا فتركوه وأبوا أن يقبلوه أكبر مما مقتوا أنفسهم حين عاينوا عذاب الله يوم القيامة وهكذا قال الحسن البصري ومجاهد والسدي وذر بن عبيد الله الهمداني وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وابن جرير الطبري رحمة الله عليهم أجمعين .
قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (11)
قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل
وقوله "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين" قال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود رضي الله عنه هذه الآية كقوله تعالى "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون" وكذا قال ابن عباس والضحاك وقتادة وأبو مالك وهذا هو الصواب الذي لا شك فيه ولا مرية .
وقال السدي أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فخوطبوا ثم أميتوا ثم أحيوا يوم القيامة وقال ابن زيد : أحيوا حين أخذ عليهم الميثاق من صلب آدم عليه السلام ثم خلقهم في الأرحام ثم أماتهم ثم أحياهم يوم القيامة وهذان القولان من السدي وابن زيد ضعيفان لأنه يلزمهما على ما قالا ثلاث إحياءات وإماتات والصحيح قول ابن مسعود وابن عباس ومن تابعهما والمقصود من هذا كله أن الكفار يسألون الرجعة وهم وقوف بين يدي الله عز وجل في عرصات القيامة كما قال عز وجل "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" فلا يجابون ثم إذا رأوا النار وعاينوها ووقفوا عليها ونظروا إلى ما فيها من العذاب والنكال سألوا الرجعة أشد مما سألوا أول مرة فلا يجابون قال الله تعالى "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" فإذا دخلوا النار وذاقوا مسها وحسيسها ومقامعها وأغلالها كان سؤالهم للرجعة أشد وأعظم "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم"

نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون قال اخسئوا فيها ولا تكلمون" وفي هذه الآية الكريمة تلطفوا في السؤال وقدموا بين يدي كلامهم مقدمة وهي قولهم "ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين" أي قدرتك عظيمة فإنك أحييتنا بعدما كنا أمواتا ثم أمتنا ثم أحييتنا فأنت قادر على ما تشاء وقد اعترفنا بذنوبنا وإننا كنا ظالمين لأنفسنا في الدار الدنيا "فهل إلى خروج من سبيل" أي فهل أنت مجيبنا إلى أن تعيدنا إلى الدار الدنيا فإنك قادر على ذلك لنعمل غير الذي كنا نعمل فإن عدنا إلى ما كنا فيه فإنا ظالمون فأجيبوا أن لا سبيل إلى عودكم ومرجعكم إلى الدار الدنيا ثم علل المنع من ذلك بأن سجاياكم لا تقبل الحق ولا تقتضيه بل تمجه وتنفيه .
ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير (12)
ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير
أي أنتم هكذا تكونون وإن رددتم إلى الدار الدنيا كما قال عز وجل "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" وقوله جل وعلا "فالحكم لله العلي الكبير" أي هو الحاكم في خلقه العادل الذي لا يجور فيهدي من يشاء ويضل من يشاء ويرحم من يشاء ويعذب من يشاء لا إله إلا هو .
هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب (13)
هو الذي يريكم آياته وينزل لكم من السماء رزقا وما يتذكر إلا من ينيب
قوله جل جلاله "هو الذي يريكم آياته" أي يظهر قدرته لخلقه بما يشاهدونه في خلقه العلوي والسفلي من الآيات العظيمة الدالة على كمال خالقها ومبدعها ومنشئها "وينزل لكم من السماء رزقا" وهو المطر الذي يخرج به من الزروع والثمار ما هو مشاهد بالحس من اختلاف ألوانه وطعومه وروائحه وأشكاله وألوانه وهو ماء واحد فبالقدرة العظيمة فاوت بين هذه الأشياء "وما يتذكر" أي يعتبر ويتفكر في هذه الأشياء ويستدل بها على عظمة خالقها "إلا من ينيب" أي من هو بصير منيب إلى الله تبارك وتعالى.
فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون (14)
فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون
أي فأخلصوا لله وحده العبادة والدعاء وخالفوا المشركين في مسلكهم ومذهبهم.
قال الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام يعني بن عروة بن

الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي قال : كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهن دبر كل صلاة .
ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وذكر تمامه .
وقد ثبت في الصحيح عن ابن الزبير رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عقب الصلوات المكتوبات "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون" .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا الربيع حدثنا الخصيب بن ناصح حدثنا صالح يعني المري عن هشام بن حسان عن ابن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ادعوا الله تبارك وتعالى وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله تعالى لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه" .
رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (15)
رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق

يقول تعالى مخبرا عن عظمته وكبريائه وارتقاع عرشه العظيم العالي على جميع مخلوقاته كالسقف لها كما قال تعالى "من الله ذي المعارج تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة" وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان أن هذه مسافة ما بين العرش إلى الأرض السابعة في قول جماعة من السلف والخلف وهو الأرجح إن شاء الله وقد ذكر غير واحد أن العرش من ياقوتة حمراء اتساع ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة وقد تقدم في حديث الأوعال ما يدل على ارتفاعه عن السماوات السبع بشيء عظيم .
وقوله تعالى "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده" كقوله جلت عظمته "ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون" وكقوله تعالى "وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين" ولهذا قال عز وجل "لينذر يوم التلاق" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يوم التلاق اسم من أسماء يوم القيامة حذر الله منه عباده وقال ابن جريج قال ابن عباس رضي الله عنهما يلتقي فيه آدم وآخر ولده وقال ابن زيد يلتقي فيه العباد وقال قتادة والسدي وبلال بن سعد وسفيان بن عيينة يلتقي فيه أهل السماء وأهل الأرض والخالق والخلق وقال ميمون بن مهران يلتقي الظالم والمظلوم وقد يقال إن يوم التلاق يشمل هذا كله ويشمل أن كل عامل سيلقى ما عمله من خير وشر كما قاله آخرون.
يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار (16)
يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار
قوله جل جلاله "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء" أي ظاهرون بادون كلهم لا شيء يكنهم ولا يظلهم ولا

يسترهم ولهذا قال "يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء" أي الجميع في علمه على السواء.
وقوله تبارك وتعالى "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" قد تقدم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه تعالى يطوي السماوات والأرض بيده ثم يقول أنا الملك أنا الجبار أنا المتكبر أين ملوك الأرض ؟ أين الجبارون ؟ أين المتكبرون ؟ وفي حديث الصور أنه عز وجل إذا قبض أرواح جميع خلقه فلم يبق سواه وحده لا شريك له حينئذ يقول لمن الملك اليوم ؟ ثلاث مرات ثم يجيب نفسه قائلا "لله الواحد القهار" أي الذي هو وحده قد قهر كل شيء وغلبه وقد قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن غالب الدقاق حدثنا عبيد بن عبيدة حدثنا معتمر عن أبيه حدثنا أبو النضر عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ينادي مناد بين يدي الساعة يا أيها الناس أتتكم الساعة فيسمعها الأحياء والأموات قال وينزل الله عز وجل إلى السماء الدنيا ويقول "لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" .
اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب (17)
اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب
يخبر تعالى عن عدله في حكمه بين خلقه أنه لا يظلم مثقال ذرة من خير ولا من شر بل يجزي بالحسنة عشر أمثالها وبالسيئة واحدة ولهذا قال تبارك وتعالى "لا ظلم اليوم" كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر "رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل أنه قال" يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا - إلى أن قال - يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيرا فليحمد الله تبارك وتعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه "وقوله عز وجل" إن الله سريع الحساب "أي يحاسب الخلائق كلهم كما يحاسب نفسا واحدة كما قال جل وعلا" ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة "وقال جل جلاله" وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ""






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #448  
قديم 09-12-2025, 02:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة غافر
من صـ 181 الى صــ 195
الحلقة (448)





وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (18)
وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع
يوم الآزفة اسم من أسماء يوم القيامة وسميت بذلك لاقترابها كما قال تعالى "أزفت الآزفة ليس لها من دون الله كاشفة" وقال عز وجل "اقتربت الساعة وانشق القمر" وقال جل وعلا "اقترب للناس حسابهم" وقال "أتى أمر الله فلا تستعجلوه" وقال جل جلاله "فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا" الآية .
وقوله تبارك وتعالى "إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين" قال قتادة وقفت القلوب في الحناجر من الخوف فلا تخرج ولا تعود إلى أماكنها وكذا قال عكرمة والسدي وغير واحد ومعنى كاظمين أي ساكتين لا يتكلم أحد إلا بإذنه "يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" وقال ابن جريج "كاظمين" أي باكين .
وقوله سبحانه وتعالى "ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع" أي ليس للذين ظلموا أنفسهم بالشرك بالله من قريب منهم ينفعهم ولا شفيع يشفع فيهم بل قد تقطعت بهم الأسباب من كل خير .
يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (19)
يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور
يخبر عز وجل عن علمه التام المحيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها صغيرها وكبيرها دقيقها ولطيفها ليحذر الناس علمه فيهم فيستحيوا من الله تعالى حق الحياء ويتقوه حق تقواه ويراقبوه مراقبة من يعلم أنه يراه فإنه عز وجل يعلم العين الخائنة وإن أبدت أمانة ويعلم ما تنطوي عليه خبايا الصدور من الضمائر والسرائر .
قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور" هو الرجل يدخل على أهل البيت بيتهم وفيهم المرأة الحسناء أو تمر به وبهم المرأة الحسناء فإذا غفلوا لحظ إليها فإذا فطنوا غض بصره عنها فإذا غفلوا لحظ فإذا فطنوا غض وقد اطلع الله تعالى من قلبه

أنه ود أن لو اطلع على فرجها رواه ابن أبي حاتم وقال الضحاك "خائنة الأعين" هو الغمز وقول الرجل رأيت ولم ير .
أو لم أر وقد رأى وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يعلم الله تعالى من العين في نظرها هل تريد الخيانة أم لا ؟ وكذا قال مجاهد وقتادة وقال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "وما تخفي الصدور" يعلم إذا أنت قدرت عليها هل تزني بها أم لا ؟ وقال السدي "وما تخفي الصدور" أي من الوسوسة .
والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير (20)
والله يقضي بالحق والذين يدعون من دونه لا يقضون بشيء إن الله هو السميع البصير
وقوله عز وجل "والله يقضي بالحق" أي يحكم بالعدل قال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى "والله يقضي بالحق" قادر على أن يجزي بالحسنة الحسنة وبالسيئة السيئة "إن الله هو السميع البصير" وهذا الذي فسر به ابن عباس رضي الله عنهما هذه الآية كقوله تبارك وتعالى "ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى" وقوله جل وعلا "والذين يدعون من دونه" أي من الأصنام والأوثان والأنداد "لا يقضون بشيء" أي لا يملكون شيئا ولا يحكمون بشيء "إن الله هو السميع البصير" أي سميع لأقوال خلقه بصير بهم فيهدي من يشاء ويضل من يشاء وهو الحاكم العادل في جميع ذلك .
أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم كانوا هم أشد منهم قوة وآثارا في الأرض فأخذهم الله بذنوبهم وما كان
لهم من الله من واق (21)
ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب (22)
ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوي شديد العقاب
فقال تعالى "ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات" أي بالدلائل الواضحات والبراهين القاطعات "فكفروا" أي مع هذا البيان والبرهان كفروا وجحدوا "فأخذهم الله" تعالى أي أهلكهم ودمر عليهم وللكافرين أمثالها "إنه قوي شديد العقاب" أي ذو قوة عظيمة وبطش شديد "وهو شديد العقاب" أي عقابه أليم شديد وجيع أعاذنا الله تبارك وتعالى منه .
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (23)
ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين
يقول تعالى مسليا لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من قومه ومبشرا له بأن

العاقبة والنصرة له في الدنيا والآخرة كما جرى لموسى بن عمران عليه السلام فإن الله تعالي أرسله بالآيات البينات والدلائل الواضحات ولهذا قال تعالى "بآياتنا وسلطان مبين" والسلطان هو الحجة والبرهان .
إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (24)
إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب
"إلى فرعون" وهو ملك القبط بالديار المصرية "وهامان" وهو وزيره في مملكته "وقارون" وكان أكثر الناس في زمانه مالا وتجارة "فقالوا ساحر كذاب" أي كذبوه وجعلوه ساحرا مجنونا مموها كذابا في أن الله أرسله وهذه كقوله تعالى "كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون" .
فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال (25)
فلما جاءهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم وما كيد الكافرين إلا في ضلال
"فلما جاءهم بالحق من عندنا" أي بالرهان القاطع الدال على أن الله عز وجل أرسله إليهم "قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم" وهذا أمر ثان من فرعون بقتل ذكور بني إسرائيل أما الأول فكان لأجل الاحتراز من وجود موسى أو لإذلال هذا الشعب وتقليل عددهم أو لمجموع الأمرين وأما الأمر الثاني فللعلة الثانية ولإهانة هذا الشعب ولكي يتشاءموا بموسى عليه السلام ولهذا قالوا "أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون" قال قتادة هذا أمر بعد أمر قال الله عز وجل "وما كيد الكافرين إلا في ضلال" أي وما مكرهم وقصدهم الذي هو تقليل عدد بني إسرائيل لئلا ينصروا عليهم إلا ذاهب وهالك في ضلال .
وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد (26)
وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد
"وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه" وهذا عزم من فرعون لعنه الله تعالى على قتل موسى عليه الصلاة والسلام أي قال لقومه دعوني حتى أقتل لكم هذا "وليدع ربه" أي لا أبالي منه وهذا في غاية الجحد والتجهرم والعناد وقوله قبحه الله "إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد" يعني موسى يخشى فرعون أن يضل موسى الناس ويغير رسومهم وعاداتهم وهذا كما يقال في المثل : صار فرعون مذكرا يعني واعظا يشفق على الناس من موسى عليه السلام .
وقرأ الأكثرون "أن يبدل دينكم وأن يظهر في الأرض الفساد" وقرأ الآخرون "أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد" وقرأ بعضهم "يظهر في الأرض الفساد" بالضم .
وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (27)
وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب
"وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب" أي
لما
بلغه قول فرعون "ذروني أقتل موسى" قال موسى عليه السلام استجرت بالله وعذت به من شره وشر أمثاله ولهذا قال "إني عذت بربي وربكم" أيها المخاطبون "من كل متكبر" أي عن الحق مجرم "لا يؤمن بيوم الحساب" ولهذا جاء في الحديث عن أبي موسى رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا خاف قوما قال "اللهم إنا نعوذ بك من شرورهم وندرأ بك في نحورهم" .
وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب (28)
وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب
المشهور أن هذا الرجل المؤمن كان قبطيا من آل فرعون قال السدي : كان ابن عم فرعون ويقال إنه الذي نجا مع موسى عليه الصلاة والسلام واختاره ابن جرير ورد قول من ذهب إلى أنه كان إسرائيليا لأن فرعون انفعل لكلامه واستمع وكف عن قتل موسى عليه السلام ولو كان إسرائيليا لأوشك أن يعاجل بالعقوبة لأنه منهم وقال ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يؤمن من آل فرعون سوى هذا الرجل وامرأة فرعون والذي قال "يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك" رواه ابن أبي حاتم وقد كان هذا الرجل يكتم إيمانه عن قومه القبط فلم يظهر إلا هذا اليوم حين قال فرعون ""

ذروني أقتل موسى "فأخذت الرجل غضبة لله عز وجل وأفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر كما ثبت بذلك الحديث ولا أعظم من هذه الكلمة عند فرعون وهي قوله" أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله "اللهم إلا ما رواه البخاري في صحيحه حيث قال حدثنا علي بن عبد الله حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا الأوزاعي حدثني يحيى بن أبي كثير حدثني محمد بن إبراهيم التيمي حدثني عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال : قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا فأقبل أبو بكر رضي الله عنه فأخذ بمنكبه ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال" أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم "انفرد به البخاري من حديث الأوزاعي قال وتابعه محمد ابن إسحاق عن إبراهيم بن عروة عن أبيه به وقال ابن أبي حاتم حدثنا هارون بن إسحاق الهمداني حدثنا عبدة عن هشام - يعني ابن عروة - عن أبيه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه سئل ما أشد ما رأيت قريشا بلغوا من"
رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال مر صلى الله عليه وسلم بهم ذات يوم فقالوا له أنت تنهانا أن نعبد ما يعبد آباؤنا ؟ فقال "أنا ذاك" فقاموا إليه فأخذوا بمجامع ثيابه فرأيت أبا بكر رضي الله عنه محتضنه من ورائه وهو يصيح بأعلى صوته وإن عينيه ليسيلان وهو يقول يا قوم "أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم"
بالبينات من ربكم "حتى فرغ من الآية كلها وهكذا رواه النسائي من حديث عبدة فجعله من مسند عمرو بن العاص رضي الله عنه وقوله تعالى" وقد جاءكم بالبينات من ربكم "أي كيف تقتلون رجلا لكونه يقول ربي الله وقد أقام لكم البرهان على صدق ما جاءكم به من الحق ؟ ثم تنزل معهم في المخاطبة فقال" وإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم "يعني إذا لم يظهر لكم صحة ما جاءكم به فمن العقل والرأي التام والحزم أن تتركوه ونفسه فلا تؤذوه فإن يك كاذبا فإن الله سبحانه وتعالى سيجازيه على كذبه بالعقوبة في الدنيا والآخرة وإن يك صادقا وقد آذيتموه يصبكم بعض الذي يعدكم فإنه يتوعدكم إن خالفتموه بعذاب في الدنيا والآخرة فمن الجائز عندكم أن يكون صادقا فينبغي على هذا أن لا تتعرضوا له بل اتركوه وقومه يدعوهم ويتبعونه وهكذا أخبر الله عز وجل عن موسى عليه السلام أنه طلب من فرعون وقومه الموادعة في قوله" ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون وجاءهم رسول كريم أن أدوا إلي عباد الله إني لكم رسول أمين وأن لا تعلوا على الله إني آتيكم بسلطان مبين وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون "وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقريش أن يتركوه يدعو إلى الله تعالى عباد الله ولا يمسوه بسوء ويصلوا ما بينه وبينهم من القرابة في ترك أذيته قال الله عز وجل" قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى "أي أن لا تؤذوني فيما بيني وبينكم من القرابة فلا تؤذوني وتتركوا بيني وبين الناس وعلى هذا وقعت الهدنة يوم الحديبية وكان فتحا مبينا وقوله جل وعلا" إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب "أي لو كان هذا الذي يزعم أن الله تعالى أرسله إليكم كاذبا كما تزعمون لكان أمره بينا يظهر لكل أحد في أقواله وأفعاله فكانت تكون في غاية الاختلاف والاضطراب وهذا نرى أمره سديدا ومنهجه مستقيما ولو كان من المسرفين الكذابين لما هداه الله وأرشده إلى ما ترون من انتظام أمره وفعله ."
يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (29)
يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل
ثم قال المؤمن محذرا قومه زوال نعمة الله عنهم وحلول نقمة الله بهم "يا قوم"

لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض "أي قد أنعم الله عليكم بهذا الملك والظهور في الأرض بالكلمة النافذة والجاه العريض فراعوا هذه النعمة بشكر الله تعالى وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم واحذروا نقمة الله إن كذبتم رسوله" فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا "أي لا تغني عنكم هذه الجنود وهذه العساكر ولا ترد عنا شيئا من بأس الله إن أرادنا بسوء" قال فرعون لقومه رادا على ما أشار به هذا الرجل الصالح البار الراشد الذي كان أحق بالملك من فرعون "ما أريكم إلا ما أرى" أي ما أقول لكم وأشير عليكم إلا ما أراه لنفسي وقد كذب فرعون فإنه كان يتحقق صدق موسى عليه السلام فيما جاء به من الرسالة "قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر" وقال الله تعالى "وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا" فقوله "ما أريكم إلا ما أرى" كذب فيه وافترى وخان الله تبارك وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ورعيته فغشهم وما نصحهم وكذا قوله "وما أهديكم إلا سبيل الرشاد" أي وما أدعوكم إلا إلى طريق الحق والصدق والرشد وقد كذب أيضا في ذلك وإن كان قومه قد أطاعوه واتبعوه .
قال الله تبارك وتعالى "فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد" وقال جلت عظمته "وأضل فرعون قومه وما هدى" وفي الحديث "ما من إمام يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة خمسمائة عام" .
والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب .

وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب (30)
وقال الذي آمن يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم
هذا إخبار من الله عز وجل عن هذا الرجل الصالح مؤمن آل فرعون أنه حذر قومه بأس الله تعالى في الدنيا والآخرة فقال "يا قوم إني أخاف عليكم مثل يوم الأحزاب" .
مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد (31)
مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما الله يريد ظلما للعباد
أي الذين كذبوا رسل الله في قديم الدهر كقوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم من الأمم المكذبة كيف حل بهم بأس الله وما رده عنهم راد ولا صده عنهم صاد "وما الله يريد ظلما للعباد" أي إنما أهلكهم الله تعالى بذنوبهم وتكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره فأنفذ فيهم قدره .
ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد (32)
ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد
يعني يوم القيامة وسمي بذلك قال بعضهم لما جاء في حديث الصور إن الأرض

إذا زلزلت وانشقت من قطر إلى قطر وماجت وارتجت فنظر الناس إلى ذلك ذهبوا هاربين ينادي بعضهم بعضا وقال آخرون منهم الضحاك بل ذلك إذا جيء بجهنم ذهب الناس هرابا منها فتتلقاهم الملائكة فتردهم إلى مقام المحشر وهو قوله تعالى "والملك على أرجائها" وقوله "يا معشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان" .
وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنه والحسن والضحاك أنهم قرءوا يوم التناد بتشديد الدال من ند البعير إذا تردى وذهب وقيل لأن الميزان عنده ملك إذا وزن عمل العبد فرجح نادى بأعلى صوته ألا قد سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف عمله نادى ألا قد شقي فلان بن فلان وقال قتادة ينادي كل قوم بأعمالهم : ينادي أهل الجنة أهل الجنة وأهل النار أهل النار وقيل سمي بذلك لمناداة أهل الجنة أهل النار "أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم" ومناداة أهل النار أهل الجنة "أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين" ولمناداة أصحاب الأعراف أهل الجنة وأهل النار كما هو مذكور في سورة الأعراف واختار البغوي وغيره أنه سمي بذلك لمجموع ذلك وهو قول حسن جيد والله أعلم .
يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد (33)
يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم ومن يضلل الله فما له من هاد
وقوله تعالى "يوم تولون مدبرين" أي ذاهبين هاربين "كلا لا وزر إلى ربك يومئذ المستقر" ولهذا قال عز وجل "ما لكم من الله من عاصم" أي لا مانع يمنعكم من بأس الله وعذابه "ومن يضلل الله فما له من هاد" أي من أضله الله فلا هادي له غيره .
ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب (34)
ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب
وقوله تبارك وتعالى "ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات" يعني أهل مصر قد بعث الله فيهم رسولا من قبل موسى عليه الصلاة والسلام وهو يوسف عليه الصلاة والسلام كان عزيز أهل مصر وكان رسولا يدعو إلى الله تعالى أمته بالقسط فما أطاعوه تلك الطاعة إلا بمجرد الوزارة والجاه الدنيوي ولهذا قال تعالى "فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا" أي يئستم فقلتم طامعين "لن يبعث الله من بعده رسولا" وذلك لكفرهم وتكذيبهم "كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب" أي كحالكم هذا يكون حال من يضله الله لإسرافه في أفعاله وارتياب قلبه .
الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار (35)
الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار
ثم قال عز وجل "الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم" أي الذين يدفعون الحق

بالباطل ويجادلون الحجج بغير دليل وحجة معهم من الله تعالى فإن الله عز وجل يمقت على ذلك أشد المقت ولهذا قال تعالى "كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا" أي والمؤمنون أيضا يبغضون من تكون هذه صفته فإن من كانت هذه صفته يطبع الله على قلبه فلا يعرف بعد ذلك معروفا ولا ينكر منكرا ولهذا قال تبارك وتعالى "كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر" أي على اتباع الحق "جبار" وروى ابن أبي حاتم عن عكرمة وحكي عن الشعبي أنهما قالا لا يكون الإنسان جبارا حتى يقتل نفسين وقال أبو عمران الجوني وقتادة : آية الجبابرة القتل بغير حق والله تعالى أعلم .
وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب (36)
وقال فرعون يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ
يقول تعالى مخبرا عن فرعون وعتوه وتمرده وافترائه في تكذيبه موسى عليه الصلاة والسلام أنه أمر وزيره هامان أن يبني له صرحا وهو القصر العالي المنيف الشاهق وكان اتخاذه من الآجر المضروب من الطين المشوي كما قال تعالى "فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا" ولهذا قال إبراهيم النخعي كانوا يكرهون البناء بالآجر وأن يجعلوه في قبورهم رواه ابن أبي حاتم.
أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب (37)
أسباب السماوات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل وما كيد فرعون إلا في تباب
وقوله "لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات" الخ قال سعيد بن جبير وأبو صالح أبواب السماوات وقيل طرق السماوات "فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا" وهذا من كفره وتمرده أنه كذب موسى عليه الصلاة والسلام في أن الله عز وجل أرسله إليه قال الله تعالى "وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل" أي بصنعه هذا الذي أراد أن يوهم به الرعية أنه يعمل شيئا يتوصل به إلى تكذيب موسى عليه الصلاة والسلام ولهذا قال تعالى "وما كيد فرعون إلا في تباب" قال ابن عباس ومجاهد يعني إلا في خسار .
وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد (38)
وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل
يقول المؤمن لقومه ممن تمرد وطغى وآثر الحياة الدنيا ونسي الجبار الأعلى فقال لهم ""

يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد "لا كما كذب فرعون في قوله" وما أهديكم إلا سبيل الرشاد "ثم زهدهم في الدنيا التي قد آثروها على الأخرى وصدتهم عن التصديق برسول الله موسى عليه الصلاة والسلام ."
يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار (39)
يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار
فقال "يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع" أي قليلة زائلة فانية عن قريب تذهب وتضمحل "وإن الآخرة هي دار القرار" أي الدار التي لا زوال لها ولا انتقال منها ولا ظعن عنها إلى غيرها بل إما نعيم وإما جحيم .
من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (40)
من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب
"من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها" أي واحدة مثلها "ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب" أي لا يتقدر بجزاء بل يثيبه الله عز وجل ثوابا كثيرا لا انقضاء له ولا نفاد.
ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار (41)
ويا قوم ما لي أدعوكم إلى النجاة وتدعونني إلى النار
يقول لهم المؤمن ما بالي أدعوكم إلى النجاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وتصديق رسوله صلى الله عليه وسلم الذي بعثه .
تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار (42)
تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار
"تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم" أي على جهل بلا دليل "وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار" أي هو في عزته وكبريائه يغفر ذنب من تاب إليه.
لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار (43)
لا جرم أنما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة وأن مردنا إلى الله وأن المسرفين هم أصحاب النار
"لا جرم أنما تدعونني إليه" يقول حقا

قال السدي وابن جريج معنى قوله "لا جرم" حقا وقال الضحاك "لا جرم" لا كذب وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "لا جرم" يقول بلى إن الذي تدعونني إليه من الأصنام والأنداد "ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة" قال مجاهد : الوثن ليس له شيء وقال قتادة يعني الوثن لا ينفع ولا يضر وقال السدي : لا يجيب داعيه لا في الدنيا ولا في الآخرة وهذا كقوله تبارك وتعالى "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين" إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم "وقوله" وأن مردنا إلى الله "أي في الدار الآخرة فيجازى كل بعمله ولهذا قال" وأن المسرفين هم أصحاب النار "أي خالدين فيها بإسرافهم وهو شركهم بالله عز وجل ."
فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (44)
فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد
"فستذكرون ما أقول لكم" أي سوف تعلمون صدق ما أمرتكم به ونهيتكم عنه ونصحتكم ووضحت لكم وتتذكرونه وتندمون حيث لا ينفعكم الندم "وأفوض أمري إلى الله" أي وأتوكل على الله وأستعينه وأقاطعكم وأباعدكم "إن الله بصير بالعباد" أي هو بصير بهم تعالى وتقدس فيهدي من يستحق الهداية ويضل من يستحق الإضلال وله الحجة البالغة والحكمة التامة والقدر النافذ.
فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (45)
فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب
وقوله تبارك وتعالى "فوقاه الله سيئات ما مكروا" أي في الدنيا والآخرة أما في الدنيا فنجاه الله تعالى مع موسى عليه الصلاة والسلام وأما في الآخرة فبالجنة "وحاق بآل فرعون سوء العذاب" وهو الغرق في اليم ثم النقلة منه إلى الجحيم .
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب (46)
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب
غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب "قوله تعالى" النار يعرضون عليها غدوا وعشيا "فإن أرواحهم تعرض على النار صباحا ومساء إلى قيام الساعة فإذا كان يوم القيامة اجتمعت أرواحهم وأجسادهم في النار ولهذا قال" ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب "أي أشده ألما وأعظمه نكالا ."
وهذه الآية أصل كبير في استدلال أهل السنة على عذاب البرزخ في القبور .
ولكن هنا سؤال وهو أنه لا شك أن هذه الآية مكية وقد استدلوا بها على عذاب القبر في البرزخ وقد قال الإمام أحمد

ثنا هاشم هو ابن القاسم أبو النضر ثنا إسحاق بن سعيد هو ابن عمرو بن سعيد بن العاص ثنا سعيد يعني أباه عن عائشة رضي الله عنها أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة رضي الله عنها إليها شيئا من المعروف إلا قالت لها اليهودية وقاك الله عذاب القبر قالت عائشة رضي الله عنها فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم علي فقلت يا رسول الله هل للقبر عذاب قبل يوم القيامة ؟ قال صلى الله عليه وسلم لا من زعم ذلك ؟ "قالت هذه اليهودية لا أصنع إليها شيئا من المعروف إلا قالت وقاك الله عذاب القبر قال : صلى الله عليه وسلم" كذبت يهود وهم على الله أكذب لا عذاب دون يوم القيامة "ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث فخرج ذات يوم نصف النهار مشتملا بثوبه محمرة عيناه وهو ينادي بأعلى صوته" القبر كقطع الليل المظلم أيها الناس لو تعلمون ما أعلم بكيتم كثيرا وضحكتم قليلا أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق "وهذا إسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم ولم يخرجاه ."
وروى أحمد ثنا يزيد ثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت سألتها امرأة يهودية فأعطتها فقالت لها وقاك الله من عذاب القبر فأنكرت عائشة رضي الله عنها ذلك فلما رأت النبي صلى الله عليه وسلم قالت له : فقال صلى الله عليه وسلم "لا" قالت عائشة رضي الله عنها ثم قال لنا رسول الله بعد ذلك "وإنه أوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم" وهذا أيضا على شرطهما .
فيقال فما الجمع بين هذا وبين كون الآية مكية وفيها الدلالة على عذاب البرزخ ؟ والجواب أن الآية دلت على عرض الأرواح على النار غدوا وعشيا في البرزخ وليس فيها دلالة على اتصال تألمها بأجسادها في القبور إذ قد يكون ذلك مختصا بالروح فأما حصول ذلك للجسد في البرزخ وتألمه بسببه فلم يدل عليه إلا السنة في الأحاديث المرضية الآتي ذكرها .
وقد يقال إن هذه الآية إنما دلت على عذاب الكفار في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يعذب المؤمن في قبره بذنب ومما يدل على ذلك ما رواه الإمام أحمد

ثنا عثمان بن عمر ثنا يونس عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة من اليهود وهي تقول أشعرت أنكم تفتنون في قبوركم ؟ فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال "إنما يفتن يهود" قالت عائشة رضي الله عنها فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إنكم تفتنون في القبور" وقالت عائشة رضي الله عنها فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد يستعيذ من عذاب القبر وهكذا رواه مسلم عن هارون بن سعيد وحرملة كلاهما عن ابن وهب عن يونس بن يزيد الأيلي عن الزهري به.
وقد يقال إن هذه الآية دلت على عذاب الأرواح في البرزخ ولا يلزم من ذلك أن يتصل في الأجساد في قبورها فلما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك بخصوصه استعاذ منه والله سبحانه وتعالى أعلم .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #449  
قديم 09-12-2025, 02:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة غافر
من صـ 196 الى صــ 209
الحلقة (449)






وقد روى البخاري من حديث شعبة عن أشعث عن ابن أبي الشعثاء عن أبيه عن مسروق عن عائشة رضي الله عنها أن يهودية دخلت عليها فقالت نعوذ بالله من عذاب القبر فسألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عذاب القبر فقال صلى الله عليه وسلم "نعم عذاب القبر حق" قالت عائشة رضي الله عنها : فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ من عذاب القبر .
فهذا يدل على أنه بادر صلى الله عليه وسلم إلى تصديق اليهودية في هذا الخبر وقرر عليه وفي الأخبار المتقدمة أنه أنكر ذلك حتى جاءه الوحي فلعلهما قضيتان والله سبحانه أعلم وأحاديث عذاب القبر كثيرة جدا وقال قتادة في قوله تعالى "غدوا وعشيا" صباحا ومساء ما بقيت الدنيا يقال لهم يا آل فرعون هذه منازلكم توبيخا ونقمة وصغارا لهم .

وقال ابن زيد هم فيها اليوم يغدى بهم ويراح إلى أن تقوم الساعة .
وقال ابن أبي حاتم ثنا أبو سعيد ثنا المحاربي ثنا ليث عن عبد الرحمن بن ثروان عن هذيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تسرح بهم في الجنة حيث شاءوا وإن أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير تسرح في الجنة حيث شاءت فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش وإن أرواح آل فرعون في أجواف طيور سود تغدو على جهنم وتروح عليها فذلك عرضها وقد رواه الثوري عن أبي قيس عن أبي الهذيل ابن شرحبيل من كلامه في أرواح آل فرعون وكذلك قال السدي .
وفي حديث الإسراء من رواية أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيه "ثم انطلق به إلى خلق كثير من خلق الله رجال كل رجل منهم بطنه مثل البيت الضخم مصفدون على سابلة آل فرعون وآل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا" ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب "وآل فرعون كالإبل المسومة يخبطون الحجارة والشجر ولا يعقلون" وقال ابن أبي حاتم ثنا علي بن الحسين ثنا زيد بن أخرم ثنا عامر بن مدرك الحارثي ثنا عتبة - يعني ابن يقظان - عن قيس بن مسلم عن طارق عن شهاب عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "ما أحسن محسن من"

مسلم أو كافر إلا أثابه الله تعالى "قال قلنا يا رسول الله ما إثابة الله الكافر ؟ فقال" إن كان قد وصل رحما أو تصدق بصدقة أو عمل حسنة أثابه الله تبارك وتعالى المال والولد والصحة وأشباه ذلك "قلنا فما إثابته في الآخرة ؟ قال صلى الله عليه وسلم" عذابا دون العذاب "وقرأ" أدخلوا آل فرعون أشد العذاب "ورواه البزار في مسنده عن زيد بن أخرم ثم قال : لا نعلم له إسنادا غير هذا ."
وقال ابن جرير ثنا عبد الكريم بن أبي عمير ثنا حماد بن محمد الفزاري البلخي قال سمعت الأوزاعي وسأله رجل فقال رحمك الله رأينا طيورا تخرج من البحر تأخذ ناحية الغرب بيضا فوجا فوجا لا يعلم عددها إلا الله عز وجل فإذا كان العشي رجع مثلها سوداء قال وفطنتم إلى ذلك ؟ قال نعم قال إن ذلك الطير في حواصلها أرواح آل فرعون يعرضون على النار غدوا وعشيا فترجع إلى وكورها وقد احترقت أرياشها وصارت سوداء فينبت عليها من الليل ريش أبيض ويتناثر الأسود ثم تغدو على النار غدوا وعشيا ثم ترجع إلى وكورها فذلك دأبهم في الدنيا فإذا كان يوم القيامة قال الله تعالى "أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" قال وكانوا يقولون إنهم ستمائة ألف مقاتل وقال الإمام أحمد ثنا إسحاق ثنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما قال

: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة وإن كان من أهل النار فمن أهل النار فيقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله عز وجل إليه يوم القيامة" أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك به .
وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (47)
وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار
يخبر تعالى عن تحاج أهل النار في النار وتخاصمهم وفرعون وقومه من جملتهم فيقول الضعفاء وهم الأتباع للذين استكبروا وهم القادة والسادة والكبراء "إنا كنا لكم تبعا" أي أطعناكم فيما دعوتمونا إليه في الدنيا من الكفر والضلال "فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار" أي قسطا تتحملونه عنا .
قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (48)
قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد
"قال الذين استكبروا إنا كل فيها" أي لا نتحمل عنكم شيئا كفى بنا ما عندنا وما حملنا من العذاب والنكال "إن الله قد حكم بين العباد" أي فقسم بيننا العذاب بقدر ما يستحقه كل منا .
وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (49)
وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب
لما علموا أن الله عز وجل لا يستجيب منهم ولا يستمع لدعائهم بل قد قال "اخسئوا فيها ولا تكلمون" سألوا الخزنة وهم كالسجانين لأهل النار أن يدعوا لهم الله تعالى في أن يخفف عن الكافرين ولو يوما واحدا من العذاب .
قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (50)

إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (51)
إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد
قد أورد أبو جعفر ابن جرير رحمه الله تعالى عند قوله تعالى "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا" سؤالا فقال قد علم أن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قتله قومه بالكلية كيحيى وزكريا وشعيا ومنهم من خرج من بين أظهرهم إما مهاجرا كإبراهيم وإما إلى السماء كعيسى فأين النصرة في الدنيا ؟ ثم أجاب عن ذلك بجوابين "أحدهما" أن يكون الخبر خرج عاما والمراد به البعض قال وهذا سائغ في اللغة "الثاني" أن يكون المراد بالنصر الانتصار لهم ممن آذاهم وسواء كان ذلك بحضرتهم أو في غيبتهم أو بعد موتهم كما فعل بقتلة يحيى وزكريا وشعيا سلط عليهم من أعدائهم من أهانهم وسفك دماءهم وقد ذكر أن النمروذ أخذه الله تعالى أخذ عزيز مقتدر وأما الذين راموا صلب المسيح عليه السلام من اليهود فسلط الله تعالى عليهم الروم فأهانوهم وأذلوهم وأظهرهم الله تعالى عليهم ثم قبل يوم القيامة سينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام إماما عادلا وحمكا مقسطا فيقتل المسيح الدجال وجنوده من اليهود ويقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية فلا يقبل إلا الإسلام وهذه نصرة عظيمة وهذه سنة الله تعالى في خلقه في قديم الدهر وحديثه أنه ينصر عباده المؤمنين في الدنيا ويقر أعينهم ممن آذاهم .
ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة
رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "يقول الله تبارك وتعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب" .
وفي الحديث الآخر "إني لأثأر لأوليائي كما يثأر الليث الحرب" ولهذا أهلك الله عز وجل قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وقوم لوط وأهل مدين وأشباههم وأضرابهم ممن كذب الرسل وخالف الحق وأنجى الله تعالى من بينهم المؤمنين فلم يهلك منهم أحدا وعذب الكافرين فلم يفلت منهم أحدا قال السدي لم يبعث الله عز وجل رسولا قط إلى قوم فيقتلونه أو قوما من المؤمنين يدعون إلى الحق فيقتلون فيذهب ذلك القرن حتى يبعث الله تبارك وتعالى لهم من ينصرهم فيطلب بدمائهم ممن فعل ذلك بهم في الدنيا قال فكانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون فيها وهكذا نصر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه على من خالفه وناوأه وكذبه وعاداه فجعل كلمته هي العليا ودينه هو الظاهر على سائر الأديان وأمره بالهجرة من بين ظهراني قومه إلى المدينة النبوية وجعل له فيها أنصارا وأعوانا ثم منحه أكتاف المشركين يوم بدر فنصره عليهم وخذلهم وقتل صناديدهم وأسر سراتهم فاستاقهم مقرنين في الأصفاد ثم من عليهم بأخذه الفداء منهم ثم بعد مدة قريبة فتح عليه مكة فقرت عينه ببلده وهو البلد المحرم الحرام المشرف المعظم فأنقذه الله تعالى به مما كان فيه من الكفر والشرك وفتح له اليمن ودانت له جزيرة العرب بكمالها ودخل الناس في دين الله أفواجا ثم قبضه الله تعالى إليه لما له عنده من الكرامة العظيمة فأقام الله تبارك وتعالى أصحابه خلفاء بعده فبلغوا عنه دين الله عز وجل ودعوا عباد الله تعالى إلى الله جل وعلا وفتحوا البلاد والرساتيق والأقاليم والمدائن والقرى والقلوب حتى انتشرت الدعوة المحمدية في مشارق الأرض ومغاربها ثم لا يزال هذا الدين قائما منصورا ظاهرا إلى قيام الساعة ولهذا قال تعالى "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" أي يوم القيامة تكون النصرة أعظم وأكبر وأجل قال مجاهد : الأشهاد الملائكة .
يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار (52)
يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار
قوله تعالى "يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم" بدل من قوله "ويوم يقوم الأشهاد" وقرأ آخرون يوم بالرفع كأنه فسره به "يوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين" وهم المشركون "معذرتهم" أي لا يقبل منهم عذر ولا فدية "ولهم اللعنة" أي الإبعاد والطرد من الرحمة "ولهم سوء الدار" وهي النار قاله السدي بئس المنزل

والمقيل وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما "ولهم سوء الدار" أي سوء العاقبة .
ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (53)
ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب
وقوله تعالى "ولقد آتينا موسى الهدى" وهو ما بعثه الله عز وجل به من الهدى والنور "وأورثنا بني إسرائيل الكتاب" أي جعلنا لهم العاقبة وأورثناهم بلاد فرعون وأمواله وحواصله وأرضه بما صبروا على طاعة الله تبارك وتعالى واتباع رسوله موسى عليه الصلاة والسلام وفي الكتاب الذي أورثوه وهو التوراة .
هدى وذكرى لأولي الألباب (54)
هدى وذكرى لأولي الألباب
وهي العقول الصحيحة السليمة .
فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار (55)
فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والإبكار
قوله عز وجل "فاصبر" أي يا محمد "إن وعد الله حق" أي وعدناك أنا سنعلي كلمتك ونجعل العاقبة لك ولمن اتبعك "والله لا يخلف الميعاد" وهذا الذي أخبرناك به حق لا مرية فيه ولا شك وقوله تبارك وتعالى "واستغفر لذنبك" هذا تهييج للأمة على الاستغفار "وسبح بحمد ربك بالعشي" أي في أواخر النهار وأوائل الليل "والإبكار" وهي أوائل النهار وأواخر الليل .
إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير (56)
إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير
وقوله تعالى "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم" أي يدفعون الحق بالباطل ويردون الحجج الصحيحة بالشبه الفاسدة بلا برهان ولا حجة من الله "إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه" أي ما في صدورهم إلا كبر على اتباع الحق واحتقار لمن جاءهم به وليس ما يرومونه من إخماد الحق وإعلاء الباطل بحاصل لهم بل الحق هو المرفوع وقولهم وقصدهم هو الموضوع "فاستعذ بالله" أي من حال مثل هؤلاء أو من شر مثل هؤلاء المجادلين في آيات الله بغير سلطان هذا تفسير ابن جرير وقال كعب وأبو العالية نزلت هذه الآية في اليهود "إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه" قال أبو العالية وذلك أنهم ادعوا أن الدجال منهم وأنهم يملكون به الأرض فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم آمرا له أن يستعيذ من فتنة الدجال ولهذا قال عز وجل "فاستعذ بالله إنه هو السميع البصير" وهذا قول غريب وفيه تعسف بعيد وإن كان قد رواه ابن أبي حاتم في كتابه والله سبحانه وتعالى أعلم .
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون (57)
لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس

لا يعلمون
يقول تعالى منبها على أنه يعيد الخلائق يوم القيامة وأن ذلك سهل عليه يسير لديه بأنه خلق السماوات والأرض وخلقهما أكبر من خلق الناس بدأة وإعادة فمن قدر على ذلك فهو قادر على ما دونه بطريق الأولى والأحرى كما قال تعالى "أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير" وقال ههنا "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون" فلهذا لا يتدبرون هذه الحجة ولا يتأملونها كما كان كثير من العرب يعترفون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض وينكرون المعاد استبعادا وكفرا وعنادا وقد اعترفوا بما هو أولى مما أنكروا .
وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون (58)
وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء قليلا ما تتذكرون
أي كما لا يستوي الأعمى الذي لا يبصر شيئا والبصير الذي يرى ما انتهى إليه بصره بل بينهما فرق عظيم كذلك لا يستوي المؤمنون الأبرار والكفرة الفجار "قليلا ما تتذكرون" أي ما أقل ما يتذكر كثير من الناس .
إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (59)
إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون
ثم قال تعالى "إن الساعة لآتية" أي لكائنة وواقعة "لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" أي لا يصدقون بها بل يكذبون بوجودها .
قال ابن أبي حاتم ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا أشهب حدثنا مالك عن شيخ قديم من أهل اليمن قدم من ثم قال سمعت أن الساعة إذا دنت اشتد البلاء على الناس واشتد حر الشمس والله أعلم .
وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (60)
وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين
هذا من فضله تبارك وتعالى وكرمه أنه ندب عباده إلى دعائه وتكفل لهم بالإجابة كما

كان سفيان الثوري يقول يا من أحب عباده إليه من سأله فأكثر سؤاله ويا من أبغض عباده إليه من لم يسأله وليس أحد كذلك غيرك يا رب .
رواه ابن أبي حاتم وفي هذا المعنى يقول الشاعر :
الله يغضب إن تركت سؤاله ... وبني آدم حين يسأل يغضب
وقال قتادة : قال كعب الأحبار أعطيت هذه الأمة ثلاثا لم تعطهن أمة قبلها إلا نبي : كان إذا أرسل الله نبيا قال له أنت شاهد على أمتك وجعلكم شهداء على الناس وكان يقال له ليس عليك في الدين من حرج وقال لهذه الأمة "وما جعل عليكم في الدين من حرج" وكان يقال له ادعني أستجب لك وقال لهذه الأمة "ادعوني أستجب لكم" رواه ابن أبي حاتم .
وقال الإمام الحافظ أبو يعلى أحمد بن علي بن المثنى الموصلي في مسنده حدثنا أبو إبراهيم الترجماني حدثنا صالح المدني قال سمعت الحسن يحدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه عز وجل قال "أربع خصال واحدة منهن لي وواحدة لك وواحدة فيما بيني وبينك وواحدة فيما بينك وبين عبادي فأما التي لي فتعبدني لا تشرك بي شيئا وأما التي لك علي فما عملت من خير جزيتك به وأما التي بيني وبينك فمنك الدعاء وعلي الإجابة وأما التي بينك وبين عبادي فارض لهم ما ترضى لنفسك" .
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن ذر عن يسيع الكندي عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ "ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين"

"وهكذا رواه أصحاب السنن الترمذي والنسائي وابن ماجه وابن أبي حاتم وابن جرير كلهم من حديث الأعمش به وقال الترمذي حسن صحيح ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن جرير أيضا من حديث شعبة عن منصور والأعمش كلاهما عن ذر به وكذا رواه ابن يونس عن أسيد بن عاصم بن مهران حدثنا النعمان بن عبد السلام حدثنا سفيان الثوري عن منصور عن ذر به ورواه ابن حبان والحاكم في صحيحيهما وقال الحاكم صحيح الإسناد ."
وقال الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثني أبو صالح المدني شيخ من أهل المدينة سمعه عن أبي صالح وقال مرة سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع الله عز وجل غضب عليه" تفرد به أحمد وهذا إسناد لا بأس به وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا مروان الفزاري حدثنا صبيح أبو المليح سمعت أبا صالح يحدث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لا يسأله يغضب عليه" قال ابن معين أبو المليح هذا اسمه : صبيح كذا قيده بالضم عبد الغني بن سعيد وأما أبو صالح هذا فهو الخوزي سكن شعب الخوز قاله البزار في مسنده وكذا وقع في روايته أبو المليح الفارسي عن أبي صالح الخوزي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لم يسأل الله يغضب عليه"

وقال الحافظ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي حدثنا همام حدثنا إبراهيم بن الحسن حدثنا نائل بن نجيح حدثني عائذ بن حبيب عن محمد بن سعيد قال لما مات محمد بن مسلمة الأنصاري وجدنا في ذؤابة سيفه كتابا بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن لربكم في بقية أيام دهركم نفحات فتعرضوا له لعل دعوة أن توافق رحمة فيسعد بها صاحبها سعادة لا يخسر بعدها أبدا" وقوله عز وجل "إن الذين يستكبرون عن عبادتي" أي عن دعائي وتوحيدي سيدخلون جهنم داخرين أي صاغرين حقيرين كما قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن عجلان حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور"

الناس يعلوهم كل شيء من الصغار حتى يدخلوا سجنا في جهنم يقال له بولس تعلوهم نار الأنيار يسقون من طينة الخبال عصارة أهل النار "."
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو بكر بن محمد بن يزيد بن خنيس قال سمعت أبي يحدث عن وهيب بن الورد حدثني رجل قال كنت أسيرا ذات يوم في أرض الروم فسمعت هاتفا من فوق رأس جبل وهو يقول : يا رب عجبت لمن عرفك كيف يرجو أحدا غيرك يا رب عجبت لمن عرفك كيف يطلب حوائجه إلى أحد غيرك قال ثم ذهبت ثم جاءت الطامة الكبرى قال ثم عاد الثانية فقال يا رب عجبت لمن عرفك كيف يتعرض لشيء من سخطك يرضي غيرك قال وهيب وهذه الطامة الكبرى قال فناديته أجني أنت أم إنسي ؟ قال بل إنسي أشغل نفسك بما يعنيك عما لا يعنيك .
الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (61)
الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون
يقول تعالى ممتنا على خلقه بما جعل لهم من الليل الذي يسكنون فيه ويستريحون من حركات ترددهم في المعايش بالنهار وجعل النهار مبصرا أي مضيئا ليتصرفوا فيه بالأسفار وقطع الأقطار والتمكن من الصناعات "إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون" أي لا يقومون بشكر نعم الله عليهم.

ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (62)
ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون
قال عز وجل "ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو" أي الذي فعل هذه الأشياء هو الله الواحد الأحد خالق الأشياء الذي لا إله غيره ولا رب سواه "فأنى تؤفكون" أي فكيف تعبدون غيره من الأصنام التي لا تخلق شيئا بل هي مخلوقة منحوتة .
كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون (63)
كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون
أي كما ضل هؤلاء بعبادة غير الله كذلك أفك الذين من قبلهم فعبدوا غيره بلا دليل ولا برهان بل بمجرد الجهل والهوى وجحدوا حجج الله وآياته .
الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين (64)
الله الذي جعل لكم الأرض قرارا والسماء بناء وصوركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيبات ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين
قوله تعالى "الله الذي جعل لكم الأرض قرارا" أي جعلها لكم مستقرا بساطا مهادا تعيشون عليها وتتصرفون فيها وتمشون في مناكبها وأرساها بالجبال لئلا تميد بكم "والسماء بناء" أي سقفا للعالم محفوظا "وصوركم فأحسن صوركم" أي فخلقكم في أحسن الأشكال ومنحكم أكمل الصور في أحسن تقويم "ورزقكم من الطيبات" أي من المآكل والمشارب في الدنيا فذكر أنه خلق الدار والسكان والأرزاق فهو الخالق الرازق كما قال تعالى في سورة البقرة "يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون" .
وقال تعالى ههنا بعد خلق هذه الأشياء "ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين" أي فتعالى وتقدس وتنزه رب العالمين كلهم .
هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين (65)
هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين
ثم قال تعالى "هو الحي لا إله إلا هو" أي هو الحي أزلا وأبدا لم يزل ولا يزال وهو الأول والآخر والظاهر والباطن "لا إله إلا هو" أي لا نظير له ولا عديل له "فادعوه مخلصين له الدين" أي موحدين له مقرين بأنه لا إله إلا هو الحمد لله رب العالمين .
قال ابن جرير : كان جماعة من أهل العلم يأمرون من قال لا إله إلا الله أن يتبعها بالحمد لله رب العالمين عملا بهذه الآية.
ثم روى عن محمد بن علي بن الحسين بن شقيق عن أبيه عن الحسين بن واقد عن الأعمش عن مجاهد عن ابن عباس قال : من قال لا إله إلا الله فليقل

على أثرها الحمد لله رب العالمين وذلك قوله تعالى "فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين" .
وقال أبو أسامة وغيره عن إسماعيل بن أبي خالد عن سعيد بن جبير قال إذا قرأت "فادعوا الله مخلصين له الدين" فقل لا إله إلا الله وقل على أثرها الحمد لله رب العالمين ثم قرأ هذه الآية "فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين" .
قال الإمام أحمد حدثنا ابن نمير حدثنا هشام يعني ابن عروة بن الزبير عن أبي الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكي قال كان عبد الله بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا حول ولا قوة إلا بالله لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل بهن دبر كل صلاة ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن هشام بن عروة وحجاج بن أبي عثمان وموسى بن عقبة ثلاثتهم عن أبي الزبير عن عبد الله بن الزبير قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دبر كل صلاة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له" وذكر تمامه .
قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين (66)
قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله لما جاءني البينات من ربي وأمرت أن أسلم لرب العالمين
يقول تبارك وتعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين إن الله عز وجل ينهى أن يعبد أحد سواه من الأصنام والأنداد والأوثان وقد بين تبارك وتعالى أنه لا يستحق العبادة أحد سواه .
هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (67)
هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون
في قوله جلت عظمته "هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا" أي هو الذي يقلبكم في هذه الأطوار كلها وحده لا شريك له وعن أمره وتدبيره وتقديره يكون ذلك كله "ومنكم من يتوفى من قبل" أي من قبل أن يوجد ويخرج إلى هذا العالم بل تسقطه أمه سقطا ومنهم من يتوفى صغيرا وشابا وكهلا قبل الشيخوخة كقوله تعالى "لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى" وقال عز وجل ههنا "ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون" قال ابن جريج تتذكرون البعث .

هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (68)
هو الذي يحيي ويميت فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون
قال تعالى "هو الذي يحيي ويميت" أي هو المنفرد بذلك لا يقدر على ذلك أحد سواه "فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون" أي لا يخالف ولا يمانع بل ما شاء كان لا محالة .
ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون (69)
ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون
يقول تعالى ألا تعجب يا محمد من هؤلاء المكذبين بآيات الله ويجادلون في الحق بالباطل كيف تصرف عقولهم عن الهدى إلى الضلال .
الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون (70)
الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون
"الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا" أي من الهدى والبيان "فسوف يعلمون" هذا تهديد شديد ووعيد أكيد من الرب جل جلاله لهؤلاء كما قال تعالى "ويل يومئذ للمكذبين" .
إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون (71)
إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون
أي متصلة بالأغلال بأيدي الزبانية يسحبونهم على وجوههم تارة إلى الحميم وتارة إلى الجحيم .
في الحميم ثم في النار يسجرون (72)
في الحميم ثم في النار يسجرون
قال تعالى "يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون" كما قال تبارك وتعالى "هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن" وقال تعالى بعد ذكر أكلهم الزقوم وشربهم الحميم "ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم" وقال عز وجل "وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم - إلى أن قال - ثم إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم هذا نزلهم يوم الدين" وقال عز وجل "إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #450  
قديم 09-12-2025, 02:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,260
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(12)
تفسير سورة فصلت
من صـ 210 الى صــ 225
الحلقة (450)






صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون "أي يقال لهم ذلك على وجه التقريع والتوبيخ والتحقير والتصغير والتهكم والاستهزاء بهم قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أحمد بن منيع حدثنا منصور بن عمار حدثنا بشير بن طلحة الخزامي عن خالد بن دريك عن يعلى بن منبه رفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" ينشئ الله عز وجل سحابة لأهل النار سوداء مظلمة ويقال يا أهل النار أي شيء تطلبون ؟ فيذكرون بها سحاب الدنيا فيقول نسأل بارد الشراب فتمطرهم أغلالا تزيد في أغلالهم وسلاسل تزيد في سلاسلهم وجمرا يلهب النار عليهم "هذا حديث غريب ."
ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون (73)
ثم قيل لهم أين ما كنتم تشركون
قوله تعالى "ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله" أي قيل لهم أين الأصنام التي كنتم تعبدونها من دون الله هل ينصرونكم اليوم .
من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين (74)
من دون الله قالوا ضلوا عنا بل لم نكن ندعو من قبل شيئا كذلك يضل الله الكافرين
"قالوا ضلوا عنا" أي ذهبوا فلم ينفعونا "بل لم نكن ندعو من قبل شيئا" أي جحدوا عبادتهم كقوله جلت عظمته "ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين" ولهذا قال عز وجل "كذلك يضل الله الكافرين" .
ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون (75)
ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون
أي تقول لهم الملائكة هذا الذي أنتم فيه جزاء على فرحكم في الدنيا بغير الحق ومرحكم وأشركم وبطركم .
ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (76)
ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين
أي فبئس المنزل والمقيل الذي فيه الهوان والعذاب الشديد لمن استكبر عن آيات الله واتباع دلائله وحججه والله أعلم .
فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون (77)
فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإلينا
يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بالصبر على تكذيب من كذبه من قومه فإن الله تعالى سينجز لك ما وعدك من النصر والظفر على قومك وجعل العاقبة لك ولمن اتبعك في الدنيا والآخرة "فإما نرينك بعض الذي نعدهم" أي في الدنيا وكذلك وقع فإن الله تعالى أقر أعينهم من كبرائهم وعظمائهم أبيدوا في يوم بدر ثم فتح الله عليه مكة وسائر جزيرة العرب في حياته صلى الله عليه وسلم وقوله عز وجل "أو نتوفينك فإلينا يرجعون" أي فنذيقهم العذاب الشديد في الآخرة .
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (78)
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون
قال تعالى مسليا له "ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك" كما قال جل وعلا في سورة النساء سواء أي منهم من أوحينا إليك خبرهم وقصصهم مع قومهم كيف كذبوهم ثم كانت للرسل العاقبة والنصرة "ومنهم من لم نقصص عليك" وهم أكثر ممن ذكر بأضعاف أضعاف كما تقدم التنبيه على ذلك في سورة النساء ولله الحمد والمنة .
وقوله تعالى "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله" أي ولم يكن لواحد من الرسل أن يأتي قومه بخارق للعادات إلا أن يأذن الله له في ذلك فيدل ذلك على صدقه فيما جاءهم به "فإذا جاء أمر الله" وهو عذابه ونكاله المحيط بالمكذبين "قضي بالحق" فينجي المؤمنين ويهلك الكافرين ولهذا قال عز وجل "وخسر هنالك المبطلون" .
الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (79)
الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون
يقول تعالى ممتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون .
ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (80)
ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون
فالإبل تركب وتؤكل وتحلب ويحمل عليها الأثقال في

الأسفاروالرحال إلى البلاد النائية والأقطار الشاسعة والبقر تؤكل ويشرب لبنها وتحرث عليها الأرض والغنم تؤكل ويشرب لبنها والجميع تجز أصوافها وأشعارها وأوبارها فيتخذ منها الأثاث والثياب والأمتعة كما فصل وبين في أماكن تقدم ذكرها في سورة الأنعام وسورة النحل وغير ذلك ولذا قال عز وجل ههنا "لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون" .
ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون (81)
ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون
قوله جل وعلا "ويريكم آياته" أي حججه وبراهينه في الآفاق وفي أنفسكم "فأي آيات الله تنكرون" أي لا تقدرون على إنكار شيء من آياته إلا أن تعاندوا وتكابروا .
أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (82)
أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون
يخبر تعالى عن الأمم المكذبة بالرسل في قديم الدهر وماذا حل بهم من العذاب الشديد مع شدة قواهم وما أثروه في الأرض وجمعوه من الأموال فما أغنى عنهم ذلك شيئا ولا رد عنهم ذرة من بأس الله .
فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (83)
فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون
وذلك لأنهم لما جاءتهم الرسل بالبينات والحجج القاطعات والبراهين الدامغات لم يلتفتوا إليهم ولا أقبلوا عليهم واستغنوا بما عندهم من العلم في زعمهم عما جاءتهم به الرسل قال مجاهد قالوا نحن أعلم منهم لن نبعث ولن نعذب وقال السدي فرحوا بما عندهم من العلم بجهالتهم فأتاهم من بأس الله تعالى ما لا قبل لهم به "وحاق بهم" أي أحاط بهم "ما كانوا به يستهزئون" أي يكذبون ويستبعدون وقوعه .
فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين (84)
فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين
"فلما رأوا بأسنا" أي عاينوا وقوع العذاب بهم "قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين" أي وحدوا الله عز وجل وكفروا بالطاغوت ولكن حيث لا تقال العثرات ولا تنفع المعذرة وهذا كما قال فرعون حين أدركه الغرق "آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به"

بنو إسرائيل وأنا من المسلمين "قال الله تبارك تعالى" الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين "أي فلم يقبل الله منه لأنه قد استجاب لنبيه موسى عليه الصلاة والسلام دعاءه عليه حين قال" واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم "."
فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (85)
فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون
قال تعالى "فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده" أي هذا حكم الله في جميع من تاب عند معاينة العذاب أنه لا يقبل ولهذا جاء في الحديث "إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر" أي فإذا غرغر وبلغت الروح الحنجرة وعاين الملك فلا توبة حينئذ ولهذا قال تعالى "وخسر هنالك الكافرون" .

تفسير سورة فصلت وهي مكية .
حم (1)
حم
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان .
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور .
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : "الم" و "حم" و "المص" و "ص" .
فواتح افتتح الله بها القرآن .
تنزيل من الرحمن الرحيم (2)
تنزيل من الرحمن الرحيم
يعني القرآن منزل من الرحمن الرحيم كقوله "قل نزله روح القدس من ربك بالحق" وقوله "وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين" .
كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون (3)
كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون
قوله تبارك وتعالى "كتاب فصلت آياته" أي بينت معانيه وأحكمت أحكامه "قرآنا عربيا" أي في حال كونه قرآنا عربيا بينا واضحا فمعانيه مفصلة وألفاظه واضحة غير مشكلة كقوله تعالى "كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير" أي هو معجز من حيث لفظه ومعناه "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" وقوله تعالى "لقوم يعلمون" أي إنما يعرف هذا البيان والوضوح العلماء الراسخون .
بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (4)
بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون
"بشيرا ونذيرا" أي تارة يبشر المؤمنين وتارة ينذر الكافرين "فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون" أي أكثر قريش فهم لا يفهمون منه شيئا مع بيانه ووضوحه .
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون (5)
وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون
"وقالوا قلوبنا في أكنة" أي في غلف مغطاة "مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر" أي صمم عما جئتنا به "ومن بيننا وبينك حجاب" فلا يصل إلينا شيء مما تقول "فاعمل إننا عاملون" أي اعمل أنت على طريقتك ونحن على طريقتنا لا نتابعك قال الإمام العالم عبد بن حميد في مسنده حدثني ابن أبي شيبة حدثنا علي بن مسهر عن الأجلح عن الزيال بن حرملة الأسدي عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : اجتمعت قريش يوما فقالوا انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر فليأت هذا

الرجل الذي قد فرق جماعتنا وشتت أمرنا وعاب ديننا فليكلمه ولننظر ماذا يرد عليه فقالوا ما نعلم أحدا غير عتبة بن ربيعة فقالوا أنت يا أبا الوليد فأتاه عتبة فقال : يا محمد أنت خير أم عبد الله ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أنت خير أم عبد المطلب ؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك فقد عبدوا الآلهة التي عبت وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك إنا والله ما رأينا سخلة قط أشأم على قومك منك فرقت جماعتنا وشتت أمرنا وعبت ديننا وفضحتنا في العرب حتى لقد طار فيهم أن في قريش ساحرا وأن في قريش كاهنا والله ما ننتظر إلا مثل صيحة الحبلى أن يقوم بعضنا إلى بعض بالسيوف حتى نتفانى أيها الرجل إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك حتى تكون أغنى قريش رجلا واحدا وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش شئت فلنزوجك عشرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فرغت ؟ قال نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم - حتى بلغ - فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" فقال عتبة حسبك حسبك عندك غير هذا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا" فرجع إلى قريش فقالوا ما وراءك ؟ قال ما تركت شيئا أرى أنكم تكلمون به إلا كلمته قالوا فهل أجابك ؟ قال نعم لا والذي نصبها بنية ما فهمت شيئا مما قاله غير أنه أنذركم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود قالوا ويلك يكلمك الرجل بالعربية لا تدري ما قال ؟ قال لا والله ما فهمت شيئا مما قال غير ذكر الصاعقة .
وهكذا رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده عن أبي بكر بن أبي شيبة بإسناده مثله سواء وقد ساقه البغوي في تفسيره بسنده عن محمد بن فضيل عن الأجلح وهو ابن عبد الله الكندي الكوفي وقد ضعف بعض الشيء عن الزيال بن حرملة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه فذكر الحديث إلى

قوله "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" فأمسك عتبة على فيه وناشده بالرحم ورجع إلى أهله ولم يخرج إلى قريش واحتبس عنهم فقال أبو جهل يا معشر قريش والله ما نرى عتبة إلا قد صبأ إلى محمد وأعجبه طعامه وما ذاك إلا من حاجة أصابته فانطلقوا بنا إليه فانطلقوا إليه فقال أبو جهل يا عتبة ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد وأعجبك طعامه فإن كانت بك حاجة جمعنا لك من أموالنا ما يغنيك عن طعام محمد فغضب عتبة وأقسم أن لا يكلم محمدا أبدا وقال والله لقد علمتم أني من أكثر قريش مالا ولكني أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر وقرأ السورة إلى قوله تعالى "فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" فأمسكت بفيه وناشدته بالرحم أن يكف وقد علمتم أن محمدا إذا قال شيئا لم يكذب فخشيت أن ينزل بكم العذاب وهذا السياق أشبه من سياق البزار وأبي يعلى والله تعالى أعلم وقد أورد هذه القصة الإمام محمد بن إسحاق بن يسار في كتاب السيرة على خلاف هذا النمط فقال حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال : حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا - قال يوما وهو جالس في نادي قريش - ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحده - يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ - وذلك حين أسلم حمزة رضي الله عنه ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون - فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا ابن أخي إنك منا حيث علمت من السطة في العشيرة .
والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا ننظر فيها لعلك تقبل منها بعضها قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "قل يا أبا الوليد أسمع" قال يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الأطباء وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه أو كما قال له

حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه قال "أفرغت يا أبا الوليد ؟" قال نعم .
قال "فاستمع مني" قال افعل .
قال "بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون" ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها وهو يقرؤها عليه فلما سمع عتبة أنصت لها وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يستمع منه حتى انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها فسجد ثم قال "قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلس إليهم قالوا ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالسحر ولا بالشعر ولا بالكهانة يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به قالوا سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه ؟ قال هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم وهذا السياق أشبه من الذي قبله والله أعلم .
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين (6)
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه واستغفروه وويل للمشركين
يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المكذبين المشركين "إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد" لا كما تعبدونه من الأصنام والأنداد والأرباب المتفرقين إنما الله إله واحد "فاستقيموا إليه" أي أخلصوا له العبادة على منوال ما أمركم به على ألسنة الرسل "واستغفروه" أي لسالف الذنوب "وويل للمشركين" أي دمار لهم وهلاك
عليهم .
الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (7)
الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون
"الذين لا يؤتون الزكاة" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني الذين لا يشهدون أن لا إله إلا الله وكذا قال عكرمة وهذا كقوله تبارك وتعالى "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" وكقوله جلت عظمته "قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى" وقوله عز وجل "فقل هل لك إلى أن تزكى" والمراد بالزكاة ههنا طهارة النفس من الأخلاق الرذيلة ومن أهم ذلك طهارة النفس من الشرك وزكاة المال إنما سميت زكاة لأنها تطهره من الحرام وتكون سببا لزيادته وبركته وكثرة نفعه وتوفيقا إلى استعماله في الطاعات .
وقال السدي "وويل للمشركين الذي لا يؤتون الزكاة" أي لا يؤدون الزكاة وقال معاوية بن قرة ليس هم من أهل الزكاة وقال قتادة يمنعون زكاة أموالهم وهذا هو الظاهر عند كثير من المفسرين واختاره ابن جرير وفيه نظر لأن إيجاب الزكاة إنما كان في السنة الثانية من الهجرة إلى المدينة على ما ذكره غير واحد وهذه الآية مكية .
اللهم إلا أن يقال لا يبعد أن يكون أصل الصدقة والزكاة كان مأمورا به في ابتداء البعثة كقوله تبارك وتعالى "وآتوا حقه يوم حصاده" فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرها بالمدينة ويكون هذا جمعا بين القولين كما أن أصل الصلاة كان واجبا قبل طلوع الشمس وقبل غروبها في ابتداء البعثة فلما كان ليلة الإسراء قبل الهجرة بسنة ونصف فرض الله تعالى على رسوله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وفصل شروطها وأركانها وما يتعلق بها بعد ذلك شيئا فشيئا والله أعلم.
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (8)
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون
"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون" قال مجاهد وغيره غير مقطوع ولا مجبوب كقوله تعالى "ماكثين فيها أبدا" وكقوله عز وجل "عطاء غير مجذوذ" وقال السدي غير ممنون عليهم وقد رد عليه هذا التفسير بعض الأئمة فإن المنة لله تعالى على أهل الجنة قال الله تبارك وتعالى "بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان" وقال أهل الجنة "فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل"

قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (9)
قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين
هذا إنكار من الله تعالى على المشركين الذين عبدوا معه غيره وهو الخالق لكل شيء القاهر لكل شيء المقتدر على كل شيء فقال "قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا" أي نظراء وأمثالا تعبدونها معه "ذلك رب العالمين" أي الخالق للأشياء هو رب العالمين كلهم .
وهذا المكان فيه تفصيل لقوله تعالى "خلق السموات والأرض في ستة أيام" ففصل ههنا ما يختص بالأرض مما اختص بالسماء فذكر أنه خلق الأرض أولا لأنها كالأساس والأصل أن يبدأ بالأساس ثم بعده بالسقف كما قال عز وجل "هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات" الآية فأما قوله تعالى "أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها ماءها ومرعاها والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم" ففي هذه الآية أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء فالدحو هو مفسر بقوله "أخرج منها ماءها ومرعاها" وكان هذا بعد خلق السماء فأما خلق الأرض فقبل خلق السماء بالنص وبهذا أجاب ابن عباس رضي الله تعالى عنه فيما ذكره البخاري عند تفسير هذه الآية من صحيحه فإنه قال : وقال المنهال عن سعيد بن جبير قال : قال رجل لابن عباس رضي الله عنهما إني لأجد في القرآن أشياء تختلف علي قال "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" "ولا يكتمون الله حديثا" "والله ربنا ما كنا مشركين" فقد كتموا في هذه الآية .
وقال تعالى "أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها - إلى قوله - والأرض بعد ذلك دحاها" فذكر خلق

السماء قبل الأرض ثم قال تعالى "قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين - إلى قوله - طائعين" فذكر في هذه خلق الأرض قبل خلق السماء قال "وكان الله غفورا رحيما" "عزيزا حكيما" "سميعا بصيرا" فكأنه كان ثم مضى ؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" في النفخة الأولى ثم "نفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله" فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون بينهم في النفخة الأخرى "وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون" وأما قوله "والله ربنا ما كنا مشركين" "ولا يكتمون الله حديثا" فإن الله تعالى يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون تعالوا نقول لم نكن مشركين فيختم على أفواههم فتنطق أيديهم فعند ذلك يعرف أن الله تعالى لا يكتم حديثا وعنده "يود الذين كفروا" الآية وخلق الأرض في يومين ثم خلق السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن في يومين آخرين ثم دحى الأرض ودحيها أن أخرج منها الماء والمرعى وخلق الجبال والرمال والجماد والآكام وما بينهما في يومين آخرين فذلك قوله تعالى دحاها وقوله "خلق الأرض في يومين" فخلق الأرض وما فيها من شيء في أربعة أيام وخلق السماوات في يومين "وكان الله غفورا رحيما" سمى نفسه بذلك وذلك قوله أي لم يزل كذلك فإن الله تعالى لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد فلا يختلفن عليك القرآن فإن كلا من عند الله عز وجل قال البخاري حدثنيه يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال - هو ابن عمرو - الحديث .
وقوله "خلق الأرض في يومين" يعني يوم الأحد ويوم الاثنين .
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين (10)
وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين
"وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها" أي جعلها مباركة قابلة للخير والبذر والغراس "وقدر فيها أقواتها" وهو ما يحتاج أهلها إليه من الأرزاق والأماكن التي تزرع وتغرس يعني يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع اليومين السابقين أربعة ولهذا قال "في أربعة أيام سواء للسائلين" أي لمن أراد السؤال عن ذلك ليعلمه وقال عكرمة ومجاهد في قوله عز وجل "وقدر فيها أقواتها" وجعل في كل أرض ما لا يصلح في غيرها ومنه العصب باليمن والسابوري بسابور والطيالسة بالري وقال ابن عباس وقتادة والسدي في قوله تعالى "سواء للسائلين" أي لمن أراد السؤال عن ذلك

وقال ابن زيد معناه وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين أي على وفق مراده من له حاجة إلى رزق أو حاجة فإن الله تعالى قدر له ما هو محتاج إليه وهذا القول يشبه ما ذكروه في قوله تعالى "وآتاكم من كل ما سألتموه" والله أعلم.
ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11)
ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين
وقوله تبارك وتعالى "ثم استوى إلى السماء وهي دخان" وهو بخار الماء المتصاعد منه حين خلقت الأرض "فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها" أي استجيبا لأمري وانفعلا لفعلي طائعتين أو مكرهتين قال الثوري عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى "فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها" قال : قال الله تبارك وتعالى للسماوات أطلعي شمسي وقمري ونجومي وقال للأرض شققي أنهارك وأخرجي ثمارك "قالتا أتينا طائعين" واختاره ابن جرير رحمه الله قالتا أتينا طائعين أي بل نستجيب لك مطيعين بما فينا مما تريد خلقه من الملائكة والجن والإنس جميعا مطيعين لك حكاه ابن جرير عن بعض أهل العربية قال وقيل تنزيلا لهن معاملة من يعقل بكلامهما وقيل إن المتكلم من الأرض بذلك هو مكان الكعبة ومن السماء ما يسامته منها والله أعلم وقال الحسن البصري لو أبيا عليه أمره لعذبهما عذابا يجدان ألمه ورواه ابن أبي حاتم .
فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم (12)
فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم
"فقضاهن سبع سموات في يومين" أي ففرغ من تسويتهن سبع سموات في يومين أي آخرين وهما يوم الخميس ويوم الجمعة "وأوحى في كل سماء أمرها" أي ورتب مقررا في كل سماء ما تحتاج إليه من الملائكة وما فيها من الأشياء التي لا يعلمها إلا هو "وزينا السماء الدنيا بمصابيح" وهي الكواكب المنيرة المشرقة على أهل الأرض "وحفظا" أي حرسا من الشياطين أن تستمع إلى الملإ الأعلى "ذلك تقدير العزيز العليم" أي العزيز الذي قد عز كل شيء فغلبه وقهره العليم بجميع حركات المخلوقات وسكناتهم

قال ابن جرير حدثنا هناد بن السري حدثنا أبو بكر بن عياش عن أبي سعيد البقال عن عكرمة عن ابن عباس - قال هناد قرأت سائر الحديث - أن اليهود أتت النبي صلى الله عليه وسلم فسألته عن خلق السماوات والأرض فقال صلى الله عليه وسلم "خلق الله تعالى الأرض يوم الأحد ويوم الاثنين وخلق الجبال يوم الثلاثاء وما فيهن من منافع وخلق يوم الأربعاء - الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب - فهذه أربعة" قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين "لمن سأله قال وخلق يوم الخميس السماء وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر والملائكة إلى ثلاث ساعات بقيت منه وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس وفي الثالثة آدم وأسكنه الجنة وأمر إبليس بالسجود له وأخرجه منها في آخر ساعة" ثم قالت اليهود ثم ماذا يا محمد قال "ثم استوى على العرش" قالوا قد أصبت لو أتممت قالوا : ثم استراح فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا فنزل "ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون" هذا الحديث فيه غرابة فأما حديث ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع عن أبي هريرة رضي الله عنه قال أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فقال "خلق الله التربة يوم السبت وخلق فيها الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاثاء وخلق النور يوم الأربعاء وبث فيها الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر الخلق في آخر ساعة من ساعات يوم الجمعة فيما بين العصر إلى الليل" فقد رواه مسلم
والنسائي في كتابيهما من حديث ابن جريج به وهو من

غرائب الصحيح وقد علله البخاري في التاريخ فقال رواه بعضهم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن كعب الأحبار وهو الأصح
فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود (13)
فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود
يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المشركين المكذبين بما جئتهم به من الحق إن أعرضتم عما جئتكم به من عند الله تعالى فإني أنذركم حلول نقمة الله بكم كما حلت بالأمم الماضين من المكذبين بالمرسلين "صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود" أي ومن شاكلهما ممن فعل كفعلهما.
إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (14)
إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون
"إذ جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم" كقوله تعالى "واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه" أي في القرى المجاورة لبلادهم بعث الله إليهم الرسل يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له ومبشرين ومنذرين ورأوا ما أحل الله بأعدائه من النقم وما ألبس أولياءه من النعم ومع هذا ما آمنوا ولا صدقوا بل كذبوا وجحدوا وقالوا "لو شاء ربنا لأنزل ملائكة" أي لو أرسل الله رسلا لكانوا ²?لائكة من عنده "فإنا بما أرسلتم به" أي أيها البشر ""





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 460.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 455.12 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]