تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 37 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         الأجهزة المنزلية السبب فى بطء سرعة الانترنت.. تعرف على كيفية تحسين سرعة الواى فاى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          مايكروسوفت تجلب GPT-5 إلى Copilot مع الوضع الذكى الجديد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          دراسة تحذّر: "شات جى بى تى" يشجع المراهقين على تعاطى المخدرات والكحول (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          تفاصيل بدء يوتيوب تقدير الأعمار بالذكاء الاصطناعى وفرض قيود على حسابات القاصرين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          هل يمتلك Pixel 10 Pro Fold عمر بطارية أفضل؟ .. اعرف التفاصيل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          ثغرة أمنية تسمح باختراق الأجهزة المنزلية عبر جوجل جيمينى (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          كيف تحرر مساحة بجهازك دون حذف صورك؟.. خطوات عملية وفعالة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          حصِّن نفسَك الدكتور محمد الزغبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          شرحُ العقيدةِ الطحاوية الشيخ سيد البشبيشي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          أسألك حبَّك الشيخ عمرو أحمد (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #361  
قديم 07-12-2025, 06:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة المؤمنون
من صـ 111 الى صــ 121
الحلقة (361)





فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من "آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" .
والذين هم على صلواتهم يحافظون (9)
والذين هم على صلواتهم يحافظون
وقوله "والذين هم على صلواتهم يحافظون" أي يواظبون عليها في مواقيتها كما قال ابن مسعود سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أي العمل أحب إلى الله ؟ قال "الصلاة على وقتها" قلت ثم أي ؟ قال "بر الوالدين" قلت ثم أي ؟ قال "الجهاد في سبيل الله" أخرجاه في الصحيحين وفي مستدرك الحاكم قال "الصلاة في أول وقتها" وقال ابن مسعود ومسروق في قوله "والذين هم على صلواتهم يحافظون" يعني مواقيت الصلاة وكذا قال أبو الضحى وعلقمة بن قيس وسعيد بن جبير وعكرمة وقال قتادة : على مواقيتها وركوعها وسجودها وقد افتتح الله ذكر هذه الصفات الحميدة بالصلاة واختتمها بالصلاة فدل على أفضليتها كما قال رسول الله "استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن" .
أولئك هم الوارثون (10)
أولئك هم الوارثون
ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة "قال أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون" وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا سألتم الله الجنة"

فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن "وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله "فذلك قوله أولئك هم الوارثون وقال ابن جريج عن الليث عن مجاهد" أولئك الوارثون قال ما من عبد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي في النار وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة ويبني بيته الذي في النار وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عز وجل بل أبلغ من هذا أيضا وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى" وفي لفظ قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقال هذا فكاكك من النار" فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال فحلف له قلت وهذه الآية كقوله تعالى "تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا" وكقوله "وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير الجنة بالرومية هي الفردوس وقال بعض السلف لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب فالله أعلم ."
الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11)
الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون
ولما وصفهم تعالى بالقيام بهذه الصفات الحميدة والأفعال الرشيدة "قال أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون" وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة وفوقه عرش الرحمن" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فإن مات ودخل النار ورث أهل الجنة منزله" فذلك قوله أولئك هم الوارثون وقال ابن جريج عن الليث عن مجاهد "أولئك الوارثون قال ما من عبد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار فأما المؤمن فيبني بيته الذي في الجنة ويهدم بيته الذي في النار وأما الكافر فيهدم بيته الذي في الجنة ويبني بيته الذي في النار وروي عن سعيد بن جبير نحو ذلك فالمؤمنون يرثون منازل الكفار لأنهم خلقوا لعبادة الله تعالى وحده لا شريك له فلما قام هؤلاء المؤمنون بما وجب عليهم من العبادة وترك أولئك ما أمروا به مما خلقوا له أحرز هؤلاء نصيب أولئك لو كانوا أطاعوا ربهم عز وجل بل أبلغ من هذا أيضا وهو ما ثبت في صحيح مسلم عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" يجيء ناس يوم القيامة من المسلمين بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى "وفي لفظ قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم القيامة دفع الله لكل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقال هذا فكاكك من النار "فاستحلف عمر بن عبد العزيز أبا بردة بالله الذي لا إله إلا هو ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال فحلف له قلت وهذه الآية كقوله تعالى" تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا "وكقوله" وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون وقد قال مجاهد وسعيد بن جبير الجنة بالرومية هي الفردوس وقال بعض السلف لا يسمى البستان الفردوس إلا إذا كان فيه عنب فالله أعلم .
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (12)
ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين
يقول تعالى مخبرا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين وهو آدم عليه السلام خلقه الله من صلصال من حمإ مسنون وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن أبي يحيى عن ابن عباس "من سلالة من طين" قال من صفوة الماء وقال مجاهد من سلالة أي من من آدم وقال ابن جرير : إنما سمي آدم طين لأنه مخلوق منه وقال قتادة استل آدم من الطين وهذا أظهر في المعنى وأقرب إلى السياق فإن آدم عليه السلام خلق من طين لازب وهو الصلصال من الحمإ المسنون وذلك مخلوق من التراب كما قال تعالى "ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون" وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا أسامة بن زهير عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض فجاء بنو آدم على ظهر الأرض جاء منهم الأحمر والأسود وبين ذلك والخبيث والطيب وبين ذلك" وقد رواه أبو داود والترمذي من طرق عن عوف الأعرابي به نحوه وقال الترمذي حسن صحيح .

ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13)
ثم جعلناه نطفة في قرار مكين
"ثم جعلناه نطفة" هذا الضمير عائد على جنس الإنسان كما قال في الآية الأخرى "وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين" أي ضعيف كما قال "ألم نخلقكم من ماء مهين فجعلناه في قرار مكين" يعني الرحم معد لذلك مهيأ له "إلى قدر معلوم فقدرنا فنعم القادرون" أي لمدة معلومة وأجل معين حتى استحكم ونقل من حال إلى حال وصفة إلى صفة ولهذا قال ههنا .
ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14)
ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين
"ثم خلقنا النطفة علقة" أي ثم صيرنا النطفة وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل وهو ظهره وترائب المرأة وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى السرة فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة قال عكرمة وهي دم "فخلقنا العلقة مضغة" وهي قطعة كالبضعة من اللحم لا شكل فيها ولا تخطيط فخلقنا المضغة عظاما "يعني شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين عظامها وعصبها وعروقها وقرأ آخرون" فخلقنا المضغة عظاما "قال ابن عباس وهو عظم الصلب في الصحيح من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" كل جسد ابن آدم يبلى إلا عجب الذنب منه خلق ومنه يركب "" فكسونا العظام لحما "أي جعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه ثم" ثم أنشأناه خلقا آخر "أي ثم نفخنا فيه الروح فتحرك وصار خلقا آخر ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب" فتبارك الله أحسن الخالقين "وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا جعفر بن مسافر حدثنا يحيى بن حسان حدثنا النضر يعني ابن كثير مولى بني هاشم حدثنا زيد بن علي عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : إذا أتت على النطفة أربعة أشهر بعث الله إليها ملكا فنفخ فيها الروح في ظلمات ثلاث فذلك قوله" ثم أنشأناه خلقا آخر "يعني نفخنا فيه الروح وروي عن أبي سعيد الخدري أنه نفخ الروح"

قال ابن عباس "ثم أنشأناه خلقا آخر" يعني نفخنا فيه الروح وكذا قال مجاهد وعكرمة والشعبي والحسن وأبو العالية والضحاك والربيع بن أنس والسدي وابن زيد واختاره ابن جرير وقال العوفي عن ابن عباس "خلقا آخر" يعني فنقله من حال إلى حال إلى أن خرج طفلا ثم نشأ صغيرا ثم احتلم ثم صار شابا ثم كهلا ثم شيخا ثم هرما وعن قتادة والضحاك نحو ذلك ولا منافاة فإنه من ابتداء نفخ الروح فيه شرع في هذه التنقلات والأحوال والله أعلم قال الإمام أحمد في مسنده حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله - هو ابن مسعود رضي الله عنه قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق "إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات : رزقه وأجله وعمله وهل هو شقي أو سعيد فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل"
الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها "أخرجاه من حديث سليمان بن مهران الأعمش وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي خيثمة قال : قال عبد الله - يعني ابن مسعود إن النطفة إذا وقعت في الرحم طارت في كل شعر وظفر فتمكث أربعين يوما ثم تعود في الرحم فتكون علقة وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا حسن بن الحسن حدثنا أبو كدينة عن عطاء بن السائب عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله قال : مر يهودي برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يحدث أصحابه فقالت قريش يا يهودي إن هذا يزعم أنه نبي فقال لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي قال فجاءه حتى جلس فقال يا محمد مم يخلق الإنسان ؟ فقال" يا يهودي من كل يخلق من نطفة الرجل ومن

نطفة المرأة فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعصب وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم "فقال هكذا كان يقول" من قبلك "وقال الإمام أحمد حدثنا سفيان بن عمرو عن أبي الطفيل عن حذيفة بن أسيد الغفاري قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" يدخل الملك على النطفة بعدما تستقر في الرحم بأربعين ليلة فيقول يا رب ماذا ؟ شقي أو سعيد أذكر أم أنثى ؟ فيقول الله فيكتبان ويكتب عمله وأثره ومصيبته ورزقه ثم تطوى الصحيفة فلا يزاد على ما فيها ولا ينقص "وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو هو ابن دينار به نحوه ."
ومن طريق - أخرى عن أبي الطفيل عامر بن واثلة عن حذيفة بن أسيد عن ابن شريحة الغفاري بنحوه والله أعلم وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا أحمد بن عبدة حدثنا حماد بن زيد حدثنا عبيد الله بن أبي بكر عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة فإذا أراد الله خلقها قال أي رب ذكر أو أنثى ؟ شقي أو سعيد ؟ فما الرزق والأجل ؟ قال فذلك يكتب في بطن أمه" أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به وقوله "فتبارك الله أحسن الخالقين" يعني حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال .
وشكل إلى شكل حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السوي الكامل الخلق قال "فتبارك الله أحسن الخالقين" قال ابن أبي حاتم حدثنا يونس بن حبيب حدثنا أبو داود حدثنا حماد بن سلمة حدثنا علي بن زيد عن أنس قال قال عمر يعني ابن الخطاب رضي الله عنه : وافقت ربي في أربع نزلت هذه الآية "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من"

طين "الآية قلت أنا فتبارك الله أحسن الخالقين فنزلت" فتبارك الله أحسن الخالقين "وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شيبان عن جابر الجعفي عن عامر الشعبي عن زيد بن ثابت الأنصاري : قال أملى علي رسول الله هذه الآية" ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين - إلى قوله - خلقا آخر "فقال معاذ" فتبارك الله أحسن الخالقين "فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له معاذ مم تضحك يا رسول الله ؟ فقال" بها ختمت فتبارك الله أحسن الخالقين "وفي إسناده جابر بن زيد الجعفي ضعيف جدا وفي خبره هذا نكارة شديدة وذلك أن هذه السورة مكية وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضا فالله أعلم ."
ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15)
ثم إنكم بعد ذلك لميتون
وقوله "ثم إنكم بعد ذلك لميتون" يعني بعد هذه النشأة الأولى من العدم تصيرون إلى الموت .
ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (16)
ثم إنكم يوم القيامة تبعثون
"ثم إنكم يوم القيامة تبعثون" يعني النشأة الآخرة ثم الله ينشئ النشأة الآخرة يعني يوم المعاد وقيام الأرواح إلى الأجساد فيحاسب الخلائق ويوافي كل عامل عمله إن خيرا فخير وإن شرا فشر .
ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17)
ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين
لما ذكر تعالى خلق الإنسان عطف بذكر خلق السموات السبع وكثيرا ما يذكر تعالى خلق السموات والأرض مع خلق الإنسان كما قال تعالى "لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس" وهكذا في أول "الم" السجدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها صبيحة يوم الجمعة في أولها خلق السموات والأرض ثم بيان خلق الإنسان من سلالة من طين وفيها أمر المعاد والجزاء وغير ذلك من المقاصد .
وقوله "سبع طرائق" قال مجاهد يعني السموات السبع وهذه كقوله تعالى "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن" "ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا" "الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن يتنزل الأمر بينهن"

لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما "وهكذا قال ههنا" ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين "أي ويعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير وهو سبحانه لا يحجب عنه سماء سماء ولا أرض أرضا ولا جبل إلا يعلم ما في وعره ولا بحر إلا يعلم ما في قعره يعلم عدد ما في الجبال والتلال والرمال والبحار والقفار والأشجار" وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين "."
وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (18)
وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون
يذكر تعالى نعمه على عبيده التي لا تعد ولا تحصى في إنزاله القطر من السماء بقدر أي بحسب الحاجة لا كثيرا فيفسد الأرض والعمران ولا قليلا فلا يكفي الزروع والثمار بل بقدر الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به حتى إن الأراضي التي تحتاج ماء كثيرا لزرعها ولا تحتمل دمنتها إنزال المطر عليها يسوق إليها الماء من بلاد أخرى كما في أرض مصر ويقال لها الأرض الجرز يسوق الله إليها ماء النيل معه طين أحمر يجترفه من بلاد الحبشة في زمان أمطارها فيأتي الماء يحمل طينا أحمر فيسقي أرض مصر ويقر الطين على أرضهم ليزرعوا فيه لأن أرضهم سباخ يغلب عليها الرمال فسبحان اللطيف الخبير الرحيم الغفور وقوله "فأسكناه في الأرض" أي جعلنا الماء إذا نزل من السحاب يخلد في الأرض وجعلنا في الأرض قابلية له وتشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى .
وقوله "وإنا على ذهاب به لقادرون" أي لو شئنا أن لا تمطر لفعلنا ولو

شئنا أذى لصرفناه عنكم إلى السباخ والبراري والقفار لفعلنا ولو شئنا لجعلناه أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقي لفعلنا ولو شئنا لجعلناه لا ينزل في الأرض بل ينجر على وجهها لفعلنا ولو شئنا لجعلناه إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا ينتفعون به لفعلنا ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم الماء من السحاب عذبا فراتا زلالا فيسكنه في الأرض ويسلكه ينابيع في الأرض فيفتح العيون والأنهار ويسقي به الزروع والثمار تشربون منه ودوابكم وأنعامكم وتغتسلون منه وتتطهرون منه وتتنظفون فله الحمد والمنة .
فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19)
فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون
وقوله "فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب" يعني فأخرجنا لكم بما أنزلنا من السماء جنات أي بساتين وحدائق "ذات بهجة" أي ذات منظر حسن .
وقوله "من نخيل وأعناب" أي فيها نخيل وأعناب وهذا ما كان يألف أهل الحجاز ولا فرق بين الشيء وبين نظيره وكذلك في حق كل أهل إقليم عندهم من الثمار من نعمة الله عليهم ما يعجزون عن القيام بشكره .
وقوله "لكم فيها فواكه كثيرة" أي من جميع الثمار كما قال "ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات" وقوله "ومنها تأكلون" أنه معطوف على شيء مقدر تقديره تنظرون إلى حسنه ونضجه ومنه تأكلون .
وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (20)
وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين
وقوله "وشجرة تخرج من طور سيناء" يعني الزيتونة والطور هو الجبل وقال بعضهم إنما يسمى طورا إذا كان فيه شجر فإن عري عنها سمي جبلا لا طورا والله أعلم وطور سيناء هو طور سينين وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران عليه السلام وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون وقوله "تنبت بالدهن" قال بعضهم الباء زائدة وتقديره تنبت الدهن كما في قول العرب ألقى فلان بيده أي يده وأما على قول من يضمن الفعل فتقديره تخرج بالدهن أو تأتي بالدهن ولهذا قال "وصبغ" أي أدم قاله قتادة "للآكلين" أي فيها ما ينتفع به من الدهن والاصطباغ كما قال الإمام أحمد حدثنا وكيع عن عبد الله ابن عيسى عن عطاء الشامي عن أبي أسيد واسمه مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة"

وقال عبد بن حميد في مسنده وتفسيره حدثنا عبد الرزاق أخبرنا معمر عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ائتدموا بالزيت وادهنوا به فإنه يخرج من شجرة مباركة "ورواه الترمذي وابن ماجه من غير وجه عن عبد الرزاق ."
قال الترمذي ولا يعرف إلا من حديثه وكان يضطرب فيه فربما ذكر فيه عمر وربما لم يذكره .
قال أبو القاسم الطبراني حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبي حدثنا سفيان بن عيينة حدثني الصعب بن حكيم بن شريك بن نميلة عن أبيه عن جده قال : ضفت عمر بن الخطاب رضي الله عنه ليلة عاشوراء فأطعمني من رأس بعير بارد وأطعمنا زيتا وقال هذا الزيت المبارك الذي قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم .
وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21)
وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون
وقوله "وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون" يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم ويأكلون من حملانها ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ويركبون ظهورها ويحملونها الأحمال الثقال إلى

البلاد النائية عنهم كما قال تعالى "وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم" وقال تعالى "أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون" .
وعليها وعلى الفلك تحملون (22)
وعليها وعلى الفلك تحملون
وقوله "وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون" يذكر تعالى ما جعل لخلقه في الأنعام من المنافع وذلك أنهم يشربون من ألبانها الخارجة من بين فرث ودم ويأكلون من حملانها ويلبسون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ويركبون ظهورها ويحملونها الأحمال الثقال إلى البلاد النائية عنهم كما قال تعالى "وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم" وقال تعالى "أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون" .
ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23)
ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا
يخبر تعالى عن نوح حين بعثه إلى قومه لينذرهم عذاب الله وبأسه الشديد وانتقامه ممن أشرك به وخالف أمره وكذب رسله "فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون" أي ألا تخافون من الله في إشراككم به ؟ .
فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24)
فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين
فقال الملأ وهم السادة والأكابر منهم "ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم" يعنون يترفع عليكم ويتعاظم بدعوى النبوة وهو بشر مثلكم فكيف أوحي إليه دونكم "ولو شاء الله لأنزل ملائكة" أي لو أراد أن يبعث نبيا لبعث ملكا من عنده ولم يكن بشرا ما سمعنا بهذا أي ببعثة البشر في آبائنا الأولين يعنون بهذا أسلافهم وأجدادهم في الدهور الماضية .
إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25)
إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين
وقوله "إن هو إلا رجل به جنة" أي مجنون فيما يزعمه من أن الله أرسله إليكم واختصه من بينكم بالوحي "فتربصوا حتى حين" أي انتظروا به ريب المنون واصبروا عليه مدة حتى تستريحوا منه .
قال رب انصرني بما كذبون (26)
قال رب انصرني بما كذبون

يخبر تعالى عن نوح عليه السلام أنه دعا ربه ليستنصره على قومه كما قال تعالى مخبرا عنه في الآية الأخرى "فدعا ربه أني مغلوب فانتصر" وقال ههنا "رب انصرني بما كذبون" .
فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27)
فأوحينا إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون
فعند ذلك أمره الله تعالى بصنعة السفينة وإحكامها وإتقانها وأن يحمل فيها من كل زوجين اثنين أي ذكرا وأنثى من كل صنف من الحيوانات والنباتات والثمار وغير ذلك وأن يحمل فيها أهله "إلا من سبق عليه القول منهم" أي من سبق عليه القول من الله بالهلاك وهم الذين لم يؤمنوا به من أهله كابنه وزوجته والله أعلم .
وقوله "ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون" أي عند معاينة إنزال المطر العظيم لا تأخذنك رأفة بقومك وشفقة عليهم وطمع في تأخيرهم لعلهم يؤمنون فإني قد قضيت أنهم مغرقون على ما هم عليه من الكفر والطغيان وقد تقدمت القصة مبسوطة في سورة هود بما يغني عن إعادة ذلك ههنا .
فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين (28)
فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين
وقوله "فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين" كما قال "وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون" وقد امتثل نوح عليه السلام هذا كما قال تعالى "وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها" فذكر الله تعالى عند ابتداء سيره وعند انتهائه .
وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29)
وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين
وقال تعالى "وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين" وقوله "إن في ذلك لآيات" أي إن في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لآيات أي لحجج ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى وأنه تعالى فاعل لما يشاء قادر على كل شيء عليم بكل شيء وقوله "وإن كنا لمبتلين" أي لمختبرين للعباد بإرسال المرسلين .
إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين (30)
إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين
وقال تعالى "وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين" وقوله "إن في ذلك لآيات" أي إن في هذا الصنيع وهو إنجاء المؤمنين وإهلاك الكافرين لآيات أي لحجج ودلالات واضحات على صدق الأنبياء فيما جاءوا به عن الله تعالى وأنه تعالى فاعل لما يشاء قادر على كل شيء عليم بكل شيء

وقوله "وإن كنا لمبتلين" أي لمختبرين للعباد بإرسال




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #362  
قديم 07-12-2025, 06:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة المؤمنون
من صـ 122 الى صــ 132
الحلقة (362)




ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31)
ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين
يخبر تعالى أنه أنشأ بعد قوم نوح قرنا آخرين قيل المراد بهم عاد فإنهم كانوا مستخلفين بعدهم وقيل المراد بهؤلاء ثمود لقوله "فأخذتهم الصيحة بالحق" .
فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32)
فأرسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون
وأنه تعالى أرسل فيهم رسولا منهم فدعاهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له .
وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33)
وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون
فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه بشرا مثلهم واستنكفوا عن اتباع رسول بشري وكذبوا بلقاء الله في القيامة وأنكروا المعاد الجثماني .
ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34)
ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون
فكذبوه وخالفوه وأبوا عن اتباعه لكونه بشرا مثلهم واستنكفوا عن اتباع رسول بشري وكذبوا بلقاء الله في القيامة وأنكروا المعاد الجثماني .
أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35)
أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون
وقالوا "أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون" أي بعد بعد ذلك .
هيهات هيهات لما توعدون (36)
هيهات هيهات لما توعدون
وقالوا "أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون" أي بعد بعد ذلك .
إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37)
إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين
وقالوا "أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون هيهات هيهات لما توعدون" أي بعد بعد ذلك .
إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38)
إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين
"إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا" أي فيما جاءكم به من الرسالة والنذارة والإخبار بالمعاد "وما نحن له بمؤمنين" .
قال رب انصرني بما كذبون (39)
قال رب انصرني بما كذبون
أي استفتح عليهم الرسول واستنصر ربه عليهم فأجاب دعاءه .
قال عما قليل ليصبحن نادمين (40)
قال عما قليل ليصبحن نادمين
"قال عما قليل ليصبحن نادمين" أي بمخالفتك وعنادك فيما جئتهم به .
فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41)
فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين
"فأخذتهم الصيحة بالحق" أي وكانوا يستحقون ذلك من الله بكفرهم وطغيانهم

والظاهر أنه اجتمع عليهم صيحة مع الريح الصرصر العاصف القوي البارد "تدمر كل شيء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم" وقوله "فجعلناهم غثاء" أي صرعى هلكى كغثاء السيل وهو الشيء الحقير التافه الهالك الذي لا ينتفع بشيء منه "فبعدا للقوم الظالمين" كقوله "وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين" أي بكفرهم وعنادهم ومخالفة رسول الله فليحذر السامعون أن يكذبوا رسولهم .
ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42)
ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين
يقول تعالى "ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين" أي أمما وخلائق .
ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43)
ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون
"ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون" يعني بل يؤخذون على حسب ما قدر لهم تعالى في كتابه المحفوظ وعلمه قبل كونهم أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل وخلفا بعد سلف .
ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44)
ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون
"ثم أرسلنا رسلنا تترى" قال ابن عباس يعني يتبع بعضهم بعضا وهذا كقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة" وقوله "كلما جاء أمة رسولها كذبوه" يعني جمهورهم وأكثرهم كقوله تعالى "يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون" وقوله "فأتبعنا بعضهم بعضا" أي أهلكناهم كقوله "وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح" وقوله "وجعلناهم أحاديث" أي أخبارا وأحاديث للناس كقوله "فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق" .
ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين (45)
ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين

يخبر تعالى أنه بعث رسوله موسى وأخاه هارون إلى فرعون وملئه بالآيات والحجج الدامغات والبراهين القاطعات .
إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين (46)
إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين
وأن فرعون وقومه استكبروا عن اتباعهما والانقياد لأمرهما .
فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (47)
فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون
لكونهما بشرين كما أنكرت الأمم الماضية بعثة الرسل من البشر تشابهت قلوبهم .
فكذبوهما فكانوا من المهلكين (48)
فكذبوهما فكانوا من المهلكين
فأهلك الله فرعون وملأه وأغرقهم في يوم واحد أجمعين .
ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون (49)
ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون
وأنزل على موسى الكتاب وهو التوراة فيها أحكامه وأوامره ونواهيه وذلك بعد أن قصم الله فرعون والقبط وأخذهم أخذ عزيز مقتدر وبعد أن أنزل الله التوراة لم يهلك أمة بعامة بل أمر المؤمنين بقتال الكافرين كما قال تعالى "ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون" .
وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (50)
وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين
يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام أنه جعلهما آية للناس أي حجة قاطعة على قدرته على ما يشاء فإنه خلق آدم من غير أب ولا أم وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر وخلق بقية الناس من ذكر وأنثى وقوله "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" قال الضحاك عن ابن عباس : الربوة المكان المرتفع من الأرض وهو أحسن ما يكون فيه النبات وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة قال ابن عباس : وقوله "ذات قرار" يقول ذات خصب "ومعين" يعني ماء ظاهرا وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وقتادة وقال مجاهد ربوة مستوية وقال سعيد بن جبير "ذات قرار ومعين" استوى الماء فيها وقال مجاهد وقتادة "ومعين" الماء الجاري .
ثم اختلف المفسرون في مكان هذه الربوة من أي أرض هي ؟ فقال عبد الرحمن بن زيد

بن أسلم : ليس الربى إلا بمصر والماء حين يسيل يكون الربى عليها القرى ولولا الربى غرقت القرى وروي عن وهب بن منبه نحو هذا وهو بعيد جدا .
وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" قال هي دمشق قال وروي عن عبد الله بن سلام والحسن وزيد بن أسلم وخاله بن معدان نحو ذلك .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس "ذات قرار ومعين" قال : أنهار دمشق وقال ليث بن أبي سليم عن مجاهد "وآويناهما إلى ربوة" قال عيسى ابن مريم وأمه حين أويا إلى غوطة دمشق وما حولها وقال عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن أبي عبد الله بن عم أبي هريرة قال سمعت أبا هريرة يقول : في قول الله تعالى "إلى ربوة ذات قرار ومعين" قال هي الرملة من فلسطين وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي حدثنا رواد بن الجراح حدثنا عبد الله بن عباد الخواص أبو عتبة حدثنا الشيباني عن ابن وعلة عن كريب السحولي عن مرة البهذي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لرجل "إنك تموت بالربوة" فمات بالرملة وهذا حديث غريب جدا وأقرب الأقوال في ذلك ما رواه العوفي عن ابن عباس في قوله "وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين" قال المعين الماء الجاري وهو النهر الذي قال الله تعالى "قد جعل ربك تحتك سريا" وكذا قال الضحاك وقتادة "إلى ربوة ذات قرار ومعين" هو بيت المقدس فهذا والله أعلم هو الأظهر لأنه المذكور في الآية الأخرى والقرآن يفسر بعضه بعضا وهذا أولى ما يفسر به ثم الأحاديث الصحيحة ثم الآثار

يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (51)
يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون
يأمر تعالى عباده المرسلين - عليهم الصلاة والسلام أجمعين - بالأكل من الحلال والقيام بالصالح من الأعمال فدل هذا على أن الحلال عون على العمل الصالح فقام الأنبياء عليهم السلام بهذا أتم القيام وجمعوا بين كل خير قولا وعملا ودلالة ونصحا فجزاهم الله عن العباد خيرا .
قال الحسن البصري في قوله "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات" قال أما والله ما أمركم بأصفركم ولا أحمركم ولا حلوكم ولا حامضكم ولكن قال انتهوا إلى الحلال منه وقال سعيد بن جبير والضحاك "كلوا من الطيبات" يعني الحلال وقال أبو إسحاق السبيعي عن أبي ميسرة عمرو بن شرحبيل كان عيسى ابن مريم يأكل من غزل أمه وفي الصحيح "وما من نبي إلا رعى الغنم - قالوا وأنت يا رسول الله ؟ - قال نعم وأنا كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة" وفي الصحيح "إن داود عليه السلام كان يأكل من كسب يده" وفي الصحيحين "إن أحب الصيام إلى الله صيام داود وأحب القيام إلى الله قيام داود كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى"

"وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو اليمان الحكم بن نافع حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن ضمرة بن حبيب أن أم عبد الله بنت شداد بن أوس قالت بعثت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بقدح لبن عند فطره وهو صائم وذلك في أول النهار وشدة الحر فرد إليها رسولها أنى كانت لك الشاة ؟ فقالت اشتريتها من مالي فشرب منه فلما كان من الغد أتته أم عبد الله بنت شداد فقالت يا رسول الله بعثت إليك بلبن مرثية لك من طول النهار وشدة الحر فرددت إلي الرسول فيه فقال لها" بذلك أمرت الرسل أن لا تأكل إلا طيبا ولا تعمل إلا صالحا "وقد ثبت في صحيح مسلم وجامع الترمذي ومسند الإمام أحمد واللفظ له من حديث فضيل بن مرزوق عن عدي بن ثابت عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال "يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم" وقال "يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم" ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب فأنى يستجاب لذلك وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فضيل بن مرزوق .
وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (52)
وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون
وقوله "وإن هذه أمتكم أمة واحدة" أي دينكم يا معشر الأنبياء دين واحد وملة واحدة وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له ولهذا قال "وأنا ربكم فاتقون" وقد تقدم الكلام على ذلك في سورة الأنبياء وإن قوله "أمة واحدة" منصوب على الحال .
فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (53)
فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون
وقوله "فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا" أي الأمم الذين بعثت إليهم الأنبياء ""

كل حزب بما لديهم فرحون "أي يفرحون بما هم فيه من الضلال لأنهم يحسبون أنهم مهتدون ولهذا قال متهددا لهم ومتواعدا ."
فذرهم في غمرتهم حتى حين (54)
فذرهم في غمرتهم حتى حين
"فذرهم في غمرتهم" أي في غيهم وضلالهم "حتى حين" أي إلى حين حينهم وهلاكهم كما قال تعالى "فمهل الكافرين أمهلهم رويدا" وقال تعالى "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون" .
أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (55)
أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين
وقوله "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون" يعني أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم "نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين" لقد أخطئوا في ذلك وخاب رجاؤهم بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء ولهذا قال "بل لا يشعرون" كما قال تعالى "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا" الآية .
وقال تعالى "إنما نملي لهم ليزدادوا إثما" وقال تعالى "فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم" الآية وقال "ذرني ومن خلقت وحيدا ."
إلى قوله - عنيدا "وقال تعالى" وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا "الآية ."
والآيات في هذا كثيرة قال قتادة في قوله "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون" قال مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح .
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني حدثنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه يا رسول الله ؟ قال"

"غشمه وظلمه" ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث "."
نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (56)
نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون
وقوله "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون" يعني أيظن هؤلاء المغرورون أن ما نعطيهم من الأموال والأولاد لكرامتهم علينا ومعزتهم عندنا كلا ليس الأمر كما يزعمون في قولهم "نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين" لقد أخطئوا في ذلك وخاب رجاؤهم بل إنما نفعل بهم ذلك استدراجا وإنظارا وإملاء ولهذا قال "بل لا يشعرون" كما قال تعالى "فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا" الآية .
وقال تعالى "إنما نملي لهم ليزدادوا إثما" وقال تعالى "فذرني ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم" الآية وقال "ذرني ومن خلقت وحيدا ."
إلى قوله - عنيدا "وقال تعالى" وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا "الآية ."
والآيات في هذا كثيرة قال قتادة في قوله "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون" قال مكر والله بالقوم في أموالهم وأولادهم يا ابن آدم فلا تعتبر الناس بأموالهم وأولادهم ولكن اعتبرهم بالإيمان والعمل الصالح .
وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا أبان بن إسحاق عن الصباح بن محمد عن مرة الهمداني حدثنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يعطي الدين إلا لمن أحب فمن أعطاه الله الدين فقد أحبه والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه قالوا وما بوائقه يا رسول الله ؟ قال "غشمه وظلمه" ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن إن الخبيث لا يمحو الخبيث " .
إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57)
إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون
يقول تعالى "إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون" أي هم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح مشفقون من الله خائفون منه وجلون من مكره بهم كما قال الحسن البصري : إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة وإن الكافر جمع إساءة وأمنا .
والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58)
والذين هم بآيات ربهم يؤمنون
"والذين هم بآيات ربهم يؤمنون" أي يؤمنون بآياته الكونية والشرعية كقوله تعالى إخبارا عن مريم "وصدقت بكلمات ربها وكتبه" أي أيقنت أن ما كان إنما هو عن قدر الله وقضائه وما شرعه الله فهو إن كان أمرا فمما يحبه ويرضاه وإن كان نهيا فهو مما يكرهه ويأباه وإن كان خيرا فهو حق .
والذين هم بربهم لا يشركون (59)
والذين هم بربهم لا يشركون
كما قال الله "والذين هم بربهم لا يشركون" أي لا يعبدون معه غيره بل يوحدونه ويعلمون أنه لا إله إلا الله أحدا صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا وأنه لا نظير له ولا كفء له .
والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60)
والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون
وقوله "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون" أي يعطون العطاء وهم خائفون وجلون أن لا يتقبل منهم لخوفهم أن يكونوا قد قصروا في القيام بشروط الإعطاء وهذا من باب الإشفاق والاحتياط كما قال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن آدم حدثنا مالك بن مغول حدثنا عبد الرحمن بن سعيد بن وهب عن عائشة أنها قالت يا رسول الله الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة هو الذي يسرق ويزني ويشرب الخمر وهو يخاف الله عز وجل ؟ قال "لا يا بنت الصديق ولكنه الذي يصلي ويصوم"

ويتصدق وهو يخاف الله عز وجل "وهكذا رواه الترمذي وابن أبي حاتم من حديث مالك بن مغول به بنحوه وقال" لا يا ابنة الصديق ولكنهم الذين يصلون ويصومون ويتصدقون وهم يخافون ألا يتقبل منهم "."
أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61)
أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون
هذا الحديث من حديث عبد الرحمن بن سعيد عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا وهكذا قال ابن عباس ومحمد بن كعب القرظي والحسن البصري في تفسير هذه الآية وقد قرأ آخرون هذه الآية "والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة" أي يفعلون ما يفعلون وهم خائفون وروي هذا مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأها كذلك قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا صخر بن جويرية حدثنا إسماعيل المكي حدثنا أبو خلف مولى بني جمح أنه دخل مع عبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقالت مرحبا بأبي عاصم ما يمنعك أن تزورنا أو تلم بنا ؟ فقال أخشى أن أملك فقالت : ما كنت لتفعل ؟ قال جئت لأسألك عن آية من كتاب الله عز وجل كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها ؟ قالت أية آية ؟ قال "الذين يؤتون ما آتوا" "والذين يأتون ما أتوا" فقالت أيتهما أحب إليك ؟ فقلت والذي نفسي بيده لأحدهما أحب إلي من الدنيا جميعا أو الدنيا وما فيها قالت وما هي ؟ فقلت "الذين يأتون ما أتوا" فقالت أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك كان يقرؤها وكذلك أنزلت ولكن الهجاء حرف .
فيه إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف والمعنى على القراءة الأولى وهي قراءة الجمهور السبعة وغيرهم أظهر لأنه قال "أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون"


"فجعلهم من السابقين ولو كان المعنى على القراءة الأخرى لأوشك أن لا يكونوا من السابقين بل من المقتصدين أو المقصرين والله أعلم ."
ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62)
ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون
يقول تعالى مخبرا عن عدله في شرعه على عباده في الدنيا أنه لا يكلف نفسا إلا وسعها أي إلا ما تطيق حمله والقيام به وأنه يوم القيامة يحاسبهم بأعمالهم التي كتبها عليهم في كتاب مسطور لا يضيع منه شيء ولهذا قال "ولدينا كتاب ينطق بالحق" يعني كتاب الأعمال "وهم لا يظلمون" أي لا يبخسون من الخير شيئا وأما السيئات فيعفو ويصفح عن كثير منها لعباده المؤمنين ثم قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش .
بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (63)
بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون
"بل قلوبهم في غمرة" أي في غفلة وضلالة من هذا أي القرآن الذي أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم وقوله "ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون" قال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس "ولهم أعمال" أي سيئة من دون ذلك يعني

الشرك "هم لها عاملون" قال لا بد أن يعملوها كذا روي عن مجاهد والحسن وغير واحد وقال آخرون "ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون" أي قد كتبت عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة لتحق عليهم كلمة العذاب وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ظاهر قوي حسن وقد قدمنا في حديث ابن مسعود "فوالذي لا إله غيره إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها" .
حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (64)
حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون
وقوله "حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون" يعني حتى إذا جاء مترفيهم وهم المنعمون في الدنيا عذاب الله وبأسه ونقمته بهم "إذا هم يجأرون" أي يصرخون ويستغيثون كما قال تعالى "وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما" الآية وقال تعالى "وكم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص" .
لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (65)
لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون
وقوله "لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون" أي لا يجيركم أحد مما حل بكم سواء جأرتم أو سكتم لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب ثم ذكر أكبر ذنوبهم .
قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (66)
قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون
فقال "قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون" أي إذا دعيتم أبيتم إن طلبتم امتنعتم "ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير" .
مستكبرين به سامرا تهجرون (67)
مستكبرين به سامرا تهجرون
وقوله "مستكبرين به سامرا تهجرون" في تفسيره قولان "أحدهما" أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم إياه استكبارا عليه واحتقارا له ولأهله فعلى هذا الضمير في به فيه ثلاثة أقوال "أحدها" أنه الحرم أي مكة ذموا لأنهم كانوا يسمرون فيه بالهجر من الكلام .
"الثاني" : أنه ضمير للقرآن كانوا يسمرون ويذكرون القرآن بالهجر من الكلام : إنه سحر إنه شعر إنه كهانة إلى غير ذلك من الأقوال الباطلة .
"والثالث" : أنه محمد صلى الله عليه وسلم كانوا يذكرونه في سمرهم بالأقوال الفاسدة ويضربون له الأمثال الباطلة من أنه شاعر أو كاهن أو ساحر أو كذاب أو مجنون



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #363  
قديم 07-12-2025, 06:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة المؤمنون
من صـ 133 الى صــ 144
الحلقة (363)



فكل ذلك باطل بل هو عبد الله ورسوله الذي أظهره الله عليهم وأخرجهم من الحرم صاغرين أذلاء وقيل المراد بقوله "مستكبرين به" أي بالبيت يفتخرون به معتقدون أنهم أولياؤه وليسوا به كما قال النسائي في التفسير من سننه أخبرنا أحمد بن سليمان أخبرنا عبد الله عن إسرائيل عن عبد الأعلى أنه سمع سعيد بن جبير يحدث عن ابن عباس أنه قال : إنما كره السمر حين نزلت هذه الآية "مستكبرين به سامرا تهجرون" فقال مستكبرين بالبيت يقولون نحن أهله سامرا قال كانوا يتكبرون ويسمرون فيه ولا يعمرونه وقد أطنب ابن أبي حاتم ههنا بما هذا حاصله .
أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين (68)
أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين
يقول تعالى منكرا على المشركين في عدم تفهمهم للقرآن العظيم وتدبرهم له وإعراضهم عنه مع أنهم قد خصوا بهذا الكتاب الذي لم ينزل الله على رسول أكمل منه ولا أشرف لا سيما آباؤهم الذين ماتوا في الجاهلية حيث لم يبلغهم كتاب ولا أتاهم نذير فكان اللائق بهؤلاء أن يقابلوا النعمة التي أسداها الله عليهم بقبولها والقيام بشكرها

وتفهمها والعمل بمقتضاها آناء الليل وأطراف النهار كما فعله النجباء منهم ممن أسلم واتبع الرسول صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم .
وقال قتادة "أفلم يدبروا القول" إذا والله يجدون في القرآن زاجرا عن معصية الله لو تدبره القوم وعقلوه ولكنهم أخذوا بما تشابه به فهلكوا عند ذلك .
أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (69)
أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون
ثم قال منكرا على الكافرين من قريش "أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون" أي أفهم لا يعرفون محمدا وصدقه وأمانته وصيانته التي نشأ بها فيهم أي أفيقدرون على إنكار ذلك والمباهتة فيه ولهذا قال جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه للنجاشي ملك الحبشة : أيها الملك إن الله بعث فينا رسولا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وهكذا قال المغيرة بن شعبة لنائب كسرى حين بارزهم وكذلك قال أبو سفيان صخر بن حرب لملك الروم هرقل حين سأله وأصحابه عن صفات النبي صلى الله عليه وسلم ونسبه وصدقه وأمانته وكانوا بعد كفارا لم يسلموا ومع هذا لم يمكنهم إلا الصدق فاعترفوا بذلك .
أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (70)
أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون
وقوله "أم يقولون به جنة" يحكي قول المشركين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تقول القرآن أي افتراه من عنده أو أن به جنونا لا يدري ما يقول وأخبر عنهم أن قلوبهم لا تؤمن به وهم يعلمون بطلان ما يقولونه في القرآن فإنه أتاهم من كلام الله ما لا يطاق ولا يدافع وقد تحداهم وجميع أهل الأرض أن يأتوا بمثله إن استطاعوا ولا يستطيعون أبد الآبدين ولهذا قال "بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون" يحتمل أن تكون هذه جملة حالية أي في حالة كراهة أكثرهم للحق ويحتمل أن تكون خبرية مستأنفة والله أعلم .
وقال قتادة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا "فقال له أسلم" فقال الرجل إنك لتدعوني إلى أمر أنا له كاره فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم "وإن كنت كارها" وذكر لنا أنه لقي رجلا فقال له "أسلم" فتصعده ذلك وكبر عليه فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم "أرأيت لو كنت في طريق وعر وعث فلقيت رجلا تعرف وجهه وتعرف نسبه فدعاك إلى طريق واسع سهل أكنت تتبعه ؟" قال نعم : قال "فوالذي نفس محمد بيده إنك لفي أوعر من"

ذلك الطريق لو قد كنت عليه وإني لأدعوك لأسهل من ذلك لو دعيت إليه "وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم لقي رجلا فقال له" أسلم "فتصعده ذلك فقال له نبي الله صلى الله عليه وسلم" أرأيت لو كان لك فتيان أحدهما إذا حدثك صدقك وإذا ائتمنته أدى إليك أهو أحب إليك أم فتاك الذي إذا حدثك كذبك وإذا ائتمنته خانك ؟ "قال بل فتاي الذي إذا حدثني صدقني وإذا ائتمنته أدى إلي فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم" كذاكم أنتم عند ربكم "."
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (71)
ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون
وقوله "ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن" قال مجاهد وأبو صالح والسدي : الحق هو الله عز وجل والمراد لو أجابهم الله إلى ما في أنفسهم من الهوى وشرع الأمور على وفق ذلك لفسدت السموات والأرض ومن فيهن أي لفساد أهوائهم واختلافها كما أخبر عنهم في قولهم "لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" ثم قال "أهم يقسمون رحمة ربك" وقال تعالى "قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق" الآية وقال "أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا" ففي هذا كله تبيين عجز العباد واختلاف آرائهم وأهوائهم وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه تعالى وتقدس فلا إله غيره ولا رب سواه ولهذا قال "بل أتيناهم بذكرهم" أي القرآن "فهم عن ذكرهم معرضون" .
أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (72)
أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين
وقوله "أم تسألهم خرجا" قال الحسن أجرا وقال قتادة جعلا "فخراج ربك خير" أي أنت لا تسألهم أجرة ولا جعلا ولا شيئا على دعوتك إياهم إلى الهدى بل أنت في ذلك تحتسب عند الله جزيل ثوابه كما قال "قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله" وقال "قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين" وقال "قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى" وقال "وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا" .
وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (73)
وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم
وقوله "وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم" قال الإمام أحمد

حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه فيما يرى النائم ملكان فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : اضرب مثل هذا ومثل أمته فقال إن مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال أرأيتم إن أوردتكم رياضا معشبة وحياضا رواء تتبعوني ؟ فقالوا نعم قال فانطلق بهم وأوردهم رياضا معشبة وحياضا رواء فأكلوا وشربوا وسمنوا فقال لهم ألم ألقكم على تلك الحال فجعلت لي إن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني ؟ قالوا بلى قال فإن بين أيديكم رياضا أعشب من هذه وحياضا هي أروى من هذه فاتبعوني قال فقالت طائفة صدق والله لنتبعه وقالت طائفة قد رضينا بهذا نقيم عليه وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا زهير حدثنا يونس بن محمد حدثنا يعقوب بن عبد الله الأشعري حدثنا حفص بن حميد عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إني ممسك بحجزكم هلم عن النار هلم عن النار وتغلبونني تتقاحمون فيها تقاحم الفراش والجنادب فأوشك أن أرسل حجزكم وأنا فرطكم على الحوض فتردون علي معا وأشتاتا أعرفكم بسيماكم وأسمائكم كما يعرف الرجل الغريب من الإبل في إبله فيذهب بكم ذات اليمين وذات الشمال فأناشد فيكم رب العالمين أي رب قومي أي رب أمتي فيقال يا محمد إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم كانوا يمشون بعدك القهقرى على أعقابهم فلأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل شاة لها ثغاء ينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد بلغت ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل بعيرا له رغاء ينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل فرسا لها حمحمة فينادي يا محمد يا محمد فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت ولأعرفن أحدكم يأتي يوم القيامة يحمل سقاء من أدم ينادي يا محمد يا محمد"
فأقول لا أملك لك شيئا قد بلغت "وقال علي بن المديني هذا حديث حسن الإسناد إلا أن حفص بن"
حميد مجهول لا أعلم روى عنه غير يعقوب بن عبد الله الأشعري القمي .
"قلت" بل قد روى عنه أيضا أشعث بن إسحاق وقال فيه يحيى بن معين : صالح ووثقه النسائي وابن حبان .
وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (74)
وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون
لناكبون "أي لعادلون جائرون منحرفون تقول العرب نكب فلان عن الطريق إذا زاغ عنها ."
ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (75)
ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون
"ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون" يخبر تعالى عن غلظهم في كفرهم بأنه لو أزاح عنهم الضر وأفهمهم القرآن لما انقادوا له ولاستمروا على كفرهم وعنادهم وطغيانهم كما قال تعالى "ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون" وقال "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه - إلى قوله - بمبعوثين" فهذا من باب علمه تعالى بما لا يكون لو كان كيف يكون قال الضحاك عن ابن عباس : كل ما فيه "لو" فهو مما لا يكون أبدا .
ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (76)
ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون

يقول تعالى "ولقد أخذناهم بالعذاب" أي ابتليناهم بالمصائب والشدائد "فما استكانوا لربهم وما يتضرعون" أي فما ردهم ذلك عما كانوا فيه من الكفر والمخالفة بل استمروا على غيهم وضلالهم "فما استكانوا" أي ما خشعوا "وما يتضرعون" أي ما دعوا كما قال تعالى "فلولا إذا جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم" الآية وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن حمزة المروزي حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبي عن يزيد - يعني النحوي - عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال جاء أبو سفيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا محمد أنشدك الله والرحم فقد أكلنا العلهز - يعني الوبر والدم - فأنزل الله "ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا" الآية وكذا رواه النسائي عن محمد بن عقيل عن علي بن الحسين عن أبيه به وأصله في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على قريش حين استعصوا فقال "اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف" .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا عبد الله

بن إبراهيم عن عمر بن كيسان حدثني وهب بن عمر بن كيسان قال : حبس وهب بن منبه فقال له رجل من الأبناء ألا أنشدك بيتا من شعر يا أبا عبد الله ؟ فقال وهب : نحن في طرف من عذاب الله والله يقول "ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون" قال وصام وهب ثلاثا متواصلة فقيل له ما هذا الصوم يا أبا عبد الله ؟ قال أحدث لنا فأحدثنا : يعني أحدث لنا الحبس فأحدثنا زيادة عبادة .
حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (77)
حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون
وقوله "حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون" أي حتى إذا جاءهم أمر الله وجاءتهم الساعة بغتة فأخذهم من عذاب الله ما لم يكونوا يحتسبون فعند ذلك أبلسوا من كل خير وأيسوا من كل راحة وانقطعت آمالهم ورجاؤهم .
وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (78)
وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون
ثم ذكر تعالى نعمه على عباده أن جعل لهم السمع والأبصار والأفئدة وهي العقول والفهوم التي يذكرون بها الأشياء ويعتبرون بما في الكون من الآيات الدالة على وحدانية الله وأنه الفاعل المختار لما يشاء .
وقوله "قليلا ما تشكرون" أي ما أقل شكركم لله على ما أنعم به عليكم كقوله "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" .
وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (79)
وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون
ثم أخبر تعالى عن قدرته العظيمة وسلطانه القاهر في برئه الخليقة وذرئه لهم في سائر أقطار الأرض على اختلاف أناسهم ولغاتهم وصفاتهم ثم يوم القيامة يجمع الأولين منهم والآخرين لميقات يوم معلوم فلا يترك منهم صغيرا ولا كبيرا ولا ذكرا ولا أنثى ولا جليلا ولا حقيرا إلا أعاده كما بدأه .
وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (80)
وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون
ولهذا قال "وهو الذي يحيي ويميت" أي يحيي الرمم ويميت الأمم "وله اختلاف الليل والنهار" أي وعن أمره تسخير الليل والنهار كل منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا يتعاقبان لا يفتران ولا يفترقان بزمان غيرهما كقوله "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار" الآية .
وقوله "أفلا تعقلون" أي أفليس لكم عقول تدلكم على العزيز العليم الذي قد قهر كل شيء وعز كل شيء وخضع له كل شيء ثم قال مخبرا عن منكري البعث الذين أشبهوا من قبلهم من المكذبين .
بل قالوا مثل ما قال الأولون (81)
بل قالوا مثل ما قال الأولون
"بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون" يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى .
قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون (82)
قالوا أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون
"بل قالوا مثل ما قال الأولون قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون" يعني يستبعدون وقوع ذلك بعد صيرورتهم إلى البلى .
لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (83)
لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين
"لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا"

أساطير الأولين "يعنون الإعادة محال إنما يخبر بها من تلقاها عن كتب الأولين واختلافهم وهذا الإنكار التكذيب منهم كقوله إخبارا عنهم" أإذا كنا عظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة "وقال تعالى" أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم "الآيات ."
قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (84)
قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون
يقرر تعالى وحدانيته واستقلاله بالخلق والتصرف والملك ليرشد إلى أنه الله الذي لا إله إلا هو ولا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له ولهذا قال لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم أن يقول للمشركين العابدين معه غيره المعترفين به بالربوبية وأنه لا شريك له فيها مع هذا فقد أشركوا معه في الإلهية فعبدوا غيره معه مع اعترافهم أن الذين عبدوهم لا يخلقون شيئا ولا يملكون شيئا ولا يستبدون بشيء بل اعتقدوا أنهم يقربونهم إليه زلفى "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" فقال "قل لمن الأرض ومن فيها" أي من مالكها الذي خلقها ومن فيها من الحيوانات والنباتات والثمرات وسائر صنوف المخلوقات "إن كنتم تعلمون" .
سيقولون لله قل أفلا تذكرون (85)
سيقولون لله قل أفلا تذكرون
"سيقولون لله" أي فيعترفون لك بأن ذلك لله وحده لا شريك له فإذا كان ذلك "قل أفلا تذكرون" أنه لا تنبغي العبادة إلا للخالق الرازق لا لغيره .
قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (86)
قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم
أي من هو خالق العالم العلوي بما فيه من الكواكب النيرات والملائكة الخاضعين له في سائر الأقطار منها والجهات ومن هو رب العرش العظيم يعني الذي هو سقف المخلوقات كما جاء في الحديث الذي

رواه أبو داود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "شأن الله أعظم من ذلك إن عرشه على سمواته هكذا" وأشار بيده مثل القبة وفي الحديث الآخر "ما السموات السبع والأرضون السبع وما بينهن وما فيهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن الكرسي بما فيه بالنسبة إلى العرش كتلك الحلقة في تلك الفلاة" .
ولهذا قال بعض السلف : إن مسافة ما بين قطري العرش من جانب إلى جانب مسيرة خمسين ألف سنة وارتفاعه عن الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة وقال الضحاك عن ابن عباس : إنما سمي عرشا لارتفاعه .
وقال الأعمش عن كعب الأحبار : إن السموات والأرض في العرش كالقنديل المعلق بين السماء والأرض وقال مجاهد : ما السموات والأرض في العرش إلا كحلقة في أرض فلاة .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا العلاء بن سالم حدثنا وكيع حدثنا سفيان الثوري عن عمار الذهبي عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : العرش لا يقدر قدره أحد .
وفي رواية : إلا الله عز وجل وقال بعض السلف : العرش من ياقوتة حمراء ولهذا قال ههنا "ورب العرش العظيم" أي الكبير وقال في آخر السورة "رب العرش الكريم" أي الحسن البهي فقد جمع العرش بين العظمة في الاتساع والعلو والحسن الباهر ولهذا قال من قال إنه من ياقوتة حمراء

وقال ابن مسعود : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور العرش من نور وجهه .
سيقولون لله قل أفلا تتقون (87)
سيقولون لله قل أفلا تتقون
وقوله "سيقولون لله قل أفلا تتقون" أي إذا كنتم تعترفون بأنه رب السموات ورب العرش العظيم أفلا تخافون عقابه وتحذرون عذابه في عبادتكم معه غيره وإشراككم به .
قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا القرشي في كتاب "التفكر والاعتبار" : حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبيد الله بن جعفر أخبرني عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يحدث عن امرأة كانت في الجاهلية على رأس جبل معها ابن لها يرعى غنما فقال لها ابنها يا أمه من خلقك ؟ قالت : الله قال فمن خلق أبي ؟ قالت الله قال فمن خلقني ؟ قالت : الله قال فمن خلق السموات ؟ قالت : الله قال فمن خلق الأرض ؟ قالت : الله قال فمن خلق الجبل ؟ قالت : الله قال فمن خلق هذه الغنم ؟ قالت : الله قال فإني أسمع لله شأنا ثم ألقى نفسه من الجبل فتقطع .
قال ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يحدثنا هذا الحديث قال عبد الله بن دينار كان ابن عمر كثيرا ما يحدثنا بهذا الحديث قلت في إسناده عبيد الله بن جعفر المديني والد الإمام علي بن المديني وقد تكلموا فيه فالله أعلم .
قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (88)
قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون
"قل من بيده ملكوت كل شيء" أي بيده الملك "ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها" أي متصرف فيها وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لا والذي نفسي بيده" وكان إذا اجتهد في اليمين قال "لا ومقلب القلوب" فهو سبحانه الخالق المالك المتصرف "وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون" كانت العرب إذا كان السيد فيهم فأجار أحدا لا يخفر في جواره وليس لمن دونه أن يجير عليه لئلا يفتات عليه ولهذا قال الله "وهو يجير ولا يجار عليه" أي وهو السيد العظيم الذي لا أعظم منه الذي له الخلق والأمر ولا معقب لحكمه الذي لا يمانع ولا يخالف وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن .
وقال الله "لا يسأل عما يفعل وهم يسألون" أي لا يسأل عما يفعل لعظمته وكبريائه وغلبته وقهره وعزته وحكمته وعدله فالخلق كلهم يسألون عن أعمالهم كما قال تعالى "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون"

سيقولون لله قل فأنى تسحرون (89)
سيقولون لله قل فأنى تسحرون
وقوله "سيقولون لله" أي سيعترفون أن السيد العظيم الذي يجير ولا يجار عليه هو الله تعالى وحده لا شريك له "قل فأنى تسحرون" أي فكيف تذهب عقولكم في عبادتكم معه غيره مع اعترافكم وعلمكم بذلك .
بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون (90)
بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون
ثم قال تعالى "بل أتيناهم بالحق" وهو الإعلام بأنه لا إله إلا الله وأقمنا الأدلة الصحيحة الواضحة القاطعة على ذلك "وإنهم لكاذبون" أي في عبادتهم مع الله غيره ولا دليل لهم على ذلك كما قال في آخر السورة "ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون" فالمشركون لا يفعلون ذلك عن دليل قادهم إلى ما هم فيه من الإفك والضلال وإنما يفعلون ذلك اتباعا لآبائهم وأسلافهم الحيارى الجهال كما قال الله عنهم "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" .
ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (91)
ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون
ينزه تعالى نفسه عن أن يكون له ولد أو شريك في الملك والتصرف والعبادة فقال تعالى "ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض" أي لو قدر تعدد الآلهة لانفرد كل منهم بما خلق فما كان ينتظم الوجود والمشاهد أن الوجود منتظم متسق كل من العالم العلوي والسفلي مرتبط بعضه ببعض في غاية الكمال "ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت" ثم لكان كل منهم يطلب قهر الآخر وخلافه فيعلو بعضهم على بعض والمتكلمون ذكروا هذا المعنى وعبروا عنه بدليل التمانع وهو أنه لو فرض صانعان فصاعدا فأراد واحد تحريك جسم والآخر أراد سكونه فإن لم يحصل مراد كل واحد منهما كانا عاجزين والواجب لا يكون عاجزا ويمتنع اجتماع مراديهما للتضاد وما جاء هذا المحال إلا من فرض التعدد فيكون محالا فأما إن حصل مراد أحدهما دون الآخر كان الغالب هو الواجب والآخر المغلوب ممكنا لأنه لا يليق بصفة الواجب أن

يكون مقهورا ولهذا قال تعالى "ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون" أي عما يقول الظالمون المعتدون في دعواهم الولد أو الشريك علوا كبيرا .
عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (92)
عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون
"عالم الغيب والشهادة" أي يعلم ما يغيب عن المخلوقات وما يشاهدونه "فتعالى عما يشركون" أي تقدس وتنزه وتعالى وعز وجل عما يقول الظالمون والجاحدون .
قل رب إما تريني ما يوعدون (93)
قل رب إما تريني ما يوعدون
يقول تعالى آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النقم "رب إما تريني ما يوعدون" أي إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون ."
رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (94)
رب فلا تجعلني في القوم الظالمين
يقول تعالى آمرا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو هذا الدعاء عند حلول النقم "رب إما تريني ما يوعدون" أي إن عاقبتهم وأنا أشاهد ذلك فلا تجعلني فيهم كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه "وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني إليك غير مفتون ."
وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (95)
وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون
وقوله تعالى "وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون" أي لو شئنا لأريناك ما نزل بهم من النقم والبلاء والمحن .
ثم قال تعالى مرشدا له إلى الترياق النافع في مخالطة الناس وهو الإحسان إلى من يسيء إليه ليستجلب خاطره فتعود عداوته صداقة وبغضه محبة فقال تعالى "ادفع بالتي هي أحسن السيئة" وهذا كما قال في الآية الأخرى .
ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (96)
ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون
يصفون "" ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا "الآية أي وما يلهم هذه الوصية أو هذه الخصلة أو الصفة" إلا الذين صبروا "أي"



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #364  
قديم 07-12-2025, 06:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة المؤمنون
من صـ 145 الى صــ 157
الحلقة (364)






ظ عظيم" أي في الدنيا والآخرة .
وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (97)
وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين
وقوله تعالى "وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين" أمره الله أن يستعيذ من الشياطين لأنهم لا تنفع معهم الحيل ولا ينقادون بالمعروف وقد قدمنا عند الاستعاذة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه" .
وأعوذ بك رب أن يحضرون (98)
وأعوذ بك رب أن يحضرون
وقوله تعالى "وأعوذ بك رب أن يحضرون" أي في شيء من أمري ولهذا أمر بذكر الله في ابتداء الأمور وذلك لطرد الشيطان عند الأكل والجماع والذبح وغير ذلك من الأمور ولهذا روى أبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "اللهم إني أعوذ بك من الهرم وأعوذ بك من الهدم ومن الغرق وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت" وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا كلمات يقولهن عند النوم من الفزع "بسم الله أعوذ بكلمات الله التامة من غضبه وعقابه ومن شر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون" قال فكان عبد الله بن عمرو يعلمها من بلغ من ولده أن يقولها عند نومه ومن كان منهم صغيرا لا يعقل أن يحفظها كتبها له فعلقها في عنقه .
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث محمد بن إسحاق وقال الترمذي حسن غريب .
حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (99)
حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون
يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى


وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته ولهذا قال "رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا" كما قال تعالى "وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت - إلى قوله - والله خبير بما تعملون" وقال تعالى "وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب - إلى قوله - ما لكم من زوال" وقال تعالى "يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل" وقال تعالى "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" وقال تعالى "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا - إلى قوله - وإنهم لكاذبون" وقال تعالى "وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل" وقال تعالى "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل" والآية بعدها .
وقال تعالى "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير" فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار وحين يعرضون على النار وهم في غمرات عذاب الجحيم .
وقوله ههنا "كلا إنها كلمة هو قائلها" كلا حرف ردع وزجر أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه .
وقوله تعالى "إنها كلمة هو قائلها" قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله كلا أي لأنها كلمة أي سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه وقول لا عمل معه ولو رد لما عمل صالحا ولكان يكذب في مقالته هذه كما قال تعالى "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" قال قتادة : والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله عز وجل فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار

وقال محمد بن كعب القرظي "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت" قال فيقول الجبار "كلا إنها كلمة هو قائلها" وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة : إذا قال الكافر "رب ارجعون لعلي أعمل صالحا" يقول الله - تعالى - كلا كذبت وقال قتادة في قوله تعالى "حتى إذا جاء أحدهم الموت" قال كان العلاء بن زياد يقول : لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة الله تعالى .
وقال قتادة : والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة الله فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ولا قوة إلا بالله .
وعن محمد بن كعب القرظي نحوه .
وقال محمد بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن يوسف حدثنا فضيل - يعني ابن عياض - عن ليث عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : إذا وضع - يعني الكافر - في قبره فيرى مقعده من النار قال فيقول رب ارجعون أتوب وأعمل صالحا قال فيقال قد عمرت ما كنت معمرا قال فيضيق عليه قبره ويلتئم فهو كالمنهوش ينام ويفزع تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها .
وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا عمر بن علي حدثني سلمة بن تمام حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ويل لأهل المعاصي من أهل القبور تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم حية عند رأسه وحية عند رجليه يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون" .
وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى "ومن ورائهم" يعني أمامهم .
وقال مجاهد : البرزخ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة .
وقال محمد بن كعب : البرزخ ما بين الدنيا والآخرة ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجاوزون بأعمالهم .

وقال أبو صخر : البرزخ المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة فهم مقيمون إلى يوم يبعثون .
وفي قوله تعالى "ومن ورائهم برزخ" تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ كما قال تعالى "من ورائهم جهنم" وقال تعالى "ومن ورائه عذاب غليظ" وقوله تعالى "إلى يوم يبعثون" أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث كما جاء في الحديث "فلا يزال معذبا فيها" أي في الأرض .
لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون (100)
لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون
يخبر تعالى عن حال المحتضر عند الموت من الكافرين أو المفرطين في أمر الله تعالى وقيلهم عند ذلك وسؤالهم الرجعة إلى الدنيا ليصلح ما كان أفسده في مدة حياته ولهذا قال "رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا" كما قال تعالى "وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت - إلى قوله - والله خبير بما تعملون" وقال تعالى "وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب - إلى قوله - ما لكم من زوال" وقال تعالى "يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل" وقال تعالى "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون" وقال تعالى "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا - إلى قوله - وإنهم لكاذبون" وقال تعالى "وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون هل إلى مرد من سبيل" وقال تعالى "قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل" والآية بعدها .
وقال تعالى "وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير" فذكر تعالى أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند الاحتضار ويوم النشور ووقت العرض على الجبار وحين يعرضون على النار وهم في غمرات عذاب الجحيم .
وقوله ههنا "كلا إنها كلمة هو قائلها" كلا حرف ردع وزجر أي لا نجيبه إلى ما طلب ولا نقبل منه .
وقوله تعالى "إنها كلمة هو قائلها" قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أي لا بد أن يقولها لا محالة كل محتضر ظالم ويحتمل أن يكون ذلك علة لقوله كلا أي لأنها كلمة أي سؤاله الرجوع ليعمل صالحا هو كلام منه وقول لا عمل معه ولو رد لما عمل صالحا ولكان يكذب في مقالته هذه كما قال تعالى "ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون" قال قتادة : والله ما تمنى أن يرجع إلى أهل ولا إلى عشيرة ولا بأن يجمع الدنيا ويقضي الشهوات ولكن تمنى أن يرجع فيعمل بطاعة الله عز وجل فرحم الله امرأ عمل فيما يتمناه الكافر إذا رأى العذاب إلى النار وقال محمد بن كعب القرظي "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت" قال فيقول الجبار "كلا إنها كلمة هو قائلها" وقال عمر بن عبد الله مولى غفرة : إذا قال الكافر "رب ارجعون لعلي أعمل صالحا" يقول الله تعالى كلا كذبت وقال قتادة في قوله تعالى "حتى إذا جاء أحدهم الموت" قال كان العلاء بن زياد يقول : لينزلن أحدكم نفسه أنه قد حضره الموت فاستقال ربه فأقاله فليعمل بطاعة الله تعالى .
وقال قتادة : والله ما تمنى إلا أن يرجع فيعمل بطاعة الله فانظروا أمنية الكافر المفرط فاعملوا بها ولا قوة إلا بالله .
وعن محمد بن كعب القرظي نحوه .
وقال محمد بن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن يوسف حدثنا فضيل - يعني ابن عياض - عن ليث عن طلحة بن مصرف عن أبي حازم عن أبي هريرة قال : إذا وضع - يعني الكافر - في قبره فيرى مقعده من النار قال فيقول رب ارجعون أتوب وأعمل صالحا قال فيقال قد عمرت ما كنت معمرا قال فيضيق عليه قبره ويلتئم فهو كالمنهوش ينام ويفزع تهوي إليه هوام الأرض وحياتها وعقاربها .
وقال أيضا حدثنا أبي حدثنا عمر بن علي حدثني سلمة بن تمام حدثنا علي بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ويل لأهل المعاصي من أهل القبور تدخل عليهم في قبورهم حيات سود أو دهم حية عند رأسه وحية عند رجليه يقرصانه حتى يلتقيا في وسطه فذلك العذاب في البرزخ الذي قال الله تعالى "ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون" .
وقال أبو صالح وغيره في قوله تعالى "ومن ورائهم" يعني أمامهم .
وقال مجاهد : البرزخ الحاجز ما بين الدنيا والآخرة .
وقال محمد بن كعب : البرزخ ما بين الدنيا والآخرة ليسوا مع أهل الدنيا يأكلون ويشربون ولا مع أهل الآخرة يجاوزون بأعمالهم .
وقال أبو صخر : البرزخ المقابر لا هم في الدنيا ولا هم في الآخرة فهم مقيمون إلى يوم يبعثون .
وفي قوله تعالى "ومن ورائهم برزخ" تهديد لهؤلاء المحتضرين من الظلمة بعذاب البرزخ كما قال تعالى "من ورائهم جهنم" وقال تعالى "ومن ورائه عذاب غليظ" وقوله تعالى "إلى يوم يبعثون" أي يستمر به العذاب إلى يوم البعث كما جاء في الحديث "فلا يزال معذبا فيها" أي في الأرض .
فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (101)
فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون
يخبر تعالى أنه إذا نفخ في الصور نفخة النشور وقام الناس من القبور "فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" أي لا تنفع الأنساب يومئذ ولا يرثي والد لولده ولا يلوي عليه قال الله تعالى "ولا يسأل حميم حميما يبصرونهم" أي لا يسأل القريب عن قريبه وهو يبصره ولو كان عليه من الأوزار ما قد أثقل ظهره وهو كان أعز الناس عليه في الدنيا ما التفت إليه ولا حمل عنه وزن جناح بعوضة قال الله تعالى "يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه" الآية وقال ابن مسعود : إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين ثم نادى مناد : ألا من كان له مظلمة فليجئ فليأخذ حقه - قال - فيفرح المرء أن يكون له الحق على والده أو ولده أو زوجته وإن كان صغيرا ; ومصداق ذلك في كتاب الله قال الله تعالى "فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون" رواه ابن أبي حاتم .
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم حدثنا عبد الله بن جعفر حدثتنا أم بكر بنت المسور بن مخرمة عن عبد الله بن أبي رافع عن المسور - هو

ابن مخرمة - رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فاطمة بضعة مني يغيظني ما يغيظها وينشطني ما ينشطها وإن الأنساب تنقطع يوم القيامة إلا نسبي وسببي وصهري" وهذا الحديث له أصل في الصحيحين عن المسور بن مخرمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فاطمة بضعة مني يريبني ما يريبها ويؤذيني ما آذاها" وقال الإمام أحمد حدثنا أبو عامر حدثنا زهير عن عبد الله بن محمد عن حمزة بن أبي سعيد الخدري عن أبيه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على هذا المنبر "ما بال رجال يقولون إن رحم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تنفع قومه ؟ بلى والله إن رحمي موصولة في الدنيا والآخرة وإني أيها الناس فرط لكم إذا جئتم" قال رجل يا رسول الله أن
ا فلان بن فلان "فأقول لهم : أما النسب فقد عرفت ولكنكم أحدثتم بعدي وارتددتم القهقرى" وقد ذكرنا في مسند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب من طرق متعددة عنه رضي الله عنه أنه لما تزوج أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب "قال : أما والله ما بي إلا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" كل سبب ونسب فإنه منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي "رواه الطبراني والبزار والهيثم بن كليب والبيهقي والحافظ الضياء في المختارة وذكر أنه أصدقها أربعين ألفا إعظاما وإكراما رضي الله عنه فقد روى الحافظ بن عساكر في ترجمة أبي العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من طريق أبي القاسم البغوي حدثنا سليمان بن عمر بن الأقطع حدثنا إبراهيم بن عبد السلام عن إبراهيم بن يزيد عن محمد بن عباد بن جعفر سمعت ابن عمر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري "وروي فيها من طريق عمار بن سيف عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا" سألت ربي عز وجل أن لا أتزوج إلى أحد من أمتي ولا يتزوج إلي أحد منهم إلا كان معي في الجنة فأعطاني ذلك "ومن حديث عمار بن سيف عن إسماعيل عن عبد الله بن عمرو"
فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (102)
فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون
وقوله تعالى "فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون" أي من رجحت حسناته على سيئاته ولو بواحدة قاله ابن عباس "فأولئك هم المفلحون" أي الذين فازوا فنجوا من النار وأدخلوا الجنة وقال ابن عباس : أولئك الذين فازوا بما طلبوا ونجوا من شر ما منه هربوا .
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (103)
ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون
"ومن خفت موازينه" أي ثقلت سيئاته على حسناته "فأولئك الذين خسروا أنفسهم" أي خابوا وهلكوا وفازوا بالصفقة الخاسرة وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا داود بن المحبر حدثنا صالح المري عن ثابت البناني وجعفر بن زيد ومنصور بن زاذان عن أنس بن مالك يرفعه قال : إن لله ملكا موكلا بالميزان فيؤتى بابن آدم فيوقف بين كفتي الميزان فإن ثقل ميزانه نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق سعد فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدا وإن خف ميزانه نادى ملك بصوت يسمعه الخلائق شقي فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدا إسناده ضعيف فإن داود بن المحبر ضعيف متروك ولهذا قال تعالى "في جهنم خالدون" أي ماكثون فيها دائمون مقيمون فلا يظعنون .
تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (104)
تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون
"تلفح وجوههم النار" كما قال تعالى "وتغشى وجوههم النار" وقال تعالى "لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم" الآية وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا فروة بن أبي المغراء حدثنا محمد بن سليمان الأصبهاني عن أبي سنان ضرار بن مرة عن عبد الله بن أبي الهذيل عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن جهنم لما سيق لها أهلها تلقاهم لهبها ثم تلفحهم لفحة فلم يبق لهم لحم إلا سقط على العرقوب

وقال ابن مردويه حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى القزاز حدثنا الخضر بن علي بن يونس القطان حدثنا عمرو بن أبي الحارث بن الخضر القطان حدثنا سعيد بن سعيد المقبري عن أخيه عن أبيه عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى "تلفح وجوههم النار" قال تلفحهم لفحة تسيل لحومهم على أعقابهم وقوله تعالى "وهم فيها كالحون" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني عابسون وقال الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود "وهم فيها كالحون" قال ألم تر إلى الرأس المشيط الذي قد بدا أسنانه وقلصت شفتاه .
وقال الإمام أحمد أخبرنا علي بن إسحاق أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك رحمه الله أخبرنا سعيد بن يزيد عن أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "وهم فيها كالحون" قال - تشويه النار فتقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه .
وتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته "ورواه الترمذي عن سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك به وقال حسن غريب ."
ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (105)
ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون

هذا تقريع من الله وتوبيخ لأهل النار على ما ارتكبوه من الكفر والمآثم والمحارم والعظائم التي أوبقتهم في ذلك فقال تعالى "ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون" أي قد أرسلت إليكم الرسل وأنزلت عليكم الكتب وأزلت شبهكم ولم يبق لكم حجة كما قال تعالى "لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل" وقال تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" وقال تعالى "كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير - إلى قوله - فسحقا لأصحاب السعير" .
قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (106)
قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين
ولهذا قالوا "ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين" أي قد قامت علينا الحجة ولكن كنا أشقى من أن ننقاد لها ونتبعها فضللنا عنها ولم نرزقها .
ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (107)
ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون
ثم قالوا "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" أي ارددنا إلى الدنيا فإن عدنا إلى ما سلف منا فنحن ظالمون مستحقون للعقوبة كما قال "فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل - إلى قوله - فالحكم لله العلي الكبير" أي لا سبيل إلى الخروج لأنكم كنتم تشركون بالله إذا وحده المؤمنون .
قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (108)
قال اخسئوا فيها ولا تكلمون
هذا جواب من الله تعالى للكفار إذا سألوا الخروج من النار والرجعة إلى هذه الدار .
يقول "اخسئوا فيها" أي امكثوا فيها صاغرين مهانين أذلاء "ولا تكلمون" أي لا تعودوا إلى سؤالكم هذا فإنه لا جواب لكم عندي .
قال العوفي عن ابن عباس : "اخسئوا فيها ولا تكلمون" قال هذا قول الرحمن حين انقطع كلامهم منه .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبدة بن سليمان المروزي حدثنا عبد الله بن

المبارك عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو قال : إن أهل جهنم يدعون مالكا فلا يجيبهم أربعين عاما ثم يرد عليهم إنكم ماكثون قال هانت دعوتهم والله على مالك ورب مالك ثم يدعون ربهم فيقولون "ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" قال فيسكت عنهم قدر الدنيا مرتين ثم يرد عليهم "اخسئوا فيها ولا تكلمون" قال فوالله ما نبس القوم بعدها بكلمة واحدة وما هو إلا الزفير والشهيق في نار جهنم قال فشبهت أصواتهم بأصوات الحمير أولها زفير وآخرها شهيق وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أحمد بن سنان حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل حدثنا أبو الزعراء قال : قال عبد الله بن مسعود إذا أراد الله تعالى أن لا يخرج منهم أحدا يعني من جهنم غير وجوههم وألوانهم فيجيء الرجل من المؤمنين فيشفع فيقول يا رب فيقول الله من عرف أحدا فليخرجه فيجيء الرجل من المؤمنين فينظر فلا يعرف أحدا فيناديه الرجل يا فلان أنا فلان فيقول ما أعرفك قال فعند ذلك يقولون "ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون" فعند ذلك يقول الله تعالى "اخسئوا فيها ولا تكلمون" فإذا قال ذلك أطبقت عليهم النار فلا يخرج منهم أحد ثم قال تعالى مذكرا لهم بذنوبهم في الدنيا وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه .
إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109)
إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين
فقال تعالى "إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين فاتخذتموهم سخريا" أي فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي "حتى أنسوكم ذكري" أي حملكم بغضهم علي أن نسيتم معاملتي "وكنتم منهم تضحكون" أي من صنيعهم وعبادتهم كما قال تعالى "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون" أي يلمزونهم استهزاء ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين .
فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110)
فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون
فاتخذتموهم سخريا " أي فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي "حتى أنسوكم ذكري" أي حملكم بغضهم علي أن نسيتم معاملتي "وكنتم منهم تضحكون" أي من صنيعهم وعبادتهم كما قال تعالى "إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون" أي يلمزونهم استهزاء ثم أخبر تعالى عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين ."
إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (111)
إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون
فقال تعالى "إني جزيتهم اليوم بما صبروا" أي على أذاكم لهم واستهزائكم بهم "أنهم هم الفائزون" بالسعادة والسلامة والجنة والنجاة من النار

قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (112)
قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين
يقول تعالى منبها لهم على ما أضاعوه في عمرهم القصير في الدنيا من طاعة الله تعالى وعبادته وحده ولو صبروا في مدة الدنيا القصيرة لفازوا كما فاز أولياؤه المتقون "قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين" أي كم كانت إقامتكم في الدنيا .
قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (113)
قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين
"قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين" أي الحاسبين .
قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (114)
قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون
"قال إن لبثتم إلا قليلا" أي مدة يسيرة على كل تقدير "لو أنكم كنتم تعلمون" أي لما آثرتم الفاني على الباقي ولما تصرفتم لأنفسكم هذا التصرف السيئ ولا استحققتم من الله سخطه في تلك المدة اليسيرة فلو أنكم صبرتم على طاعة الله وعبادته كما فعل المؤمنون لفزتم كما فازوا قال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد بن يونس حدثنا الوليد حدثنا صفوان عن أيفع بن عبد الكلاعي أنه سمعه يخطب الناس فقال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار قال يا أهل الجنة كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قال لنعم ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم رحمتي ورضواني وجنتي امكثوا فيها خالدين مخلدين ثم قال يا أهل النار كم لبثتم في الأرض عدد سنين ؟ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فيقول بئس ما اتجرتم في يوم أو بعض يوم ناري وسخطي امكثوا فيها خالدين مخلدين" .
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (115)
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون
وقوله تعالى "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا" أي أفظننتم أنكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا وقيل للعبث أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب وإنما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله عز وجل "وأنكم إلينا لا ترجعون" أي لا تعودون في الدار الآخرة كما قال تعالى "أيحسب الإنسان أن يترك سدى" يعني هملا .
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (116)
فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم
وقوله "فتعالى الله الملك الحق" أي تقدس أن يخلق شيئا عبثا فإنه الملك الحق

المنزه عن ذلك "لا إله إلا هو رب العرش الكريم" فذكر العرش لأنه سقف جميع المخلوقات ووصفه بأنه كريم أي حسن المنظر بهي الشكل كما قال تعالى "وأنبتنا فيها من كل زوج كريم" .
قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا علي بن محمد الطنافسي حدثنا إسحاق بن سليمان شيخ من أهل العراق أنبأنا شعيب بن صفوان عن رجل من آل سعيد بن العاص قال : كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز أن حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس إنكم لم تخلقوا عبثا ولن تتركوا سدى وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم بينكم والفصل بينكم فخاب وخسر وشقي عبد أخرجه الله من رحمته وحرم جنة عرضها السموات والأرض ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر هذا اليوم وخافه وباع نافدا بباق وقليلا بكثير وخوفا بأمان ألا ترون أنكم من أصلاب الهالكين سيكون من بعدكم الباقين حتى تردون إلى خير الوارثين ؟ ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله عز وجل قد قضى نحبه وانقضى أجله حتى تغيبوه في صدع من الأرض في بطن صدع غير ممهد ولا موسد قد فارق الأحباب وباشر التراب ووجه الحساب مرتهن بعمله غني عما ترك فقير إلى ما قدم فاتقوا الله قبل انقضاء مواثيقه ونزول الموت بكم ثم جعل طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا يحيى بن نصير الخولاني ثنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن أبي هبيرة عن حسن بن عبد الله أن رجلا مصابا مر به على عبد الله بن مسعود فقرأ في أذنه هذه الآية "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق" حتى ختم السورة فبرئ فذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بماذا قرأت في أذنه" ؟ فأخبره فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "والذي نفسي بيده لو أن رجلا موقنا قرأها على جبل لزال"

وروى أبو نعيم من طريق خالد بن نزار عن سفيان بن عيينة عن محمد بن المنكدر عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبيه قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية وأمرنا أن نقول إذا نحن أمسينا وأصبحنا "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" قال فقرأناها فغنمنا وسلمنا .
وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا إسحاق بن وهب العلاف الواسطي حدثنا أبو المسيب سالم بن سلام حدثنا بكر بن حبيش عن نهشل بن سعيد عن الضحاك بن مزاحم عن عبد الله بن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أمان أمتي من الغرق إذا ركبوا السفينة ."
بسم الله الملك الحق "وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون" "بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم" .
ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (117)
ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون
يقول تعالى متوعدا من أشرك به غيره وعبد معه سواه ومخبرا أن من أشرك بالله لا برهان له أي لا دليل له على قوله فقال تعالى "ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به" وهذه جملة معترضة وجواب الشرط في قوله "فإنما حسابه عند ربه" أي الله يحاسبه على ذلك ثم أخبر "إنه لا يفلح الكافرون" أي لديه يوم القيامة لا فلاح لهم ولا نجاة .
قال قتادة ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لرجل "ما تعبد ؟" قال أعبد الله وكذا وكذا حتى عد أصناما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فأيهم إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك ؟" قال : الله عز وجل .
قال "فأيهم إذا كانت لك حاجة فدعوته أعطاكها ؟" قال : الله عز وجل .
قال "فما يحملك على أن تعبد هؤلاء معه أم حسبت أن تغلب عليه" قال : أردت شكره بعبادة هؤلاء معه .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تعلمون ولا يعلمون" فقال الرجل بعد ما




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #365  
قديم 07-12-2025, 06:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النور
من صـ 158 الى صــ 172
الحلقة (365)




أسلم لقيت رجلا خصمني .
هذا مرسل من هذا الوجه وقد روى أبو عيسى الترمذي في جامعه مسندا عن عمران بن الحصين عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو ذلك .
وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين (118)
وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين
وقوله تعالى "وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين" هذا إرشاد من الله تعالى إلى هذا الدعاء فالغفر إذا أطلق معناه محو الذنب وستره عن الناس والرحمة معناها أن يسدده ويوفقه في الأقوال والأفعال .
آخر تفسير سورة المؤمنون .

سورة النور وهي مدنية .

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون (1)
سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون
يقول تعالى : هذه "سورة أنزلناها" فيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفي ما عداها "وفرضناها" قال مجاهد وقتادة : أي بينا الحلال والحرام والأمر والنهي والحدود .
وقال البخاري : ومن قرأ فرضناها يقول فرضناها عليكم وعلى من بعدكم "وأنزلنا فيها آيات بينات" أي مفسرات واضحات "لعلكم تذكرون" .
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2)
الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين
ثم قال تعالى : "الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة" يعني هذه الآية الكريمة فيها حكم الزاني في الحد وللعلماء فيه تفصيل ونزاع فإن الزاني لا يخلو إما أن يكون بكرا وهو الذي لم يتزوج أو محصنا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل فأما إذا كان بكرا لم يتزوج فإن حده مائة جلدة كما في الآية ويزاد على ذلك أن يغرب عاما عن بلده عند جمهور العلماء خلافا لأبي حنيفة - رحمه الله - فإن عنده أن التغريب إلى رأي الإمام إن شاء غرب وإن شاء لم يغرب وحجة الجمهور في ذلك ما ثبت في الصحيحين من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني في الأعرابيين اللذين أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما : يا رسول الله إن ابني هذا كان عسيفا - يعني أجيرا - على هذا فزنى بامرأته فافتديت ابني منه بمائة شاة ووليدة فسألت أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وأن على امرأة هذا : الرجم فقال

رسول الله صلى الله عليه وسلم : "والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى الوليدة والغنم رد عليك وعلى ابنك مائة جلدة وتغريب عام ."
واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها "فغدا عليها فاعترفت فرجمها ."
وفي هذا دلالة على تغريب الزاني مع جلد مائة إذا كان بكرا لم يتزوج فأما إذا كان محصنا وهو الذي قد وطئ في نكاح صحيح وهو حر بالغ عاقل فإنه يرجم كما قال الإمام مالك حدثني ابن شهاب أخبرنا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أن ابن عباس أخبره أن عمر قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد أيها الناس فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل عليه آية الرجم فقرأناها ووعيناها ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فأخشى أن يطول بالناس زمان أن يقول قائل لا نجد آية الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة قد أنزلها الله فالرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال ومن النساء إذا قامت البينة أو الحبل أو الاعتراف.
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك مطولا وهذه قطعة منه فيها مقصودنا ههنا .
وروى الإمام أحمد عن هشيم عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس حدثني عبد الرحمن بن عوف أن عمر بن الخطاب خطب الناس فسمعته يقول : ألا وإن ناسا يقولون ما الرجم في كتاب الله وإنما فيه الجلد وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ولولا أن يقول قائل أو يتكلم متكلم أن عمر زاد في كتاب الله ما ليس منه لأثبتها كما نزلت به

وأخرجه النسائي من حديث عبيد الله بن عبد الله به وقد روى الإمام أحمد أيضا عن هشيم عن علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال خطب عمر بن الخطاب فذكر الرجم فقال : "إنا لا نجد من الرجم بدا فإنه حد من حدود الله تعالى ألا وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده ولولا أن يقول قائلون إن عمر زاد في كتاب الله ما ليس فيه لكتبت في ناحية من المصحف وشهد عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وفلان وفلان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ورجمنا بعده ألا إنه سيكون قوم من بعدكم يكذبون بالرجم وبالشفاعة وبعذاب القبر وبقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا."
وروى أحمد أيضا عن يحيى الأنصاري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب "إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم" الحديث رواه الترمذي من حديث سعيد عن عمر وقال صحيح وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثنا يزيد بن زريع حدثنا أبو عون عن محمد هو ابن سيرين قال ابن عمر : نبئت عن كثير بن الصلت قال كنا عند مروان وفينا زيد فقال زيد بن ثابت كنا نقرأ : الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة قال مروان ألا كتبتها في المصحف ؟ قال ذكرنا ذلك وفينا عمر بن الخطاب فقال أنا أشفيكم من ذلك قال قلنا فكيف ؟ قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال فذكر كذا وكذا وذكر الرجم فقال يا رسول الله اكتب لي آية الرجم قال "لا أستطيع الآن" هذا أو نحو ذلك

وقد رواه النسائي من حديث محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن قتادة عن يونس بن جبير عن كثير بن الصلت عن زيد بن ثابت به وهذه طرق كلها متعددة متعاضدة ودالة على أن آية الرجم كانت مكتوبة فنسخ تلاوتها وبقي حكمها معمولا به والله أعلم .
وقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم هذه المرأة وهي زوجة الرجل الذي استأجر الأجير لما زنت مع الأجير ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ماعزا والغامدية وكل هؤلاء لم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه جلدهم قبل الرجم وإنما وردت الأحاديث الصحيحة المتعاضدة المتعددة الطرق والألفاظ بالاقتصار على رجمهم وليس فيها ذكر الجلد ولهذا كان هذا مذهب جمهور العلماء وإليه ذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي رحمهم الله وذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أنه يجب أن يجمع على الزاني المحصن بين الجلد للآية والرجم للسنة كما روي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب "أنه لما أتي بسراجة وكانت قد زنت وهي محصنة فجلدها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة فقال : جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى الإمام أحمد وأهل السنن الأربعة ومسلم من حديث قتادة عن الحسن عن حطان بن عبد الله الرقاشي عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ""

وقوله تعالى "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" أي في حكم الله أي لا ترأفوا بهما في شرع الله وليس المنهي عنه الرأفة الطبيعية على ترك الحد وإنما هي الرأفة التي تحمل الحاكم على ترك الحد فلا يجوز ذلك قال مجاهد : "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" قال : إقامة الحدود إذا رفعت إلى السلطان فتقام ولا تعطل وكذا روي عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وقد جاء في الحديث : "تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب" وفي الحديث الآخر : "لحد يقام في الأرض خير لأهلها من أن يمطروا أربعين صباحا" وقيل المراد "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" فلا تقيموا الحد كما ينبغي من شدة الضرب الزاجر عن المأثم وليس المراد الضرب المبرح .
قال عامر الشعبي "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" قال : رحمة في شدة الضرب وقال عطاء : ضرب ليس بالمبرح وقال سعيد بن أبي عروبة عن حماد بن أبي سليمان : يجلد القاذف وعليه ثيابه والزاني تخلع ثيابه ثم تلا "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" فقلت : هذا في الحكم قال : هذا في الحكم والجلد يعني في إقامة الحد وفي شدة الضرب وقال ابن أبي حاتم حدثنا عمرو بن عبد الله الأودي حدثنا وكيع عن نافع عن ابن عمرو عن ابن أبي مليكة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر أن جارية لابن عمر زنت فضرب رجليها قال نافع : أراه قال ظهرها قال قلت "ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله" قال : يا بني ورأيتني أخذتني بها رأفة إن الله لم يأمرني أن أقتلها ولا أن أجعل جلدها في رأسها وقد أوجعت حين ضربتها .
وقوله تعالى "إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر" أي فافعلوا ذلك وأقيموا

الحدود على من زنى وشددوا عليه الضرب ولكن ليس مبرحا ليرتدع هو ومن يصنع مثله بذلك وقد جاء في المسند عن بعض الصحابة أنه قال : يا رسول الله إني لأذبح الشاة وأنا أرحمها فقال "ولك في ذلك أجر" .
وقوله تعالى "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" هذا فيه تنكيل للزانيين إذا جلدا بحضرة الناس فإن ذلك يكون أبلغ في زجرهما وأنجع في ردعهما فإن في ذلك تقريعا وتوبيخا وفضيحة إذا كان الناس حضورا .
قال الحسن البصري في قوله "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" يعني علانية ثم قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" الطائفة الرجل فما فوقه وقال مجاهد : الطائفة الرجل الواحد إلى الألف وكذا قال عكرمة ولهذا قال أحمد : إن الطائفة تصدق على واحد وقال عطاء بن أبي رباح : اثنان وبه قال إسحاق بن راهويه وكذا قال سعيد بن جبير "طائفة من المؤمنين" قال : يعني رجل فصاعدا وقال الزهري : ثلاث نفر فصاعدا وقال عبد الرزاق حدثني ابن وهب عن الإمام مالك في قوله "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" قال : الطائفة أربعة نفر فصاعدا لأنه لا يكفي شهادة في الزنا إلا أربعة شهداء فصاعدا وبه قال الشافعي

وقال ربيعة : خمسة وقال الحسن البصري : عشرة وقال قتادة : أمر الله أن يشهد عذابهما طائفة من المؤمنين أي نفر من المسلمين ليكون ذلك موعظة وعبرة ونكالا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا يحيى بن عثمان حدثنا بقية قال سمعت نصر بن علقمة يقول في قوله تعالى "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" قال : ليس ذلك للفضيحة إنما ذلك ليدعى الله تعالى لهما بالتوبة والرحمة.
الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (3)
الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين
هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلا زانية أو مشركة أي لا يطاوعه على مراده من الزنا إلا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك وكذلك "الزانية لا ينكحها إلا زان" أي عاص بزناه "أو مشرك" لا يعتقد تحريمه قال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة" قال ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع لا يزني بها إلا زان أو مشرك وهذا إسناد صحيح عنه وقد روي عنه من غير وجه أيضا وقد روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة بن الزبير والضحاك ومكحول ومقاتل ابن حيان وغير واحد نحو ذلك .
وقوله تعالى "وحرم ذلك على المؤمنين" أي تعاطيه والتزويج بالبغايا أو تزويج العفائف بالرجال الفجار .
وقال أبو داود الطيالسي حدثنا قيس عن أبي حصين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "وحرم ذلك على المؤمنين" قال : حرم الله الزنا على المؤمنين وقال قتادة ومقاتل بن حيان : حرم الله على المؤمنين نكاح البغايا وتقدم ذلك فقال "وحرم ذلك على المؤمنين" وهذه الآية كقوله تعالى "محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان" وقوله "محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان" الآية ومن ههنا ذهب الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إلى أنه لا يصح العقد من الرجل العفيف

على المرأة البغي ما دامت كذلك حتى تستتاب فإن تابت صح العقد عليها وإلا فلا وكذلك لا يصح تزويج المرأة الحرة العفيفة بالرجل الفاجر المسافح حتى يتوب توبة صحيحة لقوله تعالى "وحرم ذلك على المؤمنين" وقال الإمام أحمد حدثنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان قال : قال أبي حدثنا الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله بن عمرو "أن رجلا من المؤمنين استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة يقال لها أم مهزول كانت تسافح وتشترط له أن تنفق عليه قال فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ذكر له أمرها قال فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم" الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين "وقال النسائي أخبرنا عمرو بن عدي حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحضرمي عن القاسم بن محمد عن عبد الله ابن عمرو قال : كانت امرأة يقال لها أم مهزول وكانت تسافح فأراد رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتزوجها فأنزل الله عز وجل" الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين "."
قال الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا روح بن عبادة عن عبيد الله بن الأخنس أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : كان رجل يقال له مرثد بن أبي مرثد وكان رجلا يحمل الأسرى من مكة حتى يأتي بهم المدينة قال وكانت امرأة بغي بمكة يقال لها عناق وكانت صديقة له وأنه واعد رجلا من أسارى مكة يحمله قال فجئت حتى انتهيت إلى ظل حائط من حوائط مكة في ليلة مقمرة قال : فجاءت عناق فأبصرت سواد ظل تحت الحائط فلما انتهت إلي عرفتني فقالت : مرثد ؟ فقلت : مرثد فقالت : مرحبا وأهلا هلم فبت عندنا الليلة .
قال فقلت يا عناق حرم الله الزنا فقالت : يا أهل الخيام هذا الرجل يحمل أسراكم قال : فتبعني


ثمانية ودخلت الحديقة فانتهيت إلى غار أو كهف فدخلت فيه فجاءوا حتى قاموا على رأسي فبالوا فظل بولهم على رأسي فأعماهم الله عني قال ثم رجعوا فرجعت إلى صاحبي فحملته وكان رجلا ثقيلا حتى انتهيت إلى الإذخر ففككت عنه أحبله فجعلت أحمله ويعينني حتى أتيت به المدينة فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله أنكح عناقا أنكح عناقا مرتين ؟ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرد علي شيئا حتى نزلت "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا مرثد : الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة فلا تنكحها" ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه وقد رواه أبو داود والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا مسدد أبو الحسن حدثنا عبد الوارث عن حبيب المعلم حدثني عمرو بن شعيب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله" وهكذا أخرجه أبو داود في سننه عن مسدد وأبي معمر عن عبد الله بن عمرو كلاهما عن عبد الوارث به .
وقال الإمام أحمد حدثنا يعقوب حدثنا عاصم بن محمد بن زيد بن عبد الله بن

عمر بن الخطاب عن أخيه عمر بن محمد عن عبد الله بن يسار مولى ابن عمر قال : أشهد لسمعت سالما يقول : قال عبد الله : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة لا يدخلون الجنة ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه والمرأة المترجلة المتشبهة بالرجال والديوث."
وثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة : العاق لوالديه ومدمن الخمر والمنان بما أعطى "ورواه النسائي عن عمرو بن علي الفلاس عن يزيد بن زريع عن عمر بن محمد العمري عن عبد الله بن يسار به."
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا يعقوب حدثنا أبي حدثنا الوليد بن كثير عن قطن بن وهب عن عويمر بن الأجدع عمن حدثه عن سالم بن عبد الله بن عمر قال حدثني عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ثلاثة حرم الله عليهم الجنة مدمن الخمر والعاق لوالديه والذي يقر في أهله الخبث" وقال أبو داود الطيالسي في مسنده حدثني شعبة حدثني رجل من آل سهل بن حنيف عن محمد بن عمار عن عمار بن ياسر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا يدخل الجنة ديوث" يستشهد به لما قبله من الأحاديث وقال ابن ماجه حدثنا هشام بن عمار حدثنا سلام بن سوار حدثنا كثير بن سليم عن الضحاك بن مزاحم سمعت أنس بن مالك يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من أراد أن يلقى الله وهو طاهر متطهر فليتزوج الحرائر" في إسناده ضعف.
وقال الإمام أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح في اللغة : الديوث القنزع وهو الذي لا غيرة له

فأما الحديث الذي رواه الإمام أبو عبد الرحمن النسائي في كتاب النكاح من سننه : أخبرنا محمد بن إسماعيل بن علية عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة وغيره عن هارون بن رياب عن عبد الله بن عبيد بن عمير وعبد الكريم عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس عبد الكريم رفعه إلى ابن عباس وهارون لم يرفعه قالا جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن عندي امرأة من أحب الناس إلي وهي لا تمنع يد لامس قال : "طلقها" قال : لا صبر لي عنها قال "استمتع بها" ثم قال النسائي هذا الحديث غير ثابت وعبد الكريم ليس بالقوي وهارون أثبت منه وقد أرسل الحديث وهو ثقة وحديثه أولى بالصواب من حديث عبد الكريم قلت وهو ابن أبي المخارق البصري المؤدب تابعي ضعيف الحديث وقد خالفه هارون بن رياب وهو تابعي ثقة من رجال مسلم فحديثه المرسل أولى كما قال النسائي لكن قد رواه النسائي في كتاب الطلاق عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن حماد بن سلمة عن هارون بن رياب عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن ابن عباس مسندا فذكره بهذا الإسناد فرجاله على شرط مسلم إلا أن النسائي بعد روايته له قال : هذا خطأ والصواب مرسل .
ورواه غير النضر على الصواب وقد رواه النسائي أيضا وأبو داود عن الحسين بن حريث أخبرنا الفضل بن موسى أخبرنا الحسين بن واقد عن عمارة بن أبي حفصة عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وهذا الإسناد جيد .
وقد اختلف الناس في هذا الحديث ما بين مضعف له كما تقدم عن النسائي ومنكر كما قال الإمام أحمد : هو حديث منكر وقال ابن قتيبة : إنما أراد أنها سخية لا تمنع

سائلا وحكاه النسائي في سننه عن بعضهم فقال : وقيل سخية تعطي ورد هذا بأنه لو كان المراد لقال لا ترد يد ملتمس وقيل : المراد إن سجيتها لا ترد يد لامس لا أن المراد أن هذا واقع منها وأنها تفعل الفاحشة فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأذن في مصاحبة من هذه صفتها فإن زوجها والحالة هذه يكون ديوثا وقد تقدم الوعيد على ذلك ولكن لما كانت سجيتها هكذا ليس فيها ممانعة ولا مخالفة لمن أرادها لو خلا بها أحد أمره رسول صلى الله عليه وسلم بفراقها فلما ذكر أنه يحبها أباح له البقاء معها لأن محبته لها محققة ووقوع الفاحشة منها متوهم فلا يصار إلى الضرر العاجل لتوهم الآجل والله سبحانه وتعالى أعلم قالوا فأما إذا حصلت توبة فإنه يحل التزويج كما قال الإمام أبو محمد بن أبي حاتم رحمه الله حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد عن ابن أبي ذئب قال سمعت شعبة مولى ابن عباس "رضي الله عنه قال سمعت ابن عباس وسأله رجل فقال له إني كنت ألم بامرأة آتي منها ما حرم الله عز وجل علي فرزق الله عز وجل من ذلك توبة فأردت أن أتزوجها فقال أناس : إن الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ."
فقال ابن عباس ليس هذا في هذا انكحها فما كان من إثم فعلي .
وقد ادعى طائفة آخرون من العلماء أن هذه الآية منسوخة قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال ذكر عنده "الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك" قال كان يقال نسختها التي بعدها "وأنكحوا الأيامى" منكم قال كان يقال الأيامى من المسلمين وهكذا رواه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الناسخ والمنسوخ له عن سعيد بن المسيب ونص على ذلك أيضا الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي .
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4)
والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون
هذه الآية الكريمة فيها بيان حكم جلد القاذف للمحصنة وهي الحرة البالغة العفيفة فإذا كان المقذوف رجلا فكذلك يجلد قاذفه أيضا وليس فيه نزاع بين العلماء فإن أقام القاذف بينة على صحة ما قاله درأ عنه الحد ولهذا قال تعالى "ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون" فأوجب على القاذف إذا لم يقم البينة على صحة ما قال ثلاثة أحكام "أحدها" أن يجلد ثمانين جلدة "الثاني" أنه ترد شهادته أبدا "الثالث" أن يكون فاسقا ليس بعدل لا عند الله ولا عند الناس .
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5)
إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم
واختلف العلماء في هذا الاستثناء هل يعود إلى الجملة الأخيرة فقط فترفع التوبة الفسق فقط ويبقى مردود الشهادة دائما وإن تاب أو يعود إلى الجملتين الثانية والثالثة ؟ وأما الجلد فقد ذهب وانقضى سواء تاب أو أصر وإلا حكم له بعد ذلك بلا خلاف فذهب الإمام مالك وأحمد والشافعي إلى أنه إذا قبلت شهادته وارتفع عنه حكم الفسق ونص عليه سعيد بن المسيب سيد التابعين وجماعة من السلف أيضا وقال الإمام أبو حنيفة إنما يعود الاستثناء إلى الجملة الأخيرة فقط فيرتفع الفسق بالتوبة ويبقى مردود الشهادة أبدا وممن ذهب إليه من السلف القاضي شريح وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومكحول وعبد الرحمن بن زيد بن جابر .
وقال الشعبي والضحاك لا تقبل شهادته وإن تاب إلا أن يعترف على نفسه أنه قد قال البهتان فحينئذ تقبل شهادته والله أعلم .
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6)
والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين

هذه الآية الكريمة فيها فرج للأزواج وزيادة مخرج إذا قذف أحدهم زوجته وتعسر عليه إقامة البينة أن يلاعنها كما أمر الله عز وجل وهو أن يحضرها إلى الإمام فيدعي عليها بما رماها به فيحلفه الحاكم أربع شهادات بالله في مقابلة أربعة شهداء إنه لمن الصادقين أي فيما رماها به من الزنا .
والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين (7)
والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين
فإذا قال ذلك بانت منه بنفس هذا اللعان عند الشافعي وطائفة كثيرة من العلماء وحرمت عليه أبدا ويعطيها مهرها ويتوجه عليها حد الزنا ولا يدرأ عنها العذاب إلا أن تلاعن فتشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين أي فيما رماها به .
ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8)
ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين
يعني الحد .
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9)
والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين
فخصها بالغضب كما أن الغالب أن الرجل لا يتجشم فضيحة أهله ورميها بالزنا إلا وهو صادق معذور وهي تعلم صدقه فيما رماها به ولهذا كانت الخامسة في حقها أن غضب الله عليها والمغضوب عليه هو الذي يعلم الحق ثم يحيد عنه ثم ذكر تعالى رأفته بخلقه ولطفه بهم فيما شرع لهم من الفرج والمخرج من شدة ما يكون بهم من الضيق.
ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم (10)
ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم
أي لحرجتم ولشق عليكم كثير من أموركم "وأن الله تواب" أي على عباده .
وإن كان ذلك بعد الحلف والأيمان المغلظة "حكيم" فيما يشرعه ويأمر به وفيما ينهى عنه وقد وردت الأحاديث بمقتضى العمل بهذه الآية وذكر سبب نزولها وفيمن نزل فيه من الصحابة .
قال الإمام أحمد حدثنا يزيد أخبرنا عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس قال : لما نزلت "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم"





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #366  
قديم 07-12-2025, 06:33 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النور
من صـ 173 الى صــ 187
الحلقة (366)





ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا "قال سعد بن عبادة وهو سيد الأنصار :" أهكذا أنزلت يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا معشر الأنصار ألا تسمعون ما يقول سيدكم ؟" فقالوا يا رسول الله : لا تلمه فإنه رجل غيور والله ما تزوج امرأة قط إلا بكرا وما طلق امرأة قط فاجترأ رجل منا أن يتزوجها من شدة غيرته فقال سعد : والله يا رسول الله إني لأعلم إنها لحق وإنها من الله ولكني قد تعجبت أني لو وجدت لكاعا قد تفخذها رجل لم يكن لي أن أهيجه ولا أحركه حتى آتي بأربعة شهداء فوالله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته - قال فما لبثوا إلا يسيرا - حتى جاء هلال بن أمية وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم فجاء من أرضه عشاء فوجد عند أهله رجلا فرأى بعينيه وسمع بأذنيه فلم يهيجه حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني جئت على أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا فرأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء به واشتد عليه واجتمعت عليه الأنصار وقالوا : قد ابتلينا بما قال سعد بن عبادة الآن يضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم هلال بن أمية ويبطل شهادته في الناس فقال هلال : والله إني لأرجو أن يجعل الله لي منها مخرجا.
وقال هلال يا رسول الله فإني قد أرى ما اشتد عليك مما جئت به والله يعلم أني لصادق .
فوالله إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه إذ أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم الوحي وكان إذا أنزل عليه الوحي عرفوا ذلك في تربد وجهه يعني فأمسكوا عنه حتى فرغ من الوحي فنزلت "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله" الآية فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "أبشر يا هلال فقد جعل الله لك فرجا ومخرجا" فقال هلال : قد كنت أرجو ذلك من ربي عز وجل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أرسلوا إليها" فجاءت فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهما فذكرهما وأخبرهما أن عذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا فقال هلال : والله يا رسول الله لقد صدقت عليها فقالت : كذب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لاعنوا بينهما" فقيل لهلال : اشهد

فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين فلما كانت الخامسة قيل له : يا هلال اتق الله فإن عذاب الدنيا أهون من الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فقال : والله لا يعذبني الله عليها كما لم يجلدني عليها فشهد في الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم قيل للمرأة : اشهدي أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين وقيل لها عند الخامسة اتقي الله فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وإن هذه الموجبة التي توجب عليك العذاب فتلكأت ساعة وهمت بالاعتراف ثم قالت : والله لا أفضح قومي فشهدت في الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقضى أن لا يدعى ولدها لأب ولا يرمى ولدها ومن رماها أو رمى ولدها فعليه الحد وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت لها من أجل أنهما يفترقان من غير طلاق ولا متوفى عنها وقال : "إن جاءت به أصيهب أريشح حمش الساقين فهو لهلال وإن جاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فهو الذي رميت به" فجاءت به أورق جعدا جماليا خدلج الساقين سابغ الأليتين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" قال عكرمة فكان بعد ذلك أميرا على مصر وكان يدعى لأمه "ولا يدعى لأب ورواه أبو داود عن الحسن بن علي عن يزيد بن هارون به نحوه مختصرا ولهذا الحديث شواهد كثيرة في الصحاح وغيرها من وجوه كثيرة."
فمنها ما قال البخاري : حدثني محمد بن بشار حدثنا ابن أبي عدي عن هشام بن

حسان حدثني عكرمة عن ابن عباس أن هلال بن أمية قذف امرأته عند النبي صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "البينة أو حد في ظهرك" فقال يا رسول الله إذا رأى أحدنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البينة فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول "البينة وإلا حد في ظهرك" فقال هلال : والذي بعثك بالحق إني لصادق ولينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد فنزل جبريل وأنزل عليه : "والذين يرمون أزواجهم - فقرأ حتى بلغ - إن كان من الصادقين" فانصرف النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل إليهما فجاء هلال فشهد والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب" ثم قامت فشهدت فلما كان في الخامسة وقفوها وقالوا : إنها موجبة قال ابن عباس فتلكأت ونكصت حتى ظننا أنها ترجع ثم قالت : لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين سابغ الأليتين خدلج الساقين فهو لشريك بن سحماء" فجاءت به كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن" انفرد به البخاري من هذا الوجه وقد رواه من غير وجه عن ابن عباس وغيره .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن منصور الزيادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا صالح وهو ابن عمر حدثنا عاصم يعني ابن كليب عن أبيه حدثني ابن عباس قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فرمى امرأته برجل فكره ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزل يردده حتى أنزل الله تعالى "والذين يرمون أزواجهم" فقرأ حتى فرغ من الآيتين فأرسل إليهما فدعاهما فقال : "إن الله تعالى قد أنزل فيكما" فدعا الرجل فقرأ عليه فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ثم أمر به فأمسك على فيه فوعظه فقال له : "كل شيء أهون عليه من لعنة الله" ثم أرسله فقال : "لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين" ثم دعاها فقرأ عليها فشهدت أربع شهادات بالله إنه من الكاذبين ثم أمر بها فأمسك على فيها فوعظها وقال : "ويحك كل شيء أهون من غضب الله" ثم أرسلها فقالت : غضب الله عليها إن كان من الصادقين .
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أما والله لأقضين بينكما قضاء"

فصلا قال فولدت فما رأيت مولودا بالمدينة أكثر منه فقال "إن جاءت به لكذا وكذا فهو كذا وإن جاءت به لكذا وكذا فهو لكذا" فجاءت به يشبه الذي قذفت به .
وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان قال : سمعت سعيد بن جبير قال سئلت عن المتلاعنين أيفرق بينهما في إمارة ابن الزبير فما دريت ما أقول فقمت من مكاني إلى منزل ابن عمر فقلت : يا أبا عبد الرحمن المتلاعنان أيفرق بينهما ؟ فقال سبحان الله إن أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان فقال يا رسول الله أرأيت الرجل يرى امرأته على فاحشة فإن تكلم تكلم بأمر عظيم وإن سكت سكت على مثل ذلك فسكت فلم يجبه فلما كان بعد ذلك أتاه فقال الذي سألتك عنه قد ابتليت به فأنزل الله تعالى هذه الآيات في سورة النور "والذين يرمون أزواجهم" حتى بلغ "أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين" فبدأ بالرجل فوعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقال : والذي بعثك بالحق ما كذبت ثم ثنى بالمرأة فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة فقالت المرأة : والذي بعثك بالحق إنه لكاذب .
قال فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين ثم ثنى بالمرأة فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ثم فرق بينهما رواه النسائي في التفسير من حديث عبد الملك بن أبي سليمان به وأخرجاه في الصحيحين من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن

إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال : كنا جلوسا عشية الجمعة في المسجد فقال رجل من الأنصار : أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ والله لإن أصبحت صحيحا لأسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فسأله فقال : يا رسول الله إن أحدنا إذا رأى مع امرأته رجلا إن قتله قتلتموه وإن تكلم جلدتموه وإن سكت سكت على غيظ اللهم احكم قال : فنزلت آية اللعان فكان ذلك الرجل أول من ابتلي به .
انفرد بإخراجه مسلم فرواه من طرق عن سليمان بن مهران الأعمش به وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا أبو كامل حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن سهل بن سعد قال جاء عويمر إلى عاصم بن عدي فقال له : سل رسول الله صلى الله عليه وسلم أرأيت رجلا وجد رجلا مع امرأته فقتله أيقتل به أم كيف يصنع ؟ فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل قال فلقيه عويمر فقال : ما صنعت ؟ قال ما صنعت إنك لم تأتني بخير سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعاب المسائل فقال عويمر : والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلأسألنه فأتاه فوجده قد أنزل عليه فيها قال : فدعا بهما ولاعن بينهما قال عويمر : إن انطلقت بها يا رسول الله لقد كذبت عليها قال : ففارقها قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم فصارت سنة المتلاعنين وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أبصروها فإن جاءت به أسحم أدعج العينين عظيم الأليتين فلا أراه إلا قد صدق وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة فلا أراه إلا كاذبا" فجاءت به على النعت المكروه .
أخرجاه في الصحيحين وبقية الجماعة إلا الترمذي

ورواه البخاري أيضا من طرق عن الزهري به فقال حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع حدثنا فليح عن الزهري عن سهل بن سعد أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أرأيت رجلا رأى مع امرأته رجلا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل ؟ فأنزل الله تعالى فيهما ما ذكر في القرآن من التلاعن فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "قد قضى فيك وفي امرأتك" قال فتلاعنا وأنا شاهد عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ففارقها فكانت سنة أن يفرق بين المتلاعنين وكان حاملا فأنكر حملها وكان ابنها يدعى إليها ثم جرت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض الله لها .
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا إسحاق بن الضيف حدثنا النضر بن شميل حدثنا يونس بن أبي إسحاق عن أبيه عن زيد بن بتيع عن حذيفة "قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر" لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا ؟ "قال كنت والله فاعلا به شرا ."
قال "فأنت يا عمر ؟" قال كنت والله فاعلا كنت أقول لعن الله الأعجز فإنه خبيث .
قال فنزلت "والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم" ثم قال لا نعلم أحدا أسنده إلا النضر بن شميل عن يونس بن إسحاق ثم رواه من حديث الثوري عن أبي إسحاق عن زيد بن بتيع مرسلا فالله أعلم وقال الحافظ أبو يعلى حدثنا مسلم بن أبي مسلم الجرمي حدثنا مخلد بن الحسين عن هشام عن ابن سيرين عن أنس بن مالك "قال : لأول لعان كان في الإسلام أن شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته فرفعته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أربعة شهود وإلا فحد في ظهرك "فقال يا رسول الله إن الله يعلم أني لصادق ولينزلن الله عليك ما يبرئ به ظهري من الجلد فأنزل الله آية اللعان" والذين يرمون أزواجهم ""

إلى آخر الآية قال فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال "اشهد بالله إنك لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا" فشهد بذلك أربع شهادات ثم قال له في الخامسة "ولعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين فيما رميتها به من الزنا" ففعل ثم دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "قومي فاشهدي بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماك به من الزنا فشهدت بذلك أربع شهادات ثم قال لها في الخامسة" وغضب الله عليك إن كان من الصادقين فيما رماك به من الزنا "قال فلما كانت الرابعة أو الخامسة سكتت سكتة حتى ظنوا أنها ستعترف ثم قالت لا أفضح قومي سائر اليوم فمضت على القول ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما وقال" انظروا فإن جاءت به جعدا حمش الساقين فهو لشريك بن سحماء وإن جاءت به أبيض سبطا قصير العينين فهو لهلال بن أمية فجاءت به جعدا حمش الساقين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لولا ما نزل فيهما من كتاب الله لكان لي ولها شأن" .
إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11)
إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم
هذه العشر الآيات كلها نزلت في شأن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حين رماها أهل الإفك والبهتان من المنافقين بما قالوه من الكذب البحت والفرية التي غار الله عز وجل لها ولنبيه صلوات الله وسلامه عليه فأنزل الله تعالى براءتها صيانة لعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال تعالى "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" أي جماعة منكم يعني ما هو واحد ولا اثنان بل جماعة فكان المقدم هذه اللعنة عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين فإنه كان يجمعه ويستوشيه حتى ذلك في أذهان بعض المسلمين فتكلموا به وجوزه آخرون منهم وبقي الأمر كذلك قريبا من شهر حتى نزل القرآن وبيان ذلك في الأحاديث الصحيحة وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري قال أخبرني سعيد

بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا فبرأها الله تعالى وكلهم قد حدثني بطائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت له اقتصاصا وقد وعيت عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضا : ذكروا أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج لسفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه قالت عائشة رضي الله عنها فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج فيها سهمي وخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك بعدما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل فقمت حين آذن بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع أظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلونني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب وهم يحسبون أني فيه قالت وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلن ولم يغشهن اللحم إنما يأكلن العلقة من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش"
فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب فتيممت منزلي الذي كنت فيه وظننت أن القوم سيفقدونني فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيناي فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فأتاني فعرفني حين رآني وكان قد رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حين أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها فانطلق يقود بي

الراحلة حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة فهلك من هلك من شأني وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمناها شهرا والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني في وجعي أني لا أرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي أرى منه حين أشتكي إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم .
ثم يقول "كيف تيكم ؟" فذلك الذي يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهو متبرزنا ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه في البرية وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها في بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد المطلب فأقبلت أنا وابنة أبي رهم أم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح فقلت لها : بئسما قلت تسبين رجلا شهد بدرا ؟ فقالت أي هنتاه ألم تسمعي ما قال ؟ قلت : وماذا قال ؟ قالت فأخبرتني بقول أهل الإفك فازددت مرضا إلى مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم قال : "كيف تيكم ؟" فقلت له : أتأذن لي أن آتي أبوي قالت وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم فجئت أبوي فقلت لأمي : يا أمتاه ما يتحدث الناس به ؟ فقالت : أي بنية هوني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها .
قالت فقلت : سبحان الله

أوقد تحدث الناس بها ؟ فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود فقال أسامة : يا رسول الله أهلك ولا نعلم إلا خيرا.
وأما علي بن أبي طالب فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير وإن تسأل الجارية تصدقك الخبر قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال : "أي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة" فقالت له بريرة : والذي بعثك بالحق إن رأيت منها أمرا قط أغمصه عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن فتأكله .
فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر : "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهلي فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري رضي الله عنه فقال أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا بأمرك .
قالت فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن معاذ : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافق فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم
قالت : وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي قالت فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي فبينا نحن على ذلك إذ دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلم ثم جلس قالت ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني شيء قالت فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فإن العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه" قالت فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة فقلت لأبي أجب عني رسول الله فقال : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت لأمي أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم قالت فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن : والله لقد علمت لقد سمعتم بهذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقونني ولئن اعترفت بأمر والله يعلم أني منه بريئة لا تصدقونني فوالله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي قالت وأنا والله أعلم حينئذ أني بريئة وأن الله تعالى مبرئي ببراءتي ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم
رؤيا يبرئني الله بها قالت : فوالله ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله تعالى على نبيه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي أنزل عليه .
قالت فسري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يضحك فكان أول كلمة تكلم بها أن قال "أبشري يا"

عائشة أما الله عز وجل فقد برأك "قالت فقالت لي أمي : قومي إليه فقلت : والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عز وجل هو الذي أنزل براءتي وأنزل الله عز وجل" إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم "العشر الآيات كلها فلما أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر رضي الله عنه وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره : والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة فأنزل الله تعالى" ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى - إلى قوله - ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم "فقال أبو بكر : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه."
وقال والله لا أنزعها منه أبدا : قالت عائشة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري فقال : "يا زينب ماذا علمت أو رأيت ؟" فقالت يا رسول الله : أحمي سمعي وبصري والله ما علمت إلا خيرا قالت عائشة وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فعصمها الله تعالى بالورع وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها فهلكت فيمن هلك .
قال ابن شهاب فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الزهري .
وهكذا رواه ابن إسحاق عن الزهري كذلك قال : وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وحدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري عن عمرة عن عائشة بنحو ما تقدم والله أعلم .
ثم قال البخاري وقال أبو أسامة عن هشام بن عروة قال أخبرني أبي عن عائشة رضي الله عنها قالت لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به قام رسول الله
صلى الله عليه وسلم في خطيبا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال : "أما بعد أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي وايم الله ما علمت على أهلي إلا خيرا وما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر ولا غبت في سفر إلا غاب معي" فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : يا رسول الله ائذن لنا أن نضرب أعناقهم فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال كذبت أما والله لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شر في المسجد وما علمت فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح فعثرت فقالت : تعس مسطح فقلت لها : أي أم تسبين ابنك ؟ فسكتت ثم عثرت الثانية فقالت : تعس مسطح فقلت لها : أي أم تسبين ابنك ؟ ثم عثرت الثالثة فقالت تعس مسطح فانتهرتها فقالت : والله ما أسبه إلا فيك فقلت : في أي شأني ؟ قالت : فبقرت لي الحديث فقلت : وقد كان هذا ؟ قالت : نعم والله فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا ووعكت وقلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ فقالت أم رومان : ما جاء بك يا بنية فأخبرتها وذكرت لها الحديث وإذا هو لم يبلغ منها مثل الذي بلغ مني فقالت يا بنية خففي عليك الشأن فإنه والله لقلما كانت امرأة قط حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها وقيل فيها فقلت وقد علم به أبي ؟ قالت : نعم قلت : ورسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت نعم ورسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعبرت وبكيت فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي ما شأنها قالت بلغها الذي ذكر من شأنها ففاضت عيناه "فقال أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت"
إلى بيتك فرجعت ولقد جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل عني خادمتي فقالت : يا رسول الله لا والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها وانتهرها بعض أصحابه فقال : اصدقي رسول الله صلى الله
عليه وسلم حتى أسقطوا لها به فقالت : سبحان الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر وبلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له فقال سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط .
قالت عائشة رضي الله عنها فقتل شهيدا في سبيل الله قالت وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال : "أما بعد يا عائشة إن كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي إلى الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده" قالت وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب فقلت ألا تستحيي من هذه المرأة أن تذكر شيئا فوعظ رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتفت إلى أبي فقلت له : أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : فماذا أقول ؟ فالتفت إلى أمي فقلت : أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : ماذا أقول ؟ فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت : أما بعد فوالله إن قلت لكم إني لم أفعل والله عز وجل يشهد أني لصادقة ما ذاك بنافعي عندكم لقد تكلمت به وأشربته قلوبكم وإن قلت لكم إني قد فعلت والله يعلم أني لم أفعل لتقولن قد باءت به على نفسها وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا - والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه - إلا أبا يوسف حين قال : "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" وأنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من ساعته فسكتنا فرفع عنه وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول : "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك" قالت وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي قومي إليه فقلت : لا والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه وكانت عائشة تقول : أما زينب بنت جحش فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا وأما أختها حمنة

بنت جحش فهلكت فيمن هلك وكان الذين يتكلم فيه مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله ابن أبي بن سلول وهو الذي كان يستوشيه ويجمعه وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة قالت فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا فأنزل الله تعالى : "ولا يأتل أولوا الفضل منكم" يعني أبا بكر "والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين" يعني مسطحا إلى قوله "ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم" فقال أبو بكر : بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له بما كان يصنع .
هكذا رواه البخاري من هذا الوجه معلقا بصيغة الجزم عن أبي أسامة حماد بن أسامة أحد الأئمة الثقات .
وقد رواه ابن جرير في تفسيره عن سفيان بن وكيع عن أبي أسامة مطولا به مثله أو نحوه ورواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج عن أبي أسامة ببعضه .
وقال الإمام أحمد حدثنا هشيم أخبرنا عمرو بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة "رضي الله عنها قالت لما نزل عذري من السماء جاءني النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرني بذلك فقلت بحمد الله لا بحمدك ."
وقال الإمام أحمد حدثنا ابن عدي عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة أيضا عن عائشة قالت : لما نزل عذري قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا حدهم ورواه أهل السنن الأربعة .
وقال الترمذي هذا حديث حسن ووقع عند أبي داود تسميتهم حسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #367  
قديم 07-12-2025, 06:37 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النور
من صـ 188 الى صــ 202
الحلقة (367)







فهذه طرق متعددة عن أم المؤمنين عائشة "رضي الله عنها في المسانيد والصحاح والسنن وغيرها وقد روي من حديث أمها أم رومان" رضي الله عنها فقال الإمام أحمد حدثنا علي بن عاصم أخبرنا حصين عن أبي وائل عن مسروق عن أم رومان قالت بينا أنا عند عائشة إذ دخلت علينا امرأة من الأنصار فقالت : فعل الله بابنها وفعل فقالت عائشة ولم ؟ قالت إنه كان فيمن حدث الحديث قالت وأي الحديث ؟ قالت كذا وكذا قالت وقد بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت نعم قالت وبلغ أبا بكر ؟ قالت نعم فخرت عائشة رضي الله عنها مغشيا عليها فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض قالت فقمت فدثرتها قالت فجاء النبي صلى الله عليه وسلم قال : "فما شأن هذه ؟" قلت : يا رسول الله أخذتها حمى بنافض قال "فلعله في حديث تحدث به" قالت فاستوت عائشة قاعدة فقالت : والله لئن حلفت لكم لا تصدقوني ولئن اعتذرت إليكم لا تعذروني فمثلي ومثلكم كمثل يعقوب وبنيه حين قال : "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" قالت فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنزل الله عذرها فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر فدخل فقال يا عائشة "إن الله تعالى قد أنزل عذرك" فقالت : بحمد الله لا بحمدك فقال لها أبو بكر : تقولين هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : نعم قالت : وكان فيمن حدث هذا الحديث رجل كان يعوله أبو بكر فحلف أن لا يصله فأنزل الله : "ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة" إلى آخر الآية فقال أبو بكر بلى فوصله .
تفرد به البخاري دون مسلم من طريق حصين وقد رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن أبي عوانة وعن محمد بن سلام عن محمد بن فضيل كلاهما عن حصين به وفي لفظ أبي عوانة حدثتني أم رومان وهذا صريح في سماع مسروق منها وقد أنكر ذلك جماعة من الحفاظ منهم الخطيب البغدادي وذلك لما ذكره أهل التاريخ أنها ماتت في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قال الخطيب وقد كان مسروق يرسله فيقول سئلت أم رومان ويسوقه فلعل بعضهم كتب سئلت بألف اعتقد الراوي أنها سألت فظنه متصلا قال الخطيب وقد رواه البخاري كذلك ولم تظهر له علته كذا قال والله أعلم .
ورواه بعضهم عن مسروق بن عبد الله بن مسعود عن أم رومان فالله أعلم فقوله تعالى "إن الذين جاءوا بالإفك" أي الكذب والبهت والافتراء "عصبة" أي جماعة منكم "لا تحسبوه شرا لكم" أي يا آل أبي بكر "بل هو خير لكم" أي في الدنيا والآخرة لسان صدق في الدنيا ورفعة منازل في الآخرة وإظهار شرف لهم باعتناء الله تعالى بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها حيث أنزل الله براءتها في القرآن العظيم الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه" الآية ولهذا لما دخل عليها ابن عباس رضي الله عنه وعنها وهي في سياق الموت قال لها أبشري فإنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان يحبك ولم يتزوج بكرا غيرك ونزلت براءتك من السماء.
وقال ابن جرير في تفسيره حدثني محمد بن عثمان الواسطي حدثنا جعفر بن عون عن المعلي بن عرفان عن محمد بن عبد الله بن جحش قال : تفاخرت عائشة وزينب رضي الله عنهما فقالت زينب أنا التي نزل تزويجي من السماء وقالت عائشة أنا التي نزل عذري في كتاب الله حين حملني صفوان بن المعطل على

الراحلة فقالت لها زينب يا عائشة ما قلت حين ركبتيها ؟ قالت حسبي الله ونعم الوكيل قالت قلت كلمة المؤمنين .
وقوله تعالى "لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم" أي لكل من تكلم في هذه القضية ورمى أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها بشيء من الفاحشة نصيب عظيم من العذاب "والذي تولى كبره منهم" قيل ابتدأ به وقيل الذي كان يجمعه ويستوشيه ويذيعه ويشيعه "له عذاب عظيم" أي على ذلك ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو عبد الله بن أبي بن سلول قبحه الله ولعنه وهو الذي تقدم النص عليه في الحديث وقال ذلك مجاهد وغير واحد وقيل بل المراد به حسان بن ثابت وهو قول غريب ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر وأحسن مآثره أنه كان يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعره وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "هاجهم وجبريل معك" وقال الأعمش عن ابن الضحى عن مسروق قال : كنت عند عائشة "رضي الله عنها فدخل حسان بن ثابت فأمرت فألقي له وسادة فلما خرج قلت لعائشة ما تصنعين بهذا ؟ يعني يدخل عليك وفي رواية قيل لها أتأذنين لهذا يدخل عليك وقد قال الله" والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم "قالت وأي عذاب أشد من العمى وكان قد ذهب بصره لعل الله أن يجعل ذلك هو العذاب العظيم ثم قالت إنه كان ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أنه أنشدها عندما دخل عليها شعرا يمتدحها به فقال :"
حصان رزان ما تزن بريبة ... وتصبح غرثى من لحوم الغوافل

فقالت أما أنت فلست كذلك وفي رواية : لكنك لست كذلك وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن قزعة حدثنا سلمة بن علقمة حدثنا داود عن عامر عن عائشة أنها قالت ما سمعت بشعر أحسن من شعر حسان ولا تمثلت به إلا رجوت له الجنة قوله لأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب .
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
إن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
تشتمه ولست له بكفء ؟ ... فشركما لخيركما الفداء
لساني صارم لا عيب فيه ... وبحري لا تكدره الدلاء
فقيل : يا أم المؤمنين أليس هذا لغوا ؟ قالت : لا إنما اللغو ما قيل عند النساء قيل أليس الله يقول "والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم" قالت : أليس قد ذهب بصره وكنع بالسيف ؟ تعني الضربة التي ضربه إياها صفوان بن المعطل السلمي حين بلغه عنه أنه يتكلم في ذلك فعلاه بالسيف وكاد أن يقتله .
لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12)
لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين
هذا تأديب من الله تعالى للمؤمنين في قصة عائشة رضي الله عنها حين أفاض بعضهم في ذلك الكلام السوء وما ذكر من شأن الإفك فقال تعالى "لولا"

"يعني هلا" إذ سمعتموه "أي ذلك الكلام الذي رميت به أم المؤمنين رضي الله عنها" ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا "أي قاسوا ذلك الكلام على أنفسهم فإن كان لا يليق بهم فأم المؤمنين أولى بالبراءة منه بطريق الأولى والأحرى ."
وقد قيل إنها نزلت في أبي أيوب خالد بن زيد الأنصاري وامرأته رضي الله عنهما كما قال الإمام محمد بن إسحاق بن يسار عن أبيه عن بعض رجال بني النجار أن أبا أيوب خالد بن زيد الأنصاري قالت له امرأته أم أيوب : يا أبا أيوب أما تسمع ما يقول الناس في عائشة رضي الله عنها قال نعم وذلك الكذب أكنت فاعلة ذلك يا أم أيوب ؟ قالت لا والله ما كنت لأفعله قال فعائشة والله خير منك .
قال فلما نزل القرآن ذكر الله عز وجل من قال في الفاحشة ما قال من أهل الإفك "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم" وذلك حسان وأصحابه الذين قالوا ما قالوا ثم قال تعالى "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون" الآية أي كما قال أبو أيوب وصاحبته .
وقال محمد بن عمر الواقدي حدثني ابن أبي حبيب عن داود بن الحصين عن أبي سفيان عن أفلح مولى أبي أيوب أن أم أيوب قالت لابن أيوب : ألا تسمع ما يقول الناس في عائشة ؟ قال بلى وذلك الكذب أفكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك ؟ قالت : لا والله قال فعائشة والله خير منك .
فلما نزل القرآن وذكر أهل الإفك قال الله عز وجل "لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين" يعني أبا أيوب حين قال لأم أيوب ما قال - ويقال إنما قالها أبي بن كعب وقوله تعالى "ظن المؤمنون" إلخ أي هلا ظنوا الخير فإن أم المؤمنين أهله وأولى به هذا ما يتعلق بالباطن .
وقوله "وقالوا" أي بألسنتهم "هذا إفك مبين" أي كذب ظاهر على أم المؤمنين رضي الله عنها فإن الذي وقع لم يكن ريبة وذلك أن مجيء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان بن المعطل في وقت

الظهيرة والجيش بكماله يشاهدون ذلك ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم ولو كان هذا الأمر فيه ريبة لم يكن هذا جهرة ولا كانا يقدمان على مثل ذلك على رءوس الأشهاد بل كان هذا يكون لو قدر خفية مستورا فتعين أن ما جاء به أهل الإفك مما رموا به أم المؤمنين هو الكذب البحت والقول الزور والرعونة الفاحشة الفاجرة والصفقة الخاسرة .
لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون (13)
لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون
قال الله تعالى "لولا" أي هلا "جاءوا عليه" أي على ما قالوه "بأربعة شهداء" يشهدون على صحة ما جاءوا به "فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون" أي في حكم الله كاذبون فاجرون .
ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14)
ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم
يقول تعالى "لولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة" أيها الخائضون في شأن عائشة بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الأخرة "لمسكم فيما أفضتم فيه" من قضية الإفك "عذاب عظيم" وهذا فيمن عنده إيمان يقبل الله بسببه التوبة كمسطح وحسان وحمنة بنت جحش أخت زينب بنت جحش فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وأضرابه فليس أولئك مرادين في هذه الآية لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين يكون مطلقا مشروطا بعدم التوبة أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه .
ثم قال تعالى "إذ تلقونه بألسنتكم" قال مجاهد وسعيد بن جبير : أي يرويه بعضكم عن بعض يقول هذا سمعته من فلان وقال فلان كذا وذكر بعضهم كذا.
إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15)
إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم
وقرأ آخرون "إذ تلقونه بألسنتكم" وفي صحيح البخاري عن عائشة أنها كانت

تقرؤها كذلك وتقول هي من ولق اللسان يعني الكذب الذي يستمر صاحبه عليه تقول العرب ولق فلان في السير إذا استمر فيه والقراءة الأولى أشهر وعليها الجمهور ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو أسامة عن نافع عن ابن عمر عن عائشة أنها كانت تقرأ "إذ تلقونه" وتقول هي ولق القول قال ابن أبي مليكة : هي أعلم به من غيرها.
وقوله تعالى "وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم" أي تقولون ما لا تعلمون .
ثم قال تعالى "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم" أي تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين وتحسبون ذلك يسيرا سهلا ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هينا فكيف وهي زوجة النبي الأمي خاتم الأنبياء وسيد المرسلين فعظيم عند الله أن يقال في زوجة نبيه ورسوله ما قيل فإن الله سبحانه وتعالى يغار لهذا وهو سبحانه وتعالى لا يقدر على زوجة نبي من الأنبياء ذلك حاشا وكلا ولما لم يكن ذلك فكيف يكون هذا في سيدة نساء الأنبياء وزوجة سيد ولد آدم على الإطلاق في الدنيا والآخرة ولهذا قال تعالى "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم" وفي الصحيحين "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يدري ما تبلغ يهوي بها في النار أبعد مما بين السماء والأرض" وفي رواية "لا يلقي لها بالا" .
ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16)
ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم

هذا تأديب آخر بعد الأول الآمر بظن الخير أي إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة فأولى ينبغي الظن بهم خيرا .
وأن لا يشعر نفسه سوى ذلك ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك وسوسة أو خيالا فلا ينبغي أن يتكلم به فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل" أخرجاه في الصحيحين وقال الله تعالى "ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا" أي ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد "سبحانك هذا بهتان عظيم" أي سبحان الله أن يقال هذا الكلام على زوجة رسوله وحليلة خليله .
يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17)
يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين
ثم قال تعالى "يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا" أي ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدا أي فيما يستقبل ولهذا قال "إن كنتم مؤمنين" أي إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه وتعظمون رسوله صلى الله عليه وسلم فأما من كان متصفا بالكفر فله حكم آخر .
ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18)
ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم
ثم قال تعالى "ويبين الله لكم الآيات" أي يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية "والله عليم حكيم" أي عليم بما يصلح عباده حكيم في شرعه وقدره .
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19)
إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون
هذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ فقام بذهنه شيء منه وتكلم فلا يكثر منه ولا يشيعه ويذيعه فقد قال تعالى "إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم" أي يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح "لهم عذاب أليم في الدنيا" أي بالحد وفي الآخرة بالعذاب الأليم "والله يعلم وأنتم لا تعلمون" أي فردوا الأمور إليه ترشدوا

وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن بكير حدثنا ميمون بن موسى المرئي حدثنا محمد بن عباد المخزومي عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم ولا تطلبوا عوراتهم فإنه من طلب عورة أخيه المسلم طلب الله عورته حتى يفضحه في بيته" .
ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم (20)
ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم
أي لولا هذا لكان أمر آخر ولكنه تعالى رءوف بعباده رحيم بهم فتاب على من تاب إليه من هذه القضية وطهر من طهر منهم بالحد الذي أقيم عليهم .
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21)
يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم
"يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم" "خطوات الشيطان" يعني طرائقه ومسالكه وما يأمر به "ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر" هذا تنفير وتحذير من ذلك بأفصح عبارة وأبلغها وأوجزها وأحسنها قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "خطوات الشيطان" عمله وقال عكرمة : نزغاته وقال قتادة : كل معصية فهي من خطوات الشيطان وقال أبو مجلز : النذور في المعاصي من خطوات الشيطان وقال مسروق : سأل رجل ابن مسعود فقال : إني حرمت أن آكل طعاما وسماه فقال : هذا من نزعات الشيطان كفر عن يمينك وكل

وقال الشعبي في رجل نذر ذبح ولده هذا من نزغات الشيطان وأفتاه أن يذبح كبشا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حسان بن عبد الله المصري حدثنا السري بن يحيى عن سليمان التيمي عن أبي رافع قال : غضبت على امرأتي فقالت هي يوما يهودية ويوما نصرانية وكل مملوك لها حر إن لم تطلق امرأتك فأتيت عبد الله بن عمر فقال : إنما هذه من نزغات الشيطان وكذلك قالت زينب بنت أم سلمة وهي يومئذ أفقه امرأة بالمدينة وأتيت عاصم بن عمر فقال مثل ذلك .
ثم قال تعالى "ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحد أبدا" أي لولا هو يرزق من يشاء التوبة والرجوع إليه ويزكي النفوس من شركها وفجورها ودنسها وما فيها من أخلاق رديئة كل بحسبه لما حصل أحد لنفسه زكاة ولا خيرا "ولكن الله يزكي من يشاء" أي من خلقه ويضل من يشاء ويرديه في مهالك الضلال والغي وقوله "والله سميع" أي سميع لأقوال عباده "عليم" بمن يستحق منهم الهدى والضلال .
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22)
ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم
يقول تعالى "ولا يأتل" من الألية وهي الحلف أي لا يحلف "أولو الفضل منكم" أي الطول والصدقة والإحسان "والسعة" أي الجدة "أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله" أي لا تحلفوا أن لا تصلوا قراباتكم المساكين والمهاجرين وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة الأرحام ولهذا قال تعالى "وليعفوا وليصفحوا" أي عما تقدم منهم من الإساءة والأذى .
وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم

وهذه الآية نزلت في الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة أبدا بعدما قال في عائشة ما قال كما تقدم في الحديث فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة وطابت النفوس المؤمنة واستقرت وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك وأقيم الحد على من أقيم عليه - شرع تبارك وتعالى وله الفضل والمنة يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة فإنه كان ابن خالة الصديق وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر رضي الله عنه وكان من المهاجرين في سبيل الله وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها .
وكان الصديق رضي الله عنه معروفا بالمعروف له الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب فلما نزلت هذه الآية إلى قوله "ألا تحبون أن يغفر الله لكم" الآية فإن الجزاء من جنس العمل فكما تغفر ذنب من أذنب إليك يغفر الله لك وكما تصفح يصفح عنك فعند ذلك قال الصديق : بلى والله إنا نحب أن تغفر لنا يا ربنا ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة وقال : والله لا أنزعها منه أبدا في مقابلة ما كان قال : والله لا أنفعه بنافعة أبدا .
فلهذا كان الصديق هو الصديق رضي الله عنه وعن بنته .
إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم (23)
إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم
هذا وعيد من الله تعالى للذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات خرج مخرج الغالب فأمهات المؤمنين أولى بالدخول في هذا من كل محصنة ولا سيما التي كانت سبب النزول وهي عائشة بنت الصديق رضي الله عنهما وقد أجمع العلماء رحمهم الله قاطبة على أن من سبها بعد هذا ورماها بما رماها به بعد هذا الذي ذكر في هذه الآية فإنه كافر لأنه معاند للقرآن وفي بقية أمهات المؤمنين قولان : أصحهما أنهن كهي والله أعلم

وقوله تعالى "لعنوا في الدنيا والآخرة" .
الآية كقوله "إن الذين يؤذون الله ورسوله" الآية .
وقد ذهب بعضهم إلى أنها خاصة بعائشة رضي الله عنها فقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا عبد الله بن حراش عن العوام عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في الآية "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" قال نزلت في عائشة خاصة وكذا قال سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان .
وقد ذكره ابن جرير عن عائشة فقال حدثنا أحمد بن عمدة الضبي حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت : رميت بما رميت به وأنا غافلة فبلغني بعد ذلك قالت فبينا رسول الله جالس عندي إذ أوحي إليه قالت وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات وإنه أوحي إليه وهو جالس عندي ثم استوى جالسا يمسح على وجهه وقال "يا عائشة أبشري" قالت فقلت بحمد الله لا بحمدك فقرأ "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات - حتى بلغ - أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم" هكذا أورده وليس فيه أن الحكم خاص بها وإنما فيه أنها سبب النزول دون غيرها وإن كان الحكم يعمها كغيرها ولعله مراد ابن عباس ومن قال كقوله والله أعلم .
وقال الضحاك وأبو الجوزاء وسلمة بن نبيط : المراد بها أزواج النبي خاصة دون غيرهن من النساء وقال العوفي عن ابن عباس في الآية "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" الآية يعني أزواج النبي صلى الله عليه وسلم رماهن أهل النفاق فأوجب الله لهم اللعنة والغضب وباءوا بسخط من الله فكان ذلك في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل بعد ذلك "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء - إلى قوله - فإن الله غفور رحيم" فأنزل الله الجلد والتوبة فالتوبة تقبل والشهادة ترد .
وقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا هشيم أخبرنا العوام بن حوشب عن شيخ من بني أسد عن ابن عباس قال فسر سورة النور فلما أتى على هذه

الآية "إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات" الآية قال في شأن عائشة وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم وهي مبهمة وليست لهم توبة ثم قرأ "والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء - إلى قوله - إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا" الآية قال فجعل لهؤلاء توبة ولم يجعل لمن قذف أولئك توبة قال فهم بعض القوم أن يقوم إليه فيقبل رأسه من حسن ما فسر به سورة النور فقوله وهي مبهمة أي عامة في تحريم قذف كل محصنة ولعنته في الدنيا والآخرة وهكذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم هذا في عائشة ومن صنع مثل هذا أيضا اليوم في المسلمات فله ما قال الله تعالى ولكن عائشة كانت أما في ذلك .
وقد اختار ابن جرير عمومها وهو الصحيح ويعضد العموم ما رواه ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن أخي وهب حدثني عمي حدثنا سليمان بن بلال عن ثور بن زيد عن أبي الغيث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اجتنبوا السبع الموبقات" قيل وما هن يا رسول الله ؟ قال "الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات" أخرجاه في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال به وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عمر أبي خالد الطائي المحرمي حدثني أبي وحدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا جدي أحمد بن أبي شعيب حدثني موسى بن أعين عن ليث عن أبي إسحاق عن صلة بن زفر عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "قذف المحصنة يهدم عمل مائة سنة" .
يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24)
يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون
قال ابن

أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو يحيى الرازي عن عمرو بن أبي قيس عن مطرف عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : إنهم يعني المشركين إذا رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهل الصلاة قالوا تعالوا حتى نجحد فيجحدون فيختم على أفواههم وتشهد أيديهم وأرجلهم ولا يكتمون الله حديثا وروى ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا كان يوم القيامة عرف الكافر بعمله فيجحد ويخاصم فيقال هؤلاء جيرانك يشهدون عليك فيقول كذبوا فيقال أهلك وعشيرتك فيقول كذبوا فيقال احلفوا فيحلفون ثم يصمهم الله فتشهد عليه أيديهم وألسنتهم ثم يدخلهم النار" وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثنا أبو شيبة إبراهيم عن عبد الله بن أبي شيبة الكوفي حدثنا منجاب بن الحارث التميمي حدثنا أبو عامر الأسدي حدثنا سفيان بن عبيد المكتب عن فضيل بن عمرو الفقيمي عن الشعبي عن أنس بن مالك قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فضحك حتى بدت نواجذه ثم قال : "أتدرون مم أضحك ؟" قلنا الله ورسوله أعلم قال من مجادلة العبد لربه يقول يا رب ألم تجرني من الظلم ؟ فيقول بلى فيقول لا أجيز علي إلا شاهدا من نفسي فيقول كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا وبالكرام عليك شهودا فيختم على فيه ويقال لأركانه انطقي فتنطق بعمله ثم يخلى بينه وبين الكلام فيقول بعدا لكن وسحقا فعنكن كنت أناضل "وقد رواه مسلم والنسائي جميعا عن أبي بكر بن أبي النضر عن أبيه عن عبد الله"
الأشجعي عن سفيان الثوري به ثم قال النسائي لا أعلم أحدا روى هذا الحديث عن سفيان الثوري غير الأشجعي وهو حديث غريب والله أعلم هكذا قال وقال قتادة بن آدم : والله إن عليك لشهودا غير متهمة من بذلك فراقبهم واتق الله في سرك وعلانيتك فإنه لا يخفى عنه خافية والظلمة عنده ضوء والسر عنده علانية فمن استطاع أن يموت وهو بالله حسن الظن فليفعل ولا قوة إلا بالله .
يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين (25)
يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين
قال ابن عباس "دينهم" أي حسابهم وكل ما في القرآن دينهم أي حسابهم وكذا قال غير واحد ثم إن قراءة الجمهور بنصب الحق على أنه صفة لدينهم وقرأ مجاهد بالرفع على أنه نعت الجلالة وقرأها بعض السلف في مصحف أبي بن كعب : يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق .
وقوله "ويعلمون أن الله هو الحق المبين" أي وعده ووعيده وحسابه هو العدل الذي لا جور فيه.
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم (26)
الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم
قال ابن عباس : الخبيثات من القول للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من القول .
والطيبات من القول للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من القول - قال - ونزلت في عائشة وأهل الإفك وهكذا روي عن مجاهد وعطاء وسعيد بن جبير والشعبي والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت والضحاك واختاره ابن جرير ووجهه بأن الكلام القبيح أولى بأهل القبح من الناس والكلام الطيب أولى بالطيبين من الناس فما نسبه أهل النفاق إلى عائشة من كلام هم أولى به وهي أولى بالبراءة والنزاهة منهم ولهذا قال تعالى "أولئك مبرءون مما يقولون" وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : الخبيثات من النساء للخبيثين من الرجال والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء والطيبات من النساء للطيبين من الرجال والطيبون من الرجال للطيبات من النساء




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #368  
قديم 07-12-2025, 06:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النور
من صـ 203 الى صــ 217
الحلقة (368)






وهذا أيضا يرجع إلى ما قاله أولئك باللازم أي ما كان الله ليجعل عائشة زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهي طيبة لأنه أطيب من كل طيب من البشر ولو كانت خبيثة لما صلحت له لا شرعا ولا قدرا ولهذا قال تعالى "أولئك مبرءون مما يقولون" أي هم بعداء عما يقوله أهل الإفك والعدوان "لهم مغفرة" أي بسبب ما قيل فيهم من الكذب "ورزق كريم" أي عند الله في جنات النعيم وفيه وعد بأن تكون زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنة قال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن مسلم حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد السلام بن حرب عن يزيد بن عبد الرحمن عن الحكم بإسناده إلى يحيى بن الجزار قال : جاء أسير بن جابر إلى عبد الله فقال لقد سمعت الوليد بن عقبة تكلم اليوم بكلام أعجبني فقال عبد الله : إن الرجل المؤمن يكون في قلبه الكلمة الطيبة تتجلجل في صدره ما يستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل عنده يتلها فيضمها إليه وإن الرجل الفاجر يكون في قلبه الكلمة الخبيثة تتجلجل في صدره ما تستقر حتى يلفظها فيسمعها الرجل الذي عنده يتلها فيضمها إليه ثم قرأ عبد الله "الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات" الآية ويشبه هذا ما رواه الإمام أحمد في المسند مرفوعا "مثل الذي يسمع الحكمة ثم لا يحدث إلا بشر ما سمع كمثل رجل جاء إلى صاحب غنم فقال اجزر لي شاة فقال اذهب فخذ بأذن أيها شئت فذهب فأخذ بأذن كلب الغنم" وفي الحديث الآخر "الحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها أخذها""."
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27)
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم
هذه آداب شرعية أدب الله بها عباده المؤمنين وذلك في استئذان أمرهم أن لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم حتى يستأنسوا أي يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده وينبغي أن يستأذن ثلاث مرات فإن أذن له وإلا انصرف كما ثبت في الصحيح أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثا فلم يؤذن له انصرف ثم قال عمر : ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن ؟ ائذنوا له فطلبوه فوجدوه قد ذهب فلما جاء بعد ذلك قال : ما أرجعك ؟ قال : إني استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي وإني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فلينصرف" فقال عمر : لتأتيني على هذا بينة وإلا أوجعتك ضربا فذهب إلى ملإ من الأنصار فذكر لهم ما قال عمر فقالوا : لا يشهد لك إلا أصغرنا فقام معه أبو سعيد الخدري فأخبر عمر بذلك فقال : ألهاني عنه الصفق بالأسواق .
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق أخبرنا عمر عن ثابت عن أنس أو غيره أن النبي صلى الله عليه وسلم استأذن على سعد بن عبادة فقال "السلام عليك ورحمة الله فقال سعد : وعليك السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم حتى سلم ثلاثا ورد عليه سعد ثلاثا ولم يسمعه فرجع النبي صلى الله عليه وسلم فاتبعه"

سعد فقال : يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما سلمت تسليمة إلا وهي بأذني ولقد رددت عليك ولم أسمعك وأردت أن أستكثر من سلامك ومن البركة ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبا فأكل نبي الله فلما فرغ قال "أكل طعامكم الأبرار وصلت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون" وقد روى أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول : حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال : زارنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزلنا فقال "السلام عليكم ورحمة الله" فرد سعد ردا خفيا قال قيس : فقلت ألا تأذن لرسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فقال دعه يكثر علينا من السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "السلام عليكم ورحمة الله" فرد سعد ردا خفيا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "السلام عليكم ورحمة الله" ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم واتبعه سعد فقال : يا رسول الله إني كنت أسمع تسليمك وأرد عليك ردا خفيا لتكثر علينا من السلام قال فانصرف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر له سعد بغسل فاغتسل ثم ناوله خميصة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول : "اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة" قال ثم أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الطعام فلما أراد الانصراف قرب إليه سعد حمارا قد وطأ عليه بقطيفة فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سعد : يا قيس اصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قيس : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اركب" فأبيت فقال "إما أن تركب وإما أن تنصرف" قال فانصرفت وقد روي هذا من وجوه أخر فهو حديث جيد قوي والله أعلم .
ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل أن لا يقف تلقاء الباب بوجهه ولكن ليكن

الباب عن يمينه أو يساره لما رواه أبو داود : حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا حدثنا بقية حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بشر قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول "السلام عليكم السلام عليكم" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور ; انفرد به أبو داود .
وقال أبو داود أيضا حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير حينئذ قال أبو داود حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا حفص عن الأعمش عن طلحة عن هزيل قال جاء رجل قال عثمان : سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن فقام على الباب قال عثمان مستقبل الباب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "هكذا عنك - أو هكذا - فإنما الاستئذان من النظر" وقد رواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن رجل عن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أبو داود من حديثه وفي الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح" وأخرج الجماعة من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر قال أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب فقال "من ذا ؟" فقلت أنا قال "أنا أنا ؟" كأنه كرهه وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يعرف صاحبها حتى يفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها وإلا فكل أحد يعبر عن نفسه بأنا فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية

وقال العوفي عن ابن عباس الاستئناس الاستئذان وكذا قال غير واحد وقال ابن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية "لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا" قال إنما هي خطأ من الكتاب حتى تستأذنوا وتسلموا وهكذا رواه هشيم عن أبي بشر وهو جعفر بن إياس عن سعيد عن ابن عباس بمثله وزاد وكان ابن عباس يقرأ "حتى تستأذنوا وتسلموا" وكان يقرأ على قراءة أبي بن كعب رضي الله عنه .
وهذا غريب جدا عن ابن عباس وقال هشيم أخبرنا مغيرة عن إبراهيم قال في مصحف ابن مسعود حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا وهذا أيضا رواية عن ابن عباس وهو اختيار ابن جرير وقد قال الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرني عمرو بن أبي سفيان أن عمرو بن أبي صفوان أخبره أن كلدة بن الحنبل أخبره أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بلبأ وجداية وضغابيس والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي قال فدخلت على النبي صلى الله عليه وسلم ولم أسلم ولم أستأذن.
فقال صلى الله عليه وسلم "ارجع فقل السلام عليكم أأدخل" وذلك بعدما أسلم صفوان ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج به وقال الترمذي حسن غريب لا نعرفه إلا من حديثه

وروى أبو داود حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا أبو الأحوص عن منصور عن ربعي قال أتى رجل من بني عامر استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فقال أألج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه "اخرج إلى هذا فعلمه الاستئذان فقل له : قل السلام عليكم أأدخل ؟ فسمعه الرجل فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم فدخل."
وقال هشيم أخبرنا منصور عن ابن سيرين وأخبرنا يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد الثقفي أن رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فقال أألج أو أنلج ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأمة له يقال لها روضة "قومي إلى هذا فعلميه فإنه لا يحسن يستأذن فقولي له يقول السلام عليكم أأدخل ؟ فسمعها الرجل فقال : السلام عليكم أأدخل ؟ فقال" ادخل "."
وقال الترمذي حدثنا الفضل بن الصباح حدثنا سعيد بن زكريا عن عنبسة بن عبد الرحمن عن محمد بن زاذان عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "السلام قبل الكلام" ثم قال الترمذي : عنبسة ضعيف الحديث ذاهب ومحمد بن زاذان في إسناده نكارة وضعف وقال هشيم قال مغيرة قال مجاهد جاء ابن عمر من حاجة وقد أذاه الرمضاء فأتى فسطاط امرأة من قريش فقال السلام عليكم أأدخل ؟ قالت : ادخل بسلام فأعاد فأعادت وهو يراوح بين قدميه قال قولي ادخل قالت ادخل فدخل.
ولابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو نعيم الأحول حدثني خالد بن إياس حدثتني جدتي أم إياس قالت : كنت في أربع نسوة نستأذن على

عائشة فقلن ندخل ؟ فقالت لا قلن لصاحبتكن تستأذن فقالت السلام عليكم أندخل ؟ قالت : ادخلوا ثم قالت : "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها" الآية .
وقال هشيم أخبرنا أشعث بن سوار عن كردوس عن ابن مسعود قال : عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم وقال أشعث عن عدي بن ثابت إن امرأة من الأنصار قالت : يا رسول الله إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد وإنه لا يزال يدخل علي رجل من أهلي وأنا على تلك الحال .
قال فنزلت "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا" الآية وقال ابن جريج سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ثلاث آيات جحدهن الناس .
قال الله تعالى : "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" قال ويقولون : إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتا قال : والأدب كله قد جحده الناس قال قلت : أيستأذن علي أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد ؟ قال : نعم فرددت عليه ليرخص لي فأبى فقال : تحب أن تراها عريانة ؟ قلت لا قال : فاستأذن قال فراجعته أيضا فقال : أتحب أن تطيع الله ؟ قال قلت نعم قال فاستأذن .
قال ابن جريج وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال : ما من امرأة أكره إلي أن أرى عورتها من ذات محرم قال : وكان يشدد في ذلك وقال ابن جريج عن الزهري سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمي أنه سمع ابن مسعود يقول عليكم الإذن على أمهاتكم

وقال ابن جريج قلت لعطاء أيستأذن الرجل على امرأته قال لا وهذا محمول على عدم الوجوب وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها .
وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا محمد بن حازم بن الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى بن الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن زينب رضي رضي الله عنها قالت : كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه إسناده صحيح .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان الواسطي حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة قال كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس تكلم ورفع صوته وقال مجاهد : "حتى تستأنسوا" قال : تنحنحوا أو تنخموا.
وعن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله أنه قال : إذا دخل الرجل بيته استحب له أن يتنحنح أو يحرك نعليه ولهذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن يطرق الرجل أهله طروقا وفي رواية ليلا يتخونهم وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة نهارا فأناخ بظاهرها وقال "انتظروا حتى ندخل عشاء - يعني آخر النهار - حتى تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الرحمن

بن سليمان عن واصل بن السائب حدثني أبو ثورة بن أخي أبي أيوب عن أبي أيوب قال : قلت يا رسول الله هذا السلام فما الاستئناس ؟ قال : "يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة أو تحميدة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت" هذا حديث غريب وقال قتادة في قوله : "حتى تستأنسوا" هو الاستئذان ثلاثا فمن لم يؤذن له منهم فليرجع أما الأولى فليسمع الحي وأما الثانية فليأخذوا حذرهم وأما الثالثة فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا ردوا ولا تقفن على باب قوم ردوك عن بابهم فإن للناس حاجات ولهم أشغال والله أولى بالعذر .
وقال مقاتل بن حيان في قوله "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها" كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه لا يسلم عليه ويقول حييت صباحا وحييت مساء وكان ذلك تحية القوم بينهم وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم ويقول قد دخلت ونحو ذلك فيشق ذلك على الرجل ولعله يكون مع أهله فغير الله ذلك كله في ستر وعفة وجعله نقيا نزها من الدنس والقذر والدرن فقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها" الآية وهذا الذي قاله مقاتل حسن ولهذا قال تعالى "ذلكم خير لكم" يعني الاستئذان خير لكم بمعنى هو خير من الطرفين للمستأذن ولأهل البيت "لعلكم تذكرون" .
فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28)
فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم
وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه فإن شاء أذن وإن شاء لم يأذن "وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم" أي إذا ردوكم من الباب قبل الإذن أو بعده "فارجعوا هو أزكى لكم" أي رجوعكم أزكى لكم وأطهر "والله بما تعلمون عليم"

وقال قتادة : قال بعض المهاجرين لقد طلبت عمري كله هذه الآية فما أدركتها أن أستأذن على بعض إخواني فيقول لي ارجع فأرجع وأنا مغتبط "وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم" وقال سعيد بن جبير في الآية : أي لا تقفوا على أبواب الناس .
ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29)
ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون
الآية الكريمة أخص من التي قبلها وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد إذا كان له متاع فيها بغير إذن كالبيت المعد للضيف إذا أذن له فيه أول مرة كفى .
قال ابن جريج قال ابن عباس : "لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم" ثم نسخ واستثني فقال تعالى "ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم" وكذا روي عن عكرمة والحسن البصري وقال آخرون : هي بيوت التجار كالخانات ومنازل الأسفار وبيوت مكة وغير ذلك واختار ذلك ابن جرير وحكاه عن جماعة والأول أظهر والله أعلم وقال مالك عن زيد بن أسلم هي بيوت الشعر .
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30)
قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون
هذا أمر من الله تعالى لعباده المؤمنين أن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم فلا ينظروا إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه وأن يغمضوا أبصارهم عن المحارم فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصد فليصرف بصره عنه سريعا كما رواه مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد عن عمرو بن سعيد عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عن جده جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال : سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة فأمرني أن أصرف بصري .
وكذا رواه الإمام أحمد عن هشيم عن يونس بن عبيد به ورواه أبو داود والترمذي

والنسائي من حديثه أيضا وقال الترمذي حسن صحيح وفي رواية لبعضهم فقال "أطرق بصرك" يعني انظر إلى الأرض والصرف أعم فإنه قد يكون إلى الأرض وإلى جهة أخرى والله أعلم .
وقال أبو داود حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا شريك عن أبي ربيعة الإيادي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي "يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإن لك الأولى وليس لك الآخرة" ورواه الترمذي من حديث شريك وقال : غريب لا نعرفه إلا من حديثه وفي الصحيح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إياكم والجلوس على الطرقات" قالوا يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه" .
قالوا وما حق الطريق يا رسول الله ؟ - قال : "غض البصر وكف الأذى ورد السلام والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" وقال أبو القاسم البغوي حدثنا طالوت بن عباد حدثنا فضيل بن حسين سمعت أبا أمامة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "اكفلوا لي بست أكفل لكم بالجنة إذا حدث أحدكم فلا يكذب وإذا اؤتمن فلا يخن وإذا وعد فلا يخلف وغضوا أبصاركم وكفوا أيديكم واحفظوا فروجكم" .
وفي صحيح البخاري "من يكفل لي ما بين لحييه وما بين رجليه أكفل له الجنة"

وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة قال : كل ما عصي الله به فهو كبيرة وقد ذكر الطرفين فقال "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم" ولما كان النظر داعية إلى فساد القلب كما قال بعض السلف : النظر سهم سم إلى القلب .
ولذلك أمر الله بحفظ الفروج كما أمر بحفظ الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك فقال تعالى "قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم" وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنا كما قال تعالى "والذين هم لفروجهم حافظون" الآية وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك" "ذلك أزكى لهم" أي أطهر لقلوبهم وأتقى لدينهم كما قيل من حفظ بصره أورثه الله نورا في بصيرته ويروى في قلبه .
وروى الإمام أحمد حدثنا عتاب حدثنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يحيى بن أيوب عن عبيد الله بن زحر عن علي بن زيد عن القاسم عن أبي أمامة "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها "وروي هذا مرفوعا عن ابن عمر وحذيفة وعائشة رضي الله عنهم ولكن في أسانيدها ضعف إلا أنها في الترغيب ومثله يتسامح فيه"

وفي الطبراني من طريق عبيد الله بن يزيد عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة مرفوعا "لتغضن أبصاركم ولتحفظن فروجكم ولتقيمن وجوهكم أو لتكسفن وجوهكم" وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن زهير التستري قال : قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقري حدثنا يحيى بن أبي بكير حدثنا هريم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبيه عن عبد الله بن مسعود "قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم من تركها مخافتي أبدلته إيمانا يجد حلاوتها في قلبه "وقوله تعالى" إن الله خبير بما يصنعون "كما قال تعالى" يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور "وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق وزنا الأذنين الاستماع وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين الخطى والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه "رواه البخاري تعليقا ومسلم مسندا من وجه آخر بنحو ما ذكر ."
وقد قال كثير من السلف إنهم كانوا ينهون أن يحد الرجل نظره إلى الأمرد وقد شدد كثير من أئمة الصوفية في ذلك وحرمه طائفة من أهل العلم لما فيه من الافتتان وشدد آخرون في ذلك كثيرا جدا .
وقال ابن أبي الدنيا حدثنا أبو سعيد المدني حدثنا عمر بن سهل المازني

حدثني عمر بن محمد بن صهبان عن صفوان بن سليم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله وعينا سهرت في سبيل الله وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله عز وجل" .
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون (31)
وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون
هذا أمر من الله تعالى للنساء المؤمنات وغيرة منه لأزواجهن عباده المؤمنين وتمييز لهن عن صفة نساء الجاهلية وفعال المشركات .
وكان سبب نزول هذه الآية ما ذكره مقاتل بن حيان قال : بلغنا والله أعلم أن جابر بن عبد الله الأنصاري حدث أن أسماء بنت مرثد كان في محل لها في بني حارثة فجعل النساء يدخلن عليها غير متزرات فيبدو ما في أرجلهن من الخلاخل وتبدو صدورهن وذوائبهن فقالت أسماء : ما أقبح هذا فأنزل الله تعالى "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن" الآية فقوله تعالى "وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن" أي عما حرم الله عليهن من النظر إلى غير أزواجهن ولهذا ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة النظر إلى

الرجال الأجانب بشهوة ولا بغير شهوة أصلا واحتج كثير منهم بما رواه أبو داود والترمذي من حديث الزهري عن نبهان مولى أم سلمة أنه حدثه أن أم سلمة حدثته أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وميمونة قالت : فبينما نحن عنده أقبل ابن أم مكتوم فدخل عليه وذلك بعدما أمرنا بالحجاب فقال رسول الله "احتجبا منه" فقلت يا رسول الله أليس هو أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أوعمياوان أنتما ؟ أو ألستما تبصرانه ؟" ثم قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وذهب آخرون من العلماء إلى جواز نظرهن إلى الأجانب بغير شهوة كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل ينظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم يوم العيد في المسجد وعائشة أم المؤمنين تنظر إليهم من ورائه وهو يسترها منهم حتى ملت ورجعت وقوله "ويحفظن فروجهن" قال سعيد بن جبير : عن الفواحش وقال قتادة وسفيان : عما لا يحل لهن وقال مقاتل : عن الزنا وقال أبو العالية : كل آية نزلت في القرآن يذكر فيها حفظ الفروج فهو من الزنا إلا هذه الآية "ويحفظن فروجهن" أن لا يراها أحد وقوله تعالى "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" أي لا يظهرن شيئا من الزينة للأجانب إلا ما لا يمكن إخفاؤه قال ابن مسعود : كالرداء والثياب يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها وما يبدو من أسافل الثياب فلا حرج عليها فيه لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها وما لا يمكن إخفاؤه وقال بقول ابن مسعود الحسن وابن سيرين وأبو الجوزاء وإبراهيم النخعي وغيرهم وقال الأعمش عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : "ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها" قال : وجهها
وكفيها والخاتم .
وروي عن ابن عمر وعطاء وعكرمة وسعيد بن جبير وأبي الشعثاء والضحاك وإبراهيم النخعي وغيره نحو ذلك وهذا يحتمل أن يكون تفسيرا للزينة التي نهين عن إبدائها كما قال أبو إسحاق السبيعي عن أبي الأحوص




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #369  
قديم 07-12-2025, 06:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النور
من صـ 218 الى صــ 232
الحلقة (369)






عن عبد الله قال في قوله "ولا يبدين زينتهن" الزينة القرط والدملوج والخلخال والقلادة وفي رواية عنه بهذا الإسناد قال : الزينة زينتان فزينة لا يراها إلا الزوج : الخاتم والسوار وزينة يراها الأجانب وهي الظاهر من الثياب وقال الزهري : لا يبدين لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا يحل له إلا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلا الخواتم وقال مالك عن الزهري "إلا ما ظهر منها" : الخاتم والخلخال ويحتمل أن ابن عباس ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين وهذا هو المشهور عند الجمهور ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه حدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي ومؤمل بن الفضل الحراني قالا : حدثنا الوليد عن سعيد بن بشير عن قتادة عن خالد بن دريك عن عائشة رضي الله عنها أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال : "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا" وأشار إلى وجهه وكفيه لكن قال أبو داود وأبو حاتم الرازي هو مرسل .
خالد بن دريك لم يسمع من عائشة رضي الله عنها والله أعلم .
وقوله تعالى "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" يعني المقانع يعمل لها صفات ضاربات على صدورهن لتواري ما تحتها من صدرها وترائبها ليخالفن شعار نساء أهل الجاهلية فإنهن لم يكن يفعلن ذلك بل كانت المرأة منهن تمر بين الرجال مسفحة بصدرها لا يواريه شيء وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها فأمر الله المؤمنات أن يستترن في هيئاتهن وأحوالهن كما قال تعالى "يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين" وقال في هذه الآية الكريمة "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" والخمر جمع خمار وهو ما يخمر به أي يغطى به الرأس وهي التي تسميها الناس المقانع .

قال سعيد بن جبير "وليضربن" وليشددن "بخمرهن على جيوبهن" يعني على النحر والصدر فلا يرى منه شيء وقال البخاري حدثنا أحمد بن شبيب حدثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت : يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" شققن مروطهن فاختمرن بها .
وقال أيضا حدثنا أبو نعيم حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة أن عائشة رضي الله عنها كانت تقول : لما نزلت هذه الآية "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثني الزنجي بن خالد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خثيم عن صفية بنت شيبة قالت : بينا نحن عند عائشة قالت فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة رضي الله عنها إن لنساء قريش لفضلا وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل لقد أنزلت سورة النور "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" انقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهم فيها ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه فأصبحن وراء رسول الله صلى الله عليه وسلم معتجرات كأن على رءوسهن الغربان .
ورواه أبو داود من غير وجه عن صفية بن شيبة به قال ابن جرير حدثنا يونس أخبرنا ابن وهب أن قرة بن عبد الرحمن أخبره

عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت : يرحم الله النساء المهاجرات الأول لما أنزل الله "وليضربن بخمرهن على جيوبهن" شققن أكتف مروطهن فاختمرن بها .
ورواه أبو داود من حديث ابن وهب به وقوله تعالى "ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن" أي أزواجهن "أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن" كل هؤلاء محارم للمرأة يجوز لها أن تظهر عليهم بزينتها ولكن من غير تبرج وقد روى ابن المنذر حدثنا موسى يعني ابن هارون حدثنا أبو بكر يعني ابن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا داود عن الشعبي وعكرمة في هذه الآية "ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن" حتى فرغ منها وقال لم يذكر العم ولا الخال لأنهما ينعتان لأبنائهما ولا تضع خمارها عند العم والخال فأما الزوج فإنما ذلك كله من أجله فتتصنع له بما لا يكون بحضرة غيره .
وقوله "أو نسائهن" يعني تظهر بزينتها أيضا للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة لئلا تصفهن لرجالهن وذلك وإن كان محذورا في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد فإنهن لا يمنعهن من ذلك مانع فأما المسلمة فإنها تعلم أن ذلك حرام فتنزجر عنه وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تباشر المرأة المرأة تنعتها لزوجها كأنه ينظر إليها" أخرجاه في الصحيحين عن ابن مسعود وروى سعيد بن منصور في سننه حدثنا إسماعيل بن عياش عن هشام بن الغازي عن عبادة بن نسي عن أبيه عن الحارث بن قيس أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة : أما بعد فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمين يدخلن الحمامات

مع نساء أهل الشرك فإنه من قبلك فلا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملتها.
وقال مجاهد في قوله "أو نسائهن" قال : نساؤهن المسلمات ليس المشركات من نسائهن وليس للمرأة المسلمة أن تنكشف بين يدي مشركة وروى عبد الله في تفسيره عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس "أو نسائهن" قال : هن المسلمات لا تبديه ليهودية ولا نصرانية وهو النحر والقرط والوشاح وما لا يحل أن يراه إلا محرم وروى سعيد حدثنا جرير عن ليث عن مجاهد قال : لا تضع المسلمة خمارها عند مشركة لأن الله تعالى يقول "أو نسائهن" فليست من نسائهن وعن مكحول وعبادة بن نسي أنهما كرها أن تقبل النصرانية واليهودية والمجوسية المسلمة فأما ما رواه ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا أبو عمير حدثنا ضمرة قال : قال ابن عطاء عن أبيه قال : لما قدم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس كان قوابل نسائهن اليهوديات والنصرانيات فهذا إن صح فمحمول على حال الضرورة أو أن ذلك من باب الامتهان ثم إنه ليس فيه كشف عورة ولا بد والله أعلم .
وقوله تعالى : "أو ما ملكت أيمانهن" قال ابن جرير : يعني من نساء المشركين فيجوز لها أن تظهر زينتها لها وإن كانت مشركة لأنها أمتها وإليه ذهب سعيد بن المسيب وقال الأكثرون : بل يجوز لها أن تظهر على رقيقها من الرجال والنساء واستدلوا بالحديث الذي رواه أبو داود ثنا محمد بن عيسى حدثنا أبو جميع سالم بن دينار عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة

بعبد قد وهبه لها قال وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال : "إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك" .
وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة خديج الحمصي مولى معاوية أن عبد الله بن مسعدة الفزاري كان أسود شديد الأدمة وأنه قد كان النبي صلى الله عليه وسلم وهبه لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته ثم قد كان بعد ذلك كله برز مع معاوية أيام صفين وكان من أشد الناس على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وروى الإمام أحمد حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن نبهان عن أم سلمة ذكرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان له ما يؤدي فلتحتجب منه" ورواه أبو داود عن مسدد عن سفيان به وقوله تعالى "أو التابعين غير أولي الإربة من الرجال" يعني كالأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء وهم مع ذلك في عقولهم وله وحوب ولا همة لهم إلى النساء ولا يشتهونهن.
قال ابن عباس : هو المغفل الذي لا شهوة له.
وقال مجاهد : هو الأبله وقال عكرمة : هو المخنث الذي لا يقوم ذكره وكذلك قال غير واحد من السلف وفي الصحيح من حديث الزهري عن عروة عن عائشة أن مخنثا كان يدخل على أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وهو ينعت امرأة يقول إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن"

عليكم "فأخرجه فكان بالبيداء يدخل يوم كل جمعة ليستطعم ."
وروى الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا هشام بن عروة عن أبيه عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة أنها قالت : دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندها مخنث وعندها عبد الله بن أبي أمية يعني أخاها والمخنث يقول : يا عبد الله إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان قال فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لأم سلمة : "لا يدخلن هذا عليك" أخرجاه في الصحيحين من حديث هشام بن عروة .
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان رجل يدخل على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة فدخل النبي صلى الله عليه وسلم

وهو عند بعض نسائه وهو ينعت امرأة فقال إنها إذا أقبلت أقبلت بأربع وإذا أدبرت أدبرت بثمان فقال النبي صلى الله عليه وسلم "ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكم هذا" فحجبوه ورواه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق عبد الرزاق به عن أم سلمة وقوله تعالى "أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء" يعني لصغرهم لا يفهمون أحوال النساء وعوراتهن من كلامهن الرخيم وتعطفهن في المشية وحركاتهن وسكناتهن فإذا كان الطفل صغيرا لا يفهم ذلك فلا بأس بدخوله على النساء فأما إن كان مراهقا أو قريبا منه بحيث يعرف ذلك ويدريه ويفرق بين الشوهاء والحسناء فلا يمكن من الدخول على النساء وقد ثبت في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "إياكم والدخول على النساء" قيل يا رسول الله أفرأيت الحمو ؟ قال : "الحمو الموت" وقوله تعالى "ولا يضربن بأرجلهن" الآية كانت المرأة في الجاهلية إذا كانت تمشي في الطريق وفي رجلها خلخال صامت لا يعلم صوته ضربت برجلها الأرض فيسمع الرجال طنينه فنهى الله المؤمنات عن مثل ذلك وكذلك إذا كان شيء من زينتها مستورا فتحركت بحركة لتظهر ما هو خفي دخل في هذا النهي لقوله تعالى "ولا يضربن بأرجلهن" إلى آخره .
ومن ذلك أنها تنتهي عن التعطر والتطيب عند خروجها من بيتها فيشم الرجال طيبها فقد قال أبو عيسى الترمذي حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد القطان عن ثابت بن عمارة الحنفي عن غنيم بن قيس عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "كل عين زانية والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا" يعني زانية وفي الباب عن أبي هريرة وهذا حسن صحيح ورواه أبو داود والنسائي من حديث ثابت بن عمارة به .
وقال أبو داود حدثنا محمد بن كثير أخبرنا سفيان عن عاصم بن عبيد الله

عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : لقيته امرأة شم منها ريح الطيب ولذيلها إعصار فقال يا أمية الجبار جئت من المسجد ؟ قالت نعم قال لها : تطيبت ؟ قالت نعم قال : إني سمعت حبي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول "لا يقبل الله صلاة امرأة طيبت لهذا المسجد حتى ترجع فتغتسل غسلها من الجنابة" ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن سفيان هو ابن عيينة به .
وروى الترمذي أيضا من حديث موسى بن عبيدة عن أيوب بن خالد عن ميمونة بنت سعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "الرافلة في الزينة في غير أهلها كمثل ظلمة يوم القيامة لا نور لها" ومن ذلك أيضا أنهن ينهين عن المشي في وسط الطريق لما فيه من التبرج.
قال أبو داود حدثنا التغلبي حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد عن ابن أبي اليمان عن شداد بن أبي عمرو بن حماس عن أبيه عن حمزة بن أبي أسيد الأنصاري عن أبيه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو خارج من المسجد وقد اختلط الرجل مع النساء في الطريق فقال رسول الله للنساء "استأخرن فإنه ليس لكن أن تحتضن الطريق عليكن بحافات الطريق" فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به .
وقوله تعالى "وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون" أي افعلوا ما آمركم به من هذه الصفات الجميلة والأخلاق الجليلة واتركوا ما كان عليه أهل الجاهلية من الأخلاق والصفات الرذيلة فإن الفلاح كل الفلاح في فعل ما أمر الله به ورسوله وترك ما نهيا عنه والله تعالى هو المستعان .
وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32)
وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم

اشتملت هذه الآيات الكريمات المبينة على جمل من الأحكام المحكمة والأوامر المبرمة فقوله تعالى "وأنكحوا الأيامى منكم" إلى آخره هذا أمر بالتزويج .
وقد ذهب طائفة من العلماء إلى وجوبه على كل من قدر عليه واحتجوا بظاهر قوله "عليه السلام" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء "أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن مسعود وقد جاء في السنن من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" تزوجوا الولود تناسلوا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة "وفي رواية" حتى بالسقط "الأيامى جمع أيم ويقال ذلك للمرأة التي لا زوج لها وللرجل الذي لا زوجة له وسواء كان قد تزوج ثم فارق أو لم يتزوج واحد منهما حكاه الجوهري عن أهل اللغة يقال رجل أيم وامرأة أيم ."
وقوله تعالى "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله" الآية قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رغبهم الله في التزويج وأمر به الأحرار والعبيد ووعدهم عليه الغنى فقال : "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد الأزرق حدثنا عمر بن عبد الواحد عن سعيد - يعني ابن عبد العزيز - قال بلغني أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى قال تعالى : "إن"

يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله "وعن ابن مسعود التمسوا الغنى في النكاح ."
يقول الله تعالى "إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله" رواه ابن جرير وذكر البغوي عن عمر نحوه .
وعن الليث عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاثة حق على الله عونهم الناكح يريد العفاف والمكاتب يريد الأداء والغازي في سبيل الله" رواه الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه وقد زوج النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الرجل الذي لم يجد عليه إلا إزاره ولم يقدر على خاتم من حديد ومع هذا فزوجه بتلك المرأة وجعل صداقها عليه أن يعلمها ما معه من القرآن .
والمعهود من كرم الله تعالى ولطفه أن يرزقه ما فيه كفاية لها وله وأما ما يورده كثير من الناس على أنه حديث "تزوجوا فقراء يغنكم الله" فلا أصل له ولم أره بإسناد قوي ولا ضعيف إلى الآن وفي القرآن غنية عنه وكذا هذه الأحاديث التي أوردناها ولله الحمد والمنة .
وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (33)
وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم
هذا أمر من الله تعالى لمن لا يجد تزويجا بالتعفف عن الحرام كما قال صلى الله عليه وسلم "يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء" الحديث

وهذه الآية مطلقة والتي في سورة النساء أخص منها وهي قوله "ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات - إلى قوله - وأن تصبروا خير لكم" أي صبركم عن تزوج الإماء خير لكم لأن الولد يجيء رقيقا "والله غفور رحيم" قال عكرمة في قوله "وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا" قال : هو الرجل يرى المرأة فكأنه يشتهي فإن كانت له امرأة فليذهب إليها وليقض حاجته منها وإن لم يكن له امرأة فلينظر في ملكوت السموات والأرض حتى يغنيه الله .
وقوله تعالى "والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" هذا أمر من الله تعالى للسادة إذا طلب عبيدهم منهم الكتابة أن يكاتبوهم بشرط أن يكون للعبد حيلة وكسب يؤدي إلى سيده المال الذي شارطه على أدائه وقد ذهب كثير من العلماء إلى أن هذا الأمر أمر إرشاد واستحباب لا أمر تحتم وإيجاب بل السيد مخير إذا طلب منه عبده الكتابة إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه قال الثوري عن جابر عن الشعبي إن شاء كاتبه وإن شاء لم يكاتبه وكذا روى ابن وهب عن إسماعيل بن عياش عن رجل عن عطاء بن أبي رباح إن يشأ كاتبه وإن يشأ لم يكاتبه وكذا قال مقاتل ابن حيان والحسن البصري وذهب آخرون إلى أنه يجب على السيد إذا طلب منه عبده ذلك أن يجيبه إلى ما طلب أخذا بظاهر هذا الأمر .
وقال البخاري وقال روح عن ابن جريج قلت لعطاء أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ؟ قال ما أراه إلا واجبا وقال عمرو بن دينار قلت لعطاء أتأثره عن أحد ؟ قال لا ثم أخبرني أن موسى بن أنس أخبره أن سيرين سأل أنسا المكاتبة وكان كثير المال فأبى فانطلق إلى عمر رضي الله عنه فقال : كاتبه فأبى فضربه بالدرة ويتلو عمر رضي الله عنه "فكاتبوهم إن علمتم فيهم"

خيرا "فكاتبه هكذا ذكره البخاري معلقا ورواه عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج قال قلت لعطاء : أواجب علي إذا علمت له مالا أن أكاتبه ؟ قال ما أراه إلا واجبا ."
وقال ابن جرير حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن بكر حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس بن مالك أن سيرين أراد أن يكاتبه فتلكأ عليه فقال له عمر : لتكاتبنه إسناد صحيح وروى سعيد بن منصور حدثنا هشيم بن جويبر عن الضحاك قال : هي عزمة وهذا هو القول القديم من قولي الشافعي وذهب في الجديد إلى أنه لا يجب لقوله عليه السلام "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس" وقال ابن وهب قال مالك : الأمر عندنا أنه ليس على سيد العبد أن يكاتبه إذا سأله ذلك ولم أسمع أحدا من الأئمة أكره أحدا على أن يكاتب عبده قال مالك وإنما ذلك أمر من الله تعالى وإذن منه للناس وليس بواجب وكذا قال الثوري وأبو حنيفة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم واختار ابن جرير قول الوجوب لظاهر الآية وقوله تعالى "إن علمتم فيهم خيرا" قال بعضهم : أمانة وقال بعضهم : صدقا وقال بعضهم : مالا وقال بعضهم : حيلة وكسبا وروى أبو داود في المراسيل عن يحيى بن أبي كثير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا" قال : "إن علمتم لهم حرفة ولا ترسلوهم كلا على الناس"

وقوله تعالى : "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" اختلف المفسرون فيه : فقال بعضهم : معناه اطرحوا لهم من الكتابة بعضها ثم قال بعضهم : مقدار الربع وقيل : الثلث وقيل : النصف وقيل : جزء من الكتابة من غير حد وقال آخرون : بل المراد من قوله "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" هو النصيب الذي فرض الله لهم من أموال الزكاة وهذا قول الحسن وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأبيه ومقاتل بن حيان واختاره ابن جرير وقال إبراهيم النخعي في قوله "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" قال : حث الناس عليه مولاه وغيره وكذا قال بريدة بن الحصيب الأسلمي قتادة وقال ابن عباس : أمر الله المؤمنين أن يعينوا في الرقاب وقد تقدم في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : "ثلاثة حق على الله عونهم" فذكر منهم المكاتب يريد الأداء والقول الأول أشهر وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن إسماعيل حدثنا وكيع عن ابن شبيب عن عكرمة عن ابن عباس عن عمر أنه كاتب عبدا له يكنى أبا أمية فجاء بنجمه حين حل فقال : يا أبا أمية اذهب فاستعن به في مكاتبتك فقال يا أمير المؤمنين لو تركته حتى يكون من آخر نجم ؟ قال أخاف أن لا أدرك ذلك ثم قرأ "فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" قال عكرمة فكان أول نجم أدي في الإسلام .
وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا هارون بن المغيرة عن عنبسة عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال : كان ابن عمر إذا كاتب مكاتب لم يضع عنه شيئا من أول نجومه مخافة أن يعجز فترجع إليه صدقته ولكنه إذا كان في آخر مكاتبته وضع عنه ما أحب وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية "وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" قال : ضعوا عنهم من مكاتبتهم وكذا قال مجاهد وعطاء والقاسم بن أبي بزة

وعبد الكريم بن مالك الجزري والسدي وقال محمد بن سيرين في الآية كان يعجبهم أن يدع الرجل لمكاتبه طائفة من مكاتبته وقال ابن أبي حاتم أخبرنا الفضل بن شاذان المقري أخبرنا إبراهيم بن موسى أخبرنا هشام بن يوسف عن ابن جريج أخبرني عطاء بن السائب أن عبد الله بن جندب أخبره عن علي "عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ربع الكتابة "وهذا حديث غريب ورفعه منكر والأشبه أنه موقوف على علي رضي الله عنه كما رواه عنه أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله ."
وقوله تعالى : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" الآية كان أهل الجاهلية إذا كان لأحدهم أمة أرسلها تزني وجعل عليها ضريبة يأخذها منها كل وقت فلما جاء الإسلام نهى الله المؤمنين عن ذلك وكان سبب نزول هذه الآية الكريمة فيما ذكر غير واحد من المفسرين من السلف والخلف في شأن عبد الله بن أبي بن سلول فإنه كان له إماء فكان يكرههن على البغاء طلبا لخراجهن ورغبة في أولادهن ورياسة منه فيما يزعم .
ذكر الآثار الواردة في ذلك : قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار رحمه الله في مسنده حدثنا أحمد بن داود الواسطي حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري قال كانت جارية لعبد الله بن أبي ابن سلول يقال لها معاذة يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" الآية

وقال الأعمش عن أبي سفيان عن جابر في هذه الآية قال نزلت في أمة لعبد الله بن أبي بن سلول يقال لها مسيكة كان يكرهها على الفجور وكانت لا بأس بها فتأبى فأنزل الله هذه الآية "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إلى قوله - ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" وروى النسائي من حديث ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر نحوه وقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عمر بن علي حدثنا علي بن سعيد حدثنا الأعمش حدثني أبو سفيان عن جابر قال كان لعبد الله بن أبي بن سلول جارية يقال لها مسيكة وكان يكرهها على البغاء فأنزل الله "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء - إلى قوله - ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" صرح الأعمش بالسماع من أبي سفيان بن طلحة بن نافع فدل على بطلان قول من قال لم يسمع منه إنما هو صحيفة حكاه البزار وروى أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت أولادا من الزنا فقال لها ما لك : لا تزنين قالت : والله لا أزني فضربها فأنزل الله عز وجل : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" .
وروى البزار أيضا حدثنا أحمد بن داود الواسطي حدثنا أبو عمرو اللخمي يعني محمد بن الحجاج حدثنا محمد بن إسحاق عن الزهري عن أنس رضي الله عنه قال : كانت جارية لعبد الله بن أبي يقال لها معاذة يكرهها على الزنا فلما جاء الإسلام نزلت "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا - إلى قوله - ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري أن رجلا من قريش أسر يوم بدر وكان عند عبد الله بن أبي أسيرا وكانت لعبد الله بن أبي جارية يقال لها معاذة وكان القرشي الأسير يريدها على نفسها وكانت مسلمة وكانت تمتنع منه لإسلامها وكان عبد الله بن أبي يكرهها على ذلك ويضربها رجاء أن تحمل من القرشي فيطلب فداء ولده فقال تبارك وتعالى : "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا" .
وقال السدي أنزلت هذه الآية الكريمة في عبد الله بن أبي بن سلول رأس المنافقين




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #370  
قديم 07-12-2025, 06:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,225
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(10)
تفسير سورة النور
من صـ 233 الى صــ 247
الحلقة (370)





وكانت له جارية تدعى معاذة وكان إذا نزل به ضيف أرسلها إليه ليواقعها إرادة الثواب منه والكرامة له فأقبلت الجارية إلى أبي بكر رضي الله عنه فشكت إليه فذكره أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فأمره بقبضها فصاح عبد الله بن أبي من يعذرنا من محمد يغلبنا على مملوكتنا فأنزل الله فيه هذا وقال مقاتل بن حيان بلغني والله أعلم أن هذه الآية نزلت في رجلين كانا يكرهان أمتين لهما إحداهما اسمها مسيكة وكانت للأنصار وكانت أميمة أم مسيكة لعبد الله بن أبي وكانت معاذة وأروى بتلك المنزلة فأتت مسيكة وأمها النبي صلى الله عليه وسلم فذكرتا ذلك له فأنزل الله في ذلك "ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء" يعني الزنا وقوله تعالى : "إن أردن تحصنا" هذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له وقوله تعالى : "لتبتغوا عرض الحياة الدنيا" أي من خراجهن ومهورهن وأولادهن وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الحجام ومهر البغي وحلوان الكاهن وفي رواية "مهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث وثمن الكلب خبيث" وقوله تعالى : "ومن يكرهن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" أي لهن كما تقدم في الحديث عن جابر وقال ابن أبي طلحة عن ابن عباس فإن فعلتم فإن الله لهن غفور رحيم وإثمهن على من أكرههن وكذا قال مجاهد وعطاء الخراساني والأعمش وقتادة وقال أبو عبيد حدثني إسحاق الأزرق عن عوف عن الحسن في هذه الآية "فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" قال لهن والله لهن والله :
وعن الزهري قال غفور لهن ما أكرهن عليه وعن زيد بن أسلم قال غفور رحيم للمكرهات حكاهن ابن المنذر في تفسيره بأسانيده وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبد الله حدثني ابن لهيعة حدثني عطاء عن سعيد بن جبير قال في قراءة عبد الله بن مسعود "فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم" لهن وإثمهن على من أكرههن وفي الحديث المرفوع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" .
ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34)
ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين
ولما فصل تبارك وتعالى هذه الأحكام وبينها قال تعالى : "ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات" يعني القرآن في آيات واضحات مفسرات "ومثلا من الذين خلوا من قبلكم" أي خبرا عن الأمم الماضية وما حل بهم في مخالفتهم أوامر الله تعالى كما قال تعالى : "فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين" أي زاجرا عن ارتكاب المآثم والمحارم "وموعظة للمتقين" أي لمن اتقى الله وخافه .
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في صفة القرآن : فيه حكم ما بينكم وخبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم وهو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله .
الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35)
الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "الله نور السموات والأرض" يقول : هادي أهل السموات والأرض .
قال ابن جريج قال مجاهد وابن عباس في قوله : "الله نور السموات"

والأرض "يدبر الأمر فيهما نجومهما وشمسهما وقمرهما وقال ابن جرير حدثنا سليمان بن عمر بن خالد الرقي حدثنا وهب بن راشد عن فرقد أن أنس بن مالك قال : إن الله يقول نوري هدى واختار هذا القول ابن جرير وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قوله تعالى :" الله نور السموات والأرض مثل نوره "قال : هو المؤمن الذي جعل الله الإيمان والقرآن في صدره فضرب الله مثله فقال" الله نور السموات والأرض "فبدأ بنور نفسه ثم ذكر نور المؤمن فقال مثل نور من آمن به قال فكان أبي بن كعب يقرؤها" مثل نور من آمن به "فهو المؤمن جعل الإيمان والقرآن في صدره وهكذا رواه سعيد بن جبير وقيس بن سعد عن ابن عباس أنه قرأها كذلك" مثل نور من آمن بالله "وقرأ بعضهم" الله منور السموات والأرض "وقال الضحاك" الله نور السموات والأرض "وقال السدي في قوله" الله نور السموات والأرض "فبنوره أضاءت السموات والأرض وفي الحديث الذي رواه محمد بن إسحاق في السيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في دعائه يوم آذاه أهل الطائف" أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل بي غضبك أو ينزل بي سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بالله "وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يقول :" اللهم لك الحمد أنت نور السموات والأرض ومن فيهن ولك الحمد أنت قيوم السموات والأرض ومن فيهن "الحديث وعن ابن مسعود قال : إن ربكم ليس عنده ليل ولا نهار نور"
العرش من نور وجهه وقوله تعالى "مثل نوره" في هذا الضمير قولان : "أحدهما" أنه عائد إلى الله عز وجل أي مثل هداه في قلب المؤمن قاله ابن عباس "كمشكاة" "والثاني" أن الضمير عائد إلى المؤمن الذي دل عليه سياق الكلام تقديره مثل نور المؤمن الذي في قلبه كمشكاة فشبه قلب المؤمن وما هو مفطور عليه من الهدى وما يتلقاه من القرآن المطابق لما هو مفطور عليه كما قال تعالى : "أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه" فشبه قلب المؤمن في صفائه في نفسه بالقنديل من الزجاج الشفاف الجوهري وما يستمد به من القرآن والشرع بالزيت الجيد الصافي المشرق المعتدل الذي لا كدر فيه ولا انحراف فقوله ""
كمشكاة "قال ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وغير واحد : هو موضع الفتيلة من القنديل هذا هو المشهور ولهذا قال بعده" فيها مصباح "وهو الزبالة التي تضيء ."
وقال العوفي عن ابن عباس قوله "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح" وذلك أن اليهود قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم كيف يخلص نور الله من دون السماء ؟ فضرب الله مثل ذلك لنوره فقال تعالى : "الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة" والمشكاة كوة في البيت قال وهو مثل ضربه الله لطاعته فسمى الله طاعته نورا ثم سماها أنواعا شتى وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد هي الكوة بلغة الحبشة وزاد بعضهم فقال : المشكاة الكوة التي لا منفذ لها وعن مجاهد : المشكاة الحدائد التي يعلق بها القنديل والقول الأول أولى وهو : أن المشكاة هو موضع الفتيلة من القنديل ولهذا قال "فيها مصباح" وهو النور الذي في الزبالة قال أبي بن كعب : "المصباح" النور وهو القرآن والإيمان الذي في صدره وقال السدي : هو السراج

"المصباح في زجاجة" أي هذا الضوء مشرق في زجاجة صافية وقال أبي بن كعب وغير واحد : وهي نظير قلب المؤمن "الزجاجة كأنها كوكب دري" قرأ بعضهم بضم الدال من غير همزة من الدر أي كأنها كوكب من در .
وقرأ آخرون دريء ودريء بكسر الدال وضمها مع الهمزة من الدرء وهو الدفع وذلك أن النجم إذا رمي به يكون أشد استنارة من سائر الأحوال والعرب تسمي ما لا يعرف من الكواكب دراري وقال أبي بن كعب : كوكب مضيء وقال قتادة : مضيء مبين ضخم "يوقد من شجرة مباركة" أي يستمد من زيت زيتون شجرة مباركة "زيتونة" بدل أو عطف بيان "لا شرقية ولا غربية" أي ليست في شرقي بقعتها فلا تصل إليها الشمس من أول النهار ولا في غربها فيقلص عنها الفيء قبل الغروب بل هي في مكان وسط تعصرها الشمس من أول النهار إلى آخره فيجيء زيتها صافيا معتدلا مشرقا وروى ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عمار قال حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد أخبرنا عمرو بن أبي قيس عن سماك بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس في قوله "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال : هي شجرة بالصحراء لا يظلها شجر ولا جبل ولا كهف ولا يواريها شيء وهو أجود لزيتها وقال يحيى بن سعيد القطان عن عمران بن حدير عن عكرمة في قوله تعالى "لا شرقية ولا غربية" قال : هي بصحراء ذلك أصفى لزيتها وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن فروخ عن حبيب بن الزبير عن عكرمة وسأله رجل عن قوله تعالى "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال : تلك زيتونة بأرض فلاة إذا أشرقت الشمس أشرقت عليها فإذا غربت غربت عليها فذلك أصفى ما يكون من الزيت.

وقال مجاهد في قوله : تعالى "لا شرقية ولا غربية" قال : ليست بشرقية لا تصيبها الشمس إذا غربت ولا غربية لا تصيبها الشمس إذا طلعت ولكنها شرقية وغربية تصيبها إذا طلعت وإذا غربت.
وعن سعيد بن جبير في قوله "زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء" قال : هو أجود الزيت قال إذا طلعت الشمس أصابتها من صوب المشرق فإذا أخذت في الغروب أصابتها الشمس فالشمس تصيبها بالغداة والعشي فتلك لا تعد شرقية ولا غربية.
وقال السدي قوله "زيتونة لا شرقية ولا غربية" يقول : ليست بشرقية يحوزها المشرق ولا غربية يحوزها المغرب دون المشرق ولكنها على رأس جبل أو في صحراء تصيبها الشمس النهار كله .
وقيل المراد بقوله تعالى "لا شرقية ولا غربية" أنها في وسط الشجر ليست بادية للمشرق ولا للمغرب وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب في قول الله تعالى "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال : هي خضراء ناعمة لا تصيبها الشمس على أي حال كانت لا إذا طلعت ولا إذا غربت قال فكذلك هذا المؤمن قد أجير من أن يصيبه شيء من الفتن وقد يبتلى بها فيثبته الله فيها فهو بين أربع خلال إن قال صدق وإن حكم عدل وإن ابتلي صبر وإن أعطي شكر فهو في سائر الناس كالرجل الحي يمشي في قبور الأموات قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا مسدد قال حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير في قوله "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال : هي وسط الشجر لا تصيبها الشمس شرقا ولا غربا وقال عطية العوفي "لا شرقية ولا غربية" قال : هي شجرة في موضع من الشجر يرى ظل ثمرها في ورقها وهذه من الشجر لا تطلع عليها الشمس ولا تغرب

وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن عمار حدثنا عبد الرحمن الدشتكي حدثنا عمرو بن أبي قيس عن عطاء عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى "لا شرقية ولا غربية" ليست شرقية ليس فيها غرب ولا غربية ليس فيها شرق ولكنها شرقية غربية وقال محمد بن كعب القرظي "لا شرقية ولا غربية" قال : هي القبلية وقال زيد بن أسلم : "لا شرقية ولا غربية" قال الشام وقال الحسن البصري لو كانت هذه الشجرة في الأرض لكانت شرقية أو غربية ولكنه مثل ضربه الله تعالى لنوره وقال الضحاك عن ابن عباس "توقد من شجرة مباركة" قال : رجل صالح "زيتونة لا شرقية ولا غربية" قال لا يهودي ولا نصراني وأولى هذه الأقوال القول الأول وهو أنها في مستوى من الأرض في مكان فسيح باد ظاهر ضاح للشمس تقرعه من أول النهار إلى آخره ليكون ذلك أصفى لزيتها وألطف كما قال غير واحد ممن تقدم ولهذا قال تعالى "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار" قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم يعني كضوء إشراق الزيت وقوله تعالى "نور على نور" قال العوفي عن ابن عباس يعني بذلك إيمان العبد وعمله وقال مجاهد والسدي يعني نور النار ونور الزيت وقال أبي بن كعب "نور على نور" فهو يتقلب في خمسة من النور فكلامه نور وعمله نور ومدخله نور ومخرجه نور ومصيره إلى نور يوم القيامة إلى الجنة
وقال شمر بن عطية جاء ابن عباس إلى كعب الأحبار فقال حدثني عن قول الله تعالى "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار" قال يكاد محمد صلى الله عليه وسلم يبين للناس ولو لم نتكلم أنه نبي كما يكاد ذلك الزيت أنه يضيء .
وقال السدي في قوله "نور على نور" قال : نور النار ونور الزيت حين اجتمعا أضاءا ولا يضيء واحد بغير صاحبه كذلك نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه.

وقوله تعالى : "يهدي الله لنوره من يشاء" أي يرشد الله إلى هدايته من يختاره كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا إبراهيم بن محمد الفزاري حدثنا الأوزاعي حدثني ربيعة بن زيد عن عبد الله الديلمي عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة ثم ألقى عليهم من نوره يومئذ فمن أصاب من نوره يومئذ اهتدى ومن أخطأه ضل فلذلك أقول جف القلم على علم الله عز وجل" طريق أخرى عنه "قال البزار حدثنا أيوب عن سويد عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه عن عبد الله بن عمرو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم نورا من نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل "ورواه البزار عن عبد الله بن عمرو من طريق آخر بلفظه وحروفه ."
وقوله تعالى "ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم" لما ذكر تعالى هذا مثلا لنور هداه في قلب المؤمن ختم الآية بقوله "ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم" أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الإضلال .
قال الإمام أحمد حدثنا أبو النضر حدثنا أبو معاوية حدثنا شيبان عن ليث عن عمرو بن مرة عن أبي البختري عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله

صلى الله عليه وسلم "القلوب أربعة : قلب أجرد فيه مثل السراج يزهر وقلب أغلف مربوط على غلافه وقلب منكوس وقلب مصفح فأما القلب الأجرد فقلب المؤمن سراجه فيه نوره وأما القلب الأغلف فقلب الكافر وأما القلب المنكوس فقلب المنافق عرف ثم أنكر وأما القلب المصفح فقلب فيه إيمان ونفاق ومثل الإيمان فيه كمثل البقلة يمدها الماء الطيب ومثل النفاق فيه كمثل القرحة يمدها الدم والقيح ."
فأي المدتين غلبت على الأخرى غلبت عليه "إسناده جيد ولم يخرجوه ."
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36)
في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال

لما ضرب الله تعالى مثل قلب المؤمن وما فيه من الهدى والعلم بالمصباح في الزجاجة الصافية المتوقد من زيت طيب وذلك كالقنديل مثلا ذكر محلها وهي المساجد التي هي أحب البقاع إلى الله تعالى من الأرض وهي بيوته التي يعبد فيها ويوحد فقال تعالى "في بيوت أذن الله أن ترفع" أي أمر الله تعالى بتعاهدها وتطهيرها من الدنس واللغو والأقوال والأفعال التي لا تليق فيها كما قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في هذه الآية الكريمة "في بيوت أذن الله أن ترفع" قال نهى الله سبحانه عن اللغو فيها وكذا قال عكرمة وأبو صالح والضحاك ونافع بن جبير وأبو بكر بن سليمان بن أبي خيثمة وسفيان بن حسين وغيرهم من العلماء المفسرين .
وقال قتادة هي هذه المساجد أمر الله سبحانه وتعالى ببنائها وعمارتها ورفعها وتطهيرها .
وقد ذكر لنا أن كعبا كان يقول : مكتوب في التوراة إن بيوتي في الأرض المساجد وإنه من توضأ فأحسن وضوءه ثم زارني في بيتي أكرمته وحق على المزور كرامة الزائر .
رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره .
وقد وردت أحاديث كثيرة في بناء المساجد واحترامها وتوقيرها وتطييبها وتبخيرها وذلك له محل مفرد يذكر فيه وقد كتبت في ذلك جزءا على حدة ولله الحمد والمنة .
ونحن بعون الله تعالى نذكر هنا طرفا من ذلك إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من بنى مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله" في الجنة "أخرجاه في الصحيحين وروى ابن ماجه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" من بنى مسجدا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة

"وللنسائي عن عمر بن عنبسة مثله والأحاديث في هذا كثيرة جدا وعن عائشة رضي الله عنها قالت : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببناء المساجد في الدور وأن تنظف وتطيب ."
رواه أحمد وأهل السنن إلا النسائي ولأحمد وأبي داود عن سمرة بن جندب نحوه وقال البخاري قال عمر : ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس وروى ابن ماجه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما ساء عمل قوم قط إلا زخرفوا مساجدهم" وفي إسناده ضعف .
وروى أبو داود عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أمرت بتشييد المساجد" قال ابن عباس أزخرفها كما زخرفت اليهود والنصارى .
وعن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" رواه أحمد وأهل السنن إلا الترمذي .
وعن بريدة أن رجلا أنشد في المسجد فقال من دعا إلى الجمل الأحمر فقال النبي صلى الله عليه وسلم "لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له" رواه مسلم.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد .
رواه أحمد وأهل السنن وقال الترمذي حسن .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله تجارتك وإذا رأيتم من ينشد ضالة في المسجد فقولوا لا ردها الله عليك" رواه الترمذي وقال حسن غريب وقد روى ابن ماجه وغيره من حديث ابن عمر مرفوعا قال : "خصال لا تنبغي في المسجد : لا يتخذ طريقا ولا يشهر فيه سلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل ولا يمر فيه بلحم نيء ولا يضرب فيه حد ولا يقتص فيه أحد ولا يتخذ سوقا" وعن واثلة بن الأسقع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "جنبوا المساجد صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع" ورواه ابن ماجه أيضا وفي إسنادهما ضعف أما أنه لا يتخذ طريقا فقد كره بعض العلماء المرور فيه إلا لحاجة إذا وجد مندوحة عنه وفي الأثر إن الملائكة لتتعجب من الرجل يمر بالمسجد لا يصلي فيه

وأما أنه لا يشهر فيه السلاح ولا ينبض فيه بقوس ولا ينثر فيه نبل فلما يخشى من إصابة بعض الناس به لكثرة المصلين فيه ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مر رجل بسهام أن يقبض على نصالها لئلا يؤذي أحدا كما ثبت ذلك في الصحيح .
وأما النهي عن المرور باللحم النيء فيه فلما يخشى من تقاطر الدم منه كما نهيت الحائض عن المرور فيه إذا خافت التلويث وأما أنه لا يضرب فيه حد ولا يقتص منه فلما يخشى من إيجاد النجاسة فيه من المضروب أو المقطوع وأما أنه لا يتخذ سوقا فلما تقدم من النهي عن البيع والشراء فيه فإنه إنما بني لذكر الله والصلاة فيه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لذلك الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد "إن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت لذكر الله والصلاة فيها" ثم أمر بسجل من ماء فأهريق على بوله وفي الحديث الثاني "جنبوا مساجدكم صبيانكم" وذلك لأنهم يلعبون فيه ولا يناسبهم .
وقد كان عمر بن الخطاب "إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة" وهي الدرة وكان يفتش المسجد بعد العشاء فلا يترك فيه أحدا "ومجانينكم" يعني لأجل ضعف عقولهم وسخر الناس بهم فيؤدي إلى اللعب فيها ولما يخشى من تقذيرهم المسجد ونحو ذلك "وبيعكم وشراءكم" كما تقدم

"وخصوماتكم" يعني التحاكم والحكم فيه ولهذا نص كثير من العلماء على أن الحاكم لا ينتصب لفصل الأقضية في المسجد بل يكون في موضع غيره لما فيه من كثرة الحكومات والتشاجر والألفاظ التي لا تناسبه ولهذا قال بعده "ورفع أصواتكم" .
وقال البخاري : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا الجعد بن عبد الرحمن قال : حدثني يزيد بن حفصة عن السائب بن يزيد الكندي قال : كنت قائما في المسجد فحصبني رجل فنظرت فإذا عمر بن الخطاب فقال : اذهب فأتني بهذين فجئته بهما فقال من أنتما ؟ أو من أين أنتما ؟ قالا من أهل الطائف .
قال : لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال النسائي : حدثنا سويد بن نصر عن عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : سمع عمر صوت رجل في المسجد فقال أتدري أين أنت ؟ وهذا أيضا صحيح وقوله : "وإقامة حدودكم وسل سيوفكم" تقدما وقوله "واتخذوا على أبوابها المطاهر" يعني المراحيض التي يستعان بها على الوضوء وقضاء الحاجة .
وقد كانت قريبا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أباريق يستقون منها فيشربون ويتطهرون ويتوضئون وغير ذلك .
وقوله "وجمروها في الجمع" يعني بخروها في أيام الجمع لكثرة اجتماع الناس يومئذ وقد قال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا عبيد الله حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يجمر مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كل جمعة إسناده حسن لا بأس به والله أعلم .

وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسا وعشرين ضعفا" وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفع له بها درجة وحط عنه بها خطيئة فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه : اللهم صل عليه اللهم ارحمه .
ولا يزال في صلاة ما انتظر الصلاة .
وعند الدارقطني مرفوعا "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" وفي السنن "بشر المشائين إلى المساجد في الظلم بالنور التام يوم القيامة" ويستحب لمن دخل المسجد أن يبدأ برجله اليمنى وأن يقول كما ثبت في أبي داود عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا دخل المسجد يقول "أعوذ بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم" قال فإذا قال ذلك قال الشيطان حفظ مني سائر اليوم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 418.06 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 412.22 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.40%)]