|
|||||||
| ملتقى أعلام وشخصيات ملتقى يختص بعرض السير التاريخية للشخصيات الاسلامية والعربية والعالمية من مفكرين وأدباء وسياسيين بارزين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (30) " عملاق التوحيد" (زيد بن عمرو) قصة بطلنا الحالي تعود إلى العصر الجاهلي، وقتها كانت العرب تتخذ من الأصنام شركاءً للَّه، فصنع بعض العرب آلهتهم من الحجر، وصنعها آخرون من الخشب، ووصل الأمر ببعضهم إلى عبادة آلهةٍ مصنوعةٍ من التمر كانوا يأكلونها في وقت الجوع! ومن بين ركام هذا الوضع الكئيب خرج رجلٌ من قبيلة قريش يقال له (زيد بن عمرو بن نفيل)، هذا الرجل نظر في حال العرب وما يعبدون من أوثان، فلم تستسغ فطرته السليمة هذا الأمر، فتوصل هذا العربي البدوي إلى نظريةٍ علميةٍ لم يتمكن فلاسفة الفرس أو علماء الإغريق من التوصل إليها، هذه النظرية العلمية التي وضعها هذا العبقري العربي من فوق رمال صحراء الجزيرة تسمى بـ "نظرية الشاة لإثبات توحيد اللَّه" وتتلخص هذه النظرية في كلمات بسيطة وجَّهها زيد بن عمرو إلى قومه قائلًا: "الشاة خلقها اللَّه، وأنزل لها من السماء الماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، ثم تذبحونها على غير اسم اللَّه؟!" بالرغم من بساطة هذه النظرية التي توصل إليها هذا العربي من خلال استخدام عقله فقط لتحليل عنصرٍ بسيطٍ من عناصر بيئته البدوية البسيطة، أرى أن هذه النظرية تفوق في أهميتها العلمية التجريبية كل ما كان (أفلاطون) و (أرسطو) و (سقراط) قد توصلوا إليه من نظريات تفسر سر "الوجود الإنساني"، ونحن هنا لا نتحدث عن نبي يوحى إليه بحقيقة الوحدانية، بل نتحدث عن رجلٍ عادي استخدم أهم نعمةٍ للإنسان -العقل- لاستنباط حقيقة الوجود التي شغلت البشر في كل العصور، وما زالت! ولكي نفهم معنى التوحيد الذي توصل إليه بطلنا يجب علينا أن نطلب من بساط التاريخ أن يسافر بنا إلى أعماق الماضي في صحراء العرب، في ذلك الزمان أتى رجلٌ من "بلاد الرافدين"، وبالتحديد من مدينة "أوردا السومرية يقال له (إبراهيم بن آزر)، فدعى إبراهيم الناس إلى توحيد اللَّه، ليصبح العرب بعد ذلك موحدين، فسُمّي من كانوا على دين إبراهيم بـ "الحنيفيين"، ولكن مع مرور السنين ذهب رجلٌ من قبيلة خزاعة اسمه (عمرو بن لحي الخزاعي) في تجارة للشام، فرأى هناك أناسًا يسجدون للأصنام، فلما أنكر عليهم عبادتهم للأصنام من دون اللَّه قالوا له: إننا لا نعبد الأصنام كحجارةٍ وإنما نتقرب إلى اللَّه بأرواح الأولياء والصالحين التي تسكن بداخل هذه الأصنام، فراق لعمرو هذا التفسير، وطلب منهم أن يعطوه صنمًا، فأعطوه صنمًا يسمونه (هُبل)، فأخذه لقومه ونشر عبادة الأصنام بين العرب. ولنا وقفة بسيطة هنا. . . . كما نرى من هذه القصة أن العرب كانوا يعرفون أن اللَّه هو الخالق، ولكن مشكلتهم كانت تتمثل في كونهم كانوا يتقربون إلى اللَّه بتلك الأصنام! وإذا كنت تستهجن على العرب القدامى عبادتهم للأصنام، فاسأل نفسك أسئلة تعرف أنت وحدك إجابتها: هل تتقرب إلى اللَّه بقبور الأولياء الصالحين كما تقرب العرب إلى اللَّه بالأوثان؟ هل تدعو (السيد البدوي) لكي يزوج لك ابنتك؟ هل تستغيث بـ (المرسي) لكي يفرج عنك الكرب؟ هل تطلب المدد من رسول اللَّه؟ هل تقول (واللَّه) أم تقول (والنبي) عند حلفانك؟! المهم أن زيد بن عمرو أنكر على العرب عبادتهم للأصنام، وأنكر عليهم أيضًا عادة وأد البنات، فكان رحمه اللَّه يذهب إلى الرجل الذي يريد وأد ابنته فيقول له: لا تقتلها واتركها تعيش وأنا أكفيك مؤونتها! ثم بعد ذلك قرر زيد بن عمرو الرحيل إلى الشام لكي يفتش عن دين التوحيد الذي توصل إليه بعقله، وفي الشام لم يقتنع بدين اليهود، ولم يقتنع بدين النصارى أيضًا، ولكن عالمًا من اليهود وآخر من النصارى أخبراه أن دين التوحيد الذي ينشده هو دين إبراهيم الحنيف الذي لم يكن يعبد إلا اللَّه، عندها رفع زيد يديه إلى السماء وقال مناجيًا ربه: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم. ثم رجع زيد إلى مكة، فأسند ظهره إلى الكعبة وصاح في الناس: "يا معشر قريش! واللَّه ما منكم على دين إبراهيم غيري" ثم وقف هذا العملاق الإسلامي حائرًا لا يعرف كيف يصلي للَّه، فأخذ يبكي من الحيرة وهو يقول: "اللهم إني لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به ولكني لا أعلم" فيخر ساجدًا أمام الكعبة! وفي يومٍ من الأيام وبينما زيد بن عمرو في بلاد الشام المباركة، جاءه راهب نصراني علم بقصته، فأخبره أن نبيًا سوف يبعث قريبًا من بلاد العرب من ولد (إسماعيل ابن إبراهيم)، فرجع زيد إلى مكة يريد ذلك النبي، العجيب أن زيدًا كان يقابل النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- قبل البعثة ويخبره بأمره وما هو عليه من دين إبراهيم، ويروي العالم الفلسطيني الجليل الحافظ (ابن حجر العسقلاني) في كتابه الرائع "فتح الباري في شرح صحيح البخاري" روايةً عجيبةً يرويها (عامر بن ربيعة) يقول فيها: "قال لي زيد بن عمرو: إني خالفت قومي، واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل وما كانا يعبدان، وكانا يصليان إلى هذه القبلة، وأنا أنتظر نبيا من بني إسماعيل يبعث، ولا أراني أدركه، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي، وإن طالت بك حياة فأقره مني السلام! قال عامر: فلما أسلمت أعلمت النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بخبره قال: فرد عليه السلام وترَّحم عليه، وقال عليه الصلاة والسلام: «ولقد رأيته في الجنة يسحب ذيولا». ثم خرج زيد بن عمرو إلى الشام مرة أخرى، فوجده أحد الرهبان النصارى وأخبره بأن نبي آخر الزمان الذي ينتظره قد ظهر بالفعل، فلم يصدق زيد ابن عمرو نفسه من شدة الفرح، فأسرع نحو مكة يريد ذلك النبي الذي عاش طيلة حياته يتمنى رؤيته وهو لا يعلم أنه هو نفسه محمد بن عبد اللَّه، ذلك الشاب الذي كان يقابله في شوارع مكة! وبينما زيد في طريقه إلى مكة فرحًا مسرورًا، حدثت المأساة! فقد هجم عليه مجموعة من قطاع الطرق فقتلوه، فسالت الدماء منه كالشلال المتدفق، فلمّا أدرك أنه أصيب في مقتل، نظر عملاق التوحيد زيد بن عمرو بن نفيل إلى السماء وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة، فدعى ربه دعاءً عجيبًا ما سمعت الأرض مثله من قبل، هذا الدعاء كان له أكبر الأثر في ميلاد عظيمٍ من أهم عشرة عظماء في تاريخ أمة محمد بن عبد اللَّه! فما هو سر ذلك الدعاء العجيب؟ ومن هم أولئك العشرة الذين يُعتبرون أعظم عشرة رجال في تاريخ الإنسانية جمعاء بعد الأنبياء؟ وما هي حكاية ذلك الصحابي البطل الذي كان قائد فرسان المسلمين في معركة "أجنادين" المجيدة؟ يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (32) "صقر اليمامة" (زيد بن الخطاب) ما أروعها من كلمات هذه التي تخترق الصدر لتسكن سؤدد القلب! كلمات خرجت من وجدان عملاقٍ اسمه عمر بن الخطاب، لتحوله إلى طفل صغير يجهش في البكاء طلبًا لحنان أخيه الكبير! كلمات يتذكر المرء فيها لأول مرة أن هذا المارد الضخم الذي دكَّ حصون كسرى وقيصر كان طفلًا في يومٍ من الأيام! نعم. . . . حتى عمر بن الخطاب كان طفلًا يومًا ما!! ولعل ذلك الطفل بقي حيًا أسيرًا بين ضلوعه لا يجد مكانًا له في حياة هذا العملاق، إلّا في هذه اللحظة الذي يتذكر فيها أخاه الكبير! عندها يخرج هذا الطفل من بين ضلوعه وينادي بأعلى صوته بكلمات اختلطت فيها دموع عينه بحشرجات صدره: "أين أنت يا زيد؟ أين أنت يا أخي؟ ". وواللَّه إن المرء ليستشعر من بين أحرف تلك الكلمات البليغة أيامَ الصبا التي تحدث عنها عمر، وياللعجب! فما كنت أتخيل يومًا أنني عندما أرسم صورة في مخيلتي للمارد عمر بن الخطاب فإنني سأراه فيها طفلًا صغيرًا! ولعمري إني لأرى عمرًا وهو طفلٌ صغيرٌ يسابق أخاه زيدًا الخطى في مراعي مكة وشمس الأصيل تتهادى عليهما في الأفق، حينها كان الأخ الكبير زيدٌ يبطئ من سرعته لكي يتسنى لأخيه الصغير عمر أن يسبقه، ولعلك كنت تعلم وقتها يا عمر بحيلة أخيك تلك، كنت تعلم يا عمر في قرارة نفسك أنه كان يسبقك دائمًا، ولكنك لم تكن تعلم حينها بأنه سيسبقك إلى الإسلام، وسيسبقك إلى الشهادة! أعلم أن المفترض لهذا الكتاب التاريخي أن يبتعد عن العاطفة في سرده للوقائع التاريخية، وأنه يتوجب على كاتبه أن يعتمد في كتابته على الحقائق التاريخية المجردة من أي شكلٍ من أشكال العواطف الإنسانية، إلا أن عظيمنا الإسلامي الذي نحن في صدد الحديث عنه ليس رجلًا كباقي الرجال، بل هو نوعٌ خاصٌ من البشر الذين لا يمكن لك أن تفصل ذكر العاطفة عنهم أبدًا، كيف لا وعمر بن الخطاب نفسه تمنى أن لو كان بمقدوره نظم الشعر لكي يرثيه به! والحق أقول أنني كنت استغرب في البداية عن سر ضعف الفاروق كلمّا جاء ذكر أخيه زيد، وربما اعتقدت حينها أنها مجرد عاطفةٍ أخ لأخيه، وهذا جزء من الحقيقة لا أنكره، ولكنني عندما قرأت ترجمة هذا الإنسان العظيم فهمت سر ضعف الفاروق، فنحن في صدد ذكر بطل نادرٍ من أبطال أمة الإسلام. . . . . إنه الفدائي البطل زيد بن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه. البداية كانت في بيت الخطاب بن نفيل بن عمرو، في هذا البيت نشأ زيد مع أخيه عمر تنشأة عربية صلبة، ليشاء اللَّه أن يسلم زيد قبل أخيه عمر، وفي معركة أحُد رأى عمر أن درع أخيه الكبير زيد قد سقطت منه وهو يقتحم صفوف المشركين اقتحام الأسود، فخاف عليه من أسنة الرماح، فخلع درعه من على صدره وصاح بأخيه: # يا زيد. . . . يا أخي. . . . خذ درعي فقاتل بها" فنظر إليه أخوه الكبير وهو يبتسم وقال له: "اني أريد من الشهادة مثل ما تريد يا عمر" عندها رمى عمر الدرع على الأرض وصار الاثنان يقاتلان الأعداء من دون أي دروع تحمي صدورهم! وبعد أن مات رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ارتدت كثيرٌ من القبائل العربية التي لم تكن متعودةً على الوحدة، واعتبرت أن مشروع الوحدة قد انتهى بانتهاء حياة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فمنهم من ادعى النبوة، ومنهم من أراد تقليل عدد الصلوات، ومنهم من رفض دفع الزكاة، فقام الصدِّيق بإرسال الجيوش تلو الجيوش إلى أصقاع الجزيرة العربية لمحاربة جيوش المرتدين. وهنا لنا وقفة قصيرة مع حروب الردة. . . . . فهل كانت هذه الحروب من أجل أموال الزكاة أو كما يصورها بعض المستشرقين وأتباعهم من المنافقين من أجل الضريبة المالية؟ الحقيقة أن الإسلام أصبح بعد وفاة النبي على مفترق طرق، فإما أن يرضى المسلمون بإسقاط ركن من أركان الإسلام، فيكون مقدمة للمساومة التي ستسقط فيما بعد أركان الصلاة والحج والصوم بل وحتى الشهادتين، وإمّا مقاتلة أولئك المرتدين، أما العامل الاقتصادي فلم يكن أبدًا في الحسبان، بل لقد مات أغلب الصحابة وهم فقراء، وإنما ركز المستشرقون على السبب الاقتصادي بالتحديد لكي يشوِّهوا صورة الإسلام ويصورونه على أنه دينٌ مادي بحت! وإذا جاء ذكر المرتدين جاء ذكر عدو اللَّه (مسيلمة الكذاب)، فلقد ظهر جنون هذا الرجل مبكرًا حتى قبل وفاة الرسول محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقد بعث هذا الأبله الكذاب رسالة إلى رسول اللَّه يقول فيها: "من مسيلمة رسول اللَّه إلى محمد رسول اللَّه، إني قد أُشركت في الأمر معك، فلنا نصف الأرض، ولكم نصف الأرض، أو تجعل لي الأمر من بعدك، ولكني أعلم أن قريشًا قوم لا يعدلون". فرد عليه أفصح إنسانٍ عرفته البشرية برسالةٍ قصيرةٍ يقول فيها: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، السَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ» فادعى مسيلمة الكذاب النبوة وتبعه نفر من قومه، ولكن الغالبية من أهل اليمامة لم تصدقه، حتى حدث أمر خطير غيَّر من موازين القوى، فلقد ظهرت شخصية خطيرة، هي شخصية المجرم (الرجَّال بن عنفوة)! والحكاية تبدأ عندما ذهب الرجَّال ذات يوم الى الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- مبايعًا ومسلمًا، فلما تلقّى منه الاسلام عاد الى قومه، ولم يرجع الى المدينة الا إثر وفاة الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- واختيار الصدّيق خليفة على المسملين، فنقل إلى أبي بكر أخبار أهل اليمامة والتفافهم حول مسيلمة، واقترح على الصديق أن يكون مبعوثه اليهم ليثبّتهم على الإسلام، فأذن له الخليفة، فتوجّه الرّجّال الى أهل اليمامة بتفويضٍ شخصي من الخليفة الإسلامي، فحدّثته نفسه الغادرة أن يحتجز له مكانا في دولة الكذّاب التي ظنّها مقبلة، وانتظر أهل اليمامة ما ستسفر عنه المفاوضات بين الرجّال رسول أبي بكر من جهة ومسيلمة الكذاب من جهة أخرى، فخرج الرجّال على أهل اليمامة وجمع الناس له ثم سار بين الناس يقول لهم إنه سمع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يقول: أنه أشرك مسيلمة بن حبيب في الأمر! وما دام الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- قد مات، فأحق الناس بحمل راية النبوّة والوحي بعده، هو مسيلمة! فارتد جُل أهل اليمامة بسبب هذا المجرم، وتم قتل من بقي من المسلمين على دينه، فكان خطر الرّجّال على الاسلام أشدّ من خطر مسيلمة ذاته، ذلك لأنه استغلّ إسلامه السابق، والفترة التي عاشها بالمدينة أيام الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، وحفظه لآيات من القرآن، وسفارته لأبي بكر خليفة المسلمين، فزادت بذلك أعين الملتفين حول مسيلمة زيادة طافحة بسبب أكاذيب الرّجّال هذا. وكانت أنباء هذا الأفّاق المجرم تبلغ المدينة، فيتحرّق المسلمون غيظا من هذا المرتدّ الذي أضلَّ الناس ضلالًا بعيدًا، وكان أكثر المسلمين تغيّظا وتحرّقا للقاء الرّجّال بطل قصتنا الصحابي الجليل زيد بن الخطّاب رضي اللَّه عنه وأرضاه، فكلفه أبو بكر الصديق إمارة الجيش المتوجه إلى اليمامة، فاعتذر زيد رضي اللَّه عنه وأرضاه عن قبول الإمارة، وقال لأبي بكر أن الأمير لا ينبغي له أن يُقتل، وهذا شيءٌ لا يريده، فهو يريد الشهادة! وفعلًا توجه البطل زيد بن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه نحو اليمامة، وصورة ذلك المجرم الرجَّال لا تفارقه، حتى وصلت كتائب النور المحمدية إلى أعتاب اليمامة، فاتحد جيش (عكرمة بن أبي جهل) وجيش (شرحبيل بن حسنة) مع الجيش الإسلامي الموحد تحت إمرة القائد العام للقوات الإسلامية المجاهدة (خالد بن الوليد)،، فاختار المسلمون المارد الإسلامي العظيم زيد ابن الخطاب لتكون له مهمة حمل راية المسلمين. وبدأت معركة اليمامة الأسطورية. . . . . . وتجمع 100 ألفٍ من المرتدين أمام 21 ألف من المسلمين، واشتبك الطرفان، وقاتل المرتدون بشراسة، فكان أول من أصيب في المعركة الصحابي الجليل (أبو عقيلٍ الأنصاري) -رضي اللَّه عنه- بسهمٍ في كتفه شلَّ حركته، فوقف هذا الأنصاري البطل على قدميه ليسحب السهم من كتفه، فسالت دماؤه كشلال متفجر، فحمله (عبد اللَّه بن عمر) -رضي اللَّه عنهما- إلى خيمة العلاج مغشيًا عليه، وفي هذه الأثناء دارت رحى المعركة لصالح المرتدين، فارتفع نداءٌ من بين قعقعة السيوف: يا أنصار رسول اللَّه. . . . يا معاشر الأنصار. . . . اللَّه اللَّه. . . . والكرة على عدوكم. عندها فتح أبو عقيل عينيه وكأن زلزالًا أصابه، فتحامل على ساقيه يريد الوقوف والوصول إلى سيفه، فقال له الصحابي الجليل عبد اللَّه بن عمر: ماذا تريد يا أبا عقيل؟! فقال له أبو عقيل: ألم تسمع المنادي ينادي باسمي؟!! فقال عبد اللَّه: إنما يقول يا أهل الانصار ولا يعني الجرحى، فقال أبو عقيل: أنا من الانصار وأنا أجيبه واللَّه ولو حبْوًا! فتحزم أبو عقيل وأخذ السيف بيده اليمنى وخرج وهو ينادي بصوت كالرعد: يا أهل الانصار كرة كيوم حُنين وجعل يصيح بهم ويضرب من رأي من الكفار بسيفه، فقطعت يده المجروحة واستشهد رحمه اللَّه. وأصبح المسلمون قاب قوسين أو أدنى من الهزيمة، عندها صاح حامل راية الإسلام زيد بن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه بالمسلمين بأعلى صوته: "أيها الناس. . . . عضوا على أضراسكم، واضربوا في عدوّكم، وامضوا قدما. . وواللَّه لا أتكلم حتى يهزمهم اللَّه، أو ألقاه سبحانه فأكلمه بحجتي" وفعلًا لم يفتح زيد فمه طيلة المعركة، بل أخذ يتلفت كالصقر يمينًا وشمالًا، باحثا عن الخائن الأعظم الرجّال بن عنفوة حتى أبصره، وهناك راح يأتيه من يمين، ومن شمال، وكلما ابتلع طوفان المعركة غريمه وأخفاه، غاص زيد وراءه حتى يدفعه الموج الى السطح من جديد، فأقدم زيدٌ عليه يسرع الخطى، فتقدم حُراسه المرتدون يحاولون صدَّ هجومه، ولم يعلم أولئك المساكين أنهم أمام ابن من أبناء الخطاب، فقام هذا المارد الخطابي بدك جماجمهم دكًا، حتى وصل إلى المطلوب الأول لدولة الخلافة الإسلامية الخائن القذر الرجّال بن عنفوة، ليضربه ضربةً بحسامه شقت رأسه إلى نصفين، فأراد زيد أن يكبر، إلا أنه عاهد اللَّه على ألّا يتكلم حتى ينتصر أو يستشهد، فكبر في قلبه، وكبر المسلمون في عنان السماء بعد رؤيتهم لعدو اللَّه وقد انفلق رأسه بضربة هذا المارد الإسلامي العظيم، ثم أخذ زيد يقاتل أعداء اللَّه، وقد دارت رحى المعركة بفضله لصالح المسلمين، هنالك وقد رأي زيد رياح النصر مقبلة، تمنّى لو يرزقه اللَّه الشهادة في يومه هذا، فهبّت رياح الجنة، فملأت نفسه شوقا، ومآقيه دموعا، فراح يضرب ضرب الباحث عن الشهادة، حتى انقضت عليه كتيبة كاملة من المرتدين بسيوفها ورماحها تمزق جسده تمزيقًا وهو لا يتأوه أو يفتح فمه بارًا بقسمه، ليسقط هذا البطل شهيدًا، فنادي خالدُ بن الوليد في الموحدين بأعلى صوته: وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه. . . وامُحَمدّاه عندها ألقى اللَّه الرعب في قلب مسيلمة الكذاب، فهرب إلى حصن له سمي فيما بعد بـ "حديقة الموت"، فتبعته فلول المرتدين القهقرة، وأغلقوا على أنفسهم ذلك الحصن، فقام الصحابي الفدائي (البراء بن مالك) رضي اللَّه عنه وأرضاه، فقال للمسلمين المتحصنين خارج الحديقة: "يا معشر المسلمين، احملوني وألقوني عليهم في الحديقة"، وفعلًا تسلق هذا الفدائي السور وألقى بنفسه في الحديقة، فانقض عليه عشرات المرتدين يطعنونه بسيوفهم وهو يزحف والدماء تسيل منه نحو البوابة حتى فتحها، فاندفع المسلمون في حديقة الموت كالسيل الجارف يقتلون أعداء اللَّه قتلًا، ومن على بعد مسافة كبيرة، لاحظ الصحابي الجليل (وحشي بن حرب) رضي اللَّه عنه وأرضاه مسيلمة الكذاب يختبئ بين جنوده، فأراد وحشي أن يكفر عن ذنبه أيام جاهليته حينما قتل سيد الشهداء (حمزة بن عبد المطلب)، فقرر قتل أكذب كذابي الأرض مسيلمة الكذاب، فعالجه بضربة رمح ثاقبة، فثقب بها صدر مسيلمة، ليذهب ذلك الكذاب إلى مزبلة التاريخ على يد وحشي جزاه اللَّه خيرًا، لينتصر فدائيو الإسلام في هذه المعركة المجيدة. وفي المدينة استقبلت كتائب النصر بالتكبير والتهليل، إلا أن عمر بن الخطاب كان يترقب الجنود العائدين يحاول أن يلمح ماردًا طويل القامة بين صفوفهم، ولكن دون جدوى، عندها اغرورقت عينا الفاروق بالدموع وهو يقول: "رحم اللَّه زيدًا، سبقني إلى الحسنيين، أسلم قبلي، واستشهد قبلي! ليظل زيد حيًا في قلب أخيه الصغير، وحتى بعد أن انتصر على الفرس في القادسية وعلى الروم في اليرموك فإن خيال حبيبه زيد لم يفارق فؤاده أبدًا فكان يقول دائمًا: "ما هبّت الصبا. . . . إلا وجدت منها ريح زيد! ". الغريب في الأمر أن الناس في منطقة في "نجد" انبهروا جدًا ببطولة زيد بن الخطاب، فصاروا يأتون إلى قبره طلبًا لزيارته والترحم عليه في أول الأمر، ثم تطور الأمر بعد ذلك إلى التبرك بالقبر، وسنة بعد سنة أصبح الوضع خطيرًا للغاية، لدرجةٍ أن الناسَ باتوا يطوفون حول القبر ويذبحون عنده النذور ويطلبون من صاحب القبر أمور دنياهم وآخرتهم! واستمر الوضع كذلك حتى خرج من بين كثبان صحراء نجد عظيمٌ جديدٌ من عظماء هذه الأمة، ليجدد لها دينها بدعوته إلى التوحيد، ليصبح اسمه اسمًا مرعبًا لكل صاحب بدعةٍ إلى يوم الناس هذا! يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (33) " آريوس أمة محمد" (محمد بن عبد الوهّاب) " إن الذي أدعو إليه هو دين اللَّه، فلا يُدعى إلا اللَّه، ولا يُنذر إلا للَّه، ولا يُذبح القربان إلا للَّه" (محمد بن عبد الوهّاب) "ولم تذهب صيحة ابن عبد الوهاب عبثا في الجزيرة العربية ولا في أرجاء العالم الإسلامي من مشرقة إلى مغربه، وسرت تعاليمه إلى الهند والعراق والسودان وغيرها من الأقطار النائية، وأدرك المسلمين أن علة الهزائم التى تعاقبت عليهم إنما هي في ترك الدين لا في الدين نفسه. وأنهم خلفاء أن يستردوا ما فاتهم من القوة والمنعة باجتناب الباع، والعودة إلى دين السلف الصالح في جوهره ولبابه" (العقاد) الوهّابية! الوهّابي!! الوهّابيون!!! مصطلحاتٌ باتت تتكرر كثيرًا في السنوات الأخيرة، ما بين مهاجم ومدافع، ما بين محلل ومحذر، فأفردت الصحف الكبرى صفحاتها لمناقشة هذه الظاهرة، ظاهرة "المد الوهّابي"! وحفز الكتّاب أقلامهم يحللون هذه الظاهرة التي باتت تنتشر انتشارًا واسعًا بين الشباب، والغريب في الأمر أن بعض المحسوبين على علماء الدين أصبح لا هم لهم في الدنيا إلا المشاركة في البرامج الحوارية، لا لتفسير آيات اللَّه، بل لتحذير الناس من خطر هذا (الفكر المستورد) والذي يمثل (خطرًا) على الإسلام يفوق خطر جحافل التتار التي دمرت الأخضر واليابس! ولكن الشيء الذي يدعو للسخرية أن أَيًّا من هؤلاء لم يشرح لنا ما هي الوهابية، بل إن الأمر الهزلي الأكثر مدعاة للسخرية هو أن الوهابية التي تشغل عليهم حياتهم ما هي إلّا شيءٌ وهمي لا وجود له على الإطلاق!!! ولأن الحديث ذو شجون، أتذكر زميلًا لي من أرض العراق اسمه عمر (عرفت فيمابعد أن اسمه الحقيقي هو حيّاوي!)، هذا الزميل الشيعي لم يكن له همٌ في الحياة إلا تحذيري من خطر الوهابية، بل إنه تطوع لكي يحذر بعض الرفاق الأوروبيين بلغته الإنجليزية الركيكة من خطر (الوهّابزم) (Wahhabism) حتى صار يكرر ذلك التحذير عليهم لدرجةٍ جعلتني أناديه باسم (عمر وهّابزم)! وصدق الشاعر إذ قال: وإذا أراد اللَّه نــشر فـضيـلــــة ... طُويـت أتـاح لهـا لسـان حسـود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يُعرف طيبُ عَرف العود فلقد دفعني عمر وهّابزم أو حيّاوي وهّابزم أيًا كان اسمه إلى أن أفتش في صفحات خلت من التاريخ، علّي أجد شرحًا وافيًا لهذه الظاهرة التي شغلت بال الناس في السنوات الأخيرة، ولأن الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، فإننا لا نستطيع أن نحكم على إنسانٍ إلّا من خلال أعماله أو أقواله، لا من خلال ما يقال عنه من أعدائه أو حتى من أصدقائه، فالوهابية تنسب أساسًا إلى رجلٍ من صحراء نجد السمه الشيخ محمد ابن عبد الوهاب التميمي، والذي وُلد سنة 1703 م وتوفي سنة 1792 م، هذا الرجل حفظ كتاب اللَّه صغيرًا وتعلم على أيدي علماء مكة والمدينة، قبل أن يرحل إلى البصرة لينهل من علمائها أحاديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وبعد تنقلاته العديدة بين صحاري نجد والحجاز والعراق، وفي سن التاسعة عشرة قرر هذا الشاب أن يجهر بدعوةٍ عجيبة، لقد قرر محمد ابن عبد الوهاب أن يجهر بدعوة التوحيد! وقد يعجب المرء من أمر هذا الشاب الصغير الذي يدعو إلى توحيد اللَّه تعالى بعد أكثر من اثني أحد عشر قرنًا من وفاة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأين؟! في مهبط الوحي في الجزيرة العربية نفسها!!! فإذا كنت تعتقد أن التوحيد هو مجرد نطقك لشهادة أن لا إله إلا اللَّه فأنت واهمٌ! ولكي نفهم ذلك أكثر فإنه يجب علينا أن نبحر بها من جديد عبر بوّابة الزمن لكي نرى حال الأمة الإسلامية في أواخر القرن الثاني عشر الهجري، الموافق الثامن عشر الميلادي: الخلافة العثمانية والتي كانت تحكم أغلب ديار الإسلام كانت قد دخلت في طورٍ من الضعف بعد سليمان القانوني رحمه اللَّه، فانشغل العثمانيون في الدفاع عن أراضي المسلمين في أوروبا في ظل هجمات متكررة من روسيا القيصرية في الشرق وفرنسا من الغرب. في نجد مسقط رأس محمد بن عبد الوهاب كان الناس يحجّون إلى قبر زيد ابن الخطاب رضي اللَّه عنه وأرضاه ويدعونه لتفريج الكرب، وكشف النوب، وقضاء الحاجات، وكانت هناك شجرةً اسمها "شجرة الذئب" يتبرك بها الناس، فيطوفون حولها، ويأمها النساء ليعلقن عليها الخرق البالية لكي يسلم أولادهن من الموت والحسد، والرجل الفقير يذهب إلى تلك الشجرة لكي ينال الرزق، والمريض يذهب إليها لتشفيه! في الحجاز كان المسلمون يصلون في مسجد رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أربع مراتٍ عند وقت كل صلاة، فأتباع المذهب الحنبلي لا يصلون خلف إمامٍ شافعي، وأتباع المالكية لا يصلون خلف إمامٍ يتبع مذهب أبي حنيفة وهكذا، أما في مكة مسقط الوحي فقد كان الناس يطوفون حول قبور الصحابة! في مصر انتشرت الطرق الصوفية المختلفة، وتدافعت القوافل من مختلف أصقاع أرض الكنانة إلى مدينة "طنطا" لتحج إلى قبر السيد البدوي كل عام، داعين البدوي لتفريج الهم، وزيادة الرزق! وأصبحت القبور مكانًا يتكسب منه الدجالون، فانهالت عليهم أموال النذر، وأصبحت الموالد مكانًا خصبًا لطالبي الزنى ومتعاطي المخدرات، وشاع السحر والشعوذة أرجاء مصر! في العراق عُبد الحسين من دون اللَّه! وأصبحت النجف مكانًا لعبّاد القبور والأضرحة، وأصبحت المناسبات الدينية موسمًا لطالبي المتعة الجنسية، فاندفع شباب الشيعة في طرقات الأضرحة الضيقة كل منهم يريد نصيبه من الرذيلة والفاحشة، أما أهل السنة فصاروا يتبركون بقبر أبي حنيفة النعمان في بغداد! في المغرب لم يكن الوضع في المغرب أفضل بكثيرٍ من المشرق، فقد كان الناس يدعون السيد عبد القادر الجيلاني من دون اللَّه، وانتشرت الموالد والبدع، وقدم الناس النذور لشيوخ الطرق الصوفية! الخلاصة أن العالم الإسلامي كان في صورة لا يحسد عليها، صورها المؤرخ الأمريكي (لوتروب ستودارد) بقوله: "في القرن الثامن عشر كان العالم الإسلامي قد بلغ من الانحطاط أعظم مبلغ، فقد ألبست الوحدانية التي علمها صاحب الرسالة الناس ثوبًا من الخرافات وقشور الصوفية، وخرج الناس من مكان إلى مكان يحملون في أعناقهم التمائم والتعاويذ والسبحات، وانتشر الحج إلى قبور الأولياء، فلو عاد صاحب الرسالة إلى الأرض في ذلك العصر ورأى ما كان يُدعى الإسلام لغضب! " وفي ظل هذا الجو القاتم ظهر من صحراء نجد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، فدعا الناس إلى ترك هذه الخزعبلات والرجوع إلى الإسلام الصحيح -إلى التوحيد- وأوضح لهم أنه لا يكفي المسلم أن يقول عن نفسه موحدًا للَّه من دون أن يُعكس ذلك على أفعاله وأقواله! وقد علم الشيخ ابن عبد الوهاب أن أغلب زوّار القبور والأضرحة وحتى الذين يدعون الأموات يدركون أن اللَّه واحدٌ، وهم إنما يذهبون إلى قبور الأولياء الصالحين طلبًا للبركة التي تقربهم إلى اللَّه! فقام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتوضيح معنى التوحيد لهؤلاء المساكين بأن اللَّه لا يحتاج إلى واسطة في دعائه! فلقد طلب اللَّه من رسوله الكريم أن يبين للناس ما قد سألوه من أمور مختلفة بقوله (قل) أي قل يا محمد، فقال اللَّه عز وجل في كتابه الكريم: {وَيَسْأَلُونَك� � عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} [البقرة: 222]. {وَيَسْأَلُونَك� � عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ} [البقرة: 220]. {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189]. ولم يستثنِ اللَّه من ذلك إلا حالة واحدة، هي حالة الدعاء! فقد قال اللَّه في الآية السادسة والثمانين بعد المائة من سورة البقرة: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}. وأوضح الشيخ لهم أن اللَّه لم يقل "فقل إني قريب"! فليس هناك واسطةٍ بين دعاء العبد وربه حتى ولو كان صاحب هذه الواسطة هو رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ثم بين لهم الشيخ ابن عبدالوهاب أنه لا يجوز أبدًا دعاء الأموات، وذكر لهم ما قاله اللَّه في سورة فاطر من أمر دعاء الأموات والأولياء الصالحين: {وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)}. وبين الشيخ محمد بن عبدالوهاب أن اللَّه قد قال أولًا (دعاءكم) ثم قال (شرككم) أي أن دعاء غير اللَّه يُدخل الإنسان في حالة الشرك الأكبر! عند ذلك حورب الشيخ محمد بن عبد الوهاب ممن كانوا يتكسبون من القبور والأضرحة وأموال النذور، فسافر الشيخ من مكانٍ إلى مكان يدعو الناس إلى التوحيد، ودعوته تلقى الصد من أمراء نجد وشيوخها، فقد تعود الناس هناك على البدع والطواف حول القبور، إلى أن وصل الشيخ إلى بلدة في نجد يقال لها "الدرعية" فعرض دعوته في التوحيد على أميرها الشيخ (محمد بن سعود)، فاقتنع الأمير بها، وبايعه على النصرة والمنعة مقابل أن يقيم الشيخ ابن عبد الوهاب دائمًا معهم في الدرعية ليعلم شباب القبيلة الدين الصحيح، فوافق الشيخ ابن عبد الوهاب على ذلك. فأقام الشيخ بالدرعية مُؤيدًا من حاكمها ابن سعود، فكان أول شيء قام به هناك هو تعليم الناس أهم شيء في دينهم -التوحيد- فرتب الدروس في العقائد، وفي القرآن الكريم، وفي التفسير، وفي الفقه، والحديث، والعلوم العربية، والتاريخ، وغير ذلك من العلوم النافعة، فأقبل الناس على العلم، وذاع صيت ذلك الشيخ الذي يعلم الناس أمور التوحيد، فتوافد شباب القبائل المجاورة على الدرعية من كل مكان، وأصبحت الدرعية بؤرة للنور في بحرٍ من الظلمات، وازداد عدد أتباع الشيخ ابن عبد الوهاب، وأصبحت الدرعية قوة ضاربة في صحراء نجد، وبعد سنين قليلة من دعوة ابن عبد الوهاب للتوحيد، وبعد أن تعلم الشباب أصول دينهم الصحيح على يديه، أعطى الشيخ ابن عبد الوهاب إشارة الإذن بالجهاد لنشر أصول التوحيد بين عُبّاد القبور، فذهب الشيخ محمد ابن عبد الوهاب إلى القبة التي بنيت على قبر الصحابي البطل زيد بن الخطاب رضي اللَّه وأرضاه والتي كان الناس يتعبدون بها ويطوفون حولها، فهدمها بنفسه، ثم نشر الشباب الموحد بين القبائل العربية لكي يعيدوا إحياء مفهوم التوحيد المنسي، وأرسل المرشدين والدعاة في الصحراء والبوادي ليبينوا للناس مفهوم التوحيد الصحيح، كما أرسل المعلمين والقضاة إلى القرى النائية، فبدأت الناس تعمر المساجد الخاوية من جديد، وعاد الناس لصيام رمضان، فترك الناس العادات البدعية التي ورثوها من آبائهم. وبعد وفاة الشيخ ابن عبد الوهاب رحمه اللَّه، استطاع أتباعه نشر دعوته في مكة والمدينة، فقام هؤلاء بنشر مفهوم التوحيد بين الحجاج من مختلف البلدان الإسلامية، فانتشرت دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب من البنغال شرقًا إلى المغرب غربًا، فاستغل الشباب المسلم من أتباع الشيخ البطل محمد بن عبد الوهاب توافد الحجيج على مكة والمدينة من مختلف أرجاء العالم الإسلامي، فأخذ أولئك الشباب يعلمون الحجيج مبادئ التوحيد والإسلام الصحيح، فتعلم كثيرٌ من حجاج بيت اللَّه الحرام من مختلف أرجاء العالم من أولئك الموحدين، ثم قام أولئك الحجاج بنشر هذه المبادئ التوحيدية في بلدانهم، وهكذا جدد الإمام محمد بن عبد الوهاب دين الأمة الإسلامية بأسرها، وما زال يجددها بعد مماته بفضل كتابه العظيم، كتاب "التوحيد"! بقي أن أنوه إلى أمرٍ أخير، فلقد اجتهدت في إطلاق لقبٍ على الشيخ محمد بن عبد الوهاب في هذا الكتاب ألا وهو "آريوس أمة محمد"! وذلك بعد أن رأيت تطابقًا عجيبًا بين قصة هذا الإمام وقصة آريوس التي سبق أن ذكرناها سابقًا في هذا الكتاب، فكلاهما رفض تغيير مبدأ التوحيد، وكلاهما لم يكن له مذهب أصلًا لكي يتبعه الناس، وكلاهما حورب في حياته وبعد مماته، وكلاهما دعا إلى الرجوع إلى فهم سلف الأمة للإسلام وترك التقليد الأعمى للمذاهب، هذا إلى رجال القرون الثلاثة الأولى من أمة محمد، وهذا إلى رجال القرون الأولى من أمة عيسى! والشيء اللافت للنظر أن النصارى الموحدين من أتباع أريوس والذين رفضوا البدع سُمّوا من دون أن يعلموا بـ "الآريسيين"، بينما سُمّي المسلمون الموحدون الذين رفضوا البدع وأنكروا على الناس دعاءهم لغير اللَّه أيضًا بدون علمهم أيضًا باسم "الوهابيين". . . . أو "الوهابزم" كما يحب أن يسميهم حيّاوي الكذاب! الغريب في الأمر أن دعوة التوحيد هذه لم تكن مسألة مسلمّا بها في كل حِقب تاريخ أمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، بل إن التوحيد لطالما كان في مهب الريح بين الحين والآخر في تاريخ هذه الأمة! فما هي قصة التوحيد في بلاد المغرب الإسلامي؟ وما هي الأوضاع المزرية التي وصل لها المسلمون في المغرب الإسلامي في القرن الخامس الهجري؟ وكيف كان المسلمون هناك يحرمون أكل لحم الخنزير ويحللون أكل لحم الخنزيرة؟! وما هي قصة المرابطين؟ ولماذا سُمّوا بهذا الاسم؟ ومن يكون ذلك البطل الإسلامي العملاق الذي ظهر على ضفة نهر السنغال في أقصى الغرب الأفريقي ليسجل اسمه بحروفٍ من نورٍ في قائمة العظماء المائة في أمة التوحيد؟ يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (34) "مؤسس جماعة المرابطين" عبد اللَّه بن ياسين كلما غوَّرت أكثر في هذا الكتاب اكتشفت العجب! كنت أعلم منذ البداية أن عظماء هذه الأمة لديهم من الخصائص ما يجمعهم ويوحدهم تحت سقف واحد، ولكن ما كنت أجهله فعلًا هو ذلك الشبه العجيب الذي يتكرر تباعًا بين عظماء أمة الإسلام المائة، وكأنهم وُلدوا إخوانًا! أو كأنهم خُلقوا جميعًا من نفس الجينات البشرية! فالقصص تتكرر بشكلٍ عجيب أذهلني شخصيًا. فعندما بدأت كتابة هذا الكتاب وقررت أن أصل بين كل عظيم والعظيم الذي يليه، ساورني بعض الشك في إمكانية ربط أناسٍ من بلدان مختلفة وأعراق مختلفة وأزمانٍ مختلفة، ولكنني أعترف أنه إلى حد الآن -وبعد أن أنجزت ما يقرب من ثلث هذا الكتاب- لم أجد صعوبة تذكر في ربطٍ أي منهم بالآخر! بل إن الشيء الأعجب في الأمر، والذي لا يعرفه القارئ الكريم، أنني لا أمتلك أي خطة عمل في ترتيب العظماء المائة! فكاتب هذا الكتاب مثل قارئه لا يعرف من سيأتي بعد ذلك! فعلى سبيل المثال لا الحصر لم يكن ضمن حساباتي مثلًا أن أكتب عن هذا العظيم الإسلامي في هذا الموضع، وإنما جاءت فكرة الكتابة عنه قبل عدة ساعات وفي نفس هذا اليوم الذي انتهيت فيه من الكتابة عن الإمام محمد بن عبد الوهاب! فالقصة بينهما ليست متشابهة فحسب، بل إنها تكاد تكون متطابقة تمامًا، ولكن مع تغييرٍ في مسرح الأحداث من صحراء نجدٍ في جزيرة العرب إلى صحراء موريتانيا في الغرب الأفريقي، وتغييرٍ في الزمان من القرن الثاني عشر الهجري إلى الخامس الهجري. هناك في أقصى الجنوب الموريتاني كانت أحوال المسلمين مزريةً للغاية، فبالرغم من دخول قبائل "صنهاجة" البربرية في الإسلام منذ فجر الفتوحات على يد الفاتح الإسلامي الأموي (عقبة بن نافع)؛ إلا أن الإسلام الصحيح ضاع بين البربر هناك مع مرور الزمن وبُعد المكان عن مهبط الوحي وانعزاله خلف كثبان الصحراء الكبرى، فتبرك المسلمون هناك بالقبور، ودعا الناس الأولياء الصالحين من دون اللَّه، وأدمنوا شرب الخمور، وانتشر الزنى بينهم بشكلٍ رهيب، حتى أن الرجل كان يجامع خليلة جاره من دون أن يعترض زوجها على ذلك! وامتنع الناس عن أكل لحم الخنزير، ولكنهم أكلوا لحم الخنزيرة!!! وكان لقبيلة "جُدالة" وهي فرعٌ من فروع "صِنهاجة" شيخ بفطرةٍ طيبة اسمه الشيخ (يحيى بن إبراهيم الجدالي)، فأراد هذا الشيخ أن يصلح من حال قبيلته، ولكنه لم يكن يعلم من أمور الدين الكثير، فذهب إلى الحج، وفي طريق عودته مرَّ على "القيروان" في تونس، وقصَّ على علمائها أمر قومه وما هم عليه من الضلال والبعد عن شرع اللَّه، فبعثوا معه رجلًا من البربر اسمه الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) لكي يُرجع أهل جدالة إلى التوحيد الذي جاء به محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ فأخذ الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين يدعوهم إلى عبادة اللَّه وحده وترك الدعاء عند القبور، فطلب الناس منه أن يتركهم وشأنهم وأن يعود من حيث أتى، لكن الشيخ رفض ترك الدعوة، فحرق الناس بيته، وطردوه خارج القبيلة وهددوا الشيخ يحيى بن إبراهيم بنفس المصير إن هو ساعده، فأصبح الشيخ عبد اللَّه بن ياسين طريدًا في صحراء موريتنيا، وأصبح بين خيارين، إما العودة أو الاستمرار؛ فاختار الشيخ ابن ياسين خيار الأنبياء، وهو الطريق الأصعب بطبيعة الحال، ولو أنه اختار الطريق السهل، لمات مجهولًا في حدائق القيروان، ولما كُتبت هذه الحروف عنه بعد ما يقارب الألف عام من وفاته، فبدلًا من أن يتجه الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين إلى الشمال حيث تلال تونس الخضراء، غوَّر جنوبًا في أدغال أفريقيا ليعبر نهر السنغال، وهناك في غابة من غاباتها، أقام خيمةً ورابط فيها، فكانت خيمة الرباط الأولى، ثم بعث رسالة إلى أهل جدالة يخبرهم فيها أنه من أراد تعلم دين اللَّه فليأته في رباطه في أرض السنغال، فخرج خمسة شباب من جدالة خفية واتجهوا نحو السنغال، ورابطوا مع الشيخ ابن ياسين في خيمته، فأخذ الشيخ يعلمهم معنى التوحيد، فاقتنع الشباب الخمسة بدعوة الشيخ، فذهبوا إلى جدالة وأحضروا عائلاتهم، وبنى كل منهم خيمة يرابط بها بعد أن روى لهم الشيخ حديث رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- «رباط يومٍ وليلةٍ خير من صيام شهرٍ وقيامه»، ثم جاء خمسة شباب آخرين؛ فصار المرابطون عشرة، ثم صاروا عشرين، فمائة، فوضع الشيخ لجماعة المرابطين برنامجًا قاسيًا في التربية، فكان عليهم قيام الليل، وصيام النهار، وحفظ القرآن، وصيد طعامهم من غابات السنغال بأيديهم، فصار الشيخ يعلمهم فنون القتال بنفسه، وما هي إلا أربعة أعوامٍ حتى صار بين يدي الشيخ عبد اللَّه بن ياسين ألف رجل من المرابطين الأشداء السليمي العقيدة، وفي هدية من هدايا اللَّه سبحانه وتعالى، يؤمن زعيم قبيلة "لنتونة" وهي فرعٌ آخر من فروع "صنهاجة"، كان هذا الرجل اسمه (يحيى بن عمر اللنتوني)، ليدخل هذا الشيخ جزاه اللَّه كل خير بين يومٍ وليلة جميع رجال قبيلته المقدر عددهم بسبعة آلاف رجل في جماعة المرابطين، في الوقت الذي احتاج فيه الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين إلى أربع سنواتٍ ليجمع فيها ألف مرابط فقط! وبعدها بأيام يموت الشيخ يحيى بن عمر اللنتوني رحمه اللَّه بعد أن أدخل قبيلةً كاملة إلى دين التوحيد، ويالها من خواتيم! وبعد ذلك دخلت "جدالة" كلها مع المرابطين، ليصبح عدد المرابطين اثني عشر ألفا، لينشر ابن ياسين المرابطين بين القبائل البربرية يدعوهم إلى دين اللَّه الصحيح من جديد، وفي إحدى طلعاته، أغارت قبيلة من القبائل المبتدعة على الشيخ ومن معه من المرابطين، فطلب المرابطون منه أن يبقى في خيمته ليقوموا هم بحمايته، إلّا أن الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين تناول سيفه ولبس عدة القتال وقال للمرابطين من حوله: "إني لأرجوا أن يرزقني اللَّه الشهادة، فإذا قتلت فادفنوني في نفس المكان الذي أسقط فيه" وفعلًا استشهد الشيخ البطل عبد اللَّه بن ياسين في ميدان الجهاد، ودُفن رحمه اللَّه في مكان استشهاده كما أوصى. فما الذي حصل لجماعة المرابطين بعد مقتل زعيمها؟ وكيف تطورت جماعة المرابطين التي بدأت بخيمة على نهر السنغال لكي تصبح أكبر إمبراطورية عرفتها أفريقيا وأوروبا؟ ومن يكون ذلك الرجل العظيم الذي أدخل بمفرده خمسة عشر دولة أفريقية في دين اللَّه؟ يتبع. . . . . . .
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (36) العزيز في زمن الذلة (المتوكل بن الأفطس) " ليس بيننا وبينك يا ألفونسو إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك" (المتوكل بن الأفطس) لو لم أكن أعرف نسبي جيدًا حتى أصل به إلى (سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان)، لشككت حينها أنني امرءٌ من البربر! فلقد ذكرت أبطال البربر كثيرًا لدرجة بتّ أخشى فيها أن يتَّهمني البعض بمحاباتي للبربر على حساب غيرهم في هذا الكتاب! والحقيقة أنني نفسي متفاجئ من تاريخ قبائل الأمازيغ الذي لا نعرف عنه شيئًا، فلقد قدّم أولئك القوم الكثير لأمة محمد -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولو لم يكن فيهم إلّا رجلًا واحدًا هو الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) أو الشيخ (أبو بكر بن عمر اللنتوني) لكفاهم، إلا أنني لا أستطيع أن اغفل ذكر بطلٍ إسلامي عظيم ظهر في زمن ضعف وهوان، فأن تكون عظيمًا في زمن العظماء فهذا شيءٌ عادي، أما أن تكون عظيمًا في زمن ندرت فيه العظمة، فأنت وقتها عظيم بالفعل! وعظيمنا هو البطل الإسلامي البربري (المتوكل بن الأفطس)، وهو ملك ظهر في زمن ملوك الطوائف، وهي فترة من فترات الضعف والتفرق في الأندلس استمرت من سنة 422 هـ إلى سنة 479 هـ، أي أنها فترة استمرت 57 سنة من حكم المسلمين الذي امتد لأكثر من 800 سنة في الأندلس! ومع ذلك لا يذكر إعلامنا الأندلس إلا وسلط الأضواء على عهد ملوك الطوائف، وكأن تاريخ الأندلس كان كله تاريخ ملوك الطوائف! وليس عندي أدنى شك أن ذلك تطبيق عملي لـ "نظرية الغزو التاريخي" التي سبق وأن تطرقنا إليها مرارًا في هذا الكتاب، فمن أهم بنود هذه النظرية بندٌ يقوم فيه الغزاة بتسليط الضوء على مراحل الضعف التي مرت بها الأمة، وذلك لكي يشعر شباب الإسلام بأن تاريخهم أسود بالمجمل، فينغرس في عقلهم الباطن بأن أمتنا ما هي إلى نبتة برية سُقيت بأوساخ التاريخ، فينعدم كيان شبابنا، وتسود فيهم روح الانكسار، ولا يبقى لهم في النهاية إلّا أن يكونوا أتباعًا لأولئك الغزاة! فكلما بحثتُ اكثر عن تاريخنا، اقتنعت أكثر بحقيقة كانت قد تجسدت لدي، ألا وهي أن معركتنا القادمة إنما هي معركة إعادة كتابة تاريخ هذه الأمة، ورفع الغبار عن صفحات كتابها المجيد، لا لكي نشعر بالفخر والاعتزاز بتاريخ أبطالنا فقط (وهذا شيءٌ مطلوبٌ أيضًا!)، بل من أجل أخذ العبر واستلهام الدروس من تجاربهم التي خاضوها، فحال قبائل البربر قبل بدء دعوة ابن ياسين لا يختلف كثيرًا عن حال الأمة الآن، فدراسة قصة الأندلس منذ بدايتها وحتى نهايتها تبين لشباب هذه الأمة كيفية الصعود الحضاري، وهذه هي فائدة دراسة التاريخ، وهذا ما نرمي إليه من خلال هذا الكتاب إن شاء اللَّه. وقبل أن نتحدث عن بطلنا العظيم ينبغي علينا أن نعرف حال الأندلس في زمانه، ومن خلال ذلك يمكن لنا أن نقيس مدى عظمة المتوكل بن الأفطس، فلقد انقسمت دولة الأندلس الإسلامية إلى 22 دولة، يحكمها ملوك من العرب والبربر والمولدين (الإسبان المسلمين)، فساد التضعضع أرجاء الممالك، وأغار كل واحد منهم على أخيه، فكانت المملكة الواحدة تتفكك إلى مملكتين أو أكثر بعد موت ملكها، وهكذا ظلت الأندلس تتشظى حتى أصبحت لقمة سائغة لمملكة قشتالة الصليبية في الشمال، والتي كانت إلى وقت قريب تدفع الجزية إلى الخلفاء الأمويين، ولكن الوقت قد تغير بالكلية في عهد ملوك الطوائف، فلقد أصبح ملوك تلك الممالك المتشرذمة هم من يدفعون الجزية لملك قشتالة (ألفونسو السادس)، فكان هذا الملك الصليبي يجهز جيشه بأموال الجزية التي يأخذها من المسلمين ليقوم بعد ذلك باحتلال مدنهم الواحدة تلو الأخرى! فسقطت بذلك "طليطلة" أعظم مدن الأندلس والتي فتحها الفاتح الإسلامي (طارق ابن زياد) منذ فجر الفتوح الأندلسية، المضحك المبكي في قصة سقوط تلك المدينة العظيمة يكمن في أنها سقطت بعد أن استضاف ملكها (ابن ذي النون) الملك (ألفونسو السادس) في قصورها وذلك بعد أن طرده إخوته الإسبان، فقام ذلك الملك الصليبي الخائن باستكشاف منافذ المدينة من كل جانب ليسهل عليه فتحها بعد ذلك بجيشه. أما ملك "سرقسطة"، وهو أحد ملوك الطوائف، فقد قام بالاستعانة بالصليبيين في مملكة "أراجون" ضد أخيه، فدفع الأموال لملك "برشلونة" الصليبي لكي يعيد له مدينة "بربشتة" التي أخذها أخوه منه، فقام الصليبيون بقتل 100 ألف من المسلمين في يوم واحد في بربشتة، ثم قام الصليبيون باغتصاب الفتيات المسلمات في طرقات تلك المدينة، قبل أن يرسلوا 7 ألاف فتاة بكر من أجمل بنات المسلمين كهدية إلى ملك "القسطنطينية" الصليبي في المشرق. أمّا ملوك الطوائف، فقد زاد عددهم يومًا بعد يوم، وتلقبوا بألقابٍ كبيرة، فكان منهم المعتصم والمعتضد والمعتمد والناصر، وكان كل منهم أميرًا للمؤمنين، فكان المرء يمشي مسيرة يوم واحد ليقابل ثلاثة من أمراء المؤمنين في دويلات الأندلس المتشظية، مما دفع شاعر الأندلس في ذلك الوقت (أبا بكر بن عمار) لكي يصف ذلك الوضع المزري في الأندلس بقوله: ممـا يُـزهِّدُني في أرْضِ أندلسٍ ... ألقـابُ مُعتـمـدٍ فـيـهـا وَمُـعْتَـضِـدِ ألقْابُ ممَلكَة في غَيْرِ مَوْضِعِـها ... كَالهِرِ يَحْكي انْتِفاخًا صَوْلة الأسَدِ وفي الوقت الذي دفع فيه جميع ملوك الطوائف الجزية للصليبيين مقابل البقاء على كراسيهم، أبى منهم ملكٌ واحدٌ فقط أن يعطي الدنية في دينه، وهو ملك مملكة "بطليوس" في "البرتغال"، ألا وهو الملك البربري (المتوكل باللَّه بن الأفطس)، والحقيقة أن هذا الموقف يكفيه لكي ينضم إلى قافلة المائة العظماء في هذه الأمة، فأن يحاول المرء مجرد الوقوف في وجه التيار في مثل هذه الظروف، يجعل منه بطلًا بالضرورة، فلم يكتفِ ابن الأفطس بعدم دفع الجزية فحسب، بل بعث برسالة قوية يرد فيها على (ألفونسو) الذي توعده بالحرب إن لم يقتدِ بإخوانه من ملوك الطوائف ويدفع الجزية، فكان رد المتوكل عليه: "وصل إلينا من عظيم الروم كتاب مدعٍ في المقادير وأحكام العزيز القدير، يرعد ويبرق، ويجمع تارة ثم يفرق، ويهدد بجنوده المتوافرة وأحواله المتظاهرة، ولو علم أن للَّه جنودا أعز بهم الإسلام وأظهر بهم دين نبيه محمد عليه الصلاة والسلام أعزّة على الكافرين، يجاهدون في سبيل اللَّه لا يخافون، بالتقوى يُعرفون وبالتوبة يتضرعون، ولإن لمعت من خلف الروم بارقة فبإذن اللَّه وليعلم المؤمنين، وليميز اللَّه الخبيث من الطيب ويعلم المنافقين. أما تعييرك للمسلمين فيما وهى من أحوالهم فبالذنوب المركومة، ولو اتفقت كلمتنا مع سائرنا من الأملاك لعلمت أي مصاب أذقناك كما كانت آباؤك تتجرعه، وبالأمس كانت قطيعة المنصور على سلفك لما أجبر أجدادك على دفع الجزية حتى أهدى بناته إليه. أما نحن فإن قلّت أعدادنا وعُدم من المخلوقين استمدادنا، فما بيننا وبينك بحر نخوضه ولا صعب نروضه، ليس بيننا وبينك إلا السيوف، تشهد بحدها رقاب قومك، وجلاد تبصره في نهارك وليلك، وباللَّه تعالى وملائكته المسوّمين نتقوى عليك ونستعين، ليس لنا سوى اللَّه مطلب، ولا لنا إلى غيره مهرب، وما تتربصون بنا إلا إحدى الحسنيين، نصر عليكم فيا لها من نعمة ومنة، أو شهادة في سبيل اللَّه فيا لها من جنة، وفي اللَّه العوض مما به هددت، وفرج يفرج بما نددت ويقطع بما أعددت". فما أن قرأ ألفونسو السادس رده حتى عرف أن هذا الرجل ليس من نفس معدن ملوك الطوائف، فرجع بجيوشه إلى "قشتالة"، ليظل المتوكل بن الأفطس الوحيد بين ملوك الطوائف الذي لم يدفع الجزية البتة! وظلت الأندلس على هذه الحالة القاتمة حتى حدث شيء عجيب غير من مسار التاريخ هناك، فلقد بعث ألفونسو السادس بوزيره اليهودي (ابن شاليب) إلى (المعتمد بن عبّاد) ملك "إشبيلية" و"قرطبة" يطلب منه أمرًا عجيبًا يوضح مدى الذلة التي وصل إليها ملوك الطوائف، فلقد طلب ألفونسو السادس من المعتمد ابن عباد أن يفتح له أبواب جامع قرطبة (أكبر جامع على وجه الأرض في وقتها!)، وذلك لكي تقوم زوجته ملكة إسبانيا بالولادة عند منبر المسجد!! فتعجب ابن عباد من هذا الطلب المقزز، وعرض أن يضاعف أموال الجزية بدلًا من ذلك، لكن الوزير اليهودي ابن شاليب رفض ذلك وأساء أدبه مع الملك في حضرة الوزراء والشيوخ، عند ذلك بلغ السيل الزبى لدى ابن عباد، فقد وصل الأمر إلى حد الاستخفاف ببيت اللَّه، عندها استل المعتمد بن عباد سيفه وقطع به رأس ذلك الوزير، وأرسل به إلى ألفونسو مرفقًا برسالة أن لا جزية لك بعد اليوم، فاقض ما أنت قاض! فاستشاط ألفونسو السادس غضبًا، وتقدم بجنوده لأشبيلية، فحاصرها، فطال أمد الحصار هناك، عند ذلك بعث ألفونسو السادس برسالة يستخف بها من ابن عباد، فكتب له يقول: "إن الذباب قد آذاني حول مدينتك، فإن أردت أن ترسل لي مروحة أروح بها عن نفسي فافعل" فتناول المعتمد بن عباد تلك الرسالة وكتب على ظهرها ردًا من جملة واحدة، ثم لف الرسالة وبعثها مرة أخرى إلى ألفونسو السادس، فما إن قرأ ألفونسو السادس ذلك الرد القصير، حتى ارتعدت مفاصله، وارتجفت شفتاه، وأعطى الإشارة لجنوده بالانسحاب الفوري من أسوار اشبيلية، والعودة السريعة إلى حصون قشتالة! فما هي تلك الجملة القصيرة التي أدخلت الرعب في قلب ألفونسو السادس؟ ولماذا رجع ألفونسو القهقرة بمجرد قراءتها؟ وماذا حصل بعد ذلك؟ وما هي حكاية معركة "الزلاقة" الخالدة والتي تقاس بمعركة "اليرموك" في عظمتها؟ ولماذا سميت بهذا الاسم؟ وكيف كانت نهاية المجرم الصليبي ألفونسو السادس؟ يتبع. . . . .
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (8) (حواري رسول اللَّه) الزبير بن العوام أن تكون ابن عمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فهذا شرف كبير، وأن تكون عمتك أخت أبيك هي خديجة -رضي اللَّه عنها- زوجة رسول اللَّه فيالك من محظوظ، وأن تكون زوجتك بنتًا للصديق وأختًا لعائشة زوجة رسول اللَّه فأكرم بهذا النسب، وأن تكون أحد العشرة المبشرين بالجنة فحَيْهَلا بك وبالتسعة، وأن ينزل جبريل الأمين بهيأتك ومعه خمسين ألف ملك كلهم على نفس صورتك فهذا شرف ما بعده شرف، وأن يكون خالك حمزة وابن خالك علي وابن خالك الأخر عبد اللَّه بن العباس فأنت أشرف الناس نسبًا، وأن تكون حواري سيد الخلق فهذا قمة التشريف والتبجيل، ولكن أن يجتمع هذا الشرف كله في إنسان واحد فاعلم أنك تتحدث عن رجل واحد فقط، إنك تتحدث عن البطل المقدام، والفارس الهُمام، والصائم القوّام، إنك تتحدث عن حواري خير الأنام، إنك تتحدث عن الزبير بن العوّام! والحواري هو ناصر النبي من صفوته الذي بالغ في نصرة نبيه ونقي من كل عيب. وإذا أردت أن تعرف لماذا كان الزبير حواريًا لرسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فارجع معي إلى السنوات الأولى من البعثة النبوية الشريفة، وانتقل بروحك إلى مكة المكرمة. . . . هناك في شوارعها يرى الناس غلامًا صغيرًا يمد الخطى شاهرًا سيفه والشرر يقدح من عينيه كأنه شبل ليث مفترس، فيتعجب الناس من أمر هذا الفتى الصغير المشهر سيفه أمامه كأنه كتيبة كاملة من الأبطال، فيصيح الناس بدهشة بالغة: الغلام معه السيف! الغلام معه السيف! وبينما هذا الغلام يمد خطاه في شوارع مكة وإذ برسول يراه في هذه الهيأة العجيبة، فيسأله بعجب: مالك يا زبير؟! فيرتشف الفتى الصغير من أنفاسه ما ينعش به روحه ويقول: سمعت يا رسول اللَّه أنك أُخِذت وقتلت! فينظر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بحنان إلى عينيه الصغيرتين ويقول له: فماذا كنت صانعًا؟! فيقول الزبير بن العوام بكل حزم: جئت لأضرب بسيفي من أخذك! ومن شوارع مكة إلى ضواحي المدينة، هناك عند جبل أحد، هناك تحت شمس الصحراء القاحلة عند بدء المعركة وقبل أن يلتحم الجيشان وقف ما رد ضخم هو أعظم فارس في جيش الكفار اسمه (طلحة بن أبي طلحة العبدري) والذي كان يُطلق عليه لقب "كبش الكتيبة" لشدة بأسه وضراوة قتاله، فتقدم هذا الوحش البشري راكبًا على جمل ضخم حاملًا راية المشركين في يده وهو ينادي في المسلمين طالبًا رجلًا منهم ليبارزه، عندها برز من بين كثبان الصحراء القاحلة وأشعة الشمس الملتهبة، هناك من بين شباب محمد. . . انبثق من بين أسنة السيوف اللامعة ورؤوس الرماح الشامخة شابٌ مفتول العضلات طويل القامة عريض الكتفين يمد الخطى بكل ثقة باتجاه كبش الكتيبة وكأنه البرق الخاطف، إنه هو هو ذلك الغلام الصغير الذي حمل سيفه قبل عدة سنوات ليذود به عن ابن خاله. . . إنه حواري رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. . . . إنه البطل الزبير بن العوام! فلمّا صار هذا البطل أمام الجمل الضخم وفوقه أعظم فرسان العرب، قفز الزبير فوق الجمل كالفهد الجارح وجذب بذراعيه القويتين الجمل وصاحبه نحو الأرض وبرك فوق كبش الكتيبة، وأمسك برأسه المخيف فجزها جزًا ليجعل من صاحبها جسدًا بلا رأس، عندها نظر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلى ابن عمته صفية بكل فخر واعتزاز، فرفع صوته ونادى: اللَّه أكبر! ومن أحد نتجه شمالًا من المدينة المنورة حتى نصل إلى اليرموك في بلاد الشام، هناك يتعجب الروم من فارس ملثم يتقدم وحده بفرسه قبل بدء المعركة كالصقر الكاسر، ليخترق جيش الرومان بفرسه وفي يده اليمنى سيف وفي يده اليسرى سيف آخر يحارب بهما معًا، لتتطاير رؤوس الروم عن اليمين وعن الشمال، لقد كان هذا الفارس الملثم هو الزبير بن العوام! ومن الشام إلى مصر. . . . . هناك في قلب مصر تحصن الروم في حصن "بابليون" المنيع لمدة سبعة أشهر عجز فيها جيش (عمرو بن العاص) من إحداث أي اختراق فيه، عندها قرر الفاروق عمر أن يحل هذه المشكلة، فأرسل إلى عمرو مددًا يحتوي على رجال المهمات الصعبة في الجيش الإسلامي، من بينهم محمد بن مسلمة والزبير بن العوام، فما إن وصل الزبير حصن بابليون، حتى تفاجأ الروم، بفارسٍ عظيم البنيان، مفتول العضلات، لم يحددوا إن كان إنسيًا أم مخلوقًا من عالم آخر، يتسلق الحصن كأنه ماردٌ يشق الأسوار شقًا بيديه، وما هي إلا ثوانٍ معدودةِ حتى أصبح ذلك العملاق الإسلامي فوق أعلى نقطة في الحصن، وعند هذه اللحظة. . . . رفع هذا المغامر المقدام سيفه في عنان السماء وصاح بصوت زلزل الأرض كهزيم الرعد: اللَّه اكبر! عندها هرع الروم من ثكناتهم من هول ذلك المنظر العجيب، لقد كان هذا العملاق هو نفسه ذلك الرجل الذي نزل جبريل عظيم الملائكة بهيأته، لقد كان هذا البطل هو حواري رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، إنه البطل الإسلامي العملاق الزبير بن العوام -رضي اللَّه عنه-. وبعد. . . كانت هذه السطور غيضًا من فيض أسطورة حقيقية لفارس حقيقي اسمه الزبير بن العوام، هذا الفارس العملاق هو البطل الذي ينبغي لشبابنا أن يقتدوا به ويدرسوا سيرته، فلقد انتهى زمان التبعية، وآن الأوان لشباب هذه الأمة أن يعرفوا أبطالهم حق المعرفة. وإذا ذكر الزبير ذكر معه فارس آخر ارتبط اسمه ارتباطًا كليًا مع الزبير، إلى درجة صار فيها الاثنان جاري رسول اللَّه في الجنة، فمن هو ذلك الصحابي الجليل الذي أصبح شهيدًا وهو ما يزال حيًا يُرزق؟! يتبع. . . . .
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (37) زعيم إمبراطورية المرابطين (يوسف بن تاشفين) كنت أتمشى في شوارع مدينة "إشبيلية" الساحرة في ليلةٍ من ليالي صيف عام 2009 م، وقتها كنت أستحضر في مخيلتي حصار (ألفونسو السادس) لهذه المدينة الحصينة، والحقيقة أنني كنت فيما سبق أتساءل كيف وصل المسلمون في عهد ملوك الطوائف إلى تلك الحالة المزرية التي وصلوا إليها، وأستهجن ما كان يفعله أمراء الطوائف، ولكنني حينما رأيت أشجار البرتقال الممتدة على شوارع إشبيلية، ورأيت بعدها حدائق قرطبة الغّناء، ومشيت في طرقات غرناطة الموصلة لقصر الحمراء، طرحت علي نفسي سؤالًا صريحًا: ماذا لو كنت أنا أميرًا على مدينة من مدن الأندلس في عهد ملوك الطوائف، هل كنت سأقبل التنازل عن كرسي الحكم؟ ولو كنت مكان (المعتمد بن عبّاد) هل كنت سأجازف بقتال (ألفونسو السادس)؟ أم كنت سأدفع له الجزية مقابل أن أبقى بجانب (اعتماد الرميكية) وهي تنشد لي الألحان الشجية تحت أشجار البرتقال تلك؟! الحقيقة أنني وإن كنت لا أجد عذرًا لتلك الحالة المهينة التي وصل إليها ملوك الطوائف، إلّا أنني أدركت بالفعل عظم تلك الفتنة التي تعرضوا لها في تلك البلاد الساحرة، ومما زاد من إدراكي هذا هو ملاحظة مهمة لاحظتها خلال زيارتي لإسبانيا. . . فلقد رأيت هناك أن لكل مدينة حدودًا طبيعية تحيط بها من جميع الاتجاهات ما بين جبالٍ وأنهارٍ وبحار، مما يدفع كل مدينة أندلسية لتشكل دويلة مستقلة في حد ذاتها، ولا شك أن هذا يزيد من رغبة الفرد بالاستقلال، ولعل ما تشهده إسبانيا الآن من تفرق بين مدنها ما بين حكم ذاتي في "كاتالونيا" ومطالبةٍ بالاستقلال من إقليم "الباسك" لهو خير دليل على حال تلك البلاد! بعد هذه المقدمة التي أحسب أنها من الأهمية بمكان، نعود إلى إشبيلة مرةً أخرى، فبعد أن بعث ألفونسو السادس تلك الرسالة التي يهزأ بها من ابن عباد ويطلب منه أن يبعث له بمروحة يروح بها عن نفسه لكي يطيل أمد الحصار، قلب ابن عباد الرسالة وكتب على ظهرها: "واللَّه لئن لم ترجع لأروحنّ لك بمروحة من المرابطين! "، فما إن قرأها ألفونسو حتى ولى الأدبار ورجع إلى دياره مخافة أن يستنجد المسلمون بالمرابطين الذين ذاع صيتهم في مختلف أرجاء العالم في ذلك الوقت، وبعد أن رأى ابن عباد ردة فعل ألفونسو السادس لمجرد سماعه باسم المرابطين، أرسل إلى ملوك الطوائف لكي يتم اجتماع القمة الأول لـ 22 دويلة من دويلات الطوائف، وفعلًا تم عقد اجتماع القمة الطارئ لملوك الطوائف! فروى ابن عباد حكايته مع ألفونسو، وما فعله عند سماعه باسم المرابطين، ثم أخبرهم أن ألفونسو لن يستسلم بهذه البساطة، وأنه حتمًا سيكرر فعلته مع جميع الدويلات حتى ينهي الوجود الإسلامي كما وعد أباه وهو على فراش الموت، فاقترح ابن عباد أن يبعث برسالة إلى المرابطين يطلب منهم أن يأتوا لإنقاذ المسلمين في الأندلس! عند ذلك عمَّ الهرج قاعة الاجتماع رفضًا لهذا الاقتراح من ابن عباد، فصاح أحدهم بابن عباد: "هل تريد أن تجلب لنا هؤلاء البدو من رعاة الإبل لكي يحاربوا ألفونسو، ثم إذا ما انتصروا عليه مكثوا في ديارنا الخضراء وسلبونا الحكم وجعلونا رعاةً لإبلهم؟! عند ذلك وقف المعتمد ابن عباد ملك إشبيلية بين الحضور وقال قولة حفظتها كتب التاريخ لنا: واللَّه لأن أرعى الإبل في صحراء المغرب ... خيرٌ لي من أن أرعى الخنازير في أوروبا! عندها وقف عظيمنا السابق ملك "بطليوس" (المتوكل بن الأفطس) وأعلن تأييده لذلك الاقتراح، ثم قام (عبد اللَّه بن بلقين) ملك "غرناطة" ووافق أيضًا، فبعث ابن عباد برسالة الاستغاثة العاجلة إلى المغرب! فما أن وصلت رسالة الاستغاثة من المسلمين في الأندلس، حتى قرأها زعيم المرابطين القائد المجاهد (يوسف بن تاشفين اللنتوني) ابن عم الشيخ المجاهد (أبي بكر ابن عمر اللنتوني)، فركب سفينةً هو وبعض جنده متجهًا إلى ضفة المتوسط الشمالية في الأندلس، وعندما بلغ ابن تاشفين منتصف مضيق جبل طارق، هبت عاصفة قوية كادت أن تغرق المركب، لولا أن القائد الرباني يوسف بن تاشفين والذي تربّى على يدي الشيخ (عبد اللَّه بن ياسين) رفع يديه إلى السماء في منتصف البحر وقال: "اللهم إن كنت تعلم في عبورنا هذا البحر خيرًا لنا وللمسلمين فسهّل علينا عبوره، وإن كنت تعلم غير ذلك فصعبه علينا حتى لا نعبره" وما إن فرغ من دعائه حتى سكنت الريح، فما إن وصل الشيخ ابن تاشفين إلى سواحل الأندلس حتى قامت شعوب الأندلس تستقبله فرحة بقدوم هذا البطل الأسطورة والذي لطالما سمعوا عن قصص بطولاته مع بقية جموع المرابطين المجاهدين، واستقبله ابن عباد بالترحاب، فتقدم جيش المسلمين المتكون من 30 ألف مقاتل إلى الشمال لمكان يقال له "الزلاقة"، فسمع (ألفونسو السادس) بالخبر، فأعلن "الفاتيكان" حالة الطوارئ القصوى في أوروبا بأسرها، فأرسل بابا الفاتيكان رسالة إلى الكاثوليك في مختلف أرجاء أوروبا يضمن فيها الغفران لكل من يشارك في هذه المعركة، ووعد كل من يحارب بمفتاحٍ يحصل على من البابا شخصيًا، هذا المفتاح هو مفتاح قصره في الجنة! عند ذلك تجمع الفرسان من فرنسا وإيطاليا وألمانيا وإنجلترا (وقد كانت كاثوليكية آنذاك)، فتجمع لألفونسو السادس ضعف عدد المسلمين، مدججين بآخر ما توصلت إليه مصانع أوروبا الحربية، هدفهم جميعًا تدمير الوجود الإسلامي في الأندلس إلى الأبد في تلك الموقعة الفاصلة، موقعة "الزلاقة"، فوقف ألفونسو السادس متبجحًا بهذا الجيش الجرار وقال: "بهذا الجيش أقاتل الجن والأنس، وأقاتل ملائكة السماء، وأقاتل محمدًا وصحبه". فعسكر الفريقان قبالة الزلاقة في يوم الخميس، وفي ذلك الوقت صنع الأمير البطل يوسف بن تاشفين شيئًا عجيبًا كان ملوك الطوائف قد نسوه منذ زمن بعيد، فلقد أرسل ابن تاشفين رسالةً إلى ألفونسو يدعوه فيها للإسلام أو دفع الجزية! ويقول فيها: "من أمير المسلمين يوسف ابن تاشفين إلى ملك الروم ألفونسو السادس، سلام على اتبع الهدى وبعد، بلغنا أنك دعوت أن يكون لك سفنًا تعبر بها إلينا، فقد عبرنا إليك، وستعلم عاقبة دعائك، وما دعاء الكافرين إلا في ضلال، وإني أعرض عليك الإسلام، أو الجزية عن يد وأنت صاغر، أو الحرب، ولا أؤجلك إلا لثلاث". عند ذلك استشاط ألفونسو السادس غضبًا من هذا القائد المسلم الذي يمتلئ عزة وكرامة، بعد أن كان هو من يأمر ملوك الطوائف بدفع الجزية، عندها أراد ألفونسو أن يخدع المسلمين فكتب ليوسف بن تاشفين: "غدًا هو الجمعة، وهو عيد للمسلمين ونحن لا نقاتل في أعياد المسلمين، وأن السبت عيد اليهود، وفي جيشنا كثير منهم، وأما الأحد فهو عيدنا، فلنؤجل القتال حتى يوم الإثنين" ولكن يوسف ابن تاشفين كان يعلم أن الصليبيين قومٌ لا يوفون بعهودهم أبدًا، فطلب من جنوده أن يظلوا على استعداد ويقظة. أما ألفونسو السادس فقد رأى في نومه حلمًا غريبًا، فقد رأى وكأنه راكب على فيل يضرب نقيرة طبلٍ، فهالته رؤياه وسأل عنها القساوسة فلم يجبه أحد، فدس يهوديًا عن من يعلم تأويلها من المسلمين، فذهب ذلك اليهودي إلى شيخ من شيوخ المسلمين على دراية بتأويل الأحلام، فقصها عليه ونسبها إلى نفسه، فقال له الشيخ المسلم: كذبت أيها اليهودي! ما هذه الرؤيا لك، ولا بد أن تخبرني عن صاحبها وإلا فاغرب عن وجهي، فقال له اليهودي: اكتم ذلك، هذه الرؤيا للملك ألفونسو السادس، فقال الشيخ المسلم: قد علمت أنها رؤياه، ولا ينبغي أن تكون لغيره وهي تدل على بلاء عظيم ومصيبة فادحة تؤذن بصلبه عما قريب، أما الفيل فقد قال اللَّه تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} وأما ضرب النقيرة فقد قال اللَّه تعالى: {فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ}، فانصرف اليهودي إلى ألفونسو السادس ولم يفسرها له طلبًا في الحرب! وفي منتصف تلك الليلة، استيقظ عالمٌ جليلٌ من المسلمين اسمه الشيخ (ابن رميلة)، فنهض راكضًا إلى خيمة الأمير يوسف بن تاشفين يوقظه ليقول له فرحًا: "أيها الأمير لقد رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في ليلتي هذه، وقد قال لي: يا ابن رمُيْلَة، إنكم منصورون، وإنك ملاقينا"، فكبر ابن تاشفين تكبيرة أيقظت الجند، وأمر الجند أن يقرءوا سورة الأنفال، وأن يصلي الجند قيام الليل، فتعانق الجند فرحًا من تلك الرؤيا، وأجهش الجنود بالبكاء شوقًا للشهادة، وبعد صلاة الفجر من يوم الجمعة، غدر الصليبي القذر ألفونسو كما توقع ابن تاشفين، وزحف بجنده على جيش المسلمين ليباغتهم فجرًا، ولكنه وجد المسلمين في انتظاره بعد رؤية رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- تلك، فدارت معركة "الزّلاقة" الباسلة، وانتصر المسلمون لأول مرة منذ عشرات السنوات تحت قيادة الأمير يوسف بن تاشفين، ولم يبقَ من بين 60000 صليبي إلا 100 مقاتل فقط من بينهم أنفونسو السادس بساقٍ واحدة، هرب بها إلى قشتالة ليموت بعدها بسنة كمدًا وغمًّا، وغنم المسلمون غنائم هائلة، لم يأخذ ابن تاشفين والمرابطون شيئًا منها، فعاد إلى المغرب بعد أن أنقذ المسلمين، وعاد أيضًا ملوك الطوائف للصراع من جديد، فبعث أهل الأندلس إلى الأمير يوسف بن تاشفين في مراكش يرجونه أن يأتي ليحررهم من ملوك الطوائف، فلم يرضَ ابن تاشفين أن يحاربهم خوفًا من معصية اللَّه في قتاله للمسلمين، فانهالت الفتاوى عليه من بلاد المسلمين تحثه على إنقاذ الأندلس، وكانت من بينها رسالة بعث بها (أبو حامد الغزالي) من بغداد يجيز له ضم الأندلس، فقام ابن تاشفين بضمِّ الأندلس للمرابطين، فأنهى بذلك مهزلة ملوك الطوائف إلى الأبد! وبعد. . . . كانت هذه صفحةً مجيدةً في تاريخ هذه الأمة، صفحة المرابطين الأبطال، صفحة البطل عبد اللَّه بن ياسين والبطل يحيى بن إبراهيم الجدالي والبطل يحيى بن عمر اللنتوني والبطل أبي بكر اللنتوني، والبطل يوسف بن تاشفين، أولئك النفر لم يكونوا سوى رعاة إبل في جنوب موريتانيا، فتمسكوا بدين اللَّه، فأعزهم اللَّه نتيجة تمسكهم بدينه، ليغدوا أصحاب أعظم إمبراطورية عرفتها أفريقيا! ولكن كيف كان وضع الأندلس قبل عهد ملوك الطوائف؟ ومن هو ذلك الملك الإسلامي الذي اعتبره مؤرخو الغرب أعظم ملوك أوروبا في القرون الوسطى؟ ولماذا كان (جورج الثاني) ملك إنجلترا يعتبر نفسه خادمًا له؟ وكيف كان وضع الأندلس قبله؟ وكيف أصبح وضع الأندلس بعده؟ وكيف كان عصره هو العصر الذهبي للأندلس عبر جميع عصورها الممتدة لأكثر من ثمانية قرون مستمرة؟ يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (38) عبد الرحمن الناصر "يَا زَمَانَ الوَصْلِ بِالأَنْدَلْسِ" من جورج الثانى. . . إلى الخليفة المسلم ملك إنجلترا وفرنسا. . . ملك المسلمين فى مملكة الأندلس والسويد والنرويج. . . صاحب العظمة والمقام الجليل وبعد التعظيم والتوقير فقد سمعنا عن الرقى العظيم الذى تتمتع بفيضه الصافي معاهد العلم والصناعات فى بلادكم العامرة فأردنا لأبنائنا اقتباس نماذج هذه الفضائل لتكون بداية حسنة فى اقتفاء أثركم لنشر أنوار العلم فى بلادنا التى يسودها الجهل من أربعة أركان. . ولقد وضعنا ابنة شقيقنا الأميرة (دوبانت) على رأس بعثة من بنات أشراف الإنجليز تتشرف بلثم أهداب العرش والتماس العطف لتكون مع زميلاتها موضع عناية عظمتكم. . وحماية الحاشية الكريمة ولقد أرفقت مع الأميرة الصغيرة هدية متواضعة لمقامكم الجليل أرجو التكرم بقبولها مع التعظيم والحب من خادمكم المطيع جورج ملك إنجلترا بطلنا الآن هو عبد الرحمن الناصر باللَّه، أعظم ملك عرفته أوروبا في القرون الوسطى، وهو أقوى من حكم الأندلس في تاريخها منذ بداية الفتح الإسلامي وحتى سقوطها، وفترة حكمه التي سبقت فترة حكم ملوك الطوائف بسنوات كانت أزهى فترة للمسلمين في الأندلس، فلقد اهتم هذا العظيم الإسلامي بنشر العلم في الأندلس، لتصبح نسبة الأمية بين صفوف المسلمين في الأندلس تساوي صفرًا في المائة! هذا الملك قام بتوسعة جامع قرطبة ليصبح أكبر جامعٍ في العالم في وقتها، جاعلًا من قرطبة قبلة لطلاب العلم والعدل في العالم بأسره، فقد نشر الناصر باللَّه العدل في أرجاء الخلافة الأموية في الأندلس، فتوافد اليهود والنصارى المضطهدون للعيش عند المسلمين في قرطبة بكل أمان وحرية، وتقاطر العلماء المسلمون من أرجاء البلدان الإسلامية إليها، فأصبحت قرطبة ثاني أكبر مدينة في العالم من حيث عدد السكان (بعد بغداد حاضرة العباسيين)، وبُني في قرطبة ثلاثة آلاف مسجد، وازدهر العلم، وتطورت فنون البناء، وصُممت الحدائق بأشكال هندسية عجيبة، ولأول مرةً في تاريخ الإنسانية أصبحت قرطبة حاضرة المنصور أول مدينة في العالم تنار كل شوارعها ليلًا، فكانت قرطبة الإسلامية كالجوهرة المضيئة في ظلمات أوروبا الغارقة في الجهل والظلام، فأرسل الأوروبيون البعثات العلمية لبلاد المسلمين، ولأول مرة في أوروبا ظهرت المستشفيات والمكتبات العامة في أرجاء الدولة الإسلامية، وبنى الخليفة عبد الرحمن مدينة "الزهراء"، والتي اعتُبرت أجمل مدينة في العالم، فلقد بناها علماء المسلمون بطريقة عجيبة، وهي مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصورًا يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع، وبنيت بمدينة قرطبة القنطرة العجيبة التي فاقت قناطر الدنيا حسنًا وإتقانًا، فكثرت الأموال واتسع نطاق الخدمات، والعلاج المجاني، وانتشر التعليم المجاني، بل إن طالبي العلم كان يُخصص لهم راتب شهري، ولأول مرة في تاريخ الانسانية أدخل المسلمون نظام الرعاية للمسنين، فبنيت دورٌ للعجزة، ووُظّف فيها من يقوم بخدمتهم، وبنيت دورٌ لرعاية الحيوانات، وأقيمت المصانع العسكرية، والموانئ البحرية، وازدهرت الصناعات الحديثة في أرجاء الخلافة في عهد الناصر، وامتلك المسلمون أقوى جيشٍ عرفته أوروبا في القرون الوسطى، فجاءت وفود ملوك أوروبا من كل حدب وصوب بالهدايا الثمينة وبأموال الجزية إلى الخليفة الناصر في قرطبة. العجيب أن هذا كان وضع الأندلس قبل عهد ملوك الطوائف بسنوات قليلة، وإذا كنت تتساءل كيف تحول حال المسلمين في الأندلس إلى تلك الحالة المزرية بعد ذلك حتى صاروا يدفعون الجزية لألفونسو، فاعلم أن العجب كل العجب يكمن في حال المسلمين قبل ظهور هذا البطل الإسلامي على الساحة الأندلسية، فلقد وصلت الأندلس، فتوافد اليهود والنصارى المضطهدون للعيش عند المسلمين في قرطبة بكل أمان وحرية، وتقاطر العلماء المسلمون من أرجاء البلدان الإسلامية إليها، فأصبحت قرطبة ثاني أكبر مدينة في العالم من حيث عدد السكان (بعد بغداد حاضرة العباسيين)، وبُني في قرطبة ثلاثة آلاف مسجد، وازدهر العلم، وتطورت فنون البناء، وصُممت الحدائق بأشكال هندسية عجيبة، ولأول مرةً في تاريخ الإنسانية أصبحت قرطبة حاضرة المنصور أول مدينة في العالم تنار كل شوارعها ليلًا، فكانت قرطبة الإسلامية كالجوهرة المضيئة في ظلمات أوروبا الغارقة في الجهل والظلام، فأرسل الأوروبيون البعثات العلمية لبلاد المسلمين، ولأول مرة في أوروبا ظهرت المستشفيات والمكتبات العامة في أرجاء الدولة الإسلامية، وبنى الخليفة عبد الرحمن مدينة "الزهراء"، والتي اعتُبرت أجمل مدينة في العالم، فلقد بناها علماء المسلمون بطريقة عجيبة، وهي مدينة فوق مدينة، سطح الثلث الأعلى على الحد الأوسط، وسطح الثلث الأوسط على الثلث الأسفل، وكل ثلث منها له سور، فكان الحد الأعلى منها قصورًا يعجز الواصفون عن وصفها، والحد الأوسط بساتين وروضات، والحد الأسفل فيه الديار والجامع، وبنيت بمدينة قرطبة القنطرة العجيبة التي فاقت قناطر الدنيا حسنًا وإتقانًا، فكثرت الأموال واتسع نطاق الخدمات، والعلاج المجاني، وانتشر التعليم المجاني، بل إن طالبي العلم كان يُخصص لهم راتب شهري، ولأول مرة في تاريخ الانسانية أدخل المسلمون نظام الرعاية للمسنين، فبنيت دورٌ للعجزة، ووُظّف فيها من يقوم بخدمتهم، وبنيت دورٌ لرعاية الحيوانات، وأقيمت المصانع العسكرية، والموانئ البحرية، وازدهرت الصناعات الحديثة في أرجاء الخلافة في عهد الناصر، وامتلك المسلمون أقوى جيشٍ عرفته أوروبا في القرون الوسطى، فجاءت وفود ملوك أوروبا من كل حدب وصوب بالهدايا الثمينة وبأموال الجزية إلى الخليفة الناصر في قرطبة. العجيب أن هذا كان وضع الأندلس قبل عهد ملوك الطوائف بسنوات قليلة، وإذا كنت تتساءل كيف تحول حال المسلمين في الأندلس إلى تلك الحالة المزرية بعد ذلك حتى صاروا يدفعون الجزية لألفونسو، فاعلم أن العجب كل العجب يكمن في حال المسلمين قبل ظهور هذا البطل الإسلامي على الساحة الأندلسية، فلقد وصلت (أولًا) غرس روح البطولة في الإنسان: وذلك من خلال استحضار بطولات العظماء في تاريخ هذه الأمة، فلقد كان (عبد اللَّه بن محمد) وهو جد الناصر باللَّه يقصّ على حفيده منذ نعومة أظافره قصص بطولات جده الأكبر (عبد الرحمن الداخل) "صقر قريش"، فصنع بذلك بيئةً مليئةً بالبطولة في مخيلة حفيده عبد الرحمن تختلف عن تلك بيئة الهزيمة القاتمة المحيطة به في الخارج! (ثانيًا) معرفة الأعداء الحقيقيين: حارب الناصر خونة الشيعة العبيديين، فكعادة الشيعة الروافض التي لا يمكن لهم تغييرها منذ فجر الإسلام وحتى سقوط بغداد عام 2003 م، قامت الدولة الشيعية العبيدية (الفاطمية) التي احتلت المغرب بإمداد الصليبيين في الأندلس بالسلاح عبر الصليبي (صامويل بن حفصون)، (وسنرى لاحقًا في طيّات هذا الكتاب مظاهرًا متنوعة للخيانات المتكررة لأولئك القوم الخونة عبر جميع مراحل تاريخ هذه الأمة وفي مختلف أرجاء ديار الإسلام!) (ثالثًا) الالتزام الديني: وهو الأهم. . . . فلقد كان الخليفة عبد الرحمن الناصر رحمه اللَّه ورعًا تقيًا زاهدًا في الحياة، فعلى الرغم من الغنى الفاحش الذي عم الأندلس في عهده، وجد الناس في خزانته ورقة كان قد كتبها بخط يده، عدّ فيها الأيام التي صفت له دون كدر فقال: في يوم كذا من شهر كذا في سنة كذا صفا لي ذلك اليوم. فعدّها الناس بعد موته، فوجدوها أربعة عشر يومًا فقط! ولكن. . . . . إلى أي عائلةٍ ينتمي عبد الرحمن الناصر، ومن قبله عبد الرحمن الداخل؟ وماذا قدمت تلك العائلة العظيمة للإسلام؟ ولماذا شُوِّه تاريخُ هذه العائلة بالذات بشكلٍ رهيب؟ فمن تكون تلك العائلة التي كانت أعظم عائلةٍ على الإطلاق تحكم الإسلام في تاريخه الممتد لأكثر من أربعة عشر قرنًا؟ يتبع. . . . . .
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
- مائة من عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ جهاد الترباني (40) "الهدف رقم واحد لغزاة التاريخ" (عثمان بن عفان) {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ} «غفر اللَّه لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت، وما أخفيت وما هو كائن إلى أن تقوم الساعة» «ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم. . ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم» «لكل نبي رفيق ورفيقي (يعني في الجنة) عثمان» «ألا أستحي من رجلٍ تستحي منه الملائكة» ؟ (رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-) "هذا عثمان بن علي سميته بعثمان بن عفان" (علي بن أبي طالب) "قتلتموه وإنه ليحيي الليل كله بالقرآن؟!! " (أم المؤمنين عائشة) "رأيت رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه يدعو لعثمان اللهم عثمان رضيت عنه فأرض عنه" (أبو سعيد الخدري) "رأيت عثمان نائما في المسجد ورداؤه تحت رأسه فيجيئ الرجل فيجلس إليه ثم يجيئ الرجل فيجلس إليه كأنه أحدهم" (الحسن بن علي) "كان عثمان يطعم الناس طعام الإمارة ويدخل بيته فيأكل الخل والزيت! " (شرحبيل بن مسلم) كنت قد ذكرت في بداية هذا الكتاب أن الصحابي الجليل (عمرو بن العاص) رضي اللَّه عنه وأرضاه هو ثاني أكثر شخصية إسلامية تعرضت للتشويه في تاريخ المسلمين، وأن هناك رجلًا آخر في تاريخ المسلمين تعرض تاريخه إلى أكبر عملية تشويه، وذكرت حينها أنني سأفرد له أكثر عددٍ من الصفحات من بين كل عظماء أمة الإسلام المائة، ذلك لأن هذا الرجل إنما هو رجل استثنائي، فهو ثالث أعظم مخلوقٍ خلقه اللَّه بعد الأنبياء، وهو ثالث العشرة المبشرين بالجنة، وهو الإنسان الوحيد في تاريخ البشرية الذي تزوج من ابنتي نبيٍ مرسل، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وهو الرجل الذي تستحي منه الملائكة، وهو رفيق رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في الجنة، وهو الإنسان الذي جمع القرآن الذي نقرأه إلى يومنا هذا، وهو مجهز جيش العسرة، وهو الذي اشترى بئر رومة وجعلها ملكًا للمسلمين، وهو الرجل الذي تمَّت بسببه بيعة الرضوان. . . أعظم بيعة في تاريخ الأرض، إننا في صدد الحديث عن رجلٍ من نوعية خاصة قلّما ظهرت في التاريخ، إننا في صدد الحديث عن صهر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ذي النورين، صاحب الهجرتين، المصلي إلى القبلتين، إنه التوّاب الأوّاب، العابد الخاشع، المحسن الخاضع، إنه المسلم التقي، المؤمن النقي، الكريم الحيي، السهل السخي، السمح السري، إنه الجواد الكريم، صاحب السخاء العظيم، رجل البر والجود والإحسان، جامع القرآن. . . . . عثمان بن عفان. ولا أخفي القارئ الكريم سرًا أنني كنت قد عزمت في البداية أن يكون عثمان بن عفان هو أول شخصية افتتح بها هذا الكتاب، لا لأنه يفوق أبا بكر الصديق في الفضل، بل لإنه أكثر شخصية إسلامية تعرضت للتشويه في تاريخ الأمة، بل إنني لا أعتبر نفسي مبالغًا إذا ما زعمت أنّ عثمان بن عفّان هو أكثر شخصيةٍ تعرضت للتشويه والتزييف في تاريخ العنصر البشري على الإطلاق! لذلك رأيت أنّ من واجبي أن أدافع بقلمي عن هذا الرجل الذي لطالما دافع عن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، في هذا الوقت الذي تتطاول فيه الأقزام على عمالقة الإنسانية، ويتدافع فيه المنافقون من كل حدبٍ وصوبٍ لتدمير تاريخ عظمائنا، لتدمير هذه الأمة من الداخل، بعدما أن علم الغزاة أن حروبهم التي شنّوها على هذه الأمة لم تستطع أن تنهيَ وجودها، بل بالعكس، فقد قامت هذه الأمة ونفضت عن غبارها بعد كل حرب لتعود من جديد أقوى بألف مرة من سابق عهدها، فاختار هؤلاء الأشرار في القرنين الأخيرين طريقة جديدة لتدمير الإسلام، لا من خلال الغزو العسكري، بل من خلال الغزو التاريخي، فعملوا على ضرب رموزنا، وتشويه صورتهم، والتشكيك في منجزاتهم الحضارية، وللأسف. . . . . . فقد نجحوا في مبتغاهم هذه المرة! فانتصر غزاة التاريخ في حربهم الشعواء التي خاضوها ضد رموز هذه الأمة، فأصبحت ثوابت هذه الأمة في مهب الريح لسنواتٍ عدة، تملّكت فيها روح اليأس والهزيمة قلوبَنا، فأصبحنا أجسادًا بالية تسكنها أرواحٌ مهزومة في داخلها، فهُنّا على الناس، بعد أن هُنّا على أنفسنا! ولكن كدَيْدَن هذه الأمة العجيبة، وعندما ظن الجميع أنها على وشك النهاية المحققة، وبعد أن سمع الجميع حشرجات الموت تخرج من جسدها المهترئ، حدث شيء عجيب! فقد خرج من بين تلك الضلوع المشلولة مولودٌ جديدٌ تبدو عليه قسمات العظمة، يشبه في ملامحه ملامحَ عظماء الأمة السابقين، إلا أنه لم يجد من يستعين به لقيامه، فأخذ يترنح ويتخبط في كل الاتجاهات لا يعرف إلى أين يتجه، فتارةً يتجه إلى الشرق، وتارةً يتجه إلى الغرب، وتارة يأخذه اليأس والغضب، فيدمر ما حوله نتيجة لذلك، ليظل على ذلك الأمر من التخبط حتى سخر اللَّه له في السنوات الأخيرة رجالًا هبّوا وقاموا قومة رجلٍ واحد ليرشدوا ذلك المولود الجديد، فقاموا بإزاحة التراب عن كتب التاريخ، ليحدِّدوا البَوْصلة التي تُرشد ذلك الطفل الوليد إلى الاتجاه الصحيح، فقاموا بحمل راية الجرح والتعديل، ولكن هذه المرة لروايات التاريخ المطوية منذ مئات السنين، عندها بدأت ملامح شخصية ذلك الطفل تنمو شيئًا فشيئًا، كل ذلك بفضل اللَّه، ثم بفضل من أحب أن أطلق عليهم اسم "المؤرخين الجدد"، فهؤلاء كانوا أصحاب السبق في إعادة إحياء هذه الأمة الميتة، وهؤلاء هم من استعنت بأعمالهم في إيجاد مادة هذا الكتاب، وهؤلاء هم الذين استعنت بهم لمعرفة حقيقة هذا الرجل المظلوم تاريخيًا. . . . . . وعثمان بن عفان تعرض تاريخه لأقذر عملية تشويه وتزييف في تاريخ البشر، حتى بات عثمان في أعين المسلمين أنفسهم ذلك الرجل الانتهازي الفاحش الثراء الذي بنى القصور له ولأهله، وانتشرت في عهده المحسوبية، فجعل أبناء عمومته أمراءً على الولايات الإسلامية على حساب بقية المسلمين من العامة، وشحَّ في عهده العدل، وانتشر الظلم، وتعطل شرع اللَّه، فعمّت الفوضى أرجاء الخلافة الإسلامية في عهده، مما أدّى في نهاية الأمر إلى مقتله على أيدي من سمّاهم المستشرقون باسم "الثوار"! فكان ذلك -على حد زعمهم- نتيجةً لظلمه وطغيانه، وحبّه للمال، بينما رأى كثيرٌ من المحبين لعثمان ابن عفان أنه وإن كان رجلًا صالحًا فإنه ذو شخصية ضعيفة لا تصلح للسياسة، فهو بضعف شخصيته تلك أد إلى نشوب أول فتنة في تاريخ المسلمين، لا تزال تداعياتها مستمرةً حتى يوم الناس هذا، فأصبح عثمان بن عفان هو السبب الرئيسي لدمار الحلم الإسلامي الكبير الذي بدأه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وثبت أركانه أبو بكر الصديق، ليجعله عمر بن الخطاب حقيقة علمية يراها الناس بأعينهم، قبل أن يأتي ابن عفان ليدمر ذلك البناء الجميل بظلمه وضعف شخصيته. . . . على حد زعمهم أيضًا! [آية من القرآن بخط الصحابي الجليل عثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه-] لذلك. . . . لن أتبع في هذه الصفحات الطريقة الاعتيادية التي يستخدمها أساتذتنا في معرض ترجمتهم لعثمان بن عفان -رضي اللَّه عنه- وأرضاه، فلقد أصبح معلومًا للجميع سخاء عثمان وكرمه وتجهيزه لجيش العسرة وكيف اشترى بئر رومة وكيف تصدق به للمسلمين، وبات معلومًا أيضًا سر تسميته بذي النورين وكيف أن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- تمنى أن لو كان له بنتًا ثالثة ليزوجها لعثمان بعد أن ماتت ابنته، ولن أتطرق إلى تلك الأزمات الإقتصادية التي لم تجد إلّا عثمانها المعطاء لحلها! بل سيكون المنهاج الذي سأسير عليه خلال الصفحات القادمة هو عرض جميع التهم والشبه التي ألقيت جزافًا على عثمان، وأنا حينما أقول (جميع التهم) فأنا أقصد ما أقوله بالحرف الواحد، فلا يوجد في تاريخ هذه الأمة منذ نشأتها ما يدعونا للخزي منه، وما كان صمت علمائنا جزاهم اللَّه كل خير عن التطرق إلى موضوع الفتنة التي عصفت بالمسلمين إلّا محاولة التركيز على جوهر الإسلام بدلًا من إثارة روح الثأر! فقد حان الوقت لعلماء هذه الأمة أن يتخلو عن صمتهم، فالخطر كبيرٌ كبيرٌ، والإسلام مهددٌ الآن أكثر من أي يومٍ مضى، وأحاديث محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- باتت عرضةً للتشكيك، وصحيح البخاري أصبح محلًا للنقاش على شاشات الفضائيات وأعمدة الصحف، كل ذلك لأننا أهملنا الجانب التاريخي في حياة هذه الأمة، وركزنا على الجوانب العقائدية، ونسينا أن العقيدة نفسها قد نقلت إلينا من خلال صحابة محمد! فإذا استمر سكوتنا عن الطعن في أولئك الرجال وتاريخهم، أصبحت تلك الأحاديث النبوية التي نقلوها هم إلينا عرضة للشك، بل أصبح كتاب اللَّه نفسه كتابًا باطلًا، فعثمان هو الرجل الذي جمع القرآن لنا، فإذا قبلنا الشك في ذمته. . . . بات لزامًا علينا أن نقبل الشك في القرآن! والسائل يسأله هنا: لماذا عثمان بالذات؟ لماذا ليس الصدّيق أو عمر؟ بل لماذا ليس محمد -صلى اللَّه عليه وسلم- هو من تناله سهام المشككين ورماح غزاة التاريخ؟ والواقع أن جميع هؤلاء قد نالوا نصيبهم من جراح الحرب التاريخية، إلّا أن الهدف من تلك الحرب الشعواء أخطر من الطعن في الشخصيات نفسها بكثير، وأكبر من شخص أبي بكر وعمر وباقي الصحابة، بل إن الهدف أكبر من شخص رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- نفسه! إن الهدف الرئيسي لغزاة التاريخ هو دين اللَّه، الهدف هو الإسلام نفسه! هذا الدين الذي لا نعرف نحن قيمته تقام له المؤتمرات السرية لدراسة سُبل إنهائه من على وجه الأرض، ولا شكّ أن الخبراء الإستراتيجيين من غزاة التاريخ قد أدركوا أن سر قيام المسلمين بعد كل سقوطٍ لهم يكمن في الدرجة الأولى في ذلك الكتاب العجيب الذي يسميه المسلمون "القرآن الكريم"، ولا شك أنهم عرفوا أيضًا أن رجلًا من بني أمية يقال له (عثمان بن عفان) هو الذي جمع هذا الكتاب، لذلك أصبح هذا الرجل هو العدو الأول لغزاة التاريخ، بل أصبح (بنو أمية) أنفسهم هدفًا لسهامهم المسمومة، لذلك فإن الحرب على عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه وأرضاه إنما هي حربٌ على كتاب اللَّه! والآن لنستعرض تلك الشبهات التي ذكرها غزاة التاريخ من المستشرقين وعملائهم من الشيعة الروافض والمنافقين من المثقفين، لنجيب نحن عليها بشكلٍ علمي وهادئ، بعيدًا عن التعصب الأعمى: أولًا: الشبهة المالية: لو اختار هؤلاء الطاعنون الأغبياء أي تهمةٍ أخرى غير هذه التهمة في حق عثمان لكان خيرًا لهم، فعثمان بن عفان رضي اللَّه عنه وأرضاه (وبشهادة هؤلاء الطاعنين أنفسهم) كان أغنى العرب على الإطلاق حتى قبل توليه منصب الخلافة، وعثمان هو الرجل الذي كان يعالج الأزمات الإقتصادية التي مر بها المسلمون في حضرة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنا هنا أرد بما ردّ به هو نفسه على المنافقين عندما اتهموه بذمته المالية بقوله: "إن العرب جميعًا تعلم أني اكثر العرب بعيرًا وشاةً وقد أنفقت ذلك كله في سبيل اللَّه ولا أملك الآن إلّا بعيرين اثنين للحج! ". ثانيًا: محاباة عثمان لأقاربه! دعوني أعترف أنني أستغرب فعلًا في عدد الولاة من بني أمية الذين عينهم ابن عمهم عثمان بن عفان، ولكن لا لكثرتهم، بل لقلتهم!! فلقد كان عدد الولاة من بني أمية في زمن عثمان بن عفان الأموي اثنين فقط، هما الصحابيين الجليلين (معاوية بن أبي سفيان) و (عبد اللَّه ابن السائب بن قريظ) -رضي اللَّه عنهما-، ونحن نتحدث عن واليين فقط في دولة ممتدة من "أذربيجان" إلى "تونس"، بل إن معاوية بن أبي سفيان -رضي اللَّه عنه وعن أبيه- كان واليًا على الشام منذ عهد الفاروق عمر بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، وعمر هو من هو في اختيار ولاته! والحقيقة أنني أستغرب في عدم تولية عثمان لأقاربه من بني أمية والذين يعتبرون أفضل العرب في شئون الحكم والسياسة على الإطلاق، بل إن عجبي ذلك قد زاد عندما أحصيت الولاة من بني أمية الذين استأمنهم أعظم مخلوق في تاريخ الأرض رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بنفسه على الولايات الإسلامية لأجد هذه النتيجة العجيبة: • أبو سفيان بن حرب بن أمية: أسلم قبل فتح مكة، ولاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على "نجران". • معاوية بن أبي سفيان بن حرب بن أمية: أمَّنه الرسول صلى اللَّه على كتابة الوحي المنزل من السماء، وجعله أميرًا على لواءٍ من ألوية الجيوش النبوية. • عبد اللَّه بن سعيد بن العاص بن أمية: من أوائل من أسلموا، وأحد شهداء بدر الثلاثة عشر، أمره النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- بتعليم القرآن بالمدينة ثم ولاه بعض قرى العرب. • عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية: قديم الإسلام شهد بدرًا وهاجر الهجرتين، ولاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على "وادي القرى". • خالد بن سعيد بن العاص بن أمية: قديم الإسلام جدًا، أسلم في أيام الإسلام الأولى، من مهاجرة الحبشة، ولاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على "صنعاء". • أبان بن سعيد بن العاص بن أمية: أسلم أثناء غزوة خيبر عام 7 هـ، ولاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على "الخطّ" (حاليًا القطيف). • عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية: أسلم يوم فتح مكة، ولاه النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- على "مكة"، ليكون هذا الأمير الأموي أول حاكم إسلامي لمكة! ومن ذلك نرى أن الطعن في ذمة بني أمية هو طعن في ذمة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي كان هو أول من ولاهم، ومن ثم الطعن في اللَّه نفسه الذي لم يحذر رسوله من خطر بني أمية المزعوم!!! ثالثًا: حرق عثمان للمصاحف: وهذا حقٌ أراد به الشيعة باطلًا، فلقد جمع عثمان بن عفان القرآن كله في مصحفٍ واحدٍ، ثم حرق بقية المصاحف الأخرى ليبقى القرآن محفوظًا بالمصحف العثماني الذي لا نزال نتعبد به اللَّه، وأرفق هنا صورة للمصحف العثماني الأصلي الموجود إلى يوم الناس هذا في "متحف إسطانبول" بتركيا بخط يد الصحابي الجليل (زيد بن ثابت) رضي اللَّه عنه وأرضاه. رابعًا: أحقية عثمان بالخلافة: عثمان بن عفان هو ثالث أعظم رجلٍ في هذه الأمة بشهادة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، بعد أبي بكرٍ وعمر -رضي اللَّه عنه-، وعثمان هو الذي استأمنه رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- على ابنته رقية بنت محمد عليها السلام، ثم بعد موتها على أختها أم كلثوم بنت محمد عليها وعلى أبيها السلام، ثم إن عثمان انتخِب انتخابًا من الناس بعد أن قام الصحابي الجليل (عبد الرحمن ابن عوف) باستفتاء أهل المدينة الذين كانوا يحبونه ويوقرونه، ثم إن الصحابة جميعهم بلا استثناء بايعوا عثمان وكان أولهم الصحابي البطل علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وأرضاه. خامسًا: تغييره لسنة الرسول: وذلك أنه وسّع المسجد النبوي وزاد من درجات منبره، المضحك أن أغلب أولئك الطاعنين هم من الشيعة الذين لا يؤمنون بسنة رسول اللَّه أصلًا! وتناسى الشيعة وغيرهم أن عدد المسلمين قد زاد في عهد عثمان لدرجة أن المسجد لم يعد يستوعب أعداد المصلين، وأن كثرة عدد المصلين أوجبت على عثمان أن يزيد من ارتفاع المنبر لكي يسمعه المصلون ويروه من على بعد! سادسًا: انتشار الفقر والظلم في عهده: لو كنت من أولئك المنافقين -والعياذ باللَّه- لبحثت عن كذبة أخرى يمكن للمرء أن يصدقها، فعهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه وأرضاه كان أكثر زمن انتشر فيه الرخاء الاقتصادي في تاريخ أمة الإسلام على الإطلاق، أما في مسألة العدل فنحن أمام ثلاث احتمالات، فإمّا أن نؤمن بأن عثمان كان عادلًا بين الناس فنصدق بذلك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- الذي بشره بالجنة، وإما أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يكذب علينا عندما أخبرنا بعدل صحابته الكرام، وإما أن يكون اللَّه مقصرًا في بين رسوله الكريم باختياره لأولئك الرجال ليكونوا أصحابًا لرسوله الذي اصطفاه من بين العالمين. وحاشى اللَّه ورسوله وصحابته! سابعًا: نفيه لأبي ذر الغفاري: وهذه الشبهة منتشرة للأسف بين صفوف إخواننا من المتصوفة الطرقيين، والحقيقة أن عثمان لم ينفِ أبا ذرٍ البتة، بل إن أبا ذرٍ الغفاري رضي اللَّه عنه وأرضاه قد اختار لنفسه العيش في الصحراء بعد أن انتشر التمدن والغنى -كما أسلفنا- في عهد عثمان بن عفان، وذلك لأن طبيعة أبي ذر هي طبيعة زاهدة في الحياة ولا يمكن لها أن تتقبل هذا الثراء الذي انتشر في أرجاء الخلافة الإسلامية بعد أن امتلك المسلمون كنوز كسرى وقيصر، وهذا شيءٌ لا يضير أبا ذر، كما أنه لا يضير أخاه عثمان بن عفان. ثامنًا: ضعف شخصية عثمان: يا لحماقة أولئك القوم! فكيف يكون الرجل ظالمًا متجبرًا ويكون ضعيف الشخصية في آنٍ واحد؟!! ولكن هذا هو ديدن المنافقين. . . . الغباء! فكيف لرجلٍ يُتهم بضعف الشخصية أن يبيد الإمبراطورية الفارسية ويمسحها من خارطة التاريخ؟ وكيف له أن يقضي على الفتن والقلاقل في أرمينية وأذربيجان؟ وكيف له أن يفتح إفريقية؟ وكيف له أن يفتح جمهوريات الاتحاد السوفييتي المسلمة؟ وكيف له أن يرسل رسالة مكتوب عليها "من عثمان بن عفان خليفة رسول اللَّه إلى إمبراطور الصين. . . أسلم تسلم! "؟ بل كيف يرضى الصحابة وعلى رأسهم الصحابي البطل علي بن أبي طالب رضي اللَّه عنه وأرضاه بأن يكون الرجل الذي يحكمهم ضعيف الشخصية؟!!! أمّا إذا كان غزاة التاريخ يقصدون حِلم الخليفة عثمان بن عفان وعفوه على المنافقين وعدم قتاله لأولئك المجرمين الذين جاءوا ليقتلوه، فهذا حقٌ آخر يُراد به باطل، فعثمان بن عفّان كان حليمًا بالفعل معهم، ليس لأنه ضعيف، بل لأنه رجلٌ حليمٌ إلى درجةٍ جعلت الملائكة تستحي منه، ولمعرفة مقدار الحلم الذي كان يتمتع به هذا الرجل الاستثنائي يجب علينا أن نستمع إلى حديث أم المؤمنين الطاهرة المطهرة عائشة -رضي اللَّه عنها- وهي تقص علينا هذه القصة العجيبة التي أوردها الإمام مسلم في صحيحه: "كان رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مضطجعا في بيتي، كاشفا عن فخذيه أو ساقيه فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استاذن عثمان، فجلس رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. وسوى ثيابه -قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل فتحدث، فلمّا خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له، ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله. ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك؟! فقال: «ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة». إذا فالرجل كان يتمتع بدرجة عجيبة من الحياء ميزته عن بقية البشر، لدرجة أن الملائكة كانت تستحي منه، وواللَّه إن المرء ليقف متعجبًا من أمر هذا الرجل الحيي، فعثمان لم يسكت عن أولئك المجرمين نتيجةً لضعفه، بل سكت لأنه كان قد سمع شيئًا خطيرًا من رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولنستمع هذه المرة للصحابي الجليل أبي موسى الأشعري ليروي لنا هذه القصة الخطيرة التي عاش أحداثها بنفسه: "توضأت في بيتي ثم خرجت فقلت لألزمن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ولأكونن معه يومي هذا فجئت المسجد فسألت عن النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالوا خرج ووجه هاهنا فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- حاجته فتوضأ فقمت إليه فإذا هو جالس على بئر أريس وتوسط قفها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب فقلت لأكونن بواب رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- اليوم فجاء أبو بكر فدفع الباب فقلت من هذا فقال أبو بكر فقلت على رسلك ثم ذهبت فقلت يا رسول اللَّه هذا أبو بكر يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة فأقبلت حتى قلت لأبي بكر ادخل ورسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يبشرك بالجنة فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- وكشف عن ساقيه ثم رجعت فجلست وقد تركت أخي يتوضأ ويلحقني فقلت إن يرد اللَّه بفلان خيرا (يريد أخاه) يأت به (لكي يبشره الرسول بالجنة أيضًا!) فإذا إنسان يحرك الباب فقلت من هذا فقال عمر بن الخطاب فقلت على رسلك ثم جئت إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فسلمت عليه فقلت هذا عمر بن الخطاب يستأذن فقال ائذن له وبشره بالجنة فجئت فقلت ادخل وبشرك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالجنة فدخل فجلس مع رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- في القف عن يساره ودلى رجليه في البئر ثم رجعت فجلست فقلت إن يرد اللَّه بفلان (أخيه) خيرًا يأت به فجاء إنسان يحرك الباب فقلت من هذا فقال عثمان بن عفان فقلت على رسلك فجئت إلى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- فأخبرته فقال ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه فجئته فقلت له ادخل وبشرك رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- بالجنة على بلوى تصيبك، عندها نظر عثمان في عيني أبي موسى وهو يتأمل هذه الكلمات فقال له: نصبر إن شاء اللَّه! ". إذًا فقد كان عثمان يعلم علم اليقين أنه سيتعرض لبلوى عظيمة، بل إن الرسول -صلى اللَّه عليه وسلم- أخبره صراحة بأنه سيستشهد حين قال له: «يا عثمان! إذا ألبسك اللَّه قميصًا (يقصد الخلافة) وأرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه»! بل إن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال في موضعٍ آخرٍ شيئًا عجيبًا! فبينما رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يمشي مع الثلاثي الأعظم -أبي بكر وعمر وعثمان- اهتز جبل أحد بهم، فقال رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق، وشهيدان» إذًا فقد كانت المسألة مجرد مسألة وقت ينتظر فيها عثمان وعد اللَّه ورسوله بالشهادة! والحقيقة أن عملية اغتيال عثمان كان مخططًا لها حتى قبل توليه الخلافة، وبالتحديد من أول عملية إرهابية تتعرض لها أمة الإسلام، ولنبقى هذه المرة مع الصحابي الجليل (عبد الرحمن بن أبي بكر) -رضي اللَّه عنهما- ليروي لنا هذه القصة الخطيرة عن ذلك المؤتمر الخطير الذي اجتمعت فيه لأول مرة "القوى الفارسية المجوسية" و"القوى الصليبية الحاقدة" متمثلة في شخص (أبي لؤلؤة المجوسي) وشخص الملك الفارسي (الهرمزان) من الناحية الفارسية، وشخص (جفينة النصراني) من الناحية الصليبية. . . . فقد كان عبد الرحمن يتمشى في ليلة من ليالي المدينة الهادئة، ليتفاجأ عن طريق الصدفة باجتماع كل من أبي لؤلوة المجوسي وجفينة النصراني والهرمزان في إحدى طرق المدينة الخفية، فلما اقترب ابن الصِّديق منهم ارتبكوا ارتباكًا شديدًا، فسقط منهم خنجر ذو حرفين، وبعدها بقليل قتل ذلك الإرهابي الفارسي أبو لؤلؤة الفاروقَ عمرَ بن الخطاب -رضي اللَّه عنه-، فوجد المسلمون ذلك الخنجر المسموم الذي كان يستعمله ذلك المجرم، لقد كان هو هو ذلك الخنجر ذا الحرفين الذي رآه عبد الرحمن بن أبي بكر! إذا فقد كان هناك تحالفٌ فارسي صليبي ضد الفاروق!! أما في حالة ذي النورين عثمان ابن عفان، فقد انضم طرف آخر لذلك التحال! لتكتمل خيوط مثلث العداء الإسلامي الذي سيستمر إلى يومنا هذا (الفرس المجوس - الصليبيون - اليهود)، فقد برزت شخصية خطيرة سيكون لها الدور الكبير في تغيير حركة الإرهاب العالمية عبر التاريخ، لقد ظهر رجلٌ في اليمن اسمه (عبد اللَّه بن سبأ)! عبد اللَّه بن سبأ: هو يهودي من يهود اليمن، وُلد في صنعاء لأبٍ يهودي وأم حبشية، ادعى اعتناقه للإسلام (تقية) في زمن الخليفة عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه وأرضاه، وانتظر الفرصة السانحة لتدمير الإسلام من الداخل، وفعلًا قام بوضع نظرية اقتبسها من اليهودية وهي نظرية "الوصية والرجعة"! وملخص هذه النظرية أن رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- سيرجع كما رجع موسى -عليه السلام- بعد غيابه أربعين يومًا عن بني إسرائيل، وأن (علي بن أبي طالب) هو وصي رسول اللَّه كما كان (يوشع بن نون) هو وصي موسى! (وربما يفسر هذا مدى الترابط الكبير بين العقيدة الشيعية والعقيدة اليهودية!) المهم أن ابن سبأ قام بنشر دعوته في الشام، فطرده أهل الشام الأبطال، ثم حاول أن ينشر دعوته في مصر ففشل، فذهب إلى العراق، فوجد هناك البيئة المناسبة لأفكاره الانحرافية من قبل بقايا المجوس الذين دمر الإسلام إمبراطوريتهم وأطفأ نارهم، فقام ابن سبأ بوضع خطةٍ محكمة لتدمير الدولة الإسلامية من الداخل، فقام بإرسال خطابات وهمية موقعة باسم أم المؤمنين عائشة وأسماء كبار الصحابة يدَّعي فيها أنهم يطلبون النجدة من المسلمين في الولايات المختلفة ليخلصونهم من ظلم عثمان الذي يعذبهم في المدينة المنورة، وفعلاّ انتشرت هذه الإشاعات انتشار النار في الهشيم، وبدأ المنافقون يتجهون نحو المدينة لقتل خليفة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقاموا بمحاصرة بيت عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه وأرضاه، فتوجه كبار الصحابة وشباب الإسلام يحملون سيوفهم للدفاع عن صهر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، فتوجه عثمان بن عفان للمدافعين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار وكانوا قريبا من سبعمائة: فتعمم البطل الإسلامي الكبير (علي بن أبي طالب) بعِمامة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وامتشق سيفه متجهًا إلى دار عثمان يقود جمعًا كبيرًا من أسود الصحابة للدفاع عن خليفتهم، فكان من بين من حملوا سيوفهم مع القائد علي البطل بن البطل (عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب)، والبطل ابن البطل (عبد اللَّه بن الزبير)، والبطلان ابنا البطل (الحسن والحسين)، و (مروان)، و (أبو هريرة)، و (أبو سعيد الخدري) وخلق من مواليه، فخرج لهم عثمان قبل أن يقاتلوا المنافقين وقال لكتيبة المدافعين التي يقودها البطل علي بن أبي طالب: "أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده وأن ينطلق إلى منزله! " فاستجاب الصحابة مكرهين لأمر خليفتهم ودموعهم تملؤ أعينهم، ثم توجه ذو النورين نحو رقيقه الذين حملوا السلاح ليذوذوا عن سيدهم وقال لهم: "من أغمد سيفه فهو حر"! ليصرف عثمان جميع المدافعين عنه، وليبقى بذلك وحده محاصرًا من قبل أولئك المنافقين، فقام أولئك الإرهابيون من شذّاذ الأرض بمنع الماء عن خليفة المسلمين عثمان بن عفان لكي يموت عطشًا، وهو الذي سقى رسول اللَّه من بئر رومة! وبينما عثمان نائم والمجرمون محيطون ببيته، استيقظ البطل عثمان بن عفان وهو يضحك، فلما سُئل عن سر سعادته قال: "رأيت في منامى رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكر وعمر يقولون لى: "اصبر، فستفطر عندنا غدًا يا عثمان! " فأصبح عثمان بن عفان رضي اللَّه عنه وأرضاه صائمًا، وفتح الباب منتظرًا الشهادة، وتناول القرآن الذي كان هو من جمعه للمسلمين، وأخذ يقرأ القرآن بصوته العذب، فانقض عليه الإرهابي المجرم (الغافقي)، فطعنه بحديدة في رأسه، فسالت الدماء شلالًا من صهر رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم ضرب هذا المجرم المصحف بقدمه، فدار المصحف دورةً كاملةً ليستقر مرةً أخرى في حضن عثمان، وكأن كتاب اللَّه يأبى إلا أن تخالط حروفه دماء عثمان، فاستقرت نقطةٍ من دماء عثمان فوق موضعٍ في كتاب اللَّه مكتوب فيه (فسيكفيكهم اللَّه)، ثم أقبل المجرمون بخناجرهم يطعنون هذا الرجل الذي تستحي منه الملائكة، فتقدمت امرأته المخلصة الصحابية الجليلة (نائلة بنت الفرافصة) رضي اللَّه عنها وأرضاها تدافع عن زوجها بكل بسالة وهم يطعنون به من كل جنب، فهجم عليه أحدهم وهوى عليه بسيفه، فتلقت الزوجة الوفية نائلة السيف بيدها لتحمي زوجها، فقطعت أناملها، وبينما كانت تهرع لإمساك سيف رجل ثانٍ قطع ذلك المجرم أصابع يدها الأخرى وهو يدخل السيف فى بطن عثمان ليقتله، وحين هموا بقطع رأسه عثمان ألقت عليه بنفسها إلا أنهم لم يرحموا ضعفها، ولم يعرفوا لعثمان قدره، فحزوا رأسه، ومثَّلوا به، فصاحت تلك المرأة المجاهدة والدم يسيل من أطرافها: "إن أمير المؤمنين قد قُتل! إن أمير المؤمنين قد قُتِل! " فدخل أحد الإرهابيين إلى الدار عقب مقتل خليفة رسول اللَّه عثمان بن عفان، فإذا به يرى رأسه فى حجر زوجته الوفية وهي تبكي عليه غير آبهة بالدماء التي تسيل من أطرافها المقطوعة، فهجم عليها ذلك المجرم السافل ولطم وجه عثمان، فدعت عليه قائلة: "يبَّس اللَّه يدك، وأعمى بصرك". فلم يخرج ذلك المجرم من باب الدار إلا وقد يبست يداه، وعمى بصره ليهجم أولئك السفلة المنحطين من أهل العراق وغيرهم نحو السيدة الطاهرة نائلة بنت الفرافصة، ليجرِّدوها من مِلائة كانت على جسدها الطاهر وهم يضحكون، ويركلون كتاب اللَّه بأرجلهم، بعدها قام أولئك المنافقون اللصوص بسرقة كل محتويات البيت وهم يركضون حاملين كل شيء على أكتافهم (في منظرٍ مخزٍ تكرر عام 2003 م بنفس الصورة!) لتخرج روح أعظم ثالث رجلٍ في تاريخ الإنسانية بعد الأنبياء، وتستقر عند بارئها، وليستشهد الصحابي الجليل عثمان بن عفان الأموي القرشي صائمًا وهو يقرأ كتاب اللَّه، ولتنتهي بذلك حياة إنسان ما عرفت الأرض مثله في التاريخ، إنسانٌ تستحي منه الملائكة! فرحمك اللَّه يا عثمان. . . . رحمك اللَّه يا صهر رسول اللَّه. . . . وعذرًا ذا النورين إن كنت قد أسأت الظن بك في يومٍ من الأيام، أو قصّرت في إنصافك في هذا الصفحات القليلة من هذا الكتاب! وسلامًا أيها الإنسان النقي، أيها الكريم الحيي، أيها السهل السخي، أيها السمح السري، أيها الجواد الكريم، يا صاحب السخاء العظيم، يا رجل البر والجود والإحسان، يا جامع القرآن، يا عثمان بن عفان! ولكن. . . . كيف جاءت ساعة الانتقام من تلك الوحوش البشرية؟ ومن هو الصقر الأموي الذي حمل على عاتقه الثأر لذي النورين؟ وما الشيء الذي فعلته الزوجة المخلصة نائلة بنت الفرافصة بعد ذلك؟ وما الذي كان يحتويه ذلك الصندوق السري الذي بعثت به إلى الشام؟ ومن هو ذلك الصحابي الجليل الذي تسلم رسالتها؟ ولماذا كان رسول اللَّه يستأمنه على الوحي المنزل؟ وما الشيء الذي قاله جبريل -عليه السلام- في حق ذلك العظيم الإسلامي؟ وكيف أصبح بعدها أعظم إنسان حكم المسلمين عبر تاريخ الإسلام بعد رسول اللَّه مباشرة؟ ولماذا يعتبره أتباع ابن سبأ عدوَّهم الرئيسيَّ الأول؟ يتبع. . . .
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |