التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 4 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5176 - عددالزوار : 2485882 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4769 - عددالزوار : 1817766 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 336 - عددالزوار : 9023 )           »          {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 411 - عددالزوار : 127160 )           »          طريقة تغيير السطوع فى ويندوز 11 بسرعة فى خطوات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          كيف تُخفى ظهورك "أونلاين" على واتساب دون قطع الاتصال بالإنترنت؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          طريقة تثبيت النسخة التجريبية العامة من iOS 26 على الآيفون: الهواتف المدعومة والمزايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          رسائل جوجل تستخدم تحديث rcs الجديد لتعزيز الصوت والأمان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          Who-Fi: تقنية واى فاى مدعومة بالذكاء الاصطناعى يمكنها تحديد هوية الأفراد وتتبعهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          ماذا تفعل إذا تعرض حسابك على إنستجرام للاختراق؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #31  
قديم 18-01-2026, 05:14 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 291 الى صـــ 310
الحلقة (31)





أحدها: نصبه عَلَى أنه خبر (كان) المقدرة، تقديره: ليتني أكون جذعًا، قاله الخطابي (١) والمازري وابن الجوزي في «مشكله»، وهي تجيء عَلَى مذهب الكوفيين كما قالوا في قوله تعالى: ﴿انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾ [النساء: ١٧١]، أي: يكن الانتهاء خيرًا لكم، ومذهب البصريين أن ﴿خَيْرًا﴾ في الآية منصوب بفعل مضمر يدل عليه ﴿انْتَهَوْا﴾ تقديره: انتهوا وافعلوا خيرًا لكم. وقال الفراء: انتهوا انتهاءً خيرًا لكم. وضعف هذا الوجه بأنَّ كان الناصبة لا تضمر إلا إِذَا كان في الكلام لفظ ظاهر يقتضيها كقولهم: إن خيرًا فخير.
ثانيها: أنه منصوب عَلَى الحال وخبر ليت قوله: فيها، والتقدير: ليتني كائن فيها. أي: مدة الحياة في هذا الحال شبيبة وصحة وقوة لنصرتك، إذ (قَدْ كان) (٢) أسن وعمي عند هذا القول، ورجح هذا القاضي عياض، وقال: إنه الظاهر (٣)، وقال النووي: إنه الصحيح الذي اختاره المحققون (٤).
ثالثها: أن تكون ليت عملت عمل تمنيت فنصبت اسمين كما قَالَ الكوفيون وأنشدوا:
يا لَيْتَ أَيامَ الصِّبا رَواجِعَا
السادس بعد الخمسين: قوله: (إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ). استعمل فيه إذ في المستقبل كإذا وهو استعمال صحيح كما نبه عليه ابن مالك، وقال: غفل عنه أكثر النحويين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [مريم: ٣٩]، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ﴾ [غافر: ١٨]

---------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ١٣٠ - ١٣١.
(٢) في (ج): كان قد.
(٣) «إكمال المعلم» ١/ ٤٨٩.
(٤) «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤.



وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١)﴾ [غافر: ٧٠ - ٧١] قَالَ: وقد استعمل كل منهما في موضع يعني: إذ وإذا، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٥٦]، ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً﴾ [الجمعة: ١١]، و﴿إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٩٢].
السابع بعد الخمسين: قوله - ﷺ -: («أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ؟») هو بفتح الواو وتشديد الياء آخره وهو جمع مخرج، ويجوز تخفيف الياء عَلَى وجه، والصحيح التشديد، وبه جاءت الرواية، ويجوز في الياء المشددة الفتح والكسر وهو نحو قوله تعالى: ﴿بِمُصْرِخِيَّ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، وقرئ بهما في السبعة (٢) فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم وفتحت للتخفيف لئلا تجتمع الكسرة وياءان بعد كسرتين، وقال ابن مالك: الأصل فيه: أومخرجوني هم (٣)، سقطت نون الجمع بالإضافة، واجتمعت ياء وواو وسبقت إحداهما بالسكون، فأبدلت الواو ياء وأدغمت، ثمَّ أبدلت الضمة التي كانت قبل الواو كسرة تكميلًا للتخفيف، وفتحت الياء في «مُخْرِجِيَّ» للتخفيف (٤). لئلا تجتمع الأمثال الكثيرة وياءان بعد كسرتين، وقال السهيلي: لابد من تشديد الياء في: «مُخْرِجِيَّ» لأنه جمع (٥).

---------------------
(١) «شواهد التوضيح» لابن مالك ص ٩ - ١٠.
(٢) بكسر الياء الثانية قرأ حمزة وبفتحها قرأ الباقون، وروى إسحاق الأزرق عن حمزة: (بمصرخيَّ) بفتح الياء الثانية. انظر «الحجة للقراء السبعة» ٥/ ٢٨.
(٣) الذي في «شواهد التوضيح» ص ١٣: أومخرجوي هم؟ ولم يذكر شيئًا عن سقوط نون الجمع، والله أعلم.
(٤) «شواهد التوضيح» ص ١٣.
(٥) «الروض الأنف»١/ ٢٧٤.



ثمَّ ها هنا أمران:
أحدهما: وهو الثامن بعد الخمسين: الأصل تقديم حرف العطف عَلَى الهمزة كغيرها من أدوات الاستفهام، كما نبه عليه ابن مالك نحو: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [آل عمران: ١٠١]، ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ)﴾ [النساء: ٨٨]، ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ [الأنعام: ٨١]، ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ [الأنعام: ٩٥]، فالأصل أن يجاء بالهمزة بعد العاطف كهذا المثل، وهي معطوفة عَلَى ما قبلها من الجمل ومثله: فأتطمعون لأن همزة الاستفهام جزء من جملة الاستفهام فيقال: (وأمخرجي) (١) والعاطف لا يتقدم عليه جزء مما عطف، لكن خصت الهمزة بتقدمها عَلَى حرف العطف؛ تنبيهًا عَلَى أنها أصل أدوات الاستفهام؛ لأن الاستفهام لَهُ صدر الكلام، فقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ﴾ [البقرة: ٧٥]، ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا﴾ [البقرة: ١٠٠]، ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ﴾ [يونس: ٥١].
وقال الزمخشري (٢): بين الهمزة وحرف العطف جملة محذوفة ومعطوف عليها بالعاطف ما بعده تقديره: أكفروا بالآيات البينات، وكلما عاهدوا؟ وكذلك يقدر بقية المثل ما يحسن فيها، وفيه من التكلف ومخالفة الأصول ما لا يخفى كما نبه عليه ابن مالك (٣).

---------------------------
(١) في الأصل: وأومخرجي، والمثبت هو المناسب للسياق.
(٢) هو العلامة، كبير المعتزلة، أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد الزمخشري الخوارزمي النحوي، صاحب «الكشاف» و«المفصل» كان رأسًا في البلاغة والعربية والمعاني والبيان، وله نظم جيد، وكان داعية إلى الاعتزال -الله يسامحه- توفي سنة ثمان وثلاثين وخمس مائة. انظر ترجمته في: «المنتظم» ١٠/ ١١٢، «وفيات الأعيان» ٥/ ١٦٨، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ١٥١ (٩١)، «شذرات الذهب» ٤/ ١١٨.
(٣) «شواهد التوضيح» ص ١٠ - ١٢.



الثاني: وهو التاسع بعد الخمسين: («مُخْرِجِيَّ») خبر مقدم و«هم» مبتدأ ولا يجوز العكس كما نبه عليه ابن مالك؛ لأن «مُخْرِجِيَّ» نكرة فإن إضافته غير محضة، وهو اسم فاعل بمعنى الاستقبال فيؤدي إلى الإخبار بالمعرفة عن النكرة من غير مصحح (١). ويجوز أن يكون «هم» فاعلًا سد مسد الخبر، و«مُخْرِجِيّ» مبتدأ عَلَى لغة: أكلوني البراغيث. ولو روي «مُخْرِجِيَّ» بسكون الياء أو فتحها مخففة عَلَى أنه مفرد. وقد سلف جوازه؛ لصحَّ جعله مبتدَأ ومَا بعدهَ فاعلًا سد مسد الخبر كما تقول: أومخرجي بنو فلان؟ لاعتماده عَلَى حرف الاستفهام كقوله - ﷺ -: «أحيٌّ والداك؟» (٢) والمنفصل من الضمائر يجري مجرى الظاهر، ومنه قول الشاعر:
أمنجز أنتم وعدًا وثِقْتُ به … أم اقْتَفَيْتُم جميعًا نهج عُرْقُوب (٣)
وجزم السهيلي بأنه خبر مبتدأ مقدم، قَالَ: ولو كان المبتدأ اسمًا ظاهرًا لجاز تخفيف الياء ويكون الاسم الظاهر فاعلًا لا مبتدأ (٤).
الستون: إنما قَالً: «أو مُخْرِجِيَّ هم؟»)؛ لأنها حرم الله، وجوار بيته وبلدة أبيه إسماعيل، فلذلك تحركت نفسه، فأتى بهمزة الاستفهام على وجه الإنكار والتفجع لذلك والتألم، وقد ذكر ابن إسحاق في «السيرة» عن ورقة أنه قَالَ بعد قوله: ولقد جاءك الناموس الأكبر الذي جاء

-------------------------
(١) «شواهد التوضيح» ص ١٣.
(٢) سيأتي برقم (٣٠٠٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: الجهاد بإذن الأبوين، ورواه مسلم (٢٥٤٩) كتاب: البر والصلة، باب: بر الوالدين. من حديث عبد الله بن عمرو.
(٣) «شواهد التوضيح» ص ١٣ - ١٤.
(٤) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٤.



موسى: وليكذبنه وليؤذينه وليخرجنه (١). لما قال: ليكذبنه وليؤذينه، ولم يقل شيئًا فلما قَالَ (الثالثة) (٢) قَالَ ذَلِكَ، فاستبعد - ﷺ - إخراجه من غير سبب فإنه لم يكن منه فيما مضى ولا فيما يأتي سبب يقتضي ذَلِكَ، بل كان منه أنواع المحاسن والكرامات المقتضية لإكرامه وإنزاله ما هو لائق بمحله -أنفسنا لَهُ الفداء- لكن العادة أن كلما أتي للنفوس بغير ما تحب وتألف وإن كان ممن تحب وتعتقد تعافه وتطرده، وقد قَالَ تعالى حكاية عنهم: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].
الحادي بعد الستين: قوله: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ) يعني: أن أهل الحق لا يخلو من أهل باطل يعادونه، وذكره في التفسير بلفظ: أوذي (٣)، من الأذى، وقوله: (وإن يدركني يومك) أي: وقت (إخراجك) (٤) أو وقت انتشار نبوتك (أنصرك نصرًا مؤزرًا) هو بضم الميم ثمَّ بهمزة مفتوحة ثمَّ زاي مفتوحة، أي: قويًّا بالغًا من الأزر وهو: القوة والعون، ومنه قوله تعالى: ﴿فَآزَرَهُ﴾ [الفتح: ٢٩]، أي: قوَّاه، وفي «المحكم»: آزره ووازره: أعانه عَلَى الأمر، الأخير عَلَى البدل وهو شاذ (٥). وقال ابن قتيبة: مما يقوله العوام بالواو وهو بالهمز آزرته عَلَى الأمر، أي: أعنته فأما وازرته فبمعنى: صرت له وزيرًا (٦).

------------------------
(١) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٠٠ - ١٠٣ (١٤٠).
(٢) في (ج): الثانية.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٥٣). كتاب: التفسير، سورة العلق، باب: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾.
(٤) في (ج): إخراجه.
(٥) «المحكم» ٩/ ٦٥.
(٦) «أدب الكاتب» ص (٢٨٤).



الثاني بعد الستين: وقع في «السيرة»: إن أدرك ذَلِكَ اليوم أنصرك نصرًا مؤزرًا (١)، وما في البخاري هو القياس؛ لأن ورقة سابق بالوجود، والسابق هو الذي يدركه من يأتي بعده كما جاء «أشقى الناس من أدركته الساعة وهو حي» (٢) نبه عَلَى ذَلِكَ السهيلي قَالَ: ولرواية ابن إسحاق وجه؛ لأن المعنى: إن أر ذَلِكَ اليوم فسمى رؤيته إدراكًا، وفي التنزيل: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أي: لا تراه عَلَى أحد القولين (٣).
الثالث بعد الستين: قولها: (ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الوَحْيُ) أما ينشب فبياء مفتوحة ثمَّ نون ساكنة ثمَّ شين معجمة مفتوحة ثمَّ موحدة، ومعناه: لم يلبث، كأن المعنى فجئه الموت قبل أن ينشب في فعل شيء، وهذِه اللفظة عند العرب عبارة عن السرعة والعجلة. وفتر معناه: احتبس بعد متابعته وتواليه في النزول، قَالَ ابن سيده: فتر الشيء يفتُر ويفتِر فتورًا وفتارًا: سكن بعد حدة ولان بعد شدة و(فتر) (٤) هو، والفتر الضعف (٥)، ولعل الحكمة في إبطائه ذهاب ما حصل لَهُ من الروع والتشوف إلى عوده كما سيأتي، ففي «السيرة» أن ورقة كان يمر ببلال وهو يعذب لما أسلم وقال: لئن

----------------------
(١) «سيرة ابن اسحاق» ص ١٠٠ - ١٠٣ (١٤٠) بلفظ: لأنصرك نصرًا يعلمه الله.
(٢) رواه القضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٢٠٧ (٢١٣) من حديث عبد الله بن جراد مرفوعًا، بلفظ: «الشقي كل الشقي من أدركته الساعة حيًّا لم يمت».
قال الألباني في «الضعيفة» (٣٧٦٠): حديث موضوع.
(٣) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٤) كذا بالأصل، وفي «المحكم».
(٥) «المحكم» ج ١٠/ ١٧٠.



قتلتموه لأتّخِذَنّه حنانا (١)، وفي هذا مخالفة (لقولها) (٢): (فلم ينشب ورقة أن توفي)، فتأمله.
الرابع بعد الستين: لم يذكر هنا مقدار الفترة، وقد جاء في حديث مسند كما أفاده السهيلي أنها كانت سنتين ونصفًا، وبهذا يجمع بين قول أنس أنه أقام بمكة عشرًا (٣) وقول ابن عباس أنه أقام ثلاث عشرة سنة (٤)، وكان قَدْ ابتدئ بالرؤيا الصالحة ستة أشهر فمن عد مدة الفترة وأضاف إليها الأشهر الستة كان كما قَالَ ابن عباس، ومن عدها من حين حمي الوحي وتتابع كما في حديث جابر (٥) كانت عشر سنين، ووجه ثان: وهو أن الشعبي قَالَ: وُكِّلَ إسرافيل بنبوة محمد - ﷺ - ثلاث سنين ثمَّ جاءه جبريل بالقرآن، وقد أسلفنا ذَلِكَ ورواه أبو عمر في «استيعابه» (٦) وإذا صح فهو أيضًا وجه (من) (٧) الجمع بينهما (٨).
الخامس بعد الستين: زاد البخاري في هذا الحديث عند ذكره لَهُ في

---------------------
(١) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٧ (٢٣٤).
(٢) في (ج): لقولنا.
(٣) سيأتي برقم (٣٥٤٧) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ -، ورواه مسلم (٢٣٤٧) كتاب: الفضائل، باب: صفة النبي - ﷺ -، ومبعثه، وسِنِّهِ.
(٤) سيأتي برقم (٣٨٥١) كتاب: مناقب الأنصار، باب: مبعث النبي - ﷺ -، ورواه مسلم (٢٣٥١) كتاب: الفضائل، باب: كم أقام النبي - ﷺ - بمكة والمدينة.
(٥) الحديث الأتي (٤) كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -، ورواه مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٦) «الاستيعاب» ١/ ١٤٠.
ورواه أيضًا: الطبري في «تاريخه» ١/ ٥٧٣ - ٥٧٤، وقال القرطبي في «تفسيره» ١٠/ ١٧٧: إسناده صحيح.
(٧) في (ج): مع.
(٨) «الروض الأنف» ١/ ٢٨١.



التعبير عن معمر قَالَ: وفتر الوحي فترة حتَّى حزن النبي - ﷺ - فيما بلغنا [حزنا] (١) غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه يتراءى لَهُ جبريل -عليه السلام- فقال: يا محمد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن لذلك جأشه وتقر عينه حتَّى يرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذَلِكَ فإذا أوفى بذروة جبل يتراءى لَهُ جبريل فقال لَهُ مثل ذَلِكَ (٢). وهذا من بلاغات معمر، ولم يسنده ولا ذكر راويه ولا أنه - ﷺ - قاله، ولا يعرف هذا إلا من النبي - ﷺ - مع أنه قَدْ يحمل عَلَى أنه كان في أول الأمر قبل رؤية جبريل كما جاء مبينًا عن ابن إسحاق عن بعضهم (٣)، أو أنه فعل ذَلِكَ لما أحرجه تكذيب قومه كما قَالَ تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الكهف: ٦]، أو خاف أن الفترة لأمر أو سبب فخشي أن تكون عقوبة من ربه ففعل ذَلِكَ بنفسه، ولم يرد بعد شرع بالنهي عن ذَلِكَ فيُعترض به، ونحو هذا فرار يونس حين تكذيب قومه، نبه عَلَى ذَلِكَ القاضي عياض (٤).
السادس بعد الستين: فيه جواز تزكية الرجل بما فيه من الخير للأوصاف السالفة التي ذكرتها خديجة، وليس بمعارض لحديث: «احثوا في وجوه المداحين التراب» (٥) فإن ذَلِكَ إذا مدح بباطل وبما ليس في الممدوح.

-------------------
(١) زيادة يقتضيها السياق من البخاري.
(٢) سيأتي برقم (٦٩٨٢). كتاب: التعبير، باب: أول ما بدى به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة.
(٣) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٠١.
(٤) «الشفا تعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض ٢/ ١٠٤ - ١٠٥.
(٥) رواه مسلم (٣٠٠٢) كتاب: الزهد والرقائق، باب: المؤمن أمره كله خير. من حديث المقداد.



تتمات:
أحدها: في جبريل تسع لغات جمعها ابن الأنباري قرى ببعضها، أفصحها: جبرئيل، وبها قرأ أهل الكوفة واسمه بالعربية عبد الله، واسم ميكائيل (عبيد) (١) الله كذا رواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن عكرمة (٢)، وقال السهيلي: هو سرياني ومعناه: عبد الرحمن أو عبد العزيز كذا جاء عن ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا والموقوف أصح، وأكثر الناس عَلَى أنه آخر الاسم منه هو الله تعالى وهو إيل، وذهبت طائفة إلى أن الإضافة في هذِه الأسماء مقلوبة. وإيل هو العبد وأوله اسم من أسمائه تعالى، والجبر عند العجم هو (إصلاح) (٣) ما وَهَى فوافق معناه من جهة العربية فإن في الوحي إصلاح ما فسد وجبر ما وهَى من الدين، ولم يكن هذا الاسم معروفًا بمكة ولا بأرض العرب؛ ولهذا (أنه) (٤) - ﷺ - لما ذكره لخديجة انطلقت لتسأل من عنده علم من الكتاب كعَدّاس ونسطور الراهب فقالا: قدوس قدوس ومن أين هذا الاسم (بهذِه) (٥) البلاد (٦).
ثانيها: ذكر ابن إسحاق في «السيرة» رؤيته لجبريل عليهما السلام عند قوله: «اقرأ» وهو صاف قدميه (٧)، وفي حديث جابر أنه رآه عَلَى

----------------------
(١) في (ج): عبد.
(٢) أورد السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ١٧٦ نحوه عن ابن عباس وعزاه لابن أبي حاتم والبيهقي في «الشعب» والخطيب في «المتفق والمفترق».
(٣) في (ج): الصلاح.
(٤) كذا بالأصل، ولعل الصواب: فإنه.
(٥) في الأصل هذا، والمثبت هو الصواب.
(٦) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٢ - ٢٧٣.
(٧) «سيرة ابن إسحاق» ص ١٠٢ (١٤٠).



رفرف بين السماء والأرض، وفي رواية: واقفًا بينهما، وفي رواية: على عرش بين السماء والأرض (١) وفي رواية لمسلم: فإذا هو عَلَى العرش في الهواء (٢). وفي حديث البخاري الذي ذكره في آخر «الجامع» أنه حين فتر الوحي كان يأتي شواهق الجبال -أي: عاليها- يهم بأن يلقي نفسه منها فكان جبريل يتراءى لَهُ بين السماء والأرض فيقول له: يا محمد أنت رسول الله (٣).
ثالثها: نقلنا عن «السيرة» فيما مضى أن ورقة قَالَ: ليكذبنه وليؤذينه، وينبغي أن يعلم أنه لا ينطق بهذِه الهاء إلا ساكنة؛ لأنها هاء السكت وليست بهاء إضمار كما نبه عليه السهيلي (٤)، وقال الخشني (٥): كذا الرواية وقد كان يحتمل أن يكون ضمير انتصب بالفعل.
رابعها: في «السيرة» من حديث عمرو بن شرحبيل أن الصديق دخل عَلَى خديجة وليس رسول الله، ثمَّ ذكرت خديجة لَهُ ما رآه فقالت: يا عتيق، اذهب مع محمد إلى ورقة. فلما دخل - ﷺ - أخذ أبو بكر بيده فقال: انطلق بنا إلى ورقة. فقال: «ومش أخبرك؟»، فقال: خديجة،

---------------------
(١) رواه مسلم (١٦١/ ٢٥٨). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٣) سيأتي برقم (٦٩٨٢) كتاب: التعبير، باب: أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصالحة.
(٤) «الروض الأنف» ١/ ٢٧٣.
(٥) هو الإمام الحافظ المتقن اللغوي العلامة، أبو الحسن، محمد بن عبد السلام بن ثعلبة الخشني الأندلسي القرطبي، صاحب التصانيف، أريد على قضاء الجماعة فامتنع، وتصدر لنشر الحديث، وكان أحد الثقات الأعلام، توفي الخشني سنة ست وثمانين ومائتين، وكان من أبناء الثمانين رحمه الله انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٥٩ (٢٢٧١)، «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٦٤٩.



فانطلقا إليه فقصا عليه، فقال: «إِذَا خلوت وحدي سمعت نداء خلفي: يا محمد يا محمد، فأنطلق هاربًا في الأرض»، فقال له: لا تفعل إِذَا أتاك فاثبت حتَّى تسمع ما يقول ثمَّ ائتني فأخبرني، فلما خلا ناداه: يا محمد، قل: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ [الفاتحة: ١ - ٢] حتَّى بلغ ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] قل: لا إله إلا الله، فأتى ورقة فذكر ذَلِكَ له، فقال لَهُ ورقة: أبشر ثمَّ أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم، إنك عَلَى مثل ناموس موسى وإنك نبي مرسل وإنك ستؤمر بالجهاد بعد يومك هذا ولئن أدركني ذَلِكَ لأجاهدن معك، فلما توفي ورقة قَالَ - ﷺ -: «لقد رأيتُ القسَّ في الجَنَّةِ عليه ثياب الحرير، لأنه آمَنَ بي وصدَّقني»، يعني: ورقة (١).
وروينا في «سير سليمان بن طرخان التيمي» أنها ركبت إلى بحيرا بالشام فسألته عن جبريل فقال لها: قدوس يا سيدة قريش، أنَّى لك بهذا الاسم؟ فقالت: بعلي وابن عمي أخبرني أنه يأتيه، فقال: ما علم به إلا نبي فإنه السفير بين الله وبين أنبيائه، وإن الشيطان لا يجترئ أن يتمثل به ولا أن يتسمى باسمه.
وفي «الأوائل» لأبي هلال من حديث سويد بن سعيد: حَدَّثَنَا الوليد بن محمد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن خديجة خرجت إلى الراهب وورقة وعداس فقال ورقة: أخشى أن يكون أحد شبه بجبريل فرجعت وقد نزل: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (١)﴾ [القلم: ١] فلما قرأ - ﷺ - هذا على ورقة قَالَ: أشهد أن هذا كلام الله. فيجمع بين هذِه الأخبار بأن خديجة رضي الله عنها ذهبت به مرة، وأرسلته مع

-----------------------
(١) «سيرة ابن إسحاق» ص ١١٢ - ١١٣ (١٥٧).


الصديق أخرى وسافرت إلى بحيرا أو غيره مرة أخرى، وهذا لشدة اعتنائها بسيد المرسلين صلوات الله وسلامه (عليه) (١).
خامسها: روى ابن إسحاق في «السيرة» من حديث عبد الله بن حسن بن حسن، عن أمه فاطمة بنت الحسين أن خديجة أدخلته بين ثوبيها لتختبر الملك بذلك لنفسها لا لَهُ - ﷺ -، وقيل: إن ورقة أمرها أن تختبر الأمر بذلك (٢).
سادسها: قوله فيما مضى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، قَالَ أبو عبيدة المعنى: اقرأ اسم ربك والباء زائدة، قَالَ المفسرون يعني: اذكر اسمه مفتتحًا به قراءتك، وإنما قَالَ: ﴿الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١]؛ لأن الكفار كانوا يعلمون أنه الخالق دون أصنامهم، والإنسان ها هنا: ابن آدم، والعلق: جمع علقة وهي دم عبيط جامد، وقيل: إنما سميت علقة لرطوبتها وتعلقها بما تمر به، ولما كان الإنسان في معنى الجماعة ذكر العلق جمعًا، وقوله: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ٣]، تكرير للتاكيد ثمَّ استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وهو الذي لا يوازيه كريم ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ يعنى الكتابة، ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ هو: الخط والصنائع.

----------------------
(١) في (ف): عليهما.
(٢) «سيرة ابن إسحاق» ص ١١٤.



٤ - باب
٤ - قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن ان جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأنصَارِيَّ قَالَ- وَهُوَ يحدث عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ: «بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ على كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ إِلَى قَوْلهِ: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ. تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأبو صَالِحِ. وَتَابَعَهُ هِلَالُ بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَر: بَوَادِرُة. [٣٢٣٨، ٤٩٢٢، ٢٩٢٣، ٤٩٢٤، ٤٩٢٥، ٤٩٢٦، ٤٩٥٤، ٦٢١٤ - مسلم ١٦١ - فتح ١/ ٢٧]
الحديث الرابع:
قَالَ البخاري رحمه الله:
قَالَ ابن شِهَابٍ وَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ الأَنْصَارِيَّ قَالَ -وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الوَحْيِ فَقَالَ- فِي حَدِيثِهِ:»بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، فَرُعِبْتُ مِنْهُ، فَرَجَعْتُ فَقُلْت: زَمِّلُو نِي. فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتتابَعَ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث اتفقا عليه، أخرجه البخاري هنا وفي الأدب (١)، وفي التفسير أتم من هذا، وأوله عن يحيى بن أبي كثير قَالَ: سألت

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٦٢١٤) باب: رفع البصر إلى السماء.


أبا سلمة بن عبد الرحمن عن أول ما نزل من القرآن قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: يقولون: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله عن ذَلِكَ قُلْتُ لَهُ مثل الذي قُلْتَ. فقال جابر: لا أحدثك إلا ما حَدَّثَنَا رسول الله - ﷺ -، قَالَ: «جاورت بحراء شهرًا فلما قضيت جواري» ثمَّ ذكر نحوه (١). وقال في التفسير: حَدَّثَنَا يحيى بن بكير، ثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب ح، و(ثنا) (٢) عبد الله بن محمد، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري أخبرني فذكره (٣)، وأخرجه مسلم بالفاظ (٤).
ثانيها: في التعريف برجاله:
أما جابر بن عبد الله فهو أبو عبد الله ويقال: أبو محمد ويقال: أبو عبد الرحمن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام -بالحاء المهملة والراء- (٥) بن عمرو بن شاردة بن تزيد -بالتاء المثناة فوق- بن جُشَم -بضم الجيم وفتح الشين المعجمة- بن الخزرج الأنصاري السلمي -بفتح السين واللام وحكي في لغة كسرها- المدني أحد الستة المكثرين.
رُوي لَهُ عن النبي - ﷺ - ألف حديث وخمسمائة حديث وأربعون حديثًا، أخرجا لَهُ مائتي حديث وعشرة أحاديث، اتفقا منها عَلَى ثمانية وخمسين، وانفرد البخاري بستة وعشرين، ومسلم بمائة وستة وعشرين، وهو من فضلاء الصحابة وكبارهم. روى عنه بنوه محمد

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٤٩٢٢). كتاب التفسير، سورة المدثر، باب (١).
(٢) في (ج): حدثني.
(٣) سيأتي برقم (٤٩٢٥) باب: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾.
(٤) مسلم (١٦١) كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.
(٥) في (ف): ابن حزام -بالحاء المهملة والزاي، وما أثبتناه من (ج)، وهو الصواب.



وعقيل وعبد الرحمن وغيرهم. شهد العقبة مع أبيه -يعني: الثانية- مع السبعين وكان أبوه أحد النقباء الاثني عشر، وكان جابر أصغرهم يومئذ.
وقال عن نفسه: غزوت مع النبي - ﷺ - تسع عشرة غزوة لم أشهد بدرًا ولا أحدًا، منعني أبي. أخرجه مسلم (١)، واستغفر لَهُ النبي - ﷺ - ليلة البعير خمسًا وعشرين مرة (٢)، أمه نُسَيْبة بنت عقبة بن عدي.
مات بعد أن عمي سنة ثمان أو ثلاث أو أربع أو تسع وسبعين وقيل: سنة ثلاث وستين وكان عمره أربعًا وتسعين سنة، وصلى عليه أبان بن عثمان والي المدينة.
وكان أبيض الرأس واللحية يصفرهما بالورس. وكان يحفي شاربه ويؤم قومه وهو أعمى، وهو آخر الصحابة موتًا بالمدينة، وقال أبو نعيم: إنما هو آخر العقبيين موتًا بالمدينة (٣)، وقال يعقوب بن

------------------------
(١) مسلم (١٨١٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: عدد غزوات النبي - ﷺ -.
(٢) حديث رواه الترمذي (٣٨٥٢)، والطيالسي ٣/ ٢٩٧ - ٢٩٨ (١٨٤٠)، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٦٩ (٨٢٤٨)، وابن حبان ١٦/ ٩١ (٧١٤٢)، والحاكم ٣/ ٥٦٥، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٣٠٨ من طريق حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر به.
قال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الألباني في «المشكاة» (٦٢٣٨): على شرط مسلم، وفيه عنعنة أبي الزبير اهـ. قلت: فلعله لهذِه العلة أشار إلى ضعفه في «ضعيف الترمذي».
ورواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٩٢ (٥٨٩٤)، «الصغير» ٢/ ٨٧ - ٨٨ (٨٣٢) من طريق جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر به.
قلت: جابر ضعيف، قال الحافظ في «التقريب» (٨٧٨): ضعيف رافضي.
(٣) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٢/ ٥٢٩، انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٤٣٨، و«معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ١٣٦ (١٤٠)، «الاستيعاب» ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣ (٢٩٠)، «أسد الغابة» ٣/ ٣٠٧ - ٣٠٨ (٦٤٧)، «الإصابة» ١/ ٢١٣ (١٠٢٦).



سفيان الفسوي (١): آخرهم موتًا بالمدينة جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سناد (٢)، لا جابر هذا.
فائدة:
جابر بن عبد الله في الصحابة ثلاثة: هذان، وجابر بن عبد الله الراسبي، نزيل البصرة (٣)، وأما جابر في الصحابة فأربعة وعشرون نفرًا.
فائدة ثانية:
جابر بن عبد الله في غير الصحابة خمسة:
أحدهم: سلمي يروي عن أبيه، عن كعب الأحبار.
ثانيهم: محاربي عنه الأوزاعى.
ثالثهم: غطفاني روى عن عبد الله بن الحسن العلوي.
رابعهم: مصري، عنه يونس بن عبد الأعلى.

-----------------------------
(١) هو الإمام الحافظ الحجة الرحال، محدث إقليم فارس، أبو يوسف، يعقوب بن سفيان بن جوان الفارسي، من أهل مدينة فسا، لهُ تاريخ كبير جم الفوائد، و«مشيخته» في مجلد، قال النسائي: لا بأس به، توفي في سنة سبع وسبعين ومائتين، مات قبل أبي حاتم الرازي بشهر.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٠٨، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٣٢٤ (٧٠٨٨)، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ١٨٠ (١٠٦)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٧١.
(٢) جابر بن عبد الله بن رئاب بن النعمان بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن
سلمة الأنصاري السلمي. شهد بدرًا وأحدًا والخندق وسائر المشاهد.
انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٤٤٩، و«معجم الصحابة» لابن قانع ١٢/ ١٣٩ (١٤٤)، و«الاستيعاب» ١/ ٢٩٢ (٢٨٩)، و«أسد الغابة» ١/ ٣٠٦ - ٣٠٧ (٦٤٦).
(٣) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ١/ ٢٩٣ (٢٩١)، «أسد الغابة» ١/ ٣٠٦ (٦٤٥)، «الإصابة» ١/ ٢١٤ (١٠٢٨).



خامسهم: يروي عن الحسن البصري وكان كذابًا.
فائدة ثالثة:
جابر يشتبه بجاثر -بالمثلثة بدل الموحدة-، وبخاتر -بخاء معجمة ثمَّ ألف ثمَّ مثناة فوق ثمَّ راء- فالأول: القبيلة التي بعث الله منها صالحًا وهم ثمود بن جاثر بن إرم بن سام بن نوح وأخوه جَديس بن جاثر، والثاني: سابر خاتر مغن لَهُ أخبار وحكايات مشهورة.
وأما أبو سلمة فهو عبد الله أو إسماعيل -أو اسمه كنيته أقوال- بن عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري المدني التابعي الإمام الجليل المتفق عَلَى إمامته وجلالته وثقته، وهو أحد الفقهاء السبعة عَلَى أحد الأقوال كما سلف في ترجمة عروة، سمع جمعًا من الصحابة والتابعين، وعنه خلائق من التابعين منهم الشعبي فمن بعدهم، قَالَ ابن سعد: كان ثقة فقيهًا كثير الحديث (١).
وقال الزهري فيما حكاه ابن أبي خيثمة: كان (أبو سلمة) (٢) يماري ابن عباس فحُرم من ذَلِكَ علمًا كثيرًا (٣).
وقال محمد بن عبد الله بن أبي يعقوب: قدم علينا أبو سلمة وكان صبيحًا كأن وجهه دينار هرقلي (٤)، أمه تُماضر -بضم التاء المثناة فوق وكسر المعجمة- بنت الأصبغ الكلبية من أهل دومة الجندل، وهي أول كلبية نكحها قرشي وهي التي طلقها عبد الرحمن بن عوف في

---------------------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٥٧.
(٢) في (ف): الزهري، وما أثبتناه من (ج)، وهو الصواب.
(٣) «التاريخ الكبير» لابن أبي خيثمة ٢/ ١٣٨.
(٤) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٥/ ١٥٦.



مرضه فورثها عثمان، وخالفه ابن الزبير.
وروى ابن سعد بإسناده أنه - ﷺ - بعث عبد الرحمن بن عوف إلى كلب وقال له: «إن استجابوا لك فتزوج ابنة ملكهم أو سيدهم» فلما قدم عبد الرحمن دعاهم إلى الإسلام فاستجابوا وأقام من أقام عَلَى إعطاء الجزية، فتزوج عبد الرحمن تماضر بنت الإصبغ بن عمرو ملكهم (١)، ولم تلد لعبد الرحمن غير أبي سلمة. مات بالمدينه سنة أربع وتسعين عن اثنتين وتسعين في خلافة الوليد، قَالَ ابن سعد: وهذا أثبت من قول من قَالَ: إنه توفي سنة أربع ومائة (٢). وأما الزهري فسلف في الحديث قبله.
فائدة:
هذا الإسناد كله مدنيون، وفيه أيضًا رواية تابعي عن تابعي.
الوجه الثالث: الأنصاري سلف في الحديث الأول بيان نسبة الأنصار وسبب تسميتهم.
الرابع: في ألفاظه ومعانيه وفوائده:
الأول: فترة الوحي احتباسه بعد متابعته وتواليه في النزول كما سلف في آخر الحديث قبله.
الثاني: قوله: («بَيْنَا أَنَا أَمْشِي») قَالَ الجوهري: (بينا) فَعْلَى، أشبعت الفتحة فصارت ألفا ويزاد عليها (ما) فيقال: بينما والمعنى

-----------------------
(١) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٩٨.
(٢) انظر ترجمه أبي سلمة في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ١٥٧، «التاريخ الكبير» ٥/ ١٣٠ (٣٨٥)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٩٣ (٤٢٩)، «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٣٧٠ (٧٤٠٩).



واحد تقول: بينا نحن نرقبه أتانا، وكان الأصمعي يخفض بعد بينا إِذَا صلح في موضعه بين، وغيره يرفع ما بعد بينا وبينما عَلَى الابتداء (١).
الثالث: قوله: («فَرُعِبْتُ مِنْهُ») هو بضم الراء وكسر العين ويجوز فتح الراء وضم العين قَالَ القاضي عياض (٢): قيده الأصيلي بهذا وغيره بالأول عَلَى ما لم يسم فاعله وهما صحيحان، حكاهما الجوهري (٣).
قالَ يعقوب: رَعُبَ، ورُعِبَ. واقتصر النووي في القطعة التي لَهُ على هذا الكتاب، عَلَى الأول وقال بعضهم: الرواية بضم العين واللغة بفتحها حكاه السفاقسي (٤)، والرعب: الخوف، تقول: رعبته فهو مرعوب إِذَا أفزعته، ولا يقال: أرعبته، تقول: رَعَبَ الرجل على وزن فعل كضرب بمعنى خوفه، هذا إِذَا عديته فإن ضممت العين قُلْتَ: رَعُبْتُ منه وإن بنيته لما لم يسم فاعله ضممت الراء فقلت: رُعِبْتُ منه، وفي البخاري في التفسير (٥) ومسلم هنا: «فجُئِثْتُ منه» بالجيم ثمَّ همزة مكسورة بعدها مثلثة (٦)، قَالَ القاضي: كذا هو للكافة في الصحيحين، ولبعضهم بجيم ثمَّ مثلثتين قَالَ: ومعناها فرعبت

------------------------
(١) «الصحاح» ٥/ ٢٠٨٤ - ٢٠٨٥، مادة (بين).
(٢) «مشارق الأنوار» للقاضي عياض ١/ ٢٩٤.
(٣) «الصحاح»١/ ١٣٦.
(٤) هو العدل المعمر المسند الفقيه شرف الدين أبو بكر محمد بن الحسن بن عبد السلام بن عتيق بن محمد التميمي السفاقسي، المالكي، ابن أخت الحافظ علي بن المفضل المقدسي، يقال: إنه ناب في القضاء بالثغر وقتًا، توفي سنة أربع وخمسين وستمائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٢٩٥ (٢٠٢)، «الوافى بالوفيات» ٢/ ٣٥٢ (٨١٦)، «شذرات الذهب» ٥/ ٢٦٦.
(٥) سيأتي برقم (٤٩٢٥). كتاب: التفسير، سورة المدثر، باب: وثيابك فطهر.
(٦) مسلم (١٦١/ ٢٥٥). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.



منه (١)، وفي بعض الروايات: («حتَى هويت إلى الأرض») أي: سقطت، أخرجها مسلم (٢)، وفي بعضها «فأخذتني رجفة» (٣) وهي كثرة الاضطراب، والمعنى في كلها متقارب.
الرابع: قوله: («فَقُلْتُ زَمِّلونِي زَمِّلونِي») كذا هو في أكثر الأصول.
وفي بعضها: «زَمِّلُونِي» مرة، وللبخاري في التفسير (٤)، ولمسلم أيضًا: «دثروني» (٥) وهو كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الخامس: قوله («فَأَنْزَلَ اللهُ -عز وجل- ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾») وهذا مما اغتر به جماعة فزعموا أن أول ما نزل من القرآن ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ وقد سلف بيان ذَلِكَ في الحديث قبله، وأنه أيضًا مما أنزل من القرآن أول.
قَالَ أبو حاتم ابن حبان في «صحيحه»: ليس بين الخبرين تضاد إذ الله أنزل: ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق:١] وهو في الغار بحراء، فلما رجع إلى بيته دثرته خديجة وصبت عليه الماء البارد، فأنزل عليه في بيتها: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾ (٦).
وكذا قَالَ أبو العباس القرطبي: إن حديث جابر أولى من حديث عائشة؛ إذ حديثها بحراء وحديثه بعد أن رجع إلى خديجة فدثروه (٧).
والمدثر والمزمل والمتلفف والمشتمل بمعنى، وسماه تعالى بذلك

-----------------------
(١) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٠ - ٤٩١.
(٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٦). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٣) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٤) سيأتي برقم (٤٩٢٢، ٤٩٢٤).
(٥) مسلم (١٦١/ ٢٥٧). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٦) «صحيح ابن حبان» ١/ ٢٢١.
(٧) «المفهم» ١/ ٣٧٦ - ٣٧٧.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #32  
قديم 18-01-2026, 05:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 311 الى صـــ 330
الحلقة (32)





إيناسًا وتلطفا، ثمَّ الجمهور عَلَى أن معناه: المدثر بثيابه. وحكى الماوردي عن عكرمة أن معناه: المدثر بالنبوة وأعبائها (١).
ومعنى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾: حذر العذاب من لم يؤمن، وفيه دلالة على أنه أمر بالإنذار عقب نزول الوحي؛ للإتيان بفاء التعقيب، وإنما أمر بالإنذار دون البشارة وهو - ﷺ - قد أرسل بشيرًا ونذيرًا؛ لأن البشارة إنما تكون لمن دخل في الإسلام ولم يكن إذ ذاك من دخل فيه، ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣)﴾ [المدثر: ٣]، أي: عَظّمه ونَزّهه عما لا يليق به.
﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤]، إما من النجاسة -عَلَى مذهب الفقهاء- وإما تقصيرها، وقيل المراد بالثياب: النفس أي: طهرها من كل نقص أي: اجتنب النقائص.
﴿وَالرُّجْزَ﴾ بكسر الراء في قراءة الأكثرين، وقرأ حفص عن عاصم بضمها (٢)، وهي: الأوثان في قول الأكثر، وفي مسلم التصريح به (٣)، وفي التفسير عن أبي سلمة التصريح به (٤)، وقيل: الشرك وقيل: الذنب وقيل: الظلم، وأصل الرجز في اللغة: العذاب، وسمي عبادة الأوثان وغيرها من أنواع الكفر رجزًا؛ لأنه سبب العذاب.
السادس: قوله: (فَحَمِيَ الوَحْيُ وَتَتَابَعَ) هما بمعنى فأكد أحدهما بالآخر، وحَمِي -بفتح الحاء وكسر الميم- معناه: كثر نزوله وازداد من قولهم: حميت النار والشمس أي: كثرت حرارتها، ومنه قولهم: حمي الوطيس. والوطيس: التنور، استعير للحرب، وإنما عبرت

--------------------------
(١) «تفسير الماوردي» ٦/ ١٣٥. وروى الطبري نحوه مسندًا ١٢/ ٢٩٧ (٣/ ٣٥٣).
(٢) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٦/ ٣٣٨.
(٣) مسلم ١٦١/ ٢٥٥. كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٤) سيأتي (٤٩٢٦). كتاب التفسير، سورة المدثر، باب: قوله: والرجز فاهجر.



