|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#31
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 16الى صــ 30 الحلقة (31) فرض، ثمَّ وضع الله تعالى ذلك علينا عند قراءة القرآن«. وقال:»وكان ابن سيرين يستعيذ في كلّ ركعة«. وعن ابن جريج عن عطاء قال:»الاستعاذة واجبة لِكُلِّ قراءة في الصلاة وغيرها ...«. قال ابن جريج: فقلت له: من أجل ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ قال: نعم». وقال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ١٧): «ثمَّ يستعيذ بالله تعالى وجوبًا ويأثم بتركه. قال: والسنّة أن يقول تارة: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه (١) وتارة يقول: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان ... إِلخ». وجاء في «الاختيارات» (ص ٥٠): «ويستحبّ التعوّذ أوّل كلّ قراءة». والراجح قول ابن حزم -رحمه الله- والله أعلم. الإِسرار بها (٢): ويسنّ الإِتيان بها سرًّا: قال في «المغني»: «ويُسِرُّ بالاستعاذة ولا يجهر بها، لا أعلم فيها خلافًا». انتهى. لكن الشافعي يرى التخيير بين الجهر بها والإسرار في الصلاة الجهريّة. مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة: يسرع الاستعاذة في كلّ ركعة؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ(١) هو الشعر المذموم، وانظر كتابي «تأمّلات قرآنية» في شرح معنى الاستعاذة. (٢) انظر «فقه السنة» (١/ ١٤٨). فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾. واستدلّ من استدلّ من العلماء على اقتصار الفاتحة في الركعة الأولى من حديث أبي هريرة:»كان رسول الله - ﷺ - إِذا نهضَ من الركعة الثانية استفتح القراءة بـ «الحمد لله رب العالمين»، ولم يسكت (١). وذكر هذا الشيخ السيد سابق -حفظه الله تعالى- في «فقه السنّة»، وردّ عليه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ١٧٦) قائلًا: «السّنّة المشار إِليها ليست صريحة فيما ذكَره المؤلف، لأنَّ قول أبي هريرة في حديثه المذكور في الكتاب:»ولم يسكت«، ليس صريحًا في أنَّه أراد مطلق السكوت، بل الظاهر أنَّه أراد سكوته السكتة المعهودة عنده، وهي التي فيها دعاء الاستفتاح، وهي سكتة طويلة، فهي المنفية في حديثه هذا. وأمّا سكتة التعوذ والبسملة؛ فلطيفة لا يحسُّ بها المؤتمُّ لاشتغاله بحركة النهوض للركعة، وكأنّ الإِمامَ مسلمًا -رحمه الله- أشار إِلى ما ذكَرنا مِن أن السكتة المنفية في هذا الحديث؛ هي المثبتة في حديت أبي هريرة المتقدّم، فإِنَّه ساق الحديث المشار إِليه، ثمَّ عقّبه بهذا، وكلاهما عن أبي هريرة، والسند إِليه واحد، فأحدهما متمّم للآخر، حتى لكأنَّهما حديث واحد، وحينئذ يظهر أنّ الحديث ليس على إِطلاقه، وعليه نرجّح مشروعية الاستعاذة في كلّ ركعة لعموم قوله تعالى: ﴿فإِذا قرأتَ القرآن فاسْتَعِذْ بالله﴾، وهو الأصحّ في مذهب الشافعية، ورجّحه ابن حزم في»المحلّى«، والله أعلم». ----------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٩٩ ٧ - القيام في الفرض: قال الله تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين (١)﴾ (٢). ولقوله - ﷺ - لعمران بن حُصين: «صَلِّ قائمًا» (٣). ولهذا كان - ﷺ - يقوم في صلاته في الفرض والتطوّع؛ ائتمارًا بهذه الآية الكريمة (٤). وأمّا في الخوف جازت الصلاة على أي حال: رِجالًا أو رُكبانًا: يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها (٥) كما تقدّم. أما في المرض فيصلّي حسب القدرة؛ قائمًا أو قاعدًا أو على جَنب، كما في حديث عمران بن حصين -رضي الله عنه- المتقدّم قال: «كانت بي بواسيرُ فسألت النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة فقال: صَلِّ قائمًا، فإِن لم تستطع فقاعدًا، فإِن لم تستطع فعلى جَنب» (٦). وصلّى - ﷺ - في مرضه جالسًا (٧). ---------------------- (١) أي: خاشعين ذليلين مستكينين بين يديه. (٢) البقرة: ٢٣٨ (٣) وسيأتي تخريجه في الحديث الآتي بعد سطور -إِن شاء الله تعالى-. (٤) انظر للمزيد من الفائدة كتاب «صفة الصلاة» (ص ٧٧). (٥) انظر «تفسير ابن كثير». (٦) أخرجه البخاري: ١١١٧ (٧) أخرجه الترمذي وصححه أحمد كما في «صفة الصلاة» (ص ٧٧). وسألت شيخنا -شفاه الله تعالى- عمّن يفضّل التربّع في القعود فقال: «أولًا يختار هيئة من هيئات الصلاة الواردة في السنّة، مثلًا كانت الصلاة افتراشية، لكنه قد يرى التورك أسهل فيتورّك، أو كانت الصلاة تورّكية لكنّه يستطيع الافتراش فيؤثره، وربّما لم يستطع هذا أو ذاك، فحينئذٍ يأتي بالتربّع، ولعلّ التربّع كالافتراش والتورّك، فهنا نقول له اجلس على النحو الذي يريحك». ثمَّ رأيت هذا متضَّمّنًا في صحيح البخاري (٨٢٧) فعن عبد الله بن عبد الله ابن عمر: «أنه كان يرى عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- يتربّع في الصلاة إِذا جلس، ففعلته وأنا يومئذ حديث السنّ، فنهاني عبد الله بن عمر وقال: إِنما سُنّة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى، فقلت: إِنك تفعل ذلك، فقال: إِنَّ رجليَّ لا تحملاني». وإذا كان في السفينة ونحوها وخشي الغرق، فله ألا يصلّي فيها قائمًا فقد سئُل - ﷺ - عن الصلاة في السفينة، فقال: «صلِّ فيها قائمًا؛ إلاَّ أن تخاف الغرق» (١). ويجوز الاعتماد على عمود أو نحوه للتمكّن من القيام لما ثبت أن النبيّ - ﷺ - «لما أسنَّ وكبر؛ اتَخَذَ عمودًا في مُصلاه يعتمد عليه» (٢). أمّا في صلاة الليل: فقد «كان - ﷺ - يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا ------------------- (١) أخرجه البزار والدارقطني وعبد الغنيّ المقدسي في السنن، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، كذا في»صفة الصلاة«(ص ٧٩). (٢) أخرجه أبو داود وغيره، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا فى»الإِرواء" (٣٨٣). قاعدًا، وكان إِذا قرأ قائمًا ركعَ قائمًا، وإذا قرأ قاعدًا ركعَ قاعدًا» (١). وقد ثبت أنَّ رسول الله - ﷺ - «كان يُصلّي جالسًا فيقرأ وهو جالس، فإِذا بقي من قراءته نحْوٌ من ثلاثين أو أربعين آية، قام فقرأها وهو قائم، ثمَّ يركع، ثمَّ سجد يفعل في الركعة الثانية مِثْل ذلك» (٢). أمّا في النافلة، فقد رُخّص للمصلّي أن يُصلّي قاعدًا مع قدرته على القيام، بيْد أنَّ له نصف أجر القائم، كما في حديث عمران بن حُصين قال: «سألت النّبيّ - ﷺ - عن صلاة الرجل وهو قاعد فقال: من صلى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائمًا فله نصف أجر القاعد» (٣). قال أبو عبد الله -يعني البخاري-: نائمًا عندي: مضطجعًا ها هنا (٤). أجر المريض والمسافر أجر الصحيح المقيم: عن أبي بردة قال: سمعت أبا موسى مرارًا يقول: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا مرض العبد أو سافر، كُتب له مِثلُ ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» (٥). -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٣٠ (٢) أخرجه البخاري: ١١١٩، ومسلم: ٧٣١ (٣) أخرجه البخاري: ١١١٦، ومسلم: ٧٣٥ من حديث عبد الله بن عمرو قال: حُدِّثت أن رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة ...». (٤) ويؤيد اللفظ الآخر المتقدم وقد خاطب فيه رسول الله - ﷺ - كذلك عمران بن حصين -رضي الله عنه- فقال: «... فإنْ لم تستطع فعلى جنب». وفي «القاموس المحيط»: ضجَع: وضع جنبه بالأرض. (٥) أخرجه البخاري: ٢٩٩٦، وغيره وللمزيد من الفوائد الحديثية الهامّة = ٨ - قراءة الفاتحة في كلّ ركعة -وهي ركن-. لحديث عبادة بن الصامت عن النّبيّ - ﷺ - قال: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» (١). وفي لفظ: «لا تجزئ صلاة لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب» (٢). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من صلّى صلاة لم يقرأ فيها بأمّ القرآن فهي خِداج (٣) ثلاثًا غير تمام» (٤). وأمر - ﷺ -: «المسيء صلاته» أن يقرأ بها في صلاته (٥). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: «أُمِرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسَّر» (٦). وقد تقدّم حديث المسيء صلاته: وفيه «وافعل ذلك في صلاتك --------------- = انظر -إِن شئت-»الإِرواء«(٥٦٠). (١) أخرجه البخاري: ٧٥٦، ومسلم: ٣٩٤ (٢) أخرجه الدارقطني وصححه، وابن حبّان في»صحيحه«وانظر»الإرواء«(٢/ ١٠). (٣) أى: ناقصة، يُقال:»خدجت الناقة إِذا ألقت ولدها قبل أوانه«، وانظر»النهاية«. (٤) أخرجه مسلم: ٣٩٥، وغيره. (٥) أخرجه البخاري في»جزء القراءة خلف الإمام«بسند صحيح، وانظر»صفة الصلاة«(ص ٧٩). (٦) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٧٣٢)، وقوّى الحافظ إِسناده في»الفتح" (٢/ ٢٤٣). كلّها» (١). وفي رواية: «في كلّ ركعة» (٢). فضائلها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل، فإِذا قال العبد: الحمد لله ربِّ العالمين، قال الله تعالى: حَمِدني عبدي، وإِذا قال: الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي، وإذا قال: مالك يوم الدين، قال: مجَّدني عبدي (وقال مرّة: فوَّض إِليَّ عبدي) فإِذا قال: إِيَّاك نعبد وإياك نستعين، قال: هذا بيني وبين عبدي ولعبدي ما سأل، فإِذا قال: اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمتَ عليهم غيرِ المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل» (٣). وكان يقول: «ما أنَزل الله عز وجل في التوراة ولا في الإِنجيل مثل أمّ القرآن، وهي السبع المثاني (٤) [والقرآن العظيم الذي أوتيته]» (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٩٣، ومسلم: ٣٩٧ (٢) أخرجه أحمد بسند جيد وانظر «صفة الصلاة» (ص ١١٤). (٣) مسلم: ٣٩٥ (٤) قال الباجي: «يريد قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآنَ العظيم﴾ [الحجر: ٨٧] وسُمّيت السبع؛ لأنها سبع آيات، والمثاني؛ لأنها تُثنّى في كل ركعة (أي: تعاد)، وإنما قيل لها: (القرآن العظيم) على معنى التخصيص لها بهذا الاسم، وإنْ كان كل شيء من القرآن قرآنًا عظيمًا، كما يقال في الكعبة:»بيت الله«، وإن كانت البيوت كلها لله، ولكن على سبيل التخصيص والتعظيم له». (٥) خرجه النسائي والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ٩٨). هل يُجهر بالبسملة؟ عن أنس -رضي الله عنه-: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - وأبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين» (١). وقدّ بوّب له البخاري بقوله: (باب ما يقول بعد التكبير) وهو ممّا يدّل على عدم التلفظ بالبسملة. وكذلك بوّب النووي له بقوله: «باب حُجّة من قال: لا يجهر بالبسملة». عن أنس أيضًا قال: «صليّت مع رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم» (٢). قال النووي في «شرح مسلم» (٤/ ١١١): «ومذهب الشافعي -رحمه الله- وطوائف من السلف والخلف أنَّ البسملة آية من الفاتحة وأنَّه يجهر بها حيث يجهر بالفاتحة». قال شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في «الفتاوى» (٢٢/ ٢٧٤): «وأمّا البسملة؛ فلا ريب أنَّه كان في الصحابة من يجهر بها، وفيهم من كان لا يجهر بها، بل يقرؤها سرًّا، أو لا يقرؤها والذين كانوا يجهرون بها أكثرهم كان يجهر بها تارة، ويُخافت بها أخرى، وهذا لأنَّ الذّكر قد تكون السنّة المخافتة به، ويجهر به لمصلحة راجحة مِثْل تعليم المأمومين، فإِنَّه قد ثبت في الصحيح»أنَّ ابن عباس قد جهر بالفاتحة على الجنازة، ليُعلّمهم أنَّها سُنّة". ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٤٣، ومسلم: ٣٩٩ (٢) أخرجه مسلم: ٣٩٩ وقال (ص ٢٧٤) أيضًا:»وثبت في «الصحيح» (١) أنَّ عمر بن الخطاب كان يقول: «الله أكبر، سبحانك اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدّك، ولا إِله غيرك» يجهر بذلك مرّات كثيرة. واتفق العلماء على أنَّ الجهر بذلك ليس بسنّة راتبة؛ لكنْ جهر به للتعليم، ولذلك نقل عن بعض الصحابة أنَّه كان يجهر أحيانًا بالتعوذ، فإِذا كان من الصحابة من جهَر بالاستفتاح والاستعاذة مع إِقرار الصحابة له على ذلك؛ فالجهر بالبسملة أولى أن يكون كذلك، وأن يشرع الجهر بها أحيانًا لمصلحة راجحة. لكنْ لا نزاع بين أهل العلم بالحديث: أنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يجهر بالاستفتاح. ولا بالاستعاذة، بل قد ثبت في الصحيح أنَّ أبا هريرة قال له: يا رسول الله! أرأيت سكوتك بين التكبير والقراءة ماذا تقول؟ قال: «أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي، كما باعَدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياى بالثلج والماء والبرَد». وفي «السنن» عنه أنَّه كان يستعيذ في الصلاة قبل القراءة، والجهر بالبسملة أقوى من الجهر بالاستعاذة، لأنَّها آية من كتاب الله تعالى، وقد تنازع العلماء في وجوبها، وإِن كانوا قد تنازعوا في وجوب الاستفتاح والاستعاذة، وفي ذلك قولان في مذهب أحمد وغيره، لكن النزاع في ذلك أضعف من النزاع في وجوب البسملة. -------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٩٩، وانظر «شرح النووي» (٤/ ١١٢) فإِن فيه فوائد حديثية هامّة. والقائلون بوجوبها من العلماء أفضل وأكثر، لكن لم يثبت عن النّبي - ﷺ - أنَّه كان يجهر بها، وليس في «الصحاح» ولا في «السنن» حديث صحيح صريح بالجهر، والأحاديث الصريحة بالجهر كلّها ضعيفة؛ بل موضوعة؛ ولهذا لمّا صنّف الدارقطني مصنَّفًا في ذلك، قيل له: هل في ذلك شيء صحيح؟ فقال: أمّا عن النبيّ - ﷺ - فلا، وأمّا عن الصحابة فمنه صحيح، ومنه ضعيف. ولو كان النّبيّ يجهر بها دائمًا، لكان الصحابة ينقُلون ذلك، ولكان الخلفاء يعلمون ذلك، ولما كان الناس يحتاجون أن يسألوا أنس بن مالك بعد انقضاء عصر الخلفاء، ولما كان الخلفاء الراشدون ثمَّ خلفاء بني أميّة وبني العبّاس كلهم متفقين على ترك الجهر، ولما كان أهل المدينة -وهم أعلم أهل المدائن بسنّته- يُنكرون قراءتها بالكلية سرًّا وجهرًا، والأحاديث الصحيحة تدل على أنّها آية من كتاب الله، وليست من الفاتحة، ولا غيرها«. قال ابن القيّم -رحمه الله-:»وكان يجهر بـ «بسم الله الرحمن الرحيم» تارة، ويُخفيها أكثر مما يجهر بها، ولا ريب أنه لم يكن يجهر بها دائمًا في كل يوم وليلة خمس مرات أبدًا، حضَرًا وسفَرًا، ويخفي ذلك على خلفائه الرَّاشدين، وعلى جمهور أصحابه، وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من أمحل المحال حتى يحتاج إِلى التشبُّث فيه بألفاظ مجملة، وأحاديث واهية، فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحُها غير صحيح، وهذا موضع يستدعي مجلّدًا ضخمًا«(١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في»تمام المنّة«(١٦٩):»والحقّ أنَّه ليس ------------------ (١) «زاد المعاد» (١/ ٢٠٦)، تحقيق وتخريج وتعليق شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط. جاء في التعليق (ص ٢٠٦) على الكتاب المذكور "الثابت عنه - ﷺ - عدم = في الجهر بالبسملة حديث صريح صحيح؛ بل صحّ عنه - ﷺ - الإسرار بها من حديث أنس، وقد وَقَفْتُ له على عشرة طرُق ذكَرْتها في تخريج كتابي «صفة صلاة النّبيّ - ﷺ -» أكثرها صحيحة الأسانيد، وفي بعض ألفاظها التصريح بأنَّه - ﷺ - لم يكن يجهر بها، وسندها صحيح على شرط مسلم، وهو مذهب جمهور الفقهاء، وأكثر أصحاب الحديث. وهو الحقّ الذي لا ريب فيه«. هل البسملة آية من الفاتحة؟ قد اختُلف في ذلك، والراجح أنَّ النّبي - ﷺ - قد عدّها آية، كما في ----------------------- = الجهر بها، فقد روى البخاري: (٢/ ١٨٨) في»صفة الصلاة«: باب ما يقول بعد التكبير عن أنس أنّ النّبيّ - ﷺ - وأبا بكر وعمر كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين، وأخرجه الترمذي (٢٤٦) وعنده:»القراءة«بدل»الصلاة«، وزاد:»عثمان«وأخرجه مسلم (٣٩٩) في الصلاة: باب حُجّة من قال لا يجهر بالبسملة بلفظ:»صليتُ مع رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدًا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ورواه أحمد (٣/ ٢٦٤) والطحاوي (١/ ١١٩)، والدارقطني (١١٩)، وقالوا فيه: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. ورواه ابن حبان في «صحيحه» وزاد: ويجهرون بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ للنسائي (٢/ ١٣٥) وابن حبان: فلم أسمع أحداَ منهم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وفي لفظ لأبي يعلى الموصلي في «مسنده»: فكانوا يستفتحون القراءة فيما يجهر به بالحمد لله رب العالمين، وفي لفظ للطبراني في «معجمه» وأبي نعيم في «الحلية» وابن خزيمة في «صحيحه» (٤٩٨) والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ١١٩): وكانوا يُسرون ببسم الله الرحمن الرحيم. قال الزيلعي في «نصب الراية» (١/ ٣٢٧): ورجال هذه الروايات كلهم ثقات مخرّج لهم في الصحيح جمع". الحديث الآتي: عن أم سلمة ذكَرت أو كلمة غيرها، قراءة رسول الله - ﷺ -: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿الحمد لله رب العالمين* الرحمن الرحيم* مالك يوم الدين﴾ يقطع قراءته آية آية» (١). من لا يستطيع حِفظ الفاتحة: من لم يستِطع أن يأخذ شيئًا من القرآن، فليقل: «سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله»؛ لحديث عبد الله بن أبي أوفى قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ - ﷺ - فقال: إِنِّي لا أستطيع أن آخذ شيئًا من القرآن فعلِّمني ما يجزئني فقال: قُل: سبحان الله والحمد لله ولا إِله إلاَّ الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله» (٢). ولحديث رِفاعة بن رافع «أنَّ النّبيّ - ﷺ - علّم رجلًا الصلاة، فقال:»إِنْ كان معك قرآن فاقرأ، وإلاّ فاحمده وكبِّره وهلِّله، ثمَّ اركع«(٣). ولكن لا بدّ من تعلّم الفاتحة وبذْل الجهد في ذلك، فإِن عَجز عن ذلك فلا يُكلَّف إلاَّ وُسْعه. والله تعالى أعلم. ------------------------ (١) أخرجه أبو داود وعنه البيهقي والترمذي وغيرهم وهو حديث صحيح خرجه شيخنا في»الإِرواء«(٣٤٣). (٢) أخرجه أبو داود وغيره وصححه جمْع من العلماء وحسن شيخنا إسناده كما في»الإِرواء«(٣٠٣). (٣) أخرجه أبو داود وغيره، وانظر»تمام المنّة" (١٦٩). هل تُقرأ الفاتحة خلف الإِمام؟ الأصل أنَّ الصلاة لا تصِحّ إلاَّ بقراءة سورة الفاتحة؛ في كل ركعة من ركعات الفرض والنفل، إلاَّ أنّ المأموم تسقط عنه القراءة، ويجب عليه الاستماع والإِنصات في الصلاة الجهرية؛ لقول الله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمِعوا له وأنصِتوا لعلكم تُرحَمون﴾ (١). ولقول رسول الله - ﷺ -: «إِذا كبّر الإمام فكبِّروا وإذا قرأ فانصِتوا» (٢) وعلى هذا يُحمَل حديث: «من كان له إِمام فقراءة الإِمام له قراءة» (٣)، أي: إِنّ قراءة الإِمام له قراءة في الصلاة الجهرية، وأمّا الصلاة السرية فالقراءة فيها على المأموم، وكذا تجب عليه القراءة في الصلاة الجهرية، إِذا تمكَّن من الاستماع للإِمام (٤). وجاء في «صفة الصلاة» (ص ٩٨): «وكان قد أجاز للمُؤتمين أن يقرؤوا بها وراء الإِمام في الصلاة الجهرية، حيث كان»في صلاة الفجر، فقرأ فثقُلت عليه القراءة، فلمّا فَرغَ قال: «لعلكم تقرؤون خلف إِمامكم» قلنا: نعم هذًّا (٥) يا رسول الله! قال: (لا تفعلوا؛ إِلاَّ [أن يقرأ أحدكم] بفاتحة الكتاب، فإِنَه لا ------------------------- (١) الأعراف: ٢٠٤ (٢) أخرجه مسلم: ٤٠٤ (٣) سيأتي تخريجه -إِن شاء الله-. (٤) عن «فقه السنة» (١/ ١٥٩) بتصرف يسير. (٥) الهذُّ: سرعة القراءة ومداركتها في سرعة واستعجال. صلاة لمن لم يقرأ بها) «(١). ثمَّ نهاهم عن القراءة كلِّها في الجهرية، وذلك حينما»انصرفَ من صلاةٍ جهر فيها بالقراءة (وفي رواية: أنَّها صلاة الصبح)، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفًا؟!»، فقال رجل: نعم؛ أنا يا رسول الله! فقال: إِنّي أقول: «ما لي أُنازَع (٢)؟!. [قال أبو هريرة:] فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله - ﷺفيما جَهَر فيه رسول الله - ﷺ - بالقراءة- حين سَمِعوا ذلك من رسول الله - ﷺ -، [وقرؤوا في أنفسهم سِرًّا فيما لا يَجْهَرُ فيه الإِمام]» (٣). وجعَل الإِنصات لقراءة الإِمام من تمام الائتمام به فقال: «إِنّما جُعِل الإِمام ليُؤتمَّ به، فإِذا كبَّر فكبِّروا» (٤) وفي رواية: «وإذا قَرَأ فأنصِتوا» (٥)«. كما جعل الاستماع له مُغْنيًا عن القراءة وراءه فقال:»من كان له إِمام فقراءة الإمام له قراءة«(٦)، هذا في ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٥٦ في»جزئه«، وأبو داود، وأحمد، وحسًنه الترمذي والدارقطنيّ. (٢) مالي أنازَع القرانظ أي: أُجاذَب في قراءته، كأنهم جَهَروا بالقراءة خلفه فشغلوه. (٣) أخرجه مالك والحميدي والبخاري في»جزئه«وأبو داود وأحمد والمحاملي، وحسّنه الترمذي، وصححه أبو حاتم الرازي وابن حبان وابن القيّم. (٤) أخرجه البخاري: ٣٧٨، ومسلم: ٤١١ (٥) أخرجه مسلم: ٤٠٤ (٦) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وابن ماجه والدارقطني والطحاوي، وفصّل شيخنا فيه، وتتبّع طرقه وحسنه في»الإِرواء" (٥٠٠). الجهرية. انتهى. قلت: «وكأنّ المأموم حين يقرأ الفاتحة في الجهرية يقول: الإمام لا يقرأ لي، ولكنّه يقرأ لنفسه وكأنّه ليس في صلاة جماعة، ويتشوش بقراءة الإِمام فيرفع صوته فيشوّش على من يليه». أو يقول: «لا يجزئني إلاَّ أن أستمع للإمام وأقرأ»، فأين هو من قوله تعالى: ﴿وإِذا قُرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون﴾. ثمَّ ماذا يفعل الإمام حين ينتظر المأمومين أيقرأ الفاتحة سرًّا أم يسكت؟ والصلاة كلها ذكر، وما الدليل على هذا وذاك؟ أمّا من الناحية العملية، فلم أرَ إِمامًا يترك مجالًا لقراءة المأموم ولكنّه يحيّره ويُربكه فإِذا قرأ المأموم زهاء آيتين بدأ الإمام يقرأ ما تيسّر من كتاب الله تعالى، فلا هو تركه يقرأ الفاتحة حتى يستكملها، ولا هو تركه يُنصت لقراءته. أمّا إِذا كنتَ إمامًا فلا تنتظر لقراءة المأمومين. وأمّا إِذا كنتَ مأمومًا فأنصِت حين يقرأ إِمامك، واقرأ حين يُنصت، وهذا من أجك متابعة الائتمام به، والكلام في هذا طويل أكتفي بما ذَكرتُ، ولشيخ الإِسلام مبحث طيّب في «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٣٠٩ - ٣٣٠) فارجع إليه -إِن شئت-، وانظر كذلك «تمام المنّة» (ص ١٨٧). ٩ - التأمين جهرًا: فقد «كان - ﷺ - إِذا انتهى من قراءة الفاتحة قال:»آمين"، يجهر ويمدّ بها ![]()
__________________
|
|
#32
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 31الى صــ 45 الحلقة (32) صوته» (١). وعن أبي رافع قال: «إِنَّ أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكَم، فاشترط أن لا يسبقه بـ (الضالّين) حتى يعلم أنَّه قد دخل الصف، فكان إِذا قال مروان: (ولا الضالّين) قال أبو هريرة:»آمين«يمدّ بها صوته، وقال: إِذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء؛ غُفر لهم» (٢). وقال عطاء: «أمّن ابن الزبير ومن وراءه حتى إِنَّ للمسجد للجّة» (٣). ويجب تأمين المأموم إِذا أمَّن الإِمام لقوله - ﷺ -: «إِذا أمَّن الإِمام فأمّنوا» (٤). وبه يقول الشوكاني كما في «نيل الأوطار» (٢/ ١٨٧). وبه يقول ابن حزم في «المحلّى» (٢/ ٢٦٢)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٧٨). موافقة الإِمام فيه: فقد كان - ﷺ - يأمر المقتدين بالتأمين بُعيد تأمين الإِمام فيقول: «إذا قال الإِمام: ﴿غيرِ المغضوب عليهم ولا الضالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، [فإِنَّ الملائكة ---------------------- (١) أخرجه البخاري في»جزء القراءة«، وأبو داود بسند صحيح كذا في»صفة الصلاة«(ص ١٠١). (٢) أخرجه البيهقي وإسناده صحيح. عن»الضعيفة«تحت الحديث (٩٥٣). (٣) رواه البخاري بصيغة الجزم (كتاب الأذان) (باب جهر الإمام بالتأمين)، وقال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٢٦٢):»وصله عبد الرزَاق عن ابن جريج عن عطاء". (٤) أخرجه البخاري: ٧٨٥، ومسلم: ٤١٠ تقول: آمين، وإنَّ الإِمام يقول: آمين] (وفي لفظ: إِذا أمَّن الإِمام فأمِّنوا)، فمن وافق تأمينُه تأمين الملائكة (وفي لفظ آخر: إِذا قال أحدكم في الصلاة: آمين، والملائكة في السماء: آمين، فوافق أحدُهما الآخر)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه» (١). معنى آمين: آمين دعاء معناه: اللهمّ استجب، وهي من أسماء الأفعال، وهي مصدر أمَّن -بالتشديد- أي: قال: آمين وهي بالمدّ والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القُرّاء (٢). وجوب القراءة في السريّة: قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص ١٠٠): «وأمّا في السريّة؛ فقد أقرَّهم على القراءة فيها، فقال جابر:»كنا نقرأ في الظهر والعصر خلف الإمام في الركعتين الأوليين بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الأُخريين بفاتحة الكتاب«(٣). وإِنّما أنكَر التشويش عليه بها، وذلك حين»صلّى الظهر بأصحابه فقال: «أيّكم قَرَأ ﴿سبِّح اسم ربِّك الأعلى﴾؟»، فقال رجل: أنا، [ولم أُرِد بها إلاَّ --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٨٥، ومسلم: ٤١٠، والنسائي والدارمي وانظر «صفة الصلاة»، (١٠١). (٢) وانظر «الفتح» (٢/ ٢٦٢) للمزيد من الفائدة. (٣) أخرجه ابن ماجه بسند صحيح، وهو مخرج في «الإِرواء» (٥٠٦). الخير]. فقال: (قد عرفْتُ أنّ رجلًا خاَلجَنيها)» (١). وفى حديث آخر: «كانوا يقرؤون خلف النّبيّ - ﷺ -[فيجهرون به]، فقال: (خلَطتُم عليَّ القرآن)» (٢). وقال: «إِنَّ المصلي يناجي ربّه، فلينظر بما يناجيه به، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن» (٣). ١٠ - قراءته - ﷺ - بعد الفاتحة (٤) كان - ﷺ - يقرأ بعد الفاتحة سورة غيرها، وكان يطيلها أحيانًا، ويقصرها أحيانًا لعارض سفَر، أو سعال، أو مرض، أو بكاء صبيّ؛ كما قال أنس بن مالك -رضي الله عنه-: «جوَّز (٥) - ﷺ - ذات يوم في الفجر» (وفي حديث آخر: صلّى الصبح فقرأ بأقصر سورتين في القرآن)، فقيل: يا رسول الله! لِم جوَّزت؟ قال: «سمعْتُ بكاء صبي، فظننْتُ أنَّ أمّه معنا تصلّي، فأردت أن أُفرِغ له أمّه» (٦). --------------------- (١) أخرجه مسلم وأبو عوانة والسَّراج. و(الخلج): الجذب والنَّزع. (٢) أخرجه البخاري في «جزئه» وأحمد والسراج بسند حسن. (٣) أخرجه مالك والبخاري في «أفعال العباد» بسند صحيح. (٤) عن «صفة الصلاة» (ص ١٠٢) بحذف وتصّرف. (٥) أي: خفّف. (٦) أخرجه أحمد بسند صحيح. وكان يقول: «إِني لأدخلُ في الصلاة وأنا أريد إِطالتها، فأسمع بكاء الصبي، فاتجوَّز في صلاتي ممّا أعلم من شدة وجْد أمّه (١) من بكائه» (٢). ويقول: «أعطوا كلّ سورة حظَّها من الركوع والسجود» (٣). وكان تارة يقسمها في ركعتين (٤). وكان أحيانًا يجمع في الركعة الواحدة بين السورتين أو أكثر. قال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ١٨): «ويسنّ أن يقرأ بعد الفاتحة سورة أخرى؛ حتى في صلاة الجنازة، أو بعض الآيات في الركعتين الأوليين». وقال (ص ١٩): «ويسنّ الزيادة عليها في الركعتين الأخيرتين أيضًا أحيانًا». ما كان - ﷺ - يقرؤُه في الصلوات (٥) ١ - صلاة الفجر: وأمّا ما كان يقرؤه - ﷺ - في الفجر: ----------------- (١) وجْد أمّه: أي: حُزنها. (٢) أخرجه البخاري: ٧٠٩، ومسلم: ٤٧٠ (٣) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد، وعبد الغني المقدسي في «السنن» بسند صحيح. (٤) أخرجه أحمد، وغيره. (٥) عن «صفة الصلاة» (ص ١٠٩) بتصرّف، ورأيت أن أكتب ما يتعلّق بالفرائض للاختصار، ولمعرفة ذلك في السنن ينظر الكتاب المذكور. كان - ﷺ - يقرأ فيها بطوال (١) المفصّل (٢) (٣)، فـ «كان -أحيانًا- يقرأ: ﴿الواقعة﴾ ونحوها من السور في الركعتين» (٤). وقرأ من سورة ﴿الطور﴾ وذلك في حَجّة الوداع (٥). و«كان -أحيانًا- يقرأ: ﴿ق والقرآن المجيد﴾ ونحوها في [الركعة الأولى]» (٦). و«كان -أحيانًا- يقرأ بقصار المفصَّل كـ ﴿إِذا الشمس كُوّرت﴾ (٧). و»قرأ مرَّة: ﴿إِذا زُلزلت﴾ في الركعتين كلتيهما؛ حتى قال الراوي: فلا ---------------------- (١) هي السبع الأخير من القرآن أوله ﴿ق﴾ على الأصح. (٢) قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٢٥٩): [هو] من ﴿ق﴾ إِلى آخر القرآن على الصحيح، وسمّي مُفصّلًا لكثرة الفصل بين سُورِه بالبسملة على الصحيح، ولقول هذا الرجل قرأت المفصَّل سبب بيّنه مسلم فى أول حديثه من رواية وكيع عن الأعمش عن أبي وائل قال: جاء رجل يقال له نهيك بن سنان إِلى عبد الله فقال: يا أبا عبد الرحمن كيف تقرأ هذا الحرف (مِن ماء غير آسن) أو غير ياسن؟ فقال عبد الله: كلّ القرآن أحصيت غير هذا قال: إِنيّ لأقرأ المفصَّل فى ركعة. (٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه أحمد وابن خزيمة والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه البخاري: ١٦١٩ (٦) أخرجه مسلم: ٤٥٧، والترمذي. (٧) في «صحيح مسلم» (٤٥٦) و«صحيح سنن أبي داود» (٧٣١) من حديث عمرو بن حُرَيث أنّه سمع النّبي - ﷺ - يقرأ في الفجر: ﴿والليل إِذا عَسْعَس﴾. [التكوير: ١٧]. أدري؛ أنسي رسول الله أم قرأ ذلك عمدًا؟ «(١). و»قرأ -مرّة- في السفر ﴿قل أعوذ برب الفلق﴾ و﴿قل أعوذ برب الناس﴾ «(٢). وقال لعقبة بن عامر -رضي الله عنه-:»اقرأ في صلاتك المعوذتين، [فما تعوّذ متعوِّذ بمثلِهما] «(٣). وكان أحيانًا يقرأ بأكثر من ذلك؛ فـ»كان يقرأ ستّين آية فأكثر«(٤). قال بعض رواته: لا أدري في إِحدى الركعتين أو في كلتيهما؟ و»كان يقرأ بسورة ﴿الروم﴾ (٥) وأحيانًا- بسورة ﴿يس﴾ «(٦). و»كان -أحيانًا- يؤمّهم فيها بـ ﴿الصافّات﴾ «(٧). و»كان يصلّيها يوم الجمعة بـ ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة [في الركعة الأولى، وفي الثانية] بـ ﴿هل أتى على الإِنسان﴾ «(٨). -------------------- (١) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح، والظاهر أنّه عليه السلام فعَل ذلك عمدًا للتشريع. (٢) أخرجه أبو داود وابن خزيمة وغيرهما وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه أبو داود وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه البخاري: ٥٤١، ومسلم: ٤٦١ (٥) أخرجه النسائي وأحمد والبزار بسند جيد. (٦) أخرجه أحمد بسند صحيح. (٧) أخرجه أحمد وأبو يعلى في»مسنديهما«والمقدسي في»المختارة". (٨) أخرجه البخاري: ٨٩١، ومسلم: ٨٨٠ و«كان يطوّل في الركعة الأولى ويقصر في الثانية» (١). ٢ - صلاة الظهر: كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في كل من الركعتين الأوليين قدْر ثلاثين آية؛ قدْر قراءة ﴿ألم تنزيل﴾ السجدة وفي الأُخرين قدْر النصف من ذلك. فعن أبي سعيد الخدري قال: «كنّا نحزر قيام رسول الله - ﷺ - في الظهر والعصر، فحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدْر قراءة ألم تنزيل - السجدة، وحزرنا قيامه في الأخريين قدْر النصف من ذلك (٢) وحزرنا قيامه في الركعتين الأوليين من العصر على قدْر قيامه في الأخريين من الظهر، وفي الأُخريين من العصر على النصف من ذلك» (٣). وأحيانًا «كان يقرأ بـ ﴿السماء والطارق﴾، و﴿السماء ذات البروج﴾، و﴿الليل إِذا يغشى﴾، ونحوها من السور» (٤). وربما «قرأ ﴿إذا السماء انشقت﴾، ونحوها» (٥). ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٥٩، ومسلم: ٤٥١ (٢) قال شيخنا -حفظه الله تعالى- وفي الحديث دليل على أنَّ الزيادة على ﴿الفاتحة﴾ في الركعتين الأخيرتين سنة، وعليه جمْع من الصحابة؛ منهم أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- وهو قول الإِمام الشافعي سواءٌ كان ذلك في الظهر أو غيرها، وأخذ به علمائنا المتأخرين أبو الحسنات اللكنوي في «التعليق الممجد على الموطأ محمد» (ص ١٠٢). (٣) أخرجه مسلم: ٤٥٢ (٤) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه وكذا ابن خزيمة. (٥) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه». وربما اقتصر فيهما على الفاتحة، انظر «صحيح البخاري» (٧٥٩) و«صحيح مسلم» (٤٥١). ٣ - صلاة العصر: وكان يقرأ في كلّ منهما قدْر خمسَ عشرةَ آية؛ قدْر نصف ما يقرأ في كلٍّ من الركعتين الأوليين في الظهر، وكان يجعل الركعتين الأخيرتين أقصر من الأوليين قدْر نصفهما كما تقدّم في حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-. ٤ - صلاة المغرب: و«كان - ﷺ - يقرأ فيها -أحيانًا- بقصار المفصَّل» (١). فعن مروان بن الحكم قال: «قال لي زيد بن ثابت: مالك تقرأ في المغرب بقصار، وقد سمعت النّبيّ - ﷺ - يقرأ بطولى الطوليين» (٢). و«قرأ في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ في الركعة الثانية» (٣). وكان أحيانًا يقرأ بطوال المفصّل وأوساطِه، فـ «كان تارةً يقرأ بـ ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله﴾» (٤). وتارة بـ ﴿الطور﴾ " (٥). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٦٤ (٢) أخرجه البخاري: ٧٦٤، وأبو داود، والنسائي وأحمد. (٣) أخرجه الطيالسي وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه ابن خزيمة والطبراني والمقدسي بسند صحيح. (٥) أخرجه البخاري: ٧٦٥، ومسلم: ٤٦٣ وتارة بـ ﴿المرسلات﴾ قرأ بها في آخر صلاة صلاها - ﷺ - (١). و»كان أحيانًا يقرأ بطولى الطوليين (٢): [﴿الأعراف﴾] [في الركعتين] «(٣). وتارة بـ ﴿الأنفال﴾ في الركعتين (٤). ٥ - صلاة العشاء: كان - ﷺ - يقرأ في الركعتين الأوليين من وسط المفصّل (٥)، فـ»كان تارة يقرأ بـ ﴿الشمس وضحاها﴾ وأشباهِها من السور«(٦). و»تارة بـ ﴿إِذا السّماءُ انشقت﴾، وكان يسجد بها«(٧). و»قرأ -مرة- في سفر بـ ﴿التين والزيتون﴾ [في الركعة الأولى] «(٨). ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٧٦٣، ومسلم: ٤٦٢ (٢) أي: بأطول السورتين الطويلتين، و»طولى«: تأنيث»أطول«، و»الطوليين«: تأنيث طولى، وهما ﴿الأعراف﴾ اتفاقًا، و﴿الأنعام﴾ على الأرجح؛ كما في»فتح الباري«. (٣) أخرجه البخاري: ٧٦٤، وأبو داود وابن خزيمة وأحمد والسرَّاج والمخلص. (٤) أخرجه الطبراني في»الكبير" بسند صحيح. (٥) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. (٦) أخرجه أحمد والترمذي وحسنه. (٧) أخرجه البخاري: ٧٦٦، ومسلم: ٥٧٨ (٨) أخرجه البخاري: ٧٦٧، ومسلم: ٤٦٤، والنسائي. جمْعه - ﷺ - بين النظائر (١) وغيرها في الركعة (٢) كان رسول الله - ﷺ - يقرن بين النظائر (٣) من المُفَصَّل، فكان يقرأ سورة: ﴿الرحمن﴾ و﴿النجم﴾ في ركعة، و﴿اقتربت﴾ و﴿الحاقّة﴾ في ركعة، و﴿الطور﴾ و﴿الذريات﴾ في ركعة، و﴿إِذا وقعت﴾ و﴿ن﴾ في ركعة، و﴿سأل سائل﴾ و﴿النازعات﴾ في ركعة، و﴿ويل للمطفّفين﴾ و﴿عبس﴾ في ركعة، و﴿المدثّر﴾ و﴿المزمّل﴾ في ركعة، و﴿هل أتى﴾ و﴿لا أُقسِم بيوم القيامة﴾ في ركعة، و﴿عمّ يتساءلون﴾ و﴿المرسلات﴾ في ركعة و﴿الدخان﴾ و﴿إِذا الشمس كُوِّرت﴾ في ركعة» (٤). صفة قراءة النّبيّ - ﷺ - كان - ﷺ - يقرأ القرآن آية آية كما تدّل عليه النصوص. جاء في «صفة الصلاة» (ص ٩٦): «ثمَّ يقرأ الفاتحة ويُقطّعها آية آية: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الحمد لله ربِّ العالمين﴾، [ثمَّ يقف، ثمَّ يقول:] ﴿الرحمن الرحيم﴾، [ثمَّ يقف: ثمَّ ------------------- (١) وقد دلّتنا هذه القراءة على أن النّبيّ - ﷺ - لم يراع في الجمع بين كثير من هذه النظائر ترتيب المصحف فدّل على جواز ذلك وإن كان الأفضل مراعاة الترتيب. (٢) عن»صفة الصلاة«(ص ١٠٤) بتصرّف. (٣) أي السور المتماثلة في المعاني؛ كالموعظة أو الحِكَم أو القَصَص. (٤) انظر»صحيح البخاري«(٤٩٩٦)، و»صحيح مسلم" (٧٢٢). يقول:] ﴿مالك يوم الدين﴾، وهكذا إِلى آخر السورة، وكذلك كانت قراءته كلُّها، يقف على رؤوس الآي ولا يَصِلُها بما بعدها» (١). وكان - ﷺ - يمدّ القراءة. فعن قتادة قال: «سألتُ أنسَ بن مالك عن قراءة النّبيّ - ﷺ - فقال: كان يمدُّ مدًّا» (٢). قال الحافظ في «الفتح» (٩/ ٩١): «المدّ عند القراءة على ضربين: أصلي وهو إِشباع الحرف الذي بعده ألف أو واو أو ياء، وغير أصلي وهو ما إِذا أعقب الحرف الذي هذه صفته همزة، وهو متصلّ ومنفصل، فالمتصل: ما كان من نفس الكلمة، والمنفصل: ما كان بكلمة أخرى، فالأوّل: يؤتى فيه بالألف والواو والياء، ممكنات من غير زيادة، والثاني: يزداد في تمكين الألف والواو والياء زيادة المدّ الذي يمكن النطق بها إلاَّ به من غير إِسراف، والمذهب الأعدل أنَّه يمد كل حرف منها ضعفي ما كان يمدّه أولا، وقد يُزاد على ذلك قليلًا، وما فرط فهو غير محمود». ترتيل القراءة وتحسين الصوت بها (٣) كان رسول الله - ﷺكما أمَره الله تعالى- يُرتّل القرآن ترتيلًا، لا هذًّا (٤) ---------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره وصححه الحاكم ووافقه الذهبي وهو مخرج في «الإِرواء» (٣٤٣). (٢) أخرجه البخاري: ٥٠٤٦ (٣) عن «صفة الصلاة» (١٢٤) بتصرّف. (٤) الهذّ: سرعة القطع والقراءة. «المحيط». وقال الحافظ (٢/ ٢٥٩): = ولا عجلة؛ بل قراءة «مفسرة (١) حرفًا (٢) حرفًا» (٣). حتى «كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطولَ منها» (٤). وكان يقول: «يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورتّل كما كنت ترتّل في الدنيا، فإِنّ منزلك عند آخر آية تقرؤها» (٥). و«كان يمدّ قراءته (عند حروف المد)، فيمدّ ﴿بسم الله﴾، ويمدّ ﴿الرحمن﴾، ويمدّ ﴿الرحيم﴾» (٦)، و﴿نضيد﴾ (٧) وأمثالها. --------------------- = «أي سردًا وإفراطًا في السرعة»، والسّرد«: المتابعة والاستعجال.»النهاية«ملتقطًا. (١) مُفسَّرة: من الفسر، وهو الإبانة والبيان وكشف الغطاء، وجاء في»تحفة الأحوذي«(٨/ ٢٤١): حرفًا حرفًا: أي: كان يقرأ بحيث يمكن عدّ حروف ما يقرأ والمراد: حسن الترتيل والتلاوة على نعت التجويد. قال الطيبي: يحتمل وجهين الأول: أن تقول: كانت قراءته كيت وكيت، والثاني: أن تُقرَأ مرتلة كقراءة النبيّ - ﷺ -. قال ابن عباس: لأن أقرأ سورة أرتّلها أحب إليّ من أن أقرأ القرآن كله بغير ترتيل. (٢) قال في»النهاية«: الحرف في الأصل: الطرف والجانب، وبه سمّي الحرف من حروف الهجاء. (٣) أخرجه ابن المبارك في»الزهد«وأبو داود وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه مسلم: ٧٣٣ (٥) أخرجه أبو داود والترمذي وصححه. (٦) انظر»صحيح البخاري«(٥٠٤٦). (٧) أخرجه البخاري في»أفعال العباد" بسند صحيح. وكان يقف عى رؤوس الآي (١) و»كان -أحيانًا- يُرَجِّع (٢) صوته؛ كما فعل يوم فتح مكة وهو على ناقته يقرأ سورة ﴿الفتح﴾، وقد حكى عبد الله ابن المُغَفَّل ترجيعه هكذا (آآ آ) (٣) وكان يأمر بتحسين الصوت بالقرآن فيقول: «زيِّنوا القرآن بأصواتكم؛ [فِإن الصوت الحسَن يزيد القرآن حُسنًا]» (٤). ويقول: «إِنّ من أحسن الناس صوتًا بالقرآن؛ الذي إِذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله» (٥). ---------------------- (١) وتقدّم في صفة قراءته - ﷺ -. (٢) جاء في «النهاية»: «الترجيع: ترديد القراءة، ومنه ترجيع الأذان، وقيل: هو تقارُب ضروب الحركات في الصوت ...». قال الحافظ: «هو تقارُب ضروب الحركات في القراءة، وأصْله: الترديد، وترجيع الصوت: ترديده بالحلق». وقال المناوي: «وذلك ينشأ غالبًا عن أريحية وانبساط، والمصطفى - ﷺ - حصل له من ذلك حظ وافر يوم الفتح». قال ابن الأثير في «النهاية» -بحذف-: لأنه كان راكبًا فجعَلت الناقة تحرّكه، فحدَث الترجيع في صوته«. وقال بعض العلماء الترجيع: تحسين التلاوة، لا ترجيع الغناء. (٣) قال الحافظ في شرح قوله (آآ آ):»بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة ثمَّ همزة أخرى«[آءآءآء] وكذا في»النهاية«، ونقل الشيخ علي القاري مثله عن غير الحافظ، ثمَّ قال:»والأظهر أنها ثلاث ألفات ممدودات«. (٤) أخرجه البخاري: تعليقًا»كتاب التوحيد«(باب-٥٢) وأبو داود والدارمي والحاكم وتمام الرازي بسند ين صحيحين. وانظر»الصحيحة«(٧٧١). (٥) حديث صحيح، رواه ابن المبارك في»الزهد"، والدارمي وابن نصر والطبراني = وكان يأمر بالتغني بالقرآن فيقول: «تعلّموا كتاب الله، وتعاهدوه، واقتنوه، وتغنَّوا به (١)، فوالذي نفسي بيده؛ لهو أشد تفلّتًا (٢) من النوق والحوامل المخاض (٣) في العقل (٤)». ويقول: «ليس منّا من لم يتغنَّ بالقرآن» (٥). وقال لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنه-: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة، لقد أوتيتَ مزمارًا (٦) من مزاميرآل داود«، [فقال أبو موسى: لو علمتُ مكانك؛ لحبّرت لك (٧) تحبيرًا (٨). ------------------------ = وأبو نعيم في»أخبار أصبهان«، والضياء في»المختارة«. وانظر»الصحيحة«(٧٧١). (١) جاء في»الفيض«:»اي: اقرأوه بتحزين وترقيق وليس المراد قراءته بالألحان والنغمات«. (٢) أي: ذَهابًا. (٣) النوق الحوامل. (٤) جمْع عِقال، وعقلت البعير: حبسْتُه وخصَّ ضرْب المَثل بها؛ لأنها إِذا انفلتت لا تكاد تُلحق.»فيض القدير«. (٥) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٦) قال العلماء:»المراد بالمزمار هنا: الصوت الحسَن، وأصل الزمر: الغناء، وآل داود هو داود نفسه، وآل فلان قد يطلق على نفسه، وكان داود عليه السلام حسَن الصوت جدًا«. ذكره النووى في»شرح مسلم«. (٧) يريد:»تحسين الصوت وتحزينه«.»النهاية". (٨) أخرجه البخاري: ٥٠٤٨، ومسلم: ٧٩٣ ماذا يقول إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادرٍ على أن يحيي الموتى﴾، و﴿سبح اسم ربّك الأعلى﴾: يستحبّ له أن يقول في الأولى: سبحانك فبلى، وفي الثانية: «سبّحان ربّي الأعلى»، وذلك لما رواه ابن عباس: «أنّ النّبيّ - ﷺ - كان إِذا قرأ: ﴿سبّح اسم ربّك الأعلى﴾ قال:»سبحان ربي الأعلى«(١). ولما رواه موسى ابن أبي عائشة قال:»كان رجل يُصلّي فوق بيته وكان إِذا قرأ: ﴿أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى﴾ (٢) قال: سبحانك، فبلى، فسألوه عن ذلك فقال: سمعته من رسول الله - ﷺ - «(٣). مواضع الجهر والإِسرار بالقراءة (٤): والسُّنّة أن يجهر المصلّي في ركعتي الصبح والجمعة، والأوليين من المغرب والعشاء (٥)، والعيدين والكسوف والاستسقاء، ويُسِرّ في الظهر والعصر، وثالثة المغرب الأخريين من العشاء. وأمّا بقية النوافل، فالنهارية لا جهر فيها، والليلية يخير فيها بين الجهر والإِسرار، والأفضل التوسط، لحديث أبي قتادة -رضي الله عنه-:»أنَّ النّبيّ - ﷺ - خرج ليلة فإِذا هو بأبي بكر -رضي الله عنه- يصلّي يخفض من صوته، ------------------------ (١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح أبي داود» (٧٨٥) وانظر «المشكاة» (٨٥٩). (٢) القيامة: ٤٠ (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٨٦)، وانظر «صفة الصلاة» (١٠٥). (٤) «فقه السنّة» (١/ ١٥٨) بتصرّف. (٥) انظر «الإِرواء» (٣٥٤). ![]()
__________________
|
|
#33
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 46الى صــ 60 الحلقة (33) قال: ومرّ بعمر بن الخطاب وهو يصلّي رافعًا صوته، قال: فلما اجتمعا عند النّبيّ - ﷺ - قال النّبيّ - ﷺ -: يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلّي تخفض صوتك، قال: قد أسمعت من ناجيت يا رسول الله. وقال لعمر: مررت بك وأنت تصلّي رافعًا صوتك، قال: فقال يا رسول الله! أوقظ الوسنان (١)، وأطرد الشيطان. زاد الحسن في حديثه: فقال النّبيّ - ﷺ -:»يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا«(٢). ١١ - تكبيرات الانتقال: عن أبي هريرة قال: كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة يُكبِّر حين يقوم، ثمَّ يُكبِّر حين يركع، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حَمِده، حين يرفع صُلبه من الرَّكعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا لك الحمد، ثمَّ يُكبّر حين يهوي، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يُكبّر حين يسجد، ثمَّ يكبّر حين يرفع رأسه، ثمَّ يفعل ذلك في الصلاة كلِّها حتى يَقضِيَها، ويكبّر حين يقوم من الثّنتينِ بعد الجلوس» (٣). وقد قال - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» (٤). وقد أمر بذلك المسيء صلاته فقال: «إِنَّه لا تتمُّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء -يعني مواضعه- ثمَّ يكبّر ويحمد الله جلّ وعزّ ---------------------- (١) أي: النعسان. (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٨٠)، والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي، وانظر»صفة الصلاة" (ص ١٠٩). (٣) أخرجه البخاري: ٧٨٩، ومسلم: ٣٩٢ (٤) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم. ويُثني عليه، ويقرأ بما تيسّر من القرآن ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يركع حتى تطمئنّ مفاصلُه، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، حتى يستويَ قائمًا، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئن مَفاصِلُه، ثمَّ يقول الله أكبر، ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا، ثمَّ يقول: الله أكبر، ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يرفع رأسه فيكبرّ، فإِذا فعل ذلك فقد تمّت صلاته» (١). وبوجوب تكبيرات الانتقال يقول شيخنا -حفظه الله تعالى- ونقل ما قرّره الإِمام الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٢٢٢ - ٢٢٤) ثمَّ في «السيل الجرار» أنّ الأصل في جميع الأمور الواردة في حديث المسيء صلاته الوجوب. وقال: وقد ذهب إِلى الوجوب الإِمام أحمد كما حكاه النووي في «المجموع» (٣/ ٣٩٧) عنه. ١٢ - الركوع وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما ركنان-: لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تفلحون﴾ (٢). قال الألوسي في «روح المعاني»: «أي: صلّوا، وعبَّر عن الصلاة بهما؛ لأنّهما أعظم أركانها وأفضلها». ولقوله - ﷺ - في حديث «المسيء صلاته»: «إِنّها لا تتمُّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبر الله ويحمده ويمجّده، ويقرأ ما ------------------------ (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبو داود" (٧٦٣) وغيره، وتقدّم بعضه. (٢) الحج: ٧٧ تيسر من القرآن مما علّمه الله وأَذِن له فيه، ثمَّ يكبر ويركع، [ويضع يديه على ركبتيه] حتى تطمئن مفاصله وتسترخي ..» (١). وذكر بعض الفقهاء أنَّ أدنى الطمأنينة قدر تسبيحة. وأمَر به عليه الصلاة والسلام المسيء صلاته فقال: «ثمَّ اركع حتى تطمئنّ راكعًا» (٢). وكان يقول: «أتمّوا الركوع والسجود؛ فوالذي نفسي بيده، إِنّي لأراكم من بعد (٣) ظهري إِذا ما ركعتم، وإِذا ما سجدتم» (٤). و«رأى رجلًا لا يتِمّ ركوعه، وينقُر في سجوده وهو يصلّي، فقال: [لو مات هذا على حاله هذه؛ مات على غير مِلَّة محمّد؛ [ينقر صلاته كما ينقُر الغرابُ الدم]، مَثَل الذي لا يُتمّ ركوعه، وينقُر في سجوده، مَثَل الجائع الذي يأكل التمرة والتمرتين لا يُغنيان عنه شيئًا]» (٥). وكان يقول: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته». قالوا: يا رسول الله! وكيف يسرق من صلاته؟ قال: لا يُتمّ ركوعها وسجودها«(٦). ------------------------ (١) أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر»صفة الصلاة«(ص ١٢٩). (٢) أخرجه البخاري: ٦٢٥١، ومسلم: ٣٩٧ (٣) أي: وراء؛ كما في حديث آخر. (٤) أخرجه البخاري: ٧٤٢، ومسلم: ٤٢٥ (٥) أخرجه أبو يعلى في»مسنده«، والبيهقي والطبراني وغيرهم بسند حسن، وصححه ابن خزيمة، وانظر»صفة الصلاة«(ص ١٣١). (٦) أخرجه ابن أبي شيبة والطبراني والحاكم، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر»صفة الصلاة" (ص ١٣١). صفة الركوع: يتحقق الركوع بالانحناء؛ بحيث تصل اليدان إلى الركبتين، ولا بدّ من الطمأنينة فيه (١) لحديث المسيء صلاته المتقدّم: «ثمَّ اركع حتى تطمئن راكعًا». قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص ١٨٩): «... يجب أن يُعلم أنَّ الاطمئنان الواجب لا يحصل إلاَّ بتحقيق ما يأتي: ١ - وضْع اليدين على الركبتين. ٢ - تفريج أصابع الكفّين. ٣ - مدّ الظهر. ٤ - التمكين للركوع والمكث فيه؛ حتى يأخذ كلّ عضو مأخذه. وهذا كلّه ثابت في روايات عديدة لحديث المسيء صلاته ...». أذكار الركوع (٢) كان رسول الله - ﷺ - يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة بهذا، وتارة بهذا: ١ - «سبحان ربي العظيم (ثلاث مرات)» (٣). --------------------- (١) «فقه السنة» (ص ١٣٧). (٢) عن «صفة الصلاة» (ص ١٣٢) بتصرّف. (٣) أخرجه أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وغيرهم، وفيه ردّ على من أنكر ورود = وكان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك (١). وبالَغ مرة في تكرارها في صلاة الليل؛ حتى كان ركوعه قريبًا من قيامه، وكان يقرأ فيه ثلاثَ سور من الطوال: ﴿البقرةَ﴾ و﴿النساءَ﴾ و﴿آل عمران﴾، يتخللها دعاء واستغفار. ٢ - «سبحان ربّي العظيم وبحمده (ثلاثًا)» (٢). ٣ - «سُبّوح قدّوس (٣) رب الملائكة والروح» (٤). ٤ - «سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهم اغفِر لي. وكان يُكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأوّل القرآن» (٥). ٥ - «اللهم لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، [أنت ربّي]، خشع --------------------- = التقييد بثلاث تسبيحات. (١) يستفاد هذا من الأحاديث المصرحة بأنه عليه الصلاة والسلام كان يُسوّي بين قيامه وركوعه وسجوده. (٢) قال شيخنا في»صفة الصلاة«(ص ١٣٣): صحيح رواه أبو داود، والدارقطنيّ، وأحمد، والطبراني والبيهقى. (٣) سبُوح قدُّوس: على وزن فُعّول من أبنية المبالغة، والمراد بهما التنزيه، وسُبّوح: من التسبيح، وهو التنزيه والتقديس والتبرئة من النقائص. وقدُّوس: هو الطاهر المنزّه عن العيوب.»النهاية«ملتقطًا بتصرف. (٤) أخرجه مسلم: ٤٨٧، وأبو عوانة. (٥) أخرجه البخاري: ٨١٧، ومسلم: ٤٨٤، ومعنى قوله:»يتأول القرآن": يعمل بما، أمر فيه؛ أي: في قول الله عز وجل: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره إِنّه كان توَّابًا﴾. لك سمعي وبصري، ومخّي وعظمي (وفي رواية: وعظامي) وعصبي، [وما استقلّت (١) به قدمي لله ربّ العالمين]» (٢). ٦ - «اللهمّ لك ركعْت، وبك آمنْت، ولك أسلمْت، وعليك توكلّت، أنت ربي، خشَع سمعي وبصري ودمي ولحمي وعظمي وعصبي لله ربّ العالمين» (٣). ٧ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت (٤) والكبرياء والعَظمة»، وهذا قاله في صلاة الليل (٥). النهي عن قراءة القرآن في الرّكوع نهى النّبيّ - ﷺ - عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، فعن ابن عباس - رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: "... ألا وإنِّي نُهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأمّا الركوع فعظّموا فيه الربّ عز وجل، وأمّا السجود ------------------ (١) أى: ما حمَلَتْه، من الاستقلال: بمعنى الارتفاع. (٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة، والطحاوى والدارقطني. (٣) أخرجه النسائي بسند صحيح. (٤) الجبروت: اسم مبنيّ من الجبر، وهو قَهْر العباد على ما أراد من أمر ونهي. الملكوت: اسم مبني من المُلك، والمراد: صاحب القهر والتصرف البالغ كل منهما غايته. (٥) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. فاجتهدوا في الدعاء فقمِنٌ (١) أن يُستجاب لكم» (٢). ١٣ - الاعتدال من الركوع وهو ركن، والطمأنينه فيه (٣) -وهما رُكنان-: لأمر النّبيّ - ﷺ - المسيء صلاته بقوله: «لا تتم صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائمًا» (٤). وفي لفظ: «ثمَّ ارفع حتى تعتدل قائمًا» (٥). وفي حديث أبي حميد الساعدي: «فإِذا رفَع رأسه استوى قائمًا حتى يعود كلّ فقار مكانه» (٦). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينظر الله إِلى صلاة عبدٍ لا يُقيم صلبه بين ركوعها وسجودها» (٧). ----------------- (١) أي: حقيق وجدير. (٢) أخرجه مسلم: ٤٧٩ (٣) عن «صفة الصلاة» (ص ١٣٥) بتصرّف. (٤) أخرجه أبو داود والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه البخاري: ٧٩٣ (٦) أخرجه البخاري: ٨٢٨، «مختصر البخاري»: ٤٤٨. وجاء مُعلقًا في البخاري أيضًا: (١/ ٢٠٢). والفَقار: هي العظام التي يُقال لها خرز الظهر، قاله القزاز وقال ابن سيده: هي من الكاهل إِلى العَجْب، «الفتح» (٢/ ٣٠٨) والكاهل مِن الإِنسان: ما بين كتفيه أو مَوصل العُنق في الصُّلب. والعجْب: أصل الذنب ومؤخر كل شيء. «المحيط». (٧) أخرجه أحمد بإِسناد جيد، والطبراني في «الكبير» بإِسناد صحيح انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٢٥). وفي رواية: «كان يصلّي؛ فلمَح بمؤخّر عينيه إِلى رجل لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود، فلما انصرف قال: (يا معشر المسلمين! إنَّه لا صلاة لمن لا يقيم صُلبه في الركوع والسجود)» (١). ثمَّ «كان يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد» (٢). وأمَر بذلك كل مُصَلٍّ مُؤْتَمًّا أو غيره فقال: «صلُّوا كما رأيتموني أصلّي» (٣). وكان يقول: «إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به ... وإذا قال: سمع (٤) الله لمن حَمِده؛ فقولوا: اللهمّ ربّنا ولك الحمد» (٥). وعلّل الأمر بذلك في حديث آخر بقوله: «فإِنَّه من وافق قولُه قولَ الملائكة؛ غُفرَ له ما تقدّم من ذنبه» (٦). وكان يرفع يديه عند هذا الاعتدال (٧) على الوجوه المتقدمة في تكبيرة ------------------- (١) أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجه وأحمد بسند صحيح، وانظر «الصحيحة» (٢٥٣٦). (٢) البخاري: ٨٠٥ (٣) أخرجه البخاري: ٦٣١، وتقدّم. (٤) قال العلماء: معنى سمع هنا: أجاب، ومعناه أنّ من حَمِد الله تعالى متعرّضًا لثوابه، استجاب الله تعالى، وأعطاه ما تعرّض له فإنا نقول ذلك ربنا لك الحمد لتحصيل ذلك. (٥) أخرجه البخاري: ٨٠٥، ومسلم: ٤١١، وأبو عوانة، وأحمد، وأبو داود. (٦) أخرجه البخاري: ٧٩٦، ومسلم: ٤٠٩، وصححه الترمذي، وتقدّم. (٧) أخرجه البخاري: ٧٣٧ ومسلم: ٣٩٠ الإِحرام، ويقول وهو قائم: ١ - «ربّنا ولك الحمد» (١) وتارة يضيف «اللهمّ» (٢). وتارة يزيد: ٢ - «ملءَ السماوات، و[ملء] الأرض، وما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد» (٣). وتارة تكون الإِضافة: ٣ - «ملءَ السماوات، وملءَ الأرض، وملءَ ما شئت من شيء بعد، أهلَ (٤) الثناء والمجد، أحقُّ ما قال العبد، وكُلّنا لك عبد، [اللهمّ] لا مانع لما أعطيت، [ولا مُعطي لما منعت]، ولا ينفعُ ذا الجَد منك الجَدُّ» (٥). وتارة يقول في صلاة الليل: ٤ - «لربّي الحمد، لربّي الحمد»، يكرّر ذلك؛ حتى كان قيامه نحوًا من ركوعه الذي كان قريبًا من قيامه الأوّل، وكان قرأ فيه سورة البقرة«(٦). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨٠٥ ومسلم: ٤١١ (٢) أخرجه البخاري: ٧٩٥، وأحمد. (٣) أخرجه مسلم: ٤٧٨، وأبو عوانة. (٤) منصوب على النداء، هذا هو الأشهر، وجوّز بعضهم رفْعه على تقدير أنت أهل الثناء، والمختار النصب، قاله النووي. (٥) أخرجه مسلم: ٤٧٧، وأبو عوانة، وأبو داود. (٦) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح، وهو مخرّج في»الإرواء" (٣٣٥). ٥ - «ربّنا ولك الحمد، حمدًا كثيرًا طيِّبًا مبارَكًا فيه، [مباركًا عليه؛ كما يحبّ ربنا ويرضى]». قاله رجل كان يصلّي وراءه - ﷺ - بعدما رفع - ﷺ - رأسه من الركعة وقال: «سمع الله لمن حمده»، فلما انصرف رسول الله - ﷺ - قال: «من المتكلّم آنفًا؟» فقال: أنا يا رسول الله! فقال رسول الله - ﷺ -: «لقد رأيت بضعة وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها (١) أيهم يكتبها أولًا» (٢). التسميع على كلّ مصلٍّ سواءٌ أكان إِمامًا أو مأمومًا أو منفردًا: عن أنس بن مالك قال: «سقط النّبيّ - ﷺ - عن فرس فَجُحِش (٣) شقُّه الأيمن، فدخَلنا عليه نَعُودُه، فحضرت الصلاة، فصلّى بنا قاعدًا، فصلّينا وراءه قعودًا، فلمّا قضى الصلاة قال: إِنّما جُعل الإِمام ليؤتمّ به، فإِذا كبّر فكبِّروا، وإِذا سجد فاسجدوا، وإِذا رفع فارفعوا، وإِذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربّنا ولك الحمد، وإِذا صلّى قاعدًا فصلّوا قعودًا أجمعُون» (٤). قال شيخنا -حفظه الله- في «صفة الصلاة» (ص ١٣٥): «تنبيه: هذا الحديث لا يدل على أنَّ المؤتمّ لا يشارك الإِمام في قوله:»سمع الله لمن حمده«، كما لا يدلّ على أنَّ الإِمام لا يشارك المؤتمّ في قوله:»ربّنا ولك الحمد«؛ إِذ أنَّ الحديث لم يُسَق لبيان ما يقوله الإِمام والمؤتمّ في هذا ----------------------- (١) أي: يعجلون لرفعها ويستبقون إِلى ذلك.»المحيط". (٢) أخرجه مالك، والبخاري: ٧٩٩، وأبو داود. (٣) أي: خُدش. (٤) أخرجه البخاري: ٨٠٥، ومسلم: ٤١١، وتقدّم بدون ذِكر المناسبة. الركن؛ بل لبيان أن تحميدَ المؤتم إِنّما يكون بعد تسميع الإِمام، ويؤيد هذا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول التحميدَ وهو إِمام، وكذلك عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي»، يقتضي أن يقول المؤتمّ ما يقوله الإِمام كالتسميع وغيره. ومن شاء زيادة الاطلاع؛ فليراجع رسالة الحافظ السيوطي في هذه المسألة: «دفع التشنيع في حكم التسميع» ضِمن كتابه «الحاوي للفتاوى» (١/ ٥٢٩) انتهى كلام شيخنا -حفظه الله تعالى-. وبتسميع المأموم يقول الإِمام النووي (١) كما في «شرح مسلم» (٤/ ١٩٣): «... وأنّه يُستحبّ لكلّ مصلٍّ من إِمام ومأموم ومنفرد؛ أن يقول:»سمع الله لمن حمِده؛ ربنا لك الحمد، ويجمع بينهما فيكون قوله: يسمع الله لمن حمده في حال ارتفاعه، وقوله: ربّنا ولك الحمد في حال اعتداله لقوله - ﷺ -: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي». [وقد تقدّم]. وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول: «سمع الله لمن حمِده؛ حين يرفع صلبه من الركعة، ثمَّ يقول وهو قائم: ربّنا ولك الحمد» (٢). قال شيخنا في «تمام المنّة» (ص١٩٠): بعد أن ذكر الحديث السابق، وأشار إِلى تخريجه في «الإِرواء» بزيادات كثيرة: «من الواضح أنَّ في هذا الحديث ذِكْرين اثنين: أحدهما: قوله:»سمع الله لمن حمده«في اعتداله من الركوع. --------------------- (١) وبه يقول الكرماني كذلك (٥/ ١٠٥). (٢) أخرجه أحمد والشيخان، وانظر»الإرواء" (٣٣١). والآخر: قوله: «ربنّا ولك الحمد» إِذا استوى قائمًا. فإِذا لم يقل المقتدي ذِكر الاعتدال، فسيقول مكانه ذِكر الاستواء، وهذا أمر مشاهَد من جماهير المصلين، فإِنّهم ما يكادون يسمعون منه: «سمع الله لمن حمده»؛ إلاَّ وسبقوه بقولهم: «ربّنا ولك الحمد»، وفي هذا مخالفة صريحة للحديث، فإِنْ حاول أحدهم تجنُّبها وقع في مخالفة أخرى، وهي إِخلاء الاعتدال من الذكر المشروع فيه بغير حُجّة. قال النووي -رحمه الله- (٣/ ٤٢٠): «ولأنَّ الصلاة مبنية على أن لا يفتر عن الذِّكر في شيء منها، فإِنْ لم يقل بالذِّكرين في الرفع والاعتدال؛ بقي أحد الحالين خاليًا عن الذكر». بل إِنني أقول [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: إِن التسميع في الاعتدال واجب على كل مصلّ؛ لثبوت ذلك في حديث «المسيء صلاته» فقد قال - ﷺ - فيه: «إِنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء كما أمَره الله ... ثمَّ يكبّر ... ويركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي، ثمَّ يقول: سمع الله لمن حمده، ثمَّ يستوي قائمًا حتى يقيم صلبه ...» الحديث (١). فهل يجوز لأحد بعد هذا أن يقول بأن التسميع لا يجب على كلّ مصلٍّ؟!«. اهـ وانظر للمزيد من الفائدة»فتح الباري«تحت الحديث (٧٩٦). هذا وقد ثبت أنّ رسول الله - ﷺ - كان يقول حين الاعتدال من الركوع: ------------------------ (١) أخرجه أبو داود والنسائي والسياق له، وغيرهما بسند صحيح. وهو مخرج في»صحيح أبي داود" (٨٠٤). سمع الله لمن حمده ربّنا ولك الحمد، وانظر «صحيح البخاري» (٧٣٥). كيف يهوي إِلى السجود كيفية الهوي إِلى السجود من المسائل الخلافية عند العلماء، فمِن قائل بوضْع الركبتين قبل اليدين، ومِن قائل بوضع اليدين قبل الركبتين. واستدلّ أهل العلم على الأوّل بحديث شريك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر قال: رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه. وقد بيَّن شيخنا في «تمام المِنّة» (ص ١٩٤) وجْه تضعيف الحديث من الناحية الحديثية والفقهية: أمّا الحديثية: فإِنَّ شريكًا وهو -ابن عبد الله القاضي- ضعيف سيء الحفظ فلا يُحتجّ به إِذا انفرد، فكيف إِذا خالف؟ وذكَر قول الحافظ في «بلوغ المرام»: «إِنَّ حديث أبي هريرة [الذي ينص على وضْع اليدين قبل الركبتين] أقوى من حديث وائل وقال: وذَكر نحوه عبد الحقّ الإِشبيلي». ويرى ابن القيّم -رحمه الله- أنَّ الحديث انقلب على الراوي وأنَّ أصله «وليضع ركبتيه قبل يديه». قال شيخنا في «تمام المنة» (ص١٩٤ - ١٩٥): «وإنّما حمَله على هذا، زعْم آخر له، وهو قوله:»إِنَّ البعير يضع يديه قبل ركبتيه«، قال:»فمقتضى النهي عن البروك كبروك البعير؛ أن يضع المصلّي ركبتيه قبل يديه!». وسبب هذا كله أنَّه خفي عليه ما ذكَره علماء اللغة كالفيروزآبادي وغيره: «أنّ ركبتي البعير في يديه الأماميّتين». ولذلك قال الطحاوي في «شرح معاني الآثار» (١/ ١٥٠): «إِنّ البعير ركبتاه في يديه، وكذلك في سائر البهائم، وبنو آدم ليسو كذلك، فقال: لا يبرك على ركبتيه اللتين في رجليه كما يبرك البعير على ركبتيه اللتين في يديه، ولكن يبدأ فيضع أولًا يديه اللتين ليس فيهما ركبتاه، ثمَّ يضع ركبتيه، فيكون ما يفعل في ذلك بخلاف ما يفعل البعير» (١). واستدلَّ أهل العلم على القول الثاني بما ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه «كان يضع يديه على الأرض قبل ركبتيه» (٢). واستدلوا أيضًا بأمر النّبيّ - ﷺ - بذلك وقوله: «إِذا سجَد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» (٣). وهذا قول أصحاب الحديث. وجاء في «صحيح البخاري» «كتاب الأذان» (باب يهوي بالتكبير حين ---------------------- (١) قلت: وهذا هو تحرير المقام وفصْل الخِطاب وبالله التوفيق. (٢) أخرجه ابن خزيمة والدارقطني، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وما عارضه من الحديث لا يصح، وقد قال به مالك، وعن أحمد نحوه كما في «التحقيق» لابن الجوزي، وقد روى المروزي في «مسائله» بسند صحيح عن الإمام الأوزاعي قال: «أدركْتُ الناس يضعون أيديهم قبل رُكَبهم». (٣) أخرجه البخاري في «التاريخ» وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٤٦)، وانظر «الإرواء» (٢/ ٧٨)، و«صفة الصلاة» (ص ١٤٠). يسجد) وقال نافع: كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه (١) ولشيخنا -عافاه الله وشفاه- كلام مفيد في «الضعيفة» تحت الحديث (٩٢٩) فارجع إِليه -إِن شئت-. ١٤ - السجود وهو ركن والطمأنينة فيه -وهما رُكنان-: لقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربّكم وافعلوا الخير لعلّكم تُفلحون﴾ (٢). وأمَر عليه الصلاة والسلام بذلك المسيء صلاته فقال له: «لا تتمّ صلاةٌ لأحد من الناس حتى ... ثمَّ يسجد حتى تطمئنّ مفاصله» (٣). وفي رواية: «إِذا أنت سجدت فأمكنْتَ وجهك ويديك حتى يطمئنّ كل عظم منك إِلى موضعه» (٤). «وكان - ﷺ - يأمُر بإِتمام الركوع والسجود، ويضرب لمن لا يفعل ذلك مثَل الجائع؛ يأكل التمرة والتمرتين لا تُغنيان عنه شيئًا، وكان يقول فيه:»إِنَّه من أسوأ الناس سرقة«. وكان يحكم ببطلان صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود؛ كما سبق تفصيله في»الركوع«، وأمَر»المسيء صلاته«بالاطمئنان في ---------------------- (١) قال شيخنا في»مختصر البخاري«(١/ ١٩٩):»وصله ابن خزيمة والطحاوي والحاكم وغيرهم بسند صحيح«. (٢) الحج: ٧٧ (٣) أخرجه أبو داود والحاكم وصححه ووافقه الذهبي وانظر»صفة الصلاة«(١٤١). (٤) أخرجه ابن خزيمة بسند حسن، وانظر»الصِّفة" (١٤٢). ![]()
__________________
|
|
#34
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 61الى صــ 75 الحلقة (34) السجود» (١). السجود على سبعة أعضاء: وهي الجبهة والكفّان والركبتان والقدمان مع مراعاة تمكين الأنف. عن ابن عبّاس أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «أُمرتُ أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة (٢) (وأشار بيده على أنفه) واليدين، والرّجلين، وأطراف القدمين» (٣). وعن العباس بن عبد المطلب أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «إذا سجد العبد سَجد معه سبعة أطراف. وجهُه وكفّاه وركبتاه وقدماه» (٤). وفي لفظ: «سجد معه سبعة آراب (٥)» (٦). وفي الحديث: «لا صلاة لمن لا يصيبُ أنفه من الأرض ما يصيب الجبين» (٧). ------------------------- (١) انظر «صفة الصلاة» (١٤٥). (٢) وهذا يدل على أنَّ النّبيّ - ﷺ - جعل هذين العضوين كعضو واحد في السجود، وانظر «صفة الصلاة» (١٤٣). (٣) أخرجه مسلم: ٤٩٠ (٤) أخرجه مسلم: ٤٩١ (٥) أي: أعضاء، واحدها إرْب بالكسر والسكون. «النهاية». (٦) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٩٠)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٢٣)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٧٢٣)، والنسائي «صحيح سنن النسائى» (١٠٥٢)، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٤٣). (٧) أخرج الدارقطني والطبراني وغيرهما، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٤٢). وفي حديث أبي حُميد: «كان إِذا سجد أمكن جبهته وأنفه من الأرض» (١). وقال بعض أهل العلم فيمن سجد على جبهته دون أنفه: «يجزئه، وقال غيرهم: لا يجزئه حتى يسجد على الجبين والأنف». قال شيخنا: «وهذا هو الحقّ؛ لقوله - ﷺ -:»لا صلاة لمن لا يمسّ أنفه الأرض ما يمسّ الجبين«، وهو حديث صحيح على شرط البخاري كما قال الحاكم والذهبي ...» (٢). صفة السجود (٣) و«كان [- ﷺ -] يعتمد على كفيه [ويبسُطُها]» (٤)، ويضم أصابعَهُما (٥)، ويوجهها قِبَل القبلة (٦). و«كان يجعلهما حذو مَنكِبيه» (٧). وأحيانًا «حذو أذنيه» (٨). ---------------- (١) أخرجه أبو داود وغيره، وأصْله في البخاري وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (٣٠٩). (٢) انظر «تمام المنّة» (١٧٠). (٣) عن «صفة الصلاة» (ص ١٤١) بتصرف. (٤) أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه ابن خزيمة، والبيهقي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٦) أخرجه البيهقيّ بسند صحيح، وعند ابن أبي شيبة والسرَّاج توجيه الأصابع من طريق آخر. (٧) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، هو وابن الملقن، وهو مخرَّج في «الإرواء» (٣٠٩). (٨) أخرجه أبو داود، والنسائي بسند صحيح. و«كان يُمكّن أنفه وجبهته من الأرض» (١). وقال للمسيء صلاتَه: «إِذا سجدت؛ فمكّن لسجودك» (٢). وفي رواية: «إِذا أنت سجدتَ؛ فأمكنْتَ وجهَك ويديك؛ حتى يطمئن كلّ عظم منك إِلى موضعه» (٣). و«كان يمكِّن أيضًا ركبتيه وأطراف قدميه» (٤). و«يستقبل [بصدور قدميه و] بأطراف أصابعهما القبلة» (٥)، و«يرصّ عقبيه» (٦). و«ينصب رجليه» (٧)، وكان يفتخ أصابعهما (٨). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، هو وابن الملقن، وهو مخرَّج في «الإِرواء» (٣٠٩). (٢) أخرجه أبو داود، وأحمد بسند صحيح. (٣) أخرجه ابن خزيمة بسند حسن. (٤) أخرجه البيهقي بسند صحيح، وابن أبي شيبة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه البخاري: ٨٠٨، وأبو داود، والزيادة لابن راهويه في «مسنده» وروى ابن سعد عن ابن عمر أنَه كان يحبّ أن يستقبل كل شيء منه القبلة إِذا صلّى، حتى كان يستقبل بإبهامه القبلة. (٦) أخرجه الطحاوي، وابن خزيمة، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٧) أخرجه البيهقيّ بسند صحيح. (٨) أخرجه أبو داود، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. ويفتخ: بالخاء المعجمة؛ أى: يغمز موضع المفاصل منها، ويثنيها إِلى باطن الرجل. «النهاية». و«كان لا يفترش ذراعيه» (١)؛ بل «كان يرفعهما عن الأرض، ويباعدهما عن جنبيه حتى يبدو بياض إِبطيه من ورائه» (٢)، و«حتى لو أن بَهمة (٣) أرادت أن تمرّ تحت يديه؛ مرَّت» (٤). وكان يبالغ في ذلك حتى قال بعض أصحابه: «إِنْ كنا لنأوي (٥) لرسول الله - ﷺ -؛ مما يجافي بيديه عن جنبيه إِذا سجد» (٦). وكان يقول: «اعتدلوا في السجود، ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط (وفي لفظ: كما يبسط) الكلب» (٧). مقدار السجود كان - ﷺ - يقول في السجود أنواعًا من الأذكار والأدعية، وأدنى ما يجزئ في السجود والركوع؛ مقدار تسبيحة واحدة، وللمصلّي منفردًا الزياده في التسبيح ما أراد، وكلّما زاد كان أولى، والأحاديث الصحيحة في تطويله - ﷺ - ------------------------ (١) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به بلفظ: «سجد النبيّ - ﷺ - ووضَع يديه غير مفترش ولا قابِضهما»، وموصولًا (باب-١٤١) برقم (٨٢٨)، ومسلم: ٤٩٨ بلفظ: «وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السَّبع». (٢) أخرجه البخاري: ٣٩٠، ومسلم: ٤٩٧، وهر مخرّج في «الإِرواء» (٣٥٩). (٣) البَهمة: واحدة البهم، وهي أولاد الغنم. (٤) أخرجه مسلم: ٤٩٦، وأبو عوانة، وابن حبان. (٥) أي: نرثي ونرِقّ. (٦) أخرجه أبو داود، وابن ماجه بسند حسن. (٧) أخرجه البخاري: ٨٢٢، ومسلم: ٤٩٣، وأبو داود، وأحمد. ناطقة بهذا، وكذا الإِمام إذا كان المؤتمُّون لا يتأذّون بالتطويل. قاله الشوكاني وذكَره السيد سابق في «فقه السنّة». أذكار السجود (١) كان رسول الله - ﷺ - يقول في هذا الركن أنواعًا من الأذكار والأدعية، تارة هذا، وتارة هذا: ١ - «سبحان ربي الأعلى (ثلاث مرات)» (٢). و«كان -أحيانًا- يكررها أكثر من ذلك» (٣). وبالغ في تكرارها مرة في صلاة الليل حتى كان سجوده قريبًا من قيامه، وكان قرأ فيه ثلاث سور من الطوال: ﴿البقرة﴾ و﴿النساء﴾ و﴿آل عمران﴾، يتخللُها دعاءٌ واستغفار (٤). ٢ - «سبحان ربي الأعلى وبحمده» (٥). ٣ - «سبوح قدّوس رب الملائكة والروح» (٦). ------------------- (١) عن «صفة الصلاة» (١٤٥). (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٧٧٤)، وابن ماجه والدارقطني والطحاوى والبزار، والطبراني في «الكبير» عن سبعة من الصحابة. (٣) وتقدّم. (٤) وتقدّم. (٥) أخرجه أبو داود والدارقطني وأحمد والطبراني والبيهقي، وصححه شيخنا في المصدر المذكور. (٦) أخرجه مسلم: ٤٨٧ ٤ - «سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي»، وكان يكثر منه في ركوعه وسجوده؛ يتأول القرآن (١). ٥ - «اللهم لك سجْدتُ، وبك آمنت، ولك أسلمت، [وأنت ربي]، سجد وجهي للذي خلقه وصوَّره، [فأحسن صوره]، وشق سمعه وبصره، [فـ] تبارك الله أحسن الخالقين» (٢). ٦ - «اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجلّه، وأوله وآخره، وعلانيته وسرَّه» (٣). ٧ - «سجد لك سوادي وخيالي، وآمن بك فؤادي، أبوء بنعمتك عليَّ، هذي يدي وما جنيْت على نفسي» (٤). ٨ - «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة (٥)» (٦)، وهذا وما بعده كان يقوله في صلاة الليل. ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨١٧، ومسلم: ٤٨٤، وهذا النوع من أذكار الركوع أيضًا، وقد مضى أنّ معناه: يعمل بما أمره به في القرآن. (٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة والطحاوى والدارقطني. (٣) أخرجه مسلم: ٤٨٣ (٤) أخرجه ابن نصر والبزار والحاكم، وصححه؛ ورده الذهبي، لكن له شواهد مذكورة في الأصل. (٥) في «النهاية»: العظمة والملك، وقيل: هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يوصف بهما إلاَّ الله تعالى. (٦) أخرجه أبو داود والنسائي بسند صحيح. ٩ - «سبحانك [اللهم] وبحمدك، لا إِله إلاَّ أنت» (١). ١٠ - «اللهم اغفر لي ما أسررت، وما أعلنت» (٢). ١١ - «اللهم اجعل في قلبي نورًا، [وفي لساني نورًا]، واجعل في سمعي نورًا، واجعل في بصري نورًا، واجعل من تحتي نورًا، واجعل من فوقي نورًا، وعن يميني نورًا وعن يسارى نورًا، واجعل أمامي نورًا، واجعل خلفي نورًا، [واجعل في نفسي نورًا]، واعظم لي نورًا» (٣). ١٢ - «اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» (٤). النهي عن قراءة القرآن في السجود عن ابن عباس -رضي الله عنهما- عن النّبيّ قال: «ألا وإنّي نهيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا» (٥). فضل السجود والحثّ عليه عن معدان بن أبي طلحة اليَعمَري قال: "لقيت ثوبان مولى رسول الله - ﷺ - ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٤٨٥ بدون اللهمّ. (٢) أخرجه ابن أبي شيبة (٦٢/ ١١٢/١)، والنسائي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه مسلم: ٧٦٣ (٤) أخرجه مسلم: ٤٨٦ (٥) أخرجه مسلم: ٤٧٩، وتقدّم. فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلُني الله به الجنّة أو قال قلت: بأحبّ الأعمال إِلى الله فسكت. ثمَّ سألتُه فسكَت. ثمَّ سألتُه الثالثة فقال: سألتُ عن ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: «عليك بكثرة السجود لله، فإِنّك لا تسجد لله سجدة إلاَّ رفَعك الله بها درجة وحطَّ عنك بها خطيئة»، قال معدان: ثمَّ لقيت أبا الدرداء فسألتُه فقال لي مِثل ما قال لي ثوبان«(١). عن ربيعة بن كعب الأسلمي قال:»كنتُ أبِيتُ مع رسول الله - ﷺ - فأتيته بوَضوئه وحاجته فقال لي: «سَلْ» فقلت: أسألك مرافقتك في الجنّة. قال: «أوْ غيرَ ذلك؟» قلت: هو ذاك. قال: «فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود» (٢). وعن أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء» (٣). وفي الحديث: «ما من أمّتي من أحد إلاَّ وأنا أعرفه يوم القيامة»، قالوا: وكيف تعرفهم يا رسول الله في كثرة الخلائق؛ قال: «أرأيتَ لو دخلتَ صِيرةً (٤) فيها خيل دُهم (٥) بُهم (٦)، وفيها فرسٌ أغرُّ محجَّلٌ (٧)؛ أما كنت تعرفه ----------------------(١) أخرجه مسلم: ٤٨٨ (٢) أخرجه مسلم: ٤٨٩ (٣) أخرجه مسلم: ٤٨٢ (٤) الصِّيَرة: حظيرة من خشب وحجارة تبنى للغنم والبقر ...»لسان العرب«. (٥) أدهم وهو الأسود.»النهاية«. (٦) البُهم: هو في الأصل الذي لا يخالط لونه لون سواه.»شرح النووي". (٧) تقدّمت في أول (باب الوضوء). منها؟». قال: بلى. قال: «فإِنَّ أمّتي يومئذٍ غُرّ (١) من السجود، محجَّلون من الوضوء» (٢). ١٥ - الرفع من السجود وهو ركن والطمأنينة فيه (٣) -وهما رُكنان-: فقد أمَر - ﷺ - بذلك المسيء صلاته فقال: «لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى ... يسجد، حتى تطمئنّ مفاصله، ثمَّ يقول:»الله أكبر«ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدًا» (٤). و«كان - ﷺ - يطمئنّ حتى يرجع كلّ عظم إِلى موضعه» (٥). «كان يرفع يديه مع هذا التكبير» أحيانًا (٦). --------------- (١) تقدّمت في أول (باب الوضوء). (٢) أخرجه أحمد بسند صحيح، والترمذي بعضه وصححه، وهو مخرج في «الصحيحة»، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٤٩). (٣) انظر «صفة الصلاة» (ص ١٥١). (٤) أخرجه أبو داود والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي. (٥) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند صحيح. (٦) أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح، وبالرفع هاهنا، وعند كل تكبيرة قال أحمد، ففي «البدائع» لابن القيّم (٤/ ٨٩): «ونقل عنه الأثرم وقد سُئل عن رفع اليدين؟ فقال: في كل خفْض ورفْع، قال الأثرم: رأيت أبا عبد الله يرفع يديه في الصلاة في كل خفْض ورفْع». وبه قال ابن المنذر وأبو علي من الشافعية، وهو قول عن مالك والشافعي؛ كما في «طرح التثريب»، وصحّ الرفع هنا عن أنس وابن عمرَ ونافع وطاووس، والحسن البصرى وابن سيرين، وأيوب السختياني؛ كما في «مصنف ابن أبي شيبة» (١/ ١٠٦) بأسانيد = ثمَّ «يفرش رجله اليسرى فيقعد عليها مطمئنًا» (١)، وأمر بذلك «المسيء صلاته» فقال له: «إِذا سجدت فمكِّن لسجودك، فإِذا رفعْت فاقعد على فَخِذِك اليسرى» (٢)، و«كان ينصب (٣) رجله اليمنى» (٤)، و«يستقبل بأصابعها القبلة» (٥). و«كان يطيلها (٦) حتى تكون قريبًا من سَجْدته» (٧)، وأحيانًا «يمكث حتى يقول القائل: قد نسي» (٨). الأذكار بين السجدتين (٩) كان رسول الله - ﷺ - يقول في هذه الجلسة: ----------------------- = صحيحة عنهم. (١) أخرجه البخاري: ٨٢٨، ومسلم: ٤٩٨ وأبو داود بسند صحيح، وأبو عوانة. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود بسند جيد. (٣) النصب: إِقامة الشيء ورفْعُه. (٤) أخرجه البخاري: ٨٢٨ (٥) أخرجه النسائي بسند صحيح. (٦) أي: جلسته بين السجدتين. (٧) أخرجه البخاري: ٨٢٠، ومسلم: ٤٧١ نحوه. (٨) أخرجه البخاري: ٨٢١، ومسلم: ٤٧٢، قال ابن القيّم: «وهذه السنّة تركَها الناس من بعد انقراض عصر الصحابة، وأمّا من حَكَّم السنة، ولم يلتفت إِلى ما خالفها؛ فإِنّه لا يعبأ بما خالف هذا الهدي». (٩) عن «صفة الصلاة» (ص ١٥٣) بتصرّف. ١ - «اللهم (وفي لفظ: ربّ)! اغفر لي، وارحمني، [واجبرني] (١)، [وارفعني]، واهدني، [وعافني]، وارزقني» (٢)؛ وتارة يقول: ٢ - «رب! اغفر لي، رب اغفر لي» (٣). وكان يقولهما في «صلاة الليل» (٤). ١٦ - الإِقعاء بين السجدتين: عن أبي الزبير أنّه سمع طاوُسًا يقول: قُلنا لابن عباس في الإِقعاء على القدمين؟ فقال: هي السُّنة، فقُلنا له: إِنا لنراه جفاءً بالرجل، فقال ابن عباس: --------------------------- (١) أي: أغْنني، من جبَر الله مصيبته: أي: ردّ عليه ما ذهب منه وعوّضه، وأصْلُه من جبْر الكسر. «النهاية». (٢) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه ابن ماجه بسند حسن، وانظر «صحيح سنن ابن ماجه» (٧٣١). وقد اختار الدعاء بهذا الإِمام أحمد. (٤) ولا ينفي ذلك مشروعية هذه الأوراد في «الفرض»؛ لعدم وجود الفرق بينه وبين النفل، وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق؛ يَرون أن هذا جائز في المكتوبة والتطوع؛ كما حكاه الترمذي. وذهب إِلى مشروعية ذلك الإمام الطحاوي أيضًا في «مشكل الآثار»، والنظر الصحيح يؤيد ذلك؛ لأنّه ليس في الصلاة مكان لا يشرع فيه ذِكر، فينبغي أن يكون كذلك الأمر هاهنا، وهذا بيّن لا يخفى. بل هي سنّه نبيّك (١) - ﷺ -» (٢). وعن معاوية بن حديج قال: «رأيت طاوسًا يقعي، فقلت: رأيتك تقعي! قال: ما رأيتني أقعي، ولكنها الصلاة، رأيت العبادلة الثلاثة يفعلون ذلك: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير؛ يفعلونه. قال أبو زهير: وقد رأيته يقعي» (٣). قال شيخنا في «الصحيحة» تحت الحديث (٣٨٣): ففي الحديث وهذه الآثار دليل على شرعية الإِقعاء المذكور، وأنه سُنّة يُتعبّد بها، وليست للعذر كما زعم بعض المتعصبة، وكيف يكون كذلك وهؤلاء العبادلة اتفقوا على الإِتيان به في صلاتهم، وتَبِعهم طاوس التابعي الفقيه الجليل، وقال الإِمام أحمد في «مسائل المروزي» (١٩): «وأهل مكة يفعلون ذلك». فكفى بهم سلفًا لمن أراد أن يعمل بهذه السُّنّة ويحييها. ولا منافاة بينها وبين السّنة الأخرى -وهي الافتراش- بل كلٌ سُنّة، فيفعل --------------------- (١) قال النووي في «شرحه» (٥/ ١٩): الإقعاء نوعان: أحدهما: أن يلصق أليتيه بالأرض وينصب ساقيه ويضع يديه على الأرض كإِقعاء الكلب، هكذا فسّره أبو عبيدة معمر بن المثنى، وصاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام، وآخرون من أهل اللغة، وهذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي، والنوع الثاني: أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهذا هو مراد ابن عبّاس [رضي الله عنهما] بقوله سنة نبيّكم - ﷺ - وقد نصّ الشافعي -رضي الله عنه- في البويطي والإملاء على استحبابه في الجلوس بين السجدتين. (٢) أخرجه مسلم: ٥٣٦ (٣) أخرجه أبو إِسحاق الحربي في غريب الحديث وقال شيخنا: إِسناده صحيح وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (٣٨٣). تارة هذه وتارة هذه؛ اقتداءً به - ﷺ -، وحتى لا يضيع عليه شيء من هديه عليه الصلاة والسلام. ١٧ - جِلسة الاستراحة: هي جلسة خفيفة يجلسها المصلّي بعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الأولى؛ قبل النهوض إِلى الركعة الثانية، وبعد الفراغ من السجدة الثانية من الركعة الثالثة؛ قبل النهوض إلى الركعة الرابعة (١). عن أبي حميد الساعدي قال: سمعْته وهو في عشرة من أصحاب النّبيّ - ﷺ - أحدهم أبو قتادة بن ربعي - يقول: أنا أعلمُكم بصلاة رسول الله - ﷺ - فذكَر الحديث إِلى أن قال: ثمَّ أهوى إِلى الأرض ساجدًا، ثمَّ قال: الله أكبر، ثمَّ جافى عضديه عن إِبطيه، وفتَح أصابع رجليه، ثمَّ ثنَى رجله اليسرى وقعد عليها، ثمَّ اعتدل حتى يرجع كلّ عظم في موضعه معتدلًا، ثمَّ أهوى ساجدًا، ثمَّ قال: الله أكبر، ثمَّ ثنَى رجله وقعد، واعتدل حتى يرجع كل عظم في موضعه، ثمَّ نهَض» (٢). قال شيخنا في «صفة الصلاة» (١٥٤): «وهذا الجلوس يُعرف عند الفقهاء بجلسة الاستراحة وقد قال به الشافعي، وعن أحمد نحوه؛ كما في»التحقيق«(١١١/ ١) وهو الأحرى به؛ لما عُرف عنه من الحرص على اتباع السنّة التي لا معارض لها. -------------------- (١)»فقه السنة«(ص١٦٩). (٢) أخرجه البخاري في»جزء رفع اليدين«وأبو داود والترمذي وغيرهم، وصححه شيخنا في»الإِرواء" (٣٠٥). وقد قال ابن هانئ في «مسائله عن الإِمام أحمد» (١/ ٥٧): «رأيت أبا عبد الله (يعني: الإِمام أحمد) ربما يتوكأ على يديه إِذا قام في الركعة الأخيرة، وربما استوى جالسًا، ثمَّ ينهض»، وهو اختيار الإِمام إِسحاق بن راهويه، فقد قال في «مسائل المروزي» (١/ ١٤٧/٢): «مضت السنّة من النّبيّ - ﷺ - أن يعتمد على يديه ويقوم؛ شيخًا كان أو شابًّا»، وانظر «الإِرواء» (٢/ ٨٢ - ٨٣). ولشيخنا كلام مهمّ في «تمام المنّة» (ص٢١٠) فارجع إليه -إِن شئت-. بماذا يبدأ حين الرفع من السجود ليقوم إِلى الركعة الثانية؟ الراجح فيها أن يبدأ برفع ركبتيه قبل يديه، لحديث مالك بن الحويرث أنه كان يقول: «ألا أحدّثكم عن صلاة رسول الله - ﷺ -؛ فيصلّي في غير وقت الصلاة، فإِذا رفع رأسه من السجدة الثانية في أول ركعة استوى قاعدًا، ثمَّ قام، فاعتمد على الأرض». أخرجه البخاري، والشافعي في «الأم»، والسياق له (١). -------------------- (١) قاله شيخنا في «تمام المنّة» (ص ١٩٦) -بحذف- ثم قال: «فهذا نصٌّ في أنه - ﷺ - كان يعتمد بيديه على الأرض، وبه قال الشافعي. قال البيهقي:»وروينا عن ابن عمر أنّه كان يعتمد على يديه إِذا نهض، وكذلك كان يفعل الحسن وغير واحد من التابعين«. قلت: وحديث ابن عمر رواه البيهقي بسند جيد عنه وموقوفًا ومرفوعًا كما بينته في»الضعيفة«تحت الحديث (٩٦٧)، وفي»صفة الصلاة" ... ورواه أبو إِسحاق الحربي بسند صالح مرفوعًا عنه، ويرويه الأزرق بن قيس: رأيت ابن عمر يعجن في الصلاة: يعتمد على يديه إِذا قام. فقلت له؟ فقال: رأيت رسول الله - ﷺ - يفعله. = ١٨ - الجلوس للتشهّد وصفته (١): ينبغي أن يراعي المصلّي في جلوس التشهّد ما يأتي: ١ - أن يجلس مفترشًا فَخِذه اليسرى إِذا كانت الصلاة ركعتين؛ كالفجر، وقد أَمَر به «المسيء صلاته» فقال له: «فإِذا جلستَ في وسط الصلاة، فاطمئنَّ وافترش فخِذك اليسرى ثمَّ تشهّد» (٢). وأن يتورّك في التشهّد الأخير لحديث أبي حميد الساعدي: «... فإِذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الآخرة؛ قدَّم رجله اليسرى، ونَصَب الأخرى وقعد على مقعدته» (٣). ٢ - وينبغي وضْع الكفّ اليمنى على الفخذِ اليمنى، والكفّ اليسرى على الفخذِ اليسرى. فإِنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إِذا قعد في التشهد؛ وضع كفّه اليمنى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليمنى، ووضع كفّه اليسرى على فخذه (وفي رواية: ركبته) اليسرى؛ [باسطها عليها]» (٤). -------------------- = قلت: ولازم هذه السنّة الصحيحة أن يرفع ركبتيه قبل يديه. إِذ لا يمكن الاعتماد على الأرض عند القيام إلاَّ على هذه الصفة. وهذا هو المناسب للأحاديث الناهية عن التشبه بالحيوانات في الصلاة، وبخاصة حديث أبي هريرة في النهي عن البروك كبروك الجمل، فإِنه ينهض معتمدًا على ركبتيه كما هو مشاهد، فينبغي للمصلّي أن ينهض معتمدًا على يديه مخالفة له«. (١) عن»صفة الصلاة" (ص ١٥٧) بتصرف. (٢) أخرجه أبو داود والبيهقي بسند جيد. (٣) أخرجه البخاري: ٨٢٨، وغيره. (٤) أخرجه مسلم: ٥٨٠ وأبو عوانة. ![]()
__________________
|
|
#35
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 76الى صــ 90 الحلقة (35) ٣ - ولا يجافي مرفقه عن جنبه فقد»كان - ﷺ - يضع حدّ (١) مرفقه الأيمن على فخذه اليمنى«. ٤ - ولا يعتمد على اليد اليسرى، فإِنَّ رسول الله - ﷺ -»نهى رجلًا وهو جالس معتمد على يده اليسرى في الصلاة فقال: «إِنها صلاة اليهود» (٢). ٥ - ويقبض أصابع الكف اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبله ويرمي ببصره إِليها، ويضع إِبهامه على إِصبعه الوسطى. فقد «كان - ﷺ - يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، ويرمي ببصره إِليها» (٣). ٦ - ويرفع إِصبعه ويحركها ويدعو بها؛ لحديث وائل بن حجر وفيه: «ثمَّ رفع أصبعه، فرأيته يحرّكها يدعو بها» (٤). قال شيخنا: ففيه دليل على أن السنّة أن يستمرّ في الإِشارة وفي تحريكها إِلى السلام. وسئل الإِمام أحمد: هل يشير الرجل بإِصبعه في الصلاة؛ قال: نعم شديدًا. ذكره ابن هاني في «مسائله عن الإِمام أحمد» (ص ٨٠). ١٩ - التشهد الأوّل: اختلف العلماء في حُكمه فمن قائل بسنّيته، ومن قائل بوجوبه. ----------------------- (١) أي: نهاية، وقال شيخنا: «وكأنّ المراد أنّه كان لا يجافي مرفقه عن جنبه، وقد صرّح بذلك ابن القيّم في»الزاد«». (٢) أخرجه البيهقي والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. (٣) أخرجه مسلم: ٥٨٠ وأبو عوانة وابن خزيمة. (٤) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرجه شيخنا في «الإرواء» تحت الحديث (٣٥٢). ففي «صحيح البخاري» (١) تحت (باب من لم يرَ التشهّد الأوّل واجبًا لأنَّ النّبيّ - ﷺ - قام من الركعتين ولم يرجع)، ثمَّ ذكر حديث عبد الله بن بُحيْنَةَ: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين لم يجلس، فقام الناس معه، حتى إذا قضى الصلاة وانتظَر الناس تسليمه كبَّر وهو جالس، فسجد سجدتين قبل أن يُسلِّم، ثمَّ سلّم». قال الحافظ: "ووجه الدلالة من حديث الباب، أنَّه لو كان واجبًا لرجع إِليه لمّا سبّحوا به؛ بعد أن قام، ويُعرَف منه أنّ قول ناصر الدين بن المنيِّر في الحاشية: لو كان واجبًا لسبّحوا به ولم يسارعوا إِلى الموافقة على الترك، غفلة عن الرواية المنصوص فيها على أنهم سبّحوا به. وقال ابن بطال: والدليل على أنَّ سجود السهو لا ينوب عن الواجب؛ أنَّه لو نسي تكبيرة الإِحرام لم تُجبَر فكذلك التشهد، ولأنَّه ذِكر لا يجهر به بحال، فلم يجب كدعاء الافتتاح، واحتجّ غيره بتقريره - ﷺ - الناس على متابعته بعد أن علم أنهم تعمدوا تركه، وفيه نظر. وممن قال بوجوبه الليث وإسحاق وأحمد في المشهور وهو قول للشافعي، وفي رواية عند الحنفية، واحتج الطبري لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولًا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبًا، فلمّا زيدت لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعيّن في الأخيرتين، بل يُحتمل أن يكونا هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأولتان بتشهدها، ويؤيده استمرار السلام بعد التشهد الأخير كما كان، واحتج أيضًا بأنّ من تعمّد ترك ------------------------ (١) رقم (٨٢٩). الجلوس الأوّل بطلت صلاته، وهذا لا يرد لأنَّ من لا يوجبه لا يبطل الصلاة بتركه». وتقدّم قول النووي -بغير هذه المناسبة- «ولأنَّ الصلاة مبنيّة على أن لا يفتر عن الذكر في شيء منها ...». قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» بعد أن ذكر جلسة التشهد: وفرْضٌ عليه أن يتشهّد في كلّ جلسة من الجلستين اللتين ذَكرنا. وقال تحت المسألة (٣٧٢) رادًّا على من يقول: الجلوس مقدار التشهّد فرض وليس التشهّد فرضًا: «... وكل هذه الأقوال خطأ، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - أمَر بالتشهد في القعود في الصلاة، فصار التشهد فرضًا، وصار القعود الذي لا يكون التشهد إلاَّ فيه فرضًا، إِذ لا يجوز أن يكون غير فرض ما لا يتم الفرض إِلا فيه أو به! ثمَّ روى بإِسناده إِلى عمر أنَّه قال:»لا صلاة إلاَّ بتشهد، وعن نافع مولى ابن عمر: من لم يتكلم بالتشهد فلا صلاة له؟ وهو قول الشافعي، وأبي سليمان!«. وقال رادًّا على من يقول: لو كان الجلوس الأوّل فرضًا لما أجزأت الصلاة بتركه إِذا نسيه المرء:»هذا ليس بشيء لأنَّ السنّة التي جاءت بوجوبه هي التي جاءت بأنَّ الصلاة تجزئ بنسيانه [وهذا قويّ وقياس المتعمّد على النّاسي لا يصحّ] وهم يقولون: إِنَّ الجلوس عمدًا في موضع القيام في الصلاة حرام؛ تبطل الصلاة بتعمده، ولا تبطل بنسيانه، وكذلك السلام قبل تمام الصلاة ولا فرق". قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ٢٩): «والتشهّد واجب، إِذا نسيه سجدَ سجدتي السهو» انتهى. ويرجّح وجوبه أنَّه جاء في أفراد الأوامر التي أمرها رسول الله - ﷺ - «المسيء صلاته» ولفظه: «إِنها لا تتمّ صلاة أحدكم حتى يُسبغ الوضوء» ... وذكر الحديث إِلى أن قال: «فإِذا جلسْتَ في وسط الصلاة؛ فاطمئنّ وافترش فخذك اليسرى، ثمَّ تشهّد». وانظر «سنن أبي داود» (٧٦٤)، و«صفة الصلاة» (١٥٧)، وقد تقدّم كلام الشوكاني في «نيل الأوطار» حول هذه القاعدة. وقال شيخنا في «تمام المنّة» (١٧٠) بعد الحديث السابق: «وفيه دليل على وجوب التشهّد في الجلوس الأوّل، ولازِمه وجوب الجلوس له، لأنَّه ما لا يقوم الواجب إلاَّ به فهو واجب». وفي الحديث: «إِذا قعدتم في كلّ ركعتين فقولوا: التحيات ... الخ» (١). وفي لفظ: «قولوا في كلّ جلسة التحيات» (٢). ٢٠ - الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد الأوّل: فقد «كان - ﷺ - يصلي على نفسه في التشهّد الأوّل وغيره» (٣). قال شيخنا -شفاه الله وعافاه-: «وسنّ ذلك لأمته؛ حيث أمَرهم بالصلاة عليه بعد السلام عليه، فقد قالوا: يا رسول الله! قد علِمنا كيف نُسلِّم عليك ---------------------------- (١) أخرجه النسائي وأحمد والطبراني في»الكبير«بسند صحيح. وانظر»صفة الصلاة«(١٦٠). (٢) أخرجه النسائي بسند صحيح. وانظر»صفة الصلاة«(١٦٠). (٣) أخرجه أبو عوانة في»صحيحه«(٢/ ٣٢٤) والنسائي. عن»الصفة" (١٦٤). (أي: في التشهّد)، فكيف نصلّي عليك؟ قال: قولوا: اللهمّ صل على محمّد ... الحديث، فلم يخصّ تشهّدًا دون تشهّد، ففيه دليل على مشروعية الصلاة عليه في التشهّد الأوّل أيضًا، وهو مذهب الإِمام الشافعي، كما نص عليه في كتابه «الأمّ» (١)، وهو الصحيح عند أصحابه؛ كما صرّح به النووي في «المجموع» (٣/ ٤٦٠)، واستظهرَه في «الروضة» (١/ ٢٦٣ - طبع المكتب الإِسلامي)، وهو اختيار الوزير ابن هبيرة الحنبلي في «الإِفصاح»؛ كما نقله ابنُ رجب في «ذيل الطبقات» (١/ ٢٨٠) وأقرّه، وقد جاءت أحايثُ كثيرة في الصلاة عليه - ﷺ - في التشهّد، وليس فيها أيضًا التخصيصُ المشارُ إِليه، بل هي عامّة تشملُ كل تشهُّد، وقد أوردْتها في الأصل تعليقًا، ولم أورِدْ شيئًا منها في المتن؛ لأنَّها ليست على شرطنا، وإن كانت من حيث المعنى يقوّي بعضها بعضًا، وليس للمانعين المخالفين أيُّ دليل يصحّ أنْ يُحتَجّ به، كما فصّلته في «الأصل»، كما أن القول بكراهة الزيادة في الصلاة عليه - ﷺ - في التشهد الأوّل على «اللهمّ صلّ على محمّد»، ممّا لا أصْل له في السنّة ولا برهان عليه، بل نرى أنّ من فعَل ذلك لم يُنفِّذْ أمْر النّبيّ - ﷺ - المتقدّم: «قولوا: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد ...» إِلخ. وفي «تمام المنّة» (ص ٢٢٤): "في الردّ على الشيخ السيد سابق ------------------------- (١) قال -رحمه الله تعالى- تحت رقم (١٤٥٦): والتشهد والصلاة على النّبيَ - ﷺ - في التشهّد الأول في كل ركعة غير الصبح تشهدان؛ تشهد أوّل، وتشهد آخر، إِن ترك التشهد الأول، والصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهد الأول ساهيًا، لا إِعادة عليه، وعليه سجدتا السهو لتركه. -حفظه الله تعالى- في إِيراده قول ابن القيّم -رحمه الله-: لم يُنقَل أنَّه - ﷺ - صلّى عليه وعلى آله في التشّهّد الأوّل ... ومن استحبَّ ذلك فإِنما فَهِمه من عمومات وإطلاقات؛ قد صحّ تبيين موضعها وتقييدها بالتشهّد الأخير. قال شيخنا -حفظه الله-: لا دليل تقوم به الحّجة يصلح لتقييد العمومات والمطلقات المشار إِليها بالتشهّد الأوّل، فهي على عمومها، وأقوى ما استدلّ به المخالفون حديث ابن مسعود المذكور في الكتاب (١)، وهو غير صحيح الإِسناد لانقطاعه كما ذكَر المؤلف (٢)، وقد استوفى ابن القيّم -رحمه الله- أدلّة الفريقين، وبيَّن ما لها وما عليها في «جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام»، فراجِعه يظهر لك صواب ما رجّحناه. ثمَّ وقفْتُ على ما ينفي مطلق قول ابن القيّم: «لم يُنقل أنَّه - ﷺ - صلّى عليه وعلى آله في التشهد الأوّل»، وهو قول عائشة -رضي الله عنها- في صفة صلاته - ﷺ - في الليل: «كنا نعدّ لرسول الله - ﷺ - سواكه وطَهوره، فيبعثه الله فيما شاء أن يبعثه من الليل، فيتسوك ويتوضّأ، ثمَّ يصلّي تسع ركعات لا يجلس فيهنّ إِلا عند الثامنة، فيدعو ربه ويصلّي على نبيِّه، ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يصلّي التاسعة، فيقعد، ثمَّ يحمد ربه ويصلّي على نبيه - ﷺ - ويدعو، ثمَّ يُسلّم تسليمًا يُسمِعنا». ----------------------- (١) ولفظه: «كان النّبي - ﷺ - إِذا جلس في الركعتين الأوليين؛ كأنّه على الرَّضف». (٢) فقد قال -حفظه الله تعالى-: «وقال الترمذي حسن إلاَّ أن عبيدة لم يسمع من أبيه». أخرجه أبو عوانة في «صحيحه» (٢/ ٣٢٤) وهو في «صحيح مسلم» (٢/ ١٧٠)، لكنه لم يَسُقْ لفظه. ففيه دلالة صريحة على أنَّه - ﷺ - صلّى على ذاته - ﷺ - في التشهّد الأوّل كما صلّى في التشهّد الآخر، وهذه فائدة عزيزة فاستفِدها، وعضَّ عليها بالنواجذ. ولا يقال: إنّ هذا في صلاة الليل، لأننا نقول: الأصل أنّ ما شُرع في صلاة شُرع في غيرها؛ دون تفريق بين فريضة أو نافلة، فمن ادَّعى الفرق فعليه الدليل«. انتهى. قال ابن حزم في»المحلّى«تحت المسألة (٤٥٨):»ويستحبّ إِذا أكمل التشهّد في كلتي الجلستين أن يصلّي على رسول الله - ﷺ - فيقول: اللهمّ صلّ على محمّد وعلى آل محمّد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على إِبراهيم ...«. قلت: ومن الأدلة على ذلك أيضًا حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-:»كنّا لا ندري ما نقول في كلّ ركعتين غير أنْ نسبّح، ونكبّر، ونحمد ربّنا، وأنّ محمّدًا - ﷺ - علم فواتح الخير وخواتمه، فقال: «إِذا قعدتم في كل ركعتين، فقولوا: التحياتُ لله، والصلوات، والطيبات. السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأشهد أنَّ محمّدًا عبده ورسوله. وليتخيّر أحدكم من الدعاء أعجبه إِليه، فليدْع الله عز وجل» (١). فهذا صريح بتخيُّر الدعاء في كلّ ركعتين والدعاء إِنما يكون بعد الصلاة --------------- (١) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (١١١٤) وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٨٧٨). على النّبيّ - ﷺ -. قال شيخنا في «الصحيحة» (٨٧٨) بعد أن ذكر الحديث السابق: «وفي الحديث فائدة هامّة؛ وهي مشروعية الدعاء في التشهد الأول، ولم أر من قال به من الأئمّة غير ابن حزم، والصواب معه، وإِنْ كان هو استدل بمُطْلَقات يمكن للمخالفين ردّها بنصوص أخرى مقيّدة، أمّا هذا الحديث فهو في نفسه نصّ واضح مفسّر لا يقبل التقييد، فرحم الله امرَأً أنصف واتبع السنة» (١) انتهى. ثمَّ وجدت في «صحيح سنن النسائي» (١١١٥) حديثًا في غاية التصريح والتبيين عن عبد الله قال: «علَّمنا رسول الله - ﷺ - التشهّد في الصلاة، والتشهّد في الحاجة، فأمّا التشهّد في الصلاة: التحيات لله، والصلوات، والطيبات، السلام عليك أيها النبيّ (٢) ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله --------------------- (١) ثمَّ قال شيخنا -حفظه الله-: والحديث دليل من عشرات الأدلة على أنّ الكتب قد فاتها غير قليل من هدي خير البريّة - ﷺ -، فهل في ذلك ما يحمل المتعصّبة على الاهتمام بدراسة السنّة، والاستنارة بنورها؟! لعلّ وعسى. تنبيه: وأمّا حديث:»كان لا يزيد في الركعتين على التشهد«. فهو منكر كما حققته في»الضعيفة«(٥٨١٦). (٢) هذا في حياته - ﷺ - أمّا بعد مماته فيقول: السلام على النّبيّ ورحمة الله وبركاته. قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٣١٤) -بحذف-: وقد ورد في بعض طرق حديث ابن مسعود هذا ما يقتضي المغايرة بين زمانه - ﷺ - فيقال بلفظ الخطاب، وأمّا بعده فيقال بلفظ الغَيبَة، ففي الاستئذان من»صحيح البخاري«من طريق أبي معمر عن ابن مسعود بعد أن ساق حديث التشهّد قال:»وهو بين ظَهرانَينا، فلما قُبض قلنا السلام" يعني على النّبيّ، كذا وقع في البخاري، وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج والجوزقي وأبو نعيم الأصبهاني = الصالحين، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، إِلى آخر التشهّد». وكلمة إِلى آخر التشهّد؛ توضّح أنَّ الصلاة على النّبيّ - ﷺ - منه، لأنّه ذكَر التحيات كاملة، فلم يبق إلاَّ الصلاة على النّبيّ - ﷺ -؛ وبالله التوفيق. ٢١ - القيام إِلى الركعة الثالثة ثمَّ الرابعة (١) ويراعى فيه ما يأتي: التكبير عند النهوض فقد «كان - ﷺ - ينهض إِلى الركعة الثالثة مكبّرًا» (٢). والسّنّة أن يكبّر وهو جالس. و«كان - ﷺ - يرفع يديه» مع هذا التكبير أحيانًا (٣). «تمَّ يقوم معتمدًا على الأرض» (٤). و«كان يعجن -يعتمد على يديه- إِذا قام» (٥). ----------------------- = والبيهقي من طرق متعددة إِلى أبي نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ: «فلما قبض قلنا السلام على النّبيّ» بحذف لفظ يعني، وقد وجدت له متابعًا قويًا: قال عبد الرزاق: «أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن الصحابة كانوا يقولون والنّبيّ - ﷺ - حي: السلام عليك أيها النّبيّ، فلما مات قالوا: السلام على النّبيّ، وهذا إِسناد صحيح. انتهى. وانظر ما قاله شيخنا -حفظه الله- في»صفة الصلاة«(ص ١٦٢). (١) ملتقطًا من»صفة الصلاة«(ص ١٧٧) و»تلخيصها«(ص٣٠ - ٣١). (٢) أخرجه البخاري: ٨٢٥، ومسلم: ٣٩٣ نحوه. (٣) أخرجه البخاري: ٧٣٩ نحوه، وأبو داود. (٤) أخرجه البخاري: ٨٢٤، وأبو داود. (٥) أخرجه الحربي في»غريب الحديث" ومعناه عند البخاري وأبي داود. وكان يقرأ في كلٍّ من الركعتين الفاتحة، ويضيف إِليها آية أو أكثر أحيانًا. ٢٢ - التشهّد الأخير: وكان - ﷺ - يأمر فيه بما أمَر به في الأوّل، ويصنع فيه ما كان يصنع في الأوّل، إلاَّ أنَّه كان يقعد فيه متورِّكًا (١). قال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ٣٣): «ثمَّ يقعد للتشهّد الأخير، وكلاهما واجب». ٢٣ - الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد الأخير، وهي واجبة: عن أبي مسعود الأنصاري؛ قال: أتانا رسول الله - ﷺ - ونحن في مجلس سعد بن عُبادة، فقال له بَشير بن سعد: أمَرنا الله تعالى أن نصلّيَ عليك يا رسول الله! فكيف نُصلّي عليك؟ قال فسكت رسول الله - ﷺ - حتى تمنَّينا أنَّه لم يسأله، ثمَّ قال رسول الله - ﷺ -: «قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمّد وعلى آل محمّد، كما صلَّيت على آل إِبراهيم، وبارِك على محمّد وعلى آل محمّد، كما باركت على آل إِبراهيم، في العالمين إِنَّك حميد مجيد. والسلام كما قد علِمتم» (٢). وسمع - ﷺ - رجلًا يدعو في صلاته؛ لم يُمجّد الله تعالى، ولم يُصلِّ على النّبيّ - ﷺ - فقال: «عجِّل هذا»، ثمَّ دعاه فقال له ولغيره: «إِذا صلّى أحدكم؛ ---------------------- (١) انظر»صفة الصلاة«(١٨١)، والتورك: من وضع الورك عليها، والوَرِك: ما فوق الفخذ. وهو أن يُنحِّي رجليه في التشهد الأخير، ويلصق مقعدته بالأرض. وانظر»النهاية"، وتقدم بعضه. (٢) أخرجه مسلم: ٤٠٥، وغيره. فليبدأ بتحميد ربه جلّ وعزّ، والثناء عليه، ثمَّ يصلّي (وفي رواية: ليصلّ) على النّبيّ - ﷺ -، ثمَّ يدعو بما شاء» (١). قال الشوكاني: لم يثبت عندي ما يدلّ للقائلين بالوجوب غير هذا الحديث: «... عجل هذا». من صِيَغ التَّشَهُّد (٢) ١ - التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، [فإِنه إِذا قال ذلك؛ أصاب كُلّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض]، أشهد أن لا إِله إِلا الله، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله، [قال عبد الله:] [وهو بين ظهرانينا، فلما قُبض قلنا: السلام على النّبيّ] (٣). ٢ - التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، [الـ] سلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، [الـ] سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله، و[أشهد] أن محمّدًا رسول الله، وفي رواية: عبده ورسوله (٤). --------------------- (١) أخرجه أحمد وأبو داود وغيرهما، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٨٢). قال شيخنا -شفاه الله تعالى-: «واعلم أنّ هذا الحديث يدل على وجوب الصلاة عليه - ﷺ - في هذا التشهد للأمر بها، وقد ذهَب إِلى الوجوب الإِمام الشافعي وأحمد في آخر الروايتين عنه، وسبَقهما إِليه جماعة من الصحابة وغيرهم ...». (٢) «صفة الصلاة» (ص ١٦١) -بحذف وتصرُّف-. (٣) أخرجه البخاري: ٦٢٦٥، ومسلم: ٤٠٢، وانظر «الإِرواء» (٣٢١). (٤) أخرجه مسلم: ٤٠٣، وأبو عوانة وغيرهما. ٣ - التحيات لله، [و] الصلوات [و] الطيبات، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله- قال ابن عمر: زدت (١) فيها: وبركاته -السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله- قال ابن عمر: وزدت (٢) فيها: وحده لا شريك له- وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله (٣). ٤ - التحيات الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النّبيّ ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إِله إِلا الله [وحده لا شريك له]، وأشهد أن محمّدًا عبده ورسوله (٤). مِن صِيغ الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في التشهّد (٥) ١ - «اللهمّ صلّ على محمّد، وعلى أهل بيته، وعلى أزواجه وذريّته؛ كما صلّيتَ على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد وبارِك على محمّد، وعلى آل بيته، وعلى أزواجه وذريّته؛ كما باركْتَ على آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد». وهذا كان يدعو به هو نفسه - ﷺ - (٦). ٢ - «اللهم صلِّ على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت على [إِبراهيم، وعلى] آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد، اللهم بارِك على محمّد، وعلى آل ------------------------- (١) أي: زاد فيها من التشهُّد الذي سَمِعه من النّبيّ - ﷺ -؛ لا مِن عنده. (٢) أي: زاد فيها من التشهُّد الذي سَمِعه من النّبيّ - ﷺ -؛ لا مِن عنده. (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٩٧١) والدارقطني وصحّحه. (٤) أخرجه مسلم: ٤٠٤، وأبو عوانة وغيرهما. (٥) عن»صفة الصلاة«(ص ١٦٥) بتصرّف. (٦) أخرجه أحمد والطحاوي بسند صحيح، والشيخان دون قوله - ﷺ -»أهل بيته" وانظر البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧ محمّد؛ كما باركْتَ على [إِبراهيم، وعلى] آل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد» (١) ٣ - «اللهم صلّ على محمّد [النّبيّ الأمّي (٢)]، وعلى آل محمّد؛ كما صلّيتَ على [آل] إِبراهيم، وبارِك على محمّد [النّبيّ الأمّي] وعلى آل محمّد؛ كما باركت على [آل] إِبراهيم في العالمين، إِنك حميد مجيد» (٣). ٤ - «اللهم صلّ على محمّد و[على] أزواجه وذريته، كما صلّيتَ على [آل] إِبراهيم، وبارِك على محمّد و[على] أزواجه وذريته، كما باركْتَ على [آل] إِبراهيم، إِنك حميد مجيد» (٤). ٥ - «اللهم صلّ على محمّد، وعلى آل محمّد، وبارِك على محمّد، وعلى آل محمّد، كما صلّيت وباركتَ على إِبراهيم وآل إِبراهيم، إِنك حميد مجيد» (٥). --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٣٧٠، ومسلم: ٤٠٦، والنسائي في «عمل اليوم والليلة»، والحميدي وابن منده وقال: هذا حديث مُجمعٌ على صحَّته. (٢) الأمّيّ: من كان على أصل ولادة أمّه؛ لم يتعلم الكتابة والحساب، فهو على جبلته الأولى، وانظر «النهاية». (٣) أخرجه مسلم: ٤٠٥، وأبو عوانة وابن أبي شيبة في «المصنف» وأبو داود والنسائي وصححه الحاكم. (٤) أخرجه البخاري: ٣٣٦٩، ومسلم: ٤٠٧، والنسائي. (٥) أخرجه النسائي والطحاوي، وأبو سعيد ابن الأعرابي في «المعجم». ٢٤ - الاستعاذة من أربع قبل الدعاء: ويجب الاستعاذة من أربع بعد الفراغ من التشهّد الآخر، لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا تشهّد أحدكم؛ فليستعذ بالله من أربع، يقول: اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدجال» (١). وفي رواية: «إِذا فرغ أحدكم من التشهد الآخِر فليتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ المسيح الدجال» (٢). وكان رسول الله - ﷺ - يعلّمه الصحابة -رضي الله عنهم- كما يعلمهم السورة من القرآن. فعن ابن عباس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يعلمهم هذا الدعاء؛ كما يعلّمهم السورة من القرآن يقول: قولوا: اللهم إِنا نعوذ بك من عذاب جهنّم ... «(٣). ٢٥ - الدعاء قبل السلام (٤) وأنواعه (٥): من السنّة أن يتخيّر المصلي من الأدعية الآتية ما شاء وينوّع، وهي: --------------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٨٨ وأبو عوانة والنسائي وابن الجارود في»المنتقى«، وهو مخرج في»الإرواء«(٣٥٠). (٢) أخرجه مسلم: ٥٨٨ (٣) أخرجه مسلم: ٥٩٠ (٤) وهو مستحب وبهذا يقول شيخنا -شفاه الله تعالى-. (٥) عن»صفة الصلاة" (ص ١٨٣) بتصرّف. ١ - اللهمّ إِنّي أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، اللهمّ إِني أعوذ بك من المأثم والمغرم (١)» (٢). ٢ - «اللهم إِنّي أعوذ بك من شر ما عمِلتُ (٣)، ومن شر ما لم أعمل (٤) [بعد]» (٥). ٣ - «اللهم حاسِبني حسابًا يسيرًا» (٦). ٤ - وعلَّم - ﷺ - أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- أن يقول: «اللهمّ إِني ظلمتُ نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إِلا أنت، فاغفر لي مغفرة من -------------------- (١) هو الأمر الذي يأثم به الإِنسان، أو هو الإِثم نفسه؛ وضْعًا للمصدر موضع الاسم.»النهاية«. وكذلك المغرم: ويريد به الدَّيْن؛ بدليل تمام الحديث:»قالت عائشة: فقال له القائل: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم يا رسول الله! فقال: إِن الرجل إِذا غرم؛ حدّث فكذب، ووعد فأخلف«. وجاء في»النهاية«: المَغْرَم: كالغُرْم، وهو الدَّيْن ويريُد به ما استدين فيما يكرهه الله، أو فيما يجوز ثمَّ عَجَز عن أدائه، فأمّا دَيْن احتاج إِليه وهو قادر على أدائه فلا يُستعاذ منه». (٢) أخرجه البخاري: ٨٣٢، ومسلم: ٥٨٩ (٣) أي: من شر ما فعلْت من السيئات. (٤) من الحسنات يعني: من شر تركي العمل بها. (٥) أخرجه النسائي بسند صحيح، وابن أبي عاصم في كتاب «السُّنة» (٣٧٠) والزيادة له. (٦) أخرجه أحمد والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي. ![]()
__________________
|
|
#36
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 91الى صــ 105 الحلقة (36) عندك، وارحمني، إِنك أنت الغفور الرحيم» (١). ٥ - وأمرَ عائشة -رضي الله عنها- أن تقول: «اللهمّ إِنّي أسألك من الخير كلهّ؛ [عاجله وآجله]؛ ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كلّه [عاجله وآجله] ما علمتُ منه وما لم أعلم، وأسألك (وفي رواية: اللهمّ إِني أسألك) الجنة وما قرّب إِليها من قول أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرّب إِليها من قول أو عمل، وأسألك (وفي رواية: اللهمّ إِني أسألك) من [الـ] خير ما سألَك عبدك ورسولك [محمّد، وأعوذ بك من شر ما استعاذ منه عبدك ورسولك محمّد - ﷺ -]، [وأسألك] ما قضيتَ لي من أمْر أن تجعل عاقبته [لي] رشدًا» (٢). ٦ - و«قال لرجل:»ما تقول في الصلاة؟ «قال: أتشهّد، ثمَّ أسأل الله الجنّة، وأعوذ به من النار، أما والله ما أحسِن دندنتك (٣) ولا دندنة معاذ، فقال - ﷺ -: (حولها ندندن)» (٤). ٧ - وسمع رجلًا يقول في تشهُّده: «اللهمّ إِني أسألك يا الله (وفي رواية: -------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨٣٤، ومسلم: ٢٧٠٥ (٢) أخرجه أحمد والطيالسي والبخاري في»الأدب المفرد«وابن ماجه والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وانظر»الصحيحة«(١٥٤٢). (٣) أي: مسألتك الخفية أو كلامك الخفيّ، والدندنة: أنْ يتكلم الرجل بكلام تسمع نغمته ولا يُفهَم، وضمير الهاء في قوله:»حولها" يعود للمقالة؛ أي: كلامنا قريب من كلامك. (٤) أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة بسند صحيح. بالله) [الواحد] الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد أن تغفر لي ذنوبي، إِنك أنت الغفور الرحيم. فقال - ﷺ -: (قد غفر له، قد غفر له) «(١). ٨ - وسمع آخر يقول في تشهّده أيضًا:»اللهمّ إِني أسألك بأنّ لك الحمد، لا إِله إلاَّ أنت [وحدك لا شريك لك]، [المنان]، [يا] بديع السماوات والأرض يا ذا الجلال والإِكرام يا حي يا قيوم [إِني أسألك] [الجنة، وأعوذ بك من النار] [فقال النّبيّ - ﷺ - لأصحابه: تدرون بما دعا؟ «قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: (والذي نفسي بيده]؛ لقد دعا الله باسمه العظيم (وفي رواية: الأعظم) الذي إِذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أعطى)» (٢). ٩ - وكان من آخِر ما يقول بين التشهد والتسليم: «اللهم اغفِر لي ما قدّمتُ، وما أخّرتُ، وما أسرَرْت، وما أعلنتُ، وما أسرفتُ، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدّم وأنت المؤخّر، لا إِله إِلا أنت» (٣). ٢٦ - التسليم، والتسليمة الأولى ركن والثانية مستحبّة: لِما تقدّم من قوله - ﷺ -: «مفتاح الصلاة الطَّهور وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم». ------------------------ (١) أخرجه أبو داود والنسائي، وأحمد وابن خزيمة، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه أبو داود والنسائي وأحمد والبخاري في «الأدب المفرد»، والطبراني، وابن منده في «التوحيد» بأسانيد صحيحة. (٣) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة. و«كان - ﷺ - يسلم عن يمينه:»السلام عليكم ورحمة الله«، حتى يُرى بياض خدّه الأيمن، وعن يساره:»السلام عليكم ورحمة الله«، حتى يُرى بياض خده الأيسر» (١). وكان أحيانًا يزيد في الأولى: «وبركاته» (٢). وكان أحيانًا إِذا قال عن يمينه: «السلام عليكم ورحمة الله» اقتصر -أحيانًا - على قوله عن يساره: «السلام عليكم» (٣)، وأحيانًا «كان يسلم تسليمة واحدة:»السلام عليكم«، تلقاء وجهه، يميل إِلى الشق الأيمن شيئًا [أو قليلًا]» (٤). قال شيخنا في «تلخيص صفة الصلاة» (ص ٣١): «ثمَّ يُسلّم عن يمينه وهو رُكن حتى يُرى بياض خدّه الأيمن». وقد نقل ابن المنذر الإِجماع على أنَّ من اقتصر في صلاته على تسليمة واحدة فقد اجزأَت. ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٥٨٢ بنحوه وأبو داود والنسائي والترمذي وصححه. (٢) أخرجه أبو داود وابن خزيمة (١/ ٨٧/٢) بسند صحيح، وغيرهما، وصححه عبد الحقّ في «أحكامه» (٥٦/ ٢) وكذا النووى والحافظ ابن حجر، وانظر «صفة الصلاة» (١٨٧). (٣) أخرجه النسائي وأحمد والسراج بسند صحيح. عن «صفة الصلاة» (١٨٨). (٤) أخرجه الترمذي وغيره، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي، وابن الملقن في «الخلاصة»، وانظر للمزيد «صفة الصلاة» (١٨٨)، و«الإِرواء» (٢/ ٣٣)، و«الصحيحة» (٣١٦). ما ورد في صِفة الصلاة يستوي فيها الرجال والنساء قال شيخنا في»الصفة«-بحذف-:»كلّ ما تقدّم من صفة صلاته - ﷺ - يستوي فيه الرجال والنساء، ولم يَرِد في السنّة ما يقتضي استثناءُ النساء من بعض ذلك، بل إِنّ عموم قوله - ﷺ -: «صلّوا كما رأيتموني أصلي» يشملُهُنّ، وهو قول إِبراهيم النخعي قال: «تفعَلُ المرأةُ في الصلاة كما يفعَلُ الرجل». أخرجه ابن أبي شيبة (١/ ٧٥/٢) بسند صحيح عنه (١). وروى البخاري في «التاريخ الصغير» (ص٩٥) بسند صحيح عن أمّ الدرداء: «أنها كانت تجلس في صلاتها جلسة الرجل، وكانت فقيهة». الأذكار والأدعية بعد السلام ١ - عن ثوبان -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا انصرف من صلاته، استغفَر ثلاثًا، وقال:»اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، تباركت ذا الجلال والإِكرام«. قال الوليد (٢) فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: أستغفر الله، أستغفر الله (٣). ------------------------- (١) وحديث انضمام المرأة في السجود، وأنها ليست في ذلك كالرجل؛ مُرسَل لا حجة فيه. رواه أبو داود في»المراسيل«(١١٧/ ٨٧) عن يزيد بن أبي حبيب، وهو مخرّج في»الضعيفة" (٢٦٥٢). (٢) هو شيخ البخاري. (٣) أخرجه مسلم: ٥٩١ ٢ - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا سلّم، لم يقعد إلاَّ مقدار ما يقول: اللهمّ أنت السلام ومنك السلام، تباركتَ يا ذا الجلال والإِكرام» (١). عن ورّاد كاتب المغيرة بن شعبة قال: «أَملى عليَّ المغيرة بن شعبة في كتاب إِلى معاوية؛ أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول في دُبر كلِّ صلاة مكتوبة: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلِّ شيء قدير، اللهمّ لا مانع لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعْت، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ، وقال شعبة عن عبد الملك بهذا عن الحكم عن القاسم بن مُخَيمِرة عن ورَّادٍ بهذا، وقال الحسن الجَدُّ: الغنى». (٢) ٣ - عن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - أخذ بيده وقال: «يا معاذ! إِنِّي والله لأحبُّك، فلا تدعَنَّ في دُبُر كلِّ صلاة أن تقول: اللهمّ أعنِّي على ذكركَ وشُكرك، وحُسن عبادتك» (٣). ٤ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «جاء الفقراء إِلى النّبيّ - ﷺ - فقالوا ذهب أهل الدثور (٤) من الأموال بالدرجات العُلا والنّعيم المقيم، يُصلّون كما نُصلّي ويصومون كما نصوم، ولهم فضلٌ من أموالٍ يحجّون بها ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٩٢ (٢) أخرجه البخاري: ٨٤٤، ومسلم: ٥٩٣ (٣) أخرجه أبو داود والنسائي، وقال شيخنا في»الكلم الطيب" (ص ٧٠): وإسناده صحيح رجاله كلهم ثقات. (٤) الدثور: جمع دَثْر، وهو المال الكثير. ويعتمرون ويجاهدون ويتصدّقون قال: ألا أحدّ ثكم إِنْ أخذتم أدركتم مَن سبقكم ولم يدْركْكُم أحدٌ بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه إلاَّ من عمل مثله؟ تُسبِّحون وتحمَدون وتُكبّرون خلف كلِّ صلاة ثلاثًا وثلاثين، فاختلفنا بيننا فقال بعضُنا: نسبّح ثلاثًا وثلاثين، ونحمد ثلاثا وثلاثين، ونكبّر أربعًا وثلاثين، فرجعتُ إِليه، فقال: تقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر، حتى يكون منهنّ كلهِّن ثلاثٌ وثلاثون» (١). ٥ - عن أبي الزبير؛ قال: كان ابن الزبير يقول في دُبُر كلّ صلاة حين يسلّم: «لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، لا إِله إلاَّ الله، ولا نعبد إلاَّ إِيّاه، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، لا إِله إلاَّ الله مُخلِصين له الدين ولو كَره الكافرون، وقال: كان رسول الله - ﷺ - يهلّل بهنّ دُبُر كلِّ صلاة» (٢). ٦ - عن كعب بن عُجْرَة عن رسول الله - ﷺ - قال: مُعقّبات (٣) لا يَخِيب قائلهنّ (أو فاعلهنّ) ثلاثٌ وثلاثون تسبيحة، وثلاثٌ وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة؛ في دُبر كلّ صلاة«(٤). --------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٨٤٣، ومسلم: ٥٩٥ (٢) أخرجه مسلم: ٥٩٤ (٣) سُميت معقّبات لأنها تُقال عَقيب الصلاة، كما في»النهاية«. قال شيخنا في»الصحيحة«(١٠٢): (والحديث نصٌّ على أنّ هذا الذكر؛ إِنْما يُقال عقب الفريضة مباشرة ...». (٤) أخرجه مسلم: ٥٩٦ ٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «من سبّح الله في دُبُر كلّ صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحَمِد الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّر الله ثلاثًا وثلاثين، فتلك تسعة وتسعون. وقال تمام المائة: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير -غُفِرت خطاياه وإن كانت مثلَ زبد البحر» (١). ٨ - عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: خَصلتان أو خلّتان، لا يحافظ عليهما عبدٌ مسلم إلاَّ دخل الجنّة. وهما يسير، ومن يعمل بهما قليل: يُسبّح الله في دبر كلِّ صلاةٍ عشرًا، ويحمَدهُ عشرًا، ويكبرهُ عشرًا، وذلك خمسون ومائة باللسان، وألف وخمسمائة في الميزان. ويكبر أربعًا وثلاثين إِذا أخذ مضجعه، ويحمده ثلاثًا وثلاثين، ويسبح ثلاثًا وثلاثين، فذلك مائةٌ باللسان وألف في الميزان. قال: فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - يعقدها بيده، قالوا: يا رسول الله كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: يأتي أحدكم -يعني الشيطان في منامه- فينوّمه قبل أن يقول، ويأتيه في صلاته، فيذكّره حاجته قبل أن يقولها«(٢). ٩ - وعن عقبة بن عامر قال:»أمرَني رسول الله - ﷺ - أن أقرأ المعوّذات دبرَ ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٥٩٧ (٢) أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو في «الكلم الطيب» (١١١)، وقد استوفيت شرحه في «شرح صحيح الأدب المفرد». كلّ صلاة» (١). ١٠ - عن أبي أسامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من قرأ آية الكُرسي في دُبُر كلّ صلاة، لم يَحُلْ بينه وبين دخول الجنّة إلاَّ الموت» (٢). ١١ - عن رجل من الأنصار قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول في دُبُر الصلاة: «اللهم اغفِر لي، وتُب عليّ، إِنك أنت التوّاب الغفور» (٣). ١٢ - عن أُمّ سلمة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يقول إِذا صلّى الصبِّح حين يُسلّم: «اللهمّ إِنّي أسألك عِلمًا نافعًا ورِزقًا طيبًا وعملًا متقبّلًا» (٤). ١٣ - عن عبد الرحمن بن غَنْم عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «من قال قبل أن ينصرف ويَثنيَ (٥) رجليه من صلاة المغرب والصبح: لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له المُلك، وله الحمد، يحيي ويميت، وهو على كلِّ شيءٍ قدير عشرَ مرات، ---------------------- (١) أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي، وقال شيخنا في»الكَلِم الطيب«(١١٢):»وأخرجه أحمد وسنده صحيح، وصحّحه ابن حبّان«. (٢) أخرجه النسائي وغيره، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة«(٩٧٢). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في»المسند«، وغيره وصححه شيخنا في»الصحيحة«(٢٦٠٣). (٤) أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٧٥٣) وغيرهم، وانظر»تمام المنّة«(٢٣٣). (٥)»أي: لا يصرف رجله عن حالتها التي هي عليها في التشهّد«. وانظر»النهاية". كتَب الله له بكل واحدةٍ عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، ورَفع له عشرَ درجاتٍ، وكانت حرزًا من كل مكروه، وحرزًا من الشيطان الرجيم، ولم يَحِلَّ لذنبٍ أن يُدركه إلاَّ الشرك، وكان من أفضل الناس عملًا، إلاَّ رجلًا يَفضُله، يقول أفضل ممّا قال» (١). ١٤ - عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: من قال دُبر صلاة الغداة: «لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير، وهو على كلِّ شيءٍ قدير، مائة مرة، قبل أن يَثني رجليه، كان يومئذ من أفضل أهل الأرض عملًا، إلاَّ من قال مثل ما قال، أو زاد على ما قال» (٢). ---------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وهو حسن لغيره، انظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٧٢)، وانظر «الصحيحة» (١١٤ و٢٥٦٣) (٢) أخرجه الطبري بإِسناد جيد وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٤٧١)، و«الصحيحة» (٢٦٦٤). صلاة التطوّع فضلها: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ أوّل ما يحاسَب به العبدُ يوم القيامة من عمله صلاته، فإِنْ صَلَحت فقد أفلح وأنجح، وإنْ فسدت خاب وخسر، وإن انتقص من فريضته قال الله تعالى: انظروا هل لعبدي من تطوُّع يُكمل به ما انتقص من الفريضة؟ ثمَّ يكون سائر عمله على ذلك» (١). استحبابها في البيت عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: «... عليكم بالصلاة في بيوتكم؛ فإِنَّ خير صلاة المرء في بيته إلاَّ الصلاة المكتوبة» (٢). عن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا قضى أحدكم الصلاة في مسجده؛ فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته، فإِنَّ الله جاعلٌ في بيته من صلاته خيرًا» (٣). عن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - قال: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا» (٤). ------------------------ (١) أخرجه الترمذي وغيره، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٣٨)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (١١٧٢). (٢) أخرجه البخاري: ٦١١٣، ومسلم: ٧٨١ (٣) أخرجه مسلم: ٧٧٨ (٤) أخرجه البخاري: ٤٣٢، ومسلم: ٧٧٧ عن زيد بن ثابت أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجدي هذا، إلاَّ المكتوبة» (١). وعن أنس وجابر قالا: «قال رسول الله - ﷺ -: صلّوا في بيوتكم، ولا تتركوا النوافل فيها» (٢). فضل طول القيام (٣) عن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- قال: إِنْ كان النّبيّ - ﷺ - ليقوم -أو ليصلِّي- حتى تَرمُ (٤) -قدماه أو ساقاه- فقال له؟ فيقول: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» (٥). وعن عبد الله بن حُبشِي الخثعمي أن النّبيّ - ﷺ - سئل: أي: الصلاة أفضل؟ قال: «طول القيام» قيل: فأيّ الصدقة أفضل؟ قال: «جهد المُقِلِّ» (٦) قيل: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر ما حرّم الله عليه» قيل: فأيّ الجهاد -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢) والترمذي، وانظر «المشكاة» (١٣٠٠). (٢) أخرجه الدارقطني في «الأفراد»، وانظر «الصحيحة» (١٩١٠). (٣) انظر «فقه السنّة» (ص ١٨٢). (٤) هكذا بالرفع وجوّز القسطلاني فيه الوجهين، وهي من الورم أو الانتفاخ وقيل التشقّق، ولا تعارُض فإِنّه إِذا حصل الانتفاخ أو الورم حصل التشقق. انظر «الفتح» (٣/ ١٥). (٥) أخرجه البخاري: ١١٣٠ (٦) المُقِلّ: ذو المال القليل، وجُهد المُقِلّ أي: قدْر ما يحتمله حال القليل المال، وانظر «النهاية». أفضل؟ قال:»من جاهد المشركين بماله ونفسه«قيل: فأيّ القتل أشرف؛ قال:»من أهريق دمه وعُقِر (١) جواده«(٢). القيام في النّفل تجوز الصلاة قاعدًا مع القدرة على القيام، كما في حديث عمران بن حصين، وكان مَبْسورًا (٣) قال:»سألتُ رسول الله - ﷺ - عن صلاة الرجل قاعدًا فقال: إِنْ صلّى قائمًا فهو أفضل، ومن صلّى قاعدًا فله نصف أجر القائم، ومن صلّى نائمًا فله نصف أجر القاعد«(٤). وعن عبد الله بن عمر قال:»حُدِّثت أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «صلاة الرجل قاعدًا نصف الصلاة»«(٥). قال الخطابي:»المراد بحديث عمران المريض المفترض الذي يمكنه أن يتحامل فيقوم مع مشقة، فجعل أجر القاعد على النصف من أجر القائم؛ ترغيبًا له في القيام مع جواز قعوده«، قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٤٦٨):»وهو حمْل متجه«(٦). ---------------------- (١) أصل العقر: ضرب قوائم الحيوان بالسيف وهو قائم، والجواد هو الفرس السابق الجيّد.»عون المعبود«(٤/ ٢٢٧). (٢) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٨٦) وانظر»المشكاة«(٣٨٣٣). (٣) أي: كانت به بواسير، وهو ورم في باطن المقعدة. (٤) أخرجه البخاري: ١١١٥ (٥) أخرجه مسلم: ٧٣٥ (٦) ونقله شيخنا في»صفة الصلاة" (ص ٧٨). جواز فِعل بعض الركعة قائمًا وبعضها قاعدًا عن عبد الله بن شقيق قال: سألتُ عائشةَ عن صلاة رسول الله - ﷺ -؛ عن تطوُّعه؟ فقالت: «كان يُصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثمَّ يخرج فيصلّي بالناس ثمَّ يدخل فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي بالناس المغرب، ثمَّ يدخل فيصلِّي ركعتين، ويصلّي بالناس العشاء، ويدخل بيتي فيصلّي ركعتين، وكان يصلّي من الليل تسع ركعاتٍ فيهنَّ الوتر، وكان يصلّي ليلًا طويلًا قائمًا وليلًا طويلًا قاعدًا، وكان إِذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ قاعدًا، ركع وسجد وهو قاعد، وكان إِذا طلع الفجر صلّى ركعتين» (١). عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «ما رأيتُ النّبيّ - ﷺ - يقرأ في شيء من صلاة الليل جالسًا حتى إِذا كَبَّر قرأ جالسًا، فإِذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية؛ قام فقرأهنّ، ثمَّ ركع» (٢). أنواعها: تُقسَم صلاة التطوع إِلى قسمين: مطلقة ومقيّدة: والمقيدة: تسمّى بالسنن الراتبة، وهي قسمان: مؤكّدة وغير مؤكّدة. السنن المؤكّدة: أولًا: سنة الفجر: فضلها: عن عائشة -رضي الله عنها- "أنَّ النّبيّ - ﷺ - لم يكن على شيءٍ من -------------------- (١) أخرجه مسلم:٧٣٠ (٢) أخرجه البخاري: ١١٤٨، ومسلم: ٧٣١ النوافل أشدّ معاهدة منه على الركعتين قبل الصبح» (١). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «ما رأيتُ رسول الله - ﷺ - في شيء من النوافل أَسرع منه إِلى الركعتين قبل الفجر» (٢). وعنها -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها» (٣). تخفيفها: كان رسول الله - ﷺ - يخفّف القراءة في ركعتي الفجر. فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - يخفّف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح؛ حتى إنّي لأقول: هل قرأ بأمّ الكتاب؟» (٤). ما يقرأ فيها: يستحب القراءة في ركعتي الفجر بما ورد في الأحاديث الآتية: ١ - عن أبي هريرة «أنَّ رسول الله - ﷺ - قرأ في ركعتي الفجر: ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿قل هو الله أحد﴾» (٥). ٢ - وكان - ﷺ - قد "سمع رجلًا يقرأ السورة الأولى في الركعة الأولى فقال: ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٦٩، ومسلم: ٧٢٤ (٢) أخرجه مسلم: ٧٢٤ (٣) أخرجه مسلم: ٧٢٥ (٤) أخرجه البخاري: ١١٧١، ومسلم: ٧٢٤ (٥) أخرجه مسلم: ٧٢٦ «هذا عبدٌ آمَن بربّه»، ثمَّ قرأ السورة الثانية في الركعة الأُخرى فقال: هذا عبد عَرف ربه«(١). وعن ابن عبّاس أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في ركعتي الفجر؛ في الأولى منهما: ﴿قولوا آمنّا بالله وما أنُزِل إِلينا﴾ (٢)، الآية التي في البقرة، وفي الآخرة منهما: ﴿آمنّا بالله واشهدْ بأنّا مسلمون﴾ (٣)» (٤). وفي رواية: «كان رسول الله - ﷺ - يقرأ في ركعتي الفجر: ﴿قولوا آمنا بالله وما أنزل إِلينا﴾ والتي في آل عمران (٥): ﴿تعالَوا إِلى كلمة سواءٍ بيننا وبينكم﴾» (٦). ٣ - عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي أربعًا قبل الظهر، وركعتين قبل الفجر لا يدَعُهما قالت: وكان يقول: نعمت السورتان يقرأ بهما في ركعتين قبل الفجر: ﴿قل هو الله أحد﴾ و﴿قل يا أيها الكافرون﴾» (٧). ---------------------- (١) أخرجه الطحاوي وابن حبان في «صحيحه» وابن بشران، وحسّنه الحافظ في «الأحاديث العالية» (رقم ١٦) عن «صفة الصلاة» (ص ١١٢). (٢) البقرة: ١٣٦ (٣) آل عمران: ٥٢ (٤) أخرجه مسلم: ٧٢٧ (٥) آية: ٦٤ (٦) أخرجه مسلم: ٧٢٧ (٧) أخرجه أحمد وابن خزيمة في «صحيحه»، وغيرهما، وانظر «الصحيحة» (٦٤٦). ![]()
__________________
|
|
#37
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 106الى صــ 120 الحلقة (37) الاضطجاع بعدها عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين فإِنْ كنتُ مستيقظة حدّثني، وإلاَّ اضطجع«قلت لسفيان (١) فإِنّ بعضهم يرويه ركعتي الفجر، قال سفيان هو ذاك» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان النّبيّ - ﷺ - إِذا صلّى ركعتي الفجر؛ اضطجع على شقّه الأيمن» (٣). والذي يبدو أنَّ الاضطجاع لمن احتاج إِليه ليريح نفسه من دأب القيام ونحوه، لذلك كان - ﷺ - يحدّث عائشة حين تكون مستيقظة، ولا يضطجع حتى يؤذَّن بالصلاة كما تقدّم، لذلك بوب له البخاري -رحمه الله- بقوله: (باب من تحدّث بعد الركعتين ولم يضطجع) والله تعالى أعلم. قضاؤها بعد طلوع الشمس أو بعد صلاة الفريضة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من لم يصلِّ ركعتي الفجر؛ فليصلّهما بعد ما تطلعُ الشمس» (٤). وعن قيس بن عمرو قال: رأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي بعد صلاة الصبح ركعتين، فقال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الصبح ركعتان» فقال الرجل: ----------------------- (١) القائل: علي بن عبد الله الراوي عنه. (٢) أخرجه البخاري: ١١٦٨ (٣) أخرجه البخاري: ١١٦٠ (٤) أخرجه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والحاكم والبيهقي وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وخرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٣٦١). إِني لم أكُنْ صليتُ الركعتين اللتين قبلهما، فصلّيتهما الآن، فسكت رسول الله - ﷺ -«(١). عن أبي جحيفة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه»كان في سفره الذي ناموا فيه حتى طلعَت الشمس، فقال: إِنكم كنتم أمواتًا؛ فردَّ الله إِليكم أرواحكم، فمن نام عن صلاة؛ فليصلّها إِذا استيقظ، ومن نسي صلاة؛ فليصلِّ إِذا ذكر«(٢). سنّة الظُّهر لقد وردَت عدة نصوص في عددها، منها أنّها أربع ومنها أنها ست ومنها أنها ثمان. ما وَرد أنها أربع ركعات: عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر وركعتين بعدها وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، وكانت ساعةً لا يُدخَل على النّبيّ - ﷺ - فيها» (٣). قال الحافظ في «الفتح» (٤): «والأَولى أن يُحمَل على حالين: فكان تارة ---------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٢٨). (٢) أخرجه أبو يعلى في»مسنده«والطبراني في»الكبير«وانظر»الصحيحة" (٣٩٦). (٣) أخرجه البخاري: ١١٨٠، مسلم: ٧٢٩ (٤) (٣/ ٥٨) بحذف. يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وقيل: هو محمول على أنه كان في المسجد يقتصر على ركعتين وفي بيته يصلّي أربعًا، ويُحتمَل أن يكون يصلّي إذا كان في بيته ركعتين، ثمَّ يخرج إِلى المسجد فيصلي ركعتين، فرأى ابن عمر ما في المسجد دون ما في بيته، واطلعت عائشة على الأمرين، قال أبو جعفر الطبري: الأربع كانت في كثير من أحواله، والركعتان في قليلها». والراجح عندى الحال الأول الذي ذكره الحافظ -رحمه الله تعالى- أنَّه تارة يصلي ثنتين وتارة يصلي أربعًا، وبهذا يتأسّى المرء برسول الله - ﷺ -، فيفعل هذا بحسب نشاطه، والله تعالى أعلم. ما ورد أنها ستّ ركعات: ١ - عن عبد الله بن شقيق قال: «سألْتُ عائشة -رضي الله عنها- عن صلاة رسول الله - ﷺ - عن تطوّعه؟ فقالت: كان يصلّي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثمَّ يخرج فيصلّي بالناس، ثمّ يدخل فيصلي ركعتين ...» (١). ٢ - عن أم حَبيبة رملة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «ما من عبد مسلم يصلي لله تعالى في كلّ يوم ثنتي عشْرة ركعة تطوعًا غير فريضة؛ إِلاَّ بنى الله تعالى له بيتًا في الجنّة، أو: إلاَّ بُني له بيتٌ في الجنّة» (٢). ما ورَد أنها ثمان ركعات: عن أمّ حَبيبة عن النّبيّ - ﷺ - قال: "من صلّى قبل الظهر أربعًا، وبعدها ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٣٠، وتقدّم. (٢) أخرجه مسلم: ٧٢٨ أربعًا، حرّمه الله على النار» (١). فضل الأربع قبل الظهر: عن عبد الله بن السائب -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي أربعًا بعد أن تزول الشمس قبل الظهر (٢)، وقال: «إِنها ساعةٌ تُفتح فيها أبواب السماء، فأُحِبّ أن يصعد لي فيها عملٌ صالح» (٣). وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يدَع أربعًا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة» (٤). إِذا صلّى أربعًا قبل الظهر أو بعده فهل يسلّم بعد كلّ ركعتين؟ يجوز أن يصلّيها دون أن يفصل بينها بالتسليم، والأفضل أن يسلّم بعد كلّ ركعتين، لقوله - ﷺ -: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى» (٥). قال شيخنا في «تمام المنّة» (٢٤٠): «... ويؤيده صلاة النّبيّ - ﷺ - يوم --------------------- (١) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٣٠)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٥٢)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٧٠٨)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥١)، وانظر»المشكاة«(١١٦٧). (٢) أي: قبل فريضة الظهر. (٣) أخرجه أحمد وغيره، عن»صحيح الترغيب والترهيب«(٥٨٣). (٤) أخرجه البخاري: ١١٨٢ (٥) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١١٥١)، وابن خزيمة»صحيح ابن خزيمة«(١٢١٠)، وانظر»تمام المنّة" (٢٣٩). فتح مكة صلاة الضحى ثماني ركعات يسلّم من كلّ ركعتين». وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود بإِسناد صحيح على شرطهما وهو في «الصحيحين» دون التسليم، وقال الحافظ في «الفتح» (٣/ ٤١): «أخرجه ابن خزيمة وفيه ردٌّ على من تمسَّك به في صلاتها موصولة؛ سواء صلّى ثمان ركعات أو أقل. قلت: فهذا الحديث يستأنس به على أنّ الأفضل التسليم بعد كل ركعتين في الصلاة النهارية. والله أعلم». قضاء سنة الظهر القبلية: عن عائشة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ -: «كان إِذا لم يصلِّ أربعًا قبل الظهر؛ صلاَّهنّ بعدها» (١). قضاء سنّة الظهر البعدية: عن كُريب أنَّ ابن عباس والمِسور بن مَخرَمَة وعبد الرحمن بن أزهر -رضي الله عنهم- أرسلوه إِلى عائشة -رضي الله عنها- فقالوا اِقرَأ عليها السلام منَّا جميعًا وسلْها عن الركعتين بعد صلاة العصر، وقل لها: إِنّا أُخبرنا أنّكِ تُصلينهما، وقد بلغَنا أنَّ النّبيّ - ﷺ - نهى عنها، وقال ابن عباس: وكنتُ أضربُ الناس مع عمر بن الخطاب عنها قال كُريب فدخلتُ على عائشة -رضي الله عنها- فبلّغتُها ما أرسلوني فقالت: سل أمّ سلمة فخرَجْتُ إِليهم فأخبرتهم بقولها، فردُّوني إِلى أمّ سلمة بمِثل ما أرسلوني به إِلى عائشة، فقالت أمّ سلمة -رضي الله عنها- سمعْت النّبيّ - ﷺ - ينهى عنها، ثمَّ رأيته ------------------ (١) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٥٠)، وإسناده صحيح كما في «تمام المنة» (ص ٢٤١). يصليهما حين صلّى العصر، ثمَّ دخل عليَّ وعندي نسوةٌ من بني حرامٍ من الأنصار، فأرسلتُ إِليه الجارية فقلتُ: قُومِي بجنبه قُولِي لهُ: تقول لك أمُّ سلمة يا رسول الله سمعْتك تنهى عن هاتين وأراك تُصليهما، فإِنْ أشار بيده، فاستأخري عنه، ففعَلت الجارية فأشار بيده فاستأخَرت عنه، فلمّا انصرف قال: يا ابنة أبي أُمية سألتِ عن الركعتين بعد العصر، وإنَّه أتاني ناسٌ من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان«(١). سنّة المغرب قد ورد عدد من النصوص أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي ركعتين بعد المغرب ومن ذلك حديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: حفظتُ من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... وذكر منها ركعتين بعد المغرب» (٢). استحباب أدائها في البيت: قد تقدّم استحباب صلاة التطوّع في البيوت، وقد وردَت نصوصٌ خاصّة في استحباب صلاة الركعتين بعد المغرب في البيوت كذلك. فعن كعب بن عُجْرة؛ «أنَّ النّبيّ - ﷺ - أتى مسجد بني عبد الأشهل، فصلّى فيه المغرب، فلمّا قضوا صلاتهم رآهم يسبّحون (٣) بعدها فقال: هذه صلاة البيوت» (٤). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٢٣٣، ومسلم: ٨٣٥ (٢) أخرجه البخاري: ١١٨٠ (٣) أي: يصلّون السُّبحة، أي: النافلة. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح أبي داود» (١١١٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (١١٨٢). وفي رواية من حديث رافع بن خَدِيج قال: أتانا رسول الله - ﷺ - في بني عبد الأشهل، فصلى بنا المغرب في مسجدنا، ثمُّ قال:»اركعوا هاتين الركعتين في بيوتكم«(١). سنّة العشاء تقدّم عدد من الأحاديث في سنّة الركعتين بعد العشاء من ذلك حديث البخاري: (١١٨٠) عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»حفظْت من النّبيّ - ﷺ - عشر ركعات ... «وذكر منها ركعتين بعد العشاء. السُّنن غير المؤكّدة ١ - ركعتان قبل العصر: لعموم قوله - ﷺ -: بين كلّ أذانين صلاة، بين كلّ أذانين صلاة، ثمَّ قال في الثالثة لمن شاء» (٢). ويُستحب المحافظة على أربع قبل العصر، لما رواه ابن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رحم الله امرءًا صلّى قبل العصر أربعًا» (٣). وعن عليّ -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي قبل العصر ------------------------ (١) أخرجه أحمد في مسنده وغيره، وانظر»صحيح ابن خزيمة«(١٢٠٠)، و»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥٦). (٢) أخرجه البخاري: ٦٢٧، ومسلم: ٨٣٨ (٣) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنّه، وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٥٨٤). أربع ركعات، يفصل بينهنّ بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبِعهم من المسلمين والمؤمنين» (١). ٢ - ركعتان قبل المغرب: للحديث السابق ولقوله - ﷺ -: «صلّوا قبل صلاة المغرب -قال: في الثالثة- لمن شاء كراهية أن يتخذها الناسُ سنّة» (٢). ٣ - ركعتان قبل العشاء: للحديث المتقدّم: «بين كلّ أذانين صلاة ...». ولقوله - ﷺ -: «ما من صلاة مفروضة، إلاَّ وبين يديها ركعتان» (٣). الفصل بين الفريضة والنافلة عن عمر بن عطاء بن أبي الخُوار؛ «أنَّ نافع بن جبير أرسلَه إِلى السائب، ابن أخت نمِر، يسأله عن شيء رآه منه معاوية في الصلاة، فقال: نعم، صلَّيت معه الجمعة في المقصورة (٤)، فلما سلّم الإِمام قمت في مقامي فصلَّيت، ------------------------ (١) أخرجه أحمد والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٥٣) والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٥)، وانظر»الصحيحة«(٢٣٧). (٢) أخرجه البخاري: ١١٨٣ (٣) أخرجه ابن حبان في»صحيحه«والطبراني في»المعجم الكبير«وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة«(٢٣٢). (٤) هي حجرة خاصّة مفصولة عن الغُرف المجاورة فوق الطابق الأرضي.»الوسيط«. وفي»اللسان«المقصورة:»الدار المحصّنة الواسعة ومقام الإِمام«. قال النووى (٦/ ١٧٠):»فيه دليل على جواز اتخاذها في المسجد إِذا رآها وليّ الأمر مصلحة، قالوا: وأوّل من عملها معاوية بن أبي سفيان حين ضرَبه الخارجي. = فلما دخَل أرسل إِليّ فقال: لا تعُد لما فعلت، إِذا صلَّيت الجمعة فلا تَصِلْها بصلاة حتى تَكَلّم أو تخرُج. فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرَنا بذلك. أن لا تُوصَل صلاة بصلاةٍ حتى نتكلَّم أو نخرج» (١). وهذا عامٌّ غير مخصوص بالجمعة لقول معاوية -رضي الله عنه-: «فإِنَّ رسول الله - ﷺ - أمَرنا بذلك، أن لا تُوصَل صلاة بصلاة ...». الوتر (٢) حُكمه وفضله: الوتر سنّة مؤكّدة حضّ عليه الرسول - ﷺ -. فعن عليّ -رضي الله عنه- قال: الوترُ ليس بحتْم كصلاة المكتوبة، ولكن سنّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ الله وترٌ يحبّ الوتر، فأوتروا يا أهل القرآن». (٣) عن ابن محيريز: أنَّ رجلًا من كِنَانَة يدعى المُخدجي سمع رجلًا بالشام -------------------- = قال القاضي: واختلفوا في المقصورة، فأجازها كثيرون من السلف ... وكرهها ابن عمر والشعبي وأحمد وإسحاق«. (١) أخرجه مسلم: ٨٨٣ (٢) الوِتر بالكسر: الفرد وبالفتح الثأر»الفتح«، وفي النهاية: وتكسر واوه وتُفتَح. (٣) أخرجه أبو داود والترمذي واللفظ له والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في»صحيحه«، وقال الترمذي: حديث حسن، قاله المنذري في»الترغيب والترهيب«، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٥٨٨). يُدعى أبا محمّد يقول: إِنَّ الوتر واجب، قال المُخدجي: فرُحتُ إِلى عبادة بن الصامت فأخْبرته فقال عبادة: كذَب (١) أبو محمّد، سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «خمسُ صلوات كتبهنّ الله على العباد، فمن جاءَ بهنّ لم يُضيّع منهن شيئًا استخفافًا بحقّهنّ؛ كان له عند الله عهدٌ أن يُدخله الجنّة، ومن لم يأت بهنّ؛ فليس له عند الله عهد، إِن شاء عذَّبه، وإنْ شاء أدخله الجنّة» (٢). قال شيخنا في «الصحيحة» (١/ ٢٢٢) بعد أن ذكر حديث «إِن الله زادكم صلاة، وهي الوتر ...» (٣): «يدل ظاهر الأمر في قوله - ﷺ -:»فصلُّوها«على وجوب صلاة الوتر، وبذلك قال الحنفية؛ خلافًا للجماهير، ولولا أنّه ثبَت بالأدلة القاطعة حصْر الصلوات المفروضات في كلّ يوم وليلة بخمس صلوات؛ لكان قول الحنفية أقرب إِلى الصواب، ولذلك فلا بدَّ من القول بأنّ الأمر هنا ليس للوجوب، بل لتأكيد الاستحباب، وكم من أوامرَ كريمةٍ صُرفت من الوجوب بأدنى من تلك الأدلة القاطعة، وقد انفكّ الأحناف عنها بقولهم: إِنهم لا يقولون بأن الوتر واجب كوجوب الصلوات الخمس، بل هو واسطة بينها وبين السنن، أضعف من هذه ثبوتًا، وأقوى من تلك تأكيدًا! فليعلم أنّ قول الحنفية هذا قائم على اصطلاح لهم خاص حادث، لا تعرفه الصحابة ولا السلف الصالح، وهو تفريقهم بين الفرض والواجب ثبوتًا وجزاء؛ -------------------- (١) أي: أخطأ وفي»لسان العرب«: وقد استعمَلت العرب الكذب في موضع الخطأ، وذكَر بيت الأخطل:»كَذَبتك عينك أم رأيت بواسط ....«. (٢) أخرجه مالك وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٥٨) والنسائي وابن حبان في»صحيحه«وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٣٦٣)، وتقدّم. (٣) سيأتي بتمامه وتخريجه إِن شاء الله في (وقت الوتر). كما هو مفصَّل في كتبهم. وإِنّ قولهم بهذا معناه التسليم بأن تارك الوتر معذّب يوم القيامة عذابًا دون عذاب تارك الفرض؛ كما هو مذهبهم في اجتهادهم، وحينئذ يقال لهم: وكيف يصحّ ذلك مع قوله - ﷺ - لمن عزم على أن لا يصلي غير الصلوات الخمس:»أفلح الرجل«؟! وكيف يلتقي الفلاح مع العذاب؟! فلا شكَّ أن قوله - ﷺ - هذا وحده كاف؛ لبيان أن صلاة الوتر ليست بواجبة، ولهذا اتفق جماهير العلماء على سنيَّته وعدم وجوبه، وهو الحقّ. نقول هذا مع التذكير والنصح بالاهتمام بالوتر، وعدم التهاون عنه؛ لهذا الحديث وغيره، والله أعلم». وقته يبدأ وقت الوتر من بعد صلاة العشاء حتى الفجر. عن أبي تميم الجيشاني أنَّ عمرو بن العاص خطب الناس يوم الجمعة فقال: إِنَّ أبا بصرة حدّثني أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ الله زادكم صلاةً، وهي الوتر، فصلّوها بين صلاة العشاء إِلى صلاة الفجر» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «مِن كلِّ الليل قد أوتر رسول الله - ﷺ -، مِن أوّل الليل وأوسطه وآخره. فانتهى وِتْرهُ إِلى السَّحَر» (٢). -------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره وانظر «الصحيحة» (١٠٨)، و«الإِرواء» (٤٢٣)، و«صحيح سنن ابن ماجه» (٩٥٨). (٢) أخرجه البخاري: ٩٩٦، ومسلم: ٧٤٥ من خاف أن لا يستيقظ من آخر الليل فليوتر أوله: عن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوّله، ومن طمع أن يقوم آخره فليوتر آخر الليل، فإِنَّ صلاة آخِر الليل مشهودة (١). وذلك أفضل». وقال أبو معاوية: «محضورة» (٢). وفي رواية: «أيكم خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر ثمَّ ليرقد، ومن وثَقِ بقيامٍ من الليل فليوتر من آخره فإِنّ قراءة آخر الليل محضورة وذلك أفضل» (٣). وعن جابر قال: قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر: «أيَّ حينٍ توتر؟ قال: أوّل الليل بعد العتمة، قال: فأنت يا عمر؟ فقال: آخر الليل، فقال النّبيّ - ﷺ -: أمَّا أنت يا أبا بكر فأخذت بالوُثقى، وأمَّا أنت يا عمر فأخذت بالقوة» (٤). وعن سعد بن أبي وقّاص -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «الذي لا ينام حتى يوتر حازم (٥)» (٦). ------------------ (١) أي: تشهدها الملائكة. (٢) أخرجه مسلم: ٧٥٥. (٣) أخرجه مسلم: ٧٥٥. (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٧١)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» (١٠٨٤). (٥) الحزم: ضَبْط الرجل أمرَه والحذر من فواته، من قولهم حزمْتُ الشيء: أي شددْته. «النهاية». (٦) أخرجه أحمد وغيره وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٢٠٨). عدد ركعات الوتر: أقلّ الوتر ركعة، لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن صلاة الليل، فقال رسول الله - ﷺ -: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا خشي أحدكم الصبح؛ صلّى ركعةً واحدة، توتِر له ما قد صلّى» (١). وفي رواية «للبخاري» (٩٩٣): «صلاة الليل مثنى مثنى، فإِذا أردت أن تنصرف فاركع ركعة توتر ما قد صلّيت». قال القاسم ورأينا أناسًا منذ أدركنا يوترون بثلاث، وإِنَّ كلًاّ لواسع؛ أرجو أن لا يكون بشيء منه بأس. وأعلاه إِحدى عشرة ركعة؛ كما في حديث عائشة عن أبي سلمة أنَّه سأَلَ عائشة -رضي الله عنها- كيف كانت صلاةُ رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعًا فلا تسَلْ عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي أربعًا فلا تسَل عن حُسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يُصلِّي ثلاثًا«(٢). بيْد أنَّه قد ثبت أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ثلاث عشرة ركعة لحديث أم سلمة -رضي الله عنها- قالت:»كان النّبيّ - ﷺ - يوتر بثلاث عشرة، فلما كبُر وضعُف، أوتر بسبع«(٣). -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩ (٢) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨ (٣) أخرجه الترمذي»صحيح سنن الترمذي«(٣٧٩)، وفيه:»... قال إسحاق بن إبراهيم: معنى ما روي أنَّ النّبي - ﷺ - كان يوتر بثلاث عشرة ركعة قال: إِنَّما معناه إِنّه = وفي «صحيح مسلم» (٧٣٧): عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ يوتر من ذلك بخمس؛ لا يجلس في شيء إِلا في آخرها». وقد ورد في رواية أخرى لمسلم (٧٣٧): «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلّي ثلاث عشرة ركعة بركعتي الفجر». وفي «صحيح البخاري»: (٩٩٢) من حديث ابن عباس أنَّه بات عند ميمونة، فذكر الحديث وفيه: «ثمَّ صلى ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ ركعتين، ثمَّ أوتر، ثمَّ اضطجع حتى جاءه المؤذّن فقام فصلّى ركعتين، ثمَّ خَرج فصلّى الصبح». وفي «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨١): من حديث أمّ سلمة -رضي الله عنها- أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يصلّي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس«. وفيه أيضًا برقم: (٩٨٢): عن أبي سلمة؛ قال حدَّثتني عائشة قالت:»كان رسول الله - ﷺ - يوتر بواحدة، ثمَّ يركع ركعتين يقرأ فيهما وهو جالس. فإِذا أراد أن يركع، قام فركع«. فهذه ثلاث عشرة ركعة خلا سنّة الصبح. ويجوز الوتر بثلاث وخمس وسبع؛ لحديث أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال:»الوتر حقٌ، فمن شاء فليوتر بخمس، ومن --------------------- = كان يصلي من الليل ثلاث عشرة مع الوتر، فنسبت صلاة الليل إِلى الوتر ... «، انظر -إِن شئت- للمزيد من الفائدة»تمام المنّة" (ص٢٥٠). شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» (١). ويجوز الوتر بتسع لحديث عائشة قالت: «كُنّا نُعِدّ له سواكه وطهوره، فيبعثه الله (٢) ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضّأ ويصلّي تسع ركعات، لا يجدس فيها إلاَّ في الثامنة فيذكر الله ويحمده ويدعوه ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يقوم فيصلّي التاسعة، ثمَّ يقعد فيذكر الله ويحمده ويدعوه، ثمَّ يسلّم تسليمًا يُسمعنا، ثمَّ يصلّي ركعتين بعد ما يسلّم وهو قاعد، فتلك إحدى عشرة ركعة، يا بُنيّ (٣) فلما سنّ (٤) نَبِيّ الله - ﷺ -، وأخذهُ اللحمُ (٥) أوتر بسبعٍ. وصنع في الركعتين مثل صنيعه الأوّل، فتلك تسع يا بُنيَّ ...» (٦). صفته (٧): ١ - يصلي ثلاث عشرة ركعة يفتتحها بركعتين خفيفتين، وفيه أحاديث: الأول: حديث زيد بن خالد الجهني أنه قال: «لأرمقنّ (٨) صلاة رسول الله ------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٦٠)، والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٧٨)، وانظر»المشكاة«(١٢٦٥). (٢) أي: يوقظه. (٣) المخاطب سعد بن هشام. (٤) في بعض النُسخ أسنّ. (٥) الظاهر أنَّ معناه كثُر لحمه كما ذكر بعض العلماء. (٦) أخرجه مسلم: ٧٤٦، وتقدّم بعضه. (٧) عن»صلاة التراويح«(ص ٨٦) بتصرّف. (٨) أي لأنظرنّ نظرًا طويلًا، قال بعض العلماء:»أي لأطيلنّ النظر إِلى صلاته حتى = ![]()
__________________
|
|
#38
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 121الى صــ 135 الحلقة (38) - ﷺ - الليلة، فصلّى ركعتين خفيفتين ثمَّ صلّى ركعتين طويلتين طويلتين، ثمَّ صلّى ركعتين، وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ صلّى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثمَّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة» (١). الثاني: حديث ابن عباس قال: «بتُّ عند رسول الله - ﷺ - ليلة وهو عند ميمونة، فنام حتى ذهب ثلث الليل أو نصفه استيقظ فقام إِلى شن (٢) فيه ماء فتوضّأ، وتوضّأتُ معه، ثمَّ قام فقمتُ إِلى جنبه على يساره، فجعلني على يمينه، ثمَّ وضع يده على رأسي كأنه يمسّ أذني كأنّه يوقظني، فصلّى ركعتين خفيفتين، قد قرأ فيها بأمّ القرآن في كل ركعة، ثمَّ سلّم، ثمَّ صلى حتى صلّى إِحدى عشرة ركعة بالوتر ثمَّ نام، فأتاه بلال، فقال: الصلاة يا رسول الله، فقام فركع ركعتين، ثمَّ صلّى بالناس» (٣). الثالث: حديث عائشة قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام من الليل، افتتح صلاته بركعتين خفيفتين (٤)، ثمَّ صلّى ثمان ركعات، ثمَّ أوتر». وفي لفظ: «كان يصلّي العشاء، ثمَّ يتجوز بركعتين، وقد أعد سواكه وطَهوره، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه فيتسوك، ويتوضّأ، ثمّ يصلّي ركعتين، ثمَّ يقوم فيصلّي ثمان ----------------------- = أرى كم صلّى وكيف صلّى». (١) أخرجه مسلم: ٧٦٥ (٢) أي: قربة. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢١٥) وأصْله في الصحيحين وتقدّم. (٤) رجّح شيخنا -حفظه الله تعالى- في أول كتاب «صلاة التراويح» أنَّ هاتين الركعتين هما سنّة العشاء. ركعات، يسوي بينهنّ في القراءة ثمَّ يوتر بالتاسعة، فلمّا أسنّ رسول الله - ﷺ - وأخَذه اللحم (١)، جعل تلك الثماني ستًا، ثمَّ يوتر بالسابعة، ثمَّ يصلي ركعتين وهو جالس يقرأ فيهما بـ ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ و﴿إِذا زُلزلت﴾ (٢) «(٣). ٢ - يصلي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمانية يسلّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يسلم إلاَّ في الخامسة، وفيه حديث عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان - ﷺ - يرقد، فإِذا استيقظ تسوّك، ثمَّ توضّأ، ثمَّ صلّى ثمان ركعات، يجلس في كل ركعتين فيسلم، ثمَّ يوتر بخمس ركعات لا يجلس إلاَّ في الخامسة، ولا يُسلّم إِلا في الخامسة [فإِذا أذَّن المؤذن قام فصلّى ركعتين خفيفتين] «(٤). ٣ - يصلّي إحدى عشرة ركعة ثمَّ يسلّم بين كلّ ركعتين، ثمَّ يوتر بواحدة، لحديث عائشة -رضي الله عنها- قالت:»كان - ﷺ - يصلّي فيما بين أن يفرُغ من صلاة العشاء -وهي التي يدعو الناس العَتَمة- إِلى الفجر إِحدى عشرة ----------------------- (١) أي: كثُر لحمه. (٢) وانظر «صلاة الوتر». (٣) أخرجه الطحاوي (١/ ١٦٥) باللفظين وإسنادهما صحيح، والشطر الأول من اللفظ الأول أخرجه مسلم: ٧٦٧، وأبو عوانة (٢/ ٣٠٤)، وكلهم رووه من طريق الحسن البصري معنعنًا، لكن أخرجه النسائي (١/ ٢٥٠) وأحمد (٦/ ١٦٨) من طريقه مصرّحًا بالتحديث باللفظ الثاني نحوه .... (٤) رواه أحمد (٦/ ١٢٣، ٢٣٠) وسنده صحيح على شرط الشيخين، وقد أخرجه مسلم: ٧٣٧، وأبو عوانة (٢/ ٣٢٥) وأبو داود (١/ ٢١٠) والترمذي (٢/ ٣٢١) وصححه. ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة، [ويمكث في سجوده قدْر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أن يرفع رأسه] فإِذا سكَت المؤذن من صلاة الفجر وتبيّن له الفجر، وجاءه المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين، ثمَّ اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيَه المؤذن للإِقامة» (١). ٤ - يصلي إِحدى عشرة ركعة أربعًا بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعًا مثلها، ثمَّ ثلاثًا (٢). وظاهر الحديث أنه كان يقعد بين كلّ ركعتين من الأربع والثلاث، ولكنّه لا يُسلّم. ٥ - يصلي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعات، لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يُسلم، ثمَّ يوتر بركعة ثمَّ يسلم ثمَّ يصلي ركعتين وهو جالس، لحديث عائشة -رضي الله عنها- رواه سعد بن هشام بن عامر أنه أتى ابن عباس فسأله عن وتر رسول الله - ﷺ - فقال ابن عبّاس: ألا أدلّك على أعلم أهل الأرض بوتر رسول الله - ﷺ -؟ قال: من؟ قال: عائشة فأْتِها فسأَلْها، فانطلقْتُ إِليها قال: قلت: يا أم المؤمنين أنبئيني عن وتر رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: "كنا نعد له سواكه وطَهوره، فيبعثه الله ما شاء أن يبعثه من الليل فيتسوك ويتوضّأ ويصلّي تسع ركعات لا يجلس فيها إلاَّ في الثامنة، فيذكر الله ويحمده [ويصلّي على نبيه - ﷺ -] ويدعوه، ثمَّ ينهض ولا يُسلّم، ثمَّ يقوم فيصلي التاسعة، ثمَّ يقعد فيذكر الله ويحمده ------------------------ (١) أخرجه مسلم: ٧٣٦، وأبو عوانة وأبو داود والطحاوي وأحمد، وأخرجه الأولان ن حديث ابن عمر أيضًا، وأبو عوانة من حديث ابن عبّاس. (٢) أخرجه الشيخان وغيرهما من حديث عائشة وتقدّم. [ويصلّي على نبيه - ﷺ -] ويدعوه، ثمَّ يُسلم تسليمًا يُسمعنا، ثمَّ يصلي ركعتين بعد ما يُسلّم، وهو قاعد، فتلك إِحدى عشرة يا بنيّ، فلما أسنَّ نبي الله وأخذه اللحم أوتر بسبع، وصنَع في الركعتين مِثل صنيعه الأول، فتلك تسع يا بنيّ» (١). ٦ - يصلي تسع ركعات منها ستّ ركعات؛ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يُسلم، ثمَّ يوتر بركعة، ثمّ يسلم ثمَّ يصلّي ركعتين وهو جالس؛ لحديث عائشة المتقدّم. هذه هي الكيفيات التي كان رسول الله - ﷺ - يصلي بها صلاة الليل والوتر، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن ينقص من كل نوع من الكيفيات المذكورة ما شاء من الركعات وحتى يجوز له أن يقتصر على ركعة واحدة فقط لقوله - ﷺ -: «... فمن شاء فليوتر بخمس ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة» (٢). فهذا الحديث نصٌّ في جواز الإِيتار بهذه الأنواع الثلاثة المذكورة فيه، وإِنْ كان لم يصحّ النقل بها عن رسول الله - ﷺ -، بل صحّ من حديث عائشة أنّه - ﷺ - لم يكن يوتر بأقلّ من سبع كما سبق هناك. فهذه الخمس والثلاث إِنْ شاء صلاّها بقعود واحد وتسليمة واحدة؛ كما في النوع الثاني، وإن شاء صلاها بقعود بين كلّ ركعتين بدون سلام. ------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٦٤، وأبو عوانة (٢/ ٣٢١ - ٣٢٥)، وأحمد (٦/ ٥٣ - ٥٤، ١٦٨) وأبو داود (١/ ٢١٠ - ٢١١) والنسائي (١/ ٢٤٤ - ٢٥٠) وابن نصر (٤٩) والبيهقي (٣/ ٣٠)، وتقدم. (٢) تقدم. هل يقعد بين الشفع والوتر ويسلّم عند الإِيتار بثلاث؟ قال ابن نصر المروزي في «قيام رمضان» (ص ١٢٥): «وقد روي في كراهة الوتر بثلاث أخبار بعضها عن النّبيّ - ﷺ - وبعضها عن أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين، منها»، ثمَّ ذكَر قوله - ﷺ -: «لا توتروا بثلاث تشبهوا بالمغرب، ولكن أوتروا بخمس ...»، قال شيخنا (ص ٩٧): وسنده ضعيف لكن رواه الطحاوي وغيره من طريق آخر بسند صحيح، وهو بظاهره يعارض حديث أبي أيوب المخرَّج هناك بلفظ: «... ومن شاء فليوتر بثلاث»، والجمع بينهما بأن يحمل النهي على صلاة الثلاث بتشهّدين؛ لأنَّه في هذه الصورة يشبه صلاة المغرب وأما إِذا لم يقعد إلاَّ في آخرها فلا مشابهة. ذكر هذا المعنى الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٣٠١) واستحسنه الصنعاني في «سبل السلام» (٢/ ٨)، وأبعد عن التشبه في الوتر بصلاة المغرب الفصل بالسلام بين الشفع والوتر كما لا يخفى. قال ابن القيم في «الزاد»: قال مهنا سألتُ أبا عبد الله (يعني الإِمام أحمد) إِلى أيّ شيء تذهب في الوتر، تسلّم في الركعتين؟ قال: نعم، قلت: لأيّ شيء؟ قال: لأنَّ الأحاديث فيه أقوى وأكثر عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في الركعتين، وقال حرب: سئل أحمد عن الوتر؟ قال: يُسلّم في الركعتين، وإن لم يُسلّم رجوت ألا يضرَّه، إلاَّ أنّ التسليم أثبت عن النّبيّ صلى الله عليه وآله وسلم". ويتلخّص من كلّ ما سبق؛ أن الإِيتار بأيّ نوع من هذه الأنواع المتقدّمة جائز حسن، وأنّ الإِيتار بثلاث بتشهدين كصلاة المغرب لم يأت فيه حديث صحيح صريح، بل هو لا يخلو من كراهة، ولذلك نختار أن لا يقعد بين الشفع والوتر وإذا قعد سلّم، وهذا هو الأفضل لما تقدّم. والله الموفق لا ربّ سواه. انتهى. وانظر -للمزيد إِن شئت- «زاد المعاد» (١/ ٣٢٧) فصل في سياق صلاته بالليل ووتره وذِكر صلاة أوّل الليل. ماذا يقرأ فيه؟ «كان - ﷺ - يقرأ في الركعة الأولى ﴿سبّح اسم ربّك الأعلى﴾، وفي الثانية: ﴿قُل يا أيها الكافرون﴾، وفي الثالثة: ﴿قل هو الله أحد﴾» (١). وكان يضيف إليها أحيانًا: ﴿قُلْ أعوذ بربِّ الفلَق﴾ و﴿قل أعوُذ بربّ الناس﴾ (٢). ومرّة: «قرأ في ركعة الوتر بمائة آية من: ﴿النساء﴾» (٣). جاء في «صفة الصلاة» (ص ١٧٩): و«كان - ﷺ - يقنت في ركعة الوتر» (٤)، أحيانًا. قال شيخنا في التعليق: وإنما قلنا: «أحيانًا»، لأنّ الصحابة الذين رووا الوتر لم يذكروا القنوت فيه، فلو كان - ﷺ - يفعله دائمًا؛ لنقلوه جميعًا عنه، ---------------------- (١) أخرجه النسائي والحاكم وصححه. (٢) أخرجه الترمذي وأبو العباس الأصمّ في «حديثه» والحاكم وصححه الذهبي. (٣) أخرجه النسائي وأحمد بسند صحيح. (٤) أخرجه ابن نصر والدراقطني بسند صحيح. نعم رواه عنه أبيُّ بن كعب وحده؛ فدلّ على أنَّه كان يفعله أحيانًا، ففيه دليل على أنَّه غير واجب، وهو مذهب جمهور العلماء، ولهذا اعترف المحقّق ابن الهمام في «فتح القدير» (١/ ٣٠٦ و٣٥٩ و٣٦٠) بأن القول بوجوبه ضعيف لا ينهض عليه دليل، وهذا من إِنصافه وعدم تعصُّبه، فإِنّ هذا الذي رجّحه هو على خلاف مذهبه!«. ويجعله قبل الركوع (١). دعاء القنوت: »اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت؛ وقني شرّ ما قضيت، [فـ] إِنك تقضي ولا يُقضى عليك، [و] إِنَّه لا يَذِل من واليت، [ولا يَعِزُّ من عاديت]، تباركت ربنا وتعاليت، [لا منجا منك إلاَّ إليك] «(٢). ويشرع الصلاة على النّبيّ - ﷺ - في آخره لجريان عمل السلف بها، وثبوت ذلك عن الصحابة -رضي الله عنهم (٣) -. ما يقول في آخر الوتر: جاء في قيام رمضان (ص ٣٢) لشيخنا -حفظه الله تعالى-:»ومن السنة --------------------- (١) أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (٤٢٦). (٢) أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (٤٢٩). (٣) انظر «تمام المنّة» (ص ٢٤٣)، و«تلخيص صفة الصلاة» (ص ٢٩). أن يقول في آخر وتره قبل السلام أو بعده: «اللهمّ إِنّي أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أُحصي ثناءً عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك» (١). وإِذا سلم من الوتر قال: «سبحان الملِك القدّوس، سبحان المَلِك القدّوس، سبحان الملِك القدّوس، [ويمدّ بها صوته ويرفع في الثالثة]» (٢). لا وتران في ليلة عن قيس بن طلق قال: «زارنا طلق بن عليّ في يوم من رمضان، وأمسى عندنا وأفطر، ثمَّ قام بنا تلك الليلة، وأوتر بنا، ثمَّ انحدر إِلى مسجده فصلّى بأصحابه، حتّى إِذا بقي الوتر، قدَّم رجلًا فقال: أوتِر بأصحابك، فإني سمعْتُ رسول الله - ﷺ - يقول: لا وتران في ليلة» (٣). قضاء الوتر عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من نام عن وتره أو نسيه؛ فليصلّه إِذا ذَكره» (٤). ------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٦٥)، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢٨٢٤)، والنسائي وابن ماجه وغيرهم، وانظر «الإرواء» (٤٣٠). (٢) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٦٧)، والنسائي والزيادة له «صحيح سنن النسائي» (١٦٠٦)، وانظر «المشكاة» (١٢٧٥). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٧٦) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٣٩١) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٩٨١). (٤) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٦٨) والترمذي "صحيح سنن = فإِن لم يكن معذورًا فلا وتر له؛ كما في حديث أبي سعيد أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرك الصبح ولم يوتر؛ فلا وتر له» (١). وعن أبي نهيك «أنَّ أبا الدرداء كان يخطب الناس فيقول: لا وتر لمن أدركه الصبح، قال: فانطلق رجالٌ إِلى عائشة فأخبروها فقالت: كذب (٢) أبو الدرداء؛ كان النّبيّ - ﷺ - يصبح فيوتر» (٣). قال شيخنا -حفظه الله تعالى-: والظاهر أنَّ أبا الدرداء -رضي الله عنه- أراد بقوله «لا وتر لمن أدركه الصبح» من كان غير معذور وذكر بعض الآثار المؤيدة لذلك، ومنها ما رواه إبراهيم بن محمّد بن المنتشر عن أبيه أنَّه كان في مسجد عمرو بن شرحبيل، فأقيمت الصلاة، فجعلوا ينتظرونه، فجاء فقال: إِنّي كنت أوتر، قال: وسُئل عبد الله: هل بعد الأذان وتر؟ قال: نعم وبعد الإِقامة، وحدّث عن النّبيّ - ﷺ - «أنّه نام عن الصلاة حتى طلعت الشمس ثمَّ صلّى» (٤). ------------------- = الترمذي«(٣٨٦) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٩٧٦)، وانظر»الإِرواء«(٢/ ١٥٣). (١) أخرجه الحاكم وعنه البيهقي وابن حبان وابن خزيمة والبزار، وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي وانظر»الإِرواء«(٢/ ١٥٣) التحقيق الثاني. (٢) أي: أخطأ. (٣) أخرجه أحمد وابن نصر بإِسناد صحيح، وانظر»الإرواء" (٢/ ١٥٥). (٤) أخرجه النسائي والبيهقي بسند صحيح، والشاهد منه تحديث ابن مسعود أنه - صلى الله عليه وآله وسلم- صلى بعد أنْ طلعت الشمس، فإِنّه إِنْ كان ما صلى صلاة الوتر فهو دليل واضح على أنهصلى الله عليه وآله وسلم- إِنما أخّرها لعذر النوم، وإن كانت = وعن الأغر المزني أنّ رجلًا أتى رسول الله - ﷺ - قال:»يا نبي الله! إِنّي أصبحتُ ولم أوتر، فقال: إِنّما الوتر بالليل«(١). قال شيخنا -شفاه الله وعافاه الله- تحت الحديث السابق:»وهذا التوقيت للوتر، كالتوقيت للصلوات الخمس، إِنما هو لغير النائم وكذا الناسي، فإِنّه يصلّي الوتر إِذا لم يستيقظ له في الوقت، يُصلّيه متى استيقظ، ولو بعد الفجر، وعليه يحمل قوله - ﷺ - للرجل في هذا لحديث: «فأوتر» بعد أن قال له: «إِنما الوتر بالليل». الركعتان بعده قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «قيام رمضان» (ص ٣٣): «وله أن يصلي ركعتين، لثبوتهما عن النّبيّ - ﷺ - فِعْلًا (٢)، بل إِنّه أمَر بهما أمّته فقال:»إِنّ هذا السفر جهد وثِقَل، فإِذا أوتر أحدكم، فليركع ركعتين، فإِن استيقظ وإِلا كانتا له«(٣). والسنّة أن يقرأ فيهما:»﴿إِذا زُلزلت الأرض﴾ و﴿قل يا أيها ---------------------- = هي صلاة الصبح -كما هو ظاهر والمعروف عنه - ﷺ - في غزوة خيبر- فهو استدلال من ابن مسعود على جواز صلاة الوتر بعد وقتها؛ قياسًا على صلاة الصبح بعد وقتها؛ بجامع الاشتراك في العلّة وهي النوم، والله أعلم«. (١) أخرجه الطبراني في»المعجم الكبير«، وانظر»الصحيحة«(١٧١٢). (٢) أخرجه مسلم: ٧٣٨، وغيره. (٣) أخرجه ابن خزيمة في»صحيحه«والدارمي وغيرهما، وهو في»الصحيحة" (١٩٩٣)، وفيه فوائد هامّة. الكافرون﴾ «(١). القنوت في الصلوات الخمس حين النوازل (٢) و»كان - ﷺ - إِذا أراد أن يدعو على أحد، أو يدعو لأحد؛ قنت (٣) في الركعة الأخيرة بعد الركوع؛ إِذا قال: (سمع الله لمن حَمِده، اللهمّ ربّنا لك الحمد) «(٤). و»كان يجهر بدعائه«(٥)، و»يرفع يديه«(٦)، و»يؤمِّن من خلفه«(٧). و»كان يقنت في الصلوات الخمس كلِّها«(٨)؛ لكنّه»كان لا يقنت فيها إِلا إِذا دعا لقوم؛ أو دعا على قوم«(٩)، فربّما قال:»اللهم أنْج الوليد بن الوليد، وسلمةَ بن هشام، وعيّاشَ بن أبي ربيعة، اللهم اشدُد وطأتك على مُضَر، -------------------- (١) أخرجه أحمد وابن نصر والطحاوي وابن خزيمة وابن حبّان بسند حسن صحيح، وتقدم بعضه. (٢) عن «صفة الصلاة» (ص ١٧٨) بحذف. (٣) المراد هنا بالقنوت: الدعاء بعد الركوع من الركعة الأخيرة. (٤) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠، وأحمد. (٥) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠، وأحمد. (٦) أخرجه أحمد والطبراني بسند صحيح، وهذا مذهب أحمد وإسحاق أنّه يرفع يديه في القنوت؛ كما في «المسائل» للمروزي (ص ٢٣). (٧) أخرجه أبو داود والسراج، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي وغيره. (٨) أخرجه أبو داود والسراج والدارقطني بسندين حسَنين. (٩) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه»، والخطيب في «كتاب القنوت» بسند صحيح، وانظر «الصحيحة» (٦٣٩). واجعلها سنين كَسِني يوسف، [اللهم العن لِحيان ورِعلًا وذَكوان وعُصَيَّة عصت الله ورسوله]» (١). ثمَّ «كان يقول -إِذا فرغ من القنوت-:»الله أكبر«، فيسجد» (٢). القنوت في صلاة الفجر لا يشرع تخصيص القنوت في صلاة الفجر البتّة، إلاَّ في النوازل، فيشرع القنوت فيه. فعن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت إِنّك صلّيت خلف رسول الله - ﷺ - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي هاهنا بالكوفة نحو خمس سنين، أكانوا يقنتون في الفجر؟ قال: «أي بنيّ مُحدَث» (٣). فهذا الصحابي -رضي الله عنه- بيّن أنّ رسول الله - ﷺ - والخلفاء الراشدين -رضي الله عنهم- لم يقنتوا في الفجر، وقد وصّى النّبيّ - ﷺ - وهو يودّع أمّته بالتمسُّك بسنّته وسنّة الخلفاء الراشدين، وذلك عند الاختلاف الكثير. فعن العرباض بن سارية -رضي الله عنه- قال: «وعَظنا رسول الله - ﷺ - موعظة بليغة وجِلَت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله! كأنّها موعظة مودع فأوصِنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإنْ تأمّر عليكم عبد [حبشي] وإنه من يعِشْ منكم فسيرى اختلافًا كثيرًا، --------------------- (١) أخرجه أحمد والبخاري: ٤٥٦٠ والزيادة لمسلم: ٦٧٥ (٢) أخرجه النسائي وأحمد والسراج، وأبو يعلى في»مسنده«بسند جيد. (٣) أخرجه أحمد والترمذي والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٢٦) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٤٣٥). فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديين، عضُّوا عليها بالنواجذ وإِياكم ومُحدثات الأمور، فإِنَّ كلّ بدعة ضلالة» (١). ولم يقتصر الأمر على التمسك بسنّته - ﷺ - وسنّة الخلفاء الراشدين، وهي واحدة، ولا ريب، لأنهم يعملون بها، لذلك قال - ﷺ -: «عَضّوا عليها» ولم يقل عضوا عليهما أقول: ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل إِنّه - ﷺ - قد نهى عن البدعة فقال: «وإِياكم ومحدَثات الأمور فإِنّ كل بدعة ضلالة». وها هو هذا الصحابي الجليل -رضي الله عنه- يُبيّن أنها بدعة. فهل من مُدّكر! وعن سعيد بن جبير أنّه قال: «إِنّ القنوت في صلاة الفجر بدعة» (٢). وأمّا ما رواه محمّد بن سيرين أنّه «سئل أنس بن مالك: أقنَت النّبيّ - ﷺ - في الصبح؟ قال: نعم، فقيل: أوقنَت قبل الركوع [أو بعد الركوع]؟ قال: بعد الركوع يسيرًا» (٣). فهذا هو قنوت النوازل الذي لا يخصّ به صلاة دون صلاة، ويكون بعد الركوع، وكان لا يفعله - ﷺ - إلاَّ إِذا دعا على أحد أو دعا لأحد. ---------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٣٨٥١) والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢١٥٧) وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٠) وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٤)، و«كتاب السنّة» لابن أبي عاصم: (ص ٥٤) بتحقيق شيخنا -حفظه الله تعالى-. (٢) قال شيخنا في «الإِرواء» (٤٣٦) التحقيق الثاني -بعد تضعيف نسبته إِلى ابن عباس رضي الله عنهما-: «والصحيح أنّه من قول سعيد بن جبير». (٣) أخرجه البخاري: ١٠٠١، ومسلم: ٦٧٧، وغيرهما. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا أراد أن يدعو على أحد أو يدعوَ لأحد؛ قنَتَ بعد الركوع ...» (١). ومن ذلك ما رواه مسلم في «صحيحه» (٦٧٩) (٢) من حديث خُفاف بن إِيماء قال: «ركَع رسول الله - ﷺ - ثمَّ رفع رأسه فقال: غفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله وعصيَّةُ عصَتِ الله ورسولَه اللهم العن بني لِحيان والعن رِعلًا وذَكوان». لذلك لمّا جاء عاصم وسأل أنسَ بن مالك عن القنوت، فقال: «قد كان القنوت قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله، قال: فإِنّ فلانًا أخبرني عنك أنّك قلت: بعد الركوع! فقال: كذَب؛ إِنّما قنَت رسول الله - ﷺ - بعد الركوع شهرًا، أُراه كان بعَث قومًا يُقال لهم القُرّاء زُهاء (٣) سبعين رجلًا إِلى قومٍ من المشركين دون أولئك، وكان بينهم وبين رسول الله - ﷺ - عهد فقنَتَ رسول الله - ﷺ - شهرًا يدعو عليهم» (٤). فقد نفى أنس بن مالك أن يكون القنوت بعد الركوع، فهذا يُفهِم أنَّ قنوت الوتر يُفعل قبل الركوع، أمّا بعد الركوع فإِنّما هو قنوت النازلة، حين الدعاء على أحد. ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٥٦٠ (٢) ونحوه في البخاري: ١٠٠٦، وتقدّم نحوه في (القنوت للصلوات الخمس للنازلة). (٣) أي: ما يقرب من سبعين رجلًا. (٤) أخرجه البخاري: ١٠٠٢ وأمّا حديث: «ما زال رسول الله - ﷺ - يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا» فإِنّه منكر فيه: أبو جعفر الرازي واسمه عيسى بن ماهان مُتكلَّم فيه. قال ابن التركماني: ... قال ابن حنبل والنسائي: ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: يَهِمُ كثيرًا، وقال الفلاس: سيئ الحفظ وقال ابن حبان يحدث بالمناكير عن المشاهير ... وانظر التفصيل في «الضعيفة» (١٢٣٨). قال ابن القيّم -رحمه الله- في «زاد المعاد» (١/ ٢٧١) -بحذف-: «ومن المحال أنَّ رسول الله - ﷺ - كان في كلّ غداة بعد اعتداله من الركوع يقول:»اللهمّ اهدني فيمن هديت، وتولّني فيمن توليت ...«. إِلخ ويرفع بذلك صوته، ويؤمّن عليه أصحابه دائمًا إِلى أن فارق الدنيا، ثمَّ لا يكون ذلك معلومًا عند الأمة، بل يضيّعه أكثر أمّته وجمهور أصحابه، بل كلّهم؛ حتى يقول من يقول منهم: إِنّه محدَث!». وقال (ص ٢٧٦) تعليقًا على الحديث السابق بعد بيان عدم صحته: «... ولو صحّ لم يكن فيه دليل على هذا القنوت المُعيّن البتة، فإِنّ القنوت يطلق على القيام والسكوت ودوام العبادة والدعاء والتسبيح والخشوع، كما قال تعالى: ﴿وله مَن في السموات والأرضِ كلٌّ له قانتون﴾ (١) ﴿وكانت من القانتين﴾ (٢). وقال زيد بن أرقم:»لمّا نزل قوله تعالى: ﴿وقوموا لله قانتين﴾ (٣) أُمِرنا ----------------------- (١) الروم: ٢٦ (٢) التحريم: ١٢ (٣) البقرة: ٢٣٨ ![]()
__________________
|
|
#39
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 136الى صــ 150 الحلقة (39) بالسكوت ونُهينا عن الكلام«(١). فمِن أين لكم أنّ أنَسًَا إِنّما أراد هذا الدعاء المعيَّن دون سائر أقسام القنوت؟». وقال (ص٢٨٣): ولمّا صار القنوت في لسان الفقهاء وأكثرِ الناس، هو هذا الدعاء المعروف: «اللهمّ اهدني فيمن هديت ...» إِلخ، وسمعوا أنّه لم يزل يقنت في الفجر حتى فارَق الدنيا وكذلك الخلفاء الراشدون وغيرهم من الصحابة؛ حمَلوا القنوت في لفظ الصحابة على القنوت في اصطلاحهم. ونشأ من لا يعرف غير ذلك، فلم يشكّ أنَّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه كانوا مداومين عليه كلّ غداة! وهذا هو الذي نازعهم فيه جمهور العلماء وقالوا لم يكن هذا من فِعله الراتب، بل ولا يثبت عنه أنّه فعَله. انتهى. وبعد هذا نسأل: لماذا خصّصوا الفجر بالقنوت؟ فإِنْ قالوا قد صحّ في ذلك نصوص: قلنا: صحّ فيه -كما تقدّم- من غير تخصيص، ولكن في جميع الصلوات في النوازل. فعن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان القنوت في المغرب والفجر» (٢). فلماذا لا تخصّصونه في المغرب! وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - بينما يصلّي العشاء إِذ(١) أخرجه البخاري: ٤٥٣٤، ومسلم: ٥٣٩ (٢) أخرجه البخاري: ١٠٠٤ قال:»سمع الله لمن حمده«ثمَّ قال: قبل أن يسجد: اللهمّ نجّ عيّاش بن أبي ربيعة ...» (١). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنّه سمع أبا هريرة -رضي الله عنه- يقول: «والله لأُقَرِّبنّ بكم صلاة رسول الله - ﷺ - فكان أبو هريرة يقنت في الظهر والعشاء الآخره وصلاة الصبح، ويدعو للمؤمنين ويلعن الكافرين» (٢). وجاءت بعض النصوص من غير تسمية صلاة كما في حديث أنس قال: «قنت النّبيّ - ﷺ - شهرًا يدعو على رِعل وذَكوان» (٣). لذلك أقول: لا أعلم نصًّا ورَد بتسمية صلاة العصر في القنوت، ولكنه يدخل في العموم كما لا يخفى، وقد وردَ تسمية الفجر، فلا يعني التخصيص. وبالله التوفيق. ------------- (١) أخرجه مسلم: ٦٧٥ (٢) أخرجه مسلم: ٦٧٦ (٣) أخرجه البخاري: ١٠٠٣، ومسلم: ٦٧٧، وتقدّم. قيام الليل ما وردَ في الترغيب فيه: قيام الليل سُنّة مستحبّة، وقد ورد في الترغيب فيه العديد من النصوص من ذلك: ١ - قوله سبحانه: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ * وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ (١). ٢ - وقوله سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا * وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا * وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥) إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ (٢). ٣ - وقوله سبحانه في وصْف المؤمنين: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣). ٤ - وحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: يعقِد الشيطان على قافية رأس أحدكم إِذا هو نام ثلاث عُقد، يضرب على كلّ ------------------------ (١) الذاريات: ١٥ - ١٩ (٢) الفرقان: ٦٣ - ٦٦ (٣) السجدة: ١٦ - ١٧ عُقدة؛ عليك ليلٌ طويل فارقد! فإِنِ استيقظ فذكَر الله تعالى انحلَّت عُقدة، فإِنْ توضّأ انحلّت عقدة، فإِنْ صلّى انحلّت عُقَدُه كلّها، فأصبح نشيطًا طيِّب النفس، وإِلاَّ صبح خبيث النفس كسلان» (١). ٥ - وحديث عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «في الجنّة غرفةٌ يُرى ظاهرها من باطِنها، وباطِنُها من ظاهرها، فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله - ﷺ -؟ قال: لمن أطاب الكلام، وأطعَم الطعام، وبات قائمًا والناس نيام» (٢). ٦ - وحديث جابر -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ في الليل لساعة؛ لا يوافقها رجل مسلم يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة؛ إلاَّ أعطاه إِيّاه، وذلك كلَّ ليلة» (٣). ٧ - وحديث أبي الدرداء عن النّبيّ - ﷺ - قال: «ثلاثةٌ يحبّهم الله، ويضحك إِليهم، ويستبشر بهم: الذي إِذا انكشفت فئةٌ قاتل وراءها بنفسه لله عز وجل، فإِمّا أن يُقتل، وإمّا أنْ ينصره الله ويكفيه، فيقول: انظروا إِلى عبدي هذا كيف صبر لي بنفسه؟ والذي له امرأة حسنة وفراش ليِّن حسن، فيقوم من الليل، فيقول: يَذَرُ شهوته ويذكُرني، ولو شاء رقد. -------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٤٢، ومسلم: ٧٧٦ (٢) أخرجه الطبراني في»الكبير«بإِسناد حسن والحاكم، وقال: صحيح على شرطهما وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٦١١). (٣) أخرجه مسلم: ٧٥٧ والذي إِذا كان في سفر، وكان معه ركْب، فسهروا، ثمَّ هجعوا، فقام من السَّحر في ضرّاء وسرّاء» (١). أجْر من نوى قيام الليل وغَلَبته عينُه حتى أصبح عن أبي الدرداء أنّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من أتى فراشه وهو ينوي أن يقوم يصلّي من الليل؛ فغلبته عينُه حتى أصبح؛ كُتب له ما نوى، وكان نومه صدقة عليه من ربّه» (٢). الوصاة بإِيقاظ الأهل لقيام الليل ١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله - ﷺ -: «رحم الله رجلًا قام من الليل فصلّى وأيقظ امرأته، فإِنْ أَبَت نضَح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلّت وأيقظت زوجها، فإِنْ أبى نضحت في وجهه الماء» (٣). ٢ - وعن أبي هريرة وأبي سعيد -رضي الله عنهما- قالا: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أيقظ الرجل أهله من الليل، فصلّيا أو صلّيا ركعتين جميعًا؛ كُتبا -------------------- (١) أخرجه الطبراني في»الكبير«بإِسناد حسن وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٢٣). (٢) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(١٦٨٦)، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١١٧٢) وغيرهما، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٩)، و»الإرواء«(٤٥٤). (٣) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٨٧) والنسائي»صحيح سنن النسائي«(١٥١٩) وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٩٩) وابن خزيمة»صحيح ابن خزيمة«(١١٤٨)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٦١٩). في الذاكرين والذاكرات» (١). ٣ - وعن أمّ سلمة زوج النّبيّ - ﷺ - قالت: «استيقظ رسول الله - ﷺ - ليلة فَزِعًا يقول: سبحانه! ماذا أنزَلَ الله من الخزائن؟ وماذا أُنزِل من الفِتن؟ من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلّين؟ رُبّ كاسية في الدنيا عاريةٍ في الآخرة» (٢). الرقود وترْك الصلاة إِذا غلبه النعاس أن يترك الصلاة ويرقد إِذا غلبه النعاس حتى يذهب عنه النوم لحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا قام أحدكم من الليل، فاستعجم (٣) القرآن على لسانه، فلم يدرِ ما يقول؛ فليضطجع» (٤). عن أنس -رضي الله عنه- قال: «دخَل رسول الله - ﷺ - المسجد وحبلٌ ممدود بين ساريتين فقال:»ما هذا؟ «قالوا: لزينب تُصلّى، فإِذا كسِلَت أو فترَت أمسكت به، فقال:»حُلُّوه ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإِذا كَسِل أو فتر قعد«وفي حديث زهير»فليقعد«(٥). ----------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(١٢٨٨)، والنسائي، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(١٠٩٨)، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٢٠). (٢) أخرجه البخاري: ٧٠٦٩ (٣) استعجم: أي استُغلق عليه فلم يقدر أن يقرأ؛ كأنّه صار به عُجْمة.»النهاية" -بتصرف-. (٤) أخرجه مسلم: ٧٨٧ وغيره. (٥) أخرجه البخاري: ١١٥٠، ومسلم: ٧٨٤ عدم المشقة على النفس في القيام والمواظبة عليه فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:»دخَل عليَّ رسول الله - ﷺ - وعندي امرأة فقال: من هذه؟ فقلت: امرأة لا تنام، تصلّي، قال: عليكم من العمل ما تطيقون، فوالله لا يملّ الله حتى تملّوا«وكان أحبَّ الدِّين إِليه ما داومَ عليه صاحبه» (١). وفي رواية عنها -رضي الله عنها- أنَّ رسول الله - ﷺ - سُئل: «أيُّ العمل أحبُّ إِلى الله؟ قال: أدومُه وإنْ قلّ» (٢). وعن علقمة قال: «قلت لعائشة -رضي الله عنها-: هل كان رسول الله - ﷺ - يختصّ من الأيام شيئًا؟ قالت: لا، كان عمله ديمة (٣)، وأيكم يُطيق ما كان رسول الله - ﷺ - يُطيق؟» (٤). وعن عائشة: «كان آل محمّد - ﷺ - إِذا عملوا عملًا أثبتوه» (٥). وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا عبد الله! لا تكن مِثل فلان؛ كان يقوم من الليل فترك قيام ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١٩٧٠، ومسلم: ٧٨٥ وهذا لفظه. (٢) أخرجه مسلم: ٧٨٢ (٣) أي: دائمًا، قال أهل اللغة: الديمة مطر يدوم أيامًا، ثمَّ أُطلقت على كل شيء يستمرّ. (٤) أخرجه البخاري: ١٩٨٧، ومسلم: ٧٨٣ (٥) أي: لازموا فِعله وداوموا عليه ولم يتركوه. الليل» (١). وعن حفصة عن النّبيّ - ﷺ - قال: «نِعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل، قال سالم: فكان عبد الله بعد ذلك لا ينام من الليل إلاَّ قليلًا» (٢). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «ذُكر عند النّبيّ - ﷺ - رجل فقيل: ما زال نائمًا حتى أصبح؛ ما قام إِلى الصلاة، فقال: بال الشيطان في أُذنه» (٣). وقته: يبدأ قيام الليل من بعد صلاة العشاء ويستمرّ حتى الفجر. عن أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُفطر من الشهر حتى نظنُّ ألاّ يصوم منه، ويصوم حتى نظنّ أن لا يُفطر منه شيئًا، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مُصلّيًا (٤) إلاَّ رأيته ولا نائمًا إلاَّ رأيته» (٥). وعن الأسود قال: سألتُ عائشة -رضي الله عنها-: «كيف صلاة النّبيّ - ﷺ - بالليل؟ قالت: كان ينام أوّله، ويقوم آخره، فيصلّي ثمَّ يرجع إِلى فراشه، فإِذا أذّن المؤذّن وثب، فإِن كانت به حاجة اغتسل وإلاَّ توضّأ» (٦). ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٥٢، ومسلم: ١١٥٩ (٢) أخرجه البخاري: ١١٥٧، ومسلم: ٢٤٧٩، وهذا لفظه. (٣) أخرجه البخاري: ١١٤٤، ٣٢٧٠، ومسلم: ٧٧٤ (٤) أي: يقوم بحسب ما تيسّر له ذلك. (٥) أخرجه أحمد والبخاري: ١١٤١ (٦) أخرجه البخاري: ١١٤٦ أفضل أوقاته يفضل تأخير صلاة الليل إلى ثلث الليل أو نصفه، ومن الأدلة على ذلك: ١ - حديت أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «ينزل ربُّنا (١) تبارك وتعالى كلّ ليلة إلى السماء الدنيا؛ حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعونْي فأستجيبَ له، من يسألني فأعطيَه، من يستغفرني فأغفرَ له» (٢). ٢ - وعنه -رضي الله عنه- أيضًا عن النّبي - ﷺ - قال: «لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرْتهم بالسواك مع الوضوء، ولأخّرت العشاء إِلى ثلث الليل أو نصف الليل، فإِذا مضى ثلث الليل أو نصف الليل؛ نزل إلى السماء الدنيا جلّ وعزّ فقال: فذكر الجمل الثلاث وزاد (٣) هل من تائب فأتوب عليه (٤). ٣ - عن عبد الله بن عمرو قال:»قال لي رسول الله - ﷺ -: أحَبُّ الصيام إِلى الله صيام داود، كان يصوم يومًا ويُفطر يومًا، وأحبُّ الصلاة إلى الله صلاة داود، كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه«(٥). --------------------------- (١) نزولًا حقيقيًا يليق بجلاله سبحانه؛ من غير تكييف ولا تمثيل ولا تأويل ولا تعطيل، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة، وانظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- كتاب»شرح حديث النزول«لشيخ الإسلام -رحمه الله تعالى-. (٢) أخرجه البخاري: ١١٤٥، ومسلم: ٧٥٨ (٣) من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له. (٤) أخرجه أحمد وإسناده صحيح على شرط الشيخين،»الإرواء" (٢/ ١٩٧). (٥) أخرجه البخاري: ٣٤٢٠، ومسلم: ١١٥٩، قال عليّ: وهو قول عائشة: = ٤ - عن عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: «أقرب ما يكون الربّ من العبد في جوف الليل الآخر، فإِنِ استطعت أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكن» (١). عدد ركعاته: عدد ركعاته إِحدى عشرة ركعة كما في حديث عائشة الآتي -إِن شاء الله- في صلاة التراويح «ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة ...». تتحقق صلاة الليل ولو بركعة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: ذَكَرتُ قيام الليل فقال بعضهم إِنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «نصفه، ثلثه، ربعه، فُواق (٢) حلب ناقة، فواق حلب شاة» (٣). ------------------------ = «ما ألفاه السحَر عندي إلاَّ نائمًا». قال الحافظ (٦/ ٤٥٥): «ولم أره منسوبًا [أي: اسم عليّ] وأظّنه علي بن المديني شيخ البخاري، وأراد بذلك بيان المراد بقوله:»وينام سدسه«أي: السدس الأخير، وكأنَّه قال: يوافق ذلك حديث عائشة:»ما ألفاه -بالفاء- أي وجده -والضمير للنّبيّ - ﷺ - والسَّحر الفاعل، أي لم يجىء السَّحَر والنّبيّ - ﷺ - إلاَّ وجده نائمًا«. (١) أخرجه الترمذي واللفظ له، وابن خزيمة في»صحيحه«وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٦٢٢). (٢) الفُواق: ما بين الحَلْبتين من الراحه وتُضَمّ فاؤه وتُفتَح»النهاية«. (٣) أخرجه أبو يعلى ورجاله محتجّ بهم في الصحيح، وانظر»صحيح الترغيب والترهيب" (٦٢١). من فاته قيام الليل عن عائشة -رضي الله عنها- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا فاتته الصلاة من الليل من وَجَعِ أو غيره، صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة» (١). وعنها -رضي الله عنها- قالت: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا عَمِل عملًا أثبته، وكان إِذا نام من الليل أو مَرض؛ صلّى من النهار ثنتي عشرة ركعة قالت: وما رأيتُ رسول الله - ﷺ - قام ليلةً حتى الصباح، وما صام شهرًا متتابعًا إلاَّ رمضان» (٢). ما يستحبّ أثناء القراءة: يُستحبّ لكل من قرأ في صلاة الليل إِذا مرَّ بآية رحمة؛ أن يسأل الله سبحانه من فضله، وإِذا مرَّ بآية عذاب أن يتعوّذ بالله من النار، وإذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيح سبّح، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سأل. لما رواه مسلم (٧٧٢) عن حذيفة قال: "صليت مع النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة، فافتتح البقرة فقلت: يركع عند المائة، ثمَّ مضى، فقلت: يُصلّي بها في ركعة، فمضى فقلت: يركع بها، ثمَّ افتتح النّساء فقرأها، ثمَّ افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسِّلًا (٣)، إِذا مرَّ بآية فيها تسبيح سبَّح، وإذا مرَّ بسؤالٍ سأل، وإِذا مرَّ بتعوّذ تعوّذ، ثمَّ ركع فجعل يقول: سبحان ربِّيَ العظيم، فكان ركوعه نحوًا ----------------------- (١) أخرجه مسلم: ٧٤٦، وغيره. (٢) أخرجه مسلم: ٧٤٦ (٣) أي: متمهلًا متأنيًا. من قيامه، ثمَّ قال: سمع الله لمن حمده، ثمَّ قام طويلًا، قريبًا ممّا ركع، ثمَّ سجد فقال: سبحان ربِّيَ الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه». قال شيخنا -حفظه الله- في الردّ على من يقول في استحباب ذلك في صلاة الفرض: «هذا إِنما ورد في صلاة الليل كما في حديث حذيفة ...، فمقتضى الاتباع الصحيح الوقوف عند الوارد وعدم التوسع فيه بالقياس والرأي، فإِنّه لو كان ذلك مشروعًا في الفرائض أيضًا لفَعله - ﷺ -، ولو فعَله لنُقِل، بل لكان نقْله أولى من نقل ذلك في النوافل كما لا يخفى». قيام رمضان قيام رمضان سنّة تؤدّى بعد صلاة العشاء قبل الوتر، والصلاة في آخر الليل أفضل كما تقدّم. قال شيخنا في «قيام رمضان» (ص ٢٦) -بحذف-: وإِذا دار الأمر بين الصلاة أوّل الليل مع الجماعة، وبين الصلاة آخر الليل منفردًا، فالصلاة مع الجماعة أفضل، لأنّه يحسب له قيام ليلةٍ تامّة. وعلى ذلك جرى عمل الصحابة في عهد عمر -رضي الله عنه- فقال عبد الرحمن بن عَبْدٍ القارِيّ: «خرجتُ مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إِلى المسجد، فإِذا الناس أوزاعٌ (١) متفرّقون، يُصلّي الرجل لنفسه، ويصلّي الرجل فيصلّي بصلاته الرَّهطُ، فقال عمر: والله إِني لأرى لو جمعتُ هؤلاء على قارئ واحدٍ لكان أمثل، ثمَّ عزم، فجمَعهم على أُبَيِّ بن كعب، ثمَّ خرجتُ معه ليلة أخرى، والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعم (٢) البدعةُ هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوّله» (٣). وقال زيد بن وهب: «كان عبد الله يصلي بنا في شهر رمضان، فينصرف --------------------------- (١) أي: متفرقون. (٢) في بعض الروايات نعمت والمراد بالبدعة هنا اللغويه لا الشرعية، وانظر التفصيل في»صلاة التروايح" (ص ٤٣). (٣) أخرجه البخاري: ٢٠١٠ بليل» (١). الترغيب فيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - ﷺ - يُرغّب في قيام رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة (٢) فيقول: «من قام رمضان إِيمانًا واحتسابًا (٣)؛ غُفر له ما تقدّم من ذنبه (٤)» (٥). وعن عمرو بن مرّة الجُهني -رضي الله عنه- قال: «جاء رجل إِلى النّبيّ ------------------------ (١) أخرجه عبد الرزاق (٧٧٤١) وإسناده صحيح، وقد أشار الإِمام أحمد إِلى هذا الأثر والذي قبله حين سُئل: يؤخّر القيام -يعني التراويح- إِلى آخر الليل؛ فقال:»لا، سُنّة المسلمين أحبُّ إِليّ«. رواه أبو داود في»مسائله«(ص ٦٢). (٢) العزم: الجدّ والصبر، ويعزم المسألة، أي: يجدّ فيها ويقطعها والمقصود: لا يأمرهم أمر إِيجاب وتحتيم، بل أمر ندب وترغيب كما ذكر بعض العلماء. (٣) طلبًا لوجه الله وثوابه، فالاحتساب من الحسَب، وإنَّما قيل لمن ينوي بعمله وجه الله احتسبه؛ لأنَّ له حينئذ أن يعتدّ عمله، والحِسبة اسمٌ من الاحتساب.»النهاية«-بحذف-. (٤) قال شيخنا في»صحيح الترغيب والترهيب«(ص ٤٨٧):»هذا الترغيب وأمثاله بيان لفضل هذه العبادات؛ بأنه لو كان على الإنسان ذنوب تُغفر له بسبب هذه العبادات، فلا يَرِد أن الأسباب المؤدية إِلى عموم المغفرة كثيرة، فعند اجتماعها؛ أىّ شيء يبقى للمتأخر منها حتى يغفر له؛ إِذ المقصود بيان هذه العبادات، بأنّ لها عند الله هذا القدر من الفضل، فإِنْ لم يكن على الإنسان ذنب، يظهر هذا الفضل في رفع الدرجات، كما في حق الأنبياء المعصومين من الذنوب، والله أعلم". (٥) أخرجه البخاري: ٣٧، ومسلم: ٧٥٩ - ﷺ - فقال: يا رسول الله أرأيتَ إِن شهدتُ أن لا إِله إلاَّ الله، وأنك رسول الله «وصلّيتُ الصلوات الخمس، وأدَّيتُ الزكاة، وصمتُ رمضان وقمتُه، فممّن أنا قال: من الصدِّيقين والشهداء» (١). مشروعية الجماعة فيه (٢) وتشرع الجماعة في قيام رمضان، بل هي أفضل من الانفراد؛ لإِقامة النّبيّ - ﷺ - لها بنفسه، وبيانه لفضلها بقوله؛ كما في حديث أبي ذَرٍّ -رضي الله عنه- قال: «صمنا مع رسول الله - ﷺ - رمضان، فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهر، حتى بقي سَبْعٌ، فقام بنا حتى ذهب ثُلُثُ الليل، فلمّا كانت السادسةُ لم يَقُم بنا، فلمّا كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطرُ الليل، فقلتُ: يا رسول الله! لو نفَّلتنا قيام هذه الليلة، فقال: إِنّ الرجل إِذا صلّى مع الإِمام حتى ينصرف حُسب له قيام ليلة». فلمّا كانت الرابعة لم يقم، فلمّا كانت الثالثة جمَع أهله ونساءه والناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح. قال: قلت: ما الفلاح؟ قال: السّحور، ثمَّ لم يقم بنا بقيّة الشهر«(٣). ------------------------ (١) أخرجه البزار وابن خزيمة وابن حبان في»صحيحيهما«واللفظ لابن حبان وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(٩٨٩). (٢) من هنا ولأوّل (لم يصل التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة) عن»قيام رمضان«بتصرّف. (٣) أخرجه أصحاب السنن وغيرهم، وهو مخرج في»صلاة التراويح«(ص ١٦ - ١٧)، و»الإِرواء" (٤٤٧). ![]()
__________________
|
|
#40
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 151الى صــ 165 الحلقة (40) السبب في عدم استمرار النّبيّ - ﷺ - بالجماعة فيه وإِنّما لم يقم بهم (عليه الصلاة والسلام) بقيّة الشهر خشية أن تُفرَض عليهم صلاةُ الليل في رمضان، فيعجَزوا عنها فعن عائشة أنَّ رسول الله - ﷺ - صلّى في المسجد ذات ليلة، فصلّى بصلاته ناس، ثمَّ صلّى من القابلة، فكثر الناس، ثمَّ اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة، فلم يخرج إِليهم رسول الله - ﷺ -، فلمّا أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم، فلم يمنعني من الخروج إِليكم إلاَّ أنِّي خشيت أن تفرض عليكم، قال: وذلك في رمضان» (١). وقد زالت هذه الخشيةُ بوفاته - ﷺ - بعد أنْ أكمل الله الشريعة، وبذلك زال المعلول، وهو ترْك الجماعة في قيام رمضان، وبقي الحُكم السابق وهو مشروعية الجماعة، ولذلك أحياها عمر -رضي الله عنه- كما في «صحيح البخاري» وغيره (٢). مشروعية الجماعة للنساء قال شيخنا: «وهذا محلّه عندي إِذا كان المسجد واسعًا، لئلا يُشوِّش أحدهما على الآخر». عدد ركعاته وركعاتها إِحدى عشرة ركعةً، ونختار أن لا يزيد عليها اتّباعًا لرسول الله - ﷺ -، فإِنّه لم يزد عليها حتى فارق الدنيا، فقد سُئلت عائشة -رضي الله ----------------- (١) أخرجه البخاري: ٩٢٤، ومسلم: ٧٦١ (٢) انظر رقم (٢٠١٠)، وتقدّم. عنها- عن صلاته - ﷺ - في رمضان؟ فقالت: «ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة، يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حُسْنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي أربعًا فلا تَسَلْ عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمَّ يصلّي ثلاثًا» (١). وله أن يُنْقِص منها، حتى لو اقتصر على ركعة الوتر فقط، بدليل فِعله - ﷺ - وقوله: أمّا الفعل، فقد سُئلت عائشة -رضي الله عنها-: بكم كان رسول الله - ﷺ - يوتر؟ قالت: «كان يوتر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍّ وثلاثٍ، وعشرٍ وثلاثٍ، ولم يكن يوتر بأنقص من سبعٍ، ولا بأكثر من ثلاث عشرة» (٢). وأمّا قوله - ﷺ - فهو: «الوتر حقٌّ، فمن شاء فليوتر بخمسٍ، ومن شاء فليوتر بثلاثٍ، ومن شاء فليوتر بواحدة» (٣). لم يُصَلِّ التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة (٤) لم يثبت عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه صلّى التراويح أكثر من إِحدى عشرة ركعة، وإِليك البيان: ---------------- (١) أخرجه البخاري: ١١٤٧، ومسلم: ٧٣٨، وتقدّم. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (١٢٣٣) وغيرهما وهو حديث جيد الإِسناد، وصحّحه العراقي، وهو مخرَّج في «صلاة التراويح» (ص ٩٨ - ٩٩). (٣) تقدّم. (٤) هذا العنون وما يحتويه من كتاب «صلاة التراويح» -بتصرف-. ١ - قد تقدّم حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنَّه سأل عائشة -رضي الله عنها- كيف كانت صلاة رسول الله - ﷺ - في رمضان فقالت: ما كان رسول الله - ﷺ - يزيد في رمضان ولا في غيره على إِحدى عشرة ركعة. ٢ - وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- قال؛ صلّى بنا رسول الله - ﷺ - في شهر رمضان ثمان ركعات، وأوتر ...» (١). ٣ - أمّا ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي في رمضان عشرين ركعة والوتر» فإِسناده ضعيف وقد عارضه حديث عائشة هذا الذي في الصحيحين؛ مع كونها أعلم بحال النّبيّ - ﷺ - ليلًا من غيرها، قاله الحافظ في «الفتح». وسبَقه إِلى هذا المعنى الحافظ الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ١٥٣). قال شيخنا: وحديث ابن عبّاس هذا ضعيف جدًّا كما قال السيوطي في «الحاوي للفتاوى» (٢/ ٧٣) وعِلّته أنّ فيه أبا شيبة إِبراهيم بن عثمان. قال الحافظ في «التقريب»: «متروك الحديث» وقد تتبعْتُ مصادره فلم أجِده إِلا من طريقه ... وفصّل القول في ذلك. وقال البيهقي: تفرَّد به أبو شيبة وهو ضعيف، وكذلك قال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٧٢) أنَّه ضعيف، والحقيقة أنَّه ضعيف جدًّا، كما يشير إِليه قول الحافظ المتقدّم: «متروك الحديث» وهذا هو الصواب فيه ..... وأورده الحافظ الذهبي من مناكيره، وقال الفقيه ابن حجر الهيتمي في ------------------ (١) أخرجه ابن نصر والطبراني في المعجم الصغير وسنده حسن وأشار الحافظ في «الفتح» (٣/ ١٠) و«التلخيص» (ص١١٩) إِلى تقويته. «الفتاوى الكبرى» (١/ ١٩٥) بعد أنْ ذكر الحديث: «شديد الضعف ...». وقال السيوطي: «فالحاصل أنَّ العشرين ركعة لم تثبت مِن فِعله ... ومما يدلّ لذلك أيضًا (أي: عدم الزيادة) أنَّه - ﷺ - كان إِذا عمل عملًا واظبَ عليه؛ كما واظب على الركعتين اللتين قضاهما بعد العصر؛ مع كون الصلاة في ذلك الوقت منهيًّا عنها، ولو فعَل العشرين ولو مرّة؛ لم يتركها أبدًا، ولو وقع ذلك لم يَخْفَ على عائشة، حيث قالت ما تقدَّم». قلت: بل قد ثبت في «صحيح مسلم» (٧٨٢) من حديث أبي سلمة عن عائشة -رضي الله عنها-: «وكان آل محمّد إذا عملوا عملًا أثبتوه»، وقد تقدّم. وفي «صحيح مسلم» (٧٨٣) أيضًا: عن القاسم بن محمّد قال: «وكانت عائشة إِذا عملت العمل لزِمته». لهذا ولغيره نقول: لم يثبُت لنا عن أحدٍ من آل محمّد - ﷺ - أنهم صلّوا العشرين" والله تعالى أعلم. ٤ - إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد التزم عددًا معيّنًا في السنن الرواتب وغيرها؛ كصلاة الاستسقاء والكسوف ... وكان هذا الالتزام دليلًا مسلّمًا عند العلماء أنَّه لا يجوز الزيادة عليها، فكذلك صلاة التراويح، ومن ادعى الفرق فعليه الدليل. وليست صلاة التراويح من النوافل المطلقة حتى يكون للمصلّي الخيار في أن يصلِّيها بأيّ عدد شاء، بل هي سُنّة مؤكّدة تشبه الفرائض من حيث أنّها تشرع مع الجماعة؛ كما قالت الشافعية فهي من هذه الحيثيّة أولى بأن لا يُزاد عليها من السنن الرواتب. ردود على بعض التساؤلات والاعتراضات ١ - قد يقول بعضهم: اختلاف العلماء دليل على عدم ثبوت النص المعيِّن للعدد. والجواب: إِنَّ الاختلاف في عدد ركعات التراويح لا يدلّ على عدم ورود نصٍّ ثابت فيه؛ لأنَّ الواقع أنَّ النصّ واردٌ ثابت فيه، فلا يجوز أن يُردّ النصّ بسبب الخلاف، بل الواجب أن يُزال الخلاف بالرجوع إِلى النصّ عملًا بقول الله تبارك وتعالى: ﴿فلا وربّك لا يؤمنون حتى يُحكِّموك فيما شَجَر بينهم ثمَّ لا يَجِدوا في أنفُسِهِم حرَجًا ممّا قَضَيتَ ويُسَلّموا تَسلِيمًا﴾ (١). وقوله سبحانه: ﴿فإِنْ تَنَازعتُم في شيءٍ فردّوه إِلى الله والرسُول إِنْ كُنتُم تؤْمِنُون بالله واليَوم الآخِر ذلك خيْرٌ وأحْسَنُ تَأوِيلًا﴾ (٢). ٢ - قد يقول قائل آخر: لا مانع من الزيادة على النصّ ما لم يُنْه عنها. وجوابه: الأصل في العبادات أنها لا تثبت إلاَّ بتوقيف من رسول الله - ﷺ -، ولولا هذا الأصل لجاز لأيّ مسلم أن يزيد في عدد ركعات السُّنن بل والفرائض الثابت عددها بفِعْله - ﷺ - واستمراره عليه؛ بزعم أنَّه - ﷺ - لم يَنْهَ عن الزيادة عليها. ٣ - وتمسّك بعضهم بالنصوص المطلقة والعامّة؛ في الحضّ على الإِكثار من الصلاة؛ بدون تحديد عدد؛ معيّن كقوله - ﷺ - لربيعة بن كعب وقد سأله ----------------------- (١) النساء: ٦٥ (٢) النساء: ٥٩ مرافقته في الجنَّة: «فأعنّي على نفسك بكثرة السجود». والجواب: إِنَّ هذا تمسُّكٌ واهٍ جدًا، فإِنَّ العمل بالمطلقات على إِطلاقها إِنّما يسوغ فيما لم يقيّده الشارع من المطلقات، أمّا إِذا قيّد الشارع حُكمًا مطلقًا بقيد؛ فإِنَّه يجب التقيُّد به وعدم الاكتفاء بالمطلق، فإِنَّ مسألتنا (صلاة التراويح) ليست من النوافل المطلقة، لأنها صلاة مقيّدة لا بنصّ عن رسول الله. وما مثَل من يفعل ذلك؛ إلاَّ كمن يصلي صلاة يخالف بها صلاة النّبيّ - ﷺ - المنقولة عنه بالأسانيد الصحيحة؛ يخالفها كمًّا وكيفًا؛ متناسيًا قوله - ﷺ -: «صلوا كما رأيتموني أصلي» (١) محتجًّا بمِثل تلك المطلقات! كمن يصلّي مثلًا الظهر خمسًا وسنة الفجر أربعًا! الأحوط اتباع السنّة: واستطرد شيخنا -حفظه الله تعالى- قائلًا: «على أنَّه مهما قيل في جواز الزيادة أو عدمها، فما أظنّ أنّ مسلمًا يتوقّف -بعد ما سلف بيانه- عن القول بأنّ العدد الذي ورَد عنه - ﷺ - أفضل من الزيادة عليه لصريح قوله - ﷺ -:»وخير الهدي هدي محمّد - ﷺ -«، رواه مسلم (٢)، فما الذي يمنع المسلمين اليوم أن يأخذوا بهذا الهدي المحمّدي ويدَعُوا ما زاد عليه من باب»دَعْ ما يَريبك إِلى ما لا يَريبك" ... وأنهم صلَّوها بالعدد الوارد في السُّنّة في مِثل المدّة التي يصلّون فيها العشرين؛ لكانت صلاتهم صحيحة مقبولة باتفاق العلماء، ------------------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) برقم: ٨٦٧ ويؤيّد ذلك حديث جابر قال: سئل - ﷺ - أيّ الصلاة أفضل؟ قال: «طول القنوت (١)» (٢). فعليكم أيها المسلمون بسنتَّه - ﷺ - تمسَّكوا بها وعضُّوا عليها بالنواجذ فإِنّ «خير الهدي هدي محمّد - ﷺ -» (٣). ٤ - وقد يقول قائل: إِنَّ عمر -رضي الله عنه- قد صلاّها عشرين ركعة. قال شيخنا: ولا يجوز أن يُعارَض هذه الرواية الصحيحة بما رواه عبد الرزاق من وجه آخر عن محمّد بن يوسف بلفظ: «إِحدى وعشرين» لظهور خطأ هذا اللفظ من وجهين: الأوّل: مخالفة لرواية الثقة بلفظ إِحدى عشرة (٤). الثاني: أنَّ عبد الرزاق قد تفرَّد بروايته على هذا اللفظ ... (٥). ------------------------ (١) قال النووي (٦/ ٣٥): «المراد بالقنوت هنا: القيام باتفاق العلماء -فيما علمت-». (٢) أخرجه مسلم: ٧٥٦ (٣) صلاة التراويح: ٣٩، ٤٠ (٤) يشير شيخنا -حفظه الله تعالى- إِلى ما رواه محمّد بن يوسف عن السائب بن يزيد قال: «أمَر عمر بن الخطاب أُبيّ بن كعب وتميمًا الداري أن يقوما للناس بإِحدى عشرة ركعة، قال: وقد كان يقرأ بالمئين، حتى كنا نعتمد على العصيّ من طول القيام، وما ننصرف إلاَّ في بزوغ الفجر». قال شيخنا- حفظه الله تعالى-: «وهذا سند صحيح جدًّا، فإِنّ محمّد بن يوسف شيخ مالك ثقة واحتجّ به اتفاقًا واحتجّ به الشيخان، والسائب بن يزيد صحابيّ ...». (٥) ارجع -إِن شئت- الكتاب المشار إِليه للمزيد من الاطلاع على التخريج والتحقيق. وقد أشار الترمذي في»سننه«إِلى عدم ثبوت عدد العشرين عن عمر وغيره من الصحابة فقال روي عن عليّ وعمر ... وكذلك قال الشافعي في العشرين عن عمر. انتهى كلام شيخنا -حفظه الله- بتصرف. ٥ - وقد يقول قائل: قد قال رسول الله»صلاة الليل مثنى مثنى«(١). فجوابه: إِنَّ هذا لبيان الكيفية لا لبيان الكمّ، فعن عبد الله بن عمر؛ أنَّ رجلًا سأل النّبيّ - ﷺ -، وأنا بينه وبين السائل، فقال: يا رسول الله! كيف صلاة الليل؛ قال: مثنى مثنى ...» (٢)، فإِنَّ هذا الصحابي لم يسأل رسول الله - ﷺ - كم صلاة الليل؛ بل كيف صلاة الليل، فجواب: «مثنى مثنى»، عن كيف لا عن كم، وفي رواية (٣): «فقيل لابن عمر: ما مثنى مثنى؟ قال: أن تُسلِّم في كلّ ركعتين». الكيفيّات التي تصلّى بها صلاة التراويح قد تقدّم تفصيل ذلك في صلاة الوتر وقيام الليل، والآن أذكر ما كتَبه شيخنا -حفظه الله- في «قيام رمضان» (ص٢٧) تيسيرًا وتذكيرًا. الكيفيّة الأولى: ثلاث عشرة ركعة، يفتتحها بركعتين خفيفتين، وهما على الأرجح سُنّة العشاء البعدية، أو ركعتان مخصوصتان يفتتح بهما صلاة الليل ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٩٠٩، ومسلم: ٧٤٩، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٩٩٠، ومسلم: ٧٤٩ وتقدّم. (٣) أخرجه مسلم: ٧٤٩ كما تقدّم، ثمَّ يصلّي ركعتين طويلتين جدًا، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دون اللتين قبلهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يصلّي ركعتين دونهما، ثمَّ يوتر بركعة. الثانية: يصلّي ثلاث عشرة ركعة، منها ثمان، يُسلِّم بين كل ركعتين، ثمَّ يوتر بخمس لا يجلس ولا يُسلّم إلاَّ في الخامسة. الثالثة: إِحدى عشرة ركعة، يُسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة. الرابعة: إِحدى عشرة ركعة، يُصلّي منها أربعًا بتسليمة واحدة، ثمَّ أربعًا كذلك، ثمَّ ثلاثًا. وهل كان يجلس بين كل ركعتين من الأربع والثلاث؟ لم نَجِد جوابًا شافيًا في ذلك، لكنَّ الجلوس في الثلاث لا يُشرع! الخامسة: يصلّي إِحدى عشرة ركعة، منها ثمان ركعاتٍ لا يقعد فيها إلاَّ في الثامنة، يتشهد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ يقوم ولا يسلّم، ثمَّ يوتر بركعةٍ، ثمَّ يسلم، فهذه تسع، ثمَّ يصلّي ركعتين، وهو جالس. السادسة: يصلّي تسع ركعاتٍ؛ منها ستٌّ لا يقعد إلاَّ في السادسة منها، ثمَّ يتشهّد ويصلّي على النّبيّ - ﷺ - ثمَّ ... إِلخ ما ذُكر في الكيفيّة السابقة. هذه هي الكيفيّات (١) التي ثبتت عن النّبيّ - ﷺ - نصًّا عنه، ويمكن أن يزاد عليها أنواع أخرى، وذلك بأن يُنقص من كل نوع منها ما شاء من الركعات حتى يقتصر على ركعة واحدة عملًا بقوله - ﷺ - المتقدّم: "... فمن شاء ----------------------- (١) تقدّم من هنا ولأوّل القراءة في القيام. فليوتر بخمس، ومن شاء فليوتر بثلاث، ومن شاء فليوتر بواحدة». فهذه الخمس والثلاث، إِن شاء صلاّها بقعود واحد، وتسليمة واحدة كما في الصفة الثانية، وإِنْ شاء سلّم بين كلّ ركعتين كما في الصفة الثالثة وغيرها، وهو الأفضل. وأمّا صلاةُ الخمس والثلاث بقعود بين كّل ركعتين بدون تسليم فلم نجِده ثابتًا عنه - ﷺ -، والأصل الجواز، لكن لمّا كان النبيّ - ﷺ - قد نهى عن الإِيتار بثلاث، وعلّل ذلك بقوله: «ولا تشبّهوا بصلاة المغرب»، فحينئذٍ لا بُدَّ لمن صلّى الوتر ثلاثًا من الخروج عن هذه المشابهة، وذلك يكون بوجهين: أحدهما: التسليم بين الشفع والوتر، وهو الأقوى والأفضل. والآخر: أن لا يقعد بين الشفع والوتر، والله تعالى أعلم«. القراءة في القيام (١) وأمّا القراءة في صلاة الليل في قيام رمضان أو غيره، فلم يَحُدَّ فيها النّبيّ - ﷺ - حدًّا لا يتعدّاه بزيادة أو نقص، بل كانت قراءته - ﷺ - تختلف قِصَرًا وطولًا، فكان تارةً يقرأُ في كلِّ ركعة قدر ﴿يا أيها المُزَّمّل﴾ (٢)، وهي عشرون آية، وتارة قدْر خمسين آية (٣)، وكان يقول:»من صلّى في ليلة بمائة آية لم يُكتَب ------------------------ (١) عن قيام رمضان (ص ٢٣ - ٢٥) -بتصرف-. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود بسند صحيح. (٣) انظر «صحيح البخاري» (١١٢٣)، و«صحيح سنن أبي داود» (١٢١٦). من الغافلين» (١). وفي حديث آخر: «... بمائتي آية فإِنّه يُكتب من القانتين المُخلصين» (٢). «وقرأ - ﷺ - في ليلة وهو مريض السبع الطوال، وهي سورة ﴿البقرة﴾، ﴿آل عمران﴾ و﴿النساء﴾ و﴿المائدة﴾ و﴿الأنعام﴾ و﴿الأعراف﴾ و﴿التوبة﴾» (٣). وفي قصّة صلاة حذيفة بن اليمان وراء النّبيّ عليه الصلاة والسلام «أنّه - ﷺ - قرأ في ركعة واحدة ﴿البقرة﴾ ثمَّ ﴿النساء﴾ ثمَّ ﴿آل عمران﴾، وكان يقرؤها مترسّلًا متمهلًا» (٤). وثبت بأصحّ إِسناد أنّ عمر -رضي الله عنه- لمَّا أمر أُبيَّ بن كعب أن يصلّي للناس بإِحدى عشرة ركعة في رمضان، كان أُبيّ -رضي الله عنه- يقرأ بالمئين، حتى كان الذين خلفه يعتمدون على العصيِّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلاَّ في أوائل الفجر (٥). وصحّ عن عمر أيضًا أنّه دعا القُرَّاء في رمضان، فأمَر أسرعهم قراءة أن يقرأ ---------------------------- (١) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٢٠) و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٣٤). (٢) أخرجه الدارمي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وانظر «صفة الصلاة» (ص ١٢٠) و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٣٤). (٣) أخرجه أبو يعلى والحاكم وصححّه ووافقه الذهبي وانظر «صفة الصلاة» (ص ١١٨). (٤) انظر «صحيح مسلم» (٧٧٢). (٥) أخرجه مالك بنحوه، وانظر «صلاة التراويح» (ص ٥٢)، وتقدّم. ثلاثين آية، والوسط خمسًا وعشرين آية، والبطيء عشرين آية (١). وعلى ذلك فإِنْ صلّى القائم لنفسه فليطوِّل ما شاء، وكذلك إِذا كان معه من يوافقه، وكلما أطال فهو أفضل، إلاَّ أنه لا يبالغ في الإِطالة حتى يُحيي الليل كلّه إلاَّ نادرًا، اتّباعًا للنّبيّ - ﷺ - القائل: «وخير الهدي هدي محمّد» (٢). وأمّا إِذا صلّى إِمامًا، فعليه أن يطيل بما لا يشقُّ على مَن وراءه لقوله - ﷺ -: «إِذا ما قام أحدكم للناس فليخفّف الصلاة، فإِنَّ فيهم [الصغير] والكبير وفيهم الضعيف، [والمريض]، [وذا الحاجة]، وإِذا قام وحده فليُطِل صلاته ما شاء» (٣). جواز جعْل القنوت بعد الركوع في النصف الثاني من رمضان لقد سبق القول فيما يتعلّق بموضع دعاء القنوت وأنَّه قبل الركوع، ولكن: لا بأس من جعل القنوت بعد الركوع، ومن الزيادة عليه بلعن الكفَرة، والصلاة على النّبيّ - ﷺ - والدعاء للمسلمين في النصف الثاني من رمضان؛ لثبوت ذلك عن الأئمّة في عهد عمررضي الله عنه- فقد جاء في آخر حديث عبد الرحمن بن عبد القاري: «وكانوا يلعنون الكفَرة في النصف: اللهم قاتِل الكفَرة الذين يصدّون عن سبيلك، ويُكذّبون رسلك، ولا يؤمنون بوعدك، وخالِف بين كلمتهم، وألقِ في قلوبهم الرُّعب، وألقِ عليهم رِجزك وعذابك، إِله ------------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله تعالى-»انظر تخريجه في «صلاة التراويح» (ص ٧١) ورواه عبد الرزاق أيضًا في «المصّنف» والبيهقي". (٢) أخرجه مسلم: ٨٦٧ (٣) أخرجه البخاري: ٧٠٣، ومسلم: ٤٦٧ والزيادات له. الحق»، ثمَّ يُصلّي على النّبيّ - ﷺ - ويدعو للمسلمين بما استطاع من خير، ثمَّ يستغفر للمؤمنين. قال شيخنا -حفظه الله-: «وكان إِذا فرغ من لعْنِه الكفَرة وصلاته على النّبيّ واستغفاره للمؤمنين والمؤمنات ومسألته:»اللهمّ إِيّاك نعبد، ولك نُصلّي ونسجد، وإِليك نسعى ونحفد (١)، ونرجو رحمتك ربّنا، ونخاف عذابك الجدَّ، إِنَّ عذابك لمن عاديت مُلحق«، ثمَّ يُكبر ويهوي ساجدًا (٢)» (٣). صلاة الضّحى فضلها: ١ - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أوصاني خليلي (٤) بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أرقد» (٥). ٢ - عن أبي ذر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: يصبح على كلّ سُلامى (٦) من --------------------- (١) نُسرع في العمل والخِدمة. «النهاية». (٢) أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه». (٣) انظر «قيام رمضان» (ص ٣٢). (٤) خليلي: الخُلَّة بالضم: الصداقة والمحبّة التي تخلّلت القلب فصارت خلاله أي: في باطنه، والخليل: الصديق، فعيل بمعنى مُفاعِل، وقد يكون بمعنى مفعول. «النهاية». (٥) أخرجه البخاري: ١٩٨١، ومسلم: ٧٢١ (٦) قال النووي: «أصْله عظام الأصابع وسائر الكفّ، ثمَّ استُعمل في جميع عظام البدن ومفاصله». وجاء في «النهاية»: "السلامى: جمع سُلامية، وهي الأُنمُلة من أنامل = أحدكم صدقة، فكلّ تسبيحة صدقة، وكلّ تحميدة صدقة، وكلّ تهليلة صدقة، وكلّ تكبيرة صدقة، وأمْر بالمعروف صدقة، ونهْي عن المنكر صدقة، ويُجزئ من ذلك؛ ركعتان يركعهما من الضحى» (١). ٣ - عن بريدة -رضي الله عنه- قال: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «في الإِنسان ثلاثمائة وستون مَفصلًا، فعليه أن يتصدّق عن كلّ مفصل بصدقة، قالوا: ومن يطيق ذلك يا نبيّ الله؟ قال: النخاعة في المسجد تدفنها، والشيء تنحّيه عن الطريق، فإِنْ لم تجد فركعتا الضحى تجزئك» (٢). ٤ - عن أبي هريرةرضي الله عنه- قال: «بعَث رسول الله - ﷺ - بعْثًا فأعظَموا الغنيمة، وأسرعوا الكرَّة: فقال رجل: يا رسول الله ما رأينا بعْثًا قطّ أسرع كرَّة، ولا أعظم غنيمةً من هذا البعث فقال:»ألا أُخبركم بأسرع كرّة منهم، وأعظم غنيمة؟ رجل توضّأ فأحسن الوضوء، ثمَّ عمد إِلى المسجد فصلّى فيه الغداة، ثمَّ عقَّب بصلاة الضَّحوة، فقد أسرع الكرَّة، وأعظم الغنيمة«(٣). --------------------- = الأصابع، ويُجمع على سُلامَيات، وهي التي بين كلّ مَفصلين من أصابع الإِنسان، وقيل السُّلامى: كل عظم مجوّف من صغار العظام، والمعنى: على كلّ عظم من عظام ابن آدم صدقة». (١) أخرجه مسلم: ٧٢٠ (٢) أخرجه أبو داود وأحمد وغيرهما، وصحّحه شيخنا في «الإِرواء» (٤٦١)، و«صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦١). (٣) أخرجه أبو يعلى، ورجال إِسناده رجال الصحيح، والبزار وابن حبان في «صحيحه»، وبيّن البزار في روايته أن الرجل أبو بكر -رضي الله عنه- وانظر = ٥ - عن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِن الله عز وجل يقول: يا ابن آدم! اكفني أوّل النهار بأربع ركعات، أكفِك بهنّ آخر يومك» (١). ٦ - عن أبي أُمامة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من خرج من بيته متطهّرًا إِلى صلاةٍ مكتوبة، فأجْره كأجر الحاج المحرم، ومن خرج إِلى تسبيح الضحى (٢)، لا يُنصِبه (٣) إلاَّ إِياه (٤)، فأجْره كأجر المعتمر، وصلاة على أَثْر (٥) صلاة لا لغو بينهما، كتاب في علّيّين» (٦). ٧ - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يحافظ على صلاة الضحى إِلاَّ أوّاب، -قال-: وهي صلاة الأوّابين» (٧). الأوّاب: صيغة مبالغة؛ كثير الرجوع إِلى الله تعالى بالتوبة والإِنابة. ---------------------- = «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦٤). (١) أخرجه أحمد وأبو يعلى ورجال أحدهما رجال الصحيح، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٦٦). (٢) تسبيح الضحى: أي صلاة الضحى، جاء في «النهاية»: ويُقال أيضًا للذِّكر ولصلاة النافلة سُبحة ويُقال: قضيتُ سُبحتي، والسُّبحة من التسبيح. (٣) من الإنصاب، وهو الإِتعاب. (٤) لا يتعبه الخروج إلاَّ تسبيح الضحى. «عون» (٢/ ١٨٥). (٥) بكسر الهمزة، ثم سكون أو بفتحتين عقيبها. «عون». (٦) أخرجه أبو داود وحسنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٠). (٧) خرجه الطبراني وابن خزيمة في «صحيحه» والحاكم، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٦٧٣)، و«الصحيحة» (٧٠٣). ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء 1 والزوار 6) | |
| ابوالوليد المسلم |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |