|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#391
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائــد وأحكــام من قوله تعالى:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ.... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ....وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 231]. 1- إباحة الطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾. 2- وجوب العدة على المطلقات، وأن لها أجلًا؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾، فمن كانت تحيض فعدتها ثلاثة قروء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ ﴾ [البقرة: 228]، ومن كانت آيسة أو لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ ﴾ [الطلاق: 4]. ومن كانت ذات حمل فعدتها وضع حملها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]. 3- يجب على الرجل إذا طلق زوجته طلاقًا رجعيًّا، وقاربت انتهاء عدتها؛ إما مراجعتها ومعاشرتها بالمعروف، أو تخلية سبيلها بمعروف من غير تضييق عليها أو مضارتها؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ﴾. 4- ظاهر قوله تعالى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ جواز مراجعة الزوج لمطلقته الرجعية بعد بلوغ أجلها، بطهرها من الحيضة الثالثة. وبهذا قال جمع من الصحابة رضي الله عنهم وإليه ذهب الإمام أحمد- رحمه الله[1]. وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه لا رجعة له عليها بعد طهرها من الحيضة الثالثة، وقالوا: معنى ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾؛ أي: قاربن انتهاء عدتهن. 5- أن وجوب التعامل بين الزوجين بالمعروف ليس مقصورًا في حال تراجعهما واجتماعهما، بل هو واجب أيضًا بعد الطلاق وعند افتراقهما، لإزالة ما في النفوس وليأخذ كل منهما سبيله وهو في حل من الآخر، إذ قد لا يلتقيان بعد ذلك. وهكذا يجب على جميع المسلمين التعامل بينهم بالمعروف في حال الاجتماع والوفاق، وفي حال الاختلاف والفراق للتخفف من تبعات ذلك يوم القيامة. 6- تحريم إمساك المطلقات ومراجعتهن قبل نهاية عدتهن بقصد المضارة لهن والتضييق عليهن بطول العدة، وغير ذلك؛ لما في ذلك من الاعتداء عليهن وظلمهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾. 7- تحريم المضارة مطلقًا؛ لأنها من الاعتداء على الغير، ومن تجاوز الحلال إلى الحرام؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا ﴾. 8- أن من عمد إلى مراجعة مطلقته لأجل المضارة لها والاعتداء عليها وظلمها، فهو في الحقيقة إنما يظلم نفسه؛ لأن عاقبة إثمه وضرره يعود عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾. 9- كما تحرم المضارة للزوجات والاعتداء عليهن أو على غيرهن لما في ذلك من الظلم للغير، كذلك يحرم ذلك لما فيه من ظلم المعتدي لنفسه، وإيقاعها في الإثم، والنفس وديعة عنده يجب عليه أن يحملها على ما فيه سلامتها وينأى بها عما يضرها في دينها ودنياها، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [الشمس: 9، 10]، وقال صلى الله عليه وسلم: «كل الناس يغدو فمعتق نفسه أو موبقها»[2]. 10- في بيان أن المضار المعتدي إنما يظلم نفسه تخفيف على من اعتدي عليه، وبشارة له بحسن العاقبة، ولو لم يكن من ذلك إلا أن المضار المعتدي يهدي حسناته إليه، وربما حمل عنه من سيئاته لكفى. 11- التنفير من الظلم والإغراء بالبعد عنه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ﴾. 12- عناية التشريع الإسلامي بحقوق المرأة، ودفع الاعتداء والظلم عنها، وتحذير الرجال من ذلك. 13- النهي والتحذير من جعل آيات الله وأحكامه في النكاح والطلاق والرجعة، وغير ذلك هزوًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ﴾. والاستهزاء بآيات الله قد يكون سخرية بها وتنقصًا لها، وهذا كفر مخرج من الملة، كما قال تعالى: ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ ﴾ [التوبة: 65، 66]، وقد يكون الاستهزاء بآيات الله تركًا للعمل بها، وهذا قد يكون كفرًا إذا كان تركًا لعمل يوجب تركه الكفر كترك الصلاة ونحو ذلك، وقد يكون فسقًا ومعصية دون الكفر، كالمضارة في الإمساك أو الفراق، أو كثرة الطلاق، أو جمع الثلاث، أو غير ذلك. 14- وجوب ذكر نعم الله - عز وجل - وشكرها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ﴾. 15- إثبات صفة العلو لله - عز وجل - علو الذات، وعلو القدر، وعلو القهر؛ علو الذات، وعلو الصفات؛ لأن الإنزال يكون من أعلى إلى أسفل. 16- أن نعمة إنزال القرآن والسنة، وتعليل الأحكام أعظم نعمة، لهذا خصها بالذكر من بين النعم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ ﴾. 17- إثبات أن القرآن الكريم كلام الله- عز وجل- منزل غير مخلوق؛ لقوله تعالى: ﴿ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ ﴾، وفي هذا رد على المعتزلة في زعمهم الباطل أن القرآن مخلوق. 18- أن السنة النبوية وحي منزل من عند الله - عز وجل - لقوله تعالى: ﴿ وَالْحِكْمَةِ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ [النجم: 3، 4]. 19- أن كل ما أنزل الله - عز وجل - من الوحي في الكتاب والسنة لحكمة؛ عرفناها أو لم نعرفها؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْحِكْمَةِ ﴾. 20- أن القرآن الكريم والسنة النبوية أنزلهما الله - عز وجل - للاتعاظ والتذكر والاعتبار والانتفاع؛ فهمًا لمعانيهما، وتطبيقًا لأحكامهما، ورجاءً لما فيهما من الوعد، وحذرًا مما فيهما من الوعيد. 21- بيان خطأ الذين يُغفلون جانب الموعظة في تفسير القرآن- وهو المقصود من تنزيل القرآن الكريم- بينما ينشغلون ويشغلون غيرهم بما لا طائل تحته من كثرة الأقاويل والأعاريب والقراءات الشاذة، ونحو ذلك، مما يحول دون فهم القرآن والتأثر به، والاتعاظ والعمل به. 22- وجوب تقوى الله- عز وجل- بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾. 23- إثبات عموم علم الله- عز وجل- وإحاطته بكل شيء؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾، وفي هذا وعد لمن اتقى الله، ووعيد لمن خالف أمره وعصاه. 24- أن العلم بسعة علم الله- عز وجل- وإحاطته بكل شيء من أسباب تقواه، ومحاسبة النفس؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾. [1] انظر: «المغني» (10/ 556). [2] أخرجه مسلم في الطهارة (223)، من حديث أبي مالك الأشعري رضي الله عنه.
__________________
|
|
#392
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا... ﴾ تفسير قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾[البقرة: 232]. ســبب النــزول: عن الحسن ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ قال: «حدثني معقل بن يسار أنها نزلت فيه، قال: زوجت أختًا لي من رجل، فطلَّقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوَّجتك وَفَرَّشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فطلَّقتها، ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبدًا، وكان رجلًا لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله، قال: فزوَّجها إياه»[1]. وعن الحسن: «أن أخت معقل بن يسار طلَّقها زوجها، فتركها حتى انقضت عدتها، فخطبها، فأبى معقل، فنزلت: ﴿ فلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾»[2]. وفي رواية عن الحسن عن معقل بن يسار رضي الله عنه: «أنه زوَّج أخته رجلًا من المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة، لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يالكع، أكرمتك بها وزوجتك، فطلقتها، والله لا ترجع إليك أبدًا، آخر ما عليك. قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ إلى قوله: ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾، فلما سمعها معقل قال: سمعًا لربي وطاعة، ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك»[3]. وفي رواية ابن مردويه زيادة «وكفرت عن يميني»[4]. قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما: «قوله: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾، فهذا في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له في تزويجها وأن يراجعها، وتريد المرأة فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله – سبحانه - أن يمنعوها»[5]. قوله: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ الواو: عاطفة، و«إذا»: ظرفية شرطية، «طلقتم»: فعل الشرط، أي: وإذا طلقتم النساء طلاقًا رجعيًّا طلقة، أو طلقتين، والخطاب للأزواج. ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ معطوف على ما قبله، أي: فانقضت عدتهن. ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ جملة جواب الشرط، والعضل: المنع والتضييق، والخطاب للأولياء، أي: فلا تضيقوا عليهن وتمنعوهن أن ينكحن أزواجهن، ويرجعن إليهم بنكاح جديد، تشفيًا منهم وعقوبة لهم بسبب طلاقهم لهن. و«أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول به ثانٍ، أي: فلا تمنعوهن نكاح أزواجهن. ويحتمل كون الخطاب في قوله: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ لأزواجهن الذين طلقوهن، ويكون المراد بـ«أزواجهن» الخاطبين لهن، وسموا أزواجًا لهن باعتبار ما يكون. وكانوا في الجاهلية إذا طلق الرجل امرأته يمنعها من الزواج، ويستنكف أن تتزوج بعده بغيره. والنكاح لغة: الضم والجمع، يقال: تناكحت الأشجار، إذا انضم بعضها إلى بعض. وهو شرعًا: عقد الزوجية الصحيح. ويطلق النكاح على الوطء والجماع، فإذا قالوا: نكح فلان زوجته، فالمعنى: وطئها وجامعها، وإذا قالوا: نكح فلان فلانة، أو بنت فلان، فالمعنى: عقد عليها وتزوجها، والمراد به في الآية: العقد؛ ولهذا أضيف إلى النساء. والأزواج: جمع زوج، يقال للرجل: زوج فلانة، ويقال للمرأة زوج فلان، كما يقال في غير الفصحى: زوجة فلان، وهي لغة تميم، وأهل نجد. والزوج: الشفع، ضد الوتر، وسمى الزوجان بهذا الاسم؛ لأنهما بالعقد انضم أحدهما إلى الآخر، فصارا شفعًا. ﴿ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ ﴾ التراضي: مفاعلة من الرضا، أي: إذا تراضى الأزواج وزوجاتهم بينهم، أي: حصل الرضا من كل منهم، فالرضا بين الزوجين شرط لصحة النكاح. ﴿ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء للمصاحبة، أي: إذا تراضوا بينهم تراضيًا مصاحبًا للمعروف، أي: بما هو معروف شرعًا وعرفًا عند المسلمين، وما يحل ويجوز من المهور والتعامل وغير ذلك. ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ الإشارة إلى ما سبق من الأحكام في الآية، أو إلى ما سبق فيها وفيما قبلها. ﴿ يُوعَظُ بِهِ﴾ أي: يوعظ بما ذكر من الأحكام ويذكَّر، فيتذكر وينتفع. ﴿ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ﴾، أي: الذي كان منكم أيها الناس يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأن إيمانه يمنعه من العضل. والإيمان بالله: التصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وشرعه والانقياد له. وضده الكفر بالله. ﴿ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يوم القيامة. وسمي باليوم الآخر؛ لأنه آخر مراحل الإنسان، ولا يوم بعده، فآخر ليلة من الدنيا صبيحتها يوم القيامة. والإيمان باليوم الآخر: الإيمان بمجيئه والبعث فيه والحساب والجزاء على الأعمال. وكثيرًا ما يقرن عز وجل بين الإيمان به واليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر مما يحمل الناس على العمل؛ لأن فيه الحساب والجزاء على الأعمال. وإنما خص الموعظة بمن يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنهم هم الذين ينتفعون بالموعظة فيتذكرون ويتعظون، كما قال تعالى: ﴿ وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [هود: 120]، وقال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الذاريات: 55]. ﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ الإشارة ترجع إلى ما سبق من الأحكام، والاتعاظ والتذكر بها والانتفاع منها. والخطاب لمن سبق خطابهم في قوله: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ ﴾ والميم للجماعة، ويدخل في ذلك الأزواج والزوجات والأولياء وغيرهم. ﴿ أَزْكَى لَكُمْ ﴾ «أزكى» مأخوذ من الزكاء وهو النمو والزيادة، وهو على وزن «أفعل» اسم تفضيل، أي: أعظم وأكثر نموًا وزيادة في إيمانكم وأعمالكم وثوابها. ﴿ وَأَطْهَرُ ﴾ اسم تفضيل، أي: وأشد طهرًا لقلوبكم ونفوسكم، من العضل وغيره من الذنوب والمعاصي، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾ [الشمس: 9]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ [النور: 30]. وفي قوله: ﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾ تأكيد على سمو مبادئ الإسلام وآدابه، وأنه جاء لتزكية النفوس وتطهيرها ظاهرًا وباطنًا، والسمو بها إلى قمة الأخلاق وأزكى الآداب. ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾ ما فيه زكاؤكم وطهركم ومصلحتكم، فيما شرَع لكم وأمرَكم به، وما نهاكم عنه من العضل، وغير ذلك. ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، أي: لا تعلمون ذلك، ولا وجه الحكمة فيه، إلا ما علمكم الله إياه. [1] أخرجه البخاري في النكاح- من قال: لا نكاح إلا بولي (5130)، والطبري في «جامع البيان» (4 /188)، والواحدي في «أسباب النزول» ص(50). [2] أخرجه البخاري في «التفسير» (4529). [3] أخرجها الترمذي في «التفسير» (2981)- وقال: «حديث حسن صحيح». [4] انظر: «تفسير ابن كثير» (1 /416). [5] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (4 /191 - 192).
__________________
|
|
#393
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائــد وأحكــام من قوله تعالى:﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا... بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾. 1- إباحة الطلاق، ووجوب العدة على المطلقات؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾. 2- لا يجوز عقد النكاح على المطلقة ما دامت في العدة؛ لقوله تعالى: ﴿ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ [البقرة: 235]. 3- يحرم على أولياء النساء منعهن من نكاح أزواجهن بنكاح جديد بعد انتهاء عدتهن من طلاقهم الرجعي، إذا تراضوا بينهم بالمعروف، كما يحرم منعهن من نكاح غيرهم، كما يحرم على الأزواج منع مطلقاتهم من الزواج بعدهم بغيرهم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾. 4- أن الأمور قد تتبدل والأحوال قد تتغير بأمر الله- عز وجل- فيحل الرضا مكان الغضب، وحسن العشرة مكان سوء العشرة، كما قال تعالى: ﴿ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ﴾ [الطلاق: 1]. فلا ينبغي أن تحمل الحمية أولياء المرأة على منعها من نكاح زوجها الأول لأمر حصل بينهما فيما سلف إذا تراضيَا على الرجوع وحسن العشرة؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. 5- يجب أن يكون التراضي بين الزوجين بالمعروف شرعًا وعرفًا، لا بما ينكره الشرع والعرف؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. 6- أن المرأة لا تزوج نفسها؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ ﴾ فلو كانت المرأة تزوج نفسها لما كان لنهي الأولياء عن عضل النساء فائدة. وفي الحديث: «لا تزوج المرأةُ المرأةَ، ولا تزوِّج المرأة نفسَها، فإن الزانية هي التي تزوِّج نفسها»[1]. 7- اشتراط الولي في النكاح؛ لقوله: ﴿ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾، فهذا يدل على أنهنَّ لا يزوِّجن أنفسهن، وفي الحديث: «لا نكاح إلا بولي»[2]. 8- أن الرضا بين الزوجين شرط لصحة النكاح؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ ﴾. وعن أبي هريرة - رضي ﷲ عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن» قالوا: كيف إذنها يا رسول ﷲ؟ قال: «أن تسكت»[3]. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الثيِّب أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستأمر، وإذنها سكوتها». وفي رواية: «الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر يستأذنها أبوها في نفسها، وإذنها صماتها، وربما قال: وصمتها إقرارها»[4]. 9- يجب أن يكون التراضي بين الأزواج بالمعروف شرعًا وعرفًا؛ لقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. 10- دفاع التشريع الإسلامي عن حقوق المرأة، وحمايته لها. 11- أن فيما شرَعه الله عز وجل من أحكام في هذه الآيات وغيرها - موعظة وتذكيرًا ينتفع به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. 12- أنه لا ينتفع بمواعظ القرآن إلا من كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر. 13- أن من شرط صحة الإيمان بالله واليوم الآخر الاتعاظ والتذكر والانتفاع بمواعظ القرآن. 14- أن الإيمان بالله - عز وجل - بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، هو أصل الإيمان وأعظم أركانه؛ لهذا يذكر دائمًا أول أركان الإيمان. 15- إثبات اليوم الآخر ووجوب الإيمان به، وعظم مكانة الإيمان به بين أركان الإيمان؛ لأن الله كثيرًا ما يقرن بين الإيمان به واليوم الآخر، وذلك أن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الدوافع على العمل؛ لأن فيه الحساب والمجازاة على الأعمال. 16- الحث والترغيب في الاتعاظ والتذكر والانتفاع بما شرعه ﷲ - عز وجل - من أحكام، فهو أزكى للإيمان والأعمال وثوابها، وأطهر للقلوب والنفوس؛ لقوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾. 17- كمال علم الله - عز وجل - وإحاطته بكل شيء، مما يصلح العباد من أحكام في أمر دينهم ودنياهم، وغير ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ﴾. 18- نقص علم الخلق، وعدم معرفتهم بما يصلحهم، وعدم معرفتهم وجه الحكمة فيما أُمِرُوا به، ونهوا عنه، إلا بتعليم الله- عز وجل- لهم ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ مما يوجب التسليم لأحكام الله - عز وجل - والامتثال لأمره ونهيه. [1] أخرجه ابن ماجه في النكاح (1882)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. [2] أخرجه أبوداود في النكاح- باب في الولي (2085)، والترمذي في النكاح- ما جاء لا نكاح إلا بولي (1101)، وابن ماجه في النكاح- لا نكاح إلا بولي (1881)، وأحمد (4/394)، من حديث أبي موسى رضي الله عنه. [3] أخرجه البخاري في النكاح (5136)، وأبو داود في النكاح (2092)، والنسائي في النكاح (3265)، والترمذي في النكاح (1107)، وابن ماجه في النكاح (1871). [4] أخرجه مسلم في النكاح (1421).
__________________
|
|
#394
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ... ﴾ قال الله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]. قوله: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ ﴾ جمع والدة، أي: اللاتي ولدن، وهن الأمهات. ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ خبر بمعنى الأمر، أي: يجب عليهن أن يرضعن أولادهن، من بنين وبنات، فإرضاعهم عليهن واجب، وهن أولى بإرضاعهم من غيرهن. ﴿ حَوْلين ﴾ «الحول» بمعنى السنة والعام، اثنا عشر شهرًا. ﴿ كاملين ﴾ تأكيد للحولين، أي: حولين كاملين من غير نقصان، وأكدهما لئلا يفهم أن المراد حول ومعظم الحول، أو بعض الحول؛ لأنه كما يطلق الحول على العام كاملًا يطلق على معظمه أو بعضه، كما في قوله تعالى: ﴿ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾ [البقرة: 203]؛ أي: في يوم وبعض يوم. ﴿ لِمَنْ أَرَادَ ﴾ أي: للذي أراد من الآباء والأمهات. ﴿ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ «أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول لـ«أراد» أي: لمن أراد من الآباء والأمهات إتمام رضاعة أولادهم، من غير نقص. فتمام الرضاعة وكمالها حولان كاملان، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم- لما مات ابنه إبراهيم، وعمره سنة وعشرة أشهر: «إن له مرضعًا في الجنة»[1]؛ أي: تكمل رضاعه. ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ الواو: عاطفة، «على المولود»: جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ﴿ لَهُ﴾: متعلق بـ«المولود»، ﴿ رِزْقُهُنَّ ﴾ مبتدأ مؤخر. والمعنى: وعلى أبي المولود، أي: والده ﴿ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾. وفي قوله: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ ﴾ دون أن يقول: وعلى الوالد، إشعار بأن الوالدات إنما ولدن لهم؛ لأن الأولاد للآباء، ولذلك يُنسبون إليهم، ويُعدون من كسبهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: «وإن أولادكم من كسبكم»[2]. قال الشاعر: فإنما أمهات الناس أوعية ![]() مستودعات وللآباء أبناء[3] ![]() ![]() ![]() وقوله: ﴿ رِزْقُهُنَّ ﴾؛ أي: رزق الوالدات، أي: عطاؤهن ونفقتهن، ﴿ وَكِسْوَتُهُنَّ ﴾ الكسوة: ما يكسى ويستر به البدن من اللباس. ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي: بما هو معروف بين الناس من نفقة وكسوة أمثالهن وطبقتهن، من حيث نوع الرزق والكسوة وكمية ذلك وكيفيته، مراعى في ذلك حال الزوج من حيث العسر واليسر؛ ولهذا قال: ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾، وهاتان الجملتان معترضتان. ومعنى ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾؛ أي: لا تكلف نفس في الشرع، والتكليف: الإلزام بما فيه مشقة، من فعل أو قول أو بذل، أو ترك ونحو ذلك. ﴿ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾؛ أي: إلا طاقتها وقدرتها، أي: لا يكلف الله نفسًا إلا ما تقدر عليه، كما قال عز وجل: ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [البقرة: 286]. وعلى هذا فلا يكلف المولود له فوق طاقته وما يقدر عليه، وإنما عليه الإنفاق والكسوة حسب حاله، كما قال- عز وجل: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]. ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: «لا تضارُّ» بضم الراء، على اعتبار «لا» نافية، فالجملة خبر بمعنى النهي. وقرأ الباقون بفتح الراء ﴿ لَا تُضَارَّ﴾ على اعتبار «لا» ناهية، والفعل مجزوم بها وحرك بالفتح لالتقاء الساكنين. والفعل «تضارّ» أصله «تضارر». ويحتمل على القراءتين أن يكون مبنيًا للفاعل، و«والدة» فاعل. والباء في قوله: ﴿ بِوَلَدِهَا ﴾ للسببية، أي: لا تضارِرْ والدة بسبب ولدها؛ فتمتنع مثلًا من إرضاعه، أو تطلب زيادة على الواجب لها، ونحو ذلك مضارةً لوالده. ويحتمل أن يكون الفعل «تضار» مبنيًا لما لم يسم فاعله، و«والدة» نائب فاعل، وفاعل المضارة هو المولود له أي: لا يضار المولود له أبًا كان أو غيره لوالدته بسبب ولدها كأن يمنعها من إرضاعه، أو لا تعطى ما يجب لها من النفقة والكسوة، ونحو ذلك. ﴿ وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾ الواو عاطفة، والجملة معطوفة على قوله: ﴿ لَا تُضَارَّ ﴾ على القراءتين فيها، فلا تجوز المضارة بين الوالدين بسبب الولد. كما لا تجوز المضارة بين المسلمين مطلقًا. قال تعالى: ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ [النساء: 12]. وفي الحديث: «لا ضرر ولا ضرار»[4]. ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ معطوف على قوله: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وما بينهما اعتراض. فالواو في قوله: ﴿ عَلَى الوَارِثِ ﴾ عاطفة، و﴿ عَلَى الوَارِثِ ﴾ جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾ مبتدأ مؤخر، والإشارة ترجع إلى الرزق والكسوة. أي: وعلى وارث المولود مثل ما على أبيه من النفقة والكسوة للمرضعة، إذا فقد الأب، وكان الطفل ليس له مال، وإذا وجب على الوارث الإنفاق والكسوة للمرضعة من أجل الرضيع، فالنفقة عليه وكسوته هو أوجب. واستدل بهذه الآية على وجوب نفقة القريب المعسر على وارثه إذا كان موسرًا. ﴿ فَإِنْ أَرَادَا ﴾؛ أي: الوالدة والمولود له ﴿ فِصَالًا ﴾؛ أي: فطامًا للمولود قبل تمام الحولين. ﴿ عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا ﴾؛ أي: عن رضى من الطرفين، الأب والأم على الفصال. ﴿ وَتَشَاوُرٍ ﴾؛ أي: وعن تشاور منهما، والتشاور: تبادل الرأي بين المتشاورين لاستخلاص الأصلح والأصوب، وهو مما أمر ﷲ - عز وجل - به، قال تعالى: ﴿ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ﴾ [الطلاق: 6]، ومما امتدح ﷲ به المؤمنين، فقال عز وجل: ﴿ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ ﴾ [الشورى: 38]. والمعنى: وعن تشاور بين الأب والأم فيما فيه مصلحة الطفل، وهل من مصلحته أن يفطم قبل تمام الحولين، أو بعدهما. ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾؛ أي: فلا حرج، ولا إثم عليهما في فصاله وفطامه قبل تمام الحولين، إذا تراضَيَا على ذلك، وتشاوَرَا، ورأَيَا أن المصلحة في ذلك، فإن رضي ذلك أحدهما، ورآه دون الآخر، لم يجز الفطام قبل الحولين. ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أخبر- عز وجل - أولًا أن الوالدات يرضعن أولادهن، وهو خبر بمعنى الأمر يفيد الوجوب، وذلك؛ لأن إرضاع الأم لا يعدله شيء؛ لحنوها وعطفها وشفقتها، فهي لا ترضع الطفل اللبن فقط، بل ترضعه مع ذلك الدفء والحنان والعطف والبر وحميد الخصال، وطيب الأخلاق، ثم أتبع ذلك بذكر جواز الاسترضاع للأولاد. قوله: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ ﴾؛ أي: وإن أردتم أيها الآباء أن تطلبوا مرضعات لأولادكم غير أمهاتهم، ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾؛ أي: فلا حرج ولا إثم عليكم في ذلك، ما لم يكن ذلك على وجه المضارة، فإن طلبت أمه إرضاعه فهي أحق به؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾. ﴿ إِذَا سَلَّمْتُمْ ﴾؛ أي: إذا سلمتم للمرضعات وأعطيتموهنَّ. ﴿ مَا آتَيْتُمْ ﴾ قرأ ابن كثير بقصر الهمزة: «أتيتم»، وقرأ الباقون بمدها ﴿ آتَيْتُمْ ﴾؛ أي: إذا سلمتم ما جعلتموه لهن من أجر مقابل الإرضاع. ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾؛ أي: بما هو معروف في الشرع، وعرف المسلمين من حسن القضاء من غير مماطلة ولا نقصان. ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾ بفعل أوامره واجتناب نواهيه، في جميع أحوالكم وأعمالكم وأقوالكم. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ «ما» موصولة أو مصدرية، أي: واعلموا أن الله بالذي تعملون، أو بعملكم ﴿ بَصِيرٌ ﴾؛ أي: مطَّلع شاهد على أعمالكم لا تخفى عليه منها خافية، وسيحاسبكم ويجازيكم عليها. وفي الأمر بالعلم بذلك تنبيه وترغيب بتقوى الله - عز وجل - ووعد لمن اتقاه، وتحذير ووعيد لمن خالف أمره وعصاه. وبين الأمر بتقوى الله، والعلم بأنه بما يعملون بصير ما يشبه ربط السبب بالمسبب، فالعلم بأن الله بصير بما يعملون سبب لتقوى ﷲ - عز وجل - وهو من تقوى الله، كما أن تقوى الله من أسباب التوفيق للعلم بأنه بما يعملون بصير. [1] أخرجه البخاري في الجنائز (1382)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه. [2] أخرجه أبو داود في البيوع (3528)، والنسائي في البيوع (4449)، والترمذي في الأحكام (1358)، وابن ماجه في التجارات (2137)، من حديث عائشة- رضي الله عنها، وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح». [3] البيت للمأمون بن الرشيد؛ انظر: «الكشاف» (1 /141). [4] أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2340)، من حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه، وأخرجه أيضًا (2341)، وأحمد (1 /313)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
__________________
|
|
#395
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائــد وأحكــام من قوله تعالى:﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 233]. 1- وجوب إرضاع الوالدات لأولادهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾، وهذا خبر معناه الأمر، وليس لهن مطالبة آبائهم بالأجرة على ذلك ما دمن في عصمتهم، فإن كن بوائن منهم فلهن أجرةُ المثل. 2- أن الله - عز وجل - أرحم بالأولاد من والداتهم، فمع رحمة الوالدة التي جبلت عليها وشفقتها وحنوِّها على ولدها وحرصها – غالبًا - على إرضاعه وإيثارها له على نفسها - مع هذا كله وغيره لم يجعل ﷲ - عز وجل - لها الخيار في ذلك، فإن شاءت أرضعته وإن شاءت لم ترضعه، بل أوجب عليها إرضاعه. 3- أن كمال الرضاعة وتمامها حولان كاملان، من غير نقصان؛ لقوله تعالى: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾، وقد أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿ كَامِلَيْنِ﴾؛ لئلا يتوهم أن المراد حول وبعض الحول. 4- أخذ بعض أهل العلم من قوله تعالى: ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ أن الرضاع المحرِّم ما كان في الحولين، واستدلوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ ﴾ [لقمان: 14]، وقوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف: 15]. وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام»[1]. ومعنى قوله: «في الثدي»؛ أي: في وقت الرضاع، وهو الحولان، وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن المحرم من الرضاع ما كان قبل الفطام، سواء كان في الحولين، أو بعدهما. وقيل غير ذلك[2]. 5- أن الرضاع الطبيعي والصحي ما كان في الحولين؛ لقوله تعالى: ﴿ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾، وقد ذكر أن الرضاعة بعد الحولين ربما أضرت بالولد، إما في بدنه، وإما في عقله، ولو لم يكن من ذلك إلا أن الولد قد يعزف عن الطعام بسبب الرضاع لكان كافيًا. 6- دل قوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ﴾ مع قوله تعالى: ﴿ وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ﴾ على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. 7- أن إتمام رضاعة الولد حولين كاملين ليس بواجب؛ لقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا ﴾. 8- إثبات الإرادة للإنسان والاختيار؛ لقوله تعالى: ﴿ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾، وقوله: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا ﴾. وفي هذا رد على الجبرية الذين يزعمون أن لا خيار للإنسان، وأنه مجبر على جميع أعماله وأقواله وتصرفاته كالسعفة في الهواء. 9- أن على آباء المواليد الإنفاق على الوالدات وكسوتهن بالمعروف من نفقة وكسوة أمثالهن وطبقتهن، مقابل إرضاعهن أولادهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، فإن كن في عصمتهم فذلك أوجب وآكد؛ لأنه يجب عليهم بسببين: الزوجية، والإرضاع لأولادهم. 10- إذا كانت المرضعات في عصمة آباء المواليد، فلا يجب لهن غير النفقة والكسوة، وقيل: تجب لهن أجرة المثل. 11- اعتبار العرف بين الناس، ما لم يخالف الشرع؛ لقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾، وهذا من يُسر الشريعة وسماحتها ومُرونتها. 12- في إيجاب النفقة والكسوة للمرضع من أجل الرضيع دليل على وجوب النفقة والكسوة له من باب أولى. 13- لا يكلف الوالد من الإنفاق على والدة مولوده وكسوتها إلا وُسعه وطاقته، وهكذا كل نفس لا تكلَّف فوق طاقتها؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ﴾؛ كما قال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]، وهذا من رحمة ﷲ - عز وجل - بعباده. 14- تحريم مضارة أحد الوالدين للآخر بولدهما؛ لقوله تعالى: ﴿ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ ﴾، وقال تعالى: ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ [النساء: 12]. وقال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار»[3]، وقال: «من ضار، ضارَّ ﷲ به»(1). 15- أن الأولاد لآبائهم، لقوله تعالى: ﴿ وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾، ولهذا ينسبون إليهم ويعدون من كسبهم، ولهم الأخذ من أموالهم بدون رضاهم، وليس هذا للأمهات. 16- أن على وارث المولود مثل ما على والده من الإنفاق على والدته، وكسوتها، بعد فقد والده، ومن باب أولى الإنفاق عليه هو وكسوته. 17- وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض؛ لقوله تعالى: ﴿ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ ﴾. 18- جواز فصال المولود وفطامه قبل بلوغ الحولين، بعد تراضي الوالدين وتشاورهما على ما فيه مصلحة الطفل، ولا حرج عليهما في ذلك ولا إثم؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾. 19- إذا أراد أحد الوالدين فصال المولود وفطامه قبل الحولين دون رضى الآخر ومشورته، لم يجز ذلك، بل يكمل رضاعه حولين. 20- جواز الاجتهاد في أحكام الشريعة؛ لأن الله جعل للوالدين التشاور والتراضي في الفطام، فيعملان على موجب اجتهادهما، وتترتب الأحكام عليه. 21- جواز طلب الآباء المراضع لأولادهم؛ لقوله تعالى: ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾، ما لم يكن ذلك مضارة لأمه. فإن طلبت أمه إرضاعه فهي أحق به؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ ﴾، فبدأ بهنَّ، بل وأوجب ذلك عليهن؛ لأن لبن والدته أطيب وأنفع لجسمه وعقله وخُلُقه، ترضعه مع اللبن البر والشفقة، والعطف والحنان. 22- وجوب تسليم المرضعات وإعطائهن أجرة الإرضاع حسب ما اتفق عليه بالمعروف من غير مماطلة ولا نقصان؛ لقوله تعالى: ﴿ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. وهكذا يجب على كل من استأجر أجيرًا إعطاء الأجير حقه بالمعروف. كما قال صلى الله عليه وسلم: «أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»[4]. وقال صلى الله عليه وسلم: «قال ﷲ عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرًّا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرًا فاستوفى منه، ولم يعطه أجره»[5]. 23- عناية الإسلام بالأسرة، ففي هذه الآية أمر الله - عز وجل - الوالدات بإرضاع أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة عناية بالرضيع، وأوجب على والد المولود رزقهنَّ وكسوتهنَّ بالمعروف عناية بالمرضعات، ونهى عن المضارة بين الأب والأم بالولد عناية به وبهما، وأوجب على وارث المولود من النفقة والكسوة مثل ما على والده عناية بالمولود وبأمه، وأجاز للآباء الاسترضاع لأولادهم عناية بهم، وأوجب عليهم تسليم المرضعات أجورهنَّ بالمعروف عناية بهنَّ وبالمولود. 24- وجوب تقوى ﷲ عز وجل بفعل أوامره واجتناب نواهيه؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ ﴾. 25- إثبات اطلاع ﷲ- عز وجل- وشهادته وعلمه بكل ما يعمل العباد؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾. ومقتضى هذا أنه سيُحصي على العباد أعمالهم ويجازيهم عليها، وفي هذا وعد لمن اتقى الله، ووعيد لمن خالف أمره وعصاه. 26- وجوب العلم بأن ﷲ بصير بجميع أعمال العباد؛ لأن ﷲ - عز وجل - أمر بذلك، وهو سببٌ لتقوى الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. [1] أخرجه الترمذي في الرضاع (1152)- وقال: «حديث حسن صحيح»، وقال ابن كثير في «تفسيره» (1/ 417): «تفرد الترمذي برواية هذا الحديث، ورجاله على شرط الصحيحين»، وأخرجه ابن ماجه في النكاح (1946) عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا رضاع إلا ما فتق الأمعاء». [2] انظر تفصيل هذا في تفسير سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [النساء: 23]. [3] سبق تخريجه. [4] أخرجه ابن ماجه في الأحكام (2443)، من حديث عبدالله بن عمر رضي الله عنهما. [5] أخرجه البخاري في البيوع (2227)، وابن ماجه في الأحكام (2442)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
__________________
|
|
#396
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: 234]. قوله: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ ﴾؛ أي: والذين يتوفاهم الله منكم أيها المؤمنون، أي: يموتون، وسُمي الميت متوفًّى؛ لأنه قد استوفى رزقه وأجله وعملَه. وقد أسند عز وجل «التوفي» في القرآن الكريم تارة إلى نفسه؛ لأنه عز وجل هو الذي كتب الموت وأمر به؛ قال تعالى: ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ [الزمر: 42]، كما أسنده إلى ملك الموت؛ لأنه هو الذي يقبض الأرواح بأمر الله عز وجل؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ ﴾ [السجدة: 11]. كما أسنده عز وجل إلى ملائكته؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴾ [النساء: 97]، وقال تعالى: ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 28]، وقال تعالى: ﴿ وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ ﴾ [الأنعام: 61]، وذلك لأن ملك الموت من بين الملائكة، وإذا قبض ملك الموت الروح لم يدعوها في يده طرفة عين، إما ملائكة الرحمة، وإما ملائكة العذاب، كما جاء في حديث البراء بن عازب رضي ﷲ عنه[1]. ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾؛ أي: ويتركون أزواجًا بعدهم، أي: زوجات، والزوجة كل من عقد عليها بنكاح صحيح، صغيرة كانت أو كبيرة، دخل بها أو لم يدخل بها. ﴿ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ﴾ «يتربصن» خبر المبتدأ «الذين»، والتقدير: يتربَّصن بعدهم؛ أي: ينتظرن ويحبسن أنفسهنَّ عن الزواج بعدهم. ﴿ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ﴾؛ أي: أربعة أشهر هلالية، ﴿ وعشرًا ﴾؛ أي: وعشر ليال، والمراد: عشر ليال بأيامها؛ لكن يعبر بالليالي عن الأيام؛ لأنها قبلها؛ قال تعالى: ﴿ يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا ﴾ [طه: 103، 104]. والحكمة في ذلك التأكد من براءة الرحم؛ لئلا تختلط المياه والأنساب، وحرمة للزوج الأول؛ عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك، فينفخ فيه الروح»[2]. فما بين استقرار النطفة في الرحم إلى نفخ الروح في الجنين أربعة أشهر، وعشرة أيام بعدها احتياطًا؛ لما قد ينقص بعض الشهور، ولظهور الحركة بعد نفخ الروح في الجنين، وتحركه تحركًا بينًا. قوله: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ ﴾ أي: فإذا انقضت عدتهن، وهي أربعة أشهر وعشر. ﴿ فَلَا جُنَاحَ عليكم ﴾؛ أي: فلا حرج، ولا إثم عليكم، والخطاب للأولياء، وفي هذا إثبات الولاية للرجال على النساء، وأنه يجب عليهم منعهنَّ إذا خالفنَ أمر ﷲ، ولهذا لم يقل: (فلا جناح عليهن). ﴿ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ «ما» مصدرية، أو موصولة، أي: في فعلهن، أو في الذي فعلن في أنفسهم من التزين والتحلي والتعرض للخطاب والتزوج، ونحو ذلك. ﴿ بالمعروف ﴾؛ أي: بما هو معروف في الشرع وبين الناس، مما لا يخالف الشرع. فلو فعلن ما يخالف الشرع، كالتبرج والإكثار من الخروج لغير حاجة ونحو ذلك وجب عليهم منعهن. وهن في الحالين كذلك، فإن لم يخرجن عن المعروف فلا جناح عليهن، وإن خرجن عنه فعليهن جناح، وهن آثمات. ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ «ما» موصولة، أو مصدرية، أي: والله بالذي تعملون، أو بعملكم ﴿ خبير ﴾ أي: مطلع عليه، ولا تخفى عليه منه خافية. والخبير: المطلع على بواطن الأمور ودقائقها وخفياتها، فاطلاعه على ظواهر الأمور وجلائلها وجلياتها من باب أولى. وفي الآية وعد لمن امتثل أمر ﷲ، ووعيد لمن خالفه؛ لأن مقتضى خبرته عز وجل محاسبة العباد ومجازاة المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته. [1] أخرجه أحمد (4 /287- 288، 296). [2] أخرجه البخاري في بدء الخلق (3208)، ومسلم في القدر (2643)، وأبو داود في السنة (4708)، والترمذي في القدر (2137)، وابن ماجه في المقدمة (76).
__________________
|
|
#397
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام من قوله تعالى:﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234]. 1- وجوب تربُّص المتوفى عنهن أزواجهن بترك الزواج، والاعتداد أربعة أشهر وعشرًا؛ لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 234]؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235]. وعن أم حبيبة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا»[1]. ويجب عليهنَّ في هذه العدة اجتناب الطيب والزينة بالثياب بأنواعها، والتجمل بالحناء ونحوه، والحلي، والمبيت في غير منازلهنًّ، وكل ما يدعو إلى نكاحهن، امتثالًا لأمر الله عز وجل، ووفاءً بحق الزوج، وتعظيمًا لخطر عقد النكاح، وللتأكد من براءة الرحم؛ لئلا تجتمع المياه، فتختلط الأنساب[2]. عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة رضي الله عنها أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها، أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا» مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول: «لا»، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هي أربعة أشهر وعشر، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول». قالت زينب بنت أم سلمة: «كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حِفْشًا[3]، ولبست شرَّ ثيابها، ولم تمس طيبًا، حتى تمر بها سنة، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر، فتفتض به، فقلما تفتض بشيء إلا مات، ثم تخرج فتُعطى بعرة، فترمي بها، ثم تراجع ما شاءت من طيب أو غيره»[4]. وعن أم عطية رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا، إلا ثوب عصب، ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا»[5]. 2- أن الاعتداد والحداد أربعة أشهر وعشرًا عام لكل متوفى عنها زوجُها بعقد صحيح، صغيرة أو كبيرة، مؤمنة أو كتابية؛ لقوله تعالى: ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾، وهذا عام لكل زوجة. ويستثنى من هذا إذا كانت المتوفى عنها حاملًا، فعدتها تنتهي بوضع الحمل، سواء زادت عن أربعة أشهر وعشر، أو نقصت، حتى لو وضعت حملها بعد وفاة زوجها بلحظة خرجت من العدة؛ لقوله عز وجل: ﴿ وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 4]. وعن سبيعة الأسلمية رضي الله عنها: «أنه توفي عنها زوجها سعد بن خولة، وهي حامل، فلم تنشب [6] أن وضعت حملها بعد وفاته». وفي رواية: «فوضعت حملها بعده بليال، فلما تعلت من نفاسها تجملت للخطاب، فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك، فقال لها: ما لي أراك متجملة؟ لعلك ترجين النكاح، والله ما أنت بناكحٍ حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشر، قالت سبيعة: فلما قال لي ذلك، جمعت عليّ ثيابي حين أمسيت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألته عن ذلك، فأفتاني بأني قد حللت حين وضعت، وأمرني بالتزوج إن بدا لي»[7]. وهكذا عدة المطلقة إذا كانت حاملًا تنتهي بوضع الحمل. كما يستثنى من هذا الأمة المزوجة، فعدتها إذا مات زوجها عند جمهور أهل العلم على النصف من عدة الحرة، شهران وخمسة أيام، قياسًا على تنصيف الحد. وقال بعضهم: عدتها عدة الحرة لعموم الآية، ولأن المقصود من العدة التثبت من براءة الرحم، وذلك لا يتم إلا بأربعة أشهر وعشر عند جميع النساء؛ لأنه من الجِبِّلَّة. فإن كان النكاح باطلًا فلا عدة عليها أيًّا كانت؛ لأنها لا تسمى زوجة، لكن لابد من استبرائها. 3- أن عدة الوفاة واجبة على الزوجة، وإن كانت غير مدخول بها، لعموم قوله تعالى: ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾، والزوجة كل من عقد عليها بنكاح صحيح، دخل بها، أو لم يدخل بها. عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنه سئل عن رجل تزوج امرأة، فمات عنها، ولم يدخل بها، ولم يفرض لها، فتردد إليه مرارًا في ذلك، فقال: «أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملًا، وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث»، فقام معقل بن يسار الأشجعي، فقال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بِرْوَع بنت واشق»، ففرح عبدالله بذلك فرحًا شديدًا، وفي رواية: «فقام رجال من أشجع، فقالوا: نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى به في بروع بنت واشق»[8]. وهذا مما تخالف فيه المتوفى عنها زوجها المطلقة، فإن المطلقة قبل الدخول لا عدة عليها بصريح قول الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 49]. 4- أن الأمة التي توطأ بملك اليمين ليس عليها عدة الوفاة إذا مات مالكها؛ لأنها ليست زوجة، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا ﴾، لكن يجب استبراؤها بعد وفاة مالكها. 5- حكمة الله عز وجل بتقدير عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر، دون الأقراء؛ لأن في هذه المدة يتبين تمامًا ما إذا كانت المعتدة حاملًا أو غير حامل، ففي بلوغ الجنين أربعة أشهر تنفخ فيه الروح، وفي خلال عشرة أيام تظهر حركته وتتبين. 6- إذا انتهت عدة المتوفى عنهن فلا حرج على أوليائهنَّ، ولا عليهن في فعلهنَّ ما يفعله النساء من الزينة والتحلي، والتصنع للخُطَّاب، والزواج؛ لقوله تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. 7- إثبات ولاية الرجال على النساء؛ أزواجًا كانوا أو آباءً، أو غيرهم، ممن لهم حق الولاية؛ لقوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾. 8- اعتبار العرف في التشريع؛ لقوله تعالى: ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾. 9- تأثم الأولياء إذا خالفت المعتدات من الوفاة ما أمر الله به من التربص؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾، فيجب عليهم إلزامهنَّ امتثالَ أمر الله تعالى، ومنعهنَّ من المخالفة، وهنَّ يتأثمنَ إذا خالفنَ من باب أَولى. 10- إثبات - خبرة الله عز وجل الواسعة، واطلاعه التام على جميع أعمال العباد، وأنه سيحاسبهم ويجازيهم عليها، وفي هذا وعدٌ لمن أحسن، وترغيبٌ بالإحسان، ووعيدٌ لمن أساء، وتحذيرٌ من الإساءة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. [1] أخرجه البخاري في الجنائز (1280)، ومسلم في الطلاق (1486)، والنسائي في الطلاق (3500)، والترمذي في الطلاق (1195). [2] انظر: «المغني» (11/ 284 – 292)، «إعلام الموقعين» (2/ 85). [3] الحفش: بيت صغير حقير. [4] أخرجه البخاري في الطلاق (5337)، ومسلم في الطلاق (1488، 1489)، وأبو داود في الطلاق (2299)، والنسائي في الطلاق (3533)، والترمذي في الطلاق (1197)، وابن ماجه في الطلاق (2084). [5] أخرجه البخاري في الحيض (313)، ومسلم في الطلاق (938)، وأبو داود في الطلاق (2302)، والنسائي في الطلاق (3534)، وابن ماجه في الطلاق (2087). [6] أي: فلم تلبث. [7] أخرجه البخاري في المغازي (3991)، ومسلم في الطلاق (1484)، وأبو داود في الطلاق (2306)، والنسائي في الطلاق (3518)، وابن ماجه في الطلاق (2028). [8] أخرجه أحمد (1/ 447)، والترمذي في النكاح (1145)، وأخرجه مختصرًا أبو داود في النكاح (2114)، والنسائي في النكاح (3355)، وابن ماجه في النكاح (1891).
__________________
|
|
#398
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ... ﴾ قال الله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾[البقرة: 235]. قوله: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾؛ أي: ولا حرج عليكم ولا إثم، والخطاب للرجال. ﴿ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾«ما»: موصولة، أي: في الذي عرضتم به من خطبة النساء في عدة الوفاة، أو مصدرية، أي: في تعريضكم لخطبة النساء، والتعريض: التلويح والتلميح، وإفهام المعنى بالشيء المحتمل له ولغيره، مأخوذ من عَرْض الشيء، وهو جانبه، كأنه يحوم على الشيء ولا يظهره. كما قال الشاعر: إذا أثنى عليك المرءُ يومًا ![]() كفاه عن تعرضه الثناء[1] ![]() ![]() ![]() والتعريض في الخطبة: ما يحتمل النكاح وغيره، كأن يقول: «إني أريد التزوج»، «أسأل ﷲ أن يرزُقني امرأة صالحة مثلك». والخِطبة: بكسر الخاء: عرض الرجل نفسه على المرأة ليتزوجها، أو على وليها ليزوِّجه إياها. والخُطبة بضم الخاء: القول المشتمل على الموعظة والتذكير. وهكذا يجوز التعريض والتلميح بخطبة المطلقة البائن في عدتها دون التصريح لعموم الآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قيس، حين طلقها زوجها ثلاثًا: «إذا حللت فآذنيني». فلما حلَّتْ آذنته، فخطبها معاوية وأبو جهم وأسامة بن زيد، فأشار عليها صلى الله عليه وسلم بأسامة فتزوجته»[2]. لكن إن كانت البينونة بغير الثلاث كالمختلعة، صح لزوجها التعريض والتصريح بخطبتها، والزواج بها. أما المطلقة الرجعية فلا تجوز خطبتها لا تعريضًا ولا تصريحًا؛ لأنها بحكم الزوجة. ﴿ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: أو أخفيتم وأضمرتم في أنفسكم خطبتهن. أي: فلا حرج ولا إثم عليكم في التعريض في خطبة النساء، ولا في إضمار خطبتهن في أنفسكم. ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ﴾؛ أي: أنكم ستذكرون هؤلاء المعتدات في أنفسكم، فرفع عنكم الحرج، والإثم في هذا. ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾ معطوف على قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾. الواو: عاطفة، و«لكن» للاستدراك، و«لا» ناهية؛ أي: لا تواعدوهن وعدًا صريحًا، سرًّا فيما بينكم وبينهن، أن تتزوجوهن، كأن يقول الرجل للمعتدة: «إذا انتهت عدتك فإني سأتزوجك» ونحو ذلك. وإذا نهي عن المواعدة سرًّا فالمواعدة علانية من باب أولى. ﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ الاستثناء منقطع و«إلا» بمعنى «لكن»؛ أي: لكن لا مانع أن تقولوا لهنَّ قولًا معروفًا، وهو التعريض بخطبتهنَّ الذي أباحه الله - عز وجل - دون التصريح، أو مواعدتهن سرًّا الذي نهى الله عنه. ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾ العزم: إرادة فعل الشيء، والتصميم عليه. والمراد هنا الفعل نفسه، أي: ولا تعقدوا وتُبرموا ﴿ عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾؛ أي: عقد النكاح بين الزوجين. ﴿ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾ «حتى»: لانتهاء الغاية ﴿ يَبْلُغَ الْكِتَابُ ﴾؛ أي: يصل. والمراد بالكتاب هنا المكتوب، أي: ما كتبه الله وفرضه من عدة الوفاة، و«أجله» غايته ونهايته. والمعنى: ولا تعقدوا النكاح حتى تنقضي العدة، فلو تم عقد النكاح في العدة لم يصح، بل هو باطل بالإجماع، ويفرق بينهما، ولا تحرم عليه، بل له أن يتزوجها إذا انقضت عدتها كغيره. وقيل: تحرم عليه على التأبيد عقوبة له؛ لأن من تعجل شيئًا قبل أوانه عوقب بحرمانه؛ كالقاتل في حرمان الميراث. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾؛ أي: واعلموا أن الله يعلم الذي تضمرونه في نفوسكم من الخير أو الشر، ومن موافقة أمر ﷲ عز وجل، أو مخالفته في أمر النساء وغير ذلك، وإذا كان عز وجل يعلم ما في الأنفس، فعلمه بما يظهر من باب أولى. ﴿ فَاحْذَرُوهُ﴾ الحَذَر: أخذ الحِذْر والحيطة، والمعنى: فكونوا منه - عز وجل - على حذر بتقواه، وبنية الخير، والعمل به، والبُعد عن نية الشر، والعمل به، كما قال تعالى: ﴿ وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ ﴾ [آل عمران: 28]. ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾؛ أي: واعلموا أن الله ذو مغفرة واسعة لمن تاب وأناب إليه، يستر الذنب عن الخلق، ويتجاوز عن العقوبة. وذو حلم واسع، فلا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يمهله لعله يتوب، ولا يهمله. قال ابن القيم[3]: وهو الحليم فلا يعاجل عبده ![]() بعقوبة ليتوب من عصيان ![]() ![]() ![]() وفي قوله عز وجل: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ تهديد وترهيب، وفي قوله: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾، وعد وترغيب بالمبادرة إلى التوبة والاستغفار، فحذَّرهم عز وجل نفسه وعقابه ترهيبًا لهم، وفتح لهم باب المغفرة والحلم ترغيبًا لهم. وهذا على منهج القرآن الكريم في الجمع بين الترغيب والترهيب؛ كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الأعراف: 167]، وقال تعالى: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [فصلت: 43]. ليجمع المؤمن في طريقه إلى الله - عز وجل - بين الخوف، والرجاء، فلا يأمن من مكر الله، ولا يقنط من رحمة الله، ولا ييئَس من روحه، وليكون الخوف والرجاء له كجناحي الطائر، فمن أمن مكر الله ضيع وفرَّط، ومن قنط من رحمة الله أيس وانقطع. [1] البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: «ديوانه» (ص17). [2] أخرجه مسلم في الطلاق (1480)، وأبو داود في الطلاق (2284)، والنسائي في النكاح (3222)، والترمذي في النكاح (1135)، وابن ماجه في النكاح (1869)، من حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها. [3] في «النونيــة» ص (148).
__________________
|
|
#399
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم فوائد وأحكام:من قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ.... ﴾ قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ [البقرة: 235] 1- جواز التعريض بخطبة المعتدات من الوفاة، والبوائن، وإضمار خطبتهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ ﴾. 2- تحريم التصريح بخطبة المعتدات من الوفاة، والبوائن، وإظهار خطبتهن؛ لمفهوم قوله تعالى: ﴿ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾، لكن إن كانت البائن بغير الثلاث، كالمختلعة ونحوها جاز لزوجها التعريض والتصريح بخطبتها والزواج بها. وإن كانت المطلقة رجعية حرم التصريح والتعريض بخطبتها؛ لأنها بحكم الزوجة. 3- جواز ذكر الرجال للنساء المعتدات من الوفاة والبوائن، في أنفسهم؛ لقوله تعالى: ﴿ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ ﴾؛ لأن الله لم ينكر هذا عليهم، وفي هذا رفع للحرج عنهم. 4- تحريم مواعدة المعتدات من الوفاة والبوائن سرًّا بالتزوج بهن؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا ﴾. 5- جواز القول المعروف للمعتدات من الوفاة والبوائن، مما ليس به تصريح بخطبتهن، ولا مواعدتهن سرًّا بالزواج، كأن يقول: «إنني أريد الزواج»، أو «أرغب في مثلك» ونحو ذلك من التعريض والقول المعروف؛ لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾. 6- تحريم عقد النكاح وبطلانه قبل نهاية العدة؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ ﴾، لكن إذا كانت المطلقة البائن بغير الثلاث كالمختلعة ونحوها فإنه يجوز لزوجها العقد عليها أثناء العدة، كما يجوز مراجعة المعتدة الرجعية بلا عقد. 7- إثبات علم الله - عز وجل - بما تنطوي عليه النفوس والضمائر مما يتعلق بأمر النساء وغير ذلك، ووجوب العلم بذلك والتنبه له؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّا اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ ﴾. 8- وجوب الحذر من الله - عز وجل - وعقابه، والحذر من إضمار ما يخالف أمر الله ونهيه؛ لقوله تعالى: ﴿ فَاحْذَرُوهُ ﴾. 9- إثبات مغفرة الله - عز وجل - الواسعة، وحلمه الواسع؛ لقوله تعالى: ﴿ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾. 10- جمع القرآن الكريم بين الترغيب والترهيب، فقد حذر - عز وجل - المخاطبين في الآية، وخوَّفهم نفسه وعقابه لئلا يعصوه، ولم يقنِّطهم بل فتح لهم باب مغفرته وحلمه لكي يطيعوه.
__________________
|
|
#400
|
||||
|
||||
|
«عون الرحمن في تفسير القرآن» الشيخ أ. د. سليمان بن إبراهيم اللاحم تفسير قوله تعالى:﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً... ﴾ قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ * وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [البقرة: 236، 237]. قوله تعالى: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾. قوله: ﴿ لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾؛ أي: لا حرج عليكم ولا إثم أيها الأزواج. ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾ قرأ حمزة والكسائي وخلف بضم التاء وألف بعد الميم في الموضعين «تُـماسوهن» مفاعلة من المماسة. وقرأ الباقون بفتح التاء من غير ألف ﴿ تَمَسُّوهُنَّ ﴾، وهما بمعنى واحد. والمراد «بالمس»: الجماع و«ما» في قوله تعالى: ﴿ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾: مصدرية ظرفية، أي: مدة عدم مسكم لهن، ويحتمل كونها شرطية، أي: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء إن لم تمسوهن، فدخل الشرط الثاني على الشرط الأول، فكان شرطًا فيه، ومن هذا قوله تعالى: ﴿ فَلَوْلَا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ (86) تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ [الواقعة: 86، 87]. ومنه قول الشاعر: إن تستغيثوا بنا إن تُذعروا تجدوا ![]() منا معاقلَ عزٍّ زانها كرمُ[1] ![]() والمعنى: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء بعد العقد عليهن، وقبل أن تمسوهن، أي: قبل الدخول بهن وجماعهن. وقد أُطلق المس والملامسة والمباشرة في القرآن الكريم على الجماع، كما في هاتين الآيتين، وكما في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا ﴾ [الأحزاب: 28]. وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾ [النساء: 43]. وقال تعالى: ﴿ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ﴾ [البقرة: 187]. وقال تعالى: ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ﴾ [المجادلة: 3]. وعن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «المس: النكاح»[2]. وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «المس: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء»، وفي رواية عنه: «إن المس واللمس والمباشرة: الجماع، ولكن الله يكني ما شاء بما شاء»[3]. وقد حكم الصحابة رضي الله عنهم بأن للخلوة حكمَ المسيس والدخول، فإذا خلا بها فهو بحكم من دخل بها وجامَعها، وبهذا قال أكثر أهل العلم، وبهذا يجب لها مهر المثل حيث لم يفرض لها مهرٌ. ﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ «أو»: حرف عطف بمعنى الواو، والجملة معطوفة على قوله: ﴿ تَمَسُّوهُنَّ﴾؛ أي: ما لم تمسوهنَّ وتفرضوا لهن فريضة. ومعنى ﴿ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أو توجبوا وتقدروا لهن مهرًا. ﴿ وَمَتِّعُوهُنَّ ﴾ الواو: عاطفة، والضمير يعود إلى النساء المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر، والأمر للوجوب، أي: أعطوهن ما يتمتعن به من مال أو طعام أو لباس أو غير ذلك، جبرًا لخواطرهن، وتعويضًا لهن عما فاتهن، من الزواج والمهر. ﴿ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ ﴾ الجملة في محل نصب على الحال، أو استئنافية لا محل لها من الإعراب. قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿ قَدَرُهُ ﴾ بفتح الدال في الموضعين، وقرأ الباقون بإسكانها: «قَدْره». والمعنى: «على الموسع» أي: الغني الموسر في ماله قدر سعته وغناه ويسره، بحيث يزيد في المتعة، كما قال تعالى: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ﴾ [الطلاق: 7]. ﴿ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ ﴾ معطوف على ما قبله، أي: وعلى المقتر الفقير المضيق عليه في ماله قدر استطاعته، فلا يكلف نفسه ما يضره أو ما لا يطيق، كما قال تعالى: ﴿ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ﴾ [الطلاق: 7]. عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «متعة الطلاق: أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة»[4]. وليس في المتعة قدر محدد، لكن يستحسن أن تكون مما يجبر خاطر المرأة ويعوِّضها عما فاتها من الزواج والمهر؛ لأن هذا هو المقصود من إيجاب المتعة، وكما يختلف ذلك باختلاف حال الزوج غنىً وفقرًا، فقد يختلف ذلك باختلاف الأوقات، فيرى في وقت أن القليل كاف في المتعة، ويرى في وقت أنه غير كافٍ فيها. وقد روي أن الحسن بن علي متع بعشرة آلاف، فقالت المرأة: «متاع قليل من حبيب مفارق»[5]. ﴿ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ ﴾ «متاعًا» اسم مصدر، مفعول مطلق، أي: متعوهن تمتيعًا بالمعروف، أو حال: أي: حال كون هذا القدر متاعًا بالمعروف. والمتاع والمتعة: ما يُتمتع ويُتبلغ به من مال وغيره. ﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ الباء للمصاحبة، أي: بما هو معروف في الشرع وعرف المسلمين، مما يُمتَّع به أمثالهن من المطلقات، وأن يعطى لهن من غير مماطلة أو أذى. ويُلحظ في هذا أمران: الأول: حرص التشريع الإسلامي على إزالة وتخفيف ما يؤثر على النفوس ويكسر القلوب، فإن في إيجاب المتعة للمطلقات قبل المسيس، وقبل فرض المهر جبرًا لقلوبهن وتعويضًا لهن عما فاتهن من الزواج والمهر. الثاني: مراعاة التشريع أحوال المكلفين؛ حيث جعل المتعة للمطلقات حسب حال الزوج يسرًا وعسرًا. ﴿ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ ﴾ «حقًا» منصوب على المصدرية، أي: حق ذلك حقًا، والحق: الشيء الثابت اللازم؛ أي: حقًّا لازمًا ثابتًا واجبًا على المحسنين الذين يحسنون في عبادة الله بالإخلاص له عز وجل واتباع شرعه، ويحسنون إلى عباده، بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، أي: حقًّا عليهم أن يمتعوا نساءهم بالمعروف. قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾. قوله: ﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ﴾؛ أي: وإن طلقتم النساء من قبل الدخول بهن وجماعهن. ﴿ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ الواو: للحال، أي: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة، أي: قدرتم وحددتم لهن مهرًا. ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ «ما»: موصولة، أي: فنصف الذي فرضتم، أي: فلهن عليكم، أو فالواجب لهن نصف المهر الذي قدرتموه. فمن طلقت قبل المسيس وقبل فرض المهر، فلها المتعة، ومن طلقت قبل المسيس وبعد فرض المهر، فلها نصف المفروض من المهر، فإن خلا بها وجب لها في الحال الأولى مهر المثل، ووجب لها في الحال الثانية المهر كاملًا؛ لأن الصحابة أعطوا الخلوة حكم الدخول والجماع. ﴿ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ ﴾ استثناء من أعم الأحوال، أي: فلهن نصف ما فرضتم في كل حال إلا في حال عفوهن. والنون في «يعفون» ضمير النسوة في محل رفع فاعل، وتعود إلى المطلقات، أي: إلا أن تعفو المطلقات قبل المسيس عما وجب لهن على أزواجهن من نصف المهر المفروض. ﴿ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ﴾ وهو الزوج، فهو الذي بيده عقدة النكاح، إذا شاء أبقاها، وإذا شاء حلها بالطلاق، ويبعد أن يحمل على الولي؛ لأن الولي لا يصح أن يعفو عمَّا وجب للمرأة. والمعنى: أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح، وهو الزوج، فيترك للزوجة المهر كاملًا، ولا يطالبها برد نصف المهر. ﴿ وَأَنْ تَعْفُوا ﴾؛ أي: أيها الأزواج، أو أيها الأزواج والزوجات، وقد يحمل الخطاب على ما هو أعم من ذلك، وهو جميع الأمة. و«أن» والفعل بعدها في تأويل مصدر في محل رفع مبتدأ، والتقدير: وعفوكم أقرب للتقوى، أي: أقرب لتقوى الله عز وجل. وفي هذا ترغيب بالعفو والتسامح، وبخاصة بين الزوجين، فمن عفا عن صاحبه فهو أقرب لتقوى الله عز وجل. ﴿ وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾؛ أي: ولا تتركوا الفضل والإحسان والتسامح بينكم وتهملوه وتغفلوا عنه. ﴿ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ «ما»: موصولة أو مصدرية، أي: إن الله بالذي تعملونه، أو بعملكم ﴿ بَصِيرٌ ﴾ أي: مطلع عليه كله، وعالم به، لا يخفى عليه شيء منه وسيحاسبكم ويجازيكم عليه. [1] البيت مجهول القائل. انظر: «الأشباه والنظائر» (7/ 112). [2] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (4/ 286، 287)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (2/ 442). [3] أخرجه الطبري في «جامع البيان» (4/ 286، 287، 7/ 63- 65)، والبيهقي في سننه (1/ 125)، وأخرجه ابن أبي حاتم مختصرًا في «تفسيره» (3/ 908). [4] ذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 423). [5] أخرجه عبدالرزاق فيما ذكره ابن كثير في «تفسيره» (1/ 424).
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |