|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#421
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة الاحزاب من صـ / الى صــ / الحلقة (421) وهذا الحديث والذي قبله دليل على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم كلما ذكر ، وهو مذهب طائفة من العلماء [ منهم الطحاوي والحليمي ] ، ويتقوى بالحديث الآخر الذي رواه ابن ماجه : حدثنا جبارة بن المغلس ، حدثنا حماد بن زيد ، حدثنا عمرو بن دينار ، عن جابر بن زيد ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة " . جبارة ضعيف . ولكن رواه إسماعيل القاضي من غير وجه ، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة " . وهذا مرسل يتقوى بالذي قبله [ والله أعلم ] . وذهب آخرون إلى أنه تجب الصلاة في المجلس مرة واحدة ، ثم لا تجب في بقية ذلك المجلس ، بل [ ص: 469 ] تستحب . نقله الترمذي عن بعضهم ، ويتأيد بالحديث الذي رواه الترمذي : حدثنا محمد بن بشار ، حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان ، عن صالح - مولى التوأمة - عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله فيه ، ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة ، فإن شاء عذبهم ، وإن شاء غفر لهم " . تفرد به الترمذي من هذا الوجه . ورواه الإمام أحمد عن حجاج ويزيد بن هارون ، كلاهما عن ابن أبي ذئب ، عن صالح - مولى التوأمة - عن أبي هريرة ، مرفوعا مثله . ثم قال الترمذي : هذا حديث حسن . وقد روي عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من غير وجه ، وقد رواه إسماعيل القاضي من حديث شعبة ، عن سليمان ، عن ذكوان ، عن أبي سعيد قال : " ما من قوم يقعدون ثم يقومون ولا يصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، إلا كان عليهم حسرة ، وإن دخلوا الجنة لما يرون [ من ] الثواب " . وحكي عن بعضهم أنه إنما تجب الصلاة عليه ، عليه السلام ، في العمر مرة واحدة ، امتثالا لأمر الآية ، ثم هي مستحبة في كل حال ، وهذا هو الذي نصره القاضي عياض بعدما حكى الإجماع على وجوب الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الجملة . قال : وقد حكى الطبراني أن محمل الآية على الندب ، وادعى فيه الإجماع . قال : ولعله فيما زاد على المرة ، والواجب منه مرة كالشهادة له بالنبوة ، وما زاد على ذلك فمندوب مرغب فيه من سنن الإسلام ، وشعار أهله . قلت : وهذا قول غريب ، فإنه قد ورد الأمر بالصلاة عليه في أوقات كثيرة ، فمنها واجب ، ومنها مستحب على ما نبينه . فمنه : بعد النداء للصلاة ; للحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو عبد الرحمن ، حدثنا حيوة ، حدثنا كعب بن علقمة ، أنه سمع عبد الرحمن بن جبير يقول : إنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إذا سمعتم مؤذنا فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي; فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا ، ثم سلوا لي الوسيلة ، فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله ، وأرجو أن أكون أنا هو ، فمن سأل لي الوسيلة حلت عليه الشفاعة " . وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ، من حديث كعب بن علقمة طريق أخرى : قال إسماعيل القاضي : حدثنا محمد بن أبي بكر ، حدثنا عمرو بن علي ، عن أبي [ ص: 470 ] بكر الجشمي ، عن صفوان بن سليم ، عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من سأل الله لي الوسيلة ، حقت عليه شفاعتي يوم القيامة " . حديث آخر : قال إسماعيل القاضي : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا سعيد بن زيد ، عن ليث ، عن كعب - هو كعب الأحبار - عن أبي هريرة ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " صلوا علي ، فإن صلاتكم علي زكاة لكم ، وسلوا الله لي الوسيلة " . قال : فإما حدثنا وإما سألناه ، فقال : " الوسيلة أعلى درجة في الجنة ، لا ينالها إلا رجل ، وأرجو أن أكون ذلك الرجل " . ثم رواه عن محمد بن أبي بكر ، عن معتمر ، عن ليث - وهو ابن أبي سليم - به . وكذا الحديث الآخر : قال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثنا بكر بن سوادة ، عن زياد بن نعيم ، عن وفاء الحضرمي ، عن رويفع بن ثابت الأنصاري ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من صلى على محمد وقال : اللهم ، أنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة ، وجبت له شفاعتي " . وهذا إسناد لا بأس به ، ولم يخرجوه . أثر آخر قال إسماعيل القاضي : حدثنا علي بن عبد الله ، حدثنا سفيان ، حدثني معمر ، عن ابن طاوس ، عن أبيه ، سمعت ابن عباس يقول : اللهم تقبل شفاعة محمد الكبرى ، وارفع درجته العليا ، وأعطه سؤله في الآخرة والأولى ، كما آتيت إبراهيم وموسى ، عليهما السلام . إسناد جيد قوي صحيح . ومن ذلك : عند دخول المسجد والخروج منه : للحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ، حدثنا ليث بن أبي سليم ، عن عبد الله بن الحسن ، عن أمه فاطمة بنت الحسين ، عن جدته [ فاطمة ] بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل المسجد صلى على محمد وسلم وقال : " اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب رحمتك " . وإذا خرج صلى على محمد وسلم ، ثم قال : " اللهم اغفر لي ذنوبي ، وافتح لي أبواب فضلك " . وقال إسماعيل القاضي : حدثنا يحيى بن عبد الحميد ، حدثنا سفيان بن عمر التميمي ، عن [ ص: 471 ] سليمان الضبي ، عن علي بن الحسين قال : قال علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه : إذا مررتم بالمساجد فصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم . وأما الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في الصلاة ، فقد قدمنا الكلام عليها في التشهد الأخير ، ومن ذهب إلى ذلك من العلماء مع الشافعي ، رحمه الله . وأما التشهد الأول فلا تجب فيه قولا واحدا ، وهل تستحب ؟ على قولين للشافعي . ومن ذلك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة : فإن السنة أن يقرأ في التكبيرة الأولى فاتحة الكتاب ، وفي الثانية أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الثالثة يدعو للميت ، وفي الرابعة يقول : اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتنا بعده . قال الشافعي ، رحمه الله : حدثنا مطرف بن مازن ، عن معمر ، عن الزهري : أخبرني أبو أمامة بن سهل بن حنيف أنه أخبره رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : أن السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام ، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى سرا في نفسه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويخلص الدعاء للجنازة ، وفي التكبيرات لا يقرأ في شيء منها ، ثم يسلم سرا في نفسه ورواه النسائي ، عن أبي أمامة نفسه أنه قال : من السنة ، فذكره . وهذا من الصحابي في حكم المرفوع على الصحيح . ورواه إسماعيل القاضي ، عن محمد بن المثنى ، عن عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهري ، عن أبي أمامة بن سهل ، عن سعيد بن المسيب أنه قال : السنة في الصلاة على الجنازة . . . فذكره . وهكذا روي عن أبي هريرة ، وابن عمر ، والشعبي . ومن ذلك : في صلاة العيد : قال إسماعيل القاضي : حدثنا مسلم بن إبراهيم ، حدثنا هشام الدستوائي ، حدثنا حماد بن أبي سليمان ، عن إبراهيم ، عن علقمة : أن ابن مسعود وأبا موسى وحذيفة خرج عليهم الوليد بن عقبة يوما قبل العيد ، فقال لهم : إن هذا العيد قد دنا ، فكيف التكبير فيه ؟ قال عبد الله : تبدأ فتكبر تكبيرة تفتتح بها الصلاة ، وتحمد ربك وتصلي على [ ص: 472 ] النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو ، وتكبر وتفعل مثل ذلك ، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ، ثم تكبر وتفعل مثل ذلك ، ثم تقرأ ، ثم تكبر وتركع ، ثم تقوم فتقرأ وتحمد ربك وتصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم تدعو وتكبر ، وتفعل مثل ذلك ، ثم تركع . فقال حذيفة وأبو موسى : صدق أبو عبد الرحمن . إسناد صحيح ومن ذلك : أنه يستحب ختم الدعاء بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم قال الترمذي : حدثنا أبو داود ، أخبرنا النضر بن شميل ، عن أبي قرة الأسدي ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب قال : الدعاء موقوف بين السماء والأرض ، لا يصعد حتى تصلي على نبيك . وهكذا رواه أيوب بن موسى ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب ، قوله . ورواه معاذ بن الحارث ، عن أبي قرة ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر مرفوعا . وكذا رواه رزين بن معاوية في كتابه مرفوعا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الدعاء موقوف بين السماء والأرض ، لا يصعد حتى يصلى علي ، فلا تجعلوني كغمر الراكب ، صلوا علي أول الدعاء وأوسطه وآخره " . وهذه الزيادة إنما تروى من رواية جابر بن عبد الله في مسند الإمام عبد بن حميد الكشي [ حيث ] قال : حدثنا جعفر بن عون ، أخبرنا موسى بن عبيدة ، عن إبراهيم بن محمد بن إبراهيم ، عن أبيه قال : قال جابر : قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تجعلوني كقدح الراكب ، إذا علق تعاليقه أخذ قدحه فملأه من الماء ، فإن كان له حاجة في الوضوء توضأ ، وإن كان له حاجة في الشرب شرب وإلا أهراق ما فيه ، اجعلوني في أول الدعاء ، وفي ، وسط الدعاء ، وفي آخر الدعاء " . فهذا حديث غريب ، وموسى بن عبيدة ضعيف الحديث . ومن [ آكد ] ذلك : دعاء القنوت : لما رواه الإمام أحمد وأهل السنن ، وابن خزيمة ، وابن حبان ، والحاكم ، من حديث أبي الحوراء ، عن الحسن بن علي ، رضي الله عنهما ، قال : علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر : " اللهم اهدني فيمن هديت ، وعافني فيمن عافيت ، [ ص: 473 ] وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني شر ما قضيت ، فإنك تقضي ولا يقضى عليك ، وإنه لا يذل من واليت تباركت [ ربنا ] وتعاليت " . وزاد النسائي في سننه بعد هذا : وصلى الله على النبي محمد . ومن ذلك : أنه يستحب الإكثار من الصلاة عليه [ في ] يوم الجمعة وليلة الجمعة : قال الإمام أحمد : حدثنا حسين بن علي الجعفي ، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر ، عن أبي الأشعث الصنعاني ، عن أوس بن أوس الثقفي ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أفضل أيامكم يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه قبض ، وفيه النفخة ، وفيه الصعقة ، فأكثروا علي من الصلاة فيه ، فإن صلاتكم معروضة علي " . قالوا : يا رسول الله ، وكيف تعرض عليك صلاتنا وقد أرمت ؟ - يعني : وقد بليت - قال : " إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " . ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه ، من حديث حسين بن علي الجعفي . وقد صحح هذا الحديث ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني ، والنووي في الأذكار . حديث آخر : قال أبو عبد الله بن ماجه : حدثنا عمرو بن سواد المصري ، حدثنا عبد الله بن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن زيد بن أيمن ، عن عبادة بن نسي ، عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة; فإنه مشهود تشهده الملائكة . وإن أحدا لا يصلي علي إلا عرضت علي صلاته حتى يفرغ منها " . قال : قلت : وبعد الموت ؟ قال : " [ وبعد الموت ] ، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء " [ فنبي الله حي يرزق ] . هذا حديث غريب من هذا الوجه ، وفيه انقطاع بين عبادة بن نسي وأبي الدرداء ، فإنه لم يدركه ، والله أعلم . وقد روى البيهقي من حديث أبي أمامة وأبي مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأمر بالإكثار من الصلاة عليه ليلة الجمعة ويوم الجمعة ، ولكن في إسنادهما ضعف ، والله أعلم . وروي مرسلا عن الحسن [ ص: 474 ] البصري ، فقال إسماعيل القاضي : حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا جرير بن حازم ، سمعت الحسن - هو البصري - يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تأكل الأرض جسد من كلمه روح القدس " . مرسل حسن . وقال الشافعي : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، أخبرنا صفوان بن سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا كان يوم الجمعة وليلة الجمعة ، فأكثروا الصلاة علي " . هذا مرسل . وهكذا يجب على الخطيب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة على المنبر في الخطبتين ، ولا تصح الخطبتان إلا بذلك; لأنها عبادة ، وذكر الله فيها شرط ، فوجب ذكر الرسول صلى الله عليه وسلم فيها كالأذان والصلاة . هذا مذهب الشافعي وأحمد رحمهما الله . ومن ذلك : أنه يستحب الصلاة والسلام عليه عند زيارة قبره ، صلوات الله وسلامه عليه : قال أبو داود : حدثنا ابن عوف - هو محمد - حدثنا المقري ، حدثنا حيوة ، عن أبي صخر حميد بن زياد ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي هريرة; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي ، حتى أرد عليه السلام " . تفرد به أبو داود ، وصححه النووي في الأذكار . ثم قال أبو داود : حدثنا أحمد بن صالح قال : قرأت على عبد الله بن نافع ، أخبرني ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجعلوا بيوتكم قبورا ، ولا تجعلوا قبري عيدا ، وصلوا علي ، فإن صلاتكم تبلغني حيثما كنتم " . تفرد به أبو داود أيضا . وقد رواه الإمام أحمد عن سريج ، عن عبد الله بن نافع - وهو الصائغ - به . وصححه النووي أيضا . وقد روي من وجه آخر عن علي ، رضي الله عنه . قال القاضي إسماعيل بن إسحاق في كتابه " فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم " : حدثنا إسماعيل بن أبي أويس ، حدثنا جعفر بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب [ عمن أخبره ] من أهل بيته ، عن علي بن الحسين بن علي : أن رجلا كان يأتي كل [ ص: 475 ] غداة فيزور قبر النبي صلى الله عليه وسلم ويصلي عليه ، ويصنع من ذلك ما اشتهر عليه علي بن الحسين ، فقال له علي بن الحسين : ما يحملك على هذا ؟ قال : أحب السلام على النبي صلى الله عليه وسلم . فقال له علي بن الحسين : هل لك أن أحدثك حديثا عن أبي ؟ قال : نعم . فقال له علي بن الحسين : أخبرني أبي ، عن جدي أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لا تجعلوا قبري عيدا ، ولا تجعلوا بيوتكم قبورا ، وصلوا علي وسلموا حيثما كنتم فتبلغني صلاتكم وسلامكم " . في إسناده رجل مبهم لم يسم وقد روي من وجه آخر مرسلا قال عبد الرزاق في مصنفه ، عن الثوري ، عن ابن عجلان ، عن رجل - يقال له : سهيل - عن الحسن بن الحسن بن علي ; أنه رأى قوما عند القبر فنهاهم ، وقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تتخذوا قبري عيدا ، ولا تتخذوا بيوتكم قبورا ، وصلوا علي حيثما كنتم; فإن صلاتكم تبلغني " . فلعله رآهم يسيئون الأدب برفع أصواتهم [ فوق الحاجة ] ، فنهاهم . وقد روي أنه رأى رجلا ينتاب القبر فقال : يا هذا ، ما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء ، أي : الجميع يبلغه ، صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين . وقال الطبراني في معجمه الكبير : حدثنا أحمد بن رشدين المصري ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا محمد بن جعفر ، أخبرني حميد بن أبي زينب ، عن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، عن أبيه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا علي حيثما كنتم ، فإن صلاتكم تبلغني " . ثم قال الطبراني : حدثنا العباس بن حمدان الأصبهاني ، حدثنا شعيب بن عبد الحميد الطحان ، أخبرنا يزيد بن هارون عن شيبان ، عن الحكم بن عبد الله بن خطاف ، عن أم أنيس بنت الحسن بن علي ، عن أبيها قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أرأيت قول الله ، عز وجل : ( إن الله وملائكته يصلون على النبي ) ؟ " فقال : " إن هذا هو المكتوم ، ولولا أنكم سألتموني عنه لما أخبرتكم ، إن الله وكل بي ملكين لا أذكر عند عبد مسلم فيصلي علي إلا قال ذانك الملكان : " غفر الله لك " . وقال الله وملائكته جوابا لذينك الملكين : " آمين " . ولا يصلي أحد إلا قال ذانك الملكان : " غفر الله لك " . ويقول الله وملائكته جوابا لذينك الملكين : " آمين " . غريب جدا ، وإسناده فيه ضعف شديد [ ص: 476 ] وقد قال الإمام أحمد : حدثنا وكيع ، عن سفيان ، عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي الله عنه; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ملائكة سياحين في الأرض ، يبلغوني من أمتي السلام " . وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان بن مهران الأعمش ، كلاهما عن عبد الله بن السائب ، به فأما الحديث الآخر : " من صلى علي عند قبري سمعته ، ومن صلى علي من بعيد بلغته " - ففي إسناده نظر ، تفرد به محمد بن مروان السدي الصغير ، وهو متروك ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا . قال أصحابنا : ويستحب للمحرم إذا لبى وفرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم : لما روي عن الشافعي والدارقطني من رواية صالح بن محمد بن زائدة ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق قال : كان يؤمر الرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم على كل حال . وقال إسماعيل القاضي : حدثنا عارم بن الفضل ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا زكريا ، عن الشعبي ، عن وهب بن الأجدع قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول : إذا قدمتم فطوفوا بالبيت سبعا ، وصلوا عند المقام ركعتين ، ثم ائتوا الصفا فقوموا عليه من حيث ترون البيت ، فكبروا سبع تكبيرات ، تكبيرا بين حمد لله وثناء عليه ، وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومسألة لنفسك ، وعلى المروة مثل ذلك . إسناد جيد حسن قوي . وقالوا : ويستحب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكر الله عند الذبح : واستأنسوا بقوله تعالى : ( ورفعنا لك ذكرك ) [ الشرح : 4 ] ، قال بعض المفسرين : يقول الله تعالى : " لا أذكر إلا ذكرت معي " . وخالفهم في ذلك الجمهور ، وقالوا : هذا موطن يفرد فيه ذكر الرب تعالى ، كما عند الأكل ، والدخول ، والوقاع وغير ذلك ، مما لم ترد فيه السنة بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم . حديث آخر : قال إسماعيل القاضي : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا عمر بن هارون ، عن موسى بن عبيدة ، عن محمد بن ثابت ، عن أبي هريرة ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " صلوا على أنبياء الله ورسله; فإن الله بعثهم كما بعثني " . في إسناده ضعيفان ، وهما عمر بن هارون وشيخه ، والله أعلم . وقد رواه عبد الرزاق ، عن الثوري ، عن موسى بن عبيدة الربذي به . [ ص: 477 ] ومن ذلك : أنه يستحب الصلاة عليه عند طنين الأذن ، إن صح الخبر في ذلك ، على أن الإمام أبا بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة قد رواه في صحيحه فقال : حدثنا زياد بن يحيى ، حدثنا معمر بن محمد بن عبيد الله ، عن أبيه محمد ، عن أبيه أبي رافع قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا طنت أذن أحدكم فليذكرني وليصل علي ، وليقل : ذكر الله من ذكرني بخير " . إسناده غريب ، وفي ثبوته نظر والله أعلم . [ وهاهنا مسألة ] : وقد استحب أهل الكتابة أن يكرر الكاتب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كلما كتبه ، وقد ورد في الحديث من طريق كادح بن رحمة ، عن نهشل ، عن الضحاك ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من صلى علي في كتاب ، لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب " . وليس هذا الحديث بصحيح من وجوه كثيرة ، وقد روي من حديث أبي هريرة ، ولا يصح أيضا ، قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي شيخنا : أحسبه موضوعا . وقد روي نحوه عن أبي بكر ، وابن عباس . ولا يصح من ذلك شيء ، والله أعلم . وقد ذكر الخطيب البغدادي في كتابه : " الجامع لآداب الراوي والسامع ، قال : رأيت بخط الإمام أحمد بن حنبل ، رحمه الله : كثيرا ما يكتب اسم النبي صلى الله عليه وسلم من غير ذكر الصلاة عليه كتابة ، قال : وبلغني أنه كان يصلي عليه لفظا . ![]()
__________________
|
|
#422
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة الاحزاب من صـ / الى صــ / الحلقة (422) فصل وأما الصلاة على غير الأنبياء ، فإن كانت على سبيل التبعية كما تقدم في الحديث : " اللهم صل على محمد وآله وأزواجه وذريته " ، فهذا جائز بالإجماع ، وإنما وقع النزاع فيما إذا أفرد غير الأنبياء بالصلاة عليهم : [ ص: 478 ] فقال قائلون : يجوز ذلك ، واحتجوا بقوله : ( هو الذي يصلي عليكم وملائكته ) ، وبقوله ( أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة ) [ البقرة : 157 ] ، وبقوله تعالى ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم ) [ التوبة : 103 ] ، وبحديث عبد الله بن أبي أوفى قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه قوم بصدقتهم قال : " اللهم صل عليهم " . وأتاه أبي بصدقته فقال : " اللهم صل على آل أبي أوفى " . أخرجاه في الصحيحين . وبحديث جابر : أن امرأته قالت : يا رسول الله ، صل علي وعلى زوجي . فقال : " صلى الله عليك وعلى زوجك " . وقال الجمهور من العلماء : لا يجوز إفراد غير الأنبياء بالصلاة ; لأن هذا قد صار شعارا للأنبياء إذا ذكروا ، فلا يلحق بهم غيرهم ، فلا يقال : " قال أبو بكر صلى الله عليه " . أو : " قال علي صلى الله عليه " . وإن كان المعنى صحيحا ، كما لا يقال : " قال محمد عز وجل " ، وإن كان عزيزا جليلا; لأن هذا من شعار ذكر الله ، عز وجل . وحملوا ما ورد في ذلك من الكتاب والسنة على الدعاء لهم; ولهذا لم يثبت شعارا لآل أبي أوفى ، ولا لجابر وامرأته . وهذا مسلك حسن . وقال آخرون : لا يجوز ذلك; لأن الصلاة على غير الأنبياء قد صارت من شعار أهل الأهواء ، يصلون على من يعتقدون فيهم ، فلا يقتدى بهم في ذلك ، والله أعلم . ثم اختلف المانعون من ذلك : هل هو من باب التحريم ، أو الكراهة التنزيهية ، أو خلاف الأولى ؟ على ثلاثة أقوال ، حكاه الشيخ أبو زكريا النووي في كتاب الأذكار . ثم قال : والصحيح الذي عليه الأكثرون أنه مكروه كراهة تنزيه ; لأنه شعار أهل البدع ، وقد نهينا عن شعارهم ، والمكروه هو ما ورد فيه نهي مقصود . قال أصحابنا : والمعتمد في ذلك أن الصلاة صارت مخصوصة في اللسان بالأنبياء ، صلوات الله وسلامه عليهم ، كما أن قولنا : " عز وجل " ، مخصوص بالله سبحانه وتعالى ، فكما لا يقال : " محمد عز وجل " ، وإن كان عزيزا جليلا لا يقال : " أبو بكر - أو : علي - صلى الله عليه " . هذا لفظه بحروفه . قال : وأما السلام فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا : هو في معنى الصلاة ، فلا يستعمل في الغائب ، ولا يفرد به غير الأنبياء ، فلا يقال : " علي عليه السلام " ، وسواء في هذا الأحياء والأموات ، وأما الحاضر فيخاطب به ، فيقال : سلام عليكم ، أو سلام عليك ، أو السلام عليك أو عليكم . وهذا مجمع عليه . انتهى ما ذكره . قلت : وقد غلب هذا في عبارة كثير من النساخ للكتب ، أن يفرد علي ، رضي الله عنه ، بأن يقال : " عليه السلام " ، من دون سائر الصحابة ، أو : " كرم الله وجهه " وهذا وإن كان معناه [ ص: 479 ] صحيحا ، لكن ينبغي أن يساوي بين الصحابة في ذلك; فإن هذا من باب التعظيم والتكريم ، فالشيخان وأمير المؤمنين عثمان [ بن عفان ] أولى بذلك منه ، رضي الله عنهم أجمعين . قال إسماعيل القاضي : حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب ، حدثنا عبد الواحد بن زياد ، حدثني عثمان بن حكيم بن عباد بن حنيف ، عن عكرمة ، عن ابن عباس أنه قال : لا تصح الصلاة على أحد إلا على النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن يدعى للمسلمين والمسلمات بالمغفرة . وقال أيضا : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ، حدثنا حسين بن علي ، عن جعفر بن برقان قال : كتب عمر بن عبد العزيز ، رحمه الله : أما بعد ، فإن أناسا من الناس قد التمسوا الدنيا بعمل الآخرة ، وإن ناسا من القصاص قد أحدثوا في الصلاة على خلفائهم وأمرائهم عدل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، فإذا جاءك كتابي هذا فمرهم أن تكون صلاتهم على النبيين ودعاؤهم للمسلمين عامة ، ويدعوا ما سوى ذلك . أثر حسن . قال إسماعيل القاضي : حدثنا معاذ بن أسد ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، حدثنا ابن لهيعة ، حدثني خالد بن يزيد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن نبيه بن وهب ; أن كعبا دخل على عائشة ، رضي الله عنها ، فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كعب : ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم ويصلون على النبي صلى الله عليه وسلم ، سبعون ألفا بالليل ، وسبعون ألفا بالنهار ، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفا من الملائكة يزفونه . [ فرع ] : قال النووي : إذا صلى على النبي صلى الله عليه وسلم فليجمع بين الصلاة والتسليم ، فلا يقتصر على أحدهما فلا يقول : " صلى الله عليه فقط " ، ولا " عليه السلام " فقط ، وهذا الذي قاله منتزع من هذه الآية الكريمة ، وهي قوله : ( يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) ، فالأولى أن يقال : صلى الله عليه وسلم تسليما . ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ( 58 ) ( 57 ) ) يقول تعالى : متهددا ومتوعدا من آذاه ، بمخالفة أوامره وارتكاب زواجره وإصراره على ذلك ، وأذى رسوله بعيب أو تنقص ، عياذا بالله من ذلك . قال عكرمة في قوله : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله ) : نزلت في المصورين . وفي الصحيحين ، من حديث سفيان بن عيينة ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يقول الله ، عز وجل : يؤذيني ابن آدم ، يسب الدهر ، وأنا الدهر ، أقلب ليله ونهاره " . ومعنى هذا : أن الجاهلية كانوا يقولون : يا خيبة الدهر ، فعل بنا كذا وكذا . فيسندون أفعال الله تعالى إلى الدهر ، ويسبونه ، وإنما الفاعل لذلك هو الله ، عز وجل ، فنهى عن ذلك . هكذا قرره الشافعي وأبو عبيد وغيرهما من العلماء ، رحمهم الله . وقال العوفي ، عن ابن عباس في قوله : ( يؤذون الله ورسوله ) : نزلت في الذين طعنوا [ على النبي صلى الله عليه وسلم ] في تزويجه صفية بنت حيي بن أخطب . والظاهر أن الآية عامة في كل من آذاه بشيء ، ومن آذاه فقد آذى الله ، ومن أطاعه فقد أطاع الله ، كما قال الإمام أحمد : حدثنا يونس ، حدثنا إبراهيم بن سعد ، عن عبيدة بن أبي رائطة الحذاء التميمي ، عن عبد الرحمن [ بن زياد ] ، عن عبد الله بن المغفل المزني قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " الله الله في أصحابي ، لا تتخذوهم غرضا بعدي ، فمن أحبهم فبحبي أحبهم ، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم ، ومن آذاهم فقد آذاني ، ومن آذاني فقد آذى الله ، ومن آذى الله يوشك أن يأخذه " . وقد رواه الترمذي من حديث عبيدة بن أبي رائطة ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن عبد الله بن المغفل ، به . ثم قال : وهذا حديث غريب ، لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقوله : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ) أي : ينسبون إليهم ما هم برآء منه لم يعملوه ولم يفعلوه ، ( فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) وهذا هو البهت البين أن يحكى أو ينقل عن المؤمنين والمؤمنات ما لم يفعلوه ، على سبيل العيب والتنقص لهم ، ومن أكثر من يدخل في هذا الوعيد الكفرة بالله ورسوله ، ثم الرافضة الذين يتنقصون الصحابة ويعيبونهم بما قد برأهم الله منه ، ويصفونهم بنقيض ما أخبر الله عنهم; فإن الله ، عز وجل ، قد أخبر أنه قد رضي عن المهاجرين [ ص: 481 ] والأنصار ومدحهم ، وهؤلاء الجهلة الأغبياء يسبونهم ويتنقصونهم ، ويذكرون عنهم ما لم يكن ولا فعلوه أبدا ، فهم في الحقيقة منكوسو القلوب يذمون الممدوحين ، ويمدحون المذمومين . وقال أبو داود : حدثنا القعنبي ، حدثنا عبد العزيز - يعني ابن محمد - عن العلاء ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أنه قيل : يا رسول الله ، ما الغيبة ؟ قال : " ذكرك أخاك بما يكره " . قيل : أفرأيت إن كان في أخي ما أقول ؟ قال : " إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته ، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " . وهكذا رواه الترمذي ، عن قتيبة ، عن الدراوردي ، به . قال : حسن صحيح . وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سلمة ، حدثنا أبو كريب ، حدثنا معاوية بن هشام ، عن عمار بن أنس ، عن ابن أبي مليكة ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " أي الربا أربى عند الله ؟ " قالوا : الله ورسوله أعلم . قال : "أربى الربا عند الله استحلال عرض امرئ مسلم " ، ثم قرأ : ( والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ) . ( ياأيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما ( 59 ) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ( 60 ) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا ( 61 ) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا ( 62 ) ) . يقول تعالى آمرا رسوله ، صلى الله عليه وسلم تسليما ، أن يأمر النساء المؤمنات - خاصة أزواجه وبناته لشرفهن - بأن يدنين عليهن من جلابيبهن ، ليتميزن عن سمات نساء الجاهلية وسمات الإماء . والجلباب هو : الرداء فوق الخمار . قاله ابن مسعود ، وعبيدة ، وقتادة ، والحسن البصري ، وسعيد بن جبير ، وإبراهيم النخعي ، وعطاء الخراساني ، وغير واحد . وهو بمنزلة الإزار اليوم . قاله الجوهري : الجلباب : الملحفة ، قالت امرأة من هذيل ترثي قتيلا لها : تمشي النسور إليه وهي لاهية مشي العذارى عليهن الجلابيب قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في [ ص: 482 ] حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب ، ويبدين عينا واحدة . وقال محمد بن سيرين : سألت عبيدة السلماني عن قول الله تعالى : ( يدنين عليهن من جلابيبهن ) ، فغطى وجهه ورأسه وأبرز عينه اليسرى . وقال عكرمة : تغطي ثغرة نحرها بجلبابها تدنيه عليها . وقال ابن أبي حاتم : أخبرنا أبو عبد الله الظهراني فيما كتب إلي ، حدثنا عبد الرزاق ، أخبرنا معمر ، عن ابن خثيم ، عن صفية بنت شيبة ، عن أم سلمة قالت : لما نزلت هذه الآية : ( يدنين عليهن من جلابيبهن ) ، خرج نساء الأنصار كأن على رءوسهن الغربان من السكينة ، وعليهن أكسية سود يلبسنها . وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا أبي ، حدثنا أبو صالح ، حدثني الليث ، حدثنا يونس بن يزيد قال : وسألناه يعني : الزهري - : هل على الوليدة خمار متزوجة أو غير متزوجة ؟ قال : عليها الخمار إن كانت متزوجة ، وتنهى عن الجلباب لأنه يكره لهن أن يتشبهن بالحرائر إلا محصنات . وقد قال الله تعالى : ( يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ) . وروي عن سفيان الثوري أنه قال : لا بأس بالنظر إلى زينة نساء أهل الذمة ، إنما ينهى عن ذلك لخوف الفتنة; لا لحرمتهن ، واستدل بقوله تعالى : ( ونساء المؤمنين ) . وقوله : ( ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) أي : إذا فعلن ذلك عرفن أنهن حرائر ، لسن بإماء ولا عواهر ، قال السدي في قوله تعالى : ( [ يا أيها النبي ] قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ) قال : كان ناس من فساق أهل المدينة يخرجون بالليل حين يختلط الظلام إلى طرق المدينة ، يتعرضون للنساء ، وكانت مساكن أهل المدينة ضيقة ، فإذا كان الليل خرج النساء إلى الطرق يقضين حاجتهن ، فكان أولئك الفساق يبتغون ذلك منهن ، فإذا رأوا امرأة عليها جلباب قالوا : هذه حرة ، كفوا عنها . وإذا رأوا المرأة ليس عليها جلباب ، قالوا : هذه أمة . فوثبوا إليها . وقال مجاهد : يتجلببن فيعلم أنهن حرائر ، فلا يتعرض لهن فاسق بأذى ولا ريبة . وقوله : ( وكان الله غفورا رحيما ) أي : لما سلف في أيام الجاهلية حيث لم يكن عندهن علم بذلك . ثم قال تعالى متوعدا للمنافقين ، وهم الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر : ( والذين في قلوبهم مرض ) قال عكرمة وغيره : هم الزناة هاهنا ( والمرجفون في المدينة ) يعني : الذين يقولون : " جاء [ ص: 483 ] الأعداء " و " جاءت الحروب " ، وهو كذب وافتراء ، لئن لم ينتهوا عن ذلك ويرجعوا إلى الحق ( لنغرينك بهم ) قال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أي : لنسلطنك عليهم . وقال قتادة ، رحمه الله : لنحرشنك بهم . وقال السدي : لنعلمنك بهم . ( ثم لا يجاورونك فيها ) أي : في المدينة ) إلا قليلا ملعونين ) حال منهم في مدة إقامتهم في المدينة مدة قريبة مطرودين مبعدين ، ( أين ما ثقفوا ) أي : وجدوا ، ( أخذوا ) لذلتهم وقلتهم ، ( وقتلوا تقتيلا ) . ثم قال : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ) أي : هذه سنته في المنافقين إذا تمردوا على نفاقهم وكفرهم ولم يرجعوا عما هم فيه ، أن أهل الإيمان يسلطون عليهم ويقهرونهم ، ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) أي : وسنة الله في ذلك لا تبدل ولا تغير . ( يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ( 63 ) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا ( 64 ) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا ( 65 ) يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسول ( 66 ) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ( 67 ) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ( 68 ) ) . يقول تعالى مخبرا لرسوله صلى الله عليه وسلم : أنه لا علم له بالساعة ، وإن سأله الناس عن ذلك . وأرشده أن يرد علمها إلى الله ، عز وجل ، كما قال له في سورة " الأعراف " ، وهي مكية وهذه مدنية ، فاستمر الحال في رد علمها إلى الذي يقيمها ، لكن أخبره أنها قريبة بقوله : ( وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا ) ، كما قال : ( اقتربت الساعة وانشق القمر ) [ القمر : 1 ] ، وقال ( اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون ) [ الأنبياء : 1 ] ، وقال ( أتى أمر الله فلا تستعجلوه ) [ النحل : 1 ] . ثم قال : ( إن الله لعن الكافرين ) أي : أبعدهم عن رحمته ( وأعد لهم سعيرا ) أي : في الدار الآخرة . ( خالدين فيها أبدا ) أي : ماكثين مستمرين ، فلا خروج لهم منها ولا زوال لهم عنها ، ( لا يجدون وليا ولا نصير ا ) أي : وليس لهم مغيث ولا معين ينقذهم مما هم فيه . ثم قال : ( يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا ) أي : يسحبون في النار على وجوههم ، وتلوى وجوههم على جهنم ، يقولون وهم كذلك ، يتمنون أن لو كانوا في الدار الدنيا ممن أطاع الله وأطاع الرسول ، كما أخبر الله عنهم في حال العرصات بقوله : ( ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا . يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ) [ الفرقان : 27 - 29 ] ، [ ص: 484 ] وقال تعالى : ( ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين ) [ الحجر : 2 ] ، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله ، وأطاعوا الرسول في الدنيا . ( وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ) . وقال طاوس : سادتنا : يعني الأشراف ، وكبراءنا : يعني العلماء . رواه ابن أبي حاتم . أي : اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة ، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا ، وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء . ( ربنا آتهم ضعفين من العذاب ) أي : بكفرهم وإغوائهم إيانا ، ( والعنهم لعنا كبيرا ) . قرأ بعض القراء بالباء الموحدة . وقرأ آخرون بالثاء المثلثة ، وهما قريبا المعنى ، كما في حديث عبد الله بن عمرو : أن أبا بكر قال : يا رسول الله ، علمني دعاء أدعو به في صلاتي . قال : " قل اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ، ولا يغفر الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم " . أخرجاه في الصحيحين ، يروى " كبيرا " و " كثيرا " ، وكلاهما بمعنى صحيح . واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه ، وفي ذلك نظر ، بل الأولى أن يقول هذا تارة ، وهذا تارة ، كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فحسن ، وليس له الجمع بينهما ، والله أعلم . وقال أبو القاسم الطبراني : حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة ، حدثنا ضرار بن صرد ، حدثنا علي بن هاشم ، عن [ محمد بن ] عبيد الله بن أبي رافع ، عن أبيه ، في تسمية من شهد مع علي ، رضي الله عنه : الحجاج بن عمرو بن غزية ، وهو الذي كان يقول عند اللقاء : يا معشر الأنصار ، أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه : ( ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيل ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا ) ؟ . ![]()
__________________
|
|
#423
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة الاحزاب من صـ / الى صــ / الحلقة (423) ( ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ( 69 ) ) . قال البخاري عند تفسير هذه الآية : حدثنا إسحاق بن إبراهيم ، حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا عوف ، عن الحسن [ ومحمد ] وخلاس ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن موسى كان رجلا حييا ، وذلك قوله : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) . [ ص: 485 ] هكذا أورد هذا الحديث هاهنا مختصرا جدا ، وقد رواه في أحاديث " الأنبياء " بهذا السند بعينه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن موسى ، عليه السلام ، كان رجلا حييا ستيرا ، لا يرى من جلده شيء استحياء منه ، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل ، فقالوا : ما يتستر هذا التستر إلا من عيب بجلده ، إما برص وإما أدرة وإما آفة ، وإن الله ، عز وجل ، أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى عليه السلام ، فخلا يوما وحده ، فخلع ثيابه على حجر ، ثم اغتسل ، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها ، وإن الحجر عدا بثوبه ، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر ، فجعل يقول : ثوبي حجر ، ثوبي حجر ، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل ، فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله ، عز وجل ، وأبرأه مما يقولون ، وقام الحجر ، فأخذ ثوبه فلبسه ، وطفق بالحجر ضربا بعصاه ، فوالله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا - قال : فذلك قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) . وهذا سياق حسن مطول ، وهذا الحديث من أفراد البخاري دون مسلم وقال الإمام أحمد : حدثنا روح ، حدثنا عوف ، عن الحسن ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - وخلاس ، ومحمد ، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية : ( ياأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا ) قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن موسى كان رجلا حييا ستيرا ، لا يكاد يرى من جلده شيء استحياء منه " . ثم ساق الحديث كما رواه البخاري مطولا ورواه في تفسيره . عن روح ، عن عوف ، به . ورواه ابن جرير من حديث الثوري ، عن جابر الجعفي ، عن عامر الشعبي ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحو هذا . وهكذا رواه من حديث سليمان بن مهران الأعمش ، عن المنهال بن عمرو ، عن سعيد بن جبير ، وعبد الله بن الحارث ، عن ابن عباس في قوله : ( لا تكونوا كالذين آذوا موسى ) قال : قال قومه له : إنك آدر . فخرج ذات يوم يغتسل ، فوضع ثيابه على صخرة ، فخرجت الصخرة تشتد بثيابه ، وخرج يتبعها عريانا حتى انتهت به مجالس بني إسرائيل ، قال : فرأوه ليس بآدر ، فذلك قوله : ( فبرأه الله مما قالوا ) . وهكذا رواه العوفي ، عن ابن عباس سواء . وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا روح بن حاتم وأحمد بن المعلى الآدمي قالا حدثنا يحيى بن حماد ، حدثنا حماد بن سلمة ، عن علي بن زيد ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان موسى ، عليه السلام ، رجلا حييا ، وإنه أتى - أحسبه قال الماء - ليغتسل ، فوضع ثيابه على صخرة ، وكان لا يكاد تبدو عورته ، فقال بنو إسرائيل : إن موسى آدر - أو : به آفة ، يعنون : أنه لا يضع ثيابه [ ص: 486 ] فاحتملت الصخرة ثيابه حتى صارت بحذاء مجالس بني إسرائيل ، فنظروا إلى موسى كأحسن الرجال ، أو كما قال ، فذلك قوله : ( فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها ) . وقال ابن أبي حاتم ، حدثنا أبي ، حدثنا سعيد بن سليمان ، حدثنا عباد بن العوام ، عن سفيان بن حسين ، حدثنا الحكم ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنهم ، في قوله : ( فبرأه الله مما قالوا ) قال : صعد موسى وهارون الجبل ، فمات هارون ، عليه السلام ، فقال بنو إسرائيل لموسى ، عليه السلام : أنت قتلته ، كان ألين لنا منك وأشد حياء . فآذوه من ذلك ، فأمر الله الملائكة فحملته ، فمروا به على مجالس بني إسرائيل ، فتكلمت بموته ، فما عرف موضع قبره إلا الرخم ، وإن الله جعله أصم أبكم . وهكذا رواه ابن جرير ، عن علي بن موسى الطوسي ، عن عباد بن العوام ، به . ثم قال : وجائز أن يكون هذا هو المراد بالأذى ، وجائز أن يكون الأول هو المراد ، فلا قول أولى من قول الله ، عز وجل . قلت : يحتمل أن يكون الكل مرادا ، وأن يكون معه غيره ، والله أعلم . قال الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن شقيق ، عن عبد الله قال : قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم قسما ، فقال رجل من الأنصار : إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله . قال : فقلت : يا عدو الله ، أما لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قلت . قال : فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فاحمر وجهه ، ثم قال : " رحمة الله على موسى ، فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر " . أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش به . طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا حجاج ، سمعت إسرائيل بن يونس ، عن الوليد بن أبي هاشم - مولى الهمداني ، عن زيد بن زائد ، عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : " لا يبلغني أحد من أصحابي عن أحد شيئا ، فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا [ سليم الصدر ] " . فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم مال فقسمه ، قال : فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه : والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة . قال : فتثبتت حتى سمعت ما قالا ثم أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ، إنك قلت لنا : " لا يبلغني أحد عن أصحابي شيئا " ، وإني مررت بفلان وفلان ، وهما يقولان كذا وكذا . فاحمر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وشق عليه ، ثم قال : " دعنا منك ، لقد أوذي موسى بأكثر من هذا ، فصبر " . [ ص: 487 ] وقد رواه أبو داود في الأدب ، عن محمد [ بن يحيى الذهلي ، عن محمد بن يوسف الفريابي ، عن إسرائيل عن الوليد ] بن أبي هاشم به مختصرا : " لا يبلغني أحد [ من أصحابي ] عن أحد شيئا; إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر " وكذا رواه الترمذي في " المناقب " ، عن الذهلي سواء ، إلا أنه قال : " زيد بن زائدة " . ورواه أيضا عن محمد بن إسماعيل ، عن عبد الله بن محمد ، عن عبيد الله بن موسى وحسين بن محمد كلاهما عن إسرائيل ، عن السدي ، عن الوليد بن أبي هاشم ، به مختصرا أيضا ، فزاد في إسناده السدي ، ثم قال : غريب من هذا الوجه . وقوله : ( وكان عند الله وجيها ) أي : له وجاهة وجاه عند ربه ، عز وجل . قال الحسن البصري : كان مستجاب الدعوة عند الله . وقال غيره من السلف : لم يسأل الله شيئا إلا أعطاه . ولكن منع الرؤية لما يشاء الله ، عز وجل . وقال بعضهم : من وجاهته العظيمة [ عند الله ] : أنه شفع في أخيه هارون أن يرسله الله معه ، فأجاب الله سؤاله ، وقال : ( ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا ) [ مريم : 53 ] . ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ( 70 ) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ( 71 ) ) يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بتقواه ، وأن يعبدوه عبادة من كأنه يراه ، وأن يقولوا ) قولا سديدا ) أي : مستقيما لا اعوجاج فيه ولا انحراف . ووعدهم أنهم إذا فعلوا ذلك ، أثابهم عليه بأن يصلح لهم أعمالهم ، أي : يوفقهم للأعمال الصالحة ، وأن يغفر لهم الذنوب الماضية . وما قد يقع منهم في المستقبل يلهمهم التوبة منها . ثم قال : ( ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ) : وذلك أنه يجار من النار ، ويصير إلى النعيم المقيم . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمرو بن عون ، حدثنا خالد ، عن ليث ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى الأشعري قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر ، فلما انصرف أومأ إلينا بيده فجلسنا ، فقال : " إن الله أمرني أن آمركم ، أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا " . ثم أتى النساء فقال : " إن الله أمرني أن آمركن : أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا " . وقال ابن أبي الدنيا في كتاب " التقوى " : حدثنا محمد بن عباد بن موسى ، حدثنا عبد [ ص: 488 ] العزيز بن عمران الزهري ، حدثنا عيسى بن سمرة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر إلا سمعته يقول : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا ) الآية . غريب جدا . وروى من حديث عبد الرحيم بن زيد العمي ، عن أبيه ، عن محمد بن كعب ، عن ابن عباس موقوفا ، من سره أن يكون أكرم الناس ، فليتق الله . قال عكرمة : القول السديد : لا إله إلا الله . وقال غيره : السديد : الصدق . وقال مجاهد : هو السداد . وقال غيره : هو الصواب . والكل حق . ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ( 72 ) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما ( 73 ) ) قال العوفي ، عن ابن عباس : يعني بالأمانة : الطاعة ، وعرضها عليهم قبل أن يعرضها على آدم ، فلم يطقنها ، فقال لآدم : إني قد عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم يطقنها ، فهل أنت آخذ بما فيها ؟ قال : يا رب ، وما فيها ؟ قال : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت . فأخذها آدم فتحملها ، فذلك قوله : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) . وقال علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، الأمانة : الفرائض ، عرضها الله على السماوات والأرض والجبال ، إن أدوها أثابهم . وإن ضيعوها عذبهم ، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية ، ولكن تعظيما لدين الله ألا يقوموا بها ، ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها ، وهو قوله : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) يعني : غرا بأمر الله . وقال ابن جرير : حدثنا ابن بشار ، حدثنا محمد بن جعفر ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس أنه قال في هذه الآية : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) قال : عرضت على آدم فقال : خذها بما فيها ، فإن أطعت غفرت لك ، وإن عصيت عذبتك . قال : قبلت ، فما كان إلا قدر ما بين العصر إلى الليل من ذلك اليوم ، حتى أصاب الخطيئة . وقد روى الضحاك ، عن ابن عباس ، قريبا من هذا . وفيه نظر وانقطاع بين الضحاك وبينه ، والله أعلم . وهكذا قال مجاهد ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، والحسن البصري ، وغير واحد : [ ص: 489 ] [ ألا ] إن الأمانة هي الفرائض . وقال آخرون : هي الطاعة . وقال الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق [ قال ] : قال أبي بن كعب : من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها . وقال قتادة : الأمانة : الدين والفرائض والحدود . وقال بعضهم : الغسل من الجنابة . وقال مالك ، عن زيد بن أسلم قال : الأمانة ثلاثة : الصلاة ، والصوم ، والاغتسال من الجنابة . وكل هذه الأقوال لا تنافي بينها ، بل هي متفقة وراجعة إلى أنها التكليف ، وقبول الأوامر والنواهي بشرطها ، وهو أنه إن قام بذلك أثيب ، وإن تركها عوقب ، فقبلها الإنسان على ضعفه وجهله وظلمه ، إلا من وفق الله ، وبالله المستعان . قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة [ البصري ] ، حدثنا حماد بن واقد - يعني : أبا عمر الصفار - سمعت أبا معمر - يعني : عون بن معمر - يحدث عن الحسن - يعني : البصري - أنه تلا هذه الآية : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) قال : عرضها على السبع الطباق الطرائق التي زينت بالنجوم ، وحملة العرش العظيم ، فقيل لها : هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت : وما فيها ؟ قال : قيل لها : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت . قالت : لا . ثم عرضها على الأرضين السبع الشداد ، التي شدت بالأوتاد ، وذللت بالمهاد ، قال : فقيل لها : هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت : وما فيها ؟ قال : قيل لها : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت . قالت : لا . ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصعاب الصلاب ، قال : قيل لها : هل تحملين الأمانة وما فيها ؟ قالت : وما فيها ؟ قال : قيل لها : إن أحسنت جزيت ، وإن أسأت عوقبت . قالت : لا . وقال مقاتل بن حيان : إن الله حين خلق خلقه ، جمع بين الإنس والجن ، والسماوات والأرض والجبال ، فبدأ بالسماوات فعرض عليهن الأمانة وهي الطاعة ، فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة ، ولكن على الفضل والكرامة والثواب في الجنة . . . ؟ فقلن : يا رب ، إنا لا نستطيع هذا الأمر ، وليست بنا قوة ، ولكنا لك مطيعين . ثم عرض الأمانة على الأرضين ، فقال لهن : أتحملن هذه الأمانة وتقبلنها مني ، وأعطيكن الفضل والكرامة ؟ فقلن : لا صبر لنا على هذا يا رب ولا نطيق ، ولكنا لك سامعين مطيعين ، لا نعصيك في شيء تأمرنا به . ثم قرب آدم فقال له : أتحمل هذه الأمانة وترعاها حق رعايتها ؟ فقال عند ذلك آدم : ما لي عندك ؟ قال : يا آدم ، إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة ، فلك عندي الكرامة والفضل وحسن الثواب في الجنة . وإن عصيت ولم ترعها حق رعايتها [ ص: 490 ] وأسأت ، فإني معذبك ومعاقبك وأنزلك النار . قال : رضيت [ يا ] رب . وتحملها ، فقال الله عز وجل : قد حملتكها . فذلك قوله : ( وحملها الإنسان ( . رواه ابن أبي حاتم . وعن مجاهد أنه قال : عرضها على السماوات فقالت : يا رب ، حملتني الكواكب وسكان السماء وما ذكر ، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة . قال : وعرضها على الأرض فقالت : يا رب ، غرست في الأشجار ، وأجريت في الأنهار وسكان الأرض وما ذكر ، وما أريد ثوابا ولا أحمل فريضة . وقالت الجبال مثل ذلك ، قال الله تعالى : ( وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ) في عاقبة أمره . وهكذا قال ابن جريج . وعن ابن أشوع أنه قال : لما عرض الله عليهن حمل الأمانة ، ضججن إلى الله ثلاثة أيام ولياليهن ، وقلن : ربنا . لا طاقة لنا بالعمل ، ولا نريد الثواب . ثم قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا هارون بن زيد بن أبي الزرقاء الموصلي ، حدثنا أبي ، حدثنا هشام بن سعد ، عن زيد بن أسلم في هذه الآية : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) [ الآية ] ، فقال الإنسان : بين أذني وعاتقي فقال الله تعالى : إني معينك عليها ، أي : معينك على عينيك بطبقتين ، فإذا نازعاك إلى ما أكره فأطبق . ومعينك على لسانك بطبقتين ، فإذا نازعك إلى ما أكره فأطبق . ومعينك على فرجك بلباس ، فلا تكشفه إلى ما أكره . ثم روي عن أبي حازم نحو هذا . وقال ابن جرير : حدثنا يونس ، حدثنا ابن وهب قال : قال ابن زيد في قول الله ، عز وجل : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) قال : إن الله عرض عليهن الأمانة أن يفترض عليهن الدين ، ويجعل لهن ثوابا وعقابا ، ويستأمنهن على الدين . فقلن : لا نحن مسخرات لأمرك ، لا نريد ثوابا ولا عقابا . قال : وعرضها الله على آدم فقال : بين أذني وعاتقي . قال ابن زيد : فقال الله تعالى له : أما إذ تحملت هذا فسأعينك ، أجعل لبصرك حجابا ، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه ، وأجعل للسانك بابا وغلقا ، فإذا خشيت فأغلق ، وأجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه إلا على ما أحللت لك . وقال ابن جرير : حدثني سعيد بن عمرو السكوني ، حدثنا بقية ، حدثنا عيسى بن إبراهيم ، عن موسى بن أبي حبيب ، عن الحكم بن عمير - وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم - قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الأمانة والوفاء نزلا على ابن آدم مع الأنبياء ، فأرسلوا به ، فمنهم رسول الله ، ومنهم نبي ، ومنهم نبي رسول ، ونزل القرآن وهو كلام الله ، ونزلت العربية والعجمية ، فعلموا أمر القرآن وعلموا أمر السنن بألسنتهم ، ولم يدع الله شيئا من أمره مما يأتون وما يجتنبون وهي الحجج عليهم ، إلا بينه لهم . فليس أهل لسان إلا وهم يعرفون الحسن والقبيح ، ثم الأمانة أول شيء يرفع ويبقى [ ص: 491 ] أثرها في جذور قلوب الناس ، ثم يرفع الوفاء والعهد والذمم وتبقى الكتب ، فعالم يعمل ، وجاهل يعرفها وينكرها ولا يحملها ، حتى وصل إلي وإلى أمتي ، ولا يهلك على الله إلا هالك ، ولا يغفله إلا تارك . فالحذر أيها الناس ، وإياكم والوسواس الخناس ، فإنما يبلوكم أيكم أحسن عملا . هذا حديث غريب جدا ، وله شواهد من وجوه أخرى . ثم قال ابن جرير : حدثنا محمد بن خلف العسقلاني ، حدثنا عبد الله بن عبد المجيد الحنفي ، أخبرنا أبو العوام القطان ، حدثنا قتادة ، وأبان بن أبي عياش ، عن خليد العصري ، عن أبي الدرداء ، رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خمس من جاء بهن يوم القيامة مع إيمان دخل الجنة : من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن وركوعهن وسجودهن ومواقيتهن ، وأعطى الزكاة من ماله طيب النفس بها - وكان يقول ، وايم الله لا يفعل ذلك إلا مؤمن - [ وصام رمضان ، وحج البيت إن استطاع إلى ذلك سبيلا ] ، وأدى الأمانة " . قالوا : يا أبا الدرداء ، وما أداء الأمانة ؟ قال : الغسل من الجنابة ، فإن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيره . وهكذا رواه أبو داود عن محمد بن عبد الرحمن العنبري ، عن أبي علي عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي ، عن أبي العوام عمران بن داور القطان ، به . وقال ابن جرير أيضا : حدثنا تميم بن المنتصر ، أخبرنا إسحاق ، عن شريك ، عن الأعمش ، عن عبد الله بن السائب ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها - أو قال : يكفر كل شيء - إلا الأمانة ، يؤتى بصاحب الأمانة فيقال له : أد أمانتك . فيقول : أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له : أد أمانتك . فيقول : أنى يا رب ، وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقال له : أد أمانتك . فيقول : أنى يا رب وقد ذهبت الدنيا ؟ فيقول : اذهبوا به إلى أمه الهاوية . فيذهب به إلى الهاوية ، فيهوي فيها حتى ينتهي إلى قعرها ، فيجدها هنالك كهيئتها ، فيحملها فيضعها على عاتقه ، فيصعد بها إلى شفير جهنم ، حتى إذا رأى أنه قد خرج زلت فهوى في أثرها أبد الآبدين " . وقال : والأمانة في الصوم ، والأمانة في الوضوء ، والأمانة في الحديث ، وأشد ذلك الودائع . فلقيت البراء فقلت : ألا تسمع إلى ما يقول أخوك عبد الله ؟ فقال : صدق . قال شريك : وحدثنا عياش العامري ، عن زاذان ، عن عبد الله بن مسعود ، رضي [ ص: 492 ] الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه . ولم يذكر : " الأمانة في الصلاة وفي كل شيء " . إسناده جيد ، ولم يخرجوه . ومما يتعلق بالأمانة الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو معاوية ، حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن حذيفة قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر ، حدثنا " أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القرآن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة " . ثم حدثنا عن رفع الأمانة ، فقال : " ينام الرجل النومة فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر [ الوكت ، فتقبض الأمانة من قلبه ، فيظل أثرها مثل أثر ] المجل كجمر دحرجته [ على رجلك ، تراه منتبرا وليس فيه شيء " . قال : ثم أخذ حصى فدحرجه ] على رجله ، قال : " فيصبح الناس يتبايعون لا يكاد أحد يؤدي الأمانة ، حتى يقال : إن في بني فلان رجلا أمينا ، حتى يقال للرجل : ما أجلده وأظرفه وأعقله . وما في قلبه حبة من خردل من إيمان . ولقد أتى علي زمان وما أبالي أيكم بايعت ، إن كان مسلما ليردنه علي دينه ، وإن كان نصرانيا أو يهوديا ليردنه علي ساعيه ، فأما اليوم فما كنت أبايع منكم إلا فلانا وفلانا " . وأخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش ، به . وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد الحضرمي ، عن عبد الله بن عمرو ; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا : حفظ أمانة ، وصدق حديث ، وحسن خليقة ، وعفة طعمة " . هكذا رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص . وقد قال الطبراني في مسند عبد الله بن عمر بن الخطاب : حدثني يحيى بن أيوب العلاف المصري ، حدثنا سعيد بن أبي مريم ، حدثنا ابن لهيعة ، عن الحارث بن يزيد ، عن ابن حجيرة ، عن عبد الله بن عمر ، رضي الله عنهما ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أربع إذا كن فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا : حفظ أمانة ، وصدق حديث ، وحسن خليقة ، وعفة طعمة " . فزاد في الإسناد : " ابن حجيرة " ، وجعله من مسند ابن عمر . [ ص: 493 ] وقد ورد النهي عن الحلف بالأمانة ، قال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد : حدثنا شريك ، عن أبي إسحاق الشيباني ، عن خناس بن سحيم - أو قال : جبلة بن سحيم - قال : أقبلت مع زياد بن حدير من الجابية فقلت في كلامي : لا والأمانة . فجعل زياد يبكي ويبكي ، فظننت أني أتيت أمرا عظيما ، فقلت له : أكان يكره هذا ؟ قال : نعم . كان عمر بن الخطاب ينهى عن الحلف بالأمانة أشد النهي . وقد ورد في ذلك حديث مرفوع ، قال أبو داود : حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس ، حدثنا زهير ، حدثنا الوليد بن ثعلبة الطائي ، عن ابن بريدة ، عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من حلف بالأمانة فليس منا " ، تفرد به أبو داود ، رحمه الله . وقوله تعالى : ( ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ) أي : إنما حمل ابن آدم الأمانة وهي التكاليف ليعذب الله المنافقين منهم والمنافقات ، وهم الذين يظهرون الإيمان خوفا من أهله ويبطنون الكفر متابعة لأهله ، ( والمشركين والمشركات ) ، وهم الذين ظاهرهم وباطنهم على الشرك بالله ، عز وجل ، ومخالفة رسله ، ( ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات ) أي : وليرحم المؤمنين من الخلق الذين آمنوا بالله ، وملائكته وكتبه ورسله العاملين بطاعته ( وكان الله غفورا رحيما ) . [ آخر تفسير سورة " الأحزاب " ] ![]()
__________________
|
|
#424
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة سبأ من صـ 258 الى صــ 272 الحلقة (424) تفسير سورة سبأ وهي مكية . بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير يخبر تعالى عن نفسه الكريمة أن له الحمد المطلق في الدنيا والآخرة لأنه المنعم المتفضل على أهل الدنيا والآخرة المالك لجميع ذلك الحاكم في جميع ذلك كما قال تعالى "وهو الله لا إله إلا هو له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون" ولهذا قال تعالى ههنا "الحمد لله الذي له ما في السماوات وما في الأرض" أي الجميع ملكه وعبيده وتحت تصرفه وقهره قال تعالى : "وإن لنا للآخرة والأولى" ثم قال عز وجل "وله الحمد في الآخرة" فهو المعبود أبدا المحمود على طول المدى وقوله تعالى : "وهو الحكيم" أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره "الخبير" الذي لا تخفى عليه خافية ولا يغيب عنه شيء وقال مالك عن الزهري خبير بخلقه حكيم بأمره ولهذا قال عز وجل. يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور "يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها" أي يعلم عدد القطر النازل في أجزاء الأرض والحب المبذور والكامن فيها ويعلم ما يخرج من ذلك عدده وكيفيته وصفاته "وما ينزل من السماء" أي من قطر ورزق وما يعرج فيها أي من الأعمال الصالحة وغير ذلك "وهو الرحيم الغفور" أي الرحيم بعباده فلا يعاجل عصاتهم بالعقوبة الغفور عن ذنوب التائبين إليه المتوكلين عليه وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابع لهن مما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد فإحداهن في سورة يونس عليه السلام وهي قوله تعالى : "ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين" والثانية هذه "وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم" والثالثة في سورة التغابن وهي قوله تعالى : "زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير" فقال تعالى : "قل بلى وربي لتأتينكم" ثم وصفه بما يؤكد ذلك ويقرره فقال : "عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين" قال مجاهد وقتادة لا يعزب عنه لا يغيب عنه أي الجميع مندرج تحت علمه فلا يخفى عليه شيء فالعظام وإن تلاشت وتفرقت وتمزقت فهو عالم أين ذهبت وأين تفرقت ثم يعيدها كما بدأها أول مرة فإنه بكل شيء عليم ثم بين حكمته في إعادة الأبدان وقيام الساعة . ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم بقوله تعالى : "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين" أي سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله "أولئك لهم عذاب من رجز أليم" أي لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين كما قال عز وجل : "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون" وقال تعالى : "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار" . والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم بقوله تعالى : "ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم والذين سعوا في آياتنا معاجزين" أي سعوا في الصد عن سبيل الله تعالى وتكذيب رسله "أولئك لهم عذاب من رجز أليم" أي لينعم السعداء من المؤمنين ويعذب الأشقياء من الكافرين كما قال عز وجل : "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون" وقال تعالى : "أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار" . ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد وقوله تعالى : "ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق" هذه حكمة أخرى معطوفة على التي قبلها وهي أن المؤمنين بما أنزل على الرسل إذا شاهدوا قيام الساعة ومجازاة الأبرار والفجار بالذي كانوا قد علموه من كتب الله تعالى في الدنيا رأوه حينئذ عين اليقين ويقولون يومئذ أيضا "لقد جاءت رسل ربنا بالحق" يقال أيضا "هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون" "لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث" "ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد" العزيز هو المنيع الجناب الذي لا يغالب ولا يمانع بل قد قهر كل شيء وغلبه الحميد في جميع أقواله وأفعاله وشرعه وقدره وهو المحمود في ذلك كله جل وعلا . وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد هذا إخبار من الله عز وجل عن استبعاد الكفرة الملحدين قيام الساعة واستهزائهم بالرسول صلى الله عليه وسلم في إخباره بذلك "وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق" أي تفرقت أجسادكم في الأرض وذهبت فيها كل مذهب وتمزقت كل ممزق "إنكم" أي بعد هذا الحال "لفي خلق جديد" أي تعودون أحياء ترزقون بعد ذلك وهو في هذا الإخبار لا يخلو أمره من قسمين إما أن يكون قد تعمد الافتراء على الله تعالى أنه قد أوحى إليه ذلك أو أنه لم يتعمد لكن لبس عليه كما يلبس على المعتوه والمجنون ولهذا . أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد قالوا : "أفترى على الله كذبا أم به جنة" قال الله عز وجل رادا عليهم "بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد" أي ليس الأمر كما زعموا ولا كما ذهبوا إليه بل محمد صلى الله عليه وسلم هو الصالح البار الراشد الذي جاء بالحق وهم الكذبة الجهلة الأغبياء "في العذاب" أي الكفر المفضي بهم إلى عذاب الله تعالى "والضلال البعيد" من الحق في الدنيا ثم قال تعالى منبها لهم على قدرته في خلق السماوات والأرض فقال تعالى : "أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض" أي حيثما توجهوا وذهبوا فالسماء مظلة عليهم والأرض تحتهم كما قال عز وجل "والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون والأرض فرشناها" فنعم الماهدون "قال عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن قتادة ." أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب "أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض" قال إنك إن نظرت عن يمينك أو عن شمالك أو من بين يديك أو من خلفك رأيت السماوات والأرض . وقوله تعالى : "إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء" أي لو شئنا لفعلنا بهم ذلك بظلمهم وقدرتنا عليهم ولكن نؤخر ذلك لحلمنا وعفونا ثم قال "إن في ذلك لآية لكل عبد منيب" قال معمر عن قتادة "منيب" تائب وقال سفيان عن قتادة المنيب المقبل إلى الله تعالى أي إن في النظر إلى خلق السماوات والأرض لدلالة لكل عبد فطن لبيب رجاع إلى الله على قدرة الله تعالى على بعث الأجساد ووقوع المعاد لأن من قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وهذه الأرضين في انخفاضها وأطوالها وأعراضها إنه لقادر على إعادة الأجسام ونشر الرميم من العظام كما قال تعالى : "أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى" وقال تعالى : "لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون" . ولقد آتينا داوود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له يخبر تعالى عما أنعم به على عبده ورسوله داود عليه الصلاة والسلام مما آتاه من الفضل المبين وجمع له بين النبوة والملك المتمكن والجنود ذوي العدد والعدد وما أعطاه ومنحه من الصوت العظيم الذي كان إذا سبح به تسبح معه الجبال الراسيات الصم الشامخات وتقف له الطيور السارحات والغاديات والرائحات وتجاوبه بأنواع اللغات وفي الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه يقرأ من الليل فوقف فاستمع لقراءته ثم قال : لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود وقال أبو عثمان النهدي ما سمعت صوت صنج ولا بربط ولا وتر أحسن من صوت أبي موسى الأشعري رضي الله عنه ومعنى قوله تعالى "أوبي" أي سبحي قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد وزعم أبو ميسرة أنه بمعنى سبحي بلسان الحبشة وفي هذا نظر فإن التأويب في اللغة هو الترجيع فأمرت الجبال والطير أن ترجع معه بأصواتها وقال أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي في كتابه - الجمل - في باب النداء منه "يا جبال أوبي معه" أي سيري معه بالنهار كله والتأويب سير النهار كله والإسآد سير الليل كله وهذا لفظه وهو غريب جدا لم أره لغيره وإن كان له مساعدة من حيث اللفظ في اللغة لكنه بعيد في معنى الآية ههنا والصواب أن المعنى في قوله تعالى "أوبي معه" أي رجعي معه مسبحة كما تقدم والله أعلم وقوله تعالى : "وألنا له الحديد" قال الحسن البصري وقتادة والأعمش وغيرهم كان لا يحتاج أن يدخله نارا ولا يضربه بمطرقة بل كان يفتله بيده مثل الخيوط ولهذا. أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير (11) أن اعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير قال تعالى : "أن اعمل سابغات" وهي الدروع قال قتادة وهو أول من عملها من الخلق وإنما كانت قبل ذلك صفائح وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا ابن سماعة حدثنا ابن ضمرة عن ابن شوذب قال : كان داود عليه السلام يرفع في كل يوم درعا فيبيعها بستة آلاف درهم ألفين له ولآله وأربعة آلاف درهم يطعم بها بني إسرائيل خبز الحواري "وقدر في السرد" هذا إرشاد من الله تعالى لنبيه داود عليه السلام في تعليمه صنعة الدروع قال مجاهد في قوله تعالى "وقدر في السرد" لا تدق المسمار فيقلق في الحلقة ولا تغلظه فيقصمها واجعله بقدر وقال الحكم بن عيينة لا تغلظه فيقصم ولا يدقه فيقلق وهكذا روي عن قتادة وغير واحد وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس السرد : هو حلق الحديد وقال بعضهم يقال درع مسرودة إذا كانت مسمورة الحلق واستشهد بقول الشاعر : وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود عليه الصلاة والسلام من طريق إسحاق بن بشر وفيه كلام عن أبي إلياس عن وهب بن منبه ما مضمونه أن داود عليه السلام كان يخرج متنكرا فيسأل الركبان عنه وعن سيرته فلا يسأل أحدا إلا أثنى عليه خيرا في عبادته وسيرته وعدله عليه السلام قال وهب حتى بعث الله تعالى ملكا في صورة رجل فلقيه داود عليه الصلاة والسلام فسأله كما كان يسأل غيره فقال هو خير الناس لنفسه ولأمته إلا أن فيه خصلة لو لم تكن فيه كان كاملا قال ما هي ؟ قال يأكل ويطعم عياله من مال المسلمين يعني بيت المال فعند ذلك نصب داود عليه السلام إلى ربه عز وجل في الدعاء أن يعلمه عملا بيده يستغني به ويغني به عياله فألان الله عز وجل له الحديد وعلمه صنعة الدروع فعمل الدروع وهو أول من عملها فقال الله تعالى : "أن اعمل سابغات وقدر في السرد" يعني مسامير الحلق قال وكان عمل الدرع فإذا ارتفع من عمله درع باعها فتصدق بثلثها واشترى بثلثها ما يكفيه وعياله وأمسك الثلث يتصدق به يوما بيوم إلى أن يعمل غيرها وقال إن الله تعالى أعطى داود شيئا لم يعطه غيره من حسن الصوت إنه كان إذا قرأ الزبور تجتمع الوحوش إليه حتى يؤخذ بأعناقها وما تنفر وما صنعت الشياطين المزامير والبرابط والصنوج إلا على أصناف صوته عليه السلام وكان شديد الاجتهاد وكان إذا افتتح الزبور بالقراءة كأنما ينفخ في المزامير وكان قد أعطي سبعين مزمارا في حلقه وقوله تعالى "واعملوا صالحا" أي في الذي أعطاكم الله تعالى من النعم "إني بما تعملون بصير" أي مراقب لكم بصير بأعمالكم وأقوالكم لا يخفى علي من ذلك شيء . ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير لما ذكر تعالى ما أنعم به على داود عطف بذكر ما أعطى ابنه سليمان عليهما السلام من تسخير الريح له تحمل بساطه غدوها شهر ورواحها شهر قال الحسن البصري كان يغدو على بساطه من دمشق فينزل بإصطخر يتغدى بها ويذهب رائحا من إصطخر فيبيت بكابل وبين دمشق وإصطخر شهر كامل للمسرع وبين إصطخر وكابل شهر كامل للمسرع وقوله تعالى "وأسلنا له عين القطر" قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني وقتادة والسدي ومالك عن زيد بن أسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد القطر النحاس قال قتادة وكانت باليمن فكل ما يصنع الناس مما أخرج الله تعالى لسليمان عليه السلام قال السدي وإنما أسيلت له ثلاثة أيام وقوله تعالى : "ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه" أي وسخرنا له الجن يعملون بين يديه بإذن ربه أي بقدره وتسخيره لهم بمشيئته ما يشاء من البنايات وغير ذلك "ومن يزغ منهم عن أمرنا" أي ومن يعدل ويخرج منهم عن الطاعة "نذقه من عذاب السعير" وهو الحريق وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا حديثا غريبا فقال حدثنا أبي حدثنا أبو صالح حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزهراء عن جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الجن على ثلاثة أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون رفعه . غريب جدا . وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا حرملة حدثنا ابن وهب أخبرني بكر بن مضر عن محمد بن بحير عن ابن أنعم أنه قال : الجن ثلاثة أصناف صنف لهم الثواب وعليهم العقاب وصنف طيارون فيما بين السماء والأرض وصنف حيات وكلاب قال بكر بن مضر ولا أعلم إلا أنه قال حدثني أن الإنس ثلاثة أصناف صنف يظلهم الله بظل عرشه يوم القيامة وصنف كالأنعام بل هم أضل سبيلا وصنف في صور الناس على قلوب الشياطين وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق حدثنا سلمة يعني ابن الفضل عن إسماعيل عن الحسن قال الجن ولد إبليس والإنس ولد آدم ومن هؤلاء مؤمنون ومن هؤلاء مؤمنون وهم شركاؤهم في الثواب والعقاب ومن كان من هؤلاء وهؤلاء مؤمنا فهو ولي الله تعالى ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان. يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور وقوله تعالى : "يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل" أما المحاريب فهي البناء الحسن وهو أشرف شيء في المسكن وصدره وقال مجاهد المحاريب بنيان دون القصور وقال الضحاك هي المساجد وقال قتادة هي القصور والمساجد وقال ابن زيد هي المساكن وأما التماثل فقال عطية العوفي والضحاك والسدي التماثيل الصور قال مجاهد وكانت من نحاس وقال قتادة من طين وزجاج وقوله تعالى : "وجفان كالجواب وقدور راسيات" الجواب جمع جابية وهي الحوض الذي يجبى فيه الماء كما قال الأعشى ميمون بن قيس : تروح على آل المحلق جفنة ... كجابية الشيخ العراقي تفهق وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما كالجواب أي كالجوبة من الأرض وقال العوفي عنه كالحياض وكذا قال مجاهد والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم والقدور الراسيات أي الثابتات في أماكنها لا تتحرك ولا تتحول عن أماكنها لعظمها كذا قال مجاهد والضحاك وغيرهما وقال عكرمة أثافيها منها وقوله تعالى : "اعملوا آل داود شكرا" أي وقلنا لهم اعملوا شكرا على ما أنعم به عليكم في الدين والدنيا وشكرا مصدر من غير الفعل أو أنه مفعول له وعلى التقديرين فيه دلالة على أن الشكر يكون بالفعل كما يكون بالقول والنية كما قال الشاعر : أفادتكم النعماء مني ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا قال أبو عبد الرحمن السلمي الصلاة شكر والصيام شكر وكل خير تعمله لله عز وجل شكر وأفضل الشكر الحمد رواه ابن جرير وروى هو وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القرظي قال الشكر تقوى الله تعالى والعمل الصالح وهذا يقال لمن هو متلبس بالفعل . وقد كان آل داود عليهم السلام كذلك قائمين بشكر الله تعالى قولا وعملا قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي بكر حدثنا جعفر يعني ابن سليمان عن ثابت البناني قال كان داود عليه السلام قد جزأ على أهله وولده ونسائه الصلاة فكان لا تأتي عليهم ساعة من الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي فغمرتهم هذه الآية "اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور" وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى وقد روى أبو عبد الله بن ماجه من حديث سعيد بن داود حدثنا يوسف بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : قالت أم سليمان بن داود عليهم السلام لسليمان يا بني لا تكثر النوم بالليل فإن كثرة النوم بالليل تترك الرجل فقيرا يوم القيامة وروى ابن أبي حاتم عن داود عليه الصلاة والسلام ههنا أثرا غريبا مطولا جدا وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا عمران بن موسى حدثنا أبو زيد قبيصة بن إسحاق الرقي قال : قال فضيل في قوله تعالى : "اعملوا آل داود شكرا" قال داود يا رب كيف أشكرك والشكر نعمة منك ؟ قال الآن شكرتني حين قلت إن النعمة مني وقوله تعالى : "وقليل من عبادي الشكور" إخبار عن الواقع . فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين يذكر تعالى كيفية موت سليمان عليه السلام وكيف عمى الله موته على الجان المسخرين له في الأعمال الشاهقة فإنه مكث متوكئا على عصاه وهي منسأته كما قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد مدة طويلة نحوا من سنة فلما أكلتها دابة الأرض وهي الأرضة ضعفت وسقط إلى الأرض وعلم أنه قد مات قبل ذلك بمدة طويلة تبينت الجن والإنس أيضا أن الجن لا يعلمون الغيب كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك قد ورد في ذلك حديث مرفوع غريب وفي صحته نظر قال ابن جرير حدثنا أحمد بن منصور حدثنا موسى بن مسعود حدثنا أبو حذيفة حدثنا إبراهيم بن طهمان عن عطاء عن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان نبي الله سليمان عليه السلام إذا صلى رأى شجرة نابتة بين يديه فيقول لها ما اسمك ؟ فتقول كذا فيقول لأي شيء أنت فإن كانت تغرس غرست وإن كانت لدواء كتبت فبينما هو يصلي ذات يوم إذ رأى شجرة بين يديه فقال لها ما اسمك ؟ قالت الخروب قال لأي شيء أنت ؟ قالت لخراب هذا البيت فقال سليمان عليه السلام اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب فنحتها عصا فتوكأ عليها حولا ميتا والجن تعمل فأكلتها الأرضة فتبينت الإنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا حولا في العذاب المهين قال وكان ابن عباس يقرؤها كذلك قال فشكرت الجن للأرضة فكانت تأتيها بالماء وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث إبراهيم بن طهمان به وفي رفعه غرابة ونكارة والأقرب أن يكون موقوفا وعطاء بن أبي مسلم الخراساني له غرابات وفي بعض حديثه نكارة وقال السدي في حديث ذكره عن أبي مالك عن أبي صالح عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود رضي الله عنه وعن ناس من أصحاب رسول الله رضي الله عنهم قال : كان سليمان عليه الصلاة والسلام يتحرر في بيت المقدس السنة والسنتين والشهر والشهرين وأقل من ذلك وأكثر فيدخل فيه ومعه طعامه وشرابه فأدخله في المرة التي توفي فيها فكان بدء ذلك أنه لم يكن يوم يصبح فيه إلا ينبت الله في بيت المقدس شجرة فيأتيها فيسألها فيقول ما اسمك فتقول الشجرة اسمي كذا وكذا فإن كانت لغرس غرسها وإن كانت تنبت دواء قالت نبت دواء كذا وكذا فيجعلها كذلك حتى نبتت شجرة يقال لها الخروبة فسألها ما اسمك قالت أنا الخروبة قال ولأي شيء نبت ؟ قالت نبت لخراب هذا المسجد قال سليمان عليه الصلاة والسلام ما كان الله ليخربه وأنا حي أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس فنزعها وغرسها في حائط له ثم دخل المحراب فقام يصلي متكئا على عصاه فمات ولم تعلم به الشياطين وهم في ذلك يعملون له يخافون أن يخرج عليهم فيعاقبهم وكانت الشياطين تجتمع حول المحراب وكان المحراب له كوى بين يديه وخلفه فكان الشيطان الذي يريد أن يخلع يقول ألست جلدا إن دخلت فخرجت من ذلك الجانب فيدخل حتى يخرج من الجانب الآخر فدخل شيطان من أولئك فمر ولم يكن شيطان ينظر إلى سليمان عليه السلام في المحراب إلا احترق فمر ولم يسمع صوت سليمان ثم رجع فلم يسلم ثم رجع فوقع في البيت ولم يحترق ونظر إلى سليمان عليه السلام فسقط ميتا فخرج فأخبر الناس أن سليمان قد مات ففتحوا عليه فأخرجوه ووجدوا منسأته وهي العصا بلسان الحبشة قد أكلتها الأرضة ولم يعلموا منذ كم مات فوضعوا الأرضة على العصا فأكلت منها يوما وليلة ثم حسبوا على ذلك النحو فوجدوه قد مات منذ سنة وهي في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه فمكثوا يدينون له من بعد موته حولا كاملا فأيقن الناس عند ذلك أن الجن كانوا يكذبونهم ولو أنهم يطلعون على الغيب لعلموا بموت سليمان ولم يلبثوا في العذاب سنة يعملون له وذلك قول الله عز وجل "ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين" يقول تبين أمرهم للناس أنهم كانوا يكذبونهم ثم إن الشياطين قالوا للأرضة لو كنت تأكلين الطعام أتيناك بأطيب الطعام ولو كنت تشربين الشراب سقيناك أطيب الشراب ولكنا سننقل إليك الماء والطين قال فهم ينقلون إليها ذلك حيث كانت قال ألم تر إلى الطين الذي يكون في جوف الخشب ؟ فهو ما تأتيها به الشياطين شكرا لها وهذا الأثر والله أعلم إنما هو مما تلقي من علماء أهل الكتاب وهي وقف لا يصدق منه إلا ما وافق الحق ولا يكذب منها إلا ما خالف الحق والباقي لا يصدق ولا يكذب وقال ابن وهب وأصبغ بن الفرج عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله تبارك وتعالى "ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته" قال : قال سليمان عليه السلام لملك الموت إذا أمرت بي فأعلمني فأتاه فقال : يا سليمان قد أمرت بك قد بقيت لك سويعة فدعا الشياطين فبنوا عليه صرحا من قوارير وليس له باب فقام يصلي فاتكأ على عصاه قال فدخل عليه ملك الموت فقبض روحه وهو متكئ على عصاه ولم يصنع ذلك فرارا من ملك الموت قال والجن تعمل بين يديه وينظرون إليه يحسبون أنه حي قال فبعث الله عز وجل دابة الأرض قال والدابة تأكل العيدان يقال لها القادح فدخلت فيها فأكلتها حتى إذا أكلت جوف العصا ضعفت وثقل عليها فخر ميتا فلما رأت ذلك الجن انفضوا وذهبوا قال فذلك قوله تعالى : "ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته" قال أصبغ بلغني عن غيره أنها قامت سنة تأكل منها قبل أن يخر وذكر غير واحد من السلف نحوا من هذا والله أعلم . لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور (15) لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها وكانت التبابعة منهم وبلقيس صاحبة سليمان عليه الصلاة والسلام من جملتهم وكانوا في نعمة وغبطة في بلادهم وعيشهم واتساع أرزاقهم وزروعهم وثمارهم وبعث الله تبارك وتعالى إليهم الرسل تأمرهم أن يأكلوا من رزقه ويشكروه بتوحيده وعبادته فكانوا كذلك ما شاء الله تعالى ثم أعرضوا عما أمروا به فعوقبوا بإرسال السيل والتفرق في البلاد أيدي سبأ شذر مذر كما سيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله وبيانه قريبا وبه الثقة قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن وعلة قال سمعت ابن عباس يقول إن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبإ ما هو أرجل أم امرأة أم أرض ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بل هو رجل ولد له عشرة فسكن اليمن منهم ستة وبالشام منهم أربعة فأما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير وأما الشامية فلخم وجذام وعاملة وغسان ورواه عن عبد عن الحسن بن موسى عن ابن لهيعة به وهذا إسناد حسن ولم يخرجوه وقد رواه الحافظ أبو عمر بن عبد البر في كتاب القصد والأمم بمعرفة أصول أنساب العرب والعجم - من حديث ابن لهيعة عن علقمة بن وعلة عن ابن عباس رضي الله عنهما فذكر نحوه وقد روي نحوه من وجه آخر وقال الإمام أحمد أيضا وعبد بن حميد حدثنا يزيد بن هارون حدثنا أبو حباب عن يحيى بن أبي حية الكلبي عن ابن هارون عن عروة عن فروة بن مسيك رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أقاتل بمقبل قومي مدبرهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نعم فقاتل بمقبل قومك مدبرهم فلما وليت دعاني فقال : لا تقاتلهم حتى تدعوهم إلى الإسلام فقلت يا رسول الله أرأيت سبأ واد هو أو جبل أو ما هو ؟ قال صلى الله عليه وسلم : لا بل هو رجل من العرب ولد له عشرة فتيامن ستة وتشاءم أربعة تيامن الأزد والأشعريون وحمير وكندة ومذحج وأنمار الذين يقال لهم بجيلة وخثعم وتشاءم لخم وجذام وعاملة وغسان وهذا أيضا إسناد حسن وإن كان فيه أبو جناب الكلبي وقد تكلموا فيه لكن رواه ابن جرير عن أبي كريب عن العنقري عن أسباط بن نصر عن يحيى بن هانئ المرادي عن عمه أو عن أبيه - شك أسباط - قال قدم فروة بن مسيك رضي الله عنه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره "طريق أخرى" لهذا الحديث : قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب حدثني ابن لهيعة عن توبة بن نمير عن عبد العزيز بن يحيى أنه أخبره قال كنا عند عبيدة بن عبد الرحمن بأفريقية فقال يوما ما أظن قوما بأرض إلا وهم من أهلها فقال علي بن أبي رباح كلا قد حدثني فلان أن فروة بن مسيك القطيعي رضي الله عنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن سبأ قوم كان لهم عز في الجاهلية وإني أخشى أن يرتدوا عن الإسلام أفأقاتلهم فقال صلى الله عليه وسلم : ما أمرت فيهم بشيء بعد فأنزلت هذه الآية "لقد كان لسبإ في مسكنهم آية" الآيات فقال له رجل يا رسول الله ما سبأ ؟ فذكر مثل الحديث الذي قبله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن سبإ ؟ ما هو أبلد أم رجل أم امرأة ؟ قال صلى الله عليه وسلم : بل رجل ولد له عشرة فسكن اليمن منهم ستة والشام أربعة أما اليمانيون فمذحج وكندة والأزد والأشعريون وأنمار وحمير غير ما حلها وأما الشام فلخم وجذام وغسان وعاملة فيه غرابة من حيث ذكر نزول الآية بالمدينة والسورة مكية كلها والله سبحانه وتعالى أعلم . "طريق أخرى" قال ابن جرير حدثنا أبو كريب حدثنا أبو أسامة حدثنا الحسن بن الحكم حدثنا أبو سبرة النخعي عن فروة بن مسيك القطيعي رضي الله عنه قال : قال رجل يا رسول الله أخبرني عن سبإ ما هو أرض أم امرأة ؟ قال صلى الله عليه وسلم ليس بأرض ولا امرأة ولكنه رجل ولد له عشرة من الولد فتيامن ستة وتشاءم أربعة فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وعاملة وغسان وأما الذين تيامنوا فكندة والأشعريون والأزد ومذحج وحمير وأنمار فقال رجل ما أنمار ؟ قال صلى الله عليه وسلم : الذين منهم خثعم وبجيلة ورواه الترمذي في جامعه عن أبي كريب وعبد بن حميد قال حدثنا أبو أسامة فذكره أبسط من هذا ثم قال هذا حديث حسن غريب وقال أبو عمر بن عبد البر حدثنا عبد الوارث بن سفيان حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا أحمد بن زهير حدثنا عبد الوهاب بن نجدة الحوطي حدثنا ابن كثير هو عثمان بن كثير عن الليث بن سعد عن موسى بن على عن يزيد بن حصين عن تميم الداري رضي الله عنه قال إن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن سبإ فذكر مثله فقوي هذا الحديث وحسن قال علماء النسب - منهم محمد بن إسحاق - اسم سبأ عبد شمس بن يشجب بن يعرب بن قحطان وإنما سمي سبأ لأنه أول من سبأ في العرب وكان يقال له الرائش لأنه أول من غنم في الغزو فأعطى قومه فسمي الرائش والعرب تسمي المال ريشا ورياشا وذكروا أنه بشر برسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه المتقدم وقال في ذلك شعرا : سيملك بعدنا ملك عظيم ... نبي لا يرخص في الحرام ويملك بعده منهم ملوك ... يدينوه القياد بكل دامي ويملك بعدهم منا ملوك ... يصير الملك فينا باقتسام ويملك بعد قحطان نبي ... تقي مخبت خير الأنام يسمى أحمد يا ليت أني ... أعمر بعد مبعثه بعام فأعضده وأحبوه بنصري ... بكل مدجج وبكل رام متى يظهر فكونوا ناصريه ... ومن يلقاه يبلغه سلامي ذكر ذلك الهمذاني في كتاب - الإكليل - واختلفوا في قحطان على ثلاثة أقوال "أحدها" أنه من سلالة إرم بن سام بن نوح واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق "والثاني" أنه من سلالة عابر وهو هود عليه الصلاة والسلام واختلفوا أيضا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا "" ![]()
__________________
|
|
#425
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة سبأ من صـ 273 الى صــ 285 الحلقة (425) والثالث "أنه من سلالة إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام واختلفوا في كيفية اتصال نسبه به على ثلاث طرائق أيضا وقد ذكر ذلك مستقصى الحافظ أبو عمر بن عبد البر النمري رحمة الله تعالى عليه في كتابه المسمى - الإنباه على ذكر أصول القبائل الرواة ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : كان رجلا من العرب يعني العرب العاربة الذين كانوا قبل الخليل عليه الصلاة والسلام من سلالة سام بن نوح وعلى القول الثالث كان من سلالة الخليل عليه الصلاة والسلام ليس هذا بالمشهور عندهم والله أعلم ولكن في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بنفر من أسلم ينتضلون فقال ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميا فأسلم قبيلة من الأنصار والأنصار أوسها وخزرجها من غسان من عرب اليمن من سبإ - نزلوا بيثرب لما تفرقت سبأ في البلاد حين بعث الله عز وجل عليهم سيل العرم ونزلت طائفة منهم بالشام وإنما قيل لهم غسان بماء نزلوا عليه قيل باليمن ; وقيل إنه قريب من المشلل كما قال حسان بن ثابت رضي الله عنه :" إما سألت فإنا معشر نجب ... الأزد نسبتنا والماء غسان ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : ولد له عشرة من العرب أي كان من نسله هؤلاء العشرة الذين يرجع إليهم أصول القبائل من عرب اليمن لا أنهم ولدوا من صلبه بل منهم من بينه وبينه الأبوان والثلاثة والأقل والأكثر كما هو مقرر مبين في مواضعه من كتب النسب ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : فتيامن منهم ستة وتشاءم منهم أربعة أي بعدما أرسل الله تعالى عليهم سيل العرم منهم من أقام ببلادهم ومنهم من نزح عنها إلى غيرها. وكان من أمر السد أنه كان الماء يأتيهم من بين جبلين وتجتمع إليه أيضا سيول أمطارهم وأوديتهم فعمد ملوكهم الأقادم فبنوا بينهما سدا عظيما محكما حتى ارتفع الماء وحكم على حافات ذينك الجبلين فغرسوا الأشجار واستغلوا الثمار في غاية ما يكون من الكثرة والحسن كما ذكر غير واحد من السلف منهم قتادة أن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مكتل أو زنبيل وهو الذي تخترف فيه الثمار فيتساقط من الأشجار في ذلك ما يملؤه من غير أن يحتاج إلى كلفة ولا قطاف لكثرته ونضجه واستوائه وكان هذا السد بمأرب بلدة بينها وبين صنعاء ثلاث مراحل ويعرف بسد مأرب وذكر آخرون أنه لم يكن ببلدهم شيء من الذباب ولا البعوض ولا البراغيث ولا شيء من الهوام وذلك لاعتدال الهواء وصحة المزاج وعناية الله بهم ليوحدوه ويعبدوه كما قال تبارك وتعالى : "لقد كان لسبإ في مسكنهم آية" ثم فسرها بقوله عز وجل : "جنتان عن يمين وشمال" أي من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك "كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور" أي غفور لكم إن استمررتم على التوحيد . فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل (16) فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل وقوله تعالى "فأعرضوا" أي عن توحيد الله وعبادته وشكره على ما أنعم به عليهم وعدلوا إلى عبادة الشمس من دون الله كما قال الهدهد لسليمان عليه الصلاة والسلام "وجئتك من سبإ بنبإ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون" وقال محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه بعث الله تعالى إليهم ثلاثة عشر نبيا وقال السدي أرسل الله عز وجل إليهم اثني عشر ألف نبي والله أعلم وقوله تعالى : "فأرسلنا عليهم سيل العرم" المراد بالعرم المياه وقيل الوادي وقيل الجرذ وقيل الماء الغزير فيكون من باب إضافة الاسم إلى صفته مثل مسجد الجامع وسعيد كرز حكى ذلك السهيلي وذكر غير واحد منهم ابن عباس ووهب بن منبه وقتادة والضحاك أن الله عز وجل لما أراد عقوبتهم بإرسال العرم عليهم بعث على السد دابة من الأرض يقال لها الجرذ نقبته قال وهب بن منبه وقد كانوا يجدون في كتبهم أن سبب خراب هذا السد هو الجرذ فكانوا يرصدون عنده السنانير برهة من الزمان فلما جاء القدر غلبت الفأر السنانير وولجت إلى السد فنقبته فانهار عليهم وقال قتادة وغيره الجرذ هو الخلد نقبت أسافله حتى إذا ضعف ووهي وجاءت أيام السيول صدم الماء البناء فسقط فانساب الماء في أسفل الوادي وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار وغير ذلك ونضب الماء عن الأشجار التي في الجبلين عن يمين وشمال فيبست وتحطمت وتبدلت تلك الأشجار المثمرة الأفيقة النضرة كما قال الله تبارك وتعالى "وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط" قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وعطاء الخراساني والحسن وقتادة والسدي وهو الأراك وأكلة البربر "وأثل" قال العوفي عن ابن عباس هو الطرفاء وقال غيره هو شجر يشبه الطرفاء وقيل هو السمر والله أعلم وقوله "وشيء من سدر قليل" لما كان أجود هذه الأشجار المبدل بها هو السدر قال "وشيء من سدر قليل" فهذا الذي صار أمر تينك الجنتين إليه بعد الثمار النضيجة والمناظر الحسنة والظلال العميقة والأنهار الجارية تبدلت إلى شجر الأراك والطرفاء والسدر ذي الشوك الكثير والثمر القليل ; وذلك بسبب كفرهم وشركهم بالله وتكذيبهم الحق وعدولهم عنه إلى الباطل ولهذا . ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور قال تعالى "ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور" أي عاقبناهم بكفرهم قال مجاهد ولا يعاقب إلا الكفور وقال الحسن البصري صدق الله العظيم لا يعاقب بمثل فعله إلا الكفور وقال طاوس لا يناقش إلا الكفور وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو عمر بن النحاس الرملي حدثنا حجاج بن محمد حدثنا أبو البيداء عن هشام بن صالح التغلبي عن ابن خيرة وكان من أصحاب علي رضي الله عنه قال : جزاء المعصية الوهن في العبادة والضيق في المعيشة والتعسر في اللذة قيل وما التعسر في اللذة ؟ قال لا يصادف لذة حلالا إلا جاءه من ينغصه إياها . وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين يذكر تعالى ما كانوا فيه من النعمة والغبطة والعيش الهنيء الرغيد والبلاد المرضية والأماكن الآمنة والقرى المتواصلة المتقاربة بعضها من بعض مع كثرة أشجارها وزروعها وثمارها بحيث إن مسافرهم لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء بل حيث نزل وجد ماء وثمرا ويقيل في قرية ويبيت في أخرى بمقدار ما يحتاجون إليه في سيرهم ولهذا قال تعالى "وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها" قال وهب بن منبه هي قرى بصنعاء وكذا قال أبو مالك وقال مجاهد والحسن وسعيد بن جبير ومالك عن زيد بن أسلم وقتادة والضحاك والسدي وابن زيد وغيرهم يعني قرى الشام يعنون أنهم كانوا يسيرون من اليمن إلى الشام في قرى ظاهرة متواصلة وقال العوفي عن ابن عباس القرى التي باركنا فيها بيت المقدس وقال العوفي عنه أيضا هي قرى عربية بين المدينة والشام "قرى ظاهرة" أي بينة واضحة يعرفها المسافرون يقيلون في واحدة ويبيتون في أخرى ولهذا قال تعالى : "وقدرنا فيها السير" أي جعلناها بحسب ما يحتاج المسافرون إليه "سيروا فيها ليالي وأياما آمنين" أي الأمن حاصل لهم في سيرهم ليلا ونهارا . فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور "فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم" وقرأ آخرون "بعد بين أسفارنا" وذلك أنهم بطروا هذه النعمة كما قاله ابن عباس ومجاهد والحسن وغير واحد وأحبوا مفاوز ومهامه يحتاجون في قطعها إلى الزاد والرواحل والسير في الحرور والمخاوف كما طلب بنو إسرائيل من موسى أن يخرج الله لهم مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها مع أنهم كانوا في عيش رغيد في من وسلوى وما يشتهون من مآكل ومشارب وملابس مرتفعة ولهذا قال لهم "أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله" وقال عز وجل "وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها" وقال تعالى : "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون" وقال تعالى في حق هؤلاء "فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم" أي بكفرهم "فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق" أي جعلناهم حديثا للناس وسمرا يتحدثون به من خبرهم وكيف مكر الله بهم وفرق شملهم بعد الاجتماع والألفة والعيش الهنيء تفرقوا في البلاد ههنا وههنا ولهذا تقول العرب في القوم إذا تفرقوا تفرقوا أيدي سبأ وأيادي سبأ وتفرقوا شذر مذر وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد القطان حدثنا إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال سمعت أبي يقول سمعت عكرمة يحدث بحديث أهل سبأ قال "لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال - إلى قوله تعالى - فأرسلنا عليهم سيل العرم" وكانت فيهم كهنة وكانت الشياطين يسترقون السمع فأخبروا الكهنة بشيء من أخبار السماء فكان فيهم رجل كاهن شريف كثير المال وأنه خبر أن زوال أمرهم قد دنا وأن العذاب قد أظلهم فلم يدر كيف يصنع لأنه كان له مال كثير من عقار فقال لرجل من بنيه وهو أعزهم أخوالا يا بني إذا كان غدا وأمرتك بأمر فلا تفعله فإذا انتهرتك فانتهرني فإذا لطمتك فالطمني قال يا أبت لا تفعل إن هذا أمر عظيم وأمر شديد , قال يا بني قد حدث أمر لا بد منه فلم يزل به حتى وافاه على ذلك فلما أصبحوا واجتمع الناس قال يا بني افعل كذا وكذا فأبى فانتهره أبوه فأجابه فلم يزل ذلك بينهما حتى تناوله أبوه فلطمه فوثب على أبيه فلطمه فقال ابني يلطمني ؟ علي بالشفرة قالوا ما تصنع بالشفرة ؟ قال أذبحه قالوا تريد أن تذبح ابنك ؟ الطمه أو اصنع ما بدا لك قال فأبى قال فأرسلوا إلى أخواله فأعلموهم ذلك فجاء أخواله فقالوا خذ منا ما بدا لك فأبى إلا أن يذبحه قالوا فلتموتن قبل أن تذبحه قال فإذا كان الحديث هكذا فإني لا أرى أن أقيم ببلد يحال بيني وبين ابني فيه اشتروا مني دوري اشتروا مني أرضي فلم يزل حتى باع دوره وأرضه وعقاره فلما صار الثمن في يده وأحرزه قال : أي قوم إن العذاب قد أظلكم وزوال أمركم قد دنا فمن أراد منكم دارا جديدا وحمى شديدا وسفرا بعيدا فليلحق بعمان ومن أراد منكم الخمر والخمير والعصير وكلمة - قال إبراهيم لم أحفظها - فليلحق ببصرى ومن أراد الراسخات في الوحل المطعمات في المحل المغممات في القحل فليلحق بيثرب ذات نخل فأطاعه قومه فخرج أهل عمان إلى عمان وخرجت غسان إلى بصرى وخرجت الأوس والخزرج وبنو عثمان إلى يثرب ذات النخل قال فأتوا على بطن مر فقال بنو عثمان هذا مكان صالح لا نبغي به بدلا فأقاموا به فسموا لذلك خزاعة لأنهم انخزعوا من أصحابهم واستقامت الأوس والخزرج حتى نزلوا المدينة وتوجه أهل عمان إلى عمان وتوجهت غسان إلى بصرى هذا أثر غريب عجيب وهذا الكاهن هو عمرو بن عامر أحد رؤساء اليمن وكبراء سبأ وكهانهم وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يسار في أول السيرة ما كان من أمر عمرو بن عامر الذي كان أول من خرج من بلاد اليمن بسبب استشعاره بإرسال العرم عليهم فقال : وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن فيما حدثني به أبو زيد الأنصاري أنه رأى جرذا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عنهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أرضهم فعلم أنه لا بقاء للسد على ذلك فاعتزم على النقلة عن اليمن وكاد قومه فأمر أصغر ولده إذا أغلظ له لطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به فقال عمرو : لا أقيم ببلد لطم وجهي فيها أصغر ولدي وعرض أمواله فقال أشراف من أشراف اليمن اغتنموا غضبة عمرو فاشتروا منه أمواله وانتقل هو في ولده وولد ولده وقالت الأسد لا نتخلف عن عمرو بن عامر فباعوا أموالهم وخرجوا معه فساروا حتى نزلوا بلاد عك مجتازين يرتادون البلدان فحاربتهم عك وكانت حربهم سجالا ففي ذلك يقول عباس بن مرداس السلمي رضي الله عنه : وعك بن عدنان الذين تلعبوا ... بغسان حتى طردوا كل مطرد وهذا البيت من قصيدة له قال ثم ارتحلوا عنهم فتفرقوا في البلدان فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام ونزلت الأوس والخزرج يثرب ونزلت خزاعة مرا ونزلت أزد السراة السراة ونزلت أزد عمان عمان ثم أرسل الله تعالى على السد السيل فهدمه وفي ذلك أنزل الله عز وجل هذه الآيات وقد ذكر السدي قصة عمرو بن عامر بنحو مما ذكر محمد بن إسحاق إلا أنه قال فأمر ابن أخيه مكان ابنه - إلى قوله - فباع ماله وارتحل بأهله فتفرقوا رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد أخبرنا سلمة عن ابن إسحاق قال يزعمون أن عمرو بن عامر وهو عم القوم كان كاهنا فرأى في كهانته أن قومه سيمزقون ويباعد بين أسفارهم فقال لهم إني قد علمت أنكم ستمزقون فمن كان منكم ذا هم بعيد وحمل شديد ومزاد حديد فليلحق بكاس أو كرود قال فكانت وادعة بن عمرو ومن كان منكم ذا هم مدن وأمر دعن فليلحق بأرض شن فكانت عوف بن عمرو هم الذين يقال لهم بارق ومن كان منكم يريد عيشا آنيا وحرما آمنا فليلحق بالأرزين فكانت خزاعة ومن كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس والخزرج وهما هذان الحيان من الأنصار ومن كان منكم يريد خمرا وخميرا وذهبا وحريرا وملكا وتأميرا فليلحق بكوثي وبصرى فكانت غسان بنو جفنة ملوك الشام ومن كان منهم بالعراق قال ابن إسحاق وقد سمعت بعض أهل العلم يقول إنما قالت هذه المقالة طريقة امرأة عمرو بن عامر وكانت كاهنة فرأت في كهانتها ذلك فالله أعلم أي ذلك كان . وقال سعيد عن قتادة عن الشعبي : أما غسان فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ممزق بالشام وأما الأنصار فلحقوا بيثرب وأما خزاعة فلحقوا بتهامة وأما الأزد فلحقوا بعمان فمزقهم الله كل ممزق . رواه ابن أبي حاتم وابن جرير ثم قال محمد بن إسحاق حدثني أبو عبيدة قال : قال الأعشى أعشى بني قيس بن ثعلبة واسمه ميمون بن قيس : وفي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفى عليها العرم رجام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم فأروى الزروع وأعنابها ... على سعة ماؤهم إذ قسم فصاروا أيادي ما يقدرو ... ن منه على شرب طفل فطم وقوله تعالى "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" أي إن في هذا الذي حل بهؤلاء من النقمة والعذاب وتبديل النعمة وتحويل العافية عقوبة على ما ارتكبوه من الكفر والآثام لعبرة ودلالة لكل عبد صبار على المصائب شكور على النعم . قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن وعبد الرزاق المعني قالا أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن العيزار بن حريث عن عمر بن سعد عن أبيه هو سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عجبت من قضاء الله تعالى للمؤمن إن أصابه خير حمد ربه وشكر وإن أصابته مصيبة حمد ربه وصبر يؤجر المؤمن في كل شيء حتى في اللقمة يرفعها إلى في امرأته" . وقد رواه النسائي في اليوم والليلة من حديث أبي إسحاق السبيعي به وهو حديث عزيز من رواية عمر بن سعد عن أبيه ولكن له شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه "عجبا للمؤمن لا يقضي الله تعالى له قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ; وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن" . قال عبد حدثنا يونس عن سفيان عن قتادة "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" قال كان مطرف يقول : نعم العبد الصبار الشكور الذي إذا أعطي شكر وإذا ابتلي صبر . ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى فقال "ولقد صدق عليهم إبليس ظنه" قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره هذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم عليه الصلاة والسلام ثم قال "أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته" إلا قليلا "وقال" ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين "والآيات في هذا كثيرة وقال الحسن البصري لما أهبط الله آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة ومعه حواء هبط إبليس فرحا بما أصاب منهما وقال إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف وكان ذلك ظنا من إبليس فأنزل الله عز وجل :" ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين "فقال عند ذلك إبليس لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت ولا يدعوني إلا أجبته ولا يسألني إلا أعطيته ولا يستغفرني إلا غفرت له رواه ابن أبى حاتم ." وقوله تبارك وتعالى : "وما كان له عليهم من سلطان" قال ابن عباس رضي الله عنهما أي من حجة وقال الحسن البصري والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه . وقوله عز وجل "إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك" أي إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا ممن هو منها في شك . وقوله تعالى "وربك على كل شيء حفيظ" أي ومع حفظه ضل من ضل من اتباع إبليس وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل . وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ (21) وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شيء حفيظ "لما ذكر تعالى قصة سبأ وما كان من أمرهم في اتباعهم الهوى والشيطان أخبر عنهم وعن أمثالهم ممن اتبع إبليس والهوى وخالف الرشاد والهدى فقال" ولقد صدق عليهم إبليس ظنه "قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره هذه الآية كقوله تعالى : إخبارا عن إبليس حين امتنع من السجود لآدم عليه الصلاة والسلام ثم قال" أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا "وقال" ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين "والآيات في هذا كثيرة وقال الحسن البصري لما أهبط الله آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة ومعه حواء هبط إبليس فرحا بما أصاب منهما وقال إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف وكان ذلك ظنا من إبليس فأنزل الله عز وجل :" ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين "فقال عند ذلك إبليس لا أفارق ابن آدم ما دام فيه الروح أعده وأمنيه وأخدعه فقال الله تعالى وعزتي وجلالي لا أحجب عنه التوبة ما لم يغرغر بالموت ولا يدعوني إلا أجبته ولا يسألني إلا أعطيته ولا يستغفرني إلا غفرت له رواه ابن أبى حاتم ." وقوله تبارك وتعالى : "وما كان له عليهم من سلطان" قال ابن عباس رضي الله عنهما أي من حجة وقال الحسن البصري والله ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء وما كان إلا غرورا وأماني دعاهم إليها فأجابوه . وقوله عز وجل "إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك" أي إنما سلطناه عليهم ليظهر أمر من هو مؤمن بالآخرة وقيامها والحساب فيها والجزاء فيحسن عبادة ربه عز وجل في الدنيا بمن هو منها في شك . وقوله تعالى "وربك على كل شيء حفيظ" أي ومع حفظه ضل من ضل من اتباع إبليس وبحفظه وكلاءته سلم من سلم من المؤمنين أتباع الرسل . قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير (22) قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير بين تبارك وتعالى أنه الإله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لا نظير له ولا شريك له بل هو المستقل بالأمر وحده من غير مشارك ولا منازع ولا معارض فقال "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله" أي من الآلهة التي عبدت من دونه "لا" يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض "كما قال تبارك وتعالى :" والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير "." وقوله تعالى "وما لهم فيهما من شرك" أي لا يملكون شيئا استقلالا ولا على سبيل الشركة "وما له منهم من ظهير" أي وليس لله من هذه الأنداد من ظهير يستظهر به في الأمور بل الخلق كلهم فقراء إليه عبيد لديه قال قتادة في قوله عز وجل "وما له منهم من ظهير" من عون يعينه بشيء . ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير قال تعالى "ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" أي لعظمته وجلاله وكبريائه لا يجترئ أحد أن يشفع عنده تعالى في شيء إلا بعد إذنه له في الشفاعة كما قال عز وجل "من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه" وقال جل وعلا "وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى" وقال تعالى : "ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون" ولهذا ثبت في الصحيحين من غير وجه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم وأكبر شفيع عند الله تعالى أنه حين يقوم المقام المحمود ليشفع في الخلق كلهم أن يأتي ربهم لفصل القضاء قال "فأسجد لله تعالى فيدعني ما شاء الله أن يدعني ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن ثم يقال يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع" الحديث بتمامه . وقوله تعالى "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق" وهذا أيضا مقام رفيع في العظمة وهو أنه تعالى إذا تكلم بالوحي فسمع أهل السماوات كلامه أرعدوا من الهيبة حتى يلحقهم مثل الغشي. قاله ابن مسعود رضي الله عنه ومسروق وغيرهما "حتى إذا فزع عن قلوبهم" أي زال الفزع عنها قال ابن عباس وابن عمر " رضي الله عنهم وأبو عبد الرحمن السلمي والشعبي وإبراهيم النخعي والضحاك والحسن وقتادة في قوله عز وجل "حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق" يقول خلى عن قلوبهم وقرأ بعض السلف وجاء مرفوعا إذا فرغ بالغين المعجمة ويرجع إلى الأول فإذا كان كذلك سأل بعضهم بعضا ماذا قال ربكم ؟ فيخبر بذلك حملة العرش للذين يلونهم ثم الذين يلونهم لمن تحتهم حتى ينتهي الخبر إلى أهل السماء الدنيا ولهذا قال تعالى " قالوا الحق "أي أخبروا بما قال من غير زيادة ولا نقصان" وهو العلي الكبير "." وقال آخرون بل معنى قوله تعالى "حتى إذا فزع عن قلوبهم" يعني المشركين عند الاحتضار ويوم القيامة إذا استيقظوا مما كانوا فيه من الغفلة في الدنيا ورجعت إليهم عقولهم يوم القيامة قالوا ماذا قال ربكم ؟ فقيل لهم الحق وأخبروا به مما كانوا عنه لاهين في الدنيا قال ابن أبي نجيح عن مجاهد "حتى إذا فزع عن قلوبهم" كشف عنها الغطاء يوم القيامة . وقال الحسن "حتى إذا فزع عن قلوبهم" يعني ما فيها من الشك والتكذيب وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم "حتى إذا فزع عن قلوبهم" يعني ما فيها من الشك قال فزع الشيطان عن قلوبهم وفارقهم وأمانيهم وما كان يضلهم "قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير" قال وهذا في بني آدم هذا عند الموت أقروا حين لا ينفعهم الإقرار وقد اختار ابن جرير القول الأول أن الضمير عائد على الملائكة وهذا هو الحق الذي لا مرية فيه لصحة الأحاديث فيه والآثار ولنذكر منها طرفا يدل على غيره . قال البخاري عند تفسير هذه الآية الكريمة في صحيحه حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال : سمعت عكرمة قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول إن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم ؟ قالوا للذي قال الحق وهو العلي الكبير فيسمعها مسترق السمع ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض - ووصف سفيان بيده فحرفها ونشر بين أصابعه - فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته ثم يلقيها الآخر إلى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا" وكذا كذا وكذا ؟ فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء "انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم من هذا الوجه وقد رواه ابن داود والترمذي وابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة به والله أعلم" حديث آخر "قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر وعبد الرزاق قالا حدثنا معمر أخبرنا الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنه ما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في نفر من أصحابه قال عبد الرزاق من الأنصار فرمي بنجم فاستنار فقال صلى الله عليه وسلم" ما كنتم تقولون إذا كان مثل هذا في الجاهلية ؟ "قالوا كنا نقول يولد عظيم أو يموت عظيم ." قلت للزهري أكان يرمى بها في الجاهلية ؟ قال نعم ولقد غلظت حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فإنها لا يرمى بها لموت أحد ولا لحياته ولكن ربنا تبارك وتعالى إذا قضى أمرا سبح حملة العرش ثم سبح أهل السماء الذين يلونهم حتى يبلغ التسبيح السماء الدنيا ثم يستخبر أهل السماء الذين يلون حملة العرش فيقول الذين يلون حملة العرش لحملة العرش ماذا قال ربكم ؟ فيخبرونهم ويخبر أهل كل سماء سماء حتى ينتهي الخبر إلى هذه السماء وتخطف الجن السمع فيرمون فما جاءوا به على وجهه فهو حق ولكنهم يفرقون فيه ويزيدون" هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم في صحيحه من حديث صالح بن كيسان والأوزاعي ويونس ومعقل بن عبيد الله أربعتهم عن الزهري عن علي بن الحسين عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل من الأنصار به وقال يونس عن رجال من الأنصار "رضي الله عنهم وكذا رواه النسائي في التفسير من حديث الزبيدي عن الزهري به" ورواه الترمذي فيه عن الحسين بن حريث عن الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس رضي الله عنهما عن رجل من الأنصار رضي الله عنه والله أعلم . "حديث آخر" قال ابن أبى حاتم حدثنا محمد بن عوف وأحمد بن منصور بن سيار الرمادي والسياق لمحمد بن عوف قالا حدثنا نعيم بن حماد حدثنا الوليد هو ابن مسلم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن عبد الله بن أبي زكريا عن رجاء بن حيوة عن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا أراد الله تبارك وتعالى أن يوحي بأمره تكلم بالوحي فإذا تكلم أخذت السماوات منه رجفة - أو قال رعدة - شديدة من خوف الله تعالى فإذا سمع بذلك أهل السماوات صعقوا وخروا لله سجدا فيكون أول من يرفع رأسه جبريل عليه الصلاة والسلام فيكلمه الله من وحيه بما أراد فيمضي به جبريل عليه الصلاة والسلام على الملائكة كلما مر بسماء سماء يسأله ملائكتها ماذا قال ربنا يا جبريل ؟ فيقول عليه السلام قال الحق وهو العلي الكبير فيقولون كلهم مثل ما قال جبريل فينتهي جبريل بالوحي إلى حيث أمره الله تعالى من السماء والأرض" وكذا رواه ابن جرير وابن خزيمة عن زكريا بن أبان المصري عن نعيم بن حماد به . وقال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول : ليس هذا الحديث بالتام عن الوليد بن مسلم رحمه الله وقد روى ابن أبي حاتم من حديث العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعن قتادة أنهما فسرا هذه الآية بابتداء إيحاء الله تعالى إلى محمد صلى الله عليه وسلم بعد الفترة التي كانت بينه وبين عيسى عليه الصلاة والسلام ولا شك أن هذا أولى ما دخل في هذه الآية . قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ![]()
__________________
|
|
#426
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة سبأ من صـ 286 الى صــ 297 الحلقة (426) يقول تعالى مقررا تفرده بالخلق والرزق وانفراده بالإلهية أيضا فكما كانوا يعترفون بأنهم لا يرزقهم من السماء والأرض أي بما ينزل من المطر وينبت من الزرع إلا الله فكذلك فليعلموا أنه لا إله غيره وقوله تعالى "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" هذا من باب اللف والنشر أي واحد من الفريقين مبطل والآخر محق لا سبيل إلى أن تكونوا أنتم ونحن على الهدى أو على الضلال بل واحد منا مصيب ونحن قد أقمنا البرهان على التوحيد فدل على بطلان ما أنتم عليه من الشرك بالله تعالى ولهذا قال "وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين" . قال قتادة قد قال ذلك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم للمشركين والله ما نحن وإياكم على أمر واحد إن أحد الفريقين لمهتد وقال عكرمة وزياد بن أبي مريم معناها إنا نحن لعلى هدى وإنكم لفي ضلال مبين . قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (25) قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون وقوله تعالى "قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون" معناه التبري منهم أي لستم منا ولا نحن منكم بل ندعوكم إلى الله تعالى وإلى توحيده وإفراد العبادة له فإن أجبتم فأنتم منا ونحن منكم وإن كذبتم فنحن برآء منكم وأنتم برآء منا كما قال تعالى "فإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون" . وقال عز وجل "قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد ولا أنا عابد ما عبدتم ولا أنتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين" . قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم وقوله تعالى : "قل يجمع بيننا ربنا" أي يوم القيامة يجمع بين الخلائق في صعيد واحد ثم يفتح بيننا بالحق أي يحكم بيننا بالعدل فيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر وستعلمون يومئذ لمن العزة والنصرة والسعادة الأبدية كما قال تعالى "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون" ولهذا قال عز وجل "وهو الفتاح العليم" أي الحاكم العادل العالم بحقائق الأمور . قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم وقوله تبارك وتعالى : "قل أروني الذين ألحقتم به شركاء" أي أروني هذه الآلهة التي جعلتموها لله أندادا وصيرتموها له عدلا "كلا" أي ليس له نظير ولا نديد ولا شريك ولا عديل ولهذا قال تعالى : "بل هو الله" . أي الواحد الأحد الذي لا شريك له "العزيز الحكيم" أي ذو العزة الذي قد قهر بها كل شيء وغلبت كل شيء , الحكيم في أفعاله وأقواله وشرعه وقدره تبارك وتعالى وتقدس عما يقولون علوا كبيرا والله أعلم . وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون يقول تعالى لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم تسليما "وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا" أي إلا إلى جميع الخلائق من المكلفين كقوله تبارك وتعالى : "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا" "بشيرا ونذيرا" أي تبشر من أطاعك بالجنة وتنذر من عصاك بالنار "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" كقوله عز وجل "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" قال محمد بن كعب في قوله تعالى "وما أرسلناك إلا كافة للناس" يعني إلى الناس عامة وقال قتادة في هذه الآية أرسل الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم إلى العرب والعجم فأكرمهم على الله تبارك وتعالى أطوعهم لله عز وجل . وقال ابن أبي حاتم حدثنا ابن عبد الله الظهراني حدثنا حفص بن عمر العدني حدثنا الحكم يعني ابن أبان عن عكرمة قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول : إن الله تعالى فضل محمدا صلى الله عليه وسلم على أهل السماء وعلى الأنبياء . قالوا يا بن عباس فبم فضله الله على الأنبياء ؟ قال رضي الله عنه إن الله تعالى قال "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم" وقال للنبي صلى الله عليه وسلم "وما أرسلناك إلا كافة للناس" فأرسله الله تعالى إلى الجن والإنس . وهذا الذي قاله ابن عباس رضي الله عنهما قد ثبت في الصحيحين رفعه عن جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" وفي الصحيح أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "بعثت إلى الأسود والأحمر" قال مجاهد يعني الجن والإنس وقال غيره يعني العرب والعجم والكل صحيح . ثم قال عز وجل مخبرا عن الكفار في استبعادهم قيام الساعة . ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين "ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين" وهذه الآية كقوله عز وجل "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق" الآية ثم قال . قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون قال تعالى : "قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون" أي لكم ميعاد مؤجل ممدود لا يزاد ولا ينقص فإذا جاء فلا يؤخر ساعة ولا يقدم كما قال تعالى : "إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر" وقال عز وجل : "وما نؤخره إلا لأجل معدود يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد" . وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وبما أخبر به من أمر المعاد ولهذا قال تعالى "وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه" قال الله عز وجل متهددا لهم ومتوعدا ومخبرا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم "يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا" وهم الأتباع "للذين استكبروا" منهم وهم قادتهم وسادتهم "لولا أنتم لكنا مؤمنين" أي لولا أنتم تصدونا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا "أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم" ؟ أي نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بهم الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك ولهذا قالوا . قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين يخبر تعالى عن تمادي الكفار في طغيانهم وعنادهم وإصرارهم على عدم الإيمان بالقرآن وبما أخبر به من أمر المعاد ولهذا قال تعالى "وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه" قال الله عز وجل متهددا لهم ومتوعدا ومخبرا عن مواقفهم الذليلة بين يديه في حال تخاصمهم وتحاجهم "يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا" وهم الأتباع "للذين استكبروا" منهم وهم قادتهم وسادتهم "لولا أنتم لكنا مؤمنين" أي لولا أنتم تصدونا لكنا اتبعنا الرسل وآمنا بما جاءونا به فقال لهم القادة والسادة وهم الذين استكبروا "أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم" ؟ أي نحن ما فعلنا بكم أكثر من أنا دعوناكم فاتبعتمونا من غير دليل ولا برهان وخالفتم الأدلة والبراهين والحجج التي جاءت بهم الرسل لشهوتكم واختياركم لذلك ولهذا قالوا . وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون "بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار" أي بل كنتم تمكرون بنا ليلا ونهارا وتغرونا وتمنونا وتخبرونا أنا على هدى وأنا على شيء فإذا جميع ذلك باطل وكذب ومين قال قتادة وابن زيد "بل مكر الليل والنهار" يقول بل مكركم بالليل والنهار وكذا قال مالك عن زيد بن أسلم مكركم بالليل والنهار "إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا" أي نظراء وآلهة معه وتقيموا لنا شبها وأشياء من المحال تضلونا بها "وأسروا الندامة لما رأوا العذاب" أي الجميع من السادة والأتباع كل ندم على ما سلف منه "وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا" وهي السلاسل التي تجمع أيديهم مع أعناقهم "هل يجزون إلا ما كانوا يعملون" أي إنما نجازيكم بأعمالكم كل بحسبه للقادة عذاب بحسبهم وللأتباع بحسبهم "قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون" . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا محمد بن سليمان بن الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن صرد عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن جهنم لما سيق إليها أهلها تلقاهم لهبها ثم لفحتهم لفحة فلم يبق لحم إلا سقط على العرقوب" وحدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا الطيب أو الحسن عن الحسن بن يحيى الخشني قال ما في جهنم دار ولا مغار ولا غل ولا قيد ولا سلسلة إلا اسم صاحبها عليها مكتوب قال فحدثته أبا سليمان يعني الداراني رحمة الله عليه فبكى ثم قال ويحك فكيف به لو جمع هذا كله عليه فجعل القيد في رجليه والغل في يديه والسلسلة في عنقه ثم أدخل النار وأدخل المغار ؟ اللهم سلم . وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون يقول تعالى مسليا لنبيه صلى الله عليه وسلم وآمرا له بالتأسي بمن قبله من الرسل ومخبره بأنه ما بعث نبيا في قرية إلا كذبه مترفوها واتبعه ضعفاؤهم كما قال قوم نوح عليه الصلاة والسلام "أنؤمن لك واتبعك الأرذلون" "وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي" وقال الكبراء من قوم صالح "للذين استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون قال الذين استكبروا إنا بالذي آمنتم به كافرون" وقال عز وجل "وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين" وقال تعالى : "وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها" وقال جل وعلا "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا" وقال جل وعلا ههنا "وما أرسلنا في قرية من نذير" أي نبي أو رسول "إلا قال مترفوها" وهم أولوا النعمة والحشمة والثروة والرياسة قال قتادة هم جبابرتهم وقادتهم ورءوسهم في الشر "إنا بما أرسلتم به كافرون" أي لا نؤمن به ولا نتبعه . قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا هارون بن إسحاق حدثنا محمد بن عبد الوهاب عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين قال كان رجلان شريكان خرج أحدهما إلى الساحل وبقي الآخر فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى صاحبه يسأله ما فعل . فكتب إليه أنه لم يتبعه أحد من قريش إنما اتبعه أراذل الناس ومساكينهم قال فترك تجارته ثم أتى صاحبه فقال دلني عليه قال وكان يقرأ الكتب أو بعض الكتب قال فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إلام تدعو ؟ قال : "أدعو إلى كذا وكذا" قال أشهد أنك رسول الله قال صلى الله عليه وسلم "وما علمك بذلك ؟" قال إنه لم يبعث نبي إلا اتبعه أراذل الناس ومساكينهم قال فنزلت هذه الآية "وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون" الآية قال فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم إن الله عز وجل قد أنزل تصديق ما قلت وهكذا قال هرقل لأبي سفيان حين سأله عن تلك المسائل قال فيها وسألتك أضعفاء الناس اتبعه أم أشرافهم فزعمت بل ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل . وقوله تبارك وتعالى إخبارا عن المترفين المكذبين وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين "وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين" أي افتخروا بكثرة الأموال والأولاد واعتقدوا أن ذلك دليل على محبة الله تعالى لهم واعتنائه بهم وأنه ما كان ليعطيهم هذا في الدنيا ثم يعذبهم في الآخرة وهيهات لهم ذلك قال الله تعالى "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون" وقال تبارك وتعالى : "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون" وقال عز وجل "ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا" وقد أخر الله عز وجل عن صاحب تينك الجنتين أنه كان ذا مال وثمر وولد ثم لم يغن عنه شيئا بل سلب ذلك كله في الدنيا قبل الآخرة ولهذا قال عز وجل ها هنا . قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون "قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر" أي يعطي المال لمن يحب ومن لا يحب فيفقر من يشاء ويغني من يشاء وله الحكمة التامة البالغة والحجة القاطعة الدامغة "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" ثم . وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون قال تعالى : "وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى" أي ليست هذه دليلا على محبتنا لكم ولا اعتنائنا بكم . قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا كثير حدثنا جعفر حدثنا يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله تعالى لا ينظر إلى" صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم "ورواه مسلم وابن ماجه من حديث كثير بن هشام عن جعفر بن برقان به ." ولهذا قال الله تعالى : "إلا من آمن وعمل صالحا" أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان والعمل الصالح "فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا" أي تضاعف لهم الحسنة بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف "وهم في الغرفات آمنون" أي في منازل الجنة العالية آمنون من كل بأس وخوف وأذى ومن كل شر يحذر منه . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء الكندي حدثنا القاسم وعلي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق عن النعمان بن سعد عن علي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن في الجنة لغرفا ترى ظهورها من بطونها وبطونها من ظهورها" فقال أعرابي لمن هي ؟ قال صلى الله عليه وسلم "لمن طيب الكلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام" . والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون "والذين يسعون في آياتنا معاجزين" أي يسعون في الصد عن سبيل الله واتباع رسله والتصديق بآياته "فأولئك في العذاب محضرون" أي جميعهم مجزيون بأعمالهم فيها بحسبهم . قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين وقوله تعالى : "قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له" أي بحسب ما له في ذلك من الحكمة يبسط على هذا من المال كثيرا ويضيق على هذا ويقتر على هذا رزقه جدا وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره كما قال تعالى : "انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" أي كما هم متفاوتون في الدنيا هذا فقير مدقع وهذا غني موسع عليه فكذلك هم في الآخرة هذا في الغرفات في أعلى الدرجات وهذا في الغمرات في أسفل الدرجات وأطيب الناس في الدنيا كما قال صلى الله عليه وسلم "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" رواه مسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما وقوله تعالى : "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه" أي مهما أنفقتم من شيء فيما أمركم به وأباحه لكم فهو يخلفه عليكم في الدنيا بالبدل وفي الآخرة بالجزاء والثواب كما ثبت في الحديث "يقول الله تعالى أنفق أنفق عليك" وفي الحديث أن ملكين يصبحان كل يوم يقول أحدهما اللهم أعط ممسكا تلفا ويقول الآخر : اللهم أعط منفقا خلفا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي عن يزيد بن عبد العزيز الفلاس حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال بلغني عن حذيفة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق" ثم تلا هذه الآية "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا روح بن حاتم حدثنا هشيم عن الكوثر بن حكيم عن مكحول قال بلغني عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا إن بعد زمانكم هذا زمان عضوض يعض الموسر على ما في يده حذار الإنفاق" قال الله تعالى : "وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين" وفي الحديث "شرار الناس يبايعون كل مضطر ألا إن بيع المضطرين حرام ألا إن بيع المضطرين حرام المسلم أخو المسلم" لا يظلمه ولا يخذله إن كان عندك معروف فعد به على أخيك وإلا فلا تزده هلاكا إلى هلاكه "هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي إسناده ضعف وقال سفيان الثوري عن أبي يونس الحسن بن يزيد قال : قال مجاهد لا يتأولن أحدكم هذه الآية" وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه "إذا كان عند أحدكم ما يقيمه فليقصد فيه فإن الرزق مقسوم ." ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (40) ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون يخبر تعالى أنه يقرع المشركين يوم القيامة على رءوس الخلائق فيسأل الملائكة الذين كان المشركون يزعمون أنهم يعبدون الأنداد التي هي على صورهم ليقربوهم إلى الله زلفى فيقول للملائكة "أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون" أي أنتم أمرتم هؤلاء بعبادتكم كما قال تعالى في سورة الفرقان "أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل" وكما يقول لعيسى عليه الصلاة والسلام "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق" وهكذا تقول الملائكة. قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون "سبحانك" أي تعاليت وتقدست عن أن يكون معك إله "أنت ولينا من دونهم" أي نحن عبيدك ونبرأ إليك من هؤلاء "بل كانوا يعبدون الجن" يعنون الشياطين لأنهم هم الذين زينوا لهم عبادة الأوثان وأضلوهم "أكثرهم بهم مؤمنون" كما قال تبارك وتعالى "إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله" قال الله عز وجل . فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون (42) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون "فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا" أي لا يقع لكم نفع ممن كنتم ترجون نفعه اليوم من الأنداد والأوثان التي ادخرتم عبادتها لشدائدكم وكربكم اليوم لا يملكون لكم نفعا ولا ضرا "ونقول للذين ظلموا" وهم المشركون "ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون" أي يقال لهم ذلك تقريعا وتوبيخا . وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين يخبر تعالى عن الكفار أنهم يستحقون منه العقوبة والأليم من العذاب لأنهم كانوا إذا تتلى عليهم آياته بينات يسمعونها غضة طرية من لسان رسوله صلى الله عليه وسلم "قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم" يعنون أن دين آبائهم هو الحق وأن ما جاءهم به الرسول عندهم باطل عليهم وعلى آبائهم لعائن الله تعالى "وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى" يعنون القرآن "وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين" . وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير قال الله تعالى "وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير" أي ما أنزل الله على العرب من كتاب قبل القرآن وما أرسل إليهم نبيا قبل محمد صلى الله عليه وسلم وقد كانوا يودون ذلك ويقولون لو جاءنا نذير أو أنزل علينا كتاب لكنا أهدى من غيرنا فلما من الله عليهم بذلك كذبوه وجحدوه وعاندوه ثم قال تعالى . وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (45) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير قال تعالى "وكذب الذين من قبلهم" أي من الأمم "وما بلغوا معشار ما آتيناهم" قال ابن عباس رضي الله عنهما أي من القوة في الدنيا وكذا قال قتادة والسدي وابن زيد كما قال تعالى "ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة" أي وما دفع ذلك عنهم عذاب الله ولا رده بل دمر الله عليهم لما كذبوا رسله ولهذا قال "فكذبوا رسلي فكيف كان نكير" أي فكيف كان عقابي ونكالي وانتصاري لرسلي . قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد يقول تبارك وتعالى قل يا محمد لهؤلاء الكافرين الزاعمين أنك مجنون "إنما أعظكم بواحدة" أي إنما آمركم بواحدة وهي "أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة" أي تقوموا قياما خالصا لله عز وجل من غير هوى ولا عصبية فيسأل بعضكم بعضا هل بمحمد من جنون فينصح بعضكم بعضا "ثم تتفكروا" أي ينظر الرجل لنفسه في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويسأل غيره من الناس عن شأنه إن أشكل عليه ويتفكر في ذلك ولهذا قال تعالى : "أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة" هذا معنى ما ذكره مجاهد ومحمد بن كعب والسدي وقتادة وغيرهم وهذا هو المراد من الآية فأما الحديث الذي رواه ابن أبي حاتم حدثنا أبي هشام بن عمار حدثنا صدقة بن خالد حدثنا عثمان بن أبي العاتكة عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "أعطيت ثلاثا لم يعطهن أحد قبلي ولا فخر : أحلت لي الغنائم ولم تحل لمن قبلي كانوا قبلي يجمعون غنائمهم فيحرقونها وبعثت إلى كل أحمر وأسود وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أتيمم بالصعيد وأصلي فيها حيث أدركتني الصلاة قال الله تعالى :" أن تقوموا لله مثنى وفرادى "وأعنت بالرعب مسيرة شهر بين يدي" فهو حديث ضعيف الإسناد وتفسير الآية بالقيام في الصلاة في جماعة وفرادى بعيد ولعله مقحم في الحديث من بعض الرواة فإن أصله ثابت في الصحاح وغيرها والله أعلم . وقوله تعالى : "إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد" قال البخاري عندها حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن حازم حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : صعد النبي صلى الله عليه وسلم الصفا ذات يوم فقال "يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش فقالوا ما لك ؟ فقال "أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم أما كنتم تصدقوني" قالوا بلى ! قال صلى الله عليه وسلم "فإني نذير لكم بين يدي عذاب" شديد "فقال أبو لهب تبا لك ألهذا جمعتنا" فأنزل الله عز وجل "تبت يدا أبي لهب وتب" وقد تقدم عند قوله تعالى "وأنذر عشيرتك الأقربين" . وقال الإمام أحمد حدثني أبو نعيم حدثنا بشير بن المفاخر حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال : خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فنادى ثلاث مرات فقال : "أيها الناس أتدرون ما مثلي ومثلكم ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال صلى الله عليه وسلم "إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوا يأتيهم فبعثوا رجلا يتراءى لهم فبينما هو كذلك أبصر العدو فأقبل لينذرهم وخشي أن يدركه العدو قبل أن ينذر قومه فأهوى بثوبه أيها الناس أتيتم أيها الناس أتيتم" ثلاث مرات وبهذا الإسناد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بعثت أنا والساعة جميعا إن كادت لتسبقني" تفرد به الإمام أحمد في مسنده . قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين "ما سألتكم من أجر فهو لكم" أي لا أريد منكم جعلا ولا عطاء على أداء رسالة الله عز وجل إليكم ونصحي إياكم وأمركم بعبادة الله "إن أجري إلا على الله" أي إنما أطلب ثواب ذلك من عند الله "وهو على كل شيء شهيد" أي عالم بجميع الأمور بما أنا عليه من إخباري عنه بإرساله إياي إليكم وما أنتم عليه . قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب قوله عز وجل "قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب" كقوله تعالى : "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده" أو يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض وهو ![]()
__________________
|
|
#427
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة سبأ من صـ 298 الى صــ 310 الحلقة (427) علام الغيوب فلا تخفى عليه خافية في السماوات ولا في الأرض . قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد وقوله تبارك وتعالى "قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" أي جاء الحق من الله والشرع العظيم وذهب الباطل زهق واضمحل كقوله تعالى : "بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق" ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة جعل يطعن الصنم منها بسية قوسه ويقرأ "وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا" "قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد" رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية كلهم من حديث الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة عن ابن مسعود رضي الله عنه به أي لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة وزعم قتادة والسدي أن المراد بالباطل ها هنا إبليس أنه لا يخلق أحدا ولا يعيده ولا يقدر على ذلك وهذا وإن كان حقا ولكن ليس هو المراد ههنا والله أعلم . قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب (50) قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب "وقوله تبارك وتعالى" قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي "أي الخير كله من عند الله وفيما أنزله الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة أقول فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه ." وقوله تعالى : "إنه سميع قريب" أي سميع لأقوال عباده قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه وقد روى النسائي ههنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا إنما تدعون سميعا قريبا مجيبا" . ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب يقول تبارك وتعالى "ولو ترى" يا محمد إذ فزع هؤلاء المكذبون يوم القيامة "فلا فوت" أي فلا مفر لهم ولا وزر لهم ولا ملجأ "وأخذوا من مكان قريب" أي لم يمكنوا أن يمعنوا في الهرب بل أخذوا من أول وهلة . قال الحسن البصري حين خرجوا من قبورهم وقال مجاهد وعطية العوفي وقتادة من تحت أقدامهم وعن ابن عباس رضي الله عنهما والضحاك يعني عذابهم في الدنيا وقال عبد الرحمن بن زيد يعني قتلهم يوم بدر والصحيح أن المراد بذلك يوم القيامة وهو الطامة العظمى وإن كان ما ذكر متصلا بذلك وحكى ابن جرير عن بعضهم قال إن المراد بذلك جيش يخسف بهم بين مكة والمدينة في أيام بني العباس "رضي الله عنهم ." ثم أورد في ذلك حديثا موضوعا بالكلية ثم لم ينبه على ذلك وهذا أمر عجيب غريب منه . وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد "وقالوا آمنا به" أي يوم القيامة يقولون آمنا بالله وملائكته وكتبه ورسله كما قال تعالى : "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" ولهذا قال تعالى "وأنى لهم التناوش من مكان بعيد" أي كيف لهم تعاطي الإيمان وقد بعدوا عن محل قبوله منهم وصاروا إلى الدار الآخرة وهي دار الجزاء لا دار الابتلاء فلو كانوا آمنوا في الدنيا لكان ذلك نافعهم ولكن بعد مصيرهم إلى الدار الآخرة لا سبيل لهم إلى قبول الإيمان كما لا سبيل إلى حصول الشيء لمن يتناوله من بعيد . قال مجاهد "وأنى لهم التناوش" قال التناول لذلك وقال الزهري التناوش تناولهم الإيمان وهم في الآخرة وقد انقطعت عنهم الدنيا وقال الحسن البصري أما إنهم طلبوا الأمر من حيث لا ينال تعاطوا الإيمان من مكان بعيد وقال ابن عباس رضي الله عنهما طلبوا الرجعة إلى الدنيا والتوبة مما هم فيه وليس بحين رجعة ولا توبة . وكذا قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله . وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد وقوله تعالى : "وقد كفروا به من قبل" أي كيف يحصل لهم الإيمان في الآخرة وقد كفروا بالحق في الدنيا وكذبوا الرسل "ويقذفون بالغيب من مكان بعيد" قال مالك عن زيد بن أسلم "ويقذفون بالغيب" قال بالظن قلت كما قال تعالى : "رجما بالغيب" فتارة يقولون شاعر وتارة يقولون كاهن وتارة يقولون ساحر وتارة يقولون مجنون إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة ويكذبون بالبعث والنشور والمعاد "ويقولون إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين" قال قتادة ومجاهد يرجمون بالظن لا بعث ولا جنة ولا نار . وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب (54) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب وقوله تعالى : "وحيل بينهم وبين ما يشتهون" قال الحسن البصري والضحاك وغيرهما يعني الإيمان وقال السدي "وحيل بينهم وبين ما يشتهون" وهي التوبة وهذا اختيار ابن جرير رحمه الله . وقال مجاهد "وحيل بينهم وبين ما يشتهون" من هذه الدنيا من مال وزهرة وأهل وروي نحوه عن ابن عمر وابن عباس والربيع بن أنس "رضي الله عنهم وهو قول البخاري وجماعة والصحيح أنه لا منافاة بين القولين فإنه قد حيل بينهم وبين شهواتهم في الدنيا وبين ما طلبوه في الآخرة فمنعوا منه ." وقد ذكر ابن أبي حاتم ههنا أثرا غريبا عجيبا جدا فلنذكره بطوله فإنه قال : حدثنا محمد بن يحيى حدثنا بشر بن حجر الشامي حدثتا علي بن منصور الأنباري عن الرقي بن قطامي عن سعيد بن طريف عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما في قول الله عز وجل "وحيل بينهم وبين ما يشتهون" إلى آخر الآية قال كان رجل من بني إسرائيل فاتحا إن يتح الله تعالى له مالا فمات فورثه ابن له تافه أي فاسد فكان يعمل في مال الله تعالى بمعاصي الله تعالى عز وجل فلما رأى ذلك أخوات أبيه أتوا الفتى فعذلوه ولاموه فضجر الفتى فباع عقاره بصامت ثم رحل فأتى عينا بحاجة فسرح فيها ماله وابتنى قصرا فبينما هو ذات يوم جالس إذ شملت عليه ريح بامرأة من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا أي ريحا فقالت من أنت يا عبد الله ؟ فقال أنا امرؤ من بني إسرائيل قالت فلك هذا القصر وهذا المال ؟ فقال نعم . قالت فهل لك من زوجة ؟ قال لا . قالت فكيف يهنيك العيش ولا زوجة لك ؟ قال قد كان ذاك قال فهل لك من بعل ؟ قالت لا قال فهل لك إلى أن أتزوجك ؟ قالت إني امرأة منك على مسيرة ميل فإذا كان غد فتزود زاد يوم وائتني وإن رأيت في طريقك هولا فلا يهولنك فلما كان من الغد تزود زاد يوم وانطلق فانتهى إلى قصر فقرع رتاجه فخرج إليه شاب من أحسن الناس وجها وأطيبهم أرجا أي ريحا فقال من أنت يا عبد الله ؟ فقال أنا الإسرائيلي قال فما حاجتك ؟ قال دعتني صاحبة هذا القصر إلى نفسها قال صدقت قال فهل رأيت في الطريق هولا ؟ قال نعم ولولا أنها أخبرتني أن لا بأس علي لهالني الذي رأيت قال ما رأيت ؟ قال أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بكلبة فاتحة فاها ففزعت فوثبت فإذا أنا من ورائها وإذا جراؤها ينبحن في بطنها فقال له الشاب لست تدرك هذا هذا يكون في آخر الزمان يقاعد الغلام المشيخة في مجلسهم ويسرهم حديثه قال ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بمائة عنز حفل وإذا فيها جدي يمصها فإذا أتى عليها وظن أنه لم يترك شيئا فتح فاه يلتمس الزيادة فقال لست تدرك هذا هذا يكون في آخر الزمان ملك يجمع صامت الناس كلهم حتى إذا ظن أنه لم يترك شيئا فتح فاه يلتمس الزيادة قال ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بشجر فأعجبني غصن من شجرة منها ناضرة فأردت قطعة فنادتني شجرة أخرى يا عبد الله مني فخذ حتى ناداني الشجر أجمع : يا عبد الله مني فخذ فقال لست تدرك هذا هذا يكون في آخر الزمان يقل الرجال ويكثر النساء حتى إن الرجل ليخطب المرأة فتدعوه العشر والعشرون إلى أنفسهن قال ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل فإذا أنا برجل قائم على عين يغرف لكل إنسان من الماء فإذا تصدعوا عنه صب في جرته فلم تعلق جرته من الماء بشيء قال لست تدرك هذا هذا يكون في آخر الزمان القاص يعلم الناس العلم ثم يخالفهم إلى معاصي الله تعالى قال ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا بعنز وإذا بقوم قد أخذوا بقوائمها وإذا رجل قد أخذ بقرنيها وإذا رجل قد أخذ بذنبها وإذا راكب قد ركبها وإذا رجل يحتلبها فقال أما العنز فهي الدنيا والذين أخذوا بقوائمها يتساقطون من عيشها وأما الذي قد أخذ بقرنيها فهو يعالج من عيشها ضيقا وأما الذي أخذ بذنبها فقد أدبرت عنه وأما الذي ركبها فقد تركها وأما الذي يحلبها فبخ بخ ذهب ذلك بها قال ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يمتح على قليب كلما أخرج دلوه صبه في الحوض فانساب الماء راجعا إلى القليب قال هذا رجل رد الله عليه صالح عمله فلم يقبله قال ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل يبذر بذرا فيستحصد فإذا حنطة طيبة قال هذا رجل قبل الله صالح عمله وأزكاه له . قال ثم أقبلت حتى إذا انفرج بي السبيل إذا أنا برجل مستلق على قفاه قال يا عبد الله ادن مني فخذ بيدي وأقعدني فوالله ما قعدت منذ خلقني الله تعالى فأخذت بيده فقام يسعى حتى ما أراه فقال له الفتى هذا عمر الأبعد نفد وأنا ملك الموت وأنا المرأة التي أتتك أمرني الله تعالى بقبض روح الأبعد في هذا المكان ثم أصيره إلى نار جهنم قال ففيه نزلت هذه الآية "وحيل بينهم وبين ما يشتهون" الآية هذا أثر غريب وفي صحته نظر وتنزيل الآية عليه وفي حقه بمعنى أن الكفار كلهم يتوفون وأرواحهم متعلقة بالحياة الدنيا كما جرى لهذا المغرور المفتون ذهب يطلب مراده فجاءه ملك الموت فجأة بغتة وحيل بينه وبين ما يشتهي . وقوله تعالى : "كما فعل بأشياعهم من قبل" أي كما جرى للأمم الماضية المكذبة بالرسل لما جاءهم بأس الله تمنوا أن لو آمنوا فلم يقبل منهم "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون" وقوله تبارك وتعالى "إنهم كانوا في شك مريب" أي كانوا في الدنيا في شك وريبة فلهذا لم يتقبل منهم الإيمان عند معاينة العذاب . قال قتادة إياكم والشك والريبة فإن من مات على شك بعث عليه ومن مات على يقين بعث عليه . آخر تفسير سورة سبأ والله سبحانه وتعالى الموفق للصواب . الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير (1) الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير قال سفيان الثوري عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما لصاحبه أنا فطرتها أي بدأتها وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضا "فاطر السماوات والأرض" أي بديع السماوات والأرض وقال الضحاك كل شيء في القرآن فاطر السماوات والأرض فهو خالق السماوات والأرض . وقوله تعالى : "جاعل الملائكة رسلا" أي بينه وبين أنبيائه "أولي أجنحة" أي يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعا "مثنى وثلاث ورباع" أي منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة ومنهم من له أكثر من ذلك كما جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة الإسراء وله ستمائة جناح بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب ولهذا قال جل وعلا "يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير" قال السدي يزيد في الأجنحة وخلقهم ما يشاء وقال الزهري وابن جريج في قوله تعالى : "يزيد في الخلق ما يشاء" يعني حسن الصوت رواه عن الزهري البخاري في الأدب وابن أبي حاتم في تفسيره وقرئ في الشاذ "يزيد في الحلق" بالحاء المهملة والله أعلم . ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم يخبر تعالى أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن وأنه لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عاصم حدثنا مغيرة أخبرنا عامر عن وراد مولى المغيرة بن شعبة قال إن معاوية كتب إلى المغيرة بن شعبة : اكتب لي بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاني المغيرة فكتبت إليه إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا انصرف من الصلاة "لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وسمعته ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال , وعن وأد البنات وعقوق الأمهات ومنع وهات . وأخرجاه من طرق عن وراد به وثبت في صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول "سمع الله لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد ملء السماء والأرض وملء ما شئت من شيء بعد اللهم أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" وهذه الآية كقوله تبارك وتعالى "وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله" ولها نظائر كثيرة . وقال الإمام مالك رحمة الله عليه كان أبو هريرة رضي الله عنه إذا مطروا يقول مطرنا بنوء الفتح ثم يقرأ هذه الآية "ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم" ورواه ابن أبي حاتم عن يونس عن ابن وهب عنه . يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى ينبه تعالى عباده ويرشدهم إلى الاستدلال على توحيده في إفراد العبادة له كما أنه المستقل بالخلق والرزق فكذلك فليفرد بالعبادة ولا يشرك به غيره من الأصنام والأنداد والأوثان ولهذا قال تعالى : "لا إله إلا هو فأنى تؤفكون" أي فكيف تؤفكون بعد هذا البيان ووضوح هذا البرهان وأنتم بعد هذا تعبدون الأنداد والأوثان والله أعلم . وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (4) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور يقول تبارك وتعالى وإن يكذبوك يا محمد هؤلاء المشركون بالله ويخالفوك فيما جئتهم به من التوحيد فلك فيمن سلف قبلك من الرسل أسوة فإنهم كذلك جاءوا قومهم بالبينات وأمروهم بالتوحيد فكذبوهم وخالفوهم "وإلى الله ترجع الأمور" أي وسنجزيهم على ذلك أوفر الجزاء . يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (5) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله ثم قال تعالى : "يا أيها الناس إن وعد الله حق" أي المعاد كائن لا محالة "فلا تغرنكم الحياة الدنيا" أي العيشة الدنيئة بالنسبة إلى ما أعد الله لأوليائه وأتباع رسله من الخير العظيم فلا تتلهوا عن ذلك الباقي بهذه الزهرة الفانية "ولا يغرنكم بالله الغرور" وهو الشيطان قاله ابن عباس رضي الله عنهما أي لا يفتننكم الشيطان ويصرفنكم عن اتباع رسل الله وتصديق كلماته فإنه غرار كذاب أفاك وهذه الآية كالآية التي في آخر لقمان "فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور" "وقال مالك عن زيد بن أسلم هو الشيطان كما قال المؤمنون للمنافقين يوم القيامة حين يضرب" بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور "." إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير ثم بين تعالى عداوة إبليس لابن آدم فقال "إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا" أي هو مبارز لكم بالعداوة فعادوه أنتم أشد العداوة وخالفوه وكذبوه فيما يغركم به "إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير" أي إنما يقصد أن يضلكم حتى تدخلوا معه إلى عذاب السعير فهذا هو العدو المبين نسأل الله القوي العزيز أن يجعلنا أعداء الشيطان وأن يرزقنا اتباع كتابه والاقتفاء بطريق رسوله إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير وهذه كقوله تعالى : "وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا" . الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير لما ذكر تعالى أن أتباع إبليس مصيرهم إلى السعير ذكر بعد ذلك أن الذين كفروا لهم عذاب شديد لأنهم أطاعوا الشيطان وعصوا الرحمن وأن الذين آمنوا بالله ورسله "وعملوا الصالحات لهم مغفرة" أي لما كان منهم من ذنب "وأجر كبير" على ما عملوه من خير. أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون ثم قال تعالى : "أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا" يعني كالكفار والفجار يعملون أعمالا سيئة وهم في ذلك يعتقدون ويحسبون أنهم يحسنون صنعا أي أفمن كان هكذا قد أضله الله ألك فيه حيلة ؟ لا حيلة لك فيه "فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء" أي بقدره كان ذلك "فلا تذهب نفسك عليهم حسرات" أي لا تأسف على ذلك فإن الله حكيم في قدره إنما يضل من يضل ويهدي من يهدي لما له في ذلك من الحجة البالغة والعلم التام ولهذا قال تعالى : "إن الله عليم بما يصنعون" . وقال ابن أبي حاتم عند هذه الآية حدثنا أبي حدثنا محمد بن عوف الحمصي حدثنا محمد بن كثير عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني أو ربيعة عن عبد الله بن الديلمي قال : أتيت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما وهو في حائط بالطائف يقال له الوهط قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره فمن أصابه من نوره يومئذ فقد اهتدى ومن أخطأه منه ضل فلذلك أقول جف القلم على ما علم الله عز وجل ثم قال حدثنا محمد بن عبدة القزويني حدثنا حسان بن حسان البصري حدثنا إبراهيم بن بشر حدثنا يحيى بن معين حدثنا إبراهيم القرشي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى رضي الله عنه قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال" الحمد لله الذي يهدي من الضلالة ويلبس الضلالة على من أحب "وهذا أيضا حديث غريب جدا ." والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (9) والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور كثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها كما في أول سورة الحج ينبه عباده أن يعتبروا بهذا على ذلك فإن الأرض تكون ميتة هامدة لا نبات فيها فإذا أرسل إليها السحاب تحمل الماء وأنزله عليها "اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج" كذلك الأجساد إذا أراد الله تعالى بعثها ونشورها أنزل من تحت العرش مطرا يعم الأرض جميعا ونبتت الأجساد في قبورها كما تنبت الحبة في الأرض ولهذا جاء في الصحيح "كل ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب" ولهذا قال تعالى : "كذلك النشور" وتقدم في الحج حديث أبى رزين قلت يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى ؟ وما آية ذلك في خلقه ؟ قال صلى الله عليه وسلم "يا أبا رزين أما مررت بوادي قومك ممحلا ثم مررت به يهتز خضرا ؟" قلت بلى قال صلى الله عليه وسلم "فكذلك يحيي الله الموتى" . من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور (10) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور وقوله تعالى : "من كان يريد العزة فلله العزة جميعا" أي من كان يحب أن يكون عزيزا في الدنيا والآخرة فليلزم طاعة الله تعالى فإنه يحصل له مقصوده لأن الله تعالى مالك الدنيا والآخرة وله العزة جميعا كما قال تعالى : "الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا" "وقال عز وجل" ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا "وقال جل جلاله" ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون "قال مجاهد" من كان يريد العزة "بعبادة الأوثان" فإن العزة لله جميعا "وقال قتادة" من كان يريد العزة فإن العزة لله جميعا "أي فليتعزز بطاعة الله عز وجل وقيل من كان يريد علم العزة لمن هي" فإن العزة لله جميعا "وحكاه ابن جرير." وقوله تبارك وتعالى : "إليه يصعد الكلم الطيب" يعني الذكر والتلاوة والدعاء قاله غير واحد من السلف . وقال ابن جرير حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي أخبرني جعفر بن عون عن عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي عن عبد الله بن المخارق عن أبيه المخارق بن سليم قال : قال لنا عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه إذا حدثناكم بحديث أتيناكم بتصديق ذلك من كتاب الله تعالى إن العبد المسلم إذا قال سبحان الله وبحمده والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر تبارك الله أخذهن ملك فجعلهن تحت جناحه ثم صعد بهن إلى السماء فلا يمر بهن على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن حتى يجيء بهن وجه الله عز وجل ثم قرأ عبد الله رضي الله عنه "إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه" وحدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا سعيد الجريري عن عبد الله بن شقيق قال : قال كعب الأحبار إن لسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر لدويا حول العرش كدوي النحل يذكرن لصاحبهن والعمل الصالح في الخزائن ; وهذا إسناد صحيح إلى كعب الأحبار رحمة الله عليه وقد روي مرفوعا . قال الإمام أحمد حدثنا ابن نمير حدثنا موسى يعني ابن أبى مسلم الطحان عن عون بن عبد الله عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله ![]()
__________________
|
|
#428
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة فاطر من صـ 311 الى صــ 323 الحلقة (428) "الذين يذكرون الله من جلال الله من تسبيحه وتكبيره وتحميده وتهليله يتعاطفن حول العرش لهن دوي كدوي النحل يذكرن بصاحبهن ألا يحب أحدكم أن لا يزال له عند الله شيء يذكر به" وهكذا رواه ابن ماجه عن أبى بشر بكر بن خلف عن يحيى بن سعيد القطان عن موسى بن أبي مسلم الطحان عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبيه أو عن أخيه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه به . وقوله تعالى"والعمل الصالح يرفعه" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما الكلم الطيب ذكر الله تعالى يصعد به إلى الله عز وجل والعمل الصالح أداء الفريضة فمن ذكر الله تعالى في أداء فرائضه حمل عمله ذكر الله تعالى يصعد به إلى الله عز وجل ومن ذكر الله تعالى ولم يؤد فرائضه رد كلامه على عمله فكان أولى به وكذا قال مجاهد العمل الصالح يرفعه الكلام الطيب وكذا قال أبو العالية وعكرمة وإبراهيم النخعي والضحاك والسدي والربيع بن أنس وشهر بن حوشب وغير واحد وقال إياس بن معاوية القاضي لولا العمل الصالح لم يرفع الكلام وقال الحسن وقتادة لا يقبل قول إلا بعمل . وقوله والذين يمكرون السيئات" قال مجاهد وسعيد بن جبير وشهر بن حوشب هم المراءون بأعمالهم يعني يمكرون بالناس يوهمون أنهم في طاعة الله تعالى وهم بغضاء إلى الله عز وجل يراءون بأعمالهم "ولا يذكرون الله إلا قليلا" وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هم المشركون والصحيح أنها عامة والمشركون داخلون بطريق الأولى ولهذا قال تعالى : "لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور" أي يفسد ويبطل ويظهر زيفهم عن قريب لأولي البصائر والنهى فإنه ما أسر أحد سريرة إلا أبداها الله تعالى على صفحات وجهه وفلتات لسانه وما أسر أحد سريرة إلا كساه الله تعالى رداءها إن خيرا فخير وإن شرا فشر فالمرائي لا يروج أمره ويستمر إلا على غبي أما المؤمنون المتفرسون فلا يروج ذلك عليهم بل ينكشف لهم عن قريب وعالم الغيب لا تخفى عليه خافية . والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (11) والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير وقوله تبارك وتعالى "والله خلقكم من تراب ثم من نطفة" أي ابتدأ خلق أبيكم آدم من تراب ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين "ثم جعلكم أزواجا" أي ذكرا وأنثى لطفا منه ورحمة أن جعل لكم أزواجا من جنسكم لتسكنوا إليها وقوله عز وجل "وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه" أي هو عالم بذلك لا يخفى عليه من ذلك شيء بل "ما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين" وقد تقدم الكلام على قوله تعالى : "الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال" وقوله عز وجل "وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب" أي ما يعطى بعض النطف من العمر الطويل يعلمه وهو عنده في الكتاب الأول "وما ينقص من عمره" الضمير عائد على الجنس لا على العين لأن الطويل العمر في الكتاب وفي علم الله تعالى لا ينقص من عمره وإنما عاد الضمير على الجنس قال ابن جرير وهذا كقولهم عندي ثوب ونصفه أي ونصف ثوب آخر وروي من طريق العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : "وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير" يقول ليس أحد قضيت له بطول العمر والحياة إلا وهو بالغ ما قدرت له من العمر وقد قضيت ذلك له فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له فذلك قوله تعالى : "ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير" يقول كل ذلك في كتاب عنده وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه "ولا ينقص من عمره إلا في كتاب" قال ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام وقال عبد الرحمن في تفسيرها ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد فهذا هذا وقال قتادة والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة وقال مجاهد "وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب" أي في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق الخلق على عمر واحد بل لهذا عمر ولهذا عمر هو أنقص من عمره فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ وقال بعضهم بل معناه "وما يعمر من معمر" أي ما يكتب من الأجل "ولا ينقص من عمره" وهو ذهابه قليلا قليلا الجميع معلوم عند الله تعالى سنة بعد سنة وشهرا بعد شهر وجمعة بعد جمعة ويوما بعد يوم وساعة بعد ساعة الجميع مكتوب عند الله تعالى في كتابه . نقله ابن جرير عن أبي مالك وإليه ذهب السدي وعطاء الخراساني واختار ابن جرير الأول وهو كما قال وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال سمعت ابن وهب يقول حدثني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه" وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به . وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين بن الوليد حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله أبو سرح حدثنا عثمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد الله عن عمه أبي مسجعة بن ربعي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "إن الله تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر" وقوله عز وجل "إن ذلك على الله يسير" أي سهل عليه يسير لديه علم بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته فإن علمه شامل للجميع لا يخفى عليه شيء منها . وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون يقول منبها على قدرته العظيمة في خلقه الأشياء المختلفة خلق البحرين العذب الزلال وهو هذه الأنهار السارحة بين الناس من كبار وصغار بحسب الحاجة إليها في الأقاليم والأمصار والعمران والبراري والقفار وهي عذبة سائغ شرابها لمن أراد ذلك "وهذا ملح أجاج" أي مر وهو البحر الساكن الذي تسير فيه السفن الكبار وإنما تكون مالحة زعافا مرة ولهذا قال "وهذا ملح أجاج" أي مر ثم قال تعالى : "ومن كل تأكلون لحما طريا" يعني السمك "وتستخرجون حلية تلبسونها" كما قال عز وجل "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان فبأي آلاء ربكما تكذبان" وقوله جل وعلا "وترى الفلك فيه مواخر" أي تمخره وتشقه بحيزومها وهو مقدمها المسنم الذي يشبه جؤجؤ الطير وهو صدره وقال مجاهد تمخر الريح السفن ولا يمخر الريح من السفن إلا العظام وقوله جل وعلا "لتبتغوا من فضله" أي بأسفاركم بالتجارة من قطر إلى قطر . وإقليم إلى إقليم "ولعلكم تشكرون" أي تشكرون ربكم على تسخيره لكم هذا الخلق العظيم وهو البحر تتصرفون فيه كيف شئتم وتذهبون أين أردتم ولا يمتنع عليكم شيء منه بل بقدرته قد سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض الجميع من فضله ورحمته . يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير وهذا أيضا من قدرته التامة وسلطانه العظيم في تسخيره الليل بظلامه والنهار بضيائه ويأخذ من طول هذا فيزيده في قصر هذا فيعتدلان ثم يأخذ من هذا في هذا فيطول هذا ويقصر هذا ثم يتقارضان صيفا وشتاء "وسخر الشمس والقمر" أي والنجوم السيارات والثوابت الثاقبات بأضوائهن أجرام السماوات الجميع يسيرون بمقدار معين . وعلى منهاج مقنن محرر تقديرا من عزيز عليم "كل يجري لأجل مسمى" أي إلى يوم القيامة "ذلكم الله ربكم" أي الذي فعل هذا هو الرب العظيم الذي لا إله غيره "والذين تدعون من دونه" أي من الأصنام والأنداد التي هي على صورة من تزعمون من الملائكة المقربين "ما يملكون من قطمير" قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وعكرمة وعطاء وعطية العوفي والحسن وقتادة وغيرهم القطمير هو : اللفافة التي تكون على نواة التمرة أي لا يملكون من السماوات والأرض شيئا ولا بمقدار هذا القطمير . إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ثم قال تعالى : "إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم" يعني الآلهة التي تدعونها من دون الله لا تسمع دعاءكم لأنها جماد لا أرواح فيها "ولو سمعوا ما استجابوا لكم" أي لا يقدرون على شيء مما تطلبون منها "ويوم القيامة يكفرون بشرككم" أي يتبرءون منكم كما قال تعالى : "ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين" وقال تعالى : "واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" وقوله تعالى "ولا ينبئك مثل خبير" أي ولا يخبرك بعواقب الأمور ومآلها وما تصير إليه مثل خبير بها قال قتادة يعني نفسه تبارك وتعالى أخبر بالواقع لا محالة يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني يخبر تعالى بغنائه عما سواه وبافتقار المخلوقات كلها إليه وتذللها بين يديه فقال تعالى : "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله" أي هم محتاجون إليه في جميع الحركات والسكنات وهو تعالى الغني عنهم بالذات ولهذا قال عز وجل "والله هو الغني الحميد" أي هو المنفرد بالغنى وحده لا شريك له وهو الحميد في جميع ما يفعله ويقوله ويقدره ويشرعه . إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وقوله تعالى : "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد" أي لو شاء لأذهبكم أيها الناس وأتى بقوم غيركم . وما ذلك على الله بعزيز (17) وما ذلك على الله بعزيز ولهذا قال تعالى : "وما ذلك على الله بعزيز" وما هذا عليه بصعب ولا ممتنع . ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير (18) ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه وإلى الله المصير وقوله تعالى : "ولا تزر وازرة وزر أخرى" أي يوم القيامة "وإن تدع مثقلة إلى حملها" أي وإن تدع نفس مثقلة بأوزارها إلى أن تساعد على حمل ما عليها من الأوزار أو بعضه "لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى" أي وإن كان قريبا إليها حتى ولو كان أباها أو ابنها كل مشغول بنفسه وحاله قال عكرمة في قوله تعالى : "وإن تدع مثقلة إلى حملها" الآية قال هو الجار يتعلق بجاره يوم القيامة فيقول يا رب سل هذا لم كان يغلق بابه دوني وإن الكافر ليتعلق بالمؤمن يوم القيامة فيقول له يا مؤمن إن لي عندك يدا قد عرفت كيف كنت لك في الدنيا وقد احتجت إليك اليوم فلا يزال المؤمن يشفع له عند ربه حتى يرده إلى منزل دون منزله وهو في النار وإن الوالد ليتعلق بولده يوم القيامة فيقول يا بني أي والد كنت لك ؟ فيثني خيرا فيقول له يا بني إني قد احتجت إلى مثقال ذرة من حسناتك أنجو بها مما ترى فيقول له ولده يا أبت ما أيسر ما طلبت ولكني أتخوف مثل ما تتخوف فلا أستطيع أن أعطيك شيئا ثم يتعلق بزوجته فيقول يا فلانة أو يا هذه أي زوج كنت لك فتثني خيرا فيقول لها إني أطلب إليك حسنة واحدة تهبيها لي لعلي أنجو بها مما ترين . قال فتقول ما أيسر ما طلبت ولكني لا أطيق أن أعطيك شيئا إني أتخوف مثل الذي تتخوف يقول الله تعالى : "وإن تدع مثقلة إلى حملها" الآية ويقول تبارك وتعالى : "لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا" ويقول تعالى : "يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه" رواه ابن أبي حاتم رحمه الله عن أبي عبد الله الظهراني عن حفص بن عمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة به ثم قال تبارك وتعالى : "إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة" أي إنما يتعظ بما جئت به أولو البصائر والنهى الخائفون من ربهم الفاعلون ما أمرهم به "ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه" أي ومن عمل صالحا فإنما يعود نفعه على نفسه "وإلى الله المصير" أي وإليه المرجع والمآب وهو سريع الحساب وسيجزي كل عامل بعمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر . وما يستوي الأعمى والبصير (19) وما يستوي الأعمى والبصير يقول تعالى كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان بل بينهما فرق وبون كثير وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء وللكافرين وهم الأموات كقوله تعالى : "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" وقال عز وجل "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا" فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج منها بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم . وقوله تعالى : "إن الله يسمع من يشاء" أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها "وما أنت بمسمع من في القبور" أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم . ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظلمات ولا النور يقول تعالى كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان بل بينهما فرق وبون كثير وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء وللكافرين وهم الأموات كقوله تعالى : "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" وقال عز وجل "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا" فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج منها بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم . وقوله تعالى : "إن الله يسمع من يشاء" أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها "وما أنت بمسمع من في القبور" أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم . ولا الظل ولا الحرور (21) ولا الظل ولا الحرور يقول تعالى كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان بل بينهما فرق وبون كثير وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء وللكافرين وهم الأموات كقوله تعالى : "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" وقال عز وجل "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا" فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج منها بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم . وقوله تعالى : "إن الله يسمع من يشاء" أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها "وما أنت بمسمع من في القبور" أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم . وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) وما يستوي الأحياء ولا الأموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور يقول تعالى كما لا تستوي هذه الأشياء المتباينة المختلفة كالأعمى والبصير لا يستويان بل بينهما فرق وبون كثير وكما لا تستوي الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور كذلك لا تستوي الأحياء ولا الأموات وهذا مثل ضربه الله تعالى للمؤمنين وهم الأحياء وللكافرين وهم الأموات كقوله تعالى : "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" وقال عز وجل "مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع هل يستويان مثلا" فالمؤمن بصير سميع في نور يمشي على صراط مستقيم في الدنيا والآخرة حتى يستقر به الحال في الجنات ذات الظلال والعيون والكافر أعمى وأصم في ظلمات يمشي لا خروج منها بل هو يتيه في غيه وضلاله في الدنيا والآخرة حتى يفضي به ذلك إلى الحرور والسموم والحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم . وقوله تعالى : "إن الله يسمع من يشاء" أي يهديهم إلى سماع الحجة وقبولها والانقياد لها "وما أنت بمسمع من في القبور" أي كما لا ينتفع الأموات بعد موتهم وصيرورتهم إلى قبورهم وهم كفار بالهداية والدعوة إليها كذلك هؤلاء المشركون الذين كتب عليهم الشقاوة لا حيلة لك فيهم ولا تستطيع هدايتهم . إن أنت إلا نذير (23) إن أنت إلا نذير "إن أنت إلا نذير" أي إنما عليك البلاغ والإنذار والله يضل من يشاء ويهدي من يشاء . إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير "إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا" أي بشيرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" أي وما من أمة خلت من بني آدم إلا وقد بعث الله تعالى إليهم النذر وأزاح عنهم العلل كما قال تعالى : "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" وكما قال تعالى : "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة" الآية والآيات في هذا كثيرة. وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (25) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير وقوله تعالى "وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات" وهي المعجزات الباهرات والأدلة القاطعات "وبالزبر" وهي الكتب "وبالكتاب المنير" أي الواضح البين . ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير (26) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير "ثم أخذت الذين كفروا" أي ومع هذا كله كذب أولئك رسلهم فيما جاءوهم به فأخذتم أي بالعقاب والنكال "فكيف كان نكير" أي فكيف رأيت إنكاري عليهم عظيما شديدا بليغا والله أعلم . ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (27) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود يقول تعالى منبها على كمال قدرته في خلقه الأشياء المتنوعة المختلفة من الشيء الواحد وهو الماء الذي ينزله من السماء يخرج به ثمرات مختلفا ألوانها من أصفر وأحمر وأخضر وأبيض إلى غير ذلك من ألوان الثمار كما هو مشاهد من تنوع ألوانها وطعومها وروائحها كما قال تعالى : في الآية الأخرى "وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" وقوله تبارك وتعالى : "ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها" أي وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان كما هو المشاهد أيضا من بيض وحمر وفي بعضها طرائق وهي الجدد جمع جدة مختلفة الألوان أيضا . قال ابن عباس رضي الله عنهما الجدد الطرائق وكذا قال أبو مالك والحسن وقتادة والسدي ومنها غرابيب سود قال عكرمة الغرابيب الجبال الطوال السود وكذا قال أبو مالك وعطاء الخراساني وقتادة وقال ابن جرير والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد قالوا أسود غربيب ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى : "وغرابيب سود" أي سود غرابيب وفيما قاله نظر . ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (28) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور وقوله تعالى : "ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك" أي كذلك الحيوانات من الناس والدواب وهو كل ما دب على القوائم والأنعام من باب عطف الخاص على العام كذلك هي مختلفة أيضا فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد وصقالبة وروم في غاية البياض والعرب بين ذلك والهنود دون ذلك ولهذا قال تعالى : في الآية الأخرى "واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين" وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان حتى في الجنس الواحد بل النوع الواحد منهم مختلف الألوان بل الحيوان الواحد يكون أبلق فيه من هذا اللون وهذا اللون فتبارك الله أحسن الخالقين . وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا الفضل بن سهل حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح حدثنا زياد بن عبد الله عن عطاء بن السائب عن سعد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أيصبغ ربك قال صلى الله عليه وسلم "نعم صبغا لا ينفض أحمر وأصفر وأبيض" وروي مرسلا وموقوفا والله أعلم . ولهذا قال تعالى : بعد هذا "إنما يخشى الله من عباده العلماء" أي إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : "إنما يخشى الله من عباده العلماء" قال الذين يعلمون أن الله على كل شيء قدير "." وقال ابن لهيعة عن ابن أبي عمرة عن عكرمة عن ابن عباس قال : العالم بالرحمن من عباده من لم يشرك شيئا وأحل حلاله وحرم حرامه وحفظ وصيته وأيقن أنه ملاقيه ومحاسب بعمله وقال سعيد بن جبير الخشية هي التي تحول بينك وبين معصية الله عز وجل وقال الحسن البصري العالم من خشي الرحمن بالغيب ورغب فيما رغب الله فيه وزهد فيما سخط الله فيه ثم تلا الحسن "إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور" وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : ليس العلم عن كثرة الحديث ولكن العلم عن كثرة الخشية . وقال أحمد بن صالح المصري عن ابن وهب عن مالك قال : إن العلم ليس بكثرة الرواية وإنما العلم نور يجعله الله في القلب . قال أحمد بن صالح المصري معناه أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية وإنما العلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله : نور يريد به فهم العلم ومعرفة معانيه . وقال سفيان الثوري عن أبي حيان التيمي عن رجل قال : كان يقال العلماء ثلاثة عالم بالله عالم بأمر الله وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله ; فالعالم بالله وبأمر الله الذي يخشى الله تعالى ويعلم الحدود والفرائض والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود والفرائض والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله الذي يعلم الحدود والفرائض ولا يخشى الله عز وجل . إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور يخبر تعالى عن عباده المؤمنين الذين يتلون كتابه ويؤمنون به ويعملون بما فيه من إقام الصلاة والإنفاق مما رزقهم الله تعالى في الأوقات المشروعة ليلا ونهارا سرا وعلانية "يرجون تجارة لن تبور" أي يرجون ثوابا عند الله لا بد من حصوله كما قدمنا في أول التفسير عند فضائل القرآن أنه يقول لصاحبه إن كل تاجر من وراء تجارته وإنك اليوم من وراء كل تجارة . ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور (30) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور ولهذا قال تعالى : "ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله" أي ليوفيهم ثواب ما عملوه ويضاعفه لهم بزيادات لم تخطر لهم "إنه غفور" أي لذنوبهم "شكور" للقليل من أعمالهم . قال قتادة كان مطرف رحمه الله إذا قرأ هذه الآية يقول هذه آية القراء قال الإمام أحمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا حيوة حدثنا سالم بن غيلان قال : إنه سمع دراجا أبا السمح يحدث عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله تعالى إذا رضي عن العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الخير لم يعمله وإذا سخط على العبد أثنى عليه بسبعة أصناف من الشر لم يعمله" غريب جدا . والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31) والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير يقول تعالى والذي أوحينا إليك" يا محمد من الكتاب وهو القرآن "هو الحق مصدقا لما بين يديه" أي من الكتب المتقدمة بصدقها كما شهدت هي له بالتنويه وأنه منزل من رب العالمين "إنه بعباده لخبير بصير" أي هو خبير بهم بصير بمن يستحق ما يفضله به على من سواه ولهذا فضل الأنبياء والرسل على جميع البشر وفضل النبيين بعضهم على بعض ورفع بعضهم درجات وجعل منزلة محمد صلى الله عليه وسلم فوق جميعهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين . ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير يقول تعالى ثم جعلنا القائمين بالكتاب العظيم المصدق لما بين يديه من الكتب الذين اصطفينا من عبادنا وهم هذه الأمة ثم قسمهم إلى ثلاثة أنواع فقال تعالى : "فمنهم ظالم لنفسه" وهو المفرط في فعل بعض الواجبات المرتكب لبعض المحرمات "ومنهم مقتصد" هو المؤدي للواجبات التارك للمحرمات وقد يترك بعض المستحبات ويفعل بعض المكروهات "ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله" وهو الفاعل للواجبات والمستحبات التارك للمحرمات والمكروهات وبعض المباحات . قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى : "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا" قال هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ورثهم الله تعالى كل كتاب أنزله فظالمهم يغفر له ومقتصدهم يحاسب حسابا يسيرا وسابقهم يدخل الجنة بغير حساب وقال ابن القاسم الطبراني حدثنا يحيى بن عثمان بن صالح وعبد الرحمن بن معاوية العتبي قالا حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا موسى بن عبد الرحمن الصنعاني حدثنا ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم "شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي" قال ابن عباس رضي الله عنهما السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب والمقتصد يدخل الجنة برحمة الله والظالم لنفسه وأصحاب الأعراف يدخلون الجنة بشفاعة محمد صلى الله عليه وسلم وكذا روي عن غير واحد من السلف أن الظالم لنفسه من هذه الأمة من المصطفين على ما فيه من عوج وتقصير. وقال آخرون بل الظالم لنفسه ليس من هذه الأمة ولا من المصطفين الوارثين للكتاب . قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا علي بن هاشم بن مرزوق حدثنا ابن عيينة عن عمرو عن ابن عباس رضي الله عنهما "فمنهم ظالم لنفسه" قال هو الكافر وكذا روى عنه عكرمة وبه قال عكرمة أيضا فيما رواه ابن جرير وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى : "فمنهم ظالم لنفسه" قال هم أصحاب المشأمة وقال مالك عن زيد بن أسلم والحسن . وقتادة هو المنافق ثم قد قال ابن عباس والحسن وقتادة وهذه الأقسام الثلاثة كالأقسام الثلاثة المذكورة في أول سورة الواقعة وآخرها والصحيح أن الظالم لنفسه من هذه الأمة وهذا اختيار ابن جرير كما هو ظاهر الآية وكما جاءت به الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرق يشد بعضها بعضا ونحن إن شاء الله تعالى نورد منها ما تيسر. "الحديث " قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الوليد بن العيزار أنه سمع رجلا من ثقيف يحدث عن رجل من كنانة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في هذه الآية "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله"
__________________
|
|
#429
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة فاطر من صـ 324 الى صــ 336 الحلقة (429) قال : "هؤلاء كلهم بمنزلة واحدة وكلهم في الجنة" "هذا حديث غريب من هذا الوجه وفي إسناده من لم يسم وقد رواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شعبة به نحوه ومعنى قوله بمنزلة واحدة أي في أنهم من هذه الأمة وأنهم من أهل الجنة وإن كان بينهم فرق في المنازل في الجنة" الحديث الثاني "قال الإمام أحمد حدثنا إسحاق بن عيسى حدثنا أنس بن عياض الليثي أبو حمزة عن موسى بن عقبة عن علي بن عبد الله الأزدي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" قال الله تعالى "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله" فأما الذين سبقوا فأولئك الذين يدخلون الجنة بغير حساب وأما الذين اقتصدوا فأولئك الذين يحاسبون حسابا يسيرا وأما الذين ظلموا أنفسهم فأولئك الذين يحبسون في طول المحشر ثم هم الذين تلافاهم الله برحمته فهم الذين يقولون "الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب" "طريق أخرى" قال ابن أبي حاتم حدثنا أسيد بن عاصم ثنا الحسين بن حفص حدثنا سفيان عن الأعمش عن رجل عن أبي ثابت عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه" - قال : فأما الظالم لنفسه فيحبس حتى يصيبه الهم والحزن ثم يدخل الجنة "ورواه ابن جرير من حديث سفيان الثوري عن الأعمش قال ذكر أبو ثابت أنه دخل المسجد فجلس إلى جنب أبي الدرداء رضي الله عنه فقال اللهم آنس وحشتي وارحم غربتي ويسر لي جليسا صالحا فقال أبو الدرداء رضي الله عنه لئن كنت صادقا لأنا أسعد به منك سأحدثك حديثا" سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لم أحدث به منذ سمعته منه ذكر هذه الآية "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من" عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات "فأما السابق بالخيرات فيدخلها بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيصيبه في ذلك المكان من الغم والحزن وذلك قوله تعالى :" وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن "." "الحديث الثالث" قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس حدثنا ابن مسعود أخبرنا سهل بن عبد ربه الرازي حدثنا عمرو بن أبي قيس عن ابن أبي ليلى عن أخيه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما "فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله" الآية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلهم من هذه الأمة" "الحديث الرابع" قال ابن أبي حاتم محمد بن عزيز حدثنا سلامة عن عقيل عن ابن شهاب عن عوف بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "أمتي ثلاثة أثلات : فثلث يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون الجنة وثلث يمحصون ويكشفون ثم تأتي الملائكة فيقولون وجدناهم يقولون لا إله إلا الله وحده يقول الله تعالى صدقوا لا إله إلا أنا أدخلوهم الجنة بقولهم لا إله إلا الله وحده واحملوا خطاياهم على أهل النار وهي التي قال الله تعالى" وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم "وتصديقها في التي فيها ذكر الملائكة قال الله تعالى :" ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا "فجعلهم ثلاثة أفواج وهم أصناف كلهم فمنهم ظالم لنفسه فهذا الذي يمحص ويكشف" غريب جدا "أثر عن ابن مسعود" رضي الله عنه قال ابن جرير حدثني ابن حميد حدثنا الحكم بن بشير عن عمرو بن قيس عن عبد الله بن عيسى رضي الله عنه عن يزيد بن الحارث عن شقيق أبي وائل عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : إن هذه الأمة ثلاثة أثلاث يوم القيامة ثلث يدخلون الجنة بغير حساب وثلث يحاسبون حسابا يسيرا وثلث يجيئون بذنوب عظام حتى يقول الله عز وجل ما هؤلاء ؟ وهو أعلم تبارك وتعالى فتقول الملائكة هؤلاء جاءوا بذنوب عظام إلا أنهم لم يشركوا بك شيئا فيقول الرب عز وجل أدخلوا هؤلاء في سعة رحمتي . وتلا عبد الله رضي الله عنه هذه الآية "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا" الآية "أثر آخر" قال أبو داود الطيالسي عن الصلت بن دينار بن الأشعث عن عقبة بن صهبان الهنائي قال سألت عائشة رضي الله عنها عن قول الله تعالى "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه" الآية فقالت لي يا بني هؤلاء في الجنة أما السابق بالخيرات فمن مضى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحياة والرزق وأما المقتصد فمن اتبع أثره من أصحابه حتى لحق به وأما الظالم لنفسه فمثلي ومثلكم قال فجعلت نفسها رضي الله عنها معنا وهذا منها رضي الله عنها من باب الهضم والتواضع وإلا فهي من أكبر السابقين بالخيرات لأن فضلها على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه في قوله تبارك وتعالى "فمنهم ظالم لنفسه" قال : هي لأهل بدونا ومقتصدنا أهل حضرنا وسابقنا أهل الجهاد رواه ابن أبي حاتم . وقال عوف الأعرابي حدثنا عبد الله بن الحارث بن نوفل قال حدثنا كعب الأحبار رحمة الله عليه قال : إن الظالم لنفسه من هذه الأمة والمقتصد والسابق بالخيرات كلهم في الجنة ألم تر أن الله تعالى قال "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير جنات عدن يدخلونها - إلى قوله عز وجل - والذين كفروا لهم نار جهنم" قال فهؤلاء أهل النار رواه ابن جرير من طرق عن عوف به . ثم قال حدثني يعقوب بن إبراهيم حدثنا ابن علية أخبرنا حميد عن إسحاق بن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال إن ابن عباس رضي الله عنهما سأل كعبا عن قوله تعالى : "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا - إلى قوله - بإذن الله" قال تماست مناكبهم ورب كعب ثم أعطوا الفضل بأعمالهم ثم قال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا الحكم بن بشير حدثنا عمرو بن قيس عن أبي إسحاق السبيعي في هذه الآية "ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا" الآية قال أبو إسحاق أما ما سمعت من ذي ستين سنة فكلهم ناج ثم قال حدثنا ابن حميد حدثنا الحكم حدثنا عمرو عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال إنها أمة مرحومة الظالم مغفور له والمقتصد في الجنان عند الله والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله . ورواه الثوري عن إسماعيل بن سميع عن رجل عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه بنحوه. وقال أبو الجارود : سألت محمد بن علي - يعني الباقر - رضي الله عنهما عن قول الله تعالى "فمنهم ظالم لنفسه" فقال هو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا . فهذا ما تيسر من إيراد الأحاديث والآثار المتعلقة بهذا المقام . وإذا تقرر هذا فإن الآية عامة في جميع الأقسام الثلاثة في هذه الأمة فالعلماء أغبط الناس بهذه النعمة وأولى الناس بهذه الرحمة فإنهم كما قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا محمد بن يزيد حدثنا عاصم بن رجاء بن حيوة عن قيس بن كثير قال قدم رجل من أهل المدينة إلى أبي الدرداء رضي الله عنه وهو بدمشق فقال ما أقدمك أي أخي ؟ قال حديث بلغني أنك تحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أما قدمت لتجارة ؟ قال لا قال أما قدمت لحاجة قال لا قال أما قدمت إلا في طلب هذا الحديث ؟ قال نعم قال رضي الله عنه فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من سلك طريقا يطلب فيها علما سلك الله تعالى به طريقا إلى الجنة وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا لطالب العلم وإنه ليستغفر للعالم من في السماوات والأرض حتى الحيتان في الماء وفضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر الكواكب إن العلماء هم ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ به أخذ بحظ وافر" وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه من حديث كثير بن قيس ومنهم من يقول قيس بن كثير عن أبي الدرداء رضي الله عنه وقد ذكرنا طرقه واختلاف الرواة فيه في شرح كتاب العلم من صحيح البخاري ولله الحمد والمنة وقد تقدم في أول سورة طه حديث ثعلبة بن الحكم رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يقول الله تعالى يوم القيامة للعلماء إني لم أضع علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي" . جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير يخبر تعالى أن هؤلاء المصطفين من عباده الذين أورثوا الكتاب المنزل من رب العالمين يوم القيامة مأواهم جنات عدن أي جنات الإقامة يدخلونها يوم معادهم وقدومهم على الله عز وجل "يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا" كما ثبت في الصحيح عن أبى هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء" "ولباسهم فيها حرير" ولهذا كان محظورا عليهم في الدنيا فأباحه الله تعالى لهم في الآخرة وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" وقال "هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة" . وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمرو بن سواد السرحي أخبرنا ابن وهب عن أبي لهيعة عن عقيل بن خالد عن الحسن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال إن أبا أمامة رضي الله عنه حدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثهم وذكر حلي أهل الجنة فقال "مسورون بالذهب والفضة مكللة بالدر وعليهم أكاليل من در وياقوت متواصلة وعليهم تاج كتاج الملوك شباب جرد مرد مكحولون" . وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" وهو الخوف من المحذور أزاحه عنا وأراحنا مما كنا نتخوفه ونحذره من هموم الدنيا والآخرة وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا في نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رءوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن" رواه ابن أبي حاتم من حديثه وقال الطبراني حدثنا جعفر بن محمد الفريابي حدثنا موسى بن يحيى المروزي حدثنا سليمان بن عبد الله بن وهب الكوفي عن عبد العزيز بن حكيم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في الموت ولا في القبور ولا في النشور وكأني أنظر إليهم عند الصيحة ينفضون رءوسهم من التراب يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور" قال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره : غفر لهم الكثير من السيئات وشكر لهم اليسير من الحسنات . الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (35) الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب "الذي أحلنا دار المقامة من فضله" يقولون الذي أعطانا هذه المنزلة وهذا المقام من فضله ومنه ورحمته لم تكن أعمالنا تساوي ذلك كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لن يدخل أحدا منكم عمله الجنة" قالوا ولا أنت يا رسول الله ؟ قال "ولا أنا إلا أن يتغمدني الله تعالى برحمة منه وفضل" "لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب" أي لا يمسنا فيها عناء ولا إعياء والنصب واللغوب كل منهما يستعمل في التعب وكأن المراد بنفي هذا وهذا عنهم أنهم لا تعب على أبدانهم ولا أرواحهم والله أعلم فمن ذلك أنهم كانوا يدئبون أنفسهم في العبادة في الدنيا فسقط عنهم التكليف بدخولها وصاروا في راحة دائمة مستمرة قال الله تبارك وتعالى : "كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية" . والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور لما ذكر تبارك وتعالى حال السعداء شرع في بيان مآل الأشقياء فقال "والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا" كما قال تعالى : "لا يموت فيها ولا يحيى" وثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون" وقال عز وجل "ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون" فهم في حالهم ذلك يرون موتهم راحة لهم ولكن لا سبيل إلى ذلك قال الله تعالى : "لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها" كما قال عز وجل "إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون" وقال جل وعلا "كلما خبت زدناهم سعيرا" "فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا" ثم قال تعالى : "كذلك نجزي كل كفور" أي هذا جزاء كل من كفر بربه وكذب الحق . وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير وقوله جلت عظمته "وهم يصطرخون فيها" أي ينادون فيها يجأرون إلى الله عز وجل بأصواتهم "ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل" أي يسألون الرجعة إلى الدنيا ليعملوا غير عملهم الأول وقد علم الرب جل جلاله أنه لو ردهم إلى الدار الدنيا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون فلهذا لا يجيبهم إلى سؤالهم كما قال تعالى مخبرا عنهم في قولهم "فهل إلى مرد من سبيل ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا" أي لا يجيبكم إلى ذلك لأنكم كنتم كذلك ولو رددتم لعدتم إلى ما نهيتم عنه ولذا قال ههنا "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير" أي أوما عشتم في الدنيا أعمارا لو كنتم ممن ينتفع بالحق لانتفعتم به في مدة عمركم ؟ وقد اختلف المفسرون في مقدار العمر المراد ههنا فروي عن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله عنهما أنه قال مقدار سبع عشر سنة . وقال قتادة : اعلموا أن طول العمر حجة فنعوذ بالله أن نعير بطول العمر قد نزلت هذه الآية "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" وإن فيهم لابن ثماني عشرة سنة وكذا قال أبو غالب الشيباني . وقال عبد الله بن المبارك عن معمر عن رجل عن وهب بن منبه في قوله تعالى : "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" قال عشرين سنة . وقال هشيم عن منصور عن زاذان عن الحسن في قوله تعالى : "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" قال أربعين سنة وقال هشيم أيضا عن مجالد عن الشعبي عن مسروق أنه كان يقول : إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله عز وجل وهذه رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما فيما قال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا بشر بن المفضل حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد قال سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول : العمر الذي أعذر الله تعالى لابن آدم "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" أربعون سنة . هكذا رواه من هذا الوجه عن ابن عباس رضي الله عنهما به وهذا القول هو اختيار ابن جرير , ثم رواه من طريق الثوري وعبد الله بن إدريس كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما قال العمر الذي أعذر الله فيه لابن آدم في قوله "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" ستون سنة فهذه الرواية أصح عن ابن عباس رضي الله عنهما وهي الصحيحة في نفس الأمر أيضا لما ثبت في ذلك من الحديث كما سنورده لا كما زعمه ابن جرير من أن الحديث لم يصح في ذلك لأن في إسناده من يجب التثبت في أمره وقد روى أصبغ بن نباتة عن علي رضي الله عنه أنه قال : العمر الذي عيرهم الله به في قوله "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" ستون سنة . وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا دحيم حدثنا ابن أبي فديك حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي عن ابن أبي حسين المكي أنه حدثه عن عطاء هو ابن أبي رباح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان يوم القيامة قيل أين أبناء الستين وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه" أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير "وكذا رواه ابن جرير عن علي بن شعيب عن إسماعيل بن أبي فديك به وكذا رواه الطبراني من طريق ابن أبي فديك به وهذا الحديث فيه نظر لحال إبراهيم بن الفضل والله أعلم" حديث آخر "قال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن رجل من بني غفار عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال" لقد أعذر الله تعالى إلى عبد أحياه حتى بلغ ستين أو سبعين سنة لقد أعذر الله تعالى إليه لقد أعذر الله تعالى إليه "وهكذا رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق من صحيحه حدثنا عبد السلام بن مطهر عن عمر بن علي عن معن بن محمد الغفاري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أعذر الله عز وجل إلى امرئ أخر عمره حتى بلغ ستين سنة "ثم قال البخاري تابعه أبو حازم وابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما أبو حازم فقال ابن جرير حدثنا أبو صالح الفزاري حدثنا محمد بن سوار أخبرنا يعقوب بن عبد الرحمن بن عبد القادر أي الإسكندري حدثنا أبو حازم عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من عمره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر إليه في العمر "وقد رواه الإمام أحمد والنسائي في الرقاق جميعا عن قتيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن به" ورواه البزار قال : حدثنا هشام بن يونس حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "العمر الذي أعذر الله تعالى فيه إلى ابن آدم ستون سنة" يعني "أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر" . وأما متابعة ابن عجلان فقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو السفر يحيى بن محمد بن عبد الملك بن قرعة بسامرا حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثنا محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أتت عليه ستون سنة فقد أعذر الله عز وجل إليه في العمر" وكذا رواه الإمام أحمد عن أبي عبد الرحمن هو المقري به ورواه أحمد أيضا عن خلف عن أبي معشر عن أبي سعيد المقبري. "طريق أخرى" عن أبي هريرة رضي الله عنه قال ابن جرير حدثني أحمد بن الفرج أبو عتبة الحمصي حدثنا بقية بن الوليد حدثنا المطرف بن مازن الكناني حدثني معمر بن راشد قال : سمعت محمد بن عبد الرحمن الغفاري يقول : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد أعذر الله عز وجل في العمر إلى صاحب الستين سنة والسبعين" فقد صح هذا الحديث من هذه الطرق فلو لم يكن إلا الطريق التي ارتضاها أبو عبد الله البخاري شيخ هذه الصناعة لكفت. وقول ابن جرير إن في رجاله بعض من يجب التثبت في أمره لا يلتفت إليه مع تصحيح البخاري والله أعلم . وذكر بعضهم أن العمر الطبيعي عند الأطباء مائة وعشرون سنة فالإنسان لا يزال في ازدياد إلى كمال الستين ثم يشرع بعد هذا في النقص والهرم كما قال الشعر إذا بلغ الفتى ستين عاما ... فقد ذهب المسرة والفتاء ولما كان هذا هو العمر الذي يعذر الله تعالى إلى عباده به ويزيح به عنهم العلل كان هو الغالب على أعمار هذه الأمة كما ورد بذلك الحديث قال الحسن بن عرفة رحمه الله حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك" وهكذا رواه الترمذي وابن ماجه جميعا في كتاب الزهد عن الحسن بن عرفة به ثم قال الترمذي هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه . وهذا عجب من الترمذي فإنه قد رواه أبو بكر بن أبي الدنيا من وجه آخر وطريق أخرى عن أبي هريرة حيث قال حدثنا سليمان بن عمرو عن محمد بن ربيعة عن كامل أبي العلاء عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين وأقلهم من يجوز ذلك" وقد رواه الترمذي في كتاب الزهد أيضا عن إبراهيم بن سعيد الجوهري عن محمد بن ربيعة به ثم قال هذا حديث حسن غريب من حديث أبي صالح عن أبى هريرة رضي الله عنه وقد روي من غير وجه عنه هذا نصه بحروفه في الموضعين والله أعلم . وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو موسى الأنصاري حدثنا ابن أبي فديك حدثني إبراهيم بن الفضل مولى بني مخزوم عن المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "معترك المنايا ما بين الستين إلى السبعين" "وبه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أقل أمتي أبناء سبعين "إسناده ضعيف" حديث آخر "في معنى ذلك قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن هانئ حدثنا إبراهيم بن مهدي عن عثمان بن مطر عن أبي مالك عن ربعي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال يا رسول الله أنبئنا بأعمار أمتك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما بين الخمسين إلى الستين "قالوا يا رسول الله فأبناء السبعين قال صلى الله عليه وسلم" قل من يبلغها من أمتي رحم الله أبناء السبعين ورحم الله أبناء الثمانين "ثم قال البزار لا يروى بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد وعثمان بن مطر من أهل البصرة ليس بقوي وقد ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاش ثلاثا وستين سنة وقيل ستين وقيل خمسا وستين والمشهور الأول والله أعلم وقوله تعالى :" وجاءكم النذير "روي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة وأبى جعفر الباقر رضي الله عنه وقتادة وسفيان بن عيينة أنهم قالوا يعني الشيب وقال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني به رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ ابن زيد" هذا نذير من النذر الأولى "وهذا هو الصحيح عن قتادة فيما رواه شيبان عنه أنه قال : احتج عليهم بالعمر والرسل وهذا اختيار ابن جرير وهو الأظهر لقوله تعالى :" ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون "أي لقد بينا لكم الحق على ألسنة الرسل فأبيتم وخالفتم وقال تعالى :" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا "وقال تبارك وتعالى" كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير "وقوله تعالى :" فذوقوا فما للظالمين من نصير "أي فذوقوا عذاب النار جزاء على مخالفتكم" ![]()
__________________
|
|
#430
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (11) تفسير سورة يس من صـ 337 الى صــ 349 الحلقة (430) للأنبياء في مدة أعماركم فما لكم اليوم ناصر ينقذكم مما أنتم فيه من العذاب والنكال والأغلال . إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور (38) إن الله عالم غيب السماوات والأرض إنه عليم بذات الصدور يخبر تعالى بعلمه غيب السماوات والأرض وأنه يعلم ما تكنه السرائر وما تنطوي عليه الضمائر وسيجازي كل عامل بعمله . هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) هو الذي جعلكم خلائف في الأرض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا ثم قال عز وجل "هو الذي جعلكم خلائف في الأرض" أي يخلف قوم لآخرين قبلهم وجيل لجيل قبلهم . كما قال تعالى : "ويجعلكم خلفاء الأرض" "فمن كفر فعليه كفره" أي فإنما يعود وبال ذلك على نفسه دون غيره "ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا" أي كلما استمروا على كفرهم أبغضهم الله تعالى وكلما استمروا فيه خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة بخلاف المؤمنين فإنهم كلما طال عمر أحدهم وحسن عمله ارتفعت درجته ومنزلته في الجنة وزاد أجره وأحبه خالقه وبارئه رب العالمين . قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا (40) قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين "أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله" أي من الأصنام والأنداد "أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات" أي ليس لهم شيء من ذلك ما يملكون من قطمير وقوله "أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه" أي أم أنزلنا عليهم كتابا بما يقولونه من الشرك والكفر ؟ ليس الأمر كذلك "بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا" أي بل إنما اتبعوا في ذلك أهواءهم وآراءهم وأمانيهم التي تمنوها لأنفسهم وهي غرور وباطل وزور إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة التي بها تقوم السماء والأرض عن أمره وما جعل فيهما من القوة الماسكة لهما فقال "إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا" أي أن تضطربا عن أماكنهما كما قال عز وجل "ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" وقال تعالى : "ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره" "ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده" أي لا يقدر على دوامهما وإبقائهما إلا هو وهو مع ذلك حليم غفور أن يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه وهو يحلم فيؤخر وينظر ويؤجل ولا يعجل ويستر آخرين ويغفر ولهذا قال تعالى : "إنه كان حليما غفورا" . وقد أورد ابن أبى حاتم ههنا حديثا غريبا بل منكرا فقال حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثني هشام بن يوسف عن أمية بن سهل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي عن موسى عليه الصلاة والسلام على المنبر قال : "وقع في نفس موسى عليه الصلاة والسلام هل ينام الله عز وجل فأرسل الله تعالى إليه ملكا فأرقه ثلاثا وأعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وتكاد يداه تلتقيان ثم يستيقظ فيجلس إحداهما عن الأخرى حتى نام نومه فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال ضرب الله له مثلا أن الله عز وجل لو كان ينام لم تستمسك السماء والأرض" والظاهر أن هذا الحديث ليس بمرفوع بل من الإسرائيليات المنكرة فإن موسى عليه الصلاة والسلام أجل من أن يجوز على الله سبحانه وتعالى النوم وقد أخبر الله عز وجل في كتابه العزيز بأنه "الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض" وثبت في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله تعالى لا ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه ويرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل حجابه النور أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه" ما انتهى إليه بصره من خلقه "وقد قال أبو جعفر بن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي وائل قال : جاء رجل إلى عبد الله هو ابن مسعود رضي الله عنه فقال من أين جئت ؟ قال من الشام قال من لقيت ؟ قال لقيت كعبا قال ما حدثك ؟ قال حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك قال أفصدقته أو كذبته ؟ قال ما صدقته ولا كذبته قال لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها كذب كعب إن الله تعالى يقول" إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده "وهذا إسناد صحيح إلى كعب وإلى ابن مسعود رضي الله عنه ثم رواه ابن جرير عن ابن حميد عن جرير عن مغيرة عن إبراهيم قال ذهب جندب البجلي إلى كعب بالشام فذكر نحوه." وقد رأيت في مصنف للفقيه يحيى بن إبراهيم بن مزين الطليطلي سماه - سير الفقهاء - أورد هذا الأثر عن محمد بن عيسى بن الطباع عن وكيع عن الأعمش به ثم قال وأخبرنا زونان يعني عبد الملك بن الحسين عن ابن وهب عن مالك أنه قال السماء لا تدور واحتج بهذه الآية وبحديث "إن بالمغرب بابا للتوبة لا يزال مفتوحا حتى تطلع الشمس منه" قلت وهذا الحديث في الصحيح والله سبحانه وتعالى أعلم . وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا يخبر تعالى عن قريش والعرب أنهم أقسموا بالله جهد أيمانهم قبل إرسال الرسول إليهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم أي من جميع الأمم الذين أرسل إليهم الرسل قاله الضحاك وغيره كقوله تعالى : "أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفة من قبلنا وإن كنا عن دراستهم لغافلين أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها" وكقوله تعالى : "وإن كانوا ليقولون لو أن عندنا ذكرا من الأولين لكنا عباد الله المخلصين فكفروا به فسوف يعلمون" قال الله تعالى : "فلما جاءهم نذير" وهو محمد صلى الله عليه وسلم بما أنزل معه من الكتاب العظيم وهو القرآن المبين "ما زادهم إلا نفورا" أي ما ازدادوا إلا كفرا إلى كفرهم . استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا (43) استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنة الأولين فلن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا ثم بين ذلك بقوله "استكبارا في الأرض" أي استكبروا عن اتباع آيات الله "ومكر السيئ" أي ومكروا بالناس في صدهم إياهم عن سبيل الله "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" أي وما يعود وبال ذلك إلا عليهم أنفسهم دون غيرهم . قال ابن أبي حاتم ذكر علي بن الحسين حدثنا ابن أبي عمر حدثنا سفيان عن أبي زكريا الكوفي عن رجل حدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إياك ومكر السيئ فإنه لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله ولهم من الله طالب" وقال محمد بن كعب القرظي ثلاث من فعلهن لم ينج حتى ينزل به من مكر أو بغي أو نكث وتصديقها في كتاب الله تعالى "ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله" "إنما بغيكم على أنفسكم" "ومن نكث فإنما ينكث على نفسه" وقوله عز وجل "فهل ينظرون إلا سنة الأولين" يعني عقوبة الله لهم على تكذيبهم رسله ومخالفتهم أمره "ولن تجد لسنة الله تبديلا" أي لا تغير ولا تبدل بل هي جارية كذلك في كل مكذب "ولن تجد لسنة الله تحويلا" أي "وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له" ولا يكشف ذلك عنهم ويحوله عنهم أحد والله أعلم . أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا (44) أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شيء في السماوات ولا في الأرض إنه كان عليما قديرا يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بما جئتهم به من الرسالة سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين كذبوا الرسل كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها فخلت منهم منازلهم وسلبوا ما كانوا فيه من النعيم بعد كمال القوة وكثرة العدد والعدة وكثرة الأموال والأولاد فما أغنى ذلك شيئا ولا دفع عنهم من عذاب الله من شيء لما جاء أمر ربك لأنه تعالى لا يعجزه شيء إذا أراد كونه في السماوات والأرض "إنه كان عليما قديرا" أي عليم بجميع الكائنات قدير على مجموعها . ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا (45) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا ثم قال تعالى : "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" أي لو آخذهم بجميع ذنوبهم لأهلك جميع أهل السماوات والأرض وما يملكونه من دواب وأرزاق . قال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : كاد الجعل أن يعذب في جحره بذنب ابن آدم ثم قرأ "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" وقال سعيد بن جبير والسدي في قوله تعالى : "ما ترك على ظهرها من دابة" أي لما سقاهم المطر فماتت جميع الدواب "ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى" أي ولكن ينظرهم إلى يوم القيامة فيحاسبهم يومئذ ويوفي كل عامل بعمله فيجازي بالثواب أهل الطاعة وبالعقاب أهل المعصية . ولهذا قال تبارك وتعالى "فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا" . آخر تفسير سورة فاطر ولله الحمد والمنة . سورة يس مكية يس (1) يس سورة يس : قال أبو عيسى الترمذي حدثنا قتيبة وسفيان بن وكيع حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرواسي عن الحسن بن صالح عن هارون أبي محمد عن مقاتل بن حيان عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس ومن قرأ يس كتب الله له بقراءتها قراءة القرآن عشر مرات" ثم قال هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حميد بن عبد الرحمن وهارون أبو محمد شيخ مجهول . وفي الباب عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه ولا يصح لضعف إسناده وعن أبي هريرة رضي الله عنه منظور فيه . أما حديث الصديق رضي الله عنه فرواه الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول . وأما حديث أبي هريرة رضي الله عنه فقال أبو بكر البزار حدثنا عبد الرحمن بن الفضل حدثنا زيد هو ابن الحباب حدثنا حميد هو المكي مولى آل علقمة عن عطاء بن أبي رباح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إن لكل شيء قلبا وقلب القرآن يس" ثم قال لا نعلم رواه إلا زيد عن حميد . وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا حجاج بن محمد عن هشام بن زياد عن الحسن قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ يس في ليلة أصبح مغفورا له ومن قرأ حم التي يذكر فيها الدخان أصبح مغفورا له" إسناده جيد . وقال ابن حبان في صحيحه حدثنا محمد بن إسحاق بن إبراهيم مولى ثقيف حدثنا الوليد بن شجاع بن الوليد السكوني حدثنا أبي حدثنا زياد بن خيثمة حدثنا محمد بن جحادة عن الحسن عن جندب بن عبد الله رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قرأ يس في ليلة ابتغاء وجه الله عز وجل غفر له" . وقد قال الإمام أحمد حدثنا عارم حدثنا معتمر عن أبيه عن رجل عن أبيه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "البقرة سنام القرآن وذروته نزل مع كل آية منها ثمانون ملكا واستخرجت" الله لا إله إلا هو الحي القيوم "من تحت العرش فوصلت بها - أو فوصلت بسورة البقرة - ويس قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله تعالى والدار الآخرة إلا غفر له واقرءوها على موتاكم" وكذا رواه النسائي في اليوم والليلة عن محمد بن عبد الأعلى عن معتمر بن سليمان به . ثم قال الإمام أحمد حدثنا عارم حدثنا ابن المبارك حدثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان وليس بالنهدي عن أبيه عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اقرءوها على موتاكم" يعني يس ورواه أبو داود والنسائي في اليوم والليلة وابن ماجه من حديث عبد الله بن المبارك به إلا أن في رواية النسائي عن أبي عثمان عن معقل بن يسار رضي الله عنه ولهذا قال بعض العلماء من خصائص هذه السورة أنها لا تقرأ عند أمر عسير إلا يسره الله تعالى وكأن قراءتها عند الميت لتنزل الرحمة والبركة وليسهل عليه خروج الروح والله تعالى أعلم . قال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان قال : كان المشيخة يقولون إذا قرئت يعني يس عند الميت خفف الله عنه بها . وقال البزار حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا إبراهيم بن الحكم بن أبان عن أبيه عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "لوددت أنها في قلب كل إنسان من أمتي" يعني يس . قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما وعكرمة والضحاك والحسن وسفيان بن عيينة أن يس بمعنى يا إنسان وقال سعيد بن جبير هو كذلك في لغة الحبشة وقال مالك عن زيد بن أسلم هو اسم من أسماء الله تعالى . والقرآن الحكيم (2) والقرآن الحكيم والقرآن الحكيم "أي المحكم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ." إنك لمن المرسلين (3) إنك لمن المرسلين إنك "أي يا محمد ." على صراط مستقيم (4) على صراط مستقيم لمن المرسلين على صراط مستقيم "أي على منهج ودين قويم وشرع مستقيم ." تنزيل العزيز الرحيم (5) تنزيل العزيز الرحيم تنزيل العزيز الرحيم "أي هذا الصراط والمنهج والدين الذي جئت به تنزيل من رب العزة الرحيم بعباده المؤمنين كما قال تعالى :" وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور "." لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون وقوله تعالى "لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون" يعني بهم العرب فإنه ما أتاهم من نذير من قبله , وذكرهم وحدهم لا ينفي من عداهم كما أن ذكر بعض الأفراد لا ينفي العموم وقد تقدم ذكر الآيات والأحاديث المتواترة في عموم بعثته صلى الله عليه وسلم . لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون قوله تعالى : "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" . وقوله تعالى "لقد حق القول على أكثرهم" قال ابن جرير لقد وجب العذاب على أكثرهم بأن الله تعالى قد حتم عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون "فهم لا يؤمنون" بالله ولا يصدقون رسله . إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (8) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون يقول تعالى إنا جعلنا هؤلاء المحتوم عليهم بالشقاء نسبتهم إلى الوصول إلى الهدى كنسبة من جعل في عنقه غل فجمع يديه مع عنقه تحت ذقنه فارتفع رأسه فصار مقمحا ولهذا قال تعالى "فهم مقمحون" والمقمح هو الرافع رأسه كما قالت أم زرع في كلامها : وأشرب فأتقمح ; أي أشرب فأروى وأرفع رأسي تهنيئا وترويا واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين وإن كانتا مرادتين كما قال الشاعر : فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا أبتغيه ... أم الشر الذي لا يأتليني فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لما دل الكلام والسياق عليه . وهكذا هذا لما كان الغل إنما يعرف فيما جمع اليدين مع العنق اكتفى بذكر العنق عن اليدين قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون" قال هو كقوله عز وجل "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك" يعني بذلك أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يبسطوها بخير . وقال مجاهد "فهم مقمحون" قال رافعي رءوسهم وأيديهم موضوعة على أفواههم فهم مغلولون عن كل خير . وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون وقوله تعالى "وجعلنا من بين أيديهم سدا" قال مجاهد عن الحق "ومن خلفهم سدا" قال مجاهد : عن الحق فهم مترددون . وقال قتادة في الضلالات وقوله تعالى "فأغشيناهم" أي أغشينا أبصارهم عن الحق "فهم لا يبصرون" أي لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه قال ابن جرير : وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يقرأ "فأعشيناهم" بالعين المهملة من العشا وهو داء في العين وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : جعل الله تعالى هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون إليه وقرأ "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" ثم قال : من منعه الله تعالى لا يستطيع . وقال عكرمة قال أبو جهل لئن رأيت محمدا لأفعلن ولأفعلن فأنزلت "إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا - إلى قوله - فهم لا يبصرون" قال وكانوا يقولون هذا محمد فيقول أين هو أين هو ؟ لا يبصره رواه ابن جرير ; وقال محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب قال : قال أبو جهل وهم جلوس إن محمدا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا فإذا متم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم جنان خير من جنان الأردن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تعذبون بها وخرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ذلك وفي يده حفنة من تراب وقد أخذ الله تعالى على أعينهم دونه فجعل يذرها على رءوسهم ويقرأ "يس والقرآن الحكيم - حتى انتهى إلى قوله تعالى - وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون" وانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته وباتوا رصداء على بابه حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار فقال ما لكم ؟ قالوا ننتظر محمدا قال قد خرج عليكم فما بقي منكم من رجل إلا وضع على رأسه ترابا ثم ذهب لحاجته فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب . قال وقد بلغ النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي جهل فقال : "وأنا أقول ذلك إن لهم مني لذبحا وإنه لآخذهم" وقوله تبارك وتعالى . وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (10) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون " أي قد ختم الله عليهم بالضلالة فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة وكما قال تبارك وتعالى "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" ." إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم إنما تنذر من اتبع الذكر "أي إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر وهو القرآن العظيم" وخشي الرحمن بالغيب "أي حيث لا يراه أحد إلا الله تبارك وتعالى يعلم أن الله مطلع عليه وعالم بما يفعل" فبشره بمغفرة "أي لذنوبه" وأجر كريم "أي كثير" واسع حسن جميل كما قال تبارك وتعالى "إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير" . إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (12) إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين ثم قال عز وجل "إنا نحن نحيي الموتى" أي يوم القيامة وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب من يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة فيهديهم بعد ذلك إلى الحق كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب "اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم تعقلون" وقوله تعالى "ونكتب ما قدموا" أي من الأعمال وفي قوله تعالى "وآثارهم" قولان "أحدهما" نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم وآثارهم التي أثروها من بعدهم فنجزيهم على ذلك أيضا إن خيرا فخير وإن شرا فشر كقوله صلى الله عليه وسلم : "من سن في الإسلام سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيئا ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" رواه مسلم من رواية شعبة عن عون بن أبي جحيفة عن المنذر بن جرير عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه وفيه قصة مجتابي الثمار المضريين ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن يحيى بن سليمان الجعفي عن أبي المحياة يحيى بن يعلى عن عبد الملك بن عمير عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه فذكر الحديث بطوله ثم تلا هذه الآية "ونكتب ما قدموا وآثارهم" وقد رواه مسلم من رواية أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير بن المنذر بن جرير عن أبيه فذكره وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : من علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له أو صدقة جارية من بعده" وقال سفيان الثوري عن أبي سعيد رضي الله عنه قال سمعت مجاهدا يقول في قوله تعالى "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" قال ما أورثوا من الضلالة . وقال ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عن سعيد بن جبير في قوله تعالى "ونكتب ما قدموا وآثارهم" يعني ما أثروا يقول ما سنوا من سنة فعمل بها قوم من بعد موتهم فإن كانت خيرا فلهم مثل أجورهم لا ينقص من أجر من عمل به شيئا وإن كانت شرا فعليهم مثل أوزارهم ولا ينقص من أوزار من عمل بها شيئا ذكرهما ابن أبي حاتم وهذا القول هو اختيار البغوي . "والقول الثاني" أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية قال ابن أبي نجيح وغيره عن مجاهد "ما قدموا" أعمالهم "وآثارهم" قال خطاهم بأرجلهم وكذا قال الحسن وقتادة "وآثارهم" يعني خطاهم . وقال قتادة لو كان الله عز وجل مغفلا شيئا من شأنك يا ابن آدم أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله تعالى أو من معصيته فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله تعالى فليفعل . وقد وردت في هذا المعنى أحاديث "الحديث الأول" . قال الإمام أحمد حدثنا عبد الصمد حدثنا أبي حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال خلت البقاع حول المسجد فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم : "إني بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد" قالوا نعم يا رسول الله قد أردنا ذلك فقال صلى الله عليه وسلم : "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم دياركم تكتب آثاركم" وهكذا رواه مسلم من حديث سعيد الجريري وكهمس بن الحسن كلاهما عن أبي نضرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة العبدي عن جابر رضي الله عنه به . "الحديث الثاني" قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن الوزير الواسطي حدثنا إسحاق الأزرق عن سفيان الثوري عن أبي سفيان عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال كانت بنو سلمة في ناحية من المدينة فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد فنزلت "إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم" فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : "إن آثاركم تكتب" فلم ينتقلوا تفرد بإخراجه الترمذي عند تفسير هذه الآية الكريمة عن محمد بن الوزير به ثم قال حسن غريب من حديث الثوري ورواه ابن جرير عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي عن ابن المبارك عن سفيان الثوري عن طريف - وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي - عن أبي نضرة به وقد روي من غير طريق الثوري فقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عباد بن زياد الساجي حدثنا عثمان بن عمر حدثنا شعبة عن سعيد الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه قال : إن بني سلمة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد منازلهم من المسجد فنزلت "ونكتب ما قدموا وآثارهم" فأقاموا في مكانهم وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الأعلى حدثنا الجريري عن أبي نضرة عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه وفيه غرابة من حيث ذكر نزول هذه الآية والسورة بكمالها مكية فالله أعلم . "الحديث الثالث" قال ابن جرير حدثنا نصر بن علي الجهضمي حدثنا أبو أحمد ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |