تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى - الصفحة 35 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         بوصلة النيّة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          فقه الاستدراك: ﴿إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          الإنصات للخطبة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          أجر قراءة القرآن في الصلاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          حين أخطأ شيخي ! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          الاستمرارية هي سر النجاح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5169 - عددالزوار : 2477807 )           »          يوم بلا عمل ! (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4763 - عددالزوار : 1805845 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 279 - عددالزوار : 6622 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير > هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن
التسجيل التعليمـــات التقويم

هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-08-2024, 11:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةِ الْأَعْرَافِ
من صــ 296 الى صــ 305
الحلقة (337)




[ ص: 296 ] قوله تعالى أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : أولم ينظروا عجب من إعراضهم عن النظر في آياته ; ليعرفوا كمال قدرته ، حسب ما بيناه في سورة " البقرة " . والملكوت من أبنية المبالغة ومعناه الملك العظيم .

الثانية : استدل بهذه الآية - وما كان مثلها من قوله تعالى : قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وقوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وقوله : أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت الآية . وقوله : وفي أنفسكم أفلا تبصرون - من قال بوجوب النظر في آياته والاعتبار بمخلوقاته . قالوا : وقد ذم الله تعالى من لم ينظر ، وسلبهم الانتفاع بحواسهم فقال : لهم قلوب لا يفقهون بها الآية .

وقد اختلف العلماء في أول الواجبات ، هل هو النظر والاستدلال ، أو الإيمان الذي هو التصديق الحاصل في القلب الذي ليس من شرط صحته المعرفة . فذهب القاضي وغيره إلى أن أول الواجبات النظر والاستدلال ; لأن الله تبارك وتعالى لا يعلم ضرورة ، وإنما يعلم بالنظر والاستدلال بالأدلة التي نصبها لمعرفته . وإلى هذا ذهب البخاري رحمه الله حيث بوب في كتابه باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل : فاعلم أنه لا إله إلا الله . قال القاضي : من لم يكن عالما بالله فهو جاهل ، والجاهل به كافر . قال ابن رشد في مقدماته : وليس هذا بالبين ; لأن الإيمان يصح باليقين الذي قد يحصل لمن هداه الله بالتقليد ، وبأول وهلة من الاعتبار بما أرشد الله إلى الاعتبار به في غير ما آية . قال : وقد استدل الباجي على من قال إن النظر والاستدلال أول الواجبات بإجماع المسلمين في جميع الأعصار على تسمية العامة والمقلد مؤمنين . قال : فلو كان ما ذهبوا إليه صحيحا لما صح أن يسمى مؤمنا إلا من عنده علم بالنظر والاستدلال . قال : وأيضا فلو كان الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال لجاز للكفار إذا غلب عليهم المسلمون أن يقولوا لهم : لا يحل لكم قتلنا ; لأن من دينكم أن الإيمان لا يصح إلا بعد النظر والاستدلال فأخرونا حتى ننظر ونستدل . قال : وهذا يؤدي إلى تركهم على كفرهم ، وألا يقتلوا حتى ينظروا ويستدلوا .

[ ص: 297 ] قلت : هذا هو الصحيح في الباب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله . وترجم ابن المنذر في كتاب الأشراف " ذكر صفة كمال الإيمان " أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن الكافر إذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، وأن كل ما جاء به محمد حق ، وأبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام - وهو بالغ صحيح العقل - أنه مسلم . وإن رجع بعد ذلك وأظهر الكفر كان مرتدا يجب عليه ما يجب على المرتد . وقال أبو حفص الزنجاني وكان شيخنا القاضي أبو جعفر أحمد بن محمد السمناني يقول : أول الواجبات الإيمان بالله وبرسوله وبجميع ما جاء به ، ثم النظر والاستدلال المؤديان إلى معرفة الله تعالى ; فيتقدم وجوب الإيمان بالله تعالى عنده على المعرفة بالله . قال : وهذا أقرب إلى الصواب وأرفق بالخلق ; لأن أكثرهم لا يعرفون حقيقة المعرفة والنظر والاستدلال . فلو قلنا : إن أول الواجبات المعرفة بالله لأدى إلى تكفير الجم الغفير والعدد الكثير ، وألا يدخل الجنة إلا آحاد الناس ، وذلك بعيد ; لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قطع بأن أكثر أهل الجنة أمته ، وأن أمم الأنبياء كلهم صف واحد وأمته ثمانون صفا . وهذا بين لا إشكال فيه . والحمد لله .

الثالثة : ذهب بعض المتأخرين والمتقدمين من المتكلمين إلى أن من لم يعرف الله تعالى بالطرق التي طرقوها والأبحاث التي حرروها لم يصح إيمانه وهو كافر ; فيلزم على هذا تكفير أكثر المسلمين ، وأول من يبدأ بتكفيره آباؤه وأسلافه وجيرانه . وقد أورد على بعضهم هذا فقال : لا تشنع علي بكثرة أهل النار . أو كما قال . قلت : وهذا القول لا يصدر إلا من جاهل بكتاب الله وسنة نبيه ; لأنه ضيق رحمة الله الواسعة على شرذمة يسيرة من المتكلمين ، واقتحموا في تكفير عامة المسلمين . أين هذا من قول الأعرابي الذي كشف عن فرجه ليبول ، وانتهره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم ارحمني ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لقد حجرت واسعا . خرجه البخاري والترمذي وغيرهما من الأئمة . أترى هذا الأعرابي عرف الله بالدليل والبرهان والحجة [ ص: 298 ] والبيان ؟ وأن رحمته وسعت كل شيء ، وكم من مثله محكوم له بالإيمان . بل اكتفى صلى الله عليه وسلم من كثير ممن أسلم بالنطق بالشهادتين ، وحتى إنه اكتفى بالإشارة في ذلك . ألا تراه لما قال للسوداء : أين الله ؟ قالت : في السماء . قال : من أنا ؟ قالت : أنت رسول الله . قال : أعتقها فإنها مؤمنة . ولم يكن هناك نظر ولا استدلال ، بل حكم بإيمانهم من أول وهلة ، وإن كان هناك عن النظر والمعرفة غفلة . والله أعلم .

الرابعة : ولا يكون النظر أيضا والاعتبار في الوجوه الحسان من المرد والنسوان . قال أبو الفرج الجوزي : قال أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري بلغني عن هذه الطائفة التي تسمع السماع أنها تضيف إليه النظر إلى وجه الأمرد ، وربما زينته بالحلي والمصبغات من الثياب ، وتزعم أنها تقصد به الازدياد في الإيمان بالنظر والاعتبار والاستدلال بالصنعة على الصانع . وهذه النهاية في متابعة الهوى ومخادعة العقل ومخالفة العلم . قال أبو الفرج : وقال الإمام أبو الوفاء بن عقيل لم يحل الله النظر إلا على صورة لا ميل للنفس إليها ، ولا حظ للهوى فيها ; بل عبرة لا يمازجها شهوة ، ولا يقارنها لذة . ولذلك ما بعث الله سبحانه امرأة بالرسالة ، ولا جعلها قاضيا ولا إماما ولا مؤذنا ; كل ذلك لأنها محل شهوة وفتنة . فمن قال : أنا أجد من الصور المستحسنة عبرا كذبناه . وكل من ميز نفسه بطبيعة تخرجه عن طباعنا كذبناه ، وإنما هذه خدع الشيطان للمدعين . وقال بعض الحكماء : كل شيء في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير ، ولذلك قال تعالى : لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وقال : وفي أنفسكم أفلا تبصرون . وقد بينا وجه التمثيل في أول الأنعام . فعلى العاقل أن ينظر إلى نفسه ويتفكر في خلقه من حين كونه ماء دافقا إلى كونه خلقا سويا ، يعان بالأغذية ويربى بالرفق ، ويحفظ باللين حتى يكتسب القوى ، ويبلغ الأشد . وإذا هو قد قال : أنا ، وأنا ، ونسي حين أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، وسيعود مقبورا ; فيا ويحه إن كان محسورا . قال الله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين إلى قوله : [ ص: 299 ] تبعثون فينظر أنه عبد مربوب مكلف ، مخوف بالعذاب إن قصر ، مرتجيا بالثواب إن ائتمر ، فيقبل على عبادة مولاه فإنه وإن كان لا يراه يراه ولا يخشى الناس والله أحق أن يخشاه ، ولا يتكبر على أحد من عباد الله ; فإنه مؤلف من أقذار ، مشحون من أوضار ، صائر إلى جنة إن أطاع أو إلى نار . وقال ابن العربي : وكان شيوخنا يستحبون أن ينظر المرء في الأبيات الحكمية التي جمعت هذه الأوصاف العملية :
كيف يزهو من رجيعه أبد الدهر ضجيعه

فهو منه وإليه وأخوه ورضيعه

وهو يدعوه إلى الحش بصغر فيطيعه


قوله تعالى وما خلق الله من شيء معطوف على ما قبله ; أي وفيما خلق الله من الأشياء .

وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم أي وفي آجالهم التي عسى أن تكون قد قربت ; فهو في موضع خفض معطوف على ما قبله . وقال ابن عباس : أراد باقتراب الأجل يوم بدر ويوم أحد .

فبأي حديث بعده يؤمنون أي بأي قرآن غير ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم يصدقون . وقيل : الهاء للأجل ، على معنى بأي حديث بعد الأجل يؤمنون حين لا ينفع الإيمان ; لأن الآخرة ليست بدار تكليف .

من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون

بين أن إعراضهم لأن الله أضلهم . وهذا رد على القدرية .

ويذرهم في طغيانهم بالرفع على الاستئناف . وقرئ بالجزم حملا على موضع الفاء وما بعدها .

يعمهون أي يتحيرون . وقيل : يترددون . وقد مضى في أول " البقرة " مستوفى .

قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون

[ ص: 300 ] قوله تعالى يسألونك عن الساعة أيان مرساها أيان سؤال عن الزمان ; مثل متى . قال الراجز :
أيان تقضي حاجتي أيانا أما ترى لنجحها أوانا
وكانت اليهود تقول للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت نبيا فأخبرنا عن الساعة متى تقوم . وروي أن المشركين قالوا ذلك لفرط الإنكار .

ومرساها في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه ، والخبر : أيان . وهو ظرف مبني على الفتح ، بني لأن فيه معنى الاستفهام . ومرساها بضم الميم ، من أرساها الله ، أي أثبتها ، أي متى مثبتها ، أي متى وقوعها . وبفتح الميم من رست ، أي ثبتت ووقفت ; ومنه وقدور راسيات . قال قتادة : أي ثابتات .

قل إنما علمها عند ربي ابتداء وخبر ، أي لم يبينها لأحد ; حتى يكون العبد أبدا على حذر

لا يجليها أي لا يظهرها . لوقتها أي في وقتها إلا هو والتجلية : إظهار الشيء ; يقال : جلا لي فلان الخبر إذا أظهره وأوضحه .

ثقلت في السماوات والأرض خفي علمها على أهل السماوات والأرض . وكل ما خفي علمه فهو ثقيل على الفؤاد . وقيل : كبر مجيئها على أهل السماوات والأرض ; عن الحسن وغيره . ابن جريج والسدي : عظم وصفها على أهل السماوات والأرض . وقال قتادة : وغيره : المعنى لا تطيقها السماوات والأرض لعظمها : لأن السماء تنشق والنجوم تتناثر والبحار تنضب . وقيل : المعنى ثقلت المسألة عنها .

لا تأتيكم إلا بغتة أي فجأة ، مصدر في موضع الحال

يسألونك كأنك حفي عنها أي عالم بها كثير السؤال عنها . قال ابن فارس : الحفي العالم بالشيء . والحفي : المستقصي في السؤال . قال الأعشى :
فإن تسألي عني فيا رب سائل حفي عن الأعشى به حيث أصعدا
يقال : أحفى في المسألة وفي الطلب ، فهو محف وحفي على التكثير ، مثل مخصب وخصيب . قال محمد بن يزيد : المعنى يسألونك كأنك حفي بالمسألة عنها ، أي ملح . يذهب إلى أنه ليس في الكلام تقديم وتأخير . وقال ابن عباس وغيره : هو على التقديم والتأخير ، والمعنى : يسألونك عنها كأنك حفي بهم أي حفي ببرهم وفرح بسؤالهم . وذلك لأنهم قالوا : بيننا وبينك قرابة فأسر إلينا بوقت الساعة .

قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون ليس هذا تكريرا ، ولكن أحد العلمين لوقوعها والآخر لكنهها .

قوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون

قوله تعالى قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا أي لا أملك أن أجلب إلى نفسي خيرا ولا أدفع عنها شرا ; فكيف أملك علم الساعة . وقيل : لا أملك لنفسي الهدى والضلال .

إلا ما شاء الله في موضع نصب بالاستثناء . والمعنى : إلا ما شاء الله أن يملكني ويمكنني منه . وأنشد سيبويه :
مهما شاء بالناس يفعل


ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير المعنى لو كنت أعلم ما يريد الله عز وجل مني من قبل أن يعرفنيه لفعلته . وقيل : لو كنت أعلم متى يكون لي النصر في الحرب لقاتلت فلم أغلب . وقال ابن عباس : لو كنت أعلم سنة الجدب لهيأت لها في زمن الخصب ما يكفيني . وقيل : المعنى لو كنت أعلم التجارة التي تنفق لاشتريتها وقت كسادها . وقيل : المعنى لو كنت أعلم متى أموت لاستكثرت من العمل الصالح ; عن الحسن وابن جريج . وقيل : المعنى لو كنت أعلم الغيب لأجبت عن كل ما أسأل عنه . وكله مراد ، والله أعلم .

وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون هذا استئناف كلام ، أي ليس بي جنون ، لأنهم نسبوه إلى الجنون . وقيل : هو متصل ، والمعنى لو علمت الغيب لما مسني سوء ولحذرت ، ودل على هذا قوله تعالى : إن أنا إلا نذير مبين .

قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون

[ ص: 302 ] فيه سبع مسائل :

الأولى : قوله تعالى هو الذي خلقكم من نفس واحدة قال جمهور المفسرين : المراد بالنفس الواحدة آدم وجعل منها زوجها يعني حواء ليسكن إليها ليأنس بها ويطمئن ، وكان هذا كله في الجنة .

فلما تغشاها ثم ابتدأ بحالة أخرى هي في الدنيا بعد هبوطهما فقال : فلما تغشاها كناية عن الوقاع . حملت حملا خفيفا كل ما كان في بطن أو على رأس شجرة فهو حمل بالفتح . وإذا كان على ظهر أو على رأس فهو حمل بالكسر . وقد حكى يعقوب في حمل النخلة الكسر . وقال أبو سعيد السيرافي : يقال في حمل المرأة حمل وحمل ، يشبه مرة لاستبطانه بحمل المرأة ، ومرة لبروزه وظهوره بحمل الدابة . والحمل أيضا مصدر حمل عليه يحمل حملا : إذا صال .

فمرت به يعني المني ; أي استمرت بذلك الحمل الخفيف . يقول : تقوم وتقعد وتقلب ، ولا تكترث بحمله إلى أن ثقل ; عن الحسن ومجاهد وغيرهما . وقيل : المعنى فاستمر بها الحمل ، فهو من المقلوب ; كما تقول : أدخلت القلنسوة في رأسي . وقرأ عبد الله بن عمر " فمارت به " بألف والتخفيف ; من مار يمور إذا ذهب وجاء وتصرف . وقرأ ابن عباس ويحيى بن يعمر " فمرت به " خفيفة من المرية ، أي شكت فيما أصابها ; هل هو حمل أو مرض ، أو نحو ذلك .

الثانية : قوله تعالى فلما أثقلت صارت ذات ثقل ; كما تقول : أثمر النخل . وقيل : دخلت في الثقل ; كما تقول : أصبح وأمسى .

دعوا الله ربهما الضمير في دعوا عائد على آدم وحواء . وعلى هذا القول ما روي في قصص هذه الآية أن حواء لما حملت أول حمل لم تدر ما هو . وهذا يقوي قراءة من قرأ " فمرت به " بالتخفيف . فجزعت بذلك ; فوجد إبليس السبيل إليها . قال الكلبي : إن إبليس أتى حواء في صورة رجل لما أثقلت في أول ما حملت فقال : ما هذا الذي في بطنك ؟ قالت : ما أدري ! قال : إني أخاف أن يكون بهيمة . فقالت ذلك لآدم عليه السلام . فلم يزالا في هم من ذلك . ثم عاد إليها فقال : هو من الله بمنزلة ، فإن دعوت الله فولدت إنسانا أفتسمينه بي ؟ قالت نعم . قال : فإني أدعو الله . فأتاها وقد ولدت فقال : سميه باسمي . فقالت : وما اسمك ؟ قال : الحارث - ولو سمى لها نفسه لعرفته - فسمته عبد الحارث . ونحو هذا مذكور من ضعيف الحديث ، في الترمذي [ ص: 303 ] وغيره . وفي الإسرائيليات كثير ليس لها ثبات ; فلا يعول عليها من له قلب ، فإن آدم وحواء عليهما السلام وإن غرهما بالله الغرور فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين ، على أنه قد سطر وكتب : قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خدعهما مرتين خدعهما في الجنة وخدعهما في الأرض . وعضد هذا بقراءة السلمي " أتشركون " بالتاء .

ومعنى " صالحا " يريد ولدا سويا .

فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما واختلف العلماء في تأويل الشرك المضاف إلى آدم وحواء ، وهي :

الثالثة : قال المفسرون : كان شركا في التسمية والصفة ، لا في العبادة والربوبية . وقال أهل المعاني : إنهما لم يذهبا إلى أن الحارث ربهما بتسميتهما ولدهما عبد الحارث ، لكنهما قصدا إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد فسمياه به كما يسمي الرجل نفسه عبد ضيفه على جهة الخضوع له ، لا على أن الضيف ربه ; كما قال حاتم :
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما في إلا تيك من شيمة العبد
وقال قوم : إن هذا راجع إلى جنس الآدميين والتبيين عن حال المشركين من ذرية آدم عليه السلام ، وهو الذي يعول عليه . فقوله : جعلا له يعني الذكر والأنثى الكافرين ، ويعني به الجنسين . ودل على هذا فتعالى الله عما يشركون ولم يقل يشركان . وهذا قول حسن . وقيل : المعنى هو الذي خلقكم من نفس واحدة من هيئة واحدة وشكل واحد وجعل منها زوجها أي من جنسها فلما تغشاها يعني الجنسين . وعلى هذا القول لا يكون لآدم وحواء ذكر في الآية ; فإذا آتاهما الولد صالحا سليما سويا كما أراداه صرفاه عن الفطرة إلى الشرك ، فهذا فعل المشركين . قال صلى الله عليه وسلم ما من مولود إلا يولد على الفطرة - في رواية : على هذه الملة - وأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه . قال عكرمة : لم يخص بها [ ص: 304 ] آدم ، ولكن جعلها عامة لجميع الخلق بعد آدم . وقال الحسين بن الفضل : وهذا أعجب إلى أهل النظر ; لما في القول الأول من المضاف من العظائم بنبي الله آدم . وقرأ أهل المدينة وعاصم " شركا " على التوحيد . وأبو عمرو وسائر أهل الكوفة بالجمع ، على مثل فعلاء ، جمع شريك . وأنكر الأخفش سعيد القراءة الأولى ، وهي صحيحة على حذف المضاف ، أي جعلا له ذا شرك ; مثل " واسأل القرية " فيرجع المعنى إلى أنهم جعلوا له شركاء .

الرابعة : ودلت الآية على أن الحمل مرض من الأمراض . روى ابن القاسم ويحيى عن مالك قال : أول الحمل يسر وسرور ، وآخره مرض من الأمراض . وهذا الذي قاله مالك : " إنه مرض من الأمراض " يعطيه ظاهر قوله : دعوا الله ربهما وهذه الحالة مشاهدة في الحمال ، ولأجل عظم الأمر وشدة الخطب جعل موتها شهادة ; كما ورد في الحديث . وإذا ثبت هذا من ظاهر الآية فحال الحامل حال المريض في أفعاله . ولا خلاف بين علماء الأمصار أن فعل المريض فيما يهب ويحابي في ثلثه . وقال أبو حنيفة والشافعي : وإنما يكون ذلك في الحامل بحال الطلق ، فأما قبل ذلك فلا . واحتجوا بأن الحمل عادة والغالب فيه السلامة . قلنا : كذلك أكثر الأمراض غالبه السلامة ، وقد يموت من لم يمرض . الخامسة : قال مالك : إذا مضت للحامل ستة أشهر من يوم حملت لم يجز لها قضاء في مالها إلا في الثلث . ومن طلق زوجته وهي حامل طلاقا بائنا فلما أتى عليها ستة أشهر فأراد ارتجاعها لم يكن له ذلك ; لأنها مريضة ونكاح المريضة لا يصح . قال يحيى : وسمعت مالكا يقول في الرجل يحضر القتال : إنه إذا زحف في الصف للقتال لم يجز له أن يقضي في ماله شيئا إلا في الثلث ، وإنه بمنزلة الحامل والمريض المخوف عليه ما كان بتلك الحال . ويلتحق بهذا المحبوس للقتل في قصاص . وخالف في هذا أبو حنيفة والشافعي وغيرهما . قال ابن العربي : وإذا استوعبت النظر لم ترتب في أن المحبوس على القتل أشد حالا من المريض ، وإنكار ذلك غفلة في النظر ; فإن سبب الموت موجود عندهما ، كما أن المرض سبب الموت ، قال الله تعالى : ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون . وقال رويشد الطائي :
يا أيها الراكب المزجي مطيته سائل بني أسد ما هذه الصوت
وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا قولا يبرئكم إني أنا الموت
[ ص: 305 ] ومما يدل على هذا قوله تعالى : إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر . فكيف يقول الشافعي وأبو حنيفة : الحال الشديدة إنما هي المبارزة ; وقد أخبر الله عز وجل عن مقاومة العدو وتداني الفريقين بهذه الحالة العظمى من بلوغ القلوب الحناجر ، ومن سوء الظنون بالله ، ومن زلزلة القلوب واضطرابها ; هل هذه حالة ترى على المريض أم لا ؟ هذا ما لا يشك فيه منصف ، وهذا لمن ثبت في اعتقاده ، وجاهد في الله حق جهاده ، وشاهد الرسول وآياته ; فكيف بنا ؟

السابعة : وقد اختلف علماؤنا في راكب البحر وقت الهول ; هل حكمه حكم الصحيح أو الحامل . فقال ابن القاسم : حكمه حكم الصحيح . وقال ابن وهب وأشهب : حكمه حكم الحامل إذا بلغت ستة أشهر . قال القاضي أبو محمد : وقولهما أقيس ; لأنها حالة خوف على النفس كإثقال الحمل . قال ابن العربي : وابن القاسم لم يركب البحر ، ولا رأى دودا على عود . ومن أراد أن يوقن بالله أنه الفاعل وحده لا فاعل معه ، وأن الأسباب ضعيفة لا تعلق لموقن بها ، ويتحقق التوكل والتفويض فليركب البحر .

قوله تعالى أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون قوله تعالى أيشركون ما لا يخلق شيئا أي أيعبدون ما لا يقدر على خلق شيء .

وهم يخلقون أي الأصنام مخلوقة . وقال : يخلقون بالواو والنون لأنهم اعتقدوا أن الأصنام تضر وتنفع ، فأجريت مجرى الناس ; كقوله : في فلك يسبحون ياأيها النمل ادخلوا مساكنكم .

ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون أي إن الأصنام ، لا تنصر ولا تنتصر .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 26-08-2024, 11:09 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةِ الْأَعْرَافِ
من صــ 306 الى صــ 315
الحلقة (338)




قوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون [ ص: 306 ] قوله تعالى وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم قال الأخفش : أي وإن تدعوا الأصنام إلى الهدى لا يتبعوكم .

سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون قال أحمد بن يحيى : لأنه رأس آية . يريد أنه قال : أم أنتم صامتون ولم يقل أم صمتم . وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد . وقيل : المراد من سبق في علم الله أنه لا يؤمن . وقرئ " لا يتبعوكم " مشددا ومخففا ، لغتان بمعنى . وقال بعض أهل اللغة : " أتبعه " - مخففا - إذا مضى خلفه ولم يدركه . و " اتبعه " - مشددا - إذا مضى خلفه فأدركه .

قوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها قل ادعوا شركاءكم ثم كيدون فلا تنظرون إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين

قوله تعالى إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم حاجهم في عبادة الأصنام . تدعون : تعبدون . وقيل : تدعونها آلهة . " من دون الله " أي من غير الله . وسميت الأوثان عبادا لأنها مملوكة لله مسخرة . الحسن : المعنى أن الأصنام مخلوقة أمثالكم .

" فادعوهم " ولما اعتقد المشركون أن الأصنام تضر وتنفع أجراها مجرى الناس فقال : " فادعوهم " ولم يقل فادعوهن . وقال : " عباد " ، وقال : " إن الذين " ولم يقل إن التي . ومعنى " فادعوهم " أي فاطلبوا منهم النفع والضر .

فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أن عبادة الأصنام تنفع . وقال ابن عباس : معنى فادعوهم فاعبدوهم .

ثم وبخهم الله تعالى وسفه عقولهم فقال : ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها أم لهم آذان يسمعون بها الآية . أي أنتم أفضل منهم فكيف تعبدونهم . والغرض بيان جهلهم ; لأن المعبود يتصف بالجوارح . وقرأ سعيد بن جبير : " إن الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم " بتخفيف " إن " وكسرها لالتقاء الساكنين ، ونصب " عبادا " بالتنوين ، " أمثالكم " بالنصب . والمعنى : ما الذين تدعون من دون الله عبادا أمثالكم ، أي هي حجارة وخشب ; فأنتم تعبدون ما أنتم أشرف منه . قال النحاس : وهذه قراءة لا ينبغي أن يقرأ بها من ثلاث جهات : إحداها : [ ص: 307 ] أنها مخالفة للسواد . والثانية : أن سيبويه يختار الرفع في خبر " إن " إذا كانت بمعنى ما ، فيقول : إن زيد منطلق ; لأن عمل " ما " ضعيف ، و " إن " بمعناها فهي أضعف منها . والثالثة : أن الكسائي زعم أن " إن " لا تكاد تأتي في كلام العرب بمعنى " ما " إلا أن يكون بعدها إيجاب ; كما قال عز وجل : إن الكافرون إلا في غرور فليستجيبوا لكم الأصل أن تكون اللام مكسورة ، فحذفت الكسرة لثقلها . ثم قيل : في الكلام حذف ، المعنى : فادعوهم إلى أن يتبعوكم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أنهم آلهة . وقرأ أبو جعفر وشيبة " أم لهم أيد يبطشون بها " بضم الطاء ، وهي لغة . واليد والرجل والأذن مؤنثات يصغرن بالهاء . وتزاد في اليد ياء في التصغير ، ترد إلى أصلها فيقال : يدية بالتشديد لاجتماع الياءين .

قوله تعالى قل ادعوا شركاءكم أي الأصنام

ثم كيدون أنتم وهي فلا تنظرون أي فلا تؤخرون . والأصل " كيدوني " حذفت الياء لأن الكسرة تدل عليها . وكذا فلا تنظرون . والكيد المكر . والكيد الحرب ; يقال : غزا فلم يلق كيدا .

إن وليي الله الذي نزل الكتاب أي الذي يتولى نصري وحفظي الله . وولي الشيء : الذي يحفظه ويمنع عنه الضرر . والكتاب : القرآن .

وهو يتولى الصالحين أي يحفظهم . وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم جهارا غير مرة يقول : ألا إن آل أبي - يعني فلانا - ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين . وقال الأخفش : وقرئ " إن ولي الله الذي نزل الكتاب " يعني جبريل . النحاس . هي قراءة عاصم الجحدري . والقراءة الأولى أبين ; لقوله : وهو يتولى الصالحين .

قوله تعالى والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون

[ ص: 308 ] قوله تعالى والذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم ولا أنفسهم ينصرون كرره ليبين أن ما يعبدونه لا ينفع ولا يضر .

وإن تدعوهم إلى الهدى شرط ، والجواب لا يسمعوا .

وتراهم مستأنف في موضع الحال . يعني الأصنام . ومعنى النظر فتح العينين إلى المنظور إليه ; وتراهم كالناظرين إليك . وخبر عنهم بالواو وهي جماد لا تبصر ; لأن الخبر جرى على فعل من يعقل . وقيل : كانت لهم أعين من جواهر مصنوعة فلذلك قال : وتراهم ينظرون وقيل : المراد بذلك المشركون ، أخبر عنهم بأنهم لا يبصرون حين لم ينتفعوا بأبصارهم .

قوله تعالى خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين

فيه ثلاث مسائل :

الأولى : هذه الآية من ثلاث كلمات ، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات .

فقوله : خذ العفو دخل فيه صلة القاطعين ، والعفو عن المذنبين ، والرفق بالمؤمنين ، وغير ذلك من أخلاق المطيعين

ودخل في قوله وأمر بالعرف صلة الأرحام ، وتقوى الله في الحلال والحرام ، وغض الأبصار ، والاستعداد لدار القرار .

وفي قوله وأعرض عن الجاهلين الحض على التعلق بالعلم ، والإعراض عن أهل الظلم ، والتنزه عن منازعة السفهاء ، ومساواة الجهلة الأغبياء ، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة .

قلت : هذه الخصال تحتاج إلى بسط ، وقد جمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لجابر بن سليم . قال جابر بن سليم أبو جري : ركبت قعودي ثم أتيت إلى مكة فطلبت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأنخت قعودي بباب المسجد ، فدلوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هو جالس عليه برد من صوف فيه طرائق حمر ; فقلت : السلام عليك يا رسول الله . فقال : وعليك السلام . فقلت : إنا معشر أهل البادية ، قوم فينا الجفاء ; فعلمني كلمات ينفعني الله بها . قال : ادن - ثلاثا - فدنوت فقال : أعد علي ، فأعدت عليه فقال : اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئا وأن تلقى أخاك بوجه منبسط وأن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي وإن امرؤ سبك بما لا يعلم منك فلا تسبه بما تعلم فيه فإن الله جاعل لك أجرا وعليه وزرا ولا تسبن شيئا مما خولك الله تعالى . قال أبو جري : فوالذي نفسي بيده ، ما سببت بعده شاة ولا بعيرا . أخرجه أبو بكر البزار في مسنده بمعناه . وروى أبو سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إنكم لا تسعون الناس بأموالكم ولكن يسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق . وقال ابن الزبير : ما [ ص: 309 ] أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس . وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله : خذ العفو وأمر بالعرف قال : ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس . وروى سفيان بن عيينة عن الشعبي أنه قال إن جبريل نزل على النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذا يا جبريل ؟ فقال : لا أدري حتى أسأل العالم - في رواية : لا أدري حتى أسأل ربي - فذهب فمكث ساعة ثم رجع فقال : إن الله تعالى يأمرك أن تعفو عمن ظلمك وتعطي من حرمك وتصل من قطعك .

فنظمه بعض الشعراء فقال :
مكارم الأخلاق في ثلاثة من كملت فيه فذلك الفتى إعطاء من تحرمه ووصل من
تقطعه والعفو عمن اعتدى
وقال جعفر الصادق : أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق في هذه الآية ، وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية . وقال صلى الله عليه وسلم : بعثت لأتمم مكارم الأخلاق .

وقال الشاعر :
كل الأمور تزول عنك وتنقضي إلا الثناء فإنه لك باقي
ولو أنني خيرت كل فضيلة ما اخترت غير مكارم الأخلاق
وقال سهل بن عبد الله : كلم الله موسى بطور سيناء . قيل له : بأي شيء أوصاك ؟ قال : بتسعة أشياء ، الخشية في السر والعلانية ، وكلمة الحق في الرضا والغضب ، والقصد في الفقر والغنى ، وأمرني أن أصل من قطعني ، وأعطي من حرمني ، وأعفو عمن ظلمني ، وأن يكون نطقي ذكرا ، وصمتي فكرا ، ونظري عبرة .

قلت : وقد روي عن نبينا محمد أنه قال أمرني ربي بتسع : الإخلاص في السر والعلانية والعدل في الرضا والغضب والقصد في الغنى والفقر وأن أعفو عمن ظلمني وأصل من [ ص: 310 ] قطعني وأعطي من حرمني وأن يكون نطقي ذكرا وصمتي فكرا ونظري عبرة .

وقيل : المراد بقوله : خذ العفو أي الزكاة ; لأنها يسير من كثير . وفيه بعد ; لأنه من " عفا " إذا درس . وقد يقال : خذ العفو منه ، أي لا تنقص عليه وسامحه . وسبب النزول يرده ، والله أعلم . فإنه لما أمره بمحاجة المشركين دله على مكارم الأخلاق ، فإنها سبب جر المشركين إلى الإيمان . أي اقبل من الناس ما عفا لك من أخلاقهم وتيسر ; تقول : أخذت حقي عفوا صفوا ، أي سهلا .

الثانية : قوله تعالى : وأمر بالعرف أي بالمعروف . وقرأ عيسى بن عمر " العرف " بضمتين ; مثل الحلم ; وهما لغتان . والعرف والمعروف والعارفة : كل خصلة حسنة ترتضيها العقول ، وتطمئن إليها النفوس . قال الشاعر :
من يفعل الخير لا يعدم جوازيه لا يذهب العرف بين الله والناس
وقال عطاء : وأمر بالعرف يعني بلا إله إلا الله .

الثالثة : قوله تعالى : وأعرض عن الجاهلين أي إذا أقمت عليهم الحجة وأمرتهم بالمعروف فجهلوا عليك فأعرض عنهم ; صيانة له عليهم ورفعا لقدره عن مجاوبتهم . وهذا وإن كان خطابا لنبيه عليه السلام فهو تأديب لجميع خلقه . وقال ابن زيد وعطاء : هي منسوخة بآية السيف . وقال مجاهد وقتادة : هي محكمة ; وهو الصحيح لما رواه البخاري عن عبد الله بن عباس قال : قدم عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس بن حصن ، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر ، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته ، كهولا كانوا أو شبانا . فقال عيينة لابن أخيه : يا ابن أخي ، هل لك وجه عند هذا الأمير ، فتستأذن لي عليه . قال : سأستأذن لك عليه ; فاستأذن لعيينة . فلما دخل قال : يا ابن الخطاب ، والله ما تعطينا الجزل ، ولا تحكم بيننا بالعدل ! قال : فغضب عمر حتى هم بأن يقع به . فقال الحر ; يا أمير المؤمنين ، إن الله قال لنبيه عليه السلام خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإن هذا من الجاهلين . فوالله ما جاوزها عمر حين تلاها عليه ، وكان وقافا عند [ ص: 311 ] كتاب الله عز وجل . قلت : فاستعمال عمر رضي الله عنه لهذه الآية واستدلال الحر بها يدل على أنها محكمة لا منسوخة . وكذلك استعملها الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما ; على ما يأتي بيانه . وإذا كان الجفاء على السلطان تعمدا واستخفافا بحقه فله تعزيره . وإذا كان غير ذلك فالإعراض والصفح والعفو ; كما فعل الخليفة العدل .

قوله تعالى وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم فيه مسألتان : الأولى : لما نزل قوله تعالى : خذ العفو قال عليه السلام : كيف يا رب والغضب ؟ فنزلت : وإما ينزغنك ونزغ الشيطان : وساوسه . وفيه لغتان : نزغ ونغز ، يقال : إياك والنزاغ والنغاز ، وهم المورشون . الزجاج : النزغ أدنى حركة تكون ، ومن الشيطان أدنى وسوسة . قال سعيد بن المسيب : شهدت عثمان وعليا وكان بينهما نزغ من الشيطان فما أبقى واحد منهما لصاحبه شيئا ، ثم لم يبرحا حتى استغفر كل واحد منهما لصاحبه .

ومعنى ينزغنك : يصيبنك ويعرض لك عند الغضب وسوسة بما لا يحل . فاستعذ بالله أي اطلب النجاة من ذلك بالله . فأمر تعالى أن تدفع الوسوسة بالالتجاء إليه والاستعاذة به ; ولله المثل الأعلى . فلا يستعاذ من الكلاب إلا برب الكلاب . وقد حكي عن بعض السلف أنه قال لتلميذه : ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا ؟ قال : أجاهده . قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال : فإن عاد ؟ قال : أجاهده . قال : هذا يطول ، أرأيت لو مررت بغنم فنبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع ؟ قال : أكابده وأرده جهدي . قال : هذا يطول عليك ، ولكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك .

الثانية : النغز والنزغ والهمز والوسوسة سواء ; قال الله تعالى : وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وقال : من شر الوسواس الخناس . وأصل النزغ الفساد ; يقال : [ ص: 312 ] نزغ بيننا ; أي أفسد . ومنه قوله : نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي أي أفسد . وقيل : النزغ الإغواء والإغراء ; والمعنى متقارب . قلت : ونظير هذه الآية ما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يأتي الشيطان أحدكم فيقول له من خلق كذا وكذا حتى يقول له من خلق ربك فإذا بلغ ذلك فليستعذ بالله ولينته . وفيه عن عبد الله قال : سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة قال : تلك محض الإيمان . وفي حديث أبي هريرة : ذلك صريح الإيمان والصريح : الخالص . وهذا ليس على ظاهره ; إذ لا يصح أن تكون الوسوسة نفسها هي الإيمان ، لأن الإيمان اليقين ، وإنما الإشارة إلى ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبوا على ما وقع في أنفسهم . فكأنه قال جزعكم من هذا هو محض الإيمان وخالصه ; لصحة إيمانكم ، وعلمكم بفسادها . فسمى الوسوسة إيمانا لما كان دفعها والإعراض عنها والرد لها وعدم قبولها والجزع منها صادرا عن الإيمان . وأما أمره بالاستعاذة فلكون تلك الوساوس من آثار الشيطان . وأما الأمر بالانتهاء فعن الركون إليها والالتفات نحوها . فمن كان صحيح الإيمان واستعمل ما أمره به ربه ونبيه نفعه وانتفع به . وأما من خالجته الشبهة وغلب عليه الحس ولم يقدر على الانفكاك عنها فلا بد من مشافهته بالدليل العقلي ; كما قال صلى الله عليه وسلم للذي خالطته شبهة الإبل الجرب حين قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا عدوى . وقال أعرابي : فما بال الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء فإذا دخل فيها البعير الأجرب أجربها ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : فمن أعدى الأول فاستأصل الشبهة من أصلها . فلما يئس الشيطان من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم بالإغراء والإضلال أخذ يشوش عليهم أوقاتهم بتلك الألقيات . والوساوس : الترهات ; فنفرت عنها قلوبهم وعظم عليهم وقوعها عندهم فجاءوا - كما في الصحيح - فقالوا : يا رسول الله إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به . قال : أوقد وجدتموه ؟ قالوا : نعم . قال : ذلك صريح الإيمان رغما للشيطان حسب ما [ ص: 313 ] نطق به القرآن في قوله : إن عبادي ليس لك عليهم سلطان . فالخواطر التي ليست بمستقرة ولا اجتلبتها الشبهة فهي التي تدفع بالإعراض عنها ; وعلى مثلها يطلق اسم الوسوسة . والله أعلم . وقد مضى في آخر " البقرة " هذا المعنى ، والحمد لله .

قوله تعالى إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى إن الذين اتقوا يريد الشرك والمعاصي .

" إذا مسهم طيف من الشيطان " هذه قراءة أهل البصرة وأهل مكة . وقراءة أهل المدينة وأهل الكوفة طائف . وروي عن سعيد بن جبير " طيف " بتشديد الياء . قال النحاس : كلام العرب في مثل هذا " طيف " بالتخفيف ; على أنه مصدر من طاف يطيف . قال الكسائي : هو مخفف من " طيف " مثل ميت وميت . قال النحاس : ومعنى " طيف " في اللغة ما يتخيل في القلب أو يرى في النوم ; وكذا معنى طائف . وقال أبو حاتم : سألت الأصمعي عن طيف ; فقال : ليس في المصادر فيعل . قال النحاس : ليس هو بمصدر ، ولكن يكون بمعنى طائف . والمعنى إن الذين اتقوا المعاصي إذا لحقهم شيء تفكروا في قدرة الله عز وجل وفي إنعامه عليهم فتركوا المعصية ; وقيل : الطيف والطائف معنيان مختلفان فالأول : التخيل . والثاني : الشيطان نفسه . فالأول مصدر طاف الخيال يطوف طيفا ; ولم يقولوا من هذا " طائف " في اسم الفاعل . قال السهيلي : لأنه تخيل لا حقيقة له . فأما قوله : فطاف عليها طائف من ربك فلا يقال فيه : طيف ; لأنه اسم فاعل حقيقة ، ويقال : إنه جبريل . قال الزجاج : طفت عليهم أطوف ، وطاف الخيال يطيف . وقال حسان :
فدع هذا ولكن من لطيف يؤرقني إذا ذهب العشاء
مجاهد : الطيف الغضب . ويسمى الجنون والغضب والوسوسة طيفا ; لأنه لمة من الشيطان تشبه بلمة الخيال .

فإذا هم مبصرون أي منتهون . وقيل : فإذا هم على بصيرة . وقرأ سعيد بن جبير : " تذكروا " بتشديد الذال . ولا وجه له في العربية ; ذكره النحاس .

الثانية : قال عصام بن المصطلق : دخلت المدينة فرأيت الحسن بن علي عليهما [ ص: 314 ] السلام ، فأعجبني سمته وحسن روائه ; فأثار مني الحسد ما كان يجنه صدري لأبيه من البغض ; فقلت : أنت ابن أبي طالب ! قال نعم . فبالغت في شتمه وشتم أبيه ; فنظر إلي نظرة عاطف رءوف ، ثم قال : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين فقرأ إلى قوله : فإذا هم مبصرون ثم قال لي : خفض عليك ، أستغفر الله لي ولك إنك لو استعنتنا أعناك ، ولو استرفدتنا أرفدناك ، ولو استرشدتنا أرشدناك . فتوسم في الندم على ما فرط مني فقال : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين أمن أهل الشأم أنت ؟ قلت نعم . فقال : شنشنة أعرفها من أخزم ، حياك الله وبياك ، وعافاك ، وآداك ; انبسط إلينا في حوائجك وما يعرض لك ، تجدنا عند أفضل ظنك ، إن شاء الله .

قال عصام : فضاقت علي الأرض بما رحبت ، ووددت أنها ساخت بي ; ثم تسللت منه لواذا ، وما على وجه الأرض أحب إلي منه ومن أبيه .

قوله تعالى وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون قيل : المعنى وإخوان الشياطين وهم الفجار من ضلال الإنس تمدهم الشياطين في الغي . وقيل للفجار إخوان الشياطين لأنهم يقبلون منهم . وقد سبق في هذه الآية ذكر الشيطان . هذا أحسن ما قيل فيه ; وهو قول قتادة والحسن والضحاك . ومعنى لا يقصرون أي لا يتوبون ولا يرجعون . وقال الزجاج : في الكلام تقديم وتأخير ; والمعنى : والذين تدعون من دونه لا يستطيعون لكم نصرا ولا أنفسهم ينصرون ، وإخوانهم يمدونهم في الغي ; لأن الكفار إخوان الشياطين . ومعنى الآية : إن المؤمن إذا مسه طيف من الشيطان تنبه عن قرب ; فأما المشركون فيمدهم الشيطان و لا يقصرون . قيل : يرجع إلى الكفار على القولين جميعا . وقيل : يجوز أن يرجع إلى الشيطان . قال قتادة : المعنى ثم لا يقصرون عنهم ولا يرحمونهم . والإقصار : الانتهاء عن الشيء ، أي لا تقصر الشياطين في مدهم الكفار بالغي . وقوله : في الغي يجوز أن يكون متصلا بقوله : يمدونهم ويجوز أن يكون متصلا بالإخوان . والغي : الجهل . وقرأ نافع " يمدونهم " بضم الياء وكسر الميم . والباقون بفتح الياء وضم الميم . وهما لغتان مد وأمد . [ ص: 315 ] ومد أكثر ، بغير الألف ; قاله مكي . النحاس وجماعة من أهل العربية ينكرون قراءة أهل المدينة ; منهم أبو حاتم وأبو عبيد ، قال أبو حاتم : لا أعرف لها وجها ، إلا أن يكون المعنى يزيدونهم في الغي . وحكى جماعة من أهل اللغة منهم أبو عبيد أنه يقال إذا كثر شيء شيئا بنفسه مده ، وإذا كثره بغيره قيل أمده ; نحو يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين . وحكي عن محمد بن يزيد أنه احتج لقراءة أهل المدينة قال : يقال مددت له في كذا أي زينته له واستدعيته أن يفعله . وأمددته في كذا أي أعنته برأي أو غير ذلك . قال مكي : والاختيار الفتح ; لأنه يقال : مددت في الشر ، وأمددت في الخير ; قال الله تعالى : ويمدهم في طغيانهم يعمهون . فهذا يدل على قوة الفتح في هذا الحرف ; لأنه في الشر ، والغي هو الشر ، ولأن الجماعة عليه . وقرأ عاصم الجحدري " يمادونهم في الغي " . وقرأ عيسى بن عمر " يقصرون " بفتح الياء وضم الصاد وتخفيف القاف . الباقون يقصرون بضمه ، وهما لغتان . قال امرؤ القيس :
سما لك شوق بعد ما كان أقصرا
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 26-08-2024, 11:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 316 الى صــ 325
الحلقة (339)




قوله تعالى وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا اجتبيتها قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي هذا بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون

قوله تعالى وإذا لم تأتهم بآية أي تقرؤها عليهم . قالوا لولا اجتبيتها لولا بمعنى هلا ، ولا يليها على هذا المعنى إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا . وقد تقدم القول فيها في " البقرة " مستوفى ومعنى اجتبيتها اختلقتها من نفسك . فأعلمهم أن الآيات من قبل الله عز وجل ، وأنه لا يقرأ عليهم إلا ما أنزل عليه . يقال : اجتبيت الكلام أي ارتجلته واختلقته واخترعته إذا جئت به من عند نفسك .

قل إنما أتبع ما يوحى إلي من ربي أي من عند الله لا من عند نفسي .

هذا بصائر من ربكم يعني القرآن ، جمع بصيرة ، هي الدلالة والعبرة . أي هذا الذي دللتكم به على أن الله عز وجل واحد . بصائر ، أي يستبصر بها . وقال الزجاج : بصائر أي طرق . والبصائر طرق الدين . قال الجعفي :
راحوا بصائرهم على أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتد
وأي [ ص: 316 ] وهدى رشد وبيان . ورحمة أي ونعمة .

قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون فيه مسألتان :

الأولى : قوله تعالى وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا قيل : إن هذا نزل في الصلاة ، روي عن ابن مسعود وأبي هريرة وجابر والزهري وعبيد الله بن عمير وعطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب . قال سعيد : كان المشركون يأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى ; فيقول بعضهم لبعض بمكة : لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه . فأنزل الله جل وعز جوابا لهم وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا .

وقيل : إنها نزلت في الخطبة ; قاله سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وعمرو بن دينار وزيد بن أسلم والقاسم بن مخيمرة ومسلم بن يسار وشهر بن حوشب وعبد الله بن المبارك . وهذا ضعيف ; لأن القرآن فيها قليل ، والإنصات يجب في جميعها ; قاله ابن العربي . النقاش : والآية مكية ، ولم يكن بمكة خطبة ولا جمعة . وذكر الطبري عن سعيد بن جبير أيضا أن هذا في الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة ، وفيما يجهر به الإمام فهو عام . وهو الصحيح لأنه يجمع جميع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات . قال النقاش : أجمع أهل التفسير أن هذا الاستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة . النحاس : وفي اللغة يجب أن يكون في كل شيء ، إلا أن يدل دليل على اختصاص شيء . وقال الزجاج : يجوز أن يكون فاستمعوا له وأنصتوا اعملوا بما فيه ولا تجاوزوه . والإنصات : السكوت للاستماع والإصغاء والمراعاة . أنصت ينصت إنصاتا ; ونصت أيضا ; قال الشاعر :
قال الإمام عليكم أمر سيدكم فلم نخالف وأنصتنا كما قالا
ويقال : أنصتوه وأنصتوا له ; قال الشاعر :
إذا قالت حذام فأنصتوها فإن القول ما قالت حذام
وقال بعضهم في قوله فاستمعوا له وأنصتوا : كان هذا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصا ليعيه عنه أصحابه . قلت : هذا فيه بعد ، والصحيح القول بالعموم ; لقوله : لعلكم ترحمون والتخصيص [ ص: 317 ] يحتاج إلى دليل . وقال عبد الجبار بن أحمد في فوائد القرآن له : إن المشركين كانوا يكثرون اللغط والشغب تعنتا وعنادا ; على ما حكاه الله عنهم : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون . فأمر الله المسلمين حالة أداء الوحي أن يكونوا على خلاف هذه الحالة وأن يستمعوا ، ومدح الجن على ذلك فقال : وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن الآية . وقال محمد بن كعب القرظي : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قرأ في الصلاة أجابه من وراءه ; إذا قال : بسم الله الرحمن الرحيم ، قالوا مثل قوله ، حتى يقضي فاتحة الكتاب والسورة . فلبث بذلك ما شاء الله أن يلبث ; فنزل : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون فأنصتوا . وهذا يدل على أن المعني بالإنصات ترك الجهر على ما كانوا يفعلون من مجاوبة رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقال قتادة في هذه الآية : كان الرجل يأتي وهم في الصلاة فيسألهم كم صليتم ، كم بقي ; فأنزل الله تعالى : وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا . وعن مجاهد أيضا : كانوا يتكلمون في الصلاة بحاجتهم ; فنزل قوله تعالى : لعلكم ترحمون . وقد مضى في الفاتحة الاختلاف في قراءة المأموم خلف الإمام . ويأتي في " الجمعة " حكم الخطبة ، إن شاء الله تعالى .

قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال ولا تكن من الغافلين

قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة نظيره ادعوا ربكم تضرعا وخفية وقد تقدم . قال أبو جعفر النحاس : ولم يختلف في معنى واذكر ربك في نفسك أنه في الدعاء . قلت : قد روي عن ابن عباس أنه يعني بالذكر القراءة في الصلاة . وقيل : المعنى اقرأ القرآن بتأمل وتدبر . تضرعا مصدر ، وقد يكون في موضع الحال . وخيفة معطوف عليه . وجمع خيفة خوف ; لأنه بمعنى الخوف ; ذكره النحاس . وأصل خيفة خوفة ، قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . خاف الرجل يخاف خوفا وخيفة ومخافة ، فهو خائف ، وقوم خوف على الأصل ، وخيف على اللفظ . وحكى الفراء أنه يقال أيضا في جمع خيفة خيف . قال الجوهري : والخيفة الخوف ، والجمع خيف ، وأصله الواو .

ودون الجهر أي دون الرفع [ ص: 318 ] في القول . أي أسمع نفسك ; كما قال : وابتغ بين ذلك سبيلا أي بين الجهر والمخافتة . ودل هذا على أن رفع الصوت بالذكر ممنوع . على ما تقدم في غير موضع

بالغدو والآصال قال قتادة وابن زيد : الآصال العشيات . والغدو جمع غدوة . وقرأ أبو مجلز " بالغدو والإيصال " وهو مصدر آصلنا ، أي دخلنا في العشي . والآصال جمع أصل ; مثل طنب وأطناب ; فهو جمع الجمع ، والواحد أصيل ، جمع على أصل ; عن الزجاج . الأخفش : الآصال جمع أصيل ; مثل يمين وأيمان . الفراء : أصل جمع أصيل ، وقد يكون أصل واحدا ، كما قال الشاعر :
ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
الجوهري : الأصيل الوقت بعد العصر إلى المغرب ، وجمعه أصل وآصال وأصائل ; كأنه جمع أصيلة ; قال الشاعر :
لعمري لأنت البيت أكرم أهله وأقعد في أفيائه بالأصائل
ويجمع أيضا على أصلان ; مثل بعير وبعران ; ثم صغروا الجمع فقالوا أصيلان ، ثم أبدلوا من النون لاما فقالوا أصيلال ; ومنه قول النابغة :
وقفت فيها أصيلالا أسائلها عيت جوابا وما بالربع من أحد
وحكى اللحياني : لقيته أصيلالا .

ولا تكن من الغافلين أي عن الذكر .

قوله تعالى : إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون فيه ثماني مسائل : الأولى : إن الذين عند ربك يعني الملائكة بإجماع . وقال : عند ربك والله تعالى بكل مكان لأنهم قريبون من رحمته ، وكل قريب من رحمة الله عز وجل فهو عنده ; عن الزجاج . وقال غيره لأنهم في موضع لا ينفذ فيه إلا حكم الله . وقيل : لأنهم رسل الله ; كما يقال : عند الخليفة جيش كثير . وقيل : هذا على جهة التشريف لهم ، وأنهم بالمكان [ ص: 319 ] المكرم ; فهو عبارة عن قربهم في الكرامة لا في المسافة . ويسبحونه أي ويعظمونه وينزهونه عن كل سوء . وله يسجدون قيل : يصلون . وقيل : يذلون ، خلاف أهل المعاصي .

الثانية : والجمهور من العلماء في أن هذا موضع سجود للقارئ . وقد اختلفوا في عدد سجود القرآن ; فأقصى ما قيل : خمس عشرة . أولها خاتمة الأعراف ، وآخرها خاتمة العلق . وهو قول ابن حبيب وابن وهب - في رواية - وإسحاق . ومن العلماء من زاد سجدة الحجر ، قوله تعالى : وكن من الساجدين على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى . فعلى هذا تكون ست عشرة . وقيل : أربع عشرة ; قاله ابن وهب في الرواية الأخرى عنه . فأسقط ثانية الحج . وهو قول أصحاب الرأي والصحيح سقوطها ; لأن الحديث لم يصح بثبوتها . ورواه ابن ماجه وأبو داود في سننهما عن عبد الله بن منين من بني عبد كلال عن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرأه خمس عشرة سجدة في القرآن ; منها ثلاث في المفصل ، وفي الحج سجدتان . وعبد الله بن منين لا يحتج به ; قاله أبو محمد عبد الحق . وذكر أبو داود أيضا من حديث عقبة بن عامر قال قلت يا رسول الله ، أفي سورة الحج سجدتان ؟ . قال : نعم ومن لم يسجدهما فلا يقرأهما . في إسناده عبد الله بن لهيعة ، وهو ضعيف جدا . وأثبتهما الشافعي وأسقط سجدة " ص " . وقيل : إحدى عشرة سجدة ، وأسقط آخرة الحج وثلاث المفصل . وهو مشهور مذهب مالك . وروي عن ابن عباس وابن عمر وغيرهم . وفي سنن ابن ماجه عن أبي الدرداء قال : سجدت مع النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة سجدة ليس فيها من المفصل شيء ، الأعراف والرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والحج سجدة والفرقان وسليمان سورة النمل والسجدة وص وسجدة الحواميم . وقيل : عشر ، وأسقط آخرة الحج وص وثلاث المفصل ; ذكر عن [ ص: 320 ] ابن عباس . وقيل : إنها أربع ، سجدة الم تنزيل و حم تنزيل والنجم والعلق . وسبب الخلاف اختلاف النقل في الأحاديث والعمل ، واختلافهم في الأمر المجرد بالسجود في القرآن ، هل المراد به سجود التلاوة أو سجود الفرض في الصلاة ؟

الثالثة : واختلفوا في وجوب سجود التلاوة ; فقال مالك والشافعي : ليس بواجب . وقال أبو حنيفة : هو واجب . وتعلق بأن مطلق الأمر بالسجود على الوجوب ، وبقوله عليه السلام : إذا قرأ ابن آدم سجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي يقول يا ويله . وفي رواية أبي كريب يا ويلي وبقوله عليه السلام إخبارا عن إبليس لعنه الله : أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار . أخرجه مسلم . ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحافظ عليه . وعول علماؤنا على حديث عمر الثابت - خرجه البخاري - أنه قرأ آية سجدة على المنبر فنزل فسجد وسجد الناس معه ، ثم قرأها في الجمعة الأخرى فتهيأ الناس للسجود ، فقال : أيها الناس على رسلكم ! إن الله لم يكتبها علينا إلا أن نشاء . وذلك بمحضر الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من الأنصار والمهاجرين . فلم ينكر عليه أحد فثبت الإجماع به في ذلك . وأما قوله : أمر ابن آدم بالسجود فإخبار عن السجود الواجب . ومواظبة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على الاستحباب ! والله أعلم .

الرابعة : ولا خلاف في أن سجود القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة حدث ونجس ونية واستقبال قبلة ووقت . إلا ما ذكر البخاري عن ابن عمر أنه كان يسجد على غير طهارة . وذكره ابن المنذر عن الشعبي . وعلى قول الجمهور هل يحتاج إلى تحريم ورفع يدين عنده وتكبير وتسليم ؟ اختلفوا في ذلك ; فذهب الشافعي وأحمد وإسحاق إلى أنه يكبر ويرفع للتكبير لها . وقد روي في الأثر عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد كبر ، [ ص: 321 ] وكذلك إذا رفع كبر . ومشهور مذهب مالك أنه يكبر لها في الخفض والرفع في الصلاة . واختلف عنه في التكبير لها في غير الصلاة ; وبالتكبير لذلك قال عامة الفقهاء ، ولا سلام لها عند الجمهور . وذهب جماعة من السلف وإسحاق إلى أنه يسلم منها . وعلى هذا المذهب يتحقق أن التكبير في أولها للإحرام . وعلى قول من لا يسلم يكون للسجود فحسب . والأول أولى ; لقوله عليه السلام : مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم وهذه عبادة لها تكبير ، فكان لها تحليل كصلاة الجنازة بل أولى ، لأنها فعل وصلاة الجنازة قول . وهذا اختيار ابن العربي .

الخامسة : وأما وقته فقيل : يسجد في سائر الأوقات مطلقا ; لأنها صلاة لسبب . وهو قول الشافعي وجماعة . وقيل : ما لم يسفر الصبح ، أو ما لم تصفر الشمس بعد العصر . وقيل : لا يسجد بعد الصبح ولا بعد العصر . وقيل : يسجد بعد الصبح ولا يسجد بعد العصر . وهذه الثلاثة الأقوال في مذهبنا . وسبب الخلاف معارضة ما يقتضيه سبب قراءة السجدة من السجود المرتب عليها لعموم النهي عن الصلاة بعد العصر وبعد الصبح . واختلافهم في المعنى الذي لأجله نهي عن الصلاة في هذين الوقتين ، والله أعلم .

السادسة : فإذا سجد يقول في سجوده : اللهم احطط عني بها وزرا ، واكتب لي بها أجرا ، واجعلها لي عندك ذخرا . رواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم ; ذكره ابن ماجه .

السابعة : فإن قرأها في صلاة ، فإن كان في نافلة سجد إن كان منفردا أو في جماعة وأمن التخليط فيها . وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص جوازه . وقيل : لا يسجد . وأما في الفريضة فالمشهور عن مالك النهي عنه فيها ، سواء كانت صلاة سر أو جهر ، جماعة أو فرادى . وهو معلل بكونها زيادة في أعداد سجود الفريضة . وقيل : معلل بخوف التخليط على الجماعة ; وهذا أشبه . وعلى هذا لا يمنع منه الفرادى ولا الجماعة التي يأمن فيها التخليط .

الثامنة : روى ، البخاري عن أبي رافع قال : صليت مع أبي هريرة العتمة ، فقرأ إذا السماء انشقت فسجد ; فقلت : ما هذه ؟ قال : سجدت بها خلف أبي القاسم صلى الله عليه وسلم ، فلا أزال [ ص: 322 ] أسجد فيها حتى ألقاه . انفرد بإخراجه . وفيه : وقيل لعمران بن حصين : الرجل يسمع السجدة ولم يجلس لها ؟ قال : أرأيت لو قعد لها ! كأنه لا يوجبه عليه . وقال سلمان : ما لهذا غدونا . وقال عثمان : إنما السجدة على من استمعها . وقال الزهري : لا يسجد إلا أن يكون طاهرا ، فإذا سجدت وأنت في حضر فاستقبل القبلة ، فإن كنت راكبا فلا عليك ، حيث كان وجهك . وكان السائب لا يسجد لسجود القاص والله أعلم .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
مَدَنِيَّةٌ بَدْرِيَّةٌ فِي قَوْلِ الْحَسَنِ وَعِكْرِمَةَ وَجَابِرٍ وَعَطَاءٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هِيَ مَدَنِيَّةٌ إِلَّا سَبْعَ آيَاتٍ ، مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى آخِرِ السَّبْعِ آيَاتٍ .

قوله تعالى يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين فيه سبع مسائل :



الأولى : روى عبادة بن الصامت قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر فلقوا العدو ; فلما هزمهم الله اتبعتهم طائفة من المسلمين يقتلونهم ، وأحدقت طائفة برسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستولت طائفة على العسكر والنهب ; فلما نفى الله العدو ورجع الذين طلبوهم قالوا : لنا النفل ، نحن الذين طلبنا العدو وبنا نفاهم الله وهزمهم . وقال الذين أحدقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أنتم أحق به منا ، بل هو لنا ، نحن أحدقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم لئلا ينال العدو منه غرة . وقال الذين استلووا على العسكر والنهب : ما أنتم بأحق منا ، هو لنا ، نحن حويناه واستولينا عليه ; فأنزل الله عز وجل : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين . فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فواق بينهم . قال أبو عمر : قال أهل العلم بلسان العرب : استلووا أطافوا وأحاطوا ; يقال : الموت مستلو على [ ص: 324 ] العباد . وقوله : فقسمه على فواق يعني عن سرعة . قالوا : والفواق ما بين حلبتي الناقة . يقال : انتظره فواق ناقة ، أي هذا المقدار . ويقولونها بالضم والفتح : فواق وفواق . وكان هذا قبل أن ينزل : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية . وكأن المعنى عند العلماء : أي إلى الله وإلى الرسول الحكم فيها والعمل بها بما يقرب من الله تعالى . وذكر محمد بن إسحاق قال : حدثني عبد الرحمن بن الحارث وغيره من أصحابنا عن سليمان بن موسى الأشدق عن مكحول عن أبي أمامة الباهلي قال : سألت عبادة بن الصامت عن الأنفال فقال : فينا معشر أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل ، وساءت فيه أخلاقنا ، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى الرسول ، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بواء . يقول : على السواء . فكان ذلك تقوى الله وطاعة رسوله وصلاح ذات البين وروي في الصحيح عن سعد بن أبي وقاص قال : اغتنم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنيمة عظيمة ، فإذا فيها سيف ، فأخذته فأتيت به النبي صلى الله عليه وسلم فقلت : نفلني هذا السيف ، فأنا من قد علمت حاله . قال : رده من حيث أخذته فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت : أعطنيه . قال : فشد لي صوته رده من حيث أخذته فانطلقت حتى أردت أن ألقيه في القبض لامتني نفسي فرجعت إليه فقلت : أعطنيه ، قال : فشد لي صوته : رده من حيث أخذته فأنزل الله يسألونك عن الأنفال . لفظ مسلم . والروايات كثيرة ، وفيما ذكرناه كفاية ، والله الموفق للهداية .

الثانية : الأنفال واحدها نفل بتحريك الفاء ; قال :
إن تقوى ربنا خير نفل وبإذن الله ريثي والعجل


أي خير غنيمة . والنفل : اليمين ; ومنه الحديث فتبرئكم يهود بنفل خمسين منهم . والنفل الانتفاء ; ومنه الحديث فانتفل من ولدها . والنفل : نبت معروف . والنفل : الزيادة على الواجب ، وهو التطوع . وولد الولد نافلة ; لأنه زيادة على الولد . والغنيمة نافلة ; لأنها زيادة فيما أحل الله لهذه الأمة مما كان محرما على غيرها . قال صلى الله عليه وسلم : فضلت على الأنبياء بست - وفيها - وأحلت لي الغنائم . والأنفال : الغنائم أنفسها . قال عنترة : [ ص: 325 ]
إنا إذا احمر الوغى نروي القنا ونعف عند مقاسم الأنفال
أي الغنائم .

الثالثة : واختلف العلماء في محل الأنفال على أربعة أقوال : الأول : محلها فيما شذ عن الكافرين إلى المسلمين أو أخذ بغير حرب . الثاني : محلها الخمس . الثالث : خمس الخمس . الرابع : رأس الغنيمة ; حسب ما يراه الإمام . ومذهب مالك رحمه الله أن الأنفال مواهب الإمام من الخمس ، على ما يرى من الاجتهاد ، وليس في الأربعة الأخماس نفل ، وإنما لم ير النفل من رأس الغنيمة لأن أهلها معينون وهم الموجفون ، والخمس مردود قسمه إلى اجتهاد الإمام . وأهله غير معينين . قال صلى الله عليه وسلم : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم . فلم يمكن بعد هذا أن يكون النفل من حق أحد ، وإنما يكون من حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الخمس . هذا هو المعروف من مذهبه وقد روي عنه أن ذلك من خمس الخمس . وهو قول ابن المسيب والشافعي وأبي حنيفة . وسبب الخلاف حديث ابن عمر ، رواه مالك قال : بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية قبل نجد فغنموا إبلا كثيرة ، وكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا أو أحد عشر بعيرا ; ونفلوا بعيرا بعيرا . هكذا رواه مالك على الشك في رواية يحيى عنه ، وتابعه على ذلك جماعة رواة الموطأ إلا الوليد بن مسلم فإنه رواه عن مالك عن نافع عن ابن عمر ، فقال فيه : فكانت سهمانهم اثني عشر بعيرا ، ونفلوا بعيرا بعيرا . ولم يشك . وذكر الوليد بن مسلم والحكم بن نافع عن شعيب بن أبي حمزة عن نافع عن ابن عمر قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في جيش قبل نجد - في رواية الوليد : أربعة آلاف - وانبعثت سرية من الجيش - في رواية الوليد : فكنت ممن خرج فيها - فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا ، اثني عشر بعيرا ; ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا ; فكان سهمانهم ثلاثة عشر بعيرا ; ذكره أبو داود . فاحتج بهذا من يقول : إن النفل إنما يكون من جملة الخمس . وبيانه أن هذه السرية لو نزلت على أن أهلها كانوا عشرة مثلا أصابوا في غنيمتهم مائة وخمسين ، أخرج منها خمسها ثلاثين وصار لهم مائة وعشرون ، قسمت على عشرة وجب لكل واحد اثنا عشر بعيرا ، اثنا عشر بعيرا ،
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-08-2024, 11:22 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 326 الى صــ 335
الحلقة (340)




م أعطي القوم من الخمس بعيرا بعيرا ; لأن خمس الثلاثين لا يكون فيه عشرة أبعرة . فإذا عرفت ما للعشرة عرفت ما للمائة والألف وأزيد . واحتج من قال : إن ذلك كان من خمس الخمس بأن قال : جائز أن يكون هناك ثياب تباع ومتاع غير الإبل ، فأعطى من لم يبلغه البعير قيمة البعير من تلك العروض . ومما يعضد هذا ما روى مسلم في بعض طرق هذا الحديث : فأصبنا إبلا وغنما ; الحديث . وذكر محمد بن إسحاق في هذا الحديث أن الأمير نفلهم قبل القسم ، وهذا يوجب أن يكون النفل من رأس الغنيمة ، وهو خلاف قول مالك . وقول من روى خلافه أولى لأنهم حفاظ ; قاله أبو عمر رحمه الله . وقال مكحول والأوزاعي : لا ينفل بأكثر من الثلث ; وهو قول الجمهور من العلماء . قال الأوزاعي : فإن زادهم فليف لهم ويجعل ذلك من الخمس . وقال الشافعي : ليس في النفل حد لا يتجاوزه الإمام .

الرابعة : ودل حديث ابن عمر على ما ذكره الوليد والحكم عن شعيب عن نافع أن السرية إذا خرجت من العسكر فغنمت أن العسكر شركاؤهم . وهذه مسألة وحكم لم يذكره في الحديث غير شعيب عن نافع ، ولم يختلف العلماء فيه ، والحمد لله .

الخامسة : واختلف العلماء في الإمام يقول قبل القتال : من هدم كذا من الحصن فله كذا ، ومن بلغ إلى موضع كذا فله كذا ، ومن جاء برأس فله كذا ، ومن جاء بأسير فله كذا ; يضريهم . فروي عن مالك أنه كرهه . وقال : هو قتال على الدنيا . وكان لا يجيزه . قال الثوري : ذلك جائز ولا بأس به .

قلت : وقد جاء هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا . الحديث بطوله . وفي رواية عكرمة عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من فعل كذا وكذا وأتى مكان كذا وكذا فله كذا " . فتسارع الشبان وثبت الشيوخ مع الرايات ; فلما فتح لهم جاء الشبان يطلبون ما جعل لهم فقال لهم الأشياخ : لا تذهبون به دوننا ، فقد كنا ردءا لكم ; فأنزل الله تعالى : وأصلحوا ذات بينكم ذكره إسماعيل بن إسحاق أيضا . وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال لجرير بن عبد الله البجلي لما قدم عليه في قومه وهو يريد الشأم : هل لك أن تأتي الكوفة ولك الثلث بعد الخمس من كل أرض وسبي ؟ . وقال بهذا جماعة فقهاء الشأم : الأوزاعي ومكحول وابن حيوة وغيرهم . ورأوا [ ص: 327 ] الخمس من جملة الغنيمة ، والنفل بعد الخمس ثم الغنيمة بين أهل العسكر ; وبه قال إسحاق وأحمد وأبو عبيد . قال أبو عبيد : والناس اليوم على أن لا نفل من جهة الغنيمة حتى تخمس . وقال مالك : لا يجوز أن يقول الإمام لسرية : ما أخذتم فلكم ثلثه . قال سحنون : يريد ابتداء . فإن نزل مضى ، ولهم أنصباؤهم في الباقي . وقال سحنون : إذا قال الإمام لسرية ما أخذتم فلا خمس عليكم فيه ; فهذا لا يجوز ، فإن نزل رددته ; لأن هذا حكم شاذ لا يجوز ولا يمضى .

السادسة : واستحب مالك رحمه الله ألا ينفل الإمام إلا ما يظهر كالعمامة والفرس والسيف . ومنع بعض العلماء أن ينفل الإمام ذهبا أو فضة أو لؤلؤا ونحوه . وقال بعضهم : النفل جائز من كل شيء . وهو الصحيح لقول عمر ومقتضى الآية ، والله أعلم .

السابعة : قوله تعالى فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم أمر بالتقوى والإصلاح ، أي كونوا مجتمعين على أمر الله . في الدعاء : اللهم أصلح ذات البين ، أي الحال التي يقع بها الاجتماع . فدل هذا على التصريح بأنه شجر بينهم اختلاف ، أو مالت النفوس إلى التشاح ; كما هو منصوص في الحديث . وتقدم معنى التقوى ، أي اتقوا الله في أقوالكم وأفعالكم ، وأصلحوا ذات بينكم .

وأطيعوا الله ورسوله في الغنائم ونحوها . إن كنتم مؤمنين أي إن سبيل المؤمن أن يمتثل ما ذكرنا . وقيل : " إن " بمعنى " إذ " .

قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم

قوله تعالى إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون فيه ثلاث مسائل :

قال العلماء : هذه الآية تحريض على إلزام طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أمر به من قسمة تلك الغنيمة . والوجل : الخوف . وفي مستقبله أربع لغات : وجل يوجل وياجل وييجل وييجل ، حكاه سيبويه . والمصدر وجل وجلا وموجلا ; بالفتح . وهذا موجله " بالكسر " [ ص: 328 ] للموضع والاسم . فمن قال : ياجل في المستقبل جعل الواو ألفا لفتحة ما قبلها . ولغة القرآن الواو قالوا لا توجل . ومن قال : ييجل - بكسر الياء - فهي على لغة بني أسد ، فإنهم يقولون : أنا إيجل ، ونحن نيجل ، وأنت تيجل ; كلها بالكسر . ومن قال : ييجل بناه على هذه اللغة ، ولكنه فتح الياء كما فتحوها في يعلم ، ولم تكسر الياء في يعلم لاستثقالهم الكسر على الياء . وكسرت في " ييجل " لتقوي إحدى الياءين بالأخرى . والأمر منه " إيجل " صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها . وتقول : إني منه لأوجل . ولا يقال في المؤنث : وجلاء ، ولكن وجلة .

وروى سفيان عن السدي في قوله جل وعز : الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم قال : إذا أراد أن يظلم مظلمة قيل له : اتق الله ، كف ووجل قلبه .

الثانية : وصف الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بالخوف والوجل عند ذكره . وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم ، وكأنهم بين يديه . ونظير هذه الآية وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم . وقال : وتطمئن قلوبهم بذكر الله . فهذا يرجع إلى كمال المعرفة وثقة القلب . والوجل : الفزع من عذاب الله ; فلا تناقض . وقد جمع الله بين المعنيين في قوله الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . أي تسكن نفوسهم من حيث اليقين إلى الله وإن كانوا يخافون الله . فهذه حالة العارفين بالله ، الخائفين من سطوته وعقوبته ; لا كما يفعله جهال العوام والمبتدعة الطغام من الزعيق والزئير ومن النهاق الذي يشبه نهاق الحمير . فيقال لمن تعاطى ذلك وزعم أن ذلك وجد وخشوع : لم تبلغ أن تساوي حال الرسول ولا حال أصحابه في المعرفة بالله ، والخوف منه ، والتعظيم لجلاله ; ومع ذلك فكانت حالهم عند المواعظ الفهم عن الله والبكاء خوفا من الله . ولذلك وصف الله أحوال أهل المعرفة عند سماع ذكره وتلاوة كتابه فقال : وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين . فهذا وصف حالهم وحكاية مقالهم . ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم ولا على طريقتهم ; فمن كان مستنا فليستن ، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون فهو من أخسهم حالا ; والجنون فنون . روى مسلم عن أنس بن [ ص: 329 ] مالك أن الناس سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه في المسألة ، فخرج ذات يوم فصعد المنبر فقال : سلوني ، لا تسألوني عن شيء إلا بينته لكم ما دمت في مقامي هذا . فلما سمع ذلك القوم أرموا ورهبوا أن يكون بين يدي أمر قد حضر . قال أنس : فجعلت ألتفت يمينا وشمالا فإذا كل إنسان لاف رأسه في ثوبه يبكي . وذكر الحديث . وروى الترمذي وصححه عن العرباض بن سارية قال : وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، ووجلت منها القلوب . الحديث . ولم يقل : زعقنا ولا رقصنا ولا زفنا ولا قمنا .

الثالثة : قوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا أي تصديقا . فإن إيمان هذه الساعة زيادة على إيمان أمس ; فمن صدق ثانيا وثالثا فهو زيادة تصديق بالنسبة إلى ما تقدم . وقيل : هو زيادة انشراح الصدر بكثرة الآيات والأدلة ; وقد مضى هذا المعنى في " آل عمران " .

وعلى ربهم يتوكلون تقدم معنى التوكل في " آل عمران " أيضا .

الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون تقدم في أول سورة " البقرة "

أولئك هم المؤمنون حقا أي الذي استوى في الإيمان ظاهرهم وباطنهم . ودل هذا على أن لكل حق حقيقة ; وقد قال عليه السلام لحارثة : إن لكل حق حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ الحديث . وسأل رجل الحسن فقال : يا أبا سعيد ; أمؤمن أنت ؟ فقال له : الإيمان إيمانان ، فإن كنت تسألني عن الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والجنة والنار والبعث والحساب فأنا به مؤمن . وإن كنت تسألني عن قول الله تبارك وتعالى : إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم إلى قوله أولئك هم المؤمنون حقا - فوالله ما أدري أنا منهم أم لا . وقال أبو بكر الواسطي : من قال أنا مؤمن بالله حقا ; قيل له : الحقيقة تشير إلى إشراف واطلاع وإحاطة ; فمن فقده بطل دعواه فيها . يريد بذلك ما قاله أهل السنة : إن المؤمن الحقيقي من كان محكوما له بالجنة ، فمن لم يعلم ذلك من سر حكمته تعالى فدعواه بأنه مؤمن حقا غير صحيح .

قوله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون

[ ص: 330 ] قوله تعالى كما أخرجك ربك من بيتك بالحق قال الزجاج : الكاف في موضع نصب ; أي الأنفال ثابتة لك كما أخرجك ربك من بيتك بالحق . أي مثل إخراجك ربك من بيتك بالحق . والمعنى : امض لأمرك في الغنائم ونفل من شئت وإن كرهوا ; لأن بعض الصحابة قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين جعل لكل من أتى بأسير شيئا قال : يبقى أكثر الناس بغير شيء . فموضع الكاف في " كما " نصب كما ذكرنا . وقال الفراء أيضا . قال أبو عبيدة : هو قسم ، أي والذي أخرجك ; فالكاف بمعنى الواو ، و " ما " بمعنى الذي . وقال سعيد بن مسعدة : المعنى أولئك هم المؤمنون حقا كما أخرجك ربك من بيتك بالحق . قال وقال بعض العلماء : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم . وقال عكرمة : المعنى أطيعوا الله ورسوله كما أخرجك . وقيل : كما أخرجك متعلق بقوله لهم درجات المعنى : لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم . أي هذا الوعد للمؤمنين حق في الآخرة كما أخرجك ربك من بيتك بالحق الواجب له ; فأنجزك وعدك . وأظفرك بعدوك وأوفى لك ; لأنه قال عز وجل : وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم . فكما أنجز هذا الوعد في الدنيا كذا ينجزكم ما وعدكم به في الآخرة . وهذا قول حسن ذكره النحاس واختاره . وقيل : الكاف في كما كاف التشبيه ، ومخرجه على سبيل المجازاة ; كقول القائل لعبده : كما وجهتك إلى أعدائي فاستضعفوك وسألت مددا فأمددتك وقويتك وأزحت علتك ، فخذهم الآن فعاقبهم بكذا . وكما كسوتك وأجريت عليك الرزق فاعمل كذا وكذا . وكما أحسنت إليك فاشكرني عليه . فقال : كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وغشاكم النعاس أمنة منه - يعني به إياه ومن معه - وأنزل من السماء ماء ليطهركم به ، وأنزل عليكم من السماء ملائكة مردفين فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان . كأنه يقول : قد أزحت عللكم ، وأمددتكم بالملائكة فاضربوا منهم هذه المواضع ، وهو المقتل ; لتبلغوا مراد الله في إحقاق الحق وإبطال الباطل . والله أعلم .

وإن فريقا من المؤمنين لكارهون أي لكارهون ترك مكة وترك أموالهم وديارهم .

قوله تعالى يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون [ ص: 331 ] قوله تعالى يجادلونك في الحق بعدما تبين مجادلتهم : قولهم لما ندبهم إلى العير وفات العير وأمرهم بالقتال ولم يكن معهم كبير أهبة شق ذلك عليهم وقالوا : لو أخبرتنا بالقتال لأخذنا العدة . ومعنى في الحق أي في القتال . بعدما تبين لهم أنك لا تأمر بشيء إلا بإذن الله . وقيل : بعدما تبين لهم أن الله وعدهم إما الظفر بالعير أو بأهل مكة ، وإذ فات العير فلا بد من أهل مكة والظفر بهم . فمعنى الكلام الإنكار لمجادلتهم .

كأنما يساقون إلى الموت كراهة للقاء القوم وهم ينظرون أي يعلمون أن ذلك واقع بهم ; قال الله تعالى : يوم ينظر المرء ما قدمت يداه أي يعلم .

قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون

قوله تعالى وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم " إحدى " في موضع نصب مفعول ثان . أنها لكم في موضع نصب أيضا بدلا من " إحدى " .

وتودون أي تحبون

أن غير ذات الشوكة تكون لكم قال أبو عبيدة : أي غير ذات الحد . والشوكة : السلاح . والشوك : النبت الذي له حد ; ومنه رجل شائك السلاح ، أي حديد السلاح . ثم يقلب فيقال : شاكي السلاح . أي تودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح ولا فيها حرب ; عن الزجاج .

ويريد الله أن يحق الحق بكلماته أي أن يظهر الإسلام . والحق حق أبدا ، ولكن إظهاره تحقيق له من حيث إنه إذا لم يظهر أشبه الباطل . بكلماته أي بوعده ; فإنه وعد نبيه ذلك في سورة " الدخان " فقال : يوم نبطش البطشة الكبرى إنا منتقمون أي من أبي جهل وأصحابه . وقال : ليظهره على الدين كله . وقيل : بكلماته أي بأمره إياكم أن تجاهدوهم .

ويقطع دابر الكافرين أي يستأصلهم بالهلاك ليحق الحق أي يظهر دين الإسلام ويعزه ويبطل الباطل ولو كره المجرمون أي الكفر . وإبطاله إعدامه ; كما أن إحقاق الحق إظهاره بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولو كره المجرمون .

[ ص: 332 ]

قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم

قوله تعالى : إذ تستغيثون ربكم الاستغاثة : طلب الغوث والنصر . غوث الرجل قال : واغوثاه . والاسم الغوث والغواث والغواث . واستغاثني فلان فأغثته ; والاسم الغياث ; عن الجوهري . وروى مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وسبعة عشر رجلا ; فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة ، ثم مد يديه ، فجعل يهتف بربه : اللهم أنجز لي ما وعدتني . اللهم ائتني ما وعدتني . اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض . فما زال يهتف بربه مادا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه . فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي الله ، كفاك مناشدتك ربك ، فإنه سينجز لك ما وعدك . فأنزل الله تعالى : إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين فأمده الله بالملائكة . وذكر الحديث . " مردفين " بفتح الدال قراءة نافع . والباقون بالكسر اسم فاعل ، أي متتابعين ، تأتي فرقة بعد فرقة ، وذلك أهيب في العيون . و " مردفين " بفتح الدال على ما لم يسم فاعله ; لأن الناس الذين قاتلوا يوم بدر أردفوا بألف من الملائكة ، أي أنزلوا إليهم لمعونتهم على الكفار . فمردفين بفتح الدال نعت لألف . وقيل : هو حال من الضمير المنصوب في ممدكم . أي ممدكم في حال إردافكم بألف من الملائكة ; وهذا مذهب مجاهد . وحكى أبو عبيدة أن ردفني وأردفني واحد . وأنكر أبو عبيد أن يكون أردف بمعنى ردف ; قال لقول الله عز وجل : تتبعها الرادفة ولم يقل المردفة . قال النحاس ومكي وغيرهما : وقراءة كسر الدال أولى ; لأن أهل التأويل على هذه القراءة يفسرون . أي أردف بعضهم بعضا ، ولأن فيها معنى الفتح على ما حكى أبو عبيدة ، ولأن عليه أكثر القراء . قال سيبويه : وقرأ بعضهم " مردفين " بفتح الراء وشد الدال . وبعضهم " مردفين " بكسر الراء . وبعضهم " مردفين " بضم الراء . والدال مكسورة مشددة في القراءات الثلاث . فالقراءة الأولى تقديرها عند سيبويه مرتدفين ، ثم أدغم التاء في الدال ، وألقى حركتها على الراء لئلا [ ص: 333 ] يلتقي ساكنان . والثانية كسرت فيها الراء لالتقاء الساكنين . وضمت الراء في الثالثة إتباعا لضمة الميم ; كما تقول : رد ورد ورد يا هذا . وقرأ جعفر بن محمد وعاصم الجحدري : " بآلف " جمع ألف ; مثل فلس وأفلس . وعنهما أيضا بألف . وقد مضى في آل عمران ذكر نزول الملائكة وسيماهم وقتالهم . وتقدم فيها القول في معنى قوله : وما جعله الله إلا بشرى . والمراد الإمداد . ويجوز أن يكون الإرداف .

وما النصر إلا من عند الله نبه على أن النصر من عنده جل وعز لا من الملائكة ; أي لولا نصره لما انتفع بكثرة العدد بالملائكة . والنصر من عند الله يكون بالسيف ويكون بالحجة .

قوله تعالى إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام

قوله تعالى إذ يغشيكم النعاس مفعولان . وهي قراءة أهل المدينة ، وهي حسنة لإضافة الفعل إلى الله عز وجل لتقدم ذكره في قوله : وما النصر إلا من عند الله . ولأن بعده وينزل عليكم فأضاف الفعل إلى الله عز وجل . فكذلك الإغشاء يضاف إلى الله عز وجل ليتشاكل الكلام . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " يغشاكم النعاس " بإضافة الفعل إلى النعاس . دليله أمنة نعاسا يغشى في قراءة من قرأ بالياء أو بالتاء ; فأضاف الفعل إلى النعاس أو إلى الأمنة . والأمنة هي النعاس ; فأخبر أن النعاس هو الذي يغشى القوم . وقرأ الباقون " يغشيكم " بفتح الغين وشد الشين . " النعاس " بالنصب على معنى قراءة نافع ، لغتان بمعنى غشى وأغشى ; قال الله تعالى : فأغشيناهم . وقال : فغشاها ما غشى . وقال : كأنما أغشيت وجوههم . قال مكي : والاختيار ضم الياء والتشديد ونصب النعاس ; لأن بعده أمنة منه والهاء في منه لله ، فهو الذي يغشيهم النعاس ، ولأن الأكثر عليه . وقيل : أمنة من العدو و أمنة مفعول من أجله أو مصدر ; يقال : أمن أمنة وأمنا وأمانا ; كلها سواء . والنعاس حالة الآمن الذي لا يخاف . وكان هذا النعاس في الليلة التي كان القتال من غدها ; [ ص: 334 ] فكان النوم عجيبا مع ما كان بين أيديهم من الأمر المهم ، ولكن الله ربط جأشهم . وعن علي رضي الله عنه قال : ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد على فرس أبلق ، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح ; ذكره البيهقي . الماوردي : وفي امتنان الله عليهم بالنوم في هذه الليلة وجهان : أحدهما : أن قواهم بالاستراحة على القتال من الغد . الثاني : أن أمنهم بزوال الرعب من قلوبهم ; كما يقال : الأمن منيم ، والخوف مسهر . وقيل : غشاهم في حال التقاء الصفين . وقد مضى مثل هذا في يوم أحد في " آل عمران " .

قوله تعالى وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام ظاهر القرآن يدل على أن النعاس كان قبل المطر . وقال ابن أبي نجيح : كان المطر قبل النعاس . وحكى الزجاج : أن الكفار يوم بدر سبقوا المؤمنين إلى ماء بدر فنزلوا عليه ، وبقي المؤمنون لا ماء لهم ، فوجست نفوسهم وعطشوا وأجنبوا وصلوا كذلك ; فقال بعضهم في نفوسهم بإلقاء الشيطان إليهم : نزعم أنا أولياء الله وفينا رسوله وحالنا هذه والمشركون على الماء . فأنزل الله المطر ليلة بدر السابعة عشرة من رمضان حتى سالت الأودية ; فشربوا وتطهروا وسقوا الظهر وتلبدت السبخة التي كانت بينهم وبين المشركين حتى ثبتت فيها أقدام المسلمين وقت القتال . وقد قيل : إن هذه الأحوال كانت قبل وصولهم إلى بدر ; وهو أصح ، وهو الذي ذكره ابن إسحاق في سيرته وغيره . وهذا اختصاره : قال ابن عباس لما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي سفيان أنه مقبل من الشأم ندب المسلمين إليهم وقال : " هذه عير قريش فيها الأموال فاخرجوا إليهم لعل الله أن ينفلكموها " قال : فانبعث معه من خف ; وثقل قوم وكرهوا الخروج ، وأسرع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلوي على من تعذر ، ولا ينتظر من غاب ظهره ، فسار في ثلاثمائة وثلاثة عشر من أصحابه من مهاجري وأنصاري . وفي البخاري عن البراء بن عازب قال : كان المهاجرون يوم بدر نيفا وثمانين ، وكان الأنصار نيفا وأربعين ومائتين . وخرج أيضا عنه قال : كنا نتحدث أن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر ، على عدد أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ، وما جاوز معه إلا مؤمن . وذكر البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري قال : فخرجنا - يعني إلى بدر - فلما سرنا يوما أو يومين [ ص: 335 ] أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتعاد ، ففعلنا فإذا نحن ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ، فأخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم بعدتنا ، فسر بذلك وحمد الله وقال : عدة أصحاب طالوت . قال ابن إسحاق : وقد ظن الناس بأجمعهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يلقى حربا فلم يكثر استعدادهم . وكان أبو سفيان حين دنا من الحجاز يتجسس الأخبار ويسأل من لقي من الركبان تخوفا على أموال الناس ، حتى أصاب خبرا من بعض الركبان أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استنفر لكم الناس ; فحذر عند ذلك واستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إلى مكة ، وأمره أن يأتي قريشا يستنفرهم إلى أموالهم ويخبرهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد عرض لها في أصحابه ; ففعل ضمضم . فخرج أهل مكة في ألف رجل أو نحو ذلك ، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه ، وأتاه الخبر عن قريش بخروجهم ليمنعوا عيرهم ; فاستشار النبي صلى الله عليه وسلم الناس ، فقام أبو بكر فقال فأحسن ، وقام عمر فقال فأحسن ، ثم قام المقداد بن عمرو فقال : يا رسول الله ، امض لما أمرك الله فنحن معك ، والله لا نقول كما قالت بنو إسرائيل " فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون " ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون ، والذي بعثك بالحق لو سرت إلى برك الغماد - يعني مدينة الحبشة - لجالدنا معك من دونه ; فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا له بخير . ثم قال : أشيروا علي أيها الناس يريد الأنصار . وذلك أنهم عدد الناس ، وكانوا حين بايعوه بالعقبة قالوا : يا رسول الله ، إنا برآء من ذمامك حتى تصل إلى ديارنا ، فإذا وصلت إلينا فأنت في ذممنا ، نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأبناءنا ونساءنا . فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوف ألا تكون الأنصار ترى أن عليها نصرته إلا بالمدينة ، وأنه ليس عليهم أن يسير بهم إلى عدو بغير بلادهم . فلما قال ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمه سعد بن معاذ - وقيل سعد بن عبادة ، ويمكن أنهما تكلما جميعا في ذلك اليوم - فقال : يا رسول الله ، كأنك تريدنا معشر الأنصار ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أجل فقال : إنا قد آمنا بك واتبعناك ، فامض لما أمرك الله ، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : امضوا على بركة الله فكأني أنظر إلى مصارع القوم . فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبق قريشا إلى ماء بدر . ومنع قريشا من السبق إليه مطر عظيم أنزله الله عليهم ، ولم يصب منه المسلمين إلا ما شد لهم دهس الوادي وأعانهم على المسير . والدهس : الرمل اللين الذي تسوخ فيه الأرجل . فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أدنى ماء من مياه بدر إلى المدينة ، فأشار عليه الحباب بن المنذر بن عمرو بن الجموح بغير ذلك وقال له : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه ، أم هو

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 06-11-2024, 10:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 346 الى صــ 355
الحلقة (342)


قوله تعالى إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين قوله تعالى : إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح شرط وجوابه . وفيه ثلاثة أقوال : يكون خطابا للكفار ; لأنهم استفتحوا فقالوا : اللهم أقطعنا للرحم وأظلمنا لصاحبه فانصره عليه ; قاله الحسن ومجاهد وغيرهما . وكان هذا القول منهم وقت خروجهم لنصرة العير . وقيل : قاله أبو جهل وقت القتال . وقال النضر بن الحارث : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم . وهو ممن قتل ببدر . والاستفتاح : طلب النصر ; أي قد جاءكم الفتح ولكنه كان للمسلمين عليكم . أي فقد جاءكم ما بان به الأمر ، وانكشف لكم الحق ، ( وإن تنتهوا ) أي عن الكفر ( فهو خير لكم ) . ( وإن تعودوا ) أي إلى هذا القول وقتال [ ص: 346 ] محمد . نعد إلى نصر المؤمنين . ولن تغني عنكم فئتكم أي جماعتكم شيئا ولو كثرت أي في العدد .

الثاني : يكون خطابا للمؤمنين ; أي إن تستنصروا فقد جاءكم النصر . وإن تنتهوا أي عن مثل ما فعلتموه من أخذ الغنائم والأسرى قبل الإذن ; فهو خير لكم وإن تعودوا أي إلى مثل ذلك نعد إلى توبيخكم . كما قال : لولا كتاب من الله سبق الآية .

والقول الثالث : أن يكون إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح خطابا للمؤمنين ، وما بعده للكفار . أي وإن تعودوا إلى القتال نعد إلى مثل وقعة بدر . القشيري : والصحيح أنه خطاب للكفار ; فإنهم لما نفروا إلى نصرة العير تعلقوا بأستار الكعبة وقالوا : اللهم انصر أهدى الطائفتين ، وأفضل الدينين . المهدوي : وروي أن المشركين خرجوا معهم بأستار الكعبة يستفتحون بها ، أي يستنصرون .

قلت : ولا تعارض لاحتمال أن يكونوا فعلوا الحالتين .

" وأن الله مع المؤمنين " بكسر الألف على الاستئناف ، وبفتحها عطف على قوله : وأن الله موهن كيد الكافرين . أو على قوله : أني معكم . والمعنى : ولأن الله ; والتقدير لكثرتها وأن الله . أي من كان الله في نصره لم تغلبه فئة وإن كثرت .

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله الخطاب للمؤمنين المصدقين . أفردهم بالخطاب دون المنافقين إجلالا لهم . جدد الله عليهم الأمر بطاعة الله والرسول ، ونهاهم عن التولي عنه . هذا قول الجمهور . وقالت فرقة : الخطاب بهذه الآية إنما هو للمنافقين . والمعنى : يا أيها الذين آمنوا بألسنتهم فقط . قال ابن عطية : وهذا وإن كان محتملا على بعد فهو ضعيف جدا ; لأن الله تعالى وصف من خاطب في هذه الآية بالإيمان . والإيمان التصديق ، والمنافقون لا يتصفون من التصديق بشيء . وأبعد من هذا من قال : إن الخطاب لبني إسرائيل ، فإنه أجنبي من الآية .

قوله تعالى ولا تولوا عنه التولي الإعراض . وقال عنه ولم يقل عنهما لأن طاعة الرسول طاعته ; وهو كقوله تعالى : والله ورسوله أحق أن يرضوه .

وأنتم تسمعون [ ص: 347 ] ابتداء وخبر في موضع الحال . والمعنى : وأنتم تسمعون ما يتلى عليكم من الحجج والبراهين في القرآن .

قوله تعالى : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون قوله تعالى : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا أي كاليهود أو المنافقين أو المشركين . وهو من سماع الأذن . وهم لا يسمعون أي لا يتدبرون ما سمعوا ، ولا يفكرون فيه ، فهم بمنزلة من لم يسمع وأعرض عن الحق . نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم . فدلت الآية على أن قول المؤمن : سمعت وأطعت ، لا فائدة فيه ما لم يظهر أثر ذلك عليه بامتثال فعله . فإذا قصر في الأوامر فلم يأتها ، واعتمد النواهي فاقتحمها فأي سمع عنده وأي طاعة ! وإنما يكون حينئذ بمنزلة المنافق الذي يظهر الإيمان ، ويسر الكفر ; وذلك هو المراد بقوله : ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون . يعني بذلك المنافقين ، أي اليهود أو المشركين ، على ما تقدم . ثم أخبر تعالى أن الكفار شر ما دب على الأرض .

وفي البخاري عن ابن عباس إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون قال : هم نفر من بني عبد الدار . والأصل أشر ، حذفت الهمزة لكثرة الاستعمال . وكذا خير ; الأصل أخير .

قوله تعالى ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون قوله تعالى : ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم قيل : الحجج والبراهين ; إسماع تفهم . ولكن سبق علمه بشقاوتهم

ولو أسمعهم أي لو أفهمهم لما آمنوا بعد علمه الأزلي بكفرهم . وقيل : المعنى لأسمعهم كلام الموتى الذين طلبوا إحياءهم ; لأنهم طلبوا إحياء قصي بن كلاب وغيره ليشهدوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم . الزجاج : لأسمعهم جواب كل ما سألوا عنه . ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون إذ سبق في علمه أنهم لا يؤمنون .

[ ص: 348 ] قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون فيه ثلاث مسائل :

الأولى : قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول هذا الخطاب للمؤمنين المصدقين بلا خلاف . والاستجابة : الإجابة . و يحييكم أصله يحييكم ، حذفت الضمة من الياء لثقلها . ولا يجوز الإدغام . قال أبو عبيدة : معنى استجيبوا أجيبوا ; ولكن عرف الكلام أن يتعدى استجاب بلام ، ويتعدى أجاب دون لام . قال الله تعالى : ياقومنا أجيبوا داعي الله . وقد يتعدى استجاب بغير لام ; والشاهد له قول الشاعر :
وداع دعا يا من يجيب إلى الندى فلم يستجبه عند ذاك مجيب
تقول : أجابه وأجاب عن سؤاله . والمصدر الإجابة . والاسم الجابة ; بمنزلة الطاقة والطاعة . تقول : أساء سمعا فأساء جابة . هكذا يتكلم بهذا الحرف . والمجاوبة والتجاوب : التحاور . وتقول : إنه لحسن الجيبة بالكسر أي الجواب . لما يحييكم متعلق بقوله : استجيبوا . المعنى : استجيبوا لما يحييكم إذا دعاكم . وقيل : اللام بمعنى إلى ، أي إلى ما يحييكم ، أي يحيي دينكم ويعلمكم . وقيل : أي إلى ما يحيي به قلوبكم فتوحدوه ، وهذا إحياء مستعار ; لأنه من موت الكفر والجهل . وقال مجاهد والجمهور : المعنى استجيبوا للطاعة وما تضمنه القرآن من أوامر ونواهي ; ففيه الحياة الأبدية ، والنعمة السرمدية ، وقيل : المراد بقوله لما يحييكم الجهاد ، فإنه سبب الحياة في الظاهر ، لأن العدو إذا لم يغز غزا ; وفي غزوه الموت ، والموت في الجهاد الحياة الأبدية ; قال الله عز وجل : ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء والصحيح العموم كما قال الجمهور .

الثانية : روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى قال : كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أجبه ، ثم أتيته فقلت : يا رسول الله ، إني كنت أصلي . فقال : ألم يقل الله عز وجل استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم وذكر الحديث وقد تقدم في الفاتحة . وقال الشافعي رحمه الله : هذا دليل على أن الفعل الفرض أو القول الفرض إذا [ ص: 349 ] أتي به في الصلاة لا تبطل ; لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالإجابة وإن كان في الصلاة .

قلت : وفيه حجة لقول الأوزاعي : لو أن رجلا يصلي فأبصر غلاما يريد أن يسقط في بئر فصاح به وانصرف إليه وانتهره لم يكن بذلك بأس . والله أعلم .

الثالثة : واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه قيل : إنه يقتضي النص منه على خلقه تعالى الكفر والإيمان فيحول بين المرء الكافر وبين الإيمان الذي أمره به ، فلا يكتسبه إذ لم يقدره عليه بل أقدره على ضده وهو الكفر . وهكذا المؤمن يحول بينه وبين الكفر . فبان بهذا النص أنه تعالى خالق لجميع اكتساب العباد خيرها وشرها . وهذا معنى قوله عليه السلام : لا ، ومقلب القلوب . وكان فعل الله تعالى ذلك عدلا فيمن أضله وخذله ; إذ لم يمنعهم حقا وجب عليه فتزول صفة العدل ، وإنما منعهم ما كان له أن يتفضل به عليهم لا ما وجب لهم . قال السدي : يحول بين المرء وقلبه فلا يستطيع أن يؤمن إلا بإذنه ، ولا يكفر أيضا إلا بإذنه ; أي بمشيئته . والقلب موضع الفكر . وقد تقدم في " البقرة " بيانه . وهو بيد الله ، متى شاء حال بين العبد وبينه بمرض أو آفة كيلا يعقل . أي بادروا إلى الاستجابة قبل ألا تتمكنوا منها بزوال العقل . وقال مجاهد : المعنى يحول بين المرء وعقله حتى لا يدري ما يصنع . وفي التنزيل : إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أي عقل . وقيل : يحول بينه وبينه بالموت ، فلا يمكنه استدراك ما فات . وقيل : خاف المسلمون يوم بدر كثرة العدو فأعلمهم الله أنه يحول بين المرء وقلبه بأن يبدلهم بعد الخوف أمنا ، ويبدل عدوهم من الأمن خوفا . وقيل : المعنى يقلب الأمور من حال إلى حال ; وهذا جامع . واختيار الطبري أن يكون ذلك إخبارا من الله عز وجل بأنه أملك لقلوب العباد منهم ، وأنه يحول بينهم وبينها إذا شاء ; حتى لا يدرك الإنسان شيئا إلا بمشيئة الله عز وجل .

وأنه إليه تحشرون عطف . قال الفراء : ولو استأنفت فكسرت : وأنه ، كان صوابا .

[ ص: 350 ] قوله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب فيه مسألتان :

الأولى : قال ابن عباس : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم العذاب . وكذلك تأول فيها الزبير بن العوام فإنه قال يوم الجمل ، وكان سنة ست وثلاثين : ما علمت أنا أردنا بهذه الآية إلا اليوم ، وما كنت أظنها إلا فيمن خوطب ذلك الوقت . وكذلك تأول الحسن البصري والسدي وغيرهما . قال السدي : نزلت الآية في أهل بدر خاصة ; فأصابتهم الفتنة يوم الجمل فاقتتلوا . وقال ابن عباس رضي الله عنه : نزلت هذه الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : وقال : أمر الله المؤمنين ألا يقروا المنكر فيما بينهم فيعمهم الله بالعذاب . وعن حذيفة بن اليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يكون بين ناس من أصحابي فتنة يغفرها الله لهم بصحبتهم إياي يستن بهم فيها ناس بعدهم يدخلهم الله بها النار .

قلت : وهذه التأويلات هي التي تعضدها الأحاديث الصحيحة ; ففي صحيح مسلم عن زينب بنت جحش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له : يا رسول الله ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : نعم إذا كثر الخبث . وفي صحيح الترمذي : إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده وقد تقدمت هذه الأحاديث . وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا . ففي هذا الحديث تعذيب العامة بذنوب الخاصة . وفيه [ ص: 351 ] استحقاق العقوبة بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . قال علماؤنا : فالفتنة إذا عمت هلك الكل . وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير ، وإذا لم تغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بقلوبهم هجران تلك البلدة والهرب منها . وهكذا كان الحكم فيمن كان قبلنا من الأمم ; كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا لا نساكنكم . وبهذا قال السلف رضي الله عنهم . روى ابن وهب عن مالك أنه قال : تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها . واحتج بصنيع أبي الدرداء في خروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا ، فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها . خرجه الصحيح . وروى البخاري عن ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم . فهذا يدل على أن الهلاك العام منه ما يكون طهرة للمؤمنين ومنه ما يكون نقمة للفاسقين . وروى مسلم عن عبد الله بن الزبير أن عائشة رضي الله عنها قالت : عبث رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه ، فقلت : يا رسول الله ، صنعت شيئا في منامك لم تكن تفعله ؟ فقال : العجب أن ناسا من أمتي يؤمون هذا البيت برجل من قريش قد لجأ بالبيت حتى إذا كانوا بالبيداء خسف بهم . فقلنا : يا رسول الله ، إن الطريق قد يجمع الناس . قال : نعم ، فيهم المستبصر والمجبور وابن السبيل يهلكون مهلكا واحدا ويصدرون مصادر شتى يبعثهم الله تعالى على نياتهم .

فإن قيل : فقد قال [ ص: 352 ] الله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى . كل نفس بما كسبت رهينة . لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . وهذا يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد ، وإنما تتعلق العقوبة بصاحب الذنب . فالجواب أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره ; فإذا سكت عليه فكلهم عاص : هذا بفعله وهذا برضاه . وقد جعل الله في حكمه وحكمته الراضي بمنزلة العامل ; فانتظم في العقوبة ; قاله ابن العربي . وهو مضمون الأحاديث كما ذكرنا . ومقصود الآية : واتقوا فتنة تتعدى الظالم ، فتصيب الصالح والطالح .

الثانية : واختلف النحاة في دخول النون في لا تصيبن قال الفراء : هو بمنزلة قولك : انزل عن الدابة لا تطرحنك ; فهو جواب الأمر بلفظ النهي ; أي إن تنزل عنها لا تطرحنك . ومثله قوله تعالى : ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم . أي إن تدخلوا لا يحطمنكم ; فدخلت النون لما فيه من معنى الجزاء . وقيل : لأنه خرج مخرج القسم ، والنون لا تدخل إلا على فعل النهي أو جواب القسم . وقال أبو العباس المبرد : إنه نهي بعد أمر ، والمعنى النهي للظالمين ; أي لا تقربن الظلم . وحكى سيبويه : لا أرينك هاهنا ; أي لا تكن هاهنا ; فإنه من كان هاهنا رأيته . وقال الجرجاني : المعنى اتقوا فتنة تصيب الذين ظلموا خاصة . فقوله لا تصيبن نهي في موضع وصف النكرة ; وتأويله الإخبار بإصابتها الذين ظلموا . وقرأ علي وزيد بن ثابت وأبي وابن مسعود ( لتصيبن ) بلا ألف . قال المهدوي : من قرأ ( لتصيبن ) جاز أن يكون مقصورا من لا تصيبن حذفت الألف كما حذفت من " ما " وهي أخت " لا " في نحو أم والله لأفعلن ، وشبهه . ويجوز أن تكون مخالفة لقراءة الجماعة ; فيكون المعنى أنها تصيب الظالم خاصة .

قوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون

قوله تعالى واذكروا إذ أنتم قليل قال الكلبي : نزلت في المهاجرين ; يعني وصف حالهم قبل الهجرة وفي ابتداء الإسلام .

مستضعفون نعت .

في الأرض أي [ ص: 353 ] أرض مكة تخافون نعت أن يتخطفكم في موضع نصب . والخطف : الأخذ بسرعة الناس رفع على الفاعل . قتادة وعكرمة : هم مشركو قريش . وهب بن منبه : فارس والروم .

فآواكم قال ابن عباس : إلى الأنصار . السدي : إلى المدينة ; والمعنى واحد . آوى إليه " بالمد " : ضم إليه . وأوى إليه " بالقصر " : انضم إليه .

وأيدكم قواكم بنصره أي بعونه . وقيل : بالأنصار . وقيل : بالملائكة يوم بدر .

ورزقكم من الطيبات أي الغنائم لعلكم تشكرون قد تقدم معناه .

قوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون روي أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر حين أشار إلى بني قريظة بالذبح . قال أبو لبابة : والله ما زالت قدماي حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله ; فنزلت هذه الآية . فلما نزلت شد نفسه إلى سارية من سواري المسجد ، وقال : والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت ، أو يتوب الله علي . الخبر مشهور . وعن عكرمة قال : لما كان شأن قريظة بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه فيمن كان عنده من الناس ; فلما انتهى إليهم وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجاء جبريل عليه السلام على فرس أبلق فقالت عائشة رضي الله عنها : فلكأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الغبار عن وجه جبريل عليهما السلام ; فقلت : هذا دحية يا رسول الله ؟ فقال : هذا جبريل عليه السلام . قال : يا رسول الله ما يمنعك من بني قريظة أن تأتيهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فكيف لي بحصنهم ؟ فقال جبريل : فإني أدخل فرسي هذا عليهم . فركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا معرورى ; فلما رآه علي رضي الله عنه قال : يا رسول الله ، لا عليك ألا تأتيهم ، فإنهم يشتمونك . فقال : كلا إنها ستكون تحية . فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا إخوة القردة والخنازير . فقالوا : يا أبا القاسم ، ما كنت فحاشا ! فقالوا : لا ننزل على حكم محمد ، ولكنا ننزل على حكم سعد بن معاذ ; فنزل . فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : بذلك طرقني الملك سحرا . فنزل فيهم ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون . [ ص: 354 ] نزلت في أبي لبابة ، أشار إلى بني قريظة حين قالوا : ننزل على حكم سعد بن معاذ ، لا تفعلوا فإنه الذبح ، وأشار إلى حلقه . وقيل : نزلت الآية في أنهم يسمعون الشيء من النبي صلى الله عليه وسلم فيلقونه إلى المشركين ويفشونه . وقيل : المعنى بغلول الغنائم . ونسبتها إلى الله ; لأنه هو الذي أمر بقسمتها . وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ; لأنه المؤدي عن الله عز وجل والقيم بها . والخيانة : الغدر وإخفاء الشيء ; ومنه : يعلم خائنة الأعين وكان عليه السلام يقول : اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع ومن الخيانة فإنها بئس البطانة . خرجه النسائي عن أبي هريرة قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ; فذكره .

وتخونوا أماناتكم في موضع جزم ، نسقا على الأول . وقد يكون على الجواب ; كما يقال : لا تأكل السمك وتشرب اللبن . والأمانات : الأعمال التي ائتمن الله عليها العباد . وسميت أمانة لأنها يؤمن معها من منع الحق ; مأخوذة من الأمن . وقد تقدم في " النساء " القول في أداء الأمانات والودائع وغير ذلك .

وأنتم تعلمون أي ما في الخيانة من القبح والعار . وقيل : تعلمون أنها أمانة .

قوله تعالى واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم قوله تعالى واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة كان لأبي لبابة أموال وأولاد في بني قريظة ، وهو الذي حمله على ملاينتهم ; فهذا إشارة إلى ذلك . فتنة أي اختبار ; امتحنهم بها .

وأن الله عنده أجر عظيم فآثروا حقه على حقكم .

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم

وقد تقدم معنى التقوى . وكان الله عالما بأنهم يتقون أم لا يتقون . فذكر بلفظ الشرط ; لأنه خاطب العباد بما يخاطب بعضهم بعضا . فإذا اتقى العبد ربه - وذلك باتباع [ ص: 355 ] أوامره واجتناب نواهيه - وترك الشبهات مخافة الوقوع في المحرمات ، وشحن قلبه بالنية الخالصة ، وجوارحه بالأعمال الصالحة ، وتحفظ من شوائب الشرك الخفي والظاهر بمراعاة غير الله في الأعمال ، والركون إلى الدنيا بالعفة عن المال ، جعل له بين الحق والباطل فرقانا ، ورزقه فيما يريد من الخير إمكانا . قال ابن وهب : سألت مالكا عن قوله سبحانه وتعالى : إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا قال : مخرجا ، ثم قرأ ومن يتق الله يجعل له مخرجا . وحكى ابن القاسم وأشهب عن مالك مثله سواء ، وقاله مجاهد قبله . وقال الشاعر :


ما لك من طول الأسى فرقان بعد قطين رحلوا وبانوا
وقال آخر :


وكيف أرجي الخلد والموت طالبي وما لي من كأس المنية فرقان
ابن إسحاق : فرقانا : فصلا بين الحق والباطل ; وقال ابن زيد و السدي : نجاة . الفراء : فتحا ونصرا . وقيل : في الآخرة ، فيدخلكم الجنة ويدخل الكفار النار .

قوله تعالى : وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين هذا إخبار بما اجتمع عليه المشركون من المكر بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة ; فاجتمع رأيهم على قتله فبيتوه ، ورصدوه على باب منزله طول ليلتهم ليقتلوه إذا خرج ; فأمر النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب أن ينام على فراشه ، ودعا الله عز وجل أن يعمي عليهم أثره ، فطمس الله على أبصارهم ، فخرج وقد غشيهم النوم ، فوضع على رءوسهم ترابا ونهض . فلما أصبحوا خرج عليهم علي فأخبرهم أن ليس في الدار أحد ، فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فات ونجا . الخبر مشهور في السيرة وغيرها . ومعنى ليثبتوك ليحبسوك ; يقال : أثبته إذا حبسته . وقال قتادة : ليثبتوك وثاقا . وعنه أيضا وعبد الله بن كثير : ليسجنوك . وقال أبان بن تغلب وأبو حاتم : ليثخنوك بالجراحات والضرب الشديد . قال الشاعر :


فقلت ويحكما ما في صحيفتكم قالوا الخليفة أمسى مثبتا وجعا
أو يقتلوك أو يخرجوك عطف .

ويمكرون مستأنف . والمكر : التدبير في الأمر في خفية .

والله خير الماكرين ابتداء وخبر . والمكر من الله هو جزاؤهم بالعذاب على مكرهم من حيث لا يشعرون .

قوله تعالى وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين نزلت في النضر بن الحارث ، كان خرج إلى الحيرة في التجارة فاشترى أحاديث كليلة ودمنة ، وكسرى وقيصر ; فلما قص رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبار من مضى قال النضر : لو شئت لقلت مثل هذا . وكان هذا وقاحة وكذبا . وقيل : إنهم توهموا أنهم يأتون بمثله ، كما توهمت سحرة موسى ، ثم راموا ذلك فعجزوا عنه وقالوا عنادا : إن هذا إلا أساطير الأولين . وقد تقدم .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 06-11-2024, 10:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 356 الى صــ 365
الحلقة (343)




قوله تعالى وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم القراء على نصب الحق على خبر كان . ودخلت هو للفصل . ويجوز " هو الحق " بالرفع .

من عندك قال الزجاج : ولا أعلم أحدا قرأ بها . ولا اختلاف بين النحويين في إجازتها ولكن القراءة سنة ، لا يقرأ فيها إلا بقراءة مرضية . واختلف فيمن قال هذه المقالة ; فقال مجاهد وابن جبير : قائل هذا هو النضر بن الحارث . أنس بن مالك : قائله أبو جهل ; رواه البخاري ومسلم . ثم يجوز أن يقال : قالوه لشبهة كانت في صدورهم ، أو على وجه العناد والإبهام على الناس أنهم على بصيرة ، ثم حل بهم يوم بدر ما سألوا . حكي أن ابن عباس لقيه رجل من اليهود ; فقال اليهودي : ممن أنت ؟ قال : من قريش . فقال : أنت من القوم الذين قالوا : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية . فهلا عليهم أن يقولوا : إن كان هذا هو [ ص: 357 ] الحق من عندك فاهدنا له ! إن هؤلاء قوم يجهلون . قال ابن عباس : وأنت يا إسرائيلي ، من القوم الذين لم تجف أرجلهم من بلل البحر الذي أغرق فيه فرعون وقومه ، وأنجى موسى وقومه ; حتى قالوا : اجعل لنا إلها كما لهم آلهة فقال لهم موسى : إنكم قوم تجهلون فأطرق اليهودي مفحما .

فأمطر أمطر في العذاب . ومطر في الرحمة ; عن أبي عبيدة . وقد تقدم .

قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون لما قال أبو جهل : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك الآية ، نزلت وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم كذا في صحيح مسلم . وقال ابن عباس : لم يعذب أهل قرية حتى يخرج النبي منها والمؤمنون ; يلحقوا بحيث أمروا .

وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ابن عباس : كانوا يقولون في الطواف : غفرانك . والاستغفار وإن وقع من الفجار يدفع به ضرب من الشرور والأضرار . وقيل : إن الاستغفار راجع إلى المسلمين الذين هم بين أظهرهم . أي وما كان الله معذبهم وفيهم من يستغفر من المسلمين ; فلما خرجوا عذبهم الله يوم بدر وغيره ; . قاله الضحاك وغيره . وقيل : إن الاستغفار هنا يراد به الإسلام . أي وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون أي يسلمون ; قاله مجاهد وعكرمة . وقيل : وهم يستغفرون أي في أصلابهم من يستغفر الله . روي عن مجاهد أيضا . وقيل : معنى يستغفرون لو استغفروا . أي لو استغفروا لم يعذبوا . استدعاهم إلى الاستغفار ; قاله قتادة وابن زيد . وقال المدائني عن بعض العلماء قال : كان رجل من العرب في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مسرفا على نفسه ، لم يكن يتحرج ; فلما أن توفي النبي صلى الله عليه وسلم لبس الصوف ورجع عما كان عليه ، وأظهر الدين والنسك . فقيل له : لو فعلت هذا والنبي صلى الله عليه وسلم حي لفرح بك . قال : كان لي أمانان ، فمضى واحد وبقي الآخر ; قال الله تبارك وتعالى : وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم فهذا أمان . والثاني وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون .

[ ص: 358 ] قوله تعالى وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون ولكن أكثرهم لا يعلمون قوله تعالى : وما لهم ألا يعذبهم الله المعنى : وما يمنعهم من أن يعذبوا . أي إنهم مستحقون العذاب لما ارتكبوا من القبائح والأسباب ، ولكن لكل أجل كتاب ; فعذبهم الله بالسيف بعد خروج النبي صلى الله عليه وسلم . وفي ذلك نزلت : سأل سائل بعذاب واقع وقال الأخفش : إن " أن " زائدة . قال النحاس : لو كان كما قال لرفع يعذبهم ولكن أكثرهم لا يعلمون أي إن المتقين أولياؤه .

قوله تعالى وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم أولئك هم الخاسرون قال ابن عباس : كانت قريش تطوف بالبيت عراة ، يصفقون ويصفرون ; فكان ذلك عبادة في ظنهم . والمكاء : الصفير . والتصدية : التصفيق ; قاله مجاهد والسدي وابن عمر رضي الله عنهم . ومنه قول عنترة :


وحليل غانية تركت مجدلا تمكو فريصته كشدق الأعلم
[ ص: 359 ] أي تصوت . ومنه مكت است الدابة إذا نفخت بالريح . قال السدي : المكاء الصفير ، على لحن طائر أبيض بالحجاز يقال له المكاء . قال الشاعر :


إذا غرد المكاء في غير روضة فويل لأهل الشاء والحمرات
قتادة : المكاء ضرب بالأيدي ، والتصدية صياح . وعلى التفسيرين ففيه رد على الجهال من الصوفية الذين يرقصون ويصفقون ويصعقون . وذلك كله منكر يتنزه عن مثله العقلاء ، ويتشبه فاعله بالمشركين فيما كانوا يفعلونه عند البيت . وروى ابن جريج وابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : المكاء إدخالهم أصابعهم في أفواههم . والتصدية : الصفير ، يريدون أن يشغلوا بذلك محمدا صلى الله عليه وسلم عن الصلاة . قال النحاس : المعروف في اللغة ما روي عن ابن عمر . حكى أبو عبيد وغيره أنه يقال : مكا يمكو مكاء إذا صفر . وصدى يصدي تصدية إذا صفق ; ومنه قول عمرو بن الإطنابة :


وظلوا جميعا لهم ضجة مكاء لدى البيت بالتصديه
أي بالتصفيق . سعيد بن جبير وابن زيد : معنى التصدية صدهم عن البيت ; فالأصل على هذا تصددة ، فأبدل من أحد الدالين ياء .

ومعنى ليميز الله الخبيث من الطيب أي المؤمن من الكافر . وقيل : هو عام في كل شيء من الأعمال والنفقات وغير ذلك .

قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين فيه خمس مسائل : الأولى : قوله تعالى : قل للذين كفروا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى ، وسواء قال بهذه العبارة أو غيرها . قال ابن عطية : ولو كان كما ذكر الكسائي أنه في مصحف عبد الله بن مسعود " قل للذين كفروا إن تنتهوا يغفر لكم " لما تأدت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها ; هذا بحسب ما تقتضيه الألفاظ .

[ ص: 360 ] الثانية : قوله تعالى : إن ينتهوا يريد عن الكفر . قال ابن عطية : ولا بد ; والحامل على ذلك جواب الشرط يغفر لهم ما قد سلف ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر . ولقد أحسن القائل أبو سعيد أحمد بن محمد الزبيري :


يستوجب العفو الفتى إذا اعترف ثم انتهى عما أتاه واقترف

لقوله سبحانه في المعترف إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف
روى مسلم عن أبي شماسة المهري قال : حضرنا عمرو بن العاص وهو في سياقة الموت يبكي طويلا . الحديث . وفيه : فقال النبي صلى الله عليه وسلم : أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله الحديث . قال ابن العربي : هذه لطيفة من الله سبحانه من بها على الخلق ; وذلك أن الكفار يقتحمون الكفر والجرائم ، ويرتكبون المعاصي والمآثم ; فلو كان ذلك يوجب مؤاخذة لهم لما استدركوا أبدا توبة ولا نالتهم مغفرة . فيسر الله تعالى عليهم قبول التوبة عند الإنابة ، وبذل المغفرة بالإسلام ، وهدم جميع ما تقدم ; ليكون ذلك أقرب لدخولهم في الدين ، وأدعى إلى قبولهم لكلمة المسلمين ، ولو علموا أنهم يؤاخذون لما تابوا ولا أسلموا . وفي صحيح مسلم أن رجلا فيمن كان قبلكم قتل تسعة وتسعين نفسا ثم سأل هل له من توبة فجاء عابدا فسأل هل له من توبة فقال : لا توبة لك فقتله فكمل به مائة الحديث . فانظروا إلى قول العابد : لا توبة لك ; فلما علم أنه قد أيأسه قتله ، فعل الآيس من الرحمة . فالتنفير مفسدة للخليقة ، والتيسير مصلحة لهم . وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان إذا جاء إليه رجل لم يقتل فسأل : هل لقاتل من توبة ؟ فيقول : لا توبة ; تخويفا وتحذيرا . فإذا جاءه من قتل فسأله : هل لقاتل من توبة ؟ قال له : لك توبة ; تيسيرا وتأليفا . وقد تقدم .

الثالثة : قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك فيمن طلق في الشرك ثم أسلم فلا طلاق له . وكذلك من حلف فأسلم فلا حنث عليه . وكذا من وجبت عليه هذه الأشياء ; فذلك مغفور له . فأما من افترى على مسلم ثم أسلم أو سرق ثم أسلم أقيم عليه الحد للفرية والسرقة . ولو زنى وأسلم ، أو اغتصب مسلمة ثم أسلم سقط عنه الحد . وروى أشهب عن مالك أنه قال : إنما يعني الله عز وجل ما قد مضى قبل الإسلام ، من مال أو دم أو شيء . قال ابن العربي : وهذا [ ص: 361 ] هو الصواب ; لما قدمناه من عموم قوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ، وقوله : الإسلام يهدم ما قبله ، وما بيناه من المعنى من التيسير وعدم التنفير .

قلت : أما الكافر الحربي فلا خلاف في إسقاط ما فعله في حال كفره في دار الحرب . وأما إن دخل إلينا بأمان فقذف مسلما فإنه يحد ، وإن سرق قطع . وكذلك الذمي إذا قذف حد ثمانين ، وإذا سرق قطع ، وإن قتل قتل . ولا يسقط الإسلام ذلك عنه لنقضه العهد حال كفره ; على رواية ابن القاسم وغيره . قال ابن المنذر : واختلفوا في النصراني يزني ثم يسلم ، وقد شهدت عليه بينة من المسلمين ; فحكي عن الشافعي رضي الله عنه إذ هو بالعراق لا حد عليه ولا تغريب ; لقول الله عز وجل : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف قال ابن المنذر : وهذا موافق لما روي عن مالك . وقال أبو ثور : إذا أقر وهو مسلم أنه زنى وهو كافر أقيم عليه الحد . وحكي عن الكوفي أنه قال : لا يحد .

الرابعة : فأما المرتد إذا أسلم وقد فاتته صلوات ، وأصاب جنايات وأتلف أموالا ; فقيل : حكمه حكم الكافر الأصلي إذا أسلم ; لا يؤخذ بشيء مما أحدثه في حال ارتداده . وقال الشافعي في أحد قوليه : يلزمه كل حق لله عز وجل وللآدمي ; بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه فوجب أن تلزمه حقوق الله تعالى . وقال أبو حنيفة : ما كان لله يسقط ، وما كان للآدمي لا يسقط . قال ابن العربي : وهو قول علمائنا ; لأن الله تعالى مستغن عن حقه ، والآدمي مفتقر إليه . ألا ترى أن حقوق الله عز وجل لا تجب على الصبي وتلزمه حقوق الآدميين . قالوا : وقوله تعالى : قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف عام في حقوق الله تعالى .

الخامسة قوله تعالى وإن يعودوا يريد إلى القتال ; لأن لفظة " عاد " إذا جاءت مطلقة فإنما تتضمن الرجوع إلى حالة كان الإنسان عليها ثم انتقل عنها . قال ابن عطية : ولسنا نجد في هذه الآية لهؤلاء الكفار حالة تشبه ما ذكرنا إلا القتال . ولا يجوز أن يتأول إلى الكفر ; لأنهم لم ينفصلوا عنه ، وإنما قلنا ذلك في " عاد " إذا كانت مطلقة لأنها قد تجيء في كلام العرب داخلة على الابتداء والخبر ، فيكون معناها معنى صار ; كما تقول : عاد زيد ملكا ; يريد صار . ومنه قول أمية بن أبي الصلت :


تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وهذه لا تتضمن الرجوع إلى حالة قد كان العائد عليها قبل . فهي مقيدة بخبرها لا يجوز الاقتصار دونها ; فحكمها حكم " صار " .

[ ص: 362 ] قوله تعالى فقد مضت سنة الأولين عبارة تجمع الوعيد والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله .

قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير قوله تعالى وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة أي كفر . إلى آخر الآية تقدم معناها وتفسير ألفاظها في " البقرة " وغيرها ، والحمد لله .

قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير

قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله فيه ست وعشرون مسألة :

الأولى : قوله تعالى واعلموا أنما غنمتم من شيء الغنيمة في اللغة ما يناله الرجل أو الجماعة بسعي ، ومن ذلك قول الشاعر :


وقد طوفت في الآفاق حتى رضيت من الغنيمة بالإياب
وقال آخر :


ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه أنى توجه والمحروم محروم
والمغنم والغنيمة بمعنى ; يقال : غنم القوم غنما . واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى : غنمتم من شيء مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة والقهر . ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص على ما بيناه ، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا [ ص: 363 ] النوع . وسمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين : غنيمة وفيئا . فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة . ولزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا . والفيء مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع ، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف . كخراج الأرضين وجزية الجماجم وخمس الغنائم . ونحو هذا قال سفيان الثوري وعطاء بن السائب . وقيل : إنهما واحد ، وفيهما الخمس ; قاله قتادة . وقيل : الفيء عبارة عن كل ما صار للمسلمين من الأموال بغير قهر . والمعنى متقارب .

الثانية : هذه الآية ناسخة لأول السورة ، عند الجمهور . وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله : يسألونك عن الأنفال وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين ، على ما يأتي بيانه . وأن قوله : يسألونك عن الأنفال نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر ، على ما تقدم أول السورة .

قلت : ومما يدل على صحة هذا ما ذكره إسماعيل بن إسحاق قال : حدثنا محمد بن كثير قال حدثنا سفيان قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال : لما كان يوم بدر قال النبي صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله كذا ومن أسر أسيرا فله كذا وكانوا قتلوا سبعين ، وأسروا سبعين ، فجاء أبو اليسر بن عمرو بأسيرين ، فقال : يا رسول الله إنك وعدتنا من قتل قتيلا فله كذا ، وقد جئت بأسيرين . فقام سعد فقال : يا رسول الله ، إنا لم يمنعنا زيادة في الأجر ولا جبن عن العدو ولكنا قمنا هذا المقام خشية أن يعطف المشركون ، فإنك إن تعط هؤلاء لا يبق لأصحابك شيء . قال : وجعل هؤلاء يقولون وهؤلاء يقولون فنزلت يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم فسلموا الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . ثم نزلت واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه الآية . وقد قيل : إنها محكمة غير منسوخة ، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليست مقسومة بين الغانمين ، وكذلك لمن بعده من الأئمة . كذا حكاه المازري عن كثير من أصحابنا ، رضي الله عنهم ، وأن للإمام أن يخرجها عنهم . واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين . وكان أبو عبيد يقول : افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها عليهم فيئا . ورأى بعض الناس أن هذا جائز للأئمة بعده . [ ص: 364 ]

قلت : وعلى هذا يكون معنى قوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه والأربعة الأخماس للإمام ، إن شاء حبسها وإن شاء قسمها بين الغانمين . وهذا ليس بشيء ، لما ذكرناه ، ولأن الله سبحانه أضاف الغنيمة للغانمين فقال : واعلموا أنما غنمتم من شيء ثم عين الخمس لمن سمى في كتابه ، وسكت عن الأربعة الأخماس ، كما سكت عن الثلثين في قوله : وورثه أبواه فلأمه الثلث فكان للأب الثلثان اتفاقا . وكذا الأربعة الأخماس للغانمين إجماعا ، على ما ذكره ابن المنذر وابن عبد البر والداودي والمازري أيضا والقاضي عياض وابن العربي . والأخبار بهذا المعنى متظاهرة ، وسيأتي بعضها . ويكون معنى قوله : يسألونك عن الأنفال الآية ، ما ينفله الإمام لمن شاء لما يراه من المصلحة قبل القسمة . وقال عطاء والحسن : هي مخصوصة بما شذ من المشركين إلى المسلمين ، من عبد أو أمة أو دابة ، يقضي فيها الإمام بما أحب . وقيل : المراد بها أنفال السرايا أي غنائمها ، إن شاء خمسها الإمام ، وإن شاء نفلها كلها . وقال إبراهيم النخعي في الإمام يبعث السرية فيصيبون المغنم : إن شاء الإمام نفله كله ، وإن شاء خمسه . وحكاه أبو عمر عن مكحول وعطاء . قال علي بن ثابت : سألت مكحولا وعطاء عن الإمام ينفل القوم ما أصابوا ، قال : ذلك لهم . قال أبو عمر : من ذهب إلى هذا تأول قول الله عز وجل : يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول أن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم يضعها حيث شاء . ولم ير أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه . وقيل غير هذا مما قد أتينا عليه في كتاب " القبس في شرح موطأ مالك بن أنس " . ولم يقل أحد من العلماء فيما أعلم أن قوله تعالى يسألونك عن الأنفال الآية ، ناسخ لقوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه بل قال الجمهور على ما ذكرنا : إن قوله : ما غنمتم ناسخ ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله تعالى . وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها . وقد قال أبو عبيد : ولا نعلم مكة يشبهها شيء من البلدان من جهتين : إحداهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله قد خصه من الأنفال والغنائم ما لم يجعله لغيره ، وذلك لقوله : يسألونك عن الأنفال الآية ، فنرى أن هذا كان خاصا له والجهة الأخرى أنه سن لمكة سننا ليست لشيء من البلاد . وأما قصة حنين فقد عوض الأنصار لما قالوا : يعطي الغنائم قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم ! فقال لهم : أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون [ ص: 365 ] برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم . خرجه مسلم وغيره . وليس لغيره أن يقول هذا القول ، مع أن ذلك خاص به على ما قاله بعض علمائنا . والله أعلم .

الثالثة : لم يختلف العلماء أن قوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء ليس على عمومه ، وأنه يدخله الخصوص ، فمما خصصوه بإجماع أن قالوا : سلب المقتول لقاتله إذا نادى به الإمام . وكذلك الرقاب ، أعني الأسارى ، الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف ، على ما يأتي بيانه . ومما خص به أيضا الأرض . والمعنى : ما غنمتم من ذهب وفضة وسائر الأمتعة والسبي . وأما الأرض فغير داخلة في عموم هذه الآية ، لما روى أبو داود عن عمر بن الخطاب أنه قال : لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر . ومما يصحح هذا المذهب ما رواه الصحيح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : منعت العراق قفيزها ودرهمها ومنعت الشام مدها ودينارها الحديث . قال الطحاوي : " منعت " بمعنى ستمنع ، فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين ، لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم ، ولو كانت الأرض تقسم ما بقي لمن جاء بعد الغانمين شيء . والله تعالى يقول : والذين جاءوا من بعدهم بالعطف على قوله : للفقراء المهاجرين . قال : وإنما يقسم ما ينقل من موضع إلى موضع . وقال الشافعي : كل ما حصل من الغنائم من أهل دار الحرب من شيء قل أو كثر من دار أو أرض أو متاع أو غير ذلك قسم ، إلا الرجال البالغين فإن الإمام فيهم مخير أن يمن أو يقتل أو يسبي . وسبيل ما أخذ منهم وسبي سبيل الغنيمة . واحتج بعموم الآية . قال : والأرض مغنومة لا محالة ، فوجب أن تقسم كسائر الغنائم . وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما افتتح عنوة من خيبر . قالوا : ولو جاز أن يدعى الخصوص في الأرض جاز أن يدعى في غير الأرض فيبطل حكم الآية . وأما آية " الحشر " فلا حجة فيها ، لأن ذلك إنما هو في الفيء لا في الغنيمة وقوله : والذين جاءوا من بعدهم استئناف كلام بالدعاء لمن سبقهم بالإيمان لا لغير ذلك . قالوا : وليس يخلو فعل عمر في توقيفه الأرض من أحد وجهين : إما أن تكون غنيمة استطاب أنفس أهلها ، وطابت بذلك فوقفها . وكذلك روى جرير أن عمر استطاب أنفس أهلها ،
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 06-11-2024, 10:23 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 366 الى صــ 375
الحلقة (344)




وكذلك [ ص: 366 ] صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبي هوازن ، لما أتوه استطاب أنفس أصحابه عما كان في أيديهم . وإما أن يكون ما وقفه عمر فيئا فلم يحتج إلى مراضاة أحد . وذهب الكوفيون إلى تخيير الإمام في قسمها أو إقرارها وتوظيف الخراج عليها ، وتصير ملكا لهم كأرض الصلح . قال شيخنا أبو العباس رضي الله عنه : وكأن هذا جمع بين الدليلين ووسط بين المذهبين ، وهو الذي فهمه عمر رضي الله عنه قطعا ، ولذلك قال : لولا آخر الناس ، فلم يخبر بنسخ فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا بتخصيصه بهم ، غير أن الكوفيين زادوا على ما فعل عمر ، فإن عمر إنما وقفها على مصالح المسلمين ولم يملكها لأهل الصلح ، وهم الذين قالوا للإمام أن يملكها لأهل الصلح .

الرابعة : ذهب مالك وأبو حنيفة والثوري إلى أن السلب ليس للقاتل ، وأن حكمه حكم الغنيمة ، إلا أن يقول الأمير : من قتل قتيلا فله سلبه ، فيكون حينئذ له . وقال الليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد والطبري وابن المنذر : السلب للقاتل على كل حال ، قاله الإمام أو لم يقله . إلا أن الشافعي رضي الله عنه قال : إنما يكون السلب للقاتل إذا قتل قتيلا مقبلا عليه ، وأما إذا قتله مدبرا عنه فلا . قال أبو العباس بن سريج من أصحاب الشافعي : ليس الحديث من قتل قتيلا فله سلبه على عمومه ، لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم . وكذلك من ذفف على جريح ، ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه . قال : وكذلك المنهزم لا يمتنع في انهزامه ، وهو كالمكتوف . قال : فعلم بذلك أن الحديث إنما جعل السلب لمن لقتله معنى زائد ، أو لمن في قتله فضيلة ، وهو القاتل في الإقبال ، لما في ذلك من المؤنة . وأما من أثخن فلا . وقال الطبري : السلب للقاتل ، مقبلا قتله أو مدبرا ، هاربا أو مبارزا إذا كان في المعركة . وهذا يرده ما ذكره عبد الرزاق ومحمد بن بكر عن ابن جريج قال سمعت نافعا مولى ابن عمر يقول : لم نزل نسمع إذا التقى المسلمون والكفار فقتل رجل من المسلمين رجلا من الكفار فإن سلبه له إلا أن يكون في معمعة القتال ، لأنه حينئذ لا يدرى من قتل قتيلا . فظاهر هذا يرد قول الطبري لاشتراطه في السلب القتل في المعركة خاصة . وقال أبو ثور وابن المنذر : السلب للقاتل في معركة كان أو غير معركة ، في الإقبال والإدبار والهروب والانتهار ، على كل الوجوه ، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم : من قتل قتيلا فله [ ص: 367 ] سلبه .

قلت : روى مسلم عن سلمة بن الأكوع قال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه ، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل ، ثم تقدم يتغدى مع القوم ، وجعل ينظر ، وفينا ضعفة ورقة في الظهر ، وبعضنا مشاة ، إذ خرج يشتد ، فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل ، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء . قال سلمة : وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته ، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل فندر ، ثم جئت بالجمل أقوده ، عليه رحله وسلاحه ، فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه فقال : من قتل الرجل ؟ قالوا : ابن الأكوع . قال : له سلبه أجمع . فهذا سلمة قتله هاربا غير مقبل ، وأعطاه سلبه . وفيه حجة لمالك من أن السلب لا يستحقه القاتل إلا بإذن الإمام ، إذ لو كان واجبا له بنفس القتل لما احتاج إلى تكرير هذا القول . ومن حجته أيضا ما ذكره أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا أبو الأحوص عن الأسود بن قيس عن بشر بن علقمة قال : بارزت رجلا يوم القادسية فقتلته وأخذت سلبه ، فأتيت سعدا فخطب سعد أصحابه ثم قال : هذا سلب بشر بن علقمة ، فهو خير من اثني عشر ألف درهم ، وإنا قد نفلناه إياه . فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي صلى الله عليه وسلم ما احتاج الأمر أن يضيفوا ذلك إلى أنفسهم باجتهادهم ، ولأخذه القاتل دون أمرهم . والله أعلم . وفي الصحيح أن معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء ضربا أبا جهل بسيفيهما حتى قتلاه ، فأتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أيكما قتله ؟ فقال كل واحد منهما : أنا قتلته . فنظر في السيفين فقال : كلاكما قتله وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح وهذا نص على أن السلب ليس للقاتل ، إذ لو كان له لقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بينهما . وفي الصحيح أيضا عن عوف بن مالك قال : خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة ، ورافقني مددي من اليمن . وساق الحديث ، وفيه : فقال عوف : يا خالد ، أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل ؟ [ ص: 368 ] قال : بلى ، ولكني استكثرته . وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم ، وزاد فيه بيانا أن عوف بن مالك قال : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يخمس السلب ، وإن مدديا كان رفيقا لهم في غزوة مؤتة في طرف من الشام ، قال : فجعل رومي منهم يشتد على المسلمين وهو على فرس أشقر وسرج مذهب ومنطقة ملطخة وسيف محلى بذهب . قال : فيغري بهم ، قال : فتلطف له المددي حتى مر به فضرب عرقوب فرسه فوقع ، وعلاه بالسيف فقتله وأخذ سلاحه . قال : فأعطاه خالد بن الوليد وحبس منه ، قال عوف : فقلت له أعطه كله ، أليس قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : السلب للقاتل ! قال : بلى ، ولكني استكثرته . قال عوف : وكان بيني وبينه كلام ، فقلت له : لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال عوف : فلما اجتمعنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عوف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لخالد : لم لم تعطه ؟ قال فقال : استكثرته . قال : فادفعه إليه . فقلت له : ألم أنجز لك ما وعدتك ؟ قال : فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : يا خالد لا تدفعه إليه هل أنتم تاركون لي أمرائي . فهذا يدل دلالة واضحة على أن السلب لا يستحقه القاتل بنفس القتل بل برأي الإمام ونظره . وقال أحمد بن حنبل : لا يكون السلب للقاتل إلا في المبارزة خاصة .

الخامسة : اختلف العلماء في تخميس السلب ، فقال الشافعي : لا يخمس . وقال إسحاق : إن كان السلب يسيرا فهو للقاتل ، وإن كان كثيرا خمس . وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك حين بارز المرزبان فقتله ، فكانت قيمة منطقته وسواريه ثلاثين ألفا فخمس ذلك . أنس عن البراء بن مالك أنه قتل من المشركين مائة رجل إلا رجلا مبارزة ، وأنهم لما غزوا الزارة خرج دهقان الزارة فقال : رجل ورجل ، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده ، ثم أخذ السيف فذبحه ، وأخذ سلاحه ومنطقته وأتى به عمر ، فنفله السلاح وقوم المنطقة بثلاثين ألفا فخمسها ، وقال : إنها مال . وقال الأوزاعي ومكحول : السلب مغنم وفيه الخمس . وروي نحوه عن عمر بن الخطاب . والحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في السلب للقاتل ولم يخمس السلب .

[ ص: 369 ] السادسة : ذهب جمهور العلماء إلى أن السلب لا يعطى للقاتل إلا أن يقيم البينة على قتله . قال أكثرهم : ويجزئ شاهد واحد ، على حديث أبي قتادة . وقيل : شاهدان أو شاهد ويمين . وقال الأوزاعي : يعطاه بمجرد دعواه ، وليست البينة : شرطا في الاستحقاق ، بل إن اتفق ذلك فهو الأولى دفعا للمنازعة . ألا ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى أبا قتادة سلب مقتول من غير شهادة ولا يمين . ولا تكفي شهادة واحد ، ولا يناط بها حكم بمجردها . وبه قال الليث بن سعد .

قلت : سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول : إنما أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم السلب بشهادة الأسود بن خزاعي وعبد الله بن أنيس . وعلى هذا يندفع النزاع ويزول الإشكال ، ويطرد الحكم . وأما المالكية فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة ، لأنه من الإمام ابتداء عطية ، فإن شرط الشهادة كان له ، وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة .

السابعة : واختلفوا في السلب ما هو ، فأما السلاح وكل ما يحتاج للقتال فلا خلاف أنه من السلب ، وفرسه إن قاتل عليه وصرع عنه . وقال أحمد في الفرس : ليس من السلب . وكذلك إن كان في هميانه وفي منطقته دنانير أو جواهر أو نحو هذا ، فلا خلاف أنه ليس من السلب . واختلفوا فيما يتزين به للحرب ، فقال الأوزاعي : ذلك كله من السلب . وقالت فرقة : ليس من السلب . وهذا مروي عن سحنون رحمه الله ، إلا المنطقة فإنها عنده من السلب . وقال ابن حبيب في الواضحة : والسواران من السلب .

الثامنة : قوله تعالى فأن لله خمسه قال أبو عبيد : هذا ناسخ لقوله عز وجل في أول السورة قل الأنفال لله والرسول ولم يخمس رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم بدر ، فنسخ حكمه في ترك التخميس بهذا . إلا أنه يظهر من قول علي رضي الله عنه في صحيح مسلم " كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاني شارفا من الخمس يومئذ " الحديث - أنه خمس ، فإن كان هذا فقول أبي عبيد مردود . قال ابن عطية : ويحتمل أن يكون الخمس الذي ذكر علي من إحدى الغزوات التي كانت بين بدر وأحد ، فقد كانت غزوة بني سليم وغزوة بني المصطلق وغزوة ذي أمر وغزوة بحران ، ولم يحفظ فيها قتال ، ولكن يمكن أن غنمت غنائم . والله أعلم .

[ ص: 370 ] قلت : وهذا التأويل يرده قول علي يومئذ ، وذلك إشارة إلى يوم قسم غنائم بدر ، إلا أنه يحتمل أن يكون من الخمس إن كان لم يقع في بدر تخميس ، من خمس سرية عبد الله بن جحش فإنها أول غنيمة غنمت في الإسلام ، وأول خمس كان في الإسلام ، ثم نزل القرآن واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه . وهذا أولى من التأويل الأول . والله أعلم .

التاسعة ما في قوله ما غنمتم بمعنى الذي والهاء محذوفة ، أي الذي غنمتموه . ودخلت الفاء لأن في الكلام معنى المجازاة . و أن الثانية توكيد للأولى ، ويجوز كسرها ، وروي عن أبي عمرو . قال الحسن : هذا مفتاح كلام ، الدنيا والآخرة لله ، ذكره النسائي . واستفتح عز وجل الكلام في الفيء والخمس بذكر نفسه ، لأنهما أشرف الكسب ، ولم ينسب الصدقة إليه لأنها أوساخ الناس .

العاشرة : واختلف العلماء في كيفية قسم الخمس على أقوال ستة :

الأول : قالت طائفة : يقسم الخمس على ستة ، فيجعل السدس للكعبة ، وهو الذي لله . والثاني لرسول الله صلى الله عليه وسلم . والثالث لذوي القربى . والرابع لليتامى . والخامس للمساكين . والسادس لابن السبيل . وقال بعض أصحاب هذا القول : يرد السهم الذي لله على ذوي الحاجة .

الثاني : قال أبو العالية والربيع : تقسم الغنيمة على خمسة ، فيعزل منها سهم واحد ، وتقسم الأربعة على الناس ، ثم يضرب بيده على السهم الذي عزله فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة ، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة ، سهم للنبي صلى الله عليه وسلم ، وسهم لذوي القربى ، وسهم لليتامى ، وسهم للمساكين ، وسهم لابن السبيل .

الثالث : قال المنهال بن عمرو : سألت عبد الله بن محمد بن علي وعلي بن الحسين عن الخمس فقال : هو لنا . قلت لعلي : إن الله تعالى يقول : واليتامى والمساكين وابن السبيل فقال : أيتامنا ومساكيننا .

الرابع : قال الشافعي : يقسم على خمسة . ورأى أن سهم الله ورسوله واحد ، وأنه يصرف في مصالح المؤمنين ، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورين في الآية .

[ ص: 371 ] الخامس : قال أبو حنيفة : يقسم على ثلاثة : اليتامى والمساكين وابن السبيل . وارتفع عنده حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته ، كما ارتفع حكم سهمه . قالوا : ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر ، وبناء المساجد ، وأرزاق القضاة والجند ، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضا .

السادس : قال مالك : هو موكول إلى نظر الإمام واجتهاده ، فيأخذ منه من غير تقدير ، ويعطي منه القرابة باجتهاد ، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين . وبه قال الخلفاء الأربعة ، وبه عملوا . وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم . فإنه لم يقسمه أخماسا ولا أثلاثا ، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم ، لأنهم من أهم من يدفع إليه . قال الزجاج محتجا لمالك : قال الله عز وجل : يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وللرجل جائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك . وذكر النسائي عن عطاء قال : خمس الله وخمس رسوله واحد ، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل منه ويضعه حيث شاء ويصنع به ما شاء .

الحادية عشرة : ولذي القربى ليست اللام لبيان الاستحقاق والملك ، وإنما هي لبيان المصرف والمحل . والدليل عليه ما رواه مسلم أن الفضل بن عباس وربيعة بن عبد المطلب أتيا النبي صلى الله عليه وسلم ، فتكلم أحدهما فقال : يا رسول الله ، أنت أبر الناس ، وأوصل الناس ، وقد بلغنا النكاح فجئنا لتؤمرنا على بعض هذه الصدقات ، فنؤدي إليك كما يؤدي الناس ، ونصيب كما يصيبون . فسكت طويلا حتى أردنا أن نكلمه ، قال : وجعلت زينب تلمع إلينا من وراء الحجاب ألا تكلماه ، قال : ثم قال : إن الصدقة لا تحل لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ادعوا لي محمية - وكان على الخمس - ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب . قال : فجاءاه فقال لمحمية : أنكح هذا الغلام ابنتك - للفضل بن عباس - فأنكحه . وقال لنوفل بن الحارث : أنكح هذا الغلام ابنتك - يعني ربيعة بن عبد المطلب . وقال لمحمية : أصدق عنهما من الخمس كذا وكذا . وقال صلى الله عليه وسلم : ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس [ ص: 372 ] والخمس مردود عليكم . وقد أعطى جميعه وبعضه ، وأعطى منه المؤلفة قلوبهم ، وليس ممن ذكرهم الله في التقسيم ، فدل على ما ذكرناه ، والموفق الإله .

الثانية عشرة : واختلف العلماء في ذوي القربى على ثلاثة أقوال : قريش كلها ، قاله بعض السلف ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما صعد الصفا جعل يهتف : يا بني فلان يا بني عبد مناف يا بني عبد المطلب يا بني كعب يا بني مرة يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار الحديث . وسيأتي في " الشعراء " . وقال الشافعي وأحمد وأبو ثور ومجاهد وقتادة وابن جريج ومسلم بن خالد : بنو هاشم وبنو عبد المطلب ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قسم سهم ذوي القربى بين بني هاشم وبني عبد المطلب قال : إنهم لم يفارقوني في جاهلية ولا إسلام إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد وشبك بين أصابعه ، أخرجه النسائي والبخاري . قال البخاري : قال الليث حدثني يونس ، وزاد : ولم يقسم النبي صلى الله عليه وسلم لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئا . قال ابن إسحاق : وعبد شمس وهاشم والمطلب إخوة لأم ، وأمهم عاتكة بنت مرة . وكان نوفل أخاهم لأبيهم . قال النسائي : وأسهم النبي صلى الله عليه وسلم لذوي القربى ، وهم بنو هاشم وبنو المطلب ، بينهم الغني والفقير . وقد قيل : إنه للفقير منهم دون الغني ، كاليتامى وابن السبيل - وهو أشبه القولين بالصواب عندي . والله أعلم - والصغير والكبير والذكر والأنثى سواء ، لأن الله تعالى جعل ذلك لهم ، وقسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم . وليس في الحديث أنه فضل بعضهم على بعض . الثالث : بنو هاشم خاصة ، قاله مجاهد وعلي بن الحسين . وهو قول مالك والثوري والأوزاعي وغيرهم .

الثالثة عشرة : لما بين الله عز وجل حكم الخمس وسكت عن الأربعة الأخماس ، دل ذلك على أنها ملك للغانمين . وبين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله : وأيما قرية عصت الله ورسوله فإن خمسها لله ورسوله ثم هي لكم . وهذا مما لا خلاف فيه بين الأمة ولا بين الأئمة ، على ما [ ص: 373 ] حكاه ابن العربي في أحكامه ، وغيره . بيد أن الإمام إن رأى أن يمن على الأسارى بالإطلاق فعل ، وبطلت حقوق الغانمين فيهم ، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بثمامة بن أثال وغيره ، وقال : لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى - يعني أسارى بدر - لتركتهم له . أخرجه البخاري . مكافأة له لقيامه في شأن نقض الصحيفة . وله أن يقتل جميعهم ، وقد قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم عقبة بن أبي معيط من بين الأسرى صبرا ، وكذلك النضر بن الحارث قتله بالصفراء صبرا ، وهذا ما لا خلاف فيه . وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم كسهم الغانمين ، حضر أو غاب . وسهم الصفي ، يصطفي سيفا أو سهما أو خادما أو دابة . وكانت صفية بنت حيي من الصفي من غنائم خيبر . وكذلك ذو الفقار كان من الصفي . وقد انقطع بموته ، إلا عند أبي ثور فإنه رآه باقيا للإمام يجعله مجعل سهم النبي صلى الله عليه وسلم . وكانت الحكمة في ذلك أن أهل الجاهلية كانوا يرون للرئيس ربع الغنيمة . قال شاعرهم :


لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
وقال آخر :


منا الذي ربع الجيوش ، لصلبه عشرون وهو يعد في الأحياء


يقال : ربع الجيش يربعه رباعة إذا أخذ ربع الغنيمة . قال الأصمعي : ربع في الجاهلية وخمس في الإسلام ، فكان يأخذ بغير شرع ولا دين الربع من الغنيمة ، ويصطفي منها ، ثم يتحكم بعد الصفي في أي شيء أراد ، وكان ما شذ منها وما فضل من خرثي ومتاع له . فأحكم الله سبحانه الدين بقوله : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وأبقى سهم الصفي لنبيه صلى الله عليه وسلم وأسقط حكم الجاهلية . وقال عامر الشعبي : كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم يدعى الصفي إن شاء عبدا أو أمة أو فرسا يختاره قبل الخمس ، أخرجه أبو داود . وفي حديث أبي هريرة قال فيلقى العبد فيقول : أي فل ألم أكرمك وأسودك وأزوجك وأسخر لك الخيل [ ص: 374 ] والإبل وأذرك ترأس وتربع الحديث . أخرجه مسلم . " تربع " بالباء الموحدة من تحتها : تأخذ المرباع ، أي الربع مما يحصل لقومك من الغنائم والكسب . وقد ذهب بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه إلى أن خمس الخمس كان النبي صلى الله عليه وسلم يصرفه في كفاية أولاده ونسائه ، ويدخر من ذلك قوت سنته ، ويصرف الباقي في الكراع والسلاح . وهذا يرده ما رواه عمر قال : كانت أموال بني النضير مما أفاء - الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب ، فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ، فكان ينفق على نفسه منها قوت سنة ، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله . أخرجه مسلم . وقال : والخمس مردود عليكم .

الرابعة عشرة : ليس في كتاب الله تعالى دلالة على تفضيل الفارس على الراجل ، بل فيه أنهم سواء ، لأن الله تعالى جعل الأربعة أخماس لهم ولم يخص راجلا من فارس . ولولا الأخبار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم لكان الفارس كالراجل ، والعبد كالحر ، والصبي كالبالغ . وقد اختلف العلماء في قسمة الأربعة الأخماس ، فالذي عليه عامة أهل العلم فيما ذكر ابن المنذر أنه يسهم للفارس سهمان ، وللراجل سهم . وممن قال ذلك مالك بن أنس ومن تبعه من أهل المدينة . وكذلك قال الأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام . وكذلك قال الثوري ومن وافقه من أهل العراق . وهو قول الليث بن سعد ومن تبعه من أهل مصر . وكذلك قال الشافعي رضي الله عنه وأصحابه . وبه قال أحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور ويعقوب ومحمد . قال ابن المنذر : ولا نعلم أحدا خالف في ذلك إلا النعمان فإنه خالف فيه السنن وما عليه جل أهل العلم في القديم والحديث . قال : لا يسهم للفارس إلا سهم واحد .

قلت : ولعله شبه عليه بحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفارس سهمين ، وللراجل سهما . خرجه الدارقطني وقال : قال الرمادي كذا يقول ابن نمير قال لنا النيسابوري : هذا عندي وهم من ابن أبي شيبة أو من الرمادي ، لأن أحمد بن حنبل [ ص: 375 ] وعبد الرحمن بن بشر وغيرهما رووه عن ابن عمر رضي الله عنهما بخلاف هذا ، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للرجل ولفرسه ثلاثة أسهم ، سهما له وسهمين لفرسه ، هكذا رواه عبد الرحمن بن بشر عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ، وذكر الحديث . وفي صحيح البخاري عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما . وهذا نص . وقد روى الدارقطني عن الزبير قال : أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة أسهم يوم بدر ، سهمين لفرسي وسهما لي وسهما لأمي من ذوي القرابة . وفي رواية : وسهما لأمه سهم ذوي القربى . وخرج عن بشير بن عمرو بن محصن قال : أسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لفرسي أربعة أسهم ، ولي سهما ، فأخذت خمسة أسهم . وقيل إن ذلك راجع إلى اجتهاد الإمام ، فينفذ ما رأى . والله أعلم .

الخامسة عشرة : لا يفاضل بين الفارس والراجل بأكثر من فرس واحد ، وبه قال الشافعي . وقال أبو حنيفة : يسهم لأكثر من فرس واحد ، لأنه أكثر عناء وأعظم منفعة ، وبه قال ابن الجهم من أصحابنا ، ورواه سحنون عن ابن وهب . ودليلنا أنه لم ترد رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم بأن يسهم لأكثر من فرس واحد ، وكذلك الأئمة بعده ، ولأن العدو لا يمكن أن يقاتل إلا على فرس واحد ، وما زاد على ذلك فرفاهية وزيادة عدة ، وذلك لا يؤثر في زيادة السهمان ، كالذي معه زيادة سيوف أو رماح ، واعتبارا بالثالث والرابع . وقد روي عن سليمان بن موسى أنه يسهم لمن كان عنده أفراس ، لكل فرس سهم .

السادسة عشرة : لا يسهم إلا للعتاق من الخيل ، لما فيها من الكر والفر ، وما كان من البراذين والهجن بمثابتها في ذلك . وما لم يكن كذلك لم يسهم له . وقيل : إن أجازها الإمام أسهم لها ، لأن الانتفاع بها يختلف بحسب الموضع ، فالهجن والبراذين تصلح للمواضع المتوعرة كالشعاب والجبال ، والعتاق تصلح للمواضع التي يتأتى فيها الكر والفر ، فكان ذلك متعلقا برأي الإمام . والعتاق : خيل العرب . والهجن والبراذين : خيل الروم .


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 06-11-2024, 10:28 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 376 الى صــ 385
الحلقة (345)






السابعة عشرة : واختلف علماؤنا في الفرس الضعيف ، فقال أشهب وابن نافع : لا [ ص: 376 ] يسهم له ، لأنه لا يمكن القتال عليه فأشبه الكسير . وقيل : يسهم له لأنه يرجى برؤه . ولا يسهم للأعجف إذا كان في حيز ما لا ينتفع به ، كما لا يسهم للكسير . فأما المريض مرضا خفيفا مثل الرهيص ، وما يجري مجراه مما لا يمنعه المرض عن حصول المنفعة المقصودة منه فإنه يسهم له . ويعطى الفرس المستعار والمستأجر ، وكذلك المغصوب ، وسهمه لصاحبه . ويستحق السهم للخيل وإن كانت في السفن ووقعت الغنيمة في البحر ، لأنها معدة للنزول إلى البر .

الثامنة عشرة : لا حق في الغنائم للحشوة كالأجراء والصناع الذين يصحبون الجيش للمعاش ، لأنهم لم يقصدوا قتالا ولا خرجوا مجاهدين . وقيل : يسهم لهم ، لقوله صلى الله عليه وسلم : الغنيمة لمن شهد الوقعة . أخرجه البخاري . وهذا لا حجة فيه لأنه جاء بيانا لمن باشر الحرب وخرج إليه ، وكفى ببيان الله عز وجل المقاتلين وأهل المعاش من المسلمين حيث جعلهم فرقتين متميزتين ، لكل واحدة حالها في حكمها ، فقال : علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله إلا أن هؤلاء إذا قاتلوا لا يضرهم كونهم على معاشهم ، لأن سبب الاستحقاق قد وجد منهم . وقال أشهب : لا يستحق أحد منهم وإن قاتل ، وبه قال ابن القصار في الأجير : لا يسهم له وإن قاتل . وهذا يرده حديث سلمة بن الأكوع قال : كنت تبيعا لطلحة بن عبيد الله أسقي فرسه وأحسه وأخدمه وآكل من طعامه ، الحديث . وفيه : ثم أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم سهمين ، سهم الفارس وسهم الراجل ، فجمعهما لي . خرجه مسلم . واحتج ابن القصار ومن قال بقوله بحديث عبد الرحمن بن عوف ، ذكره عبد الرزاق ، وفيه : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن : هذه الثلاثة الدنانير حظه ونصيبه من غزوته في أمر دنياه وآخرته . [ ص: 377 ]

التاسعة عشرة : فأما العبيد والنساء فمذهب الكتاب أنه لا يسهم لهم ولا يرضخ . وقيل : يرضخ لهم ، وبه قال جمهور العلماء . وقال الأوزاعي : إن قاتلت المرأة أسهم لها . وزعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أسهم للنساء يوم خيبر . قال : وأخذ المسلمون بذلك عندنا . وإلى هذا القول مال ابن حبيب من أصحابنا . خرج مسلم عن ابن عباس أنه كان في كتابه إلى نجدة : تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء ؟ وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة ، وأما بسهم فلم يضرب لهن . وأما الصبيان فإن كان مطيقا للقتال ففيه عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه حتى يبلغ ، لحديث ابن عمر ، وبه قال أبو حنيفة والشافعي . والتفرقة بين أن يقاتل فيسهم له أو يقاتل فلا يسهم له . والصحيح الأول ، لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني قريظة أن يقتل منهم من أنبت ويخلى منهم من لم ينبت . وهذه مراعاة لإطاقة القتال لا للبلوغ . وقد روى أبو عمر في الاستيعاب عن سمرة بن جندب قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الغلمان من الأنصار فيلحق من أدرك منهم ، فعرضت عليه عاما فألحق غلاما وردني ، فقلت : يا رسول الله ، ألحقته ورددتني ، ولو صارعني صرعته قال : فصارعني فصرعته فألحقني . وأما العبيد فلا يسهم لهم أيضا ويرضخ لهم .

الموفية العشرين : الكافر إذا حضر بإذن الإمام وقاتل ففي الإسهام له عندنا ثلاثة أقوال : الإسهام ونفيه ، وبه قال مالك وابن القاسم . زاد ابن حبيب : ولا نصيب لهم . ويفرق في الثالث - وهو لسحنون - بين أن يستقل المسلمون بأنفسهم فلا يسهم له ، أو لا يستقلوا ويفتقروا إلى معونته فيسهم له . فإن لم يقاتل فلا يستحق شيئا . وكذلك العبيد مع الأحرار . وقال الثوري والأوزاعي : إذا استعين بأهل الذمة أسهم لهم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : لا يسهم لهم ، ولكن يرضخ لهم . وقال الشافعي رضي الله عنه : يستأجرهم الإمام من مال لا مالك له بعينه . فإن لم يفعل أعطاهم سهم النبي صلى الله عليه وسلم . وقال في موضع آخر : يرضخ للمشركين إذا قاتلوا مع المسلمين . قال أبو عمر : اتفق الجميع أن العبد ، وهو ممن يجوز أمانه ، إذا قاتل لم يسهم له ولكن يرضخ ، فالكافر بذلك أولى ألا يسهم له .

الحادية والعشرون : لو خرج العبد وأهل الذمة لصوصا وأخذوا مال أهل الحرب فهو لهم ولا يخمس ، لأنه لم يدخل في عموم قوله عز وجل : واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه [ ص: 378 ] أحد منهم ولا من النساء . فأما الكفار فلا مدخل لهم من غير خلاف . وقال سحنون . لا يخمس ما ينوب العبد . وقال ابن القاسم : يخمس ، لأنه يجوز أن يأذن له سيده في القتال ويقاتل على الدين ، بخلاف الكافر . وقال أشهب في كتاب محمد : إذا خرج العبد والذمي من الجيش وغنما فالغنيمة للجيش دونهم .

الثانية والعشرون : سبب استحقاق السهم شهود الوقعة لنصر المسلمين ، على ما تقدم . فلو شهد آخر الوقعة استحق . ولو حضر بعد انقضاء القتال فلا . ولو غاب بانهزام فكذلك . فإن كان قصد التحيز إلى فئة فلا يسقط استحقاقه . روى البخاري وأبو داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبان بن سعيد على سرية من المدينة قبل نجد ، فقدم أبان بن سعيد وأصحابه على رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر بعد أن فتحها ، وإن حزم خيلهم ليف ، فقال أبان : اقسم لنا يا رسول الله . قال أبو هريرة : فقلت لا تقسم لهم يا رسول الله . فقال أبان : أنت بها يا وبر تحدر علينا من رأس ضال . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجلس يا أبان ولم يقسم لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الثالثة والعشرون : واختلف العلماء فيمن خرج لشهود الوقعة فمنعه العذر منه كمرض ، ففي ثبوت الإسهام له ونفيه ثلاثة أقوال : يفرق في الثالث ، وهو المشهور ، فيثبته إن كان الضلال قبل القتال وبعد الإدراب ، وهو الأصح ، قاله ابن العربي . وينفيه إن كان قبله . وكمن بعثه الأمير من الجيش في أمر من مصلحة الجيش فشغله ذلك عن شهود الوقعة فإنه يسهم له ، قاله ابن المواز ، ورواه ابن وهب وابن نافع عن مالك . وروي لا يسهم له بل يرضخ له لعدم السبب الذي يستحق به السهم ، والله أعلم . وقال أشهب : يسهم للأسير وإن كان في الحديد . والصحيح أنه لا يسهم له ، لأنه ملك مستحق بالقتال ، فمن غاب أو حضر مريضا كمن لم يحضر .

الرابعة والعشرون : الغائب المطلق لا يسهم له ، ولم يسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لغائب قط [ ص: 379 ] إلا يوم خيبر ، فإنه أسهم لأهل الحديبية من حضر منهم ومن غاب ، لقول الله عز وجل : وعدكم الله مغانم كثيرة تأخذونها ، قاله موسى بن عقبة . وروي ذلك عن جماعة من السلف . وقسم يوم بدر لعثمان ولسعيد بن زيد وطلحة ، وكانوا غائبين ، فهم كمن حضرها إن شاء الله تعالى . فأما عثمان فإنه تخلف على رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمره من أجل مرضها . فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، فكان كمن شهدها . وأما طلحة بن عبيد الله فكان بالشام في تجارة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره ، فيعد لذلك في أهل بدر . وأما سعيد بن زيد فكان غائبا بالشام أيضا فضرب له رسول الله صلى الله عليه وسلم بسهمه وأجره . فهو معدود في البدريين . قال ابن العربي : أما أهل الحديبية فكان ميعادا من الله اختص به أولئك النفر فلا يشاركهم فيه غيرهم . وأما عثمان وسعيد وطلحة فيحتمل أن يكون أسهم لهم من الخمس ، لأن الأمة مجمعة على أن من بقي لعذر فلا يسهم له .

قلت : الظاهر أن ذلك مخصوص بعثمان وطلحة وسعيد فلا يقاس عليهم غيرهم . وأن سهمهم كان من صلب الغنيمة كسائر من حضرها لا من الخمس . هذا الظاهر من الأحاديث والله أعلم . وقد روى البخاري عن ابن عمر قال : لما تغيب عثمان عن بدر فإنه كان تحته ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت مريضة ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه .

الخامسة والعشرون قوله تعالى إن كنتم آمنتم بالله قال الزجاج عن فرقة : المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم ، ف ( إن ) متعلقة بهذا الوعد . وقالت فرقة : إن ( إن ) متعلقة بقوله واعلموا أنما غنمتم . قال ابن عطية : وهذا هو الصحيح ، لأن قوله واعلموا يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم ، فعلق إن بقوله : واعلموا على هذا المعنى ، أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة .

السادسة والعشرون : وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ما في موضع [ ص: 380 ] خفض عطف على اسم الله يوم الفرقان أي اليوم الذي فرقت فيه بين الحق والباطل ، وهو يوم بدر .

يوم التقى الجمعان حزب الله وحزب الشيطان . والله على كل شيء قدير

قوله تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم

قوله تعالى إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى أي أنزلنا إذ أنتم على هذه الصفة . أو يكون المعنى : واذكروا إذ أنتم . والعدوة : جانب الوادي . وقرئ بضم العين وكسرها ، فعلى الضم يكون الجمع عدى ، وعلى الكسر عدى ، مثل لحية ولحى ، وفرية وفرى . والدنيا : تأنيث الأدنى . والقصوى : تأنيث الأقصى . من دنا يدنو ، وقصا يقصو . ويقال : القصيا ، والأصل الواو ، وهي لغة أهل الحجاز قصوى . فالدنيا كانت مما يلي المدينة ، والقصوى مما يلي مكة . أي إذ أنتم نزول بشفير الوادي بالجانب الأدنى إلى المدينة ، وعدوكم بالجانب الأقصى .

والركب أسفل منكم يعني ركب أبي سفيان وغيره . كانوا في موضع أسفل منهم إلى ساحل البحر فيه الأمتعة . وقيل : هي الإبل التي كانت تحمل أمتعتهم ، وكانت في موضع يأمنون عليها توفيقا من الله عز وجل لهم ، فذكرهم نعمه عليهم . والركب ابتداء أسفل منكم ظرف في موضع الخبر . أي مكانا أسفل منكم . وأجاز الأخفش والكسائي والفراء ( والركب أسفل منكم ) أي أشد تسفلا منكم . والركب جمع راكب . ولا تقول العرب : ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل . وحكى ابن السكيت وأكثر أهل اللغة أنه لا يقال راكب وركب إلا للذي على الإبل ، ولا يقال لمن كان على فرس أو غيرها راكب . والركب والأركب والركبان والراكبون لا يكونون إلا على جمال ، عن ابن فارس .

ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد أي لم يكن يقع الاتفاق لكثرتهم وقلتكم ، فإنكم لو عرفتم كثرتهم لتأخرتم فوفق الله عز وجل لكم .

ليقضي الله أمرا كان مفعولا من نصر المؤمنين وإظهار الدين . واللام في ليقضي متعلقة بمحذوف . والمعنى : جمعهم ليقضي الله ، ثم كررها فقال : ليهلك أي جمعهم هنالك ليقضي أمرا .

ليهلك من هلك من في موضع رفع . ويحيا في موضع نصب عطف على ليهلك . والبينة إقامة الحجة والبرهان . أي ليموت من يموت عن بينة رآها وعبرة [ ص: 381 ] عاينها ، فقامت عليه الحجة . وكذلك حياة من يحيا . وقال ابن إسحاق : ليكفر من كفر بعد حجة قامت عليه وقطعت عذره ، ويؤمن من آمن على ذلك . وقرئ ( من حيي ) بياءين على الأصل . وبياء واحدة مشددة ، الأولى قراءة أهل المدينة والبزي وأبي بكر . والثانية قراءة الباقين ، وهي اختيار أبي عبيد ، لأنها كذلك وقعت في المصحف .

قوله تعالى إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور قال مجاهد : رآهم النبي صلى الله عليه وسلم في منامه قليلا ، فقص ذلك على أصحابه ، فثبتهم الله بذلك . وقيل : عني بالمنام محل النوم وهو العين ، أي في موضع منامك ، فحذف ، عن الحسن . قال الزجاج : وهذا مذهب حسن ، ولكن الأولى أسوغ في العربية ، لأنه قد جاء وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم فدل بهذا على أن هذه رؤية الالتقاء ، وأن تلك رؤية النوم . ومعنى لفشلتم لجبنتم عن الحرب .

ولتنازعتم في الأمر اختلفتم .

ولكن الله سلم أي سلمكم من المخالفة . ابن عباس : من الفشل . ويحتمل منهما . وقيل : سلم أي أتم أمر المسلمين بالظفر .

قوله تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور

قوله تعالى وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا هذا في اليقظة . يجوز حمل الأولى على اليقظة أيضا إذا قلت : المنام موضع النوم ، وهو العين ، فتكون الأولى على هذا خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وهذه للجميع . قال ابن مسعود : قلت لإنسان كان بجانبي يوم بدر : أتراهم سبعين ؟ فقال : هم نحو المائة . فأسرنا رجلا فقلنا : كم كنتم ؟ فقال : كنا ألفا .

ويقللكم في أعينهم كان هذا في ابتداء القتال حتى قال أبو جهل في ذلك اليوم : إنما هم أكلة جزور ، خذوهم أخذا واربطوهم بالحبال . فلما أخذوا في القتال عظم المسلمون في أعينهم فكثروا ، كما قال : يرونهم مثليهم رأي العين حسب ما تقدم في آل عمران [ ص: 382 ] بيانه .

ليقضي الله أمرا كان مفعولا تكرر هذا ، لأن المعنى في الأول من اللقاء ، وفي الثاني من قتل المشركين وإعزاز الدين ، وهو إتمام النعمة على المسلمين .

وإلى الله ترجع الأمور أي مصيرها ومردها إليه .

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون

قوله تعالى ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة أي جماعة فاثبتوا أمر بالثبات عند قتال الكفار ، كما في الآية قبلها النهي عن الفرار عنهم ، فالتقى الأمر والنهي على سواء . وهذا تأكيد على الوقوف للعدو والتجلد له .

قوله تعالى واذكروا الله كثيرا لعلكم للعلماء في هذا الذكر ثلاثة أقوال :

الأول : اذكروا الله عند جزع قلوبكم ، فإن ذكره يعين على الثبات في الشدائد .

الثاني : اثبتوا بقلوبكم ، واذكروه بألسنتكم ، فإن القلب لا يسكن عند اللقاء ويضطرب اللسان ، فأمر بالذكر حتى يثبت القلب على اليقين ، ويثبت اللسان على الذكر ، ويقول ما قاله أصحاب طالوت : ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين . وهذه الحالة لا تكون إلا عن قوة المعرفة ، واتقاد البصيرة ، وهي الشجاعة المحمودة في الناس .

الثالث : اذكروا ما عندكم من وعد الله لكم في ابتياعه أنفسكم ومثامنته لكم .

قلت : والأظهر أنه ذكر اللسان الموافق للجنان . قال محمد بن كعب القرظي : لو رخص لأحد في ترك الذكر لرخص لزكريا ، يقول الله عز وجل : ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا . ولرخص للرجل يكون في الحرب ، يقول الله عز وجل : إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا . وقال قتادة : افترض الله جل وعز ذكره على عباده ، أشغل ما يكونون عند الضراب بالسيوف . وحكم هذا الذكر أن يكون خفيا ، لأن رفع الصوت في مواطن القتال رديء مكروه إذا كان الذاكر واحدا . فأما إذا كان من الجميع عند الحملة فحسن ، لأنه يفت في أعضاد العدو . وروى أبو داود عن قيس بن عباد قال : كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 383 ] يكرهون الصوت عند القتال . وروى أبو بردة عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك . قال ابن عباس : يكره التلثم عند القتال . قال ابن عطية : وبهذا والله أعلم استن المرابطون بطرحه عند القتال على صيانتهم به .

قوله تعالى وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين

قوله تعالى وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا هذا استمرار على الوصية لهم ، والأخذ على أيديهم في اختلافهم في أمر بدر وتنازعهم .

فتفشلوا نصب بالفاء في جواب النهي . ولا يجيز سيبويه حذف الفاء والجزم وأجازه الكسائي . وقرئ ( تفشلوا ) بكسر الشين . وهو غير معروف .

وتذهب ريحكم أي قوتكم ونصركم ، كما تقول : الريح لفلان ، إذا كان غالبا في الأمر قال الشاعر :


إذا هبت رياحك فاغتنمها فإن لكل خافقة سكونا
وقال قتادة وابن زيد : إنه لم يكن نصر قط إلا بريح تهب فتضرب في وجوه الكفار . ومنه قوله عليه السلام : نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور . قال الحكم : وتذهب ريحكم يعني الصبا ، إذ بها نصر محمد عليه الصلاة والسلام وأمته . وقال مجاهد : وذهبت ريح أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم حين نازعوه يوم أحد .

قوله تعالى واصبروا إن الله مع الصابرين أمر بالصبر ، وهو محمود في كل المواطن وخاصة موطن الحرب ، كما قال : إذا لقيتم فئة فاثبتوا .

قوله تعالى ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله والله بما يعملون محيط

[ ص: 384 ] يعني أبا جهل وأصحابه الخارجين يوم بدر لنصرة العير . خرجوا بالقيان والمغنيات والمعازف ، فلما وردوا الجحفة بعث خفاف الكناني - وكان صديقا لأبي جهل - بهدايا إليه مع ابن له ، وقال : إن شئت أمددتك بالرجال ، وإن شئت أمددتك بنفسي مع من خف من قومي . فقالأبو جهل : إن كنا نقاتل الله كما يزعم محمد ، فوالله ما لنا بالله من طاقة . وإن كنا نقاتل الناس فوالله إن بنا على الناس لقوة ، والله لا نرجع عن قتال محمد حتى نرد بدرا فنشرب فيها الخمور ، وتعزف علينا القيان ، فإن بدرا موسم من مواسم العرب ، وسوق من أسواقهم ، حتى تسمع العرب بمخرجنا فتهابنا آخر الأبد . فوردوا بدرا ولكن جرى ما جرى من هلاكهم . والبطر في اللغة : التقوية بنعم الله عز وجل وما ألبسه من العافية على المعاصي . وهو مصدر في موضع الحال . أي خرجوا بطرين مرائين صادين . وصدهم إضلال الناس .

قوله تعالى وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب روي أن الشيطان تمثل لهم يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم ، وهو من بني بكر بن كنانة ، وكانت قريش تخاف من بني بكر أن يأتوهم من ورائهم ، لأنهم قتلوا رجلا منهم . فلما تمثل لهم قال ما أخبر الله به عنه . وقال الضحاك : جاءهم إبليس يوم بدر برايته وجنوده ، وألقى في قلوبهم أنهم لن يهزموا وهم يقاتلون على دين آبائهم . وعن ابن عباس قال : أمد الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بألف من الملائكة ، فكان جبريل عليه السلام في خمسمائة من الملائكة مجنبة ، وميكائيل في خمسمائة من الملائكة مجنبة . وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج ، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم . فقال الشيطان للمشركين : لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم ، فلما اصطف القوم قال أبو جهل : اللهم أولانا بالحق فانصره . ورفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده فقال : يا رب إنك [ ص: 385 ] إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض أبدا . فقال جبريل : خذ قبضة من التراب فأخذ قبضة من التراب فرمى بها وجوههم ، فما من المشركين من أحد إلا أصاب عينيه ومنخريه وفمه . فولوا مدبرين ، وأقبل جبريل عليه السلام إلى إبليس فلما رآه كانت يده في يد رجل من المشركين انتزع إبليس يده ثم ولى مدبرا وشيعته ، فقال له الرجل : يا سراقة ، ألم تزعم أنك لنا جار ، قال : إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون . ذكره البيهقي وغيره . وفي موطأ مالك عن إبراهيم بن أبي عبلة عن طلحة بن عبيد الله بن كريز أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما رأى الشيطان نفسه يوما هو فيه أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر . قيل : وما رأى يوم بدر يا رسول الله ؟ قال : أما إنه رأى جبريل يزع الملائكة . ومعنى نكص : رجع بلغة سليم ، عن مؤرج وغيره . وقال الشاعر :


ليس النكوص على الأدبار مكرمة إن المكارم إقدام على الأسل
وقال آخر :


وما ينفع المستأخرين نكوصهم ولا ضر أهل السابقات التقدم
وليس هاهنا قهقرى بل هو فرار ، كما قال : إذا سمع الأذان أدبر وله ضراط .

إني أخاف الله قيل : خاف إبليس أن يكون يوم بدر اليوم الذي أنظر إليه . وقيل : كذب إبليس في قوله : إني أخاف الله ولكن علم أنه لا قوة له .

ويجمع جار على أجوار وجيران ، وفي القليل جيرة .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 06-11-2024, 10:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 386 الى صــ 395
الحلقة (346)






قوله تعالى إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم قيل : المنافقون : الذين أظهروا الإيمان وأبطنوا الكفر . والذين في قلوبهم مرض : الشاكون ، وهم دون المنافقين ، لأنهم حديثو عهد بالإسلام ، وفيهم بعض ضعف نية . قالوا عند الخروج إلى القتال وعند التقاء الصفين : غر هؤلاء دينهم . وقيل : هما واحد ، وهو أولى . ألا ترى إلى قوله عز وجل : الذين يؤمنون بالغيب ثم قال والذين يؤمنون بما أنزل إليك وهما لواحد .
قوله تعالى ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد قيل : أراد من بقي ولم يقتل يوم بدر . وقيل : هي فيمن قتل ببدر . وجواب لو محذوف ، تقديره : لرأيت أمرا عظيما .

يضربون في موضع الحال وجوههم وأدبارهم أي أستاههم ، كنى عنها بالأدبار ، قاله مجاهد وسعيد بن جبير . الحسن : ظهورهم ، وقال : إن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله ، إني رأيت بظهر أبي جهل مثل الشراك ؟ قال : ذلك ضرب الملائكة . وقيل : هذا الضرب يكون عند الموت . وقد يكون يوم القيامة حين يصيرون بهم إلى النار .

وذوقوا عذاب الحريق قال الفراء : المعنى ويقولون ذوقوا ، فحذف . وقال الحسن : هذا يوم القيامة ، تقول لهم خزنة جهنم : ذوقوا عذاب الحريق . وروي أن في بعض التفاسير أنه كان مع الملائكة مقامع من حديد ، كلما ضربوا التهبت النار في الجراحات ، فذلك قوله : وذوقوا عذاب الحريق . والذوق يكون محسوسا ومعنى . وقد يوضع موضع الابتلاء والاختبار ، تقول : اركب هذا الفرس فذقه . وانظر فلانا فذق ما عنده . قال الشماخ يصف فرسا :


فذاق فأعطته من اللين جانبا كفى ولها أن يغرق السهم حاجز
[ ص: 387 ] وأصله من الذوق بالفم .

ذلك في موضع رفع ; أي الأمر ذلك . أو ذلك جزاؤكم بما قدمت أيديكم أي اكتسبتم من الآثام .

وأن الله ليس بظلام للعبيد إذ قد أوضح السبيل وبعث الرسل ، فلم خالفتم ؟ . وأن في موضع خفض ، عطف على " ما " وإن شئت نصبت ، بمعنى وبأن ، وحذفت الباء . أو بمعنى : وذلك أن الله . ويجوز أن يكون في موضع رفع نسقا على ذلك .

قوله تعالى كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات الله فأخذهم الله بذنوبهم إن الله قوي شديد العقاب الدأب العادة . وقد تقدم في " آل عمران " . أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون . وقيل : المعنى جوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جوزي آل فرعون بالغرق . أي دأبهم كدأب آل فرعون .

قوله تعالى ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم تعليل . أي هذا العقاب ، لأنهم غيروا وبدلوا ، ونعمة الله على قريش الخصب والسعة ، والأمن والعافية . أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم الآية . وقال السدي : نعمة الله عليهم محمد صلى الله عليه وسلم فكفروا به ، فنقل إلى المدينة وحل بالمشركين العقاب .

قوله تعالى كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنا آل فرعون وكل كانوا ظالمين ليس هذا بتكرير ، لأن الأول للعادة في التكذيب ، والثاني للعادة في التغيير ، وباقي الآية بين .

[ ص: 388 ] قوله تعالى إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون قوله تعالى إن شر الدواب عند الله أي من يدب على وجه الأرض في علم الله وحكمه .

الذين كفروا فهم لا يؤمنون نظيره الصم البكم الذين لا يعقلون . ثم وصفهم : الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون أي لا يخافون الانتقام . و " من " في قوله منهم للتبعيض ، لأن العهد إنما يجري مع أشرافهم ثم ينقضونه . والمعني بهم قريظة والنضير ، في قول مجاهد وغيره . نقضوا العهد فأعانوا مشركي مكة بالسلاح ، ثم اعتذروا فقالوا : نسينا ، فعاهدهم عليه السلام ثانية فنقضوا يوم الخندق .

قوله تعالى : فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون شرط وجوابه . ودخلت النون توكيدا لما دخلت ما ، هذا قول البصريين . وقال الكوفيون : تدخل النون الثقيلة والخفيفة مع " إما " في المجازاة للفرق بين المجازاة والتخيير . ومعنى تثقفنهم تأسرهم وتجعلهم في ثقاف ، أو تلقاهم بحال ضعف ، تقدر عليهم فيها وتغلبهم . وهذا لازم من اللفظ ; لقوله : في الحرب . وقال بعض الناس : تصادفنهم وتلقاهم . يقال : ثقفته أثقفه ثقفا ، أي وجدته . وفلان ثقف لقف أي سريع الوجود لما يحاوله ويطلبه . وثقف لقف . وامرأة ثقاف . والقول الأول أولى ; لارتباطه بالآية كما بينا . والمصادف قد يغلب فيمكن التشريد به ، وقد لا يغلب . والثقاف في اللغة : ما يشد به القناة ونحوها . ومنه قول النابغة :


تدعو قعينا وقد عض الحديد بها عض الثقاف على صم الأنابيب


فشرد بهم من خلفهم قال سعيد بن جبير : المعنى أنذر بهم من خلفهم . قال أبو عبيد : هي لغة قريش ، شرد بهم سمع بهم . وقال الضحاك : نكل بهم . الزجاج : افعل بهم [ ص: 389 ] فعلا من القتل تفرق به من خلفهم . والتشريد في اللغة : التبديد والتفريق ، يقال : شردت بني فلان قلعتهم عن مواضعهم وطردتهم عنها حتى فارقوها . وكذلك الواحد ، تقول : تركته شريدا عن وطنه وأهله . قال الشاعر من هذيل :


أطوف في الأباطح كل يوم مخافة أن يشرد بي حكيم
ومنه شرد البعير والدابة إذا فارق صاحبه . و من بمعنى الذي ، قاله الكسائي . وروي عن ابن مسعود ( فشرذ ) بالذال المعجمة ، وهما لغتان . وقال قطرب : التشريذ " بالذال المعجمة " التنكيل . وبالدال المهملة التفريق ، حكاه الثعلبي . وقال المهدوي : الذال لا وجه لها ، إلا أن تكون بدلا من الدال المهملة لتقاربهما ، ولا يعرف في اللغة " فشرذ " . وقرئ ( من خلفهم ) بكسر الميم والفاء .

لعلهم يذكرون أي يتذكرون بوعدك إياهم . وقيل : هذا يرجع إلى من خلفهم ، لأن من قتل لا يتذكر أي شرد بهم من خلفهم من عمل بمثل عملهم .

قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين

فيه ثلاث مسائل :

قوله تعالى وإما تخافن من قوم خيانة أي غشا ونقضا للعهد . فانبذ إليهم على سواء وهذه الآية نزلت في بني قريظة وبني النضير . وحكاه الطبري عن مجاهد . قال ابن عطية : والذي يظهر في ألفاظ القرآن أن أمر بني قريظة انقضى عند قوله فشرد بهم من خلفهم ثم ابتدأ تبارك وتعالى في هذه الآية بأمره فيما يصنعه في المستقبل مع من يخاف منه خيانة ، فتترتب فيهم هذه الآية . وبنو قريظة لم يكونوا في حد من تخاف خيانته ، وإنما كانت خيانتهم ظاهرة مشهورة .

الثانية : قال ابن العربي : فإن قيل كيف يجوز نقض العهد مع خوف الخيانة ، والخوف ظن لا يقين معه ، فكيف يسقط يقين العهد مع ظن الخيانة . فالجواب من وجهين : أحدهما - أن الخوف قد يأتي بمعنى اليقين ، كما قد يأتي الرجاء بمعنى العلم ، قال الله تعالى : ما لكم لا ترجون لله وقارا . الثاني - إذا ظهرت آثار الخيانة وثبتت دلائلها ، وجب نبذ العهد لئلا [ ص: 390 ] يوقع التمادي عليه في الهلكة ، وجاز إسقاط اليقين هنا ضرورة . وأما إذا علم اليقين فيستغنى عن نبذ العهد إليهم ، وقد سار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة عام الفتح ، لما اشتهر منهم نقض العهد من غير أن ينبذ إليهم عهدهم . والنبذ : الرمي والرفض . وقال الأزهري : معناه إذا عاهدت قوما فعلمت منهم النقض بالعهد فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تلقي إليهم أنك قد نقضت العهد والمواعدة ، فيكونوا في علم النقض مستويين ، ثم أوقع بهم . قال النحاس : هذا من معجز ما جاء في القرآن مما لا يوجد في الكلام مثله على اختصاره وكثرة معانيه . والمعنى : وإما تخافن من قوم بينك وبينهم عهد خيانة فانبذ إليهم العهد ، أي قل لهم قد نبذت إليكم عهدكم ، وأنا مقاتلكم ، ليعلموا ذلك فيكونوا معك في العلم سواء ، ولا تقاتلهم وبينك وبينهم عهد وهم يثقون بك ، فيكون ذلك خيانة وغدرا . ثم بين هذا بقوله : إن الله لا يحب الخائنين .

قلت : ما ذكره الأزهري والنحاس من إنباذ العهد مع العلم بنقضه يرده فعل النبي صلى الله عليه وسلم في فتح مكة ، فإنهم لما نقضوا لم يوجه إليهم بل قال : اللهم اقطع خبري عنهم وغزاهم . وهو أيضا معنى الآية ، لأن في قطع العهد منهم ونكثه مع العلم به حصول نقض عهدهم والاستواء معهم . فأما مع غير العلم بنقض العهد منهم فلا يحل ولا يجوز . روى الترمذي وأبو داود عن سليم بن عامر قال : كان بين معاوية والروم عهد وكان يسير نحو بلادهم ليقرب حتى إذا انقضى العهد غزاهم ، فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول : الله أكبر ، الله أكبر ، وفاء لا غدر ، فنظروا فإذا هو عمرو بن عنبسة ، فأرسل إليه معاوية فسأل فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشد عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء فرجع معاوية بالناس . قال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح . والسواء : المساواة والاعتدال . وقال الراجز :


فاضرب وجوه الغدر الأعداء حتى يجيبوك إلى السواء
وقال الكسائي : السواء العدل . وقد يكون بمعنى الوسط ، ومنه قوله تعالى : في سواء الجحيم . ومنه قول حسان :


يا ويح أصحاب النبي ورهطه بعد المغيب في سواء الملحد
[ ص: 391 ] الفراء : ويقال فانبذ إليهم على سواء جهرا لا سرا .

الثالثة : روى مسلم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة . قال علماؤنا رحمة الله عليهم : إنما كان الغدر في حق الإمام أعظم وأفحش منه في غيره لما في ذلك من المفسدة ، فإنهم إذا غدروا وعلم ذلك منهم ولم ينبذوا بالعهد لم يأمنهم العدو على عهد ولا صلح ، فتشتد شوكته ويعظم ضرره ، ويكون ذلك منفرا عن الدخول في الدين ، وموجبا لذم أئمة المسلمين . فأما إذا لم يكن للعدو عهد فينبغي أن يتحيل عليه بكل حيلة ، وتدار عليه كل خديعة . وعليه يحمل قوله صلى الله عليه وسلم : الحرب خدعة . وقد اختلف العلماء هل يجاهد مع الإمام الغادر ، على قولين . فذهب أكثرهم إلى أنه لا يقاتل معه ، بخلاف الخائن والفاسق . وذهب بعضهم إلى الجهاد معه . والقولان في مذهبنا .

قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون قوله تعالى ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا أي من أفلت من وقعة بدر سبق إلى الحياة . ثم استأنف فقال : إنهم لا يعجزون أي في الدنيا حتى يظفرك الله بهم . وقيل : يعني في الآخرة . وهو قول الحسن . وقرأ ابن عامر وحفص وحمزة يحسبن بالياء والباقون بالتاء ، على أن يكون في الفعل ضمير الفاعل . و الذين كفروا مفعول أول . و سبقوا مفعول ثان . وأما قراءة الياء فزعم جماعة من النحويين منهم أبو حاتم أن هذا لحن لا تحل القراءة به ، ولا تسمع لمن عرف الإعراب أو عرفه . قال أبو حاتم : لأنه لم يأت ل يحسبن بمفعول وهو يحتاج إلى مفعولين . قال النحاس : وهذا تحامل شديد ، والقراءة تجوز ويكون المعنى : ولا يحسبن من خلفهم الذين كفروا سبقوا ، فيكون الضمير يعود على ما تقدم ، إلا أن القراءة بالتاء أبين . المهدوي : ومن قرأ بالياء احتمل أن يكون في الفعل ضمير النبي صلى الله عليه وسلم ، ويكون الذين كفروا سبقوا المفعولين . ويجوز أن يكون الذين كفروا فاعلا ، والمفعول الأول محذوف ، المعنى : ولا يحسبن الذين كفروا أنفسهم سبقوا . مكي : ويجوز أن يضمر مع [ ص: 392 ] " سبقوا " " أن " فيسد مسد المفعولين والتقدير : ولا يحسبن الذين كفروا أن سبقوا ، فهو مثل أحسب الناس أن يتركوا في سد " أن " مسد المفعولين . وقرأ ابن عامر ( أنهم لا يعجزون ) بفتح الهمزة . واستبعد هذه القراءة أبو حاتم وأبو عبيد . قال أبو عبيد : وإنما يجوز على أن يكون المعنى : ولا تحسبن الذين كفروا أنهم لا يعجزون . قال النحاس : الذي ذكره أبو عبيد لا يجوز عند النحويين البصريين ، لا يجوز حسبت زيدا أنه خارج ، إلا بكسر الألف ، وإنما لم يجز لأنه في موضع المبتدأ ، كما تقول : حسبت زيدا أبوه خارج ، ولو فتحت لصار المعنى حسبت زيدا خروجه . وهذا محال ، وفيه أيضا من البعد أنه لا وجه لما قاله يصح به معنى ، إلا أن يجعل ( لا ) زائدة ، ولا وجه لتوجيه حرف في كتاب الله عز وجل إلى التطول بغير حجة يجب التسليم لها . والقراءة جيدة على أن يكون المعنى : لأنهم لا يعجزون . مكي : فالمعنى لا يحسبن الكفار أنفسهم فاتوا لأنهم لا يعجزون ، أي لا يفوتون . ف " أن " في موضع نصب بحذف اللام ، أو في موضع خفض على إعمال اللام لكثرة حذفها مع " أن " وهو يروى عن الخليل والكسائي . وقرأ الباقون بكسر " إن " على الاستئناف والقطع مما قبله ، وهو الاختيار ، لما فيه من معنى التأكيد ، ولأن الجماعة عليه . وروي عن ابن محيصن أنه قرأ ( لا يعجزون ) بالتشديد وكسر النون . النحاس : وهذا خطأ من وجهين : أحدهما أن معنى عجزه ضعفه وضعف أمره . والآخر - أنه كان يجب أن يكون بنونين . ومعنى أعجزه سبقه وفاته حتى لم يقدر عليه .

قوله تعالى وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون فيه ست مسائل :

الأولى قوله تعالى وأعدوا لهم أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تقدمة التقوى . فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ . وكل ما تعده لصديقك من خير أو لعدوك من شر فهو داخل في عدتك . قال ابن عباس : القوة هاهنا السلاح والقسي . وفي صحيح مسلم عن عقبة بن عامر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول : وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ألا إن القوة الرمي ألا إن القوة الرمي ألا [ ص: 393 ] إن القوة الرمي . وهذا نص رواه عن عقبة أبو علي ثمامة بن شفي الهمداني ، وليس له في الصحيح غيره . وحديث آخر في الرمي عن عقبة أيضا قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ستفتح عليكم أرضون ويكفيكم الله فلا يعجز أحدكم أن يلهو بأسهمه . وقال صلى الله عليه وسلم : كل شيء يلهو به الرجل باطل إلا رميه بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنه من الحق . ومعنى هذا والله أعلم : أن كل ما يتلهى به الرجل مما لا يفيده في العاجل ولا في الآجل فائدة فهو باطل ، والإعراض عنه أولى . وهذه الأمور الثلاثة فإنه وإن كان يفعلها على أنه يتلهى بها وينشط ، فإنها حق لاتصالها بما قد يفيد ، فإن الرمي بالقوس وتأديب الفرس جميعا من معاون القتال . وملاعبة الأهل قد تؤدي إلى ما يكون عنه ولد يوحد الله ويعبده ، فلهذا كانت هذه الثلاثة من الحق . وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن عقبة بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله يدخل ثلاثة نفر الجنة بسهم واحد : صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي ومنبله . وفضل الرمي عظيم ومنفعته عظيمة للمسلمين ، ونكايته شديدة على الكافرين . قال صلى الله عليه وسلم : يا بني إسماعيل ارموا فإن أباكم كان راميا . وتعلم الفروسية واستعمال الأسلحة فرض كفاية . وقد يتعين . الثانية : قوله تعالى ومن رباط الخيل وقرأ الحسن وعمرو بن دينار وأبو حيوة [ ص: 394 ] ( ومن ربط الخيل ) بضم الراء والباء ، جمع رباط ، ككتاب وكتب قال أبو حاتم عن ابن زيد : الرباط من الخيل الخمس فما فوقها ، وجماعته ربط . وهي التي ترتبط ، يقال منه : ربط يربط ربطا . وارتبط يرتبط ارتباطا . ومربط الخيل ومرابطها وهي ارتباطها بإزاء العدو . قال الشاعر :


أمر الإله بربطها لعدوه في الحرب إن الله خير موفق
وقال مكحول بن عبد الله :
تلوم على ربط الجياد وحبسها وأوصى بها الله النبي محمدا
ورباط الخيل فضل عظيم ومنزلة شريفة . وكان لعروة البارقي سبعون فرسا معدة للجهاد . والمستحب منها الإناث ، قال عكرمة وجماعة . وهو صحيح ، فإن الأنثى بطنها كنز وظهرها عز . وفرس جبريل كان أنثى . وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر الحديث . ولم يخص ذكرا من أنثى . وأجودها أعظمها أجرا وأكثرها نفعا . وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الرقاب أفضل ؟ فقال : أغلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها . وروى النسائي عن أبي وهب الجشمي - وكانت له صحبة - قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : تسموا بأسماء الأنبياء وأحب الأسماء إلى الله عز وجل عبد الله وعبد الرحمن وارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها وأكفالها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار وعليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر أغر محجل أو أدهم أغر محجل . وروى الترمذي عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية . ورواه الدارمي عن أبي قتادة أيضا ، أن [ ص: 395 ] رجلا قال : يا رسول الله ، إني أريد أن أشتري فرسا ، فأيها أشتري ؟ قال : اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليد اليمنى أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم . وكان صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من الخيل . والشكال : أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض وفي يده اليسرى ، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى . خرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه . ويذكر أن الفرس الذي قتل عليه الحسين بن علي رضي الله عنهما كان أشكل .

الثالثة : فإن قيل : إن قوله وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة كان يكفي ، فلم خص الرمي والخيل بالذكر ؟ قيل له : إن الخيل لما كانت أصل الحروب وأوزارها التي عقد الخير في نواصيها ، وهي أقوى القوة وأشد العدة وحصون الفرسان ، وبها يجال في الميدان ، خصها بالذكر تشريفا ، وأقسم بغبارها تكريما . فقال : والعاديات ضبحا الآية . ولما كانت السهام من أنجع ما يتعاطى في الحروب والنكاية في العدو وأقربها تناولا للأرواح ، خصها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذكر لها والتنبيه عليها . ونظير هذا في التنزيل ، وجبريل وميكال ومثله كثير .

الرابعة : وقد استدل بعض علمائنا بهذه الآية على جواز وقف الخيل والسلاح ، واتخاذ الخزائن والخزان لها عدة للأعداء . وقد اختلف العلماء في جواز وقف الحيوان كالخيل والإبل على قولين : المنع ، وبه قال أبو حنيفة . والصحة ، وبه قال الشافعي رضي الله عنه . وهو أصح ، لهذه الآية ، ولحديث ابن عمر في الفرس الذي حمل عليه في سبيل الله وقوله عليه السلام في حق خالد : وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا فإنه قد احتبس أدراعه وأعتاده في [ ص: 396 ] سبيل الله الحديث .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 06-11-2024, 10:38 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير (الجامع لأحكام القرآن) الشيخ الفقيه الامام القرطبى



تَّفْسِيرِ
(الْجَامِعِ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ ، وَالْمُبَيِّنِ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنَ السُّنَّةِ وَآيِ الْفُرْقَانِ )
الشَّيْخُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيُّ
المجلد (7)
سُورَةُ الْأَنْفَالِ
من صــ 396 الى صــ 405
الحلقة (347)




وما روي أن امرأة جعلت بعيرا في سبيل الله ، فأراد زوجها الحج ، فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ادفعيه إليه ليحج عليه فإن الحج من سبيل الله . ولأنه مال ينتفع به في وجه قربة ، فجاز أن يوقف كالرباع . وقد ذكر السهيلي في هذه الآية تسمية خيل النبي صلى الله عليه وسلم ، وآلة حربه . من أرادها وجدها في كتاب الأعلام .

الخامسة قوله تعالى ترهبون به عدو الله وعدوكم يعني تخيفون به عدو الله وعدوكم من اليهود وقريش وكفار العرب .

وآخرين من دونهم يعني فارس والروم ، قاله السدي . وقيل : الجن . وهو اختيار الطبري . وقيل : المراد بذلك كل من لا تعرف عداوته . قال السهيلي : قيل هم قريظة . وقيل : هم من الجن . وقيل غير ذلك . ولا ينبغي أن يقال فيهم شيء ، لأن الله سبحانه قال : وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم ، فكيف يدعي أحد علما بهم ، إلا أن يصح حديث جاء في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو قوله في هذه الآية : " هم الجن " . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الشيطان لا يخبل أحدا في دار فيها فرس عتيق وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة . وهذا الحديث أسنده الحارث بن أبي أسامة عن ابن المليكي عن أبيه عن جده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . وروي : أن الجن لا تقرب دارا فيها فرس ، وأنها تنفر من صهيل الخيل .

السادسة : قوله تعالى وما تنفقوا من شيء أي تتصدقوا . وقيل : تنفقوه على أنفسكم أو خيلكم .

في سبيل الله يوف إليكم في الآخرة ، الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة . وأنتم لا تظلمون

قوله تعالى وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم [ ص: 397 ] فيه مسألتان :

الأولى : وإن جنحوا للسلم فاجنح لها إنما قال لها لأن السلم مؤنثة . ويجوز أن يكون التأنيث للفعلة . والجنوح الميل . يقول : إن مالوا - يعني الذين نبذ إليهم عهدهم - إلى المسالمة ، أي الصلح ، فمل إليها . وجنح الرجل إلى الآخر : مال إليه ، ومنه قيل للأضلاع جوانح ، لأنها مالت على الحشوة . وجنحت الإبل : إذا مالت أعناقها في السير . وقال ذو الرمة :

إذا مات فوق الرحل أحييت روحه بذكراك والعيس المراسيل جنح

وقال النابغة :

جوانح قد أيقن أن قبيلة
إذا ما التقى الجمعان أول غالب يعني الطير . وجنح الليل إذا أقبل وأمال أطنابه على الأرض . والسلم والسلام هو الصلح . وقرأ الأعمش وأبو بكر وابن محيصن والمفضل ( للسلم ) بكسر السين . الباقون بالفتح . وقد تقدم معنى ذلك في " البقرة " مستوفى . وقد يكون السلام من التسليم . وقرأ الجمهور فاجنح بفتح النون ، وهي لغة تميم . وقرأ الأشهب العقيلي ( فاجنح ) بضم النون ، وهي لغة قيس . قال ابن جني : وهذه اللغة هي القياس .

الثانية : وقد اختلف في هذه الآية ، هل هي منسوخة أم لا . فقال قتادة وعكرمة : نسخها فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم . وقاتلوا المشركين كافة وقالا : نسخت " براءة " كل موادعة ، حتى يقولوا لا إله إلا الله . ابن عباس : الناسخ لها فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم . وقيل : ليست بمنسوخة ، بل أراد قبول الجزية من أهل الجزية . وقد صالح أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ومن بعده من الأئمة كثيرا من بلاد العجم ، على ما أخذوه منهم ، وتركوهم على ما هم فيه ، وهم قادرون على استئصالهم . وكذلك صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا من أهل البلاد على مال يؤدونه ، من ذلك خيبر ، رد أهلها إليها بعد الغلبة على أن يعملوا ويؤدوا النصف . قال ابن إسحاق : قال مجاهد عنى بهذه الآية قريظة ، لأن الجزية تقبل منهم ، فأما المشركون فلا يقبل منهم شيء . وقال السدي وابن زيد . : [ ص: 398 ] معنى الآية إن دعوك إلى الصلح فأجبهم . ولا نسخ فيها . قال ابن العربي : وبهذا يختلف الجواب عنه ، وقد قال الله عز وجل : فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم . فإذا كان المسلمون على عزة وقوة ومنعة ، وجماعة عديدة ، وشدة شديدة فلا صلح ، كما قال :


فلا صلح حتى تطعن الخيل بالقنا
وتضرب بالبيض الرقاق الجماجم
وإن كان للمسلمين مصلحة في الصلح ، لنفع يجتلبونه ، أو ضرر يدفعونه ، فلا بأس أن يبتدئ المسلمون به إذا احتاجوا إليه . وقد صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل خيبر على شروط نقضوها فنقض صلحهم . وقد صالح الضمري وأكيدر دومة وأهل نجران ، وقد هادن قريشا لعشرة أعوام حتى نقضوا عهده . وما زالت الخلفاء والصحابة على هذه السبيل التي شرعناها سالكة ، وبالوجوه التي شرحناها عاملة . قال القشيري : إذا كانت القوة للمسلمين فينبغي ألا تبلغ الهدنة سنة . وإذا كانت القوة للكفار جاز مهادنتهم عشر سنين ، ولا تجوز الزيادة . وقد هادن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عشر سنين . قال ابن المنذر : اختلف العلماء في المدة التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة عام الحديبية ، فقال عروة : كانت أربع سنين . وقال ابن جريج : كانت ثلاث سنين . وقال ابن إسحاق : كانت عشر سنين . وقال الشافعي رحمه الله : لا تجوز مهادنة المشركين أكثر من عشر سنين ، على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ، فإن هودن المشركون أكثر من ذلك فهي منتقضة ، لأن الأصل فرض قتال المشركين حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية . وقال ابن حبيب عن مالك رضي الله عنه : تجوز مهادنة المشركين السنة والسنتين والثلاث ، وإلى غير مدة . قال المهلب : إنما قاضاهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه القضية التي ظاهرها الوهن على المسلمين ، لسبب حبس الله ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة ، حين توجه إليها فبركت . وقال : حبسها حابس الفيل . على ما خرجه البخاري من حديث المسور بن مخرمة . ودل على جواز صلح المشركين ومهادنتهم دون مال يؤخذ منهم ، إذا رأى ذلك الإمام وجها . ويجوز عند الحاجة للمسلمين عقد الصلح بمال يبذلونه للعدو ، لموادعة النبي صلى الله عليه وسلم عيينة بن حصن الفزاري ، والحارث بن عوف المري يوم الأحزاب ، على أن يعطيهما ثلث ثمر المدينة ، وينصرفا بمن معهما من غطفان ويخذلا قريشا ، ويرجعا بقومهما عنهم . وكانت هذه المقالة [ ص: 399 ] مراوضة ولم تكن عقدا . فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما أنهما قد أنابا ورضيا استشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ، فقالا : يا رسول الله ، هذا أمر تحبه فنصنعه لك ، أو شيء أمرك الله به فنسمع له ونطيع ، أو أمر تصنعه لنا ؟ فقال : بل أمر أصنعه لكم فإن العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، فقال له سعد بن معاذ : يا رسول الله ، والله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك وعبادة الأوثان ، لا نعبد الله ولا نعرفه ، وما طمعوا قط أن ينالوا منا ثمرة ، إلا شراء أو قرى ، فحين أكرمنا الله بالإسلام ، وهدانا له وأعزنا بك ، نعطيهم أموالنا ! والله لا نعطيهم إلا السيف ، حتى يحكم الله بيننا وبينهم . فسر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : أنتم وذاك . وقال لعيينة والحارث : انصرفا فليس لكما عندنا إلا السيف . وتناول سعد الصحيفة ، وليس فيها شهادة أن لا إله إلا الله فمحاها .

قوله تعالى وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم

قوله تعالى وإن يريدوا أن يخدعوك أي بأن يظهروا لك السلم ، ويبطنوا الغدر والخيانة ، فاجنح فما عليك من نياتهم الفاسدة فإن حسبك الله كافيك الله ، أي يتولى كفايتك وحياطتك . قال الشاعر :

إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند أي كافيك وكافي الضحاك سيف .

قوله تعالى هو الذي أيدك بنصره أي قواك بنصره . يريد يوم بدر .

وبالمؤمنين قال النعمان بن بشير : نزلت في الأنصار وألف بين قلوبهم أي جمع بين قلوب الأوس والخزرج . وكان تألف القلوب مع العصبية الشديدة في العرب من آيات النبي صلى الله عليه وسلم ومعجزاته ، لأن أحدهم كان يلطم اللطمة فيقاتل عنها حتى يستقيدها . وكانوا أشد خلق الله حمية ، فألف الله بالإيمان بينهم ، حتى قاتل الرجل أباه وأخاه بسبب الدين . وقيل : أراد التأليف بين المهاجرين والأنصار . والمعنى متقارب .

[ ص: 400 ] قوله تعالى ياأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين

ليس هذا تكريرا ، فإنه قال فيما سبق وإن يريدوا أن يخدعوك فإن حسبك الله وهذه كفاية خاصة . وفي قوله ياأيها النبي حسبك الله أراد التعميم ، أي حسبك الله في كل حال وقال ابن عباس : نزلت في إسلام عمر فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان أسلم معه ثلاثة وثلاثون رجلا وست نسوة ، فأسلم عمر وصاروا أربعين . والآية مكية ، كتبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سورة مدنية ، ذكره القشيري .

قلت : ما ذكره من إسلام عمر رضي الله عنه عن ابن عباس ، فقد وقع في السيرة خلافه . عن عبد الله بن مسعود قال : ما كنا نقدر على أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر ، فلما أسلم قاتل قريشا حتى صلى عند الكعبة وصلينا معه . وكان إسلام عمر بعد خروج من خرج من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحبشة . قال ابن إسحاق : وكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين ، سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم صغارا أو ولدوا بها ، ثلاثة وثمانين رجلا ، إن كان عمار بن ياسر منهم . وهو يشك فيه . وقال الكلبي : نزلت الآية بالبيداء في غزوة بدر قبل القتال .

قوله تعالى ومن اتبعك من المؤمنين قيل : المعنى حسبك الله ، وحسبك المهاجرون والأنصار . وقيل : المعنى كافيك الله ، وكافي من تبعك ، قاله الشعبي وابن زيد . والأول عن الحسن . واختاره النحاس وغيره . ف " من " على القول الأول في موضع رفع ، عطفا على اسم الله تعالى . على معنى : فإن حسبك الله وأتباعك من المؤمنين . وعلى الثاني على إضمار . ومثله قوله صلى الله عليه وسلم : يكفينيه الله وأبناء قيلة . وقيل : يجوز أن يكون المعنى ومن اتبعك من المؤمنين حسبهم الله ، فيضمر الخبر . ويجوز أن يكون من في موضع نصب ، على معنى : يكفيك الله ويكفي من اتبعك .

[ ص: 401 ] قوله تعالى يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين

قوله تعالى ياأيها النبي حرض المؤمنين على القتال أي حثهم وحضهم . يقال : حارض على الأمر وواظب وواصب وأكب بمعنى واحد . والحارض : الذي قد قارب الهلاك ، ومنه قوله عز وجل : حتى تكون حرضا أي تذوب غما ، فتقارب الهلاك فتكون من الهالكين

إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين لفظ خبر ، ضمنه وعد بشرط ، لأن معناه إن يصبر منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين . وعشرون وثلاثون وأربعون كل واحد منها اسم موضوع على صورة الجمع لهذا العدد . ويجري هذا الاسم مجرى فلسطين . فإن قال قائل : لم كسر أول عشرين وفتح أول ثلاثين وما بعده إلى الثمانين إلا ستين ؟ فالجواب عند سيبويه أن عشرين من عشرة بمنزلة اثنين من واحد ، فكسر أول عشرين كما كسر اثنان . والدليل على هذا قولهم : ستون وتسعون ، كما قيل : ستة وتسعة . وروى أبو داود عن ابن عباس قال : نزلت إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين فشق ذلك على المسلمين ، حين فرض الله عليهم ألا يفر واحد من عشرة ، ثم إنه جاء التخفيف فقال : الآن خفف الله عنكم

قرأ أبو توبة إلى قوله : مائة صابرة يغلبوا مائتين . قال : فلما خفف الله تعالى عنهم من العدد نقص من الصبر بقدر ما خفف عنهم . وقال ابن العربي : قال قوم إن هذا كان يوم بدر ونسخ . وهذا خطأ من قائله . ولم ينقل قط أن المشركين صافوا المسلمين عليها ، ولكن الباري جل وعز فرض ذلك عليهم أولا ، وعلق ذلك بأنكم تفقهون ما تقاتلون عليه ، وهو الثواب . وهم لا يعلمون ما يقاتلون عليه .

[ ص: 402 ] قلت : وحديث ابن عباس يدل على أن ذلك فرض . ثم لما شق ذلك عليهم حط الفرض إلى ثبوت الواحد للاثنين ، فخفف عنهم وكتب عليهم ألا يفر مائة من مائتين ، فهو على هذا القول تخفيف لا نسخ . وهذا حسن . وقد ذكر القاضي ابن الطيب أن الحكم إذا نسخ بعضه أو بعض أوصافه ، أو غير عدده فجائز أن يقال إنه نسخ ، لأنه حينئذ ليس بالأول ، بل هو غيره . وذكر في ذلك خلافا .

قوله تعالى ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم فيه خمس مسائل :

الأولى : قوله تعالى : أسرى جمع أسير ، مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى . ويقال في جمع أسير أيضا : أسارى " بضم الهمزة " وأسارى " بفتحها " وليست بالعالية . وكانوا يشدون الأسير بالقد وهو الإسار ، فسمي كل أخيذ وإن لم يؤسر أسيرا . قال الأعشى :

وقيدني الشعر في بيته كما قيد الآسرات الحمارا وقد مضى هذا في سورة " البقرة " . وقال أبو عمرو بن العلاء : الأسرى هم غير الموثقين عندما يؤخذون ، والأسارى هم الموثقون ربطا . وحكى أبو حاتم أنه سمع هذا من العرب .

الثانية : هذه الآية نزلت يوم بدر ، عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم . والمعنى : ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان . ولهم هذا الإخبار بقوله تريدون عرض الدنيا . والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب ، ولا أراد قط عرض الدنيا ، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب ، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية . هذا قول أكثر المفسرين ، وهو الذي [ ص: 403 ] لا يصح غيره . وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من العريش وإذ كره سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة ، ولكنه عليه السلام شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء ، ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات . والله أعلم . روى مسلم من حديث عمر بن الخطاب ، وقد تقدم أوله في " آل عمران " وهذا تمامه . قال أبو زميل : قال ابن عباس فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر : ما ترون في هؤلاء الأسارى ؟ فقال أبو بكر : يا رسول الله ، هم بنو العم والعشيرة ، أرى أن تأخذ منهم فدية ، فتكون لنا قوة على الكفار ، فعسى الله أن يهديهم للإسلام . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترى يا بن الخطاب ؟ قلت : لا والله يا رسول الله ، ما أرى الذي رأى أبو بكر ، ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم ، فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكنني من فلان - نسيبا لعمر - فأضرب عنقه ، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها . فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت ، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان ، فقلت : يا رسول الله ، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة - شجرة قريبة كانت من نبي الله صلى الله عليه وسلم - وأنزل الله عز وجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا فأحل الله الغنيمة لهم وروى يزيد بن هارون قال : أخبرنا يحيى قال حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله قال : لما كان يوم بدر جيء بالأسارى وفيهم العباس ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترون في هؤلاء الأسارى فقال أبو بكر : يا رسول الله قومك وأهلك ، استبقهم لعل الله أن يتوب عليهم . وقال عمر : كذبوك وأخرجوك وقاتلوك ، قدمهم فاضرب أعناقهم . وقال عبد الله بن رواحة : انظر واديا كثير الحطب فأضرمه عليهم . فقال العباس وهو يسمع : قطعت رحمك . قال : فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليهم شيئا . فقال أناس : يأخذ بقول أبي بكر رضي الله عنه . وقال أناس : يأخذ بقول عمر . وقال أناس : يأخذ بقول عبد الله بن رواحة . فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن الله ليلين قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن ويشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة . مثلك يا أبا بكر مثل إبراهيم قال [ ص: 404 ] فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم ومثلك يا أبا بكر مثل عيسى إذ قال إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . ومثلك يا عمر كمثل نوح عليه السلام إذ قال رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا . ومثلك يا عمر مثل موسى عليه السلام إذ قال ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم أنتم عالة فلا ينفلتن أحد إلا بفداء أو ضربة عنق . فقال عبد الله : إلا سهيل بن بيضاء فإني سمعته يذكر الإسلام . فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فما رأيتني أخوف أن تقع علي الحجارة من السماء مني في ذلك اليوم . فأنزل الله عز وجل : ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى آخر الآيتين . في رواية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن كاد ليصيبنا في خلاف ابن الخطاب عذاب ولو نزل عذاب ما أفلت إلا عمر . وروى أبو داود عن عمر قال : لما كان يوم بدر وأخذ - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم - الفداء ، أنزل الله عز وجل ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض إلى قوله : لمسكم فيما أخذتم من الفداء عذاب عظيم ثم أحل الغنائم . وذكر القشيري أن سعد بن معاذ قال : يا رسول الله ، إنه أول وقعة لنا مع المشركين فكان الإثخان أحب إلي . والإثخان : كثرة القتل ، عن مجاهد وغيره . أي يبالغ في قتل المشركين . تقول العرب : أثخن فلان في هذا الأمر أي بالغ . وقال بعضهم : حتى يقهر ويقتل . وأنشد المفضل :

تصلي الضحى ما دهرها بتعبد
وقد أثخنت فرعون في كفره كفرا وقيل : حتى يثخن يتمكن . وقيل : الإثخان القوة والشدة . فأعلم الله سبحانه وتعالى أن قتل الأسرى الذين فودوا ببدر كان أولى من فدائهم . وقال ابن عباس رضي الله عنه : كان هذا يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله عز وجل بعد هذا في الأسارى : فإما منا بعد وإما فداء على ما يأتي بيانه في سورة " القتال " إن شاء الله تعالى .

وقد قيل : إنما عوتبوا لأن قضية بدر كانت عظيمة الموقع والتصريف في صناديد قريش [ ص: 405 ] وأشرافهم وساداتهم وأموالهم بالقتل والاسترقاق والتملك . وذلك كله عظيم الموقع فكان حقهم أن ينتظروا الوحي ولا يستعجلوا ، فلما استعجلوا ولم ينتظروا توجه عليهم ما توجه . والله أعلم .

الثالثة : أسند الطبري وغيره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس : إن شئتم أخذتم فداء الأسارى ويقتل منكم في الحرب سبعون على عددهم وإن شئتم قتلوا وسلمتم . فقالوا : نأخذ الفداء ويستشهد منا سبعون . وذكر عبد بن حميد بسنده أن جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم بتخيير الناس هكذا . وقد مضى في " آل عمران " القول في هذا . وقال عبيدة السلماني : طلبوا الخيرتين كلتيهما ، فقتل منهم يوم أحد سبعون . وينشأ هنا إشكال وهي :

الرابعة : وهو أن يقال : إذا كان التخيير فكيف وقع التوبيخ بقوله لمسكم . فالجواب - أن التوبيخ وقع أولا لحرصهم على أخذ الفداء ، ثم وقع التخيير بعد ذلك . ومما يدل على ذلك أن المقداد قال حين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل عقبة بن أبي معيط : أسيري يا رسول الله . وقال مصعب بن عمير الذي أسر أخاه : شد عليه يدك ، فإن له أما موسرة . إلى غير ذلك من قصصهم وحرصهم على أخذ الفداء . فلما تحصل الأسارى وسيقوا إلى المدينة وأنفذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتل في النضر وعقبة وغيرهما وجعل يرتئي في سائرهم نزل التخيير من الله عز وجل ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه حينئذ . فمر عمر على أول رأيه في القتل ، ورأى أبو بكر المصلحة في قوة المسلمين بمال الفداء . ومال رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر . وكلا الرأيين اجتهاد بعد تخيير . فلم ينزل بعد على هذا شيء من تعنيت . والله أعلم . الخامسة : قال ابن وهب : قال مالك كان ببدر أسارى مشركون فأنزل الله ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض . وكانوا يومئذ مشركين وفادوا ورجعوا ، ولو كانوا مسلمين لأقاموا ولم يرجعوا . وكان عدة من قتل منهم أربعة وأربعين رجلا ، ومثلهم أسروا . وكان الشهداء قليلا . وقال أبو عمرو بن العلاء : إن القتلى كانوا سبعين ، والأسرى كذلك . وكذلك قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهم . وهو الصحيح كما في صحيح مسلم ، فقتلوا يومئذ سبعين وأسروا سبعين . وذكر البيهقي قالوا : فجيء بالأسارى وعليهم شقران مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم تسعة وأربعون رجلا الذين أحصوا ، وهم سبعون في الأصل ، مجتمع عليه لا شك فيه . قال ابن العربي : إنما قال مالك " وكانوا مشركين " لأن المفسرين رووا أن العباس قال للنبي صلى الله عليه وسلم : إني مسلم . وفي رواية أن الأسارى قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : آمنا بك .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 477.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 471.49 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.23%)]