التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 34 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 341 - عددالزوار : 9251 )           »          5 ألوان تريندات طلاء غرف النوم لعام 2026.. اختار اللى يناسبك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          طريقة عمل صينية الكوسة بالسجق.. لذيذة ومغذية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          خطوات بسيطة للتخلص من قشرة الرأس.. عشان تلبس ألوان غامقة براحتك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          4 عادات يومية خاطئة قد تمنعك من فقدان الوزن.. خداع العقل الأبرز (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          طريقة عمل مكرونة الكريمة بالليمون والفلفل الأسود (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          طريقة عمل سيروم فيتامين سى من مكونات طبيعية فى المنزل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 11 )           »          قبل رمضان.. أخطاء شائعة فى العناية بالبشرة خلال الصيام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 14 )           »          تفريزات رمضان.. اعرفى الطريقة الصحيحة لتخزين اللحوم بأفضل جودة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طريقة عمل بسكويت التمر بالقرفة دون سكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #331  
قديم اليوم, 02:18 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (11)
من صـــ 571 الى صـــ 590
الحلقة (331)






الهروي (١). وقال ابن فارس: هو سير سهل سريع يقال: إنها لحسنة الوضع (٢).
قَالَ الخطابي: الإيضاع: سير حثيث (٣). زاد الهروي: ويقال هو سير مثل الخبب (٤). وإنما نهاهم عن الإيضاع والجري إبقاء عليهم، ولئلا يجحفوا بأنفسهم بالتسابق من أجل بعد المسافة؛ لأنها كانت تبهرهم فيفشلوا وتذهب ريحهم، وقد نهينا عن البلوغ إلى مثل هذِه الحال، فكان في معنى قوله قبله: («عليكم بالسكينة») إلا في بطن وادي مُحِسَر فقد كان ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن الزبير يوضعون في وادي محسر (٥)، وتبعهم عَلَى ذَلِكَ كثير من العلماء.
وقال النخعي: لما رأى عمر سرعة الناس في الإفاضة من عرفة وبجمع قَالَ: والله لأعلم إنّي أن البر ليس برفعها أذرعها، ولكن البر شيء تصبر عليه القلوب. وقال عكرمة: سأل رجل ابن عباس عن الإيجاف فقال: إن (حَلْ حَلْ) (٦) تشغل عن ذكر الله وتوطئ وتؤذي.
قَالَ ابن المنذر: وحديث أسامة يدل عَلَى أن أمره بالسكينة إنما كان في الوقت الذي لم يجد فجوة، وأنه حين وجدها سار سيرًا فوق ذَلِكَ،
(١) «غريب الحديث» ١/ ٤٦٠.
(٢) «مجمل اللغة» ٤/ ٩٢٨.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٨٩.
(٤) «غريب الحديث» ١/ ٤٦٠.
(٥) روى ذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٤١١ - ٤١٢ (١٥٦٣٦ - ١٥٦٣٨ - ١٥٦٤٠) كتاب: الحج، في الإيضاع في وادى محسر.
(٦) هي كلمة تقال للناقة، قال ابن سيده في «المحكم» ٢/ ٣٧٢: حلحل بالإبل: قال: حل حل. وقال الجوهري في «الصحاح» ٤/ ١٦٧٥: حَلْحَلْتُ بالناقة، إذا قلت لها: حَبْ بالتسكين، وهو زجر للناقة، وانظر: «لسان العرب» ٢/ ٩٧٩.



وإنما أراد بها في وقت الزحام، وقد أسلفنا ذَلِكَ فيما مضى.
وقال عمر بن عبد العزيز في خطبته في يوم عرفة: إنكم شخصتم من القريب والبعيد وتكلفتم من المؤنة ما شاء الله، وليس السابق من سبق بعيره وفرسه، ولكن السابق من غفر له (١).

-------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥١ (١٤٠٢٨).


٩٥ - باب الجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِالمُزْدَلِفَةِ
١٦٧٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ كُرَيْبٍ، عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهما، أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ دَفَعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ، فَبَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ وَلَمْ يُسْبِغِ الوُضُوءَ. فَقُلْتُ لَهُ: الصَّلَاةُ. فَقَالَ: «الصَّلَاةُ أَمَامَكَ». فَجَاءَ المُزْدَلِفَةَ، فَتَوَضَّأَ، فَأَسْبَغَ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا. [انظر: ١٣٩ - مسلم: ١٢٨٠ - فتح: ٣/ ٥٢٣]
ذكر فيه حديث أسامة: أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَفَعَ رَسُولُ الله - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ، فَنَزَلَ الشِّعْبَ .. الحديث، وسلف قريبًا، وهنا أتم.
وقوله: (دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ) يريد: بعد الغروب، كما جاء مبينًا في حديث آخر.
قَالَ ابن حبيب: إذا دفع الإمام من عرفة، فارفع يديك بالدعاء، وادفع بالسكينة، فإن كنت راجلًا فامشِ الهوينا (١)، وإن كنت راكبًا فافعل السنة كما سلف، ويستحب أن يأخذ في طريق المازمين، فإن خالف فلا شيء عليه؛ لأنه ليس فيه إخلال بنسك يجبر.
وقوله: (ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى المَغْرِبَ) يريد أنه بدأ بها ولم يؤخرها؛ لأنه وصل موضعه، وقد سئل مالك فيمن أتاها: أيبدأ بالصلاة أو بحط رحله؟ فقال: إن كان خفيفًا فلا بأس به، دون المحامل والزوامل فلا أراه قبلها، وليبدأ بالصلاتين ثم يحط. وقال أشهب: له حط رحله قبلها، وحطه بعد المغرب أحبُّ ما لم يضطر

---------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٤.


إلى دابته لما بدابته من الثقل أو لغيره من العدو (١).
وقوله: (فَصَلَّى المَغْرِبَ، ثُمَّ أَنَاخَ كُلُّ إِنْسَانٍ بَعِيرَهُ فِي مَنْزِلِهِ، ثُمَّ أقِيمتِ الصَّلَاةُ). يريد تعجيل المغرب أولًا، فلما صلاها اتسع الوقت للعشاء فأناخ، وقد صلى ابن مسعود بعدها ركعتين ثم تعشى ثم أذن،
كما سيأتي قريبًا.
وقوله: (وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا) يريد: لم يتنفل، وهو خلاف ما فعله ابن مسعود. وقال أشهب: لا يتعشَّى قبل أن يصلي المغرب، وإن خفف، وليصل المغرب ثم يتعشَّى قبل أن يُصلي، فإن كان عشاؤه خفيفًا، وإن كان فيه طولٌ أخَّره حَتَّى يُصلي العشاء فيما أحب (٢)، ويحتمل هذا أن يكون الجمع هنا ليس مقصودًا في نفسه، وإنما المقصود تأخير المغرب إلى مغيب الشفق، ويحتمل أن يكون هذا العمل اليسير
ليس بفاصل، ولا مانع من حكم الجمع وتقدم التنفل.
قَالَ ابن الجلاب: وعندنا: لا يضر الفصل في جمع التأخير وإن طال.
وفيه: أن السنة من أيام الحاج الجمع بمزدلفة وهو إجماع، وقد أسلفنا في باب: النزول بين عرفة وجمع، اختلاف العلماء فيما إذا صلى قبل أن يأتي المؤدلفة، وفيها قول ثالث: أنه يجزئ إمامًا كان أو غيره، روي ذَلِكَ عن عمر وابن عباس وابن الزبير وعطاء وعروة والقاسم، وبه قَالَ الأوزاعي وأبو يوسف والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور (٣).

----------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٨.
(٢) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٨.
(٣) «البيان» ٤/ ٣٢٣، «المغني» ٥/ ٢٨١.



وحجة من أجاز ذَلِكَ أنه - ﷺ - جعل وقت هاتين الصلاتين من حين تغيب الشمس إلى آخر وقت العشاء، وجعل له أن يجمع تقديمًا وتأخيرًا، وأوقات الصلاة إنما هي محدودة بالساعات والزمان، فمن صلاها بعد الغروب بعرفة أو دون المزدلفة فقد أصاب الوقت، وإن ترك الاختيار لنفسه في الموضع، والصلاة لا تبطل بالخطأ في الموضع إذا لم يكن نجسًا، ألا ترى أن من صلاها بعد خروج وقتها بالمزدلفة، فمن لم يصل إلى المزدلفة إلا بعد طلوع الفجر أنه قد فاته وقتها، فلا اعتبار بالمكان.
ويشبه هذا المعنى قوله - ﷺ -: «لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة» (١). فأدرك وقت الصلاة القوم في بعض الطريق، فمنهم من صلى، ومنهم من أخَّر إلى بني قريظة، فلم يعنف أحدًا منهم.
واحتج الطحاوي لأبي يوسف فقال: لا يختلفون في الصلاتين اللتين تصليان بعرفة أنهما لو صليتا دونهما كل واحدة منهما في وقتها في سائر الأيام كانتا مجزئتين. فالصلاة بمزدلفة أحرى أن تكونا كذلك؛ لأن أمر عرفة لما كان آكد من أمر مزدلفة كان ما يفعل في عرفة آكد مما يفعل في مزدلفة، فثبت ما قَالَ أبو يوسف وانتفي ما قاله الآخرون (٢).
فائدة:
سميت المزدلفة لاقترابهم إلى منى، والازدلاف: التقرب، ومنه ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠)﴾ [الشعراء: ٩٠] أو لاجتماع الناس بها،

----------
(١) سلف برقم (٩٤٦) كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الطالب والمطلوب، راكبًا وإيماءً.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٤.



والاجتماع: الازدلاف، ومنه ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (٦٤)﴾ [الشعراء: ٦٤] أي: جمعناهم أو قربناهم من الهلاك (١)، قولان.
وقال ثعلب: لأنها منزلة وقربة من الله تعالى، ومنه: ﴿فَلَمَّا رَأَوهُ زُلفَةً﴾ [الملك: ٢٧] أي: رأوا العذاب قربة.
وقال الطبري: لازدلاف آدم إلى حواء (٢)، وكان كل واحد منهما لما أهبط إلى الأرض أهبط إلى مكان غير مكان صاحبه، فازدلف كل منهما إلى الآخر فتلاقيا بالمزدلفة.
وقيل: للنزول بها في زلفة من الليل. وقال الكلبي: لدفع الناس منها زلفة جميعًا يزدلفون منها إلى موضع آخر.
وقال الخطابي: اللام بعد الدال مكسورة، قَالَ: وآخرها مُحسر،
وأول منى بطن محسر الذي يستحب الإسراع فيه؛ لأنه كان موقف النصارى.

--------
(١) انظر: «مجمل اللغة» ٢/ ٤٣٨ - ٤٣٩، «النهاية في غريب الحديث والأثر» ٢/ ٣٠٩ - ٣١٠، «لسان العرب» ٣/ ١٨٥٣ - ١٨٥٤، «معجم البلدان» ٥/ ١٢٠ - ١٢١.
(٢) انظر: «تفسير الطبري» ٧/ ١٢٦.



٩٦ - باب مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَلَمْ يَتَطَوَّعْ
١٦٧٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْب، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: جَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا. [انظر: ١٠٩١ - مسلم: ٧٠٣ - فتح: ٣/ ٥٢٣]

١٦٧٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ يَزِيدَ الخَطْمِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو أَيُّوبَ الأَنْصَارِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ. [٤٤١٤ - مسلم: ١٢٨٧ - فتح: ٣/ ٥٢٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر: جَمَعَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ بِجَمْعٍ، كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِإِقَامَةٍ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا، وَلَا عَلَى إِثْرِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا.
وحديث أبي أيوب الأنصاري: أَنَّ النبي - ﷺ - جَمَعَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِالمُزْدَلِفَةِ.
وأخرجهما مسلم (١)، زاد البخاري في المغازي في الثاني: جميعًا (٢)، وقد سلف حكمه فيما مضى.

----------
(١) مسلم (٧٠٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر، وسيأتي فيه كذلك بعد حديث (١٢٨٧) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة واستحباب صلاتي المغرب والعشاء جمعًا بالمزدلفة في هذِه الليلة، أما الحديث الثاني حديث أبي أيوب الأنصاري، فرواه مسلم برقم (١٢٨٧).
(٢) سيأتي برقم (٤٤١٤) باب: حجة الوداع.



٩٧ - باب مَنْ أَذَّنَ وَأَقَامَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
١٦٧٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ يَقُولُ: حَجَّ عَبْدُ اللهِ - رضي الله عنه -، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرَى- فَأَذَّنَ وَأَقَامَ -قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا هَذِهِ الصَّلَاةَ، فِي هَذَا المَكَانِ، مِنْ هَذَا اليَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلَاةُ المَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأْتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ، وَالفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ. قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ. [١٦٨٢، ١٦٨٣ - مسلم: ١٢٨٩ - فتح: ٣/ ٥٢٤]
ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن يزيد: حَجَّ عَبْدُ اللهِ، فَأَتَيْنَا المُزْدَلِفَةَ حِينَ الأَذَانِ بِالعَتَمَةِ، أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَ رَجُلًا، فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، ثُمَّ صَلَّى المَغْرِبَ، وَصَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ دَعَا بِعَشَائِهِ فَتَعَشَّى، ثُمَّ أَمَرَ -أُرى- فَأَذنَ وَأَقَامَ -قَالَ عَمْرٌو: لَا أَعْلَمُ الشَّكَّ إِلَّا مِنْ زُهَيْرٍ- ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا طَلَعَ الفَجْرُ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ لَا يُصَلَّي هذِه السَّاعَةَ إِلَّا هذِه الصَّلاةَ، فِي هذا المَكَانِ مِنْ هذا اليَوْمِ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا: صَلَاةُ المَغْرِبِ بَعْدَ مَا يَأتِي النَّاسُ المُزْدَلِفَةَ، وَالفَجْرُ حِينَ يَبْزُغُ الفَجْرُ. قَالَ: ورَأَيْتُ النَبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ.
الشرح:
روى مالك عن ابن شهاب حديث ابن عمر أول الباب قبله، ولم يذكر فيه أنه أقام لكل صلاة، وزاد الإقامة فيه عن ابن شهاب ابن أبي ذئب هنا والليث وهما ثقتان حافظان، وزيادة الثقة مقبولة.


وقوله: (قَالَ عَمْرٌو) أي: ابن خالد شيخ البخاري، وكذا ذكره البيهقي، وإنما لم يتطوع بينهما لأجل التخفيف.
وقال ابن بطال: إنما لم يتطوع -والله أعلم-؛ لأنه لم يكن بينهما أذان، ففرغ من المغرب ثم قام إلى العشاء، ولم يكن بينهما مهلة في الوقت يمكن فيها التنفل.
وأما من روى أنه يؤذن لكل صلاة؛ لأنه لا يمنع التنفل لمن أراد، وقد فعل ذَلِكَ ابن مسعود كما سلف، وإن كان قد رُوِي عن مالك أنه لا يتنفل بينهما، وكل ذَلِكَ واسع لا حرج فيه.
قَالَ الطبري: ولأنهما صلاتان تصليان لأوقاتهما، ولم يفت وقتهما للحاج حتى يطلع الفجر، ففيه حجة للشافعي أن صلاة المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة إقامة وكذلك في حديث أسامة السالف، (١) كما سلف.
وقد اختلف العلماء في الأذان والإقامة لهما، فروى ابن القاسم، عن مالك: أنه يؤذن ويقيم لكل منهما (٢) عَلَى ظاهر حديث ابن مسعود. وقد روى مالك عن عمر بن الخطاب وابن مسعود ذَلِكَ (٣).
وذهب أحمد وأبو ثور وابن الماجشون إلى أنه يجمع بينهما بأذان واحد (وإقامة واحدة، خلاف قولهم في الجمع بعرفة) (٤). وذهبت طائفة إلى أنه يصليهما بإقامة واحدة لا أذان معها. واحتج الطحاوي بحديث حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر أن النبي - ﷺ - جمع بينهما بأذان واحد (وإقامتين) (٥).

----------------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٥٤.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٢.
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٥٥.
(٤) انظر: «المغني» ٥/ ٢٧٨ - ٢٨٠.
(٥) من (ج).



قَالَ: وأجمعوا أن الأولى من الصلاتين بعرفة يؤذن لها ويقام، فالنظر عَلَى ذَلِكَ أن تكون المزدلفة كذلك. وأخذ الطحاوي بحديث أهل المدينة (١). واحتج لأبي حنيفة بما رواه شعبة، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه - ﷺ - أذن للمغرب بجمع وأقام، ثم صلى العشاء بالإقامة الأولى (٢).
وحجتنا حديث ابن شهاب السالف، ولم يذكره مالك في حديثه كما سلف، وهذِه الرواية أصح عن ابن عمر مما خالفها.
وحديث ابن عباس عن أسامة أنه - ﷺ - عدل إلى الشعب فتوضأ، وفي آخره: أقام لكل واحدة منهما.
واحتج الثوري بما رواه عن سلمة بن كهيل، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر أنه - ﷺ - جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة (٣).
وكان أحمد بن حنبل يحجب من مالك إذ أخذ بحديث ابن مسعود ولم يروه، وهو من رواية أهل الكوفة وترك ما روى أهل المدينة في ذَلِكَ من غير ما طريق، وكذلك أخذ أهل الكوفة بما رواه أهل المدينة في ذَلِكَ وتركوا روايتهم عن ابن مسعود.
وقال ابن حزم: حديث ابن عمر وأبي أيوب ليس فيهما ذكر أذان ولا إقامة (٤).

------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٣ - ٢١٤.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٢.
(٣) رواه مسلم (١٢٨٨) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى المزدلفة، والنسائي ١/ ٢٣٩ كتاب: الصلاة، باب: صلاة المغرب.
(٤) انظر: «حجة الوداع» ص ٢٨٥، ٢٩٣ - ٢٩٤.



قلتُ: (بلى) (١) في حديث ابن عمر الإقامة كما سلف. قَالَ: وكذا رواية طلق بن حبيب وابن سيرين ونافع عن ابن عمر من فعله (٢).
وفي حديث الزهري عن سالم عنه أنه - ﷺ - بجمع بإقامة واحدة (٣)، وكذا رواه ابن عباس مرفوعًا من عند مسلم (٤).
قَالَ: وإلى هذا ذهب محمد بن داود وسفيان وأحمد.
وفيه أيضًا من حديث أسامة: إقامة للمغرب وإقامة للعشاء، وفعله عمر، وذهب الشافعي في رواية أهل مصر، وقال به أحمد وسفيان. وعند مسلم من حديث ابن عمر: أذَّن وأقام وصلَّى المغرب، ثم التفت إلينا، فصلى بنا العشاء ركعتين (٥). ورويناه عن عمر، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه.
فهذِه الأحاديث التي رويت مسندة، وأشد الاضطراب في ذَلِكَ عن ابن عمر، فإنه رُوِي عنه من عمله الجمع بينهما بلا أذان ولا إقامة، وروي عنه أيضًا: بإقامة واحدة. وروي عنه: بأذان واحد وإقامة واحدة، وروي عنه مسندًا: الجمع بإقامتين وبأذان واحد وإقامة واحدة. قَالَ: وهنا قول سادس لم نجده مرويًّا عن رسول الله - ﷺ -، وهو ما رويناه عن ابن مسعود. -أي: وهو ما في البخاري كما سلف-: كل واحدة منهما بأذان وإقامة.

------
(١) في (ج): (بل).
(٢) «حجة الوداع» ص ٢٨٥ - ٢٨٦ (٢٨٤ - ٢٨٦).
(٣) سبق برقم (١٠٩١) أبواب تقصير الصلاة، باب: يصلي المغرب ثلاثًا في السفر، ررواه مسلم (٧٠٣) كتاب: صلاة المسافرين، باب: جواز الجمع بين الصلاتين في السفر.
(٤) مسلم (١٢٨٦) كتاب: الحج، باب: الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة.
(٥) مسلم (١٢٨٨) الموضع السابق.



قَالَ أبو الحسن: فذكرتُ ذَلِكَ لمحمد بن علي، فقال: أما نحن أهل البيت فهكذا نصنع. قَالَ: وروي أيضًا عن عمر من فعله، وروي عن علي مرسلًا (١)، وبه يأخذ مالك، والعجب منه كيف أخذ بهذا وهو من رواية الكوفيين وترك ما روى أهل المدينة الذي اعتمده الكوفيون؟!
وقال ابن التين: ذكر في حديث ابن عمر الجمع بإقامتين، وهو قول ابن الجلاب، والذي في «المدونة» أنه يؤذن ويقيم لكل صلاة مثل فعل ابن مسعود (٢). وقيل: بأذان للأولى وإقامة للثانية فقط. وفي فعل ابن مسعود من الفقه جواز التنفل بين هاتين الصلاتين كما سلف، وإنما تعشَّى بينهما عَلَى سبيل السعة فيه، لا عَلَى أن يدخل بين المغرب والعشاء عملًا أو شغلًا. وقد قَالَ أصبغ: إذا صلى أهل المسجد المغرب فوقع مطر شديد وهم يتنفلون فأرادوا أن يعجلوا العشاء فلا بأس بذلك.
وقوله: (هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوَّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا) أي: عن الوقت المستحب المعتاد إلى ما قبل الوقت، إلا أن تحويلهما قبل دخول وقتهما المحدود في كتاب الله تعالى، وقاله الداودي أيضًا.
وقوله: (يَبْزُغُ) -هو بياء مثناة تحت ثم باء موحدة، ثم زاي، ثم غين معجمة- أي: يطلع.

-----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٣ (١٤٠٤٦) كتاب: الحج، من كان يجمع بين الصلاتين بجمع، وابن حزم في «حجة الوداع» ص ٢٩٠ (٢٩٧) قال: حدثنا حمام، حدثنا الباجي، حدثنا أحمد بن خالد عن الكشوري عن الحذافي، حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا بعض أصحابنا حدثنا شريك عن أبي إسحاق، عن أبي جعفر .. الحديث، وسنده ضعيف؛ لأن شيخ عبد الرزاق مبهم.
(٢) «المدونة» ١/ ٣٢٠.



٩٨ - باب مَنْ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ بِلَيْلٍ، فَيَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ وَيَدْعُونَ وَيُقَدِّمُ إِذَا غَابَ القَمَرُ
١٦٧٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ سَالِمٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرَةَ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -. [مسلم: ١٢٩٥ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٧٧ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسِ رضي الله عنهما قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ جَمعٍ بِلَيْلٍ. [١٦٧٨، ١٨٥٦ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٧٨ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ أَبِي يَزِيدَ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ - ﷺ - لَيْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ. [انظر: ١٦٧٧ - مسلم: ١٢٩٣، ١٢٩٤ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ -مَوْلَى أَسْمَاءَ- عَنْ أَسْمَاءَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا. فَقُلْتُ لَهَا يَا: هَنْتَاهْ، مَا أُرَانَا إِلاَّ قَدْ غَلَّسْنَا. قَالَتْ: يَا بُنَىَّ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَذِنَ لِلظُّعُنِ. [مسلم: ١٢٩١ - فتح: ٣/ ٥٢٦]

١٦٨٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ -هُوَ: ابْنُ القَاسِمِ-، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - لَيْلَةَ جَمْعٍ -وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبْطَةً- فَأَذِنَ لَهَا. [١٦٨١ - مسلم: ١٢٩٠ - فتح: ٣/ ٥٢٦]


١٦٨١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، -وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً-، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَىَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ. [انظر: ١٦٨٠ - مسلم: ١٢٩٠ - فتح: ٣/ ٥٢٧]
ذكر فيه خمسة أحاديث:
أحدها: عن ابن عمر أنه كان يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أَهْلِهِ، فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرَامِ بِالمُزْدَلِفَةِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ اللهَ مَا بَدَا لَهُمْ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ قَبْلَ أَنْ يَقِفَ الإِمَامُ، وَقَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِذَا قَدِمُوا رَمَوُا الجَمْرَةَ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: أَرْخَصَ فِي أُولَئِكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -.
ثانيها: حديث ابن عباس (١) قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْ جَمْعٍ بِلَيْلٍ.
وفي رواية: أَنَا مِمَّنْ قَدَّمَ رسول الله - ﷺ - ليْلَةَ المُزْدَلِفَةِ فِي ضَعَفَةِ أَهْلِهِ.
ثالثها: حديث أَسْمَاءَ أَنَّهَا نَزَلَتْ لَيْلَةَ جَمْعٍ عِنْدَ المُزْدَلِفَةِ، فَقَامَتْ تُصَلِّي، فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: لَا. فَصَلَّتْ سَاعَةً، ثُمَّ قَالَتْ: هَلْ غَابَ القَمَرُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَتْ: فَارْتَحِلُوا. فَارْتَحَلْنَا، وَمَضَيْنَا حَتَّى رَمَتِ الجَمْرَةَ، ثُمَّ رَجَعَتْ فَصَلَّتِ الصُّبْحَ فِي مَنْزِلِهَا. فَقُلْتُ لَهَا: يَا هَنْتَاهْ، مَا أُرَانَا إِلَّا قَدْ غَلَّسْنَا. قَالَتْ: يَا بُنَيَّ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَذِنَ لِلظُّعُنِ.

------------
(١) في هامش الأصل: حديث ابن عباس أي في باب الضعفان.


رابعها: حديث عائشة: اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ النَّبِيَّ - ﷺ - لَيْلَةَ جَمْعٍ -وَكَانَتْ ثَقِيلَةً ثَبِطَةً- فَأَذِنَ لَهَا.
الخامس: حديثها أيضًا: نَزَلْنَا المُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنَتِ النَّبِيَّ - ﷺ - سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ -وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً- فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، فَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلأَنْ أَكُونَ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَمَا اسْتَأْذَنَتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ.
الشرح:
هذِه الأحاديث كلها أخرجها مسلم بزيادة أم حبيبة (١). وحديث أسماء أخرجه البخاري من حديث ابن جريج: حَدَّثَني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء.
وأخرجه أبو داود، عن محمد بن خلاد، عن يحيى، عن ابن جريج،
أخبرني عطاء، أخْبرَنِي مخبر، عن أسماء أنها رمتْ الجمرة، قلتُ: إنا رمينا الجمرة بليل، فقالتْ: إنا كنا نصنع هذا عَلَى عهد رسول الله - ﷺ - (٢).
وأخرجه النسائي من حديث مالك، عن يحيى، عن عطاء أن مولى لأسماء بنت أبي بكر أخبره، فذكره (٣).

-----------
(١) حديث ابن عمر الأول رواه مسلم (١٢٩٥) كتاب: الحج، باب: استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء ..
وحديثا ابن عباس رواهما مسلم (١٢٩٣ - ١٢٩٤).
وحديث أسماء رواه مسلم (١٢٩١).
وحديثا عائشة رواهما مسلم (١٢٩٠).
وحديث أم حبيبة رواه مسلم (١٢٩٢).
(٢) أبو داود (١٩٤٣) كتاب: المناسك، باب: التعجيل.
(٣) النسائي ٥/ ٢٦٦ - ٢٦٧ كتاب: المناسك، باب: الرخصة للضعفة أن يصلوا يوم النحر الصبح بمنى.



وجعل الطرقي هذا وحديث البخاري واحدًا.
وقال الداني في «أطراف الموطأ»: قَالَ يحيى بن يحيى في سنده: عن مولاة بهاءٍ، عَلَى التأنيث، وعند ابن بكير وغيره: مولى، وهو الصحيح (١).
و(المشعر) بفتح الميم، وفي لغة كسرها، ونقل ابن التين، عن الكسائي أن عليها أكثر العرب، وادَّعى القتبي أنه لم يقرأ به أحد، وذكر الهذلي أنها قراءة.
وقال صاحب «المطالع»: بكسر الميم لغة لا رواية، وحكى ابن التياني في «الموعب» عن قطرب لغة ثالثة بفتح الميم وكسر العين.
و(الحرام) (٢) معناه: المحرم لا من الحل، وقيل: ذو الحرمة، وسُمي مشعرًا لما فيه من الشعار، وهي معالم الدين، وحده ما بين مأزمي عرفة، وقرن محسر يمينًا وشمالًا. و(ثَبِطة) -بفتح الثاء المثلثة ثم باء موحدة مكسورة- بطيئة، قَالَ صاحب «المطالع»: كذا ضبطناه، وضبطه الجياني، عن ابن سراج بالكسر والإسكان. وقال الخطابي أيضًا: الثبطة: البطيئة، وقد تثبط الرجل عن أمره، ومنه قوله تعالى:
﴿فَثَبَّطَهُم﴾ (٣) [التوبة: ٤٦].
والظُّعن -بضم الظاء المعجمة ثم عين مهملة- جمع ظعينة، وهن النساء، وفي «المحكم»: هو جمع ظاعن، والظاعن اسم للجمع، والظعون من الإبل: الذي تركبه المرأة خاصة. والظعينة أيضًا: الجمل يظعن عليه. والظعينة: الهودج تكون فيه المرأة، وقيل: هو الهودج،

-----------
(١) «الإيماء إلى أطراف أحاديث كتاب الموطأ» ٤/ ٢٤٢.
(٢) في الأصل: (الحرم) والمثبت من (ج).
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٩٠.



كانت فيه امرأة أو لم تكن. والظعينة: المرأة في الهودج سميت به عَلَى حد تسمية الشيء باسم ما يجاوره، وقيل: لأنها تظعن مع زوجها، ولا تسمى ظعينة إلا وهي في هودج، وقيل الظعن: الجماعة من النساء والرجال (١).
أما فقه الباب: فيسن تقديم النساء والضعفة بعد نصف الليل إلى منى؛ ليرموا جمرة العقبة قبل زحمة الناس، ويبقى غيرهم حَتَّى يصلوا الصبح مغلِّسين اقتداء به.
والمعنى فيه: اتساع الوقت للدعاء، والتغليس هنا أشد استحبابًا من باقي الأيام. ولهذا قَالَ ابن مسعود فيما مضى: أنها حولت عن وقتها، أي: المعتاد، وينبغي أن يحرص عَلَى صلاة الصبح هناك. فقد صح فيه حديث عروة بن مضرس السالف (٢).
وقال ابن حزم: فرض عَلَى الرجال أن يصلوا الصبح مع الإمام الذي يقيم الحج بمزدلفة، قَالَ: فمن لم يفعل ذَلِكَ فلا حج له (٣).
وانفرد أبو حنيفة حيث قَالَ: لا يجوز لغير الضعفة النفر قبل الفجر، قَالَ: فإن نفر لزمه دم، وسيأتي إيضاحه. والوقت المستحب لرمي جمرة العقبة بعد طلوع شمس يوم النحر اقتداءً بالشارع.
واختلف العلماء هل يجوز رميها قبل ذَلِكَ؟ فقال مالك وأبو حنيفة وأحمد وإسحاق وأبو ثور: يجوز رميها بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس، وإن رماها قبل الفجر أعاد، ونُقِل عن أكثر العلماء (٤).

--------
(١) «المحكم» ٢/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) «المحلى» ٧/ ١١٨، «حجة الوداع» ص ٤٤٧.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٥٤، «عيون المجالس» ٢/ ٨٤٧ - ٨٤٨، «المغني» ٥/ ٢٨٤ - ٢٨٥.



ورخصت طائفة في الرمي قبل طلوع الفجر، رُوِي ذَلِكَ عن عطاء وطاوس والشعبي، وبه قَالَ الشافعي: بعد نصف الليل (١). وحكي عنه مثل الأول، حكاه عنه ابن التين.
وقال النخعي ومجاهد: لا يرميهما حَتَّى تطلع الشمس، وبه قَالَ الثوري وأبو ثور وإسحاق، وهو خلاف قول الأكثرين، منهم الأربعة.
فهذِه مذاهب ثلاثة: حجة الأول: حديث ابن عمر السالف أول الباب، وحجة الثاني: حديث أسماء في الباب لكن لم يذكر البخاري فيه الرمي قبل الفجر، ورواه غيره. و(غلَّس) محتملة للتأويل لا يقطع بها؛ لأنه يجوز أن يُسمى ما بعد الفجر غلسًا. واعترض ابن القصار فقال: لو صح: رمينا قبل الفجر لكان ظنًّا منه؛ لأنه لما رآها صلت الصبح في دارها ظن أن الرمي كان قبل الفجر (والرمي كان بعد الفجر) (٢)، فأخرت صلاة الصبح إلى دارها.
وقولها فيه: (هكذا كنا نفعل مع رسول الله - ﷺ -) إشارة إلى فعلها، وفعلها يجوز أن يكون بعد الفجر؛ لأنها لم تقل هي: رمينا قبله، ولا قالت: كنا نرمي معه قبله؛ لأنه لم يقل أحد عن رسول الله - ﷺ - أنه رمى قبله، وفيه ما لا يخفي.
واحتج الشافعي أيضًا بحديث أم سلمة: أن النبي - ﷺ - أمرها أن تصبح بمكة يوم النحر (٣). وهذا لا يكون إلا وقد رمت الجمرة بمنى

------------
(١) روى ذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٨٤ - ١٤٥٨٥) كتاب: الحج، من رخص أن يرميها قبل طلوع الشمس، «البيان» ٤/ ٣٣١.
(٢) من الأصل.
(٣) رواه الشافعي في «مسنده» ١/ ٣٥٧ (٩٢٤) كتاب: الحج، باب: من أجاز رميها بعد نصف الليل، وأورد هذا الحديث ابن القيم في «زاد معاد» ٢/ ٢٥٨ وقال: فيه =



ليلًا قبل الفجر؛ لأنه غير جائز أن يوافي أحد صلاة الصبح بمكة وقد رمى جمرة العقبة إلا وقد رماها ليلًا؛ لأن من أصبح بمنى وكان بها بعد طلوع الفجر فإنه لا يمكنه إدراك الصبح بمكة.
وقد ضعف أحمد حديث أم سلمة ودفعه، وقال: لا يصح، رواه أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة: أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة، ولم
يسنده غيره، وهو خطأ.
قَالَ وكيع: عن هشام، عن أبيه -مرسل- أنه - ﷺ - أمرها أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة. قَالَ أحمد: هذا أيضًا عجب، وما يصنع النبي - ﷺ - يوم النحر بمكة ينكر ذَلِكَ، قَالَ: فجئت إلى يحيى بن سعيد فسألته، فقال: عن هشام، عن أبيه: أمرها أن توافي، وليس أن توافيه، قَالَ: وبين هذين. فرق، يوم النحر صلاة الصبح بالأبطح، وقال لي يحيى بن سعيد: سل عبد الرحمن بن مهدي، فسألته فقال: هكذا قَالَ سفيان- عن هشام، عن أبيه: توافي.
قَالَ أحمد: رحم الله يحيى ما أضبطه وأشد تفقده (١). واحتج الثوري بحديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - قدَّم أغيلمة بني عبد المطلب وضعفتهم، وقال: «يا بني لا ترموا الجمرة حَتَّى تطلع الشمس». رواه شعبة، عن

-----------
= سلمان بن أبي داود، قال أبو زرعة، عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف، ومما يدل على بطلانه ما ثبت في الصحيحين عن القاسم بن محمد، عن عائشة وذكر حديث سودة، وكذا ضعفه الحافظ فقال في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٥٨: قال البيهقي: هكذا رواه جماعة عن أبي معاوية وهو في آخر حديث الشافعي المرسل، وقد أنكره أحمد.
(١) انظر: «العلل ومعرفة الرجال» ٢/ ٣٦٨، و«شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢١.



الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس، به (١)، ورواه سفيان ومسعر، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن أبيه، عن ابن عباس: قدمنا من المزدلفة بليل، فقال - ﷺ -: «أبينية عبد المطلب لا ترجموا جمرة العقبة حَتَّى تطلع الشمس» (٢). وهذا إسناده وإن كان ظاهره الحسن، فإن حديث ابن عمر وأسماء يعارضانه، فلذلك لم يخرجه البخاري مع أنه قد روى مولى ابن عباس، عن ابن عباس قَالَ: بعثني رسول الله - ﷺ - مع أهله، وأمرني أن أرمي مع الفجر (٣). فخالف حديث مقسم عنه. وصوَّب الطبري القول الأول؛ لأن حينئذٍ يحل الحاج، وذلك أن بطلوع الفجر من تلك الليلة انقضى وقت الحج، وفي انقضائه انقضاء وقت التلبية ودخول الرمي، غير أنه لا ينبغي لمن كان محرمًا أن
--------------
(١) رواه من هذا الطريق الترمذي (٨٩٣) كتاب: الحج، باب: ما جاء في تقديم الضعفة من جمع بليل، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٧ كتاب: مناسك الحج، باب: وقت رمي جمرة العقبة، والطبراني ١١/ ٣٨٥ (١٢٠٧٣).
(٢) رواه أبو داود (١٩٤٠) كتاب: المناسك، باب: التعجيل من جمع، والنسائي في «المجتبى» ٥/ ٢٧٠ - ٢٧١، كتاب: مناسك الحج، النهي عن رمي جمرة العقبة قبل طلوع الشمس، وفي «الكبرى» ٢/ ٤٣٧ (٤٠٧٠)، وأحمد ١/ ٢٣٤، وابن حبان ٩/ ١٨١ (٣٨٦٩) كتاب: الحج، باب: رمي جمرة العقبة، والبيهقي ٥/ ١٣١ - ١٣٢ كتاب: الحج، باب: الوقت المختار لرمي جمرة العقبة، عن سفيان ومسعر عن سلمة … به، قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٢٨: هذِه الطرق يقوي بعضها بعضًا. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٦٩٦).
(٣) رواه أحمد ١/ ٣٢٠، ٣٥٢، والطيالسي في «مسنده» ٤/ ٤٤٨ (٢٨٥٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٥ كتاب: مناسك الحج، باب: وقت رمي جمرة العقبة للضعفاء الذين يرخص لهم في ترك الوقوف بالمزدلفة، والطبراني ١١/ ٤٣٠ (١٢٢٢٠)، وابن عدي في «الكامل» ٥/ ٣٨، والخطيب في «موضح أوهام الجمع والتفريق» ٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠، قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٥٨: فيه: شعبة مولى ابن عباس وثقه أحمد وغيره، وفيه كلام.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #332  
قديم اليوم, 02:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 9 الى صـــ 20
الحلقة (332)






يلبس أو يتطيب أو يعمل شيئًا مما كان حرامًا عليه قبل طلوع الفجر يوم النحر، حَتَّى يرمي جمرة العقبة استحسانًا، واتباعًا في ذَلِكَ السنة، فإذا رمى الجمرة فقد حل من كل شيء حرم عليه إلا الوطء، حَتَّى يطوف للإفاضة.
قلتُ: كأنه لم ير الحلق من أسبابه.
وقال ابن المنذر: السنة أن لا يرمي إلا بعد طلوع الشمس للاتباع، ومن رمى بعد طلوع الفجر قبل طلوع الشمس فلا إعادة عليه، إذ لا أعلم أحدًا قال: لا يجزئه.
وقال الطبري: الدليل الواضح أن لأهل الضعف في أبدانهم ترك الوقوف بالمشعر الحرام والتقدم من جمع.
وقد اختلف السلف في ذَلِكَ، فقالت طائفة: يجوز، فمن تقدم بليل من أهل القوة فلم يقف بها مع الإمام فقد ضيع نسكًا وعليه دم، وهو قول مجاهد وعطاء، وقتادة، والزهري، والثوري، وأبي حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وكان مالك يقول: إن من مر بها فلم ينزل بها فعليه دم، ومن نزل ثم دفع أول الليل أو وسطه أو آخره ولم يقف مع الإمام أجزأه، ولا دم عليه، وهو قول النخعي؛ وحجته الاتباع، فمن خالف فعليه دم، وإنما أجزنا له المتقدم ليلًا إذا بات بها لتقديمه - ﷺ - أهله ليلًا، فكان ذَلِكَ رخصة لكل أحد بات بها. وقال الشافعي: إن دفع منها بعد نصف الليل فلا شيء عليه، وإن خرج منها قبله ولم يعد إليها افتدى، والفدية شاة (١).

----------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٥٢، «الذخيرة» ٣/ ٢٦٣، «الحاوي الكبير» ٢/ ٦٨٨، ٦٩٠ - ٦٩١، «المغني» ٥/ ٢٨٤.


وقال آخرون: جائز ذَلِكَ لكل أحد، للضعيف والقوي، وكانوا يقولون: إنما هو منزل نزله رسول الله - ﷺ - كبعض منازل السفر، فمن شاء فعل، ومن شاء تركه.
وروي ذَلِكَ عن عطاء والزهري، وحكي أيضًا عن الأوزاعي، وسيأتي ما يخالفه. واحتجوا بحديث ابن عمر مرفوعًا: «إنما جمع منزل لذبح المسلمين» (١).
وذهب قوم على أن المبيت بها فرض لا يجوز الحج إلا به، وبه قَالَ ابن بنت الشافعي وابن خزيمة، وأشار ابن المنذر إلى ترجيحه، وفيه: قوة، وبه قَالَ خمسة من التابعين، وقال به ابن حزم والشعبي والنخعي وعلقمة والأوزاعي أيضًا، وحماد بن أبي سليمان، ويروى عن ابن الزبير والحسن وأبي عبيد القاسم بن سلام: ويجعل إحرامه عمرة.
وحكاه ابن التين عن علقمة والنخعي والشعبي في الوقوف بالمشعر الحرام، وأنه إن لم يقف به فاته الحج للآية.
قَالَ الطحاوي: والحجة عليهم أن قوله تعالى: ﴿فَاَذْكُرُوا اللهَ عِندَ اَلمَشْعَرِ اَلحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨] ليس فيه دليل أن ذَلِكَ عَلَى الوجوب، ولأن الله تعالى إنما ذكر الذكر ولم يذكر الوقوف، وكل قد أجمع أنه لو وقف بالمزدلفة ولم يذكر الله تعالى أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج، فالموطن الذي يكون الذكر فيه الذي لم يذكر في الكتاب أحرى أن لا يكون فرضًا، وقد ذكر الله تعالى في كتابه أشياء في الحج لم يرد بذكرها إيجابها في

---------
(١) لم أقف عليه بهذا اللفظ، وقد عزاه الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٢٩. للطبري بسند ضعيف بلفظ: «إنما جمع منزل لدلج المسلمين» وقال: سنده ضعيف. والله أعلم.


قول أحد من الأئمة، من ذَلِكَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ﴾ الآية [البقرة: ١٥٨]. وكل قد أجمع النظر أنه لو حج ولم يسع أن حجه قد تم، وعليه دم، فكان ما ترك من ذَلِكَ، فكذلك ذكر الله في المشعر الحرام (١).
قلتُ: لا يسلم له الإجماع، فمذهب الشافعي أنه ركن لا يصح الحج إلا به، ولا يجبر بدم، وأما حديث عروة بن مضرس السالف (٢)، فلا حجة فيه لإجماعهم عَلَى أنه لو بات بها ووقف ونام عن الصلاة، فلم يصلها مع الإمام حَتَّى فاتته أن حجه تام، فلما كان الحضور مع الإمام ليس من صلب الحج الذي لا يجزئ إلا به كان الموطن الذي تكون فيه تلك الصلاة التي لم تذكر في الحديث أحرى، إلا أن يكون كذلك فلم يتحقق بهذا الحديث ذكر الفرض إلا بعرفة.
قلتُ: وخلاف ابن حزم الذي قدمته لا يقدح في هذا الإجماع.
قَالَ الطحاوي: وفي حديث سودة ترك الوقوف أصلًا (٣)، وكذلك في حديث ابن عباس وأسماء، وفي إباحة الشارع لهم ذَلِكَ للضعيف دليل عَلَى أن الوقوف بها ليس من صلب الحج كالوقوف بعرفة، ألا ترى أن رجلًا لو ضعف عن الوقوف بعرفة، وترك ذَلِكَ لضعفه حَتَّى طلع الفجر يوم النحر أن حجه قد فسد، ولو وقف بها بعد الزوال ثم نفر منها قبل الغروب أن أهل العلم مجمعون عَلَى أنه غير معذور للضعف الذي به، وأن طائفة منهم تقول: عليه دم، لتركه بقية الوقوف بعرفة، وطائفة منهم تقول: قد فسد حجه، ومزدلفة ليست

--------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٠٩.
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢١٠.



كذلك؛ لأن من أوجب الوقوف بها يجيزون النفور عنها بعد وقوفه بها قبل فراغ وقتها، وهو قبل طلوع الشمس من يوم النحر لعذر الضعف، فلما ثبت أن عرفة لا يسقط فرض الوقوف بها للعذر، ولا يحل النفور عنها قبل وقته للعذر، وكانت مزدلفة ما يباح ذَلِكَ منها بالعذر، وثبت أن حكم مزدلفة ليس في حكم عرفة؛ لأن الذي يسقط للعذر ليس بواجب، والذي لا يسقط بالعذر هو الواجب.
وفي «شرح الهداية»: لو ترك الوقوف بها بعد الصبح من غير عذر فعليه دم، وإن كان بعذر الزحام فتعجل السير إلى منى فلا شيء عليه.
فرع:
يحصل المبيت بساعة من النصف الثاني من الليل دون الأول عَلَى الأصح.
وقال ابن التين: الشروع من المبيت فيها النزول فيها والمقام بمقدار ما يرى أنه مقام، فإن منعه من النزول مانع، فقال محمد: عليه بدنة، وقال مالك: إن نزل بها ثم ارتحل عنها أول الليل عامدًا أو جاهلًا فلا شيء عليه، ومن جاءها بعد الفجر، قَالَ أشهب: في كتاب محمد: عليه الدم، وخالف ابن القاسم (١).
فرع:
وقت الوقوف بالمشعر بعد صلاة صبح النحر إلى الإسفار. وعن مالك: لا يقفون إلى الإسفار ويدفعون قبله، وقال محمد: لا يجوز أن يؤخر حَتَّى يطلع، وأخَّر ابن الزبير الوقوف حَتَّى كادت الشمس تطلع؛ فقال ابن عمر: إني لأراه يريد أن يصنع كما صنع أهل

--------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٩٩.


الجاهلية، فدفع ابن عمر ودفع الناس بدفعه (١)، وفعله - ﷺ - لمخالفة المشركين؛ لأنهم كانوا لا يفيضون حَتَّى تطلع الشمس. وقيل: الدفع بعد الإسفار الأول وقيل الإسفار الثاني، حكاهما ابن التين.
فائدة:
قوله: (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْدَمُ مِنًى لِصَلَاةِ الفَجْرِ) مقتضاه أن المتقدم كان قبل الصبح، وخصَّهم بذلك للضعف عن زحمة الناس، ومقتضاه الوقوف قبل الفجر؛ لأن الوقوف يسقط جملة. واختلفت المالكية: هل عليهم دم؟ فقال القاضي في «معونته»: الظاهر أن لا دم (٢).
فائدة أخرى:
(الحطمة) في حديث عائشة: الزحمة، وحطمة السيل: دفاع معظمه.
وقولها: (مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ) أي: من شيء أفرح به. و(هنتاه): أي: يا هذِه، وقد سلف الكلام عليه في باب قوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] (٣).

-----------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٨١ (١٥٣٢٣) كتاب: الحج، باب: في وقت الدفعة من المزدلفة.
(٢) «المعونة» ١/ ٣٧٨.
(٣) راجع شرح حديث (١٥٦٠).



٩٩ - باب (متى) (١) يُصَلِّي الفَجْرَ بِجَمْعٍ
١٦٨٢ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ: جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، وَصَلَّى الْفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا. [انظر: ١٦٧٥ - مسلم: ١٢٨٩ - فبَح: ٣/ ٥٣٠]

١٦٨٣ - حَدَّثَنَا عبد اللهِ بْن رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى الصَّلَأتَيْنِ، كلَّ صَلَاةٍ وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وِإقَامَةٍ، وَالعَشَاء بَينَهُمَا، ثمَّ صَلَّى الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفَجْرُ -قَائِلٌ يَقُولُ: طَلعَ الفَجْرُ. وَقَائِلٌ يَقولُ: لَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ- ثمَّ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «إِنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ حُوِّلَتَا عَنْ وَقْتِهِمَا فِي هذا المَكَانِ: المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ، فَلَا يَقْدَمُ النَّاسُ جَمْعًا حَتَّى يُعْتِمُوا، وَصَلَاةَ الفَجْرِ هذِه السَّاعَةَ». ثمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَرَ، ثُمَّ قَالَ: لَوْ أَنَّ أَمِيرَ الُمؤْمِنِينَ أفَاضَ الآنَ أَصَابَ السُّنَّةَ. فَمَا أَدْرِي أَقَوْلُهُ كَانَ أَسْرَعَ أَمْ دَفْعُ عُثْمَانَ - رضي الله عنه -، فَلَمْ يَزَلْ يلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ. [انظر: ١٦٧٥ - مسلم: ١٢٨٩ - فتح: ٣/ ٥٣٠]
ذكر فيه حديث عبد الله قال: مَا رَأَيْتُ رسول الله - ﷺ - صلَّى صَلَاةً بِغَيْرِ مِيقَاتِهَا إِلَّا صَلَاتَيْنِ: جَمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ، وَصَلَّى الفَجْرَ قَبْلَ مِيقَاتِهَا.
وحديث عبد الرحمن بن يزيد قال: خَرَجْنَا مَعَ عَبْدِ اللهِ إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ قَدِمْنَا جَمْعًا، فَصَلَّى الصَّلَاتَيْنِ، كُلَّ واحدة وَحْدَهَا بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَالعَشَاءُ بَيْنَهُمَا .. الحديث.

-------
(١) كذا في الأصل و(ج)، وفي «اليونينية» ٢/ ١٦٦: من، وفي هامشها: باب متى، وعليها (لا. ص. س. ظ) يعني: عند: أبي ذر والأصيلي والمستملي وأبي الوقت.


تقدم بيان حديث ابن مسعود، وأن المراد: لغير ميقاتها المعهود، وقد سلف عنه: حين يبزغ الفجر. وتأخير المغرب عن وقتها، بيِّن.
وقوله: (ثُمَّ وَقَفَ حَتَّى أَسْفَر) أي: أضاء، وقوله: (أَصَابَ السُّنَّةَ) يعني: فعل رسول الله - ﷺ -. قَالَ ابن المنذر: ثبت أن رسول الله - ﷺ - صلى الفجر بالمزدلفة (حَتَّى) (١) تبين له الصبح بأذان وإقامة.

-----------
(١) في (ج): حين.


١٠٠ - باب مَتَى يُدْفَعُ مِنْ جَمْعٍ
١٦٨٤ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ مَيْمُونٍ يَقُولُ: شَهِدْتُ عُمَرَ - رضي الله عنه - صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خَالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. [٣٨٣٨ - فتح: ٣/ ٥٣١]
ذكر فيه حديث عمرو بن ميمون: شَهِدْتُ عُمَرَ صَلَّى بِجَمْعٍ الصُّبْحَ، ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَيَقُولُونَ: أَشْرِقْ ثَبِيرُ. وَأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - خالَفَهُمْ، ثُمَّ أَفَاضَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
هذا الحديث من أفراده، وفي رواية له: لا يفيضون من جمع حَتَّى تشرق الشمس (١)، ولابن ماجه: أشرق ثبير، كيما نغير (٢)، وللترمذي مصححًا من حديث ابن عباس أنه - ﷺ - أفاض قبل طلوع الشمس (٣).
ولمسلم عن جابر: فلم يزل - ﷺ - واقفًا حَتَّى أسفر جدًا، فدفع قبل أن تطلع الشمس (٤).
وفي البيهقي من حديث محمد بن قيس بن مخرمة، عن المسور بن مخرمة قَالَ: خطبنا رسول الله - ﷺ - بعرفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قَالَ: "أما بعد، فإن أهل الشرك والأوثان كانوا يدفعون من ها هنا عند غروب

-------------
(١) سيأتي برقم (٣٨٣٨) كتاب: مناقب الأنصار، باب: أيام الجاهلية.
(٢) ابن ماجه (٣٠٢٢) كتاب: المناسك، باب: الوقوف بجمع.
(٣) الترمذي (٨٩٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء أن الإقامة من جمع قبل طلوع الشمس.
(٤) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -.



الشمس حَتَّى تكون الشمس عَلَى رءوس الجبال، مثل عمائم الرجال عَلَى رؤوسها، هدينا مخالف لهديهم، وكانوا يدفعون من المشعر الحرام عند طلوع الشمس عَلَى رءوس الجبال مثل عمائم الرجال عَلَى (رؤوسها) (١) هدينا مخالف لهديهم» قَال البيهقي: رواه عبد الله بن إدريس، عن ابن جريج، عن محمد بن قيس بن مخرمة أن رسول الله - ﷺ - خطب يوم عرفة، فذكره مرسلًا (٢). وللبيهقي من حديث جبير بن الحويرث قَال: رأيتُ أبا بكر واقفًا عَلَى قزح، وهو يقول: أيها الناس أصبحوا، أيها الناس أصبحوا، ثم دفع، فكأني أنظر إلى فخذه قد انكشف مما يخرش بعيره بمحجنه (٣)، وقد سلف. وقال ابن المنذر: ثبت أن النبي - ﷺ - أفاض من جمع حين أسفر جدًّا، وأخذ به ابن مسعود وابن عمر، وقال بذلك عامة العلماء أصحاب الرأي والشافعي، غير مالك، فإنه كان يرى أن يدفع قبل الطلوع وقبل الإسفار (٤).
وفيه من الفقه -كما قَالَ الطبري- بيان وقت الوقوف الذي أوجبه الله عَلَى عباده حجاج بيته بالمشعر الحرام إلا به، كذا أوجبه، وقد سلف ما فيه. قَالَ: فمن وقف بالمشعر الحرام ذاكرًا في الوقت الذي وقف به رسول الله - ﷺ - أو في بعضه فقد أدركه وأدى ما ألزمه الله تعالى من ذكره به، وذلك حين صلاة الفجر بعد طلوع الفجر الثاني إلى أن يدفع

----------
(١) في الأصل: (رءوسنا) والمثبت من «السنن» وهو الصحيح.
(٢) «سنن البيهقي» ٥/ ١٢٥ كتاب: الحج، باب: الدفع من المزدلفة قبل طلوع الشمس.
(٣) «سنن البيهقي» ٥/ ١٢٥.
(٤) انظر: «المبسوط» ٤/ ٦٣، «المدونة»: ١/ ٣٢٣، «المنتقى» ٣/ ٢٣، «المجموع» ٨/ ١٥٨ - ١٥٩.



الإمام منه قبل طلوع الشمس من يوم النحر، ومن لم يدرك ذَلِكَ حَتَّى تطلع فقد فاته الوقوف به بإجماع، وإنما عجَّل رسول الله - ﷺ - الصلاة وزاحم بها أول وقتها؛ ليدفع قبل أن تشرق الشمس عَلَى جبل ثبير؛ ليخالف أمر المشركين، فكلما بعد دفعه من طلوع الشمس كان
أفضل، فلهذا اختار هذا مالك.
وقوله: (لَا يُفِيضُونَ) يعني: لا يرجعون من المشعر الحرام إلى حيث بدأوا، والمصير إليه من منى حَتَّى تطلع، ولذلك تقول العرب لكل راجع من موضع كان صار إليه من موضع آخر إلى الموضع الذي بدأ منه: أفاض فلان من موضع كذا. وكان الأصمعي يقول: الإفاضة: الدفعة، كل دفعة إفاضة. ومنه قيل: أفاض القوم في الحديث إذا (دفعوا) (١) فيه. وأفاض في معه يفيضه، فأما إذا سالت دموع العين فإنما يقال: فاضت عينه بالدموع.
وقوله: (أَشْرِقْ ثَبِيرُ) قَالَ الهروي: يريد: ادخل أيها الجبل في الشروق، كما تقول: أجنب إذا دخل في الجنوب، وأشمل إذا دخل في الشمال، وشروقها: طلوعها، وقال عياض: (أشرق ثبير): أدخل يا جبل، من شرق أي: أضاء.
وقال ابن التين: ضبطه أكثرهم بالفتح، وبعضهم بكسر الهمزة، كأنه ثلاثي من شرق، وفسره بعضهم: أي: أطلع الشمس يا جبل، وليس يبين؛ لأن شرق مستقبله يشرق بالضم (٢)، والأمر منه بالضم لا بالكسر، والذي عليه الجماعة بالفتح أي: لتطلع عليك الشمس.

---------------
(١) في (ج): (وقعوا)، والمثبت من الأصل.
(٢) في هامش الأصل: أي بضم الراء.



(وثبير) -بالمثلثة المفتوحة، ثم باء موحدة مكسورة، ثم ياء مثناة تحت، ثم راء-: جبل المزدلفة، عَلَى يسار الذاهب إلى منى، وقيل: هو أعظم جبال مكة، عُرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن به، وقد تقدم ذكر ثبير في باب طواف النساء مع الرجال، وأنها سبعة أجبل (١).
وقال ابن التين: ثبير جبل عند مكة، ولم يذكر غير ذَلِكَ.
وقوله: (كيما نغير) أي: ندفع ونفيض للنحر وغيره، وذلك من قولهم: أغار الفرس إغارة الثعلب، وذلك إذا دفع وأسرع في دفعه.
قَالَ ابن التين: وضبطه بعض أهل اللغة بسكون الراء في الموضعين (٢).

--------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٣٣٥ - ٣٣٦، «معجم البلدان» ٢/ ٧٢ - ٧٤.
(٢) ورد بهامش الأصل: ثم بلغ في الثاني بعد الثلاثين، كتبه مؤلفه. ثم وفي هامشها أيضًا: آخر ٤ من الجزء ٦ من تجزئة المصنف.



١٠١ - باب التَّلْبِيَةِ وَالتَّكْبِيرِ غَدَاةَ النَّحْرِ، حِينَ يَرْمِى الجَمْرَةَ، وَالاِرْتِدَافِ فِي السَّيْرِ
١٦٨٥ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ. [انظر: ١٥٤٤ - مسلم: ١٢٨٠، ١٢٨١ - فتح: ٣/ ٥٣٣]
١٦٨٦ و١٦٨٧ - حَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ - رضي الله عنهما - كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى -قَالَ:- فَكِلَاهُمَا قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. [انظر: ١٥٤٣، ١٥٤٤ - مسلم: ١٢٨٠، ١٢٨١ - فتح: ٣/ ٥٣٢]
ذكر فيه حديث ابن عباس: أنه - عليه السلام - أَرْدَفَ الفَضْلَ، فَأَخْبَرَ الفَضْلُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حَتَّى رَمَى الجَمْرَةَ.
وقد سلف قريبًا في باب النزول بين عرفة وجمع (١)، وحديث أسامة السالف فيه أيضًا (٢).
ولم يذكر ما يدل عَلَى التكبير، واختلف السلف في الوقت الذي
يقطع فيه الحاج التلبية؛ فذهبت طائفة إلى حديثي الباب، وقالوا: يلبي الحاج حَتَّى يرمي جمرة العقبة، وروي هذا عن ابن مسعود (٣) وابن عباس (٤)، وبه قَالَ عطاء، وطاوس، والنخعي، وابن أبي ليلى، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وقالوا:

------------
(١) سلف برقم (١٦٧٠).
(٢) سلف برقم (١٦٦٧، ١٦٦٩).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٨ - ٢٤٩ (١٣٩٩٠، ١٣٩٩٧).
(٤) ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٨ (١٣٩٨٩).



يقطعها مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة، إلا أحمد وإسحاق: فإنه يقطعها عندهما إذا رمى الجمرة بأسرها عَلَى ظاهر الحديث (١). وروي عن علي: أنه كان يلبي في الحج، فإذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطعها (٢).
قَالَ مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا (٣). وقال ابن شهاب: وفعل ذَلِكَ الأئمة أبو بكر وعمر وعثمان وعائشة وابن المسيب.
وذكر ابن المنذر عن سعد مثله، وذكر أيضًا عن مكحول. وكان ابن الزبير يقول: أفضل الدعاء يوم عرفة التكبير، وروي معناه عن جابر.
احتج ابن القصار لمالك وأهل المدينة فقال في حديث ابن عباس وأسامة: لو فعل هذا رسول الله - ﷺ -، عَلَى أنه المستحب عنده لم يخالفه الصحابة بعده، فيحتمل أنه أراد أن لا يقطع التلبية عند زوال الشمس؛ لأن الناس كانوا يتلاحقون به يوم عرفة، وليلة النحر إلى طلوع الفجر، وهو آخر الوقت الذي به يدرك عرفة، حَتَّى لا يبقى أحد إلا سمع تلبيته؛ لأنه صاحب الشرع، فأعلمهم أنها تجوز إلى هذا الوقت، ويكون المستحب لنا عند الزوال بعرفة؛ لما قد تقرر من اختيار الصحابة له، وهم الذين أمرنا بالاقتداء بهم؛ لأنهم المتلقون للسنن، والمفسرون لها، فوجب اتباع سبيلهم واختيار ما اختاروه والرغبة فيما رغبوا عنه.

-----------
(١) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٨٧، «البيان» ٤/ ١٣٢، «المغني» ٥/ ٢٩٧.
(٢) ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٨ (١٣٩٩١) عن عطاء قال: كان علي يلبي يقطع التلبية إذا رمى جمرة العقبة.
(٣) «الموطأ» ٢٢٣.



وتأول الطحاوي: في قطع الصحابة التلبية عند الرواح إلى عرفة: أن ذَلِكَ لم يكن عَلَى أن وقت التلبية قد انقطع، ولكن لأنهم كانوا يأخذون فيما سواها من الذكر والتكبير والتهليل، كما لهم أن يفعلوا ذَلِكَ قبل يوم عرفة أيضًا (١).
وقد سلف في باب التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة، أن التلبية: هي الإجابة لما دعي إليه، فإذا بلغ عرفة فقد بلغ غاية ما يدركه الحاج بإدراكه ويفوت بفوته، فلذلك يقطع التلبية عند بلوغ النهاية.
وقد سلف ذكر الارتداف في السير في أول الحج، قَالَ ابن المنذر: وثبت أن النبي - ﷺ - رمى الجمرة يوم النحر عَلَى راحلته (٢)، وقال به مالك، فرأى أن يرمي جمرة العقبة راكبًا للاقتداء، وفي غير يوم النحر ماشيًا (٣)، وكره جابر أن يركب إلى شيء من الجمار إلا من ضرورة (٤)، وكان ابن عمر وابن الزبير وسالم يرمون الجمار وهم مشاة (٥)، واستحب ذَلِكَ أحمد وإسحاق (٦).

-------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٦.
(٢) ثبت في حديث رواه مسلم (١٢٩٧) كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا … من حديث جابر قال: رأيت النبي - ﷺ - يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: .. الحديث. ورواه كذلك أبو نعيم في «المستخرج» ٣/ ٣٧٨ (٢٩٩٦ - ٢٩٩٧) كتاب: الحج، باب: في رمي الجمار.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٠٢.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٢٤ (١٣٧٤١) كتاب: الحج، من كان إذا رمى الجمرة مشى إليها.
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٤/ ٢٢٣ (١٣٧٣٥، ١٣٧٣٧، ١٣٧٣٩).
(٦) انظر: «مسائل أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٦.



١٠٢ - باب ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ …﴾ إلى قوله: ﴿الحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]
١٦٨٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ، أَخْبَرَنَا النَّضْرُ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا أَبُو جَمْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَنِي بِهَا، وَسَأَلْتُهُ عَنِ الهَدْيِ، فَقَالَ: فِيهَا جَزُورٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ. قَالَ: وَكَأَنَّ نَاسًا كَرِهُوهَا، فَنِمْتُ فَرَأَيْتُ فِي المَنَامِ كَأَنَّ إِنْسَانًا يُنَادِي: حَجٌّ مَبْرُورٌ، وَمُتْعَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ. فَأَتَيْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: اللهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ - ﷺ -. قَالَ: وَقَالَ آدَمُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجٌّ مَبْرُورٌ. [انظر: ١٥٦٧ - مسلم: ١٢٤٢ - فتح: ٣/ ٥٣٤]
ذكر فيه حديث شعبة عن أبي جمرة -بالجيم: قَالَ: سَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ عَنِ المُتْعَةِ، فَأَمَرَني بِهَا .. الحديث.
وقد سلف في باب التمتع (١)، ثم قَالَ: وَقَالَ آدمُ وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَغُنْدَرٌ، عَنْ شُعْبَةَ: عُمْرَةٌ مُتَقَبَّلَةٌ، وَحَجّ مَبْرُورٌ.
أما تعليق آدم فأسنده في باب التمتع المذكور (٢)، وأما تعليق غندر فأخرجه مسلم عن محمد بن مثني وابن بشار عنه (٣).
وقال الإسماعيلي: رواه علي بن أبي الجعد ومعاذ بن معاذ وأبو داود ووهب بن جرير وعبد الرحمن الرصاصي و(هشيم) (٤) بن القاسم وآدم

---------------
(١) سلف برقم (١٥٦٧).
(٢) السابق.
(٣) مسلم (١٢٤٢) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج.
(٤) في الأصل: هاشم، والمثبت من (ج).



والأشيب، كل قَالَ فيه: (حج) (١) وعمرة، ولا أعلم أحدًا قَالَ فيه: متقبلة.
وقال أبو نعيم: أصحاب شعبة كلهم قالوا: عمرة متقبلة، خلا النضر؛ فإنه قَالَ فيه: متعة متقبلة.
والجزور المراد بها الإبل من الجزر وهو: القطع، أو شاة، وقد اختلف العلماء في: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ فقالت طائفة: شاة روي ذَلِكَ عن علي وابن عباس، رواه عنهما مالك في «موطئه» (٢)، وأخذ به، وقال به جمهور العلماء واحتج بقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] قَالَ: وإن ما يحكم به في الهدي شاة، وقد سماها الله تعالى هديًا. وروي عن طاوس، عن ابن عباس: ما يقتضي أن ما استيسر من الهدي في حق الغني بدنة، وفي حق غيره بقرة، وفي حق الفقير شاة (٣).
وعن ابن عمر وابن الزبير وعائشة: أنه من الإبل والبقر خاصة (٤)، وكأنهم ذهبوا إلى ذَلِكَ من أجل قوله تعالى: ﴿وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [الحج: ٣٦] فذهبوا: أن الهدي ما وقع عليه اسم بدنة، ويرده قوله تعالى: ﴿فَجَزَآء مِثلُ مَا قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ﴾، إلى قوله: ﴿فًا أسْتَيْسَرَ

---------
(١) في (ج): (حجة).
(٢) «الموطأ» ١/ ٤٧٦ (١٢٢٠ - ١٢٢١) كتاب: المناسك، باب: ما استيسر من الهدي.
(٣) رواه الطبري ٢/ ٢٢٥ (٣٢٧٢)، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٧ (١٧٧٣) وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٣٨٤ لابن جرير وابن أبي حاتم.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٣٢ (١٢٧٧٩ - ١٢٧٨٠، ١٢٧٨٦) كتاب: الحج، باب: ما استيسر من الهدي، والطبري ٢/ ٢٢٥ - ٢٢٦ (٣٢٨١ - ٣٢٨٢)، وابن أبي حاتم ١/ ٣٣٦ (١٧٧٢).



مِنَ اَلهَدىِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقد حكم المسلمون في الظبي بشاة، فوقع عليها اسم هدي، وقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦] يحتمل أن يشير به إلى أقل أجناس الهدي، وهو الشاة، وإلى أقل صفات كل جنس، فهو ما رُوِي عن ابن عمر: البدنة دون البدنة، والبقرة دون البقرة (١) فهذا عنده أفضل من الشاة، ولا خلاف نعلمه في ذَلِكَ، وإنما محل الخلاف أن الواجد للإبل والبقر هل يخرج شاة؟ فعند ابن عمر يمنع إما تحريمًا واما كراهة، وعند غيره نعم، روي عن ابن عمر وأنس: يجزئ فيها شرك في دم (٢)، وروي عن عطاء وطاوس والحسن مثله (٣)، وهو قول أبي حنيفة، والثوري والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور: لا تجزئ عندهم البدنة والبقرة عن أكثر من سبعة عَلَى حديث جابر، ولا تجزئ عندهم الشاة عن أكثر من واحد (٤).
قَالَ ابن بطال: ولا تعلق لهم في حديث ابن عباس، قَالَ إسماعيل القاضي وأبو جمرة: وإن كان من صالحي الشيوخ فإنه شيخ، وقد روى ثقات أصحاب ابن عباس عنه أن ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾: شاة (٥)، وإنما

-------------
(١) رواه سعيد بن منصور ٣/ ٧٥١ (٢٩٩)، والطبري ٢/ ٢٢٥ (٣٢٧٥، ٣٢٧٧، ٣٢٨٠).
(٢) «تفسير الطبري» ٢/ ٢٢٦ (٣٢٨٣).
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٣٣ (١٢٧٨٩ - ١٢٧٩١) كتاب: الحج، يجزئ المتمتع أن يشارك في دم، ومن كرهه.
(٤) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ٢٢٤، «البيان» ٤/ ٤٧٩، «المغني» ٥/ ٤٥١.
(٥) رواه مالك في «الموطأ» ص ٢٥١ كتاب: المناسك، باب: ما استيسر من الهدي، والطبري ٢/ ٢٢٣ - ٢٢٥ (٣٢٤٤ - ٣٢٤٧، ٣٢٥٥، ٣٢٦٢، ٣٢٦٦، ٣٢٧٠، ٣٢٧٣).



المعتمد في العلم على الثقات المعروفين بالعلم، وقد روى ليث بن أبي سليم، عن طاوس، عن ابن عباس مثل رواية أبي حمرة. وليث ضعيف. وقد روى حماد بن زيد، عن أيوب عن محمد عن ابن عباس قال: ما كنت أرى أن دمًا واحدًا يقضي عن أكثر من واحد، وأما ما روي عن جابر أنه قَالَ: نحرنا يوم الحديبية البدنة عن سبعة، والبقرة عن سبعة (١)، فلا حجة فيه؛ لأن الحديبية لم يكن فيها تمتع، وإنما كان - عليه السلام - أحرم بالعمرة من ذي الحليفة، وساق الهدي، فلما صُدَّ نحو هديه (٢)، وهو تطوع ليس فيه تمتع ولا غيره مما يوجب هديًا، وهذا كما يروى عنه أنه ضحى عن أمته (٣)، وكما روي عن أبي أيوب: أن الرجل يُضحي بالشاة الواحدة عنه وعن أهل
----------
(١) رواه مسلم (١٣١٨) كتاب: الحج، باب: الاشتراك في الهدي وإجزاء البقرة والبدنة كل منهما عن سبعة.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٤٢ كتاب: مناسك الحج، باب: الهدي يصد عن الحرم ..
(٣) روى مسلم (١٩٦٧) كتاب: الأضاحي، باب: استحباب الضحية، وذبحها مباشرة بلا توكيل والتسمية والتكبير، عن عائشة: أن رسول الله - ﷺ - أمر بكبش أقرن، يطأ في سواد، ويبرك في سواد وينظر في سواد .. الحديث، وفيه، ثم قال: «باسم الله، اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد، ثم ضحى به.
وروى أبو داود (٢٨١٠) كتاب: الضحايا، باب: في الشاة يضحي بها عن جماعة، والترمذي (١٥٢١) كتاب: الأضاحي، باب: العقيقة بشاة -وقال: غريب من هذا الوجه- وأحمد ٣/ ٣٦٢، والدارقطني ٤/ ٢٨٥، والحاكم في»المستدرك«٤/ ٢٢٩ كتاب: الأضاحي، والبيهقي ٩/ ٢٦٨ كتاب: الضحايا، باب: الرجل يضحي عن نفسه وعن أهل بيته، من حديث جابر بن عبد الله أن النبي - ﷺ - نزل عن منبره، وأتُي بكبش فذبحه بيده وقال:»بسم الله والله أكبر، هذا
عني وعن من لم يضح من أمتي«وصححه الألباني في»صحيح أبي داود" (٢٤٩١).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #333  
قديم اليوم, 02:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 29 الى صـــ 40
الحلقة (333)






بيته (١). وروى ابن عبد الحكم عن مالك أنه قَالَ: تفسير حديث جابر في التطوع، والعمرة تطوع، لا بأس بذلك (٢). وروى عنه ابن القاسم أنه لا يشترك في هدي واجب ولا تطوع (٣).
فإن قلت: الهدي كان عليهم؛ لأنهم أحصروا (٤)، أجيب: بأن الهدي كان قد أشعر، وأوجب هديًا من قبل أن يحصروا، ولم يذكر أحد أنهم استانفوا هديًا بعد الحصر.
وما رُوِي عن أنس: أنهم كانوا يشتركون السبعة في البدنة والبقرة (٥)، فإنما يعني به الأضاحي، وليس المراد به أنهم يشتركون في الأضحية عَلَى أن لكل واحد منهم سهمًا من ملكها، وإنما يعني به أن أهل البيت يضحون بالجزور أو البقرة عن جماعة منهم، وهذا جائز عند المالكية، ولو كان أكثر من سبعة إذا كان ملكها رجل واحد، وضحى بها عن نفسه وأهله (٦).

----------
(١) رواه الترمذي (١٥٠٥) كتاب: الأضاحي، باب: ما جاء أن الشاة الواحدة تجزي عن أهل البيت -وقال: حسن صحيح- وابن ماجه (٣١٤٧) كتاب: الأضاحي، باب: من ضحى بشاة عن أهله، والبيهقي ٩/ ٢٦٨ كتاب: الضحايا، باب: الرجل يضحي عن نفسه وعن أهل بيته. وصححه الألباني في «الإرواء» (١١٤٢).
(٢) انظر: «التمهيد» ١٢/ ١٥٥.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٣٤٨.
(٤) في الأصل: صدوا.
(٥) روى ابن عدي في «الكامل» ٨/ ١٣٩ عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله - ﷺ - عام الحديبية يشرك بين السبعة من أصحابه في البدنة، وذكر ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٥١ عن قتادة، عن أنس كان أصحاب محمد - ﷺ - يشركون السبعة في البدنة من الإبل.
(٦) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٧٢ - ٣٧٣.



وقال ابن التين: قوله: (أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ) هو مذهب سعد، ولم يتابعا عليه واحتج عليهما بأن من فعل ذَلِكَ فهو مخرجُ لحم لا دم، والله تعالى يقول: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْىِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقد سلف الكلام عَلَى صوم الأيام الثلاثة والسبعة فيما مضى فراجعه.
وقوله: (اللهُ أَكْبَرُ) هي كلمة تقال حين يسمع المرء ما يسر فيه.
وقوله: (سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ) أي: طريقه، وهو المبين عن الرب ﷻ لما أجمل، وإنما حدَّث به ابن عباس؛ ليعرِّفه أن فتواه حق.
فإن قلت: المتعة في الآية للمحصرين بالحج، ولم يذكر معهم من لم يحصر، فكيف أبحتموها لمن لم يحصر؟ وأجيب: بأن في الآية ما يدل عَلَى أن غير المحصرين قد دخلوا فيها، بما قد أجمعوا عليه، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] الآية، فلم يختلف أهل العلم في المحرم بالحج والعمرة ممن لم يحصر أنه إذا أصابه أذى في رأسه أو مرض أنه يحلق، وأن عليه الفدية المذكورة في الآية التي تليها، وأن القصد بها إلى المحصر لا يمنع دخول غيره فيها، وكذا قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] لا يمنع أن يكون غيره فيه كهو، بل هو أولى مما ذكرنا من المعنى الأول الذي في الآية؛ لأنه قَالَ في المعنى الأول: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم﴾ [البقرة: ١٩٦] ولم يقل ذَلِكَ في المعنى الثاني منها.


١٠٣ - باب رُكُوبِ البُدْنِ
لِقَوْلِهِ ﴿وَالبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ المُحْسِنِينَ﴾. [الحج ٣٦ - ٣٧].
قَالَ مُجَاهِدٌ: سُمِّيَتِ البُدْنَ لِبُدْنِهَا.
﴿القَانِعُ﴾ السَّائِلُ، وَ﴿وَالمُعْتَرُّ﴾: الذِي يَعْتَرُّ بِالبُدْنِ مِنْ غَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ، وَ﴿شَعَائِرُ اللهِ﴾: اسْتِعْظَامُ البُدْنِ وَاسْتِحْسَانُهَا، وَالعَتِيقُ عِتْقُهُ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَيُقَالُ: ﴿وَجَبَتْ﴾: سَقَطَتْ إِلَى الأَرْضِ، وَمِنْهُ وَجَبَتِ الشَّمْسُ.

١٦٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ». فِي الثَّالِثَةِ أَوْ فِي الثَّانِيَةِ. [١٧٠٦، ٢٧٥٥، ٦١٦٠ - مسلم: ١٣٢٢ - فتح: ٣/ ٥٣٦]

١٦٩٠ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ وَشُعْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: «ارْكَبْهَا». ثَلَاثًا. [٢٧٥٤، ٦١٥٩ - مسلم: ١٣٢٣ - فتح: ٣/ ٥٣٦]
ثم ذكر حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». فَقَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ». فِي الثَّانيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ.
وحديث أنس: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - رَأى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. فقَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَة. قَالَ: «ارْكَبْهَا». ثَلَاثًا.


الشرح:
(البدنة): سلف الكلام عليها في الجمعة، والبدن بإسكان الدال، وقريء بضمها، سميت لبدانتها. أي: لسمنها.
وقد ذكر البخاري قول مجاهد في ذَلِكَ، ويقال: بَدُن بضم الدال، وبَدّن بالتشديد إذا أسن. قَالَ الداودي: قيل: إن البدنة تكون من البقر، وهذا نقل عن الخليل.
﴿لَكُم فِيهَا خَيرٌ﴾ [الحج: ٣٦] تركب إذا احتاج إليه، و﴿القَانِعَ﴾: السائل في قول ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن، قالوا: بخلاف المعتر الذي يتعرض ولا يسأل (١).
وقال مالك: أحسن ما سمعت فيه أن القانع الفقير، والمعتر: الدائر (٢) (٣)، وقيل: القانع: السائل الذي لا يقنع بالقليل. وقرأ أبو رجاء (القَنِع). وهو مخالف للأول، يُقال: قنع إذا رضي، وبفتح النون إذا سأل. وقرأ الحسن: (والمعتَرِي) (٤)، ومعناه: مثل المعتر، يُقال: أعتره واعتراه، وعره وعراه، إذا تعرض لما عنده أو طلبه. وعبارة صاحب «العين»: القنوع: التذلل للمسألة (٥)، إبراهيم قنع إليه: مال وخضع. وعنه: القانع: خادم القوم وأجيرهم، وقال الزجاج:

--------
(١) رواها الطبري ٩/ ١٥٧ - ١٥٨ (٢٥٢٣١، ٢٥٢٣٣ - ٢٥٢٣٧) وأوردها السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٦٥٣ وعزاها لابن المنذر وابن أبي شيبة وعبد بن حميد.
(٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ١٣٢.
(٣) الدائر: هو الذي يمر بجانبك ويتعرض لك أن تطعمه، لا يسأل شيئًا، انظر: «تفسير الطبري» ٩/ ١٥٦ - ١٥٨.
(٤) وهي قراءة شاذة، انظر: مختصر في «شواذ القرآن» ص ٩٨.
(٥) «العين» ١/ ١٧٠.



القانع: الذي يقنع بما (تعطيه) (١)، وقيل: الذي يقنع باليسير، وقال قطرب: كان الحسن يقول: هو السائل الذي يقنع بما آتيته، ويصير القانع من معنى القناعة والرضا.
وقوله: ﴿لَن يَنَالَ اَللهَ لُحُومُهَا﴾ [الحج: ٣٧] يروى عن ابن عباس: أنهم كانوا في الجاهلية يضحون بدماء البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون فعل ذَلِكَ فأنزلها الله (٢).
وقوله: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] أي: ما أريد به وجه الله، و(الشعائر) تقدمت، و﴿العَتِيقِ﴾: عتقه من الجبابرة، كما ذكره البخاري، وقد روي ذَلِكَ مرفوعًا بزيادة: «فلم يغلب عليه جبار قط» (٣).

--------
(١) في الأصل: (يعطيه) وعليها: كذا.
(٢) ذكره البغوي في «معالم التنزيل» ٥/ ٣٨٧ - ٣٨٨، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٦٥٤ لابن المنذر وابن مردويه.
(٣) رواه الترمذي (٣١٧٠) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحج، والبزار في «البحر الزخار» ٦/ ١٧٢ - ١٧٣ (٢٢١٥) - وقال: هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبي - ﷺ - إلا عن ابن الزبير عنه، ولا نعلم له طريقًا عن ابن الزبير إلا هذا الطريق- والطبري ٩/ ١٤٢ (٢٥١١٧)، وابن الأعرابي في «المعجم» ٣/ ١٠٤٢ - ١٠٤٣ (٢٢٤٣)، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٣٨٩ كتاب: التفسير- وقال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه، والبيهقي في «دلائل النبوة» ١/ ١٢٥، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٤٤٣ (٤٠١٠)، والواحدي في «الوسيط» ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» ٥٤/ ٢٠٩ - ٢١٠، جميعًا من حديث عبد الله بن الزبير مرفوعًا، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٦٤٣ للبخاري في «تاريخه» والترمذي وحسنه وابن جرير والطبراني والحاكم وصححه وابن والبيهقي في «الدلائل».
قلت: رواه البخاري في «تاريخه» ١/ ٢٠١ مختصرًا دون قوله: «فلم يغلب عليه جبار قط». والحديث أورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٩٦ وقال: رواه البزار وفيه: عبد الله بن صالح كاتب الليث، قيل: ثقة مأمون وقد ضعفه الأئمة أحمد =



وقال الحسن: لقدمه، وحجته (١) ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية وجبت كما ذكر.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم ولفظه: فقال: «اركبها» في الثانية أو الثالثة (٢)، وفي لفظ له: يسوق بدنة مقلدة فقال له رسول الله - ﷺ -: «اركبها» فقال: بدنة يا رسول الله؟ فقال: «ويلك اركبها» ثلاثًا (٣).
وللبخاري في باب تقليد النعل قريبًا: قَالَ: «اركبها» قَالَ: إنها بدنة.
قَالَ: «اركبها» قَالَ: فلقد رأيته راكبها ليساير النبي - ﷺ -، والنعل في عنقها (٤).
وحديث أنس أخرجه مسلم أيضًا بلفظ: «اركبها» مرتين أو ثلاثًا (٥).
وفي رواية للبخاري: «اركبها ويلك» قالها في الثانية أو في الثالثة (٦).
ولمسلم: مرَّ عليه ببدنة أو هدية فقال: «اركبها» قَالَ: إنها بدنة أو هدية، فقال: «وإن» (٧). ولأحمد: يسوق بدنة، وقد جهده المشي، وفيه قَالَ: «اركبها وإنها بدنة» (٨).
وانفرد مسلم بحديث ابن الزبير قَالَ: سمعت جابر بن عبد الله يسأل

-------
= وغيره، وبقية رجاله ثقات. وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٠٥٩)، وانظر: «الضعيفة» (٣٢٢٢).
(١) رواه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٤٩٠ (١٣٩٠٨) معلقًا.
(٢) مسلم (١٣٢٢) كتاب: الحج، باب: جواز ركوب الدابة المهداة لمن احتاج إليها.
(٣) مسلم (١٣٢٢/ ٣٧٢).
(٤) سيأتي برقم (١٧٠٦) باب: تقليد النعل.
(٥) مسلم (١٣٢٣).
(٦) سيأتي برقم (٢٧٥٥) كتاب الوصايا، باب: هل ينتفع الواقف بوقفه.
(٧) مسلم (١٣٢٣).
(٨) «مسند أحمد» ٢/ ٢٥٤.



عن ركوب الهدي، فقال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حَتَّى تجد ظهرًا» (١).
ولأحمد من حديث علي سئل: يركب الرجل هديه؟ قَالَ: لا بأس به، قد كان رسول الله - ﷺ - يمر بالرجال يمشون، فيأمرهم بركوب هديهم، ثم قال: ولاتتَّبعون شيئًا أفضل من سنة نبيكم (٢). وفي «مراسيل أبي داود» من حديث ابن جريج عن عطاء قَالَ: كان النبي - ﷺ - يأمر بالبدنة إذا احتاج إليها سيدها أن يحمل عليها، ويركب غير منهوكة.
قلتُ: ماذا؟ قَالَ: الرجل الراجل، والمتبع اليسير، وإن نتجت حمل عليها ولدها وعدله (٣).
إذ تقرر ذَلِكَ: ففيه استعمال ما وُجِّه لله تعالى إذا احتيج إليه عَلَى خلاف ما كانت الجاهلية عليه من أمر البحيرة والسائبة والوصيلة والحام، فأعلم الشارع أن ما أهل به لله إنما هو دماؤها، وأما لحومها، والانتفاع بها قبل نحرها وبعده فغير ممنوع، بل هو مباح بخلاف سُنن الجاهلية.
وقد اختلف العلماء في ركوب الهدي الواجب والتطوع: فذهب أهل الظاهر إلى أن ذَلِكَ جائز من غير ضرورة، وبه قَالَ أحمد وإسحاق، وبعضهم أوجب ذَلِكَ، واحتج بحديثي الباب، وكره مالك، وأبو حنيفة، والشافعي وأكثر الفقهاء -فيما حكاه صاحب «الاستذكار»- ركوبها من غير ضرورة، وكرهوا شرب لبن الناقة بعد ري فصيلها، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نقصها الركوب والشرب فعليه قيمة ذلك.

---------
(١) مسلم (١٣٢٤).
(٢) «مسند أحمد» ١/ ١٢١، وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٣٧: إسناده صالح.
(٣) «مراسيل أبي داود» (١٥٣).



واحتجوا: أن ما أخرج لله فغير جائز الرجوع في شيء منه والانتفاع به إلا عند الضرورة (١). وركوبها يحتمل أن يكون لغير ضرورة، وأن يكون لها، ورواية جابر السالفة تشهد له، وكذا رواية أحمد: وقد جهده المشي، فأباح ركوبها للضرورة، وقد روى نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول في الرجل إذا ساق بدنة وأَعيا ركبها: وما أنتم بمستنين سنة هي أهدى من سنة محمد (٢). وكذا لا يجوز بيع منافعها إجماعًا.
وقد قَالَ مجاهد في قوله تعالى: ﴿لَكمُ فِيهَا مَنَفعُ إِلَى أَجَل مُّسَمّى﴾ قَالَ: في ظهورها وألبانها وأصوافها وأوبارها حَتَّى تصير بدنًا (٣). وبه قَالَ النخعي وعروة. واختلف متى ذَلِكَ؟ فقال عروة: بعد أن يقلدها، وقال مجاهد: قبله، وهو أولى؛ لأن الأجل المسمى أن يقلد ولم يوجد.
وقال ابن القاسم: فإن ركبها محتاجًا فليس عليه أن ينزل إذا استراح (٤). وقال إسماعيل: مذهب مالك يدل عَلَى أنه إذا استراح نزل، وبه قَالَ ابن الجلاب (٥)، وإذا نزل لحاجته أو لليل لم يركبها حَتَّى يحتاج إلى ذَلِكَ كأول مرة. وعن بعض الشافعية والحنفية فيما حكاه ابن التين: إن نقصها (ركوبه) (٦) ضمن النقصان، إن ركب ركوبًا قادحًا.

--------
(١) «الاستذكار» ١٢/ ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٦١ كتاب: مناسك الحج، باب: الهدي يساق لمتعة أو قران هل يُركب أم لا؟، «الأم» ٢/ ٢٣١.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤١ (١٤٩١٣) كتاب: الحج، باب: في ركوب البدنة، والطبري ٩/ ١٤٧ (٢٥١٥١ - ٢٥١٥٢)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٦٤٧ لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم.
(٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ٣٠٩.
(٥) «التفريع» ١/ ٣٣٤.
(٦) في (ج): ركوبها.



وقوله: («ويْلَكَ») مخرجه مخرج الدعاء عليه من غير قصد؛ إذ أبي من ركوبها أول مرة، وقال له: (إنها بدنة). وكان - عليه السلام - يعلم ذَلِكَ، فخاف أن لا يكون علمه، وكأنه قَالَ: لك الويل في مراجعتك إياي فيما لا تعرف وأعرف، وفي رواية: «ويحك» (١) ذكرها ابن التين، وكان الأصمعي يقول: ويل: كلمة عذاب، وويح كلمة رحمة، وقال سيبويه: ويح زجر لمن أشرف عَلَى هلكة، وفي الحديث أنه وادٍ في جهنم (٢).
فرع:
يجوز إهداء الذكر والأنثى من الإبل، وهو مذهبنا (٣)، وقول جماعة من الصحابة، ونقل ابن التين عن الشافعي أنه قال: لا يهدى إلا الإناث، ثم قَالَ: دليلنا ما رواه في «موطئه» عن نافع عن عبد الله بن أبي بكر: أنه - ﷺ - أهدى جملًا كان لأبي جهل بن هشام (٤)، ثم قَالَ: وهذا نص في محل النزاع، ولا يسلم له ذَلِكَ، ومن جهة القياس: أن الهدي جهة من جهات القرب، فلم تختص بالذكور كالضحايا والزكاة والعتق والكفارات.

----
(١) ستأتي برقم (٢٧٥٤) كتاب: الوصايا.
(٢) رواه الترمذي (٣١٦٤) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الأنبياء، وقال: حديث غريب لا نعرفه مرفوعًا إلا من حديث ابن لهيعة، وأحمد ٣/ ٧٥، وابن المبارك في «الزهد والرقائق» (٣٣٤)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ٢/ ٨٢ - ٨٣ (٩٢٢)، وأبو يعلى ٢/ ٥٢٣ (١٣٨٣)، وابن حبان ١٦/ ٥٠٨ (٧٤٦٧) باب: صفة النار وأهلها، والحاكم في «المستدرك» ٢/ ٥٠٧ كتاب: التفسير، وقال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، و٤/ ٥٩٦ كتاب: الأهوال، وصححه أيضًا، والبيهقي في «البعث والنشور» (٥١٢ - ٥١٣، ٥٣٧)، والبغوي في «شرح السنة» ١٥/ ٢٤٧ (٤٤٠٩) كتاب: الفتن، باب: صفة النار وأهلها نعوذ بالله منها، من حديث أبي سعيد الخدري، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٦١٤٨).
(٣) «مختصر المزني» ص ١٠٩، «البيان» ٤/ ٤١٣.
(٤) «الموطأ» ص ٢٤٦ كتاب: المناسك، باب: ما يجوز في الهدي.



فرع:
فيه من العلم تكرير العالم الفتوى، وتوبيخ من لا يأتمر بها. وقوله: («ارْكبْهَا، وَيْلَكَ») في الثانية أو الثالثة، يحتمل أن يريد في الثانية من قوله: «اركبها» ابتداء، فيقول له ذَلِكَ زجرًا عن مراجعته عن أمر قد كان له في التعليق بما أمره به، وحمله عَلَى عمومه في الأحوال سعة، ويحتمل أن يريد الثانية من جوابه له عن قوله: (إِنَّهَا بَدَنَةٌ). فيكون في ذَلِكَ زجر عن تكرير سؤاله عن أمر قد بينه، ولم يقيد أمره بركوبها بحال الإعياء دون حال الإراحة، ولا قَالَ له: فإذا استطعت المشي، فانزل، فاقتضى ذَلِكَ استدامة ركوبها، وإن زال تعبه، كما سلف.
فرع:
بوَّب البخاري عليه أن من حبس شيئًا ينتفع به، وأنكره الداودي عليه، وقال: إنما جعلها الله إذا بلغت محلها، وفيه نظر.


١٠٤ - باب مَنْ سَاقَ البُدْنَ مَعَهُ
١٦٩١ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ ابْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، وَأَهْدَى فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بِالحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَكَانَ مِنَ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى فَسَاقَ الهَدْيَ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ، قَالَ لِلنَّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِشَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لِيُهِلَّ بِالحَجِّ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ». فَطَافَ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ، وَاسْتَلَمَ الرُّكْنَ أَوَّلَ شَيْءٍ، ثُمَّ خَبَّ ثَلَاثَةَ أَطْوَافٍ، وَمَشَى أَرْبَعًا، فَرَكَعَ حِينَ قَضَى طَوَافَهُ بِالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَانْصَرَفَ فَأَتَى الصَّفَا فَطَافَ بِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَأَفَاضَ فَطَافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ، وَفَعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ أَهْدَى وَسَاقَ الهَدْيَ مِنَ النَّاسِ. [مسلم: ١٢٢٧ - فتح: ٣/ ٥٣٩]

١٦٩٢ - وَعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ، بِمِثْلِ الذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [مسلم: ١٢٢٨ - فتح: ٣/ ٥٣٩]
ذكر فيه حديث ابن شهاب، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: تَمَتَّعَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، وَأَهْدى فَسَاقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ .. الحديث بطوله.
وفي آخره: وَعَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي تَمَتُّعِهِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ، فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ، بِمِثْلِ الذِي أَخْبَرَنِي سَالِمٌ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -.


قَالَ أبو نعيم الأصبهاني: خرجه البخاري مسندًا: عن ابن بكير، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة فذكره، ومسلم ساقه بطوله، إلى حديث عروة عن عائشة (١).
ومعنى: تمتع: أي: أمر به وأباحه، وكذلك معنى: (قرن بينه): أنه قَالَ: فكان من الناس من أهدى وما في آخره من تعليم الناس يفسر ما في أوله من إشكال (تمتع). وقد صح عن ابن عمر أنه رد قول أنس أنه - ﷺ - يتمتع، وقال: أهل بالحج وأهللنا (٢). كما سلف، فتعين التأويل. وقال المهلب والداودي: معنى: تمتع ها هنا: قرن، وقيل له: متمتع؛ لأنه (لا يسقط) (٣) عمل العمرة المنفردة، ولا يعمل في الحج إلا عملًا واحدًا.
وقوله: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدى فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ من شيء حَرُمَ منه حَتَّى يَقْضِيَ حَجَّهُ» ولم يقل: وعمرته، وهو دال عَلَى أنه لم يتمتع؛ لأنه ساق الهدي، ولم يحل كما حل من لم يسقه.
وقوله: «فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ» ظاهر في وجوب السعي.
وقوله: (وَبَدَأَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَهَلَّ بِالحَجِّ). ثم قَالَ ابن بطال: إنما يريد أنه بدأ حين أمرهم بالتمتع أن يهلوا بالعمرة أولًا، ويقدموها قبل الحج، وأن ينشئوا الحج قبلها إذا حلُّوا منها (٤).
وقوله: (فَتَمَتَّعَ النَّاسُ مع رسول الله - ﷺ -) أي: تمتعوا بحضرته (٥).

--------
(١) مسلم (١٢٢٨) كتاب: الحج، باب: وجوب الدم على المتمتع.
(٢) انظر ما سيأتي برقمي (٤٣٥٣ - ٤٣٥٤) كتاب: المغازي، باب: بعث علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -.
(٣) في الأصل: (يسقط)، والمثبت من (ج).
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٧٦.
(٥) سلف برقم (١٥٦٢) باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج، وسيأتي برقم (٤٤٠٨) =



وأما قوله: (وعَنْ عُرْوَةَ) إلى مثل خبر سالم عن أبيه، فنعم، هو مثله
في الوهم؛ لأن أحاديث عائشة كلها من رواية عروة والأسود والقاسم وعمرة مسقطة لهذا الوهم؛ لأنهم يروون عنها: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لا نرى إلا الحج. ورواية أبي الأسود عن عروة عنها: أنه أهل بالحج (١) مخالفة لرواية ابن شهاب، عن عروة عنها في تمتعه بالعمرة، وموافقة لرواية الجماعة عن عائشة.
وأما ترجمة الباب فساقها؛ ليعرف أن السنة في الهدي أن يساق من الحل إلى الحرم، واختلف العلماء في ذَلِكَ: فقال مالك: من اشترى هديه بمكة أو بمنى ونحره، ولم يقف به بعرفة في الحل فعليه بدله. وهو مذهب ابن عمر وسعيد بن جبير، وبه قَالَ الليث، وروي عن القاسم: أنه أجازه، وإن لم يوقف به بعرفة، وبه قَالَ أبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور (٢).
وقال الشافعي: وقف الهدي بعرفة سنة لمن شاء، إذا لم يسقه من الحل، وقال أبو حنيفة: ليس بسنة؛ لأنه - عليه السلام - إنما ساق الهدي من الحل؛ لأن مسكنه كان خارج الحرم، والحجة لمالك: أنه - عليه السلام - ساقه من الحل إلى الحرم (٣)، وقال: «خذوا عني مناسككم» (٤).

----------
= كتاب: المغازي، باب: حجة الوداع، ورواه مسلم (١٢١١/ ١١٨) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام وأنه يجوز إفراد الحج ..
(١) شرح ابن بطال«٤/ ٣٧٦.
(٢)»مختصر اختلاف العلماء«٢/ ١٧٣،»النوادر والزيادات«٢/ ٤٤٣، ٤٤٥،»البيان«٤/ ٤٢٩.
(٣) تقدم تخريجه، وهو بنحوه في مسلم (١٢٩٧).
(٤) انظر:»الاستذكار" ١٢/ ٢٧١.



١٠٥ - باب مَنِ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنَ الطَّرِيقِ
١٦٩٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهم - لأَبِيهِ: أَقِمْ، فَإِنِّي لَا آمَنُهَا أَنْ سَتُصَدُّ عَنِ البَيْتِ. قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ قَالَ اللهُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] فَأَنَا أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَوْجَبْتُ عَلَى نَفْسِي العُمْرَةَ. فَأَهَلَّ بِالعُمْرَةِ، قَالَ: ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، وَقَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلاَّ وَاحِدٌ. ثُمَّ اشْتَرَى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ، ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافًا وَاحِدًا، فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٣/ ٥٤١]
ذكر فيه: حَدَّثَنَا أَبُو النُّعمانِ، ثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ لأَبِيهِ: أَقِمْ، فَإنَّي لَا (إيمنها) (١) أَنْ سَتُصَدُّ عَنِ البَيْتِ. قَالَ: إِذًا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَقَدْ قَالَ: ﴿لَّقَد كاَنَ لَكُم في رَسُولِ أللهِ أسَوة حَسَنَة﴾ [الأحزاب: ٢١] إلى أن قال: ثُمَّ اشْتَرى الهَدْيَ مِنْ قُدَيْدٍ، ثُمَّ قَدِمَ فَطَافَ لَهُمَا طَوَافَا وَاحِدًا، فَلَمْ يَحِلَّ حَتَّى حَلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا.
وقد سلف في طواف القارن (٢)، ولما رواه الترمذي من حديث ابن عمر مرفوعًا قَالَ: غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن اليمان، وأشار إلى صحة وقفه (٣).

------------
(١) كذا في الأصل (ج).
وفي اليونينية ٢/ ١٦٨: (آمنها) وفي هامشها: (إيمنها) وعليها رموز رواتها من «الصحيح».
(٢) سلف برقم (١٦٣٩ - ١٦٤٠).
(٣) الترمذي (٩٠٧) كتاب: الحج.



وقوله: (إِذَا أَفْعَلَ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ الله - ﷺ -): يعني: من الإحلال حين صُدَّ بالحديبية، عَلَى ما يأتي ذكره في باب المحصر بعد، إن شاء الله تعالى (١).
ولم يصد ابن عمر، وأهل بعمرة من المدينة، فلما خرج إلى الميقات أردف الحج عَلَى العمرة، وقال: ما شأنهما إلا واحدًا، يعني: في العمل؛ لأن القارن لا يطوف عنده إلا طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا.
وقام الإجماع عَلَى أنَّ من أَهلَّ بعمرة في أشهر الحج، أنَّ له أن يدخل عليها الحج (٢)، ما لم يفتتح الطواف بالبيت؛ لأن الصحابة أهلوا بعمرة في حجة الوداع، ثم قَالَ لهم رسول الله - ﷺ -: «من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا» (٣).
وبهذا احتج مالك في «موطئه» (٤) واختلفوا في إدخاله عليها إذا افتتح
الطواف، فقال مالك: يلزمه ذَلِكَ، ويصير قارنًا، وحكى أبو ثور أنه قول (الكوفي) (٥).

-------------
(١) سيأتي برقم (١٨١٢) كتاب: المحصر، باب: النحر قبل الحلق في الحصر.
(٢) «الإقناع» ٢/ ٨٤٧.
(٣) سلف برقم (١٥٥٦)، ورواه مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام .. من حديث عائشة.
(٤) «الموطأ» ١/ ٥٠٥ كتاب: المناسك.
(٥) قلت: كذا بالأصل، ولعل صوابه: الكوفيين، كما هي العبارة بنصها في «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٧٩.



وقال الشافعي: لا يكون قارنًا وذكر أنه قول عطاء، وبه قَالَ أبو ثور، وأما إدخال العمرة عَلَى الحج فمنع منه مالك، وهو قول أبي إسحاق، وأبي ثور، والشافعي في الجديد، وأجازه الكوفيون، وقالوا: يصير قارنًا (١)، وقد أساء فيما فعل، وإنما جاز إرداف الحج عَلَى العمرة ولم يجز عكسه؛ لأن عمل الحج يستغرق عمل العمرة ويزيد عليها، وإذا أدخل العمرة عَلَى الحج فلم يأت بزيادة في العمل، ولا أفاد فائدة؛ فلم يكن لإدخالها عَلَى الحج معنى، والقياس عند أبي حنيفة لا يمنع إدخال عمرة عَلَى حجة، ومن أصله عَلَى القارن تعدد الطواف والسعي.
وأما ترجمة البخاري فإنما أراد أن يبين مذهب ابن عمر: أن الهدي ما أُدخل من الحل إلى الحرم؛ لأن قديدًا في الحل في نصف طريق مكة.
وقد روى مالك عن نافع عنه أنه كان يقول: الهدي ما قلد وأشعر ووقف به بعرفة (٢)، وكذا فعل الشارع، فمن خالفه يحتاج إلى دليل.
وقوله: (لَا إيمنها). قَالَ سيبويه: من العرب من يكسر زوائد كل فعل مضارع ماضيه فَعِل، ومستقبله يَفْعَل فيقولون: أنا إعلم، وأنت تِعلم، ونحن نِعلم، وهو يَعلم فيفتح الياء كراهية الكسرة فيها لثقلها، وعلى هذا جاز (لا إيمنها)؛ لأنهم يقولون: إيمن.

---------
(١) «مختصر الطحاوي» ص ٦١، «عيون المجالس» ٢/ ٩٠٠، «البيان» ٤/ ٧٣.
(٢) «الموطأ» ١/ ٤٧٣ (١٢٠٨) كتاب: المناسك، باب: العمل في الهدي حين يساق.



١٠٦ - باب مَنْ أَشْعَرَ وَقَلَّدَ بِذِي الحُلَيْفَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ
وَقَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَهْدَى مِنَ المَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، يَطْعُنُ فِي سَنَامِهِ الأَيْمَنِ بِالشَّفْرَةِ، وَوَجْهُهَا قِبَلَ القِبْلَةِ بَارِكَةً.
١٦٩٤، ١٦٩٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الهَدْىَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ.
الحديث ١٦٩٤ - [١٨١١، ٢٧١٢، ٢٧٣١، ٤١٥٨، ٤١٧٨، ٤١٨١ - فتح: ٣/ ٥٤٢]
الحديث ١٦٩٥ - [٢٧١١، ٢٧٣٢، ٤١٥٧، ٤١٧٩، ٤١٨٠ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٢]

١٦٩٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِيَدَىَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ أُحِلَّ لَهُ. [١٦٩٨، ١٦٩٩، ١٧٠٠، ١٧٠١، ١٧٠٢، ١٧٠٣، ١٧٠٤، ١٧٠٥، ٣٣١٧، ٥٥٦٦ - فتح: ٣/ ٥٤٢]
وذكر فيه من حديث عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ قَالَا: خَرَجَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ النبِيُّ - ﷺ - الهَدْيَ وَأَشْعَرَ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ.
وحديث عائشة: فَتَلْتُ قَلَائِدَ بُدْنِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِيَدى، ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا وَأَهْدَاهَا، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ حِلا.


أما أثر ابن عمر، فأخرج نحوه ابن أبي شيبة عن علي بن مسهر، عن عبد الله، عن نافع أن ابن عمر قَالَ: لا هدي إلا ما قلد وأشعر ووقف بعرفة (١).
وحديث المسور بن مخرمة ومروان من أفراد البخاري، وهو قطعة من حديث طويل، ذكره البخاري في عشرة مواضع من كتابه، وبكماله يأتي إن شاء الله تعالى في الصلح متصلًا (٢)، وهو من مراسيل الصحابة؛ لأن المسور كان سنه في الحديبية أربع سنين (٣)، وأما مروان فلم تصح له صحبة (٤)، وعن الدارقطني: أنه - عليه السلام - ساق يوم الحديبية سبعين

--------
(١) «المصنف» ٣/ ١٧٢ (١٣٢٠٥) كتاب: الحج، في الاشعار الواجب هو أم لا؟ و٣/ ٣٤٧ (١٤٩٧٢) كتاب: الحج، في التعريف بالبدن.
(٢) سيأتي برقم (١٨١١) كتاب: المحصر، باب: ما يجوز من الشروط في الإسلام، و(٢٧١١ - ٢٧١٢) كتاب: الشروط، باب: ما يجوز من الشروط في الإسلام، و(٢٧٣١ - ٢٧٣٢) كتاب: الشروط، باب: الشروط في الجهاد، و(٤١٥٧ - ٤١٥٨)، (٤١٧٨ - ٤١٧٩، ٤١٨٠ - ٤١٨١) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية.
(٣) هو المسور بن مخرمة بن نوفل القرشي الزهري، أبو عبد الرحمن، أمه الشفاء بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، ويقال: بل أمه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به أبوه المدينة في عقب ذي الحجة سنة ثمان، وقبض رسول الله - ﷺ - والمسور ابن ثمان سنين، وسمع من النبي - ﷺ - وحفظ عنه، وحدث عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف. انظر ترجمته في: «معجم الصحابة» لابن قانع ٣/ ١١٠ (١٠٧٦)، «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٥٤٧ (٢٧١٨)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٥٥ (٢٤٣٤)، «أسد الغابة» ٥/ ١٧٥ (٤٩١٩)، «الإصابة» ٣/ ٤١٩ (٧٩٩٣).
(٤) هو مروان بن الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، ولد على عهد رسول الله - ﷺ - سنة اثنتين من الهجرة وقيل: عام الخندق، وقال مالك: ولد مروان يوم أحد، فعلى قوله توفي رسول الله - ﷺ - وهو ابن ثمان =



بدنة عن سبعمائة رجل (١)، وفي رواية: كانوا في الحديبية خمس عشرة مائة (٢) وسيأتي في المغازي عن جابر وعن ابن أبي أوفى كانوا ألفًا وثلاثمائة (٣)، وفي رواية أربع عشرة مائة (٤) وكانت الحديبية سنة ست من الهجرة في ذي القعدة، قال ابن التين: والأشهر أربع عشرة مائة، وأقام في سفرته شهرًا ونصفًا، وقيل: خمسين ليلة، ورجع إلى المدينة لخمس مضين من المحرم.
وحديث عائشة أخرجه مسلم والأربعة (٥)، وبوب له بعد فتل قلائد البدن والبقر، وليس فيه ذكر البقر (٦)، لكن قد صح أنه - عليه السلام - أهداهما جميعًا، كما ذكره ابن المنير (٧)، وفي أفراد مسلم من حديث ابن عباس: صلى النبي - ﷺ - الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها نعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به عَلَى البيداء أهل بالحج (٨)، وفي أبي داود:

--------
= سنين أو نحوها ولم يره لأنه خرج إلى الطائف طفلًا لا يعقل. انظر ترجمته في: «معرفة الصحابة» ٥/ ٢٦٣٢ (٢٨١٤)، «الاستيعاب» ٣/ ٤٤٤ (٢٣٩٩)، «أسد الغابة» ٥/ ١٤٤ (٤٨٤١).
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٤٣ كتاب: الحج.
(٢) ستأتي برقم (٤١٥٢ - ٤١٥٣) كتاب: المغازي، باب: غزوة الحديبية، ورواه مسلم (١٨٥٦/ ٧٣) كتاب: الإمارة، باب: استحباب مبايعة الإمام الجيش ..
(٣) سيأتي برقم (٤١٥٥)، ورواه مسلم (١٨٥٧).
(٤) سيأتي برقم (٤١٥٣)، ورواه مسلم (١٨٥٦/ ٦٩)، ويأتي أيضًا (٤١٥٠) من حديث البراء.
(٥) مسلم (١٣٢١)، أبو داود (١٧٥٧)، الترمذي (٩٠٨)، النسائي ٥/ ١٧١ - ١٧٣، ابن ماجه (٣٠٩٨).
(٦) يأتي برقم (١٦٩٧ - ١٦٩٨).
(٧) «المتواري» ص ١٤٣.
(٨) مسلم (١٢٤٣) كتاب: الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام.



سلته بيده (١)، وفي أخرى: بأصبعه (٢).
وإذا تقرر ذَلِكَ: فغرض البخاري في الباب أن يبين أن من أراد أن يحرم بالحج أو العمرة، وساق الهدي معه، فإن المستحب له أن لا يشعر هديه ولا يقلده إلا من ميقات بلده، وكذلك يستحب له أيضًا أن لا يحرم إلا بذلك الميقات عَلَى ما عمل النبي - ﷺ - بالحديبية، وفي حجته أيضًا، وكذلك من أراد أن يبعث بالهدي إلى البيت ولم يرد الحج والعمرة وأقام في بلده، فإنه يجوز له أن يقلده، وأن يشعره في بلده، ثم يبعث به اقتداء بالشارع، إذ بعث بهديه مع أبي بكر سنة تسع، ولم يوجب عليه إحرامًا ولا تجردًا من ثيابه ولا غير ذَلِكَ، وعلى هذا جماعة أئمة الفتوى منهم: مالك، والليث، والأوزاعي، والثوري، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، كلهم احتج بحديث عائشة في الباب، أن تقليد الهدي لا يوجب الإحرام عَلَى من لم ينوه وردوا قول ابن عباس فإنه كان يرى أن من بعث بهدي إلى الكعبة لزمه إذا قلده الإحرام، ويجتنب كل ما يجتنبه الحاج حَتَّى ينحر هديه (٣)، وتابع ابن عباس عَلَى ذَلِكَ ابن عمر (٤)، وبه قَالَ عطاء (٥)، عَلَى خلاف عن ابن عمر وسعيد بن جبير (٦) ومجاهد (٧).

------------
(١) أبو داود (١٧٥٣) كتاب: المناسك، باب: في الإشعار.
(٢) أبو داود (١٧٥٣).
(٣) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤٣٣ - ٤٣٤ (١٠٩٦) كتاب: المناسك، باب: ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي، وابن أبي شيبة ٣/ ١٢٤ (١٢٦٩٧، ١٢٧٠٣ - ١٢٧٠٤).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٥ - ١٢٦ (١٢٧٠٩، ١٢٧١٨).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٢٤ (١٢٧٠١).
(٦) «المصنف» ٣/ ١٢٤ (١٢٧٠٢).
(٧) «المصنف» ٣/ ١٢٤ - ١٢٥ (١٢٧٠٦).




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #334  
قديم اليوم, 02:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 49 الى صـــ 60
الحلقة (334)






قَالَ أبو عمر: وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن المسيب -عَلَى اختلاف عنه (١) - وميمون بن أبي شبيب، وروي مثل ذَلِكَ في أثر مرفوع من حديث جابر (٢)، رواه أسد بن موسى، عن حاتم بن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عطاء، عن ابن أبي لبيبة (٣)، عن عبد الملك بن جابر عنه (٤). وابن أبي لبيبة شيخ ليس ممن يحتج به فيما ينفرد، فكيف فيما خالفه فيه من هو أثبت منه (٥)، ولكنه قد عمل بحديثه بعض الصحابة (٦)، وتابع ابن عباس أيضًا: النخعي، والشعبي، وأبو الشعثاء، ومجاهد، والحسن، ذكره في «المصنف»، وحكاه أيضًا عن عمر، وعلي، وابن سيرين (٧)، وهم محججون بالسنة الثابتة، وليس أحد بحجة عليها.
------
(١) كذا بالأصل، وفي «الاستذكار» ١١/ ١٧٨ وهو المصدر المنقول منه هنا: وسعيد ابن المسيب، وسعيد بن جبير على اختلاف عنه.
(٢) كذا بالأصل، وفي «الاستذكار» ١١/ ١٧٩: من حديث عمر، ولعل المثبت هنا هو الصواب.
(٣) في هامش الأصل ما نصه: محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة (د. س) هو ابن أبي لبيبة.
قال ابن معين: ليس بشيء. وقال الدارقطني: ضعيف ليس بقوي.
(٤) رواه الطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٤.
(٥) هو محمد بن عبد الرحمن بن لبيبة، ويقال: ابن أبي لبيبة، ويقال: لبيبة أبوه، واسمه وردان. قال أبو بكر بن أبي خيثمة، عن يحيى بن معين: ابن أبي لبيبة الذي يحدث عن وكيع ليس حديثه بشيء، وذكره ابن حبان في «الثقات»، وقال ابن سعد: كان قليل الحديث، وقال الدارقطني: ضعيف، وقال أبو زرعة: حديثه عن علي بن أبي طالب مرسل، وقال الحافظ: ضعيف كثير الإرسال. انظر ترجمته في: «القسم المتمم للطبقات الكبرى» (٢٥٨)، «التاريخ الكبير» ١/ ١٥١ - ١٥٢ (٤٥٢)، «الثقات» ٥/ ٣٦٢ - ٣٦٣، «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٦٢٠ - ٦٢٢ (٥٤٠٥)، «تقريب التهذيب» (٦٠٨٠).
(٦) انتهى من «الاستذكار» ١١/ ٧٨١ - ١٨٢ بتصرف.
(٧) «المصنف» ٣/ ١٢٤، ١٢٦ (١٢٦٩٨ - ١٢٧٠٠، ١٢٧٠٦، ١٢٧١٧، ١٢٧٢٠).



قَالَ الطحاوي: وقد رأى ربيعة بن الهدير -فيما رواه مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم- رجلًا متجردًا بالعراق، فسأل الناس عنه، فقالوا: أمر بهديه أن يقلد، فلذلك تجرد، فذكر ذَلِكَ لابن الزبير، فقال: بدعة ورب الكعبة (١). فلا يجوز أن يكون ابن الزبير حلف عَلَى ذَلِكَ أنه بدعة، إلا وقد علم أن السنة خلاف ذَلِكَ (٢).
قَالَ أبو عمر: وأما ابن عباس فاعتمد عَلَى حديث جابر، وقد ذكرنا علته، ولو علم به ابن الزبير لم يقسم (٣).
وفي «المصنف» عن أنس، والحسن، وعائشة، وعلقمة، وابن مسعود مثل حديث عائشة (٤)، وبين أن الذي رآه ربيعة بن الهدير متجردًا، وأخبر به ابن الزبير عبد الله بن عباس، زمن إمرته عَلَى البصرة (٥)، ثم ذهب جماعة العلماء إلى سنية الإشعار إلا أبا حنيفة. قَالَ ابن حزم: لا نعلم له فيه سلفًا (٦).
ونقله ابن بطال، عن إبراهيم النخعي، وفي «المصنف» عن عائشة وابن عباس: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، ومن حديث ليث، عن

-------
(١) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٤٣٤ (١٠٩٨) كتاب: المناسك، باب: ما لا يوجب الإحرام من تقليد الهدي، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٧ كتاب: مناسك الحج.
(٢) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٦٧.
(٣) «الاستذكار» ١١/ ١٨٩.
(٤) «المصنف» ٣/ ١٢٥ (١٢٧١٠ - ١٢٧١١، ١٢٧١٣، ١٢٧١٥ - ١٢٧١٦) كتاب: الحج، باب: في الرجل يبعث بهديه ويقيم، هل يجب عليه الإحرام أم لا؟
(٥) «المصنف» ٣/ ١٢٦ (١٢٧١٩) من كان يمسك عما يمسك عنه المحرم.
(٦) «المحلى» ٧/ ١١١ - ١١٢.



عطاء وطاوس ومجاهد مثله (١)، وفي لفظ عنهم: ليس الإشعار بواجب (٢).
وقال الطحاوي: أبو حنيفة لم يكره أصل الإشعار، وإنما كره ما يفعل عَلَى وجه يخاف منه هلاكًا كسراية الجرح لا سيما في حر الحجاز مع الطعن بالسنان أو الشفرة، وأراد سد الباب عَلَى العامة؛ لأنهم لا يراعون الحد في ذَلِكَ، وأما من وقف عَلَى الحد (في ذَلِكَ) (٣) فقطع الجلد دون اللحم فلا يكره. وذكر الكرماني عنه استحسانه، قَالَ: هو الأصح لا سيما إن كان بمتبيغ ونحوه، فيصير
كالفصد والحجامة (٤).
وفي «شرح الهداية»: هو أن يطعنها في أسفل سنامها من الجانب الأيسر حَتَّى يسيل الدم. قاله أبو يوسف ومحمد، لما روي عن ابن عمر أنه كان يشعرها مرة في الأيمن ومرة في الأيسر، ذكره ابن بطال (٥). وحديث ابن عباس السالف، وأثر ابن عمر: الأيمن. وتأوله بعض المالكية لصعوبتها. وقد رُوِي عن نافع: كان ابن عمر إن كانت بدنته ذللًا أشعرها في الأيسر، وإن كانت صعبة قرن بدنتين، ثم قام بينهما وأشعر إحداهما من الأيمن، والأخرى من الأيسر (٦). وابن عمر

------------
(١) «المصنف» ٣/ ١٧١ - ١٧٢ (١٣٢٠٣ - ١٣٢٠٤، ١٣٢٠٩) في الإشعار واجب هو أم لا؟
(٢) «المصنف» ٣/ ١٧١ (١٣٢٠٢).
(٣) من (ج).
(٤) «شرح الكرماني» ٨/ ١٨٠، وفيه: قال أبو حنيفة: هو بدعة؛ لأنه مثلة. وهذا مخالف لأحاديث الصحيحة، ثم أنه ليس مثلة بل هو نحو الختان والفصد وغيره.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٣.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٣ (١٣٨٤٥) في الإشعار من كان يشعر في الأيمن وفي الأيسر.



كان من التابعين للآثار. والذي عنه في «الموطأ»: من الأيسر، رواه مالك، عن نافع عنه (١). والذي عنه في البخاري مرسل لم يسنده.
قَالَ مالك في «العتبية»: لم يشعرها ابن عمر في الشقين؛ لأنها سنة لكن ليذللها، وإنما السنة في الأيسر مطلقًا. قَالَ محمد: في الشقين أي: في أي الشقين أمكنه (٢).
قَالَ ابن قدامة: وعن أحمد من الجانب الأيسر؛ لأن ابن عمر فعله، وبه قَالَ مالك (٣).
قَالَ ابن التين: وهو الذي اشتهر في «المدونة» (٤) وغيرها. وحكاه ابن حزم، عن مجاهد بقوله: كانوا يستحبون الإشعار في الأيسر (٥). وعند الشافعي وأحمد في قول، وأبي يوسف ومحمد: الأيمن.
وزعم القائلون بالأيسر، بأنه - عليه السلام - كان يدخل بين البعيرين من قبل رءوسهما فيضرب أولًا عادة عن يساره من قبل يسار السنام، ثم يعطف عَلَى الآخر فيضربه من قبل يمينه، فصار الطعن في الجانب الأيسر أصليًّا؛ لأنه المفعول أولًا، وفي الأيمن اتفاقيًا، والأصل أولى.
وزعم صاحب «المطالع» أن إشعارها هو تعليمها بعلامة بشق جلد سنامها عرضًا، من الجانب الأيمن، هذا عند الحجازيين، وأما العراقيون: فالإشعار عندهم تقليدها بقلادة.

-----------
(١) «الموطأ» ١/ ٤٧٢ - ٤٧٣ (١٢٠٦) كتاب: المناسك، باب: العمل في الهدي حين يساق.
(٢) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤٠.
(٣) انظر: «التمهيد» ١٧/ ٢٣٠، «المغني» ٥/ ٤٥٥ - ٤٥٦.
(٤) «المدونة» ١/ ٣٣٩.
(٥) «المحلى» ٧/ ١١٢.



وقال ابن حبيب: يشعرها طولًا (١).
وقال ابن التين: عرضًا، والعرض: عرض السنام من العنق إلى الذنب. قَالَ ابن التياني: أشعرت الناقة إذا وجأت في كتفها. وفي «الجامع»: أشعرها إشعارًا، وإشعارها أن يوجأ أصل سنامها بسكين، سميت بما حل فيها، وذلك أن الذي يغلب بها علامة تعرف بها.
وقال ابن سيده: هو أن يشق جلدها أو يطعنها حَتَّى يظهر الدم (٢).
واختلفوا -كما قَالَ ابن بطال (٣) - في إشعار البقر، فكان ابن عمر يقول: تشعر في أسنمتها (٤)، وحكاه ابن حزم، عن أبي بن كعب أيضًا (٥)، وقال عطاء والشعبي: تقلد وتشعر، وهو قول أبي ثور.
وقال مالك: تشعر التي لها سنام وتقلد، ولا تشعر التي لا سنام لها وتقلد. قال سعيد بن جبير: تقلد ولا تشعر (٦). واختار ابن حبيب: أن تشعر وإن لم يكن لها أسنمة (٧).
قَالَ ابن التين: وما علمت أحدًا ذكر الخلاف في البقر المسنمة إلا الشيخ أبا الحسن، وما أراه موجودًا، وأما الغنم فلا يسن إشعارها لضعفها، ولأن صوفها يستر موضع الإشعار، وأما التقليد فسنة بالإجماع وهو تعليق نعل أو جلد، وما أشبهه ليكون علامة للهدي.

--------
(١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤١.
(٢) «المحكم» ١/ ٢٢٥.
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٣.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٨٢).
(٥) «المحلى» ٧/ ١١٢.
(٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٢ (١٣٢٠٨).
(٧) «المنتقى» ٢/ ٣١٢ - ٣١٣.



قال الحنفيون: لو قلد بعروةٍ مزادة، أو لحاء شجرة، وشبه ذلك جاز؛ لحصول العلامة وذهب الشافعي والثوري إلى أنها تقلد بنعلين لحديث ابن عباس السالف، وبه قَالَ ابن عمر، وقال الزهري ومالك: تجزئ واحدة، وعن الثوري: تجزئ فم القربة، ونعلان أفضل لمن وجدهما (١).
فائدة:
لم يذكر البخاري رحمه الله حكم الهدي إذا عطب، وقد أخرج مسلم في «صحيحه» (من أفراده) (٢): نحرها، وصبغ نعلها في دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت ولا أحد من أهل رفقتك (٣).

----------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٢/ ٢٦٥.
(٢) ورد بهامش الأصل: من حديث ابن عباس، من عدة طرق.
(٣) مسلم (١٣٢٥ - ١٣٢٦) كتاب: الحج، باب: ما يفعل بالهدي إذا عطب في الطريق.



١٠٧ - باب فَتْلِ القَلَائِدِ لِلْبُدْنِ وَالبَقَرِ
١٦٩٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ رضي الله عنهم قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الحَجِّ». [انظر: ١٥٦٦ - مسلم: ١٢٢٩ - فتح: ٣/ ٥٤٣]

١٦٩٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، وَعَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُهُ المُحْرِمُ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٣]
ذكر فيه حديث حفصة قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنَ الحَجِّ».
وحديث عائشة: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُهْدِي مِنَ المَدِينَةِ، فَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِهِ، ثُمَّ لَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِب المُحْرِمُ.
هذان الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١).
وفيه من الفقه: أن ما عُمل لله من الأعمال فإنه يجب إتقانها وتحسينها، ألا ترى عائشة لم تقنع بالقلائد إلا بفتلها وإحكامها.
وأجمعَ العلماء على تقليدِ الهدي (٢)، وهو علامة له، كأنه إشهادٌ على أنه أخرجه من مِلكِه لله تعالى، وليعلمَ الناسُ الذين يبتغون أكلَه، فيشهدون نحره.

-------
(١) حديث حفصة أخرجه مسلم (١٢٢٩). وحديث عائشة برقم (١٢٣١).
(٢) انظر: «الأصل» ٢/ ٤٩٢، «مختصر الطحاوي» (٧٣)، «الاستذكار» ١٢/ ٢٧٢، «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨٥٧.



وفيه: عملُ أمهات المؤمنين بأيديهن، وخدمتهن في بيوتهن، وقد كانَ - عليه السلام - يخدمُ في بيته (١).
وفقهُهُ سلفَ في البابِ قَبلَه.
وهذِه فوائد نعطفها على الباب الأول:
الأولى: قوله: (كان ابن عمر إذا أهدى من المدينة) يقتضي أن الهدي قد يُساق من الموضع البعيد إذا كان يؤمن عليه في مثل تلك المسافة، والبقر أضعف من لِكَ فلا يهدى إلا من المسافة التي يسلم فيها مثلها، وأما الغنم فروى محمد والعتبي، عن مالك: لا تساق إلا من عرفة، أو ما قرب؛ وهذا لأنها تضعف عن قطع طويل المسافة (٢).
وقوله: (قلده وأشعره بذي الحليفة) يريد لأنها موضع إحرامه لا الجحفة، وروي عن مالك: أن ذَلِكَ لا بأس به، والسنة اتصال ذَلِكَ كله: يقلده، ثم يشعره، ثم يحلله إن شاء، ثم يركع، ثم يحرم، ودليل ذَلِكَ حديث المسور ومروان في الكتاب (٣).
الثانية: قوله في حديث المسور ومروان: قلد النبي - ﷺ - الهدي وأشعره -وكذا حديث عائشة- ثم قلدها وأشعرها (٤)؛ يقتضي مباشرته ذَلِكَ بنفسه، وهو أفضل من الاستنابة كذبح الأضحية، واختلف في المرأة مالك وابن شهاب.
(١) سلف برقم (٦٧٦) عن الأسود قال: سالت عائشة: ما كان النبي - ﷺ - يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله- فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
(٢) «المنتقى» ٢/ ٣١١.
(٣) سبق برقم (١٦٩٤ - ١٦٩٥).
(٤) الحديث الآتي.



فقال ابن شهاب: تلي ذَلِكَ بنفسها، وأنكره مالك قال: ولا تفعل ذَلِكَ إلا أن لا تجد من يلي ذَلِكَ؛ لأنه لا يفعله إلا من ينحر (١).
الثالثة: يقول عند شروعه في الإشعار: بسم الله والله أكبر. رواه مالك في «موطئه» عن ابن عمر (٢).

-------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤٣.
(٢) «الموطأ» ١/ ٤٧٣ (١٢٠٧) كتاب: المناسك، باب: العمل في الهدي حين يساق.



١٠٨ - باب إِشْعَارِ البُدْنِ
وَقَالَ عُرْوَةُ، عَنِ المِسْوَرِ - رضي الله عنه -: قَلَّدَ النَّبِيُّ - ﷺ - الهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالعُمْرَةِ. [انظر: ١٦٩٤]

١٦٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا أَفْلَحُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ القَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ - ﷺ -، ثُمَّ أَشْعَرَهَا وَقَلَّدَهَا -أَوْ قَلَّدْتُهَا- ثُمَّ بَعَثَ بِهَا إِلَى البَيْتِ، وَأَقَامَ بِالمَدِينَةِ، فَمَا حَرُمَ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ لَهُ حِلٌّ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٤]
ذكر فيه حديث المسور وحديث عائشة السالفين في باب: من أشعر وقلد (١)، وقد أسلفنا أن جمهور العلماء يرون الإشعار؛ لأنه سنة ثابتة، وممن رأى ذَلِكَ عمر وابنه والحسن والقاسم وسالم وعطاء ومالك وأبو يوسف ومحمد والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور.
وأنكره أبو حنيفة وقال: إنما كان ذَلِكَ قبل النهي عن المثلة (٢).
قال ابن بطال: وهذا تحكم لا دليل عليه، وسوء ظن، ولا تترك السنن بالظنون، وقد رَوى الإشعار عن رسول الله - ﷺ - جماعة (٣).
وأما ما روي عن عائشة أنها قالت: إن شئت فأشعر، وإن شئت فلا، فإنما أشعر؛ ليعلم أنها بدنة إذا ضلت (٤).
فدل أنه علامة ليس بنسك.

------
(١) سبق برقمي (١٦٩٤ - ١٦٩٦).
(٢) انظر: «نوادر الفقهاء» (٦٩)، «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨٥٨، «المجموع» ٨/ ٣٥٨.
(٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٢.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧١ - ١٧٢ (١٣٢٠٤) كتاب: الحج، في الإشعار أواجب هو أم لا؟



وقد روي مثل ذَلِكَ عن ابن عباس (١) فإنهما أعلما أنه ليس بواجب، وكذا نقول غير أنَّ فعله أفضل من تركه؛ لأن ابن عمر قال: لا هدي إلا ما قلد وأشعر (٢) أي: لا هدي كامل. ولا نقول: إن الإشعار نسك يجب في تركه دم.
--------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٢ (١٣٢٠٩).
(٢) السابق ٣/ ١٧٢ (١٣٢٠٥).



١٠٩ - باب: مَنْ (فتل) (١) القَلَائِدَ بِيَدِهِ
١٧٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها: إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٥]
ذكر فيه حديث (٢) عمرة أَنَّ زِيَادَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ كَتَبَ إِلَى عَائِشَةَ إِنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ أَهْدَى هَدْيًا حَرُمَ عَلَيْهِ مَا يَحْرُمُ عَلَى الحَاجِّ حَتَّى يُنْحَرَ هَدْيُهُ. قَالَتْ عَمْرَةُ: فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لَيْسَ كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَنَا فَتَلْتُ قَلَائِدَ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيْهِ، ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ (أَبِي) (٣)، فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - شَيْءٌ أَحَلَّهُ اللهُ حَتَّى نُحِرَ الهَدْيُ
هذا الحديث سلف فيما مضى واضحًا (٤)، ومن تابع ابن عباس عليه، وقال ابن التين: خالفه فيه جماعة الفقهاء، وعائشة، واحتجت

---------
(١) كذا في الأصل، (ج).
وفي هامش الأصل: (قلد) فوقها خ، وفي «اليونينية» ٢/ ١٦٩ (قلد) ولم يعلق عليها.
(٢) في هامش الأصل: عبد الله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أنها أخبرته أن.
(٣) في هامش الأصل: (أبي بكر) وعليها (ج)، يعني في نسخة.
(٤) سبق برقم (١٦٩٨).



بفعله - عليه السلام -، وهي أعلم الناس بذلك، وما روته في ذَلِكَ يجب أن يصار إليه، ولعل ابن عباس رجع عن مقالته إن كان بلغه قولها فقد رجع عن مسائل حين أعلم بما جاء فيها عن رسول الله - ﷺ - كالمتعة، ونحو التفاضل بين الذهبين والفضتين.
وقولها: (ليس كما قال ابن عباس) ردٌّ لقوله وإظهار لمخالفته، واحتجت على ذَلِكَ بفعل الشارع، وأعلمته أنها المباشرة له، وذلك يؤكد معرفتها به؛ لأن الراوي إذا باشر القصة رجحت روايته على رواية من لم يباشرها.
وقولها: (ثُمَّ قَلَّدَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدَهِ) يحتمل أن تكون أرادت بذلك تبيين حفظها الأثر ومعرفتها من تناول كل شيء منه، ويدل على ذَلِكَ اهتمامها بهذا الأمر، ومعرفتها به، ويحتمل أنها أرادت أنه تناول ذَلِكَ بنفسه، وعلم وقت التقليد، لئلا يظن أحد أنه استباح محظور الإحرام بعد تقليد هديه، وقبل علمه، بل أقدم على ذَلِكَ مع علمه.
وقولها: (ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي) تريد عام تسع، وابن عباس كان صغيرًا لم يشاهد من أفعاله - عليه السلام - إلا أواخرها بخلافها؛ فإنها رفعت الإشكال. ثم اعلم أن الداودي أورد حديث ابن المسيب، عن أم سلمة أن النبي - ﷺ - قال: «من أراد أن يُضحي فلا يمس من ظفره وشعره شيئًا» ثم قال: وإلى هذا ذهب ابن عباس قال: وقيل: إن ابن المسيب لم يسمعه من أم سلمة بينهما عمرو بن الحارث، قال: فإن لم يكن أحدهما محفوظًا فأحد الحديثين ناسخ للآخر.


قلت: الحديث محفوظ، أخرجه مسلم (١)، وقال الحاكم إنه على شرط البخاري أيضًا (٢)، والحديث شرع في مريد الأضحية أن يفعل ذَلِكَ من ذي الحجة فلا نسخ ولا تعارض.
وفيه من الفقه: جواز امتهان الخليفة، والعالم في الخدمة، وتناول بعض الأمور بنفسه، وإن كان له من يكفيه، ولا سيما فيما يكون من إقامة الشرائع وأمور الديانة.
وفيه أيضًا: إنكار عائشة على ابن عباس واحتجاجها بفعل رسول الله - ﷺ - وهي حجة قاطعة.

-----------
(١) مسلم (١٩٧٧) كتاب: الأضاحي، باب: نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو مريد التضحية أن يأخذ من شعره.
(٢) «المستدرك» ٤/ ٢٢٠ - ٢٢١ كتاب: الأضاحي.



١١٠ - باب تَقْلِيدِ الغَنَمِ
١٧٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: أَهْدَى النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَّةً غَنَمًا. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٧]

١٧٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ، عَنِ الأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِلُ القَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَيُقَلِّدُ الغَنَمَ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٧]

١٧٠٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ. وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ الغَنَمِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٧]

١٧٠٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ، عَنْ عَامِرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ - ﷺتَعْنِي: القَلَائِدَ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ. [انظر: ١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٧]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: أَهْدى النَّبِيُّ - ﷺ - مَرَّةً غَنَمًا.
وحديثها: كُنْتُ أَفْتِلُ القَلَائِدَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَيُقَلِّدُ الغَنَمَ، وَيُقِيمُ فِي أَهْلِهِ حَلَالًا.
وحديثها: كُنْتُ أَفْتِلُ قَلَائِدَ الغَنَمِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - فَيَبْعَثُ بِهَا، ثُمَّ يَمْكُثُ حَلَالًا.
وحديثها: قالت: فَتَلْتُ لِهَدْيِ النَّبِيِّ - ﷺتَعْنِي: القَلَائِدَ- قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ.


هذِه الأحاديث كلها في مسلم أيضًا (١)، وسلف بعضها (٢).
واختلف العلماء في تقليد الغنم، فمن رأى تقليدها أخذ بهذِه الأحاديث، وفي رواية لمسلم عنها: فقلدها (٣). وهو قول عطاء وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن حبيب (٤)، وقال مالك وأبو حنيفة: لا يقلد ولعله لم يبلغهما الحديث، وعلل بأنها تضعف عن التقليد. واستحب مالك فتل القلائد بهذِه الأحاديث؛ ولأن ذَلِكَ إبقاءً لها على طول السفر والمدة مع تصرف الهدايا في الرعي وغيره، ونقل أبو عمر عن مالك وأصحابه أنه لا (يقلد) (٥) (٦)، وقد علمتُ أن ابن حبيب من أصحاب مالك خالفه. قال أبو عمر: واحتج من لم يره بأن الشارع إنما حج حجة واحدة، ولم يهدِ فيها غنمًا، وأنكروا حديث الأسود، أي الذي في البخاري في تقليد الغنم، قالوا: هو حديث لا يعرفه أهل بيت عائشة (٧).
وذكر المنذري: أن بعضهم قال: إن الأسود تفرد به، قال: ولا يؤثر تفرده به؛ لأنه من الثقات، وادعى صاحب «المبسوط» أنه أثر شاذ،

----------
(١) مسلم (١٣٢١) كتاب: الحج، باب: استحباب بعث الهدي إلى الحرم.
(٢) برقم (١٦٩٦).
(٣) مسلم (١٣٢١/ ٣٦٧).
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» (٢/ ٤٤٢)، «والاستذكار» ١٢/ ٢٦٦، «البيان» ٤/ ٤١٢، «روضة الطالبين» ٣/ ١٨٩، «المسائل برواية الكوسج» ١/ ٥٦٩، «المغني» ٥/ ٤٥٦.
(٥) في (ج): تقليد.
(٦) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٧٣، «البحر الرائق» ٣/ ١٣٠، «الاستذكار» ١٢/ ٢٦٥، «المنتقى» ٢/ ٣١٢.
(٧) «التمهيد» ١٧/ ٢٣٠.



وأستغفر الله من حكايتها، فهي أحاديث ثابتة في الصحيحين وممن رأى تقليدها ابن عباس، وأبو جعفر، وعبد الله بن عبيد بن عمير، ذكرها ابن أبي شيبة في «مصنفه» (١)، وقال عن عطاء: رأيتُ أناسًا من الصحابة يسوقون الغنم مقلدة، والحق أحق بالاتباع، والسنة أحرى أن يؤخذ بها (٢).
---------
(١) «المصنف» ٣/ ١٤٢ - ١٤٣ (١٢٨٩٢ - ١٢٨٩٩).
(٢) «المصنف» ٣/ ١٤٣ (١٢٩٠٠).



١١١ - باب القَلَائِدِ مِنَ العِهْنِ
١٧٠٥ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ القَاسِمِ، عَنْ أُمِّ المُؤْمِنِينَ رضي الله عنها قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي. [١٦٩٦ - مسلم: ١٣٢١ - فتح: ٣/ ٥٤٨]
ذكر فيه حديث عائشة قَالَتْ: فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي.
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١).
و(العهن): جمع عهنة: الصوف المصبوغ ألوانًا، ويقال: كل صوفٍ عهن، والقطعة منه: عهنة، كما قلنا، والجمع: (عهون) (٢) ذكره في «الموعب»، وفي «المحكم»: المصبوع أي لون كان (٣).
وقال ابن التين: إنه عند أكثر أهل اللغة: الصوف المصبوغ.
وكذا قال ابن بطال: أكثر ما يكون مصبوغًا، ليكون أبلغ في العلامة (٤). وقال ابن خالويه: هو الأحمر، وهو ما ذكره صاحب («المطالع») (٥) مع ما تقدم أنه الصوف مطلقًا أو الملون.
قال ابن حبيب: اجعل حبل القلائد مما شئت، ثم ذكر حديث عائشة هذا، وقال مالك في رواية ابن القاسم: لا يقلدها بالأوتار.

-------
(١) مسلم (١٣٢١).
(٢) في هامش الأصل: كون الجمع عهون، قاله الأزهري أيضًا، وكون القطعة عهنة، قاله الليث أيضًا.
(٣) «المحكم» ١/ ٦٦.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٤.
(٥) ورد بهامش الأصل: حكى في «المطالع» أقوالًا أخر: الصوف مطلقًا، أو الملون خاصة والأحمر خاصة، وفي «الجمهرة»: العهن: الصوف، وأكثر ما يستعمل المصبوغ منه.



وقال ربيعة ومالك: أحب إليَّ أن تكون القلائد مما تنبت الأرض (١)، ولعله أراد أن ذَلِكَ أحب إليه من ذَلِكَ كله، وحمل الحديث على الجواز.
---------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» (٢/ ٤٢٠، ٤٢٢)، «المنتقى» ٢/ ٣١٢.


١١٢ - باب تَقْلِيدِ النَّعْلِ
١٧٠٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا عُثمَانُ بْن عُمَرَ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ١٦٨٩ - مسلم: ١٣٢٢ - فتح: ٣/ ٥٤٨]
حَدَّثَني مُحَمَّدٌ، أنا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ - ﷺ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، قَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: إِنَّهَا بَدَنَةٌ. قَالَ: «ارْكَبْهَا». قَالَ: فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ رَاكِبَهَا يُسَايِرُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَالنَّعْلُ فِي عُنُقِهَا.
تَابَعَهُ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أنا عَلِيُّ بْنُ المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح:
محمد شيخ البخاري نسبه ابن السكن محمد بن سلام فيما ذكره الجياني ثم قال: لعله ابن مثنى، فقد ذكر في باب الذبح قبل الحلق، حدثنا محمد بن مثنى، عن عبد الأعلى في حديث آخر (١).

--------
(١) سيأتي برقم (١٧٢٣)، وانظر: «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٢٥.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #335  
قديم اليوم, 02:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 69 الى صـــ 80
الحلقة (335)




قلتُ: وعليه اقتصر الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما، فأخرجاه من حديث الحسن بن سفيان: ثنا محمد بن مثنى، ثنا عبد الأعلى، فذكرا حديث الباب. وفقهه سلف في آخر باب: من أشعر وقلد.

١١٣ - باب الجِلَالِ لِلْبُدْنِ
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَشُقُّ مِنَ الجِلَالِ إِلَّا مَوْضِعَ السَّنَامِ، فإِذَا نَحَرَهَا نَزَعَ جِلَالَهَا، مَخَافَةَ أَنْ يُفْسِدَهَا الدَّمُ، ثُمَّ يَتَصَدَّقُ بِهَا.

١٧٠٧ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ البُدْنِ التِي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا. [١٧١٦، ١٧١٦ م، ١٧١٧، ١٧١٨، ٢٢٩٩ - مسلم: ١٣١٧ - فتح: ٣/ ٥٤٩]
وعن علي قَالَ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ أَتَصَدَّقَ بِجِلَالِ البُدْنِ التِي نَحَرْتُ وَبِجُلُودِهَا.
الشرح:
(الجلال): جمع جل.
وأثر ابن عمر رواه يحيى بن بكير، عن مالك، عن نافع، عنه بلفظ: كان لا يشق جلال بدنه، وكان لا يجلها حَتَّى يغدو بها من منى إلى عرفة، زاد عنه يحيى -كما قال البيهقي: إلا موضع السنام- وإذا نحرها نزع جلالها إلى آخر ما ذكره البخاري (١).
وحديث علي أخرجه في باب: لا يعطى الجزار من الهدي شيئًا: فأمرني فقسمت لحومها، ثم أمرني فقسمت جلالها وجلودها، ولا أعطي عليها شيئًا في جزارتها (٢).

----------
(١) «سنن البيهقي» ٥/ ٢٣٣ كتاب: الحج، باب: تجليل الهدايا وما يفعل بجلالها وجلودها.
(٢) سيأتي برقم (١٧١٦).



وفي لفظ: أهدى مائة بدنة فأمرني بلحومها فقسمتها، ثم أمرني بجلالها فقسمتها، ثم بجلودها فقسمتها (١).
وأخرجه مسلم بلفظ: أمرني أن أقوم على بُدْنه، و(أمرني) (٢) أن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلتها، وأن لا أعطي الجزار منها شيئًا، قال: نحن نعطيه من عندنا (٣).
وفي لفظ: أن نبي الله أمره أن يقيم على بُدْنه، وأمره أن يقسم بُدْنَهُ، كلها: لحومها وجلودها وجلالها في المساكين، ولا يعطي في جزارتها منها شيئًا (٤)، وأخرج مسلم من حديث جابر: أنه - عليه السلام - أهدى مائة بدنة (٥).
إذا تقرر ذلك:
ففيه: الإبانة أن من السنة في البدن إذا ساقها سائق إلى الكعبة أن يجللها، فإذا بلغت محلها أن ينحرها، ويتصدق بلحومها وجلودها وجلالها.

-----------
(١) سيأتي برقم (١٧١٨) باب: يتصدق بجلال البدن.
(٢) من (ج)، والحديث في مسلم بدونها.
(٣) مسلم (١٣١٧) كتاب: الحج، باب: في الصدقة بلحوم الهدي.
(٤) مسلم (١٣١٧/ ٣٤٩).
(٥) قلت: كذا عز المصنف -رحمه الله- حديث جابر بهذا اللفظ أيضًا في «البدر المنير» ٦/ ٤٣٢، وفي «خلاصة البدر» ٢/ ٤٨، ٣٨٤ لمسلم، وتبعه الحافظ في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٩٣.
وفيه نظر؛ فالحديث رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) مطولًا، وفيه: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثًا وستين بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر وأشركه في هديه.
والحديث بهذا اللفظ رواه الحميدي في «مسنده» ٢/ ٣٤٤ (١٣٠٦)، وعبد بن حميد في «المنتخب» ٣/ ٦٦ (١١٣٢)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٧٩ من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر بن عبد الله قال: أهدى رسول الله - ﷺ - مائة بدنة .. الحديث.



وفيه: أن لصاحبها أن يولي نحرها غيره، وأنه لا بأس عليه إن لم يلِ ذلك بنفسه.
وفيه: أن له أن يولي قسم لحومها من شاء، وقال ابن المنذر: كان ابن عمر يجلل بدنه الأنماط والبرود والحبر حَتَّى يخرج من المدينة، ثم ينزعها ويطرحها حَتَّى يكون يوم عرفة، فيلبسها إياها حَتَّى ينحرها، ثم يتصدق بها.
قال المهَلَّب: وهذا إنما فعله على وجه التطوع والتبرع بما كان أَهل به لله تعالى أن لا يرجع في شيء منه، ولا في المال المضاف إليه، وليس ذَلِكَ بفرض عليه، وكان مالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور يرون تجليل البدن (١).
وعن مالك: لا تجلل بالمخلق وغيره من الألوان، والبياض أحب إليِّ، وكره الخلوق لما فيه من الطيب، وحكمة شقها أن يبدو الإشعار (٢)، قال مالك: وذَلِكَ من عمل الناس، وما علمت أحدًا ترك ذَلِكَ إلا ابن عمر، وذلك أنه كان يجلل القباطي والأنماط المرتفعة (٣) والجُلل القباطي: ثياب بيض، والأنماط: ثياب ديباج، والحلل: ثياب مزدوجة، فإذا كسيت الكعبة تصدق بها.
قال ابن المبارك: كان ابن عمر يجللها بذي الحُلَيْفَة، فإذا أمسى ليله
نزع الجلال، فإذا قرب من الحرم جللها، فإذا خرج إلى منى جللها، فإذا كان حين النحر نزعها، فيحتمل أن يكون هذا مخالفًا لرواية مالك أنه

-------
(١) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٣٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٩، «التفريع» ١/ ٣٣٣، «الذخيرة» ٣/ ٣٥٥، «المجموع» ٨/ ٣٢٧.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤٠، «المنتقى» ٢/ ٣١٤.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤١.



لا يجللها حَتَّى يغدو من منى إلى عرفة، ويحتمل أن يكون مالك قصد إلى الإِخبار فيها عن آخر فعله، واستوفى ابن المبارك الإخبار عن حالها من ابتداء الإحرام إلى آخر فعله فيها. وأحب ابن عمر أن يشق، ويجلل من حيث يحرم، فتأول مالك فعله على الامتناع من ذَلِكَ جملة.
وقال الداودي: كان يجلل الأنماط والجل النفيس ولا يشقها، ويرفع عن أذنابها؛ لئلا يصيبها الأذى، فلما كسي البيت جللها بجلال دون ذَلِكَ، وشق ما حاذى السنام. وقال مالك: أما (الحُلل) (١) فتنزع؛ لئلا يخرقها الشوك، وأما القباطي فتترك عليها؛ لأنها جمال (٢).
وقوله: (نَحَرْتُ) لا يُقال: بضم التاء في آخره؛ لأنه على خلاف الرواية كما نبه عليه الداودي، فقد نحر الشارع بعضها، وهو ثلاث وستون، إشارة إلى سنين عمره، وعليٌّ الباقي.

----------
(١) في (ج): (الجلل).
(٢) انظر: «الذخيرة» ٣/ ٣٥٧.



١١٤ - باب مَنِ اشْتَرَى هَدْيَهُ مِنَ الطَّرِيقِ وَقَلَّدَهَا
١٧٠٨ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما الحَجَّ عَامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ رضي الله عنهما، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ. فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً. حَتَّى [إِذَ] كَانَ بِظَاهِرِ البَيْدَاءِ قَالَ: مَا شَأْنُ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ إِلَّا وَاحِدٌ، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَمَعْتُ حَجَّةً مَعَ عُمْرَةٍ. وَأَهْدَى هَدْيًا مُقَلَّدًا اشْتَرَاهُ حَتَّى قَدِمَ، فَطَافَ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَمْ يَحْلِلْ مِنْ شَيْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَوْمِ النَّحْرِ، فَحَلَقَ وَنَحَرَ وَرَأَى أَنْ قَدْ قَضَى طَوَافَهُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ بِطَوَافِهِ الأَوَّلِ، ثُمَّ قَالَ: كَذَلِكَ صَنَعَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [انظر: ١٦٣٩ - مسلم: ١٢٣٠ - فتح: ٣/ ٥٥٠]
ذكر فيه حديث نافع: قَالَ: أَرَادَ ابْنُ عُمَرَ الحَجَّ عَامَ حَجَّةِ الحَرُورِيَّةِ فِي عَهْدِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ كَائِنٌ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَنَخَافُ أَنْ يَصُدُّوكَ. فَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] إِذًا أَصْنَعَ كَمَا صَنَعَ رسول الله - ﷺ -، أُشْهِدُكُمْ أَنِّي أَوْجَبْتُ عُمْرَةً. الحديث بطوله، وقد سلف غير مرة، منها: باب: من اشترى الهدي من الطريق (١).
والحَرُورية: بفتح الحاء وضم الراء نسبة إلى حروراء، وقد سلف.

-----------
(١) برقم (١٦٩٣).


١١٥ - باب ذَبْحِ الرَّجُلِ البَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِنَّ
١٧٠٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، لَا نُرَى إِلاَّ الحَجَّ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَنْ يَحِلَّ، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ قَالَ: نَحَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُهُ لِلْقَاسِمِ، فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٥١]
ذكر فيه حديث عمرة، عن عائشة: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، ولَا نُرى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا دَنوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ أَنْ يَحِل، قَالَتْ: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ. فَقُلْتُ: مَا هذا؟ فقالوا: نَحَرَ رَسُولُ الله - ﷺ - عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُهُ لِلْقَاسِمِ، فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ.
الشرح:
قولها: (لِخَمْسٍ بَقِينَ) قالته؛ لأنها حدثت بذلك بعد أن انقضى الشهر، فإن كان فيه، فالصواب أن تقول: لخمس إن بقين؛ لأنه لا يُدْرى الشهر كامل أو ناقص.
و(القَعْدَةِ): بفتح القاف وكسرها كما سلف؛ لأنهم يقعدون فيه عن القتال.


وقولها: (لَا نُرى إِلَّا الحَجَّ)، يحتمل أن تريد حين خروجهم من المدينة قبل الإهلال، ويحتمل أن تريد أن إحرام من أحرم منهم بالعمرة لا يحل حَتَّى يردف الحج، فيكون العمل لهما جميعًا والإحلال منهما، ولا تصح إرادة أن كلهم أحرم بالحج؛ لحديثها الآخر من رواية عروة عنها: فمنا من أهل بالحج، ومنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بهما (١)، وقيل: لا نرى إلا الحج، أي: لم يقع في أنفسهم إلا ذَلِكَ.
قال الداودي: وفيه دليل أنهم أهلوا منتظرين، ويرد عليه رواية: لا نذكر إلا الحج.
وقولها: (فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ وَسَعَى أن يحل من عمرته، ومن معه هدي أحرم بحج، فلا يحل حَتَّى يوم النحر) هذا هو الظاهر.
وقولها: (فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بقر).
فيه: النحر عن الغير، والنحر عن الجماعة من أهل بيته، وهذا الذبح إنما كان هدي التمتع، نحره - عليه السلام - عمن تمتع من أزواجه، ويحتمل كما قال ابن التين: أن يجري مجرى الأضحية، ويرده أن أهل منى لا أضاحي عليهم، أي: على قاعدته، ويحتمل أن يكون هديًا، والأظهر (من) (٢) قوله: (نَحَرَ عَنْ أَزْوَاجِهِ) الاشتراك. وقد اختلف قول مالك: هل يشترك في هدي التطوع؟
وقال ابن بَطَّال: أخذ جماعة من العلماء بظاهر الحديث، وأجازوا

-------
(١) سبق برقم (١٥٦٢).
(٢) في (ج): في.



الاشتراك في هدي التمتع والقران، على ما سلف في حديث ابن عباس، ومنعه مالك (١) قال: ولا حجة لمن خالفه في هذا الحديث؛ لأن قوله: (نحر عن أزواجه البقر). يحتمل أن يكون نحر عن كل واحدة منهن بقرة. قال: وهذا غير مدفوع من التأويل (٢).
قلتُ: يدفعه رواية عروة عن عائشة: ذبح رسول الله - ﷺ - عمن اعتمر من نسائه بقرة، ذكره ابن عبد البر من حديث الأوزاعي، عن الزهري، عن عروة (٣).
وفي الصحيحين من حديث جابر: ذبح رسول الله - ﷺ - عن نسائه بقرة يوم النحر، وفي رواية: بقرة في حجته، وفي رواية: ذبحها عن نسائه (٤).
وفي «صحيح الحاكم» على شرط الشيخين من حديث يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: ذبح رسول الله - ﷺ - عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن (٥).

---------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٥٥، «المنتقى» ٣/ ١٤.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٦.
(٣) «التمهيد» ١٢/ ١٣٥.
(٤) قلت عزو المصنف -رحمه الله- هذا الحديث للصحيحين فيه نظر، فالحديث تفرد مسلم بإخراجه (١٣١٩) كتاب: الحج، باب: الإشتراك في الهدي وإجزاء البدنة والبقرة كل منهما عن سبعة.
والذي في «صحيح البخاري» سلف برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء وإذا نفس، وسيأتي برقم (٥٥٥٩) كتاب: الأضاحي، باب: من ذبح ضحية غيره من حديث عائشة.
(٥) «المستدرك» ١/ ٤٦٧، قال الحاكم: أخبرنا أبو علي بن الحسين بن علي الحافظ أنبأ أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب الفقيه ثنا محمد بن أبي كثير، عن سلمه: عن أبي هريرة قال: ذبح النبي - ﷺ - .. الحديث.
قلت: هكذا وقع في «المستدرك» عن سلمة، وفي «التلخيص» للذهبي: عن =



ثم قال ابن بطال: فإن قيل: إنما نحر البقرة عنهن على حسب ما أتى عنه في الحديبية أنه نحر البقرة عن سبعة، والبدنة عن سبعة (١). قيل: هذِه دعوى لا دليل عليها؛ لأن نحوه في الحديبية كان عندنا تطوعًا، والاشتراك في هدي التطوع جائز على رواية ابن عبد الحكم، عن مالك، والهدي في حديث عائشة واجب، والاشتراك ممتنع من الهدي الواجب، والحديثان مستعملان عندنا على هذا التأويل.
قال القاضي إسماعيل: وأما رواية يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة: أنه - عليه السلام - نحر عن أزواجه بقرة واحدة، فإن يونس انفرد به

--------------
= أبي سلمة، وهو ما ذكره المصنف رحمه الله، وكذا الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٥١، والعيني في «عمدة القاري» ٨/ ٢١٣.
والحديث رواه أبو داود (١٧٥١) كتاب: المناسك، باب: في هدي البقر، وابن ماجه (٣١٣٣) كتاب: الأضاحي، باب: عن كم تجزئ البدنة والبقرة، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٥٢ (٤١٢٨) كتاب: الحج، النحر عن النساء، وابن خزيمة ٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (٢٩٠٣) كتاب: المناسك، باب: اشتراك النساء المتمتعات في البقرة الواحدة، وابن حزم في «حجة الوداع» (١٥٥، ٣١٨)، والبيهقي ٤/ ٣٥٤ من طريق الوليد بن مسلم، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة به.
قال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: إن الوليد بن مسلم لم يقل فيه حدثنا الأوزاعي، وأراه أخذه، عن يوسف بن السفر، ويوسف ذاهب الحديث، وضعف محمد هذا الحديث ا. هـ. «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٨٦. وقال البيهقي ٤/ ٣٥٤: تفرد به الوليد من مسلم ولم يذكر سماعه فيه عن الأوزاعي، والبخاري كان يخاف أن يكون أخذه عن يوسف بن السفر، ثم أورد البيهقي الحديث من طريق آخر صرح فيه الوليد بالتحديث عن الأوزاعي ثم قال: إن كان قوله حدثنا الأوزاعي محفوظا صار الحديث جيدًا. والحديث قواه الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٥١، وصححه الألباني في «صحيح أبو داود» (١٥٣٧).
(١) رواه مسلم (١٣١٨) من حديث جابر بن عبد الله.



وحده (١)، وخالفه مالك فأرسله، ورواه القاسم وعمرة، عن عائشة: أنه - عليه السلام - نحر عن أزواجه البقر (٢)، حَدَّثَنَا بذلك أبو مصعب، عن مالك، عن
----------
(١) قلت: وقع هنا وكذا في «عمدة القاري» ٨/ ٣١٤: عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، ووقع في «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٦، وكذا في «الفتح» ٣/ ٥٥١: عن الزهري، عن عمرة، عن عائشة، باب
بإبدال عمرة مكان عروة، ويحتمل الوجهين؛ فقد رواه أبو داود (١٧٥٠) كتاب: المناسك، باب: في هدي البقرة، وابن ماجه (٣١٣٥) كتاب: الأضاحي، باب: عن كم تجزئ البدنة والبقرة، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٥٢ (٤١٢٧) كتاب: الحج، النحر عن النساء، ابن حزم في «حجة الوداع» (٣١٩) من طريق ابن وهب، عن يونس، عن الزهري، عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة به.
ورواه أحمد ٦/ ٢٤٨، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٥١ - ٤٥٢ (٤١٢٦) من طريق عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة به.
قال عثمان بن عمر -فيما أورده أحمد والنسائي-: وجدت في كتابي في موضعين، موضع عن عمرة، عن عائشة، وموضع عن عروة، عن عائشة. اهـ.
والحديث صححه الألباني في «صحيح أبو داود» (١٥٣٦).
ورواه ابن حزم في «حجة الوداع» (٣٢٠) من طريق عثمان بن عمر، عن يونس، عن الزهري، عن عائشة به.
هكذا منقطعًا؛ فالزهري لم يلق عائشة، قال الواقدي: كان مولد الزهري سنة ثمان وخمسين، في آخر خلافة معاوية، وهي السنة التي ماتت فيها عائشة. اهـ. انظر: «تهذيب الكمال» ٢٦/ ٤٤١.
ورواه البيهقي ٤/ ٣٥٣ عن يونس، عن الزهري قال: بلغنا أن رسول الله - ﷺ - نحر عن آل محمد - ﷺ - في حجة الوداع بقرة واحدة، كانت عمرة تحدث به عن عائشة. وقول: إسماعيل القاضي: انفرد به يونس. قال الحافظ: يونس ثقة حافظ. وقد تابعه معمر عن النسائي أيضًا، ولفظه أصرح من لفظ يونس قال: ما ذبح عن آل محمد في حجة الوداع إلا بقرة.
(٢) حديث القاسم عنها سبق برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء إذا نفسن، وسيأتي برقم (٥٥٤٨) كتاب: الأضاحي، باب: الأضحية للمسافر والنساء، ورواه مسلم (١٢١١/ ١١٩ - ١٢٠) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه =



عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. وحَدَّثَنَا به القعنبي، عن سليمان بن بلال، عن يحيى، عن عمرة، عنها. وحَدَّثَنَا به، عن سفيان، عن يحيى، عن عمرة، عنها. وهذِه أسانيد الفقهاء الذين يفهمون ما (يحتاج) (١) إلى فهمه (٢). وقال أبو عمر لما ذكر حديث عروة السالف: هو معارض لحديث يحيى: ذبح عن نسائه البقر (٣) وحديث عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها: ضحى عن نسائه
بالبقر (٤). على لفظ الجمع.
وفي حديث عبد الرحمن بن القاسم سمع أباه مرسلًا يقول: أهدى رسول الله - ﷺ - عن نسائه في حجة الوداع بقرة، بقرة عن كل امرأة (٥).
قلتُ: أخرجه النسائي من حديث إسرائيل، عن عمار، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها (٦). قال أبو عمر: يحتمل أن تكون أرادت بذكر الجنس كأنها قالت: دخل علينا بلحم لم يكن لحم إبل ولا غنم. كما تقول لحم بقري، فلا خلف بين الخبرين. وصح

-------
= الإحرام، وأنه يجوز .. وحديث عمرة عنها هو حديث الباب، وسيأتي برقم (١٧٢٠) باب: وما يأكل من البدن ما يتصدق، وبرقم (٢٩٥٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: الخروج آخر الشهر، ورواه مسلم (١٢١١/ ١٢٥ - ١٢٦).
(١) في (ج): (يحتاجون).
(٢) انتهى من «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٦ - ٣٨٧.
(٣) تقدم تخريجه، وهو حديث عمرة، عن عائشة، وهو حديث الباب.
(٤) تقدم تخريجه قريبًا، سلف برقم (٢٤٩)، رواه مسلم (١٢١١/ ١١٩ - ١٢٠).
(٥) «التمهيد» ١٢/ ١٣٢ - ١٣٨.
(٦) «السنن الكبرى» ٢/ ٤٥٢ (٤١٢٩) ومن هذا الطريق رواه الخطيب في «توضيح الأوهام» ٢/ ٣٤٧، والذهبي في «ميزان الاعتدال» ١/ ٢١٠ في ترجمة إسرائيل بن يونس (٨٢٠) وقال: حديث غريب. وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٥١: حديث شاذ.



مذهب مالك: أن يضحي الرجل عن نفسه وأهل بيته بقرة واحدة، وفي معناها عنده الشاة الواحدة (١).
وفيه: النحر عن الغير كما سلف (٢).
قال الداودي: فيه: النحر عمن لم يأمر، فإن الإنسان يدركه ما عمل عنه بغير أمره، وأن معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ (أي) (٣): لا يكون له ما سعاه غيره لنفسه، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] مع قوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فخرج هذا عمومًا يُراد به الخصوص، ثم بينه بقوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وبقوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٦] وبقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء: ١٢] فليس للإنسان إلا ما سعى أو سعي له. وقوله: (نَحَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَنْ أزْوَاجِهِ بالبقر) مقتضاه نحر البقر، وأجازه مالك وغيره (٤)، ويستحب فيها الذبح؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] والحديث ورد بلفظ النحر كما هنا، وبلفظ الذبح، وعليه ترجم البخاري، وذكره بلفظ النحر، ويجوز أن يكون الراوي لما استوى عنده الأمران، عبر مرة بهذا ومرة بهذا، وفي رواية ضَحَّى (٥).
قال ابن التين: فإن تكن هديًا فهي تؤيد مذهب مالك، وإن تكن

--------
(١) «التمهيد» ١٢/ ١٣٧ - ١٣٨.
(٢) انظر: «المعونة» ١/ ٤٣٩، «المنتقى» ٣/ ٩٦.
(٣) في (ج): (أن).
(٤) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٧٩، «المنتقى» ٣/ ٢٥، «المجموع» ٩/ ٧٩.
(٥) سلفت برقم (٢٩٤) كتاب: الحيض، باب: الأمر بالنفساء إذا نفسن



ضحايا فيحتمل أن تكون تطوعًا، وأن تكون واجبة لوجوب ضحايا غير الحاج، وعن مالك فيما حكاه أبو عمر: إن ذبح الجزور من غير ضرورة، أو نحرت الشاة من غير ضرورة لم تؤكل، وكان الحسن بن حي يستحب نحر البقر، وهو قول مجاهد (١).
وفيه: دليل على أن الحاج يضحي، وهو مذهبنا خلافًا لمالك، حيث قال: لا أضحية عليه، وإنما سنتهم الهدايا (٢).
وفيه: التوجيه باللَّحم، وقول القاسم: أتتك بالحديث على وجهه، تصديقًا لعمرة، وإخبارًا عن حفظها، وأنها لم تغير منه شيئًا بتأويل ولا غيره (٣)، فذكرت ابتداء الإحرام وانتهاءه حين وصلوا إلى مكة، وفسخ من لم يسق الهدي.
وفيه: أن من كفّر عن غيره كفارة يمين، أو ظهار، أو قتل نفس، أو أهدى عنه، أو أدى عنه دينًا بغير أمره أنَّ ذَلِكَ كله مجزئ عنه؛ لأنه لم يعرف نساء رسول الله - ﷺ - بما أدى عنهن من نحر البقر لما وجب عليهن من نسك التمتع، وهو حجة لابن القاسم في قوله: إذا أعتق الرجل عبده عن غيره في كفارة الظهار أنه يجزئه، ولم يجزه أشهب وابن المواز، وقالا: لا يعتق عنه لغير أمره؛ لأنه فرض وجب عليه، ودليل هذا الحديث لازم لهما ولمن قال بقولهما من الفقهاء (٤)، وقد سلف ذَلِكَ في الإيمان، في باب: الأعمال بالنية (٥).

---------
(١) «التمهيد» ٢١/ ١٤١ - ١٤٢.
(٢) انظر: «المدونة» ٢/ ٢٥، «المنتقى» ٣/ ١٠٠، «المجموع» ٨/ ٣٥٤، «أسنى المطالب» ١/ ٥٣٥.
(٣) انظر «المنتقى» ٣/ ٢٦.
(٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٧.
(٥) في هامش الأصل: ثم بلغ في الثالث بعد الثلاثين، كتبه مؤلفه.



١١٦ - باب النَّحْرِ فِي مَنْحَرِ النَّبِيِّ - ﷺ - بِمِنًى
١٧١٠ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، سَمِعَ خَالِدَ بْنَ الحَارِثِ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ - رضي الله عنه - كَانَ يَنْحَرُ فِي المَنْحَرِ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: مَنْحَرِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. [انظر: ٩٨٢ - فتح: ٣/ ٥٥٢]

١٧١١ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، حَتَّى يُدْخَلَ بِهِ مَنْحَرُ النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ حُجَّاجٍ فِيهِمُ الحُرُّ وَالمَمْلُوكُ. [انظر: ٩٨٢ - فتح: ٣/ ٥٥٢]
ذكر فيه حديث عبيد الله بن عمر عَنْ نَافِعٍ، أَن عَبْدَ الله كَانَ يَنْحَرُ فِي المَنْحَرِ. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: مَنْحَرِ رَسُولِ الله - ﷺ -.
وعن نافع (١)، أَنَّ عبد الله بْنَ عُمَرَ كَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ مِنْ جَمْعٍ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، حَتَّى يدْخَلَ بِهِ مَنْحَر النَّبِيِّ - ﷺ - مَعَ حُجَّاجٍ فِيهِمُ الحُرُّ وَالمَمْلُوكُ.
الشرح:
هذان الحديثان من أفراده، ومنحر رسول الله - ﷺ - هو عند الجمرة الأولى التي تلي مسجد منى، كما قاله ابن التين، والمنحر فيه فضيلة على غيره، ولذلك كان ابن عمر يسابق إليه، «ومنى كلها منحر» كما نطق به - عليه السلام - (٢)، وبه اقتفي ابن عمر آثاره كما هو دأبه، وكما كان أبوه عمر يفعل، يُقال: أشبه الناس في أفعاله - عليه السلام - عمر، وأشبه أولاد عمر

---------
(١) فوقها في الأصل: مسند.
(٢) رواه مسلم (١٢١٨/ ١٤٩) كتاب: الحج، باب: ما جاء أن عرفه كلها موقف، من حديث جابر بن عبد الله.



بعمر عبد الله، وأشبه أولاد عبد الله به سالم (١)، وكان يبعث هديه حينئذٍ ولا ينحره إلا نهارًا.
قال ابن بطال: المنحر في الحج بمنى إجماع، فأما العمرة فلا طريق بمنى فيها، فمن أراد أن ينحر في عمرته أو ساق هديًا تطوع به نحوه بمكة حيث شاء، وهو إجماع أيضًا (٢)، فمن فعل هذا فقد أصاب السنة.
وبهذا قال مالك (٣)، وقال أبو حنيفة والشافعي: إن نحر في غير منى ومكة من الحرم أجزأه. قالا: فإنما أريد بذلك مساكين الحرم ومكة (٤)، وقد أجمعوا أنه إن نحر في غير الحرم ولم يكن محصرًا بعدو أنه لا يجزئه (٥)، وعندنا الأفضل في حق المعتمر الذبح بالمروة؛ لأنها موضع تحلل (٦)، وكذا حُكم ما ساق هو، والحج من الهدي، ووقته وقت الأضحية على الصحيح، وحجة مالك ما ذكره في «موطَّئه»: أنه بلغه أن النبي - ﷺ - قال في حجه بمنى: «هذا المنحر ومنى كلها منحر»، وقال في العمرة: «هذا المنحر -يعني: المروة- وكل فجاج مكة منحر» (٧) فدلَّ أن غيرهما ليس بمنحر؛ لأنه كان يكفي أن يذكر أحدهما، وينبه به على سائر الحرم، فلما خصهما جميعًا علم أن منى

------------
(١) روى ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٤/ ١٤٥ بسنده عن سعيد بن المسيب قال: كان أشبه ولد عمر بعمر عبد الله، وأشبه ولد عبد الله بعبد الله سالم.
(٢) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٧٥، «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨٦٣.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤٣، «الذخيرة» ٣/ ٣٦٣.
(٤) انظر: «الأصل» ٢/ ٤٣٣، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٢٢٢، «روضة الطالبين» ٣/ ١٨٧، «أسنى المطالب» ١/ ٥٣١.
(٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٧ - ٣٨٨.
(٦) انظر: «المجموع» ٨/ ١٨٢، «أسنى المطالب» ١/ ٥٣٢.
(٧) «الموطأ» ١/ ٥٢٩ (١٣٧٠) كتاب: المناسك، باب: ما جاء في المنحر.



خُصت للحاج لإقامتهم بها، فجعل نحرهم بها، وجعل مكة منحر المعتمرين إذا فرغوا من سعيهم عند المروة، وأما نحره - عليه السلام - بالحديبية (١)، وليس من مكة ولا منى، ولكنها من الحرم على خلاف فيه؛ فلأن الهدي لم يكن بلغ محله كما قال تعالى، وإنما جاز ذَلِكَ، كما جاز له أن يخرج من إحرامه في غير محله.
ولما قال تعالى: ﴿وَالهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ علمنا أن محله مكة؛ لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الكَعْبَةِ﴾.
وصد النبي - ﷺ - لم يكن عن الحرم، وإنما كان عن البيت (٢)؛ لأن الحديبية بعضها حرم، وبعضها حل، فمكة مخصوصة بالبيت، والطواف به دون سائر الحرم، ومنى مخصوصة بالتحلل فيها بالرمي، والمقام بها لبقية أعمال الحج، وليس كذلك سائر الحرم، خص هذان الموضعان بالنحر فيهما لهذا التخصيص فيهما، وبذلك فعل الشارع وأصحابه بعده.

----------
(١) سيأتي برقم (١٨٠٧) كتاب: المحصر، باب: إذا إحصروا المعتمر، ورواه مسلم (١٢٣٠) كتاب: الحج، باب: جواز التحلل بالإحصار وجواز القرآن.
(٢) التخريج السابق.



١١٧ - [باب مَنْ نَحَرَ بِيَدِهِ
١٧١٢ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ -وَذَكَرَ الحَدِيثَ- قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا، وَضَحَّى بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. مُخْتَصَرًا]. (١) [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٥٥٣]

--------
(١) هذا الباب بحديثه ليس في الأصل، وهو بهامش اليونينية من رواية أبي ذر والمستملي.


١١٨ - باب نَحْرِ الإِبِلِ مُقَيَّدَةً
١٧١٣ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ زِيَادِ ابْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما أَتَى عَلَى رَجُلٍ، قَدْ أَنَاخَ بَدَنَتَهُ يَنْحَرُهَا، قَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ. [مسلم: ١٣٢٠ - فتح: ٣/ ٥٥٣]
ذكر فيه حديث يزيد بن زريع، عَنْ يُونُسَ، عَنِ زِيَادِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: رَأَيْتُ ابن عُمَرَ أَتَى عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَنَاخَ بَدَنتَهُ يَنْحَرُهَا، فقَالَ: ابْعَثْهَا قِيَامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ يُونُسَ: أَخْبَرَنِي زِيَادٌ.


١١٩ - باب نَحْرِ البُدْنِ قَائِمَةً
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]: قِيَامًا.

١٧١٤ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، فَبَاتَ بِهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، فَجَعَلَ يُهَلِّلُ وَيُسَبِّحُ، فَلَمَّا عَلَا عَلَى البَيْدَاءِ لَبَّى بِهِمَا جَمِيعًا، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحِلُّوا. وَنَحَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا، وَضَحَّى بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٥٥٤]

١٧١٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه -: ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ البَيْدَاءَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٥٥٤]
وعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا .. الحديث. إلى أن قال: وَنَحَرَ بِيَدِهِ سَبْعَ بُدْنٍ قِيَامًا، وَضَحَّى بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ أَقْرَنَيْنِ.
و(عنه) (١): صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ. وَعَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ: ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ، فَصَلَّى الصُّبْحَ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ البَيْدَاءَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ.

---------
(١) فوقها في الأصل: مسند.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #336  
قديم اليوم, 02:48 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 89 الى صـــ 100
الحلقة (336)






الشرح:
حديث ابن عمر أخرجه مسلم بلفظ عن ابن عمر أنه أتى على رجل وهو ينحر بدنته باركةً، فقال: ابعثها قائمة مقيدة، سنة نبيكم - ﷺ - (١).
وتعليق شعبة أخرجه الحربي في «مناسكه» عن عمرو بن مرزوق: حَدَّثَنَا شعبة، عن يونس، عن زياد، به. وفي «المصنف»: حَدثَنَا عبد الأعلى، عن يونس، عن زياد: أن ابن عمر نحر ثلاث بدن قيامًا (٢).
ومن حديث إبراهيم عنه: أنه كان إذا أراد أن ينحر هديه عقلها فقامت على ثلاث، ثم نحرها (٣). وعن وكيع، عن نافع: رأيتُ ابن عمر كبر فنحرها باركة (٤). وعن أبي خالد، عن حجاج، عن عطاء: أن ابن عمر كان ينحرها شابًّا قيامًا، فلما كبر نحرها باركة (٥)، والأخير فيه رجل مجهول.
قال الداودي: إنه ليس بمسند لجهالة هذا الرجل، ولو كان محفوظًا عن أبي قلابة ما كنّي عنه لجلالته وثقته، وإنما تلقى عمن فيه نظر. وقال ابن التين: يُحتمل أنه نسبه، وهو ثقة، إذ لو علم فيه نظرًا لسمَّاه، أو أسقط حديثه، وفي حديثه أنه بات حَتَّى أصبح، فأهل بهما جميعًا.
وسلف حديث عائشة وغيره أنه أفرد (٦) وقد سلف ما فيه. وأوله

------------
(١) مسلم (١٢٢٠) كتاب: الحج، باب: نحر البدن قيامًا مقيدة.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٤١٣ (١٥٦٦١) كتاب: المناسك. من كان ينحر بدنته قائمًا، ومن قال: باركة.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٤١٢ (١٥٦٥٠).
(٤) المصدر السابق ٣/ ٤١٣ (١٥٦٥٣، ١٦٥٦٥٨).
(٥) المصدر السابق ٣/ ٤١٣ (١٥٦٥٣، ١٥٦٥٨).
(٦) سلف برقم (١٥٦١ - ١٥٦٢) باب: التمتع والإقران والإفراد بالحج، ورواه مسلم (١٢١١) من حديث عائشة. وسلف برقم (١٥٦٨)، ورواه مسلم (١٢١٦) من =



المهلب وغيره: أن معناه أمَر من أَهلّ بالقران ممن لم يفسخ حجه؛ لأنه صح أنه - عليه السلام - كان مفردًا لا قارنًا، فمعنى: لبَّى بهما جميعًا: أباح الإهلال بهما قولًا، فكان إهلالهم له بالإباحة أمرًا وتعليمًا منه لهم كيف يُهلون حين قرن من قرن منهم، وقد أسلفنا رد عائشة وابن عمر قول أنس، ووصفهما له بالصغر وقلة الضبط لهذِه القصة.
وقوله: (وَقَالَ ابن عُمَرَ: سُنَّةَ مُحَمَّدٍ - ﷺ -) سلف مسندًا (١). وأثر ابن عباس أخرجه ابن أبي شيبة، عن أبي خالد، عن ابن جُريج، عن ابن أبي مُليكة، عنه: ثم رواه عن ابن عباس: أنه رأى رجلًا، فذكره بمثل حديث ابن عمر (٢).
ومعنى (قيامًا مقيدة) يعني: معقولة اليد الواحدة، قائمةً على ما بقي من قوائمها، وعلى هذا المعنى قراءة من قرأ: (صوافن) (٣)؛ لأنه يُقال: صفن الفرس إذا رفع إحدى رجليه، ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ يعني: سقطت إلى الأرض.
وروى ابن أبي شيبة، عن إبراهيم ومجاهد: الصواف على أربعة، والصوافن على ثلاثة، وعن طاوس ومجاهد: الصواف تُنحر قيامًا (٤)، ومن قرأ: ﴿صَوَآفَّ﴾ فإنه أراد قائمةً. وقال مالك: تعقلُ إنْ خيف أن تنفر، ولا تنحر باركةً إلا أن يصعُبَ (٥).

---------
= حديث جابر بن عبد الله.
(١) برقم (١٧١٣).
(٢) «المصنف» ٣/ ٤١٣ (١٥٥٦ - ١٥٦٥٧).
(٣) هي قراءة ابن مسعود. وهي قراءة شاذة. انظر: «مختصر الشواذ، لابن خالويه ص ٩٧ - ٩٨.
(٤)»المصنف«٣/ ٤١٢ - ٤١٣ (١٥٦٤٩، ١٥٦٥١ - ١٥٦٥٢).
(٥) انظر»المدونة«١/ ٣٥٦،»الاستذكار«١٣/ ١٠٠،»الذخيرة" ٣/ ٣٦٤.



قال قتادة: معقولة اليد اليمنى، وقريء: (صوافي) (١) أي: صافية، خالصة لله من الشرك، لا يذكر عليها غير اسمه.
وأطلق الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور: أن تُنحر قائمةً (٢). وقال أبو حنيفة، والثوري: تُنحر باركة وقائمة (٣)، واستحب عطاء أن ينحرها باركةً معقولةً (٤)، وروى ابن أبي شيبة، عن عطاء: إن شاء قائمة، وإن شاء باركة (٥).
وعن الحسن: باركة أهون عليها (٦). وعن عمرو: رأيتُ ابن الزبير ينحرها وهي قائمة معقولة (٧). وفي «سنن أبي داود» من حديث أبي الزبير، عن جابر: أنه - عليه السلام - وأصحابه كانوا ينحرون البدنة معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها (٨). قال أبو الزبير: وأخبرني

------------
(١) هي قراءة الحسن وزيد بن أسلم، وهي شاذة أيضًا، «مختصر الشواذ» ص ٩٧.
(٢) انظر «الأم» ٢/ ١٨٤، «المجموع» ٨/ ٣٨٣، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٤٥، «الشرح الكبير» ٩/ ٣٥٥.
(٣) انظر «تبيين الحقائق» ٢/ ٩٠، «فتح القدير» ٣/ ١٦٥.
(٤) انظر «الشرح الكبير» ٩/ ٣٥٥.
(٥) «المصنف» لابن أبي شيبة ٣/ ٤١٣ (١٥٦٥٤).
(٦) المصدر السابق ٣/ ٤١٣ (١٥٦٥٩).
(٧) المصدر السابق ٣/ ٤١٣ (١٥٦٦٢).
(٨) أبو داود (١٧٦٧)، كتاب: المناسك، باب: كيف تنحر البدن.
ورواه البيهقي ٥/ ٢٣٧ - ٢٣٨ كتاب: الحج، باب: نحر الإبل قيامًا غير معقولة أو معقولة اليسرى. من طريق أبي خالد الأحمر، عن ابن جريح، عن أبي الزبير، عن جابر، قال: وأخبرني عبد الرحمن بن سابط أن النبي - ﷺ - .. الحديث.
قال عبد الحق في «أحكامه» ٢/ ٢٩٠: وعن أبي الزبير عن جابر وعن عبد الرحمن بن سابط أن النبي - ﷺ - .. الحديث. وسكت عليه مشيرًا إلى تصحيحه، فتعقبه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٢٩ - ٣١ فقال: كذا أورد هذا الحديث، وهو هكذا خطأ، فإنه يزداد به في الإسناد أبو الزبير، أعني: بروايه =



عبد الرحمن بن سابط مرسلًا أنه - عليه السلام - وأصحابه .. الحديث (١)، وقوله:
-----------
= ابن سابط، وأبو الزبير ليس يرويه عن ابن سابط أصلًا، ولا أعرفه يروي عنه، ولعله أصغر منه، وأحاديثه عن جابر غير مسموعة، قاله ابن معين.
والصواب فيه هو أن ابن جريح يرويه عن أبي الزبير، عبد الرحمن بن سابط. قال أبو الزبير: عن جابر، عن النبي - ﷺ -، وقال ابن سابط: عن النبي - ﷺ - أرسله عنه، ولم يذكر من حدثه به، فابن جريح قال: عن أبي الزبير، عن جابر، ثم عاد فقال: وأخبرني عبد الرحمن بن سابط.
قال عباس الدوري: سمعت يحيى بن معين يقول: قال ابن جريح: حدثني عبد الرحمن بن سابط، قيل له: سمع من جابر؟ قال: لا هو مرسل، وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن يحيى بن سعيد، عن ابن جريح، عن ابن سابط أن النبي - ﷺ - .. الحديث.
فهذا حديث ابن سابط مفصولًا عن حديث أبي الزبير من رواية ابن جريج عنه فاعلمه. اهـ. بتصرف.
قلت: حديث ابن سابط في «المصنف» ٣/ ٢٠٦ (١٣٥٥٦) كما ذكر ابن القطان.
والحديث أورده الحافظ في «الفتح» ٣/ ٥٥٣، و«الدراية» ٢/ ٥٣ وسكت عنه، وكذا المنذري في «المختصر» ٢/ ٢٩٦، وأورد أبو البركات ابن تيمية الحراني في «المنتقى» ٢/ ٣٠٧ (٢٦٣٨) حديث ابن سابط أن النبي - ﷺ - .. الحديث، وقال: رواه أبو داود، وهو مرسل. اهـ.
قال الشوكاني معقبًا على كلام أبي البركات: حديث ابن سابط هو في «سنن أبو داود» من حديث جابر بن عبد الله، فلا إرسال، ورجاله رجال الصحيح ا. هـ. «نيل الأوطار» ٥/ ١٢٣.
وقال الزيلعي في «نصب الراية» ٣/ ١٦٤: جهل من قال: هذا حديث مرسل، فإن المخبر عن ابن سابط هو ابن جريج، فالحديث من مسند جابر، كما ذكره أصحاب الأطراف وكتب الأحكام. اهـ. والحديث صححه النووي في «شرح مسلم» ٩/ ٦٩ قال: صح في «سنن أبو داود» عن جابر أن النبي - ﷺ - .. الحديث، إسناده على شرط مسلم، وكذا صححه الألباني في «صحيح أبو داود» (١٥٥٠) وقال نحوًا من كلام ابن القطان.
(١) في هامش الأصل: بخط شيخنا: أهمله المزي.



(نَحَرَ بِيَدِهِ سَبْعَة بُدْنٍ): هو بالهاء في سبعة وهو ظاهر في وقوع البدنة على الذكر والأنثى.
وقوله: (وَضَحَّى بِالمَدِينَةِ كَبْشَيْنِ).
قال ابن التين: صوابه بكبشين. قلتُ: وكذا هو في أصل ابن بطَّال (١)، والأملح: الأغبر، كما سلف.

-------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٣٨٩.


١٢٠ - باب لَا يُعْطَى الجَزَّارُ مِنَ الهَدْيِ شَيْئًا
١٧١٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فَقُمْتُ عَلَى البُدْنِ، فَأَمَرَنِي فَقَسَمْتُ لُحُومَهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي فَقَسَمْتُ جِلَالَهَا وَجُلُودَهَا. [انظر: ١٧٠٧ - مسلم: ١٣١٧ - فتح: ٣/ ٥٥٥]
١٧١٦ م - قَالَ سُفْيَانُ: وَحَدَّثَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - أَنْ أَقُومَ عَلَى البُدْنِ، وَلَا أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا. [انظر: ١٧٠٧ - مسلم: ١٣١٧ - فتح: ٧/ ٥٥٥]
ذكر فيه حديث علي (١) (أيضًا قال) (٢): بَعَثَنِي النَّبِيُّ - ﷺ - فَقُمْتُ عَلَى البُدْنِ، فَأَمَرَنِي (فَقَسَمْتُ لُحُومَهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي) (٣) فَقَسَمْتُ جِلَالَهَا وَجُلُودَهَا.
وفي رواية عنه: أَمَرَنِي أَنْ أَقُومَ عَلَى البُدْنِ، وَلَا أُعْطِيَ عَلَيْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتِهَا.

-----------
(١) في هامش الأصل: الرواية الثانية معلقة عن سفيان.
(٢) من (ج).
(٣) ساقطة من (ج).



١٢١ - باب يُتَصَدَّقُ بِجُلُودِ الهَدْيِ
١٧١٧ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، وَعَبْدُ الكَرِيمِ الجَزَرِيُّ، أَنَّ مُجَاهِدًا أَخْبَرَهُمَا، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي لَيْلَى أَخْبَرَهُ، أَنَّ عَلِيًّا - رضي الله عنه - أَخْبَرَهُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتِهَا شَيْئًا. [انظر: ١٧٠٧ - مسلم: ١٣١٧ - فتح: ٣/ ٥٥٦]
ذكر فيه أيضًا حديث علي: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى بُدْنِهِ، وَأَنْ يَقْسِمَ بُدْنَهُ كُلَّهَا، لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا، وَلَا يُعْطِيَ فِي جِزَارَتهَا شَيْئًا.


١٢٢ - باب يُتَصَدَّقُ بِجِلَالِ البُدْنِ
١٧١٨ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَيْفُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يَقُولُ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي لَيْلَى، أَنَّ عَلِيًّا - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ قَالَ: أَهْدَى النَّبِيُّ - ﷺ - مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا. [انظر: ١٧٠٧ - مسلم: ١٣١٧ - فتح: ٣/ ٥٥٧]
ذكر فيه حديث علي أيضًا قَالَ: أَهْدى النَّبِيُّ - ﷺ - مِائَةَ بَدَنَةٍ، فَأَمَرَنِي بِلُحُومِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ أَمَرَنِي بِجِلَالِهَا فَقَسَمْتُهَا، ثُمَّ بِجُلُودِهَا فَقَسَمْتُهَا.
هذِه الأحاديث سلف أصلها في باب: الجلال للبدن (١)، ونتكلم هنا على غير ما سبق.
الجزارة بضم الجيم وفتحها؛ قال الخطابي: هي اسم لما يجزر كالنشارة والسقاطة، وأراد به أجر الجزارة؛ لأنه كالبيع (٢). قال ابن التين: والصحيح أن الجزارة بكسر الجيم اسم الفعل، والجزارة بضم الجيم: اسم للسواقط (التي) (٣) يأخذها الجازر.
وقال ابن الأثير: الجزارة بالضم: كالعمالة ما يأخذه الجزار من الذبيحة عن أجرته، وأصلها أطراف البعير: الرأس واليدان والرجلان، سميت بذلك؛ لأن الجزار كان يأخذها عن أجرته (٤).
وقال ابن الجوزي: قال قوم: هي كالخياطة يريد بها عمله فيها، واختلف العلماء في هذا الباب: فذهبت طائفة إلى الأخذ بهذا

------------
(١) برقم (١٧٠٧).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٩٦ - ٨٩٧.
(٣) في الأصل، (ج): (الذي) ولعل الصحيح المثبت.
(٤) «النهاية» ١/ ٢٦٧.



الحديث وقالوا: لا يعطى الجزار منها شيئًا. هذا قول مالك، وأبي حنيفة، وأحمد (١)، وأجاز الحسن البصري أن يعطى الجزار الجلد.
واختلفوا في بيع الجلد، فروي عن ابن عمر أنه لا بأس به بأن يبيعه ويتصدق بثمنه، وقاله أحمد وإسحاق (٢).
وقال أبو هريرة: من باع إهاب أضحيته فلا أضحية له (٣). وقال ابن عباس: يتصدق به أو ينتفع به ولا يبيعه. وعن القاسم وسالم: لا يصلح بيع جلدها، وهو قول مالك (٤).
قال النخعي والحكم: وهو لا بأس أن يشتري به الغربال والمنخل، وبه قال النخعي والأوزاعي وابن حبيب قالوا: لا بأس أن يشتري الغربال والمنخل والفأس والميزان ونحوها (٥). وقال عطاء: إن كان الهدي واجبًا تصدق بإهابه، وإن كان تطوعًا باعه إن شاء في الدين.

--------
(١) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٩٠، «الذخيرة» ٣/ ٣٦٦، «الشرح الكبير» ٩/ ٣٨٣.
(٢) انظر: «المستوعب» ٤/ ٣٧٣، «الفروع» ٣/ ٥٥٥.
(٣) رواه الحاكم ٢/ ٣٨٩ - ٣٩٠، والبيهقي ٩/ ٢٩٤ كتاب: الضحايا، باب: لا يبيع من أضحيته شيئًا ولا يعطي أجر الجزار منها. من طريق عبد الله بن عياش، عن عبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة مرفوعًا. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي قائلًا: ابن عياش ضعفه أبو داود.
وقال المنذري في «الترغيب والترهيب» كما في «صحيحه» للألباني ١/ ٦٢٩: في إسناده عبد الله بن عياش المصري، مختلف فيه، وقد جاء في غير ما حديث عن النبي - ﷺ - النهي عن بيع جلد الأضحية. اهـ. وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (٦١١٨) وفي «صحيح الترغيب» (١٠٨٨) وقال: قال الناجي: لا أستحضر الآن في هذا المعنى غير الحديث المذكور، وقد رواه ابن جرير من طريقه موقوفًا على أبي هريرة.
(٤) انظر: «المنتقى» ٣/ ٩٢.
(٥) انظر: «المجموع» ٣/ ٣٩٨.



وأما من أجاز بيع جلودها فإنما قال ذَلِكَ -والله أعلم- قياسًا على إباحة الله الأكل منها بمكان بيع الجلد والانتفاع به تبعًا للأكل، وهذا ليس بشيء؛ لأنه يجوز أكل لحمها ولا يجوز بيعه بإجماع، والأصل في كل ما أخرج لله أنه لا يجوز الرجوع في شيء منه، ولولا إباحة الله الأكل منها لما جاز أن يستباح، فوجب أن لا يتعدى الأكل للبيع إلا بدليل لا معارض له. قال المهلب: وإعطاء الجازر منها في جزارته عوضًا من فعله وذبحه؛ لأنه بيع، ولا يجوز بيع شيء من لحمها فكذا الجلد، وقال: لا يخلو الإهاب من أن يكون مع سائر الشاة بإيجابها وذبحها فقد صار مسبلًا فيما سبلت به الأضحية ولم يصر مسبلًا إذا كان عليه دين، (فإن كان قد سار إلى فعله له فغير جائز صرفه ولا صرف شيء منه إلا فيما سبل، أو لم يصر ذلك فيما جعله له إذ كان عليه دين) (١) فإيجابه الشاة أضحية أو هديًا باطلٌ، وله بيعها في دينه، وأما أن يكون لحمها لحم أضحية وجلدها غير جلد أضحية فهذا ما لا يعقل في نظر ولا خبر، والصواب إن كان الدين على صاحب الأضحية والبدنة قبل إيجابها ولم يكن عنده ما يقضي غريمه سوى الشاة أو البدنة فإيجابُه لها عندنا باطل وملكه عليها ثابت، وله بيعها في دينه، إذ ليس لأحد عليه دين إتلاف ماله ولا صرفه في غير قضاء دينه.
قال ابن التين: لما ذكر إعطاء الجازر، قال: هذا أصل في أن من وجب عليه شيء لله تعالى عليه تخليصه كالزرع يعطي عُشْرَهُ ولا يحسب شيئًا من نفقته على المساكين، وكذا مؤنة حمله، وقيل: إنه من جملته،

---------
(١) ساقطة من (ج).


والزيتون يؤدى من زيته على المشهور عند المالكية، وعندهم في الجلجلان ثلاثة أقوال: من حبه، من زيته إذا كان يعصر ويعطي ثمنه.
واختلف العلماء في جواز أكل لحوم الهدي، فقال أبو حنيفة: لا يؤكل إلا من هدي التمتع والقران والتطوع إذا بلغ محله ومنع الأكل مما وجب (به الإحرام) (١)، وهو إحدى الروايتين عن أحمد (٢)، والأخرى لا يؤكل من النذر وجزاء الصيد ويؤكل من الباقي، وهو قول ابن عمر وطاوس والحسن وإسحاق (٣)، وعن الحسن أيضًا: أنه لا بأس أن يأكل من جزاء الصيد ونذر المساكين، وهو قول الحكم في (الجزاء) (٤).
وقال مالك: يؤكل من الهدي كله إلا من جزاء الصيد وفدية الأذى وما نذره للمساكين (٥). ونقل عن طاوس وسعيد بن جبير، ونقل أبو عمر أنه لا يأكل من جزاء الصيد، عن ابن عباس وعلي وإبراهيم وبزيادة: ولا ما جعل للمساكين، وعن سعيد بن جبير: لا يؤكل من النذر ولا من الكفارة ولا ما جعل للمساكين، وقال الشافعي: لا يؤكل إلا من التطوع خاصة؛ لأنه عنده واجب، وهو قول أبي ثور (٦).
وعندنا لا يجوز بيع جلود الهدي والأضحية ولا شيء من أجزائها
لا بما ينتفع به في البيت ولا بغيره سواء كان تطوعًا أو واجبًا، لكن

------
(١) في (ج): (الإحرام).
(٢) انظر: «الأصل» ٢/ ٤٣٤، «شرح فتح القدير» ٣/ ٨٠، «المستوعب» ٤/ ٣٥٣.
(٣) انظر: «المغني» ٥/ ٤٤٥، «الشرح الكبير» ٩/ ٤١٧.
(٤) في (ج): (الجزار).
(٥) انظر: «التفريع» ١/ ٣٣٢، «عيون المجالس» ٢/ ٨٤٢.
(٦) انظر: «الاستذكار» ١٢/ ٢٨٣، ٢٨٤، و«البيان» ٤/ ٤٥٤، «المجموع» ٨/ ٣٩٦.



إذا كانت تطوعًا فله الانتفاع بالجلد وغيره باللبس وشبهه (١)، ولا يجوز إعطاء الجزار منها شيئًا بسبب جزارته، وبه قال عطاء، وإبراهيم، ومالك، وأحمد، وإسحاق (٢). وفي «الإشراف» لابن المنذر، عن ابن عمر، وأحمد، وإسحاق: لا بأس ببيع جلد هديه ويتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ثور، وقال الحسن: لا بأس أن يعطي الجزار جلدها. وحكاه القرطبي أيضًا، عن (عبيد الله بن عبيد بن عمير) (٣)، قال: وقد اتفق على أن لحمها لا يباع، وكذلك الجلود والجلال، وكان ابن عمر يكسو جلالها الكعبة، فلما كسيت الكعبة تصدق بها (٤). وفي «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد الخدري: أن قتادة بن النعمان (٥) أخبره أن رسول الله - ﷺ - قال: «إني كنت أمرتكم أن لا تأكلوا من الأضاحي فوق ثلاثة أيام؛ ليسعكم، وإني أحله لكم فكلوا منه ما شئتم، ولا تبيعوا لحوم الهدي والأضاحي، فكلوا وتصدقوا واستمتعوا بجلودها ولا تبيعوا، وإن أطعمتم من لحومها فكلوه إن شئتم» (٦).
-------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٩٢، «البيان» ٤/ ٤٥٩، «المجموع» ٨/ ٣٩٨.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٣/ ٣٦٦، «البيان» ٤/ ٤٢٣، «المجموع» ٨/ ٣٩٩.
(٣) كذا بالأصل، وعند القرطبي في «المفهم» ٣/ ٤١٦: عبد الله بن عمير.
(٤) «المفهم» ٣/ ٤١٦.
(٥) في هامش الأصل: حديث قتادة مختصر هنا وهو في «المسند» المذكور منه هنا، وفي «الصحيح» بعضه.
(٦) «المسند» ٤/ ١٥.



١٢٣ - باب ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ [الحج ٢٦ - ٣٠] [فتح: ٣/ ٥٥٧]
معنى الآية: أن الله تعالى أعلم نبيه تعظيم ما ركب قومه قريش
خاصة دون غيرهم من سائر خلقه لعبادتهم في حرمه والبيت الذي أمر خليله - عليه السلام - ببنيانه وتطهيره من الآفات والشرك إلهًا غيره، والتقدير: واذكر إذَ بوَّأْنَا لإبراهيم هذا البيت الذي يعبد قومك فيه غيري.
روى معمر، عن قتادة قال: وضع الله تعالى البيت مع آدم حين أهبط إلى الأرض وكان مهبطه بأرض الهند، ففقد أصوات الملائكة وتسبيحهم فشكى ذَلِكَ إلى الله، فقال له: يا آدم قد أهبطت لك بيتًا يطاف به كما يطاف حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى حول عرشي، فانطلق إليه، فخرج ومدَّ له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مفازة، فلم تزل تلك المفازة على ذَلِكَ، وأتى آدم البيت فطاف به ومن بعده من الأنبياء، ثم بوأ الله مكانه لإبراهيم بعد الغرق (١).
ومعنى: ﴿بَوَّأنَا﴾: وطّأنا أو عرَّفناه بعلامة سحابة، فطوفت حيال الكعبة، فبنى على ظلها، أو ريح هبت فسكنت حول البيت يُقال لها: الحجوج، ﴿وَطَهِّر بَيْتِىَ﴾: من الشرك وعبادة الأوثان أو من الأنجاس كالفرث والدم الذي كان يُطرح حول البيت، أو قول الزور، ﴿لِلطَّآئِفِينَ﴾: بالبيت ﴿وَالقَآئِمِينَ﴾: إلى الصلاة، أو المقيمين بمكة،

----------
(١) رواه عبد الرزاق في «تفسيره» ٢/ ٣٠ (١٩١١)، والطبري ٩/ ١٣٢ - ١٣٣ (٢٥٠٣٠)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٤٨٥ (١٣٨٧٢)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ٤/ ٦٣٥ - ٦٣٦ لعبد الرزاق والطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم.


﴿وَاَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ﴾: في الصلاة ﴿وَأَذِّن فِي اَلنَّاسَ﴾: أعلمهم وناد فيهم، خوطب به محمد - ﷺ -؛ ليأمر به الناس أو إبراهيم، فقام إبراهيم على أبي قبيس فقال: عباد الله، إن الله قد بني بيتًا وأمر بحجه فحجوه، فأجابوه من أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك داعي ربنا، فلا يحجه إلا من أجاب (١)، قيل: أول من أجابه أهل اليمن فهم أكثر الناس حجًّا (٢)، ﴿رِجَالًا﴾: جمع: راجل. ﴿ضَامِرٍ﴾: رحل مهزول، وقد سلف في أول الحج إيضاح ذَلِكَ، ﴿عَمِيقٍ﴾: بعيد.
وقال ابن عباس: عني الله بالناس هنا: أهل القبلة؛ ألم تسمعه قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية، ﴿وَمَن دَخَلَهُ﴾ من الناس الذين أُمر أن يؤذن فيهم وكتب عليهم (٣) ﴿ليشَهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُم﴾ شهود المواقف وقضاء المناسك أو المغفرة أو التجارة دينًا، وأخرى معلومات عشر ذي الحجة آخرها يوم النحر أو أيام التشريق أو يوم التروية ويوم عرفة ويوم النحر، وقال علي: يوم النحر ويومان بعده وأفضلها أولها (٤). وهو قول ابن عمر (٥) وأهل المدينة، وما قدمناه أولًا هو

---------
(١) رواه الطبري ٩/ ١٣٤ (٢٥٠٣٩ - ٢٥٠٤١)، والحاكم ٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩، ٢/ ٥٥٢ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، والبيهقي في «سننه» ٥/ ١٧٦، وفي «شعب الإيمان» ٣/ ٤٣٩ (٣٩٩٨)، والضياء في «المختارة» ١٠/ ٢٠ - ٢١ (١١) من طرق عن ابن عباس.
(٢) رواه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٤٨٧ (١٣٨٧٨)، وعزاه السيوطي له في «الدر المنثور» ٤/ ٦٣٧.
(٣) رواه الطبري ٩/ ١٣٥ (٢٥٠٥٠)، وعزاه له في «الدر المنثور» ٤/ ٦٣٩.
(٤) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٣٦٠ (١٨٩٤).
وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤٢٠ لعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا.
(٥) ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٣٦١. =



قول ابن عباس (١) والكوفيين، وأجمعوا أن الـ ﴿معدودات﴾ أيام التشريق الثلاثة (٢)، وقد سلف ذَلِكَ في العيد ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُم﴾ أي: على نحر ما رزقهم من الضحايا والهدايا، ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا وَأَطعِمُواْ﴾ اختلف العلماء فيهما أهما واجبان أو مستحبان، أو يجب الإطعام دون الأكل؟ ﴿البَآئِسَ اَلفَقِيرَ﴾: الذي جمع الفقر والزمانة أو الفقر وضرَّ الجوع، أو الفقر والطلب، أو الذي ظهر عليه أثر البؤس، أو الذي تأنف عن مجالسته، وهو في اللغة: الذي به البؤس، وهو شدة الفقر.
﴿تَفَثَهُم﴾ مناسك الحج، أو الحلق، أو إزالة تفث الإحرام بالتقليم والطيب، وأخذ الشعر وتقليم الأظفار والغسل. وعبارة ابن عباس: التفث: الحلق والتقصير والذبح والأخذ من الشارب واللحية ونتف الإبط وقص الأظفار (٣).
وقال ابن عمر: هو ما عليهم في الحج (٤)، وقال مرة: المناسك كلها (٥)، وقد أسلفناه.

--------
= وعزاه السيوطي في «الدر المنشور» ١/ ٤٢٠ للفريابي، وابن أبي الدنيا، وابن المنذر.
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٣١٤ - ٣١٥ (٣٨٨٩ - ٣٨٩٥).
وابن أبي حاتم في «تفسيره» ٢/ ٣٦١ (١٨٩٥)، وعزاه السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٤٢٠ للفريابي، وعبد بن حميد والمروزي في «العيدين»، وابن المنذر وابن مردويه.
(٢) انظر «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٧١، «الاستذكار» ١٣/ ١٧٤، «الإقناع» للفاسي ٢/ ٨٦٧.
(٣) رواه الطبري ٩/ ١٣٩ (٢٥٠٩١).
(٤) رواه الطبري ٩/ ١٣٩ (٢٥٠٨٩).
(٥) رواه الطبري ٩/ ١٣٩ (٢٥٠٩٠).



﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾. أي: نذر الحج والهدي، وما نذروه من شيء يكون في الحج، قاله مجاهد (١). ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾: طواف الإفاضة، وهو الركن. ﴿العَتِيقِ﴾ سلف، فأعتقه الله من الجبابرة أن يصلوا إلى تخريبه، أو عتق فلم يملكه أحد من الناس، أو من الغرق، أو من الطوفان، أو قديم. ﴿أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾: بناه آدم، وأعاده بعد الطوفان إبراهيم وإسماعيل ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِم حُرُمَتِ اَللهِ﴾: فعل المناسك أو منهيات الإحرام.
------
(١) رواه الطبري ٩/ ١٤١ (٢٥١٨ - ٢٥١٩)، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٤٩٠ (١٣٩٠٢).


١٢٤ - باب مَا يَأْكُلُ مِنَ (البُدْنِ) (١) وَمَا يُتَصَدَّقُ
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يُؤْكَلُ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالنَّذْرِ، وَيُؤْكَلُ مِمَّا سِوَى ذَلِكَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ مِنَ المُتْعَةِ.

١٧١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا عَطَاءٌ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما يَقُولُ: كُنَّا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «كُلُوا وَتَزَوَّدُوا». فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَقَالَ: حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا. [٢٩٨٠، ٥٤٢٤، ٥٥٦٧ - مسلم: ١٩٧٢ - فتح: ٣/ ٥٥٧]

١٧٢٠ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، وَلَا نَرَى إِلاَّ الحَجَّ، حَتَّى إِذَا دَنَوْنَا مِنْ مَكَّةَ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ إِذَا طَافَ بِالبَيْتِ ثُمَّ يَحِلُّ. قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها: فَدُخِلَ عَلَيْنَا يَوْمَ النَّحْرِ بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ: ذَبَحَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ أَزْوَاجِهِ. قَالَ يَحْيَى: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لِلْقَاسِمِ، فَقَالَ: أَتَتْكَ بِالحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٥٧]
ذكر فيه حديث عطاء: سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: كُنا لَا نَأْكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنَا فَوْقَ ثَلَاثِ مِنًى، فَرَخَّصَ لَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: «كلُوا وَتَزَوَّدُوا». فَأَكَلْنَا وَتَزَوَّدْنَا. قُلْتُ لِعَطَاءِ: أَقَالَ: حَتَّى جِئْنَا المَدِينَةَ؟ قَالَ: لَا.
وحديث عمرة قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ الله - ﷺ - لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، وَلَا نَرى إِلَّا الحَجَّ.

------
(١) في (ج) والأصل: الصيد، وفي هامش الأصل: لعل صوابه (البدن) والمثبت من اليونينية ٢/ ١٧٢.


الحديث في باب: ذبح الرجل البقر عن نسائه، وفي آخره: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر، وقد سلف قريبًا (١). هذا التبويب ثابت في (الأصول) (٢) والشروح، وفي بعض الأصول إسقاط لفظة باب وإدخاله في الباب قبله فقال: وما يأكل من البدن و(ما) (٣) يتصدق به.
وأثر ابن عمر رواه ابن أبي شيبة، عن ابن نمير، عن (عبيد) (٤) الله، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقول: إذا عطبت البدنة، أو كسرت أكل منها صاحبها وأطعم، ولم يبدلها إلا أن يكون نذرًا أو جزاء صيد (٥).
وأثر عطاء أخرجه أيضًا، عن ابن إدريس، عن عطاء بلفظ: ما كان من جزاء صيد أو نسك أو نذر للمساكين فإنه لا يأكل منه (٦).
وقد سلف اختلاف العلماء في جواز الأكل من الهدي في باب: يتصدق بجلال البدن. وذكر ابن المواز، عن مالك: أنه يأكل من الهدي النذر، إلا أن يكون نذره للمساكين، وكذلك ما أخرجه بمعنى الصدقة لا يأكل منه، وهدي التطوع إذا قصر عن بلوغ محله وعطب فلا يأكل منه (٧).
وكان الأوزاعي يكره أن يؤكل من جزاء الصيد أو فدية أو كفارة، ويؤكل هدي النذر وهدي التمتع والتطوع. واحتج لمالك بقوله:

--------
(١) سلف برقم (١٧٠٩).
(٢) في هامش الأصل: (ومنها نسختي).
(٣) من (ج).
(٤) في (ج): (عبد).
(٥) «المصنف» ٣/ ١٧١ (١٣١٩٤).
(٦) «المصنف» ٣/ ١٧١ (١٣١٩٥) عن ابن إدريس، عن عبد الله، عن عطاء.
(٧) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٥١.



﴿فَكُلُوا مِنهَا وَأَطعِمُوا﴾ ولم يخص واجبا من تطوع، فهو عام في الجواز إلا بدلالة؛ ولأن الإجماع قائم على جواز الأكل من دم المتعة كما قاله ابن القصار قال: ولا نعلم أحدًا منعه قبل الشافعي، وقول عائشة: دخل علينا يوم النحر بلحم بقر، يرد قوله؛ لأنه لا خلاف أن نحرها كانت هدي المتعة التي تمتعن، وقد أمر - عليه السلام - أن يحمل إليهن منه ليأكلنه.
وقال المهلب: وإنما لم يجز الهدي من الجزاء؛ لأنه غرم جناية، فإذا أكل منه (لم يغرم) (١) المثل الذي أوجب الله عليه، وفدية الأذى من هذا الباب، ونذر المساكين كذلك؛ لأنه إذا أكل منه لم ينفذ إليهم حقوقهم.
واحتج الطحاوي لأبي حنيفة فقال: ظاهر الآية إباحة الأكل من جميع الهدايا إذ لم يذكر في ذَلِكَ خاص بها، واحتمل أن يكون باطن الآية كظاهرها، واحتمل خلافه، وأهل العلم لا يختلفون في هدي التطوع إذا بلغ محله أنه يباح لمهديه الأكل منه، وأنه مما دخل في هذِه الآية وشهد بذلك السنن المأثورة؛ لأنه - عليه السلام - أكل من هديه في حجته وكانت تطوعًا، ولا يختلفون في المنع في الجزاء ونذر المساكين وإنه غير داخل في هذِه الآية (٢).
واختلفوا في هدي القرآن والمتعة وهدي الجماع، والأولان أشبه بالتطوع منهما؛ لأنهما وجبا بفعل غير منهي عنه، ولم يكونا كهدي النذر؛ لأنه شكر لشيء يراد به أن يكون جزاء له فأشبهت العوض،
وكان هدي الجماع بهدي الجزاء أشبه للاشتراك في الهدي.

-----------
(١) في (ج): (يغرم).
(٢) «الاستذكار» ١٢/ ٢٨١.



واختلف أهل العلم في هدي التطوع إذا عطب قبل محله، فقالت طائفة: صاحبه ممنوع من الأكل منه، روي ذَلِكَ عن ابن عباس، وهو قول مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، ورخصت طائفة (١) في الأكل منه، روي ذَلِكَ عن عائشة، وابن عمر (٢).
وأما حديث الباب فهو مجمل كالآية، وفيه: جواز الأكل من الهدي دون تخصيص نوع منه بالمنع.
وقول جابر: (كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى)، فقال النخعي: وكان المشركون لا يأكلون من ذبائحهم فأبيح للمسلمين الأكل منها (٣)، وإنما منعوا من ذَلِكَ في أول الإسلام من أجل الدافَّة (٤)، فلما زالت العلة الموجبة لذلك أمرهم أن يأكلوا ويدخروا.
واختلف في مقدار ما يؤكل منها ويتصدق: فذكر علقمة أن ابن مسعود أمره أن يتصدق بثلثه ويأكل ثلثه ويهدي ثلثه (٥)، وروي عن عطاء وهو قول الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٦).

------------
(١) انظر: «البناية» ٤/ ٤٥٨، «الاستذكار» ١٢/ ٢٨١، «الذخيرة» ٣/ ٣٦٠، «البيان» ٤/ ٤١٧، «أسنى المطالب» ١/ ٥٣٤.
(٢) انظر: «المغني» ٥/ ٤٤٥.
(٣) رواه الطبري ٩/ ١٥٦ (٢٥٢١٥).
(٤) الدَّافَّة: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد. «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ١٢٤.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٧٠ (١٣١٨٨).
(٦) وهو قول الشافعي في الجديد، وقوله في القديم: (يأكل النصف ويتصدق بالنصف) لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ﴾. انظر «البيان» ٤/ ٤٥٥، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٦١٥.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #337  
قديم اليوم, 02:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 109 الى صـــ 120
الحلقة (337)






وقال الثوري: يتصدق بأكثره. وقال أبو حنيفة: ما يجب أن يتصدق بأقل من الثلث (١).
وقال ابن التين: مشهور مذهب مالك: أنه يؤكل من كل هدي إلا أربعة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذره للمساكين، وهدي التطوع إذا عطب قبل محله، فإن نذر بدنة ولم يعلقها بالمساكين بقول أو نية جاز الأكل على الأصح، وقيل: إن أهدي الفساد لا يؤكل منه، وفروعه عندهم كثيرة (٢).

----------
(١) انظر: «الأصل» (٤٣٤)، «بدائع الصنائع» ٢/ ٦١٥.
(٢) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٥٣ - ٤٥٣، «المنتقى» ٢/ ٣١٨.



١٢٥ - باب الذَّبْحِ قَبْلَ الحَلْقِ
١٧٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَوْشَبٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنَا مَنْصُورٌ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٥٩]

١٧٢٢ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ «لَا حَرَجَ». وَقَالَ عَبْدُ الرَّحِيمِ الرَّازِيُّ، عَنِ ابْنِ خُثَيْمٍ: أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ القَاسِمُ بْنُ يَحْيَى: حَدَّثَنِي ابْنُ خُثَيْمٍ عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٥٩]
وَقَالَ عَفَّانُ -أُرَاهُ- عَنْ وُهَيْبٍ: حَدَّثَنَا ابن خُثَيْمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. وَقَالَ حَمِّاد: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ، وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٧٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ. قَالَ: «لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٥٩]

١٧٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى - رضي الله عنه - قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ بِالبَطْحَاءِ. فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: «بِمَا أَهْلَلْتَ؟». قُلْتُ: لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ - ﷺ -. قَالَ: «أَحْسَنْتَ، انْطَلِقْ فَطُفْ بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ». ثُمَّ أَتَيْتُ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ بَنِي قَيْسٍ، فَفَلَتْ رَأْسِي، ثُمَّ أَهْلَلْتُ بِالحَجِّ، فَكُنْتُ أُفْتِى بِهِ النَّاسَ،


حَتَّى خِلَافَةِ عُمَرَ - رضي الله عنه -، فَذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ نَأْخُذْ بِكِتَابِ اللهِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُنَا بِالتَّمَامِ، وَإِنْ نَأْخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ. [انظر: ١٥٥٩ - مسلم: ١٢٢١ - فتح: ٣/ ٥٥٩]
ذكر فيه حديث عَطَاءٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَنَحْوِهِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ، لَا حَرَجَ».
وعنه (١) أيضًا: قَالَ رَجُلٌ لرسول الله - ﷺ -: زُرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ؟ قَالَ: «لَا حَرَجَ».
عَنْ عِكْرِمَةَ (٢)، عَنه: سُئِلَ رسول الله - ﷺ - فَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ؟ فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». قَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ فقَالَ: «لَا حَرَجَ».
ثم أخرجه من حديث عطاء من طريقين معلقين عنه ومن (٣) حديث سعيد بن جبير عنه.
ثم قال: وَقَالَ حَمَّادٌ: عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، وَعَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النبِيِّ - ﷺ -.
وذكر فيه أيضًا حديث أبي موسى قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ بِالبَطْحَاءِ. فَقَالَ: «أَحَجَجْتَ؟». قُلْتُ: نَعَمْ. إلى قول عمر: وَإِنْ نَأخُذْ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لَمْ يَحِلَّ حَتَّى بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَهُ.
الشرح:
حديث ابن عباس أخرجه مسلم بلفظ: أن النبي - ﷺ - قيل له في الذبح

-----------
(١) فوقها في الأصل: مسند متصل.
(٢) فوقها في الأصل: مسند.
(٣) في هامش الأصل: معلق آخر عن شيخه عفان، والصحيح أنه محمول على المذاكرة وهي (…).



والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال: «لا حرج» (١).
وسلف في كتاب العلم في باب: من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس فأومأ بيده: لا حرج، في الموضعين (٢)، وذكر في هذِه الطريق: الذبح قبل الرمي، والحلق قبل الذبح.
وقوله: (وَنَحْوِهِ) جاء مبينًا في رواية عبد العزيز بن رفيع: أن النبي - ﷺ - قيل له في الحلق والذبح، إلى آخر ما سلف.
والتعليق الأول وهو تعليق عبد الرحيم الرازي أخرجه الإسماعيلي، عن ابن زاطيا، ثَنَا الحسن بن حمَّاد، ثَنَا عبد الرحيم بن سليمان، به بلفظ: يا رسول الله: طفتُ بالبيت قبل أن أرمي؟ قال: «لا حرج».
وأخبرنيه القاسم: ثَنَا أبو كريب، ثَنَا عبد الرحيم.
والثاني تعليق سعيد بن جبير أسنده الإسماعيلي أيضًا عن القاسم: ثَنَا الحسن بن محمد والصاغاني قالا: ثَنَا عفان، ثَنَا وهيب به بلفظ: حلقتُ ولم أنحر؟ قال: «لا حرج فانحر» وجاءه رجل فقال: ذبحت ولم أرم؟ قال: «ارم ولا حرج».
وزعم خلف في «أطرافه» أن البخاري رواه في الحج فقال: ثَنَا عفان. وطريق قيس رواها النسائي عن أحمد بن سليمان، ثَنَا عفان، عن حماد بن سلمة، عن قيس به بلفظ: حلقت قبل أن أذبح؟ ذبحت قبل أن أرمي؟ طفت قبل أن أذبح؟ قال في الكل: «لا حرج» (٣).
وطريق عباد رواها الإسماعيلي عن القاسم، ثَنَا محمد بن إسحاق،

-------
(١) مسلم (١٣٠٧) كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر.
(٢) سلف برقم (٨٤).
(٣) «السنن الكبرى» ٥/ ٤٤٦ (٤٠١٠٥) كتاب: الحج، باب: الذبح قبل الرمي.



أنا يحيى بن إسحاق، ثَنَا حماد بن سلمة: رمى قبل أن يحلق عكسه ذبح قبل أن يحلق فقال: «افعل ولا حرج».
وتعليق جابر من أفراده، وأخرجاه من حديث (عبيد الله) (١) بن عمرو بن العاصي (٢) والأربعة (٣).
وقد ذكره في باب: الفتيا على الدابة (٤)، وحديث أبي موسى أخرجه مسلم مطوَّلًا (٥)، وأخرجه الترمذي من حديث علي (٦)، وأبو داود من

-----------
(١) كذا في الأصل، والصواب: عبد الله، كما سيأتي في تخريج الحديث.
(٢) سلف برقم (٨٣) كتاب: العلم، باب: الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها، وسيأتي في مواضع أُخر، ورواه مسلم (١٣٠٦) كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي. عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٣) أبو داود (٢٠١٤) كتاب: المناسك، باب: فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حجه، الترمذي (٩١٦) كتاب: الحج، باب: ما جاء فيمن حلق قبل أن يذبح، أو منسكًا قبل نسك، النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٤٦ - ٤٤٧ (٤١٠٦ - ٤١٠٩)، ابن ماجه (٣٠٥١). عن عبد الله بن عمرو بن العاص.
(٤) سلف برقم (٨٣).
(٥) مسلم (١٢٢١). كتاب: الحج، باب: في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام.
(٦) الترمذي (٨٨٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء أن عرفة كلها موقف.
ورواه أحمد ١/ ٧٢، ٧٥ - ٧٦، ٨١، ١٥٧، وأبو يعلى ١/ ٢٦٤ - ٢٦٥ (٣١٢)، ١/ ٤١٣ - ٤١٤ (٢٨٤) والبيهقي ٥/ ١٢٢ من طريق عبد الرحمن بن الحارث بن عياش، عن زيد بن علي، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي، الحديث مطولًا. ورواه أبو داود (١٩٢٢) كتاب: المناسك، باب: الدفعة من عرفة، (١٩٣٥) باب: الصلاة بجمع، وابن الجارود ٢/ ٩٧ (٤٧١) من الطريق السابق، لكنه مختصرًا.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٦٧٨، ١٦٩١).
وقد وقع في متن الحديث: وأردف أسامة بن زيد وجعل يشير بيده على هينته، والناس يضربون يمينًا وشمالًا يلتفت إليهم ويقول: يا أيها الناس .. الحديث. =



حديث أسامة بن شَريِك (١).
إذا تقرر ذَلِكَ: فسنة الحاج أن يرمي جمرة العقبة يوم النحر، ثم ينحر، ثم يحلق رأسه، ثم يطوف طواف الإفاضة، كذا فعله المبين عن الله، وهو مقتضى قول عمر في حديث أبي موسى: أنه - عليه السلام - لم يحل حَتَّى يبلغ الهدي محله يريد أنه لم يحلق حَتَّى نحر الهدي، وهذا معنى الترجمة، فمن قدم شيئًا من ذَلِكَ عن رتبته فللعلماء فيه أقوال: ذهب عطاء، وطاوس، ومجاهد: إلى أنه إن قدَّم نسكًا قبل نسك أنه لا حرج عليه (٢)، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحاق (٣).
وقال ابن عباس: من قدَّم من حجه شيئًا أو أخَّره فعليه دم (٤)، وهو قول النخعي، والحسن (٥)، وقتادة، واختلفوا إذا حلق قبل أن يذبح، فقال مالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق،

-----------
= هكذا عند الترمذي، ووقع عند أبي داود في الحديث الأول (١٩٢٢): ثم أردف أسامة فجعل يعنق على ناقته، والناس يضربون الإبل يمينًا وشمالًا، لا يلتفت إليهم ويقول .. الحديث.
قال الألباني: معلقًا إسناده حسن، لكن قوله: لا يلتفت … شاذ، والمحفوظ: يلتفت … وهي رواية الترمذي. اهـ.
(١) أبو داود (١٢١٥) كتاب: المناسك، باب: فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حجه.
ورواه ابن خزيمة ٤/ ٢٣٧ (٣٤٣٦)، والطحاوي في «شرح المعاني» ٢/ ٢٣٦، والدارقطني ٢/ ٢٥١، وابن حزم في «حجة الوداع» (١٨٧)، والبيهقي ٥/ ١٤٦، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٥٩) وقال: لكن قوله: سعيت قبل أن أطوف -في متن الحديث- شاذ.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٥ (١٤٩٥٣) في الرجل يحلق قبل أن يذبح.
(٣) انظر: «البيان» ٤/ ٣٤٢، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٧.
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٥ (١٤٩٥٤).
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٤٥ (١٤٩٥٦).



وأبو ثور، وداود، وابن جرير: لا شيء عليه، وهو نص الحديث، ونقله ابن عبد البر، عن الجمهور ومنهم: عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، والحسن، وقتادة (١).
وقال النخعي، وأبو حنيفة، وابن الماجشون: عليه دم، وقال أبو حنيفة: وإن كان قارنًا فدمان، والمراد بالمحل قوله تعالى: ﴿ولا تحلقوا رؤوسكم حَتَّى يبلغ الهدي محله﴾ المراد: الذي يقع فيه النحر فإذا بلغ محله جاز أن يحلق قبل الذبح. وقال زفر: إن كان قارنًا فعليه دمان لتقدم الحلاق، وعنه ثلاثة دماء، دم للقران ودمان للحلق قبل النحر.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء عليه. واحتجا بقوله - عليه السلام -: «لا حرج» (٢). وقول أبي حنيفة وزفر مخالف للحديث فلا وجه له.
واختلفوا فيمن طاف للزيارة قبل أن يرمي، فقال الشافعي: إن ذَلِكَ يجزئه ويرمي على نص الحديث (٣).
وروى ابن عبد الحكم، عن مالك: أنه يرمي ثم يحلق رأسه ثم يعيد الطواف؛ فإن رجع إلى بلده فعليه دم ويجزئه طوافه (٤).
وهذا خلاف نص ابن عباس، وأظن مالكًا لم يبلغه الحديث، وتابع ابن القاسم مالكًا في إعادة الطواف وخالف أصبغ فقال: يعيده استحبابًا.

------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٣، «المنتقى» ٣/ ٣٠، «الأم» ٢/ ١٨٢، «المجموع»
٤/ ١٩٠، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٨، «المستوعب» ٤/ ٢٤٦.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٦٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٤١٣.
(٣) «الأم» ٢/ ١٨٢.
(٤) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٢.



وفيه: ردٌّ لما كرهه مالك أن يسمي طواف الإفاضة طواف الزيارة؛ لأن الرجل قال لرسول الله - ﷺ -: زرت قبل أن أرمي فلم ينكر عليه (١).
واختلفوا فيمن أفاض قبل أن يحلق بعد الرمي، فقال ابن عمر: يرجع فيحلق أو يقصر ثم يرجع إلى البيت فيفيض (٢). وقالت طائفة: تجزئه الإفاضة ويحلق أو يقصر ولا شيء عليه. هذا قول عطاء، ومالك، والشافعي، وسائر الفقهاء (٣)، وقال مالك في «الموطأ»: أحب إليَّ أن يهريق دمًا لحديث ابن عباس (٤)، وأما إذا ذبح قبل أن يرمي فقال مالك وجماعة من العلماء: لا شيء عليه؛ ولأن ذَلِكَ نص في الحديث والهدي قد بلغ محله وذلك يوم النحر كما لو نحر المعتمر بمكة هديًا ساقه قبل أن يطوف لعمرته:
واختلفوا إذا قدم الحلق على الرمي، فقال مالك، وأبو حنيفة: عليه الفدية؛ لأنه حرام أن يمس من شعره شيئًا أو يلبس أو يمس طيبًا حَتَّى يرمي جمرة العقبة (٥).
وقد حكم الشارع على من حلق رأسه قبل محله من ضرورة بالفدية فكيف من غير ضرورة، وجوزه الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور،

------------
(١) قال القرافي: «وكره مالك تسميته طواف الزيارة، وقولهم: زرنا قبر النبي - عليه السلام - تعظيمًا له - عليه السلام -؛ لأن العادة أن الزائر متفضل على المزور، ولا يحسن أن يقال: زرنا السلطان، لما فيه من إيهام المكافأة والمماثلة»، «الذخيرة» ٣/ ٢٧٠.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» ١/ ٥٣٩ (١٣٩٩) كتاب: المناسك، باب: التقصير.
(٣) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٣٦، «المبسوط» ٤/ ٤٢، «المجموع» ٨/ ١٩٠، «الفروع» ٣/ ٥١٤.
(٤) «الموطأ» ١/ ٥٣٩ (١٤٠٠).
(٥) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٦٢، «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٢، «المنتقى» ٣/ ٣٠.



وداود، والطبري، وهو قول الحسن، وعطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وقتادة (١)، واحتجوا بقوله - عليه السلام - في التقديم والتأخير: «لا حرج» وسيأتي الكلام في رمي جمرة العقبة بعدما أمسى قريبًا (٢).
وتأول الكوفيون في وجوب الدم فيمن قدم شيئًا من نسكه أن معنى «لا حرج» لا إثم؛ لأنه كان يعلمهم، وكانوا لا علم لهم بمناسكهم. فأخبر أن لا حرج بجهلهم لا لغير ذَلِكَ؛ لأنهم كانوا أعرابًا لا على أنه أباح لهم التقديم والتأخير في العمد.
وهذا ابن عباس يوجب على من قدم من نسكه شيئًا أو آخره الدم، وهو أحد رواة الحديث فلم يكن معنى ذَلِكَ عنده على الإباحة. لكن قال أبو عمر: لا يصح عنه (٣).
وذهب عطاء إلى أن معنى قوله: «لَا حَرَجَ» على العموم لا شيء على فاعل ذَلِكَ من إثم ولا فدية؛ بيانه أنه لم يسقط الحرج عنه إلا وقد أجزأه فعله، ولو لم يكن عنده مجزئًا لأمره بالإعادة أو بفدية، ولم يقل له: لا حرج؛ لأن الفدية إنما تلزم للحرج الذي يأتيه، (فعلم بذلك) (٤) أنه من قدم شيئًا من نسكه فدخل وقته قبل شيء منه أو آخره أنه لا يلزمه شيء، فإن ظن ظان أن في قول الرجل لرسول الله - ﷺ -: (نحرتُ قبل أن أرمي، ولم أشعر)، دلالة على أنه لا يجوز ذَلِكَ للعامد، وأن عليه القضاء إن كان مما يقضى، أو الفدية إن كان مما لا يقضى فقد وهم؛ لأن الجاهل والناسي لا يضع عنهما جهله ونسيانه حكم المتعمد في موضع مناسك الحج غير مواضعها، وإنما يضع الإثم؛
(١) انظر: «البيان» ٤/ ٣٤٣، «المجموع» ٨/ ١٩٤، «المغني» ٥/ ٣٢٠، «الفروع» ٣/ ٥١٥.
(٢) سيأتي برقم (١٧٣٤ - ١٧٣٥).
(٣) «التمهيد» ٧/ ٢٧٧.
(٤) في (ج): يعلم ذلك.



وذلك أنه لا خلاف بين الجميع أنَّ جاهلًا من الحاج لو جهل ما عليه فلم يرم الجمرات حَتَّى انقضت أيام الرمي، أو أن ناسيًا نسي ذَلِكَ حَتَّى مضت أيامه أن حكمه في الفدية كالعامد، وكذلك تارك الوقوف جاهلًا أو ناسيًا حَتَّى انقضى وقته، وكذا جميع أعمال الحج سواء في اللازم الفدية والجاهل والعامد والناسي، وإن اختلفت أحوالهم في الإثم فكذلك مقدم شيء من ذَلِكَ ومؤخره، الجاهل والعامد فيه سواء؛ لأنه قال: «لا حرج» ولم يفصل بجوابه بينهم.
تنبيهات:
أحدها: وقع في كلام ابن التين أنه إذا قدم الحلق على الرمي افتدى قولًا واحدًا (١)، وعلله بأنه محرم حلق لم يتحلل من نسكه، قال: وإن كان في حديث مسلم أنه قال: «لَا حَرَجَ» (٢) فيحتمل أن معناه لا إثم، والخلاف ثابت في مذهبه. قال ابن الحاجب: فلو قدم الحلق على الرمي فالفدية على الأصح، وإلا فلا فدية على الأصح (٣). ولنا وجه أنه يمتنع تقديمه على الرمي والطواف معًا بناء على أنه استباحة محظور.
ثانيها: العامد كالناسي في هذا عندنا (٤)، وبه قال القاضي أبو الحسن من المالكية: يجوز تقديم الحلق على النحر (٥).

-----------
(١) انظر: «التمهيد» ٩/ ٢٦٧.
(٢) «صحيح مسلم» (١٣٠٧) كتاب الحج، باب: من حلق قبل النحر.
(٣) «مختصر ابن الحاجب» ١٠٦.
(٤) للإمام الشافعي رحمه الله تفصيل في ذلك انظره: «الإم» ٢/ ١٤٠، واختار المزني أن العامد كالناسي. «البيان» ٤/ ١٩٧.
(٥) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٨.



قال ابن التين: والظاهر من مذهبنا المنع. قال الداودي ومالك: يرى على من حلق قبل الرمي أو أخَّر رميه حَتَّى غابت الشمس، ولا يرى فيما سوى ذَلِكَ مما ذكر، قال: ولم يبلغه ما ها هنا، وتعقبه ابن التين قال: وله في الرمي بعد الغروب قولان في الدم.
ثالثها: قول أبي موسى: (ثم أتيت امرأة من نساء بني قيس فَفَلَتْ رأسي)، يعني: من أخواته أو بنات إخوته؛ لأنه ابن قيس، ويحتمل أن يريد أنها من أزواجهم إلا أن قوله: (فَفَلَتْ رَأسِي) يقتضي أنها من
محارمه (ومحِله) بكسر الحاء كما في القرآن؛ لأنه من حل يحل ولو أراد حيث يحل لكان محَله بالفتح.
رابعها: فيه: الرمي راكبًا، وبه قال الشافعي ومالك، قال: وفي غير يوم النحر ماشيًا (١)، وأنه سأل إبراهيم بن الجراح: ما تقول في رميها؟ فقال: ماشيًا، فقال: أخطأت، فقال: راكبًا، فقال: أخطأت، فقال: كل رمي بعده رمي يرميها ماشيًا، وكل رمي ليس بعده رمي يرميها راكبًا (٢).
وعن أبي حنيفة: يرميها كلها راكبًا وماشيًا (٣).
ووقع في «المحلى» لابن حزم، عن أبي يوسف أنه قال قبل موته بأقل من ساعة: رمي الجمرتين الأخيرتين راكبًا أفضل (ورمي جمرة العقبة ماشيًا أفضل المنقول عنه عليه [السلام] ثم اعترض فقال:

------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢١٠، «المنتقى» ٣/ ٤٨، «الأم» ٢/ ١٨٠.
(٢) في «المبسوط» القول محكي عن إبراهيم الجراح قال: (دخلت على أبي يوسف رحمه الله تعالى في مرضه الذي مات فيه ففتح عينيه وقال: الرمي راكبًا أفضل أم ماشيًا؟ ..). «المبسوط» ٤/ ٢٣، وانظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٥٨.
(٣) انظر: «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٤٦٣.



تقسيم بلا برهان، بل فيها كلها راكبًا أفضل) (١) اقتداءً برسول الله - ﷺ - (٢).
قلت: قد صحح الترمذي من حديث ابن عمر أنه كان إذا رمى الجمار مشى إليها ذاهبًا وراجعًا، ويخبر أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذَلِكَ ثم قال: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم، وكان بعضهم يركب يوم النحر ويمشي في الأيام التي بعده، قال: وكأن من قال هذا إنما أراد اتباع رسول الله - ﷺ - في فعله؛ لأنه إنما روي عنه: أنه ركب يوم النحر حيث ذهب يرمي الجمار، ولا رمي يوم النحر إلا جمرة العقبة (٣).
خامسها: قام الإجماع على أنه - عليه السلام - حلق رأسه يوم النحر، وقد حكاه أيضًا ابن عبد البر (٤)، ولا يرد عليه قول معاوية: قصرت عنه (٥).

----------
(١) ساقطة من (ج).
(٢) «المحلى» ٧/ ١٨٨ - ١٨٩.
وما روي عن أبي يوسف، ذكره السرخسي في «المبسوط» ٤/ ٢٣. قال في «الهداية»: الأصل أن كل رمي بعده يقف بعده؛ لأنه في وسط العبادة فيأتي بالدعاء فيه، وكل رمي ليس بعده رمي لا يقف لأن العبادة قد انتهت، ولهذا لا يقف بعد جمرة العقبة في يوم النحر أيضًا.
(٣) «سنن الترمذي» (٩٠٠) كتاب الحج، باب: ما جاء في رمي الجمار راكبًا وماشيًا.
ورواه أبو داود (١٩٦٩) كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار، والدارقطني ٢/ ٢٧٤ - ٢٧٥، والبيهقي ٥/ ١٣١، وكذا رواه أحمد ٢/ ١١٤ بلفظ: أنه كان يرمي الجمرة يوم النحر راكبًا وسائر ذلك ماشيًا وتخبرهم أن رسول الله - ﷺ - كان يفعل ذلك. وصححه الألباني في «صحيح أبو داود» (١٧١٨)، و«الصحيحة» (٢٠٧٢).
(٤) «التمهيد» ٧/ ٢٦٦.
(٥) سيأتي برقم (١٧٣٠) ورواه مسلم (١٢٤٦) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة.



سادسها: ذكر ابن المنذر عن الشافعي، أن من حلق قبل الرمي فعليه دمٌ، وذكر أنه حفظه عن الشافعي، وهو خطأ عنه كما نبه عليه ابن عبد البر قال: ولا أعلم خلافًا فيمن نحر قبل أن يرمي أنه لا شيء عليه (١).
-----------
(١) «الاستذكار» ١٣/ ٣٢٤.


١٢٦ - باب مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَحَلَقَ
١٧٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ حَفْصَةَ - رضي الله عنهم - أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ». [انظر: ١٥٦٦ - مسلم: ١٢٢٩ - فتح: ٣/ ٥٦٠]
ذكر فيه حديث حفصة أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ وَلَمْ تَحْلِلْ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِكَ؟ قَالَ: «إِنِّي لَبَّدْتُ رَأْسِي، وَقَلَّدْتُ هَدْيِي، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
وحديث نافع: كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّتِهِ.
حديث حفصة أخرجه مسلم أيضًا، وليس فيه الحلق (١)، نعم ثبت أنه حلق بعد ذَلِكَ، وحديث نافع هذا ثابت هنا في بعض النسخ، وفي «شرح ابن بطال» أيضًا (٢)، وفي بعضها الباب في الباب بعده (٣)، وقد سلف التلبيد في باب: من أهلَّ ملبدًا، وحقيقته: أن يجعل الصمغ في الغاسول ثم يلطخ به رأسه عند الإحرام؛ ليمنعه ذَلِكَ من الشعث.
وجمهور العلماء على أن من لبد رأسه وجب عليه الحلاق كما فعل رسول الله - ﷺ -، وبذلك أمر الناس عمر بن الخطاب، وابن عمر (٤)، وهو

-------
(١) «صحيح مسلم» (١٢٢٩) كتاب الحج، باب: بيان أن القارن لا يتحلل إلا في وقت تحلل الحاج المفرد.
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٠٠.
(٣) في هامش الأصل: وكذا في نسختي.
(٤) روى مالك في «الموطأ» ١/ ٥٤٠ - ٥٤١ (١٤٠٣ - ١٤٠٤) كتاب: المناسك، باب: التكبير، والبغوي في «مسند ابن الجعد» (٢٦٣٣)، والبيهقي ٥/ ١٣٥ من طريق ابن عمر وابن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: من لبد رأسه أو ضفره =



قول مالك، والثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وكذلك لو ضفَّر رأسه، أو عقصه كان حكمه حكم التلبيد؛ لأنَّ الذي فعل يشبه التلبيد الذي أوجب الشارع فيه الحلاق (١).
وفي «كامل ابن عدي» في حديث ابن عمر مرفوعًا: «من لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلق» (٢). وقال أبو حنيفة: من لبد رأسه أو ضفَّره فإن قصر ولم يحلق أجزأه (٣).
وروي عن ابن عباس أنه كان يقول: من لبد أو عقص أو ضفَّر فإن كان نوى الحلق فليحلق وإن لم ينوه فإن شاء حلق، وإن شاء قصر (٤)، وفعل النبي - ﷺ - أولى.

---------
= فعليه الحلق.
وروى البيهقي ٥/ ١٣٥ من طريق سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر قال: من لبد أو ضفر أو عقصَ فليحلق.
وروى البيهقي ٥/ ١٣٥ من طريق عبد الله بن نافع، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا: من لبد رأسه للإحرام فقد وجب عليه الحلاق.
قال البيهقي: عبد الله بن نافع ليس بالقوي والصحيح أنه من قول عمر وابن عمر رضي الله عنهما، وقال أيضًا: الصحيح عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر من قوله، وعن نافع، عن ابن عمر، عن عمر من قوله.
وروى أيضًا ٥/ ١٣٥ من طريق عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر العمري، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا به.
وقال: عاصم بن عمر ضعيف، ولا يثبت هذا مرفوعًا.
وسيأتي عند المصنف -رحمه الله- ذكر هذا الحديث المرفوع.
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ١٢٠، «البيان» ٤/ ٣٤٢، «مسائل الإمام أحمد برواية الكوسج» ١/ ٥٣٨.
(٢) «الكامل في ضعفاء الرجال» ٥/ ٢٧٢ ترجمة عبد الله بن نافع مولى ابن عمر (٩٨٤).
(٣) انظر: «البناية» ٤/ ١٣٦.
(٤) رواه البيهقي ٥/ ١٣٥.



وادعى الداودي: أن الحديث قال على أن من لبد رأسه فعليه الحلاق، وسيأتي في كتاب اللباس -إن شاء الله تعالى- قول عمر: من ضفَّر فليحلق ولا تشبهوا بالتلبيد، ومعناه -إن شاء الله- ما نقلناه عن الجمهور منهم الشافعي تبعنا فيه ابن بطال (١)، وهو قول قديم له، والجديد أنه لا يجب عليه (٢)، وهما لقوله في أن التقليد والإشعار هل يتنزل منزلة قوله: جعلتها أضحية.
-------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٠٠ - ٤٠١.
(٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٣٢١ - ٣٢٢، «البيان» ٤/ ٣٤٢.



١٢٧ - باب الحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عِنْدَ الإِحْلَالِ
١٧٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ نَافِعٌ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَقُولُ حَلَقَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي حَجَّتِهِ. [١٧٢٩، ٤٤١٠، ٤٤١١ - مسلم: ١٣٠٤ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٢٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ». وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: «رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ». مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ. قَالَ: وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنِي نَافِعٌ: وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ». [مسلم: ١٣٠١ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٢٨ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عُمَارَةُ بْنُ القَعْقَاعِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَلِلْمُقَصِّرِينَ. قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: «وَلِلْمُقَصِّرِينَ». [مسلم: ١٣٠٢ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٢٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ بْنُ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ حَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ. [انظر: ١٧٢٦ - مسلم: ١٣٠٤ - فتح: ٣/ ٥٦١]

١٧٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ - رضي الله عنهم - قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِشْقَصٍ. [مسلم: ١٢٤٦ - فتح: ٣/ ٥٦١]
ذكر فيه عن (نافع) (١): كَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: حَلَقَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي حَجّتِهِ.

---------
(١) فوقها في الأصل: مسند متصل.


وعن مالك عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ المُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «وَالمُقَصِّرِينَ».
وَقَالَ اللَّيْثُ (١): حَدَّثَنِي نَافِعُ: «رَحِمَ اللهُ المُحَلِّقِينَ». مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللهِ (٢)، حَدَّثَنِي نَافِعٌ: وَقَالَ فِي الرَّابعَةِ: «وَالمُقَصِّرِينَ».
وعن أبي زُرْعَةَ (٣)، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مرفوعًا: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ» إلى أن قال: قَالَهَا ثَلَاثًا. قَالَ: «وللْمُقَصِّرِينَ».
وعن (جُوَيْرِةَ) (٤) بْنِ أَسْمَاءَ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ: حَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ.
وعن ابن (٥) عَبَّاسٍ، عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: قَصَّرْتُ عَنْ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِمِشْقَصٍ.
الشرح:
حديث ابن عمر أخرجه مسلم (٦) وكذا حديثه الثاني (٧) والثالث (٨)، وفي حديث فلما كانت الرابعة قال: «والمقصرين» (٩)، وفي رواية له: قالها في الثالثة.

---------
(١) فوقها في الأصل: معلق.
(٢) فوقها في الأصل: معلق.
(٣) فوقها في الأصل: مسند.
(٤) في (ج): جويرية ولعل الصحيح ما أثبتناه، وفوقها في الأصل: مسند.
(٥) فوقها في الأصل: مسند.
(٦) مسلم (١٣٠٤) كتاب: الحج، باب: تفضيل الحلق على التقصير.
(٧) مسلم (١٣٠١).
(٨) مسلم (١٣٠٢).
(٩) مسلم (١٣٠١/ ٣١٩).



وتعليق الليث وعبيد الله أسندهما مسلم كما ذكرناه، الأول من حديث قتيبة وغيره عنه (١)، والثاني من حديث عبد الوهاب عنه (٢)، ورواه القعنبي من حديث عبد الله العمري المكبر، أخرجه الكجي في «سننه»، عن القعنبي عنه. وقال أبو قرة: سمعت عبد الله بن عمر بن حفص، ومالك بن أنس يذكران عن نافع، فذكره، وكذا رواه ابن وهب في «مسنده» عنهما.
وقال الطرقي: مداره على نافع، رواه خلق عنه منهم مالك، ولم يتابع الليث على الجمع بين اللفظتين، وفي أفراد مسلم، عن أم الحصين دعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة (٣)، ولم يخرج البخاري، عن أم الحصين في هذا ولا في غيره شيئًا.
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (٤)، وشيخ البخاري فيه عياش بن الوليد -بالمثناة والشين المعجمة- وقيده ابن السكن: بسين مهملة وباء موحدة، والصواب الأول كما نبه عليه الجياني (٥).
وحديث ابن عباس، عن معاوية أخرجه مسلم بلفظ: عن طاوس قال: قال ابن عباس: قال لي معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله - ﷺ - عند المروة بمشقص؟ (٦).
قلت: لا أعلم هذِه إلا حجة عليك، ثم الأحاديث كلها دالة على أن

-------------
(١) مسلم (١٣٠١/ ٣١٦، ٣١٩).
(٢) مسلم (١٣٠١/ ٣١٩).
(٣) مسلم (١٣٠٣).
(٤) مسلم (١٣٠٢).
(٥) «تقييد المهمل» ٢/ ٥٣٢، ٥٣٣.
(٦) مسلم (١٢٤٦) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة.



هذِه الواقعة كانت في حجة الوداع، وهو الصحيح، وحديث أم الحصين السالف يؤيده، فإنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول ذَلِكَ في حجة الوداع كما أخرجه مسلم، وعند القاضي عياض يوم الحديبية حين أمرهم بالحلق، ويحتمل أنه قاله في الموضعين (١)، وهو الأشبه؛ لأن جماعة من الصحابة توقفت (٢) في الحلق فيهما.
وقال ابن بطال: هذا قاله - ﷺ - يوم الحديبية فيما رواه ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة (٣)، كما ستعلمه إن شاء الله في بابه، وأنه - عليه السلام - أمرهم أن ينحروا ويحلقوا فما قام رجل، فقالها ثلاثًا، فدخل على أم سلمة فقال لها: «أما ترين الناس آمرهم بالأمر فلا يفعلونه» فاعتذرت وقالت: ادع حالقك فاذبح واحلق؛ فان الناس إذا رأوك فعلتُ ذَلِكَ فعلوا، فخرج وفعل ذَلِكَ، فقام الناس فنحروا وحلق بعض وقصر بعض، فدعا للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة.
وذكر ابن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: حلق رجال يوم الحديبية وقصر آخرون. فقال - عليه السلام -: «اللهم ارحم المحلقين ثلاثًا» قيل: يا رسول الله، ما بال المحلقين ظاهرت لهم في الترحم؟ قال: «لأنهم لم يشكوا». وهذا في ابن ماجه (٤)، وورد في

------------
(١) «إكمال المعلم» ٤/ ٣٨٣ - ٣٨٤.
(٢) في (ج): عن.
(٣) رواه ابن إسحاق كما في «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٥٦، وانظر: «سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩.
(٤) ابن ماجه (٣٠٤٥) كتاب: المناسك، باب: الحلق، و«سيرة ابن هشام» ٣/ ٣٦٨ - ٣٦٩، وكذا رواه أحمد ١/ ٣٥٣، والفاكهي في «أخبار مكة» ٥/ ٧٢ (٢٨٦٢)، وأبو يعلى ٥/ ١٠٦ (٢٧١٨)، والطحاوي «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٥٥ - ٢٥٦، والطبراني ١١/ ٩٣ (١١١٥٠)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ٢٣٤ - ٢٣٥ وجادة. =




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #338  
قديم اليوم, 08:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 129 الى صـــ 140
الحلقة (338)






بعض الأجزاء من حديث أبي سعيد (١): أن أهل المدينة حلقوا إلا عثمان وأبا قتادة، فاستغفر رسول الله - ﷺ - للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة (٢).
وما أحسن قول بعض أهل الطريق في ذَلِكَ يكفي المقصر اسمه، لا جرم كان الحلق أفضل بالإجماع، ولأنه أبلغ في العبادة، وأدل على صدق النية في التذلل، والمقصر مبقٍ للزينة مناف لكونه أشعث أغبر، فأكد الحض عليه وهو ترك الزينة، ثم جعل للمقصر نصيبًا وهو الربع؛ لئلا يخيَّب أحدًا من أمته من صالح دعائه، ولما كانت العرب تعودت توفير الشعر، وكان الحلق فيهم قليلًا، وكانوا يرونه ضربًا من الشهرة فمالوا إلى التقصير، فدعا لمن امتثل أمره بالحلق.
ثم اختلف العلماء هل الحلاق واجب على الحاج والمعتمر أم لا: فقال مالك والشافعي في أصح قوليه وأحمد، ونقل عن أبي حنيفة: هو نسك يجب على الحاج والمعتمر، وهو أفضل من التقصير، ويجب على

------------
= وقال البوصيري في «زوائده» ص ٤٠٢: إسناده صحيح، وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٤٧٠) و«الإرواء» ٥/ ٢٨٥ - ٢٨٦.
(١) في هامش الأصل: وفي «مسند أحمد» من حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله - ﷺ - وأصحابه حلقوا رؤوسهم عام الحديبية غير عثمان وأبى قتادة، فاستغفر رسول الله - ﷺ - للمحلقين ثلاث مرات وللمقصرين مرة، ورواه أيضًا أحمد من طريق آخر من حديثه عنه وله أيضًا عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ - أحرم وأصحابه عام الحديبية غير عثمان وأبي قتادة فاستغفر للمحلقين ثلاثًا وللمقصرين مرة.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٢٠ والطيالسي في «مسنده» ٣/ ٦٧٢ (٢٣٣٨) وابن سعد في «الطبقات» ٢/ ١٠٤، وأبو يعلى ٢/ ٤٥٣ (١٢٦٣)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٥/ ٣٣٤، والمزي في «تهذيب الكمال» ٣٣/ ٧ - ٨.
قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٦٢: فيه أبو إبراهيم الأنصاري جهله أبو حاتم، وبقية رجاله رجال الصحيح.
- قلت: قال ابن حجر في «التقريب» (٧٩٢٢) أبو إبراهيم الأنصاري مقبول.



من فاته الحج أو أُحصر بعدوٍ أو مرض (١)، وهو قول جماعة من الفقهاء إلا في المحصر فإنهم اختلفوا: هل هو من النسك؟
فقال أبو حنيفة: ليس على المحصر تقصير ولا حلق (٢)، وهذا خلاف أمر الشارع أصحابه بالحديبية حين صد عن البيت بالحلاق وهم محصورون، فلا وجه لقوله وحاصل ما للشافعي وأصحابه في الحلق خمسة آراء: ركن، واجب، سنة، مباح، ركن في العمرة، واجب في الحج (٣)، كما أوضحناها في كتب الفروع.
وقال غيره: من جعله نسكًا أوجب على تاركه الدم، ومن جعله من باب الإحلال؛ لأنه ممنوع منه، بالإحرام فلا شيء على تاركه.
ودعاء الشارع للمحلقين ثلاث دليل على أنه نسك، فلا وجه لإسقاطه عن المحصر، ولم يدع لهم على شيء من فعل المباحات مثل اللباس والطيب، ودعاؤه لا ينفك عن الإجابة، وقد صح عنه - ﷺ - أن لمن حلق رأسه بكل شعرة سقطت من رأسه نورًا يوم القيامة.
وأخرجه ابن حبان في «صحيحه» (٤) وهو صريح في كونه نسكًا يثاب عليه، وكذا قوله تعالى: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ خصهمامن بين المباحات، ولم يقل لابسين متطيبين فعلم أنه نسك وليس له حكم

------------
(١) انظر: «الأصل» (٢/ ٤٣٠)، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٠، «المجموع» ٨/ ١٨٥، «المستوعب» ٤/ ٢٤٥.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤٠.
(٣) انظر: «البيان» ٤/ ٣٤٢، «المجموع» ٨/ ١٩١.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٥/ ٢٠٦ (١٨٨٧) كتاب: الصلاة، باب: صفة الصلاة. ورواه أيضًا عبد الرزاق ٥/ ١٥ (٨٨٣٠)، والبزار كما في «كشف الأستار» (١٠٨٢)، والطبراني ١٢/ ٤٢٥ (١٣٥٦٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٢٩٤ - ٢٩٥. قال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٧٤ - ٢٧٥: رواه البزار ورجاله موثقون.



اللباس وغيره.
وقام الإجماع: على أن النساء لا يحلقن وأن سنتهن التقصير؛ لأن حلق رأسها مثلة، فإن حلقت كره، وقيل: حرم (١).
وفي الترمذي من حديث علي: أنه - عليه السلام - نهى أن تحلق المرأة رأسها، وذكر أن فيه اضطرابًا (٢)، ثم روى من حديث عائشة مرفوعًا مثله ثم قال: والعمل عليه عند أهل العلم (٣).
وفي»سنن أبي داود، من حديث ابن عباس مرفوعًا: «إنما على النساء التقصير» (٤).

---------
(١) «الإجماع» (٥٥)، «المجموع» ٨/ ١٩٢.
(٢) الترمذي (٩١٤) كتاب: الحج، باب: ما جاء في كراهية الحلق للنساء.
ورواه النسائي في «المجتبى» ١٣٠/ ٨ كتاب: الزينة، النهي عن حلق المرأة رأسها، وفي «الكبرى» ٥/ ٤٠٧ (٩٢٩٧) من طريق أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: نهى رسول الله - ﷺ - أن تحلق المرأة رأسها.
ورواه الترمذي (٩١٥) من الطريق السابق، لكنه عن خلاس بن عمرو مرسلًا، لم يذكر فيه عن علي.
قال الدارقطني في «العلل» ٣/ ١٩٥: المرسل أصح. وقال الحافظ في «الدراية» ٢/ ٣٢: رواته موثقون، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٦٧٨).
(٣) ذكره الترمذي بعد حديث (٩١٥) من طريق حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة أن النبي - ﷺ - نهى .. الحديث، ورواه ابن عدي في «الكامل» ٨/ ١٠٥ من طريق معلى بن عبد الرحمن، عن عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت .. الحديث.
وانظر: «الضعيفة» (٦٧٨).
(٤) أبو داود (١٩٨٤) كتاب: المناسك، باب: الحلق والتقصير.
ورواه البيهقي ٥/ ١٠٤ كتاب: الحج، باب: ليس على النساء حلق ولكن يقصرن. =

----------

= من طريق محمد بن بكر، عن ابن جريح قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - .. الحديث.
ورواه أبو داود (١٩٨٥)، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٦/ ٤٦، والدارمي ٢/ ١٢١٢ (١٩٤٦) كتاب: المناسك، باب: من قال: ليس على النساء حلق، والدارقطني ٢/ ٢٧١، والبيهقي ٥/ ١٠٤ من طريق هشام بن يوسف، عن ابن جريح، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ - .. الحديث.
ورواه الطبراني ١٢/ ٢٥٠ (١٣٠١٨)، والدارقطني ٢/ ٢٧١، والبيهقي ٥/ ١٠٤ من طريق أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفيه بنت شيبة، عن أم عثمان، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: .. الحديث.
وقواه البخاري في «تاريخه»، وصححه أبو حاتم في «العلل» ١/ ٢٨١ (٨٣٤)، وأورده عبد الحق في «الأحكام» ٢/ ٣٠٤ وسكت عليه مصححًا له؛ لذا تعقبه ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٥٤٥ - ٥٤٧ فقال: هو حديث ضعيف منقطع؛ أما ضعفه فبأن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف لها حال، أما انقطاعه فلقول ابن جريح -في طريق محمد بن بكر-: بلغني عن صفية.
وطريق أبي داود الثاني أيضًا منقطع؛ لأن أبا داود قال: حدثنا رجل ثقة -يكنى أبا يعقوب- فإنا ما لم نعرف الذي به حتى يوضع فيه النظر، فهو بمثابه من لم يذكر، ولم ينفع كونه يكنى أبا يعقوب، فقد عرفنا نحن أنه مكنى، وإنسان، فما ذلك بنافع، ومن لج في هذا، لن يلج في أنه مجهول، فلا يكون الحديث من أجله صحيحًا. اهـ. بتصرف.
وقال أيضًا في: ٤/ ٢٩٠: هو حديث لا يصح.
قلت: وبالرغم من أن الحديث قد ضعفه ابن القطان كما سلف، إلا أن المصححين له أكثر، فصححه البخاري، وأبو حاتم -كما سلف- وكذا حسنه النووي في «المجموع» ٨/ ١٨٣، وقال المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٢٦٧: سكت عليه أبو داود، ولم يضعفه فهو حجة على قاعدته، وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ٢٦١: إسناده حسن. وصححه الألباني في «صحيح أبو داود» =




تنبيهات: أحدها: يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة، ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين، ذكره النووي في «شرحه» لمسلم (١) وأطلق ذَلِكَ، لكن الشافعي فصل في «الإملاء» فقال: إن أمكن أن يرد شعره يوم النحر حلق وإلا قصر (٢). وقال ابن التين نقلًا عن أبي محمد: ومن حل من عمرته في أشهر الحج فالحلاق له أفضل، إلا أن تفوت أيام الحج ويريد أن يحج فليقصر لمكان حلاقه في الحج، قال: ووجهه تخصيص أفضل النسكين بالحلاق.
ثانيها: المِشقص، بكسر الميم: النصل الطويل وليس بالعريض. قاله أبو عبيد (٣).
وقال ابن فارس وغيره: هو سهم فيه نصل عريض (٤).
وقال أبو عمر: هو الطويل غير العريض. وقال أبو حنيفة الدينوري: هو كل نصل فيه عَير، وكل ناتئ في وسطه. حديد فهو عَير، ومنه عَير الكتف والورقة.

--------
= (١٧٣٢) وقال: أحد إسناديه صحيح. وانظر: «البدر المنير» ٦/ ٢٦٧ - ٢٦٩، و«الصحيحة» (٦٠٥).
قلت: في الباب من حديث عثمان رواه البزار في «البحر الزخار» ٢/ ٩٢ (٤٤٧) من طريق روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: نهى رسول الله - ﷺ - أن تحلق المرأة رأسها.
قال البزار: وهب بن عمير لا نعلم روى إلا هذا الحديث، ولا نعلم حدث عنه إلا عطاء بن أبي ميمونة، وروح، فليس بالقوي، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٦٣: فيه روح بن عطاء وهو ضعيف، وقال الحافظ في «الدرايه» ٢/ ٣٢: إسناده ضعيف، وكذا ضعفه المباركفوري في «تحفة الأحوذي» ٣/ ٥٦٦.
(١) «صحيح مسلم بشرح النووي» ٩/ ٤٩ - ٥٠.
(٢) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٧/ ٣٢١.
(٣) «غريب الحديث» ١/ ٣٤٩.
(٤) «مجمل اللغة» ٢/ ٥٠٩.



وهذا الحديث (١) قد يحتج به من يقول: إنه - عليه السلام - كان في حجة الوداع متمتعًا؛ لأن المتمتع يقصر عند الفراغ من السعي، وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث أن التقصير كان بالمروة (٢)، وهذا لا يصح أن يكون في حجة الوداع أصلًا؛ لأنه - عليه السلام - حلق رأسه فيها لا يختلف فيه، ثم قيل: إن هذا كان في بعض عُمَرهِ ولا يصح أن يكون في الحديبية؛ لأن الأصح أن معاوية أسلم يوم الفتح (٣)، فيشبه أن يكون في عمرة الجعرانة (٤) (٥).
قال الشيخ أبو الحسن -فيما حكاه ابن التين-: لعل فعل معاوية كان في عمرة الجعرانة التي اعتمر منصرفه من حنين، ومعناه: أنه أخذ من شعره به، وزعم ابن حزم أنه - عليه السلام - كان قد بقي في رأسه في حجة الوداع بعض شعر بعد الحلاقة، فأخذها معاوية بمشقص فقال:

-------------
(١) تحتها في الأصل: يعني حديث معاوية.
(٢) رواه مسلم (١٢٤٦) كتاب: الحج، باب: التقصير في العمرة.
(٣) قال ابن الأثير في «أسد الغابة» ٥/ ٢٠٩ (٤٩٧٧): أسلم معاوية هو وأبوه وأخوه يزيد وأمه هند في الفتح، وكان معاوية يقول: إنه أسلم عام القضية، وانظر «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٥/ ٢٤٩٦ (٢٦٥٤)، و«الاستيعاب» ٣/ ٤٧٠ (٢٤٦٤)، و«تهذيب الكمال» ٢٨/ ١٧٦ (٦٠٥٤).
قلت: وكان فتح مكة في شهر رمضان سنة ثمان، انظر: «السيرة النبوية» ٤/ ٣.
(٤) ورد بهامش الأصل: قال النووي في «شرح مسلم»: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي - ﷺ - في عمرة الجعرانة.
(٥) جاء في «السيرة النبوية» لابن هشام ٤/ ١٤٨: لما فرغ الرسول - ﷺ - من قسمة غنائم غزوة حنين في الجعرانة أهل معتمرًا منها، فأدى العمرة، وانصرف بعد ذلك راجعًا إلى المدينة بعد أن ولى على مكة عتاب بن أسيد، وكان رجوعه للمدينة لست ليال بقيت من ذي القعدة سنة ٨ هـ.
انظر: «السيرة النبوبة» ٤/ ١٤٨.



قصرت عن رسول الله - ﷺ - لهذا (١). قال القزاز: العريض أولى أن يقصر به، ولا معنى في التقصير لطوله، وفي الحديث أنه كوى أسعد بن زرارة بمشقص (٢). فهذا يجوز أن يراد به السهم الذي ليس بعريض؛ لأنه أوفق للكيّ. وقال الداودي: المشقص: السكين، قال: وإنما ترك الحلاق ليحلق في الحج، وهو خلاف ما سلف أنه كان في عمرة الجعرانة.
قلت: ومعلوم أنه لم يتمتع في حجة الوداع، فهذا التأويل بعيد، ولعله قصر عن نفسه بأمره - عليه السلام -.
ثالثها: قال محمد، عن مالك: من الشأن في الحاج أن يغسل رأسه بالخطمي والغاسول حين يريد أن يحلق، (وقال: لا بأس أن يتنور ويقص أظفاره، ويأخذ من شاربه ولحيته قبل أن يحلق، قال ابن القاسم: وأكره للمعتمر أن يغسل رأسه قبل أن يحلق) (٣) ويقتل شيئًا من الدواب، أو يلبس قميصًا قبل تمام السعي (٤).
رابعها: ست مناسك في الحلق: أن لا يشارط عليه، وأن يستقبل القبلة، وأن يبدأ بالجانب الأيمن، وأن يكبر ويدعو، وأن يدفن شعره.
قال عطاء: ويصلي عقبه ركعتين، ويبلغ به إلى العظمين اللذين عند منتهى الصدغين (٥)؛ لأنهما منتهى نبات الشعر؛ ليكون مستوعبًا لجميع رأسه. وعند الكرماني، عن أبي حنيفة: يبدأ بيمين الحالق ويسار
المحلوق. وعند الشافعي: يبدأ بيمين المحلوق (٦). والصحيح عن

-------------
(١) «حجة الوداع» ص: ٤٤٢ - ٤٤٣.
(٢) رواه الحاكم في «المستدرك» ٤/ ٤١٧.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٠٩، «المنتقى» ٣/ ٢٩.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٤ (١٤٥٦٥) كتاب: الحج، باب: في الحلق أين هو.
(٦) انظر: «البناية» ٤/ ١٣٩.



أبي حنيفة ما ذكر أولًا وهو السنة.
خامسها: أقل الحلق ثلاث شعرات؛ لأنه أقل مسمى الجمع.
وقام الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب، وقيل: يكفي عندنا شعرة (١). وحكى الأبهري وغيره، عن مالك: أنه لا يجزئ حلق بعض الرأس دون استيعابه (٢). قال ابن التين: ويدل له أنه - عليه السلام - حلق رأسه وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣). وعبارة ابن الحاجب: ولا يتم نسك الحلق إلا بجميع الرأس، والتقصير مغن، وسنة في الرجل أن يجز من قرب أصوله، وأقله أن يأخذ من جميع الشعر فإن اقتصر على بعضه فكالعدم، فإن لم يمكن لتصميغ أو يسارة أو عدم تعين الحلق، وقال في المرأة: تأخذ قدر الأنملة أو فوقها أو دونها قليلًا، والنورة تجزئ، هذا آخر كلامه (٤). وروي عن ابن عمر: قدر الأنملة (٥)، وعن عائشة: قدر التطريف.

---------
(١) ورد بهامش الأصل: قال الإمام النووي رحمه الله: (وأقل ما يجزئ ثلاث شعرات حلقًا، أو تقصيرًا من شعر الرأس فتجزئ الثلاث بلا خلاف عندنا، ولا يجزئ أقل منها، هكذا نص عليه الشافعي والأصحاب في جميع الطرق، وحكى إمام الحرمين ومن تابعه وجهًا أنه تجزئ شعرة واحدة، وهو غلط، قال إمام الحرمين: قد ذكرنا وجهًا بعيدًا في الشعرة الواحدة أنه إذا أزالها المحرم في غير وقتها لزمه فدية كاملة لحلق الرأس، قال: وذلك الوجه هنا فتجزئ الشعرة، ولكنه مزيف غير معدود من المذهب، والله أعلم.
«المجموع» ٨/ ١٨٥.
(٢) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٩.
(٣) رواه مسلم (١٢٩٧) كتاب: الحج، باب: استحباب رمي جمرة العقبة … بنحوه.
(٤) «مختصر ابن الحاجب» ص ١٠٧.
(٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٣ (١٢٩٠٧) كتاب: الحج، باب: المحرمة كم تأخذ من شعرها.



قال مالك: ولا بد أن يعم طويله وقصيره والمسح في الوضوء، وقال: فإن لبدت رأسها فليس عليها إلا التقصير (١). قال (ابن التين، ولعل ذلك بعد أن تمشطه؛ لتتوصل إلى تقصير جميعه، وعند أبي حنيفة: الواجب مقدار الربع، قال ابن المنذر) (٢): وأجمع أهل العلم على أن التقصير يجزئ إلا أنه يروى عن الحسن: أنه كان يوجب الحلق في أول حجة حجها، وهذا غير جيد، قال تعالى: ﴿محلقين رؤوسكم ومقصرين﴾ [الفتح: ٢٧] (٣).
سادسها: عندنا يدخل وقت الحلق بنصف ليلة النحر، ولا آخر لوقته، وعند المالكية: يدخل من طلوع الفجر (٤)، والحلق بمنى يوم النحر أفضل، قالوا: ولو أخَّره حَتَّى بلغ بلده حلق وأهدى (٥)، فلو وطئ قبل الحلق فعليه هدي بخلاف الصيد على المشهور عندهم، وعند ابن الجهم: لا يحلق القارن حَتَّى يفيض.
وقال ابن قدامة: يجوز تأخيره إلى آخر أيام النحر، فإن أخَّره عن
ذَلِكَ ففيه روايتان: لا دم عليه، وبه قال عطاء وأبو يوسف وأبو ثور، ويشبه مذهب الشافعي؛ لأن الله بيَّن أول وقته بقوله: ﴿تحلقوا رؤوسكم﴾ الآية [البقرة: ١٩٦]، ولم يبين آخره فمتى أتى به أجزأه. وعن أحمد: عليه دم بتأخيره. وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأنه نسك أخره عن محله، ولا فرق في التأخير بين القليل والكثير والساهي والعامد،

------------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٢٩.
(٢) ساقط من (ج).
(٣) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٥٦).
(٤) انظر «المنتقى» ٣/ ٣٠، «المجموع» ٨/ ١٩١.
(٥) انظر: «مختصر ابن الحاجب» ص ١٠٧.



وقال مالك والثوري وإسحق وأبو حنيفة ومحمد: من تركه حَتَّى حلَّ فعليه دم؛ لأنه نسك، فيأتي به في إحرام الحج كسائر مناسكه (١).
سابعها: في رواية ابن عمر: «ارحم»، وفي رواية أبي هريرة: «اغفر» فلعله دعا مرة بهذا، ومرة بهذا، وهذا أولى من قول ابن التين إما أن يكون قال: مرة: «اغفر»، ومرة: «ارحم»، أو وهم في أحدهما، أو رواها الراوي بالمعنى.
فائدة:
روى ابن أبي شيبة، عن ابن عمر: أنه ضحى بالمدينة وحلق رأسه، وكان الحسن يحلق رأسه يوم النحر بالبصرة (٢).
وقال ابن عون قلت لمحمد: كانوا يستحبون أن يأخذ الرجل من شعره يوم النحر. قال: نعم.

--------
(١) «المغني» ٥/ ٣٠٦. وانظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٤١، «المنتقى» ٣/ ٣٠، «المجموع» ٨/ ١٩٢، «المستوعب» ٤/ ٢٤٧.
(٢) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٢٧ - ٢٣٨ (١٣٨٨٨، ١٣٨٩١) كتاب: الحج، حلق الرأس بغير منى يوم النحر.



١٢٨ - باب تَقْصِيرِ المُتَمَتِّعِ بَعْدَ العُمْرَةِ
١٧٣١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا. [انظر: ١٥٤٥ - فتح: ٣/ ٥٦٧]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ: لَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ - ﷺ - مَكَّةَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطُوفُوا بِالبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يَحِلُّوا، وَيَحْلِقُوا أَوْ يُقَصِّرُوا.
وهو من أفراده كذلك، وليس فيه أكثر من أن الحلاقة والتقصير لازم للمعتمر، كما يلزم الحاج لأمر النبي - ﷺ - المتمتعين عند الإحلال به، وتأمل التنبيه الأول من الباب قبله هنا.


١٢٩ - باب الزِّيَارَةِ يَوْمَ النَّحْرِ
وَقَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ: أَخَّرَ النَّبِيُّ - ﷺ - الزِّيَارَةَ إِلَى اللَّيْلِ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي حَسَّانَ (م، والأربعة)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كَانَ يَزُورُ البَيْتَ أَيَّامَ مِنًى.

١٧٣٢ - وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْمٍ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنًى. يَعْنِي يَوْمَ النَّحْرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللهِ. [مسلم: ١٣٠٨ - فتح: ٣/ ٥٦٧]

١٧٣٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - فَأَفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: «حَابِسَتُنَا هِىَ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: «اخْرُجُوا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٥٦٧]
وَيُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُرْوَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ.
وَقَالَ لَنَا أَبُو نُعَيْم: حَدَّثنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ طَافَ طَوَافًا وَاحِدًا، ثُمَّ يَقِيلُ، ثُمَّ يَأْتِي مِنًى. يَعْنِي: يَوْمَ النَّحْرِ. وَرَفَعَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: ثنا عُبَيْدُ اللهِ.
ثم ذكر حديث الأَعْرَجِ أخبرني أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَجَجْنَا مَعَ رسول الله - ﷺ - فَأفَضْنَا يَوْمَ النَّحْرِ، فَحَاضَتْ صَفِيَّةُ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنْهَا مَا يُرِيدُ الرَجُلُ مِنْ أَهْلِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهَا حَائِضٌ. قَالَ: «حَابِسَتُنَا هِيَ؟». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَاضَتْ يَوْمَ النَّحْرِ. قَالَ: «اخْرُجُوا».


وَيُذْكَرُ عَنِ القَاسِمِ وَعُرْوَةَ وَالأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها: أَفَاضَتْ صَفِيَّةُ يَوْمَ النَّحْرِ.
الشرح:
تعليق أبي الزبير -وهو محمد بن مسلم بن تدرس المكي- أسنده الأربعة من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزبير عنها (١) خلا ابن ماجه، فمن حديث الثوري، عن محمد بن طارق، عن طاوس وأبي الزبير عنهما (٢)، وكذا ذكره أبو الشيخ الأصبهاني في جزء جمع فيه ما رواه أبو الزبير، عن غير جابر (٣). قال الترمذي: (حديث حسن) (٤).
قال ابن القطان: وإنما لم يصححه؛ لعنعنة أبي الزبير، وليس هو من رواية الليث عنه (٥).

---------
(١) رواه أبو داود (٢٠٠٠) كتاب: المناسك، باب: الإفاضة في الحج، الترمذي (٩٢٠) كتاب: الحج، باب: ما جاء في طواف الزيارة بالليل، النسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٦٠ (٤١٦٩) كتاب: الحج، الوقت الذي يفيض فيه إلى البيت يوم النحر.
ومن هذا الطريق أيضًا رواه أحمد ١/ ٢٨٨، ٣٠٩، ٦/ ٢١٥، والبيهقي ٥/ ١٤٤ كتاب: الحج، باب: الإفاضة للطواف.
(٢) ابن ماجه (٣٠٥٩) كتاب: المناسك، باب: زيارة البيت، والمزي في «تهذيب الكمال» ٢٥/ ٤٠٦ - ٤٠٧، والحافظ في «التغليق» ٣/ ٩٨.
(٣) تحتها في الأصل: يعني: حديث سفيان، عن أبي الزبير.
(٤) «أحاديث أبي الزبير عن غير جابر» (٣٥).
(٥) «بيان الوهم والإيهام» ٣/ ٤٥٧. وقال ابن حزم: هذا حديث معلول؛ لأن أبا الزبير مدلس فما لم يقل فيه: حدثنا وأخبرنا وسمعت، فهو غير مقطوع على أنه مسند، فلسنا نحتج بحديثه إلا بما كان فيه بيان أنه سمعه، وهذا الحديث ليس فيه ذكر سماع من أبي الزبير إياه عن عائشة وابن عباس، فسقط الاشتغال به ا. هـ. «حجة الوداع» ص: ٢٩٥ - ٢٩٦. وقال ابن القيم: هذا الحديث وهم، فإن المعلوم من فعله - ﷺ - أنه إنما طاف طواف الإفاضة نهارًا بعد الزوال ا. هـ. «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤٢٨، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٤٢)، وقال في «ضعيف ابن ماجه» (٦٥٤): شاذ.



قال البيهقي (١): وقد سمع أبو الزبير من ابن عباس، وفي سماعه من عائشة نظر. قاله البخاري، وهذا في «علل الترمذي»: أنه سأله عن هذا الحديث نفسه فقال ذَلِكَ (٢).
قال البيهقي: وقد روينا عن أبي سلمة، عن عائشة قالت: حججنا مع رسول الله - ﷺ - فأفضنا يوم النحر (٣)، الحديث الذي في البخاري، وقد أُوّل الحديث السالف على أن المراد آخر طواف نسائه، نعم في البيهقي، عن القاسم، عن عائشة أنه - عليه السلام - زاره مع نسائه ليلًا (٤). فيُحمل على الإعادة، وأن ذَلِكَ وقع مرتين: مرة ليلًا، ومرة نهارًا، وكذا جمع بذلك ابن حبان في «صحيحه» (٥).
وأما تعليق أبي حسان فأخرجه البيهقي من حديث ابن عرعرة قال: دفع إلينا معاذ بن هشام كتابًا، قال: سمعته من أبي بكر ولم يقرأه، قال: فكان فيه: عن قتادة، عن أبي حسَّان، عن ابن عباس أن نبي الله - ﷺ - كان يزور البيت كل ليلة ما دام بمنى، قال: وما رأيت أحدًا واطأه عليه (٦).
وروى الثوري في «جامعه» عن طاوس أن النبي - ﷺ - كان يفيض كل ليلة. يعني: ليالي منى (٧).

-----------
(١) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٤.
(٢) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٨٨ (١٣٨).
(٣) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٤.
(٤) السابق.
(٥) «صحيح ابن حبان» ٩/ ١٩٧.
(٦) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٦.
(٧) ذكره البيهقي ٥/ ١٤٦.



ورواه ابن أبي شيبة، عن سفيان بن عيينة، عن ابن طاوس (١).
وأبو حسَّان (٢) اسمه مسلم بن عبد الله الأعرج الأجرد بصري ثقة.
وأما أثر ابن عمر فأخرجه مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى، قال نافع: وكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي - ﷺ - فعله (٣).
وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم أيضًا (٤)، وفي بعض طرق البخاري: حاضت ليلة النحر، وذاك من أفراده (٥).
وقال ابن التين: الذي في أكثر الأحاديث السالفة والآتية أنها أفاضت ليلة النفر وهي أحاديث مسندة، وهذا قال فيه: ويذكر عن القاسم وسالم والأسود: أفاضت يوم النحر، ولم يسنده، وهو عجيب، فقد أسنده قبله وفيه: أفاضت يوم النحر.
والذي في الأحاديث كلها أنها أفاضت يوم النحر؛ ففي مسلم عن عائشة: حاضت صفية بعدما أفاضت، فقلت: يا رسول الله، إنها قد

--------
(١) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٢٧٦ (١٤٢٨) كتاب: الحج، من رخص في زيارته كل يوم وليله.
(٢) فوقها في الأصل: (مسلم والأربعة) ومقابلها في الحاشية: قال ابن قيم الجوزية عقب تعليق أبي حسان: والكلام عليه بنحو من كلام شيخنا وهو وهم؛ فإن النبي - ﷺ - لم يرجع إلى مكة بعد أن طاف للإفاضة ورجع إلى منى إلى حين الوداع. والله أعلم. انتهى.
(٣) مسلم (١٣٠٨) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٤) مسلم (١٢١١) كتاب: الحج، باب: إحرام النفساء واستحباب اغتسالها للإحرام.
(٥) سيأتي برقم (١٧٧١) باب: من الإدلاج من المحصب، وفيه حاضت صفية ليلة النفر.



كانت أفاضت وطافت بالبيت، ثم حاضت بعد الإفاضة (١). وكذا في عدة طرق، والغريب رواية حيضها ليلة النحر. وطواف الإفاضة هو الركن المعول عليه في الحج من بين الأطوفة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ العَتِيقِ﴾ بالإجماع (٢). ألا ترى أنه - عليه السلام - لَمَّا توهم أن صفية لم تطف يوم النحر قال: «أحابستنا هي؟» فلما أُخبر أنها قد طافته. قال: «فلا إذًا» (٣) وإنه مجزئها عن غيره. واستحب جميع العلماء فعله يوم النحر ثم يرجع إلى مبيت منى ورمي أيام التشريق (٤).
وذكر عبد الرزاق، عن سعيد بن جبير أنه كان إذا طاف يوم النحر لم يزد على سبع واحد، وعن طاوس مثله، وعن الحكم قال: أصحاب عبد الله لا يزيدون يوم النحر على سبع واحد. قال الحجاج: فسألت عطاء قال: طف (كم) (٥) شئت، والمستحب عندنا أن يكون طوافه قبل الظهر. وحكى القاضي أبو الطيب وجهًا أنه بعده، ثم اختار وجهًا ثالثًا أنه إن كان في الصيف أفاض أول النهار، وإن كان في الشتاء أفاض آخره (٦).

--------
(١) مسلم (١٢١١/ ٣٨٢)، بعد حديث (١٣٢٨) كتاب: الحج، باب: وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض.
(٢) انظر: «الإجماع» لابن المنذر (٥٥)، «الإقناع» ٢/ ٨٤٥.
(٣) سيأتي برقم (١٧٥٧) باب: إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت، ورواه مسلم (١٢١١/ ٣٨٤).
(٤) انظر: «الأصل» ٢/ ٣٩٢، «البناية» ٤/ ١٤٣، «النوادر والزيادات» ٢/ ٤١٤، «الذخيرة» ٣/ ٢٧٠، «البيان» ٤/ ٣٤٥، «المجموع» ٨/ ١٩٧، «المستوعب» ٤/ ٢٤٩، «الشرح الكبير» ٩/ ٢٢٥.
(٥) في (ج): كيف.
(٦) انظر «حلية العلماء» ٣/ ٢٩٧، «المجموع» ٨/ ١٩٨.



ولا خلاف بين الفقهاء: أن من أخره عن يوم النحر وطافه في أيام التشريق أنه مؤدٍّ لفرضه ولا شيء عليه، كما ذكر ابن بطال (١)، واختلفوا فيما إذا أخّره حَتَّى مضت أيام التشريق قال عطاء: لا شيء عليه، وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي وأبي ثور (٢). وقال مالك: إن عجله فهو أفضل، وإن آخره حتى مضت أيام التشريق وانصرف من منى إلى مكة فلا بأس، وإن أخّره بعدما انصرف من منى أيامًا وتطاول ذَلِكَ فعليه دم (٣).
واختلفوا إذا أخّره حَتَّى رجع إلى بلده، فقال عطاء والأربعة والثوري وإسحاق وأبو ثور: يرجع فيطوف لا يجزئه غيره، وروي عن عطاء قول ثان وهو: أن يأتي عامًا قابلًا بحج، أو بعمرة، وعن مالك: أن طواف الدخول يجزئه عنه كمن نسيه إذا رجع إلى بلده وعليه دم، وعنه أنه لا يجزئه عنه، وإنما يجزئ عنه كل عمل يعمله الحاج يوم النحر وبعده في حجته، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، ووجهه: أن الله تعالى فرضه بعد قضاء التفث، وذلك يوم النحر بعد الوقوف، فإذا طاف تطوعًا أجزأه عن فرضه؛ لأنه جاء بطواف في وقته، وكما ينوب طواف الوداع عنه، وكذا التطوع إذا لم يعتقده طواف الإفاضة؛ لأن كل عمل يكون في الحج ينوي به التطوع ولم يكمل فرض الحج فالفرض أولى به من النية التي نويت، كالداخل في صلاة بإحرام نواه لها، ثم صلى منها صدرًا، ثم ظن أنه قد فرغ منها،
فصلى ما بقي عليه أنه تطوع عنده فهو (للفرض) (٤) الذي ابتدأه ولا تضره

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤٠٤، ٤٠٥.
(٢) انظر: «المجموع» ٨/ ٢٠٢.
(٣) «المدونة» ١/ ٣١٧.
(٤) في (ج): كالفرض.



نيته إذ لم يقطع الصلاة عمدًا، ذكره ابن شعبان من المالكية (١).
ولا شك أن الله تعالى خص الحج بما لم يخص به غيره من الفرائض، وذلك قوله: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] الآية فمن فرض الحج في حرمه وشهوره، فليس له أن ينتقل عما فرضته نيته إلى غيره حَتَّى يتمه؛ لأن العمل على النية الأولى حَتَّى يكملها وهو فرضه، لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ألا ترى أن من وطئ بعد الجمرة قبل الطواف أن منهم من قال: يحج قابلًا. ومنهم من قال: إن أحرم بعمرة وأهدى أجزأه ذَلِكَ، وهم: ابن عباس، وعكرمة، وطاوس، وربيعة، وفسّره ابن عباس فقال: إنما بقي من أمره أربعة أميال فيحرم من التنعيم أربعة أميال فيكون طواف مكان طواف وهذا طواف عمرة يجزئه عن طواف فريضة، وكذلك القارن يجزئه طواف واحد وسعي واحد بعمرته وحجته للسنة الثابتة عن عائشة، وابن عمر عن النبي - ﷺ -، والعمرة تطوع على قول جماعة من العلماء.
وقال الرافعي: لا ينبغي له أن يخرج من مكة حَتَّى يطوف، فإن طاف للوداع وخرج وقع عن الزيارة، وإن خرج ولم يطف أصلًا لم يحل له النساء، وإن طال الزمان. وقضية قولهم: لا يتأقت آخر الطواف أنه لا يصير قضاء، لكن في «التتمة» أنه إذا تأخر عن أيام التشريق صار قضاء، وحكى بعض المتأخرين: أنه لا يجوز له أن يخرج من مكة حَتَّى يطوف، وقال الماوردي: إنه يكون مسيئًا بتأخيره بغير عذر عن يوم النحر (٢)، قال غيره: وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة

----------
(١) انظر: «الأصل» ١/ ٤٠١ - ٤٠٢، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٤٥ - ١٤٦، «المدونة» ١/ ٣١٧، «المجموع» ٨/ ٢٠٢، «المغني» ٥/ ٣٤٥.
(٢) «الحاوي» كتاب الحج ٢/ ٧٤٣.



وخروجه من مكة بلا طواف أشد كراهة (١).
فائدة:
ثبت في «صحيح مسلم» من حديث ابن عمر: أنه - عليه السلام - صلى الظهر يوم النحر بمنى كما سلف (٢)، وثبت فيه أيضًا من حديث جابر: أنه صلى الظهر بمكة (٣).
قال ابن حزم: وكذا قالته عائشة فاستشكل الجمع بينهما، ونسب أحدهما إلى الوهم. قال ابن حزم: إلا أن الأغلب عندنا أنه صلى الظهر بمكة؛ لوجوه ذكرها قال: ولم يبق من حجة الوداع شيء لم يبن لي وجهه غير الجمع بينهما، ومن تلك الوجوه: اتفاق عائشة وجابر على ذَلِكَ؛ ولأن حجة الوداع كانت في شهر آذار، وهو وقت تساوي الليل والنهار، وقد دفع - عليه السلام - من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى وخطب بها، وفعل أعمالًا لا تسع صلاته الظهر بمنى (٤).
وقال القرطبي: حديث جابر أصح، ويعضده حديث أنس: أنه صلى العصر يوم النحر بالأبطح، وإنما صلى الظهر بمنى يوم التروية، كما قال أنس (٥).
وفي حديث ابن عمر (٦) وهم من بعض الرواة (٧).

---------
(١) «المجموع» ٨/ ١٩٨.
(٢) مسلم (١٣٠٨) كتاب: الحج، باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٣) مسلم (١٢١٨/ ١٤٧) باب: حجة النبي - ﷺ - مطولًا.
(٤) «حجة الوداع» ٢٩٦.
(٥) سيأتي برقم (١٧٦٣) كتاب: الحج، باب: من صلى العصر يوم النفر بالأبطح، ورواه مسلم (١٣٠٩) باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٦) رواه مسلم (١٣٠٨) باب: استحباب طواف الإفاضة يوم النحر.
(٧) «المفهم» ٣/ ٤١١.



وقال غيره من المتأخرين: يحتمل أن يكون أعادها بمنى؛ لبيان الجواز، كما صلى بأصحابه في بطن نخل مرتين (١).
فائدة أخرى:
في قولها: (فأراد منها ما يريد الرجل من أهله) فيه أنه لا بأس بالإعلام بذلك، وإنما المكروه أن يغشاها حيث يسمع أو يرى.

----------
(١) سلف برقم (٩٤٢) كتاب: صلاة الخوف، باب: صلاة الخوف، ورواه مسلم (٨٣٩) كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف. من حديث ابن عمر.
قال النووي في «شرح مسلم» ٩/ ١٩٣: ثبت في الصحيحين في صلاته - ﷺ - ببطن نخل أحد أنواع صلاة الخوف …




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #339  
قديم اليوم, 09:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 149 الى صـــ 160
الحلقة (339)




١٣٠ - باب إِذَا رَمَى بَعْدَ مَا أَمْسَى أَوْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا
١٧٣٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابْنُ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - مسلم: ١٣٠٧ - فتح: ٣/ ٥٦٨]

١٧٣٥ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ». فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ». وَقَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ». [انظر: ٨٤ - فتح: ٣/ ٥٦٨]
ذكر فيه حديث ابن عباس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قِيلَ لَهُ فِي الذَّبْحِ وَالحَلْقِ وَالرَّمْيِ وَالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ، فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وحديثه أيضًا كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُسْأَلُ يَوْمَ النَّحْرِ بِمِنًى، فَيَقُولُ: «لَا حَرَجَ». فَسَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «اذْبَحْ، وَلَا حَرَجَ». قَالَ: رَمَيْتُ بَعْدَ مَا أَمْسَيْتُ. فَقَالَ: «لَا حَرَجَ».
وقد سلفت طرقه قريبًا في باب: الذبح قبل الحلق (١)، وقد قام الإجماع على أن الاختيار في رمي جمرة العقبة يوم النحر من طلوع الشمس إلى زوالها، وأنه إن رمى قبل غروب يومه أجزأه عنه إلا مالك فإنه يستحب له أن يهريق دمًا يجيء به من الحل (٢).
واختلفوا فيمن رمى ليلًا، أو من الغد فقال مالك: عليه دم، وهو

-------------
(١) سلف برقم (١٧٢١).
(٢) انظر: «التمهيد» ٧/ ٢٦٨، «المغني» ٥/ ٢٩٥.



قول عطاء والثوري وإسحاق (١)، وقال مالك في «الموطأ»: من نسي جمرة من الجمار أيام التشريق حَتَّى يُمسي، يرميها أية ساعة شاء من ليل أو نهار ما دام بمنى، كما يصلي الصلاة آية ساعة ذكرها من ليل أو نهار، ولم يذكر دمًا (٢). وذكر عنه ابن القاسم: أنه كان يرى مرة عليه الدم، ومرة لا، قال: وقد تأخرت صفية امرأة ابن عمر على ابنة أخيها حَتَّى أتت منًى بعدما (غابت) (٣) الشمس فرمت، ولم يبلغنا أنّ ابن عمر أمرها بشيء (٤). وقال أبو حنيفة: إن رماها ليلًا فلا شيء عليه، وإن أخرها إلى الغد فعليه دم، وقالا صاحباه والشافعي وأبو ثور: لا شيء عليه، وإن أخرها إلى الغد. وقال الثوري: إن أخرها عامدًا إلى الليل فعليه دم. وقال أبو حنيفة وإسحاق فيما حكاه ابن قدامة: أنه إذا أخرها إلى الليل لا يرميها حَتَّى تزول الشمس من الغد (٥). وعن الشافعي والصاحبين وابن المنذر: يرمي ليلًا لقوله: «وَلَا حَرَجَ» (٦) وقال ابن عمر: إن فاته الرمي حَتَّى تغيب الشمس فلا يرمِ حَتَّى تزول الشمس من الغد، واحتجوا بحديث الباب: «لَا حَرَجَ» للذي قال: (رميت بعدما أمسيت) وأيضًا فإنه - عليه السلام - رخّص لرعاء الإبل في مثله، يرعون نهارًا ويرمون ليلًا (٧)، وما كان ليرخص
-------------
(١) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) «الموطأ» ١/ ٥٤٦ (١٤٢٤) كتاب: المناسك، باب: الجمار.
(٣) في (ج): غربت.
(٤) «الموطأ» ١/ ٥٤٤ (١٤١٧).
(٥) «المغني» ٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٦) السابق.
(٧) رواه بهذا اللفظ ابن خزيمة ٤/ ٣١٩ (٢٩٧٥) كتاب: المناسك، باب: الرخصة للرعاء في رمي الجمار بالليل. من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن أبي البداح بن عاصم بن عدي، عن أبيه عاصم بن عدي: أن رسول الله - ﷺ - رخص للرعاء أن يرموا يومًا، وأن يجمعوا للرمي. =



لهم فيما لا يجوز، وحجة مالك: أنه - عليه السلام - وقّت لها وقتًا وهو يوم النحر فمن رمى بعد غروبه فقد رمى بعد وقتها، ومن فعل في الحج شيئًا بعد وقته فعليه دم، وقد أسلفنا الاختلاف في رمي جمرة العقبة قبل طلوع الفجر، أو الشمس من يوم النحر لأهل العذر وغيرهم في باب: من قدم ضعفة أهله بالليل، فراجعه (١).
وقوله: («ارمِ وَلَا حَرَجَ») إنما كان بالنهار؛ لأن السؤال كان يوم النحر، ولا يكون اليوم إلا قبل المغيب، كذا قاله ابن قدامة (٢)، ونقل ابن دحية في «المولد» عن بعض المتكلمين: أن اليوم يجمع النهار والليل.
وأما قول البخاري: (ناسيًا أو جاهلًا)، فإن العلماء لم يفرقوا بين العامد والجاهل في أمور الحج، وقد سلف الاختلاف فيمن حلق قبل الذبح في باب: الذبح قبل الحلق، فراجعه.
والمراد هنا بالمساء: ما بعد الزوال؛ لأنه لغة العرب يسمون ما بعده مساء وعشاء ورواحًا، روى مالك، عن ربيعة، عن القاسم بن محمد أنه قال: ما أدركت الناس إلا وهم يصلون الظهر بعشي (٣)، وإنما يريد تأخيرها إلى ربع القامة، ويتمكن الوقت في شدة الحر وهو وقت الإبراد الذي أمر به الشارع.

------------
= ولهذا الحديث طرق أخرى وألفاظ كثيرة، انظرها في «البدر المنير» ٦/ ٢٧٤ - ٢٨٠ فقد جمع مصنفه -رحمه الله- طرقه وألفاظه، بما لا تجده في مكان آخر، بل قل أن تجد مثله، فلينظر، وانظر أيضًا: «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٦٢ - ٢٦٣، و«الإرواء» (١٠٨٠).
(١) سلف برقم (١٦٧٦).
(٢) «المغني» ٥/ ٢٩٥ - ٢٩٦.
(٣) «الموطأ» ١/ ٨ (١٢) باب: وقوت الصلاة.



١٣١ - باب الفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الجَمْرَةِ
١٧٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، فَقَالَ رَجُلٌ: لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَذْبَحَ. قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». فَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ: لَمْ أَشْعُرْ فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. قَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلاَّ قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ٣/ ٥٦٩]

١٧٣٧ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رضي الله عنه - حَدَّثَهُ أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ، فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا، حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ٣/ ٥٦٩]

١٧٣٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ قَالَ: أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عِيسَى بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ، أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ رضي الله عنهما قَالَ: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ. [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ٣/ ٥٦٩]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنه - ﷺ - وَقَفَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ، وذكر فيه الحلق قبل الذبح. قَالَ: «اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ». والنحر قبل الرمي فقَالَ: «ارْمِ وَلَا حَرَجَ». فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلا حَرَجَ».
وحديثه أيضًا: أنه شَهِدَ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ، فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ


فَقَالَ: كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا. ثُمَّ قَامَ آخَرُ بمثله حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ. وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ. «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ». لَهُنَّ كُلِّهِنَّ، فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيءٍ إِلَّا قَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجَ».
وحديثه أيضًا: وَقَفَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَلَى نَاقَتِهِ. فَذَكَرَ الحَدِيثَ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ.
يعني: أنه تابع صالحًا، وهذِه المتابعة أخرجها مسلم في «صحيحه» من حديث عبد الرزاق عنه (١)، وفائدة طريق صالح التصريح بسماع ابن شهاب، عن عيسى بن طلحة، وقد تقدم هذا التبويب في كتاب العلم (٢)، وأن معناه أنه يجوز أن يسأل العالم وإن كان مشتغلًا بطاعة الله، وقد أجاب السائل وقال له: «لا حرج» وكل ذَلِكَ طاعة لله تعالى، وكان ذَلِكَ عند الجمرة كما سلف هناك، وإليه أشار هنا عند الجمرة، وكان وقوفه ليعلّم الناس دينهم، ويجيبهم عن مسائلهم.
واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في حديثه أنه كان على دابة، ولا في حديثنا، وفي حديث بندار، عن يحيى وعبد الرحمن: جلس في حجة الوداع فقام رجل .. الحديث.
وفي حديث ابن جريج، عن ابن شهاب: بينما: هو يخطب يوم النحر؛ فإن قال فيه بعضهم أنه وقف على راحلته، فقد يجوز أن يكون ركبها وجلس عليها ثم وقف، وإنما ذكر ذَلِكَ عن صالح بن كيسان، عن الزهري في هذا الحديث.
قلت: فيه: وقف على ناقته، وهو صريح في المقصود.

---------
(١) مسلم (١٣٠٦) كتاب: الحج، باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي.
(٢) سلف برقم (٨٣).



وقوله: (لَمْ أَشْعُرْ). الظاهر أنه كان جاهلًا؛ لقوله في الرواية: (كُنْتُ أَحْسِبُ أَنَّ كَذَا قَبْلَ كَذَا) وإن كان يحتمل النسيان أيضًا.
قال ابن التين: ويحتمل أن المراد بقوله: «ولَا حَرَجَ» أي: لا إثم؛ لأن الحرج: الإثم، ويعظم السؤال خوفَ الإثم.
قال: وقوله: (فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ) المراد: ما بيّن فيما مضى لا كل شيء. قال: ولا يقتضي إباحة ذَلِكَ؛ لأنه إنما سئل عمن فعله جهلًا، وقد بين الترتيب المشروع فيه. وقوله: (يَخْطُبُ يَوْمَ النَّحْرِ) هذِه
هي الخطبة الثالثة، ومن المالكية من لا يطلق عليها اسم الخطبة.
فائدة:
البخاري روى الحديث الأخير، عن إسحاق: ثَنَا يعقوب، وذكر الجيّاني: أنه ابن منصور، نسبه ابن السكن والأصيلي، قال: وذكر (أبو نصر) (١) أن ابن منصور وإسحاق بن إبراهيم يرويانه عن يعقوب (٢)، ورواه أبو نعيم من حديث ابن شيرويه ثنا إسحاق، ثنا يعقوب، فيكون إسحاق بن إبراهيم؛ لأن عبد الله بن محمد بن شيرويه، روى عنه «مسنده» ولم تُعلَم له رواية عن إسحاق بن منصور (٣).

------------
(١) تحته في الأصل: يعني: الكلاباذي.
(٢) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٦٣ - ٩٦٤.
(٣) فائدة: قلت: وإسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، وهو المتَرَجِّحُ أيضًا عند الحافظ ابن حجر؛ مستدلًّا على ذلك من وجه آخر غير الذي ذكره المصنف هنا ألا وهو قول إسحاق: أخبرنا يعقوب. قال الحافظ: لأن إسحاق بن راهويه لا يحدث عن مشايخه إلا بلفظ الإخبار بخلاف إسحاق بن منصور فيقول: حدثنا. انظر «الفتح» ٣/ ٥٧٠.



١٣٢ - باب الخُطْبَةِ أَيَّامَ مِنًى
١٧٣٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ غَزْوَانَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟». قَالُوا: يَوْمٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَأَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قَالُوا: بَلَدٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَأَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قَالُوا: شَهْرٌ حَرَامٌ. قَالَ: «فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا». فَأَعَادَهَا مِرَارًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟». قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَوَصِيَّتُهُ إِلَى أُمَّتِهِ: «فَلْيُبْلِغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [٧٠٧٩ - فتح: ٣/ ٥٧٣]

١٧٤٠ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. تَابَعَهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو. [١٨٤١، ١٨٤٣، ٥٨٠٤، ٥٨٥٣ - مسلم: ١١٧٨ - فتح:٣/ ٥٧٣]

١٧٤١ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، وَرَجُلٌ أَفْضَلُ فِي نَفْسِي مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: «أَلَيْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: «أَلَيْسَ ذُو الحَجَّةِ؟». قُلْنَا: بَلَى. قَالَ: «أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قُلْنَا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. قَالَ: «أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ الحَرَامِ؟». قُلْنَا بَلَى. قَالَ: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي


شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، إِلَى يَوْمِ تَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ؟». قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ». [انظر: ٦٧ - مسلم: ١٦٧٩ - فتح: ٣/ ٥٧٣]

١٧٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِمِنًى: «أَتَدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ: «فَإِنَّ هَذَا يَوْمٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «بَلَدٌ حَرَامٌ، أَفَتَدْرُونَ أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟». قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «شَهْرٌ حَرَامٌ -قَالَ: - فَإِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا». وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما وَقَفَ النَّبِيُّ - صلي الله عليه وسلم - يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ فِي الحَجَّةِ التِي حَجَّ بِهَذَا، وَقَالَ: «هَذَا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ»، فَطَفِقَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ». وَوَدَّعَ النَّاسَ. فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الوَدَاعِ. [٤٤٠٣، ٦٠٤٣، ٦١٦٦، ٦٧٨٥، ٦٨٦٨، ٧٠٧٧ - فتح: ٣/ ٥٧٤]
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها: حديث ابن عَبَّاسٍ أَنَّ النبي - ﷺ - خطَبَ النَاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّ يَوْمٍ هذا؟». «فَأَيُّ بَلَدٍ هذا؟ فَأَيُّ شَهْرٍ هذا؟».
ثانيها: حديثه أيضًا: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَخْطُبُ بِعَرَفَاتٍ. تَابَعَهُ -يعني شعبة- ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو بن دينار.
ثالثها: حديث أَبِي بَكْرَةَ: خَطَبَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث بطوله.
رابعها: حديث ابن عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - بمِنًى: «أتدْرُونَ أَيُّ يَوْمٍ هذا؟ ..» الحديث.


وَقَالَ هِشَامُ بْنُ الغَازِ: أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ: وَقَفَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ .. الحديث.
الشرح:
هذِه الأحاديث يصدق بعضها بعضًا إلا أن حديث ابن عباس بعرفات لا بمنى، فلا مدخل له هنا، ورواه ابن ماجه من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو، عن جابر، عنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يخطب على المنبر (١).
ولما أخرجه مسلم من طريق (أبي عمرو) (٢) بن دينار لم يذكر واحد منهم: يخطب بعرفات، غير شعبة (٣).
وقوله: (قَالَ هِشَامُ) إلى آخره، أسنده أبو داود: حَدَّثَنَا المؤمل بن الفضل، عن الوليد بن مسلم، عن هشام به (٤). وأجاب ابن المنير بأنه ساقها؛ ليرد على منكر خطبة يوم النحر، فإن الراوي سماها خطبة، كما سمى التذكرة يوم عرفة خطبة، وقد اتفقوا على خطبة عرفة، فألحق المختلف فيه بالمتفق عليه (٥)، أو يكون لمَّا ذكر حديث ابن عباس في يوم النحر أراد أن يذكر أيضًا أنه روى خطبة يوم عرفة؛ لئلا

----------
(١) ابن ماجه (٢٩٣١) كتاب: المناسك، باب: السراويل والخفين للمحرم إذا لم يجد إزارًا أو نعلين.
(٢) كذا في الأصل: والصحيح (عمرو) كما في «صحيح مسلم» (١١٧٨).
(٣) مسلم (١١٧٨) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح.
(٤) أبو داود (١٩٤٥) كتاب: المناسك، باب: يوم الحج الأكبر.
ومن هذِه الطريق رواه ابن حزم في «حجة الوداع» (١١٤، ٥٤٢). ورواه ابن سعد ٢/ ١٨٣ من طريق آخر عن الوليد بن مسلم .. به، ورواه ابن ماجه (٣٠٥٨) كتاب: المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، البيهقي ٥/ ١٣٩ من طريقين عن هشام .. به، وانظر: «صحيح أبي داود» (١٧٠٠).
(٥) «المتواري» ص ١٤٦.



يتوهم متوهم أنهما حديث واحد.
وفي حديث ابن عباس: لما سألهم: (»أي يوم هذا؟ «قالوا: يوم حرام) وكذا أجابوه في البلد والشهر.
وفي حديث أبي بكرة فيها كلها: (الله ورسوله أعلم)، فيحتمل أن يكون ذَلِكَ في موطنين.
وقوله: (»أَيُّ يَوْمٍ؟ «و»أَيُّ بَلَدٍ؟ «»أَيُّ شَهْرٍ؟ «) خرج مخرج الاستفهام، والمراد به: التقرير؛ لأنه أبلغ، وأتى فيها على معالم الدين كلها فيسمع الحاضر، ويبلغ الغائب؛ لتقوم الحجة وتنقطع المحجَّة، وكرر تأكيدًا، ومثَّل باليوم، وبالشهر، وبالبلد؛ ليؤكد تحريم ما حرم من الدماء، والأموال، والأعراض.
»وذو الحجة«بفتح حائه أشهر (١)، والعرض ما يحميه الإنسان ويلزمه القيام به، قاله أبو عمرو، وقال الأصمعي: هو ما يُمدح به ويُذم، وهو في قول حسَّان:
فإن أبي ووالده وعرضي … لعرض محمد منكم وقاء
فقال ابن قتيبة: نفسه، ورد عليه: بأن المراد: آباؤه، ذكر العموم بعد الخصوص. وقال ابن التين في حجة الوداع: قيل: العرض: الحسب، وقيل: النفس.

--------
(١) قلت: بل ذكر النووي رحمه الله خلاف ذلك حيث قال: وذو الحجة بكسر الحاء هذه اللغة المشهورة، ويجوز في لغة قليلة فتح الحاء.»شرح مسلم«١١/ ١٦٨، ويئيد ما قاله النووي تعقبُ العيني المصنفَ حيث قال: وقال صاحب»التوضيح«: فتح الحاء أشهر. قلت: نقله عن صاحب»التلويح«وهو نقله عن القزاز، وفي»المثلث«لابن سيده: جعلهما سواء، ولكن في ألسن العامة الكسرة أشهر. اهـ»عمدة القاري" ٨/ ٢٥٢.


وقوله: («لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا»).
أي: لا يستحل بعضكم من بعض ما استحل الكفار، قاله الداودي.
وقال أبو منصور: فيه قولان:
أحدهما: لابسين السلاح، والكفر: الستر.
والثاني: أنه يُكَفِّر الناس فيَكْفُر كما تفعل الخوارج إذا استعرضوا الناس؛ لقوله - عليه السلام -: «من قال لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما» (١)، ذكره الهروي (٢). ويحتمل كفارًا بغير حق، أوكفر النعمة، أو حقيقة، أو يقرب منه، أو للتشبيه بهم، وقيل: هم أهل الردة، قتلهم الصديق.
ومعنى: («بعدي») أي: وفاتي أو فراقي من موقفي، أو خلافي فتخلفوني في أنفسكم بغير الذي أمرتكم به.
وقوله: («يَضْرِبُ») الرواية برفع الباء، وضبطه بعضهم بسكونها، أي: أن ترجعوا بعدي.
وقوله: («أَلَيْسَتْ بِالبَلْدَةِ») يريد البلدة المحرمة، ويُقال: البلدة اسم خاص لمكة وقد سلف أسماؤها.
وقوله: («هَلْ بَلَّغْتُ؟») سميت حجة البلاغ من أجل ذَلِكَ.
وقوله: («هذا يَوْمُ الحَجِّ الأَكْبَرِ») فيه دلالة واضحة أنه يوم النحر، وقد سلف ذكر ذَلِكَ، وقد أسلفنا فيما مضى خطب الحج، وأن مالكًا قال: إنها ثلاثة: يوم التروية، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر، وهو يوم القر؛

--------
(١) سيأتي برقم (٦١٠٤) كتاب: الأدب، باب: من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، ورواه مسلم (٦٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر. من حديث ابن عمر.
(٢) «غريب الحديث» ١/ ٣٨٢.



لأن الناس يقرون فيه بمنى (١)، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، ووافقهم الشافعي، إلا أنه أبدل ثاني النحر بثالثه، وزاد خطبة يوم النحر بعد الزوال، يعلمهم فيها حكم الرمي والمبيت والنحر، واحتج الشافعي لخطبة يوم النحر بأحاديث الباب، قال: وبالناس حاجة إلى هذِه الخطبة؛ ليعلمهم أعمال اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف (٢).
وقال ابن القصار: إنما فعل ذَلِكَ؛ لأجل تبليغ ما ذكر؛ لكثرة اجتماعهم من أقاصي الدنيا فظن أنه خطب.
قلت: وأي خطبة أبلغ من هذِه؟ وادعى الطحاوي أن هذِه الخطبة لم تكن من أسباب الحج؛ لأنه ذكر فيها أمورًا لا يصلح لأحد بعده ذكرها، والخطبة إنما هي لتعليم الحج، ولم ينقل أحد عنه أنه علمهم يوم النحر شيئًا من سنن الحج، فعلمنا أن خطبة يوم النحر لم تكن للحج، وإنما كانت لما سواه. وهو عجيب! فإنه - عليه السلام - نبه على عظم اليوم، وهو من مهمات الحج.
وفيه: إشعار أن المناسك التي تفعل فيه من المهمات كالرمي والإفاضة وغير ذَلِكَ من تمام الحج.
قال ابن القصار: وقوله يحتاج أن يعلمهم النحر، وقد تقدم تعليمهم في خطبة عرفة وأعلمهم بما عليهم فيه وكانت خطبه ثلاثًا، كل خطبة ليومين. قالوا: والخطبة التي ذكرها الشافعي يمكن تعلم حكمها مما
قبلها. قال ابن المواز: وكلها لا يجلس فيها إلا عرفة فيجلس في وسطها، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلواتها (٣).

---------
(١) انظر: «المنتقى» ٣/ ٣٦ - ٣٧.
(٢) انظر: «المجموع» ٨/ ١١٩.
(٣) «المنتقى» ٣/ ٣٦.



وفيه: حرمة الدماء والأعراض والأموال، وإنما وجه الخطاب لهم إذ كانوا أهل ملة واحدة، ونظيره: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٢٩] فالأخوة واحدة.
وفيه: أن مستحل المال كمستحل الدم ومستحل العرض كمستحل المال. وفي الخبر: «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» (١) ولا يرد قطاع الطريق والخوارج ومن يجب قتله بحد لزمه، فإن دمه يحل دون ماله؛ لأن ذَلِكَ عقوبة لجرمه دون ماله، كما أمر بعقوبة آخر في ماله دون بدنه، وهذا بحق (٢).

------------
(١) رواه أحمد ١/ ٤٤٦، وأبو يعلى ٩/ ٥٥ - ٥٦ (٥١١٩) من طريق إبراهيم الهجري، عن الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا: «سباب المسلم أخاه فسوق، وقتاله كفر، وحرمة ماله كحرمة دمه». وحديث عبد الله هذا قد سلف برقم (٤٨) وسيأتي برقم (٦٠٤٤، ٧٠٧٦)، ورواه مسلم (٦٤) لكن مختصرًا دون قوله: «وحرمة ماله كحرمة دمه».
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٤ من ٧، من تجزئة المصنف، ثم بلغ في السابع بعد الثلاثين، كتبه مؤلفه.



١٣٣ - باب هَلْ يَبِيتُ أَصْحَابُ السِّقَايَةِ أَوْ غَيْرُهُمْ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى؟
١٧٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مَيْمُونٍ، حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: رَخَّصَ النَّبِيُّ - ﷺ -. [انظر: ١٦٣٤ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٥٧٨]

١٧٤٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَذِنَ. [١٦٣٤ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٥٧٨]

١٧٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ العَبَّاسَ - رضي الله عنه - اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ. [انظر: ١٦٣٤ - مسلم: ١٣١٥ - فتح: ٣/ ٥٧٨]
ذكر فيه حديث عيسى بن يونس، عَنْ عُبَيْدِ الله، عَنْ نَافِع، عَنِ ابن عُمَرَ: رَخَّصَ رسول الله - ﷺ -.
وعن ابن جريج به: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَذِنَ.
وحَدَّثَنَي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عُبَيْدُ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ العَبَّاسَ اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ - ﷺ - لِيَبِيتَ بِمَكَّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ. تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، وَأَبُو ضَمْرَةَ.
حديث أبي ضمرة تقدم في باب: سقاية الحاج عن عبيد الله (١).
ومتابعة أبي أسامة أخرجها مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن ابن

-------------
(١) سلف برقم (١٦٣٤).


نمير وأبي أسامة، ثَنَا عبيد الله، به (١). ومتابعة أبي ضمرة أنس بن عياض سلفت في الباب المشار إليه كما ذكرنا.
قال الإسماعيلي: وقد وصله بلا شك فيه من سميت: الدراوردي، وعلي بن مسهر، وأبو ضمرة، وعقبة بن خالد، ومحمد بن فليح، وموسى بن عبيد الله، وأرسله ابن المبارك، عن عبيد الله، وقد سلف
حكم الباب هناك (٢) واضحًا.
قال ابن المنذر: السنة أن يبيت الناس بمنى ليالي أيام التشريق، إلا من أرخص له رسول الله - ﷺ - في ذَلِكَ، فإنه أرخص للعباس أن يبيت بمكة من أجل سقايته، وأرخص لرعاء الإبل (٣)، وأرخص لمن أراد التعجيل أن ينفر في النفر الأول.
واختلف الفقهاء فيمن بات ليلة بمكة من غير من رخص له: فقال مالك: عليه دم، وقال الشافعي: إن بات ليلة أطعم عنها مسكينًا، وإن بات ليالي منى كلها أحببت أن يهريق دمًا، وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا شيء عليه إن كان يأتي منى ورمى الجمار، وهو قول الحسن البصري، قالوا: ولو كانت سنة ما سقطت عن العباس وآله، وإنما هو استحباب وحسبه إذا رمى الجمار في وقتها، وقد روى سفيان ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: لا بأس أن يبيت الرجل بمكة ليالي منى، ويظل إذا رمى الجمار (٤).

----------
(١) مسلم (١٣١٥) كتاب: الحج، باب: وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق.
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: يعني: في باب سقاية الحاج.
(٣) تقدم تخريجه، وانظر «البدر المنير» ٦/ ٢٧٤ - ٢٨٠، و«الإرواء» (١٠٨٠)، وسيأتي.
(٤) ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٢٦٢ - ٢٦٣.



وحجة من أوجب الدم: أن الرخصة إنما هي بتخصيص من الشارع لأهل السقاية، ولمن أذن له النبي - ﷺ - دون غيرهم (١).
وقول البخاري: (أو غيرهم) يشير إلى من ألحق بهم كالمريض ونحوه مما أسلفنا هناك، وكذا رعاء الإبل لهم إذا رموا جمرة العقبة أن ينفروا ويدعوا المبيت بمنى، ولهم أن يدعوا رمي يوم، ويقضوه في اليوم الذي يليه قبل رمي ذَلِكَ (٢)، وليس لهم أن يدعوا رمي يومين متواليين.

-----------
(١) انظر: «مشكل الآثار» ١/ ٢٢٥، «المدونة» ١/ ٣٣٠، «المنتقى» ٣/ ٤٦، «الاستذكار» ١٣/ ١٩٤، «البيان» ٤/ ٣٥٦ - ٣٥٧، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٥ - ١٠٦.
(٢) يدل على ذلك ما رواه أبو داود (١٩٧٥ - ١٩٧٦) كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار، والترمذي (٩٥٤ - ٩٥٥) كتاب: الحج، باب: ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، والنسائي ٥/ ٢٧٣، وابن ماجه (٣٠٣٦ - ٣٠٣٧) كتاب: المناسك، باب: تأخير رمي الجمار من عذر، وأحمد ٥/ ٤٥٠، والدارمي ٢/ ١٢٠٧ (١٩٣٨) كتاب: المناسك، باب: في جمرة العقبة أي ساعة ترمى، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٦٢ (٤١٧٨)، وابن الجارود ٢/ ١٠٠ - ١٠١ (٤٧٧ - ٤٧٨)، وابن خزيمة ٤/ ٣١٩ - ٣٢٠ (٢٩٧٥ - ٢٩٧٩)، وابن حبان ٩/ ٢٠٠ (٣٨٨٨)، والطبراني ١٧/ ١٧١ - ١٧٢، والحاكم ١/ ٤٧٨، والبيهقي ٥/ ١٥٠، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٧/ ٢٥٣، ٢٥٦ - ٢٥٧، والبغوي في «شرح السنة» ٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩ (١٩٧٠)، والمزي في «تهذيب الكمال» ١٣/ ٥٠٨ من حديث عاصم بن عدي.
والحديث صححه المصنف -رحمه الله- في «البدر المنير» ٦/ ٢٧٤، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٧٢٤ - ١٧٢٥)، وفي «الإرواء» (١٠٨٠).



١٣٤ - باب رَمْيِ الجِمَارِ
وَقَالَ جَابِرٌ: رَمَى النَّبِيُّ - ﷺ - يَوْمَ النَّحْرِ ضُحًى، وَرَمَى بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ.

١٧٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما مَتَى أَرْمِي الجِمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ. فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ، قَالَ: كُنَّا نَتَحَيَّنُ، فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا. [فتح: ٣/ ٥٧١]
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمِ، ثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ وَبَرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ ابن عُمَرَ: مَتَى أَرْمِي الجمَارَ؟ قَالَ: إِذَا رَمَى إِمَامُكَ فَارْمِهْ. فَأعَدْتُ عَلَيْهِ المَسْأَلَةَ، فقَالَ: كُنًّا نتَحَيَّنُ، فَإذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا.
أما تعليق جابر فأسنده مسلم من حديث ابن جريج، عن أبي الزبير عنه قال: رمى رسول الله - ﷺ - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعده فإذا زالت الشمس (١). ورواه أبو ذر الهروي عنه قال: سمعت جابرًا يقول: فذكره، وهو فائدة جليلة تزيل تهمة تدليسه.
وأثر ابن عمر من أفراده، وعند الإسماعيلي: فإذا زاغت الشمس، أو مالت، والمراد بالجمرة: جمرة العقبة، وما بعده رمي أيام التشريق، وممن رماها بعد الزوال عمر، وابن عباس، وابن الزبير (٢)، وكذا ابن عمر كما في البخاري، وهذِه سنة في رمي أيام التشريق، ولا يجوز إلا بعد الزوال عند الجمهور منهم: مالك والثوري وأبو حنيفة وصاحباه والشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: القياس أنه لا يجوز

-----------
(١) مسلم (١٢٩٩) كتاب: الحج، باب: بيان وقت استحباب الرمي.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥ (١٤٥٧٢، ١٤٥٧٤).



إلا بعد الزوال لكنا استحببنا أن يكون في اليوم الثالث قبل الزوال، وقال إسحاق: إن رمى في اليوم الأول والثاني قبل الزوال أعاد، وفي الثالث يجزئه.
وقال عطاء وطاوس: يجوز في الثلاثة قبل الزوال (١). وحديث جابر وابن عمر يرده، والحجة في السنة، فلا معنى لقول من خالفها، ولا لمن استحب غيرها.
واتفق مالك وأبو حنيفة والثوري والشافعي وأبو ثور أنه إذا مضت أيام التشريق وغابت الشمس من آخرها فقد فات الرمي، ويجبر ذَلِكَ بالدم، واعتبر ابن القاسم الصفرة إلا لمريضٍ، أو ناسٍ. ولنا وجه:
إن رمى اليومين لا يخرج بغروبها بل يبقى إلى الفجر، قياسًا على الوقوف بعرفة.
وأما الثالث: فينقضي بانقضاء يومه بلا خلاف.
فرع:
رمي جمرة العقبة من أسباب التحلل عندنا، وليس بركن خلافًا لعبد الملك المالكي (٢) حيث قال: من خرجت عنه أيام منى، ولم يرم جمرة العقبة بطُل حجه، فإن ذكر بعد غروب شمس يوم النحر فعليه دم، وإن تذكر بعد فعليه بدنة، وقال ابن وهب: لا شيء عليه ما دامت أيام منى.
فرع:
يستحب فعل الرمي قبل صلاة الظهر، نص عليه الشافعي، واتفق

----------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٦ (١٤٥٨٤).
(٢) انظر: «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٣، «المجموع» ٨/ ١٦٨ - ١٦٩، ١٧٧.



عليه أصحابه (١)، وقال عبد الملك المالكي: فإن رماها بعد أن صلى فقد أخطأ ولا شيء عليه (٢).
فرع:
يبقى وقت جمرة العقبة إلى آخر يوم النحر، وهل يمتد تلك الليلة؟ فيه وجهان عندنا مصححان (٣)، وعند ابن القاسم يفوت بالزوال إلا لمريض، أو ناس (٤).
فرع:
قول ابن عمر: (كنا نتحين إذا زالت الشمس)، أي: عن كبد السماء، كذا عبر به الداودي وعبر غيره بإذا أخذ الظل في الزائد بعد نصف النهار.
فائدة:
روى حماد بن سلمة، عن حميد: أنه رأى الحسن بن أبي الحسن بمكة يأتي يوم النحر، قد بدأ يرمي جمرة العقبة، ثم الوسطي، ثم الأخرى، فسألت فقهاء مكة عن ذَلِكَ فلم ينكروه (٥). وهو غريب.

------------
(١) «مختصر المزني» ص ١٠١، «المجموع» ٨/ ١٧٧.
(٢) «المنتقى» ٣/ ٥٠. ونسب القول لابن حبيب عن مالك.
(٣) «المجموع» ٨/ ١٦٩.
(٤) «التاج والإكليل» ٤/ ١٨٦.
(٥) «المحلى» ٧/ ١٨٣.



١٣٥ - باب رَمْيِ الجِمَارِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي
١٧٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: رَمَى عَبدُ اللهِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحمَنِ، إِنَّ نَاسًا يَزمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا. فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ هذا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -.
وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَليدِ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا الأعمَشُ بهذا. [١٧٤٨، ١٧٤٩، ١٧٥٠ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨٠]
ذكر من حديث الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ
قَالَ: رَمَى عَبْدُ الله مِنْ بَطْنِ الوَادِي، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إِنَّ نَاسًا يَرْمُونَهَا مِنْ فَوْقِهَا. فَقَالَ: وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ هذا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
(وَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ الوَليدِ) (١): ثَنَا سُفْيَانُ ثَنَا الأَعْمَشُ بهذا.
أي: ما زال التحديث للعنعنة الأولى.
والحديث أخرجه مسلم أيضًا (٢).
وهذا هو المشهور: أن يرمي من أسفلها، ولو رماها من أعلاها أجزأه، فإن ازدحم عندها، فقال مالك: لا بأس أن يرميها من فوقها، ثم رجع فقال: لا يرميها إلا من أسفلها.
وقال ابن بطال: رمي الجمرة من حيث تيسر من العقبة من أسفلها، أو أعلاها، أو وسطها كل ذَلِكَ واسع، والموضع الذي نختار منها بطن الوادي من أجل حديث ابن مسعود، وكان جابر بن عبد الله يرميها من

---------
(١) فوقها في الأصل: معلق.
(٢) مسلم (١٢٩٦) كتاب: الحج، باب: رمي جمرة العقبة من بطن الوادي.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #340  
قديم اليوم, 09:12 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,871
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (12)
من صـــ 169 الى صـــ 180
الحلقة (340)




بطن الوادي، وبه قال عطاء وسالم (١)، وهو قول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك: يرميها من أسفلها أحب إليَّ.
وقد روي عن عمر أنه جاء والزحام عند الجمرة فصعد فرماها من فوقها (٢).
وفيه دليل على تسمية هذِه السورة بالبقرة، وقد قال - عليه السلام -: «إن البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أو غيايتان» (٣) أي: ثوابهما، فالصواب: أنه لا كراهة في تسميتها ولا غيرها باسمها، وإنما ذكر سورة البقرة؛ لأن معظم مناسك الحج فيها، وإنما كره الحَجَّاج ذَلِكَ كما سيأتي قريبًا (٤)، وسبقه إليه جماعة من السلف.
وقد احتج النخعي على الأعمش بهذا الحديث، وهذِه إضافة لفظ كباب الدار، ومثله قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير: ١٩] فأضاف القول إلى جبريل الذي نزل به من عند الله، وهذا من اتساع لغة العرب تضيف الشيء إلى من له أقل سبب. وقد ترجم له البخاري في فضائل القرآن فقال: باب: من لم ير بأسًا أن يقول: سورة البقرة، وسورة كذا (٥)، خلافًا للحَجَّاج، ولمن أنكر ذَلِكَ قبله.
فرع:
السنة أن لا يقف عندها كما سيأتي بعد بأبواب، بخلاف الأولين.

---------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٢ (١٣٤١٠، ١٣٤١٢).
(٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٤١٥ - ٤١٦ بتصرف. وأثر عمر رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٢ (١٣٤١٤) كتاب: الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي.
(٣) رواه مسلم (٨٠٤) كتاب الصلاة، باب: فضل قراءة القرآن وسورة البقرة.
(٤) سيأتي برقم (١٧٥٠).
(٥) سيأتي برقم (٥٠٤٢) من حديث عائشة.



١٣٦ - باب رَمْيِ الجِمَارِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ
ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٧٤٨ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ - رضي الله عنه - أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨٠]
ثم ذكر حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى الجَمْرَةِ الكُبْرى، جَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَرَمَى بِسَبْعٍ، وَقَالَ: هَكَذَا رَمَى الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.


١٣٧ - باب مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ
١٧٤٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه -، فَرَآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هَذَا مَقَامُ الذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨١]
ذكر فيه حديث عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ حَجَّ مَعَ ابن مَسْعُودٍ، فَرَآهُ يَرْمِي الجَمْرَةَ الكُبْرى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، فَجَعَلَ البَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: هذا مَقَامُ الذِي أنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
أما حديث ابن عمر فيأتي مسندًا قريبًا (١)، وحديث ابن مسعود سلف (٢)، وقد كرره البخاري في الباب. وسميت الجمرة الكبرى؛ لأنها تُرمى يوم النحر وحدها، وتكرر باقي الأيام، ووقع في رواية أبي الحسن: (سبع حصايات)، وصوابه (حصيات)؛ لأنه جمع حصاة، واليسار بفتح الياء وكسرها، وقام الإجماع على أن من رمى كل جمرة بسبع حصيات فقد أحسن، واختلفوا إذا رماها بأقل من سبع: فذكر الطبري عن عطاء: أنه إن رمى بخمس أجزأه، وعن مجاهد: إن رمى بست لا شيء عليه، وذكر ابن المنذر: احتج بحديث سعد بن أبي وقاص قال: رجعنا مع النبي - ﷺ - وبعضنا يقول: رميت بست، وبعضنا يقول: رميت بسبع، فلم يعب بعضهم على

--------
(١) برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: رمي الجمرتين.
(٢) برقم (١٧٤٧).



بعض (١)، وبه قال أحمد وإسحاق، وعن طاوس إن رمى ستًّا يطعم تمرة (٢)، أو لقمة، وذكر الطبري عن بعضهم، أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك، وقال: إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببًا لحفظ التكبيرات السبع، وجعل عقد الأصابع بالتسبيح سببًا لحفظ العدد، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به، قال: حسن قد كانت عائشة أم المؤمنين تقول: إنما الحصى جمار ليحفظ به التكبير، وقال الشافعي وأبو ثور: إن بقيت عليه حصاة فعليه مدٌّ من طعام، وفي حصاتين مدَّان، وإن بقيت عليه ثلاث فأكثر فعليه دم (٣).
---------
(١) رواه النسائي ٥/ ٢٧٥، وأحمد ١/ ١٦٨، وابن حزم في «حجة الوداع» (٣٦٠)، والبيهقي ٥/ ١٤٩ كتاب: الحج، باب: من شك في عدد ما رمى. من طريق ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن سعد بن أبي وقاص، به.
قلت: وهو حديث ضعيف لانقطاعه، قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول: مجاهد لم يدرك سعدًا، إنما يروي عن مصعب بن سعد، عن سعد، وقال: أبو زرعة: مجاهد، عن سعد مرسل. اهـ. «المراسيل» ص ٢٠٥ - ٢٠٦.
وقال ابن حزم: حديث سعد ليس مسندًا.
وقال ابن القطان: أشك في اتصال هذا الحديث، فإنه من رواية مجاهد، عن سعد بن أبي وقاص، ولا أعلم له سماعًا منه، وإنما أعلمه يروي عن عامر بن سعد، عن أبيه، وكان موت سعد سنة ثمان وخمسين، ومجاهد إذ ذاك من نحو ثمان وثلاثين سنة، فهو لا يبعد سماعه منه، ولكن لا أعلمه. اهـ. «بيان الوهم والإيهام» ٢/ ٥٥٩ - ٥٦٠.
وقال ابن التركماني ٥/ ١٤٩: قال الطحاوي في «أحكام القرآن»: حديث منقطع، لا يثبت أهل الإسناد مثله.
(٢) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٤ بلفظه، ورواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٥ (١٣٤٤٠) وفيه: يتصدق بشيء.
(٣) «الأم» ٢/ ١٨١.



وقال أبو حنيفة وصاحباه: إن ترك أقل من نصف جميع (الجمرات) (١) (الثلاث فعليه في كل حصاة نصف صاع إلا أن يبلغ دما فيطعم ما شاء، ويجزئه (٢).
وإن كان ترك أكثر من نصف جميع الجمرات الثلاث) (٣) فعليه دم (٤)، وعليه إجماع الجميع على أن على تارك رمي الجمرات الثلاث في أيام الرمي حَتَّى تنقضي دمًا (٥)، فلما كان ذَلِكَ إجماعًا كان الواجب أن يكون لترك رمي ما دون جميع الجمرات الثلاث بقسطه، وأن يكون ذَلِكَ مردود إلى القيمة إذ كان غير ممكن نسك بعض الدم فجعلوا ذَلِكَ طعامًا، وجعلوا ما يعطى كل مسكين من ذَلِكَ قوت يومه، وجعلوا تارك ما زاد على نصف جميع الجمرات الثلاث بمنزلة تارك الجمرات كلها، إذ كان الحكم عندهم للأغلب، مع أن ذَلِكَ إجماع من الجميع.
وقال الحكم وحماد: من نسي جمرة أو جمرتين أو حصاتين يهريق دمًا، وقال عطاء: من نسي شيئًا من رمي الجمار فذكر ليلًا أو نهارًا يلتزم ما نسى ولا شيء عليه، وإن مضت أيام التشريق فعليه دم (٦)، وهو قول الأوزاعي (٧)، وقال مالك: إن نسي حصاة من الجمرة حَتَّى ذهبت أيام

--------
(١) في (ج): التكبيرات.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٣) ساقطة من (ج).
(٤) جاء في هامش الأصل: وكذا إذا ترك رمي يوم غير يوم النحر، أو ترك رمي يوم النحر أو أكثره، كما لو ترك الرمي كله، والله أعلم.
(٥) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢٢٣، «التمهيد» ١٧/ ٢٥٥.
(٦) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٩٤ (١٣٤٣٧) كتاب الحج، باب: في الرحل ينسى أن يرمي جمرة أو جمرتين.
(٧) انظر: «المجموع» ٨/ ٢٧٠، «المغني» ٥/ ٣٨٠.



الرمي ذبح شاة، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة (١).
قال الطبري: والصواب عندنا: أن رمي الجمرة بسبع، ورمي أيام التشريق كل جمرة بسبع من مناسك الحج الذي لا يجوز تضييعها لنقل الأمة جميعًا وراثة عن رسول الله - ﷺ - أن رميهن كذلك مما علم أمته، وقد جعل الله بيان مناسكه إلى رسوله، فعلم بذلك أنه من الفروض التي لا يجوز تضييعها، وعلم أن من ترك شيئًا مما علمهم حَتَّى فات وقته فعليه الفدية، كما نص عليه في الحلق وجزاء الصيد، فمن ضيع الجمرات حَتَّى انقضت أيام التشريق فعليه شاة، وكذا بعضها كما في
تارك بعض طواف الإفاضة، فإن حكمه كتارك كله.
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في مرة واحدة، فقال مالك والشافعي: لا يجزئه إلا عن حصاة واحدة، ويرمي بعدها ستًا، وقال عطاء: يجزئه عن السبع، وهو قول أبي حنيفة، كما في سياط الحد سوطًا سوطًا أو مجتمعة، إذا علم وصول الكل إلى بَدَنِهِ (٢)، حجة الأول: أن الشارع رمى بحصاة حصاة وقال: «خذوا عني مناسككم» (٣).
وأما فقه الباب الثاني: فإذا جعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه فهو مستقبل للجمرة بوجهه، وذلك السنة، وأما جمرة العقبة فيرميها من بطن
الوادي.

--------
(١) «المدونة» ١/ ٣٢٤.
(٢) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٣٠، «المدونة» ١/ ٣٢٥، «الأم» ٢/ ١٨١، «المجموع» ٨/ ١٧٦، «المغني» ٥/ ٢٩٦ - ٢٩٧.
(٣) رواه مسلم (١٢٩٧) وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي ٥/ ٢٧٠ بلفظ: «لتأخذوا مناسككم». ورواه بهذا اللفظ الطبراني في «مسند الشاميين» ٢/ ٥٤، أبو نعيم في «مستخرجه على مسلم» ٣/ ٣٧٨، البيهقي في «الكبرى» ٥/ ١٢٥.



فرع:
الأصح عندنا أنه لا يرميها على هيئة الحذف خلافًا لما في الرافعي، نعم السنة أن تكون قدر حصى الحذف للاتباع قولًا وفعلًا، وهو دون الأنملة طولًا وعرضًا في قدر الباقلاء.
فرع:
قد أسلفنا أنه يأخذ حصى جمرة العقبة من المزدلفة، وأما حصى أيام التشريق فمن منى، لكن يكره من الحش؛ لنجاسته، ومن المسجد؛ لأنه فرشه، ومما رمي به؛ لأنه غير مقبول.


١٣٨ - باب يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

١٧٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، عَنْ عَبْدِ الوَاحِدِ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: سَمِعْتُ الحَجَّاجَ يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: السُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ مَعَ ابْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، حَتَّى إِذَا حَاذَى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ هَا هُنَا وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ قَامَ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ - ﷺ -. [انظر: ١٧٤٧ - مسلم: ١٢٩٦ - فتح: ٣/ ٥٨١]
وعن الأَعْمَشُ (١): سَمِعْتُ الَحجَّاجَ يَقُولُ عَلَى الِمنْبَرِ: السُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا البَقَرَةُ، وَالسُّورَةُ التِي يُذْكَرُ فِيهَا آلُ عِمْرَانَ، وَالسُّورَةُ التِي يُذكَرُ فِيهَا النِّسَاءُ. قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لإِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ أنة كَانَ مَعَ ابن مَسْعُودٍ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ، فَاسْتَبْطَنَ الوَادِيَ، حَتَّى إِذَا حَاذى بِالشَّجَرَةِ اعْتَرَضَهَا، فَرَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةِ، ثُمَّ قَالَ: مِنْ ها هنا -وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ- قَامَ الذِي أنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ البَقَرَةِ.
حديث ابن عمر يأتي مسندًا بعد (٢)، وحديث ابن مسعود تكرر (٣)، وفي مسلم: «ألفوا القرآن كما ألفه جبريل السورة التي يذكر فيها» الحديث (٤)، ومراده النظم لا توالي السور. فإن جماعة من المحققين خالفوا فيه وقالوا: هو اجتهاد من الأئمة وليس بتوقيف.

-----------
(١) فوقها في الأصل: (مسند متصل).
(٢) برقمي (١٧٥١ - ١٧٥٢).
(٣) سلف برقم (١٧٤٧) كتاب: الحج، باب: رمي الجمار من بطن الوادي.
(٤) مسلم (١٢٩٦) كتاب: الحج، باب: رمي جمرة العقبة من بطن الوادي.



وفقهه: سنة التكبير مع كل حصاة اقتداء بالشارع، وعمل به الأئمة بعده، روي ذَلِكَ عن ابن مسعود، وابن عمر (١)، وهو قول مالك، والشافعي (٢)، وكان علي يقول كلما رمى حصاة: اللهم اهدني بالهدى، وقني بالتقوى، واجعل الآخرة خيرًا لي من الأولى (٣).
وكان ابن مسعود، وابن عمر يقولان عند ذَلِكَ: اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وذنبًا مغفورًا، وسعيًا مشكور (٤).
وأجمعوا أنه إن لم يكبر فلا شيء عليه، فإن سبح قال ابن القاسم: لا شيء عليه (٥).
ومعنى: (استبطن الوادي): وقف في وسطه، وهو الموضع المنحدر من العقبة، والموضع المرتفع الذي يقابلها.
ومعنى (اعترضها): أتاها من عرضها، نبه عليه الداودي.

----------
(١) سيأتيا برقمي (١٧٥١، ١٧٥٢).
(٢) انظر: «المدونة» ١/ ٣٢٤، «البيان» ٤/ ٣٣٢.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣١٨ - ٣١٩ (١٤٧٠١) كتاب: المناسك، من كان يأمر بتعليم المناسك، مطولًا، لكنه عن ابن عمر.
(٤) رواه عن ابن مسعود: أحمد ١/ ٤٢٧، وابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٠ (١٤٠١٣)، ٦/ ٨٤ - ٨٥ (٢٩٦٤١) كتاب: الدعاء، ما يدعو به إذ رمى الجمرة، وأبو يعلى ٩/ ١١٥ (٥١٨٥)، والبيهقي ٥/ ١٢٩ كتاب: الحج، باب: رمي الجمرة من بطن الوادي وكيفية الوقوف للرمي. وانظر: «الضعيفة» (١١٠٧).
والحديث أصله سلف (١٧٤٧ - ١٧٥٠)، ورواه مسلم (١٢٩٦) دون ذكر الدعاء.
ورواه عن ابن عمر: ابن أبي شيبة ٣/ ٢٥٠ (١٤٠١٤)، ٦/ ٨٥ (٢٩٦٤٢)، والطبراني في «الدعاء» ٢/ ١٢٠٩ (٨٨١)، والبيهقي ٥/ ١٢٩. وانظر: «الضعيفة» (١١٠٧).
(٥) انظر: «الاستذكار» ١٣/ ٢١٣. وانظر: قول ابن القاسم في «المنتقى» ٣/ ٤٦.



١٣٩ - باب مَنْ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وَلَمْ يَقِفْ
قَالَهُ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
هذا الحديث يأتي بعد مسندًا (١)، وهذِه الجمرة هي الثالثة التي تلي مسجد الخيف والوسطى، فإنه يقف عندها، كما سيأتي على الأثر.

-----------
(١) في الباب التالي برقم (١٧٥١).


١٤٠ - باب إِذَا رَمَى الجَمْرَتَيْنِ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ وَيُسْهِلُ
١٧٥١ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيَقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِى جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ. [١٧٥٢، ١٧٥٣ - فتح: ٣/ ٥٨٢]
حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، ثَنَا طَلْحَةُ بْنُ يَحْيَى، ثَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي الَجمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يقعد ثم يُسْهِلَ فَيَقومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الوُسْطَى، ثُمَّ يَأْخُذ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيَسْتَهِلُ، وَيقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، فَيَقُومُ طَوِيلًا، وَيَدْعُو وَيرْفَعُ يَدَيْهِ، وَيقُومُ طَوِيلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذَاتِ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَقُولُ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُهُ.
هذا الحديث من أفراده وقد ذكره هنا، وفي البابين بعده (١)، وطلحة (٢) هذا وثقه ابن معين وغيره، وقال أحمد وغيره: مقارب الحديث (٣)،

-----------
(١) (١٧٥٢ - ١٧٥٣).
(٢) في هامش الأصل: وهو طلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي عياش الزرقي.
(٣) هو طلحة بن يحيى بن النعمان بن أبي عياش الأنصاري المدني.
قال أبو داود: لا بأس به، وقال يعقوب بن شيبة: شيخ ضعيف جدًّا، ومنهم من لا يكتب حديثه لضعفه، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، وقال الحافظ في «التقريب» (٣٠٣٧): صدوق يهم. وانظر ترجمته في: «الطبقات الكبرى» ٧/ ٣٢٨، «التاريخ الكبير» ٤/ ٣٥٠ (٣١٠٠)، «تهذيب الكمال» ١٣/ ٤٤٤ (٢٩٨٥).



وليس لطلحة في كتابه غيره كما قاله ابن طاهر، وقد اختلف فيه على يونس، كما ذكره البخاري بعد، واعتمد على رواية طلحة بن يحيى، ولأجل هذا الاختلاف لم يخرجه مسلم، وقد أخرج لطلحة هذا في «صحيحه» حديثين عن يونس بن يزيد (١).
وقد أسلفنا أنه يرمي أيام التشريق إلى الجمرات الثلاث: الأولى التي تلي مسجد الخيف وهي الدنيا، والوسطى عند العقبة الأولى بقرب مسجد منى أيضًا، يقف عندها طويلًا، وجمرة العقبة، ولا يقف عندها كما سلف.
وروى الثوري، عن عاصم الأحول، عن أبي مجلز قال: كان ابن عمر يشبر ظله ثلاثة أشبار ثم يرمي، وقام عند الجمرتين قدر سورة يوسف (٢). وقال عطاء: كان ابن عمر يقف عندها بمقدار ما يقرأ سورة البقرة (٣).
قال ابن المنذر: ولعله قد وقف مرتين كما قال أبو مجلز، وكما قال عطاء، ولا يكون اختلافًا، وكان ابن عباس يقف بقدر قراءة سورة من المائتين (٤) ولا توقيف في ذَلِكَ عند العلماء إلا الثوري؛ فإنه استحب أن يطعم شيئًا أو يهريق دمًا.

---------
(١) الحديث الأول رواه مسلم برقم (٢٠٩٤/ ٦٢) كتاب: اللباس والزينة، باب: في خاتم الورق فصه حبشي. والثاني رواه برقم (٢٣٤٩/ ١١٥) كتاب: الفضائل.
(٢) رواه الفاكهي في «أخبار مكة» ٤/ ٣٠١ - ٣٠٢ (٢٦٧٥) من طريق سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي مجلز، به.
(٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٢ (١٤٣٤٠ - ١٤٣٤١)، والأزرقي ٢/ ١٧٩، والفاكهي ٤/ ٣٠٢ (٢٦٧٦).
(٤) رواه الفاكهي ٤/ ٣٠٠ (٢٦٧٠).



وقوله: (ثُمَّ يَتَقَدَّمُ حَتَّى يُسْهِلَ) هو بضم الياء، يُقال: أسهل: إذا نزل من السهل من بطن الوادي بعد أن يكون في الجبل.
وقوله: (فَيَقُومَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ فَيَقُومُ طَوِيلًا وَيَدْعُو) اختلف في مقدار ما يقف عند الجمرة الأولى، فكان ابن مسعود يقف عندها قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعن ابن عمر: كان يقف قدر سورة البقرة عند الجمرتين (١)، كما أسلفناه عنه، قال ابن القاسم وسالم: إذا قرأها الرجل السريع، وهو مفسر لما في البخاري من الطول.
وقوله: (وَيَدْعُو وَيرْفَعُ يَدَيْهِ) سيأتي في بابه.

-----------
(١) تقدم قريبًا.


١٤١ - باب رَفْعِ اليَدَيْنِ عِنْدَ جَمْرَةِ الدُّنْيَا وَالوُسْطَى
١٧٥٢ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَخِي، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يَرْمِي الجَمْرَةَ الدُّنْيَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، ثُمَّ يُكَبِّرُ عَلَى إِثْرِ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ فَيُسْهِلُ، فَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ الوُسْطَى كَذَلِكَ، فَيَأْخُذُ ذَاتَ الشِّمَالِ فَيُسْهِلُ، وَيَقُومُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ قِيَامًا طَوِيلًا، فَيَدْعُو وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمِي الجَمْرَةَ ذَاتَ العَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الوَادِي، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، وَيَقُولُ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَفْعَلُ. [انظر: ١٧٥١ - فتح: ٣/ ٥٨٣]
ذكر فيه حديث ابن عمر المذكور قبله بطوله (١)، وأخرجه عن إسماعيل بن عبد الله: حَدَّثَني أخي، عن سليمان، عن يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر: كان يرمي الجمرة الدنيا، إلى آخره.
فيه: أن السنة أن يرفع يديه في الدعاء عند الجمرتين؛ لأنها من مواضع الدعاء، قال ابن المنذر: ولا أعلم أحدًا أنكر ذَلِكَ عن مالك، قال ابن القاسم: حكي عنه أنه لم يكن يعرف رفع اليدين هنالك (٢)، قال ابن المنذر: واتباع السنة أفضل، وقيل: يرفع، حكاه ابن التين، وابن الحاجب (٣).

-----------
(١) سلف برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: إذا رمي الجمرتين.
(٢) «المدونة» ١/ ٧١.
(٣) «مختصر ابن الحاجب» ص ١٠٦.



١٤٢ - باب الدُّعَاءِ عِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ
١٧٥٣ - وَقَالَ مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ التِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، وَكَانَ يُطِيلُ الوُقُوفَ، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ التِي عِنْدَ العَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّثُ مِثْلَ هَذَا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَفْعَلُهُ. [انظر: ١٧٥١ - فتح: ٣/ ٥٨٤]
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: ثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا رَمَى الجَمرَةَ التِي تَلِي مَسْجِدَ مِنًى يَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ تَقَدَّمَ أَمَامَهَا فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيِه يَدْعو، وَكَانَ يُطِيل الوُقوفَ، ثُمَّ يَأتِي الجَمْرَةَ الثَّانِيَةَ، فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ كُلَّمَا رَمَى بِحَصَاةٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ ذَاتَ اليَسَارِ مِمَّا يَلِي الوَادِيَ، فَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيِه يَدْعُو، ثُمَّ يَأْتِي الجَمْرَةَ التِي عِنْدَ العَقَبَةِ فَيَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ عِنْدَ كُلِّ حَصَاةٍ، ثمَّ يَنْصَرِفُ وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا. قَالَ الزّهْرِيُّ: سَمِعْتُ سَالمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يُحَدِّث بمِثْلِ هذا، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَكَانَ ابن عُمَرَ (يَفْعَلُهُ) (١).

------------
(١) ورد بهامش الأصل: في هذا الحديث فائدة:
وهي ما إذا قدم الراوي الحديث على السند أيقدم بعض الإسناد مع المتن على بقية السند، كما وقع هنا؟ هذا إسناد متصل لا يمنع الحكم باتصاله، ولا يمنع ذلك من روى كذلك أعني […] من شيخه كذلك أن يبتدئ بالإسناد جميعه أولًا ثم يذكر المتن، كما جوزه بعض المتقدمين، قال ابن الصلاح: وينبغي أن يكون فيه خلاف، نحو الخلاف في تقدم بعض المتن على بعض، وقد حكى الخطيب النفي من جرى على القول بأن الرواية بالمعنى لا تجوز، والجواز على القول بأن =



هذا الحديث سلف قريبًا بفقهه (١)، وقد أسلفنا الخلاف عن مالك في رفع اليدين، وضعفه مالك في جميع المشاعر والاستسقاء، وقد رُئي رافعًا يديه في الاستسقاء وقد جعل بطونهما إلى الأرض وقال:
إن كان الرفع فهكذا (٢)، والدعاء عند الجمرتين من المواضع التي يستجاب فيها الدعاء، وهي خمسة عشر موضعًا يستجاب فيها الدعاء، ذكرها الحسن البصري في رسالته.
ومحمد شيخ البخاري اختلف فيه، فقال ابن السكن: ابن بشار وروى البخاري في الأطعمة، عن محمد بن مثنى، عن عثمان بن عمر.
وذكر أبو نصر أن البخاري حدث في «جامعه» عن محمد بن مثنى، وابن بشار، عن عثمان، وروى أيضًا عن محمد بن عبد الله هو الذهلي (٣)، عن عثمان (٤). ورواه الإسماعيلي عن محمد بن مثنى،
والبيهقي عن محمد بن إسحاق الصغاني، ثَنَا عثمان (٥).

-----------
= الرواية على المعنى تجوز، ولا فرق بينهما في ذلك، ففيما فعله البخاري دليل على الجواز.
(١) برقم (١٧٥١) كتاب: الحج، باب: إذا رمى الجمرتين.
(٢) انظر: «المدونة الكبرى» ١/ ٧١، وقد وردت هيئة الرفع هذِه في حديث رواه مسلم (٨٩٦) عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - استسقى؛ فأشار بظهر كفيه إلى السماء.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: نسبه لجده، وهو: محمد بن يحيى بن عبد الله.
(٤) سيأتي برقم (٦٧٢٢) وانظر: «تقييد المهمل» ٣/ ١٠٣٢ - ١٠٣٣.
(٥) «سنن البيهقي» ٥/ ١٤٨ (٩٦٦٢) كتاب: الحج، باب: الرجوع إلى منى أيام التشريق.



١٤٣ - باب الطِّيبِ بَعْدَ رَمْيِ الجِمَارِ وَالحَلْقِ قَبْلَ الإِفَاضَةِ
١٧٥٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها تَقُولُ: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ. وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا. [انظر: ١٥٣٩ - مسلم: ١١٨٩ - فتح: ٣/ ٥٨٤]
حَدَّثَنَا عَليُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ القَاسِمِ، -وكان أفضل أهل زمانه- أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ -وَكَانَ أَفْضَلَ أَهلِ زَمَانِهِ- يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُول: طَيَّبْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - بِيَدَيَّ هَاتَيْنِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ، وَبَسَطَتْ يَدَيْهَا.
هذا الحديث سلف في باب: الطيب عند الإحرام (١)، والقاسم هذا هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أحد الفقهاء السبعة، قال عمر بن عبد العزيز: لو لم يجعل سليمان الأمر إلى يزيد بعدي لندبتها في عنق القاسم بن محمد (٢)، يعني: الخلافة.
وقوله: (وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ) في كل منهما، وفي الأطراف أن كلًّا من علي بن المديني وعبد الرحمن بن القاسم يقول ذَلِكَ.
وقولها: (ولحله حين أحل) حمله مالك على ما بعد رمي جمرة العقبة، ورآه من خواصه؛ لأنه كان يخاطب الملك، وحمله غيره على طيب لا رائحة له، ومنهم من ادعى نسخه، وكله بعيد، وقد أسلفنا

------
(١) سلف برقم (١٥٣٩).
(٢) رواه الفسوي في «المعرفة والتاريخ» ١/ ٥٤٧.



خلاف العلماء فيه هناك، وبوب عليه البخاري: والحلق قبل الإفاضة؛ وذلك لقولها: (ولحله حين أحل) والحل هو الحلق.
قال ابن المنذر: اختلف العلماء فيما أبيح للحاج بعد رمي جمرة العقبة قبل الطواف بالبيت، فروي عن ابن عباس، وابن الزبير، وعائشة أنه يحل له كل شيء إلا النساء (١)، وهو قول سالم، وطاوس، والنخعي، وإليه ذهب أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، واحتجوا بحديث عائشة في إباحة الطيب لمن رمى جمرة العقبة قبل طواف الإفاضة، قالوا: سنة رسول الله - ﷺ - حجة على من خالفها.
قال ابن المنذر: وقولها: (وَلِحِلِّهِ) يدل على أنه حلال من كل شيء إلا النساء الذي دل على المنع منه الخبر والإجماع.
وروى عمر وابنه أنه يحل له كل شيء إلا النساء والطيب (٢). وقال مالك: يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، وفي «المدونة»: أكره لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حَتَّى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه، فعلى هذا القول الصحيح من مذهب مالك أنه يحل له كل شيء إلا النساء والصيد، واحتج لمالك في تحريم الصيد على من لم يفض بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥] وليس له إذا أُحِلَّ

--------
(١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٠ (١٣٨٠٢، ١٣٨٠٤ - ١٣٨٠٥، ١٣٨١٣) كتاب: الحج، في الرجل إذا رمى الجمرة ما يحل له، والدارقطني ٢/ ٢٧٦ (٢٦٥٠) كتاب: الحج، باب: المواقيت.
(٢) رواه عن عمر: البيهقي ٥/ ١٣٥.
ورواه عن ابنه: ابن أبي شيبة ٣/ ٢٣٠ (١٣٨٠ - ١٣٨٩)، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٦٠ (٤١٦٦).



له الحلق أن يخرج عن كونه محرمًا؛ لأن الحلق والطيب واللباس قد أبيح على وجه، ولم يخرج بذلك عن كونه محرمًا؛ لذلك يحل له بعد الرمي أشياء، ويبقى عليه تحريم أشياء وهو محرم، وقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] يقتضي الحال التام، وأن لا يبقى شيء من الإحرام بعد الإحلال المطلق، ومن بقيت عليه الإفاضة فلم يحل الإحلال التام، ومثله قوله تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن﴾ [الطلاق: ٤] فلو وضعت واحدًا وبقي آخر لم يكن قد وضعت الوضع التام؛ لأن الرجهة قبل وضعها الثاني تصح.
واحتج الطحاوي لأصحابه بحديث عائشة مرفوعًا: «إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل شيء إلا النساء» (١) فيه الحجاج بن أرطأة (٢)، وبحديث الحسن العرني، عن ابن عباس -ولم

--------
(١) رواه أحمد ٦/ ١٤٣، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٢/ ٤٣١ (٩٩٥)، والحارث بن أبي اسامة في «مسنده» كما في «بغية الباحث» (٣٧٧)، وابن خزيمة ٤/ ٣٠٢ (٢٩٣٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٨، والدارقطني ٢/ ٢٧٦، والبيهقي ٥/ ١٣٦ من طريق الحجاج بن أرطاة، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، عن عمرة، عن عائشة، مرفوعًا به.
(٢) ورواه إسحاق ٢/ ٤٣٢ (٩٩٧)، والدارقطني ٢/ ٢٧٦ من طريق الحجاج، عن أبي بكر بن عبد الله بن ابي الجهم عن عمرة عن عائشة مرفوعًا بلفظ: «إذا رمى وحلق وذبح فقد حل له كل شيء إلا النساء». قال البيهقي: ورواه محمد بن أبي بكر عن يزيد بن هارون فزاد فيه: «وذبحتم فقد حل لكم ..» الحديث.
وهذا من تخليطات الحجاج وإنما الحديث الحديث عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا كما رواه سائر الناس عن عائشة رضي الله عنهما، وقال الحافظ في «التلخيص» ١/ ٢٦٠: مداره على الحجاج وهو ضعيف ومدلس. اهـ.
وقال الألباني في «الإرواء» (١٠٤٦): ضعيف بزيادة: «وحلقتم»، وانظر: «الضعيفة» (١٠١٣). =



يسمع منه (١) قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلا النساء، فقال له رجل: والطيب؟ فقال: أما أنا فقد رأيت رسول الله - ﷺ - يضمح رأسه بالمسك، أفطيب هو (٢)؟!
وروى أفلح بن حميد، عن أبي بكر بن حزم قال: دعانا سليمان بن عبد الملك يوم النحر، أرسل إلى عمر بن عبد العزيز، والقاسم، وسالم، وخارجة بن زيد، وعبد الله بن عبد الله بن عمر، وابن شهاب

---------
= والحديث رواه أيضًا أبو داود (١٩٧٨) كتاب: المناسك، باب: في رمي الجمار. من طريق الحجاج عن الزهري عن عمرة عن عائشة مرفوعًا: «إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا النساء».
قال أبو داود: هذا حديث ضعيف؛ الحجاج لم ير الزهري ولم يسمع منه اهـ، وقال المنذري: الحجاج هذا قد ذكر غير واحد من الحفاظ أنه لا يحتج بحديثه، وذكر عباد بن العوام وابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة: أن الحجاج لم يسمع من الزهري شيئًا، وذكر عن الحجاج نفسه أنه لم يسمع شيئًا. اهـ. «مختصر سنن أبي داود» ٢/ ٤١٨.
(١) في هامش الأصل: كذا قاله أحد بن حنبل، نقله عنه العلائي في «المراسيل».
(٢) رواه النسائي ٥/ ٢٧٧، وابن ماجه (٣٠٤١) كتاب: المناسك، باب: ما يحل للرجل إذا رمى جمرة العقبة، وأحمد ١/ ٢٣٤، ٣٤٤، ٣٦٩، والطحاوي ٢/ ٢٢٩، والطبراني ١٢/ ١٤٠ (١٢٧٠٥)، من طريق الثوري، عن سلمة بن كهيل، عن الحسن العرني، عن ابن عباس به.
والحديث منقطع؛ لأن الحسن لم يسمع من ابن عباس كما ذكر المصنف.
وقال في «البدر المنير» ٦/ ٢٦٥: إسناده حسن كما قاله المنذر وغيره، إلا أن يحيى بن معين وغيره قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع من ابن عباس، نعم في «مسند أحمد» قال: ذُكر عند ابن عباس: يقطع .. وذكر الحديث بطوله، وظاهر هذا سماعه من اهـ بتصرف.
وصححه الألباني في «الصحيحة» (٢٣٩).
انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢٨ - ٢٢٩ كتاب: المناسك الحج، باب: اللباس والطيب.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 15 ( الأعضاء 1 والزوار 14)
ابوالوليد المسلم

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 447.07 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 441.22 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.31%)]