التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 35 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5234 - عددالزوار : 2564730 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4831 - عددالزوار : 1905094 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 31 - عددالزوار : 5406 )           »          أحكام الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          من أحكام شهر شوال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          10 أخطاء تجنبيها عند استخدام المكنسة الكهربائية.. عشان تحافظى عليها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          روتين العناية بالبشرة خلال فصل الربيع.. عشان تفضل مشرقة ونضرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »          7 نصائح للتغلب على مشكلة ثبات الوزن.. لو بتعمل دايت ومش عارف تخس (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          قراءة شرعية في آثار التطرف والإفساد .. ضرورة الأمن .. وخطورة الإرهاب! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 23 )           »          أهمية البناء الإيماني في المجتمعات المسلمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #341  
قديم 13-02-2026, 08:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 189 الى صـــ 200
الحلقة (341)






فسألهم عن الطيب في هذا اليوم قبل الإفاضة، فقالوا: تطيب يا أمير المؤمنين (١).
قال ابن المنذر: واختلفوا فيمن جامع بعد رمي الجمرة قبل الإفاضة، فروي عن عمر أن عليه حج قابل (٢)، وعن الحسن، والنخعي، والزهري مثله، وقال النخعي، والزهري: وعليه الهدي مع حج قابل (٣) وقال ربيعة ومالك: يعتمر من التنعيم ويهدي، وقال أحمد، وإسحاق: يعتمر من التنعيم، وقال ابن عباس: عليه بدنة وحجه تام (٤)، وعن عطاء، والشعبي مثله (٥)، وهو قول الكوفيين والشافعي وأبي ثور (٦).

---------
(١) رواه الطحاوي ٢/ ٢٣٢.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٣ (١٤٩٣٢).
(٣) رواه عن النخعي: ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٣ (١٤٩٣١).
(٤) رواه البيهقي ٥/ ١٧١.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٣ (١٤٩٣٠، ١٤٩٣٣).
(٦) انظر: «المغني» ٥/ ٣٠٧ - ٣٠٩.



١٤٤ - باب طَوَافِ الوَدَاعِ
١٧٥٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابن طَاوُسِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الَحائِضِ. [انظر: ٣٢٩ - مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ٣/ ٥٨٥]

١٧٥٦ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ، أَخبَرَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الَحارِثِ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مالك - رضي الله عنه - حَدُّثَهُ أَنَّ النَبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالَمْغْرِبَ
وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمْحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
تَابَعَهُ اللَّيثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدِ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [١٧٦٤ - فتح: ٣/ ٥٨٥]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالبَيْتِ، إِلا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحَائِضِ.
وحديث ابن وَهْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسا حَدَّثَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
تَابَعَهُ اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدٌ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ حَدَّثَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح:
حديث ابن عباس أخرجه مسلم أيضًا (١)، وحديث أنس من أفراده.
قال الإسماعيلي: تكلم أحمد في حديث عمرو، عن قتادة؛ ولأجل ذَلِكَ

------------
(١) مسلم (١٣٢٨) كتاب: الحج، باب: وجوب طواف الوداع، وسقوطه عن الحائض.


أتى البخاري بالمتابعة، وسعيد: هو ابن أبي هلال، وطواف الوداع لكل حاج ومعتمر غير المكي من شعار الحج. قال مالك: وإنما أمر الناس أن يكون آخر نسكهم الطواف بالبيت؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى القُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]، وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] فمحل الشعائر كلها وانقضاؤها بالبيت العتيق، قال: ومن أخَّر طواف الإفاضة إلى أيام منى فإن له سعة أن يصدر إلى بلده، وإن لم يطف بالبيت إذا أفاض.
واختلفوا فيمن خرج ولم يطف للوداع على قولين في وجوبه قال مالك: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن لم يرجع فلا شيء عليه، وقال عطاء، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي -في أظهر قوليه- وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: إن كان قريبًا رجع فطاف، وإن تباعد مضى وأهراق دمًا (١). وأغرب ابن التين فحكى عن بعض الشافعية، وبعض الحنفية وجوبه، ومشهور قولي الشافعي هو الوجوب؛ حجتهم قول ابن عباس: من نسي من نسكه شيئًا فليهرق دمًا (٢)، والطواف نسك؛ وحجة مالك أنه طواف يسقط على المكي والحائض، فليس من السنن اللازمة والذمة بريئة بيقين، وسيأتي شيء من هذا المعنى في الباب بعد.
واختلفوا في حد القرب، فروي أن عمر رد رجلًا من مر الظهران لم يكن ودع (٣)، وبين مر الظهران ومكة ستة عشر ميلًا، وهذا بعيد عند

-----------
(١) انظر: «المغني» ٥/ ٣٣٨.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٧٠ من رواية يحيى كتاب: الحج باب: من نسي من نسكه شيئًا، والدارقطني في «السنن» ٢/ ٢٤٤ (٢٥٠٣).
(٣) رواه مالك ص ٢٤٢.



مالك، ولا يرد أحدٌ من مثل هذا الموضع. وعند أبي حنيفة: يرجع ما لم يبلغ المواقيت. وعند الشافعي: يرجع من مسافة لا تقصر فيها الصلاة. وعند الثوري: يرجع ما لم يخرج من الحرم (١).
واختلفوا فيمن ودع ثم بدا له في شراء حوائجه فقال عطاء: يعيد، يعني: يكون آخر عمله الطواف بالبيت، وبنحوه قال الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال مالك: لا بأس أن يشتري بعض حوائجه وطعامه من السوق، ولا شيء عليه. وإن أقام يومًا أو نحوه عاد، وقال أبو حنيفة: لو ودع وأقام شهرًا أو أكثر أجزأه، ولا إعادة عليه (٢). وهذا خلاف حديث ابن عباس في الباب، وقال ابن التين: دليلنا حديث صفية، قلت: تلك معذورة، قال: ولعله تعلق في ذَلِكَ بقول زيد: إنها لا تنفر إذا حاضت (٣).

-----------
(١) انظر: «المغني» ص ٣٣٨ - ٣٣٩.
(٢) انظر: «المغني» ٥/ ٣٣٧ - ٣٣٨.
(٣) «الموطأ» رواية محمد بن الحسن ٢/ ٣٣٣.



١٤٥ - باب إِذَا حَاضَتِ المَرْأَةُ بَعْدَ مَا أَفَاضَتْ
١٧٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها، أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَى -زَوْجَ النَّبِيِّ - ﷺ -- حَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟». قَالُوا: إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ. قَالَ: «فَلَا إِذًا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٥٨ - ١٧٥٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ، قَالَ لَهُمْ: تَنْفِرُ. قَالُوا: لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ وَنَدَعَ قَوْلَ زَيْدٍ. قَالَ: إِذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةَ فَسَلُوا. فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَأَلُوا، فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمُّ سُلَيْمٍ، فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ. رَوَاهُ خَالِدٌ وَقَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ. [انظر: ٣٢٩ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٦٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ. [انظر: ٣٢٩ - مسلم: ١٣٢٨ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٦١ - قَالَ: وَسَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَخَّصَ لَهُنَّ. [انظر: ٣٣٠ - فتح: ٣/ ٥٨٦]

١٧٦٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَلَا نُرَى إِلاَّ الحَجَّ، فَقَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ وَكَانَ مَعَهُ الهَدْيُ، فَطَافَ مَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَحَلَّ مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ الهَدْيُ، فَحَاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ -لَيْلَةُ النَّفْرِ- قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي. قَالَ: «مَا كُنْتِ تَطُوفِي بِالبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟». قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيكِ إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي بِعُمْرَةٍ، وَمَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». فَخَرَجْتُ مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ،


وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَقْرَى حَلْقَى، إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: «فَلَا بَأْسَ، انْفِرِي». فَلَقِيتُهُ مُصْعِدًا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ -أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ- وَهُوَ مُنْهَبِطٌ. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: قُلْتُ: لَا. تَابَعَهُ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ فِي قَوْلِهِ: لَا. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٨٦]
ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ صَفِيَّةَ حَاضَتْ، فذُكر ذَلِكَ لِرَسُولِ الله - ﷺ - فَقَالَ: «أَحَابِسَتُنَا؟» .. الحديث. وقد سلف.
وعَنْ أَيُّوبَ (١)، عَنْ عِكْرِمَةَ، أَن أَهْلَ المَدِينَةِ سَألُوا ابن عَبَّاسٍ عَنِ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ، قَالَ لَهُمْ: تَنْفِرُ. قَالُوا: لَا نَأْخُذُ بقَوْلِكَ وَنَدَعَ قَوْلَ زَيْدٍ. قَالَ: إِذَا قَدِمْتُمُ المَدِينَةَ فَسَلُوا. فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَسَألُوا، فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمُّ سُلَيْمٍ، فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ. رَوَاهُ خَالِدٌ وَقَتَادَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ.
ثم ساق من حديث ابن طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: رُخِّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَنْفِرَ إِذَا أَفَاضَتْ.
قَالَ: وَسَمِعْتُ ابن عُمَرَ يَقُولُ: إِنَّهَا لَا تَنْفِرُ. ثُمَّ سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أرَخَصَ لَهُنَّ.
ثم ذكر حديث الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - لَا نُرى إِلَّا الحَجَّ، … وذكر الحديث. فَحَاضَتْ هِيَ، فَنَسَكْنَا مَنَاسِكَنَا مِنْ حَجِّنَا، فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ -لَيْلَةُ النَّفْرِ- قلت: يَا رَسُولَ اللهِ، كُلُّ أَصْحَابِكَ يَرْجِعُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ غَيْرِي. قَالَ: «مَا كُنْتِ تَطُوفِتِ بِالبَيْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا؟». قُلْتُ: بلى. وَقَالَ مُسَدَّدٌ: لَا. وتَابَعَهُ جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ

------------
(١) فوقها في الأصل: مسند.


فِي قَوْلِهِ: لَا. قال: «فَاخْرُجِي مَعَ أَخِيِك إِلَى التَّنْعِيم» فَأهلك بعمرة، وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَال النَّبِيُّ - ﷺ -: «عَقْرى حَلْقَى، أَمَا كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قالت: بَلَى. قَالَ: «فَلَا بَأْسَ، انْفرِي».
الشرح:
حديث عائشة الأول سلف كما قدمناه (١)، وحديث عكرمة من أفراد البخاري، وكذا قول طاوس، عن ابن عباس، وحديث عائشة أخرجه مسلم (٢)، والصواب في حديث عائشة، كما قال ابن بطال رواية مسدد، وجرير، عن منصور، وقد بان ذلك في حديث أبي معاوية أنها قالت: فخضت قبل أن أدخل مكة، وقال فليح: فلما كنا بسرف حضت. فقال - عليه السلام -: «افعلي» .. الحديث، فقدمت مكة وأنا حائض، فلما قدمنا منى طهرت، فذكر ان عائشة لم تكن متمتعة، لأنها لم تطف بالبيت حين قدمت مكة كما طاف من فسخ حجه في عمرة (٣) من أجل حيضها، ولذلك قالت: (كل أصحابك يرجع بحج وعمرة غيري)، فاعتمرت من التنعيم، ودل أيضًا أنها لم تكن قارنة، ولو كانت قارنة لم تأسف على فوات العمرة، ولا قالت ما قالت (٤). فثبت أنها مفردة، ومعنى هذا الباب أن طواف الوداع ساقط عن الحائض؛ لأنه - عليه السلام - لما أخبر عن صفيه أنها حاضت قال: «أحابستنا هي؟» فلما أخبر أنها قد أفاضت قبل أن تحيض قال: «فلا إذًا» وهو قول عوام أهل العلم، وخالف ذلك طائفة فقالوا: لا يحل لأحد أن ينفر حتَّى

----------------
(١) برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء إذا نفسن.
(٢) مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام.
(٣) في (ج): عمرته.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٢٧ بتصرف.



يطوف طواف الوداع، ولم يعذروا في ذَلِكَ حائضًا لحيضها، ذكره الطحاوي (١).
قال ابن المنذر: وروي ذَلِكَ عن عمر، وابنه، وزيد بن ثابت قال: فأما بن ثابت وابن عمر فقد روينا عنهما الرجوع. وقول عمر يرده الثابت عن رسول الله - ﷺ - أنه أمرها أن تنفر بعد الإفاضة، ومن هذا الحديث قال مالك: لاشيء على من ترك طواف الوداع حَتَّى يرجع إلى بلاده؛ لسقوطه عن الحائض.
وفيه: رد قول عطاء والكوفيين والشافعي ومن وافقه: ان من لم يودع البيت فعليه دم، فقولهم خلاف (حديث) (٢) صفية.
قلت: لا فحديث صفية رخصة للحائض لا يتعداها لغير المعذور، والنفساء في هذا كالحائض، والظاهر أن المعذور كالخائف من ظالم، أو فوت رفقة، أو معسر، ونحو ذَلِكَ كذلك.
وفي قوله: (»أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ «) دليل على أن طواف الإفاضة يحبس الحائض بمكة لا تبرح حَتَّى تطوف بلا إفاضة؛ لأنه الركن فيه. وعلى هذا أئمة أهل العلم، قال مالك: إذا حاضت المرأة بمنى قبل أن تفيض حبس عليها كَريُّها أكثر ما يحبس النساء الدم (٣).
قال ابن عبد الحكم: ويحبس على النفساء أقصى ما تحبس النساء الدم في النفاس، ولا حجة للكَرِيِّ أن يقول: لم أعلم أنها حامل.
قال مالك: وليس عليها أن تعينه في العلف.

-------------
(١)»شرح معاني الآثار«٣/ ٢٣٢.
(٢) في (ج): قول.
(٣)»الموطأ" ص ٢٦٧ باب: إفاضة الحائض.



وقال ابن المواز: كنت أعرف حبس الكري حيث يحبس وحده يعرض لقطع الطريق.
وقال الشافعي: ليس على حمالها أن يحبس عليها، ويقال لها: احملي مكانك مثلك.
وقوله: («عَقْرى حَلْقَى»).
فيه: توبيخ الرجل أهله على ما يدخل على الناس بسببها، كما وبخ الصديق عائشة في قصة العقد (١).

------------
(١) سلف برقم (٣٣٤) كتاب: التيمم، رواه مسلم (٣٦٧) كتاب: الحيض، باب: التيمم.


١٤٦ - باب مَنْ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ بِالأَبْطَحِ
١٧٦٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النَّفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ، افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ. [انظر: ١٦٣٥ - مسلم: ١٣٠٩ - فتح: ٣/ ٥٩٠]

١٧٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ المُتَعَالِ بْنُ طَالِبٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ الحَارِثِ، أَنَّ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ. [انظر: ١٧٥٦ - فتح: ٣/ ٥٩٠]
ذكر فيه حديث عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ: سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ: أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ عَقَلْتَهُ عَن النَّبِيِّ - ﷺ -، أَيْنَ صَلَّى الظُّهْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟ قَالَ: بِمِنًى. قُلْتُ: فَأَيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النفْرِ؟ قَالَ: بِالأَبْطَحِ، افْعَلْ كَمَا يَفْعَلُ أُمَرَاؤُكَ.
وحديث قتادة عَنْ أَنَسِ حَدَّثَهُ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالعَصْرَ، وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، وَرَقَدَ رَقْدَةَ بِالمُحَصَّبِ، ثُمَّ رَكِبَ إِلَى البَيْتِ فَطَافَ بِهِ.
الشرح:
حديث عبد العزيز، عن أنس أخرجه مسلم أيضًا (١)، وحديث أنس من أفراده: إذا فرغ من رميه من منى نزل بالأبطح. قال ابن القاسم: ولا يصلي الظهر بمنى، والأبطح جنب المقبرة، ثم يدخل مكة ليلًا

--------
(١) مسلم (١٣٠٩) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.


لطواف الوداع اقتداء بالشارع، وبفعل الأئمة بعده كذلك، ومن يقتدي به، وربما قال مالك: ذَلِكَ واسع لغيرهم، وكان عمر وعثمان والصديق قبلهما ينزلون به (١)، وكذا الخلفاء، وهو مستحب عند العلماء، إلا أنه عند الحجازيين آكد منه عند الكوفيين، وكلهم مجمعون أنه ليس من المناسك، وهذِه البطحاء: هي المعرس، والأبطح والبطحاء: ما انبطح (من الأرض) (٢) واتسع من بطن الوادي.
-------------
(١) رواه مسلم (١٣١٠).
(٢) من (ج).



١٤٧ - باب المُحَصَّبِ
١٧٦٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلٌ يَنْزِلُهُ النَّبِيُّ - ﷺ - لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. يَعْنِي: بِالأَبْطَحِ. [مسلم: ١٣١١ - فتح: ٣/ ٥٩١]

١٧٦٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [مسلم: ١٣١٢ - فتح: ٣/ ٥٩١]
ذكر فيه عن عائشة قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ مَنْزِلًا يَنْزِلُهُ رسول الله - ﷺ - ليَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ. يَعْنِي: بِالأَبْطَحِ.
وحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سُفْيَانُ، قَالَ عَمْرٌو، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: لَيْسَ التَّحْصِيبُ بِشَيْءٍ، إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
الشرح:
حديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (١)، وحديث ابن عباس من أفراده (٢). وذكر الدارقطني أن هذا حديث علي بن حجر، قال ابن عساكر: يعني تفرد به، وابن عيينة سمعه من الحسن بن صالح، عن عمرو، ولكن كذا قال ابن حجر، وهو وهم منه فقد رواه ابن أبي عمر، وعبد الجبار بن العلاء وجماعة غيرهما، ورواه الإسماعيلي من حديث أبي خيثمة، ثَنَا ابن عيينة، ثَنَا عمرو، وكذا رواه أبو نعيم الحافظ من حديث عبد الله بن الزبير، ثَنَا سفيان، ثَنَا عمرو. فقد

--------
(١) مسلم (١٣١١) كتاب: الحج، باب: استحباب النزول بالمحصب يوم النفر.
(٢) قلت: حديث ابن عباس ليس من أفراده، فقد أخرجه مسلم (١٣١٢) كتاب: الحج، باب: استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة به.



صرح أبو خيثمة، والحميدي بالتحديث من عمرو، وانتفي ما قاله الدارقطني. والمحصب: هو الأبطح بأعلى مكة، وهو المعرس، وهو خيف منى المذكور في حديث أبي هريرة السالف في باب: نزوله - عليه السلام - بمكة (١). ووقع للداودي أنه ذو طوى. وليس كما قال. وقد ذكرنا في الباب قبله عن جماعة من الصحابة أنهم كانوا ينزلون به. وقال عمر: حَصِّبوا (٢). يعني: انزلوا بالمحصب، وكان ابن عمر ينزل به ويقول: إنه سنة أناخ به رسول الله - ﷺ -، وعن النخعي وطاوس مثله، واستحب النخعي أن ينام فيه نومة (٣).
وقول عائشة، وابن عباس: (إنما هو منزل نزله رسول الله - ﷺ -) يدل على أنه ليس من مناسك الحج، وأنه لا شيء على من تركه، وهذا معنى قوله: ليس التحصيب بشيء. أي: ليس من المناسك التي تلزم الناس. وكانت عائشة لا تحصب، ولا أسماء (٤)، وهو مذهب عروة.
قال الطحاوي: لم يكن نزوله به؛ لأنه سنة. وقد اختلف في معناه، فقالت عائشة: ليكون أسمح لخروجه، تريد المدينة، أي: أسهل وأسرع، وليستوي البطيء (والمتعذر) (٥) ويكون مبيتهم وقيامهم في السحر، ورحيلهم بأجمعهم إلى المدينة.

------------
(١) سلف برقم (١٥٨٩ - ١٥٩٠).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٤ (١٣٣٣٧) كتاب: الحج، في التحصيب من كان يحصب.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٤ (١٣٣٣٦، ١٣٣٤٠).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٨٥ (١٣٣٤٥، ١٣٣٤٨).
(٥) في (ج): المتعدي.



وروي عن أبي رافع قال: أمرني رسول الله - ﷺ - أن أضرب الخيمة، ولم يأمرفي بمكان بعينه فضربتها بالمحصب (١)، وقال ابن عباس: لأن العرب كانت تخاف بعضها بعضًا، فيرتادون، فيخرجون جميعًا فجرى الناس عليها (٢).
قال ابن التين: والنزول به إنما هو لمن يتعجل، وعبارة الخطابي: التحصيب: إذا نفر من منى يقيم بالشعب الذي يخرجه إلى الأبطح، يهجع ساعة ثم يدخل مكة ولا ينزل (٣). وكذلك إن وافي يوم جمعة فيصلي الإمام بالناس الجمعة بمكة، وقال ابن حبيب: كان مالك يأمر (بالتحصيب) (٤) ويستحبه، وإن شاء مضى إذا صلى الظهر والعصر ويأتي مكة، إلا أنه لا ينبغي لأحد يدع التعريس به، فإن نزله فلا شيء عليه، ومن أدركه وقت الصلاة قبل أن يأتيه صلى حيث أدركته، فإذا أتاه نزل به؛ لأن أداء الصلاة في وقتها مطلوب فيها، وهذا مختلف فيه مع أنه لا يفوت بالأداء في الوقت.

----------
(١) رواه مسلم (١٣١٣).
(٢) رواه الطحاوي ٢/ ١٢١.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٩١٠.
(٤) في (ج): بالمحصب.



١٤٨ - باب النُّزُولِ بِذِي طُوًى قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ، وَالنُّزُولِ بِالْبَطْحَاءِ التِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ إِذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ
١٧٦٧ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَبِيتُ بِذِي طُوًى بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ التِي بِأَعْلَى مَكَّةَ، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا لَمْ يُنِخْ نَاقَتَهُ إِلاَّ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ يَدْخُلُ فَيَأْتِي الرُّكْنَ الأَسْوَدَ فَيَبْدَأُ بِهِ، ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا: ثَلَاثًا سَعْيًا، وَأَرْبَعًا مَشْيًا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيُصَلِّي سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَنْطَلِقُ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، فَيَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَكَانَ إِذَا صَدَرَ عَنِ الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ التِي بِذِي الْحُلَيْفَةِ التِي كَانَ النَّبِىُّ - ﷺ - يُنِيخُ بِهَا. [انظر:٤٨٤، ٤٩١ - مسلم: ١٢٥٩ - فتح: ٣/ ٥٩٢]

١٧٦٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ قَالَ: سُئِلَ عُبَيْدُ اللهِ عَنِ الْمُحَصَّبِ، فَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ.
وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُصَلِّي بِهَا -يَعْنِي: الْمُحَصَّبَ- الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ -أَحْسِبُهُ قَالَ: وَالْمَغْرِبَ. قَالَ خَالِدٌ: لَا أَشُكُّ فِي الْعِشَاءِ- وَيَهْجَعُ هَجْعَةً، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِىِّ - ﷺ -. [فتح: ٣/ ٥٩٢]
ذكر من حديث موسى بن عقبة عَنْ نَافِع، أَنَ ابن عُمَرَ كَانَ يَبِيتُ بِذِي طُوى بَيْنَ الثَّنِيَّتَيْنِ، ثُمَّ يَدْخُلُ مِنَ الثَّنِيَّةِ التِي بِأَعْلَى مَكَةَ، إلى آخره، وَكَانَ إِذَا صَدَرَ عَنِ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَنَاخَ بِالْبَطْحَاءِ التى بِذِي الحُلَيْفَةِ التِي كَانَ رسول الله - ﷺ - يُنِيخُ بِهَا.
وحديث خَالِدِ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: سُئِلَ عُبَيْدُ اللهِ عَنِ المُحَصَّبِ، فَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: نَزَلَ بِهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَعُمَرُ وَابْنُ عُمَرَ.


وَعَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُصَلِّي بِهَا -يَعْنِي: المُحَصَّبَ -الظُّهْرَ وَالعَصْرَ- أَحْسِبُهُ قَالَ: وَالمَغْرِبَ. قَالَ خَالِدٌ: لَا أَشُكُّ فِي العِشَاءِ- وَيَهْجَعُ هَجْعَةً، وَيَذْكُرُ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح
الحديثان من أفراده، والنزول بذي طوى قبل أن يدخل مكة، والنزول بالبطحاء التي بذي الحليفة عند رجوعه ليس بشيء من سنن الحج ومناسكه، فإن شاء فعله، وإن شاء تركه.


١٤٩ - باب مَنْ نَزَلَ بِذِي طُوًى إِذَا رَجَعَ مِنْ مَكَّةَ
١٧٦٩ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَقْبَلَ بَاتَ بِذِي طُوى، حَتَّى إِذَا أَصْبَحَ دَخَلَ، وَإِذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طُوى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ. [انظر: ٤٩١ - مسلم: ١٢٥٩ - فتح: ٣/ ٥٩٢]
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى: ثَنَا حَمَّاد، عَنْ أيوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَقْبَلَ بَاتَ بِذِي طُوى، حَتَّى إِذَا أصْبَحَ دَخَلَ، وَإِذَا نَفَرَ مَرَّ بِذِي طُوى وَبَاتَ بِهَا حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ يَذْكُرُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ.
محمد هذا هو ابن الطباع، وحماد قال الإسماعيلي: هو ابن سلمة، أخبرني بذلك الحسن بن سفيان، ثَنَا محمد بن أبان، ثنا حمَّاد، وأخبرني أبو يعلى، ثنا أبو خيثمة، ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، عن الحسن، عن حميد وبكر بن عبد الله، عن ابن عمر، وأيوب عن نافع، عن ابن عمر، وأخبرني أبو يعلى ثَنَا أبو الربيع، ثَنَا حماد بن زيد، ثَنَا أيوب، وأنا أبو عمران، ثنا الرمادي، ثَنَا يونس بن محمد، عن أيوب، عن نافع:
أن ابن عمر .. الحديث.
وأما أبو نعيم فجزم بأنه ابن زيد، وأما الحافظ جمال الدين المزي، فذكر رواية ابن الطباع، عن ابن زيد، ولم يذكرها عن ابن سلمة (١).
وقد سلفت القطعة الأولى متصلةً في باب: الاغتسال لدخول مكة، من حديث ابن علية، عن أيوب (٢). وهذا ليس من مناسك الحج، وإنما

---------
(١) انظر: «تحفة الأشراف» ٦/ ٦٢.
(٢) برقم (١٥٧٣).



فيه استحباب دخول مكة نهارًا، وهو مذهب ابن عمر، واستحسنه النخعي ومالك وإسحاق، وكانت عائشة تدخل مكة ليلًا، وهو مذهب عمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير (١)، وقال عطاء والثوري: إن شئت دخلتها نهارًا، وإن شئت دخلتها ليلًا، وقد أسلفنا ذَلِكَ.
قال ابن المنذر: وقد دخلها رسول الله - ﷺ - ليلًا حين اعتمر من الجعرانة (٢).

------------
(١) رواها ابن أبي شيبة ٣/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (١٥٥٦٨ - ١٥٥٨١)
(٢) دل على ذلك حديث روي من طريق مزاحم بن أبي مزاحم، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن محرش الكعبي أن رسول - ﷺ - خرج من الجعرانة ليلًا معتمرًا فدخل مكة ليلًا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد، خرج من بطن سرى حتى جاء مع الطريق طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس.
رواه أبو داود (١٩٩٦) كتاب: المناسك، والترمذي (٩٣٥) كتاب الحج، باب: ما جاء في العمرة من الجعرانة -وهذا لفظه- والنسائي ٥/ ١٩٩ - ٢٠٠ كتاب: المناسك، دخول مكة ليلًا، وأحمد ٣/ ٤٢٦، ٤٢٧، ٤/ ٦٩، ٥/ ٣٨٠، والحميدي ٢/ ١١١ (٨٨٦)، والدارمي ٢/ ١١٨٢ - ١١٨٣ (١٩٠٣) كتاب: المناسك، باب: الميقات في العمرة، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ٢٩١ (٢٣١٢)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٧٥ (٤٢٣٦)، والطبراني ٢٠/ ٣٢٦ (٧٧٠)، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٠٥ - ٢٦٠٦ (٦٢٧٧)، والبيهقي ٤/ ٣٥٧ كتاب الحج، باب: من استحب الإحرام بالعمرة من الجعرانة، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٤٠٨ - ٤٠٩، وفي «الاستيعاب» ٤/ ٢٧.
وقد جاء في بعض الروايات -كما هو الحال عند أبي داود: عن محرش الكعبي قال: دخل النبي - ﷺ - الجعرانة فجاء إلى المسجد فركع ما شاء الله .. الحديث مختصرًا.
والحديث صححه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٤/ ٤٠٨، وقال النووي في
«المجموع» ٨/ ٩: إسناده جيد، وقال الحافظ في «الإصابة» ٣/ ٣٦٩: سنده حسن، وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٤٢): حديث صحيح دون قوله: فجاء إلى المسجد فركع ما شاء … فإنه منكر، وبدونه حسنه الترمذي والحافظ.



١٥٠ - باب التِّجَارَةِ فِي أَيَّامَ المَوْسِمِ وَالبَيْعِ فِي أَسْوَاقِ الجَاهِلِيَّةِ
١٧٧٠ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ الهَيْثَمِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: كَانَ ذُو المَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ. [٢٠٥٠، ٢٠٩٨، ٤٥١٩ - فتح: ٣/ ٥٩٣]
ذكر فيه عن ابن عباس قال: كَانَ ذُو المَجَازِ وَعُكَاظٌ مَتْجَرَ النَّاسِ فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ كَأَنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] فِي مَوَاسِمِ الحَجِّ.
الشرح:
هكذا كان ابن عباس يقرؤها في مواسم الحج، وكذلك كان يتأول قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨]، وذكر إسماعيل بن أبي أمامة التيمي قال: كنت أكرَي في هذا الوجه، وكان ناس يقولون: إنه ليس لك حج، فلقيت ابن عمر فسألته فقال: أليس تحرم، وتلبي، وتطوف بالبيت، وتفيض من عرفات، وترمي الجمار؟ قلت: بلى. قال: فإن لك حجًّا، وإن رجلًا سأل النبي - ﷺ - عن مثل ما سألتني عنه فسكت عنه حَتَّى نزلت هذِه الآية (١)، وقال مجاهد في هذِه الآية: أحلت لهم التجارة في المواسم، وكانوا لا يبيعون،

------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٩٤ (٣٧٦٨).


ولا يبتاعون بعرفة، ولا بمنى في الجاهلية رغبة لمنافع ما يرضي الله تعالى من أمر الدنيا والآخرة. وقاله عطاء (١)، وقال أبو جعفر: المغفرة (٢)، وهو أحسنها، وإذا أخلص لحجه وقصد الكفاف، فأجره غير ناقص، وقد قال عمر: لأن أموت في سعي أبتغي كفاف وجهي أحب إليَّ أن أموت مجاهدًا في سبيل الله تعالى.
وقال الطحاوي: أخبر ابن عباس أن هذِه الآية نسخت ما كانوا عليه في الجاهلية من ترك التبايع في الحج، وأنهم كانوا لا يخلطونه بغيره، فأباحهم تعالى التجارة في الحج ابتغاء فضله، ولم يكن ما دخلوا فيه من حرمة الحج قاطعًا لهم عن ذَلِكَ، ودل ذَلِكَ على أن الداخل في حرمة الاعتكاف لا بأس عليه أن يتجر في مواطن الاعتكاف، كما لم تمنعه حرمة الحج منه، وممن أجاز للمعتكف البيع والشراء الكوفيون والشافعي، وقال الثوري: يشتري الخبز إذا لم يكن له من يشتريه له، وبه قال أحمد، واختلف فيه عن مالك، فروى عنه ابن القاسم إجازة ذَلِكَ إذا كان يسيرًا، وروي عنه مثل قول الثوري، وكره ذَلِكَ عطاء ومجاهد والزهري (٣).

---------
(١) رواه الطبري ٢/ ٢٩٥ (٣٧٧٥ - ٣٧٧٨).
(٢) السابق ٩/ ١٣٧ (٢٥٠٧٥).
(٣) رواه عنهم عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٦١ - ٣٦٢، وابن أبي شيبة ٢/ ٣٢٩.
وانظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٥٠ - ٥٢، «المبسوط» ٣/ ١٢١ - ١٢٢، «المنتقى» ٢/ ٨٠، «الاستذكار» ١٠/ ٢٨١ - ٢٨٩، «المجموع» ٦/ ٥٦٤، «الفروع» ٣/ ١٩٨ - ١٩٩.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #342  
قديم 13-02-2026, 08:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 209 الى صـــ 220
الحلقة (342)






١٥١ - باب الإِدْلَاجِ مِنَ المُحَصَّبِ
١٧٧١ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ فَقَالَتْ: مَا أُرَانِي إِلَّا حَابِسَتَكُمْ. قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - «عَقْرَى حَلْقَى، أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٩٥]

١٧٧٢ - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا مُحَاضِرٌ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ النَّفْرِ حَاضَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «حَلْقَى عَقْرَى، مَا أُرَاهَا إِلَّا حَابِسَتَكُمْ». ثُمَّ قَالَ: «كُنْتِ طُفْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ. قَالَ: «فَاعْتَمِرِي مِنَ التَّنْعِيمِ». فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا، فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجًا. فَقَالَ: «مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٩٥]
ذكر فيه حديث الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ … إلى أن قال: «أَطَافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قِيلَ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي».
وَزَادَنِي مُحَمَّدٌ ثَنَا مُحَاضِرٌ، ثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عنها: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لَا نَذْكُرُ إِلَّا الحَجَّ إلى أن قالت، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَكُنْ حَلَلْتُ. قَالَ: «فَاعْتَمِرِي مِنَ التَنْعِيمِ». فَخَرَجَ مَعَهَا أَخُوهَا، فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجًا. فَقَالَ: «مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا».
محمد هذا هو ابن عبد الله بن نمير شيخ البخاري كما بينه الحافظ أبو نعيم في «مستخرجه»، ورواه من جهته.
وقال الإسماعيلي: أخبرني الحسن بن سفيان، ثنا ابن نمير قال: ثنا أبو معاوية وأبي قالا: ثنا الأعمش وأخبرني الحسن، ثنا محاضر بن


المورِّع ثنا الأعمش وهذا حديث ابن نمير وأبي معاوية، وأبيه عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة فذكره. وزعم الجياني: أن محمدًا هذا هو الذهلي، ونسبه ابن السكن محمد بن سلام (١). وهذا ليس من مناسك الحج.
ذكر عبد الرزاق: أنا عمر بن ذر أنه سمع مجاهدًا يقول: أناخ رسول الله - ﷺ - ليلة النفر بالبطحاء ينتظر عائشة، ثم كره أن يقتدي الناس بإناخته فبعث حَتَّى أناخ على ظهر العقبة أو من ورائها ينتظرها.
وقول عائشة: (حَاضَتْ صَفِيَّةُ لَيْلَةَ النَّفْرِ) تعني: الليلة التي تلي النفر الآخر، وهو يوم الثالث عشر وباتوا بالمحصَّب، قاله الداودي، ولعله يريد: باتوا به الليلة التي تلي بعد النحر، وهي ليلة أربع عشرة، وفيه بعد؛ لأن حقيقة ليلة النفر ليلة ثلاث عشرة، لكن هذا وقع في البخاري في عدة مواضع: ليلة النفر، وفسره في بعض المواضع بأنها ليلة الحَصْبةِ (٢)، إلا أن تكون ليلة الحصبة ليست ليلة التحصيب، أو تكون معنى ليلة الحصبة: التي ينزل بعدها في المحصَّب، كما قيل: ليلةُ النفرِ التي يقعُ النفرُ في غدها فيصح، أو يريد النفر الذي للمدينة ليلة الحصبة؛ لأنهم نزلوا فيها بالمحصَّب.
وقولها: (إِنِّي لَمْ أَكُنْ أحللت) أي: من عمرة، كما أحل الناس، ولم تعمل إلا عمل الحاج كما سلف.
وقولها: (فَلَقِينَاهُ مُدَّلِجًا). هو بتشديد الدال كذا ضبطه ابن التين، وكذا هو في أصل الدمياطي أيضًا، والادِّلاج بتشديد الدال هو: سير

---------
(١) «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٤٦.
(٢) سلف برقم (١٧٦٢).



آخر الليل، وهو افتعل من دلج وأدلج رباعي: إذا سار أول الليل.
وقال الطبري: الادِّلاج بتشديد الدال. الرحيل من المنزل بسحر، وبالتخفيف: الرحيل من المنزل في أول الليل والسير فيه.
وقال ابن عياش: وغيره: أدلج القوم إذا قطعوا الليل كله سيرًا، وادَّلج إذا سار آخره.


٢٦
كتاب العمرة


بسم الله الرحمن الرحيم

٢٦ - (كتاب العمرة
١ - باب وُجُوبِ العُمْرَةِ) (١) وَفَضْلِهَا
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: إِنَّهَا لَقَرِينَتُهَا فِي كِتَابِ اللهِ ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]

١٧٧٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ -مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلاَّ الجَنَّةُ». [مسلم: ١٣٤٩ - فتح: ٣/ ٥٩٧]
وذكر حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا، وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ».

-----------
(١) كذا في الأصول، والذي في اليونينية ٣/ ٢: باب العمرة، وجوب العمرة وفضلها وبهامشها أبواب عند أبي ذر عن المستملي.


الشرح:
العمرة في اللغة:
الزيارة، وقيل؛ لأنها من عمارة المسجد الحرام.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم (١).
وأثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، عن ابن جريج، عن نافع عنه: ليس من خلق الله إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان (٢)، وأخرجه الحاكم من حديث إبراهيم بن موسى، وعبد المجيد بن عبد العزيز، عن ابن جريج مثله بزيادة: لمن استطاع إلى ذَلِكَ سبيلًا، فمن زاد على هذا فهو تطوع وخير، ثم قال: سند صحيح على شرطهما (٣).
قلت: وروي مرفوعًا عنه: «ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان»، وسيأتي الكلام عليه في الباب.
وأثر ابن عباس أخرجه الشافعي، والبيهقي، وصححه الحاكم على شرط مسلم، وابن حزم (٤).
واختلف العلماء في وجوب العمرة (٥)، وكان ابن عمر وابن عباس

-----------
(١) مسلم (١٣٤٩) كتاب: الحج، باب: فضل الحج والعمرة ويوم عرفة.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢١٦ (١٣٦٥٣) كتاب: الحج، من كان يرى العمرة فريضة.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٧١، وعنه البيهقي ٤/ ٣٥١، وكذا رواه الدارقطني ٢/ ٢٨٥ من حديث عبد المجيد بن عبد العزيز عن ابن جريج به.
(٤) الشافعي في «الأم» ٢/ ١١٣، «سنن البيهقي» ٤/ ٣٥١، «المستدرك» ١/ ٤٧١، «المحلى» ٧/ ٣٨.
(٥) في هامش الأصل: نقل السهيلي في «روضه» عن عطاء وجوبها على غير المكي.



يقولان: هي فرض (١)، وهو قول عطاء، وطاوس، والحسن، وابن سيرين، والشعبي (٢)، وإليه ذهب الثوري، والشافعي في أظهر قوليه، وأحمد، وإسحاق، وابن حبيب، وابن الجهم (٣)، وقال ابن مسعود: العمرة تطوع (٤)، وهو قول أبي حنيفة، وأبي ثور (٥)، وقال النخعي: هي سنة (٦)، وهو قول مالك قال: ولا نعلم أحدًا أرخص في تركها (٧)، احتج الأولون بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] أي: أقيموا، وإذا كان الإتمام واجبًا، فالابتداء واجب بناء على أن التطوع لا يجب إتمامه، لكن عمرة التطوع يجب إتمامها، وكذا حج التطوع، والحج لا يقاس عليه.
قال المخالف: وأثر ابن عمر قد أخرجه البخاري موقوفًا فلا حجة فيه، ولو صح رفعه لكان ذكره للعمرة مقارنة للحج لا يدل على وجوبها، وإنما معناه: الحض على هذا الجنس من العبادات لقوله: «تابعوا بين الحج والعمرة» (٨).

----------
(١) رواه عن ابن عمر: ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٦ (١٣٦٥٣)، والبيهقي ٤/ ٣٥١. ورواه عن ابن عباس: الحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٧١ وصححه، والبيهقي ٤/ ٣٥١.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٦ - ٢١٧ (١٣٦٥١، ١٣٦٦٠ - ١٣٦٦١).
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٣٥، «البيان» ٤/ ١٠، «المغني» ٥/ ١٣.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٥ (١٣٦٤٦).
(٥) «مختصر الطحاوي» ص ٩٥.
(٦) «المصنف» ٣/ ٢١٦ (١٣٦٤٩).
(٧) «الموطأ» ١/ ٤٤٤ (١١٣٠) كتاب: المناسك، باب: جامع ما جاء في العمرة.
(٨) روي من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وعمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وعامر بن ربيعة، وأبي هريرة.
حديث ابن عباس رواه النسائي ٥/ ١١٥، وفي «الكبرى» ٢/ ٣٢٢ (٣٦٠٩، ٣٦١١)، والعقيلي في «الضعفاء» ٤/ ٤٠٩، والطبراني ١١/ ١٠٧ (١١١٩٦)، =



وقال الطحاوي: ليس قول ابن عمر إنها واجبة ما يدل على أنها
------------
= ١١/ ١٨١ (١١٤٢٨)، الذهبي في «السير» ١٣/ ١٤٧ - ١٤٨، وفي «تذكرة الحفاظ» ٢/ ٥٩٤.
وحديث ابن مسعود رواه الترمذي (٨١٠)، والنسائي ٥/ ١١٥، ١١٦، وأحمد ١/ ٣٨٧، والبزار في «البحر الزخار» ٥/ ١٣٤ (١٧٢٢)، وأبو يعلى ٨/ ٣٨٩ (٤٩٧٦)، ٩/ ١٥٣ (٥٢٣٦)، وابن حبان ٩/ ٦ (٣٦٩٣)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٣٢٢ (٣٦١٠)، وابن خزيمة ٤/ ١٣٠ (٢٥١٢)، والعقيلي ٢/ ١٢٤، والشاشي ٢/ ٧٤ (٥٨٧)، والطبراني ١٠/ ١٨٦ (١٠٤٠٦)، وأبو نعيم في «الحلية» ٤/ ١١٠، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٦ - ٧ (١٨٤٣).
وحديث ابن عمر رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٤٠٥ (٨٦٩ - ٨٧٠)، والحارث ابن أبي أسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٣٦٥)، والطبراني ٢١/ ٤٥٦ (١٣٦٥١)، وابن عدي ١/ ٣٧١، وتمام الرازي كما في «زوائد الأجزاء المنثورة» ص ٢٢٢.
وحديث عمر رواه ابن ماجه (٢٨٨٧)، وأحمد ١/ ٢٥، والحميدي ١/ ١٥٦ (١٧)، والفاكهي ١/ ٤٠٤ - ٤٠٥ (٨٦٨)، وأبو يعلى ١/ ١٧٦ (١٩٨)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ١٥٤، وابن عدي ٦/ ٣٨٩ - ٣٩٠، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٧٢ (٤٠٩٤ - ٤٠٩٥)، والضياء في «المختارة» ١/ ٢٥٢ - ٢٥٣ (١٤٣ - ١٤٤)، ١/ ٢٧٢ (١٦٠).
وحديث جابر رواه البزار كما في «كشف الأستار» (١١٤٧)، وابن عدي ٧/ ٤٤٨.
وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧٨: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح. خلا بشر بن المنذر، ففي حديثه وهم، قاله العقيلي. ووثقه ابن حبان.
وحديث عامر بن ربيعة رواه أحمد ٣/ ٤٤٦، ٤٤٧، والحارث بن أبي أسامة كما في «البغية» (٣٦٤)، والضياء ٨/ ١٩٦ (٢٢٥ - ٢٢٨)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧٧: فيه عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، وكذا قال البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة» ٣/ ١٧٦.
وحديث أبي هريرة رواه الحارث بن أبي أسامة كما في «البغية» (٣٦٣) وكما في «المطالب العالية» ٦/ ٢٨١ (١١٣٦).
والحديث بجملته صححه الألباني في «الصحيحة» (١٢٠٠) فراجعه.



فريضة؛ لأنه قد يجوز أن يقول عنها واجبة على المسلمين وجوبًا عامًّا يقوم به البعض كالجهاد وغيره من فروض الكفايات، ويدل على هذا قول ابن عمر: إذا حللتم فشدوا الرحال للحج والعمرة؛ فإنهما أحد الجهادين (١). ألا ترى أنه شبههما بالجهاد الذي يقوم بفرضه بعضهم، وقوله - عليه السلام -: «بني الإسلام على خمس» (٢) ولم يذكر العمرة، فلو كانت فرضًا لذكرت.
قلت: قد ذكرت في قصة السائل الذي سأل رسول الله - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان -وهو جبريل - عليه السلام -- فقال له النبي - ﷺ -: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» إلى أن قال: «وتحج البيت وتعتمر». صححه الدارقطني وغيره من حديث عمر بن الخطاب (٣)، وحديث أبي رزين: «حج عن أبيك واعتمر»

----------
(١) سلف معلقًا بعد حديث (١٥١٦) باب: الحج على الرجل، ووصله عبد الرزاق في «المصنف» ٧/ ٥ (٨٨٠٨)، وسعيد بن منصور ٢/ ١٣٦ (٢٣٥٠)، والفاكهي في «أخبار مكة» ١/ ٣٧٧ (٧٩٣) من طريق إبراهيم، عن عابس بن ربيعة، عن عمر، قوله. فهو من قول عمر لا من قول ابن عمر كما ذكر المصنف.
(٢) سلف برقم (٨) كتاب: الإيمان، باب: دعاؤكم إيمانكم، ورواه مسلم (١٦) كتاب: الإيمان، باب: أركان الإسلام ودعائمه العظام.
(٣) رواه بهذا اللفظ ابن خزيمة ١/ ٣ - ٤ (١)، ٤/ ٣٥٦ (٣٠٦٥)، وابن حبان ١/ ٣٩٧ - ٣٩٩ (١٧٣)، والدارقطني ٢/ ٢٨٢ - ٢٨٣، وأبو نعيم في «المستخرج» ١/ ١٠٢ (٨٢)، والبيهقي في «السنن» ٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٤٢٨ (٣٩٧٣)، وفي «الاعتقاد» ص: ٢٦٩، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٢٢ (١٢٢٤) من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن يحيى بن يعمر، عن ابن عمر، عن عمر بن الخطاب .. الحديث.
ورواه الحاكم ١/ ٥١ من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، به. =



رواه الأربعة، وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم (١). قال أحمد: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود منه، ولا أصح (٢). واحتجوا للسنة بأنه نسك ليس له وقت معين، فلم يكن واجبًا بالشرع كنفل الطواف.
وقد سئل رسول الله - ﷺ - عن العمرة: أواجبة هي؟ قال: «لا، وإن يعتمر خير».

------------
= قال الدارقطني: إسناد ثابت صحيح أخرجه مسلم بهذا الإسناد. وقال الحاكم: صحيح على شرطهما. وقال ابن الجوزي: فإن قيل: هذا الحديث مذكور في الصحاح وليس فيه: ويعتمر؟ قلنا: قد ذكر فيه هذِه الزيادة أبو بكر الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين، ورواها الدارقطني وحكم لها بالصحة، وقال: هذا اسناده صحيح أخرجه مسلم بهذا الإسناد أ. هـ، وأقر ابن الجوزي على قوله
الذهبيُّ في «التنقيح» ٥/ ٢٩٦.
وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ١٤٧: قال صاحب «التنقيح»: الحديث مخرج في الصحيحين ليس فيها: وتعتمر، وهذِه الزيادة فيها شذوذ أ. هـ.
والحديث صححه الألباني بهذا اللفظ في «صحيح الترغيب» (١٧٥، ١١٠١).
(١) أبو داود (١٨١٠) كتاب: المناسك، باب: الرجل يحج عن غيره، والترمذي (٩٢٩) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الحج عن الشيخ الكبير والميت، والنسائي ٥/ ١١١، ١١٧، وابن ماجه (٢٩٠٦) كتاب: المناسك، باب: الحج عن الحي إذا لم يستطع، وابن حبان ٩/ ٣٠٤ (٣٩٩١)، والحاكم ١/ ٤٨١.
وراه أيضًا أحمد ٤/ ١٠، ١١، ١٢، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٣٢٠ (٣٦٠٠)، ٢/ ٣٢٤ (٣٦١٧)، وابن الجارود ٢/ ١١٤ (٥٠٠)، وابن خزيمة ٤/ ٣٤٥ - ٣٤٦ (٣٠٤٠)، والدارقطني ٢/ ٢٨٣، وابن حزم في «المحلى» ٧/ ٣٩، ٥٧، وفي «حجة الوداع» (٥٢٨)، والبيهقي ٤/ ٣٢٩، ٣٥٠، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١١٤ (١١٩٩).
قال الدارقطني عن رجال إسناد هذا الحديث: كلهم ثقات. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٨٨).
(٢) رواه البيهقي ٤/ ٣٥٠ بإسناده عن أحمد.



قلت: لكنه ضعيف (١)، وانفصل بعضهم عن الآية بأن إتمامها
-----------
(١) رواه الترمذي (٩٣١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في العمرة أواجبة هي أم لا؟ وأحمد ٣/ ٣٦١، ٣٥٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٢١٥ (١٣٦٤٤) كتاب: المناسك، من قال: العمرة تطوع، وأبو يعلى ٣/ ٤٤٣ (١٩٣٨)، وابن خزيمة ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧ (٣٠٦٨)، وابن حبان في «المجروحين» ١/ ٢٢٨، والدارقطني ٢/ ٢٨٥ - ٢٨٦، وأبو نعيم في «الحلية» ٨/ ١٨٠، والبيهقي ٤/ ٣٤٩، وابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٢٣ - ١٢٤ (١٢٢٨) من طريق الحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله مرفوعًا به. قال الترمذي: حسن صحيح.
قلت: نوقش في ذلك كما سيأتي بيانه.
ورواه ابن عدي في «الكامل» ٨/ ٢٩٦ - ٢٩٧ من طريق أبي عصمة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا به. وقال: وهذا يعرف بحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، وأبو عصمة قد رواه أيضًا، عن ابن المنكدر، ولعله سرقه منه ا. هـ
ورواه الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤١ (٦٥٧٢)، وفي «الصغير» ٢/ ١٩٣ (١٠١٥)، والدارقطني ٢/ ٢٨٦، والبيهقي ٤/ ٣٤٩ - ٣٥٠ من طريق يحيى بن أيوب، عن عبيد الله، عن أبي الزبير، عن جابر، مرفوعًا به.
قال البيهقي: إنما يعرف هذا المتن بالحجاج بن أرطاة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر اهـ.
ورواه البيهقي ٤/ ٣٥٠ من طريق ابن جريج والحجاج، عن محمد بن المنكدر، عن جابر أنه سئل عن العمرة أواجبة فريضة كفريضة الحج، قال: لا، وأن تعتمر خير لك. هكذا موقوفًا.
قال ابن حزم: حديث جابر، الحجاج بن أرطاة ساقط لا يحتج به، والطريق الأخرى أسقط وأوهن؛ لأنها من طريق يحيى بن أيوب وهو ضعيف عن العمري الصغير وهو ضعيف. اهـ. «المحلى» ٧/ ٣٧.
وقال البيهقي: المحفوظ عن جابر موقوف غير مرفوع، وروي عن جابر مرفوعًا بخلاف ذلك وكلاهما ضعيف. اهـ.
وقال في «المعرفة» ٧/ ٥٩: رواه الحجاج بن أرطاة، عن ابن المنكدر مرفوعًا، ورفعه ضعيف ا. هـ =



لا يكون إلا بعد الشروع فيها، ونحن نقول: من شرع فيها وجب إتمامها.
قال ابن التين: وكل ما ورد في ذَلِكَ من الأخبار فمطعون في سنده، والآية ليست ببينة في الوجوب.
وقوله: («العمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا») هو مثل قوله: «الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما» (١). يريد ما اجتنبت الكبائر.
قال ابن التين: «إلى العمرة»: يحتمل أن يكون بمعنى (مع) كقوله: ﴿إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿مَنْ أَنصَارِىَ إلَى اَللهِ﴾ [آل عمران: ٥٢، والصف: ١٤].
وفيه: الترغيب في تكرار العمرة، ومالك لا يرى لأحد أن يعتمر

------------
= وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٦٧: قال البيهقي في «خلافياته»: هذا الحديث ليس بثابت، وحجاج بن أرطاة يتفرد بسنده، ورفعه إلى رسول الله - ﷺ - من هذا الوجه، وخالفه ابن جريج وغيره، فرووه، عن ابن المنكدر، عن جابر من قوله، وهو الصواب، وحجاج ليس يقبل منه ما ينفرد به؛ لسوء حفظه وكثرة تدليسه، فكيف إذا خالف الثقات، ورفع الموقوفات والمعضلات أ. هـ، وقال ابن الجوزي في «التحقيق» ٢/ ١٢٤: حديث ضعيف، وقال المصنف في «البدر» ٦/ ٦٧: قال المنذري في كلامه على أحاديث «المهذب»: في تصحيح الترمذي لهذا الحديث نظر، فإن الحجاج بن أرطاة لم يحتج به الشيخان، وقد ضعفه الأئمة. اهـ. ثم قال: قال صاحب «الإمام»: صحح الترمذي هذا الحديث واعترض عليه بالكلام في الحجاج بن أرطاة رافعه، وقد روي موقوفًا من قول جابر. اهـ. وقال النووي في «المجموع» ٧/ ١٠: قول الترمذي: حديث حسن صحيح، غير مقبول، ولا يغتر بكلام الترمذي في هذا، فقد اتفق الحفاظ على أنه حديث ضعيف اهـ، وأورد الحافظ الحديث في «الدراية» ٢/ ٤٨ من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعًا وقال: في إسناده مقال.
ولمزيد من الكلام على هذا الحديث انظر: «البدر المنير» ٦/ ٦٢ - ٧٢، و«تلخيص الحبير» ٢/ ٢٢٦ - ٢٢٧.
(١) رواه مسلم (٢٣٣) كتاب: الطهارة. من حديث أبي هريرة.



أكثر من مرة في السنن للاتباع، وقال مطرف: لا بأس أن يعتمر في السنة مرارًا، ونحا إليه ابن المواز، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (١).
وقال آخرون: لا يعتمر في شهر أكثر من عمرة واحدة، حكاه ابن قدامة، وعند أحمد: إذا اعتمر فلا بد أن يحلق، أو يقصر في عشرة أيام يمكن حلق الرأس فيها، قال: وظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام.
وفي رواية الأثرم: إن شاء اعتمر في كل شهر (٢)، والمبرور: هو الخالص لا رياء فيه ولا رفث ولا فسوق، ويكون بمال حلال، وقال ابن التين: المبرور: من البر يحتمل أن يريد أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله أن لا يتعدى بغير حرف الجر لا أن يريد بمبرور وصف المصدر فيتعدى حينئذٍ إلى المصدر؛ لأن كل ما لا يتعدى من الأفعال يتعدى إلى المصدر. وذكر ابن فارس: أنه متعد، يقال: فلان يبر ربه أي: يطيعه (٣). وأصله بررت بكسر الراء، فعلى هذا يبر حجه، أي: يخلصه من الرفث وشبهه.
وقوله: («لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ») يريد أن ما دونها ليس بجزاء له، وإن كانت العمرة وغيرها من أفعال البر جزاؤها تكفير الذنوب فإن الحج المبرور لا يقتصر لصاحبه من الجزاء على تكفير بعض ذنوبه بل لا بد أن يبلغ به دخول الجنة، وقيل: إنه أراد حج النافلة.

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٠، «المنتقى» ٢/ ٢٣٥، «البيان» ٤/ ١٣.
(٢) «المغني» ٥/ ١٧.
(٣) «مقاييس اللغة» ص ٨٩.



٢ - باب مَنِ اعْتَمَرَ قَبْلَ الحَجِّ
١٧٧٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَنَّ عِكْرِمَةَ بْنَ خَالِدٍ سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ. قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابْنُ عُمَرَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ: بْنُ خَالِدٍ، سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ مِثْلَهُ.
حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ، قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ - رضي الله عنه -. مثله. [فتح: ٣/ ٥٩٨]
ذكر فيه عن ابن جُرَيْجٍ، عن عِكْرِمَةَ بْن خَالِدٍ قال: سئل ابن عُمَرَ عَنِ العُمْرَةِ قَبْلَ الحَجِّ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ. قَالَ عِكْرِمَةُ: قَالَ ابن عُمَرَ: اعْتَمَرَ النبِيُّ - ﷺ - قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ، وعَنِ ابن إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ، سَأَلْتُ ابن عُمَرَ مِثْلَهُ.
هذا من ابن عمر قد يدل أن فرض الحج نزل قبل اعتماره، إذ لو اعتمر قبله ما صح استدلاله على ما ذكره، ويتفرع على ذَلِكَ فرض الحج: هل هو على الفور أو التراخي؟ والذي نزع ابن عمر هو الصحيح في النظر، وهو الذي تعضده الأصول، أن في فرض الحج سعة وفسحة؛ لأن العمرة لم يجرِ لها ذكر في القرآن إلا والحج مذكور معها؛ ولذلك قال ابن عباس: إنها لقرينتها في كتاب الله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١)، ولو كان فرض الحج على الفور لم يجز فسخه في عمرة، ولا أمر الشارع أصحابه بذلك، ولو كان وقته مضيقًا لوجب إذا آخره إلى سنة أخرى أن تكون قضاءً لا أداءً، فلمَّا ثبت أنه يكون أداء في أي وقت أتى به علم إنه ليس

---------
(١) رواه البيهقي ٤/ ٣٥١، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٠/ ١٦.


على الفور، وقد سلف ما في ذَلِكَ أول الحج، وسيأتي شيء منه في قصة كعب بن عجرة حين آذاه هوامه، وحلق رأسه بالحديبية -إن شاء الله (١).
فائدة:
شيخ البخاري في الأول (حَدَّثَنَا (أحمد) (٢)، أخبرنا عبد الله) هو ابن شبويه فيما زعمه الدارقطني، أو ابن مردويه فيما قاله الحاكم والكلاباذي (٣).

----------
(١) سيأتي حديث كعب برقم (١٨١٤)، ورواه مسلم (١٢٠١).
(٢) تحتها في الأصل: (هو ابن الجليل).
(٣) قال العيني في «العمدة» ٨/ ٢٨٤: هو أحمد بن محمد بن ثابت بن عثمان بن مسعود بن يزيد المروزي المعروف بابن شبويه، قال الدارقطني: روى عنه البخاري، وقال الحاكم: هذا أحمد بن محمد هو ابن مردويه، قلت: هو أحمد بن موسى أبو العباس. اهـ.
وجزم زكريا الأنصاري في «المنحة» ٤/ ٢٢٨ بأنه أحمد بن محمد بن ثابت المروزي، ابن شبويه.
أما الحافظ فقال في «الفتح» ٣/ ٥٩٩: هو المروزي!
فيتضح من العرض السابق أنه أحد اثنين، إما أن يكون أحمد بن محمد بن ثابت المروزي (ابن شبويه) وهذا ما رجحه الحافظ زكريا الأنصاري، وإما أن يكون أحمد بن محمد بن موسى المروزي، أبو العباس السمسار، المعروف بمردويه.
والمصنف -رحمه الله- وكذا العيني لم يجزما بواحد منهما.
لكن وجدت أن الحافظ المزي لما ترجم في «تهذيب الكمال» ١/ ٤٣٣ (٩٤) لأحمد بن محمد بن ثابت المروزي (ابن شبويه) لم يذكر أن البخاري روى عنه! وكذا الحافظ الذهبي في ترجمته من «السير» ١١/ ٧ (٢)، ومن «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٥٠ (٢١).
مع أن المزي لما ترجم لأحمد بن محمد بن موسى المروزي (مردويه) ١/ ٤٧٣ (١٠٠) وكذا الذهبي في «السير» ١١/ ٨ (٣) ذكرا أن البخاري روى عنه!! =



٣ - باب كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟
١٧٧٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما جَالِسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا نَاسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى. قَالَ: فَسَأَلْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ. فَقَالَ: بِدْعَةٌ. ثُمَّ قَالَ لَهُ: كَمِ اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -؟ قَالَ: (أَرْبَعً) (١) إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ. [٤٢٥٣ - مسلم: ١٢٥٥ - فتح: ٣/ ٥٩٩]

١٧٧٦ - قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. قَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةً إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَبٍ قَطُّ. [١٧٧٧، ٤٢٥٤ - مسلم: ١٢٥٥ - فتح: ٣/ ٥٩٩]

---------
= وننبه أيضًا أن المزي في ترجمة ابن شبويه ١/ ٤٣٦ قال: وروى البخاري في الوضوء والأضاحي والجهاد عن أحمد بن محمد عن عبد الله وهو ابن المبارك، فقال الدارقطني: إنه أحمد بن محمد بن ثابت بن شبويه هذا، وقال أبو نصر الكلاباذي وغير واحد: أنه أحمد بن محمد بن موسى، مردويه، فأيهما كان فهو ثقة اهـ.
وكذا حكى هذا الكلام الذهبي في «السير» ١١/ ٨، وحكاه أيضًا في «تاريخ الإسلام» ١٦/ ٥١ - ٥٢ وزاد نسبته للمزي.
قلت: لا اعتقد أن يكون هو ابن شبويه، بل هو (مردويه) إن شاء الله؛ وذلك لما
تقدم ذكره، وأيضًا لأن الدارقطني جزم بأن البخاري روى عن ابن شبويه في ثلاثة مواضع ليس هذا منها، وحتى في المواضع الثلاث المذكورة قال الكلاباذي وغيره أنه أيضًا (مردويه). بالرغم من أن زكريا الأنصاري جزم بأنه ابن شبويه!.
أما الحافظ فاكتفي بقوله: هو المروزي! وكلاهما مروزي!! ولا يفوتني أن أنبه أن قول المصنف هنا وكذا العيني: ابن مردويه، خطأ؛ وذلك لأن كل من ذكره قال: مردويه، بدون ذكر ابن. والله أعلم بالصواب.
(١) كذا في الأصل وعليها علامة تصحيح.



١٧٧٧ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها، قَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي رَجَبٍ. [انظر: ١٧٧٦ - مسلم: ١٢٥٥ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٧٨ - حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ حَسَّانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ: سَأَلْتُ أَنَسًا - رضي الله عنه -: كَمِ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَعٌ: عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ، حَيْثُ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الجِعْرَانَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنٍ. قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةً. [١٧٧٩، ١٧٨٠، ٣٠٦٦، ٤١٤٨ - مسلم: ١٢٥٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٧٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا - رضي الله عنه -، فَقَالَ: اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - حَيْثُ رَدُّوهُ، وَمِنَ القَابِلِ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. [انظر: ١٧٧٨ - مسلم: ١٢٥٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٨٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ. وَقَالَ: اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي القَعْدَةِ إِلاَّ التِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَتَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ، وَمِنَ العَامِ المُقْبِلِ، وَمِنَ الجِعْرَانَةِ، حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنٍ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ. [انظر: ١٧٧٨ - مسلم: ١٢٥٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]

١٧٨١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُثْمَانَ، حَدَّثَنَا شُرَيْحُ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا وَعَطَاءً وَمُجَاهِدًا. فَقَالُوا: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ. وَقَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ، قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ. [١٨٤٤، ٢٦٩٨، ٢٦٩٩، ٢٧٠٠، ٣١٨٤، ٤٢٥١ - مسلم: ١٧٨٣ - فتح: ٣/ ٦٠٠]
ذكر فيه حديث مُجَاهِدٍ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ المَسْجِدَ، فَإِذَا عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ جَالسٌ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، وَإِذَا أنَاسٌ يُصَلُّونَ فِي المَسْجِدِ صَلَاةَ الضُّحَى. قَالَ: فَسَألْنَاهُ عَنْ صَلَاتِهِمْ، فَقَالَ: بِدْعَةٌ، ثمَّ قَالَ: لَهُ كَمِ اعْتَمَرَ النبي - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَع، إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَب، فَكَرِهْنَا أَنْ نَرُدَّ عَلَيْهِ.


قَالَ: وَسَمِعْنَا اسْتِنَانَ عَائِشَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ فِي الحُجْرَةِ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا أُمَّاهُ، يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، أَلَا تَسْمَعِينَ مَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ فقَالَتْ: مَا يَقُولُ؟ قَالَ: يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ إِحْدَاهُنَّ فِي رَجَبٍ. قَالَتْ: يَرْحَمُ اللهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، مَا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ إِلَّا وَهُوَ شَاهِدُهُ، وَمَا اعْتَمَرَ فِي رَجَب قَطُّ.
وحديث عُرْوَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ، قَالَتْ: مَا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي رَجَبِ.
وحديث قَتَادَةَ قال: سَأَلْتُ أَنَسًا: كَم اعْتَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ -؟ قَالَ: أَرْبَعًا: عُمْرَةُ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَدَّهُ المُشْرِكُونَ، وَعُمْرَةٌ فِي العَامِ المُقْبِلِ فِي ذِي القَعْدَةِ حَيْثُ صَالَحَهُمْ، وَعُمْرَةُ الجِعْرَانَةِ إِذْ قَسَمَ غَنِيمَةَ -أُرَاهُ- حُنَيْنِ. قُلْتُ: كَمْ حَجَّ؟ قَالَ: وَاحِدَةً.
وعَنْ قَتَادَةَ (١): سَأَلْتُ أَنَسًا، فَقَالَ: اعْتَمَرَ رسول الله - ﷺ - حَيْثُ رَدُّوهُ، وَمِنَ القَابِلِ عُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وَعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ، وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ.
وعن هَمَّامٍ (٢) قَالَ: اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فِي ذِي القَعْدَةِ إِلَّا التِي اعْتَمَرَ مَعَ حَجَّتِهِ: عُمْرَتَهُ مِنَ الحُدَيْبيَةِ، وَمِنَ العَامِ المُقْبِلِ، وَمِنَ الجِعْرَانَةِ حَيْثُ قَسَمَ غَنَائِمَ حُنَيْنِ، (وَعُمْرَةً) (٣) مَعَ حَجَّتِهِ.
وعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ (٤) قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا وَعَطَاءَ وَمُجَاهِدًا، قَالُوا: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي ذِي القَعْدَةِ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ مرتين.

-------------
(١) فوقها في الأصل: مسند.
(٢) فوقها في الأصل: مسند.
(٣) من (ج).
(٤) فوقها في الأصل: مسند.



الشرح:
هذِه الأحاديث الثلاثة أخرجها مسلم (١). وقال في الأولى: فكرهنا أن نكذبه. وفي رواية له وابن عمر يسمع: فما قال: لا، ولا هم، سكت، ولمسلم في الأخير عمرة من الحديبية، أو في الحديبية في
ذي القعدة.
واعترض الإسماعيلي فقال: هذا الحديث لا يدخل في باب: كم اعتمر؟ وإنما يدخل في باب: متى اعتمر؟
قلت: بلى داخل فيه، والزمان وقع استطرادًا، وفي قول مجاهد: دخلت أنا وعروة إلى آخره، ظاهر في سماع مجاهد من عائشة خلافًا لما قاله يحيى القطان وآخرون (٢)، وفي أفراد مسلم من حديث البراء بن عازب: اعتمر النبي - ﷺ - في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين (٣).
وفي أبي داود بإسناد على شرط الشيخين من حديث عائشة: أنه - عليه السلام - اعتمر في شوال، وأخرجه مالك في «موطئه» أيضًا (٤).

-------------
(١) مسلم (١٢٥٥، ١٢٥٣، ١٧٨٣).
(٢) في هامش الأصل: وفي «سنن النسائي» من رواية موسى الجهني، عن مجاهد، قال: أتى مجاهد بقدح حزرته ثمانية أرطال، فقال: حدثتني عائشة أن النبي يغتسل بمثل هذا. وهذا صريح في سماعه منها.
أفاده الرشيد العطار. وقال العلائي في «المراسيل»: وقد صرح -يعني مجاهدًا- في غير حديث بسماعه منها.
وقول الشيخ: (وآخرون) هم شعبة، ويحيى بن معين، وأبو حاتم. كذا نقله العلائي عن هذِه الثلاثة وابن سعيد معهم.
(٣) هذا الحديث رواه البخاري برقم (١٧٨١) وقد رواه مسلم (١٧٨٣) كتاب: الجهاد والسير، باب: صلح الحديبية، بقطعة لم ترد عند البخاري.
(٤) رواه أبو داود (١٩٩١) كتاب: المناسك، باب: العمرة، وابن سعد في «طبقاته» =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #343  
قديم 13-02-2026, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 229 الى صـــ 240
الحلقة (343)






= ٢/ ١٧٢، والبيهقي ٥/ ١١، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ٢٨٩ من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة به.
ورواه مالك ١/ ٤٣٦ (١١٠٤) من طريق هشام، عن أبيه، ليس فيه ذكر عائشة، فوقع هكذا مرسلًا.
قال ابن القيم رحمه الله: لم يتكلم المنذري على هذا الحديث، وهو وهم، فإن رسول الله - ﷺ - لم يعتمر في شوال قط، فإنه لا ريب أنه اعتمر عمرة الحديبية، وكانت في ذي القعدة، ثم اعتمر من العام القابل عمرة القضية، وكانت في ذي القعدة، ثم غزا غزاة الفتح ودخل مكة غير محرم، ثم خرج إلى هوازن وحرب ثقيف، ثم رجع إلى مكة فاعتمر من الجعرانة وكانت في ذي القعدة، ثم اعتمر مع حجته عمرة قرنها بها وكان ابتدائها في ذي القعدة، وسيأتي حديث أنس بعد هذا في أن عمره - ﷺ - كلها كانت في ذي القعدة، وقد روى مالك في «الموطأ» عن هشام بن عروة عن أبيه: أن رسول الله - ﷺ - لم يعتمر إلا ثلاثًا، إحداهن في شوال، واثنتين في ذي القعدة، وهذا مرسل عند جميع رواة «الموطأ»، قال ابن عبد البر: وقد روي مسندًا عن عائشة، وليس رواته مسندًا ممن يذكر مع مالك في صحة النقل.
وقال ابن شهاب: اعتمر رسول الله - ﷺ - ثلاث عمر، اعتمر عام الحديبية، فصده الذين كفروا في ذي القعدة سنة ست، واعتمر من العام المقبل في ذي القعدة سنة سبع، آمنًا هو وأصحابه، ثم اعتمر العمرة الثالثة في ذي القعدة سنة ثمان، حين أقبل من الطائف من الجعرانة، فإن كان هذا محفوظًا عن عائشة، فلعله عرض لها في ذلك ما عرض لابن عمر من قوله: إنه اعتمر في رجب، وإن لم يكن محفوظًا عن عائشة كان الوهم من عروة أو من هشام، والله أعلم، إلا أن يعمل على أنه ابتدأ إحرامها في شوال، وفعلها في ذي القعدة فتتفق الأحاديث كلها. والله أعلم اهـ
«مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤٢٣ - ٤٢٤ بتصرف.
وقال في «زاد المعاد» ٢/ ٩٧ - ٩٨:
هذا الحديث وهم، وإن كان محفوظًا عنها، فإن هذا لم يقع قطُّ، فإنه اعتمرَ بلا ريب: العمرةُ الأولى كانت في ذي القعدة عُمرة الحديبية، ثم لم يعتمِرْ إلى العام القابل، فاعتمر عُمرة القضية في ذي القَعدة، ثم رجع إلى المدينة ولم يخرُج إلى مكة حتى فتحها سنةَ ثمان في رمضان، ولم يعتمِرْ ذلك العام، ثم خرج إلى حُنين في ست من شوال وهزم الله أعداءه، فرجع إلى مكة، وأحرم بعُمرة، وكان ذلك في =



وفي الدارقطني من حديثها: أنه - عليه السلام - اعتمر في رمضان. وهو غريب (١).
----------
= ذي القعدة كما قال أنس، وابن عباس: فمتى اعتمر في شوال؟ ولكن لقي العدوَّ في شوال، وخرج فيه من مكة، وقضى عُمرته لما فرغ من أمر العدوِّ في ذي القَعدة ليلًا، ولم يَجْمَعْ ذلك العامَ بين عُمرتين، ولا قبله ولا بعدَه، ومَن له عِناية بأيامه - ﷺ - وسيرته وأحواله، لا يشكُّ ولا يرتابُ في ذلك.
وقال أيضًا ٢/ ١٢٢: من قال: إنه اعتمر في شوال، هذا وهم، والظاهر -والله أعلم- أن بعض الرواة غلط في هذا، وأنه اعتكف في شوال فقال: اعتمر في شوال، لكن سياق الحديث وقوله: اعتمر رسول الله - ﷺ - ثلاث عمر: عمرة في شوال، وعمرتين في ذي القعدة، يدل على أن عائشة أو من دونها إنما قصد العمرة ا. هـ
وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٦٠٠: حديث عائشة إسناده قوي، لكن قولها: في شوال، مغاير لقول غيرها: في ذي القعدة، ويجمع بينهما بأن يكون ذلك وقع في آخر شوال وأول ذي القعدة، ويؤيده ما رواه ابن ماجه بإسناد صحيح، عن مجاهد، عن عائشة: لم يعتمر رسول الله - ﷺ - إلا في ذي القعدة. اهـ
قلت هو في ابن ماجه برقم (٢٩٩٧) كتاب: المناسك، باب: العمرة في ذي القعدة، وصححه أيضًا الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٢٨).
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٣٨): إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقوله: في شوال، يعني: ابتداء؛ وإلا فهي كانت في ذي القعدة أيضًا.
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٨٨، ورواه البيهقي ٣/ ١٤٢، وابن الجوزي في «التحقيق» ١/ ٤٩٤ (٧٦٥) من طريق محمد بن يوسف الفريابي عن العلاء بن زهير، عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله - ﷺ - في عمرة في رمضان، فأفطر وصمت، وقصر وأتممت، فقلت: بأبي وأمي أفطرت وصمت، وقصرت وأتممت، قال: أحسنت يا عائشة.
قال الدارقطني: إسناده حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح.
ورواه أيضًا الدارقطني ٢/ ١٨٨، والنسائي في «المجتبى» ٣/ ١٢٢، وفي «الكبرى» ١/ ٥٨٨ (١٩١٤)، والبيهقي ٣/ ١٤٢ من طريق العلاء عن عبد الرحمن بن الأسود قال: قالت عائشة: اعتمر رسول الله - ﷺ - وأنا معه .. الحديث. هكذا، عن =

-------------
= عبد الرحمن، عن عائشة بإسقاط أبيه، وليس فيه ذكر: رمضان.
قال الدارقطني: عبد الرحمن قد أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق وهو مع أبيه وقد سمع منها، وقال البيهقي: قال أبو بكر النيسابوري: من قال في الحديث عن أبيه فقد أخطأ أ. هـ، وقال في «المعرفة» ١٤/ ٢٥٩: إسناد صحيح موصول، فإن عبد الرحمن أدرك عائشة.
وأغرب ابن حزم فأورد الحديث في «المحلى» ٤/ ٢٦٩ من الطريق الثاني وقال: انفرد به العلاء بن زهير الأزدي، لم يروه غيره، وهو مجهول، فهو حديث لا خير فيه. اهـ.
وتعقبه المصنف -رحمه الله- فقال: هذا من أعاصيبه، فالعلاء معلوم العين والحال، ووثقه ابن معين، وأخرج له النسائي، لا جرم اعترض عليه ابن عبد الحق فقال فيما رده على «المحلى»: هذا حديث صحيح بنقل الثقة عن الثقة، رجاله كلهم ثقات، وسماع كل واحد ممن روى عنه مذكور. قال: وقول ابن حزم أنه لا خير فيه، جهل منه بالآثار. قال: وقول ابن حزم أنه لا خير فيه، جهل منه بالآثار. قال: ودعواه جهالة العلاء غلط، بل هو ثقة مشهور روى عنه الإعلام، ووثقه ابن معين أ. هـ «البدر المنير» ٤/ ٥٢٨ بتصرف.
وقال في «خلاصة البدر» ١/ ٢٠١ - رادًّا على ابن حزم- قال ابن حزم: حديث لا خير فيه، قال: وهذا جهل منه فرجاله كلهم ثقات وإسناده متصل. اهـ.
وقال النووي في «خلاصة الأحكام» ٢/ ٧٢٧: رواه النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح اهـ. وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٤٤: قال الدارقطني: عبد الرحمن أدرك عائشة ودخل عليها وهو مراهق. قلت: وهو كما قال، ففي «تاريخ البخاري» وغيره ما يشهد لذلك، وقال أبو حاتم: أدخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها؟ قلت: وفي ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها. اهـ. وقال في «الدراية» ١/ ٢١٣: حديث رواته ثقات.
قلت: كثر كلام العلماء والمحققين في هذا الحديث حول قولها: خرجت معه في عمرة رمضان. فقال النووي في «الخلاصة» ٢/ ٧٢٨: هذِه اللفظة مشكلة، فإن المعروف أنه - ﷺ - لم يعتمر إلا أربع عُمَرُ، كلهن في ذي القعدة أ. هـ، وأبدع شيخ الإسلام فقال: في الحديث: أنها خرجت معتمرة معه في رمضان عمرة رمضان، وهذا كذب باتفاق أهل العلم، فإن النبي - ﷺ - لم يعتمر في رمضان قط وإنما كانت =

------------
= عمره كلها في شوال، وإذا كان لم يعتمر في رمضان ولم يكن في عُمَرِه عليه صوم، بطل هذا الحديث، والنبي - ﷺ - إنما سافر في رمضان غزوة بدر وغزوة الفتح، فأما غزوة بدر فلم يكن معه فيها أزواجه ولا كانت عائشة، وأما غزوة الفتح فقد كان صام فيها في أول سفره ثم أفطر، خلاف ما في هذا الحديث المفتعل. اهـ. «مجموع الفتاوى» ٢٢/ ٨٠ - ٨١.
وقال أيضًا ٢٤/ ١٤٧: هذا الحديث خطأ قطعًا. وقال أيضًا ٢٤/ ١٥٠: هذا الحديث علم قطعًا أنه باطل لا يجوز لمن علم حاله أن يرويه عن النبي - ﷺ - لقوله: «من روي عني حديثًا وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين»، ولكن من حدث من العلماء الذين لا يستحلون هذا فلم يعلموا أنه كذب لم يأثم أ. هـ
وتبعه ابن القيم فقال في «زاد المعاد» ٢/ ٥٥: هذا الحديث غلط إما على عائشة وهو الأظهر، أو منها.
وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٢/ ١٩١: ذكر صاحب «التنقيح» أن هذا المتن منكر، فإن النبي - ﷺ - لم يعتمر في رمضان قط.
وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٤/ ٥٢٨ - ٥٣٠: هذا الحديث في متنه نكارة … ثم ذكر كلامًا نفيسًا غاليًا فانظره.
ووجَّه الحافظ هذا الحديث فقال: يمكن حمله على أن قولها: في رمضان، متعلق بقولها: خرجت، ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر النبي - ﷺ - في تلك السنة من الجعرانة لكنه في ذي القعدة. اهـ. «الفتح» ٣/ ٦٠٣.
وتعقبه العيني على هذا التوجيه منتقدًا إياه فقال: هذا كله تعسف وتصرف بغير وجه بطريق تخمين، وقوله: ويمكن حمله … إلى آخره مستبعد جدًا؛ لأن ذكر الإمكان هنا غير موجه أصلًا؛ لأن قولها في رمضان يتعلق بقولها: خرجت، قطعًا، فما الحاجة في ذكر ذلك الإمكان، ولا يساعده أيضًا قوله فإنه؛ أي فتح مكة كان في رمضان يتعلق في اعتذاره عن البخاري في اقتصاره في الترجمة على قوله: عمرة في رمضان؛ لأن عمرته في تلك السنة لم تكن في رمضان بل كانت في ذي القعدة. اهـ. «عمدة القاري» ٨/ ٢٩١.
وتعقبه الحافظ رادًا على تعقبه له فقال: من لا يفهم المراد يقع في أكثر من ذلك، ومرادي: أن إطلاق عمرة رمضان على العمرة التي وقعت من الجعرانة في ذي =






قال ابن بطال: والصحيح أنه اعتمر ثلاثًا، والرابعة إنما يجوز نسبتها إليه؛ لأنه أمر الناس بها وعملت بحضرته، لا أنه اعتمرها بنفسه، ويدل على صحة ذَلِكَ أن عائشة ردت على ابن عمر قوله، وقالت: (ما اعتمر في رجب قط) وأما أنس فإنه لم يضبط المسألة ضبطًا جيدًا، وقد أنكر ذَلِكَ عليه ابن عمر حين ذكر له أن أنسًا حدث أنه - عليه السلام - أهلَّ بعمرة وحجة، فقال ابن عمر: أهلَّ النبي - ﷺ - وأهللنا به، ذكره البخاري في المغازي (١)، ففي رد ابن عمر على أنس: أنه - عليه السلام - اعتمر مع حجته، ردٌ من ابن عمر على نفسه أيضًا، وقد جاء عن أنس نفسه خلاف فتواه، وهو حديث مروان الأصفر عنه: أنه - عليه السلام - قال لعلي: «لولا أن معي الهدي لأحللت». ذكره في باب: من أهلَّ في زمنه كإهلاله فامتناعه من الإهلال من أجل الهدي (٢) يدل أنه كان مفردًا للحج؛ لأنه اعتذر عن الفسخ فيه بالهدي، ولو كان قارنًا ما جاز أن يعتذر؛ لاستحالة الفسخ على القارن، فكيف يجوز أن ينسب إلى رسول الله - ﷺ - أنه اعتمر مع حجته؟ إلا على معنى أنه أمر بذلك من لم يكن معه هدي، هذا ما لا ريب فيه ولا شك (٣). وقال أبو عبد الملك: إنه وهم من ابن عمر؛ لاجتماع المسلمين على أنه اعتمر ثلاثًا، وقاله معه أنس. فأما أنس فجعله قارنًا أو متمتعًا.
------------
= القعدة بطريق المجازة والتقدير العمرة التي كان ابتداء السفر الذي وقعت في آخره كان في رمضان، فأضيفت إلى رمضان اتساعًا أ. هـ «انتقاض الاعتراض في الرد على العيني في شرح البخاري» ٢/ ١٢ - ١٣.
والحديث قال عنه الألباني في «ضعيف النسائي» (٨١): منكر، وانظر: «الإرواء» ٣/ ٨ - ٩ ففيه كلام جيد.
(١) يأتي برقم (٤١٤٨) باب: غزوة الحديبية.
(٢) سبق برقم (١٥٥٨).
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٣٧.



واستنانها: قيل: سواكها، والأولى استعمالها الماء. قال ابن فارس: سننت الماء على وجهي: أرسلته إرسالًا (١)، إلا أن يكون استن لم تستعمله العرب إلا في السواك.
وقولها: (أَرْبَعَ عُمَرَاتٍ لك) قرأته بفتح الميم وضمها، وإسكانها مثل: غرفة وحجرة، وعد عمرة الحديبية، ومقتضاه: أنها تامة، لكنه صد ولا قضاء عليه خلافًا لأبي حنيفة، والحديبية تخفف ياؤها وتشدد، وكانت في ذي القعدة سنة ست (٢)، وعمرة القضية سنة سبع، سميت بذلك؛ لأنه قاضى أهل مكة أن يعتمر في العام المقبل (٣)، ويقال لها عمرة القضاء، ولا يتوهم أنه القضاء الشرعي، وعمرة الجعرانة سنة ثمان بعد فراغه من حنين، والطائف، وانصرف منها في آخر ذي القعدة.
وإنما بيَّن أنس أنهن في ذي القعدة تنبيهًا على الاعتمار في أشهر الحج، وإن أنكره مشركون، ويجوز أن يكون أحرم في شوال وأتمها في ذي القعدة، فنظر أحدهما لوقت الإحرام، والآخر لوقت الإحلال، قاله الداودي، وقيل: إن عمرتين كانتا في شوال، وعمرة في ذي القعدة قال: وقول من قال: اعتمر قبل أن يحج ليس بحجة؛ لأن الحج لم يفرض عليه حَتَّى حج الوداع، ولم يكن المسلمون يتقدمونه بأداء فرضه.

------------
(١) «مجمل اللغة» ٢/ ٤٥٥.
(٢) قاله السدي، فيما رواه عنه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٠٣ (٣١٤١)، وقتادة فيما رواه عنه أبو عوانة ٤/ ٣٦٤ (٦٩٦٦)، ونافع مولى ابن عمر فيما رواه البيهقي ٣/ ٣٤١.
(٣) انظر: «الطبقات الكبرى» ٢/ ١٢٠.



قلت: الحج فرض سنة ست على المشهور فلا إشكال، وقول أنس: (اعتمر حيث ردوه، ومن القابل عمرة الحديبية، وعمرة في ذي القعدة) أراه وهمًا؛ لأن الصواب أن الذي رد فيها عمرة الحديبية عام ستة، واعتمر من قابل ولم يرد كذا في كتاب ابن التين ولا وهم فيه؛ لأن قوله: (عمرة الحديبية)؛ لبيان التي ردوه فيها.
وقوله: (وَعُمْرَةً فِي ذِي القَعْدَةِ) بيان للقابلة، وفي «مسند يعقوب بن شيبة»، قال نافع: ولم يعتمر النبي - ﷺ - من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف ذَلِكَ على ابن عمر.


٤ - باب عُمْرَةٍ فِي رَمَضَانَ
١٧٨٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يُخْبِرُنَا يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ -سَمَّاهَا ابْنُ عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا-: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّين مَعَنَا؟». قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا- وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ». أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ. [١٨٦٣ - مسلم: ١٢٥٦ - ٣/ ٦٠٣]
ذكر فيه حديث ابن عباس: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لاِمْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ -سَمَّاهَا ابن عَبَّاسٍ، فَنَسِيتُ اسْمَهَا-: «مَا مَنَعَكِ أَنْ تحجِّي مَعَنَا؟».
قَالَتْ: كَانَ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ -لِزَوْجِهَا وَابْنِهَا- وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ، قَالَ: «فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِن عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ».
أَوْ (نَحْوًا) (١) مِمَّا قَالَ.
هذا الحديث أخرجه مسلم، وقال: «فإن عمرة فيه تعدل حجة» (٢)، وخرجه أيضًا من طريق جابر تعليقًا (٣)، ولهما: «يقضى حجة أو حجة معي»، وسميا المرأة أم سنان الأنصارية (٤)، وللترمذي (٥)، والحاكم:

-----------
(١) في الأصل: نحوٌ، والمثبت من «اليونينية» ٣/ ٣.
(٢) مسلم (١٢٥٦) كتاب: الحج، باب: فضل العمرة في رمضان.
(٣) سيأتي معلقًا بعد حديث (١٨٦٣).
(٤) يأتي برقم (١٨٦٣) ورواه مسلم (١٢٥٦) ٢٢٢.
(٥) الترمذي (٩٣٩) كتاب: الحج، باب: ما جاء في عمرة رمضان، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٧٤٧).



أم معقل الأسدية (١) (٢)، وكناها بعضهم أم طليق (٣).
وفي رواية للحاكم: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي بالحرم»، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين (٤).
قلت: فيه عامر الأحول (م والأربعة) وقد أخرج له مسلم، ووثقه أبو حاتم، ولينه أحمد (٥).
وفيه: دلالة واضحة على فضل الاعتمار في رمضان، قال إسحاق وهو مثل حديث: «من قرأ ﴿قُل هُوَ اَللهُ أحَد (١)﴾ [الإخلاص: ١]، فقد

---------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في»التجريد«: أم معقل الأسدية، وقيل: الأنصارية، لها: (في عمرة في رمضان)، أخرجه أبو داود في»سننه«وقال في أم طليق امرأة أبي طليق: في عمرة في رمضان. رواه ابن مسنده.
(٢)»المستدرك«١/ ٤٨٢ وقال الحاكم: حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره الذهبي، وصححه الألباني في»صحيح الجامع«(١٥٩٩).
(٣) رواه ابن أبي عاصم في»الآحاد والمثاني«٥/ ١٧٦ (٢٧١٠)، والبزار كما في»كشف الأستار«(١١٥١)، والطبراني ٢٢ (٨١٦)، ٢٥ (٤٢٥) من طريق المختار بن فلفل عن طلق بن حبيب، عن أبي طليق، عن أم طليق مرفوعًا به.
قال الهيثمي في»المجمع«٣/ ٢٨٠: رواه الطبراني والبزار، ورجال الطبراني رجال الصحيح. وقال الحافظ في»الإصابة«٤/ ١١٤: وأخرجه ابن أبي شيبة وابن السكن وابن منده من طريق عبد الرحيم بن سليمان عن المختار، وسنده جيد.
(٤)»المستدرك«١/ ٤٨٣ - ٤٨٤ من طريق عبد الوارث بن سعيد العنبري، عن عامر الأحول، عن بكر بن عبد الله المزني، عن ابن عباس مرفوعًا به، وليس فيه: بالحرم. قال الذهبي في»التلخيص«: عامر ضعفه غير واحد وبعضهم قواه ولم يحتج به البخاري.
(٥) وقال ابن معين: ليس به بأس، وقال ابن عدي، لا أرى بروياته بأسًا، وذكره ابن حبان في»الثقات«، وقال الحافظ في»التقريب«(٣١٠٣): صدوق يخطئ.
انظر ترجمته في:»الجرح والتعديل«٦/ ٣٢٦ (١٨١٧)،»ثقات ابن حبان«٥/ ١٩٣،»تهذيب الكمال" ١٤/ ٦٥ (٣٠٥٤).



قرأ ثلث القرآن» (١).
وفيه: جواز الاعتمار في غير أشهر الحج، والأحاديث السالفة تدل على إباحتها في أشهر الحج، وقيل: الاعتمار قبل الحج أفضل منه بعده، حكاه ابن التين قال: وهذا لمن كان مقيمًا بمكة.
وقوله: («فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ») أي: ثوابها، والمراد حجة التطوع، وثواب الأعمال يزيد بزيادة شرف الوقت، أو خلوص القصد وحضور القلب.
قال الزهري: تسبيحةٌ في رمضان خير من سبعين في غيره (٢)، فببركة رمضان حصل هذا الفضل، ويبعد أن يكون خاصًّا بها، فإن كان روى، ما أدري إلى خاصة.
والناضح البعير، أو الثور، أو الحمار الذي يربط به الرشا يجره فيخرج الغرب، ويقال له أيضًا: السانية.
وفي مسلم: يسقي عليه غلامنا (٣). قال القاضي: وأراه تحريفًا،

---------
(١) رواه الترمذي (٢٨٩٣) عن أنس، كتاب: فضائل القرآن، باب: ما جاء في ﴿إِذا زُلزِلَتِ﴾، ورواه أحمد ٥/ ٤١٨ عن أبي أيوب، وحسن حديث الترمذي الألباني في «صحيح الجامع» (٦٤٦٦) دون فضل الزلزلة، وأصله في الصحيحين: يأتي برقم (٥٠١٣ - ٥٠١٥) كتاب: فضائل القرآن، باب: فضل ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ عن أبي سعيد، ورواه مسلم (٨١١) كتاب: صلاة المسافرين، باب: فضل قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (١)﴾ عن أبي الدرداء. وقول أبي إسحاق في الترمذي ٣/ ٢٦٧.
(٢) رواه الترمذي (٣٤٧٢)، وابن أبي شيبة ٦/ ١٠٧ (٢٩٨٣١)، والمزي في «التهذيب» ٣٣/ ٧٨ - ٧٩ من طريق أبي بشر عن الزهري قوله. بلفظ: تسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة في غيره. قال الألباني: ضعيف الإسناد، مقطوع.
(٣) مسلم (١٢٥٦/ ٢٢٢).



والصواب: يسقي نخلًا لنا، فتصحف منه غلامنا، بيانه ما في البخاري يسقي عليه أرضًا لنا (١) (٢).
فرع:
جميع السنة وقت لإحرام العمرة عندنا إلا للعاكف بمنى؛ لاشتغاله بالرمي والمبيت، وقال مالك: من لم يحج من أهل الآفاق له أن يعتمر أيام التشريق ذكره في «المدونة» (٣)، ولم يذكر يوم النحر فيحتمل أن يكون مخصوصًا بالمنع؛ لكونه يوم الحج الأكبر، ويحتمل أن يكون حكمه حكم أيام التشريق، وقال ابن الجلاب: يلزمه العمرة إن أحرم بها بعد الرمي، ويمضي فيها حَتَّى يتمها بعد الغروب.

---------
(١) يأتي برقم (١٨٦٣) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ٣٣٣.
(٣) «المدونة» ١/ ٣٠٥.



٥ - باب عُمْرَةِ التَّنْعِيمِ (١)
١٧٨٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ رضي الله عنهما أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وَيُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا، كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو. [٢٩٨٥ - مسلم: ١٢١٢ - فتح: ٣/ ٦٠٦]

١٧٨٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ المَجِيدِ، عَنْ حَبِيبٍ المُعَلِّمِ، عَنْ عَطَاءٍ، حَدَّثَنِي جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَهَلَّ وَأَصْحَابُهُ بِالحَجِّ وَلَيْسَ مَعَ أَحَدٍ مِنْهُمْ هَدْيٌ، غَيْرَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَطَلْحَةَ، وَكَانَ عَلِيٌّ قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ، وَمَعَهُ الهَدْيُ فَقَالَ: أَهْلَلْتُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. وَإِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَذِنَ لأَصْحَابِهِ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً، يَطُوفُوا بِالبَيْتِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا، إِلَّا مَنْ مَعَهُ الهَدْيُ، فَقَالُوا: نَنْطَلِقُ إِلَى مِنًى وَذَكَرُ أَحَدِنَا يَقْطُرُ. فَبَلَغَ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أَهْدَيْتُ، وَلَوْلَا أَنَّ مَعِي الهَدْيَ لأَحْلَلْتُ». وَأَنَّ عَائِشَةَ حَاضَتْ فَنَسَكَتِ المَنَاسِكَ كُلَّهَا، غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ بِالبَيْتِ. قَالَ: فَلَمَّا طَهُرَتْ وَطَافَتْ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَتَنْطَلِقُونَ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ وَأَنْطَلِقُ بِالحَجِّ؟! فَأَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ. وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ بِالعَقَبَةِ، وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هَذِهِ خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ لِلأَبَدِ». [انظر: ١٥٥٧ - مسلم: ١٢١٦ - فتح: ٣/ ٦٠٦]
ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ عَمْرَو بْنَ أَوْسٍ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يُرْدِفَ عَائِشَةَ، وُيعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ. قَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: سَمِعْتُ عَمْرًا، كَمْ سَمِعْتُهُ مِنْ عَمْرٍو.

----------
(١) هذا الباب في الأصول بعد باب العمرة ليلة الحصبة وغيرها، وقدمه المصنف -رحمه الله- تبعًا لابن بطال كما أشار هو هناك.


وحديث جابر: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أمر عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهَا إِلَى التَّنْعِيمِ، فَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الحَجِّ فِي ذِي الحَجَّةِ. وَأَنَّ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ لَقِيَ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ بِالعَقَبَةِ، وَهُوَ يَرْمِيهَا، فَقَالَ: أَلَكُمْ هذِه خَاصَّةً يَا رَسُولَ اللهِ؟ فقَالَ: «لَا، بَلْ لِلأَبدِ» (١).
حديث عائشة سلف (٢)، وحديث جابر أخرجه مسلم أيضًا (٣).
وفقه الباب أن المعتمر المكي لا بد له من الخروج إلى الحل ثم يحرم منه؛ لأن التنعيم أقرب إلى الحل، وشأن العمرة عند الجميع أن يجمع فيها بين الحل والحرم المكي وغيره، والعمرة زيارة وإنما يزار الحرم من خارجه كما يزار المزور في بيته من غير بيته، وتلك سنة الله في عباده المعتمرين، وما بعد من الحل كان أفضل، ويجزئ أقل الحل، وهو التنعيم، وأفضله عندنا الجعرانة، ثم التنعيم، ثم الحديبية.
وقال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن العمرة لمن كان بمكة لا وقت لها غير التنعيم، وجعلوا التنعيم خاصة وقتًا لعمرة أهل مكة، وقال: لا ينبغي لهم أن يجاوزوه كما لا ينبغي لغيرهم أن يجاوز ميقاتًا وقته لهم رسول الله - ﷺ - (٤)، وخالفهم في ذَلِكَ آخرون، قالوا: وقت لأهل مكة الذين يحرمون منه بالعمرة الحل فمن أي الحل أحرموا أجزأهم ذَلِكَ، والتنعيم وغيره عندهم في ذَلِكَ سواء.

--------
(١) في هامش الأصل: هذِه قطعة من حديث جابر، وهي من آخره.
(٢) سلف برقم (١٥٥٦) كتاب: الحج، باب: كيف تهل الحائض والنفساء؟.
(٣) مسلم (١٢١٦) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج والتمتع والقران.
(٤) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٠.



واحتجوا بأنه قد يجوز أن يكون - عليه السلام - قصد إلى التنعيم في ذَلِكَ؛ لقربه لا أن غيره لا يجزئ، وقد روى من حديث عائشة أنه - عليه السلام - قال لعبد الرحمن: «احمل أختك»، فأخرجها من الحرم، قالت: والله ما ذكر الجعرانة، ولا التنعيم، فلتهلَّ بعمرة، فكان أدنى ما في الحرم التنعيم، فأهللت بعمرة (١). فأخبرت أنه - عليه السلام - لم يقصد إلا الحل لا موضعًا معينًا، وقصد التنعيم؛ لقربه، فثبت أن وقت أهل مكة لعمرهم هو الحل. وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه (٢)، والشافعي، وسؤال سراقة يحتمل أن يكون أراد عمرتنا هذِه في أشهر الحج لعامنا هذا، ولا نفعل ذَلِكَ فيما بعد؛ لأنهم لم يكونوا يعرفون العمرة فيما مضى في أشهر الحج، أو للأبد. فقال - عليه السلام -: «هي للأبد» أي: لكم أن تفعلوا ذَلِكَ أبدًا، وليس على الفسخ، فقد كان خاصًّا بهم كما سلف.
وهكذا رواه جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر: عمرتنا لعامنا هذا أم للأبد (٣).
وتابعه خصيف والأوزاعي جميعًا، عن عطاء، عن جابر (٤).

-----------
(١) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢٤١ (٤٠٨٥)، ورواه بنحوه أحمد ٦/ ٢٤٥، وأصله في الصحيحين كما في حديث الباب.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٠ - ٢٤١.
(٣) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧).
(٤) متابعة خصيف رواها الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٩١، والطبراني ٧/ ١٢٦ (٦٥٧٩).
ومتابعة الأوزاعي رواها أبو داود (١٧٨٧) كتاب: المناسك، باب: في إفراد الحج، وابن ماجه (٢٩٨٠) كتاب: المناسك، باب: فسخ الحج، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٩٢ (٣٨٨٤)، وابن حبان ٩/ ٢٣٢ (٣٩٢١) كتاب: الحج، باب: التمتع.



وقال ابن جريج، عن عطاء، عن جابر، وقال ابن جريج، عن عطاء: متعتنا لعامنا أم للأبد؟ (١) وطريق البخاري، عن عطاء، عن جابر سلف أول الباب، وقال الداودي: يعني به جواز التمتع وحمله
قوم على الفسخ.

--------
(١) رواه النسائي في «المجتبى» ٥/ ١٧٨، وفي «الكبرى» ٢/ ٣٦٦ (٣٧٨٧)، والطحاوي ٢/ ١٩٢، وابن حبان ٩/ ١٠٠ - ١٠١ (٣٧٩١)، وأبو نعيم في «المستخرج» ٣/ ٣١٣ - ٣١٤ (٢٨٢٠)، والبيهقي ٤/ ٣٣٨، والحديث من هذا الطريق سيأتي (٢٥٠٥ - ٢٥٠٦) وفيه: «هي لنا أو للأبد».


٦ - باب العُمْرَةِ لَيْلَةَ الحَصْبَةِ وَغَيْرِهَا
١٧٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ فَقَالَ لَنَا: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، فَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». قَالَتْ: فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَأَظَلَّنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ: «ارْفُضِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ». فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦٠٥]
ذكر فيه حديث عائشة قالت: خَرَجْنَا مَعَ النبي - ﷺ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ لنَا: «مَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِالحَجِّ …» الحديث.
فَلَمَّا كَانَت لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ، فَأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِي.
وقد سلف الحديث غير مرة (١)، وهذا الباب قبل باب عمرة التنعيم ثابت في الأصول، لكنا تبعنا فيه ابن بطال (٢).
وفقه الباب: أن الحاج يجوز له أن يعتمر إذا تم حجه بعد انقضاء أيام التشريق، وليلة الحصبة: هي التي تلي ليلة النفر الآخر.
وقولها: (خَرَجْنَا مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ) كذا هنا وفيما بعد، والذي في أكثر الروايات عنها وعن غيرها أنهم خرجوا لخمس بقين

-----------
(١) سلف برقم (٢٩٤).
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٣٨.



من ذي الحجة (١)، فإما أن تكون قالته على المقاربة، أو في هذِه الرواية بعض الوهم.
وقولها: (وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بعُمْرَةٍ) قد سلف الاختلاف فيما أهلت به، واختلف السلف في العمرة بعدَ أيام الحج: فذكر عبد الرزاق بإسناده عن مجاهد قال: سُئل عمر وعلي وعائشة عن العمرة ليلة الحصبة فقال عمر: هي خير من لا شيء، وقال علي: هي خير من مثقال ذرة، وقالت عائشة: العمرة على قدر النفقة (٢)، وعنها أيضًا: لأن أصوم ثلاثة أيام، أو أتصدق على عشرة مساكين أحب إلى من أن اعتمر بالعمرة التي اعتمرت من التنعيم (٣). وقال طاوس فيمن اعتمر بعد الحج: لا أدري أيعذبون عليها أم يؤجرون (٤)؟ وقال عطاء بن السائب: اعتمرنا بعد الحج فعاب ذَلِكَ علينا سعيد بن جبير، وأجاز ذَلِكَ آخرون، روى ابن عيينة عن الوليد بن هشام قال: سألت أم الدرداء عن العمرة بعد الحج، فأمرتني بها (٥)، وسُئل عطاء عن عمرة التنعيم قال: هي تامة وتجزئه (٦)، وقال القاسم بن محمد: عمرة المحرم تامة (٧).
وقد روي مثل هذا المعنى قال: تمت العمرة السنة كلها إلا يوم عرفة، ويوم النحر، ويومين من أيام التشريق (٨).

-----------
(١) سلف هذا اللفظ برقم (١٧٠٩) باب: ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٥٣ (١٣٠١٦).
(٣) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ٦٠ (٢٨٣٦).
(٤) السابق ٥/ ٥٩ (٢٨٣٣).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٥٣ (١٣٠١٣).
(٦) رواه الفاكهي ٥/ ٦٠ (٢٨٣٨) بدون قوله: وتجزئه.
(٧) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢١٤ (٣٢٠٥).
(٨) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٦ (١٢٧٢١)، والبيهقي ٤/ ٣٤٦ عن عائشة.



وقال أبو حنيفة: العمرة جائزة السنة كلها إلا يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام التشريق، للحاج وغيره، ومن حديث عائشة في الباب (١).
استحب مالك للحاج أن لا يعتمر حَتَّى تغيب الشمس من آخر أيام التشريق (٢)؛ لأنه - عليه السلام - كان قد وعد عائشة بالعمرة وقال لها: «كوني في حجك عسى الله أن يرزقكها» (٣)، ولو استحب لها العمرة في أيام التشريق؛ لأمرها بالعمرة فيها، وبه قال الشافعي. وإنما كرهت العمرة فيها للحاج خاصة؛ لئلا يدخل فيها عملًا على عمل؛ لأنه لم يكمل عمل الحج بعد، ومن أحرم بالحج فلا يحرم بالعمرة؛ لأنه لا تضاف العمرة إلى الحج عند مالك وطائفة من العلماء، وأما من ليس بحاج فلا يمنع من ذَلِكَ، فإن قلت: فقد روى أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة في هذا الباب: (وكنت ممن أهل بعمرة وروى مثله يحيى القطان، عن هشام في الباب بعد هذا، وهذا خلاف ما تقدم عن عائشة أنها أهلت بالحج (٤).
قلت: قد قدمنا أن أحاديث عائشة في الحج أشكلت على الأئمة قديمًا، فمنهم من جعل الاضطراب فيها جاء من قِبَلها، ومنهم من جعله من قِبل الرواة عنها.
وقد روى عروة، والقاسم، والأسود وعمرة، عن عائشة أنها كانت مفردة للحج، على ما سلف في أوائل الحج في باب التمتع، والقران،

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٠.
(٢) «المنتقى» ٢/ ٢١٨.
(٣) سبق برقم (١٥٦٠) كتاب: الحج، باب: قول الله ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾، ورواه مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز …
(٤) سلف برقم (١٥٦٠).



والإفراد (١)، والحكم لأربعة من ثقات أصحاب عائشة، فالحمل على التضاد أولى من الحكم لرجلين من متأخري رواة حديثها، ويكون قولها: (مكان عمرتي) أي: التي أحرمت بها من سرف ثم منعتها من
أجل الحيض.

------------
(١) برقم (١٥٦٠ - ١٥٦٢).


٧ - باب الاِعْتِمَارِ بَعْدَ الحَجِّ بِغَيْرِ هَدْىٍ
١٧٨٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيُهِلَّ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةِ فَلْيُهِلَّ، وَلَوْلَا أَنِّي أَهْدَيْتُ لأَهْلَلْتُ بِعُمْرَةٍ». فَمِنْهُمْ مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، وَمِنْهُمْ مِنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ، وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَقَالَ: «دَعِي عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي، وَأَهِلِّي بِالحَجِّ». فَفَعَلْتُ، فَلَمَّا كَانَتْ لَيْلَةُ الحَصْبَةِ أَرْسَلَ مَعِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ إِلَى التَّنْعِيمِ. فَأَرْدَفَهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ عُمْرَتِهَا، فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَةٌ، وَلَا صَوْمٌ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦٠٩]
ذكر فيه حديث هشام عن أبيه عن عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مُوَافِينَ لِهِلَالِ ذِي الحَجَّةِ .. الحديث إلى أن قالت: وَكُنْتُ مِمَّنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، فَحِضْتُ قَبْلَ أَنْ أَدْخُلَ مَكَّةَ، فَأدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِض …، إلى أن قالت: وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ، وَلَا صَدَقَة، وَلَا صَوْمٌ.
قد سلف الكلام عليه غير مرة. وقولها: (فأَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ وَأَنَا حَائِضٌ)، وفي رواية القاسم: فطهرت حين قدمنا منى صبيحة ليلة عرفة يوم النحر بمنى (١).
وقولها: (وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ … إلى آخره) لأن عمرتها بعد انقضاء الحج ولا خلاف بين العلماء أن من اعتمر بعد انقضاء الحج

----------
(١) سلف برقم (١٥٦٠).



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #344  
قديم 13-02-2026, 10:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 249 الى صـــ 260
الحلقة (344)






وخروج أيام التشريق، أنه لا هدي عليه في عمرته؛ لأنه ليس بمتمتع، وإنما المتمتع من اعتمر في أشهر الحج، وطاف للعمرة قبل الوقوف، وأما من اعتمر بعد يوم النحر فقد وقعت عمرته في غير أشهر الحج، فلذلك ارتفع حكم الهدي عنها، والصحيح من قول مالك أن أشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر ليال من ذي الحجة، ولم يكن عليها أيضًا في حجها هدي؛ لأنها كانت مفردة على ما روى عنها القاسم والأسود وعمرة، ولم يأخذ مالك بقولها في آخر الحديث: (ولم يكن في شيء من ذَلِكَ هدي). لأنها كانت عنده في حكم القارنة، ولزمها لذلك هدي القرآن، والآخذ بذلك أبو حنيفة أيضًا؛ لأنها كانت عنده رافضة لعمرتها، والرافضة عنده عليها دم للرفض، وعليها عمرة.
وقوله: (فَقَضَى اللهُ حَجَّهَا وَعُمْرَتَهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ هَدْيٌ). إلى آخره، ليس من لفظ عائشة، وإنما هو من لفظ هشام بن عروة حدَّث به بالعراق، ولم يذكر ذَلِكَ أحد غيره ولا يقوله الفقهاء، وقد تقدمت مذاهب العلماء في قوله: «انقضي رأسك وامتشطي» في باب: كيف تهل الحائض والنفساء (١) فراجعه منه.

---------
(١) سلف برقم (١٥٥٦).


٨ - باب أَجْرِ العُمْرَةِ عَلَى قَدْرِ النَّصَبِ
١٧٨٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَعَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَا: قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: يَا رَسُولَ اللهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: «انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦١٠]
ذكر فيه حديث القَاسِمِ والأَسْوَدِ عن عَائِشَةُ قالت: يَا رَسُولَ اللهِ، يَصْدُرُ النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ فَقِيلَ لَهَا: «انْتَظِرِي، فَإِذَا طَهُرْتِ فَاخْرُجِي إِلَى التَّنْعِيمِ فَأَهِلِّي، ثُمَّ ائْتِينَا بِمَكَانِ كَذَا، وَلَكِنَّهَا عَلَى قَدْرِ نَفَقَتِكِ أَوْ نَصَبِكِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وأفعال البر كلها على قدر المشقة والنفقة، ولهذا استحب الشافعي ومالك الحج راكبًا (٢)، ومصداق ذَلِكَ في كتاب الله تعالى في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ﴾ [التوبة: ٢٠] وفي هذا فضل الغنى، وإنفاق المال في الطاعات، ولما في قمع النفس عن شهواتها من المشقة على النفس، وعد الله -عز وجل- الصابرين فقال جل من قائل: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].

------------
(١) مسلم (١٢١١/ ١٢٨) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء.
(٢) «المنتقى» ٣/ ٣٦، «روضة الطالبين» ٣/ ٤.



٩ - باب المُعْتَمِرِ إِذَا طَافَ طَوَافَ العُمْرَةِ، ثُمَّ خَرَجَ، هَلْ يُجْزِئُهُ مِنْ طَوَافِ الوَدَاعِ؟
١٧٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ، وَحُرُمِ الحَجِّ، فَنَزَلْنَا سَرِفَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا». وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: «مَا يُبْكِيكِ». قُلْتُ: سَمِعْتُكَ تَقُولُ لأَصْحَابِكَ مَا قُلْتَ، فَمُنِعْتُ العُمْرَةَ. قَالَ: «وَمَا شَأْنُكِ؟». قُلْتُ: لَا أُصَلِّي. قَالَ: «فَلَا يَضُرَّكِ، أَنْتِ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كُتِبَ عَلَيْكِ مَا كُتِبَ عَلَيْهِنَّ، فَكُونِي فِي حَجَّتِكِ عَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِهَا». قَالَتْ: فَكُنْتُ حَتَّى نَفَرْنَا مِنْ مِنًى، فَنَزَلْنَا المُحَصَّبَ، فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ الحَرَمَ، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا». فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: «فَرَغْتُمَا؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادَى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ، قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٦١٢]
ذكر فيه حديث القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: خَرَجْنَا مُهِلِّينَ بِالحَجِّ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ وَحُرُمِ الحَجِّ … إلى قولها: فَدَعَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: «اخْرُجْ بِأُخْتِكَ من الحَرَم، فَلْتُهِلَّ بِعُمْرَةٍ، ثُمَّ افْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا، أَنْتَظِرْكُمَا هَا هُنَا». فَأَتَيْنَا فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: «فَرَغْتُمَا؟». قُلْتُ: نَعَمْ. فَنَادى بِالرَّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ، فَارْتَحَلَ النَّاسُ وَمَنْ طَافَ بِالبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، ثُمَّ خَرَجَ مُوَجِّهًا إِلَى المَدِينَةِ.
لا خلاف بين العلماء أن المعتمر إذا طاف وخرج إلى بلده أنه يجزئه من طواف الوداع كما فعلت عائشة، وأما من أقام بمكة بعد عمرته ثم بدا


له أن يخرج منها فيستحبون له طواف الوداع.
وقولها فيه: (وَكَانَ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - وَرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَوِي قُوَّةٍ الهَدْيُ، فَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ عُمْرَةً). يخالف حديث جابر السالف في باب عمرة التنعيم وليس مع أحد منهم هدي غير النبي - ﷺ - وطلحة، وكان علي قدم من اليمن ومعه هدي (١).

---------
(١) سلف برقم (١٧٨٥).


١٠ - باب يَفْعَلُ فِي العُمْرَةِ مَا يَفْعَلُ فِي الحَجِّ
١٧٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ قَالَ: حَدَّثَنِي صَفْوَانُ بْنُ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ -يَعْنِي-: عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ بِالجِعْرَانَةِ وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ وَعَلَيْهِ أَثَرُ الخَلُوقِ -أَوْ قَالَ: صُفْرَةٍ- فَقَالَ: كَيْفَ تَأْمُرُنِي أَنْ أَصْنَعَ فِي عُمْرَتِي؟ فَأَنْزَلَ اللهُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَسُتِرَ بِثَوْبٍ، وَوَدِدْتُ أَنِّي قَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ. فَقَالَ عُمَرُ: تَعَالَ، أَيَسُرُّكَ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ الوَحْىَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. فَرَفَعَ طَرَفَ الثَّوْبِ، فَنَظَرْتُ إِلَيْهِ لَهُ غَطِيطٌ -وَأَحْسِبُهُ قَالَ: كَغَطِيطِ البَكْرِ- فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ عَنِ العُمْرَةِ؟ اخْلَعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاغْسِلْ أَثَرَ الخَلُوقِ عَنْكَ، وَأَنْقِ الصُّفْرَةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكِ». [انظر: ١٥٣٦ - مسلم: ١١٨٠ - فتح: ٣/ ٦١٤]

١٧٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ --، وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ -: أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللهِ تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] فَلَا أُرَى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ: كَلاَّ، لَوْ كَانَتْ كَمَا تَقُولُ كَانَتْ: فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا، إِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ، وَكَانَتْ مَنَاةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وَكَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ البَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. [البقرة: ١٥٨]. زَادَ سُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ١٦٤٣ - مسلم: ١٢٧٧ - فتح: ٤/ ٦١٣]
ذكر فيه حديث يعلى بن أمية في قصة الجبة بالخلوق وفي آخره: «وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ» وقد سلف في باب غسل


الخلوق (١).
وحديث هشام عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ -وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ-: أَرَأَيْتِ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨] فَلَا أرى عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا أَنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهِمَا .. الحديث.
زَادَ سُفْيَانُ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مَا أَتَمَّ اللهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلَا عُمْرَتَهُ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ.
المراد -والله تعالى أعلم- بقوله: («وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجِّكَ») من اجتناب المحرمات كما أسلفناه هناك (٢)، ومن أعمال الحج إلا الوقوف فلا وقوف فيها ولا رمي، وأركانها أربعة: الإحرام والطواف والسعي والحلق أو التقصير، ولهذا قال هشام: (ما أتم الله حج امرئ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة).
وقوله: (وَأَنَا يَوْمَئِذٍ حَدِيثُ السِّنِّ). يريد أنه لم يكن بعد فقه، ولا علم من سُنن رسول الله - ﷺ - ما يتأول على نص الكتاب والسنة.

-------------
(١) برقم (١٥٣٦).
(٢) ورد بهامش الأصل: يعني في باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب.



١١ - باب مَتَى يَحِلُّ المُعْتَمِرُ؟
وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه -: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا. [انظر: ١٦٥١، ١٧٨٥]

١٧٩١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ، وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ. فَقَالَ لَهُ صَاحِبٌ لِي: أَكَانَ دَخَلَ الكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا. [انظر: ١٦٠٠ - فتح: ٣/ ٦١٥]

١٧٩٢ - قَالَ: فَحَدِّثْنَا مَا قَالَ لِخَدِيجَةَ؟ قَالَ: «بَشِّرُوا خَدِيجَةَ بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ». [٣٨١٩ - مسلم: ٢٤٣٣ - فتح: ٣/ ٦١٥]

١٧٩٣ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ. [٣٩٥ - مسلم: ١٢٣٤ - فتح: ٣/ ٦١٥]

١٧٩٤ - قَالَ: وَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. [انظر: ٣٩٦ - فتح: ٣/ ٦١٥]

١٧٩٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِالبَطْحَاءِ وَهُوَ مُنِيخٌ، فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟». قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ: «أَحْسَنْتَ. طُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ ثُمَّ أَحِلَّ». فَطُفْتُ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ قَيْسٍ، فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ. فَكُنْتُ أُفْتِي بِهِ، حَتَّى كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ، فَقَالَ: إِنْ


أَخَذْنَا بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَإِنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ - فَإِنَّهُ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ. [انظر: ١٥٥٩ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٦١٥]

١٧٩٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ -مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ- حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْمَعُ أَسْمَاءَ تَقُولُ كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ: صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذٍ خِفَافٌ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ وَالزُّبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا البَيْتَ أَحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ. [انظر: ٦١٥ - مسلم: ١٢٣٥، ١٢٣٧ - فتح: ٣/ ٦١٦]
وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنْ جَابِرٍ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَصْحَابَهُ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً وَيَطُوفُوا، ثُمَّ يُقَصِّرُوا وَيَحِلُّوا (١).
هذا سلف مسندًا في باب: تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف بالبيت بزيادة: إلا من كان معه الهدي (٢).
ثم ساق حديث عَبْدِ الله بْنِ أَبِي أَوْفَى: اعْتَمَرَ النبي - ﷺ - اعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ فطفنا مَعَهُ، وَأَتَى الصَّفَا وَالمَرْوَةَ وَأَتَيْنَاهَا مَعَهُ .. الحديث وفيه: وَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ.
وحديث عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ: سَأَلْنَا ابن عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ طَافَ بِالبَيْتِ فِي عُمْرَةِ، وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ؟ فَقَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَطَافَ وسعى (بِالبَيْتِ سَبْعًا، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَطَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعًا) (٣)، وَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ اسْوَة حَسَنَةٌ.

---------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس بعد الثلاثين، كتبه مؤلفه.
(٢) برقم (١٦٥١).
(٣) ليست في الأصل.



قَالَ: وَسَألْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ الله، فَقَالَ: لَا يَقْرَبَنَّهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ. وقد سلف (١).
وحديث أَبِي مُوسَى (٢) قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - بِالبَطْحَاءِ وَهُوَ مُنِيخٌ، فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ .. الحديث. وقد سلف أيضًا (٣).
وحديث أَسْمَاءَ رضي الله عنها أنَّها كُلَّمَا مَرَّتْ بِالحَجُونِ قالت: صَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ، لَقَدْ نَزَلْنَا مَعَهُ هَا هُنَا، وَنَحْنُ يَوْمَئِذِ خِفَافٌ، قَلِيلٌ ظَهْرُنَا، قَلِيلَةٌ أَزْوَادُنَا، فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَاخْتِي عَائِشَةُ وَالزبَيْرُ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَلَمَّا مَسَحْنَا البَيْتَ أحْلَلْنَا، ثُمَّ أَهْلَلْنَا مِنَ العَشِيِّ بِالحَجِّ.
الشرح:
حديث أسماء أخرجه مسلم مطولًا (٤)، والعمرة في حديث ابن أبي أوفى المراد بها: عمرة القضية، ولم يذكر في حديث جابر السعي، وقد قال بعض السلف: إنه ليس بواجب، واتفق أئمة الفتوى على أن المعتمر يحل من عمرته إذا طاف وسعى، وإن لم يكن حلق، ولا قصر على ما جاء في هذا الحديث، كذا ادعاه ابن بطال ثم قال: ولا أعلم في ذَلِكَ خلافًا إلا شذوذًا، روي عن ابن عباس أنه قال: العمرة الطواف (٥)، وتبعه ابن راهويه.

----------
(١) برقم (٣٩٦) كتاب: الصلاة، باب: قول الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾.
(٢) ورد بهامش الأصل: حديث أبي موسى سلف في باب: من أهلَّ في زمن النبي - ﷺ - كإهلال النبي - ﷺ -.
(٣) برقم (١٥٥٩) باب: من أهل في زمن.
(٤) مسلم (١٢٣٥) كتاب الحج، باب: ما يلزم من طاف بالبيت وسعى من البقاء على الإحرام وترك التحلل.
(٥) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٩٧.



والحجة في السنة لا في خلافها، وقد أسلفنا أن الأظهر عند الشافعي: أن الحلق ركن فيها (١)، واحتج الطبري بحديث أبي موسى على من زعم أن المعتمر يحل من عمرته إذا أكمل عمرته، ثم جامع قبل أن يحلق أنه مفسد لعمرته، فقال: ألا ترى قوله - عليه السلام - لأبي موسى: «طف بالبيت وبين الصفا والمروة، وحل»، ولم يقل: طف بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصر من شعرك أو احلق ثم أحل. فبين بذلك أن الحلق والتقصير ليسا من النسك، وإنما هما من معاني الإحلال، كما إن لبس الثياب والطيب بعد طواف المعتمر بالبيت، وسعيه من معاني إحلاله، وكذلك من إحلاله من إحرامه بعد رميه جمرة العقبة لا من نسكه، فتبين فساد قول من زعم أن المعتمر إذا جامع قبل الحلق بعد طوافه وسعيه أنه مفسد عمرته وهو قول الشافعي (٢).
قال ابن المنذر: ولا أحفظ ذَلِكَ عن غيره. وقال مالك والثوري والكوفيون: عليه الهدي. وقال عطاء: يستغفر الله ولا شيء عليه.
قال الطبري: وفي حديث أبي موسى بيان فساد قول من قال: إن المعتمر إن خرج من الحرم قبل أن يقصر أنَّ عليه دمًا، وإن كان قد طاف وسعى قبل خروجه منه.
وفيه أيضًا أنه - عليه السلام - إنما أذن لأبي موسى بالإحلال من عمرته بعد الطواف والسعي، فبان بذلك أن من حل منهما قبل ذَلِكَ فقد أخطأ، وخالف السنة، واتضح به فساد قول من زعم: أن المعتمر إذا دخل الحرم فقد حل، وله أن يلبس ويتطيب، ويعمل ما يعمله الحلال،

-----------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ٣/ ١٠١.
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٢.



وهو قول ابن عمر وابن المسيب، وعروة، والحسن، وصح أنه من حل من شيء، كان عليه حرامًا قبل ذَلِكَ فعليه الفدية.
واختلف العلماء إذا وطئ المعتمر بعد طوافه، وقبل سعيه فقال مالك والشافعي، وأحمد وأبو ثور: عليه الهدي وعمرة أخرى مكانها، ويتم الذي أفسد، ووافقهم أبو حنيفة إذا جامع بعد طواف ثلاثة أشواط، وقال: إذا جامع بعد أربعة أشواط بالبيت أنه يقضي ما بقي من عمرته، وعليه دم، ولا شيء عليه، وهذا الحكم لا دليل عليه إلا الدَّعوى (١).
حجة الأولين حديث ابن أبي أوفي في الباب: أنه - عليه السلام - اعتمر مع
أصحابه ولم يحلوا حَتَّى طافوا وسعوا، وبذلك أمر - عليه السلام - أبا موسى قال له: («طف واسع وأحل») فوجب الاقتداء بسنته واتباع أمره، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٢) وقد فهم الصحابة الذين تلقوا عنه السنة قولًا وعملًا هذا المعنى منهم: ابن عمر وجابر (٣).
وقولها: (فَاعْتَمَرْتُ أَنَا وَأُخْتِي عَائِشَةُ) أي: حين أمرهم أن يجعلوا إحرامهم بالحج عمرة، فثبتت أسماء على عمرتها، وحاضت عائشة فلم تطف وأُمرت برفض ذكر العمرة، وأن تكون على الحج كما بدأت به أولًا، فأخبرت أسماء عن نفسها وعن غيرها، ولم يدل ذَلِكَ على أن عائشة مسحت البيت معهم؛ لثبوت حيضها فمُنِعت العمرة، ومثله حديث ابن عباس في حديث الفسخ: طفنا بالبيت، وأتينا النساء (٤)؛

-----------
(١) انظر: «المجموع» ٧/ ٤٢١.
(٢) رواه مسلم (١٢٩٧) كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، بنحوه.
(٣) من قول المصنف -رحمه الله- سابقًا: كذا ادعاه ابن بطال … إلى هذا الموضع نقله من «شرحه» ٤/ ٤٤٧ - ٤٤٩ بتصرف.
(٤) سلف برقم (١٥٧٢) باب: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾.



لأنه كان صغيرًا في حجة الوداع قد ناهز الحلم، ومثله لا يأتي النساء، وكذلك قالت عائشة -في حديث الأسود: فلما قدمنا تطوفنا بالبيت (١)، وهي لم تطف حَتَّى طهرت، ورجعت من عرفة؛ لأنها قالت فيه: ونساؤه لم يسقن الهدي، فأهللن فحضت، فلم أطف بالبيت بعد أن قالت: تطوفنا. وعلى هذا التأويل يخرج قول من قال: تمتع رسول الله - ﷺ - وتمتعنا معه (٢)، يعني: أمر، وقد تقدم معنى قولها: فلما مسحنا البيت، أحللنا (٣)، تريد السعي، وعليه تأوله الفقهاء (٤).
وقال الداودي: فيه تقديم وتأخير واختصار، ومعناه اعتمرت أنا والزبير وفلان وفلان، فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا بالحج، واعتمرت عائشة بعد أن حلت من حجها؛ لأن الروايات من غير طريق أن عائشة أتت البيت وهي حائض.
وقال غيره: مسحنا بالبيت أي: طفنا؛ لأن من طاف به مسح الركن فصار اسمًا له.
فائدة:
في آخر حديث عبد الله بن أبي أوفى «بَشِّروا خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب». البيت: القصر، والبيت: الشرف أيضًا، قاله ابن الأعرابي، قال: والقصب: الدر المجوف، وقال
الهروي: أراد بشرها بقصر من زمردة مجوفة، أو لؤلؤة مجوفة،

---------
(١) رواه مسلم (١٢١١).
(٢) رواه مسلم (١٢٢٦/ ١٧١) باب: جواز المتعة.
(٣) رواه مسلم (١٢٢٦/ ١٧١) باب: جواز المتعة.
(٤) من قول المصنف -رحمه الله- وقولها: فاعتمرت أنا وأختي … إلى هذا الموضع هو في «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٤٩ - ٤٥٠ حكاه عن المهلب. بتصرف.



والصخب: الصوت، والنصب: الإعياء والتعب، فما في الجنة لا تعب فيه ولا آفة.
فائدة:
معنى قوله لأبي موسى (»أَحَجَجْتَ؟ ") أي: نويت الحج؟ نبه على ذَلِكَ الداودي.


١٢ - باب مَا يَقُولُ إِذَا رَجَعَ مِنَ الحَجِّ أَوِ العُمْرَةِ أَوِ الغَزْوِ
١٧٩٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ». [٢٩٩٥، ٣٠٨٤، ٤١١٦، ٦٣٨٥ - مسلم: ١٣٤٤ - فتح ٣/ ٦١٨]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ غَزْوِ أَوْ حَجِّ أَوْ عُمْرَةٍ يُكَبِّرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنَ الأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: «لَا إله إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ، عَابِدُونَ سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ».
هذا الحديث أخرجه مسلم، وعنده: كان إذا قفل من الجيوش، أو السرايا أو الحج، أو العمرة إذا أوفى على ثنية أو فدْفَدٍ كبر ثلاثًا، ثم قال، الحديث، وفي رواية أنه كبر مرتين (١)، وذكره البخاري في آواخر غزوة الخندق أيضًا (٢)، وأخرج معناه من حديث أنس (٣) وجابر (٤)،

-----------
(١) مسلم (١٣٤٤) كتاب: الحج، باب: ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره.
(٢) سيأتي برقم (٤١١٦).
(٣) سيأتي برقم (٣٠٨٥ - ٣٠٨٦) كتاب: الجهاد والسير، باب: ما يقول إذا رجع من الغزو، ورواه مسلم (١٣٤٥).
(٤) يأتي برقم (٢٩٩٤) كتاب: الجهاد والسير، باب: التكبير إذا علا شرفًا.



وأخرجه الترمذي من حديث البراء وصححه (١).
ومعنى: قفل: رجع إلى بلده، ولا يسمى المتوجه من بلده قافلًا بل صائبة، وقال في «النهاية»: أكثر ما يستعمل في الرجوع، ويُقال: قفول فيها الشرف العالي (٢).
آيبون: يريد نفسه ومن معه من سفرهم، وقيل: لا يكون إلا الرجوع إلى أهله، حكاه في «المحكم»: تائبون من كل منهي، عابدون له وحده، حامدون على ما تفضل من النصرة.
وقوله: («وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ») يريد أنه تعالى وعده بإعزاز دينه، وإهلاك عدوه، وغلبة الأحزاب، فيحتمل إرادة الأحزاب، ويحتمل أن يريد به أحزاب الكفر في جميع الأيام والمواطن، ويحتمل أن يريد الدعاء كأنه قال: اللهم افعل ذَلِكَ وحدك، وخص استعمال هذا الذكر هنا؛ لأنه أفضل ما قاله النبيون قبله.
وفيه من الفقه: استعمال حمد الله تعالى والإقرار بنعمه، والخضوع له، والثناء عليه عند القدوم من الحج، والجهاد على ما وهب من تمام المناسك، وما رزق من النصر على العدو، والرجوع إلى الموطن سالمين؛ وكذلك يجب إحداث الحمد لله والشكر له على ما يحدث على عباده من نعمه، فقد رضي من عباده بالإقرار له بالوحدانية، والخضوع له بالربوبية، والحمد والشكر عوضًا عما وهبهم من نعمه

--------
(١) الترمذي (٣٤٤٠) كتاب: الدعوات، باب: ما يقول إذا خرج مسافرًا.
ورواه النسائي في «الكبرى» ٦/ ١٤١ (١٠٣٨٣)، وأحمد ٤/ ٢٨١، والطيالسي ٢/ ٨٩ (٧٥١)، وابن حبان ٦/ ٤٢٧ (٢٧١١)، والحديث صححه الألباني في «صحيح الترمذي».
(٢) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٤/ ٩٣.



تفضلًا عليهم ورحمة لهم.
وفيه: بيان أن نهيه عن السجع في الدعاء أنه على غير التحريم؛ لوجود السجع في دعائه ودعاء أصحابه، فيحتمل أن يكون نهيه عن السجع متوجهًا إلى حين الدعاء خاصة خشية أن يشتغل الداعي بطلب الألفاظ، وتعديل الأقسام عن إخلاص النية، وإفراغ القلب في الدعاء، والاجتهاد فيه، وسيأتي -إن شاء الله- مزيد بيان ذَلِكَ في باب: ما يكره من السجع في الدعاء، إن شاء الله ذَلِكَ وقدَّره (١).

--------
(١) انظر شرح حديث ابن عباس الآتي برقم (٦٣٣٧) كتاب: الدعوات.


١٣ - باب اسْتِقْبَالِ الحَاجِّ القَادِمِينَ وَالثَّلَاثَةِ عَلَى الدَّابَّةِ
١٧٩٨ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ اسْتَقْتَلَتْهُ أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ. [٥٩٦٥، ٥٩٦٦ - فتح: ٣/ ٦١٩]
ذكر فيه حديث ابن عباس قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ (استَقْبَلَة) (١) أُغَيْلِمَةُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَحَمَلَ وَاحِدًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَآخَرَ خَلْفَهُ.
وهو من أفراده، أغيلمة: تصغير غلمة، وكان القياس غليمة، ولكنهم ردوها إلى أفعلة أي: أغلمة، ذكره الخطابي (٢)، وقال الداودي: أغلمة: بفتح الألف جمع غلام، وهي اللغة. قالوا: جمع غلام: غلمة، غلمان، ولم يقولوا: أغلمة.
وفيه: ركوب الثلاثة فأكثر على الدابة، وروي كراهية ركوب ثلاثة على دابة، ولا يصح (٣).
وفيه: جواز حمل الدابة على ما أطاقت.
وفيه: تلقي القادمين من الحج إكرامًا لهم وتعظيمًا؛ لأنه - عليه السلام - لم ينكر تلقيهم، بل سر به؛ لحمله لهم بين يديه وخلفه، ويدخل في معنى ذَلِكَ من قدم من الجهاد، أو من سفر طاعة فلا بأس بالخروج

----------
(١) في الأصل وفي اليونينية ٣/ ٧: (استقبلنه) وليس عليها أي تعليق.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٩١٤.
(٣) بوب لها ابن أبي شيبة ٥/ ٣٠٩ في «مصنفه»، وذكر فيها ستة آثار عن: محمد بن سيرين (٢٦٣٦٦)، والشعبي (٢٦٣٦٧)، وبريدة (٢٦٦٣٨)، والحارث الأعور (٢٦٣٦٩)، والمهاجر بن قنفذ (٢٦٣٧٠)، وزاذان رفعه (٢٦٣٧١).



إليه، وتلقيه تأنيسًا له وصلة.
ومن تراجم البخاري على هذا الحديث باب: الثلاثة على الدابة، وسيأتي في كتاب: الزينة (١)، ولا يكلف إلا ما يطيق مما لا يطيقه أصلًا، أو طاقته بكلفة فلا يكلف به.

---------
(١) يأتي برقم (٥٩٦٥) كتاب: اللباس.


١٤ - باب القُدُومِ بِالغَدَاةِ
١٧٩٩ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الحَجَّاجِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. [انظر: ٤٨٤ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ٣/ ٦١٩]
ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ النبي - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ إلى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبحَ.
هذا الحديث من أفراده، واختار القدوم بالغداة ليتقدم خبره إلى أهله ويتأهبوا للقائه فيقدم على ذَلِكَ.


١٥ - باب الدُّخُولِ بِالعَشِيِّ
١٨٠٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ اِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يدخلُ إِلَّا غُدْوَةَ أَوْ عَشِيَّةَ. [مسلم: ١٩٢٨ - فتح: ٣/ ٦١٩]
ذكر فيه حديث أنس: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ، كَانَ لَا يدخُلُ إِلَّا غُدْوَةً أَوْ عَشِيَّةً.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا في الجهاد (١)، والنسائي في عِشرة النساء (٢).
والدخول بالعشي مباح، وإنما النهي عنه أن يطرق القادم أهله ليلًا.
ومعني لا يطرق أهله: لا يأتيهم ليلًا. يقال: طَرق يطرُق بضم الراء طَرْقًا، ورجل طرقه: إذا كان يسري حَتَّى يطرق أهله ليلًا.
وسيأتي حديث جابر بعد هذا: نهى النبي - ﷺ - أن يطرق أهله ليلًا (٣)، وأتى به على التأكيد، وإن كان ابن فارس حكى عن بعضهم طرق بالنهار أيضًا (٤)، فعلى هذا يكون على البيان.

---------
(١) مسلم (١٩٢٨) كتاب: الجهاد، باب: كراهية الطروق وهو الدخول ليلًا لمن ورد من سفر.
(٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٣٦١ كتاب: عشرة النساء، باب: النهي عن التماس عثرات النساء.
(٣) الحديث الآتي (١٨٠١).
(٤) «المجمل» ٢/ ٥٩٥.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #345  
قديم 13-02-2026, 10:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 269 الى صـــ 280
الحلقة (345)






١٦ - باب لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ إِذَا بَلَغَ المَدِينَةَ
١٨٠١ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَارِبٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه - قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا. [انظر: ٤٤٣ - مسلم: ٧١٥ - فتح: ٣/ ٦٢٠]
سلف حديث جابر في الباب قبله، وقد جاء في الحديث بيان المعنى الذي من أجله نهى عن هذا، وهو لكي تمتشط الشَّعِثة وتستحد المغيبة.
كما أخرجه الشيخان من حديثه كراهية أن يهجم منها على ما يقبح عنده اطلاعه عليه فيكون سببًا إلى شنآنها وبغضها، فنبههم على ما تدوم به الألفة بينهم، وتتأكد المحبة، فينبغي لمن أراد الأخذ بأدب نبيه أن يجتنب مباشرة أهله في حال البذاذة وغير النظافة، وأن لا يتعرض لرؤية عورة يكرهها منها، ألا ترى أن الله تعالى أمر من لم يبلغ الحلم بالاستئذان في الأحوال الثلاثة في الآية (١)، لما كانت هذِه أوقات التجرد والخلوة خشية الاطلاع على العورات، وما يكره النظر إليه، وعن ابن عباس أنه قال: آية لم يؤمن بها أكثر الناس، آية الإذن، وإني لآمر جاريتي هذِه أن تستأذن علي (٢).

------------
(١) يشير المصنف -رحمه الله- إلى آية [سورة النور: ٥٨].
(٢) رواه أبو داود (٥١٩١) كتاب: الأدب، باب: الاستئذان في العورات الثلاثة، وصححه الحافظ في «الفتح» ١١/ ٣١، وقال الألباني: صحيح الإسناد موقوف.



١٧ - باب مَنْ أَسْرَعَ نَاقَتَهُ إِذَا بَلَغَ المَدِينَةَ
١٨٠٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسًا - رضي الله عنه - يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا. قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: زَادَ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا.
حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جُدُرَاتٍ. تَابَعَهُ الَحارِثُ بْنُ عُمَيْرِ. [١٨٨٦ - فتح: ٣/ ٦٢٠]
حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدٌ، سَمِعَ أنَسًا يَقُولُ: كَانَ النبي - ﷺ - إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ، فَأَبْصَرَ دَرَجَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ نَاقَتَهُ، وَإِنْ كَانَتْ دَابَّةً حَرَّكَهَا. (قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ) (١): زَادَ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ، عَنْ حُمَيْدٍ: حَرَّكَهَا مِنْ حُبِّهَا.
حَدَّثَنَاُ قتيْبَةُ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ قَالَ: جُدُرَاتٍ. تَابَعَهُ الحَارِثُ بْنُ عُمَيْرٍ.
هذا الحديث من أفراده، نعم في مسلم، عن أنس لما وصف قفوله - ﷺ - من خيبر، فانطلقنا حَتَّى أتينا حيدر المدينة هششنا إليها فرفعنا مطينا، ورفع رسول الله - ﷺ - مطيته (٢).
وزيادة الحارث أخرجها أبو نعيم الأصبهاني في «مستخرجه» من حديث ابن أبي شيبة: ثَنَا خالد بن مخلد، ثَنَا الحارث بن عميرة ومحمد بن جعفر، عن محمد بن جعفر، عن حميد، عن أنس فذكره
وأخرجها أيضًا الترمذي عن علي بن حجر الإسماعيلي جعفر عن حميد

-----------
(١) ليست في الأصل.
(٢) مسلم (١٣٦٥/ ٨٨) بعد حديث (١٤٢٨).



عن أنس وقال: صحيح غريب (١). واعترض الإسماعيلي على الترجمة فقال: ليس بصحيح. إذ يقول أسرع بناقته (٢). قلت: لا اعتراض عليه، فأسرع يتعدى بنفسه تارة، وبحرف الجر أخرى، كما نبه عليه صاحب «المحكم» (٣)، ودوحات بالدال والواو والحاء المهملة، وفي رواية المستملي، والنسفي: والكافة: (درجات) بالدال والراء، قال صاحب «المطالع»: يعني: المنازل، والأشبه جدرات، والدوحات (٤) جمع دوحة: وهي الشجرة العظيمة المتسعة، والجمع: دوح، وأدواح: جمع الجمع. وقال أبو حنيفة: الدوائح العظام وكأنه جمع: دائحة. وقال ابن سيده: وإن لم يتكلم به، والدوحة: المظلة العظيمة، والدوح بغير هاء: البيت الضخم الكبير من الشجر (٥). وقال ابن الأنباري في «شرح المقامات»: يقال: شجرة دوحة إذا كانت عظيمة كثيرة الورق والأغصان.
وقوله: «أَوْضَعَ نَاقَتَهُ» سار بها سيرًا سهلًا سريعًا، ذكره ابن فارس (٦)، وغيره يقول: أسرع.
وقوله: (مِنْ حُبِّهَا) أي لأنها وطنه، وفيها أهله، وولده الذين هم أحب الناس إليه، وقد جبل الله النفوس على حب الأوطان، والحنين إليها.
وفيه: الأمر بسرعة الرجوع إلى الأهلين عند انقضاء مأربهم.

------------
(١) الترمذي (٣٤٤١).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه. يعني قوله أسرع ناقته في كونه عدَّي (أسرع) بنفسه.
(٣) «المحكم» ١/ ٣٠٠.
(٤) ورد بهامش الأصل: قال في «القاموس»: وداح بطنه: عظم واسترسل، كانداح، والشجرة عظمت فهي دائحة والجمع دوائح، فقد خرج على شكله.
(٥) «المحكم» ٣/ ٣٧٩.
(٦) «مجمل اللغة» ١/ ٩٢٨.



١٨ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]
١٨٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ البَرَاءَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، وَلَكِنْ مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ البِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. [٤٥١٢ - مسلم: ٣٠٢٦ - فتح: ٣/ ٦٢١]
ذكر فيه حديث البراء: نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ فِينَا، كَانَتِ الأَنْصَارُ إِذَا حَجُّوا فَجَاءُوا لَمْ يَدْخُلُوا مِنْ قِبَلِ أَبْوَابِ بُيُوتِهِمْ، ولكن مِنْ ظُهُورِهَا، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَدَخَلَ مِنْ قِبَلِ بَابِهِ، فَكَأَنَّهُ عُيِّرَ بِذَلِكَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وَلَيْسَ البِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩].
هذا الحديث أخرجه مسلم (١)، وفي بعض ألفاظ البخاري عنه: كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله الآية (٢)، وقال مجاهد: كان المشركون إذا أحرم الرجل منهم نقب كوة في ظهر بيته، وجعل سلمًا فيدخل منها، وقال معمر عن الزهري: كان الأنصار إذا أهلوا بالعمرة لم يحل بينهم وبين السماء شيء يتحرجون من ذَلِكَ، وكان الرجل حين يخرج مهلًا بالعمرة فتبدو له الحاجة بعدما يخرج من بيته، فيرجع لا يدخل من باب الحجرة من أجل سقف الباب أن يحول بينه وبين السماء فيفتح الجدار من ورائه،

---------
(١) مسلم (٣٠٢٦).
(٢) يأتي برقم (٤٥١٢) كتاب: التفسير، باب: قوله: ﴿وَلَيسَ البِرُ﴾.



حَتَّى بلغنا أن النبي - ﷺ - أهل من الحديبية بالعمرة فدخل حجرته، فدخل رجل من الحمس من ورائه، فقال له الأنصاري: وأنا أحمس، يقول: وأنا على دينك؛ لأن الحمس كانت لا تبالي ذَلِكَ فأنزل الله الآية (١)، والرجل من الأنصار: هو رفاعة بن تابوت، كذا أخرجه عبد في «تفسيره»، عن قيس بن جرير (٢).
وأخرج الحاكم وقال: على شرط الشيخين، أنه قطبة بن عامر بن حديدة الأنصاري السلمي (٣). وفي «مقامات التنزيل» لأبي العباس: الذي دخل مع رسول الله - ﷺ - وقال: إني أحمس رجل من المشركين، قال: وفي رواية الزهري: أن الآية نزلت في الحديبية حين أحرم بها.
وقال محمد بن كعب القرظي -فيما حكاه ابن أبي حاتم في «تفسيره»-: كان الرجل إذا اعتكف لم يدخل منزله من باب البيت فنزلت الآية، وحكى أيضًا عن عطاء قال: كان أهل يثرب إذا رجعوا من عيدهم دخلوا البيوت من ظهورها، ويرون أن ذَلِكَ أدنى البر فنزلت الآية (٤)، وعن الحسن: إذا أراد أحدهم سفرًا ثم بدا له فنزلت (٥).
وقال الزجاج: كان قوم من قريش وجماعة منهم من العرب إذا خرج الرجل منهم في حاجة فلم يقضها، ولم يتيسر له رجع، فلم يدخل من باب بيته يفعل ذَلِكَ طيرة فأعلمهم الله تعالى أن هذا غير بر.

--------
(١) رواهما الطبري ٢/ ١٩٣ (٣٠٨٨ - ٣٠٨٩)،
(٢) رواه أيضًا الطبري ٢/ ١٩٣ (٣٠٨٤) والذي فيه عن قيس بن جبر.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٨٣، وكذا رواه ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٣ (١٧١٠)، وقال الحاكم: على شرط البخاري ومسلم، ولم يخرجاه بهذِه الزيادة.
(٤) «تفسير ابن أبي حاتم» ١/ ٣٢٤ (١٧١٣ - ١٧١٤).
(٥) رواه ابن أبي حاتم ١/ ٣٢٤ (١٧١٢).



وقال الأكثر من أهل التفسير: وهم قوم من قريش، وبني عامر بن صعصعة وثقيف وخزاعة، كانوا إذا أحرموا لا يأقطون الأقط ولا ينتفون الوبر، ولا يسلون السمن، وإذا خرج أحدهم في الإحرام لم يدخل من باب بيته، فنزلت الآية.

١٩ - باب السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ
١٨٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ». [٣٠٠١، ٥٤٢٩ - مسلم: ١٩٢٧ - فتح: ٣/ ٦٢٢]
حَدَّثَنَا عَبْد اللهِ بْن مَسْلَمَةَ، عن مَالِكٌ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ؛ يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَوْمَهُ، فَإِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ فَلْيُعَجِّلْ إِلَى أَهْلِهِ».
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وتفرد به مالك عن سمي ولا يصح لغيره، كما قاله أبو عمر قال: وانفرد به سمي أيضًا فلا يحفظ عن غيره، وهكذا هو في «الموطأ» (٢) عند جماعة الرواة بهذا الإسناد، ورواه ابن مهدي، (و) (٣) بشر، عن مالك مرسلًا، وكان وكيع يحدث به عن مالك حينًا مرسلًا وحينًا مسندًا كما في «الموطأ»، والمسند صحيح ثابت احتاج الناس فيه إلى مالك، وليس له غير هذا الإسناد من وجه يصح.
وروى عبيد الله بن المنتاب، عن سليمان بن إسحاق (الطلحيِّ) (٤)،

----------
(١) مسلم (١٩٢٧) كتاب: الإمارة، باب: السفر قطعة من العذاب.
(٢) «الموطأ» ٢/ ١٥٩ (٢٠٦٣) كتاب: الجامع، باب: ما يؤمر به من العمل في السفر.
(٣) في الأصل: عن، والمثبت من «التمهيد» ٢٢/ ٣٣.
(٤) كذا بالأصل وجاء في «التمهيد» ٢٢/ ٣٤: المكلحي. وجاء في «الحلية» ٩/ ١٦١: الطلحي.



عن هارون الفروي، عن عبد الملك بن الماجشون قال: قال مالك: ما بال أهل العراق يسألونني عن حديث «السفر قطعة من العذاب؟» قيل له: لم يروه غيرك، فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما حدثت به. ورواه (عصام) (١) بن رواد بن الجراح، عن أبيه، عن مالك، عن ربيعة، عن القاسم، عن عائشة (٢)، وعن مالك، عن سمي كما سلف مرفوعًا به قال: وحديث رواد غير محفوظ، لا أعلم رواه عن مالك غيره، وهو خطأ ليس رواد ممن يحتج به (٣)، ولا يعول عليه، وقد رواه خالد بن مخلدٍ، عن محمد بن جعفر الوركاني، عن مالك، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، ولا يصح لمالك عن سهيل عندي، إلا أنه لا يبعد أن يكون عن سهيل أيضًا، وليس
------------
(١) في الأصل: عاصم والمثبت من «التمهيد» ٢٢/ ٣٤، وانظر ترجمته في «لسان الميزان» ٤/ ٦٥٦ (٥٦٥٧) وقال: لينه الحاكم أبو أحمد وذكره ابن حبان في «الثقات».
(٢) رواه الطبراني في «الأوسط» ٤/ ٣٦٦ (٤٤٥١)، وفي «الصغير» ١/ ٣٦٦ (٦١٣)، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٠/ ٩٣.
(٣) هو رواد بن الجراح الشامي، أبو عصام العسقلاني، روى عن إبراهيم بن طهمان وسفيان الثوري والأوزاعي، روى عنه: إسحاق بن راهويه وأبو بكر بن أبي شيبة وابنه عصام.
قال أحمد: لا بأس به، صاحب سنة، إلا أنه حدث عن سفيان أحاديث مناكير، وقال يحيى: ثقة، وقال مرة: لا بأس به، إذا غلط في حديثه عن سفيان، وقال البخاري: كان قد اختلط، لا يكاد يقوم حديثه، ليس له كبير حديث قائم، وقال أبو حاتم: تغير حفظه في آخر عمره، وكان محله الصدق.
قال الحافظ في «التقريب» (١٩٥٨): صدوق اختلط بآخره، متروك، وفي حديث عن الثوري ضعف شديد.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٢٤ (٢٣٦٨)، «الكامل» ٤/ ١١٤ (٦٨٤)، «تهذيب الكمال» ٩/ ٢٢٧ (١٩٢٧).



بمعروف لمالك عنه، وقد روي عن عتيق بن يعقوب، عن مالك، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا، ولا يصح أيضًا عندي، وإنما هو لمالك، عن سمي، لا عن سهيل، ولا عن ربيعة، ولا عن أبي النضر، وقد رواه بعض الضعفاء عن مالك قال: وليتخذ لأهله هدية، وإن لم يلق إلا حجرًا فليلقه في مخلاته قال: والحجارة يومئذٍ تضرب بها القداح.
قال أبو عمر: وهذِه زيادة منكرة لا تصح، ورواه ابن سمعان (١)، عن زيد بن أسلم، عن جمهان، عن أبي هريرة مرفوعًا: «السفر قطعة من العذاب» (٢) وابن سمعان كان مالك يرميه بالكذب (٣)، قال: وقد رويناه عن الدراوردي، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة بإسناد صالح، لكنه لا تقوى الحجة به. وفيه: «وإذا عرستم فاجتنبوا الطريق فإنها مأوى الهوام والدواب» (٤).

-----------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: ابن سمعان اسمه عبد الله بن زياد بن سمعان المدني الفقيه أحد المتروكين في الحديث عن مجاهد والأعرج وعنه ابن وهب وعبد الرزاق عدة، كذَّبه مالك.
(٢) رواه ابن عدي في «الكامل» ٥/ ٢٠٤.
(٣) هو عبد الله بن زياد بن سليمان بن سمعان المقرومي، أبو عبد الرحمن المدني،
مولى أم سلمة زوج النبي - ﷺ -.
روى عن: سعيد المقبري ومجاهد بن جبر والزهري، روى عنه: بقية بن الوليد وعبد الرزاق بن همام وعلي بن الجعد، قال مالك: كان كذابًا، وقال أحمد: متروك الحديث، وقال ابن معين: ضعيف الحديث، وقال أبو زرعة: لا شيء، وقال أبو حاتم: سبيله سبيل الترك.
انظر ترجمته في: «الجرح والتعديل» ٥/ ٦٠ (٢٧٩)، «الكامل» ٥/ ٢٠١ (٩٦٨)، «تهذيب الكمال» ١٤/ ٥٢٦ (٣٢٧٦).
(٤) قلت: هو من هذا الطريق في مسلم (١٩٢٦).



قال: وفيه دلالة على أن طول التغرب عن الأهل لغير حاجة أكيدة من دين أو دنيا لا يصلح ولا يجوز، وإنَّ من انقضت حاجته لزمه الاستعجال إلى أهله الذين يقوتهم.
وقد روى وكيع عن مالك، عن سمي، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا: «لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على ظهر سفر، إن الله لينظر إلى الغريب في كل يوم مرتين»، وقال: هذا حديث غريب لا أصل له من حديث مالك ولا غيره (١) (وهو حديث حسن) (٢) ومما يدخل في هذا الباب قوله: «سافروا تغنموا» (٣). قلت: أخرجه (......) (٤) ابن عباس وابن عمر مرفوعًا (٥)، وقد ظنه قوم معارضًا
(١) رواه بهذا اللفظ ابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ٣٦. ورواه الديلمي كما في «الفردوس» ٣/ ٣٤٨ (٥٠٥٠) بلفظ: «لو يعلم الناس ما للمسافر لأصبحوا على ظهر سفر، ان الله -عز وجل- ينظر إلى الغريب كل يوم ألف مرة».
قلت: للحديث ألفاظ أخرى، وكلها ضعيفة، ضعفها السخاوي وغيره. انظر «المقاصد الحسنة» (٨٩٦)، و«تذكرة الموضوعات» ص ١٢٢ - ١٢٣، و«الأسرار المرفوعة» (٩٩)، و«كشف الخفاء» ١/ ٢٥٣ (٧٨١).
(٢) هذِه الجملة ليست من كلام ابن عبد البر، وهو المنقول عنه هنا، بل مدرجة فيه من كلام ابن الملقن ويقصد بالحسن: حسن اللفظ لا حسن الإسناد.
(٣) من بعد قول المصنف -رحمه الله- أول الباب قال أبو عمر .. إلى هذا الموضع نقله من «التمهيد» ٢٢/ ٣٣ - ٣٧.
(٤) بياض بالأصل مقدار كلمة.
(٥) حديث ابن عباس رواه ابن عدي في «الكامل» ٨/ ٣٢٤ من طريق محمد بن معاوية النيسابوري: ثنا نهشل بن سعيد، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعًا: «سافروا تصحوا وصوموا تصحوا، واغزوا تغنموا».
قال الألباني في «الصحيحة» ٧/ ١٠٦٦: هذا إسناد هالك؛ نهشل بن سعيد متروك، وكذبه ابن راهويه، ونحوه محمد بن معاوية النيسابوري.
ورواه البيهقي ٧/ ١٠٢، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢٢/ ٣٧ من طريق بسطام بن =

--------
= حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبي حازم، عن ابن عباس مرفوعًا: «سافروا تصحوا وتغنموا»، هكذا عند البيهقي، وفي «التمهيد» وترزقوا، بدل: وتغنموا.
قال الألباني في «الصحيحة» ٧/ ١٠٦٦: بسطام لم أجد له ترجمة، والقاسم هو الأنصاري، ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة: منكر الحديث.
أما حديث ابن عمر فرواه ابن حبان في «المجروحين» ٢/ ٤٥، وابن عبد البر ٢٢/ ٣٧ من طريق عبد الله بن عيسى الأصم، عن مطرف، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا: «سافروا تصحوا وتسلموا».
قال ابن حبان: عبد الله بن عيسى من أهل المدينة، يروي عن نافع ومطرف العجائب. ويقلب الأخبار على الثقات.
ورواه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٢٤٥ (٧٤٠٠)، وابن عدي في «الكامل» ٧/ ٤٠٠، وتمام الرازي في «الفوائد» ١/ ٣٠٨ (٧٦٩)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٣٦٤ (٦٢٢)، والبيهقي ٧/ ١٠٢، والخطيب في «تاريخ بغداد» ١٠/ ٣٨٧، وابن عبد البر ٢٢/ ٣٧ من طريق محمد بن عبد الرحمن بن رداد، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا: «سافروا تصحوا وتغنموا».
قال أبو حاتم في «العلل» ٦/ ٣٠٢ (٢٣٣٠): حديث منكر، وقال الهيثمي في «»المجمع«٥/ ٣٢٤: فيه محمد بن عبد الرحمن، وهو ضعيف، وقال الألباني في»الضعيفة«(٢٥٥): منكر.
ورواه الديلمي كما في»الفردوس«٢/ ١٣٠ (٢٦٦٣).
قال الحافظ في»التلخيص«٣/ ١١٦: أخرجه صاحب»الفردوس«من طريق محمد بن الحارث، عن محمد عبد الرحمن البيلماني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ:»حجوا تستغنوا وسافروا تصحوا وتناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم«. والمحمدان ضعيفان. اهـ.
وضعفه الألباني في»الضعيفة«(٣٤٨٠).
ورواه عبد الرزاق في»المصنف«٥/ ١٦٨ - ١٦٩ (٩٢٦٩) عن معمر عن ابن طاوس، عن أبيه قال: قال عمر: سافروا تصحوا وترزقوا. هكذا موقوفًا.
قال الألباني في»الضعيفة" ١/ ٤٢٢: رجاله ثقات، ولكنه منقطع بين طاوس =





لهذا الحديث، وليس كذلك لاحتمال أن يكون العذاب وهو: التعب، والنصب ها هنا (مسندًا) (١) للصحة (٢).
لأن في الحركة والرياضة منفعة لا سيما لأهل الدعة، والرفاهية كالدواء المر المعقب للمصلحة، وإن كان في تناوله كراهية.
والنهمة بفتح النون وسكون الهاء: الحاجة، قال صاحب «الموعب»: والنهمة أيضًا بلوغ الهمة بالشيء وهو منهوم بكذا أي: مولع.
وفيه: حجة لمن رأى تغريب الزاني بعد جلده، قال تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢] وأراد بمنعه طعامه وشرابه ونومه في وقت يريده؛ لاشتغاله بمسيره.

----------
= وعمر، ولعل الموقوف هذا هو الصواب.
قلت: وفي الباب من حديث أبي هريرة وأبي سعيد الخدري.
حديث أبي هريرة رواه العقيلي في «الضعفاء» ٢/ ٩٢، والطبراني في «الأوسط» ٨/ ١٧٤ (٨٣١٢) من طريق زهير بن محمد، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة مرفوعًا: «اغزوا تغنموا وصوموا تصحوا وسافروا تصحوا». هكذا في «الضعفاء» وعند الطبراني: تستغنوا، بدل: تصحوا.
قال المنذري كما في «ضعيف الترغيب» ١/ ٢٩٠: رواه الطبراني في «الأوسط» ورواته ثقات، وتبعه الهيثمي في «المجمع» ٥/ ٣٢٤، وقال الألباني في «الضعيفة» (٥١٨٨): منكر بهذا السياق.
ورواه أحمد ٢/ ٣٨٠ من طريق ابن لهيعة، عن دراج، عن ابن حجيرة، عن أبي هريرة مرفوعًا: «سافروا تصحوا، واغزوا تستغنوا». وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٥٤).
أما حديث أبي سعيد فرواه ابن عدي ٤/ ٥٣٢ من طريق سوار الضرير، عن عطية، عن أبي سعيد مرفوعًا: «سافروا تصحوا».
والحديث صححه الألباني بمجموع طرقه الأربعة في «لصحيحة» (٣٣٥٢).
(١) في «التمهيد» ٢٢/ ٣٦: مستديمًا.
(٢) «التمهيد» ٢٢/ ٣٣ - ٣٧.



وفيه: الحث على ترك الأسفار غير سفر الطاعة؛ لما فيه من فوت الجماعات، والتقصير في العبادة.
وفيه: كما سلف حض أكيد وندب على سرعة رجوع المسافر إلى
أهله عند انقضاء حاجته، وقد بين - عليه السلام - المعنى في ذَلِكَ بقوله: «يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه»، وامتناع هذِه الثلاثة التي هي أركان الحياة مع ما ينضاف إليها من مشقة السفر، وتعبه، هو العذاب، الذي أشار إليه - عليه السلام - فإذا قضى نهمته فليعجل إلى أهله؛ لكي يتعوض من ألم ما ناله من ذَلِكَ للراحة والدعة في أهله، والعرب تشبه الرجل في أهله بالأمير.
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ [المائدة: ٢٠] قال: من كان له دار وخادم فهو داخل في معنى الآية، وقد أخبر الله تعالى بلطف محل الأزواج من أزواجهن بقوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١] فقيل: المودة: الجماع، والرحمة: الولد.
فائدة:
من طُرَف ما وقع لي أن إمام الحرمين سأله بعضهم -لما جُعِل مكان والده- عن معنى قوله: («السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنَ العَذَابِ») فأجاب في الحال؛ لأن فيه فراق الأحباب، وهو من عجيب الأجوبة.


٢٠ - باب المُسَافِرِ إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ يُعَجِّلُ إِلَى أَهْلِهِ
١٨٠٥ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، فَأَسْرَعَ السَّيْرَ، حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ، فَصَلَّى المَغْرِبَ وَالعَتَمَةَ، جَمَعَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ قَالَ إِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - إِذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ المَغْرِبَ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٣/ ٦٢٤]
ذكر فيه عن زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ ابن عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ، فَبَلَغَهُ عَنْ صَفيَّةَ بِنْتِ أبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ، .. الحديث.
وسلف في باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر، مطولًا (١).
وفيه: جواز الإسراع على الدواب عند الحاجة؛ لغرض، ولا سيما عن خبر مقلق بلغه عن أهله.
قال ابن التين: والأولى أن يكون ابن عمر تأول جمعه - عليه السلام - بالمزدلفة.

-----------
(١) سلف برقم (١٠٩١).


٢٧
كِتابُ المُحصَر


باب المُحْصَرِ وَجَزَاءِ الصَّيْدِ
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَقَالَ عَطَاءٌ: الإِحْصَارُ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ يَحْبِسُهُ.
تقدم في باب: طواف القارن الكلام على الحصر، فراجعه من ثَمَّ، وأن أصله المنع والحبس، وقد يكون بعدو وقد يكون بمرض.
وأثر عطاء رواه ابن أبي شيبة: ثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج عنه قال: لا إحصار إلا من مرض أو عدو أو أمر حابس (١).
وحَدَّثَنَا عبد الأعلى، عن هشام، عنه في المحصر: إذا ذبح هديه حل من كل شيء هو بمنزلة الحلال (٢).

---------
(١) «المصنف» ٣/ ٢٠٦ (١٣٥٥٢) كتاب: الحج، في الإحصار في الحج ما يكون.
(٢) «المصنف» ٣/ ٢٣٥ (١٣٨٦٣) في المحصر من كان يقول: إذا ذبح هديه حل.



وقد أسلفنا الاختلاف اللغوي: هل يقال من العدو: حصر فهو محصور، ومن المرض: أحصر فهو محصر، وهو قول الكسائي وأبي عبيد، أو أحصر من المرض ومن العدو ومن كل شيء حبس الحاج، كما قال عطاء، وهو قول النخعي والثوري والكوفيين (١)، وهو قول الفراء وأبي عمرو، والحجة لذلك الآية المذكورة، وإنما نزلت في الحديبية، وكان حبسهم يومئذٍ بالعدو.
وقال أبو عمرو: يقال حصرني الشيء وأحصرني: حبسني.
وحكم الإحصار بعدو مخالف لحكم الإحصار بمرض عند الجمهور على ما يأتي بيانه بعد. وفي بعض نسخ البخاري بعد قوله: (وجزاء الصيد) ﴿وَحَصُورًا﴾: لا يأتي النساء، وهو قول سعيد بن جبير (٢) وعطاء (٣) ومجاهد (٤) في تفسير الآية، وهو بمعنى: محصور كأنه منع مما يكون من الرجال، وفعول بمعنى: مفعول كثير في كلام العرب، كحلوب وركوب.

--------------
(١) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٨٧ - ١٨٨.
(٢) رواه البخاري معلقًا بصيغة الجزم، كتاب: التفسير، تفسير سورة آل عمران، ووصله الحافظ بسنده في «تغليق التعليق» ٤/ ١٨٨، ورواه كذلك ابن المبارك في «الزهد والرقائق» ص ٥٣٢ (١٥١٦)، والطبري ٣/ ٢٥٥ (٦٩٨٠ - ٦٩٨٢)، وابن الجعد في «مسنده» ص: ٣٢٢ (٢٢٠٤)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٦/ ٣٥٦ (٨٥٠٢).
(٣) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» ٢/ ٣٥.
(٤) رواه الطبري ٣/ ٢٥٥ (٦٩٨٣ - ٦٩٨٤)، والبيهقي ٧/ ٨٣ كتاب: النكاح، باب: من تخلى لعبادة الله إذا لم تتق نفسه إلى النكاح، وعبد الرحمن في «تفسير مجاهد» ١/ ١٢٥ - ١٢٦.



وعن سعيد بن المسيب لما قرأ الآية أخذ من الأرض شيئًا ثم قال: الحصور الذي ليس له إلا مثل هذا (١)، وقيل: الحابس نفسه عن المعاصي.
وقال ابن عباس: هو الذي لا يُنْزِل (٢).
قلت: والظاهر أنه الذي لا يقع منه مع القدرة؛ لأن العنة عيب، والأنبياء يصانون عنه (٣)، والآية حجة لأبي حنيفة والشافعي وأشهب في أن المحصور بعذر عليه الهدي (٤)، وانفرد أشهب بذلك بين أصحابه (٥)، والآية محمولة عند مالك وأصحابه على المرض (٦)، وفسر العزيزي الآية بالمنع من السير لمرض أو عدو أو غيره من العوائق.
ومذهب ابن عمر وابن عباس وأهل المدينة: أنه لا يكون إلا من عدو. وابن مسعود وأهل الكوفة: أنه منه ومن المرض (٧)، وعليهما الهدي واجب على من منع لعدو، والمعنى فرضيته للمحصر.

---------
(١) رواه الطبري ٣/ ٢٥٥ (٦٩٧٩)، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٤٣ (٣٤٦٤). قال الحافظ ابن كثير في «تفسيره» ٣/ ٥٥: هذا حديث غريب جدًا.
(٢) رواه الطبري ٣/ ٢٥٦ (٦٩٩٢)، وابن أبي حاتم ٢/ ٦٤٣ (٣٤٦٧). وزاد السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٣٩ نسبته إلى أحمد في «الزهد» وابن المنذر.
(٣) قال القاضي عياض: فاعلم أن ثناء الله تعالى على يحيى بأنه حصور ليس كما قال بعضهم: إنه كان هيوبًا أو لا ذكر له بل قد أنكر هذا حذَّاق المفسرين ونقاد العلماء، وقالوا: هذِه نقيصة وعيب ولا يليق بالأنبياء عليهم السلام؛ وإنما معناه أنه معصومٌ من الذنوب أي: لا يأتيها كأنه حُصر عنها، وقيل مانعًا نفسه من الشهوات، وقيل: نسيت له شهوة في النساء. اهـ «الشفا» ١/ ٨٨.
(٤) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٠٦، «المنتقى» ٢/ ٢٧٣، «الأم» ٨/ ١٦٩.
(٥) انظر: «المنتقى» ٢/ ٣٧٢.
(٦) السابق.
(٧) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٢، «المجموع» ٨/ ٣٢٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #346  
قديم 13-02-2026, 10:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 289 الى صـــ 300
الحلقة (346)






١ - باب إِذَا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ
١٨٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ قَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْتُ كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤]

١٨٠٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عُبَيْدَ، اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ العَامَ، وَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ البَيْتِ. فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَأُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ العُمْرَةَ، إِنْ شَاءَ اللهُ أَنْطَلِقُ، فَإِنْ خُلِّيَ بَيْنِي وَبَيْنَ البَيْتِ طُفْتُ، وَإِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَأَنَا مَعَهُ. فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا شَأْنُهُمَا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّى قَدْ أَوْجَبْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَتِي. فَلَمْ يَحِلَّ مِنْهُمَا حَتَّى حَلَّ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَهْدَى، وَكَانَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَطُوفَ طَوَافًا وَاحِدًا يَوْمَ يَدْخُلُ مَكَّةَ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤]

١٨٠٨ - حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللهِ قَالَ لَهُ لَوْ أَقَمْتَ. بِهَذَا. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٤]

١٨٠٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلاَّمٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَحَلَقَ رَأْسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا. [فتح: ٤/ ٤]


ذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها: أَنَّ ابن عُمَرَ لما خَرَجَ إِلَى مَكَةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ فقَالَ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. وأَهَلَّ بِعُمْرَةِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ.
ثانيها: حديث عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُمَا كلَّمَا عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ لَيَالِيَ نَزَلَ الجَيْشُ بِابْنِ الزُّبَيْرِ فَقَالَا: لَا يَضُرُّكَ أَنْ لَا تَحُجَّ العَامَ .. الحديث، وقد سلفا.
ثالثها: حَدَّثَنَا مُحَمَّد قَالَ: ثَنَا يَحْيَى بْنُ صَالِحِ -هو الوحاظي (١) - ثنا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلَّامِ، ثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَدْ أُحْصِرَ رَسُولُ الله - ﷺ - فَحَلَقَ رَأسَهُ، وَجَامَعَ نِسَاءَهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ، حَتَّى اعْتَمَرَ عَامًا قَابِلًا.
ومحمد هذا قيل: إنه ابن إدريس أبو حاتم الرازي الحافظ، مات سنة سبع وسبعين ومائتين، كذا هو بخط الدمياطي على حاشية الصحيح مقتصرًا عليه.
وقال أبو مسعود الدمشقي: محمد هذا هو محمد بن مسلم بن وارة، وقال الحاكم: هو الذهلي. وقال الكلاباذي: هو محمد بن إدريس أبو حاتم الرازي، وقال: قاله لي ابن أبي سعيد السرخسي وذكر أنه
رآه في أصلٍ عتيق (٢).
قلت: يؤيده أن الإسماعيلي رواه في «مستخرجه» عن عبد الله بن

----------
(١) ورد بهامش الأصل: قوله: (هو الوحاظي) من إيضاح المصنف، مات الوحاظي سنة ٢٢٢، أخرج له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي الأول عنه، والباقي بواسطة ثقة قال القتبي: جهمي.
(٢) انظر: «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٤٠.



محمد بن مسلم، عن أبي حاتم الرازي، ثنا يحيى بن صالح، ومن جهته رواه ابن طاهر مرسخًا لكونه أبا حاتم (١)، وكذا قال أبو نعيم في «مستخرجه»: حَدّثَنَا أبو أحمد، ثَنَا عبد الله بن محمد بن مسلم، ثَنَا
أبو حاتم، فذكره.
إذا تقرر ذَلِكَ: فغرض البخاري من هذِه الترجمة الرد على من قال: إن من أحصر في العمرة بعدو، أنه لا بد من الوصول إلى البيت والاعتمار؛ لأن السنة كلها وقت للعمرة بخلاف الحج، ولا إحصار في العمرة، ويقيم على إحرامه أبدًا، وهو قول لبعض السلف، حكي عن مالك وهو مخالف لفعله - عليه السلام -؛ لأنه كان معتمرًا بالحديبية هو وجميع أصحابه وما حلوا دون البيت، والفقهاء على خلافه حكم الإحصار في العمرة والحج عندهم سواء.
واختلف فيمن أحصر بعدو، فقال مالك والشافعي: لا حصر إلا حصر العدو (٢)، وهو قول ابن عباس (٣) وابن عمر (٤). ومعنى ذَلِكَ: أنه لا يحل لمحصر أن يحل دون البيت إلا من حصره العدو،

---------
(١) انظر: «الجمع بين رجال الصحيحين» ٢/ ٤٦٧.
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٣٩٦، «بداية المجتهد» ٢/ ٦٨٨، «الأم» ٢/ ١٣٥.
(٣) رواه الطبري ٢/ ٢٢١ (٣٢٤٠ - ٣٢٤٢)، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦ (١٧٦٨) والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢١٩ كتاب: الحج، باب: من لم ير الإحلال بالإحصار بالمرض، وفي «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٤٩١ (١٠٧٩٥) كتاب: المناسك، الإحصار بالمرض، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٨٤ إلى سفيان بن عيينة والشافعي في «الأم» وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٦ (١٣٥٥٣) كتاب: الحج، في الإحصار في الحج ما يكون، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٨٤ إلى ابن أبي شيبة.



كما فعل الشارع، وكان حصره بالعدو، واحتج الشافعي فقال: على الناس إتمام الحج والعمرة، ورخص الله تعالى في الإحلال للمحصر بعدو، فقلنا: في كل بأمر الله ولم نعد بالرخصة موضعها كما لم نعد بالرخصة المسح على الخفين، ولم يجعل عمامة ولا قفازين قياسًا على الخفين. وخالف الشافعي مالكًا، فأوجب عليه الهدي، ينحره في المكان الذي حصر فيه، وقد حل، كما فعل النبي - ﷺ - بالحديبية، وهو قول أشهب، وقال أبو حنيفة: الهدي واجب عليه ينحره في الحرم. وقد حل كما أسلفناه فيما مضى، واحتجوا في إيجاب الهدي عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ الآية [البقرة: ١٩٦] فأجابهم الكوفيون: أن هذا إحصار مرض، ولو كان إحصار عدو لم يكن لهم في نحر أهل الحديبية حجة؛ لأن ما كان معهم من الهدي لم يكونوا ساقوه لما عرض لهم من حصر العدو؛ لأنه - عليه السلام - لم يعلم حين قلده أنه يصد، وإنما ساقه تطوعًا فلما صد أخبر الله عن صدهم وحبسهم الهدي عن بلوغ محله.
وكيف يجوز أن ينوب هدي قد ساقه قبل أن يصد عن دم وجب بالصد، ولم يأمرهم الشارع بهدي؛ لحصرهم، قاله جابر (١)، ولو وجب عليهم الهدي لأمرهم به كما أمرهم بالهدي الذي وجب عليهم، فكيف ينقل الحلق ولا ينقل إيجاب الهدي؟ وهو يحتاج إلى بيان من معه هدي: ما حكمه؟ ومن لا هدي معه، ما حكمه؟ وأما قول أبي حنيفة: ينحره في الحرم بقوله تعالى: ﴿وَالهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] يدل أن التقصير عن بلوغ المحل سواء كان ذَلِكَ في الحل

----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٩٢، وانظر: «المنتقى» ٢/ ٢٧٣، «الأم» ٢/ ١٣٥ - ١٣٧.


أو الحرم اسم التقصير واقع عليه إذا لم يبلغ مكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥].
وقول ابن عمر: إنما شأنهما واحد، يعني: الحج والعمرة في اجتناب ما يجتنب المحرم بالحج وفي العمل لهما؛ لأن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا يجزئ القارن عنده.
واختلفوا فيمن أحصر بمرض؛ فقال مالك: لا يجوز له التحلل دون البيت بالطواف والسعي، ثم عليه حج قابل والهدي، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وروي عن ابن عمر وابن عباس. وقال أبو حنيفة: المحصر بالمرض كالمحصر بالعدو، يبعث بهديه إلى الحرم، فإذا علم أنه نحر عنه حل في مكانه من غير عمل عمرة، وإنما لم ير عليه عمرة؛ لأنه محرم والعمرة تحتاج إلى إحرام مستأنف ولا يدخل إحرام على إحرام. وهو قول النخعي وعطاء والثوري (١).
واحتجوا بالحديث السالف هناك «من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل» (٢)، فيحتمل أن يكون معناه: فقد حل له أن يحل إذا نحر

-----------
(١) انظر: «مختصر الطحاوي»: ص ٧١، «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٣، ٢٤٩، «الموطأ» ٢/ ٥٠٧، «المنتقى» ٢/ ٢٧٦، «المغني» ٥/ ٢٠٣.
(٢) رواه أبو داود (١٨٦٢ - ١٨٦٣) كتاب: المناسك، باب: الإحصار، والترمذي (٩٤٠) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج -وقال: حديث حسن- والنسائي في «المجتبى» ٥/ ١٩٨ - ١٩٩ كتاب: المناسك، فيمن أحصر بعدو، وفي «الكبرى» ٢/ ٣٨٠ - ٣٨١ (٣٨٤٣ - ٣٨٤٤) كتاب: الحج، فيمن أحصر بغير عدو، وابن ماجه (٣٠٧٧ - ٣٠٧٨) كتاب: المناسك، باب: المحصر، وأحمد ٣/ ٤٥٠، وابن سعد في «طبقاته» ٤/ ٣١٨، والدارمي ٢/ ١٢٠٥ (١٩٣٦) كتاب: الحج، باب: في المحصر بعدو، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٤/ ١٧٤ - ١٧٥ (٢١٥٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٩ =



الهدي في الحرم لا على معنى: أنه قد حل بذلك من إحرامه كما يقال: حلت فلانة للرجال إذا خرجت من عدتها، ليس على معنى: أنها قد حلت للأزواج فيكون لهم وطؤها، ولكن على معنى: أنه قد حل لهم تزويجها فيحل لهم حينئذٍ وطؤها وهو سائغ في الكلام، وهذا موافق معنى حديث ابن عمر أنه - عليه السلام - لم يحل من عمرته بحصر العدو إياه حَتَّى نحر الهدي (١).
ومعنى هذا الحديث عند أهل المقالة الأولى:
وقد حل يعني: وصل البيت وطاف وسعى حلًا كاملًا، وحل له بنفس العرج والكسر أن يفعل ما شاء من إلقاء التفث ويفتدي، وليس للصحيح أن يفعل ذَلِكَ.
قال إسماعيل بن إسحاق: وهذا إسناد صالح من أسانيد الشيوخ، ولكن أحاديث الثقات تضعفه، حَدَّثَنَا سليمان بن حرب: حَدَّثَنَا حماد ابن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: خرجت معتمرًا حَتَّى إذا

--------
= كتاب: مناسك الحج، باب: حكم المحصر بالحج، وفي «شرح مشكل الآثار» ٣/ ٣٥٦ - ٣٥٧ (١٨٥٢ - ١٨٥٤) -تحفة- وابن قانع في «معجم الصحابة» ١/ ١٩٤ - ١٩٥، والطبراني ٣/ ٢٢٤ - ٢٢٥ (٣٢١١ - ٣٢١٤)، والدارقطني ٢/ ٢٧٧ - ٢٧٩، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٧٠، ٤٨٢ - ٤٨٣ كتاب: المناسك -وقال: صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه- وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ٣٥٧ - ٣٥٨، والبيهقي ٥/ ٢٢٠ كتاب: الحج، باب: من رأى الإحلال بالإحصار بالمرض، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٣٥ - ٣٦، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ٢٠٨ - ٢٠٩، والمزي في «تهذيب الكمال» ٥/ ٤٤٥ - ٤٤٦، والذهبي في «سير أعلام النبلاء» ٦/ ٢٩ - ٣٠، جميعًا من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري، والحديث صححه الألباني في «صحيح
أبي داود» (١٦٢٧)، وفي «صحيح الجامع» (٦٥٢١).
(١) سيأتي برقم (٢٧٠١) كتاب: الصلح، باب: الصلح مع المشركين.



كنت بالرثينة وقعت عن راحلتي فانكسرت، فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر أسألهما فقالا: ليس لها وقت كوقت الحج، يكون على إحرامه حَتَّى يصل إلى البيت (١).
وحَدَّثَنَا علي، ثَنَا سفيان، قال عمرو: أخبرني ابن عباس قال: لا حصر إلا حصر العدو. ورواه ابن جريج ومعمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس (٢)، فقد بان بما رواه الثقات أنه خلاف ذَلِكَ؛ لأن ابن عباس حصر الحصر بالعدو دون غيره، فبان أن مذهب مالك كمذهب ابن عمر، ومن الحجة له في أن المحصر بمرض لا يحله إلا البيت، قوله تعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ المَسْجِدِ الحَرَامِ﴾ الآية [الفتح: ٢٥]، فأعلمنا تعالى أنهم حبسوا الهدي عن بلوغ محله فينبغي أن يكون بلوغ محله شرطًا فيه مع القدرة عليه، وأما قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وقوله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] والمخاطب بذلك: الآمن الذي يجد السبيل إلى الوصول إلى البيت، والمريض آمن يمكنه ذَلِكَ، وقول الكوفيين ضعيف، وفيه تناقض؛ لأنهم لا يجيزون لمحصر بعدو ولا بمرض أن يحل حَتَّى ينحر هديه في الحرم، وإذا أجازوا للمحصر بمرض أن يبعث هديه ويواعد حامله يومًا ينحر فيه، فيحلق، ويحل أجازوا له الإحلال بغير يقين من نحر الهدي وبلوغه، وحملوه على الإحلال بالظنون.

--------
(١) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٣٧ عن رجل من أهل البصرة. وقال الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٥ إسناده صحيح. وأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف ٣/ ٥٩ (١٣٥٧٧) عن أبي العلاء بن الشخير.
(٢) ورواهما الطبري ٢/ ٢٢١ (٣٢٤١)، ٢/ ٢٣٣ (٣٣١٥).



والعلماء متفقون على أنه لا يجوز لمن لزمه فرض أن يخرج منه بالظن، والدليل على أن ذَلِكَ ظن قولهم: أنه لو عطب الهدي أو ضل أو سرق فحل مرسله وأصاب النساء وصاد، أنه يعود حرامًا، وعليه جزاء ما صاد، وأباحوا له فساد الحج بالجماع، وألزموه ما يلزم من لم يحل من إحرامه وهذا تناقض بلا شك.
واحتج الكوفيون بحديث ابن عباس في الباب، حَتَّى اعتمر عامًا قابلًا في وجوب قضاء الحج أو العمرة على من أحصر في أحدهما بعدو، وقال أهل الحجاز: معنى قوله: حَتَّى اعتمر إلى آخره، هو ما عقده معهم في صلح الحديبية أنه لا يمنعوه البيت عامًا قابلًا، ولا يحال بينهم وبينه، فإما أن يكون ما فعلوه من العمرة قضاء عن عمرة الحديبية، ففيه النزاع، فيحتاج إلى ذَلِكَ، وسيأتي ما للعلماء فيه قريبًا في باب: من قال: ليس على المحصر بدل.
وقول ابن عباس: (قد أحصر رسول الله - ﷺ -) حجة على من قال: لا يقال: أحصره العدو، وإنما يقال: حصره العدو وأحصره المرض، واحتج بقول ابن عباس: لا حصر إلا حصر العدو، واحتج به ابن القصار (١) فيقال له: هذا ابن عباس قال: قد أحصر رسول الله - ﷺ -.
وقام الإجماع أنه - عليه السلام - لم يحصر بمرض، وإنما أحصر بعدو عام الحديبية (٢)، فثبت أنه يقال: حصره العدو وأحصره لغتان.
وقوله: (أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي). فهو حجة لمثبت القياس، ولمن قال: أن الحج يرتدف على العمرة، وروى معمر، عن منصور، عن مالك بن الحارث قال: لقيتُ عليًا، وقد أهللت بالحج

---------
(١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٨٩٣ (٦١٣).
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٢.



فقلت له: هل أستطيع أن أضيف إلى حجتي عمرة؟ قال: لا ذَلِكَ لو كنت بدأت بالعمرة ضممت إليها حجًّا (١)، وهذا قول مالك وأبي حنيفة قالا: ويصير قارنًا (٢)، قال مالك: ولا تدخل العمرة على الحج، وهو قول أبي ثور وإسحاق. وقال الكوفيون: تجوز ويصير قارنًا، وقال الشافعي بالعراق كقول الكوفي، وقال بمصر: أكثر من لقيت يقول: ليس له ذَلِكَ.
قال ابن المنذر: والحجة لقول مالك: أن أصل الأعمال أن لا يدخل عمل على عمل ولا صلاة على صلاة، ولا صوم على صوم ولا حج على حج، ولا عمرة على عمرة إلا ما خصت السنة في إدخال الحج على العمرة، وعلى الذي يحرم بعمرة إذا ضم إليها حجًّا فقد ضم إلى العمل الذي كان قد دخل فيه، وألزم نفسه أعمالًا لم تكن لزمته حين أحرم بالعمرة، مثل الخروج إلى منى والوقوف بالموقفين، ورمي الجمار، والمقام بمنى، وغير ذَلِكَ من أعمال الحج، والذي يضم إلى الحج عمرة لم يضم إليها عملًا؛ لأن عمل المفرد والقارن واحد، والذي يعتمد عليه في هذا الباب السنة وإجماع الأمة (٣).

------------
(١) لم أقف عليه من هذا الطريق، إنما رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٥٧ كتاب: مناسك الحج، باب: إحرام النبي - ﷺ -، و٢/ ٢٠٥ باب: القارن، والبيهقي ٤/ ٣٤٨ كتاب: الحج، باب: إدخال الحج على العمرة، و٥/ ١٠٨، باب: المفرد والقارن يكفيهما طواف واحد. من عدة طرق عن منصور والأعمش عن إبراهيم ومالك بن الحارث عن أبي نصر السلمي قال: لقيت عليًا .. الحديث، ليس في حديث منها عن مالك بن الحارث قال لقيت عليًا، إنما يرويه مالك عن أبي نصر السلمي، قوله، وقال البيهقي ٥/ ١٠٨: كذا روي عن فضيل عن منصور، ورواه الثوري عن منصور، وكذلك شعبة وابن عيينة، وأبو نصر السلمي مجهول.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠١، «المدونة» ١/ ٣٠٠.
(٣) انظر: «الاستذكار» ١١/ ١٣٨، «المغني» ٥/ ٣٧١.



وقوله: (في الفتنة) يريد فتنة الحجاج ونزوله على ابن الزبير.
وقوله: (صنعنا كما صنعنا مع رسول الله - ﷺ -)، يريد أنه يحل دون البيت، ويجزئ عنه نسكه ولو لم يكن محرمًا ما دخل فيه؛ لأنه بمنزلة من تعرض لفوات النَّسك وإبطاله، ويحتمل كما قال ابن التين: أن يكون ابن عمر لم يتيقن نزول الجيش، وإنما كان يتيقيه ويخاف أن يكون، ويحتمل أن يكون تيقن نزوله، ولم يتقين صدَّه له؛ لما كان عليه من اعتزال الطوائف، ويبينه قوله: (إن صددت عن البيت) ولو لم يتيقن العذر المانع لما جاز أن يحرم؛ لأنه تلبس بعبادة يتيقن أنها لا تتم فيكون كالقاصد غير البيت بنسكه أو ملتزمًا لتمام النسك، ومطرحًا للإحلال بالحصر وعلى من فعل ذَلِكَ إتمام نسكه، ولا يحل دون البيت، قاله ابن الماجشون (١)، ومما يبينه أنه - عليه السلام - لم يتيقن أن يصد عام الحديبية؛ لأنه لم يأتهم محاربًا، وإنما قصد العمرة ولم تكن قريش تمنع من قصد الحج والعمرة.
وقوله: (أليس حسبكم). أي: أليس تكفيكم سنة رسول الله - ﷺ -؟ لأن الحسب الكفاية، ومنه حسبنا الله أي: كافينا.
وقال ابن عبد البر: اتفق مالك والشافعي على أن المحصر ينحر هديه حيث حبس وصد في الحل كان أو في الحرم، وخالفهما أبو حنيفة وأهل الكوفة، واختلفوا في موضع نحره يوم الحديبية هل كان في الحل أو في الحرم؟ فكان عطاء يقول: لم ينحر هديه يومها إلا في الحرم، وهو قول ابن إسحاق، وقال غيره من أصحاب المغازي: لم ينحره إلا في الحل وهو قول الشافعي (٢)، وقد سلف الخلاف فيه هناك.

----------
(١) «المنتقى» ٢/ ٢٧٥.
(٢) «الاستذكار» ١٢/ ٨٠.



وذكر يعقوب بن سفيان: أخبرنا ابن أبي أويس عن مجمع بن يعقوب (١)، عن أبيه قال: لما حبس رسول الله - ﷺ - وأصحابه نحروا بالحديبية وحلقوا، فبعث الله ريحًا عاصفًا فحملت شعورهم وألقتها في الحرم (٢). قال: فهذا بيَّن أنهم حلقوا في الحل (٣). وأكثر أهل العلم على أن المحصر عليه الهدي، خلافًا لمالك.
وقال الطحاوي: إذا نحر المحصر هديه هل يحلق رأسه أم لا؟ فقال قوم: ليس عليه أن يحلق؛ لأنه قد ذهب عنه النسك كله، وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال آخرون: بل يحلق فإن لم يحلق فلا شيء عليه، وهو قول أبي يوسف -وفي ابن أبي شيبة عن مجاهد أنه - عليه السلام - لما أحصر، ونحر الهدي حلق رأسه (٤)، وهذا يأتي- وقال آخرون: يحلق ويجب عليه ما يجب على الحاج والمعتمر -وهو قول مالك- فكان من حجة أبي حنيفة أنه قد سقط عنه بالإحصار جميع مناسك الحج، وذلك مما يحل به المحرم من إحرامه، ألا ترى أنه إذا طاف يوم النحر حل له أن يحلق، فيحل له بذلك الطيب واللباس، فلما كان ذَلِكَ مما يفعله حين يحل يسقط ذلك عنه بالإحصار، سقط عنه سائر ما يحل به المحرم بسبب الإحصار، وكان من حجة الآخرين عليهم في ذَلِكَ أن

------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعقوب بن مجمع عن أبيه وعمه، وعنه ابنه مجمع وابن أخيه إبراهيم بن إسماعيل، وثق.
(٢) رواه من هذا الطريق ابن سعد في «الطبقات» ٢/ ١٠٤، والفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ٧٥ (٢٨٦٩).
(٣) «الاستذكار» ١٢/ ٨٠ - ٨١.
(٤) «المصنف» ٣/ ٣٩٥ (١٥٤٦٩) كتاب: الحج، في المحصر يهدي قبل أن يحلق، لكنه عن موسى بن أبي كثير، وقد رواه ابن سعد في «طبقاته» ٢/ ١٠٤ عن مجاهد.



تلك الأشياء من الطواف والسعي والرمي قد صد عنه المحرم، وحيل بينه وبينه فسقط عنه أن يفعله، والحلق لم يحل بينه وبينه وهو قادر على فعله فما كان يصل إلى فعله فحكمه فيه في حال الإحصار كحكمه في غير حال الإحصار، وما لا يستطيع أن يفعله في حال الإحصار فهو الذي يسقط عنه (١).
وقد ثبت عنه - ﷺ - أنه حلق حين صد في حديث ابن عمر والمسور (٢)، وليس لأحد قياس مع وجود السنة الثابتة، وقد دعا رسول الله - ﷺ - للمحلقين يوم الحديبية ثلاثًا لأنهم لم يشكوا، وللمقصرين مرة (٣)، فثبت بتفضيله من حلق منهم على من قصَّر، أنه كان عليهم ذَلِكَ كما يكون عليهم لو وصلوا البيت، ولولا ذَلِكَ لما كانوا فيه إلا سواء، ولا كان لبعضهم في ذَلِكَ فضيلة على بعض، فبان أن حكم الحلق والتقصير لا يزول بالإحصار، وقد روى الطبراني والنسائي أيضًا، من حديث ناجية بن جندب، قال: أتيت رسول الله - ﷺ - حين صد الهدي. فقلت: يا رسول الله، أتبعث معي بالهدي فلأنحرنه بالحرم. قال: «كيف تصنع به؟» قلت: آخذ به أودية فلا يقدرون عليه، فانطلقت حَتَّى نحرته بالحرم (٤)، وقد ثبت عنه حين صد في حديث المسور:

--------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد.
(٣) سلف برقم (١٨٢٧ - ١٨٢٨) باب: الحلق والتقصير عند الإحلال، ورواه مسلم (١٣٠١ - ١٣٠٢) كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير.
(٤) لم أقف عليه عند الطبراني، إنما رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٣٢ (٣٣١٢)، فلعله خطأ في النسخ؛ لتشابه الاسمين، ورواه النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٥٣ (٤١٣٥) كتاب: الحج، هدي المحصر.



أنه حلق، قال (١): وذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم ذبح في غيره (٢) احتجاجًا بحديث ابن عباس، وإن كان معه هدي وهو محصر نحره. وقالوا: إنما نحر هديه بالحديبية إذ صد دل أن من (لم) (٣) يمنع من إدخال هديه في الحرم أن يذبحه في غير الحرم. وهذا قول مالك (٤)، وروى سفيان من حديث أبي أسماء مولى عبد الله بن جعفر قال: خرجت مع علي وعثمان فاشتكى الحسن بالسقيا وهو محرم
فأصابه برسام (٥) فأومأ إلى رأسه فحلق ونحر جزورًا (٦)، ورواه مالك عن يحيى بن سعيد فلم يذكر عثمان ولا أن الحسن كان محرمًا (٧) (٨).

-------
(١) يعني: الطحاوي.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤١.
(٣) المعنى غير مستقيم بها ولعلها زائدة، وانظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤١.
(٤) انظر: «التمهيد» ١٢/ ١٥٠.
(٥) البرسام بالكسر، علة يهذي فيها، نعوذ بالله منها، وهو ورم حار يعرض للحجاب الذي بين الكبد والأمعاء، ثم يتصل إلى الدماغ.
انظر: «الصحاح» ٥/ ١٨٧١، «تاج العروس» ١٦/ ٤٨، «القاموس المحيط» ص ١٣٩٥. مادة: برسم.
(٦) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٢ باب: الهدي يصد عن الحرم ..
(٧) «الموطأ» ١/ ٤٧٨ (١٢٢٤) كتاب: المناسك، جامع الهدي.
(٨) ورد بهامش (س) ما نصه: ثم بلغ في السادس بعد الثلاثين. وبجوارها: آخر ٦ من ٧ من تجزئة المصنف.



٢ - باب الإِحْصَارِ فِي الحَجِّ
١٨١٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَالِمٌ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَىْءٍ، حَتَّى يَحُجَّ عَامًا قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا.
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوَهُ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ٨]
ذكر فيه حديث سَالِمٍ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: أَلَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -؟ إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الحَجِّ طَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيءٍ، حَتَّى يَحُجَّ قَابِلًا، فَيُهْدِي أَوْ يَصُومُ، إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا. يريد حبس بمرض.
وقوله: (طاف ..) إلى آخره ويكون محصرًا بمكة. مذهب مالك والشافعي: أن المحصر بمرض لا يحل حَتَّى يطوف ويسعى (١)، وقال أبو حنيفة: له التحلل حيث أحصر (٢)، دليلنا قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والإتمام يقتضي الوجوب؛ ولأنه متلبس بالحج لم يصد عنه بيد عادية، فلم يحل دون البيت المخطي الوقت أو الطريق، فإن شرط التحلل بالمرض، فالمشهور عنه أنه يتحلل به لحديث ضباعة في ذَلِكَ (٣)، خلافًا لمالك.

-------
(١) رواه مسلم (١٢٠٨) كتاب: الحج، باب: جواز اشتراط المحرم التحلل بعذر المرض ونحوه، وأبو داود (١٧٧٦) كتاب: المناسك، باب: الاشتراط في الحج، والترمذي (٩٤١) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الاشتراط في الحج، وابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٦١ (٤١٩).
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٧٦، «الأم» ٢/ ١٣٩.
(٣) «الهداية» ١/ ١٩٥.



وقوله: (فيهدي). أي للآية السالفة ولا يذبحه إلا بمكة أو منى خلافًا للشافعي، وقد سلف، فإن بقى على إحرامه إلى قابل. ففي الهدي قولان عن مالك، فإن تحلل بعمرة في أشهر الحج، ففي تحلله قولان لابن القاسم، فإن صححناه. فاختلف قوله: هل يكون متمتعًا أم لا (١)؟ واحتج ابن عمر فيمن أحصر في الحج أنه يلزمه ما يلزم من أحصر في العمرة، وحكمهما سواء في ذَلِكَ، قاس الحج على العمرة، والشارع لم يحصر إلا في عمرة، وهو أصل في إثبات القياس كما سلف واستعمال الصحابة له.
واختلف العلماء فيمن أحصر بمكة، فقال الشافعي وأبو ثور: حكم الغريب والمكي سواء يطوف ويسعى ويحل ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن عمر، وأوجبها مالك على المحصر المكي، وعلى من أنشأه من مكة، وقال: لا بد لهم من الخروج إلى الحل لاستئناف عمرة التحلل؛ لأن الطواف الأول لم يكن نواه للعمرة، فلذلك يعمل بهذا، وفرق بين هؤلاء وبين الغريب يدخل من الحل محرمًا، فيطوف، ويسعى، ثم يحصره العدو عن الوقوف، أنه لا يحتاج إلى الخروج إلى الحل؛ لأن منه دخل ولم يحل من إحرامه، ويتحلل بعمرة ينشئها من مكة. وقال أبو حنيفة: لا يكون محصرًا من بلغ مكة؛ لأن الإحصار عنده من منع من الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي، فيفعل ما فعل الشارع من الإحلال بموضعه، وأما من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحج يحل بعمرة، وعليه الحج من قابل ولا هدي عليه؛ لأن الهدي يجبر ما أدخله على نفسه، ومن

-----------
(١) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٧٩.


حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصًا. وقال الزهري: إذا أحصر المكي فلا بد له من الوقوف بعرفة وإن نعش نعشًا.
وفي حديث ابن عمر رد على الزهري؛ لأن المحصر لو وقف بعرفة لم يكن محصرًا، ألا ترى قول ابن عمر: طاف بالبيت وبين الصفا والمروة، ولم يذكر الوقوف بعرفة (١).
وفيه أيضًا: رد قول أبي حنيفة: أن من كان بمكة لا يكون محصرًا، وقد استدل ابن عمر على أنه يكون محصرًا بقوله: (أليس حسبكم سنة رسول الله - ﷺ - إن حبس أحدكم عن الحج؟!) والحبس عنه: هو الإحصار عند أهل اللغة، وقول ابن عمر: ثم حل من كل شيء حَتَّى يحج عامًا قابلًا، ويهدي هديًا، معناه عند الحجازيين: إن كان ضرورة، ومعنى الهدي للضرورة: إذا قضى الحج إنما هو من أجل وقوع الحبس الذي كان يقع له في سفر واحد في سفرين، وكذلك معنى هدي الإحصار لمرض.

-----------
(١) «التمهيد» ١٥/ ٢٠٧، «الاستذكار» ١٢/ ١٠٣، وانظر: «مختصر الطحاوي» ص ٧٢، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٩٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٢٨، «الأم» ٢/ ١٣٨.


٣ - باب النَّحْرِ قَبْلَ الحَلْقِ فِي الحَصْرِ
١٨١١ - حَدَّثَنَا مَحْمُودٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنِ المِسْوَرِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ. [انظر: ١٦٩٤ - فتح: ٤/ ١٠]

١٨١٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الوَلِيدِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ العُمَرِيِّ قَالَ: وَحَدَّثَ نَافِعٌ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ وَسَالِمًا كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما، فَقَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بُدْنَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ١٠]
ذكر فيه حديث المِسْوَرِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَحَرَ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ.
وحديث ابن عمر: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - مُعْتَمِرِينَ، فَحَالَت كُفَّارُ قُرَيْشِ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بُدْنَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ.
قال ابن المنذر: النحر قبل الحلق للمحصر وغيره، هو ظاهر كتاب الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] إلا أن سنة المحصر أن ينحر هديه حيث أحصر، وإن كان في الحل اقتدى بالشارع في الحديبية قال تعالى: ﴿وَالهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] أي: محبوسًا، و(لما) (١) سقط عنه أن يبلغ محله سقط عنه هديه.
فأما قوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣].

----------
(١) من (ج)، وهي في «الأصل»: ما.


فقد أسلفنا قبل أن المخاطب به الآمن الذي يجد السبيل إلى الوصول إلى البيت، وليس للمحصر بعد أن يفعل شيئًا مما يحرم على المحرمين، حَتَّى ينحر هديه تأسيًا بالشارع، فإن خالف فالفدية لازمة استدلالًا بأنه - عليه السلام - أمر كعب بن عجرة بالفدية (لما) (١) حلق (٢). وهذا قول مالك والشافعي (٣).
---------
(١) في «الأصل» ما، وما أثبتناه من (ج).
(٢) رواه مسلم (١٢٠١) كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى.
(٣) انظر: «المنتقى» ٣/ ٦٨، ٦٩، «الأم» ٢/ ١٣٥ - ١٣٦.



٤ - باب مَنْ قَالَ لَيْسَ عَلَى المُحْصَرِ بَدَلٌ
وَقَالَ رَوْحٌ، عَنْ شِبْلٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّمَا البَدَلُ عَلَى مَنْ نَقَضَ حَجَّهُ بِالتَّلَذُّذِ، فَأَمَّا مَنْ حَبَسَهُ عُدْوٌ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَحِلُّ وَلَا يَرْجِعُ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَهُوَ مُحْصَرٌ نَحَرَهُ إِنْ كَانَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ، وَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَبْعَثَ بِهِ لَمْ يَحِلَّ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ. وَقَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ: يَنْحَرُ هَدْيَهُ، وَيَحْلِقُ فِي أى مَوْضِعٍ كَانَ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْحَابَهُ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا وَحَلَقُوا وَحَلُّوا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الهَدْيُ إِلَى البَيْتِ، ثُمَّ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ أَحَدًا أَنْ يَقْضُوا شَيْئًا، وَلَا يَعُود، وَالحُدَيْبِيَةُ خَارِجٌ مِنَ الحَرَمِ.

١٨١٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ: إِنْ صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ نَظَرَ فِي أَمْرِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ. فَالتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: مَا أَمْرُهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ الحَجَّ مَعَ العُمْرَةِ. ثُمَّ طَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، وَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ مُجْزِيًا عَنْهُ، وَأَهْدَى. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٤/ ١١]
ثم ساق حديث نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ حِينَ خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ .. الحديث، وقد سلف.
وروح هو ابن عبادة، وشبل هو ابن عباد المكي الثقة، وقول مالك
إلى آخره هو في «الموطأ» (١)، وظاهر كلام ابن عباس أن من أحصر

-----------
(١) «الموطأ» ص ٢٣٦.


بمرض أو غيره أن يحل دون البيت، وهو خلاف ما قدمناه عنه: أن المحصر بمرض لا يحله إلا البيت، وتفرقته بين أن يستطيع وبين أن لا، خلاف مذهب مالك، وقول مالك: ينحر هديه ويحلق رأسه لا خلاف في جواز التحلل في حصر العدو في موضعه (١).
قال ابن التين: والتحلل يصح بأحد وجهين: أحدهما: أن يتيقن بقاءه لقوته وكثرته، وإن كان بينه وبين الحج ما يعلم أن لو زال لأدركه.
والثاني: أن يكون العذر لا يرجى زواله، ولا يكون محصورًا حَتَّى يبقى بينه وبين الحج مقدار ما يعلم أنه إن زال العذر لا يدرك الحج، فيحل حينئذٍ عند ابن القاسم وعبد الملك، وقال أشهب: لا يحل
حَتَّى يوم النحر، ولا يقطع التلبية حَتَّى يروح الناس إلى عرفة (٢).
وقوله: (وقبل أن يصل الهدي إلى البيت). ظاهره مخالفة ابن عباس في قوله السالف فيما إذا استطاع.
وقوله: (ولا قضاء عليه). أي: لأنه محصر متطوع، خلافًا لأبي حنيفة (٣)، فإن كان فرضًا مستقرًا بقي في ذمته أو غير مستقر اعتبرت الاستطاعة بعد. وقال مالك وأصحابه: لا يجزئه عن حجة الإسلام، وخالف عبد الملك وأبو مصعب فيه (٤).
وقوله: (والحديبية خارج من الحرم). وهو من قول البخاري، وصله بقول مالك وليس من قوله.

---------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٣٢، «المنتقى» ٢/ ٢٧٢، ٢٧٣.
(٢) المصدرين السابقين.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٤) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٣٢ - ٤٣٤، «المنتقى» ٢/ ٣٧٤.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #347  
قديم 13-02-2026, 10:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 309 الى صـــ 320
الحلقة (347)






وقوله: (إنها داخل الحرم). وقال الشافعي: إنها خارج الحرم (١)، وجمع ابن بطال بينهما فقال: كلا القولين له وجه، وذلك أن الحديبية في أول الحرم وهو موضع بروك ناقته - ﷺ -؛ لأنها إنما بركت في أول الحرم، وقال - عليه السلام -: «حبسها حابس الفيل» (٢)، وصاحب الفيل لم يدخل الحرم فمن قال: إن الحديبية خارجه، فيمكن أن يريد البئر وموضع بروك ناقة رسول الله - ﷺ -، ومن قال: إنها في الحرم، يريد موضع حلاقهم ونحرهم (٣).
ووجه إيراد حديث ابن عمر في الباب وليس في لفظه ما يدل على الترجمة؛ لأن البخاري استغنى بشهرة قصة صده - عليه السلام - بالحديبية وأنهم لم يؤمروا بالقضاء في ذَلِكَ؛ لأنها لم تكن حجة الفريضة، وإنما كانوا محرمين بعمرة، وعقب البخاري كلام مالك بحديث ابن عمر للتنبيه على أنه أخذه منه.
إذا تقرر ذَلِكَ: فقد اختلف السلف في هذا الباب:
فذهب ابن عباس إلى أن المحرم لا بدل عليه ولا شيء؟ ذكره عنه عبد الرزاق، وقال: لا حصر إلا من حبسه عدو، فيحل بعمرة وليس عليه حج قابل ولا عمرة (٤)، فإن حبس وكان معه هدي بعث به ولم يحل حَتَّى ينحر الهدي، وإن لم يكن معه هدي حل مكانه، وهذا خلاف ما رواه عن النبي - ﷺ -: أنه أمر أصحابه أن يبدلوا الهدي الذي نحروا عام الحديبية في

------------
(١) «المجموع» ٨/ ٣١٩.
(٢) سيأتي برقم (٢٧٣١ - ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد.
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٦٩.
(٤) روى الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٣٣ (٣٣١٥) قال: حدثنا الحسن بن يحيى قال: أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس .. قوله.



عمرة القضاء، وفي لفظ قال لأبي حاضر حين سأله عن قضاء عمرته: أبدل الهدي، رواه الحاكم في «مستدركه» وقال: صحيح الإسناد (١).
وذكر عطاء عن ابن عباس في الذي يفوته الحج قال: يحل بعمرة، وليس عليه حج قابل، وعن طاوس مثله (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن عطاء: أنه - عليه السلام - قال: «من لم يدرك الحج فعليه الهدي وحج قابل وليجعلها عمرة» (٣).
وعن مالك في المحصر بعدو: يحل بسنة الإحصار، ويجزئه من حجة الإسلام (٤)، وهو قول أبي مصعب، وأفتى به محمد بن سحنون.
وقال ابن شعبان: يجزئه من حجة الإسلام، وإن صد قبل أن يحرم، وقال ابن الماجشون: إنما استحب له مالك القضاء (٥).
وفيها قول آخر: روي عن عمر وزيد بن ثابت: أنه يحل بعمرة، وعليه حج قابل والهدي (٦)، وهو قول عروة.
وقال علقمة والنخعي: عليه حجة وعمرة، وهو قول الكوفيين، وقال مجاهد والشعبي: عليه حج قابل.

-------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٨٥ - ٤٨٦ كتاب المناسك، والحديث رواه أبو داود (١٨٦٤)، وفي سنده محمد بن إسحاق وقد عنعنه، لذا ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٢٥).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٩ (١٣٦٨٥) كتاب: الحج، في الرجل إذا فاته الحج ما يكون عليه.
(٣) «المصنف» ٣/ ٢١٩ (١٣٦٨٣).
(٤) «المدونة» ١/ ٢٩٧.
(٥) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٣٣.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢١٩ (١٣٦٨٢)، والبيهقي ٥/ ١٧٥ كتاب: الحج، باب: ما يفعل من فاته الحج.



وقال مالك في «المدونة»: لا قضاء على المحصر بعدو في حج التطوع ولا هدي عليه (١)؛ لأنه - عليه السلام - لم يأمر أصحاب الحديبية بقضاء ولا هدي إلا أن تكون حجة الإسلام فعليه حج قابل والهدي، وبه قال الشافعي وأبو ثور. واحتج الكوفيون: بأنه - عليه السلام - لما صد في الحديبية قضاها في العام القابل فسميت عمرة القضاء.
واحتج أصحاب مالك فقالوا: هذِه التسمية ليست من الشارع ولا من أصحابه، وإنما هي من أهل السير فليس فيها حجة، ولم تسم عمرة القضاء من أجل ما ذكروه، وإنما سميت من أجل أنه - عليه السلام - قاضى عام الحديبية قريشًا، كما أسلفناه، ولو وجب القضاء لبينه، وحجة مالك: الهدي من أجل أن إحرامه حيل بينه وبين إتمامه بالوصول إلى البيت، وجعل أبو حنيفة العمرة عوضًا من ذَلِكَ.
قال الطحاوي: ذهب قوم إلى أن الهدي إذا صد عن الحرم نحر في غير الحرم، واحتجوا بهذا الحديث وقالوا: لما نحر - عليه السلام - هديه بالحديبية إذ صد، دل على أن لمن منع من إدخال هديه الحرم، أن يذبحه في غير الحرم، وهذا قول مالك.
وخالفهم آخرون فقالوا: لا يجوز نحر الهدي إلا في الحرم.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فكان الهدي ما جعله الله تعالى ما بلغ الكعبة كالصوم المتتابع في الظهار، وكفارة القتل لا تجوز غير متتابع، وإن كان الذي وجب عليه غير المطيق للإتيان به متتابعًا فلا تبحه الضرورة أن يصومه متفرقًا فكذلك الهدي الموصوف ببلوغ الكعبة لا يجوز إلا كذلك، وإن صد عن بلوغ الكعبة

--------
(١) «المدونة» ١/ ٢٩٧.


واحتجوا: بأن ذبح النبي - ﷺ - بهديه حين صد كان في الحرم، ثم ذكر حديث ناجية السالف (١).
وقال آخرون: كان بالحديبية، وهو يقدر على دخول الحرم، ولم يكن صد عن الحرم، وإنما صد عن البيت، واحتجوا بحديث ابن إسحاق، عن الزهري، عن المسور: أن النبي - ﷺ - كان بالحديبية، خباؤه في الحل، ومصلاه في الحرم (٢)، ولا يجوز في قول أحد من العلماء لمن قدر على دخول شيء من الحرم أن ينحر هديه دون الحرم، فلما ثبت بالحديث الذي ذكرنا أنه - عليه السلام - كان يصل إلى الحرم استحال أن يكون نحر الهدي في غيره؛ لأن الذي يبيح نحر الهدي في غيره إنما يبيحه في حال الصد عن الحرم، لا في حال القدرة على دخوله فانتفي مما ذكرناه أن يكون - عليه السلام - نحر الهدي في غير الحرم، وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، واحتج من سلف بما ذكرناه قبل الإحصار في الحج؛ لأن فيه أن عليًا نحر الجزور دون الحرم، والحجة عليهم في ذَلِكَ أنهم لا يبيحون لمن كان غير ممنوع من الحرم أن يذبح في غير الحرم وإنما يختلفون إذا كان ممنوعًا منه فدل أن عليًّا إنما نحر فيه في غير الحرم، وهو واصل إلى الحرم، أنه لم يكن أراد به الهدي، وإنما أراد به الصدقة والتقرب إلى الله تعالى مع أنه ليس في الحديث أنه أراد به الهدي، فكما يجوز لمن حمله على أنه هدي ما حمله عليه، فكذلك يجوز لمن حمله على أنه ليس بهدي ما حمله عليه (٣).

------
(١) تقدم تخريجه، وقد رواه النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٥٣ (٤١٣٥)، والطبري ٢/ ٢٣٢ (٣٣١٢).
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٢.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤١ - ٢٤٢.



٥ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]
وَهُوَ مُخَيَّرٌ، فَأَمَّا الصَّوْمُ فَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.

١٨١٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - أَنَّهُ قَالَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟». قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ». [١٨١٥، ١٨١٦، ١٨١٧، ١٨١٨، ٤١٥٩، ٤١٩٠، ٤١٩١، ٤٥١٧، ٥٦٦٥، ٥٧٠٣، ٦٧٠٨ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٢]
ذكر فيه حديث كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «لَعَلَّكَ آذَاكَ هَوَامُّكَ؟». قَالَ: نَعَمْ فَقَالَ: «احْلِقْ رَأْسَكَ وَصُمْ ثَلًاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، أَوِ انْسُكْ شَاةً».


٦ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ [البقرة: ١٩٦] وَهْيَ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ
١٨١٥ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُجَاهِدٌ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى، أَنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ قَالَ: وَقَفَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالحُدَيْبِيَةِ، وَرَأْسِي يَتَهَافَتُ قَمْلًا، فَقَالَ: «يُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «فَاحْلِقْ رَأْسَكَ» أَوْ قَالَ: «احْلِقْ». قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى آخِرِهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ». [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٦]
ذكر فيه حديث كعب أيضًا، وأن ذلك كان بالحديبية ورأسه يتهافت قملا فقال: «أحْلِقْ رَأْسَكَ» أَوْ: «احْلِقْ». قَالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هذِه الآيَةُ ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] إِلَى آخِرِهَا. فَقَالُ - ﷺ -: «صُمْ ثَلًاثةَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةٍ مساكين، أَوِ انْسُكْ بِمَا تَيَسَّرَ».


٧ - باب الإِطْعَامُ فِي الفِدْيَةِ
١٨١٦ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبِهَانِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ قَالَ جَلَسْتُ إِلَى كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه فَسَأَلْتُهُ عَنِ الفِدْيَةِ، فَقَالَ: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةً، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى -أَوْ مَا كُنْتُ أُرَى الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى- تَجِدُ شَاةً؟». فَقُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ». [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٦]
ذكره أيضا، وفيه: نَزَلَتْ فِيَّ خَاصَّةَ، وَهْيَ لَكُمْ عَامَّةً، حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرى -أَوْ مَا كنْتُ أُرى الجَهْدَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرى- أتَجِدُ شَاةً؟». فَقُلْتُ: لَا، فَقَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفَ صَاعٍ».


٨ - باب النُّسُكُ شَاةٌ
١٨١٧ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا رَوْحٌ، حَدَّثَنَا شِبْلٌ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَآهُ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ: «أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟». قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُوَ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأَنْزَلَ اللهُ الفِدْيَةَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةٍ، أَوْ يُهْدِيَ شَاةً، أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٨]

١٨١٨ - وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا وَرْقَاءُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُطُ عَلَى وَجْهِهِ. مِثْلَهُ. [انظر: ١٨١٤ - مسلم: ١٢٠١ - فتح: ٤/ ١٨]
ذكره أيضًا. وفيه: فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ وَهُم بِالحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَتبيَّنْ لَهُمْ أَنَّهُمْ يَحِلُّونَ بِهَا، وَهُمْ عَلَى طَمَعٍ أَنْ يَدْخُلُوا مَكَّةَ، فَأنْزَلَ اللهُ الفِدْيَةَ.
وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، أنا وَرْقَاءُ، عَنِ ابن أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَآهُ وَقَمْلُهُ يَسْقُط عَلَى وَجْهِهِ. مِثْلَهُ.
حديث كعب هذا في هذِه الأبواب أخرجه مسلم من طرق (١)، وفي رواية له: «احلق ثم أذبح شاة نسكًا أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين» (٢)، وفي رواية له: فقمل رأسه ولحيته (٣)، وفي رواية له: والفرق ثلاثة آصع (٤)، وفي رواية له: ثلاثة آصع من تمر (٥).

-----------
(١) مسلم (١٢٠١) كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى.
(٢) مسلم (١٢٠١/ ٨٤).
(٣) مسلم (١٢٠١/ ٨٦).
(٤) مسلم (١٢٠١/ ٨٣).
(٥) مسلم (١٢٠١/ ٨٤).



وقوله: (وعن محمد بن يوسف): قد وصله الإسماعيلي: أخبرنا علي بن محمد الحدَّادي (١)، ثَنَا هاشم بن سعيد بن أبي داود، ثَنَا محمد بن يوسف الفريابى، ثَنَا ورقاء، فذكره، وأخرجه أيضًا من حديث عمر بن الخطاب: حَدّثَنَا الفريابي، حَدثَنَا ورقاء، به، وللطبراني [في] (٢) «الكبير»: «اهد بقرة وأشعرها وقلدها»، فافتدى ببقرة (٣).
وذكرها أبو داود أيضًا (٤)، وفي لفظ: «واهد هديًا» فقال: ما أجد هديًا، قال: «فأطعم ستة مساكين» قال: ما أجد، قال: «فصم ثلاثة أيام» (٥)، وفي لفظ: «أي ذَلِكَ فعلت أجزأ عنك» (٦)، وفي «مقامات
التنزيل»: والنسك ذبيحة، وفي رواية: حَتَّى وقع في حاجبي، قال: وهذِه الآية نزلت في طريق مكة في شأن كعب، وقيل بالحديبية.

------------
(١) ورد بهامش الأصل ما نصه: نسبة إلى قرية حدادة، كذا قاله الذهبي في «المشتبه» [١/ ١٤٣] وذكر أن الإسماعيلي روى عنه، ونسبه: على بن محمد بن حاتم بن دينار القومسي.
(٢) ليست في الأصل، والسياق يقتضيها.
(٣) «المعجم الكبير» ١٩/ ١٠٤ (٢٠٩ - ٢١٠).
(٤) أبو داود (١٨٥٩) كتاب: المناسك، باب: في الفدية.
(٥) روى هذا اللفظ الطبراني في «الكبير» ١٩/ ١٠٨ (٢١٧)، في «الأوسط» ٢/ ٢٢٥ (١٨١٢)، وابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٢٣٧ - ٢٣٨، ٢٠/ ٦٣.
(٦) رواه بهذا اللفظ أبو داود (١٨٦١) كتاب: المناسك، باب: في الفدية، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ١٩٤ - ١٩٥ كتاب: مناسك الحج، في المحرم يؤذيه القمل في رأسه، وفي «الكبرى» ٢/ ٣٧٧ - ٣٧٨ (٣٨٣٤) كتاب: الحج، في المحرم يؤذيه القمل في رأسه، ومالك في «الموطأ» ص ٢٦٩، وابن الجارود في «منتقاه» ٢/ ٨٠ - ٨١ (٤٥٠)، والطبراني ١٩/ ١٠٩ - ١١٠ (٢٢١)، والبيهقي ٥/ ٥٥
كتاب: الحج، باب: من احتاج إلى حلق رأسه للأذى حلقه وافتدى.



وأجمع العلماء على أن من حلق رأسه لعذر أنه غير فيما نص الله تعالى من الصيام أو الصدقة أو النسك (١)، واختلف فيمن حلق، أو لبس أو تطيب، عامدًا من غير ضرورة، فقال مالك: بئس ما فعل، وعليه الفدية وهو مخير فيها. وقال أبو حنيفة والشافعي وأبو ثور: ليس بمخير إلا في الضرورة لشرط الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] فإذا حلق أو تطيب أو لبس عامدًا من غير ضرورة فعليه دم (٢)، وحجة مالك: أن السنة وردت في كعب بن عجرة في حلقه رأسه، وقد آذاه هوامه، ولو كان حكم غير الضرورة مخالفًا لبينه ولَمَّا لم تسقط الفدية من أجل الضرورة علم أن من لم يكن بمضطر أولى أن لا يسقط عنه، وقال مالك والليث والثوري وأبو حنيفة: إذا حلق ناسيًا فعليه الفدية كالعامد. وقال الشافعي في أحد قوليه: لا فدية عليه. وهو قول إسحاق وابن المنذر، واحتج من يقول بأن فرض الحج على غير الفور؛ لأنه - عليه السلام - قال لكعب بن عجرة: «يؤذيك هوامك؟» قال: نعم. قال: «احلق وانسك شاةً» فنزل قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] وإتمام الشيء حقيقة إنما هو كماله بعد الدخول فيه، وقد يستعمل في ابتداء الشيء تجوزًا واتساعًا، ولم يرد الله بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾؛ الإكمال بعد الطواف فيه، ولكنه تجوز، فاستعمل في ابتداء الدخول، يدل على ذَلِكَ قول عمر: وعلى تمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك. فأخبر أن التمام
------------
(١) «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨٧٢.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٨١، «التمهيد» ٧/ ٢٦٧، «الاستذكار» ١٣/ ٣٠٥.



فيهما هو ابتداء الدخول فيهما، وهم لم يكونوا في الحديبية محرمين بالحج فيصح خطابهم بإكماله، وإنما كانوا محرمين بالعمرة فعلم أن الأمر لهم بالإتمام ليس هو أمر بإكماله بعد الدخول فيه، وإنما هو أمر بالدخول فيه ابتداء، فدل هذا أن فرض الحج على غير الفور، وأن إحكام الحج وجبر ما يعرض فيه قد كان نزل.
وكانت قصة كعب في الحديبية، وكانت سنة ست، واحتج بهذا أصحاب الشافعي.
ولم يختلف الفقهاء أنَّ الإطعام لستة مساكين، وأنَّ الصيام ثلاثة أيام وأنَّ النَّسك شاةٌ على ما في حديث كعب إلا رواية الطبراني السالفة، وإلا شيء يروى عن الحسن (١) وعكرمة (٢) ونافع (٣) أنهم قالوا: الإطعام

---------
(١) رواه سعيد بن منصور في «سننه» ٣/ ٧٤٣ (٢٩٥) وابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٦ - ٢٢٧ (١٣٣٧٧) كتاب: الحج، في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ﴾، والطبري ٢/ ٢٤٤ (٣٣٧٩ - ٣٣٨٠).
وأورده ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢١٢ من طريق سعيد بن منصور عن هشيم عن منصور بن المعتمر عن الحسن … قوله.
قلت: وفي المطبوع من «سنن سعيد بن منصور» عن هشيم، عن منصور مهملًا، ونسبه ابن حزم كما مرَّ فقال: ابن المعتمر، وليس كذلك إنما هو ابن زاذان؛ لأن هشيما لا يروي عن ابن المعتمر إنما يروي عن ابن زاذان. وأورده أيضًا ومن طريق بشر بن عمر عن شعبة عن قتادة عن الحسن … قوله.
وصححه الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٦ بعد أن عزاه لسعيد بن منصور.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٧ (١٣٧٧٥)، والطبري ٢/ ٢٤٤ (٣٣٨٠)، وأورده ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢١٢ من طريق بشر بن عمر عن شعبة عن قتادة عنه، ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني عنه، وصححه، وعزاه الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٦ لابن جرير.
(٣) أورده ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢١٢ من طريق حماد بن زيد عن أيوب السختياني عنه، وصححه أيضًا، وعزاه الحافظ في «الفتح» ٤/ ١٦ لابن جرير.



لعشرة مساكين والصيام عشرة أيام، ولم يتابعهم أحد من الفقهاء عليه للسنة الثابتة بخلافه، وإن كان ابن حزم قال: إنه غير صحيح عنهم (١).
قال أحمد بن صالح: حديث كعب في الفدية سنة معمول بها عند جماعة العلماء، ولم يروها أحد من الصحابة غير كعب، ولا رواها عن كعب إلا رجلان من أهل الكوفة: عبد الرحمن بن أبي ليلى، وعبد الله بن معقل، وهي سنة أخذها أهل المدينة من أهل الكوفة (٢).
قلت: ورواه ابن وهب عن مالك، عن حميد، عن مجاهد (٣)، عن كعب لم يذكر ابن أبي ليلى (٤)، وتابعه ابن القاسم وابن عفير عن مالك (٥).
قال ابن عبد البر: والحديث لمجاهد عن ابن أبي ليلى صحيح لا شك فيه عند أهل العلم بالحديث (٥).
ورواه الترمذي في التفسير عن علي بن حجر، عن هشيم، عن مغيرة، عن مجاهد قال: قال كعب، .. الحديث (٦).
قال أبو عمر: ورواه ابن وهب وغيره بإثبات ابن أبي ليلى، ورواه الشافعي وجماعات بإسقاط مجاهد، وإسقاطه خطأ، وزعم الشافعي أن

----------
(١) «المحلى» ٧/ ٢١٢.
(٢) رواه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ٢٣٩، حدثنا خلف بن القاسم، حدثنا محمد بن أحمد بن كامل، حدثنا أحمد بن محمد بن الحجاج بن رشدين، قال سمعت أحمد ابن صالح المصري، قوله.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: قال العلائي في «المراسيل»: قال أبو حاتم: مجاهد أدرك عليًّا - رضي الله عنه - ولكن لا يذكر له رؤية ولا سماعًا، ولم يدرك كعب بن عجرة.
(٤) رواه الطبري ٢/ ٢٤١ (٣٣٥٧).
(٥) انظر: «التمهيد» ٢/ ٢٣٣.
(٦) الترمذي (٢٩٧٣) كتاب: التفسير.



مالكًا هو الذي أسقطه (١). قال ابن حزم: والصحيح في خبر كعب ما رواه ابن أبي ليلى، والباقون روايتهم مضطربة موهومة، والقصة واحدة، ووجب أخذ ما رواه أبو قلابة والشعبي عنه؛ لثقتهما، ولأنها مبينة لسائر الأحاديث (٢).
قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور: الإطعام في فدية الأذى مدَّان بمده - عليه السلام - على ما جاء في حديث كعب. وروي عن الثوري وأبي حنيفة: أنهما قالا في الفدية: من البر نصف صاع، ومن التمر أو الشعير أو الزبيب صاع لكل مسكين (٣). وهذا خلاف نص الحديث ولا معنى له، وعمَّ الشارع جميع أنواع الطعام، ولم يستثن بعض ما يطعم المساكين، وقاس أبو حنيفة: كفارة الأيمان على كفارة فدية الأذى فأوجب في كفارة الأيمان وسائر الكفارات مدين مدين لكل إنسان، كما ستعلمه.
وقام الإجماع على أن أقل النسك شاة (٤)، وبها أفتى الشارع كعب بن عجرة، وقد ثبت كما قال ابن بطال: أنه نسك ببقرة، ثم ساقه بإسناده من حديث سليمان بن يسار قال: ذبح كعب بقرة فأخذ بأرفع الكفارات، ولم تكن هذِه مخالفة لرسول الله - ﷺ - بل كانت موافقة وزيادة.
ففيه من الفقه: أن من أُفتي بأيسر الأشياء وأقل الكفارات أن له أن يأخذ بأعالي الأمور، وأرفع الكفارات كما فعل كعب، قال ابن المنذر:

------------
(١) «التمهيد» ٢٠/ ٦٢. وانظر: «سنن الشافعي» ٢/ ٩٦ - ١٠٠.
(٢) انظر: «شرح معاني الآثار» ٣/ ١٢١ - ١٢٢، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٩٥ - ١٩٧، «الموطأ» ٢٧١، «المنتقى» ٣/ ٧٢ - ٧٢، «الأم» ٢/ ١٥٨، «المغني» ١١/ ٩٤ - ٩٧.
(٣) «الاستذكار» ١٢/ ٢٤٩.
(٤) «المحلى» ٧/ ٢١٠.



قوله في الحديث ولم يبين لهم أنهم يحلون بها، وهم على طمع أن يدخلوا مكة فيه دليل أن من كان على رجاء من الوصول إلى البيت أن عليه أن يقيم حَتَّى ييأس من الوصول فيحل، وقال من أحفظ عنه من أهل العلم: إن من يئس أن يصل إلى البيت فجاز له أن يحل فلم يفعل حَتَّى خلى سبيله أن عليه أن يمضي إلى البيت؛ ليتم مناسكه.
وقوله: (فأمره أن يحلق ولم يبين لهم أنهم يحلون بها). فيه حجة لمالك في وجوب الكفارة على المرأة تقول في رمضان: غدًا حيضي، والرجل يقول: غدًا يوم حُمَّاي، فيفطران ثم ينكشف الأمر بالحمى والحيض كما قالا، أن عليهما الكفارة؛ لأنه لم يكن ما كان في علم الله من أنهم يحلون بالحديبية، وأن الهدي قد بلغ محله، بمسقط عن كعب الكفارة إذا استباح الحلاق قبل إعلام الله تعالى بأن الهدي قد بلغ محله، فكذلك ما كان في علم الله من أنها تحيض لا تسقط عنها الكفارة إذا استباحت حرمة رمضان قبل علمها بالحيض، وكذلك المريض إذ قد يجوز أن يكون ما ظنَّا؛ لأنه لا يقطع على مغيب (١).
تنبيهات:
أحدها: الهوام: القمل، وهي هوام الإنسان المختصة بجسده؛ لأنها تهم في الرأس وتدب، وقال الداودي: الهوام: دواب الإنسان التي تخرج من جسده، قال: وكل ما سكن أحجار الأرض فهو من هوامها، وقال ابن فارس: هوام الأرض: حشراتها، وهي دوابها الصغار كاليرابيع والضباب (٢). وقال الهروي: الهوام: الحيات، وكل

----------
(١) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٧٤ - ٤٧٥.
(٢) «مجمل اللغة» ٤/ ٨٩٢.



ذي سم يقتل، فأما ما لا يقتل (سمه) (١) فهو: السوام كالعقرب والزنبور، قال: ومنها الهوام مثل القنافذ والخنافس، والفأر واليرابيع، قال: وقد يقع الهوام على ما يدب من الحيوان، وذكر حديث كعب هذا.
وقوله: «احلق رأسك» يحتمل الندب والإباحة، قال ابن التين: وهذا يدل على أن إزالة القمل عن الرأس ممنوع وتجب به الفدية، وكذلك الجسد عند مالك (٢).
ثم قال: وقال الشافعي: أخذ القملة من الجسد مباح، وفي أخذها من الرأس الفدية؛ لأجل ترفهه لا لأجل القملة. قلت هذا غريب؛ فإن الشافعي قال: من قتل قملة تصدق بلقمة وهو على وجه الاستحباب (٣).
ثانيها: لو صام الثلاثة أيام في أيام التشريق، فأباحه في «المدونة» (٤) وكرهه في كتاب محمد للنهي عن صيامها، ولا يصومها إلا من صام العشر في حق المتمتع للنص فيها (٥).
ثالثها: قال مالك: له أن ينسك الشاة حيث شاء لإطلاق الكتاب والسنة (٦)، وقال أبو بكر بن الجهم وأبو حنيفة والشافعي: لا يذبحه إلا بمكة، وكذا قال الشافعي في الإطعام (٧).

--------
(١) في الأصل: وسم، ولعل المثبت هو الصواب، والتصويب من «فتح الباري» ٦/ ٤١٠.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٩٦.
(٣) انظر: «الأم» ٢/ ١٧٠.
(٤) «المدونة» ٢/ ٤٣.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٧٤.
(٦) «الموطأ» ٢٧٠، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٨، «المنتقى» ٣/ ٦٩.
(٧) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٧٦، «مختصر المزني» ص ١٠٦.



رابعها: هذِه الكفارة مخيرة و(أو) للتخيير في الآية، وبعض العلماء يرى أن يبدأ بالأول فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد فصيام، حكاه ابن التين في غزوة الحديبية، وقال الداودي: وقيل إن النسك لا يكون إلا هديًا، وظاهر القرآن يرده، وذكر الشاة أولًا في بعض الروايات إنما هو للندب (١).
خامسها: قال محمد من المالكية: إذا أطعم ذرة نظر مجراه من القمح، وزاد منها قدر ذَلِكَ (٢)، وأنكره غيره، وقال: لا ينبغي أن يجعل القمح أصلًا، ورواية مسلم السالفة: ثلاثة آصع من تمر (٣)، ترد على أبي حنيفة ومن وافقه في قوله: أنه إذا أطعم غير البر أطعم أربعة وعشرين مدًّا لستة مساكين، وعن أحمد: إن أطعم برًا أطعم مدًا لكل مسكين، أو تمرًا أطعم مدين (٤).
سادسها: الفرق: بفتح رائه وإسكانها، قاله ابن فارس (٥)، وأنكر غيره الإسكان (٦)، وهو ستة عشر رطلًا وذلك ثلاثة آصع.
سابعها: ظاهر ما سلف أن القمل أمرضه، فلما حمل إليه استعظم ما به، ومعنى: يتهافت: يسقط، كما جاء في الرواية الأخرى، والجهد بفتح الجيم: المشقة.

---------
(١) رواه مسلم (١٢٠١/ ٨٤).
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٨.
(٣) مسلم (١٢٠١/ ٨٤) كتاب: الحج، باب: جواز حلق الرأس للمحرم.
(٤) انظر: «المغني» ٥/ ٣٨٤، ١١/ ٩٤.
(٥) «مجمل اللغة» ٣/ ٧١٨.
(٦) ورد بهامش الأصل ما نصه: وفي «الجمهرة»: وقد قيل: فرق بلا تسكين. وفي «المطالع»: الفتح والسكون، وترجيح الفتح كما في «الجمهرة».



ثامنها: جعل هنا صوم يوم معادل صاع، وفي فطر رمضان بمد، وفي كفارة اليمين مقابلة العتق، وإطعام عشرة مساكين، وفي كفارة الظهار: إطعام ستين عن صيام شهرين، يتعبد الله عباده بما شاء.
تاسعها: وقع لابن عبد البر وابن بطال أن النسك هنا شاة (١)، وقد نبهنا فيما مضى على ذَلِكَ.
عاشرها: فدية في الآية مرفوع أي: فعليه فدية، ولو نصب جاز في اللغة على إضمار فليعط فدية أو فليأت فدية، قاله الزجاج.
حادي عشرها: من غرائب ابن حزم أن نتف الشعر لا شيء عليه فيه قال: لأن النتف غير الحلق والتنوير (٢). وغيره قال: الحلق والنورة والقص وغيره سواء، قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافًا (٣)، ونقل ابن بطال عن أكثر العلماء وجوب الفدية على المحرم إذا حلق شعر جسده، أو أطلى أو حلق موضع المحاجم، وبعضهم يجعل عليه في كل شيء من ذَلِكَ دمًا (٤). وقال داود: لا شيء عليه. قال ابن حزم: إذا حلق المحرم رأسه أو بعضه لغير ضرورة عامدًا عالمًا أنَّ ذَلِكَ لا يجوز بطل حجه، ولو قطع من شعر رأسه ما لا يسمى حالقًا، فلا شيء عليه، لا إثم ولا كفارة بأي شيء قطعه أو نزعه (٥).
ثاني عشرها: اختلف في موضع الفدية، فقال مالك: إن شاء بمكة وإن شاء ببلده، وذبح النسك والإطعام والصيام عنده سواء، يفعل من

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٧٤، «التمهيد» ٢١/ ٤ - ٥.
(٢) «المحلى» ٧/ ٢١٤.
(٣) «المغني» ٥/ ٣٨١.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٥٠٦.
(٥) «المحلى» ٧/ ٢١١.



ذَلِكَ ما شاء أين شاء، وهو قول مجاهد (١)، والذبح والهدي عنده لا يكون إلا بمكة، وقال الشافعي وأبو حنيفة: الدم والإطعام لا يكونان إلا بمكة، والصوم حيث شاء، وهو قول طاوس (٢)، وعن
أبي حنيفة أيضًا كقول عطاء (٣).

---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٩ (١٣٢٨٦) بلفظ: اجعل الفدية حيث شئت. وابن جرير ٢/ ٢٤٨ (٣٤٠٣).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٩ (١٣٢٨٧) كتاب: الحج، في المحرم تجب عليه الكفارة أين تكون، وابن جرير ٢/ ٢٤٧ (٣٣٩٤، ٣٣٩٧).
(٣) رواه عن عطاء ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٩ - ١٨٠ (١٣٢٨٧ - ١٣٢٨٨، ١٣٢٩١)، وابن جرير ٢/ ٢٤٧ (٣٣٩٥ - ٣٣٩٦).



٩ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾ [البقرة: ١٩٧]
١٨١٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». [انظر: ١٥٢١ - مسلم: ١٣٥٠ - فتح: ٤/ ٢٠]
ذكر فيه حديث مَنْصُورٍ، سمعت أبا حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «مَنْ حَجَّ هذا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ».

١٠ - باب قَوْلِ اللهِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]
١٨٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَنْ حَجَّ هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». [انظر: ١٥٢١ - مسلم: ١٣٥٠ - فتح: ٤/ ٢٠]
ذكر فيه الحديث المذكور بلفظه سواء، إلا أنه قال: «رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وشيخ شيخ البخاري فيه سفيان وهو الثوري كما بينه البيهقي في إسناده، ثم عزاه إلى البخاري، وأخرجه البيهقي أيضًا من حديث يحيى بن أبي بكير، عن إبراهيم بن طهمان، عن منصور عن هلال بن يساف، عن أبي حازم، أدخل بينهما هلالًا (١)، لكن صرح البخاري بسماع منصور من أبي حازم، فلا يضر هذا، وقد سلف في أول الحج مصرحًا فيه بالسماع أيضًا فراجعه من ثَمَّ (٢).

-----------
(١) «سنن البيهقي» ٥/ ٢٦٢ كتاب: الحج، باب: فضل الحج والعمرة.
(٢) ورد تعليق بالأصل: يعني من غير هذا الوجه.



٢٨
كتاب جزاء الصيد





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #348  
قديم 13-02-2026, 10:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 329 الى صـــ 340
الحلقة (348)






٢٨
كتاب جزاء الصيد


[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ]

٢٨ - [كتاب] باب جَزَاءِ الصَّيْدِ ونحوه (١)
[١ - باب] قَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قول: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾. [المائدة: ٩٥ - ٩٦]
[٢ - باب] إِذَا اصَّادَ الحَلَالُ فَأَهْدَى إلى لِلْمُحْرِمِ الصَّيْدَ أَكَلَهُ.
وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ بِالذَّبْحِ بَأْسًا، وَهُوَ غَيْرُ الصَّيْدِ نَحْوُ الإِبِلِ وَالغَنَمِ وَالبَقَرِ وَالدَّجَاجِ وَالخَيْلِ، يُقَالُ: عَدْلُ: ذَلِكَ مِثْلُ، فَإِذَا كُسِرَتْ عِدْلٌ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ. ﴿قِيَامًا﴾ [المائدة: ٩٧]: قِوَامًا. ﴿يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١] يَجْعَلُونَ عَدْلًا.

١٨٢١ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ: انْطَلَقَ أَبِي عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُحْرِمْ، وَحُدِّثَ النَّبِيُّ - ﷺ - أَنَّ عَدُوًّا يَغْزُوهُ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ -، فَبَيْنَمَا أَنَا مَعَ أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ

-------
(١) ما بين معقوفتين و(كتاب)، و(١ - باب)، و(٢ - باب) من مطبوع البخاري.


فَإِذَا أَنَا بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، وَاسْتَعَنْتُ بِهِمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهِ، وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، قُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ النَّبِيَّ - ﷺ -؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ، وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَهْلَكَ يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ، إِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يُقْتَطَعُوا دُونَكَ، فَانْتَظِرْهُمْ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ. فَقَالَ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا» وَهُمْ مُحْرِمُونَ. [١٨٢٢، ١٨٢٣، ١٨٢٤، ٢٥٧٠، ٢٨٥٤، ٢٩١٤، ٤١٤٩، ٥٤٠٦، ٥٤٠٧. ٥٤٩٠، ٥٤٩١، ٥٤٩٢ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٤/ ٢٢]
ثم ذكر فيه حديث أَبِي قَتَادَةَ: أنه صاد حمار وحش وكان غير محرم، قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، أَصَبْتُ حِمَارَ وَحْشٍ، وَعِنْدِي مِنْهُ فَاضِلَةٌ، فَقَالَ لِلْقَوْمِ: «كُلُوا» وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
الشرح:
هذِه الآية نزلت في كعب بن عمرو وأنه كان محرمًا في عام الحديبية بعمرة، فقتل حمار وحشٍ، ووقع في «تفسير مقاتل»، أنها نزلت في أبي اليسر (١) عمرو بن مالك، والأول ما ذكره المؤرخون ابن إسحاق وموسى بن عقبة والواقدي وغيرهم، يقال: رجل حرام وامرأة حرام، والآية نزلت في العمد، والخطأ ملحق به للتغليظ.
قال الزهري: نزل الكتاب بالعمد، والسنة جاءت بالخطأ (٢). ﴿وَأَنتُم حُرُم﴾ بحج أو عمرة، أو المحرم الداخل في الحرم كأتهم وأنجد، ويقال: أحرم إذا دخل في الأشهر الحرم متعمدًا لقتله ناسيًا لإحرامه

-----------
(١) ورد في هامش الأصل: اسم أبي اليسر كعب بن عمرو السلمي عقبي بدري، ونعرف صحابيًّا بهذِه الكنية غيره.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٩١ (٨١٧٨)، وفي «التفسير» ١/ ١٨٩ (٧٣٢)، والطبري ٥/ ٤٣ (١٢٥٦٥).



أو ذاكرًا، وقد سلف.
قال مجاهد والحسن: هو العامد للصيد مع نسيان الإحرام حال قتله، فإن قتله عامدًا ذاكرًا فأمره إلى الله، ولا حكم عليه؛ لأنه أعظم من أن يكون له كفارة مثل ما قتل في صورته وشبهه أو قيمة الصيد يصرف في مثله من النعم وهي الإبل والبقر والغنم، فإن انفردت الإبل وحدها قيل لها نعم بخلاف غيرها (١).
قال الفراء: هو ذكر لا يؤنث، وخولف.
﴿يحَكُمُ بِهِ﴾ أي: بالمثل.
﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ الحرم كله؛ لأن الكعبة فيه، ويجوز فيه من الصغار ما لا يجوز في الأضحية خلافًا لأبي حنيفة.
﴿أَو كَفَّاَرَةٌ﴾ يشترى بقيمة المثل طعام، أو بقيمة الصيد أو عدل الطعام صيامًا عن كل مد يومًا أو ثلاثة أيام، أو عن كل صاع يومين، وهي مخيرة أو مرتبة في المثل، ثم الطعام ثم الصيام قاله ابن عباس (٢)، وقد أسلفنا كلام البخاري في العدل، وقرئ بالكسر (٣)،

--------------
(١) رواه عن مجاهد، عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٨٩ (٨١٧٣ - ٨١٧٤)، وسعيد ابن منصور ٤/ ١٦١٨ (٨٢٨)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٧٨ (١٥٢٨٨) كتاب: الحج، من قال: عمد الصيد وخطأه سواء، والطبري ٥/ ٤١ - ٤٢ (١٢٥٤٨ - ١٢٥٤٩، ١٢٥٥٣)، وعبد الرحمن في «تفسير مجاهد» ١/ ٢٠٤، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٥٧٧ لعبد الرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبي الشيخ. ورواه عن الحسن ابن جرير ٥/ ٤٢ (١٢٥٥٨)، وعزاه في «الدر المنثور» ٥/ ٥٧٨ لابن جرير.
(٢) رواه ابن جرير ٥/ ٤٦ (١٢٥٧٣ - ١٢٥٧٤، ١٢٥٧٦)، ٥/ ٥٢ (١٢٦٠٦) وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٠٨ (٦٨١١).
(٣) انظر: «مختصر شواذ القرآن» ص ٤١.



وأنكرت؛ لأنه الحمل، وقيل: هما لغتان بمعنى.
﴿وَبَالَ أَمرِه﴾ بالتزام الكفارة، ووجوب التوبة.
﴿عَمَّا سَلَفَ﴾، أي: قبل التحريم.
﴿وَمَن عَادَ﴾ بعد التحريم.
﴿فَيَننَقِمُ اَللهُ مِنهُ﴾ بالجزاء أو عقاب الآخرة.
﴿وَمَن قَتَلَهُ﴾ بعد التحريم مرة بعد أخرى انتقم الله منه بالعقوبة دون الجزاء عند ابن عباس (١)، أو بهما عند الجمهور، وقال شريح وسعيد بن جبير: يحكم عليه في أول أمره فإذا عاد لم يحكم (٢)، ويقال: اذهب ينتقم الله منك. أي: ذنبك أعظم كاليمين الغموس، قال الزهري: ويملأ بطنه وظهره ضربًا وجيعًا، وبذلك حكم الشارع في صيد وج، وادٍ بالطائف (٣).

--------
(١) رواه الطبري ٥/ ٦١ (١٢٦٥٤)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٠٩ (٦٨١٩).
(٢) رواه ابن جرير ٥/ ٦١ - ٦٢ (١٢٦٥٩، ١٢٦٦٠، ١٢٦٦٢)، وانظر «الدر المنثور» ٢/ ٥٨٤.
(٣) يشير المصنف -رحمه الله- إلى حديث رواه أبو داود (٢٠٣٢)، والحميدي ١/ ١٨٥ (٦٣)، وأحمد ١/ ١٦٥، والبخاري في «التاريخ»الكبير«١/ ١٤٠، والفاكهي في»أخبار مكة«٥/ ٩٩ - ١٠٠ (٢٩٠٧)، والعقيلي في»الضعفاء«٤/ ٩٢ - ٩٣، والنسائي في»مسنده«١/ ١٠٨ (٤٨)، والبيهقي ٥/ ٢٠٠ من طريق عبد الله بن الحارث المخزومي عن محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي عن أبيه عن عروة بن الزبير عن أبيه الزبير بن العوام قال: لما أقبلنا مع رسول الله - ﷺ - من ليلة حتى إذا كنا عند السدرة، وقف رسول الله - ﷺ - في طرف القرن الأسود حذوها فاستقبل نخبًا ببصره -وقال مرة: وادبه- ووقف حتى اتقن الناس كلهم، ثم قال:»إن صيد وج وعضاهه حرام محرم لله«وذلك قبل نزول الطائف وحصاره لثقيف.
وهو حديث اختلف في تصحيحه وتضعيفه. ومن ضعفه أكثر.
فسكت عليه أبو داود، وكذا عبد الحق الإشبيلي في»الأحكام الوسطى" ٢/ ٣٤٦ =



﴿صَيدُ اَلْبحَرِ﴾ أي: مصيده.
﴿وَطَعَامُهُ﴾ أي: طافيه وما لفظه أو مملوحه.
﴿مَتَعًا لكُم﴾ أي: مدخر، وسيأتي في كتاب الصيد إيضاحه إن شاء الله وقدره.
﴿وَللسَيَّارَةِ﴾: المسافرون، أراد أن المسافر والمقيم فيه سواء، وكان بنو مدلج ينزلون سيف البحر فسألوه عما نضب عنه الماء من السمك، فنزلت.
وأما أثر أنس فأخرجه ابن أبي شيبة، عن مروان بن معاوية، عن

--------
= مصححين له، وأجمل المصنف -رحمه الله- القول بتصحيح الحديث في «البدر المنير» ٦/ ٣٦٧، وقال الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على «المسند» (١٤١٦): إسناده صحيح.
لكن ضعفه البخاري، فلما روى الحديث في «تاريخه» ١/ ١٤٠ في ترجمة محمد بن عبد الله بن إنسان ٥/ ٤٥ (٩٠): عن عروة بن الزبير عن أبيه، روى عنه ابنه محمد، لم يصح حديثه.
وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٤/ ٣٢٦ - ٣٢٧ (١٨٩٩): حديث لا يصح. وضعفه المنذري في «مختصر السنن» ٢/ ٤٤٢، وقال النووي -قدس الله روحه- في «المجموع»، وفي «تهذيب الأسماء واللغات» ٣/ ١٩٨: إسناده ضعيف.
وضعفه أيضًا ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٥/ ٢٠٠، والألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٧)، وفي «ضعيف الجامع» (١٨٧٥).
تنبيه:
وقع في «علل الدارقطني» ٤/ ٢٣٩ (٥٣٥) في السؤال عن هذا الحديث: صعيد وجّ، وهو خطأ أو تصحيف، صوابه: صيد وج. والله أعلم.
ووَجّ بواو مفتوحة، ثم جيم مشددة، قال الجوهري في «الصحاح» ١/ ٣٤٦: وج بلد الطائف، وقال البكري في «معجم ما استعجم» ٤/ ١٣٦٩: وَجّ بفتح أوله وتشديد ثانيه، هو الطائف، وقيل: هو واد الطائف.



الصباح بن عبد الله البجلي قال: سألت أنس بن مالك عن المحرم هل يذبح؟ قال: نعم (١)، وعن إبراهيم: يذبح المحرم كل شيء إلا الصيد (٢)، وكذا قاله الحكم وحماد وعطاء (٣).
وأما أثر ابن عباس فذكره إسماعيل بن أبي زياد الشامي في «تفسيره»، وكأن البخاري ذكر هذا التعليق ليستدل به على ما روي عن الحسن وعطاء أنهما قالا: ذبيحة المحرم ميتة (٤)، وهو الصحيح من مذهب الشافعي.
وقال ابن التين: على قول ابن عباس عامة العلماء.
وقال ابن بطال: ما ذكراه قول الجماعة، العلماء لا خلاف بينهم أن الداجن كله من الإبل والبقر والغنم والدجاج وشبهه يجوز للمحرم ذبحها؛ لأن الداجن كله غير داخل في الصيد (٥).
وأما حمام مكة فليس من الداجن وهو داخل في الصيد المحرم على المحرم.
وقال الحربي في «مناسكه»: يذبح المحرم الدجاج الأهلي، ولا يذبح الدجاج السندي، ويذبح الحمام الشامي، ولا يذبح الطيارة، ويذبح الأوز، ولا يذبح البط البري، ويذبح الغنم والبقر الأهلية، ويصيد السمك وكل ما كان في البحر، ويجتنب صيد الضفادع. وهذِه تفاصيل غريبة.

----------
(١) «المصنف» ٣/ ٢٩٩ (١٤٥١٨) كتاب: المناسك، في المحرم يذبح.
(٢) «المصنف» ٣/ ٢٩٩ (١٤٥١٩).
(٣) «المصنف» ٣/ ٢٩٩ (١٤٥٢٠).
(٤) «المصنف» ٣/ ٢٩٩ - ٣٠٠ (١٤٥٢٢ - ١٤٥٢٣).
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٨٥.



وقوله: (والخيل). قالت به فرقة، كما قاله ابن التين، وأجازها أبو يوسف ومحمد، والشافعي وأحمد، وإسحاق وأبو ثور وجمهور أهل الحديث لحديث جابر وأسماء: أنهم أكلوه على عهد رسول الله - ﷺ -، وكرهها مالك وأبو حنيفة (١)، وسيأتي في الذبائح إن شاء الله تعالى (٢).
إذا عرفت ذَلِكَ، فاتفق أئمة الفتوى بالحجاز والعراق أن المحرم إذا قتل الصيد عمدًا أو خطأ فعليه الجزاء، منهم: الليث والأوزاعي والثوري والأربعة وإسحاق (٣)، وخالف أهل الظاهر فقالوا: لا يجب الجزاء إلا على المتعمد للآية؛ لأن دليل الخطاب يقتضي أن الخاطئ بخلافه وإلا لم يكن لتخصيص المتعمد معنى، وقالوا: قد روي عن عمر بن الخطاب ما يدل على أن ذَلِكَ كان مذهبه.
روى سفيان عن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر، عن عمر أنه سأل رامي الظبي وقاتله: أعمدًا أصبته أم خطأ؟ (٤) قالوا: ولم يسأله عمر عن ذَلِكَ إلا لافتراق حكمهما عنده.
وروي مثله عن ابن عباس.

-------------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢١٠ - ٢١١، «أحكام القرآن» للجصاص ٣/ ٢٧٠ - ٢٧٢، «المبسوط» ١١/ ٢٣٤، «المنتقى» ٣/ ١٣٢ - ١٣٣، «المجموع» ٩/ ٥ - ٧، «الفروع» ٦/ ٢٩٩.
(٢) سيأتي برقم (٥٥١٠)، ورواه مسلم (١٩٤١)، كتاب: الصيد والذبائح، باب: في أكل لحوم الخيل.
(٣) انظر: «المغني» ٥/ ٣٩٦ - ٣٩٧،
(٤) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٠٦ - ٤٠٨ (٨٢٣٩ - ٨٢٤٠)، والبيهقي ٥/ ١٨١ كتاب: الحج، باب: جزاء الصيد.



وذهب جماعة العلماء في تأويل الآية، وقالوا: لا حجة في سؤال عمر؛ لأنه يجوز أن يسأله عن ذَلِكَ ليعلم إن كان قتله عمدًا، ثم قتل بعده صيدًا عمدًا انتقم الله منه فأراد عمر تحذيره من ذَلِكَ مع أنه قد روى شعبة هذا الحديث عن قبيصة أنه أجاب عمر بلا أدري، فأمره بالفدية (١). فخالف رواية سفيان، فدل على أن السؤال كان ليقف به على الانتقام في العودة مع أن الأشبه بمذهب عمر مذهب الجماعة.
روى شعبة، عن الحكم، عن إبراهيم، عن الأسود أن كعبًا قال لعمر: إن قومًا استفتوني في محرم قتل جرادة، فأفتيتهم أن فيها درهمًا، فقال: إنكم يا أهل حمص كثيرة دراهمكم؛ تمرة خير من جرادة (٢)، أفلا ترى عمر لم ينكر على كعب تركه سؤال القوم عن قتل المحرم للجرادة إن كان عمدًا أو خطأ؛ لاستواء الحكم في ذَلِكَ عنده، ولو اختلف الحكم في ذَلِكَ عنده لأنكر عليه تركه السؤال عن ذَلِكَ، وهذا ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن عمرو كلهم قد أجاب بما أصاب المحرم بوجوب الجزاء، ولم يسأل أحد منهم عن عمد في ذَلِكَ ولا خطأ (٣)، ولا يكون ذَلِكَ إلا لاستواء الحكم عندهم في ذَلِكَ، ثم السنة الثابتة عن الشارع تدل على هذا المعنى.
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٠٧ (٨٢٤٠) كتاب: المناسك، باب: الوبر والظبي، والبيهقي ٥/ ١٨١.
(٢) لم أقف عليه بهذا الإسناد، وقد رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤١٠ - ٤١١ (٨٢٤٧)، عن معمر والثوري عن إبراهيم عن الأسود، به، ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤١٠ كتاب: الحج، في المحرم يقتل الجرادة، عن ابن فضيل عن يزيد بن إبراهيم عن كعب، به، ومن طريق أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عمر.
(٣) رواه عن ابن مسعود البيهقي ٥/ ١٨٠ كتاب: الحج، باب: قتل المحرم الصيد عمدًا أو خطأ. =



روى جابر أنه - عليه السلام - سئل عن الضبع أصيد هو؟ قال: «نعم، وفيه كبش إذا صاده المحرم» (١) ولم يفصل بين العمد والخطأ، والقياس يدل عليه أيضًا كما في فساد الحج بالجماع، والخطأ بالكفارة أولى من العمد دليله كفارة القتل.
واحتج أهل الظاهر بحديث: «وضع عن أمتي الخطأ» (٢)، والمراد وضع الإثم.
فإن الفقهاء مجمعون أن الخطأ والنسيان ليسا في إتلاف الأموال، وما رووه عن ابن عباس فإسناده ضعيف، رواه قتادة عن رجل عن ابن عباس، قاله إسماعيل بن إسحاق.

------------
= ورواه عن ابن عباس البيهقي أيضًا ٥/ ١٨٢ باب: فدية النعام وبقر الوحش وحمار الوحش. ورواه عن ابن عمر عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤١٣ (٨٢٥٨، ٨٢٦١ - ٨٢٦٢) كتاب: المناسك، باب: القمل.
(١) رواه أبو داود (٣٨٠١) كتاب: الأطعمة، باب: في أكل الضبع، وابن أبي شيبة ٣/ ٤٠٩ (١٥٦١٧) كتاب: الحج، في الضبع يقتله المحرم، والدارمي ٢/ ١٢٣٥ (١٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: في جزاء الصيد، وابن الجارود ٢/ ٧٣ - ٧٤ (٤٣٩)، وابن خزيمة ٤/ ١٨٢ (٢٦٤٦) كتاب: المناسك، باب: ذكر جزاء الضبع إذا قتله المحرم، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٦٤ كتاب: الحج، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وابن حبان ٩/ ٢٧٧ (٣٩٦٤) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم وما لا يباح، وابن عدي في «الكامل» ٢/ ٣٤٤، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٥٢ - ٤٥٣ - وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه- والبيهقي في «سننه» ٥/ ١٨٣ كتاب: الحج، باب: فدية الضبع، ٩/ ٣١٩ كتاب: الضحايا، باب: ما جاء في الضبع والثعلب، وفي «معرفة السنن والآثار» ١٤/ ٨٨ (١٩٢١٩) كتاب: الضحايا، أكل الضبع والثعلب، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٥/ ١٦٧ - ١٦٨، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٧/ ٢٣٢، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».
(٢) تقدم تخريجه باستيفاء شديد، وانظر: «الإرواء» (٨٢).



وأغرب محمد بن عبد الله المالكي فقال: لا جزاء في غير العمد ولا في العمد إذا تكرر، وليس عليه إن عاد إلا ما أوعده به أو يعفو عنه، ونقله عن ابن عباس (١)، وسعيد بن جبير (٢)، وطاوس وأبي ثور،
وقيل: إن ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ مردود إلى قوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ وفيه بعد.
واختلفوا في تأويل قوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فقال مالك والشافعي ومحمد بن الحسن: المراد بالآية إخراج مثل الصيد المقتول من النعم إن كان له مثل، ففي النعامة بدنة، وفي بقر الوحش وحماره بقرة، والغزال عنز، والأرنب عناق، واليربوع جفرة.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: الواجب القيمة وإن كان له مثل، ثم يشتري بتلك القيمة هديًا أو طعامًا أو يتصدق بقيمته (٣).
قالوا: لما لم يجز أن يراد بالمثل المثل من الجنس علم أن المراد به القيمة، وأنها تصرف في النعم يدل على أن المراد بالمثل القيمة قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وهو عام في جميع الصيد سواء كان له مثل أو لم يكن، ومعلوم أن ما لا مثل له من جنسه ونظيره فإن الواجب في إتلافه القيمة، فصار المراد بالمثل القيمة، في أحد الأمرين، وجوابه أن قوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ المراد به: مثل المقتول، ولو اقتصر عليه ولم يقيده بالنعم لكان الواجب في النعامة نعامة، وفي بقر الوحش بقرة، فلما قال:

---------
(١) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٩٣ (٨١٨٤)، وابن أبي شيبة ٣/ ٤٢٣ (١٥٧٦٢)، وابن جرير ٥/ ٦١ (١٢٦٥٥)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٠٩ (٦٨١٩).
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٩٣ - ٣٩٤ (٨١٨٦)، وابن جرير ٥/ ٦٢ (١٢٦٦٢).
(٣) «المنتقى» ٢/ ٢٥٣، وانظر: «المبسوط» ٤/ ٨٢ - ٨٣، «الأم» ٢/ ١٦٣ - ١٦٤.



﴿مِنَ اَلنَعَمِ﴾، أوجب أن يكون الجزاء مثل المقتول من النعم لا من غيره، ومثله من النعم ليس هو القيمة، والمماثلة من طريق الخلقة مشاهدة محققة، والتخصيص بالنعم من سائر الحيوان قال على ذَلِكَ، ومخرج للدراهم وغيرها، وقد يراد بالآية الحقيقة في موضع وهو ما له مثل، والمجاز في آخر وهو ما لا مثل له، فإنَّا نعدل إلى القيمة وإنما يتنافي ذَلِكَ إذا كان في حالة واحدة فأما في حكمين فلا، فإن قلت: أين مماثلة الشاة للحمامة؟
قلت: لأن الطير ليس من النعم، والجزاء لا يكون إلا هديًا، وهو أقل ما يسمى هديًا.
وإن قتل جماعة واحدًا لزمهم جزاء واحد عند الشافعي، خلافًا لمالك (١).
واختلفوا في قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فقال مالك: لا يجوز أن يكون القاتل أحد العدلين. وجوزه الثوري والشافعي، واختلف أصحاب أبي حنيفة على القولين. وجه الأول الآية، كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] فيحتاج إلى حكمين غيره يحكمان كما يحتاج إلى شاهدين غيره، والحكومات إنما تكون من غير المحكوم عليهم، كما لا يجوز أن يكون الزوج حكمًا في الشقاق (٢).
واتفق الأئمة الأربعة وأبو ثور أن هذِه الكفارة مخيرة للإتيان فيها بـ (أو) فإن شاء أهدى وإن شاء صام، وإن شاء تصدق (٣).

---------
(١) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٢٠٢، «المنتقى» ٣/ ٧٥، «المجموع» ٧/ ٤٤٢.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٥٥، «الاستذكار» ١٢/ ١٧ - ١٨، «المغني» ٥/ ٤٠٥.
(٣) انظر: «المغني» ٥/ ٤١٥.



وقال الثوري: إن لم يجد هديًا أطعم، فإن لم يجد طعامًا صام، وقال الحسن والنخعي: إن لم يكن عنده جزاؤه قوم بدراهم، ثم قومت الدراهم طعامًا فصام (١).
وقال سعيد بن جبير: إنما الطعام والصيام فيما لا يبلغ ثمن الهدي، والصواب الأول، وقيل: إن الحاكم غير، وفيه بعد؛ لأن القاتل هو المخاطب.
واختلفوا في الصوم المعدل بالقيمة: فكان بعضهم يقول: يصوم عن كل مدين يومًا، هذا قول ابن عباس (٢)، وبه قال الثوري والكوفيون وأحمد وإسحاق وأبو ثور، لحديث كعب بن عجرة السالف، وقال بعضهم: يصوم عن كل مد يومًا، وهو قول عطاء ومالك والشافعي (٣).
واختلفوا في قوله تعالى ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللهُ مِنْهُ﴾ هل هذا الوعيد منه جزاء عائد على مصيب الصيد كما كان - عليه السلام - في إصابته إياه بدأ كما أسلفناه هناك، فذهب بعضهم إلى أنه لا جزاء عليه في ذَلِكَ إلا بأول مرة فإن عاد ترك والنقمة، وقد أسلفناه عن جماعة، وذكره ابن المنذر، عن
النخعي والحسن وقتادة ومجاهد أيضًا، وذهب الكوفيون ومالك

---------
(١) رواه عن الحسن عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٣٩٦ (٨١٩٤) كتاب: الحج، باب: بأي الكفارات شاء كفر. ورواه عن النخعي عبد الرزاق أيضًا ٤/ ٣٩٦ (٨١٩٥)، وابن جرير ٥/ ٥٢ (١٢٦٠٨)، وعزاه في «الدر المنثور» لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وأبي الشيخ.
(٢) رواه عبد الرزاق ٤/ ٣٩٧ - ٣٩٨ (٨٢٠٠)، وسعيد بن منصور ٤/ ١٦٢٢ (٨٣٢)، والطبري ٥/ ٥٣ (١٢٦١٣)، وابن أبي حاتم ٤/ ١٢٠٨ (٦٨١١)، والبيهقي ١٥/ ١٨٦ كتاب: الحج، باب: من عدل صيام يوم بمدين من طعام.
(٣) انظر: «الاستذكار» ١٢/ ٢١.



والشافعي وأحمد إلى أنه يحكم عليه بالجزاء في كل مرة أصابه (١)، وأسلفناه عن الجمهور وهو الصواب؛ لأنا روينا عن عمر وعبد الرحمن بن عوف وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وغيرهم أنهم حكموا على المحرمين بإصابة الصيد، ولم يسأل أحد منهم المحكوم عليه: هل أصاب صيدًا قبل؟ (٢) فدل أنه لا فرق، وكما يتقرر جزاء الجماع فكذا الصيد.
فإن قلت: إنما انتفت الكفارة على العائد؛ لوقوع النقمة عليه.
قيل: أوليس إثمًا كان منتقمًا منه بمعصية الله، أفرأيت إن قتل الصيد بدا عاتيًا منتهكًا للحرمة، أما كان يجب عليه في ذَلِكَ نقمة ويكون عليه الجزاء، فكذا إذا عاد، ويجوز أن يكون معنى الانتقام: أن يشاءه كما في سائر الوعيد.
قال ابن المنذر: وأجمعوا أن صيد البحر مباح للمحرم اصطياده وبيعه وشراؤه (٣). أي: لمفهوم الآية فحرمة الصيد ثابتة للمحرم في الحل والحرم، وفي الحرم للمحرم وغيره.
وحديث أبي قتادة مخرج في مسلم أيضًا (٤)، وقد ترجم عليه البخاري تراجم:
أحدها:

----------
(١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ٢/ ٦٦٨ - ٦٦٩، «المبسوط» ٤/ ٩٦ - ٩٧، «المنتقى» ٢/ ٢٥٠ - ٢٥١، «المجموع» ٧/ ٣٤٣ - ٣٤٤، «الفروع» ٣/ ٤٥٩.
(٢) انظر هذِه الآثار في «تفسير الطبري» ٥/ ٤٩ - ٥٠.
(٣) «الإجماع» لابن المنذر ص ٦٧ (١٨٥).
(٤) مسلم (١١٩٦) كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم.



٣ - [باب] إِذَا رَأَى المُحْرِمُونَ صَيْدًا فَضَحِكُوا فَفَطِنَ الحَلَالُ
١٨٢٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ، وَلَمْ أُحْرِمْ، فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةَ، فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ، فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارِ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفَرَسَ، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَخَشِينَا أَنْ نُقْتَطَعَ، أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْوًا، فَلَقِيتُ رَجُلًا مِنْ بَنِي غِفَارٍ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: أَيْنَ تَرَكْتَ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -؟ فَقَالَ: تَرَكْتُهُ بِتَعْهِنَ وَهُوَ قَائِلٌ السُّقْيَا. فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى أَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَصْحَابَكَ أَرْسَلُوا يَقْرَءُونَ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللهِ وَبَرَكَاتِهِ، وَإِنَّهُمْ قَدْ خَشُوا أَنْ يَقْتَطِعَهُمُ العُدُوُّ دُونَكَ، فَانْظُرْهُمْ. فَفَعَلَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا اصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا فَاضِلَةً. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ: «كُلُوا». وَهُمْ مُحْرِمُونَ. [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٤/ ٢٦]
ثم ساقه. و:


٤ - باب لَا يُعِينُ المُحْرِمُ الحَلَالَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ
١٨٢٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ نَافِعٍ -مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ- سَمِعَ أَبَا قَتَادَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالقَاحَةِ مِنَ المَدِينَةِ عَلَى ثَلَاثٍ ح. وَحَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ، عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالقَاحَةِ، وَمِنَّا المُحْرِمُ، وَمِنَّا غَيْرُ المُخرِمِ، فَرَأَيْتُ أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ شَيْئًا فَنَظَرْتُ، فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ -يَعْنِي: وَقَعَ سَوْطُهُ- فَقَالُوا: لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، إِنَّا مُحْرِمُونَ. فَتَنَاوَلْتُهُ فَأَخَذْتُهُ، ثُمَّ أَتَيْتُ الحِمَارَ مِنْ وَرَاءِ أَكَمَةٍ، فَعَقَرْتُهُ، فَأَتَيْتُ بِهِ أَصْحَابِي، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: كُلُوا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تَأْكُلُوا. فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَهُوَ أَمَامَنَا، فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: «كُلُوهُ، حَلَالٌ». قَالَ لَنَا عَمْرٌو: اذْهَبُوا إِلَى صَالِحٍ فَسَلُوهُ عَنْ هَذَا وَغَيْرِهِ، وَقَدِمَ عَلَيْنَا هَا هُنَا. [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح ٤/ ٢٦]
ثم ساقه. و:


٥ - باب لَا يُشِيرُ المُحْرِمُ إِلَى الصَّيْدِ لِكَىْ يَصْطَادَهُ الحَلَالُ
١٨٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ -هُوَ: ابْنُ مَوْهَبٍ- قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي قَتَادَةَ، أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَرَجَ حَاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ، فَصَرَفَ طَائِفَةً مِنْهُمْ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ: خُذُوا سَاحِلَ البَحْرِ حَتَّى نَلْتَقِىَ. فَأَخَذُوا سَاحِلَ البَحْرِ، فَلَمَّا انْصَرَفُوا أَحْرَمُوا كُلُّهُمْ إِلاَّ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَسِيرُونَ إِذْ رَأَوْا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ أَبُو قَتَادَةَ عَلَى الحُمُرِ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلُوا فَأَكَلُوا مِنْ لَحْمِهَا، وَقَالُوا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟! فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِ الأَتَانِ، فَلَمَّا أَتَوْا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا كُنَّا أَحْرَمْنَا وَقَدْ كَانَ أَبُو قَتَادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأَيْنَا حُمُرَ وَحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَبُو قَتَادَةَ، فَعَقَرَ مِنْهَا أَتَانًا، فَنَزَلْنَا فَأَكَلْنَا مِنْ لَحْمِهَا، ثُمَّ قُلْنَا: أَنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ؟! فَحَمَلْنَا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا. قَالَ: «مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ أَشَارَ إِلَيْهَا؟». قَالُوا: لَا. قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهَا». [انظر: ١٨٢١ - مسلم: ١١٩٦ - فتح: ٤/ ٢٨]
ثم ساقه.
وقال في باب: لا يعين: قال لنا عمرو: اذهبوا إلى صالح فسلوه عن هذا وغيره. يعني أن ابن عيينة قال لنا ذلك، وعمرو هو ابن دينار، كأن عمرًا دلهم على أخذه من صالح.
وفي «شرح ابن بطال» بعد كلامه على الآية باب: إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله، ثم ساق أثر أنس وابن عباس، وحديث أبي قتادة (١).
إذا عرفت ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من وجوه:

--------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: وكذا في نسختي.


أحدها: فيه من الفقه:
أن لحم الصيد حلال أكله للمحرم إذا لم يصده أو لم يصد من أجله وصاده حلال، وفي ذَلِكَ دليل أن قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ أن معناه: الاصطياد، وقتل الصيد وأكله لمن صاده، وإن لم يصده فليس ممن عني بالآية يبينه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ لأن هذِه إنما نهى فيها عن قتله واصطياده لا غير، وهذِه مسألة اختلف فيها السلف قديمًا، فذهبت طائفة إلى أنه يجوز للمحرم أكل ما صاده الحلال، روي عن عمر وعثمان والزبير وعائشة وأبي هريرة، وإليه ذهب الكوفيون وذهبت طائفة إلى أن ما صاده الحلال للمحرم أو من أجله فلا يجوز له أكله، وما لم يصد له فلا بأس بأكله، وهو الصحيح عن عثمان، وروي عن عطاء (١)، وهو قول مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود.
قال أبو عمر: وهو أعدل المذاهب وأولاها، وعليه يصح استعمال الأحاديث وتحريمها، وفيه مع ذَلِكَ نص حسن (٢) -يعني: حديث جابر الآتي (٣) - وذكر ابن القصار أن المحرم إذا أكل ما صيد من أجله فعليه الجزاء استحسانًا لا قياسًا، وعند أبي حنيفة والشافعي: لا جزاء عليه.
واحتج الكوفيون بقوله - عليه السلام - للمحرمين: «كلوا» قالوا: فقد علمنا أن أبا قتادة لم يصده في وقت ما صاده، إرادة منه أن يكون له خاصة، وإنما أراد أن يكون له ولأصحابه الذين كانوا معه، وقد أباح ذَلِكَ له ولهم، ولم يحرمه؛ لإرادته أن يكون لهم معه، وقواه الطحاوي بإجماعهم أن الصيد لحرمة الإحرام على المحرم، ولحرمة الحرم على الحلال، وكان

---------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٨٣.
(٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٣٠٤.
(٣) سيأتي تخريجه قريبًا.



من صاد صيدًا في الحل فذبحه فيه، ثم أدخله الحرم فلا بأس بأكله فيه، ولم يكن إدخاله لحم الصيد الحرم (كله) (١) كإدخاله الصيد حيًّا في الحرم؛ لأنه لو كان كذلك لنهي عن إدخاله فيه، ومنع من أكله كما يمنع من الصيد ولكان إذا أكله في الحرم وجب عليه ما يجب في قتله فلما كان الحرم لا يمنع من لحم الصيد الذي صيد في الحل كما يمنع صيد الحي كان النظر على ذلك أن يكون كذلك الإحرام يحرم على المحرم الصيد ولا يحرم عليه لحمه إذا تولى الحلال ذبحه قياسًا ونظرًا (٢).
وحجة من أجاز له أكل ما لم يصد له؛ لأن أبا قتادة إنما صاده لنفسه لا للمحرمين، اجتمع وكان وجهه النبي - ﷺ - طريق البحر مخافة العدو فلم يكن محرمًا حين اجتمع مع أصحابه؛ لأن مخرجهم لم يكن واحدًا، فلم يكن صيده للمحرمين ولا بعونهم، ألا ترى قوله: (فأبوا أن يعينوني)، فلذلك أجاز لهم أكله، وعلى هذا تتفق الأحاديث في أكل الصيد ولا تتضاد، وقد روي هذا المعنى عن رسول الله - ﷺ -، روى جابر مرفوعًا: «صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه، أو يصاد (٣) لكم»، صححه الحاكم على شرط الشيخين (٤)،

--------
(١) من (ج).
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧٥ - ١٧٦ كتاب: الحج، باب: الصيد يذبحه الحلال في الحل هل للمحرم أن يأكل منه أم لا؟.
(٣) كذا في الأصل، وعليها: (كذا).
(٤) رواه أبو داود (١٨٥١) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، والترمذي (٨٤٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء في أكل الصيد للمحرم، والنسائي ٥/ ١٨٧ كتاب: مناسك الحج، إذا أشار المحرم إلى الصيد فقتله الحلال، وأحمد ٣/ ٣٦٢، وابن الجارود ٢/ ٧٢ - ٧٣ (٤٣٧)، وابن خزيمة ٤/ ١٨٠ (٢٦٤١)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧١ كتاب: مناسك الحج، باب: الصيد، =

--------------
= وابن حبان ٩/ ٢٨٣ (٣٩٧١) كتاب: الحج، باب: الصيد، وابن حبان ٩/ ٢٨٣ (٣٩٧١) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم وما لا يباح، والدارقطني ٢/ ٢٩٠، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٥٢، ٤٧٦ كتاب: المناسك، وقال: حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه -والبيهقي ٥/ ١٩٠ كتاب: الحج، باب: ما لا يأكل المحرم من الصيد. جميعًا من طريق عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن المطلب عن جابر. ومن قبلهما أتي هذا الحديث وضُعف، قال الترمذي: المطلب لا نعرف له سماعًا من جابر.
وقال أبو حاتم الرازي: المطلب بن عبد الله بن حنطب عامة أحاديثه مراسيل، لم يدرك أحدًا من أصحاب النبي - ﷺ - إلا سهل بن سعد وأنسًا وسلمة بن الأكوع ومن كان قريبًا منهم، ولم يسمع من جابر ولا من زيد بن ثابت ولا من عمران بن حصين اهـ «مراسيل ابن أبي حاتم» ص: ٢١٠.
وقال ابن سعد: كان المطلب كثير الحديث وليس يحتج بحديثه؛ لأنه يرسل عن النبي - ﷺ - وليس له لقي وعامة أصحابه يدلسون اهـ «الطبقات الكبرى- القسم المتمم» ص: ١١٦ (٢١).
وقال الذهبي في «ميزان الاعتدال» ٥/ ٢٥٤ (٨٥٩٣): يرسل عن كبار الصحابة وقال العلائي: قال البخاري: لا أعرف للمطلب عن أحد من الصحابة، سماعًا إلا قوله: حدثني من شهد خطبة النبي - ﷺ - اهـ «جامع التحصيل» (٧٧٤).
وقال الحافظ: عمرو مولى المطلب مختلف فيه، وإن كان من رجال الصحيحين اهـ «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٧٦.
وقال ابن التركماني في «الجوهر النقي» ٥/ ١٩٠: الحديث في نفسه معلول، عمرو بن أبي عمرو مع اضطرابه في هذا الحديث متكلم فيه، قال ابن معين وأبو داود: ليس بالقوي، زاد يحيى: وكان مالك يستضعفه، وقال السعدي: مضطرب الحديث اهـ.
والحديث أورده ابن حزم في «المحلى» ٧/ ٢٥٣ وقال: خبر جابر خبر ساقط؛ لأنه عن عمرو بن أبي عمرو وهو ضعيف. وقد ضعفه أيضًا الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٣٠) وقال: إسناده ضعيف لانقطاعه، وقال الترمذي: المطلب لا نعرف له سماعًا عن جابر، ثم هو إلى ذلك كثير التدليس، وقد عنعنه، وهذِه هي العله الحقيقية وقد أعل بغيرها. ا. هـ





وقال أحمد: وإليه أذهب (١).


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #349  
قديم 13-02-2026, 10:44 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 349 الى صـــ 360
الحلقة (349)






وقالت طائفة: لحم الصيد محرم على المحرمين على كل حال، ولا يجوز لمحرم أكله على ظاهر قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، قال ابن عباس: هي مبهمة (٢). وهو مذهب علي وابن عمر، وبه قال الثوري، وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وبه قال إسحاق، واحتجوا بحديث الصعب بن جثامة الآتي بعد، وفيه: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» (٣) فلم يعتل بغير الإحرام، واعتل من أجاز أكله بأنه - عليه السلام - إنما رده؛ لأنه كان حيًّا ولا يحل للمحرم قتل الصيد ولو كان لحمًا لم يرده؛ لقوله في حديث أبي قتادة. وستأتي رواية من روى أن الحمار كان مذبوحًا، في باب: إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا لم يقبل (٤)، وإنما لم يجعل - عليه السلام - ضحك المحرمين بعضهم إلى
-----------
(١) انظر: «مسائل الإمام أحمد» برواية الكوسج (١٥١٨)، و«المسائل برواية صالح» (١٠١، ٥٨٠)، و«المسائل برواية عبد الله» (٧٦٧: ٧٧٢)، «المغني» ٥/ ١٣٧).
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٨ (٨٣٣٠) كتاب: الحج، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد، وسعيد بن منصور في «سننه» ٤/ ١٦٣٣ (٨٣٨)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧٥) كتاب: الحج، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٢٧١ عن مجاهد عن ابن عباس.
(٣) سيأتي برقم (١٨٢٥).
(٤) لم أقف على هذِه الرواية بهذا اللفظ في الباب الذي أشار إليه المصنف ولا في غيره قط، وقد ذكر هذا الكلام ابن بطال في «شرحه» ٤/ ٤٨٥، ويبدو أن المصنف قد نقله عنه، قال الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣١: قوله: باب إذا أهدى -أي الحلال- للمحرم حمارًا وحشيا حيا لم يقبل، كذا قيده في الترجمة بكونه حيًا، وفيه إشارة إلى أن الرواية التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهومة اهـ.
وتعقب العيني في «عمدة القاري» ٨/ ٣٥٥ - ٣٥٦ الحافظ قائلًا: قال بعضهم -قلت: يقصد الحافظ- كذا قيده في الترجمة بكونه حيًا، وفيه إشارة إلى أن الرواية =



بعض دلالة على الصيد وأباح لهم أكله؛ لأن ضحك المحرم إلى المحرم مثله ممن لا يحل له الصيد لا حرج فيه، وإن كان قد آل إلى أن تنبه عليه أبو قتادة فلم يكن أبو قتادة عندهم ممن يقتنص صيدًا، فلذلك لم يجب عليهم جزاء ولا حرم عليهم أكله، وأما إذا أشار المحرم على قانص بصيد أو طالب له أو أغراه به أو أعطاه سلاحًا أو أعانه برأي فيكره له أكله لقوله - عليه السلام -: «أمنكم أحد أمران يحمل عليها أو أشار إليها؟» قالوا: لا. قال: «كلوا ما بقي من لحمها».
وفي ذَلِكَ دليل على أنه لا يحرم عليهم بما سوى ذَلِكَ، ودل ذَلِكَ على أن معنى قوله في الحديث السالف «أو يصاد لكم» (١) أنه على ما صيد لهم بأمرهم، وهو يدل على أن المحرم إذا أعان على الصيد

-------------
= التي تدل على أنه كان مذبوحًا موهومة. انتهى، قلت -أي العيني: لم يذكر هذا القيد في حديث الباب صريحًا، ولكن قوله: أهدى لرسول الله - ﷺ - حمارًا وحشيًا، يحتمل أن يكون هذا الحمار حيًا، ويحتمل أن يكون مذبوحًا، ولكن مسلمًا صرح في إحدى رواياته عن الزهري: من لحم حمار وحش، وفي رواية منصور عن الحكم: أهدى رجل حمار وحش، وفي رواية شعبة عن الحكم: عجز حمار وحش يقطر دمًا، وفي رواية زيد بن أرقم: أهدي له عضو من لحم صيد، وهذِه الروايات كلها تدل على أنه كان مذبوحًا موهومة؟ قوله: (لم يقبل) بمعنى لا يقبل اهـ.
وتعقبه الحافظ في «انتقاض الاعتراض» ٢/ ٢١ بعدما أورد كلام نفسه في «الفتح» ورد العيني عليه في «العمدة» فقال: ليس بينها سابقة جمع وإنما عليه أن يبين كونها موهومة؟، ولكن اعترف المعاند بالحجة ولو أقيمت (…) ولكن التعصب يغطي عن البصيرة اهـ. بتصرف. قلت: هذا البياض كذا في المطبوع من «الانتقاض».
وهذا اللفظ قد رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧٠ وأبو بكر الإسماعيلي في «المعجم» ٢/ ٦٩٠ - ٦٩١، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٩/ ٤٤٩ - ٤٥٠، جميعًا من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، به.
(١) تقدم تخريجه قريبًا مستوفًى، وهو حديث ضعيف.



بما قل أو كثر فقد فعل ما لا يجوز، واختلفوا في ذَلِكَ، فقالت طائفة: إنْ دل محرم حلالًا على صيد أو أشار إليه أو ناوله سيفًا أو شبهه حَتَّى قتله فعلى المحرم الدال أو المعين له الجزاء، روي ذَلِكَ عن علي وابن عباس (١)، وقال به عطاء والكوفيون وأحمد وإسحاق، واحتجوا بقوله: «هل أشرتم أو أعنتم؟» قالوا: لا. فدل ذَلِكَ أنه إنما يحرم عليهم إذا فعلوا شيئًا من هذا، ولا يحرم عليهم بما سوى ذَلِكَ، فجعل الإشارة والمعاونة كالقتل؛ لأن الدلالة سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد، فوجب الجزاء، دليله من نصب شبكة حَتَّى وقع فيها صيد فمات، وقال مالك وابن الماجشون والشافعي وأبو ثور: لا جزاء على الدال، وهو قول أصبغ، واحتجوا فقالوا: الدال ليس بمباشر للقتل، وقد اتفقنا على أنه لو دل حلال حلالًا على قتل صيد في الحرم لم يكن على الدال جزاء؛ لأنه لم يحصل منه قتل الصيد، فكذلك ها هنا، وقد تقرر أنه لو دل على رجل مسلم فقتله المدلول لم يجب على الدال ضمان، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الصيد، ولا حجة للكوفيين في حديث أبي قتادة؛ لأنه إنما سألهم عن الإشارة والمعاونة؛ لأجل أنه يكره لهم أكلُه، ولم يتعرض لذكر الجزاء، فمن أثبت الجزاء فعليه الدليل، وأيضًا فإن القاتل انفرد بقتله بعد الدلالة بإرادته واختياره مع كون الدال منفصلًا عنه فلا يلزمه ضمان، وهذا كمن دل محرمًا أو صائمًا على امرأة فوطئها، ومحظورات الإحرام لا تجب فيها الكفارات بالدلالة كمن دل على طيب أو لباس (٢).
--------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٠٠ (١٥٥١٥). وقول عطاء فيه: (١٥٥١٣).
(٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ٧٩ - ٨٠، «المنتقى» ٢/ ٢٤١، «الأم» ٢/ ١٧٦، «المجموع» ٧/ ٣٥١ - ٣٥٢، «المغني» ٥/ ١٣٣، «الفروع» ٣/ ٤١١.



تنبيهات:
أحدها: فيه أنه لا يعان المحرم على الصيد بقول ولا فعل.
ثانيها: مجاوزة أبي قتادة المواقيت يحتمل أن يكون لم يقصد نسكًا وإنما جاء لكثرة الجمع، ويجوز أن تكون المواقيت لم توقت إذ ذاك.
قال الأثرم: كنت أسمع أصحاب الحديث يتعجبون من هذا الحديث، ويقولون: كيف جاز لأبي قتادة أن يجاوز الميقات غير محرم، ولا يدرون ما وجهه حَتَّى رأيته مفسرًا. وفي رواية عياض بن عبد الله عن أبي سعيد -أي: في «الصحيح»- قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فأحرمنا، فلما كنا مكان كذا وكذا إذا نحن بأبي قتادة، كان النبي - ﷺ - قد بعثه في شيء سماه، فذكر حديث الحمار الوحشي (١).
وعند الطحاوي: بعث النبي - ﷺ - أبا قتادة على الصدقة. قال أبو سعيد: وخرج هو - عليه السلام - وأصحابه محرمون حَتَّى نزلوا عسفان. وفي «الإكليل» للحاكم من حديث الواقدي عن ابن أبي سبرة، عن موسى بن ميسرة، عن عبد الله بن أبي قتادة، عن أبيه قال: سلكنا في عمرة القضية على الفرع، وقد أحرم أصحابي غيري فرأيت حمارًا، الحديث. فزعم المنذري أن أهل المدينة أرسلوه إلى رسول الله - ﷺ - يعلمونه أن بعض العرب ينوي غزو المدينة، والثابت في «الصحيح»: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - فمنا المحرم، ومنا غير المحرم، وفي لفظ: أحرم الصحابة ولم يحرم هو (٢).

-------------
(١) رواه البزار كما في «الكشف» (١١٠١)، والطحاوي في «المعاني» ٢/ ١٧٣، وابن حبان ٩/ ٢٧٩ (٣٩٧٦)، وقال الهيثمي ٣/ ٢٣٠: رواه البزار ورجاله ثقات.
(٢) سلف برقم (١٨٢١ - ١٨٢٢)، ورواه مسلم (١١٩٦/ ٥٦).



ثالثها: قوله: (يضحك بعضهم إلى بعض). ووقع في رواية: فضحك بعضهم إليّ، بتشديد الياء وهو خطأ وتصحيف كما قال القاضي (١)، والصواب: يضحك إلى بعض، فأسقط لفظة (بعض) والصواب إثباتها؛ لأنهم لو ضحكوا إليه كانت إشارة منهم، وقد صرح في الحديث أنهم لم يشيروا إليه.
قال النووي: لا يمكن رد هذِه الرواية فقد صحت هي والرواية الأخرى وليس في واحدة منهما دلالة ولا إشارة إلى الصيد، وأن مجرد الضحك ليس فيه إشارة منهم، وإنما تعجبوا من عروض الصيد ولا قدرة لهم عليه، ومنعهم منه (٢). وكذا قال ابن التين: يريد أنهم لم يخبروه بمكان الصيد حَتَّى رآه بنفسه ولا أشاروا إليه. وفي الحديث ما يقتضي أن ضحكهم ليس بدلالة ولا إشارة، بين ذَلِكَ في حديث عثمان بن موهب فقال: «أمنكم أحد أشار إليه؟». فقالوا: لا.
رابعها: معنى: (أرفع فرسي شأوًا) أي: أرفعه في سيره وأجريه، والشأو: الطلق والغاية، ومعناه: أركضه ركضًا شديدًا وقتًا، وأسهل سيره وقتًا، وقال ابن التين: الرفع دون الحضر والشأو: الرفعة، وهو أشبه بالحديث، وقيل: الشأو: الغاية، وقال ابن فارس: السبق، قال: ومرفوع الناقة في السير خلاف موضوعها (٣).
خامسها: قوله: (وهو قائل السقيا). قال ابن التين: هي سقيا بني غفار. قلت: وهي بضم السين المهملة وسكون القاف ثم مثناة تحت ثم ألف مقصورة. قال عياض: هي قرية جامعة بين مكة والمدينة من

-----------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ٢٠٠.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١١.
(٣) «مجمل اللغة» ٢/ ٣٩١ - ٣٩٢.



عمل الفرع (١). قال أبو عبيد: قال كثير: إنما سميت بذلك لما سقيت من الماء العذب، وهي كثيرة الآبار والعيون والبرك، وكثير فيها صدقات للحسين بن زيد. وقال ياقوت: هي من البحر على سبعة فراسخ (٢)، وفي «الأماكن». للزمخشري السقيا: السيل الذي تفرع في عرفة بمسجد إبراهيم.
وفي قوله: قائل السقيا وجهان: أصحهما وأشهرهما، كما قال النووي من القيلولة يعني: تركته بتعهن (٣). وفي عزمه أن يقيل بالسقيا.
والثاني بالباء الموحدة، وهو ضعيف غريب، وكأنه تصحيف وإن صح فمعناه: أن تعهن موضع مقابل السقيا.
سادسها: (تعهن) بالتاء المثناة فوق، قال أبو عبيد: صح أنها موضع بين القاحة (٤) والسقيا، وقال صاحب «المطالع»: تعهن: عين ماء وهي على ثلاثة أميال من السقيا، وهي بكسر الأول والثالث، كذا ضبطناه عن شيوخنا، وكذا قيده البكري (٥)، وضبطناه عن بعضهم بفتح أوله وكسر ثالثه، وإسكان العين في كلا الضبطين، وعن أبي ذر: تعهن. قال عياض: بلغني عن أبي ذر أنه قال: سمعت العرب تقوله بضم التاء وفتح العين وكسر الهاء، قال: وهذا ضعيف (٦).
سابعها: قوله: (إنهم خشوا أن يقتطعوا دونك)، وقع في رواية أبي الحسن بالهمز ولا وجه له. كما قال ابن التين. وقوله: (وعندي

----------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٩.
(٢) «معجم البلدان» ٣/ ٢٢٨.
(٣) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١٢.
(٤) ورد بهامش «م»: القحاة بين الجحفة وقدير، وري بالفاء وهو وهم، ووقع في «مغازي ابن إسحاق» بالفاء والجيم، ورد عليه بن هشام.
(٥) «معجم ما استعجم» ١/ ٣١٥.
(٦) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٩.



منه فاضلة) (١) أي: قطعة فضلت وهيئت، وروى بعضهم: فاضله بضم اللام وهاء ضمير بعدها.
وقوله للقوم: «كلوا» وهم محرمون، فيه جواز أكل المحرم من الصيد إذا لم يصد من أجله، ولم يعن عليه ولا أشار كما سلف، وهو قول كافة الفقهاء. وغيقة في الحديث الثاني بفتح الغين المعجمة ثم ياء مثناة تحت ثم قاف ثم هاء (٢)، قال أبو عبيد: هو موضع رسم رضوى لبني غفار بن مليل وهو بين مكة والمدينة، وقال يعقوب: غيقة: قليب لبني ثعلبة حذاء النواشر، والنواشر قارات بأعالي وادي المياه لهم ولأشجع.
قال أبو عبيد: وغيقة لبني غفار صحيح. وفي «شرح شعر كثير» ليعقوب: غديقة .. على شاطئ البحر فوق العذيبة، قال: وغيقة أيضًا سرة واد لبني ثعلبة، وقال مرة: غيقة موضع عند حرة النار لبني ثعلبة بن سعد بن ذبيان.
والقاحة: بقاف ثم ألف ثم حاء مهملة خفيفة على ثلاث مراحل من المدينة قبل السقيا بنحو ميل، قال عياض: كذا قيدوه، ورواه بعضهم عن البخاري بالفاء، وهو وهم والصواب بالقاف (٣)، وزعم ابن إسحاق في «مغازيه» أنها بفاء وجيم، ورد ذَلِكَ عليه ابن هشام، وقال الحازمي: هي موضع بين الجحفة وقديد.

---------
(١) سبق برقم (١٨٢١).
(٢) سلف برقم (١٨٢١)، وانظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠١٠ - ١٠١١، و«معجم البلدان» ٤/ ٢٢١ - ٢٢٢.
(٣) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٩.



ثامنها: قوله: (فأثبته) أي: تركته في مكانه لا يفارقه، وكانت فرسه يقال لها: الجرادة.
وقوله: (وخشينا أن نقتطع)، ضبط بالتاء والنون وبالمثناة تحت (١).
قال ابن قرقول: أي يحوزنا العدو عنك، ومن حملتك وكذلك تقتطع دوننا أي: يؤخذ وينفرد به. وقال القرطبي: أي خفنا أن يحال بيننا وبينهم ويقتطعوا بنا عنهم (٢).
وقوله: (إنا اصَّدْنا حمار وحش) كذا هو مضبوط بتشديد الصاد، وفي نسخة: (صدنا) قال ابن التين في الأول: كذا وقع واللغة على صدنا من صاد يصيد، وكذا وقع عند الأصيلي صدنا، وقال بعضهم: من أدغم فعلى لغة من يقول مصَّبر في مصطبر، وقراءة بعضهم: (أن يصَّلحا بينهما صلحًا) [النساء: ١٢٨] (٣).
وقوله: (بالقاحة) من المدينة على ثلاث مراحل (٤). وقد سلف، والأكمة: التل، وسلف في الاستسقاء ويجمع أكم ثم أكام، والأتان أنثى من الحمر وجمعها أتن، ذكره ابن فارس (٥).
تاسعها: قوله: (انطلقنا مع النبي - ﷺ - عام الحديبية) وفي الباب الأخير أن رسول الله - ﷺ - خرج حاجًا والحديبية لا حج فيها، وإنما كانت عمرة ولم يحج إلا حجة الوداع، فالمراد: حاجًّا أي: معتمرًا؛

------------
(١) في هامش الأصل: التاء والنون والياء كله في أول نقتطع.
(٢) «المفهم» ٣/ ٢٨١.
(٣) انظر: «الحجة للقراء السبعة» ٣/ ١٨٣ - ١٨٤، و«الكشف عن وجوه القراءات السبع» ١/ ٣٩٨ - ٣٩٩.
(٤) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ١٠٤٠، و«معجم البلدان» ٤/ ٢٩٠.
(٥) «مجمل اللغة» ١/ ٨٥ - ٨٦.



لأنه القصد.
وقوله: فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة. هذا على قول الكوفيين؛ لأنه استثناء من الموجب، ولم يجزه البصريون.
وقوله: (فنظر أصحابي بحمار وحشٍ) أدخل الباء، وإن كان نظر متعديًا حملًا على بصر، فكأنه قال: فبصر أصحابي بحمار وحش، وكذا وقع لأبي ذر: فبصر، وجاء في رواية: أعنتم أو أصَّدتم؟ بتشديد الصاد وتخفيفها (١)، يعني: أمرتم به أو جعلتم من يصيده، وقيل معناه: أثرتم الصيد من موضعه، يقال: أصدت الصيد -مخففًا -أي: أثرته. وهو أولى من رواية أصدتم بالتشديد؛ لأنه - عليه السلام - علم أنهم لم يصيدوا، وإنما سألوه عما صاده غيرهم، نعم قال ابن درستويه: أصدتم كلام العامة، وقال اللبلي وغيره: لم نرى من قاله بالألف، وفي «المحكم» عن ابن الأعرابي: صدنا كمأة، قال: وهو من جيد كلام العرب ولم يفسره، قال ابن سيده: وعندي أنه يريد استثرنا كما يقال: استثار (٢).
قلت: ولعل هذا الموقع لمن قال: أصدت أي: أثرت.
العاشر: الذي في ألفاظ الصحيح أنه - عليه السلام - أكل منه (٣). وفي الدارقطني (٤) عن أبي قتادة: إني إنما اصطدته لك، فأمر أصحابه - عليه السلام - فأكلوه، ولم يأكله هو، قال أبو بكر النيسابوري: قوله: اصطدته. وقوله: ولم يأكله. لا أعلم أحدًا ذكره في هذا الحديث غير معمر،

---------
(١) رواها مسلم (١١٩٦/ ٦١) باب: تحريم الصيد للمحرم.
(٢) «المحكم» ٨/ ٢٣٦.
(٣) سيأتي هذا اللفظ برقم (٢٥٧٠) كتاب: الهبة، باب: من استوهب من أصحابه شيئًا.
(٤) في هامش الأصل: هو في «سنن ابن ماجه» أيضًا. [ابن ماجه ٣٠٩٣].



وهو موافق لما روي عن عثمان بن عفان (١). وقال غيره: هذِه لفظ غريبة لم نكتبها إلا من هذا الوجه.
الحادي عشر: حاصل ما في أكل المحرم الصيد مذاهب:
أحدها: أنه ممنوع مطلقًا صيد لأجله أولًا، وهذا مذكور عن بعض السلف، دليله حديث الصعب بن جثامة الآتي (٢)، وروي عن علي (٣) وابن عمر (٤) وابن عباس (٥).
ثانيها: أنه ممنوع إن صاده أو صيد لأجله سواء، كان لإذنه أو بغير إذنه، وهو مذهب مالك والشافعي (٦).
ثالثها: إن كان باصطياده أو بإذنه أو بدلالته حرم وإلا فلا، وإليه ذهب أبو حنيفة (٧). وقال ابن العربي: يأكل ما صيد وهو حلال، ولا يأكل ما صيد بعد (٨)، وحديث أبي قتادة هذا يدل على جواز أكله

-------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩١.
(٢) قريبًا برقم (١٨٢٥).
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٧ (٨٣٢٧) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧٦) كتاب: الحج، من كره أكله للمحرم، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٦٨، والبيهقي في «سننه» ٥/ ١٩٤ كتاب: الحج، باب: المحرم لا يقبل ما يهدى له من الصيد حيًا، وفي «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٤٣٠ (١٠٥٨٦) كتاب: المناسك، ما يأكله المحرم من الصيد.
(٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٢٨ (٨٣٢٩)، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧٥) والطحاوي ٢/ ١٦٩ - ١٧٠، والبيهقي ٥/ ١٩٤.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٩٤ (١٤٤٧٠)، والبيهقي ٥/ ١٨٩.
(٦) انظر: «التفريع» ١/ ٣٢٨، «البيان» ٤/ ١٧٩.
(٧) «الهداية» ١/ ١٨٨.
(٨) انظر تفسيره لقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ٢/ ٦٦٦.



في الجملة، وهو على خلاف المذهب الأول، ويدل ظاهره أنه إذا لم يشر المحرم عليه ولا دل يجوز أكله، وقد سلف أنه لم يأكل منه في رواية (١)، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن دل عليه فعليه الجزاء (٢).
فائدة: صيد البر أكثر ما يكون توالده ومثواه في البر، وصيد البحر ما يكون توالده ومثواه في الماء، والصيد هو الممتنع المتوحش في أصل الخلقة (٣).
فائدة: عزا صاحب «الإمام» إلى النسائي من حديث أبي حنيفة عن هشام، عن أبيه، عن جده الزبير قال: كنا نحمل الصيد ضعيفًا، ونتزوده ونحن محرمون مع رسول الله - ﷺ -، ورواه الحافظ أبو عبد الله البلخي في «مسند أبي حنيفة» من هذا الوجه، ومن جهة إسماعيل بن يزيد عن محمد بن الحسن، عن أبي حنيفة (٤).
فائدة أخرى: روى أبو يعلى الموصلي في «مسنده» من حديث محمد بن المنكدر: ثنا شيخ لنا، عن طلحة بن عبيد الله أن رجلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن محل أصاب صيدًا أيأكله المحرم؟ قال: «نعم» (٥)، ولمسلم: أهدي لطلحة طائر وهو محرم فقال: أكلنا مع رسول الله - ﷺ - (٦)، وللدارقطني: أن رسول الله - ﷺ - أعطاه حمار وحشٍ وأمره أن يفرقه في الرفاق (٧)، قال: والصحيح أنه من رواية عمير بن

---------
(١) «الهداية» ١/ ١٨٣.
(٢) سلف قريبًا برقم (١٨٢١).
(٣) «الهداية» ١/ ١٨٣.
(٤) «مسند أبي حنيفة» (٣٢١).
(٥) «مسند أبي يعلي» ٢/ ٢٣ (٦٥٦ - ٦٥٧).
(٦) مسلم (١١٩٧).
(٧) في هامش الأصل: رواه النسائي عن عمير بن سلمة عن رجل من بهز. وأما أحمد فإنه ترجم لعمير وذكر هذا الحديث في ترجمته. وفي «مسند بقي»: عمير بن أبي سلمة.



سلمة عن رسول الله - ﷺ - (١).
ولما ذكر مهنا عن أحمد أنه قال: أذهب لحديث جابر السالف، قال: ويروى عن طلحة والزبير وعمر وأبي هريرة: فيه رخصة، ثم قال: عائشة تكرهه وغير واحد، ولما ذكر له حديث عبد الرزاق (٢)، عن الثوري، عن قيس، عن الحسن بن محمد، عن عائشة: أهدي لرسول الله - ﷺ - وشيقة لحم وهو محرم فأكله (٣)، فجعل أبو عبد الله ينكره إنكارًا شديدًا، وقال: هذا سماع منكر.
وللدارقطني: امتنع عثمان أن يأكل من ظبية أهديت له، فسئل عن ذَلِكَ فقال: إنما صيد لي وأصيب باسمي (٤).
وفي «الموطأ»: أن أبا هريرة سئل عن لحم صيد وجده المحرمون، فأفتاهم بأكله، ثم سأل عمر فقال: لو أفتيتهم بغير ذَلِكَ لأوجعتك (٥).

---------
(١) «علل الدارقطني» ٤/ ٢٠٩.
(٢) ورد في هامش الأصل: وقد روى أحمد في «المسند» فقال: حدثنا سفيان، ثنا عبد الكريم، عن قيس بن مسلم الجدلي، عن الحسن بن محمد بن علي، عن عائشة: أهدي للنبي - ﷺ - وشيقة ظبي وهو محرم فردها.
(٣) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٧ (٨٣٢٤) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد.
(٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٩١.
(٥) «الموطأ» ص ٢٣١. وورد في هامش الأصل: ثم بلغ في السابع بعد الثلاثين كتبه مؤلفه.



٦ - باب إِذَا أَهْدَى لِلْمُحْرِمِ حِمَارًا وَحْشِيًّا حَيًّا لَمْ يَقْبَلْ
١٨٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلاَّ أَنَّا حُرُمٌ». [٢٥٧٣، ٢٥٩٦، ٣٠١٢ - مسلم: ١١٩٣ - فتح: ٤/ ٣١]
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ ابن عَبَّاسٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ أَهْدى لِرَسُولِ اللهِ - ﷺ - حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهْوَ بِالأَبْوَاءِ -أَوْ بِوَدَّانَ- فَرَدهُ عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأى مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ».
هذا الحديث أخرجه مسلم من حديث سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أهدى الصعب (١).
وكذا رواه مجاهد عند ابن أبي شيبة (٢)، جعلاه من مسند ابن عباس.
وأخرجه مسلم أيضًا من حديث طاوس: قدم زيد بن أرقم فقال له ابن عباس يستذكره: كيف أخبرتني عن لحم أهدي لرسول الله - ﷺ - وهو حرام؟ قال: أهدي له عضد من لحم صيد فرده، فقال: «إنا لا نأكله، إنا حرم» (٣).

---------
(١) مسلم (١١٩٤) باب: تحريم الصيد للمحرم.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٩٥ (١٤٤٧١) كتاب: الحج.
(٣) مسلم (١١٩٥).



وكذا رواه عطاء بن أبي رباح عند أبي داود وأبي عبد الرحمن (١) (٢).
وعند الحاكم على شرط مسلم من حديث حماد بن سلمة عن قيس بن سعد، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: يا زيد بن أرقم، هل علمت أن رسول الله - ﷺ - أهدي له بيضات نعام وهو حرام فردهن؟ قال: نعم (٣).
قال ابن عبد البر: لم يختلف في إسناده على مالك وعلى ابن شهاب، وكل من في إسناده، فقد سمعه بعضهم من بعض سماعًا، كذلك في الإخبار عن ابن شهاب: أخبرني عبد الله قال: سمعت ابن عباس قال: أخبرني الصعب. وممن رواه عن ابن شهاب كما رواه مالك: معمر وابن جريج وعبد الرحمن بن الحارث وصالح بن كيسان وابن أخي ابن شهاب والليث ويونس ومحمد بن عمرو بن علقمة كلهم، قال فيه: أهدي لرسول الله - ﷺ - حمار وحش، كما قال مالك، وخالفهم ابن عيينة وابن إسحاق، فقال: أهدي لرسول الله - ﷺ - لحم حمار وحش، قال ابن جريج في حديثه: قلت لابن شهاب: الحمار عقير؟ قال: لا أدري، فقد بين ابن جريج أن ابن شهاب شك فلم يدر أكان عقيرًا أم لا، إلا أن في مساق حديثه: أهديت لرسول الله - ﷺ - حمار وحش، فرده علي.
وروى القاضي إسماعيل عن سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن الصعب أنه - عليه السلام -

----------
(١) ورد في (س) أسفلها: يعني النسائي.
(٢) أبو داود (١٨٥٠) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم، النسائي ٥/ ١٨٤ كتاب: مناسك الحج، ما لا يجوز للمحرم أكله من الصيد.
(٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٢ كتاب: المناسك.



أقبل حَتَّى إذا كان بقديد أهدي له بعض حمار وحش فرد وقال: «إنا حرم لا نأكل الصيد» كذا قال: عن صالح، عن عبيد الله، ولم يذكر ابن شهاب، وقال: بعض حمار وحش، وعند حماد بن زيد في هذا أيضًا عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن الصعب أنه أتى النبي - ﷺ - بحمار وحمش، رواه إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب كما قدمناه، وهو أولى بالصواب عند أهل العلم، وفي رواية سعيد بن جبير ومقسم وعطاء وطاوس: لحم حمار وحش، قال سعيد: عجز حمار وحش، فرده يقطر دمًا، رواه شعبة عن الحكم عنه (١)، وقال مقسم: رجل حمار (٢)، وقال عطاء: عضد صيد (٣)، وقال طاوس: عضوًا من لحم صيد (٤). وكذا قال غيره.
هكذا رواه الزهري عن عبيد الله (٥)، وهو أثبت الناس فيه وأحفظهم عنه، وظاهر تبويب البخاري أنه كان حيًّا، وقال بعضهم في بعض الروايات: رجل حمار (٦). وهو دال على صحة قول ابن عمر وابن عباس أن أكل لحم الصيد حرام على المحرم (٧).
قال إسماعيل القاضي: سمعت سليمان بن حرب يتأول هذا الحديث على أنه (صيد) (٨) من أجل رسول الله - ﷺ -، ولولا ذَلِكَ كان أكله

---------
(١) مسلم (١١٩٤/ ٥٤) كتاب: الحج، باب: تحريم الصيد للمحرم.
(٢) رواه أحمد ١/ ٢١٦.
(٣) رواه أبو داود (١٨٥٠) كتاب: المناسك، باب: لحم الصيد للمحرم.
(٤) رواه مسلم (١١٩٥/ ٥٥).
(٥) رواه مسلم (١١٩٣/ ٥١ - ٥٢).
(٦) مسلم (١١٩٤/ ٥٤).
(٧) رواهما عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٢٦، ٤٢٨ (٨٣٢٠، ٨٣٢٩) كتاب: المناسك، باب: ما ينهى عنه المحرم من أكل الصيد.
(٨) من (ج).



جائزًا، قال سليمان: ومما يدل على أنه صيد من أجله قولهم في الحديث: يقطر دمًا، كأنه صيد في ذَلِكَ الوقت، قال: وإنما تأول سليمان؛ لأنه موضع يحتاج إليه.
وأما رواية مالك فلا تحتاج إلى تأويل؛ لأن المحرم لا يجوز له أن يمسك صيدًا حيًّا ولا يزكيه، وإنما يحتاج إلى التأويل، قول من قال: بعض حمار، قال إسماعيل: وعلى تأويل سليمان تكون الأحاديث كلها المرفوعة في هذا الباب غير مختلفة (١). وفي «المبسوط» من رواية ابن القاسم ونافع، عن مالك: كان الحمار حيًّا.
وقال الطبري: الأخبار عن الصعب مضطربة، والصحيح أنه حي؛ للإجماع على منع قبول المحرم هبة الصيد، وكيف يكون رجله وهو يقول: «إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم» وهو يأكل لحمه، فرده عليه
يحتمل أنه لا يصح له قبوله أو يصح فيرسله.
قال الشافعي: فإن كان الصعب أهدى الحمار حيًّا، فقد يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه، وإيضاحه في حديث جابر -يعني: السالف قبل (٢) - قال الشافعي: وحديث مالك أن الصعب أهدى
حمارًا أثبت من حديث أنه أهدى له لحم حمار (٣).
قال البيهقي: وقد روي في حديث الصعب أنه أكل منه، ذكره ابن وهب، عن يحيى بن أيوب، عن يحيى بن سعيد، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمري، عن أبيه أن الصعب أهدى للنبي - ﷺ - عجز حمار وحش وهو بالجحفة فأكل منه وأكل القوم، قال البيهقي: وهذا إسناد صحيح

--------
(١) من «التمهيد» ٩/ ٥٤ - ٥٧ بتصرف.
(٢) تقدم تخريجه باستيفاء.
(٣) «اختلاف الحديث» بهامش «الأم» ٧/ ٢٩٢ - ٢٩٣، «المعرفة» للبيهقي ٧/ ٤٣٠.



فإن كان محفوظًا فكأنه رد الحي وقبل اللحم (١).
ونقل الترمذي أيضًا عن الشافعي النص السالف أيضًا فقال عنه: وجه هذا عندنا إنما رده لما ظن أنه صيد من أجله وتركه على التنزه، قال الترمذي: وقد روى بعض أصحاب الزهري عن الزهري هذا الحديث، وقالوا: أهدى له لحم حمار وحش، وهو غير محفوظ (٢)، ولأبي داود من حديث علي أنه قال: أنشد الله من كان ها هنا من أشجع أن رسول الله - ﷺ - أهدى له رجل حمار وحش وهو محرم فأبى أن يأكل، قالوا: نعم (٣)، ولأحمد: فشهد اثنا عشر رجلًا من الصحابة ثم قال علي - عليه السلام -: أنشد الله رجلًا شهد رسول الله - ﷺ - حين أتي ببيض النعام فقال: «إنَّا قوم حرم أطعموه أهل الحل» فشهد دونهم من العدة من الاثني عشر (٤)، وللنسائي من حديث مالك، عن يحيى ابن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عيسى بن طلبة، عن عمير بن سلمة، عن البهزي أن رسول الله - ﷺ - خرج يريد مكة وهو محرم حَتَّى إذا كان بالروحاء، إذا حمارُ وحشٍ عقير، فذكر ذَلِكَ لرسول الله - ﷺ -، فقال: «دعوه فإنه يوشك أن يأتي صاحبه» فجاء البهزي وهو صاحبه فقال: يا رسول الله، شأنكم بهذا الحمار، فأمر - عليه السلام - أبا بكر فقسمه بين الرفاق ثم مضى حَتَّى إذا كان بالأثاية (٥) بين

---------
(١) «سنن البيهقي» ٥/ ١٩٣.
(٢) «سنن الترمذي» ٣/ ١٩٧ عقب ح (٨٤٩).
(٣) أبو داود (١٨٤٩)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٢١).
(٤) أحمد ١/ ١٠٠.
(٥) ورد في هامش الأصل: الأثاية: موضع بطريق الجحفة بينه وبين المدينة سبعة وتسعون ميلًا، وهو بضم الهمزة، ورواه بعض الشيوخ بكسرها وبعضهم بثائين مثلثتين، والهمزة مكسورة الإثاثة. وبعضهم يقول: الإثانة بثاء مثلثة ونون بعد =



الرويثة والعرج، إذا ظبي حاقف في ظل وفيه سهم، فزعم أن رسول الله - ﷺ - أمر رجلًا أن يقف عنده فلا يريبه أحد من الناس حَتَّى يجاوزوه (١)، ثم قال: تابعه يزيد بن هارون عن يحيى به (٢)، وفي لفظ: فلم يلبث أن جاء رجل من طِّيئ فقال: يا رسول الله، هذِه رميتي فشأنك بها.
وفي «الإغراب» لأبي محمد بن حزم: روى حماد بن سلمة، عن عمار بن أبي عمار، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل: أن رسول الله - ﷺ - رد وهو محرم حمير وحش وبيض نعام، قال: ورويناه أيضًا من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبيد الله بن الحارث، عن علي مرفوعًا. وفي «سنن أبي قرة» من حديث جبير بن محمد بن علي: قالت عائشة: أهديت لرسول الله - ﷺ - ظبية فيها وشيقة صيد وهو حرام فأبى أن يأكله.
إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالإهداء كان في توجهه إلى الحديبية، كما ذكره ابن سعد (٣)، والإجماع قائم أنه لا يجوز للمحرم قبول الصيد حيًا إذا وهب له بعد إحرامه، ولا يجوز له شراؤه ولا إحداث ملكه؛ لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] ولحديث الصعب، وإنما رده؛ لأن مذبوحه ميتة، ثم ذكر اختلاف الروايات هل كان حيًّا أو مذبوحًا؟ فعن مالك: كان حيًا، وعن سعيد بن جبير: كان مذبوحًا يقطر دمًا. وذكر غير ذَلِكَ.

---------
= الألف، وغيرهما يهمز ما قبلها والأول الصواب بالفتح والكسر، والله أعلم.
(١) النسائي ٥/ ١٨٢ - ١٨٣، وقال الألباني: صحيح الإسناد.
(٢) لم أجد هذا التعقيب في مطبوع سنن النسائي، وذكره الحافظ المزي -طيب الله ثراه- في «تحفة الأشراف» ١١/ ١٩٧.
(٣) انظر: «الطبقات الكبرى» ٤/ ٢٩٣.



قال الطحاوي: فقد اتفقت الآثار في حديث الصعب عن ابن عباس أنه كان غير حي، وذلك حجة لمن كره للمحرم أكل الصيد، وإن كان الذي تولى صيده وذبحه حلالًا (١)، وقد خالف ذَلِكَ حديث جابر.
قال ابن بطال: واختلاف روايات حديث الصعب تدل على أنها لم تكن قضية واحدة، وإنما كانت قضايا: فمرة أهدي إليه الحمار كله، ومرة عضده أو رجله أو عجزه؛ لأن مثل هذا لا يذهب على الرواة ضبطه حَتَّى يقع فيه التضاد في النقل والقصة واحدة (٢). وأول الطحاوي حديث «أو يصاد لكم» على: أو يصاد لكم بأمركم (٣). وفيه من الفقه رد الهدية إذا لم تكن تحل للمهدى له، وفيه الاعتذار لردها.
تنبيهات:
أحدها: قال ابن التين: الأولى في رده أنه لا يصح له قبوله، ويحتمل أن يصح إرساله فلا فائدة في قبوله إلا الإضرار بمن كان له، قال: فإن قبله وجب إرساله، ولم يكن عليه رده على قياس المذهب، وفي الملك بالقبول رأيان، وذكر الخطابي عن أبي ثور أنه إذا اشتراه محرم من محرم كان ذَلِكَ المحرم البائع ملكه قبل ذَلِكَ فلا بأس (٤). وقال ابن حبيب فيمن ابتاع صيدًا له رده على بائعه إن كان حلًا، ولو رده عليه لزمه جزاؤه (٥)، وقال أشهب في محرم اشترى عشرة من الطير فذبح منها ناسيًا لإحرامه، ثم ذكر، ثم جاء بها -يعني ليردها على بائعها-: فما ذبح أو أمر بذبحه يلزمه، وما بقى رده ويلزم البائع شاءَ أو أبى،

-----------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧١.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٨٩.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٧١، ١٧٤.
(٤) «أعلام الحديث» ٢/ ٩٢٠.
(٥) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٧١.



وقيل: الشراء فاسد لا يصح، ومن صححه أوجب إرساله (١).
وقال ابن عبد البر: لأهل العلم قولان في المحرم يشتري الصيد: الأول: الشراء فاسد، الثاني: صحيح، وعليه أن يرسله (٢).
فإن اضطر إلى أكل الميتة، أيجوز له أن يأكل الصيد أو الميتة؟ قال مالك: يأكل الميتة؛ لأن الله لم يرخص للمحرم في أكل الصيد ولا أخذه على حال من الأحوال؛ ورخص في الميتة في حال الضرورة، وهو قول عطاء والثوري، وقال أبو حنيفة: يأكل الصيد ولا يأكل الميتة (٣).
وقال مالك: ما قتله المحرم أو ذبحه من الصيد فلا يحل أكله لحلال ولا لحرام؛ لأنه ليس بذكي، خطأً كان قتله أو عمدًا، وقال أبو حنيفة وصاحباه: إذا رمى المحرم الصيد وسمى فقتله فعليه جزاؤه، فإن أكل منه حلال فلا شيء عليه، وإن أكل منه المحرم الذي قتله بعدما جزَاه فعليه قيمة ما أكل منه، في قول أبي حنيفة، وقال صاحباه: لا جزاء عليه ولا ينبغي أن يأكله حلال ولا حرام، وهو قول القاسم وسالم، وللشافعي قولان: أحدهما: مثل قول مالك، والآخر: يأكله ولا يأكل الميتة. وقال أبو ثور: إذا قتل المحرم الصيد فعليه جزاؤه، وحلال أكل ذَلِكَ الصيد إلا أني أكرهه للذي صاده؛ لحديث جابر، وروى الثوري، عن أشعث، عن الحكم بن عتيبة أنه قال: لا بأس بأكله، يعني: ذبح المحرم الصيد، قال الثوري: وقول الحكم هذا أحب إلي (٤).
وقال ابن العربي في «مسالكه»: إذا قتل صيدًا مملوكًا وجب عليه مع

--------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٦٩.
(٢) «التمهيد» ٩/ ٥٩.
(٣) «الاستذكار» ١١/ ٣٠٩، ٣١١، وانظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٦٨.
(٤) «الاستذكار» ١١/ ٣٠٩ - ٣١٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #350  
قديم 13-02-2026, 10:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,277
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 369 الى صـــ 380
الحلقة (350)






الجزاء القيمة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وقال المزني: لا جزاء عليه إنما عليه القيمة، دليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ (١) [المائدة: ٩٥].
ثانيها: الأصل في أهدى، التعدي بإلى، وقد يتعدى باللام، ويكون بمعناه، ويحتمل أن اللام بمعنى أجل، وفيه ضعف.
ثالثها: أسلفنا أن البخاري فهم منه الحياة؛ ولذلك بوب عليه كما مضى، وعلى هذا الفهم أن المحرم يرسل ما بيده من صيد؛ لأنه لم يشرع لنفسه ملكه لأجل الإحرام، والجمع بينه وبين الرواية الأخرى أنه كان مذبوحًا أنه جاء به أولًا ميتًا، فوضعه بقربه، ثم قطع منه ذَلِكَ العضو فأتاه به، أو يكون أطلق اسم الحمار وهو يريد بعضه من باب التوسع والتجوز، أو كان أولًا حيًّا فلما رده ذكاه وأتى ببعضه، ولعله ظن أنه إنما رده لمعنى يخص الحمار بجملته فلما جاءه بجزئه أعلمه بامتناعه أن حكم الجزء حكم الكل.
رابعها: في «إكمال القاضي» عن أبي حنيفة: لا يحرم على المحرم ما صيد له بغير إعانة منه (٢)، وهو مذهب الكوفيين كما أسلفناه، وفي «الاستذكار»: كان عمر وأبو هريرة والزبير وكعب ومجاهد وعطاء -في رواية- وسعيد بن جبير: يرون للمحرم أكل الصيد على كل حال إذا اصطاده الحلال صيد من أجله أو لم يصد (٣). وقد أسلفناه أيضًا.
خامسها: («نرده») وكذا لم يضره الشيطان، وكذا لم تمسه النار، وأمثالها، الأوجه فيه الضم عند سيبويه، والرواية بالفتح كما قاله

---------
(١) انظر: «المبسوط» ٤/ ٨١، «المنتقى» ٢/ ٢٥١، «المجموع» ٧/ ٣١١.
(٢) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٨.
(٣) «الاستذكار» ١١/ ٣٠٣.



عياض (١)، وقال القرطبي: المحدثون يقيدونه بفتح الدال، وإن كان متصلًا بهاء المذكر المضمومة، وقيده المحققون بضمها مراعاة للواو المتولدة عن ضمة الهاء ولم يحفلوا بالهاء؛ لخفائها، وكأنهم قالوا: (رَدُّوا) كما فتحوها مع هاء المؤنث مراعاة للألف، وكأنهم قالوا: (وَدُّوا) (٢)، وهذا مذهب سيبويه والفارسي (٣).
سادسها: قوله: («أنَّا حرم») هو بفتح الهمزة على أنه تعدى إليه الفعل بحرف التعليل، فكأنه قال: لأنا، وبكسرها لأنها ابتدائية.
و(الأبواء) بالمد: قرية جامعة من عمل الفرع من المدينة بينها وبين الجحفة مما يلي المدينة، ثلاثة وعشرون ميلًا، سميت بذلك؛ لتبوء السيول بها، وقيل: عشرة، وبها توفيت آمنة أم رسول الله - ﷺ -، ودفنت (٤). وودان قرية جامعة من عمل الفرع أيضًا بينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال (٥).
سابعها: قال أبو عبد الملك: فيه دليل أن الهبة والهدايا تقتضي
القبول، ولولا ذَلِكَ لأطلق الحمار، ولم يرده إلى الصعب، وذلك خلاف أن يهب الرجل أخاه وابنه وأباه فإنه يعتق دون قبول؛ لأن الموهوب له مضار في ردها.
ثامنها: قوله: (فلما رأى ما في وجهه). يريد من التغير إذ لم يقبلها منه؛ لأنه كان يقبل الهدية، فخاف الصعب أن يكون ذَلِكَ لمعنى يخصه، فأعلمه بالعلة؛ ليزيل ما في نفسه.

---------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ١٩٨.
(٢) كذا بالأصل، وفي «المفهم»: (ردا).
(٣) «المفهم» ٣/ ٢٧٧ - ٢٧٨.
(٤) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ١٠٢، و«معجم البلدان» ١/ ٧٩.
(٥) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٣٦٥.



قال مالك: من أحرم وعنده صيد فإن خلفه في أهله قبل إحرامه فلا يزول ملكه عنه كما لو نكح قبله، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، والخلاف في ذَلِكَ مبني على تأويل الآية ﴿صَيدُ البَرِ﴾ [المائدة: ٩٦]. هل المراد به الاصطياد أو المصيد، وليس الصيد كالنكاح ولو كان الصيد بيده زال ملكه عنه على الأصح، ووجب عليه إرساله وإلا ضمن، وعندنا أنه إذا ورثه يزول ملكه فيرسل، ولو كان في بيته فأحرم فملكه باق، ولا يرسله على الأصح، فإن لم يرسله حَتَّى حل أرسله، خلافًا لأشهب كالخمر إذا تخلل، وقيل: بالفرق؛ لأن هذا حق لغيره بخلافه ولو أحرم وفي يده صيد وديعة لغائب لم يلزمه إطلاقه، ولو أخذه بعد إحرامه فقد أخطأ، ويجب عليه إطلاقه ويغرم قيمته لربه (١)، ذكره في كتاب محمد.
خاتمة: الصعب (٢) هو: ابن جثامة كما سلف، واسمه يزيد بن قيس بن ربيعة الكناني الليثي، نزيل ودان (٣)، وهو أخو محلم بن جثامة الذي لفظته الأرض (٤)، نزل بأخرة حمص، ومات بها في أيام ابن الزبير، أعني محلمًا.

-----------
(١) «الاستذكار» ١١/ ٢٩٣ - ٢٩٥. وانظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٢٠٦، «المبسوط» ٤/ ٩٤، «المنتقى» ٢/ ٢٤٦ - ٢٤٧، «المجموع» ٧/ ٣٣٠ - ٣٣١.
(٢) في هامش الأصل: توفي في خلافة أبي بكر، قاله النووي في «التهذيب».
(٣) هو الصعب بن جثامة بن قيس بن عبد الله بن يعمر، وهو الشراخ الليثي الحجازي، وسمي يعمر الشراخ؛ لأنه شرح الدماء بين بني أسد بن خزيمة، وبين خزاعة، يعني: أهدرها. انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٢/ ٢٩١ (١٢٤٦)، و«أسد الغابة» ٣/ ٢٠ (٢٥٠١)، و«الإصابة» ٢/ ١٨٤ (٤٠٦٥).
(٤) انظر ترجمته في: «الاستيعاب» ٤/ ٢٣ (٢٥٥٢)، و«أسد الغابة» ٥/ ٧٦ - ٧٧ (٤٦٩١)، و«الإصابة» ٣/ ٣٦٩ (٧٧٥٢).



٧ - باب مَا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِنَ الدَّوَابِّ
١٨٢٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ».
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ. [٣٣١٥ - مسلم: ١١٩٩ - فتح: ٤/ ٣٤]

١٨٢٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَقْتُلُ المُحْرِمُ». [١٨٢٨ - مسلم: ١٢٠٠ - فتح: ٤/ ٣٤]

١٨٢٨ - حَدَّثَنَا أَصْبَغُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». [انظر: ١٨٢٧ - مسلم: ١٢٠٠ - فتح: ٤/ ٣٤]

١٨٢٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يَقْتُلُهُنَّ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ». [٣٣١٤ - مسلم: ١١٩٨ - فتح: ٤/ ٣٤]

١٨٣٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نَزَلَ عَلَيْهِ: ﴿وَالمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]. وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّةٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «اقْتُلُوهَا». فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كَمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا». [٣٣١٧، ٤٩٣٠، ٤١٣١، ٤٩٣٤ - مسلم: ٢٢٣٤ - فتح: ٤/ ٣٥]


١٨٣١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ -- أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ لِلْوَزَغِ: «فُوَيْسِقٌ». وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ. [٣٣٠٦ - مسلم: ٢٢٣٩ - فتح: ٤/ ٣٥]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا بهذا أَرْوَنَا أَنَ مِنًى مِنَ الحَرَمِ، وأَنَّهْمْ لَمْ يَرَوْا بِقَتْلِ الحَيَّةِ بَأسًا.
حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَنَا مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى المُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ».
وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ.
وعَنْ زيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابن عُمَرَ يَقُولُ: حَدَّثَتْنِي إِحْدى نِسْوَةِ النَّبِيِّ - ﷺ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «يَقْتُلُ المُحْرِمُ».
وعَنْ سَالِمٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: قَالَتْ حَفْصَةُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالفَأْرَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ».
وعنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ» وذكر الباقي
وعَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي غَارٍ بِمِنًى، إِذْ نَزَلَت عَلَينا: ﴿وَالمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ [المرسلات: ١]. وَإِنَّهُ لَيَتْلُوهَا، وَإِنِّي لأَتَلَقَّاهَا مِنْ فِيهِ، وَإِنَّ فَاهُ لَرَطْبٌ بِهَا، إِذْ وَثَبَتْ عَلَيْنَا حَيَّة، فَقَالَ رسول الله - ﷺ -: «اقْتُلُوهَا». فَابْتَدَرْنَاهَا فَذَهَبَتْ، فَقَالَ - ﷺ -: «وُقِيَتْ شَرَّكُمْ كمَا وُقِيتُمْ شَرَّهَا».
وعَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النبي - ﷺ - قَالَ لِلْوَزَغِ: «فُوَيْسِقٌ». وَلَمْ أَسمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ.


قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: إِنَّمَا أردنا بهذا أن هذِه نزلت بمكة قبل الحج وأَنَّ مِنًى مِنَ الحَرَمِ، وأَنَّهْمْ لَمْ يروا بِقَتْلِ الحَيَّةِ بَأسًا
الشرح:
أما حديث ابن عمر عن حفصةَ فأخرجه مسلم بزيادة «كلهن فاسق» (١)، وحديث زيد عنه عن إحدى نسوة النبي - ﷺ - بلفظ: أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور والفأرةِ والعقربِ والحدأةِ والغرابِ والحية، قال: وفي الصلاة أيضًا (٢).
وعن ابن جريج عن نافع، عن ابن عمر: سمعت النبي - ﷺ - يقول: «خمسٌ من الدواب لا جناح على من قتلهن في قتلهن: الغراب والحدأةُ والعقربُ والفأرة والكلب العقور» (٣) رواه جماعة عن نافع عن ابن عمر قال: ليس في واحد منهم سمعت النبي - ﷺ -، وفي بعض ألفاظه: «خمسٌ لا جناح في قتل ما قتل منهن في الحرم ..» بمثله (٤)، وفي آخر: «خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح» الحديث (٥). زاد على البخاري إباحة قتل هذِه الدواب في الصلاة، وذكر الحية (٦) ولا سماع ابن عمر من رسول الله - ﷺ - لهذا، وفي بعض ألفاظه: أن رسول الله - ﷺ - قال: «خمس من الدواب من قتلهن وهو محرم فلا جناح عليه العقرب والفأرة والكلب العقور والغراب والحديا» أخرجه في كتاب: بدء الخلق (٧)، ولم يقل في حديث حفصة: كلها فاسق.

-------
(١) مسلم (١١٩٨/ ٦٦).
(٢) مسلم (١٢٠٠/ ٧٥).
(٣) مسلم (١١٩٩/ ٧٧).
(٤) مسلم (١١٩٩/ ٧٨).
(٥) مسلم (١١٩/ ٧٦).
(٦) في هامش الأصل: أخرج معناه البخاري.
(٧) سيأتي برقم (٣٣١٥) باب: خمس من الدواب فواسق يقتلن في الحرم.



وأما حديث عائشة أخرجه مسلم بألفاظ: «أربع كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم: الحدأة والغراب والفأرة والكلب العقور» (١)، «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا» (٢)، «خمس لا جناح على من قتلهن في الحل والإحرام: الفأرة والعقرب والغراب والكلب العقور في الحرم»، (خمس) (٣) وهو الصحيح في حديث عائشة وغيرها «خمس من الدواب كلها فواسق» (٤) «خمس لا جناح على من قتلهن في الحرم والإحرام: الفأرة والعقرب والغراب والحدأة والكلب العقور في الحرم والإحرام» (٥) زاد على البخاري الحل والأبقع والحية وإنما قال: العقرب، وزيد في غير الصحيح «الذئب» أخرجه البيهقي من حديث الحجاج بن أرطاة عن وبرة (٦)، والدارقطني عن نافع قال: سمعت ابن عمر يقول: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الذئب والفأر والحدأة، فقيل: والحية والعقرب؟ فقال: قد كان يقال ذَلِكَ، قال يزيد بن هارون: يعني: المحرم (٧).
قال البيهقي: وقد روينا ذكر الذئب من حديث ابن المسيب مرسلًا جيدًا (٨).

--------
(١) مسلم (١١٩٨/ ٦٦) كتاب الحج، باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب ..
(٢) مسلم (١١٩٨/ ٦٧).
(٣) كذا في (س).
(٤) مسلم (١١٩٨/ ٧١).
(٥) مسلم (١١٩٩/ ٧٢). من حديث ابن عمر.
(٦) «سنن البيهقي» ٥/ ٢١٠ كتاب: الحج، باب: ما للمحرم قتله من دواب البر في الحل والحرم.
(٧) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٢.
(٨) «سنن البيهقي» ٥/ ٢١٠.



قلت: أخرجه ابن أبي شيبة من حديث ابن حرملة عنه (١)، ثم أخرج من حديث وبرة عن ابن عمر: يقتل المحرم الذئب (٢)، وقال سعيد بن جبير: اطرد الذئب عن رحلك وأنت محرم (٣)، وعن قبيصة: يقتل الذئب في الحرم (٤). وقال الحسن وعطاء: يقتل الذئب والأسد (٥)، وعن عمر قال: يقتل المحرم الذئب والحية (٦)، وعن عطاء: يقتلُ الذئب وكل عدو لم يذكر في الكتاب (٧).
وقال إسماعيل في حديث وبرة قال: إن كان محفوظًا فإن ابن عمر جعل الذئب في هذا الموضع كلبًا عقورًا، وهذا غير ممتنع في اللغة، والمعنى.
قال أبو عمر: رواية نافع عن ابن عمر مقتصرة على إباحة قتل الخمسة للمحرم في حال إحرامه في الحل والحرم جميعًا (٨).

----------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٩٥ (١٥٤٧٠ - ١٥٤٧١) كتاب: الحج، في قتل الذئب للمحرم، ورواه عبد الرزاق أيضًا في «المصنف» ٤/ ٤٤٤ (٨٣٨٤) كتاب: المناسك، باب: الصيد وذبحه والتربص به.
(٢) عند ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٦) من حديث ابن أبي ذئب، عن الزهري عن عمر قال: يقتل المحرم الذئب والحية، أما حديث وبرة عن ابن عمر قال: أمر رسول الله - ﷺ - بقتل الذئب للمحرم .. الحديث، فرواه أحمد ٢/ ٣٠، وكذا رواه الدارقطني ٢/ ٢٣٢، والبيهقي في «سننه» ٥/ ٢١٠.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٥ (١٥٤٧٢).
(٤) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٤ - ٤٤٥ (٨٣٨٨)، وابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٥ (١٥٤٧٤)، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٩٨ (٢٢٩٢).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٥).
(٦) السابق ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٦).
(٧) السابق ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٧).
(٨) «التمهيد» ١٥/ ١٥٤.



وفي رواية سالم: «لا جناح على من قتلهن في الحل والحر» (١)، وهذا أعم فدخل فيه المحرم وغيره، ومعلوم أنه ما جاز للمحرم قتله فغيره أولى وأحرى به، لكن لكل وجه منها حكم.
وفي رواية أيوب: قيل لنافع: والحية؟ قال: الحية لا شك في قتلها، وفي لفظ: لا يختلف في قتلها (٢).
قال أبو عمر: وليس كما قال نافع، قد اختلف العلماء في جواز قتل الحية للمحرم، ولكنه شذوذ، وليس في حديث ابن عمر عن أحد من الرواة ذكر الحية، وهو محفوظ من حديث عائشة وأبي سعيد وابن مسعود (٣).
قلت: قد علمت رواية البيهقي السالفة يوضحه قول نافع: الحية لا شك في قتلها، يعني في الحديث الذي رواه عن مولاه، وفي حديث أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا: «خمس قتلهن حلال في الحرم: الحية ..» الحديث (٤). وللترمذي -وقال: حسن- من حديث أبي سعيد مرفوعًا: «يقتل المحرم السبع العادي» (٥)، ولابن ماجه زيادة: «الحية» (٦)، وفي نسخة: «الضاري والفويسقة» فقيل له: لم

----------
(١) رواه مسلم (١١٩٩/ ٧٧).
(٢) «سنن البيهقي» ٥/ ٢٠٩.
(٣) «التمهيد» ١٥/ ١٥٥ - ١٥٦.
(٤) رواه أبو داود (١٨٤٧) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وابن خزيمة ٤/ ١٩٠ (٢٦٦٧)، والبيهقي ٥/ ٢١٠ في الحج، باب ما للمحرم قتله من دواب البر في الحل والحرم، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ١٧٠. والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٢٠)، وانظر «الإرواء» (١٠٣٦).
(٥) الترمذي (٨٣٨)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦٤٣٣).
(٦) ابن ماجه (٣٠٨٩) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم.



قيل لها الفويسقة؟ قال: لأن رسول الله - ﷺ - استيقظ لها، وقد أخذت الفتيلة، لتحرق بها البيت (١)، ولأبي داود ذكر الحية ويرمي الغراب ولا يقتله (٢). وعن ابن عمر: يقتل المحرم الأفعى والأسود، قال: والأسود الحية، وعن محمد بن الحنفية عن علي: يقتل الغراب الأبقع ويرمي الغراب تخويفًا، قال أبو عمر: حديث فيه ضعف، وحديث أبي سعيد لا يحتج به على مثل حديث ابن عمر (٣).
وفي الباب عن ابن عباس أخرجه أحمد بإسناد جيد: «خمسٌ كلهن فاسقة يقتلهن المحرم ويقتلن في الحرم: الحية والفأرة …» الحديث (٤).
قال الشافعي: المعنى في جواز قتل من ذكر؛ لأنهن مما لا يؤكل وكل ما لا يؤكل ولا هو متولد من مأكول فقتله جائز للمحرم ولا فدية عليه.
وقال مالك: المعنى فيهن كونهن مؤذيات وكل مؤذ يجوز للمحرم

-----------
(١) رواه أحمد ٣/ ٧٩ - ٨٠ من حديث أبي سعيد، وكذا رواه البخاري في «الأدب المفرد» (١٢٢٣)، وابن ماجه (٣٠٨٩)، وأبو يعلى ٢/ ٣٩٥ - ٣٩٦ (١١٧٠)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٦٦، والذهبي في «السير» ١٦/ ١٢، وفي «تذكرة الحفاظ» ٣/ ٨٨٨ وقال: حديث غريب من الأفراد الحسان، يقال: إن العسال روى في «معجمه» عن أربع مائة نفس، وقد رأيته اهـ. وقال الهيثمي في «المجمع» ٨/ ١١٢: فيه: يزيد بن أبي زياد، وهو لين، وبقية رجاله رجال الصحيح. وقال البوصيري في «زوائد ابن ماجه» (١٠١٦): هذا إسناد ضعيف؛ يزيد بن أبي زياد، وإن أخرج له مسلم وإنما أخرج له مقرونًا بغيره، ومع ذلك فهو ضعيف، واختلط بأخرة اهـ. وضعفه الألباني في «الأدب المفرد» (١٢٢٣).
(٢) أبو داود (١٨٤٨) كتاب: المناسك، باب: ما يقتل المحرم من الدواب، وقال الحافظ في «التلخيص الحبير» ٢/ ٢٧٤: فيه لفظة منكرة وهي قوله: ويرمي الغراب ولا يقتله. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣١٩).
(٣) «التمهيد» ١٥/ ١٧٤.
(٤) أحمد ١/ ٢٥٧، وصححه الألباني في «صحيح»الجامع" (٣٢٤٦).



قتله، وما لا فلا (١).
ولنتكلم على هذِه الحيوانات واحدًا بعد واحد فنقول:
أولًا: الدابة لغة: كل ما دب ودرج، إلا أنه استعمل في عرفنا في نوع من الحيوان، وقد تستعمل على أصلها مع القرائن التي يتبين المراد منها، وقد نبه - عليه السلام - على جنسها ونوعها؛ فلذلك جاز أن يوقع عليها اسم الحيوانات، والهاء فيها للمبالغة، وفيما يركب أشهر قاله صاحب «المنتهى»، وقال ابن خالويه: ليس في كلام العرب تصغير بالألف الآخر فإن دوابة (تصغيره) (٢) دويبة، وهداهد: بمعنى هديهد، قال ابن سيده: والدابة تقع على المذكر والمؤنث، وحقيقته الصفة (٣).
الغراب: واحد الغربان، وجمعه في القلة: أغربة، قيل: سمي غرابًا؛ لأنه نأى واغترب لمَّا بعثه نوح يستخبر أمر الطوفان، ذكره أبو المعاني، وله جموع ذكرتها في «الإشارات»، قال الجاحظ في «الحيوان»: الغراب الأبقع: غريب، وهو غراب البين، وكل غراب فقد يقال له: غراب البين إذا أرادوا به الشؤم إلا غراب البين نفسه؛ فإنه غرابٌ صغير، وإنما قيل لكل غراب: غراب البين؛ لسقوطه في مواضع منازلهم إذا باتوا، وناس يزعمون أن تسافدها على غير تسافد الطير، وأنها تذاق بالمناقير وتلقح من هنالك (٤). قلت: فيه نظر والظاهر خلافه، وقد أخبرني من عاينه كبني آدم.
وفي «الحيوان» للجاحظ: ليس من الحيوان يتبطن طروقته -أي: يأتيها من جهة بطنها- غير الإنسان والتمساح (٥)، وفي «تفسير

---------
(١)»شرح النووي على مسلم«٨/ ١١٤.
(٢) في الأصل: تصغير، والمثبت من (ج).
(٣)»المحكم«١٠/ ٧.
(٤)»الحيوان" ٣/ ٤٣١.
(٥) السابق ٧/ ٢٤٤.



الواحدي»: والدُّب، وفي «الموعب»: الأبقع: الذي في صدره بياض، وقال ابن سيده: يخالط سواده بياض وهو أخبثها، وبه يضرب المثل لكل خبيث (١).
وعند أبي عمر: هو الذي في بطنه وظهره بياض، وهو تقييد لمطلق الروايات الآخر وبذلك قالت طائفة، فلا يجيزون إلا قتل الأبقع خاصة. ورووا في ذَلِكَ حديثًا عن قتادة، عن ابن المسَّيب، عن عائشة مرفوعًا (٢).
قال ابن بطال: وهذا الحديث لا يعرف من حديث ابن المسيب، ولم يروه عنه غير قتادة وهو مدلس، وثقات أصحاب سعيد من أهل المدينة لا يوجد عندهم مع معارضة حديث ابن عمر وحفصة فلا حجة فيه (٣). وغير هذِه الطائفة رأوا جواز قتل الأبقع وغيره من الغربان، ورأوا أن ذكر الأبقع إنما جرى؛ لأنه الأغلب عندهم، وروي عن عطاء ومجاهد قالا: لا يقتل الغراب ولكن يرمى (٤). وهذا خلاف السنة وإن كان ورد كما سلف.
وفي «الهداية»: المراد بالغراب: آكل الجيف وهو الأبقع، روي ذَلِكَ عن أبي يوسف، وقال ابن العربي: قيل: هو الشديد السواد؛ لأنه أكثر أذى، وذكر ابن قتيبة: أنه سمي فاسقًا فيما أرى؛ لتخلفه حين أرسله نوح يختبر الأرض، فترك أمره ووقع على جيفة (٥)، ويقع أيضًا على دبر البعير، وينقب الغرائر.

--------
(١) «المحكم» ١/ ١٤٨.
(٢) «التمهيد» ١٥/ ١٧٢.
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٩٣.
(٤) «التمهيد» ١٥/ ١٧٤.
(٥) «غريب الحديث» ١/ ٣٢٧.



وأما الذي يأكل الزرع فهو الذي يرمى ولا يقتل، وهو الذي استثناه مالك من جملة الغربان، وفي قتلها قولان للمالكية: المشهور: القتل؛ لعموم الحديث، ومن منع القتل؛ لانتفاء الفسق فيه، وعن أبي مصعب فيما ذكره ابن العربي: قتل الغراب والحدأ، وإن لم يبدأ بالأذى ويؤكل لحمها عند مالك، وروي عنه المنع في الحرم؛ سدًّا لذريعة الاصطياد، قال أبو بكر: وأصل المذهب أن لا يقتل من الطير إلا ما آذى بخلاف غيره فإنه يقتل ابتداء.
والفأرة: واحدة الفئران، وفئرة، ذكره ابن سيده، وفي «الجامع»: أكثر العرب على همزها (١)، ولا خلاف بين العلماء في جواز قتل المحرم لها، كما حكاه ابن المنذر إلا النخعي فإنه منعه من قتلها (٢)، وهو خلاف السنة، وخلاف قول أهل العلم، سميت فويسقة؛ لخروجها على الناس واغتيالها أموالهم بالفساد، وأصل الفسق: الخروج عن الشيء ومنه ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] أي: خرج، وسمي الرجل فاسقًا؛ لانسلاخه من الخير. وقال ابن قتيبة: لا أرى الغراب سمي فاسقًا إلا لتخليه عن أمر نوح حين أرسله، ووقوعه على الجيفة وعصيانه إياه، وحكي عن الفراء: ما أحسب الفأرة سميت فويسقة إلا لخروجها من جحرها على الناس، قال الخطابي: ولا يعجبني واحدٌ من القولين، وقد بقي عليهما أن يقولا مثل ذَلِكَ في الحدأة والكلب، إذا كان هذا النعت (لجميعها) (٣)، وهذا اللقب يلزمها لزومه الغراب والفأرة، وإنما أرادوا -والله أعلم-

----------
(١) «المحكم» ١١/ ٢٤٩ - ٢٥٠.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٣ (١٤٨٢٢) كتاب: الحج، ما يقتل المحرم.
(٣) كذا بالأصل وفي (ج)، وفي «غريب الحديث» للخطابي: يجمعهما.



به الخروج من الحرمة، يقول؛ خمس لا حرمة لهن، ولا بقيا عليهن، ولا فدية على المحرم فيهن إذا أصابهن، وإنما أباح قتلهن دفعًا لعاديهن، وفيه وجه آخر هو أن يكون أراد بتفسيقها تحريم أكلها؛ لقوله تعالى وقد ذكر المحرمات: ﴿ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣]، ويدل على صحة هذا: حديث عائشة مرفوعًا: «الغراب فاسق» فقال رجل من القوم: أيؤكل لحم الغراب؟ قالت: لا ومن يأكله بعد قوله: «فاسق».
وروت عمرة مثله عن عائشة قالت: والله ما هو من الطيبات، تريد قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، ومما يدل على أن الغراب يقذر لحمه قول الشاعر:
ولا سرطان أنهار البريص (١) … فما لحم الغراب لنا بزاد
وقيل: إن الفأرة عمدت إلى حبال سفينة نوح فقطعتها، وإن الشارع رآها تصعد بالفتيلة على السقف، وفي تسمية الخمس بالفواسق قيل: لخروجهن عن السلامة منهن إلى الإضرار والأذى، وقيل: لخروجهن عن الحرمة.
والعقرب: يكون للذكر والأنثى، قاله ابن سيده، قال: وقد يقال للأنثى: عقربة، وللذكر: عقربان (٢). وقال صاحب «المنتهى»: الأنثى عقرباء ممدود غير مصروف، وقيل: العقربان دويبة كثيرة القوائم غير العقرب، وعقربة شاذة، ومكان معقرِب: بكسر الراء، ذو عقارب، وأرض معقربة، وبعضهم يقول: مَعْقَرَةٌ كأنه رد العقرب إلى ثلاثة

--------
(١) انتهى من «غريب الحديث» للخطابي ١/ ٦٠٣ - ٦٠٤ وقد روى حديثي عائشة بسنده، وروى حديث عمرة عن عائشة أيضًا البيهقي في «سننه» ٩/ ٣١٧ كتاب: الضحايا، باب: ما يحرم من جهة ما لا يأكل العرب.
(٢) «المحكم» ٢/ ٢٩٠.



أحرف ثم بني عليه، وفي «الجامع» ذكر العقارب: عقربان، والدابة الكثيرة القوائم: عقربان بتشديد الباء، قال أبو عمر: والعقرب اللدغ، ويتبع الحس، وحكى عن حماد بن أبي سليمان والحكم أن المحرم لا يقتل الحية ولا العقرب، رواه عنهما شعبة؛ وحجتهما أنهما من هوام الأرض، وما أعجبه! فنص السنة بخلافه (١).
والكلب العقور: قال ابن عيينة -فيما حكاه أبو عمر (٢) -: أنه كل سبع يعقر ولم يخص به الكلب، قال سفيان: وفسره لنا زيد بن أسلم، وكذا قال أبو عبيد، وعن أبي هريرة: الكلب العقور: الأسد (٣)، وقد قال - عليه السلام - في عتبة بن أبي لهب: «اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك» فعدا عليه الأسد فقتله (٤)؛ ولأنه مأخوذ من التكلب، والعقور من العقر، وعن مالك: هو كل ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد والنمر والفهد، فأمَّا ما كان من السباع لا يعدو مثل الضبع والثعلب وشبههما فلا يقتله المحرم وإن قتله فداه، وعن ابن القاسم قال: لا بأس بأن يقتل المحرم السباع التي تعدو على الناس وتفترس

---------
(١) «التمهيد» ١٥/ ١٧٠.
(٢) «التمهيد» ١٥/ ١٥٧.
(٣) رواه عبد الرزاق ٤/ ٤٤٣ (٨٣٧٨، ٨٣٧٩) والطحاوي في «شرح المعاني» ٢/ ١٦٤
(٤) رواه ابن قانع في «معجم الصحابة» ٣/ ٢٠٧ من حديث هبار بن الأسود مرفوعًا، والطبراني ٢٢/ ٤٣٥ (١٠٦٠) من حديث قتادة، مرسلًا مطولًا، وأورده الهيثمي ٦/ ١٨ - ١٩ وقال: رواه الطبراني هكذا مرسلًا، وفيه: زهير بن العلاء وهو ضعيف. وفيه: أن النبي قالها لعتبة بن أبي لهب كما ذكره المصنف.
ورواه الحارث بن أبي أسامة كما في «بغية الباحث» (٥٧٢)، وكما في «إتحاف الخيرة» ٤/ ٢٣٠ (٣٤٦٧)، والحاكم ٢/ ٥٣٩ وقال: صحيح الإسناد، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٤٨٨ - ٢٤٨٩ (٦٠٥٠)، ٥/ ٢٩٧٢ (٦٩٢٦) من حديث أبي عقرب الكناني مرفوعًا، لكن فيه أن النبي - ﷺ - قالها للهب بن أبي لهب، والثاني حسنه الحافظ في «الفتح» ٤/ ٣٩.



ابتداء، وأما صغارها التي لا تفترس ولا تعدو فلا ينبغي للمحرم قتلها، ونقل النووي اتفاق العلماء على جواز قتل الكلب العقور للمحرم والحلال في الحل والحرم، قال: واختلفوا في المراد به، فقيل هو الكلب المعروف، حكاه القاضي عياض عن أبي حنيفة والأوزاعي والحسن بن حي، وألحقوا به الذئب (١).
قلتُ: قد ورد منصوصًا كما سلف، وحمل زفر الكلب على الذئب وحده، وذهب الشافعي والثوري وأحمد وجمهور العلماء إلى أن المراد كل مفترس غالبًا (٢).
فائدة:
قال أبو المعاني: جمع الكلب: أكلب وكلاب وكليب، وهو جمع عزيز لا يكاد يوجد إلا للقليل نحو عبد وعبيد، وجمع الأغلب: أكالب.
وقال ابن سيده: قد قالوا في جمع كلاب: كلابات قال:
أحب كلب في كلابات الناس … إليَّ نبحًا كلب أم العباس (٣)
والكالب كالحامل جماعة الكلاب، والكلبة أنثى الكلاب، وجمعها: كلبات ولا تكسر.
أخرى: في «الحيوان» للجاحظ تعداد معايب الكلاب ومثالبها:
خبثها وجبنها وضعفها وشرهها وغدرها وبذاؤها وجهلها وقذرها وكثرة جنايتها وقلة ردها، ومن ضرب المثل في لؤمها ونذالتها وقبحها وقبح معاظلتها وسماجة نباحها، وكثرة أذاها وتقزز الناس من دنوها، وأنها

-----------
(١) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١٤، «إكمال المعلم» ٤/ ٢٠٤. وليس في «الإكمال» حكايته عن أبي حنيفة والأوزاعي والحسن بن حي.
(٢) «مسلم بشرح النووي» ٨/ ١١٤ - ١١٥.
(٣) انتهى من «الحيوان» ١/ ٢٢٢ - ٢٢٧ بتصرف.



كالخلق المركب، والحيوان الملفق، وكالبغل في الدواب، وكالراعبي في الحمام، وأنها لا سبع ولا بهيمة ولا جنية ولا إنسية، وأنها من الحن دون الجن، وأنها مطايا الجن ونوع من المسخ، وتنبش القبور، وتأكل الموتى، وأنها يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس وإن جلده منتن إذا أصابه مطر، قال روح بن زنباع في أم جعفر زوجته:
وريحها ريح كلب مسه مطر … ريح الكرائم معروف له أرج
فالكلب يأكل العذرة، ويقال في المثل: أبخل من كلب على جيفة، ويشغر ببوله في جوف أنفه ويسدده تلقاء خيشومه (١).
والحية: الأفعى كما جاء في رواية، قال عمر: هن عدو فاقتلوهن (٢)، وفي رواية: حيث وجدتموها، قاله لمعتمرٍ ولمحرم (٣)، وقال زيد بن أسلم: أي كلب أعقر منها (٤). وعن مالك: لا يقتل المحرم قردًا
ولا خنزيرًا ولا الحية الصغيرة (٥).
وقال ابن بطال: أجاز مالك قتل الأفعى وهي داخلة عنده في معنى الكلب العقور، قال: وأجمع العلماء على جواز قتلها في الحل والحرم (٦). وأما نهيه - عليه السلام - عن قتل حيات البيوت (٧)، فأخذ بعض السلف بظاهره، وقد قال - عليه السلام - فيما رواه ابن مسعود: «اقتلوا الحيات كلهن،

----------
(١) رواه عبد الرزاق في»المصنف«٤/ ٤٠٣ (٨٢٢١).
(٢) رواه البيهقي ٥/ ٢١١ كتاب: الحج، باب: ما للمحرم قتله ..
(٣)»المحكم«٧/ ٣٤.
(٤)»سنن البيهقي«٥/ ٢١١.
(٥)»شرح ابن بطال«٤/ ٤٩٢، ٤٩٣.
(٦) سيأتي برقم (٣٣١٢ - ٣٣١٣)، ورواه مسلم (٢٢٣٣) من حديث ابن عمر.
(٧) رواه أبو داود (٥٢٤٩)، والنسائي ٦/ ٥١، والطبراني ١٠/ ١٧٠ (١٠٣٥٥)، وابن عبد البر في»التمهيد«١٦/ ٢٤. وصححه الألباني في»صحيح الجامع" (١١٤٩).



فمن خاف ثأرهن فليس مني» (١) وروي هذا القول عن عمر وابن مسعود (٢).
وقال آخرون: لا ينبغي قتل عوامر البيوت وسكانها إلا بعد مناشدة العهد الذي أخذه عليهن، فإن ثبت بعد النشدة قتل حذار الإصابة، فيلحقه ما لحق الفتى المعرس بأهله حيث وجد حية على فراشه فقتلها قبل مناشدته إياها، واعتلَّوا بحديث أبي سعيد مرفوعًا: «إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإن رأيتم منها شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذَلِكَ فاقتلوه» (٣) ولا تخالف بينها، وربما تمثل بعض الجن ببعض صور الحيات فيظهر لأعين بني آدم.
كما روى ابن أبي مليكة عن عائشة بنت طلحة: أن عائشة أم المؤمنين: رأت في مغتسلها حية فقتلتها فأتيت في منامها، فقيل لها: إنك قتلت مسلمًا، فقالت: لو كان مسلمًا ما دخل على أمهات المؤمنين، فقيل: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك، فأصبحت فزعة ففرقت في المساكين اثني عشر ألفًا (٤)، وخص ابن نافع الإنذار

---------
(١) رواه عن عمر عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ٤٤٣ (٨٣٨٢)، وابن أبي شيبة ٤/ ٢٦٦ (١٩٨٩٦). ورواه عن ابن مسعود ٤/ ٢٦٧ (١٩٩٠٠).
(٢) «المنتقى» ٢/ ٢٦٣.
(٣) رواه مسلم (٢٢٣٦) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٦/ ١٨٢ (٣٠٥٠٥) كتاب: الرؤيا، رؤيا عائشة رضي الله عنها، وأبو الشيخ في «العظمة» (١١١٤) بإسقاط عائشة بنت طلحة، وأبو نعيم في «الحلية» ٢/ ٤٩، وابن عبد البر في «التمهيد» ١١/ ١١٨، والذهبي في «تذكرة الحفاظ» ١/ ٢٩، وذكره كذلك في «سير أعلام النبلاء» ٢/ ١٩٦ - ١٩٧ من طريقين: الأول: عن يحيى بن سعيد القطان، حدثنا أبو يونس -حاتم بن أبي صغيرة- عن ابن أبي مليكة .. به، الثاني: عفيف بن سالم، عن عبد الله بن المؤمل عن عبد الله بن أبي مليكة .. به، وقال: رواه عبد الله بن أحمد بن حنبل عن عفيف، وهو ثقة، وابن المؤمل فيه ضعف، والإسناد الأول أصح.



بالمدينة على ظاهر الحديث.
وقال مالك: أحب إليَّ أن ينذر بالمدينة وغيرها وهو بالمدينة أوجب، ولا ينذر في الصحاري (١)، وقال غيره: بالتسوية بين المدينة وغيرها؛ لأن العلة إسلام الجن ولا يحل قتل مسلم جني ولا إنسي، ومما يؤكد قتل الحية ما ذكره البخاري في الباب عن ابن مسعود: أنه - عليه السلام - لما رأى الحية بمنى قال: «اقتلوه» وعند مسلم: أمر محرمًا بقتل حية بمنى (٢).
ووقع في تفسير سورة المرسلات: قال البخاري: وقال ابن
إسحاق (٣)، كذا في أكثر النسخ، وكذا ذكره أبو نعيم في «مستخرجه» وسماه محمد بن إسحاق، وفي بعض نسخ البخاري: وقال أبو إسحاق: يعني السبيعي، وقال أيضًا في التفسير: وقال أبو معاوية معلقًا (٤)، وهو عند مسلم موصولًا: حَدَّثَنَا يحيى بن يحيى وغيره، عن أبي معاوية به (٥). وللدارقطني من حديث زر عن عبد الله مرفوعًا: «من قتل حية أو عقربا فقد قتل كافرًا» وقال: الموقوف أشبه بالصواب (٦).
والوزغ جمع: وزغة، ويجمع أيضًا على وزغان وأزغان على البدل، قال ابن سيده: وعندي أن الوزغان إنما هو جمع وزغ الذي هو جمع وزغة (٧)، وقال الجوهري: الجمع أوزاغ (٨). وقال في «المغيث»:

---------
(١) مسلم (٢٢٣٥) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها.
(٢) «المنتقى» ٧/ ٣٠٠، ٣٠١.
(٣) سيأتي بعد حديث (٤٩٢١) في التفسير.
(٤) سيأتي بعد حديث (٤٩٣١).
(٥) مسلم (٢٢٣٤) كتاب: السلام، باب: قتل الحيات وغيرها.
(٦) «علل الدارقطني» ٥/ ٧٤ - ٧٥.
(٧) «المحكم» ٦/ ٢٨.
(٨) «الصحاح» ٤/ ١٣٢٨.



الجمع وازع، قيل: سُمي سام أبرص وزغًا لخفته وسرعة حركته (١).
قال أبو حنيفة: إن قتل المحرم غير الكلب العقور والحية والعقرب والغراب والحدأة والذئب ففيه الجزاء إلا أن يكون ابتدأته، فلا جزاء عليه فيها، ويقتل القردان عن بعيره ولا شيء عليه، وقال زفر: سواء ابتدأته السباع أم لا، عليه الجزاء فيما قتل منها (٢).
وقال الطحاوي: لا يقتل المحرم الحية ولا الوزغ ولا شيئًا غير الحدأة والغراب والعقرب والكلب العقور والفأرة.
وعند مالك: يقتل جميع سباع ذوات الأربع إلا أنه كره قتل الغراب والحدأة إلا أن يؤذيا، ولا يجوز له قتل الثعلب والهر الوحشي، وفيهما الجزاء إلا إن ابتدأه بالأذى، ولا يقتل الوزغ ولا البعوض ولا قردان بعيره خاصة، فإن قتله أطعم شيئًا، وإن قتل شيئًا من سباع الطير فعليه الجزاء، ويقتل القراد إذا وجده على نفسه، واختلف في صغار الفئران، ولا يقتل القمل، فإن قتلها أطعم شيئًا، وعند الشافعي: في الثعلب الجزاء (٣).
قال ابن حزم: روى وكيع عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء قال: اقتل من السباع ما عدا عليك وما لم يعد وأنت محرم (٤).
ومن طريق سويد بن غفلة قال: أمرنا عمر بن الخطاب بقتل الزنبور

---------
(١) «المغيث» ٣/ ٤١٠.
(٢) حكاه ابن حزم عن أبي حنيفة «المحلى» ٧/ ٢٣٩.
(٣) «المحلى» ٧/ ٢٣٩.
(٤) «المحلى» ٧/ ٢٤٤، ورواه الأزرقي في «أخبار مكة» ٢/ ١٤٩ عن ابن جريج قال: قال عطاء: لكل عدو لك لم يذكر لك قتله فاقتله وأنت حرم، والفاكهي في «أخبار مكة» ٣/ ٣٩٧ عن ابن جريج أيضًا.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 448.32 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 442.48 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.30%)]