تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 34 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5183 - عددالزوار : 2491911 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4776 - عددالزوار : 1826996 )           »          سحور 2 رمضان.. طريقة عمل الفول بالخلطة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 404 - عددالزوار : 11261 )           »          {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ}ا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 417 - عددالزوار : 128114 )           »          دورة الاستعداد لرمضان | النفسية في رمضان | الشيخ المربي محمد حسين يعقوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 30 - عددالزوار : 2019 )           »          منيو فطار 1 رمضان.. طريقة عمل الفراخ المحشية مع طبق ملوخية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          4 وصفات طبيعية تسهل حياتك بعد عزومات رمضان.. للعناية ببيتك وجمالك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 40 )           »          كتاب الصيام والحج من الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 47 )           »          حياة القلوب - قلوب الصائمين انموذجا**** يوميا فى رمضان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #331  
قديم 07-12-2025, 01:20 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 131 الى صــ 145
الحلقة (331)






قال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لسرادق النار أربعة جدر كثافة كل جدار مسافة أربعين سنة" وأخرجه الترمذي في صفة النار وابن جرير في تفسيره من حديث دراج أبي السمح به .
وقال ابن جريج قال ابن عباس "أحاط بهم سرادقها" قال حائط من نار وقال ابن جرير : حدثني الحسين بن نصر والعباس بن محمد قالا : حدثنا أبو عاصم عن عبد الله بن أمية حدثني محمد بن حيي بن يعلى عن صفوان بن يعلى عن يعلى بن أمية قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "البحر هو جهنم" قال فقيل له كيف ذلك ؟ فتلا هذه الآية أو قرأ هذه الآية "نارا أحاط بهم سرادقها" ثم قال "والله لا أدخلها أبدا أو ما دمت حيا لا تصيبني منها قطرة"

"وقوله" وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه "الآية قال ابن عباس : المهل الماء الغليظ مثل دردي الزيت وقال مجاهد : هو كالدم والقيح وقال عكرمة : هو الشيء الذي انتهى حره وقال آخرون : هو كل شيء أذيب ."
وقال قتادة : أذاب ابن مسعود شيئا من الذهب في أخدود فلما انماع وأزبد قال : هذا أشبه شيء بالمهل وقال الضحاك : ماء جهنم أسود وهي سوداء وأهلها سود

وهذه الأقوال ليس شيء منها ينفي الآخر فإن المهل يجمع هذه الأوصاف الرذيلة كلها فهو أسود منتن غليظ حار ولهذا قال "يشوي الوجوه" أي من حره إذا أراد الكافر أن يشربه وقربه من وجهه شواه حتى تسقط جلدة وجهه فيه كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد بإسناده المتقدم في سرادق النار عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ماء كالمهل" قال كعكر الزيت فإذا قربه إليه سقطت فروة وجهه فيه وهكذا رواه الترمذي في صفة النار من جامعه من حديث رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج به ثم قال : لا نعرفه إلا من حديث رشدين وقد تكلم فيه من قبل حفظه هكذا قال , وقد رواه الإمام أحمد كما تقدم عن حسن الأشيب عن ابن لهيعة عن دراج والله أعلم .
وقال عبد الله بن المبارك وبقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو عن عبد الله

بن بشر عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "ويسقى من ماء صديد يتجرعه" قال "يقرب إليه فيتكرهه فإذا قرب منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه يقول الله تعالى" وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب "وقال سعيد بن جبير : إذا جاع أهل النار استغاثوا فأغيثوا بشجرة الزقوم فيأكلون منها فاختلبت جلود وجوههم فلو أن مارا مر بهم يعرفهم لعرف جلود وجوههم فيها ثم يصب عليم العطش فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل وهو الذي قد انتهى حره فإذا أدنوه من أفواههم اشتوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود ولهذا قال تعالى بعد وصفه هذا الشراب بهذه الصفات الذميمة القبيحة" بئس الشراب "أي بئس هذا الشراب كما قال في الآية الأخرى" وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم "وقال تعالى" تسقى من عين آنية "أي حارة كما قال تعالى" وبين حميم آن "" وساءت مرتفقا "أي وساءت النار منزلا ومقيلا ومجتمعا وموضعا للارتفاق كما قال في الآية الأخرى" إنها ساءت مستقرا ومقاما "."
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30)
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا
لما ذكر تعالى حال الأشقياء ثنى بذكر السعداء الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به وعملوا بما أمروهم به من الأعمال الصالحة فلهم جنات عدن والعدن الإقامة .
أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31)
أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الأرائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا
"تجري من تحتهم الأنهار" أي من تحت غرفهم ومنازلهم .
قال فرعون "وهذه"

الأنهار تجري من تحتي "الآية" يحلون "أي من الحلية" فيها من أساور من ذهب "وقال في المكان الآخر" ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير "وفصله هاهنا فقال" ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق "فالسندس ثياب رفاع رقاق كالقمصان وما جرى مجراها."
وأما الإستبرق فغليظ الديباج وفيه بريق وقوله "متكئين فيها على الأرائك" الاتكاء قيل الاضطجاع وقيل التربع في الجلوس وهو أشبه بالمراد هاهنا ومنه الحديث الصحيح "أما أنا فلا آكل متكئا" فيه القولان .
والأرائك جمع أريكة وهي السرير تحت الحجلة والحجلة كما يعرفه الناس في زماننا هذا بالبشخانة والله أعلم .
قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة "على الأرائك" قال هي الحجال قال معمر وقال غيره السرر في الحجال .
وقوله "نعم الثواب وحسنت مرتفقا" أي نعمت الجنة ثوابا على أعمالهم وحسنت مرتفقا أي حسنت منزلا ومقيلا ومقاما كما قال في النار "بئس الشراب وساءت مرتفقا" وهكذا قابل بينهما في سورة الفرقان في قوله "إنها ساءت مستقرا ومقاما" ثم ذكر صفات المؤمنين فقال "أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما" .
واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32)
واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل وجعلنا بينهما زرعا

يقول تعالى بعد ذكره المشركين المستكبرين عن مجالسة الضعفاء والمساكين من المسلمين وافتخروا عليهم بأموالهم وأحسابهم فضرب لهم ولهم مثلا برجلين جعل الله لأحدهما جنتين أي بستانين من أعناب محفوفتين بالنخيل المحدقة في جنباتهما وفي خلالهما الزروع وكل من الأشجار والزروع مثمر مقبل في غاية الجودة .
كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا (33)
كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا وفجرنا خلالهما نهرا
ولهذا قال : "كلتا الجنتين آتت أكلها" أي أخرجت ثمرها "ولم تظلم منه شيئا" أي ولم تنقص منه شيئا "وفجرنا خلالهما نهرا" أي والأنهار متفرقة فيهما هاهنا وهاهنا .
وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (34)
وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا
"وكان له ثمر" قيل المراد به المال روي عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وقيل الثمار وهو أظهر هاهنا ويؤيده القراءة الأخرى "وكان له ثمر" بضم الثاء وتسكين الميم فيكون جمع ثمرة كخشبة وخشب .
وقرأ آخرون ثمر بفتح الثاء والميم فقال أي صاحب هاتين الجنتين لصاحبه وهو يحاوره أي يجادله ويخاصمه يفتخر عليه ويترأس "أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا" أي أكثر خدما وحشما وولدا قال قتادة تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر .

ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (35)
ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا
وقوله "ودخل جنته وهو ظالم لنفسه" أي بكفره وتمرده أي بكفره وتمرده وتكبره وتجبره وإنكاره المعاد قال "ما أظن أن تبيد هذه أبدا" وذلك اغترار منه لما رأى فيها من الزروع والثمار والأشجار والأنهار المطردة في جوانبها وأرجائها ظن أنها لا تفنى ولا تفرغ ولا تهلك ولا تتلف وذلك لقلة عقله وضعف يقينه بالله وإعجابه بالحياة الدنيا وزينتها وكفره بالآخرة .
وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (36)
وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا
ولهذا قال "وما أظن الساعة قائمة" أي كائنة "ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا" أي ولئن كان معاد ورجعة ومرد إلى الله ليكونن لي هناك أحسن من هذا الحظ عند ربي ولولا كرامتي عليه ما أعطاني هذا كما قال في الآية الأخرى "ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى" وقال "أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا" أي في الدار الآخرة تألى على الله عز وجل .
وكان سبب نزولها في العاص بن وائل كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان .
قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (37)
قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا
يقول تعالى مخبرا عما أجابه به صاحبه المؤمن واعظا له وزاجرا عما هو فيه من الكفر بالله والاغترار "أكفرت بالذي خلقك من تراب" الآية وهذا إنكار وتعظيم لما وقع فيه من جحود ربه الذي خلقه وابتدأ خلق الإنسان من طين وهو آدم ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين كما قال تعالى : "كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم" الآية أي كيف تجحدون ربكم ودلالته عليكم ظاهرة جلية كل أحد يعلمها من نفسه فإنه ما من أحد من المخلوقات إلا ويعلم أنه كان معدوما ثم وجد وليس وجوده من نفسه ولا مستندا إلى شيء من المخلوقات لأنه

بمثابته فعلم إسناد إيجاده إلى خالقه وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء ولهذا قال المؤمن .
لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (38)
لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا
"لكنا هو الله ربي" أي لكن أنا لا أقول بمقالتك بل أعترف لله بالوحدانية والربوبية "ولا أشرك بربي أحدا" أي بل هو الله المعبود وحده لا شريك له.
ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (39)
ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا
ثم قال "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا" هذا تحضيض وحث على ذلك أي هلا إذا أعجبتك حين دخلتها ونظرت إليها حمدت الله على ما أنعم به عليك وأعطاك من المال أو الولد ما لم يعطه غيرك وقلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله ولهذا قال بعض السلف : من أعجبه شيء من حاله أو ماله أو ولده فليقل ما شاء الله لا قوة إلا بالله وهذا مأخوذ من هذه الآية الكريمة وقد روي فيه حديث مرفوع أخرجه الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا جراح بن مخلد حدثنا عمر بن يونس حدثنا عيسى بن عون حدثنا عبد الملك بن زرارة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما أنعم الله على عبد نعمة من أهل أو مال أو ولد فيقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله فيرى فيه آفة دون الموت" وكان يتأول هذه الآية "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله" قال الحافظ أبو الفتح الأزدي عيسى بن عون عن عبد الملك بن زرارة عن أنس لا يصح حديثه .
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة وحجاج حدثني شعبة

عن عاصم بن عبيد الله عن عبيد مولى أبي رهم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" تفرد به أحمد وقد ثبت في الصحيح عن أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له "ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة ؟ لا حول ولا قوة إلا بالله" وقال الإمام أحمد : حدثنا بكير بن عيسى حدثنا أبو عوانة عن أبي بلج عن عمرو بن ميمون قال : قال أبو هريرة قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أبا هريرة ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة تحت العرش" ؟ قال قلت فداك أبي وأمي قال "أن تقول لا قوة إلا بالله" قال أبو بلج وأحسب أنه قال "فإن الله يقول أسلم عبدي واستسلم" قال فقلت لعمرو قال أبو بلج قال عمرو قلت لأبي هريرة لا حول ولا قوة إلا بالله فقال لا إنها في سورة الكهف "ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله" .
فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (40)
فعسى ربي أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا
وقوله : "فعسى ربي أن يؤتيني خيرا من جنتك" أي في الدار الآخرة "ويرسل عليها" أي على جنتك في الدنيا التي ظننت أنها لا تبيد ولا تفنى "حسبانا من"

السماء "قال ابن عباس والضحاك وقتادة ومالك عن الزهري أي عذابا من السماء والظاهر أنه مطر عظيم مزعج يقلع زرعها وأشجارها ولهذا قال" فتصبح صعيدا زلقا "أي بلقعا ترابا أملس لا يثبت فيه قدم وقال ابن عباس : كالجرز الذي لا ينبت شيئ ."
أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (41)
أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا
"وقوله :" أو يصبح ماؤها غورا "أي غائرا في الأرض وهو ضد النابع الذي يطلب وجه الأرض فالغائر يطلب أسفلها كما قال تعالى :" قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين "أي جار وسائج وقال هاهنا" أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا "والغور مصدر بمعنى غائر وهو أبلغ منه كما قال الشاعر :"
تظل جياده نوحا عليه ... تقلده أعنتها صفوفا
بمعنى نائحات عليه .
وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا (42)
وأحيط بثمره فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول يا ليتني لم أشرك بربي
يقول تعالى "وأحيط بثمره" بأمواله أو بثماره على القول الآخر والمقصود أنه وقع بهذا الكافر ما كان يحذر مما خوفه به المؤمن من إرسال الحسبان على جنته التي اغتر بها وألهته عن الله عز وجل "فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها" وقال قتادة يصفق كفيه متأسفا متلهفا على الأموال التي أذهبها عليها "ويقول يا ليتني لم أشرك بربي أحدا ."
ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (43)
ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا
ولم تكن له فئة "أي عشيرة أو ولد كما افتخر بهم واستعز" ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لله الحق "اختلف القراء هاهنا فمنهم من يقف على قوله" وما كان منتصرا هنالك "أي في ذلك الموطن الذي حل به عذاب الله فلا منقذ له منه ."
هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (44)
هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا
ويبتدئ بقوله : "الولاية لله الحق" ومنهم من يقف

على "وما كان منتصرا" ويبتدئ بقوله "هنالك الولاية لله الحق" ثم اختلفوا في قراءة الولاية فمنهم من فتح الواو من الولاية فيكون المعنى هنالك الموالاة لله أي هنالك كل أحد مؤمن أو كافر يرجع إلى الله وإلى موالاته والخضوع له إذا وقع العذاب كقوله "فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين" وكقوله إخبارا عن فرعون "حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين" ومنهم من كسر الواو من الولاية أي هنالك الحكم لله الحق ثم منهم من رفع الحق على أنه نعت للولاية كقوله تعالى "الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا" ومنهم من خفض القاف على أنه نعت لله عز وجل كقوله : "ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق" الآية ولهذا قال تعالى "هو خير ثوابا" أي جزاء "وخير عقبا" أي الأعمال التي تكون لله عزو جل ثوابها خير وعاقبتها حميدة رشيدة كلها خير .
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا (45)
واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شيء مقتدرا
يقول تعالى "واضرب" يا محمد للناس مثل الحياة الدنيا في زوالها وفنائها وانقضائها "كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض" أي ما فيها من الحب فشب وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة ثم بعد هذا كله "أصبح هشيما" يابسا "تذروه الرياح" أي تفرقه وتطرحه ذات اليمين وذات الشمال "وكان الله على كل شيء مقتدرا" أي هو قادر على هذه الحال وهذه الحال وكثيرا ما يضرب الله مثل الحياة الدنيا بهذا المثل كما قال تعالى في سورة يونس "إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض مما يأكل الناس والأنعام" الآية وقال في الزمر "ألم تر أن الله أنزل من"

السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه "الآية وقال في سورة الحديد" اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته "الآية وفي الحديث الصحيح" الدنيا خضرة حلوة "."
المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (46)
المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا
وقوله : "المال والبنون زينة الحياة الدنيا" كقوله : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب الآية وقال تعالى : "إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم" أي الإقبال عليه والتفرغ لعبادته خير لكم من اشتغالكم بهم والجمع لهم والشفقة المفرطة عليهم ولهذا قال "والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا" قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف : الباقيات الصالحات الصلوات الخمس وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وهكذا سئل أمير المؤمنين عثمان بن عفان عن الباقيات الصالحات ما هي ؟ فقال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
رواه الإمام أحمد حدثنا أبو عبد الله المقري حدثنا حيوة حدثنا أبو عقيل أنه سمع الحارت مولى عثمان رضي الله عنه يقول : جلس عثمان يوما وجلسنا معه فجاءه المؤذن فدعا بماء في إناء أظنه سيكون فيه مد فتوضأ ثم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وضوئي هذا ثم قال "من توضأ وضوئي هذا ثم قام فصلى صلاة الظهر غفر له ما كان بينها وبين الصبح ثم صلى العصر غفر له ما بينها وبين الظهر ثم صلى"

المغرب غفر له ما بينها وبين العصر ثم صلى العشاء غفر له ما بينها وبين المغرب ثم لعله يبيت يتمرغ ليلته ثم إن قام فتوضأ وصلى صلاة الصبح غفر له ما بينها وبين صلاة العشاء وهن الحسنات يذهبن السيئات "قالوا هذه الحسنات فما الباقيات الصالحات يا عثمان ؟ قال : هي لا إله إلا الله وسبحان الله والحمد لله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ."
تفرد به وروى مالك عن عمارة بن عبد الله بن صياد عن سعيد بن المسيب قال : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله .
وقال محمد بن عجلان عن عمارة قال : سألني سعيد بن المسيب عن الباقيات الصالحات فقلت : الصلاة والصيام فقال : لم تصب فقلت الزكاة والحج فقال لم تصب ولكنهن الكلمات الخمس لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقال ابن جريج أخبرني عبد الله بن عثمان بن خيثم عن نافع عن سرجس أنه أخبره أنه سأل ابن عمر عن الباقيات الصالحات قال : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال ابن جريج وقال عطاء بن أبي رباح مثل ذلك وقال مجاهد : الباقيات الصالحات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.

وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن الحسن وقتادة في قوله : "والباقيات الصالحات" قال : لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله هن الباقيات الصالحات قال ابن جرير : وجدت في كتابي عن الحسن بن الصباح البزار عن أبي نصر التمار عن عبد العزيز بن مسلم عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر" هن الباقيات الصالحات قال : وحدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن ابن الهيثم عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "استكثروا من الباقيات الصالحات" قيل وما هن يا رسول الله ؟ "قال الملة" قيل وما هي يا رسول الله ؟ قال "التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا"
قوة إلا بالله "وهكذا رواه أحمد من حديث دراج به ."
قال وهب أخبرني أبو صخر أن عبد الله بن عبد الرحمن مولى سالم بن عبد الله حدثه قال : أرسلني سالم إلى محمد بن كعب القرظي في حاجة فقال : قل له القني عند زاوية القبر فإن لي إليك حاجة قال : فالتقيا فسلم أحدهما على الآخر ثم قال سالم ما تعد الباقيات الصالحات ؟ فقال لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله فقال له سالم : متى جعلت فيها لا حول ولا قوة إلا بالله ؟ قال : ما زلت أجعلها قال فراجعه مرتين أو ثلاثا فلم ينزع قال فأبيت ؟ قال سالم أجل فأبيت فإن أبا أيوب الأنصاري حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم هو يقول : "عرج بي إلى السماء فرأيت إبراهيم عليه السلام فقال يا جبريل من هذا الذي معك ؟ فقال محمد فرحب بي وسلم ثم قال مر أمتك فلتكثر من غراس الجنة فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة فقلت وما غراس الجنة قال لا حول ولا قوة إلا بالله"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #332  
قديم 07-12-2025, 01:27 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 146 الى صــ 161
الحلقة (332)






وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن يزيد عن العوام حدثني رجل من الأنصار من آل النعمان بن بشير قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في المسجد بعد صلاة العشاء فرفع بصره إلى السماء ثم خفض حتى ظننا أنه قد حدث في السماء شيء ثم قال : "أما أنه سيكون بعدي أمراء يكذبون ويظلمون فمن صدقهم بكذبهم ومالأهم على ظلمهم فليس مني ولست منه ومن لم يصدقهم بكذبهم ولم يمالئهم على ظلمهم فهو مني وأنا منه ألا وإن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر هن الباقيات الصالحات" .
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا أبان حدثنا يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام عن مولى لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "بخ بخ لخمس ما أثقلهن في الميزان : لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله والولد الصالح يتوفى فيحتسبه والده - وقال - بخ بخ لخمس من لقي الله مستيقنا بهن دخل الجنة : يؤمن بالله واليوم الآخر وبالجنة وبالنار وبالبعث بعد الموت وبالحساب" .
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح حدثنا الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان شداد بن أوس رضي الله عنه في سفر فنزل منزلا فقال لغلامه : ائتنا بالشفرة نعبث بها فأنكر عليه فقال ما تكلمت بكلمة منذ أسلمت إلا وأنا أخطمها وأزمها غير كلمتي هذه فلا تحفظوها علي واحفظوا ما أقول لكم : سمعت

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إذا كنز الناس الذهب والفضة فاكنزوا أنتم هؤلاء الكلمات : اللهم إني أسألك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشد وأسألك شكر نعمتك وأسألك حسن عبادتك وأسألك قلبا سليما وأسألك لسانا صادقا وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم وأستغفرك لما تعلم إنك أنت علام الغيوب"
ثم رواه أيضا النسائي من وجه آخر عن شداد بنحوه وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن ناجية حدثنا محمد بن سعد العوفي حدثني أبي حدثنا عمر بن الحسين عن يونس بن نفيع الجدلي عن سعد بن جنادة رضي الله عنه قال : كنت في أول من أتى النبي صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف فخرجت من أعلى الطائف من السراة غدوة فأتيت منى عند العصر فتصاعدت في الجبل ثم هبطت فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأسلمت وعلمني "قل هو الله أحد" و "إذا زلزلت" وعلمني هؤلاء الكلمات : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر وقال "هن الباقيات الصالحات" وبهذا الإسناد "من قام من الليل فتوضأ ومضمض فاه ثم قال سبحان الله مائة مرة والحمد لله مائة مرة والله أكبر مائة مرة ولا إله إلا الله مائة مرة غفرت ذنوبه إلا الدماء فإنها لا تبطل"

وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : "والباقيات الصالحات" قال : هي ذكر الله قول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله وتبارك الله ولا حول ولا قوة إلا بالله وأستغفر الله وصلى الله على رسول الله والصيام والصلاة والحج والصدقة والعتق والجهاد والصلة وجميع أعمال الحسنات وهن الباقيات الصالحات التي تبقى لأهلها في الجنة ما دامت السماوات والأرض .
وقال العوفي عن ابن عباس : هي الكلام الطيب وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : هي الأعمال الصالحة كلها واختاره ابن جرير رحمه الله .
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (47)
ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا
يخبر تعالى عن أهوال يوم القيامة وما يكون فيه من الأمور العظام كما قال تعالى : "يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا" أي تذهب من أماكنها وتزول كما قال تعالى "وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب" وقال تعالى "وتكون الجبال كالعهن المنفوش" وقال "ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا فيذرها قاعا صفصفا لا ترى فيها عوجا ولا أمتا" يذكر تعالى بأنه تذهب الجبال

وتتساوى المهاد وتبقى الأرض قاعا صفصفا أي سطحا مستويا لا عوج فيه ولا أمتا أي لا وادي ولا جبل ولهذا قال تعالى "وترى الأرض بارزة" أي بادية ظاهرة ليس فيها معلم لأحد ولا مكان يواري أحدا بل الخلق كلهم ضاحون لربهم لا تخفى عليه منهم خافية.
قال مجاهد وقتادة "وترى الأرض بارزة" لا حجر فيها ولا غيابة قال قتادة : لا بناء ولا شجر وقوله "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا" أي وجمعناهم الأولين منهم والآخرين فلم نترك منهم أحدا لا صغيرا ولا كبيرا كما قال "قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم" وقال "ذلك يوم مجموع له الناس وذلك يوم مشهود" .
وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (48)
وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا
وقوله "وعرضوا على ربك صفا" يحتمل أن يكون المراد أن جميع الخلائق يقومون بين يدي الله صفا واحدا كما قال تعالى "يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا" ويحتمل أنهم يقومون صفوفا صفوفا كما قال "وجاء ربك والملك صفا صفا" وقوله "لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة" هذا تقريع للمنكرين للمعاد وتوبيخ لهم على رءوس الأشهاد ولهذا قال تعالى مخاطبا لهم "بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا" أي ما كان ظنكم أن هذا واقع بكم ولا أن هذا كائن .
ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (49)
ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك
وقوله "ووضع الكتاب" أي كتاب الأعمال الذي فيه الجليل والحقير والفتيل والقطمير والصغير والكبير "فترى المجرمين مشفقين مما فيه" أي من أعمالهم السيئة وأفعالهم القبيحة ويقولون يا ويلتنا أي يا حسرتنا وويلنا على ما فرط في أعمارنا "ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها" أي لا يترك ذنبا صغيرا ولا كبيرا ولا عملا وإن صغر إلا أحصاها أي ضبطها وحفظها .

وروى الطبراني بإسناده المتقدم في الآية قبلها إلى سعد ابن جنادة قال : لما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة حنين نزلنا قفرا من الأرض ليس فيه شيء فقال النبي صلى الله عليه وسلم "اجمعوا من وجد عودا فليأت به ومن وجد حطبا أو شيئا فليأت به" قال فما كان إلا ساعة حتى جعلناه ركاما فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أترون هذا ؟ فكذلك تجمع الذنوب على الرجل منكم كما جمعتم هذا فليتق الله رجل ولا يذنب صغيرة ولا كبيرة فإنها محصاة عليه" .
وقوله "ووجدوا ما عملوا حاضرا" أي من خير وشر كما قال تعالى "يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا" الآية وقال تعالى "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر" وقال تعالى "يوم تبلى السرائر" أي تظهر المخبآت والضمائر قال الإمام أحمد : حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن ثابت عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به" أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ "يرفع لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته يقال هذه غدرة فلان بن فلان" وقوله "ولا يظلم ربك أحدا" أي فيحكم بين عباده في أعمالهم جميعا ولا يظلم أحدا من خلقه بل يعفو ويصفح ويغفر ويرحم ويعذب من يشاء بقدرته وحكمته وعدله ويملأ النار من الكفار وأصحاب المعاصي ثم ينجي أصحاب المعاصي ويخلد فيها الكافرين وهو الحاكم الذي لا يجور ولا يظلم قال تعالى "إن الله لا"


يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها "الآية وقال" ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا - إلى قوله - حاسبين "والآيات في هذا كثيرة وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى عن القاسم بن عبد الواحد المكي عن عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : بلغني حديث عن رجل سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت عليه رحلا فسرت عليه شهرا حتى قدمت عليه الشام فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له جابر على الباب فقال ابن عبد الله : قلت نعم فخرج يطأ ثوبه فاعتنقني واعتنقته فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في القصاص فخشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" يحشر الله عز وجل الناس يوم القيامة - أو قال العباد - عراة غرلا بهما "قلت وما بهما ؟ قال" ليس معهم شيء ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمعه من قرب : أنا الملك أنا الديان لا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وله عند أحد من أهل الجنة حق حتى أقضيه منه ولا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وله عند رجل من أهل النار حق حتى أقضيه منه حتى اللطمة قال : قلنا كيف وإنما نأتي الله عز وجل حفاة عراة غرلا بهما ؟ قال "بالحسنات والسيئات" وعن شعبة عن العوام بن مزاحم عن أبي عثمان عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى
الله عليه وسلم قال "إن الجماء لتقتص من القرناء يوم القيامة" رواه عبد الله بن الإمام أحمد وله شواهد من وجوه أخر وقد ذكرناها عند قوله تعالى "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا" وعند قوله تعالى "إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون"

وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (50)
وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا
يقول تعالى منبها بني آدم على عداوة إبليس لهم ولأبيهم من قبلهم ومقرعا لمن اتبعه منهم وخالف خالقه ومولاه وهو الذي أنشأه وابتدأه وبألطافه رزقه وغذاه ثم بعد هذا كله والى إبليس وعادى الله فقال تعالى "وإذ قلنا للملائكة" أي لجميع الملائكة كما تقدم تقريره في أول سورة البقرة "اسجدوا لآدم" أي سجود تشريف وتكريم وتعظيم كما قال تعالى "وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" وقوله "فسجدوا إلا إبليس كان من الجن" أي خانه أصله فإنه خلق من مارج من نار وأصل خلق الملائكة من نور كما ثبت في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "خلقت الملائكة من نور وخلق إبليس من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم فعند الحاجة نضح كل وعاء بما فيه وخانه الطبع عند الحاجة وذلك أنه كان قد توسم بأفعال الملائكة وتشبه بهم وتعبد وتنسك فلهذا دخل في خطابهم وعصى بالمخالفة" ونبه تعالى هاهنا على أنه من الجن أي على أنه خلق من نار كما قال "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" قال الحسن البصري : ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وإنه لأصل الجن كما أن آدم عليه السلام أصل البشر رواه ابن جرير بإسناد صحيح عنه وقال الضحاك عن ابن عباس : كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم

الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة وكان اسمه الحارث وكان خازنا من خزان الجنة وخلقت الملائكة من نور غير هذا الحي قال : وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار وهو لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت وقال الضحاك أيضا عن ابن عباس : كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان السماء الدنيا وسلطان الأرض وكان مما سولت له نفسه من قضاء الله أنه رأى أن له بذلك شرفا على أهل السماء فوقع من ذلك في قلبه كبر لا يعلمه إلا الله واستخرج الله ذلك الكبر منه حين أمره بالسجود لآدم "فاستكبر وكان من الكافرين" قال ابن عباس قوله "كان من الجن" أي من خزان الجنان كما يقال للرجل مكي ومدني وبصري وكوفي وقال ابن جريج عن ابن عباس نحو ذلك وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : هو من خزان الجنة وكان يدبر أمر السماء الدنيا
رواه ابن جرير من حديث الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد به وقال سعيد بن المسيب كان رئيس ملائكة سماء الدنيا وقال ابن إسحاق عن خلاد بن عطاء عن طاوس عن ابن عباس قال : كان إبليس قبل أن يركب المعصية من الملائكة اسمه عزازيل وكان من سكان الأرض وكان من أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما فذلك دعاه إلى الكبر وكان من حي يسمون جنا .
وقال ابن جريج عن صالح مولى التوأمة وشريك بن أبي نمر أحدهما أو كلاهما عن ابن عباس قال : إن من الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى فسخط الله عليه فمسخه شيطانا رجيما لعنه الله ممسوخا قال : وإذا كانت خطيئة الرجل في كبر فلا ترجه وإذا كانت في معصية فارجه وعن سعيد بن جبير أنه قال : كان من الجنانين الذين يعملون في الجنة

وقد روي في هذا آثار كثيرة عن السلف وغالبها من الإسرائيليات التي تنقل لينظر فيها والله أعلم بحال كثير منها ومنها ما قد يقطع بكذبه لمخالفته الحق الذي بأيدينا وفي القرآن غنية عن كل ما عداه من الأخبار المتقدمة لأنها لا تكاد تخلو من تبديل وزيادة ونقصان وقد وضع فيها أشياء كثيرة وليس لهم من الحفاظ المتقنين الذين ينفون عنها تحريف الغالين وانتحال المبطلين كما لهذه الأمة من الأئمة والعلماء والسادة والأتقياء والبررة والنجباء من الجهابذة النقاد والحفاظ الجياد الذين دونوا الحديث وحرروه وبينوا صحيحه من حسنه من ضعيفه من منكره وموضوعه ومتروكه ومكذوبه وعرفوا الوضاعين والكذابين والمجهولين وغير ذلك من أصناف الرجال كل ذلك صيانة للجناب النبوي والمقام المحمدي خاتم الرسل وسيد البشر صلى الله عليه وسلم أن ينسب إليه كذب أو يحدث عنه بما ليس منه فرضي الله عنهم وأرضاهم وجعل جنات الفردوس مأواهم وقد فعل وقوله "ففسق عن أمر ربه" أي فخرج عن طاعة الله فإن الفسق هو الخروج يقال فسقت الرطبة إذا خرجت من أكمامها وفسقت الفأرة من جحرها إذا خرجت منه للعيث والفساد ثم قال تعالى مقرعا وموبخا لمن اتبعه وأطاعه "أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني" الآية أي بدلا عني ولهذا قال "بئس للظالمين بدلا" وهذا المقام كقوله بعد ذكر القيامة وأهوالها ومصير كل من الفريقين السعداء والأشقياء في سورة يس "وامتازوا اليوم أيها المجرمون - إلى قوله - أفلم تكونوا تعقلون" .
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (51)
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
يقول تعالى : هؤلاء الذين اتخذتموهم أولياء من دوني عبيد أمثالكم لا يملكون شيئا لا أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا كانوا إذ ذاك موجودين , يقول تعالى

: أنا المستقل بخلق الأشياء كلها ومدبرها ومقدرها وحدي ليس معي في ذلك شريك ولا وزير ولا مشير ولا نظير كما قال "قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" الآية .
ولهذا قال "وما كنت متخذ المضلين عضدا" قال مالك : أعوانا.
ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (52)
ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا
يقول تعالى مخبرا عما يخاطب به المشركين يوم القيامة على رءوس الأشهاد تقريعا لهم وتوبيخا "نادوا شركائي الذين زعمتم" أي في دار الدنيا ادعوهم اليوم ينقذونكم مما أنتم فيه كما قال تعالى "ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون" وقوله "فدعوهم فلم يستجيبوا لهم" كما قال "وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم" الآية وقال "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له" الآيتين وقال تعالى "واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" وقوله "وجعلنا بينهم موبقا" قال ابن عباس وقتادة وغير واحد مهلكا وقال قتادة : ذكر لنا أن عمرا البكالي حدث عن عبد الله بن عمرو قال : هو واد عميق فرق به يوم القيامة بين أهل الهدى وأهل الضلالة وقال قتادة : موبقا واديا في جهنم .
وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سنان القزاز حدثنا عبد الصمد حدثنا يزيد بن

زريع سمعت أنس بن مالك يقول في قول الله تعالى "وجعلنا بينهم موبقا" قال واد في جهنم من قيح ودم وقال الحسن البصري : موبقا عداوة والظاهر من السياق هاهنا أنه المهلك ويجوز أن يكون واديا في جهنم أو غيره والمعنى أن الله تعالى بين أنه لا سبيل لهؤلاء المشركين ولا وصول لهم إلى آلهتهم التي كانوا يزعمون في الدنيا وأنه يفرق بينهم وبينها في الآخرة فلا خلاص لأحد من الفريقين إلى الآخر بل بينهما مهلك وهول عظيم وأمر كبير.
وأما إن جعل الضمير في قوله "بينهم" عائدا إلى المؤمنين والكافرين كما قال عبد الله بن عمرو إنه يفرق بين أهل الهدى والضلالة به فهو كقوله تعالى "ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون" وقال "يومئذ يصدعون" وقال تعالى "وامتازوا اليوم أيها المجرمون" وقال تعالى "ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا مكانكم أنتم وشركاؤكم فزيلنا بينهم إلى قوله - وضل عنهم ما كانوا يفترون" .
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (53)
ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا
وقوله "ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا" أي أنهم لما عاينوا جهنم حين جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك "فإذا رأى المجرمون النار" تحققوا لا محالة أنهم مواقعوها ليكون ذلك من باب تعجيل الهم والحزن لهم فإن توقع العذاب والخوف منه قبل وقوعه عذاب ناجز وقوله "ولم يجدوا عنها مصرفا" أي ليس لهم طريق يعدل بهم عنها ولا بد لهم منها .
قال ابن جرير : حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن الكافر ليرى جهنم فيظن أنها مواقعته من مسيرة أربعمائة سنة"


وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن حدثنا دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينصب الكافر مقدار خمسين ألف سنة كما لم يعمل في الدنيا وإن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة" .
ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (54)
ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا
يقول تعالى ولقد بينا للناس في هذا القرآن ووضحنا لهم الأمور وفصلناها كيلا يضلوا عن الحق ويخرجوا عن طريق الهدى ومع هذا البيان وهذا الفرقان الإنسان كثير المجادلة والمخاصمة والمعارضة للحق بالباطل إلا من هدى الله وبصره لطريق النجاة .
قال الإمام أحمد حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب عن الزهري أخبرني علي بن الحسين أن حسين بن علي أخبره أن علي بن أبي طالب أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طرقه وفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فقال "ألا تصليان" فقلت يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلي شيئا ثم سمعته وهو مول يضرب فخذه ويقول

"وكان الإنسان أكثر شيء جدلا" أخرجاه في الصحيحين .
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (55)
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا
يخبر تعالى عن تمرد الكفرة في قديم الزمان وحديثه وتكذيبهم بالحق البين الظاهر مع ما يشاهدون من الآيات والدلالات الواضحات وأنه ما منعهم من اتباع ذلك إلا طلبهم أن يشاهدوا العذاب الذي وعدوا به عيانا كما قال أولئك لنبيهم "فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين" وآخرون قالوا "ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين" وقالت قريش "اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم" وقالوا "يا أيها الذي نزل عليك الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك ثم قال "إلا أن تأتيهم سنة الأولين" من غشيانهم بالعذاب وأخذهم عن آخرهم "أو يأتيهم العذاب قبلا" أي يرونه عيانا مواجهة ومقابلة .
وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (56)
وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا
ثم قال تعالى "وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين" أي قبل العذاب مبشرين من صدقهم وآمن بهم ومنذرين لمن كذبهم وخالفهم ثم أخبر عن الكفار بأنهم "يجادلون بالباطل ليدحضوا به" أي ليضعفوا به الحق الذي جاءتهم به الرسل وليس ذلك بحاصل لهم "واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا" أي اتخذوا الحجج والبراهين وخوارق العادات التي بعث بها الرسل وما أنذروهم وخوفوهم به من العذاب "هزوا" أي سخروا منهم في ذلك وهو أشد التكذيب

ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (57)
ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا
يقول تعالى وأي عباد الله أظلم ممن ذكر بآيات الله فأعرض عنها أي تناساها وأعرض عنها ولم يصغ لها ولا ألقى إليها بالا "ونسي ما قدمت يداه" أي من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة "إنا جعلنا على قلوبهم" أي قلوب هؤلاء "أكنة" أي أغطية وغشاوة "أن يفقهوه" أي لئلا يفهموا هذا القرآن والبيان "وفي آذانهم وقرا" أي صمما معنويا عن الرشاد "وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا" .
وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (58)
وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا
وقوله "وربك الغفور ذو الرحمة" أي ربك يا محمد غفور ذو رحمة واسعة "لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب" كما قال "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" وقال "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب" والآيات في هذا كثيرة شتى ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد وتضع كل ذات حمل حملها ولهذا قال "بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا" أي ليس لهم عنه محيص ولا محيد ولا معدل .
وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (59)
وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا
وقوله "وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا" أي الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم "وجعلنا لمهلكهم موعدا" أي جعلناه إلى مدة معلومة ووقت معين لا يزيد ولا ينقص أي وكذلك أنتم أيها المشركون احذروا أن يصيبكم ما أصابهم فقد كذبتم أشرف رسول وأعظم نبي ولستم بأعز علينا منهم فخافوا عذابي ونذر.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #333  
قديم 07-12-2025, 01:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 161 الى صــ 174
الحلقة (333)



وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا (60)
وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا
سبب قول موسى لفتاه وهو يشوع بن نون هذا الكلام أنه ذكر له أن عبدا من عباد الله بمجمع البحرين عنده من العلم ما لم يحط به موسى فأحب الرحيل إليه وقال لفتاه ذلك "لا أبرح" أي لا أزال سائرا "حتى أبلغ مجمع البحرين" أي هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين قال الفرزدق :
فما برحوا حتى تهادت نساؤهم ... ببطحاء ذي قار عياب اللطائم
قال قتادة وغير واحد : هما بحر فارس مما يلي المشرق وبحر الروم مما يلي المغرب .
وقال محمد بن كعب القرظي مجمع البحرين عند طنجة يعني في أقصى بلاد المغرب فالله أعلم .
وقوله "أو أمضي حقبا" أي ولو أني أسير حقبا من الزمان .
قال ابن جرير رحمه الله : ذكر بعض أهل العلم بكلام العرب أن الحقب في لغة قيس سنة ثم قد روي عن عبد الله بن عمرو أنه قال الحقب ثمانون سنة وقال مجاهد سبعون خريفا وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله "أو أمضي حقبا"

"قال دهرا وقال قتادة وابن زيد مثل ذلك ."
فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (61)
فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا
وقوله "فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما" وذلك أنه كان قد أمر بحمل حوت مملوح معه وقيل له : متى فقدت الحوت فهو ثمة فسارا حتى بلغا مجمع البحرين وهناك عين يقال لها عين الحياة فناما هنالك وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء فاضطرب وكان في مكتل مع يوشع عليه السلام وطفر من المكتل إلى البحر فاستيقظ يوشع عليه السلام وسقط الحوت في البحر فجعل يسير في الماء والماء له مثل الطاق لا يلتئم بعده ولهذا قال تعالى "واتخذ سبيله في البحر سربا" أي مثل السرب في الأرض قال ابن جرير قال ابن عباس صار أثره كأنه حجر .
وقال العوفي عن ابن عباس جعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس حتى يكون صخرة وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ذكر حديث ذلك ما انجاب ماء منذ كان الناس غير مسير مكان الحوت الذي فيه فانجاب كالكوة حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه فقال "ذلك ما كنا نبغ" وقال قتادة سرب من البحر حتى أفضى إلى البحر ثم سلك فيه فجعل لا يسلك فيه طريقا إلا صار ماء جامدا .
فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (62)
فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا
وقوله "فلما جاوزا" أي المكان الذي نسيا الحوت فيه ونسب النسيان إليهما وإن كان يوشع هو الذي نسيه كقوله تعالى "يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان" وإنما يخرج من المالح على أحد القولين فلما ذهبا عن المكان الذي نسياه فيه بمرحلة "قال" موسى "لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا" أي الذي جاوزا فيه المكان نصبا يعني تعبا .
قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (63)
قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا
قال "أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره" قال قتادة وقرأ ابن مسعود أن أذكركه ولهذا

قال "فاتخذ سبيله" أي طريقه .
قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (64)
قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا
"قال ذلك ما كنا نبغ" أي هذا هو الذي نطلب "فارتدا" أي رجعا "على آثارهما" أي طريقهما "قصصا" أي يقصان آثار مشيهما ويقفوان أثرهما .
فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (65)
فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما
"فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما" وهذا هو الخضر عليه السلام كما دلت عليه الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال البخاري : حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني سعيد بن جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر عليه السلام ليس هو موسى صاحب بني إسرائيل قال ابن عباس كذب عدو الله حدثنا أبي بن كعب رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن موسى قام خطيبا في بني إسرائيل فسئل أي الناس أعلم ؟ قال أنا ."
فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك .
قال موسى يا رب وكيف لي به ؟ قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم "فأخذ حوتا فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون عليه السلام حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فاتخذ سبيله في البحر سربا وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه" آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا "ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به قال له فتاه" أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا "قال فكان للحوت سربا ولموسى وفتاه عجبا فقال" ذلك ما كنا نبغ فارتدا

على آثارهما قصصا "قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا إلى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وأنى بأرضك السلام ."
فقال أنا موسى .
فقال موسى بني إسرائيل ؟ قال نعم قال أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا "قال إنك لن تستطيع معي صبرا" يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه .
فقال موسى "ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا" قال له الخضر "فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا" فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قد حملونا بغير نول فعمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها ؟ لقد جئت شيئا إمرا "قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا" قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "فكانت الأولى من موسى نسيانا" قال : وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة أو نقرتين فقال له الخضر : ما علمي وعلمك في علم الله إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر .
ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى "أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا" قال "ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا" قال وهذه أشد من الأولى "قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض" أي مائلا فقال الخضر بيده "فأقامه" فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ولم يضيفونا "لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا" فقال رسول الله "وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما" قال سعيد بن جبير : كان ابن عباس يقرأ "وكان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة صالحة غصبا" وكان يقرأ "وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين"
"ثم رواه البخاري عن قتيبة عن سفيان بن عيينة فذكر نحوه وفيه فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا إلى الصخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان : وفي حديث عن عمر قال وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر فلما استيقظ قال موسى لفتاه" آتنا غداءنا "قال وساق الحديث ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمامه بنحوه ."
وقال البخاري أيضا : حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرني يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه وغيرهما قد سمعته يحدث عن سعيد بن جبير قال إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال سلوني فقلت أي أبا عباس جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاص يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بني إسرائيل أما عمرو فقال لي قال كذب عدو الله وأما يعلى فقال لي : قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "موسى رسول الله ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك ؟ قال لا : فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله قيل بلى ; قال أي رب وأين ؟ قال بمجمع البحرين قال أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به قال لي عمر قال : حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح فأخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال ما كلفت كبيرا فذلك قوله" وإذ قال موسى لفتاه "يوشع بن نون ليست عند سعيد بن"
جبير قال فبينا هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرب الحوت وموسى نائم فقال فتاه لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره وتضرب الحوت حتى دخل في البحر فأمسك الله عنه جرية الماء حتى كأن أثره في حجر قال : فقال لي عمرو هكذا كأن أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليهما قال "لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا" قال وقد قطع الله عنك النصب ليست هذه عند سعيد بن جبير أخبره فرجعا فوجدا خضرا قال : قال عثمان بن أبي سليمان على طنفسة خضراء على كبد البحر قال سعيد بن جبير مسجى بثوب قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال : هل بأرضك من سلام ؟ من أنت ؟ قال أنا موسى قال موسى بني إسرائيل ؟ قال نعم قال فما شأنك ؟ قال : جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك ؟ يا موسى إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه فأخذ طائر بمنقاره من البحر فقال والله ما علمي وعلمك في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر حتى إذا ركبا في السفينة وجدا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى هذا الساحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله
الصالح قال فقلنا لسعيد بن جبير خضر قال : نعم لا نحمله بأجر فخرقها ووتد فيها وتدا قال موسى "أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا" قال مجاهد منكرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ؟ كانت الأولى نسيانا والثانية شرطا والثالثة عمدا قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا فانطلقا حتى لقيا غلاما فقتله قال يعلى قال سعيد وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين فقال أقتلت نفسا زكية لم تعمل الحنث ؟ وابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا فانطلقا فوجدا جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال بيده : هكذا ودفع بيده فاستقام قال : لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال يعلى : حسبت أن سعيدا قال فمسحه بيده فاستقام قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا قال

سعيد أجرا نأكله وكان وراءهم ملك وكان أمامهم قرأها ابن عباس أمامهم ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول اسمه يزعمون حيسور ملك يأخذ كل سفينة غصبا فأردت إذا هي مرت به أن يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها منهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار كان أبواه مؤمنين وكان هو كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا أن يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة كقوله "أقتلت نفسا زكية" وقوله "وأقرب رحما" هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر وزعم غير سعيد بن جبير أنهما أبدلا جارية وأما داود بن أبي عاصم فقال عن غير واحد إنها جارية .
وقال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطب موسى عليه السلام بني إسرائيل فقال : ما أحد أعلم بالله وبأمره مني فأمر أن يلقى هذا الرجل فذكر نحو ما تقدم بزيادة ونقصان والله أعلم .
وقال محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن سعيد بن جبير قال : جلست عند ابن عباس وعنده نفر من أهل الكتاب فقال بعضهم يا أبا العباس إن نوفا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا قال سعيد فقال ابن عباس أنوف يقول هذا يا سعيد ؟ قلت له نعم أنا سمعت نوفا يقول ذلك قال أنت سمعته يا سعيد قال قلت نعم قال كذب نوف ثم قال ابن عباس حدثني أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن موسى بني إسرائيل سأل ربه فقال : أي رب إن كان في عبادك أحد هو أعلم مني فدلني عليه ؟ فقال له نعم في عبادي من هو أعلم منك ثم نعت له مكانه وأذن له في لقيه خرج موسى ومعه فتاه ومعه حوت مليح قد قيل له إذا حيي هذا الحوت في مكان فصاحبك هنالك وقد أدركت حاجتك , فخرج موسى

ومعه فتاه ومعه ذلك الحوت يحملانه فسار حتى جهده السير وانتهى إلى الصخرة وإلى ذلك الماء وذلك الماء ماء الحياة من شرب منه خلد ولا يقاربه شيء ميت إلا حيي فلما نزلا ومس الحوت الماء حيي فاتخذ سبيله في البحر سربا فانطلقا فلما جاوزا النقلة قال موسى لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا قال الفتى وذكر "أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا" قال ابن عباس : فظهر موسى على الصخرة حتى إذا انتهيا إليها فإذا رجل متلفف في كساء له فسلم موسى عليه فرد عليه السلام ثم قال له : ما جاء بك إن كان لك في قومك لشغل قال له موسى جئتك لتعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا وكان رجلا يعلم علم الغيب قد علم ذلك فقال موسى بلى قال "وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا" أي إنما تعرف ظاهر ما ترى من العدل ولم تحط من علم الغيب بما أعلم "قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا" وإن رأيت ما يخالفني قال "فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء" وإن أنكرته "حتى أحدث لك منه ذكرا" فانطلقا يمشيان على ساحل البحر يتعرضان الناس يلتمسان من يحملهما حتى مرت بهما سفينة جديدة وثيقة لم يمر بهما من السفن شيء أحسن ولا أجمل ولا أوثق منها فسأل أهلها أن يحملوهما فحملوهما فلما اطمأنا فيها ولجت بهما مع أهلها أخرج منقارا له ومطرقة ثم عمد إلى ناحية منها فضرب فيها بالمنقار حتى
خرقها ثم أخذ لوحا فطبقه عليها ثم جلس عليها يرقعها فقال له موسى ورأى أمرا أفظع به "أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا قال لا تؤاخذني بما نسيت" أي بما تركت من عهدك "ولا ترهقني من أمري عسرا" ثم خرجا من السفينة فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية فإذا غلمان يلعبون خلفها فيهم غلام ليس في الغلمان غلام أظرف منه ولا أثرى ولا أوضأ منه فأخذه بيده وأخذ حجرا فضرب به رأسه حتى دمغه فقتله قال فرأى موسى أمرا فظيعا لا صبر عليه صبي صغير قتله لا ذنب له قال "أقتلت نفسا زكية" أي صغيرة "بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معى"

صبرا قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا "أي قد أعذرت في شأني" فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض "فهدمه ثم قعد يبنيه فضجر موسى مما يراه يصنع من التكليف وما ليس عليه صبر فأقامه قال" لو شئت لاتخذت عليه أجرا "أي قد استطعمناهم فلم يطعمونا وضفناهم فلم يضيفونا ثم قعدت تعمل من غير صنيعة ولو شئت لأعطيت عليه أجرا في عمله قال" هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا "وفي قراءة أبي بن كعب" كل سفينة صالحة "وإنما عبتها لأرده عنها فسلمت منه حين رأى العيب الذي صنعت بها" وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري "أي ما فعلته عن نفسي" ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا "فكان ابن عباس يقول ما كان الكنز إلا علما وقال العوفي عن ابن عباس قال : لما ظهر موسى وقومه على مصر أنزل قومه مصر فلما استقرت بهم الدار أنزل الله أن ذكرهم بأيام الله فخطب قومه فذكر ما آتاهم الله من الخير والنعمة وذكرهم إذ نجاهم الله من آل فرعون وذكرهم هلاك عدوهم وما استخلفهم الله في الأرض وقال كلم الله نبيكم تكليما"
واصطفاني لنفسه وأنزل علي محبة منه وآتاكم الله من كل ما سألتموه فنبيكم أفضل أهل الأرض وأنتم تقرءون التوراة فلم يترك نعمة أنعم الله عليهم إلا وعرفهم إياها .
فقال له رجل من بني إسرائيل هم كذلك يا نبي الله قد عرفنا الذي تقول فهل على الأرض أحد أعلم منك يا نبي الله ؟ قال لا فبعث الله جبرائيل إلى موسى عليه السلام فقال إن

الله يقول وما يدريك أين أضع علمي بلى إن لي على شط البحر رجلا هو أعلم منك.
قال ابن عباس : هو الخضر فسأل موسى ربه أن يريه إياه فأوحى إليه أن ائت البحر فإنك تجد على شط البحر حوتا فخذه فادفعه إلى فتاك ثم الزم شاطئ البحر فإذا نسيت الحوت وهلك منك فثم تجد العبد الصالح الذي تطلب فلما طال سفر موسى نبي الله ونصب فيه سأل فتاه عن الحوت فقال له فتاه وهو غلامه "أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره" لك قال الفتى لقد رأيت الحوت حين اتخذ سبيله في البحر سربا فأعجب ذلك فرجع موسى حتى أتى الصخرة فوجد الحوت فجعل الحوت يضرب في البحر ويتبعه موسى وجعل موسى يقدم عصاه يفرج بها عنه الماء يتبع الحوت وجعل الحوت لا يمس شيئا من البحر إلا يبس عنه الماء حتى يكون صخرة فجعل نبي الله يعجب من ذلك حتى انتهى به الحوت جزيرة من جزائر البحر فلقي الخضر بها فسلم عليه فقال الخضر وعليك السلام وأنى يكون السلام بهذه الأرض ومن أنت ؟ قال أنا موسى .
قال الخضر : صاحب بني إسرائيل ؟ قال نعم فرحب به وقال ما جاء بك ؟ قال جئتك "على أن تعلمني مما علمت رشدا قال إنك لن تستطيع معي صبرا" يقول لا تطيق ذلك قال "ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا" قال فانطلق به وقال له : لا تسألني عن شيء أصنعه حتى أبين لك شأنه فذلك قوله "حتى أحدث لك منه ذكرا" وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس هو خضر فمر بهما أبي بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الذي سئل السبيل إلى لقيه فهل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر شأنه قال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "بينا موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال تعلم مكان رجل أعلم منك ؟ قال لا فأوحى الله إلى موسى بلى عبدنا خضر فسأل موسى السبيل إلى لقيه فجعل الله له الحوت آية وقيل له إذا فقدت الحوت فارجع فإنك ستلقاه فكان"

موسى يتبع أثر الحوت في البحر فقال فتى موسى لموسى : أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت قال موسى "ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا" فوجدا عبدنا خضرا فكان من شأنهما ما قص في كتابه .
قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (66)
قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا
يخبر تعالى عن قول موسى عليه السلام لذلك الرجل العالم وهو الخضر الذي خصه الله بعلم لم يطلع عليه موسى كما أنه أعطى موسى من العلم ما لم يعطه الخضر "قال له موسى هل أتبعك" سؤال تلطف لا على وجه الإلزام والإجبار وهكذا ينبغي أن يكون سؤال المتعلم من العالم وقوله "أتبعك" أي أصحبك وأرافقك "على أن تعلمني مما علمت رشدا" أي مما علمك الله شيئا أسترشد به في أمري من علم نافع وعمل صالح .
قال إنك لن تستطيع معي صبرا (67)
قال إنك لن تستطيع معي صبرا
فعندها "قال" الخضر لموسى "إنك لن تستطيع معي صبرا" أي إنك لا تقدر على مصاحبتي لما ترى مني من الأفعال التي تخالف شريعتك لأني على علم من علم الله ما علمكه الله وأنت على علم من علم الله ما علمنيه الله فكل منا مكلف بأمور من الله دون صاحبه وأنت لا تقدر على صحبتي .
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (68)
وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا
"وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا" فأنا أعرف أنك ستنكر علي ما أنت معذور فيه ولكن ما اطلعت على حكمته ومصلحته الباطنة التي اطلعت أنا عليها دونك .
قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (69)
قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا
"قال" أي موسى "ستجدني إن شاء الله صابرا" أي على ما أرى من أمورك "ولا أعصي لك أمرا" أي ولا أخالفك في شيء فعند ذلك شارطه الخضر عليه السلام .
قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (70)
قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا
"قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء" أي ابتداء "حتى أحدث لك منه ذكرا" أي حتى أبدأك أنا به قبل أن تسألني .
قال ابن جرير : حدثنا حميد بن جبر حدثنا يعقوب عن هارون عن عبيدة عن أبيه عن

ابن عباس قال سأل موسى عليه السلام ربه عز وجل فقال أي رب أي عبادك أحب إليك ؟ قال الذي يذكرني ولا ينساني قال فأي عبادك أقضى ؟ قال الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى قال أي رب أي عبادك أعلم ؟ قال الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى قال أي رب هل في أرضك أحد أعلم مني ؟ قال نعم قال فمن هو ؟ قال الخضر قال وأين أطلبه ؟ قال على الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت قال فخرج موسى يطلبه حتى كان ما ذكر الله وانتهى موسى إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال له موسى إني أحب أن أصحبك قال إنك لن تطيق صحبتي قال بلى قال فإن صحبتني "فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا" قال فسار به في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحرين وليس في الأرض مكان أكثر ماء منه قال وبعث الله الخطاف فجعل يستقي منه بمنقاره فقال لموسى كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء قال : ما أقل ما رزأ قال يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء وكان موسى قد حدث نفسه أنه ليس أحد أعلم منه أو تكلم به فمن ثم أمر أن يأتي الخضر وذكر تمام الحديث في خرق السفينة وقتل الغلام وإصلاح الجدار وتفسيره له ذلك .
فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (71)
فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا
يقول تعالى مخبرا عن موسى وصاحبه وهو الخضر أنهما انطلقا لما توافقا واصطحبا واشترط عليه أن لا يسأله عن شيء أنكره حتى يكون هو الذي يبتدئه من تلقاء نفسه بشرحه وبيانه فركبا في السفينة وقد تقدم في الحديث كيف ركبا في السفينة وأنهم عرفوا

الخضر فحملوهما بغير نول يعني بغير أجرة تكرمة للخضر فلما استقلت بهم السفينة في البحر ولججت أي دخلت اللجة قام الخضر فخرقها واستخرج لوحا من ألواحها ثم رقعها فلم يملك موسى عليه السلام نفسه أن قال منكرا عليه "أخرقتها لتغرق أهلها" وهذه اللام لام العاقبة لا لام التعليل كما قال الشاعر : لدوا للموت وابنوا للخراب "لقد جئت شيئا إمرا" قال مجاهد منكرا وقال قتادة عجبا فعندها قال له الخضر مذكرا بما تقدم من الشرط .
قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (72)
قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا
"ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا" يعني وهذا الصنيع فعلته قصدا وهو من الأمور التي اشترطت معك أن لا تنكر علي فيها لأنك لم تحط بها خبرا ولها دخل هو مصلحة ولم تعلمه أنت .
قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (73)
قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا
"قال" أي موسى "لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا" أي لا تضيق علي ولا تشدد علي ولهذا تقدم في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "كانت الأولى من موسى نسيانا" .
فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (74)
فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا
يقول تعالى "فانطلقا" أي بعد ذلك "حتى إذا لقيا غلاما فقتله" وقد تقدم أنه كان يلعب مع الغلمان في قرية من القرى وأنه عمد إليه من بينهم وكان أحسنهم وأجملهم وأضوأهم فقتله وروي أنه احتز رأسه وقيل رضخه بحجر وفي رواية اقتلعه بيده والله أعلم .
فلما شاهد موسى عليه السلام هذا أنكره أشد من الأول وبادر فقال "أقتلت نفسا زكية" أي صغيرة لم تعمل الحنث ولا عملت إثما بعد فقتلته "بغير نفس" أي بغير مستند لقتله "لقد جئت شيئا نكرا" أي ظاهر النكارة

قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (75)
قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا
"قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا" فأكد أيضا وفي التذكار بالشرط الأول .
قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (76)
قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا
فلهذا قال له موسى "إن سألتك عن شيء بعدها" أي إن اعترضت عليك بشيء بعد هذه المرة "فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا" أي قد أعذرت إلي مرة بعد مرة قال ابن جرير : حدثنا عبد الله بن زياد حدثنا حجاج بن محمد عن حمزة الزيات عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه فقال ذات يوم "رحمة الله علينا وعلى موسى لو لبث مع صاحبه لأبصر العجب ولكنه قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا" مثقلة .
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا (77)
فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا
يقول تعالى مخبرا عنهما أنهما انطلقا بعد المرتين الأولتين حتى إذا أتيا أهل قرية روى ابن جريج عن ابن سيرين أنها الأيلة وفي الحديث "حتى إذا أتيا أهل قرية لئاما" أي بخلاء "فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض" إسناد الإرادة هاهنا إلى الجدار على سبيل الاستعارة فإن الإرادة في المحدثات بمعنى الميل والانقضاض هو السقوط وقوله "فأقامه" أي فرده إلى حالة الاستقامة وقد تقدم في الحديث أنه رده




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #334  
قديم 07-12-2025, 01:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 175 الى صــ 189
الحلقة (334)




بيده ودعمه حتى رد ميله وهذا خارق فعند ذلك قال موسى "له لو شئت لاتخذت عليه أجرا" أي لأجل أنهم لم يضيفونا كان ينبغي أن لا تعمل لهم مجانا .
قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا (78)
قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا
"قال هذا فراق بيني وبينك" أي لأنك شرطت عند قتل الغلام أنك إن سألتني عن شيء بعدها فلا تصاحبني فهو فراق بيني وبينك "سأنبئك بتأويل" أي بتفسير ما لم تستطع عليه صبرا .
أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (79)
أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا
هذا تفسير ما أشكل أمره على موسى عليه السلام ما كان أنكر ظاهره وقد أظهر الله الخضر عليه السلام على حكمة باطنة فقال : إن السفينة إنما خرقتها لأعيبها لأنهم كانوا يمرون بها على ملك من الظلمة "يأخذ كل سفينة" صالحة أي جيدة "غصبا" فأردت أن أعيبها لأرده عنها لعيبها فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيء ينتفعون به غيرها وقد قيل إنهم أيتام وروى ابن جريج عن وهب بن سليمان عن شعيب الجبائي أن اسم ذلك الملك هدد بن بدد وقد تقدما أيضا في رواية البخاري وهو مذكور في التوراة في ذرية العيص بن إسحاق وهو من الملوك المنصوص عليهم في التوراة والله أعلم .
وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (80)
وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا
وقد تقدم ²?ن هذا الغلام كان اسمه حيثور وفي هذا الحديث عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم"

طبع كافرا "رواه ابن جرير من حديث ابن إسحاق عن سعيد عن ابن عباس به ولهذا قال" فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا "أي يحملهما حبه على متابعته على الكفر قال قتادة : قد فرح به أبواه حين ولد وحزنا عليه حين قتل ولو بقي لكان فيه هلاكهما فليرض امرؤ بقضاء الله فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب وصح في الحديث" لا يقضي الله لمؤمن قضاء إلا كان خيرا له "وقال تعالى" وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم "."
فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما (81)
فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما
وقوله "فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما" أي ولدا أزكى من هذا وهما أرحم به منه قاله ابن جريج وقال قتادة : أبر بوالديه وقد تقدم أنهما بدلا جارية وقيل لما قتله الخضر كانت أمه حاملا بغلام مسلم قاله ابن جريح .
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (82)
وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا
في هذه الآية دليل على إطلاق القرية على المدينة لأنه قال أولا "حتى إذا أتيا أهل قرية" وقال هاهنا "فكان لغلامين يتيمين في المدينة" كما قال تعالى "وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك" "وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" يعني مكة والطائف
ومعنى الآية أن هذا الجدار إنما أصلحته لأنه كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما قال عكرمة وقتادة وغير واحد كان تحته مال مدفون لهما وهو ظاهر السياق من الآية وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وقال العوفي عن ابن عباس : كان تحته كنز علم وكذا قال سعيد بن جبير وقال مجاهد صحف فيها علم وقد ورد في حديث مرفوع ما يقوي ذلك .
قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده المشهور حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا بشر بن المنذر حدثنا الحارث بن عبد الله اليحصبي عن عياش بن عباس الغساني عن أبي حجيرة عن أبي ذر رفعه قال : إن الكنز الذي ذكره الله في كتابه لوح من ذهب مصمت مكتوب فيه : عجبت لمن أيقن بالقدر لم نصب وعجبت لمن ذكر النار لم ضحك وعجبت لمن ذكر الموت لم غفل لا إله إلا الله محمد رسول الله .
وبشر بن المنذر هذا يقال له قاضي المصيصة قال الحافظ أبو جعفر العقيلي : في حديثه وهم وقد روي في هذا آثار عن السلف فقال ابن جرير في تفسيره : حدثني يعقوب

حدثنا الحسن بن حبيب بن ندبة حدثنا سلمة عن نعيم العنبري وكان من جلساء الحسن قال : سمعت الحسن يعني البصري يقول في قوله "وكان تحته كنز لهما" قال لوح من ذهب مكتوب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم عجبت لمن يؤمن بالقدر كيف يحزن وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا ومقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها لا إله إلا الله محمد رسول الله .
وحدثني يونس أخبرنا ابن وهب أخبرني عبد الله بن عباس عن عمر مولى غفرة قال : إن الكنز الذي قال الله في السورة التي يذكر فيها الكهف "وكان تحته كنز لهما" قال كان لوحا من ذهب مصمت مكتوب فيه : بسم الله الرحمن الرحيم عجب لمن عرف النار ثم ضحك عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب عجب لمن أيقن بالموت ثم أمن أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وحدثني أحمد بن حازم الغفاري حدثنا هناءة بنت مالك الشيبانية قالت سمعت صاحبي حماد بن الوليد الثقفي يقول : سمعت جعفر بن محمد يقول في قول الله تعالى "وكان تحته كنز لهما" قال سطران ونصف لم يتم الثالث : عجبت للمؤمن بالرزق كيف يتعب وعجبت للمؤمن بالحساب كيف يغفل وعجبت للمؤمن بالموت كيف يفرح .
وقد قال الله "وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين" قالت وذكر أنهما حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما صلاح وكان بينهما وبين الأب الذي حفظا به سبعة آباء وكان نساجا وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة وورد به الحديث المتقدم وإن صح لا ينافي قول عكرمة أنه كان مالا لأنهم ذكروا أنه كان لوحا من ذهب وفيه مال جزيل أكثر ما زادوا أنه كان مودعا فيه علم وهو حكم ومواعظ والله أعلم

وقوله "وكان أبوهما صالحا" فيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى درجة في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن ووردت به السنة .
قال سعيد بن جبير : عن ابن عباس حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر لهما صلاحا وتقدم أنه كان الأب السابع فالله أعلم .
وقوله "فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما" هاهنا أسند الإرادة إلى الله تعالى لأن بلوغهما الحلم لا يقدر عليه إلا الله وقال في الغلام "فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة" وقال في السفينة "فأردت أن أعيبها" فالله أعلم .
وقوله تعالى "رحمة من ربك وما فعلته عن أمري" أي هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثلاثة إنما هو من رحمة الله بمن ذكرنا من أصحاب السفينة ووالدي الغلام وولدي الرجل الصالح وما فعلته عن أمري أي لكني أمرت به ووقفت عليه وفيه دلالة لمن قال بنبوة الخضر عليه السلام مع ما تقدم من قوله "فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما" وقال آخرون كان رسولا وقيل بل كان ملكا نقله الماوردي في تفسيره وذهب كثيرون إلى أنه لم يكن نبيا بل كان وليا فالله أعلم.
وذكر ابن قتيبة في المعارف أن اسم الخضر بليا بن ملكان بن فالغ بن عامر بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح عليه السلام قالوا وكان يكنى أبا العباس ويلقب بالخضر وكان من أبناء الملوك ذكره النووي في تهذيب الأسماء وحكى هو وغيره في كونه باقيا إلى الآن ثم إلى يوم القيامة قولين ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه وذكروا في ذلك حكايات وآثارا عن السلف وغيرهم وجاء ذكره في بعض الأحاديث ولا يصح شيء من ذلك وأشهرها حديث

التعزية وإسناده ضعيف ورجح آخرون من المحدثين وغيرهم خلاف ذلك واحتجوا بقوله تعالى "وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد" وبقول النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض" وبأنه لم ينقل أنه جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حضر عنده ولا قاتل معه ولو كان حيا لكان من أتباع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لأنه عليه السلام كان مبعوثا إلى جميع الثقلين الجن والإنس وقد قال "لو كان موسى وعيسى حيين لما وسعهما إلا اتباعي" وأخبر قبل موته بقليل أنه لا يبقى ممن هو على وجه الأرض إلى مائة سنة من ليلته تلك عين تطرف إلى غير ذلك من الدلائل .
قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في الخضر قال "إنما سمي خضرا لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من تحته خضراء" ورواه أيضا عن عبد الرزاق وقد ثبت أيضا في صحيح البخاري عن همام عن أبي هريرة أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم قال "إنما سمي الخضر لأنه جلس على فروة فإذا هي تهتز من تحته خضراء" والمراد بالفروة هاهنا الحشيش اليابس وهو الهشيم من النبات قاله عبد الرزاق .
وقيل المراد بذلك وجه الأرض وقوله "ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا" أي هذا تفسير ما ضقت به ذرعا ولم تصبر حتى أخبرك به ابتداء ولما أن فسره له وبينه ووضحه وأزال المشكل قال "تسطع" وقبل ذلك كان الإشكال قويا ثقيلا فقال "سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا" فقابل الأثقل بالأثقل والأخف كما قال "فما اسطاعوا أن يظهروه" وهو الصعود إلى أعلاه "وما استطاعوا له نقبا" وهو أشق من ذلك فقابل كلا بما يناسبه لفظا ومعنى والله أعلم .
فإن قيل : فما بال فتى موسى ذكر في أول القصة ثم لم يذكر بعد ذلك ؟ فالجواب أن المقصود بالسياق إنما هو قصة موسى مع الخضر وذكر ما كان بينهما وفتى موسى معه تبع وقد صرح في الأحاديث المتقدمة في الصحاح وغيرها أنه يوشع بن نون وهو الذي كان يلي بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام ؟ وهذا يدل على ضعف ما أورده ابن جرير في تفسيره حيث قال : حدثنا ابن حميد حدثنا سلمة حدثني ابن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن أبيه عن عكرمة قال قيل لابن عباس : لم نسمع لفتى موسى بذكر حديث وقد كان معه قال ابن عباس فيما يذكر من حديث الفتى قال شرب الفتى من الماء فخلد فأخذه العالم فطابق به سفينة ثم أرسله في البحر فإنها لتموج به إلى يوم القيامة وذلك أنه لم يكن له أن يشرب منه فشرب إسناده ضعيف والحسن متروك وأبوه غير معروف

ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا (83)
ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم "ويسألونك" يا محمد "عن ذي القرنين" أي عن خبره .
وقد قدمنا أنه بعث كفار مكة إلى أهل الكتاب يسألون منهم ما يمتحنون به النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا سلوه عن رجل طواف في الأرض وعن فتية ما يدرى ما صنعوا وعن الروح فنزلت سورة الكهف وقد أورد ابن جرير هاهنا والأموي في مغازيه حديثا أسنده وهو ضعيف عن عقبة بن عامر أن نفرا من اليهود جاءوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذي القرنين فأخبرهم بما جاءوا له ابتداء فكان فيما أخبرهم به أنه كان شابا من الروم وأنه بنى الإسكندرية وأنه علا به ملك إلى السماء وذهب به إلى السد ورأى أقواما وجوههم مثل وجوه الكلاب وفيه طول ونكارة ورفعه لا يصح وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه بتمامه في كتابه دلائل النبوة وذلك غريب منه وفيه من النكارة أنه من الروم وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني وهو ابن فيليس المقدوني الذي تؤرخ به الروم فأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه السلام أول ما بناه وآمن به واتبعه وكان وزيره الخضر عليه السلام وأما الثاني فهو إسكندر بن فيليس المقدوني اليوناني وكان وزيره ارسطاطاليس الفيلسوف المشهور والله أعلم .
وهو الذي تؤرخ من مملكته ملة الروم وقد كان قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلثمائة سنة فأما الأول المذكور في القرآن فكان في زمن الخليل كما ذكره الأزرقي

وغيره وأنه طاف مع الخليل عليه السلام بالبيت العتيق لما بناه إبراهيم عليه السلام وقرب إلى الله قربانا وقد ذكرنا طرفا صالحا من أخباره في كتاب البداية والنهاية بما فيه كفاية ولله الحمد .
وقال وهب بن منبه : كان ملكا وإنما سمي ذا القرنين لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس قال : وقال بعض أهل الكتاب لأنه ملك الروم وفارس وقال بعضهم كان في رأسه شبه القرنين وقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي الطفيل قال : سئل علي رضي الله عنه عن ذي القرنين فقال كان عبدا ناصحا لله فناصحه دعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات فأحياه الله فدعا قومه إلى الله فضربوه على قرنه فمات فسمي ذا القرنين وكذا رواه شعبة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل سمع عليا يقول ذلك ويقال إنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ المشارق والمغارب من حيث يطلع قرن الشمس ويغرب .
إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا (84)
إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا
وقوله "إنا مكنا له في الأرض" أي أعطيناه ملكا عظيما ممكنا فيه من جميع ما يؤتى الملوك من التمكين والجنود وآلات الحرب والحصارات ولهذا ملك المشارق والمغارب من الأرض ودانت له البلاد وخضعت له ملوك العباد وخدمته الأمم من العرب والعجم ولهذا ذكر بعضهم أنه إنما سمي ذا القرنين لأنه بلغ قرني الشمس مشرقها ومغربها وقوله "وآتيناه من كل شيء سببا" قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة والسدي وقتادة والضحاك وغيرهم يعني علما وقال قتادة أيضا في قوله "وآتيناه من كل شيء سببا" قال : منازل الأرض وأعلامها
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "وآتيناه من كل شيء سببا" قال تعليم الألسنة قال كان لا يغزو قوما إلا كلمهم بلسانهم وقال ابن لهيعة : حدثني سالم بن غيلان عن سعيد بن أبي هلال أن معاوية بن أبي سفيان قال لكعب الأحبار : أنت تقول إن ذا القرنين كان يربط خيله بالثريا ؟ فقال له كعب إن كنت قلت ذلك فإن الله قال "وآتيناه من كل شيء سببا" وهذا الذي أنكره معاوية رضي الله عنه على كعب الأحبار هو الصواب والحق مع معاوية في ذلك الإنكار فإن معاوية كان يقول عن كعب : إن كنا لنبلو عليه الكذب يعني فيما ينقله لا أنه كان يتعمد نقل ما ليس في صحفه ولكن الشأن في صحفه أنها من الإسرائيليات التي غالبها مبدل مصحف محرف مختلق ولا حاجة لنا مع خبر الله تعالى ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شيء منها بالكلية فإنه دخل منها على الناس شر كثير وفساد عريض.
وتأويل كعب قول الله "وآتيناه من كل شيء سببا" واستشهاده في ذلك على ما يجده في صحفه من أنه كان يربط خيله بالثريا غير صحيح ولا مطابق فإنه لا سبيل للبشر إلى شيء من ذلك ولا إلى الترقي في أسباب السماوات وقد قال الله في حق بلقيس "وأوتيت من كل شيء" أي مما يؤتى مثلها من الملوك وهكذا ذو القرنين يسر الله له الأسباب أي الطرق والوسائل إلى فتح الأقاليم والرساتيق والبلاد والأراضي وكسر الأعداء وكبت ملوك الأرض وإذلال أهل الشرك قد أوتي من كل شيء مما يحتاج إليه مثله سببا والله أعلم .
وفي المختارة للحافظ الضياء المقدسي من طريق قتيبة عن أبي عوانة عن سماك بن حرب عن حبيب بن حماد قال : كنت عند علي رضي الله عنه وسأله رجل عن ذي القرنين كيف بلغ المشرق والمغرب ؟ فقال سبحان الله سخر له السحاب وقدر له الأسباب وبسط له اليد .
فأتبع سببا (85)
فأتبع سببا

قال ابن عباس "فأتبع سببا" يعني بالسبب المنزل وقال مجاهد "فأتبع سببا" منزلا وطريقا ما بين المشرق والمغرب وفي رواية عن مجاهد "سببا" قال طرفي الأرض وقال قتادة أي أتبع منازل الأرض ومعالمها وقال الضحاك "فأتبع سببا" أي المنازل وقال سعيد بن جبير في قوله : "فأتبع سببا" قال علما وهكذا قال عكرمة وعبيد بن يعلى والسدي وقال مطر : معالم وآثار كانت قبل ذلك .
حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا (86)
حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم
وقوله : "حتى إذا بلغ مغرب الشمس" أي فسلك طريقا حتى وصل إلى أقصى ما يسلك فيه من الأرض من ناحية المغرب وهو مغرب الأرض وأما الوصول إلى مغرب الشمس من السماء فمتعذر وما يذكره أصحاب القصص والأخبار من أنه سار في الأرض مدة والشمس تغرب من ورائه فشيء لا حقيقة له وأكثر ذلك من خرافات أهل الكتاب واختلاف زنادقتهم وكذبهم وقوله : "وجدها تغرب في عين حمئة" أي رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه وهي لا تفارق الفلك الرابع الذي هي مثبتة فيه لا تفارقه والحمئة مشتقة على إحدى القراءتين من الحمأة وهو الطين كما قال تعالى : "إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون" أي طين أملس وقد تقدم بيانه وقال ابن جرير : حدثني يونس أخبرنا ابن وهب أنبأنا نافع بن أبي نعيم

سمعت عبد الرحمن الأعرج يقول كان ابن عباس يقول في عين حمئة ثم فسرها ذات حمأة قال نافع : وسئل عنها كعب الأحبار فقال أنتم أعلم بالقرآن مني ولكن أجدها في الكتاب تغيب في طينة سوداء وكذا روى غير واحد عن ابن عباس وبه قال مجاهد وغير واحد.
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا محمد بن دينار عن سعد بن أوس عن مصدع عن ابن عباس عن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرأه حمئة وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وجدها تغرب في عين حامية يعني حارة وكذا قال الحسن البصري وقال ابن جرير : والصواب أنهما قراءتان مشهورتان وأيهما قرأ القارئ فهو مصيب قلت ولا منافاة بين معنيهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حامل وحمئة في ماء وطين أسود كما قال كعب الأحبار وغيره وقال ابن جرير حدثنا محمد بن المثنى حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا العوام حدثني مولى لعبد الله بن عمرو عن عبد الله قال نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الشمس حين غابت فقال : "في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله لأحرقت ما على الأرض" قلت ورواه الإمام أحمد عن يزيد بن هارون وفي صحة رفع هذا الحديث نظر

ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك والله أعلم .
وقال ابن أبي حاتم حدثنا حجاج بن حمزة حدثنا محمد يعني ابن بشر حدثنا عمرو بن ميمون أنبأنا ابن حاضر أن ابن عباس ذكر له أن معاوية بن أبي سفيان قرأ الآية التي في سورة الكهف "تغرب في عين حامية" قال ابن عباس لمعاوية ما نقرؤها إلا حمئة فسأل معاوية عبد الله بن عمرو كيف تقرؤها فقال عبد الله كما قرأتها قال ابن عباس فقلت لمعاوية في بيتي نزل القرآن فأرسل إلى كعب فقال له أين تجد الشمس تغرب في التوراة ؟ فقال له كعب سل أهل العربية فإنهم أعلم بها وأما أنا فإني أجد الشمس تغرب في التوراة في ماء وطين وأشار بيده إلى المغرب قال ابن حاضر لو أني عندك أفدتك بكلام تزداد فيه بصيرة في حمئة قال ابن عباس وإذا ما هو قلت فيما يؤثر من قول تبع فيما ذكر به ذا القرنين في تخلقه بالعلم واتباعه إياه
بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد
فرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خلب وثاط حرمد
فقال ابن عباس ما الخلب قلت الطين بكلامهم قال فما الثاط قلت الحمأة قال فما الحرمد قلت الأسود قال فدعا ابن عباس رجلا أو غلاما فقال اكتب ما يقول هذا الرجل وقال سعيد بن جبير بينا ابن عباس يقرأ سورة الكهف فقرأ "وجدها تغرب في عين حمئة" فقال كعب والذي نفس كعب بيده ما سمعت أحدا يقرؤها كما أنزلت في التوراة غير ابن عباس فإنا نجدها في التوراة تغرب في مدرة سوداء وقال أبو يعلى الموصلي حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف
قال في تفسير ابن جريج "ووجد عندها قوما" قال مدينة لها اثنا عشر ألف باب لولا أصوات أهلها لسمع الناس وجوب الشمس حين تجب وقوله : "ووجد عندها قوما" أي أمة من الأمم ذكروا أنها كانت أمة عظيمة من بني آدم وقوله "قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا" معنى هذا أن الله تعالى مكنه منهم وحكمه فيهم وأظفره بهم وخيره إن شاء قتل وسبى وإن شاء من أو فدى فعرف عدله وإيمانه فيما أبداه عدله وبيانه .
قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (87)
قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا
في قوله "أما من ظلم" أي استمر على كفره وشركه بربه فسوف نعذبه قال قتادة بالقتل وقال السدي كان يحمي لهم بقر النحاس ويضعهم فيها حتى يذوبوا .
وقال وهب بن منبه كان يسلط الظلمة فتدخل أجوافهم وبيوتهم وتغشاهم من جميع جهاتهم والله أعلم.
وقوله "ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا" أي شديدا بليغا وجيعا أليما وفي هذا إثبات المعاد والجزاء .
وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا (88)
وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا
وقوله : "وأما من آمن" أي تابعنا على ما ندعوه إليه من عبادة الله وحده لا شريك له "فله جزاء الحسنى" أي في الدار الآخرة عند الله عز وجل "وسنقول له من أمرنا يسرا" قال مجاهد معروفا .
ثم أتبع سببا (89)
ثم أتبع سببا
يقول تعالى ثم سلك طريقا فسار من مغرب الشمس إلى مطلعها وكان كلما مر بأمة قهرهم وغلبهم ودعاهم إلى الله عز وجل فإن أطاعوه وإلا أذلهم وأرغم آنافهم واستباح أموالهم وأمتعتهم واستخدم من كل أمة ما تستعين به جيوشه على قتال الإقليم

المتاخم لهم .
حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (90)
حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا
وذكر في أخبار بني إسرائيل أنه عاش ألفا وستمائة سنة يجوب الأرض طولها والعرض حتى بلغ المشارق والمغارب ولما انتهى إلى مطلع الشمس من الأرض كما قال تعالى "وجدها تطلع على قوم" أي أمة "لم نجعل لهم من دونها سترا" أي ليس لهم بناء يكنهم ولا أشجار تظلهم وتسترهم من حر الشمس قال سعيد بن جبير كانوا حمرا قصارا مساكنهم الغيران أكثر معيشتهم من السمك .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا سهل بن أبي الصلت سمعت الحسن وسئل عن قول الله تعالى "لم نجعل لهم من دونها سترا" قال إن أرضهم لا تحمل البناء فإذا طلعت الشمس تغوروا في المياه فإذا غربت خرجوا يتراعون كما ترعى البهائم .
قال الحسن هذا حديث سمرة وقال قتادة ذكر لنا أنهم بأرض لا تنبت لهم شيئا فهم إذا طلعت الشمس دخلوا في أسراب حتى إذا زالت الشمس خرجوا إلى حروثهم ومعايشهم وعن سلمة بن كهيل أنه قال : ليست لهم أكنان إذا طلعت الشمس طلعت عليهم فلأحدهم أذنان يفرش إحداهما ويلبس الأخرى .
قال عبد الرزاق : أخبرنا معمر عن قتادة في قوله : "وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا" قال هم الزنج وقال ابن جرير في قوله "وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا" قال لم يبنوا فيها بناء قط ولم يبن عليهم فيها بناء قط كانوا إذا طلعت الشمس دخلوا أسرابا لهم حتى تزول الشمس أو دخلوا البحر وذلك أن أرضهم

ليس فيها جبل .
جاءهم جيش مرة فقال لهم أهلها : لا تطلعن عليكم الشمس وأنتم بها قالوا لا نبرح حتى تطلع الشمس ما هذه العظام ؟ قالوا هذه جيف جيش طلعت عليهم الشمس هاهنا فماتوا قال فذهبوا هاربين في الأرض .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #335  
قديم 07-12-2025, 01:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 190 الى صــ 204
الحلقة (335)





كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (91)
كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا
وقوله "كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا" قال مجاهد والسدي : علما أي نحن مطلعون على جميع أحواله وأحوال جيشه لا يخفى علينا منها شيء وإن تفرقت أممهم وتقطعت بهم الأرض فإنه تعالى "لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء" .
ثم أتبع سببا (92)
ثم أتبع سببا
يقول تعالى مخبرا عن ذي القرنين "ثم أتبع سببا" أي ثم سلك طريقا من مشارق الأرض .
حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا (93)
حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا
حتى إذا بلغ بين السدين وهما جبلان متناوحان بينهما ثغرة يخرج منها يأجوج ومأجوج على بلاد الترك فيعيثون فيها فسادا ويهلكون الحرث والنسل ويأجوج ومأجوج من سلالة آدم عليه السلام كما ثبت في الصحيحين "إن الله تعالى يقول : يا آدم فيقول لبيك وسعديك فيقول ابعث بعث النار فيقول وما بعث النار ؟ فيقول من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة فحينئذ يشيب الصغير وتضع كل ذات حمل حملها فقال إن فيكم أمتين ما كانتا في شيء إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج"

"وقد حكى النووي رحمه الله في شرح مسلم عن بعض الناس أن يأجوج ومأجوج خلقوا من مني خرج من آدم فاختلط بالتراب فخلقوا من ذلك فعلى هذا يكونون مخلوقين من آدم وليسوا من حواء وهذا قول غريب جدا لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحكيه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة والله أعلم ."
وفي مسند الإمام أحمد عن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "ولد نوح ثلاثة : سام أبو العرب وحام أبو السودان ويافث أبو الترك" قال بعض العلماء هؤلاء من نسل يافث أبي الترك وقال إنما سمي هؤلاء تركا لأنهم تركوا من وراء السد من هذه الجهة وإلا فهم أقرباء أولئك لكن كان في أولئك بغي وفساد وجراءة وقد ذكر ابن جرير هاهنا عن وهب بن منبه أثرا طويلا عجيبا في سير ذي القرنين وبنائه السد وكيفية ما جرى له وفيه طول وغرابة ونكارة في أشكالهم وصفاتهم وطولهم وقصر بعضهم وآذانهم وروى ابن أبي حاتم عن أبيه في ذلك أحاديث غريبة لا تصح أسانيدها والله أعلم .
وقوله "وجد من دونهما قوما لا يكادون يفقهون قولا" أي لاستعجام كلامهم وبعدهم عن الناس .
قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (94)
قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم
"قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا" قال ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس أجرا عظيما يعني أنهم أرادوا أن

يجمعوا له من بينهم مالا يعطونه إياه حتى يجعل بينه وبينهم سدا فقال ذو القرنين بعفة وديانة وصلاح وقصد للخير .
قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (95)
قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما
"ما مكني فيه ربي خير" أي إن الذي أعطاني الله من الملك والتمكين خير لي من الذي تجمعونه كما قال سليمان عليه السلام "أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم" الآية وهكذا قال ذو القرنين الذي أنا فيه خير من الذي تبذلونه ولكن ساعدوني بقوة أي بعملكم وآلات البناء .
آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (96)
آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا
"أجعل بينكم وبينهم ردما آتوني زبر الحديد" والزبر جمع زبرة وهي القطعة منه قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وهي كاللبنة يقال كل لبنة زنة قنطار بالدمشقي أو تزيد عليه "حتى إذا ساوى بين الصدفين" أي وضع بعضه على بعض من الأساس حتى إذا حاذى به رءوس الجبلين طولا وعرضا واختلفوا في مساحة عرضه وطوله على أقوال "قال انفخوا" أي أجج عليه النار حتى صار كله نارا "قال آتوني أفرغ عليه قطرا" قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك وقتادة والسدي هو النحاس زاد بعضهم المذاب ويستشهد بقوله تعالى "وأسلنا له عين القطر" ولهذا يشبه بالبرد المحبر قال ابن جرير : حدثنا بشر بن يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قال : ذكر لنا أن رجلا قال يا رسول الله قد رأيت سد يأجوج ومأجوج قال "انعته لي" قال كالبرد المحبر طريقة سوداء وطريقة حمراء قال "قد رأيته" هذا حديث مرسل .
وقد بعث الخليفة الواثق في دولته بعض أمرائه وجهز معه جيشا سرية لينظروا إلى السد ويعاينوه وينعتوه له إذا رجعوا فتوصلوا من بلاد إلى بلاد ومن ملك إلى ملك حتى وصلوا إليه ورأوا بناءه من الحديد ومن النحاس وذكروا أنهم رأوا فيه بابا عظيما وعليه أقفال عظيمة ورأوا بقية اللبن والعمل في برج هناك وأن عنده حرسا من الملوك المتاخمة له وأنه عال منيف شاهق لا يستطاع ولا ما حوله من الجبال ثم رجعوا إلى بلادهم وكانت غيبتهم أكثر من سنتين وشاهدوا أهوالا وعجائب
ثم قال الله تعالى .
فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (97)
فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا
يقول تعالى مخبرا عن يأجوج ومأجوج أنهم ما قدروا على أن يصعدوا من فوق هذا السد ولا قدروا على نقبه من أسفله ولما كان الظهور عليه أسهل من نقبه قابل كلا بما يناسبه فقال "فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا" وهذا دليل على أنهم لم يقدروا على نقبه ولا على شيء منه .
فأما الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا روح حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حدثنا أبو رافع عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن يأجوج ومأجوج ليحفرون السد كل يوم حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا فيعودون إليه كأشد ما كان حتى إذا بلغت مدتهم وأراد الله أن يبعثهم على الناس حفروا حتى إذا كادوا يرون شعاع الشمس قال الذي عليهم ارجعوا فستحفرونه غدا إن شاء الله فيستثني فيعودون إليه وهو كهيئته حين تركوه فيحفرونه ويخرجون على الناس فينشفون المياه ويتحصن الناس منهم في حصونهم فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع وعليها كهيئة الدم فيقولون قهرنا أهل الأرض وعلونا أهل السماء فيبعث الله عليهم نغفا في رقابهم فيقتلهم بها قال رسول الله صلى الله"

عليه وسلم "والذي نفس محمد بيده إن دواب الأرض لتسمن وتشكر شكرا من لحومهم ودمائهم" ورواه أحمد أيضا عن حسن هو ابن موسى الأشهب عن سفيان عن قتادة به وكذا رواه ابن ماجه عن أزهر بن مروان عن عبد الأعلى عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال حدث أبو رافع وأخرجه الترمذي من حديث أبي عوانة عن قتادة ثم قال غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه وإسناده جيد قوي ولكن متنه في رفعه نكارة لأن ظاهر الآية يقتضي أنهم لم يتمكنوا من ارتقائه ولا من نقبه لإحكام بنائه وصلابته وشدته ولكن هذا قد روي عن كعب الأحبار أنهم قبل خروجهم يأتونه فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون غدا نفتحه فيأتون من الغد وقد عاد كما كان فيلحسونه حتى لا يبقى منه إلا القليل فيقولون كذلك فيصبحون وهو كما كان فيلحسونه ويقولون غدا نفتحه ويلهمون أن يقولوا إن شاء الله فيصبحون وهو كما فارقوه فيفتحونه وهذا متجه ولعل أبا هريرة تلقاه من كعب فإنه كان كثيرا ما كان يجالسه ويحدثه فحدث به أبو هريرة فتوهم بعض الرواة عنه أنه مرفوع فرفعه والله أعلم .
ويؤيد ما قلناه من أنهم لم يتمكنوا من نقبه ولا نقب شيء منه ومن نكارة هذا المرفوع قول الإمام أحمد حدثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن زينب بنت أبي سلمة عن حبيبة بنت أم حبيبة بنت أبي سفيان عن أمها أم حبيبة عن زينب بنت جحش زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قال سفيان أربع نسوة - قالت : استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم من نومه وهو محمر وجهه وهو يقول "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب"

فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا "وحلق قلت يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال :" نعم إذا كثر الخبيث "هذا حديث صحيح اتفق البخاري ومسلم على إخراجه من حديث الزهري ولكن سقط في رواية البخاري ذكر حبيبة وأثبتها مسلم وفيه أشياء عزيزة نادرة قليلة الوقوع في صناعة الإسناد منها رواية الزهري عن عروة وهما تابعيان ومنها اجتماع أربع نسوة في سنده كلهن يروي بعضهن عن بعض ثم كل منهن صحابية ثم ثنتان ربيبتان وثنتان زوجتان وقد روي نحو هذا عن أبي هريرة أيضا فقال البزار حدثنا محمد بن مرزوق حدثنا مؤمل بن إسماعيل حدثنا وهب عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :" فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذا "وعقد التسعين وأخرجه البخاري ومسلم من حديث وهب به ."
قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (98)
قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا
وقوله : "قال هذا رحمة من ربي" أي لما بناه ذو القرنين "قال هذا رحمة من ربي" أي بالناس حيث جعل بينهم وبين يأجوج ومأجوج حائلا يمنعهم من العبث في الأرض والفساد "فإذا جاء وعد ربي" أي إذا اقترب الوعد الحق "جعله دكاء" أي ساواه بالأرض تقول العرب ناقة دكاء إذا كان ظهرها مستويا لا سنام لها وقال تعالى : "فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا" أي مساويا للأرض وقال عكرمة في قوله : "فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء" قال طريقا كما كان "وكان وعد ربي حقا" أي كائنا لا محالة .

وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (99)
وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا
وقوله : "وتركنا بعضهم" أي الناس يومئذ أي يوم يدك هذا السد ويخرج هؤلاء فيموجون في الناس ويفسدون على الناس أموالهم ويتلفون أشياءهم وهكذا قال السدي في قوله "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" قال ذاك حين يخرجون على الناس وهذا كله قبل يوم القيامة وبعد الدجال كما سيأتي بيانه عند قوله "حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون واقترب الوعد الحق" الآية وهكذا قال هاهنا "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" قال هذا أول يوم القيامة ثم "نفخ في الصور" على أثر ذلك "فجمعناهم جمعا" وقال آخرون بل المراد بقوله "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" قال إذا ماج الجن والإنس يوم القيامة يختلط الإنس والجن وروى ابن جرير عن محمد بن حميد عن يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن شيخ من بني فزارة في قوله "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" قال إذا ماج الإنس والجن قال إبليس : أنا أعلم لكم علم هذا الأمر فيظعن إلى المشرق فيجد الملائكة قد قطعوا الأرض ثم يظعن إلى المغرب فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض فيقول ما من محيص ثم يظعن يمينا وشمالا إلى أقصى الأرض فيجد الملائكة قد بطنوا الأرض فيقول ما من محيص فبينما هو كذلك إذ عرض له طريق كالشراك فأخذ عليه هو وذريته فبينما هم عليه إذ هجموا على النار فأخرج الله خازنا من خزان النار فقال : يا إبليس ألم تكن لك المنزلة عند ربك ألم تكن في الجنان ؟ فيقول ليس هذا يوم عتاب لو أن الله فرض علي فريضة لعبدته فيها عبادة لم يعبده مثلها أحد من خلقه فيقول : فإن الله قد فرض عليك فريضة فيقول ما هي فيقول يأمرك أن تدخل النار فيتلكأ عليه فيقول به وبذريته بجناحيه فيقذفهم في النار فتزفر النار زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبتيه

وهكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث يعقوب القمي به ثم رواه من وجه آخر عن يعقوب عن هارون عن عنترة عن أبيه عن ابن عباس "وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض" قال الإنس والجن يموج بعضهم في بعض .
وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن محمد بن العباس الأصبهاني حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات حدثنا أبو داود الطيالسي حدثنا المغيرة بن مسلم عن أبي إسحاق عن وهب بن جابر عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إن يأجوج ومأجوج من ولد آدم لو أرسلوا لأفسدوا على الناس معايشهم ولن يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا وإن من ورائهم ثلاث أمم تاويل وتايس ومنسك" هذا حديث غريب بل منكر ضعيف وروى النسائي من حديث شعبة عن النعمان بن سالم عن عمرو بن

أوس عن أبيه عن جده أوس بن أبي أوس مرفوعا "إن يأجوج ومأجوج لهم نساء يجامعون ما شاءوا وشجر يلقحون ما شاءوا ولا يموت منهم رجل إلا ترك من ذريته ألفا فصاعدا" وقوله "ونفخ في الصور" والصور كما جاء في الحديث قرن ينفخ فيه والذي ينفخ فيه إسرافيل عليه السلام كما قد تقدم في الحديث بطوله والأحاديث فيه كثيرة .
وفي الحديث عن عطية عن ابن عباس وأبي سعيد مرفوعا "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته واستمع متى يؤمر" قالوا كيف نقول قال "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا" وقوله "فجمعناهم جمعا" أي أحضرنا الجميع للحساب "قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم" "وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا" .
وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (100)

وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا
يقول تعالى مخبرا عما يفعله بالكفار يوم القيامة أنه يعرض عليهم جهنم أي يبرزها لهم ويظهرها ليروا ما فيها من العذاب والنكال قبل دخولها ليكون ذلك أبلغ في تعجيل الهم والحزن لهم .
وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بجهنم تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك" ثم قال مخبرا عنهم .
الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (101)
الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا
"الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري" أي تغافلوا وتعاموا وتصامموا عن قبول الهدى واتباع الحق كما قال : "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" وقال هنا "وكانوا لا يستطيعون سمعا" أي لا يعقلون عن الله أمره ونهيه .
أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (102)
أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا
ثم قال : "أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء" أي اعتقدوا أنهم يصلح لهم ذلك وينتفعون به "كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" ولهذا أخبر الله تعالى أنه قد أعد لهم جهنم يوم القيامة منزلا .
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (103)
قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا

قال البخاري : حدثنا محمد بن بشار حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عمرو عن مصعب قال : سألت أبي يعني سعد بن أبي وقاص عن قول الله "قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا" أهم الحرورية قال : لا هم اليهود والنصارى .
أما اليهود فكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم وأما النصارى فكفروا بالجنة وقالوا لا طعام فيها ولا شراب والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه فكان سعد يسميهم الفاسقين وقال علي بن أبي طالب والضحاك وغير واحد : هم الحرورية ومعنى هذا عن علي رضي الله عنه أن هذه الآية الكريمة تشمل الحرورية كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص ولا هؤلاء بل هي أعم من هذا فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى وقبل وجود الخوارج بالكلية وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية بحسب أنه مصيب فيها وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود كما قال تعالى "وجوه يومئذ خاشعة عاملة ناصبة تصلى نارا حامية" وقال تعالى "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا" وقال تعالى "والذين كفروا بربهم أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا" وقال في هذه الآية الكريمة "قل هل ننبئكم" أي نخبركم "بالأخسرين أعمالا" ثم فسرهم .
الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (104)
الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا
فقال "الذين ضل سعيهم" في الحياة الدنيا "أي عملوا أعمالا باطلة على غير شريعة مشروعة مرضية مقبولة" وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا "أي يعتقدون أنهم على شيء وأنهم مقبولون محبوبون ."
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا (105)
أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا
وقوله : "أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه" أي جحدوا آيات الله في الدنيا وبراهينه التي أقام على وحدانيته وصدق رسله وكذبوا بالدار الآخرة "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" أي لا نثقل موازينهم لأنها خالية عن الخير قال البخاري : حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا

المغيرة حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة - وقال - اقرءوا إن شئتم" فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا "وعن يحيى بن بكير عن مغيرة بن عبد الرحمن عن أبي الزناد مثله هكذا ذكره عن يحيى بن بكير معلقا وقد رواه مسلم عن أبي بكر محمد بن إسحاق عن يحيى بن بكير به وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أبو الوليد حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن بحبة فلا يزنها "قال وقرأ" فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا "وكذا رواه ابن جرير عن أبي كريب عن أبي الصلت عن أبي الزناد عن صالح مولى التوأمة عن أبي هريرة مرفوعا فذكره بلفظ البخاري سواء ."
وقال أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار حدثنا العباس بن محمد حدثنا عون بن عمارة حدثنا هاشم بن حسان عن واصل عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل رجل من قريش يخطر في حلة له فلما قام على النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يا بريدة هذا ممن لا يقيم الله له يوم القيامة"

وزنا "ثم قال تفرد به واصل مولى أبي عنبسة وعون بن عمار وليس بالحافظ ولم يتابع عليه ."
وقد قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا عبد الرحمن حدثنا سفيان عن الأعمش عن سمرة عن أبي يحيى عن كعب قال يؤتى يوم القيامة برجل عظيم طويل فلا يزن عند الله جناح بعوضة اقرءوا "فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا" .
ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (106)
ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا
وقوله : "ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا" أي إنما جازيناهم بهذا الجزاء بسبب كفرهم واتخاذهم آيات الله ورسله هزوا استهزءوا بهم وكذبوهم أشد التكذيب .
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (107)
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا
يخبر تعالى عن عباده السعداء وهم الذين آمنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين فيما جاءوا به أن لهم جنات الفردوس قال مجاهد : الفردوس هو البستان بالرومية وقال كعب والسدي والضحاك هو البستان الذي فيه شجر الأعناب وقال أبو أمامة : الفردوس سرة الجنة وقال قتادة : الفردوس ربوة الجنة وأوسطها وأفضلها وقد روي هذا مرفوعا من حديث سعيد بن جبير عن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "الفردوس ربوة الجنة أوسطها وأحسنها"

وهكذا رواه إسماعيل بن مسلم عن الحسن عن سمرة مرفوعا وروي عن قتادة عن أنس بن مالك مرفوعا بنحوه روى ذلك كله ابن جرير رحمه الله وفي الصحيحين "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة" وقوله تعالى "نزلا" أي ضيافة فإن النزل الضيافة .
خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (108)
خالدين فيها لا يبغون عنها حولا
وقوله "خالدين فيها" أي مقيمين ساكنين فيها لا يظعنون عنها أبدا "لا يبغون عنها حولا" أي لا يختارون عنها غيرها ولا يحبون سواها كما قال الشاعر :
فحلت سويدا القلب لا أنا باغيا ... سواها ولا عن حبها أتحول
وفي قوله "لا يبغون عنها حولا" تنبيه على رغبتهم فيها وحبهم لها مع أنه قد يتوهم فيمن هو مقيم في المكان دائما أنه قد يسأمه أو يمله فأخبر أنهم مع هذا الدوام والخلود السرمدي لا يختارون عن مقامهم ذلك متحولا ولا انتقالا ولا ظعنا ولا رحلة ولا بدلا .
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (109)
قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا

يقول تعالى : قل يا محمد لو كان ماء البحر مدادا للقلم الذي يكتب به كلمات الله وحكمه وآياته الدالة لنفد البحر قبل أن يفرغ كتابة ذلك "ولو جئنا بمثله" أي بمثل البحر آخر ثم آخر وهلم جرا بحور تمده ويكتب بها لما نفدت كلمات الله كما قال تعالى "ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم" وقال الربيع بن أنس إن مثل علم العباد كلهم في علم الله كقطرة من ماء البحور كلها وقد أنزل الله ذلك "قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي" يقول لو كانت تلك البحور مدادا لكلمات الله والشجر كله أقلام لانكسرت الأقلام وفني ماء البحر وبقيت كلمات الله قائمة لا يفنيها شيء لأن أحدا لا يستطيع أن يقدر قدره ولا يثني عليه كما ينبغي حتى يكون هو الذي يثني على نفسه إن ربنا كما يقول وفوق ما نقول إن مثل نعيم الدنيا أولها وآخرها في نعيم الآخرة كحبة من خردل في خلال الأرض كلها .
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (110)
قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا
روى الطبراني من طريق هشام بن عمار عن إسماعيل بن عياش عن عمرو بن قيس الكوفي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان أنه قال هذه آخر آية أنزلت يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه "قل" لهؤلاء المشركين المكذبين

برسالتك إليهم "إنما أنا بشر مثلكم" فمن زعم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به فإني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به من الماضي عما سألتم من قصة أصحاب الكهف وخبر ذي القرنين مما هو مطابق في نفس الأمر لولا ما أطلعني الله عليه وإنما أخبركم "أنما إلهكم" الذي أدعوكم إلى عبادته "إله واحد" لا شريك له "فمن كان يرجو لقاء ربه" أي ثوابه وجزاءه الصالح "فليعمل عملا صالحا" ما كان موافقا لشرع الله "ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" وهو الذي يراد به وجه الله وحده لا شريك له وهذان ركنا العمل المتقبل لا بد أن يكون خالصا لله صوابا على شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد روى ابن أبي حاتم من حديث معمر عن عبد الكريم الجزري عن طاوس قال : قال رجل يا رسول الله إني أقف المواقف أريد وجه الله وأحب أن يرى موطني فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا حتى نزلت هذه الآية "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #336  
قديم 07-12-2025, 01:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة الكهف
من صـ 205 الى صــ 215
الحلقة (336)






وهكذا أرسل هذا مجاهد وغير واحد وقال الأعمش : حدثنا حمزة أبو عمارة مولى بني هاشم عن شهر بن حوشب قال جاء رجل إلى عبادة بن الصامت فقال أنبئني عما أسألك عنه : أرأيت رجلا يصلي يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ويصوم يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ويتصدق يبتغي وجه الله ويحب أن يحمد ويحج ويبتغي وجه الله ويحب أن يحمد فقال عبادة ليس له شيء إن الله تعالى يقول : أنا خير شريك فمن كان له معي شريك فهو له كله لا حاجة لي فيه
وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبد الله بن الزبير حدثنا كثير بن زيد عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن جده قال كنا نتناوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فنبيت عنده تكون له الحاجة أو يطرقه أمر من الليل فيبعثنا فكثر المحبوسون وأهل النوب فكنا نتحدث فخرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "ما هذه النجوى ؟" قال فقلنا تبنا إلى الله يا نبي الله إنما كنا في ذكر المسيح وفرقنا منه فقال "ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم من المسيح عندي" ؟ قال قلنا بلى قال "الشرك"
الخفي أن يقوم الرجل يصلي لمكان الرجل "."
وقال الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد يعني ابن بهرام قال : قال شهر بن حوشب قال ابن غنم لما دخلنا مسجد الجابية أنا وأبو الدرداء لقينا عبادة بن الصامت فأخذ يميني بشماله وشمال أبي الدرداء بيمينه فخرج يمشي بيننا ونحن نتناجى والله أعلم بما نتناجى به فقال عبادة بن الصامت : إن طال بكما عمر أحدكما أو كليكما لتوشكان أن تريا الرجل من ثبج المسلمين يعني من وسط قراء القرآن على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فأعاده وأبدأه وأحل حلاله وحرم حرامه
ونزل عند منازله لا يجوز فيكم إلا كما يجوز رأس الحمار الميت .
قال فبينما نحن كذلك إذ طلع شداد بن أوس رضي الله عنه وعوف بن مالك فجلسا إلينا فقال شداد إن أخوف ما أخاف عليكم أيها الناس لما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "من الشهوة الخفية والشرك" فقال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء : اللهم غفرا ألم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حدثنا أن الشيطان قد يئس أن يعبد في جزيرة العرب أما الشهوة الخفية فقد عرفناها هي شهوات الدنيا من نسائها وشهواتها فما هذا الشرك الذي تخوفنا به يا شداد ؟ فقال شداد : أرأيتكم لو رأيتم رجلا يصلي لرجل أو يصوم لرجل أو يتصدق أترون أنه قد أشرك ؟ قالوا نعم والله إن من صلى أو صام أو تصدق له لقد أشرك فقال شداد فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم "من صلى يرائي فقد أشرك ومن صام يرائي فقد أشرك ومن تصدق يرائي فقد أشرك" قال عوف بن مالك عند ذلك أفلا يعمد الله إلى ما ابتغي به وجهه من ذلك العمل كله فيقبل ما خلص له ويدع ما أشرك به فقال شداد عند ذلك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الله يقول أنا خير قسيم لمن أشرك بي من أشرك بي شيئا فإن عمله قليله وكثيره لشريكه الذي أشرك به أنا عنه غني" "طريق أخرى لبعضه" قال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب حدثني عبد
الواحد بن زياد أخبرنا عبادة بن نسي عن شداد بن أوس رضي الله عنه أنه بكى فقيل ما يبكيك ؟ قال شيء سمعته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأبكاني سمعت رسول الله يقول "أتخوف على أمتي الشرك والشهوة الخفية" قلت يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك ؟ قال "نعم أما إنهم لا يعبدون شمسا ولا قمرا ولا حجرا ولا وثنا ولكن يراءون بأعمالهم ; والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائما فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه" ورواه ابن ماجه من حديث الحسن بن ذكوان عن عبادة بن نسي به وعبادة فيه ضعف وفي سماعه من شداد نظر "حديث آخر" قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا الحسن بن علي بن جعفر الأحمر حدثنا علي بن ثابت حدثنا قيس بن أبي حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يقول الله يوم القيامة أنا خير شريك من أشرك بي أحدا فهو له كله" وقال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة سمعت العلاء يحدث
عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
يرويه عن الله عز وجل أنه قال "أنا خير الشركاء فمن عمل عملا أشرك فيه غيري فأنا بريء منه وهو للذي أشرك" تفرد به من هذا الوجه "حديث آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا يونس حدثنا الليث عن يزيد يعني ابن الهاد عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر" قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال "الرياء يقول الله يوم القيامة إذا جزي الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء" "حديث آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن بكير أخبرنا عبد الحميد يعني ابن جعفر أخبرني أبي عن زياد بن ميناء عن أبي سعيد بن أبي فضالة الأنصاري وكان من الصحابة أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه نادى مناد : من كان أشرك في عمل عمله لله أحدا فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك" وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث محمد وهو البرساني به "حديث آخر" قال الإمام أحمد : حدثنا أحمد بن عبد الملك حدثنا بكار حدثني أبي - يعني عبد العزيز بن أبي بكرة - عن أبي بكرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من سمع سمع الله به ومن راءى راءى الله به"
"وقال الإمام أحمد حدثنا معاوية حدثنا شيبان عن فراس عن عطية عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" من يرائي يرائي الله به ومن يسمع يسمع الله به "" حديث آخر "قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن سعيد عن شعبة حدثني عمرو بن مرة قال سمعت رجلا في بيت أبي عبيدة أنه سمع عبد الله بن عمرو يحدث ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول" من سمع الناس بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره "فذرفت عينا عبد الله وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا عمرو بن يحيى الأيلي حدثنا الحارث بن غسان حدثنا أبو عمران الجوني عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله"
عليه وسلم "تعرض أعمال بني آدم بين يدي الله عز وجل يوم القيامة في صحف مختمة فيقول الله ألقوا هذا واقبلوا هذا فتقول الملائكة يا رب والله ما رأينا منه إلا خيرا فيقول إن عمله كان لغير وجهي ولا أقبل اليوم من العمل إلا ما أريد به وجهي" ثم قال : الحارث بن غسان
روي عنه وهو ثقة بصري ليس به بأس وقال وهب : حدثني يزيد بن عياض عن عبد الرحمن الأعرج عن عبد الله بن قيس الخزاعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "من قام رياء وسمعة لم يزل في مقت الله حتى يجلس" وقال أبو يعلى : حدثنا محمد بن أبي بكر حدثنا محمد بن دينار عن إبراهيم الهجري عن أبي الأحوص عن عوف بن مالك عن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من أحسن الصلاة حيث يراه الناس وأساءها حيث يخلو فتلك استهانة استهان بها ربه عز وجل" وقال ابن جرير : حدثنا أبو عامر إسماعيل بن عمرو السكوني حدثنا هشام بن عمار حدثنا ابن عياش حدثنا عمرو بن قيس الكندي أنه سمع معاوية بن أبي سفيان تلا هذه الآية "فمن كان يرجو لقاء ربه" الآية وقال إنها آخر آية نزلت من القرآن وهذا أثر مشكل فإن هذه الآية آخر سورة الكهف والكهف كلها مكية ولعل معاوية أراد أنه لم ينزل بعدها آية تنسخها ولا تغير حكمها بل هي مثبتة محكمة فاشتبه ذلك على بعض الرواة فروى بالمعنى على ما فهمه والله أعلم .
وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق حدثنا النضر بن شميل حدثنا أبو قرة عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من قرأ في ليلة" فمن كان يرجو لقاء ربه "كان له من النور من عدن أبين إلى مكة حشو ذلك النور الملائكة" غريب جدا .
آخر تفسير سورة الكهف .
سورة مريم
كهيعص (1)
كهيعص
سورة مريم : وقد روى محمد بن إسحاق في السيرة من حديث أم سلمة وأحمد بن حنبل عن ابن مسعود في قصة الهجرة إلى أرض الحبشة من مكة أن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قرأ صدر هذه السورة على النجاشي وأصحابه .
قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خيثم واختاره أبو حاتم بن حبان .
ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور .
قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم و "حم" و "المص" و "ص" فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم .
وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم.
هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمذاني قال : قال عبد الله فذكر نحوه .
وحكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم .
وروينا أيضا من حديث شريك بن عبد الله بن عطاء بن السائب عن أبي الضحى عن ابن عباس : الم قال أنا الله أعلم .
وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمذاني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى .
قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبآلائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم.
قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب : فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة .
هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد به الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا.
هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم .
ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر :
قلنا قفي لنا فقالت قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف
تعني وقفت .
وقال الآخر :
ما للظليم عال كيف لا ... ينقد عنه جلده إذا ي
فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر :
بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن ت
يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن تشاء فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم .
قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل "اق" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها " ق و "ص" و "حم" وطسم و " الر "وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير ."
قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ال م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن - يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر .
وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف.
قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة.
وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته .
وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله ومن هاهنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلية فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام .
المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه .
وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية .
قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق - وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص - و - حمعسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم .
وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه حي بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب" ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله ؟ فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك .
فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك ؟ قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة .
هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال "نعم" قال ما ذاك ؟ قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة.
فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا.
ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين ؟ فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم .
ذكر رحمة ربك عبده زكريا (2)
ذكر رحمة ربك عبده زكريا
قوله "ذكر رحمة ربك" أي هذا ذكر رحمة الله بعبده زكريا وقرأ يحيى بن يعمر "ذكر رحمة ربك عبده زكريا" وزكريا يمد ويقصر قراءتان مشهورتان .
وكان نبيا عظيما من أنبياء بني إسرائيل وفي صحيح البخاري أنه كان نجارا يأكل من عمل يده في النجارة .
إذ نادى ربه نداء خفيا (3)
إذ نادى ربه نداء خفيا
وقوله "إذ نادى ربه نداء خفيا" قال بعض المفسرين إنما أخفى دعاءه لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره .
حكاه الماوردي وقال آخرون إنما أخفاه لأنه أحب إلى الله كما قال قتادة في هذه الآية "إذ نادى ربه نداء خفيا" إن الله يعلم القلب التقي ويسمع الصوت الخفي وقال بعض السلف قام من الليل عليه السلام وقد نام أصحابه فجعل يهتف بربه يقول خفية يا رب يا رب يا رب فقال الله له : لبيك لبيك لبيك .
قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (4)
قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا
قال رب إني وهن العظم مني أي ضعفت وخارت القوى "واشتعل الرأس شيبا" أي اضطرم المشيب في السواد كما قال ابن دريد في مقصورته :
أما ترى رأسي حاكى لونه ... طرة صبح تحت أذيال الدجا
واشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جمر الغضا
والمراد من هذا الإخبار عن الضعف والكبر ودلائله الظاهرة والباطنة وقوله "ولم أكن بدعائك رب شقيا" أي ولم أعهد منك إلا الإجابة في الدعاء ولم تردني قط فيما سألتك وقوله "وإني خفت الموالي من ورائي" قرأ الأكثرون بنصب الياء من الموالي على أنه مفعول وعن الكسائي أنه سكن الياء كما قال الشاعر :
كأن أيديهن في القاع القرق ... أيدي جوار يتعاطين الورق
وقال الآخر :
فتى لو يباري الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا
ومنه قول أبي تمام حبيب بن أوس الطائي :
تغاير الشعر منه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل
وقال مجاهد وقتادة والسدي : أراد بالموالي العصبة وقال أبو صالح الكلالة وروي عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقرؤها .
وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (5)
وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا
"وإني خفت الموالي من ورائي" بتشديد الفاء بمعنى قلت عصباتي من بعدي وعلى القراءة الأولى وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده ليسوسهم بنبوته ما يوحى إليه فأجيب في ذلك لا أنه خشي من وراثتهم له ماله فإن النبي أعظم منزلة وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا وحده وأن يأنف من وراثة عصباته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه "الثاني" أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ومثل هذا لا يجمع مالا ولا سيما الأنبياء فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا "الثالث" أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا نورث ما تركنا صدقة" وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح "نحن معشر الأنبياء لا نورث" وعلى هذا فتعين حمل قوله "فهب لي من لدنك وليا يرثني" على ميراث النبوة ولهذا قال "ويرث من آل يعقوب" كقوله "وورث سليمان داود" أي في النبوة إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة إذ من المعلوم المستقر في جميع





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #337  
قديم 07-12-2025, 01:55 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة مريم
من صـ 216 الى صــ 230
الحلقة (337)








الشرائع والملل أن الولد يرث أباه فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة" .
يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (6)
يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا
قال مجاهد في قوله "يرثني ويرث من آل يعقوب" كان وراثته علما وكان زكريا من ذرية يعقوب وقال هشيم أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله "يرثني ويرث من آل يعقوب" قال يكون نبيا كما كانت آباؤه أنبياء وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن يرث نبوته وعلمه وقال السدي يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب وعن مالك عن زيد بن أسلم "ويرث من آل يعقوب" قال نبوتهم وقال جابر بن نوح ويزيد بن هارون كلاهما عن إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله "يرثني ويرث من آل يعقوب" قال : يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة وهذا اختيار ابن جرير في تفسيره وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يرحم الله زكريا وما كان عليه من وراثة ماله ويرحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد" .
وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا جابر بن نوح عن مبارك هو ابن فضالة عن الحسن قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من وراثة ماله حين قال" هب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من

آل يعقوب "وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح والله أعلم ."
وقوله "واجعله رب رضيا" أي مرضيا عندك وعند خلقك تحبه وتحببه إلى خلقك في دينه وخلقه .
يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (7)
يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل
هذا الكلام يتضمن محذوفا وهو أنه أجيب إلى ما سأل في دعائه فقيل له "يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى" كما قال تعالى "هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين" وقوله "لم نجعل له من قبل سميا" .
قال قتادة وابن جريج وابن زيد : أي لم يسم أحد قبله بهذا الاسم واختاره ابن جرير رحمه الله وقال مجاهد "لم نجعل له من قبل سميا" أي شبيها أخذه من معنى قوله "فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا" أي شبيها وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أي لم تلد العواقر قبله مثله وهذا دليل على أن زكريا عليه السلام كان لا يولد له وكذلك امرأته كانت عاقرا من أول عمرها بخلاف إبراهيم وسارة عليهما السلام فإنهما إنما تعجبا من البشارة بإسحاق لكبرهما لا لعقرهما ولهذا قال "أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون" مع أنه كان قد ولد له قبله إسماعيل بثلاث عشرة سنة وقالت امرأته "يا ويلتي أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب قالوا أتعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد" .

قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (8)
قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا
هذا تعجب من زكريا عليه السلام حين أجيب إلى ما سأل وبشر بالولد ففرح فرحا شديدا وسأل عن كيفية ما يولد له والوجه الذي يأتيه منه الولد مع أن امرأته كانت عاقرا لم تلد من أول عمرها مع كبرها ومع أنه قد كبر وعتا أي عسا عظمه ونحل ولم يبق فيه لقاح ولا جماع والعرب تقول للعود إذا يبس عتيا يعتو عتيا وعتوا وعسا يعسو عسوا وعسيا وقال مجاهد : عتيا يعني قحول العظم وقال ابن عباس وغيره : عتيا يعني الكبر والظاهر أنه أخص من الكبر وقال ابن جرير : حدثنا يعقوب حدثنا هشيم أخبرنا حصين عن عكرمة عن ابن عباس قال لقد علمت السنة كلها غير أني لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر والعصر أم لا ؟ ولا أدري كيف كان يقرأ هذا الحرف "وقد بلغت من الكبر عتيا" أو عسيا .
قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (9)
قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا
ورواه الإمام أحمد عن شريح بن النعمان وأبو داود عن زياد بن أيوب كلاهما عن هشيم به "قال" أي الملك مجيبا لزكريا عما استعجب منه "كذلك قال ربك هو علي"

هين "أي إيجاد الولد منك ومن زوجتك هذه لا من غيرها" هين "أي يسير سهل على الله ثم ذكر له ما هو أعجب مما سأل عنه فقال" وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا "كما قال تعالى" هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا "."
قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (10)
قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا
يقول تعالى مخبرا عن زكريا عليه السلام أنه "قال رب اجعل لي آية" أي علامة ودليلا على وجود ما وعدتني لتستقر نفسي ويطمئن قلبي بما وعدتني كما قال إبراهيم عليه السلام "رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" "قال آيتك" أي علامتك "ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا" أي أن تحبس لسانك عن الكلام ثلاث ليال وأنت صحيح سوي من غير مرض ولا علة .
قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة ووهب والسدي وقتادة وغير واحد اعتقل لسانه من غير مرض ولا علة قال ابن زيد بن أسلم كان يقرأ ويسبح ولا يستطيع أن يكلم قومه إلا إشارة وقال العوفي عن ابن عباس "ثلاث ليال سويا" أي متتابعات والقول الأول عنه وعن الجمهور أصح كما قال تعالى في آل عمران "قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح"

بالعشي والإبكار "وقال مالك عن زيد بن أسلم" ثلاث ليال سويا "من غير خرس وهذا دليل على أنه لم يكن يكلم الناس في هذه الليالي الثلاث وأيامها" إلا رمزا "أي إشارة ."
فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (11)
فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا
ولهذا قال في هذه الآية الكريمة "فخرج على قومه من المحراب" أي الذي بشر فيه بالولد "فأوحى إليهم" أي أشار إشارة خفية سريعة "أن سبحوا بكرة وعشيا" أي موافقة له فيما أمر به في هذه الأيام الثلاثة زيادة على أعماله شكرا لله على ما أولاه .
قال مجاهد "فأوحى إليهم" أي أشار وبه قال وهب وقتادة وقال مجاهد في رواية عنه "فأوحى إليهم" أي كتب لهم في الأرض وكذا قال السدي .
يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (12)
يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم
وهذا أيضا تضمن محذوفا تقديره أنه وجد هذا الغلام المبشر به وهو يحيى عليه السلام وأن الله علمه الكتاب وهو التوراة التي كانوا يتدارسونها بينهم ويحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار وقد كان سنه إذ ذاك صغيرا فلهذا نوه بذكره وبما أنعم به عليه وعلى والديه فقال "يا يحيى خذ الكتاب بقوة"

"أي تعلم الكتاب بقوة أي بجد وحرص واجتهاد" وآتيناه الحكم صبيا "أي الفهم والعلم والجد والعزم والإقبال على الخير والإكباب عليه والاجتهاد فيه وهو صغير حدث قال عبد الله بن المبارك قال معمر قال الصبيان ليحيى بن زكريا اذهب بنا نلعب فقال ما للعب خلقنا قال فلهذا أنزل الله" وآتيناه الحكم صبيا "."
وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (13)
وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا
وقوله "وحنانا من لدنا" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وحنانا من لدنا" يقول ورحمة من عندنا وكذا قال عكرمة وقتادة والضحاك وزاد لا يقدر عليها غيرنا وزاد قتادة رحم الله بها زكريا وقال مجاهد "وحنانا من لدنا" وتعطفا من ربه عليه وقال عكرمة "وحنانا من لدنا" قال محبة عليه وقال ابن زيد أما الحنان فالمحبة وقال عطاء بن أبي رباح "وحنانا من لدنا" قال تعظيما من لدنا وقال ابن جريج : أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع عكرمة عن ابن عباس أنه قال : لا والله ما أدري ما حنانا

وقال ابن جرير حدثنا ابن حميد حدثنا جرير : عن منصور سألت سعيد بن جبير عن قوله "وحنانا من لدنا" فقال سألت عنها ابن عباس فلم يجد فيها شيئا والظاهر من السياق أن قوله وحنانا معطوف على قوله "وآتيناه الحكم صبيا" أي وآتيناه الحكم وحنانا وزكاة أي وجعلناه ذا حنان وزكاة فالحنان هو المحبة في شفقة وميل كما تقول العرب حنت الناقة على ولدها وحنت المرأة على زوجها ومنه سميت المرأة حنة من الحنية وحن الرجل إلى وطنه ومنه التعطف والرحمة كما قال الشاعر :
تعطف علي هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا
وفي المسند للإمام أحمد عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه قال "يبقى رجل في النار ينادي ألف سنة يا حنان يا منان" وقد يثني ومنهم من يجعل ما ورد من ذلك لغة بذاتها كما قال طرفة :
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض
وقوله وزكاة معطوف على وحنانا فالزكاة الطهارة من الدنس والآثام والذنوب وقال قتادة الزكاة العمل الصالح وقال الضحاك وابن جريج العمل الصالح الزكي

وقال العوفي عن ابن عباس "وزكاة" قال بركة "وكان تقيا" طهر فلم يعمل بذنب .
وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (14)
وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا
وقوله "وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا" لما ذكر تعالى طاعته لربه وأنه خلقه ذا رحمة وزكاة وتقى عطف بذكر طاعته لوالديه وبره بهما ومجانبته عقوقهما قولا وفعلا أمرا ونهيا ولهذا قال "ولم يكن جبارا عصيا" .
وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (15)
وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا
ثم قال بعد هذه الأوصاف الجميلة جزاء له على ذلك "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا" أي له الأمان في هذه الثلاثة الأحوال وقال سفيان بن عيينة أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن يوم يولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر عظيم قال فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه "وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا" رواه ابن جرير عن أحمد بن منصور المروزي عن صدقة بن الفضل عنه وقال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله "جبارا عصيا" قال كان ابن المسيب يذكر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما من أحد يلقى الله يوم القيامة إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا" قال قتادة : ما أذنب ولا هم بامرأة .
مرسل وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب حدثني ابن العاص أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال "كل بني آدم يأتي"

يوم القيامة وله ذنب إلا ما كان من يحيى بن زكريا "ابن إسحاق مدلس وقد عنعن هذا الحديث فالله أعلم ."
وقال الإمام أحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة ليس يحيى بن زكريا وما ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" وهذا أيضا ضعيف لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة والله أعلم .
وقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة أن الحسن قال : إن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا فقال له عيسى استغفر لي أنت خير مني فقال له الآخر أنت خير مني فقال له عيسى أنت خير مني سلمت على نفسي وسلم الله عليك فعرف والله فضلهما .
واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (16)
واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا

لما ذكر تعالى قصة زكريا عليه السلام وأنه أوجد منه في حال كبره وعقم زوجته ولدا زكيا طاهرا مباركا عطف بذكر قصة مريم في إيجاده ولدها عيسى عليه السلام منها من غير أب فإن بين القصتين مناسبة ومشابهة ولهذا ذكرهما في آل عمران وهاهنا وفي سورة الأنبياء يقرن بين القصتين لتقارب ما بينهما في المعنى ليدل عباده على قدرته وعظمة سلطانه وأنه على ما يشاء قادر فقال "واذكر في الكتاب مريم" وهي مريم بنت عمران من سلالة داود عليه السلام وكانت من بيت طاهر طيب في بني إسرائيل وقد ذكر الله تعالى قصة ولادة أمها لها في سورة آل عمران وأنها نذرتها محررة أي تخدم مسجد بيت المقدس وكانوا يتقربون بذلك "فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا" ونشأت في بني إسرائيل نشأة عظيمة فكانت إحدى العابدات الناسكات المشهورات بالعبادة العظيمة والتبتل والدءوب وكانت في كفالة زوج أختها زكريا نبي بني إسرائيل إذ ذاك وعظيمهم الذي يرجعون إليه في دينهم ورأى لها زكريا من الكرامات الهائلة ما بهره "كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب" فذكر أنه كان يجد عندها ثمر الشتاء في الصيف وثمر الصيف في الشتاء كما تقدم بيانه في سورة آل عمران فلما أراد الله تعالى وله الحكمة والحجة البالغة أن يوجد منها عبده ورسوله عيسى عليه السلام أحد الرسل أولي العزم الخمسة العظام "انتبذت من أهلها مكانا شرقيا" أي اعتزلتهم وتنحت عنهم وذهبت إلى شرقي المسجد المقدس قال السدي لحيض أصابها وقيل لغير ذلك قال أبو كدينة عن قابوس بن أبي ظبيان عن أبيه عن ابن عباس قال : إن أهل الكتاب كتب عليهم الصلاة إلى البيت والحج إليه وما صرفهم عنه إلا قول ربك "فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا" قال خرجت مريم مكانا شرقيا فصلوا قبل مطلع الشمس رواه ابن أبي حاتم وابن جرير .
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا إسحاق بن شاهين حدثنا خالد بن عبد الله عن داود عن عامر عن ابن عباس قال : إني لأعلم خلق الله لأي شيء اتخذت النصارى المشرق قبلة لقول الله تعالى "فانتبذت من أهلها مكانا شرقيا" واتخذوا ميلاد عيسى قبلة وقال قتادة "مكانا شرقيا" شاسعا متنحيا وقال محمد بن إسحاق ذهبت بقلتها لتستقي الماء وقال نوف البكالي اتخذت لها منزلا تتعبد فيه فالله أعلم .
فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (17)
فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا
وقوله "فاتخذت من دونهم حجابا" أي استترت منهم وتوارت فأرسل الله تعالى إليها جبريل عليه السلام "فتمثل لها بشرا سويا" أي على صورة إنسان تام كامل قال مجاهد والضحاك وقتادة وابن جريج ووهب بن منبه والسدي في قوله "فأرسلنا إليها روحنا" يعني جبرائيل عليه السلام وهذا الذي قالوه هو ظاهر القرآن فإنه تعالى قد قال في الآية الأخرى "نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين" وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : إن روح عيسى عليه السلام من جملة الأرواح التي أخذ عليها العهد في زمان آدم عليه السلام

وهو الذي تمثل لها بشرا سويا أي روح عيسى فحملت الذي خاطبها وحل في فيها وهذا في غاية الغرابة والنكارة وكأنه إسرائيلي .
قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (18)
قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا
"قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا" أي لما تبدى لها الملك في صورة بشر وهي في مكان منفرد وبينها وبين قومها حجاب خافته وظنت أنه يريدها على نفسها فقالت "إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا" أي إن كنت تخاف الله تذكيرا له بالله وهذا هو المشروع في الدفع أن يكون بالأسهل فالأسهل فخوفته أولا بالله عز وجل قال ابن جرير : حدثني أبو كريب حدثنا أبو بكر عن عاصم قال قال أبو وائل وذكر قصة مريم فقال قد علمت أن التقي ذو نهية حين قالت "إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا قال إنما أنا رسول ربك" أي فقال لها الملك مجيبا لها ومزيلا لما حصل عندها من الخوف على نفسها لست مما تظنين ولكني رسول ربك أي بعثني الله إليك ويقال إنها لما ذكرت الرحمن انتفض جبريل فرقا وعاد إلى هيئته .
قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (19)
قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا
وقال "إنما أنا رسول ربك ليهب لك غلاما زكيا" هكذا قرأ أبو عمرو بن العلاء أحد مشهوري القراء وقرأ الآخرون "لأهب لك غلاما زكيا" وكلا القراءتين له وجه حسن ومعنى صحيح وكل تستلزم الأخرى .
قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (20)
قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا
"قالت أنى يكون لي غلام" أي فتعجبت مريم من هذا وقالت كيف يكون لي غلام أي على أي صفة يوجد هذا الغلام مني ولست بذات زوج ولا يتصور مني الفجور ولهذا قالت "ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا" والبغي هي الزانية ولهذا جاء في الحديث النهي عن مهر البغي .
قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (21)
قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا
"قال كذلك قال ربك هو علي هين" أي فقال لها الملك مجيبا لها عما سألت إن الله قد قال إنه سيوجد منك غلاما وإن لم يكن لك بعل ولا يوجد منك فاحشة فإنه على ما يشاء قادر ولهذا قال "ولنجعله آية"

للناس "أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم فخلق آباهم آدم من غير ذكر ولا أنثى وخلق حواء من ذكر بلا أنثى وخلق بقية الذرية من ذكر وأنثى إلا عيسى فإنه أوجده من أنثى بلا ذكر فتمت القسمة الرباعية الدالة على كمال قدرته وعظيم سلطانه فلا إله غيره ولا رب سواه وقوله" ورحمة منا "أي ونجعل هذا الغلام رحمة من الله نبيا من الأنبياء يدعو إلى عبادة الله تعالى وتوحيده كما قال تعالى في الآية الأخرى" إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين "أي يدعو إلى عبادة ربه في مهده وكهولته قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا عبد الرحيم بن إبراهيم حدثنا مروان حدثنا العلاء بن الحارث الكوفي عن مجاهد قال : قالت مريم عليها السلام كنت إذا خلوت حدثني عيسى وكلمني وهو في بطني وإذا كنت مع الناس سبح في بطني وكبر وقوله" وكان أمرا مقضيا "يحتمل أن هذا من كلام جبريل لمريم يخبرها أن هذا أمر مقدر في علم الله تعالى وقدره ومشيئته ويحتمل أن يكون من خبر الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم وأنه كنى بهذا عن النفخ في فرجها كما قال تعالى" ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا "وقال" والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا "قال محمد بن إسحاق" وكان أمرا مقضيا "أي إن الله قد عزم على هذا فليس منه بد واختار هذا أيضا ابن جرير في تفسيره ولم يحك غيره والله أعلم ."
فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (22)
فحملته فانتبذت به مكانا قصيا

يقول تعالى مخبرا عن مريم أنها لما قال لها جبريل عن الله تعالى ما قال إنها استسلمت لقضاء الله تعالى فذكر غير واحد من علماء السلف أن الملك وهو جبرائيل عليه السلام عند ذلك نفخ في جيب درعها فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى فلما حملت به ضاقت ذرعا ولم تدر ماذا تقول للناس فإنها تعلم أن الناس لا يصدقونها فيما تخبرهم به غير أنها أفشت سرها وذكرت أمرها لأختها امرأة زكريا وذلك أن زكريا عليه السلام كان قد سأل الله الولد فأجيب إلى ذلك فحملت امرأته فدخلت عليها مريم فقامت إليها فاعتنقتها وقالت أشعرت يا مريم أني حبلى ؟ فقالت لها مريم وهل علمت أيضا أني حبلى وذكرت لها شأنها وما كان من خبرها وكانوا بيت إيمان وتصديق ثم كانت امرأة زكريا بعد ذلك إذا واجهت مريم تجد الذي في بطنها يسجد للذي في بطن مريم أي يعظمه ويخضع له فإن السجود كان في ملتهم عند السلام مشروعا كما سجد ليوسف أبواه وإخوته وكما أمر الله الملائكة أن يسجدوا لآدم عليه السلام ولكن حرم في ملتنا هذه تكميلا لتعظيم جلال الرب تعالى قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين قال قرئ على الحارث بن مسكين وأنا أسمع أخبرنا عبد الرحمن بن القاسم قال : قال مالك رحمه الله بلغني أن عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا عليهما السلام ابنا خالة وكان حملهما جميعا معا فبلغني أن أم يحيى قالت لمريم إني أرى أن ما في بطني يسجد لما في بطنك قال مالك أرى ذلك لتفضيل عيسى عليه السلام لأن الله جعله يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ثم اختلف المفسرون في مدة حمل عيسى عليه السلام فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر وقال عكرمة ثمانية أشهر قال ولهذا لا يعيش ولد الثمانية أشهر وقال ابن جريج أخبرني المغيرة بن عتبة بن عبد الله الثقفي سمع ابن
عباس وسئل عن حمل مريم قال لم يكن إلا أن حملت فوضعت وهذا غريب وكأنه مأخوذ من ظاهر قوله تعالى "فحملته فانتبذت به مكانا قصيا فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة" فالفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه كقوله تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما" فهذه الفاء للتعقيب بحسبها وقد ثبت في الصحيحين
أن بين كل صفتين أربعين يوما وقال تعالى "ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة" فالمشهور الظاهر والله على كل شيء قدير أنها حملت به كما تحمل النساء بأولادهن ولهذا لما ظهرت مخايل الحمل بها وكان معها في المسجد رجل صالح من قراباتها يخدم معها البيت المقدس يقال له يوسف النجار فلما رأى ثقل بطنها وكبره أنكر ذلك من أمرها ثم صرفه ما يعلم من براءتها ونزاهتها ودينها وعبادتها ثم تأمل ما هي فيه فجعل أمرها يجوس في فكره لا يستطيع صرفه عن نفسه فحمل نفسه على أن عرض لها في القول فقال يا مريم إني سائلك عن أمر فلا تعجلي علي .
قالت وما هو ؟ قال هل يكون قط شجر من غير حب وهل يكون زرع من غير بذر وهل يكون ولد من غير أب ؟ فقالت نعم وفهمت ما أشار إليه أما قولك هل يكون شجر من غير حب وزرع من غير بذر فإن الله قد خلق الشجر والزرع أول ما خلقهما من غير حب ولا بذر وهل يكون ولد من غير أب فإن الله تعالى قد خلق آدم من غير أب ولا أم فصدقها وسلم لها حالها




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #338  
قديم 07-12-2025, 01:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة مريم
من صـ 231 الى صــ 245
الحلقة (338)








ولما استشعرت مريم من قومها اتهامها بالريبة انتبذت منهم مكانا قصيا أي قاصيا منهم بعيدا عنهم لئلا تراهم ولا يروها قال محمد بن إسحاق : فلما حملت به وملأت قلتها ورجعت استمسك عنها الدم وأصابها ما يصيب الحامل على الولد من الوصب والتوحم وتغير اللون حتى فطر لسانها فما دخل على أهل بيت ما دخل على آل زكريا وشاع الحديث في بني إسرائيل فقالوا إنما صاحبها يوسف ولم يكن معها في الكنيسة غيره وتوارت من الناس واتخذت من دونهم حجابا فلا يراها أحد ولا تراه .
فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (23)
فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا
وقوله "فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة" أي فاضطرها وألجأها الطلق إلى جذع نخلة في المكان الذي تنحت إليه وقد اختلفوا فيه فقال السدي كان شرقي محرابها الذي تصلي فيه من بيت المقدس وقال وهب بن منبه ذهبت هاربة فلما كانت بين الشام وبلاد مصر ضربها الطلق وفي رواية عن وهب كان ذلك على ثمانية أميال من بيت المقدس في قرية هناك يقال لها بيت لحم قلت وقد تقدم في أحاديث الإسراء من رواية النسائي عن أنس رضي

عنه والبيهقي عن شداد بن أوس رضي الله عنه أن ذلك ببيت لحم فالله أعلم ; وهذا هو المشهور الذي تلقاه الناس بعضهم عن بعض ولا يشك فيه النصارى أنه ببيت لحم وقد تلقاه الناس وقد ورد به الحديث إن صح وقوله تعالى إخبارا عنها "قالت يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا" فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد ولا يصدقونها في خبرها وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية فقالت "يا ليتني مت قبل هذا" أي قبل هذا الحال "وكنت نسيا منسيا" أي لم أخلق ولم أك شيئا قاله ابن عباس وقال السدي قالت وهي تطلق من الحبل استحياء من الناس يا ليتني مت قبل هذا الكرب الذي أنا فيه والحزن بولادتي المولود من غير بعل "وكنت نسيا منسيا" نسي فترك طلبه كخرق الحيض إذا ألقيت وطرحت لم تطلب ولم تذكر وكذلك كل شيء نسي وترك فهو نسي وقال قتادة "وكنت نسيا منسيا" أي شيئا لا يعرف ولا يذكر ولا يدرى من أنا وقال الربيع بن أنس "وكنت نسيا منسيا" هو السقط وقال ابن زيد لم أكن شيئا قط وقد قدمنا الأحاديث الدالة على النهي عن تمني الموت إلا عند الفتنة عند قوله

"توفني مسلما وألحقني بالصالحين" .
فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (24)
فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا
قرأ بعضهم من تحتها بمعنى الذي تحتها وقرأ الآخرون من تحتها على أنه حرف جر واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو ؟ فقال العوفي وغيره عن ابن عباس "فناداها من تحتها" جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها وكذا قال سعيد بن جبير والضحاك وعمرو بن ميمون والسدي وقتادة إنه الملك جبرائيل عليه الصلاة والسلام أي ناداها من أسفل الوادي وقال مجاهد "فناداها من تحتها" قال عيسى ابن مريم وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال : قال الحسن هو ابنها وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن


جبير أنه ابنها قال أولم تسمع الله يقول "فأشارت إليه" واختاره ابن زيد وابن جرير في تفسيره وقوله : "ألا تحزني" أي ناداها قائلا لا تحزني "قد جعل ربك تحتك سريا" قال سفيان الثوري وشعبة عن أبي إسحاق عن البراء بن عازب "قد جعل ربك تحتك سريا" قال الجدول وكذا قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : السري النهر وبه قال عمرو بن ميمون نهر تشرب منه وقال مجاهد هو النهر بالسريانية وقال سعيد بن جبير السري النهر الصغير بالنبطية وقال الضحاك هو النهر الصغير بالسريانية وقال إبراهيم النخعي هو النهر الصغير وقال قتادة هو الجدول بلغة أهل الحجاز وقال وهب بن منبه : السري هو ربيع الماء

وقال السدي هو النهر واختار هذا القول ابن جرير وقد ورد في ذلك حديث مرفوع فقال الطبراني حدثنا أبو شعيب الحراني حدثنا يحيى بن عبد الله البابلي حدثنا أيوب بن نهيك سمعت عكرمة مولى ابن عباس سمعت ابن عمر يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن السري الذي قال الله لمريم" قد جعل ربك تحتك سريا "نهر أخرجه الله لتشرب منه وهذا حديث غريب جدا من هذا الوجه وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي ضعيف وقال أبو زرعة منكر الحديث وقال أبو الفتح الأزدي متروك الحديث وقال آخرون المراد بالسري عيسى عليه السلام وبه قال الحسن والربيع بن أنس ومحمد بن عباد بن جعفر وهو إحدى الروايتين عن قتادة وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم والقول الأول أظهر ."
وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (25)
وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا
ولهذا قال بعده "وهزي إليك بجذع النخلة" أي وخذي إليك بجذع النخلة قيل كانت يابسة قاله ابن عباس وقيل مثمرة قال مجاهد كانت عجوة وقال الثوري عن أبي داود نفيع الأعمى كانت صرفانة والظاهر أنها كانت شجرة ولكن لم تكن في إبان ثمرها قاله وهب


بن منبه ولهذا امتن عليها بذلك بأن جعل عندها طعاما وشرابا فقال "تساقط عليك رطبا جنيا فكلي واشربي وقري عينا" أي طيبي نفسا ولهذا قال عمرو بن ميمون : ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب ثم تلا هذه الآية الكريمة وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا شيبان حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي عن عروة بن رويم عن علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم عليه السلام وليس من الشجر شيء يلقح غيرها" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أطعموا نساءكم الولد الرطب فإن لم يكن رطب فتمر وليس من الشجر شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران" هذا حديث منكر جدا ورواه أبو يعلى عن شيبان به وقرأ بعضهم "تساقط" بتشديد السين وآخرون بتخفيفها وقرأ أبو نهيك "تسقط عليك رطبا جنيا" وروى أبو إسحاق عن البراء أنه قرأها "يساقط" أي الجذع والكل متقارب .

فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26)
فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا
وقوله : "فإما ترين من البشر أحدا" أي مهما رأيت من أحد "فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي "فلن أكلم اليوم إنسيا" قال أنس بن مالك في قوله "إني نذرت للرحمن صوما" قال صمتا وكذا قال ابن عباس والضحاك وفي رواية عن أنس : صوما وصمتا وكذا قال قتادة وغيرهما والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام نص على ذلك السدي وقتادة وعبد الرحمن بن زيد قال ابن إسحاق عن حارثة قال : كنت عند ابن مسعود فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر فقال ما شأنك ؟ قال أصحابه حلف أن لا يكلم الناس اليوم فقال عبد الله بن مسعود كلم الناس وسلم عليهم فإن تلك امرأة علمت أن أحدا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج يعني بذلك مريم عليها السلام ليكون عذرا لها إذا سئلت ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير رحمهما الله وقال عبد الرحمن بن زيد لما قال عيسى لمريم "لا تحزني" قالت وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج ولا مملوكة أي شيء عذري عند الناس ؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا قال لها عيسى أنا أكفيك الكلام "فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا" قال هذا كله من كلام عيسى لأمه وكذا قال وهب .

فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27)
فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا
يقول تعالى مخبرا عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وأن لا تكلم أحدا من البشر فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها فسلمت لأمر الله عز وجل واستسلمت لقضائه فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جدا و "قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا" أي أمرا عظيما قاله مجاهد وقتادة والسدي وغير واحد وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن أبي زياد حدثنا شيبان حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا أبو عمران الجوني عن نوف البكالي قال : وخرج قومها في طلبها قال وكانت من أهل بيت نبوة وشرف فلم يحسوا منها شيئا فلقوا راعي بقر فقالوا رأيت فتاة كذا وكذا نعتها قال لا ولكني رأيت الليلة من بقري

ما لم أره منها قط قالوا وما رأيت قال رأيتها الليلة تسجد نحو هذا الوادي قال عبد الله بن أبي زياد وأحفظ عن شيبان أنه قال رأيت نورا ساطعا فتوجهوا حيث قال لهم فاستقبلتهم مريم فلما رأتهم قعدت وحملت ابنها في حجرها فجاءوا حتى قاموا عليها "وقالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا" .
يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28)
يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك
أمرا عظيما "يا أخت هارون" أي شبيهة هارون في العبادة "ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا" أي أنت من بيت طيب طاهر معروف بالصلاح والعبادة والزهادة فكيف صدر هذا منك قال علي بن أبي طلحة والسدي قيل لها "يا أخت هارون" أي أخي موسى وكانت من نسله كما يقال للتميمي يا أخا تميم وللمصري يا أخا مضر وقيل نسبت إلى رجل صالح كان فيهم اسمه هارون فكانت تقاس به في الزهادة والعبادة وحكى ابن جرير عن بعضهم أنهم شبهوها برجل فاجر كان فيهم يقال له هارون ورواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير وأغرب من هذا كله ما رواه ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين الهجستاني حدثنا ابن أبي مريم حدثنا المفضل يعني ابن أبي فضالة حدثنا أبو صخر عن القرظي في قول الله عز وجل "يا أخت هارون" قال هي أخت هارون لأبيه وأمه وهي أخت موسى أخي هارون التي قصت أثر موسى "فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون" وهذا القول خطأ محض فإن الله تعالى قد ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل فدل على أنه آخر الأنبياء بعثا وليس بعده إلا محمد صلوات الله وسلامه عليهما ولهذا ثبت في صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن

رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : "أنا أولى الناس بابن مريم لأنه ليس بيني وبينه نبي" ولو كان الأمر كما زعم محمد بن كعب القرظي لم يكن متأخرا عن الرسل سوى محمد ولكان قبل سليمان وداود فإن الله قد ذكر أن داود بعد موسى عليهما السلام وفي قوله تعالى : "ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله" وذكر القصة إلى أن قال "وقتل داود جالوت" الآية والذي جرأ القرظي على هذه المقالة ما في التوراة بعد خروج موسى وبني إسرائيل من البحر وإغراق فرعون وقومه قال وقامت مريم بنت عمران أخت موسى وهارون النبيين تضرب بالدف هي والنساء معها يسبحن الله ويشكرنه على ما أنعم به على بني إسرائيل فاعتقد القرظي أن هذه هي أم عيسى وهذه هفوة وغلطة شديدة بل هي باسم هذه وقد كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم وصالحيهم كما قال الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن إدريس سمعت أبي يذكره عن سماك عن علقمة بن وائل عن المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى نجران فقالوا أرأيت ما تقرءون "يا أخت هارون" وموسى قبل عيسى بكذا وكذا ؟
قال فرجعت فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : "ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بالأنبياء والصالحين قبلهم" انفرد بإخراجه مسلم والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن إدريس عن أبيه عن سماك به وقال الترمذي حسن صحيح


غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إدريس وقال ابن جرير حدثني يعقوب حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي صدقة عن محمد بن سيرين قال أنبئت أن كعبا قال إن قوله : "يا أخت هارون" ليس بهارون أخي موسى قال فقالت له عائشة كذبت قال يا أم المؤمنين إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر وإلا فإني أجد بينهما ستمائة سنة قال فسكتت وفي هذا التاريخ نظر .
وقال ابن جرير أيضا : حدثنا بشر حدثنا يزيد حدثنا سعيد عن قتادة قوله : "يا أخت هارون" الآية قال كانت من أهل بيت يعرفون بالصلاح ولا يعرفون بالفساد ومن الناس من يعرفون بالصلاح ويتوالدون به وآخرون يعرفون بالفساد ويتوالدون به وكان هارون مصلحا محببا في عشيرته وليس بهارون أخي موسى ولكنه هارون آخر قال وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل .
فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29)
فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا
وقوله "فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا" أي أنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة فأحالت الكلام عليه وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم "كيف نكلم من كان في المهد صبيا" قال ميمون بن مهران "فأشارت إليه" قالت كلموه فقالوا على ما جاءت به من الداهية تأمرنا أن نكلم من كان في المهد صبيا وقال السدي لما "أشارت إليه" غضبوا وقالوا لسخريتها بنا حتى تأمرنا أن نكلم هذا الصبي أشد علينا من زناها

"قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا" أي من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره كيف يتكلم ؟ .
قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30)
قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا
"قال إني عبد الله" أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد وأثبت لنفسه العبودية لربه وقوله : "آتاني الكتاب وجعلني نبيا" تبرئة لأمه مما نسبت إليه من الفاحشة قال نوف البكالي لما قالوا لأمه ما قالوا كان يرتضع ثديها فنزع الثدي من فمه واتكأ على جنبه الأيسر وقال "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا - إلى قوله - ما دمت حيا" وقال حماد بن سلمة عن ثابت البناني رفع أصبعه السبابة فوق منكبه وهو يقول : "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا" الآية وقال عكرمة "آتاني الكتاب" أي قضى أنه يؤتيني الكتاب فيما قضى وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا محمد المصفى حدثنا يحيى بن سعيد هو العطار عن عبد العزيز بن زياد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كان عيسى ابن مريم قد درس التوراة وأحكمها وهو في بطن أمه فذلك قوله : "إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا" يحيى بن سعيد العطار الحمصي متروك .
وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (31)
وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا
وقوله "وجعلني مباركا أين ما كنت" قال مجاهد وعمرو بن قيس

والثوري وجعلني معلما للخير وفي رواية عن مجاهد نفاعا وقال ابن جرير : حدثني سليمان بن عبد الجبار حدثنا محمد بن يزيد بن خنيس المخزومي سمعت وهيب بن الورد مولى بني مخزوم قال لقي عالم عالما هو فوقه في العلم فقال له : يرحمك الله ما الذي أعلن من عملي ؟ قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه دين الله الذي بعث به أنبياءه إلى عباده وقد أجمع الفقهاء على قول الله "وجعلني مباركا أين ما كنت" وقيل ما بركته ؟ قال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أينما كان وقوله "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا" كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" وقال عبد الرحمن بن القاسم عن مالك بن أنس في قوله "وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا" قال أخبره بما هو كائن من أمره إلى أن يموت ما أثبتها لأهل القدر .
وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32)
وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا
وقوله "وبرا بوالدتي" أي وأمرني ببر والدتي ذكره بعد طاعة ربه لأن الله تعالى كثيرا ما يقرن بين الأمر بعبادته وطاعة الوالدين كما قال تعالى "وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا" وقال "أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير" وقوله : "ولم يجعلني جبارا شقيا" أي ولم يجعلني جبارا مستكبرا عن عبادته وطاعته وبر والدتي فأشقى بذلك : قال سفيان الثوري : الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب وقال بعض السلف لا تجد أحدا عاقا لوالديه إلا وجدته جبارا شقيا ثم قرأ "وبر"


ا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا "قال ولا تجد سيئ الملكة إلا وجدته مختالا فخورا ثم قرأ" وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا "وقال قتادة ذكر لنا أن امرأة رأت ابن مريم يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص في آيات سلطه الله عليهن وأذن له فيهن فقالت طوبى للبطن الذي حملك وطوبى للثدي الذي أرضعت به فقال نبي الله عيسى عليه السلام يجيبها طوبى لمن تلا كتاب الله فاتبع ما فيه ولم يكن جبارا شقيا ."
والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33)
والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا
وقوله "والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا" إثبات منه لعبوديته لله عز وجل وأنه مخلوق من خلق الله يحيا ويمات ويبعث كسائر الخلائق ولكن له السلامة في هذه الأحوال التي هي أشق ما يكون على العباد صلوات الله وسلامه عليه .
ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34)
ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون
يقول تعالى لرسوله محمد صلوات الله وسلامه عليه ذلك الذي قصصناه عليك من خبر عيسى عليه السلام "قول الحق الذي فيه يمترون" أي يختلف المبطلون والمحقون ممن آمن به وكفر به ولهذا قرأ الأكثرون قول الحق برفع قول وقرأ عاصم وعبد الله بن عامر قول الحق وعن ابن مسعود أنه قرأ ذلك عيسى ابن مريم قال الحق والرفع أظهر إعرابا ويشهد له قوله تعالى : "الحق من ربك فلا تكن من الممترين"

ولما ذكر تعالى أنه خلقه عبدا نبيا نزه نفسه المقدسة فقال : .
ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (35)
ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون
"ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه" أي عما يقول هؤلاء الجاهلون الظالمون المعتدون علوا كبيرا "إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون" أي إذا أراد شيئا فإنما يأمر به فيصير كما يشاء كما قال "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون الحق من ربك فلا تكن من الممترين" .
وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36)
وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم
وقوله "وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم" أي ومما أمر به عيسى قومه وهو في مهده أن أخبرهم إذ ذاك أن الله ربه وربهم وأمرهم بعبادته فقال "فاعبدوه هذا صراط مستقيم" أي هذا الذي جئتكم به عن الله "صراط مستقيم" أي قويم من اتبعه رشد وهدي ومن خالفه ضل وغوى .
فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37)
فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم
وقوله : "فاختلف الأحزاب من بينهم" أي اختلف قول أهل الكتاب في عيسى بعد بيان أمره ووضوح حاله وأنه عبده ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فصممت طائفة منهم وهم جمهور اليهود عليهم لعائن الله على أنه ولد زنية وقالوا كلامه هذا سحر وقالت طائفة أخرى إنما تكلم الله وقال آخرون بل هو ابن الله وقال آخرون ثالث ثلاثة وقال آخرون بل هو عبد الله ورسوله وهذا هو قول الحق الذي أرشد الله إليه المؤمنين وقد روي نحو هذا عن عمرو بن ميمون وابن جريج وقتادة وغير واحد من السلف والخلف .
قال عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة في قوله "ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون" قال اجتمع بنو إسرائيل فأخرجوا منهم أربعة نفر أخرج كل قوم عالمهم فامتروا في عيسى حين رفع فقال بعضهم هو الله هبط إلى الأرض فأحيا من أحيا وأمات من أمات ثم صعد إلى السماء وهم اليعقوبية فقال الثلاثة كذبت ثم قال اثنان منهم للثالث قل أنت فيه قال هو ابن الله وهم النسطورية فقال الاثنان كذبت ثم قال أحد الاثنين للآخر قل فيه فقال هو ثالث ثلاثة الله إله






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #339  
قديم 07-12-2025, 02:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة مريم
من صـ 246 الى صــ 260
الحلقة (339)








وهو إله وأمه إله وهم الإسرائيلية ملوك النصارى عليهم لعائن الله قال الرابع كذبت بل هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته وهم المسلمون .
فكان لكل رجل منهم أتباع على ما قالوا فاقتتلوا وظهر على المسلمين وذلك قول الله تعالى "ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس" قال قتادة وهم الذين قال الله "فاختلف الأحزاب من بينهم" قال اختلفوا فيه فصاروا أحزابا وقد روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس وعن عروة بن الزبير عن بعض أهل العلم قريبا من ذلك وقد ذكر غير واحد من علماء التاريخ من أهل الكتاب وغيرهم أن قسطنطين جمعهم في محفل كبير من مجامعهم الثلاثة المشهورة عندهم فكان جماعة الأساقفة منهم ألفين ومائة وسبعين أسقفا فاختلفوا في عيسى ابن مريم عليه السلام اختلافا متباينا جدا فقالت كل شرذمة فيه قولا فمائة تقول فيه شيئا وسبعون تقول فيه قولا آخر وخمسون تقول شيئا آخر ومائة وستون تقول شيئا ولم يجتمع على مقالة واحدة أكثر من ثلثمائة وثمانية منهم اتفقوا على قول وصمموا عليه فمال إليهم الملك وكان فيلسوفا فقدمهم ونصرهم وطرد من عداهم فوضعوا له الأمانة الكبيرة بل هي الخيانة العظيمة ووضعوا له كتب القوانين وشرعوا له أشياء وابتدعوا بدعا كثيرة وحرفوا دين المسيح وغيروه فابتنى لهم حينئذ الكنائس الكبار في مملكته كلها بلاد الشام والجزيرة والروم فكان مبلغ الكنائس في أيامه ما يقارب اثني عشر ألف كنيسة وبنت أمه هيلانة قمامة على المكان الذي صلب فيه المصلوب الذي يزعم اليهود أنه المسيح وقد كذبوا بل رفعه الله إلى السماء وقوله "فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم" تهديد ووعيد شديد لمن كذب على الله وافترى وزعم أن له ولدا ولكن أنظرهم تعالى إلى يوم القيامة وأجلهم حلما وثقة بقدرته عليهم فإنه الذي لا يعجل على من عصاه كما جاء في الصحيحين "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم"

شديد "وفي الصحيحين أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال" لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم "وقد قال الله تعالى" وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير "وقال تعالى" ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار "ولهذا قال هاهنا" فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم "أي يوم القيامة ."
وقد جاء في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل" .
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38)
أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين
يقول تعالى مخبرا عن الكفار يوم القيامة إنهم يكونون أسمع شيء وأبصره كما قال تعالى "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا" الآية أي يقولون ذلك حين لا ينفعهم ولا يجدي عنهم شيئا ولو كان هذا قبل معاينة العذاب لكان نافعا لهم ومنقذا من عذاب الله ولهذا

قال "أسمع بهم وأبصر" أي ما أسمعهم وأبصرهم "يوم يأتوننا" يعني يوم القيامة "لكن الظالمون اليوم" أي في الدنيا "في ضلال مبين" أي لا يسمعون ولا يبصرون ولا يعقلون فحيث يطلب منهم الهدى لا يهتدون ويكونون مطيعين حيث لا ينفعهم ذلك .
وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39)
وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون
ثم قال تعالى "وأنذرهم يوم الحسرة" أي أنذر الخلائق يوم الحسرة "إذ قضي الأمر" أي فصل بين أهل الجنة وأهل النار وصار كل إلى ما صار إليه مخلدا فيه "وهم" أي اليوم "في غفلة" عما أنذروا به يوم الحسرة والندامة "وهم لا يؤمنون" أي لا يصدقون به قال الإمام أحمد : حدثنا محمد بن عبيد حدثنا الأعمش عن أبي صالح عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يجاء بالموت كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار فيقال يا أهل الجنة هل تعرفون هذا ؟ قال فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت - قال - فيقال يا أهل النار هل تعرفون هذا ؟ قال فيشرئبون وينظرون ويقولون نعم هذا الموت - قال - فيؤمر به فيذبح قال ويقال يا أهل الجنة خلود ولا موت ويا أهل النار خلود ولا موت" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون" وأشار بيده ثم قال "أهل الدنيا في غفلة الدنيا" هكذا رواه الإمام أحمد وقد خرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث الأعمش به ولفظهما قريب من ذلك وقد روى هذا الحديث الحسن بن عرفة حدثني أسباط بن محمد عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا مثله وفي

سنن ابن ماجه وغيره من حديث محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة نحوه وهو في الصحيحين عن ابن عمر ورواه ابن جريج قال : قال ابن عباس فذكر من قبله نحوه ورواه أيضا عن أبيه أنه سمع عبيد بن عمير يقول في قصصه يؤتى بالموت كأنه دابة فيذبح والناس ينظرون وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل حدثنا أبو الزعراء عن عبد الله هو ابن مسعود في قصة ذكرها قال فليس نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار وهو يوم الحسرة فيرى أهل النار البيت الذي في الجنة ويقال لهم لو عملتم لها فتأخذهم الحسرة قال : ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار فيقال لهم لولا أن الله من عليكم وقال السدي عن زياد عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في قوله "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر" قال : إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار أتي بالموت في صورة كبش أملح حتى يوقف بين الجنة والنار ثم ينادي مناد يا أهل الجنة هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في أهل عليين ولا في أسفل درجة في الجنة إلا
نظر إليه ثم ينادي مناد يا أهل النار هذا الموت الذي كان يميت الناس في الدنيا فلا يبقى أحد في ضحضاح من نار ولا في أسفل درك من جهنم إلا نظر إليه ثم يذبح بين الجنة والنار ثم ينادي يا أهل الجنة هو الخلود أبد الآبدين ويا أهل النار هو الخلود أبد الآبدين فيفرح أهل الجنة فرحة لو كان أحد ميتا من فرح ماتوا ويشهق

أهل النار شهقة لو كان أحد ميتا من شهقة ماتوا فذلك قوله تعالى "وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر" يقول إذا ذبح الموت رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "وأنذرهم يوم الحسرة" من أسماء يوم القيامة عظمه الله وحذره عباده وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم في قوله "وأنذرهم يوم الحسرة" قال يوم القيامة وقرأ "أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله" .
إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (40)
إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون
وقوله : "إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون" يخبر تعالى أنه الخالق المالك المتصرف وأن الخلق كلهم يهلكون ويبقى هو تعالى وتقدس ولا أحد يدعي ملكا ولا تصرفا بل هو الوارث لجميع خلقه الباقي بعدهم الحاكم فيهم فلا تظلم نفس شيئا ولا جناح بعوضة ولا مثقال ذرة قال ابن أبي حاتم ذكر هدبة بن خالد القيسي حدثنا حزم بن أبي حزم القطعي قال : كتب عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن عبد الرحمن صاحب الكوفة : أما بعد فإن الله كتب على خلقه حين خلقهم الموت فجعل مصيرهم إليه وقال فيما أنزل في كتابه الصادق الذي حفظه بعلمه وأشهد ملائكته على حفظه أنه يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون .
واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41)
واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا
يقول تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم "واذكر في الكتاب إبراهيم" واتل على

قومك هؤلاء الذين يعبدون الأصنام واذكر لهم ما كان من خبر إبراهيم خليل الرحمن الذين هم من ذريته ويدعون أنهم على ملته وقد كان صديقا نبيا مع أبيه .
إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (42)
إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك
كيف نهاه عن عبادة الأصنام فقال "يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا" أي لا ينفعك ولا يدفع عنك ضررا .
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43)
يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا
"يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك" يقول وإن كنت من صلبك وتراني أصغر منك لأني ولدك فاعلم أني قد اطلعت من العلم من الله على ما لم تعلمه أنت ولا اطلعت عليه ولا جاءك بعد "فاتبعني أهدك صراطا سويا" أي طريقا مستقيما موصلا إلى نيل المطلوب والنجاة من المرهوب .
يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44)
يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن
"يا أبت لا تعبد الشيطان" أي لا تطعه في عبادتك هذه الأصنام فإنه هو الداعي إلى ذلك والراضي به كما قال تعالى "ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين" وقال "إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا" وقوله "إن الشيطان كان للرحمن عصيا" أي مخالفا مستكبرا عن طاعة ربه فطرده وأبعده فلا تتبعه تصر مثله .
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (45)
يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان
"يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن" أي على شركك وعصيانك لما آمرك به "فتكون للشيطان وليا" يعني فلا يكون لك مولى ولا ناصرا ولا مغيثا إلا إبليس وليس إليه ولا إلى غيره من الأمر شيء بل اتباعك له موجب لإحاطة العذاب بك كما قال تعالى "تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم" .
قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (46)
قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني
يقول تعالى مخبرا عن جواب أبي إبراهيم لولده إبراهيم فيما دعاه إليه أنه قال

"أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم" إن كنت لا تريد عبادتها ولا ترضاها فانته عن سبها وشتمها وعيبها فإنك إن لم تنته عن ذلك اقتصصت منك وشتمتك وسببتك وهو قوله "لأرجمنك" قاله ابن عباس والسدي وابن جريج والضحاك وغيرهم وقوله "واهجرني مليا" قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير ومحمد بن إسحاق يعني دهرا وقال الحسن البصري زمانا طويلا وقال السدي "واهجرني مليا" قال أبدا وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس "واهجرني مليا" قال سويا سالما قبل أن تصيبك مني عقوبة وكذا قال الضحاك وقتادة وعطية الجدلي ومالك وغيرهم واختاره ابن جرير .
قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47)
قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا
فعندها قال إبراهيم لأبيه "سلام عليك" كما قال تعالى في صفة المؤمنين "وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما" وقال تعالى "وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين" ومعنى قول إبراهيم لأبيه "سلام عليك" يعني أما أنا فلا ينالك مني مكروه ولا أذى وذلك لحرمة الأبوة "سأستغفر لك ربي" ولكن سأسال الله فيك أن يهديك ويغفر ذنبك "إنه كان بي حفيا" قال ابن عباس وغيره لطيفا أي في أن هداني لعبادته والإخلاص له

وقال قتادة ومجاهد وغيرهما إنه كان بي حفيا قال عوده الإجابة .
وقال السدي الحفي الذي يهتم بأمره وقد استغفر إبراهيم صلى الله عليه وسلم لأبيه مدة طويلة وبعد أن هاجر إلى الشام وبنى المسجد الحرام وبعد أن ولد له إسماعيل وإسحاق عليهما السلام في قوله "ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب" وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك حتى أنزل الله تعالى "قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله - إلى قوله - إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء" الآية يعني إلا في هذا القول فلا تتأسوا به ثم بين تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه فقال تعالى "ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين - إلى قوله - وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم" .
وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48)
وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا
وقوله "وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي" أي أجتنبكم وأتبرأ منكم ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله "وأدعو ربي" أي وأعبد ربي وحده لا شريك له "عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا" وعسى هذه موجبة لا محالة فإنه عليه السلام سيد الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه سلم .
فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49)
فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا
يقول تعالى فلما اعتزل الخليل أباه وقومه في الله أبدله الله من هو خير منهم ووهب له إسحاق ويعقوب يعني ابنه وابن إسحاق كما قال في الآية الأخرى "ويعقوب نافلة" وقال "ومن وراء إسحاق يعقوب" ولا خلاف أن إسحاق والد

يعقوب وهو نص القرآن في سورة البقرة "أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق" ولهذا إنما ذكر هاهنا إسحاق ويعقوب أي جعلنا له نسلا وعقبا أنبياء أقر الله بهم عينه في حياته ولهذا قال "وكلا جعلنا نبيا" فلو لم يكن يعقوب عليه السلام قد نبئ في حياة إبراهيم لما اقتصر عليه ولذكر ولده يوسف فإنه نبي أيضا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق على صحته حين سئل عن خير الناس فقال "يوسف نبي الله ابن يعقوب نبي الله ابن إسحاق نبي الله ابن إبراهيم خليل الله" وفي اللفظ الآخر "إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم" .
ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا (50)
ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا
وقوله "ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس يعني الثناء الحسن وكذا قال السدي ومالك بن أنس وقال ابن جرير إنما قال عليا لأن جميع الملل والأديان يثنون عليهم ويمدحونهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين .
واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51)
واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا

لما ذكر تعالى إبراهيم الخليل وأثنى عليه عطف بذكر الكليم فقال "واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا" قرأ بعضهم بكسر اللام من الإخلاص في العبادة قال الثوري عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي لبابة قال : قال الحواريون يا روح الله أخبرنا عن المخلص لله قال الذي يعمل لله لا يحب أن يحمده الناس وقرأ الآخرون بفتحها بمعنى أنه كان مصطفى كما قال تعالى "إني اصطفيتك على الناس" "وكان رسولا نبيا" جمع الله له بين الوصفين فإنه كان من المرسلين الكبار أولي العزم الخمسة وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله وسلامه عليهم وعلى سائر الأنبياء أجمعين .
وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (52)
وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا
وقوله "وناديناه من جانب الطور" أي الجانب "الأيمن" من موسى حين ذهب يبتغي من تلك النار جذوة فرآها تلوح فقصدها فوجدها في جانب الطور الأيمن منه غربية عند شاطئ الوادي فكلمه الله تعالى وناداه وقربه فناجاه روى ابن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى هو القطان حدثنا سفيان عن عطاء بن يسار عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "وقربناه نجيا" قال أدنى حتى سمع صريف القلم وهكذا قال مجاهد وأبو العالية

وغيرهم يعنون صريف القلم بكتابة التوراة وقال السدي "وقربناه نجيا" قال أدخل في السماء فكلم .
وعن مجاهد نحوه وقال عبد الرزاق عن معمر عن قتادة "وقربناه نجيا" قال نجا بصدقه وروى ابن أبي حاتم حدثنا عبد الجبار بن عاصم حدثنا محمد بن سلمة الحراني عن أبي واصل عن شهر بن حوشب عن عمرو بن معد يكرب قال لما قرب الله موسى نجيا بطور سيناء قال : يا موسى إذا خلقت لك قلبا شاكرا ولسانا ذاكرا وزوجة تعين على الخير فلم أخزن عنك من الخير شيئا ومن أخزن عنه هذا فلم أفتح له من الخير شيئا .
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (53)
ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا
وقوله "ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا" أي وأجبنا سؤاله وشفاعته في أخيه فجعلناه نبيا كما قال في الآية الأخرى "وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون" وقال "قد أوتيت سؤلك يا موسى" وقال "فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون" ولهذا قال بعض السلف ما شفع أحد في أحد شفاعة في الدنيا أعظم من شفاعة موسى في

هارون أن يكون نبيا قال الله تعالى "ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا" قال ابن جرير : حدثنا يعقوب حدثنا ابن علية عن داود عن عكرمة قال : قال ابن عباس قوله "ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا" قال كان هارون أكبر من موسى ولكن أراد وهب له نبوته وقد ذكره ابن أبي حاتم معلقا عن يعقوب وهو ابن إبراهيم الدورقي به .
واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54)
واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا
هذا ثناء من الله تعالى على إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام وهو والد عرب الحجاز كلهم بأنه كان صادق الوعد.
قال ابن جريج لم يعد ربه عدة إلا أنجزها يعني ما التزم عبادة قط بنذر إلا قام بها ووفاها حقها وقال ابن جرير : حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن سهل بن عقيل حدثه أن إسماعيل النبي عليه السلام وعد رجلا مكانا أن يأتيه فيه فجاء ونسي الرجل فظل به إسماعيل وبات حتى جاء الرجل من الغد فقال ما برحت من هاهنا ؟ قال لا قال إني نسيت قال لم أكن لأبرح حتى تأتيني فلذلك "كان صادق الوعد" وقال سفيان الثوري بلغني أنه أقام في ذلك المكان ينتظره حولا حتى جاءه وقال ابن شوذب : بلغني أنه اتخذ ذلك الموضع مسكنا وقد رواه أبو داود في سننه وأبو بكر محمد بن جعفر الخرائطي في كتابه مكارم

الأخلاق من طريق إبراهيم بن طهمان عن عبد الله بن ميسرة عن عبد الكريم يعني ابن عبد الله بن شقيق عن أبيه عن عبد الله بن أبي الحمساء قال بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث فبقيت له علي بقية فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك قال فنسيت يومي والغد فأتيته في اليوم الثالث وهو في مكانه ذلك فقال لي "يا فتى لقد شققت علي أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك" لفظ الخرائطي وساق آثارا حسنة في ذلك ورواه ابن منده أبو عبد الله في كتاب معرفة الصحابة بإسناده عن إبراهيم بن طهمان عن بديل بن ميسرة عن عبد الكريم به وقال بعضهم إنما قيل له "صادق الوعد" لأنه قال لأبيه "ستجدني إن شاء الله من الصابرين" فصدق في ذلك فصدق الوعد من الصفات الحميدة كما أن خلفه من الصفات الذميمة قال الله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون" وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" ولما كانت هذه صفات المنافقين كان التلبس بضدها من صفات المؤمنين ولهذا أثنى الله على عبده ورسوله إسماعيل بصدق الوعد وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق الوعد أيضا لا يعد أحدا شيئا إلا وفى له به وقد أثنى على أبي العاص بن الربيع زوج ابنته زينب فقال "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي" ولما
توفي النبي صلى الله عليه وسلم قال الخليفة أبو بكر الصديق : من كان له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عدة أو دين فليأتني أنجز له فجاءه جابر بن عبد الله فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد
قال "لو قد جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا" يعني ملء كفيه فلما جاء مال البحرين أمر الصديق جابرا فغرف بيده من المال ثم أمره بعده فإذا هو خمسمائة درهم فأعطاه مثليها معها وقوله "وكان رسولا نبيا" في هذا دلالة على شرف إسماعيل على أخيه إسحاق لأنه إنما وصف بالنبوة فقط وإسماعيل وصف بالنبوة والرسالة وقد ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن الله اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل" وذكر تمام الحديث فدل على صحة ما قلناه .
وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا (55)
وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا
وقوله "وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا" هذا أيضا من الثناء الجميل والصفة الحميدة والخلة السديدة حيث كان صابرا على طاعة ربه عز وجل آمرا بها لأهله كما قال تعالى لرسوله "وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها" الآية وقال "يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون" أي مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر ولا تدعوهم هملا فتأكلهم النار يوم القيامة وقد جاء في الحديث عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وأيقظ امرأته فإن أبت نضح في وجهها الماء ورحم الله"

امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها فإن أبى نضحت في وجهه الماء "أخرجه أبو داود وابن ماجه ."
وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا استيقظ الرجل من الليل وأيقظ امرأته فصليا ركعتين كتبا من الذاكرين الله كثيرا والذاكرات" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه واللفظ له .
واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56)
واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا
ذكر إدريس عليه السلام بالثناء عليه بأنه كان صديقا نبيا وأن الله رفعه مكانا عليا وقد تقدم في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به في ليلة الإسراء وهو في السماء الرابعة .
وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا فقال : حدثني يونس بن عبد الأعلى أنبأنا ابن وهب أخبرني جرير بن حازم عن سليمان الأعمش عن شمر بن عطية عن هلال ابن يساف قال سأل ابن عباس كعبا وأنا حاضر فقال له




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #340  
قديم 07-12-2025, 02:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,186
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(9)
سورة مريم
من صـ 261 الى صــ 275
الحلقة (340)








ما قول الله عز وجل لإدريس "ورفعناه مكانا عليا" فقال كعب أما إدريس فإن الله أوحى إليه أنى أرفع لك كل يوم مثل عمل جميع بني آدم فأحب أن يزداد عملا فأتاه خليل له من الملائكة فقال له إن الله أوحى إلي كذا وكذا فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملا فحمله بين جناحيه حتى صعد به إلى السماء فلما كان في السماء الرابعة تلقاهم ملك الموت منحدرا فكلم ملك الموت في الذي كلمه فيه إدريس فقال وأين إدريس ؟ فقال هو ذا على ظهري قال ملك الموت العجب بعثت وقيل لي اقبض روح إدريس في السماء الرابعة فجعلت أقول كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض فقبض روحه هناك .
ورفعناه مكانا عليا (57)
ورفعناه مكانا عليا
فذلك قول الله تعالى "ورفعناه مكانا عليا" هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات وفي بعضه نكارة والله أعلم.
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن ابن عباس أنه سأل كعبا فذكر نحو ما تقدم غير أنه قال لذلك الملك هل لك أن تسأله يعني ملك الموت كم بقي من أجلي لكي أزداد من العمل وذكر باقيه وفيه أنه لما سأله عما بقي من أجله قال لا أدري حتى أنظر فنظر ثم قال إنك تسألني عن رجل ما بقي من عمره إلا طرفة عين فنظر الملك تحت جناحه فإذا هو قد قبض عليه السلام وهو لا يشعر به ثم رواه من وجه آخر عن ابن عباس أن إدريس كان خياطا فكان لا يغرز إبرة إلا قال سبحان الله فكان يمسي حين يمسي وليس في الأرض أحد أفضل عملا منه وذكر بقيته كالذي قبله أو نحوه وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد في قوله "ورفعناه مكانا عليا" قال إدريس رفع ولم يمت كما رفع عيسى وقال سفيان عن منصور عن مجاهد "ورفعناه مكانا"

عليا "قال السماء الرابعة وقال العوفي عن ابن عباس" ورفعناه مكانا عليا "قال رفع إلى السماء السادسة فمات بها وهكذا قال الضحاك بن مزاحم وقال الحسن وغيره في قوله" ورفعناه مكانا عليا "قال الجنة ."
أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58)
أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا
يقول تعالى هؤلاء النبيون وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط بل جنس الأنبياء عليهم السلام استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس "الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم" الآية قال السدي وابن جرير رحمه الله فالذي عنى به من ذرية آدم إدريس والذي عنى به من ذرية من حملنا مع نوح إبراهيم والذي عنى به من ذرية إبراهيم إسحاق ويعقوب وإسماعيل والذي عنى به من ذرية إسرائيل موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم قال ابن جرير ولذلك فرق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح "قلت" هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما السلام.
وقد قيل إنه

من أنبياء بني إسرائيل أخذا من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم : مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح ولم يقل والولد الصالح كما قال آدم وإبراهيم عليهما السلام وروى ابن أبي حاتم حدثنا يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني ابن لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن عبد الله بن عمر أن إدريس أقدم من نوح فبعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا لا إله إلا الله ويعملوا ما شاءوا فأبوا فأهلكهم الله عز وجل ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة الأنعام "وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم - إلى قوله - أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" وقال سبحانه وتعالى "منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك" وفي صحيح البخاري عن مجاهد أنه سأل ابن عباس أفي ص سجدة ؟ فقال نعم ثم تلا هذه الآية "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده" فنبيكم ممن أمر أن يقتدي بهم قال وهو منهم يعني داود .
وقال الله تعالى في هذه الآية الكريمة "إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا" أي إذا سمعوا كلام الله المتضمن حججه ودلائله وبراهينه سجدوا لربهم خضوعا واستكانة حمدا وشكرا على ما هم فيه من النعم العظيمة والبكي جمع باك فلهذا أجمع العلماء على شرعية السجود هاهنا اقتداء بهم واتباعا لمنوالهم .

قال سفيان الثوري عن الأعمش عن إبراهيم عن أبي معمر قال قرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة مريم فسجد وقال هذا السجود فأين البكى يريد البكاء رواه ابن أبي حاتم وابن جرير وسقط من روايته ذكر أبي معمر فيما رأيت فالله أعلم .
فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59)
فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا
لما ذكر تعالى حزب السعداء وهم الأنبياء عليهم السلام ومن اتبعهم من القائمين بحدود الله وأوامره المؤدين فرائض الله التاركين لزواجره ; ذكر أنه "خلف من بعدهم خلف" أي قرون أخر "أضاعوا الصلاة" وإذا أضاعوها فهم لما سواها من الواجبات أضيع لأنها عماد الدين وقوامه وخير أعمال العباد وأقبلوا على شهوات الدنيا وملاذها ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها فهؤلاء سيلقون غيا أي خسارا يوم القيامة وقد اختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة هاهنا فقال قائلون : المراد بإضاعتها تركها بالكلية قاله محمد بن كعب القرظي وابن زيد بن أسلم والسدي واختاره ابن جرير ولهذا ذهب من ذهب من السلف والخلف والأئمة كما هو المشهور عن الإمام أحمد وقول عن الشافعي إلى تكفير تارك الصلاة للحديث "بين العبد وبين الشرك ترك الصلاة" والحديث الآخر "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر" وليس هذا محل بسط هذه المسألة

وقال الأوزاعي عن موسى بن سليمان عن القاسم بن مخيمرة في قوله "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة" قال إنما أضاعوا المواقيت ولو كان تركا كان كفرا وقال وكيع عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعيد عن ابن مسعود أنه قيل له إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن "الذين هم عن صلاتهم ساهون" و "على صلاتهم دائمون" و "على صلاتهم يحافظون" فقال ابن مسعود على مواقيتها قالوا ما كنا نرى ذلك إلا على الترك قال ذلك الكفر وقال مسروق : لا يحافظ أحد على الصلوات الخمس فيكتب من الغافلين وفي إفراطهن الهلكة وإفراطهن إضاعتهن عن وقتهن وقال الأوزاعي عن إبراهيم بن يزيد : إن عمر بن عبد العزيز قرأ "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا" ثم قال لم تكن إضاعتهم تركها ولكن أضاعوا الوقت وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات" قال عند قيام الساعة وذهاب صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلام ينزو بعضهم على بعض في الأزقة وكذا روى ابن جريج عن مجاهد مثله
وروى جابر الجعفي عن مجاهد وعكرمة وعطاء بن أبي رباح أنهم من هذه الأمة يعنون في آخر الزمان وقال ابن جرير حدثني الحارث حدثنا الحسن الأشيب حدثنا شريك عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد "فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات" قال هم في هذه الأمة
يتراكبون تراكب الأنعام والحمر في الطرق لا يخافون الله في السماء ولا يستحيون من الناس في الأرض وقال ابن أبى حاتم حدثنا أحمد بن سنان الواسطي حدثنا أبو عبد الرحمن المقري حدثنا حيوة حدثنا بشير بن أبي عمرو الخولاني أن الوليد بن قيس حدثه أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "يكون خلف بعد ستين سنة أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا ثم يكون خلف يقرءون القرآن لا يعدو تراقيهم ويقرأ القرآن ثلاثة مؤمن ومنافق وفاجر" وقال بشير قلت للوليد ما هؤلاء الثلاثة ؟ قال المؤمن مؤمن به والمنافق كافر به والفاجر يأكل به وهكذا رواه أحمد عن أبي عبد الرحمن المقري وقال ابن أبي حاتم أيضا حدثني أبي حدثنا إبراهيم بن موسى أنبأنا عيسى بن يونس حدثنا عبيد الله بن عبد الرحمن بن وهب عن مالك عن أبي الرجال أن عائشة كانت ترسل بالشيء صدقة لأهل الصفة وتقول لا تعطوا منه بربريا ولا بربرية فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "هم الخلف الذين قال الله تعالى"
فيهم فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة "هذا حديث غريب وقال أيضا حدثني أبي حدثنا عبد الرحمن بن الضحاك حدثنا الوليد بن جرير عن شيخ من أهل المدينة أنه سمع محمد بن كعب القرظي يقول في قول الله" فخلف من بعدهم خلف "الآية قال هم أهل الغرب يملكون وهم شر من ملك وقال كعب الأحبار والله إني لأجد صفة المنافقين في كتاب الله عز وجل شرابين للقهوات تراكين للصلوات لعابين بالكعبات رقادين عن العتمات مفرطين في الغدوات تراكين للجمعات قال ثم تلا هذه الآية" فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا "وقال الحسن البصري : عطلوا المساجد ولزموا الضيعات وقال أبو الأشهب العطاردي : أوحى الله إلى داود عليه السلام يا داود حذر وأنذر أصحابك أكل الشهوات فإن القلوب المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة وإن أهون ما أصنع بالعبد من عبيدي إذا آثر شهوة من شهواته أن أحرمه طاعتي وقال الإمام أحمد : حدثنا زيد بن الحباب حدثنا أبو زيد التميمي عن أبي قبيل أنه سمع عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إني
أخاف على أمتي اثنتين : القرآن واللبن "أما اللبن فيتبعون الريف ويتبعون الشهوات ويتركون الصلاة وأما القرآن فيتعلمه"
المنافقون فيجادلون به المؤمنين ورواه عن حسن بن موسى عن ابن لهيعة حدثنا أبو قبيل عن عقبة به مرفوعا بنحوه تفرد به وقوله "فسوف يلقون غيا" قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "فسوف يلقون غيا" أي خسرانا وقال قتادة شرا وقال سفيان الثوري وشعبة ومحمد بن إسحاق عن أبي إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود "فسوف يلقون غيا" قال واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم وقال الأعمش عن زياد عن أبي عياض في قوله "فسوف يلقون غيا" قال واد في جهنم من قيح ودم وقال الإمام أبو جعفر بن جرير حدثني عباس بن أبي طالب حدثنا محمد بن زياد حدثنا شرقي بن قطامي عن لقمان بن عامر الخزاعي قال : جئت أبا أمامة صدي بن عجلان الباهلي فقلت حدثنا حديثا سمعته من رسول الله صلى الله عليه

وسلم فدعا بطعام ثم قال : قال رسول الله صلى الله عليه "لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت قعرها خمسين خريفا ثم تنتهي إلى غي وآثام" قال قلت ما غي وآثام قال : قال "بئران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار" وهما اللذان ذكرهما الله في كتابه "أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا" وقوله في الفرقان "ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما" هذا حديث غريب ورفعه منكر .
إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60)
إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا
وقوله "إلا من تاب وآمن وعمل صالحا" أي إلا من رجع عن ترك الصلوات واتباع الشهوات فإن الله يقبل توبته ويحسن عاقبته ويجعله من ورثة جنة النعيم ولهذا قال "فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا" وذلك لأن التوبة تجب ما قبلها وفي الحديث الآخر "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ولهذا لا ينقص هؤلاء التائبون من أعمالهم التي عملوها شيئا ولا قوبلوا بما عملوه قبلها فينقص لهم مما عملوه بعدها لأن ذلك ذهب هدرا وترك نسيا وذهب مجانا من كرم الكريم وحلم الحليم وهذا الاستثناء هاهنا كقوله في سورة الفرقان "والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق - إلى قوله - وكان الله غفورا رحيما" .
جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61)
جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا

يقول تعالى الجنات التي يدخلها التائبون من ذنوبهم هي جنات عدن أي إقامة التي وعد الرحمن عباده بظهر الغيب أي هي من الغيب الذي يؤمنون به وما رأوه وذلك لشدة إيقانهم وقوة إيمانهم وقوله "إنه كان وعده مأتيا" تأكيد لحصول ذلك وثبوته واستقراره فإن الله لا يخلف الميعاد ولا يبدله كقوله "كان وعده مفعولا" أي كائنا لا محالة وقوله هاهنا "مأتيا" أي العباد صائرون إليه وسيأتونه ومنهم من قال "مأتيا" بمعنى آتيا لأن كل ما أتاك فقد أتيته كما تقول العرب : أتت علي خمسون سنة وأتيت على خمسين سنة كلاهما بمعنى واحد .
لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62)
لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا
وقوله "لا يسمعون فيها لغوا" أي هذه الجنات ليس فيها كلام ساقط تافه لا معنى له كما قد يوجد في الدنيا وقوله "إلا سلاما" استثناء منقطع كقوله "لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما" وقوله "ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا" أي في مثل وقت البكرات ووقت العشيات لا أن هناك ليلا ونهارا ولكنهم في أوقات تتعاقب يعرفون مضيها بأضواء وأنوار كما قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا"

يبصقون فيها ولا يتمخطون فيها ولا يتغوطون آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الألوة ورشحهم المسك ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقها من وراء اللحم من الحسن لا اختلاف بينهم ولا تباغض قلوبهم على قلب رجل واحد يسبحون الله بكرة وعشيا "أخرجاه في الصحيحين من حديث معمر به وقال الإمام أحمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن ابن إسحاق حدثنا الحارث بن فضيل الأنصاري عن محمود بن لبيد الأنصاري عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يخرج عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا "تفرد به أحمد من هذا الوجه وقال الضحاك عن ابن عباس" ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا "قال مقادير الليل والنهار وقال ابن جرير حدثنا علي بن سهل حدثنا الوليد بن مسلم قال سألت زهير بن محمد عن قول الله تعالى" ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا "قال : ليس في الجنة ليل هم في نور أبدا ولهم مقدار الليل والنهار يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وبفتح الأبواب وبهذا الإسناد عن الوليد بن مسلم عن خليد عن الحسن البصري وذكر أبواب الجنة فقال أبواب يرى ظاهرها من باطنها فتكلم وتكلم فنفهم انفتحي انغلقي فتفعل"
وقال قتادة في قوله "ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا" فيها ساعتان بكرة وعشي ليس ثم ليل ولا نهار وإنما هو ضوء ونور .
وقال مجاهد ليس بكرة ولا عشي ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا وقال الحسن وقتادة وغيرهما كانت العرب الأنعم فيهم من يتغدى ويتعشى فنزل القرآن على ما في أنفسهم من النعيم فقال تعالى "ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا" وقال ابن مهدي عن حماد بن زيد عن هشام عن الحسن "ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا" قال : البكور يرد على العشي والعشي يرد على البكور ليس فيها ليل وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا سليمان بن منصور بن عمار حدثني أبي حدثني محمد بن زياد قاضي أهل شماط عن عبد الله بن حدير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ما من غداة من غدوات الجنة وكل الجنة غدوات إلا أنه يزف إلى ولي الله فيها زوجة من الحور العين أدناهن التي خلقت من الزعفران" قال أبو محمد هذا حديث غريب منكر .
تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63)
تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا
وقوله "تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا" أي هذه الجنة التي وصفنا بهذه الصفات العظيمة هي التي نورثها عبادنا المتقين وهم المطيعون لله عز

وجل في السراء والضراء والكاظمون الغيظ والعافون عن الناس وكما قال تعالى في أول سورة المؤمنون "قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون" إلى أن قال "الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون" .
وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64)
وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا
قال الإمام أحمد : حدثنا يعلى ووكيع قالا حدثنا عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبرائيل "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟" قال فنزلت "وما نتنزل إلا بأمر ربك" إلى آخر الآية .
انفرد بإخراجه البخاري فرواه عند تفسير هذه الآية عن أبي نعيم عن عمر بن ذر به ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث عمر بن ذر به وعندهما زيادة في آخر الحديث فكان ذلك الجواب لمحمد صلى الله عليه وسلم وقال العوفي عن ابن عباس احتبس جبرائيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وحزن فأتاه جبرائيل وقال يا محمد "وما نتنزل إلا بأمر ربك" الآية.

وقال مجاهد لبث جبرائيل عن محمد صلى الله عليه وسلم اثنتي عشرة ليلة ويقولون أقل فلما جاءه قال يا جبرائيل لقد رثت علي حتى ظن المشركون كل ظن "فنزلت" وما نتنزل إلا بأمر ربك "الآية قال وهذه الآية كالتي في الضحى وكذلك قال الضحاك بن مزاحم وقتادة والسدي وغير واحد أنها نزلت في احتباس جبرائيل وقال الحكم بن أبان عن عكرمة قال أبطأ جبرائيل النزول على النبي صلى الله عليه وسلم أربعين يوما ثم نزل فقال له النبي صلى الله عليه وسلم" ما نزلت حتى اشتقت إليك "فقال له جبريل بل أنا كنت إليك أشوق ولكني مأمور فأوحى الله إلى جبرائيل أن قل له" وما نتنزل إلا بأمر ربك "الآية رواه ابن أبي حاتم رحمه الله وهو غريب ."
وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن مجاهد قال أبطأت الرسل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم أتاه جبريل فقال له "ما حبسك يا جبريل ؟" فقال له جبريل وكيف نأتيكم وأنتم لا تقصون أظفاركم ولا تنقون براجمكم ولا تأخذون شواربكم ولا تستاكون ؟ ثم قرأ "وما نتنزل إلا بأمر ربك" إلى آخر الآية.
وقد قال الطبراني : حدثنا أبو عامر النحوي حدثنا محمد بن إبراهيم الصوري حدثنا سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي حدثنا إسماعيل بن عياش أخبرني ثعلبة بن مسلم عن أبي كعب مولى ابن عباس عن ابن عباس عن النبي صلى

الله عليه وسلم : أن جبرائيل أبطأ عليه فذكر له ذلك فقال وكيف وأنتم لا تستنون ولا تقلمون أظفاركم ولا تقصون شواربكم ولا تنقون براجمكم ؟ وهكذا رواه الإمام أحمد عن أبي اليمان عن إسماعيل بن عياش عن ابن عباس بنحوه وقال الإمام أحمد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان حدثنا المغيرة بن حبيب عن مالك بن دينار حدثني شيخ من أهل المدينة عن أم سلمة قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم "أصلحي لنا المجلس فإنه ينزل ملك إلى الأرض لم ينزل إليها قط" وقوله "له ما بين أيدينا وما خلفنا" قيل المراد ما بين أيدينا أمر الدنيا وما خلفنا أمر الآخرة "وما بين ذلك" ما بين النفختين هذا قول أبي العالية وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة في رواية عنهما والسدي والربيع بن أنس وقيل "ما بين أيدينا" ما يستقبل من أمر الآخرة "وما خلفنا" أي ما مضى من الدنيا "وما بين ذلك" أي ما بين الدنيا والآخرة ويروى نحوه عن ابن عباس وسعيد بن جبير




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 392.05 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 386.21 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]