|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#351
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 389 الى صـــ 400 الحلقة (351) ونحن محرمون (١). وعن حبيب المعلم عن عطاء قال: ليس في الزنبور جزاء (٢)، وعن ابن عباس: من قتل وزغًا فله صدقة (٣). وقال ابن عمر: اقتلوا الوزغ فإنه شيطان (٤)، وعن عائشة: أنها كانت تقتل الوزغ في بيت الله تعالى (٥)، وسأل إبراهيم بن نافع عطاء عن قتله في الحرم، قال: لا بأس (٦)، وفي مسلم من حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا أمر بقتل الأوزاغ (٧). وفي حديث عروة عن عائشة: أن النبي - ﷺ - يأمر بقتله (٨)، قال -------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٣ (٨٣٨٠ - ٨٣٨١)، وابن أبي شيبة، ٣/ ٣٣٤ (١٤٨٣٦)، ٣/ ٤٢٠ (١٥٧٣٦)، ٣/ ٤٢٠ (١٥٧٣٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٩/ ١٠٩ - ١١٠، والذهبي في «السير» ١٠/ ٨٨. (٢) أورده ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢٤٤ من طريق حماد بن سلمة، عن حبيب. (٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٧ (٨٣٩٦). (٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٧ (٨٣٩٨)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٦ (١٩٨٩٣) كتاب: الصيد، ما قالوا في قتل الأوزاغ -لكنه بلفظ: أقتلوا الوزغ في الحل والحرم- والبغوي في «مسند ابن الجعد» ص: ٣٣٢ (٢٢٨٠). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٦ (١٩٨٨٧ - ١٩٨٨٨) بنحوه. (٦) السابق ٣/ ٤٣٢ (١٥٨٤٤)، وانظر: «المحلى» ٧/ ٢٤٤. (٧) مسلم (٢٢٣٨) كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ. (٨) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٦ (٨٣٩٢)، والدورقي في «مسند سعد» (١٤)، وأبو يعلى في «مسنده» ٢/ ١٤٣ - ١٤٤ (٨٣١). قلت: والذي في الصحيح عنها أنه - ﷺ - لم يأمر بقتله، كما في حديث الباب (١٨٣١) في جزاء الصيد، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وكما سيأتي برقم (٣٣٠٦) في بدء الخلق، ورواه مسلم (٢٢٣٩) كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزع، عن عروة أيضًا عن عائشة: أن النبي - ﷺ - قال للوزغ: الفويسق، ولم أبو الحسن: أخطأ الباغندي في متنه، وقال في «علله»: إنه وهم، والصواب مرسل (١). وروى مالك عن ابن شهاب عن سعد بن أبي وقاص: أنه - عليه السلام - أمر بقتله (٢)، وفيه انقطاع بين الزهري وسعد. وذكر ابن المواز عن مالك قال: سمعت أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الوزغ. وفي مسلم من حديث أبي مرفوعًا تعداد الحسنات في قتلها أولًا ثم ثانيًا ثم ثالثًا (٣)، وسيأتي ---------- أسمعه أمر بقتله، وهذا لفظ البخاري، وأكثر ما رواه عروة عنها أنه - ﷺ - لم يأمر بقتله، وقد روي الأمر بقتله من وجوه أخر عنه - ﷺ -، فسيأتي برقم (٣٣٠٧) كتاب بدء الخلق، ورواه مسلم (٢٢٣٧) كتاب السلام، باب: استحباب قتل الوزغ، عن أم شريك أن النبي - ﷺ - أمرها بقتل الأوزاغ، وهذا لفظ البخاري، وأيضًا روى مسلم (٢٢٣٨) من حديث عامر بن سعد عن أبيه أن النبي - ﷺ - أمر بقتل الوزغ وسماه فويسقًا، وتكلم في صحته الدارقطني كما ذكر المصنف، وقد أنكر هذا على سعد كما سيأتي برقم (٣٣٠٦)، عن عائشة أن النبي - ﷺ - قال: «الوزغ: الفويسق» ولم أسمعه أمر بقتله، وزعم سعد بن أبي وقاص أن النبي - ﷺ - أمر بقتله. قال الحافظ: قال ابن التين: هذا لا حجة فيه، لأنه لا يلزم من عدم سماعها عدم الوقوع، وقد حفظ غيرها كما ترى، قلت: قد جاء عن عائشة من وجه آخر عند أحمد وابن ماجه أنه كان في بيتها رمح موضوع فسئلت فقالت: نقتل به الوزغ؛ فإن النبي - ﷺ - أخبرنا أن إبراهيم لما ألقي في النار لم يكن في الأرض دابة إلا أطفأت عنه النار إلا الوزغ فإنها كانت تنفخ عليه، فأمر النبي - ﷺ - بقتلها، وقوله: زعم سعد، قائل ذلك يحتمل أن يكون من قول عروة فيكون متصلًا فإنه سمع من سعد، ويحتمل أن تكون عائشة، ويحتمل أن يكون من قول الزهري فيكون منقطعًا، والاحتمال الأخير أرجح. ا. هـ «فتح الباري» ٦/ ٣٥٣ - ٣٥٤. بتصرف يسير. (١) «علل الدارقطني» ٤/ ٣٤٠ - ٣٤١. (٢) رواه العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٣٩٣، والإسماعيلي في «المعجم» ٣/ ٧٨٥ عن مالك عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبي وقاص. (٣) مسلم (٢٢٤٠) كتاب: السلام، باب: استحباب قتل الوزغ، وهو من حديث أبي هريرة، لا حديث أبي كما ذكر المصنف. عن أم شريك: أنه - عليه السلام - أمر بقتلها (١). قال ابن حزم (٢): وأما النمل فلا يحل قتله ولا قتل الهدهد ولا الصرد ولا النحل ولا الضفدع، لحديث ابن عباس قال: نهى رسول الله - ﷺ - عن قتل أربع من الدواب: النملة، والنحلة، والهدهد، والورد (٣)، ولأبي داود من حديث عبد الرحمن بن عثمان: النهي عن قتل الضفدع (٤)، وفي الصحيح: أن نملة قرصت نبيًا من الأنبياء، فحرق قريتها، فقال له الله تعالى: «هلَّا نملة واحدة» (٥). قال الترمذي في «نوادره»: ولم يعاتبه على تحريقها، إنما عاتبه كونه أخذ البريء بغيره، وذكر كلامًا يقتضي أن لا حرج في قتلها (٦). وقال ابن قدامة: كل ما كان طبعه الأذى والعدوان، وإن لم يوجد منه أذى في الحال في النفس أو المال فقتله لا حرج فيه مثل سباع البهائم ------- (١) سيأتي برقم (٣٣٠٧) كتاب: بدء الخلق، ورواه مسلم (٢٢٣٧). (٢) «المحلى» ٧/ ٢٤٥. (٣) رواه أبو داود (٥٢٦٧) كتاب: الأدب، باب: في قتل الضفدع، وابن ماجه (٣٢٢٤) كتاب: الصيد، باب: ما ينهى عن قتله، وأحمد ١/ ١٣٢، وعبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ٤٥١ (٨٤١٥) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عن قتله من الدواب، وعبد بن حميد في «المنتخب» ١/ ٥٥٤ (٦٤٩)، والدارمي ٢/ ١٢٧١ (٢٠٤٢) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عن قتله من الدواب، وابن حبان ١٢/ ٤٦٢ (٥٦٤٦)، والبيهقي ٩/ ٣١٧. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٧٠). (٤) أبو داود (٣٨٧١): الطب، باب: في الأدوية المكروهة. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٩٧١). (٥) سيأتي برقم (٣٣١٩) كتاب: بدء الخلق، باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم، ورواه مسلم (٢٢٤١) كتاب: السلام، باب: النهي عن قتل النمل. (٦) «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي- الأصل الثالث والثمانون ص ١٢٣. كلها المحرم أكلها، وجوارح الطير كالبازي، والعقاب، والشاهين، والصقر، ونحوها، والحشرات المؤذية، كالزنبور، والبق، والبعوض، والذباب، والبراغيث، وبه قال الشافعي (١). وذكر ابن المواز، عن مالك: بلغني أن رسول الله - ﷺ - أمر بقتل الأوزاغ، فأما المحرم فلا يقتلها، فإن قتلها رأيت أن يتصدق، قيل له: قد أذن الرسول بقتلها، قال: وكثير ما أذن في قتله ولا يقتلها المحرم، وفي رواية ابن وهب وابن القاسم عنه قال: لا أرى أن يقتل المحرم الوزغ؛ لأنه ليس من الخمس، فإن قتلها تصدق. قال أبو عمر: الوزغ مجمع على تحريم أكله (٢). وقال ابن التين: أباح مالك قتله في الحرم وكرهه للمحرم، وروي عن عائشة أنها قالت: لما احترق بيت المقدس كانت الأوزاغ تنفخه (٣)، وقيل: إنها نفخت على نار إبراهيم من بين سائر الدواب (٤). تنبيهات توضح ما مضى وإن سلف بعضه: أحدها: أجمع العلماء على القول بجملة أحاديث الباب كما عيناه، ----------- (١) «المغني» ٥/ ١٧٦ - ١٧٧. (٢) «التمهيد» ١٥/ ١٨٦. (٣) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٩٨ (٢٢٩١)، والبيهقي ٩/ ٢١٨. (٤) رواه النسائي ٥/ ١٨٩ كتاب: مناسك الحج، قتل الوزغ، وابن ماجه (٣٢٣١) كتاب: الصيد، باب: قتل الوزغ، وأحمد ٦/ ٨٣ وعبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٦ (٨٣٩٢) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل في الحرم وما يكره قتله، وأبو يعلى ٧/ ٣١٧ (٤٣٥٧)، وابن حبان ١٢/ ٤٤٧ (٥٦٣١) كتاب: الحظر والإباحة، باب: قتل الحيوان، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٥/ ١٩٢ - ١٩٣ من حديث عائشة، وقال البوصيري في «زوائده» ص: ٤١٩: إسناد صحيح رجاله ثقات. وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٥٨١). إلا أنهم اختلفوا في تفصيلها: فقال بظاهر حديث ابن عمر وحفصة مالكٌ والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، قالوا: ولم يعن بالكلب العقور الكلاب الإنسية، وإنما عني بها كل سبع يعقر، كذلك فسره مالك وابن عيينة وأهل اللغة. وقال الخليل: كل سبع عقور كلب، وكلهم لا يرى ما ليس من السباع في طبقة العقر والعدي في الأغلب في معنى الكلب العقور في شيء، ولا يجوز عندهم للمحرم قتل الهر الوحشي ولا الثعلب كما سلف، والكلب العقور عند أبي حنيفة المعروف وليس الأسد في شيء منه، وأجازوا قتل الذئب خاصة ابتدأ به أم لا، ولا شيء عليه فيها، وأما غيرها من السباع فلا يقتلها، فإن قتلها فداها إلا أن تبتدئه فلا شيء عليه، وأسلفنا كلام الشافعي، والحجة على أبي حنيفة أن الكلب العقور اسم لكل ما يتكلب من أسد أو نمر أو فهد، فيجب أن يكون جميع ما تناوله هذا الاسم داخلًا تحت ما أبيح للمحرم قتله، وإذا أبيح قتل العقور فالأسد أولى، وسماهن فواسق كما مضى، فغيرهن أولى كما نبه على غير الحية والعقرب بهما، ونص على الفأرة ونبه على ما هو أقوى حيلة من جنسها، وعلى الغراب والحدأة؛ لخطفهما، وعلى الكلب؛ لينبه به على ما هو أعظم ضررًا منه. وأجاز مالك قتل الأفعى، وهي داخلة عنده في معنى الكلب العقور، والكلب العقور عنده صفة لا عين مسماة، وقد نقض أبو حنيفة أصله بالذئب فألحقه بالخمس، وليس بمذكور في الحديث، كذا قال ابن بطال، وقد علمت أنه مذكور في بعضها، قال: وكذلك يلزمه أن يجعل الفهد والنمر وما أشبههما في العدي بمنزلة الذئب، وأما الضبع فمأكول عندنا وإن كان له ناب، لكنه ضعيف، وهو من السباع لكنه غير داخل فيما أبيح قتله، قال الأوزاعي: كان العلماء بالشام يعدونها من السباع، ويكرهون أكلها، وذكر ابن حبيب عن مالك قال: لا يقتل الضبع بحال، وقد جاء أن فيها شاة إلا أن تؤذيه، وكذلك قال في الغراب والحدأة (١). قال أشهب: سألت مالكًا: أيقتلهما المحرم من غير أن يضرا به؟ قال: لا، وإنما أذن في قتلهما إذا ضرا في رأي، فإذا لم يضرا فهما صيد، وليس للمحرم أن يصيد، وليسا مثل العقرب والفأرة، ولا بأس بقتلهما وإن لم يضرا، وكذلك الحية، والحجة على من قال: إنه لا يوجب الجزاء إلا فيما يؤكل لحمه خاصة عموم ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]. والصيد: الاصطياد، وهو يقع على كل ما يؤكل لحمه وما لا يؤكل، وليس المعتبر في وجوب الجزاء كون المقتول مأكولًا؛ لأن الحمار المتولد عن الوحشي والأهلي لا يؤكل، وفي قتله الجزاء على المحرم (٢). والمخالف لا يسلم ذَلِكَ. ثانيها: تسميته - عليه السلام - الوزغ فويسقًا ما يدل على عقرها كما سمى العقورات كلها فواسق، قال مالك: ولا يقتل المحرم قردًا ولا خنزيرًا ولا الحية الصغيرة ولا صغار السباع (٣)، وقال الشافعي: ما يجوز للمحرم قتله فصغاره وكباره سواء، لا شيء عليه في قتلها (٤)، وقال مالك في «الموطأ»: ولا يقتل المحرم ما ضر من الطير ----------- (١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٦٢. (٢) من «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩١ - ٤٩٣ بتصرف. (٣) «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦٤. (٤) «الأم» ٢/ ١٧٦. وهو ما نقله ابن المواز عن مالك. «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٦٢. إلا ما سمى رسول الله - ﷺ -: الغراب والحدأة، فإن قتل غيرهما من الطير فداه (١). ثالثها: اختلف المدنيون في الزنبور، كما قال إسماعيل، فشبهه بعضهم بالحية والعقرب فإن عرض لإنسان فدفعه عن نفسه لم يكن عليه فيه شيء، وكان عمر يأمر بقتله، كما سلف. وقال أحمد وعطاء: لا جزاء فيه، وقال بعضهم: يطعم شيئًا (٢)، قال إسماعيل: وإنما لم يدخل أولاد الكلب العقور في حكمه؛ لأنهن لا يعقرن في صغرهن ولا فعل لهن. رابعها: الجناح: الإثم، فنفاه بقوله: («لا جناح»، «ولا حرج»). --------- (١) «موطأ مالك» ١/ ٤٦٦ - ٤٦٧ (١١٨٨) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب. (٢) «المجموع» ٧/ ٣٥٧، وقول عطاء، رواه ابن حزم «المحلى» ٧/ ٢٤٤. وقال أبو داود: سمعت أحمد سُئل عن المحرم يقتل الزنبور؟ قال: نعم، يقتل كل شيء يؤذيه. «مسائل الإمام برواية أبي داو» (٨٤٢). ٨ - باب لَا يُعْضَدُ شَجَرُ الحَرَمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ». ١٨٣٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ وَهُوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ: ائْذَنْ لِي أَيُّهَا الأَمِيرُ أُحَدِّثْكَ قَوْلًا قَامَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِلْغَدِ مِنْ يَوْمِ الفَتْحِ، فَسَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، وَأَبْصَرَتْهُ عَيْنَايَ حِينَ تَكَلَّمَ بِهِ، إِنَّهُ حَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللهُ وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ، فَلَا يَحِلُّ لاِمْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقُولُوا لَهُ: إِنَّ اللهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ - ﷺ - وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِى سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ». فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْحٍ: مَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. خَرْبَةٌ: بَلِيَّةٌ. [انظر: ١٠٤ - مسلم: ١٣٥٤ - فتح: ٤/ ٤١] ثم أسند حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الِعدوي أنه قال لعمرو بن سعيد، فذكره إلى قوله: «وَلَا يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً». الشرح: تعليق ابن عباس ذكره بعد قليل مسندًا (١)، وحديث أبي شريح أخرجه مسلم أيضًا (٢)، ووقع في «سيرة ابن إسحاق»: ثَنَا سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح قال: لما قدم عمرو بن الزبير مكة قام إليه أبو شريح، فذكره، فرد عليه ابن الزبير: فأنا أعلم منك يا أبا شريح (٣)، ----------- (١) سيأتي برقم (١٨٣٤) باب: لا يحل القتال بمكة. (٢) مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها .. (٣) انظر: «سيرة ابن هشام» ٤/ ٣٥ وقد أورده بسند ابن اسحاق الذي ذكره المصنف. وكذا ذكره الواقدي عن رباح بن مسلم، عن أبيه قال: بُعِثَ إلى عبد الله بن الزبير (عمرو أخوه) (١)، فقام أبو شريح إليه فقال له الحديث. ولا التفات إلى رد السهيلي له بأنه وهم من ابن هشام (٢)، فهذا ابن إسحاق هو الذي ذكره، وسنده صحيح، وقد أوضحت شرحه في «شرح العمدة» فليراجع منه (٣). ونذكر هنا عيونًا أخر: أحدها: عمرو هذا هو ابن سعيد بن العاص أبو أمية المعروف بالأشدق، لطيم الشيطان الأفقم أيضًا، ليست له صحبة، وعرف بالأشدق؛ لأنه صعد المنبر فبالغ في شتم علي - رضي الله عنه - فأصيب بلقوة، ولَّاه يزيد بن معاوية المدينة، وكان أحب الناس إلى أهل الشام، وكانوا يسمعون له ويطيعونه، وكتب إليه يزيد أن يوجه إلى عبد الله بن الزبير جيشًا فوجهه، واستعمل عليهم عمرو بن الزبير بن العوام (٤) (٥)، وأبو شريح اسمه خويلد بن عمرو، وقيل عكسه، وقيل غير ذَلِكَ، ----------- (١) في (س)، (ج): (عمرو وأخوه) ولعل المثبت هو الصحيح. (٢) «الروض الأنف» للسهيلي ٤/ ١١٥. (٣) «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٦/ ٩٦ - ١٢٠. (٤) في هامش (س) تعليق نصه: قتل عمرو بن سعيد بن العاصي صبرًا سنة ٧٠ قاله في «الكاشف» وتوفي أبو شريح الخزاعي، والأكثر في اسمه بما صدر به المصنف كلامه وقيل (…) وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو هذا كلام الذهبي، وحكى النووي في اسمه خلافًا في التهذيب منه أنه عبد الرحمن ابن عمرو. (٥) انظر ترجمته في: «طبقات ابن سعد» ٥/ ٢٣٧، «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٣٨ (٢٥٧٠)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٣٦ (١٣٠٨)، و«تهذيب الكمال» ٢٢/ ٣٥ (٤٣٧٠)، و«سير أعلام النبلاء» ٣/ ٤٤٩ (٨٨). حمل لواء قومه يوم الفتح وكان من العقلاء (١)، وفي الصحابة من كنيته كذلك ثلاثة غيره (٢). ثانيها: معنى: («لا يعضد»): لا يقطع بما يعضد، وهو سيف يمتهن في قطع الشجر، وقيل: هو حديد، والعَضد بالفتح ما تكسر من الشجر أو قطع، والخربة: البلية بفتح الخاء المعجمة وضمها وبعد الراء باء موحدة، كما وقع في بعض نسخ البخاري، ويقال: العورة أو الزلة، وأصله من سرقة الإبل. --------- (١) هو أبو شريح الخزاعي العدوي الكعبي، اختلف في اسمه، فقيل: خويلد بن عمرو، وقيل: عمرو بن خويلد، وقيل: كعب بن عمرو، وقيل: هانئ بن عمرو، وقيل: عبد الرحمن بن عمرو، والمشهور: خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن زمان بن عدي بن عمرو بن ربيعة، إخوة بني كعب بن عمرو بن ربيعة، روى عن النبي - ﷺ - وعبد الله بن مسعود. انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» للبغوي ٢/ ٢٤٤، و«معجم الصحابة» لابن قانع ٢/ ٢٠٣ (٧٠٣)، ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦٣)، و«أسد الغابة» ٢/ ١٥٢ (١٥٠٠)، ٦/ ١٦٤ (٥٩٩٧)، و«تهذيب الكمال» ٣٣/ ٤٠٠ (٧٤٢٤)، و«الإصابة» ١/ ٤٥٨ (٢٣٠٥)، ٤/ ١٠١ (٦١٣). (٢) أحدهم: أبو شريح الأنصاري، قال ابن عبد البر: له صحبة، ذكروه في الصحابة، ولا أعرفه بغير كنيته وذكره هذا اهـ. انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦٢)، «أسد الغابة» ٦/ ١٦٤ (٥٩٩٦)، «الإصابة» ٤/ ١٠٢ (٦١٥). ثانيهم: أبو شريح الحارثي، هانئ بن يزيد بن نهيك بن دريد بن سفيان بن الضباب، واسمه مسلمة بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن كعب الحارثي، كان يكنى أبا الحكم، فكناه رسول الله - ﷺ - بأبي شريح. انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٢٥٠ (٣٠٦١)، «أسد الغابة» ٥/ ٣٨٣ (٥٣٣٣)، ٦/ ١٦٥ (٥٩٩٨)، «الإصابة» ٣/ ٥٩٦ (٨٩٢٧)، ٤/ ١٠٢ (٦١٤). ثالثهم: أبو شريح، رجل روي عن النبي - ﷺ -: «أعتى الناس على الله -عز وجل- ..» الحديث. انظر: «أسد الغابة» ٦/ ١٦٦ (٥٩٩٩). ثالثها؛ لا يجوز قطع أغصان شجر مكة التي أنشأها الله فيها مما لا صنع فيه لبني آدم، وإذا لم يجز قطع أغصانها فقطع شجرها أولى بالنهي، وقام الإجماع -كما قال ابن المنذر- على تحريم قطع شجر الحرم (١)، واختلفوا فيما يجب على قاطعها، فذهب مالك: لا شيء عليه غير الاستغفار، وهو مذهب عطاء، وبه قال أبو ثور، وذكر الطبري عن عمر مثل معناه. وقال الشافعي: عليه الجزاء في الجميع المحرم في ذَلِكَ والحلال سواء، في الشجرة الكبيرة بقرة وفي الصغيرة شاة، وفي الخشب وما أشبهه قيمته ما بلغت دمًا كان أو طعامًا، وحكى بعض أصحاب الشافعي أن مذهبه كمذهب أبي حنيفة فيما أنبته الآدمي، ذكره ابن القصار، وهو قول صاحبيه أيضًا، إن قطع ما أنبته الآدمي فلا شيء عليه، وإن قطع ما أنبته الله تعالى كان عليه الجزاء حلالًا كان أو محرمًا، فإن بلغ هديًا كان هديًا وإلا قُوم طعامًا فأطعم كل مسكين نصف صاع، لا جرم حكى بعضهم عن الكوفيين أن فيها قيمتها، والمحرم والحلال فيه سواء (٢). قال ابن المنذر: ليس في ذَلِكَ دلالة من كتاب ولا سنة ولا إجماع، وأقول كما قال مالك، واحتج الموجب بالحديث: «لا يعضد بها شجرة»، وهو نهي تحريم فيجب فيه الجزاء كالصيد، ويجاب بأن النهي عن قطعه لا يدل على وجوب الجزاء كالنهي عن تنفير الصيد والإشارة والمعاونة عليه؛ فقد روي أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا يقطع من ---------- (١) «الإجماع» ص ٧٧. (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «الهداية» ١/ ١٩٠، «التفريع» ١/ ٣٣١، «عيون المجالس» ٢/ ٨٨٠ - ٨٨٢، «روضة الطالبين» ٣/ ١٦٧، «المجموع» ٧/ ٤٥٠، «المقنع» ص ٧٧. شجر الحرم، فسأله لم تقطعه؟ فقال: لا نفقة معي، فأعطاه نفقة، ولم يوجب عليه (١)، ولو كان كالصيد لوجب على المحرم إذا قطعها في حل أو حرم الجزاء كما قال في الصيد، وأجمع العلماء على إباحة أخذ كل ما أنبته الناس في الحرم من البقول والزروع والرياحين وغيرها، فوجب أن يكون ما يغرسه الناس من النخيل والشجر يباح قطعه؛ لأن ذَلِكَ بمنزلة الزرع الذي يزرعونه فقطعه جائز، وما يجوز قطعه فمحال أن يكون فيه جزاء، فإن قيل: فأوجب الجزاء على ما أنبته الله تعالى؛ قيل: لا أجد عليه دلالة؛ فوجب استواؤهما في السقوط، واختلفوا في أخذ السواك من شجر الحرم. فروينا عن مجاهد (٢) وعطاء (٣) وعمرو بن -------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٤٥ (٩٢٠٤) كتاب: الحج، باب: ما ينزع من الحرم، من حديث عطاء أن عمر بينما هو يخطب بمنى إذ هو برجل من أهل اليمن يعضد من شجر، فأرسل إليه فقال: ما تصنع؟ قال: أقطع علفًا لبعيري، ليس عندي علف، قال: هل تدري أين أنت؟ قال: لا، قال: فأمر عمر له بنفقة. وكذا رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٧٠ (٢٢٢٦)، ورواه الفاكهي أيضًا ٣/ ٣٧٠ (٢٢٢٥) من حديث عطاء عن عبيد الله قال: إن عمر بن الخطاب رأى رجلًا يحتش في الحرم .. الحديث. وكذا رواه البيهقي ٥/ ١٩٥ - ١٩٦، والضياء المقدسي في «المختارة» ١/ ٣٥٢، وسئل الدارقطني عن هذا الحديث فقال: هو حديث يرويه حفص بن غياث، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عمر مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -، وغيره يرويه عن عبد الملك موقوفًا عن عمر، وكذلك رواه الحجاج بن أرطأة عن عطاء موقوفًا، الموقوف هو المحفوظ. ورواه ابن جريج، عن عطاء مرسلًا عن عمر قوله غير مرفوع إلى النبي - ﷺ - اهـ «علل الدارقطني» ٢/ ١٧٤. (٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٥/ ١٤٣ (٩١٩٩ - ٩٢٠٠) كتاب: الحج، باب: ما ينزع من الحرم. (٣) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤٤، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٦٦ (٢٢١٦). دينار (١) أنهم رخصوا في ذَلِكَ، وحكى أبو ثور ذَلِكَ عن الشافعي. وكان عطاء يرخص في أخذ ورق السنا لا ينزع من أصله (٢)، ورخص فيه عمرو بن دينار (٣). رابعها: قوله - عليه السلام -: «فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا» اختلف العلماء فيمن أصاب حدًا في غير الحرم، من قتل أو زنًا أو سرقة ثم لجأ إلى الحرم هل تنفعه استعاذته؟ فقالت طائفة: لا يجالس ولا يبايع ولا يكلم ولا يؤوى حَتَّى يخرج منه، فيؤخذ بالواجب لله تعالى، وإن أتى حدًّا في الحرم أقيم فيه. روي ذَلِكَ عن ابن عباس (٤)، وهو قول عبيد بن عمير (٥)، وعطاء (٦)، ----------- (١) رواه عبد الرزاق ٥/ ١٤٣ - ١٤٤ (٩٢٠١)، والأزرقي ٢/ ١٤٤، والفاكهي ٣/ ٣٦٧ (٢٢١٨). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٤ (١٥٤٦٢) كتاب: الحج، من رخص أن يأخذ من الحرم السواك ونحوه ومن كرهه، والأزرقي ٢/ ١٤٣ - ١٤٤، والفاكهي ٣/ ٣٦٦ (٢٢١٦). (٣) رواه عبد الرزاق ٥/ ١٤٣ - ١٤٤ (٩٢٠١)، والأزرقي ٢/ ١٤٤، والفاكهي ٣/ ٣٦٦ (٢٢١٥). (٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ٣٠٤ (١٧٣٠٦ - ١٧٣٠٧) كتاب: العقول، باب: من قتل في الحرم وسرق فيه، والأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٣٨، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٦٠ - ٣٦٢ (٢٢٠٢ - ٢٢٠٦) -دون قوله: وإن أتى حدًّا في الحرم أقيم فيه- الطبري ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١ (٧٤٥٧، ٧٤٥٩، ٧٤٦٦ - ٧٤٦٨)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧١١ - ٧١٢ (٣٨٥٠)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩٧ لابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر والأزرقي وعبد بن حميد. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٣) كتاب: الحدود، في إقامة الحدود والقود في الحرم، والفاكهي ٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٢٢١١)، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٦٢). (٦) رواه عبد الرزاق ٩/ ٣٠٣ (١٧٣٠٣ - ١٧٣٠٤)، وابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٧)، والأزرقي ٢/ ١٣٨، والفاكهي ٣/ ٣٦٣ - ٣٦٤ (٢٢١١)، والطبري ٣/ ٣٦١ (٧٤٦٥)، وابن أبي حاتم ٣/ ٧١٢ (٣٨٥٥). والشعبي (١)، والحكم (٢)، وعلة ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: فجعل الله حرمه آمنًا لمن دخله، فداخله آمن من كل شيء وجب عليه قبل دخوله حَتَّى يخرج منه، وأما من كان فيه فأتى فيه حدًّا فالواجب على السلطان أخذه به؛ لأنه ليس ممن دخله من غيره مستجيرًا به، وإنما جعل الله أمنه لمن دخله من غيره، قاله الطبري، قال: وعلتهم أنه لا يبايع ولا يكلم حَتَّى يخرج من الحرم، فإنه لما كان غير محظور عليهم كان لهم فعله؛ ليكون سببًا إلى خروجه وأخذ الحد منه (٣). وقال آخرون: لا يخرج من لجأ إلى الحرم حَتَّى يخرج منه، فيقام عليه الحد، ولم يحظروا مبايعته ولا مجالسته. روي ذَلِكَ عن ابن عمر قال: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هيجته (٤)، وعلة ذَلِكَ أن الله تعالى جعله آمنًا لمن دخله، ومن كان خائفًا منا وقوع الاحتيال عليه فإنه غير آمن، فغير جائز إخافته بالمعاني التي تضطره إلى الخروج منه لأخذه بالعقوبة التي هرب من أجلها. وقال آخرون: من أتى في الحرم مما يجب عليه الحد فإنه يقام عليه ذَلِكَ فيه، ومن أتاه في غيره فدخله مستجيرًا به فإنه يخرج منه، ويقام عليه الحد. -------- (١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٣٠٤ (١٧٣٠٨)، وابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٢)، والفا كهي ٣٦٣/ ٣ (٢٢١٠)، والطبري ٣/ ٣٦١ (٧٤٦٤). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٩). (٣) «تفسير الطبري» ٣/ ٣٦١ - ٣٦٢. (٤) رواه الأزرقي ٢/ ١٣٩، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٦١)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩٧ لابن جرير. روي ذَلِكَ عن ابن الزبير (١) والحسن (٢) ومجاهد (٣) وعطاء (٤) وحماد (٥)؛ وعلته ما سلف من أنه أمنةً من أن يعاقب فيه، ولم يجعله أمنة من الحد الواجب عليه. وذكر الطحاوي عن أبي يوسف قال: الحرم لا يجير ظالمًا، وأن من لجأ إليه أقيم عليه الحد الواجب عليه قبل ذَلِكَ، ويشبه أن يكون هذا مذهب عمرو بن سعيد؛ لقوله: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا ولا فارًّا، فلم ينكر عليه أبو شريح، وقال قتادة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾: كان في الجاهلية، فأما اليوم فلو سرق في الحرم قطع، ولو قتل فيه قتل، ولو قدر فيه على المشركين قتلوا (٦)، ولا يمنع الحرم من إقامة الحدود عند مالك، واحتج بعض أصحابه بأنه - عليه السلام - قتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ولم تعذه الكعبة من القتل (٧)، وهذا القول أولى بالصواب؛ لأن الله تعالى أمر بقطع السارق وجلد الزاني -------- (١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٣٠٥ (١٧٣٠٩)، والأزرقي ٢/ ١٣٨، والفاكهي ٣/ ٣٦٢، ٣٦٤ (٢٢٠٧، ٢٢١٣)، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٥٨)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩٧ لابن المنذر. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٤)، والطبري ٣/ ٣٦٠ (٧٤٥٦). (٣) السابق ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٥ - ٢٨٩٠٦) والفاكهي ٣/ ٣٦٣ (٢٢٠٩)، والطبري ٣/ ٣٩٥ (٧٤٥٤). (٤) السابق ٥/ ٥٤٨ (٢٨٩٠٤)، والطبري ٣/ ٣٥٩ (٧٤٥٦). (٥) السابق ٥/ ٥٤٩ (٢٨٩٠٩)، والطبري ٣/ ٣٠٩ (٧٤٥٥). (٦) رواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٣٩، والطبري ٣/ ٣٥٩ (٧٤٥٢)، وابن أبي حاتم ٣/ ٧١٢ (٣٨٥١) وعزاه في «الدر المنثور» ٢/ ٩٦ - ٩٧ لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. (٧) سيأتي برقم (١٨٤٦) كتاب: جزاء الصيد، باب: دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ورواه مسلم (١٣٥٧) كتاب: الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. وأوجب القصاص أمرًا مطلقًا ولم يخص به مكانًا دون مكان (١). فإقامة الحدود تجب في كل مكان على ظاهر الكتاب، ومما يشهد لذلك أمر الشارع بقتل الفواسق المؤذية في الحرم؛ فقام الدليل من هذا أن كل فاسق استعاذ بالحرم أنه يقتل بجريرته ويؤخذ بقصاص جرمه. قال إسماعيل بن إسحاق: وقد أنزل الله تعالى الحدود والأحكام على العموم بين الناس، فلا يجوز أن يترك حكم الله تعالى في حرم ولا غيره؛ لأن الذي حرم الحرم هو الذي حرم معاصيه أن ترتكب وأوجب فيها من الأحكام ما أوجب، وسيكون لنا عودة إلى ذَلِكَ في الديات، وذكر الطحاوي عن أبي حنيفة، وزفر، وأبي يوسف، ومحمد كقول ابن عباس إلا أنهم يجعلون ذَلِكَ أمانًا في كل حد يأتي على النفس من الحدود مثل أن يزني وهو محصن، أو يرتد، أو يقتل عمدًا، أو يقطع طريقًا فيجب عليه القتل فيلجأ إلى الحرم فيدخله، ولا يجعلون ذَلِكَ على الحدود التي لا تأتي على النفس كقطع السارق، والقود في قطع الأيدي وشبهها، والتعزير الواجب بالأقوال الموجبة للعقوبات، ثم قال: ولا وجه لتفريقهم بين الحدود التي تأتي على النفس وبين التي لا تأتي عليها؛ لأن الحرم إن كان دخوله يؤمن من العقوبات في الأنفس فيؤمن فيما دونها، وإن كان لا يؤمن فيما دونها فلا يؤمن بها في الأنفس، ولم يفرق ابن عباس بين شيء من ذَلِكَ، فقوله أولى من قول أبي حنيفة وأصحابه، لا سيما ولا نعلم أحدًا من الصحابة خالفه في قوله. -------- (١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٣٢ - ٣٦، «المنتقى» ٣/ ٨٠، «أحكام القرآن» لابن العربي ١/ ٣٧٣، «المجموع» ٧/ ٤٦٥، «طرح التثريب» ٥/ ٧٢، «الفروع» ٦/ ٦٣. وقول عمرو: (أنا أعلم يا أبا شريح). كان عمرو فيه بعض التحامل، فتمادى به الطمع إلى رد قول أبي شريح، ولعمري إن أبا شريح كان أعلم بتأويل ما لو سمعه عمرو وغاب عنه أبو شريح فكيف ما سمعه أبو شريح، وقد كان ابن أبي مليكة حين حاصر الحصينُ بنُ نمير ابن الزبير يخرج إليهم فيعظهم ويقول لهم: ما استخف قوم بحرمة الحرم إلا أهلكهم الله، ويذكر لهم أن جرهم هوَّنوا بالحرم فأهلكهم الله، وأصحاب الفيل أحرقوا الكعبة فأتاهم نغف، فانصرفوا. وتمادى لعمرو أمره حَتَّى خرج عبد الملك إلى مصعب بن الزبير وجرت فتن. ٩ - باب لَا يُنَفَّرُ صَيْدُ الحَرَمِ ١٨٣٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُعَرِّفٍ». وَقَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ لِصَاغَتِنَا وَقُبُورِنَا. فَقَالَ «إِلَّا الإِذْخِرَ». وَعَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا؟ هُوَ أَنْ يُنَحِّيَهُ مِنَ الظِّلِّ، يَنْزِلُ مَكَانَهُ. [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٤٦] ذكر فيه حديث ابن عباس: «إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ». إلى أن قال: «وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا». وعن خالد عن عكرمة قال: هل تدري ما لا ينفر صيدها؟ هو أن ينحيه من الظل ينزل مكانه. الشرح: حديث ابن عباس أخرجه مسلم (١). والإذخر: بالذال المعجمة نبت معروف يدخل في الطب، تقدم. والخلى مقصور يكتب بالياء وهو الرطب من الكلام، فإذا يبس كان حشيشًا، وقال ابن فارس وغيره: اليابس (٢). ووقع في رواية أبي الحسن مده. ومعنى: («لا يختلى خلاها»): لا يقطع، وقوله: «ولا تلتقط لقطته إلا لمعرَّف» وهو ظاهر للشافعي أنها لا تلتقط للتملك، وأنها تلتقط ---------- (١) مسلم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها ولقطتها، إلا لمنشد على الدوام. (٢) «مجمل اللغة» ١/ ٢٩٨ مادة خلو. للحفظ، ويجب تعريفها قطعًا. ومشهور مذهب مالك أنها كغيرها له حفظها وتملكها بعد ذَلِكَ (١)، وسأذكر حكم تنفير الصيد في الباب الآتي بعد (٢). ------------ (١) انظر: «مختصر ابن الحاجب» ص ٢٩٤. وخالف أبو الوليد الباجي المذهب وقال: لا يتملك لقطتها للحديث. «المنتقى» ٦/ ١٣٨. (٢) في هامش الأصل: آخر ٧ من ٦ من تجزئة المصنف. ١٠ - باب لَا يَحِلُّ القِتَالُ بِمَكَّةَ (١) وَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا يَسْفِكُ بِهَا دَمًا». [انظر: ١٨٣٢] ١٨٣٤ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا، فَإِنَّ هَذَا بَلَدٌ حَرَّمَ اللهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، وَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فِيهِ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَمْ يَحِلَّ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَهُوَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، لَا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، وَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، وَلَا يَلْتَقِطُ لُقَطَتَهُ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا». قَالَ العَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ. قَالَ: قَالَ: «إِلَّا الإِذْخِرَ». [انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٤/ ٤٦] وقال أبو شريح عن النبي - ﷺ -: «لا يُسفك بها دمًا» وهذا سلف مسندًا قريبًا (٢). وذكر حديث ابن عباس قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ افْتَتَحَ مَكَّةَ: «لَا هِجْرَةَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ» إلى آخره، وقد أخرجه مسلم أيضًا (٣)، ومعنى: لا هجرة. أي: من مكة؛ لأنها صارت دار إسلام، أولا هجرة فاضلة، قال الداودي: ذكر حديث صفوان بن المعطل أنه قيل له بعد الفتح: من لم يهاجر هلك، وإنه أتى رسول الله - ﷺ - إلى المدينة ثم قال: «انصرف الى مكة». --------- (١) في هامش الأصل: ثم بلغ في الثامن بعد الثلاثين كتبه مؤلفه غفر الله له. (٢) سلف برقم (١٨٣٢). (٣) مسلم (١٣٥٣). ![]()
__________________
|
|
#352
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 401 الى صـــ 420 الحلقة (352) وقوله: «ولكن جهاد ونية». أي: إنما عليكم ذَلِكَ، لكن كلمة الله هي العليا، ثم بينه بقوله: «وإذا استنفرتم فانفروا» يريد: أن الجهاد بعد الفتح على الذين قال الله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] فإذا استنفر الإمام الناس ليتقوى بهم فلينفروا؛ وكذلك إن خشي من يلي الكفار عليهم فيجب على من يليهم النفر إليهم. وقوله: («هذا بلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض») يعني: كما حرمت المشهور الأربعة يوم ذاك فحرم مكة يومئذٍ كما حرم المشهور، وسبق ذَلِكَ في علمه. والقين: الحداد هنا. وفيه وما قبله البيان الواضح أن صيد الحرم حرام واصطياده، وذلك لأنه - عليه السلام - نهى عن تنفيره، فاصطياده أوكد في التحريم من تنفيره، فإذا نفره وأداه إلى هلاكه فعليه الجزاء، وإلا فلا شيء عليه غير التوبة، ولا خلاف في هذا بين الفقهاء. وقد روي عن عطاء: أنه من أخذ طائرًا في الحرم ثم أرسله، قال: يطعم شيئًا لما نفره (١)، وقد روي عن عمر: أنه لا شيء في التنفير، وروى شعبة عن الحكم عن شيخ من أهل مكة: أن حمامًا كان على البيت فذرق على يد عمر فأشار عمر بيده، فطار فوقع على بعض بيوت مكة، فجاءت حية فأكلته، فحكم عمر على نفسه بشاة (٢)، فلم -------- (١) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٠ (٨٣٦٦). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٣ (١٣٢١٩) كتاب: الحج، في الرجل يصيب الطير من حمام مكة، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٨٣ - ٣٨٤ (٢٢٦١)، وقد رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤١٥ (٨٢٦٨) كتاب: الحج، باب: الحمام وغيره من الطير يقتله المحرم، من طريق معمر عن جابر عن الحكم بن عتيبة، فذكره بلفظه. ير عمر لما نفر الحمامة عليه شيئًا حَتَّى تلفت، ورأى أن تلفها كان من سبب تنفيره، وإنما استجاز عمر تنفيره من الموضع الذي كان واقفًا عليه مع علمه بأن تنفير صيده غير جائز، لأنه ذرق على يده فكان له طرده عن الموضع الذي يلحقه أذاه في كونه فيه، وكذلك كان عطاء يقول في معنى ذَلِكَ، قال ابن جريج: قلت لعطاء: كم في بيضة من بيض الحمام؟ قال: نصف درهم. ويحكم فيه، فقال له إنسان: بيضة وجدتها على فراشي أميطها عنه؟ قال: نعم. قال: وجدتها في سهوة أو في مكان من البيت، قال: لا تمطها (١)، فرأى عطاء أن المميط عن فراشه بيضة من بيض حمام الحرم غير حرج ولا لازم بإماطته إياها شيء؛ لأن في تركه إياها على فراشه عليه أذى، ولم ير جائزًا إماطتها عن الموضع الذي لا أذى عليه في كونها فيه، فكذلك كان فعل عمر في إطارته الحمامة التي ذرقت على يده في الموضع الذي كانت واقفة عليه. وقال داود: من قتل صيدًا في الحرم فلا جزاء عليه، واتفق الفقهاء كما قال الطبري: أن نهيه عن اختلاء خلاها هو مما ينبت فيه مما أنبته الله تعالى، ولم يكن للآدمي فيه صنع، فأما ما أنبته الآدميون فلا بأس باختلائه. واختلف السلف في الشرعي في خلاها: هل هو داخل في هذا النهي أم لا؟ فقال بعضهم: لا، ولا بأس به، وروي ذَلِكَ عن طاوس وعطاء ومجاهد وابن أبي ليلى إلا أنه لا يحبط، وحكى ابن المنذر مثله عن ---------- (١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤١٨ (٨٢٨٦) كتاب: الحج، باب: بيض الحمام -مختصرًا- ورواه بتمامه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤٢، والفاكهي ٣/ ٣٨٦ - ٣٨٧ (٢٢٦٩). أبي يوسف والشافعي؛ وعلة ذَلِكَ أن النهي إنما ورد في الاختلاء دون الشرعي فيها، والراعي غير المختلي؛ لأن المختلي هو الذي يقطع الخلاء بنفسه، وقال آخرون: لا يجوز الرعي فيها؛ لأن الرعي أكثر من الاختلاء، هذا قول أبي حنيفة وصاحبيه قالوا: لو جاز ذَلِكَ جاز أن يحتمش منه إلا الإذخر خاصة. وقال مالك: لا يحتش لدابته (١)، واعتلوا بالحديث، واختلاؤه استهلاك له، وإماتة وإرعاء المواشي فيه أكثر من احتشاشه في الاستهلاك، وأما جواز اجتناء الكمأة فلا صنع فيها لبني آدم؛ لأنه لا يقع عليها اسم شجر ولا حشيش، وفي إجماع الجميع: أنه لا بأس بشرب مياه آباره، والانتفاع بترابه للدليل الواضح أن ما أحدث الله في حرمه مطلق أخذه والانتفاع به كالكمأة؛ لأنها لا تستحق اسم كلأ ولا شجر، وإنما هي كبعض ما خلق الله فيها من الشجر والمدر والمياه إذ لا أصل لها ثابت. وطلب العباس استثناء الإذخر يحتمل أن يكون تحريم مكة خاصة من تحريم الله، ويكون سائر ما ذكر في الحديث من تحريمه - عليه السلام -؛ فلذلك طلب استثناءه، ولو كان من تحريم الله ما استبيح منه إذخر ولا غيره، وقد يأتي في آية وفي حديث أشياء منها فرض، ومنها سنة، ومنها رغبة، ويكون الكلام فيها كلها واحدًا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ الآية [النحل: ٩٠] والعدل فرض، والإحسان والباقي سنن ورغائب، ومثله قوله - عليه السلام -: «إذا ركع فاركعوا، -------- (١) انظر:»المبسوط«٤/ ١٠٤ - ١٠٥،»المنتقى«٣/ ٨٢،»المجموع«٧/ ٤٥٥ - ٤٥٦،»الفروع ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨. وإذا قال سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد» (١)، والركوع فريضة، وقوله: ربنا ولك الحمد نافلة، ويحتمل أن يكون تحريم مكة وكل ما ذكر في هذا الحديث من تحريم الله تعالى، ويكون وجه استثنائه ذَلِكَ؛ لأن الرب تعالى أعلم نبيه في كتابه بتحليل المحرمات عند الضرورات كالميتة وغيرها، ثم أحلها بالآية الأخرى، وهو حسن. وقوله: («وأنه لا يحل القتال فيه لأحد قبلي») فيه الإبانة أن مكة غير جائز لأحد استحلالها ولا نصب الحرب عليها؛ لقتال أهلها بعدما حرمها الله ورسوله إلى قيام الساعة، وذلك أنه - عليه السلام - أخبر حين فرغ من أمر المشركين بها، وأنها لله تعالى حرم، وأنها لم تحل لأحد قبله ولا أحد بعده بعد تلك الساعة التي حارب فيها المشركين وأنها قد عادت حرمتها كما كانت فكان معلومًا بقوله هذا أنها لا تحل لأحد بعده بالمعنى الذي حلت له به، وذلك محاربة أهلها وقتالهم وردهم عن دينهم. وأما قتال الحجاج وغيره لها، ونصب الحرب لها (٢)، وأن القرمطي --------- (١) سلف برقم (٦٨٩) كتاب: الأذان، باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به، ورواه مسلم (٤١١) كتاب: الصلاة، باب: ائتمام المأموم بالإمام. من حديث أنس، وفي الباب من حديث عائشة وأبي هريرة. (٢) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٥/ ٢٢٨ - ٢٢٩ مطولًا. ورواه هكذا الفاكهي في «أخبار مكة» ٢/ ٣٥٥ - ٣٥٩ (١٦٥٤)، ورواه العقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٢٢٢ في ترجمة مشرح بن هاعان، بسنده إلى موسى بن داود قال: بلغني أن مشرح بن هاعان كان ممن جاء مع الحجاج، ونصب المنجنيق على الكعبة، ورواه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٥٥٧ بلفظ آخر من حديث مكحول قال: بينما أنا مع ابن عمر اذ نصب الحجاج المنجنيق على الكعبة .. الحديث. الكافر قلع الحجر الأسود منها وأمسك سبعة عشر عامًا (١)، فوجهه: أن الحجاج وكل من نصب الحرب عليها بعد رسول الله - ﷺ - لم يكن ذَلِكَ له مباحًا ولا حلالًا كما حل للشارع، وليس قوله: «قد عادت حرمتها كما كانت ولا يحل القتال بها لأحد بعدي» أن هذا لا يقع ولا يكون، وكيف يريد ذَلِكَ وقد أنذرنا أن ذا السويقتين من الحبشة يخربها حجرًا حجرًا (٢)، وإنما معناه أن قتالها ونصب الحرب عليها حرام بعده على كل أحد إلى يوم القيامة، وأن من استباح ذَلِكَ فقد ركب ذنبًا عظيمًا، واستحل محرمًا شنيعًا. فإن قلت: لو ارتد مرتد بمكة فمنع أهلها السلطان من إقامة الحد عليه أيجوز للسلطان حربهم وقتالهم حَتَّى يصل إلى من يجب عليه إقامة الحد؟ قلت: نعم، ولكن يجب على الإمام الاحتيال؛ لإخراجهم من الحرم حَتَّى يقيمه بالحصار ومنع الطعام ونحوه. --------- (١) لزيادة بيان ينظر: «المنتظم» لابن الجوزي ٦/ ٢٢١ - ٢٢٥، و«الكامل» لابن الأثير ٨/ ١٤٣ - ١٤٤، و«وفيات الأعيان» لابن خلكان ٢/ ١٤٨ - ١٥٠، و«الوافي بالوفيات» للصفدي ١٥/ ٣٦٣ - ٣٦٦، و«البداية والنهاية» ١١/ ١٩٠ - ١٩٣، و«سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٣٢٠ - ٣٢٥. (٢) سلف برقم (١٥٩١) باب: قول الله تعالى ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعبَةَ البيَتَ الحَرَامَ قيامًا لِلنَّاسِ﴾، ورواه مسلم (٢٩٠٩) كتاب: الفتن وأشراط الساعة، باب: لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل .. ١١ - باب الحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ وَكَوَى ابْنُ عُمَرَ ابْنَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ. وَيَتَدَاوَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبٌ. ١٨٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا. [١٩٣٨، ١٩٣٩، ٢١٠٣، ٢٢٧٨، ٢٢٧٩، ٥٦٩١، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٦٩٩، ٥٧٠٠، ٥٧٠١ - مسلم: ١٢٠٢ - فتح: ٤/ ٥٠] ١٨٣٦ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ، عَنِ ابْنِ بُحَيْنَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهْوَ مُحْرِمٌ بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ. [٥٦٩٨ - مسلم: ١٢٠٣ - فتح: ٤/ ٥٠] حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو: أَوَّلُ شَيْءٍ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: احْتَجَمَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ: حَدَّثَنِي طَاوُسٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. فَقُلْتُ: لَعَلَّهُ سَمِعَهُ مِنْهُمَا. ثم ذكر حديث ابن بُحَيْنَةَ قَالَ: احْتَجَمَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَهْوَ مُحْرِم بِلَحْيِ جَمَلٍ فِي وَسَطِ رَأسِهِ. الشرح: حديث ابن عباس أخرجه مسلم والأربعة (١)، زاد البخاري: واحتجم وهو صائم. ولما خرج هذِه الزيادة النسائي عن محمود بن --------- (١) مسلم (١٢٠٢)، أبو داود (٢٣٧٣)، الترمذي (٧٧٥ - ٧٧٧)، النسائي (٥/ ١٩٣)، ابن ماجه (١٦٨٢، ٣٠٨١). غيلان: ثنا قبيصة عن الثوري، عن حماد، عن سعيد، عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم. قال: هذا خطأ، لا نعلم أن أحدًا رواه عن سفيان، عن قبيصة. وقبيصة كثير الخطأ، وقد رواه أبو هاشم، عن حماد مرسلًا (١)، ورواه الحميدي، عن ابن عيينة: حَدَّثَنَا بهذا الحديث عمرو بن مرة قال فيه: سمعت عطاء يقول سمعت ابن عباس، ومرة سمعته يقول: سمعت طاوسًا يحدث عن ابن عباس، فلا أدري أسمعه عمرو منهما أو كانت إحدى الروايتين وهمًا (٢). وفي لفظ ابن أبي عمر، عن سفيان فقلت لعمرو: إنما كنت تحدثناه، عن عطاء، عن ابن عباس، فقال: اسكت يا بني لم أغلط، كلاهما حَدَّثَني بهذا. وللحاكم: احتجم وهو محرم على رأسه، ثم قال: صحيح على شرطهما، وهو مخرج بإسناده فيهما بدون ذكر الرأس (٣). وحديث ابن بحينة أخرجه مسلم بلفظ: احتجم بطريق مكة وهو محرم في وسط رأسه (٤)، وفي تعليق البخاري من شقيقة كانت به (٥)، ولابن ماجه من حديث أبي الزبير عن جابر أنه - عليه السلام - احتجم وهو محرم، من وهصة أخذته (٦)، ولابن أبي شيبة من وثءٍ كان بصلبه. ------- (١) «سنن النسائي الكبرى» (٢/ ٢٣٥). (٢) «مسند الحميدي» ١/ ٤٤٣ (٥٠٨ - ٥٠٩). (٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٣. (٤) مسلم (١٢٠٣). (٥) يأتي برقم (٥٧٠١) كتاب: الطب، باب: الحجم من الشقيقة والصداع. (٦) ابن ماجه (٣٠٨٢) كتاب: المناسك، باب: الحجامة للصائم، ورواه أيضًا ابن خزيمة ٤/ ١٨٨ (٢٢٦١)، وأبو الشيخ الأنصاري في «طبقات المحدثين بأصبهان» ٣/ ٦٢٣ (٧٧٢)، وقال البوصيري في «الزوائد» ص: ٤٠٥: إسناده فيه مقال، محمد بن أبي الضيف لم أر من ضعفه، وباقي رجال الإسناد ثقات، والحديث صححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٥٠٢). وللنسائي من وثءٍ كان بظهره أو وركه (١)، وفي «سنن أبي قرة» من حديث سفيان: حَدَّثَنَا عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - احتجم وهو صائم محرم. فائدة: الحاجم هو أبو طيبة، قال ابن سعد في «الطبقات»: حجمه أبو طيبة لثمان عشرة من رمضان نهارًا، من حديث جابر، ومن حديث ابن عباس: احتجم بالقاحة وهو صائم محرم. وفي لفظ: محرم من أكلةٍ أكلها من شاة سمتها امرأة من أهل خيبر. وفي حديث بكير بن الأشج: احتجم في القمحدوة (٢). وفي حديث عبد الله بن عمر بن عبد العزيز: كان سمها منفذًا (٣). وفي حديث أنس: المغيثة (٤). وفي الحاكم على شرطهما من حديث أنس أنه - عليه السلام - احتجم وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به (٥)، و(لحي جمل) بفتح اللام، وحكى صاحب «المطالع» كسرها وسكون الحاء المهملة والجيم ------------ (١) النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٣٦ (٣٢٣٤). (٢) «طبقات ابن سعد» ١/ ٤٤٣ - ٤٤٥، ٤٤٧. (٣) رواه ابن سعد ١/ ٤٤٧، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٨ (٢٣٤٩٢) وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٧٥٨). (٤) رواه ابن سعد ١/ ٤٤٧، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٧). (٥) «المستدرك» ١/ ٤٥٣ من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة. عن أنس به. ورواه من هذا الطريق أبو داود (١٨٣٧) كتاب: المناسك، باب: المحرم يحتجم، والنسائي ٥/ ١٩٤، وأحمد ٣/ ١٦٤، وأبو يعلى ٥/ ٣٨١ (٣٠٤١)، وابن خزيمة ٤/ ١٨٧ (٢٦٥٩)، وابن حبان ٩/ ٢٦٧ (٣٩٥٢)، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٢٥٨ (١٩٨٦)، والضياء في «المختارة» ٧/ ١١ - ١٢ (٢٣٨١ - ٢٣٨٤). قال الحاكم: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بهذِه الزيادة، وأقره الذهبي. = مفتوحة، ثم ميم، ثم لام: موضع بين المدينة ومكة، وهو إلى المدينة أقرب، احتجم به في حجة الوداع، وهو غير لحي جمل الذي بين المدينة وفيد، ذكره الحازمي وياقوت (١)، وزعم أبو عبيد أنه ما في رسم العقيق، وهو بئر جمل الذي ورد ذكرها في حديث أبي الجهيم: أقبل - عليه السلام - من نحو بئر جمل، فذكر مسح وجهه ويديه بالجدار (٢). وقال صاحب «المطالع»: هي عقيبة الجَحْفة على سبعة أميال من السقيا، قال: ورواه بعضهم لحيي جمل بالتثنية، قال في «الموطأ»: لحي جمل بطريق مكة (٣)، وجزم به ابن بطال (٤)، ولم يحكِ غيره. وقوله: (فِي وَسَطِ رَأْسِهِ) بيان لموضعها؛ لاختلافها باختلاف مواضعها، وفي حديث «الموطأ»: احتجم فوق رأسه بلحيي جمل. وروي أنه قال: إنها شفاء من النعاس والصداع والأضراس (٥). ---------- = وقال أبو داود: سمعت أحمد قال: ابن أبي عروبة أرسله، يعني: عن قتادة. قال الحافظ في «الفتح» ١٠/ ١٥٤ معقبًا: رجاله رجال الصحيح، إلا أن أبا داود حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر، وليست هذِه بعلة قادحة. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٦١١). (١) «معجم البلدان» ٥/ ١٥. (٢) سلف برقم (٣٣٧) كتاب: التيمم، باب: التيمم في الحضر، ورواه مسلم (٣٦٩) معلقًا. (٣) «الموطأ» ص ٢٣٠. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٠٦. (٥) روي من حديث ابن عباس وأبي سعيد الخدري وابن عمر وأم سلمة. حديث ابن عباس رواه الطبري في «تهذيب الآثار» ٢/ ١٣٢ (١٣٣٤)، والطبراني ١١/ ٢٩ (١٠٩٣٨) من طريق عمر بن رياح، نا ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعًا به. ومن هذا الوجه رواه ابن عدي في «الكامل» ٦/ ١٠٥، ومن طريقه ابن الجوزي في «العلل» المتناهية" ٢/ ٣٩٤ - ٣٩٥ (١٤٦٩). = وقال الليث: ليست في وسط الرأس، إنما هي في فأس الرأس، وأما التي في وسط الرأس فربما أعمت، وإنما بيَّن أنها في الرأس؛ لما تحتاج إليه من حلق فربما قتلت شيئًا من الدواب. ------ = قال ابن الجوزي: هذا حديث لا يصح، عمر بن رياح، قال الفلاس: دجال، وقال الدارقطني: متروك، وقال ابن عدي: يروي عن ابن طاوس البواطيل ما لا يتابعه أحد عليه أ. هـ بتصرف، وقال الهيثمي ٥/ ٩٣: فيه: عمر بن رياح، وهو متروك. وضعفه الحافظ في «الفتح» ١٠/ ١٥٢. ورواه العقيلي في «الضعفاء» ١/ ٨٣، والطبراني ١١/ ١٨٧ (١١٤٤٦)، وابن عدي ٧/ ١٧٩ من طريق قدامة بن محمد الأشجعي، ثنا إسماعيل بن شبيب الطائفي عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس. قال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٣): موضوع. وأما حديث أبي سعيد الخدري فرواه الحاكم ٤/ ٢١٠ عن أبي موسى عيسى بن عبد الله الخياط، عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي سعيد مرفوعًا بلفظ: «المحجمة التي في وسط الرأس من الجنون والجزام والنعاس»، وكان يسميها منقذة. وقال: صحيح الإسناد! ورده الذهبي بقوله: عيسى في «الضعفاء» لابن حبان وابن عدي. قال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٣) وقد أورد هذا الحديث بعد حديث ابن عباس السالف، قال: عيسى بن عبد الله الخياط، قال فيه ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه. ورواه الطبراني في «الأوسط» ٥/ ٤٢ (٤٦٢٣) من حديث محمد بن كعب القرظي عن أبي سعيد مرفوعًا، بلفظ الحاكم. وأما حديث ابن عمر فرواه الطبراني ١٢/ ٢٩١ (١٣١٥٠)، وفي «الأوسط» ٥/ ١٦ (٤٥٤٧) عن عبد الله بن محمد العُبادي: نا مسلم بن سالم: نا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن سالم، عن ابن عمر مرفوعًا. قال الهيثمي ٥/ ٩٣: رواه الطبراني في «الأوسط» وفيه: مسلمة بن سالم الجهيني، ويقال: مسلم بن سالم، وهو ضعيف. وقال الألباني في «الضعيفة» (٣٥١٦): إسناده ضعيف جدًّا. وأما حديث أم سلمة فرواه الطبراني ٢٣ (٦٦٧) إلا أنه قال: والصداع -مكان- والضرس. وانظر «الضعيفة» (٣٥١٦). قال الداودي: لا يحلق الشعر وإنما يجعل على الشعر الخطمي وشبهه؛ لتمسك المحاجم. وقال غيره: يحلق وإن قتل الدواب، وذلك كله مباح للضرورة عند مالك. واختلف العلماء في الحجامة للمحرم، فرخص فيها عطاء ومسروق إبراهيم وطاوس والشعبي (١)، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد إسحاق؛ أخذًا بظاهر حديث الباب، وقالوا: ما لم يقطع الشعر (٢). وقال قوم: لا يحتجم المحرم إلا من ضرورة، روي ذَلِكَ عن ابن عمر (٣)، وبه قال مالك (٤). وحجة هذا القول أن بعض الرواة يقول: إن النبي - ﷺ - احتجم؛ لضرر كان به، رواه هشام بن حسان، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - إنما احتجم وهو محرم في رأسه؛ لأذى كان به (٥)، ورواه حميد الطويل عن أنس قال: احتجم رسول الله - ﷺ - من وجع كان به (٦). ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له حلق شيء من شعره حَتَّى يرمي جمرة العقبة يوم النحر إلا من ضرورة، وأنه إن حلقه من ضرورة فعليه الفدية التي قضى بها رسول الله - ﷺ - على كعب بن عجرة (٧)، فإن لم يحلق المحتجم شعرًا فهو كالعرق يقطعه أو الدمل يبطه أو القرحة ينكؤها ولا يضره ذَلِكَ، ولا شيء عليه عند جماعة --------- (١) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٨٨، ١٤٥٩١ - ١٤٥٩٢). (٢) انظر: «البيان» ٤/ ٢٠٥، «المغني» ٥/ ١٢٦. (٣) رواه الشافعي في «المسند» (٨٣٤)، والبيهقي في «المعرفة» ٧/ ١٧٩ (٩٧٣٥). (٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٤٠. (٥) يأتي بهذا الإسناد برقم (٥٧٠٠). (٦) رواه أحمد ٣/ ٢٦٧، وابن خزيمة ٤/ ١٨٧ (٢٦٥٨)، والضياء في «المختارة» ٦/ ٤٤ - ٤٥ (٢٠١٢ - ٢٠١٤) (٧) سلف حديث كعب برقم (١٨١٤). العلماء، وعند الحسن البصري: عليه الفدية (١). وقال ابن التين: الحجامة ضربان، موضع يحتاج إلى حلق الشعر؛ فيفتدي من فعله، والأصل جوازه؛ لهذا الخبر، وفي الفدية قوله تعالى: ﴿فَمَن كاَنَ مِنكُم مَّرِيضًا﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]. وموضع يحتاج إلى حلق في غير الرأس فيفتدي. قال عبد الملك في «المبسوط»: شعر الرأس والجسد سواء، وبه قال أبو حنيفة والشافعي (٢). وقال أهل الظاهر: لا فدية عليه إلا أن يحلق رأسه (٣). فإن كانت في موضع لا يحتاج إلى حلق، فإن كانت لضرورة جازت ولا فدية، وإن كانت لغير ضرورة فمنعه مالك، وأجازه سحنون، وروي نحوه عن عطاء، فإن قلنا: هو ممنوع ففعل لغير ضرورة. قال ابن حبيب: لا فدية عليه. وروى نافع، عن ابن عمر: يفتدي (٤). قال مالك: ويبط المحرم خُراجه، ويفقأ دُمَّله، ويقطع عرقًا إن احتاج إلى ذَلِكَ (٥). وفيه من الفقه: أن للمحرم إذا احتاج إلى إخراج دمه بالاحتجام والفصد ما لم يقطع شعرًا، وأن له العلاج بكل ما عرض له من علة في جسده بما رجي دفع مكروهها عنه من الأدوية بعد أن لا يأتي في ذَلِكَ، ما هو محظور عليه في حال إحرامه، ثم لا يلزمه بكل ما فعل من ذَلِكَ فدية، ولا كفارة، وكذلك لو بط له دملًا، وقلع ضرسًا إن اشتكاه؛ لأن النبي - ﷺ - احتجم في حال إحرامه لحاجته إلى ذَلِكَ ثم --------- (١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٤٦ (١٧٥ - ١٦٧). (٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «الأشراف» لعبد الوهاب ١/ ٢٧٧، «روضة الطالبين» ٣/ ١٣٥. (٣) «المحلى» ٧/ ٢١١. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٧ (١٤٥٩٦). (٥) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٥. لم ينقل عنه ناقل أنه حظر ذَلِكَ على أحد من أمته، ولا أنه افتدى، فبان بذلك أن كل ما كان نظير الحجامة التي هي إخراج الدم من جسده فله فعله، ونظيره قلع الضرس وبط الجرح، وفصد العرق، وقطع الظفر الذي انقلع فتعلق فآذى صاحبه أن على المحرم قلعه، ولا فدية. وقال ابن المنذر: أجمعوا على أن للمحرم أن يزيل عن نفسه ما انكسر من أظفاره، وأجمعوا أنه ممنوع من أخذ أظفاره (١) وذكر عن الكوفيين: أن المحرم إذا أصابه في أظافيره أذى يقصها، وكفر بأي الكفارات شاء. وقال أبو ثور: فيها قولان أحدهما: قول الكوفيين، والثاني: لا شيء عليه بمنزلة الظفر ينكسر (٢). وقال ابن القاسم: لا شيء عليه، وإذا أراد أن يداوي قرحة فلم يقدر على ذَلِكَ إلا أن يقلم أظفاره (٣). قال ابن عباس: إذا أوجعه ضرسه ينزعه، فإن الله لا يصنع بأذاكم شيئًا (٤)، وكذلك إذا انكسر ظفره (٥)، وقاله عطاء إبراهيم وسعيد بن المسيب (٦)، وقال عطاء: ينتقش الشوكة من رجله، ويداوي جرحه. وقال الحسن؛ إن أصابته شجة فلا بأس أن يأخذ ما حولها من الشعر، ثم يداويها بما ليس فيه طيب. --------- (١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٠. (٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ٧٢ - ٧٣، «البيان» ٤/ ٢١٦، «المغني» ٥/ ٣٨٨ - ٣٨٩، «المحلى» ٧/ ٢١٣. (٣) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٥. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٣١ (١٢٧٦٩) بمعناه. (٥) السابق ٣/ ١٢٩ (١٢٧٥٢). (٦) انظر: «المصنف» ٣/ ١٣٠ - ١٣١ (١٢٧٥٦، ١٢٧٥٩، ١٢٧٦٧، ١٢٧٧١). ١٢ - باب تَزْوِيجِ المُحْرِمِ ١٨٣٧ - حَدَّثَنَا أَبُو المُغِيرَةِ عَبْدُ القُدُّوسِ بْنُ الحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. [٤٢٥٨، ٤٢٥٩، ٥١١٤ - مسلم: ١٤١٠ - فتح: ٤/ ٥١] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ. هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، زاد إلبخاري في موضع آخر: وهو في عمرة القضاء، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف (٢)، وقال فيه أيضًا: زاد ابن إسحاق: حَدَّثَني ابن أبي نجيح وأبان بن صالح، عن عطاء ومجاهد، عن ابن عباس: تزوج النبي - ﷺ - وميمونة في عمرة القضاء (٣)، وهذا التعليق أسنده النسائي، عن هناد، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة إلى ابن إسحاق فذكره (٤)، وأسنده الحاكم في «إكليله» من حديث يونس، عن ابن إسحاق، وأخرجه النسائي من حديث عمرو بن علي، عن أبي عاصم، عن عثمان بن الأسود، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - تزوج وهو محرم، قال عمرو: قلت لأبي عاصم: أنت أمليت هذا علينا من الرقعة، ليس فيه عائشة. قال: دع عائشة حَتَّى أنظر فيه (٥). -------- (١) مسلم (١٤١٠) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم. (٢) سيأتي برقم (٤٢٥٨) كتاب: المغازي، باب: غزوة زيد بن حارثة. (٣) يأتي برقم (٤٢٥٩). (٤) النسائي في «الكبرى» ٢/ ٢٣١ (٣٢٠٢). (٥) السابق ٣/ ٢٨٩ (٥٤٠٩). ورواه الطحاوي من حديث أبي الضحى، عن مسروق، عن عائشة: تزوج النبي - ﷺ - بعض نسائه وهو محرم (١). ثم قال: نقلة هذا الحديث كلهم ثقات يحتج برواياتهم (٢). وهو رد على قول ابن عبد البر: ما أعلم أحدًا من الصحابة روى أنه تزوج وهو محرم إلا ابن عباس (٣). ولابن أبي شيبة عن عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن عطاء قال: تزوج النبي - ﷺ - ميمونة وهو محرم. وعن أبي الضحى، عن مسروق أن النبي - ﷺ - تزوج وهو محرم (٤). وللدارقطني من حديث أبي صالح عن أبي هريرة: تزوجها وهو محرم (٥). واختلف العلماء في تزويج رسول الله - ﷺ - بميمونة، فروى ابن عباس: أنه - ﷺ - تزوجها وهو محرم. وروي أنه تزوجها وهو حلال، أخرجاه من حديث ميمونة (٦). قال يزيد بن الأصم: وكانت خالتي --------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٩. ورواه أيضًا النسائي في «الكبرى» ٣/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (٥٤٠٨)، وابن حبان ٩/ ٤٤٠ (٤١٣٢) كتاب: النكاح، باب: حرمة المناكحة، والبيهقي ٧/ ٢١٢ - ٢١٣ كتاب: النكاح، باب: نكاح المحرم، وأعله بالإرسال، قال الحافظ في «الفتح» ٩/ ١٦٦: وهذا ليس بقادح. قال الألباني في «صحيح موارد الظمآن» (١٠٦٣): صحيح لغيره دون قوله الأول: وهو محرم. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٧١. (٣) «التمهيد» ٣/ ١٥٣. (٤) «المصنف» ٣/ ١٤٨ (١٢٩٥٦، ١٢٩٦٤) كتاب: الحج، في المحرم يتزوج، من رخص في ذلك. (٥) الدارقطني ٣/ ٢٦٣، ورواه أيضًا الطحاوي ٢/ ٢٧٠، وصححه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٥٢. (٦) قلت: هذا الحديث لم يخرجه البخاري، بل انفرد به مسلم (١٤١١) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته. وخالة ابن عباس (١). ولأحمد: تزوجني حلالًا وبنى بي حلالًا، واستغربه الترمذي (٢)، وحسن حديث أبي رافع مثله بزيادة: وكنت السفير بينهما (٣)، والروايات في ذَلِكَ متواترة عن أبي رافع مولى رسول الله - ﷺ - (٤)، وعن سليمان بن يسار وهو مولاها (٥)، وعن يزيد بن ---------- (١) مسلم (١٤١١). (٢) الترمذي (٨٤٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة في تزويج المحرم. والحديث رواه مسلم (١٤١١) بإسناد آخر، وانظر «صحيح أبي داود» (١٦١٦). (٣) الترمذي (٨٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم. (٤) رواه الترمذي (٨٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية تزويج المحرم، وأحمد ٥/ ٣٩٢ - ٣٩٣، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ٣٣٧ (٤٦١)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٢٨٨ (٥٤٠٢)، والروياني ٢/ ٤٦٧ (٧٠٣)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٢/ ٢٧٠، وابن حبان ٩/ ٤٣٨ (٤١٣٠)، ٩/ ٤٤٢ - ٤٤٣ (٤١٣٥)، والطبراني ١/ ٣١٠ (٩١٥)، والدارقطني ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣، وأبو نعيم في «الحلية» ٣/ ٢٦٤، والبيهقي ٥/ ٦٦، ٧/ ٢١١، والخطيب في «الموضح» ٢/ ٧٩، وابن عبد البر في «التمهيد» ٣/ ١٥٢، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٢٥٢ (١٩٨٢) من طريق مطر الوراق عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع، به. قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: لا أعلم روى عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة وهو حلال غير مطر الوراق أ. هـ «العلل الكبير» ١/ ٣٧٨، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي». (٥) رواه مالك ١/ ٥٩٢ (١٥٣٦) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في نكاح المحرم، وابن سعد ٨/ ١٣٣، والطحاوي ٢/ ٢٧٠ من طريق ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي - ﷺ -، أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع .. الحديث -هكذا مرسلًا. سئل الدارقطني عن حديث سليمان بن يسار عن أبي رافع أن النبي - ﷺ - تزوج ميمونة حلالًا. = الأصم وهو ابن أختها (١)، وجمهور علماء المدينة يقولون: لم ينكح رسول الله - ﷺ - ميمونة إلا وهو حلال. وروى مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع مولاه ورجلًا من الأنصار فزوجاه ميمونة بنت الحارث، ورسول الله - ﷺ - بالمدينة قبل أن يخرج (٢). ------- = فقال يرويه ربيعة بن أبي عبد الرحمن واختلف عنه فرواه مطر الوراق، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع متصلًا. وكذلك رواه بشر بن السري، عن مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، وخالفه أصحاب مالك فرووه عن مالك، عن ربيعة، عن سليمان أن النبي - ﷺ -، بعث أبا رافع، مرسلًا. وحديث مطر وبشر السري متصلًا، وهما ثقتان. أ. هـ «علل الدارقطني» ٧/ ١٣ - ١٤ (١١٧٥). وقال ابن عبد البر: الحديث رواه مطر الوراق عن ربيعة، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع، وذلك عندي غلط من مطر؛ لأن سليمان بن يسار ولد سنة أربع وثلاثين، وقيل سنة سبع وعشرين، ومات أبو رافع بالمدينة بعد قتل عثمان بيسير. وكان قتل عثمان - رضي الله عنه - في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وغير جائز ولا ممكن أن يسمع سليمان بن يسار من أبي رافع، ومن الممكن أن يسمع سليمان بن يسار من ميمونة، لما ذكرنا من مولده؛ ولأن ميمونة مولاته، ومولاة أخوته أعتقتهم، وولاؤهم لها وتوفيت ميمونة سنة ست وستين، وصلى عليها ابن عباس، فغير نكير أن يسمع منها، ويستحيل أن يخفى عليه أمرها، وهو مولاها، وموضعه من الفقه موضعه. أ. هـ «التمهيد»، ٣/ ١٥١. وقال الحافظ: الحديث تعقبه ابن عبد البر بالانقطاع، بأن سليمان لم يسمع من أبي رافع، ولكن وقع التصريح بسماعه منه في «تاريخ ابن أبي خيثمة» في حديث نزول الأبطح، ورجح ابن القطان اتصاله، ورجح أن مولد سليمان سنة سبع وعشرين، ووفاة أبي رافع سنة ست وثلاثين، فيكون سنه ثمان سنين أو أكثر. أ. هـ. «تلخيص الحبير» ٣/ ٥٠. وانظر: «الإرواء» (١٨٤٩). (١) رواه مسلم (١٤١١) كتاب النكاح. باب: تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته. (٢) «الموطأ» ١/ ٥٩٢ (١٥٣٦) كتاب: النكاح، باب: ما جاء في نكاح المحرم. واختلف الفقهاء في ذَلِكَ من أجل اختلاف الآثار، فذهب أهل المدينة إلى أن المحرم لا ينكح ولا يُنكح غيره، فإن فعل فالنكاح باطل، وروي ذَلِكَ عن عمر وعثمان وابنه أبان وعلي وزيد بن ثابت وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب وسالم وسليمان بن يسار (١) ومالك والليث والأوزاعي والشافعي وأحمد (٢). وفي أفراد مسلم من حديث عثمان بن عفان قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب» (٣)، وأبعد من قال في الاعتذار عن البخاري كونه لم يخرجه (٤): راويان: نبيه وأبان بعن ولم يصرحا بالتحديث (٥)، ففي مسلم التصريح بإخبار أبان بن عثمان. نعم قال أحمد: لم يسمع منه وذهب الثوري والكوفيون؛ إلى أنه يجوز للمحرم أن ينكح وينكح غيره، وهو قول ابن مسعود وابن عباس وأنس، ذكره الطحاوي (٦)، وروي عن القاسم بن محمد والنخعي (٧)، وروي عن معاذ، وحجتهم: حديث ابن عباس وقالوا: الفروج لا تحل إلا بنكاح أو شراء. والأمة ---------- (١) انظرها في: «مسند الشافعي» ٢/ ٢١٨ - ٢١٩، و«المصنف» ٣/ ١٤٩، و«سنن البيهقي» ٥/ ٦٦. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٣٨، «روضة الطالبين» ٣/ ١٤٤، «المغني» ٥/ ١٦٢. (٣) مسلم (١٤٠٩) كتاب: النكاح، باب: تحريم نكاح المحرم وكراهية خطبته. (٤) ورد بهامش الأصل: قال العلائي في «المراسيل»: ذكر ابن أبي حاتم في «المراسيل» عن أبي بكر الأثرم أنه سأل أحمد بن حنبل: أبان سمع من أبيه؟ قال: لا، من أين سمع منه. انتهى. وفي «صحيح مسلم» التصريح بسماعه من عثمان غير مرة، وكذا صرح بالإخبار أيضا. (٥) ورد بهامش الأصل: يعني ابن وهب فإنه يرويه عن أبان وفي «صحيح مسلم» التصريح بسماعه منه في الحديث نفسه. (٦) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢، ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٨. (٧) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٨ (١٢٩٥٨ - ١٢٩٥٩). مجمعة على أن المحرم يملك ذَلِكَ بشراءٍ وهبة وميراث في حال إحرامه، ولا يبطل ملكه، فكذلك إذا ملكه بنكاح لا يبطل ملكه قياسًا على الشراء، قاله الطبري، قال: والصواب عندنا أن نكاح المحرم فاسد يجب فسخه؛ لصحة الخبر عن عثمان، عن النبي - ﷺ - بالنهي عن ذَلِكَ (١)، وخبر ابن عباس: أنه - عليه السلام - تزوجها وهو محرم، فقد عارضهم فيه غيرهم من الصحابة، وقالوا: تزوجها وهو حلال فلم يكن قول من قال تزوجها وهو محرم أولى بالقبول من الآخر. وقد قال سعيد بن المسيب: وَهِم ابن عباس -وإن كانت خالته- ما تزوجها إلا بعدما أحل (٢). قال ابن عُلية: حَدَّثَنَا أيوب قال: أنبئت أن الاختلاف إنما كان في نكاح رسول الله - ﷺ - ميمونة، أن رسول الله - ﷺ - بعث العباس بين يديه؛ لينكحها إياه فأنكحه، قال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم (٣)، وقال بعضهم: بعدما أحرم. وقد ثبت أن عمر وعليًّا وزيدًا فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته (٤)، ولا يكون هذا إلا عن صحة ويقين. وأما قياسهم النكاح على الشراء فإن الذين أفسدوا نكاح المحرم لم يفسدوه من جهة القياس والاستنباط فتلزمهم المقاييس والأشباه، وإنما أفسدوه من جهة الخبر الوارد بالنهي عنه فالذي ينبغي لمخالفيهم أن يناظروهم من جهة الخبر، فإن ثبت لزمهم التسليم له، وإن بطل ------- (١) رواه مسلم (١٤٠٩). (٢) رواه البيهقي ٧/ ٢١٢. (٣) حديث عمر رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤٦٣ (١١٧٨)، والدارقطني ٣/ ٢٦٠، والبيهقي ٧/ ٢١٣، وصححه الألباني في «الإرواء» (١٠٣٨). (٤) وحديث علي وزيد رواهما البيهقي ٧/ ٢١٣. صاروا حينئذٍ إلى استخراج الحكم فيه من الأمثال والأشباه، فأما والخبر ثابت بالنهي عن ذَلِكَ فلا وجه لمقايسة فيه. وفي «طبقات ابن سعد» عن ميمون بن مهران قال: كنت جالسًا عند عطاء فسأله رجل: هل يتزوج المحرم؟ فقال عطاء: ما حرم الله النكاح منذ أحله. قال ميمون: فذكرت له حديث يزيد بن الأصم: تزوجها وهو حلال -يعني:- ميمونة. فقال عطاء: ما كنا نأخذ هذا إلا عن ميمونة، وكنا نسمع أنه تزوجها وهو محرم، وعن الشعبي: أنه - عليه السلام - تزوجها وهو محرم، وعن مجاهد وأبي يزيد المديني: أنه - عليه السلام - تزوجها وهو محرم (١). قال ابن أبي شيبة: وممن كان لا يرى بأسًا أن يتزوج المحرم: إبراهيم النخعي والقاسم بن محمد والحكم وحماد وعطاء وعبد الله بن عباس وإبراهيم، عن ابن مسعود مثلهم (٢). وذكر الطحاوي عن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، وقال: سألت أنس بن مالك عن نكاح المحرم فقال: ما به بأس، هل هو إلا كالبيع؟! (٣) وذكره ابن حزم أيضًا عن معاذ بن جبل وعكرمة وسفيان -وهو قول أبي حنيفة- قال: وصح عن عمر بن الخطاب، وزيد بن ثابت فسخ نكاح المحرم إذا نكح (٤). روى مالك في «الموطأ» عن أبي غطفان بن طريف أن أباه تزوج امرأة وهو محرم فرد عمر نكاحه (٥)، قال: وصح عن ابن عمر من طريق حماد بن ---------- (١) «طبقات ابن سعد» ٨/ ١٣٤، ١٣٦ - ١٣٧. وقد روى الآثار المذكورة بسنده. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٤٨ (١٢٩٥٧ - ١٢٩٥٩) كتاب: الحج، في المحرم يتزوج، من رخص في ذلك. (٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٧٣ كتاب: المناسك، باب: نكاح المحرم. (٤) «المحلى» ٧/ ١٩٨. (٥) «الموطأ» ص ٢٢٩. ![]()
__________________
|
|
#353
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 421 الى صـــ 440 الحلقة (353) سلمة، عن أيوب، عن نافع عنه أنه قال: المحرم لا ينكح ولا ينكح، ولا يخطب على نفسه، ولا على سواه. وروينا عن علي: لا يجوز نكاح المحرم، وإن نكح نزعنا منه امرأته (١)، وهو قول ابن شهاب وابن المسيب (٢)، وبه يقول مالك والشافعي وأبو سليمان، وأصحابهم محتجين بحديث ميمونة (٣)، وقد سلف. قال ابن حزم: يقول من أجاز نكاح المحرم: لا يعدل يزيد بن الأصم الأعرابي بابن عباس، قالوا: وقد يخفي على ميمونة كونه - عليه السلام - محرمًا، فالمخبر بكونه كان محرمًا معه زيادة علم. وخبر ابن عباس وارد بزيادة حكم فهو أولى، وقالوا في خبر عثمان: معناه لا يوطئ غيره ولا يطؤه ليس بشيء. وأما تأويلهم في خبر عثمان فقد بينه قوله: «ولا يخطب» فصح أنه أراد النكاح الذي هو العقد، وأما ترجيحهم ابن عباس على يزيد فنعم، والله لا يقرن يزيد بعبد الله ولا كرامة، وهذا تمويه منهم؛ لأن يزيد إنما رواه عن ميمونة، وروى أصحاب ابن عباس عن ابن عباس، فليسمعوا الآن إلى الحق، ونحن لا نقرن، ابن عباس (صغير) (٤) من الصحابة إلى ميمونة أم المؤمنين، ولكن نعدل يزيد إلى أصحاب ابن عباس، ولا نقطع بفضلهم (٥). قلت: إن كان يزيد رواه عن خالته، فابن عباس يجوز أن يرويه عن رسول الله - ﷺ -، أو يرويه عن أبيه الذي ولي عقدة النكاح بمشهد من -------- (١) رواه البيهقي ٥/ ٦٦، ٧/ ٢١٣. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٩ (١٢٩٧٤ - ١٢٩٧٦). (٣) «المحلى» ٧/ ١٩٩. (٤) كذا بالأصل، وفي «المحلى» (٧/ ١٩٩): صبيًّا. (٥) المصدر السابق. عبد الله ومرأى، أو رواه عن خالته المرأة العاقلة، فقدمت روايته على رواية يزيد؛ لاختصاصه وضبطه وعلمه، وقد أسلفنا لعبد الله متابعين وليس ليزيد عن خالته بمتابع. وقال المروذي: سألت أحمد عن نكاح المحرم فقال: أذهب فيه إلى حديث عثمان، قلت: إن أبا ثور قال لي: بأي شيء تدفع حديث ابن عباس. فقال: الله المستعان (١). قال (٢): وأما قولهم: قد يخفي على ابن عباس إحلال رسول الله - ﷺ - من إحرامه، فالمخبرة بكونه قد أحل زائدة علمًا. وأما قولهم: خبر ابن عباس وارد لحكم زائد، فليس كذلك، بل خبر عثمان هو الزائد الحكم، فبقي أن نرجح خبر عثمان وخبر ميمونة على خبر ابن عباس، فنقول: خبر يزيد عنها هو الحق، وقول ابن عباس وَهَمٌ لا شك فيه؛ لوجوه: أولها: أنها هي أعلم بنفسها منه. ثانيها: أنها كانت إذ ذاك امرأة كاملة، وكان ابن عباس يومئذٍ ابن عشرة أعوام وأشهر، فبين الضبطين فرق لا يخفي. ثالثها: أنه إنما تزوجها في عمرة القضاء، هذا ما لا يختلف فيه اثنان، ومكة يومئذٍ دار حرب، وإنما هادنهم على أن يدخلها معتمرًا، ويبقى فيها ثلاثة أيام فقط ثم يخرج، فأتى من المدينة محرمًا بعمرة ولم يقدم شيئًا، إذ دخل على الطواف والسعي، وتم إحرامه في الوقت، ولم يشك أحدٌ في أنه صح إنما تزوجها بمكة حاضرًا لها ---------- (١) أورد الرواية شيخ الإسلام في «شرح العمدة» ٢/ ١٩٥. وفيها: أذهب إلى حديث نبيه بن وهب. (٢) القائل هو ابن حزم. لا بالمدينة، فصح أنها بلا شك إنما تزوجها بعد تمام إحرامه، لا في حال طوافه وسعيه، فارتفع الإشكال جملة، وبقي خبر عثمان وميمونة لا معارض لهما، ثم لو صح خبر ابن عباس بيقين، ولم يصح خبر ميمونة لكان خبر عثمان هذا الزائد الوارد بحكم لا يحل خلافه؛ لأن النكاح قد أباحه الله في كل حال، ثم لما أمر رسول الله - ﷺ - أن لا ينكح المحرم كان بلا شك ناسخًا للحال المتقدمة من الإباحة، لا يمكن غير ذَلِكَ أصلًا، وكان خبر ابن عباس منسوخًا بلا شك؛ لموافقته للحال المنسوخة بيقين (١). قلت: روى مالك، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار أن رسول الله - ﷺ - بعث أبا رافع ورجلًا من الأنصار يزوجانه ميمونة، ورسول الله - ﷺ - بالمدينة قبل أن يخرج (٢)، وهذا يبعد احتمال أنهما زوجاه إياها وهو متلبس بالإحرام في طريقه إلى مكة، ولما حل بني بها كما سبق عن أبي رافع: وكنت السفير بينهما. لأنه لم يطلع إلا على حال باشرها بنفسه؛ لأنه فارق رسول الله - ﷺ - وهما حلالان، فجاء بالزوجة إليه وهما حلالان، ولم يتعرض لما بين ذَلِكَ؛ إذ قوله بالمدينة قبل أن يخرج، صريح في خلاف ذَلِكَ، وأنه حلال؛ لأنه لم يحرم إلا بعد خروجه من المدينة. وفي «الطبقات»: أنهما أضلَّا بعيريهما إلى أن قدم رسول الله - ﷺ - فمشى إلى بيت العباس، فأنكحه إياها (٣). وذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب: خرج رسول الله - ﷺ - معتمرًا في ذي القعدة، فلما بلغ موضعًا ذكره، بعث جعفر بن أبي طالب بين يديه ----------- (١) «المحلى» ٧/ ٢٠٠ بتصرف. (٢) «الموطأ» ص ٢٢٩. (٣) «الطبقات الكبرى» ٨/ ١٣٢. إلى ميمونة يخطبها عليه، فجعلت أمرها إلى العباس، فزوجها منه (١)، وقد أوضح ذَلِكَ أبو عبيدة في كتاب «الزوجات»: توجه رسول الله - ﷺ - إلي مكة معتمرًا سنة سبعٍ، وقدم جعفرًا يخطب عليه ميمونة، فجعلت أمرها إلى العباس، فأنكحها رسول الله - ﷺ - وهو محرم، وبنى بها بسرف وهو حلال. وأجاب بعض أصحابنا فقال: المراد وهو محرم، أي: في الحرم وهو حلال؛ لأنه يقال لمن هو في الحرم: محرم، وإن كان حلالًا، وهي لغة شائعة معروفة، ومنه البيت المشهور: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا (٢) وعورض بأن كسرى قتل بالمدائن من بلاد فارس. وقد قال الشاعر: قتلوا كسرى بليل محرمًا (٣) أو أراد بمحرم: في الأشهر الحرم. وأجيب أيضًا: بأنه تعارض معنى قوله وفعله، وفيها الخلاف المشهور في الأصول، والراجح القول؛ لتعديه والفعل قد يكون مقصورًا عليه. وثم جواب آخر وهو: أن ذَلِكَ من خصائصه على الأصح، وقد روى الدارقطني من حديث أبي الأسود ومطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه - عليه السلام - تزوجها وهو حلال، لكن قال: تفرد به محمد بن عثمان بن مخلد، عن أبيه، عن سلام أبي المنذر، وهو --------- (١) انظر: «التمهيد» ٣/ ١٥٩. (٢) «البداية والنهاية» ٤/ ٦٢٤. (٣) «البداية والنهاية» ٤/ ٦٦٣. غريب عن مطر (١) وضعيف. وأجاب بعضهم عن حديث ابن عباس بأنه قد يكون أخذ في ذَلِكَ بمذهبه أنه من قلد هديه صار محرمًا بالتقليد، فلعله علم بحاله بعد أن قلد الشارع هديه. فرع: خطبته مكروهة كراهة تنزيه؛ للحديث السالف. فرع: يجوز له رجعتها على الأصح، وبه قال مالك وأبو حنيفة، وخالف أحمد فيه (٢). --------- (١) سنن الدارقطني ٣/ ٢٦٣. ورواه الطبراني ١١/ ٣٣٤ (١١٩٢٢)، والخطيب ٤/ ٣٣٤ من طريق مطر الوراق عن عكرمة، به. (٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في التاسع بعد الثلاثين. كتبه مؤلفه. ١٣ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الطِّيبِ لِلْمُحْرِمِ وَالمُحْرِمَةِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَا تَلْبَسُ المُحْرِمَةُ ثَوْبًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ. ١٨٣٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ». تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ. فِي النِّقَابِ وَالقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلَا وَرْسٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ. [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤/ ٥٢] ١٨٣٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: وَقَصَتْ بِرَجُلٍ مُحْرِمٍ نَاقَتُهُ، فَقَتَلَتْهُ، فَأُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «اغْسِلُوهُ، وَكَفِّنُوهُ، وَلَا تُغَطُّوا رَأْسَهُ، وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٤/ ٥٢] حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَاذَا تَأْمُرُنَا أَنْ نَلْبَسَ مِنَ الثِّيَابِ فِي الإِحْرَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تَلْبَسُوا القَمِيصَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا البَرَانِسَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ لَيْسَتْ لَهُ نَعْلَانِ، فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْ أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ، وَلَا الوَرْسُ، وَلَا تَنْتَقِبِ المَرْأَةُ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ». تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ، وَجُوَيْرِيَةُ، وَابْنُ إِسْحَاقَ. فِي النِّقَابِ وَالقُفَّازَيْنِ. وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلَا وَرْسٌ، وَكَانَ يَقُولُ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ، وَلَا تَلْبَسِ القُفَّازَيْنِ. وَقَالَ مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا تَتَنَقَّبِ المُحْرِمَةُ. وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ. ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ في الذي وقصته ناقته. وفيه: «وَلَا تُقَرِّبُوهُ طِيبًا، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يُهِلُّ». الشرح: أما تعليق عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير، ثَنَا مغيرة، عن إبراهيم، عنها أنها قالت: يكره للمحرم الثوب المصبوغ بالزعفران والمشبع بالعصفر للرجال والنساء إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا (١). وحَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عنها قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا المهرود بالعصفر (٢). وقد سلف في باب: ما يلبس المحرم من الثياب (٣)، ورواه البيهقي من حديث معاذة عنها، قالت: المحرمة تلبس من الثياب ما شاءت إلا ثوبًا مسه ورس أو زعفران (٤). وأما حديث ابن عمر فسلف في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب وغيره (٥)، وأصل حديث موسى بن عقبة سلف هناك، وقد رواها النسائي ------- (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٦٤ (١٣١٢٦) كتاب: الحج، الثوب المصبوع بالورس والزعفران. (٢) السابق ٣/ ١٤٠ (١٢٨٧٤) من رخص في المعصفر للمحرمة. (٣) قبل حديث (١٥٤٥). (٤) البيهقي ٥/ ٤٧. (٥) سلف برقم (١٥٤٢). عن سويد بن نصر، عن عبد الله بن المبارك، عن موسى (١)، وقال أبو داود: روى هذا الحديث حاتم بن إسماعيل ويحيى بن أيوب عن موسى مرفوعًا، ورواه عبيد الله بن عمر ومالك وأيوب وأبو قرة موقوفًا، ورواه إبراهيم بن سعيد المدني، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ -: «المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين» (٢)، قال أبو عمر: ورفعه صحيح (٣). ومتابعة جويرية أخرجها أبو يعلى أحمد بن علي الموصلي: حَدَّثَنَا عبد الله بن محمد بن أسماء، نا عمي جويرية بن أسماء، ثَنَا نافع، فذكره (٤). ومتابعة ابن إسحاق أخرجها الحاكم من حديث يعقوب بن إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن ابن إسحاق، حَدَّثَني نافع به، مرفوعًا (٥)، وكذا ذكره ابن حزم بلفظ: نهى النساء في إحرامهن عن القفازين والنقاب .. الحديث بطوله (٦). قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم (٧). وهو في أبي داود لكن بعنعنة ابن إسحاق (٨)، وقد صرح هنا بالتحديث فانتفت تهمة تدليسه. وقول الضياء المقدسي: كأنه لم يسمعه منه، يرده ما ذكرناه، ------- (١) النسائي ٥/ ١٣٥ - ١٣٦. (٢) «سنن أبي داود» ٢/ ٤١١ - ٤١٢ (١٨٢٥) كتاب: المناسك، باب: ما يلبس المحرم. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٦٠١ - ١٦٠٢). (٣) «التمهيد» ١٥/ ١٠٦. (٤) «مسند أبي يعلى» ١٠/ ١٨٩ - ١٩٠ (٥٨١٨). (٥) «المستدرك» ١/ ٤٨٦. (٦) «المحلى» ٧/ ٧٩. (٧) «المستدرك» ١/ ٤٨٦. (٨) أبو داود (١٨٢٣). وقد وقع مصرحًا بالتحديث في بعض نسخ أبي داود من طريق ابن الأعرابي وغيره. وقوله: (وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: وَلَا وَرْسٌ)، وصله الحسن بن سفيان: أخبرنا العباس بن الوليد، ثنا يحيى القطان: ثَنَا عبيد الله بن عمر، عن نافع، فذكره. وأثر نافع عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة، سلف في كلام أبي داود، وأخرجه الترمذي من حديث الليث بن سعد، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «لا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين» ثم قال: حسن صحيح (١). وروى ابن أبي شيبة، حَدَّثَنَا وكيع، عن فضيل بن غزوان، عن نافع، عن ابن عمر: أنه كره البرقع والقفاز للمحرمة. وحَدَّثَنَا أبو خالد، عن يحيى بن سعيد، وعبد الله، عن نافع، عن ابن عمر قال: لا بأس بالقفازين (٢). وذكر ليثًا هنا في المتابعة، وحديث ابن عباس سلف في الجنائز (٣). والقفاز شيء يعمل لليدين؛ ليقيهما من البرد يحشى بقطن ويكون له أزرار على الساعدين، قاله الجوهري وغيره (٤)، ويتخذه الصائد أيضًا، وهو أيضًا ضربٌ من الحلي، قاله ابن سيده وغيره، وتقفزت المرأة: نقشت يديها ورجليها بالحناء (٥). ---------- (١) «سنن الترمذي» (٨٣٣) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيما لا يجوز للمحرم لبسه. (٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٧٢. (٣) سلف برقم (١٢٦٥) باب: الكفن في ثوبين. (٤) «الصحاح» ٣/ ٨٩٢ مادة [قفز]. (٥) «المحكم» ٦/ ١٥٩. والورس: نبت يصبغ به، قال أبو حنيفة الدينوري: يزرع باليمن زرعًا، ولا يكون بغير اليمن، ولا يكون شيءٌ منه بريًا، ونباته مثل حب السمسم، فإذا جف عند إدراكه تفتق فينفض منه الورس، ويزرع سنة فيجلس عشر سنين. أي: يقيم في الأرض ينبت ويثمر، وفيه جنس يسمى الحبشي وفيه سواد، وهو أكبر الورس، والعرعر: ورس، والرمث ورس. قال أبو حنيفة: لست أعرفه بغير أرض العرب ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن. قال الأصمعي: ثلاثة أشياء لا تكون إلا باليمن، وقد ملأت الأرض؛ الورس، واللبان، والعصب. وقال ابن البيطار في «جامعه»: يؤتى بالورس من الصين والهند واليمن، وليس بنبات يزرع كما زعم من زعم، وهو يشبه زهر العصفر، ومنه شيء يشبه البنفسج، ويقال: إن الكركم عروقه. وقال الفضل بن سلمة في كتاب «الطب»: يقال: إن الكركم عروق الزعفران، والزعفران قال أبو حنيفة: لا أعلم ينبت بشيء من أرض العرب، وقد كثر مجيئه في كلامهم وأشعارهم، وقد زعم قوم أنه اسم أعجمي، وقد صرفته العرب. فقالوا: ثوب مزعفر، وقد زعفر ثوبه يزعفره زعفرةً، والعبير عند العرب: الزعفران والخلوق، وقال مؤرج: يقال لورق الزعفران: الفيد. وبه سمي مؤرج أبا فيد. وفي «المحكم»: جمعه بعضهم وإن كان جنسًا: زعافر (١). وقال الجوهري: كترجمان وتراجم (٢). وقد سبق فقه الباب: في باب ما لا يلبس المحرم من الثياب. ------------- (١) «المحكم» (٢/ ٣١٨). (٢) «الصحاح» ٢/ ٦٧٠ مادة (زعفر). قال الطحاوي: ذهب قوم إلى هذِه الآثار فقالوا: كل ثوب مسه ورس أو زعفران فلا يحل لبسه في الإحرام وإن غسل؛ لأن النبي - ﷺ - لم يبين في هذِه الآثار ما غسل من ذَلِكَ مما لم يغسل، فنهيه عام، وخالفهم في ذَلِكَ آخرون فقالوا: ما غسل من ذَلِكَ حَتَّى لا ينفض فلا بأس بلبسه في الإحرام؛ ولأن الثوب الذي صبغ إنما نهي عن لبسه في حال الإحرام، لما كان دخله مما هو (حرام) (١) على المحرم، فإذا غسل وذهب ذلك المعنى منه عاد الثوب إلى أصله الأول، كالثوب الذي تصيبه النجاسة، فإذا غسل طهر وحلت الصلاة فيه (٢). قال ابن المنذر: وممن رخص في ذَلِكَ سعيد بن المسيب والنخعي والحسن البصري وعطاء وطاوس، وبه قال الكوفيون والشافعي وأبو ثور، وكان مالك يكره ذَلِكَ إلا أن يكون قد غسل وذهب لونه. قال الطحاوي: وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه استثنى مما حرمه على المحرم من ذَلِكَ فقال: «إلا أن يكون غسيلًا» ثم قال: حدثناه فهد، ثنا يحيى بن عبد الحميد، ثنا أبو معاوية، ثنا ابن أبي عمران، ثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، عن أبي معاوية، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺبمثل حديثه الذي في الباب- قال: فثبت بهذا استثناء الغسيل مما قد مسه ورس أو زعفران. قال ابن أبي عمران: رأيت يحيى بن معين يتعجب من الحماني إذ حدث بهذا الحديث، وقال عبد الرحمن بن صالح: هذا عندي، فوثب ------- (١) في (م): حلال. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٧. من فوره فجاء بأصله فأخرج منه هذا الحديث عن أبي معاوية، كما ذكره الحماني فكتبه عنه يحيى بن معين (١). قال الميموني: قال أبو عبد الله: إن كان قاله النبي - ﷺ -. ثم قال: كان -يعني: أبا معاوية- مضطرب في أحاديث عبيد الله، ولم يجئ بها أحد غيره «إلا أن يكون غسيلًا» (٢). وقال ابن حزم: إن صح وجب الوقوف عنده ولا نعلمه صحيحًا (٣)، والحديث دال على أن المرأة لا تلبس القفازين؛ ولأن اليد عضو لا يجب على المرأة ستره في الصلاة فلا يجوز لها ستره في الإحرام كالوجه، فإحرامها في وجهها ويديها؛ لأن ما عداهما عورة، والوجه مختص بالنقاب، والكفان بالقفازين، وللشافعي قول آخر: أنه يجوز؛ لأن سعد بن أبي وقاص كان يأمر بناته بلبسهما في الإحرام، رواه في «الأم» (٤). ---------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٧. (٢) ومذهب الإمام أحمد: أن المحرم لا يلبس شيئًا فيه طيب، أو مسه ورس أو زعفران. انظر: «مسائل أبي داود لأحمد» (٧٢١)، و«مسائل ابن هانئ لأحمد» (٧٦٨، ٧٨٢، ٧٨٣)، «شرح العمدة» لشيخ الإسلام ٢/ ٨٣. (٣) «المحلى» ٧/ ٨٠. (٤) «الأم» ٢/ ٢٠٣. ١٤ - باب الاِغْتِسَالِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يَدْخُلُ المُحْرِمُ الحَمَّامَ. وَلَمْ يَرَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ بِالحَكِّ بَأْسًا. ١٨٤٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حُنَيْنٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ العَبَّاسِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ. وَقَالَ المِسْوَرُ: لَا يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأْسَهُ. فَأَرْسَلَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ إِلَى أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ، فَوَجَدْتُهُ يَغْتَسِلُ بَيْنَ القَرْنَيْنِ، وَهُوَ يُسْتَرُ بِثَوْبٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَقَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَقُلْتُ: أَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ حُنَيْنٍ، أَرْسَلَنِي إِلَيْكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ العَبَّاسِ، أَسْأَلُكَ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ؟ فَوَضَعَ أَبُو أَيُّوبَ يَدَهُ عَلَى الثَّوْبِ، فَطَأْطَأَهُ حَتَّى بَدَا لِي رَأْسُهُ ثُمَّ قَالَ لإِنْسَانٍ يَصُبُّ عَلَيْهِ: اصْبُبْ. فَصَبَّ عَلَى رَأْسِهِ، ثُمَّ حَرَّكَ رَأْسَهُ بِيَدَيْهِ فَأَقْبَلَ بِهِمَا وَأَدْبَرَ وَقَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُهُ - ﷺ - يَفْعَلُ. [مسلم: ١٢٠٥ - فتح: ٤/ ٥٥] ثم ذكر حديث زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الله بْنِ حُنَيْنِ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسِ، وَالمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ اخْتَلَفَا بِالأَبْوَاءِ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ: يَغْسِلُ المُحْرِمُ رَأسَهُ .. الحديث. وقد أخرجه مسلم أيضًا (١). و(الأبواء) بالمد سلف قريبًا، و(المسور) صحابي ابن صحابي، واختلافهما هو في الغسل، والاختلاف في مذاكرة العلم، والظاهر من إرسال ابن عباس إلى أبي أيوب يسأله عن غسل رسول الله - ﷺ - رأسه وهو محرم، أن ابن عباس علم أن عند أبي أيوب من ذَلِكَ --------- (١) مسلم (١٢٠٥) كتاب: الحج، باب: جواز غسل المحرم رأسه. علمًا، وفي إرساله عبد الله بن حنين أن الصاحب ينقل عن التابعي. و(القرنان): العمودان بجنب البئر عليهما البكرة يستقى عليهما، فإن كانا من خشب فهما زرنوقان. وفيه: ستر المغتسل بثوب ونحوه، والبداءة بالسلام عليه وإن كان في حالة تجتنب مكالمته، ويغض البصر عنه، وأرسله للعلم بالغسل فسأل عن الكيفية؛ لأنه ناشئ عن الغسل، ولعل اختلافهما كان في غسل التطوع أو فيما زاد على الفرض من إمرار اليد، ولعل المسور إنما أنكره، خشية من قتل الدواب في الرأس وإزالة الشعث، وليس في إمرار اليد على الرأس قتل لها ولا إزالتها عن موضعها إلا في مثل الصب عليها. وفيه: أن الصحابة إذا اختلفوا لم تكن الحجة في قول أحد منهم إلا بدليل يجب التسليم له من كتاب أو سنة، كما نزع أبو أيوب بالسنة، ففلج (١) ابن عباس المسور. وفيه: التناظر في المسائل والتحاكم فيها إلى الشيوخ العالمين بها. وقوله في الترجمة: (ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا) يعني: حك جلده إذا أكله، وقال عطاء: يحك الجنب في جسده وإن أدماه. وقد اختلف العلماء في غسل المحرم رأسه، فذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه لا بأس بذلك (٢)، ورويت الرخصة في ذَلِكَ عن عمر بن الخطاب وابن عباس -------- (١) في «المعجم الوسيط» (٢/ ٧٠٦): يقال: فلج بحاجته وبحجته: أحسن الإدلاء بها، فغلب خصمه. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١١٢، «البيان» ٤/ ٢٠٤، «المغني» ٥/ ١١٧. وجابر (١)، وعليه الجمهور وحجتهم حديث الباب، وكان مالك يكره ذَلِكَ للمحرم، وذكر أن عبد الله بن عمر كان لا يغسل رأسه إلا من الاحتلام (٢)، قال مالك: فإذا رمى جمرة العقبة فقد حل له قتل القمل وحلق الشعر وإلقاء التفث، وهذا الذي سمعت من أهل العلم (٣). وروي عن سعد بن عبادة مثل قول مالك، وكان أشهب وابن وهب يتغاطسان في الماء وهما محرمان مخالفة لابن القاسم، وكان ابن القاسم يقول: إن غمس رأسه في الماء أطعم شيئًا من طعام خوفًا من قتل الدواب، ولا يجب الفداء إلا بيقين، وغير ذَلِكَ استحباب. ولا بأس عند جميع أصحاب مالك أن يصب المحرم على رأسه الماء لحر يجده (٤). قال أشهب: لا أكره غمس المحرم رأسه في الماء، وما يخاف في الغمس ينبغي أن يخاف مثله في صب الماء على الرأس من الحر، وقد قال عمر بن الخطاب ليعلى بن (أمية) (٥) -حين كان عمر يغسل رأسه ويعلى يصب عليه-: أصبب فلن يزيده الماء إلا شعثًا (٦)، يعني: إذا --------- (١) عن عمر رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤٠٩ (١٠٣٤)، وعن ابن عباس هو حديث الباب، وعن جابر رواه البيهقي ٥/ ٥٤. (٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤١٠ (١٠٣٦). (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٩٥. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٢٦. (٥) في الأصل: منيه، والصواب ما أثبتناه. (٦) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢١٥ عن عطاء بن أبي رباح أن عمر بن الخطاب قال ليعلى بن أمية .. الحديث. قال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٢١١: رجاله ثقات رجال الشيخين إلا أنه منقطع بين عطاء وعمر أ. هـ = لم يغسل بغير الماء. ألا ترى فعل أبي أيوب حين صب على رأسه الماء حركه بيديه، ولم ير ذَلِكَ مما يذهب الشعث، ومثله قوله - عليه السلام - لعائشة: «انقضي رأسك في غسلك وامتشطي» (١) أي: أمشطيه بأصابعك وخلليه بها فإن ذَلِكَ لا يذهب الشعث، وإن شعثه لا يمنعك من المبالغة في غسل رأسك؛ لأن الماء لا يزيده إلا شعثًا. وابن عباس أفقه من المسور؛ لموافقة النبي - ﷺ - وأصحابه، قاله ابن أبي صفرة، ونقل ابن التين عن مالك أن انغماس المحرم فيه محظور. وروي عن ابن عمر وابن عباس إجازته، وأما إن غسل رأسه بالخطمي والسدر فإن الفقهاء يكرهونه، هذا قول مالك وأبي حنيفة والشافعي، وأوجب مالك وأبو حنيفة عليه الفدية. وقال الشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه (٢)، وقد رخص عطاء وطاوس ومجاهد لمن لبَّد رأسه فشق عليه الحلق أن يغسل بالخطمي حَتَّى يلين (٣)، وكان ابن عمر يفعل ذَلِكَ (٤). قال ابن المنذر: وذلك جائز؛ لأنه - عليه السلام - أمرهم أن يغسلوا الميت --------- = ووصله الشافعي ٢/ ٢١٥ (٨٦١)، وكذا البيهقي ٥/ ٦٣ من طريق سعيد بن سالم عن ابن جريج: أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره عن أبيه يعلى بن أمية أنه قال: بينما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يغتسل إلى بعير .. الحديث. قال الألباني في «الإرواء» ٤/ ٢١١: هذا إسناد جيد، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير سعيد بن سالم، قال الحافظ في «التقريب»: صدوق يهم، رمي بالإرجاء، وكان فقيها. أ. هـ وصححه بمجموع طريقيه: انظر: «الإرواء» (١٠٢٠). (١) سلف برقم (١٥٥٦) كتاب: الحج، باب: كيف تهل الحائض. (٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٤، «المدونة» ١/ ٣٠٩، «البيان» ٤/ ٢٠٤. (٣) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٠ (١٤٩٠٣). (٤) ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤١ (١٤٩٠٦). المحرم بماء وسدر، وأمرهم أن يجنبوه ما يجنب المحرم الحي، فدل ذَلِكَ على إباحة غسل رأس المحرم بالسدر والخطمي، وما في معناه، وأجاز الكوفيون والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق للمحرم دخول الحمام (١). وقال مالك: إن دخله فتدلك وأنقى الوسخ فعليه الفدية (٢). -------- (١) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٤، «روضة الطالبين» ٣/ ١٣٣. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٢٦. ١٥ - باب لُبْسِ الخُفَّيْنِ لِلْمُحْرِمِ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ ١٨٤١ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ». لِلْمُحْرِمِ. [انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٧] ١٨٤٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه -: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ فَقَالَ: «لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العَمَائِمَ، وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٤/ ٥٧] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ السَرَاوِيلَ». لِلْمُحْرِمِ. وحديث عَبْدِ اللهِ: سُئِلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ .. الحديث. وقد سبقا (١). ------------ (١) حديث ابن عباس الأول سلف برقم (١٧٤٠) كتاب: الحج، باب: الخطبة أيام منى. وحديث ابن عمر الثاني سلف برقم (١٣٤) كتاب: الوضوء، باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله. ١٦ - باب إِذَا لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ ١٨٤٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِعَرَفَاتٍ فَقَالَ: «مَنْ لَمْ يَجِدِ الإِزَارَ فَلْيَلْبَسِ السَّرَاوِيلَ، وَمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ». [انظر: ١٧٤٠ - مسلم: ١١٧٨ - فتح: ٤/ ٥٨] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ المذكور. وقد اختلف العلماء إذا احتاج إلى لبس الخفين عند عدم النعلين، وقطعهما فقال مالك والشافعي: لا فدية عليه، وأخذا بحديث ابن عمر. وقال أبو حنيفة: عليه الفدية (١). وهو خلاف الحديث، واحتج أصحابه: بأنه - عليه السلام - أباح له لبس السراويل عند عدم الإزار، وذلك يوجب فيه الفدية، فيقال: أمرنا بالقطع كما سلف؛ ليصير في معنى النعلين التي لا فدية في لبسهما، ولم نؤمر بفتق السراويل؛ لئلا تنكشف العورة فبقي في حكم القميص المخيط، ولو أمر بفتقه لصار في معنى الخف إذا قطع. والحجة للمانع الأمر بقطعهما حَتَّى يكونا أسفل من الكعبين فلو وجبت مع قطعهما، وتركهما لم يكن لقطعهما فائدة؛ لأنه إتلاف من غير فائدة، وإنما قطعهما؛ ليصيرا في معنى النعلين حَتَّى لا تجب فدية، ولا يدخل فيجبر بهما، ولو وجبت بلبسه بعد القطع كما تجب بلبسه قبله لم يأمره - عليه السلام - بالقطع؛ لأن لبسه بعد القطع كلبسه قبله، فلما جوز له لبسه بعد القطع، ولم يجوزه قبله علم أنه إذا لبسه بعد -------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٥، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٥، «البيان» ٤/ ١٥٣. القطع كان مخالفًا لحكمه إذا لبسه قبل القطع في الفدية. واعلم أن حديث ابن عمر وكذا جابر مطلق، وحديث ابن عباس مقيد (١)، ورجع ابن حزم وغيره إلى رواية ابن عمر. قال ابن حزم: حديث ابن عمر فيه زيادة لا يحل خلافها (٢). وقال ابن عبد البر: المصير إلى روايته أولى (٣)، والمشهور عن أحمد أنه لا يلزمه القطع، ونقله ابن قدامة عن علي، وبه قال عطاء وعكرمة وسعيد بن سالم القداح (٤). احتج أحمد بحديث ابن عباس في الكتاب، وحديث جابر مثله (٥)، مع قول علي: قطع الخفين فساد، يلبسهما كما هما. مع موافقة القياس فأشبه الملبوس الذي أبيح لعدم غيره، فأشبه السراويل، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع محرم مع الفدية على النعلين كلبس الصحيح، وفي إتلاف ماليته، وقد نهى عن إضاعته، وقد أسلفنا في باب: ما لا يلبس المحرم من الثياب، أن بعضهم وهم فجعل قوله: «فليقطعهما» من قول نافع (٦). قال ابن قدامة: وروى ابن أبي موسى، عن صفية بنت أبي عبيد، عن عائشة أنه - عليه السلام - رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، -------------- (١) حديث ابن عمر وابن عباس هما حديثا الباب، وأما حديث جابر فرواه مسلم (١١٧٩). (٢) «المحلى» ٧/ ٨١. (٣) «التمهيد» ١٥/ ١١٤. (٤) «المغني» ٥/ ١٢٠ - ١٢١. (٥) رواه مسلم (١١٧٩). (٦) سلف برقم (١٥٤٢). ![]()
__________________
|
|
#354
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 441 الى صـــ 460 الحلقة (354) وكان ابن عمر يفتي بقطعهما، قالت صفية: فلما أخبرته بهذا رجع (١). أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة وابن حبان: أن ابن عمر كان يصنع ذَلِكَ -يعني: يفتي بقطعهما للمرأة المحرمة- ثم حدثته صفية أن عائشة حدثتها أن رسول الله - ﷺ - قد كان رخص للنساء في الخفين، ترك ذَلِكَ (٢). قال: وروى أبو حفص في «شرحه» بسند إلى عبد الرحمن بن عوف (٣) أنه طاف وعليه خفان، فقال له عمر: والخفان مع الغنى؟ قال: قد لبستهما مع من هو خير منك، يعني رسول الله - ﷺ - (٤). وذكره الطحاوي فقال: روي عن عامر بن ربيعة قال: خرجت مع ابن عمر فرأى ابن عوف .. الحديث. وفيه: فعلته مع من هو خير منك، مع رسول الله - ﷺ -، فلم يعبه علي. وهو ظاهر أنه رآه ولم ينكره. قال ابن قدامة: ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما قد نسخ، فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعًا، وقال: انظروا أيهما كان قبل. ----------- (١) «المغني» ٥/ ١٢١ - ١٢٢. (٢) أبو داود (١٨٣١) كتاب: المناسك، باب: ما يلبس المحرم، ابن خزيمة ٤/ ٢٠١ (٢٦٨٦). ورواه أيضًا أحمد ٢/ ٢٩، ٦/ ٣٥، والدارقطني ٢/ ٢٧٢، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٠٧). (٣) ورد بهامش الأصل: قلت: الحديث في «مسند أحمد» [١/ ١٩٢] إلى شريك، عن عاصم بن عبد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: سمع عمر بن الخطاب، إلى قوله: ثم أبصر على عبد الرحمن خفين قال: وخفان؟! فقال: قد لبستهما مع من هو خير منك أو مع رسول الله عمرو فقال عمر: عزمت عليك ألا تنزعها، فإني أخاف أن ينظر الناس إليك فيقتدون بك .. الثاني: قد لبستهما مع رسول الله - ﷺ -. (٤) انظر: «مسند أحمد» (١/ ١٩٢). قال الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه قد جاء في بعض رواياته: نادى رجل رسول الله - ﷺ - في المسجد -يعني بالمدينة (١) - فكأنه كان قبل الإحرام، وحديث ابن عباس يقول: سمعته يخطب بعرفات، الحديث، فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر، فيكون ناسخًا؛ لأنه لو كان القطع واجبًا لبينه للناس، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه (٢). قال ابن الجوزي: روى حديث ابن عمر مالك وعبيد الله وأيوب في آخرين فوقفوه على ابن عمر (٣)، وحديث ابن عباس سالم من الوقف مع ما عضده من حديث جابر، وقد أخذ بحديثنا عمر وعلي وسعد وابن عباس وعائشة، ثم إنا نحمل قوله: «وليقطعهما» على الجواز من غير كراهة لأجل الإحرام، وينهى عن ذَلِكَ في غير الإحرام؛ لما فيه من الفساد، فأما إذا لبس الخف المقطوع من أسفل الكتب مع وجود النعل، فعندنا أنه لا يجوز وتجب عليه الفدية خلافًا لأبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي. قال ابن قدامة: والأولى قطعهما؛ عملًا بالحديث الصحيح، وخروجًا من الخلاف وأخذًا بالاحتياط (٤). وذكر الميموني عن أحمد أنه ذكر حديث ابن عمر وأنه مرفوع فيه ذكر القطع وقال: ليس تجد أحدًا يرفعه غير زهير، قال: وكان زهير من معادن الصدق. وقول الخطابي: العجب من أحمد، فإنه لا يخالف سنة تبلغه. وقلت: سنة --------- (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٠. (٢) «المغني» ٥/ ١٢٢. (٣) «التحقيق» ٥/ ٣٣٩ - ٣٤٠. (٤) «المغني» ٥/ ١٢٥. لم تبلغه عجيب؛ لأن هذِه السنة بلغته كما علمته، قال: وقول من قال: قطعهما فساد يشبه أن حديث ابن عمر لم يبلغه، إنما الفساد فعل ما نهى عنه (١)، وفي بعض نسخ النسائي في حديث ابن عباس من رواية عمرو بن دينار زيادة: «وليقطعهما أسفل من الكعبين» (٢). كحديث ابن عمر، ويعكر عليه رواية أحمد في «مسنده» عن عمرو، أن أبا الشعثاء أخبره عن ابن عباس بالحديث، وفيه قال: فقلت له: ولم يقل ليقطعهما (٣). قال: لا، ودعوى أن حديث ابن عباس بعرفات، وحديث ابن عمر بالمدينة، يخدشه ما ذكره ابن خزيمة في «صحيحه» عن ابن عباس: سمعت رسول الله - ﷺ - وهو يخطب ويقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار» الحديث (٤). وحَدَّثَنَا أحمد بن المقدام، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن رجلًا سأل النبي - ﷺ - وهو بذلك المكان فقال: يا رسول الله، ما يلبس المحرم؟ .. الحديث (٥). كأنه يشير به إلى عرفات، فتنبه له. وأجمعوا أن المحرم إذا وجد إزارًا لم يجز له لبس السراويل. واختلفوا إذا لم يجد إزارًا (٦)، فقال عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يلبسه ولا شيء عليه. وأخذوا بحديث ابن عباس. ----------- (١) «معالم السنن» للخطابي ٢/ ١٥٢. (٢) النسائي ٥/ ١٣٥. (٣) «مسند أحمد» ١/ ٢٢٨. (٤) ابن خزيمة ٤/ ١٩٩ (٢٦٨١). (٥) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٢٠٠ (٢٦٨٢). (٦) حكاه الحافظ ابن عبد البر في «الاستذكار» ١١/ ٣١ (١٥٢٨) وعنه نقله ابن القطان الفاسي في «الإقناع» (١٤٤٧). وقال أبو حنيفة ومالك: عليه الفدية سواء وجد إزارًا أم لا، إلا أن يشقه ويتزر به. خالفا ظاهر الحديث، وقال الطحاوي: لا يجوز له لبسه حَتَّى يفتقه. وقال الرازي: يجوز ويفدي، وهو قول أصحاب مالك (١). ----------- (١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٥، «مختصر الطحاوي» ص ٦٩، «عيون المجالس» ٢/ ٨٠٠، «البيان» ٤/ ١٥١، «المغني» ٥/ ١٢٠. ١٧ - باب لُبْسِ السِّلَاحِ لِلْمُحْرِمِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ: إِذَا خَشِيَ العَدُوَّ لَبِسَ السِّلَاحَ وَافْتَدَى. وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ فِي الفِدْيَةِ. ١٨٤٤ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ - رضي الله عنه -: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ سِلَاحًا إِلَّا فِي القِرَابِ. [انظر: ١٧٨١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٤/ ٥٨] وذكر حديث البَرَاءِ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ أَنْ يَدَعُوهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ حَتَّى قَاضَاهُمْ: لَا يُدْخِلُ مَكَّةَ بسِلَاح إِلَّا فِي القِرَابِ. كان هذا في عام القضية (١) كما ستعلمه في موضعه إن شاء الله تعالى. وفيه: جواز حمل المحرم السلاح للحج والعمرة إذا كان خوف، واحتيج إليه، وأجاز ذَلِكَ عطاء ومالك والشافعي، وكرهه الحسن البصري، وهذا الحديث حجة عليه وعلى عكرمة في إيجاب الفدية فيه (٢) (٣). ---------- (١) ورد بهامش الأصل: إنما كان الاعتمار في ذي القعدة، ومنعهم له - عليه السلام - أن يدخل في الحديبية لا في القضية، نعم دخوله مكة بالسلاح في القراب كان في القضية. والله أعلم. (٢) ورد بالهامش: ثم بلغ في الأربعين كتبه مؤلفه. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٧، «المجموع» ٧/ ٤٦٧، «المغني» ٥/ ١٢٨. ١٨ - باب دُخُولِ الحَرَمِ وَمَكَّةَ بِغَيْرِ إِحْرَامٍ وَدَخَلَ ابْنُ عُمَرَ حلالًا. وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِالإِهْلَالِ لِمَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَلَمْ يَذْكُرْ لِلْحَطَّابِينَ وَغَيْرِهِمْ. ١٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهُنَّ وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. [انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٤/ ٥٩] ١٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ، وَعَلَى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ ابْنَ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». [٣٠٤٤، ٤٢٨٦، ٥٨٠٨ - مسلم: ١٣٥٧ - فتح: ٤/ ٥٩] ثم ذكر حديث ابن عَبَّاسٍ: وَقَّتَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ .. الحديث وتقدم أوائل الحج (١). وحديث مَالِكْ، عَنِ ابن شِهَابِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - دَخَلَ عَامَ الفَتْح، وَعَلَى رَأسِهِ المِغْفَرُ، فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: ابن خَطَلِ مُتَعَلِّق بِأَسْتَارِ الكَعْبَةِ. فَقَالَ: «اقْتُلُوهُ». الشرح: أثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، عن علي بن مسهر، عن عبيد الله، عن نافع، عن عبد الله، وبلغه بقديد أن جيشًا من جيوش الفتنة دخلوا ------- (١) برقم (١٥٢٤) باب: مهل أهل مكة للحج والعمرة. المدينة، فكره أن يدخل عليهم، فرجع إلى مكة فدخلها بغير إحرام (١). ورواه البيهقي من حديث مالك، عن نافع (٢). وحديث أنس أخرجه مسلم والأربعة (٣)، وعد من أفراد مالك، تفرد بقوله: وعلى رأسه المغفر (٤). كما تفرد بحديث: «الراكب شيطان» (٥)، وبحديث: «السفر قطعة من العذاب» (٦). قال الدارقطني: قد أوردت أحاديث من رواه عن مالك في جزء مفرد وهو نحو من مائة وعشرين رجلًا أو أكثر، منهم: السفيانان، وابن جريج والأوزاعي. وقال ابن عبد البر: هذا حديث تفرد به مالك، ولا يحفظ عن غيره، ولم يروه عن ابن شهاب سواه -من طريق صحيح- واحتاج إليه فيه جماعة من الأئمة يطول ذكرهم، وقد روي عن ابن أخي ابن شهاب ------------ (١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٤) كتاب: الحج، من رخص أن يدخل مكة بغير إحرام. (٢) «سنن البيهقي» ٥/ ١٧٨ كتاب: الحج، باب: من رخص في دخولها بغير إحرام. (٣) مسلم (١٣٥٧)، أبو داود (٢٦٨٥)، الترمذي (١٦٩٣)، النسائي ٥/ ٢٠٠ - ٢٠١، ابن ماجه (٢٨٠٥). (٤) «الموطأ» ص ٢٧٣. (٥) «الموطأ» ص ٦٠٥. ورواه أيضًا أبو داود (٢٦٠٧) كتاب: الجهاد، باب: في الرجل يسافر وحده، والترمذي (١٦٧٤) كتاب: الجهاد، باب: ما جاء في كراهية أن يسافر الرجل وحده، والنسائي في «الكبرى» ٥/ ٢٦٦ (٨٨٤٩)، وأحمد ٢/ ١٨٦، والحاكم ٢/ ١٠٢. جميعًا من طريق مالك. وقال الحاكم: صحيح ولم يخرجاه، وقال الحافظ في «الفتح» ٦/ ٥٣: إسناده حسن، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٣٤٦). (٦) «الموطأ» ص ٦٠٦. ومن طريقه سلف برقم (١٨٠٤) كتاب: العمرة، باب: السفر قطعة من العذاب، ورواه مسلم (١٩٢٧) كتاب: الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب. عن عمه، عن أنس (١)، ولا يكاد يصح، وروي من غير هذا الوجه، ولا يثبت أهل العلم فيه إسناد غير حديث مالك (٢)، ورواه أيضًا أبو أويس والأوزاعي عن الزهري، وروى محمد بن سليم بن الوليد العسقلاني، عن محمد بن أبي السري، عن عبد الرزاق، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس: دخل النبي - ﷺ - يوم الفتح وعليه عمامة سوداء. ومحمد بن سليم لم يكن ممن يعتمد عليه، وتابعه على ذَلِكَ بهذا الإسناد الوليد بن مسلم ويحيى الوحاظي، ومع هذا فإنه لا يحفظ عن مالك في هذا إلا المغفر. قال أبو عمر: قد روي من طريق أحمد بن إسماعيل، عن مالك، عن أبي الزبير عن جابر أنه - عليه السلام - دخل مكة. وعليه عمامة سوداء، ولم يقل: عام الفتح. وهو محفوظ من حديث جابر (٣)، زاد مسلم في «صحيحه»: بغير إحرام (٤). قال: وروى جماعة منهم بشر بن عمر الزهراني ومنصور بن سلمة الخزاعي حديث المغفر فقالا: مغفر من حديد. ومنصور وبشر ثقتان، وتابعهما على ذَلِكَ جماعة ليسوا هناك، وكذا رواه أبو عبيد بن سلام عن ابن بكير، عن مالك، ورواه روح بن عبادة عن مالك بإسناده هذا، وفيه زيادة: وطاف وعليه المغفر. ولم يقله غيره. ------------ (١) رواه البزار في «البحر الزخار» ١٢/ ٣٦٤ (٦٢٩١). وقال: لا نعلم رواه عن الزهري إلا مالك وابن أخي الزهري، ولا نعلم رواه عن ابن أخي الزهري إلا يحيى بن هانئ. (٢) «التمهيد» ٦/ ١٥٩. (٣) «التمهيد» ٦/ ١٧٢. (٤) مسلم (١٣٥٧). ورواه عبد الله بن جعفر (المديني) (١) عن مالك، عن الزهري، عن أنس قال: دخل رسول الله - ﷺ - يوم الفتح مكة وعلى رأسه مغفر واستلم الحجر بمحجن. وهذا لم يقله عن مالك غير عبد الله هذا (٢). وروى داود بن الزبرقان عن معمر ومالك جميعًا، عن ابن شهاب، عن أنس أنه - عليه السلام - دخل عام الفتح في رمضان وليس بصائم. وهذا اللفظ ليس بمحفوظ بهذا الإسناد لمالك إلا من هذا الوجه. وقد روى سويد بن سعيد، عن مالك، عن ابن شهاب، عن أنس أنه - عليه السلام - دخل مكة عام الفتح غير محرم. وتابعه على ذَلِكَ عن مالك، إبراهيم بن علي المعتزلي (٣). وهذا لا يعرف هكذا إلا بهما، وإنما هو في «الموطأ» عند جماعة الرواة من قول ابن شهاب لم يرفعه إلى أنس (٤). وقال الحاكم في «إكليله»: اختلفت الروايات في لبسه - عليه السلام - العمامة أو المغفر يوم الفتح، ولم يختلفوا أنه دخلها وهو حلال، قال: وقال بعض الناس: العمامة والمغفر على الرأس، ويؤيد ذَلِكَ حديث جابر. يعني السالف. قال: وهو وإن صححه مسلم (٥) وحده، فالأول -يعني حديث أنس- مجمع على صحته، والدليل على أن المغفر غير العمامة قوله: من حديد. فبان بهذا أن حديث: من حديد. أثبت من العمامة السوداء؛ لأن راويها أبو الزبير. ----------- (١) كذا بالأصل، وهو موافق لما في «تهذيب الكمال» ١٤/ ٣٧٩ - ٣٨٠ (٣٢٠٦)، وفي «التمهيد»: المدني. (٢) «التمهيد» ٦/ ١٥٨ - ١٥٩. (٣) «التمهيد» ٦/ ١٧٣. (٤) «الموطأ» ص ٢٧٣. وانظر: «التمهيد» (٦/ ١٧٣). (٥) مسلم (١٣٥٨) كتاب: الحج، باب: جواز دخول مكة بغير إحرام. وقال عمرو بن دينار: أبو الزبير يحتاج إلى دعامة، وقد روي عن عمرو بن حريث ومزيدة وعنبسة -صاحب الألواح- عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس، عن رسول الله - ﷺ - لبس العمامة السوداء، ولا يصح منها وإنما لبس البياض، وأمر به. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: المغفر بكسر الميم، وكذا المغفرة والغفارة زرد ينسج من الدروع على قدر الرأس تلبس تحت القلنسوة، وقيل: هو رفرف البيضة، وقيل: هو حلق يتقنع به المتسلح. وقال ابن عبد البر: هو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة وشبهها من حديد كان أو غيره (١)، وذكر ابن طاهر الداني في «أطراف الموطأ»: لعل المغفر كان تحت العمامة (٢)، وكذا قاله ابن عبد البر. ثانيها: نزعه المغفر عند انقياد أهل مكة ولبس العمامة، ويؤيد هذا خطبته والعمامة عليه؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام الفتح. ثالثها: ابن خطل اسمه: هلال -أو عبد الله وهلال أخوه ويقال لهما: الخطلان- أو عبد العزى أو غالب بن عبد الله بن عبد مناف. وقال الدمياطي: اسمه هلال، وخطل لقب جده عبد مناف (٣). وقال الزبير بن ----------- (١) «التمهيد» (٦/ ١٥٨). (٢) «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ» ٢/ ٥١. (٣) في هامش (م): وكان يقال لابن خطل ذا القلبين، وفيه نزل ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. بكار: اسمه هلال بن عبد الله بن عبد مناف، وعبد الله هو الذي يقال له خطل، ويقال ذَلِكَ لأخيه عبد العزى بن عبد مناف، وهما الخطلان كما سلف، ومن بني تيم الأدرم بن غالب، وقيل له ذَلِكَ لأن أحد لحييه كان أنقص من الآخر. وقال ابن قتيبة: بنو تيم الأدرم من أعراب قريش، وليس بمكة منهم أحد (١)، وعبد العزى عم ابن خطل يقال له أيضًا: خطل، وكان يقال لابن خطل: ذا القلبين (٢)، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾. قال أبو عمر: لأنه كان أسلم، وبعثه رسول الله - ﷺ - مصدقًا، وبعث معه رجلًا من الأنصار، وأمَّر عليه الأنصاري، فلما كان ببعض الطريق وثب على الأنصاري فقتله، وذهب بماله. وعن ابن إسحاق: كان له مولى يخدمه، وكان أيضًا المولى مسلمًا فنزل ابن خطل منزلا، وأمر المولى أن يذبح له تيسًا ويصنع له طعامًا ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئًا، فعدا عليه فقتله، ثم ارتد مشركًا، واتخذ قينتين يغنيان بهجاء سيدنا رسول الله - ﷺ - (٣). وفي «مجالس الجوهري» أنه كان يكتب الوحي للنبي - ﷺ -، فكان إذا ---------- (١) «المعارف» لابن قتيبة ص ٦٨. (٢) بهامش الأصل: قال ابن بشكوال: قال قتادة: كان رجل على عهد رسول الله يسمي ذا القلبين، فأنزل الله ما تسمعون، ذكره عن مجاهد، وكذا في تفسير محمد بن جرير، عن ابن عباس: الرجل المذكور أبو معمر جميل بن أسد الفهري. وساق له شاهدًا في الآية، بل قيل: هو زيد بن حارثة، والشاهد له في «تفسير عبد الرزاق». [قلت: انظر: «غوامض الأسماء المبهمة» لابن بشكوال ٢/ ٧٠٤ - ٧٠٥]. (٣) «التمهيد» ٦/ ١٦٩ - ١٧٠. وفيه روى حديث ابن إسحاق المذكور بسنده. نزل ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، كتب: رحيم غفور، وإذا نزل ﴿سَمِيع عَلِيمٌ﴾، كتب: عليم سميع، أخرجه من طريق الضحاك عن النزال بن سبرة، عن علي، قتله أبو برزة نضلة بن عبيد الأسلمي، أو سعيد بن حريث المخزومي، أو الزبير بن العوام. قال أبو عمر: وذكر أنه استبق إليه سعيد بن حريث وعمار بن ياسر فسبق سعيد عمارًا فقتل بين المقام وزمزم (١). وفي رواية يونس عن ابن إسحاق: لما قتل قال رسول الله - ﷺ -: «لا يقتل قرشي صبرًا بعد هذا» (٢) قلت: هذا في غيره، وهو الأكثر. رابعها: فيه كما نبه عليه السهيلي: دلالة أن الكعبة المشرفة لا تعيذ عاصيًا، ولا تمنع من إقامة حد واجب، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] إنما معناه: الخبر عن تعظيم حرمتها في الجاهلية نعمة من الله على أهل مكة، كما قال تعالى: ﴿جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ الآية [المائدة: ٩٧]، فكان ذَلِكَ قوام الناس، ومصلحة لذرية إسماعيل قطان الحرم، وإجابة لدعوة إبراهيم حيث يقول: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (٣). خامسها: فيه كما قال ابن عبد البر: دخول مكة بغير إحرام وبالسلاح الظاهر ---------- (١) السابق ٦/ ١٧٥. (٢) رواه مسلم (١٧٨٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: لا يقتل قرشي صبرا بعد الفتح. من طريق زكريا، عن الشعبي قال: أخبرني عبد الله بن مطيع عن أبيه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول، يوم فتح مكة .. الحديث. (٣) «الروض الأنف» للسهيلي ٤/ ١٠٣. فيها، ولكنه عند جمهور العلماء منسوخ ومخصوص بقوله: «إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض» (١). فهذا إخبار أن الله تعالى حرمها. وقال في كتاب «الأجوبة الموعبة عن المسائل المستغربة على صحيح البخاري»: وما حرم الله فلا سبيل إلى استحلاله إلا بإذن الله، يمحو الله ما يشاء ويثبت، يحل ويحرم ابتلاء واختبارًا لا بداءً. كما قالته اليهود، ولكن لمصالح العباد، واختبارهم ليبلوهم أيهم أحسن عملًا، وأيهم ألزم لما أمر به ونهي عنه؛ لتقع المجازاة على الأعمال، وقد أذن لرسوله في استحلالها، ثم أخبر على لسانه أنها عادت إلى حالها، وقد روى ابن عمر وابن عباس وأبو بكرة وعمرو بن الأحوص وجابر وغيرهم بألفاظ متقاربة ومعنى واحد أن رسول الله - ﷺ - خطبهم في حجة الوداع فقال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» (٢). ----------- (١) يأتي برقم (٤٣١٣) كتاب: المغازي، باب: من شهد الفتح، ورواه مسلم (١٣٥٣) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها. وانظر: «التمهيد» (٦/ ١٦٠). (٢) حديث ابن عمر سلف برقم (١٧٤٢) باب: الخطبة أيام منى. وحديث ابن عباس رواه ابن خزيمة ٤/ ٢٨٩ (٢٩٢٧)، والطبراني ١١/ ١٧٣ (١١٣٩٩)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧١: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وقال الألباني في تعليقه على «صحيح ابن خزيمة»: إسناده حسن. وحديث أبي بكرة يأتي برقم (٤٤٠٦) كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع، ورواه مسلم (١٦٧٩) كتاب: القسامة، باب: تغليط تحريم الدماء. وحديث عمرو بن الأحوص رواه الترمذي (٣٠٨٧) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة التوبة، وابن ماجه (٣٠٥٥) كتاب: المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، وابن خزيمة ٤/ ٢٥٠ (٢٨٠٨)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٧٩). وحديث جابر رواه مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -. مطولًا، وأحمد ٣/ ٣٢٠. = وفي قوله: «ولم يحرمها الناس» (١) أيضًا دليل واضح على أن قوله: «إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتبها» (٢) يعني: المدينة، ليس على ظاهره، وهو حديث رواه مالك، عن عمرو بن أبي عمرو، عن أنس (٣)، وعمرو ليس بالقوي عند بعضهم (٤)، قال: ومعناه عندي ----------- = وفي الباب عن أبي سعيد الخدري. رواه ابن ماجه (٣٩٣١) كتاب: الفتن، باب: حرمة دم المؤمن وماله، والطحاوي ٤/ ١٥٩، وقال البوصيري في «زوائده» ص: ٥١٧: صحيح رجاله ثقات، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٣١٧٦). (١) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها. (٢) رواه مسلم (١٣٦١/ ٤٥٦) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة ودعاء النبي - ﷺ - فيها بالبركة وبيان تحريمها وتحريم صيدها وشجرها وبيان حدود حرمها، بهذا اللفظ من حديث رافع بن خديج. (٣) «الموطأ» ص ٥٥٤. قلت: وسيأتي من هذا الطريق برقم (٥٤٢٥) كتاب: الأطعمة، باب: الحيس، وكذا رواه مسلم (١٣٦٥) كتاب: الحج. (٤) قال الحافظ في «هدي الساري مقدمة فتح الباري» ص: ٤٣٢: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب أبو عثمان المدني، من صغار التابعين، وثقة أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي، وضعفه ابن معين والنسائي وعثمان الدارمي لروايته عن عكرمة حديث البهيمة، وقال العجلي أنكروا حديث البهيمة يعني: حديثه عن عكرمة عن ابن عباس من أتى بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة، وقال البخاري لا أدري سمعه من عكرمة أم لا، وقال أبو داود: ليس هو بذاك؛ حدث بحديث البهيمة، وقد روى عاصم، عن أبي رزين، عن ابن عباس: ليس على من أتى بهيمة حد، وقال الساجي صدوق إلا أنه يهم. قلت: لم يخرج له البخاري من روايته، عن عكرمة شيئًا بل أخرج له من روايته عن أنس أربعة أحاديث، ومن روايته عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس حديثا واحدًا، ومن روايته عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة حديثا واحدًا واحتج به الباقون. اهـ. وقال في «التقريب» (٥٠٨٣): ثقة ربما وهم. وانظر ترجمته في «التاريخ الكبير» ٦/ ٣٥٩ (٢٦٣٣)، و«الجرح والتعديل» ٦/ ٢٥٢ (١٣٩٨)، «تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٦٨ (٤٤١٨). -والله أعلم- أن إبراهيم أعلن حرمتها، وعلم أنها حرام بإخباره، فكأنه حرمها؛ إذ لم يعرف تحريمها إلا في زمانه على لسانه، كما أضاف الله تعالى توفي الأنفس مرة إليه (١)، ومرة إلى ملك الموت بقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ المَوْتِ﴾ [السجدة: ١١] ومرة إلى أعوانه بقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ المَلَائِكَةُ﴾ [النحل: ٢٨] وجائز أن يضاف الشيء إلى من له فيه سبب، ويحتمل أن يكون إبراهيم منع من الصيد بمكة والقتال فيها وشبه ذَلِكَ، وإني أمنع مثل ذَلِكَ بالمدينة، والتحريم في كلام العرب: المنع، قال تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ المَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢] أي: منعناه قبول المراضع، وحديث مالك عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة يرفعه: «اللهم إن إبراهيَم دعاك لمكة» (٢)، وهذا أولى من رواية: «حرم مكة» (٣)، وقوله: «أحلت لي ساعة من نهار» (٤)، لم يرد الساعة المعروفة والمراد: القليل من الوقت والزمان، وأنه كان بعض النهار ولم تكن يومًا تامًا وليلة، «وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس» (٥)، يدل على أن الساعة التي أحل له فيها القتال لم تكن أكثر من يوم (٦). وكان ابن شهاب يقول: لا بأس أن يدخل مكة بغير إحرام (٧)، ---------- (١) بقوله جل وعلا في سورة الزمر: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ آية: ٤٢، وقد ذكرها ابن عبد البر في «الأجوبة» ص ٩٩، وأسقطها المصنف -رحمه الله- هنا. (٢) «الموطأ» ص: ٥٥٢. والحديث رواه مسلم (١٣٧٣). (٣) رواه مسلم (١٣٦١). (٤) قطعة من حديث سلف برقم (١١٢) كتاب: العلم، باب: كتابة العلم. (٥) سلف برقم (١٨٣٢)، ورواه مسلم (١٣٥٤). (٦) «الأجوبة عن المسائل المستغربة من كتاب البخاري» ص ٩٤ - ١٠٤ بتصرف بالغ. (٧) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٧٣. وخالفه في ذَلِكَ أكثر العلماء، ولم يتابعه على ذَلِكَ إلا الحسن البصري. قلت: وأبو مصعب، وإليه ذهب داود وأصحابه، وروي عن الشافعي مثل ذَلِكَ، والمشهور عنه كقول الجماعة أبي حنيفة وأصحابه، قالوا: فإن دخلها غير محرم فعليه حجة أو عمرة، وهو قول عطاء وابن حي. وقتل ابن خطل لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون ذَلِكَ كان في الوقت الذي أحلت له فيه مكة، أو يكون -كما قاله جماعة من العلماء- أن الحرم لا يجير من وقع عليه الفتل، وهو قول مالك والشافعي، وأبي يوسف. وقال أبو حنيفة: إذا وجب عليه قصاص أو حد فدخل الحرم لم يقتص منه في النفس، ويقام عليه فيما دونه مما سوى ذَلِكَ حَتَّى يخرج من الحرم، وقال زفر: فإن قتل في الحرم أو زنا فيه رجم. وقد سلف ذَلِكَ، وعن أبي يوسف؛ يخرج من الحرم فيقتل، وكذا في الرجم. واختلفوا في تغليظ الدية على من قتل في الحرم، وأكثرهم على أنه في الحل والحرم سواء، وعن سالم: من قتل خطأ في الحرم زيد عليه في الدية ثلث الدية، وهو قول عثمان بن عفان (١)، وخالفه في ذَلِكَ علي (٢). وقال ابن القصار: اختلف قول مالك والشافعي في جواز دخول مكة ----------- (١) رواه عبد الرزاق ٩/ ٢٩٨ (١٧٢٨٢)، وابن أبي شيبة ٥/ ٤٢١ (٢٧٦٠٠)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٥٥ (٢١٨٦ - ٢١٨٧)، والبيهقي ٨/ ٧١. (٢) من قوله: واختلفوا في تغليظ الدية، إلى هذا الحد، هو من كلام الحافظ ابن عبد البر في «الأجوبة» ص ١١٠. بغير إحرام لمن لم يرد الحج والعمرة، فقالا مرة: لا يجوز دخولها إلا به؛ لاختصاصها ومباينتها جميع البلدان إلا للحطابين ومن قرب منها مثل جدة والطائف وعسفان؛ لكثرة ترددهم إليها، وبه قال أبو حنيفة والليث، وعلى هذا فلا دم عليه. نص عليه في «المدونة» (١)، ووافقه القاضي في «المعونة»، وخالف في تلقينه والخلاف في مذهبنا أيضًا، وقالا مرة أخرى: دخولها به استحباب لا واجب. قال ابن بطال: وإليه ذهب البخاري محتجًّا بقوله: (ممَنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ) فدل إن لم يردهما فليس ميقاتًا له، واستدل بحديث الباب: وهو غير محرم. وبه احتج ابن شهاب، ولم يره خصوصًا به - عليه السلام -، وأجاز دخولها بغير إحرام، وهو قول أهل الظاهر، وقال الطحاوي: قول أبي حنيفة وأصحابه في أن من كان منزله في بعض المواقيت أو دونها إلى مكة، فله أن يدخل مكة بغير إحرام، ومن كان منزله قبل المواقيت لم يدخل مكة إلا بإحرام (٢)، وأخذوا في ذَلِكَ بما روي عن ابن عمر أنه خرج من مكة وهو يريد المدينة، فلما كان قريبًا من قديد بلغه خبر من المدينة رجع فدخل حلالًا (٣)، وقال آخرون: حكم المواقيت حكم ما قبلها (٤). قال الطحاوي: ووجدنا الآثار تدل على أن ذَلِكَ من خواصه بقوله: «فلا تحل لأحد بعدي» وقد عادت حرامًا إلى يوم القيامة فلا يجوز لأحد أن يدخلها إلا بإحرام، وهو قول ابن عباس والقاسم والحسن ---------- (١) «المدونة الكبرى» ٢/ ٣٧٨. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٩. (٣) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٧٣، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٤)، والطحاوي ٢/ ٢٦٣، والبيهقي ٥/ ١٧٨. (٤) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٥١٧ - ٥١٨. بتصرف. البصري (١). وقال ابن بطال: الصحيح في معنى قوله: «لا تحل لأحد بعدي» يريد مثل المعنى الذي حل لرسول الله - ﷺ -، وهو محاربة أهلها وقتالهم، وردهم عن دينهم على ما تقدم في باب: لا يحل القتال بمكة، عن الطبري، وهو أحسن من قول الطحاوي أنه خاص به. واحتج من أجاز دخولها بغير إحرام أن فرض الحج مرة في الدهر وكذا العمرة، فمن أوجب على الداخل إحرامًا فقد أوجب عليه غير ما أوجب الله (٢). سادسها: قال ابن بطال: في قتله - عليه السلام - لابن خطل يوم الفتح حجة لمن قال: إن مكة فتحت عَنْوة، وهو قول مالك وأبي حنيفة وجماعة المتقدمين والمتأخرين، وقال الشافعي وحده: فتحت صلحًا. وفائدة الخلاف في هذِه المسأله ما ذهب إليه مالك والكوفيون أن الغانمين لا يملكون الغنائم ملكًا مستقرًّا بنفس الغنيمة، وأنه يجوز للإمام أن يمن ويعفو عن جملة الغنائم، ولا خلاف بينهم أنه - عليه السلام - مَنَّ على أهل مكة وعفا عن أموالهم كلها (٣). سابعها: استدل به المالكيون، أن من سب الشارع يقتل ولا يستتاب كما فعل بابن خطل، فإنه كان يسبه ويهجوه، وقد عفا عن غيره ذَلِكَ اليوم ممن كان يسبه، فلم ينتفع باستعاذته بالبيت، ولا بالتعلق بأستار الكعبة، -------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٢. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥١٩. (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥١٩. فدل ذَلِكَ على العنوة، وعلى أن الحدود تقام بمكة على من وجبت عليهم، ولا يعارضه قوله - عليه السلام -: «من أغلق بابه فهو آمن» (١) إلى آخره؛ لأنه - عليه السلام - أمَّنَ في ذَلِكَ اليوم الناس إلا أربعة نفر، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة» عكرمة بن أبي جهل وعبد الله بن خطل ومقيس بن صبابة وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وقينتين كانتا تغنيان بهجائه، فسأل عثمان في عبد الله (٢)، وسيأتي في: الجهاد في باب: قتل الأسير والصبر زيادة في ذَلِكَ -إن شاء الله تعالى (٣) - وكذا في فتح مكة، عند الكلام على حديث حاطب في الظعينة (٤). --------- (١) رواه مسلم (١٧٨٠) في الجهاد والسير، فتح مكة. من حديث أبي هريرة مطولًا. (٢) رواه أبو داود (٢٦٨٣) كتاب: الجهاد، باب: قتل الأسير ولا يعرض عليه الإسلام، و(٤٣٥٩) كتاب: الحدود، باب: الحكم فيمن ارتد، والنسائي ٧/ ١٠٥ - ١٠٦، وابن أبي شيبة ٧/ ٤٠٥ (٣٦٩٠٢) كتاب: المغازي، حديث فتح مكة، والبزار في «البحر الزخار» ٣/ ٣٥٠ - ٣٥١ (١١٥١)، وأبو يعلى ٢/ ١٠٠ - ١٠٢ (٧٥٧)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٣/ ٣٣٠، والشاشي ١/ ١٣٥ - ١٣٦ (٧٣)، والدارقطني ٣/ ٥٩، ٤/ ١٦٧ - ١٦٨، والبيهقي ٨/ ٢٠٥ كتاب: المرتد، باب: من قال في المرتد يستتاب مكانه فإن تاب وإلا قتل، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ١٧٤ - ١٧٦، والضياء في «المختارة» ٣/ ٢٤٨ - ٢٥١ (١٠٥٤ - ١٠٥٥) من طريق أحمد بن المفضل عن أسباط بن نصر قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال: لما كان يوم فتح مكة .. الحديث. والحديث صححه المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٩/ ١٥٣، وكذا الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٤٠٥)، وانظر: «الصحيحة» (١٧٢٣). (٣) سيأتي برقم (٣٠٤٤) باب: قتل الأسير وقتل الصبر. (٤) سيأتي حديث حاطب هذا برقم (٤٢٧٤) كتاب: المغازي، باب: غزوة الفتح. ١٩ - باب إِذَا أَحْرَمَ جَاهِلًا وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ وَقَالَ عَطَاءٌ: إِذَا تَطَيَّبَ أَوْ لَبِسَ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. ١٨٤٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَأَتَاهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ جُبَّةٌ [فِيهِ] أَثَرُ صُفْرَةٍ أَوْ نَحْوُهُ، [وَ] كَانَ عُمَرُ يَقُولُ لِي: تُحِبُّ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ أَنْ تَرَاهُ؟ فَنَزَلَ عَلَيْهِ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «اصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ مَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ». [انظر: ١٥٣٦ - مسلم: ١١٨٠ - فتح: ٤/ ٦٣] ١٨٤٨ - وَعَضَّ رَجُلٌ يَدَ رَجُلٍ -يَعْنِي: فَانْتَزَعَ ثَنِيَّتَهُ- فَأَبْطَلَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -. [٢٢٦٥، ٢٩٧٣، ٤٤١٧، ٦٨٩٣ - مسلم: ١٦٧٤ - فتح: ٤/ ٦٣] ثم ذكر فيه حديث يعلى في قصة الجبة. وقد سلف في باب: غسل الخلوق ثلاث مرات (١)، وذكر هنا زيادة في آخره وهي: عض رجل يد رجل -يعني: فانتزع ثنيتيه- فأبطله النبي - ﷺ -. وقول عطاء في الناسي والجاهل، خالف فيه مالك، وقد سلف هناك ما فيه. وقول ابن التين: إنه إنما لم يأمره بها لأنه لم يكن وقت لباسه نزل فيه شرع، وإنما نزل فيه بعدما سئل، غريب. وقال ابن بطال: فيه رد على الكوفيين والمزني في قولهم: إنه من لبس أو تطيب ناسيًا فعليه الفدية على كل حال، فإنه على خلاف الحديث؛ لأنه لم يأمر الرجل بالكفارة عن لباسه وتطييبه قبل علمه ----------- (١) برقم (١٥٣٦) كتاب: الحج. ورد بهامش الأصل: وفي باب: ما يفعل في الحج، وفي: فضائل القرآن، وفي: المغازي. كذا عزاه الشيخ في الباب المشار إليه في الأصل. ![]()
__________________
|
|
#355
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 461 الى صـــ 480 الحلقة (355) بالنهي عن ذَلِكَ، وإنما تلزم الكفارة من تعمد فعل ما نهي عنه في إحرامه، ولو لزمه شيء لبينه له وأمره به، ولم يجز أن يؤخره. والشافعي أشد موافقة للحديث؛ لأن الرجل كان أحرم في جبة مطيبة، فسأل رسول الله - ﷺ - عن ذَلِكَ، فلم يجبه حَتَّى أوحي إليه وسري عنه، فطال انتفاعه باللبس والتطيب، ولم يوجب عليه كفارة، فإن الشافعي قال: لا تجب مطلقًا. ومال مالك إلى أنه إن نزع وغسل حالًا، فلا شيء عليه. وهذا احتياط؛ لأن الحلق والوطء والصيد نهي عنها المحرم، والسهو والعمد فيها سواء قالوا: وكذا الصوم. وفيه رد أيضًا على من زعم أن الرجل إذا أحرم وعليه قميص أن له أن يشقه، وقال: لا ينبغي أن ينزعه؛ لأنه إذا فعل ذَلِكَ فقد غطى رأسه، وذلك غير جائز له، فلذا أمر بشقه، وممن قاله الحسن والشعبي وسعيد بن جبير (١)، وجميع فقهاء الأمصار يقولون: من نسي فأحرم وعليه قميص أنه ينزعه ولا يشقه، واحتجوا بأنه - عليه السلام - أمر الرجل بنزع الجبة ولم يأمره بشقها، وهو قول عكرمة وعطاء (٢)، وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه نهى عن إضاعة المال (٣)، والحجة في السنة لا فيما خالفها (٤). قال الطحاوي: وليس نزع القميص بمنزلة اللباس؛ لأن المحرم لو حمل على رأسه ثيابًا أو غيرها لم يكن بذلك بأس، ولم يدخل --------- (١) رواه عنهم الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٩. (٢) السابق ٢/ ١٣٩. (٣) حديث سيأتي برقم (١٤٧٧) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، رواه مسلم (١٧١٥) كتاب: الأقضية، باب؛ النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة. من حديث أبي هريرة. (٤) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢٠ - ٥٢١. ذَلِكَ فيما نهي عنه من تغطية الرأس بالقلانس وشبهها؛ لأنه غير لابس، فكان النهي إنما وقع من ذَلِكَ على ما يلبسه الرأس لا على ما يغطى به، وكذلك الأبدان نهي عن (لباسها) (١) القميص، ولم ينه عن تجليلها بالأُزر؛ لأن ذَلِكَ ليس بلباس المخيط، ومن نزع قميصه فلاقى ذَلِكَ رأسه فليس ذَلِكَ بلابس منه شيئًا، فثبت بهذا أن النهي عن تغطية الرأس في الإحرام إنما وقع على اللباس المعهود في حال الإحلال إذا تعمد فعل ما نهي عنه من ذَلِكَ قياسًا ونظرًا (٢). فصل: وما ذكر في العض بالأسنان في آخره فهو حجة الشافعي، وخالف فيه مالك، قال يحيى بن عمر: لم يبلغ مالكًا، وقال به من أصحابه ابن وهب. وستأتي المسألة واضحة في موضعها. ------------ (١) كذا بالأصل، وفي «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٨، و«شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢١: إلباسها. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٨ - ١٣٩، وهو أيضًا في «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢١ - ٥٢٢. ٢٠ - باب المُحْرِمِ يَمُوتُ بِعَرَفَةَ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يُؤَدَّى عَنْهُ بَقِيَّةُ الحَجِّ ١٨٤٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَقْعَصَتْهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ -أَوْ قَالَ: ثَوْبَيْهِ- وَلَا تُحَنِّطُوهُ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ يُلَبِّى». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح ٤/ ٦٣] ١٨٥٠ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: بَيْنَا رَجُلٌ وَاقِفٌ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِعَرَفَةَ إِذْ وَقَعَ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَوَقَصَتْهُ -أَوْ قَالَ: فَأَوْقَصَتْهُ- فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْنِ، وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، وَلَا تُحَنِّطُوهُ، فَإِنَّ اللهَ يَبْعَثُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح ٤/ ٦٣] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ في الذي أوقصته ناقته بعرفة من طريقين. ثم ترجم عليه: ٢١ - باب سُنَّةِ المُحْرِمِ إِذَا مَاتَ ١٨٥١ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضي الله عنهما -، أَنَّ رَجُلًا كَانَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَوَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا تَمَسُّوهُ بِطِيبٍ، وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». [انظر: ١٢٦٥ - مسلم: ١٢٠٦ - فتح: ٤/ ٦٣] وذكره أيضًا. وقد سلف في الجنائز واضحًا (١)، وهو قال على أنه لا يتم الحج عنه؛ لأن أثر إحرامه باق. قال المهلب: هو دال على أنه لا يحج أحد عن أحد؛ لأنه عمل بدني كالصلاة لا تدخلها النيابة، ولو صحت فيها النيابة لأمر - عليه السلام - بإتمام الحج عن هذا مع أنه قد يمكن أن لا يتبع ما بقي عليه من الحج في الآخرة؛ لأنه قد بلغ جهده وطاقته، وقد وقع أجره على الله؛ لقوله: «فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا». وقال الأصيلي: ثبت الخبر عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ..» الحديث (٢). قلت: أشار إلى العلة، وهي الإحرام، وهي عامة في كل محرم، والأصل عدم الخصوص. --------- (١) سلف برقم (١٢٦٥) كتاب: الجنائز، باب: الكفن في ثوبين. (٢) رواه مسلم (١٦٣١) كتاب: الوصية، باب: ما يلحق الإنسان بعد وفاته. من حديث أبي هريرة. ٢٢ - باب الحَجِّ وَالنُّذُورِ عَنِ المَيِّتِ، وَالرَّجُلُ يَحُجُّ عَنِ المَرْأَةِ ١٨٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدِ، بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَةً؟ اقْضُوا اللهَ، فَاللهُ أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». [٦٦٩٩، ٧٣١٥ - فتح: ٤/ ٦٤] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ، أَنَّ امْرَأَةَ مِنْ جُهَيْنَةَ جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَتْ: إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ، فَلَمْ تَحُجَّ حَتَّى مَاتَتْ، أَفَأَحُجُّ عَنْهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، حُجِّي عَنْهَا، أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْن كُنْتِ قَاضِيَته؟ اقْضُوا اللهَ، فالله أَحَقُّ بِالوَفَاءِ». هذا الحديث ذكرناه في أوائل الحج بطرقه، وذكرنا فقهه هناك، وقد بوب عليه هنا الرجل يحج عن المرأة، وكأنه أخذه من قوله: «فاقضوا الله» وهو صالح للمذكر والمؤنث، ولا خلاف في حج الرجل عن المرأة وعكسه، إلا الحسن بن صالح فإنه قال: لا يجوز، وعبارة ابن التين: الكراهة فقط، وهو غفلة وخروج عن ظاهر السنة كما قال ابن المنذر؛ لأنه - عليه السلام - أمرها أن تحج عن أمها، وهو عمدة من أجاز الحج عن غيره. قال الداودي: وفيه دليل أن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] إن ما فُعِل عنه من سعيه. وفيه: أن الحجة الواجبة من رأس المال كالدين وإن لم يوص، وهو قول ابن عباس وأبي هريرة وعطاء وابن سيرين ومكحول وسعيد بن المسيب وطاوس (١)، والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي وأبي ثور، وقالت طائفة: لا يحج أحد عن أحد. روي هذا عن ابن عمر والقاسم والنخعي (٢)، وقال مالك: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام، ولا ينوب عن فرضه. ونقله ابن التين عن أبي حنيفة أيضًا، وهو غريب؛ فإن أوصى بذلك الميت، فعند مالك وأبي حنيفة: يخرج من ثلثه، وهو قول النخعي، وعند الشافعي: يخرج من رأس ماله. حجة أهل المقالة الأولى حديث ابن عباس المذكور قالوا: ألا ترى أنه - عليه السلام - شبه الحج بالدين وهو يقضي وإن لم يوص، ولم يشترط في إجازته ذلك شيئا، وكذلك تشبيهه له بالدين يدل أن ذَلِكَ عليه من جميع ماله دون ثلثه كسائر الديون. وذكر ابن المنذر عن عائشة: اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعد موته (٣). وحجة من منع الحج عن غيره أن الحج عمل بدني كالصلاة بيانه قوله: «أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته» (٤). إنما سألها: هل كنت تفعلين ذَلِكَ؛ لأنه لا يجب عليها القضاء عند عدم التركة (٥). ----------- (١) انظر هذِه الآثار في: «المصنف» ٣/ ٣٢٣، ٣/ ٣٦١ (١٥١١٣ - ١٥١١٦)، و«سنن البيهقي» ٣/ ٣٣٥، ٦/ ٢٧٤. (٢) رواه ابن أبي شيبة عنهم ٣/ ٣٦١ (١٥١١٧ - ١٥١١٩). (٣) رواه سعيد بن منصور ١/ ١٢٥ (٤٢٣)، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٣٩ (٩٦٩٥). (٤) سلف برقم (١٨٥٢). (٥) انظر: «الأصل» ٢/ ٥٠٤، ٥٠٥، ٥١١، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٩١ - ٩٤، «المبسوط» ٤/ ١٦٢، «التفريع» ١/ ٣١٥ - ٣١٧، «عيون المجالس» ٢/ ٧٦٩ - ٧٧٢، «القوانين الفقهية» ص ١٢٧، «البيان» ٤/ ٥١ - ٥٢، «المهذب» مع شرحه ٧/ ٧٥ - ٧٦، «روضة الطالبين» ٦/ ١٩٦، "المغني ١٩/ ٢٠. ٢٤ - باب حَجِّ المَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ ١٨٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ، بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [انظر: ١٥١٣ - مسلم: ١٣٣٤ - فتح ٤/ ٦٧] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ النَّبِيِّ - ﷺ -، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمٍ .. الحديث. وتقدم أول الحج (١)، والترجمة صريحة، وفي أصل ابن بطال بدلها: باب الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة (٢)، واستدل بعض الشافعية على أن الولد إذا قال لوالده: أنا أحج عنك. لزمه فرض الحج؛ لأنها قالت: أفأحج عنه؟ قال: «نعم» وأمرها، على أن الحج واجب على أبيها، فكان الظاهر أن السبب الموجود قولها: أفأحج عنه؟ وخالف مالك وأبو حنيفة فقالا: لا يجب عليه بقول ولده شيء. وفيه: دليل كما قال بعضهم على حج المرأة بدون محرم، وليس كما قال. ------------- (١) سلف برقم (١٨١٣) باب: وجوب الحج وفضله. وورد بهامش الأصل: وفي نسختي قبل باب حج المرأة عن الرجل باب: الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة، وذكر فيه حديث ابن عباس هذا، فجعله من مسند الفصل، ثم ساقه من سند ابن عباس يعني عبد الله. ثم ذكر باب: حج المرأة عن الرجل. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢٥. وفيه أيضًا: أن المرأة ليس عليها تغطية وجهها وإنما على الناس أن يصرفوا أعينهم عن النظر إليها (١). وفيه: أن إحرام المرأة في وجهها ويديها وهو قول الجماعة، وكان الفضل من أجمل أهل زمانه كما سلف. وفيه: جواز الإرداف إذا كانت مطيقة. وأبعد من قال: إنه خاص بها على اشتراط الاستطاعة، وهي القدرة كما كان سالم مولى أبي حذيفة مخصوصًا برضاعه في حال الكبر (٢)، مع اشتراط تمام الرضاعة في الحولين، وقد أسلفنا هناك اختلاف العلماء في الذي لا يستطيع أن يستوي على الراحلة لكبر أو ضعف أو زمانة، وقد أتى رجل عليًّا فقال: كبرت وضعفت وفرطت في الحج. فقال: إن شئت جهزت رجلًا فحج عنك. وأن مالكًا وغيره منع النيابة، وأن الثلاثة قالوا بها، وبذل الولد الطاعة استطاعة، خلافًا لأبي حنيفة. واحتج من أجاز بحديث الباب، وفيه دليلان على وجوب الحج على المعضوب أنها قالت: (إن فريضة الله في الحج أدركت أبي) فأقرها - عليه السلام - على ذَلِكَ، ولو لم يلزمه، وهي قد أدعت وجوبه على أبيها بحضرته لأنكره وأنه شبهه بالدين في رواية عبد الرزاق، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن النبي - ﷺ - حين أمر أن يحج عن الشيخ الكبير، قيل: أو ينفعه ذَلِكَ؟ قال: «نعم كما يكون على أحدكم الدين -------- (١) قلت: في المسألة خلاف مشهور، وانظر في ذلك:»حجاب المرأة المسلمة«للألباني، ورسائل الشيخ ابن عثيمين والعلامة ابن باز، و»عودة الحجاب" (٣/ ٤١٧ - ٤٢٦) للدكتور محمد إسماعيل المقدم. (٢) حديث رواه مسلم (١٤٥٣) كتاب: الرضاع، باب: رضاعة الكبير. فيقضيه وليه عن» (١)، والدين الذي يقضى عن الإنسان يكون واجبًا عليه، ومن قضاه أسقط الفرض والمأثم، فكذا هنا؛ لقولها فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ وروى عبد الرزاق: أينفعه أن أحج عنه؟ قال: «نعم» واعترض بأنها قالت: أدركت. ولم تقل: فرضت على أبي. وإنما قالت: إنها نزلت وأبي شيخ، أي: فرضت في وقت أبي شيخ كبير لا يلزمه فرضها، فلم ينكر قولها، أو أنها توهمت أن الذي فرض على العباد يجوز أن يدخل فيه أبوها، غير أنه لا يقدر على الأداء، ولا يمتنع أن يتعلق الوجوب بشريطة القدرة على الأداء، فيكون الفرض وجب على أبيها، ثم وقت الأداء كان عاجزًا؛ لأن الإنسان لو كان واجدًا للراحلة والزاد وكان قادرًا ببدنه لم يمتنع أن يقال له في المحرم: قد فرض عليك الحج، فإن بقيت كذلك إلى وقت الحج لزمك الأداء وإلا سقط عنك. ومعلوم أن فرض الحج نزل في غير وقت الحج المضيق، فإنما سألته في وقت الأداء عن ذَلِكَ. وقولها: (أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ فقالَ: «نَعَمْ») لا يدل أن الأداء كان مقررًا عليه فسقط بفعلها، ولكنه أراد أنها إن فعلت ذَلِكَ نفعه ثواب ما يلحقه من دعائها في الحج، كما لو تطوعت بقضاء دينه، إلا أنه مثل الدين في الحقيقة؛ لأنه حق لآدمي يسقط بالإبراء، ويؤدى عنه مع القدرة والعجز، وبأمره مع الصحة وغير أمره، ولو كان كالدين إذا حجت عنه ثم قوي وصح سقط عنه، كما يقضى دين المعسر ويستغني. وراجع ما أسلفناه تجد الجواب. ----------- (١) رواه بهذا الإسناد الحميدي ١/ ٤٤٧ (٥١٧)، والبيهقي ٤/ ٣٢٨ - ٣٢٩. واختلف العلماء في المريض يأمر من يحج عنه ثم يصح بعد ذَلِكَ ويقدر، فقال الكوفيون والشافعي وأبو ثور: لا يجزئه، وعليه أن يحج. وقال أحمد وإسحاق: يجزئه الحج عنه. وكذلك إن مات من مرضه وقد حج عنه، فقال الكوفيون وأبو ثور: يجزئه من حجة الإسلام (١). قال ابن بطال: وللشافعي قولان أحدهما: هذا، والثاني: لا يجزئ عنه، قال: وهو أصح القولين (٢). ---------- (١) انظر: «المغني» ٥/ ٢١. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٢٨. ٢٥ - باب حَجِّ الصِّبْيَانِ ١٨٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. [انظر: ١٦٧٧ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٤/ ٧١] ١٨٥٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَمِّهِ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانٍ لِي، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدَىْ بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ، فَصَفَفْتُ مَعَ النَّاسِ وَرَاءَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [انظر: ٧٦ - مسلم: ٥٠٤ - فتح: ٤/ ٧١] ١٨٥٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ. [فتح: ٤/ ٧١] ١٨٥٩ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ زُرَارَةَ، أَخْبَرَنَا القَاسِمُ بْنُ مَالِكٍ، عَنِ الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ لِلسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، وَكَانَ قَدْ حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٦٧١٢، ٧٣٣٠ - فتح: ٤/ ٧١] ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ يَقُولُ: بَعَثَنِي -أَوْ قَدَّمَنِي- النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الثَّقَلِ مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ. وحديثه أيضا: أَقْبَلْتُ وَقَدْ نَاهَزْتُ الحُلُمَ، أَسِيرُ عَلَى أَتَانِ لِي، وَرَسُولُ اللهِ - ﷺ - قَائِمٌ يُصَلِّي بِمِنًى، حَتَّى سِرْتُ بَيْنَ يَدى بَعْضِ الصَّفِّ الأَوَّلِ، ثُمَّ نَزَلْتُ عَنْهَا فَرَتَعَتْ .. الحديث. وَقَالَ يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ: بِمِنًى فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. وحديث السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: حُجَّ بِي مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - وَأَنَا ابن سَبْعِ سِنِينَ. وفي لفظ: حُجَّ بِهِ فِي ثَقَلِ النَّبِيِّ - ﷺ -. الشرح: الحديث الأول سلف في الباب (١)، والثاني في الصلاة (٢)، والثالث من أفراده. والثقل بفتح الثاء والقاف، قال ابن فارس: ارتحل القوم بثقلهم (٣). وضبطه بما ذكرناه، وفي الأصل فيه بإسكان القاف أي: بأمتعتهم، وقال غيره: الثقل في القول، وفي الحديث: يجد للوحي ثقلًا (٤). و(ناهزت): قاربت، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وأشهر، ومات رسول الله - ﷺ - وهو ابن أربع عشرة بخلاف، وهذِه الأحاديث دالة على أن الصبي حجه حج؛ خلافًا لأبي حنيفة، ويعضد هذا حديث ابن عباس في مسلم وهو من أفراده أن النبي - ﷺ - لقي ركبًا بالروحاء فرفعت امرأة إليه صبيًّا، فقالت: ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر» (٥) وكالصلاة. وقد اتفق أئمة الفتوى على أنه لا وجوب عليه حَتَّى يبلغ إلا أنه إذا حج به كان له تطوعًا عند مالك والشافعي وجماعة من العلماء، وعلى هذا المعنى حمل العلماء أحاديث الباب. وقال أبو حنيفة: لا يصح إحرامه (٦) -كما سلف- ولا يلزمه شيء --------- (١) سلف برقم (١٦٧٧) كتاب: الحج، باب: من قدَّم ضعفه أهله بليل. (٢) سلف برقم (٤٩٣)، باب: سترة الإمام سترة من خلفه. (٣) «المجمل» ١/ ١٦٠ مادة [ثقل]. (٤) سلف برقم (٢). (٥) مسلم (١٢٩٣). (٦) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٢١، «عيون المجالس» ٢/ ٨٣٥، «البيان» ٤/ ١٨. عليه بارتكاب محظوره، وإنما يفعل به ذَلِكَ، ويجنب محظوراته على وجه التعليم له، والتمرين عليه، كما قالوا في الصلاة أنها لا تكون صلاة أصلًا، وشذ من لا يعد خلافه فقال: إذا حج الصبي قبل بلوغه أجزأه ذَلِكَ عن حجة الإسلام؛ واحتج بحديث ابن عباس الذي ذكرناه، والحجة عليه في نفيه عنه حج التطوع هذا الحديث، وأضاف الحج الشرعي إليه، فوجب أن تتعلق به أحكامه، وأكد هذا بقوله «ولك أجر» فأخبر أنها تستحق الثواب على إحجاجه، وهذا مذهب ابن عباس وابن عمر وعائشة، وقد روي عن ابن عباس أنه قال لرجل حج بابن صبي له أصاب حمامًا في الحرم: اذبح عن ابنك شاة (١). وقام الإجماع على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم، وأولوا الحديث أنه - عليه السلام - أوجب للصبي حجًّا. قال الطحاوي: وهذا مما قد أجمع الناس عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجًّا كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه، فكذلك يجوز أن يكون له حج ولا يكون فريضة عليه، قال: وإنما الحديث حجة على من زعم أنه لا حج للصبي، وأما من يقول أنه له حجًّا، وأنه غير فريضة فلم يخالف الحديث، وإنما خالف تأويل مخالفه خاصة (٢). وقال الطبري: جعل له - عليه السلام - حجًّا مضافًا إليه كما يضاف إليه القيام والقعود والأكل، وإن لم يكن ذَلِكَ من فعله على الوجه الذي يفعله أهل التمييز باختيار. -------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣١١ (١٤٦٤٥) كتاب: الحج، الصبي يعبث بحمام مكة. (٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٧. قال الطحاوي: وهذا ابن عباس وهو راوي الحديث قد صرف حج الصبي إلى غير الفريضة، ثم روي عن ابن خزيمة بإسناده إلى (أبي الصقر) (١) قال: سمعت ابن عباس يقول: يا أيها الناس، أسمعوني ما تقولون، ولا تخرجوا فتقولوا: قال ابن عباس: أيما غلام حج به أهله، فمات فقد قضى حجة الإسلام فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات فقد قضى حجة الإسلام، فإن عتق فعليه الحج. وقد أجمعوا (٢) أن صبيًّا لو دخل وقت صلاة فصلاها ثم بلغ في وقتها أن عليه أن يعيدها، فكذلك الحج (٣). قلت: لا؛ فالأصح فيها لا إعادة. وذكر الطبري: أن هذا تأويل سلف الأمة. وروي أن الصديق حج بابن الزبير في خرقة (٤)، وقال عمر: أحجوا هذِه الذرية (٥)، وكان ابن عمر يجرد صبيانه عند الإحرام، ويقف بهم المواقف، وكانت عائشة تفعل ذَلِكَ (٦)، وفعله عروة بن الزبير (٧). ----------- (١) كذا بالأصل، وفي «شرح معاني الآثار» (٢/ ٢٥٧): أبي السفر، ولعله الصواب، فقد ترجم المزي في «تهذيبه» ١١/ ١٠١ (٢٣٧٥): سعيد بن يحمد، أبو السفر الهمداني، روي عن البراء بن عازب، وعبد الله بن عباس، والحديث الذي يرويه هنا، هو عن ابن عباس. والله أعلم. (٢) ورد بهامش الأصل: وأين الإجماع فمذهب الشافعي يستحب القضاء، والصحيح عدم الوجوب. (٣) انتهى من «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٧. (٤) رواه ابن الجعد في «مسنده» ص ٢٩٢ (١٩٨٠)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٧٩) كتاب: الحج، الصبي يجتنب ما يجتنب الكبير. (٥) رواه ابن سعد ٨/ ٤٧٠، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٣ (١٣٥٢٨)، وقال الحافظ في «الإصابة» ٤/ ٤١٦: سنده جيد. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٨٠). (٧) السابق ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٨٤). وقال عطاء: يجرد الصغير ويلبى عنه، ويجنب ما يجنب الكبير، ويقضى عنه كل شيء إلا الصلاة، فإن عقل الصلاة صلاها، فإذا بلغ وجب عليه الحج (١). واختلفوا في الصبي والعبد يحرمان بالحج، ثم يحتلم الصبي ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة فقال مالك: لا سبيل إلى رفض الإحرام ويتماديان عليه، ولا يجزئهما عن حجة الإسلام. وقال الشافعي: إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإسلام أجزأهما. وعند مالك أنهما لو استأنفا الإحرام قبل الوقوف بعرفة أنه لا يجزئهما من حجة الإسلام، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يصح عنده رفض الإحرم، وحجة مالك: أن الرب ﷻ أمر كل من دخل في حج أو عمرة بإتمامه تطوعًا كان أو فرضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومن رفض إحرامه لم يتم حجًّا ولا عمرة، وحجة الشافعي في إسقاط تجديد النية أنه جائز عنده لكل من نوى بإهلاله أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة؛ لأنه - عليه السلام - أمر أصحابه المهلين بالحج أن يفسخوه في عمرة (٢)، فدل أن النية في الأحرام ليست كالنية في الصلاة. وحجة أبي حنيفة: أن الحج الذي كان فيه لما لم يكن يجزئ عنده، ولم يكن الفرض لازمًا له في حين إحرامه، ثم لما لزمه حَتَّى بلغ استحال أن يشتغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة ويعطل فرضه، كمن دخل في نافلة فأقيمت عليه مكتوبة ويخشى فوتها قطعها ودخل في المكتوبة ----------- (١) السابق ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٧٧ - ١٤٨٧٨، ١٤٨٨١). (٢) سلف برقم (١٥٦٠). وأحرم لها، فكذلك الحج يلزمه أن يجدد له الإحرام؛ لأنه لم يكن فرضًا (١). تنبيه: نقل ابن التين عن الشافعي أن الزائد عن نفقة الحضر في مال الصبي، وهو قول له، قال: وكذا ما لزمه من جزاء، والأشهر عندهم أنه لا يركع عنه. قال ابن القاسم: ولا يرمل به في الطواف، وخالفه أصبغ، ولو حمله رجل ونوى الطواف عنهما أجزأه عند ابن القاسم ويعيد الرجل أستحبابًا، وقال أصبغ: وجوبًا (٢)، وعن مالك: لا يجزئ عن واحد منهما، والسعي كذلك، وفي الحج بالرضيع قولان عندهم. ---------- (١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٧ - ٢٥٨، «المبسوط» ١٤٩ - ١٥٠، «المدونة» ١/ ٣٠٤، «المنتقى» ٣/ ٢٠، «البيان» ٤/ ٢٤، «المغني» ٥/ ٤٥ - ٤٦. (٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٩. ٢٦ - باب حَجِّ النِّسَاءِ ١٨٦٠ - وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ - رضي الله عنه - لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ [بْنَ عَوْفٍ]. [فتح: ٤/ ٧٢] ١٨٦١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا حَبِيبُ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: حَدَّثَتْنَا عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ١٥٢٠ - فتح: ٤/ ٧٢] ١٨٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ، وَلَا يدخلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ. فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا». [٣٠٠٦، ٣٠٦١، ٥٢٣٣ - مسلم: ١٣٤١ - فتح: ٤/ ٧٢] ١٨٦٣ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، أَخْبَرَنَا حَبِيبٌ المُعَلِّمُ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأَنْصَارِيَّةِ: «مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟». قَالَتْ: أَبُو فُلَانٍ -تَعْنِي: زَوْجَهَا- كَانَ لَهُ نَاضِحَانِ، حَجَّ عَلَى أَحَدِهِمَا، وَالآخَرُ يَسْقِى أَرْضًا لَنَا. قَالَ: «فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً مَعِي». رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٧٨٢ - مسلم: ١٢٥٦ - فتح: ٤/ ٧٣] وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: عَنْ عَبدِ الكَرِيمِ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٨٦٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الَملِكِ بْنِ عُمَيْرِ، عَنْ قَزَعَةَ -مَوْلَى زِيَادٍ- قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَيْ عَشْرَةَ -غَزْوَةً -قَالَ: أَرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَعْجَبْنَنِي وَانَقْنَنِي: «أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأَةٌ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ: الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». [انظر: ٥٨٦ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٤/ ٧٣] وَقَالَ لِي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ: ثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جدِّهِ: أَذِنَ عُمَرُ - رضي الله عنه - لأَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا، فَبَعَثَ مَعَهُنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ. ثم ساق بإسناده (١) من حديث عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا نَغْزُوا وَنُجَاهِدُ مَعَكُمْ؟ فَقَالَ: «لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ، حَجٌّ مَبْرُورٌ». فَقَالَتْ عَائِشَةُ: فَلَا أَدَعُ الحَجَّ بَعْدَ إِذْ سَمِعْتُ هذا مِنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. ومن حديث أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابن عَبَّاس- عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَا تُسَافِرِ المَرْأَةُ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَم، وَلَا يدْخُلُ عَلَيْهَا رَجُلٌ إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، إنِّي أرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ فِي جَيْشِ كَذَا وَكَذَا، وَامْرَأَتِي تُرِيدُ الحَجَّ. فَقَالَ: «اخْرُجْ مَعَهَا». ومن حديث عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لأُمِّ سِنَانٍ الأنْصَارِيَّةِ: «مَا مَنَعَكِ مِنَ الحَجِّ؟» .. الحديث، وقد سلف في العمرة، رواه ابن جريج عن عطاء، عن ابن عباس، ----------- (١) ورد بهامش الأصل: أتى بإسناد نفسه لأن الضمير عائد على الحديث قبله. عن النبي - ﷺ - (١). وقال عبيد الله عن عبد الكريم، عن عطاء، عن جابر، عن النبي - ﷺ -. ومن حديث زِيَادٍ سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ -وَقَدْ غَزَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - ثِنْتَي عَشْرَةَ غَزْوَةً- قَالَ: أرْبَعٌ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ الله - ﷺ - أَوْ قَالَ: يُحَدِّثُهُنَّ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -- فَأعْجَبْنَنِي وَآنَقْنَنِي: «أَنْ لَا تُسَافِرَ امْرَأ مَسِيرَةَ يَوْمَيْنِ لَيْسَ مَعَهَا زَوْجُهَا أَوْ ذُو مَحْرَمٍ، وَلَا صَوْمَ يَوْمَيْنِ الفِطْرِ وَالأَضْحَى، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ صَلًاتيْنِ: بَعْدَ العَصرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الصبحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَلَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأقصَى». الشرح: التعليق الأول أسنده البيهقي من حديث عبدان، أنا إبراهيم -يعني: ابن سعد- به، وفي آخره: فنادى الناس عثمان: ألا لا يدن منهن أحد ولا ينظر إليهن إلا مد البصر وهن في الهوادج على الإبل، وأنزلهن صدر الشعب، ونزل عثمان وابن عوف بذنبه فلم يتعد إليهن أحد، ثم قال: رواه -يعني: البخاري في «الصحيح»- عن أحمد بن محمد، عن إبراهيم بن سعد مختصرًا (٢). وقال الجياني: أحمد هذا هو ابن محمد بن الوليد الأزرقي أبو محمد المكي (٣). و[إبراهيم] (٤) قال الحميدي في «جمعه» عن البرقاني (٥): إنه ----------- (١) سلف برقم (١٧٨٢). (٢) «سنن البيهقي» ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧. (٣) انظر: «تقييد المسهل» (٣/ ٩٤٨). (٤) زيادة يقتضيها السياق. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ما قاله البرقاني لا يصح؛ لأوجه: أحدها: أن إبراهيم قد ولد سنة عشر أو بعدها، فلهذا لم يعد في الصحابة. وتوفي = إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. ثم قال: وفيه نظر (١). وحديث عائشة من أفراده، وسيأتي في باب: جهاد النساء (٢)، وحديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وقيل: إن أبا معبد أصدق مواليه، وليس في مواليه ضعيف جدًّا إلا شعبة، قال مالك: لم يكن يشبه الفراء. وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وقد سلف في باب: مسجد بيت المقدس (٥)، وإذن عمر الظاهر أنه في الحج. وقال الداودي: أذن في التقديم ليلًا من مزدلفة إلى مني. وحديث أبي داود «هذِه ثم ظهور الحصر» (٦) قاله في حجة الوداع ------------ = سنة ٦ وقيل: ٩٥ وهو ابن ٧٥ سنة، كذا قال المزي في «تهذيبه». وقطع بسنه. وتبع فيه ابن عبد البر. ولا يستقيم مع قول ابن عبد البر نقلا عن الواقدي، ولد في حياة النبي - ﷺ -. وقال: ولد أحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي عظيم. وقد توفي الأزرقي سنة ٣٢٣. الوجه الثاني: قوله عن أبيه، عن جده، وعوف ليس بذي صحبة ولا أسلم حتى يروي الوجه. (١) «الجمع بين الصحيحين» (١/ ١٣٨ - ١٣٩). (٢) سيأتي برقم (٢٨٧٥) كتاب: الجهاد والسير. (٣) مسلم (١٣٤١) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر. (٤) مسلم (٨٢٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر بعد حديث رقم (١٣٣٨). (٥) سلف برقم (١١٩٧) كتاب: فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة. (٦) أبو داود (١٧٢٢) كتاب: المناسك، باب: فرض الحج. ورواه أيضًا أحمد ٥/ ٢١٨ - ٢١٩، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ١٦٨ (٩٠٣)، وأبو يعلى ٣/ ٣٢ (١٤٤٤)، والطحاوي في «شرح المشكل» ٣/ ٣٦١ (١٨٥٩ - تحفة)، وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ١٧٣، والطبراني ٣/ ٢٥٢ (٣٣١٨)، والبيهقي ٤/ ٣٢٧، ٥/ ٢٢٨. والحديث قال عنه الحافظ في = ![]()
__________________
|
|
#356
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 481 الى صـــ 500 الحلقة (356) يحمل على ملازمة البيوت، فحديثها هنا صريح في الإذن؛ لقوله: «لَكُنَّ أَحْسَنُ الجِهَادِ وَأَجْمَلُهُ الحَجُّ مَبْرُورٌ» ولما سمعت صفية هذا القول منه لم تحج بعدها. وأعجنني وآنقنني معناهما واحد، قال المهلب: وقوله: «لَكُنَّ أفضل الجهاد حج مبرور» يبطل إفك المتشيعين، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب عليه - ﷺ - أنه قال لأزواجه في حجة الوداع: «هذِه ثم ظهور الحصر». قلتُ: قد أسلفنا أن أبا داود أخرجه، قال: وهذا ظاهر الاختلاف؛ لأنه - عليه السلام - حضهن على الحج، وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وأذن عمر لهن في الحج، ومسير عثمان وغيره من أئمة الهدى معهن حجة قاطعة على الإجماع على ما كَذَّب به الشارع في أمر عائشة، والتسبب إلى عرضها المطهر. وكذا قولهم: تقاتلي فلانًا وأنت ظالمة، إفك وباطل لا يصح (١). وأما سفرها إلى مكة مع غير ذي محرم منها من النسب؛ فالمسلمون كلهم أبناؤها وذوو محارمها بكتاب الله، وكيف أنها كانت تخرج في رفقة ------------ = «الفتح» ٤/ ٧٤: صحيح الإسناد، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥١٥). (١) قال شيخ الإسلام: أما حديث: تقاتلين عليًا وأنت ظالمة له. فهذا لا يعرف في شيء من كتب العلم المعتمدة، ولا له إسناد معروف، وهو بالموضوعات المكذوبات أشبه منه بالأحاديث الصحيحة، بل هو كذب قطعًا أ. هـ «منهاج السنة النبوية» ٤/ ٣١٦. وقال العيني في «عمدة القارئ» ٧/ ٤٠١: ليس بمعروف. قلت: وقع عند المصنف -رحمه الله- هنا: تقاتلين فلانًا، وكذا هو بالأصل. والذي عند شيخ الإسلام والعيني: تقاتلين عليًا وهو أقرب إلى الصواب. والله أعلم. مأمونة وخدمة كافية، هذِه الحال ترفع تحريج التنازع على النساء المسافرات بغير ذي محرم، كذلك قال مالك والأوزاعي والشافعي: تخرج المرأة في حجة الفريضة مع جماعة النساء في رفقة مأمونة، وإن لم يكن معها محرم. وجمهور العلماء على جواز ذَلِكَ، وكان ابن عمر تحج معه نسوة من جيرانه (١)، وهو قول عطاء وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن البصري (٢)، وقال الحسن: المسلم محرم ولعل بعض من ليس بمحرم أوثق من المحرم، وقال ابن سيرين: تخرج مع رجل من المسلمين لا بأس به (٣). وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تحج المرأة إلا مع ذي محرم. وهو قول أحمد وإسحاق وأبي ثور وإبراهيم والحسن وفقهاء أصحاب الحديث (٤)، قال أبو حنيفة: إلا أن يكون بينها وبين مكة أقل من ثلاثة أيام. نقله ابن التين عنه، وحملوا نهيه على العموم في كل سفر، وحمله مالك وجمهور الفقهاء على الخصوص، وأن المراد بالنهي الأسفار غير الواجبة عليها، واحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فدخلت المرأة في هذا الخطاب ولزمها فرض الحج، ولا يجوز أن تمنع المرأة من الفروض كما لا تمنع من الصلاة والصيام، ألا ترى أن عليها أن تهاجر من دار الكفر إلى دار الإسلام إذا أسلمت فيه بغير محرم، وكذلك كل واجب ------------- (١) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٤٨ وعزاه لسعيد بن منصور. (٢) انظر «المصنف» ٣/ ٣٦٦ (١٥١٦٢، ١٥١٦٤). (٣) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ٢١/ ٥١. (٤) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٥٩، «بداية المجتهد» ٢/ ٦٢٨، «البيان» ٤/ ٣٦، «المغني» ٥/ ٣٠. عليها لها أن تخرج فيه، فثبت بهذا أن نهيه عن سفرها مع غير ذي محرم أنه أراد بذلك سفرًا غير واجب عليها، ثم اعلم أنه جاء في حديث ابن عباس: المحرم. وفي حديث أبي سعيد: الزوج. وسلف في باب كم تقصر الصلاة: «ليس معها حرمة» (١)، وهنا: مسيرة يومين، وهناك: ثلاثة أيام (٢)، ويوم وليلة (٣)، ولمسلم: ليلة (٤). ولأبي داود: بريد (٥). واختلافهما إما بحسب السائل أو لاختلاف المواطن، فأجاب في كلٍّ بما يواقعه، أو يوم وليلة مع جمعهما، أو يكون تمثيلًا لأقل الأعداد وأكثره وجمعه، ويجوز أن يكون الثلاث أولًا ثم رأى المصلحة فيما دونها فمنع من مطلق ما يسمى سفرًا. وعن أحمد رواية ثانية: أن المحرم ليس من شرط لزوم السفر دون الوجوب. وثالثة: أن المحرم ليس بشرط في الحج الواجب، ومذهبه الأولى كما قال ابن قدامة (٦)، وعن الأوزاعي أن القوافل العظيمة والطرق العامرة، مثل البلاد فيها الأسواق والتجار يحصل الأمن لها دون محرم أو امرأة. فرع: قال ابن بطال: اتفق الفقهاء أن ليس للرجل منع زوجته حجة الفريضة، وأنها تخرج للحج بغير إذنه، وللشافعي قول أنها لا تخرج ---------- (١) سلف برقم (١٠٨٨) كتاب: تقصير الصلاة. من حديث أبي هريرة. (٢) سلف برقم (١٠٨٦) من حديث ابن عمر. (٣) سلف برقم (١٠٨٨) من حديث أبي هريرة. (٤) مسلم (١٣٣٩/ ٤١٩) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر. من حديث أبي هريرة. (٥) أبو داود (١٧٢٤) كتاب: المناسك، باب: المرأة تحج بغير محرم. (٦) «المغني» ٥/ ٣٠. إلا بإذنه، قال: وأصح قوليه ما وافق سائر العلماء (١). قلت: الذي صححه المتأخرون الثاني، وأن له منعها. وفيه حديث في الدارقطني من حديث ابن عمر، لكن في إسناده مجهول (٢). وقد أجمعوا أنه لا يمنعها من صلاة ولا صيام فرض (٣)، فكذا الحج (٤). -------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٣. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٢٣. ورواه أيضًا الطبراني في «الأوسط» ٤/ ٢٩٦ (٤٢٤٧)، وفي «الصغير» ١/ ٣٤٩ (٥٨٢) من طريق العباس بن محمد بن مجاشع: نا محمد بن أبي يعقوب: نا حسان بن إبراهيم: نا إبراهيم الصائغ، قال: قال نافع، عن ابن عمر، عن رسول الله - ﷺ - به. والحديث ضعفه جمع من الأئمة، فقال عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٢٥٩: في هذا الحديث رجل مجهول يقال له محمد بن أبي يعقوب الكرماني، رواه عن حسان بن إبراهيم الكرماني أ. هـ وتعقبه ابن القطان فقال: محمد بن إسحاق بن أبي يعقوب الكرماني، فهو ثقة، وثقه ابن معين، وأخرج له البخاري في «جامعه»، روى عنه البخاري بالبصرة، وإذا ثبت هذا، فليس ما أعل الخبر به علة، وعلته إنما هي العباس بن محمد بن مجامع، فإنه لا تعرف حاله، فاعلم ذلك. أهـ «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٢٨٩ - ٢٩٠. وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٤٢٠ معقبًا على كلام ابن القطان: تابع العباس، أحمد بن محمد الأزرقي كما أخرجها البيهقي في «سننه» من حديثه عن حسان به، ولم يعله البيهقي من طريقته بل بوب له واحتج به. اهـ. بتصرف. قلت: هو في «سنن البيهقي» ٥/ ٢٢٣ - ٢٢٤. وقال في «الخلاصة» ٢/ ٤٦ في إسناده مجهول، وهو العباس بن محمد. وقال الهيثمي ٣/ ٢١٤ - ٢١٥: رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» ورجاله ثقات!! وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣٨٩). (٣) ورد بهامش الأصل: المراد بالصيام: الصيام الموسع لقضاء رمضان حتى يصح القياس، والصحيح أن له منعها كذا ذكر في النفقات من الرافعي. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٣. فرع: سفرها مع عبدها كالمحرم؛ لأنه محرم، وفي حديث أبي داود: «إنما هو أبوك وزوجك ومولاك» (١). وأخرج البزار من حديث إسماعيل بن عياش، عن بزيع بن عبد الرحمن، عن عمر مرفوعًا: «سفر المرأة مع عبدها حجة ضيعة» (٢). ------------- (١) أبو داود (٤١٠٦) كتاب: اللباس، باب: في العبد ينظر إلى شعر مولاته. ومن طريقه البيهقي ٧/ ٩٥ كتاب: النكاح، باب: ما جاء في إبدائها زينتها لما ملكت يمينها. قال الله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ [النور: ٣١]، والضياء في «المختارة» ٥/ ٩١ (١٧١٢) من طريق محمد بن عيسى: ثنا أبو جميع -سالم بن دينار- عن ثابت، عن أنس أن النبي - ﷺ - أتى فاطمة بعبد … الحديث، وفي آخره قال - ﷺ -: «إنه ليس عليك بأس إنما هو أبوك وغلامك». وتابعه سلام بن أبي الصهباء عن ثابت، رواه ابن عدي في «الكامل» ٣/ ٣١٧. قال المنذري: في إسناده: أبو جميع، قال ابن معين: ثقة، وقال أبو زرعة: مصري لين الحديث أ. هـ «مختصر سنن أبي داود» ٦/ ٥٩. قلت: والحديث أشار المصنف -رحمه الله- إلى صحته فقال: هذا إسناد جيد، قال الحافظ ضياء الدين في «أحكامه»: لا أعلم بإسناده بأسًا، وقال ابن القطان في كتابه «أحكام النظر»: لا يبالى بقول أبي زرعة، فإن العدول متفاوتون في الحفظ بعد تحصيل رتبة، والحديث صحيح أ. هـ «البدر المنير» ٧/ ٥١٠ بتصرف. وصححه الألباني في «الإرواء» (١٧٩٩)، وانظر: «الصحيحة» (٢٨٦٨). (٢) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١٠٧٦)، وابن الأعرابي في «المعجم» ١/ ١٠٢ - ١٠٣ (١٥٨)، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٦٨ (٦٦٣٩) لكنه من طريق إسماعيل بن عياش ثنا بزيع أبو عبد الله، عن نافع، عن ابن عمر، مرفوعًا به. قال الهيثمي ٣/ ٢١٤: فيه: بزيع بن عبد الرحمن، ضعفه أبو حاتم، وبقية رجاله ثقات! وقال أبو حاتم كما في «العلل» ٢/ ٢٩٨ (٢٤٠٥): هذا حديث منكر، ويرويه ضعيف الحديث، وعزاه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٧٧ لسعيد بن منصور وقال: في إسناده ضعف، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٣٧٠١). فرع: قوله في حديث ابن عباس: «اخْرُجْ مَعَهَا» هو للندب لا للوجوب، كما ستعلمه في بابه من الجهاد إن شاء الله تعالى. فرع: احتج أبو حنيفة بحديث الباب على أنه أقل ما تقصر فيه الصلاة، ورده البخاري وغيره بحديث أبي هريرة مرفوعًا: «يومًا وليلة» كما سلف في موضعه. فائدة: قد أسلفنا: أن ابن مسلمة أضاف إليهن رابعًا وهو: مسجد قباء. أخرى: قوله: «مَسْجِدِ الأقصَى» هو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، ففيه المذهبان المشهوران. ٢٧ - باب مَنْ نَذَرَ المَشْيَ إِلَى الكَعْبَةِ ١٨٦٥ - حَدَّثَنَا ابْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ: حَدَّثَنِي ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ قَالَ: «مَا بَالُ هَذَا؟». قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ». [وَ] أَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ. [٦٧٠١ - مسلم: ١٦٤٢ - فتح: ٤/ ٧٨] ١٨٦٦ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِي أَيُّوبَ، أَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ أَخْبَرَهُ، أَنَّ أَبَا الخَيْرِ حَدَّثَهُ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ - عليه السلام -: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». قَالَ: وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ. حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابن جُرَيْجٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ، عَنْ يَزِيدَ، عَنْ أَبِي الَخيْرِ، عَنْ عُقْبَةَ. فَذَكَرَ الَحدِيثَ. [مسلم: ١٦٤٤ - فتح: ٤/ ٧٨] حَدَّثَنَا محمد بْنُ سَلَامٍ، أنا الفَزَارِيُّ، عَنْ حُمَيدِ الطَّوِيلِ أخبرني ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأى شَيخًا يُهَادى بَينَ ابنيهِ قَالَ: «مَا بَالُ هذا؟». قَالُوا: نَذَرَ أن يَمشِيَ. قَالَ: «إِنَّ اللهَ عَنْ تَعْذِيبِ هذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ». وَأَمَرَهُ أن يَركَبَ. ثم ساق حديث أَبي الخَيْرِ -وهو مرثد بن عبد الله اليزني (١) - عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا النَّبِيَّ - ﷺ -، فَاسْتَفْتَيْتُهُ، فَقَالَ - عليه السلام -: «لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ». قَالَ: وَكَانَ أَبُو الخَيْرِ لَا يُفَارِقُ عُقْبَةَ. ثم ذكره بسند آخر (٢). --------- (١) بهامش الأصل: هذا التوضيح من الشيخ. (٢) ورد بهامش الأصل: إنما ذكره بسند آخر؛ لأنه ذكره ثانيا أعلى من الأول. لأنه = الشرح: هذا الحديث يأتي في الأيمان والنذور أيضًا (١)، والفزاري هذا هو أبو إسحاق أو مروان بن معاوية، قاله ابن حزم (٢)، وكلاهما ثقة إمام، وأما خلف وأبو نعيم والطرقي في آخرين فذكروا أنه مروان، وأخرجه مسلم في النذور عن أبي عمر، ثنا مروان، ثنا حميد، فذكره (٣)، وأخرجه أبو داود والنسائي والترمذي أيضًا (٤)، وللترمذي أيضًا من حديث عمران القطان، عن حميد، عن أنس، محسنًا: نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله تعالى، فسئل نبي الله - ﷺ - ذَلِكَ فقال: «إن الله لغني عن مشيها مروها فلتركب» (٥). والرجل المهادى هو أبو إسرائيل كما قال الخطيب (٦)، وقال النووي: ----------- = رواه في الأول عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، وفي الثاني: عن أبي عاصم، عن ابن جريج، وكذلك (…) ابن جريج (…) وقوله: ثم ذكره لم يذكره (…) وإنما قال: فذكر الحديث. (١) يأتي برقم (٦٧٠١) باب: النذر فيما لا يملك وفي معصية. (٢) «المحلى» ٧/ ٢٦٤. (٣) مسلم (١٦٤٢) كتاب: النذر، باب: من نذر أن يمشي إلى الكعبة. (٤) أبو داود (٣٣٠١) كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما جاء في النذر في المعصية، النسائي ٧/ ١٩ كتاب: الأيمان والنذور، باب: من نذر أن يمشي إلى بيت الله تعالى، الترمذي (١٥٣٧) كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع. (٥) الترمذي (١٥٣٦) كتاب: النذور والأيمان، باب: ما جاء فيمن يحلف بالمشي ولا يستطيع: وقال الألباني في «صحيح الترمذي» (١٢٤٢): حسن صحيح. (٦) قال الحافظ متعقبًا المصنف -رحمه الله: قرأت بخط مغلطاي الرجل الذي يهادى، قال الخطيب: هو أبو إسرائيل، كذا قال وتبعه ابن الملقن وليس ذلك في كتاب الخطيب وإنما أورده من حديث مالك "عن حميد بن قيس وثور أنهما أخبراه أن = اسمه قيس (١)، وقيل قيصر. قلت: لم أر في الصحابة من اسمه قيصر (٢)، وقيل يسير. وحديث عقبة أخرجه مسلم أيضًا وقال: أن تحج حافية (٣). ولما أسنده الإسماعيلي قال: حديث هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب -يعني: طريق البخاري- هذا الحديث مما لا يعرف ويخشى أن يكون غلطًا، وتابع سعيد بن أبي أيوب يحيى بن أيوب، وليس من شرط أبي عبد الله في هذا الكتاب، وأبو عاصم وروح تابعا هشامًا وهما ثقتان. يعني: وقد اتفقا على خلاف سعيد. قلت: ورواه ابن عباس عن عقبة أخرجه أحمد بزيادة، وشكى إليه ضعفها. وفيه: «فلتركب ولتهد بدنة» (٤)، وأخرجه أبو داود أيضًا من حديث -------- = رسول الله - ﷺ - رأى رجلا قائمًا في الشمس فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن لا يستظل ولا يتكلم ويصوم، الحديث، قال الخطيب: هذا الرجل هو أبو إسرائيل، ثم ساق حديث عكرمة عن ابن عباس أن النبي - ﷺ - كان يخطب يوم الجمعة فرأى رجلًا يقال له أبو اسرائيل فقال: ما باله؟ قالوا: نذر أن يصوم ويقوم في الشمس ولا يتكلم«الحديث أ. هـ»فتح الباري«٤/ ٧٩. (١)»تهذيب الأسماء واللغات«للنووي ٢/ ١٧٥. (٢) ورد بالهامش: قال ابن بشكوال: واسم أبي إسرائيل يسير، وساق له شاهدًا، ثم قال: فأخبرت عن أبي عمر بن عبد البر أنه قال: اسم أبي إسرائيل قسير. والله أعلم. قلت (المحقق): انظر:»غوامض الأسماء المبهمة«(١/ ٢٣٨ - ٢٣٩). (٣) مسلم (١٦٤٤). (٤)»مسند أحمد«١/ ٢٣٩. قال الهيثمي في»المجمع" ٤/ ١٨٩: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح أ. هـ وأصل القصة في الصحيحين. ابن عباس أن أخت عقبة. وفيه: «فإنها لا تطيق ذَلِكَ». وفيه: «ولتهد هديًا» (١)، ورواه عبد الله بن مالك اليحصبي عن عقبة. أخرجه الترمذي محسنًا بلفظ: نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: «مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام» وذكره أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث عبد الله بن مالك من غير ذكر نسبه (٢)، وزعم ابن عساكر أنه عبد الله بن مالك أبو تميم الجيشاني، وابن أبي حاتم وغيره يفرقون بين هذين الرجلين، وأما ابن يونس فجعلهما واحدًا. وذكر بعضهم أن قول ابن يونس أولى بالصواب. ورواه أبو موسى المديني في «الصحابة» من حديث يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد الرعيني، عن ----------- (١) أبو داود (٣٢٩٦) كتاب: الأيمان والنذور، باب: ما جاء في النذر في المعصية. قال الحافظ في «التلخيص» ٤/ ١٧٨: إسناده صحيح. (٢) الترمذي (١٥٤٤) كتاب: النذور والأيمان، وفيه عن عبد الله بن مالك اليحصبي، منسوبًا. أبو داود (٣٢٩٣) كتاب: الأيمان والنذور، باب: من رأى عليه كفارة إذا كان في معصية، النسائي ٧/ ٢٠. وفيهما عن عبد الله بن مالك غير منسوب، ابن ماجه (٢١٣٤) كتاب: الكفارات، باب: من نذر أن يحج ماشيًا. ورواه أيضًا وأحمد ٤/ ١٤٥، ١٤٩، ١٥١، والدارمي ٣/ ١٥٠٦ (٢٣٧٩) كتاب: النذور والأيمان، باب: في كفارة النذر من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد الرعيني، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر به. قلت: وإسناده ضعيف، لضعف عبيد الله بن زحر، ضعفه أحمد، وقال ابن معين: ليس بشيء، ومرة قال: كل حديثه عندي ضعيف، وعن ابن المديني: منكر الحديث. ولهذا ضعف الألباني الحديث في «الإرواء» (٢٥٩٢) مع العلم بأن الحديث أصله بغير هذا الإسناد في الصحيحين كما مر. عبد الله بن مالك الجهني أن عقبة بن مالك أخبره أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى البيت حافية غير مختصرة، فذكره (١). وللطحاوي: نذرت أن تحج حافية ناشرة شعرها (٢). وأخت عقبة اسمها أم حبان -بكسر الحاء المهملة، ثم باء موحدة- وذكر أنها من المبايعات (٣). إذا تقرر ذَلِكَ، فأهل الظاهر أخذوا بحديث أنس وعقبة بن عامر وقالوا: من عجز عن المشي فلا هدي عليه اتباعًا للسنة في ذَلِكَ، قالوا: ولا يثبت شيء في الذمة إلا بيقين، وليس المشي مما يوجبه نذر؛ لأن فيه تعب الأبدان، وليس الماشي في حال مشيته في حرمه إحرام فلم يجب عليه المشي ولا بدل منه. قال ابن حزم: من نذر أن يمشي إلى مكة أو إلى مكان ذكره من الحرم على سبيل التقرب، أو الشكر لله تعالى لا على سبيل اليمين، ففرض عليه المشي إلى حيث نذر للصلاة هنالك أو الطواف بالبيت فقط، ولا يلزمه أن يحج ولا أن يعتمر إلا أن ينذر ذَلِكَ وإلا فلا، فإن شق عليه المشي إلى حيث نذر من ذَلِكَ فليركب ولا شيء عليه، فإن ركب في الطريق كله بغير مشقة في طريقه فعليه هدي، ولا يعوض من ذَلِكَ صيامًا ولا طعامًا، فإن نذر أن يحج ماشيًا فليمش من -------- (١) رواه بهذا الإسناد أيضًا أحمد ٤/ ١٥١، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٣٠، وفي «شرح المشكل» كما في «التحفة» ٦/ ٧٠ (٣٩٥٣)، والطبراني ١٧/ ٣٢٣ (٨٩٣). وهو ضعيف أيضًا؛ لأن آفته عبيد الله بن زحر، وهو ضعيف، وضعفه الألباني في «الإرواء» (٢٥٩٢) وقد تقدم. (٢) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٣١. ورواه أيضًا عبد الرزاق ٨/ ٤٤٩ (١٥٨٦٤). (٣) انظر ترجمتها في: «أسد الغابة» ٧/ ٣١٣، «الإصابة» ٤/ ٤٣٩. الميقات حَتَّى يتم حجه (١). قلت: قد أسلفنا ذكر الصيام، وأما سائر الفقهاء فلهم في هذِه المسألة ثلاثة أقوال غير هذا: أولها: روي عن علي وابن عمر: أن من نذر المشي إلى بيت الله فعجز أنه يمشي ما استطاع فإذا عجز ركب وأهدى شاة (٢)، وهو قول عطاء والحسن (٣)، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، إلا أن أبا حنيفة وأصحابه قالوا: وكذلك إن ركب وهو غير عاجز، ويكفر عن يمينه لحنثه، وقال الشافعي: الهدي في هذِه احتياط من قبل أنه من لم يطق شيئًا سقط عنه (٤)، وحجتهم ما رواه همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عقبة بن عامر: أن أخته نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فسأله النبي - ﷺ - عن ذَلِكَ فقال: «إن الله لغني عن نذر أختك فلتركب ولتهد» (٥). ثانيها: يعود فيحج مرة أخرى ثم يمشي ما ركب ولا هدي عليه، هذا قول ابن عمر، ذكره مالك في «الموطأ» (٦)، وروي عن ابن عباس وابن الزبير والنخعي وسعيد بن جبير (٧). ---------- (١) «المحلى» ٧/ ٢٦٣ - ٢٦٤. (٢) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٤٨ - ٤٥٠ (١٥٨٦٣، ١٥٨٦٩)، وابن أبي شيبة ٣/ ٩٤ (١٢٤١٤). (٣) رواه عن الحسن ابن أبي شيبة ٣/ ٩٤ (١٢٤١٧). (٤) «المبسوط» ٤/ ١٣٠ - ١٣١، «البيان» ٤/ ٤٩٧. (٥) رواه من هذا الطريق أبو داود (٣٢٩٦)، وأحمد ١/ ٢٣٩، وابن الجارود ٣/ ٢١٠ (٩٣٦)، والبيهقي ١٠/ ٧٩. وقد تقدم. (٦) «الموطأ» ص ٢٩٢، ورواه أيضًا البيهقي ١٠/ ٨١. (٧) انظرها في «المصنف» ٣/ ٩٣ - ٩٤ (١٢٤١٣، ١٢٤١٦، ١٢٤١٩). ثالثها: يعود فيمشي ما ركب وعليه الهدي، روي عن ابن عباس أيضًا (١)، وروي عن النخعي (٢) وابن المسيب، وهو قول (عن) (٣) مالك جمع عليه الأمرين المشي والهدي احتياطًا؛ لموضع تفريقه بالمشي الذي كان لزمه في سفر واحد، فجعله في سفرين قياسًا على التمتع والقران. وقال ابن التين: مذهب مالك: إذا عجز عن مشي البعض فإن ركب الكثير فعنه: يبتدئ المشي كله، وعنه: يرجع فيمشي ما ركب، وإن ركب يومًا وليلة رجع فمشى ما ركب، وإن ركب أقل من ذَلِكَ فليس عليه الرجوع، ويجزئه الهدي (٤)، ويمكن أن يتأول لحديث أنس وعقبة بوجه موافق لفقهاء الأمصار حَتَّى لا ينفرد أهل الظاهر بالقول بهما، وذلك أن في نصهما ما يبين المعنى فيهما وهو أنه - عليه السلام - رأى شيخًا يهادى بين ابنيه فقال: «إن الله لغني عن تعذيب هذا نفسه» فبان واتضح أنه كان غير قادر على المشي، وممن لا ترجى له القدرة عليه، ومن كان غير قادر على شيء سقط عنه. والعلماء متفقون: أن الوفاء بالنذر إنما يكون فيما هو لله تعالى طاعة، والوفاء به بر، ولا طاعةَ ولا برَّ، في تعذيب أحد نفسه، فكأن هذا الناذر قد نذر على نفسه ما لا يقدر على الوفاء به، وكان في معنى أبي إسرائيل الذي نذر ليقومن في الشمس ولا يستظل ويصوم ذَلِكَ اليوم، فأمره رسول الله - ﷺ -: أن يجلس ويستظل ويصوم، ولم يأمره بكفارة. -------- (١) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٤٩ (١٥٨٦٥)، والبيهقي ١٠/ ٨١. (٢) رواه عبد الرزاق ٨/ ٤٤٩ (١٥٨٦٦). (٣) من (ج). (٤) «المدونة» ١/ ٣٤٧. وقد روي في حديث عقبة بن عامر ما يدل أن أخته كانت غير قادرة على المشي فلذلك لم يأمرها - عليه السلام - بالهدي، روى الطبري من حديث محمد بن أبي يحيى الأسلمي: حَدَّثَني إسحاق بن سالم، عن عقبة بن عامر: أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة وهي امرأة ثقيلة والمشي يشق عليها، فذكر ذَلِكَ عقبة لرسول الله - ﷺ - فقال: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتركب» (١). فصح التأويل أنها نذرت، وهي في حال من لا ترجى له القدرة على الوفاء بما نذرت كأبي إسرائيل. والعلماء مجمعون على سقوط المشي عمن لا يقدر عليه فسقوط الهدي أحرى، وإن كان مالك يستحب الهدي لمن عجز عن المشي. قال الطحاوي: ونظرنا في قول من قال: ليس الماشي في حرمة إحرام، فرأينا الحج فيه الطواف والوقوف بعرفة وجمع، وكان الطواف منه ما يفعله الرجل في حال من إحرامه، وهو طواف الزيارة، ومنه ما يفعله بعد أن يحل من إحرامه، وهو طواف الصدر، وكان ذَلِكَ من أسباب الحج قد أريد أن يفعله الرجل ماشيًا، وكان إن فعله راكبًا مقصرًا، وجعل - عليه السلام - هذا إذا فعله من غير علة فإن فعله من علة فالناس مختلفون في ذَلِكَ، قال أبو حنيفة وصاحباه: لا شيء عليه، وقال غيرهم: عليه دم؛ وهو النظر عندنا؛ لأن العلل إنما تسقط الآثام في انتهاك الحرمات ولا تسقط الكفارات كحلق الرأس في الإحرام (٢)، إن حلقه من غير عذر يسقط الإثم والكفارة، فإن اضطر إلى حلقه فعليه الكفارة ولا إثم عليه، وكذلك المشي الذي قبل --------- (١) تقدم تخريجه مرارًا بغير هذا الإسناد. (٢) «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٣١. الإحرام، فما كان من أسباب الحج كان حكمه حكم المشي الواجب في الإحرام، يجب على تاركه الدم. وفيه: وجوب الوفاء بالنذر، وأن من نذر ما لا يستطيع لم يلزمه، وكذا ما يجهده، وإن حلف ولم ينذر ذلك وحلف بالمشي إلى مكة لزمه المشي عند سائر أصحاب مالك، وما يعزى لابن القاسم أنه أفتى في النذر بكفارة يمين، لا يصح. وقال الشافعي: يلزمه المشي بالنذر، ومن حلف به وجبت فعليه كفارة يمين (١)، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم. وفيه: قبول خبر الواحد. ------------ (١) انظر: «البيان» ٤/ ٤٩٨. ٢٩ فضائل المدينة [بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٢٩ - كتاب] فضائل المدينة ١ - باب مَا جَاءَ في حَرَمِ المَدِينَةِ ١٨٦٧ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا ثَابِتُ بْنُ يَزِيدَ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». [٧٣٠٦ - مسلم: ١٣٦٦ - فتح: ٤/ ٨١] ١٨٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا بَنِي النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي». فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللهِ. فَأَمَرَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ. [انظر: ٢٣٤ - مسلم: ٥٢٤ - فتح: ٤/ ٨١] ١٨٦٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ: «حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي». قَالَ: وَأَتَى النَّبِيُّ - ﷺ - بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: "أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ». ثُمَّ التَفَتَ فَقَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ». [١٨٧٣ - مسلم: ١٣٧٢ - فتح: ٤/ ٨١] ١٨٧٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا، أَوْ آوَى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». وَقَالَ: «ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ، وَمَنْ تَوَلَّى قَوْمًا بِغَيْرِ إِذْنِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ». [قَالَ أبُو عبدِ اللهِ: عَدلٌ: فِدَاءٌ]. [انظر: ١١١ - مسلم: ١٣٧٠ - فتح: ٤/ ٨١] ذكر فيه أربعة أحاديث: أحدها: عن عَاصِمِ الأَحْوَلِ، عَنْ أَنَس بْنِ مالك - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «المَدِينَةُ حَرَمٌ، مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا، لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا، وَلَا يُحْدَثُ فِيهَا حَدَثٌ، مَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ». ثانيها: حديثه أيضًا من حديث أَبِي التَّيَّاحِ -واسمه يزيد بن حميد- قال: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - المَدِينَةَ وَأَمَرَ بِبِنَاءِ المَسْجِدِ، فَقَالَ: «يَا بَني النَّجَّارِ، ثَامِنُونِي». فَقَالُوا: لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إلى الله. فَأمَرَ بِقُبُورِ المُشْرِكِينَ، فَنُبِشَتْ، ثُمَّ بِالخِرَبِ فَسُوِّيَتْ، وَبِالنَّخْلِ فَقُطِعَ، فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةَ المَسْجِدِ. ثالثها: حديث أَبِي هُريرَةَ قال: قال النَّبِيُّ - ﷺ -: «حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ عَلَى لِسَانِي». وَأَتَى النَّبِي - ﷺ - بَنِي حَارِثَةَ فَقَالَ: «أَرَاكُمْ يَا بَنِي حَارِثَةَ قَدْ خَرَجْتُمْ مِنَ الحَرَمِ». ثُمَّ التَفَتَ فَقَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ فِيهِ». رابعها: حديث عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَال: مَا عِنْدَنَا شَيءٌ إِلَّا كِتَابُ اللهِ، وهذِه الصَّحِيفَةُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «المَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا، مَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدِثًا، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ ..» الحديث بطوله. الشرح: حديث أنس أخرجه مسلم أيضًا (١)، ويأتي في الاعتصام (٢)، وحديث أنس الثاني سلف في المساجد (٣). وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم لكن بزيادة حدها. وهذا لفظه: حَرَّم رسول الله - ﷺ - ما بين لابتي المدينة. قال أبو هريرة: فلو وجدت الظباء ما بين لابتيها ما ذعرتها، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى (٤). وفي رواية له: «ما بين لابتي المدينة حرام» (٥)، وفي رواية أيضًا: «المدينة حرم» (٦). وحديث علي أخرجه مسلم مطولًا أيضًا بلفظ: «المدينة حرم ما بين عير وثور» (٧). ولم يذكر البخاري ثورًا، وإنما عبر عنه بكذا في طرقه كلها، إلا في رواية الأصيلي في كتاب الجزية والموادعة، فإنه وقع له فيها: «إلى ثور». ------------ (١) مسلم (١٣٦٦) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. (٢) سيأتي برقم (٧٣٠٦) باب: إثم من آوى محدثًا. (٣) سلف برقم (٤٢٨) كتاب: الصلاة، باب: هل تنبش قبور مشركي الجاهلية. (٤) مسلم (١٣٧٢/ ٤٧٢) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. (٥) مسلم (١٣٧٢/ ٤٧١). (٦) مسلم (١٣٧١). (٧) مسلم (١٣٧٠). ![]()
__________________
|
|
#357
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (12) من صـــ 501 الى صـــ 520 الحلقة (357) إذا تقرر ذلك، فالكلام عليه في وجوه: أحدها: قوله: («مِنْ كَذَا إِلَى كَذَا») وفي رواية: «مَا بَيْنَ عَائِرٍ إِلَى كَذَا» (١) وأسلفنا «ما بين عير إلى ثور» بإسقاط الألف واختلف الناس فيهما هل هما بالمدينة أو بمكة، والحق أنهما بالمدينة وأنهما معروفان. قال ابن المنير: قوله: «من عير إلى كذا» سكت عن النهاية، وقد جاء في طريق آخر: «ما بين عير إلى ثور» (٢). قال: والظاهر أن البخاري أسقطها عمدًا لأن أهل المدينة ينكرون أن يكون بها جبلٌ يسمى ثورًا، وإنما ثور بمكة، فلما تحقق عنده أنه وهم أسقطه وذكر بقية الحديث، وهو مفيد يعني: بقوله: «من عير إلى كذا» (٣) إذ البداءة يتعلق بها حكم، فلا تترك؛ لإشكال سنح في حكم النهاية (٤). قلت: قد أسلفنا أنه ذكرها في الجزية والموادعة، نعم أنكر مصعب الزبيري وغيره هاتين الكلمتين -أعني: عيرًا وثورًا- وقالوا: ليسا بالمدينة، عير بمكة. قال صاحب «المطالع»: بعض رواة البخاري ذكروا عيرًا، وأما ثور فمنهم من كنى عنه بكذا، ومنهم من ترك مكانه بياضًا إذ اعتقدوا الخطأ في ذكره. وقال أبو عبيد: كان الحديث «من عير إلى أحد». --------- (١) أحد روايات أحاديث الباب (١٨٧٠). (٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٦٧٥٥) كتاب: الفرائض، باب: إثم من تبرأ من مواليه. (٣) ستأتي هذِه الرواية برقم (٧٣٠٠) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من التعمق والتنازع في العلم … (٤) «المتواري على تراجم أبواب البخاري» لابن المنير ص ١٤٨. قلت: وكذا رواه الطبراني في «أكبر معاجمه» من حديث عبد الله بن سلام (١)، وقد ذكر البكري عن أبي عبيد أيضًا أنه بالمدينة (٢)، فلعله رجع آخرًا. وذكر الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه لما خرج رسولًا من صاحب المدينة إلى العراق كان معه دليل يذكر له الأماكن والأجبلة، فلما وصل إلى أحد، إذا بقربه جبيل صغير فسأله: ما اسم هذا الجبل؟ قال: هذا يسمى ثورًا. قلت: فصح الحديث، ولله الحمد. وقال المحب الطبري: هو جبل بالمدينة رأيته غير مرة وحددته. ولما ذكر ياقوت قول عياض قال بعضهم: ليس بالمدينة، ولا على مقربة منها جبل يعرف بأحد هذين الاسمين. قال: قلت أنا: وهذا من قائله وهمٌ، فإن عيرًا جبل مشهور بالمدينة (٣). قال عياض: وبيَّض آخرون موضع ثور في الحديث، ومنهم من روى «من كذا إلى كذا» (٤). وفي رواية النسفي وابن السكن: «من عير إلى كذا وكذا»، وفي وراية أبي علي من رواية أبي كثير. وقال آخرون: بل الرواية الصحيحة أنه حرم ما بين عير إلى أحد، وأن ثورًا بمكة وعيرًا بالمدينة، وما بين ذلك بإجماعهم غير محرم. وعير اسم جبل بقرب المدينة، وهو بفتح العين، ثم مثناة تحت ساكنة، ثم راء مهملة. ---------- (١) الطبراني ص ١٢٩ - ١٣٠ (١٧٤) قطعة من مسانيد من اسمه عبد الله، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣٠٣: رجاله ثقات. (٢) «معجم ما استعجم» ١/ ٣٥٠. (٣) «معجم البلدان» ٢/ ٨٦ - ٨٧. (٤) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٩. قاله ابن السيد في «مثلثه» (١) وأغرب ابن قدامة حيث قال: يحتمل أن يكون قد أراد قدر ما بين ثور وعير اللذين بمكة، ويحتمل أنه أراد جبلين بالمدينة، وسمَّاهما عيرًا وثورًا تجوُّزًا، وهما احتمالان بعيدان، وعند ثبوت ذلك ومعرفتهما فلا اعتراض ولا احتمال. وكذا قال ابن بطال: عاير جبل بقرب المدينة، ويروى عير، قال: وثور: جبل معروف أيضًا (٢). وكذا قال الداودي: عير؛ جبل بالمدينة. وخالف ابن فارس فقال: بمكة (٣). وقيل: إنه بريد في بريد في جوانبها كلها، نقله ابن التين عن الشيخ أبي محمد، ولما رأى بعض الحنفية هذا الاختلاف عده اضطرابًا ورتب عليه أن لا حرم لها، ولا يسلم له. ثانيها: حرم مدينة سيدنا رسول الله - ﷺ - ما ذكرناه (٤). واللابتان: الحرتان، وهي أرض بركتها حجارة سود، وهما الطرفان. قال أبو عبيد: وجمعها: لاب ولوب كقارة وقور، وجمعت أيضًا على لابات، ما بين الثلاث إلى العشر، وهما غربية وشرقية (٥). قال ابن حبيب: وتحريم رسول الله - ﷺ - لابتي المدينة إنما ذلك في الصيد، فأما في قطع الشجر فبريد في بريد في دور المدينة كله، كذلك أخبرني مطرف عن مالك، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وللمدينة حرتان أيضًا؛ حرة في القبلية وحرة في الجوف، وترجع كلها إلى الحرتين؛ لأن ------------ (١) «المثلث» لابن السيد البطليوسي ٢/ ٢٦٨. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٧. (٣) «مجمل اللغة» المجلد الثاني ص ٦٣٩. (٤) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: ثم بلغ في الحادي بعد الأربعين كتبه مؤلفه. (٥) «غريب الحديث» لأبي عبيد ١/ ١٨٨ - ١٨٩. القبلية والجوفية متصلتان بهما، ولذلك حرم رسول الله - ﷺ - ما بين لابتي المدينة، جمع دورها كلها في اللابتين، وقد ردها حسان بن ثابت إلى حرة واحدة فقال: لنا حرة مأطورة بجبالها … بني العز فيها بيته فتأهلا (١) وقوله: مأطورة يعني: مقطوعة بجبالها؛ لاستدارتها، وإنما جبالها الحجارة السود التي تسمى الحرار (٢)، وقالوا: أسود لوبي ونوبي، منسوبة إلى اللوبة والنوبة، حكاه في «المحكم» (٣). ثالثها: فإن قلت: ما إدخال حديث أنس في بناء المسجد في هذا الباب بعد قوله: «لَا يُقْطَعُ شَجَرُهَا». قلت: وجهه كما قال المهلب: ليعرفك أن قطع النخل كان ليبوئ المسلمين مسجدًا. ففيه من الفقه: أن من أراد أن يتخذ جنانًا في حرم المدينة ليعمرها ويغرس فيها النخل، ويزرع فيها الحبوب، أنه لا يتوجه إليه النهي عن قطع شجرها ولا يمنع من قطع ما فيه من شجر الشعراء (٤) وشوكها؛ لأنه يبتغي الصلاح والتأسيس للسُكنى في موضع العمارة، فهذا يبين وجه النهي أنه موقوف على المفسد لبهجة المدينة ونضرتها وخضرتها لعين المهاجر إليها حتى تبتهج نفسه ويرتاح بمبانيها، وإن كان ابتهاجه بمسجده الذي هو بيت الله -عز وجل-، ومنزل ملائكته، ومحل وحيه أعظم، والسرور به أشد. ----------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» (٤/ ٥٣٧ - ٥٣٨ ووقع فيه: فتأثلا! وهو خطأ. (٢) انظر: «التمهيد» ٦/ ٣١٢. (٣) «المحكم» ١٢/ ٩١. (٤) ورد في هامش الأصل تعليق نصه: الشجر الكبير حكاه في «الصحاح» [٢/ ٧٠٠]. عن أبي عبيد. وقيل: قطعه - ﷺ - للنخيل من موضع المسجد يدل على أن النهي توجه إلى ما أنبته الله تعالى من الشجر، مما لا صنع فيه لآدمي؛ لأن النخيل التي قطعت من موضع المسجد كان لغرس الآدميين؛ لأنه طلب شراء الحائط من بني النجار إذ كان ملكًا لهم، فقالوا: لا نطلب ثمنه إلا إلى الله، وعلى هذا التأويل حمل نهيه - ﷺ - عن قطع شجر مكة (١). واستضعف بعضهم جواب المهلب أن القطع كان للبناء، وفيه مصلحة المسلمين، وقال: يلزمه أن يقول به في حرم مكة أيضًا ولا قائل به، ثم ادَّعى أنه هو ما فهمه البخاري، أنها ليست حرامًا، إذ لو كانت كذلك لم يقطع شجرها، وهو بعيد. رابعها: اتفق مالك والشافعي وأحمد وجمهور الفقهاء على أن الصيد محرم في المدينة، وقال أبو حنيفة وأصحابه: صيدها غير محرم، وكذلك قطع شجرها، فخالف أحاديث الباب (٢)، واحتج الطحاوي (٣) بحديث أنس أنه - ﷺ - دخل دارهم، وكان لأنس أخ صغير، وكان له نغير يلعب به، فقال له رسول الله - ﷺ -: «يا أبا عمير ما فعل النغير؟» (٤) ولا حجة فيه؛ لأنه ممكن أن يصاد ذلك النغير من ---------- (١) سلف برقم (١٠٤) كتاب: العلم، باب: ليبلغ العلم الشاهد الغائب، ورواه مسلم (١٣٥٤) كتاب: الحج. باب: تحريم مكة وصيدها وخلاها وشجرها. وسلف أيضًا برقم (١٣٤٩) كتاب: الجنائز، باب: الاذخر والحشيش في القبر، ورواه مسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس وانظر نص الكلام السالف في «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٣٨. (٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٣، «المبسوط» ٤/ ١٠٦، «المدونة» ١/ ٣٣٥، «المنتقى» ٢/ ٢٥٣، «المجموع» ٧/ ٤٧٢ - ٤٧٣، «المغني» ٥/ ١٩٣. (٣) «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٤. (٤) سيأتي برقم (٦١٢٩) كتاب: الأدب، باب: الانبساط إلى الناس، ورواه مسلم (٢١٥٠) كتاب: الآداب، باب: استحباب تحنيك المولود. غير حرم المدينة، قالوا: وبدخوله الحرم صار حرميًّا، ولا نسلم لهم ذلك، وروي عن عائشة: كان لآل رسول الله - ﷺ - وحش، فإذا خرج رسول الله - ﷺ - لعب واشتد وأقبل وأدبر، فإذا أحس برسول الله - ﷺ - قد دخل، ربض (١). قالوا: فحبس الوحش، وإغلاق الباب عليه دليل على إباحته، وفي البيهقي من حديث سلمة بن الأكوع قال: كنت أرمي الوحش، وأهدي لحومها إلى رسول الله - ﷺ -. وفيه: فقال لي رسول الله - ﷺ -: «لو كنت تصيد بالعقيق لشيعتك إذا ذهبت وتلقيتك إذا جئت» (٢) قال البيهقي: حدث به موسى بن إبراهيم، وهو حديث ضعيف، وهو مخالفُ حديث سعد بن أبي وقاص في العقيق (٣). حجة الجماعة أن الصحابة فهمت من النبي - ﷺ - تحريم الصيد في حرم المدينة؛ لأنهم أُمِروا بذلك وأفتوا به، وهم القدوة الذين يجب اتباعهم. ---------- (١) رواه أحمد ٦/ ١١٢ - ١١٣، والبزار كما في «كشف الأستار» (٢٤٥٠) كتاب: علامات النبوة، باب: أدب الحيوانات معه، وأبو يعلى في «المسند» ٧/ ٤١٨ (٤٤٤١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٥، والطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤٨ (٦٥٩١)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٤: رجال أحمد رجال الصحيح. (٢) «معرفة السنن والآثار» (٧/ ٤٤١ - ٤٤٢) (١٠٦١٨، ١٦٢٢) وحديث سلمة بن الأكوع رواه أيضا الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٥، والطبراني ٧/ ٦ (٦٢٢٢)، قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٢/ ١٥١: رواه الطبراني بإسناد حسن وتبعه الهيثمي في «المجمع» ٤/ ١٤، وقال الألباني في «الضعيفة» (٥٨٦٩): منكر جدًّا؛ فيه: موسى بن محمد التيمي متفق على تضعيفه. (٣) وحديث سعد بن أبي وقاص رواه مسلم (١٣٦٤) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. ورووه أيضًا أبو هويرة وغيره ممن سلف، وسعد في مسلم، ورافع بن خديج، وجابر، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وسهل بن حنيف، وأبو سعيد الخدري، وعدي بن حاتم، وعبادة، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت (١)، وروى جعفر بن محمد قال: اطلع عليَّ علىُّ بن حسين وأنا أنتف صدغي عصفور فقال: خل سبيله هذا حَرَمُ رسول الله - ﷺ -. وروي عن أبي سعيد الخدري: كان يضرب بنيه إذا صادوا فيه، ويرسل الصيد (٢). وأخذ سعد بن أبي وقاص سلب من صاد في حرمها وقطع شجرها، ورواه عن النبي - ﷺ - (٣)، إلا أن أئمة الفتوى لم ---------- (١) حديث سعد رواه مسلم (١٣٦٣). وحديث رافع بن خديج رواه مسلم أيضًا (١٣٦١). وحديث جابر رواه مسلم (١٣٦٢). وحديث عبد الله بن زيد سيأتي برقم (٢١٢٩) كتاب: البيوع، باب: بركة صاع النبي - ﷺ -، ورواه مسلم (١٣٦٠). وحديث سهل بن حنيف رواه مسلم (١٣٧٥). وحديث أبي سعيد رواه مسلم (١٣٧٤). وحدث عبادة رواه البيهقي ٥/ ١٩٨ كتاب: الحج، باب: ما جاء في حرم المدينة. وحديث عبد الرحمن بن عوف رواه الطحاوي ٤/ ١٩١ كتاب: الصيد، باب: صيد المدينة، والبيهقي ٥/ ١٩٨ كتاب: الحج، باب: ما جاء في حرم المدينة، وحديث زيد بن ثابت أخرجه أحمد ٥/ ٨١، والطحاوي ٤/ ١٩٢، والبيهقي ٥/ ١٩٩. وورد بهامش الأصل: حديث زيد في «المسند» وكذلك حديث عبادة بن الصامت من طريقين: أحدهما: رواه عبد الله بن أحمد، عن محمد بن عباد المكي وأبو مروان العثماني، وفيه؛ مما لم يذكره الشيخ، حديث عبد الله بن سلام في تحريم الصيد وقطع الشجر، وكذلك حديث أبي حسن وهو غنم بن عبد عمرو. (٢) رواه مسلم (١٣٧٤/ ٤٧٨) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة. (٣) رواه مسلم (١٣٦٤) كتاب: الحج، باب: فضل المدينة، مقتصرًا على من قطع شجرها. = يقولوا بأخذ سلبه، وإن كان هو المختار. قال أبو عمر: واحتج لأبي حنيفة بحديث سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: «من وجدتموه يصيد في حدود المدينة، أو يقطع شجرها فخلوا سبيله» (١) قال: وقد اتفق العلماء على أنه لا يؤخذ سلبُ من صاد في المدينة، فدل على أنه منسوخ. قال: ويحتمل أن يكون معنى النهي عن صيدها وقطع شجرها؛ لأن الهجرة كانت إليها، وكان بقاء الصيد والشجر مما يزيد في (تزينها) (٢) ويدعو إلى إلفها، كما روى ابن عمر أن النبي - ﷺ - نهى عن هدم آطام المدينة فإنها من زينة المدينة (٣)، قال: وليس في حديث سعد حجة؛ لضعفه، ولو صح لم --------- = وأما أخذه سلب من صاد في حرمها فرواه أبو داود (٢٠٣٧) كتاب: المناسك، باب: في تحريم المدينة، وأحمد ١/ ١٧٠، وأبو يعلى في «المسند» ٢/ ١٣٠ (٨٠٦)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩١. وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٧٥) «يصيد»: منكر، والمحفوظ: يقطع شجرًا. (١) في بعض نسخ «التمهيد»: «فخذوا سلبه» وقد سبق تخريجه. (٢) في (ج) تزيينها. (٣) رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١١٨٩)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٩٤، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ٣/ ١٠٩٨ من طريق عبد الله بن عمر بن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن آطام المدينة أن تهدم. قال الذهبي: غريب، وقال الحافظ في «مختصر زوائد البزار» ١/ ٤٧٨ (٨١٧): إسناده حسن، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٣٠١: رواه البزار عن الحسن بن يحيى، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح. اهـ. ورواه الطحاوي ٤/ ١٩٤، والعقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٣١١ - ٣١٢، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٧٢ من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - نهى عن هدم الآطام، وقال: «إنها من زينة المدينة». وأورد الحافظ في «الفتح» ٤/ ٨٣ الحديث بهذا اللفظ، وسكت عليه. = يكن في نسخ أخذ السلب ما يسقط ما صح من تحريم المدينة (١). وقوله: («حُرِّمَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِها عَلَى لِسَانِي») يريد أن تحريمها كان بالوحي، فوجب تحريم صيدها وقطع شجرها، إلا أن جمهور العلماء -كما قاله المهلب- على أنه لا جزاء في حرمها، لكنه آثم عندهم من استحله، فإن قال الكوفيون: لما أجمعوا على سقوط الجزاء في حرمها دل أنه غير محرم، فالجواب: أنه لا حجة في هذا؛ لأن صيد مكة قد كان محرمًا على غير هذِه الأمة، ولم يكن عليهم فيه جزاء، وإنما الجزاء على أمة محمد، فليس إيجاب الجزاء فيه علة للتحريم. وشذ ابن أبي ذئب، وابن نافع صاحب مالك، والشافعي في أحد قوليه، فأوجبوا فيه الجزاء، و(استدل) (٢) على سقوطه بأنه - ﷺ - لمَّا حرمها وذكر ما ذكر، لم يذكر جزاءً على من قتل الصيد، وما كان من جهته - ﷺ - ليس ببيان لما في القرآن، فليس بمحرم تحريم القرآن، وإنما هو مكروه حتى يكون بين تحريمه وبين تحريم القرآن فرق. وحديث سعد السالف في أخذ سلبه فلم يصح عند مالك ولا رأى العمل عليه بالمدينة، ولو صح لأوجب الجزاء على من لا سلب له، ------------ = وأورده الألباني أيضًا بهذا اللفظ في «الضعيفة» (٤٨٥٩) وقال: منكر، ثم قال: وجملة القول: أن الحديث بتمامه منكر، وأما شطره الأول، فمن الممكن تحسينه بمجموع الطريقين الضعيفين عن نافع، ولعل هذا هو وجه سكوت الحافظ على الحديث في «الفتح»، وتحسينه إياه فيما تقدم -قلت: يعني في «مختصر الزوائد» كما أوردته- وإلا فإني أستبعد جدًّا أن يحسن اسنادًا تفرد به العمري- عبد الله بن عمر- الذي جزم هو نفسه بتضعيفه. اهـ. قلت: ترجمه الحافظ في «التقريب» (٣٤٨٩) وقال: ضعيف. (١) انتهى من «التمهيد» ٦/ ٣١٠ - ٣١١. (٢) في (ج): استدلوا. ولو لم يكن على القاتل إلا ما يستر به عورته لم يجز أخذه، وكشف عورته، فثبت أن الصيد ليس مضمونًا أصلًا، ألا ترى أن صيد مكة لما كان مضمونًا لم يفترق حكم الغني والفقير، ومن له سلب ومن لا سلب له في أنه مضمون عليه أي وقت قدر، وقد قال مالك: لم أسمع أن في صيد المدينة جزاء، ومن مضى أعلم ممن بقي، فقيل له: فهل يؤكل؟ فقال: ليس كالذي يصاد بمكة، وإني لا أكرهه. خامسها: قول عَلِيٍّ - رضي الله عنه - (قَالَ: مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ سوى كِتَابُ اللهِ، وَما فِي هذِه الصَّحِيفَةُ). فيه: رد على ما يدَّعيه الشيعة من أن عليًّا عنده وصية من سيدنا رسول الله - ﷺ - بأمور كثيرة من أسرار العلم وقواعد من الدين. وفيه: جواز كتابة العلم. سادسها: في حديث أنس وعلي لعنة أهل المعاصي والمعاند لأوامر الشرع، وفيه: أن المحدث في حرم المدينة والمئوي للمحدث في الإثم سواء كما في حرم مكة، وأن من فعل ذلك فهو كبيرة؛ لأن اللعن لا يكون إلا عليها، لاسيما ما في هذا من المبالغة في الطرد والإبعاد عن الجنة لا عن الرحمة، كلعن الكفار. والمراد باللعن هنا: العذاب الذي يستحقه على ذنبه. قال الخطابي: روي: محدَثًا -بفتح الدال، معناه: الرأي المحدث في الدين والسنة، أراد الإحداث نفسه، قال: ويروى بكسر الدال، يريد: الذي أحدث وفعله وجاء به (١). قال أبو عبيد: الحدث كل حد لله تعالى يجب على صاحبه أن يقام --------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٢٦. عليه، وهو شبيه بحديث في الرجل يأتي حدًّا من الحدود ثم يلجأ إلى الحرم أنه لا يقام عليه فيه، ولكنه يلجأ حتى يخرج منه، فإذا خرج منه أقيم عليه، فجعل الشارع حرمة المدينة كحرمة مكة في المأثم في صاحب الحد أن لا يئويه أحد حتى يخرج منه فيقام عليه الحد (١). وقد سلف ما في هذا. وقوله: («آوى») قال القاضي: أوى وآوى بالقصر والمد في الفعل اللازم والمتعدي جميعًا، لكن القصر في اللازم أشهر وأفصح، والمد في المتعدي أشهر وأفصح وبالأفصح جاء القرآن (٢)، قال تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: ٦٣] فهذا في اللازم، وقال في المتعدي ﴿وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠]. سابعها: في قول بني النجار: (لا نطلب ثمنه إلا إلى الله). فيه من الفقه: إثبات الأحباس المراد بها وجه الله؛ لأنهم وهبوا البقعة للمسلمين حبسا موقوفًا عليهم، وطلبوا الأجر على ذلك من الله. ثامنها: في حديث أبي هريرة من الفقه: أن للعالم أن يقول على غلبة الظن، ثم ينظر فيصحح النظر ويقول بعد ذلك، كما قال - ﷺ - لبني حارثة. تاسعها: قوله: («لَا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْف وَلَا عَدْلٌ») هذا يمكن أن يكون في وقت دون وقت إن أنفذ الله عليه الوعيد، ليس هذِه حالهُ عند الله أبدًا؛ لأن الذنوب لا تخرج من الدين إنما يخرج منه الكفر، أعاذنا الله منه. ومعنى «أَخْفَرَ مُسْلِمًا» نقض عهده. قال الخليل: أخفرت الرجل إذا لم تف بذمته، والاسم الخفور (٣)، قال ابن فارس، يقال: أخفر عهده: ---------- (١) «غريب الحديث» ١/ ٤٥٥. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٦. (٣) «العين» ص ٢٥٦ مادة: (خفر). نقضه، وخفره إذا أمنه، وأخفرته: جعلت معه خفيرًا. قال: وأخفرت الرجل: نقضت عهده (١). والذمة: العهد والأمان، فأمان المسلم للكافر صحيح ويحرم التعرض له ما دام في الأمان. وقوله: «يسعى بها أدناهم» حجة لمن أجاز أمان العبد والمرأة وهو مذهب مالك والشافعي، لأنهما أدنى من الأحرار الذكور، وأبى ذلك أبو حنيفة فقال: إلا أن يكون سيده أذن له في القتال (٢). والصرف والعدل قال أبو عبيدة: العدل: الحيلة. وقيل: المثل. وقيل: الصرف: الدية، والعدل: الزيادة. وقال أبو عبيد عن مكحول: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية. قال أبو عبيد: تصديقه في القرآن قوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] وأما الصرف فلا أدري قوله تعالى: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾. [الفرقان: ١٩] من هذا أم لا، وبعض الناس يحمله على هذا. ويقال: إن الصرف النافلة، والعدل: الفريضة. قال أبو عبيد: والتفسير الأول أشبه بالمعنى (٣). وعكس الحسن فقال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، وقال الأصمعي: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، وروي ذلك مرفوعًا (٤). ------------ (١) «المجمل» ٢/ ٢٩٧. (٢) انظر: «التمهيد» ٢١/ ١٨٨، «بداية المجتهد ونهاية المقتصد» ٢/ ٧٣٩. (٣) «غريب الحديث» ١/ ٤٥٥. (٤) رواه الطبري في «تفسيره» ١/ ٣٠٧ (٨٨٧) قال: حدثني نجيح بن إبراهيم قال: حدثنا علي بن حكيم، قال: حدثنا حميد بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عمرو بن قيس الملائي، عن رجل من بني أمية -من أهل الشام أحسن عليه الثناء- قيل يا رسول الله - ﷺ -: ما العدل؟ قال: «العدل الفدية». = وقال يونس: الصرف: الاكتساب، والعدل: الفدية. وقال أبو علي البغدادي: الصرف: الحيلة والاكتساب، والعدل: الفدية والدية، صحيح في الاشتقاق، فأما من قال: الصرف: الفريضة، والعدل: النافلة، والصرف: الدية، والعدل: الزيادة على الدية، فغير صحيح في الاشتقاق. وقال الطبري: الصرف مصدر من قولك: صرفت نفسي عن الشيء، أصرفها صرفًا. وإنما عني به في هذا الموضع صرف راكب الذنب وهو المحدث في الحرم حدثًا من سفك دم، أو استحلال محرمٍ، فلا تقبل توبته، والعدل: ما يعدله من الفدية والبدل، وكل ما عادل الشيء من غير جنسه وكان له مثلًا من وجه الجزاء لا من وجه المشابهة في الصورة والخلقة فهو له عدل -بفتح العين- ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠] بمعنى وإن تفد كل فدية. وأما العدل -بكسر العين- فهو مثل الحمل المحمول على الظهر، يقال: عندي غلام عِدل غلامك، وشاة عِدل شاتك -بكسر العين- إذا كان يعدله، وذلك في كل مثل الشيء من جنسه، فإذا أراد أن عنده قيمته من غير جنسه فتحت العين، فتقول: عندي عَدل شاتك من الدراهم. وقد ذكر عن بعض العرب أنهم يكسرون العين من العِدل الذي هو الفدية، وذلك لتقارب معنى العدل عندهم. ----------- = قلت: وهو حديث ضعيف؛ فيه مبهم، وهذا المبهم ليس صحابيًا، إذ لو كان صحابيًا لصح الحديث؛ لأن إبهام الصحابي لا يضر الحديث؛ لأن الصحابة كلهم عدول، وهذا الرجل المبهم الراجح أنه تابعي؛ لأن الراوي عنه وهو عمور بن قيس الملائي، ترجمة الحافظ في «التقريب» (٥١٠٠) قال: ثقة متقن عابد، من السادسة مات سنة بضع وأربعين، والطبقة السادسة عند الحافظ كما أوضح في مقدمة كتابه: طبقة لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة فالحديث مرسل فيه مبهم. وفي «المحكم»: الصرف: الوزن، والعدل: الكيل، وقيل: الصرف: القيمة، والعدل: الاستقامة (١). قال عياض: قيل في معنى ذلك: أي لا تقبل فريضته ولا نافلته قبول رضى وإن قبلت قبول جزاء. وقيل: القبول هنا بمعنى تكفير الذنب بها. قال: وقد تكون بمعنى الفدية هنا؛ لأنه لا يجد في القيامة فداء يفتدي به، بخلاف غيره من المذنبين الذين يتفضل الله على من شاء منهم بأن يفديه من النار، يهودي أو نصراني (٢)، كما ثبت في الصحيح (٣). وقال ابن التين: تحصلنا على ستة أقوال في الصرف: الحيلة، النافلة، التوبة، الفريضة، الاكتساب، الوزن، والعدل أربعة: النافلة، الفدية، الفريضة -قاله البخاري وغيره- الكيل، قاله القزاز عن غيره. وقال ابن فارس: العدل: الفداء هنا (٤). عاشرها: معنى قوله: «غَيْرِ مَوَالِيهِ» يحتمل الحلف والموالاة، ولم يجعل إذن الموالي شرطًا في جواز ادعاء نسب أراد، لكن ذكره توكيدًا للتحريم، يبينه الحديث الآخر: «مَنْ تَوَلَّى غيرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ» (٥). ---------- (١) «المحكم» ٨/ ٢٠١. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٨٧. بتصرف. (٣) روى مسلم (٢٧٦٧) كتاب: التوبة، باب: قبول توبة القاتل وإن كثر قتله. عن أبي موسى الأشعري مرفوعًا: «إذا كان يوم القيامة دفع الله -عز وجل- إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا، فيقول:»هذا فكاكك من النار«. (٤)»مجمل اللغة" ٣/ ٦٥٢. (٥) رواه مسلم (١٥٠٨) كتاب: العتق، باب: تحريم تولي العتيق غير مواليه، من حديث أبي هريرة مرفوعًا. ٢ - باب فَضْلِ المَدِينَةِ، وَأَنَّهَا تَنْفِي النَّاسَ ١٨٧١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ». [مسلم: ١٣٨٢ - فتح: ٤/ ٨٧] ذكر فيه حديث مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، سَمِعْتُ أَبَا الحُبَابِ سَعِيدَ بْنَ يَسَارٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى يَقُولُونَ: يَثْرِبُ، وَهْيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ». هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١) قال ابن عبد البر: كذا هو في «الموطأ» عند جماعة الرواة، ورواه إسحاق بن عيسى الطباع، عن مالك، عن يحيى، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، وهو خطأ (٢). ورواه الدارقطني في «غرائب مالك» كما رواه الطباع من حديث أحمد بن بكر بن خالد السلمي، عن مالك، وأخرجه مسلم بلفظ: «ألا إن المدينة كالكير تخرج الخبث، لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها نفي الكبير خبث الحديد» (٣). وفي كتاب «أسباب الحديث» لعبد الغني بن سعيد أنه - ﷺ - قال هذا لما جاءه الأعرابي يستقيله البيعة. وفي «الموطأ» للدارقطني: قال يونس: قال ابن وهب: قلت ----------- (١) مسلم (١٣٨٢) كتاب: الحج، باب: المدينة تنفي شرارها. (٢) «التمهيد» ٢٣/ ١٧٠. (٣) مسلم (١٣٨١). لمالك: «ما تأكل القرى؟» قال: تفتحها. وفي رواية ابن حبيب عنه: بفتح القرى، وتفتح منها القرى؛ لأن من المدينة افتتحت المدائن كلها بالإسلام. وقال ابن بطال: معنى «تأكل القرى» أي: بفتح أهلها القرى، فيأكلون أموالهم، ويسبون ذراريهم، ويقتلون مقاتلتهم، وهذا من فصيح كلام العرب، تقول: أكلنا بني فلان، وأكلنا بلد كذا. إذا ظهروا على أهله وغلبوهم، وقال الخطابي: «تأكل القرى» يريد أن الله ينصر الإسلام بأهل المدينة وهم الأنصار- وتفتح على أيديهم القرى، ويغنمها إياهم فيأكلونها، وهذا في الاتساع والاختصار كقوله تعالى: ﴿وَسئَلِ اَلقَريَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] يريد أهلها. وكان - ﷺ - قد عرض نفسه على قبائل العرب أيهم ينصره فيفوز بالفخر في الدنيا والثواب في الآخرة، فلم يجد في القوم من يرضى بمعاداة من جاوره، ويبذل نفسه وماله لله، فمثل الله تعالى المدينة في منامه، ورأى أنه يؤمر بالهجرة إليها، ووصف ذلك للصديق، وقد كان عاقد قومًا من أهلها، وسألوه أن ينظروا فيما يريدون أن يعقدوا معه، فخرج مع الصديق إلى المدينة، ففتح الله بها جميع الأمصار، حتى مكة التي كانت موطنه (١). وقال ابن التين: معنى «تأكل القرى»: تفتحها منها، ويأكل أهلها غنائم القرى. قال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: «تأكل القرى» إلا رجوع فضلها عليها وزيادتها على غيرها. وقال النووي: معناه: أنها مركز جيوش الإسلام في أول الأمر، وأن --------- (١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٤٣. أكلفا وميرتها يكون من القرى المفتتحة، وإليها تساق غنائمها (١). وقوله: («أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ») يريد: أمرت بالهجرة إليها، قاله ابن بطال (٢)، وابن التين، فإن كان قاله بمكة فلا نسخ، وإن كان بالمدينة فبسكناها. وقوله: («يَقُولُونَ: يَثْرِبُ») يعني: أن بعض الناس من المنافقين يسمونها كذلك، فكره أن تسمى باسمها في الجاهلية، وسماها الله فلا تسمى بغير ما سماها، وكانوا يسمونها يثرب باسم أرض بها، فغير النبي - ﷺ - اسمها وسماها طيبة وطابة (٣)؛ لحسن لفظها؛ كراهة التثريب، وهو التوبيخ والملامة، وإنما سميت في القرآن بها على وجه الحكاية لتسمية المشركين، وفي «مسند أحمد» كراهية تسميتها بذلك (٤)، وقد روي عنه أنه قال: «من قال: يثرب فكفارته أن يقول: المدينة، عشر مرات» (٥)، يريد بذلك التوكيد أن يقال لها: المدينة، -------- (١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ١٥٤. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٤٢. (٣) ورد بهامش الأصل: في مسلم مرفوعًا أن الله تعالى سماها طابة، وفي غيره من قوله - ﷺ -: «هي طابة هي طابة» كأن الشيخ أشار، إلى ما رواه أحمد فقال: حدثنا إبراهيم بن مهدي: ثنا صالح ابن عمر، عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: قال النبي - ﷺ -: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله -عز وجل- هي طابة، هي طابة» والظاهر أنه متمسك عيسى بن دينار. (٤) «مسند أحمد» ٤/ ٢٨٥ من حديث البراء مرفوعًا: «من سمى المدينة يثرب فليستنفر الله -عز وجل- هي طابة هي طابة». وكذا رواه ابن شبة في «تاريخ المدينة» ١/ ١٦٥، وأبو يعلى ٣/ ٢٤٧ - ٢٤٨ (١٦٨٨)، والروياني ١/ ٢٤٠ (٣٤٦)، وابن عدي في «الكامل» ٩/ ١٦٥، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٦٠٧). (٥) أورده البخاري في «التاريخ الكبير» ٦/ ٢١٧، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل» ٦/ ١٤٨، ورواه العقيلي في «الضعفاء» ٣/ ١٩٨، وأورده ابن عدي في = وصارت معرفة بالألف والسلام لأنها انفردت بجميع خصال الإسلام، ولا يقول أحد: المدينة لبلد فيعرف ما يريد القائل إلا لها خاصة. وقال عيسى بن دينار: من سماها بذلك كتبت عليه خطيئة. قلت: كان سيدنا رسول الله - ﷺ - يحب الاسم الحسن ويكره القبيح (١)، وطيبة من الطيب، وهو الرائحة الحسنة، والطاب والطيب لغتان بمعنى، وقال الخطابي: لطهارة تربتها، وقيل: من طيب العيش بها. وقال البكري في «معجمه»: سميت بيثرب بن قابل بن إرم بن سام بن نوح؛ لأنه أول من نزلها (٢). وفي «مختصر الزاهر» لأبي إسحاق الزجاجي (٣): سميت بيثرب بن ----------- = «الكامل» ٦/ ٢٩٨ في ترجمة عثمان بن خالد (١٣٣٤)، وقال منكر الحديث، وكذا أورده الذهبي في «الميزان» ٣/ ٤٢٩، والحافظ في «اللسان» ٤/ ١٣٣ من طريق إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن عثمان بن حفص، عن إسماعيل بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - من قال: «يثرب مرة مرة فليقل المدينة عشرًا». قلت: عثمان بن حفص قال البخاري: في إسناده نظر، وقال بعد أن أورد هذا الحديث في ترجمته: لا يتابع عليه. (١) دل على ذلك حديث رواه أحمد ١/ ٤٢٧، ٣٠٤، ٣١٩، والطيالسي ٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩ (٢٨١٣)، وابن حبان ١٣/ ١٣٩ - ١٤٠ (٥٨٢٥)، وابن عدي ٦/ ٤٤٨، والبغوي في «شرح السنة» ١٢/ ١٧٥ (٣٢٥٤) من حديث عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله - ﷺ - يتفاءل ولا يتطير وكان يحب الاسم الحسن. قال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٤٧: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ضعيف بغير كذب، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٧٧٧). (٢) «معجم ما استعجم» ٤/ ١٣٨٩. (٣) قلت: هو شيخ العربية أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق -لا أبو إسحاق كما ذكر المصنف رحمه الله- الزجاجي البغدادي النحوي، توفي سنة أربعين وثلاث مائة بطبرية. انظر: «سير أعلام النبلاء» ١٥/ ٤٧٥ (٢٦٨) قال حاجي خليفة في "كشف = (قابلة) (١) بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إرم بن سام؛ لأنه أول من سكنها عند الغرق وبناها، ونزل أخوه خيبر بن قابلة بخيبر. واشتقاق المدينة من دان إذا أطاع، أو من مدن بالمكان إذا أقام به، وجمعها: مدن بإسكان الدال وضمها، ومدائن بالهمز وتركه، وهو الفصيح، وبه جاء القرآن. قال ابن سيده: المدينة: الحصين يبنى في أُصْطُمَّةِ الأرض، وعن الفارسي: مدينة، فعيلة، وإذا نسب إلى المدينة فالرجل والثوب مدني، والطير ونحوه مديني (٢). قال سيبويه: وأما قولهم: مدائني، كأنهم جعلوا هذا البناء اسمًا للبلد. وفي «الجامع»: قيل: هي مفعلة، أي: تملكت وفي «الصحاح»: إذا نسبت إلى مدينة المنصور قلت: مديني، وإلى مدائن كسرى، قلت: مدائني (٣). وفي «مختصر العين»: رجل مديني، وحمام مدني. وقوله: («تَنْفِي النَّاسَ») قال ابن فارس: نفي الشيء ينفيه نفيًا، وانتفي هما (٤). وحكى الهروي عن أبي منصور: نفيت الشيء نفيًا، قال: وهو حرف صحيح غريب في اللغة. ---------- = الظنون«(٢/ ٩٤٧):»الزاهر«في معاني الكلام الذي يستعمله الناس لأبي بكر محمد بن أبي محمد القاسم الأنباري النحوي، المتوفي سنة ثمان وعشرين وثلاث مائة، وهو مجلد، شرحه واختصره الشيخ الإمام أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق الزجاجي المتوفي سنة أربعين وثلاثمائة. (١) كذا بالأصل، وفي»معجم ما استعجم«(٤/ ١٣٨٩)، و»معجم البلدان«(٥/ ٤٣٠): قانية، ولعله الصواب. (٢)»المحكم«١٠/ ٧١. (٣)»الصحاح«٦/ ٢٢٠١. (٤)»مجمل اللغة" ٤/ ٨٧٧. ومعنى الحديث: من أراد الله -عز وجل- نقص حظه من الأجر قيضه للخروج منها؛ رغبة عنها. قال ابن عبد البر: وأراد شرارهم، ألا ترى أنه مثل ذلك وشبهه بما يصنع الكبير في الحديد، والكير إنما ينفي رديء الحديد، وخبثه ولا ينفي جيده. قال: وهذا عندي -والله أعلم- إنما كان في حياته، فحينئذ لم يكن يخرج من المدينة؛ رغبة عن جواره فيها إلا من لا خير فيه، وأما بعد وفاته فقد خرج منها الخيار والفضلاء والأبرار (١). وكذا قال القاضي: الأظهر أنه يختص بزمنه؛ لأنه لم يكن يصبر على الهجرة والمقام معه إلا من ثبت إيمانه (٢). قال النووي: وهذا ليس بظاهر؛ لأن في «صحيح مسلم»: «لا تقوم الساعة حتى تنفي المدينة شرارها كما ينفي الكبير خبث الحديد» (٣) وهذا -والله أعلم- زمن الدجال (٤). والكير هو قار الحديد والصائغ، وليس الجلد الذي تسميه العامة كيرًا، قال أهل العلم باللغة: ومنه حديث أبي أمامة وأبي ريحانة مرفوعًا: «الحمى كير من جهنم، وهي نصيب المؤمن من النار» (٥). ------- (١) «التمهيد» ٢٣/ ١٧١. (٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٥٠٠. (٣) مسلم (١٣٨١). (٤) «شرح صحيح مسلم» ٩/ ١٥٤. (٥) حديث أبي أمامة رواه أحمد ٥/ ٢٥٢، ٢٦٤، وأحمد بن منيع في «مسنده» كما في «إتحاف الخيرة المهرة» ٤/ ٤١٤ (٣٨٥٣)، والروياني في «مسنده» ٢/ ٣١٢ (١٢٦٩)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» ٧/ ٣٦٨ - ٣٦٩ (٥٣٥٥ - تحفة)، والطبراني ٨/ ٩٣ (٧٤٦٨)، والبيهقي في «الشعب» ٧/ ١٦١ (٩٨٤٣)، والخطيب في «تالي التلخيص» ٢/ ٣٦٢ (٢١٨)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٦/ ٣٥٩، = ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء 0 والزوار 5) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |