فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام - الصفحة 39 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         كيفية إعداد خطة بحث لطلاب الدراسات العليا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »          طرائق وآداب تربية الأولاد على مبادئ الإسلام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          حكم التعلم والتدريس في الجامعات المختلطة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          ملف كامل عن ماسكات البشرة بانواعها المختلفة.محاربة الشيخوخة.البشرة الدهنية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          وصفات لتبيض الجسم من المنزل.افضل الوصفات الطبيعية لتبيض الجسم من مطبخك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          كيفية العناية بالطفل فى فترة الدراسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          طرق العناية بنظافة الطفل في العام الدراسي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          4 نصائح خاصة بعودة المراهقين للمدرسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          دليلك الصحي للحبوب الكاملة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          فوائد السبانخ الصحية.تعرف على اهمية السبانخ وفوائدها الكثيرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 14-08-2025, 11:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,685
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ يوسف
المجلد العاشر
الحلقة( 383)

من صــ 436 الى صـ 450





فمجموع أمته تقوم مقامه في الدعوة إلى الله؛ ولهذا كان إجماعهم حجة قاطعة فأمته لا تجتمع على ضلالة وإذا تنازعوا في شيء ردوا ما تنازعوا فيه إلى الله وإلى رسوله وكل واحد من الأمة يجب عليه أن يقوم من الدعوة بما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره فما قام به غيره سقط عنه وما عجز لم يطالب به. وأما ما لم يقم به غيره وهو قادر عليه فعليه أن يقوم به؛ ولهذا يجب على هذا أن يقوم بما لا يجب على هذا وقد تقسطت الدعوة على الأمة بحسب ذلك تارة وبحسب غيره أخرى؛ فقد يدعو هذا إلى اعتقاد الواجب وهذا إلى عمل ظاهر واجب وهذا إلى عمل باطن واجب؛ فتنوع الدعوة يكون في الوجوب تارة وفي الوقوع أخرى.
وقد تبين بهذا أن الدعوة إلى الله تجب على كل مسلم؛ لكنها فرض على الكفاية وإنما يجب على الرجل المعين من ذلك ما يقدر عليه إذا لم يقم به غيره وهذا شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتبليغ ما جاء به الرسول والجهاد في سبيل الله وتعليم الإيمان والقرآن. وقد تبين بذلك أن الدعوة نفسها أمر بالمعروف ونهي عن المنكر فإن الداعي طالب مستدع مقتض لما دعي إليه وذلك هو الأمر به؛ إذ الأمر هو طلب للفعل المأمور به واستدعاء له ودعاء إليه فالدعاء إلى الله الدعاء إلى سبيله فهو أمر بسبيله وسبيله تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر. وقد تبين أنهما واجبان على كل فرد من أفراد المسلمين وجوب فرض الكفاية لا وجوب فرض الأعيان كالصلوات الخمس بل كوجوب الجهاد.
والقيام بالواجبات: من الدعوة الواجبة وغيرها يحتاج إلى شروط يقام بها كما جاء في الحديث: {ينبغي لمن أمر بالمعروف ونهى عن المنكر أن يكون فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه} فالفقه قبل الأمر ليعرف المعروف وينكر المنكر والرفق عند الأمر ليسلك أقرب الطرق إلى تحصيل المقصود والحلم بعد الأمر ليصبر على أذى المأمور المنهي فإنه كثيرا ما يحصل له الأذى بذلك.

ولهذا قال تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك} وقد أمر نبينا بالصبر في مواضع كثيرة كما قال تعالى في أول المدثر: {قم فأنذر} {وربك فكبر} {وثيابك فطهر} {والرجز فاهجر} {ولا تمنن تستكثر} {ولربك فاصبر} وقال تعالى: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} وقال: {واصبر على ما يقولون}وقال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا} وقال: {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت}. وقد جمع سبحانه بين التقوى والصبر في مثل قوله: {لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور}.
والمؤمنون كانوا يدعون إلى الإيمان بالله وما أمر به من المعروف وينهون عما نهى الله عنه من المنكر فيؤذيهم المشركون وأهل الكتاب. وقد أخبرهم بذلك قبل وقوعه وقال لهم: {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وقد قال يوسف عليه السلام {أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين}. فالتقوى تتضمن طاعة الله ومنها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر يتناول الصبر على المصائب التي منها أذى المأمور المنهي للآمر الناهي.
لكن للآمر الناهي أن يدفع عن نفسه ما يضره كما يدفع الإنسان عن نفسه الصائل فإذا أراد المأمور المنهي ضربه أو أخذ ماله ونحو ذلك وهو قادر على دفعه فله دفعه عنه؛ بخلاف ما إذا وقع الأذى وتاب منه؛ فإن هذا مقام الصبر والحلم والكمال في هذا الباب حال نبينا صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين {عن عائشة أنها قالت ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده خادما له ولا امرأة ولا دابة ولا شيئا قط إلا أن يجاهد في سبيل الله ولا نيل منه فانتقم لنفسه إلا أن تنتهك محارم الله فإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله} فقد تضمن خلقه العظيم أنه لا ينتقم لنفسه إذا نيل منه وإذا انتهكت محارم الله لم يقم لغضبه شيء حتى ينتقم لله ومعلوم أن أذى الرسول من أعظم المحرمات فإن من آذاه فقد آذى الله وقتل سابه واجب باتفاق الأمة سواء قيل إنه قتل لكونه ردة أو لكونه ردة مغلظة أوجبت أن صار قتل الساب حدا من الحدود.

والمنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم في احتماله وعفوه عمن كان يؤذيه كثير كما قال تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}. فالآمر الناهي إذا أوذي وكان أذاه تعديا لحدود الله وفيه حق لله يجب على كل أحد النهي عنه وصاحبه مستحق للعقوبة؛ لكن لما دخل فيه حق الآدمي كان له العفو عنه كما له أن يعفو عن القاذف والقاتل وغير ذلك وعفوه عنه لا يسقط عن ذلك العقوبة التي وجبت عليه لحق الله؛ لكن يكمل لهذا الآمر الناهي مقام الصبر والعفو الذي شرع الله لمثله حتى يدخل في قوله تعالى {وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور} وفي قوله: {فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره}. ثم هنا فرق لطيف: أما الصبر فإنه مأمور به مطلقا فلا ينسخ. وأما العفو والصفح فإنه جعل إلى غاية وهو: أن يأتي الله بأمره فلما أتى بأمره: بتمكين الرسول ونصره - صار قادرا على الجهاد لأولئك وإلزامهم بالمعروف ومنعهم عن المنكر - صار يجب عليه العمل باليد في ذلك ما كان عاجزا عنه وهو مأمور بالصبر في ذلك كما كان مأمورا بالصبر أولا.
والجهاد مقصوده أن تكون كلمة الله هي العليا وأن يكون الدين كله لله؛ فمقصوده إقامة دين الله لا استيفاء الرجل حظه؛ ولهذا كان ما يصاب به المجاهد في نفسه وماله أجره فيه على الله؛ فإن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة حتى إن الكفار إذا أسلموا أو عاهدوا لم يضمنوا ما أتلفوه للمسلمين من الدماء والأموال؛ بل لو أسلموا وبأيديهم ما غنموه من أموال المسلمين كان ملكا لهم عند جمهور العلماء: كمالك وأبي حنيفة وأحمد وهو الذي مضت به سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين.
فالآمر الناهي إذا نيل منه وأوذي ثم إن ذلك المأمور المنهي تاب وقبل الحق منه: فلا ينبغي له أن يقتص منه ويعاقبه على أذاه فإنه قد سقط عنه بالتوبة حق الله كما يسقط عن الكافر إذا أسلم حقوق الله تعالى كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {الإسلام يهدم ما كان قبله والتوبة تهدم ما كان قبلها} والكافر إذا أسلم هدم الإسلام ما كان قبله: دخل في ذلك ما اعتدى به على المسلمين في نفوسهم وأموالهم؛ لأنه ما كان يعتقد ذلك حراما؛ بل كان يستحله فلما تاب من ذلك غفر له هذا الاستحلال وغفرت له توابعه.
فالمأمور المنهي إن كان مستحلا لأذى الآمر الناهي كأهل البدع والأهواء الذين يعتقدون أنهم على حق وأن الآمر الناهي لهم معتد عليهم فإذا تابوا لم يعاقبوا بما اعتدوا به على الآمر الناهي من أهل السنة كالرافضي الذي يعتقد كفر الصحابة أو فسقهم وسبهم على ذلك فإن تاب من هذا الاعتقاد وصار يحبهم ويتولاهم لم يبق لهم عليه حق بل دخل حقهم في حق الله ثبوتا وسقوطا؛ لأنه تابع لاعتقاده.

