|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#421
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 531 الى صـــ 550 الحلقة (421) فصل: و(الفَرَقِ) (١): بفتح الراء، وسكونها وهو ثلاثة أصع، وقال هنا: «بفرق من ذرة»، وقال الذي المزارعة: بفرق أرز (٢). وفيه: جواز الإجارة بالطعام المعلوم. وقولى: «فَزَرَعْتُهُ حَتَّى اشْتَرَيْتُ مِنْهُ بَقَرًا وَرَاعِيَهَا»: هو موضع الترجمة، وبه استدل الحنفية، وغيرهم ممن يجيز بيع مال الإنسان والتصرف فيه بغير إذنه إذا أجازه المالك بعد. وموضع الدلالة قوله: «فلم أزل أزرعه حتى جمعت منه بقرًا»، وفي رواية: «فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال» (٣) مع أنه شرع من قبلنا، وهل هو في شرعنا؟ لنا فيه خلاف مشتهر، ومشهور مذهب مالك أن له الخيار، واستدل به أحمد، كما قاله الخطابي على أن المستوح إذا اتَّجر في مال الوديعة، وربح أن الربح إنما يكون لرب المال، ولا دلالة فيه (٤)؛ لأن صاحب الفرق إنما تبرع بفعله وتقرب به إلى الله، وقد --------- (١) الفرق: مكيال معروف بالمدينة، وهو ستة عشر رجلًا وقد يحرك والجمع: فرقان. «مختار الصحاح» ص: ٢٠٩. (٢) سيأتي برقم (٢٣٣٣) باب: إذا زرع بمال قوم بغير إذنهم وكان من ذلك صلاح لهم. (٣) ستأتي برقم (٢٢٧٢) كتاب: الإجارة، باب: من استأجر أجيرًا فترك أجره. (٤) ورد في هامش الأصل: قوله: (ولا دلالة فيه) إلى آخره يؤيده ما رواه الإمام أحمد في «مسنده»: حدثنا يحيى بن حماد، ثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس وساق حديث الغار إلى قوله: «وقال الآخر: اللهم إن كنت تعلم أني استاجرت أجيرًا على عمل يعمله، فأتاني يطلب أجره، وأنا غضبان، فزجرته فانطلق، فترك أجره ذلك، فجمعته وثمرته حتى كان منه كل المال، فأتاني يطلب أجره، فدفعت إليه ذلك كله، ولو شئت لم أعطه إلا أجره الأول» .. الحديث. واعلم أنه لا يعم الاستدلال بالحديث إلا أن يقول: إن الفرق كان معينا، والله أعلم. قال: إنه اشترى بقرًا، وهو تصرف منه في أمر لم يوكله به فلا يستحق عليه ربحًا. والأشبه بمعناه أنه قد تصدق بهذا المال على الأجير بعد أن اتَّجر فيه وأنماه. والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء في المستودع إذا اتَّجر بمال الوديعة، والمضارب إذا خالف رب المال فربما أنه ليس لصاحب المال من الربح شيء (١). قال ابن التين: وقوله في المضارب غير بين؛ لأنه مال ماذون فيه، فربحه عند مالك لربه، بخلاف الوديعة، وعند أبي حنيفة المضارب ضامن لرأس المال، والربح له ويتصدق به، والوديعة عليه. وقال الشافعي: إن كان اشترى السلعة بعين المال فالبيع باطل، وإن كان بغير عينه فالسلعة ملك المشتري، وهو ضامن للمال. ومذهب مالك: أن الربح للمودع كيفما اشترى إن اشترى لنفسه ولا دليل عليه من الحديث؛ لأنه اشتراه لرب الفرق. وقال ابن بطال: أجمع الفقهاء أنه لا يلزم شراء الرجل لغيره بغير إذنه إلا حتى يعلمه ويرضى به، فيلزمه بعد الرضا به إذا أحاط علمًا به، واختلف ابن القاسم وأشهب فيما إذا أودع رجل رجلًا طعامًا فباعه المودع بثمن فرضي المودع، فقال ابن القاسم: له الخيار، إن شاء أخذ مثل طعامه من المودع، وإن شاء أخذ الثمن بالذي باعه به، وقال أشهب: إن رضي بذلك فلا يجوز؛ لأنه طعام بطعام فيه خيار. وهذا الحديث دلَّ على صحة قول ابن القاسم؛ لأن فيه أن الذي كان ترك الأجير فرق ذرة، وأنه زرعه له الذي بقي عنده حتى صار منه ما ذكر، ---------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٨٩ بتصرف. فلو كان خيار صاحب الطعام يحرم عليه ما جاز له أخذ البقر وراعيها؛ لأن أصلها كان من ذلك الفرق المزروع له بغير علمه، وقد رضي - عليه السلام - ذلك، وأقره وأخبر أنَّ الذي انطبق عليه الغار توسل بذلك إلى ربه، ونجاه به. فدلَّ هذا الحديث أنه لم يكن أخذ الأجير لذلك لازمًا إلا بعد رضاه بذلك لقوله: «أَتَسْتَهْزِئُ بِي؟» وإنكاره ما بذل له عوضًا من الفرق؛ ولذلك عظمت المثوبة في هذِه القصة، وظهرت هذِه الآية من أجل تطوع الزارع للفرق بما بذل له، وأنه فعل أكثر مما كان يلزمه في تأدية ما عليه، فشكر الله له ذلك. وقد اختلف العلماء في الطعام المغصوب يزرعه الغاصب، فذكر ابن المنذر أن قول مالك والكوفيين أن الزرع للغاصب، وعليه مثل الطعام الذي غصب؛ لأن كل من تعدى على كل ما لهُ مثل فليس عليه غير مثل الشيء المتعدى عليه، غير أن الكوفيين قالوا: إن زيادة الطعام حرام على الغاصب لا يحل له وعليه أن يتصدق به. وقال أبو ثور: كل ما أخرجت الأرض من الحنطة فهي لصاحب الحنطة وسيأتي اختلافهم فيمن تعدى على نقد فَتَجَر به بغير إذن صاحبه في حديث ابن عمر هذا في الإجارة (١) حيث ذكره. ولنذكر هنا نبذة منه، فقالت طائفة: يطيب له الربح إذا ردَّ رأس المال إلى صاحبه سواء كان غاصبًا للمال أو كان وديعة عنده، متعديًا فيه، هذا قول عطاء ومالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه عنه، ويتصدق به. -------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٣٦ - ٣٣٧. وقالت طائفة: يرد المال ويتصدق بالربح ولا يطيب له منه شيء. هذا قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وزفر، وقالت طائفة: الربح لرب المال، وهو ضامن لما تعدى فيه، هذا قول ابن عمر وأبي قلابة (١)، وبه قال أحمد وإسحاق، ثم ادعى ابن بطال: أن أصح هذِه الأقوال أن الربح للغاصب والمتعدي (٢). --------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٣٥٨ (٢٠٩٦٢) عن أبي قلابة، ٤/ ٣٥٩ (٢٠٩٦٧) عن ابن عمر. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٩٧. ٩٩ - باب الشِّرَاءِ وَالبَيْعِ مَعَ المُشْرِكِينَ وَأَهْلِ الحَرْبِ ٢٢١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ مُشْرِكٌ -مُشْعَانٌّ طَوِيلٌ- بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟» -أَوْ قَالَ:- أَمْ هِبَةً؟«. قَالَ لَا بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرَى مِنْهُ شَاةً. [٢٦١٨، ٥٣٨٢ - مسلم: ٢٠٥٦ - فتح: ٤/ ٤١٠] ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ جَاءَ رَجُل مُشْرِكٌ مُشْعَانٌ طَوِيل بِغَنَمٍ يَسُوقُهَا، فَقَالَ له النَّبِيُّ - ﷺ -:»بَيْعًا أَمْ عَطِية؟ «-أَوْ قَالَ:- أَمْ هِبَةً؟». قَالَ: بَلْ بَيْعٌ. فَاشْتَرى مِنْهُ شَاةً. هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر: كنا مع النبي - ﷺ - مائة وثلاثين رجلًا، فقالعليه السلام -: «هل مع أحد منكم طعام؟» فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن، ثم جاء رجل. وفيه: فصنعت، وأمر بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين والمائة إلَّا وقد حز له حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا خبأ له، وجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، وفضل في القصعتين، فحملناه على البعير (١). قال أبو عبد الله: (مُشْعَانٌّ): طويل جدًّا فوق الطول. وقال الأصمعي- فيما حكاه في «الموعب»: شعر مشعان -بتشديد النون- منتفش، واشعانَّ الرجل اشعنانا، وهو: الثائر المتفرق. وقال الأزهري أيضًا: هو الشعث المنتفش الرأس المغبر (٢). ---------- (١) سيأتي في الهبة برقم (٢٦١٨)، باب: قبول الهدية من المشركين. (٢) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٩٢ مادة: (شعن). وروى عمرو عن أبيه: أشعن الرجل إذا ناصى عدوه فاشعان شعره. وقال ابن التين: هو شعث الشعر، ثائر الرأس في قول أكثرهم، ووزنه مُفعال. وعبارة صاحب «العين»: مشعان إذا كان منتفشًا، ورجل مشعان الرأس. وسواد البطن، قيل: هو الكبد خاصة، وقيل: حشوة البطن كلها، حكاهما صاحب «المطالع». وحز: قطع، والحُزة- بضمِّ الحاء: القطعة (١)، وقال في باب قبول الهدية من المشركين. ضبط حُزَة في الأمهات بالضم، وصوابه كما ضبط، لأن الحزة بالضم: القطعة، مثل الأكلة واللقمة، وأما بالفتح فتعود على الفعل. وقد سلف -من قول أبي عبيد- أنَّ كلَّ شيءٍ يقال فيه: فعلت فعلة -بالفتح- إلا ثنتين: رأيت رؤية، وحججت حجة، يريد إلى الغزو. وقال الداودي: الحزة: القطعة، وهو كالأول. أما فقه الباب: فالبيع والشراء من الكفار كلهم جائز إلا أن أهل الحرب لا يباع منهم ما يستعينون به على إهلاك المسلمين من العدة والسلاح، وما يقوون به عليهم. قال ابن المنذر: اختلف العلماء في مبايعة من الغالب على ماله الحرام، وقبول هداياه وجوائزه، فرخصت طائفة في ذلك، كان الحسن البصري لا يرى بأسًا أن يأكل الرجل من طعام العقار والصراف والعامل، ويقول: قد أحل الله طعام اليهود والنصارى، وأكله أصحاب رسول الله - ﷺ -، وقال تعالى في اليهود: --------- (١) المصدر السابق ١/ ٨٠٢. ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]. وقال مكحول والزهري: إذا اختلط المال وكان فيه الحلال والحرام فلا بأس أن يؤكل منه، وإنما يكره من ذلك الشيء الذي يعرفه بعينه. وقال الحسن: لا بأس ما لم يعرفوا شيئًا منه (١). وقال الشافعي: لا تجب مبايعة مَنْ أكثرُ مالهِ ربا أو كسبه حرام، وإن بايعه لم أفسخ البيع؛ لأن هؤلاء قد يملكون حلالًا، ولا نحرم إلا حرامًا بينًا إلا أن يشتري حرامًا بينًا يعرفه، والمسلم والذمي والحربي في هذا سواء. حجة من رخص في ذلك حديث الباب، وحديث رهنه درعه عند اليهودي (٢)، وكان ابن عمر، وابن عباس يأخذان هدايا المختار (٣)، وبعث عمر بن عبيد الله بن معمر إلى ابن عمر بألف دينار، وإلى القاسم بن محمد بألف دينار، فأخذها ابن عمر وقال: لقد جاءنا على حاجة، وأبى أن يقبلها القاسم، فقالت امرأته: إن لم تقبلها فأنا ابنة عمه كما هو ابن عمه، فأخذتها (٤). وقال عطاء: بعث معاوية إلى عائشة بطوق من ذهب فيه جوهر قوم بمائة ألف، فقسمته بين أمهات المؤمنين (٥). وكرهت طائفة الأخذ منهم، روي ذلك عن مسروق، وسعيد بن --------- (١) انظر: «المغني» ٦/ ٣٧٤. (٢) سلف برقم (٢٠٦٩) كتاب: البيوع، باب: شراء النبي بالنسيئة. (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٣٠٢ (٢٠٣٢٤)، «حلية الأولياء» ٥/ ٥٤. (٤) «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٨٩. (٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٣٠٢ (٢٥٣٢٥، ٢٠٣٢٦)، و«الآحاد والمثاني» ١/ ٣٧٦ (٥٠٣) من طريق ابن أبي شيبة. المسيب، والقاسم بن محمد، وبسر بن سعيد، وطاوس، وابن سيرين، والثوري، وابن المبارك، ومحمد بن واسع، وأحمد، وأخذ ابن المبارك قذاة من الأرض، فقال: من أخذ مثل هذِه فهو منهم (١). وسلف هذا المعنى في الزكاة في باب: إعطاء المال من غير مسألة. وقوله - عليه السلام -: «(بَيْعًا أَمْ عَطِيَّةً؟ -أو قال:- أَمْ هِبَةً؟») إنما قال ذلك على معنى أنه يثيبه لو كان هدية، لا أنه كان يقبلها منه دون إثابة عليها، كما فعل - عليه السلام - بكل من هاداه من المشركين، بل كان هذا دأبه. وسيأتي في الهبة حكم هبة المشرك إن شاء الله. (٢) وحديث: «إنا لا نقبل زبد المشركين» (٣) يعني عطاياهم، يشبه أن يكون منسوخًا كما قال الخطابي، فقد قبل هدية غير واحد منهم، أهدى له المقوقس مارية والبغلة (٤)، وأكيدر دومة، إلا أن يفرق فارق بين هدية أهل الشرك وأهل الكتاب؛ لكن هذا الرجل كان مشركًا (٥)، ويجوز أن يكون القبول من باب التألف. وفيه: قصد الرؤساء والأكابر بالسلع لاستجزال الثمن. ---------- (١) عبد الرزاق ٨/ ١٥١ (١٤٦٨٢) عن ابن سيرين، ابن أبي شيبة ٤/ ٣٠٢ (٢٠٣٣٢) عن مسروق ٤/ ٣٠٣ (٢٠٣٣٦) عن محمد بن سيرين. (٢) سيأتي برقم (٢٦١٨) باب: قبول الهدية من المشركين. (٣) رواه أبو داود (٣٠٥٧)، الترمذي (١٥٧٧) وقال: حسن صحيح وأحمد ٤/ ١٦٢، والبخاري في «الأدب المفرد» ص ١٤٨ (٤٢٨) عن عياض بن حمار المجاشعي. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٢٥٠٥). (٤) في هامش الأصل: وسيرين بعثها أيضًا وهي أخت مارية وجارية ومابورًا وممارًا وعلًا من بنها وقباطًا وذهبًا. (٥) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٩٢ بتصرف. وفيه: أن ابتياع الأشياء من مجهول الناس ومن لا يعلم حاله بعفاف أو غيره جائز، حتى يطلع على ما يلزم الورع عنه، أو يوجب ترك مبايعته بغصب أو سرقة أو غير ذلك. قال ابن المنذر: لأن من بيده الشيء فهو مالكه على الظاهر، ولا يلزم المشتري أن يعلم حقيقة ملكه له بحكم اليد. وفيه: تأنيس الكافر لإثابته أكثر مما أخذ، إذ كان ذلك من شأنه. فرع: اختلف في الذي يهدى إلى الأئمة، فروي عن علي رده إلى بيت المال، وإليه ذهب أبو حنيفة. وقال أبو يوسف: هو له. وقيل: إنه - عليه السلام - في ذلك بخلاف غيره؛ لأن الله خصه في أموال الحرب بما لم يكن لغيره. قاله الخطابي (١). وفيه: ذكر بعض الخبر وحذف باقيه، إذ لم يذكر فيه قدر ما اشترى به. وفيه: علم من أعلام نبوته، حيث أكل من سواد البطن ما ذكر. وفيه: رأفته بالحاضرين، وتفقد الغائبين، وهو رد على جهلة الصوفية حيث يقولون: من غاب غاب نصيبه. ----------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٩٣. ١٠٠ - باب شِرَاءِ المَمْلُوكِ مِنَ الحَرْبِيِّ وَهِبَتِهِ وَعِتْقِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِسَلْمَانَ: «كَاتِبْ». وَكَانَ حُرًّا فَظَلَمُوهُ وَبَاعُوهُ. وَسُبِيَ عَمَّارٌ وَصُهَيْبٌ وَبِلَالٌ، وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَاللهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، إلى قوله: ﴿يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] ٢٢١٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَاجَرَ إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - بِسَارَةَ، فَدَخَلَ بِهَا قَرْيَةً فِيهَا مَلِكٌ مِنَ المُلُوكِ -أَوْ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ- فَقِيلَ: دَخَلَ إِبْرَاهِيمُ بِامْرَأَةٍ، هِيَ مِنْ أَحْسَنِ النِّسَاءِ. فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، مَنْ هَذِهِ التِي مَعَكَ؟ قَالَ: أُخْتِي، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهَا، فَقَالَ: لَا تُكَذِّبِي حَدِيثِي، فَإِنِّي أَخْبَرْتُهُمْ أَنَّكِ أُخْتِي، وَاللهِ إِنْ عَلَى الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْرِي وَغَيْرُكِ. فَأَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ وَتُصَلِّي، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ الكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ». قَالَ الأَعْرَجُ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: «قَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ. فَأُرْسِلَ ثُمَّ قَامَ إِلَيْهَا، فَقَامَتْ تَوَضَّأُ تُصَلِّي، وَتَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ آمَنْتُ بِكَ وَبِرَسُولِكَ وَأَحْصَنْتُ فَرْجِي إِلَّا عَلَى زَوْجِي، فَلَا تُسَلِّطْ عَلَيَّ هَذَا الكَافِرَ. فَغُطَّ حَتَّى رَكَضَ بِرِجْلِهِ». قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ إِنْ يَمُتْ فَيُقَالُ: هِيَ قَتَلَتْهُ، فَأُرْسِلَ فِي الثَّانِيَةِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا، ارْجِعُوهَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَعْطُوهَا آجَرَ. فَرَجَعَتْ إِلَى إِبْرَاهِيمَ - عليه السلام - فَقَالَتْ: أَشَعَرْتَ أَنَّ اللهَ كَبَتَ الكَافِرَ وَأَخْدَمَ وَلِيدَةً». [٢٦٣٥، ٣٣٥٧، ٣٣٥٨، ٥٠٨٤، ٦٩٥٠ - مسلم: ٢٣٧١ - فتح: ٤/ ٤١٠] ٢٢١٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتِ: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ، فَقَالَ سَعْدٌ: هَذَا يَا رَسُولَ اللهِ ابْنُ أَخِي عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَهِدَ إِلَيَّ أَنَّهُ ابْنُهُ، انْظُرْ إِلَى شَبَهِهِ. وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: هَذَا أَخِي يَا رَسُولَ اللهِ، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ وَلِيدَتِهِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى شَبَهِهِ، فَرَأَى شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ، الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ بِنْتَ زَمْعَةَ». فَلَمْ تَرَهُ سَوْدَةُ قَطُّ. [انظر: ٢٠٥٣ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٤/ ٤١١] ٢٢١٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ. [فتح: ٤/ ٤١١] ٢٢٢٠ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ -أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا- فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ رضي الله عنه: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَكَ مِنْ خَيْرٍ». [انظر: ١٤٣٦ - مسلم: ١٢٣ - فتح: ٤/ ٤١١] ثم ساق حديث أبي هريرة في إعطاء الكافر آجَرَ سارة زوجة إبراهيم - ﷺ -. وحديث عائشة: اخْتَصَمَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي غُلَامٍ … الحديث بطوله. وقد سلف (١). وحديث سعد عن أبيه: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ لِصُهَيْبٍ: اتَّقِ اللهَ وَلَا تَدَّعِ إِلَى غَيْرِ أَبِيكَ. فَقَالَ صُهَيْبٌ: مَا يَسُرُّنِي أَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، وَأَنِّي قُلْتُ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي سُرِقْتُ وَأَنَا صَبِيٌّ. ----------- (١) في البيوع برقم (٢٠٥٣) باب: تفسير المشبهات. وحديث حكيم بن حزام: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ أَتَحَنَّثُ -أَوْ أَتَحَنَّتُ بِهَا- فِي الجَاهِلِيَّةِ مِنْ صِلَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصَدَقَةٍ، هَلْ لِي فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ حَكِيمٌ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أسلفت مِنْ خَيْرٍ». الشرح: التعليق الأول أسنده ابن حبان (١) والحاكم من حديث سماك بن حرب، عن زيد بن صوحان، فذكره، قال الحاكم: حديث صحيح عال في ذكر إسلام سلمان (٢). وفيه: حتى لقيني ركب من كلب فسألتهم، فلما سمعوا كلامي حملوني حتى أتوا بلادهم فباعوني، فقال - عليه السلام -: «كَاتِبْ يا سَلْمَانَ» وأسنده البزار أيضًا من حديث محمود بن لبيد، عن ابن عباس، فذكره مطوَّلًا (٣). وعند البخاري حدثنا الحسن، ثنا معتمر، ثنا أبو عثمان، عن سلمان أنه تداوله بضعة عشر من رب إلى رب، وسيأتي طرف منه في الفضائل (٤). وقوله: (وسبي عمار وصهيب وبلال)، يعني: أنه كان في الجاهلية يسبي بعضهم بعضًا ويملكون بذلك، وروينا عن ابن سعد بإسناده عن حمزة بن صهيب، عن أبيه قال: إني رجل من العرب من النمر بن قاسط، ولكن سبيت، سبتني الروم غلامًا صغيرًا بعد أن عقلت أهلي --------- (١) رواه ابن حبان في «صحيحه» ١٦/ ٦٤ من طريق عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي قرة الكندي عن سلمان، ورواه في «الثقات» ١/ ٢٤٩ من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن ابن عباس عن سلمان. (٢) «المستدرك» ٣/ ٥٩٩ - ٦٠٢. (٣) «البحر الزخار» ٦/ ٤٦٢ - ٤٦٨ (٢٤٩٩، ٢٥٠٠). (٤) سيأتي برقم (٣٩٤٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: إسلام سلمان الفارسي. وقومي، وعرفت نسبي (١). ومعنى الآية التي ساقها: أنَّ الله فضَّل الملَّاك على مماليكهم، فجعل المملوك لا يقوى على ملك مع مولاه، واعلم أن المالك لا يشرك مملوكه فيما عنده. وهما من بني آدم، فكيف تجعلون بعض الرزق الذي رزقكم الله وبعضه لأصنامكم، فتشركون بين الله وبين الأصنام، وأنتم لا ترضون ذلك مع عبيدكم لأنفسكم؟! نبه عليه ابن التين. وقال ابن بطَّال: إنما تضمنت التقريع للمشركين والتوبيخ لهم على تسويتهم عبادة الأصنام بعبادة الرب تعالى، فنبههم تعالى على أن مماليكهم غير مساوين لهم في أموالهم، فالله تعالى أولى بإفراد العبادة، وأن لا يشرك معه أحد من عبيده، إذ لا مالك على الحقيقة سواه، ولا يستحق الإلهية غيره (٢). وقال الضحَّاك: هو مثل لله، ولعيسى بن مريم، أي: أنتم لا تفعلون هذا لغيركم، فكيف ترضون لي باتخاذ بشرًا ولدًا؟! (٣) وقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١] أي: فبأن أنعم الله عليهم جحدوا النعمة، وجعلوا ما رزقهم لغيره. وقيل: المعنى: فبأن أنعم الله عليهم بالبراهين جحدوا نعمه. وغرض البخاري في هذا الباب: إثبات ملك الحربي والمشرك، وجواز تصرفه في ملكه بالبيع والهبة والعتق وجميع ضروب التصرف، ------- (١) «الطبقات الكبرى» ٣/ ٢٢٧. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٢. (٣) ذكره النحاس في «معاني القرآن» ٤/ ٨٧. إذ أقر الشارع سلمان عند مالكه من الكفار، فلم يَزُل ملكه عنه، وأمره أن يكاتب، وقد كان حرًّا، وأنهم ظلموه وباعوه، ولم ينقض ذلك ملك مالكه، وكذلك كان أمر عمَّار وصهيمب وبلال، باعوهم مالكوهم الكفار من مسلمين، واستحقوا أثمانهم، وصاروا ملكًا لهم، ألا ترى أن إبراهيم قبل هبة الملك الكافر (١)، وأن عبد بن زمعة قال لرسول الله - ﷺ -: (هذا ابن أمة أبي، ولد على فراشه)، فأثبت لأبيه أمةً وملكًا عليها في الجاهلية، فلم ينكر ذلك. وسماعه الخصام في ذلك دليل على تنفيذ عهد المشرك والحكم به أن يحتكم فيه للمسلمين، ولذلك جوز - عليه السلام - عتق حكيم بن حزام وصدقته في الجاهلية، ونبه على عتق القرابة بحكم الشارع في قضائه لأحدهما في قصة سعد، بناء على أن من ملك ذارحم محرم فهو حرٌّ. فإن قلت: كيف جاز لليهودي ملك سلمان وهو مسلم، ولا يجوز للكافر ملك مسلم؟ قلت: أجاب عنه الطبري بأن حكم هذِه الشريعة: أن من غلب من أهل الحرب على نفس غيره أو ماله، ولم يكن المغلوب على ذلك ممن دخل في الإسلام، فهو لغالبه ملكًا، وكان سلمان حين غلب على نفسه لم يكن مؤمنًا، وإنما كان إيمانه إيمان تصديق بالنبي - ﷺ - إذا بعث مع إقامته على شريعة عيسى، فأقره - عليه السلام - مملوكًا لمن كان في يده، إذ كان حكمه - عليه السلام -: أن من أسلم من رقيق المشركين في دار الحرب ولم يخرج مراغمًا لسيده فهو لسيده، أو كان سيده من أهل صلح المسلمين فهو مملوك لمالكيه (٢). --------- (١) في هامش الأصل: إنما وهبها لسارة. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٢ - ٣٤٣. وفيه من الفقه: إباحة المعاريض لقوله: («إنها أُخْتِي»)، وأنها مندوحة عن الكذب. وفيه: أن أخوة الإسلام أخوة يجب أن ينتمى بها. وفيه: الرخصة في الانقياد للظالم والغاصب، وقبول صلة السلطان الظالم، وقبول هدية المشرك، وقد ترجم عليه هناك بذلك، وإجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب ﷻ لمن أخلصها بما يكون نوعًا من الآيات، وزيادة في الإيمان، ومعونة على التصديق والتسليم والتوكل. وقوله: («فَغُطَّ») أي: صوت في نومه، يقال منه: غط غطيطًا، ذكره ابن بطال عن «الأفعال» (١). وقال ابن التين: غط، أي: خنق، وصرع: أصابه مس الشيطان. قال: وضبط في بعض الأمهات بفتح الغين، وصوابه: ضمها، وكذلك هو في بعض الكتب. وقوله: («رَكَضَ بِرِجْلِهِ») أي: ضرب بها. ومعنى: «كَبَتَ الكَافِرَ» صرعه لوجهه، وكبت الله العدو -أيضًا- ردَّه خائبًا، وقيل: أذله وأخزاه، وقيل: أصله كبد أي: بلغ الهم كبده، فأبدل من الدال تاءً، وقيل: معناه: ضربه وأذله، والمعاني متقاربة. يقال: إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى ذلك معاينة، وأنه لم ينل منها شيئًا لما كان عليه من المغيرة. وفيه: ابتلاء الصالحين: لرفع درجاتهم. ومعنى: («أَخْدَمَ») أعطى خادمًا. ---------- (١) «الأفعال» لابن القوطية ص ١٩٦، «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٣. تنبيهات: أحدها: أسلم بلال وسيده كافر وهو بدار الحرب، فثبت ولاؤه عند مالك وابن القاسم للصديق، وقال أشهب: هو حرٌّ بنفس إسلامه، فلا ولاء لأبي بكر فيه. وعمار هو: ابن ياسر أبو اليقظان مولى بني مخزوم، قتل بصفين وهو ابن ثلاث وتسعين، وصهيب: هو ابن سنان أبو يحيى مولى ابن جدعان القرشي. ثانيها: (آجَرَ) بهمزة ممدودة، وقلبت هاءً فصارت: هاجر، وأصل المادة: الترك، وكانت من حفن من كورة أنصنا. و(القرية) جمعها قرى، سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض أي: جمعته. قال الداودي: يقع على المدن الصغار والكبار. وقوله: «من هذِه؟ قال: أختي» يريد في الإسلام، وهي من المعاريض، وفر من زوجتي بذلك؛ لأن الزوج قد يدفع بالقتل بخلاف الأخ. وقال الداودي: فعله خوفًا من تغلبه عليها. وسيأتي زيادة على ذلك. وفيه: أنَّ من قال لزوجته: أختي، ولم ينو شيئًا لا يكون طلاقًا، وكذا لو قال: مثل أختي لا يكون ظهارًا، وفيه: هدية المشرك للمسلم. وفيه: مستند لمن يقول: إن طلاق المكره لا يقع، وليس ببين. وقولها: («وَأَحْصَنْتُ») أي: عففت، وقال الداودي: أعففت، ولا يعرف هذا الفعل رباعيًّا، وإنما هو ثلاثي. قولها: («إِنْ يَمُتْ يُقَالُ: هِيَ قتَلَتْهُ») فيه خوف سارة أن ينسب إليها قتله. وفيه: أخذ الحذر مع الإيمان بالقدر. وقوله: («مَا أَرْسَلْتُمْ إِلَيَّ إِلَّا شَيْطَانًا») أي: لأجل الحيلولة التي وقعت بينهما حال دونها إخوانها من الشياطين، وجاء في بعض الروايات لما قبضت يده عنها قال لها: «ادعي لي» (١) فقال ذلك لئلَّا تحدث بما ظهر من كرامتها، فيعظم في نفوس الناس وتتبع، فلبس على السامع فذكر الشيطان. وقول ابن عوف لصهيب: (اتق الله ولا تدّع إلى غير أبيك)، أراد عبد الرحمن أن يدعوه لأبيه إن عرفه، ولم ينسب إلى الروم: لقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فذكر صهيب أنه لا يعرف أباه، وانتسب إلى مواليه. وحديث حكيم سلف في الزكاة (٢). وقوله هنا: (كُنْتُ أَتَحَنَّتُ -أَوْ أَتَحَنَّثُ- بِهَا فِي الجَاهِلِيَّةِ) كذا في الأولى بالمثناة. قال عياض: وهو غلط من جهة المعنى، وأما الرواية فصحيحة، والوهم فيه من شيوخ البخاري بدليل (أو أتحنث) بعده على الشك، والذي رواه الكافة بالمثلثة، وكذا قال ابن التين: ضبط في الأول بالمثناة، وصوابه بالمثلثة كما في الثاني، أي: أتعبد، ولم يذكره أحد من أهل اللغة بالمثناة كما في حديث الوحي: كان يأتي حراء فيتحنث فيه. أي: يتعبد (٣)، وقال أبو العباس: أي: يفعل فعلًا يخرج به من الحنث، كتأثم وتحرج، زاد القزاز: وتحوب أي: ألقى ---------- (١) ستأتي برقم (٣٣٥٨) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله -عز وجل-: ﴿وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]. (٢) برقم (١٤٣٦) باب: من تصدق في الشرك ثم أسلم. (٣) سلف برقم (٣) كتاب: بدء الوحي. الحوب، وهو: الإثم والذنب، ويحتمل على تقدير الصحة أن يكون أصلها من الحانوت أو الحانة. قال ابن الأثير: كانت العرب تسمي بيوت الخمارين: الحوانيت، والحانة مثله (١)، فعلى هذا التقدير: أتحنث: أتجنب مواضع الخمارين والحانة. وفيه: أنهم كانوا في الجاهلية على بقية من دين إبراهيم، وأنهم كانوا يصنعون شيئًا يريدون به وجه الله. وأن ما أصابوا به من ذلك ثم أسلموا كتب لهم؛ لأنه لا يضيع عمل عامل كمن أحبط من ارتد بعد الإسلام. رابعها: ذكر ابن قتيبة في «معارفه»، أن القرية: الأردن، والملك: (صاروق) (٢)، وكانت هاجر لملك من ملوك القبط (٣). وعند الطبري: كانت امرأة ملك من ملوك مصر، فلما قتله أهل عين شمس احتملوها معهم، وزعم أن الملك الذي أراد سارة اسمه سنان بن علوان أخو الضحاك (٤). وذكر السهيلي في «روضه» أن سارة هي: بنت توبيل بن ناحور. وقيل: بنت هاران بن ناحور، وقيل: بنت هاران بن تارخ، وهي: بنت أخيه على هذا، وأخت لوط، قاله القتبي في «المعارف» (٥)، --------- (١) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٤٤٨ مادة: (حنت). (٢) ورد في هامش الأصل: رأيت في نسختين من «الروض» للسهيلي عن ابن قتيبة: (صادوف). (٣) «المعارف» ص ٣٢ بتصرف. (٤) «تاريخ الطبري» ١/ ١٤٨، ١٧٥ بتصرف. (٥) «المعارف» ص: ٣١. والنقاش في «تفسيره»، قال: وذلك أن نكاح بنت الأخ كان حلالًا؛ إذ ذاك ثم إن النقاش ناقض ذلك، وقال الذي تفسير قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣] أنه يدل على تحريم بنت الأخ على لسان نوح. قال السهيلي: وهذا هو الحق، وإنما توهموا أنها بنت أخيه؛ لأنَّ هاران أخوه، وهو هاران الأصغر وكانت بنت هاران الأكبر وهو عمه (١). وذكر أبو محمد عبد الملك بن هشام في كتابه «التيجان»: أنَّ إبراهيم - عليه السلام - خرج من مدين إلى مصر، وكان معه من المؤمنين ثلاثمائة وعشرون رجلًا ومصر ملكها عمرو بن امرئ القيس بن بابليون بن سبأ، وكان خال إبراهيم لشدة إعجابه به فوشى به حنَّاط كان إبراهيم يمتار منه، فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه، ثم نحى إبراهيم وقام إلى سارة، فلما صار إبراهيم خارج القصر جعله الله له كالقارورة الصافية، فرأى الملك وسارة وسمع كلامهما، فهمَّ عمرو بسارة ومد يده إليها فيبست، فمد الأخرى فكذلك، فلما رأى ذلك كف عنها. قال: يا سارة هكذا نصيب الرجال معك؟ قالت: أنا ممنوعة من الخلق إلا من بعلي إبراهيم فأمر بدخوله، فقال: لا تحدث يا إبراهيم نفسك بشيءٍ، فقال: أيها الملك إنَّ الله -عز وجل- قال جعل قصرك لي كالقارورة فما خفي عليَّ شيءٌ مما فعلتَ فقال الملك: لكما شأن عظيم يا إبراهيم. قال ابن هشام: وكان الحناظ أخبر الملك بأنه رآها تطحن، فقال الملك: يا إبراهيم ما ينبغي لهذِه أن تخدم نفسها فأمر له بهاجر. خامسها: وقد أسلفت الإشارة إليه. ----------- (١) «الروض الأنف» ١/ ١٦. قال ابن الجوزي: على هذا الحديث إشكال ما زال يختلج في صدري، وهو أن يقال ما معنى توريته - عليه السلام - على الزوجة بالأخت، ومعلوم أن ذكرها بالزوجية أسلم لها؛ لأنه إذا قال: هذِه أختي، قال زوجنيها، وإذا قال: هذِه امرأتي سكت هذا إن كان الملك يعمل بالشرع، فأما إذا كان كما وصف من جوره فما يبالي أكانت زوجة أو أختًا إلى أن وقع لي أنَّ القوم كانوا على دين المجوس، وفي دينهم أنَّ الأخت إذا كانت زوجة كان أخوها الذي هو زوجها أحقَّ بها من غيره، فكأن إبراهيم أراد أن يستعصم من الجبار بذكر الشرع الذي يستعمله، فإذا هو جبار لا يراعي جانب دينه. قال: واعترض على هذا بأن الذي جاء بمذهب المجوس زرادشت، وهو متأخر عن هذا الزمن. والجواب: أن لمذهب القوم أصلًا قديمًا ادعاه زرادشت، وزاد عليه خرافات أخر، وقد كان نكاح الأخوات جائزًا من زمن آدم، ويقال: إن حرمته كانت على لسان موسى، قال: ويدل على أن دين المجوس له أصل ما رواه أبو داود أنه - عليه السلام - أخذ الجزية من مجوس هجر (١) (٢)، ومعلوم أن الجزية لا تؤخذ إلا ممن له كتاب أو شبهة كتاب، ثم سألت عن هذا بعض علماء أهل الكتاب فقال: كان من مذهب القوم: أن من له زوجة لا يجوز أن تتزوج إلى أن يهلك زوجها، فلما ------- (١) أبو داود (٣٠٤٣) عن عبد الرحمن بن عوف. وهو في البخاري برقم (٣١٥٦، ٣١٥٧) كتاب: الجزية والموادعة، باب: الجزية والموادعة مع أهل الذمة والحرب. (٢) ورد في هامش الأصل: أو في «صحيح البخاري». اهـ. قلت: انظر الهامش السابق. ![]()
__________________
|
|
#422
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 551 الى صـــ 570 الحلقة (422) علم إبراهيم هذا قال: هي أختي كأنه قال: إن كان الملك عادلًا فخطبها مني أمكنني دفعه، وإن كان ظالمًا تخلصت من القتل، وقيل: إنَّ النفوس تأبى أن يتزوج الإنسان بامرأة وزوجها موجود، فعدل عن قوله: زوجتي؛ لأنه يؤدي إلى قتله، أو طرده عنها، أو تكلفه لفراقها. وقيل: إن ذلك الجبار كان من سيرته أنه لا يغلب الأخ على أخته ولا يظلمه فيها، وكان يغلب الزوج على زوجته، وعلى هذا يدل مساق الحديث حكاه القرطبي، قال: وإلا فما الفرق بينهما في حقِّ جبار ظالم؟ (١) وهذا من باب: المعاريض الجائزة، كما سلف والحيل من التخلص من الظلمة، بل نقول: إنه إذا لم يتخلص رجل من الظلمة إلا بالكذب الصراح جاز له أن يكذب، وقد يجب في بعض الصور بالاتفاق؛ لكونه ينجي نبيًّا أو وليًّا ممن يريد قتله، أو نجاة المسلمين من عدوهم. سادسها: قوله: (قال الأعرج: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: فقالت إلى آخره، هو موقوف ظاهر، أو كذا ذكره أصحاب الأطراف، وكأن أبا الزناد روى القطعة الأولى مسندة، وهذِه موقوفة.--------- (١) «المفهم» ٦/ ١٨٥. ١٠١ - باب جُلُودِ المَيْتَةِ قَبْلَ أَنْ تُدْبَغَ ٢٢٢١ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن شِهَابٍ، أَنَّ عُبَيدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِشَاةِ مَيِّتَةِ فَقَالَ: «هَلَا استَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟». قَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَة. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أكلُهَا». [انظر: ١٤٩٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح: ٤/ ٤١٣] ذكر حديث ابن عباس: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ فَقَالَ: «هَلَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟». فقَالُوا: إِنَّهَا مَيِّتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». هذا الحديث سلف في الزكاة في باب: الصدقة على موالي أزواج النبي - ﷺ - (١)، وأوضحنا الكلام عليه، ويأتي في الذبائح أيضًا (٢). وجمهور العلماء على جواز بيعها والانتفاع بها بعد الدباغ. وأسلفنا هناك أن الخلاف في أنَّ الإهاب هل هو الجلد مطلقًا أو قبل الدباغ (٣)، وهذا الاستمتاع محمول عند أكثر العلماء على ما بعد دباغه، إلا الزهري. وفيه: دلالة قوية على تحريم أكله، وادعى ابن التين أنه لم يختلف فيه، وهو غريب، فالخلاف عندنا مشهور، بل الراجح عندنا إباحته. ---------- (١) برقم (١٤٩٢). (٢) برقم (٥٥٣١) باب: جلود الميتة. (٣) «المجمل» ص (١٠٥) مادة: (أهب). فائدة: جوَّز ابن وهب بيع زيت الفأرة إذا بُيِّنَ، وخالفه جميع أصحاب مالك، وجوَّزه أبو موسى الأشعري من غير مسلم (١)، وبقول ابن وهب قال أبو حنيفة، وانفرد أحمد فقال: في الجلد لا يستمتع به، وإن دبغ، والحديث حجة عليه (٢). ---------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٥/ ١٢٧ (٢٤٣٨٥). (٢) ورد بهامش الأصل: احتج بحديث عبد الله بن عكيم وفيه ما فيه. ١٠٢ - باب قَتْلِ الخِنْزِيرِ وَقَالَ جَابِرٌ: حَرَّمَ النَّبِيُّ رسول الله بَيْعَ الخِنْزِيرِ. ٢٢٢٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». [٢٤٧٦، ٣٤٤٨، ٣٤٤٩ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٤/ ٤١٤] ثم ساق حديث أبي هريرة قَالَ: قال النبيّ - ﷺ -: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابن مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ المَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وتعليق جابر سيأتي بعد مسندًا بلفظ: سمعت النبيَّ - ﷺ - عام الفتح بمكة يقول: «إنَّ الله ورسوله حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» (٢). ومعنى: «لَيُوشِكَنَّ»: ليسرعن، يقال: أوشك فلان خروجًا من العجلة، وقال الداودي: ليكونن، قال: ويوشك يأتي بمعنى: يكون، وبمعنى: يقرب أن ينزل، أي: من السماء فإدنَّ الله رفعه إليها وهو: حي، «مُقْسِطًا» أي: عدلًا. وقوله: («فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ») أي: بعد قتل أهله. «وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ» أي: يفنيه فلا يؤكل، وقيل: يحتمل أنه ليضعف --------- (١) مسلم (١٥٥) كتاب: الإيمان، باب: نزول عيسى بن مريم حاكمًا بشريعة نبينا محمد - ﷺ -. (٢) برقم (٢٢٣٦) في البيوع)، باب: بيع الميتة والأصنام. أهل الكفر عندما يريد قتالهم، ويحتمل أن يقتله بعدما يغلبهم، وإنما كان ذلك؛ لأنه نازل بتقرير هذِه الشريعة. ومعنى «يَضَعَ الجزْيَةَ» يحمل الناس كلهم على الإسلام، ولا حاجة لأحدٍ إذ ذاك إلى الجزية؛ لأنها إنما تؤخذ لتصرف في المصالح، ولا عدو إذ ذاك للدين والمال فاض فلا حاجة إليها. وقوله: («وَيَفِيضَ المَالُ») أي: يكثر ويتسع، وهو بالنصب عطفًا على ما قبله كما ضبطه الدمياطي. قال ابن التين: إعرابه بالضمِّ؛ لأنه مستأنفٌ غير معطوف؛ لأنه ليس من فعل عيسى، قال: ويصح أن يعطف على ما عملت فيه أن فينصب، وظاهره قتل الخنزير مطلقًا، وإن لم تعد حكمته ما أسلفناه. وقال ابن التين في موضع آخر: فيه: إبطال لقول من شذ من الشافعية إذ جوز تركه إذا لم يكن فيه ضراوة، ومذهب الجمهور: أنه إذا وجد الخنزير في دار الكفر وغيرها وتمكنا من قتله قتلناه. وقد قام الإجماع على أن بيعه وشراءه حرام، وعلى قتل كل ما يُسْتَضَرُ به ويؤذي مما لم يبلغ أذى الخنزير، كالفواسق التي أمر الشارع بقتلها في الحل والحرم للحلال والمحرم، فالخنزير أولى بذلك لشدة أذاه، ألا ترى أن عيسى - ﷺ - يقتله عند نزوله، فقتله واجب كذا قال ابن بطال. ثم قال: وفيه: دليلٌ على أن الخنزير حرام في شريعة عيسى، وقتله له تكذيب للنصارى أنه حلال في شريعتهم. واختلف العلماء في الانتفاع بشعره فكرهه ابن سيرين والحكم، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق. وقال الطحاوي عن أصحابه: لا ينتفع من الخنزير بشيء، ولا يجوز بيع شيءٍ منه، ويجوز للخرازين أن (يبيعوا) (١) شعرة وشعرتين للخرازة، ورخّص فيه الحسن وطائفة. ذكر عن مالك: أنه لا بأس بالخرازة بشعره، فعليه أنه لا بأس ببيعه وشرائه. وقال الأوزاعي: يجوز للخراز أن يشتريه، ولا يجوز له بيعه. قال المهلب: وظاهر الحديث: أن الناس كلهم يدخلون في الإسلام، ولا يبقى من يخالفه (٢)، وهو كما قال. وقد استدل به البيهقي في «سننه» أن الخنزير أسوأ حالًا من الكلب؛ لأنه لم ينزل بقتله بخلافه (٣). ---------- (١) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال»: ينتفعوا. ولعله الأنسب. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٤ - ٣٤٥. (٣) «السنن الكبرى» ١/ ٢٤٤. ١٠٣ - باب لَا يُذَابُ شَحْمُ المَيْتَةِ وَلَا يُبَاعُ وَدَكُهُ رَوَاهُ جَابِرٌ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ٢٢٢٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي طَاوُسٌ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟». [٣٤٦٠ - مسلم: ١٥٨٢ - فتح: ٤/ ٤١٤] ٢٢٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ يَهُودًا، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا». [قَالَ أَبُو عَبْد اللهِ: ﴿قَاتَلَهُمُ الله﴾ [التوبة: ٣٠]: لَعَنَهُم ﴿قُتِلَ﴾ [الذاريات: ١٠]: لُعِنَ ﴿اَلخَرَّاصُونَ﴾: الكَذابُونَ]. [مسلم: ١٥٨٣ - فتح: ٤/ ٤١٤] ثم أسند حديث ابن عباس بَلَغَ عُمَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ خَمْرًا، فَقَالَ: قَاتَلَ اللهُ فُلَانًا، أَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا؟». وحديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «قَاتَلَ اللهُ اليهود، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ فَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا». الشرح: تعليق جابر أخرجاه، وهو المذكور قبله، ولفظه: «قاتل الله اليهود إن الله لما حرم عليهم شحومها أجملوه ثم باعوه فأكلوا ثمنه» (١). ------------- (١) البخاري برقم (٢٢٣٦) البيوع، باب: بيع الميتة والأصنام، ومسلم (١٥٨١) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. وذكره ابن أبي حاتم في «علله» من حديث عبد الله بن عمرو، وتوقف فيه (١). وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا، وسمى المبهم فقال: بلغ عمر أن سمرة باع خمرًا فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أن رسول الله - ﷺ - قال: «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» (٢). وقال المحب في «أحكامه» أنه جابر بن سمرة، وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣). وقال البخاري في أخبار بني إسرائيل، رواه أبو هريرة عن النبي - ﷺ -، وأراد هذا (٤). وأخرج أبو داود حديث ابن عباس. وفيه: «إن الله إذا حرَّم أكل شيءٍ حرم عليهم ثمنه» (٥). وأجاب الخطابي عن فعل سمرة بن جندب نقلًا أنه لم يبعها بعينها، وإنما خللها متأولًا ثم باعها (٦). وإلا فلا يخفي عليه ذلك، وكان واليًا على البصرة، أو يحمل على أنه باع العصير ممن يتخذه خمرًا لكنه حرام، وجواب ثالث: وهو أنه كان يأخذها من أهل الكتاب عن قيمة الجزية فيبيعها منهم ظنًّا منه جوازه. قاله ابن الجوزي نقلًا عن ابن ناصر، وكان ينبغي له أن يوليهم بيعها، وذكر الإسماعيلي والحافظ أبو بكر في «مدخله»: أنه يجوز أن يكون لم -------- (١) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٣٨٢ (١١٤٠). (٢) مسلم (١٥٨٢). (٣) مسلم (١٥٨٣). (٤) سيأتي برقم (٣٤٦٠) كتاب: أحاديث الأنبياء. (٥) أبو داود (٣٤٨٨). (٦) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٠١. يعلم تحريم بيعها، ولو لم يكن كذلك لما أقره عمر على عمله، ولعزله ولا رضي هذا. وقام الإجماع على تحريم بيع الميتة لتحريم الله تعالى بقوله: ﴿حُرمَت عَلَيكُمُ اَلمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية. فإن قلت: ما وجه قوله: («فَبَاعُوهَا، فَأكَلُوا أَثْمَانَهَا») مع أشياء كثيرة حرم أكلها دون بيعها، كالحمر الأهلية، وسباع الطير كالبزاة والعقبان وأشباهها؟ قلت: وجهه: أن الشحوم لما كانت محرمة عليهم كان من حقهم اجتناب بيعها كالخمر وشبهه. واختلف العلماء في جواز بيع العذرة والسرقين، فكره مالك والكوفيون بيع العذرة، وقالوا: لا خير في الانتفاع بها، وأجاز الكوفيون بيع السرقين، وزبل الدواب عند مالك نجس فينبغي أن يكون كالعذرة، وأما بعر الإبل وخثاء البقر فلا بأس ببيعه عند مالك. وقال الشافعي: لا يجوز بيع العذرة ولا الروث ولا شيء من الأنجاس، وشرط المبيع أن يكون طاهرًا، وانتفاع الناس بالسرقين، وإن كان نجسًا في الزراعة لا بأس به، وكذا خلطهم إياه بالطين، والبناء للفخار ولوقود النيران، ولا يدل على الملكية ولا الضمان عند الاستهلاك، خلافًا لمن خالف. وفي سماع ابن القاسم: أنه سئل عن قوم لهم خربة يرمي الناس فيها الزبل، فأرادوا ضربه طوبًا وبيعه؛ ليعمروا به تلك الأرض، قال: ذلك لهم، وهذا على قاعدتهم. ومعنى: «جَمَلُوهَ» أذابوه، جملتُ الشيء، أجمله جملًا، وأجملته واجتملته: أذبته، والجميل: الودك. قال الداودي: ومنه سمي الجمال؛ لأنه يكون عن الشحم، وليس ببين لأنه قد يكون مع الهزال، واستدل به أصحاب مالك على سد الذرائع؛ لأن اليهود توجه عليهم اللوم بتحريم أكل الثمن من جهة تحريم أكل الأصل، وأكل الثمن ليس هو أكل الأصل بعينه، لكنه لما كان سببًا إلى أكل الأصل بطريق المعنى استحقوا اللوم، ولهذا قال الخطابي: في هذا الحديث إبطال الحيل والوسائل التي يتوسل بها إلى المحظورات؛ ليعلم أن الشيء إذا حرم عينه حرم ثمنه (١)، وهو حجة على ابن وهب وأبي حنيفة فيما مضى من إجازتهما بيع الزيت النجس. واعترض بعض الملاحدة على كون الشيء حرامًا ويحل بيعه بما إذا ورث أمة وطئها أبوه، فإنه يحرم على الابن وطؤها، ويحل بيعها إجماعًا وأكل ثمنها، وهذا تمويه؛ لأن الابن لا يحرم عليه منها غير الاستمتاع، وهي مباحة للغير بخلاف الشحم، فإن ما عدا الأكل تابع له بخلافها، وفي عموم تحريم الميتة بيع جثة الكافر. وقد روى ابن هشام (٢) وغيره: أن نوفل بن عبد الله المخزومي قتله المسلمون يوم الخندق فبذل الكفار في جسده لرسول الله - ﷺ - عشرة آلاف درهم، فلم يأخذها ودفعها إليهم وقال: «لا حاجة لنا بجسده ولا بثمنه» (٣). ---------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٠١. (٢) في هامش (الأصل): له أصل في الترمذي من حديث ابن عباس و«الدلائل» وهو في «المسند» بغير سياق الترمذي من حديث ابن عباس أيضًا. (٣) «سيرة ابن هشام» ٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤. وقوله: (قاتل الله فلانًا) كلمة ليست على الحقيقة، وهي: كلمة تجري على ألسنتهم من غير قصد حقيقتها، وقالها زجرًا له، وعلم عمر أنه يكفيه ذلك فلم يأمره. وفيه: إقالة ذوي الهيئات عثراتهم إلا في الحدود. وقوله: («قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ») فسره أبو عبد الله في رواية أبي ذر باللعنة (١)، وهو قول ابن عباس (٢)، وقال الهروي: معناه: قتلهم الله (٣)، وحكي عن بعضهم: عاداهم. قال الداودي: صار عدو الله فوجب قتله وسبيل فَاَعلَ أن يكون من اثنين، ولا يكون من واحد مثل: سافرت و(طارقت) (٤). -------- (١) انظر هامش «اليونينية» ٣/ ٨٢. (٢) «تفسير الطبري» ٦/ ٣٥٣ (١٦٦٤٣). (٣) انظر: «اليونينية» ٣/ ٨٢ وهو أيضًا في رواية المستملي. (٤) في هامش (الأصل): طارق بين نعليه إذا وضع إحداهما على الأخرى. ١٠٤ - باب بَيْعِ التَّصَاوِيرِ التِي لَيْسَ فِيهَا رُوحٌ وَمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ ٢٢٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ، حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا». فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الوَاحِدَ. [٥٩٦٣، ٧٠٤٢ - مسلم: ٢١١٠ - فتح: ٤/ ٤١٦] ذكر فيه حديث عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الحَسَنِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ، إِنِّي إِنْسَانٌ، إِنَّمَا مَعِيشَتِي مِنْ صَنْعَةِ يَدِي، وَإِنِّي أَصْنَعُ هَذِهِ التَّصَاوِيرَ. فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا أُحَدِّثُكَ إِلَّا مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «مَنْ صَوَّرَ صُورَةً فَإِنَّ اللهَ مُعَذِّبُهُ، حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا الرُّوحَ، وَلَيْسَ بِنَافِخٍ فِيهَا أَبَدًا». فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً وَاصْفَرَّ وَجْهُهُ. فَقَالَ: وَيْحَكَ إِنْ أَبَيْتَ إِلَّا أَنْ تَصْنَعَ، فَعَلَيْكَ بِهَذَا الشَّجَرِ، كُلِّ شَيْءٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ مِنَ النَّضْرِ بْنِ أَنَسٍ هَذَا الوَاحِدَ. الشرح: هذِه الطريقة أعني: طريقة سعيد، أخرجها البخاري في كتاب اللباس عن عياش، عن عبد الأعلى، عن سعيد: سمعت النضر يحدث قتادة قال: كنت عند ابن عباس فذكره (١) وروي عن هشام فيه، فأدخل بين سعيد والنضر قتادة. قال الجياني: ليس بشيءٍ؛ لتصريح البخاري وغيره بسماع سعيد من النضر هذا الحديث وحده وعند مسلم أيضًا عن أبي غسان وأبي موسى، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن النضر مثله (٢). وسعيد بن أبي الحسن هو أخو الحسن بن أبي الحسن يسار البصري مات قبل الحسن، قال ابن سعد: مات سنة مائة (٣)، ومات الحسن: بعده بعشرٍ. وقال ابن قانع: بتسع، وليس لسعيد هذا في الصحيحين غيره، ولا للنضر عن ابن عباس فيهما غيره. وقد سلف في باب: آكل الربا حديث أبي جحيفة في لعن المصورين (٤)، وفي مسلم: «كلُّ مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفسًا فتعذبه في جهنم» (٥). إذا تقرر ذلك: فإنما كُره هذا؛ لأجل أن الصور التي فيها الأرواح كانت معبودة في الجاهلية، فكرهت كل صورة وإن كانت لا روح لها ولا جسم؛ قطعًا للذريعة، حتى إذا تقررت الشريعة وزالت الجاهلية أرخص فيما كان رقمًا أو ما وضع موضع المهنة، وإذا نصب نصب العبادة كُره، قاله المهلب (٦). ----------- (١) سيأتي برقم (٥٩٦٣) باب: من صور صورة كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح. (٢) مسلم (٢١١٠) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان. (٣) في هامش الأصل: في «الكاشف» جزم بأنه توفي سنة مائة وفي «الوفيات» جزم بأنه توفي سنة تسع. (٤) برقم (٢٠٨٦) كتاب: البيوع، باب: موكل الربا، وليس في آكل الربا. (٥) مسلم (٢١١٠) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان. (٦) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٧. وقال النووي: كل ذلك حرام، وما لا روح فيه فليس بحرام، وإليه ذهب الثوري وأبو حنيفة ومالك وجمهور العلماء من الصحابة والتابعين. وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي لا ظلَّ لها، وهو مذهب باطل. وقال الزهري: النهي عن الصورة عامٌّ. وقال آخرون: يجوز منها ما كان رقمًا في ثوب، وهو مذهب القاسم بن محمد. (١) قلت: وكأن البخاري فهم من قوله في الحديث: (إنما معيشتي من صنعة يدي)، وأجابه ابن عباس بإباحة صور الشجر وشبهه جواز البيع، فترجم عليه. واغتفر بعض العلماء تصوير اللعب للبنات؛ لأجل تدريبهن. قال القاضي عياض: أجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، إلا ما ورد في اللعب (النيات) (٢) لصغار البنات، والرخصة في ذلك، وكره مالك شرى الرجل ذلك لابنته، وادعى بعضهم أن إباحة اللعب بهن للبنات منسوخ (٣)، واستثنى بعض أصحاب مالك -كما حكاه القرطبي- من ذلك، ما لا يبقى كصور الفخار والشمع وما شاكل ذلك، وهو مطالب بدليل التخصيص (٤)، وكانت الجاهلية تعمل أصنامًا من العجوة حتَّى إن بعضهم جاع فأكل صنمه. ---------- (١) «شرح مسلم» ١٤/ ٨١ - ٨٢ بتصرف. (٢) كذا بالأصل، وفي «إكمال المعلم» (بالبنات). (٣) «إكمال المعلم» ٦/ ٦٣٤ - ٦٣٦ بتصرف. (٤) «المفهم» ٥/ ٤٣٢. وقوله: («ولَيْسَ بِنَافِخٍ») يؤخذ منه جواز التكليف بما لا يقدر عليه، وليس مقصود الحديث التكليف، وإنما القصد منه تعذيب المكلَّف، وإظهار عجزه عمَّا تعاطاه مبالغة في توبيخه وإظهار قبح فعله، كما نبه عليه القرطبي (١). قال القاضي عياض: ومذهب العلماء كافة في الشجر ونحوه لا يحرم، إلا ما روي عن مجاهد فإنه جعل الشجرة المثمرة من المكروه، ولم يقله غيره (٢). قال الطحاوي: ولما أبيحت التماثيل بعد قطع رءوسها الذي لو قطع من ذي الروح لم يبق، دلَّ ذلك على إباحة تصوير ما لا روح فيه (٣)، وعلمنا أن الثياب المستثناة هي المبسوطة لا ما سواها من الثياب المعلقة والملبوسة، وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه (٤)، وسيكون لنا عودة إلى ذلك في الصور في كتاب: الزينة إن شاء الله تعالى. فائدة: قوله: (فَرَبَا الرَّجُلُ رَبْوَةً شَدِيدَةً) أي: ذعر وامتلأ خوفًا: قاله صاحب «المطالع». وقال صاحب «العين»: يقال: ربا الرجل أصابه نفس في جوفه (٥)، وهو الربو والرَبوة والرِبوة أي: بفتح الراءِ وكسرها وهو نهيج ونفس متواتر. قال ابن التين: معناه انتفخ كأنه حجل من ذلك. --------- (١) «المفهم» ٥/ ٤٣٣. (٢) «إكمال المعلم» ٦/ ٦٣٨. (٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٨٧. (٤) المصدر نفسه ٤/ ٢٨٨. (٥) «العين» ٨/ ٢٨٣ مادة: [ربا]. فائدة أخرى: صح أن أشدَّ الناس يوم القيامة عذابًا المصور، ومقتضاه: أن لا يكون في النارِ أحد يزيد عذابه على عذابه، وظاهره مخالفة قوله تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] وقوله - عليه السلام -: «أشد الناس عذابًا عالم لم ينفعه الله تعالى بعلمه» (١) وقوله: «أشد الناس عذابًا يوم القيامة إمام ضلالة» (٢) في إشباه لذلك ولا مخالفة؛ لأنَّ الناس الذين أضيف إليهم «أشد» لا يراد بهم كل نوع الناس، بل بعضهم المشاركون في ذلك المعنى المتوعد عليه بالعذاب، ففرعون أشد المدعين للإلهية عذابًا. ومن يقتدى به في ضلالة كفره، أشد ممن يقتدى به في ضلالة بدعة، ومن صور صورًا ذات أرواح أشد عذابًا ممن يصور ما ليس بذي روح، فيجوز أن يعني بالمصورين: الذين يصورون الأصنام للعبادة، كما كانت الجاهلية تفعل، وكما تفعل ----------- (١) رواه الطبراني في «الصغير» ١/ ٣٠٥ (٥٠٧) عن أبي هريرة بلفظ: عالم لم ينفعه علمه. وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢٦٩، البيهقي في «الشعب» ٢/ ٢٨٤ - ٢٨٥ (١٧٧٨) الثلاثة عن أبي هريرة. قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٨٥: رواه الطبراني في «الصغير» وفيه عثمان البري قال الفلاس: صدوق، لكنه كثير الغلط، صاحب بدعة، ضعفه أحمد والنسائي والدارقطني. وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٨٦٨): ضعيف جدًا. رواه الطبراني في «الصغير»، وابن عدي، والبيهقي في «الشعب». (٢) رواه أحمد ١/ ٤٠٧ عن عبد الله، والبزار في «البحر» ٥/ ١٣٨ - ١٣٩ (١٧٢٨) وقال: وهذا الحديث لا نعلم أحدًا أسنده عن عاصم عن أبي وائل إلا أبان. قال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢٣٦ رواه البزار ورجاله ثقات، وكذلك رواه أحمد. وأورده الألباني في «الصحيحة» (٢٨١). النصارى، فإن عذابهم يكون أشد ممن يصورها لا للعبادة. ونبه على ذلك القرطبي (١). وقد يقال: أشد عذابًا بالنسبة إلى هذِه الأمة لا إلى غيرها من الكفار، فإن صورها لتعبد أو لمضاهاة خلق الله فهو خارج عن الملة، فلذلك زيد في عذابه. --------- (١) «المفهم» ٥/ ٤٣١. ١٠٥ - باب تَحْرِيمِ التِّجَارَةِ فِي الخَمْرِ وَقَالَ جَابِرٌ رضي الله عنه: حَرَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْعَ الخَمْرِ. ٢٢٢٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها؛ لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الخَمْرِ». [انظر: ٤٥٩ - مسلم: ١٥٨٠ - فتح: ٤/ ٤١٧] ثم ساق حديث عائشة: لَمَّا نَزَلَتْ آيَاتُ سُورَةِ البَقَرَةِ عَنْ آخِرِهَا، خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «حُرِّمَتِ التِّجَارَةُ فِي الخَمْرِ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وفي لفظ آخر: خرج رسول الله - ﷺ - فاقترأهن على الناس، ثم نهى عن التجارة في الخمر (١). وسلف أيضًا في باب: المساجد (٢)، وقام الإجماع على تحريم بيعها لتحريم شربها والانتفاع بها. واختلف في تخليلها فعندنا لا يجوز، خلافًا لأبي حنيفة، فإن تخللت بنفسها طهرت، وعن مالك: لا يحل لمسلم أن يخللها ولكن يهريقها فإن صارت خلًّا بغير علاج فهي حلال. قال ابن بطال: وهي قياس قول الشافعي (٣). ---------- (١) في مسلم (١٥٨٠) باب: تحريم بيع الخمر. (٢) برقم (٤٥٩) كتاب: الصلاة، باب: تحريم تجارة الخمر في المسجد، وأثر جابر سيأتي موصولًا في البيوع أيضًا برقم (٢٢٣٦) باب: بيع الميتة والأصنام ووصله مسلم أيضًا (١٥٨١) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. (٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٨. قلت: بل هو مذهبه. وعن مالك أنه إن خللها جاز أكلها وبيعها وبئس ما صنع، وعنه: إن خللها النصارى فلا بأس بأكلها، وكذا إن خللها مسلم واستغفر، وهو قول الليث. وأجاز الثوري والأوزاعي وأبو حنيفة -كما مرَّ- وأصحابه تخليلها، ولا بأس أن يطرح فيها السمك والملح فتصير مرُّيا إذا تحولت عن حالة الخمر. حجة الشافعي قوله لأبي طلحة وقد قال: عندي خمر لأيتام أخللها؟ قال: «لا» (١) (٢) وروى الشافعي: أنه صبها حتى سال الوادي. وذكر الطحاوي احتمالات في النهي عن تخليلها وأمره بالإراقة أن يكون نهيًا عن تخليلها، ولا دلالة فيه بعد ذلك على حظر ذلك الخل الكائن منها، وأن يكون مراده: تحريم ذلك العين وإرادة التغليظ، وقطع العادة، لقرب عهدهم بشربها. وحجة الكوفي: ما روى أبو إدريس الخولاني أن أبا الدرداء كان يأكل المري الذي جعل فيه الخمر، ويقول: دبغته الشمس والملح (٣) -كما ستعلمه في موضعه- وكما لا يختلف حكم جلد الميتة في دبغه بعلاج آدمي وغيره كذلك استحالة الخمر خلًّا. (٤) ---------- (١) رواه أبو داود (٣٦٧٥)، وابن أبي شيبة في «الأشربة» ٥/ ٩٩ (٢٤٠٨٩). وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» ٢/ ١٠٨٣ (٣٦٤٩): إسناده صحيح. (٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وحديث أنس في مسلم: سُئل النبي - ﷺ - عن الخمر تتخذ خلًا، قال: لا. قلت هو في مسلم برقم (١٩٨٣) كتاب الأشربة باب: تحريم تخليل الخمر. (٣) أبو عبيد في «الأموال» ص ١١٦ (٢٩٤)، الطحاوي «شرح مشكل الآثار» ٨/ ٣٩٦. (٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٨ - ٣٤٩. ١٠٦ - باب إِثْمِ مَنْ بَاعَ حُرًّا ٢٢٢٧ - حَدَّثَنِي بِشْرُ بْنُ مَرْحُومٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ، وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ». [٢٢٧٠ - فتح: ٤/ ٤١٧] ذكر فيه حديث سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ تعالى: ثَلَاَثةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُل اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِ أَجْرَهُ». هذا الحديث من أفراده، قال البيهقي: رواه النفيلي عن يحيى بن سليم فقال: (عن سعيد بن أبي سعيد) (١)، عن أبيه، عن أبي هريرة (٢). وشيخ البخاري فيه بشر بن مرحوم، وهو بشر بن عُبَيْس بن مرحوم، فمرحوم جده مولى آل معاوية، مات سنة ثمان وثلاثين أو ثلاثين ومائتين، انفرد به البخاري عن الخمسة. قال البيهقي في «المعرفة»: روينا في الحديث الثابت عن المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «قال الله -عز وجل-: ثلاثة أنا خصمهم، ومن كنت خصمه خصمته» (٣). إذا عرفت ذلك فالرب تعالى خصم لجميع الظالمين إلا أنه أراد التشديد على هؤلاء الثلاثة كما نبه عليه ابن التين، وقد ذكر في الغادر ----------- (١) كذا بالأصل، وهي ليست في «سنن البيهقي». (٢) «السنن الكبرى» ٦/ ١٤ (١١٠٥٤). (٣) «معرفة السنن والآثار» ٨/ ٣٣٥ (١٢١٠٩). ![]()
__________________
|
|
#423
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 571 الى صـــ 590 الحلقة (423) أنه ينشر له لواء يوم القيامة (١)، والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة بلفظ واحد، وكذا المذكر والمؤنث. وقوله: («بَاعَ حُرًّا») أي: عالمًا، فإن كان جاهلًا فلا يدخل في هذا. ومعنى: («أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ») يريد نقض عهدًا عاهده عليه، قاله ابن بطال (٢). وقال ابن الجوزي: يعني: حلف بي؛ لأنه اجترأ على الله. وقوله: («وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا» … إلى آخره) هو داخل في معنى «بَاعَ حُرًّا» لأنه استخدمه بغير عوض، وهذا عين الظلم، وإثمه أعظم الإثم ممن باع حرًّا؛ لأن المسلمين أكفاء في الحرمة والذمة، وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه، وأن ينصحه ولا يسلمه، وليس في الظلم أعظم من أن يستعبده أو يعرضه إلى ذلك، ومن باع حرًّا فقد منعه التصرف فيما أباح الله تعالى له، وألزمه حال الذلة والصغار، فهو ذنب عظيم ينازع الله به في عباده. قال ابن المنذر: وكل من لقيت من أهل العلم على أنه من باع حرًّا لا قطع عليه ويعاقب، ويروى عن ابن عباس قال: يرد البيع ويعاقبان. وروى خلاس، عن علي أنه قال: تقطع يده. والصواب قول الجماعة؛ لأنه ليس بسارق، ولا يجوز قطع غير السارق (٣). ---------- (١) سيأتي برقم (٣١٨٧) (كتاب: الجزية والموادعة، باب: إثم الغادر للبر والفاجر عن أنس. ورواه مسلم (١٧٣٧) كتاب: الجهاد والسير، باب: تحريم الغدر. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٩. (٣) حتى هذا الموضع من «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٤٩ - ٣٥٠ إلا قول ابن الجوزي. وقال ابن حزم: لا يجوز بيع الحر، وفيه خلاف قديمٌ وحديثٌ، نورد منه -إن شاء الله- ما تيسر ليعلم مدعي الإجماع فيما هو أخفي من هذا أنه غير جيد، ثم ذكر عن عبد الله بن بريدة أن رجلًا باع نفسه، فقضى عمر بن الخطاب بأنه عبد كما أقر على نفسه، وجعل ثمنه في سبيل الله (١). وعند ابن أبي شيبة، عن شريك، عن الشعبي، عن علي قال: إذا أقرَّ على نفسه بالعبودية فهو عبد (٢). ومن طريق سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنا مغيرة بن مقسم، عن النخعي فيمن ساق إلى امرأته رجلًا (حرًا) (٣)، فقال إبراهيم: هو رهن بما جعل فيه حتى يفتك نفسه (٤). وعن زُرارة بن أوفى قاضي البصرة التابعي أنه باع حرًّا في دينٍ عليه، قال: وقد روينا هذا القول عن الشافعي، وهي قولة غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الآثار (٥). قلت: قد أخرجتها وذكرتها في الشروح قال: وهذا قضاء عمر وعلي بحضرة الصحابة ولم يعترضْهم معترض. قال: وقد جاء أثر في أن الحرَّ يباع في دينه في صدر الإسلام، إلى أن أنزل الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ (٦) [البقرة: ٢٨٠] روى [ابن] دينار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - باع حرًّا ---------- (١) «المحلى» ٩/ ١٧. (٢) «المصنف» ٤/ ٥٣٠ (٢٢٨٢٨). (٣) ليست في الأصل وهي مثبتة من «المحلى». (٤) «المحلى» ٩/ ١٧. (٥) «المحلى» ٩/ ١٧. (٦) «المحلى» ٩/ ١٨. أفلس (١)، ورواه الدارقطني من حديث حجاج، عن ابن جريج، فقال: عن أبي سعيد أو أبي سعد (٢)، على الشك. ورواه البزار من حديث مسلم بن خالد الزنجي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني، عن سُرّق أنه اشترى من أعرابي بعيرين فباعهما، فقال - ﷺ -: «يا أعرابي، اذهب فبعه حتَّى تستوفي حقَّك» فأعتقه الأعرابي (٣). ورواه ابن سعد عن أبي الوليد الأزرقي، عن مسلم (٤)، وضعفه عبد الحق بأن قال: مسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيفان (٥). وليس بجيد؛ لأن مسلمًا وثقه غير واحد، وصحح حديثه، وعبد الرحمن لا مدخل له في هذا، لا جرم أخرجه الحاكم من حديث بندار، ثنا ----------- (١) «السنن الكبرى» للبيهقي ٦/ ٥٠ (١١٢٧٢). (٢) «سنن الدارقطني» ٣/ ١٦ (٥١). (٣) كما في «كشف الأستار» ٢/ ١٠١ - ١٠٢ (١٣٠٣) وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٢: رواه البزار والطبراني، وفيه مسلم بن خالد وثقه ابن معين، وابن حبان، وضعفه جماعة. (٤) «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥٠٤ - ٥٠٥ عن أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي عن هشام بن خالد وليس عن مسلم بن خالد، ولعله تحريف في مطبوع «الطبقات» لتشابه الكلمتين في المخطوط وعدم النقط وقرب الحروف من بعضها. فهو عند ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ ١٠٧ (٢٦٤٨) عن مسلم بن خالد، ورواه أيضًا الطبراني في «الكبير» ٧/ ١٦٥ - ١٦٦ عن مسلم بن خالد. وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٢: وفيه مسلم بن خالد الزنجي وثقه ابن معين وابن حبان وضعفه جماعة. (٥) «الأحكام الوسطى» ٣/ ٢٨٧ قال: مسلم وعبد الرحمن لا يحتج بهما. قلت: عبد الرحمن المذكور هو ابن البيلماني الذي روى عنه زيد بن أسلم هذا الحديث، وليس عبد الرحمن بن زيد بن أسلم كما قال المصنف -رحمه الله-، ولعله سبق قلم. عبد الصمد بن عبد الوارث، ثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار، ثنا زيد بن أسلم ثم قال: على شرط البخاري (١). قلت: قد يعارضه ما في «مراسيل أبي داود» عن الزهري: كان يكون على عهد رسول الله - ﷺ - ديون على رجال، ما علمنا حرًّا بيع في دين (٢). فائدة: أسلفنا أن الخصم يقع على الواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث بلفظ واحد، تقول: هو خصم، وهما خصم، وهم خصم، وهو قول ثعلب في «فصيحه» (٣). وقال الهروي: الخصم بالفتح: الجماعة من الخصوم، والخصم بكسر الخاء: الواحد. وقال الخطابي: الخصم هو المولع بالخصومة الماهر فيها (٤)، وعن يعقوب: يقال للخصم خصَم. وفي «الواعي»: خصيم للمخاصم والمخاصَم. وقال الفراءُ: كلام العرب الفصحاء أن لا يثنوا الاسم إذا كان مصدرًا ولا يجمعونه، ومنهم من يثنيه ويجمعه، فالفصحاء يقولون: هذا خصم في جميع الحالات، والآخرون يقولون: هذان خصمان، وهم خصوم، وخصماء، وكذا ما أشبهه. ------------ (١) «المستدرك» ٢/ ٥٤. (٢) «مراسيل أبي داود» ص ١٦٢ (١٧٠). (٣) «فصيح ثعلب» ص ٤١. (٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٢١ مادة: (خصم). ١٠٧ - [باب أَمْرِ النَّبِيِّ - ﷺ - اليَهُودَ بِبَيْعِ أَرَضِيهِمْ (ودِمَنِهم) (١) حِينَ أَجْلَاهُمْ فِيهِ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] (٢) [فتح: ٤/ ٤١٨] كذا في البخاري ها هنا من غير زيادة، وربما سقط في بعض النسخ (٣)، والحديث الذي أشار إليه خرجه في آخر الجهاد، في باب: إخراج اليهود من حديث الليث، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة (٤)، فذكره. وفيه: «فإني أريد أن أجليكم من هذِه الأرض، فمن وجد منكم بماله شيئًا فليبعه، وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله». ولابن إسحاق: فسألوا رسول الله - ﷺ - أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن ما حملت الإبل من أموالهم إلا (الحلقة) (٥)، فاحتملوا ذلك وخرجوا إلى خيبر وخلوا الأموال لرسول الله - ﷺ -، فكانت له خاصة يضعها حيث يشاء، فقسمها على المهاجرين، وهؤلاء اليهود الذين أجلاهم هم بنو النضير، وذلك أنهم أرادوا الغدر ---------- (١) مثبتة من هامش الأصل، على أنها سقط، وليست في المطبوع من البخاري ولا في «اليونينية» ولا هامشها، وقال الأنصاري في «منحة الباري» ٤/ ٦٢٩: وزاد في أخرى- يعني: نسخة، ودمنهم. (٢) هذا الباب مثبت بهامش «اليونينية» ٣/ ٨٣، وأسقطه الكرماني في «شرحه» ١٠/ ٧٧. (٣) في هامش الأصل: أي التبويب والتعليق. (٤) سيأتي برقم (٣١٦٧). (٥) في الأصل: (السلاح). برسول الله - ﷺ -، وأن يلقوا عليه حجرًا، فأوحى الله تعالى إليه بذلك فأمر بإجلائهم، وأن يسيروا حيث شاءوا، فلما سمع المنافقون بذلك بعثوا إلى بني النضير: اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن خرجتم خرجنا معكم. فتربصوا لذلك من نصرهم، فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب؛ فسألوا رسول الله - ﷺ - أن يجليهم ويكف عن دمائهم (١)، فأجابهم بما أسلفناه. فإن قلت: هذا معارض بحديث المقبري، عن أبي هريرة؛ لأنَّ فيه: أنه - عليه السلام - أمرهم ببيع أرضيهم. وفي حديث ابن إسحاق: أنهم تركوا أرضهم بغير عوض، وحلت لرسول الله - ﷺ -، فما وجه ذلك؟ فالجواب: أنه - عليه السلام - إنما أمر ببيع أرضيهم -والله أعلم- قبل أن يكونوا له حربًا، فكانوا مالكين أرضيهم، وكانت بينهم وبين رسول الله - ﷺ - مسالمة وموافقة للجيرة، فكان يمسك عنهم لإمساكهم عنه، ولم يكن بينهم عهد، ثم أطلعه الله تعالى على ما يؤملون من الغدر به، وقد كان أمره لهم ببيع أرضيهم وإجلائهم قبل ذلك فلم يفعلوا؛ لأجل قول المنافقين لهم السالف:: اثبتوا، فإنا لن نسلمكم. فوثقوا بقولهم وثبتوا ولم يخرجوا، وعزموا على مقاتلته، فصاروا له حربًا، فحلت بذلك دماؤهم وأموالهم، فخرج إليهم - عليه السلام - وأصحابه في السلاح وحاصروهم. فلمَّا يئسوا من عون المنافقين ألقى الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله - ﷺ - الذي كان عرضه عليهم قبل ذلك، فلم يبح لهم بيع الأرض، وقاضاهم على أن يجليهم ويتحملوا بما استثقلت به الإبل، ----------- (١) انظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ١٩٢ - ١٩٣ بتصرف. على أن يكف عن دمائهم وأموالهم، فجلوا عن ديارهم، وكفى الله المؤمنين القتال، وكانت أرضوهم وأموالهم مما لم يوجف عليها بقتال مما انجلى عنها أهلها بالرعب، فصارت خالصة لرسولِ الله - ﷺ - يضعها حيث شاء. قال ابن إسحاق: ولم يسلم من بني النضير إلا رجلان أسلما على أموالهما فأحرزاها، قال: ونزلت في بني النضير سورة الحشر إلى قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا﴾ (١) [الحشر: ٣] أي: بالقتل والسبي، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار. وقوله: ﴿لِأَوَّلِ الحَشْرِ﴾ [الحشر: ٢] يعني: الشام الذي جلا أكثرهم إليه؛ لأنه روى في الحديث أنه تجيء نار تحشر الناس إلى الشام (٢)، ولذلك قيل في الشام: إنها أرض المحشر (٣). ------ (١) انظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ١٩٤ وفيه أنها نزلت بأسرها. (٢) رواه الترمذي (٢٢١٧)، أحمد ٢/ ٨ وأبو يعلى في «مسنده» ٩/ ٤٠٥ (٥٥٥١)، عن ابن عمر بلفظ: «تخرج نار من حضرموت فتسوق الناس» قلنا: يا رسول الله، ما تأمرنا؟ قال: «عليكم بالشام». وقال الترمذي: حسن غريب صحيح. وأورده الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٦ أو قال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (١٨٠٥). (٣) في هامش الأصل: ثم بلغ في الستين. كتبه مؤلفه. ١٠٨ - باب بَيْعِ العَبِيدِ وَالحَيَوَانِ بِالحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَاشْتَرَى ابْنُ عُمَرَ رَاحِلَةً بِأَرْبَعَةِ أَبْعِرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ، يُوفِيهَا صَاحِبَهَا بِالرَّبَذَةِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ يَكُونُ البَعِيرُ خَيْرًا مِنَ البَعِيرَيْنِ. وَاشْتَرَى رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ بَعِيرًا بِبَعِيرَيْنِ فَأَعْطَاهُ أَحَدَهُمَا وَقَالَ آتِيكَ بِالآخَرِ غَدًا رَهْوًا إِنْ شَاءَ اللهُ. وَقَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: لَا رِبَا فِي الحَيَوَانِ: البَعِيرُ [بِالبَعِيرَيْنِ]، وَالشَّاةُ بِالشَّاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: لَا بَأْسَ بَعِيرٌ بِبَعِيرَيْنِ [وَدِرْهَم بِدِرْهَمٍ (١)] نَسِيئَةً. ٢٢٢٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ فِي السَّبْيِ صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٤/ ٤١٩] ثم ساق حديث أنس: كَانَ فِي السَّبْي صَفِيَّةُ، فَصَارَتْ إِلَى دَحْيَةَ الكَلْبِيِّ، ثُمَّ صَارَتْ إِلَى النَّبِي - ﷺ -. الشرح: أثر ابن عمر أخرجه مالك في «الموطأ» عن نافع عنه، أنه اشترى، فذكره (٢). وأثر ابن عباس أخرجه الشافعي وهو في «مسنده»: أخبرنا ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس أنه سئل عن بعير ببعيرين، فقال: قد يكون إلى آخره (٣). --------- (١) في هامش الأصل: بدرهمين عليها (خ)، يعني: نسخة. (٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ٤٠٥. ومن طريقه أخرجه الشافعي في «مسنده» ٢/ ١٦١ [المسند بترتيب السندي] وقال الألباني في «إرواء الغليل» ٥/ ٢١٥: سنده صحيح. (٣) رواه الشافعي في «المسند» ٢/ ١٦٠ [بترتيب السندي] ووقع في المطبوع بترتيب والربذة (١): اسم مكان، وأثر رافع ذكره عبد الرزاق في «مصنفه» عن معمر، عن بديل العقيلي، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير أن رافع بن خديج، فذكره (٢). وأثر ابن المسيب رواه الشافعي، عن مالك، عن ابن شهاب، عنه، قال لا ربا في الحيوان، قد نهى عن المضامين والملاقيح وحبل الحبلة (٣). وقال عبد الرزاق في «مصنفه»: أخبرنا معمر، عن الزهري، سئل سعيد، فذكره (٤). وتعليق ابن سيرين وقع لأبي زيد، (ودرهم أو درهمين) وعند أبي ذر ولأبي الهيثم والحموي: (ودرهم بدرهم)، وهو خطأ. ورواه سعيد بن منصور، ثنا هشيم، أنا يونس، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بأسًا بـ (الحيوان بالحيوان) يدًا بيد، والدراهم نسيئة، ويكره أن تكون الدراهم نقدًا، والحيوان نسيئة (٥). ورواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أيوب، عن ابن سيرين قال: لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم بدرهمين نسيئة، قال: فإن كان أحد --------- سنجر [دار غراس] ٤/ ٢٠١ عن ابن عيينة عن ابن طاوس عن ابن عباس، ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٢٨٧. (١) قال ياقوت الحموي في «معجم البلدان» ٣/ ٢٤: والربذة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٢٢ (١٤١٤١). (٣) رواه الشافعي في «الأم» ٣/ ٣١ عن مالك -كما في «الموطأ» ١/ ٤٠٦ - عن ابن شهاب، عن ابن المسيب به. ومن طريقهما أخرجه البيهقي في «السنن» ٥/ ٢٨٧. (٤) أخرجه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٢٠ (١٤١٣٧). (٥) لم أجده في المطبوع من «سنن سعيد بن منصور» ولعله في المفقود ولم أقف على الأثر من هذِه الطريق. البعيرين نسيئة فهو مكروه (١). واعترض ابن بطال، فقال: أما قول ابن سيرين، فذكره. (ودرهم بدرهم نسيئة). وفي بعض النسخ: ودرهم بدرهمين نسيئة، وأن ذلك خطأ في النقل عن البخاري، والصحيح عن ابن سيرين ما رواه عبد الرازق، فذكره، لكن أسقط قتادة كما سقناه وساقه بلفظ: لا بأس بعير ببعيرين، ودرهم الدرهم نسيئة والباقي مثله، وهذا مذهب مالك، وقد ذكره في «الموطأ» في مثله: الجمل بالجمل وزيادة دراهم، قال: والذي يجوز من ذلك أن يكون الجملان نقدًا، ولا يبالي تأخرت الدراهم أو تعجلت، لأن الجمل بالجمل قد حصل يدًا بيد، فبطل أن يتوهم فيه السلف على أنه بيع؛ لأن الدراهم ها هنا تبع للجمل وليس هي المقصد، وأما إذا كان أحد الجملين نسيئة فلا يجوز؛ لأنه عنده من باب الزيادة في السلف، كأنه أسلف جملًا في مثله واستزاد عليه الدراهم، ولو كانت الدراهم والجمل جميعًا إلى أجل لم يجز؛ لأنه أقرضه الجمل على أن يرده إليه بصفته ومعه دراهم، فهو سلف جرَّ منفعة وزيادة على ما أخذ المتسلف، فلا يجوز (٢). وحديث صفية لا تعلق له بما أورده، نعم رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أنها وقعت في سهم دحية الكلبي، فاشتراها رسول الله - ﷺ - بسبعة أرؤس (٣). --------- (١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ٢٣ (١٤١٤٦) (تنبيه): وقع في المطبوع من «المصنف» اختلاف في السند على غير ما ذكر المصنف وابن بطال والعيني فقال: أخبرنا معمر، عن قتادة وعن أيوب، عن ابن سيرين قالا: وذكره. قلت: هكذا في المطبوع من «المصنف» ولعل قتادة سقط من بعض النسخ. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٥٥، و«الموطأ» ص ٤٠٥. (٣) رواه مسلم (١٣٦٥) (٨٧) كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها. وقال ابن التين: هو لا يشبه التبويب، لكنه أراد أنه - عليه السلام - أعطاه غيرها، فصار رقيقًا برقيق، ولا يكرهه أحد، نعم وقع الخلاف في واحد باثنين إلى أجل من جنس واحد (١). واختلف أصحاب مالك في واحد باثنين، أحدهما تقدم والآخر إلى أجل. وقول رافع: (آتيك غدًا رهوًا). أي: سهلًا عفوًا، لا باحتباس ولا تشدد. قال صاحب «العين»: الرهو: المشي في سكون (٢). وقال أبو عبيد: أي: آتيك عفوًا لا احتباس (٣) فيه. قال الهروي: ويقال: سيرا رهوًا. أي: ساكنًا، وقيل: معناه: ارتفاع النهار. وقال ابن عباس: الرهو: المنخفض من الأرض (٤)، وقيل: المرتفع. إذا تقرر ذلك، قال عبد الملك: الأبعرة صغار الإبل، فكأنه باع جملًا كبيرًا بأربعة أبعرة صغار إلى أجل، وجاز لاختلاف المنافع، وقيل: إن البعير يطلق على الحمار، حكاه ابن التين عن مجاهد، ----------- (١) قال ابن بطال: ووجه إدخاله حديث صفية في هذا الباب أن صفية صارت إلى دحية الكلبي بأمره - عليه السلام - فأخبر النبي أنها سيدة قريظة ولا تصلح إلا له، وذكر من جمالها فأمر النبي فأتى بها فلما رآها قال لدحية: دعها وخذ غيرها، فكان تركه لها عند النبي وأخذه جارية من النبي غير معينة، بيعًا لها بجارية نسيئة حتى يأخذها ويستحسنها، فحينئذ تتعين له، وليس ذلك يدًا بيد. اهـ «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٥٤. وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٢٠: كذا أورده مختصرًا وأشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه مما يناسب ترجمته. (٢) «العين» ٤/ ٨٣ باب الهاء والراء و(وايء) معهما. (٣) لم أقف عليه في «غريبه» وذكره ابن الأثير في «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٢٨٦. (٤) «تفسير الطبري» ١١/ ٢٣٥ (٣١١٠٦). قال: وأثر ابن سيرين لا ربا في كذا، هو الربا بعينه، وسلف جر منفعة، إذا كان الجمل من جنس الجملين. وأما بيع الحيوان بالحيوان نسيئة فقد اختلف العلماء فيه، فقالت طائفة: لا ربا فيه، وجائز بعضه ببعض نقدًا ونسيئة، اختلف أو لم يختلف، هذا مذهب علي وابن عمر وابن المسيب (١)، وهو قول الشافعي (٢) وأبي ثور، وقال مالك: لا بأس بالبعير النجيب بالبعيرين من حاشية الإبل نسيئة، وإن كانت من نعم واحد إذا اختلفت وبان اختلافها، وإن أشبه بعضها بعضًا واتفقت أجناسها فلا يؤخذ منها اثنان بواحد إلى أجل، ويؤخذ يدًا بيد (٣)، وهو قول سليمان بن يسار وربيعة ويحيى بن سعيد. وقال الثوري والكوفيون وأحمد (٤): لا يجوز بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، اختلفت أجناسها أو لم تختلف، واحتجوا بحديث الحسن عن سمرة أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٥). صححه الترمذي وصحح سماع الحسن، سمرة كما قاله علي بن ------------ (١) هذِه الآثار رواها مالك في «الموطأ» ص ٤٠٤، وعنه الشافعي في «الأم» ٣/ ٣١، وقال النووي في «المجموع» ٩/ ٥٠٠: وأما أثر علي المذكور فروي بسند صحيح وفيه انقطاع. (٢) «الأم» ٣/ ٣١. (٣) «الموطأ» ص ٤٠٤ - ٤٠٥. (٤) وروي ذلك أيضًا عن عمار وابن عمر كما في «المغني» ٦/ ٦٥. (٥) رواه أبو داود (٣٣٥٦)، والترمذي (١٢٣٧)، والنسائي ٧/ ٢٩٣ وابن ماجه (٢٢٧٠) وقال الترمذي: حديث سمرة حديث حسن صحيح. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٨٤١) و«المشكاة» (٢٨٢٢) التحقيق الثاني. المديني (١) وغيره (٢)، وقال في «علله»: سألت محمدًا عنه فقال: روى داود العطار، عن معمر هذا، وقال: عن ابن عباس، وقال الناس: عن عكرمة مرسل، وهن محمد هذا الحديث (٣)، ورواه إبراهيم بن طهمان، عن معمر، ذكره البيهقي (٤). قال الترمذي: والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم (٥). وقال الأثرم: عن أحمد أنه سئل عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، فقال: يعجبني أن يتوقاه. فقيل له: فيه شيء يصح؟ قال: فيه الحسن عن سمرة، ولا يصح سماعه منه (٦). وساقه عبد الله بن أحمد، عن والده، ثم قال في آخره: ثم نسي الحسن فقال: إذا اختلف الصنفان فلا بأس (٧). ------------ (١) «علل ابن المديني» ١/ ٦٤. (٢) واختار هذا القول الحاكم ١/ ٢١٥ وقال: ولا يتوهم أن الحسن لم يسمع من سمرة. قلت: قد بين هذا الأمر الزيلعي في «نصب الراية» ١/ ٨٩ وقال: في سماع الحسن من سمرة ثلاثة مذاهب: أحدها: أنه سمع مطلقًا وهو قول ابن المديني والترمذي والحاكم. ثانيها: أنه لم يسمع منه شيئًا وهو قول ابن حبان. ثالثها: سمع منه حديث العقيقة فقط، وإليه مال البيهقي كما في «المعرفة» ٨/ ٥٠. اهـ. وعدم سماع الحسن من سمرة اختاره أحمد كما سيأتي. (٣) «علل الترمذي» ١/ ٤٨٩. تنبيه: الحديث في «علل الترمذي» من حديث ابن عباس وليس من حديث سمرة. (٤) أخرجه البيهقي في «سننه» ٥/ ٢٨٨ وقال: هذا وهم والصحيح أن الحديث مرسل عن عكرمة. (٥) ذكره الترمذي بعد حديث (١٢٣٧). (٦) «المغني» ٦/ ٦٦. (٧) «مسند أحمد» ٥/ ١٩ والقول قول يحيى بن سعيد. وأما حديث: نهي عن بيع الشاة باللحم، فأخرجه الحاكم من هذا الوجه أيضًا، ثم قال: صحيح الإسناد، ورواته عن آخرهم ثقات. وقد احتج البخاري بالحسن، عن سمرة (١) أي: في حديث العقيقة (٢)، وله شاهد مرسل في «الموطأ» عن زيد، عن ابن المسيب أنه - ﷺ - نهى عن بيع (الحيوان) (٣) (٤) بالحيوان، وفي «التمهيد» عن سهل بن سعد مرفوعًا مثله، ووهاه فقال: سنده موضوع (٥). واحتجوا أيضًا بحديث عكرمة، عن ابن عباس: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة (٦). قال الحاكم: صحيح الإسناد. وروى أبو أحمد الزبيري، وعبد الملك بن عبد الرحمن الزيادي (٧)، ---------- (١) «المستدرك» ٢/ ٣٥. (٢) ذكره البخاري في «صحيحه» بعد حديث (٥٤٧٢) كتاب: العقيقة، باب: إماطة الأذى عن الصبي في العقيقة. (٣) رواه مالك في «لموطأ» ص ٤٠٦، وقال أبو عمر في «التمهيد» ٤/ ٣٢٢: لا أعلم هذا الحديث يتصل من وجه ثابت عن النبي - ﷺ - وأحسن أسانيده مرسل سعيد بن المسيب. (٤) في هامش الأصل: لعل صوابه كذا، وحفظي: (اللحم). (٥) «التمهيد» ٤/ ٣٢٢ - ٣٢٣. (٦) أخرجه عبد الرزاق ٨/ ٢٠ عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس به، رواه ابن الجارود (٦١٠)، والطبراني في «الكبير» ١١/ ٥٤، وفي «الأوسط» ٥/ ١٨٨ من طريق داود بن العطار، عن معمر به ورواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٢٨٨ من طريق إبراهيم بن طهمان عن معمر به. وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٠٥: رواه الطبراني في الكبير والأوسط ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» ١١/ ٤٠١ (٥٠٢٨) من طريق أبي داود الحفري، عن سفيان عن معمر به. (٧) كذا بالأصل والصواب الذماري كما في مصادر التخريج و«تهذيب الكمال». عن الثوري، عن معمر كما سلف (١). قال البيهقي: فيه وفي ابن طهمان والعطار وكل ذلك وهم، والصحيح: عن معمر، عن يحيى، عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ - مرسل (٢). وذكره الإسماعيلي في حديث ابن أبي كثير أن ابن طهمان رواه عن يحيى مرسلًا. وقال ابن خزيمة: الصحيح عند أهل المعرفة بالحديث إرساله (٣)، وكذا ابن أبي حاتم لما سأل أباه عن حديث عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، عن معمر به مرفوعًا، قال: الصحيح عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ - مرسل (٤). وقال أحمد فيه فيما حكاه الأثرم: باطل ليس بشيء (٥)، وإنما هو مرسل، كذا رواه ابن المبارك وفي كتب معمر مرسل عن عكرمة. ونقل المنذري عن البخاري أن الثقات رووه عنه موقوفًا، وعكرمة عن رسول الله - ﷺ - مرسل (٦). قلت: ذكره الإسماعيلي من حديث ابن عيينة، عن معمر، عن الزهري ويحيى بن أبي كثير، عن عكرمة فذكره. وأخرجه الطحاوي ---------- (١) رواية أبي أحمد الزبيري عند الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٦٠، والدارقطني أيضًا في «سننه» ٣/ ٧٠، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٧٥ كلاهما عن سفيان، عن معمر به. (٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٨٩، ورواه أيضًا مرسلًا ابن الجارود في «المنتقى» (٦٠٩) من طريق عبد الرزاق عن معمر به. ورد ابن التركماني في «جوهره» ٥/ ٢٨٩ على كلام البيهقي وأيد وصل الحديث. (٣) روى البيهقي في «سننه» ٥/ ٢٨٩ بسنده إلى ابن خزيمة كلامه. (٤) «علل الحديث» لابن أبي حاتم ١/ ٣٨٥. (٥) «المغني» ٦/ ٦٦. (٦) «مختصر سنن أبي داود» للمنذري ٥/ ٢٨. من حديث أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يرى بأسًا ببيع الحيوان بالحيوان اثنين بواحد، ويكرهه نسيئة (١). وحسنه الترمذي من حديث حجاج بن أرطاة، عن أبي الزبير (٢). وقال الأثرم: قيل لأحمد: حجاج، عن أبي الزبير، عن جابر الحديث، فقال: حجاج زاد فيه شيئًا، وليث بن سعد سمعه من أبي الزبير، لا يذكر فيه شيئًا، يقول: إنه - عليه السلام - باع عبدًا بعبدين، ثم قال: ليس فيه شيء يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه (٣). وروى الترمذي في «علله» من حديث زياد بن جبير، عن ابن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحيوان نسيئة، ثم قال: سألت محمدًا عنه فقال: إنما يرويه عن زياد، عن رسول الله في - ﷺ -، مرسلًا (٤). ورواه الطحاوي من حديث مسلم بن إبراهيم، عن محمد بن دينار، عن يونس بن عبيد، عن زياد عنه مرفوعًا (٥). وقال الأثرم: ورواه عن مسلم. قال أبو عبد الله محمد بن دينار: زعموا كان لا يحفظ منهم، كان يتحفظ لهم، فذكرت (٦) له حديث ابن عمر في الحيوان قال: ليس فيه ابن عمر، إنما هو زياد بن جبير، موقوف (٧). ----------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٦٠. (٢) «سنن الترمذي» (١٢٣٨). (٣) «المغني» ٦/ ٦٦. (٤) «علل الترمذي» ١/ ٤٩٠ - ٤٩١. (٥) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٦٠، وقال العيني في «عمدة القاري» ١٠/ ٣٠: إسناد جيد. (٦) القائل: فذكرت. هو: أبو داود -رحمه الله- وانظر التخريج التالي. (٧) «سؤالات أبي داود» ١/ ٣٥٢ (٥٤٧). وقال ابن مسعود: السلف في كل شيء إلى أجل مسمى لا بأس به، ما خلا الحيوان (١). وقال سعيد بن جبير: كان يكره السلم في الحيوان نسيئة (٢)، وقيل: هو مذهب ابن عباس (٣) وعمار، وأجازوا التفاضل فيه يدًا بيد، ومعنى النهي عندهم في ذلك: عدم وجوده، وأنه غير موقوف عليه. قال الطحاوي: وقد كان قبل نسخ الربا يجوز بيع الحيوان نسيئة. (وروى ابن إسحاق، عن أبي سفيان، عن مسلم بن كثير، عن جبير، عن عمرو بن حريش) (٤) قال: قلت لعبد الله بن عمرو: إنه ليس بأرضنا ذهب ولا فضة، وإنما نبيع البعير بالبعيرين، والبقرة بالبقرتين، والشاة بالشاتين، فقال: إن رسول الله - ﷺ - أمره أن يجهز جيشًا، فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ في قلاص الصدقة، فجعل يأخذ البعير ----------- (١) رواه بهذا اللفظ البيهقي في «سننه» وروى نحوه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٢٣ - ٢٤ وابن الجعد في «مسنده» ١/ ٤٩ (٢٠٠). (٢) رواه البيهقي في «السنن» ٦/ ٢٢ وقال الشافعي فيما نقله عنه البيهقي في «سننه»: وأما رواية سعيد بن جبير عن ابن مسعود فهي أيضًا منقطعة، سعيد بن جيبر لم يدرك ابن مسعود وقد قيل: عنه عن حذيفة. (٣) روى الحاكم في «المستدرك» عن ابن عباس نهيه عن السلف في الحيوان ٢/ ٥٧ من طريق الثوري عن معمر عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة عنه به. (٤) هكذا ذكر المصنف الإسناد نقلًا عن ابن بطال وبزيادة: عن جبير فيه وليس كما أورداه، وإنما صوابه عن ابن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب، عن مسلم بن جبير، عن أبي سفيان، عن عمرو بن حريش. فيتضح أن المصنف أسقط يزيد بن أبي حبيب وقدم أبا سفيان فجعل الراوي عنه ابن إسحاق ونسب مسلم بابن كثير وهو ابن جبير، ثم قال: عن جبير عن عمرو. والصواب كما ذكرنا آنفًا لما أسنده أبو داود (٣٣٥٧)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٤/ ٦٠ والمزي في «تهذيب الكمال» في ترجمة عمرو بن حريش ٢١/ ٥٨٤، مطولًا بالإسناد المذكور. بالبعيرين إلى إبل الصدقة، ثم نسخ ذلك بأحاديث المنع (١)، وثبت أن القرض الذي هو بدل من مال لا يجب فيه حيوان في الذمم، وقد روي ذلك عن نفر من المتقدمين، ولما ذكر ابن أبي حاتم حديث ابن عمرو هذا قال: اختلف على ابن إسحاق في إسناده، والحديث مشهور (٢). ولما ذكره البيهقي قال: له شاهد صحيح عن ابن جريج أن عمرو بن شعيب أخبره، عن أبيه، عن جده أن رسول الله - ﷺ - أمره أن يجهز جيشًا، الحديث (٣). وفيه: البعير بالبعيرين وبالأبعرة. وسأل عثمان السجستاني يحيى بن معين عن سند هذا الحديث، فقال: سند صحيح مشهور (٤)، وهذا المذهب أراده البخاري، ووجه إدخاله حديث صفية في هذا الباب أن صفية صارت إلى دحية الكلبي بأمره - ﷺ -، فأخبر رسول الله - ﷺ - أنها سيدة قريظة، ولا تصلح إلَّا له، فأمر، فأتى بها، فلما راها قال له: «دعها وخذ غيرها» فكان تركه لها عند رسول الله - ﷺ - وأخذه جارية من السبي غير معينة بيعًا لها بجارية نسيئة، حتى يأخذها ويستحسنها، فحينئذ تتعين له، وليس ذلك يدًا بيد. وحجة مالك: أن الحيوان إذا اختلفت منافعه، صار كجنسين من سائر الأشياء، يجوز فيه التفاضل والأجل؛ لاختلاف الأغراض فيه؛ لأن غرض الناس من الحيوان والعبيد المنافع، ولا ربا عندهم في الحيوان والعروض إذا أحدث فيها النسيئة، إلَّا من باب الزيادة في السلف، وإذا كان التفاضل في الجهة الواحدة خرج أن يتوهم فيه ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٦٠. (٢) «الجرح والتعديل» ٨/ ١٩٣، ٩/ ٣٨٣. (٣) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٨٧. (٤) «تاريخ عثمان بن سعيد الدارمي» ١/ ١٩٩. الزيادة في السلف، وليس العبد الكاتب والصانع عندهم مثل العبد الذي هو مثله في الصورة، إذا لم يكن كاتبا ولا صانعًا، وأما إذا اتفقت منافعها، فلا يجوز عنده صنف منه بصنف مثله أكثر منه إلى أجل؛ لأن ذلك يدخل في معنى قرض جرَّ منفعة؛ لأنه أعطى شيئًا له منفعة بشيء أكثر منه مثل تلك المنفعة؛ لأنه إنما طلب زيادة الشيء؛ لاختلاف منافعه، فلم يجز ذلك (١). وتأول مالك فيما روى عن علي أنه باع جملًا له يدعى بعصيفير بعشرين بعيرًا إلى أجل (٢). وبما روي عن ابن عمر أنه اشترى راحلة بأربعة أبعرة، أن منافعها كانت مختلفة، وليس في الحديث عنهم أن منافعها كانت متفقة، فلا حجة للمخالف فيه. وروى وكيع بن الجراح في «مصنفه»: حدثنا حسن بن صالح، عن عبد الأعلى، قال: شهدت شريحًا رد السلم في الحيوان، وحدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن عبد الأعلى سمعت سويد بن غفلة يكره السلم في الحيوان، وحدثنا النضر بن أبي مريم أن الضحاك رخص فيه ثم رجع عنه (٣). احتج الشافعي بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيح (٤) (٥)، ورواه الشافعي، عن الثقة، عن سفيان بن سعيد، عن سلمة بن كهيل، عن أبي هريرة: كان لرجل على رسول الله - ﷺ - سن من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: «أعطوه» فلم يجدوا إلا سنًا فوق سنه، فقال: «أعطوه، ----------- (١)»شرح ابن بطال«٦/ ٣٥٤ - ٣٥٥. (٢) رواه الشافعي في»الأم«٣/ ١٠٣. (٣) عنه ابن أبي شيبة في»المصنف" ٤/ ٤٢٤. (٤) فوقها في الأصل: (خ. م). (٥) سيأتي برقم (٢٣٠٥) كتاب: الوكالة، باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة. فإن خيركم أحسنكم قضاءً» (١) وللبخاري: «دعوه فإن لصاحب الحق مقالًا» (٢) وسيأتي. وفي أفراد مسلم من حديث أبي رافع قال: استسلف رسول الله - ﷺ - بكرًا فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكرة، فرجع إليه أبو رافع، فقال: لم أجد فيها إلا خيارًا رباعيًّا، فقال: «أعطه إياه، إن خيار الناس أحسنهم قضاء» وفي لفظ: «فإن خير عباد الله أحسنهم قضاء» (٣) ولم يخرج البخاري عن أبي رافع في كتابه إلا حديثًا واحدًا في الشفعة، يأتي (٤). قال الشافعي: هذا الحديث الثابت عن رسول - ﷺ - أنه - عليه السلام - ضمن بعيرًا بالصفة ما دل على أنه يجوز أن يضمن الحيوان كله بصفة في السلف وغيره، وفيه دليل أنه لا بأس أن يقضي أفضل مما عليه متطوعًا (٥). قال البيهقي: واحتج الشافعي بأمر الدية، فقال: قد قضى رسول الله - ﷺ - بالدية مائة من الإبل، ولم أعلم المسلمين اختلفوا بأسنان معروفة في مضي ثلاث سنين، وأنه افتدى كل من لم يطلب عنه نفسًا من سبي هوازن بإبل سماها ست أو خمس إلى أجل (٦). ------------ (١) «مسند الشافعي بترتيب السندي» ١/ ٧٧١ (٥٩٦). (٢) سيأتي برقم (٢٤٠١) كتاب: الاستقراض، باب: لصاحب الحق مقال، ومسلم برقم (١٦٠١). (٣) مسلم (١٦٠٠) كتاب: المساقاة، باب: من استسلف شيئًا فقضى خيرًا منه وخيركم أحسنكم قضاء. (٤) سيأتي برقم (٢٢٥٨) كتاب: الشفعة، باب: عرض الشفعة على صاحبها قبل البيع. (٥) «الأم» ٣/ ١٠٣ «معرفة السنن والآثار» ٨/ ١٩٢. (٦) «معرفة السنن والآثار» ٨/ ١٩٢. ![]()
__________________
|
|
#424
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 591 الى صـــ 610 الحلقة (424) قال البيهقي: هذا فيما رواه أهل المغازي، وفيما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده (١)، قال الشافعي: أخبرنا مالك، عن صالح بن كيسان، عن الحسن بن محمد بن على، عن علي بن أبي طالب، فذكر قصة العصيفير. وعن مالك، عن رافع، أن ابن عمر، فذكر أثره السالف أول الباب. وأخبرنا الثقة، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر: جاء عبد فبايع رسول الله - ﷺ - على الهجرة ولم يشعر -أو قال: لم يسمع بأنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال - عليه السلام -: «بعه» فاشتراه بعبدين أسودين (٢)، وأخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم الجزري، أخبره أن زياد بن أبي مريم مولى عثمان بن عفان، أخبره أن رسول الله - ﷺ - بعث مصدقًا فجاء بظهر مسنات، فلما رآه قال: «هلكت وأهلكت» فقال: يا رسول الله إني كنت أبيع البكرين والثلاث بالبعير المسن يدًا بيد، وعلمت من حاجة رسول الله - ﷺ - إلى الظهر فقال: «فذاك إذن» وفي رواية ابن عباس «بيع البعير بالبعيرين» (٣) وروينا عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أنه كان لا يرى بأسًا بالسلف في الحيوان، وذكر أيضًا قول ابن شهاب في بيع الحيوان اثنين بواحد إلى أجل لا بأس به. وأخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا ربا في الحيوان، وإنما نهي في الحيوان عن ثلاث: المضامين، والملاقيح، وحبل الحبلة. قال: والمضامين: ما في بطون الإناث، والملاقيح: ما في ظهور الجمال، وحبل الحبلة: بيع لأهل الجاهلية. ----------- (١) المصدر السابق. (٢) «الأم» ٣/ ٣١. (٣) «الأم» ٣/ ١٠٣. وأخبرنا سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء أنه قال: وأبيع البعير بالبعيرين يدًا بيدٍ زيادة ورق، والورق نسيئة (١)، قال الشافعي: وبهذا كله أقول، وخالفنا بعض الناس فقال: لا يجوز أن يكون الحيوان نسيئة أبدًا، فناقضتهم بالدية والكتابة عن الوصفاء بصفة، وبإصداق العبيد والإبل بصفة، قال: وإنما كرهنا السلم في الحيوان؛ لأن ابن مسعود كرهه، قال الشافعي: هو منقطع عنه (٢). قال أحمد: (٣) يرويه عنه إبراهيم النخعي (٤). قلت: رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب أن زيد بن ثابت أسلم إلى عتريس (٥) بن عرقوب في قلائص، قال: فسألت ابن مسعود فكره السلم في الحيوان (٦). قال الشافعي: ويزعم الشعبي الذي هو أكبر من الذي روى عنه كراهيته أنه إنما أسلف له في لقاح فحل إبل بعينه، وهذا مكروه عندنا، وعند كل أحد، هذا بيع الملاقيح والمضامين أو هما، وقلت لمحمد بن الحسن: أنت أخبرتني عن أبي يوسف، عن عطاء بن السائب، عن أبي البحتري: أن بني عم لعثمان بن عفان أتوا واديًا فصنعوا شيئًا في إبل رجل، قطعوا به لبن إبله، وقتلوا فصالها، فأتى عثمان وعنده ابن مسعود فرضي بحكم ابن مسعود، فحكم أن يعطي بواديه إبلًا مثل إبله، وفصالًا مثل فصاله، فأنفذ ذلك عثمان. ---------- (١) «الأم» ٣/ ١٠٤. (٢) «الأم» ٣/ ١٠٦. (٣) هو الإمام البيهقي -رحمه الله- وليس الإمام أحمد بن حنبل كما يتوهم لأول وهلة. (٤) «شرح معاني الآثار» ٨/ ١٩٥. (٥) ورد بهامش الأصل: عتريس لا يصح له صحبة، قاله الذهبي في «تجريده». (٦) «المصنف» ٤/ ٤٢٣ - ٤٢٤ (٢١٦٨٥). ويروى عن ابن مسعود أنه قضى في حيوان مثله دينًا؛ لأنه إذا قضى به بالمدينة ويعطيه بواديه كان دينًا، نريد أن يروي عن عثمان أنه يقول بقوله، وأنتم تروون عن المسعودى، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: أُسلم لابن مسعود وصفاء أحدهم أبو زيادة أو أبو زائدة مولانا. وتروون عن ابن عباس أنه أجاز السلم في الحيوان، وعن رجل آخر من الصحابة (١). قال البيهقي: روى أبو حسان الأعرج قال: سألت ابن عمر وابن عباس عن السلم في الحيوان، فقالا: إذا سمى الأسنان والآجال فلا بأس. وقال أبو نضرة: سألت ابن عمر عن السلف في الوصفاء فقال: لا بأس به. قلت: أخرجه ابن أبي شيبة، حدثنا سهل بن يوسف، عن حميد، عن أبي نضرة قال: قلت لابن عمر: إن أمراءنا ينهوننا (٢) عنه -يعني: السلم- في الحيوان وفي الوصفاء. قال: فأطع أمراءك إن كانوا ينهون (٣) عنه. وأمراؤهم يومئذ مثل الحكم بن عمرو الغفاري، وعبد الرحمن بن سمرة، (٤) قال: وروي عن عمر أنه كرهه، وكذلك عن حذيفة، والحديث عنهما منقطع، وعن ابن عباس وابن عمر موصول بقولنا: قال الشافعي في القديم: وقد يكون ابن مسعود كرهه تنزهًا عن التجارة فيه، لا على تحريمه (٥). ---------- (١) «الأم» ٣/ ١٠٦ - ١٠٧. (٢) فوقها في الأصل: كذا. (٣) في الأصل: ينهوا، وعليها: كذا. (٤) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٢٤ (٢١٦٩٢). (٥) «معرفة السنن والآثار» ٨/ ١٩٦. ١٠٩ - باب بَيْعِ الرَّقِيقِ ٢٢٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مُحَيْرِيزٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا، فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ، فَكَيْفَ تَرَى فِي العَزْلِ؟ فَقَالَ: «أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَةٌ كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا هِىَ خَارِجَةٌ». [٢٥٤٢، ٤١٣٨، ٥٢١٠، ٦٦٠٣، ٧٤٠٩ - مسلم: ١٤٣٨ - فتح: ٤/ ٤٢٠]. ذكر فيه حديث الزهرى أَخْبَرَنِي ابن مُحَيْرِيزٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ جَالسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ رجل: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا نُصِيبُ سَبْيًا، فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ، فَكَيْفَ تَرى فِي العَزْلِ؟ فَقَالَ: «أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكُمْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ نَسَمَة كَتَبَ اللهُ أَنْ تَخْرُجَ إِلَّا وهِيَ خَارِجَة». هذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر (١) وقال: ابن محيريز هو عبد الله بن محيريز أبو محيريز الجمحي. قلت: وجده جنادة بن وهب بن لُوذان بن سعد بن جمح، مات (٢) بالشام في خلافة عمر بن عبد العزيز (٣). ------------ (١) سيأتي برقم (٦٦٠٣) كتاب: القدر، باب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾. (٢) في هامش الأصل: قوله، يعني: عبد الله بن محيريز، قال الذهبي في «الكاشف»: قبل المائة، وقال النووي في «التهذيب»: قال البخاري عن ضمرة: توفي في خلافة الوليد بن عبد الملك، وقيل في خلافة بن العزيز. انتهى، واتفقوا على توثيقه، قاله النووي. (٣) ذكره خليفة بن خياط في «طبقاته» ١/ ٥٣٧ (٢٧٥٣) وانظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٧/ ٤٤٧، و«طبقات خليفة» ١/ ٥٣٧، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٦ و«تهذيب الكمال» ١٦/ ١٠٦ (٣٥٥٥). وللنسائي: سأل رجل رسول الله - ﷺ - عن العزل، فقال: إن امرأتي ترضع وأنا أكره أن تحمل، فقال: ما قدر في الرحم سيكون (١). وفي الباب عن جابر (د. ت) (٢) وغيره، كما سيأتي في بابه. وروى حديث الباب موسى بن عقبة، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد، فقال: أصبنا سبيًا من سبي هوازن، وذلك يوم حنين سنة ثمانٍ. ووهم ابن عقبة في ذلك (٣) ورواه أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد قال: لما أصبنا سبي حنين سألنا رسول الله - ﷺ - عن العزل فقال: «ليس من كل الماء يكون الولد» (٤) ورواه مسلم من حديث علي بن أبي طلحة، عن أبي الوداك بلفظ: سئل رسول الله - ﷺ - عن العزل (٥). لم يذكر سبي حنين ولا غيره، وكذا ما ذكره أبو عمر (٦) من رواية موسى بن عقبة، عن ابن محيريز ذكره مسلم (٧)، ولم يذكر فيه سبي ----------- (١) سنن النسائي ٦/ ١٠٨ وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (١٠٣٢). (٢) سيأتي برقم (٥٢٠٧) كتاب: النكاح، باب: العزل. (٣) قال أبو عمر في «الاستذكار» ١٨/ ١٩٧ - ١٩٨: وروى هذا الحديث موسى بن عقبة عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز، عن أبي سعيد بالإسناد المذكور، إلا أنه قال الذي: أصبنا سبيًا من سبي أوطاس وإنهم أرادوا أن يستمتعوا منهن، ولا يحملن، فسألوا النبي - ﷺ - عن ذلك؟ فقال: «ما عليكم ألا تفعلوا فإن الله كتب ما هو كائن إلى يوم القيامة» فجعل موسى بن عقبة هذا الحديث في سبى أوطاس. وسبي أوطاس هو سبي هوازن وذلك يوم حنين سنة ثمان من الهجرة فوهم موسى بن عقبة في ذلك. (٤) أخرجه أحمد ٣/ ٤٩، وأبو يعلى ٢/ ٣٨٤ (١١٥٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ٣٤. (٥) «مسلم» (١٤٣٨) (١٣٣) كتاب: النكاح، باب: حكم العزل. (٦) «الاستذكار» ١٨/ ١٩٧ - ١٩٨. (٧) مسلم ١٤٣٨/ ١٢٦ كتاب: النكاح، باب: حكم العزل. أوطاس ولا غيره، وإنما ذكر مسلم يوم أوطاس من حديث أبي علقمة، عن أبي سعيد في قصة تحرج أصحابه من وطء السبايا من أجل أزواجهن (١)، وهي قصة أخرى في زمن آخر غير زمان بني المصطلق التي في الخامسة، والصحيح في الأول رواية من روى بني المصطلق. وقوله: «فَنُحِبُّ الأَثْمَانَ». فيه: دلالة على عدم جواز بيع أمهات الأولاد؛ لأن العمل منهن يمنع الفداء والثمن، وهو حجة على داود وغيره ممن يجوز (٢) بيعهن، وسيأتي بسطه في موضعه. وفي لفظ: (وأحببنا الفداء). وقوله: («أَوَإِنَّكُمْ تَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟») على التعجب منه يقول: وقد فعلتم؟! وقوله: («لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَفْعَلُوا»). قال الداودي: هو أقرب إلى النهي. وقال المبرد: لا بأس عليكم أن تفعلوا، ومعنى (لا) الثانية: طرحها. و(النَسَمَة): النفس وكل ذات روح، والنسم: الأرواح. أي: ليس ذو نسمة، ويراد بها الذكر والأنثى. قال القزاز: كل إنسان نسمة، ونفسه نسمة. وقوله: («إِلَّا وهِيَ خَارِجَةٌ») أي: جف القلم بكل ما يكون. وفيه: دلالة على أن الولد يكون مع العزل؛ ولهذا صحح أصحابنا أنه لو قال: وطئت وعزلت، لحقه على الأصح (٣). -------- (١) مسلم (١٤٥٦) كتاب: الرضاع، باب: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء. (٢) وممن أجاز ذلك من الأوائل علي بن أبي طالب، وابن عباس رضي الله عنهما انظر، «الإشراف» ٢/ ٢١٣. (٣) «روضة الطالبين» ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥. وما ترجم له من بيع الرقيق ظاهر كبيع سائر المباحات، وهي داخلة في عموم قوله تعالى ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]. تنبيهات: أحدها: قد أسلفنا أن الحديث حجة على داود في إجازته بيع أمهات الأولاد، ووجهه أنه لولا أن الحمل يبطل الثمن لم يقرهم على هذا الاعتقاد، وتكلف الحيلة له، ولقال لهم: وأي حاجة إلى العزل، والبيع يجوز، وانفصل المحتج لداود بأنه قال: ظاهره أنهم كانوا يريدون الفداء، فإذا حملن تعذر ذلك حتى (١) يضعن، وإلا صار أولادهم في أيدي الكفار، ولعل العرب الذين كان ذلك السبي منهم إذا حملن من المسلمين لا يفدونهم، أو يفدونهم بقليل الثمن، فعن هذا سألوا، لا على أن الإيلاد يمنع بيعهن. ثانيها: وطء المسبية والالتذاذ بها موقوف على القسمة والاستبراء، فكيف أرادوا وطأهن؟ ولعلهم إنما سألوا ذلك؛ لاشتداد العزبة، وظنوا أن وطأهن دون الفرج مباح إذا اجتنبوا موضع الولد، فأعلم أن الماء ربما سبق إلى الفرج، فيكون منه الولد وإن عزل، ليبين لهم حكم العزل، وإذا حمل على ذلك لم يدل على منع بيعهن. ثالثها: كان ذلك في غزوة بني المصطلق -كما مرَّ- وكانت سنة ست، أو خمس، أو أربع (٢)، واختلف: هل كانوا أهل كتاب أم لا؟ على قولين، قال أبو محمد الأصيلي: كانوا عبدة أوثان، وإنما جاز --------- (١) في الأصل بعدها: صاروا لا. (٢) سيأتي ذلك في كتاب: المغازي، باب: غزوة بني المصطلق من خزاعة قبل حديث (٤١٣٨). وطؤهن قبل نزول ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال الداودي: كانوا أهل كتاب، فلم يحتج فيهن إلى ذكر الإسلام. قال ابن التين: والظاهر الأول؛ لقوله في بعض طرقه: فأصبنا سبيا من سبي العرب. ثم نقل عن الشيخ أبي محمد أنه كان أسر من بني المصطلق أكثر من سبعمائة، ومنهم جويرية بنت الحارث أعتقها وتزوجها. فلعله لما دخل بها سألته في الأسرى، فوهبهم لها. رابعها: حكم العَزْلِ عندنا: إن كانت أمة جاز قطعًا على ما ادعاه الرافعي، وإن كان حكى في «البحر» وجها، وأما الزوجة فالأصح جوازه بكره (١)، ومنهم من جوزه عند إذنها، ومنعه عند عدمه. وذكر بعض العلماء أربعة أقوال فيه: الجواز كمذهبنا، والمنع، ومذهب مالك جوازه في التسري، وفي الحرة موقوف على إذنها، وسيد الأمة. (خامسها) (٢): يجوز برضا الموطوءة كيف كانت، حكاها كذلك ابن التين. حجة من أجاز حديث جابر: كنا نعزل والقرآن ينزل، فبلغ ذلك النبي - ﷺ -، فلم ينهنا. وحجة من منع أنه - عليه السلام - لما سئل عنه قال: «ذلك الوأد الخفي» (٣). -------- (١) ورد بهامش الأصل: وقيل: يحرم به مطلقًا، وهو الأصح في كلام الشيخ، ومنهم من حرمه في الحرة. (٢) جاء في الأصل و(م): (رابعها). (٣) انظر: «الإشراق» لابن المنذر ١/ ١٣٧، و«المغني» ١٠/ ٢٢٨ - ٢٣٠ والحديث رواه مسلم في صحيحه (١٤٤٢). ١١٠ - باب بَيْعِ المُدَبَّرِ ٢٢٣٠ - حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: بَاعَ النَّبِيُّ - ﷺ - المُدَبَّرَ. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٤/ ٤٢٠] ٢٢٣١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: بَاعَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٢١٤١ - مسلم: ٩٩٧ - فتح: ٤/ ٤٢١] ٢٢٣٢ و٢٢٣٣ - حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ قَالَ: حَدَّثَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ زَيْدَ بْنَ خَالِدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنهما أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُسْأَلُ عَنِ الأَمَةِ تَزْنِي وَلَمْ تُحْصَنْ. قَالَ: «اجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ بِيعُوهَا» بَعْدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ. [انظر: ٢١٥٣ و٢١٥٤ - مسلم: ١٧٠٤ - فتح: ٤/ ٤٢١] ٢٢٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ، فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا، فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ [عَلَيْهَا]، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا الحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ، ثُمَّ إِنْ زَنَتِ الثَّالِثَةَ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَبِعْهَا، وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ». [انظر: ٢١٥٢ - مسلم: ١٧٠٣ - فتح: ٤/ ٤٢١] ذكر فيه حديثي جابر قال: بَاعَ النَّبِيُّ - ﷺ - المُدَبَّرَ، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد في بيع الأمة إذا زنت وقد سلف (١). ثم ساقه من حديث أبي هريرة وحده وقد سلف أيضًا في باب بيع العبد الزاني. --------- (١) سلف برقم (٢١٥٣، ٢١٥٤) كتاب: البيوع. واختلف العلماء في بيع المدبر، فذهب مالك والكوفيون إلى أنه لا يجوز بيعه، ولا يجوز تحويله عن موضعه الذي وضع فيه (١)، وقال الشافعي: بيعه جائز؛ استدلالًا بهذا الحديث (٢). وسيأتي إيضاحه في بابه إن شاء الله تعالى، ولهذا أسقط هذا الباب ابن التين، وأدخله ابن بطال في الباب الذي قبله، وما فعله جيد؛ لأجل حديث أبي هريرة الآخر، فإنه لا معنى لإدخاله في بيع المدبر (٣). ---------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٣/ ٦. (٢) «الأم» ٧/ ٢٢٦، وانظر تفصيل المسألة في: «الإشراف» لابن المنذر ٢/ ٢٠٥، و«مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ١٨٣. (٣) في هامش الأصل: نعم له معنى، وهو أن الأمة الزانية يجوز بيعها سواء كانت مدبرة أم لا؛ لإن الشارع لم يحد في ذلك. ١١١ - باب هَلْ يُسَافِرُ بِالجَارِيَةِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَبْرِئَهَا؟ وَلَمْ يَرَ الحَسَنُ بَأْسًا أَنْ يُقَبِّلَهَا أَوْ يُبَاشِرَهَا. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: إِذَا وُهِبَتِ الوَلِيدَةُ التِي تُوطَأُ أَوْ بِيعَتْ أَوْ عَتَقَتْ فَلْيُسْتَبْرَأْ رَحِمُهَا بِحَيْضَةٍ، وَلَا تُسْتَبْرَأُ العَذْرَاءُ. وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا بَأْسَ أَنْ يُصِيبَ مِنْ جَارِيَتِهِ الحَامِلِ مَا دُونَ الفَرْجِ. وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]. ٢٢٣٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الغَفَّارِ بْنُ دَاوُدَ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - خَيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَىِّ بْنِ أَخْطَبَ -وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا- فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا، ثُمَّ صَنَعَ حَيْسًا فِي نِطَعٍ صَغِيرٍ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ». فَكَانَتْ تِلْكَ وَلِيمَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَلَى صَفِيَّةَ، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى المَدِينَةِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُحَوِّي لَهَا وَرَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ، ثُمَّ يَجْلِسُ عِنْدَ بَعِيرِهِ فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفِيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ حَتَّى تَرْكَبَ. [انظر: ٣٧١ - مسلم: ١٣٦٥ - فتح: ٤/ ٤٢٤] ثم ساق حديث أَنَسٍ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - خيْبَرَ، فَلَمَّا فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِ الحِصْنَ ذُكِرَ لَهُ جَمَالُ صَفيةَ بِنْتِ حُيَى بْنِ أَخْطَبَ -وَقَدْ قُتِلَ زَوْجُهَا وَكَانَتْ عَرُوسًا- فَاصْطَفَاهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِنَفْسِهِ، فَخَرَجَ بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ، فَبَنَى بِهَا … الحديث. الشرح: التعليق الأول رواه ابن أبي شيبة عن ابن علية قال: سئل يونس عن الرجل يشترى الأمة يستبرئها يصيب منها القبلة والمباشرة، فقال ابن سيرين: يكره ذلك. ويذكر عن الحسن أنه كان لا يرى بالقبلة بأسًا، وعن عكرمة في الرجل يشتري الجارية الصغيرة، وهي أصغر من ذلك قال: لا بأس أن يمسها قبل أن يستبرئها. وقال إياس بن معاوية في رجل اشترى جارية صغيرة لا يجامع مثلها قال: لا بأس أن يطأها، ولا يستبرئها. وكره قتادة تقبيلها حتى يستبرئها (١). وقال أيوب اللخمي: وقعت في سهم ابن عمر جارية يوم جلولاء، فما ملك نفسه أن جعل يقبلها. قال ابن بطال: ثبت هذا عنه (٢). وأثر ابن عمر رواه أيضًا ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب، عن سعيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر قال: إن اشترى أمةً عذراء فلا يستبرئها (٣). قال ابن التين: وهذا خلاف ما يقوله مالك. قلت: والشافعي، وقيل: تستبرأ استحبابًا. وعَتَقَتْ، بفتح العين: هو الصحيح، وروي بضمها، وليس بشيء. وعن ابن سيرين في الرجل يشتري الأمة العذراء قال: لا يقربن ما دون رحمها حتى يستبرئها. وعن الحسن وإن كانت بكرًا، وكذا قاله عكرمة (٤). وقال عطاء في رجل اشترى جارية من أبويها عذراء: يستبرئها بحيضتين. --------- (١) روى هذِه الآثار ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٥٠٨. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٥٩. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ٥٠٥ (١٦٦١٨). بإسناد يختلف عما ذكره المصنف ففي المطبوع، قال: حدثنا عبد الوهاب، عن يونس، عن أيوب، عن ابن عمر به. (٤) المصدر السابق. ومذهب جماعة منهم ابن القاسم وسالم والليث وأبو يوسف (١): لا استبراء إلا على البالغة، وكان أبو يوسف لا يرى استبراء العذراء وإن كانت بالغة، وذكره ابن الجوزي عنه. وأثر عطاء لا يحضرني، قال ابن التين إن أراد الحامل من سيدها فهو فاسد، وإن أراد غيره وهي مسبية أو زانية فسيأتي إذا لم يكن العمل من زوجها. وفي «مصنف ابن أبي شيبة»: سئل ابن عباس عن رجل اشترى جارية وهي حامل أيطؤها؟ قال: لا (٢)، ونهى عنه أبو موسى الأشعري وناجية بن كعب، وسعيد بن المسيب، وفيه أحاديث تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى، وحديث أنس يأتي أيضًا. إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على أن الاستبراء أمانة، يؤتمن المبتاع عليها بأن لا يطأها حتى تحيض حيضة إن لم تكن حاملًا، فإنه - عليه السلام - جعل رداءه على صفية، وأمرها أن تحتجب بالجعرانة (٣) (٤) حين صارت في سهمه، ومعلوم أن من سنته أن الحائل لا توطأ حتى تحيض حيضة، خشية الحمل، وأن الحامل لا توطأ حتى تضع؛ لئلا يسقي ماؤه زرع غيره، فلما كان أمانة ارتفعت فيه الحكومة. وفيه حجة لمن يوجب المواضعة على البائع، وهو قول جماعة فقهاء ----------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٥/ ١١ - ١٢، «مختصرًا ختلاف العلماء» ٣/ ١٧٢ - ١٧٣. (٢) «المصنف» ٤/ ٢٩ (١٧٤٥٠). (٣) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٣٨٤، «معجم البلدان» ٢/ ١٤٢. (٤) ورد بهامش الأصل قوله الجعرانة غلط، وأين الجعرانة وخيبر؟ وطريقها إلى المدينة، فإن الجعرانة أحد حدة لحرم مكة بينها وبين مكة تسعة أميال فاعلمه. الأمصار، غير ربيعة ومالك، فإنهما أوجبا المواضعة في الجواري المرتفعات المتخذات للوطء خاصة. قال مالك في «المدونة»: أكره ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء، فإن فعلا أجزأهما، وهي من البائع حتى تدخل في أول دمها، (١) وإنما قال مالك بها خشية أن يتذرع المشتري إلى المواضعة قبل الاستبراء؛ حياطة على الفروج؛ وحفظًا للأنساب؛ ولقوله - عليه السلام -: «لا توطأ حائل حتى تحيضر» (٢). واحتج من لم ير المواضعة بأن عطاء بن أبي رباح قال: ما سمعنا بها قط. وقال محمد بن عبد الحكم: أول من قال بها ربيعة. وقال الطحاوي: الدليل على أنها غير واجبة أن العقد إنما يوجب تسليم البدلين، وقد وافقنا مالك على أن غير المرتفعات من الجواري لا يجب فيهن استبراء، فوجب أن يكون كذلك حكم المرتفعات (٣). وأجمع الفقهاء على أن حيضة واحدة براءة في الرحم، إلا أن مالكًا والليث قالا: إن اشتراها في أول حيضها اعتدَّ بها، وإن كان في آخرها لم يعتد بها. وقال ابن المسيب: حيضتان (٤). وقال ابن سيرين ثلاث (٥). واختلف إذا أمن فيها العمل، فقال مالك: تستبرأ (٦). -------- (١) «المدونة» ٢/ ٣٥٠. (٢) سيأتي تخريجه. (٣) «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ١٧٥. (٤) رواه عبد الرزاق ٧/ ٢٢٢ (١٢٨٧٦)، ابن أبي شيبة ٤/ ١٥١ (١٨٧٦٢). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٩ (١٨٧٣٤). (٦) كما في «مواهب الجليل» ٥/ ٥٢٦. وقال مطرف وابن الماجشون: لا (١). واختلفوا في قبلة الجارية ومباشرتها قبل الاستبراء، فأجاز ذلك الحسن البصري وعكرمة (٢)، وبه قال أبو ثور، وقد أسلفنا فعل ابن عمر فيه، وكرهه ابن سيرين (٣)، وهو قول مالك والليث وأبي حنيفة والشافعي، ووجهه: قطعًا للذريعة وحفظًا للأنساب. وحجة من أجاز الآية التي ذكرها البخاري وهي خرجت مخرج العموم أريد بها الخصوص، فقد يملك ذات محرم منه، أو يطلقها بائنًا، أو تكون محرمة، أو حائضًا. وقوله - عليه السلام -: «إلا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض» (٤) فدل هذا أن ما دون الوطء من المباشرة والقبلة في حيز المباح. وسفره - عليه السلام - بصفية قبل أن يستبرئها حجة في ذلك؛ لكونه لو لم يحل له من مباشرتها ما دون الجماع لم يسافر بها معه؛ لأنه لا بد أن يرفعها أو ينزلها، وكان - عليه السلام - لا يمس بيده امرأة لا تحل له، ومن هذا اختلافهم في مباشرة المظاهرة، وقبلته لامرأته التي ظاهر منها، فذهب ---------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٥/ ١٤ - ١٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٥٠٨ (١٦٦٤٦، ١٦٦٤٧). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٥٠٨ (١٦٦٤٦). (٤) روى أبو داود (٢١٥٧)، وأحمد ٣/ ٦٢ (١١٥٩٦)، والدارمي ٣/ ١٤٧٤ (٢٣٤١) والحاكم ٢/ ١٩٥ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - قال في سبي أوطاس: «لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض». قال الحافظ في «التلخيص» ١/ ١٧٢: إسناده حسن. وروى الدارقطني ٣/ ٢٥٧ عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن توطأ حامل حتى تضع، أو حائل حتى تحيض. قال الدارقطني: قال لنا ابن صاعد: وما قال لنا في هذا الإسناد أحد عن ابن عباس إلا العائذي. الزهري والنخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يقبل امرأته، ولا يتلذذ منها بشيء، وقال الحسن البصري: لا بأس أن ينال منها ما دون الجماع، (١) وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وكذلك فسر عطاء وقتادة والزهري. وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ [المجادلة: ٣] لعله عني بالمس: الجماع في هذِه الآية (٢). واختلفوا في استبراء العذراء فقال ابن عمر: لا تستبرأ (٣) -كما سبق- وبه قال أبو ثور، وقال سائر الفقهاء تستبرأ بحيضة إذا كانت ممن يحيض ويوطأ مثلها (٤). وقال ابن الماجشون: إن كانت صغيرة أو ممن انقطع حيضها فلا تسبرأ. تنبيهات: أحدها: قال الداودي: قول الحسن السالف إن كان في المسبية فصواب؛ لأنه لم يبق فيها ملك لأحد، قال ابن التين: وهذا غير بين بل يمنع ذلك جملة: قال: كنا نمتع أي: يلتذ بأمته إذا زنت وحملت، وقول ابن عمر السالف. هو قول مالك وأصحابه إذا كانت ممن يوطأ ويحمل. ثانيها: غزوة خيبر سنة ست (٥)، وقيل: سبع، وقدمه ابن التين على --------- (١) رواه عبد الرزاق ٦/ ٤٢٦ (١١٤٩٨). (٢) رواه الطبري في «تفسيره» عن ابن عباس ١٢/ ١٠ (٣) ابن أبي شيبة ٣/ ٥٠٥ (١٦٦١٨) وسبق. (٤) «شرح ابن بطال» (٣٧٤). (٥) انظر في ذلك «تاريخ خليفة» ١/ ١٠، «تاريخ الطبري» ٢/ ١٣٥، «تاريخ الإسلام» ٢/ ٤٠٣. الأول، فقال: كانت سنة سبع، وقال مالك: سنة ست. ومعنى اصطفاها: أي: أخذها صفيًّا، والصفي: سهم رسول الله - ﷺ - من المغنم، كان يأخذه من الأصل قبل القسمة، جاريةً أو سلاحًا. وقيل: إنما سميت صفية لذلك؛ لأنها كانت صفية من غنيمة خيبر، وزوجها المقتول هو كنانة بن أبي الحُقيق، فرأت في المنام قمرًا أقبل من يثرب، ووقع في حجرها، فقصت ذلك عليه، فلطم وجهها وقال: أنت تزعمين أن ملك يثرب يتزوجك (١). وفي لفظ: تحبين أن يكون هذا الملك الذي يأتي من المدينة زوجك. وفي لفظ: رأيت كأني وهذ الملك الذي يزعم أن الله أرسله وملك يسترنا بجناحه. والعَرُوس: نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ما داما في تعريسهما أيامًا، وأحسن ما في ذلك أن يقال: الرجل معرس. وعن الخليل (٢): رجل عروس، وامرأة عروس، وشاعر أنيس، ذكره ابن فارس (٣). وقوله: (فخرجنا بِهَا حَتَّى بَلَغْنَا سَدَّ الرَّوْحَاءِ حَلَّتْ) فيه دلالة لفقهاء الأمصار أن الاستبراء بحيضة، وليس في هذِه المدة ما تحيض فيه أكثر من حيضة. والرَّوْحَاءِ: منزل بقرب المدينة (٤) والحيس: أخلاط من تمر وسمن ----------- (١) رواه ابن هشام في «السيرة» ٣/ ٣٨٨ عن ابن إسحاق. (٢) «العين» ١/ ٣٢٨. (٣) «مجمل اللغة» ٣/ ٦٥٨ مادة: (عرس). (٤) وقال صاحب «معجم البلدان» سبب تسميتها بذلك لما رجع تبع من قتال أهل المدينة يريد مكة نزل بها فأقام وأراح فسماها الروحاء. اهـ. ٣/ ٧٦. وأقط، وفي لفظ: التمر والسويق، وقيل: من تمر وسمن. ذكره الداودي. وفيه: أن الوليمة بعد البناء. والنطع: بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح، وقال ابن التين: يقال: نطع -بسكون الطاء وفتحها- جلود تدبغ ويجمع بعضها على بعض وتفرش. ومعنى: «آذِنْ مَنْ حَوْلَكَ» أي: أعلمه؛ لإشهار النكاح. وقوله: (يُحَوِّي). ضبطه بالتخفيف ثلاثيًّا في رواية أبي الحسن، وبالتشديد في رواية أبي ذر وهو أن يوطئ لها بالعباءة حول سنام البعير وهو عند أهل اللغة بالتشديد -كما عند أبي ذر، ذكره كله ابن التين. والعباءة ممدودة والعباء أيضًا: ضرب من الأكسية، وفي «سيرة ابن إسحاق» لما أتى بها بلال أمر - عليه السلام - فحيزت خلفه وغطى عليها ثوبه، فعرف الناس أنه قد اصطفاها لنفسه (١). ثالثها: قوله: (فَيَضَعُ رُكْبَتَهُ، فَتَضَعُ صَفيَّةُ رِجْلَهَا عَلَى رُكْبَتِهِ) هو من المعاشرة بالمعروف. وفي كتاب الواقدي: كانت تعظم أن تضع رجلها على ركبته، وكانت تضع ركبتها على ركبته، قال: وفحصت الأرض أفاحيص، وجيء بالأنطاع، فوضعت فيها، ثم جيء بالأقط والسمن فشبع الناس. وحيي والدها، قال الدارقطني: المحدثون يقولون بكسر الحاء المهملة، وأهل اللغة بضمها. و(صَفِيَّةُ): من سبط هارون - عليه السلام -، كانت عند سلَّام بن مشكم، وكان خمارًا في الجاهلية، وسلام بتخفيف اللام، وفيه يقول أبو سفيان بن حرب: ---------- (١) رواها عنه ابن هشام في «السيرة» ٣/ ٣٨٨. سقاني فرواني كمينًا مدامة … على ظمأ مني سلام بن مشكم. وقيل بالتشديد وخفف ضرورة (١)، ثم خلف عليها كنانة بن أبي الحقيق. قال الجاحظ في كتاب «الموالي»: وَلَدَ صَفيَّةِ مائةُ نبي ومائة ملك، ثم صيرها الله تعالى أمة لرسوله. وذكره القاضي أبو عمر محمد بن أحمد النوقاتي (٢) في كتاب «المحنة» أنه - عليه السلام - لما أراد البناء بصفية استأذنته عائشة أن تكون في المنتقبات، فقال: «يا عائشة إنك إن رأيتها أقشعر جلدك من حسنها» فلما رأتها حصل لها ذلك. وقال ابن سعد: الحصين التي كانت فيه اسمه القموص، سباها منه هي وابنة عم لها، فعرض عليها رسوله أن يعتقها إن اختارت الله ورسوله، فقالت: أختارهما، وأسلمت، فأعتقها وتزوجها، وجعل عتقها مهرها، ورأى بوجهها أثر خضرة قريبًا من عينها، فقال: «ما هذا»؟ فذكرت المنام السالف، فلما صار إلى منزل يقال لي: ثبار على ستة أميال من خيبر، قال: يريد أن يعرس بها، فأبت عليه، فوجد في نفسه من ذلك، فقالت: خفت عليك قرب يهود. فلما كان --------- (١) بهامش الأصل: قال ابن الصلاح وغيره: والذي رضيت فيه -أي سلام بن مشكم التشديد. (٢) هو محمد بن أحمد بن سليمان بن أيوب أبو عمر النوقاتي نسبة إلى نوقات قرية من قرى سجستان حدث عن عبد المؤمن بن خلف النسفي وابن حبان وغيرهما وسمع الكثير من الشيوخ واشتغل بالتصنيف وله من التصانيف: «العلم والعلماء» و«آداب المسافرين» و«العتاب الإعتاب» و«الرياحين» و«المسلسلات» أو«منحة الظراف في أخبار العشاق» وغيرهما مات سنة ٣٨٢ وانظر «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٤٤ و«الوافي بالوفيات» ٢/ ٩٠. بالصهباء على بريد من خيبر عرس بها (١). رابعها: كما رأت صفية في منامها سيد الأنام رآه غير واحدة من أزواجه، روى الحاكم في كتاب «الإكليل»: أن جويرية رأت في المنام كما رأت صفية قبل تزوجها به، ولابن سعد: قالت أم حبيبة: رأيت في النوم كأن آتيًا يقول: يا أم المؤمنين. ففزعت وأولته أن رسول الله - ﷺ - يتزوجني (٢). وعن ابن عباس: رأت سودة في المنام كأن رسول الله - ﷺ - أقبل يمشي حتى وطئ على عنقها، فقال زوجها: لئن صدقت رؤياك لتتزوجين. ثم رأت ليلة أخرى أن قمرًا انقض عليها من السماء وهي مضطجعة، فأخبرت زوجها السكران، فقال: لئن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرًا حتى أموت وتتزوجين بعدي، فاشتكى من يومه ذلك، ولم يلبث إلا قليلًا حتى مات (٣) خامسها: حديث أصطفائه صفية يعارضه في الظاهر حديث أنس أنها صارت لدحية، فأخذها منه وأعطاه سبعة أرؤس، ويروى أنه أعطاه بنتي عمها عوضًا منها، ويروى أنه قال له: «خذ رأسًا آخر مكانها» ولا معارضة -كما نبه عليه السهيلي- فإنما أخذها من دحية قبل القسمة، وما عوضه فيها ليس على جهة البيع، ولكن على جهة النفل أو الهبة، غير أن بعض رواة الحديث في «الصحيح» يقولون فيه: إنه اشترى صفية من دحية (٤) وبعضهم يزيد فيه بعد القسم، فالله تعالى أعلم أي ذلك كان (٥). وهذا ------------ (١) «الطبقات الكبرى» ٨/ ١٢١. (٢) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٩٧. (٣) السابق ٨/ ٥٧. (٤) مسلم (١٣٦٥/ ٨٧) كتاب: النكاح، باب: فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها. (٥) «الروض الأنف» ٤/ ٦٠. ![]()
__________________
|
|
#425
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 611 الى صـــ 630 الحلقة (425) الآخر هو الذي أراد به البخاري في الباب الذي سلف: بيع العبد والحيوان به، وأورده فيه كان تركه لها عنده، وأخذه جارية من السبي غير معينة بيعًا لها بجارية نسيئة، حتى يأخذها ويستحسنها، فحينئذ تتعين له، وليس يدًا بيدٍ. سادسها: الإمام إذا نفل ما لم يعلم مقداره له استرجاعه والتعويض عنه، وليس له أن يأخذه بغير عوض، ذكره المنذري في «حواشيه»، قال: وإعطاء دحية كان برضاه، فيكون معاوضة جارية بجارية، فإن قلت: الواهب منهي عن شراء هبته؟ قلنا: لم يهبه من مال نفسه، إنما أعطاه من مال الله على جهة النظر، كما يعطي الإمام النفل لأحد أهل الجيش نظرًا، وقيل: إنما يكون قصد إعطاء جارية من حشو السبي، فلما أطلع أن هذِه من خياره، وأن ليس يمكن إعطاء مثلها لمثله، لأنه قد يؤدي ذلك إلى المفسدة، فلذلك ارتجعها؛ لأنه خلاف ما أراد أن يعطيه. ١١٢ - باب بَيْعِ المَيْتَةِ وَالأَصْنَامِ ٢٢٣٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ». فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإِنَّهَا يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ. فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». ثُمَّ قَالَ النبي - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا جَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». قَالَ أَبُو عَاصِمٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الَحمِيدِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ: كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرًا رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٤٢٩٦، ٤٦٣٣ - مسلم: ١٥٨١ - فتح: ٤/ ٤٢٤] ذكر فيه حديث يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيب، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ عَامَ الفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: «إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ وَالمَيْتَةِ وَالخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ». فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ فَإِنَّه يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ؟ فَقَالَ: «لَا، هُوَ حَرَامٌ». ثُمَّ قَالَ النبي - ﷺ - عِنْدَ ذَلِكَ: «قَاتَلَ اللهُ اليَهُودَ، إِنَّ الله لَمَّا حَرَّمَ شُحُومَهَا أجَمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ». وقَالَ أَبُو عَاصِمٍ: ثَنَا عَبْدُ الحَمِيدِ، ثنَا يَزِيدُ قال: كَتَبَ إِلَيَّ عَطَاءٌ: سَمِعْتُ جَابِرًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - عن بيع الخمر. الشرح: حديث جابر أخرجه مسلم (١)، وتعليق أبي عاصم أخرجه مسلم عن ---------- (١) مسلم (١٥٨١) كتاب: المساقاة، باب: تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام. محمد بن مثنى، عن أبي عاصم به، وأبو عاصم هو الضحاك بن مخلد النبيل (١). و(عبد الحميد) (٢) (م. الأربعة) هو ابن جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم رافع بن سنان حليف الأنصار، مات وسنة ثلاث وخمسين ومائة بالمدينة، حدث هو وابنه (سعد) (د. ت. س. ق)، وأبوه (جعفر) (م. الأربعة)، وجده أبو الحكم (رافع) (٣) (م. والأربعة) وله صحبة، وابن عمه عمر بن الحكم بن رافع بن سنان، وهو من ولد الفطيون من ولد مخرق بن عمرو مزيقيا، وقيل: الفطيون من اليهود، وليس من ولد مخرق كان يهوديًّا وولده فخذ على حدتهم يهود بالمدينة منفردون عن سائر بني مخرق، وقيل: إنه ليس من ولد الفطيون وقد طعن في نسبهم، إذا علمت ذلك فالإجماع قائم على أنه لا يجوز بيع الميتة والأصنام؛ لأنه لا يحل الانتفاع بها ووضع الثمن فيها إضاعة مال وقد نهي عن إضاعته. قال ابن المنذر: فإذا أجمعوا على تحريم بيع الميتة فبيع الكافر من أهل الحرب كذلك، وقد سلف فيه حديث، فإن قلت: فما وجه الجواب المذكور لما سئل عن شحوم الميتة، فأجاب بما ذكره؟ فالجواب أن وجهه أنه كان عن مسألته عن بيع الشحوم لا عن دهن الجلود والسفن، وإنما سأله عن بيع ذلك إذ ظنه جائزًا. من أجل ما فيه --------- (١) مسلم (١٥٨١) (٧١). (٢) انظر: «تاريخ أسماء الثقات» لابن شاهين ترجمة (٩١٠)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ١٢٢، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٤١٦. (٣) ورد هامش الأصل: لرافع حديث في أبي داود من رواية ابنه في تخيير الصبي بين أبويه. من المنافع كما جاز بيع الحمر الأهلية لما فيها من المنافع وإن حرم أكلها فظن أن شحوم الميتة مثل ذلك يحل بيعها وشراؤها، كمان حرم أكلها، فأخبره - عليه السلام - أن ذلك ليس كالذي ظن وأن بيعها حرام وثمنها حرام إذ كان نجسة نظيره الدم والخمر فيما يحرم من بيعها وأكل ثمنها، فأما الاستصباح ودهن السفن والجلود بها فهو بخلاف بيعها وأكل ثمنها إذا كان ما يدهن بها من ذلك يغسل بالماء غسل الشيء الذي أصابته النجاسة، فيظهره الماء هذا قول عطاء بن أبي رباح وجماعة من العلماء، وممن أجاز الاستصباح بما تقع فيه الفأرة علي وابن عباس وابن عمر كما سيأتي واضحًا في الذبائح في باب إذا وقعت الفأرة في سمن جامد أو ذائب، وقال القرطبي: اختلف في جواز بيع كل محرم نجس فيه منفعة كالذبل والعذرة، فمنع من ذلك الشافعي ومالك وأجازه الكوفيون والطبري، وذهب آخرون إلى إجازة ذلك من المشتري دون البائع، ورأوا أن المشتري أعذر من البائع؛ لأنه مضطر إلى ذلك، روي ذلك عن بعض أصحابنا (١). وقوله: («إن الله ورسوله حرم») فيه جواز قوله ذلك، وقال بعض الناس: إنما يقال: إن الله ثم رسوله ولا ينسق عليه؛ لأن التقدير أن الله حرم ورسوله حرم كقوله: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأي مختلف. وقال الداودي: إنما وجد. وقوله: («حرم») إنما قال: «حرم» ولم يقل: حرما يعني: أن الله حرم على لسان رسوله - عليه السلام -، فأخلص ذلك لله؛ لأنه إنما يقوله بأمره، وبيع الخمر حرام بالإجماع كما سلف، ولا شيء في إراقتها لذمي ---------- (١) «المفهم» ٤/ ٤٥٨. عندنا خلافًا لمالك (١)، ووافقنا عبد الملك، والميتة تعم جميع ما احتوت عليه من قرن ولحم ودم وعظم وجلد، لا أن الجلد إذا دبغ ينتفع به كما سلف والخنزير قد سلف حكمه، وسلف حكم شعره، والأصنام لا يصح بيعها وإن كانت من جوهر نفيس، وقال ابن التين: بيعها ما دامت مصورة ممنوع، وإذا طمست صورها جاز بيعها كانت فضة أو نحاسًا أو حجرًا، والنهي في الشحوم منصب عند أكثر العلماء إلى البيع دون الانتفاع وأجاز أبو حنيفة بيع شحوم الميتة وخالف الحديث، ونحا إليه ابن وهب وسلف، واستدل الخطابي بجواز الانتفاع بإجماعهم أن من ماتت له دابة ساغ له إطعامها لكلابه، فكذلك الدهن (٢) وظاهر كلام عبد الملك منعه وأَجمله: لغة في جمله كما سلف. ----------- (١) «النوادر والزيادات» ٦/ ١٨٠. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٠٧. ١١٣ - باب ثَمَنِ الكَلْبِ ٢٢٣٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي، مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. [٢٢٨٢، ٥٣٤٦، ٥٧٦١ - مسلم: ١٥٦٧ - فتح: ٤/ ٤٢٦] ٢٢٣٨ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى حَجَّامًا، [فَاَمَرَ بِمَحَاجمِهِ فَكُسِرَتْ]، فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ. قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ وَالمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. [انظر: ٢٠٨٦ - فتح: ٤/ ٤٢٦] ذكر فيه حديث أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ. وحديث أَبِي جُحَيْفَةَ: أن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الوَاشِمَةَ المتوشمة، وَآكِلَ الرِّبَا وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. وهذا الحديث سبق في باب: موكل الربا. (١). وحديث أبي مسعود أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وللبخاري وحده عن أبي هريرة: نهى رسول الله - ﷺ - عن كسب الإماء، خرجه في كتاب الإجارة (٣) وفي غيره كما ستعلمه. وفي أفراد مسلم من حديث رافع بن خديج مرفوعًا: "شر الكسب مهر -------- (١) سلف برقم (٢٠٨٦) كتاب: البيوع. (٢) مسلم برقم (١٥٦٧) كتاب: المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن .. (٣) سيأتي برقم (٢٢٨٣) باب: كسب البغي والإماء. البغي، وثمن الكلب، وكسب الحجام» (١) وفي رواية له: «ثمن الكلب خبيث، وكسب الحجام خبيث» (٢) وفي أفراده من حديث أبي الزبير: سألت جابر بن عبد الله عن ثمن الكلب والسنور، فقال: زجر النبي - ﷺ - عن ذلك، وما في حديث أبي جحيفة (عن ثمن الدم) أي: أجرة الحجامة، فهو مكروه؛ تنزهًا عن رذائل المكاسب، وكسب الإماء والربا محرمان بالكتاب، وموكله بالسنة، ففيه الجمع بين المختلفات. والمراد عند مالك: الكلب الذي نهي عن اقتنائه، وينقص من أجره كل يوم قيراطان، كما سلف واضحًا. «وَحُلْوَانِ الكَاهِنِ»: هو أجرته، والحلوان: العطاء، ووجه النهي عنه أنه من أكل المال بالباطل. يقال: حلوته كذا، أحلوه حلوا وحلوانًا، وقال بعضهم: أصله من الحلاوة، تشبه بالشيء الحلو، يقال: حلوت فلانًا: إذا أطعمته الحلوى، كما تقول: عسلته وتمرته. «وَمَهْرِ البَغِيِّ» يأتي الكلام عليه في الإجارة، والمراد: ما كانوا في الجاهلية يفعلونه من إكراه فتياتهم على البغاء، فكان ما يؤخذ على ذلك مهرًا لها. قال ابن التين: وضبط (البغي) بكسر الغين وتشديد الياء، ثم نقل عن أبي الحسن أنه قال: الذي نقرؤه بإسكان الغين، والذي ذكره أهل اللغة أنه بكسر الغين وتشديد الياء: الفاجرة (والأمة) (٣). وقوله: (وَكَسْبِ الأَمَةِ): هو مهر البغي أيضًا. --------- (١) مسلم برقم (١٥٦٨/ ٤٠). (٢) مسلم برقم (١٥٦٧/ ٤١). (٣) كذا في الأصل ولعلها زائدة. ٣٥ كتاب السلم بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣٥ - كتاب السلم ١ - باب السَّلَمِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ٢٢٣٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - المَدِينَةَ، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ العَامَ وَالعَامَيْنِ -أَوْ قَالَ: عَامَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً. شَكَّ إِسْمَاعِيلُ- فَقَالَ: «مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ». حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ بِهَذَا: «فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ». [٢٢٤٠، ٢٢٤١، ٢٢٥٣ - مسلم: ١٦٠٤ - فتح: ٤/ ٤٢٨] ذكر فيه حديث ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ رَسُول اللهِ - ﷺ - المَدِينَةَ، وَالنَّاسُ يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ العَامَ وَالعَامَيْنِ- أَوْ قَالَ: عَامَيْنِ أَوْ ثَلاثَةً. شَكَّ إِسْمَاعِيلُ -يعني ابن علية- فَقَالَ: "مَنْ سَلَّفَ فِي تَمْرٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كيْلٍ مَعْلُومِ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ«. هذا اَلحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وزاد:»إلى أجل معلوم (٢)، وفي لفظ: «من أسلف»، وفي لفظ «من سلم». وفي رواية للبخاري: «من أسلف في شيء» (٣). و(ابن أبي نجيح) اسمه عبد الله بن يسار مولى الأخنس، مكي، مات سنة إحدى أو اثنتين وثلاثين ومائة (٤). و(أَبو المِنْهَالِ) اسمه عبد الرحمن بن مطعم، بصري، نزل (٥) مكة (٦). وقول البخاري بعده: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، ثنا إِسْمَاعِيلُ)، محمد هو ابن سلام البيكندي، كذا بخط الدمياطي، وسبقه إليه أبو علي الجياني حيث قال: لم ينسبه أحد من الرواة، والذي عندي في هذا: أنه محمد بن سلام. وذكر أبو نصر: أن ابن سلام روى عن ابن علية (٧). و(عَبْدُ اللهِ بْنُ كَثِيرٍ) هو أخو كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهل السهمي المكي القاص، اتفقا عليهما، وليس هو بابن كثير القارئ، وليس له في البخاري غير هذا ----------- (١) في هامش الأصل: وذكره البخاري فيما سيأتي. (٢) مسلم (١٦٠٤) كتاب: المساقاة، باب: السلم. (٣) الحديث الآتي يؤثم (٢٢٤٠) وبوب عليه: السلم في وزن معلوم. (٤) انظر: «الثقات» لابن حبان ٧/ ٥، و«الثقات» لابن شاهين الترجمة ٦٢٠، و«تهذيب الكمال» ١٦/ ٢١٥ ترجمة (٣٦١٢). (٥) انظر: الجرح والتعديل ٥/ ٢٨٤ ترجمة (١٣٥٤)، «الثقات» لا ابن حبان ٥/ ١٠٨، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ٤٠٦ ترجمة (٣٩٥٨). (٦) في هامش الأصل: توفي سنة ست ومائة مشهور. (٧) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢١ - ١٠٢٢. الحديث، وذكر له مسلم حديثًا آخر في الجنائز، رواه عنه ابن جريج (١). وأما ابن التين فقال نقلًا عن أبي الحسن القابسي وغيره: هو عبد الله بن كثير أحد القراء السبعة، وليس له في البخاري غير هذا الحديث، وليس لأحد فيه رواية من القراء السبعة إلا هو وابن أبي النجود في المتابعة، قال: وقوله هذا غير صحيح، وإنما هو ما تقدم (٢)، وهو أبو معبد القاري، ووقع في «المدونة»: عبد الله بن أبي كثير (٣)، وغلط فيه، وصوابه: حذف أبي. إذا عرفت ذلك فالسلم والسلف بمعنى، سمي سلمًا لتسليم رأس المال في المجلس، وسلفًا لتقدمه، ويطلق أيضًا على القرض كما قاله الأزهري (٤). قال الماوردي: والسلم لغة حجازية، والسلف لغة عراقية (٥). قلت: قد ثبتا في الحديث كما ذكرته لك. وفي «غريب الحديث» للخطابي أن ابن عمر كان يكره أن يقال: السلم بمعنى السلف، وكان يقول: الإسلام لله، ضَنَّ بالاسم الذي هو موضوع للطاعة أن يمتهن في غيرها، وصيانة عن أن يبذل فيما سواها (٦). ------------ (١) «مسلم» ٩٧٤/ ١٠٣ باب: ما يقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها، وانظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٥/ ١٤٤ ترجمة (٦٧٣)، «صحيح ابن حبان» ٧/ ٥٣، و«تهذيب الكمال» ١٥/ ٤٦٤ ترجمه (٣٤٩٨). (٢) قلت: قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» ٢/ ٤٠٨: والذي قاله القابشي هو الذي عليه عمل الجمهور، والله أعلم. اهـ. (٣) «المدونة» ٣/ ١٢٢. (٤) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٧٤٣ مادة: (سلم). (٥) «الحاوي» ٥/ ٣٨٨. (٦) «غريب الحديث» ١/ ٦٦٥. وأخرجه البيهقي في «سننه» أيضًا موقوفًا على ابن عمر أنه كان يكره هذِه الكلمة: أُسلم في كذا وكذا، ويقول: لرب العالمين (١). والسلم هو المراد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢]. قال ابن عباس: المراد به السلم (٢)، ويحتمل كما قال الشافعي أن المراد بها: كل دين، فلا يدل على خصوصيته بالسلم (٣)، وحقيقته في الشرع: إسلام شيءٍ حاضر في غائب بلفظه، وقام الإجماع على أنه لا يجوز السلم إلا في كيل معلوم أو وزن معلوم، فيما يكال أو يوزن، وأجمعوا أنه إذا كان السلم فيما لا يكال ولا يوزن أنه لا بد فيه من عدد معلوم، وأجمعوا أنه لا بد من صفة الشيءِ المسلم فيه. ويدخل في قوله: «كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ»؛ إذ العلم بهما يستلزمه. وقال ابن حزم: لا يجوز السلم إلا في مكيل أو موزون فقط، ولا يجوز في حيوان، ولا في مذروع أو معدود، ولا في شيء غير ما ذكر، قال: وكرهت طائفة السلم، روي عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أنه كان يكره السلم كله، قال: وأباح أبو حنيفة ومالك السلف في العدد والمذروع من الثياب بغير ذكر وزنه، ومنعا من السلف حالًّا، وجوزه الشافعي حالًّا؛ لأنه إذا جاز مؤجلًا فالحال أجوز (٤). والحديث سيق لبيان العلم بالأجل، وأجاز السلم في كل شيء قياسًا على المكيل والموزون، قال: والأجل ساعة فما فوقها. ----------- (١) «السنن الكبرى» ٦/ ٢٨ (١١١٤٢). (٢) رواه الطبري في «التفسير» ٣/ ١٦ (٦٣١٤ - ٦٣١٨). (٣) «الأم» ٣/ ٨٠. (٤) «الأم» ٣/ ٨٣. وقال بعض الحنيفة: لا يكون أقل من نصف يوم. وقال بعضهم: لا يكون أقل من ثلاثة أيام (١). وقال المالكيون: يكره أقل من يومين (٢). وقال الليث: خمسة عشر يومًا (٣). قلت: ورواية ابن القاسم عن مالك: ما تتغير فيه الأسواق (٤). ورواية ابن عبد الحكم عنه: أنه لا بد فيه من الأجل وإن كان أيامًا يسيرة. واختلف في السلم في البيض، فلم يجزه أبو حنيفة، وأجازه مالك بالعدد (٥)، وفي اللحم أجازه الشافعي ومالك، ومنعه أبو حنيفة، وكذلك السلم في الرؤوس والأكارع منعه أبو حنيفة، وأجازه مالك، واختلف فيه قول الشافعي؛ والسلم في الدر والفصوص أجازه مالك، ولم يتعرض في الحديث لموضع القبض، وليس بشرط عند مالك وأحمد وإسحاق وأبي ثور، ولو كان شرطًا لبينه، وقال بعض الناس: لا يجوز حتى يسميه. وقال القاضي في: «معونته»: الأولى أن يسمي، فإن أطلق جاز ولزم الموضع الذي عقد فيه، وأجري لهم عرف في قبض سلمهم (٦). --------- (١) «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٦ بلفظ: «لا يكون الأجل في السلم إلا ثلاثة أيام فصاعدًا»، «المحيط البرهاني» ١٠/ ٢٧٨. (٢) «النوادر والزيادات» ٦/ ٦٦ بنحوه. (٣) «المحلى» ٩/ ١٠٥ - ١٠٩ بتصرف. (٤) «المنتقى» ٤/ ٢٩٧ بلفظ: قال إن القاسم في «المدونة» لا يجوز إلا إلى لأجل الذي تختلف في مثله الأسواق الخمسة عشر يومًا والعشرين يومًا. (٥) «التاج والإكليل» ٦/ ٥٠٣، «المدونة الكبرى» ٣/ ١٢٣. (٦) «المعونة» ٢/ ٣٥. ونقل ابن بطال عن مالك: أنه إن لم يذكر الموضع جاز السلم، ويقبضه في المكان الذي كان فيه السلم، فإن اختلفا في الموضع فالقول قول البائع. وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يجوز فيما له حمل ومؤنة إلَّا أن يشترط في تسليمه مكانًا معلومًا (١). وعند الشافعية: أنه إذا أسلم بموضع لا يصلح للتسليم أو يصلح ولحمله مؤنة لا بد من اشتراط بيان محله وإلَّا فلا. وقوله: (يُسْلِفُونَ فِي الثَّمَرِ العَامَ وَالعَامَيْنِ) فيه إجازة السلم فيه، وإن لم يكن ذلك الوقت موجودًا إذا وجد في وقتٍ يحل فيه السلم. ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٦٥. ٢ - باب السَّلَمِ فِي وَزْنٍ مَعْلُومٍ ٢٢٤٠ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِينَةَ، وَهُمْ يُسْلِفُونَ بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَفِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». [انظر: ٢٢٣٩ - مسلم: ١٦٠٤ - فتح: ٤/ ٤٢٩] حَدَّثَنَا عَليٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي نَجِيحٍ وَقَالَ: «فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». ٢٢٤١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَالَ: «فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». [انظر: ٢٢٣٩ - مسلم: ١٦٠٤ - فتح: ٤/ ٤٢٩] ٢٢٤٢ - ٢٢٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ ابْنِ أَبِي المُجَالِدِ. وَحَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي المُجَالِدِ. حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدٌ، أَوْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي المُجَالِدِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادِ بْنِ الهَادِ وَأَبُو بُرْدَةَ فِي السَّلَفِ، فَبَعَثُونِي إِلَى ابْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه فَسَأَلْتُهُ: فَقَالَ: إِنَّا كُنَّا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فِي الحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ. - وَسَألتُ ابن أَبْزى، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. الحديث ٢٢٤٢ - [٢٢٤٤، ٢٢٥٥ - فتح: ٤/ ٤٢٩] الحديث ٢٢٤٣ - [٢٢٤٥، ٢٢٥٤ - فتح: ٤/ ٤٢٩] ذكر فيه حديث ابن عباس السالف (١): قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ -، وَهُمْ يُسْلِفُونَ ---------- (١) السالف في الباب السابق. بِالتَّمْرِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلاثَ، فَقَالَ: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيءٍ (فليسلف في) (١) كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». وفي رواية غير الصحَيح وقال: «فليسلف في كل معلوم …» إلى آخره. (وفي رواية) (٢): قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَقَالَ: «فِي كَيْلٍ مَعْلُومِ ..» إلى آخره. وحديث محمد بن أبي المجالد وساق أيضًا: مُحَمَّد، أَوْ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي المُجَالِدِ قَالَ: اخْتَلَفَ عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَادِ بْنِ الهَادِ وَأَبُو بُرْدَةَ في السلم، فَبَعَثُونِي إِلَى ابن أَبِي أَوْفَى فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: إِنَّا كُنا نُسْلِفُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ. وَسَاَلْتُ ابن أَبْزى، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ. وهو من أفراده، وقول البخاري: (حَدَّثَنَا أَبُو الوَليدِ)، هو: هشام بن عبد الملك الطيالسي، مات سنة سبع وعشرين ومائتين (٣) (٤). وقوله: (حَدَّثَنَي يَحْيَى)، هو ابن موسى خت مات سنة تسع وثلاثين ومائتين (٥). وعبد الله بن شداد (٦) قتل بدجيل سنة إحدى ------------ (١) في هامش الأصل: (ففي) وعليها: (خ). (٢) تحتها في الأصل: ساقها من طريق آخر إلى أبي نجيح عنه. (٣) في هامش الأصل: وله ٩٤ سنة، كذا في «الكاشف» في ترجمة هشام، وأرخ بذلك سنة أربع فيه. (٤) انظر «ثقات» ابن شاهين (١٥٣٥)، و«الجرح والتعديل» ٩/ ٦٥ (٢٥٣)، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٢٦ (٦٥٨٤). (٥) انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٩/ ١٨٨ (٧٨١) و«ثقات ابن حبان» ٩/ ٢٦٧، و«تهذيب الكمال» ٦/ ٣٢ (٦٩٣٠). (٦) في هامش الأصل: ابن الهاد وهو لقبه واسمه أسامة بن عمرو بن عبد الله بن جابر، وقيل: هو أخي عمرو لقب به؛ لأنه كان يوقد النار لتهتدي إليه الأضياف. وثمانين (١)، كناني ليثي، أمه: سلمى بنت عميس أخت أسماء بنت عميس، أخوات (٢) ميمونة بنت الحارث. وأبو بردة هو: عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم، مات سنة ثلاث ومائة، وقيل: أربع، وقيل: قبيل موسى بن طلحة، ومات موسى سنة ست ومائة. و(ابْنِ أَبِي أَوْفَى) هو: عبد الله بن أبي أوفى علقمة، وقيل: طعمة، آخر من مات بالكوفة من الصحابة (٣)، أخو زيد بن أبي أوفى، صحابي أيضًا. و(ابْنَ أَبْزى)، اسمه: عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، مولاهم، له صحبة. والقائل: (سَأَلْتُ ابن أَبْزى) هو محمد بن أبي المجالد الكوفي. إذا تقرر ذلك فالوزن لا بد منه بالإجماع فيما يوزن كما أسلفناه، وفيه السلف فيما ذكره، وهو جائز بالإجماع. فائدة: شرط صحة السلم قبض رأس المال في المجلس عند الثوري والكوفيين والشافعي، وعند مالك إن تأخر قبل رأس المال يومين أو ثلاثة بغير شرط جاز، كما لو كان لرجل على رجل دين جاز أن يؤخر اليوم واليومين على وجه الرفق. -------- (١) ورد في الأصل تحت هذِه الكلمة: في «الكاشف»، و«تهذيب النووي» سنه اثنتين، وفي «الوفيات» للذهبي كما قاله الشيخ. (٢) ورد بهامش الأصل تحت هذِه الكلمة: وهن عشر أخوات لأم، وقيل: تسع. (٣) في هامش الأصل: توفي سنة ست وثمانين، وأبوه صحابي، أتي النبي - ﷺ - بصدقته فصلى عليه، كما هو في البخاري ومسلم راجعه، روي له حديثان ضعفا بمرة أنهما في «مسند بقي بن مخلد». ٣ - باب السَّلَمِ إِلَى مَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ أَصْلٌ ٢٢٤٤ - ٢٢٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي المُجَالِدِ قَالَ: بَعَثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ وَأَبُو بُرْدَةَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنهما فَقَالَا: سَلْهُ: هَلْ كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - يُسْلِفُونَ فِي الحِنْطَةِ؟ قَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّيْتِ، فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ. قُلْتُ: إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. ثُمَّ بَعَثَانِي إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبزى فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: كَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - ﷺ - يُسْلِفُونَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ - ولَمْ نَسْأَلْهُمْ: ألَهُمْ حَرْثٌ أَمْ لا؟ [انظر: ٢٢٤٢، ٢٢٤٣ - فتح: ٤/ ٤٣٠] حَدّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ الشَّيبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ بهذا وَقَالَ: فَنُسْلِفُهُمْ فِي الِحنْطَةِ وَالشَّعِيرِ. وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ سُفْيَانَ: حَدَّثَّنَا الشَّيْبَانِيُّ وَقَالَ وَالزَّيْتِ. حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الشَيْبَانِيٌّ وَقَالَ: فِي الِحنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ. ٢٢٤٦ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا البَخْتَرِيِّ الطَّائِيَّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ. قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ، حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. فَقَالَ الرَّجُلُ وَأَيُّ شَيْءٍ يُوزَنُ؟ قَالَ رَجُلٌ إِلَى جَانِبِهِ: حَتَّى يُحْرَزَ. وَقَالَ مُعَاذٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، قَالَ أَبُو البَختَرِيِّ: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُ - ﷺ -. مِثْلَهُ. [٢٢٤٨، ٢٢٥٠ - مسلم: ١٥٣٧ - فتح: ٤/ ٤٣١] ذكر فيه حديث محمد بن أبي المجالد السالف (١) وفيه: هَلْ كَانَ ---------- (١) السالف في الباب قبله. ![]()
__________________
|
|
#426
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 631 الى صـــ 646 الحلقة (426) أَصْحَابُ رسول الله - ﷺ - فِي عَهْدِه يُسْلِفُونَ فِي الحِنْطَةِ؟ وقَالَ عَبْدُ اللهِ: كُنَّا نُسْلِفُ نَبِيطَ أَهْلِ الشَّأْمِ فِي الحِنْطَةِ وَالشَعِيرِ وَالزَّيْيب (١)، فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إلى أَجَلٍ مَعْلُومِ. قُلْتُ: إِلَى مَنْ كَانَ أَصْلُهُ عِنْدَهُ؟ قَالَ: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وكذا قال ابن أَبْزى، وَلَمْ نَسْأَلْهُمْ: أَلَهُمْ حَرْث أَمْ لا؟ وفي رواية: وقال: «والزيت». ورواه عن محمد هذا شعبة في الباب قبله. وهنا الشيباني (٢) وهو: سليمان -كما ذكره بعد في باب: السلم إلى أجل معلوم-. بن أبي سليمان: فيروز، وقيل: خاقان مولى شيبان بن ثعلبة، مات بعد الأربعين ومائة أو قبيلها. وأبو عمرو الشيباني منسوب إلى ذهل بن شيبان بن ثعلبة، واسمه: سعد بن إياس. ورواه وكيع، عن شعبة، به، وفيه: لا ندري عند أصحابه منه شيء أم لا. وقول البخاري: (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ): هو ابن شاهين الواسطي، مات بعد الخمسين ومائتين. وذكر فيه أيضًا عن ابن عباس أنه سئل عن السلم في النخل، فقال: نهى النبي - ﷺ - عن بيع النخل حتى يؤكل (٣) منه وحتى يوزن، فقال رجل إلى جانبه: حتى يحزر. --------- (١) كذا في الأصل، وكتب الناسخ عليها علامة التصحيح، وكتب في هامش الأصل (والزيت)، وأشار إلن أنها نسخة. (٢) كتب ناسخ الأصل فوق هذِه الكلمة بالمعنى ساقه. اهـ. قلت (المحقق): يعني رواية الشيباني في الباب قبله. (٣) في هامش الأصل: قاله الذهبي في «النبل». وهو في مسلم أيضًا (١)، وقال: سألته عن بيع النخل واعترض ابن بطال، فقال: هذا الحديث ليس من هذا الباب، وإنما هو من الباب الذي بعده، وغلط فيه الناسخ (٢). قلت: لم يغلط فيه، قال ابن المنير: التحقيق أنه من هذا الباب، وقلَّ من يفهم ذلك إلا مثل البخاري، ووجهه: أن ابن عباس لما سئل عن السلم إلى من له نخل في ذلك النخل، عدَّ ذلك من قبيل بيع الثمار قبل بدو صلاحها، فإذا كان السلم في النخيل لا يجوز، لم يبق في وجودها في ملك المسلَّم إليه فائدة متعلقة بالسلم، فيصير جواز السلم إلى من ليس عنده أصل، ولا يلزم سد باب السلم (٣)، وإنما كره السلم إلى من ليس عنده أصل؛ لأنه جعله من باب الغرر. وأصل السلم أن يكون إلى من عنده مما يُسْلَم فيه أصل، إلا أنه لما وردت السنة في السلم بالصفة المعلومة والكيل والوزن والأجل المعلوم كان ذلك عامًّا فيمن عنده أصل، وفيمن ليس عنده، وجماعة الفقهاء يجيزونه إلى من ليس عنده أصل، وحجتهم حديث الباب، وهو نص فيه، وزعم أنه لا يجوز سلم من لا أصل له، وليس من شرطه عند مالك أن يكون المسلم فيه موجودًا- حال العقد خلافًا لأبي حنيفة وإنما من شرطه أن يكون موجودًا حال حلوله. وفيه: من الفقه جواز السلم في العروض إلى من ليس عنده ما باع بالسلم، ولو كان عندما باع ما حلَّ البيع؛ لأنه بيع شيء معين لم يقبض إلى مدة طويلة، وهذا لا يجوز بإجماع كما قاله المهلب. --------- (١) مسلم (١٥٣٧) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٦٧. (٣) «المتواري» ص ٢٥١. وفيه: مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم، وإباحة السلم في السمن والشيرق، وما أشبه ذلك، إذ هو في معنى الزيت. فائدة: قوله: (نبيط أهل الشام)، ويأتي: (أنباط من أنباط الشام) هم نصارى الشام الذين عمروها، قال الجوهري: نبط الماء ينبط نبوطًا (١): نبع فهو نبيط للذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت، وأنبط الحفار بلغ الماء. والاستنباط: الاستخراج والنبط والنبيط قوم ينزلون بالبطائح بين العراقين، والجمع أنباط، يقال: رجل نبطي ونباطي ونباط، وحكى يعقوب: نباطي بالنون المضمومة، وقد استنبط الرجل. فائدة ثانية: قوله: (ليحرز)، جعل الحزر وزنًا تمثيلًا له، فإن يخبر بالخرص عن مقدار، كأنه وزنه، وفائدة الخرص إذا اشتد وصلح للأكل وأمنه من العاهة أن يعلم كمية حقوق الفقراء قبل أن يأكل منه أربابه، ثم يخلى بينهم وبينه، ثم يؤخر العشر بالخرص. قال الخطابي: وقوله: (حتى يوزن) معناه: حتى يخرص (٢)، وسماه وزنًا؛ لأن الخارص يحزرها ويقدرها، فيحل ذلك محل الوزن لها. والمعنى في النهي عن بيعها قبل الخرص شيئان: أحدهما: تحصين الأموال، وذلك أنها في الغالب لا تأمن العاهة إلا بعد الإدراك، وهو أوان الخرص. الثاني: أنه إذا باعها قبل بدوه على القطع سقط حقوق الفقراء؛ لأن الله سبحانه أوجب إخراجها وقت الحصاد. --------- (١) «الصحاح» ٣/ ١١٦٢ مادة: (نبط). (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١١١٤. ٤ - باب السَّلَمِ فِي النَّخْلِ ٢٢٤٧ - ٢٢٤٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. [انظر: ١٤٨٦ - فتح: ٤/ ٤٣٢] وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. [انظر: ٢٢٤٦ - مسلم: ١٥٣٧ - فتح: ٤/ ٤٣٢] ٢٢٤٩ - ٢٢٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ السَّلَمِ فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَنَهَى عَنِ الوَرِقِ بِالذَّهَبِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. وَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يَأْكُلَ أَوْ يُؤْكَلَ، مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قُلْتُ: وما يوزن؟ قَالَ رَجُلٌ عِنْدَهُ: حتَّى يُحرَزَ. [انظر: ٢٢٤٦ - مسلم: ١٥٣٧ - فتح: ٤/ ٤٣٢] ذكر فيه حديث عَمْرٍو، عَنْ أَبِي البَخْتَرِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ عَنِ السَّلَمِ في النَّخْلِ، فَقَالَ: نُهِيَ عَنْ بَيْعِ النَخْلِ حَتَّى يَصْلُحَ، وَعَنْ بَيْعِ الوَرِقِ نَسَاءً بِنَاجِزٍ. وَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ السَّلَم فِي النَّخْلِ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ النَّخْلِ حَتَّى يُؤْكَلَ مِنْهُ، أَوْ يَأْكُلَ مِنْهُ، وَحَتَّى يُوزَنَ. وفي رواية: سألت ابن عمر عن السلم في النخل فقال: نهى عمر عن بيع التمر حتى يصلح، ونهى عن الورق بالذهب نساء بناجز، وسألت ابن عباس (١) قال: نهى النبي - ﷺ - عن بيع النخل حتى يأكل ----------- (١) كتب ناسخ الأصل فوقها: ساقها من طريق آخر. أو يؤكل، وحتى يوزن. قلت: ما يوزن؟ قال رجل عنده: حتى يحزر. حديث ابن عباس سلف (١). وعمرو هو: ابن مرة بن عبد الله المرادي الجملي الكوفي، مات سنة ست عشرة ومائة، وقيل: سنة ثماني عشرة، وكان أعمى (٢). وأبو البخترى: سعيد بن فيروز، أو ابن جبير أو سعد قتل في الجماجم سنة ثلاث وثمانين، وقال الهيثم: قتل يوم دحيل سنة إحدى وثمانين (٣). إذا عرفت ذلك. فقد اختلف العلماء في هذا الباب فقال الكوفيون والثوري والأوزاعي: لا يجوز السلم إلا أن يكون المسلم فيه موجودًا في أيدي الناس من حين العقد إلى وقت حلول الأجل، فإن انقطع في شيء من ذلك لم يجز، وهو مذهب ابن عمر وابن عباس على ما ذكره البخاري في الباب. وقال مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز السلم فيما هو معدوم من أيدي الناس، إذا كان مأمون الوجود عند حلول الأجل في الغالب، فإن كان حينئذ ينقطع لم يجز. احتج الأولون بأنه - عليه السلام - نهى عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، وعن بيع ما لم يخلق، وقالوا: من مات فقد حل دينه، وإن لم يوجد كان غررًا، وهو فاسد، كما قال ابن القصار؛ لأنه قد يحل الأجل ويتعذر السلم بأن يموت المسلم إليه أو يفلس، ولو وجب أن يمنع السلم ---------- (١) سلف في الباب السابق (٢٢٤٦). (٢) انظر ترجمته في «ثقات ابن حبان» ٥/ ١٨٣، و«تهذيب الكمال» ٢٢/ ٢٣٢ ترجمة (٤٤٤٨). (٣) انظر: «الجرح والتعديل» ٤/ ٥٤ ترجمة (٢٤١)، و«تهذيب الكمال» ١١/ ٣٢ ترجمة (٢٣٤٢). لجواز ما ذكروه لوجب أن لا يجوز بيع شيء نسيئة؛ لأنه قد يطرأ على المشتري الموت والفلس قبل محل الأجل، فلا يصل صاحب الحق إلى ماله، فيكون هذا غررًا، ولكنه جائز؛ لأن الناس يدخلون في وقت العقد على رجاء السلامة، ولم يكلفوا مراعاة ما يجوز أن يحدث ويجوز ألا يحدث. ولو أسلم في شيء إلى شهر فإن وقت المطالبة بالمسلم فيه هو رأس الشهر، بدليل أن الشيء لو كان موجودًا قبل الشهر لم يكن له المطالبة ولا للمسلم إليه أن يجبره على مراعاة وجوده قبل المحل وحين العقد؛ لأن وجوده كعدمه، ولو كان المسلم فيه موجودًا طول السنة إلا يوم القبض فأسلم فيه إلى سنة، كان هذا السلم باطلًا بإجماع. وإن كان موجودًا عند العقد وطول السنة؛ لأن حين المحل والقبض معدوم، فعلم بهذا الاعتبار بوجوده حين القبض لا حين العقد، والدليل على هذا أنهم كانوا يسلفون في عهده - عليه السلام - التمر في السنة والسنتين، ومعلوم أنه إذا أسلم في التمر سنة، فإنه يتخلل الأجل زمان ينقطع فيه التمر، وهو زمن الشتاء، ثم إنه - عليه السلام - أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم السلف في سنة وأكثر، فثبت ما قلناه. وأما نهيه - عليه السلام - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، فهو محمول عندنا على أن بيع الثمرة عينًا لا يجوز إلا بعد بدو صلاحها، وفي السلم ليس عند العقد ثمرة موجودة عند البائع تستحق اسم البيع حقيقة، وحديث النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها مرتب على السلم، تقديره: أنه نهى عن بيعها حتى يبدو صلاحها، إلا أن يكون سلمًا: لحديث ابن عباس: أنهم كانوا يسلفون في التمر السنتين والثلاث، وذلك بيع له قبل أن يبدو صلاحه وقبل أن يخلق، فإذا جاز السلم في الثمرة فقد جاز في الرطب، والرطب لا يوجد في سائر السنة كما يوجد التمر، فلا معنى لقولهم. وقال ابن التين: قول ابن عباس في السلم في النخل، وذكره، لنهي الشارع عن بيع النخل حتى يؤكل واضح، وهو الذي كان يفعله أهل المدينة أن يسلفوا في تمر نخلة بعينه، فأمرهم الشارع أن يسلفوا في كيل المعلوم، فإذا أسلم في ثمرة معينة فهو شراء، ولا يجوز إلا بعد الزهو، وجائز أن يتأخر خمسة عشر يومًا [ما] (١) لم ييبس؛ لضرورة الناس إلى أخذه شيئًا فشيئًا، والضرورة أباحته. ------------ (١) زيادة يقتضيها السياق. ٥ - باب الكَفِيلِ فِي السَّلَمِ ٢٢٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، حَدَّثَنَا يَعْلَى، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: اشْتَرَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - طَعَامًا مِنْ يَهُودِيٍّ بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعًا لَهُ مِنْ حَدِيدٍ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ٤/ ٤٣٣] تقدم حديثه في باب: الشراء بالنسيئة (١)، وترجم عليه أيضًا. ------------ (١) سلف برقم (٢٠٦٨) كتاب: البيوع. ٦ - باب الرَّهْنِ فِي السَّلَمِ ٢٢٥٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ مَحْبُوبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: تَذَاكَرْنَا عِنْدَ إِبْرَاهِيمَ الرَّهْنَ فِي السَّلَفِ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - اشْتَرَى مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، وَارْتَهَنَ مِنْهُ دِرْعًا مِنْ حَدِيدٍ. [انظر: ٢٠٦٨ - مسلم: ١٦٠٣ - فتح: ٤/ ٤٣٣] وقد أسلفنا هناك الكلام عليه واضحًا فراجعه منه. ٧ - باب السَّلَمِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ وَالأَسْوَدُ وَالحَسَنُ. وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَا بَأْسَ فِي الطَّعَامِ المَوْصُوفِ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، مَا لَمْ يَكُ ذَلِكَ فِي زَرْعٍ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ. ٢٢٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي المِنْهَالِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِينَةَ وَهُمْ يُسْلِفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَتَيْنِ وَالثَّلَاثَ، فَقَالَ: «أَسْلِفُوا فِي الثِّمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». وَقَالَ عبْدُ اللهِ بْنُ الوَليدِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي نَجِيحٍ، وَقَالَ: «فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ». [انظر: ٢٢٣٩ - مسلم: ١٦٠٤ - فتح: ٤/ ٤٣٤] ٢٢٥٤، ٢٢٥٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سُلَيْمَانَ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ، قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو بُرْدَةَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ شَدَّادٍ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى وَعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى فَسَأَلْتُهُمَا عَنِ السَّلَفِ. فَقَالَا: كُنَّا نُصِيبُ المَغَانِمَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَكَأنَ يَأْتِينَا أَنْبَاطٌ مِنْ أَنْبَاطِ الشَّأْمِ فَنُسْلِفُهُمْ فِي الحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالزَّبِيبِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. قَالَ: قُلْتُ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قَالَا: مَا كُنَّا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. [٢٢٤٢، ٢٢٤٣ - فتح: ٤/ ٤٣٤] ثم ساق حديث ابن عباس السالف ولفظه: «أَسْلِفُوا فِي الثمَارِ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ». ثم ذكر حديث مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُجَالِدٍ، السالف وفي آخره: قُلْتُ: أَكَانَ لَهُمْ زَرْعٌ؟ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ زَرْعٌ؟ قال: مَا كُنَا نَسْأَلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. ورواية من سكت عن الوزن لا تعارض مَن صرح به؛ لأنها زيادة من ثبت، فقبلت. وأثر ابن عباس أخرجه الشافعي، عن سفيان، عن أيوب، عن قتادة، عن أبي حسان مسلم الأعرج، عن ابن عباس قال: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى، أن الله أحله وأذن فيه وقرأ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية، ورواه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن هشام، ثنا قتادة (١). ----------- (١) «مسند الشافعي» ٢/ ١٧١ (٥٩٧)، «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٤٨٣ (٢٢٣١٢)، ورواه أيضًا عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٥ (١٤٠٦٤)، والطبري في «تفسيره» ٣/ ١١٦ (٦٣١٨)، والطبراني ١٢/ ٢٠٥ (١٢٩٠٣)، والحاكم ٢/ ٢٨٦، والبيهقي في «السنن» ٦/ ١٨، ١٩، وفي «معرفة السنن والآثار» ٨/ ١٨٣ - ١٨٤ (١١٥٦٨)، والحافظ في «تغليق التعليق» ٣/ ٢٧٦ - ٢٧٧ من طرق عن قتادة، عن أبي حسان الأعرج، عن ابن عباس. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال المصنف في «البدر المنير» ٦/ ٦١٦: رواه البيهقي بإسناد الصحيح من حديث شعبة عن قتادة. ونقل الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٣٥ تصحيح الحاكم للحديث، وسكت عنه، والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٣٦٩). وهذا الأثر سلف أن ذكره المصنف -رحمه الله- في شرح حديثي (٢٠٦٨ - ٢٠٦٩) فقال: قال ابن عباس: هو في كتاب الله وذكر: ﴿إلَى أَجَل مُّسَمًى﴾. وهناك لم يعزه، ولم يشر أنه سيأتي معلقًا. وأيضًا لما خرجه في «البدر المنير» ٦/ ٦١٦ عزاه للبيهقي وغيره، ولم يعزه للبخاري، ولم يشر أن البخاري علقه. وكذلك لما خرجه الألباني في «الإرواء» (١٣٦٩) لم يشر أن البخاري ذكره معلقًا! وتنبه لذلك الحافظ ابن كثير فقال في «تفسيره» ٢/ ٥٠٥: وقال قتادة، عن أبي حسان .. فذكره، وكأنما نقله عن الطبري، ثم قال: رواه البخاري. أما الحافظ الزيلعي فلما خرج الأثر في «نصب الراية» ٤/ ٤٤ - ٤٥ وعزاه للحاكم والشافعي وغيرهما، وقال: ورأيت بعض مصنفي زماننا عزا هذا الحديث للبخاري، وهو غلط. اهـ. = وأثر أبي سعيد أخرجه البيهقي من حديث نبيح العنزي عنه: السلم كما يقوم السعر ربا ولكن قيل معلوم إلى أجل معلوم (١). وأثر ابن عمر أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن نمير، عن عبيد الله، عن نافع، عنه (٢). وأخبرنا ابن أبي زائدة، عن حجاج، عن وبرة قال: قال ابن عمر: لا بأس بالسلم إذا كان في كيل معلوم إلى أجل معلوم (٣). ورواه ابن بكير، عن مالك، عن نافع، عن مولاه قال: يريد -والله أعلم- أن يسلفه في زرع بعينه أو ثمره بعينه، فلا يجوز؛ لأن بيع أعيان الثمار على رءوس الأشجار إنما يجوز إذا بدا فيها الصلاح. واختلف العلماء في أجل السلم، فقال مالك والكوفيون وجمهور الفقهاء كما نقله ابن بطال عنهم أنه لا يجوز السلم الحال، ولا بد فيه من أجل معلوم (٤). وقد أسلفنا رواية ابن القاسم وابن عبد الحكم، عن مالك. -------- = قلت: أظنه، يومئ إلى الحافظ ابن كثير. وأما الحافظ ابن حجر فلما خرجه في «تلخيص الحبير» ٣/ ٣٢ تبعًا للمصنف في «البدر المنير» وعزاه للشافعي والطبراني والحاكم والبيهقي، قال: وقد علقه البخاري. وكذلك أورده السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٥٤ وعزاه للشافعي وعبد الرزاق وعبد بن حميد والبخاري وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم والبيهقي. فذكر فيمن ذكر: البخاري. (١) «السنن الكبرى» ٦/ ٢٥ من طريق عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٧ (١٤٠٧٢). (٢) «المصنف» ٤/ ٤٨٢ (٢٢٣٠٥). ورواه أيضًا مالك في «الموطأ» ٢/ ٦٤٤، وعبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٥ (١٤٠٦١)، والبيهقي ٦/ ١٩ من طريق نافع به. وفات المصنف ذكر وصل أثر الحسن وأبي الأسود- وهما في المصادر السابقة. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٤٨٢ (٢٢٣٠٤). (٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٧٢. وقال الشافعي وأبو ثور: يجوز السلم بغير ذكر الأجل أصلًا. وانتصر ابن بطال وقال: هذا خلاف الحديث؛ لأنه - عليه السلام - قال: «من أسلم» فأتى بلفظ العموم، وقد سلف جوابه، وأيضًا فإنه أحل الأجل محل الكيل والوزن، وقرنه بينهما، فلما لم يجز العقد إذا عدم صفة الكيل والوزن، فكذلك الأجل يجب اعتباره، كما لو قال: صلِّ على صفة كذا لم يجز العدول عنها (١). احتج الشافعي أن السلم بيع من البيوع، وهي تجوز بثمن معجل ومؤجل، فكذا هو، قيل: إنه ينتقض بجواز السلم في المعدوم، وهو يجوز مؤجلًا فقط، وإنما لم يجز ابن عمر السلم في زرع لم يبد صلاحه؛ لأنه سلم في عين، وحكم السلم أن لا يكون في عين معلومة، وإنما يكون في الذمة لا ينفسخ بموت أحد العاقدين في السلم، ولا بجائحة تنزل، وهذا مذهب أهل الحجاز، إلا أن مالكًا أجاز السلم في طعام بلد بعينه إذا كان الأغلب فيه أنه لا يخلف. ولم يختلف العلماء أنه لا يجوز أن يكون السلم في قمح فدان بعينه؛ لأنه غرر، ولا يُدرى هل يتم زرعه أم لا، ويجوز عند جميعهم أن يكون السلم في زمن يكون فيه الزرع قد بدا صلاحه إذا لم يكن يعين زرعًا ما، فإن أسلم في ثمر حائط بعد طيبه أو في زرع بعدما أدرك، فعن ابن القاسم أنه كرهه، وإن مات لم يفسخ، وليس بالحرام البين، ولا يجوز عند سائر الفقهاء؛ لأنه كبيع عين اشترط فيها تأخير القبض، وهو لا يجوز؛ لأنه من شرط البيع تسليم المبيع. وفي قوله: («أسلموا فِي الثِّمَارِ») إجازة السلم في الثمار كلها؛ ---------- (١) السابق. لعموم لفظه، وهو قول ابن عمر: لا بأس بالسلم في الطعام بسعر معلوم، فإن العلماء اختلفوا في رأس مال السلم، فقال مالك: لو أسلم إليه عروضًا أو تبرًا أو فضة مكسورة جزافًا، صح السلم، ولا يجوز أن يسلم إليه دينارًا أو دراهم فرق بين التبر والدراهم والدنانير؛ لأن التبر بمنزلة الثوب والسلعة عنده. وقال أبو حنيفة: لا يسلم إليه تبرٌ جزافًا، ولا شيء مما يكال أو يوزن جزافًا، وهو أحد قولي الشافعي. وقال أبو يوسف ومحمد: يجوز أن يسلم إليه الدراهم والدنانير، وكل ما يكال أو يوزن جزافًا، وهو الأظهر من قولي الشافعي، كثمن المبيع، ووجه مقابله أنه قد ينقطع، ويكون رأس المال تالفًا، فلا يدرى بم يرجع؟! (١). -------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٧٢ - ٣٧٣ بتصرف يسير. ٨ - باب السَّلَمِ إِلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ ٢٢٥٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهُ. فَسَّرَهُ نَافِعٌ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا. [انظر: ٢١٤٣ - مسلم: ١٥١٤ - فتح: ٤/ ٤٣٥] ذكر فيه حديث نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانُوا يَتَبَايَعُونَ الجَزُورَ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ، فَنَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْهُ. فَسَّرَهُ نَافِعٌ أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ مَا في بَطْنِهَا. وقد سلف تفسير ذلك. والإجماع قائم على بطلان هذا السلم؛ لأنه أجل مجهول، والشارع إنما أجازه إلى أجل معلوم. واختلفوا فيمن باع إلى الحصاد، أو الجذاذ، أو إلى العطاء، أو إلى عيد النصارى: فقالت طائفة البيع جائز، وكذا لو باع إلى رجوع الحاج. وأجاز ذلك كله أبو ثور، وقال مالك: من باع إلى الحصاد، أو إلى الجذاذ فهو جائز؛ لأنه معروف، وبه قال أحمد، قال: وكذلك إلى قدوم الغزاة. وروي عن ابن عمر أنه كان يشتري إلى العطاء، وعن القاسم بن محمد مثله، وقال الأوزاعي: إن باع إلى فصح النصارى أو صومهم فذلك جائز، وإن باع إلى الأندر والعصير فهو مكروه؛ لتفاوت ما بين أول الأندر وآخره. وقالت طائفة: لا يجوز السلم إلى العصير والحصاد والدراس، هذا قول ابن عباس، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، واحتجوا بأن الله جعل المواقيت بالأهلة قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ﴾ [البقرة: ١٨٩] وفيها قول رابع: أن البيع إلى العطاء جائز، والمال حلال، وهو قول ابن أبي ليلى، ومن باع إلى أجل غير معلوم فالبيع فاسد استدلالًا بحديث الباب. وحجة مالك أن المقصود بالحصاد وجذاذ النخل: الأوقات، فهي أوقات معلومة عند أهل المعرفة بها، سواء تقدمت أفعال الناس لها أو تأخرت (١) (٢). --------- (١) نقله جميعه عن ابن بطال في «شرحه» ٦/ ٣٧٤ - ٣٧٥ وعزاه ابن بطال فيه إلى ابن المنذر. (٢) في هامش الأصل: آخر … من … من تجزئة المصنف. وفي الحاشية اليسرى: ثم بلغ في الحادي والستين كتبه مؤلفه. ![]()
__________________
|
|
#427
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 9 الى صـــ 31 الحلقة (427) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣٦ - كِتَابُ الشُّفْعَةُ هي بضم الشين وإسكان الفاء، وممن ضبطه كذلك ابن التياني حيث قال: الشفعة على مثال ركبة. ونقل ابن التين عن بعضهم أنه لا يجوز غيره، قال صاحب «تثقيف اللسان»: والفقهاء يضمون الفاء، والصواب الإسكان، وذكر بعض العلماء أن كل فعل يجوز تثقيله وتخفيفه إذا لم يكن مسموعًا. قال ابن حزم: وهي لفظة شرعية لم تعرف العرب معناها قبل رسول الله - ﷺ -، كما لم يعرف معنى الصلاة، والزكاة، والصيام، والكفارة، والنسل، وشبهها حتى بينها الشارع (١). واختلف في اشتقاقها في اللغة على أقوال، إما من الضم أو الزيادة أو التقوية والإعانة أو من الشفاعة، قال ابن دريد: لأنه يشفع ماله بها، والشافع: الطالب لغيره، يستشفع به إلى المطلوب منه (٢). ----------- (١) «المحلى» ٩/ ٨٩. (٢) «جمهرة اللغة» ٢/ ٨٦٩. وقال أبو العباس: الزيادة، وهو أن يشفعك فيما يطلب (١). وقال ابن سيده: الشفعة في الشيء القضاء به لصاحبه (٢). وهي في الشرع حق تملك قهري يثبت للشريك القديم على الحادث بسبب الشركة الذي تملك به؛ لدفع الضرر. ------------ (١) ذكر قول أبو العباس صاحب «لسان العرب» ٤/ ٢٢٩. (٢) «المحكم» ١/ ٢٣٣. ١ - باب الشُّفْعَةُ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ ٢٢٥٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. [انظر: ٣٣١٣ - مسلم: ١٦٠٨ - فتح: ٤/ ٤٣٦] ذكر فيه حديث جَابِرِ: قَضى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالشُّفْعَةِ فِي كُلِّ مَا لَمْ يُقْسَمْ، فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ وَصُرِّفَتِ الطُّرُقُ فَلَا شُفْعَةَ. وقد سلف في باب: بيع الشريك من شريكه واضحًا (١). وقام الإجماع على القول بهذا الحديث، وأوجبوا الشفعة للشريك في المشاع من الرباع، وكل ما تأخذه الحدود، ويحتمل القسمة، وإنما اختلفوا في غير الشريك كما سبق هناك، وأوجبها بعضهم إذا كانت الطرق واحدة، وفي هذا الحديث ما ينفي الشفعة للجار؛ لأن ضرب الحدود إذا نفي الشفعة كان الجار أبعد منه. وفيه أيضًا: نفيها في كل ما لا يحتمل القسمة ولا تضرب فيه الحدود، وذلك ينفيها في العروض والحيوان، والمروي عن عطاء شاذ كما سلف، والسنة المجمع عليها بالمدينة لا شفعة إلا في الأرضين والرباع. واتفق مالك وأبو حنيفة والشافعي أن المسلم والذمي في أخذ ---------- (١) سلف برقم (٢٢١٣) كتاب: البيوع. الشفعة سواء (١). وعن الشعبي أنه لا شفعة لذمي؛ (٢) لأنه صاغر، وهو قول الثوري وأحمد (٣). حجة الأولين عموم الحديث، ولم يفرق بين مسلم وذمي، وأيضًا فإنما تجب بالشركة، لا يختلف فيه المسلم والذمي كالعتق، ألا ترى أنه لو أعتق شقصًا من عبد بينهما قُوِّم عليه كما يقوم على شريكه المسلم. والشفعة حق من حقوق الآدميين كسائر الحقوق التي هي لهم، مثل البيع والإجارة وغيرهما، والشفعة حق يتعلق بالمال، وضع لإزالة الضرر، كالرد بالعيب، فما وجب للمسلم فيه وجب للذمي مثله، وليس الصغار مما يدل على بطلان حقه؛ لأنه لا فرق بين المسلم والذمي في الحقوق المتعلقة بالأموال، كخيار الشرط في الأجل وإمساك الرهن. تنبيهات: أحدها: زعم بعضهم أن قوله: (فَإِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ إلى آخره) ليس مرفوعًا، إنما هو من كلام الراوي، وفيه نظر (٤). ثانيها: خُصَّ العقار بالشفعة؛ لأنه أكثر الأنواع ضررًا، واتفقوا على -------- (١) انظر «المدونة» ٤/ ٢٠٥، «ومختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٤٤، «والإشراف» لابن المنذر ٢/ ٨. (٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٥٢١ (٢٢٧٢٨). (٣) انظر «المغني» لابن قدامة ٧/ ٥٢٤. (٤) روى هذا القول ابن أبي حاتم عن أبيه في «العلل» ١/ ٤٧٨ واستدل على ذلك بقوله: لو كان الكلام: (فإذا وقعت الحدود ..) من كلام النبي؛ لقال الراوي: وقال النبي: إذا وقعت الحدود … فلما لم نجد ذكر الحكاية عن النبي في الكلام الأخير استدللنا أن ذلك من كلام الراوي؛ وعقب ابن حجر على ذلك في «الفتح» ٤/ ٤٣٧ بقوله: الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج بدليل. أن لا شفعة في الحيوان والثياب والأمتعة إلا ما سلف عن عطاء، وفي رواية عن أحمد بثبوتها في الحيوان والبناء المفرد. وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن ابن أبي مليكة: وسئل عن الشفعة فقال: قضى النبي - ﷺ - في كل شيء: الأرض، والدار، والخادم، والجارية (١). قال ابن حزم: وإلى هذا رجع عطاء، وهو عنهما بأصح سند (٢). وروي عن عمر بن هارون، عن سعيد، عن ابن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: «الشفعة في العبد وفي كل شيء» رده ابن عدي بعمر هذا، (٣). وروى الطحاوي عن ابن خزيمة، عن يوسف (٤) بن عدي، ثنا أبو إدريس الأودي، عن ابن جريج، عن عطاء، عن جابر: قضى النبي - ﷺ - بالشفعة في كل شيء (٥). وعند ابن حزم أن الشفعة واجبة في كل جزء بيغ مشاعًا بين اثنين فصاعدًا، من أي شيء كان، مما يقسم ومما لا ينقسم، من أرض أو شجرة واحدة فأكثر، ومن عبد أو أمة أو ثوب أو سيف، أو من طعام أو حيوان أو أي شيء بيع. ورُفع إلى عبد الملك بن يعلى رجل باع نصيبًا له غير مقسوم، فلم يجزه. -------- (١) «المصنف» ٤/ ٥٢٣ (٢٢٧٤٧). (٢) «المحلى» ٩/ ٨٤. (٣) رواه ابن عدي في «الكامل» ٦/ ٥٨ ورده يعمر بن هارون ثم قال: وهذا الحديث يعرف بعضان البلخي، عن عمرو بن هارون عن شعبة ووثب عليه ابن حميد رواه عن عمر بن هارون وكان كذابًا. ورواه البيهقي في «سننه» ٦/ ١١٠ وقال: تفرد به عمر بن هارون عن شعبة، وهو ضعيف لا يحتج به. ورواه الخطيب في «تاريخه» ١١/ ١٩٠ وقال: عمر بن هارون متروك الحديث، والحديث باطل. (٤) غدا في «شرح معاني الآثار» وفي «المحلى»، وفي الأصل يونس، وهو تحريف. (٥) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٢٦ (٦٠١٥). وقال ابن سيرين: لا بأس بالشريكين بينهما الشيء الذي لا يكال ولا يوزن أن يبيعه قبل أن يقاسمه. وقال الحسن: لا بيع فيه ولا في غيره حتى يقاسمه، إلا أن يكون لؤلؤة أو ما لا يقدر على قسمته. ولم يرَ عثمان البتي شفعة لشريك (١). ورأى ابن شبرمة الشفعة في الماء، ورأى مالك الشفعة في التين والعنب والزيتون والفواكه في رءوس الشجر (٢). وفي «الاستذكار» لابن عبد البر عن معمر: قلت لأيوب: أتعلم أحدًا كان يجعل في الحيوان شفعة؟ قال: لا. قال معمر: ولا أنا أعلم أحدًا جعل فيه شفعة. وقال ابن شهاب: ليس في الحيوان شفعة (٣)، وعن إبراهيم: لا شفعة إلا في دار أو أرض. وعن عمر بن عبد العزيز أن النبي - ﷺ - قضى بالشفعة في الدين (٤). وفي لفظ: «من ابتاع دينًا على رجل فصاحب الدين أولى إذا أدى مثل الذي أدى صاحبه». (٥). ثالثها: قد أسلفت الكلام على حديث: «الجار أحق بصقبه» في الباب المشار إليه قريبًا، وأخرجه ابن حزم من حديث عبد الله بن ---------- (١) «المحلى» ٩/ ٨٢ - ٨٣. (٢) السابق ٩/ ٨٧. (٣) «الاستذكار» ٢١/ ٣٠٩ وأثر معمر رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٨٦ (١٤٤٢٣) وأثر ابن شهاب رواه عبد الرزاق أيضًا ٨/ ٨٩ (١٤٤٣٤) من طريق ابن شهاب عن ابن المسيب. (٤) رواه عبد الرزاق ٨/ ٨٨ (١٤٤٣٣). (٥) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٨٨ (١٤٤٣١). عمرو، ووهاه (١)، وأبو داود من حديث جابر بزيادة: «ينتظر به وإن كان غائبًا إذا كان طريقهما واحدًا» (٢)، حسنه الترمذي مع الغرابة (٣)، ووهاه أحمد (٤). وأما حديث الحسن، عن سمرة رفعه: «جار الدار أحق بالدار» فصححه الترمذي، وذكر مثله عن أنس، وقال: الصحيح الأول (٥) وخطأ النسائي رفعه (٦)، وكذا الدارقطني، وابن حزم (٧). -------- (١) «المحلى» ٩/ ١٠١، ١٠٣. (٢) أبو داود (٣٥١٨). (٣) الترمذي (١٣٦٩). (٤) قال عبد الله ابن أحمد في «علل أبيه» ٢/ ٢٨١ (٢٢٥٦): هذا حديث منكر وقال مرة: قال أبي: قال شعبة فيه: أَخِّر مثل هذا ودمر، وقال مرة أخرى: ليس هو في كتاب غندر. انظر «العلل» الإمام أحمد ١/ ٥٤٥ (١٢٩٢)، ١/ ٣٣٣ (٥٩٩) على الترتيب. (٥) الترمذي (١٣٦٨). (٦) رواه النسائي كما في «تحفة الأشراف» ١/ ٣١٨ (١٢٢٢). (٧) «المحلى» ٩/ ١٠٢ - ١٠٣. ٢ - باب عَرْضِ الشُّفْعَةِ عَلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ البَيْعِ وَقَالَ الحَكَمُ: إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ البَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: مَنْ بِيعَتْ شُفْعَتُهُ وَهْوَ شَاهِدٌ لَا يُغَيِّرُهَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ. ٢٢٥٨ - حَدَّثَنَا المَكِّيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَجَاءَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى إِحْدَى مَنْكِبَيَّ، إِذْ جَاءَ أَبُو رَافِعٍ -مَوْلَى النَّبِيِّ - ﷺ -- فَقَالَ: يَا سَعْدُ، ابْتَعْ مِنِّي بَيْتَيَّ فِي دَارِكَ. فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ مَا أَبْتَاعُهُمَا. فَقَالَ المِسْوَرُ: وَاللهِ لَتَبْتَاعَنَّهُمَا. فَقَالَ سَعْدٌ: وَاللهِ لَا أَزِيدُكَ عَلَى أَرْبَعَةِ آلَافٍ مُنَجَّمَةٍ -أَوْ مُقَطَّعَةٍ-. قَالَ أَبُو رَافِعٍ: لَقَدْ أُعْطِيتُ بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ». مَا أَعْطَيْتُكَهَا بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَأَنَا أُعْطَى بِهَا خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ. فَأَعْطَاهَا إِيَّاهُ. [٦٩٧٧، ٦١٧٨، ٦٩٨٠، ٦٩٨١ - فتح: ٤/ ٤٣٧] ثم ساق حديث عَمْرِو بْنِ الشَّرِيدِ قَالَ: وَقَفْتُ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ .. الحديث. وذكر عرض أبي رافع بيته عليه. وقال أبو رافع: لقد أعطيت بها خمسائة دينار، ولولا أن سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «الجار أحق بسقبه» ما أعطيتكها بأربعة الآف، وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاها إياه. الشرح: تعليق الحكم رواه وكيع، عن سفيان، عن أشعث عنه: إذا أذن الشفيع للمشتري في الشراء فلا شفعة له (١). ---------- (١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٥٢٣ (٢٢٧٥٢) عن وكيع وبه. وأثر الشعبي رواه ابن أبي شيبة عن وكيع، ثنا يونس بن أبي إسحاق، قال: سمعت الشعبي به. وفيه لا ينكر بدل: يغير (١). وحديث أبي رافع من أفراده، ويأتي في الحيل أيضًا (٢). إذا تقرر ذلك فعرض الشفعة على الشريك قبل البيع فأبى إليه كما فعل أبو رافع، ألا ترى أنه حط من ثمن البيتين كثيرًا، رغبة في العمل بالسنة. وفيه: ما كانوا عليه من الحرص على موافقة السنن والعمل بها، والسماحة بأموالهم في جنب ذلك، فإن عرض عليه الشفعة وأذن له الشريك في بيع نصيبه، ثم رجع فطالبه بالشفعة، فقالت طائفة: لا شفعة له، هذا قول الحكم، والثوري، وأبي عبيد وطائفة من أهل الحديث، واحتجوا بحديث جابر الذي أسلفناه هناك: لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به، وهو دال على أن تركه تنقطع به شفعته، ومحال أن يقول - ﷺ - إن شاء أخذ وإن شاء ترك!! فإذا ترك لا يكون لتركه معنى. وقالت طائفة: إن عرض عليه الأخذ بالشفعة قبل البيع فأبى أن يأخذ، ثم باع فأراد أن يأخذ بشفعته، فذلك له، هذا قول مالك والكوفيين، ورواية عن أحمد، ويشبه مذهب الشافعي، كما ذكره ابن بطال، وهو مذهبه، وحكي أيضًا عن عثمان البتي، وابن أبي ليلى (٣). واحتج أحمد وقال: لا تجب له الشفعة حتى يقع البيع، فإن شاء --------- (١) «المصنف» ٤/ ٥٢٣ (٢٢٧٤٩). (٢) سيأتي برقمي (٦٩٧٧ - ٦٩٧٨) باب: في الهبة والشفعة. (٣) في الأصل الشافعي، وفي هامشها بخط ناسخها: صوابه الشعبي. أخذ، وإن شاء ترك. واحتج بمثله ابن أبي ليلى. واختلفوا في المسألة التي ذكرها الشعبي في الباب، فقال مالك: إذا باع المشتري نصيبه من أجنبي وشريكه حاضر يعلم بيعه، فله المطالبة بالشفعة متى شاء، ولا تنقطع شفعته إلا بمضي مدة يعلم أنه في مثلها تارك. واختلف في المدة، فقيل: سنة، وقيل: فوقها، وقيل: فوق ثلاث، وقيل: فوق خمس، حكاها ابن الحاجب. وقال أبو حنيفة: إذا وقع البيع فعلم الشفيع به، فإن أشهد مكانه أنه على شفعته وإلا بطلت شفعته، وبه قال الشافعي. قال: إلا أن يكون له عذر مانع من طلبها، من حبس أو غيره فهو على شفعته. حجة أبي حنيفة بأن سكوته رضا بإسقاط حقه، قياسًا على خيار البكر أنه على الفور. حجة مالك القياس على عتق الأمة تحت عبد عنده. واستدل أهل العراق على شفعة الجوار بحديث الباب، غير أنهم جعلوا الشريك في المنزل أحق بها من الجار، فإن سلم الشفعة الشريك في الدار فالجار الملاصق أحقُّ بها من غيره، فإن كان بينهما طريق نافذ فلا حق له فيها، هذا قول أبي حنيفة وأصحابه، وتعلقوا بلفظ: «الجَارُ أَحَقُّ بِسَقَبِهِ»، وقالوا: لا يراد به الشريك؛ لأن الجار لا يقع إلا على غير الشريك، وزعموا أنه لا يوجد في اللغة أن الشريك يسمى جارًا، فخالفوا نص الحديث وتركوا أوله؛ لتأويل تأولوه في آخره، أما مخالفتهم نصه فهو أن أبا رافع كان شريك سعد في البيتين في داره؛ ولذلك دعاه إلى الشراء بأقل مما أعطاه غيره ممن ليس بشريك. وفيه: أن أبا رافع سمى شريكه جارًا حين صرف معنى الحديث إلى الشريك، وهو راويه وأعلم بمعناه، ولو كان المراد غيره كما زعم أهل العراق ما سلم سعد لأبي رافع احتجاجه بالحديث، ولا استدلاله به، ولقال له سعد: ليس معناه كما تأولته، وإنما الجار المراد به غير الشريك، فلما لم يرد عليه تأويله، ولا أنكره المسور وهم الفصحاء وأهل اللسان المرجوع إليهم على أن معنى الحديث ما تأوله أبو رافع، وأن الجار فيه يراد به الشريك، وأما بيع أبي رافع من سعد بأقل مما أعطاه غيره فهو من باب الإحسان بالإجماع، وكل من قارب بدنه بدن صاحبه قيل له: جار في لسان العرب؛ ولذلك قالوا لامرأة الرجل: جارة: لما بينهما من الاختلاط بالزوجية. وقد جاء في حديث دية الجنين: أن حمل بن مالك قال: كنت بين جارتين لي -يريد امرأتيه- ومنه قول الأعشى لامرأته: أجارتنا بيني فإنك طالقة. فكذلك الشريك يسمى جارًا؛ لما بينهما من الاختلاط بالشركة. وتأويل الحديث عند أهل الحجاز على وجهين: أحدهما: أن يراد به الشريك، ويكون حقه الأخذ بالشفعة دون غيره، وهو الأولى لما تقرر. ثانيهما: يحتمل أن يراد به الجار غير الشريك، ويكون حقه غير الشفعة، فيكون جارًا لرحبة يريد الارتفاق بها، ويريد مثل ذلك غير الجار، فيكون الجار أحق بصقبه، فإن لم يكن هذا فيكون ذلك فيما يجب للجيران بعضهم على بعض من حق الجوار، ومما للأجنبين من الكرامة والبر، وسائر الحقوق التي إذا اجتمع فيها الجار ومن ليس بجار وجب إيثار الجار على من ليس بجار، من طريق مكارم الأخلاق وحسن الجوار، لا من طريق الفرض اللازم، فقد أوصى الرب ﷻ بالجار فقال: ﴿وَالجَارِ ذِي القُرْبَى وَالجَارِ الجُنُبِ﴾ [النساء: ٣٦] وقال رسوله - ﷺ -: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» (١) وهذا الاحتمال ذكره ابن المنذر عن الشافعي وإذا احتمل هذا كله الحديث المجمل، ثم فسره حديث آخر بقوله: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة» كان المفسر أولى من المجمل. تنبيهات: أحدها: الصقب، بفتح الصاد والقاف، وهو بالصاد أكثر من السين كما قاله في «الجامع»، وهو: القرب، يقال: قد أصقب فلان فلانًا إذا قربه منه، فهو يصقبه وقد تصاقبا إذا تقاربا، قال ابن دريد: سقبت الدار سقوبًا، وأسقبت لغتان فصيحتان: قربت. وأبياتهم متساقبة. أي: متدانية (٢). وقال ابن الأنباري في «زاهره»: الصقب: الملاصقة. كأنه أراد ما يليه ويقرب منه، وفي «الغريبين» أراد بالجار الملاصق من غير شركة. وفيه حديث علي: إذا وجد قتيل بين قريتين حمل على أصقبهما إليه (٣). ثانيها: قال ابن التين قول الحكم قال به سفيان، وخالفهما مالك وقال: لا يلزم إذنه بذلك واستقرأ بعضهم إلزامه قياسًا على قوله: إن اشتريت عبد فلان فهو حر، أو تزوجت فلانة فهي طالق. قال: وهو ---------- (١) سيأتي برقم (٦٠١٤، ٦٠١٥) كتاب: الأدب، باب: الوصاءة بالجار. من حديث عائشة وابن عمر. (٢) «جمهرة اللغة» ١/ ٣٣٨ (ب س ق). (٣) رواه عبد الرزاق ١٠/ ٣٥ (١٨٢٦٩). في الشفعة أبين؛ لأنه لولا ذلك لم يشتر. قال: وقول الشعبي هو قول أبي حنيفة والشافعي وابن وهب، وقال مالك: هو على شفعته وإن جاوز السنة والسنة؛ لحديث قاله في «المدونة». وقد سلف الخلاف فيه في الباب وعن مالك هو على حقه أبدًا ما لم يوقف. ثالثها: قوله (أحدَ مَنْكِبَيَّ) كذا بخط الدمياطي وذكره ابن التين بلفظ: إحدى. ثم قال: هكذا: إحدى، مؤنثًا. وأنكره بعضهم، وقال: المنكب: مذكر، والمنكب مجتمع ما بين العضد والكتف. وثبه ابن التين -أيضًا- أن بيع أبي رافع بدون ما أُعطي من باب الاشفاق دون اللزوم، وكذا تأويله في السقب لأجل الجوار. قال الخطابي: وفيه: دليل على أن الشفعة ثابتة في الطرق كهي في البناء إذا كانت واسعة تحتمل القسمة، وقد أضاف البائع بيته إلى داره في قوله لسعد: (ابتع مني بيتي في دارك). وطريقهما لا محالة شائعة في العرصة وهي جزء من الدار، ولذلك استحق به الشفعة (١). وعن أحمد روايتان فيما حكاه ابن الجوزي في الطرق والعرصة، هل يجب فيهما الشفعة بانفرادهما؟ رابعها: ذهب ابن حزم إلى الأخذ بالشفعة متى شاء ولو بعد ثمانين سنة أو أكثر أو تلّفظ بالترك (٢)، وعن أبي حنيفة: ثلاثة أيام، وبه يقول البتي، وابن شبرمة، والأوزاعي، وقال عبيد الله بن الحسن: لا يمهل إلا ساعة واحدة (٣)، وعن الشعبي: يوم واحد، وعن عمر بن عبد العزيز: بضع عشرة سنة. --------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ١١١٦. (٢) «المحلى» ٩/ ٨٩. (٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٤١ - ٢٤٢. قال ابن عبد البر: قضى عمر بن عبد العزيز بالشفعة بعد أربع عشرة سنة -يعني- للغائب (١)، قال: وأهل العلم مجمعون على أن الغائب إذا لم يعلم بالبيع ثم قدم فله الشفعة مع طول غيبته، واختلفوا إذا علم في سفره فقيل: يشهد، وإلا فلا شفعة له، وقيل: على شفعته (٢). ومن الأحاديث الضعيفة -بسبب ابن البيلماني- حديث ابن عمر مرفوعًا: «لا شفعة لغائب ولا لصغير، ولا لشريك على شريكه إذا سبقه بالشراء»، و«الشفعة كحل العقال» (٣). خامسها: الخلاف السالف في إسقاط الشفعة قبل ثبوتها جار فيمن أسقط شيئًا قبل وجوبه كإسقاط المواريث قبل الموت وإجازة الوارث الوصية قبل الموت، وإسقاط المرأة ما يجب لها من نفقة أو كسوة في السنة القابلة، ففي كل واحدة من هذِه المسائل خلاف. سادسها: الشفعة ثابتة للبدوي والقروي والغائب والصغير إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق والذمي. وقال قوم من السلف: لا شفعة لمن لم يسكن المصر ولا للذمي. قاله الشعبي والحارث (٤) العكلي والبتي، وهو قول أحمد وقد تقدم. زاد الشعبي: ولا لغائب. ------------ (١) «الاستذكار» ٢١/ ٢٧٧ (٣١٣٥٠)، ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٨١ (١٤٣٩٧). (٢) «الاستذكار» ٢١/ ٢٧٦ (٣١٣٤٤ - ٣١٣٤٧). (٣) رواهما ابن ماجه (٢٥٠٠ - ٢٥٠١)، ورواهما ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٨٤ حديثًا واحدًا في ترجمة ابن البيلماني وقال: وكل ما روي عن ابن البيلماني فالبلاء فيه من ابن البيلماني، وإذا روى عن محمد بن الحارث فهما ضعيفان. (٤) رواها ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٥٢١ (٢٢٧٢٤). وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة لصغير (١). «ولا تورث الشفعة». وهو قول ابن سيرين. وعن الشعبي: لا تباع ولا توهب ولا تورث ولا تعار هي لصاحبها التي وقعت له (٢)، وقال إبراهيم -فيما نقله الأثرم- لا تورث. قال ابن حزم: قال عبد الرزاق: وهو قول الثوري (٣). وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق والحسن بن حي وأبي سليمان وقال مالك والشافعي: تورث (٤). سابعها: الشفعة هل هي على عدد الرءوس أو على عدد الأنصباء إذا كانوا شركاء؟ فيه خلاف للعلماء، توقف في ذلك أحمد -كما حكاه الأثرم عنه- وقال: ما أدري. وعندنا قولان أيضًا -رجح المتأخرون الثاني، وبه قال مالك والحسن بن حي وشريح وعطاء، ولما حكاهما الشافعي في «الأم» قال: بالأول أقول (٥). ثامنها: قال أبو حنيفة: الهبة بلا ثواب لا شفعة فيها؛ لأنها عنده هبة ليست بيعًا، وكذا لا شفعة عنده في صراف ولا أجرة ولا جعل ولا خلع ----------- (١) انظر «المغني» ٧/ ٤٧٠، وقال مالك في «المدونة» ٤/ ٢٠٨: الشفعة لوليه فإن لم يكن فهو على شفعته إذا بلغ. (٢) رواه عنه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ٨٣ (١٤٤٠٧). (٣) «المصنف» ٨/ ٨٣. (٤) «المحلى» ٩/ ٩٦، وانظر «المدونة» ٤/ ٢١٦، «ومختصر اختلاف العلماء» ٤/ ٢٤٨ «والمغني» ٧/ ٥١٠. (٥) «الأم» ٣/ ٢٣١. ولا في شيء صولح عليه من دم عمد، وعندنا: تثبت في الهبة ذات الثواب لأنها معاوضة. وهل يأخذ قبل قبض الموهوب؛ لأنه صار بيعًا أو لا؛ لأن الهبة لا تتم إلا بالقبض؟ فيه وجهان: أصحهما أولهما، وأشار الشافعي والماوردي إلى توقف الأخذ على دفع المتهب الثواب. قال ابن عبد البر: وكان مالك يرى أولًا أن في الهبة الشفعة، وإن كانت بغير ثواب، ثم رجع عنه (١). ----------- (١) «الاستذكار» ٢١/ ٢٧١ (٣١٣٢١). ٣ - باب: أَيُّ الجِوَارِ أَقْرَبُ؟ ٢٢٥٩ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ ح. وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا». [٢٥٩٥، ٦٠٢٠ - فتح: ٤/ ٤٣٨] حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، ثَنَا شُعْبَةُ ح وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ، ثَنَا شَبَابَةُ، ثَنَا شُعْبَةُ، ثَنَا أَبُو عِمْرَانَ قَالَ: سَمِعْتُ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَائِشَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لِي جَارَيْنِ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ: «إِلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا». هذا الحديث من أفراده، وحجاج هو ابن منهال السلمي مولاهم البصري الأنماطي أبو محمد مات سنة سبع عشرة ومائتين (١)، وعليُّ قيل: هو ابن سلمة بن عقبة أبو الحسن القرشي اللبقي مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين. كذا بخط الدمياطي وسبقه به ابن طلحة فقال: يقال: هو ابن سلمة، وكذا قاله الكلاباذي وغيره، وقال الجياني: نسبه ابن السكن: ابن عبد الله. وهو ضعيف عندي (٢). وشبابة: هو ابن موَّار مات سنة ست ومائتين (٣). --------- (١) انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٣/ ١٦٧ ترجمة (٧١١)، «ثقات ابن شاهين» ص ٦٩ ترجمة (٢٦٠) و«تهذيب الكمال» ٥/ ٤٥٧ (١١٢٨). (٢) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٠٣، وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٣٨: إن البخاري لم ينسبه وإنما نسبه من نسبه من الرواة بحسب ما ظهر له، ولذا رجح الحافظ أنه ابن المديني لأن العادة أن الإطلاق إنما ينصرف لمن يكون أشهر وابن المديني أشهر من اللبقي، ومن عادة البخاري إذا أطلق الرواية عن علي إنما يقصد به علي بن المديني. (٣) انظر ترجمته في «ثقات ابن شاهين» ص ١١٤ ترجمته (٥٥٨)، و«تهذيب الكمال» ١٢/ ٣٤٣ ترجمة (٢٦٨٤). وأبو عمران: هو عبد الملك بن حبيب الجوني البصري، مات سنة ثماني وعشرين ومائة. قال الدارقطني: في رواية سليمان بن حرب، عن شعبة: طلحة بن عبيد الله الخزاعي، وقال الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن طلحة، ولم ينسبه. وقال أبو داود، سليمان بن الأشعث: قال شعبة في هذا الحديث: عن طلحة رجل من قريش (١). وقال الإسماعيلي: قال يحيى بن يونس: عن شعبة أخبرني أبو عمران سمع طلحة عن عائشة. قال شعبة: وأظنه سمعه من عائشة، ولم يقل: سمعته منها. وقولها: (أُهْدِي) هو بضم الهمزة من أهديت الهدية، وإنما أمر بالهدية إلى من قرب بابه؛ لأنه ينظر ما يدخل دار جاره وما يخرج منها، فإذا رأى ذلك أحب أن يشاركه فيه، وأنه أسرع إجابة لجاره عندما ينوبه من حاجة إليه في أوقات الغفلة والغرة، فلذلك بدُئ به على من بعد بابه وإن كانت داره أقرب. وهذا الحديث دال على أن اسم الجار يقع على غير الملاصق لأنه قد يكون له جار ملاصق، وبابه من سكة غير سكته وله جار بينه وبين بابه قدر ذراعين وليس بملاصق وهو أدناهما بابًا، وقد خرج أبو حنيفة عن ظاهر الحديث، فقال: إن الجار اللزيق إذا ترك الشفعة وطلبها الذي بجنبه وليس له حد إلى الدار ولا طريق لا شفعة له. وعوام العلماء يقولون: إذا أوصى الرجل بجيرانه أُعطي اللزيق وغيره، إلا أبا حنيفة فإنه فارق عوام العلماء، وقال: لا يعطى --------- (١) «سنن أبي داود» (٥١٥٥). إلا اللزيق وحده، وكان الأوزاعي يقول: الجار أربعون دارًا من كل جانب وقاله ابن شهاب وأصحابنا والحسن وأبو قلابة، وقال علي: من سمع النداء فهو جار. ولابن حزم من حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله - ﷺ - ما حق الجوار؟ قال: «أربعون ذراعًا». ثم قال: ساقط (١). وفي «مراسيل أبي داود» عن ابن شهاب رفعه: «أربعون دارًا جار». قال يونس: قلت لابن شهاب وكيف أربعون دارًا؟ قال: أربعون عن يمينه وعن يساره وخلفه وبين يديه (٢). وقال آخرون -فيما حكاه ابن حزم-: هو كل من صلى معكم صلاة الصبح في المسجد. وقال بعضهم: هم أهل المدينة كلهم جيران (٣)، ولا حجة في حديث الباب لمن أوجب الشفعة بالجوار؛ لأن عائشة إنما سألت عمن تبدأ به من جيرانها في الهدية، فأخبرها أنه من قرب بابه أولى بها من غيره، فدل بهذا أنه أولى بحقوق الجوار وكرم العشرة والبر ممن هو أبعد منه بابًا. --------- (١) «المحلى» ٩/ ١٠٢ - ١٠٣. (٢) «المراسيل» ص ٢٥٧ حديث رقم (٣٥٠). (٣) «المحلى» ٩/ ١٠٠ - ١٠١. ٣٧ كتاب الإجارات بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣٧ - كتاب الإجارات ١ - باب اسْتِئْجَارِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِىُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] وَالخَازِنِ الأَمِينِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَعْمِلْ مَنْ أَرَادَهُ. ٢٢٦٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيَّ - ﷺ -: «الخَازِنُ الأَمِينُ الذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طَيِّبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ». [انظر: ١٤٣٨ - مسلم: ١٠٢٣ - فتح: ٤/ ٤٣٩] ٢٢٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ قُرَّةَ بْنِ خَالِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلَالٍ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: أَقْبَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَمَعِي رَجُلَانِ مِنَ الأَشْعَرِيِّينَ، فَقُلْتُ: مَا عَلِمْتُ أَنَّهُمَا يَطْلُبَانِ العَمَلَ. فَقَالَ: «لَنْ -أَوْ لَا- نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ». [٣٠٣٨، ٤٣٤١، ٤٣٤٢، ٤٣٤٣، ٤٣٤٤، ٤٣٤٥، ٦١٢٤، ٦٩٢٣، ٧١٤٩، ٧١٥٦، ٧١٥٧، ٧١٧٢ - مسلم: ١٧٣٣ - فتح: ٤/ ٤٣٩] ثم ساق حديث: أَبِي مُوسَى: «الخَازِنُ الأَمِينُ الذِي يُؤَدِّي مَا أُمِرَ بِهِ طيَبَةً نَفْسُهُ أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ». ![]()
__________________
|
|
#428
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 32 الى صـــ 50 الحلقة (428) وحديث أبي موسى أيضًا: «إنا لا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ». أما الآية فهي من قول ابنة شعيب صفوراء، وقيل: ابنة أخيه، وكان شعيب غيورًا فقال لها: من أين عرفت قوته وأمانته؟ قالت: أما قوته: فإنه قلَّ حجرًا لا يحمله إلا عشرة، أو أربعون، أو جملة من الناس، فئام منهم، أو لم أر رجلًا أقوى في السقاء منه، وأما أمانته: فإنه لما جاء معي مررت بين يديه، فقال: كوني خلفي ودليني على الطريق؛ لئلا تصفك الريح، وقيل: قال ذلك لما رأى عجزها، أو لم يرفع رأسه (١). قال مقاتل: ولدت صفوراء، ثم بعد نصف يوم ولدت غيراء، فهما توأم، وكان بين المكان الذي سقى فيه الغنم وبين شعيب ثلاثة أميال. وذكر السهيلي أن شعيبًا هو ابن يثرون بن صيفون بن مدين بن إبراهيم، ويقال: شعيب بن ملكاين، وقيل: لم يكن من مدين، وإنما هو من القوم الذين آمنوا بإبراهيم حين نجا من النار. وابنتاه كياء وصفوراء، وأكثر الناس على أنهم ابن بنتا شعيب، وقيل: إن شعيبًا من عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار. وروي أن سلمة بن سعد لما انتسب للنبي - ﷺ - إلى عنزة قال - عليه السلام -: «نعم الحي عنزة، رهط شعيب، وأختان موسى» (٢) فإن صح فعنزة إذًا ليس هو ابن أسد بن ربيعة، فإن معدًّا كان بعد شعيب بنحو من ألف سنة. ----------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ١٠/ ٦٢، ٦١ (٢٧٣٧٦)، (٢٧٣٨٩). (٢) قطعة من حديث رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٢٨٢٨)، الطبري في «الكبير» ٧/ ٥٥ (٦٣٦٤) وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٥١ فيه من لم أعرفه. قلت: وقيل اسم إحداهما شرفا، وقيل: صفيراء بنتا يثرون، والتي تزوجها الصغرى. وقولها: (﴿اسْتَأْجِرْهُ﴾) أي: لرعي غنمك، والقيام عليها؛ ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ﴾ على حرزماشيتك وإصلاحها، ﴿الأَمِينُ﴾ عليها فلا يخاف منه فيها خيانة (١)، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- في الشهادات من أفراده عن ابن عباس أن موسى - ﷺ - قضى أقصى الأجلين. وقول البخاري: (والخازن الأمين، ومن لم يستعمل من أراده)، قد ساقهما بعد، وسلف في الزكاة بعضه مع حديث أبي موسى واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في هذا معنى الإجارة. وقال الداودي: ذكره للخازن ليس من هذا الباب؛ لأنه لم يذكر فيه إجارة، وإنما أراد أن الخازن لا شيء له في المال، وإنما هو أجير، فلذا أدخله هنا. وقال ابن بطال: إنما أدخله فيه؛ لأن من استؤجر على شيء فهو أمين فيه، وليس عليه في شيء منه ضمان إن فسد أو تلف، إلا أن يضيع تضييعًا معلومًا، فعليه الضمان. قال مالك: لا يضمن المستأجر ما يعاب عليه، والقول قوله في ذلك مع يمينه. وروى أشهب عنه فيمن استأجر جفنة أنه لها ضامن إلا أن يقيم بينة على الضياع. قال المهلب: ولما كان طلب العمالة دليلًا على الحرص وجب أن يحترس من الحريص عليها، وقد أخبر - عليه السلام - أنه لا يعان من طلب العمل على ما يطلبه، وإنما يعان عليه من طلب به، وإذا كان هذا في علم الله ------------ (١) قاله الطبري في «التفسير» ١٠/ ٦١. معروفًا وعلى لسان نبيه، وجب ألا يستعمل من علم أنه لا يعان عليه ممن طلبه، فوجب على العاقل ألا يدخل في ذلك إلا بضم السلطان له إليه، إذا علم أنه سيطلع به (١). وقوله: («أَحَدُ المُتَصَدِّقَيْنِ») روي بالتثنية والجمع، قال ابن التين: والأول أبين. وقوله: («إنا لَا نَسْتَعْمِلُ») وفي بعض النسخ «إنا إن نستعمل» وفي أخرى: «إن أو لا نستعمل» وصحح عليها الدمياطي. قال ابن التين: «أو لا» ضبط في بعض النسخ بضم الهمزة وفتح الواو وتشديد (اللام) (٢)، فعل مستقبل من ولَّى، وفي بعضها بفتح الهمزة وسكون الواو، كأنه شك هل قال: إن، أو لا. وحديث أبي موسى دال لما ترجم له قال تعالى: ﴿وَالعاملِينَ عَلَيهاَ﴾ [التوبة: ٦٠]. وفيه: أنه لا يؤمر مريد الإمارة من وال أو قاض أو غيرهما، وهي نهي، وظاهره التحريم كما قال القرطبي، لما قال: لا يسأل الإمارة، وإنا والله لا نولي على عملنا هذا أحدًا يسأله ويحرص عليه (٣). ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٨٥. (٢) في الأصل: الواو. ولعل المثبت هو الصحيح. (٣) «المفهم» ٤/ ١٦. ٢ - باب رَعْيِ الغَنَمِ عَلَى قَرَارِيطَ ٢٢٦٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ». فَقَالَ: أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ فَقَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ». [فتح: ٤/ ٤٤١] ذكر فيه حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: «مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ» فَقَالَ أَصْحَابُهُ: وَأَنْتَ؟ قَالَ: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ» هذا الحديث من أفراده. ومعناه: أن ذلك تقدمة وتوطئة في تعريف سياسة العباد، واعتبار بأحوال رعاة الغنم وما يجب على راعيها من اختيار الكلأ لها وإيرادها أفضل مواردها، واختيار المسرح والمراح لها، وجبر كسرها، والرفق بضعيفها ومعرفة أعيانها، وحسن تعاهدها، فإذا وقف على هذِه الأمور كانت مثالًا لرعاية العباد حكمة بالغة، وخصت بالغنم لأنها أسرع انقيادًا، وهي من دواب الجنة. وقام الإجماع على جواز الاستئجار للرعي مدة معلومة بأجرة معلومة، ولا ضمان عليه إذا لم يفرط كالوكيل. وهل القراريط في الحديث اسم مكان أو نقد؟ قولان: أحدهما: اسم مكان بقرب جياد، قاله الحربي، ويدل له أن العرب لم تكن تعرف القيراط، وأخبر أن مصر تفتح ويذكر فيها القيراط؛ ولهذا لم يبوب البخاري على الاستئجار لرعيها؛ لأنه لم يذكر الأجرة، ويجوز أن يكون تركه إعظامًا لجنابه، ولما رواه ابن ماجه قال: «كنت أرعاها لأهل مكة بالقراريط» ثم قال: قال سويد بن سعيد: يعني كلَّ شاة بقيراط (١)، وهو دليل القول الثاني. قال ابن الجوزي: والذي قاله الحربي أصح، وصححه ابن ناصر الحافظ أيضًا قال: وأخطأ سويد في تفسيره، وكان ذلك منه وسِنُّه نحو العشرين فيما استقرئ من كلام ابن إسحاق والواقدي وغيرهما. ------------ (١) ابن ماجه (٢١٤٩). ٣ - باب اسْتِئْجَارِ المُشْرِكِينَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ لَمْ يُوجَدْ أَهْلُ الإِسْلَامِ وَعَامَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَهُودَ خَيْبَرَ. ٢٢٦٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: وَاسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا -الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ-، قَدْ غَمَسَ يَمِينَ حِلْفٍ فِي آلِ العَاصِ بْنِ وَائِلٍ، وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَأَمِنَاهُ فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، فَأَتَاهُمَا بِرَاحِلَتَيْهِمَا، صَبِيحَةَ لَيَالٍ ثَلَاثٍ، فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ، وَالدَّلِيلُ الدِّيلِيُّ فَأَخَذَ بِهِمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ وَهْوَ طَرِيقُ السَّاحِلِ. [انظر: ٤٧٦ - فتح: ٤/ ٢٤٢] ثم ساق حديث عَائِشَةَ: اسْتَأْجَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ ثُمَّ مِنْ بَنِي عَبْدِ بْنِ عَدِيٍّ هَادِيًا خِرِّيتًا -الخِرِّيتُ: المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ- وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ … الحديث. ثم ترجم عليه: ٤ - باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَعْمَلَ لَهُ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْ بَعْدَ شَهْرٍ أَوْ بَعْدَ سَنَةٍ جَازَ، وَهُمَا عَلَى شَرْطِهِمَا الَّذِي اشْتَرَطَاهُ إِذَا جَاءَ الأَجَلُ ٢٢٦٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ، هَادِيًا خِرِّيتًا وَهْوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا صُبْحَ ثَلَاثٍ. [انظر: ٤٧٦ - فتح ٤/ ٤٤٣] وساق بعضه، وهو حديث الهجرة السالف (١) واستئجار المشركين جائز عند الضرورة وغيرها عند عامة الفقهاء؛ لأن ذلك ذلة وصغار لهم، وتقييد البخاري في ترجمة ذلك بما إذا لم يوجد أهل الإسلام؛ لأن العرض كان كذلك، فإنما عامل أهل خيبر على العمل في أرضها إذ لم يوجد من المسلمين من ينوب منابهم في عمل الأرض، حتى قوي الإسلام واستغنى عنهم، فأجلاهم عمر بن الخطاب، ويجوز أن يكون أراد على وجه الاستحباب، نعم يحرم على المسلم إجارته نفسه للكافر؛ لأن فيه ذلةً وصغارًا. وفيه: ائتمان أهل الشرك على السر والمال إذا عهد منهم وفاء ومروءة كما استامن رسول الله - ﷺ - هذا الدليل المشرك؛ لما كانوا عليه من بقية دين إبراهيم، وإن كان من الأعداء، لكنه علم منه -----------(١) سلف برقم (٤٧٦) كتاب الصلاة، باب: المسجد يكون في الطريق غير ضرر بالناس، وفي مواضع أخرى. مروءة، ائتمنه من أجلها على سره في الخروج من مكة، وعلى الناقتين اللتين دفعهما إليه ليوافيهما بهما بعد ثلاث في غار ثور. وقوله: (فأمناه)، أي: ائتمناه، ثلاثي. وفيه: استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق واستئجار الرجلين الواحد على عمل واحد لهما. وعامر بن فهيرة المذكور في الحديث هو مولى الصديق، ويقال: إنه من العرب استرق وهو غلام فاشتراه الصديق فأعتقه، ويقال: إنه من الأزد، وكان فيمن يعذب بمكة في الله، شهد بدرًا وأحدًا، وقتل يوم بئر معونة سنة أربع من الهجرة، وهو الذي حكت عائشة عنه أنه كان إذا أخذته الحمى يقول: قد رأيت الموت قبل ذوقه … إن الجبان حتفه من فوقه (١) واسم الدليل عبد الله فيما ذكره ابن إسحاق (٢). وقال مالك في «العتبية» اسمه أريقط. وفيه: إباحة استئجار الرجل على أن يدخل في العمل بعد أيام معلومة فيصح عقدها قبل العمل، وقياسه أن يستأجر منزلًا معلومًا عدة معلومة قبل مجئ السنة بأيام، وأجاز مالك وأصحابه استئجار الأجير على أن يعمل بعد يوم أو يومين أو ما قرب هذا إذا أنقده الأجرة. واختلفوا فيما إذا استأجره ليعمل إلى بعد شهر ولم ينقده، فأجازه مالك وابن القاسم. وقال أشهب: لا يجوز، ووجهه أنه لا يدري أيعيش ----------- (١) انظر ترجمته في «الثقات» لابن حبان ٣/ ٢٩٢، و«تهذيب التهذيب» ٢/ ٢٧٠. (٢) رواه ابن هشام في «السيرة» ٢/ ٩٨. المتسأجر أو الدابة، وهو من باب منع التصرف في الراحلة والأجير، واتفقا على أنه لا يجوز ذلك في البيع، وهو عندهم في الأجير المعين والراحلة المعينة، وأما إذا كان كثيرًا مضمونًا فيجوز فيه ضرب الأجل البعيد وتقديم رأس المال، ولا يجوز أن يتأخر رأس المال إلا اليومين والثلاثة؛ لأنه إذا تأخر كان من باب بيع الدين بالدين، وتفسير الكراء المضمون أن يستأجره على حمولة بعينها على غير دابة معينة، والإجارة المضمونة أن يستأجره علي بناء بيت لا يشترط عليه عمل يده ويصف له طوله وعرضه وجمع آلته على أن المؤنة فيه كلها على العامل مضمونًا عليه حتى يتمه، فإن مات قبل تمامه كان ذلك في ماله، ولا يضره بعد الأجل. فإن قلت: من أين أن العمل يقع بعد مدة؟ قلت: اعترض الإسماعيلي فقال: ترجم عليه البخاري ظن ظنًّا فعمل عليه من أين في الخبر أنهما استأجراه على أن لا يعمل إلا بعد ثلاث، بل في الخبر أنهما استاجراه وابتدأ في العمل من وقته بتسليمهما إليه راحلتيهما يرعاهما ويحفظهما، فكان خروجه خروجهما بعد ثلاث على الراحلتين اللتين قام بأمرهما إلى ذلك الوقت. وأجاب ابن المنير فقال: قاس البخاري الأجل البعيد على القريب بطريقة لا قائل بالفصل، فجعل الحديث دليلًا على الجواز مطلقًا. وعند مالك يفصل بين الأجل الذي لا تتغير السلعة في مثله، وبين الأجل الذي تتغير السلعة في مثله فيمتنع (١). وكذا اعترض ابن التين فقال: لم يأت في الحديث ما ترجم له، وهو -------- (١) «المتواري» ص ٢٥٣. ممنوع أن يستأجر رجلًا ليبتدئ في عمل بعد شهر أو سنة للغرر في ذلك، ولا ندري هل يعيش الرجل، واغتفر الأمد اليسير، لأن العطب فيه نادر والغالب السلامة. وأخذ الداودي إجازة ذلك من معاملة أهل خيبر، وهو فاسد؛ لأن العمل وقته لا من وقتٍ بعده. فائدة: قد فسر (الخريت) في الحديث (بالماهر بالهداية) أي: الحاذق من فوقها كما قال صاحب «العين» قيل: سمى بذلك؛ لأنه يهتدي لمثل خرت الإبرة -أي ثقبها- وقيل: كشفة المفازة (١) وحكى الكسائي: خرتنا الأرض: إذا عرفناها ولم تخف علينا طرقها. ثانيه: قوله: (قد غمس يمين حلف في آل العاصي بن وائل) أي: دخل في حلفهم وغمس نفسه في ذلك، وآل العاصي هم بنو سهم رهط من قريش. ----------- (١) «العين» ٤/ ٢٣٧. ٥ - باب الأَجِيرِ فِي الغَزْوِ ٢٢٦٥ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى، عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ رضي الله عنه قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - جَيْشَ العُسْرَةِ فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ وَقَالَ: «أَفَيَدَعُ إِصْبَعَهُ فِي فِيكَ تَقْضَمُهَا -قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ:- كَمَا يَقْضَمُ الفَحْلُ؟». [انظر: ١٨٤٨ - مسلم: ١٦٧٤ - فتح: ٤/ ٤٤٣] ٢٢٦٦ - قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ؛ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ جَدِّهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّفَةِ، أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَأَهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه. [فتح: ٤/ ٤٤٣] ذكر فيه حديث يَعْلَى بْنِ أمَيَّةَ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رسول الله - ﷺ - جَيْشَ العُسْرَةِ فَكَانَ مِنْ أَوْثَقِ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَكَانَ لِي أَجِيرٌ، فَقَاتَلَ إِنْسَانًا، فَعَضَّ أَحَدُهُمَا إِصْبَعَ صَاحِبِهِ، فَانْتَزَعَ إِصْبَعَهُ، فَأَنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ فَسَقَطَتْ، فَانْطَلَقَ إِلَى النَّبِيِّ فَأَهْدَرَ ثَنِيَّتَهُ … الحديث. قَالَ (١) ابن جُرَيْجٍ؛ وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ جَدِّهِ بِمِثْلِ هذِه القصة، أَنَّ رَجُلًا عَضَّ يَدَ رَجُلٍ، فَأنْدَرَ ثَنِيَّتَهُ، فَأهْدَرَهَا أَبُو بَكْرٍ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم كما سيأتي (٢)، وهذا التعليق ---------- (١) فوقها في الأصل: سند معلق. (٢) مسلم برقم (١٦٧٤) كتاب: القسامة والمحاربين، باب: الصائل على نفس الأسنان أو عضوه .. أسنده الحاكم أبو أحمد في «كناه» وابن عبد البر من حديث أبي عاصم، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أبيه، عن حده، عن أبي بكر أن رجلًا .. فذكره (١). وعبد الله بن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان قاضي الطائف لابن الزبير، توفي بمكة سنة سبع عشرة ومائة. وقد خالف البخاري ابن منده وأبو نعيم وأبو عمر فرووه في كتب الصحابة في ترجمة أبي مليكة زهير بن عبد الله من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن أبيه عن جده، عن أبي بكر كما أسلفناه. قال أبو عمر: أبو مليكة اسمه زهير، وهو جد ابن أبي مليكة، له صحبة، يعد في أهل الحجاز. ثم ساقه كما ذكرناه عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة عن أبيه عن جده (٢)، قال: وكذا ذكره الزبير بن أبي بكر، هل المراد الصحبة في جده عبد الله أو زهير؟ فإن كان زهيرًا فمتصل أو غيره فمنقطع فيما بينه وبين أبي بكر. وعلى كل حال فما رواه البخاري منقطع في موضعين كما بيناه (٣). ثانيها: وقع هنا أن القصة لأجير يعلق كما قدمناه. وفي مسلم أن يعلق قاتل رجلًا. وصحح الحفاظ ما في البخاري. قال النووي: ويحتمل أنهما. قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو وقتين (٤)، ----------- (١) «الاستيعاب» ٤/ ٣٢٤ ترجمة (٣٢١٦). (٢) المصدر السابق. (٣) قول المصنف أن البخاري أخرجه منقطعًا قد ذكره مغلطاي قبل، وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٤٤: وليس كما زعم. (٤) «مسلم بشرح النووي» ١١/ ١٦٠. ويروى: يده، ويروى: ذراعه. وقال القرطبي: رواية البخاري أولى إذ لا يليق بيعلى ذلك مع جلالته وفضله (١). قلت: ويجوز ان يكون قتال يعلق للرجل، أي: الأجير وكنى يعلى عن نفسه. ثالثها: (جيش العسرة) يريد: تبوك، ويعرف أيضًا بالفاضحة، وقيل لها العسرة؛ لأن الحر كان شديدًا، والجدب كثير، وكانت في رجب. قال ابن سعد: في يوم الخميس (٢)، وعن ابن التين: خرج في أول يوم منه، ورجع في سلخ شوال، وقيل: في رمضان. رابعها: معنى (أندر ثنيته) سقطت بجذب، والثنية مقدم الأسنان، وللإنسان أربع ثنايا، ثنتان فوق وثنتان أسفل، والعض بالأسنان، والقضم بالقاف ثم ضاد معجمة الأكل بأطراف الأسنان، قاله ابن سيده (٣). وفي «الواعي»: أصل القضم (٤): الدق والكسر، ولا يكون إلا في الشيء الصلب وماضيه على ما ذكر ثعلب بكسر العين، وحكى ثابت وغيره فتحها، وقيل: هو الأكل بأدنى الأضراس، والفحل فحل الإبل. وأهدرها: أسقطها وأبطلها، يقال: أهدر السلطان دم فلان هدرا أباحه، وهدر أيضًا: هدر الدم نفسه. خامسها: الحديث صريح في إهدار ثنية العاض، وبه قال الشافعي ----------- (١) «المفهم» ٥/ ٣٢. (٢) رواها ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ١٦٧. (٣) «المحكم» ٦/ ١١٤. (٤) ورد بهامش الأصل: قال الشيخ محيي الدين في «شرح مسلم»: في هذا الحديث: يقضمها كما يقضم الفحل بفتح الضاد فيهما على اللغة الفصيحة. فمفهومه أن فيها لغة أخرى وهي الكسر في المضارع، والله أعلم. وهو هنا الذي حكاه الشيخ عن ثابت وغيره. وأبو حنيفة وجماعة؛ لأنه صائل، وبه قال ابن وهب وخالف مالك ولعله لم يبلغه، وأغرب أبو عبد الملك فقال: كأنه لم يصح الحديث عنده؛ لأنه أتى من المشرق. وقيل: لفساد الزمان. ولم يقل أحد بالقصاص فيه فيما أعلم. ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم إسقاط الضمان، ثم قال: وضمنه الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك وما ذكره غريب عن الشافعين ثم قال: وترك بعض أصحابنا القول بالضمان عما إذا أمكنه نزع يده برفق فانتزعها بعنف، قال: وحمل بعض أصحابنا الحديث على أنه كان متحرك الثنايا وستكون لنا عودة إليه في بابه إن شاء الله تعالى. سادسها: استئجار الأجير للخدمة، وكفاية مؤنة العمل في الغزو وغيره سواء، وأما القتال فلا يستأجر عليه؛ لأن على كل مسلم أن يقاتل حتى تكون كلمة الله هي العليا، وسيأتي هل يسهم للأجير أم لا في موضعه، وذكر البخاري الباب. هنا؛ لأن عمل الجهاد كله بر فلا بأس أن يؤاجر الرجل نفسه في سبب منه كالخدمة أو ما يتعلق به. وفيه: ذكر الرجل بصالح عمله لقوله: (فكان من أوثق أعمالي في نفسي). ٦ - باب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَبَيَّنَ لَهُ الأَجَلَ وَلَمْ يُبَيِّنِ العَمَلَ لِقَوْلِهِ: ﴿إِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَىَّ هَاتَيْنِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ [القصص: ٢٧ - ٢٨] فُلَان يَأْجُرُ فُلَانًا: يُعْطِيهِ أَجْرًا (١)، وَمِنْهُ فِي التَّعْزِيَةِ أَجَرَكَ اللهُ. [فتح: ٤/ ٤٤٤] الشرح: قال الإسماعيلي: المعنى ﴿عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي﴾: تكون لي أجيرًا هذِه المدة، أو تأجرني نفسك هذِه المدة، فأما أن تعطيني أجرًا من حيث لا يعلمه الآجر فلا. واعترض المهلب فقال: ليس كما ترجم البخاري؛ لأن العمل عندهم معلوم من سقي وحرث ورعي واحتطاب وما شاكل أعمال البادية ومهنة أهلها، فهذا متعارف وإن لم يبين له أشخاص الأعمال ولا مقاديرها، مثل أن يقول له: إنك تحرث كذا من السنة، وترعى كذا من السنة، فهذا إنما هو على المعهود من خدمة البادية، والذي عليه المدار في هذا أنه قد عرفه بالمدة وسماها له، وإنما الذي لا يجوز عند الجميع أن تكون المدة مجهولة والعمل مجهول غير معهود، لا يجوز حتى يعلم. قال: والنكاح على أعمال البدن لا يجوز عند أهل المدينة؛ لأنه غرر، وما وقع من النكاح على مثل هذا الصداق لا نأمر به اليوم؛ لظهور الغرر في طول المدة، وهو مخصوص لموسى - عليه السلام - عند أكثر ----------- (١) «لسان العرب» ١/ ٣١ مادة: (أجر). العلماء؛ لأنه قال: ﴿إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ ولم يعينها، وهذا لا يجوز إلا بالتعيين، وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك: إذا تزوجه على أن يؤاجرها نفسه سنة أو أكثر يفسخ النكاح إن لم يكن دخل بها، فإن دخل ثبت النكاح بمهر المثل. وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن كان حرًّا فلها مهر مثلها، وإن كان عبدًا فلها خدمة سنة. وقال الشافعي: النكاح جائز على خدمته إذا كان وقتًا معلومًا. وعُلِّل قول مالك بأنه لم يبلغه أن أحدًا من السلف فعل ذلك، والنكاح موضوع على الاتباع والاقتداء. وقال الداودي: هو جائز؛ لأنَّ من أبي أن يجيزه يجيز النكاح بما هو أبعد منه، يجيزه على العبد الذي ليس معين ولا موصوف، وعن يحيى: كراهته. قال ابن المنير: ظن المهلب بالبخاري أنه أجاز أن يكون العمل مجهولًا، وليس كما ظن، إنما أراد البخاري: أن التنصيص على العمل باللفظ غير مشترط، وأن المتبع المقاصد لا الألفاظ، فيكفي دلالة العموم عليها كدلالة النطق، خلافًا لمن غلب التعبد على العقود فراعى اللفظ (١). فائدة: قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ﴾ [القصص: ٢٨] أي: ذلك واجب لك عليَّ في تزويجي إحدى ابنتيك، فما قضيت من هذين الأجلين فليس لك علي مطالبة بأكثر منه، والله على ما أوجبه كل واحد منا على نفسه شهيد وحفيظ. --------- (١) «المتواري» ص ٢٥٣. وروي عن ابن عباس مرفوعًا: «سألت جبريل: أي الأجلين قضى موسى؟ فقال: أتمهما وأكملهما». يعني: عشر سنين، وقد أسلفت ذلك عن رواية البخاري في الشهادات (١). والعدوان: المجاوزة في الظلم، ونحوه الظلم الصراح. ----------- (١) في هامش الأصل: يعني يأتي الحديث في الشهادات. ٧ - باب إِذَا اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا عَلَى أَنْ يُقِيمَ حَائِطًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ جَازَ ٢٢٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ- وَغَيْرُهُمَا قَالَ: قَدْ سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُهُ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «فَانْطَلَقَا فَوَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ». قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذَا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَقَامَ، قَالَ يَعْلَى: حَسِبْتُ أَنَّ سَعِيدًا قَالَ: فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ، قَالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ سَعِيدٌ: أَجْرًا نَأْكُلُهُ. [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ٤/ ٤٤٥] ذكر حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْب في قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾. قَالَ سَعِيدٌ بِيَدِهِ هَكَذا، وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَاسْتَقَامَ، قَالَ يَعْلَى: حَسِبْتُ أَنَ سَعِيدًا قَالَ: فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ، قَالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ سَعِيدٌ: أَجْرًا نَأْكُلُهُ. معني «يَنْقَضَّ»: يسقط وينهدم، وقرئ: (ينقاض)، أي: ينقطع من أصله، ويقال للبئر إذا انهارت: انقاضت -بالضاد المعجمة، وقرئ بالمهملة مع الألف- أي: ينشق طولًا (١)، وإرادته: ميله، وهو من فصيح كلامهم. ومنه الحديث: «لاتتراءى ناراهما» (٢) أي: لا يكون بموضع لو وقف ---------- (١) انظر «مختصر شواذ القرآن» ص ٨٤. (٢) قطعة من حديث رواه أبو داود (٢٦٤٦)، والترمذي (١٦٠٤) وغيرهم وصححه الألباني في «الإرواء» (١٢٠٧). فيه إنسان لرأى النار الأخرى، ومنه: ﴿وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٩٨] وفي قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧] حجة على من أنكر المجاز، وتبويب البخاري قال أن هذا جائز لجميع الناس. قال ابن التين: إنما كان ذلك للخضر. ولعلَّ البخاري أراد أنه يبني له حائطًا من الأصل، أو يصلح له حائطًا. وقال المهلب: إنما جاز الاستئجار عليه؛ لقول موسى - عليه السلام -: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] والأجر لا يتخذ إلا على عمل معلوم، وإنما يكون له الأجر لو عامله عليه قبل عمل عمله، وأما بعد أن أقامه من غير إذن صاحبه فلا يجبر صاحبه على غرم شيء. قال ابن المنذر: وفيه: جواز الإجارة على البناء. وفي قوله: حملونا بغير نول: جواز أخذ الأجرة من الركبان في البحر. ![]()
__________________
|
|
#429
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 51 الى صـــ 70 الحلقة (429) ٨ - باب الإِجَارَةِ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ ٢٢٦٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ النَّصَارَى ثُمَّ، قَالَ مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنَ العَصْرِ إِلَى أَنْ تَغِيبَ الشَّمْسُ عَلَى قِيرَاطَيْنِ؟ فَأَنْتُمْ هُمْ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَقَالُوا: مَا لَنَا أَكْثَرَ عَمَلًا، وَأَقَلَّ عَطَاءً؟ قَالَ: هَلْ نَقَصْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ؟ قَالُوا: لَا. قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». [انظر: ٥٥٧ - فتح: ٤/ ٤٤٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: «مَثَلُكُمْ وَمَثَلُ أَهْلِ الكِتَابَيْنِ …» الحديث بطوله. وقد سلف في الصلاة (١)، وترجم عليه أيضًا: -------- (١) سلف برقم (٥٥٧) كتاب مواقيت الصلاة، باب من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب. ٩ - باب الإِجَارَةِ إِلَى صَلَاةِ العَصْرِ ٢٢٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْنُ أَبِي أُوَيسٍ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ -مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَاليَهُودُ وَالنَّصَارى كَرَجُلِ اسْتَعْمَلَ عُمَّالًا فَقَالَ: مَنْ يَعْمَلُ لِي إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ؟ فَعَمِلَتِ اليَهُودُ عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ عَمِلَتِ النَّصَارى عَلَى قِيرَاطٍ قِيرَاطٍ، ثُمَّ أَنْتُمُ الذِينَ تَعْمَلُونَ مِنْ صَلَاةِ العَصْرِ إِلَى مَغَارِبِ الشَّمْسِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ قِيرَاطَيْنِ، فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى وَقَالُوا: نَحْنُ أَكْثَرُ عَمَلًا وَأقَلُّ عَطَاءً. قَالَ: هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا. فَقَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ مَنْ أَشَاءُ». [انظر: ٥٥٧ - فتح: ٤/ ٤٤٦] ثم قال: ١٠ - باب الإِجَارَةِ مِنَ العَصْرِ إِلَى اللَّيْلِ ٢٢٧١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلَاءِ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَثَلُ المُسْلِمِينَ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ، فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا، وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، فَقَالَ لَهُمْ: لَا تَفْعَلُوا، أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ، وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا، فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ أَجِيرَيْنِ بَعْدَهُمْ فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمَا هَذَا، وَلَكُمَا الَّذِى شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الأَجْرِ. فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينُ صَلَاةِ العَصْرِ قَالَا: لَكَ مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ، وَلَكَ الأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ. فَقَالَ لَهُمَا: أَكْمِلَا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمَا، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ. فَأَبَيَا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ، فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ». [انظر: ٥٥٨ - فتح: ٤/ ٤٤٧] وساق فيه حديث أبي موسى مثله: وراجع ذلك من ثم. ولنذكر هنا بعض فوائد لطول العهد به فنقول: فيه: ذكر الإجارة الصحيحة بالأجر المعلوم إلى الوقت المعلوم، ولولا جوازه ما ضرب به الشارع المثل. وقال المهلب: إنما هو مثل ضربه الشارع لمن خلق لعبادته، فشرع له دين موسى؛ ليعملوا الدهر كله بما يأمرهم به وينهاهم عنه، فعملوا إلى بعث عيسى، فأمرهم باتباعه، فأبوا وتبرءوا مما جاء به عيسى، وعمل آخرون به على أن يعملوا باقي الدهر بما يؤمرون به وينهون عنه، فعملوا حتى بعث الله نبينا، فدعاهم إلى العمل بما جاء فعصوا وأبوا وقطعوا العمل، فعمل المسلمون بما جاء به، ويعملون به إلى يوم القيامة، فلهم أجر عمل الدهر كله؛ لأنهم أتموه بالعبادة كإتمام النهار الذي كان استؤجر عليه كله أول طبقة. وقوله: («مَنْ يَعْمَلُ لِي مِنْ غُدْوَةَ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ») قدر لهم مدة إعمال اليهود، ولهم أجرهم عليه إلى أن نسخ الله شريعتهم بعيسى، ثم قدر عمل مدة هذا الشرع، وله أجر قيراط، فعملت إلى أن نسخ نبينا، فتفضل على المسلمين فقال: «من يعمل بقية النهار إلى الليل، وله قيراطان» فقال المسلمون: نحن نعمل إلى انقطاع الدهر بشريعة محمد، فهذا الحديث وجه العمل بمدد الشرائع، والحديث الثاني وجه العمل الدهر كله. وبقي أن من عمل [من] (١) اليهود إلى أن نسخ دين موسى، ثم أنتقل وآمن بعيسى، وعمل بشريعته أن له أجره مرتين، وكذلك من عمل من النصارى بدين عيسى مدة شرعه، ثم آمن بمحمد وعمل بشريعته كان له أجره مرتين كما أن للمسلمين أجرهم مرتين، يعني: كأجر اليهود والنصارى قبلهم؛ لأنهم أعطوا قيراطين على أجر النهار، كما أعطي اليهود والنصارى قيراطين على أكثره، وإنما ذلك من أجل إيمان المسلمين بموسى وعيسى، وإن لم يعملوا بشريعتهما؛ لأن التصديق عمل. فإن قلت: فما معنى قول اليهود والنصارى: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاء»، وبين نصف النهار إلى العصر ثلاث ساعات، كما بين العصر إلى الغروب، وإنما كان يكون معنى الحديث ظاهرًا لو قال ذلك اليهود خاصة؛ لأنهم عملوا نصف النهار على قيراط، وذلك ست ساعات، --------- (١) زيادة يقتضيها السياق. وعملت النصارى ثلاثًا على قيراط. قلت: فيه أجوبة: أحدها: أن يكون قوله: «نحن أكثر عملًا وأقل عطاء» من قول اليهود خاصة، ويكون من قول النصارى: «نحن أقل عطاء»، وإن كانوا متقاربين مع المسلمين في العمل، فيكون الحديث على العموم في اليهود، وعلى الخصوص في النصارى. وقد يأتي في الكلام إخبار عن جملة، والمراد بعضها، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح خاصة، ومثله: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١]، والناسي كان يوشع وحده، يدل على ذلك قوله لموسى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣] ثانيهما: أنه عام فيهما على أن كل طائفة منهما أكثر عملًا وأقل عطاءً، فعملت النصارى إلى صلاة العصر، وليس فيه أنه إلى أول وقته، فنحمله على أنها عملت إلى آخر وقته، قاله ابن القصار. ثالثها: أن نصف النهار وقت الزوال، وهو في آخر السادسة، والعصر في أول العاشرة، بعد مضي شيء يسير منها، فزادت المدة التي بين الظهر إلى العصر على المدة التي بين العصر إلى الليل بمقدار ما بين آخر الساعة التاسعة وأول العاشرة، وإن كان ذلك القدر لا يتبينه كثير من الناس، وهي زيادة معلومة بالعمل. واستدل به أبو حنيفة على أن آخر وقت الظهر يمتد إلى مصير الظل مثليه؛ لأنه جعل زمننا قدر ما بين العصر إلى الغروب، وهو أقل من الربع؛ لأنه لم يبق من الدين ربع الزمان، وقد قال - عليه السلام -: "بعثت أنا والساعة كهاتين» (١) وأشار بالسبابة والوسطى، والتفاوت بينهما أقل من الربع، وأيضًا فقد عملت النصارى الربع، وكانوا أكثر عملًا، فاقتضى أن يكون ذلك أكثر زمنًا؛ لأن كثرة العمل تقتضي طول الزمن. وأجاب أصحابنا بأن الحديث إنما قصد به بيان ذكر الأعمال لا الأوقات، وحديث الوقتين قصد به بيان الأوقات، وما قصد به بيان الحكم مقدم، وأيضًا فالمراد: أن هذِه الأمة تلي قيام الساعة، ولا نبي بعد نبيها، فهي تليها كما تلي صلاة العصر الغروب، وكما تلي السبابة الوسطى، ولم يرد بيان ما بقي من الدنيا؛ لأن الله تعالى قد استأثر بعلم ذلك، وما بين السبابة والوسطى نصف سبع. وقوله في حديث أبي موسى: («قالوا لك: ما عملنا باطل») هو في حق من بدل، وحديث ابن عمر فيمن لم يبدل. وقوله: («فَغَضِبَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارى») يعني: كفارهم؛ لأن مؤمنهم لا يغضب من حكم الله. قال الداودي: وحديث أبي موسى أبين وأوضح في المعنى. وقوله: («إِنَّمَا مَثَلُكُمْ وَاليَهُودِ وَالنَّصَارى») كذا هو بالعطف على المضمر المخفوض بغير إعادة. وقوله: («وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الفَرِيقَيْنِ كلاهما»). قال ابن التين: صوابه كليهما؛ لأنه تأكيد لمجرور. ----------- (١) سيأتي برقم (٦٥٠٤) كتاب الرقاق، باب قول النبي - ﷺ -: «بعثت أنا والساعة كهاتين». ١١ - باب إِثْمِ مَنْ مَنَعَ أَجْرَ الأَجِيرِ ٢٢٧٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سُلَيْمٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ سَعِيدِ، بْنِ أَبِي سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ». [انظر: ٢٢٢٧ - فتح: ٤/ ٤٤٧] ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف قريبًا في باب: إثم من باع حرًّا (١): ومصداقه في كتاب الله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠] وقد وبخ الله من عاهد ثم نكث، ومن باع حرًّا فقد ألزمه الذلة والصغار، ومنعه التصرف فيما أباح الله له، وهذا ذنب عظيم ينازع الله به في عباده. ومن منع أجيرًا أجره فقد ظلمه حين استخدمه، واستحل عرقه بغير أجر، وخالف سيرة الله تعالى في عباده؛ لأنه استعملهم، ووعدهم على عبادته جزيل الثواب وعظيم الأجر، وهو خالقهم. وهذا الباب آخره ابن بطال بعد الباب الآتي، ولعله أنسب من ذكره بين الإجارة (٢) إلى صلاة العصر والإجارة من العصر إلى الليل، ويبقي الكل على نسق. -------- (١) سلف برقم (٢٢٢٧) كتاب: البيوع. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٩٨ أتى به ابن بطال بعد باب: من استاجر أجيرًا فترك الأجير. وأتى به المصنف هنا بعد باب: الإجارة من العصر إلى الليل. وهذا الباب في «اليونينية» بعد باب: الإجارة إلى صلاة العصر، وقبل باب: الإجارة من العصر إلى الليل فلينتبه لذلك. ١٢ - باب مَنِ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَتَرَكَ أَجْرَهُ، فَعَمِلَ فِيهِ المُسْتَأْجِرُ فَزَادَ، وْمَنْ عَمِلَ فِي مَالِ غَيْرِهِ فَاسْتَفْضَلَ ٢٢٧٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «انْطَلَقَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَوُا المَبِيتَ إِلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَا يُنْجِيكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلَّا أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصَالِحِ أَعْمَالِكُمْ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمُ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَكُنْتُ لَا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلَا مَالًا، فَنَأَى بِي فِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا، فَلَمْ أُرِحْ عَلَيْهِمَا حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوقَهُمَا فَوَجَدْتُهُمَا نَائِمَيْنِ وَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنْتَظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ. فَانْفَرَجَتْ شَيْئًا لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ». قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وَقَالَ الآخَرُ: اللَّهُمَّ كَانَتْ لِي بِنْتُ عَمٍّ كَانَتْ أَحَبَّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَأَرَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا، فَامْتَنَعَتْ مِنِّي حَتَّى أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ مِنَ السِّنِينَ، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِينَ وَمِائَةَ دِينَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدَرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ. فَتَحَرَّجْتُ مِنَ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهْيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الَّذِي أَعْطَيْتُهَا، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ، غَيْرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الخُرُوجَ مِنْهَا». قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "وَقَالَ الثَّالِثُ: اللَّهُمَّ إِنِّي اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ، فَأَعْطَيْتُهُمْ أَجْرَهُمْ، غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءَنِي بَعْدَ حِينٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ، أَدِّ إِلَيَّ أَجْرِي. فَقُلْتُ لَهُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيقِ. فَقَالَ يَا عَبْدَ اللهِ، لَا تَسْتَهْزِئْ بِي. فَقُلْتُ: إِنِّي لَا أَسْتَهْزِئُ بِكَ. فَأَخَذَهُ كُلَّهُ فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئًا، اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ فَخَرَجُوا يَمْشُونَ». ذكر فيه حديث ابن عمر في قصة الصخرة، وقد سلف قريبًا في باب إذا اشترى شيئًا لغيره بغير إذنه فرضي (١). وقوله هنا: («فَشَرِبَا غَبُوقَهُمَا») قال الداودي: أي عشاءهما. قال: والغبوق: العشاء. واعترض ابن التين فقال: الذي ذكره أهل اللغة أن الغبوق شرب العشي (٢)، تقول منه: غبقت القوم غبقًا. قلت: واسم الشراب: الغبيق. قال صاحب «الأفعال»: غبقت الرجل، ولا يقال: أغبقته (٣). وقوله: («فكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا») الأهل: زوجاته وبنوه، والمال: الرقيق والدواب، ذكره الداودي. قال ابن التين: وليس للدواب هنا معني يذكر به. --------- (١) سلف برقم (٢٢١٥) كتاب: البيوع. (٢) «مقاييس اللغة» مادة: غبق. (٣) في هامش الأصل: قال النووي في «شرح مسلم»: أغبق -بفتح الهمزة وضم الباء- يقال: غبقت الرجل بفتح الباء أغبقه بضمها مع فتح الهمزة، ثم قال وهذا الذي ذكرته من ضبطه متفق عليه في كتب اللغة والغريب والشروح وقد يصحفه بعض من لا أنس له فيقول: أغبق بضم الهمزة وكسر الباء وهذا غلط انتهى. وقال في «المطالع» يقال: غبقت الضيف إذا أسقيته الغبوق أغبقه ثلاثي. وضبطه الأصيلي رباعيا بضم الهمزة والصواب ثلاثي. ومعنى «بَرَقَ الفَجْرُ» ظهر الضياء. وقوله: («فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيهِ») وقال فيما مضى: «فافرج عنا فرجة» فإن يكن هذا محفوظًا فاستجيب بعض دعائه، وأبقى الله للآخر عوض ما منع، ويحتمل أن يكون تأخر بعض الإجابة، ذكره ابن التين. و(«أَلَمَّتْ بِهَا سَنَةٌ») أي: أتت عليها سنة شديدة أحوجتها، ووقع هنا عشرون ومائة، وهناك مائة وتركه لها صدقة، فحصل أجر الصدقة والعفة. وقوله: («وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الذِي أَعْطَيْتُهَا») وفي رواية أبي ذر «التي» وهي لغة في تأنيث الذهب. وفيه: خوفها مقام ربها. وقوله في أوله: «فَنَأى بِي طَلَبِ شَيْءٍ يَوْمًا» النَّأْي: البعد، ومنه ﴿وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ ويقلب أنى. وقوله: («فَلَمْ أُرحْ (١) عَلَيْهِمَا») قيل هو من أراح، رباعي، أي: لم آتهما في الرواح وهو العشي بشيء، وتجره في أجرة الأجير على الإحسان منه، وإن كان عليه مقدار العمل خاصة، فلما أنماه له وقبل ذلك الأجير، راعى الله له حق تفضله، فعجل له المكافأة في الدنيا بأن خلصه الله بذلك من هلكة الغار، والله تعالى يأجره على ذلك في الدار الآخرة، قاله المهلب. -------- (١) في هامش الأصل تعليق نصه: قال في «المطالع»: أرح بضم الهمزة للأصيلي ولغيره: «ولم أرُح» أي: أرجع بالماشية، قال القاضي: هما سواء يقال: راح إبله وأراحها. قلت: وليس كما قال؛ لأنه ضم الراء، فلو كسرها لكان كما قال، انتهى معناه. وقد أسلفنا الخلاف فيمن اتجر في مال غيره، وأن طائفة قالوا: يطيب له الربح إذا رد رأس المال إلى صاحبه، وسواء كان غاصبًا للمال أو وديعة عنده متعديًا فيه، وهو قول عطاء وربيعة ومالك والليث والثوري والأوزاعي وأبي يوسف، واستحب مالك والثوري والأوزاعي تنزهه عنه، ويتصدق به. وطائفة قالت: يرد المال، ويتصدق بالربح كله، ولا يطيب له منه شيء، وهو قول أبي حنيفة وزفر ومحمد بن الحسن. وطائفة قالت: الربح لرب المال وهو ضامن لما تعدى فيه، وهو قول ابن عمر وأبي قلابة، وبه قال أحمد وإسحاق (١). وقال الشافعي: إن اشترى السلعة بالمال بعينه فالربح ورأس المال لرب المال، وإن اشتراها بمال بغير عينه قبل أن يستوجبها بثمن معروف المقدار غير معروف بالعين، ثم نقد المال المغصوب منه أو الوديعة، فالربح له، وهو ضامن لما استهلك من مال غيره. وادعى ابن بطال أن أصح هذِه الأقوال قول من رأى أن الربح للغاصب والمتعدي، قال: والحجة له أن العين قد صارت في ذمته، وهو وغيره في ماله سواء إذ لا غرض للناس في أعيان الدراهم والدنانير، وإنما غرضهم في تصرفهم فيها، ولو غصبها من رجل وأراد أن يدفع إليه غيرها مثلها وهي قائمة في يده لكان له ذلك على أصل قول مالك، وإن كان ذلك فربحها له. وحديث الباب حجة له، ألا ترى أن الأجير لما رأى ذلك قال: أتستهزئ بي؛ فدل أن السنة ----------- (١) انظر: «الهداية» ٣/ ٣٣٨، «المنتقى» ٥/ ١٨١، «الإشراف» ٢/ ١٣٧ - ١٣٩، «الشرح الكبير» ١٥/ ٢٨٦، «الإنصاف» ١٥/ ٢٨٦ - ٢٨٧. كانت عندهم أن الربح للمعتدي، وأنه لا حق فيه لرب المال، وأخبر بذلك الشارع، فأقره ولم ينسخه (١). قلت: تعجبه من كثرة ما رأى مع قلة أجرته، وقد روي عن عمر ما يدل على أن الربح بالضمان، روى مالك في «الموطأ» أن أبا موسى أسلف عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب من بيت المال، فاشتريا به متاعًا وحملاه إلى المدينة فربما فيه، فقال عمر: أديا المال وربحه. فقال عبيد الله: ما ينبغي لك هذا، لو هلك أو نقص ضمناه. فقال رجل: لو جعلته قرضًا يا أمير المؤمنين؛ قال نعم، فأخذ منهما نصف الربح (٢)، فلم ينكر عمر قول ابنه: لو هلك المال أو نقص ضمناه، فلذلك طاب له ربحه، ولا أنكره أحد من الصحابة بحضرته. ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٣٩٦ - ٣٩٧. (٢) «الموطأ» ص ٤٢٧. ١٣ - باب مَنْ آجَرَ نَفْسَهُ لِيَحْمِلَ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ وَأُجْرَةِ الحَمَّالِ ٢٢٧٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا نُرَاهُ إِلَّا نَفْسَهُ. [انظر: ١٤١٥ - مسلم: ١٠١٨ - فتح: ٤/ ٤٥٠] ذكر حديث أَبِي مَسْعُودٍ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا أَمَرَنا بِالصَّدَقَةِ انْطَلَقَ أَحَدُنَا إِلَى السُّوقِ، فَيُحَامِلُ فَيُصِيبُ المُدَّ، وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ، قَالَ: مَا تَرَا إِلَّا نَفْسَهُ. هذا الحديث تقدم في الزكاة (١)، وأبو مسعود هو عقبة بن عمرو البدري. وفيه: صدقة المقل، والصدقة من الكسب بالعمل، وذم المال الذي لا ينفق منه. وإنما الحديث على الترغيب في الصدقة، لقوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا﴾ [الإنسان: ٨] الآية، وقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وفيه: ما كان عليه سلف هذِه الأمة من الحرص على اتباع أوامر الشارع، والمبادرة إلى ما ندب إليه وحض عليه من الطاعة، وما كانوا عليه من التواضع والمهنة لأنفسهم في الأعمال الشاقة عليهم؛ لينالوا بذلك رضا ربهم، ولذلك وصفهم الله أنهم ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وكل هذا كان في أول الإسلام قبل الفتوح. ----------- (١) سلف برقم (١٤١٦) باب: اتقوا النار ولو بشق تمرة. فكان إذا حدث به أبو مسعود قال: قد وسع الله عليهم لقوله: (وَإِنَّ لِبَعْضِهِمْ لَمِائَةَ أَلْفٍ). فأدرك الحالتين معًا وقد ظن المحدث أن أبا مسعود أراد بذلك نفسه، وقد سلف في الزكاة: وإن لبعضهم اليوم لمائة ألف (١). ------------ (١) سبق تخريجه. ١٤ - باب أَجْرِ السَّمْسَرَةِ وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَالحَسَنُ بِأَجْرِ السِّمْسَارِ بَأْسًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ فَمَا زَادَ عَلَى كَذَا وَكَذَا فَهُوَ لَكَ. وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: إِذَا قَالَ: بِعْهُ بِكَذَا فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فَلَا بَأْسَ بِهِ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «المُسْلِمُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ». ٢٢٧٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: نَهَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ، مَا قَوْلُهُ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. ثم أسند حديث ابن عباس: نَهَى النبي - ﷺ - أَنْ يُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَلَا يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ. قُلْتُ: يَا ابن عَبَّاسٍ، مَا قَوْلُهُ: «لَا يَبِيعُ حَاضِرٌ لِبَادٍ»؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا. الشرح: أثر ابن سيرين وعطاء إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن أشعث، عن الحكم وحماد، عن إبراهيم ومحمد بن سيرين قالا: لا بأس بأجر السمسار إذا اشترى يدًا بيد. وحدثنا وكيع، ثنا ليث أبو عبد العزيز قال: سألت عطاء عن السمسرة، فقال: لا بأس بها (١) ------------ (١) «المصنف» ٤/ ٤٥٧ (٢٢٠٥٩، ٢٢٦٠). وكان حماد يكره أجر السمسار، إلا بأجر معلوم، وكان سُفيان يكره السمسرة (١). وأثره الأخير (٢) أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن هشيم، عن يونس، عنه (٣). وأثر ابن عباس أخرجه أيضًا، عن هشيم، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عنه، وكان شريح لا يرى أيضًا بذلك بأسًا، وكذا الشعبي ومحمد بن شهاب والحكم وعطاء، وكرهه إبراهيم والحسن وطاوس في رواية (٤)، وفي أخرى: لا بأس به (٥). وحديث: «المسلمون على شروطهم» أسلفنا فيما مضى أنه في أبي داود (٦) وفي «مصنف ابن أبي شيبة»، عن عطاء: بلغنا أن النبي - ﷺ - قال: «المؤمنون عند شروطهم» (٧) وأخرجه الدارقطني من طرق من حديث أبي هريرة مرفوعًا بلفظ البخاري (٨)، ومن حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن ----------- (١) السابق ٤/ ٤٥٧ (٢٢٠٥٧، ٢٢٠٦١). (٢) تحتها في الأصل: يعني ابن سيرين. (٣) «المصنف» ٤/ ٣٠٧ (٢٠٣٩١). (٤) «المصنف» ٤/ ٤٥٧. (٥) السابق ٤/ ٣٠٧ (٢٠٣٩٠ - ٢٠٣٩٨) عنهم جميعًا. (٦) روى أبو داود (٣٥٩٤) من طريق سليمان بن بلال أو عبد العزيز بن محمد -شك الشيخ- عن كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة. وللحديث طرق أخر عن أبي هريرة سيأتي ذكرها إن شاء الله تعالى. (٧) «المصنف» ٤/ ٤٥٣ (٢٢٠١٦)، قال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٨٣: مرسل قوي الإسناد. وقال عنه الألباني في «الصحيحة» ٦/ ٩٩٣: بلاغ مرسل صحيح، رجاله كلهم ثقات رجال مسلم، وكذا قال في «الإرواء» ٥/ ١٤٦. (٨) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧. ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٣٦٦، والحاكم ٢/ ٤٩، وابن حزم في «الإحكام» ٥/ ١١ - ١٢، والبيهقي ٦/ ٧٩، ١٦٦، ٧/ ٢٤٩، من طريق = عوف المزني، عن أبيه، عن جده مثله، بزيادة: «إلا شرطًا حرم حلالًا أو حلل حرامًا» (١). ------------ = كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، به. بلفظ: «المسلمون». قال الحاكم: رواة هذا الحديث مدنيون، ولم يخرجاه، وهذا أصل في الكتاب. والحديث أعله ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٧/ ٢٤٩ بكثير بن زيد؛ فقال: ضعفه النسائي وغيره. وتعقب الحافظ الذهبي في «التلخيص»؛ فقال: لم يصححه الحاكم، وكثير ضعفه النسائي، وقواه غيره. وبكثيرٍ أعل الحديث أيضًا عبد الحق الإشبيلي في «الأحكام» ٣/ ٢٧٥، وقال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ١٤٧: وكثير بن زيد، قال ابن معين في روايته: هو ثقة، وضعفه في رواية أخرى. وقال المصنف رحمه الله في «البدر» ٦/ ٥٥٢: كثير بن زيد فيه مقال؛ لكن حديث أبي هريرة هذا قال عنه النووي في «المجموع» ٩/ ٤٦٤: إسناده حسن أو صحيح. وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ٥٤: إسناد حسن. وكذا قال المصنف رحمه الله في «خلاصة البدر المنير» ٢/ ٦٩. وقال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٨٢: كثير بن زيد، أسلمي، لينه ابن معين، وأبو زرعة، والنسائي؛ وقال أحمد: ما أرى به بأسا، وحديثه حسن في الجملة. وقال العلامة الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٣: كثير حسن الحديث. (١) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧. ورواه أيضًا الترمذي (١٣٥٢)، والحاكم ٤/ ١٠١، وابن حزم في «الأحكام» ٥/ ٢٢، والبيهقي ٦/ ٧٩، ٧/ ٢٤٩، من الطريق الذي ذكره المصنف. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. والحديث أعله ابن حزم في «الأحكام» ٥/ ٢٢ بكثير، وكذا شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ١٤٧، وقال الحافظ الذهبي في «التلخيص» ٤/ ١٠١: حديث واهٍ. وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ٥٤: قد نوقش الترمذي في تصحيحه هذا الحديث، وما شاكله من الأحاديث الضعاف؛ فإن كثيرًا هذا كذبه الشافعي، وتركه أحمد وغير واحد من الأئمة. ومن حديث خُصيف، عن عائشة مرفوعًا «المسلمون على شروطهم ما وافق الحق» (١)، ومن حديث أنس مثله (٢). ---------- وقال المصنف رحمه الله في «البدر المنير» ٦/ ٦٨٨: حديث واهٍ بمرة، بسبب كثير هذا. وكذا ضعفه في «الخلاصة» ٢/ ٨٧. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٨٩٥): رواه الترمذي وصححه، وأنكروا عليه؛ لأن راويه كثير بن عبد الله ضعيف، وكأنه اعتبره بكثرة طرقه. وأطلق القول بضعفه في «التلخيص الحبير» ٣/ ٢٣، وكذا ضعفه الشوكاني في «النيل» ٣/ ٦٨٢، وابن التركماني في «الجوهر النقي» ٧/ ٢٤٩، والألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٤. (١) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧. ورواه أيضًا الحاكم ٢/ ٤٩ - ٥٠، والبيهقي ٧/ ٢٤٩ من طريق إسماعيل بن عبد الله بن زرارة، عن عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري، عن خصيف، عن عروة، عن عائشة، مرفوعًا، به. وسقط هنا عروة فجعله عن خصيف، عن عائشة، وهو خطأ؛ فلعله سقط من الناسخ، والله أعلم. والحديث ضعف إسناده البيهقي ٧/ ٢٤٩، وعبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٧٦، وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٢٣: حديث واهٍ. قال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٤: إسناد ضعيف جدًّا. (٢) «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٧ - ٢٨. ورواه أيضًا الحاكم ٢/ ٤٩ - ٥٠، والبيهقي ٧/ ٢٤٩ من طريق عبد العزيز بن عبد الرحمن الجزري، عن خصيف، عن عطاء بن أبي رباح، عن أنس بن مالك، مرفوعًا، به. والحديث ضعف البيهقي إسناده أيضًا، وكذا عبد الحق ٣/ ٢٧٦، وقال الحافظ في «التلخيص» ٣/ ٢٣: إسناده واهٍ. وقال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٤٤: إسناده ضعيف جدا. قلت: وفي الباب: عن رافع بن خديج، وابن عمر. فحديث رافع بن خديج رواه الطبراني ٤/ ٢٧٥ (٤٤٠٤)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ١٦٢، والإسماعيلي في «المعجم» ٣/ ٧٤٩ من طريق قيس بن الربيع، عن حكيم بن جبير، عن عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج، مرفوعًا، به. = إذا تقرر ذلك: فقد اختلف العلماء في أجرة السمسار، فأجازه غير من ذكرهم البخاري، منهم الأربعة، قال مالك: يجوز أن يستأجره على بيع سلعته إذا ضرب لذلك أجلًا، قال: وكذلك إذا قال له: بع هذا الثوب ولك درهم، أنه جائز وإن لم يؤقت له ثمنًا، وهو جعل، وكذلك إن جعل في كل مائة دينار شيئًا وهو جُعْل. --------- = قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٠٥: فيه حكيم بن جبير، وهو متروك، وقال: أبو زرعة محله الصدق، إن شاء الله. وأما حديث ابن عمر فرواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٢٩٦)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٤٨، وابن حزم في «الإحكام» ٥/ ٢٢، من طريق محمد بن الحارث، عن محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر، مرفوعًا، بنحوه. قال البزار: عبد الرحمن له مناكير، وهو ضعيف عند أهل العلم. وقال العقيلي: هذا يروى بإسناد أصلح من هذا: بخلاف هذا اللفظ. وقال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه من طريق محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني، وهو ضعيف. وقال الهيثمي ٤/ ٨٦: محمد بن عبد الرحمن ضعيف جدًّا. وبعد: فالحديث تغالى فيه ابن حزم رحمه الله فضعفه تارة ووهاه ثانية، وقال: إنه مكذوب. ثالثة. انظر: «المحلى» ٧/ ٣٧٠، ٨/ ٨١، ١٦١، ١٦٣، ٣٥٨، ٣٧٥، ٤٠٨، ٤١٤ - ٤١٥، ٩/ ٤٤، ١١٩، ١١٦، ١٧٠، ٢٣٠. وفي المقابل: فإن الأكثر على تصحيحه أو تحسينه. قال شيخ الإسلام كما في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ١٤٧: هذِه الأسانيد، وإن كان الواحد منها ضعيفًا، فاجتماعها من طرق يشد بعضها بعضًا، وقال الشوكاني في «النيل» ٣/ ٦٨٣: الأحاديث المذكورة والطرق يشهد بعضها لبعض، فأقل أحوالها أن يكون المتن الذي اجتمعت عليه حسنا. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٣٠٣)، ثم قال: وجملة القول: أن الحديث بمجموع هذِه الطرق يرتقي إلى درجة الصحيح لغيره. وقال في «الصحيحة» (٢٩١٥): حديث صحيح بمجموع طرقه. وقال أحمد: لا بأس أن يعطيه من الألف شيئًا معلومًا. وذكر ابن المنذر عن حماد والثوري أنهما كرها أجره. وقال أبو حنيفة: إن دفع إليه ألف ألف درهم يشتري له بها بزًّا بأجر عشرة دراهم فهو فاسد، وكذلك لو قال: اشتر مائة ثوب، فهو فاسد، فإن اشترى فله أجر مثله، ولا يجاوز له ما سمى من الأجر. وقال أبو ثور: إذا جعل له في كل ألف شيئًا معلومًا لم يجز، وإذا جعل له في كل ثوب شيئًا معلومًا لم يجز؛ لأن ذلك غير معلوم، فإن عمل على ذلك فله أجر مثله، وإن اكتراه شهرًا على أن يشتري له ويبيع، فذلك جائز. وحجة من كرهه أنها إجارة في أمد غير (١) محصور، والإجارة مفتقرة إلى أجل معلوم. وحجة من أجازه أنه إذا سمى له ما على المائة فقد عرفت أجرة كل ثوب واستغني عن الأجل فيه، لأنه عندهم من باب الجعل، وليس على المشتري إذا لم يطلب الشراء شيء من أجل السمسار عند من أجازه وإنما عليه أجره إذا طلب الشراء أو طلب البيع (٢). وقوله: (لَا يَكُونُ لَهُ سِمْسَارًا): يعني: من أجل الضرر الداخل على التجار لا من أجل أجرته؛ لأن السمسار أجير، وقد أمر الشارع بإعطاء الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة (٣). ---------- (١) تكررت (غير) في الأصل قبل كلمة (أمد) وبعدها. وقال الذي الهامش: لعل إحداهما زائدة. (٢) انظر: «المدونة» ٣/ ٤١٩، «الإشراف» ٢/ ١٢٧ - ١٢٨، «المغني» ٨/ ٤٢. (٣) لم أقف عليه من هذِه الطريق، وقال ابن حجر في «الدراية» ٢/ ١٨٦: ذكر ابن = وأما قول ابن عباس: بع هذا الثوب، فما زاد على كذا فهو لك. ![]()
__________________
|
|
#430
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (15) من صـــ 71 الى صـــ 90 الحلقة (430) وقول ابن سِيرِينَ: بعْهُ بِكَذَا، فَمَا كَانَ مِنْ رِبْحٍ فَهْوَ لَكَ، أَوْ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، فإن العلماء (١) لا يجيزون هذا البيع، وممن كرهه: النخعي والحسن والثوري والكوفيون. وقال مالك والشافعي: لا يجوز، فإن باع فله أجر مثله. وأجازه أحمد وإسحاق، قالا: وهو من باب القراض، وقد لا يربح المقارض (٢). وحجة الجماعة أنه قد يمكن أن لا يبيعه بالثمن الذي سمى له، فيذهب عمله باطلًا، وهو من باب الغرر، وهي أجرة مجهولة أو جُعْل مجهول، فلا يجوز. وأما حجة من أجازه فحديث «المسلمون على شروطهم» ولا حجة لهم فيه، عملًا ببقية الحديث: «إلا شرطًا حرم حلالًا أو حلل حرامًا» ومعنى الحديث: الشروط الجائزة بينهم. وقال ابن التين: أجرة السمسار ضربان: إجارة وجعالة، فالأول يكون مدة معلومة فيجتهد في بيعه، فإن باع قبل ذلك أخذ بحسابه، وإن انقضى الأجل أخذ كامل الإجارة. والثاني: لا تضرب فيها الآجال، هذا هو المشهور من المذهب، ولكن لا تكون الإجارة والجعالة --------- = طاهر في الكلام على أحاديث الشبهات أن أبا إسحاق الكوري أحد الضعفاء رواه عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة. والحديث مروي عن أبي هريرة من طرق أخرى، وروي عن صحابة آخرين وانظر: «البدر المنير» ٧/ ٣٧ - ٣٨، و«نصب الراية» ٤/ ١٢٩ - ١٣٠ و«الدراية» الموضع المشار إليه. (١) في «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٠٢: فإن أكثر العلماء. والمصنف ينقل عنه هذِه الفقرات. ولفظة ابن بطال أضبط. (٢) انظر: «الإشراف» ٢/ ١٢٨، «المغني» ٧/ ٢٦١. إلا معلومتين، ولا يستحق في الجعالة شيئًا إلا بتمام العمل، وهو البيع. والجعالة الصحيحة، أن يسمي له ثمنًا إن بلغه باع، أو يفوض إليه، فإن بلغ القيمة باع، وإن قال الجاعل: لا تبع إلا بأمري فهو فاسد. وقال أبو عبد الملك: أجرة السمسار محمولة على العرف تقلُّ من قوم وتكثر من قوم، لكن جوزت لما مضى من عمل الناس عليه على أنها مجهولة، قال: ومثل ذلك أجرة الحجام والسقاء. قال ابن التين: وهذا الذي ذكره غير جار على أصول مالك وإنما يجوز من ذلك عنده ما كان ثمنه معلومًا لا غرر فيه، وقول ابن عباس وابن سيرين لما يتابعا عليه، والدليل عليهما قوله - عليه السلام -: «من استأجر أجيرًا فليعلمه أجره» (١). قلت: أخرجه البيهقي. وتوبعا كما سلف قال: واحتجاج ابن سيرين بالحديث (٢) يريد فيما يجوز من الشروط، بدليل قوله في قصة بريرة: «ما كان (٣) من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل» (٤). قلت: الظاهر أن البخاري هو الذي أورد هذا الحديث لا ابن سيرين (٥)، والحديث لا بد من تأويله، والاستثناء السالف فيه مهم، ---------- (١) «السنن الكبرى» ٦/ ١٢٠ (١١٦٥١) من طريق أبي حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: لا يساوم الرجل .. وفي آخره هذا اللفظ. قال البيهقي: وقيل من وجه آخر ضعيف عن ابن مسعود. وانظر للمصنف «البدر المنير» ٧/ ٣٨ - ٣٩. و«التلخيص» لابن حجر ٣/ ٦٠. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٣١٦). (٢) يعني حديث: «المسلمون شروطهم». علقه البخاري بعد كلام ابن سيرين. (٣) في الأصل: كل والمثبت من «صحيح البخاري» (٢١٦٨). (٤) سلف برقم (٢١٦٨) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترط شروطًا في البيع لا تحل. (٥) يشير المصنف إلن حديث المسلمون عند شروطهم وأن البخاري هو الذي علقه لا ابن سيرين كي لا يظن أحد أنه منسوب لابن سيرين. وإلا لو أخذ بظاهره لاستحلت المحرمات، قال: فإن ترك ذلك رد إلى أجرة مثله إن باع أو بلغ القيمة بالإشهار، وإن لم يبلغ ذلك فاختلف هل له أجر أم لا؟ وإن قال: لك من كل دينار تبيعها به حبة أو حبتان لم يجز ذلك، وإن قال: إن بعتها بكذا ذلك من كل دينار حبتان أو درهم أو ما سمى جاز، وكأنه جاعله به، فإن باع بأكثر لم يكن له إلا ما سمَّى، إذ لو ازداد ذلك لفسد؛ لجهل ما يبيع به، قال: وقد قيل: ما ذكره ابن عباس وابن سيرين يجوز على وجه إذا كان الناس يعلمون أن السلعة (تسوى) (١) أكثر مما سماه له من الثمن، ومن قيمة إجارته على بيعها بالشيء البين، وهذا غير ظاهر؛ لأنه جاعله بشيء غير معلوم، ولا اعتبار بأنها تسوى أكثر؛ لأن الحاصل في الجعل غير معلوم، والمغابنة في بياعات الناس موجودة. ومن اشترط في إجارته فوق ما يسوى لا بأس به إذا كان معلومًا، وإنما يصح ما ذكره لو وجبت الإجارة فأعطي أقل فحينئذٍ يكون أداء الفاضل تفضلًا لا معاوضة في مقابلته، وأما ابتداءً فهو مقصود مراعى. فلا بد أن يكون معلومًا. ---------- (١) كذا في الأصل وأعلاها (كذا) وقال ابن منظور في «لسان العرب» ٤/ ٢١٦١: قال الليث: يسوى نادرة ثم قال: وقد روي عن الشافعي: وأما لا يُسوى فليس بعربي. ١٥ - باب هَلْ يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ مِنْ مُشْرِكٍ فِي دار الحَرْبِ؟ ٢٢٧٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، حَدَّثَنَا خَبَّابٌ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: أَمَا وَاللهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟! قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧]. [انظر: ٢٠٩١ - مسلم: ٢٧٩٥ - فتح: ٤/ ٤٥٢] ذكر فيه حديث خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، فَعَمِلْتُ لِلْعَاصِي بْنِ وَائِلٍ، فَاجْتَمَعَ لِي عِنْدَهُ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ فَقَالَ: لَا وَاللهِ لَا أَقْضِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ: وَاللهِ حَتَّى تَمُوتَ ثُمَّ تُبْعَثَ فَلَا. قَالَ: وَإِنِّي لَمَيِّتٌ ثُمَّ مَبْعُوثٌ؟! قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنَّهُ سَيَكُونُ لِي ثَمَّ مَالٌ وَوَلَدٌ فَأَقْضِيكَ. فَأَنْزَلَ اللهُ -عز وجل-: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ [مريم: ٧٧]. الشرح: هذا الحديث سلف في باب القين والحداد (١). وكره العلماء أن يؤاجر الرجل المسلم نفسه من مشرك في دار الحرب أو دار الإسلام، وقد أسلفت أنه حرام (٢)؛ لأن في ذلك ذلة وصغار إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة، فلا نحرمه، فيما لا يعود على ----------- (١) سلف برقم (٢٠٩١). (٢) سلف في باب استئجار المشركين عند الضرورة، وباب: إذا استأجر .. في شرح حديث عائشة: استأجر النبي - ﷺ - وأبو بكر رجلًا من الديل (٢٢٦٣ - ٢٢٦٤). المسلم بضر ولا فيما لا يحل مثل عصير خمر ورعي خنزير، أو عمل سلاح أو شبه ذلك. وأما في دار الإسلام فقد أغنى الله بالمسلمين وبخدمتهم عن الاضطرار إلى خدمة المشركين، وقد أمر الله عباده المؤمنين بالترؤس على المشركين فقال تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ [محمد: ٣٥] فلا يصلح لمسلم أن يهين نفسه بالخدمة لمشرك إلا عند الضرورة، فإن وقع ذلك فهو جائز؛ لأنه لما جاز لنا أن نأخذ أموالهم بالمعاوضة منهم في أثمان ما بيع منهم كان كذلك المنافع الطارئة منا، ألا ترى أن خبابًا عمل للعاصي بن وائل وهو كافر، وجاز له ذلك. والقين سلف في البيوع قريبًا وأنه الحداد. واختلف أصحابنا فيما إذا أجر المسلم نفسه لكافر إجارة عين، والأصح عندنا صحتها، نعم يؤمر بإزالة الملك عنها على الأصح. ١٦ - باب مَا يُعْطَى فِي الرُّقْيَةِ عَلَى أَحْيَاءِ العَرَبِ بِفَاتِحَةِ الكِتَابِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ». وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: لَا يَشْتَرِطُ المُعَلِّمُ إِلَّا أَنْ يُعْطَى شَيْئًا فَلْيَقْبَلْهُ. وَقَالَ الحَكَمُ: لَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا كَرِهَ أَجْرَ المُعَلِّمِ. وَأَعْطَى الحَسَنُ دَرَاهِمَ عَشَرَةً. وَلَمْ يَرَ ابْنُ سِيرِينَ بِأَجْرِ القَسَّامِ بَأْسًا. وَقَالَ: كَانَ يُقَالُ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ فِي الحُكْمِ. وَكَانُوا يُعْطَوْنَ عَلَى الخَرْصِ. ٢٢٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ أَبِي المُتَوَكِّلِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: انْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفْرَةٍ سَافَرُوهَا، حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُ ذَلِكَ الحَيِّ، فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ، لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرَّهْطَ الَّذِينَ نَزَلُوا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ، فَأَتَوْهُمْ، فَقَالُوا: يَا أَيُّهَا الرَّهْطُ، إِنَّ سَيِّدَنَا لُدِغَ، وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ، فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيءٍ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَعَمْ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْقِي، وَلَكِنْ وَاللهِ لَقَدِ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضِيِّفُونَا، فَمَا أَنَا بِرَاقٍ لَكُمْ حَتَّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا. فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنَ الغَنَمِ، فَانْطَلَقَ يَتْفِلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ٢] فَكَأَنَّمَا نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ، فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ، قَالَ: فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمُ الَّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: اقْسِمُوا. فَقَالَ: الَّذِي رَقَى لَا تَفْعَلُوا، حَتَّى نَأْتِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَنَذْكُرَ لَهُ الَّذِي كَانَ، فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا. فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرُوا لَهُ، فَقَالَ: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَةٌ» ثُمَّ قَالَ: «قَدْ أَصَبْتُمُ، اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا». فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَ شُعْبَةُ: حَدَّثَنَا أَبُو بِشْرٍ: سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكِّلِ بِهَذَا. [٥٠٠٧، ٥٧٣٦، ٥٧٤٩ - مسلم: ٢٢٠١ - فتح: ٤/ ٤٥٣] ثم ساق حديث أبي سعيدٍ في الرقية بالفاتحة وقال: «اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا». وَقَالَ شُعْبَةُ: ثَنَا أَبُو بِشْرٍ: سَمِعْتُ أَبَا المُتَوَكِّلِ بهذا. الشرح: سقط في بعض النسخ من هذِه الترجمة لفظ: على أحياء العرب (١)؛ لأن الحكم لا يختص به، وعلى إثباتها سببه أن الواقعة وقعت فيهم. وتعليق ابن عباس يأتي مسندًا (٢)، وهو حجة على الحنفية والزهري وابن إسحاق والحسن بن حي في عدم الأخذ، وادعى بعضهم نسخَهُ بحديث القوس المهداة الآتي (٣)، وهو عجيب. وأثر الشعبي رواه ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية، عن عثمان بن الحارث عنه، قال: وحدثنا وكيع، ثنا سفيان، عن أيوب بن عائذ الطائي عنه به (٤). وأثر الحكم رواه ابن أبي شيبة: حدثنا يزيد بن هارون، أنا شعبة عنه به. ----------- (١) جاء في هامش اليونينة ٣/ ٩٢: قوله: على أحياء العرب. هذِه الجملة مضروب عليها في اليونينية وفرعها، وهي ثابتة في أصول كثيرة، بل قال ابن حجر: هي ثابتة عند الجميع. اهـ. قلت: كلام الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٥٣: كذا ثبتت هذِه الترجمة للجميع. هذا نص عبارته إلا أن ابن بطال أسقطها في «شرحه» ٦/ ٤٠٤ مما يعني أن كلام الحافظ ليس على إطلاقه. (٢) سيأتي مسندًا مطولًا بمثل حديث أبي سعيد برقم (٥٧٣٧) كتاب: الطب، باب: الشروط في الرقية بقطيع من الغنم. (٣) في هامش الأصل: أي في كلام المصنف لا في البخاري. (٤) «المصنف» ٤/ ٣٤٦ (٢٠٨٢٦، ٢٠٨٣٤). وأثر الحسن قال ابن أبي شيبة: حدثنا حفص، عن أشعث عنه: لا بأس أن يأخذ على الكتاب أجرًا، وكره الشرط (١). وأثر ابن سيرين قال أيضًا: حدثنا وكيع، ثنا همام، عن قتادة، عن يزيد الرشك، عن القاسم قال: قلت لابن المسيب ما ترى في كسب القسام، فكرهه قلت: إني أعمل فيه حتى يعرق جبيني، فلم يرخص لي. قال قتادة: وكان الحسن يكره كسبه. قال قتادة وقال ابن سيرين: إن لم يكن خبيثًا فلا أدري ما هو؟ (٢). وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم (٣) والأربعة (٤). والتعليق الأخير أسنده الترمذي عن محمد بن المثنى، عن عبد الصمد بن عبد الوارث، عن شعبة به. ثم قال: صحيح وهو أصح من حديث الأعمش، عن أبي بشر، عن أبي نضرة (٥)؛ ورواه النسائي عن زياد بن (ميمون) (٦)، عن هشيم. وعن بندار، عن غندر، عن شعبة، جميعًا عن أبي بشر به (٧). وفي ابن ماجه: بعثنا النبي - ﷺ - في ثلاثين راكبًا (٨)، وفي النسائي، وذلك ليلًا (٩). --------- (١) «المصنف» ٤/ ٣٤٦ (٢٠٨٣١). (٢) «المصنف» ٤/ ٤٧٨ (٢٢٥٨). (٣) مسلم (٢٢٠١) كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن. (٤) رواه أبو داود (٣٤١٨)، (٣٩٠٠)، والترمذي (٢٠٦٣) والنسائي في «الكبرى» ٤/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (٧٥٣٢، ٧٥٣٣) وابن ماجه (٢١٥٦). (٥) الترمذي (٢٠٦٤). (٦) في النسائي: أيوب. وهو الصواب فهو الذي يروي عن هشيم، انظر: «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٢٧٥ - الرواة عن هشيم. (٧) النسائي في «الكبرى» ٤/ ٣٦٤ (٧٥٣٣)، و٤/ ٣٦٧ (٧٥٤٧). (٨) ابن ماجه (٢١٥٦). (٩) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٦٤ (٧٥٣٣). وسيأتي عند البخاري عن ابن عباس: فانطلق رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاء، فجاء بالشاء إلى أصحابه فكرهوا ذلك، وقالوا: أخذت على كتاب الله أجرًا (١)! وادعى ابن العربي اضطرابه، ففي رواية: أن أبا سعيد قرأ ورقى، وفي أخرى: أن غيره الراقي (٢). قلت: الذي فيه أنه الراقى. وفي رواية أن رجلًا رقى، كنى به عن نفسه، فلا اضطراب (٣). ويعارض هذا بحديث القوس التي أهديت لعبادة لما علمه سورة. وقوله له: إن كنت تحب أن تطوق بها طوقًا من نار فاقبلها، أخرجه أبو داود من حديث المغيرة بن زياد، عن عبادة عن الأسود بن ثعلبة، عن عبادة (٤). وأين هو من هذا؟! المغيرة ضعيف. وكذا قوله لأبي بن كعب: إن كان شيء يتحفك به فلا خير فيه، أخرجه ابن أبي شيبة (٥). قال الجورقاني في «موضوعاته»: إنه باطل بسبب عبد الرحمن بن أبي مسلم، وأبي عبيدة بن فضيل بن عياض. وهما ضعيفان، قال: ------------ (١) سيأتي برقم (٥٧٣٧) وسبق تخريجه. (٢) «عارضة الأحوذي» ٨/ ٣١٩. (٣) في هامش الأصل ما نصه: في بعض طرق مسلم من حديث أبي سعيد: فقام رجل منا ما كنا نظنه يحسن رقية .. الحديث. وفيه: فقلنا: أكنت تحسن رقية؟ فقال: ما رقيته إلا بفاتحة الكتاب. وفي رواية له: ما كنا نأبنه برقية. وهذا ظاهر في أنه غيره إلا أن يقال: إنه وقع مرتين. (٤) أبو داود (٣٤١٦). (٥) «المصنف» ٤/ ٣٤٧ (٢٠٨٣٨). وكذا حديث عبادة حديث باطل بسبب ابن المغيرة، فإنه منكر الحديث (١). قلت: وكذا حديث أبي الدرداء مرفوعًا: «من أخذ على تعليم القرآن قوسًا قلده الله مكانها قوسًا من نار» أخرجه سمويه في «فوائده». وقد أخرجها ابن الجوزي في «علله» (٢). وكذا قول عبد الله بن شقيق فكره أرش المعلم، فإن أصحاب رسول الله - ﷺ - كانوا يكرهونه ويرونه شديدًا. وقول إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يأخذوا على الغلمان في الكتاب أجرًا. وروى أحمد والطحاوي من حديث عبد الرحمن بن شبل الأنصاري مرفوعًا: «تعلموا القرآن، ولا تغلوا فيه، ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به» (٣). وروى الترمذي من حديث عمران بن حصين مرفوعًا: «اقرءوا القرآن وسلوا الله به فإن بعدكم قوم يقرون القرآن يسألون به الناس» (٤)، ولابن بطال (أنهم احتجوا بحديث) (٥) ابن مسعود مرفوعًا: «اقرءوا القرآن ---------- (١)»الأباطيل والمناكير«٢/ ١٢٨ - ١٣١ (٥٢٢، ٥٢٣) (٢)»العلل المتناهية«١/ ٧٤ - ٧٥ (٩١ - ٩٢) روى حديثي أُبي بن كعب، وعبادة بن الصامت. وليس حديث أبي الدرداء كما يوهم عطف المصنف عليه، فانتبه. (٣)»المسند«٣/ ٤٢٨ (١٥٥٢٩)، و»شرح معاني الآثار«٣/ ١٨ (٤٢٩٦ - ٤٢٩٧). (٤) رواه الترمذي (٢٩١٧) وقال: حسن، ووقع في بعض نسخه: ليس إسناده بذاك، ورواه الطبري ١٨/ ١٦٧ ووقع في المطبوع منه حثمة بن أبي حثمة عن الحسن عن عمران وهو خطأ وصوابه خيثمة بن أبي خيثمة البصري عن الحسن به، ورواه جماعة آخرون غير من ذكرنا وحسنه الألباني، كما في»الصحيحة«(٢٥٧). (٥) في الأصل: (من حديث) والمثبت من»شرح ابن بطال" ٦/ ٤٠٥ وهو الأليق للسياق. ولا تأكلوا به» (١) وهو حديث ضعيف وبحديث حماد بن سلمة عن أبي جرهم، عن أبي هريرة قلت: يا رسول الله، ما تقول في المعلمين؟ قال: «أجرهم حرام» (٢). وقال الجورقاني: حديث أنس: «أجر المعلم، والمؤذن والإمام حرام» موضوع (٣). قلت: وأين هذا كله من حديث ابن عباس السالف وحديث أبي سعيد؟ وصح: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه» (٤) وأبو جرهم غير معروف. ولأبي داود من حديث خارجة بن الصلت، عن عمه يعني: علاقة بن صحار (د. ت) أنه رقى مجنونًا موثقًا بالحديد بفاتحة الكتاب ثلاثة أيام، كل يوم مرتين فبرأ، فأعطوني مائتي شاة فأخبرت النبي - ﷺ - بذلك فقال: «خذها فلعمري من أكل برقية باطل، فقد أكلت برقية حق» (٥)، وهذا والذي قبله صريح في أنها شفاء ولهذا من أسمائها الشافية. ------------ (١) لم أقف عليه عن ابن مسعود ورواه أحمد ٣/ ٤٢٨ ابن أبي شيبة ٢/ ١٧١ (٧٧٤٢)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٢/ ١٠ وغيرهم وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٦٠)، (٣٠٥٧). وفي الباب عن أبي هريرة. (٢) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١١٣، ١١٤. وقال: وأبو جرهم مجهول لا يعرف، ولم يرو حماد بن سلمة عن أحد يقال له: أبو جرهم، وإنما رواه عن أبي المهزم وهو متروك أيضًا. (٣) «الأباطيل والمناكير» ٢/ ١٢٦ - ١٢٧ (٥٢٠). (٤) سيأتي عند البخاري برقم (٥٠٢٧) كتاب فضائل القرآن، باب: خيركم من تعلم القرآن وعلمه. من حديث عثمان بن عفان رضي الله عنه. (٥) أبو داود (٣٨٩٦). وفي الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «فاتحة الكتاب شفاء من كل سم» (١)، ولأبي داود من حديث ابن مسعود: مرض الحسن أو الحسين فنزل جبريل فأمره أن يقرأ الفاتحة على إناء من الماء أربعين مرة فيغسل به يديه ورجليه ورأسه (٢). إذا تقرر ذلك؛ فالراوي، عن أبي سعيد هو: أبو المتوكل واسمه علي بن دؤاد (٣) القرشي الشامي الناجي البصري. والنفر: ما بين العشرة إلى الثلاثة. وقوله: (فاسْتَضَافُوهُمْ) قال ثعلب: ضفت الرجل إذا نزلت به، وأضفته إذا أنزلته. وقوله: (فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمْ) قال ابن التين: ضبط في بعض الكتب بفتح الياء والوجه ضمها. والقِرى والضيافة متقاربان، والمعنى واحد؛ لأن بناء قرى جمع الشيء إلى الشيء. ----------- (١) لم أقف عليه في «الترمذي» ورواه سعيد بن منصور في «سننه» ٢/ ٥٣٥ (١٧٨)، ومن طريقه البيهقي في «الشعب» ٢/ ٤٥٠ (٢٣٦٨). وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٢٢ إليهما، ثم قال: وأخرج أبو الشيخ ابن حيان في كتاب «الثواب» من وجه آخر عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا مثله. (٢) لم أقف عليه عند أبي داود، ولا غيره، غير أن ابن حجر قال في «اللسان» ٣/ ٣٨٩ في ترجمة سليمان بن شعيب بن الليث بن سعد المصري: وقد أورد له أبو القاسم الملاحي في كتاب: فضائل القرآن له من طريق أبي بكر عبد الله بن أبي داود، عنه، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: مرض الحسن أو الحسين .. فذكر حديثًا في فضل التداوي بفاتحة الكتاب لا يشك من له أدنى معرفة بأنه موضوع. اهـ. (٣) في هامش الأصل تعليق نصه: وقيل ابن داود، وقدمه الذهبي، وفي «المشتيه» عكس. وبناء ضيف الميل، فكأن النازل يميل إلى المنزول عليه. وقوله: (فَلُدِغَ) أي: من حية أو عقرب، وقد بين في الترمذي أنها عقرب (١). وفي رواية أخرى: (سليم) (٢) أي: لديغ. قيل له ذلك تفاؤلًا بالسلامة، وقيل: لاستسلامه لما نزل به. وعند النسائي (أو مصاب) (٣). وقوله: (فَسَعَوْا لَهُ بِكُلِّ شَيءٍ) أي: (أتوه) (٤) بالسعي - (بالعين) (٥) -. قال ابن التين: هكذا هو في الكتب والرواية. وقال الخطابي: يعني عالجوا طلبًا للشفاء. يقال: سعى له الطبيب: عالجه بما يشفيه أو وصف له الشفاء (٦). و(الرَّهْط): دون العشرة. وقيل لا ينطلق على أكثر من ذلك. وقيل: يصل إلى الأربعين. وقد سلف. وقوله: (صَالَحُوهُمْ) أي: وافقوهم على قطيع هو ثلاثون شاة. أخرجه النسائي (٧). قال ابن التين: والقطيع: الطائفة من الغنم قال: وقوله (مِنَ الغَنَمِ) تأكيد. ------------ (١) الترمذي (٢٠٦٣). (٢) سيأتي برقم (٥٠٠٧) كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل فاتحة الكتاب. (٣) بل هي عند مسلم (٢٢٠١) كتاب: السلام، باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية. (٤) في الأصل: باتوه والمثبت من (ف). (٥) في هامش الأصل: إحدى حروف الهجاء. (٦) «أعلام الحديث» ٢/ ١٢٠. وقد وقع عنده في الحديث: (فشفوا له بكل شيء). (٧) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٦٤ (٧٥٣٢). قلت: قد قال صاحب «المطالع» وغيره، القطيع: الطائفة من الغنم والمواشي. قال الداودي: ويقع على ما قلّ وكثُر. وقوله: (يَتْفِلُ) هو بمثناة تحت مفتوحة، ثم مثناة فوق ساكنة، ثم فاء مكسورة وروي بضمها، وهو خفيف الريق. قال ابن بطال: التفل البصاق، يقال: تفل تفلًا: بصق (١). وفي الترمذي: (قرأ عليه: ﴿الحَمدُ لِلَّهِ﴾ سبع مرات (٢). وقوله: (نُشِطَ مِنْ عِقَالٍ) أي: أقيم بسرعة. قال الخطابي: وفي بعض اللغات بمعنى: حل عقاله. وفي أكثرها نشطته إذا عقدته، وأنشطته إذا حللته وفككته (٣). وعند الهروي: (فَكَأَنَّمَا أنُشِطَ مِنْ عِقَالٍ). قال ابن التين: وكذا هو في بعض روايات البخاري هنا. وقال صاحب «الأفعال»: أنشطت العقدة: حللتها (٤) (٥)، وقيل: الإنشاط: الحل، والنشيط: العقد. وقيل: معناه أقيم بسرعة، ومنه: رجل نشيط، ومنه: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ﴾ أي: تجذب الأنفس بسرعة. وقوله: (وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ) هو بفتح القاف واللام. أي: داء، ويسمى الداء ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٠٨. (٢) الترمذي (٢٠٦٣). (٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١١٢٠. (٤) في هامش الأصل: كذا هو في «المطالع»، أي: نشطت وأنشطت بمعنى حللت، هذا معناه. (٥) «الأفعال» لابن القوطية ص ١١٢. قلبة؛ لأن صاحبه يقلب من أجله ليعلم موضع الداء منه، وبخط الدمياطي: داء مأخوذ من القلاب يأخذ البعير، فيشتكي منه قلبه فيموت من يومه. قال النمر: وقد برئت فما بالقلب من قلبَهْ. أي: برئت من داء الحب. وقال ابن الأعرابي: معناه: ليست به علة يقلب عليها (١). فينظر إليه ولما قال له - عليه السلام -: «وَمَا يُدْرِيكَ أَيها رُقْيَةٌ؟!» وللدارقطني: «وما علمك أنها رقية؟!» قال: شيء ألقي في روعي (٢). وقال الداودي: «وما أدراك» ..؟! هو المحفوظ. وقال ابن عيينة: ما قيل فيه: مَا يُدْرِيكَ فلم يدره، وما قيل فيه: وما أدراك ..؟ فقد علمه. وإنما قال ذلك لما في القرآن، وأما اللغة فهما سواء. وأخذ الدوادي ذلك أصلًا. ويدل عليه قوله لعمر: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: (واعملوا ما شئتم). وقوله: (»وَاضْرِبُوا لِي بسَهْم«) دلالة على جواز أخذ الأجر على الرقية بالفاتحة وهو موضع الترجمة. وقد اختلف العلماء فيه وفي أخذه على التعليم. فأجازه عطاء وأبو قلابة. وهو قول الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد، وأبي ثور، ونقله القرطبي عن أبي حنيفة في الرقية أيضًا، وإسحاق وجماعة من السلف والخلف (٣)، وحجتهم حديث ابن عباس، وحديث أبي سعيد في الباب. ----------- (١) ذكر نحوه ابن سيده في»المحكم«٦/ ٢٦٥. (٢)»سنن الدارقطني«٣/ ٦٤. (٣)»المفهم" ٥/ ٥٨٨. وكره تعليم القرآن بالأجر الزهري. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجوز أن يأخذ على تعليمه أجرًا كما سلف. قال الطحاوي: وتجوز الأجرة على الرقى وإن كان يدخل في بعضه القرآن؛ لأنه ليس على الناس أن يرقي بعضهم بعضًا، وتعليم الناس بعضهم بعضًا القرآن واجب؛ لأن في ذلك التبليغ عن الله تعالى إلا أن من علمه منهم أجزأ عن بقيتهم، وذلك كتعليم الصلاة لا يجوز أخذ الأجرة عليه، ولا يجوز على الأذان على وجه (١). واحتجوا بأحاديث ضعاف سلفت: حديث ابن مسعود وأبي هريرة وعبادة وغيرها، وقد بينا ضعفها قبل. وكيف تعارض هذِه حديث ابن عباس وأبي سعيد، والتعارض إنما يكون عند تساوي طرقها في النقل والعدالة، والصحيح مقدم، وأما قول الطحاوي: إن تعليم الناس القرآن بعضهم بعضًا فرض (٢)، فغلط فيه؛ لأن تعلمه ليس بفرض، فكيف تعليمه؟ وإنما الفرض المتعين منه على كل أحد ما تقوم به الصلاة، وغير ذلك فضيلة ونافلة، وكذلك تعليم الناس بعضهم بعضًا الصلاة ليس بفرض معين عليهم، وإنما هو على الكفاية، ولا فرق بين الأجرة في الرقى وعلى تعليم القرآن؛ لأن ذلك كله منفعة. وقوله - عليه السلام -: («إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله») هو عام يدخل فيه إباحة التعليم وغيره، فسقط قولهم. ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٢٧. (٢) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٢٧. والحق أن الطحاوي لم يقل أنه فرض عين بل قال: إلا أن من علمه منهم أجزأ ذلك عن بقيتهم كالصلاة على الجنائز. اهـ وهذا يعني أنه فرض على الكفاية عنده. وقد أجاز مالك أجر المؤذن، وكره أجر الإمام. وصحح أصحابنا جواز أخذ الأجرة على الأذان، حجة الشافعي حديث ابن عباس، وحديث أبي سعيد، ومما يدل على جواز أخذ الأجرة على ذلك أن الذين أخذوا الغنم تحرجوا من قسمتها وأكلها ححى سألوا رسول الله - ﷺ - عن ذلك، فأعلمهم أنها حلال لهم أخذ الأجرة عليه، وآكد لأنفسهم، وطيب نفوسهم بأن قال: «اضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بسَهْم». وأما أجر القسام فإن أكثر الفقهاء أجازوه (١)، وأما ما روي عن مالك من الكراهية فيه فإنما هو؛ لأن القسام كانوا يرزقون من بيت المال، فإذا لم يكن ذلك فلا بأس باستئجارهم على القسمة عنده، والقسمة مثل عقد الوثائق، كل ذلك جائز عنده (٢). وعقد الوثائق فرض على الكفاية؛ لقوله تعالى ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فلما لم يتعين الفرض جاز فيه أخذ الأجرة. وقال ابن المنذر: وأبو حنيفة سيكره تعليم القرآن بالأجر، ويجيز أن يستأجر الرجل يكتب له لوحًا أو شعرًا أو غناءً معلومًا بأجر معلوم. فيجيز الإجارة فيما هو معصية ويبطلها فيما هو طاعة لله؛ وقد دلت السنة على إجازته (٣). وفيه: من الفقه وجوب التضيُّف على العادة المعروفة بين الناس قديمًا. --------- (١) انظر: «الإشراف» ٣/ ٢٨٥. (٢) انظر: «المدونة» ٤/ ٧٧، ٢٧١. (٣) انظر: «الإشراف» ٢/ ١١٢. وفيه: دليل أنهم فاوضوهم في منع معروفهم بأن منعوهم هؤلاء معروفهم في الرقية إلا بعوض؛ لقوله: (قد استضفناكم فلم تضيفونا)، فهذا يدل على أن ترك الضيافة ليس من مكارم الأخلاق. وقوله (»وما يدريك أنها رقية؟! «) أي: إن في القرآن ما يخص الرقى، وإن فيه ما لا يخصها، وإن كان القرآن كله مرجو البركة والنفع، من أجل أنه كلام الله الحق؛ إذا كان في الآية التعوذ بالله أو دعاء كان أخص بالرقية مما ليس فيه ذلك. وإنما أراد بقوله: (»وَمَا يُدْرِيكَ أَيها رُقْيَة؟! «) أن يختبر علمه بذلك؛ لأنه ربما خفي موضعها في: ﴿الْحَمْدُ﴾، وهو قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ [الفاتحة: ٥] هو الموضع الذي فيه الرقية؛ لأن الاستعانة بالله على كشف الضر، وسؤال الفرج، والتبرؤ إليه من الطاقة، والإقرار بالحاجة إليه وإلى عونه هو في معنى الدعاء. ويحتمل أن يكون الراقي إنما رقى بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ لما علم أنها ثناء على الله، فاستفتح رقيته بالثناء رجاء الفرج كما ترجى في الاستفتاح به في الدعاء الإجابة، ولذلك قال إبراهيم التيمي: إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء فقد استوجب، وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء (١). تنبيهات: أحدها: للحنفية أن يفرقوا بين الرقية وتعليم القرآن، فإن أولئك القوم كانوا كفارًا يجوز أخذ أموالهم مطلقًا، أو تقول: إن حق الضيف لازم لهم ولم يضيفوهم، أو أن الرقى ليست بقربة محضة كسائر العلاجات، وإن كنا نعلم أن المستأجر على الرقى يدخل في رقاه القرآن؛ إذ ليس ------------ (١) نقله من»شرح ابن بطال" ٦/ ٤٠٦ - ٤٠٨ بتصرف يسير. على الناس أن يرقي بعضهم بعضًا، بخلاف تعليم القرآن لوجوب تعليمه؛ لأن فيه التبليغ عن الله، فمن علم منهم أجزأ عن بقيتهم، فإذا استأجر بعضهم بعضًا على تعليم كذلك كان إجارته باطلة؛ لأنه إنما استأجر على أن يؤدي فرضًا هو لله عليه، فإذا استؤجروا على أن يعملوا ما ليس عليهم أن يعملوه جاز أخذ الأجرة عليه. ثانيها: قد أسلفنا، عن ابن بطال أن موصغ الرقية: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) وعبارة القرطبي موضعها ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. قال: ويظهر لي أن السورة كلها موضع الرقية؛ لقوله: «وَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهَا رُقْيَة؟!» ولم يقل: فيها رقية (٢). فيستحب قراءتها على اللديغ والمريض وصاحب العاهة. وقال ابن العربي: إنما خصها؛ لأنه رآها سميت أم الكتاب فتحقق شرفها وتقدمها (٣). ثالثها: قال ابن درستويه: كل كلام استشفي به من وجع أو خوف أو شيطان أو سحر فهو رقية. قال الزمخشري: وقد يقال الذي: استرقيته بمعنى رقيته، قال: وعن الكسائي: ارتقيت بهذا المعنى. وفي «الموعب»: رقاه رقيًا ورقية ورقيًا فهو راقٍ إذا عوذه، وصاحبه رقاء. وقسمها ابن الجوزي ضربين: رقية لا تفهم، فربما كانت كفرًا، فنهى - عليه السلام - عنها لذلك، وفي الصحيح: «لا بأس بالرقى إذا لم تكن شركًا» (٤)، ورقية جائزة وهي ضربان: رقية يعتقد فيها أنها ترفع ما سيعرض فهذِه ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٤٠٨. (٢) «المفهم» ٥/ ٥٨٦. (٣) «عارضة الأحوذي» ٨/ ٢٢٠. (٤) مسلم (٢٢٠٠) كتاب: السلام، باب: لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك. من حديث عوف بن مالك الأشجعي. منهي عنها لأجل هذا المعنى، ورقية لما قد حدث في هذِه رخص فيها. قال أحمد: لا بأس بالرقية من العين (١)، وسأله مهنا عن الرجل تأتيه المرأة مسحورة فيطلق عنها السحر، فقال: لا بأس (٢). والاستشفاء بالقرآن والدعاء في معنى الرقية، فلا يكره بحال، وسيكون لنا عودة إليه -إن شاء الله- في كتاب الطب. رابعها: وقع في «شرح ابن التين» أن حديث ابن عباس دليل على منع أخذ الأجر على التعليم، وهو مذهب الشعبي هنا إلا أنه مرسل. وهذا كلام غير مستقيم، والحديث دال على الأخذ، وأبو حنيفة هو الذاهب إلى المنع لما قدمناه. قال الداودي: ويدل عليه قوله تعالى: ﴿خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأَمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] ولا دليل فيه؛ لأنه لم يمنع الإجارة، وإنما منع أخذ الأجرة على فعل الخير يتلو القرآن ويعلمه. قال ابن التين: وقول ابن سيرين في القسام صحيح إذا كان برضاهم، وكره في «المدونة» ذلك (٣). قال سحنون: لأنهم كانوا يرزقون من بيت المال فنهي عنه، وهو من الرشوة في الحكم، والرشوة بتثليث الراء، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم، وترشيت الرجل إذا لينته. والسحت بإسكان الحاء وضمها هو كل طعام يلزم لآكله العار. ---------- (١) «مسائل أبي داود» (١٦٧١). (٢) انظر: «الفروع» ٦/ ١٨٧، «بدائع الفوائد» ٤/ ١٠٥. (٣) «المدونة الكبرى» ٤/ ٢٧١. ونصه في «المدونة»: قلت: لم كره مالك أرزاق القسام وجوز أرزاق العمال؟ قال: لأن أرزاق القسام إنما يؤخذ ذلك من أموال اليتامى، وأرزاق العمال إنما تؤخذ من بيت المال. قلت: أفرأيت إن جعل القسام رزقًا من بيت المال؟ قال: .. لا بأس. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |