التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 37 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5179 - عددالزوار : 2488416 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4773 - عددالزوار : 1822034 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 365 - عددالزوار : 10200 )           »          طريقة عمل كفتة الأرز وشوربة الخضار.. وجبة متكاملة ومغذية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 39 )           »          وصفة طبيعية فرنسية لتحضير جل الخيار لتفتيح البشرة تحت العين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          4 عادات ذكية تقلل هدر الطعام وتوفر المال فى رمضان.. بتبدأ من التسوق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          7 أنواع أطعمة يفضل شراؤها وتخزينها قبل رمضان.. عشان تبقى مستعدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          طريقة عمل وصفة زبدة الشيا وزيت وجوز الهند لترميم وترطيب البشرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          طريقة إزالة الروائح الكريهة من الثلاجة بأمان.. استعدى لرمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          طريقة عمل كيك البرتقال بزيت الزيتون والشربات.. فرحى أطفالك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #361  
قديم اليوم, 04:04 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,967
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 581 الى صـــ 589
الحلقة (361)






قلت: ويحتمل أن يكون هذا هو السر في الطاعون لا يدخل المدينة؛ لأنه وباء عند الأطباء وغيرهم، والشارع دعا بنقل الوباء عنها، فأجاب الله دعاءه إلى آخر الأبد.
وفيه: حجة على بعض المعتزلة القائلين ألا فائدة في الدعاء مع سابق القدر.
والبيتان المذكوران من إنشاد بلال، ذكر أسامة بن مرشد (١) في كتابه «التمام في تصريف الأحلام» أنهما لبكر بن غالب بن عامر بن الحارث بن مضاض الجرهمي عندما نفتهم خزاعة عن مكة، قال: ورويا لغيره.
وقولها: (يرفع عقيرته) (٢)، أي: صوته إذا تغني أو قرأ. ومعنى أقلع: زال، وأصل ذلك عند العرب أن رجلًا قطعت إحدى رجليه فرفعها ووضعها على الأخرى وصرخ بأعلى صوته، فقيل لكل رافع صوته: قد رفع عقيرته. وعن أبي زيد يقال: رفع عقيرته: إذا قرأ أو غنى، ولا يقال في غير ذلك، ذكره في «الموعب»، وفي «التهذيب» للأزهري: أصله أن رجلًا أصيب عضو من أعضائه، وله إبل اعتادت حداه، فانتشرف عليه إبله، فرفع صوته بالأنين؛ لما

---------
(١) هو الأمير الكبير العلامة، فارس الشام، مجد الدين، مؤيد الدولة، أبو المظفر، أسامة ابن الأمير مرشد بن علي بن مقلد بن نضر بن منقذ الكناني، الأديب، أحد أبطال الإسلام، ورئيس الشعراء الأعلام. قال السمعاني: ذكر لي أنه يحفظ من شعر الجاهلية عشرة آلاف بيت، قال يحيى بن أبي طيء في «تاريخه»: كان إماميًا حسن العقيدة، وصنف كتبًا منها «التاريخ البدري» عاش سبعًا وتسعين سنة، ومات بدمشق في رمضان سنة أربع وثمانين وخمسمائة. انظر تمام ترجمته في: «التكملة لوفيات النقلة» ١/ ٩٥ (٥١)، «معجم الأدباء» ٢/ ١٠٠ (٢١٨)، «تاريخ الإسلام» ٤١/ ١٧٠ (١١٤)، «سير أعلام النبلاء» ٢١/ ١٦٥ (٨٣)، «الوفي بالوفيات» ٨/ ٣٧٨ (٣٨١٨).
(٢) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: صوته.



أصابه من العقر في بدنه، فسمعت به إبله فحسبته يحدو بها، فاجتمعت إليه، فقيل لكل من رفع (عقيرته) (١) بالغناء: قد رفع عقيرته (٢). وفي «المحكم»: عقيرة الرجل: صوته إذا غنى أو قرأ أو بكى (٣). ومعنى (وعك): حُمّ. قال ابن سيده: رجل وعك ووعك: موعوك، وهذِه الصيغة على توهم فَعِل كألم، أو على النسب كطعم، والوعك: الألم يجده الإنسان من شدة التعب (٤). وفي «الجامع»: وعك: إذا أخذته الحمى، وأخذته وعكة يراد ذلك، والواعك الشديد من الحمى، وقد وعكته الحمى تعكهُ إذا دكته، وفي «المجمل»: الوعك: الحمى. وقيل: نغث الحمى (٥).
والإذخر والجليل: نبتان بمكة. وقال بعضهم: شجرتان، وأنكر عليه، وإنما هما نبتان. وشامة وطفيل: جبلان بها.
وقال الفاكهاني: بينهما وبين مكة نحو ثلاثين ميلًا.
قال الخطابي: وكنت مرة أحسبهما جبلين حتى أنبئت أنهما عينان (٦)، والجليل - بجيم مفتوحة ثم لام مكسورة ثم مثناة تحت ثم لام، واحدته جليلة (٧). قال أبو نصر: أهل الحجاز يسمون الشام: الجليل، وهو شجر ضعيف.

----------
(١) كذا في الأصل، والسياق يقتضي: صوته.
(٢) «تهذيب اللغة» ٣/ ٢٥١٥،
(٣) «المحكم» ١/ ١٠٥.
(٤) «المحكم» ١/ ٢٠١.
(٥) «المجمل» ٤/ ٩٣٠.
(٦) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٣٨.
(٧) ورد بهامش الأصل: كلام الفاكهاني في «المطالع» وكذلك النقل عن الخطابي غير أنه قال: كنت (…) وفيه زيادة، وقال جبلان يشرفان على مجنة على بريد من مكة، وقال أبو عمر: وقيل أحدهما بجدة انتهى ويأتي باقي كلام المصنف (…).



و(مياه): جمع ماء وهو بالياء في جمعه، ومجيئه دليل على أن الهمزة في ماء مبدلة من هاء.
و(شامة) بشين معجمة ثم ألف ثم ميم كذا ذكره أبو عبيد، وقيده ابن الأثير (١) والصنعاني بباء موحدة بعد الألف.
و(طفيل) بفتح الطاء المهملة ثم فاء مكسورة ثم مثناة تحت قيل: جبل من حدود هرشى، يشرف هو وشامة على مجنة. ومجنة على بريد من مكة. وقال ابن فارس: طفيل موضع (٢)، وتمنى بلال رجوعه إلى مكة لما استثقل حمى المدينة ووباءها. والوباء بالهمز: الموت الذريع، قال في «الصحاح»: يمد ويقصر: مرض عام (٣).
وقال ابن الأثير: هو يمد ويقصر ويهمز الطاعون والمرض العام (٤).
وفي «التمهيد» قيل: إن أحدهما بجدة (٥).
وفي «المحكم» (٦) و«الجامع» و«المجمل»: شامة وطفيل: موضعان، ويقال وبدل الطاء بالقاف.
ومَجَنّة -بفتح أوله وثانيه ثم نون مشددة ثم هاء بعدها- ماء عند عكاظ على أميال يسيرة من مكة بناحية مر الظهران. وقال ابن التين: سوق هجر بقرب مكة. قال أبو الفتح: يحتمل أن تسمى مجنة ببساتين

----------
(١) ورد بهامش الأصل: ابن الأثير ذكره بالميم، وذكر عن بعضهم أنه بالباء. انظر: «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٥٢١.
(٢) «المجمل» ٢/ ٥٨٣.
(٣) «الصحاح» ١/ ٧٩.
(٤) «النهاية في غريب الحديث» ٥/ ١٤٤.
(٥) «التمهيد» ٢٢/ ١٩٠.
(٦) «المحكم» ٩/ ١٤٤.



تتصل بها، وهي الجنان وأن تكون فعلة من مجن يمجن، سميت بذلك؛ لأن ضربًا من المجنون كان بها. وحكى صاحب «المطالع» كسر الميم أيضًا، وقال الأزرقي: هي على بريد من مكة.
وقولها: (بطحان تجري نجلا)، بطحان: اسم للمكان المنبطح، وهو المستوي المتسع، وبُطحان بضم أوله عند المحدثين، وبفتحها عند أهل اللغة، ثم بطاء مكسورة، قال البكري لا يجوز غيره (١)، وهو: واد بالمدينة. و(تجري نجلا): يريد واسعًا، تقول العرب: استنجل الوادي: إذا اتسع جريه، ومنه العين النجلاء: الواسعة، وطعنة نجلاء أي: واسعة وفي البخاري: ماء آجنًا (٢)، وقيل إن النخيل: النز حين يظهر.
قال ابن التين: ضبط في بعض المصنفات بفتح الجيم، وفي بعضها بالكسر، والصواب عند أهل اللغة سكون الجيم، والآجن: المتغير الريح، يقال: منه أَجَنَ الماء يأجن ويأجُن، وأجِن -بالكسر- ياجن.
وفيه من المعاني:
جواز هذا النوع من الغناء، وهو نشيد الأعراب للشعر بصوت رفيع، وفي المسألة مذاهب: ذهب أبو حنيفة ومالك وأحمد وعكرمة والشعبي والنخعي وحماد والثوري وجماعة أهل الكوفة إلى تحريم الغناء، وذهب آخرون إلى كراهته، نقل ذلك عن ابن عباس، ونص عليه الشافعي وجماعة من أصحابه، وحكي ذلك عن مالك وأحمد (٣)، وذهب

------------
(١) «معجم ما استعجم» ١/ ٢٥٨.
(٢) هو حديث الباب (١٨٨٩).
(٣) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٣/ ٣٠٣، «بدائع الصنائع» ٥/ ١٢٨، «فتح القدير» ٨/ ٨٩، «المدونة» ٣/ ٣٩٧، «تفسير القرطبي» ٢١/ ٤٠، «الأم» ٦/ ١١٥ - ٢١٤، «إحياء علوم الدين» ٢/ ٢٩٤، «المغني» ١٤/ ١٦٠ - ١٦٢.



آخرون إلى إباحته -لكن بغير هذِه الهيئة التي تعمل الآن- فمن الصحابة عمر ذكره ابن عبد البر (١)، وعثمان ذكره الماوردي، وعبد الرحمن بن عوف ذكره ابن أبي شيبة (٢)، وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ذكرهما ابن قتيبة، وأبو مسعود البدري وأسامة بن زيد وبلال وخوات بن جبير ذكرهم البيهقي (٣)، وعبد الله بن الأرقم ذكره أبو عمر (٤)، وجعفر بن أبي طالب ذكره السهروردي (٥) في «عوارفه» (٦)، والبراء بن مالك ذكره أبو نعيم (٧)، وابن الزبير ذكره صاحب «القوت» (٨)، وابن جعفر
-----------
(١) «التمهيد» ٢٢/ ١٩٧، «الاستذكار» ٢٦/ ٥١.
(٢) «المصنف» ٣/ ٤٨٥ (١٦٣٩٨) كتاب: الحج، باب: ما قالوا في اللهو.
(٣) «سنن البيهقي» ١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥.
(٤) «التمهيد» ٢٢/ ١٩٧، «الاستذكار» ٢٦/ ٥١.
(٥) هو الشيخ الإمام العلامة القدوة الزاهد العارف المحدث شيخ الإسلام وأحد الصوفية، شهاب الدين، أبو حفص وأبو عبد الله، عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله -وهو عمويه- بن سعد بن حسين البكري السهروردي الصوفي ثم البغدادي، ينتهي نسبه بأبي بكر الصديق، صنف «عوارف المعارف» في التصوف شرح فيه أحوال القوم وحدث به مرارًا.
انظر تمام ترجمته في «التكملة لوفيات النقلة» ٣/ ٣٨٠ (٢٥٦٥)، «وفيات الأعيان» ٣/ ٤٤٦، «سير أعلام النبلاء» ٢٢/ ٣٧٣ (٢٣٩)، «تاريخ الإسلام» ٤٦/ ١١٢ (١١٢)، «شذرات الذهب» ٥/ ١٥٣.
(٦) انظر: «كشف الظنون» ٢/ ١١٧٧.
(٧) ذكر ذلك عنه في «الحلية» ١/ ٣٥٠ في ترجمته، فقال: البراء شهد أحدًا فما دونه من المشاهد، استشهد يوم تستر، وكان طيب القلب يميل إلى السماع ويستلذ الترنم. وانظر للمزيد بقية ترجمته في «الحلية». وكذا ترجمته في «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ١/ ٣٨٠ (٢٧٤).
(٨) هو الإمام الزاهد العارف، شيخ الصوفية، أبو طالب محمد بن علي بن عطية، الحارثي المكي المنشأ، العجمي الأصل، كان من أهل الجبل، وله لسان حلو في التصوف، ذكر أن له رياضات وجوع بحيث أنه ترك الطعام، وتقنع بالحشيش حتى =



ومعاوية وعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وحسان بن ثابت وخارجة بن زيد وعبد الرحمن بن حسان ذكرهم أبو الفرج في «تاريخه»، وقرظة بن كعب ذكره الهروي، ورباح بن المغترف (١)، ومن التابعين جماعة ذكرهم ابن طاهر وابن قتيبة وأبو الفرج. وذهبت طائفة إلى التفرقة بين الغناء القليل والكثير، وطائفة إلى التفرقة بين الرجال والنساء، فحرموه من الأجانب وجوزوه من غيرهم وقد أوضحت ذلك بزيادة في شرحي لـ«المنهاج» في الشهادات، فراجعه منه.
وقال ابن حزم: من نوى به ترويح القلب ليقوى به على الطاعة فهو مطيع، ومن نوى به التقوية على المعصية فهو عاص، وإن لم ينو شيئًا فهو لغو معفو عنه (٢). وقال الأستاذ أبو منصور: إذا سلم من تضييع فرض ولم يترك حفظ حرمة المشايخ به فهو محمود وربما أجر.
وقال الطبري: وهذا النوع من الغناء هو المطلق المباح بإجماع الحجة، وهو الذي غني به في بيت رسول الله - ﷺ - ولم ينه عنه، وهو الذي كان السلف يجيزون ويسمعون، وروى سفيان بن عيينة، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: نعم زاد الراكب الغناء نصبًا (٣). وروى

-------------
= اخضر جلده، وكتابه المذكور «قوت القلوب» وهو كتاب مشهور.
انظر تمام ترجمته في «تاريخ بغداد» ٣/ ٨٩، «وفيات الأعيان» ٤/ ٣٠٣، «سير أعلام النبلاء» ١٦/ ٥٣٦ (٣٩٣)، «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ١٢٧، «الوافي بالوفيات» ٤/ ١١٦.
(١) ورد بهامش الأصل: ذكره الذهبي في ترجمته في «التجريد»، فقال: رباح بن المغترف، وقيل: ابن عمرون بن المغترف.
(٢) «المحلى» ٩/ ٦٠.
(٣) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ١٩٧، وذكره في «الاستذكار» ٢٦/ ٥١، لكنه عن عروة، قال: قال عمر، أي من قول عمر.



ابن وهب عن أسامة وعبد الله ابني زيد بن أسلم، عن أبيهما زيد، عن أبيه أن عمر قال: الغناء من زاد الراكب (١). وروى ابن شهاب، عن عمر بن عبد العزيز أن محمد بن نوفل أخبره أنه رأى أسامة بن زيد واضعًا إحدى رجليه على الأخرى يتغنى النصب (٢).
قال الطبري: وإنما يسمية العرب: النصب: لنصب المتغني به صوته، وهو الإسناد له بصوت رفيع. وروى ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبيه أنه سمع عبد الله بن الأرقم رافعًا عقيرته يتغنى، قال عبد الله بن عتبة: والله ما رأيت رجلًا أخشى لله من عبد الله بن الأرقم (٣).
وقد سلف شيء من ذلك في باب: سنة العيدين لأهل الإسلام (٤)، وسيأتي ما يحل منه في الاستئذان في باب: كل لهو باطل إذا شغله عن الطاعة، إن شاء الله (٥).
وحديث: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه، خير له من أن

-----------
(١) ذكره هكذا ابن عبد البر في»التمهيد«٢٢/ ١٩٧، وفي»الاستذكار«٢٦/ ٥١.
ورواه البيهقي ٥/ ٦٨ مسندًا عن جعفر بن عون، عن أسامة بن زيد، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمع عمر، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٤ (١٣٩٥٣) عن وكيع، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، سمع عمر، به.
(٢) رواه الباغندي في»مسند عمر بن عبد العزيز«(٦١)، والبيهقي ١٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥، وابن عبد البر في»التمهيد«٢٢/ ١٩٧، وذكره في»الاستذكار«٢٦/ ٥١.
(٣) رواه البيهقي ١٠/ ٢٢٥، وذكره ابن عبد البر في»التمهيد«٩٧/ ١٢٢، وفي»الاستذكار" ٢٦/ ٥١.
(٤) راجع شرح حديثي (٩٥١ - ٩٥٢) كتاب: العيدين.
(٥) حديث أبي هريرة (٦٣٠١).



يمتلئ شعرًا» (١) فمؤول إما على الهجو، وإما على الغلبة عليه.
قال لبيد بن ربيعة: ما قلت بيت شعر منذ أسلمت (٢).
وفي حديث عائشة من الفقه تمثل الصالحين والفضلاء بالشعر.
وفيه: عيادة الجلة السادة لعبيدهم؛ لأن بلالًا أعتقه الصديق (٣) وكانت عائشة تزوره (٤)، وكان ذلك قبل نزول الحجاب.
آخر الحج بحمد الله ومنِّه.

-----------
(١) سيأتي برقم (٦١٥٥)، ورواه مسلم (٢٢٥٧) من حديث أبي هريرة.
(٢) سيأتي ثناؤه - ﷺ - على لبيد في حديث أبي هريرة (٣٨٤١) مرفوعًا: «أصدق كلمة
قالها الشاعر، كلمة لبيد: ألا كل شي ما خلا الله باطل». وانظر ترجمة لبيد في: «طبقات ابن سعد» ٦/ ٣٣، «الاستيعاب» ٣/ ٣٩٢ (٢٢٦٠)، «أسد الغابة» ٤/ ٥١٤ (٤٥٢١)، «تاريخ الإسلام» ٣/ ٣٥٣، «الإصابة» ٣/ ٣٢٦ (٧٥٤١).
(٣) يدل لذلك حديث سيأتي برقم (٣٧٥٤).
(٤) يدل لذلك حديث الباب، وسيأتي التصريح بذلك (٣٩٢٦، ٥٦٥٤، ٥٦٧٧) حيث قالت: فدخلت عليهما، أي على أبيها وعلى بلالًا. وأصرح من ذلك ما جاء عند أحمد ٦/ ٦٥، ٢٢١ - ٢٢٢: واشتكى أبو بكر وعامر بن فهيرة -مولى أبي بكر- وبلالًا، فاستأذنت عائشة النبي - ﷺ - في عيادتهم، فأذن لها.



٣٠ - كتاب الصوم
هو في اللغة: الإمساك. قَالَ ابن سيده: الصوم ترك الطَّعام والشراب والنِّكاح والكلام، صام صومًا وصِيامًا واصْطامَ، ورجلٌ صائِم وصَوْمٌ من قومٍ صوام وصيام وصُيَّم قلبوا (الواو) لقربها من الطرف، وصِيَّم عن سيبويه كسروا لمكان الياء، وصِيَام وصَيَامَى الأخيرة نادرة، وصومٍ وهو اسم الجميع، وقيل: هو جمع صائم (١).
وفي «الجامع» أصله القيام بإمساك ما، فالصائم مقيم عَلَى الإمساك عن الطعام والشراب، ونساء صوَّم. وفي «الصحاح»: رجلٌ صومان (٢).
وهو في الشرع: إمساك مخصوص في زمنٍ مخصوصٍ من شخصٍ مخصوص مع النية، بشرائط مخصوصة.
وروي عن علي أنه لما صلى الفجر قَالَ: الآن حين يتبين الخيط الأبيض من الخيطِ الأسود (٣).

--------------
(١) «المحكم» ٨/ ٢٥٨.
(٢) «الصحاح» ٥/ ١٩٧٠.
(٣) رواه الطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠٠٩، ٣٠١٨)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٦١ للفريابي وعبد بن حميد والطبري.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #362  
قديم اليوم, 04:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,967
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 9 الى صـــ 30
الحلقة (362)






وعن ابن مسعود نحوه (١).
وقال مسروق (٢): لم يكونوا يعدون الفجرَ الذي يملأ البيوت والطرق، وهذا قول الأعمشِ (٣).
وقال ابن عساكر: قام الإجماع عَلَى أن الخيطَ الأبيض هو الصباح وأن السحور لا يكون إلا قبل الفجر، ولم يخالف فيه إلا الأعمش، ولم يعرج أحد عَلَى قوله لشذوذِه.
وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى قَالَ: حَدَّثَنَا أصحابُ محمدٍ - ﷺ - قَالَ: أحيل الصوم عَلَى ثلاثة أحوال: صيام ثلاثة أيام لما قدم المدينة، ثم صوم رمضان، ومن لم يصم أطعم مسكينًا، ثم نزلت ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ اَلشَّهرَ فَلْيَصُمهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الاية، فكانت الرخصة للمريض والمسافر (٤).
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن معاذ -ولم يسمع منه (٥) - قَالَ:

----------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٣٤ (٧٦١٩) كتاب: الصيام، باب: تأخير السحور، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٧ (٨٩٣١) كتاب: الصيام، من كان يستحب تأخير السحور، والطبري ٢/ ١٨٠ (٣٠١٠ - ٣٠١١) بمعناه.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: لفظ مسروق: لم يكونوا يعدون الفجر فجركم إنما كانوا يعدون الفجر الذي يملأ الطرق والبيوت.
(٣) روى ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٩ (٩٠٧٥) والطبري ٢/ ١٧٩ (٣٠٠٠ - ٣٠٠١) عن الأعمش، عن مسلم قال: لم يكونوا يعدوا الفجر فجركم ولكن يعدون الفجر الذي يملأ البيوت والطرق.
(٤) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٠ كتاب: الصيام، باب: ما قيل في بدء الصيام إلى أن نسخ بفرض صوم شهر رمضان.
(٥) قال الترمذي في «سننه» ٥/ ٢٩١ بعد حديث (٣١١٣): عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من معاذ، ومعاذ بن جبل مات في خلافة عمر، وقتل عمر وعبد الرحمن غلام صغير ابن ست سنين. اهـ. =



أحيل الصيام ثلاثة أحوال، وذلك أن سيدنا رسول الله - ﷺ - بعدما قدم المدينة جعل يصوم من كل شهرٍ ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، فصام سبعة عشر شهرًا من ربيع الأول إلى شهر رمضان.
ثم قَالَ: «إن الله تعالى أنزل عليكم: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ .. الاية [البقرة: ١٨٣] (١).
قلت: الذي عليه المؤرخون أن فريضة رمضان إنما نزلت في شهر شعبان عَلَى رأس ثمانية عشر شهرًا من الهجرة، وأغرب البغوي فقال: يقال: نزلت قبل بدر بشهرٍ وأيام (٢).

------------
= وقال الدارقطني: سماع عبد الرحمن بن أبي ليلى من معاذ فيه نظر؛ لأن معاذًا قديم الوفاة: مات في طاعون عمواس وله نيف وثلاثون سنة. اهـ.»علل الدارقطني«٦/ ٦١.
(١) رواه الطبري ٢/ ١٣٦ (٢٧٣٦)، ٢/ ١٣٨ (٢٧٤٠)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٥ (١٦٧٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٠.
(٢)»معالم التنزيل" للبغوي ١/ ١٤٩.



١ - باب وُجُوبِ صَوْمِ رَمَضَانَ
وَقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣].

١٨٩١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ، أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَائِرَ الرَّأْسِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: «الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ أَخْبِرْنِي مَا فَرَضَ اللهُ عَلَىَّ مِنَ الصِّيَامِ؟ فَقَالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ، إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ شَيْئًا». فَقَالَ: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ مِنَ الزَّكَاةِ؟ فَقَالَ: فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - شَرَائِعَ الإِسْلَامِ. قَالَ: وَالذِي أَكْرَمَكَ [بالَحْقِّ] لَا أَتَطَوَّعُ شَيْئًا، وَلَا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيْئًا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» أَوْ «دَخَلَ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ». [انظر: ٤٦ - مسلم: ١١ - فتح: ٤/ ١٠٢]

١٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ. [٢٠٠٠، ٤٥٠١ - مسلم: ١١٢٦ - فتح: ٤/ ١٠٢]

١٨٩٣ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ عِرَاكَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ، أَنَّ عُرْوَةَ أَخْبَرَهُ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَه». [انظر: ١٥٩٢ - مسلم: ١١٢٥ - فتح: ٤/ ١٠٢]
معنى: كتب فرض كما في قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ﴾ أي: فرض، وقيل: إنه كان فرض عَلَى النصارى فنقلوه عن وقتِه من الحرِّ إلى الربيع


وزادوا فيه، حكاه الزَّجاج وتوقف فيه، لكنه مروي عن الشعبي وأنه زيد فيه إلى خمسين (١)، وهم أمة عيسى كما ذكره ابن عباس في «تفسيره».
وقيل: التشبيه إنما هو من أجل صومِهم، كان [من] (٢) العشاء الآخرة إلى مثلِها، وكان ذَلِكَ فرض عَلَى المؤمنين في أوَّلِ ما افترض عليهم الصوم.
قَالَ السديُّ: كتب عَلَى النصارى أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النومِ ولا ينكحوا النساءَ شهر رمضان، فاشتد ذَلِكَ عَلَى النصارى، وجعل يتقلب عليهم في الشتاء والصيف، فلما رأوا ذَلِكَ اجتمعوا فجعلوا صيامًا في الفصل بين الشتاءِ والصيفِ. وقالوا: نزيد عشرين يومًا نُكفر بها ما صنعنا. فجعل صيامهم خمسين يومًا، فلم يزلْ المسلمون عَلَى ذَلِكَ يصنعون حَتَّى كان من أمر [أبي] (٣) قيس بن صرمة وعمر ما كان، فأحل اللهُ تعالى لهم الأكلَ والشربَ والجماعَ إلى طلوعِ الفجرِ (٤).
وقال الحسن فيما ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره»: والله قد كتب الصِّيام عَلَى كلِّ أمةٍ خلت كما كتبه علينا شهرًا كاملًا (٥).
وإليه نحا الزمخشري في قوله: آدم فمن دونه. فعلمنا أن الصَّومَ عبادة قديمة لم تخل منها أمة (٦).

-----------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٣٤ (٢٧٢٧) مطولًا.
(٢) زيادة يقتضيها السياق.
(٣) زيادة ليست في الأصل، مثبته من «تفسير الطبري».
(٤) رواه الطبري ٢/ ١٣٤ - ١٣٥ (٢٧٢٨) من طريق موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد، عن أسباط، عن السدي به.
(٥) «تفسير ابن أبي حاتم» ١/ ٣٠٥ (١٦٢٦).
(٦) «الكشاف» ١/ ٢٠٤.



وقوله: ﴿لَعَلَّكُم تَتَقُونَ﴾ أي: بالمحافظة عليه. أو: تنتظمون في سلك المتقين، فإن الصَّومَ من شعارِهم.
وروي أن صرمة بن مالك (١) كان شيخًا كبيرًا جاء إلى أهلهِ وهو صائمٌ فدعا بعشائِه، فقالوا: أمهل حَتَّى نجعل لك طعامًا سخنًا تفطر عليه، فنام، فجاءوا بطعامِه، فقال: قد كنت نمت. فبات جائعًا، فنزلت الآية (٢).
وجاء عمر لأهلِهِ فقال: إنها قد كانت نامت، فظن أنها اعتلت عليه، فواقعها، وفعل مثل ذَلِكَ كعب بن مالك، فنزلت ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٧].

-----------
(١) سيأتي قريبًا في باب: قول الله جل ذكره ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ في حديث (١٩١٥) حكايته المصنف الاختلاف في اسمه، فقيل: صرمة بن أنس، وقيل: صرمة بن قيس، وقيل: صرمة بن مالك، نسبة إلى جده، وقيل: صرمة بن أبي أنس، واسم أبي أنس: قيس بن صرمة بن مالك.
(٢) سيأتي برقم (١٩١٥) والذي فيه: قيس بن صرمة الأنصاري.
(٣) رواه أحمد ٣/ ٤٦٠، والطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧١ (٢٩٤٩)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٦ (١٦٧٧) من حديث كعب بن مالك، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣١٧: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وقد ضعف، وبقية رجاله ثقات. اهـ
قلت: ابن لهيعة وان كان فيه ما فيه إلا أن الراوي عنه هنا عبد الله بن المبارك، قال الحافظ في «التقريب» (٣٥٦٣): رواية ابن المبارك وابن وهب، عن ابن لهيعة أعدل من غيرهما. اهـ
وقال الألباني في «الصحيحة» ١/ ٥٩٥: المتقرر من مجموع كلام الأئمة في ابن لهيعة أنه ثقة في نفسه، ولكنه سيئ الحفظ، وقد نص بعضهم على أن حديثه صحيح، إذا جاء من طريق أحد العبادلة الثلاثة: عبد الله بن وهب، وعبد الله بن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقرئ، قال الحافظ الأزدي: إذا روى العبادلة عن ابن لهيعة، فهو صحيح: ابن المبارك. وابن وهب، والمقرئ. اهـ.
فالمتقرر أن هذا الحديث سنده حسن. =



ذكر فيه حديث طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - .. الحديث.
وسلف في الإيمان في باب: الزكاة من الإسلام (١).
وفيه: أن أداءَ الفرائضِ يوجب الجنةَ، وأن عمل السنن والرغائب يوجب الزيادة في الجنة بفضله.
وفيه: عن أبي سهيل عن أبيه. وأبو سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، ولم يذكر الحج فيه؛ لأنه لم يفرض حينئذٍ (٢) ولا الجهاد؛ لأنه لم يكن عَلَى الأعراب فرضًا.
وفيه: اليمين عَلَى ترك فعل الطاعة المندوب إليها وهو مكروه، لكنه - ﷺ - سكت إما لأنه حديث عهدٍ بالإسلام فلا ينفره، أو لأنه أخبر أنه لا ينقص من الفرائضِ ولا يزيد فيها فإذا أتى بها عَلَى أكملِ أحوالِها لم يحتج إلى النوافل.
ومعنى: (وَلَا أَنْقُصُ) أي: مما فرض الله عليَّ.
وحديث ابن عمر: صَامَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَاشُورَاءَ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تُرِكَ. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ لَا يَصُومُهُ، إِلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمَهُ.
وحديث عائشة أَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ فِي الجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِصِيَامِهِ حَتَّى فُرِضَ رَمَضَانُ، وَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ شَاءَ فَلْيَصُمْهُ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ».

------------
= وقد أورده السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٧ وعزاه لأحمد والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم، وقال: إسناده حسن.
(١) برقم (٤٦).
(٢) قال النووي في «شرح مسلم» ١/ ١٧٨: نزلت فريضة الحج سنة ست، وقيل سنة تسع، وقال الزيلعي في «تبيين الحقائق»: ٢/ ٢ كان فرض الحج في سنة ست.



واختلف العلماءُ هل كان واجبًا قبل فرض رمضان أم لا؟ والأشبه أنه لم يجب قط.
وقال أصحابُ أبي حنيفةَ بالأول (١)، وعبَّر الطبري عنه، فقال: عن قوم: أنه كان يصومه، فلما فرض رمضان لم يأمر بصومه ولم ينه عنه، فمن شاء صامه ومن شاء تركه.
وعن قومٍ: أنه لم يزل يصومه ويحث أمته عليه حَتَّى مضى لسبيله، روي هذا عن ابن عباس قَالَ: ما رأيت رسولَ الله - ﷺ - يصوم يومًا يتحرى فضلَه إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان (٢).
ووجه كراهية ابن عمر صومه (٣)، هو نظير كراهية من كره صومَ رجب إذ كان شهرًا تعظمه الجاهلية، فكره أن يعظم في الإسلام ما كان يُعظَّم في الجاهلية من غير تحريم صومه عَلَى من صامه، ولا مرية من الثواب الذي وعد اللهُ صائمه عَلَى لسان رسوله إذا كان مبتغيًا بصومِه ثوابَ اللهِ ولا يريد به إحياء سنةِ أهل الشرك، وكذلك صوم رجب، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في بابه إن شاء الله، وهذا أولى من دعوى نسخه بفرض رمضان كما مشى عليه ابن التين، وليس في الأمر بصومه ما يدل عَلَى منع صومه إلا أنه اقترن به ما يدل عَلَى أن جميعَ الفرضِ من الصيامِ.

-----------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٠٣.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٠٠٦) باب: صوم يوم عاشوراء، ورواه مسلم (١١٣٢) كتاب: الصيام، باب: صوم يوم عاشوراء.
(٣) رواه مسلم (١١٢٦/ ١١٩) من حديث ابن عمر مرفوعًا: «إن هذا يوم كان يصومه أهل الجاهلية، فمن أحب أن يصومه فليصمه، ومن أحب أن يتركه فليتركه» وكان عبد الله رضي الله عنه لا يصومه إلا أن يوافق صيامه.



وقال الداودي: فيه دليل عَلَى أن معنى الآية: كتب عليكم رمضان كما كتب عَلَى الذين من قبلكم صيام، وفيه ردٌّ عَلَى عطاءَ وقتادةَ في قولهما: كتب عَلَى أوائل أمة محمد - ﷺ - ثلاثة أيام من كل شهر (١). وقيل: إن في يوم عاشوراء ست عشرة فضيلة.
واختلف في السبب الموجب لصيام رسول الله - ﷺ - عاشوراء، فروي أنه كان يصومه في الجاهلية (٢).
وفي البخاري عن ابن عباس: قدم النبيُّ - ﷺ - المدينةَ فرأى اليهودَ تصومه قالوا: يومٌ صالح نجَّى الله فيه بني إسرائيل من عدوهِم فصامه موسى. فقال: «نحن أحق بموسى منكم» (٣).
ويحتمل أن تكون قريش كانت تصومه كما في حديث عائشة، وكان - ﷺ - يصومه معهم قبل أن يبعث، فلما بعث تركه، فلما هاجر أعلم أنه من شريعة موسى فصامه وأمر به، فلما فُرض رمضان (٤)، فيجمع بهذا بين الحديثين.

----------
(١) رواهما الطبري ٢/ ١٣٦ (٢٧٣٤، ٢٧٣٧).
(٢) سيأتي برقم (٢٠٠٢)، باب: صيام يوم عاشوراء، ورواه مسلم (١١٢٥) كتاب الصيام، باب صوم يوم عاشوراء.
(٣) سيأتي برقم (٢٠٠٤).
(٤) كذا في الأصل وجواب الشرط (تركه) محذوف.



٢ - باب فَضْلِ الصَّوْمِ
١٨٩٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ -مَرَّتَيْنِ- وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا». [١٩٠٤، ٥٩٢٧، ٧٤٩٢، ٧٥٣٨ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ٣/ ١٠٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة (أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الصِّيَامُ جُنَّة، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ. مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْ رِيحِ المِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي، الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، ومن حديث أبي سعيد (٢)، وزاد: «يوم القيامة» (٣)
وأخرجه النسائي أيضًا مختصرًا (٤)، وفي الباب عن ابن عباس وابن عمر والحارث الأشعري. قَالَ الحاكم: صحيحٌ عَلَى شرطهما (٥).

------------
(١) مسلم (١١٥١) كتاب: الصيام.
(٢) مسلم (١١٥١/ ١٦٥).
(٣) مسلم (١١٥١/ ١٦٣).
(٤) النسائي ٤/ ١٦٢ كتاب: الصيام، فضل الصيام.
(٥) «المستدرك» ١/ ٤٢١ - ٤٢٢ كتاب: الصوم، مطولًا. ورواه الترمذي (٢٨٦٣ - ٢٨٦٤) كتاب: الأدب، باب: ما جاء في مثل الصلاة والصيام والصدقة، وقال: حديث حسن صحيح غريب، وأحمد ٤/ ١٣٠، والطيالسي ٢/ ٤٧٩ - ٤٨٠ (١٢٥٧)، وأبو يعلى في «مسنده» ٣/ ١٤٥ - ١٤٢ (١٥٧١)، وابن خزيمة ٣/ ٩٥ - =



ومعنى: «الصِّيَامُ جُنَّةٌ»: سترٌ من الآثام أو النار؛ أو لأنه يكسر شهوته ويضعف قوته، ومنه قيل للترس: مجن؛ لأن صاحبَه يستتر به.
وفي بعض الأحاديث «الصوم جنَّة ما لم يخرقه» قيل: وبم يخرقه؟ قَالَ: «بكذب أو غيبة» (١).

------------
= ١٩٦ (١٨٩٥) كتاب: الصيام، باب: ذكر تمثيل الصائم في طيب ريحه بصيب ريح المسك إذ هو أطيب الطيب، وابن حبان ١٤/ ١٢٤ - ١٢٦ (٦٢٣٣) كتاب: التاريخ، باب: بدء الخلق، والطبراني ٣/ ٢٨٥ - ٢٨٧ (٣٤٢٧)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ١/ ٣٨٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ٥/ ٢١٧ - ٢١٩، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٢٢٩٨).
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ١٣ (٤٥٣٦)، ٨/ ١٥ (٧٨١٤) وقال: لم يرو هذا الحديث عن يونس إلا الربيع بن بدر، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٣٢ في ترجمة: ربيع بن بدر السعدي (٦٥١)، والحديث أورده الحافظ ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» ٢/ ١٣٩ ط الرسالة. وقال: في إسناده نظر. وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٧١: فيه: الربيع بن بدر، وهو ضعيف. اهـ.
قال الحافظ في «التقريب» (١٨٨٣): الربيع بن بدر، متروك.
وقال الألباني في «الضعيفة» (١٤٤٠): حديث ضعيف جدًا.
وروي النسائي ٤/ ١٦٧، والدارمي ٢/ ١٠٨١ (١٧٧٣) كتاب: الصيام، باب: الصائم يغتاب، وأبو حاتم الرازي كما في «العلل» ١/ ٢٣٧، وابن خزيمة في «صحيحه» ٣/ ١٩٤ (١٨٩٢) كتاب: الصيام، والشاشي في «مسنده» ١/ ٣٠٠ - ٣٠١ (٢٦٦)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣١٣ (٣٦٤٣)، والضياء في «المختارة» ٣/ ٣١٨ (١١٢١)، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٢/ ٥٧٢ - ٥٧٣، جميعًا من طريق الوليد بن عبد الرحمن، عن عياض بن غطيف، عن أبي عبيدة بن الجراح مرفوعًا: «الصيام جنة ما لم يخرقها» وعند بعضهم: ما لم يخرقه.
قال الدارمي بعد روايته الحديث: يعني بالغيبة.
والحديث صححه أبو حاتم الرازي في «العلل» ١/ ٢٣٧، وقال المنذري: كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» ١/ ٣٣٠: إسناده حسن.
والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب» (٦٥٧). =



والرفث هنا: الفحش والخناء والجهل، وما لا يصلح من القول أو الفعل.
وقال ابن التين: قيل: اسم لما يريده الرجل من النساء. وقيل: هو الإفصاح بما يجب أنْ يكنى عنه من ذكرِ النكاحِ. وقيل: هو قبيح الكلام، فإن كان من قبيل الكلام قيل فيه: رفثَ وأرفثَ، ذكره ابن فارس (١)، فيقرأ: يرفث. بضم الياء وفتحها، والرواية الثاني.
وفي رواية ستأتي قريبًا: «ولا يصخب» (٢) وهو الصوت والجلبة. قَالَ ابن التين: لا يجوز في مضارعِه ضم الخاء ولا كسرها؛ لأن ماضيه صخِب بالكسر.
قلت: ذكر القزاز الصخب فيه بغير نفيه، ويقال فيه بالسين أيضًا.
وذكر بعضهم أن الأصلَ بالسين ونقلت إلى الصادِ تجوزًا، وكذا هو إذا كان بعدها خاء أو أخواتها من حروف الاستعلاء.
وعند الطبري: «ولا يسخر» من السخرية بالناس.
والجهل: السفه، وهو ضد العلم يتعدى بغيرِ حرف جرٍ، نقول جهل عليَّ فلانٌ. تعني: تعدى.
و(«قاتله») يحتمل أن يريد به: أراد قتاله.
وقوله («فَلْيَقُلْ إِنِّي صَائِمٌ») اختلف هل يقوله بلسانه ليكف عن شتمِه، أو بقلبه؟ والأظهر الأول؛ لأنه لا ينكف بذلك، ووجه الثاني خوف الرياءِ لا جرم، فرق بعض أصحابِنا بين الفرضِ والنفل، وقد

----------
= وعياض بن غطيف قال عنه الحافظ في «التقريب» (٥٣٦٢): مقبول.
(١) «المجمل» لابن فارس ٢/ ٣٩٠.
(٢) برقم (١٩٠٤) باب: هل يقول: إني صائم إذا شتم؟



كان حكمُ الصِّيامِ عند مريم وأهل زمانها عدم الكلام في الصوم متعارفًا بينهم، قَالَ تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ اليَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٣] قَالَ زيد بن أسلم: كانت بنو إسرائيل يصومون بالكلامِ كما يصومون من الطعامِ، ولا يتكلمون إلا بذكر اللهِ تعالى.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أبلغك أنه يؤمر الإنسان إذا دعي إلى طعامٍ أن يقول: إني صائم؟ ثم ذكر حديث أبي هريرة (١).
وروي عن ابن مسعود: إذا دعى أحدكم إلى طعام وهو صائم فليقل إني صائم (٢)، وقاله قتادةُ والزهري (٣).
والخلوف، بضم الخاء عَلَى الصواب، وهو تغير رائحة الفم، وكثير يروونه بفتحها. قَالَ الخطابي: وهو خطأٌ؛ لأن المصادر التي جاءت عَلَى فعول بفتح الفاء قليلةٌ ذكرها سيبويه وليس هذا منها، وإن كان فعله بالإسكان في المصادر أيضًا قليلة يقال: خلف فوه، يخلفُ وأخلف يُخلف إذا تغير (٤).
وفي كتاب ابن الجُوزي: لخلوف فم الصائم: إذا هو أخلف. وقال: كذا
في كتابي: من أخلف وهو لغة، واللغة المشهورة: خلف. ولم يزد ابن بطال عَلَى قوله: يعني تغير رائحته في آخر النهار؛ لأن الفم يتغير بترك الطعام (٥).

-----------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٩٤ (٧٤٥٦) كتاب: الصيام، باب: الرفث واللمس وهو صائم.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٠٠ (٧٤٨٣) كتاب: الصوم، باب: الرجل يدعى إلى طعام وهو صائم، وابن أبي شيبة ٢/ ٣١٨ (٩٤٣٩، ٩٤٤٢)، والبغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٥٥٢)، والطبراني ٩/ ٣١٥ (٩٥٧٨).
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٢٠٠ (٧٤٨٢) كتاب الصوم.
(٤) «إصلاح غلط المحدثين» للخطابي ص ١٠٢ بتصرف.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٢.



قَالَ أبو عبيد: خلف اللبن وغيره: تغير ريحه وطعمه (١)، ولم يذكر ضبطه.
ومعنى: «أَطْيَبُ»: أذكى عند الله وأقرب إليه. قَالَ المازري: هذا مجاز واستعارة؛ لأن استطابة بعض الروائح من صفات الحيوان الذي له طباعٌ تميل إلى شيء يستطيبه، وتنفر من شيءٍ فيتقذره، والله -سبحانه وتعالى- مقدس عن ذَلِكَ، لكن جرت عادتنا التقرب للروائح الطيبة، فاستعير ذَلِكَ في الصوم لتقريبه من اللهِ (٢).
وهل هذا الخلوف في الدنيا أو في الآخرة؟ جاء في رواية: «حين يخلف» (٣) وجاء في مسلم: «يوم القيامة» (٤) فيكون أطيب من ريح المسك جزاء وأجرًا ورضى أكثر من أجر من ندب إلى استعمال المسك.
وقال: «عِنْدَ اللهِ»: يعني طيبه عند الله. يريد: في الآخِرَة أي: يجازيه يوم القيامةِ لطيب نكهته الكريهة في الدنيا حَتَّى تكون كريحِ المسكِ، والدليل عَلَى أنه أراد الآخرةَ بقوله: «عِنْدَ اللهِ» قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبّكَ﴾ [الحج: ٤٧] يريد: أيامَ الآخرةِ. ومن هذا الباب الحديث الصحيح الآتي أنه يجازي الشهيدَ في الآخرةِ بأن يجعل رائحة دمه الكريهة في الدنيا كرائحة المسك في الآخرة (٥).

-------------
(١) «غريب الحديث» ١/ ١٩٥.
(٢) «المعلم بفوائد مسلم» للمازري ١/ ٣١٩. وكلامه من باب التأويل الذي جرت عليه عادة كثير من المتكلمين، والاشتراك في الصفة بين الخالق والمخلوق لا يلزم منه التشبيه. وانظر التعليق على هذا بالتفصيل في كتاب التوحيد من هذا الشرح.
(٣) رواها أحمد ٢/ ٤٨٠، وابن حبان ٨/ ٢١١ (٣٤٢٤) كتاب: الصوم، باب: فضل الصوم.
(٤) مسلم (١١٥١/ ١٦٣) كتاب الصيام، باب: فضل الصيام.
(٥) سيأتي برقم (٢٨٠٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: من يجرح في سبيل الله -عز وجل-، =



والفم فيه لغات: فتح الفاء في الأحوال الثلاث، وكسرها كذلك، واتباع الفاء الميم كامرئ.
وقوله: («الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بهِ») (١) أي: أكافئ، لا شك أن الصومَ وجميع الأعمال له تعالى، لكن لما كانت الأعمال الظاهرة يشترك فيها الشيطان بالرياء وغيره، وكان الصيام لا يطلع عليه أحد إلا الله تعالى فيثيبه عليه عَلَى قدرِ خلوصِه لوجهه، جاز أن يضيفه إلى نفسِه، ألا ترى قوله: «يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي».
وكان ابن عيينة يقول في قوله: «إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي» قَالَ: لِأن الصوم: هو الصبرُ، يصبِّر الإنسانُ نفسَه عن المطعمِ والمشربِ والمنكح، ثم قرأ: ﴿نَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٢) [الزمر: ١٠].
وجاء أن: «الصوم نصف الصبر» (٣).

------------
= ورواه مسلم (١٨٧٦) كتاب: الإمارة، باب: فضل الجهاد والخروج في سبيل الله. من حديث أبي هريرة.
(١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال السمعاني في «المذيل على تاريخ بغداد» بعد أن ساق سندًا طويلًا، قدم الأستاذ الإمام أبو القاسم القشيري بغداد وتفقد مجلس الوعظ، وروى في أول مجلس عقده الحديث المشهور عن النبي - ﷺ -: «السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه …» الحديث. [قلت «المحقق»: سبق برقم (١٨٠٤)، ورواه مسلم (١٩٢٧). من حديث أبي هريرة]. فقام سائل وقال: لما سمى النبي - ﷺ - «السفر قطعة من العذاب» فقال: لأن سبب فرقة الأحباب، فاضطرب الناس وتواجدوا وما أمكنه أن يتم المجلس فتركه.
(٢) رواه البيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٣) قطعة رويت في حديثين:
الأول: عن رجل من بني سليم مرفوعًا: «سبحان الله نصف الميزان، والحمد لله يملأ الميزان، والله أكبر يملأ ما بين السماء والأرض، والوضوء نصف الإيمان، والصوم نصف الصبر». =



و«الصبر نصف الإيمان» (١).
------------
= رواه الترمذي (٣٥١٩) كتاب: الدعوات، وقال: حديث حسن، وأحمد ٤/ ٤٦٠، ٥/ ٣٦٣، ٣٦٥، ٣٧٠، ٣٧٢، ومعمر بن راشد في «الجامع» (٢٠٥٨٢)، والعدني في «الإيمان» (٥٨)، والدارمي في «مسنده» ١/ ٥١٩ (٦٨٠) كتاب: الطهارة، باب: ما جاء في الطهور، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٥/ ٣٤٧ - ٣٤٨ (٢٩٢٠)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٥٨٢ - ١٥٨٣ (١٧٣٤)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ١/ ٤٣٠ - ٤٣١ (٤٣٢ - ٤٣٣)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٤٣٦ (٦٣١)، والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٩٤٤)، و«ضعيف الجامع» (٢٥٠٩).
الثاني: عن أبي هريرة مرفوعًا: «لكل شيء زكاة وزكاة الجسد الصوم والصيام نصف الصبر». رواه ابن ماجه (١٧٤٥) كتاب: الصيام، باب: في الصوم زكاة الجسد -وهذا لفظه- والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٦٢ (٢٢٩)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٢ (٣٥٧٧)، والديلمي في «الفردوس» ٢/ ٤٠٩ (٣٨١٧). قال المناوي في «فيض القدير» (٥٢٠٠) منتقدًا تحسين السيوطي للحديث: قال ابن العربي في «السراج»: ضعيف جدًا. والحديث ضعفه البوصيري في «مصباح الزجاجة» ٢/ ٧٩، وكذا الألباني في «الضعيفة» (٣٨١١).
(١) روي مرفوعًا وموقوفًا. عن عبد الله بن مسعود: «الصبر نصف الإيمان، واليقين الإيمان كله». والموقوف هو الصحيح.
المرفوع رواه: ابن الأعرابي في «المعجم» ١/ ٣٠٩ (٥٩٢)، وتمام الرازي في «الفوائد» ٢/ ٤٠ (١٠٨٣)، وأبو نعيم في «الحلية» ٥/ ٣٤، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ١٢٦ - ١٢٧ (١٥٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٧/ ١٢٣ (٩٧١٦)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٣/ ٢٢٦، وابن الجوزي في «العلل» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ (١٣٦٤)، والحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٢٣، وفي «لسان الميزان» ٥/ ١٥٢ من طريق يعقوب بن حميد بن كاسب، عن محمد بن خالد المخزومي، عن سفيان الثوري، عن زبيد الأيامي، عن أبي وائل، عن ابن مسعود مرفوعًا.
قال أبو نعيم والخطيب البغدادي: تفرد به المخزومي عن سفيان بهذا الإسناد. زاد ابن الجوزي: والمخزومي مجروح، ويعقوب بن حميد قال يحيى والنسائي: ليس بشيء اهـ. =



وقال وكيع في قوله: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة: ٢٤] هي أيام الصوم، إذ تركوا الأكل والشرب فيها (١)، ثم هذا كله إنما يكون فيما خلص لله تعالى من الرياء، ويدل عليه أيضًا قوله - ﷺ - عن الله تعالى أنه قَالَ: «من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له، وأنا أغنى الشركاء عن الشرك» (٢) فجعل عمل الرياء لغيره، وجعل ما خلص من الرياء له تعالى.
-----------
= وقال البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٨٤)، والحافظ في «اللسان» ٥/ ١٥٢: قال أبو علي النيسابوري: هذا حديث منكر لا أصل له من حديث زبيد ولا من حديث الثوري اهـ.
وقال الألباني في «الضعيفة» (٤٩٩) منكر.
والموقوف رواه عبد الله بن أحمد في «السنة» ١/ ٣٧٤ (٧١٨) وقال: صحيح، والطبراني ٩/ ١٠٤ (٨٥٤٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٤٦ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٧٤ (٤٨) -وقال: روي من وجه آخر غير قوي مرفوعًا- و٧/ ١٢٣ (٩٧١٧)، والحافظ في «تغليق التعليق» ٢/ ٢٢ وقال: هذا موقوف صحيح، وقال الهيثمي في «المجمع» ١/ ٥٧: رجاله رجال الصحيح.
وقال البيهقي في «الزهد الكبير» (٩٨٤): الصحيح المعروف أنه من قول ابن مسعود، وقال في «الآداب» (٩٣٢) رويناه عن عبد الله بن مسعود مرفوعًا، والموقوف أصح، وقال الحافظ: روي موقوفًا بسند صحيح، ومرفوعًا ولا يثبت رفعه اهـ. «فتح الباري» ١/ ٤٨ بتصرف.
(١) رواه بنحوه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ١٤٨ في ترجمة الحسن بن صالح بن حي (٤٤٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٣١٨ (٣٩٤٩) لكنه عن عبد العزيز بن رفيع. قوله، وكذا عزاه السيوطي أيضًا في «الدر المنثور» ٦/ ٤١١ لابن المنذر وابن عدي في «الكامل» والبيهقي في «الشعب».
(٢) رواه مسلم برقم (٢٩٨٥) كتاب الزهد والرقائق، باب من أشرك في عمله غير الله. من حديث أبي هريرة.



وعنه: إذا كان يوم القيامة يحاسبُ الله العبد، فيؤدي ما عليه من المظالم من سائر أعماله الصالحة، حَتَّى لا يبقى إلا الصوم، فيتحمل الله ما بقي عليه من المظالم بالصوم، فيدخله الجنة (١) (٢)، وبنحوه ذكره ابن العربي.
قَالَ القرطبي (٣): وكنت أستحسنه حَتَّى ذكرت حديث المقاصة،

--------------
(١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: وهذا الحديث رواه البيهقي وغيره وهو قول ابن عيينة. [قلت «المحقق»: تقدم تخريجه].
(٢) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ كتاب: الصيام، باب: من كره السواك بالعشي …، ٤/ ٣٠٥، باب: في فضل شهر رمضان وفضل الصيام على سبيل الاختصار، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٢٩٥ (٣٥٨٢) عن إسحاق بن أيوب بن حسان الواسطي، عن أبيه قال: سمعت رجلًا يسأل سفيان بن عيينة فقال: يا أبا محمد ما تقول في ما يرويه النبي - ﷺ -، عن ربه تعالى: كل عمل ابن آدم له ..... الحديث.
فقال ابن عيينة: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة ..... قوله.
(٣) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال شيخ الإسلام ابن حجر ردًا على القرطبي: قلت: يمكن تخصيص الصيام من ذلك، ويستدل له بما رواه الإمام أحمد من طريق حماد بن سلمة، عن أبي هريرة رفعه: «كل العمل كفارة إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به» [قلت «المحقق»: انظر «المسند» ٢/ ٤٦٧] وكذا رواه أبو داود ولفظه: «قال ربك تبارك وتعالى: كل العمل كفارة إلا الصوم» [قلت «المحقق»: رواه أبو داود الطيالسي في «مسنده» ٤/ ٢٢٧ (٢٦٠٧)] ورواه قاسم بن أصبغ عن شعبة ولفظه: «كل ما يعمله ابن آدم كفارة له إلا الصوم» [قلت «المحقق»: رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ٦٠ من طريق قاسم بن أصبغ عن محمد بن الجهم عن روح عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] وقد أخرجه المصنف -يعني: البخاري- في التوحيد عن آدم بلفظ: يرويه عن ربكم قال: «لكل عمل كفارة والصوم لي وأنا أجزي به» [قلت «المحقق»: سيأتي برقم (٧٥٣٨)] وكذا رواه أحمد من طريقه. [قلت «المحقق»: انظر: «مسند أحمد» ٢/ ٤٥٧ من طريق محمد بن جعفر عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة، به] انتهى كلام ابن حجر. [قلت «المحقق»: انتهى من «فتح الباري» ٦/ ١٠٩]



فوجدت فيه: «أتدرون من المفلس؟» ثم قَالَ: «المفلس الذي يأتي يوم القيامة بصلاة وصدقة وصيام» الحديث (١).
وقال آخرون: إنما خص الصوم بأن يكون هو الذي يتولى جزاءه؛ لأن الصوم لا يظهر من ابن آدم بلسان ولا فعل فتكتبه الحفظة، إنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فيقول: أنا أتولى جزاءه عَلَى ما أحب من التضعيف، وليس على كتاب كتب. وهذا القول ذكره الداودي، وصوب الطبري الأول، وأبعدَ مَنْ قَالَ: إن معناه لم يتعبد به غير الله، فلم يعظم الكفار في عصرٍ من الأعصار معبودًا لهم بالصيام، وإن كانوا يعظمونه بصورة السجود والصدقة وشبهها.
وقد حكى المسعودي وغيره أن جماعة من الملاحدة وغيرهم يعبدوا المشترى وزحل والزهرة به، وكذا قول من قَالَ: إنه ليس للصائم ونفسه فيها حظ. حكاه الخطابي (٢)؛ لأن غيره من العبادات كذلك، وكذا قول من قَالَ: لأن الاستغناء عن الطعام من صفة الرب، وإن كانت صفات الله لا يشبهها شيء.
وأما معنى قوله: «وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» فأنا المتفرد بجزائه عَلَى عمله ذَلِكَ لي، بما لا يعلم عنه مبلغه غيري، إذ كان غير الصيام من أعمال الطاعة قد علم غيري بإعلامي إياه أن الحسنة فيه بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وقد روى يحيى بن بكير عن مالك في هذا الحديث بعد قوله: «الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» فقال: «كل حسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلا الصيام فهو لي وأنا أجزي به».

-----------
(١) «المفهم» ٣/ ٢١٢. والحديث رواه مسلم (٢٥٨١) كتاب: البر والصله، باب: تحريم الظلم. من حديث أبي هريرة.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٤٦.



وهي في مسلم أيضًا (١)، وقيل: في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] أن عملهم الصيام فيفرغ لهم الجزاء إفراغًا من غير تقدير، فخص الصيام بالتضعيف عَلَى سبعمائة ضعف في هذا الحديث.
وقد نطق الرب ﷻ بتضعيف النفقة في سبيل الله أيضًا، كتضعيف الصيام فقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وجاء في ثواب الصبر مثل ذَلِكَ وأكثر، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] فيحتمل -والله أعلم- أن هاتين الآيتين نزلتا عَلَى رسول الله - ﷺ - بعدما أعلمه الله تعالى ثواب الصيام؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، والفضائل إنما تدرك من طريق الوحي.
وأما قول من قَالَ: كل عمل تكتبه الحفظة إلا الصيام، فإنما هو نية في القلب، وإمساك عن المطعم والمشرب فلا يكتب، فواهٍ؛ لأن الحفظة تعلم الإمساك عن الأكل والشرب، وهو حقيقة الصيام، وإذا اطلعت على الإمساك عن الأكل في خلوته فقد علمت صيامه، لأنه ليس يرائي أحد الحفظة، ولا ينتفع بالرياء إلا إذا كان في الباطن، فإذا كف عنه باطنًا وتمادى عليه فقد علمت صيامه.
وليس قول من تأول في قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦] أنَّ مريم كانت صائمة في ذَلِكَ الوقت بصواب، بدليل قوله تعالى في الآية ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآية [مريم: ٢٥]، فأخبر أن ذَلِكَ كان بعد أكلها وشربها.

------------
(١) مسلم (١١٥١/ ١٦٤).


ويشهد لذلك أنها كانت نفساء، والنفساء لا تصوم، وإنما معنى ﴿صَومًا﴾: إمساكًا عن الكلام، والعرب تقول: صام: إذا أمسك عن الكلام. ولا يعترض عَلَى هذا بقوله: ﴿فَقُولى﴾ لأن المراد به الإشارة، بدليل قوله بعد ﴿فَأَشَارَت إِلَيهِ﴾ الآية، وقيل: معناه: أنا المتفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وغيره من العبادات، أظهر الله جلّ وعز عَلَى مقدار ثوابها بعض مخلوقاته -وقد سلف- وقيل: هي إضافة تشريف كقوله: ﴿نَاقَةُ اَللهِ﴾.
وقال الثقفي في «نضرة الصحاح»: لأنه يتعلق بالنية، والنية محلها القلب فلا يطلع عليها غير المطلع عليها، فالرب يتولى جزاءه، والحفظة لا تعلم النية، وما أحسن ما حكاه ابن العربي عن الزهاد أن الصوم عن الطعام والمحظورات صوم العوام، وأن صوم الخواص هو الصوم عن غير ذكر الله، وخواص الخواص هو الصوم عن رؤيته، فلا يفطر إلا برؤيته. ولقائه، ويوم أراكم ذاك فطر صيامي، وهذا الذي قَالَ فيه تعالى: «الحسنة بعشر أمثالها إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به» (١)، وفيه أقوال أخرى ذكرها الطالقاني في كتابه «حظائر القدس».
فائدة:
سيأتي في باب: هل يقول إني صائم إذا شتم، عقب قوله: «من ريح المسك» «وللصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه» (٢)
أما عند لقاء ربه فلما يرى من الخيرات المعدة له وما قدمه، وعند

------------
(١) «عارضة الأحوذي» ٣/ ٢٢٩.
(٢) برقم (١٩٠٤).



فطره لتمام عبادته، وسلامتها من المفسد، وأبعد من قَالَ أنه بإباحة الأكل.
فائدة أخرى:
قوله: («وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ») أقسم للتأكيد، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبّ اَلسَّمّاَءِ وَالأَرضِ﴾ [الذاريات: ٢٣].
أخرى:
أخذ الشافعي من هذا الحديث كراهة السواك للصائم بعد الزوال وقال: إنه يزيل الخلوف، ورأيت في البويطي عدم الكراهة، وبه قَالَ مالك (١)، وأكثر الفقهاء، ومنعوا أنه يزيل؛ لأنه من المعدة.
وقوله: («يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي») يحتمل أن يكون تعليله لتفضيله ريح الخلوف عَلَى المسك، وأن يكون لأجل الصوم.

------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٦٦٥، «المجموع» ٦/ ٤٠٢.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #363  
قديم اليوم, 04:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,967
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 31 الى صـــ 50
الحلقة (363)






٣ - باب الصَّوْمُ كَفَّارَةٌ
١٨٩٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا جَامِعٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ عُمَرُ رضي الله عنه: مَنْ يَحْفَظُ حَدِيثًا عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ». قَالَ: لَيْسَ أَسْأَلُ عَنْ ذِهِ، إِنَّمَا أَسْأَلُ عَنِ التِي تَمُوجُ كَمَا يَمُوجُ البَحْرُ. قَالَ وَإِنَّ دُونَ ذَلِكَ بَابًا مُغْلَقًا. قَالَ: فَيُفْتَحُ أَوْ يُكْسَرُ؟ قَالَ: يُكْسَرُ. قَالَ: ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. فَقُلْنَا لِمَسْرُوقٍ: سَلْهُ أَكَانَ عُمَرُ يَعْلَمُ مَنِ البَابُ؟ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: نَعَمْ، كَمَا يَعْلَمُ أَنَّ دُونَ غَدٍ اللَّيْلَةَ. [انظر: ٥٢٥ - مسلم: ١٤٤ - فتح: ٤/ ١١٠]
ذكر فيه حديث جامع -هو ابن أبي راشد أخو الربيع الكوفي، وفي طبقته جامع بن شداد أبو صخرة الكوفي- عَنْ أَبِي وَائِلٍ -وهو شقيق بن سلمة الأسدي- عن حذيفة قَالَ: قَالَ عُمَرُ: مَنْ يَحْفَظُ حديث رسول الله - ﷺ - فِي الفِتْنَةِ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ: أَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّيَامُ وَالصَّدَقَة» الحديث.
وقد سلف في: الصلاة كفارة (١).
ومعنى «فِتْنَةُ الرَّجُلِ»: قَالَ الداودي: يعني ينقص له من حسناته إن ظلم أحدًا منهم، والفتنة هنا النبلاء والاختبار، وهي هنا شدة حب الرجل لأهله وشغفه بهن، كما روى عبد الله بن بريدة عن أبيه قَالَ: رأيت النبي - ﷺ - يخطب، فجاء الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان، فنزل رسول الله - ﷺ - ووضعهما في حجره، ثم قَالَ: «صدق الله ورسوله إنما أموالكم وأولادكم فتنة، رأيت هذين فلم أصبر» ثم

------------
(١) برقم (٥٢٥) باب: الصلاة كفارة.


أخذ في خطبته (١) وسمع عمر رجلًا يستعيذ بالله من الفتنة، فقال له: أتدع الله أن لا يرزقك مالًا وولدًا؟! فاستعذ بالله من مضلات الفتن (٢).
وقال ابن مسعود: لا يقل أحدكم اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من الفتنة، فليس أحد إلا وهو مشتمل عَلَى فتنة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَآ أَمْوَلُكُم وَأَولَدُكمُ فِتنَةٌ﴾ (٣) [الأنفال: ٢٨] فأيكم استعاذ فليستعذ باللهِ من مضلات الفتن، ومن فتنة الأهل الإسراف والغلو في النفقة عليهن والشغل بأمورهن عن كثير من النوافل، وفتنته في ماله أن يشتد سروره

---------
(١) رواه أبو داود (١١٠٩) كتاب: الصلاة، باب: الإمام يقطع الخطبة للأمر يحدث، والترمذي (٣٧٧٤) كتاب: المناقب، وقال: حسن غريب، والنسائي ٣/ ١٠٨ كتاب: الجمعة، نزل الإمام عن المنبر قبل فراغه، وابن ماجه (٣٦٠٠) كتاب: اللباس، باب: لبس الأحمر للرجال، وأحمد ٥/ ٣٥٤، وفي «فضائل الصحابة» ٢/ ٩٦٦ (١٣٥٨)، وابن أبي شيبة ٦/ ٢٨٢ (٣٢١٧٩) كتاب: الفضائل، ما جاء في الحسن والحسين رضي الله عنهما، وابن أبي الدنيا في «العيال» ١/ ٣٤١ (١٧٩)، وابن خزيمة ٣/ ١٥١ - ١٥٢ (١٨٠١)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٢٨٧ وقال: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٦٥، وفي «شعب الإيمان» ٧/ ٤٦٦ (١١٠١٦)، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٥٠٥ (٨٠٥)، وابن الأثير في «أسد الغابة» ٢/ ١٢ - ١٣، والمزي في «تهذيب الكمال» ٦/ ٤٠٣. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٠١٦) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ٤٥٩ (٣٧٢٠٧) كتاب: الفتن، من كره الخروج في الفتنة وتعوذ منها.
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٢١٧ (١٥٩٢٦) وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٥/ ١٦٨٥ (٨٩٨٤)، والطبراني ٩/ ١٨٩ (٨٩٣١)، من طريق المسعودي عن القاسم عن عبد الله، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٣/ ٣٢٤ لابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ، وفي ٦/ ٣٤٥ لابن المنذر والطبراني، وقال الهيثمي في «المجمع» ٧/ ٢٢٠: رواه الطبراني، بإسناده منقطع وفيه المسعودى وقد اختلط.



بحيث يغلب عليه، وهو مذموم، ألا ترى أنه - ﷺ - لما رأى علم الخميصة في الصلاة ردها إلى (أبي جهم) (١). وقال: «كاد يفتنني» (٢) فتبرأ مما خشي منه الفتنة، وكذلك عرض لأبي طلحة حين كان يصلي في حائطه فطار دُبْسِى، فأعجبه فأتبعه بصره ساعة، ثم رجع إلى صلاته فلم يَدْرِكم صلى فقال: لقد أصابني في مالي هذا فتنة، فجاء إلى رسول الله - ﷺ - فذكر ذَلِكَ له فقال: هو صدقة يا رسول الله فضعه حيث شئت (٣).
ومن فتنة المال أيضًا أن لا يصل أقاربه ويمنع معروفه أجانبه، وفتنته في جاره أن يكون أكثر مالًا منه وحالًا فيتمنى مثل حاله، وهو معنى قوله

---------
(١) في الأصل (أبو جهيم)، وما أثبتناه من «الجامع الصحيح».
(٢) سبق برقم (٢٧٣) كتاب: الصلاة، باب: إذا صلى في ثوب له أعلام، ونظر إلى علمها، ورواه مسلم (٥٥٦) كتاب: المساجد، باب: كراهية الصلاة في ثوب له أعلام. من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ص ٨٢، والبيهقي في «سننه» ٢/ ٣٤٩ كتاب: الصلاة، باب: من ينظر في صلاته إلى ما يلهيه لم يسجد سجدتي السهو. من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر أن أبا طلحة … الحديث.
قال ابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٣٨٩: هذا الحديث لا أعلمه يروى من غير هذا الوجه، وهو منقطع.
قلت: وجه انقطاعه أن عبد الله بن أبي بكر هذا هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وهو لم يدرك أبا طلحة الأنصاري وبالتالي لم يدرك القصة؛ لأنه قيل أنه توفي سنة خمس وثلاثين ومائة، وقيل: ثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، فعلى القول الأول، يكون مولده في سنة خمس وستين، وعلى الثاني يكون في سنة ستين. وأبو طلحة الأنصاري واسمه زيد بن سهل بن الأسود، قال أبو حاتم سنة أربع وثلاثين، فبهذا لا يمكن أن يكون قد أدركه بحال. انظر ترجمتهما في: «تهذيب الكمال» ١٠/ ٧٥ (٢١١١)، ١٤/ ٣٤٩ (٣١٩٠).
والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٢٨٦).



تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] فهذِه الأنواع وما شابهها مما يكون من الصغائر فما دونها، تكفرها أعمال البر، ومصداق ذَلِكَ ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
قال أهل التفسير: الحسنات هنا: الصلوات الخمس (١)، والسيئات: الصغائر.
وقوله: (ذَاكَ أَجْدَرُ أَنْ لَا يُغْلَقَ) أي: ذَلِكَ أحرى كأنه يقول ذَلِكَ أولى به (وأحق) (٢).

---------
(١) قاله كعب ومحمد بن كعب القرظي وابن عباس ومجاهد والحسن والضحاك وابن مسعود وسلمان ومسروق. رواه عنهم الطبري في «تفسيره» ٧/ ١٢٩ - ١٣٠ (١٨٦٦٢ - ١٨٦٧٤).
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثالث والأربعين، كتبه مؤلفه غفر الله له.



٤ - باب الرَّيَّانُ لِلصَّائِمِينَ
١٨٩٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». [٣٢٥٧ - مسلم: ١١٥٢ - فتح: ٤/ ١١١]

١٨٩٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْنٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هَذَا خَيْرٌ. فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». [٢٨٤١، ٣٢١٦، ٣٦٦٦ - مسلم: ١٠٢٧ - فتح: ٤/ ١١١]
ذكر فيه حديث سَهْلٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ فِي الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ مِنْهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فَإِذَا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
وحديث ابن شِهَابٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللهِ نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللهِ، هذا خَيْرٌ. فَمَنْ كانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ .. الحديث


الشرح:
حديث سهل أخرجه مسلم أيضًا (١)، وفي رواية للبخاري: «في الجنة ثمانية أبواب فيها باب يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون» (٢)
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، ولابن زنجويه في «الأول»: «فإذا دخلوا أُغْلق، فيشربون منه، فمن شرب منه لم يظمأ أبدًا» (٤) وفي رواية لأبي موسى المديني في «ترغيبه»: «من دخل منه لم يظما أبدًا» قَالَ أبو موسى: وفي الباب عن ابن مسعود.
وزعم الدارقطني أن نبيه بن عثمان رواه عن خليد بن قتادة، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة وقال: غريب تفرد به نبيه، عن خليد. وأخرجه ابن حبان من حديث أبي صالح عنه: سأل الناس رسول الله - ﷺ - هل نرى ربنا يوم القيامة؟ وفيه: «فإذا جاوز الجسر فكل من أنفق زوجًا من المال مما يملكه في سبيل الله تعالى، فكل خزنة الجنة يدعوه يا عبد الله، يا مسلم هذا خير» فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن ذَلِكَ عبد لا توى عليه يدع بابًا

------------
(١) مسلم (١١٥٢) كتاب الصيام، باب فضل الصيام.
(٢) سيأتي برقم (٣٢٥٧) كتاب بدء الخلق، باب صفة أبواب الجنة.
(٣) مسلم (١٠٢٧) كتاب الزكاة، باب من جمع الصدقة وأعمال البر.
(٤) رواه بهذا اللفظ النسائي في «المجتبى» ٤/ ١٦٨، كتاب: الصيام، فضل الصيام، وأحمد ٥/ ٣٣٥، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٩٤ (٢٥٤٤)، وابن خزيمة ٣/ ١٩٩ (١٩٠٢)، وأبو يعلى ١٣/ ٥٢٥ (٧٥٢٩)، والروياني في «مسنده» ٢/ ٢١٩ (١٠٧٥)، والطبراني ٦/ ١٥٢ (٥٨١٩)، وابن عدي في «الكامل» ٤/ ٢١٩ (١٠٧٥)، و٤/ ٤٥٦ ترجمة سعيد بن عبد الرحمن الجمحي (٨٢٤)، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٥١، وجاء بهامش (م): قوله: يدخل منه الصائمون جملة مستأنفة. والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٢٢٠ (١٧٠٩)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٥١٨٤).



ويلج من آخر .. الحديث (١).
وفي مسلم: «أي فل هلم» (٢)، ولأبي عمر من حديث مالك، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار عنه: «ما من أحد ينفق زوجين من ماله إلا دُعي من أبواب الجنة الثمانية» وقال: لا يصح هذا الإسناد عن مالك، ومحمد بن عبد الله وأبوه متهمان بوضع الأحاديث والأسانيد (٣).
قَالَ: وأكثر الرواة عَلَى وصل هذا الحديث -يعني: حديث الباب- إلا يحيى بن بكير فإنه أرسله عن حميد، عن النبي - ﷺ -، وكذا رواه التنيسي، عن مالك، وقد أسنده جلة عن مالك، وليس هو عند القعنبي لا مسندًا ولا مرسلًا (٤).
قلت: قد ذكر الدارقطني في كتاب «الموطآت» أن القعنبي رواه كما رواه أبو مصعب ومعن وغيرهما مسندًا، والله أعلم.
وفي «صفة الجنة» لأبي نعيم الحافظ من حديث عبد الرحمن بن يزيد، عن ابن مسعود مرفوعًا (٥): «للجنة ثمانية أبواب، سبعة مغلقة وباب مفتوح للتوبة، حَتَّى تطلع الشمس من مغربها» (٦).

-----------
(١) «صحيح ابن حبان» ١٦/ ٤٧٨ - ٤٨٠ (٧٤٤٥) كتاب: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، باب: وصف الجنة وأهلها.
(٢) مسلم (١٠٢٧/ ٨٦).
(٣) «التمهيد» ٧/ ١٩١.
(٤) «التمهيد» ٧/ ١٨٣ - ١٨٤.
(٥) جاء على هامش النسخة (م): حسن؛ لأنه صبر على العطش في الدنيا فناسب دخوله ريان، فسمى بحصول ما يزيل عطسه (هـ. و. ى).
(٦) «صفة الجنة» لأبي نعيم ٢/ ١٦ (١٦٩)، ورواه ابن أبي شيبة في «مسنده» ١/ ٢٠٨ - ٢٠٩ (٣٠٧). =



إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
الريان: فعلان من الرِيّ بالكسر هو نقيض العطش، وسمي بذلك لأنه جزاء الصائمين عَلَى عطشهم وجوعهم. واكتفي بذكر الري عن الشبع (١)؛ لأنه يدل عليه من حيث أنه يستلزمه، وأفرد لهم هذا الباب ليسرعوا إلى الري من عطش الصيام في الدنيا إكرامًا لهم واختصاصًا؛ وليكون دخولهم في الجنة هينًا غير متزاحم عليهم عند أبوابها، فإن الزحام قد يؤدي إلى نوع من العطش كما خص رسول الله - ﷺ - أبا بكر الصديق بباب في المسجد؛ يقرب منه خروجه إلى الصلاة فلا يزاحمه أحد، وأغلق سائرها إكرامًا له وتفضيلًا (٢).
وفي «مسند البزار» من حديث الوليد بن رباح بن عبد الله، عن أبي هريرة مرفوعًا أن لهم حوضًا لا يرده غيرهم -يعني الصوام- ثم قَالَ: لا نعلمه رواه عن أبي هريرة إلا الوليد (٣).

-------
= وأبو يعلى في «مسنده» ٨/ ٤٢٩ (٥٠١٢)، والطبراني ١٠/ ٢٠٦ (١٠٤٧٩)، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ٢٦١ كتاب: التوبة والإنابة، وسكت عنه، وقال المنذري كما في «ضعيف الترغيب والترهيب» للألباني ٢/ ٢٩١: رواه أبو يعلى والطبراني بإسناد جيد، وتبعه الهيثمي فقال في «المجمع» ١٠/ ١٩٨: رواه أبو يعلى والطبراني وإسناده جيد.
وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣٢٩) وقال معقبًا على كلام المنذري والهيثمي: هو من تساهلهما الذي عرفا به.
(١) جاء على هامش النسخة (م): مطلب: اكتفي بذكر الري لأنه سبيله إلى الشبع.
(٢) سلف برقم (٤٦٦) كتاب الصلاة، باب: الخوخة والممر في المسجد، ورواه مسلم (٢٣٨٢) في فضائل الصحابة، باب فضائل أبي بكر. من حديث أبي سعيد.
(٣) البزار كما في «كشف الأستار» (٩٦٥) بنحوه.



قلت: قد رواه المطلب بن عبد الله عنه أيضًا، ذكره ابن أبي عاصم في كتاب «الصوم» حيث قَالَ: وللصوام حوض لا يرده غيرهم، ثم ساقه.
ثانيها:
معنى: «دُعِيَ مِنْ بَاب الصَّلَاةِ» أي: المكثر من صلاة التطوع، وكذا غيرها من أعمال البِّر، لأن الواجبات لا بد منها لجميع المسلمين، ومن ترك شيئًا من الواجبات إنما يخاف عليه أن يدعى من أبواب جهنم.
وأما أسماء هذِه الأبواب، ففي «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي من أبواب الجنة: باب محمد - ﷺ - وهو: باب الرحمة، وباب التوبة، وهو منذ خلقه الله تعالى مفتوح لا يغلق، فإذا طلعت الشمس من مغربها أغلق فلم يفتح إلى يوم القيامة (١).
روي عن ابن مسعود أنه سأله رجل عن ذنب ألم به هل له فيه توبة؟
فأعرض عنه ابن مسعود، ثم التفت فرأى عينيه تزرفان فقال: إن للجنة ثمانية أبواب كلها تفتح وتغلق، إلا باب التوبة، فإن عليه ملكًا موكلًا به لا يغلق، فاعمل ولا تيأس (٢). ذكره ابن بطال (٣).
ووجه الاتفاق في ذَلِكَ ما يتقوى به عَلَى طاعة الله تعالى، ويتحلل من المحارم التي سلفت منه، ويؤدي المظالم إلى أهلها، وسائر الأبواب

--------
(١) جاء على هامش النسخة (م) ما نصه: قال الكرماني: فإن قلت ما وجه التكرار حيث ذكر الاتفاق في صدر الكلام والصدقة في عجزه. قلت: لا تكرار، إذ الأول: النداء بأن الاتفاق وإن كان قليلًا من جملة الخبرات العظيمة، وذلك حاصل من كل الأبواب. والثاني: استدعاء الدخول إلى الجنة وإنما هو من بابه الخاص به، وعي الحديث فضيلة عظيمة حيث افتتح واختتم به.
(٢) رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٠٤٢).
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٧.



مقسومة عَلَى أعمال البر، باب الزكاة، العمرة، الحج، الصلة، وعند القاضي عياض باب الكاظمين الغيظ، باب الراضين، الباب الأيمن الذي يدخل منه من لا حساب عليه. وفي كتاب «الصوم» لابن أبي
عاصم بإسناد جيد عن أبي هريرة مرفوعًا: «لكل عمل باب من أبواب الجنة يدعون منه بذلك العمل» (١) وذكره ابن أبي شيبة في «مصنفه» بإسناد صحيح عَلَى شرط مسلم (٢).
وفي كتاب الآجري عن أبي هريرة مرفوعًا: «إن في الجنة بابًا يقال له باب الضحى، فإذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين الذين كانوا يدومون عَلَى صلاة الضحى؟ هذا بابكم فادخلوا» (٣).

----------
(١) رواه ابن أبي عاصم في «السنة» (١٢٣٧) وبنحوه أحمد ٢/ ٤٤٩، وقال الهيثمي في «المجمع» ١٠/ ٣٩٨: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير محمد بن عمرو بن علقمة، وقد وثقه جماعة.
(٢) «المصنف» ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥ (٨٩٠٣).
(٣) رواه بنحوه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ١٩٥ (٥٠٦٠)، والحاكم كما في «زاد المعاد» ١/ ٣٤٨ - ٣٤٩ عن سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة مرفوعًا به. وقال الهيثمي في «المجمع» ٢/ ٢٣٩: فيه سليمان بن داود اليمامي أبو أحمد، وهو متروك، وقال الألباني: في «الضعيفة» (٣٩٢): ضعيف جدًا.
وقد روي في هذا الباب أحاديث أخرى باطلة.
منها: ما رواه الخطيب في «تاريخ بغداد» ١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ١/ ٤٧١ (٨٠١) من طريق يحيى بن شبيب اليماني عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعًا: «إن في الجنة بابًا يقال له: الضحى، فمن صلى الضحى حنت إليه صلاة الضحى، كما يحن الفصيل إلى أمه، حتى إنها لتستقبله حتى تدخله الجنة».
والحديث رواه الخطيب في ترجمة: يحيى بن شبيب اليماني وقال: يروي أحاديث باطلة، وروى له ثلاثة أحاديث، منها هذا الحديث. =



وفي «الفردوس» عن ابن عباس مرفوعًا: «للجنة باب يقال له: باب الفرح، لا يدخل منه إلا بفرح الصبيان» (١).
وفي «التحبير» للقشيري عن رسول الله - ﷺ -: «الخُلُق الحسن طوق من رضوان الله في عنق صاحبه، والطوق مشدود إلى سلسلة من الرحمة،

-----------
= وقال عنه الألباني في»الضعيفة«(٣٩٣): موضوع.
ومنها ما رواه الخطيب أيضًا في»تاريخه«١٤/ ٢٠٧، وابن الجوزي في»العلل«١/ ٤٧١ (٨٠٢) من طريق يحيى بن شبيب عن سفيان الثوري عن الأعمش عن أنس مرفوعًا:»إن في الجنة بابًا يقال له: الضحى، لا يدخل منه إلا من حافظ على صلاة الضحى«.
وهذا حديث باطل أيضًا، كما قال الخطيب.
وقال الألباني في»الضعيفة«(٣٩٤): موضوع، رواه الخطيب بإسناد الحديث الذي قبله.
(١)»الفردوس«٣/ ٣٢٨ (٤٩٨٥)، وفي الباب، عن عائشة، وعقبة بن عامر.
حديث عائشة رواه ابن عدي في»الكامل«١/ ٣٢٨ في ترجمة أحمد بن حفص بن عمر (٤٥)، وابن الجوزي في»الموضوعات«٢/ ٥١٠ (١٠٧٦) من طريق ابن عدي حدثنا أحمد بن حفص عن سلمة عن عبد الله بن يزيد المقرئ عن ابن لهيعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعًا:»إن في الجنة دارًا يقال لها: الفرح، لا يدخلها إلا من فرح الصبيان«.
قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ -؛ ابن لهيعة لا يعول عليه، وأحمد بن حفص منكر الحديث، وأورده الشوكاني في»الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة«ص ٧٢ (٢٥) وقال: رواه ابن عدي وقال: لا يصح اهـ.
وضعفه الألباني في»ضعيف الجامع«(١٨٩٣).
وحديث عقبه بن عامر أورده السيوطي في»الجامع الصغير«(٢٣٢٢) وعزاه لحمزة بن يوسف السهمي في»معجمه«وابن النجار عن عقبة بن عامر مرفوعًا:»إن في الجنة دارًا يقال لها: دار الفرح لا يدخلها إلا من فرح يتامى المؤمنين«. وأشار إلى ضعفه.
وضعفه الألباني في»ضعيف الجامع" (١٨٩٤).



والسلسلة مشدودة إلى حلقة من باب الجنة، حيثما ذهب الخُلُق الحسن جرته السلسلة إلى نفسها حَتَّى تدخله من ذَلِكَ الباب إلى الجنة» (١).
وعند الحافظ أبي عيسى الترمذي باب الذكر، وذكر البراء في كتاب «الروضة» عن أحمد بن حنبل، حَدّثَنَا روح، ثَنَا أشعث، عن الحسن قَالَ: إن لله بابًا في الجنة لا يدخله إلا من عفا عن مظلمة، فقال لابنه: يا بني ما خرجت من دار أبي إسحاق حَتَّى أحللته ومن معه إلا رجلين، ابن أبي دواد، وعبد الرحمن بن إسحاق، فإنهما طلبا دمي وأنا أهون عَلَى الله من أن يُعذب فيَّ أحد، أشهدك أنهما في حل.
ومنها: باب الحافظين فروجهم والحافظات، المستغنين بالحلال عن الحرام، غير المتبعين للشهوات، ذكره ابن بطال حيث قَالَ: أبواب الجنة ثمانية، وذكر منها في الحديث أربعة، فمن الأربعة الباقية: باب الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، ثم ساق حديث الحسن. وباب التوبة. ويمكن أن يكون من الثلاثة الباقية باب المتوكلين الذين يدخلون الجنة في سبعين ألفًا من باب واحد، لا يدخل أولهم حَتَّى يدخل آخرهم، ووجوههم كالبدر الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون.

-------------
(١) ذكره ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٦٢ في ترجمة: عبد الرحمن بن محمد بن الحسن البلخي، وقال عنه: شيخ يضع الحديث على قتيبة بن سعيد، حدث بالشام، لا يحل ذكره في الكتب إلا على سبيل القدح فيه، روى عن قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا النضر بن شميل، عن سفيان الثوري، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «إن الخلق الحسن طوق» الحديث وكذا ذكره الحافظ في «لسان الميزان» ٣/ ٤٣٢ في ترجمة عبد الرحمن بن محمد البلخي (٥٠٩٠).
قلت: فالحديث على أقل درجاته ضعيف.



ووجه الإنفاق في ذَلِكَ أنهم ينفقون عَلَى أنفسهم في حال المرض
النافع لهم من التصرف في طلب المعاش، صابرين عَلَى ما أصابهم، وينفقون عَلَى من أصابه ذَلِكَ البلاء من غيرهم.
ومنها: باب الصابرين لله عَلَى المصائب، المحتسبين، الذين يقولون عند: ﴿إِنَّ اللهَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٦].
ومنها: باب الحافظين السالف. ووجه الإنفاق في ذَلِكَ الصداق، والوليمة، والإطعام، حَتَّى اللقمة يضعها في في امرأته، والله تعالى أعلم بحقيقة الثلاثة أبواب (١).
وفي «صحيح مسلم» و«جامع الترمذي»، واللفظ له من حديث عمر مرفوعًا: «من توضأ ثم قَالَ: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صادقًا من قلبه، فتح له من أبواب الجنة ثمانية أبواب يوم القيامة، يدخل من أيها شاء»، ولم يذكر مسلم لفظة: «من» وقال: «فتحت له ثمانية أبواب الجنة» (٢)
قَالَ أبو عمر في «تمهيده»: كذا قَالَ: «من أبواب الجنة» (٣)، وذكره أبو داود والنسائي: «فتحت له أبواب الجنة الثمانية» ليس فيها ذكر (من) (٤). والمؤمن لا يدخل إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها عَلَى سبيل الإكرام.

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٦ - ١٨.
(٢) مسلم (٢٣٤) كتاب الطهارة، باب الذكر المستحب عقب الوضوء.
(٣) «التمهيد» ٧/ ١٨٨.
(٤) أبو داود (١٦٩) كتاب: الطهارة، باب: ما يقول الرجل إذا توضأ، النسائي ١/ ٩٢ - ٩٣ كتاب: الطهارة، القول بعد الفراغ من الوضوء.



ثالثها:
معنى قوله: «زَوْجَيْنِ»: أي: شيئين، كدينارين، أو درهمين، أو ثوبين، وشبه ذَلِكَ. وقيل: دينار وثوب، أو درهم ودينار، أو ثوب مع غيره، أو صلاة مع صوم، فيشفع الصدقة بأخرى، أو فضل خير بغيره.
قَالَ الداودي: والزوج هنا: الفرد، يقال للواحد: زوج، وللاثنين: زوج. قَالَ تعالى: ﴿خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى﴾ [النجم: ٤٥] وصوابه: للاثنين زوجان، تدل عليه الآية.
وروى حماد بن سلمة، عن يونس بن عبيد وحميد، عن الحسن، عن صعصعة بن معاوية، عن أبي ذر أن النبي - ﷺ - قَالَ: «من أنفق زوجين ابتدرته حجبة الجنة» ثم قَالَ: بعيرين، شاتين، حمارين، درهم.
قَالَ حماد: وأحسبه قَالَ: خفين، وللنسائي: «فرسان من خيله، (يعني: بعيران) (١) من إبله»، وروي عن صعصعة قَالَ: رأيت أبا ذر بالربذة وهو يسوق بعيرًا له عليه مزادتان، قَالَ: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «ما من مسلم ينفق من ماله زوجين في سبيل الله إلا استقبلته حجبة الجنة، كلهم يدعوه إلى ما عنده» قلت: زوجين ماذا؟ قَالَ: إن كان صاحب خيل ففرسين، وإن كان صاحب إبل فبعيرين، وإن كان صاحب بقر فبقرتين، حَتَّى أعد أصناف المال (٢).

------------
(١) فوقهما في الأصل: كذا كذا.
(٢) رواه النسائي ٦/ ٤١ - ٤٩ كتاب: الجهاد، فضل النفقة في سبيل الله، وأحمد ٥/ ١٥١، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٣٥ (١٩٥٣٨) كتاب: الجهاد، ما ذكر في فضل الجهاد والحث عليه، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ٣٤٩ - ٣٥١ (٣٩٠٩ - ٣٩١٤)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٣٢ (٤٣٩٤)، وأبو عوانة ٤/ ٥٠١ - ٥٠٢ (٧٤٨٢ - ٧٤٨٧) كتاب: الجهاد، باب: ثواب من أنفق زوجين في سبيل الله -عز وجل- وصفتهما، =



وشبيه بهذا حديث الحماني عن مبارك بن سعيد عن أبي المحبر يرفعه: «من عال ابنتين أو أختين أو خالتين أو عمتين أو جدتين، فهو معي في الجنة» (١)
لا يقال: إن النفقة إنما تسوغ في الجهاد والصدقة، فكيف تكون في باب الصلاة والصيام، لأنهما أفعال جسمية، لأن معنى زوجين أراد نفسه وماله.
والعرب تسمي ما يبذله الإنسان من نفسه واجتهاده نفقة، فيقول أحدهم فيما تعلم من العلم أو صنعه من سائر الأعمال: أنفقت في هذا عمري، وبذلت فيه نفسي، فتكون النفقة عَلَى هذا الوجه في باب الصلاة والصيام من الجسم بإتعابه، لا يقال: كيف تكون النفقة في ذَلِكَ زوجين؟
وإنما نجد الفعل في هذا الباب نفقة الجسم لا غير؛ لأن نفقة المال مقترنة بنفقة الجسم في ذَلِكَ؛ لأنه لا بد للمصلي وللصائم من قوت يقيم

-------------
= وابن حبان ١٠/ ٥٠١ - ٥٠٣ (٤٦٤٣ - ٤٦٤٥) كتاب: السير، باب: فضل النفقة في سبيل الله، والطبراني في «الكبير» ٢/ ١٥٤ - ١٥٥ (١٦٤٤ - ١٦٤٥)، وفي «الأوسط» ٤/ ١٠٩ (٣٧٣٤)، ٥/ ١٤٨ (٦٠٤٧)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٨٦ كتاب: الجهاد، وقال: حديث صحيح الإسناد، وصعصعة بن معاوية من مفاخر العرب، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢١١ - ٢١٢ (٣٣٤٥)، ٤/ ٣٣ (٤٢٧٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ١٨٦، والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٥٦٧).
(١) رواه الطبراني ٢٢/ ٣٨٥ (٩٥٩)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١٥٧: فيه: يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف. قلت: قال عنه الحافظ في «التقريب» (٧٥٩١): حافظ إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث. وفي الباب عن أنس، رواه مسلم (٢٦٣١) كتاب: البر والصلة، باب: فضل الإحسان إلى البنات، بلفظ: من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة، أنا وهو، وضم أصابعه.



به رمقه، وثوب يستره، وذلك من فروض الصلاة، ويستعين بذلك عَلَى الطاعة، فقد صار منفقًا لزوجين لنفسه وماله.
وقد تكون النفقة في باب الصلاة أن يبنى مسجدًا لله للمصلين بدلالة قوله: «من بني لله مسجدًا بني الله له بيتًا في الجنة» (١).
والنفقة في الصيام إذا فطر صائمًا وأنفق عليه يبتغي وجه الله بدلالة قوله - عليه السلام - «من فطر صائمًا» فكأنما صام يومًا، ويعضده قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٨٤] فجعل الإطعام له عوضًا من صيام يوم.
فإن قلت: إذا جاز تسمية استعمال الجسم في الطاعة نفقة، فيجوز أن يدخل في معنى الحديث «من أنفق نفسه في سبيل الله فاستشهد وأنفق كريم ماله» فالجواب: نعم، وهو أعظم أجرًا من الأول، يوضحه ما رواه سفيان، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قَالَ: قَالَ رجل: يا رسول الله أي الجهاد أفضل؟ قَالَ: «أن يعقر جوادك، ويهراق دمك» (٢) لا يقال: دخل في ذَلِكَ صائم رمضان، أو المزكي لماله

-----------
(١) سلف برقم (٤٥٠) كتاب: الصلاة، باب: فضل بناء المساجد.
(٢) رواه من هذا الطريق: ابن حبان ١٠/ ٤٩٦ (٤٦٣٩) في السير، باب فضل الجهاد.
ورواه أحمد ٣/ ٣٠٠، ٣٠٢، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٠٩ (١٩٣١٦) عن وكيع، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر. به.
ورواه أحمد أيضًا ٣/ ٣٤٦، ٣٩١، وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٦٢ (٢٠٨١) من طريق أبي الزبير عن جابر. به.
ورواه الدارمي ٣/ ١٥٤٦ (٢٤٣٧)، والطبراني في «لصغير» ٢/ ٢٤ - ٢٥ (٧١٣) من طريق مالك بن مغول عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر. به.
قال الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٢٩١: رجال أبي يعلى و«الصغير» رجال الصحيح، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٥٥٢).



ومؤدي الفرائض؛ لأن المراد النوافل وملازمتها، والتكرير منها، فذلك الذي يستحق أن يدعى من أبوابها.
وسبيل الله: سبل الخير كلها، وقول المَلك: «هذا خير» في كل باب، يعني: ثوابًا وغبطة فيه؛ لأنه قاله عَلَى طريق التفاضل بين الأبواب.
رابعها:
قوله: (هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قَالَ: «نعم») يريد أن من كان من أهل الصلاة والجهاد والصيام والصدقة يدعى منها كلها، فلا ضرورة عليه (١) في دخوله من أي باب شاء، لاستحالة دخوله منها كلها معًا، ولا يصح دخوله إلا من باب واحد، ونداؤه منها كلها إنما هو عَلَى سبيل الإكرام والتخيير له في الدخول من أيها شاء، كما أسلفناه.
خامسها:
قوله: («وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ») الرجاء من النبي - ﷺ - واجب، نبه عليه ابن التين، وقال غيره أيضًا: والصديق من أهل هذِه الأعمال كلها.
سادسها:
فيه: أن أعمال البر كلها يجوز أن يقال فيها: سبل الله، ولا يخص ذَلِكَ بالجهاد وحده.

-----------
(١) جاء على هامش النسخة (م): لطيفة: قيل: نفي الضرر كناية عن ثبوت الكرامة والسعادة فطلب الصديق (أن يكون ممن يخص بهذِه الكرامة.
وقال ابن بطال: معنى ما على من دعي من تلك الأبواب أن من لم يكن إلا من أهل خصلة واحده ودعي من بابها: لا ضرر بها؛ لأن المطلوب دخول الجنة.
قال الكرماني: أقول ويحتمل أن تكون الجنة كالقلعة أي لها سواء محيطة بها وعلى كل سوء باب، فمنهم من يدعى من الباب الأول فقط ومنهم من يتجاوز عنه إلى الباب الذي يلي وهلم جرا.



وفيه: أن أعمال البر لا تفتح في الأغلب للإنسان الواحد في جميعها، وأن من فتح له في شيء منها حرم غيرها في الأغلب، وأنه قد يفتح في جميعها للقليل من الناس، وأن الصديق منهم.
وفيه: أن من أكثر من شيء عرف به ونسب إليه، وقد أرسل عبد الله بن عمر العمري (١) العابد إلى مالك يحضه عَلَى الانفراد، وترك الاجتماع إليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله -عز وجل- قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجلٍ يفتح له في باب الصلاة، ولم يفتح له في الصوم، وآخر يفتح له في باب الصدقة، ولم يفتح له في الصيام، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البِّر، وقد رضيت بما فتح لي من ذَلِكَ، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كل منا عَلَى خير، ويجب عَلَى كل أحدٍ أن يرضى بما فتح الله له، والسلام (٢).

----------
(١) جاء بهامش (م): هو غير الصحابي رضي الله عنه فإن مالكًا لم يدركه.
(٢) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٧/ ١٨٥ وقال: هذا معنى كلام مالك؛ لأني كتبته من حفظي، وسقط عني في حين كتابتي أصلي منه، ونقله عنه الذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٨/ ١١٤ في ترجمة: الإمام مالك رحمه الله.



٥ - باب هَلْ يُقَالُ رَمَضَانُ أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَمَنْ رَأَى كُلَّهُ وَاسِعًا
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ». وَقَالَ: «لَا تَقَدَّمُوا رَمَضَانَ».

١٨٩٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ». [١٨٩٩، ٣٢٧٧ - مسلم: ١٠٧٩ - فتح: ٤/ ١١٢]

١٨٩٩ - حَدَّثَنِي يَحْيَي بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي أَنَسٍ -مَوْلَى التَّيْمِيِّينَ- أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». [١٨٩٨ - مسلم: ١٠٧٩ - فتح: ٤/ ١٩١٢]

١٩٠٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ وَيُونُسُ: لِهِلَالِ رَمَضَانَ. [١٩٠٦، ١٩٠٧، ١٩٠٨، ١٩١٣، ٥٣٠٢ - مسلم: ١٠٨٠ (٨) - فتح: ٤/ ١١٣]
ذكر فيه حديث أَبِي سُهَيْلٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَن رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ».
وحديث الزهري: حدثني ابن أَبِي أَنَسٍ -مَوْلَى التَّيْمِيّينَ- أَنَّ أَبَاهُ حَدّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ، وَغُلّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطينُ».


وحديث ابن عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يَقُولُ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا، وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». وَقَالَ غَيْرُهُ، عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي عُقَيْل وُيونُسُ: لِهِلالِ رَمَضَان.
الشرح:
تعليق «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ»، و«لَا تقدموا رَمَضَانَ» سيأتيان مسندين قريبًا (١).
وحديث أبي هريرة الأول والثاني أخرجهما مسلم (٢)، ولمسلم: «فُتِحَتْ أَبْوَابُ الرحمة» (٣)، وأبو سهيل في الأول هو نافع بن مالك بن أبي عامر، وهو ابن أبي أنس في الثاني.
قَالَ ابن سعد في الطبقة الأولى من تابعي المدينة: أخبرني عم جدى الربيع بن مالك بن أبي عامر -وهو عم مالك بن أنس المفتي- عن أبيه، فذكر حديثًا أنه عاقد عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فعدادهم اليوم في بني تيم لهذا السبب (٤). وقيل: حلف لبني عثمان أخي طلحة.
وحديث ابن عمر: أخرجه مسلم أيضًا من طرق (٥).
وقول البخاري: (وقال غيره): (يعني: غير يحيى بن بكير، والضمير في غيره) (٦) لعله يريد به كاتب الليث. وقد رواه الإسماعيلي عن إبراهيم بن هانئ، ثَنَا الزيادي، ثَنَا ابن بكير وأبو صالح، أن الليث

------------
(١) التعليق الأول هو الحديث الآتي برقم (١٩٠١)، والثاني يأتي برقم (١٩١٤) باب: لا يتقد من رمضان بصوم يوم أو يومين.
(٢) مسلم (١٠٧٩) كتاب: الصيام، باب: فضل شهر رمضان.
(٣) مسلم (١٠٧٩/ ٢).
(٤) «الطبقات الكبرى» ٥/ ٦٣ - ٦٤.
(٥) مسلم (١٠٨٠).
(٦) هذِه الجملة في الأصل كتبها بين السطور.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #364  
قديم اليوم, 04:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,967
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 51 الى صـــ 70
الحلقة (364)






حدثهما، ثَنَا عقيل .. الحديث.
ثم قَالَ: قَالَ ابن ناجية في حديث البخاري، ثم ذكر مثل حديث يونس، وزاد فيه: وكان أبو هريرة يقول فيه: سمعت النبي - ﷺ -، مثله.
وقال: «فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» (١).
وللشافعي: حَدَّثَنَا إبراهيم بن سعد، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأكمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاِثينَ» (٢).
قَالَ أبو عمر: كذا قَالَ، والمحفوظ من حديث ابن عمر: «فاقدروا له» (٣) وقد ذكر عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن نافع، عنه أن رسول الله - ﷺ - قَالَ لهلال رمضان: «إذا رأيتموه فصوموا، ثم إذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين يومًا».
قَالَ: وحَدَّثَنَا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع: عنه: «إن الله تعالى جعل الأهلة مواقيت للناس، فصوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» (٤).
قال أبو عمر: كذا في حديث ابن عمر، وروى ابن عباس وأبو هريرة وحذيفة وأبو بكرة وطلق الحنفي وغيرهم عن رسول الله - ﷺ -: «صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين» بمعني واحد (٥).

-----------
(١) سيأتي برقم (١٩٠٦) باب: قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا.
(٢) «مسند الشافعي» ٢/ ٩٨ (٦٠٧) كتاب: الصيام، باب: وجوب الصيام بالرؤية.
(٣) «التمهيد» ١٤/ ٣٣٨.
(٤) «مصنف عبد الرزاق» ٤/ ١٥٦ (٧٣٠٦ - ٧٣٠٧) كتاب: الصيام.
(٥) «التمهيد» ١٤/ ٣٣٨، ٣٣٩.



قلت: حديث ابن عباس أخرجه أبو داود (١)، وأصله في مسلم (٢)، وحديث أبي بكرة وطلق أخرجهما البيهقي، وأخرجه أيضًا من حديث جابر من حديث أبي الزبير عنه، وعائشة (٣).
قَالَ الدارقطني: إسناده صحيح (٤). وقال الحاكم: صحيح عَلَى شرط الشيخين (٥)، وعمر ورافع بن خديج، وحديث حذيفة خرَّجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٦)، وهو عند النسائي مرسل (٧).
قَالَ: ولم يقل في الحديث: عن حذيفة. غير حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف.
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
اعترض بعضهم فقال: حديث ابن عمر غير مطابق للباب، وكان البخاري أشار إلى ما جاء في بعض طرقه الصحيحة أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان، فقال: «لا تصوموا حَتَّى تروا الهلال» .. الحديث (٨).

----------
(١) أبو داود (٢٣٢٧) كتاب: الصوم، باب: من قال: فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين.
(٢) مسلم (١٠٨٨).
(٣) «سنن البيهقي» ٤/ ٢٠٦.
(٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٦٠.
(٥) «المستدرك» ١/ ٤٢٣.
(٦) «صحيح ابن خزيمة» ٣/ ٢٠٣ (١٩١١).
(٧) «المجتبي» ٤/ ١٣٦، و«السنن الكبرى» ٢/ ٧١ (٢٤٣٨) عن ربعي بن حراش مرفوعًا، من طريق الحجاج بن أرطاة، وفي تفصيل طرق هذا الحديث انظر: «الإرواء» (٩٠٢).
(٨) سيأتي برقم (١٩٠٦) باب: قول النبي - ﷺ -: إذا رأيتم الهلال فصوموا، ورواه مسلم (١٠٨٠) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.



ثانيها:
فيما ذكره دلالة واضحة أنه لا يُكره أن يقال جاء رمضان، ولا صمنا رمضان، وهو ما اختاره هو والمحققون، وكان عطاء ومجاهد يكرهان أن يقال: رمضان، وإنما يقال كما قَالَ تعالى: ﴿شَهرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لأنا لا ندري لعل رمضان اسم من أسماء الله تعالى (١)، وحكاه البيهقي عن الحسن أيضًا قَالَ: والطريق إليه والتي مجاهد ضعيفة (٢)، وهو قول أصحاب مالك، قَالَ النحاس: وهذا قول ضعيف؛ لأنه - ﷺ - نطق به، فذكر ما ذكره البخاري ثم قَالَ: والأحاديث كثيرة في ذَلِكَ.
وفي «المصنف» من حديث الفضل الرقاشي عن عمه عن أنس مرفوعًا: «هذا رمضان قد جاء تفتح فيه أبواب الجنان» الحديث (٣) ولأبي داود بإسناد جيد من حديث أبي بكرة قَالَ: قَالَ رسول الله - ﷺ -: «لا يقولن أحدكُم: إني قمت رمضان كله، أو صمته كله» قَالَ: فلا أدري أكره التزكية، أو قَالَ: لا بد من نومة أو رقدة (٤).

---------
(١) رواه عنهما الطبري ٢/ ١٥٠ (٢٨١٨)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لوكيع والطبري.
(٢) «سنن البيهقي» ٤/ ٢٠٢.
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٢٧١ (٨٨٧١) في الصيام، ما ذكر في فضل رمضان ..
(٤) أبو داود (٢٤١٥) في الصوم، باب من يقول صمت رمضان كله، ورواه أيضًا النسائي ٤/ ١٣٠ في الصيام، الرخصة في أن يقال لشهر رمضان رمضان، وأحمد ٥/ ٤٠، ٤١، ٤٨، ٥٢، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (٤٠٩ - ٤١٠)، والبزار في «البحر الزخار» ٩/ ١٠٤ (٣٦٤٣)، وابن حبان ٨/ ٢٢٤ (٣٤٣٩) في الصوم، باب فضل رمضان، عن الحسن البصري، عن أبي بكرة مرفوعًا.
قلت: وقول المصنف: رواه أبو داود بإسناد جيد، فيه نظر؛ لأن الحسن رواه عن =



وفي «كامل ابن عدي» مضعفًا (١) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقولوا رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله جل وعز، ولكن قولوا: شهر رمضان» (٢)، وقال أبو حاتم: إنه خطأ، وإنما هو قول
أبي هريرة (٣).
وفي المسألة قول ثالث، وهو قول أكثر أصحابنا: إن كان هناك قرينة تصرفه إلى الشهر، فلا كراهة له، وإلا فيكره. قالوا: فيقال قمنا رمضان،

----------
= أبي بكرة وقد عنعنه في جميع رواياته ولم يصرح بالسماع، والحسن معروف أنه مدلس، وبهذه العلة ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤١٧)، و«الضعيفة» (٤٨١٩) قال: رجاله ثقات، إلا أن الحسن مدلس، وقد عنعنه عندهم جميعًا.
(١) في هامش الأصل: وقد عزاه النووي في «التهذيب» إلى البيهقي. قال: وضعفه البيهقي. والضعف عليه بين.
(٢) «الكامل» ٨/ ٣١٣ في ترجمة: نجيح أبو معشر المدني (١٩٨٤) وقال: لا أعلم يروى عن أبي معشر بهذا الإسناد.
ورواه أيضًا البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠١ كتاب: الصيام، باب: ما روي في كراهية قول القائل جاء رمضان وذهب رمضان، من طريق ابن عدي. وقال البيهقي: هكذا رواه الحارث بن عبد الله الخازن عن أبي معشر، وأبو معشر هو نجيح السندي، ضعفه ابن معين، وكان يحيى القطان لا يحدث عنه، وكان عبد الرحمن بن مهدي يحدث عنه اهـ والديلمي في «الفردوس» ٥/ ٥٢ (٧٤٣٣).
وضعفه النووي في «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٢٧، وكذا القرطبي في «تفسيره» ٢/ ٢٧٢، وقال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ١٨١: فيه أبو معشر وفيه ضعف، وقد رواه ابنه محمد عنه، فجعله مرفوعًا عن أبي هريرة، وقد أنكره عليه الحافظ ابن عدي، وهو جدير بالإنكار فإنه متروك، وقد وهم في رفع هذا الحديث اهـ.، وضعفه الحافظ في «الفتح» ٤/ ١١٣.
ورواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ١/ ٣١٠ (١٦٤٨) عن محمد بن كعب القرظي وأبي هريرة. قولهما، وكذا رواه البيهقي ٤/ ٢٠٢ عن محمد بن كعب. قوله، وقال: وهو أشبه.
(٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.



ورمضان أفضل الأشهر، وإنما يكره أن يقال: قد (١) جاء رمضان، ودخل رمضان، وحضر، ونحو ذلك.
قلت: قد روى البخاري -كما سلف- «إذا دخل رمضان» و«إذا جاء رمضان»، وأما ما رُوِي عن ابن عباس أن يهوديًّا سأل: لم سمي رمضان؟ فقال: لأن الذنوب ترمض فيه إرماضًا، أي: يحرقها ويذهبها، فواهٍ، فيه جماعةٌ متهمون.
وفي بعض كتب الترغيب والترهيب من حديث عائشة: «أرمض الله فيه ذنوب المؤمنين، وغفرها لهم» (٢) وعن أنس نحوه (٣).
وقوله: («أَوْ شَهْرُ رَمَضَانَ») يجوز فيه فتح الهاء. حكاه ابن دحية، والمشهور الإسكان، قَالَ ابن سيده: الشهر: القمر، سمي بذلك لشهرته (يعني في الثبوت) (٤) وظهوره، وسمي الشهر بذلك؛ لأنه يشهر بالقمر (٥).
ثالثها:
قالَ ثعلب: رمضان شهر حر ترمض فيه الإبل، فلا يقدرون عَلَى المسير. قَالَ ابن سيده: جمعه رمضانات ورماضين (٦)، وذكر غير ذَلِكَ.
وقال المطرز: كره مجاهد أن يجمع رمضان، ويقول: بلغني أنه اسم من أسماء الله تعالى (٧).

-----------
(١) من (ج).
(٢) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لابن مردويه والأصبهاني في «الترغيب».
(٣) عزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لابن مردويه والأصبهاني في «الترغيب».
(٤) كتبت في الأصل بين السطور.
(٥) «المحكم» ٤/ ١٣٣.
(٦) «المحكم» ٨/ ١٣٨.
(٧) رواه الطبري ٢/ ١٥٠ (٢٨١٨)، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٣٤ لوكيع وابن جرير.



وفي «الجامع» هو مشتق من اسم الزمان، وذلك أنهم لما نقلوا أسماء المشهور عن اللغة سموها بالأزمنة التي فيها فوافق أيام رمضان أيام رمض الحر.
وفي «الغريبين»: هو مأخوذ من رمض الصائم، يرمض إذا حرَّ جوفه من شدة العطش، وفي «المغيث» لأبي موسى: اشتقاقه من رمضت النصل أرمضه رمضًا: إذا جعلته بين حجرين ودققته ليرق، سمي به
لأنه شهر مشقة، ليذكر صائموه ما يقاسي أهل النار فيها، وقيل: من رمضت في المكان بمعنى احتبست؛ لأن الصائم يحتبس عما نهي عنه. وفعلان لا يكاد يوجد في باب فَعِل، وهو من باب فَعَل بالفتح كثير، فعلى هذا هو بهذا أشبه من قولهم: رمضت الفصال (١). وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب رمضان إلا شيئان، اسم هذا الشهر. وعن العرب أنها تقول: جاء فلان يعدو رَمْضًا، ورَمَضًا، وترميضًا، ورمضانًا إذا كان قلقًا فزعًا.
رابعها:
قوله: («فُتِحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ») روي بتشديد التاء وتخفيفها، وهو محمول عَلَى الحقيقة فيه، وفي غيره، وأبواب السماء هنا المراد بها: أبواب الجنة كما جاء في الرواية الأولى، ويؤيده قوله في آخره: «وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ»
وقد أسلفنا أنه حقيقة، فيسلسلون، ويقل أذاهم ووسوستهم، ولا يكون ذَلِكَ منهم كما هو في غير رمضان، ويدل عليه ما يذكر من تغليل الشياطين ومردتهم، بدخول أهل المعاصي كلها في الطاعة،

----------
(١) «المجموع المغيث» لأبي موسى المديني ١/ ٨٠٣ - ٨٠٤.


والبعد عما كانوا عليه من الشهوات، وذلك دليل بين.
وفيه تأويل آخر أنه عَلَى المجاز، ويكون فتح أبواب الجنة المراد
بها: ما فتح الله عَلَى العباد فيه من الأعمال المستوجبة بها الجنة من الصيام والصلاة والتلاوة، وأن الطريق إلى الجنة في رمضان سهل، والأعمال فيه أسرع إلى القبول، وكذلك أبواب النار تغلق بما قطع عنهم من المعاصي وترك الأعمال المستوجبة بها النار، ولقلة ما يؤاخذ الله العباد بأعمالهم السيئة، ليستنقذ منها ببركة الشهر قومًا، ويهب المسيء للمحسن، ويتجاوز عن السيئات، فهذا معنى الغلق، وكذلك «سُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» يعني: اللهُ يعصم فيه المسلمين أو أكثرهم في الأغلب عن المعاصي والميل إلى وسوسة الشيطان وغرورهم. وجاء في رواية أخرى: «وصفدت الشياطين» (١) والتصفيد: جعل الغل في العنق، ويكون ذَلِكَ علامة لدخول الشهر وتعظيم حرمته.
وقال القرطبي: معناه أن الجنة تفتح وتزخرف لمن مات في رمضان لفضيلة هذِه العبادة الواقعة فيه، وتغلق عنهم أبواب النار فلا يدخلها منهم أحد مات فيه، وتصفيد الشياطين لئلا تفسد عَلَى الصائمين.
وأما الاعتراض بأنا قد نرى الشر والمعاصي تقع في رمضان كثيرًا فجوابه من وجوه:
أحدها: أنها تُغَلَّ عن الصائمين في الصوم الذي حوفظ عَلَى شروطه بخلاف غيره.
ثانيها: أن الشر واقع من غيرهم كالنفس الخبيثة والعادات الركيكة والشياطين الإنسية.

---------
(١) رواها مسلم (١٠٧٩).


ثالثها: أنه إخبار عن غالب الشياطين والمردة منهم، وأما من ليس من المردة فقد لا يصفد، والمقصود: تقليل الشر وهو موجود في شهر رمضان (١).
وقد يقال: الحاصل من تلك الحركة -أعني: حركة المغلول- وإن قلَّتْ.
خامسها:
معنى: «فاقدروا له» ضيقوا له وقدروه تحت السحاب، قَالَ تعالى: ﴿وَمَن قُدِرَ عَليهِ رِزفُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: ضيق. وممن قَالَ بهذا أحمد وغيره ممن يجوِّز صوم ليلة الغيم عن رمضان. وقَالَ آخرون منهم ابن سريج ومطرف بن عبد الله وابن قتيبة والداودي: معناه: قدروه بحسب المنازل. يعني: منازل القمر.
وفي «الفصيح»: قدرت الشيء والثوب من التقدير قَدَرًا وقَدْرًا، وأنا أقَدِّره وأَقدُرُه جميعًا. وقال غيره: قدرته وأقدرته. ورواية: «فأكملوا» هي تفسير لأقدروا، ولهذا لم يجتمعا في رواية.
قَالَ أبو عمر في «استذكاره»: وقد كان كبار بعض التابعين يذهب في هذا إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب. قَالَ ابن سيرين: وكان أفضل له لو لم يعمل. وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قَالَ: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه، جاز له أن يعتقد الصوم وينويه ويجزئه، قَالَ: والذي عندنا في كتبه أنه لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية فاشية، أو شهادة عادلة، أو إكمال شعبان ثلاثين يومًا، وعلى هذا مذاهب

----------
(١) «المفهم» للقرطبي ٣/ ١٣٦ بتصرف.


جمهور فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق والشام والمغرب، منهم مالك والشافعي والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وعامة أهل الحديث إلا أحمد، ومن قَالَ منهم بقوله: ذهابًا إلى أن معناه: قدروا له تمام العدة ثلاثين يومًا (١).
وفي «قنية المنية» من كتب الحنفية: لا بأس بالاعتماد عَلَى قول
المنجمين. وعن ابن مقاتل أنه كان يسألهم ويعتمد قولهم إذا اتفق عليه جماعة منهم. وقول من قَالَ: إنه يرجع إليهم عند الاشتباه بعيد. وعند الشافعي: لا يجوز تقليد المنجم في حسابه، وهل يجوز للمنجم أن يعمل بحساب نفسه؟ فيه وجهان (٢).
وقال المازري: حمل جمهور الفقهاء: «فاقدروا له» على أن المراد: كمال العدة ثلاثين كما فسره في حديث آخر، ولا يجوز أن يكون المراد حساب النجوم؛ لأن الناس لو كلفوا به ضاق عليهم؛ لأنه لا يعرفه إلا الأفراد، والشارع إنما يأمر الناس بما يعرفه جماهيرهم (٣). وأما حديث أبي هريرة مرفوعًا: «أحصوا هلال شعبان لرؤية رمضان» (٤)

----------
(١) انتهى من «الاستذكار» ١٠/ ١٨ - ١٩.
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٣٤٧.
(٣) «المعلم بفوائد مسلم» للمازري ١/ ٣٠٠ ط. المجلس الأعلى للشئون الأسلامية.
(٤) رواه الترمذي (٦٨٧) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في إحصاء هلال شعبان لرمضان، والدارقطني ٢/ ١٦٢ - ١٦٣، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٢٥ وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي ٤/ ٢٠٦ في الصيام، باب الصوم لرؤية الهلال، والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٢٣٩ - ٢٤٠ (١٧٢٢) من طريق أبي معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا، به.
قال ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٢٣١ (٦٧٠): سألت أبي عن هذا الحديث، فقال: هذا خطأ، إنما هو محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن =



فليس بمحفوظ كما قَالَ أبو حاتم (١)، وبعض المالكية من البغاددة ركن إلى أن المراد به: حساب النجوم. وقال به بعض الشافعية كما سلف.
والحق أن الحساب لا يجوز الاعتماد عليه في الصوم، وإنما إذا دلَّ الحساب عَلَى أن الهلال قد طلع من الأفق عَلَى وجه يُرى لولا وجود المانع كالغيم مثلًا، فهذا قد يقتضي الوجوب، لوجود السبب الشرعي، وليس حقيقة الرؤية مشترطة في اللزوم، فإن الاتفاق عَلَى أن المحبوس في المطمورة إذا علم بإكمال العدد أو بالاجتهاد أن اليوم من رمضان وجب عليه الصوم، وإن لم ير الهلال ولا أخبره
من رآه.

----------
= النبي - ﷺ - صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، أخطأ أبو معاوية في هذا الحديث.
ورواه الطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٥٢ (٨٢٤٢) من طريق يحيى بن راشد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعًا. به، وقال: لم يرو هذا الحديث عن محمد بن عمرو إلا يحيى بن راشد، تفرد به: مروان بن محمد.
قلت: لم يتفرد به يحيى بن راشد، عن محمد بن عمرو، فقد تابعه أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة. به، كما مر تخريجه.
وأورد ابن أبي حاتم في «العلل» ١/ ٢٤٥ (٧١٨) حديث الطبراني هذا وقال: سألت أبي عنه فقال: ليس بمحفوظ. اهـ. وسيأتي هذا عند المصنف رحمه الله. والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٥٦٥) وقال: رأيت ابن أبي حاتم قد ساق الحديث في «العلل» ١/ ٢٤٥ من طريق يحيى بن راشد قال: حدثنا محمد بن عمرو به وقال: قال أبي: ليس هذا الحديث بمحفوظ.
فكأنه لم يقع له من طريق أبي معاوية اهـ.
قلت: قد وقع له من طريق أبي معاوية كما أسلفناه- وضعفه، قال ابن أبي حاتم: سالت أبي عن حديث رواه أبو معاوية، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - …
الحديث، فقال: هذا خطأ .. إلى آخر كلامه. اهـ. «العلل» ١/ ٢٣١ (٦٧٠).
(١) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٤٥ (٧١٨).



وفي «الإشراف» لابن المنذر: صوم يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال مع الصحو إجماع من الأمة أنه لا يجب، بل هو منهي عنه، وقد صح عن أكثر الصحابة والتابعين ومن بعدهم كراهة صوم يوم الشك أنه من رمضان، منهم علي وعمر وابن مسعود وحذيفة وابن عباس وأبو هريرة وأنس وأبو وائل وابن المسيب وعكرمة وإبراهيم (١)، والأوزاعي والثوري والأئمة الأربعة وأبو عبيد وأبو ثور إسحاق (٢). وفي «المحلى» عن ابن عمر والضحاك بن قيس أنهما قالا: لو صمنا السنة كلها لأفطرنا اليوم الذي يشك فيه (٣).
وجاء ما يدل عَلَى الجواز عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وعمرو بن العاصي ومعاوية وعائشة وأسماء بنت الصديق (٤)، فإن حال دون منظره غير وشبهه فكذلك لا يجب صومه عند الكوفيين ومالك والشافعي والأوزاعي، ورواية عن أحمد، فلو صامه وبان (له) (٥) أنه من رمضان يحرم عندنا، وبه قَالَ الثوري والأوزاعي. وقال ابن عمر، وأحمد وطائفة قليلة: يجب صومه في الغيم دون الصحو (٦).

---------
(١) رواها عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٤ (٩٤٨٩ - ٩٤٩٠، ٩٤٩٣ - ٩٤٩٥، ٩٤٩٧ - ٩٤٩٨، ٩٥٠٣، ٩٥٠٦ - ٩٥٠٧) كتاب: الصيام، ما قالوا في اليوم الذي يشك فيه بصيام.
(٢) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٣، «عيون المجالس» ٢/ ٦١١، «البيان» ٣/ ٥٥٧، «المغني» ٤/ ٣٣٨.
(٣) «المحلى» ٧/ ٢٣.
(٤) رواه البيهقي ٤/ ٢١١ عن أبي هريرة وأسماء وعائشة.
(٥) من (ج).
(٦) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦١ (٧٣٢٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٤ عن ابن عمر.



وقال قوم: الناس تبع للإمام إن صام صاموا، وإن أفطر أفطروا، وهو قول الحسن وابن سيرين وسوار العنبري والشعبي في رواية (١)، ورواية عن أحمد (٢).
قَالَ مطرف وجماعة أسلفناهم: ينبغي أن يصبح يوم الشك مفطرًا متلومًا غير آكل ولا عازم عَلَى الصوم، حَتَّى إذا تبين أنه من رمضان قبل الزوال نوى وإلا أفطر، فيما ذكره الطحاوي. حجة الجماعة قوله: «فإن غمي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا» (٣).
وقالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه عقد ثلاثين يومًا ثم صام.
قَالَ الدارقطني: إسناد صحيح (٤). ولأبي داود عن حذيفة بإسناد جيد

------------
(١) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦٢ (٧٣٢٩) عن ابن سيرين، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٩٤٩٨ - ٩٤٩٥، ٩٥٠٥) عن الشعبي.
(٢) انظر: «المغني» ٤/ ٣٣٠.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢٤.
(٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٥٧ وقد رواه بسنده ٢/ ١٥٦ - ١٥٧، ورواه أيضًا أبو داود (٢٣٢٥) كتاب: الصوم، باب: إذا أغمي الشهر، وأحمد ٦/ ١٤٩، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٣/ ٩٦٠ (١٦٧٥)، وابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٣١ (٣٧٧)، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٣ (١٩١٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٣٥٣ من طريق أبي داود، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٧٥ (١٠٦٤) من طريق عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عبد الله بن أبي قيس، عن عائشة به.
قال ابن الجوزي: قال الدارقطني: هذا إسناد حسن صحيح، قلت: وهذِه عصبية من الدارقطني، كان يحيى بن سعيد لا يرضى معاوية بن صالح، وقال أبو حاتم الرازي لا يحتج به، والذي حفظ من هذا: فعدوا ثلاثين ثم أفطروا اهـ، وقال الذهبي رادًا على ابن الجوزي: قلت: وهذِه منك عصبية؛ فإن معاوية احتج به مسلم اهـ. «تنقيح التحقيق» ٥/ ١١٥، وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ٤٣٩: =



«لا تقدموا الشهر حَتَّى تروا الهلال أو تكملوا العدة» (١).
------------
= قال ابن عبد الهادي في «التنقيح»: ليست العصبية من الدارقطني، وإنما العصبية منه. قلت: -يقصد ابن الجوزي- فإن معاوية بن صالح: ثقة صدوق، وثقه أحمد وابن مهدي وأبو زرعة، وقال أبو حاتم: حسن الحديث، ولم يرو شيئًا خالف فيه الثقات، وكون يحيى بن سعيد لا يرضاه غير قادح فيه، فإن يحيى شرطه شديد في الرجال، فقد قال: لو لم أرو إلا عن من أرضى ما رويت إلا عن خمسة، وقول ابن أبي حاتم: لا يحتج به، غير قادح؛ لأنه لم يذكر السبب. اهـ. بتصرف.
وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٩٨: إسناده صحيح، وقال في «الدارية» ١/ ٢٧٦: هو على شرط مسلم.
وقال المنذري: رجال إسناده كلهم محتج بهم في الصحيحين، على الاتفاق والانفراد. اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢١٤، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠١٤) وقال معقبًا على كلام المنذري: قلت: ما قاله فيه نظر؛ فإن معاوية بن صالح وعبد الله بن أبي قيس لم يحتج بهما البخاري في «صحيحه» فالأول أخرج له في «جزء القراءة» والثاني في «الأدب المفرد» اهـ
وخلاصة القول أن الحديث صحيح على شرط مسلم.
(١) أبو داود (٢٣٢٦) كتاب: الصوم، باب: إذا أغمي الشهر، ورواه أيضًا النسائي ٤/ ١٣٥، وفي «الكبرى» ٢/ ٧١ (٢٤٣٦)، والبزار في «البحر الزخار» ٧/ ٢٧٢ (٢٨٥٥)، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٣ (١٩١١)، وابن حبان ٨/ ٢٣٨ (٣٤٥٨) كتاب: الصوم، باب: رؤية الهلال، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٨ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان …، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ٧٥ (١٠٦٣) من طريق جرير بن عبد الحميد الضبي، عن منصور بن المعتمر، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة مرفوعًا. به.
وقد اختلف فيه، قال أبو داود: ورواه سفيان وغيره عن منصور عن ربعي عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - لم يسم حذيفة اهـ رواه النسائي ٤/ ١٣٥ - ١٣٦، وأحمد ٤/ ٣١٤، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٧١ (٢٤٣٧)، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦٤ (٧٣٣٧)، والبزار ٧/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٢٨٥٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ١/ ٤٣٨ كتاب: الصلاة، باب: الرجل يشك في صلاته، والدارقطني ٢/ ١٦١ - ١٦٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٣٥٣ من طريق =



وعن ابن عباس: «فإن حال بينكم وبينه غمام فأكملوا شهر شعبان ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يومٍ من شعبان» (١).
-------------
= سفيان، عن منصور، عن ربعي بن حراش، عن بعض أصحاب رسول الله - ﷺ - مرفوعًا. به. قال الدارقطني: رجاله كلهم ثقات، وقال البزار: لا نعلم أحدًا قال فيه عن حذيفة إلا جرير، وقال البيهقي: وصله جرير عن منصور، بذكر حذيفة فيه، وهو ثقة حجة، وقال ابن الجوزي: ضعف أحمد حديث حذيفة، وقال: ليس ذكر حذيفة فيه بمحفوظ اهـ.
قال الحافظ في «فتح الباري» ٤/ ١٢١ - ١٢٢ قيل الصواب فيه، عن ربعي، عن رجل من الصحابة منهم ولا يقدح ذلك في صحته، وقال في «التلخيص» ٢/ ١٩٨، و«الدراية» ١/ ٢٧٦: رجح أحمد رواية ربعي عن بعض أصحاب النبي، وقال: لا أعلم أحدًا سماه غير جرير، وقال ابن عبد الهادي في «التنقيح» كما في «نصب الراية» ٢/ ٤٣٩ معقبًا على ما قاله ابن الجوزي: هذا وهم منه، فإن أحمد إنما أراد أن الصحيح قول من قال: عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ - وأن تسمية حذيفة وهم من جرير، فظن ابن الجوزي أن هذا تضعيف من أحمد للحديث، وأنه مرسل، وليس بمرسل بل متصل إما عن حذيفة أو عن رجل من أصحاب النبي - ﷺ -، وجهالة
الصحابي غير قادحة في صحة الحديث، وبالجملة فالحديث صحيح، ورواته ثقات محتج بهم في الصحيح اهـ.
قال ابن القيم: هذا الحديث وصله صحيح، فإن الذين وصلوه أوثق وأكثر من الذين أرسلوه، والذي أرسله هو الحجاج بن أرطاة عن منصور، وقول النسائي: لا أعلم أحدًا قال في هذا الحديث عن حذيفة غير جرير، إنما عني تسمية الصحابي، وإلا فقد رواه الثوري وغيره عن ربعي عن بعض أصحاب النبي - ﷺ -، وهذا موصول، ولا يضره عدم تسمية الصحابي، ولا يعلل بذلك اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢١٤.
والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠١٥) وقال: صحيح على شرط مسلم.
(١) رواه أبو داود (٢٣٢٧) كتاب: الصوم، باب: من قال فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين، والترمذي (٦٨٨) كتاب: الصيام باب: ما جاء أن الصوم لرؤية الهلال والإفطار له، والنسائي ٤/ ١٥٣ - ١٥٤ كتاب: الصيام، صيام يوم الشك. باللفظ =



ومعنى غمَّ: ستر، ومنه الغم؛ لأنه يستر القلب، والرجل الأغم: المستور الجبهة بالشعر. وسمي السحاب غيمًا؛ لأنه يستر السماء. ويوم الشك: أن يتحدث الناس برؤية الهلال أو يشهد بها من لا تقبل شهادته، فلو صامه عَلَى نية التطوع فهو حرام عَلَى الأصح، وغير مكروه عند الحنفي، وبه قَالَ مالك (١).
قَالَ في «شرح الهداية»: والأفضل في حق الخواص صومه بنية التطوع بنفسه وخاصته، وهو مروي عن أبي يوسف. وفرض العوام التلوم إلى أن يقرب الزوال -وفي «المحيط»: إلى وقت الزوال- فإن ظهر أنه من رمضان نواه وإلا أفطر، وإن صام قبل رمضان ثلاثة أيام، أو شعبان كله، أو وافق يوم الشك يومًا كان يصومه فالأفضل صومه بنية الفضل.

----------
= الذي ذكره المصنف، وأحمد ١/ ٢٢٦، ٢٥٨، والطيالسي ٤/ ٣٩٥ (٢٧٩٣)، والدارمي ٢/ ١٠٤٨ (١٧٢٥) كتاب: الصوم، باب: ما يقال عند رؤية الهلال، وأبو يعلى في «مسنده» ٤/ ٢٤٣ (٢٣٥٥)، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٤ (١٩١٢)، وابن حبان ٨/ ٣٥٦ - ٣٥٧ (٣٥٩٠)، ٨/ ٣٦٠ (٣٥٩٤)، والطبراني ١١/ ٢٨٦ - ٢٨٧ (١١٧٥٤ - ١١٧٥٧)، والحاكم ١/ ٤٢٤ - ٤٢٥ وقال: صحيح الإسناد لم يخرجاه بهذا اللفظ، وأقره الذهبي، والبيهقي ٤/ ٢٠٧ - ٢٠٨ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان …، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٣٥ - ٣٧، والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٢٣٢ (١٧١٦) من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا.
والحديث صححه الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ٤٣٨، وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٩٧: رواه النسائي وابن خريمة وابن حبان والحاكم، وهو من صحيح حديث سماك، لم يدلس فيه ولم يلقن أيضًا، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٩١٧).
(١) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٣، «عيون المجالس» ٢/ ٦١٠.



وفي «المبسوط»: الصوم أفضل، وتأويل النهي أن ينوي الفرض فيه (١). وفي «المحيط»: إن وافق يومًا كان يصومه فالصوم أفضل وإلا فالفطر أفضل، والصوم قبله بيوم أو يومين مكروه، أي صوم كان،
ولا يكره بثلاثة (٢)، وهو قول أحمد (٣).
وأما ما ذكره الخطيب الحافظ عن عبد الله بن جراد: أصبحنا يوم الثلاثين صيامًا، فكان الشهر قد غم علينا، فأتينا رسول الله - ﷺ - فوجدناه مفطرًا، فقلنا: يا نبي الله، صمنا اليوم. قَالَ: «أفطروا إلا أن يكون رجل يصوم هذا اليوم فليتم صومه، لأن أفطر يومًا من رمضان يكون منه أحب إليَّ من أن أصوم يومًا من شعبان ليس منه» (٤).

---------
(١) «المبسوط» ٣/ ٦٣.
(٢) «المحيط» ٣/ ٣٦٣.
(٣) انظر: «المغني» ٤/ ٣٢٦.
(٤) رواه ابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٧٦ - ٧٧ (١٠٦٨) من طريق الخطيب، عن يعلى بن الأشدق، عن عبد الله بن جراد. به.
قال ابن الجوزي: قال الخطيب: ففي هذا الحديث كفاية عن ما سواه. قلت: لا تكون عصبية أبلغ من هذا فليته روى الحديث وسكت، فأما أن يعلم عيبه ولا يذكره، ثم يمدحه ويثني عليه، ويقول فيه كفاية عن ما سواه فهذا مما أزرى به على علمه وأثر به في دينه، أتراه ما علم أن أحدًا يعرف قبح ما أتى كيف وهذا الأمر ظاهر لكل من شدا شيئًا من علم الحديث، فكيف بمن أوغل فيه، أتراه ما علم أنه في الصحيح عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من روى حديثًا يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين». وهذا الحديث موضوع على ابن جراد لا أصل له عن رسول الله - ﷺ -، ولا ذكره أحد من الأئمة الذين جمعوا السنن وترخصوا في ذكر الأحاديث الضعاف، وإنما هو مذكور في نسخة يعلى بن الأشدق، عن ابن جراد، وهي نسخة موضوعة، قال أبو زرعة والرازي: يعلى بن الأشدق ليس بشيء، وقال أبو أحمد ابن عدي الحافظ: روى يعلى بن الأشدق عن عمه عبد الله بن جراد، عن النبي - ﷺ - أحاديث كثيرة منكرة، وهو وعمه غير معروفين. وقال البخاري: يعلى لا يكتب =



فقد قَالَ هو: فيه كفاية عما سواه. لكن ضعفه أبو أحمد بن عدي وابن حبان وغيرهما. واستدل أبو حنيفة بما قَالَ مالك عن أهل العلم أنهم لا يرون بصيامه تطوعًا بأسًا. وعندنا: إذا انتصف شعبان حرم
الصوم ابتداء عَلَى الأصح.
وفيه: حديث في السنن من طريق أبي هريرة، صححه الترمذي وابن حزم، واحتج به (١)، وخولف، ضعفه النسائي وأحمد (٢).

---------
= حديثه، وقال أبو حاتم ابن حبان الحافظ: لقي يعلى عبد الله بن جراد، فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له، فوضعوا له شبيهًا بما في حديث نسخه، عن ابن جراد، فلما كبر اجتمع عليه من لا دين له، فوضعوا له شبيهًا بما في حديث نسخه، عن ابن جراد، فجعل يحدث بها وهو لا يدري، لا يحل الراوية عنه. قلت: وما كان هذا يخفي على الخطيب غير أن العصبية تغطي على الدهر، وإنما يُبهرج بما يخفي، ومثل هذا لا يخفي -نعوذ بالله من غلبات الهوى. اهـ.
وأقر الذهبي ابن الجوزي في «التنقيح» ١١٩ - ١٢٠.
وعزاه الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٧٦ للخطيب في «النهي عن صوم يوم الشك» وقال: أخرجه ابن الجوزي وأشار إلى أنه موضوع؛ لأنه رواية يعلى بن الأشدق، عن عمه عبد الله بن جراد، ويعلى هالك اهـ.
(١) «المحلى» ٧/ ٢٦.
(٢) حديث أبي هريرة رواه: أبو داود (٢٣٣٧) كتاب: الصوم، باب: في كراهية ذلك، والترمذي (٧٣٨) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية الصوم في النصف الثاني من شعبان لحال رمضان، وابن ماجه (١٦٥١) في الصيام، باب: ما جاء في النهي عن أن يتقدم رمضان ..، وأحمد ٢/ ٤٤٢، وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦١ (٧٣٢٥)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ١٧٢ (٢٩١١) كتاب: الصيام، صيام شعبان، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٨٢ كتاب: الصيام، باب: الصوم بعد النصف من شعبان إلى رمضان، وابن حبان ٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦ (٣٥٨٩) في الصوم، صوم يوم الشك، والبيهقي ٤/ ٢٠٩ في الصيام، باب: الخبر الذي ورد في النهي عن الصيام إذا انتصف شعبان، من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إذا كان النصف من شعبان، فأمسكوا =



وحديث عمران بن حصين الثابت في «الصحيح»: «أصمت من سرر شعبان شيئا؟» قَالَ: لا. قَالَ: «فإذا أفطرتَ فصم يومين معًا» (١).
إذا قلنا: إن سرر الشهر آخره، سمي بذلك لاستسرار القمر فيها

---------
= عن الصوم حتى يكون رمضان«وهذا لفظ أحمد.
والحديث ضعفه أحمد كما ذكر المصنف، ففي»علل أحمد بن حنبل«ص: ١١٧ - ١١٨ (٢٧٣) ذكرت له حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا: إذا كان نصف شعبان .. الحديث. فأنكره، وقال: سألت ابن مهدي عنه، فلم يحدثني به، وكان يتوقاه، وهذا خلاف الأحاديث التي رويت عن رسول الله - ﷺ -، وقال أبو داود: كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث به، قلت لأحمد: لم قال لأنه كان عنده أن النبي - ﷺ - كان يصل شعبان برمضان، وقال عن النبي - ﷺ - خلافه، وقال: وليس هذا عندي خلافه، ولم يجيء به غير العلاء عن أبيه. اهـ.
وضعفه النسائي كذلك -كما ذكر المصنف- قال النسائي: لا نعلم أحدًا روى هذا الحديث غير العلاء بن عبد الرحمن اهـ.، قال الترمذي: حديث حسن صحيح لا نعرفه إلا من هذا الوجه.
وقال المنذري: يحتمل أن يكون الإمام أحمد قد أنكره من جهة العلاء بن عبد الرحمن، فإن فيه مقالا لأئمة هذا الشأن، وإن كان فيه مقال، فقد حدث عنه الإمام مالك مع شدة انتقاده للرجال وتحريه في ذلك، وقد احتج به مسلم في»صحيحه«، وذكر له أحاديث كثيرة، فهو على شرطه، ويجوز أن يكون تركه لأجل تفرده به، وإن كان قد خرج في الصحيح أحاديث انفرد بها رواتها، وكذلك فعل البخاري أيضًا اهـ.»مختصر سنن أبي داود«٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥ بتصرف.
قلت: يفهم من كلام المنذري تصحيح الحديث. والله أعلم.
وكذا صححه ابن القيم في»مختصر سنن أبي داود«٣/ ٢٢٣ - ٢٢٤ وله فيه بحث جيد شفى فيه وكفي فراجعه، وللشيخ أحمد شاكر تعقيب على كلام المنذري في هامش»مختصر سنن أبي داود«٣/ ٢٢٥ فسارع إليه ترشد.
وصححه الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٠٢٥) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم، وصححه الترمذي وابن حبان واحتج به ابن حزم، وقواه ابن القيم اهـ.
(١) سيأتي برقم (١٩٨٣) باب: الصوم آخر الشهر، ورواه مسلم (١١٦١) كتاب: الصوم، باب: صوم سرر شعبان.



لا يعارضه، لأن له سببًا. وروي عن أبي هريرة مرفوعًا: «لا تقدموا رمضان بصيام إلا أن يوافق ذَلِكَ صومًا كان يصومه أحدكم» (١).
وقد دل أن الكراهة عَلَى تعمد الصيام بحال رمضان. ولأبي داود بإسناد جيد -وإن كان ابن الجوزي أعله- عن معاوية مرفوعًا: «صوموا الشهر وسرره، وأنا متقدم بالصيام فمن أحب أن يفعله فليفعله» (٢).

--------
(١) يأتي برقم (١٩١٤) باب: لا يتقدمن رمضان بصوم يوم ولا يومين، ورواه مسلم (١٠٨٢) باب: لا تقدموا رمضان بصيام يوم أو يومين.
(٢) أبو داود (٢٣٢٩) كتاب: الصوم، باب: في المتقدم، من طريق الوليد بن مسلم عن عبد الله بن العلاء، عن أبي الأزهر- المغيرة بن فروة قال: قام معاوية في الناس بدير مسحل الذي على باب حمص فقال: أيها الناس إنا قد رأينا الهلال يوم كذا وكذا، وأنا متقدم فمن أحب أن يفعله فليفعله .. وفي آخره قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «صوموا الشهر وسره».
وأعله ابن الجوزي -كما ذكر المصنف- في «العلل المتناهية» ٢/ ٣٨ - ٣٩ (٨٧٤) وقد رواه من طريق خالد بن يزيد المري، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول أن معاوية كان إذا حضر شهر رمضان قال: أما هلال شعبان يوم كذا وكذا … الحديث، فقال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح عن رسول الله - ﷺ - ومكحول لم يسمع من معاوية، وأما خالد بن يزيد فقال أحمد: ليس بشيء، وقال النسائي: لبس بثقة. اهـ. وقال ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢٤ وقد أورد الحديث: المغيرة بن فروة غير مشهور، ثم لو صح لما كانت فيه حجة أصلًا.
قلت: يشير بقوله هذا إلى عدم صحته.
قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٩٧): إسناده ضعيف.
وروى أبو داود (٢٣٣٠) حدثنا سليمان بن عبد الرحمن في هذا الحديث قال: قال الوليد: سمعت أبا عمرو يعني الأوزاعي يقول: سره أوله.
قال الخطابي: أنا أنكر هذا التفسير، وأراه غلطًا في النقل، ولا أعرف له وجهًا في اللغة، والصحيح أن سره آخره، هكذا حدثناه أصحابنا، عن إسحاق بن إبراهيم بن =



وعن أم سلمة أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يصوم من السنة شهرًا تامًّا إلا شعبان، يصله برمضان. وصححه الترمذي (١).
وللحاكم وقال: عَلَى شرط الشيخين. عن عائشة: وكان أحب المشهور إلى رسول الله - ﷺ - يصومه شعبان، ثم يصله برمضان (٢).

-----------
= إسماعيل حدثنا محمود بن خالد الدمشقي، عن الوليد، عن الأوزاعي قال: سره: آخره. وهذا هو الصواب، وفيه لغات، يقال: سرُّ الشهر، وسَرَرُ الشهر، وسَرَاره، وسمي آخر الشهر سرًا لاستسرار القمر فيه اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٣/ ٢١٨ - ٢١٩، وكذا فسره ابن القيم في «حاشية مختصر السنن» بأنه آخره، وقت استسرار هلاله. وهذا الحديث قال عنه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٩٨): إسناده إلى الأوزاعي صحيح، لكنه مقطوع وشاذ.
وروي أبو داود أيضًا (٢٣٣١) حدثنا أحمد بن عبد الواحد عن أبي سهر قال: كان سعيد -يعني ابن عبد العزيز- يقول: سره: أوله. قال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٩٩): إسناده إليه صحيح، لكنه مقطوع، مستنكر لغة، كما في الذي قبله اهـ. وقال أبو داود: وقال بعضهم: سره وسطه، وقالوا: آخره اهـ.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٤٠٠ - ٤٠١): لم أقف على من وصلهما، وقوله: وسطه، مخالف لمعناه الراجح وهو: آخره كما تقدم، وهو مذهب الجمهور. وقوله: آخره: هو الصحيح من حيث المعنى اهـ. بتصرف.
(١) رواه أبو داود (٢٣٣٦) باب: فمن يصل شعبان برمضان، والترمذي (٧٣٦) باب: ما جاء في وقال شعبان برمضان، والنسائي ٤/ ١٥٠، ٢٠٠، وابن ماجه (١٦٤٨) باب: ما جاء في وقال شعبان برمضان، وأحمد ٦/ ٣١١، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٠٢٤) وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٣٤، ورواه أيضًا: أبو داود (٢٤٣١) باب: في صوم شعبان، والنسائي ٤/ ١٩٩، وأحمد ٦/ ١٨٨، وابن خزيمة ٣/ ٢٨٢ (٢٠٧٧)، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٢٩٢ كتاب: الصيام، باب: في فضل صوم شعبان، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٣٧٧ (٣٨١٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٤١، والبغوي في «شرح السنة» ٦/ ٣٣٠ (١٧٧٩)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢١٠١) وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #365  
قديم اليوم, 04:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,967
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 71 الى صـــ 90
الحلقة (365)




فرع: لو نوى صوم غدٍ من رمضان إن كان منه فكان منه لم يقع عندنا، خلافًا للمزني، إلا إذا اعتقد كونه منه بقول من يثق به من عبد أو امرأة أو صبيان رشدًا.
وفي «شرح الهداية»: لا يصير صائمًا بقوله: أصوم غدًا إن كان من رمضان، دون ما إذا كان من شعبان لتردده، فلو قَالَ: إن كان من رمضان فعنه، وإن كان من شعبان فعن واجب آخر، فمكروه لنزدده أيضًا، ثم إن ظهر أنه من رمضان أجزأه، أو من شعبان فلا عن الواجب، ولو قَالَ: أصوم غدًا من رمضان أو تطوعًا، لا يصير صائمًا قطعًا.
فرع: من انفرد برؤية الهلال ولم يقبل صام سرًّا، كالمنفرد برؤية هلال شوال يفطر.
فرع: إذا رؤي ببلد لزم حكمه البلد القريب دون البعيد في الأصح.
وظاهر الحديث التعدي إلى غيره مطلقًا، وقد وقعت المسألة في زمن (ابن عباس) (١) وقال: لا نزال نصوم حَتَّى يكمل ثلاثين أو نراه، وبهذا أمر رسول الله - ﷺ - (٢). ويمكن إرادته هذا.
فرع: لا يثبت هلال رمضان بشهادة واحد، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، وإن كان في الأمران الشافعي رجع عنه، ولا يثبت هلال شوال بواحد، خلافًا لأبي ثور (٣).

-----------
(١) وقع في الأصل: ابن عبد البر. والمثبت من هامشه حيث إنه كذا في مسلم.
(٢) رواه مسلم (١٠٨٧) كتاب: الصيام، باب: بيان أن لكل بلد رؤيتهم وانهم ..
(٣) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٥، «البيان» ٣/ ٤٨٠، ٤٨٢.



٦ - باب مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَنِيَّةً
وَقَالَتْ عَائِشَةُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يُبْعَثُونَ عَلَى قدر نِيَّاتِهِمْ». (١).

١٩٠١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ، وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». [انظر: ٣٥ - مسلم: ٧٥٩، ٧٦٠ - فتح: ٤/ ١١٥]
ذكر فيه حديث أبي هريرة، وقد سلف في الإيمان (٢). ومعنى: «إِيمَانًا»: تصديقًا بالثواب من الله تعالى عَلَى صيامه وقيامه، ومعنى: «احْتِسَابًا»: يحتسب ثوابه عَلَى الله تعالى، وينوي بصيامه وجهه، ولا يتبرم بزمانه حرًّا وطولًا.
والحديث دال عَلَى أن الأعمال لا تزكو ولا تتقبل إلا مع الاحتساب وصدق النيات، كما قَالَ - ﷺ -: «إنما الأعمال بالنيات» (٣)
وهو راد لقول زفر: إن رمضان يجزئ من غير نية، ثم هي مبيتة عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة (٤) والأوزاعي وإسحاق حيث قالوا: يجزئ قبل الزوال. ولا سلف لهم فيه والنية إنما ينبغي أن تكون مقدمة قبل العمل، وحقيقة التبييت لغة يقتضي جزءًا من الليل، وروى هذا

---------
(١) في هامش الأصل: هذا التعليق هو عنده مسند، وكذا عند مسلم وذكره معلقًا أيضًا في باب: هدم الكعبة فاعلمه.
(٢) سلف برقم (٣٥) باب: قيام ليلة القدر من الإيمان.
(٣) تقدم برقم (١)، ورواه مسلم (١٩٠٧).
(٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٣.



ابن عمر وحفصة وعائشة (١)، ولا مخالف لهم.
وعند أبي حنيفة: لو صام رمضان بنية النفل أجزأه (٢)، وكذا إن أطلق يجزئه عنه، مسافرًا كان أو حاضرًا، قَالَ: فإن نوى النذر أو الكفارة أجزأه عن رمضان إن كان حاضرًا، وعن نذره إن كان مسافرًا. والمراد هنا بالذنوب: ما عدا التبعات، والفضل واسع.

---------
(١) رواه عن ابن عمر: البيهقي في «سننه» ٤/ ٢٠٢ كتاب: الصيام، باب: الدخول في الصوم بالنية.
ورواه عن حفصة: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٩٣ (٩١١٢) كتاب: الصيام، من قال: لا صيام لمن لم يعزم من الليل، والدارقطني ٢/ ١٧٣، والبيهقي ٤/ ٢٣ ورواه عن عائشة البيهقي ٤/ ٢٠٣.
(٢) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٠.



٧ - باب أَجْوَدُ مَا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي رَمَضَانَ
١٩٠٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام - كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ. [انظر: ٦ - مسلم: ٢٣٠٨ - فتح: ٤/ ١١٦]
ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَجْوَدَ النَّاسِ بِالخَيْرِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ، حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ - عليه السلام - يَلْقَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي رَمَضَانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ - ﷺ - القُرْآنَ، فَإِذَا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كَانَ أَجْوَدَ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
و(أجود) الأول بالفتح. وقوله: (وكان أجود)، كذلك (٢) وجوز ابن مالك رفعه أيضًا.
وامتثل النبي - ﷺ - في هذا قوله تعالى، وأمره بتقديم الصدقة بين يدي نجوى الرسول - ﷺ -، الذي كان أمر به تعالى عباده ثم عفا عنهم لإشفاقهم من ذَلِكَ، فامتثل ذَلِكَ عند مناجاته جبريل، وقد سلف هذا المعنى.
وفيه: بركة مجالسة الصالحين، وأن فيها تذكيرًا لفعل الخير وتنبيهًا عَلَى الازدياد من العمل الصالح، وكذلك أمر - ﷺ - بمجالسة العلماء،

-----------
(١) مسلم (٢٣٠٨) كتاب: الفضائل، باب: كان النبي - ﷺ - أجود الناس بالخير من الريح المرسلة.
(٢) في هامش الأصل: رجح في أوائل الشرح الرفع في (أجود) الثانية.



ولزوم حلق الذكر (١)، وشبه الجليس الصالح بالعطار إن لم يحذك من متاعه لم تعدم طيب ريحه (٢).
ألا ترى قول لقمان لابنه: يا بني جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك، فإن الله تعالى يحيي القلوب بنور الحكمة كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء (٣).

------------
(١) روي عن أنس مرفوعًا: «إذا مررتم برياض الجنة، فارتعوا». قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «حلق الذكر».
رواه الترمذي (٣٥١٠) كتاب: الدعوات، وأحمد ٣/ ١٥٠، وأبو يعلى في «مسنده» ٦/ ١٥٥ (٣٤٣٢)، والطبراني في «الدعاء» ٣/ ١٦٤٣ - ١٦٤٤ (١٨٩٠)، وابن عدي في «الكامل» ٣١١/ ٧ - ٣١٢ في ترجمة: محمد بن ثابت البناني (١٦٣٨)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ١/ ٣٩٨ (٥٢٩)، والخطيب في «الفقيه والمتفقه» ١/ ٩٣ - ٩٤ (٣٩)، والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٢٥٦٢).
(٢) روي عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكبير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخ الكبير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة».
وسيأتي هذا الحديث (٢١٠١) كتاب: البيوع، باب: في العطار وبيع المسك، ورواه مسلم (٢٦٢٨) كتاب: البر والصلة، باب: استحباب مجالس الصالحين، ومجانبة قرناء السوء. وهذا لفظه.
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ص: ٦١٩، بلاغًا. ورواه الطبراني ٨/ ١٩٩ - ٢٠٠ (٧٨١٠)، والرامهرمزي في «أمثال الحديث» ص ٨٧ - ٨٨ (٥٢)، والديلمي في «الفردوس» ٣/ ١٩٦ (٤٥٥٠) من حديث أبي أسامة مرفوعًا.
قال الهيثمي في «المجمع» ١/ ١٢٥: فيه: عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد، وكلاهما ضعيف لا يحتج به، وضعفه الألباني في «ضعيف الترغيب والترهيب» (٧٨). ورواه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٨٧) عن عبد الوهاب بن بخت المكي، قوله.



وقال مرة أخرى: فلعل أن تصيبهم رحمة فتنالك معهم. فهذِه ثمرة مجالسة أهل الفضل ولقائهم.
وفيه: بركة أعمال الخير، وأن بعضها يفتح بعضًا ويعين عَلَى بعض، ألا ترى أن بركة الصيام ولقاء جبريل - عليه السلام - وعرضه القرآن عليه زاد في جوده - ﷺ - وصدقته، حَتَّى كان أجود من الريح المرسلة.
ونزول جبريل - عليه السلام - في رمضان للتلاوة دليل عظيم لفضل تلاوة القرآن فيه، وهذا أصل تلاوة الناس القرآن في كل رمضان تأسيًا به.
ومعنى مدارسته إياه فيه؛ لأنه الشهر الذي أنزل فيه القرآن كما نطق به القرآن.
وفيه: أن المؤمن كلما ازداد عملًا صالحًا وفتح له باب من الخير، فإنه ينبغي له أن يطلب بابًا آخر وتكون يمينه ممتدة في الخير إلى فوق عمله، ويكون خائفًا وجلًا غير معجب بعمله، طالبًا للارتقاء في
درجات الزيادة.


٨ - باب مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فِي الصَّوْمِ
١٩٠٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
ذكر فيه حديث أبي هريرة فقال: حَدَّثَنَا ادمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ، حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، حَدثَنَا سَعِيدٌ المَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزورِ وَالعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لله حَاجَة فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
هذا الحديث من أفراده، ولما ذكره في الأدب قَالَ: أفهمني رجل إسناده (١). وقال أبو داود: قَالَ أحمد بن يونس: فهمت إسناده عن ابن أبي ذئب، وأفهمني الحديث رجل إلى جنبه أُراه ابن أخيه (٢). وفي رواية للجُوزي: والجهل (٣).
قَالَ الدارقطني في «علله»: رواه يزيد بن هارون وأبو نباتة يونس بن يحيى (ت) (٤)، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن أبي هريرة، لم يذكر أباه، وأغرب أبو قتادة بسند آخر عن ابن أبي ذئب فقال: عن الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صغير، عن أبي هريرة (٥).

----------
(١) سيأتي (٦٠٥٧) باب: قول الله تعالى: واجتنبوا قول الزور.
(٢) «سنن أبي داود» ٢/ ٧٦٧، عقب حديث (٢٣٦٢).
(٣) ستأتي (٦٠٥٧).
(٤) في هامش الأصل: صدوق توفي سنة ٢٥٧ هـ.
(٥) «علل الدارقطني» ١٠/ ٣٨٧ - ٣٨٨.



قلت: ورواه من غير ذكر أبيه حماد بن خالد، ساقه الإسماعيلي.
قَالَ: ابن أبي ذئب، عن المقبري عن أبي هريرة.
وفي «مستدرك الحاكم» عَلَى شرط مسلم من حديث عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه - ﷺ - قَالَ: «ليس الصيام من الطعام والشراب، إنما الصيام من اللغو والرفث، فإن سابك أحد أو جهل عليك فقل: إني صائم، إني صائم» (١).
وفي لفظ: «رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع، ورب قائم حظه من قيامه السهر». ثم قَالَ: صحيح عَلَى شرط البخاري (٢).
وروى أبو السري هناد بن السري في «زهده» عن أنس مرفوعًا: «ما صام من ظل يأكل لحوم الناس» (٣). وله عن أنس أنه قَالَ: «إذا اغتاب الصائم أفطر» (٤).

----------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٣٠ وصححه الحاكم، الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (١٠٨٢).
(٢) «المستدرك» ١/ ٤٣١.
(٣) «الزهد» لهناد ٢/ ٥٧٣ (١٢٠٦)، ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ (٨٨٩٠) كتاب: الصوم، باب: ما يؤمر به الصائم، وإسحاق بن راهويه كما في «نصب الراية» ٢/ ٤٨٢، والديلمي في «الفردوس» ٤/ ٧٧ (٦٢٣٨). ورواه الطيالسي في «مسنده» ٣/ ٥٧٧ (٢٢٢١)، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (١٧٠)، وأبو نعيم في «الحلية» ٦/ ٣٠٩، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٥/ ٣٠١ (٦٧٢٢) مطولًا وفيه عندهم قصة.
بلفظ: وكيف صام من ظل يأكل لحوم الناس؟ والحديث أورده الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ١٣/ ١٦٣ من طريق الطيالسي وقال: إسناد ضعيف متن غريب، وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٨٧: فيه يزيد بن أبان اهـ. قلت: يشير إلى ضعف الحديث، لضعف يزيد بن أبان، قال في «التقريب» (٧٦٨٣): يزيد بن أبان الرقاشي، زاهد ضعيف اهـ. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٤٥١).
(٤) «الزهد» ٢/ ٥٧٣ (١٢٠٤).



أما فقه الباب فهو أن حكم الصائم الإمساك عن الرفث وقول الزور، كما يمسك عن الطعام والشراب، وإن لم يمسك عن ذَلِكَ فقد نقص صيامه، وتعرض لسخط ربه تعالى وترك قبوله منه، وليس معناه أن يؤمر بأن يدع صيامه إذا لم يدع قول الزور، وإنما معناه التحذير من قول الزور، وهذا كقوله - ﷺ -: «من باع الخمر فليشقص الخنازير» (١)
-----------
(١) رواه أبو داود (٣٤٨٩) كتاب: الإجارة، باب: في ثمن الخمر والميتة، وأحمد ٤/ ٢٥٣، والطيالسي في «مسنده» ٢/ ٧٦ (٧٣٥)، والحميدي ٢/ ٢٣ (٧٧٨)، وابن أبي شيبة ٤/ ٤١٧ (٢١٦١٢) كتاب: البيوع والأقضية، ما جاء في بيع الخمر، والدارمي ٢/ ١٣٣٤ - ١٣٣٥ (٢١٤٧) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الخمر وشرائها، والطبراني في «الكبير» ٢٠/ ٣٧٩ (٨٨٤)، وفي «الأوسط» ٨/ ٢٤٥ (٨٥٣٢)، والمروزي في «تعظيم قدر الصلاة» ٢/ ٥٦٤ - ٥٦٥ (٦٠٨)، والبيهقي في «سننه» ٦/ ١٢ كتاب: البيوع، باب: تحريم التجارة في الخمر، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٣٨٤ - ٣٨٥. من طريق طعمة بن عمرو الجعفري عن عمر بن بيان التغلبي عن عروة بن المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة مرفوعًا. به.
قال عبد الله بن أحمد في «العلل ومعرفة الرجال» ٢/ ٧ (١٣٦٦): سألت أبي عن هذا الحديث، فقلت: من عمر بن بيان؟ فقال: لا أعرفه اهـ.، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٥٦٦).
تنبيه: وقع في بعض الكتب وكذا في «الضعيفة» للألباني: عن عمرو بن بيان عن عروة بن المغيرة، وفي بعضها عن عمرو بن دينار عن عروة وهذا خطأ لأنه عمر بن بيان عن عروة، قاله الدارمي.
تنبيه آخر: قال الألباني في «الضعيفة» (٤٥٦٦): قال الدارمي: إنما هو عمرو بن دينار. اهـ.
قلت: يبدو أن النسخة التي نقل منها الألباني بها ما قاله، أما في طبعة دار المغني تحقيق: حسين أسد: قال الدارمي: إنما هو عمر بن بيان، وأشار في الهامش أن في بعض النسخ: دينار وهو تحريف.
تنبيه ثالث: وقع عند البيهقي: طعمة بن عمرو الجعفي، وهو خطأ وصوابه الجعفري، وقد أشار إليه المحقق في الهامش. =



يريد: أي: يذبحها. ولم يأمره بشقصها ولكنه عَلَى التحذير والتعظيم لإثم شارب الخمر، فكذلك حذر الصائم من قول الزور والعمل به ليتم أجر صيامه.
وفي كتاب «الرقاق» لابن المبارك عن ابن جريج قَالَ: قَالَ سليمان بن موسى عن جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب، ودع أذى الخادم، وليِكُ عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك وفطرك سواء (١).
وفي «علل الدارقطني» من حديث أبي هريرة مرفوعًا: «خمس يفطرن الصائم وينفضن الوضوء: الكذب، والغيبة، والنميمة، والنظر بشهوة،

------------
= تنبيه رابع: وقع عند الطبراني في»الأوسط«: نا طلحة بن عمرو الجعفري قال: سمعت عمرو بن دينار عن عروة بن المغيرة بن شعبة. به.
وقال الطبراني: لا يروي هذا الحديث عن المغيرة إلا بهذا الإسناد، تفرد به طلحة بن عمرو! كذا قال!
قلت: صوابه: طعمة بن عمرو الجعفري، عن عمر بن بيان، عن عروة، ولعله خطأ من بعض النساخ. وأما قوله - ﷺ -:»فليشقص الخنازير«. قال ابن الأثير: أي فليقطعها قِطعًا ويفصلها أعضاءً كما تفصل الشاة إذا بيع لحمها، يقال: شقصه يشقصه، وبه سمي القصاب مشقصًا. المعنى: من استحل بيع الخمر فليستحل بيع الخنزير، فإنهما في التحريم سواء، وهذا لفظ أمر معناه النهي، تقديره: من باع الخمر فليكن للخنازير قصابًا.
اهـ.»النهاية في غريب الحديث والأثر«٢/ ٤٩٠ مادة (شقص).
(١)»الزهد والرقائق«(١٣٠٨)، ورواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٢ (٨٨٨٠)، والحاكم في»معرفة علوم الحديث«ص: ٢٠ النوع الخامس، والبيهقي في»شعب الإيمان" ٣/ ٣١٧ (٣٦٤٦) من طريق ابن جريج عن سليمان بن موسى عن جابر بن عبد الله.
قوله. قال الحاكم: هذا حديث يتوهمه من ليس الحديث من صناعته أنه موقوف على جابر، وهو موقوف مرسل قبل التوقيف، فإن سليمان بن موسى الأشدق لم يسمع من جابر ولم يره، بينهما عطاء بن أبي رباح في أحاديث كثيرة.



واليمين الكاذبة» (١).
قَالَ أبو حاتم في «علله»: هذا حديث كذب (٢).
ولابن حزم -مصححًا- عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - أن رسول الله - ﷺ - أتى عَلَى امرأتين صائمتين تغتابان الناس، فقال لهما: «قيئا» فقاءتا قيحًا ودمًا ولحمًا عبيطًا، فقال - ﷺ -: «إن هاتين صامتا عن الحلال وأفطرتا عَلَى الحرام» (٣).

---------
(١) مسند أبي هريرة من «علل الدارقطني» غير مطبوع، وقد روي عن أنس. رواه الديلمي كما في «الفردوس» ٢/ ٩٧ (٢٩٧٩) وعنه الجورقاني في «الأباطيل والمناكير» ١/ ٣٥١ (٣٣٨)، وابن الجوزي في «الموضوعات» ٢/ ٥٦٠ (١١٣١) من طريق الحسن بن أحمد بن البنا، عن أبي الفتح بن أبي الفوارس، عن أبي محمد عبد الله بن محمد بن جعفر، عن أحمد بن جعفر الجمال، عن سعيد بن عنبسة، عن بقية، عن محمد بن الحجاج، عن جابان، عن أنس مرفوعًا. به.
قال الجورقاني: هذا حديث باطل، في إسناده ظلمات، وقال ابن الجوزي: حديث موضوع، من سعيد بن عنبسة إلى أنس كلهم مطعون فيه، وقال ابن ماكولا في «الإكمال» ٢/ ١٠ - ١١ في ترجمة جابان روى عن أنس، عن النبي - ﷺ - حديثًا
منكرًا «خمس يفطرن الصائم» وكذا أورده الحافظ في «لسان الميزان» ٢/ ٨٦ في ترجمة جابان (١٨٨٢) من حديث أنس وقال: قال الأذدي: موسى بن جابان، عن أنس متروك الحديث. وأورده الشوكاني في «الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة» ص ٩٤ (٢٥)، وقال الألباني في «الضعيفة» (١٧٠٨): موضوع.
(٢) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٥٨ - ٢٥٩ (٧٦٦) والذي. فيه من حديث أنس.
(٣) «المحلى» ٦/ ١٧٨. وحديث عبيد رواه أحمد ٥/ ٤٣١، وابن أبي الدنيا في «الصمت» (١٧١)، والروياني في «مسنده» ١/ ٤٨٠ - ٤٨١ (٧٢٩)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ١٨٦ من طريق يزيد بن هارون عن سليمان التيمي قال سمعت رجلًا يحدث في مجلس أبي عثمان النهدي عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - .. الحديث. قلت: وهذا إسناد ضعيف لجهالة شيخ سليمان التيمي.
ورواه أبو يعلى في «مسنده» ٣/ ١٤٦ - ١٤٧ (١٥٧٦)، وابن الأثير في "أسد =



وعن علي من حديث مجالد عن الشعبي عنه (١).
ومجالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن عمر قَالَ: ليس الصيام من الطعام والشراب وحده، لكنه من الكذب والباطل واللغو (٢). وعن أنس قَالَ: إذا اغتاب الصائم أفطر (٣) (٤). وقال أبو ذر: إذا كان يوم صومك فتحفظ ما استطعت (٥).

---------
= الغابة«٣/ ٥٣٨ من طريق حماد بن سلمة عن سليمان التيمي عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - ..... الحديث.
قلت: وهذا إسناد ضعيف أيضًا لانقطاعه؛ لأن سليمان التيمي لم يسمع من عبيد، فهو مرسل.
قال ابن عبد البر في»الاستيعاب«٣/ ١٤٠ (١٧٦٦): عبيد مولى رسول الله - ﷺ - روى عنه سليمان التيمي، ولم يسمع منه، بينهما رجل.
والحديث ضعفه الألباني في»الضعيفة«(٥١٩)، وقال عنه الحويني في النافلة (٦٢): منكر، وعقد فيه بحثًا أيضًا فليراجع.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٤) كتاب: الصيام، ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب، والبيهقي في»شعب الإيمان«٣/ ٣١٦ (٣٦٤٥، ٣٦٤٨).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٢ (٨٨٨٥).
(٣) وقع في هامش الأصل: ولأحمد مسند فيه مجهول عن عبيد مولى رسول الله - ﷺ - أن امرأتين صامتا إلى أن قال:»ادعهما«قال: فجاءتا. قال: فجيء بقدح أو عس فقال لإحداهما:»قيئي«فقاءت قيحًا، ودمًا وصديدًا أو لحمًا حتى ملأت نصف القدح، ثم قال للأخرى إلى أن قال:»إن هاتين صامتا عما أحل الله لهما وأفطرتا على ما حرم الله عليهما، جلست إحداهما إلى الأخرى فجعلتا يأكلان لحوم الناس«.
وله بسند آخر فيه مجهول … عثمان بن عتاب الذي … مولى رسول الله - ﷺ - كذلك.
وله: حدثنا يحيى بن سعيد عن عتاب -هو ابن سعيد مولى رسول الله - ﷺ -- أنهم أمروا بصيام يومٍ، فذكر نحوه وقد عزاه الشيخ لابن حزم هنا.
(٤) تقدم تخريجه، وهو عند هناد في»الزهد«٢/ ٥٧٣ (١٢٠٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٢ (٨٨٧٨)، والبيهقي في»شعب الإيمان" ٣/ ٣١٦ (٣٦٤٧).



قَالَ ابن حزم: فهؤلاء من الصحابة عمر وعلي وأنس وأبو ذر وأبو هريرة وجابر (١)، يرون بطلان الصوم بالمعاصي؛ لأنهم خصوا الصوم باجتنابها، ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة، ومن التابعين مجاهد وحفصة بنت سيرين وميمون بن مهران والنخعي (٢)، وفي هذا رد عَلَى قول ابن التين لما نقل عن الأوزاعي أنه يفطر من اغتاب مسلمًا. وعند كافة الفقهاء أن ذَلِكَ نقص من حظه من الصيام لا في الإجزاء. واحتج الأوزاعي بالحديث السالف، وهذا عندنا عَلَى وجه التغليظ والمجاز، ومعناه: سقوط الثواب.
قلت: قد علمت ضعفه وأن الأوزاعي لم ينفرد به، وكذا قَالَ ابن بطال (٣): اتفق جمهور الفقهاء عَلَى أن الصائم لا يفطره السب والشتم والغيبة، وإن كان مأمورًا أن ينزه صيامه عن اللفظ القبيح، ثم نقل عن الأوزاعي أنه يفطره السب والغيبة، واحتج بما روي أن الغيبة تفطر الصائم، وكذا قَالَ القرطبي.
قَالَ: وبه قَالَ الحسن فيما أحسب. وقال ابن القصار: معناه: أنه يصير في معنى المفطر في سقوط الأجر لا أنه أفطر في الحقيقة لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ [الحجرات: ١٢] فلم يكن آكلًا في الحقيقة، وإنما يصير في معناه، ويجوز أن يكون في معنى التغليظ كما قَالَ: «الكذب مجانب

---------
(١) تقدم تخريج هذِه الآثار.
(٢) انظرها في:»مصنف ابن أبي شيبة«٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٣، ٨٨٨٧ - ٨٨٨٩) كتاب: الصيام، باب: ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وتوقي الكذب، و»شعب الإيمان«٣/ ٣١٧ - ٣١٨ وانظر»المحلى«٦/ ١٧٩.
(٣)»شرح ابن بطال" ٤/ ٢٤ - ٢٥.



الإيمان». وقال أبو العالية: الصائم في ثوابٍ ما لم يغتب وإن كان نائمًا عَلَى فراشه (١).
وقال مجاهد: من أحب أن يسلم له صومه (فليجتنب) (٢) الغيبة والكذب (٣). وقال النخعي: كان يقال: الكذب يفطر الصائم (٤).
وقوله: («فليس لله حاجة») معناه: فليس لله إرادة في صيامه، والله لا يحتاج إلى شيء فوضع الحاجة موضع الإرادة (٥).

----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٢٧٣ (٨٨٨٩) كتاب الصوم، ما يؤمر به الصائم من قلة الكلام وهناد في «الزهد» ٢/ ٥٧٢ (١٢٠١) باب الغيبة للصائم.
(٢) في (ج) فليتخنب.
(٣) رواه هناد في «الزهد» ٢/ ٥٧٢ (١٢٠٣).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٥٧٣ (١٢٠٥)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ٢٢٧.
(٥) في هامش الأصل: آخر ٩ من ٦ من تجزئة المصنف.
وقبالتها في الجهة الأخرى من الهامش: ثم بلغ في الرابع بعد الأربعين كتبه مؤلفه.



٩ - باب هَلْ يَقُولُ إِنِّي صَائِمٌ. إِذَا شُتِمَ؟
١٩٠٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ الزَّيَّاتِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «قَالَ اللهُ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ. وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ، أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ. وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». [انظر: ١٨٩٤ - مسلم: ١١٥١ - فتح: ٤/ ١٨٨]
ذكر فيه حديث أبي هريرة السالف في باب فضل الصوم، وهو أتم من ذاك.
والرفث والجهل ذكر هنا؛ لأنه أشد لحرمة الصوم عنهما كما قاَلَ تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ المُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ [المؤمنون: ١ - ٢] والخشوع في الصلاة آكد منه في غيرها، وقال في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فأكد حرمة الأشهر الحرم وجعل الظلم فيها أشد من غيرها، فينبغي للصائم أن يعظم من شهر رمضان ما عظم الله ورسوله، ويعرف قدر ما لزمه من حرمة الصيام، والقيام بحدوده. وقد أسلفنا هناك الكلام عَلَى «يصخب».
وقوله: («فم») وفي بعض النسخ «فيِّ» وهو رواية الشيخ أبي الحسن، كما عزاه إليه ابن التين، ثم نقل عن القزاز أنه لا أصل لهذا اللفظ في الحديث ولا لقوله: «فيِّ الصائم» بتشديد الياء، والتشديد لا يجوز عَلَى أحد جهله، وإنما تقول العرب: أعجبني هو زيد، وعجبت من في زيد، ولا وجه للتشديد.


١٠ - باب الصَّوْمِ لِمَنْ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ العُزُوبَةَ
١٩٠٥ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنه فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». [٥٠٦٥، ٥٠٦٦ - مسلم: ١٤٠٠ - فتح: ٤/ ١١٩]
ذكر فيه حديث أبي حمزة -بالحاء المهملة والزاي- عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللهِ فَقَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة (١)، والاستطاعة هنا وجود ما يتزوج به لا القدرة عَلَى الوطء.
والباءة أصلها في اللغة: الجماع، وهي مشتقة من المباءة وهي: المنزل، ثم قيل لعقد النكاح: باءة؛ لأن من تزوج امرأة فقد بوأها منزلًا، فهو من مجاز الملازمة، وفي الباءة أربع لغات: أفصحها وأشهرها: الباءة بالمد والهاء. ثانيها: بدون مد. ثالثها: بلا هاء. رابعها: الباهة بهائين بلا مد. وفي بعض شروح «التنبيه» أنها بالمد: القدرة عَلَى مؤن النكاح، وبالقصر: الوطء.
وفي «الموعب»: الباءة: الحظ من النكاح. واختلفوا في المراد بها هنا عَلَى قولين يرجعان إلى معنى واحد أصحهما: أن المراد معناها

---------
(١) مسلم (١٤٠٠) كتاب النكاح، باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه ووجد مؤنه، واشتغال من عجز عن المؤن بالصوم، وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذي (١٠٨١)، والنسائي ٤/ ١٦٩، وابن ماجه (١٨٤٥).


اللغوي، وهو الجماع، والثاني المؤن.
قَالَ ابن دريد: سميت باءة؛ لأن الماء يصب ثم يعود.
ومعنى «أَغَضُّ» أمنع وأحصن، مأخوذ من الحصين الذي يمتنع به من العدو. والوجاء -بكسر الواو والمد- رض الأنثيين أي: قاطع للشهوة، فإن سلتا فهو الخصي.
وأطلق الداودي أن الوجاء هو الخصي، وحكي فيه فتح الواو والقصر، وليس بشيء، كما نبه عليه القرطبي (١)، وحكاه صاحب «مجمع الغرائب» وغيره من الحفي، وما أبعده؛ لأنه لا يكون إلا بعد طول مشي وتعب، إلا أن يستعمل بمعنى العثور.
وأغض وأحصن يحتمل أن تكون لغير المبالغة وأن تكون عَلَى بابها.
وقوله: («فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ») ليس إغراء الغائب؛ لأن الهاء في عليه لمن خصه من الحاضرين بعدم الاستطاعة لتعذر خطابه بكاف الخطاب والحوالة عَلَى الصوم لما فيه من كسر الشهوة؛ فان شهوة النكاح متابعة لشهوة الأكل، تقوى بقوتها، وتضعف بضعفها.
وفيه: كما قَالَ الخطابي: دلالة عَلَى جواز المعاناة لقطع الباه بالأدوية، ومنعه غيره قياسًا عَلَى التبتل والإخصاء (٢).
وفيه: وجوب الخيار في العنة، كما قَالَه القرطبي (٣).
وفيه: الأمر بالنكاح لمن استطاع وتاقت نفسه، وهو إجماع، لكنه عند الجمهور أمر ندب لا إيجاب، وإن خاف العنت، وستأتي المسألة

------------
(١) «المفهم» ٤/ ٨٥.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٥٠.
(٣) «المفهم» ٤/ ٨٥.



-إن شاء الله- مبسوطة في النكاح، فإنه أليق بها، وقد ندب - ﷺ - أمته إلى النكاح ليكونوا عَلَى كمال من دينهم، وصيانة لأنفسهم في غض أبصارهم وحفظ فروجهم، لما يخشى عليه مَنْ جبله الله عَلَى حب أعظم الشهوات، ثم اعلم أن الناس كلهم لا يجدون طولًا في النساء، وربما خافوا العنت بعقد النكاح، فعوضهم منه ما يدافعون به سورة شهواتهم وهو الصيام، فإنه وجاء، وهو مقطعة الانتشار وحركة العروق التي تتحرك عند شهوة الجماع.

١١ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «إِذَا رَأَيْتُمُ الهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا»
وَقَالَ صِلَةُ، عَنْ عَمَّارٍ: مَنْ صَامَ يَوْمَ الشَّكِّ فَقَدْ عَصَى أَبَا القَاسِمِ - ﷺ -.

١٩٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ - فتح: ٤/ ١١٩]

١٩٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاثِينَ». [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ - فتح: ٤/ ١١٩]

١٩٠٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». وَخَنَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ (١٣) - فتح: ٤/ ١١٩]

١٩٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه يَقُولُ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺأَوْ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ - ﷺ --: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». [مسلم: ١٠٨١ - فتح: ٤/ ١١٩]

١٩١٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا -أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا». [٥٢٠٢ مسلم:


١٠٨٥ - فتح: ٤/ ١١٩]

١٩١١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: آلَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ نِسَائِهِ، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ». [انظر: ٣٧٨ - مسلم: ٤١١ - فتح: ٤/ ١٢٠]
ثم ذكر حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ: «لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَالَ، وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّئ تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
وحديثه أيضًا: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً، فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلَاِثينَ».
وحديثه أيضًا: «الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». وَخَنَسَ الإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ.
وحديث أبي هريرة: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاِثِينَ».
وحديث يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا، فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا غَدَا -أَوْ رَاحَ- فَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا. فَقَالَ: «الشَّهْرُ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا».
وحديث أنس: آلَى رسُول اللهِ - ﷺ -، وَكَانَتِ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ، فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَزَلَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، آلَيْتَ شَهْرًا. فَقَالَ: «إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا عِشْرِينَ».
الشرح:
تعليق صِلةَ عن عمار -وهو ابن ياسر- أخرجه أصحاب السنن


الأربعة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والترمذي والحاكم عَلَى شرط الشيخين. وقال الدارقطني: إسناده حسن ورجاله ثقات (١).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #366  
قديم اليوم, 04:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,967
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (13)
من صـــ 91 الى صـــ 110
الحلقة (366)






ولا عبرة بقول أبي القاسم الجوهري أنه موقوف، فقد قَالَ ابن عبد البر: لا يختلفون في إسناده. وصِلة هو ابن زفر، ووقع في كتاب ابن حزم: ابن أشيم (٢)، وهو غلط.
وحديث ابن عمر بطرقه أخرجه مسلم (٣) وقد سلف (٤).
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٥)، وحديث أم سلمة أخرجه مسلم أيضًا (٦)، وحديث أنس من أفراده.
وقد سلف فقه الباب في باب: هل يقال رمضان (٧)؟ واضحًا.
وحديث أبي هريرة ساقه البخاري عن آدم، ثَنَا شعبة، ثَنَا محمد بن زياد، سمعت أبا هريرة، فذكره.
قَالَ الإسماعيلي: رواه هكذا، وفيه: «فإن غم عليكم فأكملوا عدة

-------
(١) أبو داود (٢٣٣٤) كتاب: الصوم، باب: كراهية صوم يوم الشك، الترمذي (٦٨٦) كتاب: الصوم، باب: ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، النسائي ٤/ ١٥٣، ابن ماجه (١٦٤٥) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في صيام يوم الشك، ابن خزيمة ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥ (١٩١٤)، ابن حبان ٨/ ٣٥١ (٣٥٨٥) كتاب: الصوم، صوم يوم الشك، الدارقطني ٢/ ١٥٧، الحاكم في»المستدرك«١/ ٤٢٣ - ٤٢٤.
وصححه الألباني في»صحيح أبي داود«(٢٠٢٢)، و»الإرواء«(٩٦١).
(٢)»المحلى" ٧/ ٢٣.
(٣) مسلم (١٠٨٠) كتاب الصيام، باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال والفطر ..
(٤) برقم (١٩٠٠).
(٥) مسلم (١٠٨١) كتاب: الصيام، باب: وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال.
(٦) مسلم (١٠٨٥) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعا وعشرين.
(٧) راجع شرح أحاديث (١٨٩٨ - ١٩٠٠).



شعبان ثلاثين» وقد رويناه عن عندر وابن مهدي وعدد جماعات، كلهم عن شعبة، لم يذكر أحد منهم «فأكملوا عدة شعبان ثلاثين».
وهذا يجوز أن يكون آدم رواه عَلَى التفسير من عنده للخبر وإلا فليس لانفراد أبي عبد الله عنه بهذا من بين من رواه عنه، ومن بين سائر من ذكرنا ممن روى عن شعبة وجه، وإن كان المعنى صحيحًا.
ورواه المقرئ، عن ورقاء، عن شعبة عَلَى ما ذكرناه أيضًا، ويحيى بن عبد الله بن صيفي ثقة (١).
ومعنى: خنس الإبهام: قبض، والانخناس: الانقباض، وقد يكون الخنوس لازمًا.
وقوله: («الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ») أي ربما كان كذلك و«غبي» بالباء وروي بالميم من الإغماء، وهو: الإخفاء، وقد سلف «ويومًا» أراد به: مع ليلته.
وفيه: دلالة لقول ابن عبد الحكم أنه إذا حلف لا يكلم إنسانًا شهرًا أنه يبر بتسعة وعشرين يومًا.
وعند مالك: لا يبر إلا بثلاثين. والمشرُبة بضم الراء وفتحها: الغرفة، وقيل: الخزانة والجمع: مشارب، ولعل يمينه كانت في أول النهار إن كان الصحيح قوله: غدا، أو في نصفه إن كان الصحيح: أو راح، قاله ابن التين.
قَالَ الترمذي: والعمل عَلَى حديث عمار عند أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين، وبه يقول الثوري ومالك وابن المبارك والشافعي

------
(١) هو يحيى بن عبد الله بن محمد بن صيفي القرشي المخزومي المكي، مولى بني مخزوم، وثقه ابن معين والنسائي. انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٩/ ١٦٢ (٦٧٠)، «تهذيب الكمال» ٣١/ ٤١٦ (٦٨٦٦).


وأحمد وإسحاق، وكرهوا أن يصام اليوم الذي يشك فيه، ورأى أكثرهم أن صيامه مكان يوم من شهر رمضان أن يقضي يومًا مكانه (١).
واحتج القاضي في «شرح الرسالة» عَلَى أبي حنيفة في تجويزه صوم يوم الشك عَلَى أنه لرمضان بحديث ابن عمر، وفيه: «لا تصوموا حَتَّى تروه، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين». فنهى عن صومه إلا بأحد هذين الشرطين، فمتى لم يوجدا أو أحدهما فيجب أن لا يجزئه، وقد أسلفنا أن كافة الفقهاء ذهب إلى معنى «فَاقْدُرُوا لَهُ» مجمل يفسره قوله - ﷺ -: «فأكملوا العدة ثلاثين يومًا»، وكذلك جعل مالك في «الموطأ»: «فأكملوا العدة ثلاثين يومًا» بعد قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» (٢) كما صنع
البخاري؛ لأنه مفسر ومبين لمعنى قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ».
وحكى ابن سيرين أن بعض التابعين كان يذهب في معناه إلى اعتباره بالنجوم ومنازل القمر وطريق الحساب (٣)، وقد سلف.
والحديث نص أنه لم يرد اعتبار ذَلِكَ بالنجوم والمنازل؛ لأنه لو كلف ذَلِكَ أمته لشق عليهم؛ لأنه لا يعرف النجوم والمنازل إلا قليل من الناس، ولم يجعل الله تعالى في الدين من حرج، وإنما أحال عَلَى إكمال الثلاثين يومًا وهو شيء يستوي في معرفته الكل. وقد انضاف إلى أمره باعتبار ثلاثين عند عدم الرؤية بفعله في نفسه، فعن عائشة: كان - ﷺ - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من سائر المشهور، فإذا رآه صام، وإن غم عدَّ شعبان ثلاثين وصام. ولو كان ها هنا علم آخر لكان يفعله أو يأمر به (٤).

----------
(١) «سنن الترمذي» عقب حديث (٦٨٦).
(٢) «الموطأ» ص ١٩٢.
(٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٤/ ٣٥٠.
(٤) تقدم تخريجه باستيفاء.



وجمهور الفقهاء عَلَى أن لا يصام رمضان إلا بيقين من خروج شعبان، إما بالرؤية وإما بإكمال شعبان ثلاثين، وكذلك لا يقضى بخروج رمضان إلا بيقين مثله؛ لأنه ممكن في الشهر أن يكون ناقصًا، فالرؤية تصحح ذَلِكَ وتوجب اليقين، وإلا فإكمال العدد ثلاثين يقينًا، هذا معنى قوله: «فَاقْدُرُوا لَهُ» عند العلماء. ولابن عمر فيه تأويل شاذ لم يتابع عليه كما سيأتي في باب: صيام يوم الشك.
وأما حديث: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» له، فإن معناه -كما قَالَ الطبري: الشهر الذي نحن فيه أو الذي قد علمتم إخباري عنه؛ لأن الألف واللام إنما تدخلها العرب في الأسماء، إما لمعهود قد عرفه المُخبِر والمخبَر، وإما للجنس العام من الشهر، ومعلوم أنه - ﷺ - لم يقصد في ذَلِكَ الخبر عن الجنس العام؛ لأنه لو كان كذلك لم يقل: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته». فأحال عَلَى الرؤية، ونحن نرى الشهر يكون مرة ثلاثين ومرة تسعًا وعشرين، فعلم أن قوله: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ» أن ذَلِكَ قد يكون في بعض الأحوال. وقد روى البخاري بعده عن ابن عمر مرفوعًا: «إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر (كذا وكذا) (١)» (٢) يعني: مرة ناقصًا ومرة كاملًا. وروي عن عروة، عن عائشة أنها أنكرت قول من قَالَ أنه - ﷺ - قَالَ: «الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ»: لا والله ما قَالَ كذلك، إنما قَالَ حين هجرنا: «لأهجرنكم شهرً» وأقسم عَلَى ذَلِكَ، فجاءنا حين ذهب تسع وعشرون ليلة، فقلت: يا نبي الله، إنك أقسمت شهرًا. فقال: «إن الشهر كان تسعًا وعشرين ليلة» (٣).

-----------
(١) ورد فوق الكلمتين: هكذا وهكذا.
(٢) سيأتي برقم (١٩١٣).
(٣) رواه مسلم (١٠٨٣) كتاب: الصيام، باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين، والنسائي ٤/ ١٣٦ - ١٣٧، وأحمد ٦/ ٣٣.



١٢ - باب شَهْرَا عِيدٍ لَا يَنْقُصَانِ
قَالَ إِسْحَاقُ (١): وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهْوَ تَمَامٌ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَا يَجْتَمِعَانِ كِلَاهُمَا نَاقِصٌ.

١٩١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَحَدَّثَنِي مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ خَالِدٍ الحَذَّاءِ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «شَهْرَانِ لَا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ». [مسلم: ١٠٨٩ - فتح: ٤/ ١٢٤]
ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «شهرًا عيد لا يَنْقُصَانِ، شَهْرَا عِيدٍ: رَمَضَانُ وَذُو الحَجَّةِ».
حديث أبي بكرة أخرجه مسلم أيضًا (٢). ونقل الداودي عن بعض العلماء أنه لم يروه أهل المدينة.
وإسحاق (٣) هذا هو ابن سويد بن هُبَيْرة العدوي عدي بن عبد مناة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر، روى له البخاري حديثًا واحدًا مقرونًا وهو المذكور بعد في حديث أبي بكرة، الراوي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، مات في الطاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة.

-------------
(١) ورد بهامش (م): هو إسحاق بن راهويه، وفي هامش الأصل: ابن سويد، كذا في نسختي، وعليه ما رقمته عليه، والظاهر أنها للمستملي. اهـ
ووقع بين السطور رموز غير واضحة.
(٢) مسلم (١٠٨٩) كتاب: الصيام، باب: معنى قوله - عليه السلام - شهرا عيد لا ينقصان.
(٣) ورد بهامش (م): "إسحاق أي الذي هو من رجال السند لا المذكور بعد الترجمة في بعض النسخ.



وعبد الرحمن بن أبي بكرة أول مولود ولد بالبصرة في الإسلام سنة أربع عشرة، ومات سنة ست وتسعين، ومات أبو بكرة نفيع بن مسروح سنة إحدى وخمسين بالبصرة. ولما خرَّج الترمذي حديث أبي بكرة حسنه، قَالَ: وقد روي عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن النبي - ﷺ -
مرسلًا (١).
وسمي شهر رمضان شهر عيد، وإنما العيد في شوال؛ لأنه قد يرى هلال شوال بعد الزوال من آخر يوم من رمضان، أو أنه لما قرب العيد من الصوم أضافته العرب إليه بما قرب منه، ذكرهما الأثرم، واختلف في معناه عَلَى تأويلين:
أحدهما: لا ينقصان من سنة، أي غالبًا.
والثاني: لا ينقص ثوابهما بل ثواب الناقص كالكامل، وقد ذكرهما
البخاري أول الباب، أو المراد لا ينقص العمل في عشر ذي الحجة ولا رمضان، وفيه قوة، وبالأول قَالَ البزار: إن نقص أحدهما تم الآخر.
وقَالَ الطحاوي: روى عبد الرحمن بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، [عن أبيه] (٢) عن النبي - ﷺ - أنه قَالَ: «كل شهر حرام ثلاثون» قَالَ: وليس بشيء لأن ابن إسحاق لا يقاوم خالد الحذاء، ولأن العيان يمنعه (٣).

-----------
(١) الترمذي (٦٩٢) باب: ما جاء في شهرًا عيد لا ينقصان.
(٢) زيادة من الطحاوي.
(٣) «شرح مشكل الآثار» ٢/ ٦٢١ (١٣٣٨ - تحفة) وحديث أبي بكرة رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٤٦ - ٤٧ من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق القرشي، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه مرفوعًا، وقال: حديث لا يحتج بمثله؛ لأنه يدور على عبد الرحمن بن إسحاق، وهو ضعيف. =



وقال المهلب: روى زيد بن عقبة عن سمرة بن جندب مرفوعًا: «شهرا عيد لا يكونان ثمانية وخمسين يومًا».
وبالثاني قَالَ الطحاوي والبيهقي (١): والأحكام متكاملة فيهما لأن في الأول الصوم وفي الثاني الحج.
فإن قلت: موضع العبادة من ذي الحجة لا يتأثر بالنقص؛ لأن موضع العبادة منه في أوله خاصة. فجوابه أنه قد يكون في أيام الحج من النقصان والإغماء مثل ما يكون في آخر رمضان، وذلك أنه قد يغمى هلال ذي القعدة ويقع فيه غلط بزيادة يوم أو نقصانه، فإذا كان ذَلِكَ وقع وقوف الناس بعرفة في ثامن ذي الحجة ومرة عاشره.
وقد اختلف العلماء فيمن وقف بعرفة بخطأ شامل لجميع أهل الموقف في يوم قبل عرفة أو بعده، أيجزئ عنه؛ لأنهما لا ينقصان عند الله من أجر المتعبدين بالاجتهاد، كما لا ينقص أجر رمضان الناقص، والإجزاء هو قول عطاء والحسن وأبي حنيفة والشافعي،

--------------
= وأورده الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٣/ ٢٦٢ في ترجمة عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة الواسطي (٤٨١٢) من طريق مروان بن معاوية، عن عبد الرحمن بن إسحاق. به. وقال الذهبي: عبد الرحمن ضعفوه، قال أحمد: ليس بشيء منكر الحديث، وقال يحيى بن معين: ضعيف، ومرة قال: متروك، وقال البخاري: فيه نظر. اهـ.
وأورد متنه الهيثمي في «المجمع» ٣/ ١٤٧ وعزاه للطبراني في «الكبير» وقال: رجاله رجال الصحيح اهـ.، ولم أقف عليه في «الكبير» فلعله في الجزء المفقود من المعجم، وقول الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، فيه نظر، إن كان طريق الطبراني هو نفس الطريق السابق الذي فيه عبد الرحمن بن إسحاق، وقد أجمعوا على ضعفه، إلا أنه قد يكون طريق الطبراني غير هذا الطريق والله أعلم.
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٥٨ - ٥٩، و«سنن البيهقي» ٤/ ٢٥٠ - ٢٥١.



واحتج أصحاب الشافعي عَلَى جواز ذَلِكَ بصيام من التْبَسَتْ عليه المشهور أنه جائز أن يقع صيامه قبل رمضان وبعده، قالوا: كما يجزئ حج (١) من وقف بعرفة قبل يوم عرفة أو بعده.
وقال ابن القاسم: إن أخطئوا ووقفوا العاشر أجزأهم، وإن قدَّموا الوقوف يوم التروية أعادوا الوقوف من الغد ولم يجزئهم (٢). وهذا يخرج عَلَى أصل مالك فيمن التَبَسَتْ عليه المشهور فصام شهرًا ثم تبين أنه أوقعه بعد رمضان، أنه يجزئه دون ما إذا أوقعه قبله، كمن اجتهد وصلى قبل الوقت أنه لا يجزئه، وقال بعض العلماء أنه لا يقع وقوف الثامن أصلًا؛ لأنه إن كان برؤية وقفوا التاسع، وإن كان بإغماء فالعاشر.

------------
(١) ورد بهامش / ١٣١ ب/ ما نصه: ولا يخفي أن محل ذلك إذا لم يقع تقصير في طلب ثبوت الهلال.
(٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ٨.



١٣ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ»
١٩١٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الأَسْوَدُ بْنُ قَيْسٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ. [انظر: ١٩٠٠ - مسلم: ١٠٨٠ (١٥) - فتح: ٤/ ١٢٦]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ قال: قال النَّبِيِّ: «إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا». يَعْنِي: مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ، وَمَرَّةً ثَلَاثينَ.
هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: «نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا وهكذا» -وعقد الإبهام في الثالثة- والشهر هكذا وهكذا وهكذا«يعني تمام ثلاثين (١).
وانفرد بإخراجه من حديث سعد بن أبي وقاص (٢).
وقال أبو حاتم: مرسل عن محمد بن سعد، عن رسول الله - ﷺ - (٣)، ولأبي داود عن ابن مسعود: ما صمت مع رسول الله - ﷺ - تسعًا وعشرين أكثر مما صمنا ثلاثين (٤).

------------
(١) مسلم (١٠٨٠/ ١٥).
(٢) مسلم (١٠٨٦) باب: الشهر يكون تسعًا وعشرين.
(٣)»علل ابن أبي حاتم«١/ ٢٥٥ (٧٥٤).
(٤) أبو داود (٢٣٢٢) باب الشهر يكون تسعًا وعشرين يومًا، ورواه الترمذي (٦٨٩) باب ما جاء أن الشهر يكون تسعًا وعشرين، وأحمد ١/ ٣٩٧، ٤٤١، وابن خزيمة ٣/ ٢٠٨ (١٩٢٢) من طريق عيسى بن دينار، عن أبيه، عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود .. قوله. قال المباركفوري في»تحفة الأحوذي«٣/ ٣٠٢: حديث حسن، وصححه الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٠١١).



وعن عائشة مثله عند الدارقطني: إسناد حسن صحيح (١)، ولابن ماجه مثله من حديث أبي هريرة (٢).
قَالَ أبو حاتم الرازي: وحديث ابن عباس رفعه: «الشهر تسع وعشرون وثلاثون» خطأ، والصحيح: عن عكرمة، عن رسول الله - ﷺ -، كذا رواه الحفاظ، فقيل له: فقد روي عن سماك، عن عبد الله بن شداد، عن عائشة أيضًا، فقال أبو زرعة: يخطئ من يقول ذلك (٣).
وخطَّأ أبو حاتم رواية من روى عنها مرفوعًا: «إِنَّا أمّةٌ أُمِّيَّةٌ» (٤).
إذا تقرر ذَلِك؛ فمعنى قوله: «إنا أمة» أي: جماعة قريش، مثل

----------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٩٨، ورواه أحمد ٦/ ٨١، ٩٠، والطبراني في «الأوسط» ٥/ ٢٥٧ (٥٢٤٩)، والبيهقي ٤/ ٢٥٠ كتاب: الصيام، باب: الشهر يخرج تسعًا وعشرين فيكمل صيامهم. من طريق إسحاق بن سعيد بن عمرو بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة. به.
وصححه الدارقطني كما ذكر المصنف، وقال الطبراني: لا يروى هذا الحديث، عن عائشة إلا بهذا الإسناد، تفرد به: إسحاق بن سعيد ا. هـ، وقال الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤٧ رواه أحمد والطبراني في «الأوسط»، ورجال أحمد رجال الصحيح، وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٢٣: إسناده جيد، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» ٧/ ٩٠، وسنده صحيح على شرطهما.
(٢) ابن ماجه (١٦٥٨) كتاب: الصيام، باب: ما جاء في الشهر تسع وعشرون، ورواه الترمذي في «العلل الكبير» ١/ ٣٣٢، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٠٧ (٦٤٨٦)، وأبو الشيخ في «طبقات المحدثين بأصبهان» ١/ ٣٢٠ من طريق القاسم بن مالك المزني، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي هريرة. به.
وانظر: «مصباح الزجاجة» ٢/ ٦٣. وقال الألباني في «صحيح ابن ماجه» (١٣٤٥): حسن صحيح.
(٣) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٣٣ (٦٨٠).
(٤) السابق ١/ ٢٣٩ (٦٩٧).



قوله: ﴿وَأُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ [القصص: ٢٣].
و«أُمِّيَّةٌ» أي: باقون عَلَى ما ولدت عليه الأمهات لا نكتب ولا نحسب، أو نسبة إلى الأم وصفتها؛ لأَن هذِه صفات النساء غالبًا.
وقال الرشاطي: يعني نسبوا إلى ما عليه أمة العرب، وكانوا لا يكتبون، وقيل له: أمي نسبة إلى أم القرى مكة، وجعله الله أميًا خشية أن يرتاب المبطلون، إنما يسمع وحيًا فيبلغه ولم يأخذ عن كتب
الأمم قبلنا، ولا بحساب نجوم.
وقال: «أمّةٌ أُمِّيَّةٌ» لم تأخذ عن كتب الأمم قبلها، إنما أخذته عما جاء به الوحي من الله.
ومعنى: «لَا نَحْسُبُ» وهو بضم السين أي: لم نكلف في تعريف
مواقيت صومنا ولا عبادتنا ما نحتاج فيه إلى معرفة حساب ولا كتاب، إنما ربطت عبادتنا بأعلام واضحة وأمور ظاهرة، يستوي في معرفة ذَلِكَ الحساب وغيرهم، ثم تمم هذا المعنى بإشارته بيده ولم يلفظ بعبارة عنه نزولًا إليها بما يفهمه الخرس والعجم، وحصل من إشارته بيده أن الشهر يكون ثلاثين، ومن خنسِه إبهامه في الثالثة أنه يكون تسعًا وعشرين.
وعلى هذا أن من نذر أن يصوم شهرًا غير معين فله أن يصوم تسعًا وعشرين؛ لأن ذَلِكَ يقال له: شهر، كما أن من نذر صلاة أجزأه من ذَلِكَ ركعتان؛ لأنه أقل ما يصدق عليه الاسم، وكذا من نذر صومًا فصام يومًا أجزأه، وهو خلاف ما ذهب إليه مالك، فإنه قَالَ: لا يجزئه إذا صامه
بالأيام إلا ثلاثون يومًا، فإن صامه بالهلال فعلى الرؤية.
وفيه: أن يوم الشك من شعبان.
وقال المهلب: في الحديث بيان لقوله: «اقْدُرُوا لَهُ» أن معناه إكمال العدد ثلاثين يومًا كما تأول الفقهاء، ولا اعتبار في ذَلِكَ بالنجوم


والحساب، وهذا الحديث ناسخ لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما المعول عَلَى الرؤية للأهلة التي جعلها الله مواقيت للناس في الصيام والحج والعدد والديون، وإنما لنا أن ننظر من علم الحساب ما يكون عيانًا أو كالعيان.
وأما ما غمض حَتَّى لا يدرك إلا بالظنون ويكشف الهيئات الغائبة عن الأبصار، فقد نهينا عنه وعن تكلفه، وذلك أن رسول الله - ﷺ - إنما بعث إلى الأميين الذين لا يقرءون الكتب ولا يحسبون بالقوانين الغائبة، وإنما يحسبون الموجودات عيانًا.
وفي الحديث مستند لمن رأى الحكم بالإشارة والإيماء لمن قَالَ: امرأته طالق وأشار بأصابعه الثلاث، فإنه يلزمه ثلاث تطليقات.


١٤ - باب لَا يَتَقَدَّمَنَّ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ وَلَا يَوْمَيْنِ
١٩١٤ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ». [مسلم: ١٠٨٢ - فتح: ٤/ ١٢٧]
ذكر حديث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف فقهه في باب: هل يقال رمضان؟ وانفرد داود فقال: لا يصح صومه أصلًا ولو وافق عادة له، وذهبت طائفة إلى أنه لا يجوز أن يصام آخر يوم من شعبان تطوعًا إلا أن يوافق صومًا كان يصومه، وأخذ بظاهر هذا الحديث، روي ذَلِكَ عن عمر وعلي وحذيفة وابن مسعود (٢).
ومن التابعين سعيد بن المسيب والشعبي والنخعي والحسن وابن سيرين (٣).

---------
(١) مسلم (١٠٨٢) كتاب: الصيام، باب: لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين.
(٢) رواه عن عمر: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣٠) كتاب: الصيام، من كره أن يتقدم شهر رمضان بصوم، ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٩)، ٢/ ٣٢٤ (٩٥٠٧). والبيهقي ٤/ ٢٠٩ كتاب: الصيام، باب: النهي عن استقبال شهر رمضان بصوم، وعن علي: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٢٩)، ٢/ ٣٢٢ (٩٤٨٩)، والبيهقي ٤/ ٢١٠. وعن حذيفة: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ (٩٤٩٣، ٩٤٩٠)، والبيهقي ٤/ ٢١٠.
(٣) رواه عن الشعبي: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ - ٣٢٤ (٩٤٩٥ - ٩٤٩٦، ٩٥٠٤ - ٩٥٠٥). وعن النخعي: ابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٣ (٩٤٩٥، ٩٤٩٨، ٩٥٠٦) وعن =



وهو قول الشافعي (١). وكان ابن عباس، وأبو هريرة يأمران بفصل بين شعبان ورمضان بفطر يوم أو يومين، كما استحبوا أن يفصلوا بين صلاة الفريضة والنافلة بكلام أو قيام أو تقدم أو تأخر (٢).
قَالَ عكرمة: من صام يوم الشك فقد عصى الله ورسوله (٣).
وأجازت طائفة صومه تطوعًا، روي عن عائشة وأختها أسماء أنهما كانتا تصومان يوم الشك، وقالت عائشة: لأن أصوم يومًا من شعبان أحب إليَّ من أن أفطر يومًا من رمضان (٤). وهو قول الليث والأوزاعي وأبي حنيفة وأحمد وإسحاق (٥).
وحجة هذا القول أنا أنما نكره صوم يوم الشك قطعًا أن يكون من رمضان أو عَلَى وجه المراعاة خوفًا أن يكون من رمضان فيلحق بالفرض ما ليس من جنسه، فأما إذا أخلص النية للتطوع فلم يحصل فيه معنى الشك، إنما نيتة أنه من شعبان فهو كما يصومه عن نذر أو قضاء رمضان، وإنما النهي عن أن يصومه عَلَى أنه إن كان من رمضان فذاك وإلا فهو تطوع.

----------
= الحسن: ابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣١)، ٢/ ٣٢٣ (٩٥٠٠). وعن ابن سيرين: عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٦٢ (٧٣٢٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣١).
(١) انظر: «البيان» ٣/ ٥٥٨.
(٢) رواه عن ابن عباس: عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٥٨ (٧٣١١ - ٧٣١٢)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٥ (٩٠٢٢)، ٢/ ٢٨٦ (٩٠٣٣)، والبيهقي ٤/ ٢٠٨.
وعن أبي هريرة: عبد الرزاق ٤/ ١٥٨ (٧٣١٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٢٨٥ (٩٠٢٥).
(٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦٠ (٧٣١٩)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٤ (٩٥٠٣).
(٤) رواه عنهما البيهقي ٤/ ٢١١.
(٥) انظر: «المبسوط» ٣/ ٦٣، «المغني» ٤/ ٣٢٦.



واختلفوا إذا صامه عَلَى أنه من رمضان فقال مالك: سمعت أهل العلم ينهون عن أن يصام اليوم الذي يشك فيه من شعبان إذا نوى به رمضان، ويرون أن من صامه عَلَى غير رؤية ثم جاء المثبت أنه من رمضان عَلَى أن عليه قضاءه. قَالَ مالك: وعلى ذَلِكَ الأمر عندنا (١).
وفيه قول آخر، ذكر ابن المنذر عن عطاء وعمر بن عبد العزيز والحسن أنه إذا نوى صومه من الليل عَلَى أنه من رمضان، ثم علم بالهلال أول النهار أو آخره أنه يجزئه، وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي حنيفة وأصحابه.
وذهب ابن عمر إلى أنه يجوز صيامه إذا حَالَ دون الهلال ليلة ثلاثين من شعبان غير سحاب (٢).
ويجزئهم من رمضان وإن ثبت بعد ذَلِكَ أن شعبان تسع وعشرون، وهو قول أحمد بن حنبل، وهو قول شاذ، وهذا صوم يوم الشك، وهو خلاف للحديث. وقول أهل المدينة أولى؛ لنهيه - ﷺ - أن يتقدم صوم رمضان؛ ولقول عكرمة وعمار: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم (٣).

-----------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ١٨٢.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ١٦١ (٧٣٢٣).
(٣) حديث عكرمة تقدم تخريجه قريبًا جدًا، وحديث عمار تقدم أيضا تخريجه باستيفاء، وسلف معلقًا قبل حديث (١٩٠٦) وصححه جمع من الأئمة، فراجعه.



١٥ - باب قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]
١٩١٥ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ أَتَى امْرَأَتَهُ، فَقَالَ لَهَا أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ. وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ. فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾. [٤٥٠٨ - فتح: ٤/ ١٢٩]
ذكر فيه حديث البَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - ﷺ - إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلَا يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ … الحديث إلى قوله: فَنَزَلَتْ هذِه الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾.
هذا الحديث من أفراده، لم يخرجه مسلم إلا نزول الآية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ إلى قوله ﴿إِلَى اَلَّيلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وتابع البخاري عَلَى قيس بن صرمة: الترمذي وابن خزيمة والدارمي وجماعات (١).

-----------
(١) الترمذي (٢٩٦٨) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة البقرة، أحمد ٤/ ٢٩٥، =


وقال أبو نعيم في «الصحابة»: صرمة بن أنس -وقيل: ابن قيس- الخطمي الأنصاري الشاعر نزلت فيه ﴿وَكُلُواْ وَاَشْرَبُواْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية ثم ساق من حديث صرمة بن أنس: أتى النبي - ﷺ - عشية من العشيان وقد جهده الصوم فقال له: «مالك يا قيس، أمسيت طليحًا ..» الحديث (١)، وكذا ذكره أبو داود في «سننه» (٢) ومقاتل في «تفسيره».
وقال ابن عبد البر: صرمة بن أبي أنس -قيس- بن مالك البخاري، أبو قيس. وقال بعضهم: صرمة بن مالك نسبه إلى جده، وهو الذي نزل فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُم ليلَةَ اَلصِيَام﴾ [البقرة: ١٨٧] (٣) كذا هو في «أسباب النزول» للواحدي (٤).
وقال الداودي: ما ذكره البخاري من كونه قيس بن صرمة أخشى أنه ليس بمحفوظ، إنما هو صرمة بن قيس، وبخط الدمياطي قيل: نزلت في ابنه قيس، والأشبه: صرمة، ترهب في الجاهلية ثم أسلم وشهد أحدًا.
وفي كتاب ابن الأثير من حديث أبي هريرة: ضمرة بن أنس (٥)، ولعله تصحيف.

----------
= الدارمي ٢/ ١٠٥٣ - ١٠٥٤ (١٧٣٥) كتاب: الصيام، باب: متى يمسك المتسحر عن الطعام والشراب، ابن خزيمة ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ (١٩٠٤) كتاب: الصوم، باب: ما كان الصائم عنه .. وابن حبان ٨/ ٢٤٠ (٣٤٦٠) كتاب: الصوم، باب: السحور، البيهقي ٤/ ٢٠١.
(١) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم الأصبهاني ٣/ ١٥٢٤ ترجمة (١٤٨٤) حديث (٣٨٦٤)، والحديث رواه أيضًا الطبري في «تفسيره» ٢/ ١٧٢ - ١٧٣ (٢٩٥٧).
(٢) أبو داود (٢٣١٤) كتاب: الصيام، باب: مبدأ فرض الصيام.
(٣) «الاستيعاب في أسماء الأصحاب» ٢/ ٢٩٠ (١٢٤٤).
(٤) «أسباب النزول» ١/ ٥٣ - ٥٤ (٩١ - ٩٢).
(٥) «أسد الغابة في معرفة الصحابة» لابن الأثير ٣/ ٥٨ (٢٥٧٠).



وقال السهيلي: حديث صرمة بن أبي أنس -قيس بن صرمة- الذي أنزل الله فيه وفي عمر ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قوله: ﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] فهذِه في عمر، ثم قال:
﴿وَكُلُواْ وَاَشرَبُواْ﴾ إلى آخر الآية.
فهذِه في صرمة بن أنس، بدأ الله بقصة عمر لفضله، ثم بقصة صرمة (١).
إذا تقرر ذَلِكَ:
فالرفث (٢) كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من النساء، قاله الزجاج (٣).
وقوله: ﴿هُنَّ لِبَاس لَّكُم﴾ أي: سكن، أو من الملابسة وهو الاختلاط والاجتماع، والعرب تسمي المرأة لباسًا.
﴿تَختَانُونَ﴾ من الخيانة أي: تخونون أنفسكم بارتكابكم ما حرم عليكم. والمباشرة: الجماع من البشرة ﴿وَابْتَغُوا مَاكَتَبَ اللهُ لَكُم﴾ الولد أو الجماع. وقال ابن عباس: ليلة القدر (٤)، وهو غريب.
وقولها: (فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ). هي من خاب يخيب إذا لم ينل ما طلب.

-----------
(١) «الروض الأنف» ٢/ ٢٨٧.
(٢) ورد بهامش (م) / ١٣٤ أ/ ما نصه: الرفث بسكون الفاء مصدر رفث يرفث من باب قصد وضرب وكذب: فحش الكلام، وبالفتح الاسم رفث اسم لما يريد الرجال من النساء والحكمة، وضد الصواب رقد أي: دنا.
(٣) انظر: «معالم التنزيل» ١/ ٢٠٦.
(٤) رواه الطبري ٢/ ١٧٦ (٢٩٨٥ - ٢٩٨٦)، وابن أبي حاتم ١/ ٣١٧ (١٦٨٣)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٩ لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.



وذكر إسماعيل بن إسحاق عن زيد بن أسلم وإبراهيم التيمي قالا: كان المسلمون في أول الإسلام يفعلون كما يفعل أهل الكتاب إذا نام أحدهم لم يطعم حَتَّى تكون القابلة، فنسخ الله ذَلِكَ. وقال مجاهد: كان رجال من المسلمين يختانون أنفسهم في ذَلِكَ فعفا الله عنهم، وأحل لهم الأكل والشرب والجماع بعد الرقاد وقبله في الليل كله (١).
------------
(١) رواه الطبري ٢/ ١٧٢ (٢٧٥٣)، وعزاه في «الدر المنثور» ١/ ٣٥٨ لعبد بن حميد والطبري.


١٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]
فِيهِ البَرَاءُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٩١٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُصَيْنُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ رضي الله عنه قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ عَمَدْتُ إِلَى عِقَالٍ أَسْوَدَ وَإِلَى عِقَالٍ أَبْيَضَ، فَجَعَلْتُهُمَا تَحْتَ وِسَادَتِي، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ فِي اللَّيْلِ فَلَا يَسْتَبِينُ لِي، فَغَدَوْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: «إِنَّمَا ذَلِكَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ». [٤٥٠٩، ٤٥١٠ - مسلم: ١٠٩٠ - فتح: ٤/ ١٣٢].

١٩١٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ح. حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ﴾ وَلَمْ يَنْزِلْ مِنَ الفَجْرِ، فَكَانَ رِجَالٌ إِذَا أَرَادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أَحَدُهُمْ فِي رِجْلِهِ الخَيْطَ الأَبْيَضَ وَالخَيْطَ الأَسْوَدَ، وَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ رُؤْيَتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللهُ بَعْدُ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ. [٤٥١١ - مسلم: ١٩٠١ - فتح: ٤/ ١٣٢]
ثم ذكر حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ﴾ .. الحديث.
وحديث سهل بن سعد من طريقين: عنه لما أُنْزِلَتْ: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 8 ( الأعضاء 0 والزوار 8)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 282.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 278.17 كيلو بايت... تم توفير 4.01 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]