|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#391
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 591 الى صـــ 610 الحلقة (391) وبه قال مالك (١)، وأحمد (٢)، وابن خزيمة (٣)، والمزني، وهو قوي يجمع به بين أحاديث الباب، وإنما تنتقل في العشر الأواخر، وقيل: في كله، وقيل: تلزم ليلة بعينها قيل: هي في السنة كلها، وهو قول ابن مسعود (٤) وأبي حنيفة وصاحبيه (٥)، وقيل: بل في كل رمضان -------- = من طريق داود بن أبي عاصم، عن عبد الله بن يحنس قلت لأبي هريرة: زعموا أن ليلة القدر رفعت، قال: كذب من قال ذلك. وروي نحوه عن الحجاج، فروى عبد الرزاق ٤/ ٢٥٣ (٧٧٠١) من طريق عبد الله بن شريك قال: ذكر الحجاج ليلة القدر فكأنه أنكرها … الحديث. وكذا ساقه الحافظ ٤/ ٢٦٣. ويدل للقول الراجح -وهو الصواب- أنها باقية، حديث أبي ذر: أنا كنت أسأل الناس عنها رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله أخبرني عن ليلة القدر تكون في زمان الأنبياء ينزل عليهم الوحي، فإذا قبضوا رفعت؟ قال: «بل هي إلى يوم القيامة» الحديث. وقد تقدم تخريجه قريبًا فليراجع. والله أعلم. (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ١٠٤ - ١٠٥، و«الذخيرة» ٢/ ٥٥٠. (٢) انظر: «المغني» ٤/ ٤٤٩. (٣) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٣٢٧. حيث قال: جماع أبواب ذكر الليالي التي كان فيها ليلة القدر في زمن النبي - ﷺ -، والدليل على أن ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر من رمضان في الوتر على ما ثبت. وقال في ٣/ ٣٢٩: إذ ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في الوتر. (٤) رواه مسلم (٧٦٢)، وبعد حديث (١١٦٩). (٥) قلت: وهو نص كلام المصنف أيضا في «الإعلام» ٥/ ٣٩٩. ونقل ابن الهمام في «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠ عن أبي حنيفة: أنها في رمضان فلا يدري أية ليلة هي، وقد تتقدم وتتأخر، وعندهما كذلك، إلا أنها معينة لا تتقدم ولا تتأخر، هكذا النقل عنهم في المنظومة والشروح، وفي «فتاوى قاضيخان» قال: وفي المشهور عنه أنها تدور في السنة وتكون في غيره فجعل ذلك رواية. = قول ابن عمر، وجماعة من الصحابة (١)، وقيل: أول ليلة منه (٢)، ------- = فهكذا ذكر هنا أنها رواية عن أبي حنيفة وحده دون صاحبيه، وهو ما حكاه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٢٦٣ فقال: أنها ممكنة في جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية حكاه قاضيخان وأبو بكر الرازي منهم. وكذا حكاه العيني في «العمدة» ٩/ ٢٠٦ - ٢٠٧. (١) رواه عن ابن عمر ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٦ (٩٥٢٨) أنه قال: في رمضان. قال الحافظ ٢/ ٢٦٣ إسناده صحيح. وروي أيضا عن أبي هريرة، رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٣/ ٢٦٦ (٥٥٨٦) و٤/ ٢٥٥ (٧٧٠٧). وروي أيضًا عن ابن عباس، رواه عبد الرزاق ٤/ ٢٥٥ (٧٧٠٨). ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٢ (٨٦٨١)، ٢/ ٣٢٦ (٩٥٣٤) عن الحسن، وزاد المصنف في «الإعلام» ٥/ ٣٩٩ أنه روي مرفوعًا، وكذا قال الحافظ ٤/ ٢٦٣ وزاد عزوه إلى أبي داود. قلت: رواه أبو داود برقم (١٣٨٧) من طريق موسى بن عقبة عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عمر قال: سئل رسول الله - ﷺ - وأنا أسمع عن ليلة القدر، فقال: «هي في كل رمضان». ومن هذا الطريق بنحوه رواه البيهقي ٤/ ٣٠٧، قال أبو داود والبيهقي: رواه سفيان وشعبة عن أبي إسحاق موقوفًا على ابن عمر لم يرفعاه إلى النبي - ﷺ -. وأورد الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٤٥) الحديث المرفوع مضعفًا له، ومرجحًا للموقوف. وقد تقدم في «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٨٩ الجزم به عن أبي حنيفة. (٢) وتقدم عزو المصنف هذا القول مرفوعًا، فقال: ورواه ابن أبي عاصم من حديث خالد بن محدوج عنه مرفوعًا -أي: عن أنس-: «التمسوها في أول ليلة من رمضان» الحديث. ونقل الحافظ ابن كثير في «التفسير» ١٤/ ٤١٠، والحافظ في «الفتح» ٤/ ٢٦٣ حكاية هذا القول عن أبي رزين العقيلي الصحابي. ثم قال الحافظ: وروى ابن أبي عاصم من حديث أنس قال: ليلة القدر أول ليلة من رمضان، قال ابن أبي عاصم: لا نعلم أحدًا قال ذلك غيره. وقيل: في العشر الأوسط والآخر (١)، وقيل: في العشر الأواخر (٢)، وقيل: يختص بأوتار العشر الأواخر، وقيل: بأشفاعها، وقيل: في ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين، وهو قول ابن عباس، وقيل: بل تطلب في ليلة سبع عشرة أو إحدى وعشرين وهو محكي عن علي وابن مسعود (٣)، وقيل: ليلة ثلاث وعشرين وهو قول كثير من الصحابة وغيرهم (٤). وقيل: ليلة إحدى وعشرين، وقيل: ليلة أربع وعشرين ليلة يوم بدر، وقيل: ليلة خمس وعشرين وقيل: ليلة سبع وعشرين، وهو قول جماعة من الصحابة. وادعى الروياني في «الحلية» أنه قول أكثر العلماء، وقيل: ليلة سبع عشرة، وقيل: ثمان عشرة، وقيل: ليلة تسع عشرة، وقيل: آخر ليلة من الشهر، حكى هذِه الأقوال أجمع القاضي عياض في «شرحه» (٥) وادعى الماوردي أنه لا خلاف أنها في العشر الأخير (٦). -------- (١) وذكره كذلك في «الإعلام» ٥/ ٣٩٩. وهذا القول حكاه النووي في «المجموع» ٦/ ٤٩٤. وقال الحافظ ٤/ ٢٦٣: وعزاه الطبري لعثمان بن أبي العاص والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية. (٢) وكذا قال في «الإعلام» ٥/ ٤٠٠ وزاد: وادعى الماوردي الاتفاق عليه. قلت: قال الماوردي في «الحاوي الكبير» ٣/ ٤٨٣: لا اختلاف بين العلماء أن ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان. اهـ. وعمدة الاستدلال لهذا القول حديث الباب المروي عن عائشة (٢٠٢٠)، ورواه مسلم (١١٦٩/ ٢١٩). (٣) رواه البيهقي ٤/ ٣١٠ عن ابن مسعود. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (٩٥٢٦، ٩٥٣٧، ٩٥٤٠، ٩٥٤١) عن بلال ومعاوية وعائشة وابن عباس. (٥) «إكمال المعلم» ٤/ ١٤٥ - ١٤٦. (٦) «الحاوي الكبير» ٣/ ٤٨٣. قال القاضي: ما في ليلة من ليالي العشر إلا وقد روي أنها هي، لكن ليالي الوتر أرجاها (١)، وفي «شرح الهداية» ذهب أبو حنيفة إلى أنها في رمضان تتقدم وتتأخر، وعندهما لا تتقدم ولا تتأخر لكن غير معينة (٢)، وقيل: هي عندهما في النصف الأخير من رمضان، وقال أبو بكر الرازي هي غير مخصوصة بشهر من الشهور، وبه قال الحنفيون، وفي قاضي خان (٣) المشهور عن أبي حنيفة: أنها تدور في السنة كلها، وقد تكون في رمضان، وقد تكون في غيره وصح ذَلِكَ عن ابن مسعود (٤)، وقال ابن عباس: السورة ثلاثون كلمة فإذا وصلت إلى قوله ﴿هِىَ﴾ فهي سابعة وعشرون منها (٥). وأجيب بأن قوله: ﴿لَيلَةُ اَلقَدرِ﴾ نص على عينها وهي الكلمة الخامسة، وهي كناية فإذا لم يدل الصريح فالكناية أولى، وقيل: إنها في ليلة النصف من شعبان، وقال ابن حزم: إن كان الشهر ناقصًا فهي أول العشر الأخر من غير شك، فهي إما في ليلة عشرين أو ثانية أو أربع أو ست أو ثمان وإن كان كاملًا فأول العشر الأواخر بلا شك (٦) إما ليلة إحدى أو ثلاث أو خمس أو سبع أو تسع في وترها. وعند جمع من الصوفية: أنه إذا وافق الوتر ليلة جمعة من العشر الأخير كانت هي ليلة القدر. ------ (١) «إكمال المعلم» ٤/ ١٤٥ - ١٤٦. (٢) انظر: «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠. (٣) انظر «شرح فتح القدير» ٢/ ٣٩٠. (٤) تقدم تخريجه، وهو في مسلم (٧٦٢). (٥) ينظر هذا القول وما يتعلق به في «المحلى» ٧/ ٣٥، و«الإعلام» ٥/ ٤٠٢ - ٤٠٣، و«الفتح» ٤٧/ ٢٦٥. (٦) «المحلى» ٧/ ٣٣. تنبيهات وفوائد: الأول: قوله في حديث ابن عمر: («فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر من رمضان») يريد في ذَلِكَ العام الذي تواطأت فيه الرؤيا على ذَلِكَ وهي ليلة ثلاث وعشرين: لأنه قال في حديث أبي سعيد: «التمسوها في العشر الأواخر في الوتر فمطرنا ليلة إحدى وعشرين». وكانت ليلة القدر في ذَلِكَ العام في غير السبع الأواخر ولا تتضاد الأخبار. وفي حديث أبي سعيد زيادة معنى أنها تكون في الوتر، وحديث عبد الله بن أنيس السالف دال أنها ليلة ثلاث وعشرين أيضًا (١)، فقال رجل: هذا أول ثمان فقال: «بل أول سبع: لأن الشهر لا يتم» (٢)، فثبت بهذا أنها في السبع الأواخر، وأنه قصد ليلة ثلاثٍ وعشرين؛ لأن ذلك الشهر كان ناقصًا، فدل هذا أنها قد تكون في غيرها من السنين بخلاف ذَلِكَ. ثانيها: من ذهب إلى قول ابن مسعود وتأول منه أنها في سائر السنة، فلا دليل له إلا الظن من دوران الزمان بالزيادة والنقصان في الأهلة، وذلك فاسد؛ لأنه محال أن يكون تعليقها بليلة في غير شهر رمضان، كما لم يعلق صيامه بأيام معلومة تدور في العام كله بالزيادة والنقصان فرب الأهلة، فيكون صوم رمضان في غيره، فكذلك لا يجب أن تكون ليلة القدر في غير رمضان، وفي القرآن ما يدل على أنها في رمضان خاصة، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآية [الدخان: ٣]. فأخبر أن الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم هي ليلة القدر، وهي -------- (١) رواه مسلم (١١٦٨). (٢) رواه أحمد ٣/ ٤٩٥. الليلة التي أنزل الله فيها القرآن حيث قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فثبت بذلك أن تلك الليلة في شهر رمضان. وقال الداودي: أراد به تحريض الناس على العمل في السنة كلها وهو من المعاريض: لأن قوله «في» يوجب البعض، فمعناه: أنها في السنة في العشر الأواخر، فسكت؛ ليجتهد في طلبها. قال: والذي تدل عليه الأحاديث الصحيحة أنها في وتر العشر الأواخر وأنها تنتقل. ثالثها: القزع -المذكور في حديث (١) أبي سعيد- قطع من سحاب دقاق، قاله في «العين» (٢)، والتحري: القصد، يقال: تحريت الشيء: إذا قصدته وتعمدته. و(تواطت). قال ابن بطال: المحدثون يروونه كذلك، وإنما هو (توطأت) (٣) بالهمز من قوله: ﴿لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧]. ومن قوله: ﴿أشد وطأ﴾ ولكنه يجوز في كلام كثير من العرب حذف الهمزة، ومعنى تواطأت: اتفقت واجتمعت على شيء واحد. والتوطئة: التليين، يقال: وطأت لفلان هذا الأمر إذا سهلته ولينته (٤). رابعها: قال الطبري: أجمع الجميع أنها في وتر العشر الأواخر ثم لا حدَّ في ذَلِكَ خاص لليلة بعينها لا يعدوها لغيرها؛ لأنه لو كان محصورًا على ليلة بعينها لكان أولى الناس بمعرفتها سيد الأمة مع جِدِّه في أمرها ليعرفها أمته، فلم يعرفهم منها إلا الدلالة عليها أنها ------- (١) ورد بالهامش: الآتي في باب: الاعتكاف وخروج النبي - ﷺ - صبيحة عشرين. (٢) «العين» ١/ ١٣٢. (٣) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال»: (تواطأت). (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٥٣. ليلة طلقة (١)، وأن الشمس تطلع في صبيحتها بيضاء لا شعاع لها (٢)؛ ولأن في دلالته أمته عليها بالآيات دون توقيفه على ليلة بعينها دليل واضح على كذب من زعم أنها تظهر تلك الليلة للعيون ما لا تظهر في سائر السنة، من سقوط الأشجار إلى الأرض ثم رجوعها قائمة إلى أماكنها، إذ لو كان ذَلِكَ حقًّا لم يخف عن بصر من يقوم ليالي السنة كلها، كيف ليالي شهر رمضان:؟! خامسها: خصت هذِه الليلة بأنها خير من ألف شهر بنص القرآن، ويستجاب فيها الدعاء ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم (٣)، وهي أفضل ليالي السنة وهي من خواص هذِه الأمة، وقد سلف من علامتها أنها طلقة، وأن الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع فيها. وفيه حديث أخرجه البيهقي في «فضائل الأوقات» (٤)، ثم قال: وقد روي في حديثين ضعيفين في صفة الهواء ليلة القدر فقال في أحدهما: «إنها ليلة سمحة طلقة لا حارة ولا باردة، تصبح شمسها في صبيحتها ضعيفة حمراء» (٥) --------- (١) دليله حديث جابر بن عبد الله، المتقدم ذكره وتخريجه. (٢) دليله ما رواه مسلم (٧٦٢). (٣) إجابة دعاء الداعي في ليلة القدر معلوم ضرورة لا يحتاج إلى دليل مستقل فضلًا عن وجود عشرات الأدلة النقلية والعقلية على ذلك، وتقييد المصنف -رحمه الله- إجابة الدعاء فيها بمن لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ليس خاصًا بلية القدر وحدها، إنما هو يشمل كل دعاء دعا به المسلم: ودليل ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (٢٧٣٥/ ٩٢) عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، ما لم يستعجل». (٤) «فضائل الأوقات» ١٠٠ - ١٠١ وهو حديث أبي بن كعب الذي رواه مسلم (٧٦٢) وبعد حديث (١١٦٩). (٥) رواه الطيالسي ٤/ ٤٠١ (٢٨٠٢)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٠٣٤)، وابن خزيمة ٣/ ٣٣١ - ٣٣٢ (٢١٩٢)، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ٢/ ١٤٧، = وفي الآخر معناه (١)، ثم روى، عن الأوزاعي، عن عبدة بن أبي لبابة: ------- = وأبو نعيم الأصبهاني في «أخبار أصبهان» ٢/ ٢٦، والبيهقي في «الشعب» ٣/ ٣٣٤ (٣٦٩٣) من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس، مرفوعًا به. قال البزار: سلمة بن وهرام لا نعلم حدث عنه غير ابنه عبيد الله وزمعة، وهو من أهل اليمن لا بأس به، أحاديثه عن ابن عباس غرائب. وروى العقيلي، عن الإمام أحمد أنه قال: سلمة بن وهرام روى عنه زمعة أحاديث مناكير، أخشى أن يكون حديثه حديث ضعيف. ثم قال العقيلي: وله عن عكرمة أحاديث لا يتابع منها على شيء، وفي ليلة القدر أحاديث صحاح بخلاف هذا اللفظ. وضعف البيهقي إسناد هذا الحديث في «الشعب» ٣/ ٣٣٥. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧٧: فيه. سلمة بن وهرام وثقه ابن حبان وغيره، وفيه كلام. والحديث صححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥٤٧٥)، وقال في «صحيح ابن خزيمة» (٢١٩٢): حديث صحيح لشواهده -قلت: سيأتي تخريجها. وقال في «الضعيفة» ٩/ ٣٩٤: زمعة بن صالح وسلمة فيهما ضعف، لكن لا بأس بهما في الشواهد. (١) «فضائل الأوقات» ص ٢٤٠. والحديث الآخر الذي أشار إليه البيهقي، لعله حديث عبادة بن الصامت كما أشار هو في «الشعب» ٣/ ٣٣٤ - ٣٣٥. وهو حديث رواه أحمد ٥/ ٣٢٤، والطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ١٦٦ - ١٦٧ (١١١٩)، وابن عبد البر في «الاستذكار» ١٠/ ٣٤٢ - ٣٤٣ (١٥١٤٦) من طريق بقية، حدثني بحير بن سعد، عن خالد بن معدان، عن عبادة بن الصامت، أن رسول الله - ﷺ - قال: «ليلة القدر في العشر البواقي ..» الحديث. وفي شطره الثاني: وقال رسول الله - ﷺ -: «إن أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنة ساجية، لا برد فيها ولا حر ..» الحديث. قال ابن عبد البر: هذا حديث حسن، حديث غريب، وهو من حديث الشاميين، رواته كلهم ثقات. وبقية إذا روى عن الثقات فليس بحديثه بأس. = فإن ذقت ماء البحر ليلة سبع وعشرين من رمضان فإذا هو عذب (١)، وروى في «دلائل النبوة» -في آخره في باب: ما جاء في رؤيا ابن عباس في منامه- عن ابن عباس أن الشيطان يطلع مع الشمس كل يوم إلا ليلة القدر وذلك أنها تطلع يومئذ ولا شعاع لها (٢). --------- = وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧٥: رجاله ثقات. وقال الألباني في «الضعيفة» ٩/ ٣٩٣: هذا إسناد رجاله ثقات، صرح بقية فيه بالتحديث، فهو صحيح إن كان ابن معدان سمع من عبادة، وذلك مما نفاه أبو حاتم، وبين وفاتيهما نحو سبعين سنة. وقد وصله معاوية بن يحيى، عن الزهري، عن محمد بن عبادة بن الصامت عن أبيه مرفوعًا. اهـ. قلت: وهذا الطريق هو الذي رواه منه البيهقي في «الشعب» (٣٦٩٤) وضعف الإسناد. ثم قال الألباني: ومحمد بن عبادة هذا، أورده ابن حبان في «الثقات» ١/ ٢٤٠ هكذا: محمد بن الوليد بن عبادة بن الصامت الأنصاري، يروي عن عبادة، عداده في أهل الشام، روى عنه عيسى بن سنان. وهكذا أورده ابن أبي حاتم ٤/ ١/ ١١٢ إلا أنه قال: أبيه، بدل: عبادة، قلت: ولعله الصواب، كما في هذا الحديث من رواية الزهري عنه، لكن معاوية بن يحيى -وهو الصدفي- ضعيف لا يحتج به. اهـ. وفي الباب عن واثلة بن الأسقع مرفوعًا. رواه الطبراني في «الكبير» ٢٢٥/ ١٣٩، وفي «مسند الشاميين» ٤/ ٣٠٩ (٣٣٨٩) بلفظ: ليلة القدر بلجة لا حارة ولا باردة. ولا سحاب فيها ولا مطر ولا ريح، ولا يرمى فيها بنجم، ومن علامة يومها: تطلع الشمس لا شعاع لها«. قال الهيثمي ٣/ ١٧٨ - ١٧٩: فيه بشر بن عون، عن بكار بن تميم، وكلاهما ضعيف. وقال الألباني في»الضعيفة«(٤٤٠٤): ضعيف بتمامه، وإسناده ضعيف. (١)»فضائل الأوقات«(١٠٦) وبنحوه في»الشعب«٣/ ٣٣٢ (٣٦٩٠). (٢)»دلائل النبوة" ٧/ ٣٣، ورواه بنحوه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥١ (٨٦٦٦). سادسها: من أهم الدعاء في هذِه الليلة: «اللَّهُمَّ إنك عفو تحب العفو فاعف عني» (١) فيستحب الإكثار منه. قال البيهقي في «فضائل الأوقات»: طلب العفو من الله مستحب في جميع الأوقات، وخاصة في هذِه الليلة، ثم روى بإسناده إلى أبي عمرو بن أبي جعفر قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن إسماعيل كثيرًا يقول في مجلسه، وفي غير المجلس: عفوك. ثم يقول: عفوك يا عفو، عفوك في المحيا عفوك، وفي القيامة عفوك، وفي مناقشة الحساب عفوك. قال أبو عمرو: فرئي أبو عثمان في المنام بعد وفاته بأيام فقيل ---------- (١) رواه الترمذي (٣٥١٣)، والنسائي في «الكبرى» ٦/ ٢١٨ - ٢١٩ (١٠٧٠٨ - ١٠٧١٢)، وابن ماجه (٣٨٥٠)، وأحمد ٦/ ١٧١، ١٨٢، ١٨٣، ٢٠٨ وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٣/ ٧٤٨ - ٧٤٩ (١٣٦١ - ١٣٦٢)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٧٦٧)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ٣٣٥ - ٣٣٦ (١٤٧٤ - ١٤٧٥، ١٤٧٧)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٣٣٨ - ٣٣٩ (٣٧٠٠ - ٣٧٠١)، وفي «الأسماء والصفات» ١/ ١٤٨ - ١٤٩ (٩٢)، وفي «فضائل الأوقات» ١١٣ - ١١٤، وفي «الدعوات الكبير» ١/ ١٥٠ (٢٠٣)، والبغوي في «معالم التنزيل» ٨/ ٤٩١ من طرق عن عبد الله بن بريدة عن عائشة، به. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. ورواه أحمد ٦/ ٢٥٨، والنسائي ٦/ ٢١٩ (١٠٧١٣)، والطبراني في «الدعاء» ٢/ ١٢٢٨ (٩١٦) والحاكم ١/ ٥٣٠، والقضاعي ٢/ ٣٣٦ (١٤٧٨) من طريق علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن عائشة، به. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وصحح النووي أسانيد هذا الحديث في «الأذكار» (٥٤٤). وقال شيخ الإسلام ابن القيم في «إعلام الموقعين» ٤/ ٢٩٨: حديث صحيح. وصححه الألباني في «الصحيحة» (٣٣٣٧) ورجح أن الحديث حديث عبد الله بن بريدة، وأن ذكر سليمان شاذ. له: ماذا انتفعت من أعمالك؟ قال: بقولي: عفوك عفوك (١). سابعها: الحكمة في إخفائها أن يجتهد الناس في طلبها رجاء إصابتها كما في ساعة الإجابة يوم الجمعة (٢) وغيره، ويسن لمن رآها كتمها، صرح به الماوردي (٣)، والمعروف أنها ترى حقيقة، وقول المهلب إنه لا يمكن رؤيتها حقيقة، غلط جدًّا. ثامنها: قال مالك: في قوله: «التمسوها في تاسعةٍ تبقى» هي ليلة إحدى وعشرين «وسابعة تبقى» ليلة ثلاث وعشرين، «وخامسة تبقى» ليلة خمس وعشرين، وإنما يصح معناه ويوافق ليلة القدر وترًا من الليالي على ما ذكر في الحديث إذا كان الشهر ناقصًا، فأما إذا كان كاملًا فإنها لا تكون إلا في شفع، فتكون التاسعة الباقية ليلة ثنتين وعشرين، والخامسة الباقية ليلة ست وعشرين، والسابعة الباقية ليلة أربع وعشرين على ما ذكره البخاري عن ابن عباس، فلا يصادف واحدة منهن وترًا (٤)، وهذا دال على الانتقال كما اخترناه من وترٍ إلى شفع وعكسه: لأنه - عليه السلام - لم يأمر أمته بالتماسها في شهر كامل دون ناقص، بل أطلق طلبها في جميعه التي قدر بها الله تعالى على التمام مرة وعكسه، فثبت انتقالها في العشر الأواخر، قيل: وإنما خاطبهم --------- (١) «فضائل الأوقات» (١١٥) وروى الحديث بنحوه في «الشعب» ٣/ ٣٣٩ (٣٧٠٣). (٢) يشير المصنف -رحمه الله- إلى ما سلف برقم (٩٣٥) ورواه مسلم (٨٥٢) عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - ذكر يوم الجمعة فقال: «فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى شيئًا إلا أعطاه» وأشار بيده يقللها. (٣) «الحاوي الكبير» ٣/ ٤٨٤. قال الماوردي: ويستحب لمن رأى ليلة القدر أن يكتمها ويدعو بإخلاص نية وصحة يقين بما أوجب من دين ودنيا ويكون أكثر دعائه لدينه وآخرته. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ١٠٤ - ١٠٥. بالبعض: لأنه ليس على تمام الشهر على يقين. تاسعها: قول ابن عباس في حديثه السالف: «هي في سبع يمضين» أو «سبع يبقين» هو شك منه، أو من غيره في أي اللفظين قاله النبي - ﷺ -، ودل قوله - عليه السلام - في الحديث الآخر «في سابعة تبقى» أن الصحيح من لفظ الشك قوله: «في سبع بقين». على طريقة العرب في التأريخ إذا جاوزوا نصف الشهر، إنما يؤرخون بالباقي لا بالماضي؛ ولهذا المعنى عدُّوا «تاسعة تبقى» ليلة إحدى وعشرين، ولم يعدوها ليلة تسع وعشرين، وعدوا «سابعة تبقى» ليلة ثلاث (١) وعشرين، ولم يعدوها ليلة سبع وعشرين لما لم يأخذوا العدد من أول العشر. وإنما كان يكون ذَلِكَ لو قال - عليه السلام - في تاسعة تمضي، ولما قال - عليه السلام -: «التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة» وكان كلامًا مجملًا يحتمل معاني، وخشي - عليه السلام - التباس معناه على أمته بيَّن الوجه المراد به، فقال: «في تاسعة تبقى، وفي سابعة تبقى، وفي خامسة تبقى» ليزول الإشكال في ذَلِكَ. عاشرها: معنى: (وكف): سال، قال صاحب «الأفعال»: وكف المطر والدمع والبيت وكوفًا ووكيفًا ووكفانًا: سال (٢). وقوله: («أرى رؤياكم») هكذا يرويه المحدثون بتوحيد الرؤيا وهو جائز: لأن رؤيا: مصدر، وأفصح منه: رؤاكم جمع رؤيا؛ ليكون جمعًا في مقابلة جمع، وهو الأشبه بكلام الشارع. الحادي عشر: حديث ابن عمر دال أن رؤياهم اختلفت، فقوله: «التمسوها في العشر» يجوز أن يكون أعلم أولا أنها بالعشر فأخبر -------- (١) في الأصل: أربع، والمثبت من (م) ولعله الصواب. (٢) «الأفعال» لابن القوطية ص ١٥٤ - ١٥٥. بذلك، ثم في السبع فأخبر به، ويجوز أن يكون حض على العشر من به قوة، وعلى السبع من لم يقدر على العشر. وقوله في حديث أبي سعيد الأول: (فخرج صبيحة عشرين فخطبنا). وجهه -كما قال ابن التين- أنه أخرج قبته أو خرج هو من موضع إلى آخر، وأما هو فليس بوقت خروج من الاعتكاف، ولا يخرج من اعتكف وسط الشهر إلا بمغيب الشمس من ليلة إحدى عشرين. قلت: في حديث أبي سعيد بيان ذَلِكَ ففي الصحيح: فإذا كان من حين تمضي عشرون ليلة، ويستقبل ليلة إحدى وعشرين رجع إلى مسكنه (١)، وفي أخرى -وهي أيضًا لمسلم-: اعتكف في قبة تركية على سدتها حصير. قال: فأخذ الحصير بيده فنحاها في ناحية القبة، ثم أطلع رأسه فكلم الناس فدنوا منه (٢). قال ابن عبد البر: والوجه في ذَلِكَ عندي أنه أراد أنه خطبهم غداة عشرين: ليعرفهم أنه اليوم الآخر من اعتكافه، وأن الليلة التي تلي تلك الصبيحة هي ليلة إحدى وعشرين وهي المطلوب فيها ليلة القدر (٣). وقال المهلب: ليس بين الروايتين تعارض: لأن يوم عشرين معتكف فيه وبه تتم العشرة أيام؛ لأنه دخل في أول الليل فيخرج في أوله، فيكون معنى قوله: في ليلة إحدى وعشرين وهي التي يخرج من صبيحتها. يريد الصبيحة التي تلي قبل ليلة إحدى وعشرين، وأضافها إلى الليلة كما تضاف أيضًا الصبيحة التي بعدها إلى الليلة، وكل متصل بشيء فهو مضاف إليه سواء كان فيه أو بعده، وإن كانت العبارة في نسبة ------- (١) أحد أحاديث الباب، حديث (٢٠١٨). (٢) هذِه الرواية عند مسلم وحده (١١٦٧ - ٢١٥). (٣) «الاستذكار» ١٠/ ٣٢٢. الصبيحة إلى الليلة التي قبلها لتقدم الليل على النهار فإن نسبة الشيء إلى ما بعده جائز. الثاني عشر: قوله «ثم أنسيتها» أو «نسيتها»: هو شك من المحدث أي الكلمتين قال، ومعنى (يجاور) في حديث عائشة: يعتكف. وقوله: (وخطب الناس) فيه: أنه كان إذا أراد أن يؤكد أمرًا خطب، وجاز النسيان في هذا عليه: لأنه لم يؤمر بأن يبلغه أمته؛ لأنه معصوم من ضده. ومعنى (استهلت): أمطرت، يقال: استهلت السماء بالمطر، وهو شدة انصبابه، وقوله بعده: (فأمطرت) تأكيد، وسلف معنى: (وكف). وقول ابن عباس: (التمسوها في أربع وعشرين) (١)، روى أنس أنه - عليه السلام - كان يتحرى ليلة ثلاث وعشرين، وليلة أربع وعشرين. قال ابن حبيب: يتحرى أن يتم الشهر أو ينقص، فيتحراها في ليلة من السبع البواقي، فإن كان تامًّا (٢) فهي ليلة أربع وعشرين، أو ناقصًا فثلاث، قاله الداودي. ولعل ابن عباس إنما قصد في الأربع احتياطًا كما في حديث أنس فنسي الناقل ذكر ليلة ثلاث وعشرين (٣). --------- (١) رواه البيهقي ٤/ ٣٠٨. (٢) في (م): تماما. (٣) قلت: كنت أودُّ لو أفردت كل قول من أقوال المصنف في تعيين ليلة القدر بالبحث والعزو لكتب الأحاديث والآثار ثم كتب الفقه في كل مذهب من المذاهب، لكني رأيت الأمر سيطول بنا جدًا فيما ليس في محله ولا في موضعه، فتركته خشية الإطالة والاستطراد، فالمسألة تحتاج إلى الإفراد بالتصنيف والبحث والتخريج، ولكي لا تفوت الفائدة لمن أرادها، نعزو هنا لكتب الآثار والفقه التي توسعت في بحث المسألة.= ٤ - باب رَفْعِ مَعْرِفَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ لِتَلَاحِي النَّاسِ (١) ٢٠٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - لِيُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ؛ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ». [مسلم: ١١٧٤ - فتح: ٤/ ٢٦٩] ذكر فيه حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - ليُخْبِرَنَا بِلَيْلَةِ القَدْرِ، فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَالَ: «خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ -------- = فلينظر:»مصنف عبد الرزاق«٤/ ٢٤٦ - ٢٥٥، و»مصنف ابن أبي شيبة«٢/ ٢٥٠ - ٢٥٣، و٢/ ٣٢٥ - ٣٢٧. وينظر:»الإعلام«للمصنف ٥/ ٣٩١ - ٤٠٥ فقد فصل هناك القول، وكذا ينظر:»فتح الباري«٤/ ٢٦٣ - ٢٦٦ فقد ذكر ستة وأربعين قولًا في تعيينها فوجدته قد شفي فيه وكفي بما لا تجده في مكان آخر - فيما أعلم-. وينظر من كتب الحنفية في:»المبسوط«٣/ ١٢٧ - ١٢٨، و»شرح فتح القدير«٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠، و»تبيين الحقائق«١/ ٣٤٧ - ٣٤٨، و»حاشية ابن عابدين«٦/ ٤٤٧ - ٤٤٩. ومن كتب المالكية في»مقدمات ابن رشد«١/ ٢٠٧، و»النوادر والزيادات«٢/ ١٠٢ - ١٠٥، و»شرح ابن بطال«٤/ ١٥١ - ١٥٩، و»التمهيد«٢/ ٢٠٠ - ٢١٤، و»الذخيرة«٢/ ٥٤٩ - ٥٥١. ومن كتب الشافعية»الحاوي الكبير«٢/ ٤٨٣ - ٤٨٤، و»المجموع«٦/ ٤٨٨ - ٤٩٩، و»النجم الوهاج«٣/ ٣٧٠ - ٣٧٢. ومن كتب الحنابلة»المغني«٤/ ٤٤٧ - ٤٥٤، و»الشرح الكبير«٧/ ٥٥٠ - ٥٦٠، و»الفروع«٣/ ١٤٠ - ١٤٣، و»المبدع«٣/ ٥٩ - ٦٢. وينظر كذلك»المحلى«٧/ ٣٣ - ٣٥، و»نيل الأوطار" ٣/ ٢٣٢ - ٢٣٦. (١) ورد بهامش الأصل: يعني: ملاحاة. القَدْرِ، فَتَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَان؛ فَرُفِعَتْ، وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ، فَالتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالخَامِسَةِ». وقد سلف أن هذا الحديث من أفراد البخاري وفي لفظ له: «فالتمسوها في السبع والتسع والخمس» (١) ومعنى تلاحيا: تماديا (٢) أو تسابا. قال ابن فارس: اللحا: الملاحاة، وهي المسارعة (٣)، وقال الهروي: هما كالسباب. ومعنى «فرفعت»: أي رفع تعينها بدليل قوله: «فالتمسوها» فرفع علمها عنه بسبب تلاحيهما، فحرموا بركة تعينها، وهو دال على أن الملاحاة والخلاف تصرف فضائل كثير من الدين وتحرم أجرًا عظيمًا: لأن الله لم يرد التفرق بين عباده إنما أراد الاعتصام بحبله، وجعل الرحمة مقرونة بالاعتصام بالجماعة: لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٨ - ١١٩] وقد يذنب القوم فتتعدى العقوبة إلى غيرهم، وهذا في الدنيا، وأما في الآخرة فلا تزر وازرة وزر أخرى. وقد روي وجه آخر في رفع معرفتها من حديث أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - قال: «أريت ليلة القدر، ثم أيقظني بعض أهلي فنسيتها، فالتمسوها في العشر الغوابر» (٤). ---------- (١) سلف برقم (٤٩). (٢) ورد بهامش الأصل: لعله: تماريا. (٣) «المجمل» ٣/ ٤٠٨. (٤) رواه مسلم (١١٦٦). ويجوز أن يكون هذا مرة، والملاحاة أخرى، وقد يتذكر الرؤيا من يوقظ من نومه. والغوابر: البواقي في آخر الشهر، ومنه ﴿إِلَّا عَجُوزًا فِي الغَابِرِينَ (١٧١)﴾ [الشعراء: ١٧١] يعني: الباقين الذين أتت عليهم الأزمنة، وقد تجعله العرب بمعنى الماضي أحيانًا، وهو من الأضداد. ومعنى قوله: «وعسى أن يكون خيرًا لكم» يريد أن البحث عنها والطلب لها بكثير من العمل هو خير من هذِه الجهة، قاله ابن بطال (١)، وقال ابن التين: لعله يريد أنه لو أخبرتم بعينها لأقللتم في العمل في غيرها، وأكثرتموه فيها، وإذا غيبت عنكم أكثرتم العمل في سائر الليالي رجاء موافقتها، قاله ابن حبيب وغيره. -------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٥٨. ٥ - باب العَمَلِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ ٢٠٢٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي يَعْفُورٍ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. [مسلم: ١١٧٤ - فتح: ٤/ ٢٦٩] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: وجد وشد المئزر (١)، وفي آخر: كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره (٢)، وفي إسناده: أبو يعفور -وهو الصغير- وهو عبد الرحمن بن عبيد بن نسطاس (٣). وروى ابن أبي عاصم من حديث علي: كان - ﷺ - إذا دخل العشر أيقظ أهله ورفع المئزر (٤). يعني: اعتزل النساء، وإنما فعل ذَلِكَ؛ لأنه أخبر أن ليلة القدر في العشر الأواخر، فسن لأمته الأخذ بالأحوط في طلبها في العشر كله، لئلا تفوت إذ قد يمكن أن يكون الشهر ناقصًا، وأن يكون ------- (١) مسلم (١١٧٤). (٢) مسلم (١١٧٥). (٣) هو في إسناد حديث (١١٧٤). وانظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٦٩ (٣٨٩٥) و٣٤/ ٤١٣. (٤) ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ٢/ ٢٥٢ (٨٦٧٣)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ١/ ١٣٢ (١١٠٣، ١١٠٥)، ١/ ١٣٣ (١١١٤) وفي «الزهد» ص ٢٦٣، والفريابي في «الصيام» (١٥٧) من طريق أبي إسحاق، عن هبيرة بن يريم، عن علي، به. وتحرفت في مطبوع «المصنف» من هبيرة إلى أبي هريرة!. قال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (١١٠٣): إسناده صحيح. كاملًا، فمن أحيا ليالي العشر كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، ولو أعلم الله عباده أن في ليالي السنة كلها مثل هذِه الليلة، وأوجب عليهم أن يحيوا الليالي كلها في طلبها، فذلك يسير في جنب غفرانه، والنجاة من عذابه، فرفق تعالى بعباده وجعل هذِه الليلة الشريفة موجودة في عشر ليالٍ؛ ليدركها أهل الضعف، وأهل الفتور في العمل منا، منة ورحمة. قال سفيان الثوري: معنى شد المئزر هنا لم يقرب النساء (١)، وهو من ألطف الكنايات. قلت: قد أسلفنا في قوله: (أيقظ أهله) من الفقه: أن للرجل أن يحض أهله على عمل النوافل، ويأمرهم بغير الفرائض من أعمال البر ويحملهم عليها، وقد روى ابن أبي عاصم من حديث ابن عباس: أنه - عليه السلام - كان يرش على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين (٢). والمئزر والإزار: ما يأتزر به الرجل من أسفله، وهو يذكر ويؤنث وهو هنا كناية عن الجد والتشمير في العبادة. ونقل القرطبي عن بعض أئمتهم أنه عبارة عن الاعتكاف ثم استبعده؛ لقوله: أيقظ أهله، فإنه يدل على أنه كان معهم في البيت وهو كان في حال اعتكافه في المسجد، وما كان يخرج منه إلا لحاجة الإنسان، على أنه يصح أن يوقظهن من موضعه من باب الخوخة التي كانت له في بيته في المسجد (٣). -------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٥٣ (٧٧٠٢). (٢) رواه الطبراني ١١/ ١٢٨ (١١٢٥٩). (٣) «المفهم» ٣/ ٢٤٩. قلت: ويحتمل أمره به أن يوقظ المعتكفة معه في المسجد، أو إذا دخل البيت لحاجته. وقوله: (وأحيا ليله): يعني: باجتهاده في العشر الأخير من رمضان: لاحتمال أن يكون الشهر إما ناقصًا وإما تامًّا، فإذا أحيا لياليه كلها لم يفته منها شفع ولا وتر، وقيل: لأن العشر آخر العمل فينبغي أن يحرص على تجويد الخاتمة (١). --------- (١) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الحادي بعد الخمسين، كتبه مؤلفه. ![]()
__________________
|
|
#392
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 611 الى صـــ 630 الحلقة (392) كتاب الاعتكاف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كتاب الاعتكاف ١ - باب الاِعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ وَالاِعْتِكَافِ فِي المَسَاجِدِ كُلِّهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية. ٢٠٢٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، أَنَّ نَافِعًا أَخْبَرَهُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. [مسلم: ١١٧١ - فتح: ٤/ ٢٧١] ٢٠٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. [مسلم: ١١٧٢ - فتح: ٤/ ٢٧١] ٢٠٢٧ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الهَادِ، عَن مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حَتَّى إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ -وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِى يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنِ اعْتِكَافِهِ- قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ». فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٤/ ٢٧١] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عُمَرَ: كَانَ النبي - ﷺ - يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ. ثانيها: حديث عَائِشَةَ مثله حَتَّى تَوَفَّاهُ اللهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِه. ثالثها: حديث أَبِي سَعِيدٍ أَنَّ النبي - ﷺ - كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ. الحديث بطوله، وقد سلف (١). وحديث عائشة وابن عمر أخرجهما مسلم أيضًا (٢). قال الداودي: وحديث اعتكافه العشر الأوسط قبل بنائه بعائشة. ---------- (١) برقم (٦٦٩). (٢) مسلم (١١٧١ - ١١٧٢). والاعتكاف في اللغة: اللزوم على الشيء والمقام عليه، ومنه: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] أي: يقيمون، يقال: عكف يعكف: إذا أقام. وفي الشرع: إقامة مخصوصة. قال عطاء: قال يعلى بن أمية: إني لأمكث في المسجد الساعة وما أمكث إلا لأعتكف. قال عطاء: وهو اعتكاف ما مكث فيه، وإن جلس في المسجد احتساب الخير فهو معتكف وإلا فلا (١). والمباشرة في الآية: الجماع عند الأكثرين، وقيل: المقدمات، وقام الإجماع على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد لهذِه الآية (٢)، ولا عبرة بمخالفة ابن لبابة المالكي (٣) فيه لشذوذه. وقوله: (في المساجد كلها) أشار به إلى الرد على من يقول باختصاصه ببعض المساجد. --------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٤٦ (٨٠٠٦ - ٨٠٠٧). (٢) نقل هذا الإجماع الحافظ ابن عبد البر في «الاستذكار» ١٠/ ٢٧٣، وعنه نقله ابن القطان الفاسي في «الإقناع» ٢/ ٧٤٩ (١٣٤٧). ونقل ابن القطان ٢/ ٧٥٠ (١٣٤٩) من «الإيجاز»: ولا أعلم بين العلماء اختلافًا في أن الاعتكاف لا يجوز في غير المساجد. (٣) هو أبو عبد الله محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة القرطبي، شيخ المالكية، كان إمامًا في الفقه، انتهت إليه الإمامة في المذهب، مقدمًا على أهل زمانه في الفتوى، كبير الشأن، حافظًا لأخبار الأندلس، أديبًا شاعرًا. وروى عنه خلق كثير، ولم يكن له علم ولا حذق بالحديث، بل ينقل بالمعنى، مات في شعبان سنة أربع عشرة وثلاثمائة. انظر تمام ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٢٣/ ٤٨٥ (١٨٣)، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ٤٩٥ (٢٧٨)، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٦٩. قال حذيفة: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة: مسجد مكة، والمدينة، والأقصى. وقال سعيد بن المسيب: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي (١). وفي «الصوم» لابن أبي عاصم بإسناده إلى حذيفة: لا اعتكاف إلا في مسجد النبي - ﷺ - (٢). --------- (١) رواه بهذا اللفظ ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٨ (٩٦٧٢) لكنه عن سعيد بن المسيب، وكذا رواه عنه أيضًا عبد الرزاق ٤/ ٣٤٦ (٨٠٠٨) بلفظ: إلا في مسجد النبي - ﷺ - وهذا سيأتي ذكره عن حذيفة. (٢) قلت: روى الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ٨٢ (١٥٠٠)، والإسماعيلي في معجم «شيوخه» ٢/ ٧٢٠ - ٧٢١ (٣٣٦)، والبيهقي ٤/ ٣١٦، والذهبي في «تاريخ الإسلام» ٢٤/ ٢٧٠، وفي «السير» ١٥/ ٨١ من طريق سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، عن أبي وائل قال: قال حذيفة لعبد الله [يعني ابن مسعود]: عكوف بين دارك ودار أبي موسى لا تغير، وقد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة» وفي رواية بزيادة: «المسجد الحرام ومسجد النبي - ﷺ -، ومسجد بيت المقدس» وفي رواية: «لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام -أو قال- إلا في المساجد الثلاثة» فقال عبد الله: لعلك نسيت وحفظوا، أو أخطأت وأصابوا. قال الذهبي في «السير»: صحيح غريب عال. وقال الألباني في «الصحيحة» (٢٧٨٦): إسناده صحيح على شرط الشيخين. ورواه سعيد بن منصور كما في «المحلى» ٥/ ١٩٥، ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٠٩ (١١٨١) من طريق سفيان، عن جامع بن أبي راشد، عن شقيق بن سلمة قال: قال حذيفة لعبد الله بن مسعود: قد علمت أن رسول الله - ﷺ - قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة -أو قال- مسجد جماعة». قال ابن حزم: هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يقطع على رسول الله - ﷺ - بشك، ولو أنه - عليه السلام - قال: لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة لحفظه الله تعالى علينا. ورواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٤٨ (٨٠١٦)، والفاكهي في «أخبار مكة» = قلت: وروى الحارث، عن علي: لا اعتكاف إلا في المسجد الحرام ومسجد المدينة (١)، وذهب هؤلاء إلى أن الآية خرجت على نوع من المساجد وهو ما بناه نبي؛ لأن الآية نزلت على رسول الله - ﷺ - وهو معتكف في مسجده فكان القصد والإشارة إلى نوع تلك المساجد مما بناه نبي. وذهب طائفة إلى أنه لا يصح الاعتكاف إلا في مسجد تقام فيه الجمعة، روي عن علي وابن مسعود وعروة وعطاء والحسن والزهري، وهو قول مالك في «المدونة» قال: أما من تلزمه الجمعة فلا يعتكف إلا في الجامع (٢). قال: وأقل الاعتكاف عشرة أيام (٣)، -------- = ٢/ ١٤٩ (١٣٣٤)، والطبراني ٩/ ٣٠٢ (٩٥١١) من طريق سفيان بن عيينة، عن جامع بن أبي راشد قال: سمعت أبا وائل يقول: .. فذكره بنحوه، إلا أنه موقوف. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧٣: رجاله رجال الصحيح. ورواه عبد الرزاق (٨٠١٤)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٧ (٩٦٦٩)، والطبراني (٩٥١٠) من طريق الثوري، عن واصل الأحدب، عن إبراهيم قال: جاء حذيفة إلى عبد الله، فذكره موقوفًا أيضًا. قال الهيثمي ٣/ ١٧٣: إبراهيم لم يدرك حذيفة. وقال الألباني في «الصحيحة» ٦/ ٦٦٩: رجاله ثقات رجال الشيخين، غير أن إبراهيم -وهو النخعي- لم يدرك حذيفة أهـ. وقد خرجت هذا الحديث بغير اللفظ الذي ذكر المصنف؛ لأن مسجد النبي لا يكون إلا أحد هذِه المساجد، كما قال ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٣٢٥: فقالوا: لا اعتكاف إلا في مسجد نبي كالمسجد الحرام أو مسجد الرسول، أو مسجد بيت المقدس لا غير. (١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٧ (٩٦٧٠) بلفظ: لا اعتكاف إلا في مصر جامع. وبنحوه رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٤٦ (٨٠٠٩)، وابن أبي شيبة (٩٦٧٠) بإسناد آخر. (٢) «المدونة» ١/ ٢٠٣. (٣) «المدونة» ١/ ٢٠٣. وروى عنه ابن القاسم لا بأس به يومًا ويومين، وقد روي أن أقله يوم وليلة (١)، وقال في «المدونة»: لا أرى أن يعتكف أقل من عشرة أيام فإن نذر دونها لزمه (٢)، وعندنا يصح اعتكاف قدر يسمى عكوفًا، وضابطه مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة. ومن أصحابنا من اكتفي بالمرور بلا لبث. وقالت طائفة: الاعتكاف في كل مسجد، روي ذَلِكَ عن النخعي وأبي سلمة والشعبي (٣)، وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي في الجديد وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود والجمهور (٤)، والبخاري حيث استدل بالآية وعمومها في سائر المساجد، وهو قول مالك في «الموطأ» قال: لا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة، فإن كان مسجدًا لا يجمع فيه ولا يجب على صاحبه إتيان الجمعة في مسجد سواه فلا أرى بأسًا بالاعتكاف فيه؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فعم المساجد كلها ولم يخص منها شيئًا (٥)، ونحوه قول الشافعي: المسجد الجامع أحب إليَّ وإن اعتكف في غيره فمن الجمعة إلى الجمعة (٦). قلت: علل بأمور كثيرة: الجماعة واستغنائه عن الخروج إلى الجمعة -------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٨٨. (٢) «المدونة» ١/ ٢٠٣. (٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٧ (٩٦٦٥ - ٩٦٦٦، ٩٦٦٨). (٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٤٨، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٩٨، «المحلى» ٥/ ١٩٣، «المغني» ٤/ ٤٦١. (٥) «الموطأ» ص ٢٠٨. (٦) «مختصر المزني» مع «الأم» ٢/ ٣٣. وللإجماع عليه (١) إذ قال الزهري: لا يصح الاعتكاف في غيره (٢)، وبه قال الحكم وحماد (٣)، وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراطه (٤) (٥)، وقال الجوني من أصحابنا: الجماعة إذا كانت في بعض مساجد العشائر أكثر من جماعة الجامع فالمسجد أولى منه. وعند أبي يوسف أن الاعتكاف الواجب لا يجوز أداؤه في غير مسجد الجماعة والنفل يجوز أداؤه في غيره. فرع: قد يتعين الجامع في صورة وهي: ما إذا نذر اعتكاف مدة متتابعة تتخللها جمعة وهو من أهلها فإن الخروج لها يقطع التتابع على الأصح، قاله القاضي الحسين. فرع: يصح في سطح المسجد ورحبته. -------- (١) ورد بهامش الأصل: وأين الإجماع فقد حكي الخلاف في اشتراطه وفي اختصاص بعض المساجد دون بعض. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٨ (٩٦٧٣). (٣) «المصنف» ٢/ ٣٣٨ (٩٦٧٤). (٤) «البيان» ٣/ ٥٧٦. (٥) ورد بهامش الأصل: قوله: وأومأ الشافعي في القديم إلى اشتراطه، يريد أنه كمذهب الزهري. قال الإسنوي في «مهماته»: وهذِه الحكاية عن الشيخ أبي حامد غلط عليه حصل فيها التباس؛ فإنه قال في تعليقه الذي علقه عنه البندنيجي ما نصه: روي عن الزهري أنه قال: لا يصح الاعتكاف إلا في الجوامع، وأومأ الشافعي في القديم إلى أن الاعتكاف متى زاد على أسبوع، فإنه يعتكف في الجامع حتى لا يحتاج لقطع الاعتكاف بصلاة الجمعة. هذا لفظه، وهو صريح في صحة الاعتكاف على القديم في غير الجامع. قال الإسنوي: وهذِه الحكاية لم يقع الغلط فيها من صاحب «المعتمد» بل الأصل فيه صاحب الشامل فإنه نقله عن الشيخ أبي حامد بنصه على ما نقله عنه من صنف بعده كالشاشي وصاحب «البيان» وصاحب «الذخائر»، ولا يوجد ذلك في كلام أحد إلا ناقلًا له عن الشيخ أبي حامد، وعبّرَ بعض المتأخرين بقوله: رواه الشيخ أبو حامد وأصحابنا، وهو غلط. انتهى لفظه بحروفه. فائدة: قوله: (وكان المسجد على عريش) قال صاحب «العين»: العريش: شبه الهودج، وعرش البيت: سقفه (١). وقال الداودي: كان الجريد قد بسط فوق الجذوع بلا طين فكان المطر يسقط منه داخل المسجد، وكان - عليه السلام - لما بنى مسجده أخرج قبور المشركين وقطع النخل التي كانت فيه، فجعل منها سواري وجذوعًا، وألقى الجريد عليها، فقيل له بعد ذَلِكَ: يا رسول الله ألا تبنيه؟ قال: «عريش كعريش موسى!» (٢). فرع: الجديد من قولي الشافعي: أنه لا يصح اعتكاف المرأة في مسجد بيتها وهو المعتزل المهيأ للصلاة، ووافقنا مالك وأحمد، والقديم وفاقًا لأبي حنيفة: نعم، وبه قال النخعي والثوري وابن علية (٣). وعلى هذا ففي صحة اعتكاف الرجل في مسجد بيته وجهان: أصحهما المنع (٤). فرع: للمعتكف قراءة القرآن والحديث والعلم، وأمور الدين، وسماع العلم، خلافًا لمالك (٥)، وعن ابن القاسم: لا يجوز له عيادة المريض ولا مدارسة العلم، ولا الصلاة على الجنازة (٦) خلافًا لابن وهب (٧). -------- (١) «العين» ١/ ٢٤٩. (٢) تقدم تخريج هذا الحديث باستيفاء في حديث (٤٢٨)، وانظره في «الصحيحة» (٦١٦). (٣) انظر هذِه المسألة في: «المبسوط» ٣/ ١١٩، «النوادر والزيادات» ٢/ ٨٨، «البيان» ٣/ ٥٧٤ - ٥٧٥، «المغني» ٤/ ٤٦٤. (٤) انظر «البيان» ٣/ ٥٧٥. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٣. (٦) انظر: «الذخيرة» ٢/ ٥٣٩. (٧) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٣، و«الذخيرة» ٢/ ٥٣٩. فرع: لا بأس بتطييبه. قال الشافعي في «الأم»: ولا بأس بأن يقص فيه: لأنه وعظ وتذكير (١). فرع: في «شرح الهداية»: أنه يكره التعليم في المسجد بأجر، وكذا كتابة المصحف بأجر، وقيل: إن كان الخياط يحفظ المسجد فلا بأس أن يخيط فيه. فائدة: قام الإجماع على أن الاعتكاف لا يجب إلا بالنذر (٢). فرع: من نوى اعتكاف مدة، وشرع فيها فله الخروج منها خلافًا لمالك (٣)، وادعى ابن عبد البر (٤) عدم اختلاف الفقهاء في ذَلِكَ وأن القضاء لازم عند جميع العلماء فإن لم يشرع فالقضاء مستحب. ومن العلماء من أوجبه إن لم يدخل فيه، واحتج بحديث عائشة: كان يعتكف العشر الأواخر .. الحديث. وفيه: فأتى معتكفه (فلما اعتكف أفطر عشرًا) (٥) من شوال، (٦) وهو قول غريب. قال الترمذي: لما قطع اعتكافه من أجل أزواجه قضاه على مذهب من يرى قضاء التطوع إذا قطعه (٧). قلت: لكنه لم يشرع فيه. ----------- (١) «الأم» ٢/ ٩٠. (٢) نقل هذا الإجماع ابن المنذر في «الإجماع» ص ٦٠ (١٥٥)، ونقله ابن القطان الفاسي في «الإقناع» ٢/ ٧٥١ (١٣٥١) عن ابن المنذر في «الإشراف». (٣) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٦٨٠. (٤) «الاستذكار» ١٠/ ٢٨٦. (٥) ورد بهامش الأصل: لعله: فلما أفطر اعتكف عشرا. (٦) سيأتي برقم (٢٠٣٣)، ورواه مسلم (١١٧٣). (٧) «سنن الترمذي» ٣/ ١٥٧. ٢ - باب الحَائِضُ تُرَجِّلُ المُعْتَكِفَ ٢٠٢٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي، أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُصْغِي إِلَىَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِرٌ فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٧٢] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ رسول الله - ﷺ - يُصْغِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ مُجَاوِر فِي المَسْجِدِ، فَأُرَجِّلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ومعناه: يميل فيدخل رأسه وكتفيه إلى الحجرة فترجله أي: تسرحه بدهن، وما قاله الداودي -ولم يقيده غيره-: لئلا يخرج من المسجد ما وجد المقام فيه؛ لأن الحائض لا تدخله، وترجم عليه بعد في آخره باب: المعتكف يدخل رأسه البيت للغسل، وذكره بلفظ: أنها كانت ترجل النبي - ﷺ - وهي حائض، وهو معتكف في المسجد، وهو في حجرتها يناولها رأسه (٢). وهو دال على جواز ترجيل رأس المعتكف، وفي معناه: الحلق وأن اليدين من المرأة ليسا بعورة ولو كانتا عورة ما باشرته بهما في اعتكافه، ويشهد له أن المرأة تنهى عن لبس القفازين في الإحرام وتؤمر بستر ما عدا وجهها وكفيها، وهكذا حكمها في الصلاة، وأن الحائض طاهر إلا موضع النجاسة منها. فرع: الجوار والاعتكاف سواء عند مالك، حكمهما واحد إلا من جاور نهارًا بمكة وانقلب ليلًا إلى أهله فلا صوم فيه، وله أن يطأ أهله، -------- (١) مسلم (٢٩٧). (٢) سيأتي برقم (٢٠٤٦). قال: وجوار مكة أمر يتقرب به إلى الله تعالى كالرباط والصيام (١)، وقال عمرو بن دينار: الجوار والاعتكاف واحد (٢)، وقال عطاء: هما مختلفان، كانت بيوت رسول الله - ﷺ - في المسجد، فلما اعتكف في شهر رمضان خرج من بيوته إلى بطن المسجد فاعتكف فيه، وإلجوار بخلاف ذَلِكَ، إن شاء جاور بباب المسجد، أو في جوفه لمن شاء (٣)، وقال مجاهد: الحرم كله مسجد يعتكف في أيه شاء، وإن شاء في منزله، إلا أنه لا يصلي إلا في جماعة (٤). فرع: استدل به على أن من حلف لا يدخل دارًا فأدخل بعض بدنه لا يحنث، واختلف فيمن حلف لا يدخل دارًا فأدخل إحدى رجليه، قال ابن القاسم: إن منع الباب أن ينغلق حنث (٥)، وقال ابن حبيب: إن اعتمد على الداخلة حنث. --------- (١) «المدونة» ١/ ٢٠٠ - ٢٠١. (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٤٥ (٨٠٠٤). (٣) السابق (٨٠٠٣). (٤) السابق (٨٠٠٥). (٥) انظر: «مواهب الجليل» ٤/ ٤٧١. ٣ - باب لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ ٢٠٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُدْخِلُ عَلَيَّ رَأْسَهُ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لَا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٧٣] ذكر فيه عن الزهري (١)، عن عروة وعمرة بنت عبد الرحمن، عن عَائِشَةَ قَالَتْ: وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لَيُدْخِلُ عَلَى رَأسَهُ وَهْوَ فِي المَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وَكَانَ لا يَدْخُلُ البَيْتَ إِلَّا لِحَاجَةٍ، إِذَا كَانَ مُعْتَكِفًا هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا، وقال: لحاجة الإنسان (٢). والمراد بالحاجة: البول والغائط. وكذا فسره الزهري وهو راوي الحديث (٣)، وهو إجماع (٤)، ورواه مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، وفيه: إلا لحاجة الإنسان (٥). قال أبو داود: لم يتابع أحد مالكًا في هذا الحديث على ذكر عمرة (٦). واضطرب فيه أصحاب الزهري فقالت طائفة: عنه، عن عروة، عن عائشة. وكذا رواه ابن مهدي، عن مالك. -------- (١) ورد فوق الكلمة بالأصل: مسند متصل. (٢) مسلم (٦/ ٢٩٧). (٣) روى عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٥٧ (٨٠٥١) عن معمر، عن الزهري قال: لا يخرج المعتكف إلا لحاجة لابد له منها، من غائط أو بول. (٤) انظر: «الإجماع» لابن ٦٠ (١٥٧)، و«الإقناع» لابن لقطان ٢/ ٧٥٢ (١٣٥٥)، و«الإفصاح» ٣/ ١٩٨ - ١٩٩. (٥) «الموطأ» ص ٢٠٨. (٦) «سنن أبي داود» بعد حديث (٢٤٦٨) كتاب: الصوم باب: المعتكف يدخل البيت لحاجته. وقالت طائفة: عن عروة وعمرة جميعًا عن عائشة. وكذا رواه ابن وهب، عن مالك، وأكثر الرواة عن مالك، عن عروة، عن عمرة فخطئوه في ذكر عمرة (١). قال ابن بطال: ولهذه العلة -والله أعلم- لم يدخل البخاري حديث مالك وإن كان فيه زيادة تفسير؛ (لكونه) (٢) ترجم للحديث بتلك الزيادة إذ كان ذَلِكَ عنده معنى الحديث، ثم الحديث دال على أن المعتكف لا يشتغل بغير ملازمة المسجد للصلاة، والتلاوة، والذكر، ولا يخرج إلا لما إليه حاجة، وفي معنى الترجيل: كل ما فيه صلاح بدنه من الغذاء وغيره، ولا شك أن المعتكف ألزم نفسه المقام للطاعة فلا يشتغل بما يلهي عنها، ولا يخرج إلا لضرورة كالمرض البين والحيض في النساء، وهو في معنى خروجه للحاجة. واختلفوا في خروجه لما سوى ذَلِكَ، فروي عن النخعي، والحسن البصري، وابن جبير أن له أن يشهد الجمعة ويعود المرضى ويتبع الجنائز (٣). وذكر ابن الجهم، عن مالك: يخرج للجمعة ويتم اعتكافه في الجامع. وقال عبد الملك: إن خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه، ومنعت طائفة خروجه لعيادة المريض والجنائز، وهو قول عطاء وعروة والزهري (٤) ومالك وأبي حنيفة، والشافعي وأبي ثور. ---------- (١) انظر في هذا الاختلاف والاضطراب: «التمهيد» ٨/ ٣١٦ - ٣٢١، و«الفتح» ٤/ ٢٧٣، و«صحيح أبي داود» ٧/ ٢٣٠ - ٢٣٣. (٢) في (م): (لأنه). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٥ (٩٦٣٢، ٩٦٣٤، ٩٦٣٥، ٩٦٣٧، ٩٦٤٠). (٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٥٧ (٨٠٥١ - ٨٠٥٤)، وابن أبي شيبة (٩٦٤٣ - ٩٦٤٤، ٩٦٤٦). وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يخرج المعتكف إلا إلى الجمعة والبول والغائط خاصة. وقال مالك: إن خرج المعتكف لعذر ضرورة مثل موت أبويه وابنه ولا يكون له من يقوم به فإنه يبتدئ اعتكافه، والذين منعوا خروجه لغير الحاجة أسعد باتباع الحديث (١). وفيه كما قال ابن المنذر: دلالة على امتناع العشاء في بيته والخروج من موضعه إلا للحاجة. قال: واختلفوا في ذَلِكَ، فكان الحسن وقتادة يقولان: له أن يشرط العشاء في منزله. وبه قال أحمد، وقال أحمد: إن كان المعتكف في بيته فلا شيء عليه (٢). وقال أبو مجلز: ليس له ذَلِكَ (٣). وهو يشبه مذاهب المدنيين وبه نقول؛ لأنه موافق للسنة، وعن مالك في الرجل يأتيه الطعام من منزله ليأكله في المسجد فقال: أرجو أن يكون خفيفًا (٤). وفيه: دلالة غير ما سلف على إباحة غسل المعتكف رأسه: لأنه في معنى الترجيل (٥). ------ (١) انظر هذِه المسألة في «المبسوط» ١/ ١١٧، «المنتقى» ٢/ ٧٧، ٧٩، «النوادر والزيادات» ٢/ ٩١، «الأم» ٢/ ٩٠. (٢) في «شرح ابن بطال» ٤/ ١٦٦ - وهو المصدر المنقول منه ها هنا- أن هذا قول الشافعي، وهو نص قوله في «الأم» ٢/ ٩١. (٣) ذكر قول أبي مجلز صاحب «المغني» ٤/ ٤٧١. (٤) «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٤. (٥) من قول المصنف -رحمه الله- آنفًا: قال ابن بطال إلى هذا الموضع، نقله من «شرح ابن بطال» ٤/ ١٦٥ - ١٦٦. ٤ - باب غَسْلِ المُعْتَكِفِ ٢٠٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٣٠٠ - مسلم: ٢٩٣ - فتح: ٤/ ٢٧٤] ٢٠٣١ - وَكَانَ يُخْرِجُ رَأْسَهُ مِنَ المَسْجِدِ -وَهْوَ مُعْتَكِفٌ- فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٧٤] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُبَاشِرُنِي وَأَنَا حَائِضٌ. وَكَانَ يُخْرِجُ رَأسَهُ مِنَ المَسْجِدِ -وَهْوَ مُعْتَكِفٌ- فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ. فيه: دلالة واضحة لما ترجم له، فغسل رأسه جائز كترجيله وغسل جسده في معناه، ولا نعلم في ذَلِكَ خلافًا، وروى ابن وهب عن مالك قال: لا بأس أن يخرج إلى غسل الجمعة إلى موضع الذي يتوضأ فيه، ولا بأس أن يخرج يغتسل للحرِّ يصيبه. وقولها: (كان يباشرني وأنا حائض): تريد: غير معتكف: لأن المعتكف لا يجوز له المباشرة للآية، وإنما ذكرت المباشرة هنا لتدل على جواز غسلها رأسه وهي حائض، وتدل على طهارة بدن الحائض ولا يجتنب منها إلا موضع الدم، وقال الداودي: يريد أنها تشد إزارها في فور حيضتها. ٥ - باب الاِعْتِكَافِ لَيْلًا ٢٠٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». [٢٠٤٢، ٢٠٤٣، ٣١٤٤، ٤٣٢٠، ٦٦٩٧ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٧٤] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ؟ قَالَ: «فَأَوْفِ بَنَذْرِكَ». وترجم عليه في أواخر الباب باب: من لم ير عليه إذا اعتكف صومًا، وزاد فيه: فاعتكف ليلة (١). وترجم عليه أيضًا عقيبه باب: إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم (٢). وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وفي رواية له: يومًا بدل (ليلة) (٤). قال ابن حبان في «صحيحه»: ألفاظ أخبار هذا الحديث مصرحة بأن عمر نذر اعتكاف ليلة إلا بهذا -يعني: رواية مسلم- فإن صحت هذِه اللفظة، فيشبه أن يكون (أراد) (٥) باليوم مع ليلته، وبالليلة مع اليوم حَتَّى لا يكون بين الخبرين تضاد (٦)، والعرب تعبر بذلك، قال الله تعالى: ﴿فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢] وقد روى عمرو بن دينار، عن ابن عمر أن عمر قال لرسول الله - ﷺ - بالجعرانة: ---------- (١) سيأتي برقم (٢٠٤٢). (٢) برقم (٢٠٤٣). (٣) مسلم (١٦٥٦). (٤) مسلم (١٦٥٦/ ٢٨). (٥) في (م) المراد. (٦) «صحيح ابن حبان» ١٠/ ٢٢٦ - ٢٢٧. إني نذرت أن أعتكف يومًا وليلة. فاقتصر بعضهم على البعض، ويجوز للراوي أن ينقل بعض ما سمع، وفي رواية لأبي داود والنسائي: «فاعتكف وصم» (١). قال ابن حزم: لا يصح: لأن في سندهما عبد الله بن بديل (٢) وهو مجهول (٣). قلت: لا، فقد علق له البخاري (٤)، ووثق (٥)، نعم تفرد بزيادة الصوم، كما قاله ابن عدي والدارقطني وضعفاه (٦)، ونقل --------- (١) أبو داود (٢٤٧٤ - ٢٤٧٥)، «سنن النسائي الكبرى» ٢/ ٢٦٢ (٣٣٥٥) بلفظ: أن عمر سأل النبي - ﷺ - عن اعتكاف عليه فأمر أن يعتكف. ورواه أيضًا الطيالسي ١/ ٦٨ - ٦٩ (٦٩)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ٢٧٦، وأبو يعلى ١٠/ ٥ - ٦ (٥٦٣٢)، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٥٧، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٣٩، والدارقطني ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١، والبيهقي ٤/ ٣١٦، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١١ (١١٨٩) من طريق عبد الله بن بديل، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، به. (٢) ورد بهامش الأصل: قال في «الكاشف»: صويلح الحديث له مناكير وفي غمزه الدارقطني، فيه ضعف. (٣) «المحلى» ٥/ ١٨٣. (٤) سيأتي له بعد حديث (٦٢٨٤). (٥) قال يحيى بن معين: مكي صالح، ووثقه ابن حبان، وقال ابن شاهين: صالح، وقال الذهبي: صويلح الحديث له ما ينكر. وقال الحافظ: صدوق يخطئ. انظر: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٥٦ (١٢٧)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ١٤ (٦٨)، و«ثقات ابن حبان» ٧/ ٢١، و«ثقات ابن شاهين» (٦٧٤)، و«تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٢٥ (٣١٧٦)، و«تاريخ الإسلام» ٩/ ٤٥٣، و«الكاشف» (٢٦٤٢)، و«التقريب» (٣٢٢٤). (٦) قال ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٥٧: لا أعلم ذكر في هذا الإسناد ذكر الصوم مع الاعتكاف إلا من رواية عبد الله بن بديل، عن عمرو بن دينار. وقال الدارقطني في «السنن» ٢/ ٢٠٠: تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث. وسئل عن هذا الحديث في «العلل» ٢/ ٢٦ - ٢٧ (٩٣) فقال: يرويه عبد الله بن بديل = الدارقطني، عن النيسابوري أنه حديث منكر: لأن الثقات من أصحاب عمرو لم يذكروه -يعني: الصوم- منهم: ابن جريج، وابن عيينة، وحماد بن سلمة وغيرهم (١). ثم قال ابن حزم: ولا نعرف هذا الخبر من مسند عمرو بن دينار أصلًا، وما نعرف لعمرو بن دينار عن ابن عمر حديثًا مسندًا إلا ثلاثة ليس هذا منها فسقط الخبر؛ لبطلان سنده (٢). ----- = المكي -وكان ضعيفًا-، عن عمرو بن دينار، عن ابن عمر، عن عمر، ولم يتابع عليه ولا يعرف هذا الحديث عن أحد من أصحاب عمرو بن دينار، ورواه نافع عن ابن عمر عن عمر، فلم يذكر فيه الصيام، وهو أصح من قول ابن بديل عن عمرو. (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٠٠ - ٢٠١. (٢) «المحلى» ٥/ ١٨٣. تتمات: قال البيهقي في «المعرفة» ٦/ ٣٩٤: حديث منكر؛ قد أنكره حفاظ الحديث، لمخالفته أهل الثقة والحفظ في روايته. ونقل المنذري في «مختصر السنن» ٣/ ٣٥٠: تضعيف ابن عدي، والدارقطني لعبد الله بن بديل، مشيرًا لتضعيف الحديث. وضعف الحديث أيضًا ابن قدامة في «المغني» ٤/ ٤٦٠ فقال: تفرد به ابن بديل، وهو ضعيف. وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٢٧٤: إسناده ضعيف: أخرجه أبو داود، والنسائي من طريق عبد الله بن بديل، وهو ضعيف. ومال العلامة أحمد شاكر لتحسين الحديث فقال: ليس عبد الله بن بديل من الضعف بالمنزلة التي يصورها كلام المنذري، ففي «التهذيب»: قال ابن معين: صالح، وقال ابن عدي: له ما ينكر عليه الزيادة في متن أو إسناد، وذكره ابن حبان في «الثقات»، ولم يذكره البخاري، ولا النسائي في «الضعفاء»، فهذا أقل حاله أن يكون حديثه حسنًا وتقبل زيادته. اهـ. «مختصر السنن» ٣/ ٣٥٠. والحديث أورده الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤٢٥ - ٤٢٦) وقال: إسناده ضعيف: ابن بديل فيه ضعف من قبل حفظه. لكنه أورده أيضًا في «صحيح أبي داود» (٢١٣٦ - ٢١٣٧) وقال: مدار الإسنادين على عبد الله بن بديل، وفيه ضعف، ولكن لما كان الحديث قد صح من غير طريقيه أوردته هنا. اهـ. ![]()
__________________
|
|
#393
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 631 الى صـــ 650 الحلقة (393) قلت: لعمرو بن دينار في الصحيح عن ابن عمر نحو عشرة أحاديث فما هذا الكلام! إذا تقرر ذَلِكَ، فمن نذر اعتكاف ليلة لم يلزمه سواها خلافًا لمالك؛ حيث قال: يلزمه يوم معها. وقال سحنون: لا شيء عليه؛ لأنه لا صيام في الليل قال: ومن نذر اعتكاف يوم يلزمه يوم وليلة، ويدخل اعتكافه قبل غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر لم يجزه، وإن أضاف إليه الليلة المستقبلة (١). وقوله - ﷺ -: («أوف بنذرك») محمول على الاستحباب بدليل أن الإسلام يهدم ما قبله (٢)، وقد حمله الطبري على الوجوب، وسيأتي الخلاف فيه في الأيمان والنذور (٣). والبخاري ذهب إلى وجوب الوفاء به، كما بوب عليه هناك وقاس اليمين على النذر، وهو قول أبي ثور والطبري، واختلف أصحابنا في صحة نذره في حال شركه، والأصح عدم صحته. وفيه: دليل على تأكيد الوفاء بالوعد، ألا ترى أنه أمره بالوفاء به وقد خرج من الجاهلية إلى الإسلام، كمان كان عند الفقهاء ما كان في الجاهلية من أيمان وطلاق وعقد فإن الإسلام يهدمها ويسقط حرمتها، قاله ابن بطال (٤). ------- (١) انظر «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٨. (٢) هي قطعة من حديث طويل رواه مسلم (١٢١) كتاب: الإيمان، باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج. (٣) ينظر شرح الحديث الآتي برقم (٦٦٩٧). (٤) «شرح ابن بطال» ٦/ ١٥٨. قال الخطابي: وفيه دلالة على أن نذر الجاهلية إذا كان على وفاق الإسلام كان معمولًا به (١)، وهو ظاهر تبويب البخاري، ومن حلف في كفره ثم أسلم فحنث كَفَّر، وإليه ذهب الشافعي، وعن أشهب نحوه، ومذهب مالك: لا شيء عليه. وفيه: دلالة على جواز الاعتكاف بغير صوم وهو مذهب الشافعي، والحسن، وأبي ثور، وروي عن علي أيضًا وابن مسعود، وطاوس، وعمر بن عبد العزيز، وأحمد وإسحاق (٢)، وقال مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي: لا اعتكاف إلا بصوم. وقاله ابن عمر، وابن عباس، وعائشة، وعروة، والزهري. وقيل: إنه مذهب علي، والشعبي، ومجاهد، والقاسم بن محمد، وابن المسيب، ونافع، والثوري، والليث، والحسن بن حي، والشافعي في القديم، وقول لأحمد، ورواه عطاء ومقسم وأبو فاختة عن ابن عباس (٣)، والحديث دال للأول: إذ الليل ليس قابلًا للصوم وإن كان يحتمل أن يكون نذر اعتكاف ليلة مع يومها. ومعنى قوله: (في الجاهلية) أي: في زمنها. قال الخطابي: وقد يستدل به أن الكافر إذا أسلم وهو جنب لزمه أن يغتسل (٤). ------ (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٩٠. (٢) «السنن الكبرى» ٢/ ٣١٩ (٨٥٨٧)، «البيان» ٣/ ٥٧٨، «المغني» ٤/ ٤٥٩. (٣) انظر: «المصنف» لابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٤ (٩٦١٩، ٩٦٢١، ٩٦٢٢، ٩٦٢٣، ٩٦٢٦)، «المصنف» لعبد الرزاق ٤/ ٣٥٣ (٨٠٣٣، ٨٠٣٤، ٨٠٣٧، ٨٠٣٨، ٨٠٤١)، «مختصر الطحاوي» ص ٥٧، «المدونة» ١/ ١٩٥، «عيون المجالس» ٢/ ٦٧١، «البيان» ٣/ ٥٨٠، «المغنى» ٤/ ٤٥٩. (٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٩٠. تنبيه: استدل من قال بعدم شرطية الصوم في صحة الاعتكاف مع حديث الباب بما رواه الدارقطني عن ابن عباس: «ليس على المعتكف صوم إلا أن يجعله على نفسه» ثم قال: رفعه أبو بكر محمد بن إسحاق السوسي، وغيره لا يرفعه (١)، ومن جهة القياس: أنه عبادة --------- (١) «السنن» ٢/ ١٩٩ عن محمد بن إسحاق السوسي، ومن طريقه الحافظ ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١٠ (١١٨٧). ورواه الحاكم ١/ ٤٣٩، والبيهقي ٤/ ٣١٨ - ٣١٩، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥/ ٤٨٩ من طريق أبي الحسن أحمد بن محبوب الرملي. كلاهما -محمد بن إسحاق وأحمد بن محبوب- عن عبد الله بن محمد بن نصر الرملي، عن محمد بن يحيى بن أبي عمر، عن عبد العزيز بن محمد، عن أبي سهيل عم مالك [وعند الحاكم: عن أبي سهل بن مالك] عن طاوس، عن ابن عباس، مرفوعًا به. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه! وقال البيهقي: الصحيح موقوفا، ورفعه وهم وقال في «المعرفة» ٦/ ٣٩٦: رفعه ضعيف. وذكره عبد الحق في «الأحكام الوسطى» ٢/ ٢٥٠ مرفوعًا، وقال: هذا يروى غير مرفوع. وتعقبه ابن القطان في «البيان» ٣/ ٤٤٢ قائلًا: لم يزد على هذا!! وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٨٨: الصواب موقوف. وقال في «بلوغ المرام» (٧٢٢): الراجح وقفه. وأورد الألباني المرفوع في «الضعيفة» (٤٣٧٨) وضعفه أيضًا. تنبيه: قال الدارقطني: رفعه هذا الشيخ وغيره لا يرفعه. قلت: هذا هو نص كلامه، فلم يصرح باسم هذا الشيخ، وجزم المصنف هنا وكذا العيني في «العمدة» ٩/ ٢١٧، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١٠، ومجد الدين ابن تيمية في «المنتقى» (٢٢٨٤)، والمناوي في «فيض القدير» (٧٦١٦) بأن هذا الشيخ هو شيخ الدارقطني في الحديث، محمد بن إسحاق السوسي! وهو -والله أعلم- خطأ تتابعوا عليه؛ ويدل لذلك أن محمد بن إسحاق هذا لم ينفرد برواية الحديث، إنما تابعه أحمد بن محبوب الرملي، كما عند الحاكم والبيهقي، فالمتفرد به هو شيخهما عبد الله بن محمد بن نصر الرملي -وهو ما جزم وصرح به البيهقي ٤/ ٣١٩. = أصل بنفسه فلا يكون شرطًا لغيره كالصلاة وغيرها، وصوم رمضان لا يقبل غيره، ومعلوم أن اعتكاف الشارع كان في رمضان. وقال ابن شهاب: اجتمعت أنا وأبو سهل بن مالك عند عمر بن عبد العزيز فقلت: لا يكون اعتكاف بغير صوم، فقال عمر: أمن النبي - ﷺ -؟ قلت: لا. قال: أمن أبي بكر؟ قلت: لا. قال: أمن عمر؟ قلت: لا. قال: (أمن) (١) عثمان؟ قلت: لا. قال: فلا إذًا (٢). وقد صح أنه - عليه السلام - اعتكف العشر الأول من شوال (٣)، ويوم العيد غير قابل للصوم، احتج من اشترطه بقول عائشة مرفوعًا: «لا اعتكاف إلا بصوم» رواه البيهقي، ووهم راويه (٤)، وهو عند أبي داود عنها: السنة على المعتكف -------- = فالشيخ الذي ذكره الدارقطني هو عبد الله بن محمد الرملي. وهو ما جزم به أيضًا ابن القطان ٣/ ٤٤٢. وقال الزيلعي: قال في «التنقيح»: والشيخ هو عبد الله بن محمد الرملي. اهـ «نصب الراية» ٢/ ٤٩٠. وهذا أيضًا هو ما رجحه الألباني في «الضعيفة». (١) من (م). (٢) «سنن البيهقي» ٤/ ٣١٩. (٣) رواه مسلم (١١٧٣). (٤) «سنن البيهقي» ٤/ ٣١٧. والحديث أيضًا رواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٤٠، والدارقطني في «سننه» ٢/ ١٩٩، ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١١ (١١٨٨) من طريق محمد بن هاشم، عن سويد بن عبد العزيز، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، مرفوعًا به. قال الدارقطني: تفرد به سويد، عن سفيان بن حسين. وقال البيهقي: وهذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن عبد العزيز، وسويد، ضعيف بمرة لا يقبل منه ما تفرد به. وقال الحاكم: لم يحتج الشيخان بسفيان بن حسين. وقال شيخ الإسلام ابن القيم: سويد قال فيه أحمد: متروك، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي وغيره: ضعيف، وسفيان بن حسين في الزهري ضعيف. اهـ. «الحاشية» ٣/ ٣٤٤. وضعفه أيضًا الألباني في «الضعيفة» (٤٧٦٨). أن لا يعود مريضًا. وفيه: ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع (١). ---------- (١) أبو داود (٢٤٧٣). ومن طريقه البيهقي ٤/ ٣٢١ من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، به. قال أبو داود: غير عبد الرحمن لا يقول فيه: قالت: السنة. ثم قال: جعله قول عائشة. وقال البيهقي ٤/ ٣٢١: ذهب كثير من الحفاظ إلى أن هذا الكلام من قول من دون عائشة، وأن من أدرجه في الحديث وهم فيه، فقد رواه سفيان الثوري، عن هشام، عن عروة قال: فذكره. وقال في «المعرفة» ٦/ ٣٩٥: لم يخرج البخاري ومسلم باقي الحديث، من قوله: والسنة ..، لاختلاف الحفاظ فيه، منهم من زعم أنه من قول عائشة، ومنهم من زعم أنه من قول الزهري، ويشبه أن يكون من قول من دون عائشة. اهـ. بتصرف. وقال الحافظ ابن عبد البر في «التمهيد» ٨/ ٣٣٠: ولم يقل أحد في حديث عائشة هذا: «السنة» إلا عبد الرحمن بن إسحاق، ولا يصح هذا الكلام كله عندهم إلا من قول الزهري في صوم المعتكف. وقاله في «الاستذكار» ١٠/ ٢٨٣ وزاد: وبعضه من كلام عروة. وقال ابن القيم في «الحاشية» ٣/ ٣٤٣ - ٣٤٤: عبد الرحمن هذا قال فيه أبو حاتم: لا يحتج به، وقال البخاري: ليس ممن يعتمد على حفظه، وقال الدارقطني: ضعيف يرمى بالقدر. اهـ. وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٧٢١): رواه أبو داود ولا بأس برجاله إلا أن الراجح وقف آخره. وقال الألباني في «الإرواء» ٤/ ١٣٩: أخرجه أبو داود، وإسناده جيد على شرط مسلم. وقال في «صحيح أبي داود» (٢١٣٥): إسناده حسن صحيح، ورجاله كلهم ثقات على شرط مسلم، على ضعف يسير في عبد الرحمن بن إسحاق، ولا ينزل حديثه عن رتبة الحسن. وقال في «الضعيفة»١٠/ ٣١١: إسناده صحيح. وأما قول الحافظ ابن عبد البر في كتابيه المذكورين آنفًا، ومن قبله أبو داود بتفرد عبد الرحمن، فمتعقب؛ فقد تابعه ابن جريج، فيما رواه الدارقطني ٢/ ٣٠١، ومن طريقه ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١١ (١١٩٠) من طريق القاسم بن معن. = قال الدارقطني: يقال: قوله: (السنة) إلى آخره، إنما هو من قول ابن شهاب ومن أدرجه في الحديث فقد وهم (١). وقال: الأشبه أن يكون من قول من دون عائشة (٢). وقال الحاكم: لفقهاء أهل الكوفة في ضد حديث ابن عباس يرفعه: «ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه» وهو صحيح على شرط مسلم، حديثان: الأول: حديث عائشة هذا، والثاني: حديث عمر السالف: «اعتكف وصم» قال: ولم يحتج الشيخان بسفيان ولا بابن بديل (٣). وقال ابن عدي: لا أعلم أحدًا ذكر الصوم في الاعتكاف هنا إلا هو وله غير ما ذكرت مما ينكر عليه الزيادة في إسناده أو متنه ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا فأذكره (٤)، قلت: قد قال يحيى: صالح (٥). وذكره ابن حبان وغيره في --------- = عنه، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، وعن عروة، عن عائشة. قال ابن الجوزي ٢/ ١١٢: فيه إبراهيم بن مجشر، قال ابن عدي: له أحاديث مناكير. لكن قال الألباني في «الضعيفة» ١٠/ ٣١١: سنده صحيح. وتابعه أيضًا عقيل، فيما رواه البيهقي في «الشعب» ٣/ ٤٢٣ (٣٩٦٢) من طريق الليث، عنه، عن الزهري عن عروة، عن عائشة. قال البيهقي: قوله: والسنة … إلى آخره، قيل إنه من قول عروة. والله أعلم. (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٠١. (٢) هذا هو قول البيهقي في «المعرفة» ٦/ ٣٩٥. وقال الألباني في «الإرواء» ٤/ ١٤٠: رواية ابن جريج وعقيل عند البيهقي في معنى رواية عبد الرحمن كما لا يخفي، ولذلك ادعى الدارقطني أنه من كلام الزهري، واتفاق هؤلاء الثقات الثلاث على جعله من الحديث يرد دعوى الإدراج. والله أعلم. وانظر: «صحيح أبي داود» ٧/ ٢٣٦. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٣٩ - ٤٤٠ بتصرف، وحديث ابن عباس وعائشة وعمر، تقدم تخريجها، وآخرها حديث عائشة. (٤) «الكامل» ٥/ ٣٥٧ - ٣٥٨، وقد تقدم. (٥) تقدم ذكر هذا في ترجمة ابن بديل فلتراجع ترجمته. «ثقاته» (١)، وصحح حديثه هذا ابن العربي، ولا يوافقه عليه أحد وقد توبع ولم ينفرد به، أخرج الدارقطني من حديث سعيد بن بشير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل رسول الله - ﷺ -، فقال: «أوف بنذرك» (٢). قال عبد الحق: تفرد به سعيد هذا (٣)، وقال الشافعي -فيما حكاه البيهقي عنه-: رأيت عامة من الفقهاء يقولون: لا اعتكاف إلا بصوم (٤). ------- (١) «ثقات ابن حبان» ٧/ ٢١، وتقدم أيضًا. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٠١. ورواه أيضًا البيهقي ٤/ ٣١٧، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١٠ (١١٨٦) من طريق الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، به. (٣) «الأحكام الوسطى» ٢/ ٢٥٠. وفيه أنه قال: هذا إسناد حسن، تفرد به سعيد بن بشير، عن عبيد الله بن عمر. اهـ. وهذا هو نص كلام الدارقطني الذي قاله عقب روايته للحديث في «السنن»، فيبدو أن عبد الحق قد نقله عنه، خاصة أنه في ذكره للحديث عزاه للدارقطني. وقال الدارقطني في «العلل» ٢/ ٢٧: إن كان سعيد بن بشير ضبط هذا، فهو عنه صحيح، إذا كان في عقد نذره الصوم مع الاعتكاف. والحديث ضعفه غير واحد، قال البيهقي ٤/ ٣١٧: ذكر نذر الصوم مع الاعتكاف غريب، تفرد به سعيد بن بشير، عن عبيد الله، والله أعلم. وقال في «المعرفة» ٦/ ٣٩٤: وروى قصة أنه نذر أن يعتكف …، ذكره سعيد بن بشير، عن عبيد الله بن عمر، وهو ضعيف. اهـ بتصرف. وقال ابن الجوزي: تفرد به سعيد بن بشير، قال ابن معين وابن نمير: ليس بشيء، وقال النسائي: ضعيف. وقال ابن القطان في «بيان الوهم» ٣/ ٤٤٢: كذا أورد عبد الحق الحديث، ولم يبين لم لا يصح؛ وذلك لأنه من رواية سعيد بن بشير، وهو مختلف فيه. وينظر: «البدر المنير» ٥/ ٧٧٣ - ٧٧٤، و«تلخيص الحبير» ٢/ ٢١٨، و«الجوهر النقي» ٣/ ٣١٧ ففي الثلاثة مصادر إشارات إلى تضعيف الحديث. (٤) «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٣٩٤ (٢٠٩٢). وقال القاضي عياض: لم يأت عن النبي - ﷺ - أنه اعتكف بغير صوم، ولو كان جائزًا لفعله تعليمًا للجواز، وهو عمل أهل المدينة (١). قالوا: ويجاب عن حديث ابن عباس بأمور: منها: أن السوسي تفرد به (٢)، ولم يحتج به أهل الصحيح، فلا يعارض حديث عبد الرحمن بن إسحاق (٣) المحتج به في الصحيح (٤). ثانيها: أسلفنا عن ابن عباس اشتراط الصوم (٥)، والراوي إذا عمل بخلاف ما روى قدح ذَلِكَ في روايته عند الحنفية (٦). ثالثها: القول بموجب الحديث، وهو أن الهاء عائدة على الاعتكاف دون الصوم؛ لأنه أكثر فائدة: ولأن وجوب المنذور بالنذر معلوم والخفاء في وجوب غير المنذور بالنذر، فكان حمله على الأكثر فائدة أو يحتمل فيحمل عليه توفيقًا بين الحديثين. رابعها: نقول إنه محمول على الحض والندب، وحديث عمر محمول على أنه كان نذر يومًا وليلة، وهو في مسلم: أعني يومًا (٧). -------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ١٥٠. بتصرف. (٢) قلت: لم يتفرد به، بل تابعه أحمد بن محبوب الرملي، عند الحاكم ١/ ٤٣٩. والبيهقي ٤/ ٣١٨ - ٣١٩، وإنما المنفرد به هو شيخهما عبد الله بن محمد الرملي، وتقدم قريبًا الكلام عن هذا الحديث فليراجع. (٣) هو حديث أبي داود (٢٤٧٣) المتقدم تخريجه قريبًا. (٤) قلت: استشهد به البخاري في ثلاثة مواضع من «صحيحه» فيما سيأتي (٢٢١٤، ٣٣٥٦، ٤٨٩١) وروى له مسلم حديثًا واحدًا (٢٢٢٥). وانظر ترجمته في «تهذيب الكمال» ١٦/ ٥١٩ (٣٧٥٥). (٥) تقدم تخريجه. (٦) انظر: «المبسوط» ٣/ ١١٥ - ١٦٦. (٧) مسلم (١٦٥٦/ ٢٨). وادعى بعضهم أن الصوم كان في أول الإسلام بالليل، فلعل ذَلِكَ قبل نسخه وليس بجيد؛ لأن حديث عمر كان في السنة الثانية. وادعى القرطبي أن الصحيح اشتراطه ومراده من مذهبه، قال: لاْن حديث عائشة إن صح فهو نص، وإن لم يصح فالأصل في العبادات والقرب أنها لا تفعل إلا على نحو ما قررها الشارع أو فعلها، وقد تقرر مشروعية الاعتكاف مع الصوم في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قلت: لا يلزم منه الصوم- قال وأنه - عليه السلام - لم يعتكف إلا صائمًا، فمن ادعى جوازه بغيره فليأت بدليل (١). قلت: قد أسلفنا اعتكافه - عليه السلام - العشر الأول من شوال، ويوم الفطر لا يصلح للصوم، ولهذا لما ذكره الإسماعيلي في «صحيحه» قال: فيه دلالة على جواز الاعتكاف بغير صوم، لكن في البخاري: اعتكف في آخر العشر من شوال (٢). وفي لفظ له: في العشر، وفي آخر: عشرًا من شوال (٣)، ولفظ مسلم: اعتكف العشر الأول من شوال (٤)، وفي الإسماعيلي: حَتَّى إذا أفطر اعتكف في شوال، ولأبي نعيم: فلم يعتكف في رمضان إلا في العشر. الأواخر من شوال، وللطحاوي: ترك الاعتكاف حَتَّى أفطر من رمضان، ثم اعتكف في عشر من شوال. وسيكون لنا عودة إلى تتمة المسألة قريبًا في بابه. ------- (١) «المفهم» ٣/ ٢٤١. (٢) سيأتي برقم (٢٠٤١). (٣) الحديث الآتي (٢٠٣٣)، وحديث (٢٠٣٤، ٢٠٤٥). (٤) مسلم (١١٧٣/ ٦). ٦ - باب اعْتِكَافِ النِّسَاءِ ٢٠٣٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. فَاسْتَأْذَنَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً، فَأَذِنَتْ لَهَا، فَضَرَبَتْ خِبَاءً، فَلَمَّا رَأَتْهُ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ ضَرَبَتْ خِبَاءً آخَرَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - رَأَى الأَخْبِيَةَ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». فَأُخْبِرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «آلْبِرُّ تُرَوْنَ بِهِنَّ؟!». فَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. [٢٠٣٤، ٢٠٤١، ٢٠٤٥ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٧٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَكُنْتُ أَضْرِبُ لَهُ خِبَاءً فَيُصَلِّي الصُّبْحَ ثُمَّ يَدْخُلُهُ. فَاسْتَأْذَنَتْ (عَائِشَةَ وحَفْصَةُ) (١) أَنْ تَضْرِبَ خِبَاءً الحديث. وفي آخره. فَتَرَكَ الاِعْتِكَافَ ذَلِكَ الشَّهْرَ، ثُمَّ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. وقد أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وسلف ألفاظه، وهو ظاهر في جواز اعتكافهن كما ترجم له، وقد أذن لهن فيه كما ستعلمه، وقد أسلفنا اختلاف العلماء (٣): هل يصح اعتكافها في مسجد بيتها؟ وإن مذهب الثلاثة المنع خلافًا لأبي حنيفة. قال مالك: تعتكف المرأة في مسجد الجماعة، ولا يعجبه أن تعتكف في مسجد بيتها. وقال الشافعي: تعتكف المرأة والعبد والمسافر حيث شاءوا؛ لأنه لا جمعة عليهم. ----------- (١) كذا بالأصل بالأصل وفي اليونينية ٣/ ٤٨/ (حفصة عائشة). (٢) مسلم (١١٧٣). (٣) انظر هذِه المسألة في: «مختصر الطحاوي» ص ٥٨، «عيون المجالس» ٦٧٣ - ٦٧٤، «الأم» ٢/ ٩٣. وقال الكوفيون: لا تعتكف المرأة إلا في مسجد بيتها، ولا تعتكف في مسجد الجماعة وذلك مكروه. واحتجوا بأن الشارع نقض اعتكافه؛ إذ تبعه نساؤه، وهذا إنكار عليهن (١). قالوا: وقد قال - عليه السلام -: «صلاة المرأة في بينها أفضل» (٢)، فإذا مُنِعَتْ من المكتوبة في المسجد مع وجوبها فلأن تكون ممنوعة من اعتكاف هو نفل أولى، ولما كان صلاة الرجل في المسجد أفضل، كان اعتكافه فيه أفضل. وحجة مالك: أنه - عليه السلام - لما أراد الاعتكاف أذن لعائشة وحفصة في ذَلِكَ، وقد جاء هذا مبينًا في باب: من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج، كما ستعلمه، ولو كان المسجد غبر موضع اعتكافهن لما أباح ذَلِكَ لهن منه، ولا يجوز أن يظن أنه نقض اعتكافه ولكن أخره تطييبًا لقلوبهن؛ لئلا يجعل معتكفًا وهن غير معتكفات، وإنما فعل ذَلِكَ؛ لأنه كره أن يكنَّ مع الرجال في مسجده؛ لأنه موضع الاجتماع والوفود ترد عليه فيه، وهذا كما يستحب لهن أن يتعمدن الطواف في الأوقات الخالية، وكما يكره للشابات منهن الخروج للجمع والأعياد، فإذا أردن أن يصلين الجمع لم يجز إلا في الجامع مع الرجال. -------- (١) سيأتي قريبًا (٢٠٤٥)، ورواه مسلم (١١٧٣). (٢) رواه أبو داود (٥٧٠)، والبزار في «البحر الزخار» ٥/ ٤٢٦ - ٤٢٨ (٢٠٥٩ - ٢٠٦٠، ٢٠٦٣)، وابن خزيمة ٣/ ٩٤ - ٩٥ (١٦٨٨، ١٦٩٠)، والحاكم ١/ ٢٠٩، وابن حزم في «المحلى» ٣/ ١٣٩ - ١٣٧، والبيهقي ٣/ ١٣١، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٣/ ٣٩٨ عن ابن مسعود، مرفوعًا به. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال النووي في «المجموع» ٤/ ٩٣، وفي «الخلاصة» (٢٣٤٧)، والألباني في «صحيح أبي داود» (٥٧٩): إسناده صحيح على شرط مسلم. وقال الحافظ ابن كثير في «التفسير» ١١/ ١٥١: إسناده جيد. وفيه كما قال ابن المنذر دلالة أيضًا أن المرأة إذا أرادت اعتكافًا لم تعتكف حَتَّى تستأذن زوجها، ويدل على أن الأفضل في حق النساء لزوم منازلهن وترك الاعتكاف مع إباحته لهن؛ لأن ردهن منه دال على ذَلِكَ، وقد ترجم عليه أيضًا: ٧ - باب الأَخْبِيَةِ فِي المَسْجِدِ ٢٠٣٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ إِذَا أَخْبِيَةٌ خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقَالَ: «آلْبِرَّ تَقُولُونَ بِهِنَّ؟!». ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ، حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٧٧] وفيه من الفقه: أن المعتكف يهيئ له مكانًا فيه بحيث لا يضيق على المسلمين كما فعل الشارع؛ إذ ضرب فيه خباء. وفيه: أن المعتكف إذا أراد أن ينام في المسجد أن يتنحى عن الناس خوف أن يكون ما يؤذيهم من آفات البشر. وفيه: إباحة ضرب الأخبية في المسجد للمعتكف. قال مالك: وليعتكف في عجز المسجد ورحابه، فذلك الشأن فيه (١). وقوله: («آلبرَّ تردن؟») (٢): هو بهمزة الاستفهام ومده على وجه الإنكار، ونصبه «البر» على أنه مفعول «تردن» مقدمًا، وذكره في باب: الاعتكاف في شوال «آلبر؟ انزعوها فلا أراها» فنزعت (٣)، وضبط الدمياطي «آلبر» بالرفع أيضًا (٤). -------- (١) انظر «التاج والإكليل» ٣/ ٣٩٦. (٢) هكذا ذكر المصنف هنا: «آلبر تردن» وجاء في «الفتح» ٤/ ٢٧٥، وكذا في «صحيح البخاري» ط. دار إحياء الكتب العربية ١/ ٣٤٥: «آلبر ترون»، وجاء في «حاشية اليونينية» ٣/ ٤٩ أنه وقع في نسخة ابن عساكر: «تردن». والله أعلم. (٣) سيأتي قريبًا برقم (٢٠٤١). (٤) ورد بهامش الأصل: ضبطه بهما وكتب فوقه (معا) كذا رأيته. قال ابن التين: كذا وقع في أكثر النسخ «فلا أراها» بالألف، وصوابه بحذفها: لأنه مجذوم بالنهي، وهو مثل: (أريتك هذا)، ويجوز إثبات الألف مثل: ألم يأتيك والأنباء تنمى. وقال الخطابي: «آلبر تقولون بهن» معناه: البر تظنون بهن. قال الشاعر: متى تقول القلص الرواسما … يحملن أم قاسم وقاسما أي: متى تظن (١) القلص يلحقهما، ولذلك نصب القلص. قال الفراء: تجعل ما بعد القول مرفوعًا على الحكاية فتقول: عبد الله ذاهب. وقلت: إنك قائم. هذا في جميع القول إلا في (أتقول) وحدها في حروف الاستفهام، فإنهم ينزلونها منزلة الظن فيقولون: أتقول إنك خارج؟ ومتى تقول إن عبد الله منطلق؟ وأنشد: أما الرحيل فدون بعد غدٍ … فمتى تقول الدار تجمعنا -------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٨٦ - ٩٨٧. ووقع فيه، وفي «غريب الحديث» ١/ ٣٣٥ له، وفي «الفائق» للزمخشري ٣/ ٢٣٣. متى تقول القلص الرواسما … يلحقن أم عاصم وعاصما وجاء في «شرح ابن عقيل» ٢/ ٥٩ كما هو هنا: متى تقول القلص الرواسما … يحملن أم قاسم وقاسما. وجاء في «الجمل في النحو» ص ١٧٤ للخليل: متى تقول القلص الرواسما … يلحقن أم غانم وغانما. وجاء في «الشعر والشعراء» ص ٤٦٠: متى تظن القلص الرواسما … يبلغن أم قاسم وقاسما. وجاء في «شرح شذور الذهب» ص ٤٥٤، و«تاج العروس» ١٠/ ٦٤١، و«لسان العرب» ٦/ ٣٧٧٩ و«التاج» ١٧/ ٥٤١، و«اللسان» ٦/ ٣٤٤١. متى تقول القلص الرواسما … يدنين أم قاسم وقاسما. وقائل البيت هو: هدبة بن خشرم العذري، كما في «الشعر والشعراء» ص ٤٦٠، وكذا صرح باسمه ابن منظور والزبيدي. بنصب (الدار) كأنه يقول: فمن يظن الدار تجمعنا، وأجاز سيبويه الرفع في قوله: الدار تجمعنا على الحكاية، وهو في معنى الإنكار عليهن، وقيل: إنما كرهه للتنافس فيضيق المسجد وقيل: خشية الافتراض فيعجزن، وأبعد من قال: لأنهن لم يعتكفن عن إذنه. فقد استأذنته عائشة وحفصة كما سلف (١)، وقيل: إنما أردن الحفوف به والمؤانسة لا البر. وقولها: (فيصلي الصبح ثم يدخله)، احتج به من يقول يبدأ بالاعتكاف من أول النهار. وبه قال الأوزاعي، والليث في أحد قوليه (٢)، واختاره ابن المنذر، وذهبت الأربعة والنخعي إلى جواز دخوله قبل الغروب إذا أراد اعتكاف عشرٍ (٣) أو شهرٍ، وتأولوا أنه في دخل المعتكف، وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح؛ لأن ذَلِكَ وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان قبل المغرب معتكفًا لابثًا في المسجد، فلما صلى الصبح انفرد. وقال الداودي: يحتمل أن يكون ذَلِكَ اليوم أو يكون دخل الاعتكاف أول الليل، ولم يدخل الخباء إلا بعد ذَلِكَ. وقال أبو ثور: إن أراد اعتكاف عشرة أيام دخل قبل الفجر، وإن أراد اعتكاف عشر ليالٍ دخل قبل الغروب. وهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد فيصلي، وحينئذٍ يخرج إلى منزله، أو يجوز له أن يخرج عند الغروب من آخر يوم من شهر رمضان: قولان للعلماء: -------- (١) حديث (٢٠٣٣). (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٠، «المغني» ٤/ ٤٩٠. (٣) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٠، «المدونة» ١/ ١٩٦، «الأم» ٢/ ٩٠، «المغني» ٤/ ٤٨٨. الأول: قول مالك، وأحمد وغيرهما، وسبقهم أبو قلابة وأبو مجلز، وحكاه مالك عن أهل الفضل، واختلف أصحاب مالك إذا لم يفعل هل يبطل اعتكافه أم لا؟ قولان. قال عبد الملك وابن سحنون: من دخل بعد الغروب أسقط ذَلِكَ اليوم، وقال القاضي أبو محمد: هذا على الاستحباب، وأما الواجب فهو أن يدخل في وقت يمكنه أن ينوي الصوم فيه، وهو قبل طلوع الفجر: لأن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، وذهب الشافعي (١) والليث والأوزاعي في آخرين إلى أنه يجوز خروجه ليلة القطر ولا يلزمه شيء. وفيه: أن عائشة كانت تلزم أموره ولا تضيعها في حال القسم حيث ضربت له الخباء. وفيه: معرفة حفصة بحق عائشة، ومنافسة زينب في الخير، وهي التي كانت تسامي عائشة. خاتمة: حديثا الباب من رواية عمرة عن عائشة، وذكره (٢) ابن التين من رواية عمرة: أن رسول الله - ﷺ -، ثم قال: هو مرسل، وإنما أدخله لاختلاف الرواية فيه: لأنها أسندته قبل هذا (٣)، وفي بعض روايات أبي ذر: عن عمرة، عن عائشة. قلت: ولم نقف على غيره (٤). -------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٠ - ٩١، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٨٩، «المغني» ٤/ ٤٩٠. (٢) ورد في هامش الأصل: يعني الثاني. (٣) قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٢٧٧: وقع في أكثر الروايات: عن عمرة عن عائشة، وسقط قوله: عن عائشة، في رواية النسفي والكشميهني، وكذا هو في «الموطأت» كلها أهـ. وانظر: «اليونينية» ٣/ ٤٩. (٤) ورد بهامش الأصل: في نسختي كما قال ابن التين عن عمرة أن رسول الله وبينها إشارة إلى الإرسال، وصرح في الهامش عن عائشة، وكتب عليه كلمة: صح. ٨ - باب هَلْ يَخْرُجُ المُعْتَكِفُ لِحَوَائِجِهِ إِلَى بَابِ المَسْجِدِ؟ ٢٠٣٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ رضي الله عنهما أَنَّ صَفِيَّةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةً، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَهَا يَقْلِبُهَا، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ بَابَ المَسْجِدِ عِنْدَ بَابِ أُمِّ سَلَمَةَ مَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَسَلَّمَا عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّمَا هِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! وَكَبُرَ عَلَيْهِمَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَبْلُغُ مِنَ الإِنْسَانِ مَبْلَغَ الدَّمِ، وَإِنِّى خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا». [٢٠٣٨، ٢٠٣٩، ٣١٠١، ٣٢٨١، ٦٢١٩، ٧١٧١ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٤/ ٢٧٨] ذكر فيه حديث صَفِيَّةَ -أم المؤمنين- أَنَّهَا جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - تَزُورُهُ فِي اعْتِكَافِهِ فِي المَسْجِدِ العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَحَدَّثَتْ عِنْدَهُ سَاعَةَ، ثُمَّ قَامَتْ تَنْقَلِبُ، فَقَامَ النَّبِي - ﷺ - مَعَهَا يَقْلِبُهَا .. الحديث. وترجم له: ٩ - باب زِيَارَةِ المَرْأَةِ زَوْجَهَا فِي اعْتِكَافِهِ ٢٠٣٨ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رضي الله عنهما، أَنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ - أَخْبَرَتْهُ. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَسْجِدِ، وَعِنْدَهُ أَزْوَاجُهُ، فَرُحْنَ، فَقَالَ لِصَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ: «لَا تَعْجَلِى حَتَّى أَنْصَرِفَ مَعَكِ». وَكَانَ بَيْتُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَعَهَا، فَلَقِيَهُ رَجُلَانِ مِنَ الأَنْصَارِ، فَنَظَرَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - ثُمَّ أَجَازَا، وَقَالَ لَهُمَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «تَعَالَيَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». قَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ! قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِى مِنَ الإِنْسَانِ مَجْرَي الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُلْقِيَ فِي أَنْفُسِكُمَا شَيْئًا». [انظر: ٢٠٣٥ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٤/ ٢٨١] وذكر أن بيت صفية كان في دار أسامة خارج المسجد، خرج معها، ولا خلاف في جواز خروج المعتكف فيما لا غناء به، وإنما اختلفوا في المعتكف يدخل لحاجته تحت سقف، فأجازه الزهري ومالك وأبو حنيفة، والشافعي (١)، وفيه قول ثانٍ بالمنع روي عن ابن عمر والنخعي وعطاء (٢) وإسحاق. وثالث: إن دخل بيتًا غير مسجد بطل اعتكافه إلا أن يكون ممره فيه، وهو قول الثوري والحسن بن حي، وكذلك اختلفوا في استقلاله بالأمور المباحة؛ فقال مالك في «الموطأ»: -------- (١) «مختصر الطحاوي» ص ٥٨، «المدونة» ١/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «البيان» ٣/ ٥٨٦. (٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٦٥ - ٣٦٦ (٨٠٨٩ - ٨٠٩٠) عن عطاء. ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٦ (٩٦٥٣، ٩٦٥٥ - ٩٦٥٦) عن ابن عمر وإبراهيم النخعي وكذا عكرمة. لا يأتي المعتكف حاجته، ولا يخرج لها ولا يعين أحدًا عليها ولا يشتغل بتجارة ولا بأس أن يأمر أهله ببيع ماله، وصلاح صنعته (١)، وقال أبو حنيفة، والشافعي: له أن يتحدث ويبيع ويشتري في المسجد، ويتشاغل بما لا يأثم فيه، وليس عليه صمت (٢). وقال مالك: لا يشتري إلا ما لا غناء له عنه من طعامه إذا لم يكن من يكفيه (٣). وكره مالك والليث الصعود على المنارة قالا: ولا يصعد على ظهر المسجد، وأجاز ذَلِكَ أبو حنيفة والشافعي قالا: ولو كانت المنارة خارج المسجد (٤). وكذلك اختلفوا في حضور مجالس العلم، فرخص في ذلك كثير من العلماء، روي ذلك عن عطاء والأوازعي والليث والشافعي، وقال مالك: لا يشتغل بمجالس العلم. وكره أن يكتب العلم (٥). قال ابن المنذر: وطلب العلم أفضل الأعمال بعد أداء الفرائض؛ لانتشار الجهل ونقصان العلم، وذلك إذا أراد الله به طالبه. عمل البر لا ينافي الاعتكاف، لا يقال: مجالس العلم شاغلة له عن اعتكافه فأي شغل أهم منه، ولا يعترض بعود المريض وتباع الجنازة وهما من أعمال البر؛ لأنهما يحوجان إلى الخروج، وهذا الحديث حجة على الاشتغال بالمباح؛ فإن الشارع حادث صفية ومشى معها، وفيه ------- (١) «الموطأ» ص ٢٠٨ - ٢٠٩. (٢) «مختصر الطحاوي» ص ٥٧، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٩٢. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٢. (٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٨، «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٤، «البيان» ٣/ ٥٨٧. (٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٣. ما ترجم له. -ثانيًا - وهو زيارة أهل المعتكف له في اعتكافه ومحادثته والسلام عليه، وأنه لا بأس أن يعمل في اعتكافه بعض العمل الذي ليس من الاعتكاف من تشييع قاصد، وبر زائر، وإكرام (معتقد) (١)، وما كان في معناه مما لا ينقطع به عن اعتكافه. وقوله: (قامت تنقلب) أي: تنصرف إلى منزلها، يقال: قلبه يقلبه، وانقلب هو: إذا انصرف. وقوله: (مر رجلان من الأنصار) كذا في البابين، وفي رواية سفيان بعد هذا في باب: هل يدرأ المعتكف عن نفسه. أنه كان رجلًا واحدًا (٢). قال ابن التين: ولعله وهم؛ لأن أكثر الروايات أنهما اثنان، ويحتمل أن هذا كان مرتين، أو أنه - عليه السلام - أقبل على أحدهما بالقول بحضرة الآخر، فيصح على هذا نسبة القصة إليهما جميعًا وأفرادًا، نبه عليه القرطبي (٣). وقولها: (فسلما) فيه جواز التسليم على رجل معه امرأة بخلاف ما يقوله بعض الأغبياء. وقوله: («على رسلكما») أي: على هينتكما. قال ابن فارس: الرسل: السير السهل (٤)، وضبطه بالفتح وهذِه اللفظة بكسر الراء وبالفتح، قيل: بمعنى التؤدة وترك العجلة. وقيل: بالكسر التؤدة، وبالفتح: اللين والرفق. والمعنى متقارب، وفي رواية «تعاليا» (٥)، أي: قفا ولم يرد المجيء إليه. قال تعالى: ﴿تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وقال ابن التين: كذا قال الداودي أن معناه قفا هنا، ---------- (١) يأتي برقم (٢٠٣٩). (٢) «المفهم» ٥/ ٥٠٦. (٣) «مجمل اللغة» ٢/ ٣٧٦. (٤) الرواية الاتية (٢٠٣٨). (٥) كذا بالأصل، أو كأنها (معتقه) ووقع في «شرح ابن بطال» (مفتقر). والله أعلم بالصواب. ![]()
__________________
|
|
#394
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (13) من صـــ 651 الى صـــ 671 الحلقة (394) وأخرجه عن معناه وهو تكلما بغير دليل واضح، وقد قال ابن قتيبة: تعال تفاعل من علوت (١). قال الفراء: أصلها عال إلينا وهو من العلو، ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها صارت عندهم بمنزلة هلم، حَتَّى استجازوا أن يقولوا لرجلٍ وهو فوق (شرف) (٢): تعالى -أي: اهبط- وإنما أصله الصعود. وقوله: «إنما هي صفية بنت حيي» فيه: النسبة إلى الأب الكافر. وقوله: «إني خشيت أن يقذف في قلؤبكما شيئًا» وفي رواية: «شرًّا» (٣)، يريد بذلك شفقته على أمته وصيانة قلوبهم، فإن ظن السوء بالأنبياء عليهم السلام كفر بالإجماع. قال الخطابي: وبلغني عن الشافعي أنه قال في معنى هذا الحديث: خاف عليهما الكفر لو ظنا به ظن التهمة، فبادر إلى إعلامهما نصيحة لهما في حق الدين (٤). وقيل: فعله تعليمًا لنا لرفع الظنون، وقد يكون الأنصاريان في أول الإسلام، ولم يكن عندهما من اليقين ما يدفع به كيد الشيطان، لكن رأيت من قال: قيل: إنهما أسيد بن حضير وعباد بن بشر (٥) صاحبا ------------ (١) «غريب الحديث» ٣/ ٧٤٣. (٢) بهامشها: لعله (مشربة). (٣) رواه مسلم (٢١٧٥/ ٢٤). (٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٨٩. وينظر «مناقب الشافعي» ١/ ٣٠٩ - ٣١٠ و٢/ ٢٤١. (٥) كذا نقله العيني في «العمدة» ٩/ ٢٢٨، وجزم به زكريا الأنصاري في «المنحة» ٤/ ٤٦٥، وعزاه الحافظ في «هدي الساري» ص ٢٧٨ لابن العطار في «شرح العمدة»، وكذا في «الفتح» ٤/ ٢٧٩ فقال: إلا أن ابن العطار في «شرح العمدة» زعم أنهما أسيد بن حضير، وعباد بن بشر، ولم يذكر لذلك مستندًا. = المصباحين (١). ولما ذكر البزار حديث صفية هذا قال: هذِه أحاديث مناكير: لأنه - عليه السلام - كان أطهر وأجل من أن يرى أن أحدًا يظن به ذَلِكَ، ولا يظن به ظن السوء إلا كافر أو منافق فقيل له: لو كان حقًّا كما قلت لما احتاج إلى الاعتذار؛ لأن الكفر بالله أعظم من ذَلِكَ، وإن كان منافقًا فحاله حال الكافر، وإن كان مسلمًا قيل: هذا الظن به يخرجه من الإسلام. فهذِه الأخبار عندنا ليست ثابتة، فإن قيل: قد رواها قوم ثقات، ونقلها أهل العلم بالأخبار. قيل له: العلة التي بيناها لا خفاء بها، ويجب على كل مسلم القول بها والذب عن رسول الله - ﷺ -، وإن كان الراوي لها ثقات فلا يعرون من الخطأ والنسيان والغلط. وقال أبو الشيخ عند ذكره هذا الحديث وبوب له قال: إنه غير محفوظ. وفيه: استحباب التحرز من التعرض لسوء الظن وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة تعليمًا للأمة. ------- = وأورد الخطيب البغدادي الحديث في «الأسماء المبهمة في الأنباء المحكمة» ص ١٤٦ - ١٤٧، وكذا ابن بشكوال في «غوامض الأسماء المبهمة» ١/ ٧٥ - ٧٦ ولم يسميا الرجلان، فالله أعلم. (١) سلف برقم (٤٦٥) عن أنس: أن رجلين من أصحاب النبي - ﷺ - خرجا من عند النبي - ﷺ - في ليلة مظلمة، ومعهما مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد، حتى أتى أهله. وهذان الرجلان هما أسيد بن حضير وعباد بن بشر؛ كما سيأتي مصرحًا باسمهما في حديث (٣٨٠٥) وهناك بوب البخاري: باب: منقبة أسيد بن حضير وعباد بن بشر رضي الله عنهما. ولذا سميا: صاحبا المصباحين. وقوله: («يبلغ وفي الرواية الأخرى: يجري (١) - من ابن آدم مجرى الدم») قيل: هو على ظاهره، وأن الله تعالى جعل له قوة على ذَلِكَ، وقيل: مجاز لكثرة أعوانه ووسوسته، فكأنه لا يفارق الإنسان كما لا يفارقه دمه، وقيل: إنه يلقي وسوسته في مسام لطيفة من البدن، فتصل الوسوسة إلى القلب. وزعم ابن خالويه في كتاب «ليس» أن الشيطان ليس له تسلط على الناصية وعلى أن يأتي العبد من فوقه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الآية [الأعراف: ١٧] ولم يقل: من فوقهم؛ لأن رحمة الله تنزل من فوق. وقو«: (»وكبر عليهما«) أي: عظم، قاله الداودي. وور ٤: بيان ما يخشى أن يظن به. وفيه: دلالة على أن للمعتكف الاشتغال بالمباح كما وقع له مع صفية، وقد سلف. فرع: إذا خرج المعتكف لحاجته قنع رأسه حَتَّى يرجع، أخرجه ابن أبي عاصم من حديث أنس مرفوعًا كذلك (٢). فرع: لا يتعدى في خروجه أقرب المواضع إليه، فإن خالف ابتدأ اعتكافه، قاله مالك فيما نقله ابن العربي قال: ولا يقف لأداء شهادة إلا ماشيًا، فإن وقف ابتدأ، ولا يعزِّي أحدًا، ولا يصلي على جنازة إلا في المسجد، ولا يخيط ثوبه، إلا الشيء المفتق. -------- (١) الآتية برقم (٢٠٣٩). (٢) رواه من طريقه المزي في»تهذيب الكمال«١٦/ ٤٦٧. وانظر:»الضعيفة" (٤٦٧٩). قال: وأجمع العلماء على أن من وطئ زوجته في اعتكافه عامدًا ليلًا كان أو نهارًا فسد اعتكافه (١). وروي عن ابن عباس ومجاهد أنهما قالا: كانوا يجامعون وهم معتكفون حَتَّى نزلت ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، وعن ابن عباس: كانوا إذا اعتكفوا فخرج أحدهم إلى الغائط جامع امرأته ثم اغتسل ورجع إلى اعتكافه، فنزلت الاية. واختلفوا فيما دونه من القبلة واللمس والمباشرة، فقال مالك: من فعل شيئًا من ذَلِكَ ليلًا أو نهارًا فسد اعتكافه أنزل أو لم ينزل. وأظهر أقوال الشافعي أنه إن أنزل بطل، وإلا فلا. فرع: خروجه مع صفية للتشييع؛ فإن خرج بغير علة بطل اعتكافه، وقال النعمان: إن خرج ساعة بغير عذر استأنف. وقال صاحباه: يومًا أو أكثر من نصفه. وأجاز مالك إذا اشتد مرض أحد أبويه، ويبتدئ، ويخرج للاغتسال من الحلم وللجمعة وللحر، كما سلف، وفي الخروج لشراء الطعام خلاف، واختلف هل يدخل تحت سقف؟ فرع: لو شرط في اعتكافه الخروج لعارض، صح الشرط عندنا على الأظهر خلافًا لمالك. --------- (١) حكاه ابن المنذر في «الإجماع» (١٥٩). وقال ابن حزم في «مراتب الإجماع» ص (٧٤): واتفقوا أن الوطء يفسد الاعتكاف. وانظر: «الاستذكار» ١٠/ ٣١٨ (١٥٠٤١)، و«الإقناع» ٢/ ٧٥٤ (١٣٥٩). تنبيه: قوله: (وعنده أزواجه، فرحن، فقال لصفية: «لا تعجلي حَتَّى انصرف معك»). فيه: الأمر بما لابد للمعتكف منه. قال ابن التين: والرواح من الزوال إلى الليل. وسيأتي عن سفيان أنه كان ليلًا (١)، فيحمل كما قال الداودي: أن تقيم صفية بعدهن من الليل؛ لأن الرواح إنما يكون نهارًا، ويرده قوله بعد: (فتحدثت عنده ساعة) والجمع بينهما أن أزواجه رحن عقب الغروب، وأقامت هي ساعة فقامت وقد دخل الليل، إلا أن في قول سفيان: أتته ليلًا (٢). يمنع من هذا كله، والأحاديث أولى من قول سفيان: لأنه مرسل. نعم البخاري روى في موضع آخر عن صفية: كان النبي - ﷺ - معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا (٣). وقوله: (فنظرا إلى النبي - ﷺ - ثم أجازا) أي: مضيا عنه وخلفاه. قال ابن فارس: جزت الموضع: سرت فيه، وأجزته: خلفته وقطعته (٤). ---------- (١) برقم (٣٢٨١). (٢) حديث (٢٠٣٩). (٣) الآتي برقم (٣٢٨١). (٤) «مجمل اللغة» ١/ ٢٠٣. ١٠ - باب الاِعْتِكَافِ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ٢٠٣٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ هَارُونَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ رضي الله عنه قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَذْكُرُ لَيْلَةَ القَدْرِ؟ قَالَ: نَعَمِ، اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - العَشْرَ الأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ -قَالَ:- فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ، -قَالَ:- فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَقَالَ: «إِنِّي أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، وَإِنِّي نُسِّيتُهَا، فَالتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ، فَإِنِّي رَأَيْتُ أَن أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ، وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَلْيَرْجِعْ». فَرَجَعَ النَّاسُ إِلَى المَسْجِدِ، وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً -قَالَ:- فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ، وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَسَجَدَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي الطِّينِ وَالمَاءِ، حَتَّى رَأَيْتُ الطِّينَ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٤/ ٢٨٠] ذكر فيه حديث أَبي سَعِيدٍ السالف وفيه: فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَبِيحَةَ عِشْرِينَ .. الحديث. والأرنبة هي المارن وهي طرف الأنف وحدُّه، وهو ما لان منه، وسلف شرحه (١)، وأولنا رواية خطبته صبيحة عشرين، وسلف خروج المعتكف، ويأتي أيضًا (٢)، وذكر في باب: من خرج من اعتكافه بعد الصبح على أنفه وأرنبته (٣). وكرره لاختلاف اللفظ مثل: غرابيب سود. ----------- (١) راجع حديث (٢٠٢٧). (٢) برقم (٢٠٤٠). (٣) السابق. وفيه: السجود على الأنف، وهو عندنا مستحب وفاقًا لابن القاسم وخلافًا لابن حبيب ويعيد عند ابن القاسم من يسجد على الجبهة في الوقت (١). --------0 (١) انظر «النوادر والزيادات» (١/ ١٨٥). ١١ - باب اعْتِكَافِ المُسْتَحَاضَةِ ٢٠٣٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهْىَ تُصَلِّي. [انظر: ٣٠٩ - فتح: ٤/ ٢٨١] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: اعْتَكَفَتْ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - امْرَأَةٌ مِنْ أَزْوَاجِهِ مُسْتَحَاضَةٌ، فَكَانَتْ تَرَى الحُمْرَةَ وَالصُّفْرَةَ، فَرُبَّمَا وَضَعْنَا الطَّسْتَ تَحْتَهَا وَهْىَ تُصَلِّي. هو ظاهر فيما ترجم له، وهو اعتكاف المستحاضة، وهو إجماع، وظاهره أنها دخلت بعد استحاضتها، واستنبط بعضهم كون النجاسة في المسجد للضرورة وهو ماشٍ إن كانت الاستحاضة حدثت بعد. قال الداودي: وضع الطست تحتها لا يمكن (إلا) (١) في حال القيام وذكرت ذَلِكَ ليؤخذ به، والطست: مؤنثة، وسينه مهملة وتعجم أيضًا. وفيه: اعتكاف المرأة مع زوجها إذا كان لها موضع تستتر فيه. واختلف العلماء في المعتكفة تحيض، فقال الزهري وربيعة ومالك والأوزاعي وأبو حنيفة، والشافعي: تخرج إلى دارها، فإذا رجعت بنت (٢). وقال أبو قلابة: تضرب خباءها على باب المسجد إذا حاضت (٣). ---------- (١) من (م). (٢) «النوادر والزيادات» ٢/ ٩٥، «البيان» ٣/ ٥٩٢، «المغني» ٤/ ٤٨٧. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٤٠ (٩٦٩٩). فائدة: هذِه المعتكفة سَوْدة، وفي «الموطأ»: أن زينب بنت جحش استحيضت وكانت تحت ابن عوف (١)، وهو وهم، إنما كانت تحت زيد بن حارثة (٢)، والمستحاضة أختها حمنة، وأم حبيبة لا هي، نبه على ذَلِكَ المنذري، وذكر بعضهم أن بنات جحش الثلاث اسمهن زينب وأنهن استحضن كلهن، واستبعد. وقال ابن الجوزي: ما يعلم في زوجاته مستحاضة، وكأن عائشة أرادت بقولها: (من نسائه) أي: من النساء المتعلقات به بسبب صهارة وشبهها. قلت: هذا مردود، فقد سلف في الطهارة أنها امرأة من أزواجه (٣)، -------- (١) «الموطأ» برواية يحيى الليثي ص ٦٢: عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، أنها رأت زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، وكانت تستحاض، فكانت تغتسل وتصلي. وبنحوه في «الموطأ» برواية القعنبي (٩٣) لكن فيه: كانت عند عبد الرحمن بن عوف. وبنحوه في «الموطأ» برواية أبي مصعب الزهري ١/ ٦٩ (١٧٣) لكن فيه: أنها رأت ابنة جحش. هكذا بإبهام اسمها. (٢) قال ابن عبد البر في «الاستذكار» ٣/ ٢٢٧: هكذا رواه يحيى وغيره عن مالك في «الموطأ» وهو وهم من مالك: لأنه لم تكن قط زينب بنت جحش تحت عبد الرحمن بن عوف، وإنما كانت تحت زيد بن حارثة، ثم كانت تحت رسول الله - ﷺ - وإنما التي كانت تحت عبد الرحمن أم حبيبة بنت جحش. وقال العلامة ابن القيم في «الحاشية» ١/ ١٨٨: وقع في «الموطأ»: أن زينب بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف، استشكل ذلك بأنها لم تكن تحت عبد الرحمن، وإنما كانت عنده أختها أم حبيبة. وانظر ما سيأتي برقم (٤٧٨٧، ٧٤٢)، وما رواه مسلم (١٤٢٨/ ١٩). وانظر: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٢٢٢ (٣٧٥١)، و«الاستيعاب» ٤/ ٤٠٦ (٣٣٨٩). (٣) سلف برقم (٣٠٩ - ٣١٠). قلت: بل ذلك في رواية الباب. وفي رواية أخرى أن بعض أمهات المؤمنين اعتكفت وهي مستحاضة (١). فرع: يكره في المسجد الفصد والحجامة في إناء، والأصح: أنه يحرم بول فيه في إناء لقبحه؛ ولهذا يجوز الفصد مستقبل القبلة بخلاف البول. قال ابن قدامة: الكل حرام. وعن ابن عقيل: يجوز الفصد في طست كالمستحاضة، وفرق بأن المستحاضة لا يمكنها التحرز إلا بترك الاعتكاف بخلاف الفصد (٢). --------- (١) سلف برقم (٣١١). واختلف في تعيين هذِه المعتكفة على أوجه كثيرة، وكذا اختلف فيمن هي المستحاضة من بنات جحش، مع العلم بأن البعض جعلهن ثلاث: زينب وأم حبيبة وحمنة، والبعض جعلهن اثنتين: زينب وحمنة وكنيتها أم حبيبة. فمن أراد بحث المسألة والاستزادة فيها فلينظر: «الاستذكار» ٣/ ٢٢٧ - ٢٢٨، و«الأسماء المبهمة» ص ٦٠ - ٦١، و«مسلم بشرح النووي» ٤/ ٢٤، و«حاشية ابن القيم» ١/ ١٨٨، و«شرح الكرماني» ٣/ ١٧٦، و«هدي الساري» ص ٢٥٦، و«الفتح» ١/ ٤١١ - ٤١٢، ٤/ ٢٨١، و«عمدة القاري» ٣/ ١٨٢، ٩/ ٢٣١، و«التوشيح» ١/ ٤٠٧، و«منحة الباري» ١/ ٦٣١، ٤/ ٤٦٧. وينظر أيضًا: «أسماء من يعرف بكنيته» للأزدي (١٥٥)، و«ثقات ابن حبان» ٣/ ٩٩، و«المعجم الكبير» ٢٤/ ٢١٦، و«المستدرك» ٤/ ٦١. وانظر: «الاستيعاب» ٤/ ٣٧٤ (٣٣٣٨)، ٤/ ٤٨٢ (٣٥٦٩)، و«أسد الغابة» ٧/ ٦٩ (٦٨٥٠)، ٧/ ٣١٤ (٧٤٠٠)، و«تهذيب الكمال» ٣٥/ ١٥٧ (٧٨٢١)، ٣٥/ ٣٣٦ و«الإصابة» ٤/ ٢٧٥ (٣٠٣)، ٤/ ٤٤٠ (١٢١٠). (٢) «المغني» ٤/ ٤٨٤. ١٢ - باب هَلْ يَدْرَأُ المُعْتَكِفُ عَنْ نَفْسِهِ؟ ٢٠٣٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ رضي الله عنهما أَنَّ صَفِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يُخْبِرُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أَنَّ صَفِيَّةَ رضي الله عنها أَتَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهْوَ مُعْتَكِفٌ، فَلَمَّا رَجَعَتْ مَشَى مَعَهَا، فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ فَقَالَ: «تَعَالَ، هِيَ صَفِيَّةُ -وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ: هَذِهِ صَفِيَّةُ- فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». قُلْتُ لِسُفْيَانَ أَتَتْهُ لَيْلًا؟ قَالَ: وَهَلْ هُوَ إِلَّا لَيْلٌ؟! [انظر: ٢٠٣٥ - مسلم: ٢١٧٥ - فتح: ٤/ ٢٨٢] ذكر فيه حديث صَفِيَّةَ السالف بشرحه واضحًا (١). وفيه أيضًا: تجنب مواضع التهم وأن الإنسان إذا خشي أن يسبق إليه بظن سوء أن يكشف معنى ذَلِكَ الظن، ويبرئ نفسه من نزغات الشيطان الذي يوسوس بالشر في القلوب. وفيه: تعليم أمته مثل ما فعل، وكما جاز أن يدرأ المعتكف عن نفسه بالقول يدرأ بالفعل من يريد أذاه، وليس المعتكف أكثر من المصلي، وقد أبيح له أن يدرأ عن نفسه في صلاته من يمر بين يديه (٢)، فكذلك المعتكف. ---------- (١) راجع شرح حديث (٢٠٣٥). (٢) دليل ذلك حديث أبي سعيد الخدري السالف برقم (٥٠٩)، ورواه مسلم (٥٠٥)، وحديث ابن عمر الذي رواه مسلم (٥٠٦). ١٣ - باب مَنْ خَرَجَ مِنَ اعْتِكَافِهِ عِنْدَ الصُّبْحِ ٢٠٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ الأَحْوَلِ -خَالِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ. قَالَ: وَأَظُنُّ أَنَّ ابْنَ أَبِي لَبِيدٍ حَدَّثَنَا، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه. قَالَ: اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - العَشْرَ الأَوْسَطَ، فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَنَا، فَأَتَانَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ فَلْيَرْجِعْ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، فَإِنِّي رَأَيْتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَرَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ». فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى مُعْتَكَفِهِ، وَهَاجَتِ السَّمَاءُ، فَمُطِرْنَا فَوَالَّذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ لَقَدْ هَاجَتِ السَّمَاءُ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَرِيشًا، فَلَقَدْ رَأَيْتُ عَلَى أَنْفِهِ وَأَرْنَبَتِهِ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٤/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ السالف، وفيه: فَلَمَّا كَانَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ نَقَلْنَا مَتَاعَه .. إلى آخره (١). وترجم عليه بما سبق من ظاهره في خروج المعتكف صبيحة عشرين، وبين لك أن المراد إنما هو بالمتاع لا بالبدن، فإذا غربت فهو وقت الخروج، فأخبر الله تعالى نبيه أن الذي تطلبه أمامك، فقال: «من اعتكف معي» إلى آخره (٢). ومعنى (هاجت) أي: بالسحاب، قاله الداودي. وقوله: (من آخر ذَلِكَ اليوم) يعني: يوم عشرين وقد تهيج نهارًا ثم لا تمطر إلى الليل. ---------- (١) سلف برقم (٢٠٢٧، ٢٠٣٦) وطرفه الأول (٦٦٩). (٢) بهذا اللفظ سلف برقم (٢٠١٨، ٢٠٢٧). ١٤ - باب الاِعْتِكَافِ فِي شَوَّالٍ ٢٠٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ الَّذِي اعْتَكَفَ فِيهِ. قَالَ: فَأسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَعْتَكِفَ، فَأَذِنَ لَهَا فَضَرَبَتْ فِيهِ قُبَّةً، فَسَمِعَتْ بِهَا حَفْصَةُ، فَضَرَبَتْ قُبَّةً، وَسَمِعَتْ زَيْنَبُ بِهَا، فَضَرَبَتْ قُبَّةً أُخْرَى، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنَ الغَدِ أَبْصَرَ أَرْبَعَ قِبَابٍ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». فَأُخْبِرَ خَبَرَهُنَّ، فَقَالَ: «مَا حَمَلَهُنَّ عَلَى هَذَا آلْبِرُّ؟! انْزِعُوهَا فَلَا أَرَاهَا». فَنُزِعَتْ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٨٣] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ: كَانَ النبي - ﷺ - يعْتَكِفُ فِي كُل رَمَضَان، وَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ دَخَلَ مَكَانَهُ .. الحديث. وفي آخره: فَلَمْ يَعْتَكِفْ فِي رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي آخِرِ العَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ. وقد سلف ذَلِكَ (١)، والاعتكاف في شوال وسائر السنة مباح لمن أراده، وهو يوهم أنه كان يدخل بعد صلاة الغداة وليس كذلك، بل كان يدخل الخباء فإذا صلى المغرب دخل معتكفه، واتفق الأربعة أن المعتكف إذا نذر اعتكاف شهر أنه لا يدخل إلا عند الغروب، وهو قول النخعي. وقال الأوزاعي بظاهر الحديث: يصلي الصبح، ثم يقوم إلى معتكفه، وما أسلفناه يرده، واختلفوا إذا نذر يومًا أو أيامًا، فقال مالك: يدخل قبل غروب ليلة ذَلِكَ اليوم. وقال الشافعي: إذا أراد --------- (١) برقم (٢٠٣٣). اعتكاف يوم دخل قبل طلوع فجره وخرج بعد غروب شمسه. خلاف قوله في الشهر. وقال أبو ثور: إذا أراد أن يعتكف عشرة أيام دخل في اعتكافه قبل طلوع الفجر، وإذا أراد اعتكاف عشر ليالٍ دخل قبل الغروب. وقال الليث وزفر وأبو يوسف: يدخل قبل طلوع الفجر. واليوم والشهر عندهم سواء. ذهب هؤلاء إلى أن الليل لا يدخل في الاعتكاف إلا أن يتقدمه اعتكاف النهار، وليس الليل بموضع للاعتكاف، فلا يصح الابتداء به. وذهب الأولون إلى أن النهار تبع لليل على كل حال: فلذلك بدءوا بالليل، وهذا هو الصحيح في هذِه المسألة: لأن المعروف عند جميع الأمة تقديم الأول للنهار، بكون الأهلة مواقيت للناس في الشهور، والعدد وغير ذَلِكَ، وأول الشهر ليله، فكذلك كل عدد من الأيام وإن قل فإن أوله ليله، ولا حجة لمن خالف هذا. ١٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ عَلَيْهِ إِذَا اعْتَكَفَ صَوْمًا ٢٠٤٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَخِيهِ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَوْفِ نَذْرَكَ». فَاعْتَكَفَ لَيْلَةً. [انظر: ٣٠٣٣ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٨٤] سلف (١)، وكذا الباب بعده (٢)، واحتج به من أجاز الاعتكاف بغير صوم كما سلف، وقد سلف الخلف فيه واضحًا، واحتج مالك في «الموطأ» بقول القاسم ونافع قالا: لا اعتكاف إلا بصوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ الآية [البقرة: ١٨٧]، إلى قوله: ﴿فِي المَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام (٣). قال مالك: وعلى ذَلِكَ الأمر عندنا احتج من لم يوجبه بأنه لو كان كذلك لم يكن لنهيه تعالى عن المباشرة من أجل الاعتكاف معنى، وأجيب بأن الله تعالى لما ذكر الوطء في أول الآية وعلق حظره بالصوم في النهار عطف عليه حكم الاعتكاف، وذكر حظر الوطء معه: لأنه قد يصح في وقت لا يصح فيه الصوم وهو زمن الليل، ولو وطئ ليلًا فسد اعتكافه. هذا فائدة ذكره للوطء بعد تقدم ذكره، وأما احتجاجهم بحديث عمر فيجوز أن يراد بالليلة مع يومها كما سلف هناك. ---------- (١) برقم (٢٠٣٢). (٢) برقم (٢٠٤٣). (٣) «الموطأ» كتاب: الصيام، باب: صيام المعتكف وخروجه إلى العيد من المصلى. ١٦ - [باب إِذَا نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ أَسْلَمَ ٢٠٤٣ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه نَذَرَ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي المَسْجِدِ الحَرَامِ- قَالَ: أُرَاهُ قَالَ: لَيْلَةً. قَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ»] (١). [انظر: ٢٠٣٢ - مسلم: ١٦٥٦ - فتح: ٤/ ٢٨٤] --------- (١) ليس بالأصل والمثبت من «اليونينية» ٤/ ٥١. ١٧ - باب الاِعْتِكَافِ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ ٢٠٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ أَبِي حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا. [٤٩٩٨ - فتح: ٤/ ٢٨٤] ذكر فيه حديث أَبِي حَصِينٍ عثمان بن عاصم بن حَصِينٍ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ العَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ. وهو من أفراده، يحتمل أن يكون - عليه السلام - إنما ضاعف اعتكافه في العام الذي قبض من أجل أنه علم بانقضاء أجله، فأراد استكثار عمل الخير، ليسن لأمته الاجتهاد في العمل إذا بلغوا أقصى العمر: ليلقوا الله على خير أحوالهم، وقد روى ابن المنذر حديثًا دل على غير هذا المعنى ساقه من حديث ثابت، عن أبي رافع، عن أبي بن كعب: أنه - ﷺ - كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان فسافر عامًا فلم يعتكف، فلما كان العام المقبل اعتكف عشرين ليلة (١). وقوله: (كان يعتكف في كل رمضان) فيه: دلالة على أن الاعتكاف من السنن المؤكدة مما واظب عليه الشارع، فينبغي للمؤمن الاقتداء في ------- (١) رواه أبو داود (٢٤٦٣)، وابن ماجه (١٧٧٠)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» ٥/ ١٤١، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٧٠ (٣٣٨٩)، وابن خزيمة ٣/ ٣٤٦ (٢٢٢٥)، وابن حبان ٨/ ٤٢٢ (٣٦٦٣)، والحاكم ١/ ٤٣٩، والبيهقي ٤/ ٣١٤٧، والضياء في «المختارة» ٤/ ٤٥ - ٤٧ (١٢٧١ - ١٢٧٧). والحديث صححه الحاكم، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٢٦): إسناده صحيح على شرط مسلم. ذَلِكَ به، وذكر ابن المنذر، عن ابن شهاب أنه كان يقول: عجبًا للمسلمين تركوا الاعتكاف، وأن رسول الله - ﷺ - لم يتركه منذ دخل المدينة كل عام في العشر الأواخر حَتَّى قبضه الله. وروى ابن نافع، عن مالك قال: ما زلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف، وقد اعتكف - عليه السلام - حَتَّى قبضه الله تعالى، وهم أتبع الناس لآثاره حَتَّى أجد بنفسي أنه كالوصال المنهي عنه، وأراهم إنما تركوه لشدته، وأن ليله ونهاره سواء. قال: ولم يبلغني أن أحدًا من السلف اعتكف إلا أبو بكر بن عبد الرحمن واسمه المغيرة (١) وابن أخي أبي جهل وهو أحد فقهاء تابعي المدينة. وقال ابن المنذر: روينا عن عطاء الخراساني أنه كان يقال: مثل المعتكف كمثل عبد ألقى نفسه بين يدي ربه، ثم قال: ربي لا أبرح حَتَّى تغفر لي، ربي لا أبرح حَتَى ترحمني (٢). --------- (١) ورد بهامش الأصل: قال النووي في «التهذيب»: قيل: اسمه محمد وكنيته أبو بكر. وقيل: اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه كنيته، ولم يذكره المصنف والثاني بصيغة: يقال. (٢) رواه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٦٩، ومن طريقه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٢٦ (٣٩٧٠) عن عبد الله بن المبارك، عن عثمان بن عطاء، عن أبيه قال: إن مثل المعتكف مثل المحرم ألقى نفسه بين يدي الرحمن تعالى فقال: والله لا أبرح حتى ترحمني. ١٨ - باب مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ يَخْرُجَ ٢٠٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، فَاسْتَأْذَنَتْهُ عَائِشَةُ، فَأَذِنَ لَهَا، وَسَأَلَتْ حَفْصَةُ عَائِشَةَ أَنْ تَسْتَأْذِنَ لَهَا فَفَعَلَتْ، فَلَمَّا رَأَتْ ذَلِكَ زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ أَمَرَتْ بِبِنَاءٍ، فَبُنِيَ لَهَا، قَالَتْ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا صَلَّى انْصَرَفَ إِلَى بِنَائِهِ، فَبَصُرَ بِالأَبْنِيَةِ فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». قَالُوا: بِنَاءُ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَزَيْنَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «آلْبِرَّ أَرَدْنَ بِهَذَا؟! مَا أَنَا بِمُعْتَكِفٍ». فَرَجَعَ، فَلَمَّا أَفْطَرَ اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ. [انظر: ٢٠٣٣ - مسلم: ١١٧٣ - فتح: ٤/ ٢٨٥] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ. وفي آخره: «آلْبِرَّ أَرَدْنَ بهذا؟!». وقد سلف (١)، يحتمل أن يكون - عليه السلام - شرع في الاعتكاف؛ فلذلك قضاه لقول عائشة: إنه كان إذا صلى انصرف إلى بنائه. فإن كان هكذا يكون قضاؤه واجبًا، وأهل العلم متفقون أنه لا يجب قضاؤه إلا من نواه وشرع في عمله ثم قطعه لعذر على مذهب من يراه، ويحتمل أن يكون أنه لم يشرع فيه، وإنما كان انصرافه إلى بنائه بعد صلاة الصبح؛ تطلعًا لأموره والنظر في إصلاحها، ومن كان هكذا فله أن يرجع عن إمضاء نيته لأمر يراه، وقد قال العلماء: من نوى اعتكافًا فله تركه قبل أن يدخل فيه، وعلى هذا الوجه تأوله البخاري وترجم عليه، فقضاؤه له تطوع. وفيه: أن من نوى شيئًا من الطاعات ولم يعمل به أن له أن يتركه، إن شاء مطلقًا وإن شاء إلى وقت آخر، واعتكافه - عليه السلام - وإن كان تطوعًا فغير --------- (١) برقم (٢٠٣٣). كثير أن يكون قضاؤه في شوال؛ من أجل أنه كان يرى أن يعمله وإن لم يدخل: لأنه كان أوفى الناس بما عاهد عليه. ذكر سنيد، حَدَّثَنَا معتمر بن سليمان، عن كهمس، عن معبد بن ثابت في قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الاية [التوبة: ٧٥]، إنما هو شيء نووه في أنفسهم ولم يتكلموا به، ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ الاية [التوبة: ٧٨] (١)؟ وفي قوله: («آلبر يردن؟») أن من علم منه الرياء في شيء من الطاعات فلا بأس بالقطع عليه فيه ومنعه منه، ألا ترى قوله: «البر» يعني: إنهن إنما أردن الحظوة والمنزلة منه: فلذلك قطع عليهن ما أردنه وأخر ما أراده لنفسه. وفيه: أن للرجل منع زوجته وأمته وعبده من الاعتكاف ابتداءً، كما منع نساءه اللاتي ضربن الأبنية، وهو قول مالك والكوفيين والشافعي، واختلفوا عند الإذن فقال مالك: لا يمنعهم. وقال الكوفيون: لا يمنع زوجته إذا أذن لها ويمنع عبده إن أذن له. وقال الشافعي: له منعهما جميعًا (٢)، وقال ابن شعبان كقول الشافعي ما لم يدخلا فيه، والحديث دال له؛ لأنه - عليه السلام - كان أذن لعائشة وحفصة في الاعتكاف، ثم منعهما منه حين رأى ذَلِكَ. وفيه: أيضًا أنه قد يستر على الضرائر تفضيل بعضهن على بعض و[لو] (٣) بترك طاعة لله تستدرك بعد حين. -------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٢٩ (١٧٠١٧). (٢) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٥، «المدونة» ١/ ٢٠٠، «البيان» ٣/ ٥٧٢ - ٥٧٣. (٣) في الأصل: (لم) والمثبت من «شرح ابن بطال». ١٩ - باب المُعْتَكِفِ يُدْخِلُ رَأْسَهُ البَيْتَ لِلْغَسْلِ ٢٠٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ وَهْوَ مُعْتَكِفٌ فِي المَسْجِدِ وَهْيَ فِي حُجْرَتِهَا، يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ. [انظر: ٢٩٥ - مسلم: ٢٩٧ - فتح: ٤/ ٢٨٦] ذكر فيه حديث عَائِشَةَ ترجيلها رسول اللهُ - ﷺ - وَهِيَ حَائِضٌ يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١) وسلف في الباب (٢). ------- (١) مسلم (٢٩٧). (٢) برقم (٢٠٢٨) وفي مواضع أخر. وورد بالهامش: آخر ٣ من ٧ من تجزئة المصنف. ![]()
__________________
|
|
#395
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 9 الى صـــ 30 الحلقة (395) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣٤ - كتاب البيوع وَقَوْلِ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وَقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ١ - باب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١٠ - ١١] (١) وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٣٩] ٢٠٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ صَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: «إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّى أَقْضِيَ مَقَالَتِي هَذِهِ، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ». فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تِلْكَ مِنْ شَىْءٍ. [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ٤/ ٢٨٧] ٢٠٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي، وَانْظُرْ أَى زَوْجَتَىَّ هَوِيتَ؟ نَزَلْتُ لَكَ عَنْهَا، فَإِذَا حَلَّتْ تَزَوَّجْتَهَا. قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: لَا حَاجَةَ لِى فِي ذَلِكَ، هَلْ مِنْ سُوقٍ فِيهِ تِجَارَةٌ؟ قَالَ: سُوقُ قَيْنُقَاعَ. قَالَ: فَغَدَا إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَأَتَى بِأَقِطٍ وَسَمْنٍ. قَالَ: ثُمَّ تَابَعَ الغُدُوَّ، فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَيْهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «تَزَوَّجْتَ؟». قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: «وَمَنْ». قَالَ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: «كَمْ سُقْتَ؟». قَالَ زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ -فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». [٣٧٨٠ - فتح: ٤/ ٢٨٨] ٢٠٤٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَدِمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ المَدِينَةَ، فَآخَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ الأَنْصَارِيِّ، وَكَانَ سَعْدٌ ذَا غِنًى، فَقَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ: أُقَاسِمُكَ مَالِي نِصْفَيْنِ، وَأُزَوِّجُكَ. قَالَ بَارَكَ اللهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ، دُلُّونِي عَلَى السُّوقِ. فَمَا رَجَعَ حَتَّى اسْتَفْضَلَ أَقِطًا وَسَمْنًا، فَأَتَى بِهِ أَهْلَ مَنْزِلِهِ، فَمَكَثْنَا يَسِيرًا -أَوْ مَا شَاءَ اللهُ- فَجَاءَ وَعَلَيْهِ وَضَرٌ مِنْ صُفْرَةٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَهْيَمْ؟». قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ. قَالَ: «مَا سُقْتَ إِلَيْهَا؟». قَالَ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ -أَوْ وَزْنَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ- قَالَ: «أَوْلِمْ وَلَوْ بِشَاةٍ». [٢٢٩٣، ٣٧٨١، ٣٩٣٧، ٥٠٧٢، ٥١٤٨، ٥١٥٣، ٥١٥٥، ٥١٦٧، ٦٠٨٢، ٦٣٨٦ - مسلم: ١٤٢٧، فتح: ٤/ ٢٨٨] ٢٠٥٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمِجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ فَنَزَلَتْ ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ، قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ. [انظر: ١٧٧٠ - فتح: ٤/ ٢٨٨] ذكر فيه حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ تَقُولُونَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يُكْثِرُ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَتَقُولُونَ: مَا بَالُ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصارِ لَا يُحَدِّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِثْلِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ وَإِنَّ إِخْوَتِي مِنَ المُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ السَفْقٌ بِالأَسْوَاقِ، وَكُنْتُ أَلْزَمُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَلَى مِلْءِ بَطْنِي، فَأَشْهَدُ إِذَا غَابُوا، وَأَحْفَظُ إِذَا نَسُوا، وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ، وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَدِيثٍ يُحَدِّثُهُ: «إِنَّهُ لَنْ يَبْسُطَ أَحَدٌ ثَوْبَهُ حَتَّىِ أَقْضِيَ مَقَالَتِي هذِه، ثُمَّ يَجْمَعَ إِلَيْهِ ثَوْبَهُ إِلَّا وَعَى مَا أَقُولُ». فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ، حَتَّى إِذَا قَضَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مقَالَتَهُ جَمَعْتُهَا إِلَى صَدْرِي، فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - تِلْكَ مِنْ شَئ. وقد سلف في باب: حفظ العلم (١). وذكر حديث إبراهيم بن سعد، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ آخَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ: إِنِّي أَكْثَرُ الأَنْصَارِ مَالًا، فَأَقْسِمُ لَكَ نِصْفَ مَالِي .. الحديث. فغدا إلى سوق قينقاع فأتى بسمْنٍ وأقِطٍ. ثم ساقه بكماله. وذكر بعده حديث حميد، عن أنس بنحوه. وحديث ابن عباس: قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ وَمِجَنَّةُ وَذُو المَجَازِ أَسْوَاقًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا فِيهِ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ، قَرَأَهَا ابن عَبَّاسٍ. وقد سلف هذا في الحج (٢). ----------- (١) برقم (١١٨) كتاب: العلم. (٢) برقم (١٧٧٠) باب: التجارة أيام الموسم. الشرح: لما فرغ البخاري رحمه الله من بيان العبادات المقصود بها التحصيل الأخروي شرع في بيان المعاملات المقصود بها التحصيل الدنيوي، فقدم العبادات لاهتمامها، ثم ثنى بالمعاملات؛ لأنها ضرورية، وأخَّر النكاح؛ لأن شهوته متأخرة عن الأكل ونحوه، وأخَّر الجنايات والمخاصمات؛ لأن وقوع ذَلِكَ في الغالب إنما هو بعد الفراغ من شهوة الفرج والبطن. وأغرب ابن بطال فذكر هنا الجهاد (١)، وأخَّر البيوع إلى أن فرغ من الأيمان والنذور (٢)، ولا أدري لم فعل ذَلِكَ، وقد أسلفنا أنه قدم الصوم عَلَى الحج أيضًا (٣)، وجمع البيوع باعتبار أنواعه، وغيره أفرده تبركًا بلفظ القران، وهو في اللغة: مقابلة شيء بشيء ويسمى شراءً أيضًا، قَال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] ويسمى كل واحد من المتبايعين بائعًا ومشتريًا. وسيأتي حديث «المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا» (٤). وقول«إبراهيم في باب: لا يشترِ حاضر لباد (٥): فيه عن العرب، وهو في الشرع: مقابلة مال بمال ونحوه، وبعته وأبعته بمعنى، وكذا باع وأباع، قيل: سمي بيعًا؛ لأن البائع يمد باعه إلى المشتري حالة العقد -------- (١)»شرح ابن بطال«٥/ ٥. (٢)»شرح ابن بطال«٦/ ١٨٩. (٣) وقع شرح كتاب الصوم في»شرح ابن بطال«في ٤/ ٥، وبعده كتاب الحج ٤/ ١٨٥. وانظر:»عمدة القاري" ٩/ ٢٣٧ ففيه توجيه لصنيع ابن بطال. (٤) سيأتي برقم (٢١١٠) باب: البيعان بالخيار، ورواه مسلم (١٥٣٢) كتاب: البيوع، باب: الصدقة في البيع والبيان، من حديث حكيم بن حزام. ويأتي أيضًا برقم (١٢١١)، ورواه مسلم (١٥٣١) باب: ثبوت خيار المجلس للمتبايعين من حديث ابن عمر. (٥) يأتي قبل حديث (٢١٦٠). غالبًا، وغلط قائله؛ لأن المصادر غير مشتقة، ولأن البيع من ذوات الياء، والباع من ذوات الواو. ثم استفتحه بقوله تعالى؛ ﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ﴾ [البقرة؛ ٢٧٥] ولم يذكر الواو فيما رأيناه من أصوله، وأصح أقوال الشافعي؛ أنها عامة مخصوصة؛ وهو بناء عَلَى أن المفرد المعرف بـ (ال) يعم، وهو ما عليه الأكثرون. وبقوله؛ ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة؛ ٢٨٢] أي؛ متجر فيه حاضر من العروض وغيرها مما يتقابض، وهو معنى ﴿تُدِيُرونَهَا بَينَكُم﴾ وذلك أن ما يخاف من الفساد والتأجيل يؤمن في البيع يدًا بيد، وذلك قوله: ﴿فَلَيسَ عَلَيكم جُنَاحُ أَلَّا تَكتُبُوهَا﴾ [البقرة؛ ٢٨٢]. والاية الثالثة: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ [الجمعة: ١٠] إلى آخر السورة، هي مدنية بإجماع. وقوله: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾؛ جماعة أهل العلم عَلَى أنه إباحة بعد حظر، وقيل: هو أمر عَلَى بابه. وقال الداودي: هو على الإباحة لمن له كفاف أو لا يطيق التكسب، وفرضٌ عَلَى من لا شيء له ويطيق التكسب. وقال غيره: من يعطف عليه بسؤال أو غيره ليس طلب الكفاف عليه بفريضة. ﴿وَابتَغُواْ مِن فَضلِ اللهِ﴾ أي: اطلبوا، وفي الحديث: «ليس لطلب الدنيا ولكن من عيادةٍ، وحضور جنازة، وزيارة أخ في الله» (١)، أو البيع والشراء، أو العمل يوم السبت. --------- (١) رواه الطبري ١٢/ ٩٧ (٣٤١٣٣) عن أنس. ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أي: عَلَى كل حال، و(لعل) من الله واجب. والفلاح: الفوز والبقاء. واللهو: الطبل. هو دحية الكلبي وافى بتجارته (١)، وقيل: كانوا في مجاعة وكان الطعام إذا جاءوا به ضرب الطبل، وقيل: الغناء. وقيل: اللعب. ﴿انفَضُّواْ إِلَيها﴾ [الجمعة: ١١] في الكلام حذف: إن كان لهوًا انفضوا إليه، أو تجارة إليها، كقولك: نحن بما عندنا وأنت بما عندك راضٍ، والرأي مختلف، وأعاد الضمير عَلَى التجارة؛ لأنها المقصود لا اللهو. ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١]، أي: في خطبتك ومعه اثنا عشر رجلًا (٢)، منهم: أبو بكر، وعمر (٣)، أو ثمانية (٤). قال الحسن: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لو تبع آخرهم أولهم اضطرم الوادي نارًا عليهم» (٥). ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ [الجمعة: ١١] أي: ما عنده من الثواب والأجر خير من ذَلِكَ لمن جلس واستمع الخطبة. ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [الجمعة: ١١] فارغبوا إليه في سعتها. واستفتحه أيضا بقوله تعالى: (﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾) [النساء: ٢٩] أي: فليست من الباطل؛ لأنه بحق، والباطل ------ (١) راجع تفصيل هذِه المسألة في شرح حديث (٩٣٦). (٢) سلف برقم (٩٣٦) ويأتي برقم (٢٠٥٨، ٢٠٦٤، ٤٨٩٩)، ورواه مسلم (٨٦٣/ ٣٦ - ٣٧). (٣) رواه مسلم (٨٦٣/ ٣٨). (٤) ذكر ذلك الفراء في «معاني القرآن» ٣/ ١٥٧، ونقله البغوي في «معالم التنزيل» ٨/ ١٢٤ عن ابن عباس من رواية الكلبي. (٥) تقدم تخريجه في شرح حديث (٩٣٦) فليراجع. بغير حق، وكذا ما كان من هبة أو صدقة ونحوهما، وهذا استثناء منقطع بالإجماع، أي: لكن لكم أكلها تجارة عن تراض منكم، وخص الأكل بالنهي؛ تنبيهًا عَلَى غيره؛ لكونه معظم المقصود من المال، كما قَالَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى﴾ [النساء: ١٠] و﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]. وقام الإجماع عَلَى أن التصرف في المال بالحرام باطل حرام، سواء كان أكلًا أو بيعًا أو هبة أو غير ذلك. والباطل: اسم جامع لكل ما لا يحل في الشرع كالزنا (١)، والغصب والسرقة، والجناية، وكل محرم ورد الشرع به. وفي ﴿تِجَارَةً﴾ قراءتان: الرفع عَلَى أن تكون تامة، والنصب عَلَى تقدير: إلا أن يكون المأكول تجارة، أو إلا أن تكون الأموال أموال تجارةٍ فحذف المضاف (٢). قَالَ الواحدي: الأجود الرفع: لأنه أدل عَلَى انقطاع الاستثناء؛ ولأنه لا يحتاج إلى إضمار. و﴿عَن تَرَاضٍ مِنكُم﴾ [النساء: ٢٩] يرضى كل واحد منهما بما في يده، قَالَ أكثر المفسرين: هو أن يخير كل واحد من البائعين صاحبه بعد عقد البيع عن تراضٍ، والخيار بعد الصفقة. ثم الآيات التي ذكرها الإمام البخاري ظاهرة في إباحة التجارة، إلا قوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ فإنها عتب عليها، وهي أدخل في النهي منها في الإباحة لها، لكن مفهوم النهي عن تركه قائمًا اهتمامًا أنها -------- (١) في (م): (كالربا). (٢) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٢/ ١٥١ - ١٥٢، و«الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١/ ٣٨٦. تشعر أنها لو خلت من المعارض الراجح لم تدخل في العتب، بل كانت حينئذٍ مباحة، وفي «صحيح الحاكم» من حديث عمرو بن تغلب مرفوعًا: «إن من أشراط الساعة أن تظهر الفتن وتفشوَ التجارة» ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط الشيخين (١). وفيه: -عَلَى شرطهما- من حديث ابن مسعود مرفوعًا: «إياكم وهيشات الأسواق» (٢) وكأن النهي محمول عَلَى أن يجعلها ديدنه فيشتغل بها عن المهمات. إذا تقرر ذَلِكَ كله: فقد أباح الله تعالى التجارة في كتابه وأمر بالابتغاء من فضله، وكان أفاضل الصحابة يتجرون ويحترفون طلب المعاش، وقد نهى العلماء والحكماء عن أن يكون الرجل لا حرفة له ولا صناعة؛ خشية أن يحتاج إلى الناس فيذل لهم، وقد روي عن لقمان أنه قَالَ لابنه: يا بني خذ من الدنيا بلاغك، وأنفق من كسبك لآخرتك، ولا ترفض الدنيا كل الرفض فتكون عيالًا، وعلى أعناق الرجال كلالًا. ---------- (١) «المستدرك» ٢/ ٧. ورواه أيضًا النسائي ٧/ ٢٤٤، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٣/ ٢٨٤ (١٦٦٤)، والخطابي في «غريب الحديث» ١/ ٤٠٥. قال الحاكم: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وإسناده على شرطهما صحيح، إلا أن عمرو بن تغلب ليس له راو غير الحسن. وانظر: «الصحيحة» (٢٧٦٧). (٢) قلت: رواه مسلم (٤٣٢/ ١٢٣) كتاب: الصلاة، باب: تسوية الصفوف .. ورواه الحاكم- كما ذكر المصنف ٢/ ٨ قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجه البخاري. ففي كلام الحاكم إشارة إلى أن مسلم قد أخرج الحديث، والله أعلم. وروي عن حماد بن زيد أنه قَالَ: كنت عند الأوزاعي فحدثه شيخ كان عنده أن عيسى - ﷺ - قَالَ: إن الله يحب العبد يتعلم المهنة يستغني بها عن الناس، وإن الله تعالى يبغض العبد يتعلم العلم يتخذه مهنة. وقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب الزم السوق فإن الغنى من العافية. وقد أسلفنا قريبًا ما يخالف ذَلِكَ وتأويله. إذا علمت ذَلِكَ: فالحديث الأول: فيه ابن المسيَّب بفتح الياء، وكسرها. قَالَ علي بن المديني: أهل المدينة عَلَى الثاني، وأهل الكوفة عَلَى الأول (١). ويشغلهم: بفتح الياء. والسفق بالسين، كذا وقع في بعض روايات أبي الحسن، وفي بعضها ورواية أبي ذر بالصاد (٢)، قَالَ الخليل: كل صاد قبل القاف، وكل سين تجيء بعد القاف فللعرب فيها لغتان: سين وصاد، لا يبالون اتصلت أو انفصلت بعد أن يكونا في كلمة، إلا أن الصاد في بعض أحسن، والسين في بعض أحسن (٣)، وموضع التبويب قوله: (سفق بالأسواق)، وأراد بالصفق: صفق الأكف عند البيع، كانوا إذا تبايعوا تصافقوا بالأكف علامة عَلَى انبرام البيع، وذلك لأن الأملاك إنما تضاف إلى الأيدي والقبض بها يقع، فإذا تصافقت الأكف استقرت كل يد منها عَلَى ما اشترت. وقوله: (وَكُنْتُ امْرَأً مِسْكِينًا) فيه: ذكر ما كانوا عليه من المسكنة عَلَى غير الشكوى. ------ (١) تقدم ضبط اسمه والتعريف به في شرح حديث (٢٦) فلينظر. (٢) انظر: «الفتح» ٤/ ٢٨٩. (٣) «العين» ١/ ١٢٩. وفيه: ذكر لزومه رسول الله - ﷺ -. وقوله: (وَكَانَ يَشْغَلُ إِخْوَتِي مِنَ الأَنْصَارِ عَمَلُ أَمْوَالِهِمْ). قَالَ الداودي: إنما أصلحوها؛ للنهي عن إضاعة المال، وشغل: ثلاثي. قَالَ ابن فارس: لا يكادون يقولون: أشغل وهو غير جائز (١). وقوله: (أَعِي حِينَ يَنْسَوْنَ) أي: أحفظ. وقوله: (فَبَسَطْتُ نَمِرَةً عَلَيَّ) قَالَ ثعلب: النمرة: ثوب مخطط تلبسه العجوز. وقال ابن فارس: هي كساء ملون (٢). وقال القتبي: هي بردة تلبسها الإماء، وجمعها نمرات ونمار. قَالَ الهروي: هو إزار من صوف، وقال القزاز: هي دراعة تلبس أو تجعل عَلَى الرأس، فيها سواد وبياض. وجزم ابن بطال بأنه: ثوب مخمل من وبرٍ أو صوف (٣). وقوله: (فَمَا نَسِيتُ مِنْ مَقَالَةِ النبي - ﷺ - تِلْكَ مِنْ شَئ)، يريد ما بعد ذَلِكَ. وفيه: جواز نسيانه لما قبله. وفي الحديث الثاني: مؤاخاة النبي - ﷺ - بين أصحابه. وفيه: مواساة النبي - ﷺ - الأنصار، وقد مدحهم الله تعالى في كتابه فقال: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] وكان هذا القول قبل أن يسأل رسول الله - ﷺ - الأنصار أن يكفوا المهاجرين العمل، ويعطوهم نصف الثمرة (٤). ------- (١) «مجمل اللغة» ٢/ ٥٠٦. (٢) «مجمل اللغة» ٤/ ٨٨٥ (٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٣٣٤. (٤) انظر ما سيأتي برقم (٢٣٢٥). وفيه: تعفف عبد الرحمن عن أخذ ما يجوز، وكان مجيدًا في التجارة، قيل: كان يشتري الجمال فيبيعها ويربح أرسانها، ومات عن مال جسيم. وقينقاع -مثلث النون أعني: بضم النون وفتحها وكسرها- قَالَ ابن التين: ضبط في أكثر نسخ أبي الحسن بكسر النون، وكذا سمعته، وفي بعضها بضمها، ولم يذكر الفتح، وهو: شعب من يهود المدينة أضيفت إليهم السوق، وينصرف عَلَى إرادة الحي ولا ينصرف عَلَى إرادة القبيلة، وهم أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله - ﷺ -، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم حَتَّى نزلوا عَلَى حكمه (١). وأثر الصفرة المذكورة هو الوضر -بالضاد والراء- في الرواية الأخرى (٢)، وهو التلطخ بخلوق أو طيب له لون. قَالَ أبو عبد الملك: كانت الأنصار إذا دخل الزوج بزوجته كسته ثوبًا مصبوغًا بصفرة يعرف بأنه عروس. وقال الداودي: فيه ما يصيب العروس من خلوق الزوجة. قلت: وهذا هو الظاهر (٣). وفيه: سؤال رسول الله - ﷺ - أصحابه عن أحوالهم وكم مقدار صداقهم. وقوله: (زِنَةَ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ نَوَاةً مِنْ ذَهَبٍ). النواة: خمسة دراهم قاله لوين وغيره، وقيل: إنه وهم. قَالَ أبو عبيد: كان بعض الناس يقول --------- (١) انظر ما سيأتي برقم (٤٠٢٨)، ورواه مسلم (١٧٦٦). وانظر الخبر في: «تاريخ الإسلام» ٢/ ١٤٥ - ١٤٨ و«البداية والنهاية» ٤/ ٣٧٦ - ٣٧٧. (٢) حديث (٢٠٤٩). (٣) ورد في هامش (م) ما نصه: وصححه النووي. لم يكن ثم ذهب، وإنما هي خمسة دراهم تسمى نواة كما سميت الأربعون أوقية والعشرون نشًّا (١). وقال الأزهري: لفظ الحديث يدل عَلَى أنه تزوجها عَلَى ذهب قيمته خمسة دراهم، ألا تراه قَالَ: نواة من ذهب، ولست أدري لم أنكره أبو عبيد (٢)؟ وقال أبو عبد الملك: زنة نواة من ذهب، مثل ثمن دينار أو سدس دينار، وعوضه خمسة دراهم من الفضة وقال الخطابي: هي زنة خمسة دراهم ذهبًا كان أو فضة (٣)، وعن أحمد: زنة ثلاثة دراهم، زاد الترمذي عنه: وثلث (٤). وقيل: وزن نواة التمر من ذهب. وقيل: ربع دينار. وقوله: («أَوْلمْ وَلَوْ بِشَاهٍ») أخذ بظاهره الشافعي في أحد قوليه وأحمد وقالا: الوليمة واجبة، وبه قَالَ داود. وقال مالك والشافعي في أظهر قوليه: إنها مستحبة وحملاه عَلَى الاستحباب. ووقتها بعد الدخول، وقيل: عند العقد. وعن ابن حبيب (٥): الاستحباب فيهما (٦). وظاهر الحديث بعد الدخول. قَالَ أبو عبد الملك: والمعروف أنها عنده، ولعله إذ ذاك لما فاته كالقضاء. وقال ابن الجلاب: الوليمة تكون عند الدخول (٧). ---------- (١) «غريب الحديث» ١/ ٣١٠. (٢) «تهذيب اللغة» ٤/ ٣٦٨٣. مادة: نوى. (٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٩٥. (٤) «سنن الترمذي» ٣/ ٣٩٤. (٥) ورد في الهامش: عمر بن حبيب ولاه الرشيد قضاء البصرة ثم قضاء الشرقية ببغداد. (٦) انظر هذِه المسألة في: «المنتقى» ٣/ ٣٤٨، «البيان» ٩/ ٤٨١، «المغني» ١٠/ ١٩٢، و«المحلى» ٩/ ٤٥٠. (٧) ورد في الهامش: كما في وليمة صفية رضي الله عنها. وفيه: أن العيش بالتجارة والصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش بالصدقات والهبات. ثم اعلم أن هذا الحديث رواه البخاري هنا عن عبد العزيز، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده: قَالَ عبد الرحمن: لما قدمنا المدينة. وذكره في فضائل الأنصار عن إسماعيل بن عبد الله، عن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن جده قَالَ: لما قدموا المدينة (١). (وظاهره) (٢) الإرسال؛ لأنه إن كان الضمير في جده يعود إلى إبراهيم ابن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن (٣)، فيكون الجد فيه إبراهيم بن عبد الرحمن، وإبراهيم لم يشهد أمر المؤاخاة؛ لأنه توفي بعد التسعين قطعًا عن خمس وسبعين سنة. وقيل: إنه ولد في حياته، ولا تصح له رواية عنه. وأمر المؤاخاة كان حين الهجرة (٤)، وإن عاد إلى جد --------- (١) سيأتي برقم (٣٧٨٠) باب: إخاء النبي - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار. (٢) ورد في الأصل أسفلها: ظاهر الطريق الثانية. (٣) تقدمت ترجمته في شرح حديث (٢٣)، وتقدمت ترجمة أبيه سعد بن إبراهيم في شرح حديث (١٨٢). (٤) نقل ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ٥٦ عن الواقدي قال: توفي إبراهيم بن عبد الرحمن سنة ست وسبعين، وهو ابن خمس وسبعين سنة! وقال المزي في «تهذيب الكمال» ٢/ ١٣٥: توفي سنة ست، وقيل: سنة خمس وتسعين، وهو ابن خمس وسبعين. وقال الذهبي في «الكاشف» (١٦٥): توفي ٩٦. وكذا قال في «السير» ٤/ ٢٩٢ وزاد: عن سن عالية، ويحتمل أنه ولد في حياة النبي - ﷺ -. وقال الحافظ في «التهذيب» ١/ ٧٤ متعقبًا المزي في تقدير سنه بـ (٧٥) سنة: في هذا التقدير في سنه نظر، فإن جماعة من الأئمة ذكروه في الصحابة، منهم أبو نعيم وابن إسحاق وابن منده. انظر: «معرفة الصحابة» ١/ ٢١٢ (٧٦)، و«الاستيعاب» ١/ ١٥٨ (٢)، و«أسد الغابة» ١/ ٥٣ (١٣)، و«الإنابة إلى معرفة المختلف فيهم من الصحابة» ١/ ٤٢ (٢)، و«الإصابة»١/ ٩٥ (٤٠٤). وقال الحافظ في «التقريب» (٢٠٦) قيل: له رؤية. سعد بن إبراهيم، فيكون عَلَى هذا سعد روى عن جده عبد الرحمن بن عوف، وهذا لا يصح؛ لأن عبد الرحمن توفي سنة اثنتين وثلاثين، ومات سعد سنة ست وعشرين ومائة (١) عن ثلاث وسبعين سنة (٢)، ولكن الحديث المذكور هنا متصل؛ لأن إبراهيم قَالَ فيه: قَالَ عبد الرحمن ابن عوف. يوضح ذَلِكَ رواية أبي نعيم لما قَالَ عن جده، عن عبد الرحمن بن عوف قَالَ: لما قدمنا المدينة .. الحديث (٣). -------- (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «الكاشف» سنة ٢٥ مجزوم به وفي «الوفيات» له: سنة ٢٧. (٢) لا خلاف أن عبد الرحمن بن عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين، كما ذكر المصنف، أو إحدى وثلاثين. وانظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٣٨٦ (١٤٥٥)، و«أسد الغابة» ٣/ ٤٨٠ (٣٣٦٤)، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ٣٢٤ (٣٩٢٣)، و«سير أعلام النبلاء» ١/ ٦٨ (٤)، و«الإصابة» ٢/ ٤١٦ (٥١٧٩). وأما سعد بن إبراهيم فاختلف في وفاته اختلافًا يسيرًا، فقال المزي: قال ابنه إبراهيم بن سعد وغير واحد: مات سنة خمس وعشرين ومائة، وقال يعقوب بن إبراهيم: مات سنة ست وعشرين، وقال مرة: سنة سبع وعشرين، وهو ابن اثنتين وسبعين، وقال خليفة بن خياط وغير واحد: مات سنة سبع وعشرين، وقال في موضع: سنة ثمان وعشرين ومائة. انظر: «تهذيب الكمال» ١٠/ ٢٤٦. قلت: وعلى كل فلا يمكن أن يروي عن جده عبد الرحمن بحال؛ فبين وفاة عبد الرحمن بن عوف ومولد سعد بن إبراهيم ما يزيد عن عشرين سنة. وأيضًا في ترجمة عبد الرحمن بن عوف من «تهذيب الكمال» ١٧/ ٣٢٤ (٣٩٢٣) لم يذكر في الرواة عنه سعد بن إبراهيم، وكذا في ترجمة سعد ١٠/ ٢٤٠ (٢١٩٩) لم يذكر في الراوي عنهم جده عبد الرحمن، وإنما ذكر أنه يروي عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن. (٣) انظر زيادة بيان لذلك في: «الفتح» ٤/ ٢٨٩، ٧/ ١١٣، و«عمدة القاري» ٩/ ٢٤١ - ٢٤٢، ١٣/ ٣٣٣، و«منحة الباري» ٤/ ٤٨١، ٧/ ٩٨. وكذا ذكره الطرقي وأصحاب الأطراف، وقد أخرجه مسلم أيضًا من حديث أنس، عن ابن عوف (١)، وكذا هو في «الموطأ»: عن حميد، عن أنس، أن ابن عوف (٢). وقال الدارقطني: أسنده روح بن عبادة فقال: عن مالك، عن حميد، عن أنس، عن ابن عوف، وتفرد به. وأما حديث أنس فقوله في سعد: (وكان ذا غنًى) -هو مقصور- أي: المال، وكانوا يستكثرون منه للمواساة، ونعم الغبط عليه. والأقط: من اللبن معروف. تنبيهات: أحدها: هذِه المؤاخاة ذكرها ابن إسحاق في أول سنة من سني الهجرة بين المهاجرين والأنصار (٣)، ولها سببان: أحدهما: أنه أجراهم عَلَى ما كانوا ألفوا في الجاهلية من الحلف، فإنهم كانوا يتوارثون به. قَالَ - ﷺ -: «لا حِلْفَ في الإسلام» (٤) وأثبت المؤاخاة؛ لأن الإنسان إذا فطم مما ألفه علل بجنسه. ثانيهما: أن المهاجرين قدموا محتاجين إلى المال وإلى المنزل فنزلوا عَلَى الأنصار، فأكدوا هذِه المخالطة بالمؤاخاة، ولم يكن بعد بدر مؤاخاة؛ لأن الغنائم استغني بها. والمؤاخاة: مفاعلة من الأخوة، ومعناها: أن يتعاقد الرجلان عَلَى التناصر والمواساة حَتَّى يصيرا كالأخوين نسبًا كما قَالَ أنس. وقالوا: إن ----- (١) مسلم (١٤٢٧). (٢) «الموطأ» ص ٣٣٧. رواية يحيى. (٣) انظر: «سيرة ابن هشام» ٢/ ١٢٣ - ١٢٨. (٤) رواه مسلم (٢٥٣٠) كتاب: فضائل الصحابة، باب: مؤاخاة النبي - ﷺ - بين أصحابه رضي الله عنهم. عن جبير بن مطعم. رسول الله - ﷺ - آخى بين الصحابة مرتين: مرة بمكة قبل الهجرة، والأخرى بعدها، ذكره القرطبي (١). وقال ابن عبد البر: والصحيح في المؤاخاة في المدينة بعد بنائه المسجد، فكانوا يتوارثون بذلك دون القرابات حَتَّى نزلت ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ﴾ الآية [الأنفال: ٧٥]. وقيل: كان قبل ذَلِكَ والمسجد يبنى (٢). وقيل: بعد قدومه المدينة بخمسة أشهر. وفي «تاريخ ابن أبي خيثمة» عن زيد بن أبي أوفى أنها كانت في المسجد، وكانوا مائة: خمسون من الأنصار، وخمسون من المهاجرين. ثانيها: المرأة التي تزوجها عبد الرحمن بن عوف هي ابنة أبي الحيسر (أنس) (٣) بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل (٤). قَالَ الزبير: ولدت له القاسم وأبا عثمان عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (٥). ------ (١) «المفهم» ٦/ ٤٨٣. (٢) الدرر في اختصار المغازي والسير«ص ٨٨ - ٨٩. (٣) في الأصول: (أنيس) والصواب ما أثبتناه -كما سيأتي في مصادر الترجمة. (٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: كونها ابنة أنيس ذكره ابن عبد البر. (٥) روي أنه لما قدم أبو الحيسر، أنس بن رافع مكة ومعه فتية من بني عبد الأشهل، فيهم إياس بن معاذ يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله - ﷺ - .. الحديث. رواه أبو نعيم الحافظ في»معرفة الصحابة«١/ ٢٤٤ (٨٣٩) في ترجمة أنس بن رافع (٩٩)، وفي ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤ (٩٥٤) في ترجمة إياس بن معاذ الأشهلي (١٦٢) ووقع في الموضعين: (أبو الحيسم) وهو خطأ، وإنما هو: (أبو الحيسر). وذكره ابن عبد البر في»الاستيعاب«١/ ٢١٣ في ترجمة إياس بن معاذ (١٢٣)، وكذا ابن الأثير في»أسد الغابة«١/ ١٤٧ ترجمة أنس بن رافع (٢٤٨) ورواه بإسناده في ١/ ١٨٦ ترجمة إياس بن معاذ (٣٤٧)، وذكره الحافظ في»الإصابة" = ------ = ١/ ٩٠ - ٩١ ترجمة إياس بن معاذ (٣٨٧) بإسناد ابن إسحاق في «مغازيه»، وذكره في ١/ ١٣٢ ترجمة أنس بن رافع (٥٦٢) مختصرًا ووقع في هذا الموضع: (أبو الجيش) وببدو أنه تصحيف وذكره الحافظ مغلطاي في «الإنابة» ١/ ٩٣ ترجمة أنس بن رافع (٦٤) وعزاه للأصبهانيين يقصد أبا نعيم وابن منده- وقال: وفيه نظر من حيث إن الاصطلاح؛ إذا قيل في رجل قدم على سيدنا رسول الله - ﷺ - إنما يكون قدم مسلمًا وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا الحيسر إنما قدم مكة ليطلب الحلف من قريش، فجاءه النبي - ﷺ - فعرض عليه الإسلام، ولم يذكر له إسلامًا. أهـ. وأبو الحيسر هذا لا خلاف أن اسمه: أنس بن رافع، كما ذكره المصنف، وهو ما جزم به أبو نعيم في الموضعين المذكورين آنفًا، وكذا ابن عبد البر في الموضع المذكور، وفي ترجمة ابنه الحارث بن أنس الأشهلي ١/ ٣٤٦ (٣٩٦)، وابن الأثير في الموضعين المذكورين آنفًا، وأيضًا في ترجمة الحارث بن أنس ١/ ٣٧٨ (٨٤٥)، وترجمة شريك ابن أبي الحيسر ٢/ ٥٢٢ (٢٤٣٣)، والحافظ في الموضعين المذكورين آنفًا وأيضًا في ترجمة شريك ٢/ ١٤٩ (٣٨٩٦) ووقع فيه: شريك بن أبي الحيسر بن أنس -فيبدو والله أعلم أن (بن) الثانية زائدة- وأيضًا في ترجمة: أبو الحيسر ٤/ ٤٩ (٣٢٥). وأما ابنته التي تزوجها عبد الرحمن بن عوف فاسمها: أم إياس بنت أبي الحيسر، أو: بنت أنس بن رافع. وترجم لها الحافظ في «الإصابة» ٤/ ٤٣١ - ٤٣٢ (١١٤٣) فقال: أم إياس بنت أنس بن رافع بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصارية، ثم نقل كلامًا عن ابن سعد. نصه في «الطبقات الكبرى» ٨/ ٣١٧: أم إياس بنت أنس بن رافع .. تزوجت أبا سعد بن طلحة بن أبي طلحة، وأسلمت أم إياس وبايعت رسول - ﷺ -. فقول ابن سعد هنا أنها تزوجت أبا سعد بن طلحة، لا ينافي أنها تزوجت عبد الرحمن بن عوف؛ لأنه قال: وأسلمت أم إياس ..، فلعل أبا طلحة هذا توفي عنها، ثم تزوجها عبد الرحمن بن عوف بعدما أسلمت، أو أنه طلقها قبل أو بعدما أسلمت وتزوجها عبد الرحمن، والله أعلم. ثالثها: إن قلتَ: جاء النهي عن التزعفر فكيف الجمع بينه وبين أثر الصفرة والوضر؟ قلتُ: من أوجه: أنه كان يسيرًا فلم ينكره. ثانيها: أن ذَلِكَ علق من ثوبها من غير قصد. ثالثها: أنه كان في أول الإسلام أن من تزوج لبس ثوبًا مصبوغًا لسروره وزواجه، وقيل: كانت المرأة تكسوه إياه- وقد سلف. وقيل: إن هذا غير معروف. وقيل: إنه كان يفعل ذَلِكَ ليعان عَلَى الوليمة. رابعها: قاله أبو عبيد: كانوا يرخصون في ذَلِكَ للشاب أيام عرسه (١). خامسها: أنه يحتمل أن ذَلِكَ كان في ثوبه دون بدنه. ومذهب مالك جوازه (٢) - حكاه عن علماء بلده. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا يجوز ذَلِكَ للرجال (٣). رابعها: ذكر الصفرة في الحديث؛ لأنها أحسن الألوان كما قاله ابن عباس، قَالَ تعالى: ﴿فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] قَالَ: فقرن السرور بالصفرة. ولما سئل عبد الله عن الصبغ بها قَالَ: رأيت رسول الله - ﷺ - يصبغ بها فأنا أصبغ بها (٤). خامسها: قوله: (»مَهْيَمْ؟ «) هو بفتح الميم وسكون الهاء ثم ياء مثناة تحت، ثم ميم، وهي كلمة يمانية أي: ما شانك؟ --------- (١)»غريب الحديث«١/ ٣١١. (٢) انظر:»المنتقى«٧/ ٢٢١. (٣)»تبيين الحقائق«٦/ ٢٢٩،»المجموع" ٤/ ٣٢٧. (٤) سلف برقم (١٦٦) كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين في النعلين ولا يمسح على النعلين. سادسها: ذكر البخاري هذا الحديث في النكاح، في باب: كيف يدعى للمتزوج (١). لقوله: (بَارَكَ اللهُ لَكَ) فيه رد عَلَى ما كانت العرب تقوله: بالرفاء والبنين. ولما قيل ذَلِكَ لعقيل بن أبي طالب قَالَ: لا تقولوا هكذا ولكن قولوا كما قَالَ النبي - ﷺ -: «بارك الله لك وبارك عليك» أخرجه النسائي (٢). --------- 0(١) يأتي برقم (٥١٥٥). (٢) «المجتبى» ٦/ ١٢٨، «السنن الكبرى» ٣/ ٣٣١ (٥٥٦١). ورواه أيضًا ابن ماجه (١٩٠٦)، والطبراني ١٧ (٥١٦) من طريق أشعث. وأحمد ١/ ٢٠١، ٣/ ٤٥١، والدارمي ٣/ ١٣٨٩ - ١٣٩٠ (٢٢١٩)، والبزار في «البحر الزخار» ٦/ ١١٩ (٢١٧٢)، والطبراني ١٧/ ٥١٤، وفي «الدعاء» ٣/ ١٢٣٩ (٩٣٧)، والبيهقي ٧/ ١٤٨ من طريق يونس بن عبيد. وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ٢٧٩ - ٢٨٠ (٣٦٧)، والطبراني ١٧/ (٥١٧) من طريق علي بن زيد. والطبراني ١٧ (٥١٥)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٥٧٧ من طريق الحسن -وقع عند الطبراني: الحسين، ويبدو أنه تصحيف- بن دينار. والطبراني ١٧ (٥١٢)، وفي «الدعاء» (٩٣٦) من طريق أبي هلال الراسبي. و١٧ (٥١٣)، وفي «الدعاء» (٩٣٧) من طريق أبي سعيد البصري. و١٧ (٥١٨) من طريق الربيع بن صبيح. سبعتهم عن الحسن قال: تزوج عقيل بن أبي طالب .. الحديث. والحديث سكت عليه الحاكم. وقال البزار: هذا الحديث قد رواه غير واحد عن الحسن عن عقيل، ولا أحسب سمع الحسن من عقيل. وقال الحافظ في «الفتح» ٩/ ٢٢٢: أخرجه النسائي والطبراني من طريق أخرى عن الحسن، ورجاله ثقات إلا أن الحسن لم يسمع من عقيل فيما يقال. وتعقبه العلامة أحمد شاكر في «تعليقه على المسند» (١٧٣٩) فبعد أن قال: إسناده صحيح، قال: وهذِه دعوى لا دليل عليها، فالحسن سمع من صحابة أقدم من عقيل، فقد أثبتنا سماعه من عثمان، وصحة روايته عن علي. اهـ. وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٥٤٧). = وفي الترمذي -وقال: حسن صحيح- عن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - كان إذا رفأ الإنسان -إذا تزوج- قَالَ: «بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير» (١). وعن خالد بن معدان عن معاذ -ولم يسمع منه (٢) - أنه - عليه السلام - شهد إملاك رجل من الأنصار، فقال: «عَلَى الألفة ---------- = والحديث رواه أحمد ١/ ٢٠١، ٣/ ٤٥١ من طريق إسماعيل بن عياش، عن سالم بن عبد الله، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، قال: تزوج عقيل بن أبي طالب .. الحديث. قال العلامة أحمد شاكر (١٧٣٨): إسناده مشكل، لا أدري ما وجهه! ثم ذكر كلامًا نفيسًا فليراجع. وهذا الحديث سيذكره المصنف -رحمه الله- في شرح حديث (٥١٥٥). (١) الترمذي (١٠٩١). ورواه أيضًا أبو داود (٢١٣٠)، وابن ماجه (١٩٠٥)، وأحمد ٢/ ٢٨١، وسعيد بن منصور في سننه ١/ ١٤٧ (٥٢٢)، والدارمي ٣/ ١٣٩١ (٢٢٢٠)، والنسائي في»الكبرى«٦/ ٧٣ (١٠٠٨٩)، وابن حبان ٩/ ٣٥٩ (٤٠٥٢)، والطبراني في»الدعاء«(٩٣٨)، وابن السني في»عمل اليوم والليلة«(٦٠٤)، والحاكم ٢/ ١٨٣، والبيهقي في»سننه«٧/ ١٤٨، وفي»الدعوات الكبير«٢/ ٢٨٠ (٤٩٥) من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وكذا قال الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في»الاقتراح«ص ١١١ - ١١٢، والألباني في»صحيح أبي داود«(١٨٥٠). وصححه عبد الحق الإشبيلي في»الأحكام الوسطى«٣/ ١٦٢، والمصنف في»البدر المنير«٧/ ٥٣٤. وقواه الحافظ في»الفتح«٩/ ٢٢٢. فائدة: قال المصنف -رحمه الله-: معنى رفأ -بفتح الراء والفاء- دعاه وهنأه، والرفاء -بالمد- هو الدعاء بالاتفاق وحسن الاجتماع، يقال للمتزوج: بالرفاء والبنين، وأصله من رف الثوب، وهو إصلاحه. اهـ»البدر المنير" ٧/ ٥٣٥. (٢) في هامش الأصل: قاله البزار. والخير والطير الميمون والسعة في الرزق، بارك الله لكم«(١). سابعها: ظا»ر قوله: («أَوْلمْ وَلَوْ بِشَاةٍ») أنها أقل ما تتأدى به السنة. وفيه: دلالة عَلَى الإستكثار منها ما لم يرد إلى الرياء، قاله الداودي. ------------ (١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الاثار» ٣/ ٥٠، والطبراني في «الكبير» ٢٠ (١٩١)، وفي «مسند الشاميين» ١/ ٢٣٤ - ٢٣٥ (٤١٦)، وفي «الدعاء» (٩٣٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٢١٥ - ٢١٦ و٦/ ٩٦، والبيهقي ٧/ ٢٨٨، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ ٥٨ (١٢٦٩) من طريق لمازة بن المغيرة، عن ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان به. قال أبو نعيم في الموضع الأول: غريب من حديث خالد، تفرد به ثور. وقال في الموضع الثاني: غريب من حديث ثور لم نكتبه إلا من حديث حازم عن لمازة. وقال البيهقي: في إسناده مجاهيل وانقطاع. وقال ابن الجوزي ٣/ ٦٠ حازم ولمازة مجهولان. وقال الذهبي في «المهذب» ٦/ ٢٨٦٨: الآفة من لمازة ولا أعرفه بحال. وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٥٦: فيه: حازم مولى بني هاشم عن لمازة، وليس ابن زبار، هذا متأخر، ولم أجد من ترجمهما. وبقية رجاله ثقات. وكذا قال في ٤/ ٢٩٠. وقال الحافظ في «الفتح» ٩/ ٢٢٢: رواه الطبراني في «الكبير» بسند ضعيف. والحديث رواه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ١٤٢، والطبراني في «الأوسط» ١/ ٤٣ - ٤٤ (١١٨)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (١٢٦٨) من طريق القاسم بن عمر العتكي قال: حدثنا بشر بن إبراهيم الأنصاري، عن الأوزاعي، عن مكحول، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: حدثني معاذ بن جبل … الحديث. قال العقيلي: بشر بن إبراهيم حدث عن الأوزاعي بأحاديث موضوعة لا يتابع عليها. وقال ابن الجوزي: بشر بن إبراهيم هو المتهم به. وقال البيهقي: إسناده مجهول، ولا يثبت في هذا الباب شيء. وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» ١/ ٣١٣ عقب ذكر الحديث: هكذا فليكن الكذب. وقال الهيثمي ٤/ ٥٦، ٢٩٠: في إسناده بشر بن إبراهيم، وهو وضاع. وضعف الحافظ إسناده في «الفتح» ٩/ ٢٢٢. ![]()
__________________
|
|
#396
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 31 الى صـــ 50 الحلقة (396) قَالَ القاضي: والإجماع أنه لا حد لقدرها المجزئ (١). وقال الخطابي: الشاة للقادر عليها وإلا فلا حرج، قد أولم - ﷺ - على بعض نسائه بسويق وتمر (٢). فرع: كرهت طائفة الوليمة أكثر من يومين. وعن مالك: أسبوعًا. ثامنها: عكاظ ومَجنة -بفتح الميم- وذو المجاز أسواق في الجاهلية عند عرفات. وقراءة ابن عباس. في (مواسم الحج) كالتفسير، إذ لم يثبت بين اللوحين. خاتمة: في سرد الفوائد في حديث عبد الرحمن أنه لا بأس للشريف أن يتصرف في السوق بالبيع والشراء، ويتعفف بذلك عما يبذل له من المال وغيره، والأخذ بالشدة عَلَى نفسه في أمر معاشه، وأن العيش من الصناعات أولى بنزاهة الأخلاق من العيش من الهبات والصدقات وشبهها، وبركة التجارة والمؤاخاة عَلَى التعاون في أمر الله تعالى، وبذل المال لمن يؤاخي عليه. وفي حديث أبي هريرة الحرص عَلَى التعلم، وإيثار طلبه عَلَى طلب المال. وفضيلة ظاهرة لأبي هريرة، وأنه - ﷺ - خصه ببسط ردائه وضمه، فما نسي من مقالته تلك شيئًا. وقوله: (مِنْ مَسَاكِينِ الصُّفَّةِ) كان رئيسهم. والعرب تقول: صففت البيت وأصففته: جعلت له صفة -وهي السقيفة- أمامه. وأصحاب الصفة: الملازمون لمسجده - ﷺ -. ----------- (١) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٨٨. (٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٩٥. ٢ - باب الحَلَالُ بَيِّنٌ وَالحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ (١) ٢٠٥١ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنه: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -. حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، سَمِعْتُ الشَّعْبِيَّ سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي فَرْوَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ كَانَ لِمَا اسْتَبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتَبَانَ، وَالمَعَاصِى حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ». [انظر: ٥٢ - مسلم: ١٥٩٩ - فتح: ٤/ ٢٩٠] ذكر فيه حديث النعمان بن بشير: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -. «الحَلَالُ بَيِّنٌ، وَالحَرَامُ بَيِّن، وَبَيْنَهُمَا أُمُورٌ مُشْتَبِهَةٌ، فَمَنْ تَرَكَ مَا شُبِّهَ عَلَيْهِ مِنَ الإثْمِ كَانَ لِمَا اسْتبَانَ أَتْرَكَ، وَمَنِ اجْتَرَأَ عَلَى مَا يَشُكُّ فِيهِ مِنَ الإِثْمِ أَوْشَكَ أَنْ يُوَاقِعَ مَا اسْتبَانَ، وَالمَعَاصِي حِمَى اللهِ، مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الحِمَى يُوشِكْ أَنْ يُوَاقِعَهُ». هذا الحديث سلف في الإيمان في باب: فضل من استبرأ لدينه (٢). وذكر هنا (سنده) (٣) مرتين متفقًا ومرتين مختلفا، قَالَ في الأول: عن ابن --------- (١) ورد في هامش الأصل: نسخة: مشبهات. (٢) برقم (٥٢). (٣) ورد بهامش الأصل: يعني بعض السند، وإلا فالطرق الأربعة مختلفة، ومجموع الثلاثة منها في أبي فروة، والاخر في ابن عون، ويجتمعان في الشعبي -أعني: ابن عون وأبا فروة-. عون، عن الشعبي، سمعت النعمان بن بشير، سمعت النبي - ﷺ -. وقال في الثاني: عن أبي فروة -واسمه عروة بن الحارث بن فروة الهمداني الكوفي- عن الشعبي: سمعت النعمان، عن رسول الله - ﷺ -. وفي الثالث: عن أبي فروة: سمعت الشعبي. مثل هذا. وقال في الرابع: عن أبي فروة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير: قَالَ رسول الله - ﷺ -. والحاصل أن النعمان صرح بسماعه في الرواية الأولى من رسول الله - ﷺ -، وأتى في الثانية والثالثة بعن، وفي الرابعة بقال. وعند أبي داود: عن الشعبي: سمعت النعمان -ولا أسمع أحدًا بعده- يقول: سمعت النبي - ﷺ -: «إن الحلال بين …» الحديث (١). وقد أسلفنا في الإيمان بطلان من ادعى عدم سماعه من رسول الله - ﷺ -؛ يوضحه سماع ابن (النعمان) (٢) حديث نحلني أبي: كما ستعلمه في موضعه (٣). وسفيان الراوي عن أبي فروة في الرابع هو الثوري كما صرح به أبو نعيم وغيره. قَالَ أبو نعيم: وهذا لفظ الثوري، وجمع البخاري بين ابن عون وأبي فروة ظنًّا أن الروايتين في إسناد واحد، وساق الحديث بلفظ الثوري. وفي كتاب الإسماعيلي لما قَالَ: «ألا وإن في الجسد مضغة» قَالَ: قَالَ فلان -يعني أحد رواته-: لا أدري هذا من لفظ رسول الله - ﷺ - أم لا. -------- (١) «سنن أبي داود» (٣٣٢٩) كتاب: البيوع، باب: في اجتناب الشبهات. (٢) ورد بهامش الأصل: وحميد بن عبد الرحمن معه في طريق واحدة. (٣) يأتي هذا الحديث برقم (٢٥٨٦) كتاب: الهبة، باب: الهبة للولد، ورواه مسلم (١٦٢٣) كتاب: الهبات، باب: كراهية تفضيل بعض الأولاد في الهبة. ولا بد لنا أن نذكر نبذة هنا فنقول: هذا الحديث أصل في باب الورع وما يجتنب من الشبه. والشبه: كل ما أشبه الحلال من وجه والحرام من آخر، والورع: اجتنابها فالحلال البين: ما علم المرء ملكه يقينًا لنفسه، والحرام البين عكسه، والشبهة: ما يجده في بيته فلا يدري أهو له أو لغيره. وقد اختلف في حكم المشتبهات عَلَى أقوال أسلفناها هناك، فرواية: «لا يعلمها كثير من الناس» (١) دالة عَلَى الوقف. ورواية: «من وقع في الشبهات وقع في الحرام» (٢) دالة عَلَى أن تركها واجب. ورواية: «من رتع حول الحمى يوشك أن يواقعه» (٣) تدل عَلَى الحيل. وقيل: قوله: («حَوْلَ الحِمَى») نهيٌ عما يشك فيه هو من الحمى أو مما حوله؟ فنزهه عما قرب منه، ولم يشك فيه خوفًا أن تزين النفس أنه ليس منه، ويحمل عَلَى الندب. والمشتبهات في الدماء والأموال والأعراض والفتيا والقضاء وغير ذَلِكَ، فأشدها الاجتراء عَلَى الفتيا بغير علم؛ لأنه قد تزين له نفسه أنه أهل لها وهو خلافه، قَالَ تعالى: ﴿فَاَحكمُ بَينَ اَلنًاسِ بِاَلحِق﴾ الآية [ص: ٢٦]. وفي الحديث: «حبك للشيء يعمي ويصم» (٤). ويقال: ----------- (١) سلفت برقم (٥٢). (٢) سلفت برقم (١٥٩٩). (٣) في حديث الباب. (٤) رواه أبو داود (٥١٣٠)، وأحمد ٥/ ١٩٤، ٦/ ٤٥٠، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٢١٤ (٢٠٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ١٠٧، ٣/ ١٧١ - ١٧٢، والطبراني في «الأوسط» ٤/ ٣٣٤ (٤٣٥٩) وفي «مسند الشاميين» ٢/ ٣٤٠ (١٤٥٤)، وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٢١٢، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٥٧ (٢١٩)، والبيهقي في «الشعب» ١/ ٣٦٨ (٤١١)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٤/ ٢٨٧ من طريق أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم الغساني، عن خالد بن = أشقى الناس من باع دينه بدنياه، وأشقى منه من باع دينه بدنيا سواه (١). --------- = محمد الثقفي، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، مرفوعًا به. قال الإمام أحمد: وحدثناه أبو اليمان، لم يرفعه، ورفعه القرقساني محمد بن مصعب. ورواه موقوفًا البيهقي في «الشعب» (٤١٢) من طريق يزيد بن هارون، أنا حريز بن عثمان، عن بلال، عن أبي الدرداء، قوله. قال المنذري في «المختصر» ٨/ ٣١: في إسناده: بقية بن الوليد، وأبو بكر بن عبد الله بن أبي مريم، وفي كل واحد منهما مقال، وروي عن بلال عن أبيه قوله، ولم يرفعه وقيل: إنه أشبه بالصواب. وضعف الحافظ العراقي في «تخريج الأحياء» (٢٦٣٦) إسناد المرفوع. ورجح الحافظ في كتاب «أجوبة عن أحاديث وقعت في مصابيح السنة» (٣١١) كما في «موسوعة الحافظ الحديثية» ٥/ ٤٤٧ رجح الموقوف، وقال: في سنده: أبو بكر بن أبي مريم وهو شامي صدوق، طرقه لصوص ففزع فتغير عقله، وعدوه فيمن اختلط. وقال السيوطي في «الدرر المنتثرة» (١٨٧): الوقف أشبه. والحديث ضعفه الألباني في «الضعيفة» وقال: الموقوف أقوى من المرفوع. وانظر: «المقاصد الحسنة» (٣٨١)، و«كشف الخفاء» (١٠٩٥). (١) قلت: ورد نحوه مرفوعا إلى النبي - ﷺ -. فروى ابن ماجه (٣٩٦٦)، والطبراني ٨/ ١٢٢ - ١٢٣ (٧٥٥٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ١٧٣ (١١٢٥)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٦/ ٤٠٢ من طريق مروان بن معاوية، عن الحكم السدوسي، عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة عبد أذهب آخرته بدنيا غيره». قال البوصيري في «الزوائد» (١٣٢٧): هذا إسناد حسن، سويد بن سعيد مختلف. لكن ضعفه الألباني في «ضعيف ابن ماجه» (٨٥٨). ورواه الطيالسي ٤/ ١٥١ (٢٥٢٠)، وعنه البخاري في «التاريخ الكبير» ٦/ ١٢٨، والخرائطي في «مساوئ الأخلاق» (٢٣٧)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٦٥، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٣٥٨ (٦٩٣٨) من طريق عبد الحكم بن ذكوان، = قَالَ سحنون: إنما ذَلِكَ في الفتيا. وما يجتنب من الشبهات: الظن أن يقطع به: فإن النفس ربما تزين عند الظن خلاف الحق، تغطي عند الرضا العيب، وتبدي في عكسه المساوئ. وقسم بعضهم الورع ثلاثة أقسام، واجب: وهو اجتناب ما يحققه لغيره، ومستحب: وهو اجتناب معاملة من أكثر ماله حرام، ومكروه: أن لا يقبل الرخص، ولا يجيب الداعي، ولا يقبل الهدية، ويجتنب الأشياء المباحة مثل المياه التي يتوضأ بها، واجتناب الغريب التزويج مع الحاجة؛ لقيام قدوم أبيه البلدة المذكورة والتزوج بها، وكره ذَلِكَ؛ لأن النادر لا عبرة به. وقوله: («مَنْ يَرْتَعْ») قَالَ ابن فارس: يقال رتع: إذا أكل ما شاء، وقيل: رتعت أقامت في المرتع (١). وعبارة ابن بطال: الحلال البين: ما نص الله عَلَى تحليله أي ورسوله، والحرام البين: ما نص عَلَى تحريمه، وكذا ما جعل فيه حَدٌّ أو عقوبة أو وعيد، والمشتبه: ما تنازعته الأدلة من الكتاب والسنة، وتجاذبته المعاني فوجه منه يعضده دليل الحرام، وآخر عكسه، وقال فيه: من ترك الشبهات إلى آخره، فالإمساك عنه ورع، والإقدام عليه لا يقطع عالم بتحريمه (٢). ---------- = عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: «إن من أسوأ الناس منزلة من أذهب آخرته بدنيا غيره». وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٢٢٩، ٢٩٩٠). وأورده أيضًا في «الضعيفة» (١٩١٥) من حديث أبي هريرة، وعزاه لابن ماجه. وهو خطأ: لأن الذي عند ابن ماجه من حديث أبي أمامة، وذكره على الصواب في الموضعين الآخرين (٢٢٢٩، ٢٩٩٠). (١) «المقاييس» ص ٤٢٠. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ١٩٢ - ١٩٣. وقال القرطبي: أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه فيكون مباحًا، وما كان كذلك لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين، فإنه إن ترجح أحد طرفيه عَلَى الآخر خرج عن كونه مباحًا فحينئذ يكون تركه راجحًا عَلَى فعله وهو المكروه، أو عكسه فالمندوب، وفيه دليل أن الشبهة لها حكم خاص بها (١). قَالَ الخطابي: وقوله: «لا يعلمها كثير من الناس» معناه: أنها تشتبه عَلَى بعض الناس دون بعض والعلماء يعرفونها؛ لأن الله جعل عليها دلائل عرفها بها، لكن ليس كل أحد يقدر عَلَى تحقيق ذَلِكَ؛ ولهذا قَالَ ذَلِكَ ولم يقل: لا يعلمها كل الناس (٢). وقوله: «كراع يرعى حول الحمى» هو مثل يحتمل أن صاحبه يقع في الحرام ولا يدري. وقال الخطابي: إذا اعتادها قادته إلى الوقوع في الحرام، فيتجاسر عليه ويواقعه عالمًا ومتعمدًا؛ لخفة الزاجر عنده، ولما قد ألفه من المساهلة (٣). -------- (١) «المفهم» ٤/ ٤٨٨ - ٤٨٩. (٢) «معالم السنن» ٣/ ٤٩. (٣) المصدر السابق ٣/ ٥٠، وورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثاني بعد الخمسين. كتبه مؤلفه. ٣ - باب تَفْسِيرِ المُشَبَّهَاتِ وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ أَبِي سِنَانٍ: مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَهْوَنَ مِنَ الوَرَعِ، دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ. ٢٠٥٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ رضي الله عنه، أَنَّ امْرَأَةً سَوْدَاءَ جَاءَتْ، فَزَعَمَتْ أَنَّهَا أَرْضَعَتْهُمَا، فَذَكَرَ لِلنَّبِيِّ فَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَتَبَسَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ -. قَالَ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!». وَقَدْ كَانَتْ تَحْتَهُ ابْنَةُ أَبِي إِهَابٍ التَّمِيمِيِّ. [انظر: ٨٨ - فتح: ٤/ ٢٩١] ٢٠٥٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ عَهِدَ إِلَى أَخِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي فَاقْبِضْهُ. قَالَتْ: فَلَمَّا كَانَ عَامَ الفَتْحِ أَخَذَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَقَالَ: ابْنُ أَخِي، قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَامَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ، فَقَالَ: أَخِي، وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَتَسَاوَقَا إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، ابْنُ أَخِي، كَانَ قَدْ عَهِدَ إِلَىَّ فِيهِ. فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ: أَخِي وَابْنُ وَلِيدَةِ أَبِي، وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ». ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ». ثُمَّ قَالَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «احْتَجِبِي مِنْهُ». لِمَا رَأَى مِنْ شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ، فَمَا رَآهَا حَتَّى لَقِيَ اللهَ. [٢٢١٨، ٢٤٢١، ٢٥٣٣، ٢٧٤٥، ٤٣٠٣، ٦٧٤٩، ٦٧٦٥، ٦٨١٧،٧١٨٢ - مسلم: ١٤٥٧ - فتح: ٤/ ٢٩٢] ٢٠٥٤ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَنِ المِعْرَاضِ، فَقَالَ: «إِذَا أَصَابَ بِحَدِّهِ فَكُلْ، وَإِذَا أَصَابَ بِعَرْضِهِ فَقَتَل فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنَّهُ وَقِيذٌ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُرْسِلُ كَلْبِي وَأُسَمِّي، فَأَجِدُ مَعَهُ عَلَى الصَّيْدِ كَلْبًا آخَرَ لَمْ أُسَمِّ عَلَيْهِ، وَلَا أَدْرِى أَيُّهُمَا أَخَذَ؟ قَالَ: "لَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الآخَرِ». [انظر: ١٧٥ - مسلم: ١٩٢٩ - فتح: ٤/ ٢٩٢] وذكر فيه حديث المرأة السوداء في الرضاع وقَالَ: «كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ؟!». وحديث «احْتَجِبِي مِنْهُ». وحديث عدي بن حاتم في الصيد: «لَا تَأْكُلْ». ثم ترجم: ٤ - (باب مَا يُتَنَزَّهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ) (١) ٢٠٥٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ - ﷺ - بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ: «لَوْلَا أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً لأَكَلْتُهَا». [٢٤٣١، ٢٤٣٢ - مسلم: ١٠٧١ - فتح: ٤/ ٢٩٣] وَقَالَ هَمَّام، عَنْ أَبيِ هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «أَجِدُ تَمْرَةً سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي». [٢٤٣٢ - مسلم: ١٠٧٠ - فتح: ٤/ ٢٩٣] وذكر فيه حديث التمرة الساقطة وتركها خشية الصدقة. ثم ذكره (معلقًا) (٢). ثم ترجم: ---------- (١) في الأصل: باب: ما يُتَنَزَّهُ من لم ير الوساوس ونحوها من الشبهات، وعلى جملة: من لم ير الوساوس ونحوها: كتب الناسخ مكرر من .. إلى. (٢) تحتها في الأصل: عن همام، عن أبي هريرة. ٥ - باب مَنْ لَمْ يَرَ الوَسَاوِسَ وَنَحْوَهَا مِنَ المُشَبَّهَاتِ ٢٠٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ قَالَ: شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - الرَّجُلُ يَجِدُ فِي الصَّلَاةِ شَيْئًا، أَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: «لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ. [انظر: ١٣٧ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ٤/ ٢٩٤] ٢٠٥٧ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ المِقْدَامِ العِجْلِيُّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الطُّفَاوِيُّ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِاللَّحْمِ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ». [٥٥٠٧، ٧٣٩٨ - فتح: ٤/ ٢٩٤] ثم ذكر فيه حديث: الرَّجُلُ يَجِدُ الشيء فِي الصَّلَاةِ، وقوله: «لَا، حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا». وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: لَا وُضُوءَ إِلَّا فِيمَا وَجَدْتَ الرِّيحَ أَوْ سَمِعْتَ الصَّوْتَ. ثم ذكر حديث: إِنَّ قَوْمًا يَأْتُونَنَا بِلَّحْمٍ لَا نَدْرِي أَذَكَرُوا اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ أَمْ لَا. فَقَالَ: «سَمُّوا اللهَ عَلَيْهِ وَكُلُوهُ». الشرح: أثر حسان أخرجه أبو نعيم، عن محمد بن جعفر، ثَنَا محمد بن أحمد بن (عمرو) (١)، ثَنَا عبد الرحمن بن (عمرو) (٢) رسته، ثَنَا زهير بن نعيم البابي قَالَ: اجتمع يونس بن عبيد وحسان بن أبي -------- (١) في «الحلية»: عمر، وهو خطأ، فذكر المزي في ترجمة (رسته) من «التهذيب» ١٧/ ٢٩٧ فيمن روى عنه: محمد بن أحمد بن عمرو الأبهري الأصبهاني. (٢) كذا بالأصول، وصوابه: عمر، انظر ترجمته في «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٢٤٢ (٨٧)، و«تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٩٦ (٣٩١٤). سنان -يعني أبا عبد الله عابد أهل البصرة- فقال يونس: ما عالجت شيئًا أشد عليَّ من الورع. فقال حسان: لكن أنا ما عالجت شيئًا أهون عليَّ منه. قال يونس: كيف؟ قال حسان: تركت ما يريبني إلى ما لا يريبني فاسترحت (١). ثم روى بإسناده عن الحسن بن عبد العزيز الجروي قَالَ: كتب إليَّ ضمرة، عن عبد الله بن شوذب قَالَ: قَالَ حسان بن أبي سنان: ما أيسر الورع! إذا شككت في شيء فاتركه (٢). قلت: ولفظ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» صح من حديث الحسن بن علي. قَالَ الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٣). ------------ (١) أبو نعيم في «الحلية» ٣/ ١١٦. ورواه في موضع آخر ٣/ ٢٣ عن عبد الله بن محمد بن جعفر، قال: ثنا أحمد بن جعفر بن بهرد، قال: ثنا أحمد بن روح الأهوازي، قال: ثنا عثمان بن عمر، قال: ثنا يونس بن عمر، بنحوه. ومن هذا الطريق وصله الحافظ بإسناده في «التغليق» ٣/ ٢٠٩. (٢) «الحلية» ٣/ ١١٦. ورواه الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢٠٩ - ٢١٠. (٣) الترمذي (٢٥١٨)، «المستدرك» ٢/ ١٣، ٤/ ٩٩. ورواه أيضًا النسائي ٨/ ٣٢٧ - ٣٢٨، وأحمد ١/ ٢٠٠، والطيالسي ٢/ ٤٩٩ (١٢٧٤)، وابن خزيمة ٤/ ٥٩ (٢٣٤٨)، وابن حبان ٢/ ٤٩٨ (٧٢٢)، والبيهقي ٥/ ٣٣٥ من طريق بريد بن أبي مريم عن أبي الحوراء السعدي، قال: قلت للحسن بن علي .. الحديث. ووقع عند الحاكم: يزيد بن أبي مريم عن أبي الجوراء، وكلاهما تصحيف، وكذا عند البيهقي تصحفت بريد إلى يزيد. قال الذهبي في «التلخيص» ٤/ ٩٩: سنده قوي. وحسنه النووي في «المجموع» ١/ ٢٣٥. وقال الحافظ في «التغليق» ٣/ ٢١١: سنده صحيح. وقال الألباني في «الإرواء» ١/ ٤٤ (١٢)، ٧/ ١٥٥ (٢٠٧٤): إسناده صحيح. وشاهده حديث أبي أمامة أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ -: ما الإيمان؟ قَالَ: «إذا سرتك حسنتك وساءتك سيئتك فأنت مؤمن» قَالَ: يا رسول الله: ما الإثم؟ قَالَ: «إذا حاك في صدرك شيء فدعه» (١). وروى محمد ابن أسلم في كتاب «الربا» من حديث ابن لهيعة، عن يزيد، عن سويد بن قيس، عن عبد الرحمن بن معاوية بن حُدَيْج أن رسول الله - ﷺ - قَالَ لمن سأله عما يحل له: «ما أنكر قلبك فدعه» (٢). ---------- (١) رواه أحمد ٥/ ٢٥١، ٢٥٢، ٢٥٥ - ٢٥٦، وعبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ١٢٦ (٢٠١٠٤)، والحارث بن أبي أسامة كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ١/ ٨٤ (٣٦)، وابن حبان ١/ ٤٠٢ (١٧٦)، والطبراني ٨/ ١١٧ (٧٥٣٩)، والحاكم ١/ ١٤، ٢/ ١٣، والبيهقي في «الشعب» ٥/ ٥٢ (٥٧٤٦) من طريق يحيى بن أبي كثير عن زيد بن سلام، عن جده ممطور -أبو سلام الأسود الحبشي- عن أبي أمامة به. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. وقال الهيثمي ١/ ١٧٦: رجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ ابن رجب في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٩٥، والألباني في «الصحيحة» (٥٥٠): إسناد جيد -صحيح- على شرط مسلم. ملحوظة: قول المصنف: وشاهده حديث أبي أمامة .. إلى آخره، هو من كلام الحاكم، كما في «المستدرك» ٢/ ١٣ من قوله: صحيح الإسناد، إلى نهاية حديث أبي أمامة. (٢) رواه من هذا الطريق عبد الله بن المبارك في «الزهد» (٨٢٤، ١١٦٢)، ومن طريقه أبو نعيم الأصبهاني في «معرفة الصحابة» ٤/ ١٨٥٨ - ١٨٥٩ (٤٦٨٠)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٣٥/ ٤٤١ - ٤٤٢، وذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٩٦ وعزاه للبغوي في «معجم الصحابة» وقال: قال البغوي: لا أدري عبد الرحمن بن معاوية سمع من النبي - ﷺ - أم لا؟ ولا أعلم له غير هذا الحديث. قلت: عبد الرحمن هذا تابعي مشهور، فحديثه مرسل. اهـ بتصرف يسير. وهذا ما جزم به الحافظ في «الإصابة» ٣/ ١٥٥ (٦٧١١) أنه ليست له صحبة. وهو ما رجحه الحافظ مغلطاي في «الإنابة» ٢/ ٢٩ (٦٧٧). = وحديث عقبة في المرأة السوداء انفرد به البخاري؛ بل لم يخرج مسلم في «صحيحه» عن عقبة هذا شيئًا. وللترمذي: فجاءت امراة سوداء فقالت: إني أرضعتكما، وهي كاذبة. فقال - ﷺ -: «دعها عنك» (١) وسلف في الرحلة في المسألة النازلة، من كتاب العلم (٢)، وسيأتي في النكاح (٣)، وفي باب إذا شهد شاهد، فقال آخرون: ما علمنا بذلك (٤). وحديث: «احتجبي منه يا سودة» أخرجاه (٥). وحديث عدي تقدم في الطهارة في آخر باب: الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (٦)، وذكره هنا؛ لأجل قوله: «إنما سميت عَلَى كلبك ولم تسم عَلَى غيره»، ويأتي في الصيد إن شاء الله (٧). وحديث أنس في التمرة أخرجه مسلم أيضًا (٨). وتعليق أبي هريرة الذي قَالَ فيه: وقال همام عنه، عن رسول الله - ﷺ - قَالَ: «أجد تمرة ساقطة عَلَى فراشي» وهذا سيأتي مسندًا في اللقطة (٩). --------- = والحديث صححه العلامة الألباني في «الصحيحة» (٢٢٣٠) وقال: إسناده مرسل صحيح، رجاله ثقات، فإن ابن لهيعة صحيح الحديث إذا روى عن العبادلة. وابن المبارك أحدهم. (١) الترمذي (١١٥١). (٢) تقدم برقم (٨٨). (٣) يأتي برقم (٥١٠٤) باب: شهادة المرضعة. (٤) يأتي برقم (٢٦٤٠) كتاب: الشهادات. (٥) يأتي برقم (٢٤٢١)، مسلم (١٤٥٧/ ٣٦). (٦) تقدم برقم (١٧٥). (٧) يأتي برقم (٥٤٧٥ - ٥٤٧٧، ٥٤٨٣، ٥٤٨٥، ٥٤٨٧). (٨) مسلم (١٠٧١). (٩) يأتي برقم (٢٤٣٣) باب: إذا وجد تمرة ساقطة. وأخرجه مسلم أيضًا (١). وللحاكم مثله من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده مرفوعًا نحوه، وقال: صحيح الإسناد (٢). وللترمذي عن عطية السعدي مرفوعًا: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حَتَى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به بأس» ثم قَالَ: حسن غريب (٣). وحديث عبد الله بن زيد سلف في الطهارة (٤). وابن أبي حفصة (خ. م. س) هو أبو سلمة محمد بن ميسرة البصري. وحديث: إن قومًا يأتوننا بلحم. انفرد به البخاري من حديث عائشة. وللدارقطني من حديث مالك، عن هشام، عن أبيه، عنها: أن ناسًا من أهل البادية يأتون بأجبان أو بلحمان لا ندري أسموا عليها أم لا، فقال - ﷺ -: «سموا عليها ثم كلوا» ثم قَالَ: تفرد به عبد الوهاب بن عطاء عن مالك متصلًا، وغيره يرويه عنه مرسلًا لا يذكر عائشة (٥). ----------- (١) مسلم (١٠٧٠). (٢) «المستدرك» ٢/ ١٤. ورواه عنه البيهقي في «الشعب» ٥/ ٥١ - ٥٢ (٥٧٤٤). (٣) الترمذي (٢٤٥١). ورواه أيضًا ابن ماجه (٤٢١٥)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٤٣٣ (٤٨٣)، والطبراني ١٧/ (٤٤٦)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ٢/ ٧٤ - ٧٥ (٩٠٩ - ٩١١)، والبيهقي في «السنن» ٥/ ٣٣٥، وفي «الشعب» ٥/ ٥٢ (٥٧٤٥)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٦/ ٣٢٠ من طريق أبي عقيل -عبد الله ابن عقيل- حدثنا عبد الله بن يريد، حدثني ربيعة بن يزيد وعطية بن قيس، عن عطية السعدي به. ورواه الحاكم ٤/ ٣١٩ بنحوه، لكن سقط من السند عبد الله بن يزيد. وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. والحديث ضعفه الألباني في «غاية المرام» (١٧٨)، وفي «ضعيف الترغيب» (١٠٨١)، وفي «ضعيف ابن ماجه» (٩٢٤). (٤) برقم (١٣٧، ١٧٧). (٥) رواه الدارقطني في «غرائب مالك»، كما سيعزوه المصنف -رحمه الله- في شرح الحديث الآتي برقم (٥٥٠٧). وهو في «الموطأ» ٢/ ١٩١ (٢١٤١) هكذا مرسلًا. وقال ابن عبد البر: لم يختلف عن مالك في إرساله فيما علمته، وقد أسنده جماعة عن هشام (١). قَالَ ابن أبي شيبة: حَدَّثنَا عبد الرحيم بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عنها. وقال حوثرة بن محمد: ثَنَا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه عنها، فذكرته (٢). وساقه البخاري خوفًا عَلَى الوسواس في المكاسب إذ لا فرق بينهما. إذا تقرر ذَلِكَ: فـ (يريب) في أثر حسان بفتح الياء، قَالَ أبو العباس: يقال: رابني الشيء: إذا تبينت منه الريبة، وأرابني: إذا لم أتبينها، وقال غيره: أراب في نفسه وراب غيره. ورابني أفصح من أرابني. وحسان هذا عابد، روى عن الحسن، وعنه ابن شوذب وغيره (٣). وقد أسلفنا في الباب قبلُ: الشبهات ما تنازعته الأدلة وتجاذبته المعاني وتساوت فيه الأدلة، ولم يغلب أحد الطرفين صاحبه. وبيان ذَلِكَ في حديث عقبة بن الحارث. وذلك أن الجمهور ذهبوا إلى أنه - ﷺ - أفتاه بالتحرز من الشبهة وأمره ---------- (١) «التمهيد» ٢٢/ ٢٩٨. وقال في «الاستذكار» ١٥/ ٢١٢: ورواه مرسلًا كما رواه مالك- ابن عيينة ويحيى القطان وسعيد بن عبد الرحمن، وعمرو بن الحارث، عن هشام بن عروة، عن أبيه، لم يتجاوزوه. قلت: وحماد بن سلمة، رواه أبو داود (٢٨٢٩). قال الألباني في «صحيح أبي داود» ٨/ ١٧٨: ومالك وإن توبع على إرساله فالحكم لمن وصل؛ لأنهم جماعة من الثقات. وسيذكر المصنف -رحمه الله- زيادة بيان وتفصيل في هذِه المسألة في شرح حديث (٥٥٠٧)، وانظر: «الفتح» ٩/ ٦٣٤ - ٦٣٥. (٢) «المصنف» ٥/ ١٣١ (٢٤٤٢٧). (٣) انظر: «تهذيب الكمال» ٦/ ٢٦ (١١٩٠). بمجانبة الريبة؛ خوفًا من الإقدام عَلَى فرج يخاف أن يكون الإقدام عليه ذريعة إلى الحرام؛ لأنه قد قام دليل للتحريم بقول المرأة: أنا أرضعتهما. لكن لم يكن قاطعًا ولا قويًّا؛ لإجماع العلماء أن شهادة امرأة واحدة لا يجوز في مثل ذَلِكَ. كذا ادعاه ابن بطال (١)، وقد أفسدناه في كتاب: العلم، لكن أشار عليه الشارع بالأحوط، يدل عليه أنه لما أخبره أعرض عنه، فلو كان حرامًا لما أخبرها وأعرض عنه بل كان يجيبه بالتحريم، فلما كرر عليه مرة بعد أخرى أجابه بالورع. وأما حديث: «احتجبي منه» وهو حديث عائشة فالكلام عليه من أوجه: أحدها: في الأسماء الواقعة فيه: سعد بن أبي وقاص -مالك- بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب الزهري أحد العشرة فارس الإسلام، أسلم سابع سبعة، مات سنة خمس وخمسين (٢). وعبد بن (موسى) (٣) عامري من السادات. وزمعة -بفتح الميم وإسكانها وهو الأكثر (٤) - أمه عاتكة بنت الأخيف (٥) بن علقمة، ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ١٩٥. (٢) تقدمت ترجمة سعد في حديث (٢٧). (٣) كذا بالأصل، والصواب: (زمعة). (٤) قال النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٣١٠ - ٣١١: زمعة بفتح الميم وإسكانها وجهان مشهوران. (٥) وقع في بعض المصادر: (الأحنف) بالحاء المهملة والنون. وهو تصحيف، والصواب: (الأخيف) بالخاء المعجمة والياء: كذا ضبطه ابن ماكولا في «الإكمال» ١/ ٢٦، وابن ناصر الدين في «توضيح المشتبه» ١/ ١٦٦، والحافظ في «تبصير المنتبه» ١/ ٩ - ١٠، وفي «الإصابة» ٢/ ٤٣٣ ترجمة عبد بن زمعة (٥٢٧٣) قال: أمهما: عاتكة بنت الأخيف بخاء معجمة بعدها مثناة تحتانية. وهو (١) أخو سودة -أم المؤمنين- لأبيها، وأخوه لأبيه عبد الرحمن بن زمعة المبهم (٢) في هذا الحديث (٣)، وأخوه لأمه: قرظة بن عمرو بن نوفل بن عبد مناف (٤)، وعتبة بن أبي وقاص، ذكره العسكري في الصحابة، وقال: كان أصاب دمًا في قريش، وانتقل إلى المدينة قبل الهجرة، ومات في الإسلام. وكذا قَالَ أبو عمر. وجزم به الذهبي في «معجمه» (٥) فأخطأ. ولم يذكره الجمهور في الصحابة. وذكره ابن منده فيهم. واحتج بوصيته إلى أخيه سعد بابن وليدة زمعة، وأنكره أبو نعيم. قَالَ أبو نعيم: وهو الذي شج وجه رسول الله - ﷺ - وكسر رباعيته يوم أحد، وما علمت له إسلامًا ولم يذكره أحد من المتقدمين في الصحابة. ---------- (١) ورد تعليق على الكلمة نصه: أي: زمعة. (٢) هو عبد الرحمن بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤي القرشي العامري. انظر تمام ترجمته في «معجم الصحابة» ٢/ ١٦٢ (٦٣٨)، «الاستيعاب» ٢/ ٣٧٦ (١٤٢١)، و«أسد الغابة» ٣/ ٤٤٨ (٣٣٠٥)، و«الإصابة» ٣/ ٦٨ (٦٢١٠). وسيأتي ذكره. (٣) صرح بذلك ابن عبد البر وابن الأثير والحافظ في المصادر الثلاثة السابقة. وكذا أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٤/ ١٨٢٤ (١٨٢٤) لكنه خلط في نسبه -تبعًا لابن منده- فجعله من بني أسد بن عبد العزى، وليس كذلك. (٤) ترجمه الحافظ في «الإصابة» ٣/ ٢٣١ (٧٠٩٧)، وكذا في ترجمة ابنته فاختة بنت قرظة ٤/ ٣٧٣ (٨١٦) وذكر في الموضعين: قرظة بن عبد عمرو بن نوفل، بزيادة: (عبد) قبل عمرو، لا كما ذكر المصنف. وينظر ترجمة عبد بن زمعة في: «معرفة الصحابة» ٤/ (١٨٩٦) و(١٩٣٣)، و«الاستيعاب» ٢/ ٣٦٤ (١٣٩٠)، و«أسد الغابة» ٣/ ٥١٥ (٣٤٣٦)، و«الإصابة» ٢/ ٤٣٣ (٥٢٧٢). (٥) ورد تعليق على الكلمة نصه: يعني: «تجريده». وقيل: إنه مات كافرًا (١). وروى معمر، عن عثمان الجزري، عن مقسم أن عتبة لما كسر رباعية رسول الله - ﷺ - دعا عليه فقال: «اللَّهُمَّ لا يحول عليه الحول حَتَّى يموت كافرًا» فما حال عليه الحول حَتَّى مات كافرًا (٢). وذكر الزبير أنه أصاب دمًا في قريش، فانتقل إلى المدينة قبل الهجرة واتخذ بها منزلًا ومالًا، ومات في الإسلام، وأوصى لأخيه سعد، وأمه هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة. وعتبة هذا أخو سعد لأبيه (٣)، وكذلك خالدة (٤) أخت سعد لأبيه، وأخوه لأبيه وأمه: عمر -------- (١) «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٣٨ (٢٢٢٦). وقال الحافظ ابن عبد البر في «الدرر في اختصار المغازي والسير» ص ١٤٨ في الحديث عن غزوة أحد: وجرح رسول الله - ﷺ - في وجهه وكسرت رباعيته اليمنى السفلى بحجر، وهشمت البيضة على رأسه - ﷺ -، وكان الذي تولى ذلك عمرو بن قمئة وعتبة بن أبي وقاص. وروى عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ١٣٥ (٤٥٢)، ومن طريقه الطبري ٣/ ٤٣٢ (٧٨١٤) عن قتادة: أن رباعية رسول الله - ﷺ - أصيبت يوم أحد، أصابها عتبة بن أبي وقاص، وشجه في جبهته .. الحديث. (٢) رواه أبو نعيم في «المعرفة» ٤/ ٢١٣٨ (٥٣٦٥). ورواه أيضًا الطبري ٣/ ٤٣٢ - ٤٣٣ (٧٨١٥). كلاهما من طريق عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٢٩٠ - ٢٩١ (٤٦٤٩)، وفي «التفسير» ١/ ١٣٦ (٤٥٥) عن معمر به. قال الحافظ في «التهذيب» ٣/ ٥٤: سنده منقطع. وقال في «الفتح» ١٢/ ٣٣: مرسل. ورواه أبو نعيم أيضًا في «المعرفة» (٥٣٦٦) من وجه آخر عن سعيد بن المسيب، بنحوه. (٣) ينظر تمام ترجمة عتبة بن أبي وقاص في: «أسد الغابة» ٣/ ٥٧١ (٣٥٥٦)، و«الإنابة» ٢/ ٥٣ (٧٢٥)، و«الإصابة» ٣/ ١٦١ (٦٧٥٠). (٤) هي خالدة بنت أبي وقاص، أم جابر بن سمرة بن جنادة بن جندب، انظر: «معجم الطبراني الكبير» ٢/ ١٩٤ (١٧٨٨)، و«معرفة الصحابة» ٢/ ٥٤٤ (٤٥٣)، و«الاستيعاب» ١/ ٢٩٦ - ٢٩٧ (٣٠٣)، و«أسد الغابة» ١/ ٣٠٤ (٦٣٨)، و«الإصابة» ١/ ٢١٢ (١٠١٨). وعامر (١)، أمهم حمنة بنت سفيان بن أمية. وقال ابن التين: فيه: وصية الكافر إلى المسلم؛ لأن عتبة كان كافرًا، وأن للمسلم قبولها. وذكر بعده أيضًا أنه مات كافرًا، وبه جزم الدمياطي أيضًا. والغلام المتنازع فيه اسمه عبد الرحمن -كما سلف- بن زمعة بن قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي بن غالب بن فهر، وأمه امرأة يمانية، وله عقب بالمدينة، وله ذكر في الصحابة (٢). وهذِه المخاصمة كانت عام الفتح كما أخرجه البخاري في الفرائض (٣). وسودة إحدى أمهات المؤمنين، تزوجها بعد خديجة، وماتت في آخر خلافة معاوية (٤). ثانيها: في ألفاظه: (الوليدة): الجارية، وجمعها: ولائد. قَالَ ابن داود من أصحابنا: وهو اسم لغير أم الولد. وقال الجوهري: (الوليدة): الصبية والأمة (٥). وقوله: («يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ») يجوز في ابن رفعه عَلَى النعت ونصبه عَلَى الموضع، ويجوز لك في عبد ضم داله عَلَى الأصل وفتحه إتباعًا --------- (١) انظر: ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٣٤٧ (١٣٥٣)، و«أسد الغابة» ٣/ ١٤٦ (٢٧٤٦)، و«الإصابة» ٢/ ٢٥٧ (٤٤٢٣). (٢) تقدم ذكره ونسبه، وانظر: «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ٢٩٦ (٣٤٧). (٣) سيأتي برقم (٦٧٤٩) باب: الولد للفراش حرة كانت أو أمة. (٤) انظر: ترجمتها في: «طبقات ابن سعد» ٨/ ٥٥، و«معرفة الصحابة» ٦/ ٣٢٢٧ (٣٧٥٢)، و«الاستيعاب» ٤/ ٤٢١ (٣٤٢٨)، و«أسد الغابة» ٧/ ١٥٧ (٧٠٢٧)، و«الإصابة»٤/ ٣٣٨ (٦٠٦). (٥) «الصحاح» ٢/ ٥٥٤. ![]()
__________________
|
|
#397
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (14) من صـــ 51 الى صـــ 70 الحلقة (397) لنون ابن. وزمعة باسكان الميم عَلَى الأكثر كما مضى. واختلف في معنى قوله: («هُوَ لَكَ يَا عَبْدُ») عَلَى قولين: أحدهما: معناه: هو أخوك، قضاء منه - ﷺ - بعلمه لا باستلحاق عبد له؛ لأن زمعة كان صهره - ﷺ -، وسودة ابنته كانت زوجته فيمكن أن يكون - ﷺ - علم أن زمعة كان يمسها. والثاني: معناه: هو لك يا عبد ملكًا؛ لأنه ابن وليدة أبيك، وكل أمة تلد من غير سيدها فولدها عبد، ولم يقر زمعة ولا شهد عليه، والأصول تدفع قول ابنه فلم يبق إلا أنه عبد تبعًا لأمه، قاله ابن جرير. وقال الطحاوي: معنى: «هُوَ لَكَ» أي: بيدك لا ملك له، لكنك تمنع منه غيرك، كما قَالَ للملتقط في اللقطة: «هي لك» (١) أي: بيدك تدفع عنها غيرك حَتَّى يأتيها صاحبها، لا أنها ملك لك. ولا يجوز أن يضاف إلى رسول الله - ﷺ - أنه جعله ابنا لزمعة وأمر أخته أن تحتجب منه، لكن لما كان لعبد شريك فيما ادعاه وهو سودة، ولم يعلم منها تصديقه ألزم - ﷺ - عبدًا بما أقر به، ولم يجعله حجة عَلَى سودة، ولم يجعله أخاها، وأمرها أن تحتجب منه (٢). قلت: فيه نظر، وسيأتي الجواب عن احتجابها منه، وليس بمحال. ويؤيد الأول رواية البخاري في المغازي: «هو لك، هو أخوك يا عبد ابن زمعة» (٣) من أجل أنه ولد عَلَى فراشه. لكن في «مسند أحمد» و«سنن النسائي»: «ليس لك بأخ» (٤). واختلف في تصحيحها؛ --------- (١) سبق برقم (٩١) ويأتي برقم (٢٣٧٢)، ورواه مسلم (١٧٢٢/ ٥). (٢) «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٣٧ - ٣٨ (تحفة). (٣) يأتي برقم (٤٣٠٣) باب: من شهد الفتح. (٤) «المسند» ٤/ ٥٥ من طريق سفيان الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن ابن = فأعلها البيهقي (١) والمنذري (٢) والمازري (٣)، وأما الحاكم فاستدركها وصحح إسنادها (٤). -------- = الزبير، أن زمعة كانت له جارية .. الحديث. و«سنن النسائي» ٦/ ١٨٠ - ١٨١ من طريق جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير -مولى لهم- عن عبد الله بن الزبير قال: كانت لزمعة جارية يطؤها .. لحديث. فسقط من سند أحمد يوسف بن الزبير. ورواه من طريق أحمد، عبد الرزاق في «المصنف» ٧/ ٤٤٣ (١٣٨٢٠) -وهو الذي رواه أحمد عنه- والطحاوي في «المشكل» كما في «التحفة» ٤/ ٣٩ (٢٢٨٣). ورواه من طريق النسائي، أبو يعلى ١٢/ ١٨٧ (٦٨١٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٣/ ١١٥، وفي «المشكل» (٢٢٨٤)، والدارقطني ٤/ ٢٤٠، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٩٦ - ٩٧ - وسيأتي- والبيهقي ٦/ ٨٧، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٤٢٥، والذهبي في «ميزان الاعتدال» ٦/ ١٣٩. (١) قال في «السنن» ٦/ ٨٧: إسناد هذا الحديث لا يقاوم إسناد الحديث الأول يقصد حديث عائشة الذي هو حديث الباب؛ لأن الحديث الأول رواته مشهورون بالحفظ والفقه والأمانة، والحديث الآخر في رواته من نسب في آخر عمره إلى سوء الحفظ، وهو جرير بن عبد الحميد، وفيهم من لا يعرف بسبب يثبت به حديثه، وهو يوسف بن الزبير. وقال في «المعرفة» ٨/ ٢٩٨: لم يثبت إسناده. (٢) قال في «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ١٨٢: هذِه الزيادة لا نعلم ثبوتها ولا صحتها. (٣) قال في «المعلم بفوائد مسلم» ١/ ٤٣١: دعواهم في بعض الطرق: أنه لما أمر سودة بالاحتجاب منه قال: ليس بأخ لك، رواية لا تصح وزيادة لا تثبت. وقال الخطابي في «معالم السنن» ٢/ ٧٠٥: في بعض الروايات: «احتجبي منه فإنه ليس لك بأخ». وليس بالثابت. وقال النووي في «شرح مسلم» ١٠/ ٣٩: قوله: «ليس بأخ لك»، لا يعرف في هذا الحديث، بل هي زيادة باطلة مردودة. (٤) «المستدرك» ٤/ ٩٦ - ٩٧. وقال الذهبي في «الميزان» ٦/ ١٣٩: حديث صحيح الإسناد. = وقال بعضهم الرواية فيه: «هو لك عبد» بإسقاط حرف النداء الذي هو ياء، أي: هو وارثه، فيرث هذا الولد وأمه. وهي غير صحيحة، ثم عَلَى تقدير صحتها قد يكون المراد: يا عبد، فحذف حرف النداء كقوله: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]. وقوله: («الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ») أي: لصاحب الفراش. وكذا أخرجه في الفرائض البخاري من حديث أبي هريرة وترجم عليه وعلى حديث عائشة: الولد للفراش حرة كانت أو أمة (١). والعاهر: الزاني. ومعنى له الحجر: الخيبة ولا حق له في الولد. وقد أوضحت شرح هذا الحديث في شرحي «للعمدة» فليراجع منه (٢). وانفرد أبو حنيفة فقال: لا تصير الأمة فراشًا إلاِ إذا ولدت ولدًا (٣) واستلحقه فما يأتي بعد ذَلِكَ يلحقه إلا أن ينفيه. ومقصود البخاري بإيراده هنا استعمال الورع في الأمر الثابت في ظاهر الشرع، والأمر للاحتياط حيث أمرها بالاحتياط ورعًا. وقوله: (مِنْ شَبَهِهِ) بفتح الشين والباء وبكسر الشين وسكون الباء. وادعى الداودي أن هذا الحديث ليس من الباب في شيء؛ لأنه يحكم ----------- = وذكر الحافظ في «الفتح» ١٢/ ٣٧ تضعيف الخطابي والنووي لهذِه الزيادة وقال: وتعقب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير عند النسائي بسند حسن، فرجال سنده رجال الصحيح، إلا شيخ مجاهد، وهو يوسف مولى آل الزبير. وذكر تعليل البيهقي، وتعقبه بما يرده، فلينظر. وكذا تعقبه ابن التركماني في «الجوهر» ٦/ ٨٧ بما يرده. (١) يأتيا برقمي (٦٧٤٩ - ٦٧٥٠). (٢) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٨/ ٤٥٨ - ٤٨٠. (٣) «بدائع الصنائع» ٤/ ١٢٦، ٦/ ٢٤٤. فيه بالشبه وبقول القافة. وليس كما زعم بأنه تفسير للشبهات. واحتج لابن القاسم عَلَى عبد الملك بقوله: («احْتَجِبِي») في قوله: إن الزاني لا ينكح ابنته. قالوا: فلو لم يراعِ الزاني، لما أمرها أن تحتجب. وأجيب بأن ذَلِكَ من باب الستر، وللرجل أن يمنع زوجته رؤية أخيها. تنبيهات: أحدها: روى الطحاوي من حديث عروة، عن عكرمة، عن عبد الله ابن زمعة أنه خاصمه رجل إلى رسول الله - ﷺ - في ولد ولد عَلَى فراش أبيه؛ فقال - ﷺ -: «الولد للفراش واحتجبي منه يا سودة» (١) قَالَ: والأول أولى لموافقة الجماعة؛ ولأن عبد الله بن زمعة لم يعلم له حديث عن رسول الله - ﷺ - سوى حديث الوليدة. وعبد الله بن زمعة -الذي روى عنه عروة أمر النبي - ﷺ - باستخلاف أبي بكر عَلَى الصلاة (٢). ---------- (١) «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٣١ - ٣٢ (٢٢٧٣) «تحفة». وإسناده: حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي، حدثنا الهيثم بن جميل، عن حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة. فالحديث عن عروة عن عبد الله بن زمعة، ليس فيه ذكر لعكرمة كما ذكر المصنف -رحمه الله- فيبدو أنه سبق قلم. والله أعلم. (٢) «شرح المشكل» ٤/ ٣٤ (٢٢٧٧). ورواه أيضًا أبو داود (٤٦٦٠)، وأحمد ٤/ ٣٢٢، وابن أبي عاصم في «السنة» (١١٦١)، والطبراني في «الكبير» ١٣ (٢١٣)، وفي «الأوسط» ٢/ ١١ - ١٢ (١٠٦٥)، والحاكم في «المستدرك» ٣/ ٦٤٠ - ٦٤١، والضياء في «المختارة» ٩/ ٣٥٦ - ٣٥٨ (٣٢٢ - ٣٢٤) من طريق محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن زمعة بن الأسود قال: لما ثقل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة قال: مروا من يصلي بالناس، … الحديث بطوله. قال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. وقال الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (٤٤٠٦): إسناده جيد. وحديث عاقر الناقة (١) -ليس هو بابن زمعة أخي سودة، إنما هو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب (٢). ثانيها: ذكر ابن الجوزي: إذا مات السيد ولم يكن ادعاه ولا أنكره فادعاه ورثته لحق به، إلا أنه لا يشارك مستلحقيه في ميراثهم إلا أن يستلحق قبل القسمة، فإن كان أنكره فلا إلحاق. وكان سعد يقول: هو ابن أخي، يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وكان عبد يقول: هو أخي ولد عَلَى فراشه، يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإسلام، فقضى به - ﷺ - إبطالًا لحكم الجاهلية. ثالثها: يؤخذ من قوله: «احتجبي منه يا سودة» أن من فجر بامرأة حرمت عَلَى أولاده، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد والأوزاعي والثوري، وهو قول لنا لأنه لما رأى الشبه بعتبة فأجراه مجرى النسب، والأظهر عندنا وعن مالك وأبي ثور: لا، والاحتجاب للتنزيه (٣). ويحتمل كما قَالَ القرطبي أن يكون ذَلِكَ لتغليظ أمر الحجاب في حق سودة. وكذلك قَالَ في حفصة وعائشة في حق ابن أم مكتوم: «أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه» (٤)، وقال لفاطمة بنت قيس: -------- (١) «شرح المشكل» ٤/ ٣٣ (٢٢٧٥). وسيأتي الحديث برقم (٣٣٧٧، ٤٩٤٢)، ورواه مسلم (٢٨٥٥). (٢) «شرح مشكل الآثار» ٤/ ٣٢ - ٣٤ تحفة. وانظر: ترجمة عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي في: «معرفة الصحابة» ٣/ ١٦٥٣ (١٦٣٨)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٣ (١٥٥٥)، و«أسد الغابة» ٣/ ٢٤٥ (٢٩٤٩)، و«الإصابة» ٢/ ٣١١ (٤٦٨٤). (٣) «المنتقى» ٦/ ١٠، «الفروع» ٥/ ٥٢٦. (٤) رواه أبو بكر الشافعي في «الفوائد» ٢١/ ٤ - ٥، كما في «الإرواء» ٦/ ٢١١ من طريق وهب بن حفص نا محمد بن سليمان نا معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أبي = «انتقلي إلى بيت ابن أم مكتوم تضعين ثيابك عنده» (١) فأباح لها ما منعه لأزواجه (٢). قلت: بل هما أم سلمة وميمونة، لا حفصة وعائشة (٣). رابعها: قول عبد: (أَخِي) تمسك به الشافعي عَلَى أن الأخ يجوز أن يستلحق الوارث نسبًا لمورثه بشرط حوزه للإرث، إذ يستلحقه الكل وبشرط الإمكان وغير ذَلِكَ مما هو مذكور في الفروع، وهي موجودة في الولد المذكور حين استلحقه عنده. وتأوله أصحابنا بتأويلين: أحدهما: أن سودة أخت عبد استلحقته معه ووافقته في ذَلِكَ حَتَّى يكون كل الورثة مستلحقين. -------- = عثمان، عن أسامة قال: كانت عائشه وحفصة عند النبي - ﷺ - جالستين فجاء ابن أم مكتوم .. الحديث. قلت -أي: الألباني-: وهذا سند واه جدًّا، حفص هذا كذبه أبو عروبة، وقال الدارقطني: كان يضع الحديث ا. هـ. والحديث رواه: أبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٨) وأحمد ١/ ٢٩٦ عن أم سلمة أنها كانت عند رسول الله - ﷺ - فأقبل ابن أم مكتوم .. الحديث. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وضعفه الألباني في «الإرواء» (١٨٠٦). ملحوظة: قال الألباني: حفص، وفي الإسناد وهب بن حفص وهو الصحيح. انظر ترجمته في «لسان الميزان» ٦/ ٢٢٩ وكلام ابن أبي عروبة والدارقطني فيه. (١) رواه مسلم (١٤٨٠/ ٣٧) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها. (٢) «المفهم» ٤/ ١٩٧ - ١٩٨. (٣) سيأتي تخريج حديث: «أفعمياوان أنتما» هذا في حديث (٥٢٣٦) كتاب: النكاح، باب: نظر المرأة إلى الحبش ونحوهم من غير ريبة. وذلك لأن المصنف -رحمه الله- سيذكر هذا الحديث هناك بشيء من التفصيل، مصححًا له، وفيما ذكرنا من تخريجه رد على المصنف في تخطئته القرطبي إن كان القرطبي قصد ما في «الفوائد». والله أعلم. ثانيهما: أن زمعة مات كافرًا فلم ترثه سودة كما سلف وورثه عبد. وقال مالك: لا يستلحق إلا الأب خاصة (١)، واعتذر عنه بأنه - ﷺ - لعله علم أنه بالفراش. خامسها: قَالَ الطحاوي: جعل بعض الناس دعوى سعد دعوى ادعاها لأخيه من أمةٍ لغيره لا تزويج بينهما (٢)، وليس كما قَالَ؛ لأنه أعلم من أن يدعي دعوى لا معنى لها، ووجه دعواه أن أولاد البغايا في الجاهلية قد كانوا يُلحقونهم في الإسلام بمن ادَّعاهم، وقد كان عمر بن الخطاب يحكم بذلك عَلَى بعده من الجاهلية، فكيف في عهده - ﷺ - مع قربه من الجاهلية! فإن ما ادَّعى سعد ما كان يحكم له به؛ لأنه بمنزلة أخيه في ذَلِكَ الذي قد توفي بعهده فيه؛ لولا أن عبد بن زمعة قابل دعواه بدعوى توجب عتاقه للمدِّعي فيه؛ لأنه كان يملك بعضه بكونه ابن أمة أبيه، فلما ادَّعى الأخوة عتق منه حظه، وكان ذَلِكَ هو الذي أبطل دعوى سعد فيه لا لأنها كانت باطلة، ولم يكن من سودة تصديق لأخيها عبد عَلَى ما ادَّعاه من ذَلِكَ، فألزمه رسول الله - ﷺ - ما أقر به في نفسه وخاطبه بقوله: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ» ولم يجعل ذلك حجة عليها، وأمرها بالحجاب منه، إذ لم يجعله أخاها، وكيف يجوز أن يجعله أخاها ويأمرها بالاحتجاب منه، وهو قد أنكر عَلَى ذَلِكَ احتجابها من عمها من الرضاعة (٣)؟ فائدة: لا خلاف أن من مات وبيده عبد فادَّعى بعض بني المتوفي أنه أخوه أنه لا يثبت له بتلك الدَّعوى نسب من المتوفي، وأنه يدخل مع المدعي في ميراثه عند أكثر أهل العلم، وإن كان ما يدخل منه مختلفًا -------- (١) انظر: «المنتقى» ٦/ ٧، ٨. (٢) «مشكل الآثار» ٤/ ٣٥ تحفة. (٣) سيأتي برقم (٢٦٤٤)، ورواه مسلم (١٤٤٥) والمذكورة في الحديث عائشة. في مقداره، ولا يدخل في قولِ أخرى في شيء مما بيده، منهم الشافعي، وحكي أنه قول جماعة من المدنيين. قَالَ الطحاوي: وقد روي عن عبد الله بن الزبير أنه كان لزمعة جارية يطؤها، وكان يظن برجل يقع عليها، فمات زمعة وهي حامل، فولدت غلامًا كان يشبه الرجل الذي يظن بها فذكرته سودة لرسول الله - ﷺ -، فقال: «أما الميراث فله وأما أنت فاحتجبي منه فإنه ليس بأخ لك» ففيه نفي الأخوة (١). واحتمل قوله: «أما الميراث فله» أن يكون المراد به الميراث الذي وجب له في قصة عبد بإقراره به لا فيما سواه من تركه زمعة. سادسها؛ فائدة: فيه -كما قَالَ أبو عمر-: الحكم بالظاهر إذ حكم للولد بالفراش ولم يلتفت للشبه، وكذلك حكم في اللعان بظاهر الحكم، ولم يلتفت إلى ما جاءت به عَلَى النعت المكروه. وحكم الحاكم لا يحل الأمر في الباطل لأمره سودة بالاحتجاب (٢). وأما حديث عدي فذكره هنا؛ لأنه - ﷺ - أفتاه بالشدة عن الشبهة أيضًا؛ خشية أن يكون الكلب الذي قتله غير مسمًّى عليه كما أسلفناه، فكأنه أهل به لغير الله، وقد قَالَ تعالى في ذَلِكَ ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١] فكانت في فتياه باجتناب الشبهات دلالة عَلَى اختيار القول في الفتوى بالأحوط في النوازل والحوادث المحتملة للتحليل والتحريم الذي لا يقف عَلَى حلالها وحرامها؛ لاشتباه أسبابها، وهذا معنى الحديث السالف: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (٣) أي: دع ما تشك فيه ولا تتيقن إباحته، وخذ ما لا يشك فيه ولا التباس، وقال ابن المنذر عن بعضهم: الشبهة تنصرف ثلاثة أقسام: ------ (١) «شرح معاني الاثار» ٣/ ١٥٥. (٢) «التمهيد» ٨/ ١٨٢. (٣) تقدم تخريجه أول الباب. أحدها: شيء يعلمه المرء حرامًا ثم يشك في حله، فالأصل التحريم إلا بيقين مثل الصيد حرام قبل ذكاته، ثم يشك في ذكاته. وحديث عدي شاهد له، وهو أصل لكل محرم حَتَّى يحل، ومن ذَلِكَ موت قريب عَلَى ما بلغه، وله جارية فيتوقف حَتَّى يتبين. وكذا إذا اشتبه عليه مذكًى بميتة، ولا مدخل للاجتهاد فيه عَلَى الأصح. ثانيها: شيء يعلمه حلالًا ثم يشك في تحريمه، فالأصل الحل، كجارية شك في عتقها، وزوجة شك في طلاقها. وحديث عبد الله بن زيد شاهد له (١). ثالثها: أن يشكل فلا يدري حله أو حرمته ويحتملان، فالأحسن التنزه كما فعل الشارع في التمرة الساقطة. وفيه: المعراض وهو عصا في طرفها حديدة يرمي الصائد بها الصيد، فما أصاب بحده فهو وجه ذكاته فيؤكل، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ، وهو المقتول بما لا حد له كالعصا والحجر. يقال: أَقِذُتها أقذها إذا أثخنتها ضربًا. وقَالَ أبو سعيد: الوقذ: الضرب عَلَى ما بين القفا فتصير هَدتها إلى الدماغ فتذهب العقل. وقال ابن فارس: الوقذ: شدة الضرب (٢). وفيه: دلالة عَلَى اعتبار التسمية في الصيد. وقد اختلف العلماء في تاركها عمدًا وسهوًا عَلَى ثلاثة أقوال، ثالثها: يفرق بين العامد والساهي، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأصحابه والثوري والحسن بن ---------- (١) يشير المصنف إلى حديث عبد الله بن زيد بن عاصم السالف برقم (١٣٧): أنه شكا إلى رسول الله - ﷺ - الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ فقال: «لا ينفتل -أو لا ينصرف- حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا». ويأتي بعد باب برقم (٢٠٥٦). (٢) «مجمل اللغة» ٤/ ٩٣٣. حي وإسحاق ورواية عن أحمد، وقال أشهب: يؤكل مطلقًا إلا أن يكون مستحقًّا. وحمل ابن القصار وابن الجهم قول مالك في العامد عَلَى الكراهية. وقال عيسى وأصبغ: هو حرام مطلقًا. وهو قول أبي ثور وداود. وقال الشافعي: هو حلال مطلقًا، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة. قَالَ ابن عبد البر: ولا أعلم أحدًا من السلف روي عنه المنع مطلقًا إلا محمد بن سيرين والشعبي، عَلَى خلاف فيه، ونافع (١). وأما حديث التمرة المسقوطة والساقطة، قد يأتي مفعول بمعنى فاعل كقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ [مريم: ٦١]، أي: آتيا، و﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] أي: ساترًا. وفيه: أن التمرة وغيرها من اللقط لا يعرف. وفيه: أنه لا يجب أن يتصدق بها. وفي «المدونة»: يتصدق بالطعام تافهًا كان أو غير تافه أعجب إليَّ إذا كان إن بقي خشي عليه الفساد. وقال مطرف: إن أكله غرِمَه وإن كان تافهًا. وهذا الحديث حجة عليه، قَالَ: وإن تصدق به فلا شيء عليه، ومذهبه تعريف اللقطة وإن قلت كالتمرة والدرهم، وكذا الشافعي لكن ليس كالكثير بل زمنًا يقل أسف صاحبه عليه غالبًا. وحكى ابن المنذر عن مالك: يعرفها سنة فإن كانت أقل من درهم إلاِ أن تكون اليسير مثل الفلس والجزرة فإنه يتصدق به من يومه ولا يأكله. وعن أبي حنيفة أن القليل عشرة دراهم. وقال ابن وهب: يعرفه أيامًا ثم يأكله إن كان فقيرًا أو يتصدق به إن كان مليًا. ---------- (١) «التمهيد» ٢٢/ ٣٠٢. وفيه: أنه لا يأكل الصدقة؛ لتخوفه أن يكون ذَلِكَ من الصدقة، وأنها حرام عليه، وقد سلف ذَلِكَ في الزكاة. قَالَ المهلب: تركها تنزهًا عنها؛ لجواز أن تكون من تمر الصدقة، وليس عَلَى أحد غيره بواجب أن يتبع (الجزازات) (١)؛ لأن الأشياء مباحة حَتَّى يقوم الدليل عَلَى الحظر، فالتنزه عن الشبهات لا يكون إلا فيما أشكل أمره، ولا يدرى أحلال هو أم حرام واحتملهما ولا دليل عَلَى أحدهما، ولا يجوز أن يحكم عَلَى من أخذ مثل ذَلِكَ أنه أخذ حرامًا؛ لاحتمال أن يكون حلالًا، غير أنا نستحب من باب الورع أن نقتدي برسول الله - ﷺ - فيما فعل في التمرة، وقد قَالَ لوابصة بن معبد حين سأله عن البر والإثم فقال: «البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في الصدر» كذا ساقه ابن بطال عن وابصة (٢)، والذي يحضرنا أنه قَالَ للنواس بن سمعان (٣). وقال ابن عمر: لا يبلغ أحد حقيقة التقوى --------- (١) كذا بالأصل، وفي «شرح ابن بطال» ٦/ ١٩٧، وفي «عمدة القاري» ٩/ ٢٥١: الجوازات. (٢) «شرح ابن بطال» ٦/ ١٩٨. (٣) حديث النواس رواه مسلم (٢٥٥٣) كتاب: البر والصلة، باب: تفسير البر والإثم. وحديث وابصة -هو ابن معبد- حديث مشهور معروف: رواه أحمد ٤/ ٢٢٨، والدارمي ٣/ ١٦٤٩ (٢٥٧٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ١/ ١٤٤ - ١٤٥، والحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (٥٥)، وكما في «إتحاف الخيرة المهرة» ١/ ٢٤٢ - ٢٤٣ (٣٥٩/ ١)، وأبو يعلى ٣/ ١٦٠ - ١٦٢ (١٥٨٦ - ١٥٨٧)، والطبراني في «الكبير» ٢٢ (٤٠٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٢٤، ٦/ ٢٥٥، والبيهقي في «الدلائل» ٦/ ٢٩٢ - ٢٩٣ من طريق حماد بن سلمة، عن الزبير أبي عبد السلام، عن أيوب بن عبد الله بن مكرز، عن وابصة، بنحوه. = حَتَّى يدع ما حاك في الصدر (١). فإن قلت: إذا وجدت التمرة في البيت فقد بلغت محلها وليست من الصدقة، قلت: كان - ﷺ - يؤتى بالتمر عند صرام النخل -كما ساقه البخاري عن أبي هريرة- وإن الحسن أو الحسين أخذ تمرة فجعلها في فيه، فطرحها من فيه (٢). وهذا أحسن من جواب القابسي أنه يحتمل أنه - ﷺ - كان يقسم الصدقة ثم ينقلب إلى أهله، فربما علقت تلك التمرة بثوبه فسقطت عَلَى فراشه فصارت شبهة. وفيه أيضًا: أن أموال المسلمين لا يحرم منها إلا ما له قيمة ويتشاح في مثله، وأما التمرة واللبابة من الخبز ونحوهما فقد أجمعوا عَلَى أخذها -------- = قال النووي في «المجموع» ٩/ ١٧٥ وفي «الأذكار» كما في «نيل الأوطار بتخريج أحاديث الأذكار» (١٢٥٥) وفي «رياض الصالحين» (٥٩١) وفي «الأربعين النووية» الحديث (٢٧): حديث حسن. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢٦٨٣): إسناده حسن. لكن الحديث أشار الحافظ ابن رجب لضعفه في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٩٤. وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٧٥: فيه أيوب بن عبد الله بن مكرز، قال ابن عدي: لا يتابع على حديثه، ووثقه ابن حبان. وقال البوصيري في «الإتحاف» ١/ ٢٤٣: مدار هذِه الطرق على أيوب بن عبد الله، وهو مجهول. وقال الألباني في «صحيح الترغيب» (١٧٣٤): حسن لغيره. اعتذار: ذكر شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٤٧٦ هذا الحديث وقال: هو في السنن! وهذا خطأ؛ فالحديث -كما في التخريج- ليس في شيء من السنن الأربعة، إلا في «سنن الدارمي». وجلَّ من لا يسهو، فالمصنف لم يحضره هذا الحديث وإنما عزاه لابن بطال! والله أعلم. (١) سلف معلقًا قبل حديث (٨) وسلف الكلام عليه هناك. (٢) سلف برقم (١٤٨٥). ورفعها من الأرض وإكرامها بالأكل دون تعريفها؛ استدلالًا بقوله: «لأَكَلْتُهَا» وأنها مخالفة لحكم اللقطة، وسيأتي ذَلِكَ في كتاب: اللقطة. وحديث أنس وحديث أبي هريرة يدل أنهما واقعتان، وجد تمرة في الطريق والثانية عَلَى فراشه. وأما حديث عائشة فإقراره لهم عَلَى هذا السؤال وجوابه لهم يدل عَلَى اعتبار التسمية إما عند الذبح أو عند الأكل، والتسمية عند الأكل مستحبة، وظاهره أنها تنوب عن التسمية عند الذكاة، لا كما نفاه ابن التين وابن الجوزي حيث قال: قوله: «سَمُّوا وَكُلُوا» ليس يعني أنه يجزئ عما لم يسم عليه ولكن؛ لأن التسمية عند الطعام سنة، ويستباح بها أكل ما لم يعرف أَسُمِّي عليه أم لا إذا كان الذابح ممن تصح ذكاته إذا سمى. قَالَ الداودي: أمر - ﷺ - ألا نظن بالمسلمين إلا خيرًا، وأن نحمل أمرهم عَلَى الصحة حَتَّى يتبين غيره. وقال مالك في «الموطأ»: هذا كان في أول الإسلام قبل أن تنزل آية التسمية (١). وقد روى ذَلِكَ مبينًا في حديث عائشة: أن الذابحين كانوا حديثي عهد بالإسلام وممن يصح أن لا يعلموا أن هذا شرع، وأما الآن فقد استبان ذَلِكَ حَتَّى لا نجد من لا يعلم أنها مشروعة، ولا نظن بالمسلمين تركها، فليسم إذا أكل، ويسمي الآكل لما يخشى من النسيان، قاله الداودي، وهي نزعة مالكية. وقال ابن بطال: في جواب هذا منه - ﷺ - من الأخذ بالحزم في ذَلِكَ؛ خشية أن ينسى الذي صاده التسمية، وإن كانت التسمية عند الأكل غير --------- (١) «الموطأ» ص ٣٠٢. واجبة، لما تقرر من فضل أهل ذَلِكَ القرن، وبعدهم عن مخالفة أمر الله ورسوله في ترك التسمية عَلَى الصيد (١). وإنما لم تدخل الوساوس في حكم الشهات المأمور باجتنابها لقوله - ﷺ -: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو تكلم» (٢) فالوسوسة ملغاة مطرحة لا حكم لها ما لم تستقر وتثبت. والمالكية حملوا حديث عبد الله بن زيد عَلَى المستنكح الذي يغتر به ذَلِكَ كثيرًا بدليل شكايته لرسول الله - ﷺ - ذَلِكَ. والشكوى إنما تكون من علة، فإذا كثر الشك في مثل ذَلِكَ وجب إلغاؤه وإطراحه؛ لأنه لو أوجب له - ﷺ - حكمًا؛ لما انفك صاحبه من أن يعود إليه مثل ذَلِكَ التخيل والظن فيقع في ضيق وحرج. وكذا حديث عائشة مثل هذا المعنى؛ لأنه لو حمل ذَلِكَ الصيد عَلَى أنه لم يذكر اسم الله عليه، لكان في ذَلِكَ أعظم الحرج، والمسلمون محمولون عَلَى السلامة، ولا ينبغي أن نظن بهم ترك التسمية، فتضعف الشبهة فيه، فلذلك لم يحكم بها وغلب الحكم بضدها، لأن المسلمين في ذَلِكَ الزمن كانوا من القرن الذين أُثني عليهم، فلا يتوجه إليهم سوء الظن في دينهم (٣). وكذا قَالَ أبو عمر: في الحديث من الفقه أن ما ذبحه المسلم ولا يدرى هل سمى عليه أم لا؟ أنه لا بأس به، وهو محمول عَلَى ---------- (١) «شرح ابن بطال» ٦/ ٢٠٠. (٢) رواه مسلم (١٢٧) عن أبي هريرة. (٣) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث ابن مسعود الآتي برقم (٢٦٥٢): «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم …» الحديث. ورواه مسلم (٢٥٣٣). ورواه مسلم أيضًا (٢٥٣٤ - ٢٥٣٦) من حديث أبي هريرة وعمران بن حصين وعائشة، بنحوه. أنه سمى، إذ المؤمن لا يظن به إلاِ الخير، وذبيحته وصيده أبدًا محمولة عَلَى السلامة حَتَّى يتبين غيره من تعمد ترك التسمية ونحوه، قَالَ: وبلغني أن ابن عباس سئل عن الذي نسي أن يسمي الله -عز وجل- عَلَى ذبيحته، قَالَ: يسمي الله ويأكل ولا بأس عليه (١). وقال مالك مثله. ومما يدل عَلَى بطلان قول من قَالَ: إن ذَلِكَ كان قبل نزول: ﴿وَلَا تَأكُلُو﴾ أن هذا الحديث كان بالمدينة، وأن أهل مكة باديتها هم الذين أشير إليهم بالذكر في الحديث. ولا يختلف العلماء أن الآية نزلت في الأنعام بمكة، وأن الأنعام مكية. قلت: لكن ذكر الثعلبي وغيره أن فيها ست آيات مدنيات نزلن بها. وأجمع العلماء عَلَى أن التسمية عَلَى الأكل إنما معناها التبرك لا مدخل لها في الذكاة بوجه من الوجوه. واستدل جماعة العلماء عَلَى أن التسمية ليست واجبة بهذا الحديث لما أمرهم بأكل ذبيحة الأعراب بالبادية، إذ يمكن أن يسموا ويمكن أن لا بجهلهم. ولو كان الأصل أن لا يؤكل من ذبائح المسلمين إلا ما صحت التسمية عليه لم يجز استباحة شيء من ذَلِكَ إلا بيقين من التسمية، إذ الفرائض لا تؤدى إلا بيقين، والشك والإمكان لا تستباح به المحرمات. قالوا: وأما قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١] فإنما خرج على تحريم الميتة وتحريم ما ذبح على النصب وأهل به لغير الله، قال ابن عباس: خاصمت اليهود رسول الله - ﷺ - وقالوا: أنأكل مما قتلنا ولا نأكل ------- (١) «التمهيد» ٢٢/ ٢٩٩ - ٣٠٣. وأثر ابن عباس رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٧٩ (٨٥٣٨، ٨٥٤١)، ٤/ ٤٨١ (٨٥٤٨)، والدارقطني ٤/ ٢٩٦، والحاكم ٤/ ٢٣٣، والبيهقي ٩/ ٢٣٩ من طرق عنه، وبألفاظ مختلفة. مما قتل الله. فأنزل ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ «الآية (١). -------- (١) رواه أبو داود (٢٨١٩)، والترمذي (٣٠٦٩)، والطبري في»تفسيره«٥/ ٣٢٨ (١٣٨٢٩)، والبيهقي ٩/ ٢٤٠، وابن عبد البر ٢٢/ ٣٠٠ - ٣٠١، والضياء في»المختارة«١٠/ ٢٥٥ - ٢٥٧ (٢٦٩ - ٢٧١) من طريق عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. ووقع عند الترمذي: أتى ناس النبي - ﷺ -، دون تعيين أنهم اليهود. ووقع عند الضياء في الحديث الثاني: إن المشركين قالوا. قال المنذري في»مختصر سنن أبي داود«٤/ ١١٣: عطاء بن السائب اختلفوا في الاحتجاج بحديثه، وأخرج له البخاري مقرونًا بجعفر بن أبي وحشية، وفي إسناده أيضًا عمران بن عيينة، قال أبو حاتم: لا يحتج بحديثه فإنه يأتي بالمناكير. اهـ. وقال شيخ الإسلام ابن القيم في»الحاشية«٤/ ١١٣ - ١١٤: هذا الحديث له علل: إحداها: أن عطاء بن السائب اضطرب فيه، فمرة وصله ومرة أرسله. الثانية: ذكر العلة الأولى التي ذكرها المنذري. الثالثة: ذكر العلة الثانية التي ذكرها المنذري. الرابعة: أن سورة الأنعام مكية باتفاق، ومجيء اليهود إلى النبي - ﷺ - إياه إنما كان بعد قدومه المدينة. وقال الحافظ ابن كثير في»التفسير«٦/ ١٥٦ - ١٥٧: الحديث فيه نظر من وجوه ثلاثة: أحدها: أن اليهود لا يرون إباحة الميتة حتى يجادلوا. الثاني: أن الآية من الأنعام وهي مكية. الثالث: أن الحديث رواه الترمذي بلفظ: أتى ناس النبي - ﷺ -، وقال: حسن غريب، وروي عن سعيد بن جبير مرسلًا. اهـ. وقال الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٥١٠): حديث صحيح، لكن ذكر اليهود فيه منكر. والمحفوظ أنهم المشركون أهـ. وروى أبو داود (٢٨١٨)، وابن ماجه (٣١٧٣)، والطبري ٥/ ٣٢٦ (١٣٨١٦)، والحاكم ٤/ ١١٣، ٢٣١، والبيهقي ٩/ ٢٤١ من طريق إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس في قوله ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ يقولون: ما ذبح الله فلا تأكلوا وما ذبحتم أنتم فكلوا، فأنزل الله -عز وجل- ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ والحديث قال عنه الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. = قَالَ أبو عمر: كذا في الحديث: اليهود، وإنما هم المشركون؛ لأن اليهود لا يأكلون الميتة كما ساقه ابن عباس مرة أخرى (١). والمخاصمة هي التي قَالَ تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية [الأنعام: ١٢١]. يريد قولهم: ما قتل الله تعالى. -------- = وقال الحافظ ابن كثير ٦/ ١٥٨: إسناده صحيح. وكذا قال الحافظ في «الفتح» ٩/ ٦٢٤. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٥٠٩). قال ابن كثير ٦/ ١٥٨: المحفوظ ما روي عن ابن عباس وليس فيه ذكر اليهود. اهـ بتصرف. (١) «التمهيد» ٢٢/ ٣٠١. وحديث ابن عباس تقدم تخريجه والكلام عليه. ٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] ٢٠٥٨ - حَدَّثَنَا طَلْقُ بْنُ غَنَّامٍ، حَدَّثَنَا زَائِدَةُ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ رضي الله عنه قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١] [انظر: ٩٣٦ - مسلم: ٨٦٣ - فتح: ٤/ ٢٩٦] ذكر فيه حديث حُصَيْنٍ -وهو ابن عبد الرحمن- عَنْ سَالِمٍ -وهو ابن أبي الجعد رافع- قَالَ: حَدَّثَنِي جَابِرٌ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - إِذْ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّأْمِ عِيرٌ، تَحْمِلُ طَعَامًا، فَالتَفَتُوا إِلَيْهَا، حَتَّى مَا بَقِيَ مَعَ رسول الله - ﷺ - إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، فَنَزَلَتْ: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]. هذا الحديث سلف بالإسناد المذكور في الجمعة، في باب: إذا نفر الناس عنه، فراجعه (١). وسلف تفسير الآية قريبًا (٢). وقال قتادة: لم يبق مع النبي - ﷺ - إلا اثنا عشر رجلًا وامرأة (٣). ----------- (١) سلف برقم (٩٣٦). (٢) يراجع أول كتاب: البيوع. (٣) رواه الطبري ١٢/ ٩٨ (٣٤١٤٠، ٣٤١٤٢). ٧ - باب مَنْ لَمْ يُبَالِ مِنْ حَيْثُ كَسَبَ المَالَ ٢٠٥٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ، الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ». [٢٠٨٣ - فتح: ٤/ ٢٩٦] ذكر فيه حديث المقبري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، لَا يُبَالِي المَرْءُ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَمِنَ، الحَلَالِ أَمْ مِنَ الحَرَامِ». هذا الحديث من أفراده. ونحوه حديث الحسن عن أبي هريرة أيضًا مرفوعًا: «يأتي عَلَى الناس زمان لا يبالي فيه أحد إلا آكل الربا فإن لم يأكله أصابه من غباره»، أخرجه الحاكم، ثم قَالَ: إن صح سماع الحسن من أبي هريرة فهذا حديث صحيح (١). ------- (١) «المستدرك» ٢/ ١١. ورواه أيضًا أبو داود (٣٣٣١)، والنسائي ٧/ ٢٤٣، وابن ماجه (٢٢٧٨) وأحمد ٢/ ٤٩٤، وأبو يعلى ١١/ ١٠٥ - ١٠٦ (٦٢٣٣)، ١١/ ١١٤ (٦٢٤١)، والبيهقي ٥/ ٢٧٥ - ٢٧٦، والخطيب في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» ٢/ ٩٣ (١٢٧٢)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٠/ ٤١٧ من طرق عن الحسن، به. قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (٢٨٦٤): اختلف في سماع الحسن من أبي هريرة، والجمهور على أنه لم يسمع منه. وقال في «مختصر سنن أبي داود» ٥/ ٨: الحسن لم يسمع من أبي هريرة، فهو منقطع. وقال الذهبي في «المهذب» ٤/ ٢٠٤٢: لم يصح؛ للانقطاع. وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (١١٦٧)، و«ضعيف الجامع» (٤٨٦٤). وهذا يكون لضعف الدين وعموم الفتن، وقد أخبر - ﷺ - أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا (١)، وأنذر بكثرة الفساد، وظهور المنكر، وتغير الأحوال، وذلك من أعلام نبوته. وفي الحديث: «من بات كالًّا من عمل الحلال بات والله عنه راضٍ، وأصبح مغفورًا له» (٢). و«طلب الحلال فريضة عَلَى كل مؤمن» (٣) ذكره (المنذري) من ----------- (١) رواه مسلم (١٤٥) عن أبي هريرة. (٢) روي من حديث ابن عباس والمقدام بن معدي كرب. حديث ابن عباس رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٢٨٩ (٧٥٢٠) بلفظ: «من أمسى كالًا من عمل يديه أمسى مغفورًا له». قال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٦٣: فيه جماعة لم أعرفهم، وضعفه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (١٦٦٠)، والألباني في «الضعيفة» (٢٦٢٦). وأما حديث المقدام فرواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ١٤/ ١٠ بلفظ: رأيت النبي - ﷺ - ذات يوم وهو باسط يديه وهو يقول: «ما أكل العبد طعامًا أحب إلى الله من كدّ يده، ومن بات كالًا من عمله بات مغفورًا له». قال الحافظ الذهبي في «السير» ١٤/ ٥٥٠، والألباني في «الضعيفة» (١٧٩٤): حديث منكر. وانظر الحديث الآتي قريبًا برقم (٢٠٧٢). (٣) روي من حديث عبد الله بن مسعود وأنس بن مالك وابن عباس وابن عمر. حديث ابن مسعود رواه الطبراني ١٠/ ٧٤ (٩٩٩٣)، وأبو الشيخ الأصبهاني في «طبقات المحدثين» ٣/ ٣٢٠ (٥١٠)، والأزدي في «من وافق اسمه» ص ٥١، وأبو الحسين الصيداوي في «معجم الشيوخ» ص ١٠٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٧/ ١٢٦، وفي «أخبار أصبهان» ٢/ ٣٣٩، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٠٤ (١٢٢)، والبيهقي في «السنن» ٦/ ١٢٨، وفي «الشعب» ٦/ ٤٢٠ (٨٧٤١)، والحافظ الذهبي في «السير» ١٥/ ٤٢٢، وفي «تذكرة الحفاظ» ٣/ ٩٠٢ من طريق يحيى بن يحيى، عن عباد بن كثير الرملي، عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: «طلب الحلال فريضة بعد الفريضة». = ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 0 والزوار 7) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |