التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 41 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أكثر من مائة حديث في تحريم الخروج على ولي الأمر الشيخ محمد بن عبد الوهاب الوصابي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          أنواع المقاصد باعتبار تعلقها بعموم التشريع وخصوصه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          محاذير السكن مع عوائل غير مسلمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          وصفات طبيعية لتفتيح منطقة حول الفم.. وحدى بشرتك بخطوات بسيطة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          تغيرات بسيطة فى نظام أكلك تقلل وزنك وتزيد حيويتك.. لايف ستايل مش دايت (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          أبرز 5 تريندات للمطابخ لعام 2026.. اختارى اللى يناسب ذوقك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 25 )           »          علماء النفس: عبارة واحدة تحدد مصير العلاقة بين الزوجين.. اعرفها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          6 حيل نفسية تساعد طفلك على تحمل المسئولية بدون ضغط أكبر من سنه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          طريقة عمل مخلل الخيار والجزر فى أقل من ساعة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          طريقة عمل شرائح الدجاج على الجريل في البيت.. أكل صحي بدون دهون زائدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #401  
قديم 19-02-2026, 10:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 131 الى صـــ 150
الحلقة (401)






وفيه: الحض عَلَى المسامحة -كما ترجم له- وحسن المعاملة، واستعمال معالي الأخلاق ومكارمها، وترك المشاحة في البيع، وذلك سبب لوجود البركة؛ لأنه - ﷺ - لا يحض أمته إلا عَلَى ما فيه النفع لهم دينًا ودنيا. فأما فضله في الآخرة فقد دعا - ﷺ - بالرحمة والغفران لفاعله، فمن أحب أن تناله هذِه الدعوة فليقتدِ به ويعمل به.
وفي قوله: («وَإِذَا اقْتَضَى») حض عَلَى ترك التضييق عَلَى الناس عند طلب الحقوق وأخذ العفو منهم، ويؤيده حديث ابن عمر وعائشة السالف.
قَالَ ابن المنذر: وفيه الأمر بحسن المطالبة وإن قبض دون حقه. وقد جاء في إنظار المعسر من الفضل ما ستعلمه في الباب بعده.
قَالَ ابن حبيب: تستحب السهولة في البيع والشراء، وليس هي ترك المكايسة فيه، إنما هي ترك المضاجرة ونحوها، والرضا بالإحسان وبيسير الربح، وحسن الطلب.
وفي الحديث: «صاحب السلعة أحق أن يسوم تحريًا من أن يسام» (١). والبركة في أول السوم وفي المسامحة. ورغب في إقالة النادم، وكانوا يحبون المكايسة في الشراء.

-------
(١) روى ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٤٦٩ (٢٢١٧٢)، وأبو داود في «مراسيله» (١٦٦) من طريق ابن المبارك عن عبد الله بن عمرو بن علقمة عن ابن أبي حسين مرفوعًا: «سيد السلعة أحق بالسوم».
وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٣١٩).
وانظر في «صحيح مسلم» حديث (١٤٠٨/ ٣٨).



١٧ - باب مَنْ أَنْظَرَ مُوسِرًا
٢٠٧٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، أَنَّ رِبْعِيَّ بْنَ حِرَاشٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه حَدَّثَهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ قَالَ: قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ». وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «كُنْتُ أُيَسِّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ». وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «أُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ». وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْد، عَنْ رِبْعِيٍّ: «فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ». [٢٣٩١، ٣٤٥١ - مسلم: ١٥٦٠ - فتح: ٤/ ٣٠٧]
ذكر فيه حديث منصور، عن ربعي، عن حذيفة: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَلَقَّتِ المَلَائِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، قَالُوا: أَعَمِلْتَ مِنَ الخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: كنْتُ آمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ المُوسِرِ قَالَ: قَالَ: فَتَجَاوَزُوا عَنْهُ». وَقَالَ أَبُو مَالِكٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «كُنْتُ: أسِّرُ عَلَى المُوسِرِ، وَأُنْظِرُ المُعْسِرَ». وَتَابَعَهُ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ. وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «أُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأتجَاوَزُ عَن المُعْسِرِ». وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ رِبْعِيٍّ: «فَأَقْبَلُ مِنَ المُوسِرِ، وَأتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ».
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي بعض رواياته: قَالَ أبو مسعود: هكذا سمعت من رسول الله (٢) وفي أخري: قال

--------
(١) مسلم (١٥٦٠).
(٢) مسلم (١٥٦٠/ ٢٧).



عقبة بن عامر وأبو مسعود الأنصاري هكذا سمعناه من فِيِّ رسول الله - ﷺ - (١). والصحيح كما قَالَ عبد الحق: عقبة بن عمرو لا ابن عامر، وعقبة بن عامر وهم. وقال البخاري: قَالَ عقبة بن عمرو أنا سمعته يقول: وذكر معه حديثًا آخر، وهو حديث الرجل في حرق نفسه يأتي (٢).
وقوله: وقال أبو مالك: ثنا ربعي، هذا أسنده مسلم: عن أبي سعيد الأشج، ثَنَا أبو خالد الأحمر، عن أبي مالك -سعد بن طارق- عن ربعي، عن حذيفة (٣)، وهو في قَالَ فيه: فقال: عقبة وأبو مسعود
كما سلف.
وكذا قَالَ خلف في «أطرافه»: عقبة بن عامر وهم لا أعلم أحدًا قَالَ غيره -يعني: الأشج- والحديث إنما يحفظ من حديث عقبة بن عمرو وأبي مسعود الأنصاري. وذكر الدارقطني أن الوهم من أبي خالد
الأحمر، وصوابه: ابن عمرو. كذا رواه أبو مالك ونعيم بن أبي هند وعبد الملك بن عمير عن ربعي (٤).

--------
(١) مسلم (١٥٦٠/ ٢٩).
(٢) سيأتي برقم (٣٤٥٠ - ٣٤٥١) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
قال القاضي عياض في «إكمال المعلم» ٥/ ٢٣١: هكذا روي هذا الإسناد في كتاب مسلم، والحديث محفوظ لعقبة بن عمرو الأنصاري، لا لعقبة بن عامر الجهني، والوهم في هذا الإسناد من أبي خالد الأحمر، قاله الدارقطني. وصوابه: فقال عقبة بن عمرو. اهـ.
وانظر: «مسلم بشرح النووي» ١٠/ ٢٢٥ - ٢٢٧.
(٣) مسلم (١٥٦٠) كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر.
(٤) تقدم نقل هذا الكلام عن القاضي عياض، وحكى نحوه النووي.



ومتابعه شعبة ستأتي في الاستقراض مسندة: حدثَنَا مسلم، بن إبراهيم عن شعبة به (١). وكذا ما علقه أبو عوانة، أسنده فيه (٢) عن موسى بن إسماعيل عنه مطولًا، وفيه: قَالَ عقبة: أنا سمعته يقول ذَلِكَ، وكان نبَّاشًا (٣).
وتعليق نعيم بن أبي هند أسنده مسلم عن علي بن حجر إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن المغيرة، عن نعيم به (٤).

---------
(١) تأتي برقم (٢٣٩١) باب: حسن التقاضي.
(٢) ورد بهامش الأصل: إنما ذكره البخاري في: بني إسرائيل.
(٣) يأتي برقم (٣٤٥٠ - ٣٤٥٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: ما ذكر عن بني إسرائيل.
(٤) مسلم (١٥٦٠) كتاب: المساقاة، باب: فضل إنظار المعسر.



١٨ - باب مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا
٢٠٧٨ - حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنَا الزُّبَيْدِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ». [٣٤٨٠ - مسلم: ١٥٦٢ - فتح: ٤/ ٣٠٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ؛ لَعَلَّ اللهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا. فَتَجَاوَزَ اللهُ عَنْهُ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وللحاكم على شرط مسلم: «خذ ما تيسر واترك ما عسر وتجاوز لعل الله أن يتجاوز عنا»، وفيه: «فقال الله تعالى: قد تجاوزت عنك» (٢). وفي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: «من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفس عن معسر أو يضع عنه» (٣). وله من حديث ربعي عن أبي اليسر مرفوعًا: «من انظر معسرًا أو وضع له أظله الله في عرشه» (٤).
قَالَ الحاكم: ورواه زيد بن أسلم وحنظلة بن قيس أيضًا عن أبي اليسر (٥).

---------
(١) مسلم (١٥٦٢).
(٢) «المستدرك» ٢/ ٢٨.
(٣) مسلم (١٥٦٣).
(٤) مسلم (٣٠٠٦) كتاب: الزهد والرقائق، باب: حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر.
(٥) «المستدرك» ٢/ ٢٩.



ولابن أبي شيبة عن ابن مسعود مرفوعًا: «حوسب رجل ممن كان قبلكم فلم يوجد له من الخير شيء إلا أنه كان رجلًا موسرًا يخالط الناس، فيقول لغلمانه: تجاوزوا عن المعسر، فقال الله لملائكته: لنحن
أحق بذلك منه، تجاوزوا عنه» (١).
فيه والباب قبله: أن الرب ﷻ يغفر الذنوب بأقل حسنة توجد للعبد وذلك -والله أعلم- إذا حصلت النية فيها لله، وأن يريد بها وجهه وابتغاء مرضاته، فهو أكرم الأكرمين ولا يخيب عبده من رحمته، وقد قَالَ تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)﴾ [الحديد: ١١] وللترمذي في هذا الحديث أنه ينظر فلا يجد حسنة ولا شيئًا، فيقال له، فيقول: ما أعرف شيئًا إلا كنت إذا داينت معسرًا تجاوزت عنه، فيقول الله تعالى: أنت معسر ونحن أحق بهذا منك (٢).
وفيه أيضًا: أن المؤمن يلحقه أجر ما يأمر به من أبواب البر وإن لم يتول ذَلِكَ بنفسه.
وفيه أيضًا: إباحة كسب العبد؛ لقوله: آمر فتياني، والفتيان: المماليك والفتية. قَالَ تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ﴾ [يوسف: ٦٢].
وفيه: توكيلهم عَلَى التقاضي. ومعنى: ينظروا: يؤخروا.
وفيه: أن العبد يحاسب عند موته بعض الحساب.
وفيه: أنه يخبر بما يصير إليه.

--------
(١) «المصنف» ٤/ ٥٤٧ (٢٣٠٠٦).
قلت: والحديث رواه مسلم (١٥٦١)!.
(٢) «سنن الترمذي» (١٣٠٧).



وفيه: أنه إن أنظره أو وضع عنه ساغ ذَلِكَ، وهو شرع من قبلنا، وشرعنا لا يخالفه بل ندب إليه.
وقوله: («تَجَاوَزوا عَنْهُ») يدخل فيه الإنظار والوضيعة وحسن التقاضي.
وقوله-: «أيسر عَلَى الموسر وأنظر المعسر» قَالَ ابن التين: رواية غيره أولى: «أنظر الموسر وأتجاوز عن المعسر» وأما إنظار المعسر فواجب.


١٩ - باب إِذَا بَيَّنَ البَيِّعَانِ وَلَمْ يَكْتُمَا وَنَصَحَا.
وَيُذْكَرُ (١) عَنِ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ قَالَ كَتَبَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَذَا مَا اشْتَرَى مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ العَدَّاءِ بْنِ خَالِدٍ، بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ، لَا دَاءَ، وَلَا خِبْثَةَ، وَلَا غَائِلَةَ». وَقَالَ قَتَادَةُ: الغَائِلَةُ الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالإِبَاقُ. وَقِيلَ لإِبْرَاهِيمَ: إِنَّ بَعْضَ النَّخَّاسِينَ يُسَمِّي آريَّ: خُرَاسَانَ وَسِجِسْتَانَ، فَيَقُولُ: جَاءَ أَمْسِ مِنْ خُرَاسَانَ، جَاءَ اليَوْمَ مِنْ سِجِسْتَانَ. فَكَرِهَهُ كَرَاهِيَةً شَدِيدَةً. وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يَبِيعُ سِلْعَةً، يَعْلَمُ أَنَّ بِهَا دَاءً، إِلَّا أَخْبَرَهُ.

٢٠٧٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ صَالِحٍ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ رَفَعَهُ إِلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». [٢٠٨٢، ٢١٠٨، ٢١١٠، ٢١١٤ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ١/ ٣٠٩]
ثم ذكر حديث عبد الله بن الحارث رفعه إلى حكيم بن حزام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «البَيعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا».

-------
(١) ورد بهامش الأصل: إنما قال البخاري: ويذكر، بصيغة التمريض كما ستعلمه في كلام المصنف أنه اشترى أو باع أو يكون عباد بن ليث، قال في ابن معين: ليس بشيء، أو لانفراده به على ما قاله الدراقطني، والثاني لم يذكره المصنف


الشرح:
حديث العداء بن خالد بن هوذة العامري -وقد أسلم هو (١) وأبوه (٢) وعمه (٣) - رواه الترمذي. وابن ماجه عن ابن بشار، عن عباد بن ليث -صاحب الكرابيسي- عن عبد المجيد (٤) بن وهب قَالَ: قَالَ لي العداء بن خالد: ألا أريك كتابًا كتبه لي النبي - ﷺ -؟ قلت: بلى. فأخرج لي كتابًا: «هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله اشترى منه عبدًا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم». ثم قَالَ: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث عباد بن ليث (٥)، وقال الدارقطني: لم يروه غيره. قلت: لا، فقد أخرجه أبو عمر من حديث عثمان الشحام عن أبي رجاء العطاردي قَالَي: قَالَ لي العداء:

--------
(١) انظر ترجمته في «الاستيعاب» ٣/ ٣٠٦ (٢٠٤٧)، و«أسد الغابة» ٤/ ٣ (٣٥٩٦)، و«الإصابة» ٢/ ٤٦٦ (٥٤٦٧).
(٢) هو خالد بن هوذة بن ربيعة العامري. انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ١٦ (٦٢٨)، و«أسد الغابة» ٢/ ١١٣ (١٤٠٢)، و«الإصابة» ١/ ٤١٣ (٢٢٠٠).
(٣) هو حرملة بن هوذة العامري. انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٣٩٧ (٥١٧)، و«أسد الغابة»١/ ٤٧٦ (١١٣٤)، و«الإصابة» ١/ ٣٢١ (١٦٧١).
(٤) في حاشيته بخط الدمياطي في هذا المكان: عبد بن حميد وكقوله ما في الأصل.
(٥) الترمذي (١٢١٦)، ابن ماجه (٢٢٥١).
ورواه النسائي في «السنن الكبرى» كما في «تحفة الأشراف» ٧/ ٢٧٠ (٩٨٤٨)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ١٦٩ - ١٧٠ (١٥٠١٤)، وابن الجارود في «المنتقى» ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨ (١٠٢٨)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ٢/ ٢٨٠، والدارقطني ٣/ ٧٧، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٤/ ٢٢٤٥ (٥٥٧٧)، والبيهقي ٥/ ٣٢٧ - ٣٢٨، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٤/ ٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٤/ ١٥٥ - ١٥٦، والحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٢٠ من طريق عباد بن ليث، به. والحديث حسنه الألباني في «صحيح الترمذي» (٩٧١)، وفي «صحيح ابن ماجه» (١٨٢٤).



ألا أقرئك كتابًا كتبه لي رسول الله - ﷺ -؟ فإذا فيه مكتوب: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله - ﷺ -، اشترى منه عبدًا أو أمة -شك عثمان- بياعة المسلم -أو بيع المسلم- المسلم لا داء ولا غائلة ولا خبثة» (١).
وهذا أشبه من لفظ البخاري: «اشْتَرى مُحَمَّدٌ» لأن العهدة إنما تكتب للمشتري لا للبائع. وكذلك رواه جماعة كرواية الترمذي، وهو الصحيح (٢)، وادعى ابن التين إرسال الحديث فقال: هذا الحديث
مرسل. وهو عجيب، وكأنه أراد أنه ذكره معلقًا بغير إسناد، وقد أسندناه واتصل ولله الحمد.

--------
(١) رواه أبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٣٠٧ ترجمة العداء (٢٠٤٧).
ورواه الطبراني ١٨ (١٥)، وأبو نعيم في «المعرفة» (٥٥٧٨)، والبيهقي ٥/ ٣٢٨، والحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٢٠ - ٢٢١ من طريق عثمان الشحام، به.
قال البيهقي عن هذا الإسناد: وجه غير معتمد.
فتعقبه الذهبي في «المهذب» ٤/ ٢٠٩٤ قائلًا: ما أرى بهذا الإسناد بأسًا.
والحديث في الجملة حسنه الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢١٩. والألباني في «صحيح الجامع» (٢٨٢١).
(٢) قال الحافظ: في «التغليق» ٣/ ٢٢٠: قد تتبعت طرق هذا الحديث من الكتب التي عزوتها إليها فاتفقت كلها على أن العداء هو المشتري وأن النبي - ﷺ - هو البائع، وهو بخلاف ما علقه المصنف فليتأمل.
وقال في «الفتح» ٤/ ٣١٠: اتفقوا على أن البائع النبي - ﷺ - والمشتري العداء.
عكس ما هنا، فقيل: إن في وقع هنا مقلوب، وقيل: هو صواب، وهو من الرواية بالمعنى؛ لأن اشترى وباع بمعنى واحد، ولزم من ذلك تقديم اسم رسول الله - ﷺ - على اسم العداء. اهـ.
وقال أيضًا في «التغليق» ٣/ ٢٢١: وقد تؤول، قال القاضي عياض: ما وقع في البخاري من ذلك بأن البخاري ذكره بالمعنى على لغة من يطلق اشترى مكان باع، وباع مكان اشترى، وهو تأويل متكلف، والله الموفق. اهـ.



وقوله: («بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ») أي لا خديعة فيه؛ لأنه شأن المسلم. والداء: العيب كله.
قَالَ ابن قتيبة: أي لا داء لك في العبد من الأدواء التي يرد بها كالجنون والجذام والبرص والسل والأوجاع المتفاوتة.
وقوله: («وَلَا غَائِلَةَ») هو من قولهم: اغتالني فلان إذا احتال عليك بحيلة يتلف بها بعض مالك، يقال: غالت فلانًا غولًا إذا أتلفته. والمعنى: لا حيلة عليك في هذا البيع يغتال بها مالك. وقد نقل البخاري قول قتادة في الغائلة كما سلف وقال الخطابي: الغيلة: ما يغتال حقك من حيلة أو تدليس بعيب (١)، وهو معنى قول قتادة، أي: لا يخفي شيئًا من ذَلِكَ وليبينه. وذكر الأزهري وغيره أيضًا: أن الغائلة هنا معناها: لا حيلة عَلَى المشتري في هذا البيع يغال بها ماله (٢). ولما سأل الأصمعي سعيد بن أبي عروبة عن الغائلة أجاب كجواب قتادة سواء، ولما سأله عن الخِبثَة قَالَ: بيع عهدة المسلمين (٣). وقال الخطابي: خِبثَة عَلَى وزن خيرة (٤) قيل: أراد بها الحرام كما عبر عن الحلال بالطيب. قَالَ تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] والخبثة: نوع من أنواع الخبيث أراد به عبد رقيق لا أنه من قوم لا يحل سبيهم.
وقال ابن بطال: الخبثة: يريد الأخلاق الخبيثة كالإباق (والسرقة) (٥)، والعرب أيضًا يدعون الزنا خبثًا وخبثة. وقال صاحب

--------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٥.
(٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٦٢٤.
(٣) وصله الحافظ بإسناد في «التغليق» ٣/ ٢٢١.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٥.
(٥) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال»: والسرف.



«العين»: الخِبْثَة: الريبة (١).
قَالَ ابن التين: وهو مضبوط في أكثر الكتب بضم الخاء، وكذا سمعناه، وضبط في بعضها بالكسر أيضًا، والخِبْثَة أن يكون غير طيب؛ لأنه من قوم لا يحل سبيهم لعهد تقدم لهم أو جزية، في الأصل وخبث لهم. وقال الداودي: الخِبْثَة: أن يخفي عنه شيثًا.
وفي حديث العداء هذا ثماني فوائد أبداها ابن العربي (٢):
الأولى: البداءة باسم الناقص قبل الكامل في الشروط، والأدنى قبل الأعلى بمعنى: هو الذي اشترى، فلما كان هو في طلب أخبر عن الحقيقة كما وقعت، وكتب حَتَّى يوافق المكتوب ويذكر عَلَى وجهه
في (المثول) (٣).
قلت: رواية البخاري السالفة عكس هذا، وهو تقديم الأعلى عَلَى الأدنى.
ثانيها: في كتبه - ﷺ - ذَلِكَ له وهو ممن يؤمن عهده ولا يجوز عليه أبدًا نقضه لتعليم الأمة؛ لأنه إذا كان هو يفعله فكيف غيره. قلت: هذا لا يتأتى عَلَى رواية البخاري.
ثالثها: أنه عَلَى الاستحباب؛ لأنه باع وابتاع من اليهود من غير إشهاد ولو كان أمرًا مفروضًا أقام به قبل الخلق.

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢١٤.
وانظر: «العين» ٤/ ٢٤٩ ووقع فيه: والخبثة: الزِّنية من الفجور، وعلق محققا الكتاب على كلمة الزنية فقالا: كذا في «اللسان» وأما في الأصول المخطوطة فهو: الريبة.
(٢) انظر كلام ابن العربي في «عارضة الأحوذي بشرح صحيح الترمذي» ٥/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) كذا بالأصل، وفي «عارضة الأحوذي» ٥/ ٢٢١: المنقول.



قلت: ذهب جماعة إلى اشتراطه؛ ولأن الآية محكمة وابتياعه من اليهودي كان مرهن، وقد قَالَ تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
رابعها: يكتب الرجل اسمه واسم أبيه وجده حَتَّى ينتهي إلى جد يقع به التعريف ويرتفع الاشتراك الموجب للإشكال عند الاحتياج إليه، وما ذكره إنما يتأتى إذا كان الرجل غير معروف، أما إذا كان معروفًا فلا يحتاج إلى ذكر أبيه، فإن لم يكن معروفًا وكان أبوه معروفًا لم يحتج إلى ذكر الجد، كما جاء في البخاري من غير ذكر جد العداء.
خامسها؛ لا يحتاج إلى ذكر النسب إلا إذا أفادت تعريفًا أو دفع إشكال.
سادسها: قوله: «هذا ما اشترى العداء بن خالد من رسول الله - ﷺ - اشترى منه» كرر لفظ الشرى وقد كان الأول كافيًا، ولكنه لما كانت الإشارة بهذا إلى المكتوب، ذكر الاشتراء في القول (المقول) (١).
سابعها: قوله: (عبد) ولم يصفه، ولا ذكر الثمن، ولا قبضه، ولا قبض المشتري.
واقتصر عَلَى قوله: («لَا دَاءَ») وهو ما كان في الجسد والخلقة، («وَلَا خِبْثَةَ»): وهو ما كان في الخلق. («وَلَا غَائِلَةَ») وهو سكوت البائع عَلَى ما يعلم من مكروه البيع وهو في قصد الشارع إلى كتبه ليبين كيف
يجب عَلَى المسلم في بيعه. فأما تلك الزيادات فإنما أحدثها الشروطيون لما حدث من الخيانة في العالم.

----------
(١) كذا بالأصل، وفي «العارضة»: المنقول.


ثامنها: قوله: («بَيْعَ المُسْلِمِ المُسْلِمَ») ليبين أن الشراء والبيع واحد. قَالَ: وقد فرق بينهما أبو حنيفة وجعل لكل واحد حكمًا. وقال غيره: فيه تولي الرجل البيع بنفسه، وكذا في حديث اليهودي. وذكر بعضهم لئلا يسامح ذو المنزلة فيكون نقصًا من أجره، وجاز ذَلِكَ من رسول الله - ﷺ - لعصمته لنفسه (١).
وقوله -أعني البخاري-: وقيل لإبراهيم: إن بعض النخاسين يسمي آريَّ خراسان وسجستان، فيقول: جاء أمس من خراسان وجاء اليوم من سجستان، فكرهه كراهة شديدة. أي: كان بعض النخاسين يسمى آريَّ يريد: يسمي موضع الدابة في داره ومربطها خراسان وسجستان، يريد بذلك الخديعة والغرر بالمشتري منه، وهذا الأثر رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن هشيم، عن مغيرة، عنه بلفظ: قيل له: إن ناسًا من النخاسين وأصحاب الدواب يسمي أحدهم اصطبل دوابه خراسان وسجستان، ثم يأتي السوق، فيقول: جاءت من ذَلِكَ، فكره ذَلِكَ إبراهيم (٢)، ورواه دعلج عن محمد بن علي بن زيد، ثَنَا سعيد بن قيس، ثَنَا هشيم ولفظه: إن بعض النخاسين يسمي آريّه خراسان وسجستان، إلى آخره.
واختلف أهل اللغة في تفسير الآريّ كما قَالَ ابن بطال، وضبطها خطأ بضم الهمزة: فقال ابن الأنباري: هو عند العرب الأخية التي تحبس بها الدابة وتلزم بها موضعًا واحدًا، وهو مأخوذ من قولهم: قد تأرى الرجل بالمكان إذا أقام به (٣).

----------
(١) انتهى كلام ابن العربي بتصرف.
(٢) «المصنف» ٥/ ١٨ (٢٣٣٠١).
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢١٤.



قَالَ الأعشى:
لا يتأرى لما في القدر يرقبه … ..............................
والعامة تخطئ في الاري فتظن أنها المعلف. هذا آخر كلام ابن الأنباري، وجعله أيضًا ابن السكيت من لحن العامة، وقال صاحب «العين»: الآري: المعلف، وأرت الدابة إلى معلفها تأري إذا ألفته (١).
وقال ابن التين: ضبط في بعض الكتب بفتح الهمزة وسكون الراء، وفي بعضها بضم الهمزة وفتح الراء، وفي رواية أخرى: قرى خراسان وسجستان، وضبط في بعض الكتب بالمد وكسر الراء وتشديد الياء (٢).
قَالَ ابن فارس: آريّ الدابة: المكان في تتأرى فيه أي: تتمكث به (٣)، وتقديره آريّ. وكذا قَالَ أهل اللغة: إنها الخية التي تعمل في الأرض للدابة، وقال صاحب «المطالع»: آرى كذا قيده جل الرواة، ووقع للمروزي: أرى بفتح الهمزة والراء، عَلَى مثال دعا، وليس بشيء. ووقع لأبي ذر بضم الهمزة، وهو أيضًا تصحيف، وهو في التقدير فاعول، وهو مربط الدابة، ويقال: معلفها، قاله الخليل (٤).
وقال الأصمعي: هو الخية في الأرض، وأصله من الحبس والإقامة، وعند التاريخي عن الشعبي وغيره: أمر سعد بن أبي وقاص أبا الهياج الأسدي والسائب بن الأقرع أن يقسما للناس -يعني: الكوفة- فاختطوا من رواء السهام، وكان المسلمون يعقلون إبلهم ودوابهم في ذلَكَ الموضع حول المسجد فسموه: الآري، ومعنى ما أراد البخاري:

-------
(١) «العين» (٨/ ٣٠٣).
(٢) انظر: «اليونينية» ٣/ ٥٨، و«الفتح» ٤/ ٣١٠ - ٣١١، و«التغليق» ٣/ ٢٢٢.
(٣) «المجمل» ١/ ٩٣.
(٤) «العين» (٨/ ٣٠٣).



أن النخاسين كانوا يسمون مرابط دوابهم بهذِه الأسماء ليدلسوا على المشتري فيحرص المشتري عليها، ويظن أنها طرية الجلب، وأرى أنه نقص في الأصل بعد لفظه: آري لفظه: دوابهم.
وما ذكره البخاري عن عقبة موقوفًا، رفعه الأئمة: أحمد، وابن ماجه والحاكم من حديث ابن شماسة عنه مرفوعًا: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لامرئٍ مسلم أن يغيب ما بسلعته عن أخيه، إن علم بذلك تركها» هذا لفظ أحمد، ولفظ ابن ماجه: «المسلم أخو المسلم، لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعًا وفيه عيب إلا بينه»، ولفظ الحاكم: «المسلم أخو المسلم، ولا يحل لمسلم إن باع من أخيه بيعًا فيه عيب أن لا يبينه له»، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين (١). وأقره البيهقي في «خلافياته» على تصحيحه.
وفي «مسند الإمام أحمد» -وحده- ابن لهيعة، وحالته معلومة.
وابن شماسة: هو عبد الرحمن، وقد انفرد عنه بالإخراج مسلم ووثق (٢).

--------
(١) أحمد ٤/ ١٥٨، ابن ماجه (٢٢٤٦) كتاب: التجارات، باب: من باع عيبًا فليبينه، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٨، ورواه الحافظ بسنده في «تغليق التعليق» ٣/ ٢٢٢، وقال في «الفتح» ٤/ ٣١١: إسناده حسن، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٣٢١)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (١٧٧٥).
(٢) هو عبد الرحمن بن شماسة بن ذؤيب بن أحور -بالحاء والراء المهملتين- المهري، أبو عمرو، ويقال: أبو عبد الله المصري، يقال: إن أصله من دمشق، وثقه العجلي وابن حبان.
انظر ترجمته في: «تاريخ البخاري الكبير» ٥/ ٢٩٥ (٩٦٤)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ٢٤٣ (١١٥٨)، و«ثقات ابن حبان» ٥/ ٩٦، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ١٧٢ (٣٨٤٨).



وفي سند الحاكم محمد بن سنان القزاز. قال الدارقطني: لا بأس به.
وضعفه غيره جدًا (١)، وقد تابعه ابن بشار الإمام كما هو عند ابن ماجه (٢)، وأما ابن جرير الطبري فقال: في إسناده نظر (٣). ولابن ماجه من حديث مكحول وسليمان بن موسى عن واثلة مرفوعًا: «من باع (عيبًا) (٤) لم يبينه لم يزل في مقت الله ولم تزل الملائكة تلعنه» (٥).
وروى مكحول عن أبي أمامة مرفوعًا: «أيما مسلم استرسل إلى
مسلم فغبنه كان غبنه ذاك ربًا»، رواه قاضي سمرقند محمد بن أسلم في كتاب «الربا» عن علي بن إسحاق: أنا موسى بن عمير، عن مكحول به (٦).

--------
(١) قال أبو عبيد الآجري: سمعت أبا داود يتكلم فيه، يطلق فيه الكذب، قال ابن أبي حاتم: كتب عنه أبي بالبصرة وكان مستورًا، وسألت عنه عبد الرحمن بن خراش. فقال: هو كذاب، روى حديث والان عن روح بن عبادة، فذهب حديثه، ونقل الخطيب عن أبي العباس بن عقدة: في أمره نظر، سمعت عبد الرحمن بن يوسف يذكره، فقال: ليس عندي ثقة. وقال الحافظ في «التقريب» (٥٩٣٥): ضعيف.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٧/ ٢٧٩ (١٥١٧)، و«ثقات ابن حبان» ٩/ ١٣٣، و«تاريخ بغداد» ٥/ ٣٤٣، و«تهذيب الكمال» ٢٥/ ٣٢٣ (٥٢٦٨) وقد ذكره الحافظ المزي تمييزًا -كما قال- بينه وبين محمد بن سنان الباهلي (٥٢٦٧) وإلا فليس هو من رجال الكتب الستة.
(٢) ابن ماجه (٢٢٤٦) وقد تقدم.
(٣) نقله المصنف أيضًا عنه في «البدر المنير» ٦/ ٥٤٦.
(٤) في الأصل بيعًا، والصواب ما أثبتناه وهو في ابن ماجه (٢٤٤٧).
(٥) ابن ماجه (٢٢٤٧) باب: من باع عيبًا فليبينه. قال أبو حاتم في «العلل» ١/ ٣٩١ - ٣٩٢ (١١٧٣): حديث منكر، وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» ص: ٣١٠ (٤٧٩) فيه: بقية بن الوليد وهو مدلس وشيخه ضعيف، وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٥٠١): ضعيف، وقال في «ضعيف ابن ماجه» (٤٩٠): ضعيف جدًّا.
(٦) ورواه ابن عدي في «الكامل» ٨/ ٥٥، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ١٨٧، والبيهقي =



وحديث الباب يأتي قريبًا في باب: كم يجوز الخيار (١)، وأقرب منه باب: ما يمحق الكذب والكتمان في البيع (٢).
وأصل الباب: أن نصيحة المسلم للمسلم واجبة، وقد كان سيد الأمة يأخذها في البيعة على الناس كما يأخذ عليهم الفرائض.

----------
= في «سننه» ٥/ ٣٤٨ - ٣٤٩ كتاب: البيوع، باب: ما ورد في غبن المسترسل، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٨٤ (١٤٥٣)، من طريق موسى، بن عمير القرشي، عن مكحول، عن أبي أمامة مرفوعًا: «أيما مسلم استرسل إلى مسلم فغبنه كان غبنه ربا».
قال ابن عدي وقد رواه في ترجمة: موسى بن عمير القرشي (١٨١٩): هذا حديث متنه منكر، وعامة ما يرويه عمير مما لا يتابعه الثقات عليه. والحديث أورده الذهبي من هذا الطريق في ترجمة موسى بن عمير (٨٩٠٤) قال أبو حاتم: موسى ذاهب الحديث كذاب.
وقال الألباني في «الضعيفة» (١٥٦٥): ضعيف جدًا.
ورواه الطبراني ٨/ ١٢٦ - ١٢٧ (٧٥٧٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ١٨٧ من حديث أبي توبة، عن موسى بن عمير، به مختصرًا بلفظ: «غبن المسترسل حرام».
وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٧٦: فيه موسى بن عمير الأعمى، وهو ضعيف جدًا، وقال العراقي في «تخريج الإحياء» ١/ ٤٢٦ (١٦١٨): سنده ضعيف، وقال السخاوي في «المقاصد الحسنة» ص: ٢١٥: سنده ضعيف جدًا، وكذا قال العجلوني في «كشف الخفاء» ١/ ٣٤٢، وقال الألباني في «الضعيفة» (٦٦٧): ضعيف جدًا.
ورواه البيهقي ٥/ ٣٤٩ من حديث يعيش بن هشام عن مالك، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: «غبن المسترسل ربا»، ويعيش هذا ضعيف مجهول، ورواه كذلك من حديث أنس وعلي مرفوعًا بلفظه، وقال الألباني في الضعيفة (٦٦٨): حديث باطل.
(١) سيأتي قريبًا برقم (٢١٠٨).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٨٢).



قال جرير: بايعت رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة، فشرط عليَّ:
«والنصح لكل مسلم» كما سلف آخر الإيمان (١)، فكان إذا بايع أحدًا يقول: «في أخذنا منك أحبُّ إلينا من في أعطيناك» لأجل هذِه المبايعة (٢).
وأمر أمير المؤمنين بالتحابب والمؤاخاة في الله. وصح كما سلف أنه: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» (٣)؛ فحرم بهذا كله غش المؤمن وخديعته، دليله حديث عقبة السالف (٤) وغيره، فكتمان العيب في السلع حرام، ومن فعل هذا فهو متوعد بمحق بركة بيعه في الدنيا والعقاب الأليم في الآخرة.
وعندنا: أن الأجنبي إذا علم بالعيب -أيضًا- يجب عليه بيانه (٥).

-----------
(١) سلف برقم (٥٨) باب: قول النبي - ﷺ -: الدين النصيحة.
(٢) رواه بهذِه التتمة أبو داود (٤٩٤٥) كتاب: الأدب، باب: في النصيحة، وابن حبان ١٠/ ٤١٢ (٤٥٤٦) كتاب: السير، باب: بيعة الأئمة وما يستحب لهم، والطبراني ٢/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (٢٤١٤ - ٢٤١٦)، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢٧١ كتاب: البيوع، باب: المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ٢٦٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٦/ ٣٤٩.
(٣) سلف برقم (١٣) كتاب: الإيمان، باب: من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه. من حديث أنس.
(٤) تقدم تخريجه قريبًا.
(٥) ورد بهامش الأصل: آخر ٤ من ٧ من تجزئة المصنف.



٢٠ - باب بَيْعِ الخِلْطِ مِنَ التَّمْرِ
٢٠٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الجَمْعِ، وَهْوَ الخِلْطُ مِنَ التَّمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ - ﷺ -: «لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ». [مسلم: ١٥٩٥ - فتح: ٤/ ٣١١]
ذكر فيه حديث أبي سعيد: كُنَّا نُرْزَقُ تَمْرَ الجَمْعِ، وَهْوَ الخِلْطُ مِنَ التمْرِ، وَكُنَّا نَبِيعُ صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، فَقَالَ - ﷺ -: «لَا صَاعَيْنِ بِصَاعٍ، وَلَا دِرْهَمَيْنِ بِدِرْهَمٍ».
فقه الباب:
إن التمر كله جنس واحد رديئه وجيده، لا يجوز التفاضل في شيء
منه، ويدخل في معنى التمر جميع الطعام، فلا يجوز في الجنس الواحد منه التفاضل ولا النَّساء بإجماع، وإذا كانا جنسين كحنطة وشعير جاز التفاضل، واشترط الحلول والمماثلة.
هذا حكم الطعام المقتات كله عند مالك.
وعند الشافعي: الطعام كله المقتات والمتفكه به والمتداوى.
وعند الكوفيين: الطعام المكيل والموزون.
وفيه من الفقه: أن من لم يعلم بتحريم الشيء فلا حرج عليه حتى يعلمه، والبيع إذا وقع محرمًا فهو منسوخ مردود لقوله - عليه السلام -: «من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد» (١).

---------
(١) سيأتي برقم (٢٦٩٧) كتاب: الصلح، باب: إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود، ورواه مسلم (١٧١٨) كتاب: الأقضية، باب: نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #402  
قديم 19-02-2026, 10:18 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 151 الى صـــ 170
الحلقة (402)





فائدة:
الجمع: هو الخلط من التمر. قال الأصمعي: هو كل لون من التمر لا يعرف اسمه. وقيل: هو نوع رديء. وقيل: هو المختلط. وعن المطرز: هو نخل الدقل -يعني- تمر الدوم، قاله عياض (١)، والذي في «المغرب» له: الجمع: الدقل؛ لأنه يجمع من خمسين نخلة.
وقال صاحب «المطالع»: هو تمر من تمر النخل رديء يابس.
والخلط من التمر ألوان مجتمعة. وفي «الموعب» يقال: ما أكثر الجمع في أرض بني فلان للنخل في يخرج من النوى ولا يعرف.
أخرى: قول ابن عباس: لا ربا إلا في النسيئة ثبت رجوعه عنه (٢).

----------
(١) «إكمال المعلم» ٥/ ٢٧٨.
(٢) رواه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٣٤٦ في ترجمة حيان بن عبيد الله بن حيان (٥٤٢)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٢ - ٤٣، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢٨٦ من طريق حيان بن عبيد الله العدوي قال: سئل أبو مجلز -لاحق بن حميد- عن الصرف فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره، ما كان منه عينًا بعين يدًا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد الخدري، فذكر القصة والحديث، وفيه التمر بالتمر والحنطة بالحنطة والشعير بالشعير والذهب بالذهب والفضة بالفضة يدًا بيد مثلًا بمثل، فمن زاد فهو ربا، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي.
وعند الحاكم قال حيان: سألت أبا مجلز -لاحق بن حميد- عن الصرف، وساق الحديث، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذِه السياقة، وتعقبه الذهبي قائلًا: حيان فيه ضعف وليس بالحجة اهـ.
قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٨٢: اتفق العلماء على صحة حديث أسامة -[قلت: يقصد الحديث في سيأتي برقم (٢١٧٨ - ٢١٧٩)، ورواه مسلم (١٥٩٦) من حديث عمرو بن دينار أن أبا صالح الزيات أخبره أنه سمع أبا سعيد الخدري رضي الله عنه يقول: الدينار بالدينار والدرهم بالدرهم، فقلت له: فإن ابن عباس =



أخرى: قال الأثرم في «سننه»: قلت لأبي عبد الله: التمر بالتمر وزنًا بوزن: قال: لا، ولكن كيلًا بكيل، إنما أصل التمر الكيل.
قلت لأبي عبد الله: صاع بصاع، واحد التمرين يدخل في المكيال أكثر؟ فقال: إنما هو صاع بصاع. أي: جائز.
أخرى: قوله: («ولا درهمين بدرهم») يؤيده الحديث الآخر: «الذهب بالذهب مثلًا بمثل» إلى أن قال: «والتمر بالتمر مثلًا بمثل» حتى عدد الستة (١).

----------
= لا يقوله. فقال أبو سعيد: سألته فقلت سمعته من النبي - ﷺ - أو وجدته في كتاب الله؟ قال: كل ذلك لا أقول، وأنتم أعلم برسول الله - ﷺ - مني، ولكن حدثني أسامة أن النبي - ﷺ - قال: «لا ربا إلا في النسيئة»]- ثم قال الحافظ: واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله «لا ربا»: الربا الأغلظ الشديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد في الأكمل لا في الأصل، وأيضا ففي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر، كما تقدم. والله أعلم اهـ ..
قال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٧١: قد رجع ابن عباس عن قوله، فإما أن يكون رجوعه لعلمه أن ما كان أسامة رضي الله عنه حدثه إنما هو ربا القرآن، وعلم أن ربا النسيئة بغير ذلك، أو يكون ثبت عنده ما خالف حديث أسامة رضي الله عنه، مما لم يثبت منه، حديث أسامة من كثرة من نقله له، عن رسول الله - ﷺ - حتى قامت عليه به الحجة ولم يكن ذلك في حديث أسامة رضي الله عنه؛ لأنه خبر واحد، فرجع إلى ما جاءت به الجماعة، الذين تقوم بنقلهم الحجة، وترك ما جاء به الواحد، الذي قد يجوز عليه السهو والغلط والغفلة.
(١) رواه مسلم (١٥٨٤/ ٨٢) كتاب: المساقاة، باب: الصرف وبيع الذهب.



٢١ - باب مَا قِيلَ فِي اللَّحَّامِ وَالجَزَّارِ
٢٠٨١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -يُكْنَى أَبَا شُعَيْبٍ- فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِى خَمْسَةً، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدْعُوَ النَّبِيَّ - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الجُوعَ. فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ هَذَا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ فَأْذَنْ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَعَ». فَقَالَ: لَا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ. [٢٤٥٦، ٥٤٣٤، ٥٤٦١ - مسلم: ٢٠٣٦ - فتح: ٢/ ٣١٤]
ذكر فيه حديث الأَعْمَش حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ وهو عقبة بن عمرو البدري قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ -يُكْنَى أَبَا شُعَيْب- فَقَالَ لِغُلَامٍ لَهُ قَصَّابٍ: اجْعَلْ لِي طَعَامًا يَكْفِي خَمْسَةً، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَدعُوَ رسول الله - ﷺ - خَامِسَ خَمْسَةٍ، فَإِنِّي قَدْ عَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الجُوعَ. فَدَعَاهُمْ، فَجَاءَ مَعَهُمْ رَجُلٌ، فَقَالَ - ﷺ -: «إِنَّ هذا قَدْ تَبِعَنَا، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ يَرْجِعَ رَجَع». فَقَالَ: لَا، بَلْ قَدْ أَذِنْتُ لَهُ.
وفي لفظ: «قد اتبعنا» (١). ولما رواه النسائي من حديث شعبة عن الحكم، عن أبي وائل قال: هذا خطأ، وليس هذا من حديث الحكم إنما هو من حديث الأعمش (٢).
وإنما صنع طعام خمسةٍ؛ لعلمه أنه - عليه السلام - يتبعه من أصحابه غيره، فوسع في الطعام لكي يبلغ - عليه السلام - شبعه.
وفيه من الأدب: أن لا يدخل المدعو مع نفسه غيره.

------------
(١) يأتي برقم (٢٤٥٦) كتاب: المظالم، باب: إذ أذن إنسان لآخر شيئًا جاز.
ورد بهامش الأصل: في غير هذا الموضع. قلت: سيأتي برقم (٢٤٥٦).
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤١ - ١٤٢.



وفيه: كراهة طعام الطفيلي؛ لأنه مقتحم غير مأذون له. وقيل: إنما استاذن الشارع؛ لأنه لم يكن بينه وبين القصاب في دعاه من الوئام والمودة ما كان بينه وبين أبي طلحة، إذ قام هو وجميع من معه، وقد
قال تعالى ﴿أَو صدِيقِكم﴾ [النور: ٦١].
وفيه: الشفاعة حيث شفع للرجل عند صاحب الطعام بقوله: «إن شئت أن تأذن له».
وفيه: الحكم بالدليل؛ لقوله: (فإني عرفت في وجهه الجوع).
وفيه: أكل الإمام والعالم والشريف طعام الجزار، وإن كان في الجزارة شيء من الضعة؛ لأنه يمتهن فيها نفسه، وإن ذلك لا ينقصه ولا يسقط شهادته إذا كان عدلًا.
وفيه: مؤاكلة القصَّاب وهو الجزار. والقصاب: الجزار، قاله صاحب «العين» (١).
وقال القرطبي: اللحام هو الجزار، والقصاب على قياس قولهم: عطار وتمار (٢) للذي يبيع ذلك.
ومعنى (خامس خمسة): أحد خمسة.
وفيه: دلالة على ما كانوا عليه من شدة العيش ليوفى لهم الأجر، وهذا التابع كان ذا حاجة وفاقة وجوع.
واستئذان صاحب الدعوة بيان لحاله وتطييب لقلبه ولقلب المستأذن، ولو أمره بإدخاله معهم لكان له ذلك، فإنه كان - عليه السلام - قد أمرهم بذلك حيث قال:

----------
(١) «العين» ٥/ ٦٨.
(٢) كلمة غير واضحة بالأصل، والمثبت من «المفهم» ٥/ ٣٠٢.



«طعام الاثنين كافي الثلاثة» (١).
وقال: «من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، أو رابع فليذهب بخامس» (٢)، والوقت كان وقت فاقة وشدة، وكانت المواساة واجبة إذ ذاك، ومع ذلك استاذن تطييبًا لقلبه وبيانًا للمشروعية في ذلك، إذ الأصل أن لا يتصرف في ملك أحد إلا بإذنه (٣).
ويستحب لصاحب الطعام أن يأذن له إن لم يترتب على حضوره مفسدة.
ونقل ابن التين عن الداودي: جائز أن يقول: خامس خمسة، وخامس أربعة، قال تعالى ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾ [التوبة: ٤٠].
واعلم أن البخاري بوَّب لهذا في كتاب: الأطعمة، باب: الرجل يتكلف الطعام لإخوانه (٤)، ولم يترجم كذلك لحديث أبي طلحة، والسر فيه كما قال ابن المنير أن هذا قال لغلامه: اصنع لي طعامًا لخمسة فكانت نيته في الأصالة التحديد: ولهذا لم يأذن الشارع للسادس حتى لو أذن له، وقد عرف أن التحديد (بحد) (٥) ينافي البركة (٦)، والاسترسال في فعله أبو طلحة يلائم البركة، والتحديد

-------------
(١) سيأتي برقم (٥٣٩٢) كتاب: الأطعمة، باب: طعام الواحد يكفي الاثنين، ورواه مسلم (٢٠٥٨) كتاب: الأشربه، باب: فضيلة المواساة في الطعام القليل. من حديث أبي هريرة.
(٢) سلف برقم (٦٠٢) كتاب: مواقيت الصلاة، باب: السمر مع الضيف والأهل، ورواه مسلم (٢٠٥٧). من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر.
(٣) «المفهم» ٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٤) سيأتي برقم (٥٤٣٤).
(٥) ساقطة من (م).
(٦) في هامش (م): التحديد يمنع البركة.



في الطعام حال التكلف (١)، أو علم أن أبا طلحة لا يكره ذلك، أو نقول: إنما أطعم هؤلاء من بركته لا من طعام أبي طلحة، أو نقول: إنه لما أرسله إليه لم يبق له فيه حق، والذي دعا إلى منزله في العرف إذا بقي شيء يكون لصاحب المنزل؛ فلذلك استأذنه.
وفيه: إخبار الغلام الوجه في يصنع له.
وفيه: نظرهم إلى وجه رسول الله - ﷺ -؛ ليعرفوا ما فيه من جزع أو سرور أو غيره؛ لقوله: (قد عرفت في وجهه الجوع).
وفيه: أنه - عليه السلام - كان يجوع أحيانًا ليعظم أجره، ويطعم أحيانًا.
وفيه: صنيعهم الطعام لرسول الله - ﷺ -، وإجابته إليه، ومضيه بمن دعي معه لما فيه من النفع للفريقين والأجر، ولأنه كان يأمر بإجابة دعوة المسلم.
وفيه: استئذانه له من غير عزيمة.
وفيه: استخباره من الذين معه، ولعله عذره لما يخشى من ألم جوعه.

----------
(١) «المتواري» ص ٣٨٠ - ٣٨١. وفيه: حال المتكلف.


٢٢ - باب مَا يَمْحَقُ الكَذِبُ وَالكِتْمَانُ فِي البَيْعِ
٢٠٨٢ - حَدَّثَنَا بَدَلُ بْنُ المُحَبَّرِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الخَلِيلِ يُحَدِّثُ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -أَوْ قَالَ: حَتَّى يَتَفَرَّقَا- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». [انظر: ٢٠٧٩ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ٤/ ٣١٢]
ذكر فيه حديث حكيم بن حزام السالف قريبًا (١).
وأبو الخليل فيه هو ابن أبي مريم. قال مسلم: ولد حكيم في جوف الكعبة، وعاش مائة وعشرين سنة.
وقوله: «فَإِنْ صَدَقَا وَبَينَا» أي: في بيعهما. والمحق: الذهاب. وسيكون لنا عودة إليه في باب: كم يجوز الخيار.
وفيه: حرمة الكذب والكتمان في البيع من العيوب وهو لائح.

--------
(١) برقم (٢٠٧٩).


٢٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣٠)﴾ [آل عمران: ١٣٠]
٢٠٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يُبَالِي المَرْءُ بِمَا أَخَذَ المَالَ، أَمِنْ حَلَالٍ أَمْ مِنْ حَرَامٍ». [انظر: ٢٠٥٩ - فتح: ٤/ ٣١٣]
ذكر فيه حديث أبي هريرة، السالف في باب: من لم يبال من حيث كسب المال (١).
ومعنى ﴿أَضعَاف مُضَاعَفَة﴾: أن يقول عند حلول الأجل: إما أن تعطي وإما أن تربي. فإن لم يعطه ضاعف عليه، ثم يفعل ذلك عند حلول أجله من بعد، فيضاعف بذلك.
ووجه حديث أبي هريرة هنا: أن الربا محرم بالقرآن، متوعد عليه، فمن لم يبال عن الحرام من أين أخذه لم يبال عن الربا؛ لأنه نوع من الحرام.

------------
(١) سلف برقم (٢٠٥٩).


٢٤ - باب آكِلِ الرِّبَا وَشَاهِدِهِ وَكَاتِبِهِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾. الآية [البقرة: ٢٧٥].

٢٠٨٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ البَقَرَةِ قَرَأَهُنَّ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَيْهِمْ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ حَرَّمَ التِّجَارَةَ فِي الخَمْرِ. [انظر: ٤٥٩ - مسلم: ١٥٨٠ - فتح: ٤/ ٣١٣]

٢٠٨٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَرٍ مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذِي فِي النَّهَرِ، فَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَّجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ رَمَى فِي فِيهِ بِحَجَرٍ، فَيَرْجِعُ كَمَا كَانَ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الذِي رَأَيْتَهُ فِي النَّهَرِ آكِلُ الرِّبَا». [انظر: ٨٤٥ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٤/ ٣١٣]
ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا نَزَلَتْ آخِرُ البَقَرَةِ قَرَأَهُن رسول الله - ﷺ - عَلَيْهِمْ فِي المَسْجِدِ، ثُم حَرَّمَ التجَارَةَ فِي الخَمْرِ.
وحديث سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أتَيَانِي، فَأَخْرَجَانِي إِلَى أَرْضٍ مُقَدَّسَةٍ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَا عَلَى نَهَر مِنْ دَمٍ فِيهِ رَجُلٌ قَائِمٌ، وَعَلَى وَسَطِ النَّهْرِ رَجُلٌ بَيْنَ يَدَيْهِ حِجَارَةٌ، فُأَقْبَلَ الرَّجُلُ الذِي فِي النَّهَرِ، فَإذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ رَمَى الرَجُلُ بِحَجَرٍ فِي فِيهِ
فَرَدَّهُ حَيْثُ كَانَ، فَجَعَلَ كُلَّمَا جَاءَ لِيَخْرُجَ …» الحديث.
ثم فسره بأنه أكل الربا.


هذِه الترجمة شمل فيها. حديث ابن مسعود: لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا وموكله.
قال أحد رواته: قلت: وكاتبه وشاهديه؟ فقال: إنما نحدث بما سمعناه (١).
وعن جابر: لعن رسول الله - ﷺ - آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه، وقال: «هم سواء» وهما من أفراد مسلم (٢). وحديث سمرة سلف قطعة منه في الصلاة في باب: عقد الشيطان على قافية الرأس (٣)، وآخر الجنائز مطولًا (٤)، ويأتي في التعبير إن شاء الله تعالى (٥). وحديث عائشة سلف في الصلاة (٦).
ومعنى ﴿يَأكُلُونَ﴾ في الآية: يأخذون، عبر به عن الأخذ؛ لأنه الأغلب.
والربا: الزيادة، وفي معناه: كل قرض جر منفعة، ويكتب بالواو والياء والألف، وبالميم بدل الباء مع المد، والربية بالضم والتخفيف لغة فيه.
﴿لَا يَقُومُونَ﴾ أي: من قبورهم، وهو يوم القيامة.
﴿يَتَخَبَّطُهُ﴾ يخفقه الشيطان ﴿مِنَ الْمَسِّ﴾ وهو الجنون، وذلك لغلبة السوداء، فنسب إلى الشيطان تشبيهًا بما يفعله من إغوائه به، أو هو فعل الشيطان؛ لجوازه عقلًا، وهو ظاهر الآية. وعلامة آكل الربا يوم القيامة

--------
(١) رواه مسلم (١٥٩٧) كتاب: المساقاة، باب: لعن آكل الربا ومؤكله.
(٢) رواه مسلم (١٥٩٨)، وانظر: «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤١٠ (١٧٠٩).
(٣) سلف برقم (١١٤٣).
(٤) سلف برقم (١٣٨٦).
(٥) سيأتي برقم (٤٠٤٧) باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح.
(٦) سلف برقم (٤٥٩) باب: تحريم تجارة الخمر في المسجد.



أن الناس يخرجون من قبورهم سراعًا إلا أكلة الربا فإنهم يقومون ويسقطون، ويريدون السرعة فلا يقدرون.
وقوله في حديث سمرة: «فأخرجاني إلى أرض مقدسة» أي: مطهرٍ، وهي دمشق وفلسطين. وترجم على الشاهد والكاتب، ولم يذكر فيه حديثًا، وقد ذكرته لك، وكأنه لما أعان على أكل الربا بشهادته وكتابته وكان سببًا فيه معينًا عليه؛ فلذلك ألحق به في اللعن، كما ستعلمه.
وروى الجوزي من حديث أبان عن أنس مرفوعًا: «يأتي آكل الربا يوم القيامة مخبلًا يجر شقه» ثم قرأ الآية (١). قلت: لأن الربا ثقله يعجز عن الإيفاض، والفرق بين البيع (والربا) (٢) بزيادات؛ لأنه في البيع أخذ عوضًا عن ماله، وهو في الربا أخذ من غير مقابل، والإمهال ليس مالًا. حتى يجعل عوضًا.
قال ابن النقيب: والصحيح أن الآية من العموم في خصَّ من المجمل، ثم جمهور العلماء على أن عقد الربا مفسوخ. وقال أبو حنيفة: هو فاسد، إذا أزيل عنه ما يفسده انقلب صحيحًا. وأكل الربا محرم بنص القرآن -كما سلف- وهو من الكبائر المتوعد عليها بمحاربة الله ورسوله، وبما ذكره في الحديث.
قال الماوردي: أجمع المسلمون على تحريمه وعلى أنه من الكبائر، وقيل: إنه كان محرمًا في جميع الشرائع (٣).

--------
(١) ذكره الحافظ المنذري في «الترغيب والترهيب» ٣/ ٨ وعزاه للطبراني والأصبهاني، وقال الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١١٦٦): موضوع.
(٢) من (م).
(٣) «الحاوي» ٥/ ٧٤.



٢٥ - باب مُوكِلِ الرِّبَا
لِقَوْلِهِ -عز وجل-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِىَ مِنَ الرِّبَا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٨ - ٢٨١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: هَذِهِ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -؟. [٤٥٤٤]

٢٠٨٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرَى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ وَالمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا، وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ. [٢٢٣٨، ٥٣٤٧، ٥٩٤٥، ٥٩٦٢ - فتح: ٤/ ٣١٤]
ثم ساق من حديث عَوْنِ بْنِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: رَأَيْتُ أَبِي اشْتَرى عَبْدًا حَجَّامًا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وَثَمَنِ الدَّمِ، وَنَهَى عَنِ الوَاشِمَةِ وَالمَوْشُومَةِ، وَآكِلِ الرِّبَا وَمُوكِلِهِ، وَلَعَنَ المُصَوِّرَ.
الشرح: أما الآية: فنزلت في بقية من الربا في حق جماعة من الصحابة، والآية مدنية، ويدل على تاريخها حديث عائشة السالف في الباب قبله (١)، وحرمت الخمر في شهر ربيع الأول سنة أربع.
﴿إن كنُتُم مُؤْمِنِينَ﴾ على ظاهره، أو من كان، فهذا حكمه، ﴿فَأْذَنُوا﴾ أي: أيقنوا، أو: فأعلموا غيركم أنكم على حربهم، ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: لا تأخذون زيادة على رأس المال (٢) ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ بنقص رأس المال ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾: في مصحف عثمان: ذا عسرة:

---------
(١) سلف برقم (٢٠٨٤).
(٢) ورد في هامش (م): وقيل: معنى ﴿لَا تَظْلِمُونَ﴾: بحبس رأس المال، فإن الجاهلية كانوا يحبسون ويقولون: زيدوا في الأجل ونزيدكم في المال إذا لم يقدروا على القضاء به.



نزلت في الربا وأعم، ﴿فَنَظِرَةٌ﴾: أي: تأخير، فينظر في دين الربا، أو مطلقًا، أو الإنظار، في دين الربا نصًا، وفي غيره قياسًا، ﴿مَيْسَرَةٍ﴾: يسار، وقيل: الموت، ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا﴾ على المعسر بالإبراء خير من الإنظار ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ إلى جزائه أو ملكه، ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ من الأعمال أو الثواب والعقاب، ﴿لَا يُظلَمُونَ﴾ بنقص ما يستحقونه من الثواب، ولا بزيادة على ما يستحق به من العقاب. وما ذكره البخاري
عن ابن عباس أسنده في تفسيره من طريق الشعبي عنه (١).
وقال ابن جريج: مكث رسول الله - ﷺ - بعدها سبع ليال (٢).
وقال ابن عباس: أحدًا وثمانين يومًا (٣).
واعترض الداودي فقال: إما أن يكون وهم من بعض الرواة أو اختلافًا من القول، وقد قيل: إن آخر آية نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] والوهم؛ لقربها منها، وقيل: آخر آية نزلت: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] من آخر سورة براءة، وفي البخاري بعد هذا؛ آخر سورة نزلت براءة، وآخر اية نزلت خاتمة النساء: ﴿يستَفْتُونَكَ﴾ (٤) الآية [النساء: ١٧٦].

-----------
(١) سيأتي برقم (٤٥٤٤).
(٢) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١١٥ (٦٣١٢).
(٣) رواه البيهقي في «دلائله» ٧/ ١٣٧، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٦٥٣ للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر والبيهقي في «الدلائل».
(٤) سيأتي برقم (٦٣٦٤) كتاب: المغازي، باب: حج أبي بكر بالناس في سنة تسع، (٤٦٥٤) كتاب: التفسير، باب: قوله: براءة من الله ورسوله. من حديث البراء بن عازب.



وقال أبي بن كعب: آخر اية نزل ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ (١) [التوبة: ١٢٨]. وقيل: إن قوله تعالى ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] أنها نزلت يوم النحر بمنى في حجة الوداع.
وحديث أبي جحيفة من أفراده، وذكره في باب: ثمن الكلب وغيره (٢)، وفي بعض طرقه زيادة: (كسب الأمة) (٣) وفي أخرى: (وكسب البغي) (٤)، وتفرد منه بلعن المصور أيضًا (٥).
(١) رواه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ٥/ ١١٧، وإسحاق بن راهويه كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٦/ ٢١٧ (٥٧٢٤) وكما في «المطالب العالية» ١٤/ ٦٨١ (٣٦١٧).
وقال الحافظ عقبه: هذا إسناد حسن.
والطبري في «تفسيره» ٦/ ٥٢٤ (١٧٥٢٩ - ١٧٥٣٠)، والشاشي في «مسنده» ٣/ ٣١٠ - ٣١٢ (١٤١٤، ١٤١٦)، والطبراني ١/ ١٩٩ (٥٣٣)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٣٨ وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه- والبيهقي في «الدلائل» ٧/ ١٣٩، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ١/ ٣٤٥ جميعًا من طريق يوسف بن مهران عن ابن عباس، عن أبي بن كعب، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٣٦: فيه: علي بن زيد بن جدعان، وهو ثقة سيِّئ الحفظ، وبقية رجاله ثقات.
ورواه أحمد بن منيع في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٦/ ٢١٨ (٥٧٢٤) وكما في «المطالب العالية» ١٤/ ٦٨٤ (٣٦١٦) عن طريق منصور عن الحسن، عن أبي بن كعب. والحسن لم يسمع من أبي بن كعب، قال الحافظ في «تهذيب التهذيب» في ترجمة الحسن البصري ١/ ٣٨٨: روى عن أبي بن كعب وسعد بن عبادة وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم. قلت: فروايته عن أبي منقطعة ضعيفة. والله أعلم.
(٢) سيأتي برقم (٢٢٣٧) كتاب: البيوع.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٣٨).
(٤) سيأتي برقم (٥٣٤٧).
(٥) سيأتي برقم (٢٠٨٦).



وإذا تقرر ذلك:
فقد سوى النبي - ﷺ - بين بين موكل الربا وآكله في النهي: تعظيمًا لإثمه، سوى بين الراشي والمرتشي في الإثم (١).

------------
(١) روى أبو داود (٣٥٨٠) كتاب: الأقضية، باب: في كراهية الرشوة، من حديث عبد الله بن عمرو قال: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي.
وكذا رواه الترمذي (١٣٣٧) كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الراشي والمرتشي في الحكم، وقال: حديث حسن صحيح، وابن ماجه (٢٣١٣) كتاب: الأحكام، باب: التغليظ في الحيف والرشوة، وأحمد ٢/ ١٦٤، وعبد الرزاق ٨/ ١٤٨ (١٤٦٦٩) كتاب: البيوع، باب: الهدية للأمراء والذي يشفع عنده، والطيالسي ٤/ ٣٤ (٢٣٩٠)، وابن الجارود ٢/ ١٧١ (٥٨٦)، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٦، وابن حبان ١١/ ٤٦٨ (٥٠٧٧) كتاب: القضاء، باب: الرشوة، والحاكم ٤/ ١٠٢ - ١٠٣ - وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ١٠/ ١٣٨ - ١٣٩، والبغوي في «شرح السنة» ١٠/ ٨٧ - ٨٨ (٢٤٩٣)، وصححه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٨، والمصنف في «خلاصة البدر» ٢/ ٥٣، والدارقطني في «العلل» ٤/ ١٨٩، والألباني في «صحيح الترغيب» (٢٢١١).
وفي الباب عن ثوبان وأبي هريرة وأم سلمة وابن عمر وعبد الرحمن بن عوف وعائشة.
فأما حديث ثوبان فرواه أحمد ٥/ ١٧٩، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٣٥٣)، والروياني ١/ ٤١٨ - ٤١٩ (٦٣٩)، والحاكم ٤/ ١٠٣، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٤/ ٣٩٠ (٥٥٠٣)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٢٨٥، بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي والرائش.
قال البزار: قوله: الرائش، لا نعلمها إلا من هذا الطريق، وإنما يرويه ليث بن أبي سليم.
قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٩٨: فيه أبو الخطاب وهو مجهول، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٢٣٥): منكر.
وحديث أبي هريرة رواه الترمذي (١٣٣٦)، وأحمد ٢/ ٣٨٧، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٧، وابن الجارود ٢/ ١٧٠ - ١٧١ (٥٨٥)، وابن حبان ١١/ ٤٦٧ =



وموكل الربا: هو معطيه، وآكله: في يأخذه. وأمر الله تعالى عباده بتركه والتوبة منه بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وتوعد تعالى من لم يتب منه بمحاربة الله ورسوله، وليس في جميع المعاصي ما عقوبتها محاربة الله ورسوله غير الربا، فحق
---------
= (٥٠٧٦)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٧٨ - ٧٩ في ترجمة عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عون (١٢٠٩)، والحاكم ٤/ ١٠٣، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١١/ ٢٥٤، وعبد الكريم القزويني في «التدوين في أخبار قزوين» (٢/ ٤٩٦) بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي في الحكم. والحديث حسنه الألباني في «غاية المرام» (٤٥٧).
وحديث أم سلمة رواه الطبراني ٢٣ (٩٥١) قال رسول الله - ﷺ -: «لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم»، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٩٩: رجاله ثقات، وقال المنذري في «الترغيب والترهيب»: إسناده جيد، وخالفه الألباني فضعفه في «ضعيف الترغيب والترهيب» (١٣٤٥).
وحديث ابن عمر رواه وكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٦، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٨٨ في ترجمة عصمة بن محمد بن فضالة (١٥٣٥) بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي والماشي في الرشوة، وقال العجلوني في «كشف الخفاء» (٢٠٤٨): رواه أحمد بن منيع عن ابن عمر وسنده حسن.
وحديث عبد الرحمن بن عوف رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٣٥٥)، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٧. بلفظ: «الراشي والمرتشي في النار». وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٩٩: فيه من لم أعرفه.
وحديث عائشة رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٣٥٤)، ووكيع في «أخبار القضاة» ١/ ٤٦، وأبو يعلى ٨/ ٧٤ (٤٦٠١)، ٨/ ٣٦٠ (٤٩٤٧) بلفظ: لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي، وفي بعض الروايات بزيادة: في الحكم. وقال البزار: لا نعلمه عن عائشة إلا من هذا الوجه، تفرد به إسحاق وهو لين الحديث، وقد حدث عنه ابن المبارك وغيره.
وقال الهيثمي ٤/ ١٩٩: فيه إسحاق بن يحيى بن طلحة، وهو متروك. وانظر: «الإرواء» (٢٦٢١).



على كل مؤمن أن يجتنبه ولا يتعرض لما لا طاقة له به من المحاربة المذكورة، ألا ترى فهم عائشة هذا المعنى حين قالت للمرأة التي قالت لها: بعت من زيد بن أرقم جارية إلى العطاء بثمانمائة درهم، ثم ابتعتها بستمائة درهم. فقالت لها عائشة: بئس ما شريت، أبلغي زيدًا أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إن لم يتب (١). ولم تقل
----------
(١) رواه أحمد في «مسنده» كما في «نصب الراية» ٤/ ١٦، وكما في «الدراية» ٢/ ١٥١ من طريق شعبة، عن أبي إسحاق السبيعي، عن امرأته أنها دخلت على عائشة هي وأم ولد زيد بن أرقم فقالت أم ولد زيد لعائشة: إني بعت من زيد … الحديث.
ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٨/ ١٨٤ (١٤٨١٢) من طريق معمر والثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت على عائشة في نسوة، فسألتها امرأة فقالت: يا أم المؤمنين كانت لي جارية، فبعتها من زيد بن أرقم … الحديث.
ورواه أيضًا عبد الرزاق ٨/ ١٨٥ (١٤٨١٣) من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأته قالت: سمعت امرأة أبي السفر تقول سألت عائشة فقلت: بعت زيد بن أرقم جارية … الحديث، ورواه البغوي في «مسند ابن الجعد» (٤٥١) كرواية أحمد السالفة سندًا ومتنًا، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٦ (٢٨٩٧) من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم، عن أبي إسحاق، عن امرأته -أم يونس العالية بنت أيفع- أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قالت لها أم محبة -أم ولد لزيد بن أرقم … الحديث، والدارقطني ٣/ ٥٢ من طريق معمر عن أبي إسحاق، عن امرأته أنها دخلت عائشة فدخلت معها أم ولد زيد بن أرقم، وامرأة أخرى، فقالت أم ولد زيد … الحديث، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٣٣٠ - ٣٣١ من ثلاث طرق:
الأول: من طريق أحمد والبغوي.
الثاني: من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق، عن العالية قالت: كنت قاعدة عند عائشة فأتتها أم محبة فقالت لها … الحديث.
الثالث: من طريق عبد الرزاق الثاني وذكر فيه أيضًا؛ امرأة أبي السفر.
ورواه ابن سعد في «الطبقات» ٨/ ٤٨٧ من طريق يونس بن أبي إسحاق السبيعي عن أمه العالية بنت أيفع أنها حجت مع أم محبة فدخلتا على عائشة … الحديث مختصرًا وبنحوه رواه ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٨٤ (١٤٥٤) مطولًا، ووقع =



---------
= فيه أم مجية بدل أم محبة، وهو تصحيف بيَّن.
قلت: اختلف في هذا الحديث فبعضهم أبهم اسم السائلة لعائشة، والبعض سماها أم محبة، والبعض ميزها بأنها امرأة أبي السفر.
وأبو السفر هو: سعيد بن يحمد ويقال: ابن أحمد الهمداني الثوري الكوفي روى عنه سفيان الثوري، وشعبة بن الحجاج وجماعة انظر ترجمته في: «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢٥، و«تهذيب الكمال» ١٥/ ٤١.
قال البيهقي: قال الشافعي: فقيل له: أيثبت هذا الحديث عن عائشة؟ فقال: أبو إسحاق رواه عن امرأته، قيل: فتعرف امرأته بشيء يثبت من حديثها؛ فما علمته قال شيئًا، وجملة هذا أنا لا نثبت مثله على عائشة، وزيد بن أرقم لا يبيع إلا ما يراه حلالًا، ولا يبتاع إلا مثله اهـ. «معرفة السنن والآثار» ٨/ ١٣٦.
وأورد ابن حزم الحديث في «المحلى» ٧/ ٢٩ وقال: خبر لا يصح، وقال في موضع آخر ٩/ ٤٩ - ٥٠: هذا الخبر فاسد جدًا من وجوه: الأول: أن امرأة أبي إسحاق مجهولة الحال لم يرو عنها أحد غير زوجها وولدها يونس، على أن يونس قد ضعفه شعبة بأقبح تضعيف، وضعفه يحيى القطان وابن حنبل.
الثاني: قد صح أنه مدّلَّس، وأن امرأة أبي إسحاق لم تسمعه من عائشة؛ وذلك أنه لم يذكر عنها زوجها ولا ابنها أنها سمعت سؤال المرأة لعائشة ولا جواب عائشة لها، إنما في حديثها: دخلت على عائشة أنا وأم ولد لزيد فسألتها أم ولد زيد، وهذا يمكن أبي يكون ذلك السؤال في ذلك المجلس ويمكن أن يكون في غيره- ثم ساق بسنده حديث الثوري، عن أبي إسحاق، عن امرأة قالت: سمعت امرأة أبي السفر الحديث، ثم قال: فبين سفيان الدفينة التي في هذا الحديث وأنها لم تسمعه امرأة أبي إسحاق من أم المؤمنين، وإنما روته عن امرأة أبي السفر، وهي في الجهالة أشد وأقوى من امرأة أبي إسحاق، فصارت مجهوله عن أشد منها جهالة ونكرة، فبطل جملة، ولله تعالى الحمد، وليس بين يونس وسفيان نسبة في الثقة فالرواية ما روى سفيان.
الثالث: من البرهان الواضح على كذب هذا الخبر ووضعه، وأنه لا يمكن أن يكون حقًا أصلًا ما فيه مما نسب إلى عائشة من أنها قالت: أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله - ﷺ - إن لم يتب، وزيد لم يفته مع رسول الله - ﷺ - =



لها: إنه أبطل صلاته ولا صيامه ولا حجه، فمعنى ذلك -والله أعلم- أن من جاهد في سبيل الله فقد حارب محاربة الله، ومن أربا فقد أبطل حربه عن الله، فكانت عقوبته من جنس (ذنبه) (١).
---------
= إلا غزوتان بدر وأحد، وشهد بيعة الرضوان ونزل فيه القرآن، وشهد الله له بالجنة على لسان رسوله أن لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، فوالله ما يبطل هذا كله ذنب من الذنوب غير الردة، وقد أعاذه الله منها برضاه عنه، وأعاذ عائشة من أن تقول هذا الباطل.
الرابع: يوضح كذب هذا الخبر أيضًا أنه لو صح أن زيدًا أتى أعظم الذنوب من الربا المصرح، وهو لا يدري أنه حرام لكان مأجورًا في ذلك أجرًا واحدًا غير آثم، فكيف بعائشة إبطال جهاد زيد بن أرقم في شيء عمله مجتهدًا لا نص في العالم يوجد بخلافه لا صحيح ولا من طريق واهية، هذا والله الكذب المحض المقطوع به، فليتب إلى الله تعالى من ينسبه إلى عائشة، فهذِه براهين أربعة في بطلان هذا الخبر وأنه خرافة مكذوبة اهـ. بتصرف.
قلت: في بعض ما قاله ابن حزم نظر:
قال ابن سعد في «طبقاته» ٨/ ٤٨٧: العالية بنت أيفع امرأة أبي إسحاق، دخلت على عائشة وسألتها وسمعت منها.
قال ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٨٤: قالوا: العالية امرأة مجهولة فلا يقبل خبرها. قلنا بل هي امرأة جليلة القدر معروفة. اهـ.
قال الزيلعي: قال في «التنقيح»: هذا إسناد جيد، وإن كان الشافعي قال: لا يثبت مثله عن عائشة، وكذلك الدارقطني قال في العالية: هي مجهولة لا يحتج بها، فيه نظر، فقد خالفه غيره، ولولا أن عند أم المؤمنين علمًا من رسول الله - ﷺ - أن هذا محرم لم تستجز أن تقول مثل هذا الكلام بالاجتهاد. اهـ. «نصب الراية» ٤/ ١٦.
وأورد ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٤٨٦ حديث ابن أبي حاتم وقال: هذا الأثر مشهور. وقال ابن التركماني: العالية معروفة، روى عنها زوجها وابنها، وهما إمامان اهـ. «الجوهر النقي» ٥/ ٣٣١.
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: أو يكون من أربى فقد حارب الله، ولا يكون الشخص محاربا لله وفي الله.



وهذِه الأشياء المنهي عنها في الحديث مختلفة الأحكام، فمنها ما هو على سبيل التنزه ككسب الحجام، ومنها ما هو على سبيل التحريم كثمن الكلب عندنا (١)، وكره عند المالكية (٢) للضعة والسقوط في حقه، ومنها حرام بين كالربا. وأما اشتراء أبي جحيفة الحجام، ثم قال: (نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الدم (بمحجمه) (٣). وتخلص من إعطاء الحجام أجرة حجامته؛ خشية أن يواقع نهي رسول الله - ﷺ - عن ثمن الدم على ما تأوله في الحديث، وقد جاء هذا مبينًا في باب ثمن الكلب بعد هذا، قال عون بن أبي جحيفة: رأيت أبي اشترى (عبدًا) (٤) حجامًا، فأمر بمحاجمه فكسرت، فسألت عن ذلك، فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن الدم (٥). وإنما فعل ذلك على سبيل التورع والتنزه، وسيأتي القول في كسب الحجام بعد هذا.
وقد اختلف العلماء في بيع الكلب، فقال الشافعي: لا يجوز بيعها، كلها سواء كان كلب صيد أو حرث أو ماشية أو غير ذلك، ولا قيمة فيها (٦)، وهو قول أحمد وحماد والحسن (٧).
واختلفت الرواية عن مالك في بيعه، فقال في «الموطأ»: أكره بيع الكلب الضاري وغيره؛ لنهيه - ﷺ - عن ثمن الكلب (٨).

----------
(١) انظر «الحاوي» ٥/ ٣٧٥.
(٢) انظر «المنتقى» ٥/ ٢٨.
(٣) ساقطة من (م)
(٤) من (م).
(٥) سيأتي برقم (٢٢٣٨).
(٦) «الأم» ٣/ ٩.
(٧) انظر «المغني» ٦/ ٣٥٢.
(٨) «الموطأ» ص ٤٠٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #403  
قديم 19-02-2026, 10:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 171 الى صـــ 190
الحلقة (403)




وروى نافع عن مالك أنه كان يأمر ببيع الكلب الضاري في الميراث والدين والمغانم، وكان يكره بيعه الرجل ابتداءً، وقال نافع: وإنما نهى رسول الله - ﷺ - عن ثمن العقور.
وقال ابن القاسم: لا بأس بشراء كلاب الصيد، ولا يعجبني بيعها.
وكان ابن كنانة وسحنون يجيزان بيع كلاب الصيد والحرث والماشية.
قال سحنون: ويحج بثمنها. وهو قول الكوفيين. وقال مالك: إن قتل كلب الدار فلا شيء فيه، إلا أن يسرح مع الماشية (١).
وفي «مختصر ابن الحاجب»: وفي كلب الصيد قولان (٢). وقال أبو عبد الملك: يجوز في القسم والمواريث دون غيرها. وعن أبي حنيفة: من قتل كلبًا لرجل ليس بكلب صيد ولا ماشية فعليه قيمته،
وكذلك السباع كلها. وقال الأوزاعي: الكلب لا يباع في مقاسم المسلمين، هو لمن أخذه.
حجة الشافعي حديث الباب، فإن النهي فيه عام.
حجة المخالف أن الله تعالى لما أباح لنا في علمناه أفاد لنا ذلك إباحة التصرف فيها بالإمساك والبيع وغير ذلك، وما قالوه هو عين النزاع.
قالوا«: و﴿مَا﴾ في الآية بمعنى: في، التقدير: في أحل لكم من الطيبات والذي علمتم من الجوارح مكلبين، وهذا قول جماعة من السلف. وروي عن جابر: أنه جعل القيمة في كلاب الصيد (٣)، وعن عطاء مثله، وقال: لا بأس بثمن الكلب السلوقي. وعن النخعي مثله (٤).

----------
(١) انظر:»المنتقى«٥/ ٢٨.
(٢)»مختصر ابن الحاجب«ص ٢٠٤.
(٣) انظر:»التمهيد" ٨/ ٤٠٤.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٣ (٢٠٩١٠، ٢٠٩١١، ٢٠٩١٥) كتاب: البيوع، من رخص في ثمن الكلب.



وقال أشهب: في قتل المعلم القيمة. وأوجب ابن عمر فيه أربعين درهمًا، وفي كلب ماشية شاة، وفي كلب الزرع فرقًا من طعام، وفي كلب الدار فرقًا من تراب (١) - أي: تراب المعدن دون الرماد.
ويقضى على صاحب الكلب بأخذه كما يقضى على الآخر بدفعه، وأجاز عثمان الكلب الضاري في المهر، وجعل فيه عشرين من الإبل على من قتله (٢).
وقد أذن في اتخاذ كلب الصيد والماشية. وكان النهي منصبًا إلى غير المنتفع به، أو كان النهي فيه، وكسب الحجام كان في بدء الإسلام، ثم نسخ ذلك وأبيح الاصطياد به، وكان كسائر الجوارح في جواز بيعه؛ ولذلك لما أعطى الحجام أجرة كان ناسخًا لما تقدمه. وذكر الطحاوي من حديث أبي رافع: أنه - عليه السلام - لما أمر بقتل الكلاب أتاه أناس فقالوا: يا رسول الله، ما يحل لنا من هذِه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فنزلت ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوَارِحِ﴾ [المائدة: ٤]، فلما أبيح الانتفاع بها حل بيعها وأكل ثمنها (٣)، لكن جاء في «سنن أبي داود»: (فإن جاء يطلب ثمنه فاملأ كفه ترابًا) (٤)، وهو دالٌّ على عدم صحة بيعه.

----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٥٣ (٢٠٩١٤).
(٢) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٤٠٣.
(٣) «شرح معاني الاثار» ٤/ ٥٧.
(٤) أبو داود (٣٤٨٢) كتاب: الإجارة، باب: في أثمان الكلاب.
قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٤٢٦: إسناده صحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٦٥).



فصل:
وأما النهي عن ثمن الدم فهو على التنزيه على المشهور، وبه قال الأكثرون، وهو مشهور مذهب أحمد، فإنه - عليه السلام - أعطاه أجرة، ولو كان حرامًا لم يعطه، وقال لمحيصة: «اعلفه ناضحك، وأطعمه
رقيقك» (١).
ونقل ابن التين عن كثير من العلماء أنه جائز من غير كراهة، كالبناء، والخياطة، وسائر الصناعات، والنهي عن ثمن الدم السائل في حرم الله تعالى. وقال أبو جحيفة: أجرة الحجام من ذلك. وهو قول أبي هريرة والنخعي (٢)؛ لأنه قرنه بمهر البغي، وهو حرام، فكذا هو. قالوا: ولأن عمله غير معلوم، وكذا مدة عمله، فالإجارة فاسدة. وقال آخرون: إنه

---------
(١) رواه أبو داود (٣٤٢٢) كتاب: التجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٧) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام، وابن ماجه (٢١٦٦) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في كسب الحجام والبغي وحلوان الكاهن وعسب الفحل، وأحمد ٥/ ٤٣٥ - ٤٣٦، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ١٣٩ (٢١٢٠)، وابن الجارود ٢/ ١٦٩ - ١٧٠ (٥٨٣)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٣١ - ١٣٢ كتاب: الإجارات، باب: الجعل على الحجامة، وأبو عوانة ٣/ ٣٥٩ (٥٢٩٩) كتاب: البيوع، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ٢٥١ - ٢٥٢، ٣/ ١١٦ - ١١٧، وابن حبان ١١/ ٥٥٧ - ٥٥٨ (٥١٥٤) كتاب: الإجارة، والطبراني ٢٠/ ٣١٢ (٧٤٢)، والبيهقي في «سننه» ٩/ ٣٣٧ كتاب: الضحايا، باب: التنزيه عن كسب الحجام، والبغوي في «شرح السنة» ٨/ ١٨ (٢٠٣٤)، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٢٢٠ (١٥٨٢) وابن الأثير في «أسد الغابة» ٥/ ١٢٠ جميعًا من حديث حرام بن محيصة عن أبيه محيصة بن مسعود به.
قال الترمذي: حديث حسن، وقال العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٣٥٧: إسناده صالح، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٠٠٠) وفيه بحث رائع فليراجع.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٣٦٠ (٢٠٩٨٥، ٢٠٩٩١) كتاب: البيوع، كسب الحجام.



يأخذها على أخذ الشعر، وهو قول عطاء: إذا رأى الشعر قبله. وقال الآخرون: يجوز للمحتجم إعطاؤها، ولا يجوز للحجام أخذها. ورواه ابن جرير عن أبي قلابة. فإن الشارع أعطاها مع أنه قال: «إن كسبه خبيث» (١) وفي رواية: «سحت» (٢)، وبه قال ابن جرير إلا أنه قال: يعلفها ناضحه ومواشيه ولا يأكله، فإن أكله كان حرامًا. وعن أحمد وبه قال فقهاء المحدثين: يحرم على الحرِّ دون العبد؛ لحديث: «اعلفه ناضحك ورقيقك» رواه حرام بن محيصة، عن أبيه مرفوعًا (٣).
----------
(١) رواه مسلم (١٥٦٨) كتاب: المساقاة، باب: تحريم ثمن الكلب وحلوان الكاهن ومهر البغي والنهي عن بيع السنورة، وأبو داود (٣٤٢١) كتاب: الإجارة، باب: في كسب الحجام، والترمذي (١٢٧٥) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في ثمن الكلب، وأحمد ٣/ ٤٦٤ - ٤٦٥، ٤/ ١٤١ جميعًا من حديث رافع بن خديج.
ورواه أيضًا الحاكم في «المستدرك» ٢/ ٤٢ كتاب: البيوع، من حديث رافع، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه! وهو وهم منه رحمه الله، فالحديث عند مسلم كما ترى.
قال الألباني في «الصحيحة» (٣٦٢٢): تنبيه: رويت الفقرة الأولى من الحديث بزيادة في آخرها: … وهو أخبث مثله، وهي زيادة لا تصح اهـ.
قلت: رواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ١٥٤ - ١٥٥، والبيهقي في «سننه» ١/ ١٩ من حديث ابن عباس مرفوعًا: «ثمن الكلب خبيث وهو أخبث منه». قال الألباني في «الضعيفة» (٣٤٥٩): ضعيف جدًا.
(٢) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٤/ ٢١١، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ١١٥ (٤٦٩٧) كتاب: المزارعة، باب: عسب الفحل، والطبري في «تفسيره» ٤/ ٥٨٠ (١١٩٦١)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٩٤، والدارقطني ٣/ ٧٢ - ٧٣، والبيهقي في «سننه» ٦/ ٦ كتاب: البيوع، باب: النهي عن ثمن الكلب، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٩٠ (١٤٨٥ - ١٤٨٦) جميعًا من حديث أبي هريرة، وصحح الألباني هذِه الرواية بمجموع طرقها في الصحيحة (٢٩٩٠) وعقد فيه بحثًا نفيسًا فراجعه.
(٣) تقدم تخريجه قريبًا.



قالوا: ولا يجوز للحرِّ أن يحترف بالحجامة، وإن كان غلامه حجامًا لم ينفق على نفسه من كسبه، وإنما ينفقه على العبيد وعلى بهائمه. والقصد بالحجام: في يحجم ليس في يزين الناس.
وذكر ابن الجوزي: أن أجرة الحجام إنما كرهت؛ لأنه مما يعين به المسلم أخاه إذا احتاج إليه، فلا ينبغي له أن يأخذ من أخيه على ذلك أجرًا.
وروى ابن حبيب: أن قريشًا كانت تتكرم في الجاهلية عن كسب الحجام؛ فلذلك جاء فيه النهي على وجه التكرم والأنفة عن دقائق الأمور. وروى ربيعة أنه قال: كان للحجامين سوق على عهد عمر،
ولولا أن يأنف رجال لأخبرتك عن آبائهم أنهم كانوا حجامين (١).
وقال يحيى بن سعيد: لم يزل المسلمون مُقِرِّينَ بأجر الحجامة ولا ينكرونها (٢).
وحاصل الخلاف: كراهة التنزيه، التحريم مطلقًا، الفرق بين الحر والعبد، يجوز الإعطاء دون الأخذ. قول ابن جرير.
فصل:
قوله: (ونهى عن الواشمة والموشومة)؛ أي: عن فعل الواشمة.
والوشم: أن يغرز ظهر كف المرأة ومعصمها بإبرة، ثم يحشى بالكحل و(النَّئُور) (٣) (٤) فيخضر، وقال الداودي: فيسود موضعه إذا حشي بالإثمد، وهو من عمل الجاهلية، وفيه تغيير لخلق الله.

----------
(١) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ٨١.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الاثار» ٤/ ١٣٢.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: النئور يلج، وهو دخان الشحم يعالج به الوشم حتى يخضر ولك أن تقلب الواو، المضمومة همزة كما في «الصحاح».
(٤) النَّئُور: هو دخان الشحم، انظر: لسان العرب، مادة: وشم ٥/ ١٨٩.



والموشومة: التي يفعل ذلك بها، وفي حديث آخر: «الموتشمة» (١)، وفي آخر: «المستوشمة» (٢). وفسر العتبي في حديث آخر «لعن الواشمة» (٣): أي: التي تنتحل.
فصل:
وقوله: (وآكل الربا): قال الداودي: هو الذي يأكله، كان هو المربي أو غيره. وقال القزاز: هو في يعمل به ويأكل منه، وموكله: في يزيد في المال؛ لأنه هو في جعل له ذلك وأطعمه إياه. وقال الداودي موكله: الذي يطعمه غيره، وهذا من قوله تعالى ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢]. قال الخطابي: وإنما سوى في الإثم بين آكله وموكله وإن كان أحدهما هو الرابح مغتبطًا والآخر منهضمًا؛ لأنهما في الفعل شريكان، ولله حدود لا تتجاوز في حال العدم والوجد (٤).
فصل:
قوله: (ولعن المصور): ظاهره العموم، وخفف منه ما لا روح فيه كالشجر. وجاء أنه يقال لهم يوم القيامة: «أحيوا ما خلقتم» (٥). وسيأتي باب بيع التصاوير التي ليس فيها روح وما يكره من ذلك، والنهي عن كسب الإماء؛ لأنه رذيلة.

--------
(١) ذكر هذا اللفظ الحافظ في «تلخيص الحبير» ١/ ٢٧٦.
(٢) سيأتي برقم (٥٩٤٥) كتاب: اللباس، باب: الواشمة.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٣٨) باب: بيع الميتة والأصنام.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٨.
(٥) سيأتي برقم (٣٢٢٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، ورواه مسلم (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه. من حديث عائشة.



٢٦ - باب ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]
٢٠٨٧ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ ابْنُ المُسَيَّبِ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». [مسلم: ١٦٠٦ - فتح: ٤/ ٣١٥]
ذكر حديث أبي هريرة: سَمِعْتُ النبي - ﷺ - يَقُولُ: «الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ».
معنى ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾: ينقصه شيئًا بعد شيء، من محاق الشهر؛ لنقصان الهلال فيه. ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾ يضاعف أجرها وعدًا منه، أو ينمي المال في أخرجت منه.
﴿وَاللهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ أي: لا يحب كل مصرٍ على كفر مقيم عليه مستحل أكل الربا أو إطعامه.
(أثيم) متمادٍ في الإثم يريد فيما نهاه عنه من أكل الربا والحرام وغير ذلك من معاصيه، لا يزجر عن ذلك ولا يرعوي عنه، ولا يتعظ بموعظة ربه.
قال المهلب: سئل بعض العلماء عن معنى هذِه الآية، وقيل له: نحن نرى صاحب الربا يربو ماله، وصاحب الصدقة ربما كان مقلًا! قال: معنى ﴿وَيُرْبِى الصَّدَقَاتِ﴾: أي: الصدقة يجدها صاحبها مثل أحد يوم القيامة، فكذلك صاحب الربا يجد عمله ممحوقًا، إن تصدق منه أو وصل رحمه لم يكتب له بذلك حسنة، وكان عليه إثم الربا بحاله.
وقالت طائفة: إن الربا يمحق في الدنيا والآخرة على عموم اللفظ، احتجوا لذلك بحديث الباب، فلما كان نفاقها بالحلف الكاذبة في الدنيا، كان محق البركة فيها في الدنيا.


وذكر عبد الرزاق عن معمر قال: سمعنا أنه لا يأتي على صاحب الربا أربعون سنة حتى يمحق (١). وروى الطبري في «تفسيره» من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «الربا وإن كثر فإلى قل» (٢) وقيل: إن تصدق منه فلا يقبل؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن صرف في سبيل الخير لم ينفعه، وربما محقه في الدنيا وتبقى تبعاته.
وقيل: يهلك وتذهب بركته، ومحقه الله فامتحق. وحديث الباب أخرجه مسلم أيضًا، وذكره كالتفسير للآية (٣)، فيقال: كيف يجتمع المحاق والزيادة؟ فبين الحديث أن اليمين مزيدة في الثمن، وممحقة للبركة منه، والبركة أمر زائد على العدد، فتأويل قوله: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٦] أي: يمحق البركة منه -كما سلف- وإن كان عدده باقيًا على ما كان.
وفي أفراد مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعًا: «إياكم وكثرة الحلف، فإنه ينفق ثم يمحق» (٤).

-----------
(١) «مصنف عبد الرزاق» ٨/ ٣١٦ (١٥٣٥٣) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في الربا.
(٢) «تفسير الطبري» ٣/ ١٠٥ (٦٢٥٠) معلقًا.
ورواه ابن ماجه (٢٢٧٩) كتاب: التجارات، باب: التغليظ في الربا، وأحمد ١/ ٣٩٥، ٤٢٤، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٧، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (٧٥٨): هذا إسناد صحيح رجاله موثقون، العباس بن جعفر وثقه ابن أبي حاتم وابن المديني وابن حبان، وباقي رجاله على شرط مسلم.
وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣١٥: إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٥٤٢)، و«صحيح الترغيب» (١٨٦٣).
(٣) مسلم (١٦٠٦) كتاب: المساقاة، باب: النهي عن الحلف في البيع.
(٤) مسلم (١٦٠٧)، وانظر «الجمع بين الصحيحين» ١/ ٤٥٩ (٧٣٧).



و«ممحقة» (١) بفتح الميم وكسر الحاء ويصح فتحها، قال صاحب «المطالع»: كذا قيد القاضي أبو الفضل، والذي أعرف بفتحها.
و«منفقة» بفتح الميم كما قيد ابن التين؛ لأنها مفعلة من نفق ومحق،
وعن ابن فارس: ويقال: المحقة، وهو رديء (٢)، وضبطهما النووي بفتح أولهما وثالثهما وسكون ثانيهما (٣). ويقال: نفق البيع ينفق نفاقًا: كثر الراغب.
و«الحلف»: اليمين بإسكان اللام وكسرها، ذكره ابن فارس (٤)، وهي اليمين الكاذبة.

----------
(١) ورد بهامش (م): وفي رواية: مُمحقة: بالضم وكسر الحاء، اسم فاعل وزنه للمبالغة لا التأنيث.
(٢) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٢٤.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١١/ ٤٤.
(٤) «المجمل» ١/ ٢٤٩.



٢٧ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الحَلِفِ فِي البَيْعِ
٢٠٨٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا العَوَّامُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه، أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ- فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ، لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] [٢٦٧٥، ٤٥٥١ - فتح: ٤/ ٣١٦]
ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أوفى: أَن رَجُلًا أَقَامَ سِلْعَةً -وَهُوَ فِي السُّوقِ- فَحَلَفَ بالله لَقَدْ أَعْطَى بِهَا مَا لَمْ يُعْطَ؛ لِيُوقِعَ فِيهَا رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.
حديث الباب من أفراده، وعنده في موضع آخر عن ابن مسعود مرفوعًا في حديث الأشعث (١)، وسيأتي أنها نزلت في من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم (٢).
ومعنى ﴿بِعَهْدِ اللَّهِ﴾: أمره ونهيه، أو ما جعل في العقل من الزجر عن الباطل والانقياد إلى الحق ﴿لَا خَلَقَ﴾: من الخلق، وهو النفسس، أو من الخلق أي: لا نصيب لهم مما يوجبه الخلق الكريم.
﴿وَلَا يُكلمُهُم﴾ بما يسرهم، بل بما يسوءهم عند الحساب بقوله ﴿إنَّ عَلَينَا حِسَابَهُم﴾ [الغاشية: ٢٦]، أو لا يكلمهم أصلًا، بل يكل حسابهم إلى الملائكة، ويسمع كلامه أولياؤه، أو يغضب عليهم كما

--------
(١) سيأتي برقم (٢٦٧٦ - ٢٦٧٧) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ﴾ و(٤٥٤٩ - ٤٥٤٠) كتاب: التفسير.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٧٥) كتاب: الشهادات، باب: قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾، و(٤٥٥١) كتاب: التفسير.



تقول: فلان لا يكلم فلانًا.
﴿وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ﴾: لا يبرهم ولا يمنُّ عليهم (١) ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ أي: لا يقضي بزكاتهم، نزلت في من يحلف أيمانًا فاجرة لينفق بها بيع سلعته، أو في الأشعث نازع خصمًا في أرض، فقام ليحلف، فنزلت، فنكل الأشعث واعترف بالحق (٢)، أو في أربعة من أحبار اليهود كتبوا كتابًا وحلفوا أنه من عند الله فيما ادعوه أنه ليس عليهم في الأميين سبيل (٣).
﴿أَلِيمٌ﴾: موجع حيث وقع، وهذا الوعيد الشديد في هذِه اليمين الغموس لما جمعت من المعاني الفاسدة، وكذا كذبه في اليمين بالله تعالى، وهو أصل ما يحلف فيه، وغرَّر المسلمين، واستحلال مال المشتري بالباطل في لا يدوم في الدنيا عوضًا عما كان يلزمه من تعظيم حق الله تعالى والوفاء بعهده والوقوف عند أمره ونهيه، فخاب متجره وخسرت صفقته.
وفي «تفسير الطبري»: أنها نزلت في رافع، وكنانة بن أبي الحقيق، وابن أبي الأشرف، وحيي بن أخطب (٤). وفي «تفسير أبي القاسم الجُوزي»: عن ابن عباس: نزلت في ناس من علماء اليهود أصابتهم فاقة، فجاءوا إلى كعب بن الأشرف، فسألهم كعب عن رسول الله - ﷺ -، فقالوا: نعم، هو رسول الله - ﷺ -. قال كعب: لقد حرمتم خيرًا كثيرًا، فنزلت. وقيل: نزلت في الذين حرفوا التوراة، حكاه الزمخشري (٥).

--------
(١) هذا من التأويل المذموم، وسيأتي بيان ذلك في كتاب التوحيد.
(٢) رواه الطبري ٣/ ٣٢٠ (٧٢٧٨).
(٣) رواه الطبري ٣/ ٣١٩ (٢٢٧٥) عن عكرمة.
(٤) المصدر السابق.
(٥) «الكشاف» للزمخشري ١/ ٣٣١.



والوجه أن نزولها في أهل الكتاب، وفي «المستدرك» صحيحًا عن قيس بن أبي غرزة مرفوعًا: «يا معشر التجار، إنه يشهد بيعكم اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة» (١).
وفيه -أيضًا- مصحح الإسناد عن إسماعيل بن عبيد، عن ابن رفاعة بن رافع الزرقي، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «يا معشر التجار، إن التجار يبعثون يوم القيامة فجارًا إلا من اتقى وبر وصدق» (٢)، وفيه -أيضًا- مثله عن عبد الرحمن بن شبل مرفوعًا: «إن التجار هم الفجار»، فقالوا: يا رسول الله: أليس الله قد أحل البيع؟ قال: «بلى، ولكنهم يحلفون فيأثمون، ويحدثون فيكذبون» (٣).
قال الداودي: هذا جزاؤه إن لم يتب. وريد: أنه يتحلل صاحبه إلا أن يرضي الله خصمه بما شاء ويتجاوز عنه، أو يأخذ له من حسناته، أو يلقي عليه من سيئاته.

--------
(١) «المستدرك» ٢/ ٥. ورواه أيضًا أبو داود (٣٣٢٦) كتاب: البيوع، باب: في التجارة يخالطها الحلف واللغو، والترمذي (١٢٠٨) كتاب البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي - ﷺ - إياهم، والنسائي ٧/ ١٤ - ١٥ كتاب: الإيمان والنذور، في الحلف والكذب لمن لم يعتقد اليمين بقلبه، وابن ماجه (٢١٤٥) كتاب: التجارات، باب: التوقي في التجارة، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٧٩٧٤).
(٢) «المستدرك» ٢/ ٦.
ورواه أيضا الترمذي (١٢١٠) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في التجار وتسمية النبي - ﷺ - إياهم -وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (٢١٤٦)، وصححه ابن حبان ١١/ ٢٧٦ - ٢٧٧ (٤٩١٠) كتاب: البيوع، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٩٤).
(٣) «المستدرك» ٢/ ٧، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٦٦).



وأما الحلف فهو بينه وبين الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه. قال بعض العلماء: الذنوب كلها، الباري تعالى يقتص للبعض من البعض بأخذ حسنات الظالم أو بإلقاء السيئة عليه. وقيل: نزلت الآية في
رجلين اختصما في أرض، فجعل رسول الله - ﷺ - اليمين على المدعى عليه فقال: المدير إذًا يحلف. فنزلت (١).

--------
(١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الرابع بعد الخمسين كتبه مؤلفه.


٢٨ - باب مَا قِيلَ فِي الصَّوَّاغِ
وَقَالَ طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا». وَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ. فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ».

٢٠٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ حُسَيْنٍ، أَنَّ حُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيًّا - عليه السلام - قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ، وَكَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمْسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِىَ بِفَاطِمَةَ عليها السلام بِنْتِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ، أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ مِنَ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرُسِي. [٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٤٠٠٣، ٥٧٩٣ - مسلم: ١٩٧٩ - فتح: ٤/ ٣١٦]

٢٠٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُعَرِّفٍ». وَقَالَ عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَلِسُقُفِ بُيُوتِنَا. فَقَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». فَقَالَ عِكْرِمَةُ هَلْ تَدْرِي مَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ تُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ، وَتَنْزِلَ مَكَانَهُ.
قَالَ عَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ خَالِدٍ: لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٣١٧]
ثم ذكر فيه حديث علي: كَانَتْ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ … وساق الحديث.
وفيه: وَاعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِي فَنَأْتِيَ بإِذْخِرٍ.


وحديث عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قال: إن رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ الله حَرَّمَ مَكَّةَ …» الحديث إلى قوله: «إِلَّا الإِذْخِرَ فإنه لِصَاغَتِنَا وَلسُقُفِ بُيُوتنَا».
الشرح: التعليقان الأولان مسندان كما سلف (١)، وحديث علي ساقه -أيضًا- مطولًا بقصة حمزة وإنشادها:
ألا يا حمز للشرف النواء (٢)
والشارف: المسن من النوق، وفيه في مسلم: بأنه المسن الكبير (٣). والمعروف أنه النوق خاصة لا من الذكور، وبه جزم ابن التين حيث قال: إنها المسنة من الإبل. وحكى الحربي عن الأصمعي أنه يقال: شارف للذكر والأنثى، ويجمع على شرف، ومنه البيت المذكور، ولم يأت فعل جمع فاعل إلا قليلًا، كما قاله عياض (٤). وفي «المخصص» عن الأصمعي: ناقة شارف وشروف، قال سيبويه: جمع الشاوف: شُرُف، والقول في الشارف كالقول في البازل -يعني: خروج نابها- أبو حاتم: شارفة، صاحب «العين»، والجمع: شوارف. ولا يقال للبعير شارف (٥). وقال في «المحكم»: الشارف من الإبل: المسن والمسنة، والجمع: شُرَّف وشُرُف (٦)، وفي «الجامع»: هي الناقة المسنة، وتجمع شرفًا وشوارف.

---------
(١) سلف برقم (١٨٣٤) كتاب: جزاء الصيد، باب: لا يحل القتال بمكة.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٧٥) كتاب: المساقاة، باب: بيع الحطب والكلأ.
(٣) مسلم (١٧٥٠).
(٤) «مشارق الأنوار على صحاح الآثار» للقاضي عياض ٢/ ٢٤٨ - ٢٤٩.
(٥) انتهى من «المخصص» (٢/ ١٣٨). وانظر: «العين» (٦/ ٢٥٣).
(٦) «المحكم» لابن سيده ٨/ ٣٤.



والنواء: ذكره ابن ولاد في الممدود المكسور أوله: السمان من الإبل (١). وفي «التهذيب» (٢): النوى: الشحم واللحم أيضًا. نوت الناقة: سمنت، فهي ناوية والشعر لعبد الله بن السائب جد أبي السائب المخزومي، فيما ذكره ابن المرزباني وأن القينة تمثلت به. وحديث عكرمة عن ابن عباس سلف في الحج (٣)، وشيخ البخاري فيه إسحاق هو ابن شاهين الواسطي، قاله ابن ماكولا وابن البيع (٤)، وصرح به الإسماعيلي وأبو نعيم.
وقوله: (وقال عبد الوهاب عن خالد: لصاغتنا وقبورنا) سلف مسندًا قبل (٥).
إذا تقرر ذلك:
ففيما ذكر أن الصياغة صناعة جائز التكسب منها، والصوّاغ إذا كان عدلًا لا تضره صناعته؛ لأنه - عليه السلام - قد أجازه.
وفيه: جواز بيع الإذخر وسائر المباحات والاكتساب منها للرفيع والوضيع.
وفيه: الاستعانة بأهل الصناعة فيما ينفق عندهم، والاستعانة على الولائم والتكسب لها من طيب الكسب، وأن طعام الوليمة على

--------
(١) «المقصور والممدود» ص ١١٢.
(٢) «تهذيب اللغة» للأزهري ٤/ ٢٦٨٣ مادة: نوى.
(٣) سلف برقم (١٥٨٧).
(٤) قلت: هو الحاكم أبو عبد الله، صاحب «المستدرك»، قال ذلك في كتابه «المدخل إلى الصحيح» ٤/ ٢٤٤ - ٢٤٥ (٢٣) ط. مكتبة الفرقان. فقال: إسحاق، قال أبو عبد الله في مواضع كثيرة من الكتاب: حدثني إسحاق سمع خالد بن عبد الله. ولم ينسبه -قلت: وهذا الحديث منها- وهو إسحاق بن شاهين الواسطي.
(٥) سلف برقم (١٣٤٩).



الناكح. ولم يختلف أهل السير كما قاله ابن بطال (١) في غير هذا الباب
أن الخمس لم يكن يوم بدر. وذكر إسماعيل القاضي أنه كان في غزوة بني النضير حين حَكَّم سعدًا (٢).
قال: وأجيب أن بعضهم قال: ترك أمر الخمس بعد ذلك. وقيل: إنما كان الخمس يقينًا في غنائم حنين، وهي آخر غنيمة حضرها سيدنا رسول الله - ﷺ - قال: وإذا كان كذلك فيحتاج قول علي إلى تأويل.
قلت: ذكر ابن إسحاق أن عبد الله بن جحش لما بعثه - عليه السلام - في السنة الثانية إلى نخلة في رجب، وقيل: عمرو بن الحضرمي وغيره واستاقوا الغنيمة، وهي أول غنيمة، قسم ابن جحش الغنيمة وعزل لرسول الله - ﷺ - الخمس وذلك قبل أن يفرض الخمس فأخر النبي - ﷺ - الخمس والأسيرين (٣)، ثم ذكر خروج رسول الله - ﷺ - إلى بدر في رمضان فقسم غنائمها مع الغنيمة الأولى وعزل الخمس فيكون قول علي: شارفي من نصيبي من المغنم. يريد: يوم بدر. ويكون قوله: كان رسول الله - ﷺ - أعطاني شارفًا قبل ذلك من الخمس قبله من غنيمة ابن جحش.
وقال الداودي: فيه دليل أن آية الخمس نزلت يوم بدر؛ لأنه لم يكن قبل بنائه بفاطمة مغنم غيره، وذلك كله سنة اثنتين من الهجرة في رمضان، وكان بناؤه بفاطمة بعد ذلك.

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٥/ ٢٤٨ في كتاب: الخمس، باب: فرض الخمس.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: إنما حكم سعدًا في قريظة، هذا المعروف.
[قلت (المحقق): وهو كما قال فالثابت أن تحكيم سعد بن معاذ كان في غزوة بني قريظة. انظر: «البداية والنهاية» ٤/ ٤٩٩ - ٥١٠، و«تاريخ الإسلام» ٢/ ٣٠٧ - ٣١٨].
(٣) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ٢٤١.



قال: وذكر أبو محمد في «جامع مختصره» أنه تزوجها في السنة الأولى. قال: ويقال: في الثانية على رأس اثنين وعشرين شهرًا، وهذا كان بعد بدر؛ لأن بدرًا كانت على سنة ونصف من مقدمه المدينة، وهذا يعضد ما قاله الداودي.
وذكر أبو عمر عن عبد الله بن محمد بن سليمان الهاشمي: نكحها بعد وقعة أحد. وقيل: تزوجها بعد بنائه بعائشة بسبعة أشهر ونصف.
وقال ابن الجوزي: بنى بها في ذي الحجة وقيل: في رجب. وقيل: في صفر من السنة الثانية.
وفي كتاب ابن شبّة من رواية أبي بكر بن عياش أنه - عليه السلام - غرم حمزة الناقتين. وقد قام الإجماع على أن ما أتلفه السكران من الأموال يلزمه ضمانه كالمجنون، والسنام المقطوع حرام، والحالة هذِه بالإجماع، فإن سبقت التذكية فلا شك في حله وخالف عكرمة وإسحاق وداود فقالوا: لا تحل ذبيحة الغاصب ولا بيعه.
وفي الحديث: الاستعانة باليهود ومعاملتهم وإن كان مالهم يخالطه الربا.
(وقينقاع): نونه مثلثة كما سلف أول الباب أول البيوع (١).
وقوله: (فلما أردت أن أبني بفاطمة). البناء: الدخول، والأصل فيه أنهم كانوا إذا أراد أحدهم الدخول على أهله رفع قبة أو بناء يدخلان فيه.
وقوله: (في وليمة عرسي) الوليمة: الطعام الذي يصنع عند العرس، والعرس -بضم الراء وإسكانها مهملة: الأملاك والبناء. وقيل: هو طعامه خاصة- أنثى وقد يذكر ويصغر بغيرها، وهو نادر؛ لأن حقه الهاء إذ هو

-------------
(١) في الحديث السالف برقم (٢٠٤٨).


مؤنث على ثلاثة أحرف. والجمع: أعراس وعروسات. والعروس: نعت الرجل والمرأة؟ رجل عروس في رجال أعراس، وامرأة عروس في نسوة عرائس، ذكره ابن سيده (١).
وقال الأزهري: العرس طعام الوليمة وهو من أعرس الرجل بأهله إذا بنى عليها ودخل بها، وتسمى الوليمة عرسًا والعرب تؤنثه (٢).
وفي «الموعب»: العرس هو طعام الزفاف. والعرس هو الطعام في يمد للعروس. وقال ابن دينار: سألت أبا عثمان عن اشتقاق العروس، فقال: قالوه تفاؤلًا، من قولهم عرس الصبي بأمه إذا ألفها. ووقع في
كتاب الشرب عند البخاري: و(معي صائغ) (٣).
قال ابن التين عند أبي الحسن قال علي: (ومعي طالع). أي: يدله على الطريق ووقع في بعض رواياته: (فأفظعني) (٤).
قال ابن فارس: أفظع الأمر وفظع اشتد، وهو مفظع وفظيع (٥).
وفيه من الفقه: تضمين الجنايات بين ذوي الأرحام، والعادة فيها أن تهدر من أجل القرابة.
وقوله: (هل أنتم إلا عبيد لأبي). قيل: أراد أن أباه جدهم والأب كالسيد.
وقيل: كان ثملًا. فقال ما ليس جدًا.

--------
(١) «المحكم» ١/ ٢٩٧.
(٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٣٩٠ مادة: عرس.
(٣) سيأتي برقم (٢٣٧٥) باب: بيع الحطب والكلأ.
(٤) رواه مسلم (١٩٧٩) كتاب: الأشربة، باب: تحريم الخمر ..
(٥) «المجمل» ٣/ ٧٢٣.



وفيه: وذلك قبل تحريم الخمر.
احتج به من لا يرى بوقوع طلاق السكران كما قال ابن الجوزي.
ووهّى النووي مقالة من قال: إن السكر لم يزل محرمًا فقال: هو قول من لا تحصل له أن السكر لم يزل محرمًا فباطل لا أصل له ولا يعرف (١).
وفيه: ما كانوا عليه من القلة.
وفيه: طلبهم الكفاف.

-----------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١٣/ ١٤٤.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #404  
قديم 19-02-2026, 10:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 191 الى صـــ 210
الحلقة (404)




٢٩ - باب ذِكْرِ القَيْنِ وَالحَدَّادِ
٢٠٩١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بْنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -. فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِى كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾. [مريم: ٧٧ - ٧٨]
القين: هو الحداد، ثم استعمل في الصانع، قال ابن سيده: القين: الحداد (١). وقيل: كل صانع قين.
قلت: والقين أيضًا العبد، والقينة: المغنية والأمة والماشطة أيضًا، والتقين: التزين بأنواع الزينة، والجمع أقيان وقيون.
وقد قان الحداد قينًا ضربها بالمطرقة. وقان الشيء يقين قيانة: أصلحه.
وقالت أم أيمن: أنا قينت عائشة لرسول الله - ﷺ - (٢)، أي: زينتها.

--------
(١) «المحكم» ٦/ ٣١٤.
(٢) ذكره الحافظ في «الفتح» أيضًا ٤/ ٣١٨، وما وقفت عليه، من حديث شهر بن حوشب أن أسماء بنت يزيد بن السكن، إحدى نساء بني عبد الأشهل، دخل عليها يومًا، فقربت إليه طعامًا، فقال: لا أشتهيه، فقالت: إني قينت عائشة لرسول الله - ﷺ - .. الحديث مطولًا.
رواه أحمد ٦/ ٤٥٨، والحميدي ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠ (٣٧١)، والطبراني ٢٤ (٤٣٤)، وأبو عبد الله الأصبهاني في «مجلس إملاء في رؤية الله» ص ٣٧٦ (٨٦١)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٧/ ٢٠. وقال الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٥٠ - ٥١: شهر فيه كلام وحديثه حسن.



والقين: هو في يصلح الأبنية أيضًا.
ذكر فيه حديث خَبَّابٍ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِي بْنِ وَائِل دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتَقَاضَاهُ. قَالَ: لَا أُعْطِيكَ حَتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ قلت: لَا أَكْفُرُ بمحمد حَتَّى يُمِيتَكَ اللهُ، ثُمَّ تُبْعَثَ. قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أَمُوتَ وَأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ.
فَنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ الآية [مريم: ٧٧].
هذا الحديث أخرجه البخاري في موضع آخر قريبًا، في باب: هل يؤاجر الرجل نفسه من مشرك في دار الحرب بلفظ: (وإني لمبعوث بعد الموت فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال) (١). وقال في التفسير إثره: قال ابن عباس: ﴿هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] أي: هدمًا (٢). وقد أسنده ابن أبي حاتم في «تفسيره» عن أبيه، ثنا أبو صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن طلحة، عنه (٣).
قال مقاتل: صاغ خباب شيئًا من الحلي فلما طلب منه الأجر قال: ألستم تزعمون أن في الجنة الحرير والذهب والفضة والولدان؟ قال خباب: نعم. قال العاصي: فميعاد ما بيننا الجنة.
وقال الكلبي ومقاتل فيما ذكره الواحدي: كان خباب قينًا وكان العاصي يؤخر حقه فأتاه يتقاضاه، فقال: ما عندي اليوم ما أقضيك. فقال خباب: لست بمفارقك حتى تقضيني. فقال العاصي: يا خباب

-------
(١) سيأتي برقم (٢٢٧٥) كتاب: الإجارة.
(٢) سيأتي قبل حديث (٤٧٣٥).
(٣) رواه ابن جرير ٨/ ٣٨٤ (٢٣٩٥٥) من طريق عبد الله عن معاوية، عن علي بن طلحة، عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٥١١ لابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر.



مالك! ما كنت هكذا، وإن كنت لحسن الطلب. قال: كنت إذ ذاك على دينك وأما اليوم فإني على الإسلام. قال: أفلستم تزعمون أن في الجنة ذهبًا وفضة وحريرًا؟ قال: بلى. قال: فأخرني حتى أقضيك في الجنة -استهزاءً- فوالله إن كان ما تقول حقًّا إني لأفضل فيها نصيبًا منك. فأنزل الله الآية (١).
وهذا الباب كالباب قبله أن الحداد لا تضره مهنته في صناعته إذا كان عدلًا.
قال أبو العتاهية:
ألا إنما التقوى هو العز والكرم … وحبك للدنيا هو الذل والعدم
وليس على حر تقي نقيصةٌ … إذا أسس التقوى وإن حاك أو حجم
وفيه: أن الكلمة من الاستهزاء قد يتكلم بها المرء فيكتب الله لربها سخطه إلى يوم القيامة (٢). ألا ترى وعيد الله على استهزائه بقوله ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ العَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ [مريم: ٧٩، ٨٠] يعني من المال والولد بعد إهلاكنا إياه. ﴿وَيَأتِينَا فَرْدًا﴾ أي: نبعثه وحده تكذيبًا لظنه.
وكان العاصي بن وائل لا يؤمن بالبعث فلذلك قال له خباب: (والله لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث) (٣). ولم يرد خباب أنه إذا بعثه الله بعد الموت أن يكفر بمحمد لأنه حينئذٍ ﴿يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، ويتمنى العاصي بن وائل وغيره أن لو كان ترابًا ولم يكن كافرًا وبعد البعث يستوي يقين المكذب به مع يقين المؤمن

--------
(١) «أسباب النزول» ص ٣١٠ (٦١٢).
(٢) سيأتي برقم (٦٤٧٧ - ٦٤٧٨) ما في معنى كلام المصنف هذا فانظره.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٢٥) كتاب: البيوع، باب: التقاضي.



ويرتفع الكفر وتزول الشكوك وكان غرض خباب من قوله إياس العاصي من كفره، وذكر ابن الكلبي عن جماعة في الجاهلية أنهم كانوا زنادقة منهم العاصي بن وائل، وعقبة بن أبي معيط، والوليد بن المغيرة، وأبي بن خلف.
وفيه: جواز الإغلاظ في اقتضاء الدين لمن خالف الحق وظهر منه الظلم والتعدي. فإن قلت: من عين الكفر آجلًا فهو كافر الآن إجماعًا، فكيف يصدر هذا عن خباب ودينه أصح وعقيدته أثبت وإيمانه أقوى وآكد من هذا كله. قلت: لم يرد خباب هذا وإنما أراد لا تعطني حتى تموت ثم تبعث أو إنك لا تعطيني ذلك في الدنيا فهنالك يؤخذ قسرًا منك.
وقال أبو الفرج: لما كان اعتقاد هذا المخاطب أنه لا يبعث خاطبه على اعتقاده فكأنه قال: لا أكفر أبدًا. وقيل: أراد خباب أنه إذا بعث لا يبقى كفر؛ لأن الدار دار الآخرة. وقرئ: (ووُلدًا) بضم الواو ذكره الفراء، ونصبها عاصم، وثقل في كل القرآن، وقرأ مجاهد: ﴿مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾، ونصب سائر القرآن. والوُلد والوَلَد لغتان، وقيس تجعل الوُلد جمعًا والوَلَد واحدًا (١).

----------
(١) «معاني القرآن» للفراء ٢/ ١٧٢ - ١٧٣.
قلت: قال أبو علي الفارسي في «الحجة للقراء السبعة» (٥/ ٢١٠ - ٢١١): اختلفوا في ضم الواو وفتحها من قوله -عز وجل-: (وولدا) [مريم: ٧٧] في ستة مواضع، في مريم أربعة مواضع [٧٧، ٨٨، ٩١، ٩٢] وفي الزخرف [٨١] ونوح [٢١].
فقرأهن ابن كثير وأبو عمرو: (وولدا) بالفتح؛ إلا في سورة نوح: (ماله وولده) فإنهما قرآه بضم الواو في هذِه وحدها. وقرأهن نافع وعاصم وابن عامر بفتح الواو في كل القرآن. وقرأهن حمزة والكسائي بضم الواو في كل القرآن. اهـ.
وانظر: «الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٢/ ٩٢ - ٩٣ و«تفسير الطبري» ١٢/ ٢٥٣.



وقال الفارابي: الوُلد لغة في الوَلد ويكون واحدًا وجمعًا، وذكره أيضًا بكسر الواو وفتح الواو. وقال ابن سيده: الوَلَد والوُلد ما ولد أيًّا ما كان وهو يقع على الواحد والجمع والذكر والأنثى، ويجوز أن يكون الوُلد جمع وَلَد كوَثَن ووُثْن. والوِلد كالولد وليس بجمع. والوَلَد أيضًا: الرهط (١).
----------
(١) «المحكم» ١٠/ ١٣١.


٣٠ - باب ذِكْرِ الخَيَّاطِ
٢٠٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رضي الله عنه يَقُولُ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ. [٥٣٧٩، ٥٤٢٠، ٥٤٣٣، ٥٤٣٥، ٥٤٣٦، ٥٤٣٧، ٥٤٣٩ - مسلم: ٢٠٤١ - فتح: ٤/ ٣١٨]
ذكر فيه حديث أَنَسَ: إِنَّ خَيَّاطًا دَعَا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لِطَعَامٍ صَنَعَهُ، قَالَ أَنَسُ: فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - إِلَى ذَلِكَ الطَّعَامِ، فَقَرَّبَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - خُبْزًا وَمَرَقًا فِيهِ دُبَّاءٌ وَقَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ مِنْ حَوَالَيِ القَصْعَةِ -قَالَ:- فَلَمْ أَزَلْ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ مِنْ يَوْمِئِذٍ.
وفي لفظ: فجعلت ألقيه إليه (١). هذا الحديث يأتي في الأطعمة أيضًا (٢)، وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي في الأطعمة، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الوليمة (٣).
وفيه: جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ وإجابته إلى دعوته.

--------
(١) رواه مسلم (٢٠٤١).
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٩).
(٣) أبو داود (٣٧٨٢)، الترمذي (١٨٥٠)، النسائي في «الكبرى» ٤/ ١٥٥ (٦٦٦٢) كتاب: الأطعمة، باب: القديد، وقال في هامش «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦: هنا آخر كتاب الوليمة، ويلاحظ أن أبواب الوليمة وأبواب الأطعمة وآداب الأكل وكتاب الأشربة المحظورة والدعاء بعد الأكل والشرب، جاءوا في المخطوط (ج) تحت مسمى: كتاب الوليمة. اهـ.
ويبدو أنها النسخة التي نقل منها المصنف رحمه الله.



وفيه: مؤاكلة الخدم وأن المؤاكل لأهله وخدمه مباح له أن يتبع شهوته حيث رآها إذا علم أن ذلك لا يكره منه وإذا لم يعلم ذلك فلا يأكل إلا مما يليه. وقد سئل مالك عن ذلك فأجاب بهذا الجواب.
وفيه: دليل على جواز الإجارة خلافًا لمن لا يعتد به؛ لأنها ليست بأعيان مرئية ولا صفات معلومة.
وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري من ذكر القين والصائغ والنجار؛ لأن هؤلاء إنما تكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد والخشب والذهب والفضة وهي أمور من الصنعة يوقف على حدها ولا يختلط بها غيرها، والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده فيجتمع إلى الصنعة الآلة، واحد منهما معناه التجارة والآخر الإجارة، وحصة أحدهما لا تتميز عن الأخرى، وكذلك هذا في الخراز والصباغ إذا كان يخرز بخيوطه ويصبغ هذا بصبغه على العادة المعتادة فيما بين الصناع، وجميع ذلك فائدة في القياس؛ لأن الشارع وجدهم على هذِه العادة أول زمن الشريعة فلم يغيرها إذ لو طولبا بغيرها شق عليهم فصار بمعزل، والعمل به ماض صحيح لما به من الإرفاق، قاله أجمع الخطابي (١).
وفيه: تواضعه - ﷺ - إذ أجاب دعوة الخياط وشبهه، وقد اختلف في إجابة الدعوة هل هي على الوجوب أو على الندب؟
والأظهر عندنا أنها في العرس واجبة.
وفيه: إتيانه منازل أصحابه.

---------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠١٩ - ١٠٢٠.


وفيه: الائتمار بأمرهم، وقد قال شعيب - عليه السلام -: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] فتأسى به في الإجابة.
وفيه: الإجابة إلى الثريد، وهو خير الطعام. والدباء -ممدود-: القرع، جمع دباءة، وفيه لغة بالقصر، وأنكرها القرطبي (١).
ووقع في «شرح المهذب» أنه القرع اليابس. والخبر في جاء به الخياط كان من شعير -كما ذكره الإسماعيلي- وإنما تتبعه من حوالي القصعة لأن الطعام كان مأكلًا مختلفًا، فكان يأكل مما يعجبه منه وهو الدباء ويترك ما لا يعجبه وهو القديد.
قال ابن التين: وفيه: جواز ذلك إذا أكل مع خادمه إذا كان في القصعة شيء مفرد. وحديث: «كل مما يليك» (٢)؛ لأنه لم يكن معه خادمه، وكان في القصعة شيء متماثل.
وقول أنس: (فلم أزل أحبها من يومئذٍ) حقيق أن يحب ما أحب نبيه.
وقوله: (من حوالي القصعة): يقال: رأيت الناس حوله وحولَيْه وحواله وحواليه، والجمع أحوال. وإلقاء أنس له الدباء دليل على جواز مناولة الضيفان بعضهم بعضًا، ولا نكير على فاعله، نعم، المكروه أن يتناول شيئًا من أمام غيره أو من مائدة أخرى، فقد كرهه ابن المبارك، ويأتي في الأطعمة -إن شاء الله تعالى- كما نبهنا عليه (٣).

----------
(١) «المفهم» ٥/ ٣١٤.
(٢) سيأتي برقم (٥٣٧٦) كتاب: الأطعمة، باب: التسمية على الطعام، والأكل باليمين، ورواه مسلم (٢٠٢٢) كتاب: الأشربة، باب: آداب الطعام والشراب وأحكامهما.
(٣) سيأتي برقم (٥٣٧٩).



فائدة: كان أيوب خياطًا. وأول من خاط الثياب ولبسها إدريس - عليه السلام -، وكانوا قبله يلبسون الجلود. وسيأتي أن إبراهيم كان عطارًا، وأن زكريا كان نجارًا. وأجَّر موسى نفسه على الرعي صلى الله وسلم عليهم.

٣١ - باب ذِكْرِ النَّسَّاجِ
٢٠٩٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ رضي الله عنه قَالَ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ بِبُرْدَةٍ -قَالَ: أَتَدْرُونَ مَا البُرْدَةُ؟ فَقِيلَ لَهُ: نَعَمْ، هِىَ الشَّمْلَةُ، مَنْسُوجٌ فِي حَاشِيَتِهَا- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَسَجْتُ هَذِهِ بِيَدِى أَكْسُوكَهَا. فَأَخَذَهَا النَّبِيُّ - ﷺ - مُحْتَاجًا إِلَيْهَا، فَخَرَجَ إِلَيْنَا وَإِنَّهَا إِزَارُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا رَسُولَ اللهِ، اكْسُنِيهَا، فَقَالَ: «نَعَمْ». فَجَلَسَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَجْلِسِ، ثُمَّ رَجَعَ فَطَوَاهَا، ثُمَّ أَرْسَلَ بِهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: مَا أَحْسَنْتَ، سَأَلْتَهَا إِيَّاهُ، لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ سَائِلًا. فَقَالَ الرَّجُلُ: وَاللهِ مَا سَأَلْتُهُ إِلَّا لِتَكُونَ كَفَنِي يَوْمَ أَمُوتُ. قَالَ سَهْلٌ: فَكَانَتْ كَفَنَهُ. [انظر: ١٢٧٧ - فتح: ٤/ ٣١٨]
ذكر فيه حديث سهل بن سعد في قصة البردة، وسلف في الكفن من الجنائز فراجعه (١) وفيه: جواز قبول الهدية من الضعيف إذا كان له مفضلة من التبرك وشبهه. والهبة لما يسأله الإنسان من ثوبه أو غيره. والأثرة على نفسه وإن كانت به حاجة إلى ذلك الشيء، والتبرك بثوب الإمام والعالم؟ رجاء النفع به في استشعاره كفنًا وشبه ذلك، وإعداد الكفن.
والبردة كالمئزر، وربما كانت من صوف أو كتان، وربما كانت أكبر من المئزر وقدر الرداء، قاله الداودي. وظاهر إيراد الحديث أنها الشملة، أنها الصوف؛ لأن الشملة كساء يؤتزر به، قاله ابن فارس (٢).
وقوله: (منسوج في حاشيتها): قال الجوهري: حاشية الثوب: أحد جوانب الثوب (٣). وقال الهروي نحوه. وقال القزاز: حاشيتاه ناحيتاه

----------
(١) راجع شرح حديث (١٢٧٧).
(٢) «المجمل» ٢/ ٥١٢.
(٣) «الصحاح» ٦/ ٢٣١٣.



اللاتي في طرفها الهدب.
وقوله: (وأخذها محتاجًا إليها، ولما طلبها بعث بها إليه)؛ لأنه - عليه السلام - كان إذا أتاه شيء صرفه للمسلمين.
وقوله: (إنها إزاره): يقول: ليأتزر بها.
وقوله: (ثم رجع فطواها): يعني: رجع بعد قيامه من مجلسه.
وقوله: (لا يرد سائلًا) أي: فيما يجد وفيما ينبغي أن يجاب سائله.
وقوله: (لتكون كفني): رجاء بركتها لما صارت شعاره ولصقت بجسده.
وكذلك قال: أشعرنها إياه يعني: حقوه. وسأله عبد الله بن أُبي في قميصه في يلي جسده ليكفن والده فيه فأجاب (١).

---------
(١) سلف الحديث برقم (١٢٦٩) كتاب: الجنائز، باب: الكفن في القميص الذي يكف أو لا يكف، ومن كفن بغير قميص، ورواه مسلم (٢٤٠٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: من فضائل عمر رضي الله تعالى عنه. من حديث ابن عمر.


٣٢ - باب النَّجَّارِ
٢٠٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَى رِجَالٌ إِلَى سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: «أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ». فَأَمَرَتْهُ يَعْمَلُهَا مِنْ طَرْفَاءِ الغَابَةِ ثُمَّ جَاءَ بِهَا، فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِهَا، فَأَمَرَ بِهَا فَوُضِعَتْ، فَجَلَسَ عَلَيْهِ. [انظر: ٣٧٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ٤/ ٣١٩]

٢٠٩٥ - حَدَّثَنَا خَلاَّدُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ -: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا. قَالَ: «إِنْ شِئْتِ». قَالَ: فَعَمِلَتْ لَهُ المِنْبَرَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ قَعَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى المِنْبَرِ الذِي صُنِعَ، فَصَاحَتِ النَّخْلَةُ التِي كَانَ يَخْطُبُ عِنْدَهَا حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَنْشَقَّ، فَنَزَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَتَّى أَخَذَهَا فَضَمَّهَا إِلَيْهِ، فَجَعَلَتْ تَئِنُّ أَنِينَ الصَّبِيِّ الذِي يُسَكَّتُ حَتَّى اسْتَقَرَّتْ. قَالَ: «بَكَتْ عَلَى مَا كَانَتْ تَسْمَعُ مِنَ الذِّكْرِ». [انظر: ٤٤٩ - فتح: ٤/ ٣١٩]
ذكر فيه حديث أَبِي حَازِمٍ قَالَ: أَتَى رِجَالٌ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ يَسْأَلُونَهُ عَنِ المِنْبَرِ، فَقَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَى فُلَانَةَ -امْرَأَةٍ قَدْ سَمَّاهَا سَهْلٌ-: «مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ، يَعْمَلُ أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ» .. الحديث.
وحديث جَابِرٍ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ قَالَتْ: يا رَسُولِ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ؟ فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا .. الحديث.
وقد سلفا في الجمعة (١)، وظاهرهما التعارض؛ فإن في الأول: أنه - عليه السلام - بعث إليها، وفي الثاني: أنها قالت ذلك، فيجوز أن يكون أرسل

---------
(١) سلفا برقم (٩١٧ - ٩١٨) باب: الخطبة على المنبر.


إليها بذلك ثم أرسلت فقالت، أو تكون ابتدأته، ثم بعث إليها أن مريه، فحفظ كل واحد بعض القصة.
وكان اتخاذه سنة سبع، وقيل: سنة ثمان. حكاه ابن التين عن الشيخ أبي محمد. وكان من طرفاء الغابة، وصانعه غلام لسعد بن عبادة، قاله مالك، أو غلام العباس، أو غلام امرأة من الأنصار أو غير ذلك كما سلف في موضعه. قال ابن فارس: ناقة طرفة: ترعى أطراف المراعي ولا تختلط بالنوق، والطرفاء: شجرة معروفة (١).
وقوله: (فصاحت النخلة التي كان يخطب عندها): كذا هنا. وفي لفظ: (حنت حنين الناقة التي فارقت ولدها) (٢). وفي آخر (سمع للجذع مثل أصوات العشار) (٣)، وقد أسلفنا أنه نزل فضمه، وقال:
«لو لم أضمه لحن إلى قيام الساعة» (٤).
وفيه: رد على القدرية؛ لأن الصياح ضرب من الكلام، وهم لا يجوزون الكلام إلا من حي ذي فم ولسان، كأنهم لم يسمعوا قوله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا﴾ الآية [فصلت: ٢١].
و(تئن): بكسر الهمزة، يقال: أنَّ يئن أنينًا وأنانًا: بكت على ما كانت تسمع من الذكر.

--------
(١) «المجمل» ٢/ ٥٩٤.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٢٩٣.
(٣) انظر ما سلف برقم (٩١٨)، وما سيأتي برقم (٣٥٨٥).
(٤) رواه ابن ماجه (١٤١٥) كتاب: إقامة الصلاة، باب: ما جاء في بدء شأن المنبر، وأحمد ١/ ٢٤٩ - ٣٦٣، والدارمي ١/ ١٨٢ (٣٩) باب: ما أكرم النبي - ﷺ - من حنين المنبر، والضياء في «المختارة» ٥/ ٣٨ (١٦٤٥)، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ١٦: إسناد صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢١٧٤).



وقوله: (حتى استقرت): أي سكنت، من قر يقر، إذا سكن. وفيه معنى آخر أي: قل صوتها شيئًا فشيئًا حتى سكنت.
وفيه: أن الأشياء التي لا روح لها تعقل، إلا إنها لا تتكلم حتى يؤذن لها. وإنما كان عليه أفضل الصلاة والسلام يقبل هدايا أصحابه ويأكل معهم ويستوهب منهم؛ لأنه أب لهم رحيم بهم رفيق. وأطيب
ما أكل الرجل من كسب يده وولده من كسبه.
ومنه قول لوط صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِي﴾ [هود: ٧٨] أي: أيامى نساء أمتي، قاله مجاهد (١)، وهو حسن، أو كان في شرعه تزويج الكافر المسلمة، أو هؤلاء بناتي إن أسلمتم. وقال عكرمة: أراد انصرافهم ولم يعرض عليهم شيئًا لا بناته ولا بنات أمته.
وقوله ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، ولم يذكر بيوت الأبناء؛ لأنها داخلة في بيوتكم.
وفيه: المطالبة بالوعد، والاستنجاز فيه، وتكليف سيد العبد ما يفعله العبد، ولا يسأل عن طيب نفس العامل بما علم وكلام ما لا يعرف له كلام: الجمادات وشبهها كما سلف، وكانت هذِه آية معجزة أراد الله تعالى أن يريها عباده ليزدادوا إيمانًا، وما جرى على مجرى الإعجاز فهو خرق للعادات.
قال ابن بطال: وأما نحن بيننا فلا يجوز كلام الجمادات إلينا (٢).
قلت: لا امتناع في ذلك.

------------
(١) رواه الطبري ٧/ ٨٢ - ٨٣ (١٨٣٨٩ - ١٨٣٩٠)، وابن أبي حاتم ٦/ ٢٠٦٢ (١١٠٨٨).
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٢٦ - ٢٢٧.



٣٣ - باب شِرَاءِ (١) الحَوَائِجِ بِنَفْسِهِ
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: اشْتَرَى النَّبِيُّ - ﷺ - جَمَلًا مِنْ عُمَرَ. [٢١١٥] واشْتَرَى ابن عُمَرَ بِنَفْسِهِ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: جَاءَ مُشْرِكٌ بِغَنَمٍ، فَاشْتَرَى النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهُ شَاةً. [٢١١٦] وَاشْتَرَى مِنْ جَابِرٍ بَعِيرًا. [انظر: ٤٤٣]
ثم ساق حديث عائشة: قَالَتِ: اشْتَرى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ يَهُودِيٍّ طَعَامًا بِنَسِيئَةٍ، وَرَهَنَهُ دِرْعَهُ.
الشرح:
حديث عائشة سلف (٢). والغَنَمُ: اسم للشاة والمعز، لا واحد لها من لفظها، والجمع: أغنام فإذا أرادوا واحدة قالوا: شاة، صرح به القزاز.
وفيه: ما بوب له، وهو مباشرة الشريف والإمام والعالم شراء الحوائج بنفسه وإن كان له من يكفيه؛ إيثارًا للتواضع وخروجًا عن أحوال المتكبرين؛ لأنه لا يشك أحد أن جميع الأمة كانوا حراصًا على كفاية ما يعن له من أموره، وما يحتاج إلى التصرف فيه رغبة منهم في دعوته وتبركًا بذلك.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: (الإمام)، وعلَّم عليها أنها نسخة. ونسبها الحافظ في «الفتح» ٣١٩/ ٤ لأبي ذر الهروي.
(٢) الحديث السابق (٢٠٦٨).



٣٤ - باب شِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالحَمِيرِ (١)
وَإِذَا اشْتَرَى دَابَّةً أَوْ جَمَلًا وَهُوَ عَلَيْهِ، هَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْضًا قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ؟ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ: «بِعْنِيهِ». يَعْنِى جَمَلًا صَعْبًا.

٢٠٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ وَهْبِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَزَاةٍ، فَأَبْطَأَ بِي جَمَلِي وَأَعْيَا، فَأَتَى عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «جَابِرٌ؟». فَقُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «مَا شَأْنُكَ؟». قُلْتُ: أَبْطَأَ عَلَيَّ جَمَلِي وَأَعْيَا فَتَخَلَّفْتُ. فَنَزَلَ يَحْجُنُهُ بِمِحْجَنِهِ، ثُمَّ قَالَ: «ارْكَبْ». فَرَكِبْتُ، فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ أَكُفُّهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «تَزَوَّجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟». قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا. قَالَ: «أَفَلَا جَارِيَةً تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟!». قُلْتُ: إِنَّ لِي أَخَوَاتٍ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تَجْمَعُهُنَّ، وَتَمْشُطُهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ. قَالَ: «أَمَّا إِنَّكَ قَادِمٌ، فَإِذَا قَدِمْتَ فَالكَيْسَ الكَيْسَ». ثُمَّ قَالَ: «أَتَبِيعُ جَمَلَكَ؟». قُلْتُ نَعَمْ. فَاشْتَرَاهُ مِنِّي بِأُوقِيَّةٍ، ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَبْلِي، وَقَدِمْتُ بِالغَدَاةِ، فَجِئْنَا إِلَى المَسْجِدِ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ، قَالَ: «الآنَ قَدِمْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَدَعْ جَمَلَكَ، فَادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ». فَدَخَلْتُ فَصَلَّيْتُ، فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَزِنَ لَهُ أُوقِيَّةً. فَوَزَنَ لِي بِلَالٌ، فَأَرْجَحَ فِي المِيزَانِ، فَانْطَلَقْتُ حَتَّى وَلَّيْتُ فَقَالَ: «ادْعُ لِي جَابِرًا». قُلْتُ: الآنَ يَرُدُّ عَلَيَّ الجَمَلَ، وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْهُ. قَالَ: «خُذْ جَمَلَكَ وَلَكَ ثَمَنُهُ». [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٤/ ٣٢٠]
ثم ساق حديث جَابِرٍ في بيع الجمل.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: (والحُمُر) وعلَّم عليها أنها نسخة.


حديث جابر هذا أخرجه البخاري في نحو عشرين موضعًا ستمر بك إن شاء الله، وسلف منها: الصلاة إذا قدم من سفر (١)، وبعضه في الحج (٢).
في حديث عمر: ركوب الجمل الصعب؛ لأنه بين بعد في باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته، أن ابن عمر كان راكبًا عليه (٣)؛ فلذلك بوب عليه هنا.
وقول جابر: (كنت في غزوة).
فيه: ذكر العمل الصالح ليأتي بالأمر على وجهه لا يريد فخرًا.
وقوله: «ما شأنك؟».
فيه: تفقد لأحوال صحابته وذكرهم له ما ينزل بهم عند سؤاله.
وقوله: (فتخلفت فنزل يحجنه بمحجنهِ): فيه نزول الشارع لأصحابه.
ومعنى يحجنه: يضربه بالمحجن -بكسر الميم- عصا محنية الرأس كالصولجان.
وقال ابن فارس: خشبة في طرفها انعقاف، واحتجنتُ بها الشيء (٤).
وفيه: ضرب الدواب.
وقوله: (أكفه عن رسول الله - ﷺ -).
فيه: توقيره، وهو واجب من غير شك.
وقوله: «أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك».

---------
(١) برقم (٤٤٣).
(٢) برقم (١٨٠١).
(٣) برقم (٢١١٥).
(٤) «المجمل» ٢/ ٢٦٦ مادة: حجن.



فيه: حض على تزويج البكر، وعلى ما هو أقرب لطول الصحبة والمودة وما تستريح إليه النفوس؛ لما فيها من طبع البشرية والضعف، وقيل: معنى تلاعبها: من اللعاب لا اللعب، يؤيده رواية البخاري في
موضع آخر: «فأين أنت من الأبكار ولعابها (١)» (٢) بضم اللام كما قيده المستملي.
وقوله: «إنهن أطيب أفواهًا».
وفيه: اعتذار جابر بأخواته.
وقوله: «أما إنك قادم»: يحتمل أن يكون إعلامًا وإن قدمت، قاله الداودي. و«الكيس الكيس» أي: الجماع، كما قاله ابن الأعرابي؛ لما فيه. والغسل من الأجر والكيس: العقل جعل طلب الولد عقلًا. وفي البخاري في موضع آخر الكيس: الولد (٣)، ولعله حضه على طلب الولد واستعمال الكيس والرفق فيه إذا كان لا ولد له إذ ذاك، وقيل: أمره أن يتحفظ لئلا تكون حائضًا. والكيس: شدة المحافظة على الشيء، وقيل: حضه على الولد؛ ليكثر الإسلام ويعملوا بشرائعه.
وفيه: سؤال رب السلعة للبيع وإن لم يعرضها له.
وفيه: وزن ما يباع به: لقوله: «بأوقية».
وفيه: الاستعجال للمقدوم.
وقوله: (وقدمت بالغداة)، أي: غداة اليوم في قدم فيه - عليه السلام -.

----------
(١) ورد بهامش الأصل: رجح في «المطالع» أن تلاعبها من الملاعبة، ولم يذكر الضم في اللعاب إلا عن أبي الهيثم فقط وقدم عليه اللمز.
(٢) سيأتي برقم (٥٠٨٠) كتاب: النكاح، باب: تزويج الثيبات.
(٣) سيأتي برقم (٥٢٤٦) كتاب: النكاح، باب: طلب الولد.



وقوله: (فوزن لي أوقية) هكذا هو بالألف، وادعى ابن التين أنه وقع بدونها (١).
وفيه: التوكيل في القضاء، قاله الداودي.
وفيه: الرجحان في الوزن، ولعله كان يأمره (٢) الوكيل، والوكيل لا يرجح إلا بالإذن. ومذهب مالك والشافعي والكوفيين: أن الزيادة في البيع من البائع والمشتري والحط من الثمن يجوز، سواء قبض الثمن أم لا، على حديث جابر، وهي عندهم هبة مستأنفة. وقال ابن القاسم: هبة، فإن وجد بالمبيع عيبًا رجع بالثمن في الهبة. وقال أبو حنيفة: إن كانت الزيادة فاسدة لحقت بالعقد وأفسدته، وخالفه صاحباه (٣).
وقال الطحاوي: لا تجوز الزيادة في البيع (٤). وترك أصحابنا فيه القياس، ورجعوا إلى حديث جابر، وسنوضح ذلك في باب: استقراض الإبل.
واختلفوا في أحكام الهبة فعند مالك: أنها تجوز وإن لم تقبض.
وعند الشافعي والكوفيين: لا تجوز حتى تقبض، كما ستعرفه في أحكامها في بابه.

----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: وهي لغة لبعضهم وقد رأيت في بعض روايات مسلم، وقال النووي فيما رواه ثابت عن رسول الله - ﷺ -: وقد ذكرها البخاري في باب: إذا اشترط البائع ظهر الدابة قال ذكرها مسلم فيه، وجاءت فيها أحاديث أخر انتهى وفي «المطالع» أن الخطابي حكاه وعنده باب، وحكاه اللحياني.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي الصحيح أمره به.
(٣) انظر: «المبسوط» (١٣/ ١٢٣، ١٤/ ٨٥)، «بدائع الصنائع» ٥/ ٢٥٩، «المنتقى» ٥/ ١٣، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٩٠، «أنوار البروق» ٣/ ٢٨٤، «المجموع» ٩/ ٤٦٢، «مسائل الكوسج» (٢٢٣٣).
(٤) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٤٨.



وفيه: جواز هبة المبتاع ورد ما اشتراه، وكذا فعل في جمل عمر كما سيأتي (١).
وقد اختلف أهل العلم في البيع هل القبض شرط في صحته أم لا؟
على قولين: أحدهما: لا، وأن البيع يتم بالقول غير الربوي، وبه قال مالك وأحمد وإسحاق (٢).
وثانيهما: نعم، وإنه من تمام العقد، فإن تلف قبل قبضه فمن ضمان بائعه. قال ابن المنذر: وقد وهب الشارع الجمل من جابر قبل أن يقبضه، وإذا جاز أن يهبه المشتري للبائع قبله، جاز أن يهبه لغيره وجاز بيعه، وأن يفعل فيما اشتراه ما يفعله المالك فيما ملكه، وليس مع من خالف هذا سنة يدفع بها هذِه السنة الثابتة.

--------
(١) برقم (٢١١٥).
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٥ - ١٦٧، «التفريع» ٢/ ١٣٠، «مسائل الكوسج» (١٧٨٦، ١٨٠٦، ١٨٢١، ١٨٤٥، ١٨٤٧)، «مسائل صالح» (١٢٨٧)، «مسائل ابن هانئ» (١١٧٥)، «الروايتين والوجهين» ١/ ٣٢٦ - ٣٢٧، «المغني» ٧/ ١٨٨.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #405  
قديم 19-02-2026, 11:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 211 الى صـــ 230
الحلقة (405)




٣٥ - باب الأَسْوَاقِ التِي كَانَتْ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَتَبَايَعَ بِهَا النَّاسُ فِي الإِسْلَامِ.
٢٠٩٨ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمَجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا مِنَ التِّجَارَةِ فِيهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ، قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ كَذَا.
ذكر فيه حديث ابن عباس: كَانَتْ عُكَاظ وَمَجَنَّةُ … إلى آخره.
سلف في الحج (١). وفقهه أن الناس تجروا قبل الإسلام وبعده، وأن التجارة في الحج وغيره جائزة، وأن ذلك لا يحط أجر الحج إذا أقام الحج على وجهه وأتى بجميع مناسكه؛ لأن الله تعالى قد أباح لنا
الابتغاء من فضله.
وفيه: أن مواضع المعاصي وأفعال الجاهلية لا تمنع من فعل الطاعة فيها؛ بل يستحب توخيها وقصدها بالطاعة وبما يرضي الرب ﷻ، ألا ترى أنه - عليه السلام - أباح دخول حجر ثمود لمن دخله متعظًا باكيًا خائفًا من النقمة ونزول السطوة.
وقوله: (فلما كان الإسلام تأثموا من التجارة فيها)، ومعنى (تأثموا): تحرجوا من الإثم: كفوا عنه، وأثم: ثلاثي إذا وقع في الإثم، فصار مثل حرج إذا وقع في الحرج وتحرج إذا كف.

----------
(١) برقم (١٧٧٠) باب: التجارة أيام الموسم.


٣٦ - باب شِرَاءِ الإِبِلِ الهِيمِ أَوِ الأَجْرَبِ
الهَائِمُ: المُخَالِفُ لِلْقَصْدِ فِي كُلِّ شَيْءٍ.

٢٠٩٩ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو: كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ اسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إِبِلٌ هِيمٌ، فَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما فَاشْتَرَى تِلْكَ الإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ. فَقَالَ: مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قَالَ: مِنْ شَيْخٍ، كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: وَيْحَكَ ذَاكَ -وَاللهِ- ابْنُ عُمَرَ. فَجَاءَهُ فَقَالَ: إِنَّ شَرِيكِي بَاعَكَ إِبِلًا هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ. قَالَ: فَاسْتَقْهَا. قَالَ: فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا فَقَالَ: دَعْهَا، رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَا عَدْوَى». سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا. [٢٨٥٨، ٥٠٩٣، ٥٠٩٤، ٥٧٧٢ - مسلم: ٢٢٢٥ - فتح: ٤/ ٣٢١]
حَدثَنَا عَلِيُّ بن عبد الله، ثَنَا سُفْيَانُ قال: قَالَ عَمْرٌو: كَانَ هَا هُنَا رَجُلٌ أسْمُهُ نَوَّاسٌ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ إبل هِيمٌ، فَذَهَبَ ابن عُمَرَ فَاشْتَرى تِلْكَ الإِبِلَ مِنْ شَرِيكٍ لَهُ، فَجَاءَ إِلَيْهِ شَرِيكُهُ فَقَالَ: بِعْنَا تِلْكَ الإِبِلَ. فَقَالَ: مِمَّنْ بِعْتَهَا؟ قَالَ: مِنْ شَيْخِ، كَذَا وَكَذَا. فَقَالَ: وَيْحَكَ -والله- ذاك ابن عُمَرَ. فَجَاءَهُ فَقَالَ: إِن شَرِيكِي بَاعَكَ إبلًا هِيمًا، وَلَمْ يَعْرِفْكَ. قَالَ: فَاسْتَقْهَا، فَلَمَّا ذَهَبَ يَسْتَاقُهَا قَالَ: دَعْهَا، قد رَضِينَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَا عَدْوى». سَمِعَ سُفْيَانُ عَمْرًا.
هذا السياق تفرد به البخاري.
وقوله: (سمع سفيان عمرًا)، هو كما قال، وقد قال عبد الله بن الزبير الحميدي: حدثنا سفيان، ثنا عمرو بن دينار، وزاد: وكان نواس يجالس ابن عمر وكان يضحكه، فقال يومًا؛ وددت أن لي أبا قبيس ذهبًا.
فقال له ابن عمر: ما تصنع به؟ قال: أموت عليه، فضحك


ابن عمر (١).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: (نواس) بفتح النون وكسرها، قال صاحب «المطالع»: عند الأصيلي، والكافة نَوَّاس، وعند القابسي: نِوَاس بكسر النون وتخفيف الواو، وعند بعضهم: نواسي.
ثانيها: (الإبل) -بكسر الباء والتخفيف- اسم واحد يقع على الجميع ليس بجمع ولا باسم جمع، إنما هو دال عليه، وجمعها: إبال.
وعن سيبويه: إبلان، ذكره في «المخصص» (٢).
والهيم: هي التي أصابها الهيام: داء لا تروى معه من الماء، بضم الهاء وبالكسر اسم الفعل ومنه قوله تعالى ﴿شُرْبَ الهِيمِ﴾ [الواقعة: ٥٥] وقيل: في الآية غير هذا، وقيل: هو داء يكون معه الجرب؛ ولهذا ترجم عليه البخاري، ويدل عليه قول ابن عمر حين تبرأ إليه بائعها من عيبها: رضيت بقضاء رسول الله - ﷺ - «لا عدوى» وقيل: الهيم جمع الأهيم والهيماء، قال ذلك الخطابي وهو: العطشان الذي لا يروى، قال: ولا أعرف للعدوى في الحديث معنى، إلا أن تكون إذا رعت مع سائر الإبل وتركت معها ظن بها العدوى، وقد تكون من الهيام: وهو جنون يصيبها فلا تلزم القصد في سيرها (٣).
قلت: للعدوى معنى ظاهر؛ ولذلك قال ابن عمر: رضيت بقضاء رسول الله - ﷺ - في صحة هذا البيع، على ما فيه من التدليس والعيب ولا عدوى عليك ولا عليه، ولا أرفعكما إلى حاكم ولا ظلم ولا اعتداء.

----------
(١) «مسند الحميدي» ١/ ٥٦١ (٧٢٢).
(٢) «المخصص» (٢/ ١٢٥).
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٢٤ - ١٠٢٥.



وعبارة ابن سيده: الهيام: داء يصيب الإبل عن بعض المياه بتهامة يصيبها مثل الحمى (١). وقال الهجري: هو داء يصيبها عن شرب النجل إذا كثر طحلبه واكتنفت به الذبان (٢)، جمع ذباب بضم الذال. قلت: وفي «نوادره»: الهيام: من أدواء الإبل مجرور الهاء، وكل الأدواء بضم أولها، ثم أوضحه أكثر مما ذكره عنه ابن سيده وواحد الهيم أهيم، وهيماء في المؤنث.
وقول البخاري: (والهائم المخالف للقصد في كل شيء): أي: يهيم، يذهب على وجهه. واعترض ابن التين فقال: ليس الهائم واحد الهيم، فانظر لم أدخل البخاري هذا في تبويبه؟
قلت: وجهه لائح، فإن الإبل الهيم لما كانت تخالف القصد في قيامها وقعودها ودورها مع الشمس كالحرباء، كالرجل الهائم العاشق. قال ذلك. ولم يذكر ابن بطال غير قول صاحب «العين» (٣): الهيام كالجنون، ويقال: الهيوم أن يذهب على وجهه، والهيمان: العطشان (٤). وقال الهروي: هيم، أي: مراض تمص الماء مصًّا فلا تروى (٥)، وقيل: لا تروى حتى تموت به. وكذا قال الداودي: التي لا تشرب من الماء إلا قليلًا وهي عطاش، ومنه ﴿فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ [الواقعة: ٥٥] أي: لأنه ﴿كَالمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] فهم عطاش أبدًا.

-------
(١) «المحكم» ٤/ ٢٨٢.
(٢) انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٧٤٠. مادة [هيم].
(٣) «العين» ٤/ ١٠١.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٣١.
(٥) انظر «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ٢٨٩.



ثالثها: كلمة: (ويح) للرحمة، كما قاله ابن سيده (١)، وقيل: ويحه كويله، وقيل: ويح تقبيح، وفي «المجمل» عن الخليل: لم يسمع على بنائه إلا ويس وويه وويل وويك. وعن سيبويه: ويح: كلمة زجر لمن أشرف على الهلكة (٢)، وقيل: لمن وقع فيها، وكذا فرق الأصمعي بين ويح وويل فقال: ويل تقبيح، وويح ترحم، وويس تصغيرها. وفي «التهذيب»: ويح: كلمة تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها؛ بخلاف ودل: فإنها للذي يستحقها (٣).
وقوله: (فاستقها)، يحتمل أن يكون قاله مجمعًا على رد المبيع أو مختبرًا هل الرجل مغتبط بها أم لا؟
وفيه من الفقه: شراء المعيب وبيعه إذا كان البائع قد عرَّف [عيبه] (٤) ورضيه (المشتري) (٥).
وليس ذلك من الغش إذا بين له. وأما ابن عمر فرضي بالعيب والتزمه، فصحت الصفقة فيه. وفيه: تجنب ظلم الصالح؛ لقوله: ويحك ذاك ابن عمر.
ومعنى «لا عدوى»، في الحديث هي ما كانت الجاهلية تعتقده، ويجوز أن يكون من الاعتداء وهو العدوان والظلم، وحديث: «لا يورد ممرض على مصح» (٦) خشية أن يصيب المصح شيء فيظن أنه منه.

---------
(١) «المحكم» ٤/ ٢٩.
(٢) «المجمل» ٣/ ٩١٣.
(٣) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٩٦٨ - ٣٩٦٩ مادة: ويح.
(٤) في الأصل: بيعه، والصواب ما أثبتناه.
(٥) من (م).
(٦) سيأتي برقم (٥٧٧١) كتاب: الطب، باب: لا هامة، ورواه مسلم (٢٢٢١) كتاب: السلام، باب: لا يورد ممرض على مصح. من حديث أبي هريرة.



٣٧ - باب بَيْعِ السِّلَاحِ فِي الفِتْنَةِ وَغَيْرِهَا
وَكَرِهَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ بَيْعَهُ عند الفِتْنَةِ.

٢١٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ أَفْلَحَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ -مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- عَنْ أَبِي قَتَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ، -فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ. [٣١٤٢، ٤٣٢١، ٤٣٢٢، ٧١٧٠ - مسلم: ١٧٥١ - فتح: ٤/ ٣٢٢]
ثم ساق من حديث أبي قتادة الحارث بن ربعي: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - عَامَ حُنَيْنٍ، فَبِعْتُ الدِّرْعَ، فَابْتَعْتُ بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ، فَإِنَّهُ لأَوَّلُ مَالٍ تَأَثَّلْتُهُ فِي الإِسْلَامِ.
الشرح: أثر عمران ذكره عبد الله بن أحمد في «علله» فقال: سألت ابن معمر، عن محمد بن مصعب القرقساني، فقال: ليس بشيء، وكان لي رفيقًا فحدثنا عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين: أنه كره بيع السلاح في الفتنة، فقلنا لمحمد بن مصعب: هذا يرويه عن أبي رجاء قوله، فقال: هكذا سمعه. ثم قال: يحيى لم يكن من أصحاب الحديث (١). قال عبد الله: وسمعت أبي، ذكر محمد بن
مصعب فقال: لا بأس به (٢). فقلت: أنكر يحيى عليه حديث أبي رجاء إذ رواه عن عمران قوله. فسكت.
وفي «تاريخ الخطيب» رواه محمد بن مصعب أيضًا مرفوعًا إلى رسول الله - ﷺ - (٣)، وكذا هو في كتاب «البيوع» لابن أبي عاصم، ورواه

---------
(١) «العلل ومعرفة الرجال» ١/ ٤٩٢ (١١٤٢)، ٢/ ٥٩٦ - ٥٩٧ (٣٨٢٩).
(٢) المصدر السابق ٢/ ٥٩٩ (٣٨٤٠) وفيه: قال: لا بأس به، وحدثنا عنه بأحاديث كثيرة.
(٣) «تاريخ بغداد» ٣/ ٣٩٤.



ابن عدي في «كامله» من حديث بحر بن كنيز السقاء -وهو ضعيف- عن عبيد الله بن القبطي عن أبي رجاء عن عمران (١).
وحديث أبي قتادة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، والبخاري مطولًا بقصة
تأتي (٣)، وأسقط هنا ما لم يتم الكلام إلا به، وهو أنه قتل رجلًا من الكفار فأعطاه - عليه السلام - درعه. والبخاري أراد بيع الدرع فذكر موضعه فقط، وذكر في الأحكام:
وقال لي عبد الله بن صالح، عن الليث: فقام رسول الله - ﷺ - فأداه إليّ (٤)، وقد ساقها مرة أخرى كذلك متصلًا (٥).

--------
(١) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠ في ترجمة بحر بن كنيز (٢٨٧).
ورواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٣٢٧ كتاب: البيوع، باب: كراهية بيع العصير ممن يعصر الخمر، والسيف ممن يعصي الله -عز وجل- به، من طريق ابن عدي، وقال: بحر السقاء ضعيف لا يحتج به.
ورواه أيضًا ٥/ ٣٢٧ من طريق محمد بن مصعب القرقساني، عن أبي الأشهب، عن أبي رجاء، عن عمران بن حصين موقوفًا، وقال: رفعه وهم، والموقوف أصح، ويروى ذلك عن أبي رجاء، من قوله.
وروى ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٨/ ١٠٣ في ترجمة محمد بن مصعب من أصحاب الحديث، كان مغفلًا، حدث عن أبي رجاء عن عمران بن حصين، كره بيع السلاح في الفتنة، وهو كلام أبي رجاء.
وقال الحافظ في «الفتح»: رواه ابن عدي والطبراني، وإسناده ضعيف.
وقال في «التلخيص» ٣/ ١٨ رواه ابن عدي والبزار والبيهقي مرفوعًا، وهو ضعيف والصواب وقفه.
وضعفه الألباني في «الإرواء» (١٢٩٦).
(٢) مسلم (١٧٥١).
(٣) سيأتي برقم (٣١٤٢) كتاب: فرض الخمس، باب: من لم يخمس الأسلاب.
(٤) سيأتي برقم (٧١٧٠) باب: الشهادة تكون عند الحاكم.
(٥) سيأتي برقم (٤٣٢٢) كتاب: المغازي، باب: قول الله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾.



والذي شهد لأبي قتادة بالقتل: الأسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس -قاله المنذري (١)، وفي الإسناد: ابن أفلح (٢)، وهو عمر بن كثير بن أفلح وأبو محمد مولى أبي قتادة واسمه: نافع (٣).
وبنو سلِمة -بكسر اللام- بطن من الأنصار، واعترض الإسماعيلي فقال: الحديث ليس في شيء من ترجمة الباب. وليس كما ذكر فإنه ذكر للترجمة على بيع السلاح في الفتنة أثر عمران، وعلى قوله وغيرها حديث أبي قتادة: إذ باع السلاح في غير أيام الفتنة، أو يقال: إن الرجل لما قال: سلب ذلك القتيل عندي فارضه فكأنه بمنزلة البيع وذلك وقت فتنة؛ لأن الرضى لا يكون إلا مع مقارنة التماثل.
والمخرف: بفتح الميم وكسر الراء وعكسه وفتحها: البستان. وقيل: الحائط من النخل يخترف فيه الرطب أي: يُجتنى، وقيل: بالكسر ما يجنى فيه الثمر أو ما يقطع به، وبالفتح: الحائط من النخل، وقال ابن سيده: المخرف: القطعة الصغيرة من النخل لست أو سبع يشتريها الرجل للخرفة (٤).

----------
(١) انظر: «تفسير الطبري» ٨/ ٩.
(٢) هو عمر بن كثير بن أفلح المدني، مولى أبي أيوب الأنصاري. روى عن: سفينة وابن عمر وكعب بن مالك وغيرهم. روى عنه: سعد بن سعيد الأنصاري ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهما، وثقه النسائي وابن حبان. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٦/ ١٨٨ (٢١٢٥)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ١٦٦، «تهذيب الكمال» ٢١ (٤٩١) (٤٢٩٨).
(٣) هو نافع بن عباس، ويقال: عياش الأقرع. روى عن: أبي قتادة الأنصاري وأبي هريرة وغيرهما. روى عنه: صالح بن كيسان والزهري وغيرهما.
وثقه النسائي وابن حبان وغيرهما. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٤٥٣ (٢٠٧٣)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٤٦٨، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٢٧٨ (٦٣٦١).
(٤) «المحكم» ٥/ ١٠٥.



و(تأثلته): جعلته أصل مالي مأخوذ من الأثلة وهو الأصل، والآثال بالفتح: المجد، وبالضم: اسم جبل وبه سُمي الرجل قال:
ولكنما أسعى لمجد مؤثل … وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي (١)
أي: المجد في له أصل.
إذا تقرر ذلك فإنما كره بيع السلاح في الفتنة؛ لأنه من باب التعاون على الإثم وذلك منهي عنه. فأما بيعه في غيرها فمباح وداخل في عموم ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] وقال ابن التين: لعله في فتنة لا يعرف الظالم من المظلوم فيها وإلا فلو علمنا بيع من المظلوم ولم يبع من الظالم.
قلت: ومن الأول بيع العنب لعاصر الخمر فإنه حرام وباطل عند مالك، يفسغ البيع فيه (٢). وخالف الثوري فقال: لا كراهة بع حلالك ممن شئت (٣).
وفيه ذكر الرجل الصالح بصالح عمله.
فائدة: حنين: سنة ثمان (٤)، وهو واد بين مكة والطائف على ثمانية عشر ميلًا من مكة (٥).

--------
(١) البيت من قول امرئ القيس، وانظر: «لسان العرب» ١/ ٢٨ مادة [أثل].
(٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ١٥٨.
(٣) انظر: «المغني» ٦/ ٣١٧ - ٣١٨.
(٤) انظر تفاصيل الغزوة في: «سيرة ابن هشام» ٤/ ٦٥، و«الكامل» لابن الأثير ٢/ ٢٦١، و«البداية والنهاية» ٤/ ٧١٨.
(٥) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٧١، و«معجم البلدان» ٢/ ٣١٣.



٣٨ - باب فِي العَطَّارِ وَبَيْعِ المِسْكِ
٢١٠١ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً».
ذكر فيه حديث أبي موسى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالجَلِيسِ السَّوْءِ، كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ وَكِيرِ الحَدَّادِ، لَا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ المِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ، أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ، وَكِيرُ الحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ أَوْ ثَوْبَكَ، أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً».
هذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الذبائح (١)، والمسك طاهر بالإجماع، ولا عبرة بخلاف الشيعة أن أصله دم.
قال ابن بطال: واختلف فيمن استحب المسك ومن كرهه، والحديث حجة على الجواز؛ لأنه - عليه السلام - ضرب مثل الجليس الصالح بصاحب المسك، وأخبر بعادة الناس في شرائه ورغبتهم في شمه، ولو لم يجز شراءه لبينه، وقد حرم الله بيع الأنجاس واستعمال روائح الميتة، فلا معنى لقول من كرهه، وإنما خرج كلامه - عليه السلام - في هذا الحديث على المثل في النهي على مجالسة من يتأذى بمجالسته، كالمغتاب والخائض في الباطل، والندب إلى مجالسة من ينال في مجالسته الخير، من ذكر الله وتعلم العلم وأفعال البر كلها، وقد روي

--------
(١) برقم (٥٥٣٤) باب: المسك.


عن إبراهيم الخليل أنه كان عطارًا، فيما ذكره ابن بطال (١).
ووجه إدخاله هذا الحديث في الذبائح؛ ليدل على تحليله؛ إذ أصله التحريم؛ لأنه دم فلما تغير عن الحالة المكروهة من الدم وهي الزهم وقبح الرائحة صار حلالًا بطيبها، وانتقلت حاله، وكانت حاله كحال الخمر، فتحل بعد أن كانت حرامًا بانتقال الحال. وأصل هذا في كتاب الله تعالى في قصة موسى ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَالَ خُذْهَا﴾ [طه: ٢٠، ٢١] فحكم لها بما انتقلت إليه، وأسقط عنها حكم ما انتقلت عنه.
وحديث الباب حجة في طهارة المسك؛ لأنه لا يجوز حمل النجاسة في الصلاة ولا يأثم بذلك؛ فدل على طهارته، وممن أجاز الانتفاع به: علي (٢)، وابن عمر (٣)، وأنس (٤)، وسلمان الفارسي (٥)، ومن التابعين: سعيد بن المسيب (٦)، وابن سيرين (٧)، وجابر بن زيد (٨)، ومن الفقهاء:

------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٣٢ بتصرف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٦) كتاب: الجنائز، في المسك في الحنوط من رخص فيه، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٩٥ (٨٩١)، والبيهقي في «سننه» ٣/ ٤٠٥ - ٤٠٦ كتاب: الجنائز، باب: الكافور والمسك للحنوط.
(٣) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤١٤ (٦١٣٩ - ٦١٤١) كتاب: الجنائز، باب: الحفاظ، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٢ - ١١٠٣٣، ١١٠٣٨)، وابن المنذر ٢/ ٢٩٤ (٨٨٩)، والبيهقي ٣/ ٤٠٦.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٠ (١١٠٣١)، وابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٨٩٠)، والبيهقي ٣/ ٤٠٦.
(٥) ذكره ابن المنذر في «الأوسط» ٢/ ٢٩٤.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٤).
(٧) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤١٤ (٦١٣٨)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٧.
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٤). وانظر: «الأوسط» لابن المنذر ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥.



الليث والأربعة وإسحاق (١).
وممن خالف في ذلك عمر فيما ذكره ابن أبي شيبة، أنه كره المسك وقال: لا تحنطوني به (٢)، وكرهه عمر بن عبد العزيز (٣)، وعطاء (٤)، والحسن (٥)، ومجاهد (٦)، والضحاك (٧)، وعن أكثرهم: لا يصلح للحي ولا للميت؛ لأنه ميتة، وهو عندهم بمنزلة ما قطع من الميتة ولا يصح ذلك إلا عن عطاء، كما قاله ابن المنذر (٨)، والذي رأيته في «المصنف» عنه خلافه: إذ سئل: أطيب الميت بالمسك؟ قال:
نعم، أو ليس تجعلون في الذي تجمرونه المسك (٩). ثم ما قالوه قياس غير صحيح؛ لأن ما قطع من الحي يجري فيه الدم وليس هذا سبيل نافجة المسك؛ لأنها تسقط عند الاحتكاك كسقوط الشعر، وهو في معنى الجبن والبيض واللبن.

------
(١) «المبسوط» ٤/ ٤، «تبيين الحقائق» ١/ ٧٤، «فتح القدير» ١/ ٢٠٤، «المدونة» ٣/ ٦٩، «المنتقى» ٢/ ١١، «الأم» ١/ ٦٢، «قواعد الأحكام في مصالح الآنام» ٢/ ١٦٤ وقال: والأصل في الطهارات أن يتبع الأوصاف المستطابة وفي النجاسة أن يتبع الأوصاف المستخبثة، «الفروع» ١/ ٢٤٩، «الإنصاف» ١/ ٣٢٩.
(٢) «المصنف» ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٩).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤٠).
(٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٤١٥ (٦١٤٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤١).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤٣)، ٥/ ٣٠٨ (٢٦٣٥٠).
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦١ (١١٠٤٣)، ٥/ ٣٠٨ (٢٦٣٤٩).
(٧) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٦٢ (١١٠٤٤)، ٥/ ٣٠٨ (٢٦٣٤٨).
وانظر: «الأوسط» ٢/ ٢٩٧.
(٨) «الأوسط» ٢/ ٢٩٧.
(٩) «المصنف» ٢/ ٤٦١ (١١٠٣٥).



وفي أفراد مسلم من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - ﷺ -:
«المسك أطيب الطيب» (١) وهو نص يقطع الخلاف.
وفي «سنن أبي داود» (٢). كان له سكّة يتطيب بها (٣). وقال ابن المنذر: روينا عن النبي - ﷺ - بإسناد جيد: أنه كان له مسك يتطيب به.
وذكره البخاري هنا بلفظ «يحذيك» يعني: يعطيك. تقول العرب: حذوته وأحذيته، إذا أعطيته، والاسم الحذيا مقصور.
وفيه: الحض على صحبة الصالح وتجنب الجليس السوء، كما سلف.
وفي الحديث: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» (٤).

---------
(١) مسلم (٢٢٥٢)، وانظر: «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٤٧٧ (١٨٣٧).
(٢) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: لفظ أبي داود: «أطيب طيبكم المسك».
(٣) أبو داود (٤١٦٢) كتاب: الترجل، باب: ما جاء في استحباب الطيب، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٨٣١).
(٤) روي هذا الحديث من طريقين عن أبي هريرة.
الأول: من طريق زهير بن محمد التميمي عن موسى بن وردان عن أبي هريرة مرفوعًا.
رواه من هذا الطريق: أبو داود (٤٨٣٣) كتاب: الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس، والترمذي (٢٣٧٨) كتاب: الزهد، وأحمد ٢/ ٣٠٣، ٣٣٤، والطيالسي ٤/ ٢٩٩ (٢٦٩٦)، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٣٥٢ (٣٥١)، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٦٩١)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ١٧٨ في ترجمة زهير بن محمد العنبري التميمي (٧١٤) والحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٧١، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٤١ - ١٤٢ (١٨٧ - ١٨٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٥٥ (٩٤٣٦)، وفي «الآداب» (٢٨٥)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٤/ ١١٥، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٢٣٦ (١٢٠٦) والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٩/ ١٦٧. قال حديث غريب.
الثاني: من طريق صفوان بن سليم عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة مرفوعًا. =



وفيه: جواز اشتراء المسك وهو إجماع.
والكير: الموضع في يجمع فيه الحداد، قاله الداودي. وقيل: الفرن المبني، وقيل: الزق في ينفخ فيه.
وقوله: («لا يَعدمك») بفتح الياء أي: لا يعدوك. قال ابن فارس: ليس يعدمني هذا الأمر. أي: ليس يعدوني (١)، وضبط في أصل الدمياطي بضم أوله وكسر ثالثه.
قال ابن التين: وهو ما ضبط هنا.
وفيه: إباحة المقايسات في الدين، استنبطه ابن حبان في «صحيحه» (٢).
فائدة: المسك مذكر، ومن أنثه ذهب إلى رائحته، وذكر المسعودي في «مروجه» أصله.

----------
= رواه من هذا الطريق: الخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٦٩٢)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ١٠٧، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ٥٥ (٩٤٣٨)، والبغوي في «شرح السنة» ١٣/ ٧٠ (٣٤٨٦)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٢٣٦ - ٢٣٧ (١٢٠٧) وقال: حديث لا يصح عن رسول الله، فيه: إبراهيم بن أبي يحيى، قد كذبه مالك ويحيى بن معين وغيرهما. اهـ. ورواه أيضًا الحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٧١ من طريق صدقة بن عبد الله عن إبراهيم بن محمد الأنصاري عن سعيد بن يسار. به، وقال: صحيح إن شاء الله تعالى ولم يخرجاه. وتعقبه الحافظ في «إتحاف المهرة» ١٥/ ١٥ (١٨٧٧٣) قائلًا: كلا؛ فصدقة ضعيف، وشيخه مجهول. قال الدارقطني في «العلل» ٨/ ٣٢٤: المعروف من رواية موسى بن وردان عن أبي هريرة اهـ. وقال النووي في «رياض الصالحين» (٣٦٧): رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح. وأيضًا صححه الألباني في «الصحيحة» (٩٢٧).
(١) «المجمل» ٣/ ٦٥٢ مادة: عدم.
(٢) «صحيح ابن حبان» ٢/ ٣٢١.



٣٩ - باب ذِكْرِ الحَجَّامِ
٢١٠٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ. [٢٢١٠، ٢٢٧٧، ٢٢٨٠، ٢٢٨١، ٥٦٩٦ - مسلم: ١٥٧٧ - فتح: ٤/ ٣٢٤]

٢١٠٣ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ -هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ- حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَعْطَى الذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ.
ذكر فيه حديث أَنَسِ: حَجَمَ أَبُو طَيْبَةَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا مِنْ خَرَاجِهِ.
وحديث ابن عَبَّاسٍ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَعْطَى الذِي حَجَمَهُ، وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَمْ يُعْطِهِ.
وأخرجهما مسلم، ولفظه في الأول: بصاع أو مد أو مدين (١).
وله في الطب والبخاري: ولم يكن يظلم أحدًا أجره (٢)، وفي لفظٍ: بصاعين من طعام (٣).

-------
(١) حديث أنس أخرجه مسلم (١٥٧٧) كتاب: المساقاة، باب: حل أجرة الحجامة.
وحديث ابن عباس أخرجه مسلم (١٢٠٢) كتاب: الحج، باب: جواز الحجامة للمحرم، وفي المساقاة بعد حديث (١٥٧٧) برقم (١٢٠٢/ ٦٥).
(٢) سيأتي برقم (٢٢٨٥) كتاب: الإجارة، باب: خراج الحجام، ورواه مسلم (١٥٧٧/ ١٧٧) بعد حديث (٢٢٠٨) كتاب: السلام، باب: لكل داء دواء، واستحباب التداوي.
(٣) سيأتي برقم (٢٢٧٧)، ورواه مسلم (١٥٧٧).



ولمسلم من حديث ابن عباس: عبد لبني بياضة، وزاد تخفيف الضريبة (١).
وقد سلف الكلام على كسب الحجام قريبًا في باب: موكل الربا، وحكينا فيه عدة أقوال.
وأبو طيبة: بفتح الطاء المهملة، اسمه دينار أو نافع أو ميسرة، أقوال. قال ابن الحذاء: عاش مائة وثلاثًا وأربعين سنة (٢).
وفيه: استعمال الأجير من غير تسمية أجرته وإعطاؤه قدرها وأكثر، قاله الداودي. وهذا غير جائز عند مالك (٣) ولا غيره، ولعل محله أنهم كانوا يعلمون مقدارها فدخلوا على العادة. والحديث نص في إباحة ما تناوله، ولا وجه لكراهية أبي جحيفة لأجره، واستدلاله على ذلك بنهيه عن ثمن الدم.
وفيه: إشارة، أعنى: النهي عن رفع أمته عن الصناعات الوضيعة.

---------
(١) مسلم (١٢٠٢/ ٦٦) بعد حديث (١٥٧٧).
(٢) انظر: «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» ٤/ ٢٦٢ (٣٠٨٨)، و«أسد الغابة» ٦/ ١٨٣ (٦٠٣٢)، و«الإصابة» ٤/ ١١٤ (٦٨٢).
(٣) انظر: «المعونة» ٢/ ١٠٩.



٤٠ - باب التِّجَارَةِ فِيمَا يُكْرَهُ لُبْسُهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ
٢١٠٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ حَفْصٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَى عُمَرَ رضي الله عنه بِحُلَّةِ حَرِيرٍ -أَوْ سِيرَاءَ- فَرَآهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «إِنِّي لَمْ أُرْسِلْ بِهَا إِلَيْكَ لِتَلْبَسَهَا، إِنَّمَا يَلْبَسُهَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ، إِنَّمَا بَعَثْتُ إِلَيْكَ لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا». يَعْنِى: تَبِيعُهَا. [انظر: ٨٨٦ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح: ٤/ ٣٢٥]

٢١٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَامَ عَلَى البَابِ، فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتُوبُ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ - ﷺ - مَاذَا أَذْنَبْتُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ؟». قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا وَتَوَسَّدَهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ». وَقَالَ: «إِنَّ البَيْتَ الذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ المَلَائِكَةُ». [٣٢٢٤، ٥١٨١، ٥٩٥٧، ٥٩٦١، ٧٥٥٧ - مسلم: ٢١٠٧ - فتح: ٤/ ٣٢٥]
ذكر فيه حديث ابن عمر (١) في إرسال رسول الله - ﷺ - إليه الحلة الحرير.
وحديث عائشة في النمرقة.
والحديثان في مسلم (٢)، وللبخاري في الأول في طريق آخر:

-----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: حديث عمر تقدم في الجمعة، وتقدم من حديث ابنه في العيد.
(٢) حديث ابن عمر رواه مسلم (٢٠٦٨) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم استعمال إناء الذهب والفضة ..
وحديث عائشة رواه مسلم (٢١٠٧) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان ..



«لتبيعها أو لتكسوها». وقالا: حلة سيراء (١). وفي الثاني: فأخذتها فجعلتها مرفقتين يرتفق بهما في البيت (٢). وفي رواية: (قرامًا) بدل: (نمرقة) (٣). والقرام: ثوب صوف ملون كما قال الخليل (٤)، والنمرقة: جمعها نمارق، وهي الوسادة. قال ابن التين: ضبطناها في الكتب بفتح النون وضم الراء، وضبطه ابن السكيت بضمهما ويكسرهما (٥)، ونمرق بغير هاء، قال: وذكرها القزاز بفتح النون وضم الراء ولم يضبطها، وقيل: هي المجالس ولعلها الطنافس. وضبطها في «المحكم» بضمهما وبكسرهما، ثم قال: قيل: التي يُلبَسُها الرَّحل (٦).
وفي «الجامع»: نمرق تجعل تحت الرحل. وقال الجوهري: هي وسائد صغيرة، وربما سموا الطنفسة التي فوق الرحل نمرقة (٧). عن أبي عبيد: والسيراء برود يخالطها حرير (٨)، قاله صاحب «العين» (٩)، وقد سلف الكلام عليها في الجمعة.
إذا تقرر ذلك:
فالتجارة فيما يكره لبسه جائزة إذا كان في البيع منفعة لغير اللابس، بخلاف ما لا منفعة فيه مطلقًا، فإنه من أكل المال بالباطل.

--------
(١) سيأتي برقم (٥٨٤١) كتاب: اللباس، باب: الحرير للنساء.
(٢) رواه مسلم (٢١٠٧/ ٩٦).
(٣) سيأتي من حديث عائشة برقم (٥٩٥٤)، ورواه مسلم (٢١٠٧/ ٩١).
(٤) «العين» ٥/ ١٥٩، مادة: (قرم).
(٥) «إصلاح المنطق» ص ١٣٤.
(٦) «المحكم» ٦/ ٣٩٣.
(٧) «الصحاح» ٤/ ١٥٦١، مادة: (نمرق).
(٨) «غريب الحديث» ١/ ١٣٨.
(٩) «العين» ٧/ ٢٩١، مادة: (سير).



وأما بيع الثياب التي فيها الصور المكروهة فظاهر حديث عائشة أن بيعها لا يجوز؛ لكن قد جاءت آثار (١) مرفوعة عن النبي - ﷺ - تدل على جواز بيع ما يوطأ ويُمْتهن من الثياب التي فيها الصور، منها ستر عائشة سهوة لها بستر فيه تصاوير، فهتكه - عليه السلام -، فجعلته قطعتين فاتكأ - عليه السلام - على إحداهما، رواه وكيع عن أسامة بن زيد، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه عنها (٢): وإذا تعارضت الآثار فالأصل الإباحة حتى يرد الحظر، ويحتمل أن يكون معنى حديث عائشة في النمرقة -لو لم يعارضه غيره- محمولًا على الكراهة دون التحريم، بدليل أنه - عليه السلام - لم يفسخ البيع في النمرقة التي اشترتها عائشة، وكأن البخاري اكتفي بذكر النمرقة عن لبس النساء. وقد يستنبط منه أنها للنساء عند الاختلاف في متاع البيت.
وقوله: (حَرِيرٍ أَوْ سِيرَاءَ) شك من الراوي.
وقوله: (فَرَآهَا عَلَيْهِ). قال الداودي: هو وهم، وقد سلف في العيد أنه أعطاها له فقال: كسوتنيها، وقد قلت في حلة عَطارد ما قلت؟ فقال: «إني لم أكسُكَها لتلبسها» فكساها عمر (٣) أخًا له بمكة مشركًا (٤).

---------
(١) من ذلك ما سيأتي عن عائشة برقم (٥٩٥٤) كتاب: اللباس، باب: ما وطئ من التصاوير، ورواه مسلم ٢١٠٧/ ٩١.
(٢) رواه من هذا الطريق ابن ماجه (٣٦٥٣)، وابن أبي شيبة ٥/ ٢٠٧ - ٢٠٨ (٢٥٢٧٦). قال البوصيري في «الزوائد» (١٢٤٢): رواه البخاري ومسلم من هذا الوجه خلا قوله: (فرأيت النبي - ﷺ - متكئ على إحداهما) والباقي نحوه، وإسناد طريق ابن ماجه فيه أسامة بن زيد متفق على تضعيفه. اهـ.
والحديث سيأتي برقم (٢٤٧٩)، ومسلم (٢١٠٧) من وجه آخر.
(٣) ورد بهامش الأصل: الظاهر أنه أخو أخيه زيد لأمه ثم رأيت بخط الدمياطي قيل: اسمه عثمان بن حكيم السلمي (....) إنما أخوه لأمه زيد بن الخطاب لا عمر بن الخطاب (.....).
(٤) سلف برقم (٨٨٦) كتاب: الجمعة، باب: يلبس أحسن ما يجد.



وقيل: إنه أخوه من الرضاعة؛ لأنه لا يُعلم له أخ إلا زيد (١).
والخلاق: النصيب. أي: من لا نصيب له في الآخرة.
و(الحلة): إزارٌ ورداءٌ، لا يسمى حلةً حتى يكونا ثوبين، قاله أبو عبيد (٢)، وقد سلف.
و(الصُّوَرِ): بضم الصاد وفتح (الواو) (٣) جمع صورة، قال ابن التين: وهذا ما سمعناه، ويجوز بسكون الواو.
قال الداودي: وهو ناسخ لكل ما جاء في الصور، لأنه خبر والخبر لا ينسخ، وما جاء من الرخصة فيما يمتهن فمنسوخ، لأن الأمر والنهي يدخله النسخ.
وقال غيره إن قوله: «إلا ما كان رقمًا في ثوب» (٤) ناسخ لحديث الباب؛ لأن الرخصة نسخت الشدة، والخبر إذا قارن الأمر يجوز فيه النسخ، وقد قارنه أمر وهي العادة التي أمرهم أن لا يتخذوها ثم نسخت الإباحة.
وقوله: («أَحْيُوا») هو بفتح الهمزة.
(«مَا خَلَقْتُمْ») أي: ما قدرتم وصورتم بصور الحيوان.

-----------
(١) قال الحافظ في «الفتح» ٥/ ٢٣٣: قال الدمياطي: إنما كان عثمان بن حكيم أخا زيد بن الخطاب أخي عمر- لأمه، أمهما أسماء بنت وهب.
قلت -أعني الحافظ- إن ثبت احتمل أن تكون أسماء بنت وهب أرضعت عمر؛ فيكون عثمان بن حكيم أخاه أيضًا من الرضاعة كما هو أخو أخيه زيد من أمه.
(٢) «غريب الحديث» ١/ ١٣٩.
(٣) في الأصل: الراء.
(٤) سيأتي برقم (٣٢٢٦) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين.
ومسلم (٢١٠٦) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم تصوير صورة الحيوان.







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #406  
قديم 25-04-2026, 01:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 231 الى صـــ 250
الحلقة (406)





والمراد بالملائكة: غير الحفظة. وقيل: ملائكة الوحي، أما الحفظة فلا تفارقه إلا عند الجماع والخلاء، كما أخرجه ابن عدي وضعفه (١).
---------
(١) قلت: رواه الترمذي (٢٨٠٠) من طريق الأسود بن عامر: حدثنا أبو محياة عن ليث عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال: «إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم».
قال الترمذي: حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وأبو محياة اسمه يحيى بن يعلى.
ووجه المباركفوري قول الترمذي: حديث غريب، فقال: في سنده ليث بن أبي سليم، وكان قد اختلط أخيرًا ولم يتميز حديثه. اهـ «تحفة الأحوذي» ٨/ ٦٩.
وضعفه الألباني -رحمه الله- في «الإرواء» (٦٤) وفي «ضعيف الجامع» (٢١٩٤).
والحديث رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٣١٧)، وكما في «مختصر زوائد مسند البزار» ١/ ١٨١ (٢٠٥)، والسراج في «حديثه» ٢/ ٢٠٢ (٨٣٨) كلاهما عن محمد بن عثمان، عن عبيد الله بن موسى، عن حفص بن سليمان، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعًا بلفظ: «إن الله ينهاكم عن التعري، فاستحيوا من ملائكة الله الذين لا يفارقونكم إلا عند ثلاث حالات: الغائط والجنابة والغسل، فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستتر بثوبه أو بحذمة حائطٍ أو ببعيره». قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا من هذا الوجه، وحفص لين الحديث. ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ١٠/ ٣٤٠٨ (١٩١٧٧) من طريق وكيع، عن سفيان ومسعر، عن علقمة بن مرثد عن مجاهد، بنحو حديث ابن عباس، مرسلًا. وأورده الألباني في «الضعيفة» (٢٢٤٣) مرسلًا وموصولًا عن ابن عباس، وقال: ضعيف جدًّا.
ورواه الدارقطني في «العلل» ٨/ ٢٣٢، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٣٢٨ (٥٣٨) من طريق أحمد بن عبدة، عن زياد البكائي، عن مسعر، عن علقمة بن مرثد، عن مجاهد، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - أنه نهى عن التعري فإن الكرام الكاتبين لا يفارقان العبد إلا عند الخلاء، وعند خلوة الرجل بأهله.
وضعف الدارقطني حديثي ابن عباس وأبي هريرة المرفوعين.
وقال: والصحيح عن علقمة بن مرثد عن مجاهد. اهـ.
قلت: أي مرسلًا. =



وقال ابن عبد البر: لم يرخص في شيء منها في هذا الحديث، وإن كانت الرخصة وردت في غيره في هذا المعنى وأن ذلك يتعارض، وحديث عائشة هذا من أصح ما يُروى في هذا الباب، إلا أن في بعض الروايات ذكر الرخص فيما يرتفق ويتوسد، فالله أعلم بالصحيح في ذلك، ومن جهة النظر: لا يجب أن يقع المنع إلا بدليل لا منازع له، وحديث سهل بن حنيف مع أبي طلحة يعضد الاستثناء، أخرجه
مالك (١).
ولم يدرك (ابن عتبة) (٢) سهلًا ولا سمع أبا طلحة (٣)، وإنما الحديث

----------
= وفي الباب عن زيد بن ثابت مضعفًا. رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ١٤٦ (٧٧٣٩) من طريق سليمان بن النعمان، عن الحسن بن أبي جعفر، عن ليث، عن محمد بن عمرو، عن أبيه، عن زيد بن ثابت مرفوعًا: «ألم أنهكم عن التعري، إن معكم من لا يفارقكم في نوم ولا يقظة، إلا حين يأتي أحدكم أهله، أو حين يأتي خلاءه، ألا فاستحيوها ألا فأكرموها».
والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٣٠٠).
وجملة القول أن الأحاديث في هذا الباب ضعيفة، لا تقوم بها حجة، والله أعلم.
(١) انتهى من «التمهيد» ١٦/ ٥١ - ٥٤ بتصرف.
وانظر: «الموطأ» ٢/ ٩٦٦. وسيأتي لهذا الحديث زيادة تخريج.
(٢) تصحفت في الأصل إلى (عيينة) والصواب المثبت: فالحديث رواه مالك: عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده … الحديث.
ورواه هكذا الترمذي (١٧٥٠)، والنسائي ٨/ ٢١٢، وأحمد ٣/ ٤٨٦، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٤٩٩ (٩٧٦٦)، وابن حبان ١٣/ ١٦٢ (٥٨٥١)، والطبراني ٥/ ١٠٤ (٤٧٣١)، والبيهقي ٧/ ٢٧١ جميعًا من طريق مالك، به. والحديث صححه الألباني في «غاية المرام» (١٣٤) وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٣) قال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ١٩٢ - ١٩٣ بعد أن قال: لم يختلف الرواة عن مالك في إسناد هذا الحديث ومتنه في «الموطأ». فقال: قال بعض أهل =



لعبيد الله عن ابن عباس، عن أبي طلحة وسهل (١).
-------
= العلم: لم يلق عبيد الله أبا طلحة، وما أدري كيف ذلك! وهو يروي حديث مالك هذا؟ وأظن ذلك أن بعض أهل السير قال: توفي أبو طلحة سنة أربع وثلاثين، وعبيد الله لم يكن في ذلك الوقت ممن يصح له سماع.
ثم قال: واختلف في وفاة أبي طلحة، وأصح ما في ذلك أن وفاته لم تكن إلا بعد خمسين سنة من الهجرة.
وأما سهل بن حنيف، فلا يشك عالم بأن عبيد الله لم يره ولم يسمع منه، وذكره في هذا الحديث خطأ لا شك فيه؛ لأن سهلًا توفي سنة ثمان وثلاثين، ولا يذكره في الأغلب عبيد الله بن عبد الله؛ لصغر سنه، والصواب في ذلك -والله أعلم- عثمان بن حنيف.
ثم قال: والصحيح في هذا الحديث رواية الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس، عن أبي طلحة، كذا قال علي بن المديني وغيره، وهو عندي -كما قالوه - والله أعلم. اهـ بتصرف.
وجزم بانقطاعه في «الاستذكار» ٢٧/ ١٧١ - ١٧٢ فقال: هذا الحديث منقطع غير متصل؛ لأن عبيد الله لم يدرك سهل بن حنيف ولا أبا طلحة ولا حفظ له عنهما، ولا عن أحدهما سماع، ولا له مسند يدركهما به.
ثم قال: والصحيح في هذا الحديث أن بين عبيد الله وبين أبي طلحة وسهل بن حنيف فيه ابن عباس. اهـ بتصرف.
قلت: سيأتي تخريجه من هذا الوجه.
(١) قلت: وهو ما جزم به ابن عبد البر فيما تقدم نقله عنه:
وكذلك جزم به الدارقطني في «العلل» ٨/ ٦ - ٩ وينظر: «تحفة الأشراف» ٣/ ٢٥٠ - ٢٥١.
والحديث المشار إليه في في إسناده ابن عباس، فسيأتي برقم (٣٢٢٥)، ورواه مسلم (٢١٠٦) من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، أنه سمع ابن عباس يقول: سمعت أبا طلحة يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه كلب ولا صورة ثماثيل».
ووجه الحافظ رواية من روى الحديث بإسقاط ابن عباس فقال: لعل عبيد الله سمع الحديث من ابن عباس عن أبي طلحة ثم لقي أبا طلحة لما دخل يعوده فسمعه منه. =



وقال أبو بكر الحازمي بعد إيراده حديث عائشة: (فجعلته وسائد): دالٌّ على النسخ، واللفظ مشعر به، إذ كان يصلي إليه لا إلى السهوة كما توهمه بعضهم. وقال: السهوة: المكان (١)، ولهذا قال «أخريه عني» (٢) ويدل عليه أيضًا حديث أبي هريرة: استأذن جبريل على رسول الله - ﷺ - فقال: «ادخل» فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير، فإما أن تقطع رءوسها أو تجعل بساطًا يوطأ، فإنَّا معشر الملائكة لا ندخل بيتًا فيه تصاوير (٣). واعلم أن الإسماعيلي قال: جعل البخاري ترجمة الباب: التجارة فيما يُكره لبسه للرجال والنساء، وقد قال - عليه السلام - في قصة علي: «شقها خمرًا بين نسائك» (٤).
----------
= ثم ساق كلام ابن عبد البر، وقال: وعثمان بن حنيف تأخر بعد سهل بمدة وكذلك أبو طلحة، فلا يبعد أن يكون عبيد الله أدركهما. اهـ «الفتح» ١٠/ ٣٨١.
(١) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» ص ١٨١.
(٢) رواه مسلم (٢١٠٧/ ٩٣) كتاب: اللباس والزينة، باب: في مخالفة اليهود في الصبغ.
(٣) انتهى من «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ١٨١ بتصرف.
وحديث أبي هريرة بهذا اللفظ رواه النسائي ٨/ ٢١٦، وفي «الكبرى» ٥/ ٥٠٤ (٩٧٩٣)، ومن طريقه الحازمي في «الاعتبار» ص ١٨١ من طريق أبي بكر، عن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن أبي هريرة، به.
وصححه الألباني في «غاية المرام» (١٤١).
ورواه أبو داود (٤١٥٨) من طريق أبي إسحاق الفزاري، عن يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد، عن أبي هريرة، بنحوه بلفظ آخر مقارب.
وحديث أبي داود هذا صححه عبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٤/ ١٩١ - ١٩٢.
وأصل الحديث رواه مسلم (٢١١٢) من طريق سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تدخل الملائكة بيتًا فيه تماثيل أو تصاوير».
(٤) سيأتي برقم (٢٦١٤) كتاب: الهبة، باب: هدية ما يكره الله بنحوه.
ورواه مسلم (٢٠٧١) كتاب: اللباس والزينة، باب: تحريم أواني الذهب والفضة في الشرب وغيره.



وكان على زينب بنت رسول الله - ﷺ - حلة سيراء (١)، وإنما المعنى من لا خلاق له من الرجال، فأما النساء فلا، فإن أراد شراء ما فيه تصاوير فحديث عمر لا يدخل في الترجمة، وقد أسلفنا الجواب عن هذا.
وكذا قال ابن المنير: في الترجمة إشعار يحمل قوله: («مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ») على العموم للرجال والنساء، والحق أن النهي خاص بالرجال، والنمرقة المصورة يستوي فيها الرجال والنساء في المنع (٢).

-----------
(١) رواه النسائي ٨/ ١٩٧، وفي «الكبرى» ٥/ ٤٦٤ (٩٥٧٦)، وابن ماجه (٣٥٩٨)، وأبو يعلى ٦/ ٢٧٧ (٣٥٨٦) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٥٤ (٦٧٢٦).
قال الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٧٨٩): شاذٌّ، والمحفوظ أم كلثوم مكان زينب.
قلت: حديث أم كلثوم سيأتي برقم (٥٨٤٢).
(٢) «المتواري» ص ٢٣٩.



٤١ - باب صَاحِبُ السِّلْعَةِ أَحَقُّ بِالسَّوْمِ
٢١٠٦ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ». وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٤/ ٣٢٦]
ذكر فيه حديث أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ». وَفِيهِ خِرَبٌ وَنَخْلٌ.
هذا الحديث سلف في الصلاة واضحًا (١)، فأبو التياح اسمه: يزيد بن عبيد.
و(خرب) بفتح الخاء مع كسر الراء، وكسرها (مع فتح الراء) (٢) قال ابن التين: ضبط في بعض الكتب بكسر الخاء كأنه جمع خربة، والذي سمعناه حرب بالحاء المهملة، والأول أولى: لقوله في الحديث الآخر فأمر بالخرب فسويت.
ولا خلاف بين الأئمة أن صاحب السلعة أحق الناس بالسوم في سلعته، وأولى بطلب الثمن فيها، ولا يجوز ذلك إلا له أو لمن وكله بالبيع (٣).

---------
(١) يراجع شرح حديثي (٤٢٨ - ٤٢٩).
(٢) من (م).
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الخامس بعد الخمسين، كتبه مؤلفه.



٤٢ - باب كَمْ يَجُوزُ الخِيَارُ؟
٢١٠٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ نَافِعًا، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ المُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ البَيْعُ خِيَارًا». قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ. [٢١٠٩، ٢١١١، ٢١١٢، ٢١١٣، ٢١١٦ - مسلم: ١٥٣١ - فتح: ٤/ ٣٢٦]

٢١٠٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا» ..
وَزَادَ أَحْمَدُ: حَدّثَنَا بَهْزٌ قَالَ: قَالَ هَمَّامٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأبِي التَّيَّاحِ فَقَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي الخَلِيلِ لَمَّا حَدّثَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الَحارِثِ بهذا الَحدِيثِ. [انظر: ٢٠٧٩ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ٤/ ٣٢٦]
ذكر فيه حديث يحيى، عن نافع، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِنَّ المُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ فِي بَيْعِهِمَا مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَكُونُ البَيْعُ خِيَارًا».
قَالَ نَافِعٌ: وَكَانَ ابن عُمَرَ إِذَا اشْتَرى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ.
وحديث أبي الخليل -هو صالح بن أبي مريم- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يتفرقا».
وَزَادَ أَحْمَدُ: ثَنَا بَهْزٌ قَالَ: قَالَ هَمَّامٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لأَبِي التَّيَّاحِ قال: كُنْتُ مَعَ أَبِي الخَلِيلِ لَمَّا حَدَّثَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الحَارِثِ هذا الحَدِيثِ.


حديث ابن عمر وحكيم أخرجهما مسلم أيضًا (١)، والثاني سلف (٢).
وأحمد قيل: إنه ابن حنبل (٣) الإمام، وكذا ذكره عن أبي المعالي أحمد بن يحيى بن هبة الله بن البيع.
وبهز: هو ابن أسد.
ثم ترجم:

---------
(١) حديث ابن عمر رواه مسلم برقم (١٥٣١) كتاب: البيوع، باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين.
وحديث حكيم رواه برقم (١٥٣٢) باب: الصدقة في البيع والبيان.
(٢) برقم (٢٠٧٩) كتاب: البيوع، باب: إذا بين البيعان ولم يكتما …
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: وكذا قاله الدمياطي بلفظ: حنبل.



٤٣ - باب إِذَا لَمْ يُوَقِّتْ فِي الخِيَارِ، هَلْ يَجُوزُ البَيْعُ؟
٢١٠٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اخْتَرْ». وَرُبَّمَا قَالَ: «أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ». [انظر: ٢١٠٧ - مسلم: ١٥٣١ - فتح: ٤/ ٣٢٧]
ثم ذكر حديث أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ: «البَيِّعَانِ بالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ». وَرُبَّمَا قَالَ: «أَوْ يَكُونُ بَيْعَ خِيَارٍ».
ثم ترجم عليه:


٤٤ - باب البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَشُرَيْحٌ وَالشَّعْبِىُّ وَطَاوُسٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ.

٢١١٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: قَتَادَةُ أَخْبَرَنِي عَنْ صَالِحٍ أَبِي الخَلِيلِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: سَمِعْتُ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا». [انظر: ٢٠٧٩ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ٤/ ٣٢٨]

٢١١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ». [انظر: ٢١٠٧ - مسلم: ١٥٣١ - فتح: ٤/ ٣٢٨]
ثم ذكر حديث حكيم بن حزام السالف.
وحديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ، إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ».
ثم ترجم عليه.


٤٥ - باب إِذَا خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ بَعْدَ البَيْعِ فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ
٢١١٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ يَتَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ». [انظر: ٢١٠٧ - مسلم: ١٥٣١ - فتح: ٤/ ٣٣٢]
ثم ساق حديث ليث، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «إِذَا تبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفرقَا ..» الحديث.
ثم ترجم عليه.


٤٦ - باب إِذَا كَانَ البَائِعُ بِالخِيَارِ، هَلْ يَجُوزُ البَيْعُ؟
٢١١٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ».

٢١١٤ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا حَبَّانُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَبِي الخَلِيلِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا -قَالَ هَمَّامٌ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي: يَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ- فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَذَبَا وَكَتَمَا فَعَسَى أَنْ يَرْبَحَا رِبْحًا، وَيُمْحَقَا بَرَكَةَ بَيْعِهِمَا».
قَالَ: وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ أنَهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الَحارِثِ يُحَدِّثُ بهذا الَحدِيثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَام، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ -. [انظر: ٢٠٧٩ - مسلم: ١٥٣٢ - فتح: ٤/ ٣٣٤]
ثم ساق حديث سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ».
وحديث حكيم بن حزام السالف.
قَالَ هَمَّامٌ: وَجَدْتُ فِي كِتَابِي: يَخْتَارُ ثَلَاثَ مِرَارٍ … الحديث.
وَحَدَّثَنَا هَمَّامٌ، ثَنَا أَبُو التَّيَّاحِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ الحَارِثِ يُحَدِّثُ بهذا الحَدِيثِ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامِ، عَنِ رسول الله - ﷺ -.
الشرح: الكل في «صحيح مسلم» أيضًا (١).
واتفقت الأئمة على إخراج حديث نافع (٢).

--------
(١) مسلم (١٥٣٢) كتاب: البيوع، باب: الصدقة في البيع والبيان.
(٢) كذا رواه أبو داود (٣٤٥٤ - ٣٤٥٥)، والترمذي (١٢٤٥)، والنسائي ٧/ ٢٤٨ - =



واتفق البخاري والنسائي على حديث ابن دينار (١)، وانفرد البخاري بحديث سالم. وفي الباب عن سمرة، أخرجه النسائي وابن حزم بزيادة «ويتخايران ثلاث مرار» (٢)، وأبي برزة (٣)، وعمرو بن العاص (٤)، وأبي هريرة (٥)، وجابر (٦)، وغيرهم (٧).
وتعليق ابن عمر سلف (٨).

---------
= ٢٥٠، وابن ماجه (٢١٨١)، ومالك في «الموطأ» ٢/ ٦٧١، وأحمد ١/ ٥٦، ٢/ ٤، ٥٤، ٧٣، ١١٩.
(١) النسائي ٧/ ٢٥٠.
(٢) النسائي ٧/ ٢٥١، «المحلى» ٨/ ٣٦٥.
ورواه أيضًا ابن ماجه (٢١٨٣)، وأحمد ٥/ ١٢، ١٧، ٢١، ٢٢، ٢٣.
(٣) رواه أو داود (٣٤٥٧)، وابن ماجه (٢١٨٢) وأحمد ٤/ ٤٢٥.
(٤) لم أهتد إليه عن عمرو بن العاص رضي الله عنه وإنما هو عن عبد الله بن عمرو بن العاص، رواه أبو داود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي ٧/ ٢٥١، وأحمد ٢/ ١٨٣.
حتى إن الترمذي لما روى حديث ابن عمر (١٢٤٥) وذكر كعادته أحاديث الباب، فقال: وفي الباب عن أبي برزة وحكيم بن حزام وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمرو وسمرة وأبي هريرة.
فلم يذكر عمرو بن العاص.
(٥) رواه أحمد ٢/ ٣١١.
(٦) رواه الترمذي (١٢٤٩)، وابن ماجه (٢١٨٤).
(٧) قلت: هو مروي أيضًا عن ابن مسعود.
رواه أبو داود (٣٥١١ - ٣٥١٢)، والترمذي (١٢٧٠)، والنسائي ٧/ ٣٠٢، وابن ماجه (٢١٨٦) من طرق عنه.
وانظر في حديث ابن مسعود هذا تخريجًا موسعًا كافيًا شافيًا، ما رأت عيناي أوفى من ذلك في «البدر المنير» ٦/ ٥٩٣ - ٦٠٧ فسارع إليه ترشد وتهتد.
وانظر مزيدًا لتخريج الحديث في «نصب الراية» ٤/ ١ - ٤.
(٨) برقم (٢١٠٧).



والتعاليق الأربعة -أعني تعليق شريح والشعبي وعطاء وابن أبي مليكة- أسندها ابن أبي شيبة (١)، وروى أثر ابن أبي مليكة مرسلًا مرفوعًا (٢) أيضا (٣). وشريح هو ابن الحارث بن قيس، كان قاضيًا شاعرًا فائقًا كوسجًا بلغ مائة وثماني سنين، وقيل: مائة وعشرين سنة، ولي القضاء من زمن عمر إلى زمن الحجاج ستين سنة، ثم استعفى فأعفاه الحجاج، وولي قضاء البصرة أيضًا (٤)، وحكي عنه أن التفرق إذا حصل بالقول وجب البيع (٥).
وقوله في باب: البيعين بالخيار: حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ ثنا حَبَّانُ.
ذكر الجياني أنه ابن منصور وقال: حديث مسلم عن إسحاق بن منصور، عن حبان (٦).

-------
(١) تعليق شريح وصله ابن أبي شيبة ٤/ ٥٠٧ (٢٢٥٦٣، ٢٢٥٦٦).
ووصله أيضًا الحافظ في «تغليق التعليق» ٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨.
وتعليق الشعبي وصله ابن أبي شيبة ٤/ ٥٠٧ (٢٢٥٦٤).
وكذا وصله سعيد بن منصور كما في «التغليق» ٣/ ٢٢٨.
وتعليقا عطاء وابن أبي مليكة وصلهما ابن أبي شيبة ٤/ ٥٠٦ (٢٢٥٦١ - ٢٢٥٦٢) لكنهما مرسلان مرفوعان.
(٢) في هامش الأصل تعليق نصه: قال النووي: قال البيهقي: قال الساجي في كتاب «الجرح والتعديل»: كان شريح قاضيًا لعمر، قال البيهقي: قد اختلفنا فيه، قال: فبهذا قال جماعة، وذكر آخرون قول الشافعي.
(٣) «المصنف» ٤/ ٥٠٦ (٢٢٥٦٢) وكلاهما مرفوع.
ولم يذكر المصنف -رحمه الله- وصل تعليق طاوس، فنقول وصله الحافظ بإسناده في «التغليق» ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٤) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ١٢/ ٤٣٥ (٢٧٢٥)، «الطبقات الكبرى» ٦/ ١٦١، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٣٢ (١٤٥٨)، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٢٨ (٢٦١١).
(٥) رواه سعيد بن منصور كما في «المحلى» ٨/ ٣٥٥، وكما في «الفتح» ٤/ ٣٢٩.
(٦) مسلم (٢٢٣). وانظر: «تقييد المهمل» ٣/ ٩٧٥ - ٩٧٦.



وقوله في الباب الأخير: (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ) هو الفريابي.
(ثَنَا سُفْيَانُ) هو ابن سعيد الثوري، كما بينه أبو نعيم.
واعترض ابن التين على هذا التبويب فقال: لم يأتِ فيه هنا بما يدل على خيار البائع وحده. وأخذه القاضي من حديث حبان السالف، قال: وقول همام (١) إلى آخره، ليس بمحفوظ والرواية على خلافه، وإذا خالف الواحد الرواة جميعًا لم يقبل قوله، سيما أنه إنما وجده في كتابه، وربما أُدْخل على الرجل في كتبه إذا لم يكن شديد الضبط.
قال: وليس في الباب الأول ذكر مدته إلا ما ذكر من التفرق.
وأجاب ابن المنير بأنه يؤخذ من عدم تحديده إذ فيه تفويض الأمر إلى الحاجة في اشتراطه، وهو مذهب مالك (٢).
قلت: لعله يشير إلى رواية همام السالفة؛ لأنه عقده للكمية لا للمدة.
إذا عرفت ذلك:
فألفاظ الحديث مع كثرة طرقه متواردة على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين؛ وأن التفرق المذكور إنما هو بالأبدان، وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين والشافعي (٣) وأحمد (٤)، وحمله
طائفة على أنه محمول على ظاهره لكن على جهة الندب لا على الوجوب، وعليه طائفة من المالكية وغيرهم.

---------
(١) في هامش الأصل: في رواية ابن مريم المتقدمة ما يشهد لصحة قول همام، اللهم إلا أن يكون من جهته.
(٢) «المتواري» ص ٢٤٠، وانظر: «أنوار البروق في أنواع الفروق» ٣/ ٢٨٣.
(٣) «أسنى المطالب» ٢/ ٤٧.
(٤) «المغني» ٦/ ١٢ وفيه: قال أبو الحارث: سئل أحمد عن تفرقة الأبدان، فقال: إذا أخذ هذا كذا وهذا كذا فقد تفرقا.



وعن مالك وربيعة وأبى حنيفة وصاحبيه والثوري والنخعي في أحد قوليهما: أن التفرق إذا حصل بالأقوال وجب البيع، وأن لا خيار إلا إن اشترط، ولهم على الحديث شبه كثيرة ذكرتها موضحةً في «شرح العمدة» فلتراجع منه (١).
ولنتكلم على أبواب البخاري بابًا بابًا:
أما أمد الخيار: فاختلف الفقهاء فيه على خمسة أقوال:
أحدها: أن البيع جائز والشرط لازم إلى الأمد الذي اشترط إليه الخيار، وهو قول ابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبي يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبي ثور عن ابن المنذر (٢) (٣).
ثانيها: وهو قول مالك: يجوز شرط الخيار في بيع الثوب اليوم واليومين، وفي «الواضحة»: الثلاثة، والجارية الخمسة أيام والجمعة.
وفي ابن وهب: الرقيق الشهر. وقيل: عشرة أيام. وقيل: خمسة.
والدابة تُركب اليوم وشبهه، ويُسار عليها البريد ونحوه، وفي الدار الشهر لتُختبر ويُستشار فيها. وفي «الواضحة»: الشهران والثلاثة، ذكره الداودي، وما بعد من أجل الخيار لا خير فيه؛ لأنه غرر، ولا فرق بين شرط الخيار للبائع والمشتري (٤).
ثالثها: وهو قول الثوري وابن شبرمة: يجوز شرطه للمشتري عشرة أيام وأكثر ولا يجوز شرطه للبائع.

---------
(١) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٧/ ١٠ - ١٨، وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٤٦.
(٢) انظر: «المغني» ٦/ ٣٨.
(٣) فوقها في الأصل: يعني فيما حكاه.
(٤) «النوادر والزيادات» ٦/ ٣٨٥ - ٣٨٧.



رابعها: وهو قول الأوزاعي: يجوز أن يشرط الخيار شهرًا وأكثر.
خامسها: وهو قول أبي حنيفة والشافعي والليث وزفر: الخيار في البيع ثلاثة أيام، ولا تجوز الزيادة عليها، فإن زاد فسد البيع (١).
وقال عبيد الله بن الحسن: لا يعجبني شرط الخيار الطويل إلا أن الخيار للمشتري ما رضي البائع، احتجوا بأن حبان بن منقذ أو والده كان يُخدع في البيوع، فقال له - عليه السلام -: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ» وجعل له الخيار ثلاثًا فيما يبتاع (٢). وفي حديث المصراة إثبات الخيار ثلاثًا (٣).
قالوا: ولولا الحديث في الثلاثة أيام ما جاز الخيار ساعة واحدة.
وحجة القول الأول ظاهر حديث الباب: «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» إلا بيع الخيار وهو مطلق، وقد قال - عليه السلام -: «المؤمنون عند شروطهم» (٤).
وحجة الثاني أن العبد والجارية لا يُعرف أخلاقهما، ولا ما هما عليه من الطباع في الثلاث؛ لأنهما يتكلفان ما ليس من طبعهما في مدة يسيرة ثم يعودان بعد ذلك إلى الطبع، فيجب أن يكون الخيار مدة
يختبران في مثلها، ليكون المبتاع داخلًا على بصيرة، يوضحه أنَّ أجل

----------
(١) انظر: «تبيين الحقائق» ٤/ ١٦، «المبسوط» ١٣/ ٤٠، «بدائع الصنائع» ٥/ ١٧٩، «الأم» ٨/ ١٨٦، «المجموع» ٩/ ٢٢٤.
(٢) سيأتي برقم (٢١١٧) كتاب: البيوع، باب: ما يكره من الخداع في البيع، ورواه مسلم (١٥٣٣) كتاب: البيوع، باب: من يخدع في البيع.
(٣) رواه مسلم (١٥٢٤).
(٤) سيأتي هذا الحديث معلقًا قبل حديث (٢٢٧٤) كتاب: الإجارة، باب: أجر السمسرة. وهناك يأتي تخريجه -إن شاء الله- فسارع إليه تجد فوائد.



العنين سنة؛ لأن حاله يختبر فيها (١)؛ فلذلك ينبغي أن يكون كل خيار على حسب تعرف حال المختبر، ويقال لمن قال بالخامس: إن خيار الثلاث في حديث حبان من رواية ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، أخرجه البخاري في «تاريخه»، وابن ماجه في «سننه»، وليس في رواية الثقات الحفاظ (٢).
-----------
(١) عِنّين بكسر العين وتشديد النون، يقال: رجل عِنّين لا يريد النساء ولا يشتهيهن. انظر: «الصحاح» ٦/ ٢١٦٦، «تاج العروس» ١٨/ ٢٨٧.
(٢) حديث حبان هذا رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٨/ ١٧ - ١٨، وفي «التاريخ الصغير» ١/ ٦٣، وابن ماجه (٢٣٥٥)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦١٨ (٦٣٠٢ - ٦٣٠٣)، والبيهقي ٥/ ٢٧٣ من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: هو جدي منقذ بن عمرو … الحديث، وفيه: فأتى النبي - ﷺ - فذكر ذلك له، فقال له: «إذا أنت بايعت، فقل: لا خلابة، ثم أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليالٍ …». قال النووي في «المجموع» ٩/ ٢٢٥: هذا الحديث حسن، رواه البيهقي بإسناد حسن، وكذلك رواه ابن ماجه بإسناد حسن، وكذا رواه البخاري في «تاريخه» بإسناد صحيح إلى محمد بن إسحاق. اهـ. وقال البوصيري في «الزوائد» (٧٨٢): إسناده ضعيف لتدليس محمد بن إسحاق، وقد عنعنه.
وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٩٠٧).
أما الطريق في ذكره المصنف، فرواه منه الحميدي في «مسنده» ١/ ٥٣٧ (٦٧٧)، وابن الجارود في «المنتقى» ١/ ١٥٨ - ١٥٩ (٥٦٧)، والدارقطني ٣/ ٥٤ - ٥٥، والحاكم ٢/ ٢٢، والبيهقي ٥/ ٢٧٣، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٧ - ٨ من طريق سفيان عن محمد بن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر، بنحوه، بأخصر منه.
قال النووي في «المجموع» ٩/ ٢٢٥: محمد بن إسحاق المذكور هو صاحب «المغازي» والأكثرون وثقوه، وإنما عابوا عليه التدليس، وقد قال في روايته: حدثني نافع، والمدلس إذا قال: حدثني أو سمعت، احتج به عند الجماهير. اهـ.
ولتمام فوائد في الحديث ينظر: «البدر المنير» ٦/ ٥٣٦ - ٥٤٠، «خلاصة البدر» ٢/ ٦٥ - ٦٦، «تلخيص الحبير» ٣/ ٢١ - ٢٢.



وأما حديث المصراة فهو حجة لنا؛ لأن المصراة لما كانت لا يختبر أمرها في أقل من ثلاث، جعل فيها هذا المقدار في يختبر في مثله، فوجب أن يكون الخيار في كل مبيع على قدر المدة التي يختبر فيها، وأما القول الثالث فلم يقل به أحد من أهل العلم غير الثوري، كما قاله الطحاوي.
وأما الباب الثاني فهو: إذا اشترط في الخيار مدة غير معلومة، وقد اختلف العلماء فيه على خمسة أقوال:
أحدها: صحة البيع وإبطال الشرط، وهو قول ابن أبي ليلى والأوزاعي عملًا بحديث بريرة (١).
ثانيها: صحتهما، وله الخيار أبدًا، وهو قول أحمد وإسحاق (٢).
ثالثها: وهو قول مالك: البيع جائز، ويجعل له من الخيار مثل ما يكون له في تملك السلعة (٣).
رابعها: وهو قول أبي يوسف ومحمد: له أن يختار بعد الثلاث (٤).
خامسها: وهو قول أبي حنيفة والشافعي: البيع فاسد؛ فإن اختاره في الثلاث جاز، وإن مضت الثلاث لم يكن له أن يختاره (٥).

----------
والحديث سيأتي قريبًا برقم (٢١١٧) من طريق مالك عن عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رجلًا ذكر للنبي - ﷺ - أنه يخدع في البيوع فقال: «إذا بايعت فقل: لا خلابة». ورواه مسلم (١٥٣٣).
(١) سلف برقم (١٤٩٣) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على موالي أزواج النبي، ورواه مسلم (١٥٠٤) كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق.
(٢) «المغني» ٦/ ٤٣.
(٣) «النوادر والزيادات» ٥/ ٣٨٥، ٣٨٦.
(٤) «المبسوط» ١٣/ ٤٠.
(٥) «مختصر اختلاف العلماء» ٣/ ٥٥، «أسنى المطالب» ٢/ ٥١.



وظاهر الحديث يرده ويدل أنه يجوز من غير توقيت؛ لأنه أطلق وسوى بين تمام البيع بعد التفرق، وبعد الأخذ بالخيار إذا شرطاه دون ذكر توقيت مدة، فلا معنى لقول من خالفه، وأما الثالث وهو معنى
التفرق المذكور في الحديث.
وفيه قولان:
أحدهما: أن المراد به التفرق بالأبدان، وأن المتبايعين إذا عقدا بيعهما فكل واحد منهما بالخيار بين إتمامه وفسخه، ما داما في مجلسهما لم يتفرقا بأبدانهما، رُوي ذلك عن ابن عمر وأبي برزة وجماعة من التابعين، ذكرهم البخاري (١)، ورُوي عن سعيد بن المسيب (٢) والزهري، وبه قال الليث وابن أبي ذئب والثوري والأوزاعي وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣). ونقله ابن التين
عن علي وابن عباس وأبي هريرة والحسن.
ثانيهما: أن البيع يتم بالقول دون الافتراق بالأبدان، ومعنى قوله «ما لم يفترقا» أن البائع إذا قال له: قد بعتك فله أن يرجع ما لم يقل المشتري: قد قبلتُ، والمتبايعان هما المتساومان، رُوي هذا القول عن النخعي (٤)، وهو قول ربيعة ومالك وأبي حنيفة ومحمد. ونقله الطحاوي عن أبي يوسف أيضًا، وعيسى بن أبان (٥).

-----------
(١) قبل حديث (٢١١٠).
(٢) رواه عنه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٠٧ (٢٢٥٦٧).
(٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٧، «المجموع» ٩/ ٢١٤، «المغني» ٦/ ١٢، «أحكام القرآن» ٢/ ٢٥٠.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٥٠٧ (٢٢٥٧٠).
(٥) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٤، ١٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #407  
قديم 25-04-2026, 01:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 251 الى صـــ 270
الحلقة (407)



احتج الأولون بأن ابن عمر راوي الحديث وهو أعلم بمخرجه قد رُوي عنه أنه بايع عثمان بن عفان، قال: فرجعت على عقبي كراهة أن يُرَادَّني البيع (١). قالوا: فالتفرق عند ابن عمر بالبدن لا باللفظ.
وقالوا: إن من جعل المتبايعين هنا المتساومين لا وجه له؛ لأنه معقول أن كل واحد في سلعته بالخيار قبل السوم، وما دام متساومًا حتى يمضي البيع ويعقده وكذلك المشتري بالخيار قبل الشراء، وفي حين المساومة، وإذا كان هذا كله بطلت فائدة الخبر، والشارع يجل عن أن يخبر بما لا فائدة فيه.
وأُجيب بأن له فائدة، وذلك أن المتبايعين لا يبعد أن يختلفا قبل الافتراق بالأبدان، فلو كان كل واحدٍ منهما بالخيار لم يجب على البائع يمين ولا ترادٌّ؛ لأن الترادَّ إنما يكون فيما تم من البيوع.
وادَّعى الطحاوي أن من لم يسم المتساومين متساومين فقد أغفل سعة اللغة؛ لأنه يُحتمل أن يسميا متبايعين لقربهما من التبايع وإن لم يتبايعا، كما سُمي إسحاق ذبيحًا (٢) لقربه من الذبح وإن لم يذبح، وقد قال - عليه السلام -: «لا يسوم (٣) الرجل على سوم أخيه، ولا يبع الرجل على بيع أخيه» (٤) ومعناهما واحد (٥)، وهو اللازم لهم. والتفرق في لسان

----------
(١) سيأتي قريبًا برقم (٢١١٦) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا فوهب من ساعته قبل أن يتفرقا.
(٢) ورد بهامش الأصل: الأكثرون على أن الذبيح إسماعيل؛ لأنه المعروف في الحديث (…) إسحاق نبي الله - ﷺ -.
(٣) كذا في الأصل وعليها: كذا. قلت «المحقق»: وفي «صحيح مسلم» (١٤١٣): (يقُسم).
(٤) رواه مسلم (١٤١٣) كتاب: النكاح، باب: تحريم الخطبة على خطبة أخيه حتى يأذن أو يترك.
(٥) المصدر السابق ٤/ ١٥.



العرب بالكلام معروف كعقد النكاح، وكوقوع الطلاق في سمَّاه الله فراقًا قال تعالى ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَةُ (٤)﴾ [البينة: ٤] وأجمعت الأمة أن التفريق فيها أن يقول لها: أنت طالق.
وقال - عليه السلام -: «تفترق أمتي» (١) ولم يرد التفرق بالأبدان.
وأجمعوا أن رجلًا لو اشترى قرصًا أو ماءً فأكل القرص أو شرب الماء قبل التفرق لكان ذلك له جائزًا، أو كان قد أكل ماله، وسيأتي ذكر مبايعة ابن عمر لعثمان، بعد بيان مذهب ابن عمر، وأنه حجة لمن قال: التفرق بالكلام؛ كذا قال، ولا يسلم له. وحكى الطحاوي، عن المزني، عن الشافعي أنه قال في قوله تعالى ﴿فَإذَا بَلَغنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: قاربن (٢). وإثبات الشارع الخيار للمتبايعين ما لم يفترقا، إنما هو على ما سوى بيع الخيار، عملًا بقوله: «إِلَّا بَيْعَ الخِيَارِ» فاستثنى بيع الخيار فيما قد تم فيه البيع، وبقي الخيار في بيع الخيار بعد التفرق حتى يتم أمد الخيار فيختار البيع أو يرد.
وذهب أكثر من يرى التفرق بالأبدان إلى أنه إذا خير أحدهما صاحبه بعد البيع فاختار إمضاء البيع فقد تم البيع وإن لم يتفرقا بالأبدان، إلا أحمد فإنه قال: هما بالخيار حتى يتفرقا، خَيَّرَ أحدهما صاحبه
أو لم يُخَيِّرْه (٣).

---------
(١) رواه أبو داود (٤٥٩٦)، والترمذي (٢٦٤٠) وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، ورواه ابن ماجه (٣٩٩١)، والإمام أحمد ٢/ ٣٣٢، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٠٣).
(٢) انظر قول الشافعي في: «الأم» ٥/ ١٢٨.
(٣) انظر «المغني» ٦/ ١٥، ١٦.



وأما الذين يجيزون البيع بالكلام دون افتراق الأبدان فهو عندهم بيع جائز. قال: اختر أو لم يقله، فجعل من ذلك اتفاق الجميع غير أحمد وحده، وقوله خلاف الحديث، فلا معنى له كما قاله ابن بطال (١).
تنبيهات:
أحدها؛ قوله: «إن المتبايعين» كذا وقع في الأصل، وهو الصواب.
وادعى ابن التين أنه وقع في رواية أبي الحسن «المتبايعان» وخرجه على لغة من يجعل المثنى على حد سواء رفعًا ونصبًا وجرًا، وهو أحد وجوه ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه: ٦٣].
ثانيها: قال ابن التين: جمهور أصحاب مالك على أن حديث
الخيار ليس بمعمول به؛ ثم اختلفوا في الانفصال عنه، فادَّعى أشهب نسخه بقوله «المسلمون على شروطهم» (٢)، وبقوله: «إذا اختلف البيعان استحلف البائع» (٣)، أي: لو كان هناك خيار لم يحتج إلى اليمين.

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٤١.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) رواه الدارقطني ٣/ ١٨، والبيهقي في «السنن» ٥/ ٣٣٣ من طريق سعيد بن مسلمة عن إسماعيل بن أمية، عن عبد الملك بن عبيدة، عن ابن لعبد الله بن مسعود، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إذا اختلف البيعان ولا شهادة بينهما استحلف البائع، ثم كان المبتاع بالخيار إن شاء أخذ، وإن شاء ترك».
والحديث روي من وجوه أخر وبألفاظ أخر.
فرواه النسائي ٧/ ٣٠٣، وأحمد ١/ ٤٦٦، والدارقطني ٣/ ١٨، والحاكم ٢/ ٤٨، والبيهقي في «السنن» ٥/ ٣٣٢ - ٣٣٣، وفي «المعرفة» ٨/ ١٤٠ (١١٤١٢) من طريق ابن جريج عن إسماعيل بن أمية عن عبد الملك بن عبيد وقال بعضهم: ابن عبيدة، وقال بعضهم: ابن عمير- قال: حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود أتاه =

------




. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .= رجلان تبايعا سلعة .. الحديث.
وفيه: أتى ابن مسعود في مثل هذا فقال: حضرت رسول الله - ﷺ - أتي بمثل هذا فأمر البائع أن يستحلف، ثم يختار المبتاع فإن شاء أخذ وإن شاء ترك.
وصوب البيهقي في «المعرفة» ٨/ ١٤٠ رواية من قال: عبيدة.
وقال ابن حزم: هذا لا شيء؛ لأن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود سئل: أتذكر من أبيك شيئًا؟: قال: لا، وعبد الملك بن عبيدة المذكور مجهول فسقط هذا القول. اهـ. «المحلى» ٨/ ٣٦٩.
وقال البيهقي في «السنن» ٥/ ٣٣٣: حديث مرسل؛ أبو عبيدة لم يدرك أباه. وقال في «المعرفة» (١١٤١٧): مرسل: أبو عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا. وكذا أعله عبد الحق في «أحكامه» ٣/ ٢٧٠.
وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٥٩٤: ضعيف لأجل انقطاعه؛ فإن أبا عبيدة لم يدرك أباه وقال الألباني في «الإرواء» ٥/ ١٦٩: حديث مرسل، أبو عبيدة لم يدرك أباه.
ورواه أبو داود (٣٥١١)، والنسائي ٧/ ٣٠٢ - ٣٠٣، والدارقطني ٣/ ٢٠، والحاكم ٢/ ٤٥، والبيهقي في «السنن» ٥/ ٣٣٢، وفي «المعرفة» ٨/ ١٤١ (١١٤٢٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٢٩١ - ٢٩٢ من طريق عمر بن حفص بن غياث عن أبيه، عن أبي عميس، عن عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث، عن أبيه، عن جده قال: اشترى الأشعث رقيقًا من رقيق الخمس … الحديث.
وفيه: قال عبد الله بن مسعود: فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة فهو ما يقول رب السلعة أو يتتاركان».
قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه!
وقال البيهقي في «السنن» ٥/ ٣٣٢: إسناد حسن موصول.
وقال في «المعرفة» ٨/ ١٤١: هذا أصح إسناد روي في هذا الباب.
وقال المصنف في «البدر المنير» ٦/ ٦٠٣: هذا الطريق أقوى طرق هذا الحديث.
لكن الحديث من هذا الوجه أعله غير واحد، منهم ابن حزم في «المحلى» ٨/ ٣٦٨، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٢٩٢، وفي «الاستذكار» ٢٠/ ٢٢٢ - =



وقيل: إنه مخالف لظاهر قوله ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ لا يمكن الإشهاد بعد التفرق. وقيل: عمل أهل المدينة ومكة أقوى منه.
وقيل: إنها جهالة وقف البيع عليها، فيكون كبيع الملامسة، وكبيع خيار إلى أجل مجهول. وسلف أن من جملتها حمله علي المتساومين، ويرده أنه لو حلف ما باع -وكان في السوم- لا حنث.

-----------
= ٢٢٣ وعبد الحق في «أحكامه» ٣/ ٢٧٠، وابن القطان في «البيان» ٣/ ٥٢٥، وابن التركماني في «الجوهر النقي» ٥/ ٣٣٢، والألباني في «الإرواء» ٥/ ١٦٩.
ورواه أبو داود (٣٥١٢)، وابن ماجه (٢١٨٦)، والدارقطني ٣/ ٢١ من طريق هشيم عن ابن أبي ليلى، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه أن ابن مسعود، بنحوه.
وللحديث طرق أخرى تركت ذكرها خشية الإطالة ومكتفيًا بما ذكرت، ينظر أكثرها في «سنن الدارقطني» ٣/ ٢٠ - ٢١ ولتخريجها في: «البدر المنير» ٦/ ٥٩٣ - ٦٠٧.
والحديث لكثرة طرقه صححه بعضهم بمجموعها، فقال البيهقي في «السنن» ٥/ ٣٣٢: روي الحديث من أوجه بأسانيد مراسيل إذا جمع بينها صار الحديث بذلك قويًّا.
وقال ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٢٩٣: هذا الحديث وإن كان في إسناده مقال؛ من جهة الانقطاع مرة، وضعف بعض نقلته أخرى، فإن شهرته عند العلماء بالحجاز والعراق يكفي ويغني.
وصححه الألباني في «الإرواء» (١٣٢٢ - ١٣٢٤) وقال ٥/ ١٦٩: إن الحديث قوي بمجموع طرقه، ذلك مما لا يرتاب فيه الباحث.
ولم يعتبر بعضهم بكثرة هذِه الطرق فأطلق القول بضعف الحديث، فذكر ابن جزم بعض طرق الحديث، وقال: هذا كله لا حجة فيه ولا يصح شيء منه؛ لأنها كلها مرسلات، وذهب يفصل. «المحلى» ٨/ ٣٦٨.
وقال المنذري في «المختصر» ٥/ ١٦٤: روي هذا الحديث من طرق عن عبد الله بن مسعود كلها لا تثبت.
ثم وجدت العلامة ابن القيم قد نصر قول من قال بتصحيح الحديث بمجموع طرقه، فقال في «الحاشية» ٥/ ١٦٢: روي حديث ابن مسعود من طرق يشد بعضها بعضًا، وليس فيهم مجروح ولا متهم. =



ثالثها: قوله في الباب الثاني («أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر»، وربما قال: «أو يكون بيع خيار»): هما سواء كما قال الداودي، ومعناهما: أنه بيع خيار الشرط.
وقال ابن حبيب: معناه قطع خيار المجلس (١).
وقوله في الباب الرابع: («مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا») إلى آخره، هو أوضح حديث فيه كما قال الخطابي (٢)؛ لأن قوله: «وكانا جميعًا» يبطل كل تأويل يخالف ظاهر الحديث مما تأوله أهل العراق وغيرهم يعني: مالكًا وأصحابه (٣). وكذا قوله: «وإن تفرفا بعد أن تبايعا» إلى آخره، فيه أبين دليل على أن التفرق بالبدن هو القاطع للخيار، وأن للمتبايعين أن يتركا البيع بعد عقده ما داما في مجلسهما، ولو كان معناه التفرق بالقول لخلا الحديث عن الفائدة؛ لأن الناس على اختيارهم في أملاكهم، فأي فائدة في ذكر البيع إذا وقع.
وادَّعى الداودي أن قوله في هذا الحديث «وكانا جميعًا» إلى آخره ليس بمحفوظ، قال: وليس مقام الليث في نافع مقام مالك.
رابعها: في الترمذي محسنًا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي «إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله» (٤) وهو مؤول إما باستقلاله باختيار الفسخ أو باختيار الاستقلال كما قاله ابن العربي، والصواب الأول، وعبَّر عن الإقالة به.
خامسها: نقل ابن حزم عن الأوزاعي أن كل بيع فالمتبايعان فيه

----------
(١) انظر: «المنتقى» ٥/ ٥٦.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٣٠ - ١٠٣١.
(٣) انظر: «المنتقى» ٥/ ٥٦.
(٤) الترمذي (١٢٤٧).



بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما، إلا بيوعًا ثلاثة: المغنم، والشركاء في الميراث يتقاومونه، والشركاء في التجارة يتقاومونها (١).
سادسها: من تلك الاعتراضات المشار إليها فيما سلف خمسة: أن مالكًا رواه وذهب إلى خلافه (٢)، وأنه خبر واحد فيما تعم به البلوى، وأنه يخالف قياس الأصول؛ لأن عقود المعاوضات لا خيار فيها، حمله على المتساومين باعتبار ما يئول إليه حالهما من التبايع، وحمله على ما إذا قال البائع: بعت، ولم يقل المشتري: قبلت؛ لأنه بعد تمام العقد يقال: كانا متبايعين، وحمله التفرق على الأقوال، وقد
قال تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وجوابه كله لائح، والحق أحق بالاتباع.
سابعها: لما ذكر ابن حزم مقالة الثوري السالفة قال: روينا في ذلك آثارًا عن المتقدمين. روى الشعبي أن عمر اشترى فرسًا واشترط حبسه على إن رضيه وإلا فلا بيع بعد بينهما، فحمل عليه رجلًا فعطب
الفرس فجعل بينهما شريحًا، فقال شريح لعمر: سلم ما ابتعت أو رُدَّ ما أخذت، فقال عمر: قضيت بالحق (٣).
ومن طريق عبد الرزاق، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ، عن أبيه قال: اشترى نافع دار السجن بأربعة آلاف، فإن رضي عمر فالبيع بيعه، وإن عمر لم يرضَ فلصفوان
أربعة، فأخذها عمر (٤). وعن ابن عمر قال: كنت أبتاع إن رضيت

--------
(١) «المحلى» ٨/ ٣٥٥.
(٢) «الموطأ» رواية يحيى ص ٤١٦.
(٣) رواه عبد الرزاق ٨/ ٢٢٤ (١٤٩٧٩).
(٤) عبد الرزاق ٥/ ١٤٨ (٩٢١٣).



حتى ابتاع ابن مطيع إن رضيها فقال: إن الرجل ليرضى ثم يدع وكأنما أيقظني، وكان يبتاع ويقول: ما إن أحدثت. وقال سليمان بن البرصاء، بايعت ابن عمر بيعًا فقال لي: إن جاءتنا نفقتنا إلى ثلاث ليالٍ فالبيع بيعنا وإلا فلا بيع بيننا وبينك (١).
قال ابن حزم: لا نعلم عن الصحابة في بيع الخيار غير هذا، وهو خلاف قول أبي حنيفة والشافعي ومالك، وهي عندهم بيوع مفسودة مفسوخة (٢).
ثامنها: في «علل الخلال»: قال الأثرم: قلت لأحمد: في يقول أهل المدينة في العهدة الثلاث والسنة؟!
قال: أما عهدة السنة فما أدري رووه عن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل (٣). وأما حديث الثلاث فلو ثبت حديث عقبة، ولكن الحسن ما أراه سمع منه؛ لأنه بصري، ولكن الحسن كان يأخذ الحديث هكذا. وقال محمد بن الحكم عن أحمد: ليس في عهدة الرقيق حديث صحيح، ولا أذهب إليه، إنما روي عن الحسن، عن عقبة (٤) وليس فيه شيء يصح. قلت: إن مالكًا يذهب إليه، قال: لا يعجبني.

---------
(١) عبد الرزاق ٨/ ٥٣ (١٤٢٧٦)، وابن أبي شيبة ٤٥ (٢٣١٦٢).
(٢) «المحلى» ٨/ ٣٧٤.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ٢/ ٦١٢.
(٤) روى أبو داود (٣٥٠٦)، وأحمد ٤/ ١٥٠ و١٥٢ وغيرهما من طريق قتادة عن الحسن عن عقبة بن عامر أن رسول الله - ﷺ - قال: «عهدة الرقيق ثلاثة أيام».
والحديث ضعفه أحمد -كما نقل المصنف رحمه الله- وقال البيهقي في «المعرفة» ٨/ ١٢٩: كان علي بن المديني وغيره من أهل العلم بالحديث لا يثبتون سماع الحسن عن عقبة، فهو إذًا منقطع.
وكذا ضعفه المنذري في «المختصر» ٥/ ١٥٧. =



تاسعها: الكلام كله في خيار المجلس، أما خيار الشرط فثابت بالإجماع (١) ودليله حديث حبان بن منقذ السالف (٢)، وإنما يجوز شرط الخيار في البيوع التي لا ربا فيها، أما تلك فلا، إذ لو جوزنا تفرقًا ولم يتم البيع بينهما.
عاشرها: إذا شرط الخيار عندنا زيادة على الثلاث بطل البيع، ولا يخرج على تفريق الصفقة، وقد روى الجذامي محمد بن يوسف، أنا محمد بن عبد الرحيم بن شروس، أنا حفص بن سليمان، أنا أبان، عن أنس أن رجلًا اشترى بعيرًا واشترط الخيار أربعة أيام، فأبطل النبي - ﷺ - البيع فقال: «إنما الخيار ثلاثة أيامٍ».
قال: ثنا عبد الرزاق: ثنا رجل سمع أبانًا يقول عن الحسن: اشترى رجل بيعًا، وجعل الخيار أربعة أيام فقال - عليه السلام -: «البيع مردود، وإنما الخيار ثلاثة أيام» وأبان وحفص ضعيفان، والحديثان عزيزان (٣).

----------
= ورواه ابن ماجه (٢٢٤٤) من طريق قتادة عن الحسن إن شاء الله عن سمرة بن جندب، بنحوه.
قال البيهقي ٨/ ١٢٩: ليس بمحفوظ. وضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٤٨٨).
(١) ورد بهامش الأصل: كذا نقل الإجماع فيه غير واحد، وعن «الاستذكار» نقل فيه عن قوم أنه لا يجوز، فقال: خيار الشرط جائز. وقال قوم: لا يجوز.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) ذكرهما ابن حزم في «المحلى» ٨/ ٣٧٢.
وذكره عبد الحق في «أحكامه» ٣/ ٢٦٦ وعزاه لعبد الرزاق من حديث أبان بن عياش. وقال: أبان لا يحتج بحديثه وكان رجلًا صالحًا.
وكذا عزاه الريلعي في «نصب الراية» ٤/ ٨ لعبد الرزاق في «المصنَّف»، والمصنِّف في «البدر المنير» ٦/ ٥٤٠، والحافظ في «تلخيص الحبير» ٣/ ٢١ - ٢٢.
وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر»: حديث واهٍ؛ أبان بن أبي عياش متروك. =



الحادي عشر: قال ابن المنير في ترجمة البخاري: إذا لم يوَقِّت في الخيار هل يجوز البيع؟ ثم ذكر حديث ابن عمر: «أو يقول أحدهما لصاحبه اختر» (١): الظاهر أنه قصد تجوز البيع، وتفويض الأمر بعد اشتراط الخيار المطلق إلى العادة في مثل السلعة، وهذا مذهب مالك، وهو أسعد بإطلاق الحديث، خلافًا لمن منع البيع لذلك إلحاقًا بالغرر.
--------
= وقال الحافظ في «الدراية» ٢/ ١٤٨: في إسناده أبان وهو متروك.
قلت: والحديث لم أجده في «مصنف عبد الرزاق».
(١) «المتواري» ص ٢٤٠ وفيه: إلحاقًا بالعذر!



٤٧ - باب إِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَوَهَبَ مِنْ سَاعَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا وَلَمْ يُنْكِرِ البَائِعُ عَلَى المُشْتَرِي، أَوِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ.
وَقَالَ طَاوُسٌ فِيمَنْ يَشْتَرِى السِّلْعَةَ عَلَى الرِّضَا ثُمَّ بَاعَهَا: وَجَبَتْ لَهُ، وَالرِّبْحُ لَهُ.

٢١١٥ - وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي سَفَرٍ، فَكُنْتُ عَلَى بَكْرٍ صَعْبٍ لِعُمَرَ، فَكَانَ يَغْلِبُنِي فَيَتَقَدَّمُ أَمَامَ القَوْمِ، فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيَزْجُرُهُ عُمَرُ وَيَرُدُّهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِعُمَرَ «بِعْنِيهِ». قَالَ هُوَ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «بِعْنِيهِ». فَبَاعَهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ، تَصْنَعُ بِهِ مَا شِئْتَ». [٢٦١٠، ٢٦١١ - فتح:٤/ ٣٣٤]

٢١١٦ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: بِعْتُ مِنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ مَالًا بِالوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تَبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي البَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَّةُ أَنَّ المُتَبَايِعَيْنِ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودٍ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ. [انظر: ٢١٠٧ - مسلم: ١٥٣١ - فتح: ٤/ ٣٣٤]
وَقَالَ الحُمَيْدِيُّ: ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَمْرٌو، عَنِ ابن عُمَرَ في بيع الجمل الصعب بطوله.


وَقَالَ اللَّيْثُ (١): حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بِعْتُ مِنْ عُثْمَانَ بن عفان مَالًا بِالوَادِي بِمَالٍ لَهُ بِخَيْبَرَ، فَلَمَّا تبَايَعْنَا رَجَعْتُ عَلَى عَقِبِي حَتَّى خَرَجْتُ مِنْ بَيْتِهِ، خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي البَيْعَ، وَكَانَتِ السُّنَةُ أَنَّ المُتَبَايعَيْنِ بِالخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَلَمَّا وَجَبَ بَيْعِي وَبَيْعُهُ رَأَيْتُ أَنِّي قَدْ غَبَنْتُهُ بِأَنِّي سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُودَ بِثَلَاثِ لَيَالٍ، وَسَاقَنِي إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ لَيَالٍ.
الشرح:
أثر طاوس أخرجه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه به (٢). وعن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: إذا بعت شيئًا على الرضا قال: الخيار لكليهما حتى يتفرقا عن رضا (٣).
وتعليق الحميدي روى البخاري منه قطعة في باب: من أهدي له هدية وعنده جلساؤه. فقال: حدثنا عبد الله بن محمد، ثنا ابن عيينة (٤).
وأخرجه الإسماعيلي من حديث ابن أبي عمر وهارون عنه، وأخرجه أبو نعيم من حديث بشر بن موسى عنه، وكذا هو في «مسنده» من رواية بشر بن موسى عنه.
وتعليق الليث رواه الإسماعيلي من حديث أبي صالح عنه، ورواه أيضًا من حديث أيوب بن سويد، عن يونس بن يزيد، عن الزهري به، قال: ورواه أبو صالح، عن الليث: عن يونس أخبرنا القاسم: أنا
ابن زنجويه، ثنا أبو صالح.

-----------
(١) فوقها في الأصل: معلق.
(٢) «مصنف عبد الرزاق» ٨/ ٥٥ (١٤٢٨٥).
(٣) «مصنف عبد الرزاق» ٨/ ٥٢ (١٤٢٦٩).
(٤) ستأتي برقم (٢٦١٠) كتاب: الهبة.



وقال البيهقي: رواه يحيى بن بكير أيضًا عن الليث، عن يونس، عن الزهري به (١) وذكره أبو نعيم من حديث أبي صالح عنه، ثم قال: ذكره -يعني: البخاري- فقال: وقال الليث، ولم يذكر من دونه، ويدل على أن الحديث لأبي صالح، وأبو صالح ليس من شرطه.
إذا تقرر ذلك: فالحديث حجة لمن يرى الافتراق بالكلام في الحديث السالف في الباب قبله «البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» وهو بين في ذلك، ألا ترى أنه - عليه السلام - وهب الجمل من ساعته لابن عمر قبل التفرق من عمر، ولو لم يكن الجمل له ما جاز له أن يهبه لابن عمر حتى يجب له بافتراق الأبدان.
وأما حديث ابن عمر في مبايعته لعثمان فقد احتج به من قال: إن التفرق بالأبدان.
واحتج به أيضًا من قال: إنه بالكلام، وكان من حجة الثاني أن قالوا: لو كان معنى الحديث التفرق بالأبدان، لكان المراد به الحض والندب إلى حسن المعاملة من المسلم للمسلم وألَّا يفترسه في البيع على استخباره عن الداء والغائلة، وقد قال - عليه السلام -: «من أقال نادمًا أقال الله عثرته يوم القيامة». من حديث أبي هريرة (٢)؛ ألا ترى قول ابن عمر: (وكانت السنة أن المتبايعين بالخيار ما لم يفترقا)، وفي رواية:

--------
(١) البيهقي ٥/ ٢٧١.
(٢) رواه أبو داود (٣٤٦٠)، وابن ماجه (٢١٩٩)، وابن حبان ١١/ ٤٠٥ (٥٠٣٠)، والحاكم ٢/ ٤٥، والبيهقي ٦/ ٢٧، من طريق الأعمش، عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «من أقال مسلمًا أقاله الله عثرته».
ورواه ابن حبان ١١/ ٤٠٤ (٥٠٢٩)، والبيهقي ٦/ ٢٧ من طريق سمي عن أبي صالح، به، باللفظ في ذكره المصنف هنا. =



وكانت السنة يومئذٍ. ذكرها أبو عبد الملك، ولو كان على الإلزام لقال: كانت، وتكون إلى يوم الدين، فحكى ابن عمر أن الناس حينئذٍ كانوا يلتزمون الندب، لأنه كان زمن مكارمةٍ، وأن الوقت في حدث ابن عمر بهذا الحديث كان التفرق بالأبدان متروكًا، ولو كان على الوجوب ما قال: وكانت السنة، فكذلك جاز أن يرجع على عقبيه؛ لأنه فهم أن المراد بالحديث الحض والندب، لا سيما وهو في حصر فعله في هبته البكر له بحضرة البائع قبل التفرق.
وقال الطحاوي: يحتمل حديث ابن عمر الوجهين جميعًا، فنظرنا في ذلك، فروينا عنه ما يدل أن رأيه كان في الفرقة، بخلاف ما ذهب إليه من قال: إن البيع لا يتم إلا بها. وهو ما رويناه عن ابن عمر
قال: ما أدركت الصفقة حيًّا فهو من مال المبتاع (١).
قال ابن حزم: صح هذا عنه ولا يُعلم له مخالف من الصحابة (٢).
قال ابن المنذر: يعني في السلعة تتلف عند البائع قبل أن يقبضها

-----------
= وللحديث طرق وألفاظ أخرى.
قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين. وقال ابن دقيق العيد في «الاقتراح» ص ٩٩: على شرط الشيخين. وصححه ابن حزم في «المحلى» ٩/ ٣، والمصنف في «البدر المنير» ٦/ ٥٥٦. وقال البوصيري في «الزوائد» (٧٣٠):
إسناد طريق ابن ماجه صحيح على شرط مسلم.
وصححه الألباني في «الإرواء» (١٣٣٤).
(١) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٦.
وأثر ابن عمر هذا سيأتي معلقًا قبل حديث (٢١٣٨) باب إذا اشترى متاعًا أو دابة فوضعه عند البائع أو مات قبل أن يقبض.
وهناك -إن شاء الله- يأتي مزيد تخريج له.
(٢) «المحلى» ٨/ ٣٨٣، ٣٩٦.



المشتري بعد تمام البيع هي من مال المشتري؛ لأنه لو كان عبدًا فأعتقه المشتري كان عتقه جائزًا؛ بخلاف عتق البائع، فهذا ابن عمر يذهب فيما أدركت الصفقة حيًّا فهلك بعدها أنه من مال المشتري، فدل ذلك أنه كان يرى أن البيع يتم بالأقوال قبل الفرقة التي تكون بعد ذلك، وأن البيع ينتقل بالأقوال من ملك البائع إلى ملك المبتاع حتى يهلك من ماله إن هلك، وهذا من ابن عمر قال على أن مذهبه في الفرقة التي سمعها من رسول الله - ﷺ - فيما ذكروا. وقد وجدنا عن رسول الله - ﷺ - ما يدل على أن المبيع يملكه المشتري بالقول دون التفرق بالأبدان، وذلك أن رسول الله - ﷺ - قال: «من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه» (١) فكان ذلك دليلًا على أنه إذا قبضه حل له بيعه فيكون قابضًا له قبل التفرق بالأبدان.
وفي ابن ماجه من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن
سعيد بن المسيب قال: سمعت عثمان يخطب على المنبر ويقول: كنت أشتري التمر وأبيعه بربح فقال لي رسول الله - ﷺ -: «إذا اشتريت فاكتل، وإذا بعت فكِلْ» (٢) وسيأتي عند البخاري أيضًا معلقًا (٣). وكان من ابتاع طعامًا مكايلة فباعه قبل أن يكتاله لا يجوز بيعه، فإذا ابتاعه واكتاله وقبضه ثم فارق بائعه، فكلٌّ قد أجمع أنه لا يحتاج بعد الفرقة إلى إعادة الكيل. وخولف بين اكتياله إياه بعد البيع قبل التفرق وبين اكتياله إياه قبل البيع، فدل ذلك أنه إذا اكتاله اكتيالًا يحل له به بيعه،

-----------
(١) سيأتي برقم (٢١٣٢) كتاب: البيوع، باب: ما يذكر في بيع الطعام والحكرة، ورواه مسلم (١٥٢٥) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.
(٢) ابن ماجه (٢٢٣٠) كتاب: التجارات، باب: بيع المجازفة.
(٣) قبل حديث (٢١٢٦) كتاب: البيوع، باب: الكيل على البائع والمعطي.



فقد كان ذلك اكتيالًا له وهو له مالك، وإن اكتال اكتيالًا لا يحل له، فهو كاله وهو غير مالك له، فثبت بما ذكرنا وقوع ملك المشتري في المبيع بابتياعه إياه قبل فرقة تكون بعد ذلك، فهذا وجه طريق الآثار.
وأما طريق النظر: فرأينا الأموال تملك بعقود في أبدان وفي أموال وفي أبضاع وفي منافع، فكان ما يملك من الأبضاع هو النكاح، وكأنه (يملك) (١) بعقده لا بفرقةٍ بعد العقد وكان ما يملك به المنافع هو الإجارات، وكان ذلك أيضًا مملوكًا بالعقد لا بفرقةٍ بعده، فالنظر على ذلك أن تكون كذلك الأموال المملوكة بسائر العقود من البيوع، وغيرها تكون مملوكة بالأقوال لا بفرقة بعدها قياسًا ونظرًا.
وفي الحديث: أن يسأل رب السلعة بيعها وإن لم يعرضها، وأن البيع لا يحتاج إلى قبض.
وقول البخاري: (ولم ينكر البائع على المشتري) فيه تعسف، ولا يحمل فعله أنه وهب ما فيه لآخر خيار ولا إنكار؛ لأنه إنما بعث مبينًا. نبه عليه ابن التين، قال: وليس فيه ما بوَّب له.
ومعنى: (سُقْتُهُ إِلَى أَرْضِ ثَمُود): يعني: أن الأرض التي أعطيت بعدها من أرض ثمود ثلاث ليالٍ، والأرض التي أعطاني من المدينة على ثلاث، وما قرب موضع حاجته، وقد ذكر أن مسافة ما بين
المدينة وخيبر أكثر من أربعة أيام.
وقوله في الترجمة: (أو اشترى عبدًا فأعتقه). كأنه إنما أخذه من القياس على الهبة؛ لأن القبض آكد من الهبة.

----------
(١) من (م).


وفي الحديث: جواز بيع الغائب علي الصفة، وهو مذهب جماعات، وسيأتي ذلك بعد إن شاء الله تعالى.
وقام الإجماع أن البائع إذا لم ينكر على المشتري ما أخذ به من الهبة أو العتق أنه بيع جائز، واختلفوا إذا لم ينكر ولم يرض بما أخذ به المشتري، فالذين يرون أن البيع يتم بالكلام يجيزون هبته وعتقه، ومن يرى التفرق بالأبدان لا يجيز شيئًا من ذلك، إلا بعد التفرق، وحديث عمر حجة عليهم، وفي حديث الجمل توقيرهم الشارع، ولا يتقدمونه في المشي.
وفيه: زجر الدواب، وهبة المبيع للغير وإن لم يأذن البائع كما سلف. وفي مبايعة ابن عمر جواز بيع الأرض بالأرض.
وفي تلطف ابن عمر وافتراقه من عثمان استعمال الندب؛ إذ ليس من شأنهم التحيل.


٤٨ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ الخِدَاعِ فِي البَيْعِ
٢١١٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ». [٢٤٠٧، ٢٤١٤، ٦٩٤٦ - مسلم: ١٥٣٣ - فتح: ٤/ ٣٣٧]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ يُخْدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، فكان إذا بايع يقول: لا خلابة (١).
وهذا الرجل هو حَبَّان بن منقذ، بفتح الحاء المهملة ثم باء موحدة مفتوحة، شهد أحدًا وأصابته آفة في رأسه، وولد ولده محمد بن يحيى بن حبان، روى له الجماعة، وعمه واسع بن حبان أخرجوا له أيضًا، وروى مسلم وأبو داود والترمذي لابنه حبان (٢). وقيل: إن هذِه القصة لمنقذ بن عمرو، قال ابن بطال: وهو أصح (٣). وعاش منقذ مائة وثلاثين سنة كما سيأتي.
وفي «الاستيعاب» أنه منقذ (٤)، وذلك محفوظ من حديث ابن عمر وغيره. والحاكم ذكره من حديث ابن عمر في ولده حَبان، ثم قال:

---------
(١) مسلم (١٥٣٣) كتاب: البيوع، باب: من يخدع في البيع. وفيه يقول: لا خيابة.
(٢) «تهذيب التهذيب» (م. د. ت) ١/ ٣٤٤.
أخرجوا له حديثًا واحدًا في الوضوء: مسلم (٢٣٦) باب: في وضوء النبي - ﷺ - وأبو
داود (١٢٠)، والترمذي (٣٥)، وانظر ترجمته في «الاستيعاب» ١/ ٣٧٩ (٤٨٢)، «أسد الغابة» ١/ ٤٣٧ (١٠٢٥).
(٣) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٤٦.
(٤) «الاستيعاب» ٤/ ١٤ (٢٥٢٩).



متصل الإسناد (١).
وللدارقطني من حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا من الأنصار كان بلسانه لوثة (٢)، فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «إِذَا بَايَعْتَ فَقُلْ: لَا خِلَابَةَ مرتين».
قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن يحيى بن حبان قال: هو جدي منقذ بن عمرو، وكان رجلًا قد أصابته آفة في رأسه فكسرت لسانه ونازعته عقله، وكان لا يدع التجارة ولا يزال يغبن.
وفيه، وكان عَمَّر عُمرًا طويلًا، عاش ثلاثين ومائة سنة، وكان في زمن عثمان حين فشا الناس (٣). وفي لفظ عن ابن عمر: كان حبان رجلًا ضعيفًا، وكان قد سُفع في رأسه مأمومة، فجعل رسول الله - ﷺ - له الخيار فيما يشتري ثلاثًا، وكان قد ثقل لسانه، فكنت أسمعه يقول: لا خذابة لا خذابة. (٤) قال الدارقطني: وكان ضرير البصر (٥).
وفي الطبراني لما عمي قال له - عليه السلام - ذلك. ولابن حزم من حديث ابن إسحاق: أن منقذًا سفع في رأسه مأمومة في الجاهلية فحلت لسانه.
وفيه: «وأنت بالخيار ثلاثًا» (٦).

-----------
(١) «المستدرك» ٢/ ٢٢، وليس فيه قول الحاكم: متصل الإسناد. وإنما صححه الذهبي.
(٢) ورد بهامش الأصل: الاسترخاء.
(٣) «سنن الدارقطني» ٣/ ٥٥.
(٤) «سنن الدارقطني» ٣/ ٥٤.
(٥) «سنن الدارقطني» ٣/ ٥٤ من كلام عمر رضي الله عنه.
(٦) «المحلى» ٨/ ٢٩٦.



وقال الجياني: شج مع رسول الله - ﷺ - في بعض الحصون بحجر. قال صاحب «المطالع»: وكان ألثغ لا يعطيه لسانه إخراج اللام، وكان ينطق به ياءً أو ذالًا معجمة، وصحف من قال: لا خيانة (١).
و(الخِلَابَة): المخادعة، فلا خلابة، أي: لا خديعة، ولا غش، ولا كيد، ولا غبن ونحو ذلك. قال المهلب: أي: لا تخلبوني فإنه لا يحل، فإن اطلعتُ على عيب رجعت به.
واختلف الفقهاء فيمن باع بيعًا غبن فيه غبنًا لا يتغابن الناس بمثله، فقال مالك: إن كانا عارفين بتلك السلعة وبأسعارها في وقت البيع لم يفسخ ولو كثر الغبن، وإن كانا أو أحدهما غير عارفٍ بتقلب السعر وتغيره وتفاوت الغبن فسخ البيع، إلا أن يريد أن يمضيه. ومن أصحاب مالك من اعتبر مقدار ثلث السلعة، ولم يجد مالك في ذلك حدًّا. ومذهبه إذا خرج عن تغابن الناس في مثل تلك السلعة أنه يفسخ. وبهذا قال أبو ثور. وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس له أن يفسخ في الغبن وإن كثر، وبه قال ابن القاسم: وحجتهم هذا الحديث؛ لأن من يخدع في عقله بضعف يلحقه الغبن في عقوده، فجعل له الشارع الخيار لما يلحقه من ذلك، فلو كان الغبن شيئًا يملك به فسخ العقد لما احتاج إلى شرط خيار مع استغنائه عنه (٢).

-----
(١) ورد بهامش الأصل: وفيه أيضًا: لا خيابة. ذكره في «المطالع».
[قلت: رواه مسلم بهذِه اللفظة «لا خيابة» (١٥٣٣)].
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٨٠، «الهداية» ٣/ ٤١، «التفريع» ٢/ ١٧٣، «عيون المجالس» ٣/ ١٤١٨ - ١٤٢٠، «المنتقى» ٥/ ١٠٨، «القوانين الفقهية» ص ٢٦٥، «الأم» ٣/ ٦٨، «المغني» ٦/ ٣٦.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #408  
قديم 25-04-2026, 01:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 271 الى صـــ 290
الحلقة (408)





قلت: ذلك بأنه - عليه السلام - قال: «لك الخيار» (١) ولم يقل له: اشترط الخيار. وقال له: («قُلْ: لَا خِلَابَةَ») أي: لا خديعة، فلو كان الغبن مباحًا لم يكن لقوله: «لا خِلابة» معنًى، ولم ينفعه ذلك، فلما كان ذلك ينفعه جعل له الشارع الخيار بعد ذلك، لينظر فيما باعه ويسأل عن سعره ويرى رأيه فيه، وإنما جعل ذلك في حبان ليعلمنا الحكم في مثله، وإنما تعرف الأحكام بما يبينه، فبين من يغبن في بيعه إذا لم يكن عارفًا بما يبيعه. وأيضًا فقد جعل الشارع الخيار للمتلقي لأجل الغبن، واعترضه ابن حزم بأن فيه الخيار إلى دخول السوق، ولعله لا يدخله إلا بعد عام أو أكثر (٢).
قلت: خلاف الغالب، وأيضًا لو ابتاع سلعةً فوجد بها عيبًا كان له الخيار في الرد لأجل النقص الموجود بها، فلا فرق بين أن يجد النقص بالسلعة أو بالثمن؛ لأنه في كلا الموضعين قد وجد النقص في يخرج به عن القصد، ولا يرد الغبن اليسير؛ لاحتماله غالبًا.
وذكر ابن حبيب عن مالك أنه سُئل عن جاهل باع حجرًا أو درة بدرهمين فألفاه، أي: وجده المشتري ياقوتة فلم ير فيه رجوعًا؛ لأن الغلط ماض على البائع والمبتاع في المساومة، وإنما يرد في البيع على المرابحة، إلا أن يبيعه بائعه على أنه زجاج فألفاه المشتري ياقوتة، فإنه يرد البيع، وكذلك لو باعه على أنه ياقوت فألفاه المشتري زجاجًا، يُرد أيضًا (٣).
وزعم ابن عبد البر أن هذا خاص بحبان، وأن الغبن بين المتبايعين

---------
(١) تقدم تخريجه.
(٢) «المحلى» ٨/ ٣٧٣.
(٣) انظر: «المنتقى» ٥/ ١٠٨، «تبصرة الحكام» ٢/ ١٢٧.



لازمه، ولا خيار للمغبون بتسببها، سواء قلت أو كثرت (١)، وهو أصح الروايتين عن مالك. وقال البغداديون من أصحابه: للمغبون الخيار بشرط أن يبلغ الغبن ثلث القيمة (٢). وكذا حدَّه أبو بكر بن موسى من الحنابلة. وقيل: السدس، وعن داود: العقد باطل (٣). ويؤيد الخصوص رواية ابن لهيعة، عن حبان، عن طلحة بن يزيد بن ركانة أنه كلم عمر بن الخطاب في البيوع، فقال: ما أجد لكم شيئًا مما جعله سيدنا رسول الله - ﷺ - لحبان (٤)، ورواية ابن لهيعة أيضًا عن حبان بن واسع، عن أبيه، عن جده، قال عمر بن الخطاب الحديث (٥)، لكنهما ضعيفان.
وتمسك بهذا الحديث من لا يرى الحجر على الكبير، لا سيما وقد جاء في بعض طرقه أن أهل هذا الرجل سألوا رسول الله - ﷺ - أن يحجر عليه لما في عقوده من الغبن، فلم يحجر عليه، وأمره بقوله: «لَا خِلَابَةَ».
قلت: قد يقال: إن الحجر عليه يؤخذ منه؛ لأنهم سألوه ما أنكر عليهم، وقد قال له: «قل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا». ويروى: «واشترط الخيار ثلاثًا» (٦).

-------
(١) «التمهيد» ١٧/ ٩.
(٢) انظر: «التاج والإكليل» ٦/ ٣٩٩، «مواهب الجليل» ٦/ ٣٩٨.
(٣) انظر: «المغني» ٦/ ٣٦، ٣٧.
(٤) رواه الطبراني في «الأوسط» كما في «نصب الراية» ٤/ ٨ والدارقطني ٣/ ٥٤، والبيهقي ٥/ ٢٧٤، وأشار الحافظ لضعفه، فقال في «التلخيص» ٣/ ٢٣١: فيه ابن لهيعة.
(٥) انظر: «سنن البيهقي» ٥/ ٢٧٤ قال البيهقي مشيرًا لضعف الطريقين: الحديث ينفرد به ابن لهيعة.
(٦) تقدم تخريجه وقال المصنف رحمه الله في «البدر المنير» ٦/ ٥٣٩ - ٥٤٠: رواية «واشترط الخيار ثلاثًا» غريبة قال ابن الصلاح: منكرة لا أصل لها وانظر «تلخيص الحبير» ٣/ ٢١ - ٢٢.



ويجوز أن يكون تركه لكونه يسيرًا لا يحجر بمثله.
قال الدودي: أسفر لنفسه فدله على وجه يختص به، ولم يضرب على يديه. وأجاب ابن العربي بأنه يحتمل أن تكون الخديعة كانت في العيب أو في الغبن أو في الكذب أو في الثمن أو في العين.
وليست قضية عامة فتحمل على العموم، وإنما هي خاصة في عين وحكاية حال. وعند المالكية خلاف في الحجر على من يخدع في بيعه، قال ابن شعبان: نعم. وقال غيره: لا؛ عملًا بهذا الحديث، واستدل به على أن بيع السفيه إذا لم يكن عليه وصي على الجواز حتى يضرب على يده، لإجازة الشارع ما تقدم من بيوعه.
وعورض بأنه يحتمل أن يكون بائعه غير معروف أو غائبًا. وقد قال ابن القاسم: يفسخ بيعه وإن لم يضرب على يديه، وخالفه جميع أصحاب مالك (١).
قال ابن حزم: من قال حين يبيع أو يبتاع: لا خلابة، فله الخيار ثلاث ليالٍ بما في خلالهن من الأيام، إن شاء رد بعيب أو بغيره أو بخديعةٍ أو بغيرها بغبن أو بغيره، وإن شاء أمسكه، فإذا انقضت الليالي الثلاث بطل خياره ولزمه، ولا رد إلا من عيب إذا وجد، فإن قال لفظًا غير: لا خلابة بأن يقول: لا خديعة، أو لا غش، أو لا كيد، أو لا غبن، أو لا منكر، أو لا عيب، أو لا ضرر، أو على السلامة،
أو لا داء، أو لا غائلة أو لا خبث، أو نحو هذا لم يكن له الخيار المجعول لمن قال: لا خلابة؛ لكن إن وجد شيئًا مما بايع على أن لا يعقد بيعه عليه بطل البيع، وإن لم يجده لزم البيع (٢).

-----------
(١) انظر: «مواهب الجليل» ٦/ ١١٥.
(٢) «المحلى» ٨/ ٤٠٩ - ٤١٠.



وحكى ابن التين قولًا أن معنى: لا خلابة في صفة النقد، وفي وفاء الوزن والكيل، قال: ويحتمل أن يأمره بذلك على وجه الإعذار لبائعه. وقيل: إنه - عليه السلام - جعل له ذلك علامة يثبت له بها الخيار ثلاثًا. واحتج به على جواز اشتراطه للبائع والمشتري والأجنبي؛ لإطلاق الحديث.
وفيه: ما كان القوم عليه من أداء الأمانة لمن عاملهم والنصح لمن استنصحهم.


٤٩ - باب مَا ذُكِرَ فِي الأَسْوَاقِ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ قُلْتُ: هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. [انظر: ٢٠٤٨] وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. [انظر: ٢٠٤٩] وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ. [انظر: ٢٠٦٢]

٢١١٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَّاحِ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوقَةَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ». قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: «يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ». [مسلم: ٢٨٨٤ - فتح: ٤/ ٣٣٨]

٢١١٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى المَسْجِدَ، لَا يُرِيدُ إِلَّا الصَّلَاةَ، لَا يَنْهَزُهُ إِلَّا الصَّلَاةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً إِلَّا رُفِعَ بِهَا دَرَجَةً، أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ، وَالمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلاَّهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ، مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ». وَقَالَ: «أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ». [انظر: ١٧٦ - مسلم: ٣٦٢، ٦٤٩ - فتح: ٤/ ٣٣٨]

٢١٢٠ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي السُّوقِ، فَقَالَ: رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمِ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي».


٢١٢١ - حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه: دَعَا رَجُلٌ بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ. فَالتَفَتَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ: لَمْ أَعْنِكَ. قَالَ: «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي». [انظر: ٢١٢٠ - مسلم: ٢١٣١ - فتح: ٤/ ٣٣٩]

٢١٢٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيِّ رضي الله عنه قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: «أَثَمَّ لُكَعُ، أَثَمَّ لُكَعُ؟». فَحَبَسَتْهُ شَيْئًا، فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا أَوْ تُغَسِّلُهُ، فَجَاءَ يَشْتَدُّ حَتَّى عَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ، وَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ». قَالَ سُفْيَانُ: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَخْبَرَنِي أَنَّهُ رَأَى نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ. [٥٨٨٤ - مسلم: ٢٤٢١ - فتح: ٤/ ٣٣٩]

٢١٢٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ. [٢١٣١، ٢١٣٧، ٢١٦٦، ٢١٦٧، ٦٨٥٢ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٣٩]

٢١٢٤ - قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. [٢١٢٦، ٢١٣٣، ٢١٣٦ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٣٩]
ذكر فيه أثر عبد الرحمن السالف أول البيع (١). وَقَالَ أَنَسٌ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ، وَقَالَ عُمَرُ: أَلْهَانِي الصَّفْقُ بِالأَسْوَاقِ، وقد سلف هناك (٢). وفعلهما دال على فضل الكفاف.
ثم ذكر حديث عائشة مرفوعًا: "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ

----------
(١) برقم (٢٠٤٨) كتاب: البيوع، باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ﴾.
(٢) مسندًا برقم (٢٠٦٢) كتاب: البيوع، باب: الخروج في التجارة.



مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بِأَوّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ» -الحديث-. وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ؟ «ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ». وأخرجه مسلم أيضًا (١).
وحديث أبي هريرة السالف في الصلاة (٢): «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاِتهِ فِي بيته وسوقه بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً …» الحديث بطوله.
وفيه: («ولَا يَنْهَزُهُ») أي: لا يخرجه ولا يدفعه، يقال: نهز الرجل بنفسه إذا نهض، وهو بضم الياء وفتحها.
والخطوة: -بفتح الخاء وحكي الضم-. ويؤذ: يغتب. وقال: أبو هريرة: يحدث.
وحديث أنس: كَانَ - عليه السلام - بالسوق، فَقَالَ: رَجُلٌ يَا أَبَا القَاسِمِ … الحديث. وفي آخره: «لا تسموا بِاسْمِي، وَلَا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتِي».
وفي رواية (٣): دَعَا رَجُلٌ بِالبَقِيعِ: يَا أَبَا القَاسِمِ … الحديث.
وحديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ، عَنْ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي طَائِفَةِ النَّهَارِ لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلَّمُهُ، حَتَّى أَتَى سُوقَ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَجَلَسَ بِفِنَاءِ بَيْتِ فَاطِمَةَ فَقَالَ: «أثَمَّ لُكَعُ، أثَمَّ لُكَعُ؟» وفي آخره: «اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ».
يريد: الحسن (٤) بن علي.

----------
(١) مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: الخسف بالجيش في يؤم البيت.
(٢) برقم (٤٧٧) باب: الصلاة في مسجد السوق.
(٣) ورد بهامش الأصل: ساقها بسند آخر يجتمعان في حميد.
(٤) في الأصل فوق الكلمة: الحسين.



وعند الإسماعيلي: جاء الحسن والحسين يشتدوا.
واللكع: الاستصغار، ويقال: اللؤم.
وفيه: (فَظَنَنْتُ أَنَّهَا تُلْبِسُهُ سِخَابًا) والسِخَابً: قلادة خرزها طيب.
قال سفيان (١): قال عبيد الله -يعني: ابن أبي يزيد- أخبرني أنه رأى نافع بن جبير أوتر بركعة.
وحديث موسى بن عقبة، عَنْ نَافِعٍ، ثَنَا ابن عُمَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مِنَ الرُّكْبَانِ عَلَى عَهْدِ رسول الله - ﷺ -، فَيَبْعَثُ عَلَيْهِمْ مَنْ يَمْنَعُهُمْ أَنْ يَبِيعُوهُ حَيْثُ اشْتَرَوْهُ، حَتَّى يَنْقُلُوهُ حَيْثُ يُبَاعُ الطَّعَامُ.
قَالَ: وَحَدَّثَنَا ابن عُمَرَ: نَهَى رسول الله - ﷺ - أَنْ يُبَاعَ الطَّعَامُ إِذَا اشْتَرَاهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ.
وأخرجه مسلم أيضًا (٢).

-----------
(١) ورد فوق الكلمة في الأصل: معلق.
قلت: وكأنه تعليق سبط بن العجمي، وفيه نظر؛ فإنه ليس تعليقًا، بل هو موصول بإسناد الحديث قبله مباشرة، حديث (٢١٢٢) والمصنف ذكره هنا ولم يذكر أنه معلق، وكذا لم يذكره الحافظ في «تغليق التعليق».
بل قال في «الفتح» ٤/ ٣٤٢: هو موصول بالإسناد المذكور.
وكذا قال العيني في «عمدة القاري» ٩/ ٣٣١ وزاد: وسفيان هو ابن عيينة، وعبيد الله هو ابن أبي يزيد المذكور في الحديث؛ وقد نقد الراوي على قوله: (أخبرني أنه)، وهذا لا يضر، وفائدة إيراد هذِه الزيادة التنبيه على لقي عبيد الله لنافع بن جبير، فلا تضر العنعنة في الطريق الموصول؛ لأن من ثبت لقاؤه لمن حدث عنه ولم يكن مدلسًا حملت عنعنته على السماع اتفاقًا، وإنما الخلاف في المدلس أو فيمن لم يثبت لقيه لمن روى عنه. اهـ.
(٢) مسلم (١٥٢٦) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.



الشرح:
إنما أراد بذكر الأسواق إباحة المتاجر، ودخول السوق والشراء فيه للعلماء والفضلاء، وكأنه لم يصح عنده الحديث المروي: «شر البقاع الأسواق وخيرها المساجد» (١)، وهذا إنما خرج علي الأغلب؛ لأن

----------
(١) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (١١٩)، و«إتحاف الخيرة المهرة» ٢/ ٢٧ (٩٦٩)، وأبو يعلى كما في «المطالب العالية» ٣/ ٤٦٨ (٣٥٠)، وابن حبان ٤/ ٤٧٦ (١٥٩٩)، والحاكم ١/ ٩٠ و٢/ ٧، والبيهقي ٣/ ٦٥ و٧/ ٥٠ - ٥١، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» ٢/ ٨٢٦ (١٥٥٠)، والحافظ في «موافقة الخبر الخبر» ١/ ١١ من طريق جرير بن عبد الحميد عن عطاء عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - .. الحديث وفيه قصة. وفيه: فحدثه أن خير البقاع المساجد وأن شر البقاع الأسواق.
والحديث صححه الحاكم ٢/ ٧. وكذا ابن حبان. وقال البوصيري في «الإتحاف» ٢/ ٢٨: في الحكم بصحة الحديث نظر؛ فإن جرير بن عبد الحميد سمع من عطاء بعد اختلاطه، قاله أحمد بن حنبل، وشيخه يحيى بن سعيد القطان.
وقال الحافظ في «المطالب» ٣/ ٤٦٨: صححه ابن حبان. وسكت، فكأنما أقره.
بل صرح بتصحيحه في «الموافقة» ١/ ١١ فقال: حديث حسن صحيح.
والحديث ذكره الألباني في «الثمر المستطاب» ١/ ٤٩٩ - ٥٠٠ ونحا منحى البوصيري، فقال: جرير ممن سمع من عطاء حديثًا بعد الاختلاط، وقد جاء في حديث هذا ألفاظ ظاهرة النكارة مما لم يرد في الأحاديث الأخرى. وذلك يدل على اختلاطه، لكن أصل الحديث صحيح بشواهده. اهـ.
قلت: فله شاهد من حديثي جبير بن مطعم وأنس.
فأما حديث جبير بن مطعم: رواه الإمام أحمد ٤/ ٨١، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٢٥٢)، وأبو يعلى ١٣/ ٤٠٠ (٧٤٠٣)، والطبراني ٢/ ١٢٨ (١٥٤٦)، والحاكم ١/ ٨٩ - ٩٠ و٢/ ٧، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» ٢/ ٣٦١ (١١٠٢)، والحافظ في «الموافقة» ١/ ١٠ من طريق زهير بن محمد عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه جبير بن مطعم أن رجلًا أتى رسول الله - ﷺ -، فذكره، بنحو حديث ابن عمر. =



المساجد يُذكر فيها اسم الله، والأسواق غلب عليها اللغط واللهو، والاشتغال بجمع الأموال، والكلب على الدنيا من الوجه المباح وغيره، وأما إذا ذكر الله فيه فهو من أفضل الأعمال: لحديث: «من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت بيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير. كتب الله له ألف ألف حسنة ومحا عنه ألف ألف سيئة، وبنى له بيت في الجنة» (١).
----------
= وصححه الحاكم. وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٣٩: إسناده حسن وتابعه قيس بن الربيع عن عبد الله بن محمد بن عقيل: رواه الطبراني ٢/ ١٢٨ (١٥٤٥)، ومن طريقه الحافظ في «الموافقة» ١/ ١٠ من طريق عاصم بن علي، عن قيس، به.
ومن هذين الطريقين حسنه الحافظ في «الموافقة» ١/ ١١.
وتابعه أيضًا عمرو بن ثابت، رواه الحاكم ١/ ٩٠.
والحديث حسنه الألباني بمتابعاته في «الثمر» ١/ ٤٩٨.
وأما حديث أنس فرواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ١٥٤ - ١٥٥ (٧١٤٠)، ومن طريقه الحافظ في «الموافقة» ١/ ٩ - ١٠ من طريق عبيد بن واقد، عن عمارة بن عمارة الأزدي، عن محمد بن عبد الله، عن أنس بن مالك، بنحوه.
قال الطبراني: لم يرو هذا الحديث عن عمارة بن عمارة إلا عبيد بن واقد.
قال الحافظ: وهو ضعيف.
قلت: والحديث رواه مسلم (٦٧١) عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها».
(١) رواه الترمذي (٣٤٢٨)، والطبراني في «الدعاء» ٢/ ١١٦٧ (٧٩٢)، والحاكم ١/ ٥٣٨ من طريق أزهر بن سنان عن محمد بن واسع قال: قدمت مكة فلقيني أخي سالم بن عبد الله بن عمر، فحدثني عن أبيه عن جده عمر بن الخطاب، مرفوعًا به.
قال الترمذي: حديث غريب.
ورواه الترمذي (٣٤٢٩)، وابن ماجه (٢٢٣٥)، والطيالسي ١/ ١٤ - ١٥ (١٢)، وأحمد ١/ ٤٧، والبزار في «البحر الزخار» ١/ ٢٣٨ (١٢٥)، والطبراني في «الدعاء» ٢/ ١١٦٥ - ١١٦٦ (٧٨٩)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (١٨٣)، وابن عدي ٦/ ٢٣٥ من طريق حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن سالم بن عبد الله =

-----------
= عن أبيه عن جده عمر، به.
وتابعه المعتز بن سليمان عند الترمذي وهشام بن حسان عند الطبراني في «الدعاء» (٧٩٠)، وابن عدي ٦/ ٢٣٥ - ٢٣٦ وثابت بن يزيد عند الطبراني (٧٩١).
قال الترمذي: عمرو بن دينار هذا هو شيخ بصري تكلم فيه بعض أصحاب الحديث.
قال شيخ الإسلام ابن القيم في «الحاشية» ١٣/ ٢٨٥: حديث معلول، لا يثبت مثله. ثم أورد طرقه عند الترمذي، وذهب يضعفها بتفصيل.
وقال في «المنار المنيف» ص ٤٦: حديث معلول، أعله أئمة الحديث.
وقال الحافظ في «الفتح» ١١/ ٢٠٦: رواه الترمذي وغيره، وفي سنده لين.
وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (٣٢٧): إسناده ضعيف جدًا، وضعفه بعمرو بن دينار.
والحديث رواه الترمذي في «العلل الكبير» ٢/ ٩١٢، والعقيلي في «الضعفاء» ٣/ ٣٠٤ من طريق يحيى بن سليم عن عمران بن مسلم عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، مرفوعًا به.
قال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: هذا حديث منكر. وانظر: «علل ابن أبي حاتم» ٢/ ١٨١ (٢٠٣٨)، و«علل الدارقطني» ٢/ ٤٨ - ٤٩.
والحديث في الجملة بأسانيده ضعِّف، فقال العقيلي ٣/ ٣٠٥: الأسانيد في هذا الحديث فيها لين.
وأومأ شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ١٨/ ٦٧ لضعف الحديث.
وهذا الحديث أورده فضيلة الشيخ أبي إسحاق الحويني في «النافلة في الأحاديث الضعيفة والباطلة» (٧٤) وقال: حديث منكر. وخرجه تخريجًا نفيسًا، فلينظر.
ونضيف أيضًا أن الحديث رواه الطبراني في «الدعاء» (٧٩٣) من طريق أبي خالد الأحمر عن المهاجر بن حبيب قال: سمعت سالم بن عبد الله بن عمر يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت عمر، به. ومن هذا الطريق أورده العلامة الألباني في «الصحيحة» (٣١٣٩) وصححه وعقد فيه بحثًا بلغ عشر صفحات، رد فيه على من أعله وضعفه، وأتى على بنيانهم من القواعد، فليسارع إليه.
تتمة أخيرة: الحديث رواه ابن السني (١٨٤) عن ابن عباس مرفوعًا.
قال الألباني في «الضعيفة» (٥١٧١): موضوع.





ولذلك إذا لغا في المسجد أو لغط فيه أو عصى ربه لم يضر المسجد، ولا نقص من فضله، وإنما أضر بنفسه، وبالغ في إثمه. وقد روي عن علي أنه قال: من عصى الله في المسجد فكأنما عصاه في الجنة، ومن عصاه في الحمام فكأنما عصاه في النار، ومن عصاه في المقبرة فكأنما عصاه في عرصات القيامة، ومن عصاه في البحر فكأنما عصاه على أكف الملائكة.
وفي حديث عائشة: أن من كثَّر سواد قوم في معصية أو في فتنة أن العقوبة تلزمه معهم إذا لم يكونوا مغلوبين على ذلك؛ لأن الخسف لما أخذ السوق عقوبة لهم شمل الجميع. واستنبط منه مالك أن من وُجد مع قوم يشربون الخمر وهو لا يشرب أنه يعاقب، ويريد أن المغلوبين على تكثير السواد ليسوا ممن يستحق العقوبة، لقوله تعالى ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ الآية [الفتح: ٢٥].
وفيه: علم من أعلام النبوة، وهو إخباره بما يكون.
وفيه: أنه لا بأس بمهازلة الصبي وغيره إذا كان واقعًا تحت السنن والفضل، لاسيما إن عضد ذلك أبوه؛ لأنه - عليه السلام - أبوه، والجد أب.
والبيداء: المفازة وجمعها بيد.
وقوله: (وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ)، في «مستخرج أبي نعيم»: فيهم أشرافهم بالشين المعجمة بدله، وعند الإسماعيلي: وفيهم سواهم، بدل: من أسواقهم، قال: ورواه البخاري: (وفيهم أسواقهم)، وليس هذا
الحرف في حديثنا، وأظن أن أسواقهم تصحيف، فإن الكلام في الخسف بالناس لا بالأسواق.
قال ابن التين: ولعل هذا الجيش الذين يخسف بهم هم الذين


(يهدمون) (١) الكعبة فينتقم منهم، ويكون الذين يبعثون على نياتهم وحضرت آجالهم بالخسف، كانوا ينكرون بقلوبهم ولا يقدرون على غير ذلك؛ وقد قال تعالى ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، وقال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية [الأنعام: ٤٤].
قلت: قد يقال: (الحبش) (٢) الذين يقدمون ليسوا من هذِه الأمة.
والشارع قال في «صحيح مسلم»: «إن ناسًا من أمتي يؤمون هذا البيت لرجل من قريش قد لجأ إلى البيت» فذكر الحديث (٣).
فإن قلت: فما ذنب من أكره على الخروج أو من جمعته وإياهم
الطريق؟ قلت: عائشة لما سألت، قال: «يبعثون على نياتهم» فماتوا بها لما حضر من آجالهم وبعثوا على نياتهم.
وحديث أنس -يعني: الثاني- لا مناسبة له للباب، نعم ذكر في أصله.
وروي أيضًا من حديث جابر وأبى حميد الساعدي «من تسمى باسمي فلا يكتني بكنيتي» (٤).

----------
(١) في (م): يقدمون.
(٢) في (م): إن.
(٣) مسلم (٢٨٨٤) كتاب: الفتن، باب: الخسف بالجيش في يؤم البيت.
(٤) حديث جابر سيأتي بنحوه برقم (٣٥٣٨)، ورواه مسلم (٢١٣٣).
وأما حديث أبي حميد الساعدي فرواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٩٩٠) من طريق محمد بن سليمان: ثنا أبو بكر بن أبي سبرة، عن عبد الله بن أبي بكر، عن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي حميد، به.
قال البزار: لا نعلم لأبي حميد غير هذا الطريق، وابن أبي سبرة لين الحديث.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٤٧: فيه أبو بكر بن أبي سبرة، وهو متروك.
قلت: قال الحافظ عنه في «التقريب» (٧٩٧٣): رموه بالوضع، وقال مصعب الزبيري: كان عالمًا. فعلى كلٍ فالحديث ضعيف.



وأبي هريرة: «لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي أنا أبو القاسم، والله يعطي وأنا أقسم» (١).
والبراء بن عازب: «لا تجمعوا بين أسمي وكنيتي» (٢).
وعائشة: «ما أحل اسمي وحرَّم كنيتي» (٣) ذكرها ابن شاهين (٤)، وذكر عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد أن محمد بن علي ومحمد بن أبي بكر ومحمد بن طلحة ومحمد بن سعد كانوا كلهم يكنون بأبي القاسم، وكان لمالك بن أنس ابن يقال له محمد وكنيته أبو القاسم، فقيل له في ذلك، فقال: لا بأس به. قال: وهذا الحديث يوجب أن يكون ناسخًا للأول؛ لأن ولدان الصحابة كنوا بأبي القاسم، وقد روي عن بعض التابعين أنه كان يقول: إذا رأينا

----------
(١) بهذا اللفظ رواه أحمد ٢/ ٤٣٣، وصححه ابن حبان ١٣/ ١٣٤ (٥٨١٧).
وأصل الحديث سلف برقم (١١٠)، ورواه مسلم (٢١٣٤) بلفظ: «تسموا باسمي، ولا تكتنوا بكنيتي».
(٢) رواه ابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» ص ٣٧٧ (٤٧٧ - ٤٧٨).
(٣) رواه أبو داود (٤٩٦٨)، وأحمد ٦/ ١٣٥ - ١٣٦ و٦/ ٢٠٩، والطبراني في «الأوسط» ٢/ ٩ (١٠٥٧)، وابن شاهين في «الناسخ والمنسوخ» (٤٨١)، والبيهقي ٩/ ٣٠٩ - ٣١٠، والحافظ المزي في «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٣٣، والحافظ الذهبي في «الميزان» ٥/ ١١٨ من طريق محمد بن عمران الحجبي عن جدته صفية بنت شيبة عن عائشة، به.
وهو حديث ضعيف، ضعفه الذهبي في «الميزان» وقال في «المهذب» ٨/ ٣٨٩٧ - ٣٨٩٨ (١٤٩٧٩): الحجبي حديثه منكر. وأشار الحافظ في «الفتح» ١٠/ ٥٧٤، وفي «تلخيص الحبير» ٣/ ١٤٤ لضعفه. وقال في «التهذيب» ٣/ ٦٦٦: متن منكر، مخالف للأحاديث الصحيحة.
وضعفه أيضًا الألباني في «ضعيف الجامع» (٥٠١٥).
(٤) «الناسخ والمنسوخ» لابن شاهين (٤٧٤ - ٤٧٥، ٤٧٧ - ٤٧٩).



الرجل يكنى بأبي القاسم كنيناه بأبي القاصم بالصاد من جهة الكره لذلك.
قال وحديث النهي طرقه لا أعلم في أكثرها علة (١).
ومذهب الشافعي وأهل الظاهر أنه لا يحل التكني بأبي القاسم لأحدٍ أصلًا، سواء كان اسمه أحمد أو محمدًا أو لم يكن؛ لظاهر الحديث (٢).
وفيه: مذاهب أخر:
أحدها: أنه منسوخ، وأن هذا الحكم كان في الزمن الأول للمعنى المذكور في الحديث ثم نسخ، فيباح لكل أحد وهو مذهب مالك وجمهور العلماء.
ثانيها: لا نسخ، والنهي للتنزيه، قاله ابن جرير.
ثالثها: النهى عن التكني بأبي القاسم مختص بمن اسمه محمد أو أحمد، ولا بأس بها لمن لم يكن اسمه ذلك.
رابعها: النهي عن التكني بأبي القاسم مطلقًا، وأن لا يسمى القاسم؛ لئلا يكنى والده به (٣).
وشذ من منع التسمية بمحمد أيضًا لحديث «تسمون أولادكم محمدًا وتلعنونهم» (٤).

-----
(١) انتهى من «الناسخ والمنسوخ» ص ٣٧٩ - ٣٨٠ (٤٨٢ - ٤٨٣).
(٢) انظر: «المجموع» ٨/ ٤٢١.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٣٩، «المنتقى» ٧/ ٢٩٧، «المجموع» ٨/ ٤٢١، «الفروع» ٣/ ٥٦٦.
(٤) رواه أبو يعلى ٦/ ١١٦ (٣٣٨٦)، وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٤٨٥، والحاكم ٤/ ٢٩٣، وأبو نعيم في «أخبار أصبهان» ٢/ ٢٨٦ من طريق الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس، مرفوعًا به. =



وقوله: («وَلَا تَكَنَّوْا») قال ابن التين ضبط في أكثر الكتب بفتح التاء وضم النون المشددة، ولا أعلم لها وجهًا في تصاريف الكلام، وضبطت أيضًا بضم التاء والنون على وزن تزكوا، وفي بعضها بفتح التاء والنون مشددة مفتوحة على حذف إحدى التائين.
و(البَقِيعِ) في الحديث: مقبرة أهل المدينة، وهو في اللغة المكان المتسع. وقال قوم: لا يكون بقيعًا إلا وفيه الشجر، وهذا البقيع كان ذا شجر، ثم ذهب منه الشجر وبقي الاسم.
وقوله: (لَمْ أَعْنِكَ) أي: لم أردك، يقال: عنيت بالقول كذا، أي: أردته.
وحديث أبي هريرة: (حتى أتى سوق بني قينقاع فجلس بفناء بيت فاطمة).
قال الداودي سقط بعضه على الناقل، وإما أدخل حديثًا في حديث إذ ليس بيت فاطمة في سوق بني قينقاع، وإنما بيتها بين أبيات رسول الله - ﷺ - (١).

------------
= قال الحاكم: تفرد الحكم بن عطية عن ثابت.
فتعقبه الذهبي قائلًا: الحكم وثقه بعضهم، وهو لين.
والحديث ضعفه المصنف -رحمه الله- في شرح حديث (٦١٩٩) فيما سيأتي، بالحكم بن عطية.
وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٤٠٣).
(١) تعقب الحافظ قول الداودي بقوله: ما ذكره أولًا هو الواقع، ولم يدخل الراوي حديثًا في حديث، وقد أخرجه مسلم (٢٤٢١) بلفظ «حتى جاء سوق بني قينقاع، ثم انصرف حتى أتى فناء فاطمة». فأثبت ما سقط من حديث الباب. «الفتح» ٤/ ٣٤١.



ومعانقته للحسن فيه إباحة ذلك لغيره، واستحب سفيان معانقة الرجل للرجل، وكرهها مالك وقال: هي بدعة (١)، وتناظرا فيها فاحتج سفيان بأنه - عليه السلام - فعل ذلك بجعفر (٢)، فقال مالك: هو خاص له، فقال: ما يخصه بغير ذلك؟ فسكت مالك.
واللُكَعُ: أسلفنا أنه الاستصغار، ويقال: اللؤم. وقال أبو عبيد: هو عند العرب العبد (٣). وهو في قول الأصمعي: الصبي الذي لا يتجه لمنطق ولا غيره، مأخوذ من الملاكيع، يعني: التي تخرج مع السلا من البطن. قال الأزهري: والقول قول الأصمعي، ألا ترى أنه - عليه السلام - قال للحسن وهو صغير: «أين لكع» (٤) أراد به لصغره لا يتجه لمنطق

----------
(١) انظر: «المدخل» لابن الحاج ٢/ ٢٩٥.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: والسنة معانقة القادم من سفره.
قلت: وحديث جعفر رواه أبو يعلى ٣/ ٣٩٨ (١٨٧٦) من طريق إسماعيل بن مجالد، عن أبيه، عن عامر، عن جابر قال: لما قدم جعفر من الحبشة عانقه النبي - ﷺ -.
قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٢٧٢: رواه أبو يعلى، وفيه: مجالد بن سعيد، وهو ضعيف وقد وثق، وبقية رجاله رجال الصحيح.
ورواه الطبراني ٢/ ١٠٨ (١٤٧٠) من طريق مخلد بن يزيد، عن مسعر بن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: لما قدم جعفر … الحديث، بنحوه.
ورواه العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٢٥٧، والصيداوي في «معجم الشيوخ» ص ١٧٠ - ١٧١ من طريق مكي بن عبد الله الرعيني، عن سفيان بن عيينة، عن أبي الزبير، عن جابر، الحديث، لكن ليس فيه ذكر المعانقة، وإنما ذكرته؛ لأن في إسناده سفيان، وهو المناظر لمالك، فيما ذكره المصنف.
والحديث روي من طرق أخرى، انظرها في «نصب الراية» ٤/ ٢٥٤ - ٢٥٥، و«البدر المنير» ٩/ ٥١ - ٥٣، و«الدراية» ٢/ ٢٣١ - ٢٣٢، «تلخيص الحبير» ٤/ ٩٦. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٦٥٧).
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٣٣٠.
(٤) سيأتي برقم (٥٨٨٤).



ولا ما يصلحه، ولم يرد أنه لئيم ولا عبد، وفي «الموعب»: يوسف به الحسن والرق واللؤم. وفي «الجامع»: أصل اللكع من الكلع ولكن قلب. وفي «الصحاح»: اللكع: الذليل (١).
قال السهيلي: أراد: تشبيهه بالفلو والمهر؛ لأنه طفل كما أنهما كذلك، وإذا قصد بالكلام قصد التشبيه لم يكن إلا صدقًا (٢).
وقول (سُفْيَان: قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: رَأَيت نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ)، أراد البخاري أن يبين سماع عبيد الله المعنعن في السند عن نافع.
وادَّعى ابن التين أن الإتيان بركعة غير معمول به، وذكر ذلك عن معاوية، وذكر فعله لابن عباس فقال: إنه فقيه.
وقوله في حديث ابن عمر: (حتى ينقلوه حيث يباع الطعام) وفي لفظ: حتى يستوفيه.
ولمسلم من حديث أبي هريرة: حتى يكتاله (٣). وهو من أفراده، وانفرد به أيضًا من حديث جابر (٤).
قال ابن عبد البر: وفي حديث القاسم بن محمد نهى أن يبيع أحد طعامًا اشترى بكيل حتى يستوفيه، قال: والقبض والاستيفاء سواء، ولا يكون ما بيع من الطعام على الكيل والوزن مقبوضًا إلا كيلًا
أو وزنًا. وهذا لا خلاف فيه، فإن وقع البيع في الطعام على الجزاف، فقد اختلف في بيعه قبل قبضه وانتقاله (٥).

--------
(١) «الصحاح» ٣/ ١٢٠ مادة: (لكع).
(٢) «الروض الأنف» ٣/ ١٧٧.
(٣) مسلم (١٥٢٨) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.
(٤) مسلم (١٥٢٩).
(٥) «التمهيد» ١٣/ ٣٢٩ بتصرف.



وقال ابن التين في قوله: (كانوا يشترون الطعام من الركبان على عهد رسول الله - ﷺ - فيبعث عليهم من يمنعهم أن يبيعوه حيث اشتروه حتى ينقلوه حيث يباع الطعام): هذا للرفق بأهل السوق. ومعناه: أنهم لم يتلقوا الركبان لعلهم قدموا معهم، أو أمروا بهم أو لقوهم من غير قصد التلقي، ويدل عليه اشتراء النبي - ﷺ - من جابر وعمر (١). وهذا الحديث أبين ما روي عن ابن عمر في هذا، وقد روى مالك عنه: كانوا يشترون الطعام فيبعث إليهم من يأمرهم بانتقاله (٢)، فتأول قوم ذلك أنهم أمروا بالانتقال ليوسعوا على أهل الأسواق، وتأوله قوم على أن الجزاف من الطعام لا يباع حتى ينقل، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي (٣)، واختلف قول مالك في استحباب ذلك، فعنه في «المدونة»: لا بأس ببيعه قبل قبضه (٤). قال القاضي في «إشرافه»: إذا خلا البائع بينه وبينه، وعنه في «العتبية» كراهة بيعه حتى ينقل، وبه قال ابن حبيب وابن الجلاب. وهذا الحديث هنا مبين أنهم كانوا يشترون من الركبان. وقيل: إنما منع من بيع الجزاف قبل نقله؛ لئلا يشترى منه في باعه فيكون دراهم بدراهم أكثر منها (٥).
---------
(١) حديث جابر سلف برقم (٢٠٩٧) كتاب: البيوع، باب: شراء الدواب والحمير.
وحديث عمر سيأتي برقم (٢١١٥) كتاب: البيوع، باب: إذا اشترى شيئًا فوصب من ساعته.
(٢) «الموطأ» ص ٣٩٧.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٤٠، «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٤٦٣، «المجموع» ٩/ ٣٢٦.
(٤) «المدونة» ٣/ ١٧٠.
(٥) انظر: «المنتقى» ٤/ ٢٨٠، ٢٨٤.



وقد فسره ابن عباس فقال: تلك دراهم بدراهم، والطعام مرجأ (١).
وقوله في حديث أبي هريرة: (لَا يُكَلِّمُنِي وَلَا أُكَلِّمُهُ) قد يكون ذلك لأمر قد شغل ضميره، أو لفكر في أمر معاده، ولم يكلمه أبو هريرة لما أحس منه، وهذا كان شأنهم إذا لم يروا منه نشاطًا كفوا عن كلامه إلى أن يحدث ما يسألونه عنه.
وفي حديث: («اللَّهُمَّ أَحْبِبْهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ»). يقال أحب يحب وهي اللغة المشهورة. وحكى حب ثلاثي، وحكى المبرد قراءة (يَحْبِبْكم الله) [آل عمران: ٣١] كأنه من حببت وأُدغم في موضع الجزم (٢)، وهو مذهب تميم وقيس وأسد، ورد عليه بأنه (يحبَّكم الله) بإظهار التضعيف وفتح الباء من يحب، ولا يكادون يقولون حب، في الماضي، إنما يُقال في المستقبل فقط، هذا هو المشهور، على أنهم
قالوا في يحب أيضًا؛ إنها لغةٌ، وقال غيره: إنها شذوذ، وفي المثل السائر: من حب طب (٣).

----------
(١) رواه البيهقي ٥/ ٣١٢.
(٢) انظر: «الكامل في اللغة والأدب» ٢/ ٢٦٧. ط. دار الكتب العلمية.
(٣) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في السادس بعد الخمسين كتبه مؤلفه. وأسفله قال: (آخر ٦ من ٧) من تجزئة المصنف.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #409  
قديم 25-04-2026, 04:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 291 الى صـــ 310
الحلقة (409)





٥٠ - باب كَرَاهِيَةِ السَّخَبِ فِي السُّوقِ
٢١٢٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، حَدَّثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما، قُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ. قَالَ أَجَلْ، وَاللهِ إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْآنِ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ المِلَّةَ العَوْجَاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ. وَيَفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا، وَآذَانًا صُمًّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا. تَابَعَهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلَالٍ. وَقَالَ سَعِيدٌ، عَنْ هِلَالٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ سَلَامٍ: غُلْفٌ: كُلُّ شَيْءٍ فِي غِلَافٍ، سَيْفٌ أَغْلَفُ، وَقَوْسٌ غَلْفَاءُ، وَرَجُلٌ أَغْلَفُ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَخْتُونًا. [٤٨٣٨ - فتح: ٤/ ٣٤٢]
ذكر فيه حديث فليح، ثَنَا هِلَالٌ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارِ: لَقِيتُ عَبْدَ اللهِ ابْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، فقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فِي التَّوْرَاةِ. قَالَ أَجَلْ، إِنَّهُ لَمَوْصُوفٌ فِي التَّوْرَاةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي القُرْانِ … الحديث.
وفيه: (وَلَا سَخَّابٍ فِي الأَسْوَاقِ) إلى آخره، تابعه عبد العزيز بن أبي سلمة عن هلال، وقالَ: سعيد عن هلال، عن عطاء، عن ابن سلام: غلف: كل شيء في غلاف، سيف أغلف، وقوس غلفاء، ورجل
أغلف: إذا لم يكن مختونًا.


الشرح:
متابعة عبد العزيز أسندها البخاري فقال: حدثنا عبد الله، عن عبد العزيز بن أبي سلمة، عن هلال به (١)، وهو حديث تفرد به البخاري، وعبد الله هذا قال ابن السكن: هو ابن مسلمة، وقال أبو مسعود الدمشقي: هو عبد الله بن محمد بن رجاء. وقال الجياني: عندي أنه عبد الله بن صالح كاتب الليث وإلى ذلك أشار أبو مسعود، على أن الحاكم أبا عبد الله قطع أن البخاري لم يخرج في «صحيحه» عن كاتب الليث (٢). وقد روى البخاري في كتاب «الأدب» هذا الحديث عنه (٣).
وأما قول سعيد بن هلال، فأخرجه الطبراني في «معجمه» ثنا المطلب بن شعيب، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث، عن خالد بن يزيد، عن (سعيد بن أسامة) (٤)، عن هلال، عن عطاء، عن

----------
(١) سيأتي برقم (٤٨٣٨) كتاب: التفسير، باب: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
(٢) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٩٣ - ٩٩٤.
(٣) «الأدب المفرد» (٢٤٧). وقال الحافظ في «الفتح» ٨/ ٥٨٥: قوله: (حدثنا عبد الله بن مسلمة) أي: القعنبي، كذا في رواية أبي ذر وأبي على بن السكن، ووقع عند غيرهما: (عبد الله) غير منسوب، فتردد فيه أبو مسعود بين أن يكون عبد الله بن رجاء وعبد الله بن صالح كاتب الليث، وقال الجياني: عندي أنه عبد الله بن صالح، ورجح هذا المزي وحده؛ لأن البخاري أخرج هذا الحديث في «الأدب المفرد» عن عبد الله بن صالح.
قلت: لكن لا يلزم من ذلك الجزم به، وما المانع أن يكون له في الحديث الواحد شيخان عن شيخ واحد؟ وليس في وقع في «الأدب» بأرجح مما وقع الجزم به في رواية أبي علي وأبي ذر، وهما حافظان. اهـ.
وانظر: «اليونينية» ٦/ ١٣٥.
(٤) كذا بالأصل، وفي «معجم الطبراني الكبير»: (سعيد بن أبي هلال).



عبد الله بن سلام: إنا لنجد صفة رسول الله - ﷺ -، الحديث (١).
وأخرجه الترمذي من حديث محمد بن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن أبيه، عن جده، ثم قال: حسن غريب (٢).
والصخب عند أهل اللغة: الصياح، قال صاحب «العين»: صخب صخبًا، إذا صاح (٣)، ولم يذكره في حرف السين وهو في النسخ كما قدمناه بالسين، ونقله ابن بطال عن بعض النسخ، وقال أبو حاتم: أمَّا ما كان مع الخاء فتجوز كتابته بالسين والصاد (٤).
وبخط الدمياطي: الصخب بالسين والصاد: اختلاط الأصوات، قال: وقيل: الصوت الشديد، قيل: الفصيح بالصاد، وهي بالسين لغة قبيحة لربيعة، أعنى: السخب، وقال الفراء أيضًا: هما لغتان.
قال ابن التين: والذي ذكره غيره من أهل اللغة بالصاد، وهو في البخاري بالسين. ومعنى (أجل): نعم.
وكان عبد الله بن عمرو كما روى البزار من حديث ابن لهيعة، عن واهب عنه، رأى في المنام كان في إحدى يديه عسلًا وفي الأخرى سمنًا وكأنه يلعقهما، فأصبح فذكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال «تقرأ الكتابين التوراة والقرآن»، فكان يقرأهما (٥).

-----------
(١) «المعجم الكبير» ص ١٢١ - ١٢٢ (١٦٣). ط. دار الراية.
(٢) الترمذي (٣٦١٧). وقال الألباني في «مشكاة المصابيح» (٥٧٧٢): ضعيف.
(٣) «العين» ٤/ ١٩٠.
(٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٥٤.
(٥) رواه أحمد ٢/ ٢٢٢، والطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٦/ ٢٠ (٣٨٧٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٨٦، والخطيب البغدادي في «الفقيه والمتفقه» ٢/ ٢٨٣ (٩٨٠). =



وقوله: (شَاهِدًا) أي: شاهدًا بالإبلاغ، وقيل: لمن أطاعه. وقيل: على تصديق من قبله من الأنبياء، وقيل: مبشرًا بالجنة ونذيرًا من النار. روي عن ابن عباس: لما نزلت هذِه الآية دعا رسول الله - ﷺ - عليًّا ومعاذًا وقال: «يسِّرا ولا تعسِّرا، فإنه قد أُنزل عليَّ الليلة: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥)﴾ (١) [الأحزاب: ٤٥]».
(سميتك بالمتوكل): بأن قد أيقن بتمام وعد الله وتوكل عليه.
وقوله: (وَحِرْزًا لِلأُمِّيِّينَ) أي: حافظهم وحافظ دينهم. يقال: أحرزت الشيء أحرزه إحرازًا، إذا حفظته وضممته إليك وصنته عن الأخذ. والأميون: العرب؛ لأن الكتابة عندهم قليلة.
وقوله: (سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ) يعني: لقناعتك باليسير من الرزق، واعتمادك علي في الرزق والنصر، والصبر عند انتظار الفرج، والأخذ بمحاسن الأخلاق، واليقين بتمام وعد الله، فتوكل عليه، فسمي
المتوكل.
وقوله: (لَيْسَ بِفَظٍّ) أي: سيئ الخلق.
(وَلَا غَلِيظٍ): وهي الشدة في القول، وهما حالتان مكروهتان.

----------
= قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ١٨٤: فيه ابن لهيعة، وفيه ضعف.
وكذا أشار الحافظ لضعفه في «الإصابة» ٢/ ٣٥٢ فقال: في سنده ابن لهيعة.
وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على «المسند» (٧٠٦٧): إسناده صحيح.
(١) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» كما في «تفسير ابن كثير» ١١/ ١٨٦، والطبراني ١١/ ٣١٢ (١١٨٤٠) من طريق عبد الرحمن بن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن شيبان، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس.
قال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٩٢: فيه عبد الرحمن العرزمي، وهو ضعيف.



وقول القائل لعمر: أنت أفظ وأغلظ (١). قيل: لم تأت هنا للمفاعلة بينه وبين من أشرك معه، بل بمعنى: أنت فظ غليظ على الجملة لا على التفصيل.
والسخاب: الكثير الصياح والجلبة، ولم يكن سخابًا في سوق ولا غيره، بل كان على خلقٍ عظيم.
وفيه: ذم الأسواق وأهلها الذين يكونون بهذِه الصفة المذمومة من الصخب، واللغط والزيادة في المدحة والذم لما يتبايعونه، والأيمان الحانثة؛ ولهذا قال - عليه السلام -: «شر البقاع الأسواق» (٢) كما مضى لما يغلب على أهلها من هذِه الأحوال المذمومة.
ومعنى (لَا يَدْفَعُ بِالسَّيئَةِ السَّيِّئَةَ): لا يسيء إلى من أساء إليه على سبيل المجازاة المباحة ما لم تنتهك لله حرمة، لكن يأخذ بالفضل كما قال تعالى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ﴾ [الشورى: ٤٣] وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] وسمى جزاء السيئة سيئة للمجاورة.
والمراد (بالملة العوجاء) أي: المعوجة، ما كانوا عليه من عبادة الأصنام، وتغيير ملة إبراهيم عن استقامتها، وإمالتها بعد قوامها، فأقام الله بنبيه عوج الكفر حتى ظهر دين الإسلام ووضحت أعلامه،
وأيد الله نبيه بالصبر والإنابة والسياسة في نفوس العالمين والتوكل على الله.
وقوله: (وَيفْتَحُ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا) كذا للأصيلي كما نقله ابن التين، جعل عميًا، نعتًا للأعين، وهو جمع عمياء، وفي بعض روايات

-----------
(١) سيأتي برقم (٣٢٩٤) كتاب: بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنوده، ورواه مسلم برقم (٢٣٩٦) كتاب: «فضائل الصحابة» باب من فضائل عمر رضي الله عنه.
(٢) سبق تخريجه.



الشيخ أبي الحسن: أعين عُمي، فأضاف أعين إلى عُمي وهو جمع أعمى، وكذلك الكلام في الآذان أيضًا.
وقوله: (وَقُلُوبًا غُلْفًا) فليس هو إلا جمع أغلف سواء كان مضافًا أو غير مضاف، وترك الإضافة فيه بيِّن، وذلك كله ممن قبل الإسلام وخرج من الكفر إلى الإيمان. وقرأ ابن عباس ﴿غُلْفٌ﴾ -بضم اللام- كأنه جعله جمع غلاف، وهي قراءة الأعرج وابن محيصن (١). قال ابن عباس: مملوءة لا تحتاج إلى علم محمد (٢).
وقوله: (غُلْف) كل شيء في غلاف يريد أنه مستور عن الفهم والتمييز، وقال مجاهد: غُلْف: عليها غشاوة (٣). وقال عكرمة: طابع (٤).
وفي الحديث: مدح النبي - ﷺ - ببعض صفاته الشريفة -التي خصه الله تعالى وجبله عليها، وقد وصفه الله تعالى في آخر سورة براءة نحو هذِه الصفة.
وهذا الباب آخره ابن بطال بعد باب: بركة صاعه، فاعلمه (٥).

---------
(١) انظر: «مختصر شواذ القرآن» ص ١٥، و«الحجة للقراء السبعة» ٢/ ١٥٣ - ١٥٤، و«تفسير القرطبي» ٢/ ٢٢.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٤٥٢ (١٥١٦)، وكذا ابن أبي حاتم ١/ ١٧٠ (٨٩٣).
(٣) رواه الطبري ١/ ٤٥١ (١٥٠٤).
(٤) رواه ابن أبي حاتم ١/ ١٧١ (٨٩٩).
(٥) انظر: «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٥٣.



٥١ - باب الكَيْلِ عَلَى البَائِعِ وَالمُعْطِي
لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: ٣] يَعْنِي: كَالُوا لَهُمْ وَوَزَنُوا لَهُمْ كَقَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَكُمْ﴾ [الشعراء: ٧٢]: يَسْمَعُونَ لَكُمْ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اكْتَالُوا حَتَّى تَسْتَوْفُوا». وَيُذْكَرُ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ لَهُ: «إِذَا بِعْتَ فَكِلْ، وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ».

٢١٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». [انظر: ٢١٢٦ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٤]

٢١٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه قَالَ: تُوُفِّيَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَاسْتَعَنْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَلَى غُرَمَائِهِ أَنْ يَضَعُوا مِنْ دَيْنِهِ، فَطَلَبَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِلَيْهِمْ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - ﷺ -: «اذْهَبْ فَصَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا، العَجْوَةَ عَلَى حِدَةٍ، وَعَذْقَ زَيْدٍ عَلَى حِدَةٍ، ثُمَّ أَرْسِلْ إِلَيَّ». فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَرْسَلْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَجَاءَ فَجَلَسَ عَلَى أَعْلَاهُ، أَوْ فِي وَسَطِهِ ثُمَّ قَالَ: «كِلْ لِلْقَوْمِ». فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الَّذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. وَقَالَ فِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ. وَقَالَ هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «جُذَّ لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ». [٢٣٩٥، ٢٣٩٦، ٢٤٠٥، ٢٦٠١، ٢٧٠١، ٢٧٨١، ٣٥٨٠، ٤٠٥٣، ٦٢٥٠ - فتح: ٤/ ٣٤٤]
ثم ذكر حديث ابن عمر: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِيعُهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ».
وسلف قريبًا في آخر ما ذكر في الأسواق.
وحديث جابر في وفائه دين والده ثُمَّ قَالَ: «(كِلْ) (١) لِلْقَوْمِ». فَكِلْتُهُمْ

------------
(١) ساقطة من الأصل.


حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ الذِي لَهُمْ، وَبَقِيَ تَمْرِي، كَأَنَّهُ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ. (وَقَالَ) (١) فِرَاسٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: فَمَا زَالَ يَكِيلُ لَهُمْ حَتَّى أَدَّاهُ. (وَقَالَ) (٢) هِشَامٌ، عَنْ وَهْبٍ، عَنْ جَابِرٍ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «جُذَّ لَهُ، فَأَوْفِ لَهُ».
الشرح: أما الآية فما فسره البخاري فسره الأخفش وأبو عبيدة وكذا الفراء، فقال: الهاء في موضع نصب، تقول في الكلام: قد كلتك طعامًا كثيرًا، وكلتني مثله، وقوله: (﴿اكتَالُواْ عَلَى النَّاسِ﴾) [المطففين: ٢] يريد من الناس وهما يتعاقبان: على ومَنْ هنا؛ لأنه حق عليه (٣).
وهذِه السورة مكية، وقيل: مدنية. وقيل: نزلت في طريقه من مكة إلى المدينة. وقال السدي: استقبل بها رسول الله - ﷺ - وهو داخل المدينة من مكة -شرفها الله- وقيل: أولها مدني وآخرها مكي. وقال ابن عباس: كان يمر عليٌّ على الحارث بن قيس وناس معه فيسخرون من علي ويضحكون؛ ففيه نزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩)﴾ إلى آخر السورة. وقال السدي فيما حكاه الواحدي عنه في «أسبابه»: قدم رسول الله - ﷺ - المدينة وبها رجل يقال له: أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر. فأنزل الله الآية (٤). وقال الطبري في «تفسيره»: كان عيسى بن عمر فيما ذكر عنه يجعلهما حرفين ويقف على كالوا وعلى وزنوا، ثم يبتدئ فيقول: هم يخسرون، والصواب عندنا الوقف على هم (٥).

--------
(١) فوقها في الأصل: سند معلق.
(٢) فوقها في الأصل: سند معلق.
(٣) «معاني القرآن» للفراء ٣/ ٢٤٥ - ٢٤٦.
(٤) «أسباب النزول» (٨٥٠).
(٥) «تفسير الطبري» ١٢/ ٤٨٤.



والتعليق الأول ذكره ابن أبي شيبة من حديث طارق بن عبد الله المحاربي بإسناد جيد (١)، والثاني -ويذكر عن عثمان- أسنده الدارقطني بإسنادٍ ضعيف إلى منقذ مولى سراقة، وليس بمشهور عن عثمان، قال له النبي - ﷺ -: «إذا ابتعت طعامًا فاكتل، وإذا بعت فكِل» (٢). ولابن أبي حاتم، عن محمد بن حمير، عن الأوزاعي، حدثني ثابت بن ثوبان، حدثني مكحول، عن أبي قتادة قال: كان عثمان يشتري الطعام ويبيعه قبل أن يقبضه، فقال له النبي - ﷺ -: «وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكلتَلْ إِذَا بِعْتَ فَكِلْ» ثم قال: قال أبي: هذا حديث منكر الإسناد (٣). وأخرجه ابن ماجه (٤) من حديث ابن لهيعة، عن موسى بن وردان، عن سعيد بن المسيب، عن عثمان (٥)، وعن جابر: نهي رسول الله - ﷺ - عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان، صاع البائع وصاع المشتري.
وفي إسناده ابن أبي ليلى (٦).
ومعنى «إذا بعت فكل» أي: أوفِ. «وَإِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ» أي: استوف بكيل لا لك ولا عليك. نبه عليه ابن التين.

------
(١) وصله ابن أبي شيبة في «مسنده» ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣ (٨٢٢).
(٢) «سنن الدارقطني» ٣/ ٧.
(٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٣٨٣ - ٣٨٤ (١١٤٥).
(٤) ورد بهامش الأصل: وما أخرجه ابن ماجه هو في «مسند أحمد» أطول منه. قال أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، ثنا عبد الله بن لهيعة به إلى سعيد. قال: سمعت عثمان رضي الله عنه، وهو يخطب على المنبر: كنت أبتاع التمر من بطن من اليهود، يقال لهم: بنو قينقاع فأبيعه بربح فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: «يا عثمان، إذا اشتريت فاكتل وإذا بعت فكِلْ».
(٥) «سنن ابن ماجه» (٢٢٣٠).
(٦) «سنن ابن ماجه» (٢٢٢٨).



والتعليقان إثر حديث جابر سلفا في الصلاة موصولين (١) وستكون لنا عودة إليه في الأطعمة.
و(فِرَاسٌ) هو ابن يحيى ى أبو يحيى الهمداني المعلم.
و(وَهْبٌ) هو ابن كيسان، أبو نعيم، مولى عبد الله بن الزبير المدني التابعي، مات سنة ست. وقيل: سنة سبع وعشرين ومائة (٢).
وروي عنه أنه قال: رأيتا سعد بن مالك وأبا هويرة وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك يلبسون الخز (٣)، ومغيرة الراوي عن الشعبي عن جابر هو ابن مقسم الضبي، مات بعد الثلاثين ومائة.
أما فقه الباب: فالذي عليه الفقهاء أن الكيل والوزن فيما يكال ويوزن من المبيعات على البائع ومن عليه الكيل والوزن فعليه أجرة ذلك، وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور، وقال الثوري:
كل بيع فيه قيل أو وزن أو عدّ فهو على البائع حتى يوفيه إياه، فإن قال: أبيعك النخلة فجذاذها على المشتري، قال: وكل بيع ليس فيه قيل ولا وزن ولا عد فجذاذه وحمله ونقصه على المشتري، والقرآن في ذكره البخاري يشهد لحديث عثمان في الباب، وكذا قصة يوسف - عليه السلام - أن البائع عليه الكيل، قال تعالى: ﴿أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٥٩] وقوله: ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] ومع أنه

------------
(١) قلت: عزو المصنف -رحمه الله- وصل هذين التعليقين لكتاب الصلاة، وهم؛ فالتعليق الأول إنما سيأتي موصولًا في كتاب: الوصايا برقم (٢٧٨١)، والثاني يأتي موصولًا في كتاب: الاستقراض، برقم (٢٣٩٦).
(٢) ورد بهامش من الأصل: الثاني اقتصر عليه في «الكاشف» في ترجمة مغيرة، توفي سنة ١٣٣ و«الوفيات».
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٧٧، والطحاوي في «شرح معاني الاثار» ٤/ ٢٥٦، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ١٦٥، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٣/ ٩.



شرع من قبلنا. وكذا قوله: «(كِلْ لِلْقَوْمِ». فَكِلْتُهُمْ حَتَّى أَوْفَيْتُهُمُ) وجابر هو الغارم عن أبيه، وهو لائح؛ لأن من باع شيئًا مسمًى ومقدارًا معروفًا من طعام فعليه أن يعينه ويميزه مما سواه، وكذلك من ابتاع بدراهم موزونة معلومة يعطيها للبائع فعليه الوزن والانتقاء، كذا قاله ابن بطال معللًا بأن عليه تعيين ما باعه من الدراهم بالسلعة (١).
وعندنا أن مؤنة الكيل على البائع، ووزن الثمن على المشتري. وفي أجرة النقاد وجهان، وينبغي أن تكون على البائع، وأجرة النقل المحتاج إليها في تسليم المنقول على المشتري صرح به المتولي، وقال بعض أصحابنا: على الإمام أن ينصب كيَّالًا ووزَّانًا في الأسواق ويرزقهما من سهم المصالح، ثم إذا تولى ما ذكرناه أحد المتبايعين وجب عليه العدل وحرم عليه التطفيف. والأولى للباذل أن يزيد يسيرًا للاحتياط، وللبائع إن تولاه أن ينقص يسيرًا.
قال الغزالي: وكل من خلط مع الطعام ترابًا أو وزن مع اللحم عظامًا لم تجر العادة بها فهو من المطففين، وكذا إذا جرَّ البزاز الثوب مع الذراع عند بيعه لغيره.
وقال ابن التين: ومعنى («إِذَا ابْتَعْتَ فَاكْتَلْ») أي: استوف كما سلف، ليس أن الكيل على البائع والكيل على المشتري، وهذا تضاد لو كان هكذا.
وحديث جابر: فيه: الشفاعة في وضع بعض الدين.
وفيه: تأخير الغريم بمقدار ما لا يضر بأهل الدين، وكان غرماؤه يهود فلم يشفعوا رسول الله - ﷺ - كما سيأتي (٢).

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٥٢.
(٢) برقم (٥٤٤٣).



ومعنى («صَنِّفْ تَمْرَكَ أَصْنَافًا»): اعزل كل صنف على حدة.
والعجوة: أحد أنواع تمر المدينة.
(«وَعَذْقَ زَيْدٍ») بفتح العين. نوع من التمر رديء كعذق ابن حبيق (١).
و(العَذْقُ) بفتح العين: النخلة، وبكسرها: الكباسة.
وفيه: الإرسال إلى رسول الله - ﷺ - أن يأتي الموضع في وعد أن يأتيه.
وفيه: جواز الجلوس على التمر.
وقوله: («كِلْ لِلْقَوْم») فيه: أن الكيل على البائع كما قدمناه: لأنه يوفي عن أبيه، فصار كأَنه البائع، ولهذا أتى به البخاري هنا.
وقوله: (وبقي تمري كأنه لم ينقص منه شيء): هو من أعلام نبوته، وظهور بركته حين مشى في المجد.
وفيه: أن بعض الورثة يقوم مقام بعض.
ومعنى («جُذَّ لَهُ») أي: اقطع، وفي رواية أخري: سألهم رسول الله - ﷺ - أن يقبضوا تمر حائطي ويبرئوه (٢).
فائدة: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من اشترى طعامًا فليس له بيعه حتى يقبضه (٣)، واختلفوا في غير الطعام على أربعة مذاهب:

-------------
(١) روى مالك في «الموطأ» ١/ ٢٧٠ - ٢٧١ عن زياد بن سعد، عن ابن شهاب أنه قال: لا يؤخذ في صدقة النخل الجعرور، ولا مصران الفأرة، ولا عذق ابن حبيق ..
(٢) ستأتي برقم (٢٣٩٥) كتاب: الاستقراض، باب: إذا قضى دون حقه أو حلله فهو جائز.
(٣) «الإجماع» لابن المنذر (٥٤٤).



أحدها: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه سواء جميع المبيعات كما في الطعام، قاله الشافعي ومحمد بن الحسن، وهو قول ابن عباس (١).
ثانيها: يجوز بيع كل مبيع قبل قبضه إلا المكيل والموزون. قاله عثمان بن عفان وابن المسيب والحسن والحكم وحماد والأوزاعي وأحمد وإسحاق (٢).
ثالثها: لا يجوز بيع مبيع قبل قبضه إلا الدور والأراضي، قاله أبو حنيفة وأبو يوسف (٣).
رابعها: مثله، إلا المأكول والمشروب، قاله مالك وأبو ثور.
وفي رواية ابن وهب عن مالك: في دون الخضروات. وقال عثمان البتي يجوز بيع كل شيءٍ قبل قبضه، وهو مصادم للنصوص (٤).

------------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٥/ ١٨٢، «المجموع» ٦/ ٣٢٧.
(٢) انظر: «المغني» ٦/ ١٨٨، ١٨٩.
(٣) انظر: «بدائع الصنائع» ٥/ ١٨٢.
(٤) انظر: «المنتقى» ٥/ ٣٢.



٥٢ - باب مَا يُسْتَحَبُّ مِنَ الكَيْلِ
٢١٢٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنْ ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ». [فتح: ٤/ ٣٤٥]
ذكر فيه حديث ثَوْرٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ، عَنِ المِقْدَامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «كِيلُوا طَعَامَكُمْ يُبَارَكْ لَكُمْ فيه».
هذا الحديث من أفراده.
و(ثَوْر) (خ. الأربعة) هو ابن يزيد الكلاعي الحمصي من أفراده، أما ثور (ع) بن زيد الديلي، فاتفقا عليه.
وأخرجه ابن ماجه من حديث بقية، عن بحير بن سعد، عن خالد، عن المقدام، عن أبي أيوب، فجعله من مسند أبي أيوب (١).
ورواه إسماعيل بن عياش، عن بحير به (٢)، وقال الدارقطني في «علله»: القول قول بحير لأنه زاد (٣). وأخرجه ابن ماجه أيضًا من حديث إسماعيل بن عياش عن محمد بن عبد الرحمن الحمصي، عن عبد الله بن بسر (٤). وقال البيهقي: رواه أبو الربيع الزهراني، عن ابن

------------
(١) «سنن ابن ماجه» (٢٢٣٢).
(٢) رواه الطبراني في «الكبير» ٤/ ١٢١ (٣٨٥٩)، وفي «مسند الشاميين» ٢/ ١٧١ (١١٢٩) من طريق إسماعيل عن بقية عن بحير.
ورواه أبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢١٧ من طريق إسماعيل عن بحير، كما ذكره المصنف.
(٣) «علل الدارقطني» ٦/ ١٢١ - ١٢٢ (١٠٢١).
(٤) «سنن ابن ماجه» (٢٢٣١) وجاء عنده: محمد بن عبد الرحمن اليحصبي، وهنا قال المصنف: الحمصي، وكلاهما صواب فاسمه كما ترجمه المزي في "تهذيب =



المبارك، عن ثور، عن خالد، عن جبير بن نفير، عن المقدام. أخرجه من طريق الإسماعيلي عن المنيعي عنه (١). وكذا ذكره الإسماعيلي في «مستخرجه» من حديث أبي الربيع كذلك. وفي «علل ابن أبي حاتم» عن أبيه: هذا الصحيح؛ لأن ثورًا زاد رجلًا، وهو أشبه بالصواب (٢).
أما فقه الباب: فالكيل مندوب فيما ينفقه المرء على عياله؛ والسر فيه معرفة ما يقوته ويستغله، وقد ندب الشارع إليه معللًا بالبركة، ويحتمل أنهم كانوا يأكلون بلا كيل فيزيدون في الأكل، فلا يبلغ بهم الطعام إلى المدة التي كانوا يتقدرونها، فندبهم الشارع إليه؛ أي: أخرجوا بكيل معلوم يبلغكم إلى المدة التي قدرتم مع ما وضع الله تعالى من البركة في مُدِّ أهل المدينة بدعوته.
وقال ابن الجوزي: يشبه أن تكون هذِه البركة للتسمية عليه؛ فإن
قلت: هذا معارض بما ذكرته عائشة: كان عندي شطر شعير فأكلت منه حتى كال علي، فكلته ففني (٣). فالجواب: أن معناه أنها كانت تخرج قوتها بغير كيل، وهي متقوتة باليسير، فيبارك لها فيه مع بركته - عليه السلام - الباقية عليها وفي بيتها، فلما كالته علمت. المدة التي يبلغ إليها ففني عند انقضائها، لا أن الكيل وكد فيه أن يفنى، وقيل أيضًا؛ إنه معارض بما روي أنه - عليه السلام - دخل على حفصة فوجدها تكتال، فقال

-----------
= الكمال«٢٥/ ٦١٦ (٥٤٥٣): محمد بن عبد الرحمن بن عرق اليحصبي، أبو الوليد الشامي الحمصي. فهو يحصبي وحمصي، فلينتبه لذلك.
(١)»سنن البيهقي الكبرى«٦/ ٣٢.
(٢)»علل ابن أبي حاتم" ١/ ٣٧٧ (١١٢٨)، ١/ ٣٨٨، (١١٦٤).
(٣) سيأتي برقم (٣٠٩٧) كتاب: فرض الخمس، باب نفقة نساء النبي بعد وفاته، ورواه مسلم (٢٩٧٣) كتاب: الزهد والرقائق.



«لا توكلي يوك الله عليك» (١)، قالوا: قال ذاك في معنى الإحصاء على الخادم والتضييق، أما إذا كان على معنى المقادير وما يكفي الإنسان فهو الذي في حديث الباب، وقد كان الشارع يدخر لأهله قوت سنة، ولم يكن ذلك إلا بعد معرفة الكيل.
وقال المحب في «أحكامه»: أنها كالته ناظرة إلى مقتضى العادة، ولو قصدت البركة في كيلها لانخرقت لها العادة، ويشبه هذا قول أبي رافع: وهل للشاة إلا ذراعان (٢). أو يحمل الأول على القبض أولًا ثم
تلف عنه بعد، أو يحمل الأول على ما إذا أراد ادخاره، فإنه إذا كاله بعد شك في الإجابة.
فائدة: في الحديث النظر في المعيشة خير من بعض التجارة، ويقال: ما عال من اقتصد (٣).

------------
(١) سلف برقم (١٤٣٣) وفيه أنه قال ذلك لأسماء، لا لحفصة! رضي الله عنهما.
(٢) رواه ابن سعد في «الطبقات» ١/ ٣٩٣، وأحمد ٦/ ٨ والطبراني ١/ ١٣٢٥ (٩٧٠) من طريق حماد بن سلمة، عن عبد الرحمن بن أبي رافع، عن عمته سلمى، عن أبي رافع قال: صنع لرسول الله - ﷺ - شاة مصلية … الحديث.
قال العلامة الألباني -رحمه الله- في «المشكاة» (٣٢٧): سنده ضعيف.
ورواه أحمد ٦/ ٣٩٢ من طريق أبي جعفر الرازي عن شرحبيل، عن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - قال: .. الحديث.
قال الألباني في «المشكاة» (٣٢٧): سنده ضعيف، لكن يتقوى بالذي قبله.
ورواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٦/ ٢٠٣ - ٢٠٤ (٣٤٣٤)، والطبراني ٢٤ (٧٦١) من طريق فضيل بن سليمان عن فائد مولى عبيد الله بن علي بن أبي رافع: حدثني عبيد الله أن جدته سلمى أخبرته أن النبي - ﷺ - بعث إلى أبي رافع بشاة … بنحوه.
وللحديث طرق أخرى، يستغنى عنها بما ذُكر، وانظر: «مجمع الزوائد» ٨/ ٣١١.
(٣) قلت: هو حديث مرفوع رواه أحمد ١/ ٤٤٧، والشاشي في «مسنده» ٢/ ١٦٢ =



وقال أبو الدرداء: من فقهك عويمر إصلاحك معيشتك (١).
-------
= (٧١٤)، والطبراني في «الكبير» ١٠/ ١٠٨ - ١٠٩ (١٠١١٨)، وفي «الأوسط» ٥/ ٢٠٦ (٥٠٩٤)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٥٤٤، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٢٥٥ (٦٥٦٩) من طريق سُكين بن عبد العزيز العبدي، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما عال من اقتصد». وهو حديث ضعيف: قال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٥٢: فيه: إبراهيم بن مسلم الهجري، وهو ضعيف.
وقال الشيخ أحمد شاكر -رحمه الله- في تعليقه على «المسند» (٤٢٦٩): إسناده ضعيف؛ لضعف الهجري.
وفي الباب عن ابن عباس وأنس بن مالك.
أما حديث ابن عباس فرواه الطبراني في «الكبير» ١٢/ ١٢٣ (١٢٦٥٦)، وفي «الأوسط» ٨/ ١٥٢ (٨٢٤١)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «الأمثال في الحديث» (٨٥)، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٢٥٥ (٦٥٧٠ - ٦٥٧١) من طريق خالد بن يزيد، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما عال مقتصد قط».
قال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٢٥٢: رجاله وثقوا، وفي بعضهم خلاف.
وحديثا ابن مسعود وابن عباس كلاهما ضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٤٥٩).
وأما حديث أنس بن مالك فرواه الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٦٥ (٦٦٢٧)، وفي «الصغير» ٢/ ١٧٥ (٩٨٠)، ومن طريقه القضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ٧ (٧٧٤) من طريق النعمان بن بشير، عن عبد القدوس بن عبد السلام بن عبد القدوس، عن
أبيه، عن جده، عن الحسن، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: «ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا عال من اقتصد».
وهذا الحديث أوهى من سابقيه فقد قال الهيثمي ٨/ ٩٦: رواه الطبراني في «الأوسط» و«الصغير» من طريق عبد السلام بن عبد القدوس، وكلاهما ضعيف جدًا.
وضعفه الحافظ كما في «الفتوحات الربانية» ٥/ ٩٤.
وكذا العيني في «عمدة القاري» ٦/ ٢٤١، والعجلوني في «كشف الخفاء» (٢٢٠٥)، وقال الألباني في «الضعيفة» (٦١١): موضوع.
(١) رواه أحمد ٥/ ١٩٤، والطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣ (١٤٨٢)، =



٥٣ - باب بَرَكَةِ صَاعِ النَّبِيِّ - ﷺ - وَمُدِّه
فِيهِ عَائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

٢١٢٩ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لَهَا، وَحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَدَعَوْتُ لَهَا فِي مُدِّهَا وَصَاعِهَا، مِثْلَ مَا دَعَا إِبْرَاهِيمُ - عليه السلام - لِمَكَّةَ». [مسلم: ١٣٦٠ - فتح: ٤/ ٣٤٦]

٢١٣٠ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ». يَعْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ. [٦٧١٤، ٧٣٣١ - مسلم: ١٣٦٨ - فتح: ٤/ ٣٤٧]
وذكر حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ زيدِ: «أَنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ …» الحديث.
وحديث أنس: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مِكْيَالِهِمْ، وَبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ». يَعْنِي: أَهْلَ المَدِينَةِ.

------------
= وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٢١١، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٢٥٤ (٦٥٦٥) من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن حمزة بن حبيب، عن أبي الدرداء عن النبي - ﷺ - أنه قال: «من فقه الرجل رفقه في معيشته» وعند بعضهم بلفظ: «من فقهك رفقك في معيشتك».
وأعل الهيثمي الحديث في «المجمع» ٤/ ٧٤ بأبي بكر فقال: رواه أحمد، وفيه: أبو بكر بن أبي مريم، وقد اختلط.
ورواه ابن الأعرابي في «المعجم» ٣/ ١٠٩١ (٢٣٥١)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢١١ من طريق فرج بن فضالة عن لقمان بن عامر عن أبي الدرداء، قوله. والحديث أورده الألباني مرفوعًا وموقوفًا في «الضعيفة» (٥٥٦) وضعفه.
أما اللفظ في ذكره المصنف -رحمه الله- والذي ظاهره أن أبا الدرداء يعظ نفسه؛ لأن أبا الدرداء اسمه عويمر، فلم أجده، والله أعلم.



ويأتي في الاعتصام أيضًا، وكفارة الأيمان (١)، وأخرجه مسلم والنسائي في المناسك (٢) فيه الدعاء بالبركة، فيما ذكر وهو علم من أعلام نبوته، فما أكثر بركته، وكم يؤكل منه ويدخر وينقل إلى سائر بلاد الله. والمراد بالبركة في المد والصاع: ما يكال بهما، وأضمر ذلك لفهم السامع، وهذا من باب تسمية الشيء بما قرب منه، وكان مد أهل المدينة صغيرًا؛ لقلة الطعام عندهم فدعا لهم بالبركة في طعامهم، ويستحب أن يتخذ ذلك المكيال رجاءً لبركة دعوته والاستنان بأهل البلد في دعا لهم.
وقد أسلفنا الكلام في حرم المدينة آخر الحج، والخلاف في الجزاء في قتل صيدها.
وفي الحديث: المكيال مكيال أهل المدينة، والميزان ميزان أهل (مكة) (٣)، وهو أصل لكل مكيل وموزون، وإنما يأتم الناس فيهما، ثم ألا ترى أن التمر يكال في المدينة ويوزن في كثير غيرها، والسمن
عندهم موزون ويكال في كثير غيرها.

--------
(١) في كفارات الأيمان برقم (٦٧١٤).
وفي «الاعتصام» برقم (٧٣٣١) باب ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم.
(٢) مسلم (١٣٦٨) كتاب: الحج، باب فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ -، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٨٤ (٤٢٦٩).
(٣) في (ج): المدينة.



٥٤ - باب مَا يُذْكَرُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ وَالحُكْرَةِ
٢١٣١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه قَالَ: رَأَيْتُ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً، يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ. [انظر: ٢١٢٣ - مسلم: ١٥٢٧ - فتح: ٤/ ٣٤٧]

٢١٣٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ. قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ. [قَالَ أَبُو عبد الله: مرجئون [التوبة: ١٠٦]: مُؤَخَّرُونَ.] [٢١٣٥ - مسلم: ١٥٢٥ - فتح: ٤/ ٣٤٧]

٢١٣٣ - حَدَّثَنِي أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». [انظر: ٢١٢٤ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٧]

٢١٣٤ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، كَانَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ يُحَدِّثُهُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ عِنْدَهُ صَرْفٌ؟ فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، حَتَّى يَجِيءَ خَازِنُنَا مِنَ الغَابَةِ. قَالَ سُفْيَانُ: هُوَ الَّذِي حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ فِيهِ زِيَادَةٌ. فَقَالَ: أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَوْسٍ، سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رضي الله عنه يُخْبِرُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالبُرُّ بِالبُرِّ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ». [٢١٧٠، ٢١٧٤ - مسلم: ١٥٨٦ - فتح: ٤/ ٣٤٧]
ذكر فيه حديث ابن عمر قَالَ: رَأَيْتُ الذِينَ يَشْتَرُونَ الطَّعَامَ مُجَازَفَةً، يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى يُئْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ.
وحديث ابن عباس: نَهَى رسول الله - ﷺ - أَنْ يَبِيعَ طَعَامًا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ.
قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: كَيْفَ ذَاكَ؟ قَالَ: ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #410  
قديم 25-04-2026, 04:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,197
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (14)
من صـــ 311 الى صـــ 330
الحلقة (410)



وحديث ابن عمر: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
وحديث مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ رِبًا إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ».
وذكر مثله في البر بالبر، والتمر بالتمر، والشعير بالشعير.
الشرح:
هذِه الأحاديث كلها في مسلم أيضًا (١) وسلف بعضها، منها حديث ابن عمر (٢).
ورواه -أعني: حديث مالك- ابن حزم من طريق ابن وهب بإسقاط عمر، ثم قال: مالك لا يعرف له سماع من رسول الله في - ﷺ - وفي إسناده مجهول وكذاب (٣)، وعنى بالمجهول: جبير بن أبي صالح، لكن وثق (٤)، ومالك هذا هو النصري بالنون والصاد المهملة، أدرك الجاهلية،
وقيل: له صحبة، ولا يصح، وإن ذكرها أبو نعيم وأبو عمر وغيرهما (٥)،

----------
(١) حديث ابن عمر الأول رواه مسلم برقم (١٥٢٧/ ٣٨) كتاب: البيوع، باب: بطلان بيع المبيع قبل القبض.
وحديث ابن عباس الثاني رواه مسلم برقم (١٥٢٥).
وحديث ابن عمر الثالث رواه مسلم برقم (١٥٢٦).
وحديث مالك بن أوس الرابع رواه مسلم برقم (١٥٨٦) كتاب: المساقاة، باب الصرف وبيع الذهب بالورق نقدًا.
(٢) حديث ابن عمر الأول سلف في البيوع برقم (٢١٢٣) باب ما ذكر في الأسواق.
وحديثه الثالث سلف برقم (٢١٢٤).
(٣) «المحلى» ٨/ ٤٨٧.
(٤) انظر: «ثقات ابن حبان» ٤/ ١١٢.
(٥) ذكر ذلك أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٧٨ (٢٦٢٧)، وابن عبد البر في «الاستيعاب» ٣/ ٤٠٢ - ٤٠٣ (٢٢٨١).
وقال البغوي في «معجم الصحابة» ٥/ ٢٥٧: يقال: إنه رأى النبي - ﷺ -. =



بل البخاري في «تاريخه» (١). مات سنة اثنتين وتسعين (٢). ونصر هذا أخو حسم، وفي أسد خزيمة نصر بن قعين.
(وَالحُكْرَةِ): بضم الحاء المهملة: حبس الطعام عن البيع مع الاستغناء عنه عند الحاجة إليه إرادة غلائه. والجزاف -بالتثليث- بيعك الشيء واشتراؤك بلا كيل ولا وزن. قال ابن سيده: وهو يرجع إلى المساهلة، وهو دخيل (٣).

---------
= وذكره ابن قانع في كتابه «معجم الصحابة» ٣/ ٤٩ (٩٩٥) وروى له حديثًا عن النبي - ﷺ -.
وجزم بذلك الحافظ فقال في «التقريب» (٦٤٢٦): له رؤية.
(١) «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٠٥ (١٢٩٦).
ويبدو -والله أعلم- أن الكلام هنا فيه سقط أو بتر، وينبغي أن تكون عبارة المصنف، رحمه الله: بل البخاري في «تاريخه» جزم بأن صحبته لم تصح. أو نحو ذلك. والله أعلم.
وهذا هو ما في «تاريخ البخاري» قال: وقال بعضهم: له صحبة، ولم يصح.
قلت: والقول بعدم صحبة مالك هو قول الأكثر:
فقال ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ٥٦ - ٥٧: لم يبلغنا أنه رأى النبي - ﷺ -.
وقال ابن معين في «تاريخ الدوري» ٣/ ٥٢ - ٥٣: ليست له صحبة، أو لم يسمع من النبي - ﷺ -.
وكذا جزم بعدم صحبته ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٠٣ (٨٩٦).
وابن حبان في «الثقات» ٥/ ٣٨٢، بل قال: من زعم أن له صحبة فقد وهم.
وقال الجياني في «تقييد المهمل» ١/ ١٣٠: مالك بن أوس من كبار التابعين وقدمائهم.
وقال الحافظ الذهبي في «السير» ٤/ ١٧١: أدرك حياة النبي - ﷺ -. لكنه جزم في
«تاريخ الإسلام» ٦/ ٤٦٤ فقال: قيل: له صحبة، ولم يصح.
(٢) انظر تمام ترجمته في «أسد الغابة» ٥/ ١١ (٤٥٥٩)، و«الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة» ٢/ ١٣٤/ ٨٧٣)، و«الإصابة» ٣/ ٣٣٩ (٧٥٩٥).
(٣) «المحكم» ٧/ ٢١٣.



ولم يرو مالك لفظة (مُجَازَفَةً) وفسرها بأنهم كانوا يريدون بيعه بالدين (١)، وأما بالنقد فلا بأس.
واعترضه ابن التين بأنه إذا باعه من غير بائعه لا فرق بين دين ونقد.
وفي قوله: (مُجَازَفَةً): جواز بيع الجزاف، وأن الغرر اليسير معفو عنه في البيع.
وقوله: (ذَاكَ دَرَاهِمُ بِدَرَاهِمَ وَالطَّعَامُ مُرْجَأٌ) تأوله أن يشتري منه طعامًا بمائة إلى أجل ويبيعه منه قبل قبضه بمائة وعشرين، وهو غير جائز؛ لأنه في التقدير بيع دراهم بدراهم والطعام مرجأ غائب.
وليس هذا تأويله عند أكثر العلماء، وقيل: معناه: أن يبيعه من آخر ويحيله به. قال ابن فارس: أرجأت الشيء: أخرته (٢)، وأرجيت أيضًا، ذكره الخطابي (٣). قال ابن التين: والذي سمعناه بغير همز، وبهمزة في بعض النسخ.
وقوله: («هاء وهاء») قال الهروي: اختلف في تفسيره، وظاهر معناه: أن يقول كل واحد منهما: هاء فيعطيه ما في يده.
وقيل: معناه: هات وهاك، أي: خذ وأعط، وهو ممدود لكنهم يقرءونه بالقصر. وقال الخطابي: الهمزة في هاء وهاء بدل من الكاف، كأنه قال: هاك أي: خذ، وقد يقال بالكسر (٤).
واختلف العلماء في بيع الطعام جزافًا قبل أن يقبض، فذهب أبو حنيفة وأصحابه والشافعي والثوري وأحمد وأبو ثور وداود إلى أنه

------------
(١) «الموطأ» ص ٣٩٣ - ٣٩٤.
(٢) «المقاييس» ص ٤٤٥، و«مجمل اللغة» ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤ مادة: [رجو].
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ١٠٤٣. وفيه: ورجأت.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.



لا يجوز بيعه قبل قبضه (١)، وروي عن مالك أيضًا، وقال ابن عبد الحكم: إنه استحسان من قوله (٢).
وقالت طائفة: يجوز بيع الطعام الجزاف قبل قبضه، روي ذلك عن عثمان بن عفان، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن البصري والحكم وحماد، وهو المشهور عن مالك، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، حجة القول الأول ظاهر حديث ابن عمر، وعموم نهيه عن بيع الطعام قبل استيفائه، فدخل فيه الجزاف والكيل، وقد أشار ابن عباس إلى أنه إذا باعه قبل قبضه أنه دراهم بدراهم والطعام لغو، فأشبه عنده العينة. قال الأبهري: العينة من باب سلف جر منفعة.
والحجة للثاني أن من باع جزافًا فلم يبع إلا ما وقعت حاسة العين عليه، ولذلك سقط الكيل عن البائع، والاستيفاء إنما يكون بالكيل أو الوزن، هذا مشهور عند العرب، ويشهد لذلك قوله تعالى ﴿فَأَوْفِ لَنَا الكَيْلَ﴾ [يوسف: ٨٨] و﴿وَأَوْفُوا الكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ [الإسراء: ٣٥] ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢)﴾ [المطففين: ٢] فإنما عنى بالاستيفاء في المكيل والموزون خاصة، وما عدا هذِه الصفة فلم يبق فيه إلا التسليم فيما يستوفى من جزاف الطعام كالعقار وشبهه.
فإن قلت: لو كان كما زعمتم لم يتأكد النهي عن ذلك بضرب الناس عليه، فدل على أن حكم الجزاف حكم المكيل.
فالجواب: أنهم إنما أمروا بانتقال طعامهم وإن كان جزافًا؛ لأنهم

------------
(١) انظر: «مشكل الآثار» ٤/ ١٩٢ - ١٩٣، «مختصر اختلاف العلماء» ٤/ ١٤٥٩ - ١٤٦٠، «المبسوط» ١٣/ ٩، «البيان» ٥/ ٦٧ - ٦٨، «المجموع» ٩/ ٣٢٧ - ٣٢٨، «المغني» ٦/ ١٨٨ - ١٩١.
(٢) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٦، «المنتقى» ٣/ ٢٩٠.



كانوا بالمدينة يتبايعون بالعينة، فكذلك يجب أن يؤمروا بانتقال الجزاف في كل موضع يشهد فيه العمل بالعيب؛ ليكون حاجزًا بين دراهم بأكثر منها؛ لأنه إذا باعه بالمكان في ابتاعه بدراهم أكثر منها كان الطعام لغوًا وكانت دراهم بأكثر منها، وقد روي عن ابن عمر أنَّ النهي إنما ورد في المكيل خاصة، وروى ابن وهب من حديث ابن عمر: نهى رسول الله - ﷺ - أن يبيع أحد طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه (١).
وفي حديث ابن عمر: (رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يضربون على عهد رسول الله - ﷺ - حتى يئووه إلى رحالهم) إباحة الحكرة؛ لأنه لو لم يجز لهم احتكاره لتقدم إليهم في بيعهم ولم يؤذن لهم في حبسه، هذا قول أئمة الأمصار، وبه يزول اعتراض الإسماعيلي بأن البخاري بوب لها ولم يذكرها.
ورخصت طائفة لمن يقع الطعام من أرضه أو جلبه من مكان في حبسه، ومنعت من ذلك لمشتريه من الأسواق للحكرة، وروي ذلك عن عمر والحسن البصري، وبه قال الأوزاعي. قال مالك فيمن رفع طعامًا من ضيعته فرفعه: فليس بحكرة. وقال الشافعي وأحمد: إنما يحرم احتكار الطعام في هو قوت دون سائر الأشياء. وقالت طائفة: احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه (٢). روي عن عمر ومجاهد (٣).

-----------
(١) رواه أبو داود (٣٤٩٥)، وأصله في «الصحيحين».
(٢) انظر: «البيان» ٥/ ٣٥٥، «المغني» ٦/ ٣١٧.
(٣) رواه البخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٥٥ - ٢٥٦ عن عمر موقوفًا.
وقد روي مرفوعًا:
رواه أبو داود (٢٠٢٠)، والبخاري في «التاريخ» ٧/ ٢٥٥ من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان، عن عمارة بن ثوبان، عن موسى بن باذان قال: أتيت يعلى بن أمية، فقال: إن رسول الله - ﷺ - قال: «احتكار الطعام في الحرم إلحاد فيه». =



وفي مسلم: «لا يحتكر إلا خاطئ» من حديث معمر بن عبد الله بن نضلة (١)، وروي عن عمر وعثمان أنهما نهيا عنها (٢).
ومعنى هذا النهي عند الفقهاء، في وقت الشدة، فيما ينزل بالناس من حاجة، يدل على ذلك أن سعيد بن المسيب راوي الحديث عن معمر كان يحتكر الزيت، فقيل له في ذلك فقال: كان معمر يحتكر (٣).

----------
= وهو حديث ضعيف، أورده الذهبي في «الميزان» ١/ ٤٣٠ وقال: هذا حديث واهي الإسناد.
وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٦).
ورواه الطبراني في «الأوسط» ٢/ ١٣٢ - ١٣٣ (١٤٨٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ٥٢٧ (١١٢٢١) من طريق عبد الله بن المؤمل عن عمر [ووقع عند الطبراني: (عبد الله) خطأ] بن عبد الرحمن بن محيصن، عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عمر مرفوعًا: «احتكار الطعام بمكة إلحاد».
وهو حديث ضعيف أيضًا، قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٠١: فيه: عبد الله بن المؤمل، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه جماعة.
وضعفه الألباني أيضًا في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٩٣ فقال: عبد الله بن المؤمل، ضعيف الحديث. وضعف الحديث في «ضعيف الجامع» (١٨٣)، وفي «ضعيف الترغيب» (١١٠٧) وقال: منكر.
قلت: ويشبه أن يكون أصحها هي رواية عمر الموقوفة.
(١) مسلم (١٦٠٥) كتاب: المساقاة، باب: تحريم الاحتكار في الأقوات.
(٢) رواه عنهما ابن أبي شيبة في «المصنف» ٦/ ٣٠٤ - ٣٠٧ (٢٠٣٨١، ٢٠٣٨٤).
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٥٤ من طريق يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب عن معمر العدوي قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحتكر إلا خاطئ». وكان سعيد بن المسيب يحتكر الزيت.
وروى عبد الرزاق ٨/ ٢٠٢ - ٢٠٣ (١٤٨٨٦)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٨ (٢٢٠٧٠) عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب أنه كان يحتكر الزيت.
والحديث في «صحيح مسلم» ١٦٠٥/ ١٢٩ بنحو ما ذكر المصنف، لكن دون ذكر (الزيت).



وفي «مسند أحمد» (١): كان يحتكر النوى والخبط والبزر (٢)، وجاء في الاحتكار أحاديث ضعيفة لا نطول بذكرها.
وقال أبو الزناد: قلت لابن المسيب: أنت تحتكر، قال: ليس هذا بالذي قال رسول الله - ﷺ -، إنما قال: «أن يأتي الرجل للسلعة عند غلائها فيغالي بها»، وأما أن يشتريه إذا أبضع ثم يرفعه فإذا احتاج الناس إليه أخرجه، فذلك خير (٣).

------------
(١) ورد بهامش الأصل: وفي «المسند» من حديث ابن عمر مرفوعًا: «احتكر طعامًا أربعين يومًا فقد برئ من الله تبارك تعالى، وبرئ الله تبارك وتعالى منه» الحديث.
قلت (المحقق): هو في «المسند» ٢/ ٣٣. وأورده الألباني في «غاية المرام» (٣٢٤) وقال: حديث ضعيف منكر غير محفوظ، ليس بجيد ولا موضوع.
(٢) لم أجده في «مسند أحمد»، وروى ابن أبي شيبة ٤/ ٤٥٩ (٢٢٠٧١) عن مسلم الخياط قال: كنت أبتاع لسعيد بن المسيب النوي والعجم والخبط، فيحتكره.
وقال أبو داود السجستاني في «السنن» ٣/ ٧٢٩: كان سعيد بن المسيب يحتكر النوى والخبط والبزر.
(٣) لم أجده ولا بنحوه إلا في «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٥٩ ويبدو -والله أعلم- أن المصنف -رحمه الله- نقله منه، أو ممن نقله منه!! وروى الحاكم ٢/ ١٢، وعنه البيهقي ٦/ ٣٠ من طريق إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، عن عبد الأعلى بن حماد النرسي، عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة -مرفوعًا: «من احتكر يريد أن يغالي بها على المسلمين فهو خاطئ، وقد برئت منه ذمة الله».
والحديث سكت عليه الحاكم، وتعقبه الذهبي في «التلخيص» فقال: الغسيلي كان يسرق الحديث. وقال في «المهذب» ٤/ ٢١٥٨ (٩٠٨٧): حديث منكر؛ تفرد به إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، وكان ممن يسرق الحديث.
وأعله به المنذر في «الترغيب والترهيب» ٢/ ٣٦٥ (٢٧٤٤) فقال: رواه الحاكم من رواية إبراهيم بن إسحاق الغسيلي، وفيه مقال.
وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (١١٠٨). =



فبان أن معنى النهي عن الحكرة في وقت حاجة الناس. روى ابن القاسم، عن مالك أنه قال: من اشترى الطعام في وقت لا يضر بالناس اشتراؤه فلا يضره أن يتربص به ما شاء. وهو قول الكوفيين
والشافعي.
قال مالك: وجميع الأشياء في ذلك كالطعام، وقال الأوزاعي: لا بأس أن يشتري في سنة الرخص طعامًا لسنين لنفسه وعياله مخافة الغلاء. قال مالك: وأما إذا قل الطعام في السوق واحتاج الناس إليه، فمن احتكر منه شيئًا فهو مضر بالمسلمين، فليخرجه إلى السوق ويبعه بما ابتاعه ولا يزدد فيه (١).
فعلى هذا القول تتفق الآثار، ألا ترى أن الناس إذا استوت حالتهم في الحاجة فقد صاروا شركاء، ووجب على المسلمين المواساة في أموالهم، فكيف لا يمنع الضرر عنهم، وقد جمع رسول الله - ﷺ - الأزواد بالصهباء عند الحاجة (٢)، ونهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاث للدافة (٣).

--------
= ورواه أحمد ٢/ ٣٥٤ من طريق أبي معشر عن محمد بن عمرو، به، بنحوه.
وانظر: «الصحيحة» (٣٣٦٢). وهذا الحديث إنما خرجته؛ لأنه ذكر فيه المغالاة، التي ذكرها المصنف هنا بلفظ آخر.
(١) انظر: «المدونة» ٣/ ٢٩٠، «البيان» ٥/ ٣٥٥، «المغني» ٦/ ٣١٧، «المحلى» ٩/ ٦٤.
(٢) سلف هذا الحديث برقم (٢٠٩) كتاب: الوضوء، باب من مضمض من السويق ولم يتوضأ.
(٣) رواه مسلم (١٩٧١) من حديث عبد الله بن واقد.
وفي الباب بنحوه عن سلمة بن الأكوع سيأتي برقم (٥٥٦٩)، ورواه مسلم (١٩٧٤)، وغيرهما في «الصحيحين».



وجمع أبو عبيدة بين أزواد السرية، وقسمها بين من لم يكن له زاد وبين من كان له (١).
وأمر عمر أن يحمل في عام الرمادة على أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، وقال: إنَّ المرء لا يهلك عن نصف شبعه (٢).
فرع: يصح بيع الصبرة مجازفة، وفي كراهته قولان: أظهرهما: نعم، وكذا صبرة الدراهم، وعن مالك: لا يصح بيعه إذا كان بائع الصبرة جزافًا يعلم قدرها (٣).
وروى الحارث بن أبي أسامة بسند فيه الواقدي من حديث عمران بن أبي أنس: سمع رسول الله - ﷺ - عثمان يقول: في هذا الوعاء كذا وكذا، ولا أبيعه إلاَّ مجازفة. فقال: «إذا سميت كيلًا فكِلْ» (٤).

-------------
(١) رواه بنحوه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٤٩/ ٤١٣.
(٢) روى البخاري في «الأدب المفرد» (٥٦٢) عن عبد الله بن عمر: أن عمر بن الخطاب قال عام الرمادة … الحديث، وفي آخره: الحمد لله، فوالله لو أن الله لم يفرجها ما تركت بأهل بيت من المسلمين لهم سعة، إلا أدخلت معهم أعدادهم من الفقراء. فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدًا. وذكره بنحوه هكذا ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ١/ ١٩٢ - ١٩٣.
وقال الألباني: صحيح الإسناد.
وروى ابن سعد في «الطبقات» ٣/ ٣١٦ عن ابن عمر أيضًا أن عمر قال: لو لم أجد للناس من المال ما يسعهم إلا أن أدخل على كل أهل بيت عدتهم فيقاسمونهم أنصاف عن أنصاف بطونهم حتى يأتي الله بحيا فعلت، فإنهم لن يهلكوا بطونهم.
(٣) انظر: «المدونة» ٣/ ١٦٩ - ١٧٠، «النوادر والزيادات» ٦/ ٣٨ - ٣٩.
(٤) رواه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٤٣٠)، وكما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٣/ ٢٩٧ (٢٧٦٨/ ٣): حدثنا محمد بن عمر الواقدي: ثنا عبد الحميد، عن عمران بن أبي أنس، عن أبيه، به. ولمن يذكر المصنف -رحمه الله- هنا (عن أبيه). والحديث ضعفه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٨ - ٢٣٩ فقال: الواقدي متروك. وضعفه أيضًا البوصيري في «الإتحاف».



وروى عبد الرزاق قال: قال ابن المبارك عن الأوزاعي رفعه: «لا يحل لأحد باع طعامًا جزافًا قد علم كيله حتى يعلم صاحبه» (١).
وروى ابن أسلم في كتاب «الرِبَا» عنْ واصل قال: سألت مجاهدًا وعطاءً والحسن وطاوس عن الرجل يشتري طعامًا جزافًا لا يعلم كيله ورَب الطعام قد عرف كيله؟ فكرهوه كلهم.
وقال ابن قدامة: إباحة بيع الصبرة جزافًا مع جهل البائع والمشتري بقدرها لا نعلم فيه خلافًا، فإذا اشتراها جزافًا لم يجز بيعها حتى ينقلها، نص عليه أحمد في رواية الأثرم، وقد سلفت فيه رواية أخرى: بيعها قبل نقلها. واختاره القاضي، وهو مذهب مالك، قال: ونقلها قبضها، كما جاء الخبر (٢).

----------
(١) «المصنف» ٨/ ١٣١ (١٤٦٠٢). وضعفه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٩ فقال: هذا منقطع فاحش الانقطاع.
(٢) «المغني» ٦/ ٢٠٢.



٥٥ - باب بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ، وَبَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ
٢١٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ الذِي حَفِظْنَاهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، سَمِعَ طَاوُسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ. [انظر: ٢١٣٢ - مسلم: ١٥٢٥ - فتح: ٤/ ٣٤٩]

٢١٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». زَادَ إِسْمَاعِيلُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ». [٢١٢٤ - مسلم: ١٥٢٦ - فتح: ٤/ ٣٤٩]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أَمَّا الذِي نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ - ﷺ - فَهْوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُقْبَضَ. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: وَلَا أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ.
وحديث ابن عمر: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْيِعَهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ». زَادَ إِسْمَاعِيلُ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبْيِعَهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ».
الحديثان في مسلم أيضًا (١)، وحديث ابن عمر تكرر.
وقوله: (زاد إسماعيل) يعني ابن أبي أويس عن مالك، ولو عبَّر بقوله: وقال إسماعيل لكان أحسن، وقد اعترضه الإسماعيلي فقال ردًّا عليه: قد قاله أيضًا الشافعي وقتيبة وابن مهدي عن مالك (٢)

-------------
(١) رواهما مسلم برقمي (١٥٢٥، ١٥٢٦) كتاب: البيوع، باب بطلان بيع المبيع قبل القبض.
(٢) فائدة: قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٥٠: قول البخاري: زاد إسماعيل، يريد الزيادة في المعنى؛ لأن في قوله: (حتى يقبضه) زيادة في المعنى على قوله: (حتى =



وقوله: «فلا يبيعه» قال ابن التين: كذا وقع، ولفظه لفظ الخبر،
ومعناه الأمر، كقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩] وبوَّب ابن بطَّال باب بيع ما ليس عندك، وذكر فيه حديث مالك (م. الأربعة) بن أوس عن، عمر المذكور في الباب قبله فقط، ثم ترجم: باب بيع الطعام قبل أن يقبض، ثم ذكر حديث ابن عباس وابن عمر فيه (١)، والأمر قريب، والعمل بهذِه الأحاديث واجب ولم يختلف أحد من العلماء في ذلك -أعني: في الطعام إذا بيع على كيل أو وزن أو عدد- إلَّا عثمان البتي كما سلف، وعنه أيضًا أنَّه أجاز بيع الطعام المسلَّم فيه قبل قبضه وهو مردود.

----------
= يستوفيه)؛ لأنه قد يستوفيه بالكيل بأن يكيله البائع ولا يقبضه للمشتري، بل يحبسه عنده لينقده الثمن مثلًا، وعرف بهذا جواب من اعترضه من الشراح فقال: ليس في هذِه الراوية زيادة. اهـ.
قلت: كذا قال الحافظ ووجه قول البخاري.
لكن تعقبه العيني في «العمدة» ٩/ ٣٤٦ فقال: قال بعضهم. وذكر كلام الحافظ، ثم قال:
قلت: الأمر في ذكره بالعكس؛ لأن لفظ الاستيفاء يشعر بأن له زيادة في المعنى على لفظ الإقباض، من حيث أنه إذا أقبض بعضه وحبس بعضه لأجل الثمن يطلق عليه معنى الاقباض في الجملة، ولا يقال له: استوفاه. حتى يقبض الكل، بل المراد بهذِه الزيادة زيادة رواية أخرى وهو (يقبضه)؛ لأن الرواية المشهورة: حتى يستوفيه. اهـ.
قلت: أرى العيني -رحمه الله تعالى- قد أصاب في هذا الموضع. ويدل لذلك أيضًا أن الحافظ أورد هذا الموضع في «انتقاض الاعتراض» ٢/ ٧٣ وذكر كلامه الذين في «الفتح»، وتعقب العيني له، وسكت، وفيه قرينة على الإقرار والموافقة.
(١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٦٠ - ٢٦٢.



واختلف المذهب عندهم في مسائل هل يجري فيها هذا الحكم، كالخضروات والفلفل وغير ذلك، ولا يجوز بيع ما ليس عندك ولا في ملكك وضمانك من الأعيان المكيلة والموزونة والعروض كلها، لنهيه
- عليه السلام - عن ذلك.
وروي النهي عن بيع ما ليس عندك وربح ما لم تضمن من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعًا، ومن حديث حكيم بن حزام أيضًا، لكن لم يكن إسناده من شرط الكتاب، وإنْ كان الأول صححه الترمذي والحاكم (١)، والثاني صححه الترمذي وحسَّنه

------------
(١) «سنن الترمذي» (١٢٣٤)، «مستدرك الحاكم» ٢/ ١٧.
ورواه أيضًا أبو داود (٣٥٠٤)، والنسائي ٧/ ٢٨٨، وابن ماجه (٢١٨٨) من طريق أيوب عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، مرفوعًا.
هكذا وقع الإسناد عند النسائي وابن ماجه والحاكم، ووقع عند أبي داود والترمذي: حدثنا أيوب، حدثنا عمرو بن شعيب، قال: حدثني أبي، عن أبيه حتى ذكر عبد الله بن عمرو. لذا قال السهيلي: هذِه رواية مستغربة عند أهل الحديث جدًّا؛ لأن المعروف عندهم أن شعيبًا إنما يروي عن جده عبد الله لا عن أبيه محمد؛ لأن أباه محمدًا مات قبل جده عبد الله، فقف على هذِه التنبيهة في هذا الحديث، فقل من تنبه إليها. «الروض الأنف» ٣/ ٢٥٤.
وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٢/ ١٥٧ - ١٥٨: ومن روايات عمرو بن شعيب المستغربة. وذكرها وذكر كلام السهيلي.
وقال الحافظ المزي في «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥٣٦: هكذا قال غير واحد أن شعيبًا يروي عن جده عبد الله، ولم يذكر أحد منهم أنه يروي عن أبيه محمد، ولم يذكر أحد لمحمد بن عبد الله والد شعيب هذا ترجمة إلا القليل، فدل ذلك على أن حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده صحيح متصل إذا صح الإسناد إليه.
وحديثنا هذا قال عنه الحاكم: حديث على شرط جملة من أئمة المسلمين، صحيح. وأقره المصنف -رحمه الله- في «البدر» ٦/ ٥٠٠ وصححه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٩ - ٢٤٠. =



البيهقي (١) فاستنبط معناه من حديث مالك بن أوس (٢)، وبه يزول اعتراض ابن التين عليه حيث قال: بوَّب له ولم يأتِ فيه إلا بهذين الحديثين، وذلك يدخل في باب بيع ما ليس عندك. فالمعنى: ما يكون
----------
= وقال النووي في «المجموع» ٩/ ٤٦٤: حديث صحيح، رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم بأسانيد صحيحة.
وصححه أيضًا شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ٢٩/ ٣٣٤ و٣٠/ ٨٤، ١٦٢.
والحديث ذكره الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ١٤ وذكر تصحيح الترمذي وابن خزيمة. وكذا الحافظ ابن حجر في «بلوغ المرام» (٨٢١) وزاد تصحيح الحاكم، وسكتا فكأنما أقرا صحته.
وحسنه الألباني -رحمه الله- في «الإرواء» (١٣٠٥ - ١٣٠٦).
(١) «سنن الترمذي» (١٢٣٢)، «سنن البيهقي الكبرى» ٥/ ٣١٣ من طريقين: فرواه الترمذي من طريق أبي بشر عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام.
ومن هذا الطريق رواه أبو داود (٣٥٠٣)، والنسائي ٧/ ٢٨٩، وابن ماجه (٢١٨٧).
وهو حديث صححه ابن دقيق العيد على شرط الشيخين في «الاقتراح» ص ٩٩.
وصححه المصنف في «البدر المنير» ٦/ ٤٤٨، ٤٨٩، والألباني في «الإرواء» (١٢٩٢).
أما البيهقي فرواه في الموضع الذي حسنه فيه من طريق يحيى بن أبي كثير عن يعلق بن حكيم عن يوسف بن ماهك عن عبد الله بن عصمة عن حكيم بن حزام، به. ومن هذا الطريق رواه ابن حبان ١١/ ٣٥٨ (٤٩٨٣) وقال: هذا الخبر مشهور عن يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام، ليس فيه ذكر عبد الله بن عصمة، وهذا خبر غريب.
ومن هذا الطريق ضعفه عبد الحق في «الأحكام» ٣/ ٢٣٨ فقال: عبد الله بن عصمة ضعيف جدًّا. وابن التركماني في «الجوهر» ٥/ ٣١٣.
قلت: والحديث صح من الطريق الأول، وإن كان في إسناده اختلاف كما قال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ٢/ ١١ انظر مزيد تفصيل فيه في «البدر المنير» ٦/ ٤٤٨ - ٤٥٢.
(٢) في الباب السابق.



في ملكك غائبًا من النقدين لا يجوز بيع غائب منه ابن بناجز، وكذلك البرُّ والتمر والشعير لا يُباع بشيء من جنسه، إلا بطعام مخالف لجنسه ولا يدًا بيدٍ، لقوله: «وإلا هاء وهاء» يعني: خذ وأعط؛ إحاطة من الله تعالى لأصول الأموال وحرزًا لها، إلا ما رخصت السُّنة بالجواز من بيع ما ليس عندك، ومن ربح ما لم يضمن وهو السلم، فجوزت فيه ما ليس عندك، ومن ربح مما يكون في الذمة من غير الأعيان؛ توسعة من الله تعالى لعباده ورفقًا بهم، وأيضًا إذا امتنع بيع المبيع قبل قبضه فما ليس في ملكه أولى بالمنع.
وبيع ما ليس عندك يحتمل معنيين، كما قال ابن المنذر: أحدهما: أن تقول: أبيعك عبدًا أو دارًا مغيبة عني في وقت البيع، فلعل الدار أنْ تتلف ولا يرضاها، وهذا يشبه بيع الغرر.
الثاني: أنْ تقول: أبيعك هذِه الدار بكذا على أنْ أشتريها لك من صاحبها، أو على أنْ يسلمها لك صاحبها، وهذا مفسوخ على كل حال؛ لأنه غرر، إذ قد يجوز ألا يقدر على تلك السلعة أولا يسلمها إليه مالكها، قال: وهذا أصح القولين عندي، لأني لا أعلمهم يختلفون أنه يجوز أنْ أبيع جارية رآها المشتري، ثم غابت عني وتوارت بجدار، وعُقد البيع، ثم عادت إليَّ، فإذا أجاز الجميع هذا البيع لم يكن فرق بين أنْ تغيب عني بجدار، أو يكون بيني وبينها مسافة وقت عقد البيع.
وقال غيره: ومن بيع ما ليس عندك العينة، وهي دراهم بدراهم أكثر منها إلى أجل بأن تقول: أبيعك بالدراهم التي سألتني سلعة كذا، ليست عندي ابتاعها لك، فبكم تشتريها مني؟ فيوافقه على الثمن ثم يبتاعها ويُسلمها إليه، فهذِه العينة المكروهة، وهي بيع ما ليس عندك، وبيع


ما لم تقبضه، فإن وقع هذا البيع، فسخ عند مالك في مشهور مذهبه وعند جماعة من العلماء.
وقيل للبائع: إنْ أعطيت السلعة أبتاعها منك بما أشتريها جاز ذلك، وكأنك إنما أسلفته الثمن الذي ابتاعها.
وقد روي عن مالك: أنه لا يفسخ البيع؛ لأنَّ المأمور كان ضامنًا للسلعة لو هلكت.
قال ابن القاسم: وأحط إليَّ لو تورَّع عن أخذ ما زاده عليه. وقال عيسى بن دينار: بل يفسخ البيع إلَّا أنْ تفوت السلعة فيكون فيها القيمة (١).
وعلى هذا سائر العلماء بالحجاز والعراق، كما قال ابن بطال (٢)، قال: وأجمع العلماء أنَّ كل ما يُكال أو يُوزن من الطعام كله مقتاتًا أو غيره، وكذلك الإدام والملح والكسبر وزريعة الفجل الذي فيها الزيت المأكول، فلا يجوز بيع شيء منه قبل قبضه، ومعنى النهي عن بيعه قبل قبضه عند مالك فيما بيع مكايلة أو موازنة لما فيها بيع منه جزافًا على ما سلف.
واختلفوا في بيع العروض قبل قبضها، فذهب ابن عباس وجابر إلى أنه لا يجوز بيع شيء منها قبل قبضه قياسًا على الطعام، وهو قول الكوفيين والشافعي (٣)، وحملوا نهيه - عليه السلام - عن ربح ما لم يضمن على العموم في كل شيء، إلَّا الدور والأرضين عند أبي حنيفة، فأجاز

------------
(١) انظر: «المنتقى» ٥/ ٣٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٦٢.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ٤١، «البيان» ٥/ ٦٨.



بيعها قبل قبضها؛ لأنها لا تنقل ولا تحول، وحمل مالك نهيه عن ربح ما لم يضمن عن الطعام وحده دون العروض والحيوان، فإنَّ ربحها حلال؛ لأنَّ بيعها قبل استيفائها حلال.
قال ابن المنذر: والحجة لهذا القول أنَّه - عليه السلام - إنما نهى عن بيع الطعام قبل قبضه خاصة، فدل أنَّ غير الطعام ليس كالطعام، ولو لم يكن كذلك لما كان في تخصيصه الطعام فائدة، وقد أجمعوا أنَّ من اشترى جارية وأعتقها في تلك الحال قبل قبضها أنَّ عتقه جائز، فكذلك البيع -قلت: لا، فالشارع متشوف إلى فك الرقاب- وقال أبو ثور كقول مالك (١).
تنبيهات وفوائد:
الأول: قال الحميدي فيما حكاه أبو نعيم الأصبهاني: قال سفيان: حديث مالك بن أوس أصح حديث روي في الصرف (٢).
وخالف أبو الوليد ابن رشدٍ فقال: أصحها عندي حديث أبي سعيد الخدري (٣) -يعني الآتي بعد (٤) -، وكذا قاله أبو عمر ابن عبد البر (٥).
ثانيها: قوله: «الذهب بالذهب ربًا» كذا وقع هنا من طريق عمرو بن دينار، عن الزهري، عن مالك.

-----------
(١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٦٢ - ٢٦٣.
والعبارة الاعتراضية الأخيرة هي من قول المصنف رحمه الله.
(٢) ذكره الحميدي في «مسنده» ١/ ١٥٤.
(٣) «بداية المجتهد» ٣/ ١٢٨٥.
(٤) سيأتي برقم (٢١٧٦ - ٢١٧٧)، ورواه مسلم (١٥٨٤).
(٥) «الاستذكار» ١٩/ ١٩٧ - ١٩٨.



وروى يحيى بن يحيى الليثي، عن مالك: «الذهب بالورق» (١) وكذا رواه معن وجماعة عن مالك (٢).
وقال ابن أبي شيبة: أشهد على ابن عيينة أنَّه قاله كذلك (٣)، ولم يقل: «الذهب بالذهب» يعني: في حديث ابن شهاب هذا، ورواه ابن إسحاق عن الزهري كما في الكتاب بزيادة «والفضة بالفضة» (٤)، وكذا رواه أبو نعيم عن ابن عيينة، ولم يقله أحد عن ابن عيينة غيره، وكذا رواه الأوزاعي عن مالك (٥).
ثالثها: في البيهقي من حديث مجاهد، عن ابن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما هذا عهد نبينا - ﷺ - إلينا، ثم قال: قال الشافعي: هذا خطأ. ثم ساقه بإسناده إلى أنْ قال: هذا عهد صاحبنا إلينا، ثم قال الشافعي: يعني بصاحبنا؛ عمر بن الخطاب (٦).
واعترضه أبو عمر فقال: هذا غير جيد من الشافعي على أصله،

-----------
(١) «الموطأ» ص ٣٩٤.
(٢) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٨٢ من طريق معن بن عيسى وروح بن عبادة وعبد الله بن نافع، ثلاثتهم عن مالك عن الزهري عن مالك بن أوس، به.
ورواه أبو داود (٣٣٤٨) عن عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك بن أنس، به.
ورواه ابن حبان ١١/ ٣٨٦ - ٣٨٧ (٥٠١٣) من طريق أحمد بن أبي بكر، عن مالك، به.
(٣) رواه أيضًا ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٨٣.
(٤) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٢٨٣.
(٥) «التمهيد» ٦/ ٢٨٣ ورواية ابن إسحاق رواها الدارمي ٣/ ١٦٧٩ - ١٦٨٠ (٢٦٢٠).
(٦) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٧٩.



والأظهر أنَّ (صاحبنا) أراد به الشارع لا عمر، ثم قال: والناس لا يسلم أحد منهم من السهو (١).
قلت: الواهم هو، فإن نافعًا قال: إنَّ ابن عمر لم يسمع من رسول الله - ﷺ - في الصرف شيئًا -كما رواه البيهقي وبيَّنه- إنما سمعه من أبيه وأبي سعيد (٢).
رابعها: من الروايات الباطلة في حديث ابن عمر: (ونهى عن الزبيب بالزبيب)، نبه على ذلك ابن عدي (٣).
قاعدة أذكرها هنا تتعلق بحديث مالك بن أوس في الباب قبله وببقية أبواب الربا الآتية ويحال ما بعد عليها: وهي أنَّ الإجماع قائم على أنَّ الذهب عينه وتبره سواء لا تجوز المفاضلة فيه، وكذا الفضة بالفضة ومصوغ ذلك ومضروبه، وهو خلف عن سلف، إلَّا شيء يروى عن

-----------
(١) «التمهيد» ٢/ ٢٤٨.
(٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٧٩.
وقال الذي «معرفة السنن والآثار» ٨/ ٣٨ (١١٠٤٠): هو كما قال الشافعي؛ فالأخبار دالة على أن ابن عمر لم يسمع في ذلك من النبي - ﷺ - شيئًا، ثم قد يجوز أن يقول هذا عهد نبينا - ﷺ - إلينا، وهو يريد إلى أصحابه بعدما ثبت له ذلك عن النبي - ﷺ - في حديث أبي سعيد الخدري وغيره.
(٣) روى ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٢٤٠ في ترجمة لوذان بن سليمان (١٦٢٠) من طريقه عن هشام بن عروة عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المزابنة، والمزابنة أن يباع تمر حائط نخل في رءوسها بتمر كيلًا … وفيه: وأن يباع تمر كرم بزبيب كيلًا … الحديث. فهذا لفظه.
وروى أيضًا ٨/ ١٤٩ في ترجمة معاوية بن عطاء بن رجاء (١٨٨٩) من طريقه عن سفيان الثوري: ثنا منصور عن زر، عن عمر بن الخطاب قال: سمعت النبي - ﷺ - ينهي عن الصرف ويقول: «الذهب بالذهب …» وفيه: «والزبيب بالزبيب …» الحديث. باللفظ الذي ذكره المصنف، لكنه عن عمر، لا عن ابنه. والله أعلم.



معاوية من وجوه أنَّه كان لا يرى الربا في بيع العين بالتبر ولا بالمصوغ، وكان يُجيز في ذلك التفاضل، ويذهب إلى أنَّ الربا لا يكون التفاضل إلَّا في التبر بالتبر، والمصوغ بالمصوغ، وفي العين بالعين (١).
والسُّنة المجمع عليها بنقل الآحاد والكافة خلاف ما كان يذهب إليه معاوية، وقام الإجماع على تحريم الربا في الأعيان الستة المنصوص عليها: الذهب، والفضة، والبرُ، والشعير، والتمر، والملح (٢).
واختلفوا فيما سواها، فعند أهل الظاهر وقبلهم مسروق وطاوس والشعبي وقتادة، وعثمان البتي فيما ذكره المازري (٣) إلى أنَّه يتوقف التحريم عليها، وأباه سائر العلماء وقالوا: بل يتعدى إلى ما في معناها.
فأمَّا الذهب والفضة ففي علتها قولان: أحدهما: أنَّ العلة كونهما قيم الأشياء غالبًا، قاله الشافعي (٤).
ثانيهما: أنَّ العلة الوزن في جنس واحد فألحق بها كل موزون، قاله أبو حنيفة.
وأمَّا الأربعة الباقية ففيها تسع مذاهب غير مذهب أهل الظاهر:
أحدها: أنها الانتفاع، تعدى إلى كل ما ينتفع به، قاله أبو بكر بن كيسان الأصم، فيما حكاه القاضي الحسين.
ثانيهما: أنها الجنسية، قاله ابن سيرين والأودي من أصحابنا، فحرم كل شيء بيع بجنسه، كالتراب بالتراب متفاضلًا، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين.

--------
(١) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٤/ ٤٩٨.
(٢) انظر: «مراتب الإجماع» لابن حزم ص ١٥١.
(٣) «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٥٠٤.
(٤) انظر: «البيان» ٥/ ١٦٣.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 456.57 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 450.73 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]