|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (52 ) أدب جــدال الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الثامن عشر : 18- باب قوله تعالى: {وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54)، وقوله تعالى: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46). الحديث الأول : قال البخاري رحمه الله: 7347 – حدثنا أبو اليمان: أخبرنا شعيبٌ، عن الزهري (ح) حدثني محمد بن سلام: أخبرنا عتاب بن بشير عن إسحاقَ عن الزهري : أخبرني علي بن حسين: أن حسين ابن علي -رضي الله عنهما- أخبره: أن علي بن أبي طالب قال: إن رسول الله[ طرقه وفاطمة عليهما السلام بنت رسول الله[، فقال لهم: «ألا تصلون؟!» فقال علي: فقلت: يا رسول الله إنما أنفُسنا بيد الله، فإذا شاء أن يَبعثنا بعثنا. فانصرف رسول الله[ حين قال له ذلك، ولم يَرجع إليه شيئا، ثم سمعه وهو مدبرٌ ، يضرب فخذه ، وهو يقول: «وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا». قال أبو عبدالله: ما أتاك ليلا فهو طارق، ويقال: الطارق النجم، الثاقب: المضيء، يقال: أثقب نارك للموقد. (طرفه في: 1127). الشرح : الباب الثامن عشر قال البخاري رحمه الله باب قوله تعالى: {وَكَانَ الإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلا} (الكهف: 54)، وقوله تعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46). ترجم البخاري رحمه الله لهذا الباب بآيتين كريمتين، الآية الأولى من سورة الكهف: {َكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً} (الكهف: 54)، أي: كان الإنسان أكثر الخلق مجادلة، فالإنسان مجبول على هذا الخلق وهو الجدال، والدفاع عن النفس، فهو من حيث الطبع مجبول على الذب عن نفسه بالقول والعمل، ولكن ينبغي له أن يجاهد نفسه على قبول النصيحة من غيره، وألا يدافع ويجادل إلا بالاعتدال، بغير إفراط ولا تفريط. وأما أهل الكفر والعناد فهو دافعهم للجدال بغير حق، ولو كانت الحجة لا قصور فيها ولا خفاء، ولذا يأتيهم العذاب. وأما قوله تبارك وتعالى: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46)، فهو إرشاد من الله سبحانه وتعالى إلى مخاطبة أهل الكتاب، وجدالهم بالتي هي أحسن، وسيأتي. ونعلم من الآية أن الجدال أقسام: والجدال هو المفاوضة والمنازعة والنقاش. فالجدال والخصام أقسام منه: حسن، وأحسن، وقبيح، فما هو أحسن هو الذي طلبه الله تبارك وتعالى من عباده، فقال: {َلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} (العنكبوت: 46)، يعني: التمسوا أحسن الطرق في مجادلة أهل الكتاب، فيؤخذ منه القيام بدعوة أهل الكتاب، لكن على الوجه الذي هو أحسن، والحسن ما كان دون الأحسن، وأما القبيح، فهو ما كان مؤديا إلى الخصام أو مؤديا إلى الحرام كالسباب والحقد والضغينة والقطيعة، أو كان مجادلة في حق بعد ما تبين، أو ما كان محتويا على الكذب أو التدليس، فالجدال مراتب من حيث أنه أحسن، وحسن، وقبيح. وأيضا الجدال منه ما هو واجب على الإنسان، مثل نصر الحق إذا لم ينصره أحد ولم يدفع عنه، فإنه يتعين على من عنده علم وقدرة ذلك. ومنه ما هو مستحب، مثل إذا كان هناك من يغني عنك بجداله بالحق، ويرد عن الإسلام والمسلمين، وعم عقيدتهم ودينهم، فإن هذا لا يكون واجبا في هذه الحالة، وإنما يكون مستحبا. ومنه ما هو مباح، فما كان في المباح، فهو مباح. ثم أورد البخاري رحمه حديثين في الباب: الحديث الأول : حديث علي رضي الله عنه، يرويه من طريق شيخه أبي اليمان واسمه: الحكم بن نافع البهراني قال: أخبرنا شعيب، وهو ابن أبي حمزة الأموي، ثقة عابد من أثبت الناس في الزهري، كان من خاصة أصحاب الزهري. ( ح ) وهذا إسناد آخر لهذا الحديث، وهو من طريق شيخه محمد بن سلام، قال: أخبرنا عتاب بن بشير عن إسحاق عن الزهري، قال: أخبرني علي بن حسين، وهو الهاشمي الذي يقال له زين العابدين ، ثقة ثبت عابد مشهور، قال الزهري: ما رأيت قرشيا أفضل منه . أن حسين بن علي- رضي الله عنهما- أخبره أن علي رضي الله عنه قال: أن رسول الله[ طلبه وفاطمة فقال لهما: «ألا تصلون»، وفي رواية شعيب «ألا تصليان» بالتثنية، وهذا جائز أن يقال للاثنين أو أن يُخاطب الاثنان فما فوقهما بخطاب الجماعة، ذلك لأن أقل الجمع اثنان، أو للتعظيم، أن يقال ذلك للتعظيم لا بأس. ومعنى طرق : قال أبو عبدالله - والمقصود به البخاري - فإذا قال : قال أبو عبد الله فهو يعني نفسه ، وهذا من المواضع التي يعلق فيها الإمام البخاري على الأحاديث ومعناها، فالبخاري يقول: ما آتاك ليلا فهو طارق، وشرح البخاري قول الله تبارك وتعالى: {والسماء والطارق} قال: الطارق هنا بمعنى النجم، الطارق هو: النجم الثاقب، أي: المضيء، يقال: أثقب نارك للموقد، يقال للذي يوقد النار أثقب نارك يعني: أضيء نارك، فالنجم الثاقب هو النجم المضيء، وقال بعض أهل التفسير يقال: له طارق، لأن ضوءه يطرق، يعني أنه يضيء ثم يخفت، يضيء ثم يخفت بالنسبة للناظر. نعود فنقول: إن النبي[ جاء ليلا إلى بيت علي وفاطمة رضي الله عنهما، وقال لهما: «ألا تصليان» فالنبي[ حثهما على الصلاة، وحثهما على الطاعة والقربة، وهذا من أمره[ لابنته ولزوج ابنته، وهو صهره، ولغة يقال صهره، ولا نسيبه! وحثه على الصلاة، وقيام الليل، فهذا من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر للأقارب، فالرسول[ كان يتفقد أهله يتفقد ابنته وزوجها، وقد أمره ربه سبحانه وتعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ} (التحريم 6) . فالواجب على الأب وعلى الأم أن يتفقدوا الأبناء والبنات، وأن يأمروهم بالصلاة، لأنها من أعظم واجبات الدين، ولا مانع أن يدخل عليهم في محل نومهم لتفقد الأحوال، فهذا فعله[، ولا يدخل في التجسس المنهي عنه، إذا كان بطرق الباب والدخول، مالم يخش الإنسان أو يرتاب ، فله أن ينظر ولو بخفية. فوله: فقال لهم: «ألا تصلون»؟ فقال علي: فقلت يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا. علي رضي الله عنه اعتذر بالقدر! فقال: إنما أنفسنا بيد الله إذا شاء الله تعالى أن يبعثنا للقيام، ويمكنا منه فعل، ولما احتج بالقدر تعجب النبي[ من قوله، وضرب فخذه تعجبا من جوابه. ويحتمل أن يكون تعجب النبي[ من سرعة جواب علي رضي الله عنه وفهمه وعقله، واستحضاره الجواب، فيكون تسليما لما قاله علي رضي الله عنه. وقال بعض الشراح: إن جواب علي يحتمل أن يكون من الاعتذار بالتي هي أحسن، والمجادلة بالتي هي أحسن، لأنه يحتمل أن يكون لهما عذرا يمنعهما من الصلاة فاستحيا علي من ذكره ، وأراد دفع الخجل عن نفسه وعن أهله فاحتج بالقدر. ويستفاد من الحديث أيضا: جواز ضرب الإنسان بعض بدنه أو بعض أعضائه تعجبا، وكذا أسفا. والحديث أيضا: يدل على فضيلة ظاهرة لعلي رضي الله عنه، إذ أن عليا -رضي الله عنه - روى هذا الحديث مع ما في الحديث قد يدل على معاتبة النبي[ له، لكن هذا من تواضعه ، من تواضع علي ومن أمانته في تبليغ ونقل كلام النبي[ للأمة، فروى هذا الحديث ولم يلتفت إلى وجود العتاب فيه في حقه.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (54) وسطيـة الأمـة الشيخ.محمد الحمود النجدي إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب التاسع عشر: 19 - باب قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143)، وما أمر النبي [ بلزوم الجماعة، وهم أهل العلم. قال البخاري رحمه الله: 7349 – حدثنا إسحق بن منصور: حدثنا أبو أسامة: حدثنا الأعمش: حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله [: «يجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب، فتُسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير؟ فيقول: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون، ثم قرأ رسول الله [: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}. وعن جعفر بن عون: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي [ بهذا. (طرفه في: 3339). الشرح: الباب التاسع عشر من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة من صحيح الإمام أبي عبدالله البخاري، باب قوله تعالى: {وكذلك جعلناكم أمة وسطا}، الأمة الوسط فسرها النبي [ في رواية لهذا الحديث الصحيح: بالعدل. رواه البخاري في التفسير (4487). وهي العدالة، فهذه الأمة موصوفة بأنها أعدل الأمم، والعدل: الخيار، وهو خير الأمور وأوسطها، فامتن الله تبارك وتعالى على هذه الأمة بالعدالة والهداية لأوسط الأمور . قال الطبري: الوسط في كلام العرب الخيار، يقولون : فلان وسط في قومه وواسط، إذا أرادوا الرفع في حسبه. قال: والذي أرى أن معنى الوسط في الآية الجزء بين الطرفين، والمعنى أنهم وسط لتوسطهم في الدين فلم يغلوا كغلو النصارى، ولم يقصروا كتقصير اليهود ، ولكنهم أهل وسط واعتدال ( الفتح 8/ 172 – 173 ) . ولا شك أن أهل السنة والجماعة من هذه الأمة الإسلامية، وهم أهل العلم بالقرآن الكريم والسنة النبوية والعلوم الشرعية، هم الذين ينطبق عليهم وصف العدل والوسط والخيار؛ لأن أهل الجهل ليسوا عدولاً، كما هو معلوم، وكذلك أهل البدع ليسوا عدولا، ولهذا استنبط البخاري رحمه الله من هذه الآية: وجوب لزوم جماعة أهل السنة والجماعة، وهم أهل العلم والحديث والأثر . فقال البخاري: وما أمر النبي [ بلزوم الجماعة، وهم أهلُ العلم. وهذا استنباط نفيس، يدل على بعد نظر الإمام البخاري رحمه الله ، وسعة علمه. وقال الإمام ابن بطال: المراد بالباب: الحض على الاعتصام بالجماعة؛ لقوله تعالى:{لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} (البقرة: 143). وشرط قبول الشهادة: العدالة، وقد ثبتت لهم هذه الصفة بقوله: {وسطا} (البقرة: 143)، والوسط، العدل، والمراد بالجماعة: أهل الحل والعقد من كل عصر (الفتح) . وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي [ تأمر بلزوم الجماعة وتنهى عن الفرقة، فمنها: حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، ولما سئل عنها [ عنها قال: «هي الجماعة» رواه أهل السنن، وهو حديث صحيح ومشهور، وإن شكك في ثبوته أهل البدع. وقال أيضا [: «عليكم بالجماعة»، وفي رواية: «الجماعة رحمة والفرقة عذاب» رواه ابن أبي عاصم في (السنة) وعبدالله في (المسند). وخطب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه خطبته بالجابية من أرض الشام فقال: «عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة؛ فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد» إلى أن قال: «ومن أراد بُحبوحة الجنة، فليلزم الجماعة « رواه ابن أبي عاصم. و«بحبوحة الجنة» تعني: باحتها وساحتها الواسعة. وقوله سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} (البقرة: 143). مقتضى ذلك عصمة الجماعة المؤمنة من الخطأ فيما أجمعوا عليه قولا وعملا، وذلك أن الأمة بجماعتها أو بعمومها معصومة من الخطأ، أي: الإجماع على الخطأ! وورد هذا صريحا في الحديث الصحيح فيما رواه ابن أبي عاصم في (السنة) وأحمد وغيرهما: قال [: «لا تجتمع أمتي على ضلالة» رواه الترمذي وابن أبي عاصم والحاكم وغيرهم. فالجماعة معصومة من الاجتماع على الخطأ، وهذا من فضل الله العظيم على هذه الأمة، في حين أن الفرد معرض للخطأ والضلال؛ ولهذا رغب السلف بلزوم الجماعة، وهي التي تكون على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله [، بفهم سلف الأمة الصالحين، وحضوا على ملازمتها، وحذروا من مفارقة جماعة المسلمين القائمة بالكتاب والسنة قولا وعملا واعتقادا. ومجرد حدوث اختلاف بينك وبين أحد من جماعة المسلمين السابقة الذكر، فإنه لا يبيح لك أن تفارق جماعتهم وتهجرهم! وتلحق بسواهم! وهذا يحصل لكثير من أفراد المسلمين، أنهم يحصل بينهم وبين إخوانهم القائمين بالكتاب والسنة سوء فهم واختلاف، فيدعوه ذلك إلى مفارقتهم! بل ربما الانتساب إلى دعوات أخرى مخالفة ومبتدعة! فلا بد من الصبر إذًا على لزوم جماعة المسلمين، وهو واجب من واجبات الاعتصام بالكتاب والسنة؛ لأنه لا يحصل الاعتصام إلا بذلك والمراد بالجماعة كما ذكرنا: أهل العلم المجمعون على التزام الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة. وهو الأصل في المسلمين عامة، وبلاد المسلمين، أنهم على هذا الطريق، إلا من شذ وابتدع، أو تأثر بجماعة بدعية، أو دعوة خارجية ونحو ذلك. ثم روى البخاري -رحمه الله- من طريق شيخه إسحق بن منصور وهو ابن (بهرام الكوسج)، التميمي المروزي، ثقة ثبت، قال: حدثنا أبو أسامة، وهو حماد بن أسامة القرشي الكوفي الثقة الثبت، قال: حدثنا الأعمش، ومر معنا مرارا، واسمه سليمان بن مهران الكوفي، قال: حدثنا أبو صالح وهو السمان ومر أيضا، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله [: «يُجاء بنوح يوم القيامة، فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم يا رب ، فتُسأل أمته: هل بلغكم؟ فيقولون: ما جاءنا من نذير» أي: يجحدون الرسالة، يجحدون أن يكون قد جاءهم نذير ورسول من عند الله تعالى، فالله تعالى سيسأل الأمم عن الرسل هل بلغوا رسالاته؟ وسيُسأل الرسل عنا: هل أجبناهم واتبعناهم؟ كما قال سبحانه: {فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المُرْسَلِينَ} (الأعراف: 6) وقال: {َيَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ} (المائدة: 109) وقال: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المُرْسَلِينَ} (القصص:65)، وقال: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} (الزُّخرف:44). وقال النبي [ في خطبة الوداع: «وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي فما أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» رواه مسلم. والمشركون سيُسألون يوم القيامة عن شركهم بالله تعالى، وكذبهم عليه سبحانه، وتكذيبهم لرسله، وافترائهم على دينه ورسله وملائكته عليهم السلام ، كما قال: {وَجَعَلُوا المَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} (الزُّخرف: 19). وقال: {وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ} (النحل: 56)، وهكذا كل من كذب على الله تعالى أو نسب إلى دينه ما ليس منه، أو أخرج منه ما هو منه، فأحل المحرمات، أو حرم المباحات؛ اتباعاً لهواه أو لأهواء الناس وأذواقهم ومصالحهم ، فويل له من يوم يُسأل فيه عن ذلك كله، كما ذكر لنا كتاب الله. والله تعالى أرسل الرسل ، وأنزل الكتب؛ لئلا يكون للناس عليه حجة ولا عذر، كما قال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزا حكيما} (النساء: 165). وقال سبحانه: {يأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير} (المائدة: 19). وقوله هنا في الحديث: «فيقول: من شهودك؟» أي: فيقال لنوح عليه السلام: من شهودك؟ أي من يشهد لك أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة، ونصحت لأمتك؟ لأن أمته تنكر رسالته؛ طلبا لنجاتهم من النار والعذاب، كما قال الله عنهم: {ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون} (الأنعام : 22 – 24). فالمشركون يحلفون بالله يوم القيامة إنهم ما كانوا مشركين! روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال: يا بن عباس سمعت الله يقول: {والله ربنا ما كنا مشركين} (الأنعام: 23). قال : أما قوله {والله ربنا ما كنا مشركين} فأنهم رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة ، فقالوا: تعالوا فلنجحد! فيجحدون، فيختم الله على أفواههم، وتشهد أيديهم وأرجلهم ، ولا يكتمون الله حديثا. (حسن التحرير 2/111). قوله: «فيقول: محمد وأمته، فيجاء بكم فتشهدون». وزاد الإمام أحمد: أن هذه الأمة إذا جيء بها لتشهد لنوح عليه الصلاة والسلام يقال لهم: «ما علمكم أن نوح عليه الصلاة والسلام قد بلغ؟ فيقولون: أخبرنا نبينا [ أن الرسل قد بلغوا فصدقناه». فهذا قول الأمة المسلمة يوم القيامة، أنها تشهد للرسل بأنهم قد بلغوا الرسالة، وأدوا الأمانة، ونصحوا الأمة، وجاهدوا في الله تعالى حق الجهاد، حتى توفاهم الله، فيشهدون لنوح عليه السلام. وليس الأمر خاصا لنوح عليه الصلاة والسلام، بل هو لجميع الأمم، ولجميع الرسل، ثم قرأ [ الآية: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} (البقرة : 143). وهذا الحديث قد رواه أيضا أبو أسامة عن جعفر بن عون عن الأعمش بالسند نفسه، والقائل: وعن جعفر بن عون، هو أبو أسامة الذي روى عن الأعمش الرواية السابقة. وقيل: إن قوله «وعن جعفر بن عون...» هو من قول الإمام البخاري؛ فيكون هذا السند معلقا عنده من هذا الطريق.