ولهذا كان جمهور العلماء - كأبي حنيفة ومالك وأحمد في أصح الروايتين والشافعي في أحد القولين على - أن أهل البغي المتأولين لا يضمنون ما أتلفوه على أهل العدل بالتأويل كما لا يضمن أهل العدل ما أتلفوه على أهل البغي بالتأويل باتفاق العلماء.
وكذلك أصح قولي العلماء في المرتدين فإن المرتد والباغي المتأول والمبتدع كل هؤلاء يعتقد أحدهم أنه على حق فيفعل ما يفعله متأولا فإذا تاب من ذلك كان كتوبة الكافر من كفره؛ فيغفر له ما سلف مما فعله متأولا وهذا بخلاف من يعتقد أن ما يفعله بغي وعدوان كالمسلم إذا ظلم المسلم والذمي إذا ظلم المسلم والمرتد الذي أتلف مال غيره وليس بمحارب بل هو في الظاهر مسلم أو معاهد فإن هؤلاء يضمنون ما أتلفوه بالاتفاق.
فالمأمور المنهي إن كان يعتقد أن أذى الآمر الناهي جائز له فهو من المتأولين وحق الآمر الناهي داخل في حق الله تعالى فإذا تاب سقط الحقان وإن لم يتب كان مطلوبا بحق الله المتضمن حق الآدمي فإما أن يكون كافرا وإما أن يكون فاسقا وإما أن يكون عاصيا. فهؤلاء كل يستحق العقوبة الشرعية بحسبه وإن كان مجتهدا مخطئا فهذا قد عفا الله عنه خطأه فإذا كان قد حصل بسبب اجتهاده الخطأ أذى للآمر الناهي بغير حق فهو كالحاكم إذا اجتهد فأخطأ وكان في ذلك ما هو أذى للمسلم أو كالشاهد أو كالمفتي. فإذا كان الخطأ لم يتبين لذلك المجتهد المخطئ كان هذا مما ابتلى الله به هذا الآمر الناهي.
قال تعالى: {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا} فهذا مما يرتفع عنه الإثم في نفس الأمر وكذلك الجزاء على وجه العقوبة؛ ولكن قد يقال: قد يسقط الجزاء على وجه القصاص الذي يجب في العمد ويثبت الضمان الذي يجب في الخطأ كما تجب الدية في الخطأ وكما يجب ضمان الأموال التي يتلفها الصبي والمجنون في ماله وإن وجبت الدية على عاقلة القاتل خطأ؛ معاونة له فلا بد من استيفاء حق المظلوم خطأ؛ فكذلك هذا الذي ظلم خطأ؛ لكن يقال: يفرق بين ما كان الحق فيه لله وحق الآدمي تبع له وما كان حقا لآدمي محضا أو غالبا والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد من هذا الباب موافق لقول الجمهور الذين لا يوجبون على أهل البغي ضمان ما أتلفوه لأهل العدل بالتأويل وإن كان ذلك خطأ منهم ليس كفرا ولا فسقا.
وإذا قدر عليهم أهل العدل لم يتبعوا مدبرهم ولم يجهزوا على جريحهم ولم يسبوا حريمهم ولم يغنموا أموالهم فلا يقاتلونهم على ما أتلفوه من النفوس والأموال إذا أتلفوا مثل ذلك أو تملكوا عليهم. فتبين أن القصاص ساقط في هذا الموضع؛ لأن هذا من باب الجهاد الذي يجب فيه الأجر على الله وهذا مما يتعلق بحق العبد الآمر الناهي. وأما قول السائل: هل يقتص منه لئلا يؤدي إلى طمع منه في جانب الحق؟ فيقال: متى كان فيما فعله إفساد لجانب الحق كان الحق في ذلك لله ورسوله فيفعل فيه ما يفعل في نظيره وإن لم يكن فيه أذى للآمر الناهي. والمصلحة في ذلك تتنوع؛ فتارة تكون المصلحة الشرعية القتال وتارة تكون المصلحة المهادنة وتارة تكون المصلحة الإمساك والاستعداد بلا مهادنة وهذا يشبه ذلك؛ لكن الإنسان تزين له نفسه أن عفوه عن ظالمه يجريه عليه وليس كذلك؛ بل قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال: {ثلاث إن كنت لحالفا عليهن ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا وما نقصت صدقة من مال وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله}. فالذي ينبغي في هذا الباب أن يعفو الإنسان عن حقه ويستوفي حقوق الله بحسب الإمكان.
قال تعالى: {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون} قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون أن يستذلوا فإذا قدروا عفوا. قال تعالى: {هم ينتصرون} يمدحهم بأن فيهم همة الانتصار للحق والحمية له؛ ليسوا بمنزلة الذين يعفون عجزا وذلا؛ بل هذا مما يذم به الرجل والممدوح العفو مع القدرة والقيام لما يجب من نصر الحق لا مع إهمال حق الله وحق العباد. والله تعالى أعلم.
(حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110)
وقال شيخ الإسلام - قدس الله روحه -:
فصل:
في قوله تعالى {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} الآية: قراءتان في هذه الآية؛ بالتخفيف والتثقيل. وكانت عائشة رضي الله عنها تقرأ بالتثقيل وتنكر التخفيف كما في الصحيح عن الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة قالت له - وهو يسألها عن قوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} مخففة قالت - معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها - قلت: فما هذا النصر - {حتى إذا استيئس الرسل} بمن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك لعمري لقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن.

وفي الصحيح أيضا عن ابن جريج سمعت ابن أبي مليكة يقول قال ابن عباس: {حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا} خفيفة ذهب بها هنالك وتلا {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} فلقيت عروة فذكرت ذلك له فقال: قالت عائشة: معاذ الله والله ما وعد الله رسوله من شيء قط إلا علم أنه كائن قبل أن يكون؛ ولكن لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا وخافوا أن يكون من معهم يكذبهم؛ فكانت تقرؤها: {وظنوا أنهم قد كذبوا} مثقلة. فعائشة جعلت استيأس الرسل من الكفار المكذبين وظنهم التكذيب من المؤمنين بهم ولكن القراءة الأخرى ثابتة لا يمكن إنكارها وقد تأولها ابن عباس وظاهر الكلام معه والآية التي تليها إنما فيها استبطاء النصر وهو قولهم: {متى نصر الله} فإن هذه كلمة تبطئ لطلب التعجيل.
وقوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} قد يكون مثل قوله: {إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان} والظن لا يراد به في الكتاب والسنة الاعتقاد الراجح كما هو في اصطلاح طائفة من أهل الكلام في العلم ويسمون الاعتقاد المرجوح وهما بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم {إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث} وقد قال تعالى: {وإن الظن لا يغني من الحق شيئا}.
فالاعتقاد المرجوح هو ظن وهو وهم وهذا الباب قد يكون من حديث النفس المعفو عنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل} وقد يكون من باب الوسوسة التي هي صريح الإيمان كما ثبت {في الصحيح أن الصحابة قالوا يا رسول الله: إن أحدنا ليجد في نفسه ما لأن يحرق حتى يصير حممة أو يخر من السماء إلى الأرض: أحب إليه من أن يتكلم به. قال: أوقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال ذلك صريح الإيمان} وفي حديث آخر: {إن أحدنا ليجد ما يتعاظم أن يتكلم به. قال: الحمد لله الذي رد كيده إلى الوسوسة}.
فهذه الأمور التي هي تعرض ثلاثة أقسام: منها ما هو ذنب يضعف به الإيمان وإن كان لا يزيله. واليقين في القلب له مراتب ومنه ما هو عفو يعفى عن صاحبه ومنه ما يكون يقترن به صريح الإيمان. ونظير هذا: ما في الصحيح عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد؛ ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي ونحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال له ربه: {أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي} وقد ترك البخاري ذكر قوله:
" بالشك " لما خاف فيها من توهم بعض الناس. ومعلوم أن إبراهيم كان مؤمنا كما أخبر الله عنه بقوله: {أولم تؤمن قال بلى} ولكن طلب طمأنينة قلبه كما قال: {ولكن ليطمئن قلبي} فالتفاوت بين الإيمان والاطمئنان سماه النبي صلى الله عليه وسلم شكا لذلك بإحياء الموتى كذلك الوعد بالنصر في الدنيا: يكون الشخص مؤمنا بذلك؛ ولكن قد يضطرب قلبه فلا يطمئن فيكون فوات الاطمئنان ظنا أنه قد كذب فالشك مظنة أنه يكون من باب واحد وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب وإن كان فيها ما هو ذنب فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك كما في أفعالهم على ما عرف من أصول السنة والحديث.
وفي قصص هذه الأمور عبرة للمؤمنين بهم فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك ولا ييأسوا إذا ابتلوا بذلك ويعلمون أنه قد ابتلي به من هو خير منهم وكانت العاقبة إلى خير فليتيقن المرتاب ويتوب المذنب ويقوى إيمان المؤمنين فبها يصح الاتساء بالأنبياء كما في قوله: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر}.
وفي القرآن من قصص المرسلين التي فيها تسلية وتثبيت ليتأسى بهم في الصبر على ما كذبوا وأوذوا كما قال تعالى: {ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا}. . . (1) ولنا؛ لأنه أسوة في ذلك ما هو كثير في القرآن؛ ولهذا قال: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} وقال: {ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك} وقال: {فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل ولا تستعجل لهم} {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك}.
وإذا كان الاتساء بهم مشروعا في هذا وفي هذا فمن المشروع التوبة من الذنب والثقة بوعد الله وإن وقع في القلب ظن من الظنون وطلب مزيد الآيات لطمأنينة القلوب كما هو المناسب للاتساء والاقتداء دون ما كان المتبوع معصوما مطلقا. فيقول التابع: أنا لست من جنسه فإنه لا يذكر بذنب فإذا أذنب استيأس من المتابعة والاقتداء؛ لما أتى به من الذنب الذي يفسد المتابعة على القول بالعصمة بخلاف ما إذا قيل: إن ذلك مجبور بالتوبة فإنه تصح معه المتابعة كما قيل: أول من أذنب وأجرم ثم تاب وندم آدم أبو البشر ومن أشبه أباه ما ظلم.
والله تعالى قص علينا قصص توبة الأنبياء لنقتدي بهم في المتاب وأما ما ذكره سبحانه أن الاقتداء بهم في الأفعال التي أقروا عليها فلم ينهوا عنها ولم يتوبوا منها فهذا هو المشروع. فأما ما نهوا عنه وتابوا منه فليس بدون المنسوخ من أفعالهم وإن كان ما أمروا به أبيح لهم ثم نسخ تنقطع فيه المتابعة؛ فما لم يؤمروا به أحرى وأولى.
وأيضا فقوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} قد يكونون ظنوا في الموعود به ما ليس هو فيه بطريق الاجتهاد منهم؛ فتبين الأمر بخلافه فهذا جائز عليهم كما سنبينه فإذا ظن بالموعود به ما ليس هو فيه ثم تبين الأمر بخلافه ظن أن ذلك كذب وكان كذبا من جهة ظن في الخبر ما لا يجب أن يكون فيه. فأما الشك فيما يعلم أنه أخبر به فهذا لا يكون وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى. ومما ينبغي أن يعلم أنه سبحانه ذكر هنا شيئان: " أحدهما " استيئاس الرسل. و " الثاني " ظن أنهم كذبوا.

__________
Q (1) بياض بالأصل

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 14-08-2025, 11:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,685
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ يوسف
المجلد العاشر
الحلقة( 384)

من صــ 451 الى صـ 465





وقد ذكرنا لفظ " الظن " فأما لفظ (استيأسوا فإنه قال سبحانه: {حتى إذا استيئس الرسل} ولم يقل يئس الرسل ولا ذكر ما استيأسوا منه وهذا اللفظ قد ذكره في هذه السورة {فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين}. وقد يقال: الاستيئاس ليس هو الإياس؛ لوجوه: " أحدها " أن إخوة يوسف لم ييأسوا منه بالكلية فإن قول كبيرهم: {فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين} دليل على أنه يرجو أن يحكم الله له وحكمه هنا لا بد أن يتضمن تخليصنا ليوسف منهم وإلا فحكمه له بغير ذلك لا يناسب قعوده في مصر لأجل ذلك.
وأيضا: ف " اليأس " يكون في الشيء الذي لا يكون ولم يجئ ما يقتضي ذلك فإنهم قالوا: {قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين} {قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} فامتنع من تسليمه إليهم. ومن المعلوم أن هذا لا يوجب القطع بأنه لا يسلم إليهم فإنه يتغير عزمه ونيته وما أكثر تقليب القلوب وقد يتبدل الأمر بغيره حتى يصير الحكم إلى غيره وقد يتخلص بغير اختياره والعادات قد جرت بهذا على مثل من عنده من قال لا يعطيه.

فقد يعطيه وقد يخرج من يده بغير اختياره وقد يموت عنه فيخرج والعالم مملوء من هذا. " الوجه الثاني " قال لهم يعقوب: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون}. فنهاهم عن اليأس من روح الله ولم ينههم عن الاستيئاس وهو الذي كان منهم. وأخبر أنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. ومن المعلوم أنهم لم يكونوا كافرين فهذا هو " الوجه الثالث " أيضا.
وهو أنه أخبر أنه {لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون} فيمتنع أن يكون للأنبياء يأس من روح الله وأن يقعوا في الاستيئاس بل المؤمنون ما داموا مؤمنين لا ييأسون من روح الله وهذه السورة تضمنت ذكر المستيئسين وأن الفرح جاءهم بعد ذلك لئلا ييأس المؤمن؛ ولهذا فيها: {لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب} فذكر استيئاس الإخوة من أخي يوسف وذكر استيئاس الرسل يصلح أن يدخل فيه ما ذكره ابن عباس وما ذكرته عائشة جميعا.
" الوجه الرابع " أن الاستيئاس استفعال من اليأس والاستفعال يقع على وجوه: يكون لطلب الفعل من الغير فالاستخراج والاستفهام والاستعلام يكون في الأفعال المتعدية يقال: استخرجت المال من غيري وكذلك استفهمت ولا يصلح هذا أن يكون معنى الاستيئاس فإن أحدا لا يطلب اليأس ويستدعيه؛ ولأن استيأس فعل لازم لا متعد. ويكون للاستفعال لصيرورة المستفعل على صفة غيره وهذا يكون في الأفعال اللازمة كقولهم: استحجر الطين أي صار كالحجر. واستنوق الفحل أي صار كالناقة.
وأما النظر فيما استيأسوا منه فإن الله تعالى ذكر ذلك في قصة إخوة يوسف حيث قال: {فلما استيأسوا منه}. وأما الرسل فلم يذكر ما استيأسوا منه بل أطلق وصفهم بالاستيئاس فليس لأحد أن يقيده بأنهم استيأسوا مما وعدوا به وأخبروا بكونه ولا ذكر ابن عباس ذلك. وثبت أن قوله: {وظنوا أنهم قد كذبوا} لا يدل على ظاهره فضلا عن باطنه: أنه حصل في قلوبهم مثل تساوي الطرفين فيما أخبروا به فإن لفظ الظن في اللغة لا يقتضي ذلك؛ بل يسمى ظنا ما هو من أكذب الحديث عن الظان؛ لكونه أمرا مرجوحا في نفسه.
واسم اليقين والريب والشك ونحوها يتناول علم القلب وعمله وتصديقه وعدم تصديقه وسكينته وعدم سكينته ليست هذه الأمور بمجرد العلم فقط كما يحسب ذلك بعض الناس كما نبهنا عليه في غير هذا الموضع. إذ المقصود هنا الكلام على قوله: {حتى إذا استيئس الرسل}.
فإذا كان الخبر عن استيئاسهم مطلقا فمن المعلوم أن الله إذا وعد الرسل والمؤمنين بنصر مطلق - كما هو غالب إخباراته - لم يقيد زمانه ولا مكانه ولا سنته ولا صفته فكثيرا ما يعتقد الناس في الموعود به صفات أخرى لم ينزل عليها خطاب الحق بل اعتقدوها بأسباب أخرى كما اعتقد طائفة من الصحابة إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لهم أنهم يدخلون المسجد الحرام ويطوفون به أن ذلك يكون عام الحديبية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم خرج معتمرا ورجا أن يدخل مكة ذلك العام ويطوف ويسعى. فلما استيأسوا من دخوله مكة ذلك العام - لما صدهم المشركون حتى قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم على الصلح المشهور - بقي في قلب بعضهم شيء حتى {قال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم ألم تخبرنا أنا ندخل البيت ونطوف؟ قال: بلى.
فأخبرتك أنك تدخله هذا العام؟ . قال: لا. قال: فإنك داخله ومطوف} وكذلك قال له أبو بكر. وكان أبو بكر رضي الله عنه أكثر علما وإيمانا من عمر حتى تاب عمر مما صدر منه وإن كان عمر - رضي الله عنه - محدثا كما جاء في الحديث الصحيح أنه قال صلى الله عليه وسلم {قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر} فهو - رضي الله عنه - المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه؛ ولكن مزية التصديق الذي هو أكمل متابعة للرسول وعلما وإيمانا بما جاء به درجته فوق درجته؛ فلهذا كان الصديق أفضل الأمة صاحب المتابعة للآثار النبوية فهو معلم لعمر ومؤدب للمحدث منهم الذي يكون له من ربه إلهام وخطاب كما كان أبو بكر معلما لعمر ومؤدبا له حيث قال له: فأخبرك أنك تدخله هذا العام؟ قال: لا قال إنك آتيه ومطوف.
فبين له الصديق أن وعد النبي صلى الله عليه وسلم مطلق غير مقيد بوقت وكونه سعى في ذلك العام وقصده لا يوجب أن يعني ما أخبر به؛ فإنه قد يقصد الشيء ولا يكون؛ بل يكون غيره؛ إذ ليس من شرط النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون كما قصده؛ بل من تمام نعمة ربه عليه أن يقيده عما يقصده إلى أمر آخر هو أنفع مما قصده كما كان صلح الحديبية أنفع للمؤمنين من دخولهم ذلك العام بخلاف خبر النبي صلى الله عليه وسلم فإنه صادق لا بد أن يقع ما أخبر به ويتحقق.
وكذلك ظن النبي كما {قال في تأبير النخل: إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله فإني لن أكذب على الله} فاستيئاس عمر وغيره من دخول ذلك هو استيئاس مما ظنوه موعودا به ولم يكن موعودا به. ومثل هذا لا يمتنع على الأنبياء أن يظنوا شيئا فيكون الأمر بخلاف ما ظنوه فقد يظنون فيما وعدوه تعيينا وصفات ولا يكون كما ظنوه فييأسون مما ظنوه في الوعد لا من تعيين الوعد كما قال النبي صلى الله عليه وسلم {رأيت أن أبا جهل قد أسلم؛ فلما أسلم خالد ظنوه هو فلما أسلم عكرمة علم أنه هو}.
وروى مسلم في صحيحه {أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم يلقحون: فقال لو لم تفعلوا هذا لصلح قال: فخرج شيصا فمر بهم فقال: ما لنخلكم؟ قالوا: قلت: كذا وكذا. قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم} وروي أيضا {عن موسى بن طلحة عن أبيه طلحة ابن عبيد الله قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على ؤوس النخل فقال: ما يصنع هؤلاء فقال: يلقحونه يجعلون الذكر في الأنثى فتلقح فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أظن يغني ذلك شيئا فأخبروا بذلك فتركوه.
فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه؛ فإنني ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به فإني لن أكذب على الله}.
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا حدثنا بشيء عن الله أن نأخذ به فإنه لن يكذب على الله فهو أتقانا لله وأعلمنا بما يتقى وهو أحق أن يكون آخذا بما يحدثنا عن الله فإذا أخبره الله بوعد كان علينا أن نصدق به وتصديقه هو به أعظم من تصديقنا ولم يكن لنا أن نشك فيه وهو - بأبي - أولى وأحرى أن لا يشك فيه؛ لكن قد يظن ظنا كقوله: {إنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن} وإن كان أخبره به مطلقا فمستنده ظنون كقوله في حديث ذي اليدين: {ما قصرت الصلاة ولا نسيت}.
وقد يظن الشيء ثم يبين الله الأمر على جليته كما وقع مثل ذلك في أمور كقوله تعالى: {إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا} نزلت في الوليد بن عقبة لما استعمله النبي صلى الله عليه وسلم وهم أن يغزوهم لما ظن صدقه حتى أنزل الله هذه الآية.
وكذلك في قصة بني أبيرق التي أنزل الله فيها: {إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} ، وذلك لما جاء قوم تركوا السارق الذي كان يسرق وأخرجوا البريء؛ فظن النبي صلى الله عليه وسلم صدقهم حتى تبين الأمر بعد ذلك. {وقال في حديث قصر الصلاة: لم أنس ولم تقصر فقالوا: بلى قد نسيت}. وكان قد نسي فأخبر عن موجب ظنه واعتقاده حتى تبين الأمر بعد ذلك. {وروي عنه أنه قال: إني لأنسى لأسن} وأيضا فقوله في القرآن: {ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} شامل للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته حيث قال في صدر الآيات: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله} الآيات.
وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عيسى الأنصاري عن سعيد بن جبير {عن ابن عباس قال: بينا جبريل قاعد عند النبي صلى الله عليه وسلم سمع نقيضا من فوقه فرفع رأسه فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم لم يفتح إلا اليوم فنزل منه ملك فقال: هذا ملك نزل إلى الأرض لم ينزل قط إلا اليوم فسلم وقال: أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب وخواتيم سورة البقرة لن تقرأ بحرف منها إلا أعطيته}.
وفي صحيح مسلم عن آدم عن سعيد بن جبير {عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} دخل في قلوبهم منها شيء لم يدخل مثله فقال النبي صلى الله عليه وسلم قولوا سمعنا وأطعنا وسلمنا قال: فألقى الله الإيمان في قلوبهم فأنزل الله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت} الآيات إلى قوله: {أو أخطأنا} قال قد فعلت إلى آخر السورة قال: قد فعلت}. وفي صحيح مسلم عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه {عن أبي هريرة قال: لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم {لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} اشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب فقالوا: أي رسول الله كلفنا من الأعمال ما نطيق الصلاة والصيام والجهاد والصدقة وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتاب سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير فلما اقتراها القوم وذلت بها ألسنتهم: أنزل الله عز وجل في أثرها: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه} إلى قوله: {وإليك المصير} فلما فعلوا ذلك نسخها سبحانه فأنزل الله {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} إلى قوله: {قبلنا} قال: نعم: {ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به} قال: نعم.
إلى آخر السورة قال: نعم}. والذي عليه جمهور أهل الحديث والفقه أنه يجوز عليهم الخطأ في الاجتهاد؛ لكن لا يقرون عليه وإذا كان في الأمر والنهي فكيف في الخبر؟ وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض وإنما أقضي بنحو مما أسمع فأحسب أنه صادق فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار} فنفس ما يعد الله به الأنبياء والمؤمنين حقا لا يمترون فيه كما قال تعالى في قصة نوح {ونادى نوح ربه} إلى آخر الآية. ومثل هذا الظن قد يكون من إلقاء الشيطان المذكور في قوله: {وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي} إلى قوله: {صراط مستقيم} وقد تكلمنا على هذه الآية في غير هذا الموضع. وللناس فيها قولان مشهوران؛ بعد اتفاقهم على أن التمني هو التلاوة والقرآن كما عليه المفسرون من السلف كما في قوله:
{ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون} وأما من أول النهي على تمني القلب فذاك فيه كلام آخر؛ وإن قيل: إن الآية تعم النوعين؛ لكن الأول هو المعروف المشهور في التفسير وهو ظاهر القرآن ومراد الآية قطعا لقوله بعد ذلك: {فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم} {ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض}.
وهذا كله لا يكون في مجرد القلب إذا لم يتكلم به النبي؛ لكن قد يكون في ظنه الذي يتكلم به بعضه النخل ونحوها وهو يوافق ما ذكرناه. وإذا كان التمني لا بد أن يدخل فيه القول ففيه قولان: " الأول " أن الإلقاء هو في سمع المستمعين ولم يتكلم به الرسول وهذا قول من تأول الآية بمنع جواز الإلقاء في كلامه.
و " الثاني " - وهو الذي عليه عامة السلف ومن اتبعهم - أن الإلقاء في نفس التلاوة كما دلت عليه الآية وسياقها من غير وجه كما وردت به الآثار المتعددة ولا محذور في ذلك إلا إذا أقر عليه فأما إذا نسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته فلا محذور في ذلك وليس هو خطأ وغلط في تبليغ الرسالة إلا إذا أقر عليه.
ولا ريب أنه معصوم في تبليغ الرسالة أن يقر على خطأ كما قال: {فإذا حدثتكم عن الله بشيء فخذوا به فإني لن أكذب على الله} ولولا ذلك لما قامت الحجة به فإن كونه رسول الله يقتضي أنه صادق فيما يخبر به عن الله والصدق يتضمن نفي الكذب ونفي الخطأ فيه. فلو جاز عليه الخطأ فيما يخبر به عن الله وأقر عليه لم يكن كل ما يخبر به عن الله.
والذين منعوا أن يقع الإلقاء في تبليغه فروا من هذا وقصدوا خيرا وأحسنوا في ذلك؛ لكن يقال لهم: ألقى ثم أحكم فلا محذور في ذلك. فإن هذا يشبه النسخ لمن بلغه الأمر والنهي من بعض الوجوه فإنه إذا موقن مصدق برفع قول سبق لسانه به ليس أعظم من إخباره برفعه. ولهذا قال في النسخ: {وإن كانت لكبيرة إلا على الذين هدى الله} فظنهم أنهم قد كذبوا هو يتبع ما يظنونه من معنى الوعد وهذا جائز لا محذور فيه.
إذا لم يقروا عليه وهذا وجه حسن وهو موافق لظاهر الآية ولسائر الأصول من الآيات والأحاديث والذي يحقق ذلك أن باب الوعد والوعيد ليس بأعظم من باب الأمر والنهي. فإذا كان من الجائز في باب الأمر والنهي أن يظنوا شيئا ثم يتبين الأمر لهم بخلافه؛ فلأن يجوز ذلك في باب الوعد والوعيد بطريق الأولى والأحرى حتى إن باب الأمر والنهي إذا تمسكوا فيه بالاستصحاب لم يقع في ذلك ظن خلاف ما هو عليه الأمر في نفسه؛ فإن الوجوب والتحريم الذي لا يثبت إلا بخطاب إذا نفوه قبل الخطاب كان ذلك اعتقادا مطابقا للأمر في نفسه وباب الوعد إذا لم يخبروا به قد يظنون انتفاءه كما ظن الخليل جواز المغفرة لأبيه حتى استغفر له ونهينا عن الاقتداء.
كما {قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك} وحتى استأذن ربه في الاستغفار لأمه فلم يؤذن له في ذلك وحتى صلى على المنافقين قبل أن ينهى عن ذلك وكان يرجو لهم المغفرة حتى أنزل الله عز وجل: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين} إلى قوله: {لأواه حليم} وقال عن المنافقين: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا} الآية.
وقال {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم} فإذا كان صلى على المنافقين واستغفر لهم راجيا أن يغفر لهم قبل أن يعلم ذلك. ولهذا سوغ العلماء أن يروى في باب الوعد والوعيد من الأحاديث ما لم يعلم أنه كذب وإن كان ضعيف الإسناد.
بخلاف باب الأمر والنهي فإنه لا يؤخذ فيه إلا بما يثبت أنه صدق؛ لأن باب الوعد والوعيد إذا أمكن أن يكون الخبر صدقا وأمكن أن يوجد الخبر كذبا لم يجز نفيه؛ لا سيما بلا علم كما لم يجز الجزم بثبوته بلا علم؛ إذ لا محذور فيه. منابت الناس (1) اللفظ تعيين الوعد والوعيد فلا يجوز منع ذلك بمنع الحديث إذا أمكن أن يكون صدقا؛ لأن في ذلك إبطالا لما هو حق وذلك لا يجوز. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج} وهذا الباب وهو " باب الوعد والوعيد " هو في الكتاب بأسماء مطلقة للمؤمنين والصابرين والمجاهدين والمحسنين فما أكثر من يظن من الناس أنه من أهل الوعد ويكون اللفظ في ظنه أنه متصف بما يدخل في الوعد لا في اعتقاد صدق الوعد في نفسه.
وهذا كقوله: {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} وقوله: {ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين} الآيتين فقد يظن الإنسان في نفسه أو غيره كمال الإيمان المستحق للنصر وإن جند الله الغالبون ويكون الأمر بخلاف ذلك. وقد يقع من النصر الموعود به ما لا يظن أنه من الموعود به فالظن المخطئ فهم ذلك كثير جدا أكثر من باب الأمر والنهي مع كثرة ما وقع من الغلط في ذلك وهذا مما لا يحصر الغلط فيه إلا الله تعالى وهذا عام لجميع الآدميين؛ لكن الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه لا يقرون؛ بل يتبين لهم وغير الأنبياء قد لا يتبين له ذلك في الدنيا.
ولهذا كثر في القرآن ما يأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بتصديق الوعد والإيمان وما يحتاج إليه ذلك من الصبر إلى أن يجيء الوقت ومن الاستغفار لزوال الذنوب التي بها تحقيق اتصافه بصفة الوعد. كما قال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون} وقال تعالى: {فاصبر إن وعد الله حق فإما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك} الآية. والآيات في هذا الباب كثيرة معلومة. والله تعالى أعلم.
__________
Q (1) كذا بالأصل


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 15-08-2025, 12:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,685
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام



فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ الرعد
المجلد العاشر
الحلقة( 385)

من صــ 466 الى صـ 480





سورة الرعد
(إنما أنت منذر ولكل قوم هاد)
فصل:

لفظة " إنما " للحصر عند جماهير العلماء وهذا مما يعرف بالاضطرار من لغة العرب كما تعرف معاني حروف النفي والاستفهام والشرط وغير ذلك لكن تنازع الناس: هل دلالتها على الحصر بطريق المنطوق أو المفهوم؟ على قولين والجمهور على أنه بطريق المنطوق والقول الآخر قول بعض مثبتي المفهوم كالقاضي أبي يعلى في أحد قوليه وبعض الغلاة من نفاته وهؤلاء زعموا أنها تفيد الحصر واحتجوا بمثل قوله: {إنما المؤمنون}.

وقد احتج طائفة من الأصوليين على أنها للحصر بأن حرف " إن " للإثبات وحرف " ما " للنفي فإذا اجتمعا حصل النفي والإثبات جميعا وهذا خطأ عند العلماء بالعربية؛ فإن " ما " هنا هي ما الكافة ليست ما النافية وهذه الكافة تدخل على أن وأخواتها فتكفها عن العمل وذلك لأن الحروف العاملة أصلها أن تكون للاختصاص؛ فإذا اختصت بالاسم أو بالفعل ولم تكن كالجزء منه عملت فيه فأن وأخواتها اختصت بالاسم فعملت فيه وتسمى الحروف المشبهة للأفعال؛ لأنها عملت نصبا ورفعا وكثرت حروفها وحروف الجر اختصت بالاسم فعملت فيه وحروف الشرط اختصت بالفعل فعملت فيه بخلاف أدوات الاستفهام فإنها تدخل على الجملتين ولم تعمل وكذلك ما المصدرية.
ولهذا القياس في ما النافية أن لا تعمل أيضا على لغة تميم ولكن تعمل على اللغة الحجازية التي نزل بها القرآن. في مثل قوله تعالى {ما هن أمهاتهم} و {ما هذا بشرا} استحسانا لمشابهتها " ليس " هنا لما دخلت ما الكافة على إن أزالت اختصاصها فصارت تدخل على الجملة الاسمية والجملة الفعلية فبطل عملها كقوله: {إنما أنت منذر} وقوله: {إنما تجزون ما كنتم تعملون}.
وقد تكون ما التي بعد أن اسما لا حرفا كقوله: {إنما صنعوا كيد ساحر} بالرفع أي: أن الذي صنعوه كيد ساحر خلاف قوله: {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} فإن القراءة بالنصب لا تستقيم إذا كانت ما بمعنى الذي وفي كل المعنيين الحصر موجود لكن إذا كانت ما بمعنى الذي فالحصر جاء من جهة أن المعارف هي من صيغ العموم فإن الأسماء إما معارف وإما نكرات والمعارف من صيغ العموم والنكرة في غير الموجب كالنفي وغيره من صيغ العموم فقوله: {إنما صنعوا كيد ساحر} تقديره: أن الذي صنعوه كيد ساحر.
وأما الحصر في " إنما " فهو من جنس الحصر بالنفي والاستثناء كقوله تعالى: {ما أنت إلا بشر مثلنا} {وما محمد إلا رسول}.
والحصر قد يعبر عنه بأن الأول محصور في الثاني وقد يعبر عنه بالعكس والمعنى واحد وهو أن الثاني أثبته الأول ولم يثبت له غيره مما يتوهم أنه ثابت له وليس المراد إنك تنفي عن الأول كل ما سوى الثاني فقوله: {إنما أنت منذر} أي: إنك لست ربا لهم؛ ولا محاسبا؛ ولا مجازيا؛ ولا وكيلا عليهم؛ كما قال: {لست عليهم بمسيطر} وكما قال: {فإنما عليك البلاغ} {ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة} ليس هو إلها ولا أمه إلهة بل غايته أن يكون رسولا كما غاية محمد أن يكون رسولا وغاية مريم أن تكون صديقة. وهذا مما استدل به على بطلان قول بعض المتأخرين: أنها نبية
وقد حكى الإجماع على عدم نبوة أحد من النساء القاضي أبو بكر ابن الطيب والقاضي أبو يعلى والأستاذ أبو المعالي الجويني وغيرهم. وكذلك قوله تعالى {وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} أي: ليس مخلدا في الدنيا لا يموت ولا يقتل بل يجوز عليه ما جاز على إخوانه المرسلين من الموت أو القتل {أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم} نزلت يوم أحد لما قيل أن محمدا قد قتل وتلاها الصديق يوم مات رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت وتلا هذه الآية فكأن الناس لم يسمعوها حتى تلاها أبو بكر رضي الله عنها فكان لا يوجد أحد إلا يتلوها.

[فصل البرهان الثالث عشر " إنما أنت منذر ولكل قوم هاد " والجواب عليه]
فصل
قال الرافضي: " البرهان الثالث عشر: قوله تعالى: {إنما أنت منذر ولكل قوم هاد} [سورة الرعد: 7] من كتاب " الفردوس " عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنا المنذر وعلي الهادي، بك يا علي يهتدي المهتدون». ونحوه رواه أبو نعيم، وهو صريح في ثبوت الولاية والإمامة ".
والجواب من وجوه: أحدها: أن هذا لم يقم دليل على صحته، فلا يجوز الاحتجاج [به]. وكتاب " الفردوس " للديلمي فيه موضوعات كثيرة أجمع أهل العلم على أن مجرد كونه رواه لا يدل على صحة الحديث، وكذلك رواية أبي نعيم لا تدل على الصحة.
الثاني: أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل العلم بالحديث، فيجب تكذيبه ورده.
الثالث: أن هذا الكلام لا يجوز نسبته إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن قوله: «أنا المنذر وبك يا علي يهتدي المهتدون»، ظاهره أنهم بك يهتدون دوني، وهذا لا يقوله مسلم ; فإن ظاهره أن النذارة والهداية مقسومة بينهما، فهذا نذير لا يهتدى به، وهذا هاد [وهذا] لا يقوله مسلم.

الرابع: أن الله تعالى قد جعل محمدا هاديا فقال: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم - صراط الله} [سورة الشورى: 52 - 53] فكيف يجعل الهادي من لم يوصف بذلك دون من وصف به؟!
الخامس: أن قوله: " بك يهتدي المهتدون " ظاهره أن كل من اهتدى من أمة محمد فبه اهتدى، وهذا كذب بين ; فإنه قد آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم - خلق كثير، واهتدوا به، ودخلوا الجنة، ولم يسمعوا من علي كلمة واحدة، وأكثر الذين آمنوا بالنبي - صلى الله عليه وسلم - واهتدوا به لم يهتدوا بعلي في شيء. وكذلك لما فتحت الأمصار وآمن واهتدى الناس بمن سكنها من الصحابة وغيرهم، كان جماهير المؤمنين لم يسمعوا من علي شيئا، فكيف يجوز أن يقال: بك يهتدي المهتدون؟!

السادس: أنه قد قيل معناه: إنما أنت نذير ولكل قوم هاد، وهو الله تعالى، وهو قول ضعيف. وكذلك قول من قال: أنت نذير وهاد لكل قوم، قول ضعيف. والصحيح أن معناها: إنما أنت نذير كما أرسل من قبلك نذير، ولكل أمة نذير يهديهم أي يدعوهم، كما في قوله: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير} [سورة فاطر: 24] وهذا قول جماعة من المفسرين مثل قتادة وعكرمة وأبي الضحى وعبد الرحمن بن زيد. قال ابن جرير الطبري: " حدثنا بشر، حدثنا يزيد، حدثنا سعيد، عن قتادة، وحدثنا أبو كريب حدثنا [وكيع، حدثنا] سفيان، عن السدي، عن عكرمة. ومنصور عن أبي الضحى: " {إنما أنت منذر} {ولكل قوم هاد} " قالا: محمد هو المنذر وهو الهادي ".
" حدثنا يونس، حدثنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد: لكل قوم نبي. " الهادي " النبي والمنذر النبي أيضا. وقرأ: {وإن من أمة إلا خلا فيها نذير}
[سورة فاطر: 24]. وقرأ: {نذير من النذر الأولى} [سورة النجم: 56] قال: نبي من الأنبياء. " حدثنا بشار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا سفيان، عن ليث، عن مجاهد قال: " المنذر " محمد، " {ولكل قوم هاد} " قال: نبي.

وقوله: {يوم ندعوا كل أناس بإمامهم} [سورة الإسراء: 71] ; إذ الإمام [هو] الذي يؤتم به، أي يقتدى به. وقد قيل: إن المراد به هو الله الذي يهديهم، والأول أصح.
وأما تفسيره بعلي فإنه باطل ; لأنه قال: {ولكل قوم هاد}، وهذا يقتضي أن يكون هادي هؤلاء غير هادي هؤلاء، فيتعدد الهداة، فكيف يجعل علي هاديا لكل قوم من الأولين والآخرين؟!
السابع: أن الاهتداء بالشخص قد يكون بغير تأميره عليهم، كما يهتدى بالعالم. وكما جاء في الحديث الذي فيه: «أصحابي كالنجوم فبأيهم اقتديتم اهتديتم» " فليس هذا صريحا في أن الإمامة كما زعمه هذا المفتري.
الثامن: أن قوله: {ولكل قوم هاد} نكرة في سياق الإثبات، وهذا لا يدل على معين، فدعوى دلالة القرآن على علي باطل، والاحتجاج بالحديث ليس احتجاجا بالقرآن، مع أنه باطل.
التاسع: أن قوله: كل قوم صيغة عموم. ولو أريد أن هاديا واحدا للجميع لقيل: لجميع الناس هاد. لا يقال: (لكل قوم)، فإن هؤلاء القوم [غير هؤلاء القوم]، وهو لم يقل: لجميع القوم، ولا يقال ذلك، بل أضاف " كلا " إلى نكرة، لم يضفه إلى معرفة.

كما في قولك: " كل الناس يعلم أن هنا قوما وقوما متعددين، وأن كل قوم لهم هاد ليس هو هادي الآخرين ". وهذا يبطل قول من يقول: [إن] الهادي هو الله تعالى، ودلالته على بطلان قول من يقول: " هو علي أظهر.

(ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15)
قال أهل اللغة السجود في اللغة هو الخضوع وقال غير واحد من المفسرين أمروا أن يدخلوا ركعا منحنين فإن الدخول مع وضع الجبهة على الأرض لا يمكن وقد قال تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس} وقال تعالى: {ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها} ومعلوم أن سجود كل شيء بحسبه ليس سجود هذه المخلوقات وضع جباهها على الأرض. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر لما غربت الشمس: {إنها تذهب فتسجد تحت العرش} رواه البخاري ومسلم.

فعلم أن السجود اسم جنس وهو كمال الخضوع لله وأعز ما في الإنسان وجهه فوضعه على الأرض لله غاية خضوعه ببدنه وهو غاية ما يقدر عليه من ذلك. ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم {أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد} وقال تعالى: {واسجد واقترب}.
وقال شيخ الإسلام - بعد كلام سبق -:
وفسرت طائفة " الكره " بأنه جريان حكم القدر فيكون كالقول قبله والصحيح أنه انقيادهم لحكمه القدري بغير اختيارهم، كاستسلامهم عند المصائب وانقيادهم لما يكرهون من أحكامه الشرعية فكل أحد لا بد له من انقياده لحكمه القدري والشرعي فهذا معنى صحيح. قد بسط في غير هذا الموضع.

(أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل ... (17)
ضرب الله المثل لما ينزله من الإيمان والقرآن بالماء الذي ينزل في أودية الأرض وجعل القلوب كالأودية: منها الكبير ومنها الصغير كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: {مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا: فكانت منها طائفة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها طائفة أمسكت الماء فسقى الناس وشربوا وكانت منها طائفة إنما هي قيعان لا تمسك ماء فلا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به من الهدى والعلم.

ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به} فهذا أحد المثلين. و " المثل الآخر " ما يوقد عليه لطلب الحلية والمتاع: من معادن الذهب والفضة والحديد ونحوه وأخبر أن السيل يحتمل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار زبد مثله ثم قال: {كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد} الرابي على الماء وعلى الموقد عليه فهو نظير ما يقع في قلوب المؤمنين من الشك والشبهات في العقائد والإرادات الفاسدة كما شكاه الصحابة إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال تعالى: {فيذهب جفاء} يجفوه القلب فيرميه ويقذفه كما يقذف الماء الزبد ويجفوه {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض} وهو مثل ما ثبت في القلوب من اليقين والإيمان.
كما قال تعالى: {مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة} الآية إلى قوله: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} فكل ما وقع في قلب المؤمن من خواطر الكفر والنفاق فكرهه وألقاه ازداد إيمانا ويقينا كما أن كل من حدثته نفسه بذنب فكرهه ونفاه عن نفسه وتركه لله ازداد صلاحا وبرا وتقوى.
(الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28) الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29)
ليس في الكائنات ما يسكن العبد إليه ويطمئن به، ويتنعم بالتوجه إليه؛ إلا الله سبحانه؛ ومن عبد غير الله وإن أحبه وحصل له به مودة في الحياة الدنيا ونوع من اللذة فهو مفسدة لصاحبه أعظم من مفسدة التذاذ أكل طعام المسموم {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون} فإن قوامهما بأن تأله الإله الحق فلو كان فيهما آلهة غير الله لم يكن إلها حقا؛ إذ الله لا سمي له ولا مثل له؛ فكانت تفسد لانتفاء ما به صلاحها، هذا من جهة الإلهية.

وأما من جهة الربوبية فشيء آخر؛ كما نقرره في موضعه. واعلم أن فقر العبد إلى الله أن يعبد الله لا يشرك به شيئا، ليس له نظير فيقاس به؛ لكن يشبه من بعض الوجوه حاجة الجسد إلى الطعام والشراب؛ وبينهما فروق كثيرة.
فإن حقيقة العبد قلبه وروحه، وهي لا صلاح لها إلا بإلهها الله الذي لا إله إلا هو: فلا تطمئن في الدنيا إلا بذكره: وهي كادحة إليه كدحا فملاقيته ولا بد لها من لقائه، ولا صلاح لها إلا بلقائه.
ولو حصل للعبد لذات أو سرور بغير الله فلا يدوم ذلك، بل ينتقل من نوع إلى نوع، ومن شخص إلى شخص، ويتنعم بهذا في وقت وفي بعض الأحوال، وتارة أخرى يكون ذلك الذي يتنعم به والتذ غير منعم له ولا ملتذ له، بل قد يؤذيه اتصاله به ووجوده عنده، ويضره ذلك.
وأما إلهه فلا بد له منه في كل حال وكل وقت، وأينما كان فهو معه؛ ولهذا قال إمامنا (إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم {لا أحب الآفلين}.وكان أعظم آية في القرآن الكريم: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. وقد بسطت الكلام في معنى القيوم في موضع آخر، وبينا أنه الدائم الباقي الذي لا يزول ولا يعدم، ولا يفنى بوجه من الوجوه. واعلم أن هذا الوجه مبني على أصلين: أحدهما: على أن نفس الإيمان بالله وعبادته ومحبته وإجلاله هو غذاء الإنسان وقوته وصلاحه وقوامه كما عليه أهل الإيمان، وكما دل عليه القرآن؛ لا كما يقول من يعتقد من أهل الكلام ونحوهم: أن عبادته تكليف ومشقة.
وخلاف مقصود القلب لمجرد الامتحان والاختبار؛ أو لأجل التعويض بالأجرة كما يقوله المعتزلة وغيرهم؛ فإنه وإن كان في الأعمال الصالحة ما هو على خلاف هوى النفس - والله سبحانه يأجر العبد على الأعمال المأمور بها مع المشقة، كما قال تعالى: {ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب} الآية، وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة: {أجرك على قدر نصبك} - فليس ذلك هو المقصود الأول بالأمر الشرعي، وإنما وقع ضمنا وتبعا لأسباب ليس هذا موضعها، وهذا يفسر في موضعه.
ولهذا لم يجئ في الكتاب والسنة وكلام السلف إطلاق القول على الإيمان والعمل الصالح أنه تكليف كما يطلق ذلك كثير من المتكلمة والمتفقهة؛ وإنما جاء ذكر التكليف في موضع النفي؛ كقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}.
{لا تكلف إلا نفسك} {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} أي وإن وقع في الأمر تكليف؛ فلا يكلف إلا قدر الوسع، لا أنه يسمي جميع الشريعة تكليفا، مع أن غالبها قرة العيون وسرور القلوب؛ ولذات الأرواح وكمال النعيم، وذلك لإرادة وجه الله والإنابة إليه، وذكره وتوجه الوجه إليه، فهو الإله الحق الذي تطمئن إليه القلوب، ولا يقوم غيره مقامه في ذلك أبدا. قال الله تعالى: {فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا} فهذا أصل.
(أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33)
قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -:
فصل في قوله تعالى {وجعلوا لله شركاء قل سموهم} قيل المراد سموهم بأسماء حقيقة لها معان تستحق بها الشرك له والعبادة فإن لم تقدروا بطل ما تدعونه. وقيل: إذا سميتموها آلهة فسموها باسم الإله كالخالق والرازق فإذا كانت هذه كاذبة عليها فكذلك اسم الآلهة وقد حام حول معناها كثير من المفسرين فما شفوا عليلا ولا أرووا غليلا وإن كان ما قالوه صحيحا.

فتأمل ما قبل الآية وما بعدها يطلعك على حقيقة المعنى فإنه سبحانه يقول: {أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت} وهذا استفهام تقرير يتضمن إقامة الحجة عليهم ونفي كل معبود مع الله الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت بعلمه وقدرته وجزائه في الدنيا والآخرة. فهو رقيب عليها حافظ لأعمالها مجاز لها بما كسبت من خير وشر.
فإذا جعلتم أولئك شركاء فسموهم إذا بالأسماء التي يسمى بها القائم على كل نفس بما كسبت فإنه سبحانه يسمى بالحي القيوم المحيي المميت السميع البصير الغني عما سواه وكل شيء فقير إليه ووجود كل شيء به. فهل تستحق آلهتكم اسما من تلك الأسماء؟ فإن كانت آلهة حقا فسموها باسم من هذه الأسماء؛ وذلك بهت بين؛ فإذا انتفى عنها ذلك علم بطلانها كما علم بطلان مسماها.
وأما إن سموها بأسمائها الصادقة عليها كالحجارة وغيرها من مسمى الجمادات وأسماء الحيوان التي عبدوها من دون الله كالبقر وغيرها وبأسماء الشياطين الذين أشركوهم مع الله جل وعلا وبأسماء الكواكب المسخرات تحت أوامر الرب والأسماء الشاملة لجميعها أسماء المخلوقات: المحتاجات المدبرات المقهورات. وكذلك بنو آدم عبادة بعضهم بعضا فهذه أسماؤها الحق وهي تبطل إلهيتها؛ لأن الأسماء التي من لوازم الإلهية مستحيلة عليها؛ فظهر أن تسميتها آلهة من أكبر الأدلة على بطلان إلهيتها وامتناع كونها شركاء لله عز وجل.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء 0 والزوار 6)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 163.34 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 160.67 كيلو بايت... تم توفير 2.67 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]