المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي - الصفحة 43 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 63 - عددالزوار : 60379 )           »          ماذا تفعل المرأة الحائض لتنال فضل عشر ذي الحجة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          أهمية القدوة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          الفكر الليبرالي "النسوي"! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          تفقد بنتك وأختك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          دسائس الطروحات الفكرية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          تعريف الحداثة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          هل تـعلم من الذين يـحِبهم الله؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          الستر في كلمات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          أحكام خطبة الجمعة وآدابها***متجدد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 117 - عددالزوار : 123128 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام > فتاوى وأحكام منوعة
التسجيل التعليمـــات التقويم

فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #421  
قديم 22-12-2025, 01:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون

صـــ 152الى صـــ 161
(421)







ولو ادعى دارا في يدي رجل فقال : هي لي ولإخوتي فأقر ذو اليد بذلك ، ثم اشترى منه نصيبه لم يكن لإخوته أن يشاركوه في شيء من الثمن ; لأنه إنما يأخذ العوض عن نصيبه خاصة وأبو يوسف رحمه الله يفرق بين هذا وبين الصلح فيقول : هنا بقية الورثة يتمكنون من أخذ نصيبهم من الميراث أو أخذ العوض عنه بالبيع فالقول بقطع الشركة لا يؤدي إلى تخصيص بعض الورثة في بدل شيء من الميراث بخلاف الصلح على ما قررنا
ولو ادعى دارا في يدي رجل فاصطلحا فيها على أن يسكنها ذو اليد سنة ، ثم يدفعها إلى المدعي فهذا جائز بمنزلة ما لو اصطلحا على أن يسكنها المدعي سنة ولم يسلمها لذي اليد وهذا في جانب المدعي ظاهر ; لأنه يزعم أن رقبتها ومنفعتها له فهو بهذا الصلح يبطل ملكه عن رقبتها ويبقى ملكه في مقدار ما شرط لنفسه من المنفعة فإنما يستوفي ذلك بحكم ملكه وذلك جائز ، وكذلك إن كان يستوفيها بحكم عقد الصلح كما لو صالحه على سكنى دار أخرى سنة وأما في جانب المدعى عليه ففيه بعض إشكال ; لأنه يزعم أن رقبتها ومنفعتها له وأنه يملكها من المدعي بعد سنة والتمليك لا يحتمل التعليق بالشرط ولا الإضافة ولكنا نقول هذا الصلح مبني على زعم المدعي وفي زعمه أنه يعيرها من ذي اليد سنة ، ثم يأخذها منه والمدعى عليه يجعل مملكا رقبتها منه في الحال مبقيا منفعتها سنة على ملكه وهو إنما يستوفي بحكم ملكه وذلك جائز .

( ألا ترى ) أن من أوصى لغيره بسكنى داره سنة ، ثم مات صارت الدار لورثته وبقيت السكنى على حكم ملك الموصي يستوفيها الموصى له بإخلائها له ، وكذلك لو باع الدار المؤجرة والمشتري يعلم بالإجارة فإنه يملك رقبتها وتبقى منفعتها على حق البائع حتى يمتلكها المستأجر عليه بالاستيفاء ويكون الأجر للبائع فهذا مثله ، وإن كان [ ص: 153 ] للمدعي فيها شركاء لم يجز صلحه عليهم وهم على حجتهم في إثبات أنصبائهم ; لأنه لا ولاية للمدعى عليه على شركاء المدعي لتملك أنصبائهم منه ، وكذلك لو كان هذا الصلح في أرضه على أن يزرعها ذو اليد خمس سنين على أن رقبتها للمدعي فهو جائز لما قلنا .

ولو اشترى دارا فاتخذها مسجدا ، ثم ادعى رجل فيها دعوى فصالحه الذي بنى المسجد والذين بين أظهرهم المسجد فهو جائز ; لأنهم ينتفعون بهذا الصلح ولو صالحه من لا ينتفع به كالفضولي والتزم المال كان الصلح جائزا فإذا صالحه من ينتفع به كان إلى الجواز أقرب ، وكذلك لو باع الدار أو وهبها لابن صغير أو جعلها مقبرة أو غيرها عن حالها ، ثم صالح عنها المدعي فهو فيما يلتزم من المال بالصلح لا يكون دون فضولي فيجوز ذلك منه وإذا أنكر المدعى عليه دعوى المدعي بعد الإقرار ثم صالحه جاز الصلح ; لأنه لا معتبر بإنكاره بعد الإقرار فهذا صلح على الإقرار وهو جائز بالاتفاق وإن أنكر في الابتداء وصالح ، ثم أقر أنه كان محقا في دعواه فالصلح ماض وهو آثم بالجحود لكونه كاذبا فيه ظالما ولكن الصلح من المدعي إسقاط لحقه بعوض وقد بينا أن جحود الخصم لا يمنع صحة الإسقاط من المسقط بغير عوض .

( ألا ترى ) أن الطالب لو أبرأ المديون وهو جاحد للدين كان إبراؤه صحيحا فكذلك جحوده لا يمنع صحة الإسقاط بعوض وهذا ; لأن الإسقاط تصرف من المسقط في حقه ( ألا ترى ) أن إنكار المرأة للنكاح لا يمنع صحة الطلاق من الزوج بعوض كان أو بغير عوض ، وكذلك إنكار القاتل لا يمنع صحة العفو من الولي لهذا المعنى

ولو ادعى دارا في يد رجل فصالحه منها على خدمة عبد سنة ، ثم أعتقه صاحبه جاز عتقه ; لأن العبد باق على ملكه ، وإن صارت خدمته للمدعي وإعتاقه في ملك نصيبه نافذ كالوارث إذا أعتق العبد الموصى بخدمته نفذ وكان صاحب الخدمة على حقه ; لأن خدمته صارت مستحقة له بعقد لازم والعتق لا ينافي بقاءها ولو أعتقه المدعي لم ينفذ عتقه ; لأنه مالك للخدمة ونفوذ العتق باعتبار ملك الرقبة وهو من رقبته كأجنبي آخر فلا ينفذ عتقه لقوله صلى الله عليه وسلم { لا عتق فيما لا يملك ابن آدم } ولو أن رب العبد باعه لم يجز بيعه ; لأنه عاجز عن تسليمه فلا ينفذ بيعه فيه لحق صاحب الخدمة كالآجر إذا باع العبد المؤجر أو الوارث إذا باع العبد الموصى بخدمته أو الراهن إذا باع المرهون ولصاحب الخدمة أن يؤجره للخدمة لما بينا أنه ملك خدمته بعقد معاوضة فهو كالمستأجر يملك أن يؤاجر قال : وله أن يخرج بالعبد من المصر إلى أهله وقد ذكرنا في كتاب الإجارات أن من استأجر [ ص: 154 ] عبدا ليخدمه فليس له أن يسافر به ( قال : رضي الله عنه ) وكان شيخنا رحمه الله يقول تأويل ما قال في كتاب الصلح أن أهل المدعي إذا كانوا في بعض القرى القريبة من المصر والمدعى عليه يعلم ذلك أو كان هو على جناح السفر والرجوع إلى أهله وقد علم ذلك المدعى عليه فحينئذ يكون هو راضيا بإخراجه العبد إلى أهله ; لأن الإنسان إنما يستخدم العبد في أهله وتأويل ما قال في كتاب الإجارات أنه إذا لم يكن ذلك معلوما للآجر عند عقد الإجارة فلا يكون راضيا بإخراج العبد وتكليفه خدمة السفر ; لأن الخدمة في السفر أشق منها في الحضر

( قال : رحمه الله ) والذي يتراءى لي من الفرق بين الفصلين أن في باب الإجارة مؤنة الرد على الآجر بعد انتهاء العقد ; لأن المنفعة في النقل كانت له من حيث إنه يقر حقه في الأجر والمستأجر إذا سافر بالعبد فهو يريد أن يلزم المؤاجر ما لم يلزمه من مؤنة الرد فأما هنا فمؤنة الرد ليست على المدعى عليه ; لأنه زعم أنه يملك الخدمة بغير شيء فهو كالموصى له بالخدمة فإن مؤنة الرد عليه دون الوارث فالمدعي هنا بإخراجه إلى أهله يلتزم مؤنة الرد لا أن يلزم المدعى عليه شيئا فلهذا كان يخرجه
ولو ادعى رجل في حائط رجل موضع جذوع أو ادعى في داره طريقا أو مسيل ماء فجحده ، ثم صالحه على دراهم معلومة جاز ; لأن المصالح عليه معلوم وجهالة المصالح عنه لا تمنع صحة الصلح فإن تسلمه بالصلح لا يصير مستحقا
ولو ادعى رجل حقا فصالحه من ذلك على طريق في داره أو على مسيل ماء أو على أن يضع على الحائط من داره جذعا فالصلح على الطريق جائز ; لأن المصالح عليه إذا كان عينا فهو كالمبيع وبيع الطريق جائز ; لأن المصالح عليه إذا كان مما لا يقع فيه منازعة يجوز وبيع المسيل لا يجوز ; لأنه مجهول فإن كان مسيل ماء الميزاب فذلك يختلف بقلة المطر وكثرته والضرر بحسبه يختلف ، وإن كان مسيل ماء الوضوء فذلك يختلف أيضا بقلة الحاجة إليه وكثرتها فكذلك بيع موضع الجذع من الحائط لا يجوز للجهالة فاستئجار الحائط لوضع الجذع عليه لا يجوز أيضا وقد بينا أن من لا يستحق بالبيع والإجارة فالصلح عليه لا يجوز
ولو صالحه على شرب نهر شهرا لم يجز ; لأن بيع الشرب بدون الأرض جائز فكذلك الصلح عليه ; لأن ما هو المقصود يختلف بقلة الماء وكثرته وجريان أصل الماء في النهر على خطر ومقداره غير معلوم ولو صالحه على أن يسيل ماء فيها لم يجز ; لأن مقدار ذلك لا يستحق بالإجارة فكذلك لا يستحق بالصلح عليه بخلاف ما إذا صالحه على عشر نهر بأرضه أو على عشر بئر أو عين فالمصالح عليه هنا جزء معلوم رقبة [ ص: 155 ] النهر واستحقاقه بالبيع جائز فكذلك بالصلح عليه ، وكذلك لو ادعى عشر نهر أو بئر فصالحه منها على مال معلوم فهذا إلى الجواز أقرب

ولو ادعى في دار في يد رجل دعوى فصالحه من ذلك على عبد ومائة درهم وقيمة العبد مائة درهم ثم استحق العبد رجع في نصف دعواه ; لأنه لو استحق جميع ما وقع الصلح عليه بطل الصلح في الكل وعاد على رأس الدعوى فكذلك إذا استحق نصف ما وقع الصلح عليه ، وإن كان الذي في يديه الدار أخذ من المدعي ثوبا رجع المدعي في نصف الدعوى ونصف الثوب ; لأن من جانب المدعي شيئين المدعى وهو مجهول والثوب وهو معلوم والمعلوم إذا ضم إلى المجهول فلا طريق إلى الانقسام سوى المناصفة والمدعى عليه بدل المائة والعبد فكان بإزاء العبد نصف الثوب ; ونصف المدعى بإزاء المائة فكذلك عند استحقاق العبد يرجع المدعي بما يقابله وهو نصف الدعوى ونصف الثوب ولو كان استحق الثوب رجع الذي في يديه الدار بحصة الثوب من قيمة العبد والدراهم ، ثم ينظر كم ادعى من الدار فيعود ذلك إن كان معلوما ويقوم الثوب فإن كانت قيمتهما سواء رجع بنصف العبد ونصف المائة ; لأن الثوب والمدعى من جانب المدعي فيتوزع عليهما المائة والعبد فإذا استوفى القيمة كان بمقابلة الثوب ونصف المائة وقد استحق الثوب فيرجع بما يقابله ، وإن اختلفا في قدر الحق في الدار فقال الطالب كان لي نصف الدار وقال المدعى عليه بل كان لك عشرها فالقول قول الذي الدار في يديه مع يمينه لإنكاره الزيادة وأصل المدعى وهو الدار والصلح كان باعتباره فإذا وقعت الحاجة إلى معرفة مقداره كان القول قول المنكر مع الزيادة ( ألا ترى ) أنه لو باع من رجل طعاما بمائة درهم ودفعها وقبض الطعام ثم وجد به عيبا فرده فقال البائع كان طعامي الذي بعتك كر حنطة وقال الرجل كان نصف كر فالقول قول المشتري مع يمينه ومعنى هذا الاستشهاد أن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي وفي زعمه أن المدعى عليه اشترى منه نصيبه من الدار بما أعطاه من بدل الصلح فإذا وقع الاختلاف في مقدار المشتري جعل القول قول المشتري كما في مسألة الطعام
وكذلك لو اشترى شقصا في دار بعبد فاستحق العبد فقال الذي قبض الشقص كان المبيع ثلث الدار وكان للآجر نصف الدار فالقول قول الذي في يديه الدار ; لأن الاختلاف بينهما في مقدار المشتري فالحاصل أن المشتري قابض للمشترى بالعقد ومتى وقع الاختلاف في مقدار المقبوض يجعل القول قول القابض ; لأنه لو أنكر القبض أصلا كان القول قوله فكذلك إذا أنكر قبض [ ص: 156 ] الزيادة
ولو كانت دار في أيدي ثلاثة نفر في يد كل واحد منهم منزل منها وساحتها على حالها واختصموا فيها فلكل واحد منهم ما في يده والساحة بينهم أثلاثا ; لأن ما في يد كل واحد منهم الظاهر يشهد له والبناء على الظاهر واجب ما لم يتبين خلافه وحقهم في الساحة على السواء ; لأن كل واحد منهم مستعمل للساحة في حوائجه وللاستعمال يد فلهذا قضي بالساحة بينهم أثلاثا فإن اصطلحوا قبل أن يقضى بينهم على أن لفلان نصف الساحة وكل واحد من الآخرين ربعها فهو جائز ; لأنه صلح عن تراض فيما لا يتمكن فيه معنى الربا فيجوز كيفما اتفقوا عليه ، وكذلك إن اشترط أحدهم لنفسه نصف المنزل الذي في يد صاحبه جاز ; لأن ذا اليد يصير مملكا نصف منزله منه بعوض معلوم وذلك صحيح قل العوض أو كثر
ولو كانت الدار في يد رجل منها منزل وفي يد آخر منزل وقال أحدهما الدار بيني وبينك نصفان وقال الآخر بل هي كلها لي فللذي ادعى جميعها ما في يده ونصف ما في يد صاحبه والساحة بينهما نصفين ; لأن صاحبه يدعي النصف من جميع الدار شائعا فيكون مدعيا نصف كل جزء بعينه من الدار والقول للذي في يده جزء معين منها فهو يدعي نصف ذلك ولا مدعي للنصف الآخر سوى من يدعي جميعها ولا منازع له في ذلك فيأخذ نصف ما في يده والساحة كذلك موضع معين منهما في يد كل واحد منهما نصفه شائعا فمدعي النصف مدع جميع ما في يده من الساحة فالقول في ذلك قوله فلهذا كانت الساحة بينهما نصفين والمنزل الذي في يد مدعي الجميع صاحبه يدعي نصفه ولا يستحق ما في يد الغير بمجرد الدعوى ما لم يقم البينة وذو اليد يدعي جميع ذلك المنزل فلهذا كان له جميع ما في يده فإن اصطلحوا قبل القضاء على أن تكون الدار بينهما نصفين أو على الثلث والثلثين فهو جائز لوقوع الاتفاق والتراضي على شيء معلوم ، وكذلك لو اصطلحوا بعد القضاء فهو جائز بطريق التمليك من كل واحد منهما من صاحبه بعد ما قضي له به بعوض

ولو كان أحدهما نازلا في منزل من الدار والآخر في علو ذلك المنزل وادعى كل واحد منهما جميعها فلكل واحد منهما ما في يده والساحة بينهما نصفان ; لأن العلو مسكن على حدة كالسفل فهما كبيتين من الدار أحدهما متصل بالآخر وقد بينا في البيتين والمنزلين أن لكل واحد منهما ما في يده والساحة بينهما نصفان لثبوت يدهما عليها بالاستعمال ولا يقال الساحة أرض من جنس حق صاحب السفل فينبغي أن يكون هو أولى بها ; لأن ثبوت اليد لا تكون بالمجانسة بل بالاستعمال وصاحب العلو مستعمل لها كصاحب السفل فإن [ ص: 157 ] اصطلحا قبل القضاء أو بعده على أن لصاحب السفل العلو ونصف الساحة ولصاحب العلو السفل ونصف الساحة جاز لوجود المبادلة بينهما في العلو والسفل بالتراضي والساحة بينهما نصفان كما هو قضية الحكم
وإذا كان الحائط بين داري رجلين وكل واحد منهما يدعي أنه له ولكل واحد منهما عليه جذوع وجذوع أحدهما أكثر من جذوع الآخر كان للآخر أن يزيد في جذوعه حتى تكون جذوعه مثل جذوع صاحبه ; لأن يد كل واحد منهما ثابتة على الحائط وأنه مستعمل له بوضع حمل مقصود عليه ينبني الحائط لأجله فإن الحائط تبنى لوضع ثلاثة جذوع عليه كما يبنى لوضع عشرة من الجذوع عليه فكان الحائط بينهما نصفين لاستوائهما في اليد عليه ولأحد الشريكين أن لا يسوي نفسه بصاحبه في الانتفاع بالملك المشترى وللمساواة هنا طريقان إما رفع فضل جذوع صاحبه أو بأن يزيد في جذوعه والرفع غير ممكن بهذا النوع من الظاهر ; لأن الظاهر حجة لدفع الاستحقاق على الغير وكان له أن يزيد في جذوعه حتى تكون جذوعه مثل جذوع صاحبه ولكن هذا إذا كان الحائط يحتمل ذلك فإن كان لا يحتمل فالوضع يكون بمنزلة هدم الحائط وليس له أن يهدم الحائط المشترك وقد تقدم بيان هذه الفصول وما فيها من اختلاف الروايات في كتاب الدعوى والإقرار وليس لواحد منهما أن يبني على هذا الحائط ويفتح فيه كوة وجمعه كوى ولا بابا ; لأن أصل الحائط مشترك بينهما وفتح الباب والكوة يكون رفعا لبعض الحائط وهو لا يتمكن من أن يرفع جميع الحائط بغير رضا صاحبه فكذلك لا يتمكن من رفع البعض وهذا ; لأن فتح الباب والكوة يوهن البناء ويظهر أثر ذلك في الثاني إن كان لا يظهر في الحال ولا كذلك بناء الحائط عليه ; لأن فيه وضع حمل زائد على حائط مشترك وفيه ضرر على الحائط لا محالة ولو أراد أن يبني في حائط ساحة مشتركة لم يملك ذلك بغير إذن صاحبه فهذا أولى ولو اصطلحا على أن يكون الحائط بأصله لأحدهما وعلى أن يكون للآخر موضع جذوعه وعلى أن يبني عليه حائطا مسمى معروفا يحمل عليه جذوع علو مسمى فهو باطل ; لأنه إنما يستحق بالصلح ما يجوز استحقاقه بالبيع أو الإجارة ومثل هذا لا يصير مستحقا بالبيع والإجارة لمعنى الجهالة على ما قررنا فكذلك لا يجوز أن يقع عليه الصلح

وإذا اختصما في حائط وكان مخوفا فاصطلحا على أن يهدماه أو على أن يبنياه على أن لأحدهما ثلثه وللآخر ثلثيه فالنفقة عليهما على قدر ذلك وعلى أن يحملا عليه من الجذوع قدر ذلك فهو جائز ; لأنهما تراضيا على [ ص: 158 ] ما هو معلوم في نصيبه على ما يجوز أن يكون مبيعا فكذلك الصلح عليه
ولو كان بيت في يد رجل له سطح فادعى رجل فيه دعوى فاصطلحا على أن يكون البيت لأحدهما ويكون سطحه للآخر فهذا لا يجوز إذ سطحه لا بناء عليه وبيعه لا يجوز فإنه بيع الهواء فكذلك لا يجوز الصلح عليه وقد ذكرنا قبل هذا أنه لو صالح على أن يبيت على سطح سنة فهو جائز فمن حمل ذلك الجواب على سطح محجر فهو لا يحتاج إلى الفرق بين الفصلين والفرق أن هناك المصالح عليه السطح دون المنفعة فإذا لم يكن عليه بناء فهو عبارة عن الهواء وهو لا يملك بالصلح كما لا يملك بالبيع ولو كان عليه بناء أو حجزة فاصطلحا على أن يكون لأحدهما علوه وللآخر سفله جاز ; لأن كل واحد من البيتين يجوز استحقاقه بالبيع فكذلك بالصلح عليه
ولو كانت دار في يد قوم في يد كل واحد منهم ناحية منها فاختصموا في درج فيها معقود بازج سفلها وهو في يد أحدهما وظهر الدرج طريق للآخر إلى منزله فإنه يقضى بالدرج كلها لصاحب السفل ; لأن الظاهر شاهد له فإنها في يده غير أن لصاحب العلو طريقا عليها على حاله ; لأن صاحب اليد بالظاهر يدفع الاستحقاق ولا يستحق ابتداء وقد عرفنا طريق صاحب العلو على هذا الدرج فلا يكون له أن يمنعه طريقه بالظاهر كما لو كان لإنسان حائط وللآخر عليه جذوع فإن كان متصلا ببناء أحدهما اتصال وضع فاختلفا فيه فالحائط لصاحب الاتصال ولكن تترك جذوع الآخر على حالها ; لأنه بالظاهر لا يستحق رفع جذوع الآخر
ولو كان روشن على رأس هذه الدرجة منهم من يقول : روشني وهو على منزل صاحب السفل وهو طريق لصاحب العلو وعرف ذلك فاختصموا فيه فالروشن كله لصاحب العلو لا السفل ; لأنه بمنزلة سقف منزله فيكون في يده ولكن صاحب العلو المحجر عليه على حاله لما بينا أن بالظاهر لا يمنعه الممر الذي كان معروفا له
ولو كان بيت سفل في يد رجل وبيت علو عليه في يد آخر فسقف السفل وهواديه وجذوعه وبواريه كله لصاحب السفل ; لأن صاحب السفل مستحق للبيت والبيت إنما يكون بيتا بسقف والظاهر أن الذي يبني البيت يجعله مسقفا ولصاحب العلو سكناه في ذلك كله ; لأنه بالظاهر لا يمنعه ما كان معلوما بالسكنى فكذلك الدرج والروشن ولو اصطلحا على أن يكون الدرج والروشن بينهما نصفين جاز ذلك قبل القضاء وبعده لتراضيهما عليه ولو أن بيتا في يد رجل وفوقه بيت في يد آخر وكل واحد منهما مقر لصاحبه بما في يده فوهي البنيانان جميعا فاصطلحا على أن ينقض كل واحد بيته على [ ص: 159 ] مثل ما كان عليه فهو جائز ; لأنهما اصطلحا على ما يوافق الشرع فإن على كل واحد منهما إصلاح ملكه شرعا ويؤمر صاحب السفل بالبناء هنا ; لأنه هدم بناء السفل ولو هدمه بغير شرط أجبر على بنائه لحق صاحب العلو فإذا كان عن شرط فهو أولى بخلاف ما إذا سقط بناء السفل فإنه لا يجبر صاحب السفل على بنائه ; لأنه يلحقه فيه مؤنة لم يرض بالتزامها ولكن يبني صاحب العلو السفل ، ثم يبني عليه علوه ولا يسكنه صاحب السفل حتى يؤدي إليه قيمة البناء وقد بينا هذا في الدعوى

وإذا كان لرجل نخلة في ملكه فخرج سعفها إلى ملك غيره فأراد الآخر قطع سعفها فله ذلك ; لأنه شاغل لهواء ملكه وكان له أن يطالبه بالتفريغ فهذا مثله إلا أنه إنما يتمكن من قطعه إذا كان لا يتمكن صاحب النخلة من أن يجوز إلى هواء ملكه فإن كان يتمكن من ذلك أمره به ; لأن مقصوده تفريغ هواء ملكه وذلك يحصل بهذا الطريق فليس له أن يلحق الضرر لصاحب النخلة في قطع سعفها فإن صالحه رب النخلة على أن يترك السعف على دراهم مسماة لم يجز ; لأن هذا لا يجوز استحقاقه من هواء ملك الغير بالبيع والإجارة فكذلك لا يجوز استحقاقه بالصلح وهذا ; لأنه تمليك جزء من الهواء بعوض وهو غير معلوم في نفسه إذ أن السعف يطول بمضي الوقت .
ولو أن نهرا بين قوم فاصطلحوا على كريه أو بوضع ممشاة أو قنطرة عليه على أن يكون النفقة عليهم بحصصهم فهذا جائز كله عليهم ; لأنهم يجبرون على ذلك لو لم يصطلحوا إذا كان فيه ضرر عام فإن رفع الضرر واجب فإذا اصطلحوا كان إلى الجواز أقرب فإن كان بحيث لا يضرهم تركها ففي القنطرة والممشاة لا يجبرون على ذلك ; لأنه تدبير في الملك وهو مفوض إلى رأي الملاك وإنما يجبرون على إزالة الضرر العام فما ليس فيه ضرر عام لا يجبرون عليه وأما الكري فإني أجبر عليه ; لأن في تركه ضررا عاما فإن للناس في النهر حق السقي فيتضررون بانقطاع ذلك عنهم ولا يصل إليهم ملك المنفعة إلا بالكري وللإمام أن يجبر الشركاء فيه على الكري وتمام هذا في كتاب الشرب .
ولو ادعى زرعا في أرض رجل فصالحه من ذلك الزرع على دراهم فهو جائز ; لأنه صلح على الإنكار وقد بينا أن المدعى بنفس الدعوى صار حقا للمدعي في جواز الاعتياض عنه ولم يعارضه المدعى عليه بإنكاره فلا يبطل عليه هذا الحق بمعارضته إياه بإنكاره ; لأن ذلك ليس بحجة في حق المدعي في إبطال حقه ، وكذلك لو ادعى نصفه ، وإن كان بيع نصف الزرع قبل الإفراك يجوز ; لأن امتناع جواز البيع لما على البائع من الضرر في التسليم وهذا لا يوجد هنا ولأن النصف [ ص: 160 ] الآخر من الزرع لصاحب الأرض وبيع نصف الزرع من شريكه قبل الإدراك جائز
ولو كانت أرض لرجلين فيها زرع لهما فادعاه رجل فجحداه ، ثم صالحه أحدهما على أن أعطاه مائة درهم على أن يسلم نصف الزرع للمدعي لم يجز ; لأن المدعى عليه يصير مملكا نصف الزرع قبل الإدراك من غير شريكه بعوض وذلك لا يجوز ولأن نصف الزرع والأرض للذي هما في يديه فلو جوزنا هذا الصلح صار نصف الزرع للمصالح فيجبر على قلعه وتفريغ أرض الآخر منه ولا يتأتى ذلك إلا بقلع الكل وفيه من الضرر على الآخر ما لا يخفى ، وكذلك هذا في البيع ، وكذلك النخل والشجر إذا كان مشتركا بين اثنين فباع أحدهما نصيبه من غير شريكه لم يجز ذلك وقد بينا هذا في البناء في كتاب الشفعة فهو مثله في النخل والشجر
ولو ادعى رجل سقفا في دار في يد رجل فصالحه منه على سكنى بيت من هذه الدار معلوم عشر سنين فهو جائز ; لأن ما وقع عليه الصلح منفعة معلومة ببيان المدة فإن أجره من الذي صالحه جاز في قول أبي يوسف رحمه الله ولم يجز في قول محمد رحمه الله وهذا بناء على الفصل المتقدم أن عند محمد رحمه الله استحقاق هذه المنفعة بالصلح كاستحقاقها بالإجارة ولهذا قال : يبطل الصلح بموت أحدهما كما تبطل الإجارة ، ثم المستأجر إذا أجر المؤجر من الآخر لا يجوز فكذلك هنا إذا أجره من الذي صالحه لا يجوز وعند أبي يوسف رحمه الله استحقاقه هذه المنفعة باعتبار ملكه بناء على زعمه لا باعتبار العقد فكما يملك الاعتياض عنه مع غير الذي صالحه بالإجارة منه فكذلك يملك مع الذي صالحه ولهذا قال أبو يوسف رحمه الله إن وارثه يخلفه بعد موته في استيفاء هذه المنفعة ولا يبطل الصلح بموت أحدهما ، ثم على قول محمد رحمه الله إذا استأجر الذي كان في يديه فكان عنده حتى مضى الأجل لم تجب عليه الأجرة ولكن يبطل الصلح ويعود المدعي على دعواه لفوات المعقود عليه في ضمانه قال ولو باع هذا السكنى بيعا من رجل لم يجز بيع السكنى وهذا فصل مشترك فإن لفظ البيع يملك به الرقبة وملك الرقبة سبب لملك المنفعة فكان ينبغي أن يجوز استعارة لفظ البيع لتمليك المنفعة به مجازا كما أنه يجوز النكاح بلفظ الهبة والبيع بهذا الطريق وزعم بعض أصحابنا رحمهم الله أن تأويل هذه المسألة فيما إذا أطلق البيع في السكنى وبين المدة وإنما يفسد لترك بيان المدة كما لو صرح بلفظ الإجارة ( قال رحمه الله ) والأصح عندي أن الجواب مطلق على ما قال في الكتاب

وإنما [ ص: 161 ] امتنع جواز بيع السكنى لانعدام المحل لا لفساد الاستعارة فالمنفعة معدومة في الحال وإيجادها ليس في مقدور البشر والمعدوم لا يكون محلا لإضافة العقد إليه فالشرع أقام الموجود وهو الدار المنتفع بها مقام المنفعة في جواز إضافة عقد الإجارة إليها فأما لفظ البيع إن أضيف إلى الدار فهو تمليك لعينها ، وإن أضيف إلى المنفعة فالمعدوم لا يكون محلا لإضافة العقد إليه سواء كانت الإضافة بلفظ الإجارة أو بلفظ البيع حتى لو قال الحر لرجل بعتك نفسي شهرا بكذا لعمل فهذه إجارة صحيحة قال : فكذلك لو صالحه الذي كانت الدار في يده من هذه السكنى على دراهم فهو جائز ; لأنه لو صالحه في الابتداء على الدراهم يجوز فكذلك إذا صالحه على سكنى معلومة ، ثم منها على دراهم وهذا على أصل أبي يوسف رحمه الله ظاهر ; لأنه لو استأجره منه بدراهم جاز فكذلك إذا صالحه ومحمد رحمه الله يقول : الصلح يمكن تصحيحه بطريق إسقاط الحق فأما الإجارة فلا يمكن تصحيحها إلا بطريق التمليك وإذا كان يتملك هو عليه المنفعة بجهة المعاوضة فيملك أن يملكه منه بمثل تلك الجهة ، وكذلك لو صالحه من الدراهم على دنانير وقبضها فهو جائز ; لأن المصالح عليه إذا كان نقدا فهو كالثمن

والاستبدال بالثمن قبل القبض جائز لكن بشرط قبض الدنانير قبل الافتراق ; لأن النقد صرف ولأنه لو فارقه قبل القبض كان افترقا عن دين بدين ولو قبض البعض ثم تفرقا جاز بمقدار ما قبض ويرجع بحصة ما بقي من الدراهم اعتبارا للبعض بالكل قال والإقرار من المدعي للذي في يديه الشيء به على وجه الصلح لا يمنعه من الدعوى إذا بطل الصلح بوجه من الوجوه لما بينا أن الإقرار إن ثبت فإنما يثبت ضمنا للصلح وما يثبت ضمنا للشيء يبقى ببقائه ويبطل ببطلانه كالوصية بالمحاباة في ضمن البيع والإقرار به من الذي هو في يديه عند الصلح للمدعي يوجب رده عليه إذا بطل الصلح ; لأنه إقرار مقصود وكان يجب العمل به قبل تمام الصلح فكذلك بعد بطلان الصلح قال : وكل شيء وقع الصلح عليه مما لو استحق رجع بقيمته فله أن يبيعه قبل أن يقبضه بمنزلة الصداق وبدل الخلع والصلح عن دم العمد ; لأنه لم يبق في الملك المطلق للتصرف عذر يمكن التحرز عنه فإن ملكه لا يبطل بالهلاك ولكن يتحول إلى القيمة وكل شيء يرجع فيه على دعواه فليس له أن يبيعه قبل القبض لبقاء الغرر في الملك المطلق للتصرف كما في البيع وفي العقار الخلاف معروف في جواز البيع قبل القبض وقد بيناه في البيوع فكذلك إذا وقع الصلح عليه

ولو ادعى دارا في يدي رجل حقا فصالحه من ذلك على [ ص: 162 ] عبدين فدفع إليه أحدهما ومات الآخر في يده فالمدعي بالخيار إن شاء رد العبد الذي قبضه وعاد في دعواه ، وإن شاء أمسك ورجع في حصة العبد الميت ; لأن الصفقة تفرقت عليه قبل القبض والتمام فإن تمام الصفقة بقبضها وقد بينا أن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي وهو كما لو اشترى عبدين فهلك أحدهما قبل القبض

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #422  
قديم 22-12-2025, 01:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون

صـــ 162الى صـــ 171
(422)







ولو كان ادعى في أرض حقا فصالحه منها على أرض أخرى بإقرار فغرقت الأرض التي وقع الصلح عليها فإن شاء المدعي رضي بها ، وإن شاء تركها إن كان قد نقصها الغرق ; لأن ما وقع عليه الصلح بمنزلة المبيع وقد تعيب قبل التسليم فإن غرقت الأرض التي كان ادعى فيها قبل أن يصل إليها المصالح ونقصها الغرق فهو بالخيار أيضا ; لأن الصلح على الإقرار محض معاوضة فكان المدعى عليه مشتر للمدعى به وقد تعيب قبل القبض فله الخيار ، وإن كان الصلح وقع على الإنكار لم يكن له فيها خيار ; لأن في زعم المدعي أن المدعى عليه غاصب بجحوده وإنه بالصلح كالمشتري فصار قابضا بنفس الشراء وإنما تعيب بعد ذلك .
ولو ادعى سكنى في دار وصية من رب الدار فجحده أو أقر به ثم صالحه منه على شيء جاز ، وإن كان الموصى له بالسكنى لا يؤاجر ; لأن تصحيح الصلح بطريق إسقاط الحق بعوض ممكن والأصل فيه أن الصلح صحيح بطريق المعاوضة إن أمكن وإن تعذر ذلك تصحح بطريق الإسقاط كما لو صالح من الألف على خمسمائة ، وكذلك لو صالحه على سكنى دار أخرى فإنه يصح هذا الصلح بطريق الإسقاط لما تعذر تصحيحه بطريق التمليك فإن مبادلة السكنى لا تجوز
ولو ادعى دارا في يد رجل فصالحه منها على دراهم مسماة أو على شيء من الحيوان على أن يزيد الآخر كر حنطة لمدة وليس عنده طعام لم يجز ; لأن ما يقع عليه الصلح مبيع وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز قال : ( ألا ترى ) أنه لو باع عبدا بدراهم واشترط للمشتري مع العبد طعاما يعطيه إياه وليس عنده كان البيع فاسدا لهذا المعنى .
ولو ادعى في دار رجل طريقا فصالحه منها على دراهم أو على طريق في دار أخرى كان جائزا بعد أن يبين أن الطريق بمنزلة البيع
ولو كان له باب في غرفة أو كوة وآذاه جاره وخاصمه فافتدى من خصومته بدراهم وصالحه عليها فالصلح باطل وله أن يترك بابه وكوته على حالهما قال : لأنهما في غير ملك أحد ومعنى هذا أن الباب والكوة يكون برفع بعض الحائط والحائط خالص ملكه ولو رفعه كله لم يكن لجاره أن يمنعه من ذلك فكذلك إذا رفع بعضه ، وبهذا يتبين أن الجار ظالم له مدع بالباطل وأنه أخذ منه مالا ليكف عن ظلمه وذلك حرام فلهذا لزمه [ ص: 163 ] رده والله أعلم بالصواب .
( قال : رحمه الله ) قد ذكرنا في كتاب الشفعة أن صلح الشفيع مع المشتري على ثلاثة أوجه في وجه يصح على أخذ نصف الدار بنصف الثمن وفي وجه لا يصح ولا تبطل شفعته وهو أن يصالح على أخذ بيت بعينه من الدار بحصته من الثمن ; لأن حصته مجهولة ولا تبطل شفعته ; لأنه لم يوجد منه الإعراض عن الأخذ بالشفعة بهذا الصلح وفي وجه تبطل شفعته ولا يجب المال وهو أن يصالح على أن يترك الشفعة بمال يأخذه من المشتري فهنا تبطل شفعته لوجود الإعراض منه عن الأخذ بالشفعة ولا يجب المال ; لأن ملك المشتري في الدار لا يتغير بهذا الصلح بل يبقى على ما كان قبل الصلح وترك الشفعة ليس بمال ولا يئول مالا بحال فالاعتياض عنه بالمال لا يجوز بخلاف القصاص فإن نفس القاتل كانت مباحة في حق من له القصاص وبالصلح تحدث له العصمة في حقه فيجوز أن يلزمه بمقابله
ولو صالح المشتري الشفيع على أن أعطاه الدار وزاده الشفيع على الثمن شيئا معلوما فهو جائز ; لأن تسليم الدار بالشفعة بثمن بغير قضاء يكون بيعا مبتدأ والثمن الذي وقع عليه التراضي معلوم فكأنه باعه منه مرابحة بما سميا من الثمن
وإذا اختصم في الشفعة شريك وجار فاصطلحا على أن أخذاها نصفين وسلمهما المشتري جاز كما لو باعها منهما ابتداء
وإذا اشترى الرجل دارا فخاصمه رجل في شقص منها وطلب الشفعة فيما بقي ، ثم صالحه المشتري على نصف الدار بنصف الثمن على أن يبرأ من الدعوى فهو جائز بمنزلة البيع المبتدإ فإن بيع نصف الدار منه بالثمن ابتداء صحيح وشرط البراءة من الدعوى لا يبطل البيع أما إذا لم يكن مشروطا فتصحيح هذا بعقد ممكن بأن كان للمدعي جزء من هذا النصف فيكون المدعي تاركا للدعوى فيه بإقدامه على الشراء ابتداء وقابضا لذلك الشقص بحقه مشتريا لما زاد عليه بما سمى من الثمن أو مصالحا في ذلك الشقص بعوض يؤديه مشتريا فيما زاد عليه
ولو ادعى في دار في يد رجل حقا أو ادعاها كلها فصالحه على دارهم فلا شفعة للشفيع فيها ; لأن المدعى عليه يزعم أن الدار له على قدم ملكه وزعمه فيما في يده معتبر فكما لا يتمكن المدعي من أخذ ما في يده باعتبار زعمه فكذلك الشفيع وقد بينا أن بإقدامه على الصلح لا يصير مقرا للمدعي بالدار وإنما التزم البدل فداء [ ص: 164 ] ليمينه .

وإن خاصمه في الشفعة فسلم له نصف الدار بنصف الثمن الذي صالح عليهما المدعي جاز كما لو باعه منه ابتداء
ولو اشترى أرضا فسلم الشفيع الشفعة ، ثم جحد التسليم وخاصمه فصالحه على أن أعطاه نصف الدار بنصف الثمن جاز وهذا والبيع المبتدأ منه سواء
وكذلك لو مات الشفيع ، ثم صالح الورثة المشتري على نصف الدار بنصف الثمن جاز كالبيع المبتدأ
وإذا ادعى الرجل شفعة في دار فصالحه المشتري على أن يسلم له دارا أخرى بدراهم مسماة على أن يسلم له الشفعة فهذا فاسد لا يجوز ; لأنه بائع الدار الأخرى منه وقد شرط فيه تسليم الشفعة وهو شرط ينتفع به أحد المتعاقدين فإذا شرط في البيع فسد العقد كما لو باعه عبدا بألف درهم على أن يسلم له الشفعة
ولو ادعى شفعة في عبد فصالحه المشتري على أن يسلم نصف العبد بنصف الثمن وهو معلوم عندهما جاز ; لأنه بيع مبتدأ والبيع ينعقد بلفظ التسليم وبفعل التسليم ، وإن لم يكن هناك لفظ كما هو مذهبنا في انعقاد البيع صحيحا بالتعاطي والله أعلم بالصواب .
( قال : رحمه الله ) وإذا ادعى الرجل في دار حقا فصالحه ذو اليد على عبد إلى أجل فالصلح فاسد ; لأن تصحيح الصلح على الإنكار بطريق البناء على زعم المدعي وفي زعمه أنه يتملك العبد بغير عينه بعوض هو مال وذلك فاسد فإن قيل الحيوان يثبت دينا في الذمة في العقود المبنية على التوسع في البدل كالنكاح والخلع والصلح على الإنكار بهذه الصفة قلنا لا كذلك ولكن الحيوان لا يثبت دينا في الذمة بدلا عما هو مال وإنما يثبت بدلا عما ليس بمال .

( ألا ترى ) أن الغرة وجبت شرعا في جنين الحرة دون جنين الأمة وهذا ; لأن مقابلة ما ليس بمال بمال لا يثبت ثبوتا صحيحا بل يردد بين الحيوان والقيمة وبمقابلة ما هو مال لا يمكن إثباته بهذه الصفة ، ثم الصلح على الإنكار في المصالح عليه غير مبني على التوسع .

( ألا ترى ) أنه لا يثبت في الذمة مع جهالة الصفة وأنه يرد بالعيب اليسير والفاحش فكذلك لا يثبت الحيوان فيه دينا فإن كان صالحه من حقه فقد أقر له بالحق ولكن لم يبين مقداره فالقول فيه قول المدعى عليه بعد أن يقر بشيء لإنكاره الزيادة بمنزلة ما لو قال لفلان علي حق ، وإن كان صالحه من دعواه لم يكن ذلك إقرارا ; لأن الدعوى قد تكون حقا وقد تكون باطلا .

( ألا ترى ) أنه لو قال لفلان علي دعوى لا يصير مقرا له بشيء بهذا اللفظ بخلاف قوله : لفلان علي حق فكذلك [ ص: 165 ] لو صالحه على دراهم مسماة إلى الحصاد وما أشبهه ; لأن الصلح فيما يقع عليه الصلح كالبيع واشتراط هذه الآجال المجهولة مفسد للبيع

ولو ادعى رجل في عبد رجل دعوى فصالحه على غلته شهرا فهذا فاسد بخلاف ما إذا صالحه على خدمته شهرا ; لأن الخدمة معلومة ببيان المدة وهي مقدورة التسليم لصاحب العبد فأما الغلة فمجهولة المقدار في نفسها غير مقدورة التسليم لصاحب العبد ; لأنه ما لم يؤاجره من غيره لا تحصل الغلة له وذلك لا يتم به وحده وبعد ما أجره لا تجب الغلة إلا بسلامة العبد في الشهر ولعله يمرض أو يموت فلهذا بطل الصلح ، وكذلك الصلح على غلة الدار وثمرة النخل فاسد ; لأنه مجهول وهو على خطر الوجود بخلاف الوصية فإنها أخت الميراث فمثل هذه الجهالة لا تمنع صحتها أما الصلح فهو بمنزلة البيع والإجارة فيما يقع الصلح عليه ومثل هذه الجهالة تمنع الاستحقاق بالبيع والإجارة
. وعلى هذا لو صالح من دعواه على شرب يوم من هذا النهر في الشهر من غير أن يكون له حق في رقبته فإنه لا يجوز والوصية بمثله تجوز لما قلنا .
ولو ادعى قبل رجل ألف درهم دينا فصالحه منها على عشرة دنانير إلى أجل لم يجز مقرا كان أو جاحدا أما إذا كان مقرا فلأن هذا صرف بالنسيئة ، وكذلك لو صالحه منها على طعام موصوف مؤجل أو غير مؤجل وفارقه قبل القبض فهو باطل ; لأنه دين بدين والدين بعد المجلس حرام لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الكالئ بالكالئ ، وكذلك لو صالحه من غيره فهو في هذا المعنى وصلح المدعى عليه سواء

ولو ادعى عليه ألف درهم سودا فصالحه منها بعد الإنكار على ألف درهم بخية إلى سنة لم يجز ; لأن البخية لها فضل فالبخية الجياد التي هي نقد بيت المال سميت بذلك ; لأنه يقال لمن يتملكها بخ بخ ، ثم جعل هذا الفضل عوضا عن الأجل ومعاوضة المال بالأجل لا يجوز وفي نظيره نزل قوله تعالى {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة } ولو ادعى عليه بخية فصالحه على سود مثلها أو أقل حالا أو مؤجلا فهو جائز ; لأن صاحب الحق هو المحسن إليه من كل وجه حيث أبرأه عن فضل الجودة ولو أبرأه عن بعض المقدار وأجله فيما بقي جاز أيضا وإذا كان الإحسان كله من جهته لا يتحقق معنى المعاوضة بينهما
ولو باع عبدا بألف درهم سود ثم صالحه على ألف ومائة نبهرجة أو زيوف حالة أو إلى أجل كان ذلك باطلا ; لأن ما شرط من زيادة القدر عوض عن الأجل أو عن صفة الجودة فإن الزيوف دون السود في الجودة ومثل هذه المعاوضة ربا شرعا
وكذلك لو صالحه منها على شيء مما يكال أو يوزن بغير عينه لم يجز ; لأن المكيل [ ص: 166 ] والموزون إذا قابلته الدراهم يكون مبيعا وهو بيع ما ليس عند الإنسان وذلك باطل قبض في المجلس أو لم يقبض ولا يمكن تصحيحه سلما وإن ذكر شرائط السلم ; لأن رأس المال دين وعقد السلم برأس مال هو دين لا يجوز .

ولو كان لرجل قبل رجل ألف درهم غلة فصالحه منها على خمسمائة بخية نقدا ونقدها إياه فهو جائز في قول أبي يوسف رحمه الله الأول باعتبار أنه يجعل كل واحد منهما محسنا إلى صاحبه بطريق الإسقاط فصاحب الحق أبرأه عن خمسمائة والمديون أعطى ما بقي أجود مما عليه وهذا منه إحسان في قضاء الدين وذلك مندوب إليه وإذا كان المقصود بالصلح قطع المنازعة فإذا أمكن تصحيحه لا يجوز إبطاله وهنا تصحيحه بطريق ممكن فلا يحل على المعاوضة وإن تفرقا قبل أن يقبض فله خمسمائة من غلة الكوفة ; لأنه أبرأه عما بقي وإنما تبقى الخمسمائة في ذمته بالصفة التي كانت قبل الإبراء والمجازاة على الإحسان مطلوبة بطريق ولكن غير مستحق دينا ، ثم رجع فقال : الصلح باطل وهو قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ; لأنهما صرحا بالمعاوضة فإنه أبرأه عن الخمسمائة بشرط أن يسلم له بصفة الجودة فيما بقي ومعاوضة الدراهم بالجودة لا يجوز ومع التصريح بالمعاوضة لا يمكن حمله على البراءة المبتدأة كما إذا باع درهما بدرهمين لا يجعل أحد الدرهمين هبة ليحصل مقصودهما
وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم على أن يبيعه بها هذا الثوب أو على أن يؤاجره بها هذه الدار أو صالحه منها على عبد بعينه على أن يشتريه منه فهذا فاسد لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن صفقتين في صفقة وقد بينا أن الصلح في معنى البيع واشتراط بيع أو إجارة في البيع يكون مفسدا له ، وكذلك لو صالحه منها على دار وشرط أن يسكنها الذي عليه الدين سنة أو على عبد وشرط خدمته سنة فهو فاسد ; لأنه شرط الأجل في تسليم العين ، أو شرط أحد المتعاقدين منفعة لنفسه من ملك صاحبه وذلك مفسد للبيع والإجارة فكذلك يفسد الصلح .
ولو ادعى رجل في غنم رجل دعوى فصالحه منها على صوفها الذي على ظهرها أن يجزه من ساعته فهو جائز في قول أبي يوسف رحمه الله ولا يجوز في قول محمد رحمه الله ; لأن المصالح عليه إذا كان معينا فهو كالمبيع وبيع الصوف على ظهر الغنم باطل فكذلك الصلح .

( ألا ترى ) أنه لو صالحه على صوف على ظهر شاة أخرى بعينها لم يجز لهذا المعنى وأبو يوسف رحمه الله يقول : تصحيح هذا الصلح باعتبار زعم المدعي ممكن ; لأنه يزعم أن الصوف والشاة ملكه وإنه يترك للمدعى عليه بعض ملكه ويبقى في الصوف لا إن تملكه ابتداء وذلك [ ص: 167 ] جائز وقد بينا أن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي وأن من أصل أبي يوسف رحمه الله أنه إذا أمكن تصحيح الصلح بوجه ما يجب تصحيحه لقطع المنازعة بخلاف ما إذا صالحه على صوف على ظهر شاة أخرى ولو صالحه على ألبانها التي في ضروعها أو على ما في بطونها من الولد فهو باطل أما عند محمد رحمه الله فلأن هذا بمنزلة البيع وأما عند أبي يوسف رحمه الله فلأنه إنما يمكن تصحيح هذا الصلح بطريق إبقاء ملكه في بعض العين واللبن في الضرع والولد في البطن ليس بعين مال متقوم ووجوده على خطر فربما يكون انتفاخ البطن والضرع بالريح بخلاف الصوف على ظهر الغنم فهو مال متعين متقوم مملوك فتصحيح الصلح بطريق إبقاء الملك فيه ممكن
ولو ادعى في أجمة في يدي رجل حقا فصالحه على أن يسلم صيدها للمدعي سنة فهذا فاسد ; لأنه مجهول ووجوده على خطر ، وكذلك لو صالحه على ما فيها من الصيد إذا كان ذلك لا يوجد إلا بصيد ، وإن كان محظورا ; لأنه غير مملوك لأحد وبيعه لا يجوز لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ضربة القانص ونهى عمر وابن مسعود رضي الله عنهما عن بيع السمك في الماء وإذا كان الصيد محظورا وهو يؤخذ بغير صيد كان الصلح جائزا وله الخيار إذا رآه بمنزلة البيع وقيل تأويله إذا أخذتم السمك في الماء أو دخل الأجمة مع الماء ، ثم منع من الخروج بسد فوهة الأجمة فيكون ذلك بمنزلة الأخذ الموجب للملك ولكنه غير مرئي فأما إذا دخل الأجمة مع الماء ولم يسد فوهة الأجمة فلا يجوز بيعه ; لأنه لم يصر مملوكا لصاحب الأجمة بالدخول في أجمته ما لم يأخذه .

ولو ادعى في عبد دعوى فصالحه من ذلك على مخاتيم دقيق معلومة من دقيق هذه الحنطة أو على أرطال من لحم شاة حية لم يجز ; لأنه لا يجوز بيع شيء من ذلك إما ; لأنه معدوم في الحال أو ; لأنه يحتاج في تسليمه إلى بضع البنية وذلك مانع من جواز العقد ، وكذلك لو صالحه على عبد آبق فإن الآبق لا يجوز بيعه ; لأن ماليته تاوية بالإباق وهو غير مقدور التسليم فكذلك الصلح عليه
ولو ادعى قبل رجل مائة درهم وكر حنطة سلما فصالحه من ذلك على عشرين دينارا لم يجز إذا كان رأس المال دراهم ; لأن في حصة الحنطة هنا استبدال بالمسلم فيه فيبطل لقوله صلى الله عليه وسلم { لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك } والعقد صفقة واحدة فإذا بطل بعضه بطل كله عند أبي حنيفة رحمه الله ظاهر وأما عندهما فالصلح كذلك وقد بيناه في الكتاب وهذا ; لأن مبنى الصلح على الحط والإغماض والتجوز بدون الحق وربما يكون ذلك في البعض دون البعض فبعد ما بطل في البعض لا يمكن تصحيحه [ ص: 168 ] فيما بقي

وإن كان رأس المال خمسة دنانير فصالحه منها على عشرين دينارا خمسة منها رأس مال السلم جاز ; لأن في حق السلم هذا صلح على رأس المال وما وراء ذلك بمقابلة المائة وهو صرف مقبوض في المجلس فيكون جائزا وذكر عن أبي إسحاق الشيباني رحمه الله قال : سألت عبد الله بن مغفل وفي رواية معقل عن رجل كان لي عليه عشرة أكرار حنطة فاشتريت بها منه أرضا فقال : لي خذ رأس مالك وإنما أورد هذا لبيان أن الاستبدال بالمسلم فيه قبل القبض لا يجوز ، ثم عندنا يبقى عليه طعام السلم بحاله أن الشراء والصلح إذا بطل صار كالمعدوم وكأنه ذهب إلى أنهما قصدا إسقاط طعام المسلم إلى عوض فيعتبر قصدهما بحسب الإمكان ورد رأس المال متعين لذلك ولكن ما ذكرنا أقوى وعن طاوس رحمه الله قال : أسلم رجل إلى رجل في حلل دق فأراد أن يعطيه حلل جل كل حلتين بحلة فسأله ابن عباس رضي الله عنهما عن ذلك فكرهه وبه نأخذ فإن هذا استبدال بالمسلم فيه ; لأن الثياب من أنواع مختلفة وأجناس مختلفة وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع ما في بطون الأنعام وعن بيع ما في ضروعها إلا مكيلا يعني إلا مكيلا بعد الحلب وعن بيع العبد الآبق وعن بيع ضربة القانص وعن بيع الصدقة حتى تقبض وعن بيع المغنم حتى يقسم } وبذلك كله نأخذ فإن بيع نصيبه قبل القسمة باطل ; لأنه بيع قبل الملك ، وكذلك بيع الصدقة قبل القبض وبيع ضربة القانص وبيع العبد الآبق باطل للعجز عن التسليم وبيع ما في بطون الأنعام وما في ضروعها للغرر والجهالة وعن محمد بن زيد قال : سألت ابن عمر رضي الله عنهما فقلت إني أسلمت إلى رجل ألف درهم وقال : إن أعطيتني برا فبكذا وإن أعطيتني شعيرا فبكذا فقال : سم في كل نوع وزنا فإن أعطاك فذاك وإلا فخذ رأس مالك وبه نقول إذ مثل هذه الجهالة والتردد يمنع صحة السلم وأنه لا يأخذ بطريق الصلح إلا سلمه أو رأس ماله وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه نهى عن بيع اللبن في الضرع والحمل في البطن
وإن صالحه عن سلمه على رأس ماله ، ثم صالحه من رأس المال على شيء آخر يدا بيد لم يجز ذلك ; لأن حال رب السلم مع المسلم إليه بعد الإقالة كحال المسلم إليه مع رب السلم قبل قبض رأس المال وكما أن الاستبدال برأس المال قبل القبض لا يجوز فكذلك بعد الإقالة قبل الرد إلا أنهما يفترقان من حيث إن قبض رأس المال واجب في المجلس وبعد الإقالة لا يجب قبض رأس المال في المجلس وكان ذلك بمعنى الدينية فإن الدين بالدين حرام أو لمقتضى لفظ السلم فهو أخذ عاجل [ ص: 169 ] بآجل وذلك غير موجود في الإقالة وليس من ضرورة كونه غير مستحق القبض في المجلس جواز الاستبدال به كالمسلم فيه وعن زفر رحمه الله الاستبدال بعد الإقالة جائز ; لأنه دين سبب وجوبه القبض فيجوز الاستبدال به كبدل القرض والغصب وهذا هو القياس ولكنا تركناه لما بينا ولقوله صلى الله عليه وسلم { لا تأخذ إلا سلمك أو رأس مالك } فلو جوزنا الاستبدال برأس المال بعد الإقالة كان آخذا غير سلمه وغير رأس ماله وذلك ممتنع شرعا
ولو أسلم رجل إلى رجل دراهم في شيء سلما فاسدا وتفرقا كان له أن يأخذ بدراهمه ما بدا له يدا بيد ; لأنه دين سبب وجوبه القبض وعقد السلم كان باطلا في الأصل وإنما يلزمه رد المقبوض باعتبار القبض والاستبدال ببدل القرض فإن جعله في شيء من الوزن إلى أجل مسمى فهو فاسد ; لأنه دين بدين فالمقبوض صار مملوكا له مع فساد العقد بالقبض ومثله صار دينا في ذمته فالسلم يضاف إلى ذلك الدين
ولو ادعى عبدا في يد رجل ، ثم صالحه منه على دراهم أو دنانير مؤجلة والعبد قائم أو هالك فهو جائز ; لأنه إن كان قائما بعينه فهو بيع العبد بثمن مؤجل في زعم المدعي ، وإن كان هالكا فالواجب هو القيمة والقيمة دراهم أو دنانير فهذا تأجيل في بدل المغصوب وذلك جائز وقد بيناه في الصرف ، وإن صالحه على طعام مؤجل جاز إن كان العبد قائما بعينه ; لأن الطعام متى كان دينا بمقابلة العبد يكون ثمنا ولم يجز إن كان هالكا أما عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله فظاهر ; لأن الواجب هو القيمة فيكون بائعا ما ليس عنده ; لأن الطعام إذا قوبل بالدراهم والدنانير يكون مبيعا وعند أبي حنيفة رحمه الله ما يقع الصلح عليه يكون بدلا عن العبد على ما بيناه في الصلح عن المغصوب الهالك على أكثر من قيمته أنه جائز عنده ولكن العبد الهالك في معنى الدين ; لأن ما لا يمكن الوقوف على عينه فهو دين فيكون ذلك دينا بدين فلهذا كان فاسدا ولو لم يكن فيه أجل جاز إن كان بعينه أو بغير عينه فدفعه إليه قبل أن يتفرقا عن عين بدين وذلك جائز وهو دليل لأبي حنيفة رحمه الله

فإنه لو كان ما يقع عليه الصلح بدلا عن القيمة لم يجز ، وإن قبض في المجلس إذا كان دينا عند العقد ; لأنه بيع ما ليس عند الإنسان وإن فارقه قبل أن يقبضه ولم يكن بعينه والعبد هالك بطل ; لأنهما افترقا عن دين بدين ، وكذلك إن صالحه على ثياب مؤجلة والعبد هالك لم يجز ; لأنه دين بدين وهو فاسد شرعا والله أعلم بالصواب .
[ ص: 170 ] قال : رحمه الله ) اعلم بأن القياس يأبى جواز المهايأة ; لأنها مبادلة المنفعة بجنسها وكل واحد من الشريكين في نوبته ينتفع بملك شريكه عوضا عن انتفاع الشريك بملكه في نوبته ولكن تركنا القياس وجوزناه للكتاب والسنة أما الكتاب فقوله تعالى { لها شرب ولكم شرب يوم معلوم } وهذا هو المهايأة وأما السنة فما روي أن الرجل الذي خطب تلك المرأة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم { فقال صلوات الله عليه ماذا تصدقها قال نصف إزاري هذا قال : صلى الله عليه وسلم ما تصنع بإزارك إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك شيء } وهذا تفسير المهايأة ولأن المنافع يجوز استحقاقها بالعقد بعوض وبغير عوض كالأعيان ثم القسمة في الأعيان المشتركة عند إمكان التعديل جائزة فكذلك في المنافع المشتركة ولهذا يجبر القاضي الشركاء على المهايأة إذا طلب ذلك بعضهم وأبى البعض والذي أبى لم يطلب قسمة العين والأصل أن اختصاص العقد باسم لاختصاصه بحكم يدل عليه معنى ذلك الاسم فقسمة المنافع لما اختصت باسم المهايأة فذلك دليل على اختصاصها بمعنى يدل عليه هذا الاسم وهو أن وصول نصيب أحدهما إليه يسبق وصول نصيب الآخر إليه بخلاف قسمة العين وهذا العقد ليس كالإجارة في جميع الأحكام ; لأن في الإجارة يستحق منفعة العين بالعقد وهنا ما يستوفيه كل واحد منهما بل يجعل في الحكم كأنه منفعة ملكه على ما هو موضوع القسمة من العين وكون معنى المعاوضات فيه بيعا وليس في عين العارية أيضا لهذا المعنى ولأن العارية لا يتعلق بها الاستحقاق ويتعلق بالمهايأة فمن هذا الوجه تشبه الإجارة ولكن الاستحقاق في المهايأة دون الاستحقاق في الإجارة على معنى أن هناك لا ينفرد أحدهما بالفسخ بغير عذر وهنا يملك أحد الشريكين فسخ المهايأة بطلب القسمة ; لأن الأصل فيما هو المقصود وهو تمييز الملك قسمة العين والمهايأة خلو عنه

( ألا ترى ) إن في الابتداء لو طلب أحدهما قسمة العين لم يشتغل القاضي بينهما بالمهايأة فكذلك في الانتهاء إذا طلب ما هو الأصل وهو قسمة العين لا تستدام المهايأة بينهما ثم العارية والإجارة تبطل بموت أحدهما وقسمة الشركة تبطل بموت أحدهما عند محمد وعند أبي يوسف رحمه الله لا تبطل والمهايأة لا تبطل بموت أحد الشريكين ; لأنا لو أبطلناها احتجنا إلى إعادتها فالشريك الحي أو وارث الميت طالب لذلك ولا فائدة في نقض شيء يحتاج إلى إعادته في الحال
ثم المهايأة قد تكون بالمكان وقد تكون بالزمان فصورة [ ص: 171 ] المهايأة بالمكان فيما بدئ الباب به قال : دار بين رجلين تهايآ فيها على أن يسكن كل واحد منهما منزلا معلوما وأن يؤاجر كل حصة منزله فهو جائز ولا حاجة إلى بيان المدة في صحة هذا العقد ; لأن المهايأة قسمة المنفعة المشتركة وفي قسمة العين لا حاجة إلى بيان المدة فكذلك في قسمة المنفعة المشتركة ولأن الحاجة إلى بيان المدة في الإجارة لمعرفة مقدار ما يستحق من المنفعة من تلك العين على وجه به تنقطع المنازعة وكل واحد منهما هنا يستوفي المنفعة باعتبار أنه ملكه والمنازعة تنقطع ببيان منزل لكل منهما ، ثم إن كانا شرطا في المهايأة أن يؤاجر كل واحد منهما منزله فذلك جائز ، وإن لم يشترطا ففي ظاهر المذهب لكل واحد منهما أن يفعل ذلك في نصيبه وما يستوفى من الغلة حلال له وكان أبو علي الشاشي رحمه الله يقول : ليس لكل واحد منهما إلا ما شرط ; لأن كل واحد منهما منتفع بنصيب صاحبه حقيقة فالمنزل الذي في يده مشترك بينهما وليس ذلك بحكم المعاوضة بينهما ; لأن معاوضة المنفعة بجنسها لا يجوز فعرفنا أن ذلك بطريق الإباحة والإعارة والمستعير لا يؤاجر بمطلق العقد ووجه ظاهر الرواية أن المهايأة قسمة المنفعة فما يصيب كل واحد منهما من المنفعة يجعل مستحقا له باعتبار قديم ملكه ; لأن المنفعة جنس واحد لا يتفاوت بمنزلة القسمة في المكيل والموزون وهو يملك الاعتياض عن المنفعة المملوكة له لا من جهة غيره سواء شرط ذلك أو لم يشترط وليس لأحدهما أن يحدث في منزله بناء ولا ينقضه ولا يفتح بابا في حائط ولا كوة إلا برضا صاحبه ; لأن العين تبقى مشتركة بينهما كما كانت قبل المهايأة وأحد الشريكين لا يستبد بشيء من هذه التصرفات في الملك المشترك ما لم يرض به صاحبه وبالمهايأة إنما تثبت القسمة في المنفعة ففيما ليس من المنفعة حالهما بعد المهايأة كما قبلها ، وكذلك لو تهايآ على أن يكون السفل في يد أحدهما والعلو في يد الآخر ; لأن كل واحد منهما مسكن بمنزلة المنزلين في علو أو سفل

وكذلك التهايؤ في الدارين على السكنى والغلة جائز وكان الكرخي رحمه الله يقول : المراد إذا تراضيا عليه فأما عند طلب بعض الشركاء فالقاضي لا يجبر على ذلك عند أبي حنيفة رحمه الله بمنزلة القسمة للعين وقد بينا في كتاب القسمة أن قسمة الجبر لا تجري في الدور عند أبي حنيفة رحمه الله بهذه الصفة فكذلك التهايؤ وإلا ظهر أن القاضي يجبر عليه عند طلب بعض الشركاء ; لأن القسمة في المهايأة تلاقي المنفعة دون العين ومنفعة السكنى تتقارب ولا تتفاوت إلا يسيرا بخلاف قسمة العين فالمعادلة في المالية هناك معتبرة والدور [ ص: 172 ] تختلف في المالية باختلاف المكان والجيران ولهذا كان لكل واحد منهما أن يؤاجر ما في يده ويأكل غلته ; لأن المنفعة سالمة له بهذه القسمة باعتبار قديم ملكه .

( ألا ترى ) أن في الدارين إذا غلت ما في يد أحدهما أكثر مما غلت ما في يد الآخر فليس لواحد منهما أن يرجع على صاحبه بشيء بخلاف الدار الواحدة فهناك إذا تهايآ فيها على الاستغلال فكانت غلة نصيب أحدهما في نوبته أكثر فذلك الفضل بينهما ; لأن في الدارين معنى القسمة والتميز بالتراجع على معنى أن كل واحد منهما يصل إلى المنفعة والغلة في الوقت الذي يصل إليه صاحبه فما يستوفيه كل واحد منهما عوض عن قديم ملكه يستوجبه بعقده فيسلم له وفي الدار الواحدة كل واحد منهما بمنزلة الوكيل من صاحبه في إجارة نصيبه في نوبته إذا تهايآ على الاستغلال فإنما يكون ذلك بالزمان وأحدهما يصل إلى الغلة قبل وصول الآخر إليها وذلك لا يكون قضية القسمة فلا بد أن يجعل كل واحد منهما بمنزلة وكيل عن صاحبه وما يقبضه كل واحد منهما عوض عما يقبض صاحبه من عوض نصيبه فعند التفاضل يثبت التراجع فيما بينهما ليستويا ويوضح هذا أن الفرق على ما ذهب إليه الكرخي رحمه الله أن في المهايأة في الدارين يعتمد التراضي عند أبي حنيفة رحمه الله ظاهر وعندهما قسمة الجبر في الدارين عند أبي حنيفة رحمه الله لا تجري إلا إذا رأى القاضي المصلحة فيه وعند التراضي يسلم لكل واحد منهما ما رضي به صاحبه وفي الدار الواحدة لا يعتبر التراضي في المهايأة فلا بد من اعتبار المعادلة فيما هو المقصود بالمهايأة فلهذا يتراجعان فضل الغلة
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #423  
قديم 22-12-2025, 01:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي






الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد العشرون

صـــ 172الى صـــ 183
(423)






والمهايأة في النخل والشجر على كل الغلة باطل ; لأن غلة النخل والشجر لا يجوز استحقاقها بعقد الإجارة فلا تستحق بالمهايأة أيضا وهذا ; لأنها عين تبقى بعد حدوث ويتأتى فيها قسمة العين وإنما جواز المهايأة فيما لا يتأتى فيها القسمة بعد الوجود حقيقة أو ما يكون عوضا منه كغلة الدار ونحوها ولهذا لا تجوز المهايأة في الغنم على الأولاد والألبان والأصواف ; لأنها عين تحتمل القسمة بعد الوجود حقيقة
ولو ادعى في دار حقا فتهايآ على أن ينزل بيتا منها من غير صلح على أن يكف عن الخصومة حتى يبدو له أن يخاصم على أنه لا يستحق من سكنى البيت شيئا ولا يلزمه بخروجه حق فذلك جائز ; لأن ذا اليد أعاره البيت والآخر ترك الخصومة زمانا ومثل هذا يجوز بالتراضي فيه ولا يتعلق به اللزوم وكل واحد منهما على حجته إذا بدا له
والتهايؤ على الخدمة في العبد الواحد تجوز على الزمان هذا شهر وهذا شهر ; لأن اعتبار المعادلة في قسمة الخدمة بالزمان ممكن وذلك في العبدين إذا تهايآ [ ص: 173 ] على أن يخدم هذا العبد أحدهما والعبد الآخر فذلك جائز أما عندهما فلأن قسمة الجبر في الرقيق تجري فكذلك في خدمة الرقيق وأما عند أبي حنيفة رحمه الله في الرقيق لا تجري قسمة الجبر ; لأن اعتبار المعادلة في المالية غير ممكن فإنها تختلف بمعان باطنة لا يوقف على حدها وذلك لا يوجد في الخدمة والمهايأة في خدمة العبدين والمهايأة في خدمة العبد الواحد سواء
ولو تهايآ على الغلة في العبدين لم يجز في قول أبي حنيفة رحمه الله وجاز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله وفي العبد الواحد لا تجوز المهايأة في الغلة بالاتفاق فهما يقولان معنى القسمة والتمييز يترجح في غلة العبدين ; لأن كل واحد منهما يصل إلى نصيبه في الوقت الذي يصل إلى صاحبه فيجوز ذلك كما في المهايأة في الخدمة وفي غلة الدارين فأما في العبد الواحد فمعنى المعاوضة يغلب ; لأنه يصل أحدهما إلى الغلة قبل أن يصل الآخر إليه وفيه معنى الخطر وربما يمرض العبد في نوبة أحدهما فيعجز عن الخدمة وربما يمتنع من الخدمة بدعوى الحرية ومعنى الخطر في المعاوضة مبطل له وبه فارق غلة الدار الواحدة ; لأن باعتبار العادة هناك الغلة تسلم لكل واحد منهما في نوبته والغالب هو السلامة توضيحه أن المهايأة في الغلة من وجه كالمهايأة في الخدمة ; لأن الغلة بدل المنفعة ومن وجه كالمهايأة في غلة النخل ; لأن ما يسلم لكل واحد منهما به عين فلشبهه بالمهايأة في الخدمة جوزنا ذلك في العبدين لترجح معنى القسمة فيها ولشبهه بالمهايأة في غلة النخل أبطلنا ذلك في العبد الواحد وأبو حنيفة رحمه الله

يقول : المقصود بهذه المهايأة سلامة سبب ملك الحيوان فلا يجوز كالمهايأة في غلة العبد الواحد وكالمهايأة في أولاد الغنم وألبانها وهذا ; لأن التهايؤ على الاستقلال لو كان يجوز في الرقيق لكان جوازه في العبد الواحد أولى ; لأن معنى المعادلة والتمييز فيه أظهر منه في العبدين فإذا لم يجز ذلك في العبد الواحد فأولى أن لا يجوز في العبدين وهذا ; لأن الآدمي في يد نفسه وربما لا ينقاد في الاستعمال وكل واحد منهما لا يتمكن من تحصيل ما هو المقصود بنفسه في نوبته أو فيما في يده من العبد وقيل هذا المسألة تنبني على اختلافهم في قسمة الرقيق فالمقصود لكل واحد منهما المالية هنا فأبو حنيفة رحمه الله لا يرى قسمة الجبر في الرقيق وهما يريان قسمة الجبر في الرقيق فكذلك في غلة الرقيق ولهذا لا تجوز المهايأة في غلة العبد الواحد عندهم جميعا ; لأن القسمة لا تجري فيه بخلاف المهايأة للخدمة فالمقصود هناك المنفعة دون المالية فجاز ذلك في العبد الواحد والعبدين
وإذا كانت جارية بين رجلين فخاف كل واحد منهما [ ص: 174 ] صاحبه عليها فقال : أحدهما تكون عندك يوما وعندي يوما وقال الآخر بل نضعها على يدي عدل فإني أجعلها عند كل واحد يوما ولا أضعها على يدي عدل إلا بتراضيهما ; لأن اليد مستحقة لكل واحد منهما كالملك فكما لا يجوز إبطال ملك العين عليهما بطلب أحدهما فكذلك إبطال ملك اليد وفي التعديل إبطال اليد على كل واحد منهما ولأن ما يخاف كل واحد منهما موهوم والموهوم لا يعارض المتحقق وباعتبار الملك المتحقق لكل واحد منهما يستحق العبد في نوبته فلا يجوز إبطاله عن يد ما هو موهوم فإن تنازعا فيمن يبدأ به في هذه المهايأة فالرأي في ذلك إلى القاضي يبدأ بأيهما شاء كما في القسمة

والمهايأة في الخدمة والسكنى للقاضي أن يبدأ بأيهما شاء على وجه النظر دون الميل والأولى أن يقرع بينهما نفيا لتهمة الميل عن نفسه وقد بينا أن فيما للقاضي أن يفعله بغير إقراع يستعمل القرعة لتطييب قلوب الشركاء ونفي تهمة الميل عن نفسه
التهايؤ على الركوب أو الغلة في الدابتين لا يجوز في قول أبي حنيفة رحمه الله فيما يعلمه أبو يوسف رحمه الله وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يجوز في الغلة كالركوب جميعا أما في الغلة فهو بناء على التهايؤ في غلة العبدين وقد بينا ذلك وإنما صحت الراوية هنا عن أبي حنيفة رحمه الله فقال فيما يعلم أبو يوسف رحمه الله لأن الدابتين في القسمة ليستا كالعبدين عند أبي حنيفة رحمه الله فقسمة الجبر في الدابتين تجوز ولا تجوز في العبدين ولكن لما كان المقصود أن ما يملكه كل واحد منهما بسبب ملك الحيوان يشبه هذا التهايؤ في الغنم على الأولاد والألبان فكذلك لا يجوزه أبو حنيفة رحمه الله
وأما الكلام في المهايأة في ركوب الدابتين فأبو يوسف ومحمد رحمهما الله يقولان : منفعة الركوب في الدواب كمنفعة الخدمة في العبيد والسكنى في الدار ( ألا ترى ) أن استحقاق ذلك بالإجارة يجوز ، وكذلك استيفاؤه بالإعارة فكما لا تجوز المهايأة في خدمة العبدين فكذلك في ركوب الدابتين وأبو حنيفة رحمه الله يقول : جواز المهايأة في خدمة العبدين باعتبار معنى المعادلة والتمييز وذلك في ركوب الدابتين غير ممكن فالناس يتفاوتون في ركوب الدابة فرب راكب يروض الدابة ويثقلها الآخر ولهذا لو استأجر دابة أو استعارها ليركبها هو لم يكن له أن يركب غيره ، وبهذا الطريق يتعذر اعتبار معنى المعادلة بين الشريكين في الانتفاع بالدابتين ركوبا بخلاف الخدمة والسكنى وذلك لا يختلف باختلاف المستوفى ( ألا ترى ) أن من استأجر عبدا للخدمة كان له أن يؤاجره من غيره وإذا ثبت بهذا الطريق أن التهايؤ على الدابتين في الركوب لا يجوز ثبت في الغلة بالطريق [ ص: 175 ] الأولى ; لأن استقلال الدواب بالإجارة ممن يركبها وذلك غير معلوم عند المهايأة والضرر على كل دابة يختلف باختلاف من يركبها فلهذا لا يجوز وعلى هذا الخلاف التهايؤ في ركوب دابة واحدة ; لأنهما لا يجوزان التهايؤ في غلة دابة واحدة كما لا يجوزان في غلة عبد واحد والتهايؤ في الغنم على الألبان والأولاد لا يجوز ; لأن ذلك يزيد وينقص ووجود أصله على خطر وكل واحد منهما لا يتمكن من تحصيل ما هو المقصود لنفسه فيما في يده

والتهايؤ في دار وعبد على السكنى والخدمة جائز ; لأن ما هو المقصود لكل واحد منهما يجوز استحقاقه بالمهايأة عند اتحاد الجنس فعند اختلاف الجنس أولى وعلى الغلة باطل في قول أبي حنيفة رحمه الله وهو جائز في قولهما ; لأن عند أبي حنيفة رحمه الله غلة العبد لا تستحق بالتهايؤ واعتبار هذا الجانب يبطل العقد واعتبار جانب غلة الدار يصححه ويتمكن المفسد من أحد الجانبين بفساد العقد كما لو باع دارا بألف درهم ورطل من خمر
ولو تهايآ في أرض على أن يزرع كل واحد منهما طائفة منها معلومة ويؤاجرها جاز بمنزلة السكنى في الدار ولهما أن يبطلا المهايأة ويقتسما إذا بدا لهما أو لأحدهما لما بينا أن قسمة العين هو الأصل في الباب وتمام التمييز به يحصل وورثتهما في ذلك بمنزلتهما لقيام الوارث مقام المورث فيما هو من حقه ، وكذلك المهايأة في دار وأرض على أن يسكن هذا الدار ويزرع هذا الأرض ، وكذلك المهايأة في دار وحمام ; لأن كل واحدة من المنفعتين يجوز استحقاقها بالمهايأة
ولو كانت المهايأة في منزل واحد على أن يسكن أحدهما سفله والآخر علوه فانهدم العلو كان لصاحبه أن يسكن مع صاحبه السفل ; لأنه إنما رضي بسقوط حقه عن سكنى السفل بشرط سلامة سكنى العلو له ولم يسلم له حين انهدم فكان هو على حقه في سكنى السفل باعتبار ملك نصيبه وورثته في ذلك بمنزلته
إن كانا تهايآ على الخدمة في عبد أو أمة أو في عبد وأمة على أن تخدم الأمة أحدهما والعبد الآخر واشترطا على كل واحد منهما طعام خادمه ففي القياس هذا لا يجوز ; لأن مقدار ما يتناول من الطعام في نوبة كل واحد منهما غير معلوم والآدمي قد ينشط للأكل في وقت ولا ينشط في وقت آخر والطعام عليهما سواء لاستواء ملكيهما فيه فلا تمكن في هذا الشرط معاوضة بينهما فيما هو مجهول وفي العبد والأمة هذا القياس أوضح ولكن استحسن جواز ذلك لقلة التفاوت واعتبار ما عليه عادة الناس من المساهلة في أمر الطعام ، وإن اشترطا الكسوة بهذه الصفة لم يجز لكثرة التفاوت في الكسوة ولأنه لا يجري في الكسوة من المساهلة ما يجري في [ ص: 176 ] الطعام ، ثم كل واحد منهما بما يتناول يتقوى على الخدمة فالظاهر أن كل واحد منهما لا يمنعه من التناول بقدر الكفاية لما له فيه من المنفعة والجهالة إذا كانت لا تفضي إلى المنازعة لا تفسد العقد ولا يوجد ذلك في الكسوة إذ ليس للكسوة تأثير في إحداث القوة على زيادة الخدمة فإن أقتا من الكسوة شيئا معروفا لم يجز ذلك ; لأن التفاوت يقل وينعدم بعدم بيان الوصف والمنازعة تنقطع به ولأن معنى المعاوضة هنا فيما لا يتم معنى اللزوم فيه فإنه بناء على المهايأة وقد بينا أن حكم اللزوم لا يتم بالمهايأة وفي مثله البيان الموصوف يثبت بالقسمة كما في الصداق ونحوه
ولو كانت غنم بين رجلين فتهايآ على أن يرعاها كل واحد منهما شهرا أو على أن يستأجر لها أجيرا جاز ; لأن الرعي في الدواب بمنزلة الطعام في بني آدم أو أظهر منه فالتفاوت ينعدم هنا والحر والعبد في ذلك سواء وولي الصغير بمنزلة الصغير في ذلك ; لأنه من جملة حوائجه - يرجع إلى إصلاح ملكه وهو من صنع التجار
ولو تهايآ على الخدمة في الأمتين ، ثم وطئ أحدهما الأمة التي عنده فعلقت فسدت المهايأة ; لأنه تملك نصيب شريكه حين استولدها بضمان نصف القيمة وكما لا يصح ابتداء المهايأة إلا بعمل مشترك فكذلك ما لا يبقى ولا شركة بينهما فيها بعد ما استولدها أحدهما ، وكذلك لو ماتت أو أبقت انتقضت المهايأة ; لأنه إنما رضي بسلامة خدمة الأخرى لشريكه بشرط أن يسلم له خدمة التي هي في يده وقد فات ذلك بموتها أو بإباقها ولو استخدمها الشهر كله إلا ثلاثة أيام في أول الشهر ، ثم مرضت أو أبقت نقصت الآخر من شهره ثلاثة أيام باعتبار المعادلة فيما يستوفيه كل واحد منهما من منفعة الملك المشترك ، ثم يستقبلان المهايأة ولو لم ينقص الثلاثة أيام حتى تم الشهر في خدمته لم يكن له عليه في ذلك شيء ; لأنه إنما فضل صاحبه في استيفاء بعض الخدمة والخدمة لا تتقوم إلا بالعقد بالتسمية ، وكذلك لو أبقت إحداهما الشهر كله واستخدم الآخر الأخرى الشهر كله لم يكن عليه في تلك الخدمة ضمان ولا أجر ; لأن المنفعة لا تتقوم بالإتلاف .

( ألا ترى ) أنه لو استخدم الأمة المشتركة أحدهما من غير رضا الشريك لا على وجه المهايأة لم يلزمه في ذلك ضمان لصاحبه بمنزلة الغاصب ولو عطبت إحداهما في الخدمة لم يضمنها صاحبها ; لأن كل واحد منهما أمين في نصيب صاحبه مما في يده وإنما يستخدمها بإذن صاحبه فيكون هو في ذلك كالمستعير أو المستأجر ولو زوجها من هي في يده لم يجز ذلك ; لأن التزويج تصرف يعتمد الولاية وثبوت الولاية بملك الرقبة وملك الرقبة لكل واحد منهما غير تام فما في يده بعد [ ص: 177 ] المهايأة كما قبلها فإن وطئها الزوج فالمهر بينهما ; لأن المهر بدل المستوفى بالوطء وذلك في حكم جزء من العين كالأرش فأما الذي زوج فله الأقل من نصف المسمى ومن نصف مهر مثلها ; لأنه رضي بسقوط حقه في ما زاد على المسمى ورضاه معتبر في حقه وأما الذي لم يزوج فله نصف مهر مثلها ; لأنه لم يرض بسقوط حقه عن شيء منه بالقسمة
وعلى هذا السكنى في المنزل فإنه لو انهدم من سكنى أحدهما أو احترق من نار أوقدها فيه لم يضمن ; لأنه بمنزلة المستعير أو المستأجر ولو توضأ فيها فزلق رجل بوضوئه أو وضع شيئا فيها أو جلس فيها أو ربط فيها دابة فعبر به إنسان من أهل الدار أو غيرهم لم يضمن ; لأن هذا كله من توابع السكنى .

( ألا ترى ) أن للمستعير والمستأجر أن يفعل ذلك ففعل كل واحد منهما بتسليط شريكه كفعلهما جميعا ولو بنى فيها بناء أو احتفر فيها بئرا فهو ضامن ويرجع عليه بقدر حصته ; لأن هذا التصرف ليس من توابع السكنى فلا يستحقه بالمهايأة فكان هو متعديا في نصيب شريكه والسبب متى كان بطريق التعدي فهو كالمباشرة في إيجاب الضمان وإنما يتحقق ذلك في نصيب شريكه دون تضييع فلهذا يرجع بقدر حصته
وإذا تهايأ الرجلان في خادمين على أن يخدم أحدهما هذا سنة لفضل خدمتها والأخرى هذا الآخر سنتين فهو جائز لوجود التراضي منهما وحصول المقصود وهو المعادلة في الخدمة فإن ولدت إحداهما ولدا ومدة المهايأة طويلة فشب الولد فيها كانت خدمته بينهما ; لأن استحقاق الخدمة بالمهايأة لا يسري إلى الولد بمنزلة استحقاق ذلك بالوصية أو الإجارة فالولد تولد من العين فيكون مشتركا بينهما كالأصل ولم تتناوله المهايأة مقصودا ولا تبعا فكانت خدمته بينهما كخدمة الأصل قيل وإذا مات أحد الشريكين وعليه دين لم يكن لورثته أن ينفذوا المهايأة ولكن نصيبه يباع في دينه ; لأن حق الغرماء يتعلق بمالية نصيبه بموته وهو مقدم على حق ورثته فكما لا يجوز للورثة مباشرة ابتداء المهايأة مع قيام الدين على الميت فكذلك لا يكون لهم استدامة المهايأة ولو باع أحدهما نصيبه من إحدى الخادمين أو أعتقه نفذ تصرفه وبطلت المهايأة ; لأن شركته لم تبق بعد ما نفذ بيعه فيه وعتقه وإذا كاتب أحدهما نصيبه فلشريكه أن يبطل المكاتبة لدفع الضرر عن نفسه فإن لم يعلم بها حتى أدت بطلت المهايأة ولو باع أحدهما نصيبه بيعا فاسدا ولم يسلم لم تبطل المهايأة وهو الشركة في الأصل ، وإن سلم بطلت المهايأة لزوال ملكه عن نصيبه وفي البيع الجائز بنفس العقد يزول ملكه فتبطل المهايأة سلم أو لم يسلم ، وكذلك لو كان المشتري [ ص: 178 ] بالخيار ; لأن ملك البائع يزول مع خيار المشتري ، وإن كان البائع بالخيار لم تبطل المهايأة إلا أن يمضي البيع ; لأن خيار البائع يمنع زوال ملكه عن البيع في المدة ما لم يسقط الخيار والله تعالى أعلم بالصواب .

( قال : رحمه الله ) وإذا كان للصغير دار أو عبد فادعى رجل فيه دعوى فصالحه أبوه على شيء من مال الصبي ينظر في ذلك فإن كان للمدعي بينة وكان ما أعطى الأب من مال الصبي مثل حق المدعي أو أكثر مما يتغابن الناس فيه جاز ; لأن سبب الاستحقاق للمدعي ظاهر شرعا فالأب بهذا الصلح يصير كالمشتري لتلك العين لولده بماله والأب غير متهم في حق ولده فعند ظهور الحق للمدعي بالبينة إنما يقصد الأب النظر للصبي وربما يكون له في العين منفعة لا يحصل ذلك بقيمته ، وإن لم يكن له بينة لم يجز الصلح من الصبي ; لأن المدعي ما استحق شيئا على الصبي بمجرد دعواه سوى الاستحلاف ولا يستحلف الأب ولا الصبي في حال الصغر وإنما يستحلف إذا بلغ فالأب يفدي هذه اليمين بمال الصغير وإلا فاليمين ليست بمتقومة وليس للأب ولاية دفع مال الصبي بإزاء ما ليس بمتقوم فإن صالح من مال نفسه فهو جائز بمنزلة أجنبي آخر صالح على مال نفسه وضمن ولو ادعى الأب حقا للصبي في مثل ذلك ، ثم صالحه منه على شيء وقبضه وهو مثله أو أقل مما يتغابن الناس فيه جاز كما لو باعه ممن هو في - يده ، وإن كان أقل منه بشيء كثير لم يجز إن كانت له بينة ; لأن سبب استحقاق الصبي ظاهر شرعا بالحجة فهو بهذا الصلح كأنه يبيع ماله بغبن فاحش ، وإن لم تكن له بينة على حقه فالصلح جائز ; لأن الصبي ما استحق قبل ذي اليد شيئا سوى اليمين ولا منفعة للصبي فالأب جعل مالا بمقابلة ما ليس بمال وهو غير متهم في هذا بل هو ناظر للصبي بتصيير ما ليس بمال في حقه مالا ووصي الأب في هذا بعد موت الأب كالأب ، وكذلك الجد ووصي الجد ولا يجوز صلح غير هؤلاء كالأم والأخ على الصبي ولا عنه ; لأنه لا ولاية له عليه فهو في الصلح في حقه كالأجنبي والمعتوه بمنزلة الصبي ; لأنه مولى عليه .
ولو كان للصبي دين على رجل فصالحه أبوه على بعض وحط عنه بعضا فإن كان الأب هو الذي ولي مبايعته جاز الحط في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وهو ضامن لما حطه ولا يجوز في قول أبي يوسف رحمه الله وهو نظير [ ص: 179 ] اختلافهم في الوكيل بالبيع ، وإن لم يكن ولي مبايعته لم يجز حطه ، وكذلك الوصي ; لأن ثبوت الولاية لهما مقيد بشرط النظر للصبي وليس من النظر إسقاط شيء من حقه بالحط فهما في ذلك كأجنبي آخر
ولو ادعى الوصي شقصا في دار فجحده رب الدار فصالحه على دراهم قبضها جاز ذلك إن لم يكن لهم بينة على الأصل وكانوا صغارا وكبارا ; لأن الوصي قائم مقام الموصي وفي هذا الصلح نظر للموصى عليه فهو بالدعوى ما استوجب على الخصم إلا اليمين ولأن منفعته في مال يقضي به دينه ويستغني به ورثته وإن كانت لهم بينة عليه وكان ما قبض مثل قيمة ذلك أو أقل مما يتغابن الناس فيه جاز عليهم جميعا في قول أبي حنيفة رحمه الله ولا يجوز في قولهما على الكبار في حصتهم إلا برضاهم وهو نظير اختلافهم في بيع الوصي شيئا من التركة وفي الورثة صغار وكبار وقد بينا ذلك في الشفعة ويستوي عندهما إن كانت لهم بينة أو لم تكن ; لأنه لا ولاية للوصي على الكبار من الورثة فهو في حقهم كأجنبي آخر وصلح وصي الأم والأخ على الصبي مثل صلح وصي الأب في غير العقار ; لأن فيما سوى العقار للوصي ولاية البيع في تركة الموصي فكذلك له ولاية الصلح فأما في العقار فليس له ولاية البيع فيما صار للصغير من هذه التركة كما لم يكن للموصي ذلك في ملك الصبي ولا يجوز صلحه فيه أيضا ، وكذلك لو كانت الورثة كبارا وصغارا فصلح الوصي فيما سوى العقار جائز عليهم بشرط النظر كما لا يجوز بيعه فيه للحفظ عليه

. وإذا كان على الميت دين أو أوصى بوصية فصالح الوصي من دعوى له في دار فهو على ما ذكرنا في الورثة إذا كانوا صغارا ; لأن باعتبار الدين والوصية يثبت للوصي في الولاية للميت حتى يجوز بيعه في جميع التركة عند أبي حنيفة رحمه الله فكذلك الصلح
وإذا ادعى الوارث الكبير على الوصي ميراثا من صامت أو رقيق أو أمتعة فجحده ثم صالحه من جميع ذلك على عبد أو ثوب معلوم جاز لوجود التراضي منهما على ما اصطلحا عليه ، وكذلك لو قال أفتدي منك يميني بذلك ; لأن الصلح على الإنكار فداء لليمين بالمال ولا فرق بين لفظ الفداء وبين لفظ الصلح فيه وإن كانا وارثين ادعيا ذلك قبله فصالح أحدهما على عرض من غير إقرار لم يكن للآخر أن يرجع على الوصي بشيء ; لأنه بالصلح على الإنكار لم يصر مقرا له بشيء وإنما فدى يمينه وللآخر أن يستحلفه إن شاء ; لأن حق الاستحلاف كان ثابتا لهما فأسقط ذلك أحدهما بالمال فصح ذلك في حقه وفي حق الآخر لا يصح إلا برضاه فإن أبى فهو على حقه في الاستحلاف ، وإن أراد أن يشارك أخاه فيما [ ص: 180 ] قبض فله ذلك باعتبار أنه صار راضيا بالصلح فكأنهما صالحاه وهذا إذا كان ما ادعياه مستهلكا ; لأن الصلح مبني على زعمهما في حقهما وفي زعمهما أن قيمة ذلك دين على الوصي مشترك بينهما وأحد الشريكين في الدين إذا صالح على شيء كان للآخر أن يشاركه في المقبوض إلا أن يعطيه نصف ما ادعى من ذلك

فإن كانت الورثة صغارا وكبارا وصالح الوصي الكبار من دعواهم ودعوى الصغار على دراهم وقبضها الكبار وأنفقوا على الصغار حصتهم من ذلك فإن ذلك لا يجري على الصغار ; لأنه لا ولاية للكبار على الصغار وللصغار أن يرجعوا بحصتهم على الوصي إذا أدركوا ويرجع الوصي على الكبار بحصة الصغار مما أخذوا ; لأنهم يزعمون أنهم أخذوا المال عوضا عن الكل وقد استحق الصغار نصيبهم على الوصي فكان لهم أن يرجعوا بحصة ذلك من المأخوذ من الكبار
وإذا أقر الوصي أن لأحد الورثة عنده من ميراثه كذا ، وكذا درهما فأراد بقية الورثة أن يرجعوا على الوصي بحصتهم كما أقر لهذا لم يكن لهم ذلك ولكن ما أقر به لهذا فهو بينهم على المواريث ; لأن الوصي أمين فيما في يده من التركة والقول قول الأمين في براءة نفسه ولكن لا يقبل قوله فيما يدعي من وصول المال إلى غيره كالمودع إذا ادعى الرد على الوصي فهنا أيضا قول الوصي فيما يرجع إلى براءته مقبول سواء ذكر أنه سلم نصيب الكبار إليهم أو أن ذلك لم يصل إلى يده ولكن لا يقبل قوله في إسقاط حق الكبار عما أقر به للصغير ; لأن ذلك جزء من التركة وهو مشترك بينهم باعتبار الأصل فلا يقبل قول الوصي في تخصيص أحدهم به ولكن يجعل ما سوى هذا من التركة كالناوي فتبقى الشركة بينهم في هذا
وإذا أقر الوصي أن عنده للميت ألف درهم وللميت ابنان ، ثم صالح أحدهما من حصته على أربعمائة درهم من مال الوصي لم يجز ; لأنه أعطاه أقل من حصته وقد بينا في الدين أن مثل هذا الصلح يجوز بطريق الإسقاط وهنا لا يمكن تصحيحه بطريق الإسقاط ; لأنه عين في يد الوصي أمانة فلا بد من حمله على معنى المعاوضة ومبادلة الخمسمائة بأربعمائة لا يجوز ، وكذلك لو كان مع الألف متاع فالعلة المفسدة هنا أظهر ولو أن الوصي استهلك ذلك جاز الصلح على أربعمائة ; لأن ما استهلك صار دينا في ذمته فهذا حط عنه بعض حقه واستوفى البعض فيصح الصلح بطريق الإسقاط
وإذا مات الرجل وترك ابنا وامرأة وترك رقيقا وعقارا وأمتعة فقبضها الابن واستهلكها أو لم يستهلكها ثم صالحته المرأة بعد إقرار أو إنكار على دراهم مؤجلة أو حالة جاز ذلك وصلحها معه مثل صلح الأجنبي مع الأجنبي في الدعاوى ; لأنها تدعي ميراثا [ ص: 181 ] قبله فإن كان مقرا بذلك فالصلح على الإقرار جائز وما يعطيها عوض نصيبها إن كان قائما في يد الابن ، وإن كان مستهلكا فهي قد استوفت بعض حقها وأبرأته عما بقي وإن كان منكرا لحقها فالصلح مع الإنكار صحيح بطريق الفداء لليمين وقد بينا وجوه صلح بعض الورثة مع البعض واستوفينا جميع ذلك وقال : فإن كان في الميراث عين ودين فصالح الابن المرأة من ذلك كله ما خلا المال العين والدين فهو جائز ; لأن ما جعل مستثنى لم يتناوله عقد الصلح فكان ذلك غير موجود في التركة أصلا فكما يجوز الصلح من جميع المدعي يجوز من بعضه فيصح وهي إنما صالحته عن نصيبها من العروض والعقار خاصة وذلك جائز ، وإن كتب في كتاب البراءة إني دفعت إليك جميع حصتك من المال العين فهو جائز إذا أقرت بالقبض وإن كتب إني عجلت لك ميراثك من كل مال دينا على الناس من غير أن شرطتيه علي فهو جائز ; لأن إقرارها على نفسها حجة شرعا وما أقرت به كالمعاين في حقها فيبرأ الغريم من حصتها من الدين ; لأن تبرع أحد الورثة بقضاء ذلك الوارث الآخر كتبرع أجنبي آخر ومطلق هذا التبرع يوجب براءة الغريم عنه
وإذا مات الرجل فأوصى بثلثه لرجل وترك ورثة وفيهم الصغير والكبير فطلب الموصى له موصيه فصالحه بعض الورثة على دراهم مسماة على أن يسلم له ذلك خاصة دون بقية الورثة فإن كان الميراث ليس فيه مال غائب ولا عين حاضرة يكون ثلثه مثل ذلك فإني أجيز الصلح إذا كان المال المعين في يد المصالح أو كان الميراث رقيقا أو عقارا ; لأن الموصى له شريك الوارث في التركة فصلح الوارث معه كصلح أحد الوارثين مع الآخر وفي نظير هذا صلح أحد الوارثين مع الآخر على أن يكون نصيبه له صحيحا فكذلك صلح الوارث مع الموصى له فإن كان في الميراث دين لم يجز ذلك ; لأن ثلث ذلك الدين صار للموصى له بالثلث فهو يملك ذلك من الوارث يأخذ منه عوضه وتمليك الدين من غير من عليه الدين بعوض لا يجوز ، وإن كان عين ثلثه مثل ما أعطى أو أكثر لم يجز الصلح مراده بالعين النقد من الذهب والفضة وإذا وقع الصلح على جنس ذلك ومقدار حقه من ذلك الجنس مثل ما استوفى أو أكثر فهذا الصلح يكون ربا وقد بينا فساد ذلك فيما بين الورثة فكذلك فيما بين الوارث والموصى له وإذا كان المال المعين في يد الوصي وكان ما أعطى الوارث الموصى له أكثر من ثلثه جاز ذلك إذا قبض الوارث ذلك من الوصي قبل أن يتفرقا وإن تفرقوا قبل أن يقبض الوارث المال المعين من يد الوصي ينقص من الصلح حصة المال المعين ; لأن العقد في تلك [ ص: 182 ] الحصة قد صرف ويد الوصي يد أمانة فلا يصير الوارث قابضا بحكم الصرف بيد الوصي وإذا افترقا قبل أن يقبض ذلك منه فقد افترقا من المجلس قبل قبض بدل الصرف فيبطل الصلح في حصة ذلك ويجوز فيما سواه ، وكذلك إن صالحه على دنانير ; لأن في حكم الصرف ووجوب القبض في المجلس لا فرق بين أن يكون العقد متناولا لجنس واحد من النقود أو جنسين

وإن صالحه على مكيل أو موزون بعينه جاز ; لأنه مشتر لما وقع عليه الصلح بنصيبه من التركة والمشترى معلوم معين ، وإن كان بغير عينه لم يجز ; لأنها صفقة واحدة وفي حصة العين من التركة يبطل هذا الصلح ; لأنه بيع ما ليس عند الإنسان فالمكيل والموزون بالدراهم يكون مبيعا وإذا فسد في البعض فسد في الكل
وإذا صالحه على ثياب موصوفة أو مؤجلة ، ثم تفرقا قبل أن يقبض الوارث حصة الموصى له من المال المعين بطل من الثياب حصة المال المعين ; لأن صفة العقد في معنى السلم فيشترط قبض رأس المال في المجلس وألا يكون دينا بدين ، وإن تفرقا قبل القبض بطل العقد في ملك الحصة ولكن هذا فساد طارئ فطريان المفسد في البعض لا يفسد العقد في الباقي بخلاف المقارن وقد بينا نظيره في كتاب الصرف ولو كان هذا الصلح في مال الوارث على أن يسلم الموصى له جميع موصيه من الورثة على سهامهم كان القول فيه مثل ذلك في جميع ما بينا ; لأنه في الصلح في نصيب سائر الورثة هو متبرع عنهم بأداء المال وذلك يصح منهم كما يصح من الفضولي فكأنهم صالحوه جميعا على ذلك وصلح الوارث الموصى له وصلح الوارث سواء في جميع ما ذكرنا ; لأنهم في التركة شركاء ، وكذلك لو كان الميراث في يد الموصى له فصالح الوارث على أن أعطاه دراهم على أن يسلم الوارث ميراثه ; لأن الوارث يملك نصيبه من الموصى له بما يقبض منه من العوض فكما يجوز فيه صلح الوارث مع الموصى له إذا كانت التركة في يده يجوز فيه صلح الموصى له مع الوارث أيضا
ولو كان الميراث مالا معينا ومتاعا وحليا وفيه جوهر لا يخلص إلا بضرر والوارث رجلان كبيران وصغير له وصي ورجل موصى له فاصطلحوا على أن قوموا ذلك قيمة عدل وسموا لأحد الكبيرين حليا بعينه ومتاعا ومالا ، وكذلك للآخر وللصغير والموصى له وأنفذوا ذلك فيما بينهم وجعلوه لمصالحهم بتلك القيمة ولم يتقابضوا لم يجز ; لأن العقد فيما يخص الحلي صرف وترك القبض في المجلس يفسد فيه وذلك مفسد للعقد في حصة الجوهر أيضا ; لأنه لا يمكن تخليصه إلا بضرر ومثل هذا كما لا يجوز البيع فيه ابتداء فكذلك لا يبقى العقد فيه بعد ما فسد في [ ص: 183 ] حصة الحلي وقد بينا نظيره في الصرف في السيف المحلى ولو كان وارث منهم اشترى رقيقا ومتاعا بألف درهم ، ثم أن الوارث الآخر اشترى منهم حليا فيه جوهر بألف درهم على أن يحسب له من نصيبه لم يجز ذلك من قبل أن العقد فيه صرف ولم يوجد التقابض في المجلس ولأن حصته مما على أخيه داخلة في ذلك وهو دين

ولو كان بعض التركة دينا على أجنبي لم يجز مثل هذا الصلح بين الورثة فيه فكذلك إذا كان دينا على بعض الورثة قال غيره إنه يجوز من ذلك الجوهر بحصته إذا كان مميزا ، وإن كان غير مميز لم يجز شيء منه أما إذا كان غير مميز فالجواب ظاهر ; لأن فساد العقد من حصة الحلي فالافتراق مفسد في حصة الجوهر أيضا ، وإن كان مميزا فإن كان صلحه مع جميع الورثة والموصى له فإنه يجوز من حصة الجوهر ; لأن فساد العقد هنا بترك القبض في المجلس في حصة الحلي وذلك فساد طارئ لا باعتبار أن نصيبه دين فإنه ما صالح عن نصيبه على هذا الحلي وإنما اشترى هذا الحلي منهم بألف درهم على أن يحسب لهم من نصيبه فكان فساد العقد باعتبار أن الحلي غير مقبوض في المجلس وأن الوارث الصغير والموصى له يقبضان حصتهما مما هو دين على الأخ الآخر في المجلس وكل ذلك يفسد العقد لترك القبض في المجلس من غير أن يتبين فيه فساد العقد من الأصل فلهذا يبقى الصلح في حصة الجوهر إذا كان مميزا والله تعالى أعلم بالصواب










__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #424  
قديم 22-12-2025, 01:46 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون

صـــ 2الى صـــ 11
(424)




[ ص: 2 ] قال رحمه الله : ) وإذا أوصى الرجل بخدمة عبده سنة لرجل وهو يخرج من ثلثه فصالحه الوارث من الخدمة على دارهم أو على سكنى بيت أو على خدمة خادم آخر أو على ركوب دابة أو على لبس ثوب شهرا فهو جائز استحسانا ، وفي القياس لا يجوز ; لأن الموصى له بالخدمة في حكم الاعتياض كالمستعير ولهذا لا يملك أن يؤاجره كالمستعير وهذا لأنه يملك الخدمة بغير عوض في الموضعين ، ثم المستعير لا يعتاض عن الخدمة مع المعير فكذلك الموصى له .

وجه الاستحسان أن الصلح يصح بطريق الإسقاط إذا تعذر تصحيحه بطريق المبادلة كما لو صالح من الألف على خمسمائة وهنا تصحيحه بطريق إسقاط الحق بعوض ممكن ; لأنه استحق على الورثة تسليم العبد له في المدة ليستوفي خدمته ، وهو حق لازم لا يملك الوارث إبطاله فيجوز إسقاطه بعوض بخلاف المستعير فإنه لا يستوجب على المعير حقا لازما ، فلا يمكن تصحيح الصلح معه اعتياضا عن إسقاط الخدمة فكذلك لو فعل ذلك وصي الوارث الصغير وربما يكون هذا التصرف نظرا للصغير .

والوصي في ذلك يقوم مقامه إسقاطا كان أو تمليكا ، فإن مات العبد الموصى له بخدمته بعدما قبض الموصى له ما صالحوه عليه فهو جائز ; لأنه الذي من جانبه إسقاط الحق فيتم بنفسه ; لأن المسقط يكون متلاشيا والوارث بعد ذلك يستوفي خدمته بملكه لا بالتملك على الموصى له بعوض فبقاؤه ومؤنته في حكم الصلح سواء ، وإن صالحوه على ثوب فوجد به عيبا كان له أن يرده ويرجع في الخدمة ; لأن ما وقع عليه الصلح بمنزلة المبيع وإذا كان ما يقابله إسقاط الحق كما في الصلح على الإنكار والمبيع يرد بالعيب اليسير والفاحش وبرده ينفسخ البيع فهذا مثله وإذا انفسخ رجع في الخدمة وليس له بيع الثوب قبل أن يقبضه لبقاء الغرر في الملك المطلق التصرف كما في البيع ، ولو صالحه على دراهم كان له أن يشتري بها ثوبا قبل أن يقبضها بمنزلة الثمن يجوز الاستبدال به قبل القبض ، ولو أن الوارث اشترى [ ص: 3 ] منه الخدمة ببعض ما ذكرنا لم يجز ; لأن الشراء لفظ خاص وضع لتمليك مال بمال والموصى له بالخدمة لا يملك تمليكه من الوارث بخلاف لفظ الصلح .

( ألا ترى ) أن المدعى عليه بعد الإنكار لو صالح المدعي على شيء لم يصر به مقرا حتى إذا استحق عاد على رأس الدعوى ، ولو اشترى منه المدعي صار مقرا له بالملك حتى لو استحق البدل لرجع بالمدعى ، ولو قال أعطيك هذه الدار مكان خدمتك أو عوضا عن خدمتك أو بدلا من خدمتك أو مقاصة بخدمتك أو على أن تترك خدمتك كان جائزا ; لأنه ذكر معنى الصلح ، وتصحيحه بطريق إسقاط الحق ممكن من الوجه الذي قلنا في الصلح ، ولو قال : أهب لك هذه الدار على أن تهب لي خدمتك كان جائزا إذا قبض الدراهم ; لأن لفظة الهبة في معنى لفظ الصلح حتى يستعمل في الإسقاطات كما في التمليكات بخلاف لفظ البيع .

( ألا ترى ) أن هبة المبيع من البائع قبل القبض يكون إقالة إذا قبله البائع بخلاف البيع ، وقد طعن بعض مشايخنا رحمهم الله في هذا الفصل فقال : الهبة بشرط العوض تتم تبعا فتصير عند القبض بمنزلة ما لو صرحا بلفظ البيع ، وقد بينا أن ذلك لا يجوز وكما يستعمل الهبة في الإسقاطات مجازا فكذلك البيع .

( ألا ترى ) أنه يبيع العبد من نفسه ويبيع المرأة من نفسها ويكون ذلك إسقاطا بعوض بعبارة البيع ولكنا نقول الهبة بشرط العوض يثبت فيها حكم البيع ولا يعتبر لفظة البيع ، والبطلان هنا باعتبار لفظ البيع ولكنا نقول لا يحكم بالبيع ; لأن موضوعه لفظ خاص بتمليك مال . والثاني : أن لفظ الهبة إنما يعتبر بيعا بالتقابض من الجانبين وذلك غير متحقق هنا فالقبض لا يجري من الوارث للخدمة هنا في الحال ولا فيما بعده ; لأنا لو صححنا هنا بطريق الإسقاط والمسقط بلا شيء ، فلا يتصور القبض فيه ليصير به بيعا ، ولو كانالوارث اثنين فصالحه أحدهما وصرحا بتمليك الخدمة منه بعوض ولا يمكن تصحيحه إسقاطا ، ولكنه بمنزلة الإجارة والموصى له بالخدمة لا يؤاجر من الوارث ولا من غيره ، وإنما استحسنا إذا كان جميع الورثة ; لأن الخدمة تبطل ويصير العبد بينهم على الميراث ، وهو إشارة إلى طريق إسقاط الحق بقبض كما بينا .

ولو باع الورثة العبد فأجاز صاحب الخدمة البيع بطلت خدمته ولم يكن له في الثمن حق ; لأن حقه في الخدمة لا يكون أقوى من حق المستأجر والبيع ينفذ من المالك برضا المستأجر ولا يثبت حق المستأجر في الثمن فهذا مثله ، وهذا بخلاف حق المرتهن ، فإنه يثبت في الثمن إذا نفذ بيع الراهن برضاه ; لأن حق الموصى له في المنفعة والثمن بدل العين دون المنفعة وحق المرتهن في العين ; لأن موجب عقد [ ص: 4 ] الرهن ثبوت يد الاستيفاء له من مالية العين والثمن بدل العين وبالبيع يتحقق وصوله إلى مقصوده ، وهو الاستيفاء ; فلهذا يتحول حقه إلى الثمن ، وكذلك لو دفع بجناية برضا صاحب الخدمة جاز ; لأن الملك للورثة والمنفعة لصاحب الخدمة فيجوز دفعه بجناية بتراضيهما ويبطل به حق الموصى له لفوات محل حقه .

ولو قتل العبد خطأ وأخذوا قيمته كان عليهم أن يشتروا بها عبدا فيخدم صاحب الخدمة ; لأن القيمة بدل العبد فيثبت فيه حق صاحب الخدمة كما كان ثابتا في المبدل ، وهذا لأن الوصية بالخدمة ، وإن كانت بالمنفعة فهي تتعدى إلى العين حتى يستحق على الوارث تسليم العين إلى الموصى له ويعتبر خروج العين من الثلث والموصى له لم يرض بسقوط حقه هنا ; لأن القتل ما كان برضاه ليقوم البدل مقام الأصل في إيفاء حقه باعتباره بخلاف البيع ، فإن هناك نفوذه كان بإجازته وذلك منه إسقاط لحقه في الخدمة فلهذا يثبت حقه في الثمن .

ولو صالحوه على دراهم مسماة أو طعام أجزت ذلك بطريق إسقاط الحق بعوض ; لأن حقه بعد القتل باق كما كان قبله ، ولو قطعت إحدى يدي العبد فأخذوا أرشها فهو مع العبد يثبت فيه حق الموصى له بالخدمة اعتبارا لبدل الطرف ببدل النفس ، وإن اصطلحوا منها على عشرة دراهم على أن تسلم له بعينها والعبد أجزت ذلك بطريق إسقاط الحق بعوض .

ولو أوصى لرجل بسكنى داره سنة أو حياته ، ثم مات ، وهو يخرج من الثلث فصالحوا الوارث منها على سكنى دار أخرى سنين مسماة فهو جائز بطريق إسقاط الحق بعوض لا بطريق المبادلة ، فإن مبادلة السكنى بالسكنى لا تجوز ، ولو صالحه على سكنى دار أخرى حياته لم يجز ; لأن المصالح عليه يتملك عوضا وسكنى الدار من غير بيان العوض لا يجوز استحقاقها عوضا بالبيع ولا بالإجارة فكذلك الصلح ، بخلاف الموصى له ، فإن السكنى هناك تتملك بالوصية تبرعا بمنزلة العارية في حال الحياة ، فإن صالحه على سكنى دار مسماة فانهدمت بطل الصلح لفوات ما وقع عليه الصلح قبل دخوله في ضمانه ويرجع في داره الأولى فيسكنها حتى يموت إن كانت وصيته كذلك ، وإن كانت سنة رجع بحساب ما بقي .
ولو كان أوصى له بغلة عبد مدة فصالحه الورثة من ذلك على دراهم مسماة فهو جائز ، وإن كانت غلته أكثر من ذلك ; لأن تصحيح هذا الصلح بطريق إسقاط الحق دون المبادلة ، فلا يتمكن فيه الربا ، ولو صالحه أحد الورثة على أن تكون الغلة له خاصة لم يجز ، وإن كانت الوصية له بغلته سنة أو أبدا ; لأنهما صرحا بالتمليك وتمليك غلة العبد بعوض لا يجوز من أحد ، ولو استأجر منه العبد مدة معلومة جاز كما لو استأجره غير [ ص: 5 ] الوارث بخلاف ما تقدم من السكنى والخدمة ; لأن الموصى له بالغلة يملك أن يؤاجر فالغلة لا تحصل إلا به وإجارته من الوارث ومن غيره سواء بخلاف الموصى له بالخدمة والسكنى ، وهذا بخلاف الأول فهناك بالصلح يملك الغلة من الوارث إذا وجدت وكانت عينا ، فلا يجوز تمليكها قبل الوجود وهنا إنما يملك المنفعة بالإجارة وذلك صحيح كما لو كان المملك في الوجهين مالك العبد ، فإن أجره المستأجر بأكثر مما استأجره به تصدق بالفضل إن كان من جنسه فيما يكال أو يوزن ، وقد بينا هذا في الإجارات ، ولو استأجره بثوب يهودي بعينه فأجر بثوبين يهوديين طاب له الفضل ; لأن الثوب ليس بمال الربا ، فلا يتحقق في هذا التصرف الفضل الخالي عن العوض ، والوصية بغلة الدار بمنزلة الوصية بغلة العبد في جميع ما ذكرنا .
ولو كانت الوصية بغلة نخلة بعينها أبدا فصالحه الورثة بعدما خرجت ثمرتها وبلغت منها ومن كل غلة تخرج أبدا على حنطة وقبضها جاز بطريق تمليك الغلة الخارجة بعوض ، وإسقاط الحق عما يخرج بعد ذلك بعوض ، وإذا كان يجوز كل واحد منهما بانفراد فكذلك إذا جمع بينهما ، وإن صالحوه على حنطة سنة لم يجز ; لأن ما في رءوس النخيل ثمر مكيل وبوجود أحد وصفي علة ربا الفضل يحرم النساء ، فإذا بطل في حصة الموجود بطل في الكل لاتحاد الصفقة ، ولو صالحه على شيء من الوزن نسيئة فهو صحيح ; لأنه لم يجمع البدلان أحد وصفي علة ربا الفضل ، ولو صالحوه على تمر لم يجز حتى يعلم أن التمر أكثر مما في رءوس النخيل ليكون بمقابلة ما في رءوس النخيل مثلها والباقي عوض عن إسقاط الحق في المستقبل ، فإذا لم يعلم ذلك تمكنت فيه شبهة الربا ، فلا يجوز ، وإن صالحوه من غلة هذا النخل على غلة نخل آخر أبدا أو سنين معلومة لم يجز ; لأن ما وقع الصلح عليه في معنى المبيع وتمليك غلة النخيل قبل خروجها بالبيع لا يجوز ، وكذلك لو صالحوه على غلة عبد سنين معلومة ; لأن الغلة مجهولة وهي للحال معدومة ، فلا يجوز استحقاقها عوضا بالبيع وبالإجارة فكذلك بالصلح .
ولو أوصى لرجل بما في بطن أمته وهي حامل فصالحه الورثة على دراهم معلومة جاز بطريق إسقاط الحق المستحق له بعوض ، ولو باعه منهم أو من غيرهم لم يجز ; لأن البيع تمليك مال متقوم بمال وما في البطن ليس بمال متقوم ، وهو غير مقدور التسليم ، فلا يجوز تمليكه بالبيع من أحد ، ولو صالحه أحد الورثة على أن يكون له خاصة لم يجز لتصريحهما بتمليكه ما في البطن بعوض ، ولو صالحه الورثة منه على ما في بطن جارية أخرى لم يجز ; لأن ما يقع عليه الصلح في حكم الصلح المبيع ، ولو صالحوه على دراهم مسماة ، ثم ولدت [ ص: 6 ] الجارية غلاما ميتا فالصلح باطل ; لأنه تبين أنه لم يكن له حقا مستحقا يحتمل الإسقاط بعوض ، وإنما كنا نصحح الصلح بطريق إسقاط الحق المستحق بعوض ، ولو ضرب إنسان بطنها فألقت جنينا ميتا كان أرش ذلك لهم والصلح جائز ; لأن الحق كان للموصى له .

( ألا ترى ) أنه قبل الصلح كان الأرش يسلم له بطريق الوصية فصح إسقاط الحق بعوض بخلاف ما إذا ولدته ميتا ، فإنه يتبين بطلان الوصية فيه ، ولو مضت السنتان قبل أن تلد شيئا كان الصلح باطلا ; لأنه قد تبين بطلان الوصية فالجنين لا يبقى في البطن أكثر من سنتين والوصية كانت بالموجود في البطن فالوصية بما تحمل هذه الأمة لا تكون صحيحة ، وكذلك الوصية بما في بطون الغنم وضروعها في جميع ما ذكرنا ، ولو أوصى لرجل بما في بطن أمته فصالحه رجل من غير الورثة على أن يكون ذلك له خاصة على دراهم مسماة لم يجز كما لا يجوز صلح أحد الورثة على ذلك ; لأنه تمليك لما في البطن بعوض ، فإن قبض الرجل الأمة ، ثم أعتق ما في بطنها لم يجز ; لأن ما في البطن ليس بمال متقوم ومثله لا يملك بالبيع وإن قبض ، مع أن قبض الأمة ليس بقبض لما في البطن .

( ألا ترى ) أن الوارث إذا أعار الجارية أو أجرها من إنسان لا يحتاج في التسليم إلى رضا الموصى له بما في البطن ، وإن الغاصب للأمة الحامل لا يصير ضامنا لما في بطنها فدل أن بقبض الأمة لا يصير قابضا لما في بطنها وبدون القبض لا ينفذ التصرف في البيع الفاسد ، ولو أعتق الورثة ما في بطنها لم يجز ; لأنهم لم يملكوا ما في البطن لكونه مشغولا بحاجة الميت وحق الموصى له ، ولو أعتقوا الأمة جاز ; لأنهم يملكون رقبتها ، فإن صالحهم بعد عتق الأمة مما في بطنها على دراهم جاز ; لأن تصحيح هذا الصلح بطريق إسقاط الحق ، ولو لم يبطل حقه بإعتاقهم الأمة حتى إذا ولدت ولدا حيا كانت الورثة هنا ملزمين له بقيمة الولد فإسقاطه الحق بعوض بطريق الصلح معهم جائز ، ولا يتمكن فيه معنى الربا سواء وقع الصلح على أقل من قيمته أو أكثر من قيمته ; لأنه إسقاط لا تمليك ، وفي الإسقاطات لا يجري الربا ، وإن ولدته ميتا بطل الصلح ; لأنه تبين بطلان الوصية حين انفصل ميتا ، وأنه لم يكن له قبلهم حق مستحق .
ولو أوصى بما في بطن غنمه فذبحها الورثة قبل أن تلد ، فلا ضمان عليهم فيما في بطونها . أما عند أبي حنيفة رحمه الله : فظاهر ; لأن ذكاة الأم لا تكون ذكاة للجنين عنده فلم يوجد من الورثة صنع في الجنين . وأما عندهما ، فإنما يكون ذكاة الأم ذكاة للجنين إذا انفصل ميتا ، وإذا انفصل ميتا ، فلا حق للموصى له فلهذا لا يضمنون له شيئا ولأنه يتوهم انفصال الجنين حيا بعد ذبح الأم ، فلا يكون هذا من [ ص: 7 ] الورثة إتلافا لحق الموصى له بطريق المباشرة والتسبب ، وإذا لم يكن تعديا لا يكون موجبا للضمان بخلاف العتق ، فإنه لا يتصور انفصال الولد رقيقا بعد عتق الأم فكان ذلك منه إتلافا لحق الموصى له بطريق المباشرة ، وإن صالحوه بعد الذبح على شيء لم يجز ; لأنه لم يكن للموصى له حق استحقاق ، وكذلك الأمة لو قتلوها هم أو غيرهم كانت القيمة للورثة ، ولا شيء للموصى له ; لأن قتل الأم لا يكون قتلا للجنين ويتوهم انفصال الجنين حيا قبل الأم فلهذا لا شيء للموصى له من قيمة الولد .

ولو أوصى له بما في ضروع غنمه فصالحه الورثة على لبن أقل من ذلك أو أكثر لم يجز ; لأنه مبادلة اللبن باللبن مجازفة ، ولا يقال ينبغي أن يصحح الصلح بطريق الإسقاط كما لو صالحوه على دراهم ; لأنا وإن جعلناه إسقاطا للحق حكما فمن حيث الحقيقة اللبن موجود في الضرع ، والوصية لا تصح إلا باعتبار هذه الحقيقة وباعتبار هذه يكون تمليك اللبن بلبن هو أقل أو أكثر ، وباب الربا ينبني على الاحتياط فلهذا لا يجوز ، وكذلك الصوف ; لأنه مال الربا كاللبن ، وهذا بخلاف ما سبق فيما إذا صالح الموصى له الورثة عما في بطن الأمة بعد عتق الأم على أكثر من قيمته ; لأنا لا نتيقن بوجوب القيمة ، وإن تيقنا به فالقيمة ليست من جنس ما قبض لا محالة فالتقويم تارة بالدراهم وتارة بالدنانير فيمكن تصحيح ذلك الصلح بطريق الإسقاط بخلاف ما نحن فيه .

ولو أوصى لصبي بما في بطن أمته أو لمعتوه فصالح أبوه أو وصيه الورثة على دراهم جاز بطريق إسقاط حقه بعوض فوليه في ذلك يقوم مقامه لما فيه من النظر ولكن لو كانت الوصية لمكاتب فصالح جاز ; لأن إسقاط الحق بعوض من باب اكتساب المال والمكاتب فيه كالحر .
ولو أوصى بشيء لما في بطن فلانة لم تجز له الوصية إلا أن تضعه لأقل من ستة أشهر فحينئذ تيقن أنه كان موجودا حين أوجب الوصية له ، وإن جاءت به لأكثر من ستة أشهر لا يتيقن بوجوده حين وجبت الوصية له والوصية أخت الميراث والجنين إذا كان موجودا في البطن يجعل في حكم الميراث كالمنفصل ، وكذلك في حكم الوصية ، وإن أقر الموصي أنها حامل ثبتت الوصية له إن وضعته ما بينه وبين سنتين من يوم أوصى ; لأن وجوده في البطن عند الوصية ثبت بإقرار الموصي ، فإنه غير متهم في هذا الإقرار ; لأنه يوجب له ما هو من خالص حقه بناء على هذا الإقرار ، وهو الثلث فيلحق بما لو صار معلوما هنا بأن وضعته لأقل من ستة أشهر ، فإن صالح عنه أبوه على شيء لم يجز فعل الأب على ما في البطن ، فإن ثبوت الولاية لحاجة المولى عليه إلى النظر ، ولا حاجة للجنين إلى [ ص: 8 ] ذلك ولأن الجنين في حكم جزء من أجزاء الأم ما دام متصلا بها من وجه فكما لا يثبت للأب الولاية على الأم فكذلك على ما هو من أجزائها ، وكذلك الأم لو كانت هي التي صالحت ; لأن الأبوة في إثبات الولاية أقوى من الأمومة ، فإذا كان لا تثبت الولاية على ما في البطن للأب فللأم أولى . والجنين وإن كان بمنزلة جزء منها من وجه فهو أولى في الحقيقة في نفس مودعة فيها ولاعتبار معنى النفسية صحت الوصية فالوصية للأجزاء لا تصح ، ولا يمكن تصحيح هذا الصلح من الأم باعتبار الحرية لهذا المعنى ، فإن ولدت غلاما وجارية فالوصية بينهما نصفان ; لأن استحقاق الوصية بالإيجاب بالعقد والذكر والأنثى في ذلك سواء ، وإنما التفاوت بينهما فيما يستحق ميراثا .

وإن ولدت أحدهما ميتا ، وهو للحي منهما بمنزلة ما لو أوصى لحي وميت ، فإن ولدتهما ميتين أو لأكثر من سنتين حييين فالوصية باطلة ، وإن ضرب إنسان بطنها فألقت جنينا ميتا فالوصية تبطل أيضا ; لأن الأرش لا يقوم مقامه أن لو انفصل حيا في استحقاق الوصية كما لا يقوم مقامه في استحقاق الميراث والوصية له في هذا الوجه مخالفة للوصية به ; لأن البدل لا يقوم مقام الأصل في الحكم الذي يصلح أن يكون مبادلة ، والأرش يجوز أن يكون مستحقا بالوصية كالأصل أن لو انفصل حيا فقام مقامه في ذلك ، والأرش لا يجوز أن يكون مستحقا بالوصية ، فلا يقوم مقامه الأصل في حكم تصحيح الوصية له فلهذا بطلت وصيته .

ولو كان الحمل عبدا فصالح مولاه عليه لا يجوز ; لأن الولاية كما لا تثبت على ما في البطن باعتبار الأبوة فكذلك لا تثبت باعتبار الملك بل أولى ، فإن المالكية على القدرة والاستيلاء وذلك يتحقق على ما في البطن ، فإن صالح مولى الابن الحمل بعد موت المريض على صلح ، ثم أعتق المولى الأمة الحامل عتق ما في بطنها ، ثم ولدت غلاما فالغلام حر ; لأنه انفصل منها وهي حرة ، ولا وصية له والوصية لمولاه ; لأن وجوب الوصية بالموت وعند الموت كان مملوكا فصار الموصى به ملكا للمولى ، ثم عتق بعد ذلك بإعتاق الأم ، وهو لا يبطل ملكه عما صار مستحقا له من كسبه ، ولا يجوز الصلح أيضا ; لأنه لا يمكن تصحيح الصلح بطريق الولاية على ما في البطن ، ولا باعتبار حقه ; لأن ثبوت حقه بطريق الخلافة فالمولى يخلف العبد في استحقاق كسبه خلافة الوارث المورث وما لم يتم سبب الاستحقاق للمملوك لا يخلفه المولى في ذلك ، وإنما يتم السبب إذا انفصل حيا والصلح قبل ذلك فلهذا لم يجز ، وكذلك لو باع الأمة ، وكذلك لو دبر ما في بطنها ، وهذا أظهر فالتدبير لا يخرج المولى من أن يكون مستحقا لكسب المدبر ، ولو كان الموصى له حيا ، ثم أعتق [ ص: 9 ] المولى الأمة والولد أو أعتق الأمة دون الولد ، ثم مات الموصي كانت الوصية للغلام دون المولى ; لأنه صار حرا سواء أعتقه مقصودا أو أعتق أمه ، وإنما وجبت الوصية بالموت .

ولو كان حرا يومئذ فكانت الوصية له دون المولى ، ولو صالح الورثة من الوصية قبل موت الموصي لم يجز ; لأن استحقاق الوصية بالموت والصلح قبل ثبوت الاستحقاق لا يصح ; لأن صحته على وجه إسقاط الحق بعوض ، فإذا لم يكن العوض مستحقا كان الصلح باطلا

( قال رحمه الله : ) والصلح من كل جناية فيها قصاص على ما قل من المال أو كثر فيها فهو جائز لقوله تعالى : { فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } ومعناه من أعطي له من دم أخيه شيء وذلك بطريق الصلح ولقوله صلى الله عليه وسلم { من قتل له قتيل فأهله بين خيرين إن أحبوا قتلوا ، وإن أحبوا فادوا } والمفاداة بالصلح تكون ، ولا يتعذر بدل الصلح بالأرش عندنا خلافا للشافعي رحمه الله : وهي مسألة الديات ، واعتمادنا فيه على ما روي { أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالقصاص على القاتل } { ولما رأى الصحابة رضي الله عنهم الكراهية في ذلك من وجهه صلوات الله وسلامه عليه صالحوا أولياء القتيل على ديتين واستحسنه رسول الله صلى الله عليه وسلم } ولأن حق استيفاء القود قد يئول إلى المال عند تعذر الاستيفاء فيجوز إسقاطه بمال بطريق الصلح كحق الرد بالعيب بخلاف حد القذف ، فإنه لا يئول مالا بحال ، ثم البدل يكون في مال الجاني حالا ; لأنه التزمه بالعقد ولأنه وجب باعتبار فعل هو عمد وقال صلى الله عليه وسلم : { لا تعقل العاقلة عمدا ، ولا عيبا }

ولو صالحه من الجرح أو الجراحة أو الضربة أو القطع أو الشجة أو اليد على شيء ، ثم برأ فالصلح جائز ; لأنه أسقط بهذه الألفاظ حقه بعوض ، وإن مات بطل الصلح في قول أبي حنيفة رحمه الله : وعليه القصاص في القياس ، وفي الاستحسان عليه الدية في ماله ، وإن آل الجرح إلى قتل كانت الدية على عاقلته وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله الصلح ماض ، ولا شيء عليه ; لأنه أسقط الحق الواجب له بالجراحة بالصلح وبعد الموت سبب حقه الجراحة كما بعد البرء وعند أبي حنيفة رحمه الله : هو إنما أسقط بالصلح قطعا أو شجة أوجبت له قصاصا وبالموت يتبين أن الواجب له القصاص في النفس لا القطع والشجة ، فكان هذا إسقاطا لما ليس بحقه فيكون باطلا ولهذا كان عليه القصاص [ ص: 10 ] في النفس في القياس ولكنه استحسن فقال : يتمكن فيه نوع شبهة من حيث إن أصل القتل كان هو الشجة والقصاص عقوبة تندرئ بالشبهات ولكن المال يثبت مع الشبهات وأصل المسألة في العفو وموضع بيانها كتاب الديات ، ولو كان صالحه عن ذلك وما يحدث منه كان الصلح ماضيا إن مات أو عاش ; لأن ما يحدث منه السراية يكون هو بهذا اللفظ مسقطا حقه عن النفس بعوض والقصاص في النفس ، وإن كان يجب بعد الموت ، فإنما يجب بسبب الجناية وإسقاط الحق بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب صحيح ، وكذلك من الجناية صحيح إن عاش أو مات ; لأن اسم الجناية يعم النفس وما دونها حتى لوقال : لا جناية لي قبل فلان ، ثم ادعى عليه النفس لم تسمع دعواه بخلاف ما لو قال : لا شجة لي قبل فلان والصلح باسم الجناية يكون مسقطا حقه برئ أو سرى ، فإن كان مريضا صاحب فراش حين صالح فهو جائز في العمد ، وإن صالحه على عشرة دراهم ; لأنه أسقط ما ليس بمال ، ولو أسقطه بغير عوض بالعفو لم يعتبر خروجه من الثلث ، فإذا أسقط بالصلح ببدل يسير أولى ، وفي الخطأ ما حط يكون من الثلث ; لأن الواجب الدية ، وهو مال فيكون ما حط وصية من الثلث ، ولا يقال هي وصية القاتل ; لأن الدية في الخطأ على العاقلة فيكون هذا منه وصية لعاقلة قاتله وذلك صحيح من الثلث .

وإذا قطع رجل أصبع رجل عمدا أو خطأ فصالحه منها على ألف درهم ، ثم شلت أصبع أخرى سواها ، فلا شيء له عليه في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ; لأنه أسقط بالصلح موجب ذلك القطع وذلك يعم الأصبع الأولى والثانية وعند أبي حنيفة رحمه الله : عليه أرش الأصبع الأخرى ; لأنه إنما أسقط بالصلح قصاصا واجبا في الأصبع ، فلا يتناول الصلح الأصبع الأخرى فيلزمه أرشها إلا أن هنا لا يتبين بهذه السراية أن الأصبع الأولى لم تكن مستحقة له فيبقى الصلح عنها صحيحا بخلاف الأول ، فإن هناك بالسراية إلى النفس يتبين أن الشجة لم تكن مستحقة له قصاصا فكان الصلح باطلا ; لأنه صالح من غير حقه ، وإذا كانت الشجة موضحة فصالحه منها على مائة درهم فصارت منقلة ، فلا يبقى عليه شيء عندنا لما قلنا ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : عليه ألف وأربعمائة درهم ; لأن المنقلة غير الموضحة والموضحة ما يوضح العظم ، ولا يؤثر فيه والمنقلة ما يكسر العظم وينقله من موضعه ، وهو إنما أسقط من موضحة موجبة له قصاصا ، وقد تبين أنها لم تكن حقا له ، وإنما كان حقه في المنقلة وأرش المنقلة عشر الدية وذلك ألف وخمسمائة استوفى من ذلك مائة فالباقي عليه ألف وأربعمائة .
رجل قتل عمدا وله ابنان فصالح أحدهما [ ص: 11 ] من حصته على مائة درهم فهو جائز ، ولا شركة لأخيه فيها ; لأنه أسقط نصيبه من القود بعوض ، ولو أسقط بغير عوض جاز والمال عوض عن القصاص استحقه بالعقد ، وهو المباشرة للعقد ، فلا شركة لأخيه فيها باعتبار العقد ، ولا باعتبار الشركة في أصل القود ; لأن ذلك ليس بمال ، ثم كل ما يصلح أن يكون صداقا في النكاح يصلح أن يكون عوضا في الصلح عن القصاص ; لأنه مال يستحق عوضا عما ليس بمال بالعقد وعلى هذا يجوز التصرف في بدل الصلح قبل القبض ، وإن كان عينا كما يجوز التصرف في الصداق ; لأنه لم يبق في الملك المطلق للتصرف عذر حتى لا يبطل بالهلاك ولكن تجب قيمته ، وكذلك لو استحق العبد كان على القاتل قيمته ; لأن بالاستحقاق لا يبطل الصلح ولكن تعذر استيفاء العبد مع قيام السبب الموجب له فتجب قيمته كما في الصداق ، وهذا لأن الصلح عن القود لا يحتمل الفسخ بالتراضي كالنكاح بخلاف الصلح عن المال .

وكذلك إن وجد به عيبا فاحشا فرده رجع بقيمته ، ولا يرده بالعيب اليسير كما في الصداق ، ولو كان العبد حرا كان على القاتل الدية لأولياء القتيل في ماله وعلى قياس قول أبي يوسف رحمه الله : عليه قيمته أن لو كان عبدا . وأصل الخلاف في الصداق ، وقد بيناه في النكاح .

ولو اختلفا في العبد الذي وقع الصلح عليه كان القول فيه قول القاتل مع يمينه ; لأن القابل للقود سقط باتفاقهما ، وإنما تنازعا في المال المستحق على القاتل بمقابلته فالقول فيه قوله مع يمينه كما في الخلع بخلاف الصداق عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ، فإن هناك يصار إلى تحكيم مهر المثل ; لأن صحة النكاح موجبة مالا ، وهو مهر المثل ، فعند الاختلاف في المسمى يصار إلى موجبه الأصلي وهنا ليس لسقوط القود بالعفو موجب من حيث المال فيكون هذا نظير الخلع ، وإن كان القتل خطأ فصالحه أحدهما على مال كان لشريكه أن يشركه في ذلك ; لأن الواجب في الخطأ الدية ، وهو مال وجب مشتركا ، وصلح أحد الشريكين من الدين المشترك على شيء - صحيح ، ولشريكه أن يشركه في ذلك ، ولو صالح أحدهما من نصيبه على عبد بعينه كان لشريكه أن يشركه في ذلك إلا أن يشاء المصالح أن يعطيه ربع الأرش ويمسك العبد كما في سائر الديون المشتركة إذا صالح أحدهما من نصيبه على عين ، وهذا لأنه يملك العبد بالعقد ، وهو في العقد عامل لنفسه فله أن يختص به ويعطي صاحبه ربع الأرش ; لأن ذلك أصل حقه فيما وقع الصلح عنه ، وهو نصف الأرش ، وإن شاء أبى ذلك وأعطاه نصف العبد ; لأن مبنى الصلح على التجوز بدون الحق ، وهو يقول إنما توصلت إلى حقي ; لأني رضيت [ ص: 12 ] بدون حقي فعليك أن ترضى به أيضا وتأخذ نصف ما وقع عليه الصلح إن شئت ، وإلا فاتبع القاتل بحقك .

ولو صالحه من ذلك على عرض بغير عينه لم يجز ; لأن هذا العرض بمقابلة الدية يكون بيعا وبيع ما ليس عند الإنسان لا يجوز ، وكذلك لو صالحه على موصوف من المكيل أو الموزون مؤجلا والمكيل والموزون إذا قوبل بالنقد يكون مبيعا ، ولو صالحه منه على عبد بعينه فاستحق أو مات قبل أن يقبضه رجع بنصف الأرش ; لأن هذا صلح عن مال على مال ، وهو محتمل للفسخ فبالاستحقاق أو الهلاك قبل التسليم يبطل الصلح ، وكذلك لو وجد به عيبا صغيرا أو كبيرا رده ; لأن المصالح عليه بمنزلة المبيع في الصلح عن المال فيرد بالعيب اليسير والفاحش وليس له أن يتصرف فيه قبل أن يقبضه كما في المبيع ، وكذلك لو صالح عن الجاني غيره بإقرار أو إنكار كما في الصلح عن سائر الديون ، ولو صالحه من دم العمد على سكنى دار أو خدمة عبد سنة جاز ; لأن المنفعة المعلومة يجوز استحقاقها عوضا في الصلح عن المال ففي الصلح عما ليس بمال أولى ، وقد بينا أن هنا العوض بمنزلة الصداق والسكنى

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #425  
قديم 22-12-2025, 01:52 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون

صـــ 12الى صـــ 21
(425)



والخدمة إذا كانت معلومة ببيان المدة تثبت صداقا في النكاح ، وإن صالحه عليه أبدا أو على ما في بطن أمته أو على غلة نخله سنين معلومة أو أبدا لم يجز ; لأن هذا كله لا يثبت صداقا بالتسمية في النكاح فكذلك لا يستحق عوضا عن دم العمد في الصلح ، وهذا بخلاف الخلع ، وإنها لو اختلعت نفسها على ما في بطن أمتها صحت التسمية والفرق من وجهين : أحدهما : أن بالخلع المرأة لا تستحق شيئا هو متقوم ولكن يبطل ملك الزوج عنها والبضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم فكان التزامها بالوصية والإقرار - وذلك صحيح - مضافا إلى ما في البطن ولهذا لو اختلعت بمال في مرضها اعتبر من ثلثها كالوصية ، وأما الصلح عن القود فالقاتل يستفيد العصمة والمتقوم في نفسه ولهذا لو صالح في مرضه على قدر الدية اعتبر من جميع المال فكان المال عوضا عما هو متقوم في حق من التزمه فيكون نظير الصداق ; لأن البضع عند دخوله في ملك الزوج متقوم فيكون الصداق عوضا عما هو متقوم في حق من التزمه والجنين لا يصلح عوضا في مثله .

يوضح الفرق أن أحد البدلين في الخلع ، وهو الطلاق يحتمل الإضافة فكذلك البدل الآخر ، والإيجاب في الجنين بمعنى المضاف إلى حال بعضها إذا جني ، وهو وحده حقيقة لا يصير معلوما إلا عند ذلك ، فأما في الصلح فأحد البدلين ، وهو إسقاط القود لا يحتمل التعليق والإضافة بالشرط فكذلك البدل الآخر ، فلا يمكن تصحيحه في الجنس مضافا ، ولا يمكن [ ص: 13 ] تصحيحه في الحال ; لأنه غير معلوم الوجود والتقوم فكان كالصداق من هذا الوجه ، ثم على القاتل الدية ; لأن فساد التسمية لا يمنع سقوط القود كما أن فساد التسمية لا يمنع صحة النكاح ، وإذا سقط القود وجبت الدية ; لأن الولي ما رضي بسقوط حقه مجانا ، وقد صار مغرورا من جهة القاتل بما سمي له فيرجع عليه ببدل ما سلم له ، وهو العصمة والتقوم في نفسه وبدل النفس الدية .

ولو صالحه على ما في نخله من ثمرة جاز ; لأن الثمرة الموجودة تستحق صداقا وتستحق مبيعا فيجوز الصلح عليها أيضا بخلاف ما إذا صالح على ما يحمل نخله العام ، ولو صالحه على أن عفا الآخر عن قصاص له قبل رجل آخر كان جائزا ; لأن كل واحد منهما أسقط حقه عما له من القود وكل واحد منهما متقوم صالح للاعتياض عنه فيجوز أن يجعل أحدهما عوضا عن الآخر ، وهذا بخلافه ، فإن القصاص لا يصلح أن يكون صداقا ; لأن الشرط في الصداق أن يكون مالا قال : الله تعالى : { أن تبتغوا بأموالكم } والقصاص ليس بمال وهنا الشرط أن يكون ما يستحق بالصلح متقوما وذلك موجود في القصاص كما قررنا .

( ألا ترى ) أنه لو صالح عن القود على أقل من عشرة دراهم يجوز ، وإن كان ما دون العشرة لا يستحق صداقا .

ولو قطع رجل يد رجل عمدا فصالحه على خمر أو خنزير أو على حر ، وهو يعرفه فهو عفو ، ولا شيء للمقطوعة يده ; لأنه أسقط حقه بغير عوض فالخمر والخنزير والحر ليس بمال متقوم ، فلا يكون هو باشتراطه طالبا للعوض عن إسقاط القود ، ولم يصر مغرورا من جهة القاطع ، فلا يرجع عليه بشيء كما في الخلع إذا خالع امرأته على خمر أو خنزير أو حر ، وهذا بخلاف النكاح ، فإنه لو تزوجها على خمر أو خنزير أو حر كان لها مهر مثلها ; لأن استحقاق مهر المثل هناك باعتبار صحة النكاح لا باعتبار تسمية العوض حتى لو لم يسم شيئا وجب مهر المثل في النكاح ، والصلح عن دم العمد استحقاق البدل باعتبار تسمية البدل حتى لو لم يسم له شيئا كان العفو مجانا وعلى هذا التحقيق يتبين أنه لا فرق ، فإنا نجعل تسمية الخمر والخنزير وجودها كعدمها في المواضع كلها ، وهذا لأنه يتملك الزوج بالنكاح ما هو متقوم مصون عن الابتذال ، فلا يملك إلا بعوض إظهارا لخطره وهنا من له القود يسقط القود ، ولا يملك القاتل شيئا وإسقاط القود غير مصون عن التبذل فلهذا لا يجب المال إلا باعتبار تسمية عوض هو مال متقوم .

وكذلك لو صالح على أن يقطع رجله فهذا عفو مجانا ; لأنه لو لم يسم عوضا مالا هو متقوم فكان ذكره والسكوت عنه سواء ، ولو كان القتل خطأ كان عليه الدية ; لأن هذا صلح من مال فيكون كسائر صلح الديون إذا بطل بقي المال واجبا كان هو الدية .

ولو [ ص: 14 ] كان قتل عمد فصالح عنه رجل على ألف درهم ، ولم يضمنها له لم يكن عليه شيء ; لأنه متبرع بالصلح ، فلا يلزمه المال إلا بالتزامه ، والتزامه بالضمان أو بإضافة البدل إلى نفسه أو مال نفسه ، فإذا لم يوجد ذلك توقف على إجازة القاتل ليكون المال عليه إذا أجاز كما في الخلع ، وإن كان القاتل هو الذي أمره بذلك كان البدل على القاتل ; لأن المصالح معبر عنه .

( ألا ترى ) أنه لا يستغني عن إضافة العقد إليه فهو نظير الخلع ، ولو صالحه عنه على عبد له ، ولم يضمن له خلاصه جاز لإضافة الصلح إلى مال نفسه وقدرته على تسليم بدل الصلح ، فإن استحق العبد لم يرجع عليه بشيء ; لأنه ما ضمن له شيئا التزمه في ذمته ، وإنما التزم تسليم العين فيكون حكم الالتزام مقصورا على العين في حقه ، فإذا عجز عن تسليمه بالاستحقاق لم يلزمه شيء ولكن يرجع على القاتل بقيمته إن كان أمره بذلك ; لأن عند استحقاق العين بدل الصلح هو القيمة دينا فيكون على الآمر دون المأمور كالألف المسمى ، وإن كان المصالح تبرع بالصلح عليه وضمن له خلاصه ، ثم استحق رجع عليه بقيمته ; لأنه صير نفسه زعيما والزعيم غارم ، وعند الاستحقاق بدل الصلح قيمته ، وقد ضمنه فيكون مطالبا بإيفائه كما لو صالحه على ألف درهم وضمنها له ، فإن قيل كيف يضمن القيمة ، وهو إنما ضمن له خلاص العبد قلنا التزامه بالضمان إنما يصح باعتبار وسعه والذي في وسعه خلاص المالية بتسليم العين إن أمكن أو بتسليم قيمته إن استحق ، وهو نظير الخلع في جميع ما ذكرنا .
وللأب أن يصالح عن دم عمد واجب لابنه الصغير أو المعتوه على الدية ; لأنه متمكن من استيفاء القود الواجب لولده في النفس وما دون النفس كهو في حق نفسه ; لأن الولد جزء منه وولايته عليه فيما يرجع إلى استيفاء حقه ولاية كاملة تعم المال والنفس جميعا بمنزلة ولايته على نفسه ، فإذا جاز له أن يستوفي القود جاز صلحه بطريق الأولى ; لأن المقصود باستيفاء القود تشفي الغيظ وذلك يحصل للصبي في الثاني إذا عقل ، وإذا صالح على الدية تصل إليه منفعة في الحال ، ثم هو بالصلح يجعل ما ليس بمال من حقه مالا فيتمحض تصرفه نظير الصبي .

وإن حط عنه شيئا من الدية لم يجز ما حط قل ذلك أو كثر ; لأنه فيما حط مسقط لحقه غير مستوف له ولاية الاستيفاء في حق الصغير ، وهذا بخلاف البيع ، فإنه لو باع ماله بغبن يسير جاز ; لأن البدل في البيع غير مقدر شرعا والقيمة تعرف بالحزر والظن والمقومون يختلفون فيها ففي الغبن اليسير لا يتيقن بترك النظر فيه بإسقاط شيء من حقه وهنا الدية مقدرة شرعا ، فإذا نقص عن المقدر شرعا فقد أسقط من حقه شيئا تيقن وذلك غير صحيح منه فعلى القاتل تمام الدية .

قال : وكذلك الوصي [ ص: 15 ] فيما دون النفس له أن يستوفي وأن يصالح ; لأن ما دون النفس سلك به مسلك الأموال حتى تعتبر فيه المساواة في البدل ويقضى عنه بالنكول عند أبي حنيفة رحمه الله : كما في الأموال وللوصي ولاية التصرف في مال اليتيم استيفاء فكذلك فيما يسلك به مسلك الأموال ، فأما في النفس فليس للوصي أن يستوفي القود رواية واحدة ; لأن ولاية الوصي ولاية قاصرة تثبت في المال دون النفس والقصاص في النفس ليس بمال حقيقة ، ولا حكما فيكون الوصي في استيفائه كأجنبي آخر كما في التزويج ، وهذا لأن القصاص في النفس عقوبة تندرئ بالشبهات فالمستحق به محل هو مصون عن الابتذال من كل وجه ، وفي ولاية الوصي شبهة القصور ، فلا يتمكن به من استيفاء ما يندرئ بالشبهات بخلاف الأب وبخلاف القصاص في الطرف ; لأنه لا يندرئ بكل شبهة ولهذا حرز أبو حنيفة رحمه الله : فيه القضاء بالنكول ، فإن المستحق به محل غير مصون عن الابتذال ، وقد قدرنا ذلك في الدعوى فيمكن الوصي الاستيفاء مع قصور ولايته وليس للوصي أن يصالح من القصاص في النفس على الدية في رواية هذا الكتاب وقال في الجامع الصغير والديات : للوصي أن يصالح من النفس على الدية .

وجه هذه الرواية أنه لا يملك استيفاء القود بولايته ، وإنما يملك الإسقاط بعوض من يكون متمكنا من الاستيفاء ووجه الرواية الأخرى أن في الصلح اكتساب المال للصبي ، والوصي منصوب لاكتساب المال بخلاف استيفاء القود فهو ليس من اكتساب المال في شيء وبخلاف التزويج فهو غير مشروع لاكتساب المال بل لتمليك البضع ، وهو مصون عن الابتذال .

توضيحه أن القصاص ليس بمال للحال ، وهو مال في المآل ، فلا يملكه الوصي ، وفي الصلح تحقيق ما هو المطلوب في المآل ، وهو المال فيملكه الوصي ، ولا يبعد أن يكون حكم الصلح على المال مخالفا لحكم استيفاء القود .

( ألا ترى ) أن الموصى له بالثلث لا حق له في القود استيفاء ويثبت حقه إذا وقع الصلح عن القود في المال فهذا مثله ، وإن كان دم عمد بين ورثة فيهم الصغير والكبير فله أن ينفرد باستيفاء القود عند أبي حنيفة رحمه الله : وعندهما ليس له ذلك ، وفي مثله الديات ، فإن صالح عن الدية فصلحه جائز ، أما عند أبي حنيفة ، فلا يتمكن من استيفاء نصيب الصغير من القود فيتمكن من إسقاطه بالصلح على الدية كما في الأب وعندهما صلحه عن نصيب نفسه صحيح بمنزلة عفوه وبه ينقلب نصيب الصغير مالا ، وهو حصته من الدية لتعذر استيفاء القود عليه .

ولو قتل رجل عمدا ، ولا ولي له غير الإمام فللإمام أن يستوفي القود في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله [ ص: 16 ] خلافا لأبي يوسف رحمه الله : فأبو يوسف رحمه الله : يجعل الإمام في استيفاء القود كالوصي ; لأن ثبوت ولايته بالعقد ، وهو التقليد كثبوت ولاية الوصي وهما يجعلان الإمام فيما هو حق للمسلمين كالأب في حق ولده الصغير ; لأن ولايته ولاية متكاملة تعم المال والنفس والمسلمون يعجزون عن الإجماع للاستيفاء كالصغير ويجوز للإمام أن يصالح على الدية بالاتفاق ، أما عندهما فلأنه يملك الاستيفاء فيملك الإسقاط بالصلح على الدية ومنفعة المسلمين في هذا أظهر منه في استيفاء القود ، وعند أبي يوسف رحمه الله : لم يجب القصاص بهذا القتل لانعدام المستوفي فيكون الواجب هو الدية وللإمام ولاية استيفائه ; لأنه حق جماعة المسلمين وذكر حديث وهب بن كيسان أن عبد الله بن عمر قتل يزدان في تهمة له في دم عمر فقال علي لعثمان رضي الله عنهما اقتل عبد الله به فقال : عثمان رضي الله عنه قد قتل أبوه بالأمس ، وإنما أستحيي أن يقتل أبوه وأقتله هذا اليوم لا أفعل ، هذا رجل من أهل الأرض قتل وأنا وليه وأعفو عن هذا وأؤدي ديته فذلك دليل جواز صلح الإمام عن القود على الدية في حق من لا وارث له .
وإذا قتل الحر والعبد رجلا فوكل الحر ومولى العبد رجلا بالصلح فصالح ولي الدم عنهما على ألف درهم فعلى الحر نصف الألف وعلى مولى العبد نصفها ; لأن الوكيل نائب عنهما فصلحه كصلحهما ، وهذا لأن الصلح اعتياض عن الجناية وهما في الجناية ، وفي موجبها سواء يعني الحر عن نفسه والمولى عن عبده فيستويان فيما يلزمهما من العوض .
وإذا قتل العبد رجلا وله وليان فصالح مولاه أحدهما عن نصيبه من الدم على العبد فالصلح جائز ويقال للذي صار له العبد ادفع نصفه إلى شريكك أو افده بنصف الدية على أن يسلم لك العبد ; لأن المصالح أسقط نصيبه من القود بعوض ، وهو العبد فصح ذلك ، ثم تعذر على الآخر استيفاء القود فانقلب نصيبه مالا ، وعند انقلاب نصيبه مالا ، العبد في ملك المصالح فهو المخاطب بدفع نصف العبد إليه أو الفداء بنصف الدية ; لأن نصيبه حين انقلب مالا كان لجناية الخطأ من العبد يتعلق برقبته ويخاطب مولاه بالدفع أو الفداء وليس للعبد الآخر أن يضمن مولى العبد شيئا ; لأنه ما استحق مالا في ملكه ، وإنما استحق المال في ملك المصالح وحقه قائم لم يفوته المولى عليه فلهذا لا يضمن له شيئا ، ولو صالحه على عبد آخر مع ذلك لم يكن له في العبد الآخر حق لما بينا أن المصالح إنما أسقط حقه من القود بعوض ، فلا يكون للآخر أن يشاركه في العوض ، فإنما يثبت حقه في نصيب العبد الجاني لا بالصلح ، ثم يتعذر استيفاء القود منه وذلك [ ص: 17 ] غير موجود في العبد الآخر .

ولو صالحه على نصف العبد القاتل جاز وصار العبد بين المولى والمصالح نصفين ، ثم انقلب نصيب الآخر مالا واستحق به نصفا شائعا من العبد في النصفين جميعا فيدفعان نصفه إلى الولي الآخر أو يفديانه بنصف الدية ، ولو صالحه على دراهم أو شيء من المكيل أو الموزون حالا أو مؤجلا فهو جائز ، ولا حق للآخر في ذلك ; لأن العاقد في الصلح عاقد لنفسه ولكنه يتبع العبد القاتل حتى يدفع إليه مولاه نصفه أو يفديه بنصف الدية ; لأن نصيبه انقلب مالا ، وهو في ملك مولاه على حاله والأمة والمدبرة وأم الولد في الصلح عن قتل العمد سواء ; لأن الواجب عليهم القود والمنفعة في الصلح للمولى من حيث إن كسبهم يسلم له .

وإذا قتل العبد رجلا خطأ فصالح المولى ولي الدم من ذلك على أقل من الدية أو على عروض أو على شيء من الحيوان بعينه فهو جائز ولشركائه أن يشاركوه في ذلك المال بمنزلة ما لو كان القاتل حرا وصالحه بعض الأولياء ، وهذا لأن أصل الواجب بقتل العبد ما هو الواجب بقتل الحر ، وهو الدية ، فإنه بدل المتلف إلا أن المولى يتخلص بدفع العبد إن شاء وكيفما كان فهو مال مشترك بينهم ، وإذا صالح أحد الشركاء عن الدين المشترك كان للباقين حق المشاركة معه فيه .
وإذا قتلت الأمة رجلا خطأ وله وليان ، ثم ولدت الأمة ابنا فصالح المولى أحد الوليين على أن يدفع إليه ابن الأمة بحقه في الدم فهو جائز وللآخر على المولى خمسة آلاف درهم ; لأن حق أولياء الجناية لا يثبت في ولدها لما عرف أن هذا ليس بحق متأكد لهم في عينها فصلح أحدهما على ولدها كصلحه على عبد آخر له وذلك منه بمنزلة اختيار الفداء واختيار الفداء في نصيب أحدهما يكون اختيارا في نصيب الآخر ; لأن الجناية واحدة ، فلا تتجزأ في اختيار الفداء ، ولو صالحه على أن يدفع إليه ثلث الأمة لحقه من الدم كان جائزا أو يدفع إلى شريكه نصف الأمة أو يفديه بنصف الدية فلم يجعل اختياره الدفع في البعض اختيارا في الكل في رواية هذا الكتاب ، وفي رواية الجامع والعتق في المرض قال اختياره في الدفع في نصيب أحدهما يكون اختيارا في نصيبهما كما في الفداء وتلك الرواية أصح .

وتأويل ما ذكر هنا أن أحدهما صالحه على ثلث الأمة وذلك دون حقه فمن حجة المولى أن يقول للآخر إنما اخترت الدفع في نصيبه ; لأنه تجوز بدون حقه وأنت لا ترضى بذلك ، فلا يلزمني بذلك تسليم جميع حقك إليك من الأمة ولكن في الحال في نصيبك حتى لو كان صالح أحدهما على نصف الأمة كان اختيارا منه الدفع في نصيب الآخر وما سوى هذا [ ص: 18 ] من الكلام فيه قد بيناه في إملاء شرح الجامع .

وإن قتل المدبر قتيلا عمدا فصالح عنه مولاه بألف درهم وهي قيمته جاز ; لأن المولى من مدبره كان بمنزلة الحر في نفسه فيصح منه التزام العوض عن القود المستحق عليه ، وإن قتل آخر خطأ فعلى مولاه قيمة أخرى بخلاف ما إذا كانت جنايته الأولى خطأ من قتل ، فإن في الخطأ المستحق نفس المملوك على المولى دفعا بالجناية وبالتدبير السابق صار مانعا دفع الرقبة على وجه لم يصر مختارا فيلزمه القيمة ، وهو ما منع إلا رقبة واحدة ، فلا يلزمه باعتباره إلا قيمة واحدة ، فأما هنا فالمستحق بالجناية الأولى نفس العبد قودا ، والمولى بالتدبير غير مانع استيفاء القود منه ، فإنما لزمه المال بالتزامه بالصلح ، وهو سبب آخر سوى منع الرقبة ، فلا يؤثر ذلك فيما يلزمه بسبب منع الرقبة بالتدبير ولأن حق ولي الخطأ لا يثبت في بدل الصلح ، فلا بد من إثباته في القيمة على المولى ، وإذا كانت الجنايتان خطأ فحق الثاني يثبت في الجناية الأولى لاتحاد سبب استحقاقهما للقيمة ، وهو منع الرقبة بالتدبير السابق ، فلا يجب على المولى شيء آخر ، فإن صالح المولى الآخر على عبده ودفعه إليه ، ثم قتل آخر خطأ فولي الدم الآخر يتبع الذي أخذ العبد حتى يدفع إليه نصفه أو نصف قيمة المدبر ; لأن القيمة صارت مشتركة بينهما ، وقد صالح أحدهما عن جميعه على عبد وأحد الشريكين في الدين إذا صالح عن جميع الدين على عبد فللآخر أن يرجع عليه بنصف الدين إلا أن يختار المصالح دفع نصف العبد إليه ، وقد بينا معنى هذا الخيار فيما سبق .

وإذا كان ذلك بقضاء قاض أو بغير قضاء فهو سواء في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وكذلك في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله : إن كان بقضاء قاض ، وإن كان بغير قضاء فلولي الدم أن يتبع المولى بنصف قيمة العبد المدبر ويرجع المولى على المصالح بنصف العبد الذي دفع إليه إلا أن يعطيه نصف قيمة العبد المدبر والخيار فيه إلى الذي في يده العبد ، وأصل هذا فيما إذا كان دفع القيمة إلى الأول بغير قضاء قاض وهي مسألة كتاب الديات نبينها ثمة إن شاء الله - تعالى - .

وقيل ينبغي أن يكون الجواب هنا قولهم في الفرق بين قضاء القاضي وغير القضاء ; لأن الصلح وقع على خلاف الحق وهما يسويان بين القضاء وغير القضاء فيما إذا وقع إلى الأول عين الواجب وما يقضي به القاضي لو رفع الأمر إليه ، وهذا موجود هنا ، ولو كان لم يصالحه على العبد ولكن القاضي قضى له بالقيمة فاشترى به العبد ، ثم قتل آخر ، فإنه يكون له على المشتري نصف المدبر ، ولا خيار للمشتري في ذلك ، ولا ضمان على البائع فيه ; لأن القاضي قضى بالقيمة للأول فيتعين [ ص: 19 ] حق الثاني فيما قضى به القاضي للأول فلهذا لا ضمان على البائع كما لو كان دفع القيمة إلى الأول بقضاء قاض ، ثم على المشتري نصف قيمة المدبر هنا من غير خيار له في ذلك بخلاف ما إذا أخذ العبد بطريق الصلح ; لأن مبنى الشراء على الاستقضاء فيصير به في معنى المستوفى بجميع القيمة فيرجع الآخر عليه بنصفه ومبنى الصلح على الإغماض عفو فقد رضي بدون حقه حين أخذه صلحا فلهذا يكون له الخيار بين أن يعطي الآخر نصف ما قبضه صلحا وبين أن يغرم له نصف قيمة المدبر .

وتوضيحه أن الشراء لا يتعلق بالدين المضاف إليه بل بمثله ، ثم يصير قصاصا ولهذا لو صح الشراء بالدين المظنون فصار هو بطريق الشراء مستوفيا قيمة المدبر بالمقاصة فيلزمه دفع نصفها إلى الثاني والصلح يتعلق بالدين المضاف إليه ولهذا لو صالح عن الدين المظنون ، ثم ظهر أنه لا دين يبطل الصلح إذا لم يرض المصالح به فهو بطريق الصلح لا يصير مستوفيا إلا للعبد فلهذا كان له الخيار بين أن يدفع نصف العبد إلى الثاني وبين أن يغرم له نصف القيمة .
وإذا قتل المدبر رجلا خطأ وفقأ - عين آخر خطأ فعلى مولاه قيمته بينهما أثلاثا ; لأن حق صاحب العين في نصف الدين وحق ولي الدم في جميع الدية وعلى المولى قيمة واحدة فيضرب كل واحد منهما فيها بمقدار حقه ، فإن صالح المولى صاحب العين على مائة درهم وقيمته ستمائة فالمسألة على ثلاثة أوجه : أحدها : أن يصالح على مائة ويبرئه عن المائة الأخرى قبل القبض والقسمة . والثالث أن يبرئه عن المائة الأخرى بعد القبض قبل القسمة ، أما إذا قبض المائة ، ولم يبرئه عن المائة الأخرى ، فإنهما يقسمان هذه المائة أثلاثا على مقدار حقهما ، فإن إبراءه عن المائة الأخرى بعد القسمة لا يتغير بتلك القسمة ; لأن جميع حقه كان ثابتا عن القبض والقسمة فبالإسقاط بعد ذلك لا تبطل القسمة كمن مات وعليه لرجل ألف درهم وللآخر ألفا درهم وترك ألف درهم فاقتسماها أثلاثا ، ثم أبرأه أحدهما عن بقية دينه

وأما إذا صالح على المائة وأبرأه عما بقي قبل القبض والقسمة فهذه المائة تقسم بينهما أخماسا خمسها لصاحب العين وأربعة أخماسها لولي الدم ; لأن القيمة الواجبة وهي ستمائة كانت بينهما أثلاثا لولي الدم أربعمائة ولصاحب العين مائتان فحق صاحب العين بقي في مائة ; لأنه أسقط حقه في المائة ، فإنما يقسم المقبوض بينهما على قدر حقهما عند القبض ، وعند القبض حق ولي الدم أربعمائة وحق صاحب العين في مائة ، فإذا جعلت كل مائة بينهما كان قسمة المقبوض بينهما أخماسا ، فأما إذا قبض المائة ، ثم أبرأه عن المائة الأخرى قبل القسمة ففي [ ص: 20 ] قول أبي يوسف رحمه الله : تقسم هذه المائة بينهما أثلاثا ; لأن قسمة المقبوض بينهما باعتبار القبض ، وعند ذلك حق صاحب العين في مائتين فوجب قسمة المقبوض بينهما أثلاثا ، ثم الإبراء في ذلك لا يغير الحكم الثابت في المقبوض كما لا يغير في المقسوم ، وهذا لأن صاحب العين قد تم استيفاؤه في مقدار نصيبه من المقبوض قسم بينهما أو لم يقسم ، فإنما يظهر حكم إبرائه فيما بقي ، ثم رجع فقال : لصاحب العين خمس المقبوض ; لأن القسمة تكون على مقدار القائم من حق كل واحد منهما وقت القسمة ، وعند القسمة حق صاحب العين في المائة وحق الآخر في أربعمائة كان هذا والإبراء قبل القبض في المعنى سواء ، وهو قول محمد رحمه الله : ولو لم يقض لهما بشيء حتى صالحهما على عبد ودفعه إليهما كان العبد بينهما على ثلاثة ; لأنه بدل ما استوجباه من القيمة وحكم البدل حكم المبدل ، ولو استوفيا القيمة اقتسماه أثلاثا فكذلك إذا صالحهما على العبد .

وأم الولد بمنزلة المدبر في حكم الجناية ; لأن المولى أحق بكسبها ، وقد صار مانعا دفع رقبتها بالاستيلاد السابق على وجه لم يصر مختارا وكانت بمنزلة المدبر في ذلك ، وإذا قتل المدبر رجلا خطأ وفقأ عين آخر فصالحهما المولى على عبد دفعه إليهما فاختلفا فقال كل واحد منهما : أنا ولي الدم فعلى كل واحد منهما البينة ; لأن كل واحد منهما يدعي الزيادة في المستحق على المولى لنفسه ، فإن لم تقم لهما بينة فالعبد بينهما نصفان لاستوائهما في سبب استحقاقه فكل واحد منهما في احتمال أنه ولي الدم مثل صاحبه ، فإن قال مولى المدبر لأحدهما : أنت ولي القتل فالقول قوله مع يمينه ; لأن استحقاق القيمة عليه ، وقد أقر لأحدهما بالزيادة وإقرار المرء في المستحق عليه مقبول ، وقد أنكر حق الآخر في الزيادة فالقول قوله مع يمينه .

وإذا أقر المدبر بقتل فإقراره جائز بإقرار القن ; لأن المستحق نفسه قصاص ، وهو خالص حقه والتهمة منتفية عن إقراره لما يلحقه من الضرر في ذلك ، فإن صالح مولاه عنه أحد وليي الدم على ثوب فهو جائز وللآخر نصف قيمة المدبر على المولى إن قامت له بينة أو أقر المولى بذلك ، وإن لم تقم له بينة لم يكن له شيء ; لأن المولى بالإقدام على الصلح لم يصر مقرا .

( ألا ترى ) أن دعوى القصاص لو كانت عليه لرجلين فصالح أحدهما مع الإنكار لا يصير بهذا الصلح مقرا للآخر بشيء وإقرار المدبر في استحقاق المال بجنايته غير مقبول ; لأن ذلك إقرار على المولى وبعدما صالح أحدهما المستحق للآخر حصته من المال ، فلا يثبت ذلك بإقرار المدبر ما لم يقر المولى بذلك أو يقم عليه البينة .
وإذا قطعت المرأة يد رجل عمدا فصالحها من الجراحة على أن يتزوجها فالنكاح جائز ، فإن أبرأها [ ص: 21 ] من ذلك فهو أرش ذلك ; لأن القصاص لا يجري بين الرجال والنساء فيما دون النفس ، فإن برأ تبين أن الواجب له عليها خمسة آلاف وذلك مال يصلح أن يكون مهرا وكان ذلك مهرها ، وإن مات من ذلك فلها مهر مثلها وعليها الدية في مالها في قول أبي حنيفة رحمه الله : لأنه تبين أن الواجب له عليها القصاص والقصاص لا يصلح أن يكون صداقا ; لأنه ليس بمال فكان لها مهر مثلها لذلك ، ثم التزويج على اليد والضربة أو الجراحة أو القطع بمنزلة الصلح ، وقد بينا أن في الصلح بهذه الألفاظ يتبين بطلان الصلح بالسراية عند أبي حنيفة رحمه الله : وفي القياس يجب القصاص ، وفي الاستحسان تجب الدية وعندهما الصلح صحيح فهاهنا كذلك .

عندهما القود ساقط ، ولا شيء عليها ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : عليها الدية في مالها استحسانا ; لأن العاقلة لا تعقل العمد ، وإن كان القتل خطأ فالدية على عاقلتها عند أبي حنيفة رحمه الله : لأنه سمى اليد في التزويج وبين أن حقه كان في النفس فلهذا كانت الدية على عاقلتها عند أبي حنيفة رحمه الله : وليس لها منه شيء ; لأنها قاتلة ، ولا ميراث للقاتل ، وإن كان تزوجها على الجناية وهي عمد ، ثم مات فقول أبي حنيفة رحمه الله : هنا كقولهما إن القود يسقط ; لأن اسم الجناية يتناول النفس وما دونها ولها مهر مثلها ; لأن القصاص لا يصلح أن يكون صداقا ، وكذلك لو قال : على الضربة وما يحدث منها أو الجراحة وما يحدث منها ، وإن مات من ذلك ، وهو خطأ ، فإنه يدفع عن عاقلتها مهر مثلها من ذلك ; لأن التسمية صحيحة باعتبار أن المسمى مال ، وهو الدية ، وقد تناوله لفظة بدل النفس وما دونه إلا إذا كان مهر مثلها ألفا فما زاد على ذلك لا يستحقه ; لأنه صاحب فراش فالزيادة على قدر مهر المثل بمنزلة الوصية منه لها والوصية منه لها وصية لقاتل فالمستحق لها مقدار مهر مثلها يدفع عن العاقلة من ذلك بقدر ثلثه ; لأن ذلك وصية منه لعاقلتها على ما بينا أن الدية على العاقلة فيصح بقدر الثلث ، ولا ميراث لها ; لأنها قاتلة ، وإن طلقها قبل الدخول أخذ من عاقلتها نصف الدية ; لأن نصف المسمى سقط بالطلاق قبل الدخول ونظر إلى النصف الباقي فيرجع منه عن عاقلتها نصف مهر مثلها ; لأن الاستحقاق لها في مقدار مهر المثل صحيح وبقي نصف ذلك لها بعد الطلاق ، ولا تعقل العاقلة عنه لها فيدفع ذلك عنهم ، ثم ينظر إلى ثلث ما ترك الميت ويدفع ذلك عن العاقلة ; لأنه كان موجبا بذلك لعاقلتها فتعتبر من الثلث وتؤدي العاقلة ما بقي بعد ذلك فيكون لورثته .

ولو أن رجلا جرح رجلا جراحة عمدا فتزوجت أخت الجارح المجروح على أن مهرها الجراحة على أن ذلك لها خاصة دون أختها فالنكاح جائز ، وإن برئ فهو عفو [ ص: 22 ] ولها مهر مثلها على الزوج ; لأن الواجب هو القصاص ، وقد صار المجروح مسقطا لحقه بهذه التسمية إلا أن القصاص لا يصلح أن يكون صداقا فكان لها مهر مثلها على الزوج ، وإن كانت الجراحة لا يستطاع فيها القصاص أو كان ذلك خطأ فأرش ذلك مهرها في مال الزوج ; لأن الأرش مال يصلح أن يكون صداقا فتصح التسمية ، وإن كان ذلك دينا للزوج في ذمة الجارح ولكن الصداق يجب في ذمة من ثبت له الملك ، وهو الزوج دون الجارح ، وإن اشترطت العفو عن أخيها والبراءة له فلها مهر مثلها وأخوها بريء منه ; لأن الصداق لا يصير مملوكا لها بالتسمية فالعفو عن أخيها والبراءة له لا يوجب الملك لها في شيء فيجعل في حقها كأنه تزوجها من غير تسمية المهر فلها مهر مثلها ، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة ، وقد برئ أخوها بإبراء المجروح إياه في النكاح ، وإن كانت اشترطت أن تأخذ لنفسها فهو جائز ، فإن شاءت أخذته من الأخ ، وإن شاءت رجعت به على الزوج ; لأن المسمى مال يملكه بهذه التسمية فتصح التسمية ، وقد شرطت أن تأخذ ذلك من الجارح ، ولا بد من أن يجب الصداق بالنكاح على الزوج ، فإن شاءت أخذته من الزوج لصحة النكاح والتسمية ، وإن شاءت أخذته من الأخ بالشرط كما لو تزوجها على ألف درهم على أجنبي وضمن الأجنبي ذلك ، وإن طلقها قبل الدخول رجعت بنصف ذلك على أيهما شاءت ; لأن عند صحة التسمية يتنصف المسمى بالطلاق قبل الدخول ، ولو شجت امرأة رجلا موضحة فصالحها على أن تزوجها على هذه الجناية فذهبت عيناه من ذلك فذلك كله مهرها ; لأن الواجب هو الأرش ، وقد بينا أن اسم الجناية يعم أصل الفعل والسراية فيكون ذلك كله مهرا لها ، وإن طلقها قبل الدخول تنصف ذلك كله ويرجع عليها بنصف أرش ذلك ، وإن كان ذلك عمدا ففي مالها ، وإن كان خطأ فعلى عاقلتها .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #426  
قديم 23-12-2025, 04:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون

صـــ 22الى صـــ 31
(426)





وإذا جرح الزوج امرأته عمدا فصالحته على أن اختلعت منه بذلك الجرح فذلك جائز إن برأت من ذلك ; لأنها سمت في الخلع ما هو حقها ، وإن ماتت فكذلك عند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : عليه الدية ; لأنها سمت ما ليس بحق لها ، فلا تصير هي مسقطة بهذه التسمية شيئا عن الزوج فيجب عليه الدية استحسانا ، ولا شيء له عليها من مهر المثل ; لأن البضع عند خروجه من ملك الزوج غير متقوم وهي لم تغره في شيء فهو وما لو خالعها على خمر أو خنزير سواء بخلاف النكاح ، وقد بيناه .

وإن طلقها على ذلك طلقة ، ثم ماتت من ذلك فعليه الدية في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله : لما قلنا ، وهو يملك الرجعة ; لأن الطلاق وقع بغير [ ص: 23 ] جعل حين سمت ما لم يكن حقا لها وصريح لفظ الطلاق إذا كان بغير جعل لا يوجب البينونة بخلاف ما إذا كان بلفظ الخلع كما لو كان المسمى خمرا أو خنزيرا ، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ليس عليه دية والطلاق رجعي أيضا ; لأن المسمى بمقابلة الطلاق قصاص والقصاص ليس بمال ، فلا تقع البينونة باعتباره ، وإن طلقها على الجناية أو الجرح وما يحدث منه فماتت ، وهو عمد فهو جائز والطلاق رجعي ; لأنه مثل العفو عن القصاص وذلك ليس بمال ، فإن قيل العفو عن القصاص متقوم حتى يصلح أن يكون بدلا في الصلح عن القصاص على ما بينا ، وإذا كان لكل واحد منهما على صاحبه قصاص فاصطلحا على أن عفى كل واحد منهما عن صاحبه جاز ذلك فكذلك يصلح أن يكون بدلا عن الطلاق فينبغي أن يكون الطلاق ثابتا . قلنا : وقوع البينونة عند صريح لفظ الطلاق باعتبار ملك الزوج ما له عليها وذلك لا يوجد هنا ; لأن العفو إسقاط والمسقط يصلح بدلا في الصلح عن دم العمد ولكن الطلاق لا يصير بائنا باعتبار الإسقاط إذا لم يكن فيه معنى التمليك كما لو كان تحت رجل امرأة وأمته تحت عبدها فطلق امرأته على أن طلق عبدها أمته ، فإن كل واحد من الطلاقين يكون رجعيا باعتبار هذا المعنى ، وإن كان الفعل خطأ فالدية على عاقلته ويرجع عليهم بالثلث من تركتها ; لأنها سمت المال . والمريضة إذا اختلعت من زوجها بمال يعتبر ذلك من الثلث وذلك وصية منها لعاقلة الزوج فيكون صحيحا ويؤخذ منهم الباقي والطلاق بائن ; لأنه وقع بجعل ، ولا ميراث له ; لأنه قاتل .
وإذا جرح الرجل امرأة رجل خطأ فصالحها زوجها على أن طلقها واحدة على أن عفت له عن ذلك كله ، ثم ماتت منه فالعفو من الثلث ; لأنها سمت بمقابلة الطلاق ما هو ماله ، وهو الدية على عاقلة الجارح فيكون ذلك معتبرا من الثلث سواء كان بطريق الإسقاط أو التمليك والطلاق بائن ; لأنه وقع بمال إن كان عمدا فهو جائز كله والطلاق رجعي ; لأن الواجب هو القود والقود ليس بمال ، فلا يعتبر عفوها من الثلث وتسميته لا يثبت البينونة كالخمر .

ولو ضرب رجل سن امرأته فصالحها من الجناية على أن طلقها فهو جائز والطلاق بائن ; لأن الواجب مال فتسميته بمقابلة الطلاق يوجب البينونة اسودت السن أو سقطت سن ذلك من أخرى ، فلا شيء عليه ; لأن اسم الجناية يتناول الكل .
وإذا قتل المكاتب رجلا عمدا فصالح من ذلك على مائة درهم فهو جائز ما دام مكاتبا ; لأن المكاتب أحق بمكاسبه ، وهو بمنزلة الحر في صرف كسبه إلى إحياء نفسه بطريق الصلح عن القود ، فإن أدى فعتق فالمال لازم [ ص: 24 ] له ; لأن الكسب خلص بالعتق ، وإن عجز رد رقيقا فبطل المال عنه ; لأن بعد العجز الحق في كسبه ومالية رقبته لمولاه وقوله في استحقاق المالية على المولى ، ولا يكون حجة فإن أعتق يوما من الدهر لزمه المال ; لأن التزامه في حق نفسه صحيح ، وإنما امتنعت صحته في حق المولى ، فإذا سقط حق المولى كالعتق كان مطالبا به كالعبد إذا كفل بمال أو أقر به على نفسه ، وهو محجور عليه وزفر رحمه الله : يخالفنا في هذا الفصل وموضع بيانه في كتاب الديات ، ولو صالح من ذلك على شيء بعينه له كان جائزا ; لأن المسمى كسبه ، وهو يملك صرفه إلى إحياء نفسه

فإن كان الذي صالح عليه عبدا وكفل به كفيل فمات العبد قبل أن يدفعه كان لولي الدم أن يضمن الكفيل قيمته ; لأن بموت العبد لم يبطل الصلح ، وقد تعذر تسليم المسمى مع بقاء السبب الموجب له فتجب القيمة : إن شاء رجع بهذه القيمة على المكاتب ، وإن شاء على الكفيل ; لأن بدل الصلح عن دم العمد مضمون بنفسه كالمغصوب فالكفيل به يكون كفيلا بقيمته بعد الهلاك ، وإذا كان العبد قائما فله أن يبيعه قبل أن يقبضه ; لأنه مضمون بنفسه فيجوز التصرف فيه قبل القبض كالصداق ، ولو صالحه من ذلك على مال مؤجل والقتل يثبته وكفل به كفيل ، ثم عجز ورد رقيقا لم يكن للطالب أن يأخذ المكاتب بشيء حتى يعتق لما بينا أن التزامه المال بالصلح عوضا عن إسقاط القود صحيح في حقه غير صحيح في حق المولى وبالعجز خلص الحق للمولى في كسبه ورقبته ، فلا يطالب بشيء حتى يعتق ولكنه يأخذ الكفيل ; لأن المال باق في ذمته ولكن يؤخر مطالبته به لقيام حق المولى وذلك لا يوجد في حق الكفيل فكان هو مطالبا في الحال كما لو أقر العبد المحجور عليه بدين وكفل به كفيل ، وكذلك لو كان القتل بإقرار وولد المكاتب في ذلك بمنزلة المكاتب ; لأن حكم الكتابة ثابت فيه تبعا لأمه .
وإذا قتل المكاتب رجلا عمدا وله وليان فصالح أحدهما على مائة درهم وأداها إليه ، ثم عجز ورد في الرق ، ثم جاء الولي الآخر فالمولى بالخيار إن شاء دفعه أو دفع نصفه إلى الولي ، وإن شاء فداه بنصف الدية ; لأن بالصلح مع أحد الوليين سقط القود وانقلب نصيب الآخر مالا ، ولا يتم ذلك دينا في ذمة المكاتب إلا بقضاء القاضي بمنزلة جناية المكاتب ، وإذا كانت خطأ ، فإذا عجز قبل القضاء كان حقه في رقبته ويتخير المولى بين دفع النصف إليه والفداء بنصف الدية كما لو كانت الجناية خطأ في الابتداء ، ثم وجوب المال للآخر هنا كان حكما بسبب قتل ثابت بالمعاينة فلهذا يباع به بعد العجز بخلاف المال الواجب للمصالح ، فإن ذلك كان بالتزام المكاتب بدلا عما ليس بمال ، فلا يباع به بعد العجز ما لم [ ص: 25 ] يعتق بمنزلة إقراره بالجناية خطأ ، وإن لم يعجز ولكنه عتق ، ثم جاء الولي الآخر ، فإنه يقضي له على المكاتب بنصف قيمته دينا عليه ; لأن نصيب الآخر قد انقلب مالا وكان دفعه متعذرا عند ذلك وبالعتق قد تقرر وقوف الناس عن الدفع وكان حق الآخر في حصته من القيمة دينا في ذمته بمنزلة ما لو جنى المكاتب جناية خطأ ، ثم عتق ، ولو عفى أحد الوليين عن الدم بغير صلح ، فإنه يقضي على المكاتب أن يسعى في نصف قيمته للآخر ; لأن نصيب الآخر انقلب مالا لغير شريكه فصار في حقه كما لو كانت الجناية في الأصل خطأ .

وموجب جناية المكاتب في الخطأ قيمته لتعذر دفعه بالجناية مع بقاء الكتابة وذلك عليه دون المولى ; لأنه أحق بكسبه بخلاف المدبر وأم الولد ; لأن المولى أحق بكسبهما وموجب الجناية على من يكون الكسب له ، فإن صالحه الآخر من ذلك على شيء بعينه جاز ، وهذا صلح عن مال هو دين على عين فيكون صحيحا ولكن لا يجوز تصرفه فيه قبل القبض ; لأنه بمنزلة البيع .

وإن صالحه على شيء بغير عينه وتفرقا قبل أن تقبض بطل الصلح ; لأنه دين بدين ، ولو صالحه على طعام بعينه أكثر من نصف قيمته جاز ، وكذلك العروض ; لأن الواجب عليه نصف القيمة من الدراهم والدنانير ، ولا ربا بينه وبين الطعام والعروض ، ولو صالحه على دراهم أو دنانير أكثر من نصف قيمته لم يجز بمنزلة ما لو صالح من الدين على أكثر من قدره من جنسه ، وقد بينا أن ذلك ربا .

ولو كفل له رجل بنصف القيمة جاز ; لأنه كفل بدين على المكاتب للأجنبي ، فإن صالحه الكفيل على طعام أو ثياب جاز ورجع الكفيل على المكاتب بنصف القيمة ; لأنه صار موفيا بهذا الصلح إذا كفل عنه بأمره ، ولو أعطاه المكاتب رهنا بنصف القيمة فهلك الرهن ، وفيه وفاء بنصف القيمة فهو بما فيه ، وإن كان فيه فضل بطل الفضل ; لأن في الفضل المكاتب بمنزلة المودع وذلك منه صحيح والله أعلم .

( قال رحمه الله : ) وإذا ادعى رجل في دار رجل دعوى فأقام الذي في يده الدار شاهدين شهدا أنه صالحه على شيء فرضي به منه ودفعه إليه فهو جائز ، وإن لم يسميا ما وقع عليه الصلح ; لأنه مقبوض وحكم الصلح ينتهي في المقبوض بالقبض ، وإنما يحتاج إلى التسمية فيما يستحق قبضه للتحرز عن الجهالة المانعة من التسليم ، وهذا لا يوجد في المقبوض ، وترك التسمية فيه [ ص: 26 ] لا يمنع العمل بالشهادة كترك التسمية فيما وقع الصلح عنه ، وكذلك لو سمى أحدهما دراهم ، ولم يسم الآخر شيئا وشهدا جميعا أنه استوفى جميع ما صالح عليه فهو جائز ; لأن تسمية أحدهما زيادة غير محتاج إليها فذكره والسكوت عنه سواء ، ولو جحد صاحب الدار وادعى الطالب الصلح وجاء بشاهدين فشهد أحدهما على دراهم مسماة وشهد الآخر على شيء غير مسمى أو تركا جميعا تسمية البدل لم تقبل الشهادة ; لأن المصالح عليه غير مقبوض ، فلا يتمكن القاضي من القضاء مع الجهالة

فإن ادعى الطالب مائة وخمسين درهما وشهد له شاهد بها وشاهد بمائة درهم قضيت له بمائة درهم ; لأن دعواه في الحاصل دعوى الدين فالإسقاط قد حصل بإقراره ، وقد اتفق الشاهدان على المائة لفظا ومعنى فتقبل الشهادة إذا كان المدعي يدعي الأكثر ، وإن كان يدعي الأقل ، فلا تقبل الشهادة لتكذيب المدعي أحد شاهديه ، وإذا شهد أحدهما بمائة والآخر بمائتين لا تقبل عند أبي حنيفة رحمه الله : لاختلاف الشاهدين لفظا ومعنى ، وإن ترك بينة الصلح فالمدعي على حجته ; لأنه إنما أقر بسقوط حقه بعوض ، فإذا لم يقبل ذلك العوض فهو على حقه وحجته ، فإن شهد شاهد على صلح بمعاينة على دراهم مسماة وشهد الآخر على الإقرار بمثل ذلك فهو جائز ; لأن الصلح هو إقرار معناه أن صفة الإقرار والإنشاء في الصلح واحد كما في البيع ، وإن شهد أحدهما بالبيع والآخر بالإقرار به كانت الشهادة مقبولة والله تعالى أعلم .

( قال رحمه الله : ) وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على عبد بعينه فهو جائز والعبد للطالب يجوز فيه عتقه ، ولا يجوز فيه عتق المطلوب ; لأن الطالب ملكه بنفس الصلح والمصالح عليه كالمبيع وإعتاق المشتري في المبيع قبل القبض صحيح دون إعتاق البائع إياه ، وإن مات في يد المطلوب قبل أن يقبضه الطالب كان من مال المطلوب بمنزلة المبيع إذا هلك قبل القبض ويرجع الطالب بالدين ; لأن الصلح بطل لفوات قبض المبدل بموته ، وكذلك كل شيء بعينه لا يبطله افتراقهما قبل القبض ; لأنه افتراق عن عين بدين ، ولوصالحه على دنانير مسماة ، ثم افترقا قبل القبض بطل الصلح ; لأنه دين بدين والدين بالدين لا يكون عفوا بعد المجلس ، وكذلك إن كان الصلح على إنكار ; لأنه مبني على زعم المدعي ، وفي زعمه أنه صالحه [ ص: 27 ] من الدراهم على الدنانير فيكون ذلك صرفا يشترط فيه القبض في المجلس ، ولم يوجد ، وكذلك إن صالحه على مكيل أو موزون بغير عينه ; لأن في زعمه أنهما افترقا عن دين بدين وذلك مبطل للصلح ، ولو صالحه من الألف على مائة درهم وافترقا قبل القبض لم يبطل الصلح لما بينا أن تصحيح الصلح هنا بطريق الإسقاط لا بطريق المبادلة ; لأن مبادلة الألف بالمائة لا يجوز فيكون مسقطا بعض الحق بغير عوض وذلك صحيح مع ترك القبض فيما بقي بخلاف ما تقدم .

ولو صالحه من كر حنطة قرض على عشرة دراهم وقبض خمسة ، ثم افترقا بقي الصلح في نصف الكر بحساب ما قبض وبطل في النصف الآخر بحساب ما بقي ; لأنهما افترقا عن دين بدين ، وهذا فساد طارئ فيقتصر على ما وجد فيه عليه ، ولو صالحه على كر شعير بعينه ، ثم تفرقا قبل أن يقبضه فهو جائز ; لأنهما افترقا عن عين بدين ، ولو ابتاع رجل كرا من حنطة بكر من شعير بعينه وقبض الحنطة ، ولم يقبض الآخر الشعير حتى افترقا فهو جائز ; لأن البدل الذي هو دين تعين بالقبض في المجلس فالتحق بما لو كان عينا عند العقد والذي لم يقبض عين والتقابض في بيع الطعام بالطعام في المجلس ليس بشرط عندنا ، ولو كان الشعير بغير عينه ، فإن تقابضا قبل أن يتفرقا فهو جائز ; لأن تعينه بالقبض كبيعه عند العقد ، وإن تفرقا قبل أن يقبض فسد البيع ; لأن الدين في مبادلة الطعام بالطعام بعد المجلس لا يكون عفوا ، فإن الكيل بانفراده يحرم النساء وحرمة النساء كي لا يكون أحد البدلين دينا بعد المجلس ، فإن ترك القبض فيما هو دين حتى افترقا كان أحد البدلين دينا بعد المجلس وذلك مبطل للبيع والصلح جميعا .

ولو كان لرجل على رجل مائة درهم ومائة دينار فصالحه من ذلك على خمسين درهما وعشرة دنانير إلى شهر فهو جائز ; لأنه حط وليس ببيع ، فإن الطالب أسقط بعض حقه من كل واحد من المالين وأجله في الباقي فالإحسان من جهته خاصة في الحط والتأجيل وليس فيه من معنى المبادلة شيء ، وكذلك لو صالحه من ذلك على خمسين درهما حالة أو إلى أجل فهو جائز ; لأنه أسقط جميع حقه من الدنانير وبعض حقه من الدراهم وأجله فيما بقي منه وذلك مستقيم .

وكذلك لو صالحه على خمسين درهما فضة تبرا بيضاء حالا أو إلى أجل ; لأن ما وقع عليه الصلح من جنس حقه فصحة الصلح بطريق الإسقاط دون المبادلة ، وكذلك لو كانت دراهمه سودا فصالحه منها على خمسين غلة حالة أو إلى أجل ; لأن التبرع كله من جانب صاحب الحق ، فإنه أبرأه عن البعض وتجوز بدون حقه فيما بقي وأجله فيما بقي أيضا ، فلا تتحقق معنى المبادلة بينهما بوجه .

وكذلك [ ص: 28 ] لو كانت له عليه مائة درهم بخية وعشرة دنانير فصالحه من ذلك على خمسين درهما سودا حالة أو إلى أجل فالتبرع كله من جهة صاحب المال ، ولو صالحه من ذلك على مائة درهم وعشرة دراهم إلى أجل لم يجز ; لأن العقد صرف فيما زاد على المائة الدرهم ، فإنه مبادلة عشرة دراهم بعشرة دنانير ، وهو صرف والتأجيل في عقد الصرف مبطل للعقد ، وإنما أجله في المائة الدرهم بشرط أن يسلم له مقصوده في الصرف ، ولم يسلم فلهذا لم يثبت التأجيل في شيء ، وإن كانت حالة وقبضها قبل التفرق جاز ، وكذلك إن قبض عشرة دراهم ، ثم افترقا ; لأن المصارفة بينهما في هذا المقدار ، وإنما يجعل المقبوض مما كان قبضه مستحقا بعقد الصرف ، وإن صالحه على مائة درهم وعشرة دراهم على أن ينقد خمسين درهما وستين إلى أجل ، ولم ينقده الخمسين قبل التفرق جاز في قول أبي يوسف رحمه الله : ولم يجز في قول محمد رحمه الله : لأن العقد في العشرة مع الدنانير صرف ، وقد شرط في عقد الصرف التأجيل في بعض المائة ، وفيه منفعة لأحد المتعاقدين فاشتراطه في عقد الصرف يفسد الصرف وأبو يوسف رحمه الله : يقول إن بدل الصرف حال مقبوض في المجلس واشتراط الأجل في ستين من المائة محتمل أن يكون على وجه البراء المبتدأ ويجوز أن يكون ذلك شرطا في عقد الصرف فمع الاحتمال لا يفسد عقد الصرف ، وهذا لأنه قال : ستين إلى أجل ، ولم يقل وعلى ستين إلى أجل ، ومقصود المتعاقدين تصحيح العقد ، فإن حملناه على الإبراء المبتدأ صح العقد ، وإن حملناه على الشرط لم يصح ، ولو صالحه على خمسين درهما وخمسة دنانير إلى أجل جاز ذلك ; لأنه أسقط بعض كل واحد من المالين وأجله فيما بقي من كل واحد منهما فالتبرع كله من جهة صاحب المال ، وكذلك الحكم في المكيلات والموزنات .
وإن كان لرجل على رجل كر حنطة فصالحه بعد إقرار أو إنكار على نصف كر حنطة ونصف كر شعير إلى أجل فالصلح كله باطل ; لأن في حصة الشعير العقد مبادلة نصف كر حنطة بنصف كر شعير والقدر بانفراده يحرم النساء فيفسد العقد ، ثم اشتراط ما بقي من الأجل في الحنطة إنما كان بناء على حصول مقصودهما في العقد على الشعير ، وقد بينا أن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي فهو وما لو كان الصلح على الإقرار سواء ، ولو لم يضرب لذلك أجلا أو كان الشعير معيبا والحنطة بغير عينها كان جائزا ، وإن تفرقا قبل القبض ; لأن مبادلة الحنطة التي هي دين بالشعير بعينه جائزة ، وإن كان الشعير بغير عينه ، فإن قبضه قبل التفرق جاز ، وإن كانت بالحنطة مؤجلة أو حالة قبضها ; لأن الشعير قد تعين في [ ص: 29 ] المجلس كالمعين عند العقد .

ومعنى قوله إن كانت الحنطة مؤجلة في الأصل إلا أن يكون مراده أنه أجله في الحنطة ، فإن ذلك يفسد العقد عند محمد رحمه الله : لأنه شرط في مبادلة الحنطة بالشعير التأجيل في النصف الآخر من الحنطة وذلك مفسد للعقد فعرفنا أن مراده أن صفة الدينية والتأجيل في الحنطة لا يمنع جواز هذا العقد ، وإن فارقه قبل أن يقبض الشعير بطل الصلح في حصة الشعير ; لأنه دين بدين ، فلا يكون عفوا بعد المجلس ، فإن قيل حصة الشعير من الحنطة صارت في حكم المقبوض لمن عليه حين سقط عنه فكيف يكون دينا بدين قلنا صار مقبوضا دينا والدين بالسقوط يصير في حكم المقبوض المتلف ولكن لا يتعين .
ولو كان عليه ألف درهم فضة تبرا بيضاء فصالحه منها على خمسمائة فضة تبرا سوداء إلى أجل فهو جائز ، وهو حط لا بيع ; لأن الفضة كلها جنس واحد فيكون صاحب الحق مبرئا عن بعض الحق من الألف ومتجوزا بدون حقه فيما بقي ، ولو صالحه على خمسمائة درهم مضروبة وزن سبعة إلى أجل لم يجز ; لأن المضروب أجود من التبر فتمكن بينهما معاوضة من حيث إن صاحب الحق أبرأه عن خمسمائة وأجله فيما بقي وذلك كله فيما بقي والجودة التي شرطها لنفسه فيما بقي ومبادلة الجودة في الأجل والقدر ربا .

ولو كان له عليه ألف درهم غلة فصالحه منها على ألف درهم بخية حالة ، فإن قبض قبل أن يتفرقا جاز ; لأن مبادلة البخية بالغلة صرف ، فإذا وجد القبض في المجلس جاز العقد ، وإن تفرقا قبل القبض بطل ، وإن جعلا لها أجلا بطل ، وكذلك إن كان الصلح على خمسمائة بخية في جميع ذلك في قول أبي يوسف الأول رحمه الله : معناه إذا قبض خمسمائة في المجلس جاز ، وإن فارقه قبل القبض فعليه خمسمائة درهم من دراهمه الأولى ، وقد برئ مما سوى ذلك ; لأنه يجعل هذا إبراء من الطالب للمطلوب من خمسمائة وإحسانا من المطلوب في قضاء ما بقي ، وإنما جزاء الإحسان الإحسان لما بينا أنه إن حمل هذا على مبادلة بعض القدر بالجودة لم يصح ، وإن حمل على البراء المبتدأ صح ومقصودهما تصحيح العقد فعند الاحتمال يتعين الوجه الذي يحصل فيه مقصودهما ، وإذا فارقه قبل القبض فعليه الخمسمائة من دراهمه الأولى ; لأنه وعده أن يعطيه ما بقي أجود والإنسان مندوب إلى الوفاء بالوعد من غير أن يكون ذلك مستحقا عليه ، وقد تمت البراءة عن الخمسمائة حين لم تمكن معنى المعاوضة بينهما ، ثم رجع أبو يوسف رحمه الله : فقال الصلح فاسد ، وهو قول محمد رحمه الله : لأنهما بادلا صفة الجودة في الخمسمائة الباقية ببعض القدر وهي الخمسمائة التي أبرأه عنها وذلك ربا ، وإنما [ ص: 30 ] يتأتى حمله على البراء المبتدأ إذا لم يذكرا ذلك على وجه المعاوضة والشرط بينهما ، فأما مع الذكر على وجه المعاوضة ، فلا يمكن حمله على البراء المبتدأ .
ولو كان لرجل على رجل دراهم لا يعرفان وزنها فصالحه منها على ثوب أو غيره جاز ; لأنه صار مشتريا للثوب وجهالة مقدار الثمن فيما يحتاج إلى قبضه لا يمنع جواز البيع إذا كان بعينه ففيما لا يحتاج إلى قبضه أولى ، وإن صالحه على دراهم فهو فاسد في القياس ; لأنه مبادلة الدراهم بالدراهم من غير معرفة الوزن فمن الجائز أن يكون ما يستوفي أكثر من أصل حقه قدرا فيكون ذلك ربا ، وفي الاستحسان يجوز الصلح ; لأن مبنى الصلح على الحط والإغماض والتجوز بدون حقه فلفظة الصلح دليل على أنه استوفى دون حقه فصح بطريق الإسقاط ، وكذلك إن جعل لها أجلا ; لأنه أسقط بعض القدر وأجله فيما بقي والتبرع كله من الطالب ، ولو كان بين رجلين أخذ وعطاء وبيوع وقرض وشركة فتصادقا على ذلك ، ولم يعرف الحق كم هو للطالب عليه ، ثم صالحه على مائة درهم إلى أجل فهو جائز استحسانا ; لأن لفظة الصلح دليل على أن حقه أكثر مما وقع الصلح عليه ، وقد تبرع بالتأجيل فيما بقي .
ولو ادعى قبل رجل وديعة دراهم بأعيانها في المدعى عليه فصالحه الطالب على دراهم دونها فهو جائز ; لأن الوديعة بالجحود صارت دينا أو صارت مضمونة كالمغصوبة فيمكن تصحيح الصلح بينهما بطريق الإسقاط .

ولو كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على مائة درهم وقبضها ، ثم استحقت المائة من يدي الطالب رجع بمثلها ; لأنه صار مبرئا له عن تسعمائة مستوفيا للمائة فبالاستحقاق ينتقض قبضه فيما صار مستوفيا له فيرجع بمثله والبراءة تامة فيما أسقط سواء كان الصلح بإقرار أو إنكار ، وكذلك لو كان وجدها ستوقة أو نبهرجة ردها ورجع بمائة جاز لانتقاض قبضه بالرد في المستوفى ، وكذلك لو كانت عليه مائة درهم بخية فصالحه منها على خمسين درهما فقبضها فوجدها بخية نبهرجة أو وجدها سوداء فله أن يستبدلها ببخية ; لأنه في الخمسين مستوف ، فإذا كان دون حقه رده واستبدل بمثل حقه والبراءة تامة في الخمسين الأخرى .

وكذلك لو كانت له عليه عشرة دنانير فصالحه على خمسة دنانير وقبضها فوجدها حديدا لا ينفق أو مقطعة لا تنفق فله أن يستبدلها بجياد مثل حقه والبراءة تامة في الخمسة الأخرى .

ولو صالحه من الدنانير على دراهم وقبضها ، ثم استحقت قبل التفرق رجع بالدنانير ; لأن العقد بينهما صرف ، فإذا انتقض قبضه بالاستحقاق من الأصل بطل الصرف ورجع بالدنانير ، ولو صالحه من دراهم له عليه على [ ص: 31 ] فلوس وقبضها فتفرقا ، ثم استحقت رجع بالدراهم ; لأن القبض قد انتقض في المستحق من الأصل ويتبين أنهما افترقا عن دين بدين وذلك مبطل للعقد . وكذلك إن وجدها من ضرب لا ينفق ; لأنه تبين أنه صار مستوفيا حقه في المقبوض ، وكذلك لو كان عليه حنطة فصالحه من ذلك على شعير وقبضه وتفرقا ، ثم استحق من يده أو وجد به عيبا فرده رجع بالحنطة ; لأن قبضه انتقض في المردود فظهر أنه دين بدين بعد المجلس ، ولو صالحه على كر شعير وسط وأعطاه إياه ، ثم استحق منه قبل أن يتفرقا رجع بمثله ; لأن قبضه انتقض بمثله في المستحق فكأنه لم يقبضه حتى الآن وصفة الدينية في المجلس لا تضر فلهذا رجع بمثل ذلك الشعير .

ولو كان له عليه كر حنطة قرضا أو غصبا فصالحه على عشرة دراهم ودفعها ، ثم استحقت الدراهم أو وجدها ستوقة بعدما افترقا فردها بطل الصلح ; لأن القبض في المستحق انتقض من الأصل والستوقة ليست من جنس حقه فتبين أنه دين بدين بعد المجلس ، ولو وجدها زيوفا أو نبهرجة فردها كان ذلك فاسدا في قول أبي حنيفة رحمه الله : وفي قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله يستبدلها قبل أن يتفرقا من مجلسهما الثاني ، وهو بناء على ما إذا وجد رأس مال السلم وبدل القرض زيوفا بعد الافتراق فردها وقدمنا ذلك في البيوع .

ولو كانت له عليه عشرة دراهم وكرا حنطة قرضا فصالحه من ذلك على أحد عشر درهما ، ثم فارقه قبل أن يقبض انتقص من ذلك درهما وأخذ حصة الطعام ; لأنه مبادلة الحنطة بالدراهم ، فإذا لم يقبض الدراهم في المجلس كان دينا بدين وبعد فساد العقد تبقى عليه الدراهم والطعام على حاله .
ولو كان له عليه ألف إلى أجل فصالحه منها على خمسمائة درهم ودفعها إليه لم يجز ; لأن المطلوب أسقط حقه في الأجل في الخمسمائة والطالب بمقابلته أسقط عنه خمسمائة فهو مبادلة الأجل بالدراهم وذلك لا يجوز عندنا ، وهو قول ابن عمر رضي الله عنهما ، فإن رجلا سأله عن ذلك فنهاه ، ثم سأله ، ثم نهاه ، ثم سأله فقال : إن هذا يريد أن أطعمه الربا ، وهو قول الشعبي رحمه الله : وكان إبراهيم النخعي رحمه الله : يجوز ذلك ، وهو قول زيد بن ثابت رضي الله عنه استدلالا بحديث { بني النضير أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلاهم قالوا إن لنا ديونا على الناس فقال : صلوات الله عليه ضعوا وتعجلوا } وكنا نحمل ذلك على أنه كان قبل نزول حرمة الربا ، ثم انتسخ بنزول حكم الربا ، فإن مبادلة الأجل بالمال ربا .

( ألا ترى ) أن الشرع حرم ربا النساء وليس ذلك إلا شبهة مبادلة المال بالأجل فحقيقة ذلك لا يكون ربا حراما أولى ، ولو كان له عليه ألف درهم [ ص: 32 ] مؤجلة ثمن خادم فصالحه على أن يردها عليه بخمسمائة قبل الأجل أو بعده غير أنه لم ينتقدها أو انتقدها إلا درهما منها فهو فاسد عندنا ; لأنه شراء ما باع بأقل مما باع قبل نقد الثمن ، وقد بينا ذلك في البيوع وذكرنا أنه لو كان بعيب عند المشتري جاز ذلك ; لأن الربح لا يظهر إذا عاد إليه لا على الوجه الذي خرج من ملكه .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #427  
قديم 23-12-2025, 04:28 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون

صـــ 32الى صـــ 41
(427)





ولو ادعى عليه ألف درهم فأقر بها أو أنكرها فصالحه منها على مائة درهم إلى شهر على أنه إن أعطاها إلى شهر فهو بريء مما بقي ، وإن لم يعطها إلى شهر فمائتا درهم لم يجز ; لأنه في معنى شرطين في عقد حين لم يقاطعه على شيء معلوم ، وهو مبادلة الأجل ببعض المقدار أيضا فيكون ربا حراما .

وكذلك لو قال أصالحك على مائتي درهم إلى شهر ، فإن عجلتها قبل الشهر فهي مائة فهذا والأول سواء ، وكذلك لو صالحه على أحد شيئين سماهما أو أشار إليهما ، ولم يعزم على أحدهما لم يجز لتمكن الجهالة فيما وقع عليه الصلح ، والمصالح عليه بمنزلة المبيع فكان هذا في معنى صفقتين في صفقة ، وكذلك لو كان الصلح من أحد الشيئين على الشك أو مع أحد هذين الرجلين على الشك ; لأن هذه الجهالة تفضي إلى المنازعة ، ولو أقر له بألف درهم ، ثم صالحه منها على عبد على أن يخدم الرجل المدعى عليه شهرا لم يجز ; لأن المصالح عليه مبيع ، وقد شرطا التأجيل في تسليمه شهرا أو شرط البائع لنفسه منفعة لا يقتضيها العقد .

وكذلك لو صالحه على دار واشترط سكناها شهرا أو صالحه على عبد على أن يدفعه إليه بعد شهر ، وكذلك لو صالحه على ثوب على أن يعطيه قميصا ويخيطه أو صالحه على طعام على أن يطبخه له أو يحمله إلى منزله ; لأنه شرط منفعة لا يقتضيها العقد وذلك مفسد للبيع فكذلك الصلح ، وإن صالحه على طعام بعينه في الكوفة على أن يوفيه إياه في منزله فهو جائز استحسانا بخلاف ما لو شرط أن يوفيه بالبصرة ، وقد تقدم بيان هذه الفصول في البيوع والله - تعالى - أعلم بالصواب
( قال رحمه الله : ) اعلم بأن حكم خيار الشرط في الصلح كهو في البيع في جميع الفصول ; لأن الصلح عقد يعتمد التراضي ويمكن فسخه بعد انعقاده كالبيع .

وإذا كان لرجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على عبد على أن زاده المدعي عشرة دنانير إلى شهر واشترطا الخيار ثلاثة أيام فهو جائز ; لأنه اشترى العبد بألف درهم وعشرة دنانير واشتراط الخيار في مثل هذا [ ص: 33 ] العقد صحيح ، فإن استوجب العقد برئ المطلوب من الألف لتمام البيع بينهما وتقرر وجوب الثمن عليه وصارت الدنانير على المطالب الأول إلى شهر من يوم استوجب العقد ; لأنه شرط في الدنانير أجل شهر واشترط الأجل لتأخير المطالبة وتوجه المطالبة عليه بعد سقوط الخيار ، وإنما يعتبر ابتداء الأجل من ذلك الوقت .
ولو كان له عليه عشرة دنانير فصالحه منها على ثوب واشترط المطلوب الخيار ثلاثا ودفع إليه الثوب فهلك عنده في الثلاث فهو ضامن لقيمته وما له على المطلوب كما كان ; لأن المطلوب بائع للثوب وهلاك المبيع في مدة خيار البائع مبطل للعقد ، والمبيع في يد المشتري في مدة خيار البائع مضمون بالقيمة ; لأنه في معنى المقبوض على جهة الشراء .
ولو كان لرجل على رجلين دين فصالحاه على عبد على أنه بالخيار ثلاثا فأوجب الصلح على أحدهما ورد على الآخر كان له ذلك ; لأنه مشتر للعبد منهما ، وقد شرط كل واحد منهما له الخيار في النصف الذي باعه منه فكان له الرد على أحدهما في نصيبه دون الآخر بخلاف ما إذا كان الدين لرجلين على رجل فصالحهما على أنهما بالخيار ثلاثة أيام ; لأنهما في معنى المشتريين للعبد منه وأحد المشتريين لا ينفرد بالرد بخيار الشرط عند أبي حنيفة رحمه الله : ، وقد بيناه في البيوع .

ولو كان لرجل على رجل دين فصالحه على عبد واشترط الخيار ثلاثا فمضت الثلاثة ، ثم ادعى صاحب الخيار الفسخ في الثلاثة لم يصدق إلا ببينة ; لأن السبب الموجب لتمام العقد قد وجد ، وهو مضي مدة الخيار قبل ظهور الفسخ ومدعي الفسخ يدعي ما لا يقدر على إنشائه في الحال ، فلا يقبل ذلك إلا ببينة ، فإن أقام بينة على الفسخ وأقام الآخر البينة على أنه قد أمضى في الثلاثة أخذت البينة للفسخ ; لأنهما كانا بالخيار ; لأن مدعي الفسخ هو المحتاج إلى إقامة البينة ، وهو المثبت لعارض الفسخ وذلك خلاف ما يشهد الظاهر به فكان الأخذ ببينته أولى .

وقع في بعض نسخ الأصل : أخذ ببينة إمضاء الصلح ، وهذا غلط ، وإن صح فوجهه : إن في بينة إمضاء الصلح إثبات الملك فيما وقع عليه الصلح ، وقد بينا شبهة اختلاف الروايات في نظير هذا في البيوع من الجامع ، وإن اختلفا في الثلاثة فالقول قول الذي له الخيار أنه وجد فسخ ; لأنه أقر بما يملك إنشاءه في الحال ، فلا تتمكن التهمة في إقراره والبينة بينة الآخر أنه قد وجب ; لأنه هو المحتاج إلى إسقاط الخيار ، وفي الصلح على الإنكار إذا شرط المدعى عليه الخيار ، ثم فسخ العقد بخياره فالمدعي يعود على دعواه ، ولا يكون ما صنع المدعى عليه إقرارا منه ; لأن الصلح البات أقوى من الصلح بشرط الخيار ، وقد بينا أن إقدامه على الصلح البات [ ص: 34 ] لا يكون إقرارا فعلى الصلح بشرط الخيار أولى .

وخيار الرؤية في الصلح بمنزلته في البيع ; لأن ما وقع عليه الصلح من العين مبيع ومن اشترى شيئا لم يره فهو بالخيار إذا رآه ، وإذا ادعى رجل على رجل ألف درهم فصالحه منها على عدل زطي فقبضه ، ولم يره ، ثم صالح عليه القابض آخر ادعى قبله دعوى أو قبضه الآخر ، ولم يره فللآخر أن يرده على الثاني إذا رآه فلم يرضه ; لأنه بمنزلة مشتري شيء لم يره وليس للثاني أن يرده على الأول إن قبله بقضاء قاض أو بغير قضاء ; لأن خياره قد سقط حين ملكه من غيره باعتبار أنه عجز عن رده بحكم الخيار .

وخيار الرؤية كخيار الشرط لا يعود بعدما سقط بحال ، وقد بينا أن الصلح من الدعوى ليس بإقرار فبعد الرد بخيار الرؤية إنما يعود المدعي على دعواه ، وفي حكم الرد بالعيب المصالح عليه كالمبيع أيضا يرد بالعيب اليسير الفاحش يرجع في الدعوى إن كان رده بحكم أو بغير حكم ، ولو ادعى رجل قبل رجل مائة درهم فصالحه على أمة على الإنكار وقبضها فولدت عنده ، ثم وجدها عوراء لم يستطع ردها لحدوث الزيادة المنفصلة بعد القبض من العين ولكنه يكون على حجته فيما يصيب العور من المائة ، فإذا أقام أو استحلف المدعى عليه فنكل أو أقر يرجع عليه بنصف المائة ; لأن العين من الآدمي نصفه ، ولو ادعى عليه كر حنطة قرضا فصالحه منه على ثوب من غير أن يقر بذلك على أن زاد الآخر عشرة دراهم وتقابضا قبل أن يتفرقا فقطع الثوب قميصا ، ثم وجد به عيبا ينقصه العشرة ، فإنه لا يستطيع الرد لما أحدث فيه من القطع ولكن يرجع بحصة الغير وذلك غير ما نقده ، وهو درهم واحد فيكون على حجته في عشر الكر فيستوفي ذلك إن أتى بالبينة أو استحلف صاحبه فنكل ، ولو ادعى عليه مائة درهم فلم يقر بها فصالحه منها على كر ودفع إليه الكر على أن زاده الآخر عشرة دراهم إلى شهر فهو جائز ; لأنه اشترى الكر بالعشرة وبما ادعاه ، وهو المائة في زعمه وذلك صحيح ، فإن وجد بالكر عيبا ووجد به عنده عيب وكان عيبه الأول ينقصه العشر ، فإنه يبطل من العشرة الدراهم التي عليه درهم ويكون على حجته في عشر المائة ; لأن حصة العيب من البدل هذا ، وهذا عند تعذر الرد يرجع بحصة العيب من البدل

ولو صالحه من المائة على كر حنطة ودفعه إليه أو على عشرة دراهم إلى شهر من غير إقرار ، ثم وجد بالكر عيبا ، وقد حدث به عنده عيب وكان العيب الأول ينقصه العشر فهو على حجته في عشر تسعين درهما ; لأن المدعي بقي حقه في عشرة دراهم وأجله في ذلك إلى شهر ، وإنما صالحه على كر حنطة بما زاد على العشرة إلى تمام المائة [ ص: 35 ] وذلك تسعون درهما فعند تعذر الرد بالعيب يرجع بحصة العيب من البدل فلهذا كان على حجته في عشر تسعين درهما . وقيل ينبغي أن لا يجوز هذا الصلح عند محمد رحمه الله : لأن الصلح على الإنكار مبني على زعم المدعي ، وفي زعمه أنه اشترى الحنطة بتسعين درهما وشرط له التأجيل في عشرة دراهم سوى الثمن إلى شهر وذلك شرط منفعة لأحد المتعاقدين لا يقتضيها العقد فيكون مفسدا للعقد والله أعلم .

( قال رحمه الله : ) وإذا كان لرجل على رجل دين إلى سنة فصالحه على أن أعطاه به كفيلا وأخره به إلى سنة أخرى فهو جائز ; لأن المطلوب أعطاه بما عليه كفيلا ، والطالب أجله إلى سنة أخرى ، وكل واحد منهما صحيح عند الانفراد فكذلك إذا جمع بينهما ، ولا يتمكن هنا معنى معاوضة ، والكفالة بالأجل ; لأن الكفالة إنما تصح بقبول الكفيل سواء سأل المطلوب ذلك أو لم يسأل ، والتأجيل يثبت حقا للمطلوب ، فلا تتحقق معنى المعاوضة بينهما ، وكذلك لو كان به كفيل فأبرأه على أن أعطاه به كفيلا آخر وأخره سنة بعد الأجل الأول ; لأن إبراء الكفيل الأول يتم بالطالب والتأخير بإيجاب الطالب ذلك للمطلوب ، ولا يتمكن معنى المعاوضة فيه لما كان تمام كل واحد منهما بشخص آخر ، ولو صالحه على أن يعجل له نصف المال على أن يؤخر عنه ما بقي سنة بعد الأجل كان ذلك باطلا ; لأن المطلوب أسقط حقه في الأجل في نصف المال وشرط على الطالب التأجيل فيما بقي سنة أخرى فهذا مبادلة الأجل بالأجل ، وهو ربا ، وكذلك كل ما يعجل مؤجلا بتأخير شيء آخر معجلا أو مؤجلا فهو فاسد لما فيه من معاوضة الأجل بالأجل .

ولو كان المطلوب قضى الطالب المال قبل حله ، ثم استحق من يده لم يرجع عليه حتى يحل الأجل ; لأن القبض انتقض في المستحق من الأصل وسقوط الأجل كان في ضمن التعجيل بتسليم المال إليه ، وإذا ثبت في ضمن غيره يبطل ببطلانه فلهذا كان المال عليه بعد الاستحقاق إلى أجل ، وكذلك لو وجد زيوفا أو نبهرجة أو ستوقا ، أما في الستوق فظاهر ; لأنه يتبين أنه لم يكن موفيا له حقه فيبقى المال عليه إلى أجله ، وفي الزيوف والنبهرجة قد انتقض قبضه بالرد ، وسقوط الأجل كان باعتبار قبضه ، وهو دليل أبي حنيفة رحمه الله : عليهما في أن الرد بعيب الزيافة ينقض القبض من الأصل بمنزلة الاستحقاق حين عاد الأجل ولكنهما [ ص: 36 ] يقولان نحن نسلم هذا إلا أنا نجعل في الصرف والسلم اجتماعهما في مجلس الرد كاجتماعهما في مجلس العقد وذلك لا يتحقق في حكم سقوط الأجل ، وعند رد الزيوف رجوعه بأصل حقه ، وهو ثمن المبيع ، وقد كان أصل حقه مؤجلا فلهذا رجع به بعد حله أيضا ، وكذلك لو باعه به عبدا أو صالحه منه على عبد وقبضه ، ثم استحق أو وجد حرا أو رده بعيب بقضاء قاض فالمال عليه إلى أجله ; لأن بهذه الأسباب ينتقض العقد من الأصل ، وكذلك لو طلب إليه أن يقيله الصلح على ما كان من الأجل فأقاله أو رده بعيب بغير قضاء فالمال عليه إلى أجله ; لأن الإقالة إن جعلت فسخا عاد المال إلى أجله ، وإن جعلت كعقد مبتدأ فقد شرط التأجيل في البدل فيكون مؤجلا والرد بالعيب بغير قضاء قاض بمنزلة الإقالة ، وإن لم يسم الأجل فالمال حال ; لأن الإقالة والرد بالعيب بغير قضاء قاض بمنزلة البيع المبتدأ ، فإنه يعتمد التراضي ومطلقه يوجب المال حالا .

فإن قيل : الإقالة فسخ في حقهما وعود الأجل من حقهما قلنا هو فسخ في حقهما فيما هو من أحكام ذلك البيع ، فأما فيما ليس من أحكامه فهو كالبيع المبتدأ والأجل في أصل الدين لم يكن من أحكام هذا البيع بينهما فالإقالة فيه كالبيع المبتدأ ، وقد قررنا هذا المعنى فيما أمليناه من شرح الزيادات .

ولو كان بالدين كفيل لم يعد المال على الكفيل إلا أن يكون رد العبد بالعيب بقضاء قاض ; لأن الرد بالقضاء فسخ من الأصل ، ولم يثبت المال على الكفيل ; لأن هذا دين آخر سوى ما كفل به فهذا مثله ، ولو كان به رهن ، وهو في يد الطالب حين رد بالعيب كان رهنا على حاله بالمال ; لأن البيع قد انفسخ برد العبد ، وإنما يرجع الطالب بالدين الذي كان له عليه ، وقد كان الرهن محبوسا عنده بذلك الدين فيبقى محبوسا على حاله ; لأن الشراء بالدين مثله .
ولو كان للطالب على المطلوب ألف درهم من ثمن مبيع ومائة دينار من ثمن مبيع إلى أجل فعجل له المائة الدينار على أن أخر عنه الألف إلى سنة فهذا باطل ; لأنه أسقط حقه في الأجل في الدنانير عوضا عما أجله الآخر من الدراهم ، ولو قال : أعجل لك الألف درهم على أن تؤخر عني الدنانير سنة أخرى فهذا جائز ; لأن له أن يأخذ الألف عاجلا ، فإنما أجله في الدنانير خاصة وليس بمقابلة إسقاط الآخر أجله شيء ، ولو صالحه من الدين على أن جعله حالا فهو جائز ، وهو حال وليس هذا صلحا ، وإنما هذا إسقاط من المطلوب حقه في الأجل والأجل حقه فيسقط بإسقاطه .

وكذلك لو قال : أبطلت الأجل الذي في هذا الدين إن تركته أو جعلته حالا فهذا كله إسقاط منه للأجل إن قال : قد برئت من الأجل أو قال : لا حاجة لي في الأجل ، وهذا ليس بشيء والأجل [ ص: 37 ] على حاله ، أما في قوله لا حاجة لي في الأجل ، فإنه غير مسقط للأجل ; لأن الإنسان قد يكون حقه قائما ، وإن كان هو لا يحتاج إليه فإظهاره الاستغناء عنه لا يكون إسقاطا للأجل . ومعنى قوله لا حاجة لي في الأجل أني قادر على أداء المال في الحال وبقدرته على الأداء لا يسقط الأجل . وقوله قد برئت من الأجل بمنزلة قوله أبرأت الطالب منه وذلك لغو ، فإن الأجل حق المطلوب من حيث إنه يؤخر المطالبة عنه ولكن لا يستوجب به شيئا في ذمة الطالب فإبراء الطالب وليس له في ذمة الطالب شيء يكون لغوا ، بخلاف قوله أبطلت الأجل فذلك إسقاط منه لحقه وتصرف منه في المال الذي في ذمته يجعله حالا وليس يتصرف في ذمة الطالب بشيء فلهذا كان صحيحا .

ولو ادعى عليه ألف درهم فأنكرها ، ثم صالحه على أن باعه بها عبدا فهو جائز ، وهذا إقرار منه بالدين بخلاف قوله فصالحتك منها ، وقد تقدم بيان هذا الفرق أن البيع لفظ خاص بتمليك مال بمال فإقدام المدعى عليه على البيع يكون إقرارا منه أنه يملكه العبد بالمال الذي عليه وذلك إقرار منه بالمال ، فأما الصلح فتمليك المال بإزاء إسقاط الدعوى والخصومة ، فلا يكون إقرارا حتى لو قال صالحتك من حقك على أن لك هذا العبد كان إقرارا بحقه أيضا ، ولو صالحه من الدين على عبد ، وهو مقر به وقبضه لم يكن له أن يبيعه مرابحة على الدين ، والصلح مخالف للبيع يعني لو اشترى بالدين العبد كان له أن يبيعه مرابحة ; لأن مبنى الشراء على الاستقصاء ، فلا يتمكن فيه شبهة التجوز بدون الحق ، ومبنى الصلح على الإغماض والتجوز بدون الحق فيتمكن فيه شبهة الحط ، وبيع المرابحة مبني على الاحتياط والشبهة فيما هو مبني على الاحتياط يعمل عمل الحقيقة .
ولو ادعى على رجل كر حنطة قرضا فجحده فصالحه فضولي على أنه اشتراه منه بتصييره دراهم ونقدها إياه كان الصلح باطلا ; لأن الشراء تمليك مال بمال فيصير المصالح مشتريا الدين من غير من عليه الدين وذلك باطل ، ولو لم يشتره ولكن صالحه منه على عشرة دراهم ودفعها إليه فهو جائز ; لأنه التزم المال عوضا عن إسقاط المدعي حقه قبل المدعى عليه وذلك صحيح ، وإنما أوردنا هذه الفصول لإيضاح الفرق بين لفظ البيع ولفظ الصلح .
وإذا كان لرجلين على رجل ألف درهم من ثمن مبيع حال فأخر أحدهما حصته لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة رحمه الله : وجاز في قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله ويأخذ الآخر حصته ، ولا يشاركه المؤخر في المقبوض حتى يمضي الأجل فحينئذ يكون له أن يشارك القابض في المقبوض .

وجه قولهما أن المؤخر تصرف في خالص نصيبه ، ولا ضرر على شريكه [ ص: 38 ] في تصرفه فينفذ تصرفه كالشريكين في العبد إذا باع أحدهما نصيبه أو وهبه ، وهذا لأن التأجيل في إسقاط المطالبة إلى مدة ، ولو أسقط حقه في المطالبة بنصيبه لا إلى غاية بأن أبرأ عن نصيبه كان صحيحا ، فإذا أسقط مطالبته إلى غاية كان أولى بالصحة ، ولو اشترى أحدهما نصيبه على عين أو قبل الحوالة بنصيبه على إنسان كان صحيحا لما أنه متصرف في خالص نصيبه فكذلك إذا أجل نصيبه ، ولو أقر أحد الشريكين بأن الدين مؤجل إلى سنة وأنكر صح إقرار المقر في نصيبه فكذلك إذا أنشأ التأجيل ; لأن الإقرار لا يصح فيما هو حق للغير مع تمكن التهمة فيه وذلك لأنه لا يملك تحصيل مقصوده بالإنشاء ولما صح إقراره هنا عرفنا أنه يصح تأجيله ولأبي حنيفة رحمه الله : في المسألة روايتان : إحداهما : أن تأجيله يلاقي بعض نصيب شريكه ، وهو لا يملكه بالاتفاق وبيان هذا أن أصل الدين يبقى مشتركا بعد التأجيل ، ولا يمكن أن يجعل تأجيله مضافا لنصيبه خاصة إلا بعد قسمة الدين وقبل القبض لا يجوز ; لأن القسمة تمييز وما في الذمة لا يتصور فيه التمييز ، وفي العين القسمة بدون التمييز لا تحصل ، فإنه لو كان بين رجلين صبرة حنطة فقال : اقتسمنا على أن هذا الجانب لي والجانب الآخر لك لا يجوز ، وهذا لأن في القسمة تمليك كل واحد منهما نصف نصيب شريكه عوضا عما يتملكه عليه وتمليك الدين من غير من عليه الدين لا يجوز ، وإنما قلنا إن هذا قسمة ; لأن نصيب أحدهما يصير مخالفا لنصيب الآخر في الوصف والحكم في القسمة ليس إلا هذا .

والدليل على أن تأجيله يصادف بعض نصيب شريكه أن الآخر إذا قبض نصيبه ، ثم حل الأجل كان للمؤخر أن يشاركه في المقبوض ويكون ما بقي مشتركا بينهما والباقي هو ما كان مؤجلا ، ولو سلم للقابض ما قبض واختار اتباع المديون ، ثم نوى ما عليه كان له أن يرجع على القابض فيشاركه في المقبوض باعتبار أن نصف المقبوض حقه ، وإنما يسلمه له بشرط أن يسلم له ما في ذمة المديون ، فإذا لم يسلم رجع عليه وبهذا الفصل تبين فساد مذهبهما ، فإنه بعد التأجيل إذا لم يكن للمؤخر أن يطالب بنصيبه فكيف يكون للآخر أن يقبض شيئا من نصيبه ، وإن جعل الآخر قابضا لنصيب نفسه كان ذلك قسمة فينبغي أن لا يكون للمؤخر أن يشاركه بعد حلول الأجل ، وإن جعل قابضا لبعض نصيب المؤخر ، فإذا لم يكن للمؤخر أن يطالب بنصيبه قبل حلول الأجل لا يكون ذلك لغيره بطريق الأولى ، وهذا بخلاف ما لو أبرأه عن نصيبه ; لأنه لا يبقى نصيبه بعد الإبراء ، وإنما القسمة مع بقاء نصيب كل واحد منهما بخلاف البيع في نصيب أحدهما [ ص: 39 ] من العين ، فإنه لا يلاقي شيئا من نصيب شريكه بدليل أنه لا يشاركه في الثمن وبخلاف ما إذا استوفى أحدهما ; لأن القسمة هناك باعتبار اختلاف المحل فنصيب المستوفي لم يبق في ذمة المديون .

وكذلك إذا اشترى بنصيبه أو صالح أو قبل الحوالة فيه فقد وجد اختلاف المحل ، وإذا أقر أحدهما أن المال كله مؤجل فإقرار المقر حجة في حقه ، وهو يزعم أن الدين كله مؤجل ، فلا يتحقق معنى القسمة باعتبار زعمه ، وإنما لا يظهر حكم الأجل في حق الآخر لقصور الحجة عنه لا لأن نصيبه غير مؤجل في حق المقر ، ولا يكون في إعمال إقراره في نصيبه معنى قسمة الدين بخلاف النسأ والأجل حتى لو أقر أحدهما أن نصيبه مؤجل فهو على الخلاف أيضا والطريق الآخر أن في تصرف الآخر إضرارا لشريكه وأحد الشريكين إذا تصرف في نصيبه على وجه يلحق الضرر بصاحبه لم ينفذ تصرفه في حق شريكه كما لو كاتب أحد الشريكين العبد كان للآخر أن يبطل المكاتبة . وبيان ذلك أن مؤنة المطالبة بجميع الدين على شريكه ; لأنه يؤخر نصيبه حتى يستوفي الآخر نصيبه ، فإذا أجل الأجل شاركه في المقبوض ، ثم يؤخر نصيبه مما بقي حتى يستوفي الآخر نصيبه ، فإذا أجل شاركه في المقبوض ، فلا يزال يفعل هكذا حتى تكون مؤنة المطالبة في جميع الدين على شريكه ، وفيه من الضرر ما لا يخفى وبه فارق الإبراء ; لأنه ليس في تصرفه هناك إضرار لشريكه ; لأنه لا يشاركه فيما يقبض بعد ذلك .

وكذلك استيفاء نصيبه أو الشراء بنصيبه أو الصلح أو قبول الحوالة ليس فيه إضرار بالشريك ، وإذا أقر أن الدين مؤجل فهو غير ملحق الضرر بشريكه ولكن في زعمه أن الشريك ظالم في المطالبة ، ولا يستقل له على المطلوب حتى يحل الأجل فيكون هو في المطالبة ظالما ملتزما مؤنة المطالبة باختياره فلهذا يصح إقراره في نصيبه ، ولو صالح أحد الشريكين المديون على مائة درهم على أن أخر عنه ما بقي من حصته لم يجز التأخير في قول أبي حنيفة رحمه الله : وما قبض فهو بينهما نصفان ; لأن المقبوض جزء من دين مشترك حقهما فيه سواء وعندهما تأخيره فيما بقي صحيح والمقبوض بينهما نصفان أيضا ; لأنه حين قبضه كان حقهما في الدين سواء فصار المقبوض بينهما نصفين فتأخير أحدهما ما بقي من حقه لا يغير حكم الشركة بينهما في المقبوض ; لأن التأخير لا يمس المقبوض .

وكذلك لو كانا شريكين شركة عنان وكل واحد منهما لا يملك التصرف في نصيب صاحبه من الدين بمنزلة الشريكين في الملك ، فأما المتفاوضان فتأخير أحدهما جائز على الآخر ; لأن التأخير من صنع التجار وكل واحد منهما قائم مقام صاحبه فيما هو من صنع التجار .

[ ص: 40 ] ولو أقر أحد الشريكين في الدين ، وهو ألف درهم أنه كان للمطلوب عليه خمسمائة درهم قبل دينهما فقد برئ المطلوب من حصته بطريق المقاصة بمنزلة ما لو أبرأه ، ولا يكون لشريكه عليه شيء ; لأن المقر صار قابضا بنصيبه من الدين ما كان عليه لا مقضيا ، فإن آخر الدينين قضاء عن أولهما ; لأن القضاء لا يسبق الوجوب ، وإنما يشاركه الآخر فيما يقبض ، فإذا لم يصر بهذا الطريق قابضا شيئا لا يكون للآخر أن يشاركه فيه كما لو أبرأه من نصيبه أو وهبه له ، وكذلك لو جنى عليه عمدا دون النفس جناية يكون أرشها خمسمائة أو صالح من جناية عمد فيها قصاص على ذلك ; لأنه ما صار مستوفيا شيئا مضمونا أو شيئا قابلا للشركة ، وإنما صار متلفا لنصيبه ، فلا يكون للآخر أن يرجع عليه بشيء .

ولو غصب أحد الشريكين من المديون ما يساوي خمسمائة فهلك في يده فللآخر أن يرجع عليه بمائة وخمسين ; لأنه صار قابضا بنصيبه مالا مضمونا وضمان الغصب يوجب الملك في المضمون فكأنه استوفى نصيبه ولأن المديون يكون قابضا لنصيبه بطريق المقاصة ; لأن دينه يكون آخر الدينين .

ولو حرق أحدهما ثوبا للمديون يساوي خمسمائة فكذلك الجواب في قول محمد رحمه الله : لأنه بالإحراق صار قابضا متلفا للمال ويكون ذلك مضمونا فيكون كالغصب ، والمديون صار قابضا لنصيبه بطريق المقاصة فيجعل المحرق مقضيا وقال أبو يوسف رحمه الله : لا يرجع عليه بشيء ; لأنه متلف لنصيبه بما صنع لا قابض ، والإحراق إتلاف ويكون هذا نظير الجناية ، وقد بينا أنه لو جنى أحدهما على المديون حتى يسقط نصيبه من الدين لم يكن للآخر أن يرجع عليه بشيء فكذلك إذا جنى على ماله بالإحراق .

ولو صالحه على مائة درهم على أن أبرأه مما بقي من حصته بعد قبض المائة أو قبل قبضها كان لشريكه أن يرجع عليه بخمسة أسداس المائة ; لأن الباقي من دينه على المديون مائة ونصيب شريكه خمسمائة فالمقبوض يكون مقسوما بينهما على مقدار حقهما بخلاف ما إذا أجل فيما بقي على قولهما ; لأن التأجيل لا يسقط نصيبه من الدين ، وإن تأخر حق المقبوض فلهذا بقي المقبوض بينهما نصفين ، ولو كان قبض المائة وقاسمهما شريكه نصفين ، ثم أبرأه مما بقي له كانت القسمة جائزة لا تعاد ; لأن عند تمام القسمة كان حقهما في ذمة المديون سواء فسقوط ما بقي من نصيب أحدهما بالإبراء لا يبطل تلك القسمة بعد تمامها .

ولو كان لرجلين على رجل حنطة قرض فصالحه أحدهما على عشرة دراهم من حصته فهو جائز ويدفع إلى شريكه إن شاء ربع كر ، وإن شاء خمسة دراهم ; لأنه بهذا الصلح صار مستوفيا لنصيبه فللآخر أن يطالبه بنصف نصيبه ، وهو ربع كر كما لو استوفاه [ ص: 41 ] حقيقة ، وهذا لأن الصلح يصحح بطريق المبادلة ما أمكن ومبادلة الكر بعشرة دراهم صحيحة إلا أن مبنى الصلح على الإغماض والتجوز بدون الحق فمن حجة المصالح مبادلة الكر بعشرة دراهم صحيحة ، إلا أن يقول إنما توصلت إلى نصيبي ; لأني تجوزت بدون حقي ، فإن أردت أن تشاركني فتجوز بما تجوزت به لأدفع إليك نصف ما قبضت وهي خمسة دراهم فلهذا كان الخيار لقابض الدراهم في ذلك .

ولو باعه حصة من الطعام بعشرة دراهم ضمن لشريكه ربع الكر ، ولا خيار له في ذلك ; لأن مبنى البيع على الاستقصاء فيصير هو بطريق البيع كالمستوفي بجميع نصيبه ، لشريكه نصفه ولأن البيع عقد ضمان فيصلح أن يكون موجبا لشريكه عليه ضمان نصف نصيبه والصلح عقد تبرع ، فلا يكون موجبا للضمان على المتبرع إلا أن يلتزم ذلك باختياره ، ثم في الشراء إذا رجع بربع الكر فما بقي في ذمة المطلوب وذلك نصف كر يكون مشتركا بينهما كما لو قبض أحدهما نصيبه وشاركه الآخر فيه .

ولو كان عبد بين رجلين باع أحدهما نصيبه من رجل بخمسمائة وباع الآخر نصيبه منه بخمسمائة وكتبا عليه صكا واحدا بألف ، ثم قبض أحدهما منه شيئا لم يكن للآخر أن يشاركه فيه ; لأن نصيب كل واحد منهما وجب على المطلوب بسبب آخر ، فلا تثبت الشركة بينهما باتحاد الصك كما لو أقرضه كل واحد منهما خمسمائة وكتبا بالألف صكا واحدا ، وكذلك لو باعاه صفقة واحدة على أن نصيب فلان منه مائة ; لأن تفرق التسمية في حق البائعين كتفرق الصفقة بدليل أن للمشتري أن لا يقبل البيع في نصيب أحدهما .

وكذلك لو اشترط أحدهما أن نصيبه خمسمائة بخية وشرط الآخر خمسمائة سوداء ; لأن التسمية تفرقت ويغني نصيب أحدهما عن نصيب الآخر وصفا ، فأما إذا باعاه صفقة واحدة بثمن واحد فأيهما قبض من ذلك شيئا شركه الآخر فيه ; لأنه دين وجب لهما بسبب واحد بدلا عما هو مشترك بينهما ، فلا يقبض أحدهما شيئا إلا بشركة الآخر ; لأن المقبوض إما أن يكون عين ما كان في الذمة أو بدلا عنه وحكم البدل حكم المبدل .

ولو كان لرجلين على رجل ألف درهم بخية فصالحه أحدهما من نصيبه على خمسمائة زيوف أو على خمسمائة سود كان لشريكه أن يأخذ منه نصفها ; لأن ثبوت حق المشاركة له باعتبار قبضه ، فإنما ينظر إلى صفة المقبوض فيشاركه فيه ويأخذ منه نصفه ، وهذا لأن المستوفي إنما وصل إلى حقه ; لأنه تجوز بدون حقه فعلى الآخر أن يتجوز به إذا أراد مشاركته ; لأن مشاركته لا تكون إلا بعد رضاه بقبضه ، وعند الرضا يصير كأنهما قبضا ذلك .
وإذا كان لرجلين على رجل كر حنطة فصالحه [ ص: 42 ] أحدهما عن نصيبه على كر شعير وقبضه وأعطى شريكه ربع كر حنطة ، ثم وجد بالشعير عيبا ينقصه العشر ، وقد حدث به عنده عيب آخر ، فإنه يرجع بنصف عشر كر حنطة ، وهو حصة العيب فيكون ذلك له خاصة ; لأنه غرم بدل هذا المقبوض لشريكه ، فإن هذا المقبوض بدل عن هذا الجزء الفائت بالعيب ، وقد غرم لشريكه حصة ذلك فيكون له خاصة ، وإذا اشترى الرجل من الرجل ثوبا بفرق بثمن جيد بغير عينه ، ثم صالحه من الثمن على فرق زيت ودفعه إليه في المجلس جاز ; لأن الموزون بمقابلة الثوب يستحق ثمنا إذا كان بغير عينه والاستبدال قبل القبض جائز ، وإذا تعين في المجلس بالقبض فهو كالمعين عند العقد ، وإذا صالح الرجل الرجل من دعواه على كر حنطة وسط ، ثم صالحه من ذلك الكر على كر شعير بغير عينه وافترقا قبل القبض لم يجز ; لأنه دين بدين ، ولو كان الشعير بعينه جاز ; لأن الافتراق حصل عن عين بدين وذلك جائز فيما سوى عقد الصرف .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #428  
قديم 23-12-2025, 04:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون

صـــ 42الى صـــ 51
(428)





ولو كان لرجلين على رجل ألف درهم لأحدهما ومائة دينار للآخر فصالحاه من ذلك كله على ألف درهم وقبضا لم يجز بخلاف ما إذا كان المال لواحد فهناك يصير مبرئا من أحد المالين مستوفيا للآخر فأمكن تصحيح العقد بطريق الإسقاط وهنا لا يتأتى ذلك ; لأنهما صالحاه على أن يكون الألف لهما فلو أجزنا ذلك قسمنا الدراهم بينهما على ألف درهم ومائة دينار فيكون الألف درهم بأقل من ألف درهم وذلك ربا . وكذلك لو كان لأحدهما عليه كر حنطة وللآخر كر شعير قرض فصالحاه على كر حنطة فهو باطل ; لأنا لو جوزناه لم يكن بد من قسمة المقبوض على قيمة كر حنطة وقيمة كر شعير بينهما وقبضت الحنطة دون كيلها وذلك ربا ، ولو صالحاه على مائة درهم وقبضاها قبل أن يتفرقا جاز وتقسم المائة بينهما على قيمة الحنطة والشعير ; لأنهما كالبائعين منه الحنطة والشعير بمائة درهم والبدل يقسم على قيمة المبدل .
ولو كان لرجلين على امرأة ألف درهم فتزوجها أحدهما على حصة منها فهو جائز ، ولا يرجع صاحبه عليه بشيء ; لأنه لم يقبض بحصته شيئا مقبوضا يقبل الشركة ، فإنه يملك به البضع والبضع ليس بمال متقوم ، ولا يكون مضمونا على أحد ، فلا يقبل الشركة فهو كالجناية التي تقدمت ، وروى بشير عن أبي يوسف رحمه الله : أن للآخر أن يشاركه فيضمنه نصف نصيبه من الدين ; لأن النكاح إنما ينعقد بمثل تلك الخمسمائة والصداق لا يجب بالعقد ويكون مالا متقوما ، ثم يصير الزوج مستوفيا لنصيبه من الدين بطريق المقاصة ; لأن آخر الدينين دين المرأة فتصير هي قاضية به نصيب الزوج من الدين .

[ ص: 43 ] وكذلك لو كان لامرأتين على زوج إحداهما ألف درهم فاختلعت منه فليس للأخرى أن ترجع عليها بشيء ; لأنها لم تقبض شيئا ، ولو كان تزوجها أحدهما على خمسمائة ، ثم قاصها بحصته من الألف أو لم يقاصها رجع عليه شريكه بمائتين وخمسين ; لأنه صار مستوفيا نصيبه بطريق المقاصة ، ثم تتبع ابنها بخمسمائة ، ولو طلقها قبل أن يدخل بها رجع عليها بمائتين وخمسين لتنصف الصداق بالطلاق قبل الدخول ويتبعانها بخمسمائة أيضا فيكون عليها سبعمائة وخمسون فما خرج من ذلك كان بينهما على حساب ذلك أثلاثا .
ولو كان لرجلين على رجل ألف درهم فقال له أحدهما : قد برئت إلي من خمسمائة فهذا إقرار بالقبض ولشريكه أن يأخذه بنصفها ; لأنه قد أقر ببراءته بفعل مبتدأ بالمطلوب متحتم بالطالب وذلك بطريق الإيفاء فكان هذا وإقراره باستيفاء نصيبه سواء ، وكذلك لو استأجر منه أحدهما دارا بحصته منها وسكنها فهو بمنزلة القبض أو استأجر بنصيبه عبدا للخدمة أو أرضا للزراعة ; لأن المنافع مال في حكم العقد وهي بالاستيفاء تدخل في ضمان المستأجر بمنزلة المشتري ، ولو اشترى أحدهما بنصيبه شيئا كان ذلك بمنزلة القبض وللآخر أن يرجع عليه بنصف نصيبه فكذا هذا .

وروى ابن سماعة عن محمد رحمه الله : أنه قال : هذا إذا استأجر أحدهما بخمسمائة ، ثم أصاب قصاصا بنصيبه ، فأما إذا استأجر بحصته من الدين لم يكن للآخر أن يرجع عليه بشيء وجعل هذا بمنزلة النكاح ; لأن المنفعة ليست بمال مطلق ، فإذا كان بدل نصيبه المنفعة لا يضمن باعتباره مالا مطلقا لشريكه ، والله - تعالى - أعلم بالصواب

( قال رحمه الله : ) وإذا صالح الرجل من السلم على ماله لم ينبغ له أن يشتري به شيئا حتى يقبضه عندنا ، وقال زفر رحمه الله : لا يشترط ذلك ; لأنه ليس له وجه رده بسبب القبض فيجوز الاستبدال به كالمغصوب والمستقرض ، وهذا لأن إقالة السلم فسخ وليس بعقد مبتدأ بينهما بدليل أنه لا يستحق قبض رأس المال في المجلس والدين بالدين حرام ، فإذا كان فسخا وجب رد رأس المال بسبب القبض لا بسبب عقد السلم . ولكنا نقول قد ثبت بالنص أن رب السلم ممنوع شرعا من أن يأخذ غير رأس المال وغير المسلم فيه فلو جوزنا الاستبدال بعد الإقالة أدى إلى ذلك ، وإنما لا يجوز الاستبدال بالمسلم فيه قبل الإقالة بهذا المعنى لما فيه من تفويت [ ص: 44 ] القبض المستحق بالعقد فالإبراء عن المسلم فيه يصح بالاتفاق ، وهذا المعنى موجود في الاستبدال برأس المال بعد الإقالة فيكون ذلك فاسدا شرعا

فإن كان رأس مال السلم عوضا فصالح عليه ، ثم هلك قبل أن يقبضه فعلى المسلم فيه قيمته ; لأن الإقالة لا تنقض بهلاك رأس المال قبل الفسخ ، فإن إقالة السلم بعدما صح لا تحتمل الفسخ ; لأن المسلم فيه كان دينا ، وقد سقط بالإقالة ، والساقط متلاش لا يتصور عوده ، ولهذا لو أراد فسخ الإقالة لم يملكها ، ولو اختلفا في رأس المال بعد الإقالة لم يتخالفا ، فإذا ثبت أن الإقالة باقية بعد هلاك العوض قلنا تعذر رد العين مع بقاء السبب الموجب للرد فتجب قيمته كالمغصوب ، وكذلك لو هلك قبل أن يتناقض السلم ; لأن ما لا يمنع بقاء الإقالة لا يمنع ابتداء الإقالة ، وهذا لأن السلم في حكم بيع المعاوضة ، فإن المسلم فيه بيع ، وهو قائم بمحله بعد هلاك رأس المال ، وهلاك أحد العوضين في المعاوضة لا يمنع الإقالة ابتداء وبقاء ، فإن كان للسلم كفيل يبرأ الكفيل حين وقع الصلح على رأس المال ; لأن الأصيل برئ عن المسلم فيه ; لأنه لو كان بدلا عنه لم تصح الإقالة ، فإن مبادلة الدين بالدين حرام لكنه دين آخر لزم الأصيل ، ولم يكفل به الكفيل ، ولا يجوز الصلح من السلم على جنس آخر سوى رأس المال ; لأنه استبدال بالمسلم فيه وذلك فاسد والأصل فيه حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه { أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إذا أسلمت في شيء ، فلا تصرفه في غيره } .
ولو كان السلم كر حنطة فصالحه منه على نصف كر حنطة على أن أبرأه مما بقي جاز ; لأن هذا حط ، ولا إبراء عن جميع المسلم فيه صحيح في ظاهر الرواية ; لأنه دين لا يستحق قبضه في المجلس ، وقد بيناه في البيوع فكذلك الإبراء عن بعضه ، وكذلك لو كان السلم كر حنطة جيدة فصالحه على كر رديء إلى شهر ; لأن رب السلم تبرع بالتأجيل بعدما حل حقه وتجوز بدون حقه أيضا وذلك مندوب إليه { قال صلى الله عليه وسلم لصاحب الدين : أحسن إلى الشريك } .

ولو كان السلم كر حنطة رديئة فصالحه على كر جيدة على أن يزيده رب السلم درهما في رأس المال لم يجز ذلك في قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله وجاز في قول أبي يوسف رحمه الله : إذا نقده الدراهم قبل أن يتفرقا ، وقد بينا هذه الفصول في كتاب البيوع في الحط والزيادة في المكيل والموزون والمذروع إلا أن قول أبي يوسف رحمه الله لم يذكر في كتاب البيوع ، وإنما ذكر هنا ، فأما المسائل فهي التي ذكرناها في البيوع أعادها هنا ، ولو كان المسلم فيه كر حنطة إلى أجل والثمن دراهم أو شيء بغير عينه فاصطلحا على أن زاده الذي عليه السلم نصف كر [ ص: 45 ] حنطة إلى ذلك الأجل لم تجز الزيادة ; لأنها لو جازت كانت برأس مال دين يبتدئ عقد السلم برأس مال هو دين لا يجوز فكذلك الزيادة ولهذا لم تجز الزيادة في الثمن بعد هلاك المبيع اعتبارا لحالة الزيادة بحالة ابتداء العقد وعلى المسلم إليه أن يرد ثلث رأس المال إلى رب السلم وعليه كر حنطة تام في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله : ليس عليه رد شيء من رأس المال ; لأنه ما حط شيئا من رأس المال إنما زاده في المسلم فيه ، ولم تثبت تلك الزيادة فبقي جميع رأس المال بمقابلة الكر ، والعقد في جميع الكر باق ، فلا يجب رد شيء من رأس المال وأبو حنيفة رحمه الله يقول : الزيادة في المعقود عليه حال قيام العقد وبقاء المعقود عليه صحيح كما في بيع العين ، وإنما تعذر إثبات الزيادة هنا ; لأنه دين بدين ، فإذا لم تثبت الزيادة في السلم فيه باعتبار هذا المعين وجب رد الدين الذي بمقابلة هذا لأنه لو ثبتت هذه الزيادة ألحقت بأصل العقد ويصير كأنه أسلم عشرة دراهم في كر حنطة ونصف ، ثم أبطلا العقد في نصف الكر فيجب رد حصته من رأس المال ، وهو الثلث وإقدامه على هذه الزيادة إخراج الثلث من رأس المال حتى يكون بمقابلة الكر ، فإذا لم يكن جعله بمقابلة نصف الكر جعل حطا ليحصل مقصوده ، وهو إخراج الغبن من العقد وإدخال الرخص فيه .

وهذه المسألة نظير ما ذكرنا في العتاق فيما إذا قال لعبده ، وهو أكبر سنا منه : هذا ابني لم يعتق عندهما ; لأن ما صرح به صار لغوا لم يثبت به شيء آخر ، وعند أبي حنيفة رحمه الله : يجعل ذلك عبارة عن الإقرار بالعتق مجازا فهنا أيضا تحصيل الزيادة في المسلم فيه عبارة عن حق حصته من رأس المال فجاز .
وإن كان السلم عشرة دراهم في رأس المال جاز ; لأن المعقود عليه قائم في الذمة فتجوز الزيادة في السلم ملتحقة بأصل العقد ، ثم مجلس الزيادة فيما زاد كمجلس العقد في رأس المال ; لأنها وجبت في هذا المجلس فيشترط قبضها قبل أن يتفرقا ، فإن تفرقا قبل أن يقبض العشرة بطلت حصتها من الكر كما لو كانت الزيادة مذكورة في أصل العقد فتفرقا قبل قبضها ، فإن كان السلم ثوبا يهوديا قد حل فصالحه على نصف رأس المال وعلى أن يعطيه نصف الثوب جاز عندنا ; لأنهما تقايلا السلم في النصف وذلك جائز اعتبارا للبعض بالكل ، وفيه يقول ابن عباس رضي الله عنهما : ذلك المعروف الحسن الجميل ، فإن أتاه بنصف ثوب مقطوع لم يجبر على أخذه ; لأنه في حال قيام العقد في الكل لو أتاه بالثوب مقطوعا نصفين لم يجبر على أخذه فكذلك بعد الإقالة في النصف ، وهذا لأن القطع في الثوب عيب فكما استحق صفة السلامة في جميع الثوب بالعقد [ ص: 46 ] يستحقها في النصف الذي بقي فيه العقد ، فلا يجبر على أخذ ثوب مقطوع ولكنه تأيد بثوب صحيح فيكون له نصفه ويكونان شريكين فيه .

ولو كان السلم إلى أجل فصالحه على أن يأخذ نصف رأس المال ويناقضه السلم ويعجل له نصف السلم قبل الأجل جاز النقض في نصف رأس المال ، ولم يجز التعجيل ; لأن الصلح على رأس المال إقالة ، وقد شرط في الإقالة تعجيل النصف الآخر وإسقاط المسلم إليه حقه في الأجل ، وهو شرط فاسد إلا أن الإقالة لا تتعلق بالجائز من الشروط ولهذا لا يشترط فيها تسمية البدل فالفاسد من الشروط لا يبطلها ، وأما شرط التعجيل في النصف الآخر فباطل ; لأنه مقابلة الأجل بشيء مما عاد إليه المسلم فيه أو بمنفعة حصلت له بالإقالة في النصف وذلك باطل فيكون الباقي عليه إلى أجله ، ولو كان أسلم كر حنطة إلى رجل فصالحه على أن زاده في الأجل شهرا على أن حط عنه من رأس المال درهما ورد عليه الدرهم لم يجز ; لأنه مقابلة الأجل بالدرهم المردود وذلك ربا

ولو كان حالا فرد عليه من رأس المال درهما على أن الكر عليه كما كان أو على أن أخره شهرا كان جائزا ، أما إذا شرط أن الكر عليه كما كان فهو غير مشكل ; لأن المسلم إليه حط درهما من رأس المال ، ولم يشرط لنفسه بمقابلته شيئا ، وإنما الإشكال في قوله أو على أنه أخره شهرا ، فإن كان المراد على أن أخر المسلم فيه عنه شهرا فهو غلط ; لأنه مقابلة الأجل بالدرهم الذي رده عليه وذلك ربا ، وإن كان المراد منه على أن أخره بالدرهم المحطوط شهرا فهذا صحيح ; لأن المحطوط واجب رده باعتبار القبض فيجوز التأجيل فيه كالمغصوب المستهلك ، وهو الظاهر من مراده ; لأنه قال : وكذلك لو افترقا قبل أن يقبض الدرهم فيه تبين أن المراد بيان أن المحطوط لا يجب قبضه في المجلس ويجوز التأجيل فيه ، وإذا اصطلحا على أن يرد عليه رأس المال وهي جارية قد ولدت عند المسلم إليه ، فإنه يأخذ قيمتها يوم دفعها إليه ; لأن الزيادة المنفصلة متولدة من عينها ومثل هذه الزيادة تمنع فسخ العقد على العين ; لأن الولد يبقى فضلا خاليا عن المقابلة فيكون ربا - وقد بيناه في البيوع - إلا أن الإقالة لا تبطل بالشرط الفاسد ، واشتراط رد عينها بعد الولادة بشرط فاسد لا يمنع صحة الإقالة وبعد صحتها يجب رد قيمتها يوم قسطها لتعذر رد عينها .

وكذلك لو قتل الولد فأخذ أرشه ; لأن قيام بدله في يده كقيام عينه ، وإن كان الولد مات كان له أن يأخذ الجارية ; لأن المانع كان هو الزيادة ، وقد فات من غير صنع أحد فصار كأن لم يكن ، فإن كانت الولادة بقبضها كان لرب السلم الخيار إن شاء أخذها ، وإن شاء أخذ قيمتها يوم دفعها بمنزلة [ ص: 47 ] ما لو تعيبت عنده بعيب آخر ، وهذا لأن تعذر الرد بعد النقصان فحق رب السلم ، فإذا رضي به جاز رده ، فأما بعد الزيادة بعد الرد فحق الشرع ، وهو معنى الربا ، فلا يسقط ذلك برضا رب السلم بها ، ولو لم تكن ولدت ولكنه جنى عليها فأخذ أرش الجناية لم يكن لرب السلم إلا قيمتها ; لأن الأرش بدل جزء من عينها فهو بمنزلة الزيادة المنفصلة المتولدة من العين .

ولو كان المسلم إليه باعها لرب السلم ، ثم صالحه على رأس المال فعلى المسلم إليه قيمتها يوم قبضها بمنزلة ما لو باعها من غيره ، وكذلك لو وهبها له على عوض فالهبة بشرط العوض بعد التقابض كالبيع ، وإن وهبها بغير عوض ففي القياس كذلك بمنزلة ما لو وهبها من غيره ، وفي الاستحسان لا يرجع بشيء ; لأن ما هو المقصود له عند الإقالة قد حصل له قبل الإقالة ، وهو عود رأس المال إليه مجانا ، فلا يستوجب عند الإقالة شيئا آخر ، كمن عليه الدين المؤجل إذا أجل ، ثم حل الأجل بخلاف البيع فهناك لم يحصل مقصوده ; لأن رأس المال ما يسلم له إلا بعوض غرمه من ماله ، وهذا نظير ما بيناه في الصداق إذا كان عينا فوهبته للزوج ، ثم طلقها قبل أن يدخل بها .

وإذا كان السلم حنطة رأس مالها مائة درهم فصالحه على أن يرد عليه مائتي درهم أو مائة وخمسين درهما لم يجز ; لأن هذا استبدال وليس بإقالة ، فإنه يسمى فيه ما لم يكن مذكورا في العقد ، والصلح إنما يكون إقالة إذا كان على رأس المال ، فإذا كان على شيء آخر فهو استبدال والاستبدال بالمسلم فيه باطل ، وإن صالحه على مائة درهم من رأس ماله فهو جائز ; لأن حرف " من " هنا صلة فيبقى الصلح على مائة درهم رأس ماله وذلك إقالة ، وكذلك إن قال : خمسين درهما من رأس مالك فهو جائز ; لأنه لم يذكر فيه ما لم يكن مستحقا بالعقد فيكون إقالة ، فإن قال : مائتي درهم من رأس مالك فهو باطل ; لأن رأس المال دون المائتين فحين ذكر في الصلح ما لم يكن مذكورا في العقد كان ذلك استبدالا للمسلم فيه ، وإذا كان بعض ما هو مذكور في العقد فهو إقالة صحيحة ، وشرط ترك بعض رأس المال له باطل ، والإقالة لا تبطل بالشرط الفاسد .

وإذا سلم الرجل إلى رجل ثوبا في كر حنطة ، وفيه المسلم إليه ، ثم إن المسلم إليه سلم ذلك الثوب إلى آخر ، ثم صالحه الأول على رأس المال ، ثم صالح الثاني الثالث على رأس ماله فرد عليه الثوب لم يرده على الأول ويأخذ منه الأول قيمته ; لأن الأول صالحه على رأس المال والثوب خارج عن ملكه فيجب عليه بهذا الصلح رد قيمته ، ثم عاد إليه الثوب بملك مستقبل في حق الأول على ما عرف على أن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين ، بيع جديد في حق غيرهما ، وفي حق الأول عاد الثوب بملك [ ص: 48 ] مستقبل فلهذا يأخذ قيمته ، ولا سبيل له على عينه كما لو اشتراه الثاني من الثالث ، فإن اصطلحا كان له ذلك ; لأن رأس ماله بعينه ، وهو عائد إليه بطريق الفسخ في حقه ، وإنما جعل الإقالة بمنزلة البيع الجديد في حق غيره لدفع الضرر ، فإذا وقع التراضي عليه فقد اندفع الضرر فهذا لأن الاستبدال إنما لا يجوز لما فيه من أخذ رأس المال ، وغيره المسلم وذلك لا يوجد هنا ، فإنما يأخذ رأس ماله بعينه ، وإن كان عوده إليه بحكم ملك جديد ، وهذا لأن الإقالة فسخ في حق المتعاقدين لتراضيهما عليه ، وإذا رضي الأول بذلك كان فسخا في حقه أيضا .

وهذا بخلاف ما إذا قضى القاضي له بالقيمة قبل أن يصالح الثاني مع الشك ; لأن حقه هناك تقرر في القيمة بقضاء القاضي ، فلا يعود في العين بعد ذلك وإذ قدر على رده ، وفي الأول لم يتقرر حقه في القيمة بقضاء القاضي فيعود التعين إذا وقع التراضي عليه كما في المغصوب الآبق إذا عاد ; لأن هناك بعد قضاء القاضي لو اصطلح على أخذ العبد جاز بطريق أنه بدل عن القيمة التي قضى بها القاضي وهنا لا يجوز ; لأن القيمة التي قضى بها القاضي رأس مال السلم والاستبدال برأس المال بعد الإقالة لا يجوز بالتراضي ، وكذلك لو كان الأوسط قبل الثوب بغير حكم بعيب بعد الصلح الأول أو قبله ; لأن قبوله بالعيب حكم بمنزلة الإقالة ، ولو رد عليه بعيب بقضاء قاض ، ثم ناقض الأقل رده بعينه ; لأن الرد بقضاء القاضي فسخ من الأجل ، أعاد إليه الثوب على الملك الذي كان له قبل ملك الثاني فهو وما لو صالح الأول على رأس المال قبل العقد الثاني سواء ، ولو كان ناقضه السلم قبل أن يرد عليه الثوب فقضى له بقيمته ، ثم رد الثوب عليه بعيب بقضاء القاضي كان عليه قيمته بسبب المناقضة ; لأن القيمة تقررت عليه بقضاء القاضي ، فلا يسقط عنه بعود رأس المال إليه بعد ذلك على أي وجه عاد ولكن الثوب رد عليه بالعيب بسبب هو فسخ من الأصل فيكون له أن يرده بالعيب على بائعه ويأخذ قيمته ، وإنما رده بالعيب لدفع الضرر عنه ، وأخذ القيمة لأن مناقض السلم عقد الرد فبطل ، ولما صار رأس المال هو القيمة التي قبضها بقي هنا الثوب ثوبا بنفسه أن يسلم إليه على رد السلم ، وقد تعذر رده إليه سليما فيلزمه قيمته كما في الصداق إذا رد بعيب فاحش يؤخذ قيمته من الزوج .

ولو كان وهبه ، ثم اشتراه أو ورثه ، ثم أقاله السلم كان عليه قيمة الثوب ; لأنه عاد إليه الثوب بملك متجدد بالشراء ، وفي الوراثة كذلك ; لأن الوارث يخلف المورث في الملك والملك الذي كان للمورث كان ملكا متجددا سوى المستفاد بعقد السلم فيخلفه الوارث في ذلك الملك ، واختلاف سبب الملك باختلاف العين ; لأنه [ ص: 49 ] عاد إليه عين آخر فلهذا لزمه عند الإقالة قيمة الثوب ، ولو رجع في الهبة ، ثم ناقضه السلم رد عليه بعيبه ; لأن الرجوع فسخ الهبة سواء حصل بقضاء أو بغير قضاء ، وإنما يعود إليه الملك الذي كان قبل الهبة .
وإذا مات رب السلم أو المسلم إليه ، ثم صالح الحي الوارث وماتا جميعا ، ثم صالح الوارث على رأس المال جاز ; لأن الوارث خلف المورث فيما كان له والصلح على رأس المال إقالة تستفاد بالملك دون العقد .

( ألا ترى ) أن الوكيل بالشراء لا يملك الإقالة بعد الشراء والموكل يملكها ; لأن الملك له ، فإذا كان الوارث قائما مقام المورث في الملك قام مقامه في الإقالة أيضا .
وإذا صالح رب السلم المسلم إليه على أن يرد عليه رأس المال وبعض المسلم فيه لم يجز ; لأن هذا استبدال للمسلم فيه ، فإن بمقابلة نصف المسلم فيه نصف رأس المال ، وهو قد صالحه على أن يرد عليه بمقابلة نصف المسلم فيه جميع رأس المال فيكون هذا استبدالا وذلك باطل ، ولو كان رأس المال ثوبا فصالحه على أن أبرأه عن الطعام على أن يرد عليه رب السلم خمسة دراهم فهذا باطل أيضا ; لأن المسلم فيه يأخذ الخمس أيضا بغير شيء أعطاه إياه ، فإن الطعام قد سقط عنه كله ومثل هذا يكون ربا ، وإذا كان رأس المال عرضا فصالحه فباعه المسلم إليه من رب السلم بطعام مثل طعامه أو أكثر جاز ، وإن رب السلم بائع لذلك العرض ، وقد اشترى بعد السلم بمثل ما باعه أو بأكثر وذلك جائز ، وإن باعه بأقل لم يجز ; لأنه اشترى ما باع بأقل مما باع قبل نقد السلم ، وهو المسلم فيه فغير جائز ; لأنه استرباح على ما لم يدخل في ضمانه ، وقد بيناه في البيوع ، وكذلك لو كان ذلك بطريقة الصلح .

وإذا كان رأس المال شاة فأصاب المسلم إليه من لبنها وصوفها وسمنها ، ثم صالحه على رأس المال جاز وعليه ثمنها لمكان الزيادة المتولدة من العين كما في الولد الذي قدمنا قال : إلا أن يرضى رب السلم أن يأخذ الشاة بعينها ومراده إذا لم تكن الزيادة قائمة ولكن المسلم إليه هنا استهلكها ، فإن لم يجب عليه عوض بالاستهلاك فيكون هذا بمنزلة تفويته جزءا من عينها وذلك يمنع رد عينها بعد الإقالة إلا أن يرضى به رب السلم فهذا مثله ، وكذلك لو كان نخلا فأكل من ثمرته بخلاف الولد الذي أعتقه فهناك ، ولاء الولد باق له والولاء أثر من آثار الملك فيكون بقاؤه كبقاء ملكه في الولد فيمنع رد عينها ، وإن رضي رب السلم بها رهنا بعد الاستهلاك لم يبق شيء من الزيادة فوزان هذا من ذلك أنه لو قتل الولد ، ولو كان عبدا فأكل من غلته ، ثم صالحه على رأس المال كان عليه أن يرد العبد ، ولا يرد الغلة ; لأن الغلة ليست متولدة من العين ، وقد بينا الفرق بينها وبين الزيادة من العين في البيوع .

قال : فإذا كان [ ص: 50 ] السلم فاسدا ، فلا بأس بأن يشتري برأس ماله ما يشاء يدا بيد كما يشتري بالعرض ; لأن المسلم فيه مع فساد العقد غير مستحق فما بقي من رأس المال لا يكون بدلا من المسلم فيه ، ولا هو مستحق بقية السلم إنما هو بمنزلة قرض أقرضه والاستبدال ببدل القرض جائز بخلاف الاستبدال برأس المال بعد الإقالة في باب السلم ; لأن المقبوض كان مستحقا بعقد القبض وكان السلم بدلا عن المسلم فيه ، فلا يجوز الاستبدال فيه بعد الفسخ كما لا يجوز الاستبدال في المسلم فيه ، ولا برأس المال قبل الفسخ .

وإذا كان للمتفاوضين سلم على رجل فصالحه أحدهما على رأس المال جاز ; لأن الإقالة من صنع التجار وأحد المتفاوضين في صنع التجار قائم مقام صاحبه ، وكذلك شركاء العنان ; لأن الصلح عن المسلم فيه على رأس المال إقالة وأحد الشريكين يملك ذلك في حق شريكه كما في الإقالة في بيع العين لو اشتريا عبدا ، ثم أقال أحدهما المبيع من البائع جاز ذلك على شريكه ; لأن أكثر ما فيه أن الإقالة بمنزلة بيع جديد وكل واحد من الشريكين يملك ذلك ، وكذلك يملك الإقالة والصلح على رأس المال في السلم .
ولو أمر رجل رجلا فأسلم له في كر حنطة ، ثم صالح الذي ولي السلم على رأس المال جاز عليه ويضمن كر سلم للآمر في قول أبي حنيفة ، وفي قول أبي يوسف رحمهما الله لا يجوز صلحه على رأس المال ، وقد بينا هذا في البيوع أن الوكيل بالسلم إذا أبرأ المسلم إليه جاز في قولهما وكان للآمر مثل طعامه ، وفي قول أبي يوسف رحمه الله : لا يجوز ، وكذلك إذا أبرأه لا بطريق الصلح على رأس المال ، وهذا بخلاف الوكيل بالشراء إذا أقال : البيع ; لأن المشتري هناك صار مملوكا للموكل بعينه وإقالة الوكيل تصادف محلا هو حق غيره بغير أمره ، فأما المسلم فيه فهو دين واجب العقد والعاقد فيه لغيره كالعاقد لنفسه .

( ألا ترى ) أن حق القبض إليه على وجه لا يملك الموكل عزله عنه والدين في الذمة ليس إلا حق المطالبة بالسلم فتصرفه من حيث الإقالة إسقاط لذلك ، وهو حق الوكيل فلهذا صح ولكن إذا قبضه تعين المقبوض ملكا للآمر ، فإذا أقره عليه كان ضامنا له مثله ، ولو كان الآمر هو الذي صالح المطلوب على رأس المال وقبضه جاز بمنزلة ما لو أبرأه لا بطريق الصلح ، وهذا لأنه يصير المقبوض ملكا له بالقبض ، وقد بينا أن ملك الإقالة باعتبار ملك المعقود عليه وباعتبار المال ملك المعقود له عليه ، فإن المقبوض في عقد السلم عين ما تناوله العقد لا غيره فلهذا صحت الإقالة عن الموكل فصار الحاصل أن الاعتبار حال الدينية هو حق الوكيل ; لأنه مختص بالمطالبة والقبض وباعتبار حال العينة هو حق الموكل فتصح الإقالة [ ص: 51 ] والإبراء من كل واحد منهما باعتبار أن تصرفه يلاقي محلا هو حقه .

وإذا أسلم رجلان عشرة دراهم في كر حنطة فنقد هذا من عنده خمسة ، وهذا من عنده خمسة ، ولم يخلطا العشرة ، ثم صالح أحدهما على رأس ماله وأخذه فهو جائز ، ولا يشركه الآخر فيه في قول أبي يوسف رحمه الله ; لأن أصل رأس المال لم يكن مشتركا بينهما ، ولم يذكر قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله في هذا الكتاب ، وقد ذكر في كتاب البيوع أن الصلح من أحد ربي السلم يتوقف على إجازة الآخر عندهما فمن أصحابنا رحمهم الله من يقول هذا على الخلاف أيضا إذ لا فرق بين أن يكون رأس المال الذي نقداه مختلطا أو غير مختلط ، ومنهم من يقول بل جوابهما هنا كجواب أبي يوسف رحمه الله ، وهذا لاختلاف الطرق لهما في تلك المسألة فعلى الطريق الذي قلنا إن وجوب المسلم فيه باعتبار عقدهما وكل واحد منهما فيه كشطر العلة - الجواب في الفصلين واحد . وعلى الطريق الذي قلنا إن تجويز صلح أحدهما يؤدي إلى أن يبطل حق رب السلم عن المسلم فيه ويتقرر في رأس المال ، ثم يعود في المسلم فيه ، هذا الجواب قولهم جميعا ; لأن ذلك إنما يتحقق باعتبار مشاركة الساكت مع المصالح في المقبوض وليس له حق المشاركة هنا إذا لم يكن بينهما شركة فيما نقدا من رأس المال ، ولو لم يأخذه من رأس المال وقبض شيئا من السلم شاركه صاحبه فيه ; لأن طعام السلم وجب بالعقد مشتركا بينهما والعقد صفقة واحدة فيشارك أحدهما صاحبه فيما يقبض من الدين المشترك .
وإذا أسلم الذميان إلى ذمي في خمر ، ثم أسلم أحدهما بطلت حصته من السلم ورجع إليه رأس ماله ; لأن إسلامه يمنعه من قبض الخمر بحكم السلم .

( ألا ترى ) أن الخمر لو كانت مبيعا عينا بطل العقد بإسلامه قبل القبض ، فإذا كانت مملوكة بالعقد دينا أولى ، فإن صالح من رأس ماله على طعام بعينه أو إلى أجل لم يجز ; لأن أصل السلم كان صحيحا ، فإنما عاد إليه رأس المال بعد صحة السلم ببطلان العقد فهو بمنزلة ما لو عاد إليه بالإقالة ، وقد بينا أن الاستبدال بالمال بعد الإقالة لا يجوز .

ولو توي لنصراني مال من هذا السلم كان له أن يشارك المسلم فيما قبض من رأس المال ; لأن أصل رأس المال كان مشتركا بينهما ، وقد عاد إلى أحدهما بصفة بطريق لا يمكن رده ، وهو الإسلام فيكون للآخر حق المشاركة معه في المقبوض إذا توي ماله على المسلم إليه من الخمر ; لأن سلامة المقبوض له كانت بشرط أن يسلم ما بقي من الخمر للآخر ، وهو بمنزلة دين مشترك بين اثنين إذا صالح أحدهما المديون على شيء وأجاز الآخر اتباع المديون بنصيبه ، ثم توي ما عليه ، فإنه يكون له أن [ ص: 52 ] يشارك صاحبه فيما قبض فهذا مثله ، ولو أعتق نصراني عبدا نصرانيا على خمر ، ثم أسلم أحدهما فعليه قيمة نفسه في قول أبي حنيفة رحمه الله الآخر ، وهو قول أبي يوسف رحمه الله ، وفي القول الأول ، وهو قول محمد رحمهما الله عليه قيمة الخمر ، وهذا بناء على مسألة كتاب البيوع إذا أعتق عبده على جارية فاستحقت الجارية أو هلكت قبل التسليم ; لأن هنا تعذر تسليم الخمر بإسلام أحدهما بعد صحة التسمية فهو بمنزلة ما لو تعذر بالهلاك أو الاستخلاف والرد بالعيب .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #429  
قديم 23-12-2025, 04:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون

صـــ 52الى صـــ 61
(429)




قال : وكذلك الخلع والنكاح والصلح عن دم العمد ، وقد بينا هذا في كتاب النكاح أن عند أبي يوسف رحمه الله : إذا أسلم أحدهما فله مهر مثلها ، وعند محمد رحمه الله : لها قيمة الخمر والخنزير وأبو حنيفة رحمه الله : يفرق بين العين والدين والخمر والخنزير .

ولو أسلم نصراني خمرا إلى نصراني في حنطة وقبض الخمر ، ثم أسلم أحدهما لم ينتقض السلم ; لأن الإسلام طرأ بعد قبض الحرام ، وإنما بقي من حكم العقد قبض الحنطة والإسلام لا يمنع من ذلك .

ولو صالح المسلم منهما على رأس ماله لم يجز ; لأن رأس المال خمر والمسلم ليس من أهل أن يملك الخمر بالعقد ، ولا بالفسخ .

( ألا ترى ) أن نصرانيا لو باع نصرانيا جارية بخمر وتقابضا ، ثم أسلم أحدهما ، ثم تعاملا لم يجز فكذلك في السلم إذا صالحا على رأس المال ، وهذا كما لا يتملك المسلم الخمر بالعقد والفسخ لا يملك قيمتها ، وبه فارق ما لو هلك رأس المال ، ثم صالحه عليه ; لأن هناك تصحيح الإقالة على قيمتها ممكن ، وإنها مال متقوم في حقه وهنا يتعذر تصحيح الإقالة على قيمتها ; لأن الخمر ليست بمال متقوم في حق المسلم ، وإذا أسلم نصراني إلى نصراني خنزيرا في خمر وقبض الخنزير واستهلكه ، ثم أسلم أحدهما انتقض السلم ; لأن الحرام مملوك بالعقد غير مقبوض حين طرأ الإسلام وعليه قيمة الخنزير ; لأن الخنزير ليس من ذوات الأمثال وحين استهلكه كان هو مالا متقوما في حقهما فيحول حكم رأس المال إلى قيمته .

( ألا ترى ) أنهما لو تقايلا قبل الإسلام وجب رد قيمة الخنزير ، وكذلك إذا أسلم أحدهما حين انتقض به السلم بخلاف الأول ، فإن الخمر من ذوات الأمثال ، ولو استهلكها ، ثم تقايلا قبل الإسلام كان الواجب الرد مثل تلك الخمر والإسلام يمنع استحقاق تلك أو قيمتها بالإقالة للمسلم .

وإذا صالح الكفيل بالسلم الطالب من السلم على ثوب والسلم حنطة لم يجز ; لأن رب السلم بهذا الصلح يصير مملكا الحنطة من الكفيل بالثوب ، وإذا كان تمليك المسلم فيه من المسلم إليه بعوض لا يجوز فمن غيره أولى ، ثم هذا على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله ظاهر ; لأنه لو صالح الكفيل على رأس [ ص: 53 ] المال لم يجز عندهما ، فإذا صالحه على شيء آخر أولى ، وعند أبي يوسف رحمه الله : يجوز صلحه مع الكفيل على رأس المال ; لأنه قائم مقام المسلم إليه مطلوب بطعام السلم كالمسلم إليه وصلحه مع المسلم إليه على غير رأس المال يكون استبدالا ويكون باطلا فكذلك صلحه مع الكفيل .

ولو صالح الكفيل رب السلم على أن زاده رب السلم درهما في رأس المال وقبضه لم يجز ; لأن أصل الطعام المسلم في المسلم إليه والكفيل مطالب به ، فلا يمكن إثبات هذه الزيادة على أن يملكها المسلم إليه ; لأنه ليس لأحد ولاية إدخال الشيء في ملكه من غير رضاه ولأن رب السلم ما أوجب له الزيادة إنما أوجبها للكفيل ، ولا يمكن إثباتها للكفيل ; لأن الزيادة ملحقة بأصل العقد وبأصل العقد لا يجوز أن يملك شيئا من رأس المال بالشرط ممن لا يجب عليه شيء من أصل طعام السلم ، وليس في ذمة الكفيل شيء من أصل طعام السلم فلهذا لا تثبت الزيادة على الكفيل أن يرد الدراهم ، ولأن الزيادة تثبت على أن يتغير بها وصف العقد والكفيل ليس بعاقد ، فلا يملك التصرف في وصف العقد ، وهو دليل أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله في أن الكفيل لا يملك الصلح على رأس المال ; لأن ذلك فسخ للعقد ، وإذا عقد لم يكن إليه تغيير وصف العقد ، فلا يكون له ولاية فسخ العقد بطريق الأولى .

ولو قال الطالب للكفيل قد أغلى علي السلم فزاده الكفيل مختوم حنطة في السلم لم يجز ذلك كما لو زاده المسلم إليه ، ولم يحط به شيء من رأس المال ; لأن الكفيل لا يملك حط شيء من رأس المال ، فإن رأس المال صار متحققا للمسلم إليه وليس إلى الكفيل ولاية إسقاط حقه ، وقد بينا أن الكفالة بطعام السلم لا تمس رأس المال فلهذا لم يثبت حط شيء من رأس المال بزيادة الكفيل في طعام السلم .

ولو زاد رب السلم درهما على أن زاده الكفيل مختوم حنطة لم يجز ذلك أيضا ; لأن كل واحد منهما على الانفراد لا يمكن تصحيحه ، ولا يمكن أن يجعل هذا ابتداء إسلام الدراهم في مختوم حنطة من الكفيل ; لأنهما ذكرا ذلك على وجه الزيادة والزيادة تتبع الأصل فلو جعلنا هذا سلما مبتدأ كان أصلا لا زيادة فيكون غير ما أوجباه وذلك لا يجوز .

ولو كان السلم ثوبا مرويا فأعطاه الكفيل ثوبا أجود منه أو أطول منه على أن زاده رب السلم درهما لم يجز ; لأن هذه الزيادة لا يمكن إثباتها على سبيل الالتحاق بأصل العقد لما قلنا ، ولا يمكن إثباتها بمقابلة الجودة أو زيادة الزرع ; لأن رب السلم التزمها بيعا لا مقصودا بالمعاوضة ، وكذلك لو أعطاه ثوبا فرد على الكفيل درهما لم يجز ; لأن الكفيل لم يبايعه بشيء ، ولم يستحق عليه شيئا من المال ، فلا يمكن أن يجعل ذلك [ ص: 54 ] حطا في حق الكفيل ، ولو كان السلم طعاما فأعطاه الكفيل طعاما فيه عيب على أن يرد عليه درهما مع ذلك لم يجز ; لأن هذا مع الأصيل لا يجوز على ما بينا أن إقالة العقد في الوصف فكيف يجوز مع الكفيل ، ولو أعطاه طعاما فيه عيب وتجوز به رجع الكفيل على المكفول عنه بمثل ما كفل به ; لأن بعقد الكفالة وجب للطالب على الكفيل وللكفيل على المطلوب حق مؤجل إلى أن يقضي عنه ما التزمه ، وقد فعل ذلك حين أعطاه جنس حقه وتجوز هو بالعيب فيه فيرجع على المكفول عنه بمثل ما كفل به .

ولو أوفاه الكفيل السلم في غير الموضع الذي شرط فقبله كان له أن يرجع به على الأصيل في موضع الشرط ; لأنه استحق بالكفالة عليه مثل ما التزم وما له حمل ومؤنة تختلف ماليته باختلاف المكان فقبول رب السلم منه في غير الموضع المشروط بمنزلة قبوله المعيب فيكون له أن يطالب الأصيل بما استوجبه عليه بالكفالة ، وهو التسليم في الموضع المشروط ، ولو صالحه الكفيل على أن يعطيه السلم في غير موضعه ويعطيه الأجر إلى ذلك الموضع لم يجز الصلح ويرد الأجر ويرد الطعام حتى يوفيه عند الشرط كما لو كان هذا الصلح مع الأصيل ، وقد بيناه في البيوع .

ولو كان شرط عليه أن يوفيه إياه بالسواد فصالحه على أن يعطيه بالكوفة ويأخذ له كذا من الأجر لم يجز ذلك ويرجع عليه بذلك إن كان دفعه كما لو صالح مع الأصيل على ذلك ، وهذا ; لأنه يأخذ المسلم فيه مع الزيادة وتلك الزيادة خالية عن المقابلة .

وإذا صالح الذي عليه أصل السلم الكفيل من الطعام على دراهم أو شعير أو ثوب فهو جائز ; لأن ما استوجبه على المسلم إليه ليس بمستحق له بعقد السلم بل بعقد الكفالة والكفيل بالكفالة والأداء يصير كالمقرض لما أدى إلى المسلم إليه ، والاستبدال ببدل القرض وبالدين الواجب بغير عقد السلم صحيح ، ثم إن كان صلحه بعد الأداء فهو ضامن ، وإن كان قبل الأداء ، فإن أدى الطعام إلى الطالب برئا جميعا لحصول مقصود المطلوب ، وهو براءة ذمته بأداء الكفيل ، ولو أداه المكفول عنه رجع به على الكفيل ; لأن مقصود المسلم لم يحصل حين احتاج إلى أداء طعام السلم من ماله والكفيل بمنزلة المشتري منه لما أخذه ، ثم المقاصة بينهما إنما استوجب به الرجوع فيه ، فإذا أداه من مال نفسه لم تقع المقاصة فكان له أن يرجع على الكفيل به إلا أن يشاء الكفيل أن يرد عليه ما أخذه به منه ; لأنه أخذ بطريق الصلح ، وهو مبني على التجوز بدون الحق ، وقد بينا نظيره في سائر الديون .
وإذا أسلم عشرة دراهم إلى رجل في كر حنطة إلى أجل وقبضها ، ثم مرض رب السلم وحل الطعام ، وهو [ ص: 55 ] يساوي عشرين درهما فتقايلا السلم ، ثم مات المريض ، ولا مال له غيره ، فإن الإقالة تجوز في ثلث الكر ويرد على الورثة ثلثي رأس المال وثلث الطعام ; لأن المريض بالإقالة حابى بنصف ماله ، ولا يمكن تصحيح المحاباة فيما زاد على الثلث ، ولا وجه لإزالة المحاباة في الزيادة بأن يغرم ذلك المسلم إليه من ماله ; لأن فيه عود الزيادة على رأس المال من رب السلم بطريق الإقالة وذلك لا يجوز ، ولا وجه إلى إبطال الإقالة ; لأن إقالة السلم لا يحتمل التبعيض فيتعين الإطلاق الذي قلنا ، وهو تصحيح الإقالة في ثلثي الكر وإبطالها في الثلث ; لأنه لو كان للمريض سوى هذا عشرة دراهم لكانت الإقالة تصح في الكل ، فإنه يسلم للورثة عشرون درهما والمحاباة بقدر عشرة فيقسم الثلث والثلثان فالسبيل فيه أن نضم ما عدمنا إلى الموجود ، ثم ننظر إلى ما عدمنا أنه كم هو من الجملة فتبطل الإقالة بقدره والعشرة التي عدمنا من الجملة الثلث ، فنبطل الإقالة في ثلث الكر ونجوزها في ثلثي الكر بثلثي رأس المال فيحصل للورثة ثلث كر قيمته ستة وثلثان ، وثلثا رأس المال ستة وثلثان فذلك ثلاثة عشر وثلث ويجعل للمسلم إليه ثلثا كر قيمته ثلاثة عشر وثلث بستة وثلاثين ، فإنما نفذ بالمحاباة له في ستة وثلاثين ، وقد سلم للورثة ضعف ذلك فينقسم الثلث والثلثان .

فإن قيل : كيف تبطل الإقالة في الثلث والإقالة في السلم لا ناقض لها ؟ قلنا : إنما ينفذ من تصرفات المريض ما يحتمل النقض بعد وقوعه ، فأما ما لا يحتمل النقض فالحكم فيه يثبت على سبيل التوقف كما قال : أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله في العتق ، وقد قررنا هذا الأصل في كتاب العتاق والله أعلم بالصواب

( قال رحمه الله : ) رجل غصب عبدا من رجل ، ثم صالحه صاحبه من قيمته على دراهم مسماة حالة أو إلى أجل فهو جائز بمنزلة ما لو باع العبد منه بثمن حال أو مؤجل جاز سواء قل الثمن أو كثر ، فإن كان العبد مستهلكا فأقام الغاصب البينة أن قيمته أقل مما صالحه عليه بكثير لم تقبل بينته في قول أبي حنيفة رحمه الله ، وقال أبو يوسف رحمه الله : تقبل بينته ويرد زيادة القيمة على الغاصب إن كان العبد مستهلكا وقت الصلح ، وإن كان قائما فالصلح ماض .

وأصل المسألة أن الصلح عن المغصوب الهالك على أكثر من قيمته يجوز في قول أبي حنيفة ، ولا يجوز في قولهما ومن أصحابنا رحمهم الله من يقول موضع الخلاف إذا كان العبد آبقا ، فأما إذا كان [ ص: 56 ] مستهلكا حقيقة ، فلا خلاف أن الصلح على أكثر من قيمته من النقود لا يجوز ، حتى إذا تصادقا على أن ما وقع عليه الصلح أكثر من القيمة يجب رده ولكن اختلفا فيه فأبو حنيفة رحمه الله يقول : لا أقبل بينة الغاصب على أن قيمته دون ما وقع عليه الصلح ; لأن إقدامه على الصلح إقرار منه أن قيمته هذا المقدار أو أكثر منه فيكون هو مناقضا في دعواه بعد ذلك ويكون ساعيا في نقض ما تم به ، فلا يقبل ذلك منه ، وهما يقولان قد يخفى عليه مقدار القيمة في الابتداء أو يعلم ذلك ، ولا يجد الحجة لغيبة شهوده ، فإذا ظهر له ذلك أو حضر شهوده وجب قبول بينته على ذلك ; لأنه يقصد به إثبات حقه في استرداد الزيادة كالمرأة إذا خالعت زوجها ، ثم أقامت البينة أنه كان طلقها زوجها ثلاثا قبل الخلع ، والأصح عندي أن هذا كله يخلف ، فإن الصلح جائز عند أبي حنيفة رحمه الله : على أكثر من قيمة المغصوب ، وإن كان مستهلكا وتصادقا أن ما وقع الصلح عليه أكثر من القيمة وعندهما لا يجوز وحجتهما في ذلك أن الواجب على الغاصب بعد هلاك العين القيمة ، وهي مقدرة من النقود شرعا ، فإذا صالح على أكثر منها من جنس النقود كان ربا كما لو قضى القاضي بالقيمة ، ثم صالحه على أكثر من القيمة . والدليل على أن الواجب هو القيمة وأن ما يقع عليه الصلح بدل عن القيمة أنه لو صالحه على طعام موصوف في الذمة إلى أجل لا يجوز .

ولو كان ما يقع عليه الصلح بدلا عن العبد لجاز ; لأن الطعام الموصوف بمقابلة العبد عنه وبمقابلة القيمة يكون مبيعا . وقاسا هذا بشريكين في عبد إذا أعتق أحدهما نصيبه ، وهو موسر فيضمنه الآخر وصالحه على أكثر من نصف القيمة ، فإنه لا يجوز ; لأن الواجب نصف القيمة شرعا ، وكذلك لو كان المعتق معسرا فصالح الساكت العبد على أن استسعاه في أكثر من نصف القيمة لم يجز لهذا المعنى ، وإذا قضي للشفيع بالشفعة بأكثر من الثمن الذي اشترى به المشتري فرضي الشفيع بذلك لم يجز ; لأن العوض تقدر شرعا بما أعطاه المشتري فلم تجز الزيادة عليه ، ولأبي حنيفة رحمه الله طريقان : أحدهما : أن المغصوب بعد الهلاك باق على ملك المغصوب منه ما لم يتضرر حقه في ضمان القيمة بدليل أنه لو اختار ترك التضمين بقي العبد مملوكا على ملكه حتى تكون العين عليه ، وإن كان آبقا فعاد من إباقه كان مملوكا له ، ولو كان اكتسب كسبا كان له أن يأخذ كسبه ، ولو كان نصب سكة فيعقل بها سيده بعد موته كان للمغصوب منه ، وإنما يملك الكسب بملك الأصل ، وهذا لأنه إذا أبرأ الغاصب من إباقه يجعل القول قول الغاصب ولأن الغاصب هو المشتري للعبد بهذا الصلح ، فإذا قال : هو [ ص: 57 ] عندي فقد أقر أنه محل البيع وأنه يصير قابضا له بنفس الشراء فيمكن تصحيح هذا الصلح بينهما شراء .

( ألا ترى ) أن شراء الآبق لا يجوز ، فإن قال المشتري هو عبدي فقد أخذته ، ثم اشتراه جاز فكذلك المغصوب .

قال : ولو غصبه كر حنطة ، ثم صالحه منه ، وهو قائم بعينه على دراهم مؤجلة فهو جائز ; لأن الدراهم إذا قوبلت بالحنطة يكون ثمنا والشراء بالثمن المؤجل جائز فكذلك الذهب والفضة والموزونات كلها ، فأما إذا صالحه على مكيل ، فلا يجوز فيه النسيئة ; لأن الكل بانفراده يحرم النساء ، فإن كان الطعام مستهلكا لم يجز الصلح على شيء من ذلك نسيئة ; لأنه دين بدين ما خلا الطعام ، فإن صالحه على طعام مثله إلى أجل حالا فهو جائز ; لأنه تأجيل في ضمان المغصوب ، فإن الواجب بهذا الاستهلاك ضمان المثل ، ولا يتمكن في هذا الصلح معنى المبادلة ، وكذلك لو صالحه على أقل منه ، فإنه إسقاط لبعض الواجب وتأجيل فيبقى ، وإن صالحه على أكثر منه لم يجز ، نسيئة كان أو حالا لأجل الربا فالمصالح عليه إما أن يكون عوضا عن المستهلك أو عن مثله فكيفما كان فالفضل ربا .

ولو غصبه كر حنطة وكر شعير فاستهلكهما ، ثم صالحه على كر شعير إلى أجل على أن أبرأه من الحنطة فهو جائز ; لأنه أسقط حقه في الحنطة وأجله فيما عليه من ماله لتغيير كل واحد منهما ، صحيح إذا أفرده فكذلك إذا جمع بينهما ، وكذلك إذا كان أحدهما قائما فصالحه عليه على أن أبرأه من المستهلك ; لأنه مستوف عين حقه في القائم مبرئا له عن ضمان المستهلك .

ولو غصبه مائة درهم وعشرة دنانير فاستهلكهما ، ثم صالحه منهما على كر حنطة بعينه ، ثم استحق الكر ووجد به عيبا فرده رجع بالدراهم والدنانير ; لأن بالاستحقاق والرد بالعيب انتقض الصلح وكان قد صح بطريق المعاوضة ، فإنما يرجع بعد انتقاضه بالعوض الذي كان حقا له ، وهو الدراهم والدنانير .

وإن صالحه على خمسين درهما حالة أو مؤجلة فهو جائز ; لأنه مبرئ له عن الدنانير وعن بعض الدراهم ومؤجل له فيما بقي من حقه في الدراهم وكل ذلك مستقيم ، فإن استحقت بعدما قبضها أو وجدها زيوفا أو ستوقة رجع بمثلها ، ولو لم ينتقض الصلح ; لأن صحته هنا بطريق الإسقاط دون المعاوضة فباستحقاق ما استوفي أو رده بعيب الزيافة لا يبطل الإبراء فيما سوى ذلك ، وإنما ينتقض القبض في المستوفى فيرجع بمثله ، وكذلك لو صالحه على وزن خمسين درهما فضة فصحة هذا الصلح بطريق الإسقاط ; لأن المستوفى من جنس حقه ، فلا يمكن تصحيح الصلح بطريق المعاوضة ، وكذلك لو غصبه مائة مثقال فضة تبرا وعشرة دنانير فصالحه على خمسين درهما [ ص: 58 ] حالة أو مؤجلة فهو جائز إذا كانت الدراهم مثل الفضة بطريق الجودة في الإسقاط لبعض حقه ، وإن كان خيرا منها لم يجز ; لأن زيادة الجودة فيما وقع عليه الصلح بمقابلة ما أسقط من الدنانير وبعض الدراهم وذلك ربا ، وهذا كله بخلاف ما سبق فيما إذا كانت الدنانير لإنسان والدراهم لآخر فصالحاه على مائة درهم أو صالحاه على عشرة دنانير ، لم يجز ، وقد غلط فيه بعض المتقدمين من أصحابنا رحمهم الله فقالوا يجوز الصلح في الوجهين على أن يكون صاحب الدراهم مبرئا عن بعض حقه مستوفيا لما يخصه من الدراهم ، فإن تصحيح الصلح بهذا الطريق ممكن كما إذا كان المالان لواحد ، ولكن الفرق بينهما واضح ، فإن المالين إذا كانا لاثنين ، فلا بد من قسمة ما وقع الصلح عليه بينهما على قدر ماليهما ، وإذا جعلنا صاحب الدراهم مبرئا عن بعض حقه لا يمكنه أن يزاحم صاحبه بما أبرأه عنه من العشرة ، فلا بد من اعتبار معنى المعاوضة في المالين ابتداء وباعتباره يظهر الربا ، ولا يوجد هذا المعنى فيما إذا كان المالان لواحد منهما فلهذا صح الصلح بطريق الإبراء .

ولو غصبه كر حنطة فصالحه منه على نصف كر حنطة والمغصوب قائم بعينه أو صالحه على نصف الكر المغصوب ودفعه إليه واستفضل الثاني غير أن طعام الغصب لم يكن بحضرتهما حين اصطلحا فالصلح جائز حين لم يكن بحضرتهما ، فإنا نجبر الغاصب على رد العين في الحال ، وهو في حكم المستهلك من هذا الوجه فيمكن تصحيح الصلح بطريق الإسقاط ، كما لو كان الكر دينا فصالحه على نصفه ، وما استفضل الغاصب واجب له أن يرده على المغصوب منه ; لأنه غير ملكه ، ولا يتملكه الغاصب حقيقة بما جرى بينهما ; لأن تصحيح ما جرى بينهما بطريق المعاوضة غير ممكن وبطريق الإسقاط لا يملك العين فلهذا يؤمر بالرد وجميع ما يكال أو يوزن من الدراهم والدنانير في ذلك كالحنطة .

ولو غصب ألف درهم فأخفاها وغيبها عنه ، ثم صالحه على خمسمائة أعطاها إياه من تلك الدراهم أو من غيرها أحببت له أن يرد الفضل كما في الأول ; لأن الدراهم تتعين في الملك ، وفي البعض بحكم الغصب والرد كالحنطة ، فإن كانت الدراهم في يد الغاصب بحيث يراها المغصوب منه والغاصب منكر للغصب ، ثم صالحه على خمسمائة منها جاز ، وكذلك كل ما يكال أو يوزن ; لأن الغاصب بإنكاره الغصب يزعم أن العين ملكه والشرع جعل القول قوله فيتعذر على المغصوب منه أخذ عينه في الحكم ويكون بمنزلة المستهلك ، فيمكن تصحيح الصلح منهما بطريق الإسقاط فلهذا أمكن تصحيحه في الحكم ، ويكون بمنزلة المستهلك ، والمنكر آثم في الإنكار والغصب .

فإن وجد المغصوب منه بينة [ ص: 59 ] على بقية ماله الذي في يده قضيت له به ; لأنه لما وجد البينة فقد تمكن من استرداد العين وزال المعنى الذي لأجله كان في حكم المستهلك ، وتصحيح الصلح بطريق الإسقاط إنما يكون في المستهلك لا في حقهما فلهذا لا يشاركه فيما قبضه ولكنه على حجته مع الغاصب .

ولو أن رجلين ادعيا في دار دعوى ميراثا عن أبيهما فصالح رب الدار أحدهما على مال لم يشركه الآخر فيه إن كان المصالح منكرا أو مقرا ; لأنهما يتصادقان على أن المدعى ملكهما وأن البائع لنصيبه وتصادقهما يكون حجة في حقهما .
ثم ذكر بعض مسائل الإكراه وأن الإكراه عند أبي حنيفة رحمه الله لا يكون إلا من السلطان وعندهما يكون من كل متغلب يقدر على إيقاع ما هدده به والصلح في حكم الإكراه كالبيع ، فإنه يعتمد تمام الرضا كالبيع وكما أن الإكراه بالجنس والمقيد بعدم الرضا في البيع فكذلك في الصلح .

ولو أن قوما دخلوا على رجل بيتا نهارا أو ليلا فهددوه وشهروا عليه السلاح حتى صالح رجلا عن دعواه على شيء فهذا الصلح ينبغي أن يجوز في قياس قول أبي حنيفة رحمه الله ; لأنه ليس بسلطان ، والإكراه عنده لا يتحقق إلا من السلطان ، وكذلك لو أكرهوه على الإقرار فإقراره جائز عنده وعندهما إن كانوا شهروا عليه السلاح لم يجز صلحه وإقراره ; لأنه صار خائفا التلف على نفسه والسلاح مما لا يلبث ، وإن كانوا لم يشهروا عليه السلاح وضربوه وتوعدوه ، فإن كان ذلك نهارا في المصر فالصلح جائز ; لأنه يستغيث بالناس فيلحقه الغوث في المصر بالنهار قبل أن يأتوا على أحد فالضرب بغير السلاح مما لا يلبث عادة ، وإن كان ذلك ليلا في المصر أو كان في الطريق غير السفر أو دارا لم يجز الصلح والإقرار ; لأن اللبث بعيد فصار خائفا التلف على نفسه ، وكذلك إذا كان في بستان لا يقدر فيه على الناس فهو والمناداة فيه سواء ، وكذلك الغوث وعلى هذا لو أن الزوج هو الذي أكره في ذلك انتصافه في الصداق ; لأن الزوج ليس بسلطان ، فلا معتبر بإكراهه عند أبي حنيفة رحمه الله ، وعندهما المعتبر خوفهما التلف كما ذكرنا . قال : ولو توعدها بالطلاق أو بالتزويج عليها أو بالتسري لم يكن ذلك إكراها ; لأنه ما هددها بفعل متلف أو مؤلم بدنها إنما يغمها بذلك والإكراه بهذا القدر لا يتحقق .

وذكر في الأصل إذا كان المدعي رجلين فأكره السلطان المدعى عليه على صلح أحدهما فصالحهما جميعا لم يجز صلحه مع من أكره على الصلح معه وجاز مع الآخر ; لأنه أنشأ الصلح مع كل واحد منهما ابتداء ، وهو راض بالصلح مع أحدهما غير راض به مع الآخر لأجل الإكراه ، وهذا بخلاف ما لو أجبره على أن يقر لأحدهما [ ص: 60 ] بدين فأقر لهما بدين لم يجز الإقرار في حق كل واحد منهما ; لأن الإقرار إخبار منه عن واجب سابق ، ولم يصح في حق من أكره على الإقرار له فلو صححناه في حق الآخر فقبض نصيبه كان للآخر أن يشاركه في المقبوض ، ولو قلنا لا يشاركه كان هذا إلزام شيء سوى ما أقر به ; لأن هذا إقرار بدين مشترك بينهما فلهذا لا يجوز الإقرار بخلاف الصلح ، فإنه إنشاء عقد يمكن تصحيحه في نصيب أحدهما دون الآخر ، وهو نظير المريض إذا أقر لوارثه ولأجنبي لم يجز إقراره لواحد منهما ، ولو أوصى لأجنبي ولوارثه بثلث ماله جاز في نصيب الأجنبي فهذا قياسه والله أعلم بالصواب

( قال رحمه الله : ) وإذا قال المستودع : ضاعت الوديعة أو قال رددتها عليك فهو مصدق في ذلك لكونه أمينا ، فإن صالحه صاحبها بعد هذا الكلام على مال لم يجز الصلح في قول أبي يوسف رحمه الله ، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله .

والرواية في الأجير المشترك إذا ادعى الرد ، ثم صالح صاحبه على ما قال : فالأجير عنده أمين كالمودع وقال : محمد رحمه الله : الصلح صحيح والحاصل أن في هذه المسألة ثلاثة أوجه .

( أحدها : ) أن يدعي صاحبها عليه الاستهلاك ، وهو ينكر ذلك ، وفي هذا يجوز الصلح والاتفاق ; لأن صاحبها يدعي عليه دينا بسبب لو أقر به لزمه فهذا صلح مع الإنكار وذلك صحيح عندنا .

( والثاني : ) أن يقول المودع قد هلكت أو رددتها ، ولا يدعي صاحبها عليه الاستهلاك ولكنه يكذبه فيما يقول ففي هذا خلاف كما بينا . وجه قول محمد رحمه الله أن صاحبها يدعي عليه الضمان بالمنع بعد طلبه ، وذلك منه بمنزلة الغصب ، ولو ادعى غصبا على إنسان ، ثم صالحه على مال جاز الصلح بناء على زعم المدعي فهذا مثله ; لأن الثمن باق على المودع فهو بهذا الصلح بقي عليه بمال وذلك صحيح عندنا وأبو يوسف رحمه الله يقول : المودع أمثل فيثبت بخبره ما أخذ من دعوى الرد أو الهلاك ; لأن تأثير كونه أمينا في قبول قوله ، فصار ثبوت ذلك بقوله كثبوته بالبينة ، ولو ثبت ذلك بالبينة لم يجز الصلح بعد ذلك وتوجه اليمين على المودع لنفي التهمة عنه ; لأن البراءة تظهر بخبره بدليل أنه لو مات قبل أن يحلف كانت البراءة تامة ، وإذا ثبت حصول البراءة بخبره فهو كما لو أبرأ المغصوب منه الغاصب عن المستهلك ، ثم صالحه على مال ، وإنما يجوز بالصلح فداء اليمين التي هي حق المدعي خلفا عما فوت [ ص: 61 ] عليه المنكر للدعوى بزعمه ، وهذه اليمين ليست بتلك الصفة بل هي لنفي التهمة ويفدى مثلها بمال ، كالمرأة إذا أخبرت بانقضاء العدة فالقول قولها مع اليمين ، ولو صالحها الزوج على مال لم يجز .

( ألا ترى ) أن هذه اليمين تسقط بموته بخلاف يمين المنكر في الدعوى والخصومات ، فإن وارثه يقوم مقامه في ذلك حتى يحلف على العلم ولأن المودع سلطه على الإخبار بالرد والهلاك فقوله في ذلك كقول المنكر ، ولو أقر المودع بذلك ، ثم صالحه لم يجز الصلح ، والعذر عن اليمين ما ذكرنا .

( الثالث : ) فيما إذا قال المودع : رددتها ، وقال : المودع : استهلكتها ، ثم صالحه على مال ففي قول أبي يوسف رحمه الله : لا يجوز هذا الصلح أيضا ذكره في رواية أبي حفص رحمه الله في الجامع ، وفي قوله الآخر يجوز الصلح ، وهو قول محمد رحمه الله . وجه قوله الأول ما ذكرنا أن البراءة تحصل له بقوله رددتها وقوله في ذلك بمنزلة قول صاحبها ، والحكم الثابت بخبره لا يبطل بدعوى صاحبها الاستهلاك فكما أن قبل هذه الدعوى لو صالح لم يجز الصلح عنه فكذلك بعد هذه الدعوى . وجه قوله الآخر أن الرد وإن ثبت بخبره فصاحبها يدعي عليه شيئا آخر للضمان ، وهو الاستهلاك فصار ذلك كدعوى مبتدأة عليه فيجوز أن يصالحه على مال .

( ألا ترى ) أن اليمين هنا على ما يدعيه صاحبها بخلاف الأول فهناك اليمين على المودع من الرد وأن هذه اليمين لا تسقط بموته ولكن يحلف الوارث على علمه بالله ما استهلكتها كما يدعيه صاحبها بخلاف الأول ، وهذا لأن البراءة تثبت بقوله رددتها لكونه أمينا وذلك في حكم القبض بجهة الوديعة .

وفي الفصل الأول لا يدعي صاحبها لوجوب الدين عليه شيئا آخر وهنا يدعي ذلك قال : وإن جحد الطالب أن يكون المستودع قال هذه المقالة قبل الصلح فادعى المستودع أنه قد قالها فالصلح جائز ، وهذا التفريع على قول أبي يوسف رحمه الله خاصة ، فأما عند محمد رحمه الله فلا فائدة في هذا الاختلاف ; لأنه لا يجوز الصلح قبل هذه المقالة وبعدها .

وجه قول أبي يوسف رحمه الله أن إقدام المستودع على الصلح طائعا التزام منه للمال بسبب تصحيح ظاهر فهو يريد بها تفريع ذلك أن يبطل ما التزمه فيها ، فلا يقبل قوله في ذلك كالمرأة إذا اختلعت من زوجها بعد الطلاق الرجعي ، ثم زعمت أن عدتها كانت قد انقضت قبل الخلع لا يقبل قولها ، فإن أقام المودع بينة بهذه المقالة برئ من الصلح ، وإن لم يكن له بينة فعلى الطالب اليمين ; لأنه يدعي عليه وجوب رد المال عليه فهو كالمختلعة إذا أقامت البينة على أن الزوج طلقها ثلاثا قبل الخلع .

فإن قيل : هو مناقض في الدعوى هنا أيضا شائع في بعض [ ص: 62 ] ما قد تم به فينبغي أن لا تقبل بينته ، ولا يحلف خصمه كالبائع إذا زعم أنه كان باع العين من فلان قبل أن يبيعه من هذا المشتري بخلاف الخلع ، فإن هناك هي مناقضة في الدعوى أيضا ولكن البينة على الإطلاق مقبولة من غير الدعوى . والجواب أن يقول : هو غير مناقض في دعواه ; لأن قبوله الصلح لا يكون إقرارا منه بوجوب شيء عليه ولكنه يدعي خلاف ما يشهد له الظاهر ; لأن العقود في الظاهر محمولة على الصحة ، فلا يقبل قوله في ذلك إلا بالبينة ، وعند عدم البينة القول قول خصمه مع اليمين لكون الظاهر حجة وشاهدا له .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #430  
قديم 23-12-2025, 04:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,053
الدولة : Egypt
افتراضي رد: المبسوط فى الفقه الحنفى محمد بن أحمد السرخسي


الكتاب: المبسوط فى الفقه الحنفى
المؤلف: محمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي
(ت ٤٨٣ هـ)
عدد الأجزاء: ٣١ (الأخير فهارس)
المجلد الحادى والعشرون

صـــ 62الى صـــ 71
(430)






وإن كانت الوديعة قائمة بعينها وهي مائة درهم فصالحه منها على مائة درهم بعد إقرار أو إنكار لم يجز إذا قامت البينة على الوديعة ; لأنها عين في يد المودع فيكون الصلح عنها معاوضة ، ومعاوضة المائة بالمائتين باطل ، ولا يمكن تصحيحه بطريق الإبراء والإسقاط ; لأن العين لا تحتمل ذلك ، وإن لم تقم بينة وكان المودع منكرا فالصلح جائز عند دعوى الدين عند إنكار المودع وعجز المدعي عن الدار ، وإنه بمنزلة البيع فلهذا صح العقد بدون الإضافة إلى الموكل ، ثم المقصود من الصلح قطع المنازعة وقطع المنازعة واجب ما أمكن باعتبار معنى البيع ، وإذا صح الصلح غير مضاف إلى الموكل انقطعت المنازعة بينهما فوجب المصير إلى ذلك استحسانا والله أعلم بالصواب

( قال رحمه الله : ) الأصل في جواز التحكيم قوله تعالى : { فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما } والصحابة - رضي الله عنهم - كانوا مجمعين على جواز التحكيم ولهذا بدأ الباب بحديث الشعبي رحمه الله قال : كان بين عمر وأبي بن كعب رضي الله عنهما مدارأة بينهما في شيء فحكما بينهما زيد بن ثابت رحمه الله : فأتياه فخرج زيد بن ثابت إليهما وقال لعمر رحمه الله : ألا تبعث إلي فآتيك يا أمير المؤمنين فقال عمر رحمه الله : " في بيته يؤتى الحكم " فأذن لهما فدخلا وألقى لعمر وسادة فقال : عمر رحمه الله : هذا أول جورك . وكانت اليمين على عمر رحمه الله فقال زيد لأبي رحمه الله : لو أعفيت أمير المؤمنين من اليمين فقال عمر يمين لزمتني ، فلأحلف فقال : أبي رحمه الله : بل يعفى أمير المؤمنين ويصدقه .

والمراد بالمدارأة الخصومة واللجاج قال الله تعالى : { فادارأتم فيها } وقال صلى الله عليه وسلم في حديث ثابت بن شريك رحمهما الله { لا يداري ، ولا يماري } أي لا يلاحي ، ولا [ ص: 63 ] يخاصم ، وقد بينا فوائد الحديث .
وإذا حكم الحكم بين رجلين ، ثم تخاصموا إلى حكم آخر فحكم بينهما سوى ذلك ، ولم يعلم بالأول ، ثم ارتفعا إلى القاضي ، فإنه ينفذ الحكم الذي يوافق رأي القاضي من ذلك لما بينا أن حكم كل واحد منهما غير ملزم شيئا .

وإذا حكم رجلان حكما في خصومة بينهما ما دام في مجلسه ذلك فتجاحدا وقالا لم تحكم بيننا وقال الحاكم بل حكمت ، فإنه يصدق ما دام في مجلس الحكومة ، ولا يصدق بعد القيام منه حتى يشهد على ذلك غيره ; لأنه ما دام في مجلسه فهو يملك إنشاء الحكم بينهما ، فلا تتمكن التهمة في إقراره به ، فأما بعد القيام فهو لا يملك إنشاء الحكم فتتمكن التهمة في إقراره .

وهو نظير المولى إذا أقر بألف والمطلق إذا أقر بالرجعة في الفرق بينهما إذا أقر قبل مضي المدة وبينهما بعده ، وإن حكماه ولم يشهدا على تحكيمهما إياه لم يقبل قول الحكم فيه عليهما ; لأنه يدعي لنفسه عليهما ولاية تنفيذ القول ، وهو غير مصدق فيما يدعي عليهما إذا كانا يجحدانه . والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب .

( قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد شمس الأئمة ، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - رحمه الله - إملاء ) : ( اعلم ) بأن الرهن عقد وثيقة بمال مشروع للتوثق في جانب الاستيفاء ، فالاستيفاء هو المختص بالمال ، ولهذا كان موجبه ثبوت يد الاستيفاء حقا للمرتهن عندنا ; لأن موجب حقيقة الاستيفاء ملك عين المستوفى ، وملك اليد ، فموجب العقد - الذي هو وثيقة الاستيفاء - بعض ذلك ، وهو ملك اليد .

وعلى قول الشافعي ( رحمه الله ) : موجبه ما هو موجب سائر الوثائق كالكفالة ، والحوالة ، وهو أن تزداد المطالبة به فيثبت به للمرتهن حق المطالبة بإيفاء الدين من ماليته ، وذلك بالبيع في الدين ، ولكنا نقول : الكفالة ، والحوالة عقد وثيقة ما لزمه ، والذمة محل لالتزام المطالبة فيها ، فيكون الثابت بهما بعض ما ثبت لحقيقة التزام الدين وهو المطالبة ، والرهن عقد وثيقة بمال والمال محل لاستيفاء الدين منه فعرفنا أن الثابت به بعض ما ثبت لحقيقة الاستيفاء ، وكيف يكون البيع في الدين موجب عقد الرهن ولا يملك المرتهن ذلك بعد تمام الرهن إلا بتسليط الراهن إياه على ذلك نصا ؟ وكم من رهن ينفك عن البيع في الدين ، وموجب العقد ما لا يخلو العقد عنه بعد تمامه ، ثم جواز هذا العقد ثابت بالكتاب والسنة أما الكتاب [ ص: 64 ] فقوله تعالى { : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ، وهو أمر بصيغة الخبر ; لأنه معطوف على قوله تعالى { : فاكتبوه } .

وعلى قوله تعالى : { وأشهدوا إذا تبايعتم } ، وأدنى ما يثبت بصيغة الأمر الجواز ، والسنة : حديث عائشة رضي الله عنها { : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاما لبيته ، ورهنه درعه } . وفي حديث أسماء بنت يزيد أن { رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ، ودرعه مرهون عند يهودي بوسق من شعير } .

وعن ابن عباس ، وأنس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم { رهن درعه ليهودي فما وجد ما يفتكه حتى توفي ، وجاء اليهودي في أيام التعزية يطالب بحقه ليغيظ المسلمين به } .

وفي هذا دليل جواز الرهن في كل ما هو مال متقوم ، ما يكون معدا للطاعة ، وما لا يكون معدا له في ذلك سواء ، فإن درعه صلى الله عليه وسلم كان معدا للجهاد به فيكون دليلا على جواز رهن المصحف بخلاف ما يقوله الشيعة : أن ما يكون للطاعة لا يجوز رهنه ; لأنه في صورة حبسه عن الطاعة ، وفيه دليل : أن الرهن جائز في الحضر والسفر جميعا ، فإنه رهنه صلى الله عليه وسلم بالمدينة في حال إقامته بها بخلاف ما يقوله أصحاب الظواهر : أن الرهن لا يجوز إلا في السفر لظاهر قوله تعالى { : وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة } ، والتعليق بالشرط يقتضي الفصل بين الوجود ، والعدم ، ولكنا نقول ليس المراد به الشرط حقيقة بل ذكر ما يعتاده الناس في معاملاتهم ، فإنهم في الغالب يميلون إلى الرهن عند تعذر إمكان التوثق بالكتاب والشهود ، والغالب أن يكون ذلك في السفر ، والمعاملة الظاهرة من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا ، فالرهن في الحضر ، والسفر دليل : على جوازه بكل حال
ثم ذكر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يترادان الفضل في الرهن ، وفيه دليل : أن المقبوض بحكم الرهن يكون مضمونا ثم بيان هذا اللفظ أنه إذا رهن ثوبا قيمته عشرة بعشرة فهلك عند المرتهن سقط دينه فإن كانت قيمة الثوب خمسة يرجع المرتهن على الراهن بخمسة أخرى ، وهو مذهبنا أيضا ، وإن كانت قيمته خمسة عشر فالراهن يرجع على المرتهن بخمسة ، وهو مذهب علي رضي الله عنه ، وبه أخذ بعض الناس ، ولسنا نأخذ بهذا ، وإنما نأخذ بقول عمر وابن مسعود رضي الله عنهما ، فإنهما قالا : إنه مضمون بالأقل من قيمته ، ومن الدين فإذا كانت القيمة أكثر فالمرتهن في الفضل أمين ، وهكذا روى محمد بن الحنفية عن علي رضي الله عنه أن المرتهن في الفضل أمين .

وحاصل الاختلاف فيه بين العلماء ( رحمهم الله ) على ثلاثة أقاويل فعندنا هو [ ص: 65 ] مضمون بالأقل من قيمته ، ومن الدين ، وعند شريح ( رحمه الله ) هو مضمون بالدين قلت قيمته أو كثرت ، فإنه قال الرهن بما فيه ، وإن كان خاتما من حديد بمائة درهم ، وفي إحدى روايتي علي رضي الله عنه : يترادان الفضل هذا بيان الاختلاف الذي كان بين المتقدمين رضي الله عنهم في الرهن ، إلى أن أحدث الشافعي ( رحمه الله ) قولا رابعا أنه أمانة ، ولا يسقط شيء من الدين بهلاكه ، واستدل في ذلك بحديث الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { لا يغلق الرهن ، لصاحبه غنمه ، وعليه غرمه } " ، وفي رواية { : الرهن من راهنه الذي رهنه ، له غنمه وعليه غرمه } ، وزعم أن معنى قوله : صلى الله عليه وسلم " لا يغلق الرهن " لا يصير مضمونا بالدين فقد فسر ذلك بقوله : الرهن من راهنه الذي رهنه أي : من ضمان راهنه ، وقوله صلى الله عليه وسلم " وعليه غرمه " أي : عليه هلاكه ، فالغرم : عبارة عن الهلاك قال الله تعالى { : إنا لمغرمون } أي : هلكت علينا أموالنا ، والمعنى فيه : أن الرهن وثيقة بالدين فبهلاكه لا يسقط الدين كما لا يسقط بهلاك الصك وموت الشهود ، وهذا ; لأنه بعقد الوثيقة يزداد معنى الصيانة فلو قلنا : بأنه يسقط دين المرتهن بهلاكه كان ضد ما اقتضاه العقد ; لأن الحق به يصير بعرضة الهلاك ، وذلك ضد معنى الصيانة .

والدليل عليه : أن عين الرهن - ما زاد على قدر الدين - أمانة في يد المرتهن ، والقبض في الكل واحد ، وما هو موجب الرهن ، وهو الحبس ثابت في الكل ، فلا يجوز أن يثبت حكم الضمان بهذا القبض في البعض دون البعض .

والدليل عليه : أن عين الرهن تهلك على ذلك الراهن حتى لو كان عبدا فكفنه على الراهن ، ولو استحق وضمنه المرتهن يرجع بالضمان ، والدين جميعا على الراهن ، ولو كان قبضه قبض ضمان لم يرجع بالضمان عند الاستحقاق كالغاصب ، وعندكم إذا اشترى المرتهن المرهون من الراهن لا يصير قابضا بنفس الشراء ولو كان مضمونا عليه بالقبض لكان قبضه عن الشراء كقبض الغاصب ، والمقبوض بحكم الرهن الفاسد لا يكون مضمونا عندكم كرهن المشاع وغيره ، والفاسد معتبر بالجائز في حكم الضمان ، وليس من ضرورة ثبوت حق الحبس الضمان ، كالمستأجر بعد الفسخ محبوس عند المستأجر بالأجرة المعجلة ، بمنزلة المرهون حتى إذا مات الآجر كان المستأجر أحق به من سائر غرمائه ثم لم يكن مضمونا إذا هلك ، وكذلك زوائد الرهن عندكم .

والدليل على أنه أمانة : أن النفقة على الراهن دون المرتهن ، كما في الوديعة ، وحجتنا في ذلك ما أشرنا إليه من إجماع المتقدمين ( رضوان الله عليهم أجمعين ) فاتفاقهم على ثلاثة أقاويل يكون [ ص: 66 ] إجماعا منهم على أنه ليس فيه قول رابع ، لم يستدل بحديث عطاء { : أن رجلا رهن فرسا عند رجل بحق له فنفق الفرس عند المرتهن فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للمرتهن : ذهب حقك } ، ولا يجوز أن يقال ذهب حقك في الحبس ; لأن هذا مما لا يشكل ; ولأنه ذكر الحق منكرا في أول الحديث ثم أعاده معرفا ، فيكون المراد بالمعرف ما هو المراد بالمنكر قال الله تعالى { : كما أرسلنا إلى فرعون رسولا فعصى فرعون الرسول } .

وقال النبي صلى الله عليه وسلم { : الرهن بما فيه ذهبت الرهان بما فيها } أي : بما فيها من الديون ، ولا حجة لهم في قوله صلى الله عليه وسلم { : لا يغلق الرهن } فإن أحدا من أهل اللغة لا يفهم منه هذا اللفظ ، بقي الضمان على المرتهن .

وذكر الكرخي أن أهل العلم من السلف ( رحمهم الله ) كطاوس وإبراهيم ، وغيرهما اتفقوا : أن المراد لا يحبس الرهن عند المرتهن احتباسا لا يمكن فكاكه بأن يصير مملوكا للمرتهن ، واستدلوا عليه بقول القائل :
وفارقتك برهن لا فكاك له يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا
يعني : احتبس قلب المحب عند الحبيب على وجه لا يمكن فكاكه ، وليس فيه ضمان ، ولا هلاك .

والدليل عليه : ما روي عن الزهري قال : كانوا في الجاهلية يرتهنون ، ويشترطون على الراهن إن لم يقض الدين إلى وقت كذا فالرهن مملوك للمرتهن فأبطل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : { لا يغلق الرهن } وسئل سعيد بن المسيب رضي الله عنه عن معنى هذا اللفظ فقيل : أهو قول الرجل إن لم يأت بالدين إلى وقت كذا فالرهن بيع لي في الدين ؟ فقال : نعم .

وقوله : صلى الله عليه وسلم { الرهن من راهنه الذي رهنه } يؤكد هذا المعنى أي : هو على ملك راهنه الذي رهنه لا يزول ملكه بهذا الشرط ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم { له غنمه ، وعليه غرمه } يعني في حال إبقائه هو مردود عليه لا يتملك غيره عليه ، أو أن يبيع بالدين فزاد الثمن على الدين فالزيادة له ، وإن انتقص فالنقصان عليه ، وبه نقول : والمعنى في المسألة : أن الرهن مقبوض للاستيفاء والمقبوض على وجه الشيء لا يكون كالمقبوض على حقيقته في حكم الضمان .

( ألا ترى ) أن المقبوض على سوم البيع يجعل كالمقبوض على جهة الاستيفاء ، وبيان الوصف أن عقد الرهن يختص بما يمكن استيفاء الدين منه ، وهو المال المتقوم الذي يقبل البيع في الدين ، ويختص بحق يمكن استيفاؤه من الرهن ، وهو الدين حتى لا يجوز الرهن بالأعيان ، ولا بالعقوبات من القصاص ، والحدود ، وتحقيق ما ذكرنا أن موجب العقد ثبوت يد الاستيفاء ، وهذه اليد [ ص: 67 ] في حقيقة الاستيفاء تثبت الملك ، والضمان فكذا فيها أيضا يثبت الضمان في عقد الرهن يقرره أن عند أبي حنيفة .

( رحمه الله ) استيفاء المستوفى يكون مضمونا على المستوفي ، وله على الموفي مثل ذلك فيصير قصاصا به فكذلك إذا قبضه رهنا ، وصار مضمونا عليه بهذه اليد فإذا هلك وجب على المرتهن من أولها فيصير المرتهن مستوفيا حقه ، ولهذا يثبت الضمان بقدر الدين ، وصفته ; لأن الاستيفاء به يتحقق ، وكان الراهن جعل مقدار الدين في وعاء وسلمه إلى رب الدين ليستوفي حقه منه فعند هلاكه في يده يتم استيفاؤه في مقدار حقه ، ولهذا كان الفضل أمانة عنده بمنزلة ما لو جعل خمسة عشر درهما في كيس ، ودفعه إلى صاحب الدين على أن يستوفي دينه منه عشرة فيكون أمينا في الزيادة ، ولهذا جعلت العين أمانة في يد المرتهن ; لأن الاستيفاء تحصل منه المالية دون العين ، والاستيفاء بالعين يكون استبدالا ، والمرتهن عندنا مستوف لا مستبدل ، وإنما يتحقق الاستيفاء بحبس الحق ، والمجانسة بين الأموال باعتبار صفة المالية دون العين فكان هو أمينا في العين ، والعين كالكيس في حقيقة الاستيفاء ، وبهذا التقرير اتضح الجواب عما قال ; لأن معنى الصيانة يتحقق إذا صار المرتهن بهلاك الرهن مستوفيا حقه ، وإنما ينعدم ذلك قلنا يتوى بينه ، والاستيفاء ليس مأتوا للحق ، ثم موجب العقد ثبوت يد الاستيفاء ، وفيه معنى الصيانة
، ومن ضرورته فراغ ذمة الراهن عند هلاك الرهن ، وتمام الاستيفاء فلا يخرج به من أن يكون وثيقة لصيانة حق المرتهن كالحوالة ، فإنها توجب الدين في ذمة المحتال عليه لصيانة حق الطالب ، وإن كان من ضرورته فراغ ذمة المحيل ، وبه لا ينعدم معنى الوثيقة ، وكذلك المقصود بالعارية منفعة المستعير ، ومن ضرورة حصول تلك المنفعة أن تكون نفقته عليه فلا يخرج به من أن يكون العقد محض منفعة له ، وبهذا فارق موت الشهود ، وهلاك الصك ; لأن سقوط الدين عندنا باعتبار ثبوت يد الاستيفاء إذا تم ذلك بهلاك الرهن وذلك لا يوجد في الصك والشهود ، وإنما يصير المرتهن قابضا بنفس الشراء ; لأن الشراء لاقى العين .

وقد بينا أن العين في حكم الأمانة ، وقبض الأمانة دون قبض الشراء ، وإنما يرجع بالضمان عند الاستحقاق لأجل الغرر ، فالراهن هو المنتفع بقبض الرهن منه حيث إنه يصير موفيا ذمته عند الهلاك في يد المرتهن فيصير المرتهن مغرورا من جهته من هذا الوجه ، ولهذا تكون النفقة على الراهن بمنزلة المؤجر في يد المستأجر ثم يد المستأجر بعد فسخ الإجارة ليست بيد الاستيفاء ، ولأنها هي اليد التي كانت له قبل الفسخ ، وإنما قبض لاستيفاء المنفعة لا لاستيفاء [ ص: 68 ] الأجرة من المالية ; فلهذا لا يصير مستوفيا بهلاك العين في يده ، والمقبوض بحكم الرهن الفاسد عندنا مضمون ، فإن المسلم إذا ارتهن من ذمي خمرا ، أو عصيرا فتخمر في يده كان مضمونا عليه إذا هلك ، وهو رهن فاسد ، فإن المرهون بأجرة النائحة ، والمغنية ، ولا عقد هناك فاسدا ، ولا جائزا لانعدام الدين أصلا ، وكذلك رهن المشاع فقد قامت الدلالة لنا على أن يد الاستيفاء التي هي موجب الرهن لا تثبت في الجزء الشائع على ما نبينه فلهذا لا يكون مضمونا فأما شريح ( رحمه الله ) فكان يقيس المرهون بالمبيع في يد البائع ، والمبيع في يد البائع مال غير محبوس بدين ، هو مال فسقط الدين بهلاكه قلت قيمته أو كثرت ، فكذلك المرهون في يد المرتهن ; ولأن بهلاك الرهن تعذر على المرتهن رده لا إلى غاية ، ولو تعذر إحضاره إلى غاية لم يكن له أن يطالب بشيء من الدين ما لم يحضره ، فكذلك إذا تعذر إحضاره لا إلى غاية ، ولكن لما حققنا تبين الفرق بين الرهن ، والبيع من حيث إن سقوط الثمن هناك بسبب انفساخ العقد ، وبهلاك جميع العقود عليه ينفسخ جميع العقد ، وهنا سقوط الدين بطريق الاستيفاء ، ولا يتحقق الاستيفاء إلا بعد مالية الرهن فاستيفاء العشرة من خمسة لا يتحقق ، فلهذا كان للمرتهن أن يرجع على الراهن بفضل الدين

قال ، ولا يجوز الرهن غير مقبوض عينا .

وقال مالك - رحمه الله - : " لا يلزم الرهن بالإيجاب ، والقبول اعتبارا بالبيع فإن هذا العقد يختص بمال من الجانبين فيكون في معنى مبادلة مال بمال ، وهو ، وثيقة بالدين بمنزلة الكفالة والحوالة ، وذلك يلزم بالقبول ، وحجتنا في ذلك قوله تعالى : { فرهان مقبوضة } فقد ، وصف الله تعالى الرهن بالقبض فينتقض أن يكون هذا ، وصفا لازما لا يفارقه الرهن ثم قد بينا أن موجب العقد ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن ، وكما أن حقيقة الاستيفاء لا تكون إلا بالقبض ، فكذلك يد الاستيفاء لا تثبت إلا بالقبض ، والمقصود : إلجاء الراهن حياته ليسارع إلى قضاء الدين ، ولا يحصل ذلك إلا بثبوت يد المرتهن على الرهن ، ومنع الراهن منه ، والمقصود أيضا : ثبوت حياة حق المرتهن عند الضرر الذي يلحقه لمزاحمة سائر الغرماء ، فإنما يحصل ذلك للمرتهن باعتبار يده ; لأن به يصير أحق من سائر الغرماء ثم في ظاهر الروايات : القبض بحكم الرهن ثبت بالتخلية ; لأن القبض بحكم عقد مشروع بمنزلة قبض المبيع ، وقد روي عن أبي يوسف ( رحمه الله ) أنه لا يثبت في المنقول إلا بالنقل ; لأنه قبض موجب للضمان ابتداء بمنزلة الغصب ، فكما أن المغصوب لا يصير مضمونا بالتخلية بدون النقل فكذلك المرهون بخلاف الشراء فكذلك القبض ناقل للضمان من البائع للمشتري إلا أن يكون موجبا للضمان [ ص: 69 ] ابتداء ، والأول أصح ; لأن حقيقة الاستيفاء تثبت بالتخلية فالقبض الموجب لهذا الاستيفاء أيضا ثبت بالتخلية
، ولا يجوز رهن المشاع فيما يقسم ، وما لا يقسم من جميع أصناف ما يرهن عندنا .

وقال الشافعي ( رحمه الله ) يجوز ; لأن المشاع عين يجوز بيعه ، فيجوز رهنه كالمقسوم ، وهذا ; لأن موجب الرهن استحقاق البيع في الدين ; لأن الرهن مشروع ; لصيانة حق المرتهن عن الضرر الذي يلحقه بمزاحمة سائر الغرماء ، فالمشروع وثائق منها : ما يؤمنه عن جحود المديون ، وذلك كالشهود ، ومنها : ما يؤمنه عن سياق الشهود ، وذلك الكتاب ، ومنها : ما يؤمنه عن التوى بإفلاس من عليه ، وذلك الكفالة والحوالة ، ومنها : ما يؤمنه عن إبراء بعض حقه بمزاحمة سائر الغرماء إياه بعد موت المديون ، وذلك : الرهن ، فإذا كان مشروعا لهذا النوع من الوثيقة كان المستحق به البيع في الدين ، فيختص بمحل يقبل البيع في الدين ، ثم القبض شرط تمام هذا ، والشيوع لا يمنع أصل القبض .

( ألا ترى ) : أن الشائع يصلح أن يكون رأس مال السلم ، وبدلا عن الصرف ، وبالإجماع : هبة المشاع - فيما لا يحتمل القسمة - تتم بالقبض ، وكذلك عندي : فيما يحتمل القسمة جائز ، ودوام يد المرتهن ليس بشرط لبقاء حكم الرهن ، فإنه بعد القبض لو أعاره من الراهن ، أو غصبه الراهن منه يبطل به الرهن ، وكان للمرتهن أن يشترطه ، ولا يجوز أن يدعى : أن موجب العقد اليد ; لأن بالعقود المشروعة إنما يستحق ما هو المقصود ، واليد ليست بمقصودة بنفسها بل للتصرف أو للانتفاع ، والمرتهن لا يتمكن منه بشيء من ذلك .

والدليل عليه : جواز رهن العين من رجلين بدين لهما عليه ، وإنما يكون رهنا من كل واحد منهما نصف العين ، وهذا على أصلكم أظهر حتى إذا هلك كان نصفه مضمونا بدين كل ، واحد منهما ، وإذا كان إيجاب البيع في العين لاثنين إيجابا لكل واحد منهما في النصف ، فكذلك الرهن ثم كل عقد جاز في جميع العين مع اثنين يجوز في نصفه مع الواحد كالبيع ، ولنا في المسألة الحالة طريقان : أحدهما : أن رهن النصف الشائع بمنزلة قوله : رهنتك هذا العير يوما ، ويوما لا ، وذلك لا يجوز فهذه مسألة ، وبيانه أن موجب عقد الرهن دوام يد المرتهن عليه من وقت العقد إلى وقت انفكاكه ، وذلك لا يتحقق مع الشيوع ; لأنه يحتاج إلى المهايأة مع المالك في الإمساك ، فينتفع المالك به يوما بحكم الملك ، ويحفظه المرتهن يوما بحكم الرهن ، فهو بمنزلة قوله : رهنتك يوما ويوما لا ; لأنه ينعدم استحقاق اليد للمرتهن في يوم الراهن ، وكان ذلك سببا يقترن بالعقد ، وهو الشيوع ، ومتى اقترن بالعقد ما يمنع موجبه لم يصح العقد .

والدليل على أن دوام اليد موجب العقد قوله تعالى : { فرهان مقبوضة } هذا يقتضي [ ص: 70 ] أن لا يكون مرهونا إلا في حال يكون مقبوضا فيه ، ولأن المقصود بالرهن ضمان حق المرتهن عن التوى لجحود منه عليه فنقل الحكم من الكتاب ، والشهود إلى الرهن ، فيكون المقصود بالمنقول إليه ما هو المقصود بالمنقول عنه ، وذلك لا يحصل إلا بدوام اليد عليه ; لأنه إذا عاد إلى يد الراهن ربما يجحد الرهن ، والدين جميعا ، وكذلك المقصود إلجاء الراهن ليسارع إلى قضاء الدين ، وإنما يحصل هذا المقصود بدوام يد المرتهن عليه .

والدليل عليه : أن المرهون إذا كان شيئا لا ينتفع به مع بقاء عينه فللمرتهن أن يحبسه عند إطلاق العقد ، ولو لم يكن دوام اليد موجب العقد ما كان له أن يحبسه ; لأن الراهن يقول : " أنا أشفق على ملكي منك ، وحقك البيع في الدين ، ولا يفوت ذلك عليك بيدي " ، وحيث كان المرتهن أحق بإمساكه عرفنا أن دوام اليد موجب هذا العقد ، ولسنا نعني : وجود يد المرتهن حينا ، وإنما نعني : استحقاق دوام اليد ، وبالإعادة من الراهن أو الغصب لا ينعدم الاستحقاق ، فلهذا لا يبطل منه الرهن ، وفي الرهن من رجلين استحقاق دوام اليد ثابت لكل ، واحد منهما في جميع العين حتى إذا قضى جميع دين أحدهما يكون للآخر حبس جميع الرهن حتى يستوفي دينه ، وكما يجوز أن يكون الواحد محبوسا بدين اثنين لا يكون جميعه محبوسا بدين واحد منهما ، فكذلك حبس العين بحكم الرهن ثم اليد مستحقة على الراهن هناك ، ولا يكون له حق إعادة شيء من العين إلى يده ما لم يقبض الدين ، والعقد بهذا يتم ، وإن لم يكن لكل ، واحد منهما حق التعذر بإمساك العين كما لو شرط أن يكون الرهن على يدي عدل يجوز العقد لاستحقاق اليد على الراهن ، وإن لم يكن للمرتهن حق إثبات اليد عليه في شيء من المدة ، وللمالك فيما له ملك العين ، والمنفعة ، واليد فكما يجوز أن يوجب له ملك العين أو المنفعة يجوز أن يوجب له ملك اليد مقصودة ، وذلك بعقد الرهن ، وهذا ; لأن اليد مقصودة .

( ألا ترى ) أن الغاصب يضمنه بتفويت اليد كما يضمن المتلف بإتلاف العين ، وإذا كان باليد يتوصل إلى التصرف ، والانتفاع كانت اليد مقصودة بالطريق الآخر ، إذ موجب عقد الرهن ثبوت يد الاستيفاء للمرتهن على ما بيناه ، ومنه جانب الاستيفاء في الجزء الشائع لا يتحقق ; لأن اليد حقيقة لا تثبت إلا على جزء معين ، وإذا كان المرهون جزءا شائعا لو ثبت حكم الرهن ، إنما يكون عند التخلي لجميع العين أو عند نقل جميع العين حقيقة ، ونصف العين ليس بمعقود عليه ، وإذا كان موجب العقد لا يتحقق إلا باعتبار ما ليس بمعقود عليه لا ينعقد العقد أصلا كما لو استأجر أحد زوجي المقراض ; لمنعه قرض الثياب ، وبهذا تبين أن العين - فيما هو [ ص: 71 ] موجب الرهن - غير محتمل للتجزي ، وعند إضافة العقد إلى نصفه لم يثبت في كله فيبطل العقد أصلا لتعذر أسباب موجبه في النصف كالمرأة في حكم الحلي لما كانت لا تجزأ ، فإذا أضيف النكاح إلى نصفها بطل عند الخصم ، وعندنا : يثبت في الكل ، وهذا بخلاف الرهن من رجلين ; لأن موجب العقد هناك ، وهو يد الاستيفاء ثبت في جميع المحل غير متجزئ ثم حكم التجزؤ يثبت بين المرتهنين عند تمام الاستيفاء بالهلاك للمزاحمة ، وبه لا يظهر التجزؤ في المحل .

( ألا ترى ) أن نصف العين لا يستحق قصاصا ثم يجب القصاص لاثنين في نفس واحدة ، ويكون كل واحد منهما مستوفيا للنصف عند العقل باعتبار أن لا يظهر حكم التجزؤ في القصاص فكذلك فيما نحن فيه فإن قيل : كيف يستقيم هذا ، والشرع لا يمنع الاستيفاء حقيقة ؟ فإن من كان له على غيره عشرة فدفع إليه المديون كيسا فيه عشرون درهما ليستوفي حقه منه يصير مستوفيا حقه من النصف شائعا ، وإذا كان الشيوع لا يمنع حقيقة الاستيفاء ، فكيف يمنع ثبوت يد الاستيفاء قلنا : موجب حقيقة الاستيفاء ملك عين المستوفى ، واليد هي على الملك ، والشيوع ، ولا يمنع الملك فيما هو الموجب يمكن إثباته في الجزء الشائع هناك ، وموجب الرهن يد الاستيفاء فقط ، وذلك لا يتحقق في الجزء الشائع ، وبهذا الطريق كان مستوفيا في حكم الرهن عما يحتمل القسمة ، وعما لا يحتمل القسمة بخلاف الهبة ، فإن موجب العقد هناك الملك ، والقبض شرط تمام ذلك العقد فيراعى وجوده في كل محل بحسب الإمكان ، ولهذا لا يجوز رهن المشاع من الشريك هنا ; لأن موجب العقد لا يتحقق فيما أضيف إليه العقد سواء كان العقد مع الشريك أو مع الأجنبي بخلاف الإجارة عند أبي حنيفة ( رحمه الله ) فالشيوع هناك إنما يؤثر لا ; لأن موجب العقد ينعدم به بل ; لأنه يتقرر استيفاء المعقود عليه على الوجه الذي أوجبه العقد ; لأن استيفاء المنفعة يكون من جزء معين ، وذلك لا يوجد في الإجارة من الشريك ، فإنه يستوفي منفعة الكل ، فيكون مستوفيا منفعة ما استأجر ، لا على الوجه الذي استحقه ، وإن كان لا يمكن استيفاء المعقود عليه إلا بما يتناوله العقد لا يمنع جواز العقد كبيع الرهن ، فإنه استيفاء لا يمكن إلا بالوعاء ، ولا تمنع به صحة العقد ، وعلى هذا قلنا إذا استحق نصف المرهون من يد المرتهن بطل الرهن في الكل .

وقال ابن أبي ليلى ( رحمه الله ) : على الرهن في النصف الآخر ; لأن العقد صح في الآلة في جميع العين فإن كون الملك بغير الراهن لا يمنع صحة الرهن ، وثبوت موجبه ، كما لو استعار منه غيره بيتا ليرهنه بدين ثم بطل حكم العقد في البعض ; لانعدام الرضا من المالك به فيبقى صحيحا فيما [ ص: 72 ] بقي كما لو استحق نصف المبيع ، ولكنا نقول العقد في المستحق يبطل منه الأصل ; لانعدام الرضا من المالك به فلو صح في النصف الآخر لكان هذا إثبات حكم الرهن في النصف شائعا ، والنصف الشائع ليس بمحل موجب الرهن ، وهو نظير ما لو تزوج أمة بإذن مولاها فاستحق نصفها ، ولم يجز المستحق النكاح بطل النكاح في الكل ; لهذا المعنى فأما الشيوع الطارئ : بأن رهن جميع العين ثم تفاسخا فالعقد ليس بمحل موجب الرهن ، وهو نظير ما لو تزوج أمة في النصف ورده المرتهن لم يذكر جوابه في الكتاب نصا ، والصحيح أن الشيوع الطارئ كالمقارن في أنه مبطل للرهن ، فإنه قال في القلب المكسور : إذا ملك المرتهن البعض بالضمان يتعين ذلك القدر مما بقي منه مرهونا ; كي لا يؤدي إلى الشيوع ، وقالوا في العدل إذا سلط على بيع الرهن كيف شاء فباع نصفه يبطل الرهن في النصف الباقي ، لما بينا أن الجزء الشائع لا يكون محلا بخلاف الشيوع الطارئ في الهبة ، والقبض هناك شرط تمام العقد ، وليس شرط بقاء العقد ، وتأثير الشيوع في المنع منه تمام التبعيض ، وذكر سماعا أن أبا يوسف ( رحمه الله ) رجع عن هذه ، وقال : الشيوع الطارئ لا يمنع بقاء حكم الرهن بخلاف المقارن ، وقاس ذلك بصيرورة المرهون دينا في ذمة غير المرتهن ، فإنه يمنع ابتداء الرهن ، ولا يمنع بقاءه حتى إذا أتلف المرهون إنسانا ، ووضع المرهون ثمنه تكون القيمة ، والثمن رهنا في ذمة من عليه ، وابتداء عقد الرهن مضافا إلى دين في الذمة لا يجوز ، فكذلك الجزء الشائع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 376.81 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 370.96 كيلو بايت... تم توفير 5.85 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]