بقولها: فحمي تتميمًا منها للتمثيل الذي مثلت به أولًا، وهو كونها جعلت الرؤيا كمثل فلق الصبح؛ فإن الضوء لا يشتد إلا مع قوة الحر وألحقت ذَلِكَ بقولها: وتتابع، لئلا يقع التمثيل بالشمس من كل الجهات؛ لأن الشمس يلحقها الأفول والكسوف ونحوهما وشمس الشريعة باقية عَلَى حالها لا يلحقها نقص.
السابع: قوله: («فَإِذَا المَلَكُ الذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ») الكرسي معروف، وضَمُّ كافِهِ أفصح، والأشهر من كسرها، وجمعه: كراسي بتشديد الياء وتخفيفها لغتان، وكذا كل ما كان من هذا النحو مفرده مشددًا جاز في جمعه التشديد والتخفيف كسرية وعارية ونظائرهما، كما نبه عليه ابن السكيت (١) في «إصلاحه»، ورواية العرش التي أسلفناها في أواخر الحديث الذي قبله يفسرها الكرسي المذكور.
وقال أهل اللغة: العرش: السرير، وقال الماوردي في «تفسيره»: أصل الكرسي: العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم: كراسة (٢).
وقيل في قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، أي: علمه (٣)، من

------------------------
(١) هو شيخ العربية، أبو يوسف، يعقوب بن إسحاق بن السكيت البغدادي النحوي المؤدب، له كتاب «إصلاح المنطق» ديِّن خَيِّرٍ، حجة في العربية، وله من التصانيف نحو من عشرين كتابًا. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٤/ ٢٧٣، «وفيات الأعيان» ٦/ ٣٩٥، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ١٦ (٢)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٠٦.
(٢) «تفسير الماوردي» ١/ ٣٢٥.
(٣) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ١١ (٥٧٨٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٤٩٠ - ٤٩١ (٢٥٩٩)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» ١/ ٣٠٨ - ٣٠٩ (٢٣٣)، من طريق جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: =



قولهم: كرس الرجل إِذَا ازدحم علمه على قلبه، وقرأ طاوس كرسيه بالكسر (١).
الثامن: قوله: («جَالِسٌ») كذا الرواية في البخاري، وفي مسلم «جالسًا» (٢)، قَالَ النووي: كذا هو في الأصول وهو منصوب على الحال (٣).
التاسع: قَالَ القاضي: في هذا الحديث تحقيق العلم بتصور الملائكة على صور مختلفة وإقدار الله لهم عَلَى التركيب في أي شكل شاءوا من صور بني آدم وغيرهم، وأن لهم صورًا في أصل خلقهم مخصوصة بهم، كل منهم عَلَى ما خلق عليه (٤). وقد جاء في مسلم عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] قَالَ: رأى جبريل في صورته له ستمائة جناح (٥). وذكره البخاري في

--------------------------
= ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] قال: كرسيه علمه، قلت: وزاد السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٥٨٠ عزوه إلى عبد بن حميد وابن المنذر.
(١) وهي إحدى روايات يعقوب ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ﴾. انظر «مختصر في شعراء القرآن» لابن خالويه ص ٢٢.
(٢) مسلم (١٦١/ ٢٥٥). كتاب: الإيمان، باب: بدء الوحي.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٢/ ٢٠٩.
(٤) «إكمال المعلم» ١/ ٤٩٣.
(٥) مسلم (١٧٤) كتاب: الإيمان، باب: في ذكر سدرة المنتهى. لكن بدون ذكر هذِه الآية، بل ذكر مسلم قول ابن مسعود ثلاث مرات في كل مرة آية غير التي ذكر وهذِه الآيات هي: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩)﴾ [النجم: ٩]، ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى (١١)﴾ [النجم: ١١]، ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ [النجم: ١٨]، أما ماذكره المصنف من أنها ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ [النجم: ١٣] فقد جاءت عند أحمد: ١/ ٤١٢، ٤٦٠، ٦/ ٢٤١، والبزار في «مسنده» ٥/ ٢٠٧ (١٨٠٩)، وأبي يعلى فى «مسنده» ٩/ ٢٤٣ - ٢٤٤ (٥٣٦٠)، والشاشى فى «مسنده» ٢/ ١٢٥ (٦٦٢)، والطبراني في «الكبير» ٩/ ٢١٧ (٩٠٥٥) وروى مسلم (١٧٥) من حديث أبي هريرة في قوله تعالى: ولقد رآه نزلة أخرى. قال رأى جبريل.



بدء الخلق أيضًا (١)، قَالَ العلماء: رآه على هذِه الصورة مرتين، قَالَ تعالى: ﴿رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [فاطر: ١] قَاَل اهل التفسير: أى فى خلق الملائكه فى الأجنحة كجبريل ونحوه من الملائكة، وكذا جاء في إلبخاري في بدء الخلق، عن ابن مسعود أيضًا في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩] قال: رأى جبريل له ستمائة جناح (٢). وفي حديث عائشة: رأى جبريل سادًّا ما بين الأفق (٣).
العاشر: فيه إظهار لقدرة الله تعالى؛ إذ جعل الهواء للملائكة يتصرفون فيه كيف شاءوا، كما جعل الأرض لبني آدم يتصرفون فيها كيف شاءوا، فهو ممسكهما بقدرته وأراه ذلك بقوته له؛ حتَّى يرجع إلى عين اليقين (٤).
قَالَ البخاري -رحمه الله-: تَابَعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ وَأَبُو صَالِحٍ.
وَتَابَعَهُ هِلَال بْنُ رَدَّادٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ. وَقَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُهُ.
الكلام عليه من وجوه:
الأول:
الضمير في: (تابعه) أولًا، يعود عَلَى يحيى بن بكير شيخ البخارى،

---------------------
(١) سيأتي برقم (٣٢٣٢) باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٣٢). باب: إذا قال أحدكم: آمين.
(٣) سيأتي برقم (٣٢٣٤) كتاب: بدء الخلق، باب: إذا قال أحدكم: آمين، ورواه مسلم (١٧٧) كتاب: الإيمان، باب: معنى قول الله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ وهل رأى النبي - ﷺ - ربه ليله الإسراء؟
(٤) بهامش (ف): بلغ إبراهيم بن محمد الحلبي قراءة على المصنف بالمدرسة الشافعية وسمعه الحاضري وابن المصنف نور الدين والعاملي وابن رمح والبرموي […]، علاء الدين الحموي والفخر الرَّازي ومحب الدين ومحمد الميدومي وآخرون.



ومعناه: أن عبد الله وأبا صالح تابعا يحيى بن بكير. فرواه عن الليث ثلاثة يحيى وعبد الله وأبو صالح، والضمير في قوله: (وتابعه) ثانيًا يعود على عقيل أي: تابع هلال عقيلًا، رواه عن الزهري أيضًا، وهو متابعتان (في مرتين) (١)، والمتابعة الأولى أقوى كما أسلفناه في الفصول أول هذا الشرج.
وطريقتك في معرفة المتابعة الأولى: أن تنظر طبقة المتابع -بكسر الباء- فتجعله متابعًا لمن هو في طبقته؛ بحيث يكون صالحًا لذلك، ولهذا لم يُسم البخاري هنا المتابع عليه بخلاف الثانية فإنه سماه.
الثاني:
قوله: (وَقَالَ يُونسُ وَمَعْمَرٌ: بَوَادِرُةُ.) مراده: أن أصحاب الزهري اختلفوا في هذِه اللفظة، فروى عقيل، عن الزهري في الحديث: يرجف فؤاده. كما سلف (٢)، وتابعه عَلَى هذِه اللفظة هلال بن رداد (٣)، وخالفه يونس ومعمر فرويا عن الزهري: ترجف بوادره (٤).
الثالث: في التعريف بأحوال هؤلاء الرواة:
وقد سلف التعريف بالزهري في الحديث الثالث، وبعبد الله بن يوسف في الحديث الثاني.

--------------------------
(١) سقط من (ج).
(٢) الحديث السالف (٣)، وسيأتي أيضًا برقم (٣٣٩٢) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب ٢: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾. وكذا رواه مسلم ١٦٠/ ٢٥٤.
(٣) روى هذِه المتابعة الحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ١٥ بسنده من طريق الذهلي، وقال في «الفتح» ١/ ٢٨: حديث هلال بن رداد في «الزهريات» للذهلي.
(٤) رواية يونس ستأتي برقم (٤٩٥٣) كتاب: التفسير، ورواها مسلم (١٦٠/ ٢٥٣).



وأما أبو صالح فاسمه عبد الغفار بن داود بن مهران بن زياد بن داود بن ربيعة بن سليمان بن عمير البكري الحراني، ولد بإفريقية سنة أربعين ومائة، وخرج به أبوه وهو طفل إلى البصرة، وكانت أمه من أهلها، فنشأ بها وتفقه وسمع الحديث من حماد بن سلمة، ثم رجع إلى مصر مع أبيه فسمع من الليث بن سعد وابن لهيعة وغيرهما، وسمع بالشام إسماعيل بن عياش، و(بالجزيرة) (١) موسى بن أعين، واستوطن مصر وحدث بها فروى عنه جماعة من أهلها ومن الغرباء، وكان يكره أن يقال له: الحراني، وإنما قيل له: الحراني؛ لأن أخويه عبد الله وعبد الرحمن ولدا بها ولم يزالا بها، وحران مدينة بالجزيرة من ديار بكر، سميت بحران بن آزر أخي إبراهيم -عليه السلام- (٢). روى عنه يحيى بن معين والبخاري. وروى أبو داود عن رجل عنه وخرج له النسائي، وابن ماجه أيضًا. مات بمصر سنة أربع وعشرين ومائتين (٣).
فائدة:
أبو صالح في الرواة في مجموع الكتب الستة بزيادة أربعة عشر، هذا وأبو صالح الأشعري الشامي، وأبو صالح الأشعري أيضا ويقال: الأنصاري، وأبو صالح الجهني المصري -كاتب الليث بن سعد- اسمه عبد الله بن صالح -وأبو صالح الحارثي، وأبو صالح الحنفي اسمه عبد الرحمن بن قيس، ويقال: إنه ماهان، وأبو صالح الخوزي لا نعرف اسمه، وأبو صالح السمان ذكوان، وأبو صالح الغفاري

----------------------------
(١) في (ج): بالحيرة.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٣٥، «معجم البلدان» ٢/ ٢٣٥ - ٢٣٦.
(٣) انظر: ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ١٢١ (١٩٠٤)، «الجرح والتعديل» ٦/ ٥٤ (٢٨٩)، «الثقات» ٨/ ٤٢١، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٢٢٥ - ٢٢٨ (٣٤٨٦).



سعيد بن عبد الرحمن، وأبو صالح المكي محمد بن زنبور، روى عن عيسى بن يونس، وأبو صالح مولى طلحة بن عبيد الله القرشي التيمي، وأبو صالح مولى عثمان بن عفان، وأبو صالح مولى ضباعة اسمه مينا، وأبو صالح مولى أم هانى اسمه باذان، وكلهم تابعيون خلا ابن زنبور وكاتب الليث، وبعضهم عدَّ الأخير صحابيًّا وله حديث رواه الحسن بن سفيان (١) في «مسنده»، وليس في الصحابة على تقديرها من يكتني بهذِه الكنية غيره، واحترزت بقولي: في الكتب الستة بزيادة عن أبي صالح الواقع في غيرها فإنهم جماعات فوق العشرة وقد بين ذَلِكَ الرامهرمزي في «فاصله» (٢).
وأما هلال بن رداد (٣) فبراء في أوله وبدالين الأولى مشددة، وهو طائي حمصي الكناني الكاتب، أخرج له البخاري هنا متابعة لعقيل، وليس لَهُ ذكر في البخاري إلا في هذا الموضع ولم يخرج لَهُ باقي الكتب الستة، روى عن الزهري، وعنه ابنه أبو القاسم محمد. قَالَ الذهلي: كان كاتبًا لهشام، ولم يذكره البخاري في «تاريخه»، ولا ابن

------------------------
(١) هو الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، الإمام الحافظ الثبت، أبو العباس الشيباني الخراساني النسوي، صاحب «المسند» ولد سنة بضع وثمانين ومائتين، وهو أسن من بلديه الإمام أبي عبد الرحمن النسائي، وماتا معًا في عام، قال الحاكم: كان الحسن بن سفيان -محدث خراسان في عصره- مقدمًا في الثبت والكثرة والفهم والفقه والأدب، وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الرازي: ليس للحسن في الدنيا نظير. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٣/ ١٦، «سير أعلام النبلاء» ١٤/ ١٥٧ (٩٢)، «الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٢.
(٢) «المحدث الفاصل» ص ٢٨٧ - ٢٩٣.
(٣) انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٣٣٣ (٦٦١٧)، «ميزان الاعتدال» ٥/ ٤٣٨ (٩٢٦٦)، «لسان الميزان» ٥/ ٤١٦ (٨٢٢٧).



أبي حاتم في كتابه، وإنما ذكر ابن أبي حاتم ولده محمدًا (١)، وليس لَهُ ذكر في الكتب الستة، قَالَ ابن أبي حاتم: هلال بن رداد مجهول. ولم يذكره الكلاباذي في رجال الصحيح رأسا.
وأما يونس فهو أبو يزيد يونس بن يزيد، ويقال بعد يزيد: ابن مشكان بن أبي النجاد -بكسر النون- الأيلي -بفتح الهمزة وبالمثناة- القرشي مولى معاوية بن أبي سفيان، وأخو أبي علي بن يزيد، وعم عبسة بن خالد بن يزيد سمع خلقًا من التابعين، منهم: القاسم وعكرمة وسالم ونافع والزهري وغيرهم، وعنه الأعلام جرير بن حازم وهو تابعي فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والأوزاعي والليث وخلق، وكان الزهري إِذَا قدم أيلة نزل عليه وإذا سار إلى المدينة زامله يونس، وقال أحمد: ما أجد أعلم بحديث الزهري من معمر إلا ما كان من يونس فإنه كتب كل شيء.
وقال يحيى: يونس أسند من معمر وهما ثقتان وكان معمر أَجَل، وفي رواية عنه: يونس أسند من الأوزاعي -يعني: عن الزهري- وقال يحيى أيضًا: أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ويونس وعقيل وشعيب وابن عيينة، وقال أحمد بن صالح: نحن لا نقدم في الزهري على يونس أحدًا. وأما وكيع فقال: ذاكرت يونس بأحاديث الزهري المعروفة فجهدت أن يقيم لي حديثًا فما أقامه، وفي لفظ: فلم يكن يحفظ. حكاه العجلي (٢).

--------------------------
(١) «الجرح والتعديل» ٨/ ١١٦ (٥١٥) حيث قال: محمد بن هلال بن رداد الكناني الشامي، سمع أباه، سمعت أبي يقول ذلك، ويقول: هو مجهول.
(٢) «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٣٨٠، والعجلي هو الإمام الحافظ الأوحد الزاهد، أبو الحسن، أحمد بن عبد الله بن صالح بن مسلم، العجلي الكوفي، نزيل مدينة =



وقال خالد بن نزار (١) فيما حكاه المنتجالي: كان الأوزاعي يحصي على يونس بن يزيد. مات سنة تسع وخمسين ومائة بمصر، روى له الجماعة (٢).
فائدة:
في يونس ستة أوجه بتثليث النون مع الجمزة وعدمه، والضم بلا همز أفصح (٣).
وأما معمر فهو أبو عروة معمر بن أبي عمرو، راشد الحداني الأزدي مولاهم عالم اليمن شهد جنازة الحسن البصري، وسمع خلقًا من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأيوب وقتادة، وعنه جماعات من التابعين منهم: عمرو بن دينار وأبو إسحاق السبيعي وأيوب ويحيى بن أبي كثير وهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، وعنه أيضا جماعات غيرهم منهم: ابن جريج وشعبة وابن المبارك، قَالَ عبد الرزاق: سمعت منه عشرة آلاف حديث، وآخر من حدث عنه محمد بن كبير

--------------------------
= طرابلس المغرب، قال بعض العلماء: لم يكن له بالمغرب شبيه، ولا نظير في زمانه في معرفة الغريب وإتقانه، وفي زهده وورعه، وسئل ابن معين عنه فقال: هو ثقة ابن ثقة. توفي سنة إحدى وستين ومائتين. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٤/ ٢١٤، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٥٠٥ (١٨٥)، «الوافي بالوفيات» ٧/ ٧٩.
(١) هو ابن المغيرة بن سليم الغساني مولاهم، أبو يزيد الأيلي، والد طاهر بن خالد بن نزار، روى له أبو داود والنسائي، توفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين. انظر: «تهذيب الكمال» ٨/ ١٨٤ (١٦٥٧).
(٢) انظر ترجمة يونس في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٥٢٠، «التاريخ الكبير» ٨/ ٤٠٦ (٣٤٩٦)، «معرفة الثقات» للعجلي ٢/ ٣٧٩ (٢٠٦٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٢٤٧ (١٠٤٢)، «تهذيب الكمال» ٣٢/ ٥٥١ (٧١٨٨).
(٣) ذكره النووي في «شرح مسلم» ١/ ٧٤.



الصنعاني. قَالَ معمر: جلست إلى قتادة وأنا ابن أربع عشرة سنة فما سمعت منه حديثًا إلا كأنه ينقش في صدري. ولما دخل معمر اليمن كرهوا أن يخرج من بينهم فقال رجل: قيدوه فزوجوه. مات باليمن سنة أربع أو ثلاث أو اثنتين وخمسين ومائة، عن ثمان وخمسين سنة، وقيل: مات سنة خمسين ومائة.
وقال أبو القاسم الطبراني (١): كان معمر بن راشد وسلم بن أبي الذيال فقدا فلم ير لهما أثر (٢)، قَالَ الخطيب: حدث عنه عمرو بن دينار المكي وعبد الرزاق بن همام وبين وفاتيهما ست -وقيل: خمس- وثمانون سنة (٣)، ثم أعلم أن معمرًا له أوهام معروفة احتملت له في سعة ما أتقن، قَالَ أبو حاتم: صالح الحديث وما حدث به بالبصرة ففيه أغاليط (٤)، وضعفه يحيى بن معين في روايته عن ثابت (٥).

---------------------------
(١) هو الإمام الحافظ الثقة الرحال الجوال، محدث الإسلام، أبو القاسم، سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير اللخمي الشامي الطبراني، صاحب المعاجم الثلاثة، كان ممن كتب عمن أقبل وأدبر، وبرع في هذا الشأن، وجمع وصنف وعمر دهرًا طويلًا، وازدحم عليه المحدثون، ورحلوا إليه من الأقطار، من تصانيفه: «السنة» و«الدعاء» و«مسند شعبة» ومسند الشاميين«ولم يزل حديث الطبراني رائجًا نافقًا مرغوبًا فيه. توفي لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ستين وثلاث مائة. انظر ترجمته في:»المنتظم«٧/ ٥٤،»وفيات الأعيان«٢/ ٤٠٧،»سير أعلام النبلاء«١٦/ ١١٩ (٨٦)،»شذرات الذهب«٣/ ٣٠.
(٢)»المعجم الكبير«١١/ ١٥٦ عقب حديث (١١٣٤٨).
(٣)»السابق واللاحق«للخطيب البغدادي ص ٣١٧ (١٩٣) ط. الصميعي.
(٤)»الجرح والتعديل«٨/ ٢٥٧.
(٥) انظر ترجمته في:»الطبقات الكبرى«٥/ ٥٤٦،»التاريخ الكبير«٧/ ٣٧٨. (١٦٣١)،»الجرح والتعديل«٨/ ٢٥٧ (١١٦٥)،»ثقات ابن حبان«٧/ ٤٨٤،»تهذيب الكمال" ٢٨/ ٣٠٣ (٦١٠٤).



فائدة:
ليس في الصحيحين معمر بن راشد غير هذا بل ليس فيهما من اسمه معمر غيره، نعم في «صحيح البخاري» معمر بن يحيى بن سام الضبي وقيل: إنه بتشديد الميم روى له البخاري حديثًا واحدًا في الغسل (١)، وفي الصحابة معمر ثلاثة عشر (٢)، وفي الرواة معمر في الكتب الأربعة ستة (٣)، وفيها مُعَمَّر بالتشديد يخلف خمسة (٤)، وفي غيرها خلق: معمر بن بكار شيخ لمُطَيَّن في حديثه وهم (٥)، ومعمر بن

-------------------
(١) سيأتي برقم (٢٥٦) باب: من أفاض على رأسه ثلاثًا، وستأتي ترجمة معمر بن يحيى هناك- إن شاء الله.
(٢) منهم: معمر الأنصاري، ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدي بن سعد، ومعمر بن الحارث بن معمر، ومعمر بن حبيب، ومعمر بن حزم بن زيد النجاري، ومعمر والد أبي جزامة السعدي، ومعمر بن أبي سرح بن ربيعة، ومعمر بن عبد الله بن نضلة، ومعمر بن عثمان، ومعمر بن كلاب، ومعمر غير منسوب، ومعمر بن رباب بن حذيفة الجمحي، ومعمر بن عبد الله بن عامر بن إياس. وانظر تراجمهم مفصلة في: «أسد الغابة» ٥/ ٢٣٤ - ٢٣٧ (٥٠٣٣ - ٥٠٤٣)، و«الإصابة» ٣/ ٤٤٨ - ٤٤٩ (٨١٤٤ - ٨١٥٥).
(٣) هم: معمر بن أبي حبيبة، ومعمر بن راشد الأزدي، ومعمر بن عبد الله بن حنظلة، ومعمر بن المثنى، ومعمر بن مخلد الجزري، ومعمر بن يحيى بن سام. وانظر تراجمهم في: «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٠٢ - ٣١٤، ٣١٦ - ٣٢٣ (٦١٠٣ - ٦١٠٥، ٦١٠٧ - ٦١٠٩).
(٤) هم: مُعَمَّر بن سليمان النخعي، ومُعَمَّر بن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع، ومُعَمَّر بن يعمر الليثي، هؤلاء ثلاثة لا خلاف أنهم مُعَمَّر بالتشديد، أما مُعَمَّر بن مخلد السروجي، ومُعَمَّر بن يحيى بن سام، فاختلف فيهما، فقيل: مَعْمَر، بالتخفيف، وقد مر ذكرهما في مَعْمَر بالتخفيف، وقيل: بالتشديد، وكذا ذكرهما صاحب «تهذيب الكمال» بالتخفيف والتشديد، انظر تراجمهم في: «تهذيب الكمال» ٢٨/ ٣٢٦ - ٣٣١ (٦١١٠ - ٦١١٢).
(٥) انظره في «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٧٨ (٨٦٨٠)، و«لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٥).



الحسن الهذلي مجهول وحديثه منكر (١)، ومعمر بن زائدة لا يتابع على حديثه (٢)، ومعمر بن زيد مجهول (٣)، ومعمر بن أبي سرح مجهول (٤)، ومعمر بن عبد الله، عن شعبة لا يتابع عَلَى حديثه (٥)، وغير ذَلِكَ مما ذكرته في «مشتبه النسبة» (٦).
فائدة ثانية:
هاتان المتابعتان اشتملتا على مدني ومصري وحمصي ويمني كما أوضحته لك.
الوجه الرابع:
البوادر بفتح الباء الموحدة جمع بادرة وهي: اللحمة التي بين المنكب والعنق تضطرب عند فزع الإنسان، قَالَ أبو عبيدة: تكون من الإنسان وغيره، وقال الأصمعي: الفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف، التي لا تزال ترعد من الدابة وجمعها فرائص.
وقال ابن سيده في «المخصص»: البادرتان من الإنسان لحمتان فوق

----------------------------
(١) انظره في: «الكامل» لابن عدي ٦/ ٤٢٧ (١٩٠٤)، «الميزان» ٥/ ٢٧٨ (٨٦٨١)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٦).
(٢) انظره في: «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٧٩ (٢٦٨٣)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٧).
(٣) انظره في: «التاريخ الكبير» ٨/ ٣٧٨ (١٦٣٠)، «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٧٩ (٨٦٨٤)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٨).
(٤) انظره في: «الجرح والتعديل» ٨/ ٢٥٥ (١١٦١)، «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٨٠ (٢٦٨٥)، «اللسان» ٦/ ٦٨ (٨٥٦٩).
(٥) انظره في: «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٨٠ (٨٦٨٨)، «لسان الميزان» ٦/ ٦٨ (٨٥٧٢).
(٦) في باب (مَعْمَر ومُعَمَّر) انظر: «المؤتلف والمختلف» للدارقطني ٤/ ٢٠٢٤ - ٢٠٢٧، «الإكمال» لابن ماكولا ٧/ ٢٦٩ - ٢٧٠، «توضيح المشتبه» لابن ناصر الدين ٨/ ٢٢٢ - ٢٢٥.



الرغثاوين وأسفل الثندوة. قَالَ: وقيل: هما جانبا الكركرة، وقيل: هما عرقان يكتنفانها (١)، قَالَ: والبادرة من الإنسان وغيره. وقال في «أماليه»: ليست للشاة بادرة، ومكانها صردغة للشاة وهما الأوليان تحت صليفي العنق لا عظم فيها، وادعى الداودي أن البوادر والفؤاد واحد، والذي عند أهل اللغة ما سقناه.
وحين انقضى الكلام عَلَى حديث عائشة وجابر في بدء الوحي فلنختمه بدرر التقتطها من بحر سيدي أبي محمد عبد الله بن سعد بن أبي جمرة الأزدي الأندلسي بلدي، والدي تغمدهما الله برحمته، وهو حديث اشتمل على أحكام وآداب وقواعد من أصول الدين والسلوك والترقي:
والدرة الأولى: أن الهداية منه لا بسبب؛ لأنه - ﷺ - جبل عَلَى الخير ابتداء من غير أن يكون معه من يحرضه عليه فحبب إليه الخلاء، لأنها عبادة.
الثانية: مداومة العبادة لتحنثه الليالي.
الثالثة: أن التبتل الكلي والانقطاع الدائم ليس من السنة، فإنه - ﷺ - لم ينقطع في الغار وترك أهله.
الرابعة: أن العبادة لا تكون إلا مع إعطاء الحقوق الواجبة وتوفيتها؛ لأنه - ﷺ - لم يكن يرجع إلى أهله إلا لإعطاء حقهم، فكذا غيره من الحقوق.
الخامسة: أن الرجل إِذَا كان صالحًا في نفسه تابعًا للسنة يرجى (أن) (٢) الله تعالى يؤنسه بالمرائي الحميدة إِذَا كان في زمان مخالفة وبدع.

--------------------------
(١) انظر: «تاج العروس» ٦/ ٦٣.
(٢) في (ج): من.



السادسة: أن البداءة ليست كالنهاية؛ لأنه - ﷺ - أول ما بدئ في نبوته بالمرائي ثم ترقى حتَّى جاءه الملك يقظة، ثمَّ ما زال في الترقي حتَّى كان كقاب قوسين أو أدنى. كذلك الأتباع يترقون في مقام الولايات ما عدا مقام النبوة حتَّى ينتهوا إلى مقام المعرفة والرضا، فمن نال مقامًا فدام عليه بأدبه ترقى إلى ما هو أعلى منه، ويشهد لذلك ما حكي عن بعضهم أنه ما زال في الترقي إلى أن سرى سره من سماء إلى سماء إلى قاب قوسين أو أدنى فنودي: هنا سري بذات محمد السنية حيث سري بسرك (١).
--------------------------
(١) هذا الكلام مردود، وهو من شطحات الصوفية، وما يلبسه الشيطان عليهم، فهم يقولون: إنه ينبغي للمريد أن يختلي بنفسه مدة معينة، كأربعين يومًا مثلما واعد الله موسى -عليه السلام-، ثم بعد ذلك يحصل الخطاب والتنزل، كما يقولون في غار حراء: حصل بعده نزول الوحي.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٣٩٤ - ٣٩٥: وهذا غلط فإن هذِه ليست شريعة محمد - ﷺ -، بل شرعت لموسى -عليه السلام- كما شرع له السبت، والمسلمون لا يسبتون، فهذا تمسك بشرع منسوخ، وكذلك تمسك بما كان قبل النبوة.
وقد جرب أن من سلك هذِه العبادات البدعية أتته الشياطين، وحصل له تنزل شيطاني، وخطاب شيطاني، وبعضهم يطير به شيطانه، وأعرف من هؤلاء عددًا طلبوا أن يحصل لهم من جنس ما حصل للأنبياء من التنزيل فنزلت عليهم الشياطين: لأنهم خرجوا عن شريعة النبي - ﷺ - التي أمروا بها أهـ.
وقال أيضا في ١٠/ ٣٩٦ - ٣٩٧: وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع، وليس هو بكلام يعقل، ولا فيه إيمان، ولهذا صار بعض من يأمر به من المتأخرين يبين أنه ليس قصدنا ذكر الله تعالى، ولكن جمع القلب على شيء معين حتى تستعد النفس لما يرد عليها، فكان يأمر مريده بأن يقول هذا الاسم مرات، فإذا اجتمع قلبه أُلقي عيه حالًا شيطانيًّا فيلبسه الشيطان، ويخيل إليه أنه قد صار في الملأ الأعلى، وأنه أعطي ما لم يعطه محمد - ﷺ - ليلة المعراج ولا موسى -عليه السلام- يوم الطور، وهذا وأشباهه وقع لبعض من كان في زماننا أهـ.



السابعة: أن المربي أفضل من غيره.
الثامنة: أن الأولى بأهل البداءة الخلوة والاعتزال ولما صار مآله - ﷺ - إلى ما صار كان إِذَا سجد غمز أهله فتضم رجلها حيث سجد.
التاسعه: أن الخلوة عون الإنسان عَلَى تعبده وصلاحه (١).
العاشرة: مشروعية التسبب في الزاد لدخول الخلوة أو المعتكف، إظهار لوصف العبودية وفي مخالفته نوع ادعاء، ولهذا كان بعض أهل الطريق إِذَا دخل خلوته أخذ رغيفًا وألقاه تحت وسادته، وواصل

--------------------------
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٣٩٣ - ٣٩٤: وأما الخلوات فبعضهم يحتج فيها بتحنثه بغار حراء قبل الوحي، وهذا خطأ فإن ما فعله - ﷺ - قبل النبوة، إن كان قد شرعه بعد النبوة فنحن مأمورون باتباعه فيه، وإلا فلا.
وهو من حين نبأه الله تعالى لم يصعد بعد ذلك إلى غار حراء، ولا خلفاؤه الراشدون، وقد أقام صلوات الله عليه بمكة قبل الهجرة بضع عشرة سنة، ودخل مكة في عمرة القضاء، وعام الفتح أقام بها قريبًا من عشرين ليلة، وأتاها في حجة الوداع، وأقام بها أربع ليالٍ، وغار حراء قريب منه ولم يقصده، وذلك أن هذا كانوا يأتونه في الجاهلية، لأنه لم تكن لهم هذِه العبادات الشرعية التي جاء بها بعد النبوة صلوات الله عليه، كالصلاة والاعتكاف في المساجد، فهذِه تغني عن إتيان حراء بخلاف ما كانوا عليه قبل نزول الوحي. أهـ.
ثم قال في ١٠/ ٣٩٦: وأصحاب الخلوات فيهم من يتمسك بجنس العبادات الشرعية: الصلاة والصيام والقراءة والذكر، وأكثرهم يخرجون إلى أجناس غير مشروعة أهـ.
وقال في ١٠/ ٤٠٣: ومما يأمرون به الجوع والسهر والصمت مع الخلوة بلا حدود شرعية، بل سهر مطلق، وجوع مطلق، وصمت مطلق مع الخلوة -كما ذكر ذلك ابن عربي وغيره- وهي تولد لهم أحوالًا شيطانية أهـ.
وقال في ١٠/ ٤٠٤: فأما الخلوة والعزلة والانفراد المشروع فهو ما كان مأمورًا به أمر إيجاب أو استحباب، فالأول كاعتزال الأمور المحرمة ومجانبتها، وأما اعتزال الناس في فضول المباحات وما لا ينفع، وذلك بالزهد فيه فهو مستحب أهـ.



أيامًا. ولأن في اتخاذه أيضًا قطع تشوف النفس وقلقها والفيض من الله.
الحادية عشرة: أن المرء إذا خرج لتعبده يُعلِم أهله؛ لأنه معرض هو وهم للآفات، ولأن فيه إدخال السرور عليهم (بإعلامه لهم) (١)، وفيه أيضًا الإعلام بموضعه ليرافق في التعبد والانقطاع.
الثانية عشرة: أن الشغل اليسير الضروري لا يكون قاطعًا للعبادة؛ لأنها أخبرت أنه - ﷺ - كان يتحنث الليالي ولم تذكر ذَلِكَ في رجوعه إلى أهله، فدل عَلَى أن ذَلِكَ هو الكثير.
الثالثة عشرة: جواز التورية، وهي إظهار شيء والمراد خلافه إِذَا كان فيه مصلحة؛ لأن جبريل كان يعلم أنه - ﷺ - غير قارئ، ولكن قَالَ له ذَلِكَ؛ ليتوصل به إلى ما يريد من الغط كما سلف، وكذلك كان - ﷺ - إِذَا خرج إلى جهة ورى بغيرها، ولو كان غطه له بغير سبب؛ لكان ذَلِكَ زيادة في النفور والوحشة.
الرابعة عشرة: أن أمر السائل إِذَا كان يحتمل وجهين أو وجوهًا فيجاب بأظهرها ويترك ماعداها؛ لأنه لما كان لغط جبريل -عليه السلام- يحتمل طلب القراءة منه - ﷺ - ابتداء وهو الأظهر ويحتمل طلبها منه لما يلقى إليه، وهو المقصود في هذا الموضع لما ظهر بعد، أجاب - ﷺ - بالأظهر وهو المعهود من الفصحاء في مخاطباتهم.
الخامسة عشرة: فيه دلالة لمن ذهب من العلماء أن أول الواجبات الإيمان دون النظر، والاستدلال شرط كمال لا شرط صحة؛ لأن قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١]، تمت به الفائدة وحصل به الإيمان المجزئ، وقوله بعده ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق ١: ٢]

-------------------------
(١) في (ج): بإعلامهم.


هو طلب النظر والاستدلال وهو زيادة كمال الإيمان؛ لأنهم أكمل الناس إيمانًا، ويشهد لذلك الحديث الصحيح: «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا لا إله إلا الله» (١) ولم يشترط نظرًا ولا استدلالًا.
السادسة عشرة: سر نزول هذِه السورة أولًا: أنها دلت منطوقًا ومفهومًا على ما تضمنه القرآن إجمالًا، فإن كل ما في القرآن من آيات الإيمان والتوحيد والتنزيه دل عليه مضمون اسم الربوبية، وما كان فيه من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والندب والإرشاد، والمحكم والمتشابه دل عليه مضمون مقتضى حكمة الربوبية، وما كان فيه من استدعاء الفكر والنظر والاستدلال وما أشبه ذَلِكَ دل عليه متضمن قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق:١ - ٢]، وما كان فيه من المغفرة والرحمة والإيناس والإنعام والترجي والإحسان والإباحة، وما أشبه ذَلِكَ دل عليه متضمن كرم الربوبية، ثمَّ بعد هذا الإجمال نزلت الآيات مفصلة ولما كملت قَالَ الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
السابعة عشرة: فيه إشارة إلى التسلي والصبر عند نزول الحوادث والوعد بالنصر كما في خلقه أولًا علقة، ثمَّ طوره وأخرجه إلى الوجود، فالإخراج يقابله الخروج، والتطوير يقابله التغيير.
الثامنة عشرة: جواز تأديب المعلم للمتعلم وقد مضى.

-------------------------
(١) سيأتي برقم (٢٥) كتاب: الإيمان، باب: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، ورواه مسلم (٢٢) كتاب: الإيمان باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا .. من حديث ابن عمر.
وسيأتي أيضًا برقم (١٣٩٩) كتاب: الزكاة، باب: وجوب الزكاة، ورواه مسلم (٢٠، ٢١) من حديث أبي هريرة.



التاسعة عشرة: أن كتاب الله تعالى لا يؤخذ إلا بقوة؛ لأن جبريل ضمه - ﷺ - إليه ليتلقى الأمر بأهبة، ويأخذه بقوة، وقد قَالَ تعالى ليحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢].
العشرون: أن بالغط يحصل في الباطن قوة تعين عَلَى حمل الملقى إليه.
الحادية بعد العشرين: مذهب أهل السنة أن النوع الإنساني أفضل من الملائكة (١)، وإنما حصل لجبريل هذِه القوة؛ لأنه كان حاملًا لكلام الله تعالى في ذَلِكَ الوقت.

----------------------
(١) سئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن هذِه المسألة فأجاب بأن صالحي البشر أفضل باعتبار كمال النهاية والملائكة أفضل باعتبار البداية، فجن الملائكة الآن في الرفيق الأعلى منزهين عما يلابسه بنو آدم، مستغرقين في عبادة الرب، ولا ريب أن هذِه الأحوال الآن أكمل من أحوال البشر. وأما يوم القيامة بعد دخول الجنة فيصير صالحو البشر أكمل من حال الملائكة أهـ. «مجموع الفتاوى» ٤/ ٣٤٣.
قال ابن القيم رحمه الله معقبًا على كلام شيخه كما في «بدائع الفوائد» ٣/ ١٤٠: وبهذا التفصيل يتبين سر التفضيل وتتفق أدلة الفريقين، ويصالح كل منهم على حقه أهـ. وقال ابن أبي العز الحنفي في «شرح العقيدة الطحاوية» ٢٨١ - ٢٩٠ وقد تكلم الناس في المفاضلة بين الملائكة وصالحي البشر، وينسب إلى أهل السنة تفضيل صالحي البشر والأنبياء على الملائكة، وإلى المعتزلة تفضيل الملائكة، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع في ذلك قولًا ......... ثم قال: وكنت ترددت في الكلام على هذِه المسألة، لقلة ثمرتها وأنها قريب مما لا يعني ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه أهـ. ثم قال وحاصل الكلام أن هذِه المسالة من فضول المسائل، ولهذا لم يتعرض لها كثير من أهل الأصول أهـ. وكذا قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين كما في «المجموع الثمين» ص ١٣٨.
قلت: ولمن أراد زيادة بيان في هذِه المسألة فليراجع «مجموع الفتاوى» ٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢، «شرح العقيدة الطحاوية»ص ٢٨١ - ٢٩٠، «الحبائك في أخبار الملائك» للسيوطي ص ١٥٦ - ١٧٨، «لوامع الأنوار البهية» للسفاريني ٢/ ٣٩٨ - ٤٠٩.



الثانية بعد العشرين: فيه دلالة لما تقوله الصوفية أن التحلي لا يكون بعد التخلي فتخلى أولًا بالجهد ثمَّ تحلى بإلقاء الوحي إليه (١).
الثالثة بعد العشرين: حكمة الغط ثلاثًا من غير زيادة ولا نقصان

-----------------------
(١) هذا الكلام فيه حق وباطل، فالصوفية يقولون إن على المريد أن يختلي، وأن يفرغ قلبه من كل شيء، بل قد يأمر أن يجلس في مكان مظلم ويغطي رأسه، ويقول: الله. الله. الله أو هو. هو. هو .. فإذا فعل ذلك فرغ قلبه واستعد كي ينزل على قلبه من المعرفة ما هو المطلوب، بل قد يقولون: إنه يحصل له من جنس ما يحصل للأنبياء، ومنهم من يزعم أنه حصل له أكثر مما حصل للأنبياء، لذا فهم يقولون: إن النبوة مكتسبة، فإذا تفرغ صفا قلبه، وفاض على قلبه من جنس ما فاض على الأنبياء.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ١٠/ ٤٠٠ - ٤٠١: إن هذِه الطريقة لو كانت حقًّا فإنما تكون في حق من لم يأته رسول، فأما من أتاه رسول وأمر بسلوك طريق فمن خالفه ضل. وخاتم الرسلﷺ - قد أمر أمته بعبادات شرعية من صلاة وذكر ودعاء وقراءة، لم يأمرهم قط بتفريغ القلب من كل خاطر وانتظار ما ينزل.
فهذِه الطريقة لو قدر أنها طريق لبعض الأنبياء لكانت منسوخة بشرع محمد - ﷺ -، فكيف وهي طريقة جاهلية لا توجب الوصول إلى المطلوب إلا بطريق الاتفاق، بأن يقذف الله تعالى في قلب العبد إلهامًا ينفعه، وهذا قد يحصل لكل أحد ليس هو من لوازم هذِه الطريق.
ولكن التفريغ والتخلية التي جاء بها الرسول - ﷺ - أن يفرغ قلبه مما لا يحبه الله ويملؤه بما يحبه الله، فيفرغه من عبادة غير الله ويملؤه بعبادة الله وكذلك يفرغه عن محبة غير الله ويملؤه بمحبة الله، وكذلك يخرج عنه خوف غير الله ويدخل فيه خوف الله تعالى، وينفي عنه التوكل على غير الله ويثبت فيه التوكل على الله. وهذا هو الإسلام المتضمن للإيمان الذي يمده القرآن ويقويه، لا يناقضه وينافيه، كما قال جندب وابن عمر: تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا أهـ.
قلت: أما إذا كان التخلي تخليًا عن الرذائل، والتحلي تحليًا بالفضائل، فهذا لا بأس به بل هو مطلوب شرعًا كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة، والله أعلم.



وجهان: أحدهما: أن البشرية فيها عوالم مختلفة منها العقل وموافقة الملك، ومنها النفس والطبع والشيطان وموافقتهم الهوى والغفلة والعادة المذمومة، وهي أشدها لقول الأمم الماضية: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وقد قَالَ الأطباء: إن العادة طبع خامس، فكانت تلك الغطات مذهبة لتلك الخصال الثلاثة وموافقيها، وبقي العقل والملك (اللذين) (١) هما قابلان للحق والنور، وإن كان - ﷺ - مطهرًا من الشيطان ومثل ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] وثيابه لا شك في طهارتها عَلَى كل تأويل، لكن هذا مقتضى الحكمة في تكليف البشرية وترقيها.
الثاني: أن (الدين) (٢) عَلَى ثلاث مراتب إيمان وإسلام وإحسان، فكانت تلك الغطات مبالغة في التحلي بكلها؛ لأن إيمانهم أقوى من إيمان أتباعهم لعلو مقامهم.
الرابعة بعد العشرين: فيه دلالة عَلَى أن التحلي مكتسب وفيض من الرب ﷻ، وقد جمعا له - ﷺ - بالتحنث والغط، وقد يجتمعان لأفراد من أمته، وقد ينفرد بعض بالكسب وبعض بالفيض كالفضيل (٣)

-------------------------
(١) كذا في الأصول و«بهجة النفوس».
(٢) في (ج): الإيمان. وهو الذي في «بهجة النفوس».
(٣) هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر، الإمام القدوة الثبت، شيخ الإسلام، أبو علي التميمي، المجاور بحرم الله، قال النضر بن شميل: سمعت الرشيد يقول: ما رأيت في العلماء أهيب من مالك، ولا أورع من الفضيل، روي في زهده وورعه الكثير.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٤/ ٤٧، «تهذيب الكمال» (١١٠٤)، «سير أعلام النبلاء» ٨/ ٤٢١ (١١٤)، «تذكرة الحفاظ» ١/ ٢٤٥، «شذرات الذهب» ١/ ٣٦١.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #33  
قديم 18-01-2026, 05:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 331 الى صـــ 350
الحلقة (33)





وابن أدهم (١) وكثير ما هم (٢).
الخامسة بعد العشرين: أن الإنسان إنما يخاطب أولًا بما يعرف أنه يصل إلى فهمه بسرعة من غير مشقة ولا بحث يحتاج إليه؛ لأن الله تعالى قد أحال نبيه - ﷺ - عَلَى أن ينظر أولًا في خلق نفسه بقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ٢] ولم يقل له: الذي خلق السموات والأرض والأفلاك وغير ذلك، وإنما قَال له ذَلِكَ بعد ما تقرر له خلق نفسه.
السادسة بعد العشرين: أن الفكرة أفضل الأعمال؛ لأن في ضمن قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ ما يستدعي الفكرة فيما قبل حتى يحصل بذلك القطع. وليس الإيمان به بعد الفكرة كالإيمان به بديهة. ولهذا المعنى أشار - ﷺ - فيما روي عنه: «تفكر ساعة خير من عبادة سنة» (٣) وفي

--------------------------
(١) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر، القدوة الإمام العارف، سبد الزهاد، مولده في حدود المائة، وتوفي سنة اثنتين وستين ومائة. انظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٣٨٧ (١٤٢)، «الوافي بالوفيات» ٥/ ٣١٨، «شذرات الذهب» ١/ ٢٥٥.
(٢) انظر ما سبق في مسألة التخلي قبل التحلي.
(٣) روي هذا الحديث من عدة طرق وبألفاظ مختلفة. فرواه أبو الشيخ في «العظمة» (٤٤)، وابن الجوزي في «الموضوعات» (١٦٢٧) كلاهما من طريق عثمان بن عبد الله القرشي، قال: ثنا إسحاق بن نجيح الملطي، قال: ثنا عطاء الخراساني عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظ: «فكرة ساعة خير من عبادة ستين سنة».
قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، وفي الإسناد كذابان، فما أفلت وضعه من أحدهما إسحاق بن نجيح، قال أحمد: هو أكذب الناس، وقال يحيى: هو معروف بالكذب ووضع الحديث، وقال الفلاس: كان يضع الحديث على رسول الله - ﷺ - صُراحًا، والثاني: عثمان، قال ابن حبان: يضع الحديث على الثقات أهـ.
وقال العراقي في «تخريج الإحياء» (٤٣١٩): إسناده ضعيف!
وقال الألباني في «ضعيف الجامع» (٣٩٨٨)، و«الضعيفة» (١٧٣): موضوع. =



لفظ: «خير من عبادة الدهر» (١)؛ لأن المرء إِذَا تفكر قوي إيمانه.
السابعة بعد العشرين: أن المتفكر ينظر بعد العظمة والجلال في العفو والكرم؛ لأنه عَقّب ما مضى بقوله: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ [العلق: ٣].

-------------------------
= ورواه أبو الشيخ في «العظمة» (٤٣) من طريق عمار بن محمد، عن ليث، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، موقوفًا بلفظ: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وإسناده ضعيف؛ ليث هو ابن أبي سليم، قال الحافظ في «التقريب» (٥٦٨٥): صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك. ورواه ابن سعد ٧/ ٣٩٢، وهناد في «الزهد» (٩٤٣)، والبيهقي في «الشعب» ١/ ١٣٥ - ١٣٦ (١١٨) من طريق الأعمش عن عمرو بن مرة عن سالم بن أبي الجعد عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، موقوفًا بلفظ: تفكر ساعة خير من قيام ليلة. وكذا رواه أبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩ من طريق إبراهيم بن إسحاق ثنا قيس بن عمار الدهني عن سالم بن أبي الجعد عن معدان عن أبي الدرداء به.
ورواه أبو الشيخ (٤٩) عن عمر بن قيس الملائي قال: بلغني أن تفكر ساعة خير من عمل دهر من الدهر.
ورواه ابن أبي شيبة ٧/ ١٩٧ (٣٥٢١٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٢٧١ عن الحسن من قوله، بلفظ حديث أبي الدرداء.
ورواه الديلمي كما في «الفردوس» (٣٢٩٧) عن أنس بلفظ: تفكر ساعة في اختلاف الليل والنهار خير من عبادة ثمانين سنة.
قال العراقي (٤٣١٩): إسناده ضعيف جدًا.
وقال الألباني: رواه الديلمي بسنده إلى سعيد بن ميسرة سمعت أنس بن مالك يقول: تفكر ساعة .. الحديث وهو موضوع أيضًا؛ سعيد بن ميسرة، قال الذهبي: مظلم الأمر، وقال ابن حبان: يروي الموضوعات، وقال الحاكم: روى عن أنس موضوعات، وكذبه يحيى القطان. أهـ. «الضعيفة» ١/ ٣٢٢ بتصرف يسير.
وانظر: «تذكرة الموضوعات» ص ١٨٨ - ١٨٩، و«كشف الخفاء» ١/ ٣١٠ (١٠٠٤).
(١) انظر التخريج السابق.



الثامنة بعد العشرين: أن من أصابه أمرٌ له أن يتداوى بحسب ما اعتاد ما لم يكن حرامًا؛ لأنه - ﷺ - لما أن أصابه الرعب رجع إلى ما اعتاد من التدثير وقال: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي».
التاسعة بعد العشرين: طلب الاختصار لقوله، وأخبرها الخبر ولم يأت به الراوي مفصلًا.
الثلاثون: أن الواقع إِذَا وقع لأهل الطريق، وكان يحتمل التخويف والبشارة بحثوا عن الخوف وإن كان ضعيفًا.
الحادية بعد الثلاثين: جواز الحكم بالعادة، وذلك حيث لا خلل؛ لأن خديجة حكمت بما أجرى الله تعالى من عادته فيما ادعته، وورقة أخبر بأنه الناموس عملًا بالعادة.
الثانية بعد الثلاثين: جواز الحلف عَلَى العادة المجراة عَلَى العباد.
الثالثة بعد الثلاثين: أن المرء إذا أصابه أمر مهم له أن يحدث بذلك أهله ومن يعتقد من أصحابه إِذَا كانوا ذَا دين ونظر.
الرابعة بعد الثلاثين: أن من ادعى شيئًا فعليه أن يأتي بالدليل عَلَى صدق دعواه.
الخامسة بعد الثلاثين: أن المرء إذا وقع له واقع أن يسأل عنه أهل العلم والنهي.
السادسة بعد الثلاثين: جواز خروج المرأة مع زوجها.
السابعة بعد الثلاثين: أن من وصف أمرًا لا يزيد عَلَى ما فيه من الصفات الحميدة؛ لأن الراوي أخبر عن ورقة بما فيه من غير زيادة.
الثامنة بعد الثلاثين: أن أهل الفضل إِذَا استشاروا امرأ في شيء بادر المستشار في عونهم ومشاركتهم؛ لأن خديجة بادرت إلى الخروج من


غير أن تقول: امضى إلى فلان.
التاسعة بعد الثلاثين: أن المرء إِذَا عرضت له حاجة عند أهل الفضل فالسنة فيه أن يقدم إليه من يدل عليهم إن وجد ذَلِكَ؛ لأنه - ﷺ - لم يمض وحده لورقة وإنما مضى مع خديجة التي هي من قرابة ورقة.
الأربعون: أن من كان سفيرًا بين أهل الفضل أن يتحرز في كلامه بينهم ويعطي لكل واحد منهم مرتبته ومنزلته؛ لأن خديجة قالت لورقة: (اسمع من ابن أخيك)؛ لأنه أعز وأرفع له - ﷺ -، ولهذا لم تعبر بالابن لاقتضائه رفعة الأب عليه، ولا بالأخ؛ لاقتضائه المساواة.
الحادية بعد الأربعين: التقدم في الكلام عن أهل الفضل نيابة عنهم وترفيعًا لهم؛ لأن خديجة بادرت في الكلام لورقة قبله - ﷺ - خدمة له وتكريما.
الثانية بعد الأربعين: أن صاحب الواقعة أولى بذكرها من غيره؛ لأن خديجة رضي الله عنها أحالت عليه - ﷺ -.
الثالثة بعد الأربعين: تمني الخير لنفسه؛ لأن ورقة تمنى أن يكون جذعًا عند الرسالة.
الرابعة بعد الأربعين: أن العالم بالشيء يعرف مآله عَلَى جري العادة، له أن يحكم بالمآل إِذَا رأى المبادئ؛ لأن ورقة لما أن علم برسالته علم بإخراجه، وفيه أيضًا الحكم بالعادة.
الخامسة بعد الأربعين: أن التجربة تحدث علمًا زائدًا؛ فإنه - ﷺ - طرد الحُكْم وقاس عليه، وورقة أخبر بما جرت به العادة وأفادته التجربة، ولهذا قَالَ لقمان لولده: يا بني عليك بذوي التجارب.


السادسة بعد الأربعين: فيه دلالة للصوفية (١) في قولهم استصحاب العمل وترك الالتفات ودوام الإقبال؛ لأن النظر إلى (كثرة) (٢) العمل تورث الكسل، فكيف به إِذَا كان النظر لغير العمل؟ ومنه قولهم للوقت: سيف. المراد: اقطع الوقت بالعمل؛ لئلا يقطعك بالتسويف (٣).
---------------------------
(١) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ١١/ ٦٠٥: أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهورًا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك، وقد نُقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ: كالإمام أحمد بن حنبل، وأبي سليمان الداراني، وغيرهما. وقد روي عن سفيان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري، وتنازعوا في المعنى الذي أضيف إليه الصوفي، فإنه من أسماء النسب، كالقرشي، والمدني، وأمثال ذلك.
فقيل: إنه نسبة إلى أهل الصفة وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: صُفِّي. وقيل: نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله، وهو أيضًا غلط؛ فإنه لو كان كذلك لقيل: صَفِّيّ. وقيل: نسبة إلى الصفوة من خلق الله وهو غلط؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: صفوي، وقيل: نسبة إلى صوفة بن بشر بن أدّ بن طابخة، قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم، ينسب إليهم النساك، وهذا إن كان موافقًا للنسب من جهة اللفظ، فإنه ضعيف أيضًا؛ لأن هؤلاء غير مشهورين، ولا معروفين عند أكثر النساك، ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى، ولأن غالب من تكلم باسم الصوفي لا يعرف هذِه القبيلة، ولا يرضى أن يكون مضافًا إلى قبيلة في الجاهلية لا وجود لها في الإسلام. وقيل: -وهو المعروف- إنه نسبة إلى لبس الصوف أهـ. وقال في ١٠/ ٣٦٩: والنسبة في الصوفية إلى الصوف؛ لأنه غالب لباس الزهاد أهـ.
(٢) في (ج): أكثر.
(٣) انتهى كلام ابن أبي جمرة من «بهجة النفوس» ١/ ٨ - ٢٥ بتصرف.



٥ - باب
٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِى عَائِشَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ -فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَكُمْ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا رَأَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَرَّكَ شَفَتَيْهِ -فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِى صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩] ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِىُّ - ﷺ - كَمَا قَرَأَهُ. [٤٩٢٧، ٤٩٢٨، ٤٩٢٩، ٥٠٤٤، ٧٥٢٤ - مسلم ٤٤٨ - فتح ١/ ٢٩]
الحديث الخامس:
قال البخاري رحمه الله:
ثنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيل، ثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، ثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ، ثنَا سَعِيدُ بْن جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قَالَ: كَانَ رسول اللهِ - ﷺ - يعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّة، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ -قَالَ ابن عَبَّاس: فَأَنَا أُحَرِّكُهُمَا لَك كَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُحَرِّكُهُمَا. وَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا أُحَرِّكُهُمَا كَمَا كان ابن عَبَّاسٍ يُحَرِّكُهُمَا. فَحَركَ شَفَتَيْهِ -فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قَالَ: جَمْعُهُ لَك فِي صَدْرِكَ، وَتَقْرَأَهُ ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ. فَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - كَمَا كان قَرَأَ.


الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، عن موسى، عن أبي عوانة، وفي التفسير، وفضائل القرآن، عن قتيبة، عن جرير، كلهم عن موسى بن أبي عائشة، عن سعيد بن جبير (١).
وأخرجه مسلم في الصلاة عن إسحاق بن إبراهيم وقتيبة وغيرهما، عن جرير، وعن قتيبة، عن أبي عوانة كلاهما عن موسى بن أبي عائشة به (٢).
ولمسلم: فإذا ذهب قرأه كما وعده الله (٣). وللبخاري في التفسير: ووصف سفيان: يريد أن يحفظه (٤)، وفي أخرى: يخشى أن يتفلت منه (٥) ولمسلم في الصلاة: (لتعجل به) أخذه ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ [القيامة: ١٧]، إن علينا أن نجمعه في صدرك آية (وقرآنه) فتقرأه ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾. قَالَ: أنزلناه فاستمع له ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ أن نبينه بلسانك (٦).
ورواه الترمذاي من حديث سفيان بن عيينة، عن موسى، عن سعيد، عن ابن عباس قَالَ: كان رسول الله - ﷺ - إِذَا نزل عليه القرآن يحرك به لسانه

-----------------------
(١) سيأتي برقم (٤٩٢٩) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ وبرقم (٥٠٤٤) كتاب: فضائل القرآن، باب: الترتيل في القراءة.
(٢) مسلم (٤٤٨) كتاب: الصلاة، باب: الاستماع للقراءة.
(٣) مسلم (٤٤٨/ ١٤٧) كتاب: الصلاة، باب: الاستماع للقراءة.
(٤) سيأتي برقم (٤٩٢٧) كتاب: التفسير، سورة القيامة، باب: قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾.
(٥) سيأتي برقم (٤٩٢٨) كتاب: التفسير، سورة القيامة، باب: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾.
(٦) مسلم (٤٤٨/ ١٤٧). كتاب: الصلاة، باب: الاستماع للقراءة.



يريد أن يحفظه، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ [القيامة: ١٦]، قَالَ: فكان يحرك به شفتيه، وحرك سفيان شفتيه، ثمَّ قَالَ: حديث حسن صحيح (١).
الوجه الثاني: في التعريف برجاله:
أما ابن عباس فهو أبو العباس عبد الله بن عباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف الهاشمي ابن عم رسول الله - ﷺ -، أمه أم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث (٢)، أخت ميمونة أم المؤمنين، كان يقال له: الحبر والبحر؛ لكثرة علمه، وترجمان القرآن، وهو والد الخلفاء، وأحد العبادلة الأربعة، دعا له رسول الله - ﷺ - بالحكمة (٣)، والتفقه في الدين (٤) وتعلم التأويل (٥)، أي: تأويل القرآن، فأخذ عنه الصحابة

-----------------------
(١) الترمذي (٣٣٢٩) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة القيامة.
(٢) هي لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، من بني هلال بن عامر بن صعصعة، ينسبونها: لبابة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهرم بن رويبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، أم الفضل. انظر ترجمتها في: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٤٣٦ (٤٠٠٤)، «الاستيعاب» ٤/ ٤٦١ (٣٥١٤)، «أسد الغابة» ٧/ ٢٥٣ (٧٢٤٤)، «الإصابة» ٤/ ٣٩٨ (٩٤٢).
وهذِه الكبرى تمييزًا لها عن لبابة الصغرى، وهي لبابة بنت الحارث بن حزن الهلالية، أخت لبابة الكبرى، المتقدم ذكرها، ولبابة الصغرى هذِه هي أم خالد بن الوليد، في إسلامها وصحبتها نظر، قاله ابن عبد البر وتبعه ابن الأثير، انظر ترجمتها في: «الاستيعاب» ٤/ ٤٦٢ (٣٥١٥)، «أسد الغابة» ٧/ ٢٥٤ (٧٢٤٥)، «الإصابة» ٤/ ٣٩٨ (٩٤٣). وفيه رد للحافظ على ما أدعاه كل من ابن عبد البر وابن الأثير من عدم ثبوت صحبتها وإسلامها.
(٣) سيأتي برقم (٣٧٥٦) في فضائل الصحابة، باب: ذكر ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) سيأتي برقم (١٤٣) كتاب: الوضوء، باب: وضع الماء عند الخلاء.
(٥) رواه بتمامه أحمد في «المسند» ١/ ٢٦٦، ٣١٤، ٣٢٨، ٣٣٥، و«فضائل الصحابة» (١٨٥٦، ١٨٥٨)، وابن سعد ٢/ ٣٦٥، والضياء في «المختارة» ١٠/ =



ذَلِكَ ودعا له أيضًا فقال: «اللهم بارك فيه وانشر منه واجعله من عبادك الصالحين» (١).«اللَّهم زده علمًا وفقهًا» (٢) وهي أحاديث صحاح كلها كما قاله أبو عمر بن عبد البر (٣)، وفي البخاري أنه - ﷺ - ضمه إليه وقال: «اللَّهُمَّ علمه الكتاب» (٤). وتعظيم عمر بن الخطاب لَهُ وتقديمه عَلَى الكبار مشهور (٥). وهو أحد الستة المكثرين عن النبي - ﷺ -.
قَالَ الإمام أحمد: ستة من الصحابة أكثروا الرواية عن رسول الله - ﷺ - وعمروا: أبو هريرة، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وجابر بن عبد الله، وأنس - رضي الله عنهم -، وأبو هريرة أكثرهم حديثًا. وقال أيضًا: ليس أحد

-----------------------
= ٢٢١ - ٢٢٣ (٢٣٣ - ٢٣٥) من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».
قال الضياء: أخرج البخاري ومسلم: «اللهم فقهه في الدين»، ولم يخرجا: «وعلمه التأويل» وهذِه زيادة حسنة.
وقال الألباني في «الصحيحة» (٢٥٨٩): الحديث صحيح بهذا التمام.
(١) رواه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٥٥٠، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٣١٥ من حديث ابن عمر، دون قوله: «واجعله من عبادك الصالحين». قال أبو نعيم: تفرد ول داود بن عطاء المدني، قال ابن عدي: في حديثه بعض النكرة. وقال الحافظ في «التقريب» (١٨٠١): ضعيف.
(٢) رواه أحمد في «المسند» ١/ ٣٣٠، وكذا في «فضائل الصحابة» ٢/ ١٢١٢ (١٨٥٧)، و٢/ ١٢٢٥ (١٨٨٩)، و٢/ ١٢٣٣ (١٩٠٩)، والطبري في «تهذيب الآثار» في مسند عبد الله بن عباس (السفر الأول / ٢٦٤) من طريق عمرو بن دينار، عن غريب، عن ابن عباس قال: دعا لي رسول الله - ﷺ - أن يزيدني علمًا وفقهًا.
قال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٢٨٤: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) «الاستيعاب» ٣/ ٦٧.
(٤) سيأتي برقم (٧٥) كتاب: العلم، باب: قول النبي - ﷺ -: «اللهم علمه الكتاب».
(٥) من ذلك ما سيأتي برقم (٣٦٢٧) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام.



من الصحابة أكثر فتيا منه، ومناقبه في «الصحيح» وغيره جمة أفرذت بالتأليف منها: أنه - ﷺ - حنكه بريقه (١).
روى عن النبي - ﷺ - ألف حديث وستمائة وستين حديثًا، اتفقا منها عَلَى خمسة وتسعين، وانفرد البخاري بمائة وعشرين، ومسلم بتسعة وأربعين (٢).
ولد بالشعب قبل الهجرة بثلاث سنين وتوفي النبي - ﷺ - وهو ابن ثلاث عشرة سنة. وقال أحمد: خمس عشرة، والأول هو المشهور. وروى مجاهد عنه أنه قَالَ: رأيت جبريل مرتين (٣).

-----------------------
(١) رواه أبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٣/ ١٧٠١ (٤٢٥٧) عن مجاهد، وذكره ابن الأثير في «أسد الغابة» ٣/ ٢٩١.
(٢) قال السيوطي: أكثرهم حديثًا أبو هريرة، روى خمسة آلاف وثلائمائة وأربعة وسبعين حديثًا، اتفق الشيخان منها على ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين، ومسلم بمائة وتسعة وثمانين.
ثم ابن عمر روى ألفي حديث وستمائة وثلاثين حديثًا، ثم أنس بن مالك روى ألفين ومائتين وستة وثمانين حديثًا، ثم عائشه روت ألفين ومائتين وعشرة، ثم ابن عباس روى ألفًا وستمائة وستين حديثًا، وجابر بن عبد الله روى ألفًا وخمسمائة وأربعين حديثًا. أهـ «تدربب الراوي» ٢/ ٣١٠ - ٣١١ بتصرف.
وانظر: «علوم الحديث» ص ٢٩٦ - ٢٩٧، و«المقنع» ٢/ ٤٩٤ - ٤٩٥.
(٣) رواه أحمد في «فضائل الصحابة» ٢/ ١٢٣٣ - ١٢٣٤ (١٩١١)، والطبري في «تهذيب الآثار» (٢٥٩)، والطبراني ١٠/ ٢٦٤ (١٠٦١٥) من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن ابن عباس به.
وإسناده ضعيف؛ لضعف ليث بن أبي سليم، قال الحافظ في «التقريب» (٥٦٨٥): صدوق اختلط جدًا ولم يتميز حديثه فترك، ورواه الترمذي (٣٨٢٢)، وابن سعد ٢/ ٣٧٠، وأحمد في «فضائل الصحابة» (٢/ ١٠٦٨ - ١٠٦٩ (١٥٦١)، والطبري في «تهذيب الآثار» مسند ابن عباس (٢٦٠) من طريق ليث عن أبي الجهضم عن ابن عباس به. =



روى عنه جماعة من الصحابة منهم: أنس وابن عمر وخلق من التابعين. روى عنه أيضًا أخوه كثير بن العباس (١).
مات بالطائف، وقبره بها مشهور يزار. سنة ثمان وستين ابن إحدى وسبعين سنة عَلَى الصحيح في أيام ابن الزبير، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني هذِه الأمة. وهو أحد أولاد العباس العشرة، وليس في الصحابة عبد الله بن عباس غيره، فهو إذًا من الأفراد (٢).
فائدة:
عبد الله هذا أحد العبادلة، وثانيهم: عبد الله بن الزبير، وثالثهم: عبد الله بن عمر، ورابعهم: عبد الله بن عمرو بن العاص. وحذف الجوهري في «صحاحه» (٣) ابن الزبير (٤).
ووهم النووي في «مبهماته» (٥)، والقطعة التي لَهُ عَلَى هذا الكتاب

--------------------------
= وإسناده ضعيف أيضًا؛ لضعف ليث، ولأنه مرسل، قال الترمذي: حديث مرسل ولا نعرف لأبي جهضم سماعًا من ابن عباس، وقد روي عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس أهـ. قال الألباني في «ضعيف الترمذي»: ضعيف الإسناد.
(١) ستأتي ترجمته عند شرح حديث (١٠٤٦).
(٢) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٤٨٢ - ٤٨٩، و«معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٦٦ (٥٠٢)، و«أسد الغابة» ٣/ ٢٩٠ - ٢٩٤ (٣٠٣٥)، و«الإصابة» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٤ (٤٧٨١).
(٣) ورد بهامش (ف): في باب: عبد. وأثبته فيها في باب: الألف اللينة بدل ابن عمرو، ذكره في آخر «الصحاح».
(٤) «الصحاح» ٢/ ٥٠٥.
(٥) «الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات» للنووي ص (٦٠٩) المطبوع مع كتاب «الأسماء المبهمة» للخطيب.



عليه، حيث زعم أنه أثبت ابن مسعود منهم وحذف ابن عمرو، وهذا غلط عليه، فإنه لم يذكر ابن مسعود وأثبت ابن عمرو، وقد (ذكر) ابن الزبير كما نبهنا عليه.
وأما سعيد بن جبير فهو الإمام المجمع عَلَى جلالته وثقته وعلو مرتبته في العلوم تفسيرًا وحديثًا وفقهًا، أبو محمد سعيد بن جبير بن هشام الكوفي الأسدي الوالبي -بكسر اللام وبالباء الموحدة- نسبة إلى ولاء بني والبة. ووالبة هو ابن الحارث بن ثعلبة بن دودان بدالين مهملتين -بضم الدال الأولى- (بن أسد بن خزيمة) (١)، سمع سعيد خلقًا من الصحابة منهم العبادلة غير ابن عمرو.
وعنه خلق من التابعين منهم الزهري، وممن روى عنه ابناه عبد الملك وعبد الله، مات سنة خمس وتسعين عن تسع وأربعين سنة، قتله الحجاج صبرًا.
قَالَ خلف بن خليفة: حَدَّثَنَا بواب الحجاج قَالَ: رأيت رأس سعيد بن جبير بعدما سقط من الأرض يقول: لا إله إلا الله (٢)، وقال خلف عن رجل: إنه لما نَدَر رأسه هلل ثلاث مرات يفصح بها (٣).
وقيل: إن الحجاج قَالَ له: اختر أي قتلة شئت قَالَ: اختر أنت لنفسك، القصاص أمامك. ولم يعش الحجاج بعده إلا أيامًا (٤)، ولما

--------------------------
(١) ساقطة: من (ج).
(٢) رواه أسلم بن سهل الواسطي في «تاريخ واسط» ص ٩١، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ٤/ ٢٩١.
(٣) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٦/ ٢٦٥، والطبري في «تاريخه» ٤/ ٢٤.
(٤) رواه مطولًا أبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٩١ - ٢٩٤، وذكرها الذهبي في «السير» ٤/ ٣٢٣، وقال: هذِه حكاية منكرة، غير صحيحة. اهـ.



قدم أصبهان لم يحدث ثم لما رجع الكوفة حدث، فقيل له في ذَلِكَ، فقال: انشر بزك حيث تعرف (١).
وأما الراوي عن سعيد فهو موسى بن أبي عائشة أبو الحسن الكوفي الهمداني -بالمهملة- مولى آل جعدة بن هبيرة، روى عن كثيرين من التابعين، وعنه الأعلام الثوري وغيره ووثقه السفيانان ويحيى بن معين وذكره ابن حبان في «ثقاته» (٢)، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عنه فقال: صالح الحديث. قُلْتُ: يحتج بحديثه؟ قَالَ: يكتب حديثه (٣)، وقال جرير: رأيته لا يخضب وكان إِذَا رأيته ذكرت الله لرؤيته. ولما ساقه البخاري في التفسير عنه قَالَ: وكان ثقة (٤).
وأما الراوي عنه فهو أبو عوانة -بفتح العين- واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري -ويقال: الكندي- الواسطي مولى يزيد بن عطاء وقيل: عطاء بن عبد الله الواسطي، كان من سبي جرجان.
رأى الحسن وابن سيرين، وسمع من محمد بن المنكدر حديثًا واحدًا، وسمع خلقًا بعدهم من التابعين وأتباعهم.

-----------------------
(١) رواه أبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» ١/ ٣١٦، أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» ١/ ٣٢٤، وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٥٦ - ٢٦٧، و«التاريخ الكبير» ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢ (١٥٣٣)، و«معرفة الثقات» ١/ ٣٩٥ (٥٧٨)، و«الجرح والتعديل» ٤/ ٩ - ١٠ (٢٩)، و«تهذيب الكمال» ٣٥٨ - ٣٧٦ (٢٢٤٥).
(٢) «الثقات» ٥/ ٤٠٤.
(٣) «الجرح والتعديل» ٨/ ١٥٧.
(٤) سيأتي برقم (٤٩٢٧) كتاب: التفسير، باب: قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾.
وانظر ترجمة موسى بن أبي عائشه في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٣٢٦، «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٨٩ (١٢٣٤)، «الجرح والتعديل» ٨/ ١٥٦ (٧٠٠)، «ثقات ابن حبان» ٥/ ٤٠٤، «تهذيب الكمال» ٢٩/ ٩٠ (٦٢٧١).



وروى عنه الأعلام منهم: شعبة ووكيع وابن مهدي.
قَالَ عفان: كان صحيح الكتاب ثبتًا، وهو في جميع حاله أصح حديثًا عندنا من شعبة. وقال أحمد: إِذَا حدث من كتابه فهو أثبت من شريك، وإذا حدث من غير كتابه وهم، وقال أبو زرعة: بصري ثقة إِذَا حدث من كتابه. وقال ابن أبي حاتم: كتبه صحيحة، وإذا حدث من حفظه غلط كثيرًا وهو صدوق ثقة (١).
مات سنة ست وسبعين ومائة، وقيل: سنة خمس وسبعين.
قَالَ الخطيب: حدث عنه شعبة والهيثم بن سهل التستري، وبين وفاتيهما مائة سنة وسنة واحدة أو أكثر (٢).
وأما الراوي عنه فهو أبو سلمة موسى بن إسماعيل المنقري -بكسر الميم وإسكان النون وفتح القاف- نسبة إلى منقر بن عبيد بن مقاعس البصري الحافظ المكثر الثقة الثبت، التبوذكي -بفتح التاء المثناة فوق، ثم موحدة مضمومة، ثم واو، ثمَّ ذال معجمة مفتوحة- سمع المبارك بن فضالة وحماد بن سلمة، وسمع من شعبة حديثًا واحدًا وطبقتهم.
روى عنه يحيى بن معين، والبخاري وأبو داود، وغيرهم من الأعلام، وروى لَهُ مسلم والترمذي وأبو داود عن رجل عنه، والذي رواه مسلم حديث واحد: حديث أم زرع رواه عن الحسن الحلواني

-----------------------
(١) «الجرح والتعديل» ٩/ ٤١.
(٢) «السابق واللاحق» ص ٣٢٥ (٢٠٦).
وانظر ترجمة أبي عوانة في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٨٧، «التاريخ الكبير» ٨/ ١٨١ (٢٦٢٨)، «الجرح والتعديل» ٩/ ٤٠ (١٧٣)، «ثقات ابن حبان» ٧/ ٥٦٢، «تهذيب الكمال» ٣٠/ ٤٤٢ (٦٦٨٨).



عنه (١). قَالَ الدوري: كتبنا عنه خمسة وثلاثين ألف حديث. مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين بالبصرة.
واختلف في سبب نسبته التبوذكي عَلَى أقوال:
أحدها: لأنه اشترى دارًا بتبوذك، قاله أبو حاتم الرازي (٢).
ثانيها: لأنه نزل داره قوم منها فنسب إليها، قَالَ ابن أبي خيثمة: سمعته يقول: لا جُزِي خيرًا من سماني تبوذكيًّا، أنا مولى بني منقر، إنما نزل داري قوم من أهل تبوذك، سموا تبوذكيًّا.
ثالثها: (أنها) (٣) نسبة إلى بيع السماد، قاله السمعاني (٤)، والسماد -بفتح السين-: سرجين يوضع في الأرض ليجود نباته.
رابعها: أنها نسبة إلى بيع ما في بطون الدجاج من الكبد والقلب والقانصة، قاله ابن ناصر، وذكر النووي في «شرحه» هذِه الأقوال ثمَّ قَالَ: الصحيح المعتمد ما قدمناه (٥).
فائدة:
هذا الإسناد كله عَلَى شرط الستة، ورواته ما بين مكي وكوفي وبصري وواسطي، وكلهم من الأفراد لا (أعلم) (٦) من شاركهم في

--------------------
(١) مسلم (٢٤٤٨) كتاب: فضائل الصحابة، باب: ذكر حديث أم زرع.
(٢) «الجرح والتعديل» ٨/ ١٣٦ (٦١٥).
(٣) في (ج): أنه.
(٤) انظر: «اللباب في تهذيب الأنساب» لابن الأثير ١/ ٢٠٧.
(٥) انظر ترجمة أبي سلمة التبوذكي في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٠٦، و«التاريخ الكبير» ٧/ ٢٨٠ (١١٨٦)، و«معرفة الثقات» ٢/ ٣٠٣ (١١٨٠)، و«الثقات» ٩/ ١٦٠، و«تهذيب الكمال» ٢٩/ ٢١ - ٢٧ (٦٢٣٥).
(٦) في (ج): أعرف.



اسمهم مع اسم أبيهم، وفيه من طرف الإسناد رواية تابعي عن تابعي، وهما موسى بن أبي عائشة، عن سعيد.
الوجه الثالث:
قيل: كان يتعجل به حتَّى يكتب لئلا ينسى (١)، قَالَ تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]،، وقال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦)﴾ [الأعلى: ٦]، وعن الشعبي: إنما يعجل بذكره من حبه له وحلاوته في لسانه (٢)، فنهي عن ذَلِكَ حتَّى يجتمع؛ لأن بعضه مرتبط ببعض و-بإسكان الميم مع فتح العين- قَالَ ابن قرقول (٣):
جمعه لك صدرك -بسكون الميم عند الأصيلي مع ضم العين ورفع الصدر- وعند أبي ذر: جمعه لك في صدرك. وعند النسفي: جمعه لك صدرك. وقيل: تحفظه وتقرأه. وقيل: ﴿وقرآنه﴾: تأليفه (٤).
الوجه الرابع: في فوائده:
الأولى: هذا الحديث حصل في إسناده نوع من علوم الحديث وهو

----------------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٣٩ - ٣٤٠ عن جماعة، منهم: ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٣٩ (٣٥٦٢١).
(٣) هو الإمام العلامة، أبو إسحاق، إبراهيم بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن باديس بن القائد، المعروت بابن قرقول، كان رحالًا في العلم نقالًا فقيهًا، نظارًا أديبًا نحويًّا، عارفًا بالحديث ورجاله، بديع الكتابة، وكان من أوعية العلم، له كتاب «المطالع على الصحيح» غزير الفوائد، توفي في شعبان سنة تسع وستين وخمسمائة، وله أربع وستون سنة.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ١/ ٦٢، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٥٢٠، «الوافي بالوفيات» ٦/ ١٧١، «شذرات الذهب» ٤/ ٢٣١.
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٤٠ (٣٥٦٣٢، ٣٥٦٣٣) عن قتادة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #34  
قديم 18-01-2026, 05:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 351 الى صـــ 368
الحلقة (34)





التسلسل بتحريك الشفة لكنه لم يتصل تسلسله، وقَلّ في المسلسل الصحيح (١).
الثانية: المعالجة: المحاولة وسبب حصولها عظم ما يلاقيه من هيبة الوحي الكريم والملك، قَالَ تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (٥)﴾ [المزمل: ٥].
الثالثة: قوله (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ) معناه: كثيرًا ما كان يفعل ذَلِكَ، وقيل: معناه: هذا من شأنه ودأبه، حكاه القاضي، فجعل (ما) كناية عن ذَلِكَ- ومثله قوله في كتاب الرؤيا: كان مما يقول لأصحابه: «من رأى منكم رؤيا» (٢)، أي هذا من شأنه- وأدغم النون في ميم (ما)، وقيل: معناها: ربما، وهو قريب من الأول؛ لأن ربما قد تأتي للتكثير (٣).
الرابعة: فيه أنه يستحب للمعلم أن يمثل للمتعلم بالفعل، ويريه الصورة بفعله إِذَا كان فيه زيادة بيان على الوصف بالقول؛ لقول ابن عباس: (فأنا أحركهما لك كما كان رسول الله - ﷺ - يحركهما).
الخامسة: قوله: فإذا ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾ [القيامة: ١٨]، أي: قراءة جبريل عليك، وفيه كما قَالَ القاضي إضافة ما يقول من أمره تعالى إليه ويحتج به في أمر التنزيل وغيره من الظواهر المشكلة إلى الله تعالى (٤).

-------------
(١) قال الحافظ الذهبي في «الموقظة» ص (٤٤): وعامة المسلسلات واهية وأكثرها باطلة لكذب رواتها، وأقواها المسلسل بقراءة سورة الصف، والمسلسل بالدمشقيين، والمسلسل بالمصريين، والمسلسل بالمحمدين إلى ابن شهاب أهـ.
(٢) سيأتي برقم (٧٠٤٧) كتاب: التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح. من حديث سمرة بن جندب.
(٣) «إكمال المعلم» ٢/ ٣٦٠.
(٤) «إكمال المعلم» ٢/ ٣٥٩. وفيه: فيحتج به في حديث التنزل. =



وقوله: (فاتبع قرآنه) أي: فاستمع له وأنصت (١)، وقيل: اتبع حلاله واجتنب حرامه (٢).
وقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ [القيامة: ١٩]، أي: أن تقرأه، وفي مسلم: أن نُبَيِّنَهُ بلسانك (٣)، وقيل: بحفظك إياه، وقيل: ببيان ما فيه من حلال وحرام (٤) حكاه القاضي قَالَ: وقد اختلف السلف في الهذَّ (٥) والترتيل، فمن رأى الهذَّ أراد استكثار الأجر بعدد الكلمات، ومن رأى الترتيل ذهب إلى فهم معانيه وتدبره، والوقوف عند حدوده وتحسين تلاوته، وما أمر الله تعالى نبيه - ﷺ - حيث قَالَ: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤] وهو اختيار الأكثر، ولا خلاف أن الهذَّ الذي ينتهي إلى ترك إقامة حروفه غير جائز.
وقال مالك: من الناس من إِذَا هذَّ كان أخف عليه، وإذا رتل أخطأ، ومنهم من لا يحسن يَهُذُّ، والناس في ذَلِكَ عَلَى قدر حالاتهم وما يَخِفُّ عليهم (٦). قَالَ القاضي: وما قاله مالك وغيره من إجازة الهذَّ لمن أراد

------------
= قلت: لعله يقصد حديث: ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا … الحديث.
وسيأتي الكلام عليه في حديث (١١٤٥).
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٤١ (٣٥٦٣٤، ٣٥٦٣٥) عن ابن عباس.
(٢) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٤١ (٣٥٦٣٧، ٣٥٦٣٨) عن قتادة.
(٣) مسلم (٤٤٨/ ١٤٧).
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٣٤١ (٣٥٦٤١) عن ابن عباس، (٣٥٦٤٢) عن قتادة.
(٥) الهَذُّ: سرد القراءة، ومداركتها في سرعة واستعجال. وقيل: سرعة القطع. انظر: «النهاية» ٥/ ٢٥٥، «المصباح المنير» ص ٢٣٤، «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٨١.
(٦) انظر: «المنتقى» ١/ ٣٤، قال أبو الوليد الباجي رحمه الله: ومعنى ذلك عندي أنه يستحب لكل إنسان ملازمة ما يوافق طبعه ويخف عليه، فربما تكلف ما يخالف طبعه ويشق عليه ويقطعه ذلك عن القراءة والإكثار منها، وليس هذا مما يخالف ما قدمناه من تفضيل الترتيل لمن تساوى في حاله الأمران اهـ.



مجرد التلاوة وفضل القراءة، أما من فتح الله تعالى عليه بعلمه وفهم معاني القرآن (واستنارة) (١) حكمه فتلاوته وإن كانت قليلة أفضل من ختمات لغيره هذا (٢).
السادسة: همزة (وأنصت) همزة قطع، هذا هو الفصيح الذي جاء به القرآن العظيم، وفيه ثلاث لغات ذكرهن الأزهري: أنصت، ونصت، وانتصت (٣).
والإنصات: السكوت. والاستماع: الإصغاء (٤).
السابعة: أعاد (كان) في قوله: (وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ) مع تقدمها في قوله: (كَانَ يُعَالِجُ)، وهو جائز إِذَا طال الكلام كما في قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥)﴾ الآية [المؤمنون: ٣٥] وغيرها.
الثامنة: في الحديث أن أحدًا لا يحفظ القرآن إلا بعون الله وَمنَّهِ وفَضْلِهِ، قَالَ الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر: ١٧].
التاسعة: معنى أمر الله تعالى نبيه أن لا يحرك بالقرآن لسانه ليعجل به، وعدته له أن يجمعه في صدره، لكي يتدبره ويتفهمه وتبدو له عجائب القرآن وحكمته وتقع في قلبه مواعظه فيتذكر بذلك، ولتتأسى به أمته في تلاوته، فينالوا بركته ولا يُحْرموا حكمته، وقد ذكر الله هذا المعنى فقال:

-----------
(١) في (ج): واستبان.
(٢) «إكمال المعلم» ٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠.
(٣) «تهذيب اللغة» مادة: (نصت) ٤/ ٣٥٨٢.
(٤) قال الحافظ في «فتح الباري» ٨/ ٦٨٣: ولا شك أن الاستماع أخص من الإنصات؛ لأن الاستماع الإصغاء، والإنصات السكوت، ولا يلزم من السكوت الإصغاء اهـ. =



﴿مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (١) [ص: ٢٩].
--------------
=وتعقب هذا القول المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ٣/ ٨ فقال: قلت: الإنصات هو السكوت مع الإصغاء لا السكوت المحض. أهـ.
(١) آخر الجزء الثالث من تجزئة المصنف.
وورد بهامش (ف) ما نصه: بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف وسمعه ولده نور الدين علي والحاضري … والبرموي وعلاء الدين الحموي والبكري والعاملي … شيخنا شمس الدين الصفدي .... الفخر الرزازي وسراج الدين عمر الحريري، وسمع شيئًا يسيرًا آخرون.



٦ - باب
٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، ح وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ، نَحْوَهُ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِى رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِى كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ. [١٩٠٢ - ٢٢٢٠ - ٣٥٥٤ - ٤٩٩٧ - مسلم ٢٣٠٨ - فتح ١/ ٣٠]
الحديث السادس:
قال البخاري رحمه الله:
حَدَّثنَا عَبْدَانُ، أَبْنَا عَبْدُ اللهِ، أنبا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَحَدَّثنَا بشْرُ ابْنُ مُحَمَّد أنَبا عَبْدُ اللهِ، أنا يُونُسُ وَمَعْمَرٌ نحوه، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَنبا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - أجْوَدُ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.
الكلام عليه من وجوه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في خمسة مواضع: أخرجه هنا كما ترى، وفي صفة النبي - ﷺ -، عن عبدان أيضًا، عن ابن المبارك، عن يونس (١)، وفي الصوم، عن موسى، عن إبراهيم (٢)، وفي فضائل

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٥٥٤) كتاب: المناقب، باب: صفة النبي - ﷺ -.
(٢) سيأتي برقم (١٩٠٢) باب: أجود ما كان النبي - ﷺ - يكون في رمضان.



القرآن، عن يحيى بن قزعة، عن إبراهيم (١)، وفي بدء الخلق، عن ابن مقاتل، عن عبد الله، عن يونس، عن الزهري (٢)، وأخرجه مسلم في فضائل النبي - ﷺ -، عن أربعة، عن منصور بن أبي مزاحم، وأبي عمران محمد بن جعفر، عن إبراهيم، وعن أبي غريب، عن ابن المبارك، عن يونس، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر ثلاثتهم، عن الزهري به (٣).
الوجه الثاني: في التعريف بحال رواته:
وقد سلف منهم ابن عباس والزهري ومعمر ويونس. وأما عبيد الله بن عبد الله فهو الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود بن غافل -بالغين المعجمة والفاء- بن حبيب بن شمخ بن فار -بالفاء وتخفيف الراء- بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل -بكسر الهاء- بن الحارث بن تميم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي المدني الإمام الجليل التابعي، أحد الفقهاء السبعة كما أسلفناه في ترجمة عروة، وكاهل قبائل منها هذِه، ومنها: كاهل بن أسد بن خزيمة بن مدركة، منهم الأعمش، والكاهل في اللغة: الحارك بين الكتفين.
سمع خلقًا من الصحابة، منهم: ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة، وعنه جمع من التابعين، وهو مُعَلِّم عمر بن عبد العزيز، وكان قد ذهب بصره. روي عنه أنه قَالَ: ما سمعت حديثًا قط فأشاء أن أعيه إلا وعيته (٤).

----------------
(١) سيأتي برقم (٤٩٩٧) باب: كان جبريل يعرض القرآن على النبي - ﷺ -.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٢٠) باب: ذكر الملائكة.
(٣) مسلم (٢٣٠٨) في الفضائل، باب كان النبي - ﷺ - أجود الناس بالخير من الريح المرسلة.
(٤) رواه يعقوب في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٥٦٠، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢٠ (١٥١٧)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٩/ ٩.



وقال الزهري: ما جالست عالمًا إلا رأيت أني أتيت عَلَى ما عنده ما خلا عبيد الله بن عبد الله، فإني لم آته إلا وجدت عنده علمًا طريفًا، وقال العجلي: رجل صالح جامع للعلم تابعي ثقة (١)، وقال أبو زرعة: ثقة مأمون (٢).
مات قبل علي بن الحسين سنة أربع أو خمس أو ثمان أو تسع وتسعين (٣).
فائدة:
روى البيهقي بإسناده، عن عبد الله والد عبيد الله هذا قَالَ: أذكر أن النبي - ﷺ - أخذني وأنا خماسي أو سداسي فأجلسني في حجره، ومسح رأسي، ودعا لي ولذريتي بالبركة (٤). وفي هذا منقبة لعبد الله وذريته، وفيه أيضًا فائدة لغوية، وهي صحة إطلاق لفظ سداسي في الآدمي كما في خماسي، وقد منع ذَلِكَ بعضهم.
وأما الراوي عنه فهو الإمام أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي التميمي، مولاهم المروزي شيخ الإسلام، ذو الفنون، الحجة، الثبت.
روى عن سليمان التيمي وعاصم الأحول وحميد، وعنه ابن مهدي وابن معين وابن عرفة، أبوه تركي مولى (تاجر) (٥) من همذان من بني

-----------
(١) «معرفة الثقات» ٢/ ١١١ - ١١٢ (١١٦١).
(٢) انظر: «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٢٠ (١٥١٧).
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٥٠، و«التاريخ الكبير» ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٦ (١٢٣٩)، و«تهذيب الكمال» ١٩/ ٧٣ - ٧٧ (٣٦٥٣).
(٤) البيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٢١٥. ورواه أيضًا: الطبراني في «الأوسط» ١/ ٩٩ (٣٠٣)، قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣٩٩ (١٦٠٩٧): فيه من لا أعرفهم. اهـ.
(٥) في (ج): رجل.



حنظلة وأمه خوارزمية، ولد سنة ثماني عشرة ومائة، ومات في رمضان سنة إحدى وثمانين ومائة، وقبره بهيت، مدينة على شاطئ الفرات، سميت بذلك؛ لأنها في هوة أي منخفض وقبره يزار (١)، قَالَ الخطيب الحافظ: حدث عنه معمر بن راشد والحسين بن داود، وبين وفاتيهما مائة واثنان وثلاثون سنة، وقيل: مائة وثلاثون (سنة) (٢) وقيل: مائة وتسع وعشرون (٣). ولعمار بن (الحسن) (٤) يمدح عبد الله بن المبارك:
إِذَا سار عبد الله من مرو ليلة … فقد سار منها نورها وجمالها
إِذَا ذكر الأحبار (من) (٥) كل بلدة … فهم أنجم فيها وأنت هلالها (٦)
وكان كثيرًا ما يتمثل:
وإذا صاحبت فاصحب صاحبًا … ذا حياء وعفاف وكرم
قوله للشيء: لا إن قُلْتَ: لا … وإذا قُلْتَ: نعم قَالَ: نم
فائدة:
عبد الله بن المبارك هذا من أفراد الكتب الستة، ليس فيها من يسمى بهذا الاسم غيره، نعم في الرواة خمسة غيره، ذكرهم الخطيب في «المتفق والمفترق» أحدهم: بغدادي حدث عن همام، ثانيهم: خراساني وليس بالمعروف، ثالثهم شيخ روى عنه الأثرم، رابعهم:

-------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٧٢، «التاريخ الكبير» ٥/ ٢١٢ (٦٧٩)، «معرفة الثقات» ٢/ ٥٤ - ٥٦ (٩٥٩)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٧٩ - ١٨١ (٨٣٨)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٥ - ٢٤ (٣٥٢٠).
(٢) من (ج).
(٣) «السابق واللاحق» ص ٢٥٢.
(٤) في (ج): (الحسين).
(٥) في (ج): (في).
(٦) رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٠/ ١٦٣.



بزار روى عنه سهل البخاري، وخامسهم: جوهري، روى عن أبي الوليد الطيالسي.
وأما الراويان عن ابن المبارك فأحدهما: عبدان وهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن. عثمان بن جبلة بن أبي رواد ميمون، وقيل: أيمن العتكي المروزي، وعبدان لقب له وهو مولى المهلب بن أبي صفرة، سمع مالكًا وحماد بن زيد وغيرهما من الأعلام، وعنه الذهلي والبخاري وغيرهما، وروى مسلم وأبو داود والنسائي عن رجل عنه، وأخرج لَهُ الترمذي أيضًا. مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين أو عشرين ومائتين عن ست وسبعين سنة.
قَالَ أحمد بن عبدة (الآملي) (١): تصدق عبدان بن عثمان في حياته بألف ألف درهم، وكَتَبَ كُتُبَ عبد الله بن المبارك بقلم واحدٍ، وقال أحمد: ما بقي الرحلة إلا إلى عبدان خراسان. وقال أحمد السالف عنه: ما سألني أحد حاجة إلا قمت لَهُ بنفسي، فإن تم وإلا قمت له بمالي، فإن تم وإلا استعنت بالإخوان، فإن تم وإلا استعنت بالسلطان (٢).
فائدة:
عبدان هذا لَهُ أخ اسمه عبد العزيز بن عثمان المعروف بشاذان (٣)، وعبدان أيضا هو ابن بنت عبد العزيز بن أبي رواد، وكلهم موالي المهلب كما سلف.

--------------
(١) في (خ): (الأيلي).
(٢) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٥/ ١٤٧ (٤٤٩)، و«الجرح والتعديل» ٥/ ١١٣ (٥١٨)، و«الثقات» ٨/ ٣٥٢، و«تهذيب الكمال» ١٥/ ٢٧٦ - ٢٧٩ (٣٤١٦).
(٣) انظر: «ثقات ابن حبان» ٨/ ٣٩٥، «تهذيب الكمال» ١٨/ ١٧٢ (٣٤٦٣).



فائدة ثانية:
عبدان لقب لجماعة أكبرهم هذا، قَالَ ابن طاهر: إنما قيل لَهُ ذَلِكَ؛ لأن كنيته أبو عبد الرحمن واسمه عبد الله، فاجتمع في اسمه وكنيته العبدان، وهذا لا يصح بل ذَلِكَ من تغيير العامة للأسامي وكسرهم لها في زمن صغر المسمى أو نحو ذَلِكَ، كما قالوا في علي: (عليان) (١)، وفي أحمد بن يوسف السلمي وغيره: حمدان، وفي وهب بن بقية الواسطي: وهبان (٢).
الراوي الثاني عن ابن المبارك: بشر بن محمد، أبو محمد المروزي السختياني، روى عنه البخاري منفردًا به عن باقي الكتب الستة هنا وفي التوحيد، وفي الصلاة وغيرها. ذكره ابن حبان في «ثقاته»، وقال: كان مرجئًا (٣). مات سنة أربع وعشرين ومائتين، وأهمل المزي وفاته (٤)،

-----------
(١) في (ف): (علان).
(٢) تعقب هذا القول العيني في «عمدة القاري» ١/ ٨٣ حيث قال: قلت: والذي قاله ابن طاهر هو الأوجه؛ لأن عبدان تثنية عبد، ولما كان أول أسمه عبد وأول كنيته عبد قيل: عبدان أهـ.
قلت: وقد ذكر الذهبي في «السير» ٢٠/ ٤٦٤ - ٤٦٥ قصة طريفة عن سبب تسمية عبدان، قال: السمعاني: كنت أنسخ بجامع بُرُوجِرد، فقال شيخ رث الهيئة: ما تكتب؟ فكرهت جوابه، وقلت: الحديث.
فقال: كأنك طالب حديث؟ قلت: بلى، قال: من أين أنت؟ قلت: من مرو. قال: عمَّن روى البخاري من أهل مرو؟ قلت: عن عبد الله بن عثمان وصدقة بن الفضل. قال: لم لقب عبد الله بعبدان؟ فتوقفت، فتبسم، فنظرت إليه بعين أخرى، وقلت: يفيد الشيخ. قال: كنيته أبو عبد الرحمن، واسمه عبد الله، فاجتمع فيه العبدان، فقيل: عبدان. فقلت: عمن هذا؟ قال: سمعته من محمد بن طاهر. أهـ.
(٣) «الثقات» ٨/ ١٤٤.
(٤) «تهذيب الكمال» ٤/ ١٤٥ - ١٤٦.



وذكر ابن أبي حاتم بشر بن محمد الكندي، روى عن ابن أبي رزمة، وعنه علي بن خشرم (١)، وجعله غير السختياني هذا ويحتمل أن يكونا واحدًا (٢).
فائدة:
هذا الإسناد اجتمع فيه عدة مراوزة: ابن المبارك وراوياه كما علمته.
الوجه الثالث:
قوله: (وَحَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ). هذِه واو التحويل من إسناد إلى آخر، ويعبر عنها غالبًا بصورة ح مهملة مفردة ولها ثلاث فوائد:
الأولى: الانتقال من إسناد إلى آخر.
ثانيها: رفع توهم أن إسناد هذا الحديث سقط (٣).
ثالثها: عدم تركيب الإسناد الثاني عَلَى الأول.
وكتب جماعة من الحفاظ موضعها صح، وقيل: إنها رمز إلى قولنا: الحديث، وإن أهل المغرب كلهم يقولون إِذَا وصلوا إليها: الحديث، والمختار (أن يقول) (٤): ح ويمر كما سلف في القواعد أول الكتاب (٥).
وقوله: (ومعمر نحوه) أي: نحو حديث يونس.

----------------
(١) «الجرح والتعديل» ٢/ ٣٦٥ (١٤٠٦).
(٢) انظر ترجمته في بشر بن محمد في: «التاريخ الكبير» ٢/ ٨٤ (١٧٧٢)، و«الجرح والتعديل» ٢/ ٣٦٤ - ٣٦٥ (١٤٠٢)، و«تهذيب الكمال» ٤/ ١٤٥ - ١٤٦ (٧٠٥)، و«تهذيب التهذيب» ١/ ٢٣١.
(٣) كذا (ف)، وهو خطأ، وصوابه: رفع توهم أن حديث هذا الإسناد سقط. انظر: «مقدمة ابن الصلاح» ص (٢٠٣)، وكتبها المصنف على الصواب في «المقنع» ١/ ٣٦٤.
(٤) في (ف): (أنه يقول).
(٥) انظر: «علوم الحديث» ص ٢٠٣ - ٢٠٤، و«المقنع» ١/ ٣٦٤.



الوجه الرابع: في ضبط ألفاظه ومعانيه:
قوله: (وَكَانَ أَجْوَدُ) رفع الدال من أجود أصح وأشهر، أي: كان أجود أكوانه في رمضان -أي: أحسن أيامه فيها- (فهو) (١) مبتدأ مضاف إلى المصدر، وخبره رمضان، والنصب عَلَى أنه خبر كان وفيه بُعْد؛ لأنه يلزم منه أن يكون خبرها هو اسمها ولا يصح إلا بتأويل بعيد.
وقوله: (وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ) هو تكرار يسمى عند أهل البيان التوشيح، والجود: كثرة الإعطاء. وقوله: (فَلَرَسُولُ اللهِ - ﷺ -) بفتح اللام وقوله: (مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ) يعني: إسراعًا وعمومًا، وقيل: عطاؤه عام كالريح. وقوله: (فِي كُلِّ لَيْلَةٍ) وكذا هو لبعض رواة مسلم، وهو المحفوظ، ووقع في مسلم: (في كل سنة في رمضان حتَّى ينسلخ) (٢) وهو بمعنى الأول، لأن قوله: (حتَّى ينسلخ) بمعنى كل ليلة.
الوجه الخامس: في فوائده:
الأولى: فيه كما قَالَ القاضي: تجديد الإيمان واليقين في قلبه بملاقاة الملك، وزيادة ترقيه في المقامات بمدارسته، وهذا منه - ﷺ - امتثال لقوله تعالى في تقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول التي كان أمر الله بها عباده، (فامتثله) (٣) - ﷺ - بين يدي مناجاة الملك، وإن كان الله قد نسخه عن أمته (٤). فكان - ﷺ - يلتزم أشياء في طاعة ربه كالوصال (٥)، وخص بذلك رمضان لوجوه:

-------------
(١) في (ج): (فهي).
(٢) مسلم (٢٣٠٨).
(٣) في (ج): فأمسكه.
(٤) «إكمال المعلم» ٧/ ٢٧٣.
(٥) يدل على هذا عدة أحاديث منها ما سيأتي (١٩٦١ - ١٩٦٤) كتاب: الصوم، باب: الوصال، ومن قال: ليس في الليل صيام، و(١٩٦٥ - ١٩٦٦) باب: التنكيل لمن أكثر الوصال.



أحدها: أنه شهر فاضل وثواب الصدقة فيه مضاعف، وكذلك العبادات، قَالَ الزهري: تسبيحة في رمضان خير من سبعين في غيره (١).
ثانيها: أنه شهر الصوم، فإعطاء الناس والإحسان إليهم إعانة لهم عَلَى (الفطر) (٢) والسحور.
ثالثها: أن الإنعام يكثر فيه، فقد جاء في الحديث أنه يزاد فيه في رزق المؤمن (٣)، وأنه يعتق فيه كل يوم ألف ألف عتيق من النار (٤)، فأحب الشارع أن يوافق ربه في الكرم.
رابعها: أن كثرة الجود كالشكر لترداد جبريل إليه في كل ليلة.

----
(١) رواه الترمذي (٣٤٧٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٦/ ١٥٦، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٧٨ - ٧٩، من طريق الحسن بن صالح عن أبي بشر عن الزهري، ولفظه: تسبيحة في رمضان، أفضل من ألف تسبيحة في غيره، قال الذهبي في «الميزان» ٧/ ١٦٩: أبو بشر عن الزهري لا يعرف، تفرد عنه الحسن بن صالح بن حي. أهـ. والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف سنن الترمذي»، ورواه أيضًا ابن أبي شيبة ٦/ ١٠٧ (٢٩٨٣١) من طريق يحيى بن آدم عن حسين بن أبي بشر عن الزهري بنحوه.
(٢) في (ج): الفطور.
(٣) قطعة من حديث رواه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (٣١٨)، والمحاملي في «أماليه» (٢٩٣)، وابن خزيمة (١٨٨٧)، والبيهقي في «الشعب» ٣/ ٣٠٥ - ٣٠٦ (٣٦٠٨)، وفي «فضائل الأوقات» (٣٧) من طرق عن سعيد بن المسيب عن سلمان الفارسي قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - آخر يوم من شعبان فقال: «أيها الناس إنه قد أظلكم شهر عظيم ..» الحديث.
قال أبو حاتم في «العلل» ١/ ٢٤٩: حديث منكر، وأشار ابن خزيمة إلى ضعفه فقال: إن صح، وقال الألباني في «الضعيفة» (٨٧١): منكر.
(٤) قطعة من حديث رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٣١٤ - ٣١٧ (١٥٧٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٣٣٥ - ٣٣٧ (٣٦٩٥)، والديلمي كما في «الفردوس» (٤٩٦٠)، وابن الجوزي في «العلل» (٨٨٠) من حديث الضحاك بن مزاحم عن ابن عباس قال: إنه سمع النبي - ﷺ - يقول: «إن الجنة لتنجد وتزخرف ..» الحديث. =



خامسها: أنه لما كان يدارسه القرآن زادت معاينته الآخرة فأخرج ما في يده (من) (١) الدنيا.
الثانية: استحباب مدارسة القرآن وكذا غيره من العلوم الشرعية، وحكمة المدارسة أن الله تعالى ضمن لنبيه أن لا ينساه فأنجزه بها، وخص بذلك رمضان؛ لأن الله تعالى أنزل القرآن فيه إلى سماء الدنيا جملة من اللوح المحفوظ ثمَّ نزل بعد ذَلِكَ نجومًا عَلَى حسب الأسباب في عشرين سنة، يروى أن الله تعالى أنزله في ليلة (أربعة) (٢) وعشرين منه (٣)، وقال الحسن: ذكر لنا أنه كان بين أوله وآخره ثماني عشرة سنة نزل عليه بمكة ثماني سنين قبل أن يهاجر، وبالمدينة عشر سنين (٤)، وقال الشعبي: فرق الله تنزيله، بين أوله وآخره عشرون أو (نحو) (٥) من عشرين سنة (٦).
ويقال: إن الذي نزل بالمدينة ثمان وعشرون سورة، وسائرها بمكة وقد أسلفنا ذَلِكَ في حديث الوحي عن ابن عباس وابن الزبير، ويقال: إن

---------------
= قال ابن الجوزي في «العلل»: هذا حديث لا يصح، وقال في «الموضوعات» ٢/ ٥٥٢: إسناده لا يثبت، وكذا قال الشوكاني في «الفوائد» ص ٨٩. ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» (١١٢٠) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث موضوع على رسول الله - ﷺ -، وفيه مجاهيل.
وقال الألباني في «الضعيفة» (٢٩٩، ٥٤٦٨): موضوع.
(١) في (ج): في.
(٢) كذا في الأصول. وفي «تفسير الطبري»: (أربع).
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٢٢١ (٣١٠٢٦) عن قتادة.
(٤) رواه الطبري فى «تفسيره» ٨/ ١٦٣ (٢٢٧٨٧، ٢٢٧٨٩).
(٥) روي نحوه عن قتادة، رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ٣٣١ (١٦٣٦)، والطبري ٨/ ١٦٢ - ١٦٣ (٢٢٧٧٩ - ٢٢٧٨٨).
(٦) في (ج): (نحوًا).



في ليلة أربع وعشرين من رمضان نزلت صحف إبراهيم والتوارة والإنجيل. وقيل: نزلت صحف إبراهيم أول ليلة منه، والتوارة لست والإنجيل لثلاث عشرة، والقرآن لأربع وعشرين.
الثالثة: مجالسة الصالحين فإنه ينتفع بهم.
الرابعة: استحباب إكثار قراءة القرآن في رمضان فإنه - ﷺ - فعل ذَلِكَ للتأسي.
الخامسة: الحث عَلَى الجود والإفضال في كل الأوقات والزيادة منه في شهر رمضان، ومواطن الخير، وعند الاجتماع بالصالحين، وعقب فراقهم؛ ليتأثر بلقائهم.
السادسة: زيارة الصالحين وأهل الفضل ومجالستهم كما سلف وتكرير زيارتهم وتواصلها إِذَا كان المزور لا يكره ذَلِكَ ولا يتعطل به عن مهم هو عنده أفضل من مجالسة زائره، فإن كان بخلاف ذَلِكَ استحب تقليلها.
السابعة: أنه لا بأس بقول: رمضان من غير ذكر شهر، وهذا هو المذهب الصحيح المختار، وسيأتي في كتاب الصيام إن شاء الله بيان الاختلاف فيه حيث ذكره البخاري، وقد كثرت الأحاديث الصحيحة بإطلاق رمضان (١).
الثامنة: أن قراءة القرآن أفضل من التسبيح وسائر الأذكار، لأنه تكرر اجتماعهما عليه دون الذكر، لا يقال: المقصود تجويد الحفظ، فإنه كان حاصلًا والزيادة فيه تحصل ببعض هذِه المجالمس.

-----------------
(١) سيأتي الكلام على هذِه المسألة مفصلًا في كتاب: الصوم، باب: هل يقال رمضان أو شهر رمضان، ومن رأى كله واسعًا. حديث (١٨٩٨ - ١٩٠٠).


٧ - باب
٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: أَخْبَرَنِى عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِى رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ -وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأمِ- فِى الْمُدَّةِ الَّتِى كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ، فَدَعَاهُمْ فِى مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِتَرْجُمَانِهِ فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِىٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا.
فَقَالَ أَدْنُوهُ مِنِّى، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ.
ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ إِنِّى سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِى فَكَذِّبُوهُ.
فَوَاللَّهِ لَوْلَا الْحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثِرُوا عَلَىَّ كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ.
ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِى عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.
قَالَ: فَهَلْ قَالَ هَذَا الْقَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ لَا.
قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.
قَالَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ.
قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ لَا.
قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا.
قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِى مُدَّةٍ لَا نَدْرِى مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّى كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ.
قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟ قُلْتُ: الْحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ.
قَالَ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.


فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، فَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِى نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُمْ هَذَا الْقَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ: هَذَا الْقَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الْكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ عَلَى اللهِ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَأَلْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأْمُرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَىَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّى أَعْلَمُ أَنِّى أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ.
ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الَّذِى بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّى أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ وَ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِى حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابْنِ أَبِى كَبْشَةَ، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِى الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَىَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابْنُ النَّاظُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارَى الشَّأْمِ، يُحَدِّثُ


أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابْنُ النَّاظُورِ: وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِى النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّى رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِى النُّجُومِ مَلِكَ الْخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلاَّ الْيَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَايِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِىَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ الْعَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا مَلِكُ هَذِهِ الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِى الْعِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إِلَى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأْىَ هِرَقْلَ عَلَى خُرُوجِ النَّبِىِّ - ﷺ - وَأَنَّهُ نَبِىٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِى دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِى الْفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الْوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَىَّ. وَقَالَ: إِنِّى قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ.
رَوَاة صَالِحُ بْن كَيْسَانَ وُيُونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٥١، ٢٦٨١، ٢٨٠٤، ٢١٤١، ٢١٧٨، ٣١٧٤، ٤٥٥٣، ٥١٨٠، ٦٢٦٠، ٧١١٦، ٧٥٤١ - مسلم ١٧٧٢ - فتح ١/ ٣١]
الحديث السابع:
قال البخاري رحمه الله:
حَدَّثنَا أَبُو اليَمَانِ الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ أبْنَا شعيب، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ الله بْنَ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب أَخْبَرَهُ، أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ مِنْ قُرَيْشٍ -وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّأْمِ- فِي المُدَّةِ التِي كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَادَّ فِيهَا


أَبَا سُفْيَانَ وَكفَّارَ قُرَيْش، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلِيَاءَ (١)، فَدَعَاهُمْ فِي مَجْلِسِهِ، وَحَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثمَّ دَعَاهُمْ وَدَعَا بِالترجمان، فَقَالَ: أَيُّكُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بهذا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ فَقُلْتُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ نَسَبًا. فَقَالَ: أَدْنُوهُ مِنِّي، وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ. ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُمْ: إِنِّي سَائِلٌ هذا عَنْ هذا الرَّجُلِ، فَإِنْ كَذَبَنِي فَكَذّبُوهُ. فَوَاللهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأثِرُوا على كَذِبًا لَكَذَبْتُ عَنْهُ، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَنْ قَالَ: كَيْفَ نَسَبُهُ فِيكُمْ؟ قُلْتُ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ. قَالَ: فَهَلْ قَالَ هذا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ اتبعوه أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَقُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ. قَالَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ. قَالَ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لَا. قَالَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا. قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هذِه الكَلِمَةِ. قَالَ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاة؟ قُلْتُ: الحَرْب بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ. قَالَ مَاذَا يَامُرُكُمْ؟ قُلْتُ: يَقُولُ: اعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ، لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَاتْرُكُوا مَا يَقُولُ آبَاؤُكُمْ، وَيَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ وَالصّدْقِ وَالْعَفَافِ وَالصِّلَةِ.
فَقَالَ لِلتَّرْجُمَانِ قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ، فَذَكَرْتَ أَنَهُ فِيكُمْ ذُو نَسَب، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا، وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ أَحَدٌ مِنْكُم هذا القَوْلَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هذا القَوْلَ قَبْلَهُ لَقُلْتُ رَجُلٌ يَتَأَسَى بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ

----------------
(١) هنا انتهى الحديث من (ج) وفيها: رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري.


مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَلَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مَلِك قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ وَيَكْذِبَ على اللهِ، وَسَأَلْتُكَ أَشْرَافُ النَّاسِ اتَّبَعُوهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ، وَسَأَلْتُكَ أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ، وَسَألْتُكَ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً عَنْ دِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ، وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ (فقلت (١) فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ، وَسَأَلْتُكَ بِمَا يَأمرُكُمْ، فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تعْبُدُوا اللهَ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأمرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالْعَفَافِ. فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَىَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ. ثُمَّ دَعَا بِكِتَابِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - الذِي بَعَثَ بِهِ مع دحِيَةَ إِلَى عَظِيمِ بُصْرى، فَدَفَعَهُ إلى هِرَقْلَ، فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّوم. سَلَامٌ على مَنِ اتَّبَعَ الهُدى، أَمَّا بَعْدُ فَإِني أَدْعُوكَ بدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُوتِكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنًّ عَلَيْكَ إِثْمَ الأَرِيسِيِّينَ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤].
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ كَثُرَ عِنْدَهُ

-----------







__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #35  
قديم 18-01-2026, 05:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 369 الى صـــ 382
الحلقة (35)



الصَّخَبُ، وَارْتَفَعَتِ الأَصْوَاتُ فَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أَبِي كَبْشَةَ، إِنَّهُ لَيَخَافُهُ مَلِكُ بني الأَصْفَرِ. فَمَا زِلْتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ. وَكَانَ ابن النَّاطُورِ، صَاحِبُ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارى الشَّامِ، يُحَدثُ أَنَّ هِرَقْلَ حِينَ قَدِمَ إِيلِيَاءَ أَصْبَحَ يَوْمَا خَبِيثَ النَّفْسِ، فَقَالَ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ. قَالَ ابن النَّاطُورِ وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءَ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ، فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هذِه الأُمَّةِ؟ قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَليَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ. فَبَيْنَمَا هُمْ على أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلِ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ، يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا. فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلَهُ عَنِ العَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ. فَقَالَ هِرَقْلُ: هذا مَلِكُ هذِه الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ. ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إِلَى صَاحِبِ لَهُ بِرُومِيَةَ، وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، وَسَارَ هِرَقْلُ إلى حِمْصَ، فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِهِ يُوَافِقُ رَأى هِرَقْلَ عَلَى خرُوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - وأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ فِي دَسْكَرَةٍ لَهُ بِحِمْصَ ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعَاشِرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هذا النَّبِيَّ؟ فَحَاصوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ، فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ، وَأَيِسَ مِنَ الإِيمَانِ قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ. وَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ على دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ. فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ آخِرَ شَأْنِ هِرَقْلَ. رَوَاهُ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وُيونُسُ وَمَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.

الكلام عليه من عشرة وجوه:
أحدها:
هذا الحديث وجه مناسبته للباب عدم اتهامه بالكذب، وأنه لم يكن ليذر الكذب عَلَى الناس ويكذب عَلَى الله تعالى، وأيضًا فهو مشتمل على ذكر آيات أنزلت عَلَى من تقدم من الأنبياء، وعلى ذى جملة من أوصاف من يوحى إليه، وكرره البخاري في «صحيحه» في مواضع:
أخرجه هنا كما ترى، وفي الجهاد عن إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بن سعد عن صالح (١).
وفي التفسير عن إبراهيم بن موسى، عن هشام. وفيه: عن عبد الله بن محمد، عن عبد الرزاق قالا: حَدَّثنَا معمر، كلهم عن الزهري به (٢).
وفي الشهادات عن إبراهيم بن حمزة، عن إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن الزهري مختصرًا: سألتك هل يزيدون أو ينقصون (٣)؟
وفي الجزية عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس عن الزهري مختصرًا (٤).
وفي الأدب عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن الزهري مختصرًا أيضًا (٥)، وعن محمد بن مقاتل عن عبد الله عن يونس عن

--------------------
(١) سيأتي برقم (٢٩٤٠) باب: دعاء النبي - ﷺ -.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٥٣) باب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ …﴾.
(٣) سيأتي برقم (٢٦٨١) دون هذا اللفظ، أما هذا الَلفظ فقد أخرجه في كتاب الجهاد برقم (٢٩٤٠)، ولعل هذا اللبس سببه أن السند في الحديثين واحد.
(٤) سيأتي برقم (٣١٧٤) باب: فضل الوفاء بالعهد.
(٥) سيأتي برقم (٥٩٨٠) باب: صلة المرأة أمها ولها زوج.



الزهري مختصرًا (١).
وأخرجه أيضًا في الإيمان (٢)، والعلم (٣)، والأحكام (٤)، والمغازي (٥)، وخبر الواحد (٦)، والاستئذان (٧). فهذِه أربعة عشر موضعًا (٨).
وأخرجه مسلم في المغازي عن خمسة من شيوخه: إسحاق بن إبراهيم، وابن أبي عمر، وابن رافع، وعبد بن حميد، والحلواني عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري به بطوله، وعن الأخيرين عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري به (٩).

-------------------
(١) هو في كتاب: الاستئذان (٦٢٦٠)، باب: كيف يكتب الكتاب إلى أهل الكتاب. وسيكرر ذكره.
(٢) سيأتي برقم (٥١) باب: ٣٨.
(٣) لم يخرجه البخاري في كتاب العلم، بل أخرج في كتاب العلم من حديث ابن عباس في قصة بعث النبي - ﷺ - بكتابه إلى كسرى، رقم (٦٤).
(٤) سيأتي برقم (٧١٩٦) باب: ترجمة الحكام، هل يجوز ترجمان واحد.
(٥) لم يخرجه البخاري في كتاب المغازي، بل أخرج في كتاب المغازي حديث ابن عباس في قصة بعث النبي - ﷺ - بكتابه إلى كسرى، رقم (٤٤٢٤).
(٦) سيأتي معلقًا قبل حديث (٧٢٦٤) باب: ما كان يبعث النبي - ﷺ - من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد.
(٧) تقدم في تخريج سابق (٦٢٦٠)، فهما حديث واحد لكن التبس على المصنف.
(٨) قلت: فات المصنف بعض المواضع إليك بيانها: كتاب الجهاد، باب: قول الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ ..﴾، (٢٩٣٦) كتاب الجهاد، باب: هل يرشد المسلم أهل الكتاب أو يعلمهم الكتاب، (٢٩٧٨) كتاب الجهاد، باب: قول النبي - ﷺ -: «نصرت بالرعب مسيرة شهر». ورواه معلقًا قبل حديث (١٣٩٥) كتاب الزكاة، باب: وجوب الزكاة، (٧٥٤١) كتاب التوحيد، باب: ما يجوز من تفسير التوارة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها.
(٩) مسلم (١٧٧٣) باب: كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.



وأخرجه أبو داود في الأدب (١)، والترمذي في الاستئذان (٢)، والنسائي في التفسير (٣)، ولم يخرجه ابن ماجه.
ثانيها:
هذا الحديث ليس لأبي سفيان في الصحيحين وهذِه الكتب الثلاثة سواه، ولم يروه عنه إلا ابن عباس.
ثالثها:
لما ساق البخاري الحديث قَالَ في آخره: (رواه صالح بن كيسان ويونس ومعمر عن الزهري، وذكر مسلم رواية صالح وفيها: وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرًا لما (آتاه) (٤) الله تعالى (٥).
قَالَ الحميدي: اختصر مسلم زيادة صالح. وقد أتمها أبو بكر البرقاني بعد قوله: لما أبلاه الله تعالى. فلما جاء قيصرَ كتابُ رسول الله - ﷺ - قَالَ حين قرأه: التمسوا ها هنا أحدًا من قومه نسألهم عن رسول الله - ﷺ -، قَالَ ابن عباس: فأخبرني أبو سفيان بن حرب أنه كان بالشام (وقته) (٦)، فوجدنا رسول قيصر، فانطلق بي وبأصحابي حين قدمنا إيليا فأدخلنا عليه، فإذا هرقل جالس عَلَى مجلس ملكه عليه التاج، وإذا حوله عظماء الروم فذكر نحوه.

------------------
(١) أبو داود (٥١٣٦) باب: كيف يكتب إلى الذمي.
(٢) الترمذي (٢٧١٧) باب: ما جاء كيف يكتب إلى أهل الشرك.
(٣) النسائي في «السنن الكبرى» ٦/ ٣٠٩ (١١٠٦٤).
(٤) كذا في (ف)، وفي (ج) أبلاه.
(٥) مسلم (١٧٧٣).
(٦) في (ج) وفيه.



رابعها: في التعريف برواته:
وقد سلف التعريف بابن عباس وعبيد الله والزهري ويونس ومعمر.
وأما أبو سُفيان: فهو صَخْر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي القرشي الأموي المكي، ويكنى بأبي حنظلة أيضًا، وُلِد قبل الفيل بعشر سنين. وأسلم ليلة الفتح، وشهد الطائف وحنينًا، وأعطاه النبي - ﷺ - من غنائم حنين مائة من الإبل وأربعين أوقية، وفقئت عينه الواحدة يوم الطائف والأخرى يوم اليرموك تحت راية ابنه يزيد، (نزل المدينة، ومات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل: أربع، ابن ثمان وثمانين سنة وصلى عليه عثمان بن عفان) (١).
وهو والد معاوية وإخوته، وأمه صفية بنت حزن بن بجير بن الهُزَم بن رويْبة بن عبد الله بن هلال بن عامر بن صعصعة، وهي عمة ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين، روى عنه مع ابن عباس ابنه معاوية وغيره (٢).
وقال له - ﷺ - لما ذهبت عينه وهي في يده: «أيما أحب إليك عين في الجنة، أو أَدْعُ الله أن يردها عليك؟» (٣) قَالَ: بل عين في الجنة.
فائدة:
أبو سفيان في الصحابة جماعة، لكن هذِه الترجمة -أعني: ابن حرب- من الأفراد.
وأما شعيب: (ع) فهو ابن أبي حمزة دينار القرشي الأموي، مولاهم

--------------------
(١) ساقط من (ج).
(٢) انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٣/ ٣٥٢ - ٣٦١، «معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ١٩ (٤٦٠)، «الاستيعاب» ٢/ ٢٧٠ - ٢٧١ (١٢١١)، «أسد الغابة» ٣/ ١٠ - ١١ (٢٤٨٤)، «الإصابة» ٢/ ١٧٨ - ١٨٠ (٤٠٤٦).
(٣) رواه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٢٣/ ٤٣٥.



أبو بشر الحمصي. سمع خلقًا من التابعين منهم الزهري، وعنه خلق، وهو ثقة حافظ متقن.
مات سنة اثنتين وقيل: ثلاث وستين ومائة، وقد جاوز السبعين (١)، وهذا الاسم مع أبيه من أفراد الكتب الستة ليس فيها سواه.
وأما أبو اليمان: (ع) الحكم بن نافع فهو حمصي أيضًا بهراني، مولى امرأة من بهراء يقال لها: أم سلمة.
روى عن خلق، منهم إسماعيل بن عياش، وعنه أحمد وخلائق، ولد سنة ثمان وثلاثين ومائة، ومات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين ومائتين (٢).
فائدة:
في هذا من لطائف الإسناد: رواية حمصي عن حمصي، والزهري شامي. وأما صالح بن كيسان فهو أبو محمد الغفاري مولاهم المدني، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، سمع ابن عمر وابن الزبير، وغيرهما من التابعين، وعنه من التابعين عمرو بن دينار وغيره، سُئِلَ أحمد عنه فقال: بخ بخ (٣)، قَالَ الحاكم: توفي وهو ابن مائة سنة ونيف وستين

------------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٦٨، «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٢٢ (٢٥٧٦)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٥٨ (٧٣٢)، «الجرح والتعديل» ٤/ ٣٤٤ - ٣٤٥ (١٥٠٨)، «تهذيب الكمال» ١٢/ ٥١٦ - ٥٢٠ (٢٧٤٧).
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٧٢، «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٤٤ (٢٦٩١)، «معرفة الثقات» ١/ ٣١٤ - ٣١٥ (٣٤١)، «الثقات» ٨/ ١٩٤، «الجرح والتعديل» ٣/ ١٢٩ (٥٨٦)، «تهذيب الكمال» ٧/ ١٤٦ - ١٥٥ (١٤٤٨).
(٣) انظر: «الجرح والتعديل» ٨/ ١٩٤ - ٤١١ (١٨٠٨).



سنة، وكان لقي جماعة من الصحابة ثمَّ بعد ذَلِكَ تلمذ عَلَى الزهري وتلقن منه العلم وهو ابن تسعين سنة، ابتدأ (بالتعلم) (١) وهو ابن (تسعين) (٢) سنة. قَالَ ابن معين: وصالح أكبر من الزهري يعني: في السن. قَالَ الواقدي: توفي بعد الأربعين ومائة، قَالَ غيره: سنة خمس وأربعين (٣)، قُلْتُ: فعلى هذا يكون أدرك النبي - ﷺ - وعمره نحو العشرين، وفيما قاله الحاكم نظر.
فائدة:
ليس في الكتب الستة الحكم بن نافع وصالح بن كيسان غير هذين، وفي الرواة الحكم بن نافع آخر، روى عنه الطبراني، وهو قاضي القلزم، ذكره الخطيب في «المتفق والمفترق».
الوجه الخامس: في التعريف بالأسماء الواقعة فيه ممن ليس له رواية فيه.
هِرَقل وهو بكسر الهاء وفتح الراء على المشهور، وحكى جماعة إسكان الراء وكسر القاف منهم: الجوهري (٤) كخندف، ولم يذكر القزاز غيره. وكذا صاحب «الموعب»، ولما أنشد صاحب «المحكم» بيت لبيد بن ربيعة (٥):
غَلبَ اللَّيالِي خَلْفَ آل محرِّق … وكما فعلن بِتُبَّعٍ وبِهِرْقِلِ

----------------
(١) في (ج): العلم.
(٢) في (ف): سبعين. ويوجد بالهامش تعليق نصه: تسعين، كذا بخط النووي.
(٣) انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٤/ ٢٨٨ (٢٨٤٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٤٦٥ (٧٥٢)، «الثقات» ٦/ ٤٥٤ - ٤٥٥، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٧٩ - ٨٤ (٢٨٣٤).
(٤) «الصحاح» ٥/ ١٨٤٩ مادة (هرقل).
(٥) هو لبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب العامري، كان من شعراء الجاهلية وأدرك =



قال: أراد هرقلًا فاضطر فغير.
والهرقل (١): المنخل (٢)، ولا ينصرف للعلمية والعجمة، وزعم الجواليقي (٣) أنه عجمي تكلمت به العرب، وهو اسم علم له ولقبه قيصر، وكذا كل مَنْ مَلَكَ الروم يقال له: قَيْصَر، كما أن كل مَنْ مَلَكَ الفرس يقال له: كِسرى، والترك: خَاقان، والحبشة: النَّجاشي، والقبط: فِرْعَون (٤)، ومصر: العَزِيز، وحمير: تبع، وا لهند: دُهمى وفَغْفور، والزنج: عانة، واليونان: بطليموس، واليهود: (فِطيون) (٥) أو مالخ، ورأس جالوت لمن كان ملكًا منهم من بني داود خاصة،

------------------
= الإسلام وأسلم، وقدم على رسول الله - ﷺ - في وفد بني كلاب، مات بالكوفة في خلافة معاوية، وهو ابن مائة وسبع وخمسين سنة. انظر ترجمته في: «الشعر والشعراء» ص ١٦٧، «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٣، «الإصابة» ٣/ ٣٢٦، «الخزانة» ٢/ ٢٤٦.
(١) في «المحكم»: الهرلق.
(٢) «المحكم» ٤/ ٣٣٢.
(٣) هو العلامة الإمام اللغوي، أبو منصور، موهوب بن أحمد بن محمد بن الخضر بن الحسن بن الجواليقي، إمام الخليفة المقتفي، مولده سنة ٤٦٦ هـ سمع من أبي القاسم بن البُسري، وأبي طاهر بن أبي الصقر، والنقيب طِراد بن محمد الزينبي، وعدة. وطلب بنفسه مدة، ونسخ الكثير.
حدَّث عنه: ابنته خديجة، والسمعاني، وابن الجوزي والتاج الكندي ويوسف بن كامل، قال السمعاني: إمام في النحو واللغة من مفاخر بغداد، قرأ الأدب على أبي زكريا التبريزي ولازمه وبرع، وهو ثقة ورع غزير الفضل، وافر العقل، مليح الخط، كثير الضبط، صنف التصانيف. مات في المحرم سنة أربعين وخمسمائة.
انظر: «الأنساب» ٣/ ٣٣٧، «المنتظم» ١٠/ ١١٨، «اللباب» ١/ ٣٠١، «وفيات الأعيان» ٥/ ٣٤٢ - ٣٤٤، «سير أعلام النبلاء» ٢٠/ ٨٩ - ٩١ (٥٠)، «شذرات الذهب» ٤/ ١٢٧.
(٤) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: فرعون بلغة القبط: التمساح.
(٥) في (ج) فيطون.



ومَنْ مَلَكَ الصائبة يقال له: نمرود، والتبابعة: ملوك اليمن من بني قحطان، وجالوت: لملك البربر. والإخشيد: لمن ملك فرغانة، والنعمان: لمن ملك العرب من قبل العجم، وجرجير: لمن ملك إفريقية، وشهرمان: لمن ملك خلاط، وفور: لمن ملك السند، والأصفر: لمن ملك عَلوى، ورتبيل: لمن ملك الخزر، وكابل: لمن ملك النوبة، وماجد: لمن ملك الصقالبة.
وتنازع ابنا (عبد الحكم) (١) في أنه يقال له: هرقل أم قيصر وترافعا إلى الشافعي فقال: هو هرقل، وقيصر الأول علم له والثاني لقب كأمير المؤمنين، وهو أول من ضرب الدنانير وأحدث البيعة.
ومعنى الحديث الصحيح: «إِذَا هَلَكَ كِسْرى فَلَا كِسْرى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ» (٢) لا قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق (٣) كما قاله الشافعي في «المختصر»، قال: وسبب الحديث أن قريشًا كانت تأتي الشام والعراق كثيرًا للتجارة في الجاهلية فلما أسلموا خافوا انقطاع سفرهم إليهما لمخالفتهم أهل الشام والعراق بالإسلام، فقال - ﷺ -: «لا قيصر ولا كسرى» أي: بعدهما في هذين الإقليمين ولا ضرر عليكم فلم يكن قيصر بعده بالشام ولا كسرى بعده بالعراق ولا يكون (٤)، وقال - ﷺ -: «والذي نفسي بيده (لتنفقن

----------------------
(١) في (ج): الحكم.
(٢) رواه البخاري (٣٦١٨) كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، ومسلم (٢٩١٨) كتاب: الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل …
(٣) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: للأولاد، كذا في»مرج البحرين«.
(٤)»مختصر المزني بهامش الأم" ٥/ ١٩٥ - ١٩٦.



كنوزهما) (١) في سبيل الله» (٢) ففتحت الصحابة الإقليمين في زمن عمر وسيمر بك قريبًا حاله إن شاء الله.
فائدة:
معنى قيصر: البقير والقاف على لغتهم (غير صافية) (٣) وذلك أن أمه لما أتاها الطلق به ماتت فبقر بطنها عنه فخرج حيًّا، وكان يفخر بذلك؛ لأنه لم يخرج من فرج، واسم قيصر في لغتهم مشتق من القطع؛ لأن أحشاء أمه قُطعت حتى أخرج منها؛ لأنها لما ماتت عندما اشتد بها الطلق بقي الولد يضطرب في جوفها فشقوا جوفها وأخرجوه، وكان شجاعًا جبارًا مقدامًا في الحروب نبه على ذلك ابن دحية في: «مرج البحرين».
وفيه أيضًا: دحية هو بكسر الدال وفتحها لغتان مشهورتان اختلف في أرجحهما.
قال المطرز: والدحى: الرؤساء، واحدهم دحية، وهو دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزج -بخاء معجمة مفتوحة ثم زاي ساكنة ثم جيم- وهو العظيم -واسمه زيد مناة -سمي بذلك لعظم بطنه- بن عامر بن بكر بن عامر الأكبر بن عوف -وهو زيد اللات- وقيل: ابن عامر الأكبر بن بكر بن زيد اللات، وهو ما ساقه المزي أولًا، قال: وقيل: عامر الأكبر بن عوف بن بكر بن

---------------------
(١) في (ف): لتنفق كنوزها.
(٢) سيأتي برقم (٣١٢٠) كتاب: فرض الخمس، باب: قول النبي - ﷺ -: «أحلت لكم الغنائم»، ورواه مسلم (٢٩١٨) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل، فيتمنى أن يكون مكان الميت، عن أبي هريرة.
(٣) في (ج): عرضًا فيه.



عوف بن عبد بن زيد اللات بن (رُفَيدة) (١) -بضم الراء وفتح الفاء- بن ثور بن كلب (٢)، بن وبَرة -بفتح الباء- بن تغلب -بالغين المعجمة- بن حلوان بن عمران بن إلحاف -بالحاء والفاء- بن قضاعة بن معد بن عدنان، وقيل: قضاعة إنما هو ابن مالك بن حمير بن سبأ، كان من أجمل الصحابة وجهًا ومن كبارهم، وكان جبريل -عليه السلام- يأتي النبي - ﷺ - في صورته، وذكر السهيلي عن ابن سلام في قوله تعالى: ﴿أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ [الجمعة: ١١]، قال: كان اللهو نظرهم إلى وجه دحية لجماله، وروي أنه كان إذا قدم الشام لم يبق (معصرة) (٣) إلا خرجت تنظر إليه (٤).
قال ابن سعد: أسلم قديمًا ولم يشهد بدرًا وشهد المشاهد بعدها وبقي إلى خلافة معاوية (٥). وقال غيره: شهد اليرموك وسكن المزة قرية بقرب دمشق (٦).
فائدة:
كان بعث الكتاب سنة ست، قاله أبو عمر (٧)، قال خليفة: سنة

-------------------
(١) في (ج): رفيد.
(٢) «تهذيب الكمال» ٨/ ٤٧٣.
(٣) ورد بهامش الأصل: معصبة، والصواب ما أثبتناه كما جاء في التخريج.
(٤) «الروض الأنف» ١/ ٢٦٩، والقصة أوردها: ابن قتيبة في «غريب الحديث» ٢/ ٣٦٠، والزمخشري في «الفائق» ٢/ ٤٤٠، وابن عساكر في «تاريخه» ١٧/ ٢١٥، والنووي في «تهذيب الأسماء واللغات» ١/ ١٨٤، والمزي في «تهذيب الكمال» ٨/ ٤٧٤، والذهبي في «السير» ٢/ ٥٥٤، والصفدي في «الوافي بالوفيات» ١٤/ ٥، كذا بلا إسناد، ولم يعلق عليها أحد، والله أعلم بصحتها.
(٥) «الطبقات الكبرى» ٤/ ٢٤٩ - ٢٥١.
(٦) تقدمت ترجمة دحية الكلبي في شرح حديث رقم (١).
(٧) «الاستيعاب» ٤/ ٢٥١.



خمس، وقال محمد بن عمر لقيه بحمص فدفع له الكتاب في المحرم سنة سبع (١). وروى الحارث بن أبي أسامة في حديث دحية أنه - ﷺ - قال: «من ينطلق بكتابي هذ إلى قيصر وله الجنة». قالوا: وإن لم يقتل يا رسول الله؟ قال: «وإن لم يقتل». فانطلق به رجل. يعني: دحية. وساق الحديث (٢).
وقال السهيلي: لم يذكر ابن إسحاق في غزوة تبوك ما كان من أمر هرقل فإنه - ﷺ - كتب إليه من تبوك مع دحية ثم كتب كتابًا وأرسله مع دحية إلى رسول الله - ﷺ - يقول فيه: إني مسلم ولكني مغلوب على أمري، وأرسل إليه بهدية، فلما قرأ الكتاب قال: «كذب عدو الله ليس هو بمسلم بل هو على نصرانيته» وقبل هديته وقسمها بين المسلمين.
قلت: وكانت تبوك في السنة التاسعة كما سيأتي (٣).

------------------
(١) انظر: «الطبقات الكبرى» ٤/ ٢٥١.
(٢) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (٦٣٨)، و«إتحاف الخيرة المهرة»، ٥/ ١٣٣ - ١٣٤ (٤٣٨٩)، و«المطالب العالية» ١٧/ ٥٠٢ من طريق معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله به.
قال البوصيري في «الإتحاف» ٥/ ١٣٤: هذا إسناد مرسل رواته ثقات. اهـ.
ورواه أبو عبيد في «الأموال» من طريق مروان بن معاوية ويزيد بن هارون، عن حميد الطويل، عن بكر بن عبد الله المزني به.
قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٣٧: وإسناده صحيح من مرسل بكر بن عبد الله المزني. اهـ.
وأخرجه أيضًا ابن حبان ١٠/ ٣٥٧ (٤٥٠٤)، ومحمد بن عبد الواحد المقدسي في «الأحاديث المختارة» ٦/ ٩٨ (٢٠٨٣) من طريق محمد بن عبد الرحيم عن على بن بحر، عن مروان بن معاوية، عن حميد، عن أنس به.
والحديث صححه الألباني في «صحيح موارد الظمآن» ٢/ ١٠٤ (١٣٥١)، وقال في «فقه السيرة» ص ٣٥٦: إسناده صحيح لكنه مرسل. اهـ.
(٣) «الروض الأنف» ٤/ ١٩٦.



فائدة:
ليس في الصحابة من اسمه دحية سواه.
فائدة ثالثة:
لم يخرج من الستة حديثه إلَّا السجستاني في «سننه» (١) وهو من أصحاب الحديثين قاله ابن البرقي (٢).
وقال البزار (٣) لما ساق حديثه من طريق عبد الله بن شداد بن الهاد عنه: لم يحدث عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث (٤).

--------------------
(١) انظر حديث رقم (٢٤١٣)، و(٤١١٦).
(٢) أحمد بن عبد الله بن البرقي أبو بكر المحدث الحافظ، الصادق. سمع من: عمرو بن أبي سلمة، وأسد السنة، وابن هشام، وأبي صالح، وعدة. حدَّث عنه: أحمد بن علي المدائني، والطحاوي، وخلق. وله كتاب في «معرفة الصحابة وأنسابهم»، وكان من أئمة الأثر. رفسته دابة، فمات في شهر رمضان سنة سبعين ومائتين، وكان من أبناء الثمانين، وهو الذي استمر فيه الوهم على الطبراني، ويقول كثيرًا في كتبه: حدثنا أحمد بن عبد الله البرقي، ولم يلقه أصلًا، وانما وهم الطبراني، ولقي أخاه عبد الرحيم، وأكثر عنه، واعتقد أن اسمه أحمد فغلط في اسمه.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٢/ ٦١ (٩٣)، «المنتظم» ٥/ ٧١، «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٥٧٠، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٤٧، ٤٨ (٣٣)، «الوافي بالوفيات» ٧/ ٨٠ (٣٠٢٠)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٥٨.
(٣) البزَّار: أحمد بن عمرو بن عبد الخالق، البصري، أبو بكر صاحب المسند الكبير، الذي تكلم على أسانيده، ولد سنة نيف عشرة ومائتين.
قال الدراقطني: ثقة، يخطئ ويتكل على حفظه، وقال أبو عبد الله الحاكم: يخطئ في الإسناد والمتن، وجرحه النسائي. أدركه أجله بالرملة فمات في سنة اثنتين وتسعين ومائتين. انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٤/ ٣٣٤، ٣٣٥، «المنتظم» ٦/ ٥٠، «سير أعلام النبلاء» ١٣/ ٥٥٤، ٥٥٧ (٢٨١)، «لسان الميزان» ٨/ ٢٣٦ - ٢٣٩، «شذرات الذهب» ٢/ ٢٠٩.
(٤) الحديث المشار إليه سيورده المصنف قريبًا في شرح هذا الحديث والكلام عليه =



وفيه أيضًا أبو كبشة رجل من خزاعة كان يعبد الشِّعرى العبور ولم يوافقه أحد من العرب على ذلك قاله الخطابي (١)، وفي «المختلف والمؤتلف» للدارقطني أن اسمه: وجز بن غالب من بني (غبشان) (٢) ثم من بني خزاعة.
قال أبو الحسن النَّسَّابة وغيره في معنى نسبة الجاهلية النبي - ﷺ - لأبي كبشة: إنما ذلك عداوة له ودعوة إلى غير نسبه المعلوم المشهور، كان وهب بن عبد مناف بن زهرة جده أبو آمنة يكنى أبا كبشة (٣).
وكذلك عمرو بن زيد بن أسد النجاري أبو سلمة أم عبد المطلب كان يدعى أبا كبشة، وكان وجز بن غالب بن حارث أبو قيلة أم وهب بن عبد مناف بن زهرة أبو أم جده لأمه يكنى: أبا كبشة وهو خزاعي، وكان أبوه من الرضاعة الحارث بن عبد العزى بن رفاعة السعدي يكنى بذلك أيضًا، وقيل: إنه والد حليمة مرضعته، حكاه ابن ماكولا (٤).
وذكر الكلبي في كتاب «الدفائن» أن أبا كبشة هو حاضن النبي - ﷺ - زوج حليمة ظئر النبي - ﷺ - واسمه الحارث كما سلف، وقد روى عن النبي - ﷺ - حديثًا.

-----------------
= يأتي هناك. وأما قول البزار: لم يحدث عن النبي - ﷺ - إلا هذا الحديث. رده الهيثمي في «كشف الأستار» ٣/ ١١٩ فقال: قلت له حديثان آخران.
(١) «أعلام الحديث» ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٢) «المؤتلف والمختلف» ٤/ ٢٢٩١، وفي الأصول: غبسان وهو خطأ والمثبت هو الصواب.
(٣) وهو متعقب بما قاله الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٠، حيث قال: وهذا فيه نظر؛ لأن وهبًا جد النبي - ﷺ - اسم أمه عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، ولم يقل أحد من أهل النسب أن الأوقص يكنى أبا كبشة. اهـ.
(٤) «الإكمال» ٧/ ١٥٦، ١٥٧.



ونقل ابن التين في الجهاد عن الشيخ أبي الحسن أن أبا كبشة جد ظئر النبي - ﷺ -، فقيل له: قيل: إن في أجداده ستة يسمون أبا كبشة. فأنكر ذلك.
الوجه السادس: في بيان الأسماء المبهمة الواقعة فيه:
فابن الناطور هو (١): ..
وملك غسان هو الحارث بن أبي شمر أراد حرب النبي - ﷺ - وخرج إليهم في غزاة ونزل قبيل من كندة ماء يقال له: غسان بالمشلل فسموا به.
الوجه السابع: في أسماء الأماكن الواقعة فيه:
أما الشأم فمهموز ويجوز تركه وفيه لغة ثالثة شآم بفتح الشين والمد وهو مذكر ويؤنث أيضًا حكاه الجوهري (٢) والنسبة إليه شآمي، وشآم بالمد على فَعال، وشآمي بالمد والتشديد حكاها الجوهري عن سيبويه (٣)، وأنكرها غيره؛ لأن الألف عوض من ياء النسب فلا يجمع بينهما.
وحد الشام: طولًا من العريش إلى الفرات وقيل: إلى بالس.

-------------------------
(١) بياض في الأصل وورد بهامش (ج): قوله: الناطور، قال القاضي: هو بطاء مهملة، وعند الحموي بالمعجمة. قال أهل اللغة: فلان ناطور بني فلان وناظرهم بالمعجمة: المنظور إليه منهم، والناطور بالمهملة: الحافظ النخل، أعجمي تكلمت به العرب. قال الأصمعي: هو من النظر، والنبط يجعلون الظاء طاء، وفي «العباب» في: باب الطاء المهملة: الناطر والناطور: حافظ الكرم، والجمع: نواطير. عبارة العيني. انتهى. قلت: سيأتي في: الوجه الأربعين. انظر: «عمدة القاري» ١/ ٩١.
(٢) «الصحاح» ٥/ ١٩٥٧، مادة: (شأم).
(٣) المصدر السابق.



وقال ابن حبان في «صحيحه»: أول الشام بالس (١) وآخره العريش (٢).
وأما حده عرضًا فمن جبل طيء من نحو القبلة إلى بحر الروم وما يسامت ذلك من البلاد نبه (عليه) (٣) صاحب «التنقيب على المهذب»، وفي اشتقاقه وسبب تسميته خلاف كبير ذكرته في «الإشارات لغة كتاب المنهاج» (٤) فراجعه منه، ودخله نبينا - ﷺ - قبل النبوة وبعدها ودخله أيضًا عشرة آلاف صحابي كما قاله ابن عساكر في «تاريخه» (٥).
وأما إيلياء فهو بيت المقدس، وفيه ثلاث لغات أشهرها كسر الهمزة واللام وإسكان الياء بينهما وبالمد، والثانية مثلها إلا أنها بالقصر، والثالثة إلياء بحذف الياء الأولى وإسكان اللام وبالمد حكاهن صاحب «المطالع» قال: قيل: معناه: بيت الله. وفي «الجامع»: أحسبه عبرانيا. ويقال: الإيلياء كذا رواه أبو يعلى الموصلي في «مسنده» في مسند ابن عباس (٦).

------------------
(١) قال ياقوت: بالس: بلدة بالشام بين حلب والرقة، سميت فيما ذكر ببالس بن الروم بن اليقن بن سام بن نوح -عليه السلام-، وكانت على ضفة الفرات الغربية، فلم يزل الفرات يشرِّق عنها قليلًا قليلًا حتى صار بينهما في أيامنا هذِه أربعة أميال. انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٢٢، «معجم البلدان» ١/ ٣٢٨.
(٢) «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٢٩٤.
(٣) في (ج): على ذلك.
(٤) «كتاب الإشارات» للمصنف، انتهى من تحقيق الجزء الأكبر منه أحد الباحثين بدار الفلاح كرسالة ماجستير، ونعمل الآن في الدار على تجهيزه للنشر إن شاء الله.
(٥) «تاريخ ابن عساكر» ١/ ٣٢٧.
(٦) رواه أبو يعلى ٥/ ٦ - ٧ (٢٦١٦) وفي إسناده: سويد بن سعيد، قال عنه النسائي: ليس بثقة ولا مأمون، وقال يحيى بن معين: سويد بن سعيد حلال الدم، وقال علي ابن المديني: ليس بشيء. انظر: «تهذيب الكمال» ١٢/ ٢٥١، ٢٥٢.
وفيه أيضًا الوليد بن محمد الموقري قال ابن حجر في «التقريب» (٧٤٥٣): متروك.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #36  
قديم 18-01-2026, 05:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 383 الى صـــ 399
الحلقة (35)





ويقال: بيت المقدِس وبيت (المقدَّس) (١).
وأما بُصرى فبضم الباء وهي مدينة حوران مشهورة ذات قلعة، وهي قريبة من طرف العمارة والبرية التي بين الشام والحجاز، قال ابن عساكر: فتحت صلحًا في ربيع الأول لخمس بقين سنة ثلاث عشرة، وهي أول مدينة فتحت بالشام (٢).
وأما رومية، فبضم الراء وتخفيف الياء مدينة معروفة للروم وكانت مدينة رئاستهم ويقال: إن روماس بناها.
وأما حمص -بكسر الحاء وسكون الميم- بلدة معروفة بالشام، دخلت بها في رحلتي وسمعت بها، سميت باسم رجل من العمالقة اسمه حمص بن (المهر) (٣) بن جاف كما سميت حلب بحلب بن المهر وكانت حمص في قديم الزمان أشهر من دمشق.
قال الثعلبي: دخلها تسعمائة رجل من الصحابة، افتتحها أبو عييدة بن الجراح سنة ست عشرة، وفي كتاب «من نزل حمص» لأبي القاسم عبد الصمد بن سعيد القاضي: إن حمص فتحت سنة خمس عشرة افتتحها أبو عبيدة ومعه اثنا عشر ألفًا، وفيه عن قتادة: نزل حمص خمسمائة صحابي. قال الجواليقي: وليست عربية، تذكر وتؤنث، قال البكري: ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند؛ لأنه اسم أعجمي، سميت برجل من العمالقة يسمى حمص ويقال: رجل من عَامِلَة هو أول من نزلها (٤).

------------------------
(١) في (ج): القدس.
(٢) «تاريخ دمشق» ٢/ ١٠٥.
(٣) كذا في الأصل، وورد بهامش الأصل: المهري، والصواب ما أثبتناه كما في «معجم البلدان» ٢/ ٣٠٢ - ٣٠٣.
(٤) «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٦٨.



وقال ابن التين في الجهاد: يجوز الصرف وعدمه لقلة حروفه وسكون وسطه (١).
وأما الدسكرة فهي بفتح الدال والكاف وإسكان السين بينهما، وهو بناء كالقصر حوله بيوت، وليس بعربي وهي بيوت الأعاجم وأنشد ابن سيده للأخطل:
في قباب حول (٢) دسكرة … حولها الزيتون قد ينعا
والدسكرة: الصومعة عن أبي عمرو (٣). وعزا غيره هذا البيت إلى الأحوص وبعضهم إلى يزيد بن معاوية، وصححه الأخفش في كلامه على المبرد، وقال ابن السيد: إنه لأبي دهبل الجمحي (أيضًا) (٤).
وفي «جامع القزاز»: الدسكرة أيضًا: الأرض المستوية.
وقال يا قوت: إنه أصلها (٥)، وقال التبريزي: الدسكرة: مجمع البساتين والرياض.
الوجه الثامن: في تبيين ما وقع فيه من القبائل والأنساب:
فيه: قريش (٦) وهم ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة واسمه عامر، دون سائر ولد كنانة وهم مالك وملكان ومويلك وغزوان وعَمرو

----------------------
(١) ورد بهامش (ج): قال العيني: قلت: إذا أنثته تمنعه من الصرف؛ لأن فيه حينئذ ثلاث علل: التأنيث والعجمة والعلمية، فإن كان سكون وسطه يقاوم أحد العلل يبقى سببان أيضًا، ولهما يمنع من الصرف كما في ماه وجور. اهـ. انظر: «عمدة القاري» ١/ ٩٤.
(٢) كذا في الأصل، وفي «المحكم» عند.
(٣) «المحكم» ٧/ ١١٩.
(٤) من (ف).
(٥) «معجم البلدان» ٢/ ٤٥٥.
(٦) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: لم يذكر الله في القرآن قبيلة باسمها غيرها.



إخوة النضر (١) لأبيه وأمه، وأمهم مرة بنت مر أخت تميم بن مر، وهذا ما ذكره الجمهور.
وقيل: إنهم بنو فهر بن مالك وفهر جماع قريش، ولا يقال لمن فوقه: قرشي وإنما يقال له: كناني، ورجحه الزبير بن بكار وهو ما ذكره ابن سعد (٢) فهو لقب وقريش اسمه، وأَبْعَدَ من قال: إنهم ولد إلياس بن مضر أو ولد مضر بن نزار حكاهما الرافعي (٣) وهما غريبان جدًّا، وقد أسلفنا ذلك أول الكتاب ولماذا سموا بذلك؟ فيه أقوال:
أصحها عند الجمهور: لتقرشهم أي: لتكسبهم يقال: قرش (يقرش) (٤) -بكسر الراء- وكانوا أصحاب كسب.
ثانيها: أن قريشًا تصغير القرش وهو حوت سميت به القبيلة أو أبوها لقوتهم.
ثالثها: لتجمعهم بعد التفرق، والتقرش: التجمع.
رابعها: لأنهم كانوا يقرشون عن خلة الناس وحاجتهم. أي: يَسُدُّونَها بما لهم، والتقرش: التفتيش ويصرف ولا يصرف على إرادة الحي أو القبيلة والأَوْجَهُ صرفه، قال تعالى: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١)﴾ [قريش: ١] وقال الزبير بن بكار عن عمه: سميت قريش بقريش بن بدر بن يخلد بن النضر كان دليل بني كنانة في تجاراتهم فكان يقال:

--------------------
(١) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف وسمعه الصفدي، والحاضري …، وابن المصنف نور الدين والشيخ نور الدين البيجوري والعاملي والبرموي والكرماني … نظام الدين الحموي والفخر الرَّازي وآخرون.
(٢) «طبقات ابن سعد» ١/ ٥١.
(٣) «الشرح الكبير» ٧/ ٣٣٨.
(٤) في (ج): يفترش.



قدمت عير قريش. وأبوه بدر صاحب بدبى الموضع، قال: وقال غير عمي: قريش بن الحارث بن يخلد اسمه بدر الذي سميت به بدر وهو احتفرها، وينسب إلى قريش: قرشي وقريشي (١).
وفيه الروم: وهم هذا الجيل المعروف، قال الجوهري: هم من ولد الروم بن عيصو، واحدهم رومي كزنجي وزنج، فليس بين الواحد والجمع إلا الياء المشددة، كما قالوا: تمرة وتمر، ولم يكن بين الواحد والجمع إلا الهاء (٢).
قال الواحدي: هم جيل من ولد آرم بن عيص بن إسحاق غلب عليهم فصار كالاسم للقبيلة.
وقال الرشاطي: الروم منسوبون إلى رومي بن لنطى بن يونان بن يافث بن نوح. فهؤلاء الروم من اليونانيين، وقوم من الروم يزعمون أنهم من قضاعة من تنوخ وبهراء وسليخ، وكانت تنوخ أكثرها على دين النصارى.
وكل هذِه القبائل خرجوا مع هرقل عند خروجهم من الشام فتفرقوا في بلاد الروم.
وفيه بنو الأصفر وهم الروم، ولم سموا بذلك؟ فيه قولان:
أحدهما: أن جيشًا من الحبشة غلب على ناحيتهم في وقت فوطئ نساءهم فولدن أولادًا صفرًا من سواد الحبشة وبياض الروم قاله ابن الأنباري.
الثاني: أنها نسبة إلى الأصفر بن الروم بن عيصو بن إسحاق بن

----------------
(١) انظر: «اللباب» ٣/ ٢٥.
(٢) «الصحاح» ٥/ ١٩٣٩، مادة: (روم).



إبراهيم -عليه السلام- قاله الحربي، قال القاضي. عياض: وهو الأشبه (١).
وعبارة القزاز: قال قوم: بنو الأصفر من الروم هم ملوكهم ولذلك قال عدي بن زيد:
وبنو الأصفر الكرام ملوك … الروم لم يبق منهم مذكور
قال: ويقال: إنما سموا بذلك؛ لأن عيصو بن إسحاق -عليه السلام- كان رجلًا أحمر أشعر الجلد، كان عليه خواتيم من شعر، وهو أبو الروم، وكان الروم رجلًا أصفر في بياض شديد الصفرة، فمن أجل ذلك سموا بذلك، وتزوج عيصو ابنة عمه إسماعيل بن إسحاق، فولدت له الروم بن عيصو وخمسة آخرين، فكل من في الروم فهو من نسل هؤلاء الرهط.
وفي «المغيث»: تزوج الروم بن عيصو إلى الأصفر ملك الحبشة، فاجتمع في ولده بياض الروم وسواد الحبشة، فأعطوا جمالًا وسموا بني الأصفر (٢).
وفي «تاريخ دمشق» لابن عساكر: تزوج مهاطيل الرومي إلى النوبة، فولد له الأصفر (٣).
وفي «التيجان» لابن هشام: إنما قيل لعيصو بن إسحاق: الأصفر؛ لأن جدته سارة حلته بالذهب فقيل له ذَلِكَ لصفرة الذهب.

---------------------
(١) «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٣.
(٢) «المغيث» ٣/ ٢٧٤ وعزاه لابن قتيبة وليس فيه زواج الروم بن عيصو وإنما ذكر سبب تسمية الروم ببني الأصفر فقال: عيصو بن إسحاق هو أبو الروم وكان الروم أصفر في بياض شديد الصفرة فلذلك يقال للروم. بنو الأصفر وانظر: «المعارف» ص (٣٨).
(٣) «تاريخ دمشق» ١/ ١٥.



قَالَ: وقال بعض الرواة: إنه كان أصفر. أي: أسمر إلى صفرة، وذلك موجود في ولده إلى اليوم فإنهم سمر كحل الأعين.
الوجه التاسع: في ضبط ألفاظه وتبيين معانيه:
الأول: الركب: جمع راكب، وقيل: اسم يدل على الجمع كقوم وذود، وهو قول سيبويه، وهم أصحاب الإبل في السفر العشرة فما فوقها، قاله ابن السكيت (١) وغيره.
وقال ابن سيده: أرى أن الركب قد يكون للخيل والإبل. وفي التنزيل: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٢] فقد يجوز أن يكون منهما جميعًا وقول علي: ما كان معنا يومئذٍ فرس إلا فرس عليه المقداد بن الأسود. يصحح أن الركب ها هنا رُكّاب الإبل.
قالوا: والرَّكَبة -بفتح الراء والكاف- أقل منه، والأركوب -بالضم- أكثر منه. وجمع الركب: أركب وركوب، والجمع أراكب، والركاب: الإبل، واحدها: راحلة وجمعها: رُكُب (٢).
وفي بعض طرق هذا الحديث أنهم كانوا ثلاثين رجلًا منهم أبو سفيان.
الثاني: التجار بكسر التاء وتخفيف الجيم، ويجوز ضم التاء وتشديد الجيم، وهما لغتان جمع تاجر، ويقال أيضًا: تجر كصاحب وصحب.
الثالث: مادّ بتشديد الدال، وهو من المفاعلة كضارب وحاد وشاد يكون من اثنين، يقال: تماد الغريمان إذا اتفقا على أجل، وهو من المدة، وهي القطعة من الزمان تقع على القليل والكثير، أي اتفقوا على الصلح مدة من الزمان، وهذِه المدة هي صلح الحديبية، الذي

------------------
(١) «المحكم» ٧/ ١٤ - ١٥.
(٢) «إصلاح المنطق» ١/ ٣٣٨.



جرى بين النبي - ﷺ - وكفار قريش، سنة ست من الهجرة لما خرج - ﷺ - في ذي القعدة معتمرًا، قصدته قريش وصالحوه على أن يدخلها في العام المقبل على وضع الحرب عشر سنين، فدخلت بنو بكر في عهد قريش وبنو خزاعة في عهده - ﷺ - ثم نقضت قريش العهد بقتالهم خزاعة حلفاء رسول الله - ﷺ - فأمر الله تعالى بقتالهم بقوله تعالى: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ)﴾ [التوبة: ١٣].
الرابع: قوله: (وَحَوْلَهُ) هو بفتح اللام يقال: حوله وحواله وحوليه وحواليه أربع لغات واللام مفتوحة فيهن. أي: مطيفون به من جوانبه قَالَ الجوهري: ولا تقل: حواليه بكسر اللام (١).
الخامس: الترجمان: بفتح التاء أفصح من ضمها، والجيم مضمومة فيهما وهو المعبر عن لغة بلغة، والتاء فيه أصلية، وأنكر على الجوهري جعلها زائدة، وتبعه ابن الأثير فقال في «نهايته»: والتاء والنون زائدتان (٢).
السادس: إنما سأل عن أقربهم نسبًا؛ لأن غيره لا يؤمن أن تحمله العداوة على الكذب في نسبه والقدح فيه بخلاف القريب فإن نَسبه نَسَبُه.
السابع: قوله: (فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ) قيل في معناه: لئلا يستحيوا أن يواجهوه بالتكذيب إن كذب.
الثامن: قوله: (فَإِنْ كَذَبَنِي) هو بالتخفيف، فكذبوه هو بالتشديد، الكذب نقيض الصدق، يقال: كذب يكذب كَذِبًا وكِذْبًا وكِذْبةً وكَذِبةً.
ويقال: كذبته وكذبت له.

--------------------
(١) «الصحاح» ٤/ ١٦٧٩، مادة: (حول).
(٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ١٨٦.



التاسع: (يَأْثِرُوا) بكسر الثاء وضمها، ولم يذكر القاضي غيره (١).
أي: يحكوه عني ويتحدثوا به فأُعَاب به؛ لأن الكذب قبيح، وإن كان على عدو يقال: أثرت الحديث -بقصر الهمزة- آثره -بالمد وضم المثلثة وكسرها- أَثْرًا -ساكنة الثاء- حدثت به.
العاشر: قوله: (لَكَذَبْتُ عَنْهُ) أي: لأخبرت عن حاله بكذب لبغضي إياه. وقد قَالَ الفقهاء: إن شهادة العدو على عدوه لا تسمع لمثل هذا المعنى.
وقوله: (عَنْهُ). أي: عليه. وقد جاء كذلك في بعض نسخ البخاري، ولم تقع هذِه اللفظة في مسلم، ووقع فيه لولا مخافة أن يؤثر عليَّ الكذب (٢) وعليّ بمعنى عني، كما هو في قوله:
إذا رضيت عليَّ بنو قشير … ............... (٣)
ووقع أيضًا لفظة: (عليَّ). في البخاري في التفسير (٤).
الحادي عشر: قوله: (قَطُّ) فيها لغات أشهرها فتح القاف وتشديد الطاء المضمومة.
قَالَ الجوهري: معناها: الزمان، يقال: ما رأيته قط. قَالَ: ومنهم من يقول: قُطُ بضمتين، وقَطُ بتخفيف الطاء وفتح القاف وضمها مع التخفيف، وهي قليلة (٥).

--------------------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ١٨.
(٢) مسلم (١٧٧٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام.
(٣) انظر: «أدب الكاتب» ص (٣٩٥) وعزاه للقُحَيْف العقيلي، وباقي البيت:
............... … لعَمْرُ الله أعجبني رِضَاها
(٤) سيأتي برقم (٤٥٥٣).
(٥) «الصحاح» ٣/ ١١٥٣، مادة: (قطط).



الثاني عشر: قوله: (فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ) هذا روي على وجهين:
أحدهما: مِن بكسر الميم ومَلِك بفتح الميم وكسر اللام.
وثانيهما: (مَن) بفتح الميم، وبفتحها أيضًا وفتح اللام على أنه فعل ماض وكلاهما صحيح والأول أصح وأشهر، ويؤيده رواية مسلم: هل كان في آبائه مَلِكٌ؟ (١) بحذف (من)، وكذا هو في كتاب التفسير من «صحيح البخاري» أيضًا (٢). وعلى هذا يحتمل أن تكون من زائدة في الرواية الأخرى؛ لأنها في سياق الاستفهام.
الثالث عشر: (أَشْرَافُ النَّاسِ): كبارهم وأهل الأحساب منهم. وإنما كان أتباع الرسل الضعفاء دون الأشراف؛ لكون الأشراف يأنفون من تقديم مثلهم عليهم، والضعفاء لا يأنفون فيسرعون إلى الانقياد واتباع الحق، وهذا على الغالب، وإلا فقد سبق إلى اتباعه أكابر أشراف دينه كالصديق والفاروق وحمزة وغيرهم، وزيادتهم دليل على صحة النبوة؛ لأنهم يرون الحق كل يوم يتجدد، فيدخل فيه كل يوم طائفة.
الرابع عشر: قوله: (سَخْطَةً) (هو) (٣) بفتح السين، والسَّخط والسُّخط هو الكراهة للشيء وعدم الرضا به، يقال منه: سخط يسخط سخطًا، ومعناه: أن من دخل في الشيء على بصيرة يمتنع رجوعه بخلاف ضده.

-----------------------
(١) سبق تخريجه.
(٢) سيأتي برقم (٤٥٥٣).
(٣) من (ج).



الخامس عشر: (يَغْدِرُ) بكسر الدال، وهو ترك الوفاء بالعهد.
وقوله: (وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مُدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا) فيها يعني: مدة الهدنة، وهي صلح الحديبية.
وقوله: (وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرُ هذِه الكَلِمَةِ) إنما فعل ذَلِكَ؛ لأنه كان يعلم من أخلاقه الوفاء والصدق، وأنه يفي بما عاهدهم عليه، وأحال الأمر على الزمن المستقبل، وقال ما قَالَ مع علمه أن صدقه ووفاءه ثابت مستمر لا يتغير.
السادس عشر: قوله: (فَكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟) فيه انفصال ثاني (الضميرين) (١)، والاختيار أن لا يجيء المنفصل إذا تأتى مجيء المتصل.
السابع عشر: (سِجَالٌ) بكسر السين، أي: نوب، نوبة لنا ونوبة له. والمساجلة: المفاخرة، بأن تصنع مثل صنعه في جري أو سعي، وأصله من السجل وهو الدلو ملأى، وأصله المستقيان بالسجل حتى يكون لكل واحد منهما سجل.
الثامن عشر: (الْعَفَافِ): الكف عن المحارم وخوارم المروءة.
قَالَ صاحب «المحكم»: العفة: الكف عما لا يحل ولا يَجْمُل، يقال: عَفَّ يَعِفّ عِفّة وعفافًا وعَفافة وعفة، وتعفف واستعف، ورجل عَفٌّ وعفيف، والأنثى عفيفة، وجمع العفيف: أعفَّة وأعفّاء (٢).
التاسع عشر: الصلة: كل ما أمر الله تعالى به أن يوصل وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعاة، وفي مسلم: (ويأمرنا بالزكاة) (٣) بدل الصدق

-----------------------
(١) في (ف): الضمير.
(٢) «المحكم» ١/ ٥٠.
(٣) مسلم (١٧٧٣).



في رواية البخاري (هنا، وقد أخرجها في الزكاة (١) بعلة ما) (٢).
العشرون: قوله: (وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ قَوْمِهَا). يعني: أفضله وأشرفه. قيل: الحكمة في ذَلِكَ أن من شرف نسبه كان أبعد من انتحال الباطل، وكان انقياد الناس إليه أقرب.
الحادي بعد العشرين: سؤاله عن الارتداد؛ لأن من دخل على بصيرة في أمر محقق لا يرجع عنه، بخلاف من دخل في أباطيل كما سلف. وسؤاله عن الغدر؛ لأن من طلب حظ الدنيا لا يبالي بالغدر وغيره مما يتوصل به إليها، ومن طلب الآخرة لم يرتكب غدرًا ولا غيره من القبائح. وسؤاله عن حربهم جاء تفسيره له في (غير) (٣) هذِه الرواية في البخاري في التفسير (٤)، ومسلم قَالَ: كذلك الرسل تبتلى ثم تكون (لهم) (٥) العاقبة (٦)، يبتليهم بذلك ليعظم أجرهم لكثرة صبرهم وبذلهم وُسْعَهم في طاعته، قَالَ تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، ولئلا يخرج الأمر عن العادة، ومن تأمل ما استقرأه هرقل من هذِه الأوصاف تبين له حسن ما استوصف من أمره، واستبرأه من حاله، ولله دره من رجل ما كان أعقله لو ساعدته المقادير بتخلية ملكه والأتباع!
الثاني بعد العشرين: قوله: (يَأْتَسِي) هو بهمزة بعد الياء، أي: يتبع

---------------------
(١) رواه البخاري معلقًا قبل حديث رقم (١٣٩٥) باب: وجوب الزكاة.
(٢) من (ف).
(٣) من (ف).
(٤) سيأتي (٤٥٥٣).
(٥) في (ف): لها.
(٦) مسلم (١٧٧٣).



ويقتدي، والأسوة: القدوة. يقال: أُسوة بكسر الهمزة وضمها، وقد قرئ بهما، قرأ عاصم بالضم، والباقون بالكسر (١).
الثالث بعد العشرين: قوله: (حِينَ يُخَالِطُ) كذا وقع في أكثر النسخ: حين بالنون، وفي بعضها: حتى بالياء، ووقع في «المستخرج» للإسماعيلي حتى أو حين على الشك، والروايتان وقعتا في مسلم أيضًا (٢) ووقع فيه أيضًا: إذا (٣) بدل حين.
الرابع بعد العشرين: البشاشة: بفتح الباء يقال: بش به وتبشبش، وروي: بشاشة. كما سقناه. وبشاشته.
قَالَ القاضي: وهذِه أصح (٤). يعني: رواية الهاء، والمراد: انشراح الصدر والفرح به والسرور، وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه وإظهار السرور برؤيته وتأنيسه، يقال: بش بالشيء يبش بشاشة إذا أظهر بشرى عند رؤيته. قَالَ الليث: البش: اللطف في المسألة والإقبال على أخيك. وقال ابن الأعرابي: هو فرح الصدر بالصديق. وقال ابن دريد: بش إذا ضحك إليه ولقيه لقاء جميلًا.
الخامس بعد العشرين: قوله: (وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارجٌ) إنما علم ذَلِكَ من التوراة والإنجيل، وفي مسلم: فإن يك ما تقول حقًّا فإنه نبيٌّ (٥).
وقوله: (فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ). يعني: الشام، فإنه قَالَه به. وقوله:

----------------------
(١) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٥/ ٤٧٢، و«الكشف عن وجوه القراءات السبع» ٢/ ١٩٦، و«حجة القراءات» ص ٥٧٥.
(٢) ما قاله المصنف فيه نظر، فالروايتان ليستا في مسلم.
(٣) مسلم (١٧٧٣).
(٤) «إكمال المعلم» ٦/ ١٢١.
(٥) مسلم (١٧٧٣).



(لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ). كأنه استبعد أن يتنبأ من العرب.
السادس بعد العشرين: معنى: (أَخْلُصُ). أصِلُ. ومعنى: (لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ): تكلفت على خطر ومشقة. وهو بالجيم، وفي مسلم: لأحببت لقاءه (١)، (مكان تجشمت. قَالَ القاضي: وتجشمت أصح في المعنى، ويحتمل أن يكون أحببت مغيَّرة منه، وكان الإسلام لم يتمكن من قلبه ولم يرد الله هدايته كما أراد هداية النجاشي (٢).
وقال ابن بطال: قوله: (لَتَجَشَّمْتُ لِقَاءَهُ) يعني: دون خلع من ملكه ولا اعتراض عليه في شيء، وهذا التجشم هو الهجرة، وكانت فرضًا على كل مسلم قبل الفتح، فإن قُلْتَ: النجاشي لم يهاجر قبل الفتح وهو مؤمن، فكيف سقط عنه فرض الهجرة؟ فالجواب أنه كان ردءًا للإسلام هناك وملجأ لمن أوذي من الصحابة والردء كالمقاتل، وكذا ردء اللصوص والمحاربين عند مالك والكوفيين يقتل بقتلهم ويجب عليه ما يجب عليهم وإن لم يحضروا القتل، ومثله تخلف عثمان وطلحة وسعيد بن زيد عن بدر وضرب لهم الشارع بسهمهم وأجرهم (٣).
السابع بعد العشرين: قوله: (وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمِهِ). هذا فيه إيماءٌ إلى أنه علم بنبوته لكنه خشي خلع قومه له، على ما جاء مفسرًا في البخاري فأصر على كفره بعد علمه به، فكان أشد في الحجة عليه.
وهذِه عبارة القاضي (٤)، وكذا قوله آخر الحديث: (هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ فَتُبَايِعُوا هذا النَّبِيَّ؟) فيه إعلام بإيمانه.

----------------------
(١) السابق.
(٢) «إكمال المعلم» ٦/ ١٢١.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٧.
(٤) «إكمال المعلم» ٦/ ١٢١.



وقال ابن بطال: لم يصح عندنا أنه جهر بالإسلام وإنما آثر ملكه على الجهر بكلمة الحق، ولسنا (نقنع) (١) بالإسلام دون (الجهر به) (٢)، ولم يكن مكرهًا حتى يعذر وأمره إلى الله (٣).
وقال الخطابي: إذا تأملت معاني ما استقرأه من أوصافه (تبينت) (٤) حسن ما استوصف من أوصافه واستبرأ من حاله، فلله دره من رجل ما كان أعقله لو صادف معقوله مقدروه (٥)، وهذا أسلفته فيما مضى قريبًا.
وقد حكى القاضي وغيره خلافًا للعلماء: فيمن اطمأن قلبه بالإيمان ولم يتلفظ وتمكن من الإتيان بكلمتي الشهادة فلم يأتِ بها، هل يحكم بإسلامه أم لا؟ والمشهور المنع.
وروى ابن عبد البر في حديث دحية أنه - ﷺ - بعثه إلى قيصر في الهدنة سنة ستٍّ، قَالَ: فآمن به قيصر (وأبت) (٦) بطارقته أن يؤمنوا، فأخبر دحية النبي - ﷺ - فقال: «ثبت ملكه» (٧)، ومما يبعد صحة إيمانه نصبه القتال للمسلمين غزوة مؤتة في جمادى سنة ثمان، وما جرى في الوقعة إذ في «سيرة ابن إسحاق» وغيرها أن المسلمين مضوا حتى نزلوا معان (٨) من أرض الشام فبلغهم أن هرقل نزل في مائة ألف من الروم فالتقيا،

------------------------
(١) في (ج): نتبع.
(٢) في (ف): الجهرية.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٨.
(٤) في (ج): يتبين.
(٥) «أعلام الحديث» ١/ ١٣٥.
(٦) في (ج): فرابت.
(٧) «الاستيعاب» ٢/ ٤٥.
(٨) بهامش (ف) تعليق نصه: فائدة: قال السهيلي في «الروض الأنف»: قال الشيخ أبو بحر: معان بضم الميم وجدته في الأصلين وأصلحه علينا القاضي حين السماع، ومعان بفتح الميم، وذكره البكري بضم الميم، وقال: هو اسم جبل يجوز أن يكون من أمعنت النظر أو من الماء المعين، فيكون وزنه «فعالا» ويجوز أن يكون من العون فيكون وزنه مفعلًا. وقال الرقشي: الصواب الفتح.



وقتل من قتل إلى آخر القصة (١).
وروى البزار في الحديث الآتي عنه في أثناء الفوائد أنه قَالَ لدحية: أبلغ صاحبك أني أعلم أنه نبي ولكن لا أترك ملكي. وفيه أنه دعا الأسقف فقال له: هذا الذي كنا ننتظر وبشرنا به عيسى. (فقال له قيصر: كيف تأمرني؟ قَالَ الأسقف: أما أنا فمصدقه ومتبعه) (٢). قَالَ له قيصر: أما أنا إن فعلت ذهب ملكي. وفيه أن الأسقف تلفظ بالشهادتين وأنه قتل (٣).
الثامن بعد العشرين: (عَظِيمِ بُصْرى) أميرها وكذا عظيم الروم، أي: الذي تعظمه الروم وتقدمه، ولم يقل: إلى ملك الروم؛ لما يقتضيه هذا الاسم من المعاني التي لا يستحقها من ليس من أهل الإسلام، فلو فعل لكان فيه التسليم لملكه وهو بحق الدين (معزول، ومع ذَلِكَ فلم يخله من نوع من الإكرام في المخاطبة ليكون آخذًا بأدب) (٤) الدين في تليين القول لمن (يبتدره) (٥) بالدعوة إلى دين الحق.
التاسع بعد العشرين: قوله: (بَعَثَ بِهِ). أي: أرسله. ويقال أيضًا: بعثه وابتعثه. بمعنى: أرسله.
الثلاثون: قوله: (مَعَ). هو بفتح العين على اللغة الفصيحة المشهورة وبها جاء القرآن، وفي لغة قليلة بإسكانها.

--------------------
(١) انظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ٤٢٩.
(٢) ساقطة من (ج).
(٣) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (٢٣٧٤). قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧: رواه البزَّار وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى وهو ضعيف وقد سبق تخريجه.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) في (ج): يعتذره.



قَالَ صاحب «المحكم»: مَعَ اسمٌ معناه: الصحبة، وكذلك مَعْ بسكون العين، غير أن: مَعَ المفتوحة تكون اسمًا وحرفًا، ومَعْ المسكنة حرف لا غير وأنشد سيبويه:
وريشي منكم وهواي معكم … وإن كانت زيارتكم (لماما) (١)
قَالَ اللحياني: وحكى الكسائي أن ربيعة وغنمًا يسكنون العين من مع، ويقولون: مَعْكم ومَعْنا. قَالَ: فإذا جاءت الألف واللام وألف الوصل اختلفوا، فبعضهم يفتح العين، وبعضهم يكسرها، فيقولون: مَعَ القوم، ومَعَ ابنك، ومَعِ القوم ومعِ ابنك، والفتح كلام عامة العرب وبسط الكلام فيها (٢).
ومن [في] (٣) قوله: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُول الله» لابتداء (٤) الغاية وليست من الابتداء في المكان ولا في الزمان فاعلمه.
الحادي بعد الثلاثين: «أما بعد». فهو (بالضم- أي (٥) بضم الدال- وفتحها ورفعها منونة، وكذا نصبها.
وفي المبتدئ بها خمسة أقوال: داود، وقس بن ساعدة، أو كعب بن لؤي، أو يعرب بن قحطان، أو سحبان، ومعناها: أما بعد ما سبق وهو البسملة والسلام، وكان - ﷺ - يقولها في خطبه وشبهها، رواه عنه عدة من (٦) (الصحابة.

------------------------
(١) في الأصول: ذماما، والمثبت من «المحكم» ١/ ٥٥.
(٢) «المحكم» ١/ ٥٥.
(٣) زيادة يقتضيها السياق.
(٤) من (ف).
(٥) من (ج).
(٦) بداية سقط من (ف).



وقد ترجم له البخاري بابًا في الجمعة وذكر فيه أحاديث كثيرة في خطبة الكسوف ومرضه وغيرهما (١)، وسنوضح الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى.
الثاني بعد الثلاثين: «دِعَايَةِ الإِسْلَامِ» -بكسر الدال- أي: يدعونه، والدعاية بمعنى: الدعوة من دعا، مثل الشكاية من شكو، هو مصدر كالرماية، والمراد: دعوة الإسلام. أي: آمرك بكلمة التوحيد، قَالَ تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ٦٤]، وفي البخاري في الجهاد (٢)، ومسلم هنا: بداعية الإسلام (٣). أي: الكلمة الداعية إلى الإسلام، وهو بمعنى الأول، ويجوز أن تكون دعاية هنا بمعنى: دعوة. فيرجع إلى الأول كما في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ [النجم: ٥٨]: كشف.
الثالث بعد الثلاثين: قوله: («أَسْلِمْ تَسْلَمْ») هذا من محاسن الكلام وبليغه وإيجازه واختصاره كما سيأتي التنبيه عليه، عدد البخاري في الجهاد (٤) والتفسير (٥) بعد «أَسْلِمْ تَسْلَمْ، يُؤْتكَ اللهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ» بزيادة: «أسلم خيرًا».
الرابع بعد الثلاثين: يعني: يؤتك أجرك مرتين لإيمانك بعيسى وإيمانك واتباعك لي، بخلاف الجاهلية وأهل الأوثان الذين لم يكونوا على شيء من دين الله ولا كتاب.

---------------------
(١) ستأتي بأرقام (٩٢٢ - ٩٢٧) كتاب: الجمعة، باب: من قال في الخطبة بعد الثناء، أما بعد.
(٢) سيأتي برقم (٢٩٤١) باب: دعوة اليهود والنصارى. وفيه: بدعاية الإسلام.
(٣) مسلم (١٧٧٣).
(٤) سيأتي برقم (٢٩٤١).
(٥) سيأتي برقم (٤٥٥٣).






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #37  
قديم 18-01-2026, 05:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 400 الى صـــ 415
الحلقة (36)





الخامس بعد الثلاثين: اختلف في ضبط (الأريسيين) على أوجه:
أحدها: بيائين بعد السين.
وثانيها: بياء واحدة والهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة في كلا الوجهين.
وثالثها: بهمزة مكسورة وتشديد الراء وياء واحدة بعد السين، ووقع في إحدى روايتي البخاري ومسلم (١)، (…) (٢) وهو ما عزاه النووي وغيره إلى البخاري هنا (٣) بفتح الياء وكسر الراء وبالسين المهملة، ويجوز أن تكون بدلًا من الهمزة في أدنى وبرئ. قَالَ: والهمزة أكثر استعمالًا عند أهل اللغة وفي روايات أهل الحديث (٤).
قَالَ ابن الأعرابي: يقال: أَرَس يَأْرِس أَرْسًا، فهو أَرِيس، وأَرَّس يُؤَرِّس تَأْريسًا، فهو إِريِّس والجمع: أريسيون وأرارسة غيره، وأراريس وأرارس.
قَالَ في «الصحاح»: وهي شامية. قَالَ: ويقولون للأريس: أريسي، وفي «الجامع» وزن أريس: فعيل. ولا يمكن أن تكون الهمزة فيه أصلية؛ لأنه كان تبقى عينه وفاؤه من لفظٍ واحدٍ، وهذا لم يأت في كلامهم في أحرف يسيرة نحو كوكب وديدن، وددن، وبابوس. وقال ابن فارس: الهمزة والراء والسين ليست عربية (٥).
واختلف في المراد به هنا، والصحيح المشهور أنهم الأكارون. أي:

------------------
(١) مسلم (١٧٧٣) من طريق صالح، وزاد: «إثم اليريسيين».
(٢) بياض بالمخطوط قدر كلمتين.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٩.
(٤) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٩.
(٥) «مقاييس اللغة» ص ٥١، مادة: (أرس).



الفلاحون الزراعون، أي: عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون لأمرك. ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا؛ لأنهم الأغلب في رعاياهم، وأسرع انقيادًا. أي: أكثر تقليدًا، فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا.
وقد جاء مصرحًا به في «دلائل النبوة» للبيهقي (١) والطبري (٢)؛ «فإن عليك إثم الأكارين». ولأبي عبيد: «وإن لم تدخل في الاسلام فلا تَحُل بين الفلاحين والإسلام» (٣).
والبرقاني يعني: الحراثين.
وللإسماعيلي: «فإن عليك إثم الركوسيين»، وهم أهل دين من النصارى والصابئين، يقال لهم: الركوسية.
وكتب معاوية إلى الطاغية ملك الروم لما بلغه أنه يريد قصد بلاد الشام أيام صفين: تالله لئن هممت على ما بلغني، وذكر كلامًا، ثم قَالَ: ولأردنك أريسًا من الأراسة ترعى الدوائل. يعني: ذكور الخنازير.
ويقال: إن الأريسيين الذين كانوا يحرثون أرضهم كانوا مجوسًا، وكان الروم أهل كتاب، فيريد: أن عليك مثل وزر المجوس إن لم تؤمن وتصدق.
وقال أبو عبيد: هم الخدم والخول (٤). يعني: بصدهم إياهم عن الدين كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾ [الأحزاب: ٦٧] أي: عليك مثل إثمهم، حكاه ابن الأثير (٥).

---------------------
(١) «دلائل النبوة» ٤/ ٣٨٤.
(٢) «تاريخ الطبري» ٢/ ١٣٠.
(٣) «الأموال» (٥٥).
(٤) «الأموال» (٥٦).
(٥) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٣٨.



وقيل: هم المتخيرون. قَالَ القرطبي: فعلى هذا يكون المراد: عليك إثم من تكبر على الحق (١).
قَالَ ابن سيده: الأريس: الأكار. عند ثعلب، والأرشج: الأمير عند كُراع، والأصل عنده (رئيس) (٢) فعيل من الرياسة (٣)، فقلت: وفي «الجامع»: الأريس: الزارع، وعند قوم: الأمير، كأنه من الأضداد، وقيل: هم اليهود والنصارى، أتباع عبد الله بن أريس الذي ينسب إليه الأروسية من النصارى رجل كان في الزمن] (٤) الأول، قَتَلَ هو ومن معه نبيًا بعثه الله إليهم.
قَالَ أبو الزناد: حذره النبي - ﷺ - إذ كان رئيسًا متبوعًا مسموعًا أن يكون عليه إثم الكفر وإثم من عمله واتبعه. قَالَ - ﷺ -: «من عمل سيئة كان عليه إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة» (٥).
السادس بعد الثلاثين: قوله: و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ تعالَوا هو بفتح اللام وأصله تعاليوا، لأن الأصل في الماضي تعالى، والياء منقلبة عن واو؛ لأنه من العلو، فأبدلت الواو ياء لوقوعها رابعة، ثم أبدلت الياء ألفًا، فإذا جاءت واو الجمع حذفت

----------------------
(١) «المفهم» ٣/ ٦٠٩.
(٢) في الأصل: أريس والمثبت من «المحكم».
(٣) «المحكم» ٨/ ٣٥٩.
(٤) هنا ينتهي السقط والمثبت من (ج).
(٥) رواه مسلم (١٠١٧) كتاب: الزكاة، باب: الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار. من حديث جرير بن عبد الله. ولفظه: «من سن في الاسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء».



لالتقاء الساكنين وبقيت الفتحة تدل عليها، تقول للرجل إذا دعوته: تعال. وللرجلين: تعاليا. وللجماعة: تعالوا. وللمرأة: تعالي. وللمرأتين: تعاليا. وللنسوة: تعالين. بفتح اللام في جميع ذَلِكَ.
وقوله: (و﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ هذِه الواو ثبتت في (رواية عبدوس والنسفي والقابسي، وسقطت في) (١) رواية الأصيلي وأبي ذر كما نبه عليه القاضي قَالَ: وقد اختلف المحدثون فيما وقع من الأوهام في نص التلاوة فمنهم مَن أوجب إصلاحها؛ لأنه إنما سيقت للدلالة، ولا حجة إلا في الثابت في المصحف.
ومنهم من قَالَ: ننقلها كما وقعت (وننبه) (٢) عليها؛ لأنه يبعد خفاؤها عن المؤلف والناقل عنه ثم على جميع الرواة حتى وصلت إلينا فلعلها قراءة شاذة، ثم ضُعّفَ بأن الشاذ مروي معلوم لا يُحتج به في حكم، ولا يُقرأ به في صلاة، انتهى.
والحكمة في تخصيص هذِه الآية بالإرسال إلى هرقل دون غيرها من الآي؛ لأنه نصراني، والنصاري (جمعت) (٣) هذِه الأمور الثلاثة فعبدوا عيسى -عليه السلام-، وأشركوا بالله فقالوا: إنه ثالث ثلاثة. واتخذوا الأحبار والرهبان أربابًا من دون الله. قَالَ الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ﴾ الآية [التوبة: ٣١].
وقوله: (﴿كَلِمَةٍ سَوَاءٍ﴾ [آل عمران: ٦٤]، هي: لا إله إلا الله. كما رواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن مجاهد، وابن أبي حاتم، عن

-------------------
(١) سقطت من (ج).
(٢) في (ج): ونبه.
(٣) في (ج): حرمت.



أبي العالية، وعن الحسن قَالَ: دُعُوا إلى الإسلام فأبوا (١). وقال البخاري في التفسير: سواء: قصد (٢).
السابع بعد الثلاثين: الصخب بفتح الصاد والخاء، ويقال: بالسين أيضًا بدل الصاد، وضعفه الخليل (٣)، ومعناها: (اختلاط) (٤) الأصوات وارتفاعها. يقول: صخب: بكسر الخاء فهو صخب وصخاب وصخبان ويقرب منه اللغط وهو بفتح الغين وإسكانها، وكذا وقع في مسلم، وفي البخاري في الجهاد: وكثر لغطهم. وفي التفسير: وكثر اللغط (٥). وهو الأصوات المختلفة. قَالَ أهل اللغة: هو أصوات مبهمة لا تفهم.
الثامن بعد الثلاثين: قوله: (لَقَدْ أَمِرَ أَمْرُ ابن أَبِي كَبْشَةَ) أما أَمِر فهو بفتح الهمزة وكسر الميم أي: عظم أمره. وأصله من الكثرة، يقال: أَمِر القوم إذا كثروا، وأمرته: كثرته.
قَالَ (ابن سيده) (٦): والاسم منه: الإمرة -بالكسر- (٧). وقال الزمخشري: الأَمِرَة على وزن بركة: الزيادة، ومنه هذا الحديث.
وفي «الصحاح» عن أبي عبيدة: امرته بالمد وأمرته بمعنى: كثرته، وأمر هو أي: كثر، فخرج على تقدير قولهم: علم فلان ذَلِكَ، وأعلمته أنا ذَلِكَ، قَالَ يعقوب: ولم يقله أحد غيره (٨).

-------------------
(١) ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٦٧٠ (٣٦٣٠).
(٢) سيأتي في كتاب: التفسير، باب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ ..﴾ قبل حديث (٤٥٥٣).
(٣) «العين» ٤/ ٢٠٣.
(٤) في (ج): اختلاف.
(٥) سيأتي برقم (٤٥٥٣).
(٦) في (ف): ابن أبي سيده، والصواب ما أثبتناه.
(٧) «المحكم» ١١/ ٢٦٤.
(٨) «الصحاح» ٢/ ٥٨١ مادة (أمر).



وقال الأخفش: يقال: أَمرَ أَمْرٌ يَأمر أَمْرًا: اشتد والاسم الأمر، وفي «أفعال ابن القطاع»: أمر الشيء أمرًا، وأمر: كثر (١).
وفي «المجرد» لكراع يقال: زرع أمر وأمر: كثير، وفي «أفعال ابن طريف»: أمر الشيء أمرا وإمارة: كثر، ومن أمثال العرب: من قل ذَلَّ ومن أمِر قل.
وفي «الجامع» أمر الشيء إذا كثر والأمرة: الكثرة والبركة والنماء، ومن كلامهم: في وجه ملك تعرف أمرته، وهو الذي يعرف في أوله الخير، وأمرته زيا دته وخيره وكثرته.
وأما قوله: (ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ) فقد أسلفنا أنه كان رجلًا من خزاعة على قول وكان يعبد الشعرى العبور ولم يوافقه أحد من العرب على ذَلِكَ، فشبهوا النبي - ﷺ - به لمخالفته إياهم في دينهم كما خالفهم أبو كبشة فأرادوا مجرد التشبيه دون العيب. وقد قَالَ أُبي بن خلف لما طعنه النبي - ﷺ -: طعنني ابن أبي كبشة (٢).
التاسع بعد الثلاثين: قوله: (إِنَّهُ ليَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفَرِ) هو بكسر الهمزة ويجوز على ضعفٍ فتحها على أنه مفعول من أجله.
قَالَ القاضي: ضَعُفَ الفتح لوجود اللام في الخبر لكن جوزه بعض النحاة، وقد قرئ شاذًّا: (إلا أنهم ليأكلون) بالفتح في (أنهم) (٣) والمعنى

--------------------
(١) «الأفعال» ص ٢٥.
(٢) لم أقف عليه بهذا اللفظ ولكن رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٤/ ٢٢٦ (١٩٤٦٤) عن عمارة بن أبي حفصة مرسلًا بنحوه وليس فيه الشاهد. وفيه محمد بن مروان بن قدامة العقيلي، قال: يحيى بن معين صالح، وقال أبو زرعة: ليس عندي بذاك، وضعفه أحمد بن حنبل. انظر: «تهذيب الكمال» ٣٨٩، ٣٩٠.
(٣) انظر «البحر المحيط» لأبي حيان ٦/ ٤٩٠.



على الفتح في الحديث عظم أمره - ﷺ - لأجل أنه يخافه ملك بني الأصفر (١).
الأربعون: قوله: (وَكَانَ ابن النَّاطُورِ، صَاحِبَ إِيلِيَاءَ وَهِرَقْلَ، سُقُفًّا عَلَى نَصَارى الشَأْمِ، يُحَدِّثُ)، أما ابن الناطور فروي بالطاء المهملة والمعجمة.
قَالَ القاضي: هو بطاء مهملة عند الجماعة وعند الحموي بالمعجمة، قَالَ أهل اللغة: فلان ناظور بني فلان، وناظرهم بالمعجمة المنظور إليه منهم، والناطور بالمهملة حافظ النخل عجمي تكلمت به العرب، قَالَ الأصمعي: هو من النطر، والنبط يجعلون الظاء طاء.
الحادي بعد الأربعين: (صاحب): منصوب على الاختصاص، و(هرقل): بفتح اللام، وهو مجرور معطوف على إيليا أي: صاحب إيليا وصاحب هرقل، وخبر (كان): سُقفٌ، ويجوز أن يكون: يحدِّث أن هرقل وهو أوجه في العربية وأصح في المعنى، كما قَالَ القاضي.
الثاني بعد الأربعين: وقع هنا (سُقُفًّا) بضم السين والقاف وتشديد الفاء، ويروى أُسْقُفا بضم الهمزة مع تخفيف الفاء (وتشديدها ذكرها ابن الجواليقي وغيره، والأشهر ضم الهمزة وتشديد الفاء قاله النووي. وعن غيره أن الرواية فيه تخفيف الفاء) (٢)، وجمعه أساقفة وأساقف، وللإسماعيلي: أساقفة، وفي بعض الأصول سُقِّف بضم

-----------------------
(١) في هامش (ف): بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف وسمعه ابنه نور الدين والحاضري […] والسحوري والشيخ نور الدين وأبو الحسن […] والصفدي ونظام الدين الحموي وأبو محمد السلاوي والبطائحي والشيخ شمس الدين [....] فخر الدين الرزازي وآخرون.
(٢) من (ف).



السين وكسر القاف المشددة أي: جعل أيضًا أسقفا ويقال أيضًا: سُقْف كقُفْل أعجمي معرب.
ولا نظير لأسقف إلا (أسْرب) (١)، وهو للنصارى رئيس دينهم وقاضيهم، قَالَ الخليل: وهو للنصارى رئيس دينهم (٢).
وقال الداودي: هو العالم. قيل: سمي به لانحنائه وخضوعه لتدينه عندهم وهو قيم شريعتهم ودون القاضي. والأسقف: الطويل في انحنائه كأنه لطول عبادته وقيامه يعرض له انحناء.
وفي «الصحاح»: السُّقَفُ بالتحريك: طول في انحناء، يقال: رجل أسْقَف بيَّن السُّقَفِ، قَالَ ابن السكيت: ومنه اشتق أسقف النصارى؛ لأنه يتخاشع وهو رئيس من رؤسائهم في الدين (٣).
الثالث بعد الأربعين: خبثُ النفسِ: كسلها وقلة نشاطها أو سوء خلقها. والبطارقة بفتح الباء قواد الملك وخواص دولته وأهل الرأي والشورى منهم، واحدهم بِطريق -بكسر الباء-، وقيل: هو المختال المتعاظم، ولا يقال ذَلِكَ للنساء.
الرابع بعد الأربعين: قوله: (وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً) هو بفتح الحاء وتشديد الزاي، ويقال فيه: الحازي وهو المتكهن يقال: حزى يحزي ويحزو وتَحَزى. قَالَ الأصمعي: وحزيت الشيء أحزيه حزيًا وحزوًا.
وفي «الصحاح» حزى الشيء يحزيه ويحزوه إذا قدر وخرص، والحازي الذي ينظر في الأعضاء وفي خيلان الوجه يتكهن (٤).

--------------------
(١) في (ج): أسَرُّب.
(٢) «العين» ٥/ ٨٢.
(٣) «الصحاح» ٤/ ١٣٧٥ مادة: سقف.
(٤) «الصحاح» ٦/ ٢٣١٢، مادة: (حزا).



وفي «المحكم»: حزى الطير (حَزْيًا) (١): زجرها (٢) وفُسر في الحديث ذَلِكَ بأنه ينظر في النجوم ويمكن أن يكون أراد بيان جهة حزوه؛ لأن التكهن يكون لوجوه منها ذَلِكَ.
الخامس بعد الأربعين: قوله: (مَلِكَ الخِتَانِ قَدْ ظَهَرَ) هذا قد ضبط على وجهين:
أحدهما: مَلِك بفتح الميم وكسر اللام.
وثانيهما: ضم الميم وإسكان اللام وكلاهما صحيح، ومعناه: رأيت الملك لطائفة تختتن.
السادس بعد الأربعين: قوله: (فَلَا يُهِمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ) هو بضم الياء يقال: أهمني الأمر: أقلقني وأحزنني والهم: الحزن، وهمني: أذابني (إذا) (٣) بالغ في ذَلِكَ، وهمني المرض: أذابني، ومنه المهموم.
قَالَ الأصمعي: وهممت بالشيء أهم به إذا أردته وعزمت عليه، وهممت بالأمر أيضًا: قصدته، يهمني، وهَم يَهِمُّ -بالكسر- هَمِيمَا: دبَّ، ومراده أنهم أحقر من أن تهتم لهم أو تبالي بهم، والأمر: الشأن.
السابع بعد الأربعين: قوله: (وابعث إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ، فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ) يعني: وابعث إلى أهل مدائن ملكك فليقتلوا من بين أظهرهم من اليهود، والمدائن بالهمز أفصح من تَرْكِه وأشهر وبه جاء القرآن (٤).

-----------------------
(١) في الأصول: حزوا، والمثبت من «المحكم».
(٢) «المحكم» ٣/ ٣٢٧.
(٣) في (ج): أي.
(٤) قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)﴾ [الشعراء: ٣٦].



قَالَ الجوهري: مدن بالمكان أقام به، ومنه سميت المدينة وهي فعيلة، وتجمع على مدائن بالهمز، وتجمع أيضًا على مدن بإسكان الدال وضمها، وقيل: إنها مفعلة من دنت، أي: ملكت. وقيل: من جعله من الأول همزه أو من الثاني حذفه كما لا تُهمز معايش.
قَالَ الجوهري: والنسبة إلى المدينة النبوية مدني، وإلى مدينة المنصور مديني، وإلى مدائن كسرى مدائني للفرق بين النسب؛ لئلا يختلط (١).
وما ذكره محمول على الغالب وإلا فقد جاء فيه خلاف ذَلِكَ كما ستمر به إن شاء الله تعالى.
الثامن بعد الأربعين: قوله: (فَقَالَ هِرَقْلُ: هذا مَلِكُ هذِه الأُمَّةِ قَدْ ظَهَرَ) هو بفتح الميم وكسر اللام ويروى بضم الميم وإسكان اللام وعُزي إلى القاضي أنها رواية الأكثر، لكن الذي عزاه صاحب «المطالع» إلى الأكثر الأولى ومعناها ظاهر، وفيه رواية ثالثة (هذا يَملك) بزيادة ياء مفتوحة على أنه فعل مضارع.
قَالَ القاضي عياض: وأراها ضمة الميم اتصلت بها فَتصحفت ولما حكاها صاحب «المطالع» قَالَ: أظنه تصحيفًا. وأما النووي فقال: كذا ضبطناه عن أهل التحقيق، وكذا هو في أكثر أصول بلادنا. قَالَ: وهي صحيحة أيضًا، ومعناها: هذا المذكور يملك (هذِه) (٢) الأمة وقد ظهر، والمراد بالأمة هنا أهل العصر (٣).

--------------------
(١) «الصحاح» ٦/ ٢٢٠١، مادة: (مدن).
(٢) من (ج).
(٣) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٤، ١٠٥.



التاسع بعد الأربعين: قوله (بِرُومِيَةَ) هي بتخفيف الياء كما سلف في أسماء الأماكن.
الخمسون: قوله: (فَلَمْ يَرِمْ حِمْصَ) هو بفتح الياء وكسر الراء أي: لم يفارقها، يقال: ما يريم يفعل أي: ما يبرح. يقال: رامه يريمه ريمًا أي: بَرِحه. ويقال: لا ترمه أي: لا تبرحه، قَالَ ابن طريف: ما رامني ولا يريمني لم يبرح عني، ولا يقال إلا منفيًّا، قَالَ الأعشى يحكي قول بنت له:
أيا أبتا لا ترم عندنا … فإنا بخير إذا لم ترم
وحمص غير مصروفة؛ لأنها عجمية علم مؤنثة كما سلف.
الحادي بعد الخمسين: قوله: (يَا مَعْشَرَ الرُّومِ) قَالَ أهل اللغة: هم الجمع الذين شأنهم واحد فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والفقهاء معشر، والجمع معاشر.
الثاني بعد الخمسين: قوله: (هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ) أما الفلاح فهو الفوز والبقاء والنجاة، وأما الرُشد فبضم الراء وإسكان الشين، وبفتحهما أيضًا لغتان وهو خلاف الغي، قَالَ أهل اللغة: هو إصابة الخير.
وقال الهروي: هو الهدى والاستقامة وهو بمعناه يقال: رَشَدَ يَرْشَدُ ورَشِدَ يَرْشُدُ لغتان، والرشَدُ كالرُشْدِ وهما مصدران.
الثالث بعد الخمسين: قوله: (فتتابعوا هذا النَّبِيَّ؟) هو بمثناة فوق، ثم أخرى مثلها كذا هو في أكثر الأصول من المتابعة وهي: الاقتداء، وفي بعضها فنتابع وهو بمعناه، وفي بعضها فتبايعوا بالباء الموحدة من البيعة، وكله صحيح.


الرابع بعد الخمسين: قوله: (فَحَاصُوا حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ) هو بالحاء والصاد المهملتين أي: نفروا وكروا راجعين، حاص يحيص: نفر.
وقال الفارسي في «مجمع الغرائب»: هو الروغان والعدول عن طريق القصد.
وقال الخطابي: يقال: حاص وجاض بمعنى واحد بالجيم والضاد المعجمة (١). وكذا قَالَ أبو عبيد (٢) وغيره، قالوا: ومعناه: عدل عن الطريق. وقال أبو زيد: معناه بالحاء رجع وبالجيم عدل.
الخامس بعد الخمسين: قوله: (إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا) أي: قريبًا أو بعجلة أو في أول وقت كنا فيه أو الساعة، وكله بمعنى، وهو بالمد والقصر، والمد أشهر، وبه قرأ جمهور القراء السبعة، وروى البزي عن ابن كثير القصر، قَالَ المهدي: المد هو المعروف (٣).
السادس بعد الخمسين: معنى رواية مسلم التي أسلفناها عن رواية صالح: (مشى يعني: قيصر من حمص إلى إيلياء شكرًا لما أبلاه الله تعالى) (٤)، أي: شكرًا لما من الله عليه وأنعم. والبلاء لفظ مشترك يقال في الخير والشر؛ لأن أصله الأختبار، قَالَ تعالى ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ﴾ [الأعراف: ١٦٨] وأكثر استعماله في الخير مقيدًا وأما في الشر فقد يطلق.

-----------------
(١) «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٣٣٢.
(٢) «غريب الحديث» لأبي عبيد ٢/ ٣٢٠.
(٣) «الكوكب الدري» ص ٥٥٣.
(٤) مسلم (١٧٧٣).



الوجه العاشر: في فوائده:
الأولى: خبر الجماعة أوقع من خبر الواحد ولاسيما إذا كانوا جمعًا يقع العلم بخبرهم، وهذِه مأخوذة من قوله: (وَقَرِّبُوا أَصْحَابَهُ، فَاجْعَلُوهُمْ عِنْدَ ظَهْرِهِ).
الثانية: تقديم صاحب الحسب في أمور المسلمين ومهمات الدين والدنيا، ولذلك جعلت الخلفاء من قريش؛ لأنهم أحوط من أن يدنسوا أحسابهم، وقد قَالَ الحسن البصري: حدثوا عن الأشراف؛ فإنهم لا يرضون أن يدنسوا شرفهم بالكذب ولا بالخيانة.
الثالثة: استدلال هرقل من كونه ذا حسب ليس بدليل قاطع على (النبوة) (١)، وإنما القاطع المعجز الخارق للعادة المعدوم فيها المعارضة. قاله المازري، قَالَ: ولعل هرقل كان عنده علم بكونها علامات هذا النبي، وقد قَالَ فيه: وقد كنت أعلم أنه خارج ولم أكن أظن أنه منكم (٢)، وقطع ابن بطال بهذا.
وقال: إخبار هرقل وسؤاله عن كل (فصل) (٣) إنما كان عن الكتب القديمة وإنما ذَلِكَ كله نعت للنبي - ﷺ - مكتوب عندهم في التوراة والإنجيل (٤)، وجزم به النووي في «شرحه» فقال: هذا الذي قاله هرقل أخذه من الكتب القديمة، ففي التوراة هذا أو نحوه من أعلام نبوته (٥).

---------------------
(١) في (ف): النبوءة.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» ٢/ ١٤٤.
(٣) كررت في الأصول.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٦.
(٥) «مسلم بشرح النووي» ١٢/ ١٠٧.



الرابعة: جواز مكاتبة الكفار، وقد كاتب النبي - ﷺ - سبعة من الملوك فيما قاله الداودي: هرقل، وكسرى، والنجاشي، والمقوقس، وملك غسان، وهوذة بن علي، والمنذر بن ساوى.
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به عن أبي بكر الهذلي قَالَ: بلغني أن رسول الله - ﷺ - خطب ذات يوم بعد عمرته التي صُدَّ عنها يوم الحديبية فقال: «أيُّها الناسُ، إنَّ الله بعثني رحمةً وكافةً، فلا تختلفوا عليَّ كما اخْتَلَفَ الحواريونَ عَلَى عيسى ابن مريم» فقال أصحابه: وكيف اختلفوا؟ فقال: «دعاهم إلى الذي دعوتُكم إليه، فأمَّا مَنْ بعثه إليه مبعثًا قريبًا فرضي وسلَّم، وأما مَنْ بعثه مبعثًا بعيدًا فكَرِه وجهه وتثاقل؛ فشكا ذَلِكَ عيسى -عليه السلام- إلى الله سبحانه وتعالى، فأصبح المتثاقلون وكل واحد منهم يتكلم بلغة الأُّمَّة التي بُعِثَ إليها»
فبعث رسول الله - ﷺ - رسلًا من أصحابه، وبعث معهم كتبًا إلى الملوك يدعوهم فيها إلى الإسلام، بعث دحية إلى قيصر ملك الروم، وبعث عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ملك الحبشة، وبعث حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ملك الإسكندرية، وبعث عمرو بن العاص السهمي إلى ابني (١) الجُلُنْدى الأزديين ملكي عَمَّان، وبعث سليط بن عمرو إلى ثمامة بن أثال وهوذة بن علي ملكي اليمامة، وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن سَاوى ملك البحرين، وبعث شجاعًا الأسدي إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ملك تخوم الشام، وبعث شجاع بن وهب إلى جبلة بن الأيهم، وبعث المهاجر بن

--------------------
(١) هما جَيْفَر وعياذ، كما في «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٧٩.


أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال الحميري ملك اليمن (١).
وذكر ابن سعد أن النبي - ﷺ - لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست أرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام فقيل له: إن الملوك لا يقرءون كتابًا إلا مختومًا، وفيه: فاتخذ خاتمًا من فضة، وختم به الكتب، فخرج ستة نفر منهم في يوم واحد، فكان أول رسول بعثه عمرو بن أمية إلى النجاشي. وفيه: فأخذ كتاب رسول الله - ﷺ - فوضعه على عينيه ونزل عن سريره تواضعًا، ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وكتب له كتابًا آخر يأمره أن يزوجه أم حبيبة (٢).
وفي «صحيح مسلم» أنه - ﷺ - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلئ عليه رسول الله - ﷺ - (٣). وظاهر هذا أنه نجاشي آخر، فالنجاشي لقب لكل من مَلَكَ الحبشة كما مر.
الخامسة: استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرًا، وقد قَالَ الشعبي فيما ذكره ابن سعد: كان - ﷺ - يكتب كما تكتب قريش: «باسمك اللهم»، حتى نزلت: ﴿بِسْمِ اللهِ مَجْرَاهَا﴾ [هود: ٤١]، فكتب: «بسم الله». حتى نزلت: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠]: ١١٠]، فكتب: «بسم الله الرحمن». حتى نزلت: ﴿وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] فكتبها (٤).

-------------------
(١) «سيرة ابن هشام» ٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩.
(٢) «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ عن عمرو بن أمية الضمري.
(٣) مسلم (١٧٧٤) في الجهاد والسير، باب: كتب النبي - ﷺ - إلى ملوك الكفار عن أنس ابن مالك.
(٤) «الطبقات» ١/ ٢٦٣ - ٢٦٤.



السادسة: أن المراد بحمد الله في الحديث السابق أول الكتاب: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع» (١) كما ورد في تلك الرواية الأخرى السالفة، وروي: بـ «بسم الله» كما سلف أيضًا (٢)، وهذا الكتاب كان ذا بال، بل من المهمات ولم يبدأ فيه - ﷺ - بلفظ الحمد وبدأ بالبسملة.
السابعة: أن السنة في المكاتبات والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول: مِن فلان إلى فلان. وهو قول الأكثر كما حكاه الإمام أبو جعفر النحاس في كتابه: «صناعة الكتَّاب».
وروي أن هرقل لما أخرج الكتاب فرأى أخو هرقل أنه - ﷺ - بدأ بنفسه أخذ الكتاب ليمزقه، فأخذه هرقل وقال: أنت أحمق صغيرًا، أحمق كبيرًا (٣).
وروى البزار من حديث عبد الله بن شداد بن الهاد عن دحية أنه لما أعطى الكتاب إلى قيصر كان عنده ابن أخ له أحمر أزرق سبط الرأس فلما قرأ الكتاب نخر ابن أخيه نخرة وقال: لا يقرأ اليوم. فقال له قيصر: لم؟ قَالَ: إنه بدأ بنفسه وكتب صاحب الروم ولم يكتب ملك الروم فقال (له) (٤) قيصر: لنقرأنَّه (٥) وذكر الحديث.

-------------------
(١) سبق في شرح الحديث، رقم (١).
(٢) سبق في شرح الحديث رقم (١).
(٣) أورده السيوطي في «الدر المنثور» ٥/ ٢٢٤، وعزاه لأبي نعيم في «دلائله».
(٤) زيادة من (ج).
(٥) رواه البزَّار في كما في «كشف الأستار» (٢٣٧٤). وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٣٦ - ٢٣٧: رواه البزَّار وفيه: إبراهيم بن إسماعيل بن يحيى وهو ضعيف، وسبق تخريجه قريبًا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #38  
قديم 18-01-2026, 05:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 416 الى صـــ 435
الحلقة (37)





وروى النحاس فيه أحاديث وآثارًا كثيرة، منها: حديث العلاء بن الحضرمي الذي في أبي داود: وكان عاملًا على البحرين، فكان إذا كتب إليه بدأ بنفسه. وفي لفظ: بدأ باسمه (١).
(ومنها) (٢): أن ابن عمر كان يقول لغلمانه وأولاده: إذا كتبتم إليَّ فلا تبدءوا بي (٣). وكان إذا كتب إلى الأمراء بدأ بنفسه (٤)، وعن الربيع بن أنس قَالَ: ما كان أحد أعظم حرمة من رسول الله - ﷺ -، وكان أصحابه يكتبون إليه فيبدءون بأنفسهم (٥).
وقال حماد بن زيد: كان الناس يكتبون: من فلان بن فلان إلى فلان بن فلان، أما بعد. قَالَ النحاس: وهو إجماع الصحابة. قَالَ: وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان.
وقال غيره: كره جماعة من السلف خلافه، ورخص جماعة من العلماء في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان: (إلى فلان أو إلى فلان بن فلان) (٦).

--------------------
(١) أبو داود (٥١٣٤، ٥١٣٥).
(٢) في (ج): وفيها.
(٣) عبد الرزَّاق في «المصنف» ١١/ ٤٢٩ (٢٠٩١٥)، وابن سعد في «الطبقات» ٤/ ١٥٢.
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ١١/ ٤٢٨ (٢٠٩١٣).
(٥) أورده القرطبي في «التفسير» ١٣/ ١٩٢ عن الربيع، عن أنس ولعله تصحيف، ورواه الطبراني ٦/ ٢٤١ (٦١٠٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» ١٠/ ١٣٠، عن سلمان الفارسي قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٩٨: وفيه قيس بن الربيع وثقه الثوري وشعبة وضعفه غيرهما وبقية رجاله ثقات. اهـ.
(٦) كذا في (ج)، وفي (ف) (فلان من فلان).



ثم روى بإسناده أن زيد بن ثابت كَتَب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية.
وعن محمد بن الحنفية أنه لا بأس بذلك.
وعن بكر بن عبد الله وأيوب السختياني مثله.
قَالَ: وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه: إلى فلان. ولا يكتب: لفلان؛ لأنه إليه لا له إلا على مجاز، هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين. ثم روى بإسناده عن ابن عمر قَالَ: يكتب الرجل: من فلان بن فلان، ولا يكتب: لفلان.
وعن إبراهيم النخعي، قَالَ: كانوا يكرهون أن يكتبوا: بسم الله الرحمن الرحيم لفلان بن فلان. وكانوا يكرهونه في العنوان.
قَالَ النحاس: ولا أعلم أحدًا من المتقدمين رخص في أن يكتب: لأبي فلان. في عنوان ولا غيره.
قُلْتُ: وأغرب بعضهم فقال: يقدم الأب، ولا يبدأ ولدٌ باسمه على والده، والكبير السن كذلك، ويرده حديث العلاء السالف، فإنه بدأ فيه بنفسه وحقه أعظم من حق الوالد وغيره.
الثامنة: التوقي في الكتابة واستعمال الورع فيها فلا يُفَرِّط (ولا يُفْرِط) (١)؛ وجه ذَلِكَ أنه - ﷺ - (كتب) (٢): «إلى هرقل عظيم الروم» فلم يقل: ملك الروم. لأنه لا ملك له ولا لغيره بحكم دين الإسلام، ولا سلطان لأحد إلا لمن ولاه الشارع أو نائبه فيه بشرطه، وإنما ينفذ بأحكامهم ما ينفذه للضرورة، ولم يقل: إلى هرقل فقط، بل أتى بنوع من الملاطفة (فقال: «عظيم الروم» أي: الذي تعظمه

-------------------
(١) من (ف).
(٢) في (ف): قال.



الروم وتقدمه، وقد أمر الله تعالى) (١) بإِلَانَةِ القول لمن يدعى (إلى) (٢) الإسلام حيث قَالَ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]، وقال تعالى ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وغير ذلك.
التاسعة: جواز معاملة الكفار بالدراهم المنقوش فيها سام الله للضرورة وإن كان عن مالك الكراهة؛ لأن ما في هذا الكتاب أكثر مما في هذا المنقوش من ذكر الله، نبه عليه القاضي (٣)، ونقل ابن بطال عن العلماء عدم تمكينهم من الدراهم التي فيها ذكر الله تعالى (٤).
العاشرة: وجوب العمل بخبر الواحد، وإلا فلم يكن في بعثه مع دحية فائدة، وهذا إجماع من يعتد به، وسيأتي -إن شاء الله تعالى- (مبسوطًا حيث ذكره البخاري في أواخر «صحيحه» (٥) إن شاء الله) (٦) وقَدَّرَ الوصول إليه، اللهم أعن عليه.
الحادية عشرة: منع ابتداء الكافر من السلام؛ فإنه - ﷺ - قَالَ: «سلام على من اتبع الهدى» ولم يسلم عليه (٧)، وهو مذهب الشافعي وأكثر

----------------
(١) ساقط من (ج).
(٢) ساقطة من (ف).
(٣) «إكمال المعلم» ٦/ ١٢٣.
(٤) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٨.
(٥) سيأتي برقم (٧٥٤١) كتاب: التوحيد، باب: ما يجوز من تفسير التوراة وغيرها من كتب الله بالعربية وغيرها.
(٦) ساقط من (ج).
(٧) سئل السيوطي رحمه الله عن رجل سلم على جماعة مسلمين وفيهم نصراني فأنكر عليه، وقيل له: من حقك أن تقول: السلام على من اتبع الهدى فهل يجزئ اللفظ الأول، أو يتعين الثاني؟ فقال: لا يجزئ في السلام إلا اللفظ الأول ولا يستحق الرد إلا به، ويجوز السلام =



العلماء (١)، وأجازه جماعة مطلقًا (٢).
وفيه قول ثالث: جوازه للائتلاف أو لحاجة (٣)، والصواب الأول؛ فإنه صح النهي عنه، ومنه: «لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام» (٤) كما سيأتي في موضعه -إن شاء الله- قَالَ البخاري (وغيره) (٥): ولا يسلم على المبتدع ولا على من اقترف ذنبًا عظيمًا ولم يتب منه، فلا يرد عليهم السلام (٦)، واحتج البخاري بحديث كعب بن مالك، وفيه: فنهى رسول الله - ﷺ - عن كلامنا (٧).

-----------------
= على المسلمين وفيهم نصراني إذا قصد المسلمين فقط، وأما السلام على من اتبع الهدى، فإنما شرع في صدور الكتب إذا كتبت للكافر كما ثبت في الحديث الصحيح. اهـ. «الحاوي للفتاوي» ١/ ٢٥٢، وانظر: «المجموع الثمين» ١/ ٤٩.
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٥/ ١٢٨، «الذخيرة» ١٣/ ٢٩١، «طرح التثريب» ٨/ ١١١، «الآداب الشرعية» ١/ ٣٨٧.
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٤٢، «الآداب الشرعية» ١/ ٣٨٧.
(٣) انظر: «طرح التثريب» ٨/ ١١١، «الآداب الشرعية» ١/ ٣٨٧.
(٤) رواه مسلم (٢١٦٧) كتاب: السلام، باب: النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام وكيف يردُّ عليهم، وأبو داود (٥٢٠٥)، والترمذي (١٦٠٢) من حديث عن أبي هريرة.
(٥) من (ف).
(٦) «صحيح البخاري» كتاب: الاستئذان، قبل حديث (٦٢٥٥).
قلت: وهو ما ذهب إليه الحنفية، والمالكية، وللشافعية وجهان:
أحدهما: يسلم عليه؛ لأنه مسلم. والثاني: لا يستحب، بل يستحب أن لا يسلم عليه وهو الأصح، وعند الحنابلة في تحريم السلام على مبتدع غير مخاصم روايتان. انظر: «الفتاوى الهندية» ٥/ ٣٢٦، «عقد الجواهر الثمينة» ٣/ ١٣٠١، «الفواكه الدواني» ٢/ ٤٢٢، «المجموع» ٤/ ٤٦٧، «الفروع» ٢/ ١٨٤.
(٧) سيأتي برقم (٤٤١٨) كتاب: المغازي، باب: حديث كعب بن ما لك، ورواه مسلم (٢٧٦٩) كتاب: التوبة، باب: حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه.



الثانية عشرة: استعمال أما بعد في الخطب والمكاتبات.
الثالثة عشرة: دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم، وهذا مأمور به، فإن لم تكن بلغتهم الدعوة كان الأمر به واجبًا، وإن كانت بلغتهم كان مستحبًّا، فلو قوتل هؤلاء قبل إنذارهم ودعائهم إلى الإسلام جاز لكن فاتت السنة والفضيلة، بخلاف الضرب الأول.
هذا مذهب الشافعي، وفيه خلاف للسلف سيأتي إن شاء الله في موضعه، وحاصله ثلاثة مذاهب حكاها المازري ثم القاضي، أحدها:
يجب الإنذار مطلقًا قاله مالك وغيره.
وثانيها: لا يجب مطلقًا.
وثالثها: التفصيل السالف. وبه قَالَ نافع والحسن والثوري والليث والشافعي وابن المنذر، وهو الصحيح، وبه قَالَ أكثر العلماء.
الرابعة عشرة: جواز المسافرة إلى أرض الكفار (١).
الخامسة عشرة: جواز البعث إليهم بالآية من القرآن ونحوها، والنهي عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو محمول على المسافرة بكله أو جملة منه، وعلى ما إذا خيف وقوعه في أيدي الكفار كما

----------------
(١) قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في «شرح رياض الصالحين» ١/ ١٢ - ١٣:
لا يجوز للإنسان أن يسافر إلى بلاد الكفر إلا بشروط ثلاثة:
الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات.
الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات.
الثالث: أن يكون محتاجًا إلى ذلك مثل أن يكون مريضًا يحتاج إلى السفر إلى بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجًا إلى تجارة، فيذهب ويتجر ويرجع، والمهم أن يكون هناك حاجة، ولهذا أرى أن الذين يسافرون إلى بلاد الكفر من أجل السياحة فقط أرى أنهم آثمون، وأن كل قرش دفعوه في هذا السفر فإنه حرام عليهم وإضاعة لمالهم وسيحاسبون عنه يوم القيامة. اهـ.



سيأتي -إن شاء الله تعالى- إيضاحه في موضعه، وأبعد ابن بطال فقال: كان ذَلِكَ في أول الإسلام ولم يكن (بدٌّ) (١) من الدعوة العامة (٢).
السادسة عشرة: استدل أصحابنا به على جواز مس المحدث والكافر كتابًا فيه آية أو آيات يسيرة من القرآن مع غير القرآن (٣).
السابعة عشرة: استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة؛ فإن قوله - ﷺ -: «أَسْلِمْ تَسْلَمْ» في نهاية الاختصار وغاية الإيجاز والبلاغة وجميع المعاني مع ما فيه من بديع التجنيس كقوله تعالى: ﴿وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [النمل: ٤٤] فإنه جمع بقوله: «تسلم» نجاة الدنيا من الحرب والخزي بالجزية، وفي الآخرة من العذاب.
ومثله من الكلام المعدود في فصاحته - ﷺ - كثير: كقوله: «المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم» (٤).
وقوله: «الناس كأسنان المشط» (٥).

--------------------
(١) ساقطة من (ج).
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٤٨.
(٣) انظر: «الشرح الكبير» ١/ ١٧٦، «الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع» ١/ ١٠٤، «مغني المحتاج» ١/ ٣٦.
(٤) روي ذلك من حديث علي - رضي الله عنه -، وهو لفظ لبعض روايات الحديث الآتي برقم (١١١) كتاب: العلم، باب: كتابه العلم. وهذا اللفظ عند أبي داود وغيره، وسيأتي مفصلا في موضعه إن شاء الله.
(٥) رواه ابن عدي في «الكامل» ٤/ ٢٢٥، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٣/ ٢٧٣ (١٥٠٨)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٤٥ (١٩٥) من حديث أنس.
قال ابن عدي: هذا الحديث وضعه سليمان بن عمرو على إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة. =



و«المرء مع من أحب» (١).
و«الناس معادن» (٢).
و«ما هلك أمرؤٌ عرف قدره» (٣).
و«المستشار مؤتمن» (٤).
و«ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهًا» (٥).
ونهيه عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال (٦)، وشبهه مما لا ينحصر عدًّا.
الثامنة عشرة: أن من أدرك من أهل الكتاب نبينا - ﷺ - فآمن به له أجران كما صرح به هنا، وفي الحديث الآخر في «الصحيح» كما سيأتي: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين» (٧) منهم (مؤمن) (٨) أهل الكتاب

---------------------
= وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٩٦): ضعيف جدًّا.
(١) سيأتي برقم (٦١٦٩) كتاب: الأدب، باب: علامة الحب في الله -عز وجل- ورواه، ومسلم (٢٦٤٠) كتاب: البر والصلة، باب: الأرواح جنود مجندة.
(٢) سيأتي برقم (٣٣٨٣) كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (٧)﴾، ورواه ومسلم (٢٣٧٨) كتاب: الفضائل، باب: فضائل يوسف -عليه السلام-.
(٣) لم أجده.
(٤) رواه أبو داود (٥١٢٨)، والترمذي (٢٣٦٩)، والنسائي ٧/ ١٥٨ كلهم عن أبي هريرة وأصله في «مسلم» برقم (٢٠٣٨) كتاب: الأشربة، باب: جواز استتباعه غيره إلى دار من يثق برضاه بذلك.
(٥) أورده الثعالبي في «تفسيره» ٢/ ٣١٠.
(٦) سيأتي برقم (١٤٧٧).
(٧) سيأتي برقم (٣٠١١) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل من أسلم من أهل الكتاب.
(٨) في (ف): من.



(من) (١) آمن بنبيه ونبينا واتبعه وصدق به.
التاسعة عشرة: البيان الواضح أن صدق رسول الله - ﷺ - وعلاماته كان معلومًا (لأهل) (٢) الكتاب علمًا قطعيًا، وإنما تَرَكَ الإيمان من تركه منهم عنادًا وحسدًا وخوفًا على فوات مناصبهم في الدنيا.
العشرون: أن من كان سببًا لضلالةٍ أو مَنْع هداية كان آثمًا لقوله - ﷺ -: «فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين» وفي هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣].
تتمات:
الأولى: فيه أيضا أن الكذب مهجور وعيب في كل أمة.
الثانية: أن العدو لا يؤمن أن يكذب على عدوه وقد سلف.
الثالثة: أن الرسل لا ترسل إلا من أكرم الأنساب؛ لأن من شَرُفَ نسبه كان أبعد له من الانتحال لغير الحق، ومثله الخليفة ينبغي أن يكون من أشرف قومه.
الرابعة: أن الإمام وكل من حاول مطلبًا عظيمًا إذا لم يتأس بأحد يقدمه من أهله ولا طلب رئاسة سلفه، كان أبعد للظنة وأبرأ للساحة.
الخامسة: أن من أخبر بحديث وهو معروف بالصدق قُبل منه بخلاف ضده.
خاتمة: لا عتب على البخاري في إدخاله أحاديث أهل الكتاب في «صحيحه» كهرقل وغيره ولا في ذكر قوله: (وَكَانَ حَزَّاءً يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ)؛ لأنه إنما أخبر أنه كان في الإنجيل ذكر محمد - ﷺ - وكان من

------------------------
(١) زيادة من (ج).
(٢) في (ج): عند أهل.



يتعلق بالنّجامة قبل الإسلام ينذر بنبوته؛ لأن عِلْمَ النجوم كان مباحًا ذَلِكَ الوقت فلما جاء الإسلام منع منه فلا يجوز لأحد اليوم أن يقضي بشيء منه، وكان علم النجوم قبل الإسلام على (التظنين) (١) يصيب مرة ويخطئ كثيرًا، فاشتغالهم بما فيه الخطأ الغالب ضلال، فبعث الله نبيه بالوحي الصحيح ونسخ ذَلِكَ العناء الذي كانوا فيه من أمر النجوم.
وقال: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب» (٢)، ونصب الله الأهلة مواقيت للناس في (صيامهم) (٣) وآجال ديونهم (وحجهم ونجوم) (٤) كتابتهم وأوقات بلوغهم، ونصب أوقات الصلوات ظاهرة لم تحتج إلى حساب وغيره مع أنه لو وقف ذَلِكَ على ظن (وحساب) (٥) لأدى إلى الصدق مرة وللكذب أخرى ويقبح في الشريعة ذَلِكَ، فإن الذي يشبه الصواب منه إنما هو اتفاقيات ثم لو أمكن فيه الصدق لكان فيه مفاسد جمة فإنه إذا نجَّم وظن أنه يعيش مائة سنة مثلًا لربما سَوَّف بالتوبة وانهمك على المعاصي، أو أنه يعيش أقل، تنكد عليه عيشه وانفسد النظام، فلله الحمد على الهداية إلى الصراط الأقوم.

-----------------
(١) في (ج): الظن.
(٢) ذكره الطبري في «تفسيره» ١/ ٤١٧ دون إسناد
(٣) في (ج): حسابهم.
(٤) ساقط من (ج).
(٥) في (ف): وحسبان.



(٢) كتاب الإيمان

(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) (١)

٢ - كتاب الإيمان
١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ»
وَهُوَ قَوْلٌ وَفِعْلٌ، وَيَزِيدُ وَينْقُصُ. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، وقال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: ١٣]، وقال: ﴿وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: ٧٦]، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ [محمد: ١٧]، وقال: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١]، وقال: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: ١٢٤]، وقال جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢].

---------------------
0(١) من (ف).


وَالْحُبُّ في اللهِ وَالْبُغْضُ في اللهِ مِنَ الإِيمَانِ. وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ إِلَى عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ: إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَحُدُودًا وَسُنَنًا، فَمَنِ اسْتَكْمَلَهَا اسْتَكْمَلَ الإِيمَانَ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا لَمْ يَسْتَكْمِلِ الإِيمَانَ، فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ حَتَّى تَعْمَلُوا بِهَا، وَإِنْ أَمُتْ فَمَا أَنَا عَلَى صُحْبَتِكُمْ بِحَرِيصٍ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ -عليه السلام-: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠]. وَقَالَ مُعَاذٌ: اجْلِسْ بِنَا نُؤْمِنْ سَاعَةً. وَقَالَ ابن مَسْعُودٍ: اليَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ. وَقَالَ ابن عُمَرَ: لَا يَبْلُغُ العَبْدُ حَقِيقَةَ التَّقْوى حَتَّى يَدَعَ مَا حَاكَ فِي الصَّدْرِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]، أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وإِيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]: سَبِيلًا وَسُنَّةً (١)، ﴿دُعَاؤُكُمْ﴾: [الفرقان: ٧٧] إيمانكم.
-------------------
(١) ورد بهامش (ف) تعليق نصه: بلغ إبراهيم الحلبي قراءة على المصنف، وسمعه ولد المصنف نور الدين والجماعة: … والحاضري والصفدي والبيجوري والبطائحي والعاملي .... تاج الدين والبرموي .... النظام الحموي وآخرون.


٢ - باب دُعَاؤُكُمْ إِيمَانُكُمْ
لقوله -عز وجل-: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] (١)

٨ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِى سُفْيَانَ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بُنِىَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». [٤٥١٥ - مسلم ١٦ - فتح ١/ ٤٩]
نا عبيد الله بن موسى، أنا حنظلة بن أبي سفيان، عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: «بُنِىَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: لما فرغ البخاري رحمه الله من ابتداء الوحي عَقَّبَه بذكر الإيمان، ثم بالصلاة بمقدماتها الطهارات ثم بالزكاة ومتعلقاتها، ثم بالحج ومتعلقاته، ثم بالصوم. وقصد الاعتناء بالترتيب المذكور في حديث ابن عمر هذا الذي ساقه، وإن وقع في بعض روايات «الصحيح» تقديم الصوم على الحج.
والكتاب مصدر سمي به المفعول مجازًا، وهو خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا كتاب ولفظة (ك. ت. ب) في جميع تصاريفها راجعة إلى معنى الجمع والضم؛ ومنه الكتاب والكتيبة والمكتوب والكاتب وهو في اصطلاح المصنفين كالجنس الجامع لأبواب أو مسائل.
والإيمان في اللغة: التصديق، وفي الشرع: تصديق خاص، كما ستعلمه.

------------------
(١) من هامش (ف) وبعدها: حدثنا عبيد الله .. إلخ. وانظر كلام المصنف ص ٤٤٧.


ثانيها: ابتداء كتاب الإيمان بالبسملة وهكذا عادته في كل كتاب من كتبه عملًا بالحديث السالف أول الكتاب: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد أقطع»، وفي رواية «ببسم الله الرحمن الرحيم»، وفي رواية «بذكر الله» (١). فإن قُلْتَ: البسملة في أول كتابه تُغني عن ذَلِكَ، فالجواب أن فيه مزيد اعتناء ومحافظة على التمسك بالكتاب والسنة.
ثالثها: هذا الحديث أخرجَهُ البخاري هُنا وفي التفسير، وقال فيه: وَزَادَ عُثْمَانُ بْنُ صَالِح، عَنِ ابن وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي فُلَانٌ وَحَيْوَةُ بْنُ شُرَيْح، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ بُكَيْرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بن الأشج، عَنْ نَافِعٍ، عن ابن عُمر (٢).
وأخرجه مُسْلم في الإيمان عن محمد بن عبد الله بن نمير، عن أبيه، -عن حنظلةَ به، وعن ابن مُعاذ، عن أبيه، عن عاصِم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده، وعن ابن نُمير، عن أبي خالد الأحمر، عن سَعْد بن طارق، عن سَعْد بن عبيدة، عن ابن عمر، وعن سهل بن عثمان، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سعد بن طارق به (٣)، فوقع لمسلم من جميع طرقه خماسيًّا وللبخاري رباعيًّا، فَعَلَاه برجلٍ.
رابعها: في التعريف (بحال) (٤) رواته:
أما عبد الله (ع) بن عمر فهو الإمام الصالح أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المكي، وتقدم. تمام نسبه في ترجمة والده.

------------------
(١) سبقت جميعها في أثناء شرح الحديث رقم (١).
(٢) سيأتي برقم (٤٥١٣) باب: قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
(٣) مسلم (١٦) باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٤) في (ج): برجال.



أمه وأم أخته حفصة رضي الله عنهما زينب، وقيل: ريطة بنت مظعون أخت عثمان، أسلم بمكة قديمًا مع أبيه وهو صغير، وهاجر معه كما ذكره البخاري في الهجرة (١)، ولا يصح قول من قَالَ: إنه أسلم قبل أبيه وهاجر قبله. واستصغر عن أحد، وشهد الخندق وما بعدها، وهو أحد الستة الذين هم أكثر الصحابة رواية، وأحد العبادلة الأربعة (٢)، وثانيهم: ابن عباس، وثالثهم: عبد الله بن عمرو بن العاص، ورابعهم: عبد الله بن الزبير.
ووقع في «مبهمات النووي» وغيرها أن الجوهري أثبت ابن مسعود منهم وحذف (ابن عمرو) (٣)، وليس كما ذكره عنه (فالذي في «صحاحه» (٤) إثبات ابن عمرو وحذف ابن الزبير فاعلمه) (٥)، وقد أسلفنا قريبًا التنبيه عليه.
ووقع في «شرح الرافعي» في الجنايات عَدّ ابن مسعود منهم، وحذف ابن الزبير وابن عمرو بن العاص، وهو غريب منه.
روي له ألفا حديث وستمائة وثلاثون حديثًا، اتفقا منها على مائة وسبعين، وانفرد البخاري بأحد وثماثين، ومسلم بأحد وثلاثين. وهو أكثر الصحابة رواية بعد أبي هريرة.

-----------------
(١) سيأتي برقم (٣٩١٦) كتاب: مناقب الأنصار، باب: هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة.
(٢) ورد بهامش (ف): ذكر العبادلة.
(٣) «الإشارات إلى بيان الأسماء المبهمات» للنووي ص (٦٠٩)، وورد في (ج): ابن الزبير.
(٤) «الصحاح» ٢/ ٥٠٥، مادة: عبد.
(٥) ساقط من (ج).



روى عنه أولاده: سالم وعبد الله وحمزة وبلال، وخلائق من جلة التابعين.
ومناقبه لا تحصى، ونظيره في المتابعة للآثار وإعراضه عن الدنيا ومقاصدها عزيز، وكذا احتياطه في الفتوى، وعلمه بالمناسك، وكرمه، فربما تصدق في المجلس الواحد بثلاثين ألفًا. وهو أحد الساردين للصوم كوالده وعائشة وأبي طلحة وحمزة (بن عمرو الأسلمي، و) (١) شهد له الشارع بالصلاح (٢)، وعاش بعد ذَلِكَ زيادة على ستين سنة يترقى في الخيرات.
قَالَ الزهري: لا يعدل (برأي) (٣) ابن عمر، فإنه أقام بعد رسول الله - ﷺ - ستين سنة فلم يخف عنه شيء من أمره ولا من أمر الصحابة.
مات بفَخٍّ -بفتح الفاء وتشديد الخاء المعجمة- موضع بقرب مكة، قَالَ الصغاني: وهو وادي الزاهر (٤). سنة ثلاث، وقيل: أربع وسبعين بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر وقيل: بسنة، عن أربع، وقيل: ست وثمانين سنة، قَالَ يحيى بن بكير: توفي بمكة بعد الحج، ودفن بالمحصب، وبعض الناس يقول: بفخ، قُلْتُ: وقيل: بسرف، وكلها مواضع بقرب مكة (بعضها أقرب إلى مكة) (٥) من بعض (٦).

-------------------
(١) من (ف).
(٢) سيأتي برقم (١١٢٢) كتاب: التهجد، باب: فضل قيام الليل، ورواه مسلم (٢٤٧٩) كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضل ابن عمر.
(٣) في (ج): به أي.
(٤) «معجم البلدان» ٤/ ٢٣٧.
(٥) زيادة من (ج).
(٦) انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٣/ ١٧٠٧، «الاستيعاب» ٣/ ٨٠، «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٠.



فائدة:
في الصحابة أيضًا عبد الله بن عمر، جَرْمي، يقال: إن له صحبة، يروى عنه حديث في الوضوء (١).
وأما الراوي عنه فهو الإمام عكرمة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي المكي الثقة الجليل، سمع ابن عمر وابن عباس وغيرهما، وعنه عمرو بن دينار وغيره من التابعين.
مات بمكة بعد عطاء، ومات عطاء سنة أربع عشرة أو خمس عشرة ومائة. والعاصي جده هو أخو أبي جهل، قَتَلَ العاصي (هذا عمرُ ببدرٍ كافرًا، وهو خال عمر على قول (٢) (…) (٣).
وفي الصحابة عكرمة) (٤) ثلاثة لا رابع لهم: ابن أبى جهل الخزومي (٥)،

----------------------


(١) انظر ترجمته في: «أسد الغابة» ٣/ ٣٤٠، «الإصابة» ٣/ ١٣٧.
(٢) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٧٥، «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٨ (٢٢١)، «الجرح والتعديل» ٧/ ٩ (٣٤)، «الثقات» ٥/ ٢٣١، «تهذيب الكمال» ٢٠/ ٢٤٩ - ٢٥١ (٤٠٠٤).
(٣) بياض بالأصل بمقدار كلمة.
(٤) ساقطة من (ج).
(٥) عكرمة بن أبي جهل، واسم أبي جهل: عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي المخزومي. كان عكرمة شديد العداوة لرسول الله - ﷺ - في الجاهلية هو وأبوه، وكان فارسًا مشهورًا، هرب حين الفتح، فلحق باليمن، ولحقت به امرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام. ولما أسلم عكرمة شكا قولهم عكرمة بن أبي جهل، فنهاهم النبي، وكان مجتهدًا في قتال المشركين مع المسلمين، استعمله رسول الله - ﷺ - على هوازن يُصدقها، قتل في يوم اليرموك. انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٧١ - ٢١٧٢ (٢٢٦١)، «الاستيعاب» ٣/ ١٩٠ - ١٩٢ (١٨٥٧)، «أسد الغابة» ٤/ ٧٠ - ٧٣ (٣٧٣٥)، «الإصابة» ٢/ ٤٩٦ - ٤٩٧ (٥٦٣٨).



وابن عامر العبدري (١) وابن عبيد الخولاني (٢).
فائدة ثانية:
ليس في الصحيحين من اسمه عكرمة إلا هذا، وعكرمة بن عبد الرحمن، وعكرمة مولى ابن عباس، وروى مسلم للأخير مقرونًا وتكلم فيه لرأيه، وسيأتي في كتاب العلم (٣).
وعكرمة بن عمار، أخرج له مسلم في الأصول واستشهد به البخاري (ومسلم) (٤) في (كتاب) (٥) البر والصلة (٦).
وأما الراوي عن عكرمة فهو حنظلة بن أبي سفيان بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن (حذافة) (٧) بن جمح الجمحي المكي القرشي الثقة الحجة، سمع عطاء وغيره من التابعين، وعنه الثوري وغيره من الأعلام. مات سنة إحدى وخمسين ومائة.

-----------
(١) عكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، هو الذي باع دار الندوة من معاوية بمائة ألف. وهو معدود في المؤلفة قلوبهم.
انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٣/ ١٩٢ (١٨٥٨)، «أسد الغابة» ٤/ ٧٣ (٣٧٣٦)، «الإصابة» ٢/ ٤٩٧ (٥٦٣٩).
(٢) عكرمة بن عبيد الخولاني، ذكره بعض المتأخرين في الصحابة، وقال: لا يعرف له رواية، وحُكي عن أبي سعيد بن عبد الأعلى؛ أنه شهد فتح مصر، وله إدراك.
انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٤/ ٢١٧٢ (٢٢٦٢)، «أسد الغابة» ٤/ ٧٣ (٣٧٣٧)، «الإصابة» ٢/ ٤٩٧ (٥٦٤٠).
(٣) سيأتي برقم (٧٥) باب: قول النبي - ﷺ -: «اللهم علمه الكتاب».
(٤) من (ج).
(٥) في (ج): باب.
(٦) سيأتي شاهدًا لحديث رقم (٦١٠٣) كتاب: الأدب، باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال.
(٧) في (ج): خزاعة وهو خطأ.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #39  
قديم 18-01-2026, 08:43 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 436 الى صـــ 455
الحلقة (38)





روى له الجماعة (١). واستثنى شيخنا في «شرحه» ابن ماجه وصرح المزي في «تهذيبه» (٢) بخلافه فاعلمه.
وأما الراوي عن حنظلة فهو السيد الجليل أبو محمد عبيد الله بن موسى بن باذام العبسي -بالموحدة- مولاهم الكوفي الثقة، سمع الأعمش وخلقًا من التابعين، وعنه أحمد والبخاري وغيرهما، وروى مسلم وأصحاب السنن الأربعة عن رجل عنه، وكان عالمًا بالقراءات رأسًا فيها. مات بالإسكندرية سنة ثلاث عشرة ومائتين في ذي القعدة، وقيل: سنة أربع عشرة (٣).
فائدة:
هذا الإسناد كلهم مكيون إلا عبيد الله هذا فإنه كوفي، وكله على شرط الستة إلا عكرمة بن خالد فإن ابن ماجه لم يخرج له.
خامسها: في التعريف بجماعة وقع ذكرهم في هذِه الآثار:
أما عمر (ع) بن عبد العزيز فهو: الإمام العادل، خامس الخلفاء (عمر بن عبد العزيز) (٤) بن مروان بن الحكم بن العاصي بن أمية بن عبد شمس الأموي القرشي، المجمع على جلالته وزهده وعلمه، وترجمته أفردت بالتأليف، سمع عبد الله بن جعفر وأنسًا وغيرهما،

-----------------
(١) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٤٩٣، «التاريخ الكبير» ٣/ ٤٤ - ٤٥ (١٦٧)، (١٧٠)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٢٤١ - ٢٤٢ (١٠٧١)، «تهذيب الكمال» ٧/ ٤٤٣ - ٤٤٧ (١٥٦١).
(٢) «تهذيب الكمال» ٧/ ٤٤٧.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٤٠٠، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٠١ (١٢٩٣)، «معرفة الثقات» ٢/ ١١٤ (١١٧١)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٣٤ - ٣٣٥ (١٥٨٢)، «تهذيب الكمال» ١٩/ ١٦٤ - ١٧٠ (٣٦٨٩).
(٤) ساقطة من (ج).



وعنه ابناه (وعِدة) (١)، وأمه حفصة بنت عاصم بن عمر بن الخطاب.
ولي بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، وكانت خلافته مثل خلافة الصديق سواء. ومات بدير سمعان قرية بقرى حمص سنة إحدى ومائة لعشر بقين من رجب، عن تسع وثلاثين سنة وستة أشهر، وكان أشج يقال له: أشج بني أمية، ضربته (دابة) (٢) في وجهه (٣).
فائدة:
ليس له في البخاري سوى حديث واحد رواه في الاستقراض من حديث أبي هريرة في الفلس (٤).
فائدة ثانية:
في الراوة أيضًا عمر بن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص (٥) روى له (الترمذي) (٦) فقط.
وأما عدي فهو السيد الجليل أبو فروة عدي (د. ت. ن) بن عدي بن عميرة -بفتح العين- بن زرارة بن الأرقم بن (عمرو) (٧) بن وهب بن ربيعة بن الحارث بن عدي الكندي الجَزَرِي التابعي. روى عن أبيه

---------------------
(١) في (ج): وغيرهما.
(٢) في (ج): دابته.
(٣) انظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٥/ ٣٣٠، «التاريخ الكبير» ٦/ ١٧٤ - ١٧٥ (٢٠٧٩)، «الجرح والتعديل» ٦/ ١٢٢ (٦٦٣)، «الثقات» ٥/ ١٥١، «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤٣١ - ٤٤٧ (٤٢٧٧).
(٤) سيأتي برقم (٢٤٠٢) باب: إذا وجد ماله عند مفلس في البيع.
(٥) أبو حفص المصري الخزاعي، ثقة فاضل. انظر ترجمته في: «تهذيب الكمال» ٢١/ ٤٣١ - ٤٣٢ (٤٢٧٦)، «الكاشف» ٢/ ٦٥ (٤٠٨٨)، «تقريب التهذيب» ص ٤١٥ (٤٩٣٩).
(٦) في (ف): النسائي وهو خطأ.
(٧) في (ف): عمر، والمثبت من (ج).



وعمه العُرس بن عميرة، وهما صحابيان، وعنه الحكم وغيره من التابعين وغيرهم، قَالَ البخاري: هو سيد أهل الجزيرة (١).
وقال مسلمة بن عبد الملك: في كندة ثلاثة يُنزل الله بهم الغيث، وينصر بهم على الأعداء: رجاء بن حيوة، وعدي بن عدي، وعبادة بن نسيء.
وقال أحمد: عدي لا يسأل عن مثله، ووثقه يحيى وأبو حاتم وغيرهما.
(وقال ابن سعد: كان ناسكًا فقيهًا، ولي لسليمان بن عبد الملك الجزيرة وإرمينية وأذربيجان) (٢).
وقال ابن أبي حاتم: كان عامل عمر بن عبد العزيز على الموصل.
مات سنة عشرين ومائة، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه ولم يخرج له في الصحيحين ولا في الترمذي (٣).
فائدة:
إرمينية هذِه بكسر الهمزة كما صرح به البكري (٤)، ووقع بخط النووي في القطعة التي له على هذا الكتاب فتحها ضبطًا، سميت بذلك؛ لكون الأرمن فيها أو بيرمون من ولد يافث بن نوح.
وأما معاذ فستأتي ترجمته في موضعه اللائق به وكذا غيره مما ذكر، وليس في الصحابة من اسمه معاذ بن جبل غيره.

------------------
(١) «التاريخ الكبير» ٧/ ٤٤ (١٩٣).
(٢) ساقط من (ج) وانظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٤٨٠.
(٣) انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٧/ ٣ (٦) «معرفة الثقات» ٢/ ١٣٢ (١٢٢٤)، «الثقات» ٥/ ٢٧٠، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٥٣٤ - ٥٣٦ (٣٨٨٧).
(٤) «معجم ما استعجم» ١/ ١٤١.



الوجه السادس: في اتصال هذِه الآثار التي ذكرها البخاري رحمه الله.
أما أثر عمر بن عبد العزيز فأخرجه أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد (رُسْتَه) (١) في كتاب «الإيمان» تأليفه، فقال: حدثنا ابن مهدي، نا جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم قَالَ: كتب عمر .. فذكره (٢)، وهذا إسنادٌ صحيح.
وأما أثر معاذ فأخرجه أيضًا عن ابن مهدي، نا سفيان، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال عنه (٣)، وهذا أيضًا إسنادٌ صحيح. (ورويناه

-------------------
(١) في (ح): رشد.
ورُسْتة هو الإمام المحدث المتقن، أبو الفرج، وقيل: أبو الحسن، عبد الرحمن ابن عمر بن يزيد بن كثير، الزهري المديني الأصبهاني، ولقبه رُسْته.
سمع يحيى القطان، وعبد الوهاب الثقفي، وعبد الرحمن بن مهدي، وخلقًا سواهم حدث عنه ابن ماجه. توفي سنة خمسين ومائتين.
انظر ترجمته في «الجرح والتعديل» ٥/ ٢٦٣ (١٢٤٦)، «الثقات» ٨/ ٣٨١، «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٩٦ - ٢٩٩ (٣٩١٤)، «سير أعلام النبلاء» ١٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ١٧٢ (٣٠٤٣٥)، وفي كتاب «الإيمان» (١٣٥)، والخلال في «السنة» (١١٦٢، ١٥٥٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٧٨ من طريق جرير بن حازم، عن عيسى بن عاصم، عن عدي بن عدي قال: كتب إليَّ عمر بن عبد العزيز ..
قال الألباني في تحقيقه لكتاب «الإيمان» لابن أبي شيبة (١٣٥): والسند إلى عمر صحيح. اهـ.
(٣) رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب «الإيمان» (٢٠)، وعبد الله بن أحمد في «السنة» ١/ ٣٧٨ - ٣٧٩ (٨٢٣)، من طريق سفيان، ورواه ابن أبي شيبة في «مصنفه» ٦/ ١٦٤ (٣٠٣٥٤)، ٧/ ١٤٢ (٣٤٦٨٧)، وفي كتاب «الإيمان» (١٠٧)، والخلال في «السنة» (١١٢١)، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٢٣٥ من طريق الأعمش.
كلاهما أي: سفيان، والأعمش، عن جامع بن شداد، عن الأسود بن هلال، عن معاذ به. =



في مجالس أبي إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي بإسنادنا إليه عن عبد الجبار بن العلاء، ثنا وكيع، عن مسعر، عن جامع بن شداد به) (١).
وأما أثر ابن مسعود فأخرجه أيضًا عن أبي زهير، حدثنا الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة عنه قَالَ: الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله (٢). وهذا أيضًا إسنادٌ صحيح.

---------------------
= قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: التعليق المذكور وصله أحمد وأبو بكر بسند صحيح إلى الأسود بن هلال. اهـ.
وقال الألباني في تحقيقه لكتاب «الإيمان» لأبي عبيد، وكتاب «الإيمان» لابن أبي شيبة: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(١) من (ج)، والأثر رواه الخلال في «السنة» (١١٢١) من طريق وكيع، عن مسعر.
(٢) روي هذا الأثر موقوفًا، ومرفوعًا، أما الموقوف فرواه ابن أبي خيثمة في «تاريخه» ٣/ ١٠٠ (٣٩٩٣) من طريق أبي معاوية، ورواه الحاكم ٢/ ٤٤٦ من طريق جرير، ورواه البيهقي في «الشعب» ٧/ ١٢٣ من طريق وكيع، كلهم عن الأعمش، عن أبي ظبيان، عن علقمة، عن عبد الله به.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. اهـ. وقال الذهبي: صحيح. اهـ.
وقال البيهقي في «الآداب» ص ٣٠٧ (٩٣٢): روي مرفوعًا وموقوفًا عن ابن مسعود والموقوف أصح. اهـ. وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٤/ ١٤٠: رواه الطبراني ورواته رواة الصحيح، وهو موقوف ورفعه بعضهم. اهـ.
وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٥٧: رواه الطبراني في «الكبير» ورجاله رجال الصحيح. اهـ.
وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: وصله الطبراني بسند صحيح. اهـ.
وأما المرفوع فرواه ابن الأعرابي في «المعجم» (٥٩٢)، وأبو القاسم تمام بن محمد في «الفوائد» ٢/ ٤٠ (١٠٨٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٤، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٢٦ - ١٢٧، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ١٢٣، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١، من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان، عن زبيد، ج عن أبي وائل، عن عبد الله مرفوعًا. =



ثم قَالَ: ونا عبد الله، نا سفيان، عن الأعمش، عن أبي ظبيان بمثله، وروى أحمد في كتاب «الزهد» عن وكيع، عن شريك، عن هلال، عن ابن عكيم قَالَ: سمعت ابن مسعود يقول في دعائه: اللهم زدنا إيمانًا (١) (ويقينًا وفقهًا (٢).
وأما أثر مجاهد فرواه عبد بن حميد في «تفسيره» عن شبابة، عن ورقاء عنه، وهذا إسناد صحيح ورواه ابن المنذر بإسناده بلفظة: وصاه وأنبياءه كلهم دينًا واحدًا (٣).

------------------
= قال أبو علي النيسابوري: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد، ولا من حديث الثوري. اهـ.
وقال أبو نعيم والخطيب: تفرد به المخزومي عن الثوري. اهـ.
وقال البيهقي: تفرد به يعقوب عن المخزومي، والمحفوظ عن ابن مسعود. اهـ.
وقال ابن الجوزي: تفرد به محمد بن خالد عن الثوري، ومحمد مجروح، قال يحيى والنسائي: يعقوب ليس بشيء. اهـ. وقال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: ولا يثبت رفعه. اهـ.
وقال الملا عليّ القاري في: «الأسرار المرفوعة» (٦٢٣): موضوع على ما ذكره الصغاني. اهـ. وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٩٩): منكر. اهـ.
(١) يبدأ من هنا سقط طويل من (ج) سنشير إلى نهايته.
(٢) لم أجده في «الزهد» للإمام أحمد، ورواه عبد الله في «السنة» ١/ ٣٦٩ (٧٩٧). قال الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ٤٨ إسناده صحيح.
(٣) عزاه لـ «تفسير عبد بن حميد» السيوطي في «الدر المنثور» ٧/ ٣٣٩. والحديث رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ١٣٥ من طريق ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد به. وبه علم أنه قد سقط من الإسناد الذي ساقه المؤلف ابن أبي نجيح، فليعلم.
قال الحافظ في «الفتح» ١/ ٤٨: قال شيخ الإسلام البلقيني: وقع في أصل الصحيح في جميع الروايات في أثر مجاهد هذا تصحيف قلَّ من تعرض لبيانه، وذلك أن لفظه: وقال مجاهد: شرع لكم: أوصيناك يا محمد وإياه دينا واحدًا. والصواب أوصاك يا محمد وأنبياءه. كذا أخرجه عبد بن حميد والفريابي والطبري وابن المنذر في تفاسيرهم. وبه يستقيم الكلام، وكيف يفرد مجاهد الضمير لنوح =



وأما أثر ابن عباس فرواه الأزهري في «تهذيبه» عن ابن ماهك عن حمزة، عن عبد الرزاق، عن أبي إسحاق، عن التميمي -يعني: أربدة- عن ابن عباس (١)، وأنا: عن حمزة، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة:
-------------------
= وحده مع أن في السياق ذكر جماعة. انتهى. ولا مانع من الإفراد في التفسير، وإن كان لفظ الآية بالجمع على إرادة المخاطب والباقون تبع، وإفراد الضمير لا يمتنع؛ لأن نوحًا أفرد في الآية فلم يتعين التصحيف، وغاية ما ذكر من مجيء التفاسير بخلاف لفظه أن يكون مذكورًا عند المصنف بالمعنى. والله أعلم. اهـ.
(١) لم أجد في «تهذيب اللغة» مادة [نهج]، هذا الأثر، وفي مادة [شرع]، ٢/ ١٨٥٧: قال أبو إسحاق: في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ قال بعضهم: الشرعة في الدين، والمنهاج: الطريق والأثر.
رواه: سفيان الثوري في «تفسيره» ص ١٠٣ ومن طريقه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ١٨٧ (٧٢١) عن أبي إسحاق عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سبيل وسنة.
ومن هذا الطريق علم أنه قد سقط من الإسناد الذي ساقه المصنف سفيان الثوري؛ لأن عبد الرزاق لا يروي عن أبي إسحاق السبيعي مباشرة، فعبد الرزاق ولد سنة ست عشرين ومائة، وأبو إسحاق توفي سنة سبع وعشرين ومائة، وقيل: ست وعشرين ومائة، وقيل: ثمان وعشرين ومائة، وقيل: تسع وعشرين ومائة، وعلى كلٍّ لا يصح سماعه منه.
انظر: «تهذيب الكمال» ١٨/ ٦١، ٢٢/ ١١٢. ورواه الطبري في «تفسيره» ٤/ ٦١١ من طرق عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنة وسبيلا.
ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١١٥١ (٦٤٨٢) من طريق يوسف بن أبي إسحاق، عن أبيه، عن التميمي، عن ابن عباس في قوله: ﴿شِرْعَةً﴾. قال: سبيلًا، ورواه أيضًا في ٤/ ١١٥٢ (٦٤٨٥) من طريق سفيان عن أبي إسحاق، عن التميمي، عن ابن عباس، قوله: ﴿وَمِنْهَاجًا﴾. قال: سنة.
قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» ٢/ ٦٧: وعن ابن عباس ومجاهد وعطاء الخراساني: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. أي: سنة وسبيلا، والأول أنسب -أي: سبيلا وسنة- فإن الشرعة وهي الشريعة أيضًا هي: ما يبتدأ فيه إلى الشيء، ومنه يقال: =



شرعة ومنهاجًا قال: الدين واحد والشريعة مختلفة (١). وروى ابن المنذر بسنده إليه أنه قال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]،: لولا إيمانكم (٢).
الوجه السابع: في بيان ألفاظه ومعانيه:
قوله: «الْبُغْضُ فِي اللهِ وَالْحُبُّ فِي اللهِ مِنَ الإِيمَانِ» (في) هنا للسببية -أي: بسبب طاعة الله ومعصيته- كقوله عليه الصلاة والسلام: «في النفس المؤمنة مائة من الابل» (٣) وكقوله في التي حبست الهرة فدخلت النار فيها (٤)، أي: بسببها وأصل (في) للظرفية.
وقوله: (إِنَّ لِلإِيمَانِ فَرَائِضَ وَشَرَائِعَ وَسُنَنًا). قال ابن المرابط: الفرائض: ما فُرِضَ علينا من صلاة وزكاة ونحوهما، والشرائع كالتوجه إلى القبلة، وصفاف الصلاة، وعَدَد شهر رمضان، وعدد جلد القاذف، وعدد الطلاق إلى غير ذلك، والسنن: ما أمر به الشارع من فضائل الأعمال، فمتى أتى بالفرائض والسنن وعرف الشرائع، فهو مؤمن كامل.

---------------------
= شرع في كذا: ابتدأ فيه، وكذا الشريعة، وهي ما يشرع منها إلى الماء. أما المنهاج، فهو الطريق الواضح السهل، والسنن: الطرائق، فتفسير قوله: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.
بالسبيل والسنة أظهر في المناسبة من العكس، والله أعلم. اهـ.
(١) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ١/ ١٨٧ (٧٢٠)، والطبري ٤/ ٦١٠ (١٢١٣٣)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٤/ ١١٥٢ (٦٤٨٧)، ووقع فيه عمر، وهو خطأ، والصواب معمر.
(٢) سيأتي برقم (٢٣٦٥) كتاب: المساقاة، باب: فضل سقي الماء.
(٣) رواه النسائي ٨/ ٥٨ - ٦٠، والمروزي في «السنة» (٢٤٤ - ٢٤٦)، والحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧، وابن حبان ١٤/ ٥٠١ - ٥١٠ (٦٥٥٩)، والبيهقي في «الكبرى» ٨/ ٧٣ من طرق عن عمرو بن حزم.
(٤) سيأتي برقم (٣٣١٨).



وقوله: (فَإِنْ أَعِشْ فَسَأُبَيِّنُهَا لَكُمْ) أي: أوضحها إيضاحًا يفهمه كل أحد وإنما أخر بيانها؛ لاشتغاله بما هو أهم منها ولم يعلم أنهم يجهلون مقاصدها، ومعنى: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: ٢٦٠] ليزداد (١)، وهو المعنى الذي أراده البخاري.
وقيل: بالمشاهدة، كأن نفسه طالبته بالرؤية (٢). والشخص قد يعلم الشيء من جهة، ثم يطلبه من أخرى.
وقيل: ﴿لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ أي: إذا سألتك أجبتني (٣).
وقوله: (اجلس بنا نؤمن ساعة) أي: نتذاكر الخير وأحكام الآخرة وأمور الدين، فإن ذلك إيمان.
وقال ابن المرابط: نتذاكر ما يُصدق اليقين في قلوبنا؛ لأن الإيمان هو التصديق بما جاء من عند الله تعالى.
وقوله: (الْيَقِينُ الإِيمَانُ كُلُّهُ)، قال أهل اللغة: اليقين: هو العلم وزوال الشك، يقال: منه يقنت الأمر -بالكسر- يقنًا، وأيقنت واستيقنت وتيقنت كله بمعنى، وأنا على يقين منه، وذلك عبارة عن التصديق وهو أصل الإيمان فعبر بالأصل عن الجميع كقولهم: الحج عرفة، وفيه دلالة على أن الإيمان يتبعض؛ لأن كُلًّا وأجمعَ لا يؤكد بهما إلا ما يتبعض حسًّا أو حكمًا كما قاله أهل العربية.

-----------------
(١) رواه الطبري ٣/ ٥٢ عن سعيد بن جبير (٥٩٧٧، ٥٩٨٢)، والضحاك (٥٩٧٨)، وقتادة (٥٩٧٩، ٥٩٨٠)، والربيع (٥٩٨١)، ومجاهد وإبراهيم (٥٩٨٤)، ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥١٠ (٢٦٩٨) عن سعيد بن جبير فقط.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥١٠ (٢٧٠١) عن الضحاك.
(٣) رواه الطبري ٣/ ٥٣ (٥٩٨٦)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٥٠٩ (٢٦٩٥، ٢٦٩٦) عن ابن عباس.



و(حاك) بالحاء المهملة، وفتح الكاف المخففة: ما يقع في القلب، ولا ينشرح له صدره، وخاف الإثم فيه، يقال فيه: حاك يحيك، وحك يحك، وأحاك يحيك، وفي «صحيح مسلم» من حديث النواس بن سمعان - رضي الله عنه - قال سألت رسول الله - ﷺ - عن البر والإثم فقال: «البرُّ حُسْنُ الخُلق، والإثمُ ما حاكَ في نفسِكَ، وكرهتَ أن يطلعَ عليه الناسُ» (١) فالذي يبلغ حقيقة التقوى تكون نفسه متيقنة الإيمان سالمة من الشكوك. وعبّر هنا بالصدر عن النفس والخلد.
وقولهم: (﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]): أَوْصَيْنَاكَ يَا مُحَمَّدُ وإيَّاهُ دِينًا وَاحِدًا) معناه أن هذا الذي تظاهرت عليه أدلة الكتاب والسنة من زيادة الإيمان ونقصه، هو شرع الأنبياء قبل نبينا كما هو شرع نبينا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية. ويقال: جاء نوح بتحريم الحرام وتحليل الحلال (٢)، وهو أول من جاء من الأنبياء بتحريم الأمهات والبنات والأخوات، ونوح أول نبي جاء بعد إدريس -عليه السلام-.
وقوله في: (﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، سبيلًا وسنة.
﴿دُعَاؤُكُمْ﴾ إيمانكم): يعني: أن ابن عباس فسر قوله تعالى: ﴿شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ بسبيل وسنة، وفسر قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧]، قال المراد بالدعاء: الإيمان، فمعنى (دعاؤكم): إيمانكم.
قال ابن بطال: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ الذي هو زيادة في إيمانكم (٣).

--------------------
(١) مسلم (٢٥٥٣) كتاب البر والصلة والآداب، باب: تفسير البر والإثم.
(٢) رواه الطبري ١١/ ١٣٥ (٣٠٦٣٥) عن قتادة.
(٣) «شرح ابن بطال» ١/ ٦١.



وقال النووي: وهذا الذي قاله حسن، أي: فإن أصل الدعاء النداء والاستغاثة ففي «الجامع»: سئل ثعلب عنه، فقال: هو النداء.
ويقال: دعا اللهَ فلانُ بدعوة فاستجاب له، وقال ابن سيده: هو الرغبة إلى الله تعالى، دعاهُ دعاءً ودعوى حكاها سيبويه (١)، وفي «الغريبين» الدعاء: الغوث، وقد دعا، أي: استغاث قَالَ تعالى: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠].
ثم اعلم أنه يقع في كثير من نسخ البخاري هنا باب: دعاؤكم إيمانكم، ثم ساق حديث ابن عمر السالف، وعليه مشى شيخنا في «شرحه»، وليس ذَلِكَ بجيد؛ لأنه ليس مطابقًا للترجمة؛ ولأنه ترجم أولًا لقوله - ﷺ -: «بني الإسلام على خمس» ولم يذكره قبل هذا؛ إنما ذكره بعده، والصواب ما أسلفناه، وحكئ أبو إسحاق عن بعضهم أن الشرعة: الدين.
والمنهاج: الطريق. وقيل: هما جميعًا الطريق، والطريق هنا: الدين. لكن اللفظ إذا اختلف أُتي فيه بألفاظ للتأكيد (٢).
وقال محمد بن يزيد (٣): شرعة معناها: ابتداء الطريق. والمنهاج

--------------------
(١) «المحكم» ٢/ ٢٣٤.
(٢) كذا بالأصل، وجاء في «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٥٧ مادة: شرع، ولكن اللفظ إذا اختلف أُتي به بألفاظ تؤكد بها القصة والأمر. اهـ.
(٣) هو محمد بن يزيد بن عبد الأكبر الأزدي، البصري، أبو العباس، المبرِّد إمام النحو، كان إمامًا، علّامة، جميلا، فصيحًا، مفوّها، موثّقا، صاحب نوادر وطرف.
قال الذهبي: له تصانيف كثيرة، يقال: إن المازني أعجبه جوابه، فقال له: قم فأنت المبرِّد، أي: المثبت للحق، ثم غلب عليه: بفتح الراء. اهـ. مات في أول سنة ست وثمانين ومائتين. =



الطريق المستمر (١).
وقال ابن عرفة: الشرعة والشريعة سواء، وأصل الشريعة: مورد الماء. وذكر الواحدي وغيره في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ [الجاثية: ١٨]، قَالَ: الشريعة: الدين والملة والمنهاج والطريقة والسنة والقصد (٢)، قالوا: وبذلك سميت شريعة النهر؛ لأنه يتوصل منها إلى الانتفاع (٣).
والشارع: الطريق الأعظم، وقال مجاهد في معنى الآية السالفة: ما يفعل بكم ربي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه (٤). وقيل: معناه: ما يعبأ بخلقكم لولا توحيدكم إياه.
ومعنى: «بني الاسلام»: أسس.

------------------
= انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ٣/ ٣٨٠ - ٣٨١، «المنتظم» ٦/ ٩ - ١١، «وفيات الأعيان» ٤/ ٣١٣ - ٣٢٢، «الوافي بالوفيات»، ٥/ ٢١٦ - ٢١٨، «السير» ١٣/ ٥٧٦.
(١) انظر: «معاني القرآن» لأبي جعفر النحاس ٢/ ٣١٩، «تهذيب اللغة» ٢/ ١٨٥٧ مادة «شرع».
(٢) «تفسير الواحدي» ٤/ ٩٧.
(٣) انظر: «تفسير البغوي» ٧/ ٢٤٣، ٢٤٤، «زاد المسير» ٧/ ٣٦٠.
(٤) «تفسير مجاهد» ٢/ ٤٥٧ وفيه: لولا دعاؤكم إياه. قال الحافظ ابن رجب في «الفتح» ١/ ٢١: وأما قوله تعالى: ﴿مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ [الفرقان: ٧٧] للمفسرين قولان:
أحدهما: أن المراد لولا دعاؤكم إياه، فيكون الدعاء بمعنى الطاعة، كما ذكرنا.
والثاني: لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦] أي: لأدعوهم إلى عبادتي.
وإنما اختلف المفسرون في ذلك لأن المصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى. اهـ.



وقوله: «على خمس» أي: خمس دعائم أو قواعد، وفي رواية لمسلم: «على خمسة» (١) بالهاء وهو صحيح أيضًا، أي: خمسة أشياء أو أركان أو أصول، وتحتمل الرواية السالفة وجهًا آخر وهو أن المراد خمسة أشياء، وإنما حذف الهاء؛ لكون الأشياء لم تذكر كقوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، والمعنى: عشرة أشياء، وكقوله - ﷺ -: «من صام رمضان وأتبعه ستًّا» (٢) ونحو ذَلِكَ.
وقوله: «وإقام الصلاة»: أصله: إقامة الصلاة، حذفت التاء، وقوله: «وإيتاء الزكاة» أي: أهلها، فحذف المفعول، والإيتاء: الإعطاء.
الوجه الثامن:
مقصود الباب بيان زيادة الإيمان ونقصانه، وإطلاقه على الأعمال كالصلاة والصيام والذكر وغيرها، ومذهب السلف والمحدثين وجماعات من المتكلمين أن الإيمان قول وعمل ونية، ويزيد وينقص، ومعنى هذا أنه يطلق على التصديق بالقلب، وعلى النطق باللسان، وعلى الأعمال بالجوارح كالصلاة وغيرها، ويزيد بزيادة هذِه وينقص بنقصها، وأنكر أكثر المتكلمين زيادته ونقصه، وقالوا: متى قَبِل الزيادة والنقص كان شكًّا وكفرًا، قَالَ المحققون منهم: نفس التصديق لا يزيد ولا ينقص، والإيمان الشرعي يزيد وينقص بزيادة ثمراته ونقصانها وهي الأعمال، وفي هذا جمع بين ظواهر النصوص الواردة بالزيادة مع أقاويل السلف وبين أصل وضعه في اللغة وما عليه المتكلمون.

------------------
(١) مسلم (١٦) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٢) رواه مسلم (١١٦٤) كتاب الصيام، باب: استحباب صوم ستة أيام من شوال اتباعًا لرمضان، من حديث أبي أيوب.



قَالَ النووي: وهذا الذي قاله هؤلاء وإن كان ظاهرًا حسنًا فالأظهر المختار خلافه، وهو أن نفس التصديق يزيد وينقص بكثرة النظر، وتظاهر الأدلة، وانشراح الصدر، واستنارة القلب؛ ولهذا يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشُّبه، ولا يتزلزل إيمانهم لعارض، بل لا تزال قلوبهم منشرحة مستنيرة وإن اختلفت الأحوال عليهم.
وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم ونحوهم فليسوا كذلك، فهذا مما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل في أن نفسَ تصديقِ الصديق لا يساوي تصديق آحاد الناس، ولهذا ذكر البخاري كما سيأتي في بابه عن ابن أبي مليكة قَالَ: أدركت ثلاثين من الصحابة كلهم يخاف النفاق على نفسه ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل (١).
ويدل له ظواهر نصوص الكتاب والسنة، فمن الآيات: التي ذكرهن البخاري وغيرهن، ومن السنة: أحاديث كثيرة في «الصحيح» ستأتي في مواضعها كحديث: «يخرج من النار من كان في قلبه وزن شعيرة من إيمان» وكذا: «من كان في قلبه وزن برة من إيمان» وكذا: «من كان في قلبه وزن ذرة» (٢) فهذا هو الصحيح الموافق لظواهر النصوص القطعية ولما قاله سلف الأمة، ولما يقضي به الحسُّ، وأما إطلاق اسم الإيمان عَلَى الأعمال فمتفق عليه عند أهل الحق، ودلائله لا تحصى من الكتاب والسنة.

-------------------
(١) «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٨ - ١٤٩، وحديث ابن أبي مليكة سيأتي معلقًا قبل حديث (٤٨) باب: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر.
(٢) سيأتي برقم (٤٤) كتاب الإيمان، باب: زيادة الإيمان ونقصانه.



قَالَ تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] أي: صلاتكم، بإجماع (١).
ومثله الآيات التي ذكرها البخاري في الأحاديث، وأما الأحاديث فَسَتمرُّ بها في مواضعها إن شاء الله تعالى. وهذا المعنى أراد البخاري في «صحيحه» بالأبواب الآتية بعد هذا كقوله: باب أمور الإيمان، الصلاة من الإيمان، الزكاة من الإيمان، الجهاد من الإيمان، وسائر أبوابه.
وأراد الرد على المرجئة في قولهم الفاسد: إن الإيمان قول بلا عمل، وبيّن غلطهم، وسوء اعتقادهم، ومخالفتهم الكتاب والسنة والإجماع.
قَالَ ابن بطَّال: مذهب جميع أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص (٢). فالمعنى الذي يستحق به العبد المدح والولاية من المؤمن هو إتيانه بهذِه الأمور الثلاثة: التصديق بالقلب، والإقرار باللسان، والعمل بالجوارح؛ وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنه لو أقر وعمل بلا اعتقاد، أو اعتقد وعمل وجحد بلسانه لا يكون مؤمنًا، وكذا إِذَا أقر واعتقد ولم يعمل الفرائض لا يسمى مؤمنًا بالإطلاق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤].
فأخبرنا تعالى أن المؤمن لا يكون إلا مَنْ هذِه صفتُه؛ ولهذا قَالَ - ﷺ -: «لا يَسْرقُ السَّارقُ حينَ يَسْرقُ وهو مُؤمِنٌ» (٣).

---------------
(١) انظر: «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٩.
(٢) «شرح ابن بطال» ١/ ٥٦.
(٣) سيأتي برقم (٢٤٧٥) كتاب المظالم، باب: النُهبى بغير إذن صاحبه.



فالحاصلُ أنَّ الذي عليه أهل السنة أو جمهورهم أن من صدق بقلبه، ونطق بلسانه بالتوحيد ولكنه قصر في الأعمال الواجبة كترك الصلاة، وشرب الخمر لا يكون كافرًا خارجًا من الملة، بل هو عاصٍ فاسق يستحق العذاب، وقد يُعْفَى عنه، وقد يُعَذَّب، فإن عُذب ختم له بالجنة، وسيأتي بيان هذا في بابه -إن شاء الله- وأبعد بعضهم فقال: إِذَا اعتقد بقلبه، ولم ينطق بلسانه من غير عذر يكون فائزًا في الآخرة حكاه في «الشفا» (١).
وقد ساق الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي (٢) في كتاب «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» عن عمر بن الخطاب وخمسةَ عشرَ من الصحابة: أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
وعن خلق من التابعين وأتباعهم فوق الخمسين (٣).
وقال سهل بن المتوكل: أدركت ألف أستاذ كلهم يقول: الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص.
وقال يعقوب بن سفيان: أدركت أهل السنة والجماعة على ذَلِكَ بمكة، والمدينة والبصرة والشام والكوفة منهم: عبد الله بن يزيد المقرئ وعددهم فوق الثلاثين (٤).

-------------------
(١) «الشفا» ٢/ ٥.
(٢) هو هبة الله بن الحسن بن منصور الرازي الطبري، وكنيته: أبو القاسم صاحب كتاب: «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» طبري الأصل نسبة إلى طبرستان، ثم قدم بغداد واستوطنها، توفي سنة ٤١٨ هـ، انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١٤/ ٧٠ (٧٤١٨)، و«سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٤١٦.
(٣) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٥/ ٩٦٢ - ٩٦٣.
(٤) رواهما اللالكائي في «شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة» ٥/ ١٠٣٥ - ١٠٣٦.



وذكر أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر في كتاب «الإيمان» ذَلِكَ (١) عن خلق قَالَ: ولو كان الإيمان قولًا لكان المنافقون مؤمنين؛ لأنهم قد تكلموا بالقول.
وأيضًا فلم يبعث الله نبيًّا قط إلا دعا قومه إلى القول والعمل وأمر بالقول والعمل، أولهم آدم، ثمَّ ساق ذَلِكَ، وأما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان؛ فخشية أن يتأول عليه موافقة الخوارج.
فوائد:
الأولى: اتفق أهل السنة من المحدثين والفقهاء والمتكلمين -على ما قَالَ النووي- عَلَى أن المؤمن الذي يحكم بأنه من أهل القِبلة ولا يُخلد في النار لا يكون إلا من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقادًا جازمًا خاليًا من الشكوك، ونطق مع ذَلِكَ بالشهادتين، قَالَ: فإن اقتصر عَلَى أحدهما لم يكن من أهل القِبلة أصلًا، بل يخلد في النار، إلا أن يعجز عن النطق بخلل في لسانه أو لعدم التمكن منه لمعالجة المنية، أو لغير ذَلِكَ، فإنه حينئذٍ يكون مؤمنًا بالاعتقاد من غير لفظ، وإذا نطق بهما لم يشترط معهما أن يقول: وأنا بريء من كل دين خالف الإسلام عَلَى الأصح، إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب فلا يحكم بإسلامه حتَّى يتبرأ، ومن أصحابنا من شرط التَبرُّؤ مطلقًا وهو غلط؛ لقوله - ﷺ -: «أمرتُ أن أقاتل الناس حتَّى يشهدوا أن لا إلة إلا الله وأن محمدًا رسول الله» (٢).
ومنهم من استحبه مطلقًا كالاعتراف بالبعث، أما إِذَا اقتصر الكافر

----------------------
(١) بهامش (ف) تعليق نصه: قائله هو رسته.
(٢) سيأتي برقم (٢٥) كتاب الإيمان، باب: فإن تابوا وأقاموا الصلاة. عن ابن عمر.



على قوله: لا إله إلا الله ولم يقل: محمد رسول الله. فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكون مسلمًا، ومن أصحابنا من قَالَ: يصير مسلمًا، ويطالب بالشهادة الأخرى، فإنْ أبى جعل مرتدًا، واحتج له بقوله - ﷺ - في روايات: «أمرت أن أقاتل الناس حتَّى يقولوا: لا إلة إلا الله» (١) وحجة الجمهور الرواية السالفة وهي مقدمة عَلَى هذِه؛ لأنها زيادة من ثقة، وليس فيها نفي للشهادة الثانية، وأيضًا فإن فيها تنبيهًا عَلَى الأخرى (٢).
وأغرب القاضي الحسين فشرط في ارتفاع السيف عنه أن يقر بأحكامها مع النطق بها، فأما مجرد قولها فلا، وهو عجيب منه.
الثانية: اشترط القاضي أبو الطيب من أصحابنا الترتيب بين كلمتي الشهادة في صحة الإسلام فيقدم الإقرار بالله عَلَى الإقرار برسوله، ولم أر من وافقه ولا من خالفه (٣).
وذكر الحليمي في «منهاجه» ألفاظًا تقوم مقام لا إله إلا الله، في بعضها نظر؛ لانتفاء ترادفها حقيقة، فقال: ويحصل الإسلام بقوله: لا إله غير الله، ولا إله سوى الله، أو ما عدا الله، ولا إله إلا الرحمن أو البارئ، أو لا رحمن أو لا باري إلا الله، أو لا ملك أو لا رازق إلا الله، وكذا لو قَالَ: لا إله إلا العزيز أو العظيم أو الحليم أو الكريم أو القدير، قَالَ: ولو قَالَ: أحمد أو أبو القاسم رسول الله فهو كقوله: محمد رسول الله (٤).

------------------------
(١) سيأتي برقم (٢٩٤٦) في الجهاد، باب: دعاء النبي - ﷺ - الناس. عن أبي هريرة.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ١/ ١٤٩.
(٣) انظر: «المجموع» ١/ ٤٧٦.
(٤) انظر: «الشرح الكبير» ١١/ ١١٨، «روضة الطالبين» ١٠/ ٨٥.



الثالثة: لو أقرَّ بوجوب الصلاة، أو الصوم أو غيرهما من أركان الإسلام وهو عَلَى خلاف ملته التي كان عليها، فهل يصير بذلك مسلمًا؟
فيه وجهان لأصحابنا: أصحهما: لا؛ لظاهر الحديث. ومن قَالَ: يصير، قَال: (كل ما) (١) يَكْفُر المسلم بإنكاره يصير الكافر بالإقرار به مسلمًا (٢).
الرابعة: يصح الإسلام بالعجمية مع العجز عن العربية قطعًا، وكذا مع القدرة عَلَى الأصح؛ لوجود الإقرار والاعتقاد (٣).
الخامسة: اختلف السلف والخلف في إطلاق الإنسان: أنا مؤمن مقتصرًا عليه. فمنعت طائفة ذَلِكَ وقالوا: يقرنه بالمشيئة، وحكي هذا عن أكثر المتكلمين، وجوزته أخرى وهو المختار، وقول أهل التحقيق.
وذهبت طائفة ثالثة إلى جواز الأمرين وهو حسن، والمقالات الثلاث صحيحة باعتبارات مختلفة. فمن أطلق نظر إلى الحال؛ فإن أحكام الإيمان جارية عليه في الحال، ومن استثنى أراد التبرك أو اعتبار العاقبة، ومن خير نظر إلى الحالين ورفع الاختلاف (٤).

--------------------
(١) في (ف): كلما، وفي (ج): كما، والمثبت هو الصحيح إن شاء الله.
(٢) انظر: «الوسيط» ٦/ ٤٨.
(٣) انظر: «روضة الطالبين» ٨/ ٢٨٢.
(٤) قال ابن أبي العز في «شرح العقيدة الطحاوية» ص ٣٣٩:
والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار، وهذا أصح الأقوال. اهـ. ثم ذكر قول من يوجبه ومن يمنعه وأجاب عن حججهم ثم قال: وأما من يُجوّز الاستثناء وتركه، فهم أسعد بالدليل من الفريقين، وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه مُنع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه. وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ =



فرع: الكافر أجرى أصحابنا الخلاف فيه أيضًا، وهو غريب، والمختار الإطلاق ولا نقول: هو كافر إن شاء الله.
السادسة: مذهب أهل الحق أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا يكفر أهل البدع والأهواء.
الوجه التاسع:
أدخل البخاري في هذا الباب حديث ابن عمر؛ ليبين أن الإسلام يطلق عَلَى الأفعال، وأن الإسلام والإيمان قَدْ يكونان بمعنًى. وهذِه المسألة فيها خلاف شهير للسلف، فقيل: معناهما واحد، وهو مذهب البخاري وغيره، وقيل: بينهما عموم وخصوص.
قَالَ الخطابي: ما أكثر ما يغلط الناس في هذِه المسألة. فأما الزهري فقال: الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل (١)، واحتج بقوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ الآية [الحجرات: ١٤].
وقال غيرهما بمعنًى، واحتج بقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٦].
وقد تكلم في هذِه المسألة رجلان من كبراء أهل العلم، وصار كل

------------------
= وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ [الأنفال: ٢: ٤] وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]. فالاستثناء حينئذ جائز. وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقًا للأمر بمشيئة الله، لا شكّا في إيمانه، وهذا القول في القوة كما ترى. اهـ.
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ١١/ ٤٠٠ (٣١٧٧٦).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #40  
قديم 18-01-2026, 08:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,828
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (2)
من صـــ 456 الى صـــ 475
الحلقة (39)





واحد إلى قول من هذين القولين، ورد الآخر عَلَى المتقدم، وصنف عليه كتابا يبلغ عدد أوراقه مائتين.
قَالَ الخطابي: والصحيح في هذا أن يقيد الكلام، وذلك أن المسلم قَدْ يكون مؤمنًا في بعض الأحوال، ولا يكون مؤمنًا في بعضها، والمؤمن مسلم في جميع الأحوال، فكل مؤمن مسلم ولا عكس (١).
وإذا تقرر هذا استقام تأويل الآيات واعتدل القول فيها، وأصل الإيمان التصديق، وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد، فقد يكون المرء مستسلمًا في الظاهر غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقاد في الظاهر.
وقال البغوي في حديث جبريل: جعل النبي - ﷺ - الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسما لما بطن من الاعتقاد، وليس ذَلِكَ؛ لأن الأعمال ليست من الإيمان، أو التصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذَلِكَ تفصيل لجملة هي كلها شيء واحد وجماعها الدين؛ ولهذا قَالَ - ﷺ -: «أتاكم جبريل يعلمكم دينكم» (٢).
والتصديق، والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعا يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] و﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، و﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (٣) [آل عمران: ٨٥].

-------------------
(١) «أعلام الحديث» ١/ ١٦٠ - ١٦١.
(٢) انظر: «شرح السنة» ١/ ١٠، والحديث رواه مسلم (٨) كتاب الإيمان، باب: بيان الإسلام والإيمان.
(٣) انقطع الكلام في (ف) بسبب سوء التصوير وتمام الكلام كما في «شرح السنة» للبغوي: فأخبر أن الدين الذي رضيه ويقبله من عباده هو الإسلام، ولن يكون =



وسيكون لنا عودة إليه إن شاء الله حيث ذكره البخاري رحمه الله قريبًا.
وقال أبو عبد الله محمد بن الإسماعيلي الأصبهاني في «شرح مسلم»: الإيمان لغةً: التصديق. فإن عني به ذَلِكَ فلا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق ليس شيئًا يتجزأ حتَّى يتصور كماله مرة ونقصه أخرى، والإيمان في لسان الشرع هو: التصديق بالقلب، والعمل بالأركان، وإذا فسر بهذا تطرق إليه الزيادة والنقص، وهذا مذهب أهل السنة.
فالخلاف إذًا إنما هو إِذَا صدق بقلبه ولم يضم إليه العمل بموجب الإيمان هل يسمى مؤمنًا مطلقًا أم لا؟
الوجه العاشر:
اختلف في الأسماء الشرعية (١) كالصلاة، والصوم، والإيمان هل هي واقعة أم لا؟
فالمشهور وقوعها، وأبعد القاضي وأبو نصر القشيري فصمما عَلَى إنكارها، وأغرب أبو الحسين فحكى عن بعضهم أنه منع من إمكانها وهو واهٍ (٢).

---------------------
= الدين في محل القبول والرضا إلا بانضمام التصديق إلى العمل أهـ.
(١) قال الزركشي في «البحر المحيط» ٣/ ٢٤: من الأصوليين من ترجم هذِه المسألة بأن الحقيقة الشرعية هل هي واقعة أم لا؟ كما في «المحصول»، ومنهم من ترجمها بالأسماء الشرعية كما عبر به ابن الحاجب في «المنتهى» والبيضاوي في «منهاجه» وهو الصواب؛ ليشمل كلا من الحقائق الشرعية، والمجازات الشرعية؛ فإن البحث جارٍ فيهما وفاقًا وخلافًا. اهـ.
والحقيقة الشرعية هي: اللفظة التي استفيد وضعها للمعنى من جهة الشرع.
انظر: «المعتمد» ١/ ١٨، «البحر المحيط» ٣/ ١٣، «الإبهاج» ١/ ٢٧٥، «إرشاد الفحول» ١/ ١٣٦.
(٢) انظر: «المعتمد» ١/ ١٨ - ١٩، «الإبهاج» ١/ ٢٧٦ - ٢٧٧، «الإحكام» للآمدي =



واختلف القائلون بالوقوع هل هي حقائق مبتكرة (١) أو مأخوذة من الحقائق اللغوية؟ فذهبت المعتزلة إلى الأول، وغيرهم إلى الثاني، وقالوا: إنها مجازات لغوية، حقائق شرعية (٢)، ومحل الخوض في هذِه المسألة كتب الأصول.
قَالَ الشيخ أبو إسحاق الشيرازي: هذِه أول مسألة نشأت في الاعتزال؛ لأنه لما قتل عثمان، ونشأت الفتنة، ثمَّ جاءت المعتزلة قدحوا في الصحابة، وقالوا: لا نجعلهم مؤمنين بل منزلة بين منزلتين، قيل لهم: إنهم مؤمنون، لأن الإيمان هو التصديق، قالوا: اسم الإيمان نقل لمن لم يعمل كبيرة. قَالَ الشيخ: يمكننا أن نقول: إن الأسماء منقولة إلا هذِه المسألة فيحترز عنها (٣).
الوجه الحادي عشر:
حديث ابن عمر هذا حديث عظيم، أحد قواعد الإسلام وجوامع الأحكام ولم يُذكر فيه الجهاد؛ لأنه لم يكن فرض إذ ذاك، أو لأنه من فروض الكفايات، وتلك فرائض الأعيان.
قَالَ الداودي: لما فتحت مكة سقط فرض الجهاد على من بَعُدَ من

---------------------
= ١/ ٥٦، «شرح غاية السول» ص ١٢٤ - ١٢٥، «إرشاد الفحول» ١/ ١٣٦ - ١٣٧.
(١) أي وضعها الشارع مبتكره لم يلاحظ فيها المعنى اللغوي أصلا، وليس للعرب فيها تصرف. انظر: «البحر المحيط» ٣/ ١٨.
(٢) انظر: «شرح اللمع» ١/ ١٨٣، «الإحكام» للآمدي ١/ ٥٦ - ٦٩، «إرشاد الفحول» ١/ ١٣٦ - ١٣٧، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوى» ٧/ ٢٩٨: والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة كما يستعمل نظائرها. اهـ. ثم استفاض في الكلام عليها كعادته رحمه الله، فليراجع.
ولمزيد بيان أيضًا يراجع كتاب: «شرح العمدة» لابن تيمية ٢/ ٢٧ - ٣٢.
(٣) «شرح اللمع» ١/ ١٧٢ - ١٧٣.



الكفار، وبقي فرضه عَلَى من يليهم، وكان أولًا فرضًا عَلَى الأعيان، وقيل: إنه مذهب ابن عمر، والثوري، وابن شبرمة إلا أن ينزل العدو فيأمر الإمام بالجهاد.
وجاء في البخاري لما أورده في التفسير أن رجلًا قَالَ لابن عمر: ما حملك عَلَى أن تحج عامًا وتعتمر عامًا وتترك الجهاد؟ وفي بعضها في أوله: أن رجلًا قَالَ لابن عمر: ألا تغزو؟! فقال: إني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الاسلام بني على خمسة» (١) الحديث.
فهذا دال عَلَى أن ابن عمر كان لا يرى فرضه إما مطلقًا -كما نقل عنه- أو في ذَلِكَ الوقت، وجاء هنا: «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ». وجاء في بعض طرقه: «عَلَى أن يوحد الله» وفي أخرى: «على أن يعبد الله، ويكفر بما دونه» (٢) بدل الشهادة، والظاهر أن ما عدا الأولى من باب الرواية بالمعنى.
وجاء هنا تقديم الحج عَلَى رمضان وفي طريقين لمسلم، وفي بعض الطرق عكسه، وفي بعضها فقال رجل (٣): الحج وصيام رمضان. فقال ابن عمر: لا، صيام رمضان والحج. هكذا سمعته من رسول الله - ﷺ - (٤). فأبعد بعضهم وَوَهَّمَ رواية تقديم الحج وهو بعيد.
والصواب التأويل، إما بنسيان ابن عمر الرواية الأخرى عند الإنكار، أو كان لا يرى رواية الحديث بالمعنى، أو أن الواو للترتيب،

--------------------
(١) سيأتي برقم (٤٥١٤) في التفسير، باب: قوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾.
(٢) رواه مسلم (١٦) كتاب الإيمان، باب: بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٣) ورد في بهامش الأصل: هذا الرجل اسمه: يزيد بن بشر السكسكي، نبه عليه الخطيب في «مبهماته».
(٤) روى هذِه الطرق مسلم (١٦) الموضع السابق.



أو أنه رواه عَلَى الأمرين.
لكنه لما رد عليه الرجل قَالَ: لا ترد ما لا علم لك به، كما رواه في أحدهما. أو أن ابن عمر أرشده إلى التاريخ؛ لأن فرض رمضان في الثانية والحج بعده، إما في سنة خمس أو ستٍّ أو تسع (١).

----------------
(١) بهامش النسخة: (بلغ … قراءة على المصنف، …) وسماع غير واضح.


٣ - باب أُمُورِ الإِيمَانِ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِى الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِى الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِى الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وَقَوْلِهِ ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] الآية.

٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ الجعفي: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ العَقَدِيُّ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ أَبِي صَالِحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ». [مسلم ٣٥ - فتح ١/ ٥١]
حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الجعفي، حَدَّثنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ، حَدَّثنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بلَالٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَار، عَنْ أَبِي صَالِح، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاء شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ».
الكلام عليه من وجوه:
أحدها: التعريف برواته.
أما أبو هريرة فاختلف في اسمه واسم أبيه عَلَى أقوال كثيرة، أفرد في جزء، وأقربها عبد الله أو عبد الرحمن بن صخر الدوسي.
وهو أول من كُنَّي بهذِه الكنية؛ لهرةٍ كان يلعب بها كناه النبي - ﷺ - بذلك، وقيل: والده، وكان عريف أهل الصفة، أسلم عام خيبر


بالاتفاق وشهدها مع رسول الله - ﷺ -، وسيأتي -حيث ذكره البخاري- ما يدل على أنه حضر فتحها (١).
وقيل: إنه خرج معه إليها، رواه البخاري من طريق ثور (٢)، وقال موسى بن هارون: وَهِمَ ثور، إنما قدم بعد خروجه ثمَّ لزمه وواظب عليه، وحمل عنه علمًا جمَّا، وهو أكثر الصحابة رواية بإجماع.
روي له خمسة آلاف حديث، وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثًا. اتفقا عَلَى ثلاثمائة وخمسة وعشرين، وانفرد البخاري بثلاثة وتسعين ومسلم بمائة وتسعين. روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل من صاحب وتابع منهم: ابن عباس وجابر وأنس. وهو أزدي دوسي يماني ثمَّ مدني، كان ينزل بذي الحليفة بقرب المدينة، لَهُ بها دار تصدَّق بها على مواليه.
ومن الرواة عنه ابنه المحرر -بحاء مهملة ثمَّ راء مكررة- مات بالمدينة سنة تسع وخمسين، وقيل: سبع، وقيل: ثمان. ودفن بالبقيع، وتوفيت عائشة تلك السنة، وصلى عليها أبو هريرة، وتوفي وهو ابن ثمان وسبعين سنة، ومناقبه جَمَّةٌ (٣).
فائدة:
ما اشتهر أن قبره بقرب عَسْقلان (٤) لا أصل لَهُ فاجتنبه، نعم، هناك

-------------------
(١) سيأتي برقم (٤٢٠٣ - ٤٢٠٤) كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٢) سيأتي برقم (٤٢٣٤) كتاب المغازي، باب: غزوة خيبر.
(٣) انظر: «معرفة الصحابة» ٤/ ١٨٤٦ (١٨٦٠)، «الاستيعاب» ٤/ ٢٣٢ - ٢٣٥ (٣٢٤١)، «أسد الغابة» ٣/ ٤٦١ (٣٣٢٨)، «الإصابة» ٤/ ٢٠٢ (١١٩٠).
(٤) قال ياقوت: بفتح أوله وسكون ثانيه ثم قاف وآخره نون، وهي مدينة بالشام من أعمال فلسطين على ساحل البحر بين غزة وبيت جبرين، ويقال لها: عروس الشام. انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٢٢ بتصرف.



قبر خيْشَنة بن خَنْدَرَة (١) الصحابي فاعلمه، وقد نبهت عَلَى ذَلِكَ في «شرح العمدة» (٢).
فائدة ثانية:
أبو هريرة من الأفراد، ليس في الصحابة من اكتنى بهذِه الكنية سواه.
وفي الرواة آخر اكتنى بهذِه الكنية، يروي عن مكحول، وعنه أبو المليح الرقي لا يعرف، وآخر اسمه محمد بن فراس الضبعِيُّ روى لَهُ الترمذي، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين (٣).
وفي أصحابنا الشافعية: آخر اكتنى بهذِه الكنية واسمه: ثابت بن (سنبل) (٤)، قَالَ (عبد القادر) (٥) في حقه: شيخ فاضل مناظر، ذكرته عنه في «الطبقات» (٦).
وأما الراوي عنه فهو أبو صالح ذكوان السمان الزيات المدني، كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة، مولى جويرية بنت الأحمس الغطفاني، ووقع في شرح شيخنا أنه مولى جويرية بنت الحارث، امرأة من قيس.
سمع جمعًا من الصحابة وخلقًا من التابعين، وعنه جمع من التابعين منهم: عطاء، وسمع الأعمش منه ألف حديث، وروى عنه أيضا بنوه:

------------------------
(١) في (ف): خيشنة بن جندرة. وهو خطأ، واختلف في ضبط اسمه وإعجامه، انظر: «معجم الصحابة» للبغوي ١/ ٥٦٨، و«معجم الصحابة» لابن قانع ١/ ١٥١ (١٥٨)، و«معرفة الصحابة» ٢/ ٦٤٤ - ٦٤٥ (٥٤٢)، و«أسد الغابة» ١/ ٣٦٤.
(٢) انظر ترجمته في: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ١/ ٢١٥.
(٣) «الجرح والتعديل» ٨/ ٦٠ (٢٧٢)، «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٢٧٢ - ٢٧٤ (٥٥٤١).
(٤) في (ف): شبل، والمثبت كما في «الذيل».
(٥) كذا في (ف)، وفي «الذيل» عبد الغافر.
(٦) «الذيل على العقد المذهب» لابن الملقن ص (٤٤٤).



عبد الله وسهيل وصالح، واتفقوا عَلَى توثيقه. مات بالمدينة سنة إحدى ومائة (١).
فائدة:
أبو صالح في الرواة جماعة سلف بيانهم في الحديث الرابع من باب: بدء الوحي.
فائدة:
في الصحيحين أيضًا ذكوان، أبو عمرو مولى عائشة أم المؤمنين (٢)، وليس في الكتب الستة ذكوان غيرهما.
وأما الراوي عن أبي صالح فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن دينار، أخو عمرو بن دينار ذكره النووي في «شرحه» القرشي العدوي المدني، مولى ابن عمر سمع مولاه وغيره، وعنه: ابنه عبد الرحمن وغيره، وهو ثقة باتفاق. مات سنة سبع وعشرين ومائة (٣).
فائدة:
في الرواة أيضًا عمرو بن دينار (البصري) (٤) ليس بالقوي، وليس في الكتب الستة عمرو بن دينار غيرهما.

-----------------------
(١) انظر: «الطبقات الكبرى» ٦/ ٢٢٦، «تاريخ الدارمي» (٩٥٦)، «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١ (٨٩٥)، «والأنساب» ٦/ ٣٣٢، «تهذيب الكمال» ٨/ ٥١٣ - ٥١٧ (١٨١٤)، «تهذيب التهذيب» ١/ ٥٧٩، ٥٨٠.
(٢) انظر: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٩٥، «التاريخ الكبير» ٣/ ٢٦١ (٨٩٦)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٤٥١ (٢٠٤٠).
(٣) انظر: «تاريخ الدارمي» (٥٢٢)، «التاريخ الكبير» ٥/ ٨١ (٢٢١)، «معرفة الثقات» ٢/ ٢٧ (٨٧٥)، «الثقات» لابن شاهين (٦١٧)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٤٧١ - ٤٧٦ (٣٢٥١)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٢٥٣ - ٢٥٥ (١١٧).
(٤) في (ف): الحمصي والصواب ما أثبتناه. =



وأما الراوي عن عبد الله فهو أبو محمد، ويقال: أبو أيوب سليمان ابن بلال القرشي التيمي المدني مولى آل الصديق.
سمع عبد الله بن دينار وجمعًا من التابعين وعنه الأعلام: كابن المبارك وغيره. قَالَ محمد بن سعد: كان بربريًّا جميلًا حسن الهيئة عاقلًا، وكان يفتي بالبلد، وولي خراج المدينة، ومات بها سنة اثنتين وسبعين ومائة، وقال البخاري عن هارون بن محمد: سنة سبع وسبعين ومائة (١).
فائدة:
ليس في الكتب الستة من اسمه سليمان بن بلال سوى هذا.
وأما الراوي عن سليمان فهو أبو عامر عبد الملك بن عمرو بن قيس العَقَدي -بفتح العين والقاف- البصري، سمع مالكًا وغيره، وعنه: أحمد والناس، واتفق الناس عَلَى ثقته وجلالته، مات سنة خمس، وقيل: أربع ومائتين (٢).
والعقد: قوم من قيس وهم بطن من الأزد كذا في «التهذيب» (٣)

----------------------
= انظر: «تاريخ الدارمي» (٤٤٩)، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٢٩ (٢٥٤٥)، «التاريخ الصغير» ١/ ٣٠٣، «المجروحين» ٢/ ٧١، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٣ - ١٦ (٤٣٦١)، «سير أعلام النبلاء» ٥/ ٣٠٧، ٣٠٨ (١٤٥).
(١) انظر: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٢٠، «التاريخ الكبير» ٤/ ٤ (١٧٦٣)، «الجرح والتعديل» ٤/ ١٠٣ (٤٦٠)، «تهذيب الكمال» ١١/ ٣٧٢ (٢٤٦٩)، «سير أعلام النبلاء» ٧/ ٤٢٥ - ٤٢٧ (١٥٩)، «شذرات الذهب» ١/ ٢٨٠.
(٢) انظر: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٢٩٩، «التاريخ الكبير» ٥/ ٤٢٥ (١٣٨٢)، «الجرح والتعديل» ٥/ ٣٥٩ (١٦٩٨)، «تهذيب الكمال» ١٨/ ٣٦٤ - ٣٦٩ (٣٥٤٥)، «سير أعلام النبلاء» ٩/ ٤٦٩ - ٤٧١ (١٧٣)، «شذرات الذهب» ٢/ ١٤.
(٣) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥١٢ مادة (عقد).



وتبعه النووي في «شرحه» وشيخنا أيضًا. ونقل شيخنا في «تاريخه» عن أهل النسب أن العقد بطن من بجيلة، وقيل: من قيس بالولاء.
قَالَ أبو الشيخ الحافظ: إنما سموا عقدًا؛ لأنهم كانوا لئامًا. وقال الحاكم: العقد مولى الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، وقال صاحب «العين»: العقد قبيلة من اليمن من بني عبد شمس بن سعد، وجمل عقدي: قوي.
وأما الراوي عن أبي عامر فهو: أبو جعفر (خ ت) عبد الله بن محمد بن عبد الله بن جعفر بن اليمان بن أخنس بن خنيس الجعفي البخاري المسنَدي -بفتح النون-. سمي بذلك؛ لأنه كان يطلب المسندات ويرغب عن المرسل والمنقطعات.
قَالَ صاحب «الإرشاد»: كان يتحرى المسانيد من الأخبار (١)، وقال الحاكم أبو عبد الله: عرف بذلك؛ لأنه أول من جمع مسند الصحابة عَلَى التراجم مما وراء النهر وهو ابن عم عبد الله بن سعيد بن جعفر بن اليمان.
واليمان هذا: هو مولى أحد أجداد البخاري، ولاء إسلام كما سلف أول الكتاب، سمع وكيعًا وخلقًا، وعنه الذهلي وغيره من الحفاظ، مات سنة تسع وعشرين ومائتين، وانفرد البخاري [به] (٢) عن أصحاب الكتب الستة، وروى الترمذي عن البخاري عنه (٣).

-------------------
(١) «الإرشاد» ٣/ ٩٥٩.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) «التاريخ الكبير» ٥/ ١٨٩ (٥٩٧)، «الجرح والتعديل» ٥/ ١٦٣ (٧٤٥)، «تهذيب الكمال» ١٦/ ٥٩ (٣٥٣٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٠/ ٦٥٨، (٢٣٨)، «شذرات الذهب» ٢/ ٦٧.



فائدة:
هذا الإسناد كلهم مدنيون إلا العقدي فبصري، وإلا المسندي وكلهم على شرط الستة إلا المسندي كما بيناه، وفيه رواية تابعي عن تابعي وهو عبد الله بن دينار، عن أبي صالح.
الوجه الثاني:
هذِه الترجمة ساقها البخاري للدلالة عَلَى إطلاق اسم الإيمان عَلَى الأعمال كما أسلفناه في الحديث قبله. وأراد به الرد عَلَى قول المرجئة: إن الإيمان قول بلا عمل فلا تضر المعصية مع الإيمان، ومقابله قول الخوارج أنها تضر ويكفر بها، وغالت المعتزلة فقالت: يخلد بها فاعل الكبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر لكن يوصف بأنه فاسق، والحق مذهب الأشعرية أنه مؤمن، وإن عذب فلا بد من دخول الجنة (١).
الوجه الثالث:
هذا الحديث أخرجه البخاري عن عبد الله كما سلف، ورواه مسلم في الإيمان عن عبيد الله بن سعيد وعبد بن حميد، عن العقدي به، وقال فيه: «بضع وسبعون» (٢)، ورواه أيضًا، عن زهير، عن جرير، عن سهيل بن عبد الله، عن ابن دينار عنه، وقال فيه: «بضع وسبعون أو بضع وستون» (٣) عَلَى الشك.

-------------------
(١) وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة لا مذهب الأشاعرة تحديدًا. وانظر: «الحجة في بيان المحجة» ١/ ٤٧٨ - ٤٨٠، «شرح العقيدة الواسطية» ٢/ ٦٤٤.
(٢) مسلم (٣٥/ ٥٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.
(٣) مسلم (٣٥/ ٥٨) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها.



الوجه الرابع: في بيان ألفاظه ومعانيه.
الأول: البرُّ: اسم جامع للخير كله.
قَالَ ابن سيده: إنه الصدق والطاعة (١).
وقال الهروي: هو الاتساع في الإحسان والزيادة منه، ومنه يقال: أبر فلان عَلَى فلان بكذا أي: زاد عليه، ومنه سميت البرية؛ لاتساعها (٢).
وقال السدي: في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] يعني: الجنة (٣).
والبر أيضًا: الصلة، وهو اسم جامع للخير كله. وفي «الجامع» و«الجمهرة»: إنه ضد العقوق (٤)، وقال ابن السيد في «مثلثه»: إنه الخير (٥)، وكذا ذكره ابن عديس عنه، ونقل صاحب «الواعي» عنه أنه الإكرام.
وفي «الشريعة» للآجري من حديث المسعودي عن القاسم عن أبي ذرٍّ: أن رجلًا سأله عن الإيمان، فقرأ عليه ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية، فقال الرجل: ليس عن البر سألتُك، فقال أبو ذر: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فسأله كما سألتني، فقرأ عليه كما قرأتُ عليك، فأبى أن يرضى كما أبيتَ أن ترضى، فقال: «ادن مني» فدنا منه. فقال: «المؤمن الذي يعمل حسنة فتسره، ويرجو ثوابها، وإن عمل سيئة تسوؤه، ويخاف عاقبتها» (٦).

---------------------
(١) «المحكم» ١١/ ٢١٣.
(٢) «تهذيب اللغة» ١/ ٣١٠ مادة: برر.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٤٥ (٧٣٨٦).
(٤) «جمهرة اللغة» ١/ ٦٧ مادة: [برر].
(٥) «المثلث» ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨.
(٦) «الشريعة» ٢/ ٦١٧.



الثاني: معنى قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ﴾ أي: ليس البر كله أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية. أي: بِرُّ من آمن (١) كذا قدره سيبويه، وقال الزجاج: ولكن ذا البر فحذف المضاف كقوله ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣]، أي: ذوو درجات.
والأول فيه حذف المضاف كقوله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]، وما قدره سيبويه أولى؛ لأن المنفي هو البر، فيكون هو المستدرك من جنسه. وبقية تفسير الآية محل الخوض فيها كتب التفسير، فلا نطول به، وكذا الآية التي بعدها.
الثالث: قوله: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً» كذا وقع هنا في بعض الأصول «بضع» وفي أكثرها «بضعة» بالهاء، وأكثر الروايات في غير هذا الموضع: «بضع» بلا هاء، وهو الجاري عَلَى اللغة المشهورة، ورواية الهاء صحيحة أيضًا عَلَى التأويل.
الرابع: البضع والبضعة -بكسر الباء عَلَى اللغة المشهورة- وبها جاء القرآن العظيم، ويجوز فتحها في لغة قليلة (٢) كما في قطعة اللحم (٣)، وهو مستعمل فيما بين الثلاثة والعشرة.
هذا هو الصحيح المشهور في معناه، وفيه أقوال أخر.

-------------------
(١) انظر: «إعراب القرآن» للنحاس ١/ ٢٣٠.
(٢) البَضْع والبِضْعُ بالفتح والكسر، ولم ينص كثيرٌ على أنها بالفتح قليلة، لكن قال الجوهريُّ: وبعض العرب يفتحها.
(٣) يقال: بَضَعَ اللَّحْمَ يَبْضَعُهُ بَضْعًا وبَضَّعَهُ تَبْضِيعًا: قَطَّعَهُ، والبَضْعَةُ، بالفتح: القطعة منه، تقول: أعطيته بَضْعَةً من اللحم، إذا أعطيته قطعة مجتمعة منه.



قَالَ ابن التياني في «الموعَب» (١) عن الأصمعي: يقال: بضعة عشر في جمع المذكر، وبضع عشرة في جمع المؤنث، وقال قطرب: أنا الثقة عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٤] ما بين خمس إلى سبع» وقالوا: ما بين الثلاث إلى الخمس.
وقال الفراء: البضع: نيف ما بين الثلاثة إلى التسعة، كذلك رأيت العرب تفعل، ولا يقولون: بضع ومائة، ولا بضع وألف، ولا يذكر إلا مع عشر أو مع العشرين إلى التسعين.
وقال الزجاج (٢): معناه القطعة من العدد، ويجعل لما دون العشرة من الثلاث إلى التسع وهو الصحيح، وقال أبو عبيدة: هو ما بين الواحد إلى الأربعة (٣)، وفي «المحكم»: البضع ما بين الثلاث إلى العشر وبالهاء من الثلاثة إلى العشرة (٤).
وقال قوم في قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: ٤٢]، يدل على أن البضع سبع؛ لأن يوسف -عليه السلام- لبث كذلك فيه، وفي «الصحاح»: لا تقول: بضع وعشرون (٥).

-------------------
(١) قال محمد صديق حسن خان في «البلغة» ص (٥١٤ - ٥١٥: «الموعَب» بفتح العين على صيغة اسم المفعول للإمام ابن التياني أبي غالب، واسمه تمام، المتوفي سنة ٤٣٦ بالأندلس. كتاب عظيم الفائدة، أتى فيه بما في «العين» من صحيح اللغة مقتصرًا على الشواهد الصحيحة، طارحًا ما فيه من الشواهد المختلفة والأبنية المختلفة والكلمات المصحفة، ثم قال: و«الموعب» قليل الوجود؛ لأن الناس تركوا نقله مع كونه من أصح ما ألف في اللغة على حروف المعجم.
(٢) «معاني القرآن وإعرابه» ٣/ ١١٢.
(٣) «مجاز القرآن» ٢/ ١١٩.
(٤) «المحكم» ١/ ٢٥٩.
(٥) «الصحاح» ٣/ ١١٨٦ مادة (بضع).



وقال المطرز في «شرحه»: المختار أنه من أربعة إلى تسعة، والنيف من واحد إلى ثلاثة.
وقال ابن السيد في «مثلثه»: البضع بالفتح والكسر: ما بين واحد إلى خمسة في قول أبي عبيدة. وقال غيره: ما بين واحد إلى عشرة. وهو الصحيح (١).
الخامس: الشعبة -بضم الشين-: القطعة والفرقة، وهي واحد الشعب، وهي: أغصان الشجرة.
قَالَ ابن سيده: الشعبة: الفرقة والطائفة من الشيء (٢). وكذا قَالَ القاضي: إن أصلها الفرقة والقطعة، ومنه شعب الآباء، وشعوب القبائل، وشعبها الأربع، وواحد شعب القبائل: شعب -بفتح الشين وقيل بكسرها- وهم العظام، وكذا شَعب الإناء: صدعه -بالفتح أيضًا-، ومنه قوله في الحديث: فاتخذ مكان الشعب سلسلة (٣) وقال الخليل: الشعب: الاجتماع والافتراق (٤) أي: فهما ضدان. والمراد بالشعبة في الحديث: الخصلة. أي أن الإيمان ذو خصال متعددة.
السادس: قوله: «الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً». كذا وقع هنا من طريق أبي زيد المروزي، وثبت في «صحيح مسلم» وغيره من حديث سهيل عن عبد الله بن دينار: «بضع وسبعون أو بضع وستون» (٥) كما سلف. ورواه

----------------------
(١) «المثلث» ١/ ٣٥٥ - ٣٥٦.
(٢) «المحكم» ١/ ٢٣٥.
(٣) سيأتي برقم (٣١٠٩) كتاب: فرض الخمس، باب: ما ذكر في درع النبي - ﷺ -.
(٤) «العين» ١/ ٢٦٣.
(٥) رواه مسلم (٣٥/ ٥٨) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها وفضيلة الحياء كونه من الإيمان.



أيضًا من حديث العقدي عن سليمان: «بضع وسبعون شعبة» (١).
وكذا وقع في البخاري من طريق أبي ذر الهروي، ورواه أبو داود (٢) والترمذي (٣) وغيرهما من رواية سهيل: «بضع وسبعون» بلا شك.
ورجحها القاضي عياض (٤) وقال: إنها الصواب، وكذا رجحها الحليمي وجماعات منهم النووي (٥)؛ لأنها زيادة من ثقة فقبلت وقدمت. وليس في رواية الأقل ما يمنعها، وقال ابن الصلاح: الأشبه ترجيح الأقل؛ لأنه المتيقن والشك من سهيل، كما قاله البيهقي (٦)، وقد روي عن سهيل عن جرير: «وسبعون» من غير شك، وكذا رواية سليمان بن بلال في مسلم وفي البخاري: «بضع وستون» (٧).
السابع: قد بين - ﷺ - أعلى هذِه الشعب وأدناها كما ثبت في الصحيح من قوله - ﷺ -: «أعلاها لا إله إلا الله» (٨)، وفي لفظ أنه «أفضلها» (٩) وفي

-------------------
(١) رواه مسلم (٣٥/ ٥٧) كتاب الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها ..
(٢) أبو داود (٤٦٧٦)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٢٦٢٧).
(٣) الترمذي (٢٦١٤)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢١٠٨).
(٤) «إكمال المعلم» ١/ ٢٧٢.
(٥) «شرح مسلم» ٢/ ٥٠٣.
(٦) «شعب الإيمان» ١/ ٣٤.
(٧) قال ابن الصلاح في «صيانة صحيح مسلم» ص ١٩٦: والأشبه بالإتقان والاحتياط ترجيح رواية الأقل. أهـ. وإلى ذلك ذهب الحافظ ابن حجر في «الفتح» ١/ ٥٢ قائلًا: وترجيح رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة كما ذكرهُ الحليمي ثم عياض، لا يستقيم، إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها، لا سيما مع اتحاد المخرج. وبهذا يتبين شفوف نظر البخاري اهـ.
(٨) رواه ابن حبان (١٩١).
(٩) مسلم (٣٥) كتاب: الإيمان، باب: بيان عدد شعب الإيمان وأفضلها وأدناها ..



آخر أنها «أرفعها» (١) وآخر «أقصاها»، وآخر «أعظمها» (٢). «وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». ولفظ اللالكائي (٣): «العظم» (٤) بدل «الأذى» ورواه محمد بن عجلان عن ابن دينار عن أبي صالح: «الإيمان ستون بابًا أو سبعون أو بضع» (٥) واحد من العددين.
ورواه قتيبة، عن بكر بن مضر، عن عمارة بن غزية، عن أبي صالح: «الإيمان أربع وستون بابًا» (٦).
وروى المغيرة بن عبد الرحمن بن عبيد قَالَ: حَدَّثَنِي أبي، عن جدي -وكانت لَهُ صحبة- أنه - ﷺ - قَالَ: «الإيمان ثلاثمائة وثلاثون شريعة، من وافي الله بشريعة منها دخل الجنة» (٧).

---------------------
(١) رواه الترمذي (٢٦١٤) وابن ماجه (٥٧)، وأحمد ٢/ ٣٧٩، ٢/ ٤٤٥، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٢٥ (٤٢٤)، ١/ ٤٢٦ - ٤٢٧ (٤٢٧)، وابن حبان (١٨١)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٧٥ (٤٧١٢)، والبيهقي في«الشعب» ١/ ٣٣ (٢). قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح سنن الترمذي» (٢١٠٨).
(٢) ورد في هامش (ف): ذكره ابن شاهين في «خصال الإيمان».
والحديث رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٥/ ٢١٣، (٢٥٣٣٠) والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٢٩ (٤٢٩)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٩/ ٢٣٤ - ٢٣٥.
(٣) ورد في هامش (ف) حاشية: ذكره اللالكائي.
(٤) «شرح أصول اعتقاد أهل السنة» ٥/ ٩٧٨ (١٦٢٩).
(٥) رواه ابن ماجه (٥٧)، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٦، (٢٦٣٣٤)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٢٦ (٤٢٥)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٩/ ٢٣٥ - ٢٣٦، والشجري في «الأمالي» ١/ ١٨، وصححه الألبانى «صحيح سنن ابن ماجه» (٤٨).
(٦) رواه الترمذي (٢٦١٤)، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٧٥ (٤٧١٢)، وقال الألباني: شاذ بهذا اللفظ.
(٧) رواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٢١٥ (٧٣١٠)، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٣٦٦ (٨٥٤٩) وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٦: رواه الطبراني في «الكبير» وفي =



وروى ابن شاهين من حديث الإفريقي، عن عبد الله بن راشد مولى عثمان بن عفان عن أبي سعيد مرفوعًا: «إن بين يدي الرحمن -عز وجل- لوحًا فيه ثلاثمائة وتسع عشرة شريعة يقول -عز وجل-: لا يجيئني عبد من عبادي لا يشرك بي شيئا فيه واحد منهن إلا أدخلته الجنة (١)».
ومن حديث عبد الواحد بن زيد، عن عبد الله بن راشد، عن مولاه عثمان مرفوعًا: «إن لله تعالى مائة خلق من أتى بخلق منها دخل الجنة» (٢).
قَالَ لنا أحمد: سُئِلَ إسحاق: ماذا في الأخلاق؟ قَالَ: يكون في الإنسان حياء، يكون فيه رحمة، يكون فيه سخاء، يكون فيه تسامح، هذا من أخلاق الله تعالى.
وروى أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر بن يزيد (٣) من حديث ابن مهدي، عن إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن صلة، عن حذيفة: الإسلام ثمانية أسهم: الإسلام سهم، الصلاة سهم، والزكاة سهم،

----------------------
= إسناده عيسى بن سنان القسملي وثقه ابن حبان وابن خراش، وضعفه الجمهور، وعبد الله بن عبيد لم أر من ذكره.
(١) رواه أبو يعلى ٢/ ٤٨٤ (١٣١٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣٦٧ (٨٥٥١) بلفظ: «خمس عشرة شريعة»، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٦: في إسناده عبد الله بن راشد وهو ضعيف.
(٢) رواه الطيالسي في «مسنده» ١/ ٨٢ (٨٤)، وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق» ص ٦ (٢٧) والبزار في مسنده ٢/ ٩١ - ٩٢ (٤٤٦) بلفظ: «لله مائة وسبع عشرة شريعة من وافاه» والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٣٦٦ (٨٥٥٠).
قال البزار: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا من هذا الوجه، وعبد الواحد بن زيد ليس بالقوي، وعبد الله بن راشد لا نعلم حدث عنه إلا عبد الواحد.
وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٦: في إسناده عبد الله بن راشد وهو ضعيف.
(٣) المعروف برُسْته.



وصوم رمضان سهم، والحج سهم، والجهاد سهم، والأمر بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم، وقد خاب من لا سهم له (١).
الثامن: بين - ﷺ - في الحديث الذي سقناه أن أَعْلَى الشعب التوحيد المتعين عَلَى كل مكلَّفٍ، والذي لا يصح غيره من الشعب إلا بعد صحته، وأن أدناها ما يتوقع منه ضرر المسلمين، وبقي بينهما تمام العدد، فيجب علينا الإيمان به، وإن لم نعرف أعيان جميع أفراده، كما نؤمن بالأنبياء والملائكة صلوات الله وسلامه عليهم، وإن لم نعرف أعيانهم وأسماءهم.
وقد صنف العلماء في تعيين هذِه الشعب كتبًا كبيرة، من أغزرها فوائد، وأعظمها محلًّا: كتاب «المنهاج» لأبي عبد الله الحليمي (٢)، ثمَّ كتاب البيهقي (٣).

--------------------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٧ (١٩٥٥٤) عن وكيع، عن سفيان، عن أبي إسحاق به، موقوفًا، والبزار في «مسنده» ٧/ ٣٣٠ (٢٩٢٧) من طريق يزيد بن عطاء قال: أخبرنا أبو إسحاق به مرفوعًا، ومن طريق شعبة، عن أبي إسحاق به موقوفًا، وقال: هذا الحديث لا نعلم أسنده إلا يزيد بن عطاء عن أبي إسحاق، والبيهقي في «الشعب» ٦/ ٩٤ (٧٥٨٩) من طريق شعبة عن أبي إسحاق به، وقال: هذا موقوف، وأورد الهيثمي في «المجمع» ١/ ٣٨ وقال: فيه يزيد بن عطاء، وثقه أحمد وغيره، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات.
(٢) الحليمي: هو القاضي العلامة، رئيس المحدِّثين والمتكلمين بما رواء النهر، أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن حليم البخاري الشافعي، ولد سنة (٣٣٨ هـ)، ومات سنة (٤٠٣ هـ). من تصانيفه: «المنهاج في أصول الديانة». انظر: «المنتظم» ٧/ ٢٦٤ (٤١٦)، «اللباب» ٣/ ٣٨٢ - ٣٨٣، «وفيات الأعيان» ٢/ ١٣٧ - ١٣٨ (١٨٦)، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ٢٣١ - ٢٣٤، «الأعلام» ٢/ ٢٣٥.
(٣) البيهقي: هو أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي الإمام الحافظ، العلامة، شيخ خراسان، من أكابر فقهاء الشافعية في عصره، ولد في ٣٨٤ هـ نشأ في بيهق، ورحل =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 0 والزوار 8)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 433.09 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 427.25 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.35%)]