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (55) الشيخ.محمد الحمود النجدي اجتهاد العالم بخلاف الدليل إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب العشرون: 20 - باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم فأخطأ خلاف الرسول [ من غير علم، فحكمه مردودٌ؛ لقول النبي [: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا، فهو رد ». قال البخاري رحمه الله:7350، 7351 – حدثنا إسماعيل، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبدالرحمن بن عوف: أنه سمع سعيد بن المسيب يحدّث: أن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة حدثاه: أن رسول الله [: «بعث أخا بني عدي الأنصاري، واستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله [ أكل تمر خيبر هكذا؟ « قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله [: « لا تفعلوا، لكن مثلاً بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان ». (طرفه في: 221). الشرح: الباب العشرون، قال الإمام البخاري رحمه الله: باب إذا اجتهد العامل أو الحاكم، وفي رواية لصحيح البخاري، وهي رواية الكشميهني يقول: « إذا اجتهد العالم» بدل العامل أو الحاكم، والمراد بالحاكم: القاضي، فإذا أخطأ خلاف الرسول [ بغير علم فحكمه مردود، لقول النبي [: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». والاجتهاد: هو بذل الوسع في الوصول إلى حكم الشرع في مسألة من المسائل النازلة. فيبذل العالم المجتهد وسعه في الوصول إلى ما يظنه أنه حكم الله تعالى أو حكم رسوله [ في مسألة من المسائل الحادثة النازلة، أي: التي لم يسبق أن حدثت بعينها، فيجتهد في الوصول إلى حكمها، وذلك بقياسها على ما شابهها من الحوادث السابقة، أي الحوادث التي فيها نص في القرآن الكريم أو في السنة النبوية المطهرة. فإذا اجتهد العالم أو العامل، والعامل كما ورد في الحديث هو عامل الزكاة أو الجابي للصدقة، أو الموظف لدى الإمام أو الدولة المسلمة، فالموظف المكلف بفعل من الأفعال إذا اجتهد فأخطأ وخالف الشرع، فحكمه مردود، وكذلك القاضي إذا اجتهد في القضية التي تعرض عليه فأخطأ، ومثله العالم المفتي إذا أخطأ في فتواه، وخالف الدليل أو السنة إما غفلة أو نسيانا، أو لعدم وصول الدليل إليه، فحكمه مردود، ويعمل بما ثبت من الأدلة الصحيحة. والعالم المتبع للكتاب والسنة وفهم سلف الأمة، والمفتي والفقيه، لا يمكن أن يخالف القرآن عمدا أو صراحة، ولا السنة النبوية، وإنما يقع ذلك منه على وجه الوهم والخطأ، أو عدم العلم، كما سيأتي الكلام عليه في الباب الذي يليه. فإذا أخطأ العالم أو القاضي وخالف الرسول [ في قضيته أو في حكمه فهو مردود، وهذا مما أجمع عليه علماء الإسلام، أن القضاء إذا خالف السنة النبوية المنقولة فهو مردود، ونقصد بالسنة: ما نقل عن النبي [ من قول أو فعل أو تقرير، ولا نقصد بالسنة الأمر المستحب بتعبير الفقهاء، وإنما مرادنا بالسنة، الهدي والطريقة المحمدية والمنهاج. وقلنا: إذا أخطأ العالم أو العامل خطأ يخالف به الرسول [، فحكمه مردود؛ لقول النبي [ الذي رواه البخاري هاهنا معلقا لأنه ذكره بغير إسناد، أي حذف البخاري من مبتدأ إسناده راو يا فأكثر، والحديث هو قوله [: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» وروى البخاري حديثا آخر يدلل به على مراده بالباب، وهو أنه يرد ما عمل به العامل، أو حكم به العالم إذا خالف الشرع. ثم روى بسنده عن إسماعيل، وهو ابن أبي أويس الأصبحي واسمه عبدالله، عن أخيه وهو عبدالحميد بن عبد الله بن أبي أويس الأصبحي أبو بكر، ثقة، قال: عن سليمان ابن بلال، وهو التيمي مولاهم المدني، عن عبدالمجيد بن سهيل بن عبدالرحمن بن عوف الزهري، أي هو من أحفاد الصحابي عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه، أنه سمع سعيد بن المسيب العالم المشهور الثقة من علماء التابعين يحدث أن أبا سعيد الخدري وأبا هريرة، أي أن سعيد بن المسيب له في هذا الحديث شيخان من الصحابة: أولهما: أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك، وأبوهريرة واسمه عبدالرحمن بن صخر على الصحيح رضي الله عنهما. قوله: حدثاه: « أن رسول الله [ بعثا أخا بني عدي الأنصاري» أي من بني النجار، وهم بطن من الأوس، واسم هذا المبعوث: سواد بن غزية، بعثه النبي [ واستعمله على خيبر، وذلك بعد أن فتحها وأقرّ أهلها على العمل فيها بالمساقاة، وهي دفع الشجر لمن يقوم بمصالحه بجزء من ثمره، بشرط كون الشجر معلوما للمالك والعامل، برؤية أو وصف، كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: «عامل النبي [ أهل خبير بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع» متفق عليه. قوله «فقدم العامل بتمر جنيب»، والتمر الجنيب نوع جيد من أنواع التمر، فقال له [: « أكلّ تمر خيبر هكذا» أي: كل تمرهم هكذا جيد وطيب. قوله: « قال: لا والله يا رسول الله، إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع» والجمع هو التمر الرديء، أي: أنه يبيع صاعين من التمر الرديء، ويأخذ بدلهما صاعا من تمر جنيب، وهو التمر الجيد، فقال [: «لا تفعلوا»، وفي رواية في غير هذا الموضع قال [: «أوه، عين الربا»، فأنكر النبي [، هذا الفعل لأنه بيع ربوي بجنسه متفاضلا، وهذا هو ربا الفضل المحرم. وربا الفضل صورته: أن يباع ربوي بجنسه متفاضلا، فقد قال [: « لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ويدا بيد، ولا الفضة بالفضة إلا مثلا بمثل ويدا بيد، ولا التمر بالتمر إلا مثلا بمثل ويدا بيد، ولا البر بالبر إلا مثلا بمثل ويدا بيد، ولا الشعير بالشعير إلا مثلا بمثل ويدا بيد» متفق عليه. وفي رواية: « ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا غائبا منها بناجز». فهذه أعيان يجري فيها الربا، وهي الذهب والفضة من الأثمان، والتمر والبر وهو القمح والشعير من المطعومات، فإذا بعت مثلا تمرا بتمر، وهو ربوي بجنسه، وجب مراعاة شرطين اثنين: الشرط الأول: التماثل في الكيل أو الوزن. الشرط الثاني: التقابض في المجلس نفسه؛ فلا تفترقا وبينكما شيء. أما إذا اختلفت هذه الأصناف، فقد قال [: « فبيعوا كيف شئتم» أي يجوز أن يبيع ذهبا بفضة متفاضلا، أي بعضه أكثر من بعض، لكن يشترط في ذلك التقابض، كما في الحديث. وأما بيع التمر بالدراهم، فلا يشترط فيه التفاضل، ولا التقابض؛ لأنه لا يجري فيه الربا – أي ربا الفضل – فإذا بعت تمرا بتمر فإنه يجب أن يكون هناك تماثل في الكيل، وتقابض في المجلس نفسه. فهذا العامل الذي بعثه رسول الله [ لما كان تمر خيبر متفاضلا بعضه جيد «جنيب»، وبعضه رديء، فصار يشتري التمر الجنيب بأن يدفع صاعين من تمر رديء، ويأخذ بدلهما صاعا من تمر جيد، فقال له [ منكرا: « لا تفعلوا ! ولكن مثلا بمثل «يعني: لا يجوز بيع التمر بالتمر، إلا مثلا بمثل ويدا بيد. ولهذا دلهم النبي [ على المخرج الشرعي للتبادل، أو على الحيلة الشرعية الصحيحة، والحيلة الشرعية هي التي لا تخالف الشرع، وليس فيها إسقاط حق من حقوق الله تعالى، ولا تحايل على ما حرم الله، فإن هذا محرم، كما فعل أصحاب السبت بأن ألقوا الشباك يوم السبت وأخذوا الأسماك يوم الأحد؟! وظنوا أنهم لم يقعوا في المحظور؟! وقد لعنهم الله على تحايلهم هذا على ما حرم الله! أما في هذه المسألة: فما هو الحل في أن تمتلك التمر الجيد وأنت عندك تمر رديء؟ الحل: أن تبيع التمر الرديء بالدراهم وبالمال، ثم تشتري بالدراهم تمرا جيدا، فهذا الذي دل النبي [ عليه هذا العامل. وفي الحديث: أنه إذا حصل خطأ من الموظف أو العامل، وخالف الشرع وأحكامه، فإن معاملته ترد ولا تقبل، ثم تجري بعد ذلك على وفق الشرع، وسيأتي مزيد بيان لذلك في الباب التالي.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (57) الشيخ.محمد الحمود النجدي ظهور أحكام النبي صلى الله عليه وسلم لأكثر الناس إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الثاني والعشرون 22 – باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام.الحديث الأول: قال البخاري رحمه الله: 7353 - حدثنا مسدد: حدثنا يحيى، عن ابن جريج: حدثني عطاء: عن عبيد بن عمير قال: استأذن أبو موسى على عمر، فكأنه وجده مشغولا فرجع، فقال عمر: ألم أسمع صوت عبدالله بن قيس؟ ائذنوا له، فدعي له، فقال: ما حملك على ما صنعت؟ فقال: إنا كنا نؤمر بهذا. قال: فائتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك، فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد إلا أصاغرنا، فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي علي هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ألهاني الصفق بالأسواق. (طرفه في: 2062). الشرح: الباب الثاني والعشرون: باب الحجة على من قال: إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة، وما كان يغيب بعضهم من مشاهد النبي صلى الله عليه وسلم وأمور الإسلام. عقد الإمام البخاري هذا الباب لبيان أن كثيرا من الصحابة، بل من أكابر الصحابة، من كان يغيب عنه بعض ما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم ، أو يفعله، من الأقوال والأعمال فيستمر هو على ما كان قد اطلع عليه أو علمه من القرآن أو السنة، وربما كان منسوخا لعدم اطلاعه على الناسخ، وإما أن يستمر على البراءة الأصلية. ومعلوم أن فعل الصحابي يكون حجة ما لم يعارض نصا من كتاب أو سنة، وأقوال الصحابة وفتاويهم أيضا حجة شرعية ما لم تعارض نصا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عن الله تبارك وتعالى. ولا يتصور أن الصحابة يخالفون نصا عمدا! لكن يقع ذلك منهم بسهو أو نسيان أو عدم اطلاع على النص أو على الناسخ، فحاشاهم عن المخالفة عمدا. فمن قال: إن أحكام النبي صلى الله عليه وسلم كانت ظاهرة للناس، فإنما هو للأكثر والأغلب، وإلا فهناك بعض الأحكام والسنن المنقولة عن نبينا صلى الله عليه وسلم قد خفيت على بعض الصحابة، بل على بعض علماء الصحابة وأكابرهم. فمن ذلك: حديث أبي بكر رضي الله عنه في الجدة، وذلك أنه رضي الله عنه خفي عليه نصيب الجدة من الميراث، فسأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فأخبروه: أنه صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس، والحديث في الموطأ. وحديث ابن مسعود رضي الله عنه في الرجل يعقد على المرأة ثم يطلقها ويريد أن يتزوج أمها، فأجازه. وتجويزه بيع الفضة المكسرة بالصحيحة متفاضلا. ثم رجوعه عن الأمرين لما سمع من غيره من الصحابة النهي عنهما. وحديث عمر رضي الله عنه هاهنا في الاستئذان. وتقدم معنا: أن عمر كان يتناوب في النزول إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو ورجل من الأنصار، فينزل هذا يوما وهذا يوما، ويخبر كل منهما الآخر بما سمع وشاهد من النبي صلى الله عليه وسلم. وهناك أمثلة كثيرة مذكورة في مظانها من كتب الفقه وأصوله، ككتاب: أعلام الموقعين للإمام ابن القيم وغيره، في بيان رجوع كثير من الصحابة عن قضايا وأحكام كانوا قد حكموا وقضوا بها، أو أفتوا بها، ثم رجعوا عنها لما علموا أن الدليل بخلافها. وقال ابن بطال: إن البخاري رحمه الله أراد الرد على الرافضة والخوارج الذين يزعمون أن كل أحكام النبي صلى الله عليه وسلم وسننه منقولة بالتواتر! ولا يجوز العمل بما لا ينقل متواترا! وهذا القول مردود بما صح أولا من الأحاديث الكثيرة أن الصحابة رضي الله عنهم كان يستفيد بعضهم من بعض، ويرجع بعضهم إلى ما رواه غيره، وهم أفراد. وقد انعقد الإجماع عند السلف على العمل بأحاديث الآحاد، وعليه العمل عندهم، وأنها حجة بنفسها. وهي الأحاديث التي يرويها الواحد والاثنان والثلاثة ولا تبلغ حد التواتر، والتواتر هو رواية الجم الغفير من الرواة عن مثلهم. وقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يبعث الرسل إلى الملوك والأمم، وكانوا أفرادا وآحادا، وكان يرسلهم بدعوة الإسلام كله، عقيدة وشريعة، فلو كان الآحاد والأفراد من الناس لا تقوم بهم الحجة على الخلق، لما كان النبي صلى الله عليه وسلم يرسلهم! والأدلة والأمثلة في الباب كثيرة، وأول من ردّ على هذا القول المنحرف: الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه (الرسالة)، ثم تتابعت الردود، ولشيخنا الإمام الألباني رحمه الله تعالى رسالة نفيسة في هذا الباب اسمها: (الحديث حجة بنفسه). مطبوعة. أما الحديث الأول في هذا الباب، فيرويه البخاري عن شيخه مسدد وقد مضى. عن يحيى وهو ابن سعيد الأنصاري وهو من شيوخ ابن جريج، عن ابن جريج وهو عبدالملك بن عبدالعزيز بن جريج المكي، قال: حدثنا عطاء، وهو ابن أبي رباح المكي، قال: عن عبيد بن عمير وهو ابن قتادة الليثي أبو عاصم المكي، من كبار التابعين، وكان قاصّ أهل مكة، مجمع على ثقته. قوله: «استأذن أبو موسى على عمر» فكأنه وجده مشغولا بجلسائه فلم يلتفت إليه، فرجع من حيث أتى. قوله: « فقال عمر: ألم أسمع صوت عبدالله بن قيس؟ ائذنوا له، فدعي له». وكان قد انصرف بعد أن استأذن ثلاث مرات، كما في الروايات الأخرى لهذا الحديث. قوله « فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: إنا كنا نؤمر بهذا «يعني: كنا نؤمر على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، أن يستأذن الرجل على أخيه ثلاثا، فإن أذن له وإلا انصرف. قوله: «قال له عمر: فائتني على هذا ببينة أو لأفعلن بك «يعني: لأنزلن بك عقوبة لدعواك هذه ! وهذا من تشديد عمر رضي الله عنه في الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. قوله: «فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد إلا أصاغرُنا» وفي رواية أن القائل: هو أبي بن كعب، وأصاغرنا أي: أصغرنا سنا؛ وذلك للتدليل على أن هذا الأمر من الوضوح والظهور ما يعلمه الجميع. قوله: « فقام أبو سعيد الخدري فقال: قد كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم ، ألهاني الصفقُ بالأسواق» الصفق بالأسواق هو التبايع؛ لأنه كان يتاجر لكسب الرزق لعياله ويستغني عن الناس. فهذا الحديث فيه أبين حجة، وأوضح دلالة على أنه قد يخفى على الصحابي الجليل بعض سنن النبي صلى الله عليه وسلم وأحكامه؛ لغيابه عن بعض مجالس النبي صلى الله عليه وسلم بحكم الحاجات التي لا ينفك عنها البشر. وفيه أيضا حجة واضحة على ثبوت خبر الواحد، وأن الصحابة كان الشاهد منهم يبلغ الغائب ما شهد من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، وأن ذلك الغائب عن ذلك المجلس كان يقبل ممن حدثه من الصحابة ما يقوله ويعتمده ويعمل به. وإنما طلب عمر رضي الله عنه من أبي موسى الأشعري الحجة والبينة على حديث الاستئذان، من باب زيادة الاطمئنان وليس من باب الرد للخبر، وإنما كان عمر رضي الله عنه يتثبت ويشدد في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يتساهل الناس في الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، ويتجرؤوا على الدين، ولأن الرواية عنه دين وشريعة، فما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم دين يعمل به وحجة على الخلق أجمعين. والدليل على أن عمر كان يقبل حديث الآحاد: حديث عبدالرحمن بن عوف لما شهد له أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر، ولما شهد به بخبر النبي [ في حديث الطاعون، وهو: « إذا وقع الطاعون بأرض فلا تخرجوا فرارا منه، ولا تقدموا عليه». وحديث عمرو بن حزم في التسوية بين الأصابع في الدية، وكان عمر رضي الله عنه يفرق بين الأصابع فيقول: هذه منفعتها أكبر من هذه، فيجعل في هذه غير ما يجعله في الأخرى من الأصابع، فشهد بعض الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جعل في الأصابع عشرا من الإبل، فأخذ به عمر رضي الله عنه وقضى به. وحديث الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها، فقد كان لا يورث المرأة من دية الزوج، وحديث سعد بن أبي وقاص في المسح على الخفين، وغيرها من الشواهد على أن الصحابة رضي الله عنهم كان يبلغ الشاهد منهم الغائب، وأن الغائب كان يقبل ما يسمع منه، ويعمل به. وذكر البخاري من كتاب العلم في صحيحه أن عمر رضي الله عنه كان يتناوب النزول إلى مجلس النبي صلى الله عليه وسلم هو ورجل من الأنصار، فينزل هذا يوما وهذا يوما، ويخبر كل واحد منهما الآخر بما غاب عنه، يعني أن عمر رضي الله عنه كان له إبل، وكان يشغله العمل فيها عن بعض مجالس النبي صلى الله عليه وسلم ، فاتفق هو وأخ له من الأنصار على أن ينزل هو يوما، ويبقى الأنصاري في إبله يأخذ مكانه، ثم في اليوم الآخر ينزل الأنصاري ويبقى عمر عند الإبل، ويخبر كل واحد منهما صاحبه بما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وبما شاهده من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم. يعني أن عمر لم يأخذ كل العلم مشافهة من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل بعضه مشافهة وبعضه بالواسطة، وفعل ذلك الصحابة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بغير نكير منه صلى الله عليه وسلم.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (59) الشيخ.محمد الحمود النجدي (59)- إقـرار النبـي صلى الله عليه وسلم حُجّـة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الثالث والعشرون: 23 – باب من رأى ترك النكير من النبي صلى الله عليه وسلم حجة، لا من غير الرسول. 7355 – حدثنا حماد بن حميد: حدثنا عبيدالله بن معاذ: حدثنا أبي: حدثنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن محمد بن المنكدر قال، رأيت جابر بن عبدالله يحلف بالله: أن ابن الصياد الدجالُ، قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم.الشرح: الباب الثالث والعشرون - باب من رأى ترك النكير - يعني ترك الإنكار من النبي صلى الله عليه وسلم حجة، لا من غير الرسول فإنه ليس بحجة، والنكير: هو المبالغة في الإنكار، وقد مرّ معنا أن سنة النبي صلى الله عليه وسلم هي: ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير، فكل ما نقل عنه صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير فهو حجة في دين الله تعالى. واتفق العلماء على أن تقريره صلى الله عليه وسلم حجة أيضا، فما يفعل بحضرته، أو يطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم فيرضاه، أو يصل إليه خبره ويسكت عنه، أن هذا كله دال على الإباحة؛ لأن العصمة النبوية تأبى السكوت عن المنكر أو عن الباطل. ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم لا يُقر أحدٌ على باطل أبدا، أي: في عهده صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يفعل أحد باطلا أو محرما ثم يسكت عنه الوحي، ولو لم يعلمه النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحضره فإن الله تعالى يبلغه بواسطة الوحي. فسكوته إذاً صلى الله عليه وسلم يدل على أقل الأحوال على الإباحة، أما غير الرسول صلى الله عليه وسلم – وهو موضوع الباب - فإن سكوته لا يدل على الجواز؛ لأن غير الرسول صلى الله عليه وسلم لا عصمة له من الخطأ - كما هو مقرر عند أهل السنة - فقد يسكت نسيانا أو سهوا أو جهلا أو خوفا أو تأويلا أو غير ذلك من الأسباب. أما الرسول صلى الله عليه وسلم فليس كأحد من الناس؛ فلا يفعل بحضرته شيء ثم يسكت عنه مع حرمته، أما غيره فقد قال كثير من أهل العلم: إنه لا ينسب لساكت قول، فمجرد السكوت لا يدل على الموافقة، ولهذا قال من قال من أهل العلم: إن الإجماع السكوتي ليس بحجة؛ لأن سكوت العالم عن شيء لا يكون دليلا على الجواز؛ لاحتمال أنه لم يبلغه الحكم، أو أنه سكت خوفا من المخالفة أو غير ذلك كما ذكرنا. لكن الراجح أنه إذا قال المجتهد قولا وانتشر ولم يخالفه غيره فهو حجة، بشرط ألا يخالف نصا من كتاب أو سنة. وقد روى البخاري في هذا الباب حديثا واحدا عن حماد بن حميد، وهو الخراساني، وهو الحديث الوحيد له في الصحيح، وفيه لين، لكنه متابع فقد أخرجه مسلم وغيره من طرق. عن عبيد الله بن معاذ وهو ابن نصر بن حسان العنبري، ثقة حافظ. وسعد بن إبراهيم هو ابن سعد بن عبدالرحمن بن عوف الزهري، ثقة. ومحمد بن المنكدر التيمي المدني، ثقة حافظ، من المكثرين في الرواية عن جابر رضي الله عنه. وسعد بن إبراهيم، ومحمد بن المنكدر من طبقة واحدة، ولهذا تعد هذه الرواية من رواية الأقران عن بعضهم البعض. قال: « رأيت جابر بن عبدالله يحلف» يعني: أنه شاهده حين حلف بالله عز وجل أن ابن الصياد، وفي رواية: «أن ابن صياد» بدون ألف ولام، وفي رواية مسلم: « يحلف بالله أن ابن الصياد الدجالُ». قوله: «قلت تحلف بالله»؟! قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فلم ينكره صلى الله عليه وسلم ». فجابر رضي الله عنه لما سمع عمر رضي الله عنه يحلف عند رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ابن الصياد هو الدجال، فلم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم ، فهم جابر من هذا التقرير والسكوت - إقرار النبي صلى الله عليه وسلم عمر - على كلامه ذلك، اعتبره حجة واحتج به، لكن هذا مقيد بألا يعارضه التصريح بخلافه، فإن قال النبي صلى الله عليه وسلم أو فعل بخلاف ذلك دل على نسخ ذلك التقرير، إلا إذا ثبت دليل الخصوصية. والحديث صريح في أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم كان عند الصحابة حجة معمولاً بها، فجابر هاهنا احتج بإقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على أن ابن الصياد هو الدجال. وأما مسألة: هل كان ابن صياد هو الدجال الذي يخرج آخر الزمان أم لا؟ فالراجح - والله تعالى أعلم - أن النبي صلى الله عليه وسلم تردد في شأنه أولا؛ ولهذا سكت، ولم ينكر على عمر في ذلك المجلس؛ إذ جاء في قصة ابن صياد أن عمر رضي الله عنه قال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله ! فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن يكن هو فلن تسلط عليه «. يعني: إن يكن ابن الصياد هو الدجال، فلن تمكن أنت من قتله؛ لأن الذي يقتل الدجال هو عيسى عليه الصلاة والسلام، وهو كائن آخر الزمان، وإن لم يكن هو الدجال، فلا خير لك في قتله، فتردد النبي صلى الله عليه وسلم في ابن الصياد - والله أعلم - لعدم الوحي إليه فيه كما سيأتي. ووردت أحاديث كثيرة في ابن الصياد، استدل بعض الصحابة بها على أنه هو الدجال بما رآه منه، فمن ذلك كما رواه عبدالرزاق بسند صحيح: عن ابن عمر قال: « لقيت ابن صياد يوما، ومعه رجل من اليهود فإذا عينه قد طفئت، وهي خارجة مثل عين الجمل، فلما رأيتها، قلت: أنشدك بالله يا ابن صياد، متى طفئت عينك؟ قال: لا أدري والرحمن، قلت: كذبت لا تدري وهي في رأسك، قال: فمسحها ونخر ثلاثا، فزعم اليهود أني ضربت بيدي صدره، وقلت له: اخسأ فلن تعدوا قدرك، فذكرت ذلك لحفصة، فقالت حفصة: اجتنب هذا الرجل، فإنما يتحدث أن الدجال يخرج من غضبة يغضبها «. ووردت أحاديث تدل على ذلك أنه ليس هو الدجال، فأخرج الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: « صحبني ابن صياد إلى مكة فقال لي: ماذا لقيت؟ يزعمون أني الدجال. يعني أنه يشكو إليه ما يقول الناس فيه، أنهم يقولون عني أني أنا الدجال، ثم قال له: ألست سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أنه لا يولد له، قلت: بلى ! قال: فإنه قد وُلد لي، قال: أولست سمعته يقول: لا يدخل المدينة ولا مكة ! قلت: بلى، قال: فقد ولدت بالمدينة، وها أنا أريد مكة ». وورد في الحديث أنه خرج حاجا مع أبي سعيد وأصحابه. فهذا الأحاديث يَستدل بها من قال إن ابن صياد لم يكن هو الدجال. وقال البيهقي رحمه الله في حديث الباب: ليس في حديث جابر أكثر من سكوت النبي صلى الله عليه وسلم على حلف عمر، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان متوقفا في أمره ثم جاءه الثبت من الله تعالى بأنه غيره، على ما تقتضيه قصة تميم الداري، وبه تمسك من جزم بأن الدجال غير ابن صياد، وطريقه أصح، وتكون الصفة التي في ابن صياد وافقت ما في الدجال. قال الحافظ ابن حجر: قلت: قصة تميم الداري أخرجها الإمام مسلم من حديث فاطمة بنت قيس: «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس، وذكر أن تميما الداري ركب في سفينة مع ثلاثون رجلا من قومه، فلعب بهم الموج شهرا، ثم نزلوا إلى جزيرة فلقيتهم دابة كثيرة الشعر فقالت لهم: أنا الجساسة، ودلتهم على رجل بالدير- أي بالقصر- قال: فانطلقنا سراعا فدخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيته قط خلقا، وأشده وثاقا - يعني أنه مربوط وموثق بشدة - ومجموعة يداه إلى عنقه بالحديد، فقلنا: ويلك ! ما أنت...» فذكر الحديث. قال: وفيه: - أي في هذا الحديث - سألهم عن نبي الأميين: هل بعث؟ وأنه قال: إن يطيعوه خير لهم، وأنه سألهم عن بحيرة طبرية، وعن عين زُغر، ونخل بيسان - وكلها بفلسطين - وفيه أنه قال لهم: إني مخبركم عني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج، فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة، غير مكة وطيبة» انتهى. فهذا قول الدجال لتميم الداري صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين كانوا معه في الجزيرة. فلا يمكن الجزم لمن قرأ هذا الحديث بأن ابن صياد هو الدجال، ومن جزم أن ابن صياد هو الدجال فهو لم يسمع بقصة تميم؛ لأنه يستحيل الجمع بين من كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة صغيرا قريبا من الاحتلام، وبين من رآه الصحابة رجلا كبيرا مسجونا في جزيرة من جزر البحر، موثقا بالحديد، يستفهم من الصحابة عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم ، هل خرج أم لا؟! فهذا الحديث والله تعالى أعلم مما يدل على أن ابن صياد ليس هو الدجال، وأما جابر رضي الله عنه فقد حلف على ما كان اطلع عليه من عمر رضي الله عنه بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم. قال النووي: قال العلماء: قصة ابن صياد مشكلة، وأمره مشتبه، لكن لا شك أنه دجال من الدجاجلة، والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه في أمره بشيء، وإنما أوحي بصفات الدجال، وكان في ابن صياد قرائن محتملة؛ فلذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يقطع في أمره بشيء، بل قال لعمر: «لا خير لك في قتل...» الحديث. قال: وأما إسلامه وحجه وجهاده فليس فيه تصريح بأنه غير الدجال؛ لاحتمال أن يختم له بالشر. فقصته أشكلت على كثير من الصحابة فضلا عن غيرهم. وورد أنه كان يأتيه شيطانه كما في الصحيح، وربما كان هذا في أول حياته في صغره ثم رجع عنه لما كبر؛ إذ ورد عنه إسلامه وحجه، وروى أبوداود: عن جابر قال: فقدنا ابن صياد يوم الحرة. قال ابن حجر: صحيح. أي: لعله قتل يومئذ، والله تعالى أعلم. والحديث يدل أيضا على جواز الحلف بما يغلب على الظن.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (61) الشيخ.محمد الحمود النجدي -الاجتهاد والقياس والمجمل (2) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الحديث الثالث: 7358 – حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا أبو عوانة ، عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن أم حفيد بنت الحارث بن حزن أهدت إلى النبي[ سمنا وأقطا وأضبًا. فدعا بهن النبي[، فأكلن على مائدته، فتركهن النبي[ كالمتقذّر لهن، ولو كنّ حراما ما أكلن على مائدته ، ولا أمر بأكلهن. (طرفه في: 2575). الشرح : الحديث الثالث الذي جاء في هذا الباب، باب الأحكام التي تعرف بالدلائل وكيف معنى الدلالة وتفسيرها.يرويه البخاري -رحمه الله- من طريق شيخه موسى بن إسماعيل، قال: حدثنا أبو عوانة، وهو الوضاح بن عبدالله اليشكري ثقة ثبت، يرويه عن أبي بشر جعفر بن أبي وحشية وهو ابن إياس اليشكري، وهو ثقة من أثبت الناس في سعيد بن جبير، قال: عن سعيد بن جبير، وهو من تلامذة ابن عباس المشهورين والمكثرين عنه. أن أم حفيد واسمها: هزيلة بنت الحارث بن حزن الهلالية، وهي أخت ميمونة بنت الحارث الهلالية أم المؤمنين زوج النبي[، وهي خالة ابن عباس، وخالة خالد بن الوليد رضي الله عنهم. قوله: «أهدت أم حفيد إلى النبي] سمنا» السمن وهو معروف وهو الدهن، وأقطا، والأقط: هو اللبن المجفف، وأضبا جمع ضب، وهو الحيوان المعروف لدى أهل البوادي. قوله: «فدعا بهن النبي[ فأكلن على مائدته» أي: أكلت هذه الأطعمة على مائدة النبي[ ولم ينه عنها . قوله: «فتركهن النبي[ كالمتقذر لهن» أي: هو استقذر أكل الضب وكرهه لأنه لم يعتد على ذلك. قوله: «ولو كن حراما ما أكلن على مائدته ولا أمر بأكلهن» وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما. فهذا الحديث فيه استدلال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه بفعل النبي[ وإقراره، فالنبي[ دعا بالطعام، فجيء له بهذا الطعام المشتمل على السمن والأقط والضب أو الأضب، فأكل من السمن والأقط، وترك الأضب وأكلت الأضب على مائدته وأمامه، لكن النبي[ ترك أكلها تقذرا، يعني: أن نفسه تقذرت الضب، ولم تستسغ أكله. وسأله خالد بن الوليد كما في الحديث الصحيح في البخاري ( 9/663): أحرام هو يا رسول الله؟ قال: «لا، ولكن لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه - يعني: نفسي تعافه لا تقبله» – قال خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله[ ينظر. فالضب لم يكن بأرض مكة وما حولها؛ لأنه يشتهر ببلاد نجد، وتشتهر نجد بأكله. فاستدل ابن عباس بإقرار النبي[ لخالد على إباحة الضب، وقال: لو كن حراما ما أكلن على مائدته، يعني: النبي[ لا يسكت على محرم، وهذا من الاستدلال بالفعل أو التقرير على إباحة الشيء. وقد بينا أن أقوال النبي[ وأفعاله وتقريراته هي حجة في دين الله عز وجل. الحديث الرابع: 7359 - حدثنا أحمد بن صالح: حدثنا ابن وهب: أخبرني يونس ، عن ابن شهاب: أخبرني عطاء بن أبي رباح ، عن جابر بن عبدالله قال: قال النبي[: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته». وإنه أتي ببدر، قال ابن وهب: يعني طبقا، فيه خضروات من بقول، فوجد لها ريحا، فسأل عنها فخَبُر بما فيها من البقول، فقال: «قربوها»، فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه ، فلما رآه كره أكلها قال: «كل فإني أناجي من لا تناجي». وقال ابن عفير عن ابن وهب: بقدر فيه خضراوات، ولم يذكر الليث وأبو صفوان، عن يونس، قصة القدر، فلا أدري هو من قول الزهري أو في الحديث. (طرفه في: 854). الشرح: الحديث الرابع: حديث جابر بن عبدالله رضي الله عنهما يرويه البخاري من طريق شيخه أحمد بن صالح المصري الثقة المشهور، عن ابن وهب وهو عبدالله بن وهب المصري، قال: أخبرنا يونس، عن بن شهاب، وقد مضيا، أخبرنا عطاء بن أبي رباح الإمام الثقة المفسر الشهير يرويه عن جابر رضي الله عنه. قوله: قال النبي[: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، أو ليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته». وهذا الحديث: فيه النهي عن أكل البصل وأكل الثوم ثم إتيان المساجد؛ لأن لها رائحة منفرة مؤذية للمصلين وللملائكة، كما جاء في الحديث، فنهى النبي[ آكل الثوم والبصل أن يأتي المسجد، وليس هذا من باب الرخصة لآكل البصل والثوم أن يصلي ببيته كما يفهم بعض الناس، وإنما هو من باب الزجر والطرد، فالنبي[ لم يرخص لمن أراد أن يتخلف عن الجماعة أن يأكل الثوم والبصل؟! لأن الجماعة في المساجد واجبة على الرجل البالغ العاقل المقيم الصحيح، الذي لا علة فيه؛ فلا يجوز أن يترك إتيان المساجد في الصلوات الخمس ، وإنما منع من كان فيه إيذاء للمؤمنين وعباد الله أن يأتي المسجد إذا كانت به رائحة خبيثة منفرة. وأخبر[: أن الملائكة تتأذى مما يتأذى به بنو آدم، قوله: «وأنه أتي ببدر» جاء في التفسير عن الراوي - وهو ابن وهب - على هيئة البدر. يعني الطبق على هيئة القمر ليلة البدر في الاستدارة. قوله: «فيه خضراوات من بقول، فوجد لها ريحا فسأل عنها فأخبر بما فيها من البقول، فقال: «قربوها». فقربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، أي : كره أبو أيوب أكلها، متأسيا في ذلك برسول الله[، كما قال الله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} فعموم الآية يدل على مشروعية متابعته في جميع أفعاله، فلما امتنع من أكلها ، كره أبو أيوب أكلها وأعرض عنها. فقال له رسول الله[ لما رآه كره أكلها: «كُلْ»، يعني: كل من هذا الطبق، ومن هذه البقول لأنها ليست حراما. قوله: «فإني أناجي من لا تناجي». وفي لفظ للبخاري: «إني أخاف أن أوذي صاحبي». وعند ابن خزيمة «إني أستحيي من ملائكة الله وليس بمحرم». فهذا الحديث فيه دلالة على جواز أكل الثوم والبصل لعامة الناس، أما النبي[ فكونه كان يناجي جبريل ويتكلم معه فيكره أن يؤذيه برائحة البصل والثوم، ولا يلزم هذا في غير حقه من البشر، بل قال ابن بطال: إن قول النبي[: «كلوه» أو قال: «قربوه», دليل على جواز الأكل. وقال بعضهم: فيه استحباب أكل البصل والثوم في غير أوقات الصلاة لقوله: «كلوه»؛ لأنه نوع من الحث على أكله، وقد أثبت العلم الحديث والطب المعاصر فوائد جمة للبصل والثوم في دفع الأمراض، ومحاربة الجراثيم، وتخفيض الضغط الدموي، وغيرها من الفوائد، وكذا ما ذكره الإمام ابن القيم في كتابه «الطب النبوي» من فوائد. وإنما كره الشرع أكلها وقت الصلاة لمناجاة الله سبحانه وتعالى، أو لمنافاته لأخذ الزينة المطلوبة عند ارتياد المساجد، وخشية أذية الناس. الحديث الخامس: 736 – حدثني عبيد الله بن سعد بن إبراهيم: حدثني أبي وعمي قالا: حدثنا أبي، عن أبيه، أخبرني محمد بن جبير: أن أباه جبير بن مطعم أخبره: أن امرأة من الأنصار أتت رسول الله [ فكلمته في شيء، فأمرها بأمر، فقالت: أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك؟ قال: إن لم تجديني فأتي أبا بكر». زاد الحميدي، عن إبراهيم بن سعد: «كأنها تعني الموت». الشرح: الحديث الخامس: قال البخاري: حدثني عبيد الله بن سعد بن إبراهيم، وهو ابن عبدالرحمن بن عوف الزهري، قاضي أصبهان، ثقة. قال: حدثني أبي وعمي، أبوه ثقة، واسم عمه: يعقوب بن إبراهيم بن سعد ثقة فاضل. قال حدثنا أبي وهو إبراهيم بن سعد المدني ثقة حجة تُكُلم فيه بلا قادح. عن أبيه: وهو سعد بن إبراهيم الزهري ثقة فاضل عابد. أخبرني محمد بن جبير وهو ابن مطعم النوفلي، ثقة عارف بالنسب. أن أباه جبير بن مطعم وهو صحابي معروف،أخبره أن امرأة من الأنصار أتت رسول الله [ فكلمته في شيء» لم تسم هذه المرأة. قوله: « فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم بأمر، فقالت المرأة أرأيت يا رسول الله إن لم أجدك؟ قال: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» زاد الحميدي عن إبراهيم بن سعد: كأنها تعني الموت. هذه المرأة جاءت إلى الرسول [ فأمرها بأمر، وفي رواية - كما في كتاب المناقب لأبي بكر الصديق – «أن تأتيه من قابل» أي: إنه وعدها أن تأتيه من قابل، أي في السنة القادمة. قوله: «فقالت: يا رسول الله: أرأيت إن لم أجدك? كأنها تعني الموت « ولم تنطق به، ولأن هذا اللفظ عام، فيحتمل الموت ويحتمل الغياب وعدم الحضور، يعني ربما يكون مؤقتا وربما يكون أعم من ذلك; لأنها قالت: إن لم أجدك؟ والرسول عليه الصلاة والسلام أجابها جوابا مطابقا لذلك العموم فقال لها « إن لم تجديني، فأتي أبا بكر». أي: ليقضي لك حاجتك، أو يقوم بما تريدين من حوائج. وقد استدل بهذا على خلافة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، لكن بطريق الإشارة لا بطريق التصريح، لكن هو قريب من التصريح. وقد وقع التصريح بخلافة أبي بكر الصديق في أحاديث: منها قوله [ لعائشة رضي الله عنها: « ادعي لي أباك وأخاك، فإني أريد أن أكتب كتابا، فإني أخشى أن يقول قائل، ويتمنى متمن ويأبى الله والمؤمنون إلا ابا بكر» رواه البخاري وغيره. ومنها قوله [: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» متفق عليه. فمن رضيه لنا رسول الله [ للإمامة في ديننا، أفلا نرضاه للإمامة في دنيانا؟! فهذا الحديث: فيه الدليل الواضح على أن الخليفة بعد رسول الله [ هو أبو بكر رضي الله عنه. ومناسبة هذا الحديث الأخير في هذا الباب: أنه يستدل على خلافة أبي بكر الصديق بالدلائل والمعاني الواضحة من النصوص النبوية الشريفة، كما يستدل بالنصوص الصريحة.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
شرح كتاب «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري (62) الشيخ.محمد الحمود النجدي – (الإسرائيليات) إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبده ورسوله. ذكرنا في الحلقة السابقة حاجة اليقظة الإسلامية، والشباب المهتدي إلى الضوابط الشرعية، التي تضبط له منهجه وطريقه، ورجوعه إلى الله سبحانه وتعالى، وإلا فإنه سيخسر جهده ووقته، ويخسر أفراده، ويضيع كل ذلك سدى. ومن الكتب النافعة المفيدة في هذا المضمار، كتاب: «الاعتصام بالكتاب والسنة» من صحيح الإمام البخاري، وقد اخترنا شرح أحاديثه والاستفادة من مادته المباركة. الباب الخامس والعشرون: قال البخاري رحمه الله:25 – باب قول النبي [: «لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء». الحديث الأول: 7361 – وقال أبو اليمان: أخبرنا شعيبٌ، عن الزهري: أخبرني حميد بن عبدالرحمن: سمع معاوية يُحدث رهطا من قريش بالمدينة، وذكر كعبَ الأحبار فقال: إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين الذين ُيحدثون عن أهل الكتاب، وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب! الحديث الثاني: 7362 – حدثني محمد بن بشار: حدثنا عثمان بن عمر: أخبرنا علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام، فقال رسول اله [: « لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: {آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل...} الآية (البقرة: 136). (طرفه في: 4485). الحديث الثالث: 7363 - حدثنا موسى بن إسماعيل: حدثنا إبراهيم: أخبرنا ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبدالله: أن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء، وكتابكم الذي أنزل على رسول الله [ أحدث؟! تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا! ألا ينهاكم ما جاء من العلم عن مسألتهم؟! لا والله، ما رأينا منهم رجلاً يسألكم عن الذي أنزل عليكم . (طرفه في: 2685). الشرح: الباب الخامس والعشرون: باب قول النبي [ « لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء « وهذا الحديث قد جاء مرفوعا عند أحمد وغيره: عن النبي [، وهذا المرفوع فيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف، لكنه يتقوى بطرق أخرى عند البزار وغيره، والحديث: أن عمر ] أتى النبي [ بصحيفة من التوراة، فقرأها على رسول اله [، فغضب النبي [، وقال: «لا تسألوهم عن شيء» وجاء أيضا أنه قال: «لو كان موسى حياً ما وسعه إلا أن يتبعني». وجاء أيضا في مصنف عبدالرزاق: عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: « لا تسألوا أهل الكتاب فإنهم لن يهدوكم، وقد أضلوا أنفسهم فَتُكَذِّبوا بحق، وتُصَدِّقوا بباطل» . فهذا النهي منه [ هو عن سؤالهم عما لا نص فيه من شرعنا، كسؤالهم عن بعض التفاصيل التي وردت في قصص القرآن مثل قصة أصحاب الكهف، في أي زمان كانوا، وما أسماؤهم، واسم ملكهم، وما أشبه ذلك في تلك القصة، وكذلك بعض التفاصيل في قصة موسى عليه الصلاة والسلام وقومه وما حصل لهم في مصر، وما حصل لهم بعد الخروج، وما أشبه هذا. أما ما ذكر تفصيله في القرآن، فإن السائل لا يسأل أهل الكتاب لأنه مكتف بما في القرآن، أما ما كان في أخباره موافقا لشرعنا وإخبارنا عن الأمم السالفة فإنه مقبول. وعلى هذا فإخبار أهل الكتاب على ثلاثة أنواع: النوع الأول: ما وافق بأيدينا من القرآن والسنة الصحيحة، فهذا نقبله ونصدقه . النوع الثاني: ما خالف ما بأيدينا من القرآن والسنة، فهذا نرده ونكذبه. النوع الثالث: هو الذي لا يخالف ولا يوافق، فهذا لا نصدقه ولا نكذبه، وإنما نقول إذا حدثنا أهل الكتاب به: {آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة 136). وأما قوله تعالى: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فاسأل الذين يقرؤون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} (يونس: 94). فمعناه: اسأل أهل الكتاب المنصفين والراسخين في العلم، فإنهم سيقرون بصدق رسالتك، وما جئت به؛ لأن ما عنك موافق لما عندهم في كتبهم؛ ولهذا قال سبحانه: {لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين}. أما الحديث الأول في الباب فقال البخاري: قال أبو اليمان، وأبو اليمان هو الحكم بن نافع البهراني من شيوخ الإمام البخاري المشهورين ، وتقدم، وعدم تصريح البخاري بقوله: حدثنا أبو اليمان، إما لكونه أخذه عنه مذاكرة، وإما لكونه فاته سماعه منه، لكن قد ورد عند الإسماعيلي التصريح بالسماع منه، أو لكونه أثرا موقوفا، لكن الراجح أنه سمعه منه ولم يصرح بالسماع هاهنا . قال: أخبرنا شعيب وهو ابن أبي حمزة، تقدم . قال: عن الزهري، تقدم . قال: أخبرني حميد ابن عبدالرحمن، وهو ابن عوف الزهري. قال: سمع معاوية - وهو ابن أبي سفيان الصحابي - يحدث رهطا، يعني: جماعة من قريش بالمدينة، وذلك لما حج معاوية رضي الله عنه. قوله: «وذكر كعب الأحبار» كعب الأحبار هو: كعب بن ماتع بن عمر بن قيس الحميري، كان في حياة النبي [ رجلا لكنه كان على اليهودية، عالما بكتابهم حتى إنه كان يقال له: كعب الأحبار، والحبر هو العالم، وأسلم في عهد عمر، وقيل في خلافة أبي بكر، وقيل: أسلم في عهد النبي [، ولكنه تأخرت هجرته فلم ير النبي [، فيكون على هذا مخضرما، ثم إنه سكن المدينة في خلافة عمر، ثم تحول عنها في خلافة عثمان إلى الشام، فسكنها إلى أن مات بحمص في خلافة عثمان ]. أما قول معاوية: « إن كان من أصدق هؤلاء المحدثين، الذين ُيحدثون عن أهل الكتاب» أي: يحدثون عن كتبهم، فيشمل التوراة والإنجيل. ومعنى « نبلو» نختبر، أي: يقع في بعض ما يخبرنا به شيء من الكذب، وهذا مدح لكعب الأحبار رحمه الله، أنه كان أحسن من يحدث عن أهل الكتاب، وأكثرهم بصيرة به، وأعرفهم بأخبار أهل الكتاب، ولم يقصد معاوية أن كعب الأحبار كان يكذب ! وإنما كان ينقل ما يقع في كتب أهل الكتاب، وكتب أهل الكتاب قد وقع فيها شيء من الكذب؛ لكونهم بدلوا وحرفوا كما هو معلوم، فالمعنى أن بعض الذي يخبر به كعب عن أهل الكتاب يكون كذبا لا أنه يتعمد الكذب؛ لأن كعبا رحمه الله كان من أخيار الأحبار، كما قال ابن الجوزي وابن حبان وغيرهما في توجيه كلام معاوية. وأخرج ابن سعد: عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير قال: قال معاوية: ألا إن كعب الأحبار أحد العلماء، إن كان عنده لعلم كالبحار، وإن كنا فيه لمفرطين. أما الحديث الثاني: فيرويه البخاري -رحمه الله- عن شيخه محمد بن بشار وتقدم . قال: حدثنا عثمان بن عمر وهو ابن فارس العبدي البصري ثقة . قال: أخبرنا علي بن المبارك وهو الهُنائي، ثقة . عن يحيى بن أبي كثير الطائي، ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل أحيانا. عن أبي سلمة وقد تقدم. عن أبي هريرة قال: « كان أهل الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام» فقال النبي [: «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا: {آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} (البقرة 136). فالرسول [ كره أن يسمع المسلمون من أهل الكتاب تفسيرهم للتوراة؛ لأن التوراة دخلها التحريف والتبديل والكذب والتغيير وكتب فيها من أقوال الناس ما ليس منها، فقال [: «لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم» وهذا كما قلنا في الذي لا يوافق ما عندنا ولا يخالفه، فإننا نتوقف فيه، أما ما وافق ما عندنا فإننا نقبله، وما خالف ما عندنا فإننا نرده ولا نقبله. وحاصل الأحاديث: أن النبي [ أراد لأهل الإسلام أن يستغنوا بما عندهم من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهي أخبار صحيحة حديثة طرية لم يدخلها شيء من اللعب أو التغيير أو التبديل، فأراد أن يستغني أهل الإسلام بكتابهم كما قال الله تعالى: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} (العنكبوت: 51). أي: ألم تكفهم آيات القرآن البينات، وما جاء فيه من الدلالات الواضحات، والمعجزات الظاهرات، التي وردت في كتاب الله القرآن، وما فيه أيضا من الأحكام الشرعية، والآداب المرعية، والهداية للعالمين، والخير الكثير، والعلم الغزير، والغيوب المتقدمة والمتأخرة، وقصص الأولين، والهيمنة على الكتب السابقة، وتصحيح ما وقع فيها من الأخطاء، فهو في الحقيقة كفاية وغنية عما سواه، والشفاء من جميع الأمراض الحسية والنفسية. فالقرآن الكريم فيه غناء عن بقية الكتب السماوية الموجودة الآن، والمنسوبة إلى الرسل، فضلا عن غيرها من الكتب الأرضية، والتي كتبها البشر بحسب عقولهم وعلومهم وأهوائهم، فإذا كان القرآن فيه غناء لنا عن التوراة والإنجيل، أفلا يغنينا عن بقية الكتب الأرضية التي كتبها الخلق ؟! وما فيها من الأخطاء والأهواء ؟! بل هذا من باب أولى! فواعجبا لطوائف من أهل الإسلام، انبهرت بعلوم العصريين وكتبهم، فزينت للمسلمين الإقبال عليها بغثها وسمينها، بل وعلى القوانين الأوروبية الفاجرة والحكم بها بين الناس، والتي تبيح الفواحش والمحرمات، بل لا تبالي بالشرك برب الأرض والسموات، مع الإعراض عما جاءت به الرسل الكرام، وعما في كتاب الله سبحانه وتعالى، من حكم وأحكام وقصص ومواعظ وتذكير، نعوذ بالله مولانا من الفتنة والخذلان! أما الحديث الثالث والأخير في الباب: فقال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، وهو المنقري التبوذكي، ثقة ثبت . قال: حدثنا إبراهيم وهو ابن سعد الزهري، ثقة حجة . قال: أخبرنا ابن شهاب، تقدم . قال: عن عبيد الله بن عبدالله وهو ابن عتبة بن مسعود الهذلي، الفقيه الثقة الثبت . قال: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: « كيف تسألون أهل الكتاب عن شيء» وهذا استفهام فيه إنكار، إنكار على من سأل أهل الكتاب عن شيء من الدين والشرع؟! قوله: «وكتابكم الذي أنزل على رسول الله أحدث» يعني: هو أقرب الكتب إلى الله عز وجل، فكيف يأخذ الإنسان بالقديم المنسوخ أكثره، ويترك الجديد الناسخ لما تقدم ، والقرآن هو الحديث القريب العهد بالله تبارك وتعالى، كما قال تعالى {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث} (الأنبياء: 2). قال ابن كثير وغيره: {محدث} أي: جديد إنزاله، فهو آخر الكتب السماوية نزولا. انتهى. ويقال كذلك لكل كلام يبلغ الإنسان: حديث، وقد سمى الله كتابه حديثا، فقال: {فليأتوا بحديث مثله} (الطور: 34). وقال: {أفمن هذا الحديث تعجبون} النجم: 59. قوله: «تقرؤونه محضا لم يشب» أي: خالصا لم يدخله شيئا من الخلط أو اللبس، كاللبن المحض الذي لم يشب بالماء. قوله: «وقد حدثكم أن أهل الكتاب بدلوا كتاب الله وغيروه ...» أي: حدثكم الله تعالى في القرآن بذلك التبديل والتغيير، كما قال الله تعالى: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران: 78). والذي دفعهم إلى ذلك هو ليشتروا به ثمنا قليلا، من أجل مصالحهم، من أجل أن يأكلوا به عرضا من الدنيا قليلا، وقد قال أهل التفسير: إن الدنيا بأسرها ثمن قليل بالنسبة للآخرة، أي لو أعطي العبد الدنيا بأسرها ليبدل كلام الله تعالى، لكانت ثمنا قليلا بالنسبة لحظه ونصيبه في الآخرة. قوله: «ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم» وفي رواية: «مساءلتهم» يعني: ألا ينهاكم ما سمعتم في كتاب الله تعالى، من تحريفهم وتغييرهم وتبديلهم وكذبهم، عن أن تسألوهم عما في أيديهم. قوله: «لا والله ما رأينا منهم رجلا يسألكم عن الذي أنزل إليكم « يعني: ما رأينا العكس! أي ما رأينا أحدا من أحبار اليهود، ولا رهبان النصارى يسألونكم عما في أيديكم من كتاب الله تبارك وتعالى، ويستفيدون من علوم القرآن والسنة النبوية، فلم أنتم تسألونهم وتقبلون عليهم، وتعظمونهم؛ فإن هذا خلاف ما أمر الله تعالى به، وخلاف ما ينبغي أن يكون عليه أهل الإسلام، من الاستغناء عما في أيدي الناس من الأقوال والأعمال والأحكام والمعتقدات والكتب، فما في أيدينا كاف لنا معاشر المسلمين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |