|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#431
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 91 الى صـــ 110 الحلقة (431) قال ابن التين: وفيه: جواز بيع المصحف، والإجارة على كتابته، وأخذ الجعل على قراءة القرآن، ما لم يتعين عليه الفرض كصلاة الفريضة، وذلك أنه إذا كان بين قوم لا يحسنون من القرآن ما يصلون به ما جاز له أخذ الأجرة في ذلك، وإن كان اختلف مذهب مالك في ذلك في الفرض والنفل (١). --------- (١) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في الثاني بعد السبعين، كتبه مؤلفه. ١٧ - باب ضَرِيبَةِ العَبْدِ، وَتَعَهُّدِ ضَرَائِبِ الإِمَاءِ ٢٢٧٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفَّفَ عَنْ غَلَّتِهِ أَوْ ضَرِيبَتِهِ. [انظر: ٢١٠٢ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح: ٤/ ٤٥٨] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ -وهو الثوري- عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ (١)، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ، وَكَلَّمَ مَوَاليَهُ فَخَفَّفَ عَنْ غَفَتِهِ أَوْ ضَرِيبَتِهِ. ثم ترجم: -------- (١) في هامش الأصل: من خط الشيخ: سفيان عن حميد من أفراد البخاري. ١٨ - باب خَرَاجِ الحَجَّامِ ٢٢٧٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ. [انظر: ١٨٣٥ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح: ٤/ ٤٥٨] ٢٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ، وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. [انظر: ١٨٣٥ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح: ٤/ ٤٥٨] ٢٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَامِرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا رضي الله عنه يَقُولُ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَحْتَجِمُ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ. [انظر: ٢١٠٢ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح: ٤/ ٤٥٨] وساق فيه حديث طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَأَعْطَى الحَجَّامَ أَجْرَهُ. وفي رواية من طريق عكرمة عنه مثله وزاد: وَلَوْ عَلِمَ كَرَاهِيَةً لَمْ يُعْطِهِ. ثم ذكر حديث أنس السالف: كَانَ يَحْتَجِمُ، وَلَمْ يَكُنْ يَظْلِمُ أَحَدًا أَجْرَهُ. ثم ترجم: ١٩ - باب مَنْ كَلَّمَ مَوَالِيَ العَبْدِ أَنْ يُخَفِّفُوا عَنْهُ مِنْ خَرَاجِهِ ٢٢٨١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: دَعَا النَّبِيُّ - ﷺ - غُلَامًا حَجَّامًا فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. [انظر: ٢١٠٢ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح: ٤/ ٤٥٩] ثم ذكر حديث أنس السالف: دَعَا رسول الله - ﷺ - غُلَامًا فَحَجَمَهُ، وَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ أَوْ صَاعَيْنِ، أَوْ مُدٍّ أَوْ مُدَّيْنِ، وَكَلَّمَ فِيهِ فَخُفِّفَ مِنْ ضَرِيبَتِهِ. وقد أسلفنا ذلك في باب ذكر الحجام (١)، وباب: موكل الربا (٢)، فراجعه. وفيه: أنه لا بأس أن يضرب الإنسان على عبده خراجًا معلومًا في الشهر، وأن يبلغ في ذلك وسع العبيد وطاقتهم، ولا يثقل عليهم؛ لأن التخفيف لا يكون إلا عن ثقل. وفيه: الشفاعة للمديان في الوضيعة، وللعبد في الضريبة وإن كان ليس بالدين الثابت لكنه مطالب به مستعمل فيه. وفيه: استعمال العبد بغير إذن سيده إذا كان معرضًا لذلك ومعروفًا به. وفيه: الحكم بالدليل؛ لأنه استدل على أنه مأذون له في العمل؛ لانتصابه له وعرض نفسه عليه. -------- (١) سلف برقم (٢١٠٢) كتاب: البيوع. (٢) عند حديث (٢٠٨٦) كتاب: البيوع ففي حديث أبي جحيفة هناك النهي عن ثمن الدم. ويجوز للحجام أن يأكل من كسبه، وكذا سيده، وقد سلفت مذاهب العلماء فيه، وإن كنا لا نحبه؛ لأنها صنعة رذيلة؛ قال الطحاوي: وفي إباحة الشارع أن يطعمه رقيقه وناضحه دليل أنه ليس بحرام، ألا ترى أن المال الحرام الذي لا يحل للرجل أكله لا يحل له أن يطعمه رقيقه ولا ناضحه، فثبت بذلك نسخ ما تقدم من نهيه، وهو النظر عندنا؛ لأنا رأينا الرجل يستأجر الرجل يقصد له عرقًا أو ينزع له ضرسًا، فيجوز ذلك، فكذلك تجوز الحجامة (١). وقال غيره: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿قُوَا أَنفُسَكُم وَأَهلِيكُو نَارًا﴾ [التحريم: ٦] أي: جنبوهم ما يقول إليها مما يؤدي إلى سخطه، وذلك فُرِضَ على المخاطبين بهذِه الآية، وقولهم: إنها صنعة رذيلة، فليست بأدنى من صنعة الكناس الذي ينقل الحش. وليست بحرام، فكذا هو، ولا نسلم أن الخبيث هو الحرام، بل قد يقع على الحلال قال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧] وكانوا يتصدقون بالحشف ورديء التمر فنزلت الآية. ----------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣٢. ٢٠ - باب كَسْبِ البَغِيِّ وَالإِمَاءِ وَكَرِهَ إِبْرَاهِيمُ أَجْرَ النَّائِحَةِ وَالمُغَنِّيَةِ. وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ﴾ [النور: ٣٣]. [وَقَالَ مُجَاهِدٌ:] ﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾: إِمَاؤُكُمْ. ٢٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. [انظر: ٢٢٣٧ - مسلم: ١٥٦٧ - فتح ٤/ ٤٦٠] ٢٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ. [٥٣٤٨ - فتح: ٤/ ٤٦٠] ثم ساق حديث أبي مسعود الأنصاري أَنَّ النبي - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. وحديث أبي هريرة: نَهَى عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ. الشرح: أثر إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، ثنا سفيان، عن أبي هاشم عنه أنه كره أجر النائحة والمغنية والكاهن، وكرهه أيضًا الشعبي والحسن. وقال عبد الله بن هبيرة ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٢] قال: مهر البغي (١)، وأما الآية فذكر مقاتل في «تفسيره» فيما ساقه الواحدي في «أسباب نزوله» عنه: إنها نزلت في ست جوارٍ لعبد الله بن ----------- (١) «المصنف» ٤/ ٤٦٧ - ٤٦٨ (٢٢١٥٥ - ٢٢١٥٨). أُبي ابن سلول كان يكرههن على البغاء ويأخذ أجورهن، وهن معاذة ومُسَيْكة، وأميمة، وعَمْرَة، وأروى، وقتيلة، فجاءته إحدا هن يومًا بدينار وجاءت أخرى ببرد فقال لهما: ارجعا فازنيا، فقالتا: والله لا نفعل قد جاء الله بالإِسلام وحرم الزنا، فأتيا رسول الله - ﷺ - وشكيا إليه فأنزل الله الآية، كذا ساقه عنه (١). والذي في «تفسيره» في الآية: أنها نزلت في عبد الله بن أبي المنافق، وفي جاريته أميمة، وفي عبد الله بن (نبتل) (٢) المنافق وفي جاريته مسيكة، وهي ابنة أميمة، ومنهن أيضًا: معاذة، وأروى، وعمرة، وقتيلة، وأتت أميمة وابنتها مُسَيْكَة رسول الله - ﷺ - فقالتا: إنا نكره على الزنا فنزلت. وفي مسلم كان ابن أبي يقول لجارية له: اذهبي فأبغينا شيئًا فنزلت (٣). وعن الزهري: أن رجلًا من قريش أسر يوم بدر (٤)، وكان عند عبد الله بن أبي أسيرًا، وكانت لعبد الله جارية يقال لها: معاذة فكان القرشي الأسير يراودها عن نفسها، وكانت تمتنع لإسلامها. وكان ابن أبي يكرهها ويضربها على ذلك رجاء أن تحمل من القرشي، فيطلب فداء ولده، فنزلت (٥). -------- (١) «أسباب النزول» ص ٣٣٦ - ٣٣٧ (٦٤٣). (٢) في هامش الأصل: نبتل بنون مضمونة ثم موحدة ساكنة ثم مثناه فوق مفتوحة. (٣) مسلم (٣٠٢٩) كتاب: التفسير، باب: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البِغَاءِ﴾. (٤) في هامش الأصل: هو العباس ذكره ابن بشكوال وقيل: غيره. (٥) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ٢/ ٥٠ (٢٠٤١)، ومن طريقه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٨/ ٢٥٨٩ (١٤٥٢٧)، وابن جرير في «تفسيره» ٩/ ٣١٩ (٢٦٠٧٦)، والواحدي في «أسباب النزول» ص ٣٣٧ (٦٤٤). قال مجاهد: نزلت في عبد الله بن أبي أيضًا (١)، وقاله ابن عباس أيضًا (٢)، ونقل ابن بطال عن أهل التفسير أنهم ذكروا في هذِه الآية أنه كانت لعبد الله بن أبي جارية يكرهها على الزنا، فلما حرمه الله قال لها: ألا تزني قالت: والله لا أزني أبدًا فنزلت إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لهن وإثمهن على من أكرههن (٣). وحديث أبي مسعود سلف (٤). وحديث أبي هريرة من أفراده، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن عباية بن رفاعة أنه - عليه السلام - كره كسب الأمة وقال: «لعلها لا تكد (٥) فتبغي بنفسها» وعن عثمان بن عفان: لا تكلفوا الصغير الكسب فيسرق، ولا تكلفوا الجارية غير ذات الصنع فتكسب بفرجها. وعن جابر: نهى رسول الله - ﷺ - عن خراج الأمة إلا أن تكون في عمل واصب (٦). و(البَغِي): الفاجرة (٧) والاسم: البغاء. قال إسماعيل بن إسحاق: دلت الآية السالفة أن المكرهة على الزنا والمغتصبة بوطء أنه لا حد عليهن. قال غيره: حرم الله -عز وجل- كسب البغي بفرجها وقام الإجماع على إبطال أجر النائحة والمغنية، وهو عندهم من أكل المال بالباطل. --------- (١) «تفسير مجاهد» ٢/ ٤٤٢، رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٨/ ٢٥٨٩ (١٤٥٢٦)، والطبري في «تفسيره» ٩/ ٣١٩ (٢٦٠٨٠، ٢٦٠٨١). (٢) رواه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٥٨٩ (١٤٥٢٣). (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤١١. (٤) سلف برقم (٢٢٣٧) كتاب: البيوع، باب: ثمن الكلب. (٥) في «المصنف»: تجد. (٦) «المصنف» ٤/ ٤٧٦ (٢٢٢٤١، ٢٢٢٤٣، ٢٢٢٤٤). (٧) «تهذيب اللغة» ١/ ٣٦٧. وقوله: (قال مجاهد ﴿فَتَيَاتِكُمْ﴾ [النور: ٣٣]: إماءكم). قال ابن التين: في بعض الروايات إمائكم وصوابه إماءكم، وفي بعضها: إماؤكم، وهذا جاء به على المبتدأ والخبر لم يأت به على الحكاية. وقوله: (﴿إِنْ أَرَدن تَحَصُّنًا﴾) [النور: ٣٣] متعلق بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ﴿إِنْ أَرَدن تَحَصُّنًا﴾ وقيل: في الآية تقديم وتأخير، والمعنى: فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم إن أردن تحصنًا، أي: تطلبوا أجورهن فيما يكتسبن. قال مجاهد: فإن الله للمكرهات من بعد إكراههن غفور رحيم (١). ------- (١) «تفسير مجاهد» ٢/ ٤٤٢. ٢١ - باب عَسْبِ الفَحْلِ ٢٢٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَكَمِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ. [فتح: ٤/ ٤٦١] ذكر فيه حديث ابن عمر: نَهَى رسول الله - ﷺ - عَنْ عَسْبِ الفَحْلِ. هذا الحديث من أفراده، وأغرب الحاكم فاستدركه وقال: إنه صحيح على شرطه (١)، وانفرد مسلم بإخراجه من حديث جابر: نهى النبي - ﷺ - عن بيع ضراب الجمل (٢). وهو ماؤه، ويقال: ضرابه، ويقال: أجرة مائه فيحرم ثمن مائه. وفي أجرته وجهان: أصحهما نعم. وقال ابن بطال: اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فكرهت طائفة أن يستأجر الفحل لينزيه مدة معلومة بأجر معلوم، ذكر ذلك عن أبي سعيد والبراء، وذهب الكوفيون والشافعي وأبو ثور إلى أنه لا يجوز عسب الفحل، واحتجوا بحديث الباب، وقالوا: هو شيء مجهول لا يدرى أينتفع به أم لا، وقد لا ينزل. وقال عطاء: لا تأخذ عليه أجرًا ولا بأس أن تعطي الأجر إذا لم تجد من يطرقك (٣). وفي الترمذي عن أنس أن رجلًا من كلاب سأل رسول الله - ﷺ - عن عسب الفحل فنهاه؛ فقال: يا رسول الله، إنا نطرق الفحل فنكرم، ------ (١) «المستدرك» ٢/ ٤٢. (٢) مسلم ١٥٦٥/ ٣٥ كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع فضل الماء .. (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤١٢، وانظر: «المغني» ٨/ ١٣٠ - ١٣١، «الشرح الكبير» ١٤/ ٣٢٨. فرخص له في الكرامة. ثم قال: حسن غريب (١). وعن أبي عامر الهوزنيِّ، عن أبي كبشة الأنماري أنه أتاه فقال: أطرقني فرسك، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أطرق فرسًا فعقب له كان له كأجر سبعين فرسًا حمل عليها في سبيل الله، وإن لم يعقب له كان له كأجر فرس حمل عليها في سبيل الله» رواه ابن حبان في «صحيحه» (٢) ومعنى أطرقني: أعرني فرسك للإنزاء، ورخص فيه الحسن وابن سيرين، وأجازه مالك مدة معلومة. واحتج الأبهري بأنها بيع منفعة، وكل ما جاز للإنسان أن ينتفع به جاز أن يهبه ويعاوض عليه، غير الوطء خاصة. وأما الذي لا يجوز أخذ العوض عليه ما لا يجوز فعله مما هو منهي عنه، كبيع الخمر وشبهه من الأعيان المحرمة والمنافع الممنوعة، قال: ومعنى نهيه عن عسب الفحل هو أن يكريه للعلوق؛ لأن ذلك مجهول لا يدرى متى يعلق، ولا يجوز إجارة المجهول، كما لا يجوز بيعه، قال: فأما إذا كان إلى أجل معلوم أو نزوات معلومة فلا بأس بذلك. قال صاحب «الأفعال»: (أعسب) (٣) الرجل عسبًا: أكرى منه فحلًا ينزيه (٤). قال أبو علي، عن أبي ليلى: ولا يتصرف منه فعل يقال: قطع الله عسبه، أي: ماءه ونسله. ونقل ابن التين عن أصحاب مالك أن معنى عسب الفحل: أن يتعدى عليه بغير أجر، وقالوا: ليس بمعقول أن -------- (١) الترمذي (١٢٧٤). (٢) «صحيح ابن حبان» ١٠/ ٥٣٣ (٤٦٧٩). (٣) كذا بالأصل، وفي «الأفعال» لابن القوطية وابن القطاع: (عسب). (٤) «الأفعال» لابن القوطية ص ٨٩، «الأفعال» لابن القطاع ٢/ ٣٦٠. يسمى الكراء عسبًا؛ والنهي عن إجارته؛ لأنه ليس من مكارم الأخلاق، قاله ابن حبيب وغيره. وقال الخطابي: نهى عنه؛ لأنه لا يدرى أيلقح أم لا؟ وقيل: هو نهي كراهة، مثل نهيه عن ثمن الدم، أراد أن لا يكون في صحابته حجام ولا فحال، ومالك أجازه، واحتج بفعل أبناء الصحابة في ذلك. ٢٢ - باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَرْضًا فَمَاتَ أَحَدُهُمَا وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَيْسَ لأَهْلِهِ أَنْ يُخْرِجُوهُ إِلَى تَمَامِ الأَجَلِ. وَقَالَ الحَكَمُ وَالحَسَنُ وَإِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: تُمْضَى الإِجَارَةُ إِلَى أَجَلِهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْطَى النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، وَلَمْ يُذْكَرْ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ جَدَّدَا الإِجَارَةَ بَعْدَ مَا قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ -. ٢٢٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - خَيْبَرَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ المَزَارِعَ كَانَتْ تُكْرَى عَلَى شَيْءٍ، سَمَّاهُ نَافِعٌ لَا أَحْفَظُهُ. [٢٣٢٨، ٢٣٢٩، ٢٣٣١، ٢٣٣٨، ٢٤٩٩، ٢٣٤٣، ٢٣٤٥، ٢٧٢٠، ٣١٥٢، ٤٢٤٨ - مسلم: ١٥٥١ - فتح: ٤/ ٤٦٢] ٢٢٨٦ - وَأَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ. [٢٣٢٧، ٢٣٣٢، ٢٣٤٤، ٢٧٢٢ - مسلم: ١٥٤٧ - فتح ٤/ ٤٦٢] ثم ساق حديث ابن عمر: أَعْطَى رَسُولُ الله - ﷺ - خَيْبَرَ اليَهْودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَأَنَّ ابن عُمَرَ حَدَّثَهُ أَنَّ المَزَارعَ كَانَتْ تُكْرى عَلَى شَيءٍ، سماهُ نَافِعٌ لَا أَحْفَظُهُ. وَأَنَّ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ حَدَّثَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ. وَقَالَ (١) عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ. --------- (١) فوقها في الأصل: معلق. الشرح: قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الصمد، ثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحكم في الرجل يؤاجر داره عشر سنين فيموت قبل ذلك قال: تنتقل (١) الإجارة، وتبطل العارية. وقال إياس بن معاوية: يمضيان إلى تمامها. وقال أيوب، عن ابن سيرين: إنما يرثون من ذلك ما كان يملك في حياته (٢). وتعليق ابن عمر: أجره بالشطر، والبقية للبخاري، والمذكور عن ابن عمر أخرجه مسلم (٣). وتعليق عبيد الله أخرجه مسلم أيضًا (٤). وحديث الباب فيه جواز المساقاة، وعليه جماعة العلماء إلا أبا حنيفة وتأول أن فتح خيبر كان عنوة، رواه ابن اسحاق، عن الزهري وقال: ما أخذه رسول الله - ﷺ - منهم فهو له، وما تركه فهو له (٥). واختلف العلماء في مسألة الباب فقالت طائفة: لا تنفسخ الإجارة بموت أحدهما ولا بموتهما، بل يقوم الوارث منهما مقام الميت، هذا قول ابن سيرين ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ومن حجتهم ما ذكره البخاري في الباب. ---------- (١) كذا في الأصل، وفي «المصنف»: تنتقض. ونقلها ابن حزم في «المحلى» ٨/ ١٨٤ كما في «المصنف» فلعل ما هنا تحريف. (٢) «المصنف» ٤/ ٥٥٧ (٢٣٠٩٤). (٣) مسلم (١٥٥١). (٤) مسلم (١٥٥١/ ٦) ولكن ليس من طريق عبيد الله. ورواه مسلم من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (١٥٥١/ ٢) بلفظ: أعطى رسول الله - ﷺ - خيبر بشطر ما يخرج من ثمر أو زرع .. فلما ولي عمر قسم خيبر .. (٥) انظر: «الهداية» ٤/ ٣٨٩، «المعونة» ٢/ ١٣١، «الذخيرة» ٦/ ٩٣ - ٩٤، «الإشراف» ٢/ ٨٠، «الشرح الكبير» ١٤/ ١٨١ - ١٨٢. وقال الكوفيون والثوري والليث: تنفسخ بموت أيهما مات، واحتجوا بأنا لو قلنا ببقائها لم يَخْلُ المكتري إما أن يستوفي المنافع من ملك المكري، أو من ملك الوارث، فبطل أن يستوفيها من ملك المكري؛ لأنه إذا مات لا ملك له، ولا يجوز أن يستوفيها من ملك الوارث؛ لأنه لم يملكها ولا عقد له معه فلا يجوز أن يستوفي المنافع من ملك واحد منهما. وجوابه: أنه يستوفيها من ملك نفسه؛ لأن المكري كان يملك الرقبة وما يحدث من المنافع، فلما عقد على منافعها مدةً زال ملكه عنها إلى المكتري، فإذا مات قبل انقضائها لم تنتقل إلى الوارث عنه ملك المنافع؛ لأنها ليست في ملكه، وإنما انتقلت إليه بالعين دون المنافع، فالمكتري إذا استوفي المنافع فإنه لا يستوفي شيئًا ملكه الوارث، بل يستوفي ملك نفسه، وأيضًا فإن مذهب أبي حنيفة: أن الرجل إذا وقف دارًا أو ضيعة على غيره وجعل (إليه) (١) النظر في ذلك فأكرى الموقف على يديه ذلك من غيره فإجارته لا تنفسخ فيما نقول نحن (٢). تنبيهات: أحدها: قال ابن التين: قول ابن عمر ليس مما بوب عليه؛ لأن خيبر مساقاة -وهو الراوي- والمساقاة: سنة على حيالها. قلت: هي إجارة، قال: وما ذكر من حديث رافع ليس من ذلك أيضًا؛ لأنه قال: كنا نكري الأرض بالثلث والربع وعلى الماذيانات وإقبال الجداول فنهينا عن ذلك، ---------- (١) في هامش الأصل: حاشية أي: إلى الواقف. (٢) انظر: «المبسوط» ١٥/ ١٢٥ - ١٢٦، ١٣٤ - ١٣٥، «بدائع الصنائع» ٤/ ٢٢٤، «المدونة» ٣/ ٤٢٨ - ٤٢٩، «الأم» ٣/ ٢٥٥، «المغني» ٨/ ٤٣ - ٤٥. وما أورده نقله عن ابن بطال بتصرف يسير. «شرح ابن بطال» ٦/ ٤١٣ - ٤١٥. وفيه غير وجه من الفساد. قال: وقول البخاري: ولم يذكر أن أبا بكر وعمر جددا الإجارة ليس مما بوب عليه؛ لأنه - ﷺ - قال لهم: «نقركم على ذلك ما شئنا». فمات - عليه السلام - وهم على ذلك، فإما أن يكونوا شرعوا في عمل سنة فيتربص إلى آخرها، وإما لا، فسكوتهم وسكوت الشيخين بعده رضا بالتمادي. ثانيها: أجاز الشافعي المزارعة تبعًا للمساقاة ولم يقدره بحد (١)، وحده مالك بالثلث فما دونه (٢)، وكلٌّ نزع إلى حديث رافع هذا، قال ابن التين: وأول ذلك ما ذكره مالك عن الثقات الأجلاء أنهم قالوا: كان البياض بين السواد، قضية خيبر قضية عين لا يدعى فيها العموم. ثالثها: قال الداودي: وإنما أعطى عمر الثمر ولم يعطه - عليه السلام -؛ لأن أصحاب عمر كان لهم ذلك بخلاف أولئك. فائدة: إياس (خت، س) بن معاوية بن قرة، كنيته أبو واثلة، قاضي البصرة (٣)، وأخرجا لأبيه معاوية، الأربعة لقرة وله صحبة. ورافع بن خديج أوسي حارثي، مات قبل ابن عمر بيسير (٤). -------- (١) انظر: «الأم» ٣/ ٢٣٩، «الإشراف» ٢/ ٧١ - ٧٣. (٢) انظر: «القوانين» ص ٢٧٧، وما بعدها. (٣) انظر: ترجمته في «تهذيب الكمال» ٣/ ٤٠٧ (٥٩٤). (٤) في هامش الأصل: سنة أربعة وسبعين وفيها ابن عمر. ٣٨ كتاب الحوالات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣٨ - كتاب الحوالات هي بفتح الحاء وكسرها، مشتقة من التحويل والانتقال (١). وفي الشرع: نقل حق من ذمة إلى ذمة (٢)، فكأن المال حول من ذمة المحيل إلى ذمة المحال عليه وهي مجمع عليها (٣)، والأصح عندنا: أنها بيع دين بدين استثني للحاجة (٤). قال ثعلب: تقول: أحلت فلانا على فلان بالدين إحالة. قال ابن طريف: معناه أتبعته على غريم ليأخذه. وقال ابن درستويه: يعني أزال عن نفسه الدين إلى غيره وحوله تحويلًا. وفي «نوادر اللحياني»: أحيله إحالة وإحالًا. --------- (١) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٦٨٠، «لسان العرب» ٢/ ١٠٥٦، مادة: (حول). (٢) انظر: «البيان» ٦/ ٢٧٩. (٣) انظر: «الإفصاح» ٦/ ٨٣، «مراتب الإجماع» ص ٦٢. (٤) انظر: «البهجة مع شرحها» ٣/ ١٤٣. ١ - باب فِي الحَوَالَةِ، وَهَلْ يَرْجِعُ فِي الحَوَالَةِ؟ وَقَالَ الحَسَنُ وَقَتَادَةُ: إِذَا كَانَ يَوْمَ أَحَالَ عَلَيْهِ مَلِيًّا جَازَ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَتَخَارَجُ الشَّرِيكَانِ وَأَهْلُ المِيرَاثِ، فَيَأْخُذُ هَذَا عَيْنًا وَهَذَا دَيْنًا، فَإِنْ تَوِيَ لأَحَدِهِمَا لَمْ يَرْجِعْ عَلَى صَاحِبِهِ. ٢٢٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي، هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ». [٢٢٨٨ - ٢٤٠٠ - مسلم: ١٥٦٤ - فتح: ٤/ ٤٦٤] ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتْبَعْ». الشرح: تعليق الحسن وقتادة أخرجه ابن أبي شيبة، عن عبدة بن سليمان عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن قال: إذا احتال على ملي ثم أفلس بعد جاز. قال: وحدثنا معاذ بن معاذ، عن أشعث، عن الحسن أنه كان لا يرى الحوالة ببرءاة إلا أن يبرئه، فإذا أبرأه فقد برئ وقال النخعي: كل حوالة ترجع إلا أن يقول الرجل للرجل: أبيعك ما على فلان وفلان بكذا وكذا، فأما إذا باعه فلا يرجع. وقال الحكم: لا يرجع في الحوالة إلى صاحبه حتى يفلس أو يموت ولا يدع وفاء. وعن أبي إياس، عن عثمان في الحوالة: يرجع على مسلم توي. وقال خطاب العصفري: أحالني رجل على يهودي فتوانى، فسألت الشعبي فقال: ارجع إلى الأول. ![]()
__________________
|
|
#432
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 111 الى صـــ 130 الحلقة (432) وعن شريح في الرجل يحيل الرجل فيتوي قال: يرجع إلى الأول (١). وأثر ابن عباس: قال ابن التين: يريد بالتراضي بغير قرعة مع استواء الدين وإقرار من عليه وحضوره. وقوله: (وأهل الميراث) قال أبو عبيد: إذا كان بين ورثة أو شركاء وهو في يد بعضهم دون بعض فلا بأس أن يبتاعوه، وإن لم يعرف كل واحد منهم نصيبه بعينه، ولو أراد أجنبي أن يشتري نصيب بعضهم لم يجز حتى يقبضه البائع (٢). قال: وتوي ضبطناه بفتح الواو وسكون الياء، والصواب كسر الواو وفتح الياء على وزن غوي، والتواء ممدود وقد يقصر. وقال صاحب «المغيث»، عن أبي بكر في قوله: ذاك الذي لا توي عليه. أي: لا ضياع ولا خسارة، من قولهم توي المال إذا هلك يتوي، وتوي حق فلان على غريمه إذا ذهب تويًا وتواء، والقصر أجود فهو توٍ وتاوٍ (٣). قال الجياني قيل: إنه من التو بمعنى: المنفرد، ولم يذكر ابن ولاد والقزاز وابن سيده وغيرهم فيه غير القصر. وقال أبو علي الفارسي: طيء تقول: توى. قال ابن المنير: أدخل قسمة الديون والعين تحت الترجمة إذا كان هذا عين وهذا دين، فتوى الدين لم تنقض القسمة؛ لأنه رضي بالدين عوضًا فتوي في ضمانه، وقاس الحوالة عليه (٤). ----------- (١) «المصنف» ٤/ ٣٣٦ (٢٠٧١٥ - ٢٠٧٢٣). (٢) «غريب الحديث» ٢/ ٢٩٩. (٣) «المجموع المغيث» مادة (توى) ١/ ٢٤٩. (٤) «المتواري» ص ٢٥٤. وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي رواية لأحمد: «فإذا أحيل أحدكم على ملي فليحتل» (٢). وذكر أبو مسعود أن البخاري رواه عن محمد بن يوسف في الحوالة، وكذا ذكره خلف والطرقي (٣)، ومن طريقه خرجه الترمذي عن الثوري، والذي في البخاري هنا عبد الله بن يوسف لا محمد (٤). ولابن ماجه من حديث ابن عمر: «وإذا أحلت على ملي فاتبعه» (٥). ولأبي داود من حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه مرفوعًا: «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته» (٦) وسيأتي في الكتاب في باب: لصاحب الحق مقال. معلقًا من كتاب الاستقراض بلفظٍ: ويذكر عن النبي - ﷺ -. ---------- (١) مسلم (١٥٦٤) كتاب: المساقاة، باب تحريم مطل الغني، وصحة الحوالة. (٢) «المسند» ٢/ ٤٦٣. (٣) كلام المصنف رحمه الله هنا مشكل فهو -فيما يظهر- يستغرب قول أبي مسعود وخلف والطرقي في كون البخاري رواه في الحوالة عن محمد بن يوسف. وهو عنده بالفعل عن محمد بن يوسف في الطريق التالي مباشرة لحديث الباب، وقد بوب عليه البخاري: باب إذا أحال على ملي فليس له رد. وهذا الباب وإن كان قد ثبت في بعض النسخ وسقط من بعضها -فيكون عذرًا للمؤلف- إلا أنه أورد الباب بعدُ، وذكر أن البخاري ذكر فيه الحديث مما يعني أنه ثبت عنده في نسخته، فيبقى استغرابه غير معروف السبب. (٤) سبق بيان أنه عند البخاري عن كليهما: حديث الباب (٢٢٨٧) من طريق عبد الله بن يوسف عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج به، وكرره في الباب التالي برقم (٢٢٨٨) من طريق محمد بن يوسف عن سفيان عن ابن ذكوان عن الأعرج به. وأما قوله: ومن طريقه -أي محمد بن يوسف- خرجه الترمذي عن الثوري. فالذي في الترمذي (١٣٠٨) عن محمد بن بشار (بندار)، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن أبي الزناد عن الأعرج به. وليس من طريق محمد بن يوسف. والله أعلم. (٥) ابن ماجه (٢٤٠٤). (٦) أبو داود (٣٦٢٨). قال سفيان: عرضه: ويقول: مطلتني، وعقوبته: الحبس (١). وقال ابن المبارك: يحل عرضه: يغلظ عليه، وعقوبته: يحبس له. وأخرجه ابن أبي شيبة بلفظ: يحل دينه وعقوبته (٢). وأخرجه الطبراني من حديث وبر بن أبي دُلَيْلة (خ م د س ق)، عن محمد بن عبد الله بن ميمون، عن عمرو بن الشريد، عن أبيه فذكره من طريقين بلفظ البخاري قال: سفيان يحل عرضه أن تشكوه. قال الطبراني: والصواب وبر بن أبي دُليلة بضم الدال، ورواه النعمان بن عبد السلام عن سفيان فقال بنصب الدال (٣). قلت: والوبره دويبة -بالسكون- أصغر من السنور لا ذنب لها، والجمع وبر ووبار وبه سمى الرجل، قاله الجوهري (٤). وقوله: («ليُّ») هو بفتح اللام وتشديد الياء أي -مَطْله- يقال: لوى بذنبه ليًّا وليانًا، وأصل لي: لوي إلا أنه لما اجتمع حرفا علة وسبق الأول بالسكون قلبت ياء وأدغم في الياء الثانية، مثل: عيشة مرضية. والواجد بالجيم. وعرضه: لومه وعقوبته كما سلف من تفسير سفيان وغيره. والواجد: الغني الذي يجد ما يقضي به دينه وحل حبسه إذا أخفي المال، فإن كان ظاهرًا قضى به لغريمه. وفيه: دليل على أن المعسر لا يحبس لعدم وجدانه. ----------- (١) سيأتي قبل حديث (٢٤٠١). (٢) «المصنف» ٤/ ٤٩١ (٢٢٣٩٥) وفيه: يحل عرضه وعقوبته. وليس في دينه. (٣) «المعجم الكبير» ٧/ ٣١٨ (٧٢٤٩، ٧٢٥٠). (٤) «الصحاح» ٢/ ٨٤١ مادة: (وبر). والعرض: موضع المدح والذم من الإنسان، سواء أكان في نفسه أو سلف أو من يلزمه أمره، وقيل: هو جانبه الذي يصونه من نفسه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب. وقال ابن قتيبة: عرض الرجل نفسه وبدنه لا غير (١). وفي «الفصيح»: هو ريح الرجل الطيبة أو الخبيثة. ويقال: هو نقي العرض. أي: بريء من أن يشتم أو يعاب (٢). وعن ابن السِّيْدِ: في الحديث أوضح حجة لمن قال: إن عرض الرجل ذاته؛ لأنه لم يبح له أن يقول في آبائه وأسلافه، إنما أباح له أن يقول فيه نفسه. وقال ابن خالويه: العرض: الجلد يقال: هو نقى العرض أي: لا يغلب بشيء وقال التدميري: هو جسد الإنسان، وقد سلف أيضًا في الحج. إذا تقرر ذلك؛ فالكلام في مواضع: أحدها: المطل أصله فيما ذكره ابن فارس من قولهم: مطلت الحديدة أمطلها مطلًا إذا مددتها لتطول (٣). وقال ابن سيده: المطل: التسويف بالعدة والدين، مطله حقه يمطله مطلًا فأمطل (٤). قال القزاز: والفاعل ماطل ومماطل، والمفعول ممطول، ومماطل، وتقول: ماطلني ومطلني حقي. --------- (١) «أدب الكاتب» ١/ ٢٧ (٢) «الفصيح» ص ٢٨٥. (٣) «المجمل» ص ٨٣٣ مادة: (مطل). (٤) «المحكم» ٩/ ١٥٠ (مطل). وقوله تعالى: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] في مطل الدين كما قاله ابن التين، وقيل فيمن يستضيف فلا يضاف. وقيل: يريد المكره على الكفر فهو مظلوم. وعن مجاهد أن رجلًا نزل بقوم فأساءوا قراه فشكاهم، فنزلت هذِه الآية رخصة في أن يشكو (١). وعبارة القرطبي: المطل: عدم قضاء ما استحق أداؤه مع التمكن منه وطلب المستحق حقه، وللإمام أدبه وتعزيره حتى يرتدع عن ذلك، حكي معناه عن سفيان (٢). ثانيها: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه له، وشرعًا محرم مذموم، ووجهه هنا أنه وضع المنع موضع ما يجب عليه من البذل، فحاق به الذم والعقاب، والذي أضيف المطل إليه هو الذي عليه الحق؛ بدليل «لي الواجد» ولا يلتفت لقول من قال: إنه صاحب الحق؛ لبعده وعدم ما يدل عليه (٣). وعن أصبغ وسحنون: ترد شهادة الملي إذا مطل؛ لكونه سمي ظالمًا (٤)، وعند الشافعي بشرط التكرار، وقيل: المعنى أن مطل الغني بدينه، فيكون المطل على هذا من الغريم الذي عليه الدين فمع الفقر أحرى وأولى، حكاه ابن التين. قال: والجمهور على القول الأول. ------------ (١) انظر أقوال مجاهد في هذِه الآية «تفسير الطبري» ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١ (١٠٧٥٨ - ١٠٧٦٦). (٢) «المفهم» ٤/ ٤٣٨. (٣) نقله عن القرطبي في «المفهم» ٤/ ٤٣٩. (٤) انظر: «مواهب الجليل» ٨/ ٢٠٠. ثالثها: قوله: («فليتبع») هو بإسكان التاء في أتبع، وهو الصواب المشهور في الروايات والمعروف في كتب اللغة والغريب، وعن بعضهم أنه بالتشديد في الثانية. ومن الأول قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا﴾ [الإسراء: ٦٩] قال الخطابي: أكثر المحدثين يقولونه بالتشديد والصواب التخفيف (١). رابعها: مذهب الشافعي وغيره أنه إذا أحيل على ملي استحب له قبول الحوالة وحملوا الحديث على الندب؛ لأنه من باب التيسير على المعسر، وقيل: واجب. وقيل: مباح. وإلى الوجوب ذهب داود وغيره، وعن أحمد روايتان: الوجوب، والندب ولما سأل ابن وهب مالكًا عنه قال: هذا أمر ترغيب وليس بإلزام، وينبغي له أن يطيع سيدنا رسول الله - ﷺ -، بشرط أن يكون بدين وإلا فلا حوالة؛ لاستحالة حقيقتها إذ ذاك وإنما تكون حَمالة (٢). خامسها: من شرطها أيضًا تساوي الدينين قدرًا وجنسًا وصفةً، كالحلول والتأجيل والصحة والكسر، ومن العلماء من أجازها في النقدين فقط ومنعوها في الطعام؛ لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى، وأجازه مالك إذا كان الطعامان كلاهما من قرض إذا كان دين المحال حالًّا، وأما إذا ----------- (١) «معالم السنن» ٣/ ٦٤٠. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٠٢، «الاختيار» ٣/ ٣، «عيون المجالس» ٤/ ١٦٥٩ - ١٦٦١، «المعونة» ٢/ ١٩٩، «البيان» ٦/ ٢٨٦، «روضة الطالبين» ٤/ ٢٢٨، «المغني» ٧/ ٦٢ - ٦٣، «الشرح الكبير» ١٣/ ٨٩ - ٩٠، «المحلى» ٨/ ١٠٨. كان أحدهما من سلم فإنه لا يجوز، إلا أن يكون الدينان حالين. وعند ابن القاسم وغيره من أصحاب مالك: يجوز ذلك إذا كان الدين المحال به حالًّا. ولم يفرق الشافعي؛ لأنه كالبيع في ضمان المستقرض وأما أبو حنيفة فأجازها بالطعام وشبهه بالدراهم، وجعلها خارجة عن الأصول؛ لخروج الحوالة بالدراهم. ولها عند مالك ثلاثة شروط: أن يكون دين المحال حالًّا، وإلا كان دينًا بدين، وأن يكون الدين الذي يحيله به مثل الذي يحيله عليه فيما سلف؛ لأنه إذا اختلف كان بيعًا لا حوالة يخرج من باب الرخصة إلى باب البيع، فيدخل الدين بالدين، وأن لا يكون الدينان طعامين من سلف أو أحدهما ولم يحل الدين المحال به على مذهب ابن القاسم (١). سادسها: جمهور العلماء على أن الحوالة ضد الحمالة في أنه إذا أفلس المحال عليه لا يرجع صاحب الدين على المحيل بشيء. وقال أبو حنيفة: يرجع صاحب الدين على المحيل إذا مات المحال عليه مفلسًا، أو حكم بإفلاسه، أو جحد الحوالة ولم يكن له بينة، وبه قال شريح وعثمان البتي والشعبي والنخعي وأبو يوسف ومحمد وجماعة. وقال الحكم: لا يرجع ما دام حيًّا حتى يموت، ولا يترك شيئًا، فإن الرجل يوسر مرة ويعسر أخرى، ويشترط عندنا رضا المحيل والمحتال لا المحال عليه في الأصح وفاقًا لمالك. وعند أبي حنيفة وداود مقابله. ------------- (١) انظر: «بداية المجتهد» ٤/ ١٤٧٨، «البيان» ٦/ ٢٨١ - ٢٨٤، «الكافي» ٣/ ٢٨٧ - ٢٩٠، «المغني» ٧/ ٥٦ - ٥٧. وقال الشافعي وأحمد وأبو عبيد والليث وأبو ثور: لا يرجع عليه وإن توي وسواء غره بالفلس أو طول عليه أو أنكره. وقال مالك: لا يرجع على الذي أحاله إلا أن يغره بفلس (١). سابعها: استنبط بعضهم من قوله: «مطل الغني ظلم» أن الحوالة إنما تكون بعد حلول أجل الدين؛ لأن المطل لا يكون إلا بعد الحلول. تنبيهات: أحدها: قال ابن المنذر: هذا الخبر يدل على معان منها: أن من الظلم دفع الغني صاحب المال عن ماله بالمواعيد، ومن لا يقدر على القضاء غير داخل في هذا المعنى؛ لأن الله جل ذكره قد أنظره بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]. وفيه ما دل على تحصين الأموال، وذلك أمره باتباع المليِّ دون المعدم؛ لأنه خص بقوله: «وإذا أتبع أحدكم على مليٍّ فليتبع» فدل أن من أتبع على غير مليٍّ فلا يتبع. ثانيها: تحصلنا على أربعة أقوال: قول الحسن، وقتادة، وقول مالك فيمن غرَّه، والشافعي لم يغره، وقول أبي حنيفة السالف. وذكر عن الحسن وشريح وزفر أن الحوالة كالضمان، وأنه يرجع على أيهما شاء فهذا ضامن (٢). ----------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٠٢ - ١٠٣، «عيون المجالس» ٤/ ١٦٦٢ - ١٦٦٤، «القوانين الفقهية» ص ٣٢٢، «الإشراف» ٢/ ٥١ - ٥٢، «روضة الطالبين» ٤/ ٢٣٢، «الكافي» ٣/ ٢٩٠ - ٢٩١، «المغني» ٧/ ٦٠ - ٦١. (٢) انظر: «الإشراف» ٢/ ٥١. ثالثها: الحديث دال على أبي حنيفة في قوله: إن المحيل لا يبرأ؛ لأنه شرط الملاءة، فدل على أن لا رجوع وإلا لما كان لاشتراطها معنى. قال ابن التين: وفيه: دليل على الشافعي في قوله: يبرأ المحيل وإن غر بفلس المحال عليه؛ لاشتراط الملاءة وهو غير مليٍّ. قلت: لا فهو مقصر. ٢ - باب إِذَا أَحَالَ عَلَى مَلِيٍّ فَلَيْسَ لَهُ رَدٌّ ٢٢٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ ذَكْوَانَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَطْلُ الغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَمَنْ أُتْبِعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَّبِعْ». [انظر: ٢٢٨٧ - مسلم: ١٥٦٤ - فتح: ٤/ ٤٦٦] ذكر فيه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ المذكور في الباب قبله: «وَمَنْ أُتْبعَ عَلَى مَلِيٍّ فَلْيَتَبعْ». وقد فرغنا منه آنفًا. ٣ - باب إِنْ أَحَالَ دَيْنَ المَيِّتِ عَلَى رَجُلٍ جَازَ ٢٢٨٩ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟». قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟». قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَهَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟». قَالُوا: ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ. فَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: «هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟». قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. [٢٢٩٥ - فتح: ٤/ ٤٦٦] ذكر فيه حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ: كُنَّا عِنْدَ رسول الله - ﷺ - إِذْ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟». قَالُوا: لَا .. إلى أَن قال: ثُمَّ أُتِيَ بِالثَّالِثَةِ، فَقَالُوا: صَلِّ عَلَيْهَا. قَالَ: «هَلْ تَرَكَ شَيْئًا؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَهَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ؟». قَالُوا: ثَلَاثَةُ دَنَانِيرَ. قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: صَلِّ عَلَيْهِا يَا رَسُولَ اللهِ، وَعَلَيَّ دَيْنُهُ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. هذا الحديث من أفراده، وهو أحد ثلاثياته، وللترمذي مصححًا عن أبي قتادة لما قال: هو علي يا رسول الله، قال: «بالوفاء؟» قال: بالوفاء (١). ولابن ماجه: فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به (٢). ولأبي داود من حديث جابر: قال أبو قتادة: هما علي يا رسول الله (٣). ------------ (١) الترمذي (١٠٦٩). (٢) ابن ماجه (٢٤٠٧). (٣) أبو داود (٣٣٤٣). وفي الحاكم وقال: صحيح الإسناد عن جابر فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: «هما عليك وفي مالك، والميت منهما بريء» قال: نعم، فصلى عليه، فجعل رسول الله - ﷺ - إذا لقي أبا قتادة يقول: «ما صنعت الديناران» حتى كان آخر ذلك قال: قد قضيتهما يا رسول الله قال: «الآن حين بردت عليه جلده» (١) وللطحاوي مثله، وفيه: فقال أبو اليسر أو غيره: هو عليَّ (٢). وللطبراني من حديث أسماء فقال أبو قتادة: أنا بدينه يا رسول الله (٣) وللدارقطني من حديث عليٍّ نحوه (٤). إذا تقرر ذلك؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: ترجم البخاري على الحوالة وذكر حديثًا في الضمان؛ لأن الحوالة والحمالة عند بعض العلماء معناهما متقارب، وهو قول ابن أبي ليلى، وإليه ذهب أبو ثور؛ فلهذا أجاز أن يعبر عن الضمان بما حال؛ لأنه كله نقل ذمة رجل إلى ذمة آخر، ونقل ما على رجل من دين إلى آخر. والحمالة في حديث أبي قتادة براءة لذمة الميت فصار كالحوالة سواء. وقد اختلف العلماء في الرجل يضمن دينًا معلومًا عن ميت بعد موته ولم يترك الميت وفاء، فقالت طائفة: إن الضمان له لازم، ترك الميت شيئًا أم لا، هذا قول ابن أبي ليلى، وبه قال مالك والشافعي. ---------- (١) «المستدرك» ٢/ ٥٨. (٢) «شرح مشكل الآثار» ١٠/ ٣٣٤ (٤١٤٥). (٣) «المعجم الكبير» ٢٤/ ١٨٤ (٤٦٦). (٤) «السنن» ٣/ ٤٦ - ٤٧. وقال أبو حنيفة: لا ضمان على الكفيل؛ لأن الدين قد توي، فإن ترك شيئًا ضمن الكفيل بقدر ما ترك، فإن ترك وفاء فهو ضامن لجميع ما تكفل به. قال ابن المنذر: فخالف الحديث، وفي امتناعه - عليه السلام - أن يصلي عليه قبل ضمان أبي قتادة وصلاته عليه بعده البيان الواضح على صحة ضمانه، وأن من ضمن عن ميت دينًا فهو له لازم ترك الميت شيئًا أم لا؛ لأنهم قالوا له: ما ترك وفاء (١). ثانيها: فيه حجة على أبي حنيفة أيضًا في قوله أنه لا تصح الكفالة بغير قبول الطالب، وخالفه أبو يوسف فقال: الكفالة جائزة كان له مخاطب أو لم يكن. وقال ابن القاسم: لا أحفظ عن مالك فيه شيئًا، وأراه لازمًا. وأجازه الشافعي إذا عرف مقدار ما تكفل به. وقال الطحاوي: قد أجاز - عليه السلام - ضمان أبي قتادة من غير قبول المضمون له، فدل على صحة قول أبي يوسف (٢). ثالثها: اختلفوا إذا تكفل عن رجل بمال هل للطالب أن يأخذ ممن شاء منهما. فقال الثوري والكوفيون والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق: يأخذ أيهما شاء من المطلوب أو من الكفيل حتى يستوفي حقه، وهذا كان قول مالك ثم رجع عنه فقال: لا يأخذ الكفيل إلا أن ------------ (١) انظر: «الهداية» ٣/ ٩٧، «بدائع الصنائع» ٦/ ٣، «المعونة» ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «القوانين الفقهية» ص ٣٢٠، «البيان» ٦/ ٣٠٤ - ٣٠٥، «روضة الطالبين» ٤/ ١٤٠، «المغني» ٧/ ٨٣ - ٨٤. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٠٤، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٥٩، «الروضة» ٤/ ٢٥٩، «المغني» ٧/ ١٠٤ - ١٠٥. يفلس الغريم أو يغيب. وقالت طائفة: الكفالة والحوالة والضمان سواء، ولا يجوز أن يكون شيء واحد عن اثنين على كل واحد منهما، هذا قول أبي ثور. وقال ابن أبي ليلى: إذا ضمن الرجل عن صاحبه مالًا تحول على الكفيل وبرئ صاحب الأصل إلا أن يشترط المكفول له عليهما أن يأخذ أيهما شاء، واحتج ببراءة الميت من الدين بضمان أبي قتادة؛ ولذلك صلى عليه رسول الله - ﷺ -. وحجة مالك أن يأخذ الذي عليه الحق فإن وفَّى بالدين وإلا أُخذ ما نقصه من الحميل، فلأن الذي عليه الحق قد أخذ عوض ما يؤخذ منه ولم يأخذ الحميل عوض ما يؤخذ منه، وإنما دخل على وجه المكرمة والثواب فكافت التبدئة بالذي عليه الحق أولى إلا أن يكون الذي عليه الحق غائبًا أو معدمًا فإنه يؤخذ من الحميل، فإنه معذور في أخذه في هذِه الحال (١). قال ابن بطال: وهذا قول حسن، والقياس أن للرجل مطالبة أي الرجلين شاء، وحجة هذا القول الحديث السالف عن رواية الطحاوي، فإن فيه: فجاءَهُ من الغد يتقاضاه فقال: إنما كان ذلك أمس، ثم أتاه من بعد الغد فأعطاه، فدل أن المطلوب لا يبرأ بكفالة الكفيل عنه، وأن للطالب أن يأخذ بعد الكفالة أيهما شاء، ولما كان الضامن يلزمه إذا ضمن كما يلزم المديان أداء ما عليه كان صاحب الحق مخيرًا أن يأخذ ممن شاء منهما (٢). ----------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٠٣، «المعونة» ٢/ ٢٠٢، «عيون المجالس» ٤/ ١٦٧١ - ١٦٧٢، «الإشراف» ٢/ ٥٠، «الروضة» ٤/ ٢٦٤، «المغني» ٧/ ٨٦. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٢٠. رابعها: تركه - عليه السلام - الصلاة على المديان إنما هو أدب للأحياء لئلا يستأكلوا أموال الناس فتذهب، وكان هذا في أول الإسلام قبل الفتوح الذي جعل الله منه نصيبًا لقضاء دين المسلم فلما فتحت قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن تُوفي وعليه دين فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالًا فهو لورثته» أخرجاه من حديث أبي هريرة (١). وهذِه عقوبة في أمور الدين أصلها المال، فلما جاز أن يعاقب في طريق دينه على سبب المال جاز أن يعاقب في المال على سبيل الدين، كما توعد - عليه السلام - من لم يخرج إلى المسجد أن يحرق بيته، وسيأتي ناسخه في آخر باب من تكفل عن ميت دينًا إن شاء الله (٢). فرع: لا رجوع إذا ضمن عن الميت في التركة لتطوعه، خلافًا لمالك إن ادعى الرجوع. خامسها: فيه إشعار بصعوبة أمر الدين وأنه لا ينبغي تحمله إلا من ضرورة وأبعد بعضهم فقال: إنما كان يمتنع من دين غير جائز، والصواب ما قدمناه. سادسها: حديث أبي هريرة السالف صريح في نسخ المنع، وفي رواية ----------- (١) سيأتي عند البخاري برقم (٢٢٩٨) كتاب: الكفالة، باب: الدين، ومسلم (١٦١٩) كتاب: الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته. (٢) سيأتي برقم (٢٢٩٥) كتاب: الكفالة. للحازمي وإن قال: إنها غير محفوظة إلا أنه جيد في باب المتابعات من حديث ابن عباس أنه لما امتنع من الصلاة جاءه جبريل فنزل على رسول الله - ﷺ - فقال: إن الله -عز وجل- يقول إنما الظالم عندي في الديون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية، وأما المتعفف ذو العيال فأنا ضامن أن أؤدي عنه، فصلى عليه النبي - ﷺ -، وقال بعد ذلك: «من ترك ضياعًا ..» (١) الحديث، وقيل: نسخه قوله تعالى: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] ذكر أن ذلك في الأحياء، وقيل: فيهما، قاله ابن حبيب. سابعها: قضاء دين الميت المعسر كان من خصائصه وفي الإمام بعده وجه لسد رمقه، وإن كان يحتمل -كما قال القرطبي- أنه يكون تبرعًا من مكارم أخلاقه (٢)، وقيل: كان يقضيه من ماله. قال ابن بطال في باب من تكفل عن ميت دينًا: فإن لم يعط الإمام عنه شيئًا وقع القصاص منه في الآخرة ولم يحبس الميت عن الجنة بدين له مثله في بيت المال؛ إلا أن يكون دينه أكثر مما له بيت المال، وإن لم يتعين عنده مال فمن ماله، يعلمه الذي أحصى كل شيء عددًا، ومحال أن يحبس عن الجنة من له الحسنات عند من ظلمه ولا يقدر على الانتصاف منه في الدنيا مما يفي بدينه (٣). ----------- (١) رواه الحازمي في «الاعتبار» ص ٩٩. وقال: هذا الحديث بهذا السياق غير محفوظ وهو جيد في باب المتابعات. (٢) «المفهم» ٤/ ٥٧٥. (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٢٨. خاتمة: الجنازة. بالكسر للسرير، وبالفتح للميت وقيل: عكسه، وقيل: لغتان كما سلف في موضعه. وقوله في الأولى: (»هل ترك شيئًا؟ ") قال الداودي: لا أراه محفوظًا؛ لأنه إذا لم يكن عليه دين لا يسأل عما ترك. وفيه: أن ضمان الدين عن الميت يبرأ به؛ لأنه صلى عليه إذ ذاك. قال الخطابي: وفيه فساد قول من قال: إن المؤدي عنه يملكه أولًا على الضامن؛ لأن الميت المضمون عنه الدين لا يصح له ملك، وهذا نسب إلى مالك. ٣٩ كتاب الكفالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣٩ - كتاب الكفالة ١ - باب الكَفَالَةِ (١) فِي القَرْضِ وَالدُّيُونِ بِالأَبْدَانِ وَغَيْرِهَا ٢٢٩٠ - وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرَّجُلِ كَفِيلًا حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصَدَّقَهُمْ، وَعَذَرَهُ بِالجَهَالَةِ. وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي المُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ، وَكَفِّلْهُمْ. فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَقَالَ الحَكَمُ: يَضْمَنُ. [فتح: ٤/ ٤٦٩] ٢٢٩١ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي -------- (١) في هامش (س): في نسخة: كفارة. ![]()
__________________
|
|
#433
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 131 الى صـــ 150 الحلقة (433) إِسْرَائِيلَ: «سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِى بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ. فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا. قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ. قَالَ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا. قَالَ: صَدَقْتَ. فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا، يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً، فَنَقَرَهَا فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلَانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ كَفِيلًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا، أَبْعَثُ إِلَيْهِ الَّذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا. فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَهْوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا، يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِى كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ التِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ وَاللهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَىْءٍ؟ قَالَ: أُخْبِرُكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَرْكَبًا قَبْلَ الَّذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الَّذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ. فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ الدِّينَارِ رَاشِدًا». [انظر: ١٤٩٨ - فتح: ٤/ ٤٦٩] كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: القروض بدل (القرض). وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو الأَسْلَمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عُمَرَ بَعَثَهُ مُصَدِّقًا، فَوَقَعَ رَجُلٌ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَأَخَذَ حَمْزَةُ مِنَ الرجل (كفلاء) (١) حَتَّى قَدِمَ عَلَى عُمَرَ، وَكَانَ عُمَرُ قَدْ جَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ، فَصدَّقَهُمْ، وَعَذَرَهُ بِالجَهَالَةِ. ---------- (١) كذا بالأصل. وَقَالَ جَرِيرٌ وَالأَشْعَثُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ فِي المُرْتَدِّينَ: اسْتَتِبْهُمْ وَكَفِّلْهُمْ. فَتَابُوا وَكَفَلَهُمْ عَشَائِرُهُمْ. وَقَالَ حَمَّادٌ: إِذَا تَكَفَّلَ بِنَفْسٍ فَمَاتَ فَلَا شَئ عَلَيْهِ. وَقَالَ الحَكَمُ: يَضْمَنُ. وَقَالَ اللَّيْثُ .. فساق حديث الخشبة التي فيها ألف دينار، وقد سلف (١). أما أثر أبي الزناد فذكره مختصرًا، وقد طوله ابن وهب في «موطئه» عن ابن أبي الزناد، عن أبيه، وساقه الطحاوي أيضًا من طريقه: حدثني محمد، عن أبيه حمزة أن عمر بن الخطاب بعثه مصدقًا على بني سعد بن هذيم فأتى حمزة بمال ليصدقه فإذا رجل يقول لامرأة: صدقي مال مولاك. وإذا المرأة تقول: بل أنت أدِّ صدقة مال ابنك. فسأل حمزة عن أمرهما فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، فقالوا: هذا المال لابنه من جاريتها. فقال حمزة: لأرجمنك بحجارتك، فقال له أهل الماء: أصلحك الله إن أمره رفع إلى عمر بن الخطاب فجلده مائة ولم ير عليه رجمًا، فأخذ حمزة بالرجل كفلاء حتى قدم على عمر فسأله عما ذكر أهل الماء من جلد عمر إياه مائة جلدة وأنه لم ير عليه رجمًا، قال: فصدقهم عمر بذلك من قولهم، وإنما درأ عنه (عبد الرحمن) (٢)؛ لأنه عذره بالجهالة (٣). وعند الطحاوي أيضًا من حديث جون بن قتادة عن سلمة بن المحبق أن رجلًا زنى بجارية امرأته فقال - ﷺ -: «إن كان استكرهها فهي حرة --------- (١) فوقها في (س): اختصرها المصنف. (٢) كذا بالأصل، وفي الهامش: صوابه: عمر. (٣)»شرح معاني الآثار" ٣/ ١٤٧ (٤٨٧٦). وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فعليه مثلها» زاد في حديث قبيصة بن حريث، عن سلمة ولم يقم عليه حدًّا. قال أبو جعفر: فذهب قوم إلى هذا وقالوا: هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته، قالوا: وقد عمل بذلك ابن مسعود. وخالفهم فيه آخرون، فقالوا: بل نرى عليه الرجم إن كان محصنًا والجلد إن لم يكن. وروى حديث هشام عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم أن رجلًا وقع بجارية امرأته، فأتت امرأته النعمان بن بشير فأخبرته؛ فقال: أما إن لك عندي في ذلك خبرًا عن رسول الله - ﷺ - إن كنت أذنت له جلدته مائة، وإن كنت لم تأذني له رجمته. قال: قوله: (جلدناه مائة) هي عندنا تعزير، كأنه درأ عنه الحد بوطء الشبهة، وعزره بركوبه ما لا يحل له، فإن قيل: أفيعزر الحاكم مائة؟ قلنا: نعم قد عزر رسول الله - ﷺ - مائة. حديث النعمان عندنا ناسخ لما رواه ابن المحبق، وذلك أن الحكم كان في أول الإسلام يوجب عقوبات في أموال وأبدان لقوله: إنا آخذوها وشطر ماله. وحديث أبي هريرة: في ضالة الإبل: غرامتها ومثلها معها. وفي حديث عمرو بن العاصي: في مراح الماشية ففيه غرامة مثله وجلدات نكال حتى نسخ بتحريم الزنا. وأما ما ذكر عن ابن مسعود فقد خولف فيه، روى عبد الرحمن السلمي عن علي أنه قال: لا أوتى برجل وقع على جارية امرأته إلا رجمته. وحمزة بن عمرو أيضًا لم ينكر عليه عمر قوله: لأرجمنه، فوافق عليًّا، وما رواه النعمان قد أنكر على ابن مسعود إذ لم ير عليه حدًّا لما بلغه: لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة، فلم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده. قد أفتى علقمة بخلاف قول صاحبه ابن مسعود، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه (١). وقال الداودي: لعل حمزة أخذ الكفيل، يجب عليه من نقص الجارية. وقال ابن المنير: أخذ البخاري من الكفالة بالأبدان في الحدود الكفالة بالأبدان في الديون من طريق أولى، فمن هنا وقعت المطابقة. وقوله في الترجمة: (وغيرها) يعني: غير الأبدان. أي: ظاهر بالحقوق المالية لحديث الخشبة (٢)، وهو أصل في الكفالة بالديون من قرض كانت أو بيع، والكفالة في القرض الذي هو السالف بالأموال كلها جائزة، والكفالة بالأبدان في الحدود غير صحيحة ويسجن المدعى عليه في الحد حتى ينظر في أمره، إلا أن جمهور الفقهاء قد أجازوا الكفالة بالنفس، وهو قول مالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي حنيفة ومحمد، واختلف عن الشافعي فمرة أجازها ومرة ضعفها، وقالت طائفة: لا تجوز الكفالة بالنفس (٣). ولم يختلف الذين أجازوها في النفس أن المطلوب إن غاب أو مات لا يلزم الكفيل قصاص، فصارت الكفالة بالنفس عندهم غير موجبة الحكم في البدن، وشذ أبو يوسف ومحمد فأجازا الكفالة في الحدود ------------ (١) من قول المصنف (وعند الطحاوي) في هذا الموضع في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٤٤ - ١٤٨، وفيه تصرف كثير يوهم أنه من كلام المصنف. (٢) «المتواري» ص ٢٥٦. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٥٣ - ٢٥٥، «المبسوط» ١٩/ ١٦٢، «عيون المجالس» ٤/ ١٦٦٩ - ١٦٧٠، «الإشراف» ٢/ ٥٥، «البيان» ٦/ ٣٤٢ - ٣٤٤، «المغني» ٧/ ٩٦ - ٩٧. والقصاص وقالا: إذا قال المقذوف أو المدعي للقصاص: بينتي حاضرة، كفلته ثلاثة أيام. واحتج لهما الطحاوي بما روى حمزة عن عمر (١)، وابن مسعود، وجرير، والأشعث أنهم حكموا بالكفالة في النفس بمحضر من الصحابة حتى كتب إلى عمر في ذلك (٢)، ولا حجة فيه؛ لأن ذاك إنما كان على سبيل الترهيب على المطلوب والاستيثاق، لا أن ذلك لازم لمن تكفل إذا زال المتكفل به؛ لأنه يؤدي ما ضمن في ذمته عمن تكفل عنه، وإنما تصح الكفالة في الأموال؛ لأنه يؤدي ما ضمن في ذمته عمن تكفل عنه. وأصل الكفالة في المال قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]. أي: كفيل وضامن. واختلف الفقهاء فيمن تكفل بالنفس أو بالوجه هل يلزمه ضمان المال؟ فقال الكوفيون: لا، وهو أحد قولي الشافعي، وقال مالك والليث والأوزاعي: نعم ويرجع به على المطلوب، فإن نفاه فلا. حجة المانع أنه تكفل بالنفس فقط فكيف يلزم ما لم يتكفل به (٣). وفي حديث الخشبة أن من صح منه التوكيل على الله فإنه مليّ بنصره وعونه، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]. فالناقر توكل عليه ووثق به في تبليغها وحفظها، والذي سلف وطلب الكفيل صح منه التوكل على الله أيضًا؛ لأنه قنع به كفيلًا فوصل الله إليه ----------- (١) سبق تخريجه. (٢) «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٥٥. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ٦/ ٤، «الكافي» لابن عبد البر ص ٣٩٨، «البيان» ٦/ ٣٤٦، «المغني» ٧/ ٩٧. ماله، وسيأتي حكم أخذ الخشبة حطبًا لأهله في اللقطة إن شاء الله تعالى. وقوله: (فعَذَرَهُ بِالجَهَالَةِ)، أي: فلم يرجمه وضربه المائة تعزيرًا. وفيه: دليل على مانع وصول التعزير إلى الحد، ومذهب مالك مجاوزته بحسب اجتهاد الإمام (١). وفي حديث الخشبة جواز الأجل في القرض. ومعنى: («زَجَّجَ مَوْضِعَهَا») أصلح موضع النقر وسواه. قال الخطابي: ولعله من تزجج الحواجب وهو: لقطه شعره الزائد عن حد منبته، وإن أخذ من الزج فيكون النقر قد وقع في طرف من الخشبة فشد عليه زجًّا ليمسكه ويحفظ ما في بطنه (٢). وفيه: أن ما يقذفه البحر لواجده. قال الداودي: وفيه تبدئة الكاتب بنفسه. ولعله أخذه من قوله: «وصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ» وليس ببين. وفيه: طلب الكفيل في القرض. و(«جَهَدْتُ») بفتح الهاء من المشقة ويقال: أجهدت. ---------- (١) «المنتقى» ٧/ ١٤٣. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٣٣. ٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ (١) أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) [النساء: ٣٣] ٢٢٩٢ - حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ إِدْرِيسَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: وَرَثَةً ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ لِلأُخُوَّةِ الَّتِي آخَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمْ، فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِىَ﴾ نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ وَيُوصِي لَهُ. [٤٥٨٠، ٦٧٤٧ - فتح: ٤/ ٤٧٢] ٢٢٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. [انظر: ٢٠٤٩ - مسلم: ١٧٢٤ - فتح: ٤/ ٤٧٢] ٢٢٩٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ قَالَ: قُلْتُ لأَنَسٍ رضي الله عنه: أَبَلَغَكَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ؟». فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي. [٦٠٨٣، ٧٣٤٠ - مسلم: ٢٥٢٩ - فتح: ٤/ ٤٧٢] ذكر فيه عَنِ ابن عَبَّاسٍ: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] قَالَ: وَرَثَةً (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم) قَالَ: كَانَ المُهَاجِرُونَ لَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ يَرِثُ المُهَاجِرُ الأَنْصَارِيَّ دُونَ ذَوِي رَحِمِهِ، لِلأُخُوَّةِ التِي آخَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُمْ، --------- (١) هي قراءة ابن كثير وأبي عمر ونافع وابن عامر، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي: (عقدت) بغير ألف. وانظر «الحجة للقراء السبعة» ٣/ ١٥٦، «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١/ ٣٨٨ - ٣٨٩. فَلَمَّا نَزَلَتْ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ نَسَخَتْ، ثُمَّ قَالَ: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) إِلَّا النَّصْرَ وَالرِّفَادَةَ وَالنَّصِيحَةَ، وَقَدْ ذَهَبَ المِيرَاثُ وُيوصِي لَهُ. وعَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَيْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَآخَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ. وعن عَاصمٍ: قُلْتُ لأَنَسٍ: أَبَلَغَكَ أَنَّ رسول الله - ﷺ - قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ»؟ فَقَالَ: قَدْ حَالَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ قُرَيْشٍ وَالأَنْصَارِ فِي دَارِي. الشرح: هذا الحديث (١) يأتي في الاعتصام (٢) أيضًا، وأخرجه مسلم في الفضائل (٣)، وأبو داود في الفرائض (٤). وأما الموالي في الآية فالأشبه الوارث، وقيل: العاصب. والآية الأولى (عاقدت) مفاعلة من عقد الحلف، وقرئ ﴿عَقَدَت﴾ هو حلف الجاهلية توارثوا به نسخ بآية الأرحام أو الأخوة التي آخاها الشارع بين المهاجرين والأنصار توار توابها ثم نسخت بقوله ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ [النساء: ٣٣] أو نزلت في أهل العقد بالحلف يرثون نصيبهم من النصر والنصيحة دون الإرث، ومنه حديث: «لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة» (٥). أو نزلت في ابن التبني أمروا أن يوصوا لهم عند الموت، أو فيمن أوصى بشيء ثم هلكوا أمروا أن يدفعوا نصيبهم إلى ورثتهم، أقوال. --------- (١) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: يعني الأخير. (٢) برقم (٧٣٤٠) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحضَّ على اتفاق أهل العلم. (٣) مسلم (٢٥٢٩) باب: من فضائل نساء قريش. (٤) أبو داود (٢٩٢٦) باب: في الحلف. (٥) مسلم (٢٥٣٠) باب: من فضائل نساء قريش. وقد قال البخاري في التفسير: (عَاقَدَتْ) هو: مولى اليمين وهو الحليف (١). وذكره ابن أبي حاتم عن جماعة عدتهم ثلاثة عشر نفسًا منهم مجاهد (٢)، وأسنده عبد الرزاق عنه (٣). وفي «تفسير عبد بن حميد» من حديث موسى بن عبيدة، عن عبد الله بن عبيدة: العقد خمسة: النكاح، والشريك لا يخونه ولا يظلمه، والبيع، والعهد، قال تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] والحلف. وذكر الآية (٤). وقال مقاتل في «تفسيره»: كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده، فلما نزلت آية الميراث جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فذكر له ذلك فنزلت: (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُم) يقول: أعطوهم الذي سميتم لهم من الميراث (٥). ولما ذكر البخاري في المفسير حديث ابن عباس قال: سمع أبو أسامة إدريس، وإدريس طلحة -يعني ابن مصرف الراوي- عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (٦). وكذا صرح به غير واحد منهم: الحاكم في «مستدركه»، وقال: ---------- (١) سيأتي قبل رقم (٤٥٨٠) باب: قوله: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلنَا مَوَلِىَ﴾. (٢) «تفسير بن أبي حاتم» ٣/ ٩٣٨. (٣) «تفسير عبد الرزاق» ١/ ١٥٥ (٥٦٥). (٤) ذكره السيوطي في الدر، ٢/ ٤٤٨ وعزاه لعبد بن حميد. (٥) «تفسير مقاتل» آية (٣٣) النساء. (٦) برقم (٤٥٨٠) باب: قوله: ﴿وَلِكُلٍ جَعَلنَا مَوَلِىَ﴾. صحيح على شرطهما (١). وذكر أبو داود في «ناسخه ومنسوخه» عن عكرمة نسخ الحلف بذوي الأرحام، وعن الضحاك نحوه. وقال النحاس: الذي يجب أن يحمل عليه الحديث -يعني حديث ابن عباس- أن يكون ﴿وَلِكُلٍ جَعَلنَا مَوَلِىَ﴾ [النساء: ٣٣] ناسخًا لما كانوا يفعلونه وإن كان (وَالَّذِينَ عَاقَدَتْ أَيْمَانُكُم) غير ناسخ ولا منسوخ (٢). وقال الحسن وقتادة: إنها منسوخة (٣). وممن قال أنها محكمة مجاهد وابن جبير، وبه قال أبو حنيفة، وجعل أولي الأرحام أولَى من أولياء المعاقدة، فإذا فقد ذوو الأرحام ورث المعاقدون وكانوا أحق به من بيت المال، وهو أولى ما قيل في الآية كما قال النحاس. وقد بسطت هذا الموضع في «شرحي لفرائض الوسيط» وكتب الفروع. قال الطبري: حديث «لا حلف في الإسلام» (٤) يعارضه حديث أنس السالف، وكان هذا في أول الإسلام، كان آخى بين المهاجرين والأنصار فكانوا يتوارثون بذلك العقد، وعاقد أبو بكر مولى له فورثه (٥)، وكانت الجاهلية تفعل ذلك، ثم نسخ بذوي الأرحام، ورد المواريث إلى القرابات بالأرحام والحرمة بآية الوصية، وإنما قوله: «ما كان من حلف الجاهلية فلن يزيده الإسلام إلا شدة» فهو ما لم ينسخه الإسلام ولم يبطله حكم القرآن، وهو التعاون على الحق والنصرة على الأخذ --------- (١) «المستدرك» ٢/ ٣٠٦. (٢) «الناسخ والمنسوخ» ٢/ ٢٠٢. (٣) «تفسير الطبري» ٤/ ٥٤ (٩٢٦٧)، ٤/ ٥٥ (٩٢٧)، (٩٢٧١)، (٩٢٧٢). (٤) سبق تخريجه. (٥) رواه سعيد في «سننه» ٤/ ١٢٤٠ (٦٢٥)، الطبري في «تفسيره» ٤/ ٥٤ (٩٢٦٨). على يد الظالم الباغي، وهو معنى قول ابن عباس: إلا النصرة والرفادة. إنها مستثناة مما ذكر نسخه من مواريث المعاقدين، وزعم الداودي أنهم في الجاهلية إذا تعاقدوا فإن كان له ورثة سواه فله السدس وإلا ورثه وهذا من قول ابن عباس السالف. وقول البخاري في التفسير: (﴿مَوَلِىَ﴾: أولياء). وفي بعض النسخ (وقال معمر: أولياء: موالي ورثة) (١). وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: الموالي: العصبة -يعني: الورثة- وروى عن مجاهد وجماعات نحوه (٢). وقوله أيضًا: والمولى أيضًا ابن العم، والمولى: المنعم، والمولى: المعتق والمليك، ومولى في الدين. قلت: هو لفظ مشترك يطلق على أكثر من ذلك. قال الزجاج: المولى: كل من يليك، وكل من والاك في محبة فهو مولى، وذكر أبو موسى المدينى من ذلك المعتق والمحب، والجار، والناصر، والمأوى، والصهر. زاد ابن الأثير: الرب والتابع (٣). زاد ابن الباقلاني في «مناقب الأئمة»: المكان، والقرار. وأما بمعنى المولى فكثير، ولا يعرف في اللغة بمعنى الإمام، فإن قلت: فما وجه دخول حديث ابن عباس ونحوه في الكفالات؟ قلت: أجاب عنه ابن المنير بأن الكفيل والغريم الذي وقعت الحوالة ---------- (١) ورد بهامش اليونينة ٦/ ٤٤: أنها في نسختي: أبي الوقت وأبي ذر الهروي. (٢) «تفسير ابن أبي حاتم» ٣/ ٩٣٧. (٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٥/ ٢٢٨. عليه فينتقل الحق عليه، كما ينتقل هنا حق الوارث عنه إلى الحليف، فشبه انتقال الحق عن المكلف بانتقاله عنه وله. وفيه: القياس على أصل قد نسخ، وهي قاعدة اختلاف (١). فائدة: الحلف: -بكسر الحاء وإسكان اللام كما ضبطه ابن التين- العهد؛ لأنه لا يعقد إلا بحلف، قاله ابن سيده (٢). فمعنى («لَا حِلْفَ فِي الإِسْلَامِ») أي: لا تعاهدوني على فعل شيء كما كانوا في الجاهلية يتعاهدون؛ أرثني وأرثك، والمحالفة في حديث أنس هو الإخاء، كما نقله ابن التين عن تفسير العلماء، قال: وذلك أن الحلف في الجاهلية هو بمعنى: النصرة في الإسلام. --------- (١) «المتواري» ص ٢٥٧. (٢) «المحكم» ٣/ ٢٢١. ٣ - باب مَنْ تَكَفَّلَ عَنْ مَيِّتٍ دَيْنًا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَبِهِ قَالَ الحَسَنُ. ٢٢٩٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِجَنَازَةٍ، لِيُصَلِّيَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ؟». قَالُوا: لَا. فَصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ أُتِيَ بِجَنَازَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ: «هَلْ عَلَيْهِ مَنْ دَيْنٍ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: عَلَيَّ دَيْنُهُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَصَلَّى عَلَيْهِ. [انظر: ٢٢٨٩ - فتح: ٤/ ٤٧٤] ٢٢٩٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهم قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ، قَدْ أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا». فَلَمْ يَجِئْ مَالُ البَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَلَمَّا جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، وَقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. [٢٥٩٨، ٢٦٨٣، ٣١٣٧، ٣١٦٤، ٣٣٨٣ - مسلم: ٢٣١٤ - فتح: ٤/ ٤٧٤] ثم ساق حديث سلمة بن الأكوع السالف (١) قريبًا مختصرًا. وحديث جَابِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَوْ قَدْ جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ، أَعْطَيْتُكَ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا». فَلَمْ يَجِئْ مَالُ البَحْرَيْنِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَلَمَّا جَاءَ مَالُ البَحْرَيْنِ أَمَرَ أَبُو بَكْرٍ فَنَادى: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رسول اللهِ - ﷺ - عِدَةٌ أَوْ دَيْنٌ فَلْيَأْتِنَا. فَأتَيْتُهُ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَحَثَى لِي حَثْيَةً فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ خَمْسُمِائَةٍ، فقَالَ: خُذْ مِثْلَيْهَا. --------- (١) برقم (٢٨٩) كتاب: الحوالات، باب: إن أحال دين الميت على رجل جاز. هذا الحديث يأتي في الخمس والمغازي أيضًا (١). وفيه: جواز هبة المجهول، ولمالك قولان، والمشهور جوازه (٢). وفي بعض الروايات أن مال البحرين هذا كان أرسله العلاء بن الحضرمي (٣). وفيه: دلالة على سخائه، ولا شك فيه إذا كان المال لا يعده ولا يقدره بمقدار عند بذله. وكذا عند أخذه، وهذا كان منه وعدًا لجابر، وكان من خلقه الوفاء بالوعد، وقد قال تعالى في حقه ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾ [القلم: ٤] وأثنى على إسماعيل بأنه كان صادق الوعد؛ ولذلك نقده الصديق بعده بقوله من غير بينة؛ لأنه عدل بالنص، ولا يظن بمسلم الكذب فضلًا عن صحابي تعمد ذلك، وعند الشافعي والجمهور أن إنجاز الوعد مستحب، وخالف الحسن وبعض المالكية فأوجبوه (٤). و(الحَثْيَة): ملء الكف، قال ابن قتيبة: وهي الحفنة، وقال ابن فارس: هي ملء الكفين (٥) وفقه الباب سلف واضحًا. واختلف فيما إذا تكفل عن حي بغير إذنه؛ فقال الكوفيون والشافعي: لا رجوع به إذا أداه؛ لتبرعه. وعن مالك: له الرجوع لقيامه بواجب (٦). --------- (١) في الخمس برقم (٣١٣٧) باب: ومن الدليل على أن الخمس النوائب المسلمين، وفي المغازي برقم (٤٣٨٣) باب: قصة عمان والبحرين. (٢) انظر: «المدونة» ٤/ ٣٧٠. (٣) ستأتي برقم (٢٦٨٣) كتاب: الشهادات، باب: من أمر بإنجاز الوعد. (٤) انظر: «بريقة محمودية» ٢/ ٢٨٥، «الزواجر عن اقتراف الكبائر» ١/ ١٨٢. (٥) «مقاييس اللغة» مادة: (حثا). (٦) انظر: «اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى» ص ٥٥، «مختصر الطحاوي» ص ١٠٤، = ٤ - باب جِوَارِ أَبِي بَكْرٍ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَعَقْدِهِ ٢٢٩٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ. وَقَالَ أَبُو صَالِحٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ قَطُّ، إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَرَفَيِ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ الحَبَشَةِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ -وَهْوَ: سَيِّدُ القَارَةِ- فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الأَرْضِ فَأَعْبُدَ رَبِّي. قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبِلَادِكَ. فَارْتَحَلَ ابْنُ الدَّغِنَةِ، فَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ، وَلَا يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ المَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِى الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟ فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ وَآمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، وَقَالُوا لاِبْنِ الدَّغِنَةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا. قَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لأَبِي بَكْرٍ، فَطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ بِالصَّلَاةِ وَلَا القِرَاءَةِ فِي غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَبَرَزَ فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ، وَيَقْرَأُ القُرْآنَ، فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ، يَعْجَبُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ حِينَ يَقْرَأُ القُرْآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ، وَإِنَّهُ جَاوَزَ ذَلِكَ، فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ، وَأَعْلَنَ الصَّلَاةَ -------- = «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٦١، «الكافي» لابن عبد البر ص ٣٣٩، «المدونة» ٣/ ١٥٠، «مختصر المزني» ص ١٥٤. وَالقِرَاءَةَ، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ أَبْنَاءَنَا وَنِسَاءَنَا، فَأْتِهِ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ ذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ، فَإِنَّا كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لأَبِي بَكْرٍ الاِسْتِعْلَانَ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ أَبَا بَكْرٍ، فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الَّذِي عَقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ وَإِمَّا أَنْ تَرُدَّ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ فِي رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَدْ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، رَأَيْتُ سَبْخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ». وَهُمَا الحَرَّتَانِ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -، وَرَجَعَ إِلَى المَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «عَلَى رِسْلِكَ، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي». قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِيَصْحَبَهُ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. [انظر: ٤٧٦ - فتح: ٤/ ٤٧٥] ذكر فيه حديث عَائِشَة (١): لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ (٢). وذكر جوار ابن الدَّغِنَةِ .. إلى آخره. وقد سلف بعضه في المساجد (٣). وهذا الجوار كان معروفًا بين العرب يجيرون من لجأ إليهم واستجار بهم، وقد أجار أبو طالب رسول الله - ﷺ - (٤)، ولا يكون الجوار إلا من الظلم والعِدا. -------- (١) فوقها في (س): من طريقين. (٢) ورد بهامش الأصل: تقدم بعضه في باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس، أسنده هنا وعزاه هناك لأمكنة ليس منها هذا. (٣) برقم (٤٨٦) باب: المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس. (٤) ورد في هامش الأصل: وقد أجار المطعم بن عدي رسول الله - ﷺ - بعد أن خرج للطائف وحين دخل مكة في صحبه. فيه: أنه إذا خشي المؤمن على نفسه من ظالم أنه يباح له وجائز أن يستجير بمن يمنعه ويحميه من الظلم، وإن كان مجيره كافرًا إن أراد الأخذ بالرخصة، وإن أراد الأخذ بالشدة على نفسه فله ذلك، كما رد الصديق الجوار ورضي بجوار الله ورسوله، والصديق يومئذ كان من المستضعفين، فآثر الصبر على ما يناله من الأذى محتسبًا على الله واثقًا به، فوفَّى الله له بما وثق به منه ولم ينله مكروه حتى أذن في الهجرة فخرج مع حبيبه، ونجاهما الله من كيد أعدائهما حتى بلغ مراده -عز وجل- من إظهار النبوة وإعلاء الدين وكان للصديق في ذلك من الفضل والصدق في نصر رسوله وبذله نفسه وماله في ذلك ما لم يخف مكانه ولا جهل موضعه. وقط -بالتشديد والضم- وهي الأبد الماضي، تقول: ما رأيته قط، قال أبو علي: قط تجزم إذا كانت بمعنى القليل، وتضم وتثقل إذا كانت في معنى الزمن والحين من الدهر تقول: لم أر هذا قط، وليس عندي إلا هذا قط. وقولها: (وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ)، أي: يطيعان الله، وذلك أن مولدها بعد البعث بسنتين، وقيل: بخمس، وقيل: بسبع، ولا وجه له؛ لإجماعهم أنها كانت حين هاجر بنت ثمانٍ، وأكثر ما قيل: أن مقامه بمكة بعد البعث ثلاث عشرة، وإنما يصح خمس على قول من يقول: أقام ثلاث عشرة بمكة، وسنتين على قول من يقول: أقام عشرًا بها. وتزوجه بنت ست، وقيل: سبع، وبنى به بنت تسع، ومات عنها وهي بنت ثماني عشرة، وعاشت بعده ثمانيًا وأربعين سنة. وقولها: (فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ) تريد بأذى المشركين. وقولها: (خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا) قال الأزهري: أصل المهاجرة عند العرب: خروج البدوي من البادية إلى المدن، يقال: هاجر البدوي: إذا حضر وأقام كأنه ترك الأولى للثانية (١). و(الغِمَادِ) -بكسر الغين المعجمة في الأصل وضبطه عند ابن فارس بضمها- قال: وهي أرض (٢). و(الدَّغِنَة): بفتح الدال وكسر الغين المعجمة وتخفيف النون، قال أبو الحسن: كذا يرويه جميع الناس، وأهل العربية يضمون الدال والغين ويشددون النون، وعند المروزي بفتح الغين. قال الأصيلي: كذا قرأه لنا. وقيل: إنما كان ذلك؛ لأنه كان في لسانه استرخاء لا يملكه، والصواب الأول، يقال: الدثنة، والدغن: الدجن، والدثنة: المسترخية اللحم، والدغنة أمه وقيل: رايته. و(القَارَةِ) حي من العرب، وهم أرمى الناس بالنبل، ومنه المثل: قد أنصف القارة من راماها. (أَسِيحَ): أذهب، لا يريد موضعًا بعينه حتى يجد موضعًا فيستقر به. وقوله: (تَكْسِبُ المَعْدُومَ) إلى آخره سلف في الإيمان (٣). وقول ابن الدَّغِنَةِ: (إِنَّ أبا بكر لَا يَخْرُجُ مثله، وَلَا يُخْرَجُ)، أي: إن رغب فيه، وكذا ينبغي أن كل من ينتفع بإقامته لا يخرج ويمنع منه إن أراده، حتى قال محمد بن مسلمة في الفقيه: ليس له أن يغزو؛ لأن ثم من ينوب عنه فيه، وليس يوجد من يقوم مقامه في التعليم، ويمنع ----------- (١) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٧١٧ (هجر). (٢) «المجمل» مادة: (غمد). (٣) في بدء الوحي برقم (٣) باب منه. من الجروج إن أراده، واحتج بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]. وقوله: (وأنا لك جار)، أي مجير؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] والجار يكون المجير والمستجير أي: أنا مؤَمِّنُك ممن أخافك منهم. و(الأَشْرَاف) جمع شريف. وقوله: (فطَفِقَ أَبُو بَكْرٍ)، هو بكسر الفاء تقول: طفق يفعل كذا مثل ظلّ مثله، قال صاحب «الأفعال»: طفق بالشيء طفوقًا: إذا أدام فعله ليلًا ونهارًا (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ﴾ [ص: ٣٣]. وقوله: (ثُمَّ بَدَا لأَبِي بَكْرٍ)، أي: ظهر له غير ما كان يفعله. فابتنى مسجدًا بفناء داره، وهو أول مسجد بني في الإسلام، قاله أبو الحسن. قال الداودي: بهذا يقول مالك وفريق من العلماء أن من كانت لداره طريق متسع له أن يرتفق منها بما لا يضر بالطريق (٢). ومعنى (يَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ): يزدحمون حتى يسقط بعضهم على بعض، وأصله التكسر، ومنه ريح قاصفة: شديدة تكسر الشجر. وقوله: (أَنْ نُخْفِرَكَ)، هو بضم النون رباعي من أخفر إذا عاهد ثم غدر، وخفرته: منعته وحميته، وأخفرته: نقضت عهده، وأخفرته أيضًا جعلت منه خفيرًا، وأخفرت القوم أيضًا: إذا وصلوا إلى عدوهم، وهي في خفارتك. وقول الصديق: (أَرْضَى بِجِوَارِ اللهِ)، أي: حماه. --------- (١) «الأفعال» لابن القوطية ص ٢٧٠. (٢) انظر: «الشرح الكبير» ١٣/ ١٨٣. ![]()
__________________
|
|
#434
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 151 الى صـــ 170 الحلقة (434) وفيه: جوار المشرك للمسلم والرجوع إلى ما هو أفضل كما سلف. و(السبخة) بفتح الباء وصفها بالنخل والسبخة، وكان قبل ذلك رآها بصفة تجمع الحبشة والمدينة، فظنت الحبشة فهاجر بعضهم إليها، ثم أري تمام الصفة فانصرفوا إلى المدينة. و«رِسْلِكَ» بكسر الراء هيئتك كما أنت وهو السير الرفيق، أما الرَّسْل -بفتح الراء- فهو السير السهل، وضبطه في الأصل بكسر الراء، وفي بعض الروايات بفتحها. وقول البخاري: (وقال أبو صالح: حدثني عبد الله ..) إلى آخره، رواه الإسماعيلي في «صحيحه» من حديث أبي الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح، أنا عبد الله بن وهب، أنا يونس، عن الزهري. ومن حديث يونس، أنا ابن وهب، ثم قال: ذكر أبو عبد الله -يعني البخاري- من هذا الحديث: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، فقط من حديث الليث، عن عقيل، عن الزهري. واقتص باقيه من غير ذكر خبر عن عبد الله بن صالح، أنا عبد الله، عن يونس به. وهو غير ابن وهب، وقد ذكرته بإسناده، عن أبي الطاهر ويونس، عن ابن وهب، وجوده معمر، ولما ذكره أبو نعيم من حديث ابن السرح عن ابن وهب قال: روى -يعني: البخاري- حديث يونس، عن أبي صالح المروزي، عن عبد الله بن المبارك، عن يونس. وقال الجياني: في رواية ابن السكن، قال. أبو صالح سلمويه: ثنا عبد الله بن المبارك. قال: وأبو صالح هذا اسمه سليمان بن صالح مروزي، روى البخاري عن ابن أبي رزمة عنه (١)، وحكى أيضًا عن الأصيلي، وتبعه المزي (٢). وأما الدمياطي فقال في «حاشية الصحيح» عند أبي صالح: محبوب (د. س) بن موسى الأنطاكي الفراء، عنه، وأبو داود والنسائي (٣) عن رجل عنه، قال أحمد بن عبد الله: ثقة صاحب سنة (٤)، مات سنة ثنتين أو إحدى وثمانين ومائتين. خاتمة: إن قلت: ما وجه هذا الحديث في الكفالة؟ أجاب ابن المنير بأن قال: أدخله في الكفالة، وينبغي أن يناسب كفالة الأداء (٥) كما ناسب ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣٣] كفالة الأموال. ووجهه: أن مجير الصديق كأنه تكفل للجار ألا يضام من جهة من أجاره منهم، وضحى لمن أجاره عمن أجاره منهم لا يؤذيه فتكون العهدة عليه (٦). ---------- (١) «تقييد المهمل» ٢/ ٦١٩ - ٦٢٠. (٢) كما في «تحفة الأشراف» ١٢/ ١١٣. (٣) قال الحافظ في «النكت» ١٢/ ١١٣: وقال أبو نعيم لما استخرج طريق الليث قلت: خالف الجميع الحافظ شرف الدين الدمياطي فكتب في حواشي نسخته: أبو صالح هذا هو محبوب بن موسى ولم أر له فيه سلف، فإنه لم يذكره أحد ممن صنف في رجال البخاري ولا في شيوخه، ولا رأيت له ترجمة في «تاريخه الكبير» والله أعلم. (٤) «الثقات» للعجلي أحمد بن عبد الله ٢/ ٢٦٦. (٥) كذا في الأصول: وفي هامش الأصل: لعلها: الأبدان. (٦) «المتواري» ص ٢٥٨. ٥ - باب الدَّيْنِ ٢٢٩٨ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟». فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّهُ تَرَكَ لِدَيْنِهِ وَفَاءً صَلَّى، وَإِلَّا قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ». فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ قَالَ: «أَنَا أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ، فَمَنْ تُوُفِّيَ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَتَرَكَ دَيْنًا فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ، وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ». [٢٣٩٨، ٢٣٩٩، ٤٧٨١، ٥٧٣١، ٦٧٤٥، ٦٧٦٣ - مسلم: ١٦١٩ - فتح: ٤/ ٤٧٧] ذكر فيه حديث أَبِي هريرَةَ أنه - عليه السلام - كَانَ يُؤْتَى بِالرَّجُلِ المُتَوَفَّى عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَيَسْأَلُ: «هَلْ تَرَكَ لِدَيْنِهِ فَضْلًا؟ ..» الحديث. فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الفُتُوحَ .. إلى آخره. وقد سلف قبل الكفالة واضحًا (١)، وأدخله ابن بطال في باب من تكفل عن الميت دينًا، وقال فيه: تكفل الشارع بدين من مات من أمته معدمًا وتحمل كل دينهم وضياع عيالهم، وقد جاء بهذا اللفظ «من ترك كلًّا أو ضياعًا فعليَّ» (٢) (٣). وقوله: («فَعَلَيَّ قَضَاؤُهُ») أي: مما يفيء الله عليه الغنائم والصدقات --------- (١) سلف ذكره في شرح حديث (٢٢٨٩) ص ١٢٥. (٢) سيأتي برقم (٦٧٤٥) كتاب: الفرائض، باب: ابني عم أحدهما أخ الأم والآخر زوج. من حديث أبي هريرة. ومسلم من حديثه أيضًا (١٦١٩) كتاب: الفرائض، باب: من ترك مالًا فلورثته، بمعناه وله من حديث جابر (٨٦٧) كتاب: الجمعة، باب: تخفيف الصلاة والخطبة. (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٢٦، ٤٢٧. التي أمر الله بقسمتها على الغارمين والفقراء، وجعل للذرية نصيبًا في الفيء وقضى منه دين المسلم، وهكذا يلزم السلطان أن يفعله لمن مات وعليه دين على ما سلف، فإن لم يفعله وقع القصاص منهم في الآخرة. ٤٠ كتاب الوكالة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٤٠ - كتاب الوكالة ١ - باب وَكَالَةُ الشَّرِيكِ الشَّرِيكَ فِي القِسْمَةِ وَغَيْرِهَا وَقَدْ أَشْرَكَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلِيًّا فِي هَدْيِهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِقِسْمَتِهَا. ٢٢٩٩ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ البُدْنِ الَّتِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. [انظر: ١٧٠٧ - مسلم: ١٣١٧ - فتح: ٤/ ٤٧٩] ٢٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «ضَحِّ أَنْتَ». [٢٥٠٠، ٥٥٤٧، ٥٥٥٥ - مسلم: ١٩٦٥ - فتح: ٤/ ٤٧٩] ثم ساقه من حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ البُدْنِ التِي نُحِرَتْ وَبِجُلُودِهَا. وحديث عقبة بن عامر أنه - ﷺ - أَعْطَاهُ غَنَمًا يَقْسِمُهَا عَلَى صَحَابَتِهِ، فَبَقِيَ عَتُودٌ فَذَكَرَهُ لرسول الله - ﷺ - فقَالَ: «ضَحِّ بِهِ أَنْتَ». الشرح: التعليق الأول سلف عنده مسندًا (١)، وحديث جلال البدن سلف أيضًا (٢)، وحديث عقبة يأتي في الضحايا (٣). والوكالة -بفتح الواو وكسرها - التفويض ويقع على الحفظ أيضًا، ومنه ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوَكِيلُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وهي في الشرع إقامة الوكيل مقام الموكل في العمل المأذون فيه، وهي مندوب إليها بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ [المائدة: ٢]. إذا تقرر ذلك فوكالة الشريك جائزة كما تجوز شركة الوكيل، وهو بمنزلة الأجنبي في أن ذلك مباح منه. وحديث علي بين في الترجمة، وأما حديث عقبة فليس فيه وكالة الشريك؛ لكنه وكله - عليه السلام - على قسمة الأضاحي، وهو شريك للموهوب لهم، فتوكيله - عليه السلام - على ذلك كتوكيل شركائه الذين قسم بينهم الضحايا. وفيه: الشركة في الهدي، واختلف قول مالك إذا كان تطوعًا (٤). وفيه: الوكالة على الصدقة بالهدي. وفيه: التفويض إلى الوكيل كما ذكره الداودي، ويحتمل أن يكون عَيّن له ما يعطيه ومن يعطيه فلا يكون في ذلك تفويض. ----------- (١) سلف برقم (١٧١٦) كتاب: الحج، باب: لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا. (٢) سلف برقم (١٧٠٧) كتاب: الحج، باب: الجلال للبدن. (٣) برقم (٥٥٤٧) باب: قسمة الإمام الأضاحي بين الناس. (٤) انظر: «الذخيرة» ٣/ ٣٥٤. وفيه: الأضحية بما يعطي. وفيه: الاختصاص بالأضحية بالجذع من المعز؛ لأن العتود من أولاد المعز، وجمعه أعتدة وعدَّان وعتدان، وفي «الصحاح»: العتود: ما رعى وقوي وأتى عليه حول (١). ---------- (١) «الصحاح» ٢/ ٥٠٥ (عتد). ٢ - باب إِذَا وَكَّلَ المُسْلِمُ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الإِسْلَامِ، جَازَ ٢٣٠١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي يُوسُفُ بْنُ المَاجِشُونِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ رضي الله عنه قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظَهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ: الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الرَّحْمَنَ، كَاتِبْنِي بِاسْمِكَ الَّذِي كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ. فَكَاتَبْتُهُ: عَبْدُ عَمْرٍو، فَلَمَّا كَانَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ خَرَجْتُ إِلَى جَبَلٍ لأُحْرِزَهُ حِينَ نَامَ النَّاسُ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ، فَخَرَجَ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مَجْلِسٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ: أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا أُمَيَّةُ. فَخَرَجَ مَعَهُ فَرِيقٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي آثَارِنَا، فَلَمَّا خَشِيتُ أَنْ يَلْحَقُونَا خَلَّفْتُ لَهُمُ ابْنَهُ، لأَشْغَلَهُمْ فَقَتَلُوهُ ثُمَّ أَبَوْا حَتَّى يَتْبَعُونَا -وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا- فَلَمَّا أَدْرَكُونَا قُلْتُ لَهُ: ابْرُكْ. فَبَرَكَ، فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ نَفْسِي لأَمْنَعَهُ، فَتَخَلَّلُوهُ بِالسُّيُوفِ مِنْ تَحْتِي، حَتَّى قَتَلُوهُ، وَأَصَابَ أَحَدُهُمْ رِجْلِي بِسَيْفِهِ. وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُرِينَا ذَلِكَ الأَثَرَ فِي ظَهْرِ قَدَمِهِ. قَالَ أَبُو عَبدِ اللهِ: سَمِعَ يُوسُفُ صَالًحِا وَإبرَاهِيمُ أبَاهُ. [٣٩٧١ - فتح: ٤/ ٤٨٠] ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن عوف. قَالَ: كَاتَبْتُ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كِتَابًا بِأَنْ يَحْفَظَنِي فِي صَاغِيَتِي بِمَكَّةَ، وَأَحْفَظهُ فِي صَاغِيَتِهِ بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا ذَكَرْتُ: الرَّحْمَنَ قَالَ: لَا أَعْرِفً الرَّحْمَنَ … الحديث. وفي آخره في بعض النسخ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ يُوسُفُ صَالِحًا وَإبْرَاهِيمُ بن عبد الرحمن بن عوف أَبَاهُ. الشرح: هذا الحديث ليس مطابقًا للتبويب، إذ ليس فيه وكالة، إنما تعاقدا أن يجير كل واحد منهما صاغية صاحبه، كذا قال ابن التين، وقد يقال: هو في معنى التوكيل؛ لأن الوكالة: إرصاد شخص لمصالحه، وهذا منه. والصاغية: المال والأهل، وغير ذلك، وقيل: هم حاشية الرجل، ومن يصغى إليه: أي: يميل، ومنه: أصغيت إلى فلان: أي: ملت بسمعي إليه، ومنه: ﴿وَلِتَصْغَى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ﴾ [الأنعام: ١١٣]، وكل مائل إلى شيء أو معه فقد صغى إليه وأصغى. ورواه الداودي في ظاعنته، وقال: والظاعنة: ما ظعن له إلى حيث سمى، يقال للمسافر وللجماعة: ظَاعنة، ولم يذكر أحد هذِه الرواية غيره. قال ابن سيده: وأراهم إنما أنثوا على معنى الجماعة (١). وقال الهروي: خالصته. وقوله: (لا أحفظ الرحمن). أي: لا أعيذ من يعبده، وهذِه حمية الجاهلية التي ذكرت، حين لم يقرءوا كتابه يوم الحديبية، لما كتب بسم الله الرحمن الرحيم، قالوا: لا نعرف الرحمن، اكتب: باسمك اللهم. وقوله: (خرجت إلى جبل لأُحرزه). أي: لأحفظه، وهو بضم الهمزة، رباعي؛ لأن ماضيه أحرز. وفيه: أن قريشًا لم يكن لهم يوم بدر ما لغيرهم من الأمان، إذ لم يجز بلال وأصحابه أمان عبد الرحمن. وفيه: الوفاء بالعهد. وفيه: أن من أصيب حين يتقى عن مشرك، أنه لا شيء فيه. وفيه: ذكر عبد الرحمن لذلك فخرًا ببلال، والأنصار. ----------- (١) «المحكم» ٦/ ٢٤ باب الغين والصاد والواو. وابن أمية المقتول اسمه علي كما ستعلمه. وقول بلال: لا نجوت إن نجا أمية، هو الذي كان يعذبه ويضع على صدره الصخور. وما ترجم به البخاري لائح، وهو جواز توكيل المسلم الحربي المستأمن، وكذا توكيل الحربي المستأمن المسلم، وصرح به ابن المنذر، ألا ترى أن عبد الرحمن بن عوف وكَّل أمية بن خلف بأهله وحاشيته بمكة أن يحفظهم وأمية مشرك، والتزم عبد الرحمن لأمية من حفظ حاشيته بالمدينة، مثل ذلك؛ مجازاة لصنعه، وترك عبد الرحمن بن عوف أن يكتب إليه عبد الرحمن؛ لأن التسمية علامة كما في عام الحديبية، ولم يضره محوه، ولا تشاحح فيه، إذ ما محي من الكتاب ليس بمحو من الصدور، وإذ التشاحح في مثل هذا ربما آل إلى فساد ما أحكموه في المقاضاة. وقوله: (فألقيت عليه نفسي لأمنعه، فلم يُمنَعْ بذلك أمية بن خلف من القتل)، هو منسوخ بخبر حديث «يجير على المسلمين أدناهم» (١)؛ لأن حديث أم هانئ كان يوم فتح مكة (٢). وفيه: مجازاة المسلم الكافر على البر يكون منه للمسلم، والإحسان إليه ومعاوضته على جميل فعله، والسعي له في تخليصه من القتل وشبهه. ----------- (١) رواه ابن ماجه (٢٦٨٥) من طريق حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. قال البوصيري في «الزوائد» ص (٣٦٣) هذا إسناد حسن، عبد الرحمن لم أر من تكلم فيه، وعمرو بن شعيب مختلف فيه. والحديث صححه الألباني في: «صحيح ابن ماجه» (٢١٧٤). (٢) سيأتي برقم (٣١٧١) كتاب: الجزية والموادعة، باب: أمان النساء وجِوارهن. وفيه أيضًا: المجازاة على سوء الفعل بمثله، والانتقام من الظالم، وإنما سعى بل الذي قتل أمية بن خلف، واستصراخ الأنصار عليه، وأغراهم به في ندائه: أمية لا نجوت إن نجا أمية؛ لأنه كان عذَّب بلالًا بمكة على ترك الإسلام، وكان يخرجه إلى الرمضاء بمكة إذا حميت، فيضجعه على ظهره، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره -كما سلف- ويقول: لا تزال هكذا أو تفارق دين محمد، فيقول بلال: أحد أحد. قال عبد الرحمن بن عوف: فكنت بين أمية وابنه آخذًا بأيديهما، فلما رآه بلال صرخ بأعلى صوته: يا أنصار الله رأس الكفر أمية بن خلف، لا نجوت إن نجا، فأحاطوا بنا وأنا أذنب عنه، فضرب رجل أمية بالسيف فوقع، وصاح أمية صيحة ما سمعت مثلها قط. قلت: انج بنفسك -ولا نجاء به- فوالله لا أغني عنك شيئًا، فهزموهما بأسيافهم حتى فرغوا منهما، ذكره ابن إسحاق، وذكر في حديث آخر عن عبد الله بن أبي بكر وغيره، عن عبد الرحمن بن عوف: كان أمية بن خلف لي صديقًا بمكة، وكان اسمي عبد عمرو، فتسميت حين أسلمت عبد الرحمن، ونحن بمكة، فكان يلقاني بمكة فيقول: يا عبد عمرو، أرغبت عن اسم سماكه أبوك؟! فأقول: نعم. فيقول: فإني لا أعرف الرحمن، فاجعل بيني وبينك شيئًا أدعوك به، فسماه: عبد الإله، فلما كان يوم بدر مررت به وهو واقف مع ابنه عَلِيّ بن أمية ومعي أسلبة، فأنا أحملها، فلما رآني قال: يا عبد عمرو. فلم أجبه، قال: يا عبد الإله. قلت: نعم. قال: هل لك فيّ، فأنا خير لك من هذِه الأدراع التي معك؟ قلت: نعم، فطرحت الأدرع (١) من يدي وأخذت بيده ويد ابنه، وهو يقول ما رأيت كاليوم قط (٢). فرآهما بلال، فكان من حديثه ما تقدم، فكان عبد الرحمن يقول: رحم الله بلالًا، ذهبت أدرعي، وفجعني بأسيري (٣). وقول بلال: أمية بن خلف. أي: عليكم به، ونصبه على الإغراء، ويجوز فيه الرفع على أن يكون خبر ابتداء مضمر تقديره هذا أمية بن خلف (٤). ---------- (١) كذا في وفي «سيرة ابن هشام»: الأدراع. (٢) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢. (٣) قول عبد الرحمن رواه الطبري في «تاريخه» ٢/ ٣٥. (٤) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثالث بعد الستين، كتبه مؤلفه. ٣ - باب الوَكَالَةِ فِي الصَّرْفِ وَالمِيزَانِ وَقَدْ وَكَّلَ عُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ فِي الصَّرْفِ. ٢٣٠٢ و٢٣٠٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اسْتَعْمَلَ رَجُلًا عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُمْ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ فَقَالَ: «أَكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟». فَقَالَ: إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ، وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ: «لَا تَفْعَلْ، بِعِ الجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا». وَقَالَ فِي المِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. [انظر: ٢٢٠١، ٢٢٠٢ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح: ٤/ ٤٨١] ثم ساق حديث أبي سعيد وأبي هريرة السالف في باب إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه (١). وفي آخره: وَقَالَ فِي المِيزَانِ مِثْلَ ذَلِكَ. وما ترجم عليه واضح، وبيع الطعام يدًا بيدٍ مثل الصرف سواء، وهو شبيهه في المعنى؛ ولذلك ترجم له بذلك، وإنما صحت الوكالة في هذا الحديث؛ لقوله - عليه السلام - لعامل خيبر: «بع الجمع بالدراهم» بعد أن كان باع على غير السنة، فلو لم يجز البيع الوكيل والناظر في المال لعرفه بذلك، وأعلمه أن بيعه مردود وإن وقع على السنة، فلما لم ينهه - عليه السلام - إلا عن الربا الذي واقعه في بيعه الصاع بالصاعين، دل ذلك أنه إذا باع على السنة لا مانع منه. قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن الوكالة في الصرف جائزة، فلو وكل رجل رجلًا يصرف له دراهم، ووكل آخر --------- (١) سلف برقم (٢٢٠١، ٢٢٠٢). يصرف له دنانير، فالتقيا وتصارفا صرفًا جائزًا، أنه جائز وإن لم يحضر الموكلان أو أحدهما، وكذلك إذا وكل رجل لرجلين يصرفان دراهم فليس لأحدهما أن يصرف ذلك دون صاحبه، فإن قام أحدهما عن المجلس الذي تصارفا فيه قبل تمام الصرف انتقض الصرف؛ للحديث السالف «الذهب بالفضة ربا إلا هاء وهاء» (١). وقال أصحاب الرأي: إن قام أحدهما قبل أن يقبض انتقض حصة الذي ذهب، وحصة الثاني جائزة. وقال ابن المنذر: لم يجعل الموكل إلى أحدهما شيئًا دون الآخر، ولهذا أصل في كتاب الله، قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا﴾ الآية [النساء: ٣٥]، ولا يجوز لأحد من الحكمين الأمر إلا مع صاحبه (٢). وقوله: (في الميزان مثل ذلك) يعني: أن الموزونات حكمها في الربا حكم المكيلات، وهذا عند أهل الحجاز في المطعومات التي يجري فيها الكيل والوزن، والكوفيون يجعلون علة الربا الكيل والوزن فيه وفي غيره؛ لقوله في الذهب والورق «وزنًا بوزن» وقوله في الطعام، في حديث عبادة «مدي بمدي، وكيل بكيل» (٣). ---------- (١) سلف برقم (٢١٨٢) كتاب البيوع، باب الذهب بالفضة يدًا بيد ولفظه: نهى النبي - ﷺ - عن الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا سواء بسواء وأمرنا أن نبتاع الذهب بالفضة كيف شئنا، والفضة بالذهب كيف شئنا. (٢) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٣/ ٣١٢ - ٣١٣. (٣) رواه أبو داود (٣٣٤٩)، والنسائي ٧/ ٢٧٦، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٤ والبيهقي في «السنن» ٥/ ٢٩١. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٩٥ ثم قال: ورواية الطحاوي سندها صحيح. وقال الداودي: يعني أنه لا يجوز التمر بالتمر إلا وزنًا بوزن، أو كيلًا بكيل، وليس بشيء؛ لأن التمر لا يوزن، وإنما هو فيما حكمه أن يوزن، كما سلف. ٤ - باب إِذَا أَبْصَرَ الرَّاعِي أَوِ الوَكِيلُ شَاةً تَمُوتُ أَوْ شَيْئًا يَفْسُدُ وَأَصْلَحَ مَا يَخَافُ عَلَيْهِ الفَسَادَ ٢٣٠٤ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ المُعْتَمِرَ، أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَمٌ تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فَقَالَ لَهُمْ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - مَنْ يَسْأَلُهُ. وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنْ ذَاكَ، أَوْ أَرْسَلَ، فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فَيُعْجِبُنِي أَنَّهَا أَمَةٌ، وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. تَابَعَهُ عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. [٥٥٠١، ٥٥٠٢، ٥٥٠٤ - فتح: ٤/ ٤٨٢] ذكر فيه حديث ابن كعب بن مالك عن أبيه. أَنَّهُ كَانَتْ لَهُمْ غَنَم تَرْعَى بِسَلْعٍ، فَأَبْصَرَتْ جَارِيَةٌ لَنَا بِشَاةٍ مِنْ غَنَمِنَا مَوْتًا، فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا بِهِ، فقَالَ لَهُمْ لَا تَأْكُلُوا حَتَّى أَسْأَلَ رسول الله - ﷺ -، أَوْ أُرْسِلَ إِلَى رسول الله - ﷺ - مَنْ يَسْأَلُهُ. وَأَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ -، أَوْ أَرْسَلَ إليه فَأمَرَهُ بِأَكْلِهَا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: فأعْجبنِي أَنَّهَا أَمَةٌ، وَأَنَّهَا ذَبَحَتْ. تَابَعَهُ -يعني: المعتمر- عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ. هذِه المتابعة أخرجها البخاري في الذبائح مسندة عن صدقة ابن الفضل (١). واختلف في ابن كعب هذا، فذكر في الأطراف في ترجمة عبد الله ابن كعب (٢). ----------- (١) سيأتي برقم (٥٥٠٤) باب: ذبيحة المرأة والأمة. (٢) «تحفة الأشراف» ٨/ ٣١٤ (١١١٣٤) وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٨٢ جزم المزي في الأطراف بأنه عبد الله لكن روى ابن وهب عن أسامة بن زيد عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن أبيه طرفًا من الحديث فالظاهر أنه عبد الرحمن. وذكره البخاري أيضًا في موضع آخر، فسماه: عبد الرحمن (١). وعند الإسماعيلي من رواية ابن عبد الأعلى: ثنا المعتمر، سمعت عبيد الله، عن نافع أنه سمع ابن كعب يخبر عبد الله بن عمر، عن أبيه بهذا الحديث، ثم قال: وقال ابن المبارك عن نافع سمع رجلًا من الأنصار، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -. لم يقل عن أبيه. قال: وكذلك قال موسى بن عقبة، عن نافع، وعبيدة بن حميد، عن عبيد الله، عن نافع أنه سمع ابن كعب يخبر عبد الله: كانت لنا جارية. لم يذكر أباه. وفي كتاب الذبائح من البخاري. وقال الليث: ثنا نافع، سمع رجلًا من الأنصار، عن ابن عمر يخبر عبد الله عن رسول الله - ﷺ - (٢). وعن إسماعيل بن عبد الله، عن مالك -يعني: المذكور في «الموطأ» (٣) - عن نافع، عن رجل من الأنصار، عن معاذ بن سعد، أو سعد بن معاذ أن جارية لكعب بهذا (٤) وقال أبو عمر: قد روي هذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، وليس بشيء، وهو خطأ، والصواب رواية مالك ومن تابعه -يعني: المذكور قبل- قال: ورواه موسى بن عقبة، وجرير بن حازم، ومحمد بن إسحاق، والليث، كلهم عن نافع أنه سمع رجلًا من الأنصار يحدث ابن عمر أن جارية -أو أمة- لكعب. قال: ورواه ---------- (١) سماه البخاري في صحيحه في حديث (٢٩٤٩)، (٢٩٥٠) كتاب الجهاد والسير، باب: من أراد غزوة فورى بغيرها … (٢) سبق تخريجه. (٣) «الموطأ» ص ٣٠٢. (٤) سيأتي برقم (٥٥٠٥). عبيد الله بن عمر، عن نافع أن كعب بن مالك سأل رسول الله - ﷺ - عن مملوكة ذبحت شاة بمروة. قال: ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، وصخر بن جويرية، جميعًا عن نافع، عن ابن عمر، وهو وهم عند أهل الحديث، والحديث لنافع عن رجل من الأنصار لا عن ابن عمر (١). إذا تقرر ذلك فترجمته أن الذبيحة إذا قصد إصلاحها في محل يخاف عليها الفساد لم يكن الفاعل لذلك متعديًا، ثم أتى بحديث الجارية وما فيه، تعرض بحكم فعلها ابتداء، هل هو حكم بأنه تعدٍ أم لا؟ وغايته أنه أباح أكل الشاة لمالكها، لكن ذكره في موضع آخر: من ذبح متعديًا فذبيحته ميتة، فمن هنا يؤخذ أنها غير متعدية بذبحها؛ لأنه حللها، وأما إذ ابنينا على حلها فما فيه دليل على الترجمة. وفيه من الفقه: تصديق الراعي والوكيل على ما اؤتمن عليه، حتى يظهر عليه دليل الخيانة والكذب، وهو قول مالك وجماعة (٢). وقال ابن القاسم: إذا خاف الموت على شاة فذبحها لم يضمن، ويصدق إن جاء بها مذبوحة (٣). وقال غيره: يضمن حتى يتبين ما قال. واختلف ابن القاسم وأشهب إذا أنزى على إناث الماشية بغير أمر أربابها فهلكت، فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه؛ لأنه من صلاح المال وتمامه. وقال أشهب: عليه الضمان (٤). وقول ابن القاسم أشبه بدليل هذا الحديث؛ لأنه - عليه السلام - لما أجاز ذبح الأمة الراعية للشاة وأمرهم بأكلها، وقد كان يجوز أن لا تموت لو بقيت، --------- (١) «التمهيد» ١٦/ ١٢٦ - ١٢٧. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٧/ ٥٣. (٣) انظر: «المدونة» ٣/ ٤٠٩، «النوادر والزيادات» ٧/ ٥٣. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ٤٤٧. ![]()
__________________
|
|
#435
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 171 الى صـــ 190 الحلقة (435) دل على أن الراعي والوكيل يجوز له الاجتهاد فيما استرعي عليه ووكل به، وأنه لا ضمان عليه فيما تلف باجتهاده إذا كان من أهل الصلاح، وممن يعلم إشفاقه على المال والنية في إصلاحه، وأما إن كان من أهل الفسوق والفساد وأراد صاحب المال أن يضمنه فعل؛ لأنه لا يصدق أنه رأى بالشاة موتًا؛ لما عرف من فسقه، وإن صدقه لم يضمنه. فائدة: سلع: جبل بالمدينة. وقال ابن فارس: سلع: مكان (١). وعبارة صاحب «المطالع»: سلع -بسكون اللام- جبل بسوق المدينة. وعند ابن سهل بفتح اللام وسكونها، وذكر أنه رواه بعضهم بغين معجمة، وكله خطأ. فائدة: قال ابن التين: اشتمل هذا الحديث على خمس فوائد: جواز ذكاة النساء والإماء، والذكاة بالحجر، وذكاة ما أشرف على الموت، وذكاة غير المالك بغير وكالة. قال الداودي: وفيه دليل أن الراعي إذا ذبح لم يضمن، وهو قول ابن القاسم، ولا دليل فيه؛ لأن الجارية ملك لرب الغنم ولو لم تكن ملكًا له ما كان في الحديث دليل؛ لأنه لم يذكر أنه أراد تضمينها، فلم يمكن ذلك. وقال أشهب يضمن. ------------ (١) «المجمل» ١/ ٤٧١ مادة [سلع]. قال: وفيه الإرسال بالسؤال والجواب، وهو في البخاري على الشك: أرسل أو أسال، ولا حجة فيما شك فيه. قلت: ورواية «الموطأ» صريحة في السؤال، وكذا ما روي عن ابن وهب. فائدة: قال ابن عبد البر: على إجازة ذبيحة المرأة بغير ضرورة إذا أحسنت الذبح، وكذا الصبي إذا أطاقه، أبو حنيفة والشافعي ومالك وأصحابه والثوري والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور والحسن بن حي، وروي عن ابن عباس وجابر وعطاء، وطاوس ومجاهد والنخعي (١). أخرى: التذكية بالمروة مجمع عليها أيضًا إذا أفرى الأوداج وأنهر الدم. أخرى: استدل جماعة من أهل العلم بهذا الحديث على صحة ما ذهب إليه فقهاء الأمصار: أبو حنيفة والشافعي ومالك والأوزاعي والثوري من جواز أكل ما ذبح بغير إذن مالكه (٢)، وردوا به على من أبي من أكل ذبيحة السارق والغاصب، وهم: داود وأصحابه وإسحاق، وتقدمهم عكرمة، وهو قول شاذ. وقد ذكر ابن وهب في «موطئه»: أخبرني أسامة بن زيد، عن ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه أنه سأل رسول الله - ﷺ - عنها -يعني الشاة- فلم ير بها بأسًا. ---------- (١) «التمهيد» ١٦/ ١٢٨. (٢) انظر: «المغني» ٧/ ٣٨٧. ومما يؤكد هذا المذهب حديث عاصم بن كليب الجرمي، عن أبيه، عن رجل من الأنصار، عن النبي - ﷺ - الشاة التي ذبحت بغير إذن ربها فقال - عليه السلام -: «أطعموها الأسرى» (١) فهم ممن تجوز عليهم الصدقة بمثلها، فلو لم تكن ذكية ما أطعمهم إياها. وحمله ابن الجوزي على أن هذِه الذبيحة كانت بها حياة مستقرة، ولولا ذلك لما حلت. ----------- (١) رواه أبو داود (٣٣٣٢) وأحمد ٥/ ٢٩٣، ٢٩٤ والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٠٨، والبيهقي في «الدلائل» ٦/ ٣١٠. قال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» ٢/ ١٣٠: إسناده جيد. وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٤/ ١٦٨: وهذا سند الصحيح، إلا أن كليب بن شهاب والد عاصم لم يخرجا له في «الصحيح» والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» برقم (٧٥٤) وقال: وهذا سند صحيح. ٥ - باب وَكَالَةُ الشَّاهِدِ وَالغَائِبِ جَائِزَةٌ وَكَتَبَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو إِلَى قَهْرَمَانِهِ وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ أَنْ يُزَكِّيَ عَنْ أَهْلِهِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ. ٢٣٠٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ». فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا لَهُ إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا. فَقَالَ: «أَعْطُوهُ». فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللهُ بِكَ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً». [٢٣٠٦، ٢٣٩٠، ٢٣٩٢، ٢٤٠١، ٢٦٠٦، ٢٦٠٩ - مسلم: ١٦٠١ - فتح: ٤/ ٤٨٢] ثم ساق حديث أبي هريرة: قَالَ: كَانَ لِرَجُلٍ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - سِنٌّ مِنَ الإِبِلِ فَجَاءَهُ يَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: «أَعْطُوهُ». فَطَلَبُوا سِنَّهُ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَّا سِنًّا فَوْقَهَا. فَقَالَ: «أَعْطُوهُ». فَقَالَ: أَوْفَيْتَنِي أَوْفَى اللهُ بِكَ. قَالَ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ خِيَارَكُمْ أَحْسَنكُمْ قَضَاءً». هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، وانفرد به من طريق أبي رافع (٢). وقال الترمذي لما صححه: العمل عليه عند بعض أهل العلم، لم يروا بأسًا باستقراض السن من الإبل، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وكرهه بعضهم (٣). وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله: إنه لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البَدَن إلا برضا من خصمه، أو عذر من مرض، أو سفر ثلاثة أيام (٤). --------- (١) «صحيح مسلم» برقم (١٦٠١) كتاب: المساقاة. (٢) المصدر السابق برقم (١٦٠٠). (٣) «جامع الترمذي» برقم (١٣١٦). (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٦٧. وهذا الحديث خلاف قوله؛ لأنه - عليه السلام - أمر أصحابه أن يقضوا عنه السنن التي كانت عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن - عليه السلام - غائبًا، ولا مريضًا، ولا مسافرًا. وعامة الفقهاء يجيزون توكيل الحاضر الصحيح وإن لم يرض خصمه بذلك على ما دل عليه هذا الحديث، وهو قول ابن أبي ليلى والشافعي (١) ومالك وأبي يوسف ومحمد، إلا أن مالكًا قال: يجوز ذلك وإن لم يرض خصمه إذا لم يكن الوكيل عدوًّا للخصم، وقال سائرهم: يجوز ذلك وإن كان عدوًّا للخصم. وعن أبي حنيفة أن الوكالة في الخصومة لا تقبل من خاصم في المصر صحيح إلا أن يرضى خصمه، وقالا: التوكيل صحيح بدون رضا الخصم، وأما المريض الذي لا يقدر على الحضور والخصومة فيجوز توكيله وكذا الغائب على مسافة القصر، والمرأة كالرجل، بكرًا كانت أو ثيبًا وبعض شيوخ الحنفية استحسن أنها توكل إذا كانت غير برزة (٢). ونقل الطحاوي اتفاق الصحابة على جواز ما سلف، فروى أن علي بن أبي طالب وكل عقيلًا عند أبي بكر، فلما أسن عقيل، وذكر عبد الله بن جعفر، فخاصم عبد الرحمن بن جعفر طلحة في ضفيرة أحدثها عليّ عند عثمان، وأقر ذلك عثمان، فصار إجماعًا. وقال ----------- (١) انظر: «المجموع» ١٤/ ١٦٦. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ١٠٨، «البحر الرائق» ٧/ ٢٤٣ - ٢٤٦، «الكافي» ٣٩٤، «عيون المجالس» ٤/ ١٦٨٣ - ١٦٨٤، «القوانين الفقهية» ص ٣٢٢، «روضة الطالبين» ٤/ ٢٩٣، «الشرح الكبير» ١٣/ ٥٢٩، «الفروع» ٧/ ٤٧. - عليه السلام -: لعبد الله بن سهل الأنصاري لما خاصم إليه في دم أخيه عبد الله بن سهل المقتول بخيبر بمحضر من عليه: حويصة، ومحيصة «كبِّر كبِّر» يريد: ولّي الكلام في ذلك الكبير منهما فتكلم حويصة، ثم محيصة، وكان الوارث عبد الله دونهما، وكانا وكيلين (١). وأما إذا وكل وكيلًا غائبًا على طلب حقه فإن ذلك يفتقر إلى قبول الوكيل الوكالة عند الفقهاء، وإذا كانت الوكالة مفتقرة إلى قبول الوكيل فحكم الحاضر والغائب فيها سواء. فإن قلت: أين القبول في الحديث؟ قلت: عملهم بأمره - عليه السلام - من توفية صاحب الحق حقه قبول منهم لأمره. تنبيهات: أحدها: الحديث دال على جواز الأخذ بالدين، ولا يختلف العلماء في جوازه عند الحاجة، ولا يتعين على طالبه (٢). ثانيها: هو دال أيضًا على جواز قرض الحيوان، وقيل بمنعه، حكاه الطحاوي (٣). ويحمل الحديث على أنه كان قبل تحريم الربا ثم حرم بعد، وحرم كل قرض جر منفعة، وردت الأشياء المستقرضة إلى أمثالها فلم يجز القرض إلا فيما له مثل، وقد كان أيضًا قبل نسخ الربا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، وهو قول أبي حنيفة (٤). --------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٦٧ - ٦٨. (٢) انظر: «المعونة» ٢/ ٣٤، «الكافي» لابن قدامة ٣/ ١٧١، «مراتب الإجماع» لابن حزم ص ٩٤. (٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٦٠. (٤) السابق. وحاصل الخلاف في استقراض الحيوان ثلاثة أقوال: مذهبنا ومذهب مالك وجماهير العلماء جوازه، إلا الجارية التي تحل للمستقرض، فإنه لا يجوز، ويجوز قرضها لمن لا يحل له وطؤها -كمحرمها- وللمرأة، والخنثى. ثانيها: مذهب المزني، وابن جرير، وداود: يجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل أحد. ثالثها: مذهب أبي حنيفة والكوفيين والثوري والحسن بن صالح، وروي عن ابن مسعود وعبد الرحمن بن عمرة منعه، وادعى بعضهم نسخه بما قضى به - عليه السلام - في المُعْتِقِ نصيبَهُ مِن عبدٍ بينه وبين آخر، إذا وجب عليه قيمة نصيب شريكه ولم يوجب عليه بنصف عبد مثله (١). ثالثها: إعطاؤه من إبل الصدقة يحمل على أنه كان اقترض لنفسه، فلما جاءت إبل الصدقة اشترى منها بعيرًا ممن استحقه، فملكه بثمنه وأوفاه متبرعًا بالزيادة من ماله، يدل عليه رواية: «اشتروا له» (٢). وقيل: إن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض لنفسه فأعطاه من الصدقة حين جاءت، وهذا يرد قول من قال: كان يهوديًّا أو أنه اقترضه لبعض نوائب المسلمين، لا أنه اقترضه لحاجة نفسه، وعبر الراوي عن ذلك مجازًا، إذ كان هو الآمر. وأما على قول من ادعى أن ذلك قبل تحريم الصدقة عليه ففاسد؛ لأنها لم تزل محرمة عليه، وذلك من خصائصه وعلامة نبوته المذكورة في -------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٨٦، «الاختيار» ٢/ ٤٤ - ٤٥، «المعونة» ٢/ ٣٤، «البيان» ٥/ ٤٦٠ - ٤٦٢، «الإفصاح» ٥/ ٣٠١، «الكافي» ٣/ ١٧٢. (٢) سيأتي برقم (٢٣٩٠) كتاب: في الاستقراض، باب: استقراض الإبل. الكتب القديمة، بدليل قصة سلمان. وقيل: يحمل على أن الذي استقرض منه كان من أهل الصدقة، فدفع إليه الرباعي لوجهين: وجه القرض، ووجه الاستحقاق، وهو أحسنها أن يكون استقرض البكر على ذمته فدفعه لمستحق، وكان غارمًا، فلما جاءت إبل الصدقة أخذ منها بما هو غارم، فدفعه فيما كان عليه أداء في ذمته وحسن قضاء ما يملكه، وهذا كله كما يروى أنه - عليه السلام - أمر ابن عمرو أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة (١)، فظاهره أنه أخذ على ذمته. فإن قلت: كيف يجوز أن يؤدي ديته ويبرئ ذمته بما لا يجوز له أخذه؟ قلت: لما لم يأخذه ابن عمرو لنفسه صار بمنزلة من ضمنه في ذمته إلى وقت مجيء الصدقة، فلو لم يجيء منها شيء لضمنه لقرضه من ماله. ----------- (١) رواه أبو داود (٣٣٥٧) والحاكم ٢/ ٥٦ - ٥٧ والبيهقي في «السنن» ٥/ ٢٨٧ من طرق عن حماد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حريش، عن عبد الله بن عمرو … الحديث. قال البيهقي: اختلفوا على محمد بن إسحاق في إسناده وحماد بن سلمة أحسنهم سياقة له، وله شاهد صحيح. وقال ابن القطان كما في «نصب الراية» ٤/ ٤٧: حديث ضعيف، مضطرب الإسناد، ومع هذا الاضطراب فعمرو بن حريش مجهول الحال. وقال الزيلعي: وقد يعترض على هذا الحديث بحديث النهي عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. والحديث ضعفه الألباني في تعليقه على «المشكاة» ٢/ ٨٥٨ (٢٨٢٣) وقال: وإسناده ضعيف. رابعها: قوله («أحسنكم قضاء») ورد أيضًا «أحاسنكم» وهو جمع أحسن، وورد «محاسنكم» بالميم. قال عياض: جمع محسن بفتح الميم (١). كمطلع، ومطالع، والأول أكثر. خامسها: ليس فعله في الزيادة من القرض الذي يجر المنفعة؛ لأن المنهي عنه ما كان مشروطًا في عقد القرض، ومذهبنا أنه تستحب الزيادة في الأداء، ويجوز للمقرض أخذها سواء زاد في الصفة، أو العدد (٢). ومذهب مالك أن الزيادة في العدد منهي عنها (٣). سادسها: من آذى السلطان بجفاء وشبهه، فإن لأصحابه أن يعاقبوه وينكروا عليه وإن لم يأمرهم بذلك، إذ في الحديث الآتي بعد أنه أغلظ له وهَمّ به أصحابه فقال «إن لصاحب الحق مقالًا» أي: صولة الطلب، وقوة الحجة، لكن على من يمطل أو يسيء المعاملة، وأما من أنصف من نفسه فبذل ما عنده واعتذر عما ليس عنده، فلا يجوز الاستطالة عليه بحال. -------------- (١) «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٥/ ٣٠٠. (٢) انظر: «البيان» ٥/ ٤٦٤ - ٤٦٥. (٣) انظر: «المدونة» ٣/ ١٩٩، «المعونة» ٢/ ٣٥. ٦ - باب الوَكَالَةِ فِي قَضَاءِ الدُّيُونِ ٢٣٠٦ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا». ثُمَّ قَالَ: «أَعْطُوهُ سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، لَا نَجِدُ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ: «أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً». [انظر: ٢٣٠٥ - مسلم: ١٦٠١ - فتح: ٤/ ٤٨٣] ذكر فيه حديث أبي هريرة: أَنَّ رَجُلًا أَتَى رسول الله - ﷺ - يَتَقَاضَاهُ، فَأَغْلَظَ، فَهَمَّ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَقَالَ النبي - ﷺ -: «دَعُوهُ فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالًا». ثُمَّ قَالَ: «أَعْطُوهُ، سِنًّا مِثْلَ سِنِّهِ». قَالُوا: لَا نَجِدُ إِلَّا أَمْثَلَ مِنْ سِنِّهِ. فَقَالَ: «أَعْطُوهُ فَإِنَّ مِنْ خَيْرِكُمْ أَحْسَنَكُمْ قَضَاءً». وقد أسلفناه في الباب قبله، ومعنى «أمثل من سنه»: خيرًا منه. وما ترجم له ظاهر، فالوكالة في قضاء الديون وجميع الحقوق جائزة ونهيه عما هموا به من استعمال مكارم الأخلاق، وقصة المغيرة مع الشاب الأنصاري الذي جفا على الصديق، فكسر المغيرة أنفه، فاستعدى عليه الأنصاري ليقيده الصديق من المغيرة، فقال الصديق: والله لخروجهم من دارهم أقرب إليهم من ذلك أقيد من وزعة الله (١). --------- (١) رواه الطبراني في «المعجم الكبير» ٢٠/ ٤٠٣. وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٣٦١: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، والكلام الأخير لم أعرف معناه. وكذا فعل المغيرة برسول أهل مكة يوم المقاضاة، إذ كان يكلم رسول الله - ﷺ - يشير بيده نحو لحيته الكريمة فضربه المغيرة بسيفه مغمدًا، فقال: اقبض يدك عن لحية رسول الله - ﷺ - قبل أن لا ترجع إليك، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله - ﷺ - (١). -------- (١) هذِه قطعة من حديث مطول سيأتي برقم (٢٧٣١، ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد. ٧ - باب إِذَا وَهَبَ شَيْئًا لِوَكِيلٍ أَوْ شَفِيعِ قَوْمٍ جَازَ لِقَوْلِه - ﷺ - لِوَفْدِ هَوَازِنَ حِينَ سَأَلُوهُ المَغَانِمَ، فَقَالَ - ﷺ -: «نَصِيبِي لَكُمْ». ٢٣٠٧، ٢٣٠٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ وَزَعَمَ عُرْوَةُ أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَسَبْيَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَحَبُّ الحَدِيثِ إِلَيَّ أَصْدَقُهُ. فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ: إِمَّا السَّبْىَ، وَإِمَّا المَالَ، وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ بِهِمْ». وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - انْتَظَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حِينَ قَفَلَ مِنَ الطَّائِفِ، فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - غَيْرُ رَادٍّ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ قَالُوا فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي المُسْلِمِينَ، فَأَثْنَى عَلَى اللهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ. فَإِنَّ إِخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُونَا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ إِيَّاهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يُفِيءُ اللهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ». فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - لهم. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعُوا إِلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ». فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا. الحديثا ٢٣٠٧ - [٢٥٣٩، ٢٥٨٤، ٢٦٠٧، ٣١٣١، ٤٣١٨، ٧١٧٦ - فتح: ٤/ ٤٨٣] الحديثا ٢٣٠٨ - [٢٥٤٠، ٢٥٨٣، ٢٦٠٨، ٣١٣٢، ٤٣١٩، ٧١٧٧ - فتح: ٤/ ٤٨٣] ثم ساقه من حديث مروان بن الحكم، ومسور بن مخرمة ولأبي داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده في هذِه القصة: فقال - عليه السلام -: "ردوا عليهم نساءهم وأبناءهم فمن أمسك شيئًا من هذا الفيء فإن له به علينا ست فرائض» ثم دنا رسول الله - ﷺ - من بعيرٍ فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: «يأيها الناس إنه ليس لي من هذا الفيء شيء ولا هذا -ورفع إصبعه- إلا الخُمُس، والخُمُس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمِخْيَط» فقام رجل في يده كُبّة من شعر فقال: أخذت هذِه لأصلح برذعة لي. فقال رسول الله - ﷺ - «أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو فيء لك» فقال: أما إذا بلغت ما أرى فلا إرب لي فيها، ونبذها (١). إذا تقرر ذلك فالوفد: القوم يفدون. وفيه: جواز سبي العرب واسترقاقهم كالعجم، وفيه قول للشافعي، والأفضل عتقهم للرحم ومراعاتها، كذا فعله عمر في خلافته حين ملك المرتدين، وهو على وجه الاستحباب. ومعنى «استأنيت بهم» انتظرتهم. قال الداودي: وإنما انتظرهم بشيء أوجب لأصحابه؛ لأن ترك ما لم يقبض أهون من ترك ما قبض، واستدل بعضهم به أن الغنيمة إنما تملك بالقسمة، وكذا الشافعي وأبو حنيفة إنما تملك بها. وقوله (قفل) رجع، ولما قسم - ﷺ - غنائم حنين بالجعرانة لخمس ليال خلون من ذي القعدة سنة ثمان، وكان قدم سبي هوازن إلى الجعرانة، وأخر القسمة رجاء أن يسلموا ويرجعوا إليه، وكانوا ستة آلاف من الذراري والنساء، ومن الإبل أربعة وعشرين ألف، ومن الغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة، فقسمها بالجعرانة. وذكر ابن فارس في كتاب «المُنْبي في أسماء النبي» أن الذي أعطاه ------- (١) «سنن أبي داود» (٢٦٩٤)، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٤١٣) و«الإرواء» ٥/ ٣٧: إسناده حسن. النبي - ﷺ - في هذا اليوم قُوِّمَ خمس مائة ألف ألف. وقوله: «حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا» أي: يرد، مثل قوله: ما أفاء الله. فيه: القرض إلى أجل مجهول، إذ لا يدري متى يفاء. قال ابن التين عن بعضهم: يمكن أن يقاس عليه من أكره على بيع ماله في حق غيره. ونقل ابن بطال عن بعضهم أن فيه من الفقه أن بيع المكره في الحق جائز؛ لأنه - عليه السلام - حكم برد السبي، ثم قال: «من أحب أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه» إلى آخره، ولم يجعل لهم الخيار في إمساك السبي أصلًا، وإنما خيرهم في أن يعوضهم من مغانم أخر، ولم يخيرهم في أعيان السبي؛ لأنه قال لهم هذا بعد أن رد إليهم أهليهم، وإنما خيرهم في إحدى الطائفتين؛ لئلا يجحف بالمسلمين في مغانمهم فيخليهم منه كله ويحبسهم ما غنموا وتعبوا فيه، وفي دفعه أملاك الناس عن الرقيق، ولم يجعل إلى تمليك أعيانهم سبيلًا دلالة على أن للإمام أن يستعين على مصالح المسلمين بأخذ بعض ما في أيديهم ما لم يجحف بهم، ويعد من لم تطب نفسه مما يؤخذ منه بالعوض، ألا ترى قوله - عليه السلام - «من أحب أن يطيب بذلك» فأراد أن يطيب نفوس المسلمين لأهل هوازن بما أخذ منهم من العيال؛ ليرفع الشحناء والعداوة، ولا يبقي إحنة الغلبة لهم في انتزاع السبي منهم في قلوبهم، فيولد ذلك اختلاف الكلمة. وفيه: أنه يجوز للإمام إذا جاءه أهل الحرب مسلمين، بعد أن غنم أهليهم وأموالهم أن يرد عليهم عيالهم إذا رأى ذلك صوابًا، كما فعل رسول الله - ﷺ -؛ لأن العيال ألصق بنفوس الرجال من المال، والعار عليهم فيه أشد (١). وقوله («حتى برفع إلينا عرفاؤكم أمركم») إنما هذا تقصّي من رسول الله - ﷺ - عن أصل السبي في استطابة النفوس رجلًا رجلًا، وليعرف الحاضر منهم الغائب. والعرفاء: جمع عريف، وهو القيم بأمر القبيلة، والمحلة على أمرهم، ويعرف الأمير حالهم، وهو مبالغة في اسم من يعرف الجند ونحوهم، فعيل بمعنى فاعل، والعرافة عمله. وعن أبي نصر: هو النقيب الذي دون الرئيس. وعن غيره: النقيب فوق التعريف، وقيل: هو الأمير. وفيه: اتخاذ العرفاء، وأنهم كانوا ثقات. وفيه: قبول خبر الواحد، واستدل به من رأى قبول إقرار الوكيل على موكله؛ لأن العرفاء كانوا كالوكلاء فيما أقيموا له من أمرهم، فلما سمع رسول الله - ﷺ - مقالة العرفاء أنفذ ذلك ولم يسألهم عما قالوه، وكان في ذلك تحريم فروج السبايا على ما كانت حلالًا (إليه) (٢)، وإليه ذهب أبو يوسف ونفر من أهل العلم، وقال أبو حنيفة: إقرار الوكيل جائز عند الحاكم، ولا يجوز عند غيره (٣). وقال مالك: لا يقبل إقراره ولا إنكاره إلا أن يجعل ذلك إليه موكله (٤). وقول الشافعي: لا يقبل إقراره عليه (٥). --------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٤٢ - ٤٤٣. (٢) كذا في الأصل، وأعلاها كلمة (كذا)، وفي الحاشية تعليقًا عليها: لعله عليه. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٦٩، «المبسوط» ١٩/ ٤، ٥. (٤) «الكافي» ص ٣٩٥. (٥) «مختصر المزني» ١٥٧. ٨ - باب إِذَا وَكَّلَ رَجُلٌ أَنْ يُعْطِيَ شَيْئًا وَلَمْ يُبَيِّنْ كَمْ يُعْطِي، فَأَعْطَى عَلَى مَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ ٢٣٠٩ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَغَيْرِهِ، يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغْهُ كُلُّهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ، إِنَّمَا هُوَ فِي آخِرِ القَوْمِ، فَمَرَّ بِي النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». قُلْتُ: جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: «مَا لَكَ؟». قُلْتُ: إِنِّي عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ. قَالَ: «أَمَعَكَ قَضِيبٌ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «أَعْطِنِيهِ». فَأَعْطَيْتُهُ، فَضَرَبَهُ فَزَجَرَهُ، فَكَانَ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ مِنْ أَوَّلِ القَوْمِ، قَالَ: «بِعْنِيهِ». فَقُلْتُ: بَلْ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «بِعْنِيهِ، قَدْ أَخَذْتُهُ بِأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَلَكَ ظَهْرُهُ إِلَى المَدِينَةِ». فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ أَخَذْتُ أَرْتَحِلُ. قَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟». قُلْتُ: تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً قَدْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: «فَهَلاَّ جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ». قُلْتُ: إِنَّ أَبِي تُوُفِّيَ وَتَرَكَ بَنَاتٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَنْكِحَ امْرَأَةً قَدْ جَرَّبَتْ خَلَا مِنْهَا. قَالَ: «فَذَلِكَ». فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قَالَ: «يَا بِلَالُ اقْضِهِ وَزِدْهُ». فَأَعْطَاهُ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَزَادَهُ قِيرَاطًا. قَالَ جَابِرٌ: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَلَمْ يَكُنِ القِيرَاطُ يُفَارِقُ جِرَابَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٤/ ٤٨٥] ذكر فيه حديث ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح وَغَيْرِهِ يَزِيدُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَلَمْ يُبَلِّغهُ كُلُّهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى جَمَلٍ ثَفَالٍ فذكر بيع الجمل. وقد سلف (١). --------- (١) سلف برقم (٢٠٩٧) كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير. وقوله: (كلهم رجل واحد منهم). كذا في نسخ البخاري، وفي الإسماعيلي: لم يبلغه كل رجل منهم، عن جابر. وقال: هذا لفظ حديث حرملة، عن ابن وهب، أنا ابن جريج؛ وعند أبي نعيم، لم يبلغهم كلهم إلا رجلٌ واحد عن جابر. وكذا في أطراف أبي مسعود، وتبعه المزي (١)، وبخط الدمياطي: لم يُبلِّغه، بضم أوله وكسر ثالثه مشددًا. وقال ابن التين: معناه أن بعضهم بينه وبين جابر غيره، ثم ذكر أن في رواية: وكل. بدل: رجل. والثفال -بفتح الثاء المثلثة-: بطيء السير، وبكسر الثاء: جلد أو (كساء) (٢) يوضع تحت الرحا يقع عليه الدقيق. وقال ابن التين: وصوب كسر الثاء هنا، ذكره ابن فارس (٣). قوله: بل هو لك يا رسول الله. أي: بغير ثمن، فقال «بل بعنيه» فيه رد العطية. وقوله «قد أخذته بأربعة دنانير» فيه ابتداء المشتري بذكر الثمن، كذا هو بخط الدمياطي، وذكره ابن التين بلفظ: «بأربع الدنانير» قال الداودي: سقط التاء لما دخلت الألف واللام، وذلك فيما دون العشرة، ثم قال: وهذا قول لم يوافقه أحد عليه. وقوله: «ولك ظهره إلى المدينة» قال مالك: إذا كان على قرب، مثل تلك المسافة، وإن كان روي عنه كراهة ذلك، ولا يجوز فيما بعد عنه. وقال قوم: ذلك جائز وإن بعد. وقالت فرقة: لا يجوز ذلك وإن قرب. ---------- (١) «تحفة الأشراف» ٢/ ٢٣٥ (٢٤٥٥). (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي «الصحاح». (٣) «مقاييس اللغة» ص ١٨٤ مادة: [ثفل]. وقوله في آخره: (فلم يكن القيراط يفارق قراب جابر بن عبد الله). هو بكسر القاف، وعدم مفارقته؛ لأجل البركة. واختلف في مقدار الثمن على روايات، وذلك لا يوهن الحديث؛ لإجماعهم على البيع، وشرط ظهره. وفيه: رد على من يقول: تفارق عقد البيع يفسد البيع. قال ابن بطال: والمأمور بالصدقة إذا أعطى ما يتعارفه الناس، ويصلح للمعطى، ولا يخرج عن حال المعطي جاز ونفذ، فإن أعطى أكثر مما يتعارف الناس تعلق ذلك برضا صاحب المال، فإن أجاز ذلك وإلا رجع عليه بمقدار ذلك، والدليل على ذلك أنه لو أمره أن يعطيه قفيزًا فأعطاه قفيزين ضمن الزيادة بإجماع، فدل أن المتعارف يقوم مقام الشيء المعين (١). وهذا الحديث كما قال المهلب: يبين أن من روى الاشتراط في حديث جابر أن معناه أنه - عليه السلام - شرط له ذلك شرط تفضل؛ لأن القصة كلها جرت منه على جهة التفضل والرفق بجابر؛ لأنه وهبه الجمل بعد أن أعطاه ثمنه وزاده، وجابر قال أيضًا حين سأله بيعه: هو لك يا رسول الله: أي بلا ثمن كما سلف، وسيأتي إيضاح ذلك بمذاهب العلماء في الشروط إن شاء الله تعالى. وفيه: بركته - عليه السلام -. وقوله في كتاب الصلح: وقال عطاء وغيره: لك ظهره (٢). هو قال على أن هذِه اللفظة محققة عن عطاء وغيره. --------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٤٤. (٢) قلت بل هو في الشروط، باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة برقم (٢٧١٨). ٩ - باب وَكَالَةِ المَرْأَةِ الإِمَامَ فِي النِّكَاحِ ٢٣١٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». [٥٠٢٩، ٥٠٣٠، ٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦، ٥١٣٢، ٥١٣٥، ٥١٤١، ٥١٤٩، ٥١٥٠، ٥٨٧١، ٧٤١٧ - مسلم: ١٤٢٥ - فتح: ٤/ ٤٨٦] ذكر فيه حديث سهل جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي قَدْ وَهَبْتُ لَكَ مِنْ نَفْسِي. فَقَالَ رَجُلٌ: زَوِّجْنِيهَا. قَالَ: «قَدْ زَوَّجْنَاكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ». هذا الحديث ذكره في النكاح وغيره ففي لفظ له: «فقد ملكتكها بما معك من القرآن» وفي لفظ: «أملكناكها بما معك من القرآن» (١). وفي مسلم: «فقد زوجتكها بما معك من القرآن» (٢) قال الطرقي: «أملكناكها» رواية محمد بن مطرف، ولم يقل أحد منهم «ملكتها» إلا ابن أبي حازم ويعقوب بن عبد الرحمن (٣). وقال ابن عيينة «أنكحتكها» والباقون قالوا «زوجتكها». وقال الدارقطني: رواية من روى «ملكتكها» وهم، ومن روى «زوجتكها» الصواب. ---------- (١) سيأتي برقم (٥١٢١) كتاب: النكاح، باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح. (٢) «صحيح مسلم» برقم (١٤٢٥) كتاب: النكاح، باب: الصداق وجواز كونه تعليم قرآن وخاتم حديد. (٣) المصدر السابق. إذا تقرر ذلك فليس في الباب ما بوب عليه كما نبه عليه الداودي، وليس فيه أنه استأذنها، ولا أنها وكلته، وقد قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وقال ابن بطال: وجه الاستنباط من الحديث هو أنه - عليه السلام - لما قالت له المرأة: قد وهبت نفسي لك، كان ذلك كالوكالة على تزويجها من نفسه، أو ممن رأى تزويجها منه، فكان كل ولي للمرأة بهذِه المنزلة أنه لا ينكحها حتى تأذن له في ذلك، إلا الأب في البكر، والسيد في الأمة، فإذا أذنت له وافتقر الولي إلى إباحتها ورضاها وكالة، وليست هذِه الوكالة من جنس سائر الوكالات التي لا يفعل الوكيل شيئًا إلا والموكل يفعل مثله؛ من أجل أنه - عليه السلام - قد خص النكاح أنه لا يتم إلا بهذِه الوكالة بقوله «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل» (١) وجمهور العلماء على أنه لا تلي المرأة عقد نكاح بحال، لا نفسها ولا غيرها -وسيأتي في النكاح أنها جعلت أمرها إليه صريحًا (٢) - هذا قول مالك وابن أبي ليلى والثوري والليث والشافعي. قال مالك: ويفسخ وإن ولدت منه. وقال الأوزاعي: إذا زوجت نفسها يحسن أن لا يتعرض لها الولي، إلا أن تكون عربية تزوجت مولى فيفسخ. وقال أبو حنيفة وزفر: يجوز عقدها على نفسها، وأن تزوج نفسها كفؤًا (٣). --------- (١) رواه أبو داود (٢٠٨٣)، والترمذي (١١٠٢) وابن ماجه (١٨٧٩)، وأحمد ٦/ ٦٦ وصححه الألباني في «الإرواء» ١٨٤٠ وأطال فيه النفس وأجاد فراجعه فإن فيه فوائد جمة. (٢) سيأتي برقم (٥٠٨٧، ٥١٢١، ٥١٢٦). (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٢٥٠، «المبسوط» ٥/ ١١، «المدونة» = واختلفوا إذا لم يكن لها ولي فجعلت عقد نكاحها إلى رجل ليس بولي، ولم ترفع أمرها إلى السلطان، فعن مالك أن للسلطان أن ينظر فيه فيجيزه أو يرده، كما كان ذلك للولي، وعنه فيمن تزوجت بغير ولاية من يجوز له ولايتها، ودخل بها، والزوج كفؤ، فلا يفسخ. وقال سحنون: قال غير ابن القاسم: لا يجوز وإن أجازه السلطان والولي؛ لأنه نكاح عقد بغير ولي، وهو قول ابن الماجشون، وحجتهم الحديث السالف (١). ![]()
__________________
|
|
#436
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 191 الى صـــ 210 الحلقة (436) تنبيهات: أحدها: لا يصح النكاح عندنا إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج (٢)، وخالف أبو حنيفة فقال: يصح بلفظ الهبة (٣)، كما سيأتي، واعترض القرطبي (٤) برواية «ملكتكها» وقد علمت ما فيها. ويحتمل كما قال النووي صحة اللفظين -أعني: هذِه، و«أملكناكها»- ويجوز جرى لفظ التزويج أولًا فتملكها، ثم قال: اذهب فقد ملكتكها بالتزويج السابق (٥). ثانيها: من خصائصه إباحة عقد النكاح بغير عوض، لا حالًا ولا مآلًا وهو معنى قوله تعالى ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وينعقد عندنا نكاحه بلا شهود ولا ولي وبلفظ الهبة؛ لأنه لم ينكر عليها. ---------- = ٢/ ١٥٢، «الذخيرة» ٤/ ٢٠١ - ٢٠٣، «مختصر المزني» ص ٣٢، «البيان» ٩/ ١٦١، «الشرح الكبير» ٢/ ١٥٥ - ١٥٧. (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٤٥ - ٤٤٦، وانظر: «المدونة» ٢/ ١٥٢، «المنتقى» ٣/ ٢٧٠. (٢) انظر: «البيان» ٩/ ٢٣٢. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ٢٠٦. (٤) «المفهم» ٤/ ١٣٣. (٥) «مسلم بشرح النووي» ٩/ ٢١٤. ثالثها: ادعى ابن حبيب أن خبر سهل هذا منسوخ بقوله: «لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل» (١) وهو عجيب، ويحتمل أن يكون حضره الصحابة، وهو الظاهر؛ لأن سهلًا كان حاضرًا، ويحتمل أن يكون معه غيره، وكلهم عدول، والشارع هو الولي، ولعله لم يكن لها ولي خاص. ------------ (١) هذا الحديث روي عن جماعة من الصحابة، منهم: عائشة وأبو هريرة وابن عمر وعمران بن حصين وغيرهم. أما حديث عائشة فرواه ابن حبان في «صحيحه» ٩/ ٣٨٦ (٤٠٧٥)، والدارقطني ٣/ ٢٢٤، والبيهقي ٧/ ١٢٥ من طرق عن ابن جريج، عن سليمان بن موسى، عن الزهري، عن عروة عنها مرفوعًا ورواه ابن ماجه (١٨٨٠) من حديث عائشة وابن عباس بلفظ: «لا نكاح إلا بولي». وفي حديث عائشة: «والسلطان ولي من لا ولي له». وأما حديث أبي هريرة فرواه البيهقي ٧/ ١٢٥ من طريق المغيرة بن موسى عن هشام عن ابن سيرين عنه وزاد فيه: وخاطب وقال: قال ابن عدي: قال البخاري: مغيرة بن موسى بصري منكر الحديث وقال أبو أحمد ابن عدي: المغيرة بن موسى في نفسه ثقة. وأما حديث ابن عمر فرواه الدارقطني في «السنن» ٣/ ٢٢٣ من طريق زهير، عن نافع، عنه وذكره الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ١٨٩ وقال: ثابت بن زهير: قال البخاري فيه: منكر الحديث، قاله ابن عدي. وأما حديث عمران بن حصين فرواه عبد الرزاق في «المصنف» ٦/ ١٩٦، والطبراني في «الكبير» ١٨/ ١٤٢، والبيهقي في «الكبرى» ٧/ ١٢٥ وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٨٧ وقال: وفيه عبد الله بن محرر، وهو متروك. وفي الباب عن علي بن أبي طالب، ومعاذ بن جبل، وأبي ذر الغفاري، والمقداد بن الأسود وجابر بن عبد الله وغيرهم قال الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ١٨٤: وأكثرها صحيحة، وقد صحت الرواية عن أزواج النبي - ﷺ - عائشة وأم سلمة وزينب بن جحش. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» ١٨٥٨ وقال: حديث عائشة صحيح بالمتابعات وبما يأتي له من الشواهد. رابعها: ادعى ابن أبي زيد أن هذا خاص لرسول الله - ﷺ - في ذلك الرجل، قال: وشيء آخر أنه زوجها ولم يستأمرها، ولم يظهر من الحديث رغبتها في نكاح غيره. خامسها: فيه دليل على عقد النكاح بالإجارة، وفيه ثلاثة أقوال لأصحاب مالك: الإباحة، والكراهة، والمنع (١). وقال أبو حنيفة: يجوز للعبد أن يتزوج امرأة على أن يخدمها، ولا يجوز على تعليم القرآن؛ لأن الأجرة عنده عليه لا تجوز، وأما الحر فلا يجوز له أن يتزوج بخدمة (٢). سادسها: فيه دليل على الانعقاد بقوله: زوجني، فقال: زوجتك، وإن لم يقل الزوج ثانيًا: قبلت، وهو قول فقهاء الأمصار (٣). وكذلك البيع عند مالك والشافعي (٤). وقال أبو حنيفة: لا يصح حتى يقول: قبلت (٥). سابعها: فيه دليل على صحة عقد النكاح وإن لم تتقدمه خطبة، خلافًا لداود في إيجابه ذلك. خاتمة: قال أبو عمر: أجمع العلماء على أنه لا يجوز لأحدٍ أن يطأ فرجًا وهب له وطؤه دون رقبته بغير صداق (٦). ------------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٤/ ٤٦٥ - ٤٦٦. (٢) «الهداية» ١/ ٢٢٤. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ٢٠٦، «أحكام القرآن» لابن العربي ٣/ ١٤٦٩ - ١٤٧٠، «تقويم النظر» ٤/ ٩٦ - ٩٩. (٤) انظر: «مواهب الجليل» ٦/ ١٣، «التهذيب» ٥/ ٣١٤. (٥) انظر: «بدائع الصنائع» ٥/ ١٣٣. (٦) «التمهيد» ٢١/ ١١١. أخرى: وافق الشافعي في اقتصاره على التزويج أو الإنكاح ربيعة، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، وغيرهم، وذلك على اختلاف عنه، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن صالح: ينعقد بلفظ الهبة، ولها المهر المسمى، وإن لم يسم مهرًا فلها مهر مثلها (١). أخرى: لا حدَّ للصداق عندنا إلا أن ينتهي إلى ما لا يتمول فيفسد، ويجب مهر المثل، ونحوه عن ابن عباس، وبه قال ربيعة، وأبو الزناد، وابن أبي ذئب، ويحيى بن سعيد، والليث، والثوري والأوزاعي، والزنجي، وابن أبي ليلى، وداود، وابن وهب. وقال مالك: أقله ربع دينار، وهو من أفراده، كما قال عياض (٢). وقال أبو حنيفة: أقله عشرة دراهم. وقال ابن شبرمة: خمسة (٣). وقال النخعي: أربعة (٤). وعن الأوزاعي وابن وهب: درهم. وعن ربيعة: قيراط. وقال ابن حزم: يجوز كل ما له نصف وثمن أو أكثر، ولو أنه حبة برٍّ أو شعير (٥). وعن ابن جبير: خمسون درهمًا (٦). أخرى: جاء في الصحيح «ولو خاتم من حديد» وهو قال على جواز لبسه، وفيه خلاف عندنا في كراهته (٧)، وحديث النهي ضعيف. ------------ (١) انظر: «الهداية» ١/ ٢٠٦، «أحكام القرآن» لابن العربي ٣/ ١٤٦٨، «بداية المجتهد» ٣/ ٩٤٠، «التهذيب» ٥/ ٣١١. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٧٩. (٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٨٠. (٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤٨٢ - ٤٨٣. (٥) «المحلى» ٩/ ٤٩٤. (٦) «تفسير القرطبي» ٥/ ١٢٩. (٧) ورد بهامش الأصل: والصحيح عدم الكراهة لما رجحه النووي في «شرح مسلم» له. ١٠ - باب إِذَا وَكَّلَ رَجُلًا، فَتَرَكَ الوَكِيلُ شَيْئًا، فَأَجَازَهُ المُوَكِّلُ، فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَقْرَضَهُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى جَازَ ٢٣١١ - وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ أَبُو عَمْرٍو حَدَّثَنَا عَوْفٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: وَكَّلَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ، وَقُلْتُ: وَاللهِ لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: إِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ. قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنْهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟». قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ». فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّهُ سَيَعُودُ». فَرَصَدْتُهُ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ؟». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالًا، فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ». فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ. قَالَ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا. قُلْتُ: مَا هُوَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَىُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حَتَّى تَخْتِمَ الآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَنَّكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ. فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ البَارِحَةَ؟». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ، يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ. قَالَ: «مَا هِيَ؟». قُلْتُ: قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ مِنْ أَوَّلِهَا حَتَّى تَخْتِمَ: ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَىُّ القَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ وَلَا يَقْرَبَكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الخَيْرِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟». قَالَ: لَا. قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ». [٣٢٧٥، ٥٠١٠ - فتح: ٤/ ٤٨٧] وقال عثمان بن الهيثم: ثنا عوف، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: وكلني رسول الله - ﷺ - بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام. فذكر حديثًا فيه: دعني فإني محتاج. وفيه: أنه علمه آية الكرسي، وأنها حرز من الشيطان. كذا علقه هنا (١)، وفي صفة إبليس (٢) وفضائل القرآن (٣) ووصله النسائي عن إبراهيم بن يعقوب، ثنا عثمان، فذكره (٤). ووصله الإسماعيلي من حديث الحسن بن السكن، وعبد العزيز بن سلام، عنه. وأبو نعيم من حديث هلال بن بشر، عنه. وللترمذي نحوه من حديث أبي أيوب، وقال: حسن غريب (٥). وزعم ابن العربي أن البخاري رواه مقطوعًا، قال: وقد صححه قوم وضعفه آخرون. وعثمان هذا مؤذن البصرة، مات بعد المائتين (٦)، ------------- (١) ورد بهامش الأصل: بخط الشيخ في الهامش: زعم الضياء أن البخاري قال: وقال عياش عن أبي أيوب أن الغول كانت تجيء فتأخذ .. الحديث. (٢) سيأتي برقم (٣٢٧٥) كتاب: بدء الخلق. (٣) سيأتي برقم (٥٠١٠) باب: فضل سورة البقرة. (٤) «السنن الكبرى» ٦/ ٢٣٨. (٥) «سنن الترمذي» برقم (٢٨٨٠). (٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «الكاشف» توفي سنة ٣١٨ وفي الليل "لابن = وعوف (١) هو ابن أبي جميلة رزينة، عاش سبعًا وثمانين سنة (٢). إذا تقرر ذلك فقوله في الترجمة: فترك الوكيل شيئًا. يريد أن أبا هريرة ترك الذي حثا الطعام حين شكى الحاجة، فأخبر بذلك رسول الله - ﷺ -، فأجاز فعله ولم يرده، ففهم منه أن من وكل على حفظ شيء، أو اؤتمن على مال فأعطى منه شيئًا لآخر أنه لا يجوز دهان كان بالمعروف؛ لأنه إنما جاز فعل أبي هريرة لإجازة الشارع له؛ لأنه لم يوكل أبا هريرة على عطاء، ولا أباح له إمضاء ما انتهب منه، وإنما وكله بحفظه خاصة، والدليل على صحة هذا التأويل أنه ليس لمن اؤتمن على شيء أن يتلف منه شيئًا، وأنه إذا أتلفه ضمنه، إلا أن يجيزه رب المال. وفي تعلق جواز ذلك بإجازة رب المال دليل على صحة الضمان لو لم يجزه. قال ابن بطال: ولا أعلم فيه خلافًا بين الفقهاء، وأما قوله: وإن أقرضه إلى أجل مسمى جاز، فلا أعلم خلافًا بين الفقهاء أن أحدًا لا يجوز له أن يقرض من وديعة عنده أو مال يستحفظه لأحدٍ شيئًا، لا حالًّا ولا إلى أجل، ولكنه إن فعل كان رب المال مخيرًا بين إجازة فعله، أو تضمينه، أو طلب الذي قبض المال، ويخرج قوله: وإن أقرضه إلى آخره. من أن الطعام كان مجموعًا للصدقة، فلما أخذ ---------- = عساكر مات لإحدى عشرة خلت من رجب سنة ٢٣٠، وفي «الكاشف» أنه ثقة ثبت أيضًا روى عن رجل عنه، قال الذهبي في «المغني» قال أبو حاتم: كان بآخره يُلقن، قال الدارقطني صدوق كبير الخطأ. [«الكاشف»: (٣٧٤٦)، «المغني» ٢/ ٤٢٩]. (١) فوقها في الأصل: هو الأعرابي. (٢) في هامش الأصل: في «الكاشف»: قال: هو ثقة ثبت مات سنة ١٤٧ وفي «المغني»: ثقة مشهور، قال بندار: قدري رافضي. [الكاشف: ٤٣٠٩، «المغني»: ٢/ ٤٢٩]. السارق، وقد حثا من الطعام وقال له: دعني فإني محتاج، فتركه، فكأنه سلفه ذلك الطعام إلى أجل، وهو وقت قسمته وتفرقته على المساكين؛ لأنهم كانوا يجمعونه قبل الفطر بثلاثة أيام للتفرقة، فكأنه سلفه إلى ذلك الأجل. وفيه: أن السارق لا يقطع في مجاعة، وأنه يجوز أن يعفي عنه قبل أن يبلغ الإمام، وأنه قد يعلم الشيطان علمًا ينتفع به إذا صدقه. وفيه: أن الكذاب قد يصدق في الندرة. وفيه: علامات النبوة لقوله «ما فعل أسيرك البارحة» وفيه تفسير لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]-يعني الشياطين- أن المراد بذلك ما هم عليه من خلقتهم الروحانية، فإذا شخصوا في صورة الأجسام المدركة بالعين جازت رؤيتهم كما تشخص الشيطان في هذا الحديث لأبي هريرة في صورة سارق (١). وفي الترمذي في الحديث السالف: غول (٢). وقوله: (يحثو)، هو بالواو، ويقال بالياء، وهي أعلى اللغتين، وكله بمعنى الغرف، وفيه أن الجن يأكلون الطعام، وهو موافق لقوله - عليه السلام -: «سألوني الزاد» وإن كان في شعر العرب أنهم لا يأكلون، كما حكاه ابن التين، فإن قيل: أخذه متمردًا، فالظاهر خلافه؛ لأنه لو كان متمردًا غير محتاج إلى طعام ما علمه آية الكرسي. وفيه: ظهور الجن، وتكلمهم بكلام الإنس، وسرقتهم. ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٤٨ - ٤٤٩. (٢) «سنن الترمذي» برقم (٢٨٨٠). وفيه: قبول عذر السارق. وقوله: (وعلى عيال) -أي: نفقة عيال، مثل ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ويحتمل أن يكون بمعنى: لي. والأول أبين. وعن الداودي: قيل له أسير؛ لأنه كان ربطه يسير، وهو الحبل من الجلد، وهذِه عادة العرب كانوا يربطون الأسير بالقد، وهو الأسر بفتح الهمزة، واعترض ابن التين فقال: قول الداودي: إن السير: الحبل من الجلد لم يذكره غيره، وإنما السير: الجلد، فلو كان مأخوذًا مما ذكره لكان تصغيره يسير، ولم تكن الهمزة فاءه. وفي «الصحاح»: شدَّ الإسار، وهو القد (١) (٢). وفي بعض روايات هذا الحديث: فقال الشيطان: أعلمك آية، فلا يقربك شيطان. قلت: وما هي؟ قال: لا أستطيع أن أتكلم بها، آية الكرسي (٣). ومعنى: رصدته: أعددته. وفيه: وعيد أبي هريرة برفعه إليه، وخدعة الشيطان. وفيه: أن الثالثة بلاغ في الإعذار. وفيه: فضل آية الكرسي. وقال ابن مسعود: إنها أعظم آية نزلت (٤)، ولم ينكر عليه عمر، --------- (١) ورد بهامش الأصل: في «الصحاح» الإسار: النقد. (٢) «الصحاح» ٢/ ٥٧٨ مادة: أسر. (٣) ذكرها المنذري في «الترغيب والترهيب» ١/ ٢٣٧ وقال: رواه الترمذي وغيره من حديث أبي أيوب. والذي عند الترمذي (٢٨٨٠) ليس بهذا اللفظ وإنما هو عند أحمد ٥/ ٤٢٣ بنحوه دون قوله: لا أستطيع أن أتكلم بها. (٤) رواه الترمذي برقم (٢٨٨٤) من طريق الحميدي قال: قال سفيان بن عيينة في تفسير حديث ابن مسعود: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. = -يعني: أعظم ثوابًا-. وفيه: أن للشيطان نصيبًا من ترك ذكر الله عند المنام، وحفظ الشياطين لبعض القرآن. وقوله: (فاقرأ آية الكرسي حتى خاتمتها). أي: العلي العظيم. -------- = وله طريق رواه الطبراني في «المعجم الكبير» ٩/ ١٣٣ (٨٦٥٩) بلفظ مقارب وفيه: إن أعظم اية في كتاب الله ﴿اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الحَيُّ القَيُّومُ﴾. قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ١٢٦: ورجاله رجال الصحيح. ١١ - باب إِذَا بَاعَ الوَكِيلُ شَيْئًا فَاسِدًا فَبَيْعُهُ مَرْدُودٌ ٢٣١٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ -هُوَ ابْنُ سَلاَّمٍ- عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ عَبْدِ الغَافِرِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - قَالَ: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟». قَالَ بِلَالٌ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «أَوَّهْ أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ». [مسلم: ١٥٩٤ - فتح: ٤/ ٤٩٠] ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري: جَاءَ بِلَالٌ إِلَى رسول الله - ﷺ - بِتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فَقَالَ لَهُ: «مِنْ أَيْنَ هَذَا؟». قَالَ: كَانَ عِنْدَنَا تَمْرٌ رَدِيٌّ، فَبِعْتُ مِنْهُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ؛ لِنُطْعِمَ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: «أَوَّهْ، عَيْنُ الرِّبَا، عَيْنُ الرِّبَا، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَشْتَرِيَ فَبِعِ التَّمْرَ بِبَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِهِ». وقد سلف في باب: إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه (١)، والبخاري رواه هنا عن إسحاق. قال الجياني: لم ينسبه أحد من شيوخنا فيما بلغني، قال: ويشبه أن يكون ابن منصور، فقد روى مسلم (٢)، عنه، عن يحيى بن صالح هذا الحديث. وقال في الكسوف (٣) (٤)، وهنا، والأيمان والنذور (٥)، وعمرة ---------- (١) سلف برقم (٢٢٠١، ٢٢٠٢) كتاب: البيوع. (٢) «صحيح مسلم» رقم (١٥٩٤/ ٩٦) كتاب: المساقاة، باب: بيع الطعام مثلًا بمثل. (٣) سلف برقم (١٠٤٥) باب: النداء بـ (الصلاة جامعة في الكسوف). (٤) ورد بهامش الأصل: في باب: النداء بالصلاة جامعة. (٥) سيأتي برقم (٦٦٢٦) باب: قول الله تعالى ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ﴾. الحديبية (١): حدثنا إسحاق، ثنا يحيى بن صالح، ثنا معاوية بن سلام (٢). والبرني -بفتح الباء- من أطيب التمر. وقوله: «أوه» قال في «المطالع»: هي بالقصر والتشديد وسكون الهاء، كذا رويناه، وقيل بالمد، ولا معنى لمدها إلا بعد الصوت، وقيل: بسكون الواو وكسر الهاء، ومن العرب من يمد الهمزة ويجعل مدها واوين فيقول: آووه، وكله بمعنى التحزن، وعبرَّ بأوه ليكون أبلغ في الموعظة. وقال صاحب «العين»: تأوه الرجل آهة إذا توجع، ويقال: أوهة لك، في موضع مشتقة وهم، ويقال: أوه من كذا، على معنى التذكر والتحزن (٣). وقوله: «عين الربا» أي: نفس الربا، ولا خلاف أن من باع بيعًا فاسدًا أن بيعه مردود. وقوله «أوه» دليل على فسخه؛ لأن الله تعالى قد أمر في كتابه وقضى برد رأس المال بقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] إلى قوله ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وقد روي في هذا الحديث عن بلال أنه - عليه السلام - قال: «اردده» وفي رواية عنه: «انطلق فرده على صاحبه، وخذ تمرك فبعه بحنطة أو شعير، ثم اشتر من هذا التمر، ثم جئني» وساق الحديث (٤)، وإنما الغرض في بيع الطعام من صنف واحد مثلًا بمثل التوسعة على الناس، ولئلا يستولي أهل الجدة على الطيِّب. -------- (١) سيأتي برقم (٤١٧١) كتاب: المغازي. (٢) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٨. (٣) «العين» ٤/ ١٠٤ بنحوه. (٤) رواه الطبراني ١/ ٣٣٩ من طريق قيس بن الربيع عن أبي حمزة عن سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن بلال رضي الله عنه به. ورواه البزار في «مسنده» ٤/ ٢٠٠ (١٣٦٢) والروياني في «مسنده» ٢/ ١٨ (٧٥٥) من طريق منصور عن أي حمزة به بإسقاط عمر رضي الله عنه وأعله الدارقطني بأبي = ١٢ - باب الوَكَالَةِ فِي الوَقْفِ وَنَفَقَتِهِ، وَأَنْ يُطْعِمَ صَدِيقًا لَهُ وَيَأْكُلَ بِالمَعْرُوفِ ٢٣١٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ رضي الله عنه لَيْسَ عَلَى الوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأْكُلَ وَيُؤْكِلَ صَدِيقًا [لَهُ] غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. [٢٧٣٧، ٢٧٦٤، ٢٧٧٢، ٢٧٧٣، ٢٧٧٧ - مسلم: ١٦٣٢ - فتح: ٤/ ٤٩١] ثم ساق حديث سفيان، عَنْ عَمْرٍو قَالَ فِي صَدَقَةِ عُمَرَ لَيْسَ عَلَى الوَلِيِّ جُنَاحٌ أَنْ يَأكُلَ وُيؤْكِلَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا، فَكَانَ ابن عُمَرَ هُوَ يَلِي صَدَقَةَ عُمَرَ يُهْدِي لِلنَّاسِ مِنْ مَكةَ، كَانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ. هذا الحديث كرره البخاري، وفي رواية: كان يقال للمال: ثمغ، وكان نخلا (١)، ولأبي داود: فما عما من تمره فهو للسائل والمحروم، وإن شاء وَلِيُّ ثَمْغٍ اشترى من ثمره رقيقًا لعمله. وفي لفظ: هذا ما أوصى به ابن عمر إن حدث لي حدث أن ثمغًا. وصرمة بن الأكوع، والعبد الذي فيه، والمائة سهم التي بخيبر، ورقيقه الذي فيه، والمائة التي أطعمه رسول الله - ﷺ - بالوادي، الحديث (٢). --------- = حمزة وقال: أبو حمزة مضطرب الحديث، والاضطراب في الإسناد من قبله. والله أعلم. ا. هـ من «العلل» ٢/ ١٥٨ - ١٥٩. (١) سيأتي برقم (٢٧٦٤) كتاب: الوصايا، باب: وما للوصي أن يعمل في مال اليتيم، وما يأكل منه بقدر عمالته. (٢) «سنن أبي داود» (٢٨٧٩)، ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ١٠/ ٣٧٧ والبيهقي في «السنن» ٦/ ١٦٠ من طريق أخرى عن ابن وهب، وذكره الألباني في «صحيح أبي دواد» وقال: هذِه وجادة ثبتت من طرق جيدة، وسكت عنها الحافظ في «الفتح» ٥/ ٤٠٢ والله أعلم. وثمغ -بالثاء المثلثة، ثم ميم ساكنة، ثم غين معجمة- موضع تلقاء المدينة (١)، كان فيه مال لعمر، فخرج إليه يومًا ففاتته صلاة العصر، فقال شغلني ثَمْغ عن الصلاة، أشهدكم أنها صدقة. ذكره الإسماعيلي عن عمر، وقال: كان ابن عمر إذا قدم مكة أهدى إلى آل عبد الله بن خلد بن أسيد من صدقة عمر. ولأبي نعيم من حديث أيوب، عن نافع: أوصى عمر، الحديث من حديث أيوب أنه أخذ هذا الحديث عن عمرو بن دينار في صدقة عمر لا حرج عليه -يعني على وليه في تمره- أن يأكل منه أو يؤاكل صديقًا غير متمول منه مالًا. وهذا لفظ معمر، وهذا إنما أخذه عمر من كتاب الله تعالى في ولي اليتيم، في قوله تعالى ﴿وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]. والمعروف: ما يتعارفه الناس بينهم غير مكتسب مالا، فهذا مباح عند الحاجة، وهذا سنة الوقف أن يأكل منه الولي له ويؤكل؛ لأن الحبس لهذا حبس، وليس هو مثل من اؤتمن على مال غيره لغير الصدقة فأعطى منه بغير إذن ربه شيئًا فإنه لا يجوز ذلك بالإجماع. وفيه: أن الناس في أوقافهم على شروطهم. ومعنى (غير متأثل) جامع مالًا. وفيه: دليل على أبي حنيفة في منعه الحبس وأن كان ربعًا (٢)، وأهدى ابن عمر للشرط الذي في الوقف أن يؤكل صديقًا له -أي: يطعم- وأنه كان ينزل على الذين يهدى إليهم مكافأة عن طعامه، فكأنه هو أكله. وفيه: الاستضافة ومكافأة الضيف. ----------- (١) انظر: «معجم البلدان» ١/ ٣٤٦. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ١٣٦ - ١٣٧. ١٣ - باب الوَكَالَةِ فِي الحُدُودِ ٢٣١٤ - ٢٣١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». الحديث ٢٣١٤ - [٢٦٤٩، ٢٦٩٦، ٢٧٢٥، ٦٦٣٤، ٦٨٢٨، ٦٨٣١، ٦٨٣٦، ٦٨٤٣، ٦٨٦٠، ٧١٩٤، ٧٢٥٩، ٧٢٧٩ - فتح: ٤/ ٤٩١] الحديث ٢٣١٥ - [٢٦٩٥، ٢٧٢٤، ٦٦٣٣، ٦٨٢٧، ٦٨٣٣، ٦٨٣٥، ٦٨٤٢، ٦٨٥٩، ٧١٩٣، ٧٢٥٨، ٧٢٦٠، ٧٢٧٨ - مسلم: ١٦٩٧، ١٦٩٨ - فتح: ٤/ ٤٩١] ٢٣١٦ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ الثَّقَفِيُّ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ أَبِي، مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ -أَوِ ابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ كَانَ فِي البَيْتِ أَنْ يَضْرِبُوا، قَالَ: فَكُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنِّعَالِ وَالجَرِيدِ. [٦٧٧٤، ٦٧٧٥ - فتح: ٤/ ٤٩٢] ذكر فيه حديث زيد بن خالد وأبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا». وحديث عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: جِيءَ بِالنُّعَيْمَانِ -أَوِ بابْنِ النُّعَيْمَانِ- شَارِبًا، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ كَانَ فِي البَيْتِ فليَضْرِبُوا، قَالَ: كُنْتُ أَنَا فِيمَنْ ضَرَبَهُ، فَضَرَبْنَاهُ بِالنعَالِ وَالجَرِيدِ. الشرح: الحديث الأول سيأتي في النذور (١)، والمحاربين (٢)، والصلح (٣)، ---------- (١) رقم (٦٦٣٣، ٦٦٣٤) باب: كيف كانت يمين النبي - ﷺ -. (٢) رقم (٦٨٢٧، ٦٨٢٨) باب: الاعتراف بالزنا. (٣) رقم (٢٦٩٥، ٢٦٩٦) باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود. والشروط (١)، والأحكام (٢)، والشهادات (٣)، والاعتصام (٤)، وخبر الواحد (٥)، وله قصة. وحديث عقبة، يأتي في بابه (٦). وأنيس هو ابن الضحاك الأسلمي، ويقال مكبرًا، ذكر له أبو عمر حديثًا. والنعيمان (٧) هو ابن عمرو بن رفاعة البخاري، يقال له: نعمان، بدري مزاح، توفي في خلافة معاوية. وفي حديث أنيس من الفقه أنه يجوز للإمام أن يبعث في إنفاذ الحكم من يقوم مقامه فيه كالوكيل للموكل. واختلف العلماء في الوكالة في الحدود والقصاص، فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا يجوز قبولها في ذلك، ولا يقيم الحد والقصاص حتى يحضر المدعي، وهو قول الشافعي. وقال ابن أبي ليلى وجماعة: تقبل الوكالة في ذلك، وقالوا: لا فرق بين الحدود والقصاص والديون إلا أن يدعي الخصم أن صاحبه قد عفا، فيوقف عن النظر فيه حتى يحضر (٨). ------------ (١) رقم (٢٧٢٤، ٢٧٢٥) باب: الشروط التي لا تحل في الحدود. (٢) رقم (٧١٩٣، ٧١٩٤) باب: هل يجوز للحاكم أن يبعث رجلًا وحده للنظر في الأمور. (٣) رقم (٢٦٤٩) باب: شهادة القاذف والسارق والزاني. (٤) رقم (٧٢٧٨، ٧٢٧٩) باب: الاقتداء بسنن رسول الله - ﷺ -. (٥) رقم (٧٢٥٨، ٧٢٥٩) باب: ما جاء في إجازة خبر الواحد الصدوق. (٦) سيأتي برقم (٦٧٧٤، ٦٧٧٥) كتاب: الحدود، باب: من أمر بضرب الحد في البيت، باب: الضرب بالجريد والنعال. (٧) ورد بهامش الأصل: جعله غير واحد في الكبير قال: وهو الذي يقال له: نعيمان، وكونه توفي في أيام معاوية، عزاه النووي في «تهذيبه» لابن عساكر. (٨) انظر: «الهداية» ٣/ ١٥٢ - ١٥٣، «البيان» ٦/ ٤٠٠. وقول من أجاز الوكالة في ذلك تشهد له الأحاديث الثابتة. فإن قلت: حديث ابن النعيمان أقيم الحد بحضرته. قلت: معناه متحد؛ لأنه كله عن أمره، فتارة أرسل، وتارة فعل بحضرته؛ لأنه لا يتولاه بنفسه. ويجيء على مذهب مالك أن الحد يقام على المقرِّ دون حضور المدعي، خلاف قول أبي حنيفة والشافعي؛ لأنه حق قد وجب عليه، وليس دعواه على المدعي بما يسقط الحد مما يجب أن يلتفت إليه بمجرد دعواه، إلا أن يقيم بينة على ما ادعى من ذلك، ففيه: جواز استنابة الحاكم في بعض القضايا من يحكم فيها -كما أسلفناه- مع تمكنه من مباشرتها، وسيأتي واضحًا في الصلح (١). وفيه: إقامة الحدود والضرب بالنعال والجريد كان في زمن رسول الله - ﷺ - ثم رتبه عمر ثمانين. وفيه: أن حد الخمر لا يستأنى به الإفاقة كحد الحامل لوضع حملها. --------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٥٢. ١٤ - باب الوَكَالَةِ فِي البُدْنِ وَتَعَاهُدِهَا ٢٣١٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ لَهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٤/ ٤٩٢] ذكر فيه حديث عائشة: أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - .. الحديث. سلف في الحج (١). والوكالة في البدن، وفي كل ما يجوز للإنسان أن ينوب غيره فيه منابه من الأعمال جائزة لا خلاف في شيء من ذلك. وفي قولها: (لم يحرم عليه شيء أحله الله حتى نحر الهدي). رد على ابن عباس: من قلد هديه صار محرمًا بنفس تقليده، وقيل: لأن ناسًا يقولون: إذا أهل ذو الحجة تشبه بهم. ------- (١) رقم (١٦٩٦) باب: من أشعر وقلد بذي الحليفة ثم أحرم. ١٥ - باب إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِوَكِيلِهِ: ضَعْهُ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. وَقَالَ الوَكِيلُ: قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ. ٢٣١٨ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُ حَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدَ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بِيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ للهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ شِئْتَ، فَقَالَ: «بَخٍ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَائِحٌ. قَدْ سَمِعْتُ ٣/ ١٣٥ مَا قُلْتَ فِيهَا، وَأَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». قَالَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ. وَقَالَ رَوْحٌ، عَنْ مَالِكٍ: «رَابِحٌ». [انظر: ١٤٦١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٤/ ٤٩٣] ذكر فيه: حَدَّثَنِا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِي بِالمَدِينَةِ مَالًا، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بِيْرُحَا .. الحديث بطوله. وقد سلف في الزكاة (١)، تابعه إسماعيل عن مالك. وقال روح عن مالك: رابح. ويحيى (خ م ت س) هذا هو الخراساني (٢)، ------------ (١) سلف برقم (١٤٦١) باب: الزكاة على الأقارب. (٢) ورد بهامش الأصل: هو الحمصي، ثبت فقيه صاحب حديث، وليس بالكثير جدًّا، مات سنة ٢٢٦ هـ[انظر: الكاشف: (٦٢٦٤)]. وهو من جلة أهل الحديث، وَثَمَّ آخر غساني وأندلسي صاحب مالك وغير ذلك. وأبو طلحة جد إسحاق اسمه زيد بن سهل الصحابي، مات سنة أربع وثلاثين. ووقع في كتاب ابن التين أن اسمه خالد، فاحذره. وقوله: (قد سمعتُ ما قلت) يدل على قبوله - عليه السلام - لما جعل إليه أبو طلحة من الرأي في وضعها، ثم رد رسول الله - ﷺ - الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد أن أشار عليه في من يضعها. وفيه: أن للوكيل أن يقبل ما وكل عليه وله أن يرد، وأن الوكالة لا تتم إلا بقبول الوكيل، ألا ترى أن أبا طلحة قال لرسول الله - ﷺ -: فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فأشار عليه بالرأي، ورد عليه العمل، وقال «أرى أن تجعلها في الأقربين» فتولى أبو طلحة قسمتها. وفيه: أن من أخرج شيئًا من ماله لله ولم يُمَلِّكه أحدًا، فجائز أن يضعه حيث أراه الله من سبل الخير، وجائز أن يشاور فيه من يشق برأيه من إخوانه، وليس لذلك وجه معلوم لا يتعدى، كما قال بعض الناس: يعني قول الرجل: لله، وفي سبيل الله. في وجه دون وجه، ألا ترى هذِه الصدقة الموقوفة رجعت إلى قرابة أبي طلحة، ولو سبلها في وجه من الوجوه لم تصرف إلى غيره. واختلف الفقهاء إذا قال الرجل: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير، هل يأخذ منه لنفسه إن كان فقيرًا أم لا؟ فقالت طائفة: لا يأخذ منه شيئًا؛ لأنه إنما أمر بوضعه عند غيره، وهذا يشبه مذهب مالك في «المدونة»، كما قاله ابن بطال: سئل مالك عن رجل أوصى بثلث ماله لرجل أن يجعله حيث رأى، فأعطاه ![]()
__________________
|
|
#437
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 211 الى صـــ 230 الحلقة (437) ولد نفسه -يعني ولد الوصي- أو أحدًا من ذوي قرابته؟ قال: مالك: لا أرى ذلك جائزًا. وقال آخرون: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء. وقال آخرون: جائز أن يأخذه لنفسه كله إن كان فقيرًا. ووجه من قال: لا يأخذ منه شيئًا لنفسه؛ لأن ربه وضعه في الفقراء، ولم يأذن له أن يأخذه لنفسه، ولو شاء أن يعطيه له لم يأمره أن يضعه في غيره، وكأنه أقامه مقام نفسه، ولو فرقه ربه لم يحبس منه شيئًا. ووجه قول من قال: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء، فهو أن ربه وضعه في الفقراء، وهو أحدهم، فلم يتعد ما قيل له. ووجه قول من قال: إنه يأخذه كله لنفسه. أن ربه أمره أن يضعه في الفقراء، ومعلوم أنه لا يحيط بجماعتهم، وأن المال إنما يوضع في بعضهم، وإذا كان فقيرًا فهو بعضهم؛ لأنه من الصفة التي أمره أن يضعه فيهم (١). وفيه، وفي الآية دليل على فضل الكفاف على الغنى والفقر؛ لقوله تعالى ﴿مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ولم يقل ما تحبون. وفيه: دخول الشارع حوائط أصحابه، وشربه من الماء العذب. والذخر: ما يعتد به. وبيرحاء يمد ويقصر، وقد سلف ما فيه بزيادة. وبخ: كلمة تقولها العرب عند قبول فعل من تخاطبه، يقال عند مدح الشيء، وتبخبخ فلان إذا قال ذلك (٢). ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٥٤ - ٤٥٥، وقول مالك في «المدونة» ٤/ ٣٩٩. (٢) «المجمل» ١/ ١١١ مادة: [بخ]. ورائح. أي: يروح لصاحبه بالأجر إلى يوم القيامة أو يروح عليه في الآخرة بالأجر العظيم. ومن رواه بالباء أي: مربوح فيه، وقيل: وضعه صاحب موضع الربح. وتقول العرب: متجر رابح، ويقال: مربح. وفيه رواية الحديث بالمعنى؛ لأنه إنما قال إحدى الكلمتين، نبه عليه الداودي، وليس ببين، وإنما هي رواية بالياء وأخرى بالباء. وقوله: («إني أرى أن تجعلها في الأقربين») مع قولها: فضعها يا رسول الله حيث شئت. وفيه: أن للوكيل أن لا يقبل الوكالة كما سلف، وأن الصدقة على الأقارب لها فضل. وفي حديث آخر أنه قسمها بين أُبي وحسان (١). وقوله: (أفعل يا رسول الله). هو فعل مستقبل مرفوع. وقال الداودي يحتمل أن افْعل أنت ذاك، قد أمضيته على ما قلت فجعله أمرًا، والأول أولى؛ لقوله: فقسمها أبو طلحة. وفيه: الرجل إذا تصدق بمعين يخرجه كله، بخلاف قوله: مالي صدقة أنه يخرج الثلث، فهذا أصل لمن عين شيئًا من ماله، ولو عين ماله كله وجب عليه إخراجه، وليس في الحديث في ذلك بيان، بل فيه أن ذلك كان يسيرًا من مال أبي طلحة؛ لأنه كان أكثر أنصاري بالمدينة مالًا. ----------- (١) سيأتي برقم (٢٧٥٨) كتاب: الوصايا، باب: من تصدق إلى وكيله، ثم رد الوكيل إليه. واختلفت المالكية إذا عين شيئًا من ماله، هل يخرج ثلثه أو جميعه؟ وكذلك إذا كان أكثر من ثلثه، هل يخرج جميعه أو يقتصر على ما حمل الثلث منه كالوصايا؟ ذكره ابن الجلاب. وليس في الحديث بيان لشيء من ذلك، بل قال: كان أحب أموالي إليَّ. فدل أن له أموالًا غيره. ١٦ - باب وَكَالَةِ الأَمِينِ فِي الخِزَانَةِ وَنَحْوِهَا ٢٣١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الخَازِنُ الأَمِينُ الذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الَّذِى يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا مُوَفَّرًا طَيِّبٌ نَفْسُهُ إِلَى الذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ». [انظر: ١٤٣٨ - مسلم: ١٠٢٣ - فتح: ٤/ ٤٩٣] ذكر حديث أبي موسى عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «الخَازِنُ الأَمِينُ الذِي يُنْفِقُ -وَرُبَّمَا قَالَ: الذِي يُعْطِي- مَا أُمِرَ بِهِ كَامِلًا طَيِّبًا نَفْسُهُ إِلَى الذِي أُمِرَ بِهِ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ». وقد سلف (١)، وإنما كان أحد المتصدقين؛ لأنه معين على إنفاذ الحسبة، وأما إذا أعطاه كارهًا غير مريد لإعطائه لم يؤجر على ذلك؛ لأنه لا نية له مع فعله، وقد أخبر الشارع أن الأعمال بالنيات، فدل ذلك على أنها إذا لم تصحبها نية، أنه لا يؤجر بها، ألا ترى أن المنافقين لم تقبل منهم صلاة ولا صيام ولا غيرهما إذ عريت أعمالهم عن النيات. ------------ (١) سلف برقم (١٤٣٨) كتاب: الزكاة، باب: أجر الخادم إذا تصدق بأمر صاحبه غير مفسدٍ. ٤١ الحرث والمزارعة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٤١ - الحرث والمزارعة ١ - باب: فَضْلِ الزَّرْعِ وَالغَرْسِ إِذَا أُكِلَ مِنْهُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ [الواقعة: ٦٣ - ٦٥]. ٢٣٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ ح. وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». وَقَالَ لَنَا مُسْلِم: حَدَّثَنَا أَبَانُ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَس، عَنِ النَّبِيِّ. [٦٠١٢، - مسلم: ١٥٥٣ - فتح: ٥/ ٣] ذكر فيه حديث أنس، فقال: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُبَارَكِ، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا، أَوْ يَزْرَعُ زَرْعًا، فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ، إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ». وَقَالَ لَنَا مُسْلِمٌ: ثَنَا أَبَانُ، ثَنَا قَتَادَةُ، ثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. الشرح: كذا ذكره بلفظ: (وقال لنا مسلم) وهو شيخه بلفظ التحديث، حتى جعله بعضهم معلقًا. وأباه أبو نعيم فقال: روى البخاري هذا الحديث وأتى به لتصريح قتادة فيه بسماعه من أنس ليسلم من تدليس قتادة. وأخرجه أيضًا مسلم، عن عبد بن حميد، ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا أبان بن يزيد العطار، ثنا قتادة عن أنس (١)، وعنده أيضًا: عن جابر، عن أم مبشر أنه - عليه السلام - دخل نخلًا لها، فسأل: «مَنْ غرس هذا النخل أمسلم أم كافر؟» قالوا: مسلم .. الحديث، وفي رواية: دخل على أم معبد أو أم مبشر الأنصارية (٢)، وفي رواية له: عن جابر، عن امرأة زيد بن حارثة، بدل: (أم مبشر) (٣). وفي بعض نسخ مسلم: أم بشر، وهو من أفراده. قلت: ورأيت من قال من شيوخنا: إن أم معبد هي أم مبشر وأم بشير، واسمها: خليدة (٤). قال ابن عبد البر: هي بنت البراء بن معرور الأنصارية (٥). وفي الباب عن أبي أيوب، ذكره الطبراني (٦) وأبي سعيد. ----------- (١) «صحيح مسلم» برقم (١٥٥٣/ ١٣) كتاب: المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع. (٢) المصدر السابق رقم (١٥٥٢). (٣) المصدر السابق (١٥٥٢/ ١١). (٤) ذكره النووي في «شرح مسلم» ١٠/ ٢١٤، ولم يصححه. (٥) «الاستيعاب» ٤/ ٥١١. (٦) «المعجم الكبير» ٤/ ١٤٨ (٣٩٦٨). وخص المسلم بالذكر؛ لأنه ينوي عند الغرس غالبًا أن يتقوى به على العبادة؛ ولأنه الذي يُحصِّل الثواب -بخلاف الكافر- وغايته أن يخفف العذاب عنه فيمن خص به (١)، وقد يطعم في الدنيا ويعطى بذلك، ويعني بالصدقة ثوابها مضاعفًا، كما قال تعالى ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٦١]. وفيه: أن الغراس واتخاذ الضياع مباح وغير قادح في الزهد، وقد فعله كثير من الصحابة وغيرهم، وذهب قوم من المتزهدة إلى أن ذلك مكروه وقادح في الزهد، ولعلهم تمسكوا في ذلك بحديث الترمذي محسنًا، وابن حبان من حديث ابن مسعود مرفوعا: «لا تتخذوا الضيعة فتركنوا إلى الدنيا» (٢). ويجاب بأن النهي محمول على الاستكثار من الضياع، والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون في الدنيا، وأما إذا اتخذها غير مستكثر، وقلل منها، وكانت له كفافًا وعفافًا فهي مباحة غير قادحة في الزهد، وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه الشارع بقوله: «إلا من أخذه بحقه ووضعه في حقه» (٣) فإن نوى بما غرس معونة المسلمين ورجاء ثواب ما يؤكل وشبهه، فذلك من أفضل الأعمال وأكمل الأحوال. ----------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وأما الكافر فإنه يطعم بحسناته في الدنيا ولا يخفف عنه في الآخرة من العذاب، إلا فيمن ورد فيه النص منهم مثل أبي طالب، وكما يسقى أبو لهب بعتقه فيه ثويبة. (٢) «سنن الترمذي» رقم (٢٣٢٨)، و«صحيح ابن حبان» ٢/ ٤٨٧ (٧١٠)، وصححه الحاكم ٤/ ٣٢٢ والألباني في «الصحيحة»: (١٢). (٣) جزء من حديث: «إن أكثر ما أخاف عليكم ..» ويأتي في الرقاق (٦٤٢٧) باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ورواه مسلم (١٠٥٢/ ١٢٢) كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا. ولا يبعد أن يقال: إن أجر ذلك يعود عليه دائمًا أبدًا وإن مات وانتقلت إلى غيره، ما دام ذلك الغرس أو الضيعة وما تولد منهما إلى يوم القيامة: لما في مسلم «إلا كان له صدقة إلى يوم القيامة» (١) ولو كان كما زعم أولئك لما كان لمن يزرع زرعًا وأكل منه إنسان أو بهيمة أجر؛ لأنه لا يؤجر أحد على ما لا يجوز فعله، وقد أسلفنا اختلاف الناس في أفضل المكاسب أهو التجارة أو الصنعة باليد أو الزراعة، فراجعه. ويرجح الثالث: بأن الشخص يثاب على ما سرق من ماله أو أتلفته دابة أو طائر ونحوهما؛ لما في «صحيح مسلم» من حديث جابر: «وما سرق منه له صدقة، وما أكله السبع فهو له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزؤه أحد إلا كان له صدقة» (٢). وفي رواية له: «فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كان له صدقة يوم القيامة» (٣) قال المهلب: وهذا يدل على أن الصدقة على جميع الحيوان، وكل ذي كبد رطبة فيه أجر، لكن المشركين لا يؤمر بإعطائهم من الزكاة الواجبة: لقوله - عليه السلام -: «فترد على فقرائهم» (٤). وفيه من الفقه: أن من زرع في أرض غيره أن الزرع للزارع، ولرب الأرض عليه كراء أرضه؛ لحديث الباب، فجعل الصدقة للزارع والثواب له خاصة دون رب الأرض، فعلمنا أنه ليس لرب الأرض حق في الزرع الذي أخرجته الأرض. ---------- (١) مسلم رقم (١٥٥٢/ ١٠). (٢) مسلم (١٥٥٢) كتاب: المساقاة، باب: فضل الغرس والزرع. (٣) السابق. (٤) سلف برقم (١٣٩٥) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة. وفيه: الحض على عمارة الأرض ليعيش نفسه أو من يأتي بعده ممن يؤجر فيه، وذلك يدل على جواز اتخاذ الضياع، وأن الله تعالى أباح ذلك لعباده المؤمنين لأقواتهم وأقوات أهليهم طلب الغنى بها عن الناس، وفساد قول من أنكر ذلك، ولو كان كما زعموا ما كان لمن زرع زرعًا وأكل منه إنسان أو بهيمة أجر؛ لأنه لا يؤجر أحد فيما لا يجوز فعله، وقد سلف بيان ذلك بأوضح في باب: نفقة نسائه - ﷺ - (١). -------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٥٦ - ٤٥٧، وسلف بيان ذلك في كتاب: الخمس. ٢ - باب مَا يُحْذَرُ مِنْ عَوَاقِبِ الاِشْتِغَالِ بِآلَةِ الزَّرْعِ أَوْ مُجَاوَزَةِ الحَدِّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ ٢٣٢١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَالِمٍ الحِمْصِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ الأَلْهَانِيُّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ البَاهِلِيِّ، قَالَ: -وَرَأَى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ، فَقَالَ:- سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ - يَقُولُ: «لَا يَدْخُلُ هَذَا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا أُدْخِلَهُ الذُّلُّ». قال مُحَمَّد: واسْمُ أبَي أُمَامَة: صُدَيُّ بنُ عَجْلَانَ [فتح: ٥/ ٤] ذكر فيه حديث محمد بن زياد الألهاني، عن أبي أمامة الباهلي قَالَ: -وَرَأى سِكَّةً وَشَيْئًا مِنْ آلَةِ الحَرْثِ فَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِي - ﷺ - يَقُولُ: «لَا يدخلُ هذا بَيْتَ قَوْمٍ إِلَّا دَخَلَهُ الذُّلُّ». هذا الحديث من أفراده، وأبو أمامة اسمه صُدي بن عجلان السهمي، بصري ثم حمصي، آخر الصحابة موتًا بالشام. وفي إسناده عبد الله بن سالم الحمصي، مات -هو ومالك- سنة تسع وسبعين ومائة (١). ومراده بقوله: (أو مجاوزة الحد الذي أمر به). معناه: الذي أبيح له، وذلك إذا لم يكن منقطعًا إليه، أما إذا انقطع فيحذر مما قاله أبو أمامة. والسكة: الحديدة التي يحرث بها (٢)، ووجه الذل ما يلزم الزارع من حقوق الأرض فيطالبهم السلطان بذلك، وقيل: إن المسلمين إذا أقبلوا على الزراعة شغلوا عن العدو، وفي ترك الجهاد نوع ذل. ----------- (١) ورد بهامش الأصل: قال في الكاشف [١/ ٥٥٥ (٢٧٣٦)] قال يحيى بن حسان في حق عبد الله بن سالم الحمصي: ما رأيت بالشام مثله صدوق ناصبي. (٢) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري ٢/ ١٧٢٢. ومعنى الحديث: الحض على معالي الأمور، وطلب الرزق من أشرف الصناعات، لما خشي - عليه السلام - على أمته من الاشتغال بالحرث، وتضييع ركوب الخيل، والجهاد في سبيل الله؛ لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض، ولزوم المهنة، والوقوع بذلك تحت أيدي السلاطين وركاب الخيل، ألا ترى أن عمر قال: تمعددوا، واخشوشنوا، واقطعوا الركب، وثبوا على الخيل وثبًا لا يغلبكم عليها رعاة الإبل (١). أي: دعوا التملك والتدلل بالنعمة، وخذوا خشن العيش؛ لتتعلموا الصبر فيه، فأمرهم بملازمة الخيل والتدرب عليها والفروسية؛ لئلا يملكهم الرعاة الذين شأنهم خشونة العيش، ورياضة أبدانهم بالوثوب على الخيل، فليحذر من الميل إلى الراحة والنعمة، فمن لزم الحرث وغلب عليه، وضيع ما هو أشرف منه؛ لزمه الذل، كما قال - عليه السلام -، ويلزمه الجفاء في خلقه لمخالطته، وهو كذلك. وقد جاء في الحديث «من لزم البادية فقد جفا» (٢). وجاء: «من بدا فقد جفا» (٣). ---------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٨٥ - ٨٦ (١٩٩٩٤). (٢) رواه أبو داود (٢٨٥٩) والترمذي (٢٢٥٧) وأحمد ١/ ٣٥٧ من حديث ابن عباس، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٥٤٧). (٣) رواه أحمد ٢/ ٣٧١ عن إسماعيل بن زكريا، عن الحسن بن الحكم، عن عدي ابن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعًا، والحديث ذكره الألباني في «الصحيحة» (١٢٧٢) وقال: وهذا إسناد حسن فإن بقية رجال الإسناد ثقات كلهم. وقد أخبرنا بما يقوي هذا المعنى حيث قال: «السكينة في أهل الغنم، والخيلاء في أصحاب الخيل، والقسوة في الفدادين أهل الوبر» (١). وكأنه قال: والذل في أهل الحرث، أي: من شأن ملازمة هذِه المهن توليد ما ذكر من هذِه الصفات، ومن الذل الذي يلزم من اشتغل بالحرث ما ينوبه من المؤنة لخراج الأرضين، كما سلف. وفيه: علامة النبوة، وذلك أنه - عليه السلام - علم أنه من يأتي في آخر الزمان من الولاة يجورون في أخذ الصدقات والعشور، ويأخذون من ذلك أكثر مما يجب لهم؛ لأنه لا ذل لمن أخذ منه الحق الذي عليه، وإنما يصح الذل بالتعدي وترك الحق في الأخذ. وفيه: أن الأموال الظاهرة يخرج حقوقها إلى السلطان. وقال الداودي: هذا لمن يقرب من العدو واشتغل بالحرث، وأما يخرهم فالحرث محمود، قال تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ومن القوة: الطعام، والخيل لا تقوم إلا بالزراعة. ومن هو في الثغور المقاربة للعدو لا يشتغل بالحرث، وعلى المسلمين والإمام مدهم بما يحتاجون إليه (٢). ---------- (١) سيأتي من حديث أبي هريرة (٣٣٠١) كتاب: بدء الخلق، باب: خير مال المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال. (٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد السبعين كتبه مؤلفه. ٣ - باب اقْتِنَاءِ الكَلْبِ لِلْحَرْثِ ٢٣٢٢ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ». قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ». وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ». [انظر: ٣٣٢٤ - مسلم: ١٥٧٥ - فتح: ٥/ ٥] ٢٣٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ، أَنَّ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ سُفْيَانَ بْنَ أَبِي زُهَيْرٍ -رَجُلًا مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ». قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: إِي وَرَبِّ هَذَا المَسْجِدِ. [٣٣٢٥ - مسلم: ١٥٧٦ - فتح: ٥/ ٥] ذكر فيه حديث أبي سلمة عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رفعه: «مَنْ أَمْسَكَ كَلْبًا فَإِنَّهُ يَنْقُصُ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ، إِلَّا كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ مَاشِيَةٍ». قَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «إِلَّا كَلْبَ غَنَمٍ أَوْ حَرْثٍ أَوْ صَيْدٍ». وَقَالَ أَبُو حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ مَاشِيَةٍ». وحديث سفيان بن أبي زهير -رَجُل مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، صحابي- قَالَ: سمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا لَا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعًا وَلَا ضَرْعًا، نَقَصَ كُلَّ يَوْم مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ». قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: إِيً وَرَبِّ هذا المَسْجِدِ. الشرح: أخرجهما مسلم أيضًا (١)، وفي الباب عن ابن عمر أخرجاه (٢)، ويأتي في باب: إذا وقع الذباب في إناء أحدكم (٣). وعبد الله بن مغفل صححه الترمذي (٤)، وأصله في مسلم (٥) وجابر أخرجه الترمذي (٦) وبريدة (٧). قال عبد الحق: ولم يذكر البخاري الصيد في حديث أبي هريرة إلا في طريق منقطعة. قال الترمذي: ويروى عن عطاء بن أبي رباح أنه رخص في إمساك الكلب وإن كان للرجل شاة واحدة (٨)، قال: ويروى في بعض الحديث: «إن الكلب الأسود البهيم شيطان» (٩) والبهيم: الذي لا يكون فيه شيء من البياض. وقد كره بعض أهل العلم صيد الكلب الأسود البهيم (١٠). ------(١) «صحيح مسلم» برقم (١٥٧٥، ١٥٧٦) كتاب: المساقاة، باب: الأمر بقتل الكلاب. (٢) سيأتي برقم (٥٤٨٠) كتاب: الذبائح والصيد، باب: من اقتنى كلبًا ليس بكلب صيد أو ماشية، ورواه مسلم (١٥٧٤) كتاب: المساقاة. (٣) سيأتي برقم (٥٧٨٢) كتاب: الطب. (٤) «سنن الترمذي» رقم (١٤٨٦). (٥) مسلم برقم (٢٨٠) كتاب: الطهارة، باب: حكم ولوغ الكلب. (٦) «سنن الترمذي» (١٤٦٦)، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. (٧) رواه أحمد ٥/ ٣٥٣ بلفظ: احتبس جبريل على رسول الله - ﷺ -؛ فقال له: «ما حبسك؟» قال: إنا لا ندخل بيتا فيه كلب. وروي عند غيره بلفظ: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب». (٨) «سنن الترمذي» رقم (١٤٨٩). (٩) رواه أحمد ٦/ ١٥٧ عن عائشة رضي الله عنها. (١٠) «سنن الترمذي» بعد حديث (١٤٨٦). أما فقه الباب: فالأحاديث دالة على إباحة اتخاذ الكلب للزرع والماشية والصيد، وفي معناها اتخاذها لحفظ الدروب، وهو الأصح عندنا عملًا بالعلة، وهي الحاجة لاتخاذ جرو، لذلك على الأصح. وأما حديث النهي عن ثمن الكلب والهرة، إلا الكلب المعلم فواهٍ؛ كما بينه ابن حبان (١). فائدة: شنوءة: اسم للحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر الأزدي، والنسب إليهم: شنوئي وشنائي. وقال ابن فارس: الشنوءة: التغير (٢)، ومنه: أزد شنوءة، والشنائي بالهمز، وفي بعض النسخ بالواو، وهو صحيح على إرادة التسهيل، ورواه بعضهم بضم الشين على إرادة الأصل. والاقتناء: الاتخاذ لنفسه لا للتجارة، قال الداودي: معناه: كسب، من قوله: ﴿أغنى وأقنى﴾ [النجم: ٤٨] قال غيره: معنى ﴿أقنى﴾: أعطى وأرضى. و(الضرع) يقال للشاة وغيرها (٣)، والقيراط قيل: هو من التمثيل، مثل جبل أحد. ------- (١) «المجروحين» ١/ ٢٣٧. قال: هذا خبر بهذا اللفظ لا أصل له، ولا يجوز ثمن الكلب المعلم ولا غيره. قلت: وكذا ضعفه الدارقطني في «سننه» ٣/ ٧٣، والحديث رواه أحمد ٣/ ٣١٧. (٢) كذا بالأصل، وجاء في «مقاييس اللغة» مادة [شنأ]: التقزز. (٣) ورد بهامش الأصل: قاله في «المطالع» في قولنا: يا أهل ضرع، أي: ماشية، ومن العرب من يجعل الضرع لكل أنثى، ومنهم من يخص الضرع بالشاة والبقر، والحلث بالناقة، والثدي بالمرأة. وقوله: (أي ورب هذا المسجد). أقسم ليؤكد ما ذكره؛ ليتحققوه وينقلوه، والمراد -والله أعلم- بنقص العمل في المستقبل لا في الماضي، وأراد أن عمله في الكمال ليس كعمل من لم يتخذ، فنهى أولًا عن اتخاذها، وغلظ في ولوغها، ثم نهى عن ثمنها، ثم ذكر نقص عملها، ثم أمر بقتلها، وأراد نقص ثواب العمل. ٤ - باب اسْتِعْمَالِ البَقَرِ لِلْحِرَاثَةِ ٢٣٢٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ، سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ التَفَتَتْ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ» قَالَ: «آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِى، فَقَالَ [لَهُ] الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟» قَالَ: «آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي القَوْمِ. [٣٤٧١، ٣٦٦٣، ٣٦٩٠ - مسلم: ٢٣٨٨ - فتح: ٥/ ٨] ذكر فيه حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِي - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى بَقَرَةٍ التَفَتَتْ إِلَيْهِ. فَقَالَتْ: لَمْ أُخْلَقْ لِهَذَا، خُلِقْتُ لِلْحِرَاثَةِ» قَالَ: «آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَأَخَذَ الذِّئْبُ شَاةً فَتَبِعَهَا الرَّاعِي، فَقَالَ الذِّئْبُ: مَنْ لَهَا يَوْمَ السَّبُعِ، يَوْمَ لَا رَاعِيَ لَهَا غَيْرِي؟» قَالَ: «آمَنْتُ بِهِ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ». قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: وَمَا هُمَا يَوْمَئِذٍ فِي القَوْمِ. الشرح: هذا الحديث أخرجه هنا من طريق شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، وذكره في: بني إسرائيل من حديث الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة (١). وأخرجه مسلم من هذا الوجه (٢). قال الدمياطي: وأخرج مسلم بهذا السند حديثًا آخر «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم» الحديث (٣)، لا ثالث لترجمة الأعرج عن أبي سلمة (٤). -------- (١) سيأتي برقم (٣٤٧١) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٢) مسلم رقم (٢٣٨٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل أبي بكر الصديق. (٣) المصدر السابق برقم (٢٣٦٥). (٤) يقصد الدمياطي أن مسلمًا لم يرو -بهذا الإسناد- إلا هذين الحديثين، وليس عنده عن الأعرج، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أحاديث أخر. وذكر ابن التين عن الهروي أن هذا كان في المبعث، ونقل عن الداودي: عن أبي هريرة: «بينا رجل يسوق بقرة إذ ركبها فضربها». وفي رواية: «حملها فالتفتت إليه». وفيه: علم من أعلام النبوة. وفيه: فضل الشيخين؛ لأنه نزلهما منزلة نفسه، وهي من أعظم الخصائص. وفيه: بيان أن كلام البهائم من الخصائص التي خصت بها بنو إسرائيل، وهو مما فهمه البخاري إذ خرجه في باب: ذكر بني إسرائيل (١). وذكر ابن الأثير أن قصة الذئب كانت أيضًا في المبعث، والذي كلمه الذئب اسمه أهبان بن أوس الأسلمي أبو عقبة، سكن الكوفة (٢)، وقيل: أهبان بن عقبة، وهو عم سلمة بن الأكوع، وكان من أصحاب الشجرة. وعن الكلبي: هو أهبان بن الأكوع، واسمه: سنان بن عياذ بن ربيعة (٣). وعند السهيلى: هو رافع بن ربيعة (٤)، وقيل: سلمة بن الأكوع. وروي عن ابن وهب أن أبا سفيان بن الحارث (٥) وصفوان بن أمية وجدا ذئبًا أخذ ظبيًا، فاستنقذاه منه، فقال لهما: طعمة أطعمنيها الله .. الحديث. وروي مثل هذا أيضًا أنه جرى لأبي جهل وأصحاب له. ----------- (١) سيأتي برقم (٣٤٧١) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٢) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ٤٥. (٣) «أسد الغابة» ١/ ١٦١ - ١٦٢. (٤) «الروض الأنف» ٤/ ٢٥٢، وفيه: رافع بن أبي رافع. (٥) ورد بهامش الأصل: حرب في «الشفا». [قلت: هو الصواب، انظر: «الشفا» للقاضي عياض ١/ ٣١٠ - ٣١١]. ![]()
__________________
|
|
#438
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 231 الى صـــ 250 الحلقة (438) وعند أبي القاسم عن أنس: كنت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة تبوك، فشردت عليَّ غنمي، فجاء الذئب فأخذ منها شاة، فاشتدت الرعاء خلفه، فقال الذئب: طعمة أطعمنيها الله تنزعونها مني، فبهت القوم فقال: مما تعجبون؟ الحديث (١). و(يوم السبع) بإسكان الباء، قال ابن الجوزي: كذا هو بإسكان الباء، والمحدثون يروونه بضمها، والمعنى على هذا أي: إذا أخذها السبع لم تقدر على خلاصها، فلا يرعاها حينئذ غيري. أي: إنك تهرب وأكون أنا قريبًا منها، انظر ما يفضل لي منها، كأنه يشير إلى حديث أبي هريرة مرفوعًا «يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي» (٢). يريد: عوافي السباع والطير، وهذا لم يُسمع به إلى الآن، ولابد من وقوعه. وقال ابن العربي: قراءة الناس بضم الباء، وإنما هو بإسكانها، والضم تصحيف، ويريد بالساكن الباء للإهمال، والمعنى: من لها يوم يهملها أربابها؛ لعظم ما هم فيه من الكرب، إما ما يحدث من فتنة، أو يريد به يوم الصيحة (٣). ونقل الأزهري في «تهذيبه» عن ابن الأعرابي أنه بسكون الباء: الموضع الذي فيه المحشر (٤)، فكأنه قال: من لها يوم القيامة؟ قلت: وضم الباء لغة في السبع. ---------- (١) «دلائل النبوة» للأصبهاني ٢/ ٤٦٧ (٤٥). (٢) سلف برقم (١٨٧٤) كتاب: فضائل المدينة، باب: من رغب عن المدينة، ورواه مسلم (١٣٨٩) بلفظ: مذللة للعوافي، كتاب: الحج، باب: في المدينة حين يتركها أهلها. (٣) «عارضة الأحوذي» ١٣/ ١٥٠. (٤) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٦١٧ مادة (سبع). قال ابن سيده: كلام سيبويه يشعر أن السبع لغة، وليس بتخفيف- كما ذهب إليه أهل اللغة؛ ولا يمتنع أيضًا، وقد جاء كثيرًا في أشعارهم (١). قال صاحب «المطالع»: الساكن الباء: عيد كان لهم في الجاهلية، يشتغلون فيه بلعبهم فيأكل الذئب غنمهم، ذكره إسماعيل عن أبي عبيدة (٢)، قال: وليس بالسبع الذي يأكل الناس. وذكر أبو موسى في «مغيثه»: أن أبا عامر العبدري الحافظ أملاه علينا بسنده إلى إسماعيل: بضم الباء، قال: وكان من العلم والإتقان بمكان، وبعضهم يفتح الباء، وليس بشيء. وقال محمد بن عمرو بن علقمة -راويه- يعني: يوم القيامة. وقيل: إنه بالسكون: يوم (الفزع) (٣)، يقال: سبعه الأسد. أي: ذكره (٤). وقال بعضهم فيما حكاه صاحب «المطالع»: إنما هو (السيع) بالياء المثناة تحت. أي: يوم الضياع، يقال: أسيعت وأضعت بمعنى، ولم يحك ابن التين غير الإسكان، وقال: المعنى إذا طردك عنها السبع ثم أخذ منها ما شاء، وانفردت أنا بها. ونقله عن الداودي. وهذا الحديث حجة على من جعل علة المنع من أكل الخيل والبغال والحمير أنها خلقت للزينة والركوب؛ لقوله تعالى ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] وقد خلقت البقر للحراثة، كما أنطقها تعالى به، وهو ---------- (١) «المحكم» ١/ ٣١٥ مادة (عسب). يقصد أن (السبْع) بالسكون لغة في (السبُع) بالضم، وليس هو من تخفيف العرب لها. (٢) رواه عن أبي عبيدة البكريُّ في «معجم ما استعجم» ٣/ ٧١٩. (٣) في الأصل: الجوع، والمثبت من «المجموع المغيث». (٤) «المجموع المغيث» ٢/ ٥٤ - ٥٥. زيادة في الآية المعجزة، ولم يمنع ذلك من أكل لحومها، لا في بني إسرائيل، ولا في الإسلام. وفيه: الثقة بما يعلم من صحة إيمان المرء، وثاقب علمه، والقضاء عليه بالعادة المعلومة منه، كما قضى - عليه السلام - على أبي بكر وعمر بتصديق كلام البقرة والذئب الذي توقف الناس عن الإقرار به حتى احتاج أن يقول: إن هذا يقر به أبو بكر وعمر، وناهيك بذلك فضيلةً لهما ورفعةً؛ لشهادته لهما الذي لا ينطق عن الهوى (١)، كما سلف، وذاك دال على قوة إيمانهما، وكان الناس حديثي عهد في الإسلام، وهو من عجائب بني إسرائيل، وقد قال: «حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج» (٢) ومعناه: فيما صح عندكم، ولا تتحرجوا من سماع عجائبهم. وقد كانت فيهم عجائب. وفيه: أن البهائم يستعمل كل شيء منها فيما خلق له- كما ترجم له. --------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٥٩، ٤٦٠، وعزاه إلى المهلب. (٢) سيأتي برقم (٣٤٦١) كتاب: أحاديث الأنبياء باب: ما ذكر عن بني إسرائيل. ٥ - باب إِذَا قَالَ: اكْفِنِي مَئُونَةَ النَّخْلِ أَوْ غَيْرِهِ، وَتُشْرِكُنِي فِي الثَّمَرِ ٢٣٢٥ - حَدَّثَنَا الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: «لَا». فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. [٢٧١٩، ٣٧٨٣ - فتح: ٥/ ٨] ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ: قَالَتِ الأَنْصَارُ لِرسول الله - ﷺ -: اقْسِمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا النَّخِيلَ. قَالَ: «لَا». فَقَالُوا: تَكْفُونَا المَئُونَةَ وَنُشْرِكُكُمْ فِي الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا. هذا الحديث من أفراده، وخرجه في الشروط أيضًا (١)، وهذا القول كان من الأنصار حين قدم عليهم المهاجرون المدينة ومنحوهم المنائح، فلما فتحت خيبر أعادوا منائحهم عليهم، كما ذكره البخاري في العارية من رواية أنس قال: وكانت أم سليم أعطت رسول الله - ﷺ - عذاقًا، فأعطاهن أم أيمن، فلما رد المهاجرون ما كان بأيديهم رد رسول الله - ﷺ - إلى أم سليم عذاقها، وأعطى أم أيمن مكانهن من حائطه وكانت الأنصار أرادوا أن يشركهم المهاجرون في أموالهم ونخيلهم، فأشركهم - عليه السلام - في الثمرة على أن يكفوهم المؤنة (٢). فظاهر الحديث يقتضي عملهم على النصف مما تخرج الثمرة؛ لأن الشركة إذا أبهمت ولم يكن فيها حد معلوم كانت نصفين، وهذِه هي المساقاة. ----------- (١) سيأتي برقم (٢٧١٩) باب: الشروط في المعاملة. (٢) سيأتي برقم (٢٦٣٠) كتاب: الهبة، فضل المنيحة. قال ابن التين: لما بايع سيدنا رسول الله - ﷺ - الأنصار ليلة العقبة اشترط عليهم مواساة من هاجر إليهم، فلما قدم المهاجرون قالت الأنصار: اقسم بيننا وبين إخواننا ويعمل كل واحد سهمه. وقال النبي - ﷺ -: «إنهم لا علم لهم بعمل النخل» فقالوا: يكفونا المؤنة. وهذا من قول المهاجرين. وقال بعضهم: إنه من قول الأنصار، وإن فيه حجة على جواز المساقاة. وليس كذلك، لأنه يصح أن يحتج به على جوازها وإن كان من قول المهاجرين؛ لأنهم ملكوا معهم نصيبًا باشتراطه - عليه السلام - ذاك كما مضى، وتطوعهم بذلك ولم يرجعوا عنه. فكأنهم جعلوا لهم نصيبًا من الثمرة فيما صار إليهم منهم على أن يكفوهم المؤنة، فلما جلا بني النضير، وأراد قسم ما سوى الرباع من ما لهم قال للأنصار: «إن شئتم نقسم على ما كنتم عليه في أموالكم، وإن شئتم رجعت إليكم أموالكم، وقسمت لهم دونكم». فاختاروا أخذ أموالهم، وقسم ما سوى الرباع من أموال بني النضير على المهاجرين وثلاثة من الأنصار كانت بهم حاجة وهم: أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. وقال ابن المنير: أشار البخاري في الترجمة إلى حجة المساقاة، وليس في الحديث حقيقتها؛ لأن الرقاب كانت ملكًا للأنصار، وهم أيضًا العمال عليها، فليس فيه إلا مجرد تمليكهم لإخوانهم نصف الثمر بلا عوض، غير أنهم عرضوا عليهم الملك ثم القسمة، فنزلوا عن الملك المتعلق بالثمرة، وكانوا ساقوا نصيبهم المعروض عليهم بجزء من الثمرة، وكان الجزء مبينًا إما بالنص، أو العرف، أو بإطلاق الشركة منزل على النصف، وهو مشهور مذهب مالك، والجزء المنسوب إلى الأصل هنا هو الكل بالنسبة إلى النصيب المعروف، قال: ومذهبنا أن المساقاة على أن كل الثمرة للمالك جائزة (١). وقال المهلب: إنما أراد الأنصار مشاركة المهاجرين بأن يقاسموهم أموالهم، فكره - عليه السلام - أن يخرج شيئًا من عقارهم، وعلم أن الله سيفتح عليهم البلاد حتى يستغني جميعهم، فأشركهم كما سلف، وهذِه هي المساقاة بعينها. قال غيره: فإن وجد في بعض طرق الحديث مقدار الشركة في الثمرة صير إليه، وإلا فظاهر اللفظ النصف؛ لأن الشركة إذا أبهمت ولم يذكر فيها جزء معلوم حملت على المساقاة. وعن مالك في رجلين اشتريا سلعة فأشركا فيها ثالثًا، ولم يسميا له جزءًا: أن السلعة بينهم أثلاثًا (٢). فهذا يدل من قوله أنه لو كان المشرك واحدًا كانت بينهما نصفين. واختلف أهل العلم في الرجل يدفع المال قراضًا على أن للعامل شركا في الربح. فقال الكوفيون: له ذلك في أجر مثله، والربح والوضيعة على رب المال، وهو قول أحمد، وإسحاق، وأبي ثور. وقال ابن القاسم: يرد في ذلك إلى قراض مثله. وقال الحسن البصري، وابن سيرين: له النصف، وهو قول الأوزاعي وبعض أصحاب مالك (٣). -------- (١) «المتواري على تراجم أبواب البخاري» (٢٦٠). (٢) «المدونة» ٣/ ١٦٣. (٣) «الإشراف» لابن المنذر ٢/ ٣٩. وحديث الباب يدل على صحته؛ لأن من رد القرض في ذلك إلى أجر مثله أو إلى قراض مثله فَعِلَّتُه أنه فاسد إذا لم يعلم مقدار الشركة في الربح. ولو كان كما قالوا لكان مساقاة المهاجرين للأنصار فاسدة حين لم يسموا لهم مقدار ما يعملون عليه. والقراض عند أهل العلم أشبه شيء بالمساقاة. ومحال أن تكون مساقاة المهاجرين للأنصار عن أمره - عليه السلام - ورأيه الموفق فاسدة. فائدة: النخيل جمع نخل، ونخل جمع نخلة، ولا يجمع فعل على فعيل إلا في القليل من كلامهم نحو: عبد وعبيد، وكلب وكليب. ٦ - باب قَطْعِ الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ وَقَالَ أَنَسٌ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ. ٢٣٢٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ البُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ [٣٠٢١، ٤٠٣١، ٤٠٣٢، ٤٨٨٤ - مسلم: ١٧٤٦ - فتح: ٥/ ٩]. هذا قد أسنده في الصلاة كما مضى (١). ثم ساق حديث عبد الله، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أنَّهُ حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ وَقَطَعَ، وَهْيَ البُوَيْرَةُ، وَلَهَا يَقُولُ حَسَّانُ: وَهَانَ عَلَى سَرَاةِ بَنِي لُؤَيٍّ … حَرِيقٌ بِالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِيرٌ زاد في كتاب المغازي: فأجابه أبو سفيان بن الحارث: أدام الله ذلك من صنيع … وحرق في نواحيها السعير ستعلم أينا منها بنزه … وتعلم أي أرضينا تضير (٢). وزاد في لفظ: فأنزل الله -عز وجل-: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ﴾ الآية (٣) [الحشر: ٥]. وقوله: (وهان). كذا وقع لأبي ذر، ووقع لأبي الحسن: وهَن. مخرومًا (٤). ---------- (١) سلف برقم (٤٢٨) باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية ويتخذ مكانها مساجد. (٢) سيأتي برقم (٤٠٣٢) باب: حديث بني النضير. (٣) سيأتي برقم (٤٨٨٤) كتاب: التفسير، باب: قوله:؟ ما قطعتم من لينة؟. (٤) كذا وقعت بالأصول (وهن) بحذف الألف وعزاه المصنف كما ترى لأبي الحسن = وللترمذي من حديث ابن عباس في هذِه الآية. قال: النخلة. ﴿وَلِيُخْزِيَ الفَاسِقِينَ﴾ [الحشر: ٥] قال: استنزلوهم من حصونهم وأمروا بقطع النخيل، فحك في صدورهم، فقال المسلمون: قد تركنا بعضها وقطعنا بعضها، فلنسألن رسول الله - ﷺ -: هل لنا فيما قطعنا من أجر، وهل علينا فيما تركنا من وزر؟ فأنزل الله الآية. ثم قال: حديث حسن غريب، وقد روي عن سعيد بن جبير مرسلًاَ (١). ولأبي داود من حديث أسامة بن زيد أن رسول الله - ﷺ - كان عهد إليه فقال: «أغر على أُبْنَى صباحًا، وحرق» (٢). واختلف في اللينة: فقيل: النخلة كما سلف. وقيل: كل الأشجار للينها، وقيل: اللينة واللون: الأخلاط من التمر، وقيل: النخيل ما سوى البَرْني، والعجوة يسميها أهل المدينة الألوان، وقيل العجوة. وقيل: العسيل. وقيل: أغصان الشجر، للينها. وقيل: النخلة القريبة ---------- = القابسي. قلت: وقع في «عمدة القاري» للعيني ١٠/ ١٦٤، وفي «فتح الباري» لابن حجر ٥/ ٩ هان بحذف (و) وعزياه للقابسي أيضًا؛ وقالا: وقع البيت مخرومًا بحذف الواو من أوله. اهـ وفي «اليونينية» ٣/ ١٠٤ وقع (هان) وبهامشها: (لهان) معزوا إلى الحموي والمستملي وأبي ذر عنهما. قلت: قوله: مخرومًا، أي: سقط منه الحرف الأول من التفعيلة الأولى للبيت، وهو مصطلح عروضي، يتمثل في إسقاط الحركة الأولى من الوتد المجموع (يتكون من متحركين ثم ساكن) قال ابن رشيق في «العمدة» ١/ ١٤٠ - ١٤١: وقد يأتون بالخرم كثيرًا … وأكثر ما يقع في البيت الأول، وقد يقع قليلا في أول عجز البيت .. وإنما كانت العرب تأتي به لأن أحدهم يتكلم بالكلام على أنه غير شعر ثم يرى فيه رأيا فيصرفه إلى جهة الشعر. (١) «سنن الترمذي» رقم (٣٣٠٣). (٢) «سنن أبي داود» (٢٦١٦)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤٥١) وقال: إسناده ضعيف لضعف صالح بن أبي الأخضر. من الأرض، فهذِه ثمانية أقوال. قال الترمذي: وقد ذهب قوم من أهل العلم إلى هذا، ولم يروا بأسًا بقطع الأشجار وتخريب الحصون، وكره بعضهم ذلك، وهو قول الأوزاعي. ونهى الصديق أن يقطع شجر مثمر أو يخرب عامر وعمل بذلك المسلمون بعده. وقال الشافعي: لا بأس بالتحريق في أرض العدو، وقطع الأشجار والثمار. وقال أحمد: وقد تكون في مواضع لا يجدون منه بدًّا، فأما للعبث فلا يحرق. وقال إسحاق: التحريق سنة إذا كان إنكاءً لهم (١). وقال: بقطع شجر الكفار وإحراقه عبد الرحمن بن القاسم، ونافع مولى ابن عمر، ومالك، والثوري، وأبو حنيفة، والجمهور. وقال الليث بن سعد، وأبو ثور: لا يجوز (٢). قال الطحاوي: والجز عن الصديق مرسل، رواه سعيد بن المسيب، ولم يولد في أيامه (٣)، واعتذر لهم بأن الشارع إنما قطع تلك النخيل، ليوسع موضع جولان الخيل للقتال، ويمكن أن يحمل ما روي عن الصديق من المنع إذا كان في قطعها نكاية أو أن يرجى عودها على المسلمين. وذهبت طائفة إلى أنه إذا رجى عودها لنا فلا بأس بالترك، وليس بصحيح؛ لأن الله تعالى كان أعلم نبيه أنه سيفتح عليه تلك البلاد وغيرها، وبشر أمته بذلك، ثم قطعها، فدل ذلك على إباحة الوجهين: --------- (١) الترمذي بعد حديث (١٥٥٢). (٢) «شرح مسلم» للنووي ١٢/ ٥٠. (٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٤٣٣. التحريق، والترك، وفي قطعها خزي للمشركين ومضرة لهم، والصديق أمران لا يقطع ولم يجهل ما فعله الشارع بنخل بني النضير؛ لأنه علم مصيرها إلينا، فيجوزان. وفي النسائي من حديث عبد الله بن حبشي مرفوعًا «من قطع سدرة صوب الله رأسه في النار» (١) وعن عروة مرفوعًا بنحوه مرسلًا، وكان عروة يقطعه من أرضه (٢). وحمل الحديث على تقدير صحته أنه أراد سدر مكة، وقيل: سدر المدينة؛ لأنه أنس وظل لمن جاءها؛ ولهذا قال في الحديث: إن عروة كان يقطعه من أرضه. لا من الأماكن التي يونس بها، ولا يستظل الغريب بها هو وبهيمته، وستأتي له تتمة في المغازي إن شاء الله تعالى. قال المهلب: يجوز قطع الشجر والنخل لخشب يتخذ منه أو ليخلى مكانها لزرع أو غيره مما هو أنفع منه يعود على المسلمين من نفعه أكثر مما يعود من بقاء الشجر؛ لأنه - عليه السلام - قطع النخل بالمدينة وبنى في موضعه مسجده الذي كان منزل الوحي ومحل الإيمان، وقيل: إن الشارع قطعه إضعافًا للعدو، فقال المنافقون: هذا الفساد بعينه. فبلغه، فأنزل الله الآية، حكاه ابن التين. ---------- (١) «السنن الكبرى» ٥/ ١٨٢ والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٦١٤). (٢) رواه أبو داود (٥٢٤٠، ٥٢٤١). ٧ - باب ٢٣٢٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ، سَمِعَ رَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، قَالَ: فَمِمَّا يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وَمِمَّا يُصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا، وَأَمَّا الذَّهَبُ وَالوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. [مسلم: ١٥٤٧ - فتح: ٥/ ٩] ذكر فيه حديث رافع بن خديج قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ مُزْدَرَعًا، كُنَّا نُكْرِي الأَرْضَ بِالنَّاحِيَةِ مِنْهَا مُسَمًّى لِسَيِّدِ الأَرْضِ، فَربما يُصَابُ ذَلِكَ وَتَسْلَمُ الأَرْضُ، وربما تصَابُ الأَرْضُ وَيَسْلَمُ ذَلِكَ، فَنُهِينَا، فَأَمَّا الذَّهَبُ وَالوَرِقُ فَلَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ. هذا الحديث أخرجه مسلم (١). وشيخ البخاري محمد هو: ابن مقاتل (٢)، وقد وقع كذلك مصرحًا به في أصل الدمياطي (٣)، وشيخه عبد الله هو: ابن المبارك، وهذا الباب كذا في الأصول من غير بيان له. قال ابن بطال بعد أن ذكره في الباب قبله: لا أعلم وجهه في هذا الباب، ولعل الناسخ غلط فكتبه في غير موضعه، وفي رواية النسفي قبله باب فصل بينه وبين حديث ابن عمر، وسيأتي الكلام فيه في موضعه إن شاء الله. وسألت المهلب عنه، فقال لي: قد يمكن أن يكون له فيه وجه، وهو أن من اكترى أرضًا لسنين فله أن يزرع فيها ما شاء، ويغرس فيها ----------- (١) مسلم رقم (١٥٤٧/ ١١٧) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض بالذهب والورق. (٢) سبقت ترجمته في حديث رقم (٦٥). (٣) ورد بهامش الأصل: وكذا في نسختي. الشجر وغيرها مما لا يضر بها، وإذا تمت الإجارة قال صاحب الأرض: احصد زرعك واقلع شجرك عن أرضي. فذلك لازم لمكتريها حتى يخلي له أرضه مما شغلها به، لقوله - عليه السلام - «ليس لعرق ظالم حق» فهو من باب إباحة قطع الشجر (١). وقال ابن التين هذا بين الفساد -يعني: المعاملة- وداخل في النهي عن الغرر، ولم يجزه أحد. ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٦٣. ٨ - باب المُزَارَعَةِ بِالشَّطْرِ وَنَحْوِهِ وَقَالَ قَيْسُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: مَا بِالمَدِينَةِ أَهْلُ بَيْتِ هِجْرَةٍ إِلَّا يَزْرَعُونَ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ. وَزَارَعَ عَلِيٌّ، وَسَعْدُ بْنُ مَالِكٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ، وَالقَاسِمُ، وَعُرْوَةُ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ، وَآلُ عُمَرَ، وَآلُ عَلِيٍّ وَابْنُ سِيرِينَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ: كُنْتُ أُشَارِكُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ فِي الزَّرْعِ. وَعَامَلَ عُمَرُ النَّاسَ عَلَى إِنْ جَاءَ عُمَرُ بِالبَذْرِ مِنْ عِنْدِهِ فَلَهُ الشَّطْرُ، وَإِنْ جَاءُوا بِالبَذْرِ فَلَهُمْ كَذَا. وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ الأَرْضُ لأَحَدِهِمَا فَيُنْفِقَانِ جَمِيعًا، فَمَا خَرَجَ فَهْوَ بَيْنَهُمَا، وَرَأَى ذَلِكَ الزُّهْرِيُّ. وَقَالَ الحَسَنُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُجْتَنَى القُطْنُ عَلَى النِّصْفِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَالحَكَمُ وَالزُّهْرِيُّ وَقَتَادَةُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُعْطِيَ (الثَّوْرَ) (١) بِالثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ وَنَحْوِهِ. وَقَالَ مَعْمَرٌ: لَا بَأْسَ أَنْ تَكُونَ المَاشِيَةُ عَلَى الثُّلُثِ وَالرُّبُعِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. ٢٣٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - عَامَلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شَعِيرٍ، فَقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ المَاءِ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ، فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتِ الأَرْضَ. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٥١ - فتح: ٥/ ١٠] ---------- (١) كذا بالأصل، وعلم عليها الناسخ، وكتب في الهامش: الثوب. وأشار إلى أنها نسخة. ثم ساق حديث ابن عمر أن النَّبِيَّ - ﷺ - عَامَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ، فَكَانَ يُعْطِي أَزْوَاجَهُ مِائَةَ وَسْقٍ ثَمَانُونَ وَسْقًا تَمْرًا، وَعِشْرُونَ وَسْقًا شَعِيرًا، فَقَسَمَ عُمَرُ خَيْبَرَ، فَخَيَّرَ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنْ يُقْطِعَ لَهُنَّ مِنَ المَاءِ وَالأَرْضِ أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ قِسْمَتُهُنَّ، فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ اخْتَارَتِ الأَرْضَ. الشرح: أما أثر قيس، عن أبي جعفر فأخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، أخبرني قيس بن مسلم، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي قال: ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا وهم يعطون أرضهم بالثلث والربع. وأخبرنا وكيع (١)، أنا عمرو بن على بن موهب، سمعت أبا جعفر محمد بن علي يقول: آل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي يدفعون أرضهم بالثلث والربع (٢). وقال ابن أبي شيبة: حدثنا ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن أبي جعفر محمد بن علي، قال: عامل رسول الله - ﷺ - بالشطر، ثم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (٣). فائدة: قال الشيخ أبو الحسن: إنما ذكر البخاري هذا؛ ليُعْلم أنه لم يصح في المزارعة على الجزء حديث مسند (٤)، وقال متعجبًا: كيف يروى مثل ---------- (١) في «المصنف»: أبو سفيان. وهي كنية وكيع. (٢) «مصنف عبد الرزاق» ٨/ ١٠٠ - ١٠١ (١٤٤٧٦ - ١٤٤٧٧) ورواهما أيضًا ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣ (٢١٢٣٩ - ٢١٢٢٥). (٣) «المصنف» ٤/ ٣٨٢ (٢١٢٢٤). (٤) قال الحافظ في «الفتح» معلقًا على قول القابسي هذا ٥/ ١١: كأنه غفل عن آخر = هذا عن أبي جعفر، وقيس هذا كوفي، وأبو جعفر مدني، ولم يرو عن قيس مالك ولا غيره من المدنيين. قلت: فعلى هذا يكون قيس هذا أبا عمرو الجدلي العدواني. وقد روي عن جماعة من الصحابة منع ذلك إلا أن سند قيس على شرطه، ومالك، والشافعي يمنعون كراء الأرض بالجزء، وأجازه أبو حنيفة، وأكثر الصحابة والتابعين على جوازه. قال الخطابي: والأصل في إجازة ذلك قصة خيبر (١). ومنع أبو حنيفة كراء الأرض بمنافع أخرى، ومنع طاوس كراءها جملة، وأجازه ربيعة بالعين خاصة. وقوله: (وزارع علي .. إلى آخره)، قال الطحاوي: حدثنا فهد، ثنا أبو نعيم، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، سمعت أبي يذكر، عن موسى بن طلحة، قال: أقطع عثمان نفرًا من أصحاب رسول الله - ﷺ -، الزبير وابن مسعود وسعد بن مالك وأسامة، فكان جاري منهم سعد بن مالك وابن مسعود، فزرعا أرضهما بالثلث والربع. وحدثنا فهد، ثنا محمد بن سعد، أنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر، سألت موسى بن طلحة عن المزارعة، فقال: أقطع عثمان عبد الله أرضًا، وأقطع سعدًا أرضًا، وأقطع (حسانًا) (٢)، وأقطع صهيبًا، فكلٌّ جاري؛ فكانا يزارعان بالثلث والربع (٣). ----------- = حديث في الباب وهو حديث ابن عمر في ذلك وهو معتمد من قال بالجواز، والحق أن البخاري إنما أراد بسياق هذِه الآثار الإشارة إلى أن الصحابة لم ينقل عنهم خلاف في الجواز، خصوصًا أهل المدينة فيلزم من يُقدِّم عملَهم على الأخبار المرفوعة أن يقولوا بالجواز على قاعدتهم. (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٢٦. (٢) كذا في المخطوط وفي المطبوع من «شرح معاني الآثار» خبابًا. (٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١١٤، وابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٣٨٢ (١٢٧٩). وقد سلف ذكر آل أبي بكر وعمر وعلي. وأثر عبد الرحمن بن الأسود أخرجه ابن أبي شيبة، حدثنا أبو نعيم، عن بكر بن عامر، عن عبد الرحمن بن الأسود قال: كنت أزارع بالثلث والربع وأحمله إلى علقمة والأسود، فلو رأيا به بأسًا لنهياني عنه (١). وقوله: (وعامل عمر ..) إلى آخره. رواه الطحاوي من طريق منقطعة (٢) عن أبي بكرة، حدثنا أبو عمر الضرير، أنا حماد بن سلمة، أن يحيى بن سعيد أخبرهم، عن إسماعيل بن أبي حكيم، عن عمر بن عبد العزيز أن عمر بن الخطاب بعث يعلى بن منية إلى اليمن، فأمره أن يعطيهم الأرض البيضاء على: إن كان البقر والحديد والبذر من عمر فله الثلثان ولهم الثلث، وإن كان ذلك منهم فلهم الشطر وله الشطر. وأمره أن يعطيهم النخل والكرم على أن لهم الثلثين وله الثلث (٣). وقوله: (وقال الحسن)، إلى آخره. لعله يريد أنها أرض لا خطب لها من الإجارة، فإن كان لها خطب فتكون زيادة من أحدهما، وذلك غير جائز، نبه عليه ابن التين. ---------- (١) «المصنف» ٤/ ٣٨٣ (١٢٣٢). (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: الانقطاع بين عمر وعمر، وذلك أن عمر بن عبد العزيز ولد بمصر سنة ٦١ هـ، وعاش تسعًا وثلاثين سنة وستة أشهر رحمة الله عليه. (٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١١٤، ورواه ابن أبي شيبة في «المصنف» بنحوه موقوفًا على يحيى بن سعيد ٧/ ٤٢٧ (٣٧٠٠٧) والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٣٥ وقال الحافظ في «الفتح» ٥/ ١٢ مرسلان جيدان يتقوى أحدهما بالآخر. وقول الحسن -ثانيًا- في القطن هو قول مالك؛ ولذلك جاز أن يقول: فما جنيت ذلك نصفه. ومنع بعض المالكية، ولذلك اختلف إذا قال: ما جنيت اليوم ذلك نصفه. وأثر إبراهيم فمن بعده، لم يقل به مالك، فإن ترك كراء الأرض بالجزء وكانت ترمي البذر، كان عليه كراء الأرض، والزرع له دون رب الأرض. واختلف هل يفوت بتقليب الأرض؛ فقال ابن القاسم: هو فوت. وقال ابن سحنون: لا. وحديث ابن عمر أخرجه مسلم وزاد مع عائشة حفصة أنها ممن اختارت الأرض (١). وروى يحيى بن ادم في «الخراج»: أو يضمن لهم الوسوق كل عام، فاختلفن، فكانت عائشة وحفصة ممن اختار الوسوق. وفي رواية له: فجعل عمر لأزواج النبي - ﷺ - منها -تعنى: خيبر- نصيبًا، وقال: أيتكن شاءت أخذت الضيعة، فهي لها ولعقبها (٢). قال ابن التين: قيل: إن الوسق -بضم الواو- جمع وسن مثل رهن ورهن. وقيل: كان عمر يعطيهن اثني عشر ألفًا سوى هذِه الأوسق، وما يجري عليهن سائر السنة. ----------- (١) «صحيح مسلم» رقم (١٥٥١/ ٢) كتاب: المساقاة، باب: المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع. (٢) «الخراج» ص ٤٠ - ٤١. واختلف العلماء في كراء الأرض بالشطر، والثلث، والربع، فأجازه علي، وابن مسعود، وسعد، والزبير، وأسامة، وابن عمر، ومعاذ بن جبل، وخباب، وهو قول سعيد بن المسيب، وطاوس، وابن أبي ليلى (١). قال ابن المنذر: وروينا عن أبي جعفر قال: عامل رسول الله - ﷺ - أهل خيبر بالشطر، ثم أبو بكر وعمر، ثم عثمان، ثم علي، ثم أهله، هم إلى اليوم يعطون بالثلث والربع (٢)، وهو قول الأوزاعي، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وأحمد، هؤلاء أجازوا المزارعة والمساقاة. وكرهت ذلك طائفة، روي عن ابن عباس، وابن عمر، والنخعي (٣)، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والليث، والشافعي، وأبي ثور، قالوا: لا تجوز المزارعة وهو كراء الأرض بجزء منها، وتجوز عندهم المساقاة. ومنعهما -أعني المزارعة والمساقاة- أبو حنيفة وزفر فقالا: لا يجوزان بوجه من الوجوه، والمزارعة منسوخة بالنهي عن كراء الأرض بما يخرج منها، وهي إجارة مجهولة؛ لأنه قد لا تخرج الأرض شيئًا، وادعوا نسخ المساقاة بحديث المزابنة، وروى رافع النهي عن المزارعة والمخابرة (٤)، ومثله: نهى عن كراء الأرض (٥). -------- (١) روى ابن أبي شيبة هذِه الآثار كلها في «المصنف» ٤/ ٣٨٢ - ٣٨٣. (٢) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٧٢. (٣) روى ابن أبي شيبة هذِه الآثار في «المصنف» ٤/ ٣٨٤ - ٣٨٥. (٤) سلف برقم (١٢٨٦) كتاب: الإجارة. (٥) «صحيح مسلم» برقم (١٥٣٦/ ٨٧) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض من حديث جابر بن عبد الله. وفي أفراد مسلم عن ثابت بن الضحاك أنه - عليه السلام - نهى عن المزارعة وأمر بالمؤاجرة، وقال: «لا بأس بها» (١). وعن جابر مرفوعًا «من كان له أرض فليزرعها أو يزرعها أخاه، ولا يؤجرها» (٢). وفي لفظ «من لم ياع المخابرة فليؤذن بحرب الله» (٣) فذهب قوم إلى هذِه الآثار، وكرهوا إجارة الأرض بجزء مما يخرج منها، وهذِه الآثار -كما قال الطحاوي- قد جاءت على معان مختلفة، فحديث ثابت لم يبين أي المزارعة إن كانت على جزء معلوم، فهذا موضع الخلاف، وإن كانت على الثلث والربع ونحوهما مما يخرج من الأرض، فهو مما اتفقوا على فساده، وليس فيه ما ينفي إرادة معنى منهما دون الآخر. وأما حديث جابر فخرج على سبب، وهو أنه كان لهم فضول أرضين، فكانوا يؤجرونها على النصف والثلث والربع، فقال لهم - عليه السلام - ذلك، فيجوز أن يكون النهي عن إجارة الأرض. ------ (١) مسلم رقم (١٥٤٩) كتاب: البيوع، باب: في المزارعة والمؤاجرة. (٢) المصدر السابق برقم (١٥٣٦/ ٨٨). (٣) رواه أبو داود (٣٤٠٦) والترمذي في «العلل» ١/ ٥٢٦ والطحاوي ٤/ ١٠٧ وابن حبان ١١/ ٦١١ من طرق عن عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن أبي الزبير، عن جابر. قال أبو نعيم في «الحلية» ٩/ ٢٣٦: غريب من حديث أبي الزبير تفرد به ابن خيثم بهذا اللفظ. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» رقم (٩٩٠) وقال: قد صح النهي عن المخابرة من طرق عن جابر عند مسلم برقم (١٥٣٦) كتاب: البيوع، باب: النهي عن المحاقلة والمزابنة. ![]()
__________________
|
|
#439
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 251 الى صـــ 270 الحلقة (439) وقد ذهب قوم إلى كراهة إجارتها بالذهب والفضة: طاوس، وكان لا يرى بأسًا بدفعها ببعض ما يخرج منها، فإن كان النهي وقع عن الكراء أصلًا بشيء مما يخرج وبغيره، فهذا معنى يخالفه الفريقان، وقد يحتمل أن يكون النهي وقع لمعنى غير ذلك، وهو ما كانوا يصنعونه في الإجارة بما سبق وبالماذيانات، وكأن النهي من قِبَل ذلك جاء. وحديث رافع جاء بألفاظ مختلفة اضطرب من أجلها. وحديث ابن عمر هو مثل حديث ثابت، وكذا من رواه نحو حديث جابر، نحو حديث أبي رافع لا لإجارة الأرض بجزء مما يخرج منها، وقد أنكر آخرون على رافع ما روى، وأخبروا أنه لم يحفظ أوله، أنكره عليه زيد بن ثابت (١). وقال ابن عباس: إنما أراد الرفق (٢). وقال أحمد: إنه كثير الألوان مضطرب؛ مرة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ -، ومرة يقول حدثني عمومتي وأحسنها طريق يعلى بن حكيم، عن سليمان بن يسار (٣). وأعل ابن خزيمة الأحاديث التي وردت فيها المزارعة على النصف والربع (٤). وقال الطبري: لم يثبت النهي عن إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها إذا كان معلومًا، والنهي على غير ذلك. ----------- (١) يشير إلى ما رواه أبو داود (٣٣٩٠)، وابن ماجه (٢٤٦١)، وأحمد ٥/ ١٨٢، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١١٠ والحديث ضعفه الألباني -رحمه الله- في «غاية المرام» (٣٦٦)، «ضعيف ابن ماجه» (٥٣٧). (٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٠٧ - ١١٠. (٣) انظر: «التمهيد» ٢/ ٣٢٠، ٣/ ٣٨، و«المغني» ٧/ ٥٢٨، ٥٥٥، وانظر تعليق البيهقي عليه في «سننه» ٦/ ١٣٦. (٤) لعل ابن خزيمة أعل هذِه الأحاديث في كتابه «المزارعة» الذي أشار إليه النووي في «شرح مسلم». واحتج من جوز بحديث الباب، والأرض أصل مال، فيجوز أن يعطيها لمن يعمل فيها كالثمر سواء وكالقراض، واحتج مانع المزارعة بأنها كراء الأرض بما يخرج منها، وهو من باب الطعام بالطعام نسيئة، وقد نهى الشارع عن المخابرة والمحاقلة: وهي كراء الأرض ببعض ما يخرج منها. وقالوا: لا حجة لكم في المساقاة الواقعة؛ لأن المزارعة كانت تبعًا لها، وأما الأرض المفردة فلا يجوز؛ لأنه يمكن إجارتها ولا تدعو إلى مزارعتها ضرورة كما تدعو إلى المساقاة، ألا ترى أن بيع الثمر الذي لم يبدُ صلاحه مع أصل النخل جائز بلا شرط القطع؛ لأنه تبع لها، ولا يجوز بيعها مفردة إلا بشرط قطعه: لأنها مقصودة. وقياسهم المزارعة على القراض والمساقاة باطل؛ لأن منفعتها لا تحصل إلا بالعمل بخلافها لجواز إجارتها. فإن قيل: ما أخذ من يهود خيبر إنما كان بحق الجزية لا المساقاة. قلت: فتحت خيبر عنوة، كما رواه أنس (١)، وخمست، كما رواه ابن شهاب (٢)، ولا يخمس إلا ما أخذ عنوة، وقد قسمها - عليه السلام - بين الغانمين، فأعطى (ابن) (٣) الزبير وقفه من خيبر، ووقف عمر سهمه، وأجلاهم منها عمر إلى الشام لما فدعوا ابنه، وأخبرت عائشة أنه - عليه السلام - بعث ابن رواحة ليخرصها ويعلن مقدار الزكاة في مال المسلمين. -------- (١) سلف برقم (٣٧١) كتاب: الصلاة، باب: ما يذكر في الفخذ والحديث في «صحيح مسلم» برقم (١٣٦٥) كتاب: الجهاد، باب: غزوة خيبر. (٢) رواه أبو داود (٣٠١٩) من طريق ابن وهب عن يونس بن يزيد عن ابن شهاب مرسلًا وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٨/ ٣٥٨ (٢٦٦٨) وقال: حديث حسن على إرساله. (٣) كذا بالأصل، ولعلها زائدة. والله أعلم. قال الطحاوي: وثبت أنه - عليه السلام - لم يقسم خيبر بكمالها ولكنه قسم منها طائفة على ما ذكره ابن عمر، وترك منها طائفة لم يقسمها على ما روى جابر (١). قلت: والمختار صحة المزارعة، والمخابرة كالمساقاة. وأما معاملة أهل خيبر فاختلف العلماء فيمن يخرج البذر. فروي عن ابن مسعود وسعد بن أبي وقاص وابن عمر أنهم قالوا يكون البذر من عند العامل. وروي عن بعض أهل الحديث أنه قال من أخرج البذر منها فهو جائز؛ لأنه - عليه السلام - دفع خيبر معاملة، وفي تركه اشتراط البذر من عند أحدهما دليل على أن ذلك يجوز من أيهما كان. وقال أحمد وإسحاق: البذر يكون من عند صاحب الأرض والعمل من الداخل (٢). وقال محمد بن الحسن وأصحابه: المزارعة على ثلاثة أوجه جائزة، ورابع لا يجوز. فالأول: أن يكون البذر من المالك والعمل من العامل. والثاني: أن يكون البذر والآلة كلها من قبل رب الأرض والعمل من العامل. ثالثها: البذر من العامل والعمل والآلة كلها من قبله. والرابع: أن يكون البذر من العامل والباقي من المالك (٣). ---------- (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ١١. (٢) انظر: «الإشراف» لابن المنذر ٢/ ٧٣، «المغني» لابن قدامة ٧/ ٥٦٢. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ٦/ ١٧٩. قاسوا الأول على القراض، والأخير على بيع البذر من رب المال بمجهول من الطعام نسيئة، ولا يجوز عند جميع العلماء. وذهب مالك إلى أنه لا يجوز البذر إلا من عندهما جميعًا وتكون الأرض من أحدهما والعمل من الآخر، وتكون قيمة العمل توازي قيمة كراء الأرض، والعلماء متفقون على جواز هذا الوجه؛ لأن أحدهما لا يفضل صاحبه بشيء. وإن كان البذر من أحدهما والأرض من الآخر فلا يجوز عند مالك كأنه أكراه نصف أرضه بنصف بذره. ولا يجوز عنده كراء الأرض بشيء من الطعام، ويجوز عنده وجه آخر من المزارعة أن يكتريا جميعًا الأرض، ويخرج أحدهما البذر، ويخرج الآخر البقر وجميع العمل، وتكون قيمة البقر والعمل مثل قيمة البذر، فلا بأس بذلك؛ لأنهما سلما من كراء الأرض بالطعام وتكافئا في سائر ذلك. وأما تخيير عمر أزواج النبي - ﷺ - بين الأوسق والأرض -يعني ذلك- أن أرض خيبر لم تكن لرسول الله - ﷺ - ملكًا ورثت بعده؛ لأنَّه - عليه السلام - قال: «لا نُورث، ما تركنا صدقة» (١) فإنما خيرهن بين أخذ الأوسق وبين أنْ يقطعهن من الأرض من غير تمليك ما يجد منه مثل تلك الأوسق لأنَّ الرطب قد يشتهى أيضًا كما يشتهى التمر، فاختارت عائشة ذلك لتأكله رطبًا وتمرًا، فإذا ماتت عادت الأرض والنخل على أصلها وقفًا مسبلة فيما يسبل فيه الفيء. ------------- (١) سيأتي من حديث أبي بكر برقم (٣٠٩٣) كتاب: فرض الخمس، باب: فرض الخمس. من حديث عمر برقم (٦٧٢٨) كتاب: الفرائض، باب: قول النبي - ﷺ -: «لا نورث، ما تركنا صدقة». وأمَّا اجتناء القطن والعصفر ولقاط الزيتون والحصاد كل ذلك بجزءٍ معلوم فأجازه جماعة من التابعين، وهو قول أحمد قاسوه على القراض؛ لأنه يعمل بالمال على جزء منه معلوم لا يدري مبلغه وكذا إعطاء الثوب للصائغ، والغنم للراعي عند من أجازها قاسها على القراض، ومنع ذلك كله مالك والكوفيون والشافعي، لأنها عندهم إجارة بثمن مجهول لا يعرف. وأجاز عطاء وابن سيرين والزهري وقتادة أنْ يدفع الثوب إلى النساج ينسجه بالثلث والربع (١). واحتج أحمد بإعطائه - عليه السلام - خيبر على الشطر. وقال ابن المنذر: اختلفت ألفاظ حديث رافع. واختلف في العلة التي من أجلها نهى عن كراء الأرض وعن المخابرة، فقيل: اشتراط لرب المال ناحية منها، أو اشتراطهم على الإجارة بما يسقي الماذيانات والربيع لنا وما سقت الجداول فلكم، أو إعطائهم الأرض على الثلث ونحوه، أو كانوا يكرونها بالطعام المسمى من التمر أو أنَّ النهي كان لخصيصة كانت بينهم، أو النهي للتأديب. فوجب التوقف عنه ووجب القول بحديث ابن عمر لثبوته وأن لا علة فيه (٢). وقد قال سالم: أكثر رافع ولو كانت لي مزارع أكريتها (٣). وأغرب ابن حزم فقال: لا يجوز كراء الأرض بشيء أصلًا لا بنقد ولا عرض ولا طعام ولا بشيء أصلًا ولا يحل زرع الأرض إلَّا لأحد ---------- (١) رواها ابن أبي شيبة ٤/ ٤١١ (٢١٥٤٦ - ٢١٥٤٩). (٢) «الإشراف على مذاهب أهل العلم» ٢/ ٧١ - ٧٢ (٣) رواه مالك في «الموطأ» ص ٤٤٣، وعبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٩٣ - ٩٤ (١٤٤٥٥)، والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٣١. ثلاثة: إمَّا ببذره وماله وحيوانه، وإمَّا أن يبيح لغيره زرعها مجانًا، فإن اشتركا في البذر والآلات دون أن يأخذ منه أجرة فحسن، وإمَّا أنْ يعطي أرضه لمن يزرعها بحيوانه وبذره وآلته بجزء يكون لصاحب الأرض، مما يخرج الله منها مسمى، إما نصف، أو ثلث، أو ربع، أو نحو ذلك، ولا يشترط على صاحب الأرض شيء البتة من كل ذلك، ويكون الباقي للزارع قل ما أصاب أو كثر، فإن لم يصب شيئًا فلا شيء له ولا عليه (١). وكان ابن سيرين يكره كراء الأرض بالذهب والفضة (٢)، وروي عن الأوزاعي وعن عطاء ومكحول ومجاهد والحسن أنهم كانوا يقولون: لا تصلح الأرض البيضاء بالدراهم والدنانير ولا معاملة، إلَّا أنْ يزرع الرجل أرضه أو يمنحها أخاه (٣). ومعاملة أهل خيبر ناسخة للنهي؛ لأنه قد صح أنَّه - عليه السلام - مات على هذا العمل فهو نسخ صحيح لا شك فيه، وبقي النهي عن الإجارة لم يأتِ شيء ينسخه ولا يخصصه، ولم يصح كراء الأرض بنقد عن أحد من الصحابة إلَّا عن سعد وابن عباس، وصح عن رافع وابن عمر، ثم صح رجوع ابن عمر، وصح عن رافع المنع منه أيضًا، وذكر الطحاوي [في] (٤) «اختلاف العلماء» عن أبي يوسف أنَّه قال: وإذا أعطى الرجلُ الرجل أرضًا مزارعة بالثلث أو النصف أو بالربع، أو أعطى نخلًا معاملة بالنصف أو أقل منه أو أكثر، فإنَّ أبا حنيفة يقول: هذا كله باطل؛ لأنَّه استأجره بشيء مجهول. ---------- (١) «المحلى» ٨/ ٢١١. (٢) رواه ابن حزم في «المحلى» ٨/ ٢١٣. (٣) السابق. (٤) زيادة يقتضيها السياق. قال أبو يوسف: وكان ابن أبي ليلى يقول: ذلك كله جائز، وبه نأخذ. قال الحسن بن زياد: وبه نأخذ. وقال الثوري: لا بأس به، وكذا روي عن ابن حي (١). فرع: اختلف العلماء في المزارعة من غير أجل، فكرهها مالك والثوري والشافعي وأبو ثور حتى يسمي أجلًا معلومًا. وقال ابن المنذر: قال أبو ثور: إذا لم يسمي سنين معلومة، فهو على سنة واحدة، وقال ابن المنذر: وحكي عن بعضهم أنه قال: أجيز ذلك استحسانًا وأدع القياس (٢). وقال بعض أصحابنا: ذلك جائز؛ لحديث: «نقركم ما شئنا» (٣) فيكون لصاحب النخل والأرض أنْ يخرج المساقي والمزارع من الأرض والنخل متى شاء، وفي ذلك دلالة أنَّ المزارعة تخالف الكراء، لا يجوز في الكراء أن يقول: أخرجك عن أرضي متى شئت، ولا خلاف بين أهل العلم أنَّ الكراء في الدور والأرضين لا يجوز إلَّا وقتًا معلومًا (٤) (٥). ------------ (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢١ - ٢٢. (٢) انظر: «الإشراف» لابن المنذر ٢/ ٨١. (٣) سيأتي من حديث ابن عمر برقم (٢٣٣٨) كتاب: المزارعة، باب: إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله .. (٤) ورد بهامش الأصل: آخر ١٠ من ٧، وبه كمل الجزء المذكور. (٥) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد الستين، كتبه مؤلفه. ٩ - باب إِذَا لَمْ يَشْتَرِطِ السِّنِينَ فِي المُزَارَعَةِ ٢٣٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: عَامَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٥١ - فتح: ٥/ ١٣] ذكر فيه حدثنا ابن عمر: عَامَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - أهل خَيْبَرَ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ. ثم قال: ١٠ - باب ٢٣٣٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ عَمْرٌو: قُلْتُ لِطَاوُسٍ: لَوْ تَرَكْتَ المُخَابَرَةَ فَإِنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْهُ. قَالَ: أَيْ عَمْرُو، إِنِّي أُعْطِيهِمْ وَأُغْنِيهِمْ، وَإِنَّ أَعْلَمَهُمْ، أَخْبَرَنِي -يَعْنِي: ابْنَ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَالَ:»أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ خَرْجًا مَعْلُومًا«.» [٢٣٤٢، ٢٦٣٤ - مسلم: ١٥٥٠ - فتح: ٥/ ١٤] حدثنا علي بن عبد الله: ثنا سفيان، قال عمرو: قلت لطاوس: لو تركت المخابرة فإنهم يزعمون أنَّ النبي - ﷺ - نهى عنه قال: أيْ عمرو! إني أعطيهم وأغنيهم وإن أعلمهم أخبرني -يعني ابن عباس-: أنَّ النبي - ﷺ - لم ينه عنه ولكن قال: «أنْ يمنح أحدكم أخاه خيرٌ له من أن يأخذ عليه خرجًا معلومًا». ثم قال: ١١ - باب المُزَارَعَةِ مَعَ اليَهُودِ ٢٣٣١ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى خَيْبَرَ اليَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٥١ - فتح: ٥/ ١٥] ثم ساق حديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَعْطَى خَيْبَرَ اليَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا خَرَجَ مِنْهَا. وقد أسلفنا في الباب اختلاف العلماء في المزارعة بغير أجل، وذكرنا حديث: «نقركم ما شئنا» (١) وفي ذلك دليل على إجازة دفع النخل مساقاة، والأرض مزارعة من غير ذكر سنين معلومة، فيكون لصاحب النخل والأرض. وقول أبي ثور السالف حسن (٢)؛ لأنَّ معاملته - عليه السلام - اليهود بشطر ما يخرج منها يقتضي سنة واحدة حتى يبين أكثر منها، فلم تقع المدة إلا معلومة، وسيأتى له تتمة في باب: إذا قال رب الأرض: أقرك ما أقرك الله. بعد (٣). والمساقاة جائزة عند الأئمة خلافًا لأبي حنيفة، وتجوز بشرط أنْ تكون المدة معلومة ونصيب العامل معلومًا، ومالك يجيزها إذا قال بالنصف أو بالربع كل عام، وكذلك في أكرية الدور وغيرها خلافًا للشافعي (٤). ------------ (١) السابق. (٢) يشير إلى قول أبي ثور أنها على سنة واحدة إذا لم يحدد أجلا معلومًا. (٣) سيأتي برقم (٢٣٣٨). (٤) انظر: «المدونة» ٤/ ٢، «الأم» ٣/ ٢٤٤. واختلف قول مالك في «المدونة» إذا قال: احصد زرعي بنصفه. هل يلزمه ذلك وتكون إجارة أو جعالة؟ وقول عمرو لطاوس: لو تركت المخابرة، وقد أسلفناها وهو ظاهر في جوازها، وأن المختار جوازها، وهي: كراء الأرض ببعض ما يخرج منها. قال ابن الأعرابي: أصلها من معاملة خيبر؛ لأنه - عليه السلام - كان أقرها في أيدي أهلها على النصف فقيل: خابرهم، أي: عاملهم في خيبر وتنازعوا فنهي عن ذلك، ثم جازت بعد. وقوله: «أن يمنح أحدكم أخاه» هو بفتح النون وكسرها (١) كما شاهدته بخط الدمياطي وقال: معًا، وهما في «الصحاح» (٢). وقوله: «خرجًا» أي: أجرًا مثل قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا﴾ [المؤمنون: ٧٢]. وقال الأزهري: الخراج يقع على الضريبة، وعلى مال الفيء والجزية، وعلى الغلة (٣). والخراج: اسم لما يخرج في الفرائض في الأموال والخرج: المصدر. --------- (١) ورد بهامش الأصل: الوجهان في «الصحاح» واقتصر في «المحكم» على الكسر. (٢) «الصحاح» ١/ ٤٠٨ مادة: (منح). (٣) «تهذيب اللغة» ١/ ١٠٠٣ مادة: (خرج). ١٢ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الشُّرُوطِ فِي المُزَارَعَةِ ٢٣٣٢ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَحْيَى، سَمِعَ حَنْظَلَةَ الزُّرَقِيَّ، عَنْ رَافِعٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ هَذِهِ القِطْعَةُ لِي وَهَذِهِ لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -. [انظر: ٢٢٨٦ - مسلم: ١٥٤٧ - فتح: ٥/ ١٥] ذكر فيه حديث رافع: قَالَ: كُنَّا أَكْثَرَ أَهْلِ المَدِينَةِ حَقْلًا، وَكَانَ أَحَدُنَا يُكْرِي أَرْضَهُ، فَيَقُولُ هذِه القِطْعَةُ لِي وهذِه لَكَ، فَرُبَّمَا أَخْرَجَتْ ذِهِ وَلَمْ تُخْرِجْ ذِهِ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ - ﷺ -. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١). والحقل -بفتح الحاء-: القراح (٢) الطيب، وقيل: هو الزرع إذا أينعت ثمرته، عن ابن فارس: زاد الخليل: من قبل أن تغلظ سوقه (٣). وهذا الوجه المنهي عنه في هذا الحديث لا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز؛ لأن ذلك غرر مجهول، وهذِه المزارعة المنهي عنها. وإنما اختلفوا في المزارعة بالثلث والربع مما تخرج الأرض على ما تقدَّم قبل هذا. قال ابن المنذر: وجاء في الحديث العلة التي نهى الشارع من أجلها عن كراء الأرض وعن المخابرة وهي اشتراطهم أن لرب الأرض ناحية ----------- (١) مسلم (١٥٤٧، ١٥٤٧/ ١١٥) كتاب: البيوع، باب: كراء الأرض، باب: كراء الأرض بالذهب والورق. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: «صحاح»: القراح: المزرعة التي ليس عليها بناء ولا فيها شجر، الجمع: أقرحة. (٣) «المجمل» ١/ ٢٤٥ مادة: (حقل)، وانظر: «العين» ٣/ ٤٥. منها (١). ومما لا يجوز في المزارعة عند مالك أن يجتمع معنيان في جملة واحدة، وهو أنْ يخرج صاحب الأرض البذر فيجتمع له بذره وأرضه، فلا يجوز، فيكون للعامل أجرة عمله وروحه، ويكون الزرع لصاحب الأرض والبذر، ولذلك لو اجتمع للعامل البذر والعمل كانت المزارعة فاسدة، وكان عليه كراء الأرض لصاحب الأرض والزرع كله للعامل (٢). -------- (١) «الإشراف على مذاهب الأشراف» ٢/ ٧١. (٢) «المدونة» ٢/ ١٢. ١٣ - باب إِذَا زَرَعَ بِمَالِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَكَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحٌ لَهُمْ ٢٣٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «بَيْنَمَا ثَلَاثَةُ نَفَرٍ يَمْشُونَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَأَوَوْا إِلَى غَارٍ فِي جَبَلٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَانْطَبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا صَالِحَةً للهِ، فَادْعُوا اللهَ بِهَا لَعَلَّهُ يُفَرِّجُهَا عَنْكُمْ. قَالَ أَحَدُهُمُ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ حَلَبْتُ، فَبَدَأْتُ بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ بَنِيَّ، وَإِنِّي اسْتَأْخَرْتُ ذَاتَ يَوْمٍ فَلَمْ آتِ حَتَّى أَمْسَيْتُ، فَوَجَدْتُهُمَا نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَقُمْتُ عِنْدَ رُءُوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَسْقِيَ الصِّبْيَةَ، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَى، حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فَرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ اللهُ فَرَأَوُا السَّمَاءَ. وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ إِنَّهَا كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ أَحْبَبْتُهَا كَأَشَدِّ مَا يُحِبُّ الرِّجَالُ النِّسَاءَ، فَطَلَبْتُ مِنْهَا فَأَبَتْ حَتَّى أَتَيْتُهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَبَغَيْتُ حَتَّى جَمَعْتُهَا، فَلَمَّا وَقَعْتُ بَيْنَ رِجْلَيْهَا قَالَتْ: يَا عَبْدَ اللهِ، اتَّقِ اللهَ، وَلَا تَفْتَحِ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ، فَقُمْتُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا فَرْجَةً. فَفَرَجَ. وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ أَعْطِنِي حَقِّي. فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيهَا، فَجَاءَنِي فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ. فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى ذَلِكَ البَقَرِ وَرُعَاتِهَا فَخُذْ. فَقَالَ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ فَخُذْ. فَأَخَذَهُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ مَا بَقِيَ، فَفَرَجَ اللهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ ابْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: «فَسَعَيْتُ». [انظر: ٢٢١٥ - مسلم: ٢٧٤٣ - فتح: ٥/ ١٦] ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار وقد سلف غير مرة، وفي آخره: وَقَالَ إسماعيل (خ م س) بن عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ: «فَسَعَيْتُ» (١). قلت: وعقبه جده، ووالده إبراهيم وهو (أي: إبراهيم) (٢) أكبر من أخويه: موسى ومحمد ابني عقبة بن أبي عياش. قال الجيِّاني: وقع في نسخة أبي ذر: إسماعيل عن عقبة. وهو وهم (٣). وهذا التعليق أسنده البخاري في الأدب في باب: إجابة دعاء من برَّ والديه (٤)، وقد أخرج ابن حبان هذا الحديث من طريق أبي هريرة أيضًا (٥). قال المهلب: لا تصح هذِه الترجمة: إلَّا بأن يكون الزارع متطوعًا إذ لا خسارة على صاحب المال؛ لأنه لو هلك الزرع أو ما ابتاع له بغير إذنه كان الهلاك من الزارع، وإنما يصح هذا على سبيل التفضل بالربح وضمان رأس المال لا على أن من تعدى في مال غيره فاشترى منه بغير إذنه أو زرع به أنه يلزم صاحبه فعله؛ لأنَّ ما في ذمته من الدين لا يتعين إلَّا بقبض الأجير له وبرضاه بعمله فيه، وقد سلف في الإجارة حكم من تجر في مال غيره بغير إذنه فربح، ومذاهب العلماء فيه (٦). وأجاب ابن المنير بمطابقة الترجمة، لأنه قد عين له حقه ومكنه منه ----------- (١) سلف برقم (٢٢١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي. (٢) كتبت في الأصل بين السطرين. (٣) «تقيد المهمل» ٢/ ٦٢١. (٤) سيأتي برقم (٥٩٧٤). (٥) «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٥٣ - ٢٥٢ (٩٧١). (٦) عبارة المهلب، ونقلها ابن بطال في «شرحه» ٦/ ٤٧٢، وعنه المصنف. وبرئت ذمته منه، فلما ترك القبض ووضع المستأجر يده ثانيًا على الفَرَقِ فهو وضعٌ مستأنف على ملك الغير، ثم تصرفه فيه إصلاح لا تضييع فاغتفر ذلك، ولم يعد تعديًا، ومع ذلك فلو هلك الفَرَقُ لكان الزارع ضامنًا له؛ إذ لم يؤذن له في زراعته، فمقصود الترجمة إنما هو خلاص الزارع من المعصية، وإنْ تعرض للضمان، ويدل على أن فعله كان غير معصية أنه توسل به إلى الله جل وعز بناءً على أنه أفضل الأعمال، وأقر على ذلك، ووقعت الإجابة له به، أو يقال: إنَّ توسله إنما كان بوفاء الحق عند حضور المستحق مضاعفًا من قبيل حسن القضاء؛ لا بكونه زَرَعَ الفَرَقَ المُسْتَحَق، كما أنَّ الذي جلس بين شعب المرأة توسل بما ذكره من القيام عنها خوفًا من الله تعالى لا بجلوسه الأول، فإنه معصية اتفاقًا (١). وقوله: «فتعبت حتى جمعتها» وفي نسخة «فبغيت» وعليها اقتصر ابن التين، وقال: أي: كسبتُ وطلبتُ، وقيل ما تستعمل في الخير، وقد جاء في الحديث في شهر رمضان: «يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر». وقال زيد بن عمرو: البر أبغي لا محالة. وقال ابن فارس: بغيت الشي أبغيه: إذا طلبته (٢). ووقع هنا: «بِفَرَقٍ مِنْ أرز» وسلف «من ذرة» (٣) وراجعه مما سلف. -------- (١) «المتواري» ص ٢٦١ - ٢٦٢. (٢) «المجمل» ١/ ١٢٩ مادة: (بغي). (٣) سلف برقم (٢٢١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه نرضي. ١٤ - باب أَوْقَافِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَرْضِ الخَرَاجِ وَمُزَارَعَتِهِمْ وَمُعَامَلَتِهِمْ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ: «تَصَدَّقْ بِأَصْلِهِ لَا يُبَاعُ ثمره، وَلَكِنْ يُنْفَقُ ثَمَرُهُ» [انظر: ٢٣١٣]. فَتَصَدَّقَ بِهِ. ٢٣٣٤ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْبَرَ. [٣١٢٥، ٤٢٣٥، ٤٢٣٦ - فتح: ٥/ ١٧] ثم ساق عن مَالِكٍ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَوْلَا آخِرُ المُسْلِمِينَ مَا فَتَحْتُ قَرْيَةً إِلا قَسَمْتُهَا بَيْنَ أَهْلِهَا كَمَا قَسَمَ النَّبِيِّ - ﷺ - خَيْبَرَ. الشرح: التعليق الأول سلف مسندًا بمعناه (١)، وهو قوله لعمر: «إن شئت حبست أصلها وتصدَّقت بها» (٢) وقال ابن التين عن الداودي: إنَّ قوله: «تصدق بأصله» ما أراه محفوظًا وإنما أمره أنْ يتصدَّق بثمره ويوقف أصله. وقول عمر أخرجه البخاري في موضع آخر بلفظ: لولا أنْ أترك الناس ببانًا ليس لهم شيء ما فتحت عليَّ قرية … إلى آخره (٣). ----------- (١) سلف برقم (٢٣١٣) كتاب: الوكالة، باب: الوكالة في الوقف ونفقته وأن يطعم صديقًا له ويأكل بالمعروف. (٢) سيأتي برقم (٢٧٣٧) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الوقف. (٣) سيأتي برقم (٤٢٣٥) كتاب: المغازي، باب: غزوة خيبر. ولأحمد: لئن عشت إلى هذا العام المقبل لا يفتح الناس قرية إلَّا قسمتها بينكم (١). وذهب الكوفيون فيما حكاه أبو عبيد إلى أنَّ عمر حدَّث عن رسول الله - ﷺ - أنه قسَّم خيبر، ولولا آخر الناس لفعلت ذلك. وقال ابن التين: كان عمر يرى هذا الرأي لآخر المسلمين تحريًا لمصلحتهم ويتأول فيه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية [الحشر: ١٠]، ويعطفه على قوله ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] ويرى للآخرين فيه أسوة الأولين، فقد كان يعلم أنَّ المال يعز، وأنَّ الشُّح يغلب، وأن لا ملك بعد كسرى، فأشفق أن يبقى آخر المسلمين لا شيء لهم فرأى أنْ يحبس الأرض ولا يقسمها، بل يضرب عليها تدوم لسائر المسلمين، وبهذا قال مالك في مشهور قوليه أنَّ الأرض لا تقسم (٢). فائدة: قوله فيما أوردناه: (ببانًا) -هو ببائين موحدتين وبعد الألف نون- أي: شيئًا واحدًا، قال أبو عبيد: وذلك الذي أراد، ولا أحسبها عربية، ولم أسمعها في غير هذا الحديث (٣). وصوب غيره بيانًا وأصلها أنَّ العرب إذا ذكرت من لا تعرف تقول: هيَّان بن بيان. أي: لأسوين بينهم في العطاء، وصوب الأزهري الأول وأوضحه في «تهذيبه» (٤) (٥). ---------- (١) «مسند أحمد» ١/ ٣١ - ٣٢ من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: سمعت عمر يقول. (٢) «المدونة» ١/ ٣٨٦. (٣) «غريب الحديث» ٢/ ٣٧. (٤) «تهذيب اللغة» ١/ ٢٦٨ مادة: (ببب). (٥) ورد بهامش الأصل: في «المطالع» وكذلك صححها صاحب «العين». وقال الليث: (ببان) على تقدير فعلان (فالنون أصلية) (١)، ويقال: على تقدير فعَّال، والنون زائدة، ولا يصرف منه فعل. وكان رأي عمر في أعطية الناس التفضيل على السوابق، وكان رأي الصديق التسوية، فرجع إليه عمر. قال الأزهري: وكأنها لغة يمانية لم تفش في كلام معدٍ. وقال صاحب «المنتهى»: ما أراه محفوظًا عن العرب وبنحوه، قال الجوهري وغيره (٢). --------- (١) كتبت في الأصل بين السطور. (٢) انظر: «الصحاح» ١/ ٨٩ مادة (ببب). ١٥ - باب مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا وَرَأَى ذَلِكَ عَلِيٌّ فِي أَرْضِ الخَرَابِ بِالكُوفَةِ (مَوَاتٌ) (١). وَقَالَ عُمَرُ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهْيَ لَهُ. وَيُرْوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَالَ: «فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، وَلَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ فِيهِ حَقٌّ». وَيُرْوَى فِيهِ، عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ٢٣٣٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فَهْوَ أَحَقُّ». قَالَ عُرْوَةُ: قَضَى بِهِ عُمَرُ رضي الله عنه فِي خِلَافَتِهِ. [فتح: ٥/ ١٨] ثمِ ساق حديث عائشة: عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَعْمَرَ أَرْضًا لَيْسَتْ لأَحَدٍ فهْوَ أَحَقُّ». قَالَ عُرْوَةُ (٢): قَضَى بِهِ عُمَرُ فِي خِلَافَتِهِ. الشرح: الموات -بفتح الميم والواو - الأرض التي لم تعمر قط، ويُقال لها: موتان (٣) بفتح الواو وسكونها (٤). وأثر عمر أخرجه أبو عبيد في «أمواله» (٥). وحديث سالم عن أبيه، عنه كان يخطب على المنبر فقال: «يا أيها ---------- (١) ليست بالأصل. (٢) فوقها في الأصل: معلق. (٣) ورد بهامش الأصل: في»المطالع«: الواو تفتح وتسكن والميم مفتوحة لا غير. (٤) انظر:»لسان العرب«٧/ ٤٢٩٦ مادة: (موت). (٥)»الأموال" ١/ ٣٠٣. ![]()
__________________
|
|
#440
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 271 الى صـــ 290 الحلقة (440) الناس من أحيا ..» إلى آخره (١). وطرقه يحي بن آدم في «خراجه»، وزاد في بعضها: «ليس في يد مسلم ولا معاهد» (٢). وحديث عمرو حديث محفوظ كما قال الجياني ثم ساقه (٣). وقال ابن بطال: حسن السند (٤). وحديث جابر صححه الترمذي (٥)، وروي عن هشام، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا (٦)، ورواه النسائي مسندًا بلفظ: «من أحيا أرضًا ميتة فله فيها أجر، وما أكلت العوافي منها فهو له صدقة» وصححه ابن حبان، وقال: طلاب الرزق يسمون العوافي، قال: وفيه دليل على أنَّ الذمي إذا أحيا أرضًا لم تكن له؛ لأنَّ الصدقة لا تكون إلَّا للمسلم (٧). ------- (١) المصدر السابق. (٢) «الخراج» ص ٨٩. (٣) «تقييد المهمل» ٢/ ٦٢١ - ٦٢٢. (٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٧٤. (٥) الترمذي (١٣٧٩)، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١١١٤). (٦) رواه مالك في «الموطأ» ص ٤٦٣ عن يحيى، عن هشام به ومن طريقه الشافعي في «سننه» ٤/ ٢٢٧ (١٤٩٧) والنسائي في الكبرى ٣/ ٤٠٥ (٥٧٦٢)، ورواه وكيع، عن يحيى، عن هشام به كما عند ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٤٨٩ (٢٢٣٧٥). ورواه أبو داود (٣٠٧٤) والدارقطني في «سننه» ٣/ ٣٥ - ٣٦ من طريق محمد بن إسحاق، عن يحيى بن عروة، عن أبيه به مطولًا وفيه قصة. وقال الدارقطني في «العلل» ٤/ ٤١٥ - ٤١٦: والمرسل عن عروة أصح. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» ١/ ١٨٨ (٩٢٠): رواه أبو داود وإسناده حسن، وحسنه الألباني في «الإرواء» ٥/ ٣٥٥، وفي «صحيح أبي داود» (٢٦٩٩). (٧) رواه النسائي في «الكبرى» ٣/ ٤٠٤ من طرق عنه وكذا أحمد في «المسند» ٣/ ٣١٣، وابن حبان في «صحيحه» ١١/ ٦١٣ - ٦١٧. وقال المصنف في «البدر المنير» ٧/ ٥٧: حديث صحيح. ولأبي داود: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له» (١). قلت: وفي الباب عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب (٢)، وسمرة بن جندب أخرجه أبو داود (٣)، وأبي سعيد فيما يظن أبو داود (٤)، وأسمر بن مضرس عنده (٥) وغير --------- (١) رواه أبو داود (٣٠٧٧) بهذا اللفظ من طريق أحمد بن حنبل قال: ثنا محمد بن بشر، ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة وهو في «المسند» ٥/ ١٢، ٢١ ورواه الطيالسي في «مسنده» (٩٤٨) وابن الجارود في «المنتقى» (١٠١٥) وغيرهم. وقال ابن حجر في «التلخيص» ٣/ ٦٢: رواه أحمد وأبو داود عنه والطبراني والبيهقي من حديث الحسن، عن سمرة وفي صحة سماعه منه خلاف، عن جابر، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٥٥١) إسناده ضعيف لعنعنة الحسن البصري، فإنه كان يدلس. وقال في «الإرواء» ٥/ ٣٥٥: علته عنعنة الحسن البصري. وقال الشيخ أبو إسحاق الحويني في «غوث المكدود» ٣/ ٢٦٧: وهذا سند ضعيف لعنعنة الحسن البصري، ولكن لمعنى الحديث شواهد. اهـ. (٢) رواه أبو داود (٣٠٧٣)، والترمذي (١٣٧٨) والنسائي في «سنن الكبرى» ٣/ ٤٠٥، وقال ابن الملقن في «البدر المنير» ٦/ ٧٦٦: رواه أبو داود في «سننه» بإسناد صحيح. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٦٩٨): إسناده صحيح وحسنه الترمذي وقواه الحافظ. (٣) سبق تخريجه في الهامش قبل السابق. (٤) رواه أبو داود (٣٠٧١) وحسن إسناده الحافظ في «بلوغ المرام» ١/ ١٨٨، وقال الألباني في «الإرواء» ٥/ ٣٥٥: إسناد رجاله ثقات لولا أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه ومع ذلك فإن الحافظ حسنه. (٥) رواه أبو داود (٣٠٧٥)، ومن طريقه البيهقي في «السنن» ٦/ ١٤٢ والطبراني في «الكبير» ١/ ٢٨٠ (٨١٤)، ومن طريقه الضياء في «المختارة» ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨. وتعقب الألباني -رحمه الله- الحافظ والضياء في تصحيحهما للحديث فقال في «إرواء الغليل» ٦/ ٩: قلت: هذا إسناد ضعيف، مظلم، ليس في رجاله من يعرف سوى الأول منه الصحابي والأخير ابن بشار شيخ أبي داود، وما بين ذلك مجاهيل = ذلك، وظاهرها أنَّه لا يتوقف على إذن الإمام خلافًا لمن زعمه ولمن قال: إذا لم يعلم به الإمام حتى أحياها فهي له، كما ستعلمه. وحديث عائشة من أفراده، كذا فيه: «منْ أعمر» بالألف، وصوابه كما قال في «المطالع» وغيره: «عمر» ثلاثي، قال تعالى: ﴿وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم: ٩] قال ابن بطال: ويحتمل أن يكون (اعتمر) وسقطت التاء (١)، وذكر صاحب «العين»: أعمرت الأرض: وجدتها عامرة (٢)، وليس مرادًا هنا. وقد اختلف العلماء في إحياء الموات، فقال مالك: من أحيا أرضًا ميتة فيما قرب من العمران فلابد في ذلك من إذن الإمام، وإن كان في فيافي المسلمين والصحاري، وحيث لا يتشاح الناس فيه، فهي له بغير إذن الإمام (٣). وقال أبو يوسف ومحمد والشافعي: من أحيا أرضًا ميتة فهي له، ولا يحتاج إلى إذن الإمام مطلقًا قرب منه أو بعد (٤). وقال أشهب وأصبغ: إنْ أحيا فيما قرب بغير إذنه أمضيت ولم يعنف (٥). ----------- = لم يوثق أحدًا منهم أحد فالعجب من الضياء كيف أورده في «المختارة» وأقره الحافظ في «التلخيص»، وأعجب منه قوله في ترجمة أسمر هذا من «الإصابة» قلت: وأخرج حديثه أبو داود بإسناد حسن! يعني هذا وقد ذكر في «التلخيص» عن البغوي أنه قال: لا أعلم بهذا الإسناد غير هذا الحديث. (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٧٨. (٢) «العين» ٢/ ١٣٧ مادة: (عمر). (٣) «المدونة» ٤/ ٣٧٧. (٤) «الأم» ٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥، «بدائع الصنائع» ٦/ ١٩٤. (٥) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٥٠١. وقال مطرف وابن الماجشون: الإمام بالخيار بين أربعة أوجه: إنْ شاء أن يقره له فعل، أو للمسلمين ويعطيه قيمته منقوصًا، أو يأمره بقلعه، أو يعطيه غيره فيكون للأول قيمته منقوصًا (١). والبعيد ما كان خارجًا عما يحتاجه أهل ذلك العمران من محتطب ومرعى، مما العادة أن الرعاة يبلغونه ثم يبيتون في منازلهم، ويحتطب المحتطب ويعود إلى موضعه، وما كان من الإحياء في المحتطب وللرعاء فهو القريب من العمران فيمنع، وعند أبي يوسف: حد الموات ما إذا وقف المرء في أدنى المصر ثم صاح لم يُسمع، وما سمع فيه الصوت فلا يكون إلَّا بإذن الإمام (٢). وقال أبو حنيفة: ليس لأحد أن يحيى مواتًا إلَّا بإذن الإمام فيما قرب وبعد، فإنْ أحيا بغير إذنه لم يملكه (٣). حجة الشافعي ومن وافقه إطلاق الحديث حيث جعله إلى من أحب من غير أمر الإمام في ذلك، وقد دلت على ذلك شواهد من النظر منها الماء في البحر والنهر من أخذ منه شيئًا يملكه بنفس الأخذ، ولا يحتاج إلى إذن الإمام، ومنها: الصيد؛ لأنَّ الناس فيه سواء الإمام وغيره، فكذا الأرض. حجة المتوقف على الإذن أنَّ معنى الحديث: من أحياها على شرائط الإحياء فهي له، وذلك تحظيرها وإذن الإمام له فيها، يؤيده الحديث الآتي: «لا حمى إلَّا لله ولرسوله» (٤). --------- (١) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٥٠٠. (٢) «المبسوط» ٢٣/ ١٦٦، «البناية» ١١/ ٣١٦. (٣) «المبسوط» ٢٣/ ١٦٧. (٤) سيأتي برقم (٢٣٧٠) كتاب: المساقاة، باب: لا حمى إلا لله ولرسوله - ﷺ - من حديث ابن عباس. والحمى: ما حمي من الأرض، فدل على أنَّ حكم الأرضين إلى الأئمة لا إلى غيرهم، وأنَّ حكم ذلك غير حكم الصيد والماء، والفرق بينهما أنَّ الإمام لا يملك من الأنهار شيئًا بخلاف الأرض، ولو احتاج الإمام إلى بيعها في نائبة المسلمين جاز بيعه لها، ولا يجوز ذلك في ماء نهر ولا صيد بر ولا بحر، بل هو كآحاد الناس. حجة مالك: أنه - عليه السلام - أقطع بلال بن الحارث المعادن القبلية (١) ولم يقطعه حق مسلم (٢)، وهذا فيما قرب، فوجب استعمال الحديثين جميعًا، فما وقع فيه التشاح والتنافس لم يكن لأحد عمارته بغير إذن --------- (١) رواه مالك في «الموطأ» ص ١٦٩ - ١٧٠ من طريق ربيعة ابن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد أن رسول الله - ﷺ - قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. ومن طريقه رواه الشافعي في «الأم» ٢/ ٣٦ ومن طريقه أخرجه البيهقي في «السنن» ٤/ ١٥٢. ورواه أبو داود من طريق مالك أيضًا (٣٠٦١) وقال الشافعي في «الأم» بعد رواية الحديث: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث رواية ولو أثبتوه لم يكن فيه رواية عن النبي - ﷺ - إلا إقطاعه. فأما الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي - ﷺ - فيه اهـ. وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ٣/ ٢٣٧: هكذا هو مرسل في جميع الموطآت ولم يختلف فيه عن مالك. ورواه موصولًا الحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٤ من طريق الدراوردي، عن ربيعة، عن الحارث بن بلال، عن أبيه به مطولًا. ورواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٧٣٩)، عن عمرو بن عوف. قال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٨: رواه البزار وفيه: كثير بن عبد الله وهو ضعيف جدًا وقد حسن الترمذي حديثه. والحديث ضعفه الألباني في «الإرواء» (٨٣٠) وقال: وبالجملة فالحديث بمجموع طرقه ثابت في إقطاع، لا في أخذ الزكاة من المعادن والله أعلم. (٢) هذِه الزيادة جاءت في «التمهيد» ٣/ ٢٣٧ وعزاه للبزار ولم يذكرها صاحب «المجمع». الإمام، وأمَّا ما تباعد عن العمران ولم يتشاح فيه جاز أن يعمر بغير إذنه، والإذن منه معناه الإقطاع، وقد أقطع عمر العقيق وهو قرب المدينة. قال سحنون: ومسافة يوم عن العمارة بعيد فإن قاس المانع ذلك على الغنيمة بجامع الموات من مصالح المسلم؛ لأنَّ الأرض مغلوب عليها، فوجب أن لا تملك إلَّا بإذن الإمام كالغنيمة (١) فيُقال: الموات في الفيافي من المباح، كالصيد وطلب الركاز والمعادن لا يفتقر شيء منها إلى إذن الإمام، وإنْ كانت في الأرض التي عليها يد الإمام، فكذا الموات. وإحياء الموات عند مالك إجراء العيون وحفر الآبار والبنيان والحرث وغرس الأشجار (٢)، وهو قول الشافعي. قال ابن القاسم: ولا يعرف مالك التحجر إحياء (٣)، والحجة له ما روى الزهري، عن سالم، عن ابن عمر: كان الناس (يتحجرون) (٤) على عهدهم التي ليست لأحد. قال عمر: من أحيا أرضًا ميتة فهي له (٥)، وهذا يدل على أنَّ التحجير غير الإحياء. قوله: («وليس لعرق ظالم حق») قال ابن حبيب: وبلغني عن ربيعة أنه قال: العرق الظالم عرقان: ظاهر وباطن، فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار أو غرسه، والظاهر ما بني في أرض غيره. وعنه العروق أربعة: --------- (١) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٥٠٢. (٢) «المدونة» ٤/ ٣٧٧، و«النوادر والزيادات» ١٠/ ٥٠٤ - ٥٠٥. (٣) المصدران السابقان. (٤) في الأصل: يتحرجون، والمثبت من مصادر التخريج. (٥) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٤٨٩ (٢٢٣٧٢) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ٢٧٠. ولفظه: كان الناس يتحجرون على عهد عمر، فقال: من أحيا أرضا فهي له. عرقان فوق الأرض، وهما: الغراس والبناء، وعرقان في جوفها: المياه والمعادن (١). وفي رواية ابن التين: المياه والعين، وقال: هكذا وقع فيه في نفس الحديث، وهو يصح على رواية من رواه منونًا غير مضاف، ومن لم يضفه ونون عرقًا احتج به في أنَّ غلات المغصوب لربه، وليس للغاصب منها شيء، يريد: أنَّ الظالم هو الغاصب، ولا حق له في المغصوب لا في غلته ولا في غيرها. قال ابن حبيب: والحكم فيه أن يكون صاحب الأرض مخيرًا على الظالم، إنَّ شاء حبس ذلك في أرضه بقيمته مقلوعًا، وإنْ شاء نزعه من أرضه، وقال غيره: معنى الحديث يريد ليس له حق كحق من غرس أو بني بشبهة، فإذا غرس أو بني بشبهة فله حق إن شاء رب الأرض أن يدفع إليه قيمته قائمًا، وإن أبي قيل للذي بني وغرس: ادفع إليه قيمة أرضه براحًا فإنْ أبيا كانا شريكين في الأرض والعمارة: هذا بقيمة أرضه، وهذا بقدر قيمة العمارة (٢). قال ابن حبيب: لا خيار للذي بني وغرس إذا أبي رب الأرض، ولكن يشرك فيما بينهما مكانه هذا بقيمة أرضه براحًا والآخر بقيمة عمارته قائمة. وقال ابن الماجشون: وتفسير اشتراكهما أن تُقوَّم الأرض براحًا ثم تُقوَّم بعمارتها فما زادت قيمتها بالعمارة على قيمتها براحًا كان العامر شريكًا لرب الأرض فيها إن أحبا قسما أو حبسا (٣). ---------- (١) «النوادر والزيادات» ١٠/ ٥٠٠ بتصرف. (٢) السابق ١٠/ ٥٠٧ بتصرف. (٣) السابق ١٠/ ٤٠٧. قال ابن الجهم: فإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه كان له كراؤها في ماضي السنين. وقال الشافعي فيما نقله البيهقي في «المعرفة»: جماع العرق الظالم: كل ما حفر أو غرس أو بني ظلمًا في حق امرئ بغير خروجه منه (١). وروى يحيى بن ادم في كتاب «الخراج» عن الثوري وسُئل عن العرق الظالم، فقال: هو المنتزي (٢). وللنسائي عن عروة بن الزبير: وهو الرجل يعمر الأرض الخربة وهي للناس، وقد عجزوا عنها فتركوها حتى خربت (٣). تنبيهات: أحدها: روى ابن أبي شيبة: حدثنا جرير، عن ليث عن أبي بكر بن حفص مرفوعًا: «من أحيا أرضًا من المصر على دعوة فله رقبتها إلى ما يصيب فيها من الأجر». وعن الشعبي رفعه: «من ترك دابة مهلكة فهي للذي أحياها». وقال الحسن إذا سُئل عن ذلك: لمن أحياها (٤). ثانيها: حكى ابن التين عن أصحاب مالك ثلاثة أقوال في الإحياء: يجوز فيما بعد من العمران، يجوز في الجميع، لا يجوز مطلقًا إلَّا بإذن الإمام. ثالثها: حديث معاذ المرفوع: «إنما للمرء ما طابت به نفس إمامه» ---------- (١) «معرفة السنن والآثار» ٩/ ١٨. (٢) «الخراج» ص ٨٦ (٢٧٣). (٣) «السنن الكبرى» ٣/ ٤٠٥. (٤) «المصنف» ٤/ ٤٨٩ - ٤٩٠ باب من قال: إذا أحيا أرضًا فهي له. لا يصح كما بينه البيهقي، وبين انقطاعه وجهالة أحد رواته (١). وأعله ابن خزيمة أيضًا (٢). رابعها: قال الشافعي: أخبرنا عبد الرحمن بن الحسن الأزرقي، عن أبيه، عن علقمة بن نضلة أنَّ عمر بن الخطاب قال: ليس لأحد -يعني: من إحياء الموات- إلا ما أحاطت عليه جدرانه (٣). خامسها: قد يحتج بالحديث من يرى إجازة إحياء الذمي في دار الإسلام، واختلف فيه عند المالكية (٤)، ونص إمامنا على عدم جوازه (٥)، واختلف عندهم أيضًا أنَّ الإذن واجب أو مستحب، وفائدته: إذا بني بغير إذنه هل يهدمه الإمام إذا رأى ذلك أو يمضيه؟ قال من قال: يحيي فيما بعد دون ما قرب من العمران، قيل: حده أنْ يقف الرجل في طرف العمران ويصيح فلا يسمعه من يكون في تلك الأرض، وقيل: ذلك قدر سرح مواشيهم في غدوها ورواحها، وهذا مما لم يكن في الأرض نشزًا، وأما ما درس وكان مشترى فهو لمالكه. واختلف فيما دثر مما أصله الإحياء ولم يكن نشزًا. ---------- (١) رواه البيهقي في «معرفة السنن والآثار» ٩/ ٨ وقال: هذا منقطع بين مكحول، ومن فوقه، وراويه عن مكحول مجهول ولا حجة في هذا الإسناد. (٢) لم أقف عليه عند ابن خزيمة في «صحيحه». وقال العيني في «عمدة القاري» ١٠/ ١٧٩. رواه ابن خزيمة من حديث عمرو بن واقد، عن موسى بن يسار، عن مكحول، عن جنادة بن أبي أمية، عن معاذ. قلت -أي العيني-: عمرو متروك باتفاق. ولعله عند ابن خزيمة في «المزارعة». (٣) «الأم» ٣/ ٢٦٩. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ١٠/ ٥٠٤. (٥) انظر: «الأم» ٤/ ١٣٣. ١٦ - باب ٢٣٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُرِيَ وَهْوَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الوَادِي، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. فَقَالَ مُوسَى: وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ بِالمُنَاخِ الَّذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ بِهِ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهْوَ أَسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الَّذِي بِبَطْنِ الوَادِي، بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. [انظر: ٤٨٣ - مسلم: ١٣٤٦ - فتح: ٥/ ٢٠] ٢٣٣٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «اللَّيْلَةَ أَتَانِي آتٍ مِنْ رَبِّي وَهْوَ بِالعَقِيقِ، أَنْ صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةٌ فِي حَجَّةٍ». [انظر: ١٥٣٤ - فتح: ٥/ ٢٠] كذا ذكره ولم يترجمه (١) ثم ساق حديث ابن عمر: أَنَّه - عليه السلام - أُرِيَ فِي مُعَرَّسِهِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ فِي بَطْنِ الوَادِي، فَقِيلَ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ .. الحديث. وحديث عمر (٢) بعده: «صَلِّ فِي هذا الوَادِي» السالف في الحج (٣). قال المهلب: هذا المعنى [الذي] (٤) حاول البخاري من أنه جعل موضع معرس رسول الله - ﷺ - وصلاته موقوفًا له ومتملكًا له؛ لصلاته وتعريسه فيه لا يقوم على ساق، لأنه قال: «جعلت لي الأرض مسجدًا» وقد يصلي في أرض متملكة، فلم تكن صلاته فيها بمبيحة -------- (١) يقصد الباب. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في الثاني صحابي عن صحابي. (٣) سلف برقم (١٥٣٤) باب: قول النبي - ﷺ -: «العقيق واد مبارك». (٤) ليست في الأصول، وأثبتناه من «شرح ابن بطال». للصلاة فيها للناس إلى يوم القيامة، وقد صلَّى في دار أبي طلحة وعتبان فلم يبح للناس أنْ يتخذوا ذلك الموضع مسجدًا، وإنما أدخله البخاري؛ من أجل أنه نسب المعرس إلى رسول الله - ﷺ -. (١) وأبدى له ابن المنير مناسبة ذكرها هنا، وهي أنه لمَّا ذكر إحياء الموات والخلاف في إذن الإمام فيه نبه على أن البطحاء التي عرس فيها رسول الله - ﷺ -، وأمر بالصلاة فيها، وأعلم أنها مباركة لا تدخل في الموات الذي يحيى ويملك؛ لما ثبت لها من خصوص التعريس فيها فصارت كأنها وقف على أن يقتدى فيها به، فلو ملكت بالإحياء لمنع مالكها الناس من التعريس بها (٢). ---------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٧٨ - ٤٧٩. (٢) «المتواري» ص ٢٦٣. ١٧ - باب إِذَا قَالَ رَبُّ الأَرْضِ: أُقِرُّكَ مَا أَقَرَّكَ اللهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَجَلًا مَعْلُومًا، فَهُمَا عَلَى تَرَاضِيهِمَا ٢٣٣٨ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، أَخْبَرَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنهما أَجْلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا، وَكَانَتِ الأَرْضُ حِينَ ظَهَرَ عَلَيْهَا للهِ وَلِرَسُولِهِ - ﷺ - وَلِلْمُسْلِمِينَ، وَأَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ، مِنْهَا فَسَأَلَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِيُقِرَّهُمْ بِهَا أَنْ يَكْفُوا عَمَلَهَا وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا». فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٥١ - فتح: ٥/ ٢١] ذكر فيه حديث ابن عمر: قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله - ﷺ -. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَاقِ (١): أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ أَجْلَى اليَهُودَ وَالنَّصَارى مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَما ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ أَرَادَ إِخْرَاجَ اليَهُودِ مِنْهَا، الحديث إلى أن قال: «نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا». فَقَرُّوا بِهَا حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إِلَى تَيْمَاءَ وَأَرِيحَاءَ. وهذا التعليق أسنده في كتاب الخمس من وجه آخر؛ فقال: حدثنا -------- (١) فوقها بهامش الأصل: معلق. أحمد بن المقدام ثنا (الفضيل) (١) بن سليمان، ثنا موسى بن عقبة (٢) وأسنده مسلم عن محمد بن رافع وإسحاق بن رافع كلاهما، عن عبد الرزاق به (٣). إذا عرفت ذلك فقد تمسك بعض أهل الظاهر على جواز المساقاة إلى أجل مجهول بقوله: «نقركم ما شئنا» والجمهور على المنع إلَّا إلى أجل معلوم، وهذا الكلام جرى جوابًا لما طلبوه حتى إذا أراد إخراجهم منها، فقالوا: نعمل فيها ولكم النصف ونكفيكم مؤنة العمل، فلما فهمت المصلحة أجابهم إلى الإبقاء ووقفه على مشيئته، وبعد ذلك عاملهم على المساقاة، وقد دل على ذلك قول ابن عمر: عامل رسول الله - ﷺ - أهل خيبر على شطر ما يخرج منها (٤). فأفرد العقد بالذكر دون ذكر الصلح على الإبقاء، وزعم النووي: أنَّ المساقاة جازت لرسول الله - ﷺ - خاصة في أول الإسلام، يعني: بغير أجل معلوم (٥). وقد أسلفنا مقالة أبي ثور، وهو قول محمد بن الحسن. وفي الموطأ: «أقرُّكم ما أقرَّكم الله» (٦). ------------ (١) ورد بالأصل: الفضل، وبهامشها: وصوابه: فضيل. فأثبتناه. (٢) سيأتي برقم (٣١٥٢) باب: ما كان النبي - ﷺ - يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه. (٣) مسلم (١٥٥١/ ٦) كتاب: المساقاة، باب: المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع. (٤) سلف برقم (٢٣٢٨) باب: المزارعة بالشطر ونحوه. (٥) «مسلم بشرح النووي» ١٠/ ٢١١ (٦) رواه مالك في «الموطأ» ص ٤٣٨ عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن رسول الله - ﷺ - مرسلًا. وقال ابن بطال: اعتل من دفع المساقاة بأنها كانت من رسول الله - ﷺ - إلى غير أجل معلوم لهذا الحديث، وكل من أجاز المساقاة فإنما أجازها إلى أجل معلوم، إلَّا ما ذكره ابن المنذر عن بعضهم، أنَّه تأول الحديث على جوازها بغير أجل كما سلف، وأئمة الفتوى على خلافه، وأنها لا تجوز إلَّا بأجل معلوم (١). قال مالك: الأمر عندنا في النخل: أنها تساقى السنتين والثلاث والأربع والأقل والأكثر (٢)، وأجازها أصحاب مالك في عشر سنين فما دونها (٣). وما سلف عن أبي ثور ومحمد بن الحسن يشبه قول ابن الماجشون فيمن اكترى دارًا مشاهرة أنه يلزمه شهر؛ لأنَّه - عليه السلام - أقرَّ اليهود على أنَّ لهم النصف، ومقتضاه سنة واحدة حتى يتبين أكثر منها، ولا حجة لمن دفع المساقاة في قوله: «أقرُّكم ما أقرَّكم الله» ولم يذكر أجلًا؛ لأنه كان يرجو أن يحقق الله رغبته في إبعاد اليهود من جواره؛ لأنه امتحن معهم في شأن القبلة، وكان مرتقبًا للوحي فيهم فقال لهم: «أقرُّكم ما أقرَّكم الله» منتظرًا للقضاء فيهم فلم يوح إليه بشيء في ذلك حتى حضرته الوفاة فقال: «لا يبقين دينان بأرض العرب» (٤). --------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٧٩. (٢) «الموطأ» ص ٤٤١. (٣) «المدونة» ٤/ ٨. (٤) رواه أحمد ٦/ ٢٧٤ من حديث عائشة بلفظ: «لا يترك بجزيرة العرب دينان» وكذا الطبراني في «الأوسط» ٢/ ١٢ (١٠٦٦) وقال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٣٢٥: رجال أحمد رجال الصحيح. وأخرجه مالك في «الموطأ» ص ٥٥٦ عن عمر بن عبد العزيز يقول: كان آخر ما تكلم به رسول - ﷺ -: … = فقوله: «أقرُّكم ما أقرَّكم الله» لا يوجب فساد عقد ويوجب فساد عقد غيره بعده؛ لأنه كان ينزل عليه الوحي بتقرير الأحكام ونسخها، وكان بقاء حكمه موقوفًا على تقرير الله تعالى له، وكان استثناؤه «ما أقرَّكم الله» وزواله إذا نسخه من مقتضى العقد، فإذا اشترط ذلك في عقده لم يوجب فساده، وليس كذلك صورته من غيره؛ لأنَّ الأحكام قد تبينت وتقررت. ومساقاته - عليه السلام - على نصف الثمر تقتضي عموم الثمر، ففيه حجة لمن أجازها في الأصول كلها، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والثوري والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وقال الشافعي: لا تجوز إلَّا في النخل والكرم خاصة، وجوَّزها القديم في سائر الأشجار المثمرة (١)، نعم يجوز على الأصح تبعًا لهما. فإنْ قلت: لم ينص ابن عمر ولا غيره على مدة معلومة ممن روى هذِه القصة، فمن أين لكم اشتراط الأجل؟ -------- = قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ١٦٥ - ١٦٦: هكذا جاء الحديث عن مالك في الموطآت كلها مقطوعًا، وهو يتصل من وجوه حسان عن النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة وعائشة ومن حديث علي بن أبي طالب وأسامة. قلت: وله طرق أخرى مرسلة وشواهد. تنبيه: جاء الحديث في «الجامع الصغير» للسيوطي موصولًا من حديث أبي عبيدة بن الجراح، وعزاه للبيهقي في «سننه» بلفظ: كان آخر ما تكلم به … الحديث. وفيه: «لا يبقين دينان بأرض العرب». قلت: وقع الحديث في المطبوع من «سنن البيهقي» دون هذِه الزيادة ولم ينبه عليها المناوي أو الألباني رحمهما الله. وقد صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٦١٧). (١) انظر: «المغني» ٧/ ٥٣٠. قلت: الإجماع قد انعقد على منع الإجارة المجهولة، وإنما أجلى عمر من الحجاز أهل الكتاب؛ لأنَّه لم يكن لهم عهد من رسول الله - ﷺ - على بقائهم في الحجاز دائمًا؛ بل كان ذلك موقوفًا على مشيئته، ولما عهد عند موته بإخراجهم من جزيرة العرب، وانتهت النوبة إلى عمر أخرجهم إلى تيماء وأريحاء بالشام، ولما قال بعضهم: تلك كانت هزيلة منه رُدَّ عليه. تنبيهات: أحدها: احتج أصحاب مالك بقوله: «ما شئنا» أنه يجوز عقد الإجارة مشاهرة ومساناة كما نقله ابن التين عنهم قال: إلَّا أنَّه إذا دخل في السنة الثانية من المساقاة لزمه تمام السنة، لما في ترك ذلك بعد العمل من الضرر، ويجوز ذلك في الدور وغيرها، ولكل واحد من المتكاريين الخيار (١). وقال عبد الملك: يلزمهما، وأخذ ما سمياه، فإنْ قالا: كل شهر. لزمه شهر واحد، وكانا بالخيار فيما بعد، وإن سمَّيا كل سنة لزمهما سنة وكانا في الخيار فيما بعده (٢). وابن القاسم يقول: هما بالخيار ولا يلزمهما شيء مما عقدا عليه (٣)، ومنع الشافعي هذا العقد وقال: لا يجوز إلَّا لأجل معلوم، وقد سلف (٤). ---------- (١) «المنتقى» ٥/ ١٤٤. (٢) انظر: «المنتقى» ٥/ ١١٩. (٣) انظر «المنتقى» ٥/ ١٤٤. (٤) انظر: «الأم» ٣/ ٢٤٠ - ٢٤١. ثانيها: قوله: (وكانت الأرض لما ظهر عليها لله ولرسوله وللمسلمين) كذا في الأصول، وعند ابن السكن عن الفربري أيضًا. وفي بعضها: لليهود ولرسوله وللمسلمين (١)، وصححه المهلب (٢). وكذا روي عن الفربري، ومعنى هذا: ظهر عليهم في الرجاء؛ لأنَّه كان (أخذ) (٣) أعظمها حصنًا، فاستولى عليهم رعبا. ألا ترى أنهم لجئوا إلى مصالحته؛ لما رأوا من ظهوره، فتركوا الأرض وسلَّموها لحقن دِمائهم، فكان حكم ذلك الصلح وما انجلى عنه أهله بالرعب حكم الفيء لم يجر فيه خمس، وإنما استخلص منه رسول الله - ﷺ - لنفسه، وكان باقيه لنوائب المسلمين وما يحتاجون إليه (٤). ثالثها: قال الطحاوي: إقطاع أرض المدينة لا أدري كيف يصح؟ لأنَّ أهل المدينة أسلموا راغبين في الدين، وكل من أسلم كذلك أحرز داره وملكه، إلَّا أنْ يكون على الوجه الذي جاء فيه الأثر عن ابن عباس أنَّ الأنصار جعلت لرسول الله - ﷺ - ما لم يبلغه الماء من أرضيهم. رابعها: معنى قوله: (لما ظهر على خيبر)، أي: على أكثرها قبل أن تسأله اليهود الصلح، فلمَّا صالحهم كانت الأرض لله ولرسوله ولم يكن ------ (١) ستأتي هذِه الرواية برقم (٣١٥٢) كتاب: فرض الخمس. (٢) قال العيني في «عمدة القاري» ١٠/ ١٨٢: ووفق المهلب بين الروايتين بأن رواية ابن جريج محمولة على الحال التي آل إليها الأمر بعد الصلح، ورواية الفضيل محمولة عى الحال التي كانت قبل، وذلك أن خيبر فتح بعضها صلحًا وبعضها عنوة. (٣) وقع في الأصل: آخر. وبه لا تفهم العبارة، وما أثبتناه من «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٨٢، ومنه نقل المصنف. (٤) انتهى نقله من «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٨١ - ٤٨٢. لليهود فيها شيء، لخروجهم عنها بالصلح، والدليل على ذلك أنَّ عمر إنما أعطاهم قيمة الثمرة لا قيمة الأصول، فصح أنهم كانوا مساقين فيها بعد أن صولحوا على أنفسهم، ثم لما قسمت كانت لله ولرسوله الصلح وخمس العنوة، وللمسلمين أربعة أخماس العنوة. ١٨ - باب مَا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُوَاسِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الزِّرَاعَةِ وَالثَّمَرَةِ ٢٣٣٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ أَبِي النَّجَاشِيِّ -مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ- سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ بْنِ رَافِعٍ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ ظُهَيْرٌ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا. قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَهْوَ حَقٌّ. قَالَ: دَعَانِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟». قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ. قَالَ: «لا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا أَوْ أَمْسِكُوهَا». قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعًا وَطَاعَةً. [٢٣٤٦، ٢٣٤٧، ٤٠١٢، ٤٠١٣ - مسلم: ١٥٤٧، ١٥٤٨ - فتح: ٥/ ٢٢] ٢٣٤٠ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ». [مسلم: ١٥٣٦ - فتح: ٥/ ٢٢] ٢٣٤١ - وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ: حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ». [مسلم: ١٥٤٤ - فتح: ٥/ ٢٢] ٢٣٤٢ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِطَاوُسٍ فَقَالَ: يُزْرِعُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ: «أَنْ يَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا». [انظر: ٢٣٣٠ - مسلم: ١٥٥٠ - فتح: ٥/ ٢٢] ٢٣٤٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُكْرِي مَزَارِعَهُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَصَدْرًا مِنْ إِمَارَةِ مُعَاوِيَةَ. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٤٧، ١٥٥١ - فتح ٥/ ٢٣] ٢٣٤٤ - ثُمَّ حُدِّثَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - نَهَى عَنْ كِرَاءِ المَزَارِعِ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى رَافِعٍ، فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ كِرَاءِ ٣/ ١٤٢ المَزَارِعِ. فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّا كُنَّا نُكْرِي مَزَارِعَنَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمَا عَلَى الأَرْبِعَاءِ وَبِشَيْءٍ مِنَ التِّبْنِ. [انظر: ٢٢٨٦ - مسلم: ١٥٤٧ - فتح: ٥/ ٢٣] ٢٣٤٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ أَعْلَمُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّ الأَرْضَ تُكْرَى. ثُمَّ خَشِيَ عَبْدُ اللهِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَدْ أَحْدَثَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ، فَتَرَكَ كِرَاءَ الأَرْضِ. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٤٧، ١٥٥١ - فتح: ١٥/ ٢٣] ذكر فيه حديث أَبِي النَّجَاشِيِّ -مَوْلَى رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ- قال: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنَ خَدِيجِ، عَنْ عَمِّهِ ظُهَيْرِ بْنِ رَافِعٍ، قَالَ ظُهَيْرٌ: لَقَدْ نَهَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَمْرٍ كَانَ بِنَا رَافِقًا. قُلْتُ: مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَهْوَ حَقٌّ، دَعَانِي رَسُولُ الله - ﷺ - قَالَ: «مَا تَصْنَعُونَ بِمَحَاقِلِكُمْ؟». قُلْتُ: نُؤَاجِرُهَا عَلَى الرُّبُعِ وَعَلَى الأَوْسُقِ مِنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ. فَقَالَ: «لا تَفْعَلُوا، ازْرَعُوهَا، أَوْ أَزْرِعُوهَا، أَوْ أَمْسِكُوهَا». قَالَ رَافِعٌ: قُلْتُ: سَمْعًا وَطَاعَةً. وحديث عطاء عن جابر: كَانُوا يَزْرَعُونَهَا بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ وَالنِّصْفِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ». وَقَالَ الرَّبِيعُ (خ. م. د. س. ق) بْنُ نَافِعٍ أَبُو تَوْبَةَ: حَدَّثنَا مُعَاوِيَةُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ كانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعْهَا أَوْ لِيَمْنَحْهَا أَخَاهُ، فَإِنْ أَبَى فَلْيُمْسِكْ أَرْضَهُ». حَدّثَنَا قَبِيصَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو قَالَ: ذَكَرْتُهُ لِطَاوُس فَقَالَ: يُزْرعُ، قَالَ ابن عَبَّاسٍ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يَنْهَ عَنْهُ وَإنما قَالَ: «أنْ بَمْنَحَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مَعْلُومًا». ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |