|
ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين |
![]() |
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
![]() الراغبون عن سنة المصطفى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "جاء ثلاثة رَهْطٍ إلى بيوت أزواج النبي -صلى الله عليه وسلم- يسألون عن عبادته، فلما أُخبروا كأنهم تقالّوها فقالوا: أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: ( أنتم الذين قلتم كذا وكذا ؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) " متفق عليه واللفظ للبخاري . وفي رواية مسلم : "فحمد الله وأثنى عليه، فقال: ( ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ". معاني المفردات تقالّوها: اعتبروها قليلة . أبداً: دائماً من غير انقطاع . الدهر: أي أواصل الصيام من دون توقّف . أرقد: أنام . رغب عن سنتي: أي أعرض عنها . تفاصيل الموقف بزغ من الأفق البعيد ركبٌ أقبلوا على المدينة والسعادة تملأ قلوبهم، والشوق يُذكي عزائمهم، غير مبالين بفيح الصحراء أو حرّ الرمضاء، ولا شاعرين ببعد المسافة أو طول الرحلة، وحُقّ لهم ذلك فقد أوشكوا على الوصول إلى مقصدهم وتحقيق هدفهم. إنهم ثلاثة، جمعهم الإيمان وألّف بين قلوبهم، ووصلتهم أنوار الرسالة، وتوالت عليهم الأخبار الصادقة عن ذلك النبي العظيم، كم حدّثوهم عن تواضعه وحلمه ووفائه، وكم أخبروهم عن إخلاصه ورحمته ووفائه، وكم أفاضوا في ذكر فضائله وأفضاله، وخصائصه وأخلاقه، وشمائله وصفاته. كم أرهفوا السمع وأعملوا الفكر وأطلقوا عنان الخيال، ولكن من بعيد!، وآن الأوان كي يقتربوا من منبع ذلك النهر المتدفق، ليرتووا من أصله، ويرتشفوا من هديه، بل حان الوقت ليروا رأي العين سموّ الأنبياء وعظمة الأتقياء، فيرصدوا حركاتها وسكناتها، وخطاها وأفعالها، وسيرتها وسريرتها. ها هي المدينة بشوارعها وحواريها، وأسواقها وتجمّعاتها، وبيوتها وبساتينها، يمشون على ثراها بأرجلهم في الوقت الذي تكاد أن تطير قلوبهم غبطةً وسروراً باللقاء المرتقب مع أسمى ما عرفت البشريّة من العظمة والبهاء، والجلال والجمال. وما بين سؤالٍ واستفسار، وانتقال من موضعٍ إلى آخر، إذْ وصلوا أمام حجرات بيت النبي –صلى الله عليه وسلم-، فطرقوا الباب على أمل أن يفتح لهم النبي عليه الصلاة والسلام فيُكحّلوا أعينهم بوجهٍ طالما حلموا به، ويُطربوا أسماعهم بصوتٍ لم يزالوا يشتاقون إليه، فإذا بالخبر يأتيهم من أحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام أنه غير موجود، وأنه عائدٌ ولابد. لحظات الانتظار مزعجة، والشوق إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- يتنامى، والرغبة في معرفة أحواله تتعاظم، فلم يستطع أولئك الركب أن يكتموا أسئلتهم عن أمهم وأم المؤمنين جميعاً، ليعرفوا الحقيقة عن كَثَب، ويقفوا على حال النبي عليه الصلاة والسلام مع ربّه في خلوته ومحرابه، ومن يعلم ذلك إن لم تعلمه زوجته وألصق الناس به؟ وهكذا توالت الأسئلة تتلوها الإجابات، في حوارٍ تفصيلي دار من وراء حجاب، لكن ما سمعوه لم يشفِ غليلهم، ولم يكن بالقدر الذي تخيّلوه، فلقد ظنّوا أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قائمٌ طيلة الليل ساردٌ للصوم جميع أيّامه، وأن هذا المستوى من العبادة لهو الخليق بمن كان أحبّ الخلق للخالق! لقد قالوا: " أين نحن من النبي -صلى الله عليه وسلم- ؟، قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" وكأنهم يريدون القول أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ليس بحاجة إلى إجهاد النفس بالعبادة حيث ضمن المغفرة من الله، أما هم: فينبغي عليهم أن يجتهدوا أكثر من ذلك؛ لذا قرّر الأوّل أن يصلي الليل أبداً، والثاني أن يصوم أيّامه كلّها ولا يفطر، وأما الثالث فاختار أن يعتزل النساء فلا يتزوّج! ويصل الخبر إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- من أهل بيته بما قالوا، فينطلق إليهم مسرعاً، ويتأكّد مما قالوا، ثم يحدّثهم بالمنطق السديد والعقل الرشيد: ( أما والله أني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ) ؛ وحتى يعمّم التوجيه وقف في الناس واعظاً وأبلغهم ذات الرسالة المطلوبة من التوسّط المطلوب في العبادة، بعيداً عن الغلو والإجحاف. إضاءات حول الموقف أعظم ما نستشرفه من هذا الموقف العظيم: التحذير من الغلو في الدين، والتنطّع في تطبيقه، والتشدّد في فهمه؛ وذلك لمجافاته التامة لحقيقة الإسلام وجوهره القائم على اليُسر والسماحة، والتوسّط والاعتدال، فكان النهي عن هذا المسلك لئلا نهلك كما هلك من كان قبلنا من الأمم السابقة، قال الله عزّ وجل: { قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} (المائدة:77)، وصحّ عن النبي –صلى الله عليه وسلّم قوله: ( يا أيها الناس إياكم والغلو في الدين؛ فإنه أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين ) رواه ابن ماجة . وقد خشي النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يكون مثل هذا الإفراط والتنطّع سبباً في تشديد الله على عباده، فقد جاء عنه قوله عليه الصلاة والسلام: (لا تُشدّدوا على أنفسكم فيُشدّد عليكم؛ فإن قوماً شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، فتلك بقاياهم فى الصوامع والديار {رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم} (الحديد:27) ) رواه أبو داوود . ومن مضارّ هذه المغالاة أن صاحبها غالباً ما يصيبه استثقال العبادة والملل من المداومة عليها، ثم يؤول به الأمر إلى الانقطاع عن العبادة تماماً، فيكون حاله كحال المسافر الذي أجهد راحلته بالسفر ولم يُعطه فرصةً للراحة، حتى خارت قواه ولم يعد يستطيع المواصلة، فلا هو بالذي أبقى على راحلته، ولا هو بالذي بلغ مراده، يقول الحافظ ابن حجر : " لا يتعمق أحد في الأعمال الدينيه ويترك الرفق إلا عجز وانقطع فيُغلب". والمطلوب تحقيق الموازنة بين العبادة وبين حاجات النفس، بحيث يقبل المؤمن على الدين برفقٍ وتمهّل، فيعطي نفسه فرصة اعتياد هذه التكاليف وتحمّلها دون سآمة أو ملل، ويستغلّ فترات الإقبال بالطاعة، والفتور بالراحة، ويكون كالشجرة التي تنمو صاعدةً في ثقة وطمأنينة، فيبلغ مراده ويحقق مطلوبه. لكن يجدر التنبيه هنا إلى ما يقع به بعض العوام من خلطٍ في المفاهيم، وذلك حينما يُدخلون في التنطّع المذموم كل من كان متمسّكاً بآداب الإسلام وتعاليمه، وأوامره ونواهيه، ومعلومٌ أن الغلو هو التجاوز في الحدّ في القول والفعل، بينما حال أهل الاستقامة هو لزوم الحدّ المطلوب، وبينهما فرق. ونختم بجملة من الفوائد، منها: بيان حبّ الصحابة لرسول الله – صلى الله عليه وسلم-، وحرصهم على تتبّع مواطن الخير والسعي في تحقيقها، وأدب النبي –صلى الله عليه وسلم- حينما لم يذكر أسماء القوم في خطبته واكتفى بقوله: ( ما بال أقوام) ، والترغيب بالنكاح وأفضليّته خصوصاً للقادرين عليه. منقول
__________________
![]() |
#2
|
||||
|
||||
![]() الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 114 ( الأعضاء 1 والزوار 113) ارجو رحماك يا الله
__________________
![]() |
#3
|
||||
|
||||
![]() صدقك وهو كذوب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : "وكلني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آتٍ فجعل يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: والله لأرفعنّك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: إني محتاج وعليّ عيال ولي حاجة شديدة، فخلّيتُ عنه فأصبحتُ فقال النبي -صلى الله عليه و سلم-: ( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ ) ، قلت: يا رسول الله، شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: ( أما إنه قد كذبك وسيعود ) ، فعرفت أنه سيعود لقول رسول الله -صلى الله عليه و سلم- إنه سيعود، فرصدتُه فجاء يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال: دعني فإني محتاج وعليّ عيال لا أعود. فرحمته فخلّيت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( يا أباهريرة ما فعل أسيرك؟ ) . قلت: يا رسول الله شكا حاجة شديدة وعيالا فرحمته فخليت سبيله، قال: ( أما إنه كذبك وسيعود ) . فرصدته الثالثة فجاء يحثو من الطعام فأخذته فقلت: لأرفعنّك إلى رسول الله، وهذا آخر ثلاث مرات تزعم لا تعود ثم تعود، قال: دعني أعلّمك كلماتٍ ينفعك الله بها، قلت: ما هو؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم} (البقرة:255) حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربنك شيطان حتى تصبح؛ فخليت سبيله فأصبحت فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ما فعل أسيرك البارحة؟ ) ، قلت: يا رسول الله زعم أنه يعلمني كلماتٍ ينفعني الله بها فخليت سبيله، قال: ( ما هي؟ ) ، قلت: قال لي إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي من أولها حتى تختم { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } ، وقال لي: لن يزال عليك من الله حافظ ولا يقربك شيطان حتى تصبح - وكانوا أحرص شيء على الخير -، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟ ) . قال: لا، قال: ( ذاك شيطان ) رواه البخاري . معاني المفردات يحثو:يأخذ بكفّيه. عليّ عيال: عليّ نفقة العيال والمقصود بهم الزوجة والأولاد ونحوهم . فرصدته: راقبته . تفاصيل الموقف أوشكت ليالي رمضان على الانتهاء، وشارفت على الأفول، شاهدةً على صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجتهادهم في العبادة والذكر، والصلاة والدعاء، وأعمال البرّ وأوجه الخير، وهذا الظنّ بطلاّب الجنّة ومتطلّبي الهداية، وهو المتصوّر ممن ربّاهم أعظم المعلّمين وسيّد الخلق أجمعين عليه الصلاة والسلام. وقبيل العيد بعدّة ليالٍ، استدعى النبي –صلى الله عليه وسلم- أبا هريرة رضي الله عنه وأمره أن يحفظ أموال زكاة الفطر؛ حتى لا تطالها أيدي ذوي النفوس المريضة والقلوب الضعيفة، فتلقّى أبو هريرة رضي الله عنه الأمر النبوي بصدرٍ رحب ونشاطٍ كبير، بل كانت هذه المهمّة الموكلة إليه مصدر فخرٍ وتباهٍ، فقد اختاره عليه الصلاة والسلام واجتباه دون غيره من الصحابة . وبدأت صدقات الفطر تتوافد على أبي هريرة رضي الله عنه من أنحاء المدينة وأقاصيها، وهو يُشرف على خزانتها وحفظها، تمهيداً لتوزيعها يوم العيد القادم بعد أيّامٍ ثلاث، حتى إذا جاء الليل وسكنت الحركة واشتدّت الظلمة رصد أبو هريرة رضي الله عنه حراكاً مشبوهاً يدلّ على محاولة جادّة لسرقة أموال المسلمين، وكان مصدر تلك المحاولة رجلٌ تستّر بجنح الليل لينهب الطعام المكوّم لديه بكلتا يديه، فقفز أبو هريرة رضي الله عنه مهتماً الهصور وانقضّ عليه ممسكاً به، وقائلاً له: " لأرفعنك إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ". ارتعدت فرائص ذلك الشخص المجهول وزاغت عيناه، وبدت ملامح الخوف والهلع على محيّاه، فقال بصوت يقطر ألماً ومسكنة: " إني محتاج، وعليّ عيال، ولي حاجة شديدة". رقّت نفس أبي هريرة رضي الله عنه وهو يسمع كلماته التي تصف فقره ومسغبته، وهل صدقة الفطر إلا لأمثاله من المعوزين والمحتاجين؟ وهل ثمة خيرٌ من إسعاد نفسٍ وإدخال السرور عليها؟ وهنا قرر أبو هريرة رضي الله عنه أن يطلق سراحه ويتركه في سبيله. وجاء الصباح، وانطلق أبو هريرة رضي الله عنه، وصدى الحوار الذي دار بينه وبين أسيره لا يزال يرن في أذنه ويذكي في نفسه مشاعر الرحمة والشفقة، ورآه النبي -صلى الله عليه وسلم- مقبلاً، فإذا به يسأله : ( يا أبا هريرة ما فعل أسيرك البارحة؟ ) . دُهِشَ أبو هريرة رضي الله عنه بهذا السؤال! ؛ إذْ كانت أحداث الأمس بمعزلٍ عن الناس فلم يسمعه أحد، لكن هذه الدهشة زالت سريعاً؛ فهو رسول الله المتصل بوحي السماء، فأخبره بتفاصيل ما حدث له بالأمس ، واستمع له النبي عليه الصلاة والسلام باهتمام، ثم أعلن له الخبر المفاجيء : ( أما إنه قد كذبك وسيعود ) . كذبني؟ واستغل طيبتي وحلمي؟ وفوق ذلك: سيعود للسرقة ويكرر الخطيئة؟! يا لوقاحة الرجل، واستحالت مشاعر الرأفة في نفس أبي هريرة رضي الله عنه إلى غضبٍ عارم، وما دام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكر أنه سيعود فسيعود حتماً ، ولن يفلت الليلة بفعلته. وهكذا ظل أبو هريرة رضي الله عنه يترقّب طيلة يومه ونهاره، وفي الليل ألقى القبض على الرجل المتلبس بفعلته الشنعاء، لكن لصّ الصدقة هذا جمع إلى خفة يده براعةَ التظاهر والقدرة على الإقناع، فشرع يتصنّع المسكنة والذلّة حتى استطاع أن ينتزع من أبي هريرة رضي الله عنه كل عزمه وتصميمه على تسليمه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وانتهى الأمر بإطلاق سراحه. وفي اليوم التالي دار بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبين أبي هريرة رضي الله عنه الحديث ذاته الذي دار بالأمس، وتكرر التحذير الموجه إلى أبي هريرة بعودة الرجل، وبالفعل راقب أبو هريرة رضي الله عنه الرجل مراقبة دقيقة ، فلما شرع في السرقة قبض عليه قبضاً شديداً ، وأفقده الأمل في أن يتركه يهرب بفعلته كما فعل في الليلتين الماضيتين، فقد استنفذ وسائل النجاة وصفح عنه المرة تلو المرة فما رعى الأمر حق رعايته، وما حفظ الجميل لأصحابه، وهنا لجأ الرّجل إلى أسلوبٍ جديد، وعرضٍ بديع، وذلك بقوله: " دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها". وهنا استيقظت في نفس أبي هريرة رضي الله عنه كوامن الخير ودوافع الرغبة في الاستزادة من العلم والمعرفة، ورأى أنها صفقةٌ عادلة، أن يتجاوز عن أسيره مقابل فائدةٍ جليلةٍ مضمونها أن قراءة آية الكرسيّ تحفظ المؤمن من كيد الشيطان بل تمنعه من الاقتراب منه حتى يصبح. وعند الصباح أخبر أبو هريرة رضي الله عنه النبي –صلى الله عليه وسلم- الخبر مستفسراً عن صحّة المقولة وقيمتها في ميزان الشرع، فأقرّ عليه الصلاة والسلام بصحّتها وقال: ( أما إنه قد صدقك وهو كذوب) ، ثم أراد أن يبيّن له الجانب الخفيّ لشخصيّة زائر الليل الذي كان من أمره عجباً: ( ذاك شيطان ) . إضاءات حول الموقف اتّجهت أنظار الشرّاح عند تناول هذا الموقف إلى قول النبي –صلى الله عليه وسلّم-: (صدقك وهو كذوب) ؛ فإنها تُلفت النظر إلى ركيزةٍ أساسيّة في خلق المسلم، والتي تتمثّل في العدل والقسط مع الآخرين، فأسير أبي هريرة شيطان، والشيطان هو أصل الشرور ومنبعها، ومع ذلك لم يمتنع رسول الله عليه الصلاة والسلام من إقرار مقولة الشيطان وبيان صدقه في هذا الموقف بالرغم من المعدن الخبيث للشيطان وتأصّل جانب الكذب والزور والافتراء عنده، ولذلك تحدّث العلماء بأن قول المصطفى عليه الصلاة والسلام (وهو كذوب) هو إتمامٌ بليغ لوصف الشيطان؛ حيث أثبت الصدق له على نحوٍ لا يوهم المدح المطلق، وهذا هو مقتضى القسط المأمور به شرعاً. وثمّة فائدةٌ أخرى تُستنبط من قول النبي –صلى الله عليه وسلم- المذكور سابقاً، وهي أن الحكمة ضالّة المؤمن أينما وجدها أخذ بها، فالفاجر قد يعلم الحق فلا يتّبعه ولا ينتفع به، فيتلقّاه المؤمن منه فيجد فيه الخير الكثير. ويدلّ الموقف على فضل آية الكرسي، فهي أعظم آية بنصّ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم-، وفي قراءتها حفظٌ ووقاية من الشيطان، ومن قرأها بعد كل صلاة مكتوبةلم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت. ونشير أخيراً إلى جملةٍ من الفوائد المستنبطة، ومن ذلك: إمكان رؤية الإنس للجنّ ولكن في غير صورتهم الحقيقيّة، وبيان حرص الصحابة على الخير وإقبالهم عليه، وظهور حلم النبي –صلى الله عليه وسلم- حينما لم يُعنّف أبا هريرة رضي الله عنه على تركه لأسيره، وخوف الجن والشياطين من المؤمنين الصالحين، وأن للشياطين أزواجاً وذريّة، وأن شياطين الجن تعرف الحقّ وتجحده كشياطين الإنس، وأن التريّث على مفسدةٍ خفيفةٍ جائزٌ إذا كانت نهايتها مصلحةً مؤكّدة وهي هنا علمٌ صالح، وبيان جواز جمع صدقة الفطر قبيل العيد بيومٍ أو يومين. منقول
__________________
![]() |
#4
|
||||
|
||||
![]() سرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثابت عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "أتى عليّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنا ألعب مع الغلمان، فسلّم علينا فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي، فلما جئتُ قالت: ما حبسك؟، قلت: بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجة، قالت: ما حاجته؟، قلت: إنها سر!!، قالت: لا تخبرنّ بسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحدا، قال أنس : والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك به يا ثابت " متفق عليه واللفظ لمسلم . وفي رواية البخاري : " أسرّ إليّ النبي -صلى الله عليه و سلم- سِرّاً، فما أخبرت به أحدا بعده، ولقد سألتني أم سليم رضي الله عنها -أمّه- فما أخبرتها به". معاني المفردات فبعثني إلى حاجةٍ: أرسلني لتنفيذ أمرٍ من الأمور. أبطأت على أمّي: تأخّرت عنها طويلاً. ما حبسك: ما الذي أخّرك. تفاصيل الموقف ها هي ذي أيّام الغلام الصغير أنس بن مالك تنساب كالماء الرقراق في الأودية الخصيبة، وكالنسمة الباردة التي تهبّ تحت ظلال الأشجار، منذ أن تغيّرت حياته بقدوم النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة، فقد عهدت به والدته الغميصاء بنت ملحان رضي الله عنها إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام قائلة: "يا رسول الله هذا أنيس ابني، أتيتك به يخدمك". ومنذ ذلك اليوم بدأت مسؤوليّة أنس رضي الله عنه في خدمة النبي –صلى الله عليه وسلم- ومرافقته في حلّه وترحاله، فكان رضي الله عنه لا يألو جُهداً في تلبية رغباته وتنفيذ أوامره، فنال ما لم ينلْهُ غيره من أقرانه في تلقّي الهدي النبوي والعيش في كنف رسول الله وتحت رعايته. ويروي لنا أنيس -كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يناديه تدليلاً- يوماً من أيّام سعده وهنائه، حيث فرغ من أداء واجباته ذلك اليوم، فانسلّ من بيت النبوّة ليلعب مع الغلمان في أزقّة المدينة ونواحيها، فهو وإن كان خادماً للنبي –صلى الله عليه وسلم- إلا أنه يظلّ في سنّ الصبا وريعانه، وما يعنيه ذلك من الحاجة إلى اللهو البرئ. وبينما هو منهمكٌ في اللعب إذ قدم عليه النبي –صلى الله عليه وسلم- فألقى عليهم التحيّة، ثم أشار إليه إشارةً خفيّةً ليتنحّى به جانباً، ويُسرّ إليه بمهمّةٍ خاصّة. ولا ريب أن النبي –صلى الله عليه وسلم- ما اصطفى أنساً لهذه المهمّة الخاصّة دون غيره من أقرانه، إلا لما رآه فيه من المؤهّلات والصفات التي تؤهّله لهذه المهمّة. ولم يكد الأمر النبوي يطرق سمع أنس رضي الله عنه حتى هبّ واقفاً وانطلق من فوره يستقصي حاجة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويسعى في تنفيذها، فأخذت منه وقتاً ليس باليسير حتى أنجزها على أتمّ وجه. على أن أمّه رضي الله عنها أحسّت بتأخّر وليدها أنس إذ لم تعهد ذلك منه، وما إن رأته يدخل عليها حتى بادرته سائلةً: "ما حبسك؟"، فنظر إليها أنس وقال لها: "بعثني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لحاجة"، ولم يزد على ذلك حرفاً!. أرادت الأم أن تستفصل أكثر، فعاودت السؤال: "ما حاجته؟"، فردّ عليها أنس بأدبٍ خالجه شيءٌ من الاعتذار: "إنها سر!!"، كلماتٌ قليلةٌ تدلّ على نضج شخصيّة هذا الغلام النبيه، فلقد أدرك على صغر سنّه أنّه ما كان له أن يكشف عن سرّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ولو كان لأقرب الناس إليه. أكبرتْ الأم هذا الموقف السامي من غلامها، فأرادت أن تعزّزه في نفسه وتوطّده في مسيرته، ليظلّ وفاؤه مبدأً راسخاً لا يمكن أن يتنازل عنه مهما كانت المغريات، فقالت مؤكّدة: "لا تخبرنّ بسر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحداً". وبهذا ينتهي الموقف، ويمضي الزمن، ويتنقّل أنس رضي الله عنه من مرحلة عمريّة إلى ما فوقها، حتى جاوز المائة عام، ولم يزلّ سرّ النبي –صلى الله عليه وسلم – محفوظاً، ولم يزل هذا الموقف أحد مفاخره رضي الله عنه التي عبّر عنها بقوله: "والله لو حدثتُ به أحداً لحدثتك به يا ثابت " . إضاءات حول الموقف لو وضعنا هذا الموقف تحت مجهر التأمّل والاعتبار، لخرجنا منه بفوائد عديدة تصلح كلّ واحدة منها لبحثٍ مستقلّ، وحسبنا أن نشير إليها إشارةً عابرة كي يستفيد منها القارئ، فنقول: من فوائد الموقف، التنبيه على حاجة الأطفال إلى اللعب والترفيه، لتحقيق التنشئة الاجتماعيّة المتوازنة، والقيام بارتقاء النفس واكتساب المهارات الشخصيّة والقدرة على التواصل مع الآخرين ، ولذلك نجد علماء النفس والاجتماع يؤكّدون على أهمّية اللعب للناشئة ودوره في التربية، بل قاموا بإدخاله في المخطّطات والبرامج التعليمية. ورسول الله –صلى الله عليه وسلّم قد سبقهم في ذلك كلّه فأقرّ لعب الأطفال في أكثر من موضع من سيرته. ومن فوائد الموقف: حرص النبي –صلى الله عليه وسلم- على معاملة الأطفال بمنطق المسؤوليّة والتوجيه ليصنع منهم رجالاً، ويجعلهم ذخيرةً للأمّة في مستقبلها، نلمح ذلك من خلال قيامه عليه الصلاة والسلام بإلقاء السلام على الصغار، وهذا السلام وإن كان الهدف منه نشر قيمة السلام في المجتمع، إلا أنّه يحمل في طيّاته الرغبة في تعويد الصغار على الاستماع إليه ليعتادوه، ثم يطبّقوه مع غيرهم، كما يهدف إلى إزالة الحواجز الخفيّة التي تمنعهم من التعامل الإيجابي مع الأكبر منهم سنّاً، ليكونوا أقوياء على الحق، وتنشأ لديهم القوة النفسية التي تحمل صاحبها على معالي الأمور والبعد عن سفاسفها، وهذا هو عين السبب الذي جعل النبي –صلى الله عليه وسلم- يستحفظ سرّه عند غلامه أنس رضي الله عنه وهو بمثل هذه السنّ. وفي سؤال الأم لابنها حول أسباب تأخّره، لفتةٌ مهمّة إلى دور الأسرة في تفقّد أولادها ومتابعتهم الدقيقة، بحيث يلحظون ما يطرأ عليهم من تغيّر في السلوك خصوصاً مع كثرة المؤثّرات خارج النطاق الأسري، ومثل هذه الرقابة الدقيقة وغير المباشرة تسهم في اجتثاث أي انحراف طارئ، ومن ثمّ تداركه قبل أن يستفحل خطره ويعظم أمره. ويعظم موقف الأمّ عندما لم تلحّ على ابنها في السؤال، في حين أن كثيراً من نساء المسلمين ُيكثرن من سؤال أولادهنّ في الأمور التي تتعلّق بالآخرين وخصوصيّاتهم، ما يعود بالأثر السيئ على الطفل وسلوكه، فينشأ فضوليّاً غير قادرٍ على كتمان الأسرار. ومما يستوقفنا من الحوار بين أنس رضي الله عنه وأمه، قوله عنها : " فأبطأت على أمي"، إنّه تأنيب الضمير على تأخّره وما يعكسه من اهتمامه بأمرها، بحيث كان قلقه نابعاً من داخله وبقناعة تامّة منه. ثم تبقى الإشارة إلى بيان أهمّية كتمان السرّ وحرمة إفشائه وتضييعه، وقد جاءت بذلك جملةٌ من النصوص الشرعيّة، كقول الله تعالى في محكم التنزيل: { وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا } (الإسراء:34)، وقول النبي –صلى الله عليه وسلم – : ( إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه ثم ينشر سرها) رواه مسلم ، وقوله: (إذا حدث رجل رجلا بحديث ثم التفت فهو أمانة) رواه الترمذي ، وقوله: ( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد . منقول
__________________
![]() |
#5
|
||||
|
||||
![]() الصبر عند الصدمة الأولى... عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى على امرأة تبكي على صبي لها، فقال لها: ( اتقى الله واصبري )، فقالت: وما تبالى بمصيبتي؟، فلما ذهب قيل لها: إنه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأخذها مثل الموت، فأتت بابه فلم تجد على بابه بوّابين، فقالت: يا رسول الله لم أعرفك، فقال لها: ( إنما الصبر عند أوّل صدمة ). أو قال ![]() وفي رواية البخاري أنها قالت : "إليك عني فإنك خِلْو من مصيبتي" معاني المفردات : أخذها مثل الموت: أي من شدة الكرب الذي أصابها. بوّابين: جمع بوّاب وهو الحارس. خِلْو من مصيبتي: بكسر الخاء وسكون اللام، والخلو هو فارغ البال من الهموم. تفاصيل الموقف : "مات ولدي" عبارةٌ لا تتجاوز في رسمها حروفاً سبعة، لكن وقعها على الأم المكلومة كان بمثابة صاعقةٍ زلزلت كيانها، وهدّت أركانها، وأضرمت الأسى في أحشائها، لقد مات فلذة كبدها، وريحانة فؤادها، وسلوة أيّامها. ها هي تنظر إليه وقد توقّفت أنفاسه، وشخص بصره، وبرد جسمه، وانسلّت روحه صاعدةً إلى باريها، تنظر إليه وقد تحلّق من حوله أهله وذووه يبكونه ويذرفون الدموع عليه، تنظر إليه والماء المسكوب يتساقط على جسده الطاهر ليزيده نقاءً فوق نقاء، تنظر إليه والكفن الأبيض يغطّيه –وتودّ لو كانت ذلك الكفن-، تنظر إليه والصحابة الكرام يأخذونه على الأكتاف ويقدّمونه للصلاة عليه. والآن تقف على شفير القبر، وترى أكوام التراب تعلو جثّة حبيبها، لتُعلن ذرّاتها أن اللقاء ما عاد ممكناً، وأن الفراق قد صار حتماً، وتحتشد هذه المشاعر المأساويّة لتخرج دمعاتٍ تحمل أثر الحزن ومعناه وسرّه، وسرعان ما استحالت تلك القطرات إلى سيلٍ من الدموع والنشيج، والنواح والعويل. ويُقدّر الله أن يمرّ النبي – صلى الله عليه وسلم - على القبر فيرى امرأة قد أخذ منها الأسى كلّ مأخذ، حتى جاوزت بذلك الحدّ المقبول من الجزع والانزعاج، مع التقصير في مغالبة الحزن ومدافعته، فكان لابدّ من واجب النصيحة والتذكير حتى لا تجمع بين عظم المصيبة وتضييع الأجر، فقال لها: ( اتقى الله واصبري ). ويبدو أن المصاب كان قد شغل بصر المرأة وسمعها وقلبها جميعاً، فلم ترَ إلا صورة ولدها، ولم تسمع إلا صوته الدافيء، ولم تشعر إلا بالحنان إليه، فعاود النبي – صلى الله عليه وسلم - قوله إشفاقاً عليها أكثر من مرّة – كما ورد في إحدى الروايات - . فالتفتت المرأة غاضبةً وقالت: "إليك عنّي، فإنك خِلْو من مصيبتي" وهنا أدرك النبي – صلى الله عليه وسلم - أن غشاوةً سميكةً أحاطت بعقل المرأة حتى لم تعد تدرك ما تقول، وأن هول المصيبة أفقدها اتزانها، فتركها وانصرف. وعدما ذهبت السَّكْرة، وحلّت الفكرة، تذكّرت أن "شخصاً ما!" كان يُحادثها قبلُ ويُصبّرها، وتساءلت في نفسها عن شخصيّته، وإذا بالجواب يأتيها من ألسنة الناس: "إنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، وكأنما لُدغت المسكينة بعقرب فاكفهرّ وجهها وطاش عقلها، وانطلقت مسرعةً إلى بيت رسول الله عليه الصلاة والسلام نادمةً على ما كان منها، ساعيةً إلى تصحيح خطئها. ولم يكن على باب بيت النبي – صلى الله عليه وسلم- حرسٌ يمنعون الناس من الدخول عليه، فدخلت عليه وهي محرجة لا تدري ماذا تقول وكيف تصنع، ثم قالت أخيراً: " يا رسول الله لم أعرفك!". وهنا تتجلّى عظمة النبي – صلى الله عليه وسلم - حيث تجاوز هذه النقطة سريعاً، ولم يحمل في قلبه أي ضغينة عليها، إنما ركّز اهتمامه على تأديب هذه المرأة وتنبيهها على ما فاتها من الثواب العظيم الذي ضاع من بين أيديها، نتيجةً للضعف الذي اعتراها في اللحظات الأولى من الحدث، فقال لها: ( إنما الصبر عند أوّل صدمة ). إضاءات حول الموقف : لا مفرّ في هذه الدنيا من مواجهة صنوف البلايا، فتلك سنّة الله في خلقه ما داموا في دار الامتحان، قال سبحانه وتعالى : {ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون} (الأنبياء:35)، إنما الشأن كلّ الشأن في مواجهة عواصف البلاء وكوارثه بثبات جنانٍ ورباطة جأش. ودور الإيمان هنا هو سياسة الروح لتحتمل هول المصيبة وشدّتها، وإشاعة مشاعر الرضا بقضاء الله وقدره حتى تنزل السكينة في قلب صاحبها، ويتحوّل الجزع والسخط إلى ثقةٍ بالخالق سبحانه، وطمعٍ فيما أعدّه من الثواب الجزيل والخير العميم للصابرين، قال تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب}(الزمر:10). وقول النبي- صلى الله عليه وسلم -: ( إنما الصبر عند أوّل صدمة ) يشير إلى مرتبة الكمال في الصبر، فإن المصيبة بطبعها لها أثرٌ مروّع تزلزل النفس وتزعج القلب، فإذا ثبت المبتلى في لحظاته الأولى سَهُلَ عليه الأمر وهان عليه الخطب، فتراه مع الأيام يسلو ويستديم الصبر بعد الاعتياد على الواقع الجديد، من هنا جاء التفاوت في الأجر واستحقاق المدح بين الصابرين عند الصدمة الأولى والصابرين بعدها. وفي الموقف جملةٌ أخرى من الفوائد التربويّة، منها: بيان حسن خلق النبي – صلى الله عليه وسلم - حيث لم يغضب لنفسه، ولزوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والاعتذار لأهل الفضل والاعتراف بالخطأ، وأن كثرة البكاء على القبر يُنافي الصبر، كما يدلّ الموقف على عذر الإنسان بالجهل سواء أكان جهلاً بالحكم الشرعي أم جهلاً بالحال. منقول
__________________
![]() |
#6
|
||||
|
||||
![]() الغزوات والسرايا قبل بدر دروس وعبر بمجرد الاستقرار الذي حصل للمسلمين بقيادة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المدينة، وقيام المجتمع المسلم الجديد، كان لابد أن تنطلق الدعوة الإسلامية إلى نشر التوحيد، وإخراج الناس من الضلالة إلى الهدى، فليست الأمة الإسلامية جمعا من الناس تعيش بلا غاية، أو تسير في الحياة إلى أي وجهة، كلا، فالمسلمون أصحاب عقيدة تحدد صلتهم بالله، وتوجه سيرهم في الحياة، وتنظم شئونهم في الداخل والخارج، وفي السلم والحرب .. ومن ثم أخذ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه في إعداد العدة وتجهيز القوة لمواجهة الكفر وأهله، وأراد المسلمون توجيه رسالة قوية إلى قريش من خلال حصارها، وكذلك إشعار يهود المدينة ومنافقيها والأعراب بأن المسلمين أقوياء، وأن فترة الاستضعاف السابقة قد أدبرت.. وكما هو معروف في فن الحروب، أن الهجوم خير وسيلة للدفاع، وقريش مازالت مصممة على خوض المعركة مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، للقضاء على المجتمع المسلم الجديد في المدينة، فكان من حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، أن جعل المبادرة في الحرب والقتال منه، فكثر في السنة الأولى بعد قدومه ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ، البدء بالهجوم على قريش في غزوات وسرايا، استمرت من رمضان في السنة الأولى إلى رمضان في السنة الثانية، وكلها حدثت قبل غزوة بدر، وكان من أهمها : سرية سيف البحر في رمضان من السنة الأولى، أمَّر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على هذه السرية حمزة ـ رضي الله عنه ـ، وبعثه في ثلاثين رجلاً من المهاجرين، يعترضون عيراً لقريش جاءت من الشام، وفيها أبو جهل في ثلاثمائة رجل، فبلغوا سيف البحر، فالتقوا واصطفوا للقتال، فمشى مجدي بن عمرو الجهني ـ وكان حليفاً للفريقين جميعاً ـ بين هؤلاء وهؤلاء حتى حجز بينهم ، فأطاعوه وانصرفوا ولم يقع بينهم قتال . سرية عبيدة بن الحارث في شوال من السنة نفسها، سار عبيدة بن الحارث في ستين من المسلمين، فالتقى بمائتي مشرك على رأسهم أبو سفيان ، ووقعت مناوشات بين الطرفين على ماء بوادي رابغ، ورمى فيها سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام. سرية الخرار الخرار مكان قرب الجحفة، ففي ذي القعدة خرج سعد بن أبي وقاص في نحو عشرين رجلا، يعترض عيرا لقريش ففاتته. غزوة الأبواء أو ودَّان ودان مكان بين مكة والمدينة، والأبواء موضع بالقرب منه، وهي أولى الغزوات التي غزاها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه ، وكان عدد المسلمين مائتين بين راكب وراجل، ولم يقع قتال في هذه الغزوة ، بل تمت موادعة ومعاهدة بني ضمرة (من كنانة)،وكان ذلك في صفر من السنة الثانية. غزوة بُواط وهو جبل من جبال جهينة، ففي ربيع الأول من السنة نفسها، خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الغزوة في مائتين من أصحابه، وكان مقصده أن يعترض عيرا لقريش كان فيها أمية بن خلف في مائة رجل، وألفين وخمسمائة بعير ففاتته . غزوة ذي العُشيرة موضع بناحية ينبع، ففي جمادى خرج النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى العشيرة، وأقام بها شهرا، ووادع فيها بني مدلج، ثم رجع إلى المدينة ، ولم يلق كيدا.. ثم أغار كُرز بن جابر الفهري على سرح المدينة (الإبل والأغنام) ، فنهب بعضها ، فخرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في طلبه حتى بلغ واديا يقال له : سفوان من ناحية بدر، فلم يدركه، فرجع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المدينة ، ويسمي المؤرخون هذه (غزوة بدر الأولى) . سرية عبد الله بن جحش ـ رضي الله عنه ـ إلى نخلة وهي موضع بين مكة والطائف، في رجب من السنة الثانية بعث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن جحش ومعه ثمانية رجال من المهاجرين، إلى نخلة جنوب مكة للاستطلاع والتعرف على أخبار قريش، وكتب له كتابا وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، ولا يستكره أحدا من أصحابه، فسار عبد الله ثم فتح الكتاب بعد يومين فإذا فيه : (إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، فترصد بها قريش وتعلم لنا من أخبارها ) ، فقال عبد الله :" سمعا وطاعة ".. وسار بأصحابه حتى نزل بنخلة ، لكنهم تعرضوا لقافلة لقريش فظفروا بها وغنموها، وقتلوا عمرو بن الحضرمي وأسروا عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان، وكان ذلك في آخر يوم من رجب الشهر الحرام . وقد توقف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الغنائم حتى نزل قول الله تعالى: { يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } (البقرة:217) . لقد كان لكثرة السرايا والغزوات في مدة صغيرة قبل بدر، أهدافا وحكما كثيرة ينبغي الوقوف معها للاستفادة منها في واقعنا، ومنها : أنها رفعت الروح المعنوية للمجاهدين بمنحهم أملا يقينيا بالنصر أو الجنة، وفي ظل هذا الأمل وهذه الغاية، يبذل المسلم كل طاقاته النفسية والجسدية والمالية، من أجل الانتصار في المعارك أو الموت في سبيل الله، ومن أقواله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حث أصحابه على الجهاد: (ما أحد يدخل الجنة يحب أن يرجع إلى الدنيا وله ما على الأرض من شيء إلا الشهيد، يتمنى أن يرجع إلى الدنيا فيقتل عشر مرات، لما يرى من الكرامة ) ( البخاري ) . وأوضحت هذه الغزوات والسرايا، أهمية الاستطلاع العسكري، والإعداد للفتوحات الإسلامية القادمة، فقد استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة، كما استطاعوا التعرف على قبائل المنطقة ومعاهدة بعضها، ومن ثم كانت الغزوات والسرايا مناورة حية لاكتساب المهارة القتالية، وإعدادا للفتوحات الإسلامية القادمة . وفي خضم أحداثها، نزلت الآيات القرآنية للرد على قريش التي شنت حربا إعلامية ونفسية على المسلمين بقولها: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال .. فجاء الرد الرباني قاطعا لألسنة المشركين الذين يتخذون الحرمات ستارا لجرائمهم وكفرهم، ففضحهم القرآن الكريم، وأبطل احتجاجهم وأجاب على استنكارهم القتال في الشهر الحرام . فالكفر بالله والصد عن سبيل الله أكبر وأشد من القتال في الشهر الحرام، فأوضحت الآيات القرآنية أن الشهر الحرام ـ وإن كان ـ لا يحل فيه القتال، لكن لا حرمة عند الله لمن كفر بالله، وصد عن سبيله وهتك الحرمات، فنزل قول الله تعالى:{ يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَر } (البقرة: من الآية217) . ومن الحكم الهامة في توجيه هذه الغزوات والسرايا على ذلك النحو المتتابع : إشعار مشركي المدينة ويهودها والمنافقين وأعراب البادية، بأن المسلمين أقوياء،وأنهم تخلصوا من ضعفهم القديم، ذلك الضعف الذي مكن لقريش اضطهادهم في دينهم ومصادرة حرياتهم، واغتصاب دورهم وأموالهم، ومن حق الدولة المسلمة الجديدة أن تعتني وتفخر بهذه العمليات العسكرية على ضآلة شأنها، فإن المتربصين بالإسلام كُثر، ولن يصدهم عن النيل منه إلا الخوف وحده، كما قال تعالى: { وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ } (الأنفال:60) . وعلى الجانب الآخر توجيه إنذار لقريش التي حاربت الإسلام، ونكلت بالمسلمين بمكة، ولا زالت ماضية في غيها، فلا تسمح لأحد من أهل مكة أن يدخل في دين الله، فأحب رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يُشعر مكة وأهلها، أنه قد مضى ـ إلى غير عودة ـ ذلك العصر الذي كانوا يعتدون فيه على المؤمنين، وهم بمأمن من القصاص، وفي ذلك سلاح ردع للأعداء، وبسط لهيبة الدولة الإسلامية.. لقد كان من أهمية غزوات وسرايا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، أن سلفنا الصالح ـ رضوان الله عليهم ـ كانوا يتواصون بتعلمها وتعليمها لأبنائهم ، فكان علي بن الحسين ـ رضي الله عنه يقول : " كنا نُعلَّم مغازي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما نعلم السورة من القرآن ". . وكان الزهري رحمه الله يقول : " علم المغازي والسرايا علم الدنيا والآخرة " . وكان إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص ـ رضي الله عنه ـ يقول: كان أبي يعلمنا المغازي ويعدها علينا، ويقول: " يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها ". كما أن تلك الغزوات والسرايا كانت تهيئة للمسلمين، وإعدادا وتمهيداً مهماً لغزوة بدر الكبرى.. كان لها الأثر البالغ على العصبة المؤمنة، حيث زادتهم يقيناً بنصر الله، وثباتاً على الحق، واعتقاداً بأن العاقبة للمتقين، كيف لا، وقد بشرهم الله تعالى بذلك فقال: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ } (النور:55) ، وقال: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }(الحج: من الآية40) .. منقول
__________________
![]() |
#7
|
|||
|
|||
![]() لااله الاالله محمد رسول لله لااله الاالله محمد رسول لله
|
#8
|
||||
|
||||
![]() رسائل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى الملوك والأمراء .. بعد أن أدت الغزوات والسرايا دورها في إظهار قوة المسلمين، والقضاء على صناديد الكفر، ومنذ أن عقد الرسول - صلى الله عليه وسلم - صلح الحديبية مع قريش، وما تلا ذلك من إخضاع اليهود، فإن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يدخر جهداً لنشر الإسلام، وقد عبّرـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك بإرساله لعدد من الرسائل إلى ملوك وأمراء العالم المعاصر خارج الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى الإسلام، فجاءت هذه الكتب وسيلة دعوية هامة، لإعلام الناس وإبلاغهم بدعوة الإسلام، وقد كان بعضهم يجهلها مثل كسرى، وبعضهم ينتظرها مثل قيصر.. انطلقت مواكب رسل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تحمل بشائر وأنوار الهداية، من خلال رسائل وخطابات مختومة بختمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وكانت تلك الرسائل تحمل حرص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على إسلام هؤلاء الملوك، وإبلاغ دعوته إليهم . عن أنس ـ رضي الله عنه ـ : (أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي - وهو غير الذي صلّى عليه - وإلى كل جبّار يدعوهم إلى الله عز وجل )( مسلم ). توجه سفراء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرسائل إلى النجاشي ملك الحبشة، وإلى المقوقس عظيم القبط في مصر، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى هرقل عظيم الروم، وإلى المنذر بن ساوى ملك البحرين، وغيرهم من ملوك وأمراء .. وكان اختيار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لسفرائه قائما على مواصفات رباهم عليها، فكانوا يتحلون بالعلم والفصاحة، والصبر والشجاعة، والحكمة وحسن التصرف، وحسن المظهر . فاختار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دحية الكلبي ، وأرسله إلى هرقل عظيم الروم . يقول ابن حجر في الإصابة عن دحية : " كان يُضرب به المثل في حسن الصورة ". وكان دحية ـ مع حسن مظهره ـ فارسا ماهرا، وعليما بالروم .. وأرسل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عبد الله بن حذافة إلى كسرى عظيم الفرس، وكان له دراية بهم ولغتهم، وكان ابن حذافة مضرب الأمثال في الشجاعة ورباطة الجأش . وأرسل ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المقوقس ملك مصر حاطب بن أبي بلتعة ، وقد قال فيه ابن حجر في الإصابة :" كان أحد فرسان قريش وشعرائها في الجاهلية "، وكان له علم بالنصرانية، ومقدرة على المحاورة .. رسالة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهرقل عظيم الروم عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما : (أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب إلى قيصر يدعوه إلى الإسلام، وبعث بكتابه إليه دحية الكلبي ، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليدفعه إلى قيصر، فإذا فيه : " بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله، إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى: أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت عليك إثم الأريسيِّين، { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }(آل عمران64) )( البخاري ) . وقد تسلم هرقل رسالة النبي - صلى الله عليه وسلم - ودقق في الأمر كما في الحديث الطويل المشهور بين أبي سفيان وهرقل، حين سأله عن أحوال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وقال هرقل بعد ذلك لأبي سفيان : ( .. إن كان ما تقول حقاً فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه ) ( البخاري ). ومعنى تجشمت: تكلفت الوصول إليه، وارتكبت المشقة في ذلك . وفي رواية مسلم : " لأحببت لقاءه " . كتاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى النجاشي ملك الحبشة ذكر الواقدي أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب إلى النجاشي كتابا، وأرسله مع عمرو بن أمية الضمري ، فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أسلم أنت، فإني أحمد إليك الله، الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس، السلام المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم، وروح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول، فحملت به، فخلقه من روحه، ونفخه، كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، وتؤمن بالذي جاءني، فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله عز وجل، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى ). كتاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى المقوقس ملك مصر ذكر الواقدي أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ كتب إلى المقوقس، مع حاطب بن أبي بلتعة : (بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد بن عبد الله إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط ، { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }(آل عمران:64) ) . كتاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى كسرى ملك فارس وقد أرسله النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع عبد الله بن حذافة ـ رضي الله عنه ـ كما ذكر الواقدي ، وكان فيه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم ، فإن أبيت فعليك إثم المجوس ) . قال الطبري في تاريخه : " وقد اختلف تلقي الملوك لهذه الرسائل، فأما هرقل والنجاشي والمقوقس، فتأدبوا وتلطفوا في جوابهم، وأكرم النجاشي والمقوقس رسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأرسل المقوقس هدايا إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ . وأما كسرى لما قريء عليه الكتاب مزقه، فعن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: (أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي ، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه ) . قال ابن المسيب : فدعا عليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ (أن يمزقوا كل ممزق )( البخاري ). وقد وقع ما دعا به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فقد استولى على عرش كسرى ابنه قباذ الملقب بـشيرويه، وقُتِل كسرى ذليلاً مهاناً، وتمزق ملكه بعد وفاته وأصبح لعبة في أيدي أبناء الأسرة الحاكمة، فلم يعش شيرويه إلا ستة أشهر، وتوالى على عرشه في مدة أربع سنوات عشرة ملوك، وهكذا تحقق دعاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ . ومن خلال هذه الرسائل أظهر الرسول - صلى الله عليه وسلم – دراية وحكمة في سياسته الخارجية، وأصبحت مثالاً لمن جاء بعده من الخلفاء، كما أظهر - صلى الله عليه وسلم - قوة وشجاعة فائقتين، فلو كان غير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخشي عاقبة ذلك الأمر، لاسيما وأن بعض هذه الكتب قد أرسلت إلى دول كبيرة وملوك أقوياء، كهرقل وكسرى والمقوقس، ولكن حرص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعزيمته على إبلاغ دعوة الله، وإيمانه المطلق بتأييد الله سبحانه وتعالى له، كل ذلك دفعه لأن يقدم على ما أقدم عليه . وأظهرت كذلك هذه الرسائل حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الدعوة، ونستطيع أن نرى ذلك من خلال الرجوع إلى ما تضمنته هذه الرسائل . حيث كان هرقل والمقوقس ممن يدينان بالنصرانية المحرّفة التي تغلو في المسيح ـ عيسى عليه السلام ـ وترفعه إلى درجة الألوهية، ومن ثم أكد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على عبودية الناس عموما، والرسل خصوصاً لله رب العالمين، فذكر في رسالته إليهما قوله تعالى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ } (آل عمران:64). وفي جانب الفرس ـ كان كسرى وقومه ممن يعبدون الشمس والنار، فحرص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على تصحيح هذا المفهوم من خلال إيراده لحقيقة التوحيد في ثنايا رسالته. ومن حكمة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه الرسائل : أخذه بوسائل عصره المتاحة للدعوة، فقد اتخذ خاتما كتب عليه محمد رسول الله، تختم به الرسائل، وقبِل ـ صلى الله عليه وسلم ـ الهدايا من الملوك، وتعامل بأعرافهم ـ ما لم تكن إثما أو حراما ـ . وكذلك من حكمته ـ صلى الله عليه وسلم ـ اعتماده لغة المجاملة في مخاطبة الملوك والأمراء، وقد ظهر ذلك في رسالته إلى هرقل عظيم الروم، وبمثلها خاطب كسرى وسائر الملوك. ولم تحمل رسائله ـ صلى الله عليه وسلم ـ تهديدا، بل تضمنت في ثناياها طمأنتهم على ملكهم، إن أسلموا أو هادنوا، ففي رسالته إلى المنذر بن الحارث صاحب دمشق جاء فيها كما قال الواقدي : (سلام على من اتبع الهدى وآمن به، وأدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى ملكك ). وفي رسالته إلى المنذر بن ساوي حاكم البحرين، قال له : (أسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك ) ، وفي رسالته إلى جيفر وأخيه ملك عمان : (فإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما ). فآمن بعض الملوك فأنقذ نفسه وقومه من ظلمات الكفر، وكان من هؤلاء المنذر بن ساوى ملك البحرين، وجَيْفر وعبد ابني الجُلُنْدَي صاحبي عمان، وبقي البعض يتخبط في ظلمات الكفر، طمعاً في جاهٍ زائل، أو خوفاً من حاشيته وقومه .. وبهذه الرسائل نقل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دعوته إلى ملوك الأرض، وعرفهم بالدين الجديد الذي يكفل لأتباعه سعادة الدارين، وفي ذلك دلالة على عالمية الإسلام، تلك العالمية التي أكد عليها القرآن في قول الله تعالى:{ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } (الأنبياء:107 ).. وهكذا، فإن رسائل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك والأمراء تعتبر نقطة تحول في سياسة دولة الإسلام، فعظم شأنها، وأصبحت لها مكانة بين الدول .. منقول
__________________
![]() |
#9
|
||||
|
||||
![]() ![]()
__________________
![]() |
#10
|
||||
|
||||
![]() ![]()
__________________
![]() |
![]() |
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |