تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 32 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         المدونة الكبرى للإمام مالك رواية سحنون بن سعيد التنوخي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 163 - عددالزوار : 991 )           »          طيب الحياة وسبيل السعادة الحقيقية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 38 )           »          الإغراق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          مكاره الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »          مفاسد الفراغ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          تصرم الأعوام والدراسة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 31 )           »          الإخلاص (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          تواضع النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          الإفراط (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          الوحي والعقل والخرافة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 27 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #311  
قديم 06-12-2025, 07:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة النحل
من صـ 316 الى صــ 330
الحلقة (311)






الأرض أو يأتيهم العذاب "من حيث لا يشعرون" أي من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم كقوله تعالى "أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير" .
أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين (46)
أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين
وقوله "أو يأخذهم في تقلبهم" أي في تقلبهم في المعايش واشتغالهم بها في أسفار ونحوها من الأشغال الملهية ; قال قتادة والسدي تقلبهم أي أسفارهم وقال مجاهد والضحاك وقتادة "في تقلبهم" في الليل والنهار كقوله "أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون" وقوله "فما هم بمعجزين" أي لا يعجزون الله على أي حال كانوا عليه .
أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم (47)
أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم
وقوله "أو يأخذهم على تخوف" أي أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم فإنه يكون أبلغ وأشد فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد ولهذا قال العوفي عن ابن عباس "أو يأخذهم على تخوف" يقول إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك وكذا روي عن مجاهد والضحاك وقتادة وغيرهم ثم قال تعالى "فإن ربكم لرءوف رحيم" أي حيث لم يعاجلكم بالعقوبة كما ثبت في الصحيحين "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولدا وهو يرزقهم ويعافيهم" وفيهما "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" وقال تعالى "وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير" .
أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون (48)
أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون

يخبر تعالى عن عظمته وجلاله وكبريائه الذي خضع له كل شيء ودانت له الأشياء والمخلوقات بأسرها جماداتها وحيواناتها ومكلفوها من الإنس والجن والملائكة فأخبر أن كل ما له ظل يتفيأ ذات اليمين وذات الشمال أي بكرة وعشيا فإنه ساجد بظله لله تعالى .
قال مجاهد إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله عز وجل وكذا قال قتادة والضحاك وغيرهم وقوله "وهم داخرون" أي صاغرون وقال مجاهد أيضا سجود كل شيء فيؤه وذكر الجبال قال سجودها فيؤها وقال أبو غالب الشيباني أمواج البحر صلاته ونزلهم منزلة من يعقل إذ أسند السجود إليهم .
ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون (49)
ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون
فقال "ولله يسجد ما في السماوات وما في الأرض من دابة" كما قال "ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال" وقوله "والملائكة وهم لا يستكبرون" أي تسجد لله أي غير مستكبرين عن عبادته "."
يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون (50)
يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون
"يخافون ربهم من فوقهم" أي يسجدون خائفين وجلين من الرب جل جلاله "ويفعلون ما يؤمرون" أي مثابرين على طاعته تعالى وامتثال أوامره وترك زواجره .
وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (51)
وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون

يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو وأنه لا تنبغي العبادة إلا له وحده لا شريك له فإنه مالك كل شيء وخالقه وربه .
وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون (52)
وله ما في السماوات والأرض وله الدين واصبا أفغير الله تتقون
"وله الدين واصبا" قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وميمون بن مهران والسدي وقتادة وغير واحد أي دائما .
وعن ابن عباس أيضا أي واجبا وقال مجاهد أي خالصا أي له العبادة وحده ممن في السماوات والأرض كقوله "أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون" هذا على قول ابن عباس وعكرمة فيكون من باب الخبر وأما على قول مجاهد فإنه يكون من باب الطلب أي ارهبوا أن تشركوا بي شيئا وأخلصوا لي الطاعة كقوله تعالى "ألا لله الدين الخالص" .
وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون (53)
وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون
ثم أخبر أنه مالك النفع والضر وأن ما بالعبد من رزق ونعمة وعافية ونصر فمن فضله عليهم وإحسانه إليهم "ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون" أي لعلمكم أنه لا يقدر على إزالته إلا هو فإنكم عند الضرورات تلجئون إليه وتسألونه وتلحون في الرغبة إليه مستغيثين به كقوله تعالى "وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا" .
ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (54)
ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون
وقال هاهنا "ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم" قيل اللام هاهنا لام العاقبة وقيل لام التعليل بمعنى قيضنا لهم ذلك ليكفروا أي يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم وأنه المسدي إليهم النعم الكاشف عنهم النقم

ثم توعدهم قائلا "فتمتعوا" أي اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا "فسوف تعلمون" أي عاقبة ذلك .
ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (55)
ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون
وقال هاهنا "ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون ليكفروا بما آتيناهم" قيل اللام هاهنا لام العاقبة وقيل لام التعليل بمعنى قيضنا لهم ذلك ليكفروا أي يستروا ويجحدوا نعم الله عليهم وأنه المسدي إليهم النعم الكاشف عنهم النقم ثم توعدهم قائلا "فتمتعوا" أي اعملوا ما شئتم وتمتعوا بما أنتم فيه قليلا "فسوف تعلمون" أي عاقبة ذلك .
ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (56)
ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون
يخبر تعالى عن قبائح المشركين الذين عبدوا مع الله غيره من الأصنام والأوثان والأنداد بغير علم وجعلوا للأوثان نصيبا مما رزقهم الله فقالوا "هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا فما كان لشركائهم فلا يصل إلى الله وما كان لله فهو يصل إلى شركائهم ساء ما يحكمون" أي جعلوا لآلهتهم نصيبا مع الله وفضلوها على جانبه فأقسم الله تعالى بنفسه الكريمة ليسألنهم عن ذلك الذي افتروه وائتفكوه وليقابلنهم عليه وليجازينهم أوفر الجزاء في نار جهنم فقال "تالله لتسئلن عما كنتم تفترون" .
ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57)
ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون
ثم أخبر تعالى عنهم أنهم جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا وجعلوها بنات الله فعبدوها معه فأخطئوا خطأ كبيرا في كل مقام من هذه المقامات الثلاث فنسبوا إليه تعالى أن له ولدا ولا ولد له ثم أعطوه أخس القسمين من الأولاد وهو البنات وهم لا يرضونها لأنفسهم كما قال "ألكم الذكر وله الأنثى تلك إذا قسمة ضيزى" وقوله هاهنا "ويجعلون لله البنات سبحانه" أي عن قولهم وإفكهم "ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله وإنهم لكاذبون أصطفى البنات على البنين ما لكم كيف تحكمون" وقوله "ولهم ما يشتهون" أي يختارون لأنفسهم الذكور ويأنفون لأنفسهم من البنات التي نسبوها إلى الله تعالى الله عن قولهم علوا كبيرا .
وإذا بشر أحدهم

بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58)
وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم
فإنه "إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا" أي كئيبا من الهم "وهو كظيم" ساكت من شدة ما هو فيه من الحزن .
يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59)
يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون
"يتوارى من القوم" أي يكره أن يراه الناس "من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب" أي إن أبقاها أبقاها مهانة لا يورثها ولا يعتني بها ويفضل أولاده الذكور عليها "أم يدسه في التراب" أي يئدها وهو أن يدفنها فيه حية كما كانوا يصنعون في الجاهلية أفمن يكرهونه هذه الكراهة ويأنفون لأنفسهم عنه يجعلونه لله ؟ "ألا ساء ما يحكمون" أي بئس ما قالوا وبئس ما قسموا وبئس ما نسبوه إليه كقوله تعالى "وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم" .
للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60)
للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم
وقوله هاهنا "للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء" أي النقص إنما ينسب إليهم "ولله المثل الأعلى" أي الكمال المطلق من كل وجه وهو منسوب إليه "وهو العزيز الحكيم" .
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (61)
ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون
يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة أي لأهلك جميع دواب الأرض تبعا لإهلاك بني آدم ولكن الرب جل جلاله يحلم ويستر وينظر إلى أجل مسمى أي لا يعاجلهم بالعقوبة ; إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدا .
قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص أنه قال : كاد الجعل أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ الآية "ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة" وكذا روى الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة قال : قال عبد الله كاد الجعل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم

وقال ابن جرير : حدثني محمد بن المثنى حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي حدثنا محمد بن جابر الحنفي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة قال : سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول : إن الظالم لا يضر إلا نفسه قال فالتفت إليه فقال : بلى والله حتى إن الحبارى لتموت في وكرها بظلم الظالم .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين أنبأنا الوليد بن عبد الملك حدثنا عبيد الله بن شرحبيل حدثنا سليمان بن عطاء عن سلمة بن عبد الله عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال : ذكرنا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال "إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره فذلك زيادة العمر" .
ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (62)
ويجعلون لله ما يكرهون وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون
وقوله "ويجعلون لله ما يكرهون" أي من البنات ومن الشركاء الذين هم عبيده وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله وقوله "وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى" إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا وإن كان ثم معاد ففيه أيضا لهم الحسنى وإخبار عن قيل من قال منهم كقوله "ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليئوس كفور ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور" وقوله "ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي"

وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى فلننبئن الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب غليظ "وقوله" أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا "وقال إخبارا عن أحد الرجلين إنه" دخل جنته وهو ظالم لنفسه فقال ما أظن أن تبيد هذه أبدا وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا "فجمع هؤلاء بين عمل السوء وتمني الباطل بأن يجازوا على ذلك حسنا وهذا مستحيل كما ذكر ابن إسحاق أنه وجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حكم ومواعظ ; فمن ذلك : تعملون السيئات وتجزون الحسنات ؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب ."
وقال مجاهد وقتادة "وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى" أي الغلمان وقال ابن جرير "أن لهم الحسنى" أي يوم القيامة كما قدمنا بيانه وهو الصواب ولله الحمد ولهذا قال تعالى رادا عليهم في تمنيهم ذلك "لا جرم" أي حقا لا بد منه "أن لهم النار" أي يوم القيامة "وأنهم مفرطون" قال مجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم منسيون فيها مضيعون وهذا كقوله تعالى "فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا" وعن قتادة أيضا "مفرطون" أي معجلون إلى النار من الفرط وهو السابق إلى الورد ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار وينسون فيها أي يخلدون .
تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم (63)
تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم فهو وليهم اليوم ولهم عذاب أليم

يذكر تعالى أنه أرسل إلى الأمم الخالية رسلا فكذبت الرسل فلك يا محمد في إخوانك من المرسلين أسوة فلا يهيدنك تكذيب قومك لك وأما المشركون الذين كذبوا الرسل فإنما حملهم على ذلك تزيين الشيطان لهم ما فعلوه "فهو وليهم اليوم" أي هم تحت العقوبة والنكال والشيطان وليهم ولا يملك لهم خلاصا ولا صريخ لهم ولهم عذاب أليم .
وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (64)
وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
ثم قال تعالى لرسوله أنه إنما أنزل عليك الكتاب ليبين للناس الذي يختلفون فيه فالقرآن فاصل بين الناس في كل ما يتنازعون فيه "هدى" أي للقلوب "ورحمة" أي لمن تمسك به "لقوم يؤمنون" .
والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون (65)
والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآية لقوم يسمعون
وكما جعل سبحانه القرآن حياة للقلوب الميتة بكفرها كذلك يحيي الأرض بعد موتها بما أنزله عليها من السماء من ماء "إن في ذلك لآية لقوم يسمعون" أي يفهمون الكلام ومعناه .
وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين (66)
وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين
يقول تعالى "وإن لكم" أيها الناس "في الأنعام" وهي الإبل والبقر والغنم "لعبرة" أي لآية ودلالة حكمة خالقها وقدرته ورحمته ولطفه "نسقيكم مما في بطونه" أفرده هاهنا عودا على معنى النعم أو الضمير عائد على الحيوان فإن الأنعام حيوانات أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان وفي الآية الأخرى مما في بطونها ويجوز هذا وهذا كما في قوله تعالى "كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره" وفي قوله تعالى "وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون فلما جاء سليمان" أي المال وقوله "من بين فرث ودم لبنا خالصا" أي يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان فيسري كل إلى موطنه إذا نضج الغذاء في معدته

فيصرف منه دم إلى العروق ولبن إلى الضرع وبول إلى المثانة وروث إلى المخرج وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه ولا يتغير به وقوله "لبنا خالصا سائغا للشاربين" أي لا يغص به أحد.
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون (67)
ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا إن في ذلك لآية لقوم يعقلون
ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا ثنى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة من ثمرات النخيل والأعناب وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه ولهذا امتن به عليهم فقال "ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا" دل على إباحته شرعا قبل تحريمه ودل على التسوية بين المسكر المتخذ من النخل والمتخذ من العنب كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء وكذا حكم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل كما جاءت السنة بتفصيل ذلك وليس هذا موضع بسط ذلك كما قال ابن عباس في قوله "سكرا ورزقا حسنا" قال السكر ما حرم من ثمرتيهما والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما وفي رواية السكر حرامه والرزق الحسن حلاله يعني ما يبس منهما من تمر وزبيب وما عمل منهما من طلاء وهو الدبس وخل ونبيذ حلال يشرب قبل أن يشتد كما وردت السنة بذلك "إن في ذلك لآية لقوم يعقلون" ناسب ذكر العقل هاهنا فإنه أشرف ما في الإنسان ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها قال الله تعالى "وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون" .
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون (68)
وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون
المراد بالوحي هنا الإلهام والهداية والإرشاد للنحل أن تتخذ من الجبال بيوتا تأوي

إليها ومن الشجر ومما يعرشون ثم هي محكمة في غاية الإتقان في تسديسها ورصها بحيث لا يكون في بيتها خلل .
ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (69)
ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون
ثم أذن لها تعالى إذنا قدريا تسخيريا أن تأكل من كل الثمرات وأن تسلك الطرق التي جعلها الله تعالى مذللة لها أي مسهلة عليها حيث شاءت من هذا الجو العظيم والبراري الشاسعة والأودية والجبال الشاهقة ثم تعود كل واحدة منها إلى بيتها لا تحيد عنه يمنة ولا يسرة بل إلى بيتها وما لها فيه من فراخ وعسل فتبني الشمع من أجنحتها وتقيء العسل من فيها وتبيض الفراخ من دبرها ثم تصبح إلى مراعيها وقال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم "فاسلكي سبل ربك ذللا" أي مطيعة فجعلاه حالا من السالكة قال ابن زيد وهو كقول الله تعالى "وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون" قال : ألا ترى أنهم ينقلون النحل ببيوته من بلد إلى بلد وهو يصحبهم ؟ والقول الأول هو الأظهر وهو أنه حال من الطريق أي فاسلكيها مذللة لك نص عليه مجاهد وقال ابن جرير كلا القولين صحيح وقد قال أبو يعلى الموصلي حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا مكين بن عبد العزيز عن أبيه عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عمر الذباب أربعون يوما والذباب كله في النار إلا النحل" وقوله تعالى "يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس" ما بين أبيض وأصفر وأحمر وغير ذلك من الألوان الحسنة على اختلاف مراعيها ومأكلها منها .
وقوله "فيه شفاء للناس" أي في العسل شفاء للناس أي من أدواء تعرض لهم

قال بعض من تكلم على الطب النبوي لو قال فيه الشفاء للناس لكان دواء لكل داء ولكن قال فيه شفاء للناس أي يصلح لكل أحد من أدواء باردة فإنه حار والشيء يداوى بضده وقال مجاهد وابن جرير في قوله "فيه شفاء للناس" يعني القرآن وهذا قول صحيح في نفسه ولكن ليس هو الظاهر هاهنا من سياق الآية فإن الآية إنما ذكر فيها العسل ولم يتابع مجاهد على قوله هاهنا وإنما الذي قاله ذكروه في قوله تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" وقوله تعالى "يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين" والدليل على أن المراد بقوله تعالى "فيه شفاء للناس" هو العسل الحديث الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من رواية قتادة عن أبي المتوكل علي بن داود الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن أخي استطلق بطنه فقال "اسقه عسلا" فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله سقيته عسلا فما زاده إلا استطلاقا قال "اذهب فاسقه عسلا" فذهب فسقاه عسلا ثم جاء فقال يا رسول الله ما زاده إلا استطلاقا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "صدق الله وكذب بطن أخيك اذهب فاسقه عسلا" فذهب فسقاه عسلا فبرئ .
قال بعض العلماء بالطب كان هذا الرجل عنده فضلات فلما سقاه عسلا وهو حار تحللت فأسرعت في الاندفاع فزاده إسهالا فاعتقد الأعرابي أن هذا يضره وهو مصلحة لأخيه ثم سقاه فازداد التحليل والدفع ثم سقاه فكذلك فلما اندفعت الفضلات الفاسدة المضرة بالبدن استمسك بطنه وصلح مزاجه واندفعت الأسقام والآلام ببركة إشارته عليه من ربه أفضل الصلاة والسلام , وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله

عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الحلواء والعسل هذا لفظ البخاري .
وفي صحيح البخاري من حديث سالم الأفطس عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الشفاء في ثلاثة : في شرطة محجم أو شربة عسل أو كية بنار وأنهى أمتي عن الكي" .
وقال البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا عبد الرحمن بن الغسيل عن عاصم بن عمر بن قتادة سمعت جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن كان في شيء من أدويتكم أو يكون في شيء من أدويتكم خير : ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء وما أحب أن أكتوي" .
ورواه مسلم من حديث عاصم بن عمر بن قتادة عن جابر به .
وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق أنبأنا عبد الله أنبأنا سعيد بن أبي أيوب حدثنا عبد الله بن الوليد عن أبي الخير عن عقبة بن عامر الجهني قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ثلاث إن كان في شيء شفاء : فشرطة محجم أو شربة عسل أو كية تصيب ألما وأنا أكره الكي ولا أحبه" .
ورواه الطبراني عن هارون بن سلول المصري عن أبي عبد الرحمن المقري عن
عبد الله بن الوليد به .
ولفظه "إن كان في شيء شفاء : فشرطة محجم" .
وذكره وهذا إسناد صحيح ولم يخرجوه وقال الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه حدثنا علي بن سلمة هو التغلبي حدثنا زيد بن حباب , حدثنا سفيان عن أبي إسحاق , عن أبي الأحوص بن عبد الله هو ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "عليكم بالشفاءين العسل والقرآن" وهذا إسناد جيد تفرد بإخراجه ابن ماجه مرفوعا .
وقد رواه ابن جرير عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن سفيان هو الثوري موقوفا وله شبه .
وروينا عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال : إذا أراد أحدكم الشفاء فليكتب آية من كتاب الله في صحيفة وليغسلها بماء السماء وليأخذ من امرأته درهما عن طيب نفس منها فليشتر به عسلا فليشربه كذلك فإنه شفاء : أي من وجوه قال الله تعالى "وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين" وقال "وأنزلنا من السماء ماء مباركا" وقال "فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا" وقال في العسل "فيه شفاء للناس" وقال ابن ماجه أيضا : حدثنا محمود بن خداش حدثنا سعيد بن زكريا القرشي حدثنا الزبير بن سعيد الهاشمي عن عبد الحميد بن سالم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من لعق العسل ثلاث غدوات في كل شهر لم يصبه عظيم من البلاء" الزبير بن سعيد متروك

وقال ابن ماجه أيضا حدثنا إبراهيم بن محمد بن يوسف بن سرح الفريابي حدثنا عمرو بن بكير السكسكي حدثنا إبراهيم بن أبي عبلة سمعت أبا أبي ابن أم حرام وكان قد صلى القبلتين يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "عليكم بالسنا والسنوت فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام" .
قيل يا رسول الله وما السام ؟ قال "الموت" قال عمرو قال ابن أبي عبلة السنوت الشبت وقال آخرون بل هو العسل الذي في زقاق السمن وهو قول الشاعر :
هم السمن بالسنوت لا ألس فيهم ... وهم يمنعون الجار أن يقردا
كذا رواه ابن ماجه ; وقوله لا ألس فيهم أي لا خلط وقوله يمنعون الجار أن يقردا أي يضطهد ويظلم وقوله "إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" أي إن في إلهام الله لهذه الدواب الضعيفة الخلقة إلى السلوك في هذه المهامه والاجتناء من سائر الثمار ثم جمعها للشمع والعسل وهو من أطيب الأشياء لآية لقوم يتفكرون في عظمة خالقها ومقدرها ومسخرها وميسرها فيستدلون بذلك على أنه الفاعل القادر الحكيم العليم الكريم الرحيم.
والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (70)

والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (71)
والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون
يبين تعالى للمشركين جهلهم وكفرهم فيما زعموه لله من الشركاء وهم يعترفون أنها عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم في حجهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك .
فقال تعالى منكرا عليهم أنتم لا ترضون أن تساووا عبيدكم فيما رزقناكم فكيف يرضى هو تعالى بمساواة عبيد له في الإلهية والتعظيم كما قال في الآية الأخرى "ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم" الآية




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #312  
قديم 06-12-2025, 07:08 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة النحل
من صـ 331 الى صــ 345
الحلقة (312)







قال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية يقول لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني فذلك قوله "أفبنعمة الله يجحدون" وقال في الرواية الأخرى عنه فكيف ترضون لي ما لا ترضون لأنفسكم وقال مجاهد في هذه الآية هذا مثل الآلهة الباطلة وقال قتادة هذا مثل ضربه الله فهل منكم من أحد يشاركه مملوكه في زوجته وفي فراشه فتعدلون بالله خلقه وعباده ؟ فإن لم ترض لنفسك هذا فالله أحق أن ينزه منك ; وقوله "أفبنعمة الله يجحدون" أي أنهم جعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فجحدوا نعمته وأشركوا معه غيره وعن الحسن البصري قال كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذه الرسالة إلى أبي موسى الأشعري : واقنع برزقك من الدنيا فإن الرحمن فضل بعض عباده على بعض في الرزق بلاء يبتلي به كلا فيبتلي من بسط له كيف شكره لله وأداؤه الحق الذي افترض عليه فيما رزقه وخوله .
رواه ابن أبي حاتم .
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون (72)
والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة ورزقكم من الطيبات أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله هم يكفرون
يذكر تعالى نعمه على عبيده بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجا من جنسهم وشكلهم ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورا وإناثا وجعل الإناث أزواجا للذكور ثم ذكر تعالى أنه جعل من الأزواج البنين والحفدة وهم أولاد البنين قاله ابن عباس وعكرمة والحسن والضحاك وابن زيد قال شعبة عن أبى بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بنين وحفدة : وهم الولد وولد الولد .
وقال سنيد حدثنا حجاج عن ابن بكر عن عكرمة عن ابن عباس قال : بنوك حيث يحفدونك ويرفدونك ويعينونك ويخدمونك .
قال جميل :
حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال
وقال مجاهد : بنين وحفدة ابنه وخادمه .
وقال في رواية : الحفدة الأنصار والأعوان والخدام وقال طاوس وغير واحد : الحفدة الخدم .
وكذا قال قتادة وأبو مالك والحسن البصري .
وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة أنه قال : الحفدة من خدمك من ولدك وولد ولدك قال الضحاك : إنما كانت العرب تخدمها بنوها .
وقال العوفي عن ابن عباس قوله "وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة" يقول بنو امرأة الرجل ليسوا منه .
ويقال الحفدة الرجل يعمل بين يدي الرجل .
يقال فلان يحفد لنا أي يعمل لنا قال وزعم رجال أن الحفدة أختان الرجل وهذا الأخير الذي ذكره ابن عباس قاله ابن مسعود ومسروق وأبو الضحى وإبراهيم النخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والقرظي ورواه عكرمة عن ابن عباس .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هم الأصهار .
قال ابن جرير : وهذه الأقوال كلها داخلة في معنى الحفدة وهو الخدمة الذي منه قوله في القنوت : وإليك نسعى ونحفد ولما كانت الخدمة قد تكون من الأولاد والخدم والأصهار فالنعمة حاصلة بهذا كله ولهذا قال "وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة" قلت فمن جعل "وحفدة" متعلقا بأزواجكم فلا بد أن يكون المراد الأولاد وأولاد الأولاد أو الأصهار لأنهم أزواج البنات أو أولاد الزوجة وكذا قال الشعبي والضحاك فإنهم يكونون غالبا تحت كنف الرجل وفي حجره وفي خدمته
وقد يكون هذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام في حديث نضرة بن أكثم "والولد عبد لك" رواه أبو داود .
وأما من جعل الحفدة الخدم فعنده أنه معطوف على قوله "والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا" أي جعل لكم الأزواج والأولاد خدما .
وقوله "ورزقكم من الطيبات" أي من المطاعم والمشارب .
ثم قال تعالى منكرا على من أشرك في عبادة المنعم غيره "أفبالباطل يؤمنون" وهم الأنداد والأصنام "وبنعمة الله هم يكفرون" يسترون نعم الله عليهم ويضيفونها إلى غيره ; وفي الحديث الصحيح "إن الله يقول للعبد يوم القيامة ممتنا عليه ألم أزوجك ؟ ألم أكرمك ؟ ألم أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع" .
ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (73)
ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون
يقول تعالى إخبارا عن المشركين الذين عبدوا معه غيره مع أنه هو المنعم المتفضل الخالق الرازق وحده لا شريك له ومع هذا يعبدون من دونه من الأصنام والأنداد والأوثان ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا أي لا يقدر على إنزال مطر ولا إنبات زرع ولا شجر ولا يملكون ذلك لأنفسهم أي ليس لهم ذلك ولا يقدرون عليه لو أرادوه .
فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون (74)
فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون
ولهذا قال تعالى "فلا تضربوا لله الأمثال" أي لا تجعلوا له أندادا
وأشباها وأمثالا "إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون" أي أنه يعلم ويشهد أنه لا إله إلا هو وأنتم بجهلكم تشركون به غيره .
ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (75)
ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون
قال العوفي عن ابن عباس : هذا مثل ضربه الله للكافر والمؤمن وكذا قال قتادة واختاره ابن جرير فالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء مثل الكافر والمرزوق الرزق الحسن فهو ينفق منه سرا وجهرا هو المؤمن .
وقال ابن أبي نجيح عن مجاهد : هو مثل مضروب للوثن وللحق تعالى فهل يستوي هذا وهذا ؟ ولما كان الفرق بينهما ظاهرا واضحا بينا لا يجهله إلا كل غبي قال الله تعالى "الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون" .
وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم (76)
وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم
قال مجاهد وهذا أيضا المراد به الوثن والحق تعالى يعني أن الوثن أبكم لا يتكلم ولا ينطق بخير ولا بشيء ولا يقدر على شيء بالكلية فلا مقال ولا فعال وهو مع هذا "كل" أي عيال وكلفة على مولاه "أينما يوجهه" أي يبعثه "لا يأت بخير" ولا ينجح مسعاه "هل يستوي" من هذه صفاته "ومن يأمر بالعدل" أي بالقسط فمقاله حق وفعاله مستقيمة "وهو على صراط مستقيم" وقيل الأبكم مولى لعثمان وبهذا قال السدي وقتادة وعطاء الخراساني واختار هذا القول ابن جرير
وقال العوفي عن ابن عباس هو مثل للكافر والمؤمن أيضا كما تقدم وقال ابن جرير حدثنا الحسن بن الصباح البزار حدثنا يحيى بن إسحاق السالحيني حدثنا حماد حدثنا عبد الله بن عثمان بن خيثم عن إبراهيم عن عكرمة عن يعلى بن أمية عن ابن عباس في قوله "ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء" قال نزلت في رجل من قريش وعبده يعني قوله "عبدا مملوكا" الآية .
وفي قوله "وضرب الله مثلا رجلين أحدهما أبكم" - إلى قوله - "وهو على صراط مستقيم" قال هو عثمان بن عفان قال والأبكم الذي أينما يوجهه لا يأت بخير قال هو مولى لعثمان بن عفان كان عثمان ينفق عليه ويكلفه ويكفيه المئونة وكان الآخر يكره الإسلام ويأباه وينهاه عن الصدقة والمعروف فنزلت فيهما .
ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير (77)
ولله غيب السماوات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير
يخبر تعالى عن كمال علمه وقدرته على الأشياء في علمه غيب السماوات والأرض واختصاصه بعلم الغيب فلا اطلاع لأحد على ذلك إلا أن يطلعه تعالى على ما يشاء وفي قدرته التامة التي لا تخالف ولا تمانع وأنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له كن فيكون كما قال "وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر" أي فيكون ما يريد كطرف
العين وهكذا قال هاهنا "وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير" كما قال "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة" .
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (78)
والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون
ثم ذكر تعالى منته على عباده في إخراجه إياهم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئا ثم بعد هذا يرزقهم السمع الذي يدركون الأصوات والأبصار التي بها يحسون المرئيات والأفئدة وهي العقول التي مركزها القلب على الصحيح وقيل الدماغ والعقل به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها وهذه القوى والحواس تحصل للإنسان على التدريج قليلا قليلا كلما كبر زيد في سمعه وبصره وعقله حتى يبلغ أشده .
وإنما جعل تعالى هذه في الإنسان ليتمكن بها من عبادة ربه تعالى فيستعين بكل جارحة وعضو وقوة على طاعة مولاه كما جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "يقول تعالى من عادى لي وليا فقد بارزني بالحرب ; وما تقرب إلي عبدي بشيء أفضل من أداء ما افترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن دعاني لأجيبنه ولئن استعاذ بي لأعيذنه وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن يكره الموت وأكره مساءته ولا بد له منه" .
فمعنى الحديث أن العبد إذا أخلص الطاعة صارت أفعاله كلها لله عز وجل فلا يسمع إلا لله ولا يبصر إلا لله أي ما شرعه الله له ولا يبطش ولا يمشي إلا في طاعة الله عز وجل مستعينا بالله في ذلك كله ولهذا جاء في بعض رواية الحديث في غير الصحيح بعد قوله ورجله التي يمشي بها "فبي يسمع وبي يبصر وبي يبطش وبي يمشي" .
ولهذا قال تعالى "وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون" كقوله تعالى في الآية الأخرى "قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون قل هو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون" .
ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (79)
ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون
ثم نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض كيف جعله يطير بجناحين بين السماء والأرض في جو السماء ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى
التي جعل فيها قوى تفعل ذلك وسخر الهواء يحملها ويسير الطير ذلك كما قال تعالى في سورة الملك "أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير" وقال هاهنا "إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون" .
والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين (80)
والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين
يذكر تبارك وتعالى تمام نعمه على عبيده بما جعل لهم من البيوت التي هي سكن لم يأوون إليها ويستترون بها وينتفعون بها بسائر وجوه الانتفاع وجعل لهم أيضا من جلود الأنعام بيوتا أي من الأدم يستخفون حملها في أسفارهم ليضربوها لهم في إقامتهم في السفر والحضر ولهذا قال "تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها" أي الغنم "وأوبارها" أي الإبل "وأشعارها" أي المعز والضمير عائد على الأنعام "أثاثا" أي تتخذون منه أثاثا وهو المال وقيل المتاع وقيل الثياب والصحيح أعم من هذا كله فإنه يتخذ من الأثاث البسط والثياب وغير ذلك ويتخذ مالا وتجارة وقال ابن عباس الأثاث المتاع وكذا قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وعطية العوفي وعطاء الخراساني والضحاك وقتادة
وقوله "إلى حين" أي إلى أجل مسمى ووقت معلوم .
والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون (81)
والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون
وقوله "والله جعل لكم مما خلق ظلالا" قال قتادة يعني الشجر "وجعل لكم من الجبال أكنانا" أي حصونا ومعاقل كما "جعل لكم سرابيل تقيكم الحر" وهي الثياب من القطن والكتان والصوف "وسرابيل تقيكم بأسكم" كالدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك "كذلك يتم نعمته عليكم" أي هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم وما تحتاجون إليه ليكون عونا لكم على طاعته وعبادته "لعلكم تسلمون" هكذا فسره الجمهور وقرءوه بكسر اللام من "تسلمون" من الإسلام وقال قتادة في قوله "كذلك يتم نعمته عليكم" هذه السورة تسمى سورة النعم وقال عبد الله بن المبارك وعباد بن العوام بن حنظلة السدوسي عن شهر بن حوشب عن ابن عباس أنه كان يقرؤها "تسلمون" بفتح اللام يعني من الجراح.
رواه أبو عبيد القاسم بن سلام عن عباد وأخرجه ابن جرير من الوجهين ورد هذه القراءة وقال عطاء الخراساني إنما نزل القرآن على قدر معرفة العرب ألا ترى إلى قوله تعالى "والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا" وما جعل من السهل أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب جبال ؟ ألا ترى إلى قوله "ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين" وما جعل لهم من غير ذلك أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب وبر وشعر , ألا ترى قوله "وينزل من"
السماء من جبال فيها من برد "لعجبهم من ذلك وما أنزل من الثلج أعظم وأكثر ولكنهم كانوا لا يعرفونه ؟ ألا ترى إلى قوله تعالى" سرابيل تقيكم الحر "وما تقي من البرد أعظم وأكثر ولكنهم كانوا أصحاب حر ."
فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين (82)
فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين
وقوله "فإن تولوا" أي بعد هذا البيان وهذا الامتنان فلا عليك منهم "فإنما عليك البلاغ المبين" وقد أديته إليهم .
يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون (83)
يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون
"يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها" أي يعرفون أن الله تعالى هو المسدي إليهم ذلك وهو المتفضل به عليهم ومع هذا ينكرون ذلك ويعبدون معه غيره ويسندون النصر والرزق إلى غيره "وأكثرهم الكافرون" كما قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن مجاهد أن أعرابيا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله فقرأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم "والله جعل لكم من بيوتكم سكنا" فقال الأعرابي نعم قال "وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا" الآية .
قال الأعرابي نعم ثم قرأ عليه كل ذلك يقول الأعرابي نعم حتى بلغ "كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون" فولى الأعرابي فأنزل الله "يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها" الآية .
ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون (84)
ويوم نبعث من كل أمة شهيدا ثم لا يؤذن للذين كفروا ولا هم يستعتبون
يخبر تعالى عن شأن المشركين يوم معادهم في الدار الآخرة وأنه يبعث من كل أمة شهيدا وهو نبيها يشهد عليها بما أجابته فيما بلغها عن الله تعالى "ثم لا يؤذن للذين كفروا" أي في الاعتذار لأنهم يعلمون بطلانه وكذبه كقوله "هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون" فلهذا قال "ولا هم يستعتبون ."
وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (85)
وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون
"وإذا رأى الذين ظلموا" أي الذين أشركوا "العذاب فلا يخفف عنهم" أي لا يفتر عنهم ساعة واحدة "ولا هم ينظرون" أي لا يؤخر عنهم بل يأخذهم سريعا من الموقف بلا حساب فإنه إذا جيء بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك فيشرق عنق منها على الخلائق وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جثا لركبتيه فتقول إني وكلت بكل جبار عنيد الذي جعل مع الله إلها آخر وبكذا وبكذا وتذكر أصنافا من الناس كما جاء في الحديث ثم تنطوي عليهم وتلتقطهم من الموقف كما يلتقط الطائر الحب قال الله تعالى "إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا" وقال تعالى "ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا" وقال تعالى "لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون" .
وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (86)
وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعوا من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون
ثم أخبر تعالى عن تبري آلهتهم منهم أحوج ما يكونون إليها فقال "وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم" أي الذين كانوا يعبدونهم في الدنيا "قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا"
الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون "أي قالت لهم الآلهة كذبتم ما نحن أمرناكم بعبادتنا كما قال تعالى" ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين "وقال تعالى" واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا "وقال الخليل عليه الصلاة والسلام" ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض "الآية ."
وقال تعالى "وقيل ادعوا شركاءكم" الآية والآيات في هذا كثيرة .
وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (87)
وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون
وقوله "وألقوا إلى الله يومئذ السلم" قال قتادة وعكرمة ذلوا واستسلموا يومئذ أي استسلموا لله جميعهم فلا أحد إلا سامع مطيع وكقوله تعالى "أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا" أي ما أسمعهم وما أبصرهم يومئذ وقال "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا" الآية .
وقال "وعنت الوجوه للحي القيوم" أي خضعت وذلت واستكانت وأنابت واستسلمت وقوله "وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون" أي ذهب واضمحل ما كانوا يعبدونه افتراء على الله فلا ناصر لهم ولا معين ولا مجيز.
الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (88)
الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون
ثم قال تعالى الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا "الآية أي عذابا على كفرهم وعذابا على صدهم الناس عن اتباع الحق كقوله تعالى" وهم ينهون عنه وينأون عنه "أي ينهون الناس عن اتباعه ويبتعدون هم منه أيضا" وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون "وهذا دليل على تفاوت الكفار في عذابهم كما يتفاوت المؤمنون في منازلهم في الجنة ودرجاتهم كما قال تعالى" قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون "وقد قال الحافظ أبو يعلى حدثنا شريح بن يونس حدثنا أبو معاوية حدثنا"
الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله في قول الله "زدناهم عذابا فوق العذاب" قال زيدوا عقارب أنيابها كالنخل الطوال .
وحدثنا شريح بن يونس حدثنا إبراهيم بن سليمان حدثنا الأعمش عن الحسن عن ابن عباس في الآية أنه قال "زدناهم عذابا فوق العذاب" قال هي خمسة أنهار تحت العرش يعذبون ببعضها في الليل وببعضها في النهار .
ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (89)
ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين
يقول تعالى مخاطبا عبده ورسوله محمدا صلى الله عليه وسلم "ويوم نبعث في كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" يعني أمتك .
أي اذكر ذلك اليوم وهوله وما منحك الله فيه من الشرف العظيم والمقام الرفيع وهذه الآية شبيهة بالآية التي انتهى إليها عبد الله بن مسعود حين قرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر سورة النساء فلما وصل إلى قوله "فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا" فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "حسبك" فقال ابن مسعود رضي الله عنه فالتفت فإذا عيناه تذرقان وقوله "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" قال ابن مسعود قد بين لنا في هذا القرآن كل علم وكل شيء وقال مجاهد كل حلال وكل حرام وقول ابن مسعود أعم وأشمل فإن القرآن اشتمل على كل علم نافع من خبر ما سبق وعلم ما سيأتي وكل حلال وحرام وما الناس إليه محتاجون في أمر دنياهم ودينهم ومعاشهم ومعادهم "وهدى" أي للقلوب "ورحمة وبشرى للمسلمين"
وقال الأوزاعي "ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء" أي بالسنة ووجه اقتران قوله "ونزلنا عليك الكتاب" مع قوله "وجئنا بك شهيدا على هؤلاء" أن المراد والله أعلم إن الذي فرض عليك تبليغ الكتاب الذي أنزله عليك سائلك عن ذلك يوم القيامة "فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين" "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" "يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب" .
وقال تعالى "إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد" أي إن الذي أوجب عليك تبليغ القرآن لرادك إليه ومعيدك يوم القيامة وسائلك عن أداء ما فرض عليك.
هذا أحد الأقوال وهو متجه حسن .
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (90)
إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون
يخبر تعالى أنه يأمر عباده بالعدل وهو القسط والموازنة ويندب إلى الإحسان كقوله تعالى "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" وقوله "وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله" وقال "والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له" إلى غير ذلك من الآيات الدالة على شرعية العدل والندب إلى الفضل .
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : "إن الله يأمر بالعدل" قال شهادة أن لا إله إلا الله وقال سفيان بن عيينة العدل في هذا الموضع هو استواء السريرة والعلانية من كل عامل لله عملا والإحسان أن تكون سريرته أحسن من علانيته والفحشاء والمنكر أن تكون علانيته أحسن من سريرته , وقوله "وإيتاء ذي القربى" أي يأمر بصلة الأرحام كما قال "وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا"
وقوله "وينهى عن الفحشاء والمنكر" فالفواحش المحرمات والمنكرات ما ظهر منها من فاعلها ولهذا قيل في الموضع الآخر "قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن" وأما البغي فهو العدوان على الناس وقد جاء في الحديث "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم" وقوله "يعظكم" أي يأمركم بما يأمركم به من الخير وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر "لعلكم تذكرون" وقال الشعبي عن بشير بن نهيك سمعت ابن مسعود يقول : إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل "إن الله يأمركم بالعدل والإحسان" الآية رواه ابن جرير وقال سعيد عن قتادة قوله "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه وقدم فيه وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامها [ قلت ] ولهذا جاء في الحديث "إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره"
سفسافها "."
وقال الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة حدثنا أبو بكر محمد بن الفتح الحنبلي حدثنا يحيى بن محمد مولى بني هاشم حدثنا الحسن بن داود المنكدري حدثنا عمر بن علي المقدمي عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال : بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه وقالوا : أنت كبيرنا لم تكن لتخف إليه قال فليأته من يبلغه عني ويبلغني عنه فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فقالا نحن رسل أكثم بن صيفي وهو يسألك من أنت وما أنت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم "أما من أنا فأنا محمد بن عبد الله وأما ما أنا فأنا عبد الله ورسوله" .
قال ثم تلا عليهم هذه الآية "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية .
قالوا ردد علينا هذا القول فردده عليهم حتى حفظوه فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب وسطا في مضر - أي شريفا - وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها فلما سمعهن أكثم قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق وينهى عن ملائمها فكونوا في هذا الأمر رءوسا ولا تكونوا فيه أذنابا وقد ورد في نزولها حديث حسن رواه الإمام أحمد : حدثنا أبو النضر حدثنا عبد الحميد حدثنا شهر حدثني عبد الله بن عباس قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم بفناء بيته جالس إذ مر به عثمان بن مظعون فكشر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "ألا"





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #313  
قديم 06-12-2025, 07:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة النحل
من صـ 346 الى صــ 360
الحلقة (313)






تجلس ؟ "فقال بلى قال فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله فبينما هو يحدثه إذ شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم ببصره إلى السماء فنظر ساعة إلى السماء فأخذ يضع بصره حتى وضعه على يمينه في الأرض فتحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث وضع بصره فأخذ ينغض رأسه كأنه يستفقه ما يقال له وابن مظعون ينظر فلما قضى حاجته واستفقه ما يقال له شخص بصر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء كما شخص أول مرة فأتبعه بصره حتى توارى إلى السماء فأقبل إلى عثمان بجلسته الأولى فقال : يا محمد فيما كنت أجالسك ما رأيتك تفعل كفعلك الغداة فقال" وما رأيتني فعلت ؟ "قال رأيت شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك فتحرفت إليه وتركتني فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئا يقال لك ."
قال "وفطنت لذلك ؟" فقال عثمان نعم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس" قال رسول الله ؟ قال "نعم" قال فما قال لك ؟ قال "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية .
قال عثمان فذلك حين استقر الإيمان في قلبي وأحببت محمدا صلى الله عليه وسلم إسناد جيد متصل حسن قد بين في السماع المتصل ورواه ابن أبي حاتم من حديث عبد الحميد بن بهرام مختصرا حديث آخر عن عثمان بن أبي العاص الثقفي في ذلك قال الإمام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا هريم عن ليث عن شهر بن حوشب عن عثمان بن أبي العاص قال : كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا إذ شخص بصره فقال " أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية بهذا الموضع من هذه السورة "إن الله يأمر بالعدل والإحسان" الآية ."
وهذا إسناد لا بأس به ولعله عند شهر بن حوشب من الوجهين والله أعلم .
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91)
وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد

جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون
هذا مما يأمر الله تعالى به وهو الوفاء بالعهود والمواثيق والمحافظة على الأيمان المؤكدة ولهذا قال "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" ولا تعارض بين هذا وبين قوله ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم "الآية ."
وبين قوله تعالى "ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم" أي لا تتركوها بلا كفارة وبين قوله عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين أنه عليه الصلاة والسلام قال "إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها - وفي رواية - وكفرت عن يميني" لا تعارض بين هذا كله ولا بين الآية المذكورة هاهنا وهي قوله "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لأن هذه الأيمان المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع ولهذا قال مجاهد في قوله "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" يعني الحلف أي حلف الجاهلية ويؤيده ما رواه الإمام أحمد

حدثنا عبد الله بن محمد - هو ابن أبي شيبة - حدثنا ابن نمير وأبو أسامة عن زكريا - هو ابن أبي زائدة - عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جبير بن مطعم قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة" .
وكذا رواه مسلم عن ابن أبي شيبة به .
ومعناه أن الإسلام لا يحتاج معه إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه فإن في التمسك بالإسلام كفاية عما كانوا فيه .
وأما ما ورد في الصحيحين عن عاصم الأحول عن أنس رضي الله عنه أنه قال : حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار في دورنا .
فمعناه أنه آخى بينهم فكانوا يتوارثون به حتى نسخ الله ذلك والله أعلم .
وقال ابن جرير حدثني محمد بن عمارة الأسدي حدثنا عبد الله بن موسى أخبرنا أبو ليلى عن بريدة في قوله "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم" قال نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام فقال "وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم" هذه البيعة التي بايعتم على الإسلام "ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها" لا يحملنكم قلة محمد وكثرة المشركين أن تنقضوا البيعة التي بايعتم على الإسلام .
وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا صخر بن جويرية عن نافع قال لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله ثم تشهد ثم قال : أما بعد فإنا قد بايعنا هذا الرجل على بيعة الله ورسوله وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول "إن الغادر ينصب له لواء يوم القيامة فيقال هذه غدرة فلان وإن من أعظم الغدر - إلا أن يكون الإشراك بالله - أن يبايع رجل رجلا على بيعة الله ورسوله ثم ينكث بيعته فلا يخلعن أحد منكم يدا ولا يسرفن أحد منكم في هذا الأمر فيكون فصل بيني وبينه" المرفوع منه في الصحيحين ; وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن عابس عن أبيه عن حذيفة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من شرط لأخيه شرطا لا يريد أن يفي له به فهو كالمدلي جاره إلى غير منفعة" قوله "إن الله يعلم ما تفعلون" تهديد ووعيد لمن نقض الأيمان بعد توكيدها .
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92)
ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون
وقوله "ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" قال عبد الله بن كثير السدي : هذه امرأة خرقاء كانت بمكة كلما غزلت شيئا نقضته بعد انبرامه وقال مجاهد وقتادة وابن زيد هذا مثل لمن نقض عهده بعد توكيده وهذا القول أرجح وأظهر وسواء كان بمكة امرأة تنقض غزلها أم لا .
وقوله "أنكاثا" يحتمل أن يكون اسم مصدر "نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا" أي أنقاضا ويحتمل أن يكون بدلا عن خبر كان أي لا تكونوا أنكاثا جمع نكث من ناكث ولهذا قال بعده "تتخذون أيمانكم دخلا بينكم" أي خديعة ومكرا "أن تكون أمة هي أربى من أمة" أي تحلفون للناس إذا كانوا أكثر منكم ليطمئنوا إليكم فإذا أمكنكم الغدر بهم غدرتم فنهى الله عن ذلك لينبه بالأدنى على الأعلى إذا كان قد نهى عن الغدر والحالة هذه فلأن ينهى عنه مع التمكن والقدرة بطريق
الأولى .
وقد قدمنا ولله الحمد في سورة الأنفال قصة معاوية لما كان بينه وبين ملك الروم أمد فسار معاوية إليهم في آخر الأجل حتى إذا انقضى وهو قريب من بلادهم أغار عليهم وهم غارون لا يشعرون فقال له عمرو بن عتبة الله أكبر يا معاوية وفاء لا غدر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "من كان بينه وبين قوم أجل فلا يحلن عقده حتى ينقضي أمدها" فرجع معاوية رضي الله عنه بالجيش قال ابن عباس "أن تكون أمة هي أربى من أمة" أي أكثر وقال مجاهد كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك الذين هم أكثر وأعز فنهوا عن ذلك وقال الضحاك وقتادة وابن زيد نحوه وقوله "إنما يبلوكم الله به" قال سعيد بن جبير يعني بالكثرة رواه ابن أبي حاتم وقال ابن جرير أي بأمره إياكم بالوفاء بالعهد "وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون" فيجازي كل عامل بعمله من خير وشر .
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون (93)
ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن عما كنتم تعملون

يقول الله تعالى "ولو شاء الله لجعلكم" أيها الناس "أمة واحدة" كقوله تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" أي لوفق بينكم ولما جعل اختلافا ولا تباغض ولا شحناء "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم" وهكذا قال هاهنا "ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء" ثم يسألكم يوم القيامة عن جميع أعمالكم فيجازيكم عليها على الفتيل والنقير والقطمير .
ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم (94)
ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم
ثم حذر تعالى عباده عن اتخاذ الأيمان دخلا أي خديعة ومكرا لئلا تزل قدم بعد ثبوتها مثل لمن كان على الاستقامة فحاد عنها وزل عن طريق الهدى بسبب الأيمان الحانثة المشتملة على الصد عن سبيل الله لأن الكافر إذا رأى أن المؤمن قد عاهده ثم غدر به لم يبق له وثوق بالدين فانصد بسببه عن الدخول في الإسلام ولهذا قال "وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله ولكم عذاب عظيم" .
ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون (95)
ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون
ثم قال "ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا" أي لا تعتاضوا عن الإيمان بالله عرض الحياة الدنيا وزينتها فإنها قليلة لو حيزت لابن آدم الدنيا بحذافيرها لكان ما عند الله هو خير له ; أي جزاء الله وثوابه خير لمن رجاه وآمن به وطلبه وحفظ عهده رجاء موعوده ولهذا قال "إن كنتم تعلمون" .
ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (96)
ما عندكم ينفد وما عند الله باق ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
"ما عندكم ينفد" أي يفرغ وينقضي فإنه إلى أجل معدود محصور مقدر متناه "وما عند الله باق" أي وثوابه لكم في الجنة باق لا انقطاع ولا نفاد له فإنه دائم لا يحول ولا يزول "ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" قسم من الرب تعالى مؤكد باللام أنه يجازي الصابرين بأحسن أعمالهم أي ويتجاوز عن سيئها .
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (97)
من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون
هذا وعد من الله تعالى لمن عمل صالحا وهو العمل المتابع لكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم من ذكر أو أنثى من بني آدم وقلبه مؤمن بالله ورسوله وإن هذا العمل المأمور به مشروع من عند الله بأن يحييه الله حياة طيبة في الدنيا وأن يجزيه

بأحسن ما عمله في الدار الآخرة والحياة الطيبة تشتمل وجوه الراحة من أي جهة كانت وقد روي عن ابن عباس وجماعة أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه فسرها بالقناعة وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس أنها هي السعادة وقال الحسن ومجاهد وقتادة لا يطيب لأحد حياة إلا في الجنة وقال الضحاك هي الرزق الحلال والعبادة في الدنيا وقال الضحاك أيضا هي العمل بالطاعة والانشراح بها والصحيح أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن يزيد حدثنا سعيد بن أبي أيوب حدثني شرحبيل بن أبي شريك عن عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قد أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه" ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري به وروى الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ عن ابن علي الجهني عن فضالة بن عبيد أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قد أفلح من هدي"

للإسلام وكان عيشه كفافا وقنع به "وقال الترمذي هذا حديث صحيح وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا همام عن يحيى عن قتادة عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطى بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطى بها خيرا "انفرد بإخراجه مسلم ."
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم (98)
فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم
هذا أمر من الله تعالى لعباده على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إذا أرادوا قراءة القرآن أن يستعيذوا بالله من الشيطان الرجيم وهذا أمر ندب ليس بواجب حكى الإجماع على ذلك أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة وقد قدمنا الأحاديث الواردة في الاستعاذة مبسوطة في أول التفسير ولله الحمد والمنة والمعنى في الاستعاذة عند ابتداء القراءة لئلا يلبس على القارئ قراءته ويخلط عليه ويمنعه من التدبر والتفكر ; ولهذا ذهب الجمهور إلى أن الاستعاذة إنما تكون قبل التلاوة وحكي عن حمزة وأبي حاتم السجستاني أنها تكون بعد التلاوة واحتجا بهذه الآية ونقل النووي في شرح المهذب مثل ذلك عن أبي هريرة أيضا ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي والصحيح الأول لما تقدم من الأحاديث الدالة على تقدمها على التلاوة والله

أعلم .
إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (99)
إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون
وقوله "إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون" قال الثوري ليس له عليهم سلطان أن يوقعهم في ذنب لا يتوبون منه وقال آخرون معناه لا حجة له عليهم وقال آخرون كقوله "إلا عبادك منهم المخلصين" .
إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (100)
إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون
"إنما سلطانه على الذين يتولونه" قال مجاهد يطيعونه وقال آخرون اتخذوه وليا من دون الله "وهم به مشركون" أي أشركوا في عبادة الله ويحتمل أن تكون الباء سببية أي صاروا بسبب طاعتهم للشيطان مشركين بالله تعالى وقال آخرون معناه أنه شركهم في الأموال والأولاد.
وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (101)
وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون
يخبر تعالى عن ضعف عقول المشركين وقلة ثباتهم وإيقانهم وأنه لا يتصور منهم الإيمان وقد كتب عليهم الشقاوة وذلك أنهم إذا رأوا تغيير الأحكام ناسخها بمنسوخها قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم "إنما أنت مفتر" أي كذاب وإنما هو الرب تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وقال مجاهد "بدلنا آية مكان آية" أي رفعناها وأثبتنا غيرها وقال قتادة هو كقوله تعالى "ما ننسخ من آية أو ننسها" الآية .
قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين (102)
قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين
فقال تعالى مجيبا لهم "قل نزله روح القدس" أي جبريل "من ربك"

بالحق "أي بالصدق والعدل" ليثبت الذين آمنوا "فيصدقوا بما أنزل أولا وثانيا وتخبت له قلوبهم" وهدى وبشرى للمسلمين "أي وجعله هاديا وبشارة للمسلمين الذين آمنوا بالله ورسله ."
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين (103)
ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين
يقول تعالى مخبرا عن المشركين ما كانوا يقولونه من الكذب والافتراء والبهت أن محمدا إنما يعلمه هذا الذي يتلوه علينا من القرآن بشر ويشيرون إلى رجل أعجمي كان بين أظهرهم غلام لبعض بطون قريش وكان بياعا يبيع عند الصفا وربما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليه ويكلمه بعض الشيء وذاك كان أعجمي اللسان لا يعرف العربية أو أنه كان يعرف الشيء اليسير بقدر ما يرد جواب الخطاب فيما لا بد منه فلهذا قال الله تعالى رادا عليهم في افترائهم ذلك "لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" أي القرآن أي فكيف يتعلم من جاء بهذا القرآن في فصاحته وبلاغته ومعانيه التامة الشاملة التي هي أكمل من معاني كل كتاب نزل على بني إسرائيل كيف يتعلم من رجل أعجمي ؟ لا يقول هذا من له أدنى مسكة من العقل .
قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني كثيرا ما يجلس عند المروة إلى سبيعة غلام نصراني يقال له جبر عبد لبعض بني الحضرمي فأنزل الله "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" وكذا قال عبد الله بن كثير وعن عكرمة وقتادة كان اسمه يعيش .

وقال ابن جرير حدثني أحمد بن محمد الطوسي حدثنا أبو عامر حدثنا إبراهيم بن طهمان عن مسلم بن عبد الله الملائي عن مجاهد عن ابن عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم قينا بمكة وكان اسمه بلعام وكان أعجمي اللسان وكان المشركون يرون رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل عليه ويخرج من عنده فقالوا إنما يعلمه بلعام فأنزل الله هذه الآية "ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين" وقال الضحاك بن مزاحم هو سلمان الفارسي وهذا القول ضعيف لأن هذه الآية مكية وسلمان إنما أسلم بالمدينة وقال عبيد الله بن مسلم كان لنا غلامان روميان يقرآن كتابا لهما بلسانهما فكان النبي صلى الله عليه وسلم يمر بهما فيقوم فيسمع منهما فقال المشركون يتعلم منهما فأنزل الله هذه الآية وقال الزهري عن سعيد بن المسيب : الذي قال ذلك من المشركين رجل كان يكتب الوحي لرسول الله صلى الله عليه وسلم فارتد بعد ذلك عن الإسلام وافترى هذه المقالة قبحه الله .
إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم (104)
إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله ولهم عذاب أليم
يخبر تعالى أنه لا يهدي من أعرض عن ذكره وتغافل عما أنزله على رسوله صلى الله عليه وسلم ولم يكن له قصد إلى الإيمان بما جاء من عند الله فهذا الجنس من الناس لا يهديهم الله إلى الإيمان بآياته وما أرسل به رسله في الدنيا ولهم عذاب أليم موجع في الآخرة .
إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون (105)
إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون
ثم أخبر تعالى أن رسوله صلى الله عليه وسلم ليس بمفتر ولا كذاب لأنه إنما يفتري الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وسلم شرار الخلق "الذين لا يؤمنون بآيات"

الله "من الكفرة والملحدين المعروفين بالكذب عند الناس والرسول محمد صلى الله عليه وسلم كان أصدق الناس وأبرهم وأكملهم علما وعملا وإيمانا وإيقانا معروفا بالصدق في قومه لا يشك في ذلك أحد منهم بحيث لا يدعى بينهم إلا بالأمين محمد ولهذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن تلك المسائل التي سألها من صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان فيما قال له : هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال ؟ قال لا فقال هرقل : فهل كان ليدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز وجل ."
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم (106)
من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم
أخبر تعالى عمن كفر به بعد الإيمان والتبصر وشرح صدره بالكفر واطمأن به أنه قد غضب عليه لعلمهم بالإيمان ثم عدولهم عنه وأن لهم عذابا عظيما في الدار الآخرة

وأما قوله "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" فهو استثناء ممن كفر بلسانه ووافق المشركين بلفظه مكرها لما ناله من ضرب وأذى وقلبه يأبى ما يقول وهو مطمئن بالإيمان بالله ورسوله .
وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فوافقهم على ذلك مكرها وجاء معتذرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وهكذا قال الشعبي وقتادة وأبو مالك وقال ابن جرير حدثنا ابن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن عبد الكريم الجزري عن أبي عبيدة محمد بن عمار بن ياسر قال أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم "كيف تجد قلبك ؟" قال مطمئنا بالإيمان قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن عادوا فعد" .
ورواه البيهقي بأبسط من ذلك وفيه أنه سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله ما تركت حتى سببتك وذكرت آلهتهم بخير قال "كيف تجد قلبك ؟" قال مطمئنا بالإيمان فقال "إن عادوا فعد" وفي ذلك أنزل الله "إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان" ولهذا اتفق العلماء على أن المكره على الكفر يجوز له أن يوالي إبقاء لمهجته

ويجوز له أن يأبى كما كان بلال رضي الله عنه يأبى عليهم ذلك وهم يفعلون به الأفاعيل حتى أنهم ليضعوا الصخرة العظيمة على صدره في شدة الحر ويأمرونه بالشرك بالله فيأبى عليهم وهو يقول : أحد أحد ويقول : والله لو أعلم كلمة هي أغيظ لكم منها لقلتها رضي الله عنه وأرضاه.
وكذلك حبيب بن زيد الأنصاري لما قال له مسيلمة الكذاب أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ فيقول نعم فيقول : أتشهد أني رسول الله ؟ فيقول لا أسمع فلم يزل يقطعه إربا إربا وهو ثابت على ذلك .
وقال الإمام أحمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن عكرمة أن عليا رضي الله عنه حرق ناسا ارتدوا عن الإسلام فبلغ ذلك ابن عباس فقال لم أكن لأحرقهم بالنار إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لا تعذبوا بعذاب الله" وكنت أقاتلهم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بدل دينه فاقتلوه" فبلغ ذلك عليا فقال ويح أم ابن عباس .
رواه البخاري.
وقال الإمام أحمد أيضا حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن أيوب عن حميد بن هلال العدوي عن أبي بردة قال : قدم على أبي موسى معاذ بن جبل باليمن فإذا رجل عنده قال ما هذا ؟ قال رجل كان يهوديا فأسلم ثم تهود ونحن نريده على الإسلام منذ قال أحسبه شهرين فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضربت عنقه فقال قضى الله ورسوله أن من رجع عن دينه فاقتلوه أو قال "من بدل دينه فاقتلوه" .
وهذه القصة في الصحيحين بلفظ آخر

والأفضل والأولى أن يثبت المسلم على دينه ولو أفضى إلى قتله كما ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الله بن حذافة السهمي أحد الصحابة أنه أسرته الروم فجاءوا به إلى ملكهم فقال له تنصر وأنا أشركك في ملكي وأزوجك ابنتي فقال له لو أعطيتني جميع ما تملك وجميع ما تملكه العرب على أن أرجع عن دين محمد صلى الله عليه وسلم طرفة عين ما فعلت فقال إذا أقتلك فقال أنت وذاك قال فأمر به فصلب وأمر الرماة فرموه قريبا من يديه ورجليه وهو يعرض عليه دين النصرانية فيأبى ثم أمر به فأنزل ثم أمر بقدر وفي رواية ببقرة من نحاس فأحميت وجاء بأسير من المسلمين فألقاه وهو ينظر فإذا هو عظام تلوح وعرض عليه فأبى فأمر به أن يلقى فيها فرفع في البكرة ليلقى فيها فبكى فطمع فيه ودعاه فقال إني إنما بكيت لأن نفسي إنما هي نفس واحدة تلقى في هذه القدر الساعة في الله فأحببت أن يكون لي بعدد كل شعرة في جسدي نفس تعذب هذا العذاب في الله .
وفي بعض الروايات أنه سجنه ومنع منه الطعام والشراب أياما ثم أرسل إليه بخمر ولحم خنزير فلم يقربه ثم استدعاه فقال ما منعك أن تأكل ؟ فقال أما إنه قد حل لي ولكن لم أكن لأشمتك بي فقال له الملك فقبل رأسي وأنا أطلقك فقال وتطلق معي جميع أسارى المسلمين ؟ قال نعم فقبل رأسه فأطلقه وأطلق معه جميع أسارى المسلمين عنده فلما رجع قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه حق على كل مسلم أن يقبل رأس عبد الله بن حذافة وأنا أبدأ فقام فقبل رأسه رضي الله عنهما .
ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين (107)
ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين
لأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة فأقدموا على ما أقدموا عليه من الردة لأجل الدنيا ولم يهد الله قلوبهم ويثبتهم على الدين الحق .
أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون (108)
أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون
فطبع على قلوبهم فهم لا يعقلون بها شيئا ينفعهم وختم على سمعهم وأبصارهم فلا ينتفعون بها ولا أغنت عنهم شيئا فهم غافلون عما يراد بهم .
لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون (109)
لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون
لا جرم أي لا بد ولا عجب أن من هذه صفته "أنهم في الآخرة هم الخاسرون" أي الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة .
ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110)
ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم
هؤلاء صنف آخر كانوا مستضعفين بمكة مهانين في قومهم فوافقوهم على الفتنة ثم إنهم أمكنهم الخلاص بالهجرة فتركوا بلادهم وأهليهم وأموالهم ابتغاء رضوان الله وغفرانه




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #314  
قديم 06-12-2025, 07:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة النحل
من صـ 361 الى صــ 375
الحلقة (314)





وانتظموا في سلك المؤمنين وجاهدوا معهم الكافرين وصبروا فأخبر تعالى أنه من بعدها أي تلك الفعلة وهي الإجابة إلى الفتنة لغفور لهم رحيم بهم يوم معادهم .
يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111)
يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون
"يوم تأتي كل نفس تجادل" أي تحاج "عن نفسها" ليس أحد يحاج عنها لا أب ولا ابن ولا أخ ولا زوجة "وتوفى كل نفس ما عملت" أي من خير وشر "وهم لا يظلمون" أي لا ينقص من ثواب الخير ولا يزاد على ثواب الشر ولا يظلمون نقيرا .
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون (112)
وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون
هذا مثل أريد به أهل مكة فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقره يتخطف الناس من حولها ومن دخلها كان آمنا لا يخاف كما قال تعالى "وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا" وهكذا قال هاهنا "يأتيها رزقها رغدا" أي هنيئا سهلا "من كل مكان فكفرت بأنعم الله" أي جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد صلى الله عليه وسلم إليهم كما قال تعالى "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار" ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما فقال "فأذاقها الله لباس الجوع والخوف" أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليهم ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغدا من كل مكان وذلك أنهم استعصوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبوا إلا خلافه فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم فأكلوا العلهز وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه

وقوله والخوف وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه .
ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون (113)
ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه فأخذهم العذاب وهم ظالمون
وجعل كل ما لهم في دمار وسفال حتى فتحها الله على رسوله صلى الله عليه وسلم وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول صلى الله عليه وسلم الذي بعثه الله فيهم منهم وامتن به عليهم في قوله "لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم" الآية .
وقوله تعالى "فاتقوا الله يا أولي الألباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا رسولا" الآية وقوله "كما أرسلنا فيكم رسولا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة - إلى قوله - ولا تكفرون" وكما أنه انعكس على الكافرين حالهم فخافوا بعد الأمن وجاعوا بعد الرغد فبدل الله المؤمنين من بعد خوفهم أمنا ورزقهم بعد العيلة وجعلهم أمراء الناس وحكامهم وسادتهم وقادتهم وأئمتهم .
وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله العوفي عن ابن عباس وإليه ذهب مجاهد وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وحكاه مالك عن الزهري رحمهم الله وقال ابن جرير حدثني ابن عبد الرحيم البرقي حدثنا ابن أبي مريم حدثنا نافع بن يزيد حدثنا عبد الرحمن بن شريح أن عبد الكريم بن الحارث الحضرمي حدثه أنه سمع مشرح بن هاعان يقول سمعت سليم بن نمير يقول صدرنا من الحج مع حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان رضي الله عنه محصور بالمدينة فكانت تسأل عنه ما فعل ؟ حتى رأت راكبين فأرسلت إليهما تسألهما فقالا قتل.
فقالت حفصة والذي نفسي بيده إنها القرية - تعني المدينة - التي قال الله تعالى "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله" قال
ابن شريح وأخبرني عبيد الله بن المغيرة عمن حدثه أنه كان يقول إنها المدينة .
فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون (114)
فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون
يقول تعالى آمرا عباده المؤمنين بأكل رزقه الحلال الطيب وبشكره على ذلك فإنه المنعم المتفضل به ابتداء الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له .
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (115)
إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم
ثم ذكر تعالى ما حرمه عليهم مما فيه مضرة لهم في دينهم ودنياهم من الميتة والدم ولحم الخنزير "وما أهل لغير الله به" أي ذبح على غير اسم الله ومع هذا "فمن اضطر" إليه أي احتاج من غير بغي ولا عدوان "فإن الله غفور رحيم" وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في سورة البقرة بما فيه كفاية عن إعادته ولله الحمد .
ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون (116)
ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون
ثم نهى تعالى عن سلوك سبيل المشركين الذين حللوا وحرموا بمجرد ما وصفوه واصطلحوا عليه من الأسماء بآرائهم من البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وغير ذلك مما كان شرعا لهم ابتدعوه في جاهليتهم فقال "ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب" ويدخل في هذا كل من ابتدع بدعة ليس له فيها مستند شرعي أو حلل شيئا مما حرم الله أو حرم شيئا مما أباح الله
بمجرد رأيه وتشهيه وما في قوله "لما تصف" مصدرية أي ولا تقولوا الكذب لوصف ألسنتكم ثم توعد على ذلك فقال "إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون" أي في الدنيا ولا في الآخرة .
متاع قليل ولهم عذاب أليم (117)
متاع قليل ولهم عذاب أليم
أما في الدنيا فمتاع قليل وأما في الآخرة فلهم عذاب أليم كما قال "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ" وقال "إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون" .
وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (118)
وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون
لما ذكر تعالى أنه حرم علينا الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به وإنما أرخص فيه عند الضرورة - وفي ذلك توسعة لهذه الأمة التي يريد الله بها اليسرى ولا يريد بها العسرى - ذكر سبحانه وتعالى ما كان حرمه على اليهود في شريعتهم قبل أن ينسخها وما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج فقال "وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل" أي في سورة الأنعام في قوله "وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما" - إلى قوله - "لصادقون" ولهذا قال هاهنا "وما ظلمناهم" أي فيما ضيقنا عليهم "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" أي فاستحقوا ذلك كقوله "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا" .
ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (119)
ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم
ثم أخبر تعالى تكرما وامتنانا في حق العصاة المؤمنين أن من تاب منهم إليه تاب عليه فقال "ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة" قال بعض السلف كل من عصى الله فهو جاهل "ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا" أي أقلعوا عما كانوا فيه من المعاصي وأقبلوا على فعل الطاعات "إن ربك من بعدها" أي تلك الفعلة والزلة "لغفور رحيم" .
إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (120)
إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين
يمدح تعالى عبده ورسوله وخليله إبراهيم إمام الحنفاء ووالد الأنبياء ويبرئه من المشركين ومن اليهودية والنصرانية فقال "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا" فأما الأمة فهو الإمام الذي يقتدى به والقانت هو الخاشع المطيع والحنيف المنحرف قصدا عن الشرك إلى التوحيد ولهذا قال "ولم يك من المشركين" قال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن مسلم البطين عن أبي العبيدين أنه سأل عبد الله بن مسعود عن الأمة القانت فقال الأمة معلم الخير والقانت المطيع لله ورسوله وعن مالك قال : قال ابن عمر : الأمة الذي يعلم الناس دينهم وقال الأعمش عن يحيى بن الجزار عن أبي العبيدين أنه جاء إلى عبد الله فقال من نسأل إذا لم نسألك ؟ فكأن ابن مسعود رق له فقال أخبرني عن الأمة فقال الذي يعلم الناس الخير وقال الشعبي حدثني فروة بن نوفل الأشجعي قال : قال ابن مسعود إن معاذا كان أمة قانتا لله حنيفا فقلت في نفسي غلط أبو عبد الرحمن وقال إنما قال الله "إن إبراهيم كان أمة" فقال تدري ما الأمة وما القانت ؟ قلت الله أعلم .
فقال الأمة الذي يعلم الخير والقانت المطيع لله ورسوله وكذلك كان معاذ .
وقد روي من غير وجه عن ابن مسعود أخرجه ابن جرير
وقال مجاهد أمة أي أمة وحده والقانت المطيع وقال مجاهد أيضا كان إبراهيم أمة أي مؤمنا وحده والناس كلهم إذ ذاك كفار وقال قتادة كان إمام هدى والقانت المطيع لله .
شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم (121)
شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم
وقوله "شاكرا لأنعمه" أي قائما بشكر نعم الله عليه كقوله تعالى "وإبراهيم الذي وفى" أي قام بجميع ما أمره الله تعالى به وقوله "اجتباه" أي اختاره واصطفاه كقوله "ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين" ثم قال "وهداه إلى صراط مستقيم" وهو عبادة الله وحده لا شريك له على شرع مرضي .
وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين (122)
وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن الصالحين
وقوله "وآتيناه في الدنيا حسنة" أي جمعنا له خير الدنيا من جميع ما يحتاج المؤمن إليه في إكمال حياته الطيبة "وإنه في الآخرة لمن الصالحين" .
وقال مجاهد في قوله "وآتيناه في الدنيا حسنة" أي لسان صدق .
ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (123)
ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين
وقوله "ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا" أي ومن كماله وعظمته وصحة توحيده وطريقه أنا أوحينا إليك يا خاتم الرسل وسيد الأنبياء "أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" كقوله في الأنعام "قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين" .
إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون (124)
إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون
لا شك أن الله تعالى شرع في كل ملة يوما من الأسبوع يجتمع الناس فيه للعبادة فشرع تعالى لهذه الأمة يوم الجمعة لأنه اليوم السادس الذي أكمل الله فيه الخليقة واجتمعت فيه وتمت النعمة على عباده ويقال إن الله تعالى شرع ذلك لبني إسرائيل على لسان موسى فعدلوا عنه واختاروا السبت لأنه اليوم الذي لم يخلق فيه الرب شيئا من المخلوقات الذي كمل خلقها يوم الجمعة فألزمهم تعالى به في شريعة التوراة
ووصاهم أن يتمسكوا به وأن يحافظوا عليه مع أمره إياهم بمتابعة محمد صلى الله عليه وسلم إذا بعثه وأخذ مواثيقهم وعهودهم على ذلك ولهذا قال تعالى "إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه" قال مجاهد اتبعوه وتركوا الجمعة ثم إنهم لم يزالوا متمسكين به حتى بعث الله عيسى ابن مريم فيقال إنه حولهم إلى يوم الأحد ويقال إنه لم يترك شريعة التوراة إلا ما نسخ من بعض أحكامها وإنه لم يزل محافظا على السبت حتى رفع وإن النصارى بعده في زمن قسطنطين هم الذين تحولوا إلى يوم الأحد مخالفة لليهود وتحولوا إلى الصلاة شرقا عن الصخرة والله أعلم .
وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله له فالناس لنا فيه تبع اليهود غدا والنصارى بعد غد" لفظ البخاري.
وعن أبي هريرة وحذيفة رضي الله عنهما قالا : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا فكان لليهود يوم السبت وكان للنصارى يوم الأحد فجاء الله بنا فهدانا الله ليوم الجمعة فجعل الجمعة والسبت والأحد وكذلك هم تبع لنا يوم القيامة نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة والمقضي بينهم قبل الخلائق" رواه مسلم .
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (125)
ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين
يقول تعالى آمرا رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يدعو الخلق إلى الله بالحكمة .
قال ابن جرير وهو ما أنزله عليه من الكتاب والسنة والموعظة الحسنة أي بما فيه من الزواجر والوقائع بالناس ذكرهم بها ليحذروا بأس الله تعالى وقوله "وجادلهم بالتي هي أحسن" أي من احتاج منهم إلى مناظرة وجدال فليكن بالوجه الحسن برفق ولين وحسن خطاب كقوله تعالى "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم" الآية فأمره تعالى بلين الجانب كما أمر به موسى وهارون عليهما السلام حين بعثهما إلى فرعون في قوله "فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى" وقوله "إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله" الآية .
أي قدم علم الشقي منهم والسعيد وكتب ذلك عنده وفرغ منه فادعهم إلى الله ولا تذهب نفسك على من ضل منهم حسرات فإنه ليس عليك هداهم إنما أنت نذير عليك البلاغ وعلينا الحساب "إنك لا تهدي من أحببت" "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء" .
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (126)
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
يأمر تعالى بالعدل في القصاص والمماثلة في استيفاء الحق كما قال عبد الرزاق عن الثوري عن خالد عن ابن سيرين أنه قال في قوله تعالى "فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" إن أخذ منكم رجل شيئا فخذوا مثله وكذا قال مجاهد وإبراهيم والحسن البصري وغيرهم واختاره ابن جرير .
وقال ابن زيد كانوا قد أمروا بالصفح عن المشركين فأسلم رجال ذوو منعة
فقالوا يا رسول الله لو أذن الله لنا لانتصرنا من هؤلاء الكلاب فنزلت هذه الآية ثم نسخ ذلك بالجهاد .
وقال محمد بن إسحاق عن بعض أصحابه عن عطاء بن يسار قال نزلت سورة النحل كلها بمكة وهي مكية إلا ثلاث آيات من آخرها نزلت بالمدينة بعد أحد حين قتل حمزة رضي الله عنه ومثل به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لئن أظهرني الله عليهم لأمثلن بثلاثين رجلا منهم" فلما سمع المسلمون ذلك قالوا والله لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط فأنزل الله "إن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" إلى آخر السورة وهذا مرسل وفيه رجل مبهم لم يسم وقد روي هذا من وجه آخر متصل فقال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا الحسن بن يحيى حدثنا عمرو بن عاصم حدثنا صالح المري عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حين استشهد فنظر إلى منظر لم ينظر إلى منظر أوجع للقلب منه أو قال لقلبه فنظر إليه وقد مثل به فقال "رحمة الله عليك إن كنت ما علمتك إلا وصولا للرحم فعولا للخيرات والله لولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أتركك حتى يحشرك الله من بطون السباع - أو كلمة نحوها - أما والله على ذلك لأمثلن بسبعين كمثلتك" فنزل جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وسلم بهذه السورة وقرأ "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" إلى آخر الآية فكفر رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني عن يمينه وأمسك عن ذلك وهذا إسناد فيه ضعف لأن صالحا هو ابن بشير المري ضعيف عند الأئمة وقال البخاري هو منكر الحديث
وقال الشعبي وابن جريج نزلت في قول المسلمين يوم أحد فيمن مثل بهم لنمثلن بهم فأنزل الله فيهم ذلك وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه حدثنا هدبة بن عبد الوهاب المروزي حدثنا الفضل بن موسى حدثنا عيسى بن عبيد عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : لما كان يوم أحد قتل من الأنصار ستون رجلا ومن المهاجرين ستة فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن كان لنا يوم مثل هذا من المشركين لنمثلن بهم .
فلما كان يوم الفتح قال رجل لا تعرف قريش بعد اليوم فنادى مناد : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمن الأسود والأبيض إلا فلانا وفلانا - ناسا سماهم - فأنزل الله تبارك وتعالى "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" إلى آخر السورة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "نصبر ولا نعاقب" وهذه الآية الكريمة لها أمثال في القرآن فإنها مشتملة على مشروعية العدل والندب إلى الفضل كما في قوله "وجزاء سيئة سيئة مثلها" ثم قال "فمن عفا وأصلح فأجره على الله" الآية .
وقال "والجروح قصاص" ثم قال "فمن تصدق به فهو كفارة له" وقال في هذه الآية "وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به" ثم قال "ولئن صبرتم لهو خير للصابرين" .
واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون (127)
واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون
وقوله تعالى "واصبر وما صبرك إلا بالله" تأكيد للأمر بالصبر وإخبار بأن ذلك لا ينال إلا بمشيئة الله وإعانته وحوله وقوته
; ثم قال تعالى "ولا تحزن عليهم" أي على من خالفك فإن الله قدر ذلك "ولا تك في ضيق" أي غم "مما يمكرون" أي مما يجهدون أنفسهم في عداوتك وإيصال الشر إليك فإن الله كافيك وناصرك ومؤيدك ومظهرك ومظفرك بهم .
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (128)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون
وقوله "إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون" أي معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه وهذه معية خاصة كقوله "إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا" وقوله لموسى وهارون "لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى" وقول النبي صلى الله عليه وسلم للصديق وهما في الغار "لا تحزن إن الله معنا" وأما المعية العامة فبالسمع والبصر والعلم كقوله تعالى "وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير" وكقوله تعالى "ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا" وكما قال تعالى "وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا" الآية ; ومعنى "الذين اتقوا" أي تركوا المحرمات "الذين هم محسنون" أي فعلوا الطاعات فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم وقال ابن أبي حاتم ثنا أبي ثنا محمد بن بشار ثنا أبو أحمد الزبير ثنا مسعر عن ابن عون عن محمد بن حاطب قال كان عثمان رضي الله عنه من الذين آمنوا والذين اتقوا والذين هم محسنون .
آخر تفسير سورة النحل ولله الحمد والمنة وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما .
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير (1)
سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير
سورة الإسراء : قال الإمام الحافظ المتقن أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري : حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال سمعت عبد الرحمن بن يزيد سمعت ابن مسعود رضي الله عنه قال في بني إسرائيل والكهف ومريم : إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي.
وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرحمن حدثنا حماد بن زيد عن مروان عن أبي لبابة سمعت عائشة تقول : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم حتى نقول ما يريد أن يفطر ويفطر حتى نقول ما يريد أن يصوم وكان يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر .
يمجد تعالى نفسه ويعظم شأنه لقدرته على ما لا يقدر عليه أحد سواه فلا إله غيره ولا رب سواه "الذي أسرى بعبده" يعني محمدا صلى الله عليه وسلم "ليلا" أي في جنح الليل "من المسجد الحرام" وهو مسجد مكة "إلى المسجد الأقصى" وهو بيت المقدس الذي بإيلياء معدن الأنبياء من لدن إبراهيم الخليل عليه السلام ولهذا جمعوا له هناك كلهم فأمهم في محلتهم ودارهم فدل على
أنه هو الإمام الأعظم والرئيس المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين .
وقوله تعالى "الذي باركنا حوله" أي في الزروع والثمار "لنريه" أي محمدا "من آياتنا" أي العظام كما قال تعالى "لقد رأى من آيات ربه الكبرى" وسنذكر من ذلك ما وردت به السنة من الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم وقوله تعالى "إنه هو السميع البصير" أي السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم مصدقهم ومكذبهم البصير بهم فيعطي كلا منهم ما يستحقه في الدنيا والآخرة .
"ذكر الأحاديث الواردة في الإسراء : رواية أنس بن مالك رضي الله عنه" قال الإمام أبو عبد الله البخاري : حدثني عبد العزيز بن عبد الله حدثنا سليمان - هو ابن بلال - عن شريك بن عبد الله قال : سمعت أنس بن مالك يقول ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم أيهم هو ؟ فقال أوسطهم هو خيرهم فقال آخرهم خذوا خيرهم فكانت تلك الليلة فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه - وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم - فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه تور من ذهب محشو إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه - ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء من هذا ؟ فقال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال معي محمد قالوا وقد بعث إليه ؟ قال نعم قالوا فمرحبا به وأهلا يستبشر به أهل
السماء لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم فوجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلم عليه ورد عليه آدم فقال مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت فإذا هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان فقال "ما هذان النهران يا جبريل ؟" قال هذان النيل والفرات عنصرهما ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب بيده فإذا هو مسك أذفر فقال "ما هذا يا جبريل" قال هذا الكوثر الذي خبأ لك ربك ثم عرج به إلى السماء الثانية فقالت الملائكة له مثل ما قالت له الملائكة الأولى من هذا ؟ قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد صلى الله عليه وسلم قالوا وقد بعث إليه ؟ قال نعم قالوا مرحبا به وأهلا ثم عرج به إلى السماء الثالثة فقالوا له مثل ما قالت الأولى والثانية ثم عرج به إلى السماء الرابعة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء الخامسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السادسة فقالوا له مثل ذلك ثم عرج به إلى السماء السابعة فقالوا له مثل ذلك كل سماء فيها أنبياء قد سماهم فوعيت منهم إدريس في الثانية وهارون في الرابعة وآخر في
الخامسة لم أحفظ اسمه وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى فقال موسى رب لم أظن أن ترفع علي أحدا ثم علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا الله عز وجل حتى جاء سدرة المنتهى ودنا الجبار رب العزة فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى فأوحى الله إليه فيما يوحي خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ثم هبط به حتى بلغ موسى فاحتبسه موسى فقال يا محمد ماذا عهد إليك ربك ؟ قال "عهد إلي خمسين صلاة كل يوم وليلة" قال إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار تعالى وتقدس فقال وهو في مكانه "يا رب خفف عنا فإن أمتي لا تستطيع هذا" فوضع عنه عشر صلوات ثم رجع إلى موسى فاحتبسه فلم يزل يردده موسى إلى ربه حتى صارت إلى خمس صلوات ثم احتبسه موسى عند الخمس فقال يا محمد والله لقد راودت




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #315  
قديم 06-12-2025, 07:25 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)






تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الإسراء
من صـ 376 الى صــ 390
الحلقة (315)






بني إسرائيل قومي على أدنى من هذا فضعفوا فتركوه فأمتك أضعف أجسادا وقلوبا وأبدانا وأبصارا وأسماعا فارجع فليخفف عنك ربك كل ذلك يلتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل ليشير عليه ولا يكره ذلك جبريل فرفعه عند الخامسة فقال "يا رب إن أمتي ضعفاء أجسادهم وقلوبهم وأسماعهم وأبصارهم وأبدانهم فخفف عنا" فقال الجبار تبارك وتعالى : "يا محمد قال لبيك وسعديك" قال إنه لا يبدل القول لدي كما فرضت عليك في أم الكتاب فكل حسنة بعشر أمثالها فهي خمسون في أم الكتاب وهي خمس عليك فرجع إلى موسى فقال كيف فعلت ؟ فقال "خفف عنا أعطانا بكل حسنة عشر أمثالها" قال موسى قد والله راودت بني إسرائيل على أدنى من ذلك فتركوه فارجع إلى ربك فليخفف عنك أيضا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا موسى قد والله استحييت من ربي عز وجل مما أختلف إليه" قال فاهبط باسم الله قال واستيقظ وهو في المسجد الحرام هكذا ساقه البخاري في كتاب التوحيد ورواه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم عن إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر عبد الحميد عن سليمان بن بلال ورواه مسلم عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن سليمان قال فزاد ونقص وقدم وأخر وهو كما قال مسلم فإن شريك بن عبد الله بن أبي نمر اضطرب في هذا الحديث وساء حفظه
ولم يضبطه كما سيأتي بيانه إن شاء الله في الأحاديث الأخر ومنهم من يجعل هذا مناما توطئة لما وقع بعد ذلك والله أعلم .
وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي في حديث شريك زيادة تفرد بها على

مذهب من زعم أنه صلى الله عليه وسلم رأى عز وجل يعني قوله "ثم دنا" الجبار رب العزة "فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى" قال وقول عائشة وابن مسعود وأبي هريرة في حملهم هذه الآيات على رؤيته جبريل أصح وهذا الذي قاله البيهقي رحمه الله في هذه المسألة هو الحق فإن أبا ذر قال يا رسول الله هل رأيت ربك ؟ قال "نور أنى أراه" وفي رواية "رأيت نورا" أخرجه مسلم وقوله "ثم دنا فتدلى" إنما هو جبريل عليه السلام كما ثبت ذلك في الصحيحين عن عائشة أم المؤمنين وعن ابن مسعود وكذلك هو في صحيح مسلم عن أبي هريرة ولا يعرف لهم مخالف من الصحابة في تفسير هذه الآية بهذا وقال الإمام أحمد حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أتيت بالبراق وهو دابة أبيض فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه فركبته فسار بي حتى أتيت بيت المقدس فربطت الدابة بالحلقة التي يربط فيها الأنبياء ثم دخلت فصليت فيه ركعتين ثم خرجت فأتاني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن فقال جبريل : أصبت الفطرة قال ثم عرج بي إلى السماء الدنيا فاستفتح جبريل فقيل له من أنت ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل وقد"

أرسل إليه ؟ قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بآدم فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل فقيل له من أنت ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل وقد أرسل إليه ؟ قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بابني الخالة يحيى وعيسى فرحبا بي ودعوا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة فاستفتح جبريل فقيل له من أنت ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل وقد أرسل إليه ؟ قال قد أرسل إليه ففتح لنا فإذا أنا بيوسف عليه السلام وإذا هو قد أعطي شطر الحسن فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت ؟ قال جبريل فقيل ومن معك ؟ قال محمد فقيل وقد أرسل إليه ؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بإدريس فرحب بي ودعا لي بخير ثم يقول الله تعالى "ورفعناه مكانا عليا" ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت ؟ قال جبريل فقيل ومن معك ؟ قال
محمد فقيل قد أرسل إليه ؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بهارون فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقيل من أنت ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد فقيل وقد بعث إليه ؟ قال قد بعث إليه ففتح لنا فإذا أنا بموسى عليه السلام فرحب بي ودعا لي بخير ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقيل من أنت ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد فقيل وقد بعث إليه قال قد بعث إليه ففتح

لنا فإذا أنا بإبراهيم عليه السلام وإذا هو مستند إلى البيت المعمور وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا ثمرها كالقلال فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تغيرت فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن يصفها من حسنها قال فأوحى الله إلي ما أوحى وقد فرض علي في كل يوم وليلة خمسين صلاة فنزلت حتى انتهيت إلى موسى قال ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت خمسين صلاة في كل يوم وليلة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك وإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم قال فرجعت إلى ربي فقلت أي رب خفف عن أمتي فحط عني خمسا فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فقال ما فعلت فقلت قد حط عني خمسا فقال إن أمتك لا تطيق ذلك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى ويحط عني خمسا خمسا حتى قال : يا محمد هن خمس صلوات في كل يوم وليلة بكل صلاة عشر فتلك خمسون صلاة ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت عشرا ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب فإن عملها كتبت سيئة واحدة .
فنزلت حتى انتهيت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لقد رجعت إلى ربي حتى استحييت" ورواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن حماد بن سلمة بهذا السياق وهو أصح من سياق شريك .
قال البيهقي وفي هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسري به عليه الصلاة والسلام من مكة إلى بيت المقدس وهذا الذي قاله هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجا ملجما ليركبه

فاستصعب عليه فقال له جبريل ما يحملك على هذا فوالله ما ركبك قط أكرم على الله منه قال فارفض عرقا ورواه الترمذي عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق وقال غريب لا نعرفه إلا من حديثه .
وقال أحمد أيضا حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثني راشد بن سعيد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما عرج بي إلى ربي عز وجل مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم" وأخرجه أبو داود من حديث صفوان بن عمرو به ومن وجه آخر ليس فيه أنس فالله أعلم .
وقال أيضا حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن سليمان التيمي عن أنس قال : قال

رسول الله صلى الله عليه وسلم "مررت ليلة أسري بي على موسى عليه السلام قائما يصلي في قبره" ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن سليمان بن طرخان التيمي وثابت البناني كلاهما عن أنس قال النسائي هذا أصح من رواية من قال سليمان عن ثابت عن أنس .
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده حدثنا وهب بن بقية حدثنا خالد عن التيمي عن أنس قال أخبرني بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر على موسى وهو يصلي في قبره وقال أبو يعلى حدثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة حدثنا معتمر عن أبيه قال سمعت أنسا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر بموسى وهو يصلي في قبره قال أنس ذكر أنه حمل على البراق فأوثق الدابة أو قال الفرس قال أبو بكر صفها لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هي كذه وذه" فقال أشهد أنك رسول الله وكان أبو بكر رضي الله عنه قد رآها

وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو البزار في مسنده حدثنا سلمة بن شبيب حدثنا سعيد بن منصور حدثنا الحارث بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بينا أنا نائم إذ جاء جبريل عليه السلام فوكز بين كتفي فقمت إلى شجرة فيها كوكري الطير فقعد في أحدهما وقعدت في الآخر فسمت وارتفعت حتى سدت الخافقين وأنا أقلب طرفي"
ولو شئت أن أمس السماء لمست فالتفت إلى جبريل كأنه حلس لاط فعرفت فضل علمه بالله علي وفتح لي باب من أبواب السماء فرأيت النور الأعظم وإذا دون الحجاب رفرف الدر والياقوت وأوحي إلي ما شاء الله أن يوحى "ثم قال ولا نعلم روى هذا الحديث إلا أنس ولا نعلم رواه عن أبي عمران الجوني إلا الحارث بن عبيد وكان رجلا مشهورا من أهل البصرة ."
ورواه الحافظ البيهقي في الدلائل عن أبي بكر القاضي عن أبي جعفر محمد بن علي بن دحيم عن محمد بن الحسين بن أبي الحسين عن سعيد بن منصور فذكره بسنده مثله ثم قال وقال غيره في هذا الحديث في آخره ولط دوني أو قال دون الحجاب رفرف الدر والياقوت ثم قال هكذا رواه الحارث بن عبيد ورواه حماد بن سلمة عن أبي عمران الجوني عن محمد بن عمير بن عطارد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في ملإ من أصحابه فجاءه جبريل فنكت في ظهره فذهب به إلى الشجرة وفيها مثل وكري الطير فقعد في أحدهما وقعد جبريل في الآخر "فنشأت بنا حتى بلغت الأفق فلو بسطت يدي إلى السماء لنلتها فدلي بسبب وهبط إلي النور فوقع جبريل مغشيا عليه كأنه حلس فعرفت فضل خشيته على خشيتي فأوحي إلي نبيا ملكا أو نبيا عبدا وإلى الجنة ما أنت فأومأ إلي جبريل وهو مضطجع أن تواضع قال قلت لا بل نبيا عبدا" قلت وهذا إن صح يقتضي أنها واقعة غير ليلة الإسراء فإنه لم يذكر فيها بيت المقدس ولا الصعود إلى السماء فهي كائنة غير ما نحن فيه والله أعلم.
وقال البزار أيضا حدثنا عمرو بن عيسى حدثنا أبو بحر حدثنا شعبة عن قتادة عن أنس أن محمدا صلى الله عليه وسلم رأى ربه عز وجل وهذا غريب .
وقال أبو جعفر بن جرير حدثنا يونس حدثنا عبد الله بن وهب حدثنا

يعقوب بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن عبد الرحمن بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص عن أنس بن مالك قال : لما جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبراق فكأنها حركت ذنبها فقال لها جبريل مه يا براق فوالله ما ركبك مثله وسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو بعجوز على جانب الطريق فقال "ما هذه يا جبريل ؟ قال سر يا محمد قال فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه متنحيا عن الطريق فقال هلم يا محمد فقال له جبريل سر يا محمد فسار ما شاء الله أن يسير قال فلقيه خلق من خلق الله فقالوا السلام عليك يا أول السلام عليك يا آخر السلام عليك يا حاشر فقال له جبريل اردد السلام يا محمد فرد السلام ثم لقيه الثانية فقال له مثل مقالته الأولى ثم الثالثة كذلك حتى انتهى إلى بيت المقدس فعرض عليه الخمر والماء واللبن فتناول رسول الله صلى الله عليه وسلم اللبن فقال له جبريل أصبت الفطرة ولو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك ولو شربت الخمر لغويت ولغوت أمتك ثم بعث له آدم فمن دونه من الأنبياء عليهم السلام فأمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ثم قال له جبريل : أما العجوز التي رأيت على جانب الطريق فلم يبق من الدنيا إلا كما بقي من عمر تلك العجوز وأما الذي أراد أن تميل إليه فذاك عدو الله إبليس أراد أن تميل إليه وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث ابن وهب وفي بعض ألفاظه نكارة وغرابة" طريق أخرى "عن أنس بن مالك وفيها غرابة ونكارة جدا وهي في سنن النسائي المجتبى ولم أرها في الكبير قال : حدثنا عمرو بن هشام حدثنا مخلد هو ابن الحسين عن سعيد بن عبد العزيز حدثنا يزيد بن أبي مالك حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" أتيت بدابة فوق الحمار ودون البغل خطوها عند
منتهى طرفها فركبت ومعي جبريل عليه السلام فسرت فقال انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت ؟ صليت بطيبة وإليها المهاجرة ثم قال انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت ؟ صليت بطور سيناء حيث كلم الله موسى ثم قال انزل فصل فصليت فقال أتدري أين صليت صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى عليه السلام ثم دخلت بيت المقدس فجمع لي
الأنبياء عليهم السلام فقدمني جبريل عليه السلام حتى أممتهم ثم صعد بي إلى السماء الدنيا فإذا فيها آدم عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الثانية فإذا فيها ابنا الخالة عيسى ويحيى عليهما السلام ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فإذا فيها يوسف عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الرابعة فإذا فيها هارون عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فإذا فيها إدريس عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء السادسة فإذا فيها موسى عليه السلام ثم صعد بي إلى السماء السابعة فإذا فيها إبراهيم عليه السلام ثم صعد بي فوق سبع سماوات وأتيت سدرة المنتهى فغشيتني ضبابة فخررت ساجدا فقيل لي إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك فرجعت بذلك حتى أمر بموسى عليه السلام فقال ما فرض ربك على أمتك ؟ قلت خمسين صلاة قال فإنك لا تستطيع أن تقوم بها لا أنت ولا أمتك فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فرجعت إلى ربي فخفف عني عشرا ثم أتيت موسى فأمرني بالرجوع فرجعت فخفف عني عشرا ثم ردت إلى خمس صلوات قال فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتين فما قاموا بهما فرجعت إلى ربي عز وجل فسألته التخفيف فقال إني يوم خلقت السماوات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمس صلوات

فخمس بخمسين فقم بها أنت وأمتك قال فعرفت أنها من الله عز وجل صرى فرجعت إلى موسى عليه السلام فقال ارجع فعرفت أنها من الله عز وجل صرى - يقول أي حتم - فلم أرجع "" طريق أخرى "وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام ابن عمار حدثنا خالد بن يزيد بن أبي مالك عن أبيه عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : لما كان ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس أتاه جبريل بدابة فوق الحمار ودون البغل حمله جبريل عليها ينتهي خفها حيث ينتهي طرفها فلما بلغ بيت المقدس وبلغ المكان الذي يقال له باب محمد صلى الله عليه وسلم أتى إلى الحجر الذي ثمة فغمزه جبريل بأصبعه فثقبه ثم ربطها ثم صعد فلما استويا في صرحة المسجد قال جبريل يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين ؟ فقال" نعم "فقال فانطلق إلى أولئك النسوة فسلم عليهن وهن جلوس عن يسار الصخرة قال" فأتيتهن فسلمت عليهن فرددن علي السلام فقلت : من أنتن ؟ فقلن نحن خيرات حسان نساء قوم
أبرار نقوا فلم يدرنوا وأقاموا فلم يظعنوا وخلدوا فلم يموتوا قال ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرا حتى اجتمع ناس كثير ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة قال فقمنا صفوفا ننتظر من يؤمنا فأخذ بيدي جبريل عليه السلام فقدمني فصليت بهم فلما انصرفت قال جبريل يا محمد أتدري من صلى خلفك ؟ قال قلت : لا قال صلى خلفك كل نبي بعثه الله عز وجل قال ثم أخذ بيدي جبريل فصعد بي إلى السماء فلما انتهينا إلى الباب استفتح فقالوا من أنت ؟ قال أنا جبريل قالوا ومن معك قال محمد قالوا وقد بعث إليه قال نعم قال ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك قال فلما استوى على ظهرها إذا فيها آدم فقال لي جبريل يا محمد ألا تسلم على أبيك آدم ؟ قال قلت بلى فأتيته فسلمت عليه فرد علي وقال مرحبا بابني الصالح والنبي الصالح قال ثم عرج بي إلى السماء الثانية فاستفتح فقالوا من أنت ؟ قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد قالوا وقد بعث إليه قال نعم ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها عيسى وابن خالته يحيى عليهما السلام قال ثم

عرج بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قالوا من أنت ؟ قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد قالوا وقد بعث إليه ؟ قال نعم ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها يوسف عليه السلام ثم عرج بي إلى السماء الرابعة فاستفتح قالوا من أنت ؟ قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد قالوا وقد بعث إليه قال نعم ؟ قال ففتحوا وقالوا له مرحبا بك وبمن معك فإذا فيها إدريس عليه السلام قال فعرج بي إلى السماء الخامسة فاستفتح جبريل فقالوا من أنت قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد قالوا وقد بعث إليه ؟ قال نعم قال ففتحوا وقالوا مرحبا بك وبمن معك وإذا فيها هارون عليه السلام ثم عرج بي إلى السماء السادسة فاستفتح جبريل فقالوا من أنت قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد قالوا وقد بعث إليه ؟ قال نعم قال ففتحوا وقالوا مرحبا بك وبمن معك وإذا فيها موسى عليه السلام ثم عرج بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل فقالوا من أنت قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد قالوا وقد بعث إليه ؟ قال نعم ففتحوا له وقالوا مرحبا بك وبمن معك وإذا فيها إبراهيم عليه السلام فقال جبريل يا محمد ألا تسلم على أبيك إبراهيم ؟ قلت بلى فأتيته فسلمت عليه فرد علي السلام وقال مرحبا بابني الصالح والنبي الصالح
ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى بي إلى نهر عليه خيام اللؤلؤ والياقوت والزبرجد وعليه طير خضر أنعم طير رأيت فقلت يا جبريل إن هذا الطير لناعم قال يا محمد آكله أنعم منه ثم قال يا محمد أتدري أي نهر هذا ؟ قال قلت لا قال هذا الكوثر الذي أعطاك الله إياه فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد دماؤه أشد بياضا من اللبن قال فأخذت من آنيته آنية من الذهب فاغترفت من ذلك الماء فشربت فإذا هو أحلى من العسل

وأشد رائحة من المسك ثم انطلق بي حتى انتهيت إلى الشجرة فغشيتني سحابة فيها من كل لون فرفضني جبريل وخررت ساجدا لله عز وجل فقال الله لي : يا محمد إني يوم خلقت السماوات والأرض افترضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة فقم بها أنت وأمتك.
قال ثم انجلت عني السحابة فأخذ بيدي جبريل فانصرفت سريعا فأتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا فأتيت على موسى فقال ما صنعت يا محمد ؟ فقلت فرض ربي علي وعلى أمتي خمسين صلاة قال فلن تستطيعها أنت ولا أمتك فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنك فرجعت سريعا حتى انتهيت إلى الشجرة فغشيتني السحابة ورفضني جبريل وخررت ساجدا وقلت رب إنك فرضت علي وعلى أمتي خمسين صلاة ولن أستطيعها أنا ولا أمتي فخفف عنا قال قد وضعت عنكم عشرا قال ثم انجلت عني السحابة وأخذ بيدي جبريل قال فانصرفت سريعا حتى أتيت على إبراهيم فلم يقل لي شيئا ثم أتيت على موسى فقال لي ما صنعت يا محمد ؟ فقلت وضع عني ربي عشرا قال فأربعون صلاة لن تستطيعها أنت ولا أمتك فارجع إلى ربك فاسأله أن يخفف عنكم - فذكر الحديث كذلك إلى خمس صلوات وخمس بخمسين ثم أمره موسى أن يرجع فيسأله التخفيف - فقلت إني قد استحييت منه تعالى "قال ثم انحدر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لجبريل" ما لي لم آت أهل سماء إلا رحبوا بي وضحكوا لي غير رجل واحد فسلمت عليه فرد علي السلام ورحب بي ولم يضحك لي "قال يا محمد ذاك مالك خازن جهنم لم يضحك منذ خلق ولو ضحك إلى أحد لضحك إليك قال ثم ركب منصرفا فبينا هو في بعض الطريق مر بعير لقريش تحمل طعاما منها جمل عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء فلما حاذى بالعير نفرت منه واستدارت وصرع ذلك البعير وانكسر ثم إنه مضى فأصبح فأخبر عما كان فلما سمع المشركون قوله أتوا أبا بكر فقالوا يا أبا بكر هل لك في صاحبك ؟ يخبر أنه أتى في ليلته هذه مسيرة شهر ورجع في"

ليلته فقال أبو بكر رضي الله عنه إن كان قاله فقد صدق وإنا لنصدقه فيما هو أبعد من هذا لنصدقه على خبر السماء فقال المشركون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما علامة ما تقول قال "مررت بعير لقريش وهي في مكان كذا وكذا فنفرت الإبل منا واستدارت وفيها بعير عليه غرارتان غرارة سوداء وغرارة بيضاء فصرع فانكسر" فلما قدمت العير سألوهم فأخبروهم الخبر على مثل ما حدثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن ذلك سمي أبو بكر أبو بكر الصديق وسألوه وقالوا هل كان فيمن حضر معك موسى وعيسى ؟ قال "نعم" قالوا فصفهم لنا قال "نعم أما موسى فرجل آدم كأنه من رجال أزد عمان وأما عيسى فرجل ربعة"
سبط تعلوه حمرة كأنما يتحادر من شعره الجمان "هذا سياق فيه غرائب عجيبة."
"رواية أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة" قال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا همام قال سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك أن مالك بن صعصعة حدثه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به قال "بينما أنا في الحطيم - وربما قال قتادة في الحجر - مضطجعا إذ أتاني آت فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة قال فأتاني فقد - وسمعت قتادة يقول فشق - ما بين هذه إلى هذه" وقال قتادة فقلت للجارود وهو إلى جنبي ما يعني قال من ثغرة نحره إلى شعرته وقد سمعته يقول من قصته إلى شعرته قال

"فاستخرج قلبي - قال فأتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا وحكمة فغسل قلبي ثم حشي ثم أعيد ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض" قال فقال الجارود هو البراق يا أبا حمزة ؟ قال نعم يقع خطوه عند أقصى طرفه قال "فحملت عليه فانطلق بي جبريل عليه السلام حتى أتى بي إلى السماء الدنيا فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم فقيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء قال ففتح لنا فلما خلصت فإذا فيها آدم عليه السلام قال هذا أبوك آدم فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا فقال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء قال ففتح لنا فلما خلصت فإذا عيسى ويحيى وهما ابنا الخالة قال هذان يحيى وعيسى فسلم عليهما قال فسلمت فردا السلام ثم قالا مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الثالثة فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء قال ففتح لنا فلما خلصت إذا يوسف عليه السلام قال هذا يوسف قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح ثم صعد حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء قال ففتح لنا فلما خلصت فإذا إدريس عليه السلام قال هذا إدريس"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #316  
قديم 06-12-2025, 07:33 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الإسراء
من صـ 391 الى صــ 405
الحلقة (316)






قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال ثم صعد حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل
قيل ومن معك قال محمد قيل أوقد أرسل إليه قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء ففتح لنا فلما خلصت فإذا هارون عليه السلام قال هذا هارون فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال ثم صعد حتى أتى السماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك ؟ قال محمد قيل أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء ففتح لنا فلما خلصت فإذا أنا بموسى عليه السلام قال هذا موسى عليه السلام فسلم عليه فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح قال فلما تجاوزته بكى قيل له ما يبكيك قال أبكي لأن غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي .
قال ثم صعد حتى أتى السماء السابعة فاستفتح قيل من هذا قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قيل أوقد بعث إليه قال نعم قيل مرحبا به ولنعم المجيء جاء قال ففتح لنا فلما خلصت فإذا إبراهيم عليه السلام فقال هذا إبراهيم فسلم عليه قال فسلمت عليه فرد السلام ثم قال مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح قال ثم رفعت إلي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة فقال هذه سدرة المنتهى قال وإذا أربعة أنهار نهران باطنان ونهران ظاهران فقلت ما هذا يا جبريل ؟ قال أما الباطنان فنهران في الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات قال ثم رفع إلي البيت المعمور ""

قال قتادة وحدثنا الحسن عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفا ثم لا يعودون فيه ثم رجع إلى حديث أنس قال "ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل - قال - فأخذت اللبن قال هذه الفطرة أنت عليها وأمتك - قال - ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم - قال - فنزلت حتى أتيت موسى فقال ما فرض ربك على أمتك ؟ قال فقلت خمسين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فوضع عني عشرا قال فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت ؟ قلت بأربعين صلاة كل يوم قال إن أمتك لا تستطيع أربعين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فوضع عني عشرا أخر فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت فقلت أمرت بثلاثين صلاة قال إن أمتك لا تستطيع ثلاثين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فوضع عني عشرا أخر فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت ؟ قلت بعشرين صلاة كل يوم فقال إن أمتك لا تستطيع لعشرين صلاة كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فوضع عني عشرا أخر فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت ؟ فقلت أمرت بعشر صلوات كل يوم فقال إن أمتك لا تستطيع لعشر صلوات كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك"
فاسأله التخفيف لأمتك قال فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم فرجعت إلى موسى فقال بم أمرت فقلت أمرت بخمس صلوات كل يوم فقال إن أمتك لا تستطيع لخمس صلوات كل يوم وإني قد خبرت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى

ربك فاسأله التخفيف لأمتك قال قلت قد سألت ربي حتى استحييت ولكن أرضى وأسلم فنفذت فنادى مناد قد أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي "وأخرجاه في الصحيحين من حديث قتادة بنحوه ."
"رواية أنس عن أبي ذر" قال البخاري حدثنا يحيى بن بكير حدثنا الليث عن يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك قال كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "فرج عن سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغه في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا فلما جئت إلى السماء قال جبريل لخازن السماء افتح قال من هذا قال جبريل قال هل معك أحد قال نعم معي محمد صلى الله عليه وسلم فقال أرسل إليه ؟ قال نعم فلما فتح علونا السماء الدنيا فإذا رجل قاعد على يمينه أسودة وعلى يساره أسودة إذا نظر قبل يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قال قلت لجبريل من هذا قال هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل اليمين منهم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله أهل النار فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر عن شماله بكى ثم عرج بي إلى السماء الثانية فقال لخازنها افتح فقال له خازنها مثل ما قال له الأول ففتح" قال أنس فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم

في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة قال أنس فلما مر جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم بإدريس قال "مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح فقلت من هذا قال إدريس ثم مر بموسى فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح فقلت من هذا قال هذا موسى ثم مررت بعيسى فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت من هذا ؟ قال هذا عيسى ثم مررت بإبراهيم فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت من هذا قال هذا إبراهيم" .
قال الزهري فأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال النبي صلى الله عليه وسلم "ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام" قال ابن حزم وأنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ففرض الله على أمتي خمسين صلاة فرجعت بذلك حتى مررت على موسى عليه السلام فقال ما فرض الله على أمتك ؟ قلت فرض خمسين صلاة قال موسى فارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فرجعت فوضع شطرها فرجعت إلى موسى قلت وضع شطرها فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فرجعت فوضع شطرها فرجعت إليه فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فراجعته فقال هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي فرجعت إلى موسى فقال ارجع إلى ربك قلت قد استحييت من ربي ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى فغشيها ألوان لا أدري ما هي ثم أدخلت الجنة فإذا فيها حبائل اللؤلؤ وإذا ترابها المسك" وهذا لفظ البخاري في كتاب الصلاة ورواه في ذكر بني إسرائيل وفي الحج وفي أحاديث الأنبياء من طرق أخرى عن يونس به ورواه مسلم في صحيحه في كتاب الإيمان عن حرملة عن ابن وهب عن يونس به نحوه.
وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا همام عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته قال وما كنت تسأله ! قال كنت أسأله هل رأى ربه فقال إني قد سألته فقال : "قد رأيته"

نورا أنى أراه "هكذا قد وقع في رواية الإمام أحمد وأخرجه مسلم في صحيحه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن يزيد بن إبراهيم عن قتادة عن عبد الله بن شقيق عن أبي ذر قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم هل رأيت ربك قال :" نور أنى أراه "وعن محمد بن بشار عن معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن عبد الله بن شقيق قال قلت لأبي ذر لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لسألته فقال عن أي شيء كنت تسأله ؟ قال كنت أسأله هل رأيت ربك قال أبو ذر قد سألت فقال" رأيت نورا "."
"رواية أنس عن أبي بن كعب الأنصاري رضي الله عنه" قال عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد بن المسيبي حدثنا أنس بن عياض حدثنا يونس بن يزيد قال : قال ابن شهاب قال أنس بن مالك كان أبي بن كعب يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "فرج سقف بيتي وأنا بمكة فنزل جبريل ففرج صدري ثم غسله من ماء زمزم ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا فأفرغها في صدري ثم أطبقه ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء فلما جاء السماء الدنيا إذا رجل عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه تبسم وإذا نظر قبل يساره بكى فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قال قلت لجبريل من هذا ؟ قال هذا آدم وهذه الأسودة التي عن يمينه وعن شماله نسم بنيه فأهل يمينه هم أهل الجنة والأسودة التي عن شماله هم أهل النار فإذا نظر قبل يمينه"

ضحك وإذا نظر قبل يساره بكى قال ثم عرج بي جبريل حتى أتى السماء الثانية فقال لخازنها افتح فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا ففتح له "قال أنس فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وإبراهيم وعيسى ولم يثبت لي كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم عليه السلام في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة قال أنس فلما مر جبريل عليه السلام ورسول الله صلى الله عليه وسلم بإدريس قال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قال" قلت من هذا يا جبريل ؟ قال هذا إدريس قال ثم مررت بموسى فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح فقلت من هذا قال هذا موسى ثم مررت بعيسى فقال مرحبا بالنبي الصالح والأخ الصالح قلت من هذا قال هذا عيسى ابن مريم قال ثم مررت بإبراهيم فقال مرحبا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت من هذا قال هذا إبراهيم "قال ابن شهاب وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبة الأنصاري كانا يقولان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع صريف الأقلام "قال ابن حزم وأنس بن مالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" فرض الله على أمتي خمسين صلاة قال فرجعت بذلك حتى أمر على موسى فقال لي موسى ماذا فرض ربك على أمتك ؟ قلت فرض عليهم خمسين صلاة فقال موسى راجع ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك قال فراجعت ربي فوضع شطرها فرجعت إلى موسى فأخبرته فقال ارجع إلى ربك فإن أمتك لا تطيق ذلك فرجعت فقال هي خمس
وهي خمسون لا يبدل القول لدي قال فرجعت إلى موسى فقال راجع ربك فقلت قد استحييت من ربي قال ثم انطلق بي حتى أتى سدرة المنتهى قال فغشيها ألوان ما أدرى ما هي قال ثم دخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ وإذا ترابها المسك "هكذا رواه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وليس هو في شيء من الكتب الستة وقد تقدم في الصحيحين من طريق يونس عن الزهري عن أنس عن أبي ذر مثل هذا السياق سواء فالله أعلم ."

"رواية بريدة بن الحصيب الأسلمي" قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل ويعقوب بن إبراهيم واللفظ له قالا : حدثنا أبو نميلة حدثنا الزبير بن جنادة عن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما كان ليلة أسري بي - قال - فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس قال فوضع أصبعه فيها فخرقها فشد بها البراق" ثم قال البزار : لا نعلم رواه عن الزبير بن جنادة إلا أبو نميلة ولا نعلم هذا الحديث إلا عن بريدة وقد رواه الترمذي في التفسير من جامعه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي به وقال غريب ""


رواية جابر بن عبد الله رضي الله عنه "قال الإمام أحمد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب قال : قال أبو سلمة سمعت جابر بن عبد الله يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه" أخرجاه في الصحيحين من طرق عن حديث الزهري به وقال البيهقي حدثنا أحمد بن الحسن القاضي حدثنا أبو العباس الأصم حدثنا العباس بن محمد الدوري حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن ابن شهاب قال سمعت سعيد بن المسيب يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم وموسى وعيسى وإنه أتي بقدحين قدح من لبن وقدح من خمر فنظر إليهما ثم أخذ قدح اللبن فقال جبريل أصبت هديت للفطرة لو أخذت الخمر لغوت أمتك ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة فأخبر أنه أسري به فافتتن ناس كثير كانوا قد صلوا معه .
وقال ابن شهاب قال أبو سلمة بن عبد الرحمن فتجهز أو كلمة نحوها ناس من قريش إلى أبي بكر فقالوا هل لك في صاحبك يزعم أنه جاء إلى بيت المقدس ثم رجع إلى مكة في ليلة واحدة فقال أبو بكر أوقال ذلك ؟ قالوا نعم قال فأنا أشهد لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا فتصدقه في أن يأتي الشام في ليلة واحدة ثم

يرجع إلى مكة قبل أن يصبح ؟ قال نعم أنا أصدقه بأبعد من ذلك أصدقه بخبر السماء قال أبو سلمة فبها سمي أبو بكر الصديق قال أبو سلمة سمعت جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لما كذبتني قريش حين أسري بي إلى بيت المقدس قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه" "رواية حذيفة بن اليمان رضي الله عنه" قال الإمام أحمد ثنا أبو النضر ثنا سليمان عن شيبان عن عاصم عن زر بن حبيش قال أتيت على حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وهو يحدث عن ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم وهو يقول : فانطلقا حتى أتيا بيت المقدس فلم يدخلاه قال قلت بل دخله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ وصلى فيه قال ما اسمك يا أصلع ؟ فأنا أعرف وجهك ولا أدري ما اسمك قال قلت أنا زر بن حبيش قال فما علمك بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه ليلتئذ قال قلت القرآن يخبرني بذلك قال فمن تكلم بالقرآن فلج اقرأ قال فقلت "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى" قال يا أصلع هل تجد صلى فيه ؟ قلت لا قال والله ما صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلتئذ ولو صلى فيه لكتبت عليكم صلاة فيه كما كتب عليكم صلاة في البيت العتيق والله ما زايلا البراق حتى فتحت لهما أبواب السماء فرأيا الجنة والنار ووعد الآخرة أجمع ثم عادا عودهما على بدئهما قال ثم ضحك حتى رأيت نواجذه.
قال ويحدثون أنه ربطه لا يفر منه وإنما سخره له عالم الغيب والشهادة قلت أبا عبد الله أي دابة

البراق ؟ قال دابة أبيض طويل هكذا خطوه مد البصر .
ورواه أبو داود الطيالسي عن حماد بن سلمة عن عاصم به ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث عاصم وهو ابن أبي النجود به وقال الترمذي حسن وهذا الذي قاله حذيفة رضي الله عنه نفى ما أثبته غيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ربط الدابة بالحلقة ومن الصلاة ببيت المقدس مما سبق وما سبق مقدم على قوله والله أعلم بالصواب "رواية أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري" قال الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب دلائل النبوة حدثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا أبو بكر يحيى بن أبي طالب حدثنا عبد الوهاب بن عطاء حدثنا أبو محمد راشد الحماني عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال له أصحابه يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أسري بك فيها قال قال الله عز وجل "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا" الآية قال فأخبرهم قال "فبينما أنا نائم عشاء في المسجد الحرام إذ أتاني آت فأيقظني فاستيقظت فلم أر شيئا فإذا أنا بكهيئة خيال فأتبعته بصري حتى خرجت من المسجد الحرام فإذا أنا بدابة أدنى شبها بدوابكم هذه بغالكم هذه غير أنه مضطرب الأذنين يقال له البراق وكانت الأنبياء تركبه قبلي يقع حافره عند مد بصره فركبته فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني يا محمد انظرني أسألك يا محمد انظرني أسألك يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه فبينما أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يساري يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم"

أقم عليه فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله فقالت يا محمد انظرني أسألك فلم ألتفت إليها ولم أقم عليها حتى أتيت بيت المقدس فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء توثقها بها ثم أتاني جبريل عليه السلام بإناءين أحدهما خمر والآخر لبن فشربت اللبن وأبيت الخمر فقال جبريل أصبت الفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك فقلت الله أكبر الله أكبر فقال جبريل ما رأيت في وجهك هذا ؟ قال فقلت بينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يميني يا محمد انظرني أسألك فلم أجبه ولم أقم عليه قال ذاك داعي اليهود أما إنك لو أجبته أو وقفت عليه لتهودت أمتك .
قال فبينما أنا أسير إذ دعاني داع عن يساري قال يا محمد انظرني أسألك فلم ألتفت ولم أقم عليه قال ذاك داعي النصارى أما إنك لو أجبته لتنصرت أمتك قال فبينما أنا أسير إذا أنا بامرأة حاسرة عن ذراعيها عليها من كل زينة خلقها الله يا محمد انظرني أسألك فلم أجبها ولم أقم عليها قال تلك الدنيا أما إنك لو أجبتها أو قمت عليها لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة .
قال ثم دخلت أنا وجبريل بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين ثم أتيت بالمعراج الذي كانت تعرج عليه أرواح الأنبياء فلم ير الخلائق أحسن من المعراج أما رأيت الميت حين يشق بصره طامحا إلى السماء فإنما يشق بصره طامحا إلى السماء عجبه بالمعراج قال فصعدت أنا وجبريل فإذا أنا بملك يقال له إسماعيل وهو صاحب السماء الدنيا وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنوده مائة ألف ملك قال : قال الله عز وجل "وما يعلم جنود ربك إلا هو" قال فاستفتح جبريل باب السماء قيل من هذا ؟ قال جبريل ومن معك ؟ قال محمد قيل أوقد بعث إليه ؟ قال نعم فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خلقه الله عز وجل على صورته ؟ فإذا هو تعرض عليه أرواح ذريته من المؤمنين فيقول روح طيبة ونفس طيبة اجعلوها في عليين ثم تعرض عليه أرواح ذريته الفجار فيقول روح خبيثة ونفس خبيثة اجعلوها في سجين فمضيت هنيهة فإذا أنا بأخونة عليها لحم مشرح ليس يقربها أحد وإذا أنا بأخونة أخرى عليها لحم قد أروح وأنتن عندها أناس يأكلون منها قلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هؤلاء من أمتك يأتون الحرام ويتركون الحلال

قال ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام مشافرهم كمشافر الإبل قال فتفتح أفواههم فيلقمون من ذلك الجمر ثم يخرج من أسافلهم فسمعتهم يضجون إلى الله عز وجل فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء من أمتك "الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا" قال ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بنساء تعلقن بثديهن فسمعتهن يضججن إلى الله عز وجل قلت يا جبريل من هؤلاء النساء ؟ قال هؤلاء الزناة من أمتك.
قال ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر فيقول اللهم لا تقم الساعة قال وهم على سابلة آل فرعون قال فتجيء السابلة فتطؤهم قال فسمعتهم يضجون إلى الله قال قلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هؤلاء من أمتك "الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس" قال ثم مضيت هنيهة فإذا أنا بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم فيلقمونه فيقال له كل كما كنت تأكل من لحم أخيك قلت يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هؤلاء الهمازون من أمتك اللمازون قال ثم صعدنا إلى السماء الثانية فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله عز وجل قد فضل الناس في الحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب قلت يا جبريل من هذا ؟ قال هذا أخوك يوسف ومعه نفر من قومه فسلمت عليه فرد علي ثم صعدنا إلى السماء الثالثة واستفتح فإذا أنا بيحيى وعيسى عليهما السلام ومعهما نفر من قومهما فسلمت عليهما وسلما علي ثم صعدنا إلى السماء الرابعة فإذا أنا بإدريس قد رفعه الله مكانا عليا فسلمت عليه فسلم علي قال ثم صعدنا إلى السماء الخامسة فإذا أنا بهارون ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء تكاد لحيته تصيب سرته من طولها قلت يا جبريل من هذا ؟ قال هذا المحبب في قومه هذا هارون بن عمران ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي

ثم صعدت إلى السماء السادسة فإذا أنا بموسى بن عمران رجل آدم كثير الشعر لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دون القميص فإذا هو يقول يزعم الناس أني أكرم على الله عن هذا بل هذا أكرم على الله مني قال قلت يا جبريل من هذا ؟ قال هذا أخوك موسى بن عمران عليه السلام ومعه نفر من قومه فسلمت عليه وسلم علي ثم صعدت إلى السماء السابعة فإذا أنا بأبينا إبراهيم خليل الرحمن ساند ظهره إلى البيت المعمور كأحسن الرجال قلت يا جبريل من هذا ؟ قال هذا أبوك إبراهيم خليل الرحمن عليه السلام ومعه نفر من قومه فسلمت عليه فسلم علي وإذا أنا بأمتي شطرين شطر عليهم ثياب بيض كأنها القراطيس وشطر عليهم ثياب رمد قال فدخلت البيت المعمور ودخل معي الذين عليهم الثياب البيض وحجب الآخرون الذين عليهم الثياب الرمد وهم على خير فصليت أنا ومن معي في البيت المعمور ثم خرجت أنا ومن معي قال والبيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه إلى يوم القيامة قال ثم رفعت
إلي سدرة المنتهى فإذا كل ورقة منها تكاد تغطي هذه الأمة وإذا فيها عين تجري يقال لها سلسبيل فينشق منها نهران "أحدهما" الكوثر "والآخر" يقال له نهر الرحمة فاغتسلت فيه فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر , ثم إني رفعت إلي الجنة فاستقبلتني جارية فقلت لمن أنت يا جارية ؟ قالت لزيد بن حارثة وإذا بأنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وإذا رمانها كالدلاء عظما وإذا أنا بطيرها كأنها بختكم هذه فقال عندها صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قد أعد لعباده الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب
بشر .
قال ثم عرضت علي النار فإذا فيها غضب الله وزجره ونقمته ولو طرحت فيها الحجارة والحديد لأكلتها ثم أغلقت دوني ثم إني رفعت إلي سدرة المنتهى فتغشاني فكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى قال وينزل على كل ورقة منها ملك من الملائكة قال وفرضت علي خمسون صلاة وقال لك بكل حسنة عشر فإذا هممت بالحسنة فلم تعملها كتب لك حسنة فإذا عملتها كتبت لك عشرا وإذا هممت بالسيئة فلم تعملها لم يكتب عليك شيء .
فإن عملتها كتبت عليك سيئة واحدة ثم رجعت إلى موسى فقال بما أمرك ربك ؟ فقلت بخمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فإن أمتك لا تطيق ذلك ومتى لا تطيقه تكفر .
فرجعت إلى ربي فقلت يا رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم فوضع عني عشرا وجعلها أربعين فما زلت أختلف بين موسى وربي كلما أتيت عليه قال لي مثل مقالته حتى رجعت إليه فقال لي بم أمرت فقلت أمرت بعشر صلوات قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك فرجعت إلى ربي فقلت أي رب خفف عن أمتي فإنها أضعف الأمم فوضع عني خمسا وجعلها خمسا فناداني ملك عندها تممت فريضتي وخففت عن عبادي وأعطيتهم بكل حسنة عشر أمثالها ثم رجعت إلى موسى فقال بم أمرت ؟ فقلت بخمس صلوات قال ارجع إلى ربك فإنه لا يئوده شيء فاسأله التخفيف لأمتك فقلت رجعت إلى ربي حتى استحييت ثم أصبح بمكة يخبرهم بالأعاجيب : إني أتيت البارحة بيت المقدس وعرج بي إلى السماء ورأيت كذا وكذا فقال أبو جهل يعني ابن هشام ألا تعجبون مما قال محمد ؟ يزعم أنه أتى البارحة بيت المقدس ثم أصبح فينا وأحدنا يضرب مطيته مصعدة شهرا ومقفلة شهرا فهذه مسيرة شهرين في ليلة واحدة قال فأخبرتهم بعير

لقريش لما كنت في مصعدي رأيتها في مكان كذا وكذا وأنها نفرت فلما رجعت وجدتها عند العقبة وأخبرهم بكل رجل وبعيره كذا وكذا ومتاعه كذا وكذا فقال أبو جهل يخبرنا بأشياء فقال رجل منهم أنا أعلم الناس ببيت المقدس وكيف بناؤه وهيئته وكيف قربه من الجبل فإن يك محمد صادقا فسأخبركم وإن يك كاذبا فسأخبركم فجاء ذلك المشرك فقال يا محمد أنا أعلم الناس ببيت المقدس فأخبرني كيف بناؤه وكيف هيئته وكيف قربه من الجبل قال فرفع لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيت المقدس من مقعده فنظر إليه كنظر أحدنا إلى بيته قال بناؤه كذا وكذا وهيئته كذا وكذا وقربه من الجبل كذا وكذا فقال الآخر صدقت فرجع إليهم فقال صدق محمد فيما قال أو نحوا من هذا الكلام وكذا رواه الإمام أبو جعفر بن جرير بطوله عن محمد بن عبد الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر عن أبي هارون العبدي وعن الحسن بن يحيى عن عبد الرزاق عن معمر عن أبي هارون العبدي به ورواه أيضا من حديث ابن إسحاق حدثني روح بن القاسم عن أبي هارون به نحو سياقه المتقدم ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه عن أحمد بن عبدة عن أبي عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري فذكره بسياق طويل حسن أنيق أجود مما ساقه غيره على غرابته وما فيه من النكارة ثم ذكره
البيهقي أيضا من رواية روح بن قيس الحدائي وهشيم ومعمر عن أبي هارون العبدي واسمه عمارة بن جوين وهو مضعف عند الأئمة وإنما سقنا حديثه هاهنا لما فيه من الشواهد لغيره ولما رواه البيهقي أخبرنا الإمام أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن أنبأنا أبو نعيم أحمد بن محمد بن إبراهيم البزار حدثنا أبو حامد بن بلال حدثنا أبو الأزهر يزيد بن أبي حكيم قال : رأيت في النوم رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت يا رسول الله




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #317  
قديم 06-12-2025, 07:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الإسراء
من صـ 406 الى صــ 420
الحلقة (317)





رجل من أمتك يقال له سفيان الثوري لا بأس به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا بأس به" حدثنا عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري عنك يا رسول الله ليلة أسري بك قلت رأيت في السماء فحدثه بالحديث فقال لي "نعم" فقلت له يا رسول الله إن ناسا من أمتك يحدثون عنك في السرى بعجائب ؟ فقال لي "ذاك حديث القصاص" "رواية شداد بن أوس" قال الإمام أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل الترمذي حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن الضحاك الزبيدي حدثنا عمرو بن الحارث عن عبد الله بن سالم الأشعري عن محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي حدثنا أبو الوليد بن عبد الرحمن بن جبير بن نفير حدثنا شداد بن أوس قال : قلنا يا رسول الله كيف أسري بك ؟ قال "صليت لأصحابي صلاة العتمة بمكة معتما فأتاني جبريل عليه السلام بدابة أبيض أو قال بيضاء فوق الحمار ودون البغل فقال اركب فاستصعب علي فرازها بأذنها ثم حملني عليها فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث انتهى طرفها حتى بلغنا أرضا ذات نخل فأنزلني فقال صل فصليت ثم ركبت فقال أتدري أين صليت ؟ قلت الله أعلم قال صليت بيثرب صليت بطيبة فانطلقت تهوي بنا يقع حافرها عند منتهى طرفها ثم بلغنا أرضا قال انزل ثم قال صل فصليت ثم ركبنا فقال أتدري أين صليت ؟ قلت الله أعلم قال صليت بمدين عند شجرة موسى ثم انطلقت تهوي بنا يقع حافرها حيث أدرك طرفها ثم بلغنا أرضا بدت لنا قصور فقال انزل فنزلت فقال صل فصليت ثم ركبنا فقال أتدري أين صليت ؟ قلت الله أعلم قال صليت ببيت لحم حيث ولد عيسى ابن مريم ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينة من بابها اليماني فأتى قبلة المسجد فربط فيه دابته ودخلنا المسجد من باب تميل فيه الشمس والقمر فصليت من"
المسجد حيث شاء الله وأخذني من العطش أشد ما أخذني فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر عسل
أرسل إلي بهما جميعا فعدلت بينهما ثم هداني الله عز وجل فأخذت اللبن فشربت حتى عرقت به جبيني وبين يدي شيخ متكئ على مثوات له فقال أخذ صاحبك الفطرة إنه ليهدى ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي فيه المدينة فإذا جهنم تنكشف عن مثل الروابي "قلت يا رسول الله كيف وجدتها ؟ قال" وجدتها مثل الحمة السخنة ثم انصرف بي فمررنا بعير لقريش بمكان كذا وكذا قد أضلوا بعيرا لهم قد جمعه فلان فسلمت عليهم فقال بعضهم هذا صوت محمد ثم أتيت أصحابي قبل الصبح بمكة فأتاني أبو بكر رضي الله عنه فقال يا رسول الله أين كنت الليلة فقد التمستك في مظانك فقال علمت أني أتيت بيت المقدس الليلة فقال يا رسول الله إنه مسيرة شهر فصفه لي قال ففتح لي صراط كأني أنظر إليه لا يسألني عن شيء إلا أنبأته به فقال أبو بكر أشهد أنك لرسول الله وقال المشركون انظروا إلى ابن أبي كبشة يزعم أنه أتى بيت المقدس الليلة ؟ قال فقال إن من آية ما أقول لكم أني مررت بعير لكم في مكان كذا وكذا وقد أضلوا بعيرا لهم فجمعه لهم فلان وإن مسيرهم ينزلون بكذا ثم بكذا ويأتونكم يوم كذا وكذا يقدمهم جمل آدم عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان فلما كان ذلك اليوم أشرف الناس ينظرون حين كان قريبا من نصف النهار حتى أقبلت العير يقدمهم ذلك الجمل الذي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
هكذا رواه البيهقي من طريقين عن أبي إسماعيل الترمذي به ثم قال بعد تمامه هذا إسناد صحيح وروى ذلك مفرقا من أحاديث غيره ونحن نذكر من ذلك إن شاء الله ما حضرنا ثم ساق أحاديث كثيرة في الإسراء كالشاهد لهذا الحديث

وقد روى هذا الحديث عن شداد بن أوس بطوله الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم في تفسيره عن أبيه عن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الزبيدي به ولا شك أن هذا الحديث أعني الحديث المروي عن شداد بن أوس مشتمل على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها ما هو منكر كالصلاة في بيت لحم .
وسؤال الصديق عن نعت بيت المقدس وغير ذلك والله أعلم.
"رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما" قال الإمام أحمد حدثنا عثمان بن محمد حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه قال حدثنا ابن عباس قال : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الجنة فسمع في جانبها وخشا فقال "يا جبريل ما هذا" قال هذا بلال المؤذن فقال النبي صلى الله عليه وسلم حين جاء إلى الناس "قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا" قال فلقيه موسى عليه السلام فرحب به وقال مرحبا بالنبي الأمي قال وهو رجل آدم طويل سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما "من هذا يا جبريل" قال هذا موسى قال فمضى فلقيه شيخ جليل متهيب فرحب به وسلم عليه وكلهم يسلم عليه قال "من هذا يا جبريل" قال هذا أبوك إبراهيم قال ونظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف قال "من هؤلاء يا جبريل" قال هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ورأى رجلا أحمر أزرق جدا قال "من هذا يا جبريل" قال هذا عاقر الناقة قال فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي فإذا النبيون أجمعون يصلون معه فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال في أحدهما لبن وفي الآخر عسل فأخذ اللبن فشرب منه فقال الذي كان معه القدح أصبت الفطرة إسناد صحيح ولم يخرجوه .

"طريق أخرى" قال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ثابت أبو زيد حدثنا هلال حدثني عكرمة عن ابن عباس قال : أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت المقدس ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره وبعلامة بيت المقدس وبعيرهم فقال ناس نحن لا نصدق محمدا بما يقول فارتدوا كفارا فضرب الله رقابهم مع أبي جهل وقال أبو جهل يخوفنا محمد بشجرة الزقوم هاتوا تمرا وزبدا فتزقموا ورأى الدجال في صورته رؤيا عين ليس برؤيا منام وعيسى وموسى وإبراهيم وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الدجال فقال "رأيته فيلمانيا أقمر هجانا إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري كأن شعر رأسه أغصان شجرة ورأيت عيسى عليه السلام أبيض جعد الرأس حديد البصر ومبطن الخلق ورأيت موسى عليه السلام أسحم آدم كثير الشعر شديد الخلق ونظرت إلى إبراهيم عليه السلام فلم أنظر إلى إرب منه إلا نظرت إليه مني حتى كأنه صاحبكم قال جبريل سلم على أبيك فسلمت عليه" ورواه النسائي من حديث أبي زيد ثابت بن زيد عن هلال وهو ابن حبان به وهو إسناد صحيح .
"طريق أخرى" قال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر الشافعي أنبأنا إسحاق بن الحسن حدثنا الحسين بن محمد حدثنا شيبان عن قتادة عن أبي العالية قال حدثنا ابن عم نبيكم صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا"

طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى ابن مريم عليه السلام مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس "وأرى مالكا خازن جهنم والدجال في آيات أراهن الله إياه قال" فلا تكن في مرية من لقائه "فكان قتادة يفسرها أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد لقي موسى عليه السلام" وجعلناه هدى لبني إسرائيل "قال جعل الله موسى هدى لبني إسرائيل رواه مسلم في الصحيح عن عبد بن حميد عن يونس بن محمد عن شيبان وأخرجاه من حديث شعبة عن قتادة مختصرا ."
"طريق أخرى" وقال البيهقي أخبرنا علي بن أحمد بن عبد الله أنا أحمد بن عبيد الستار ثنا دبيس المعدل ثنا عفان قال ثنا حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة فقلت ما هذه الرائحة ؟ قال ماشطة بنت فرعون وأولادها سقط المشط من يدها فقالت بسم الله فقالت بنت فرعون أبي قالت ربي وربك ورب أبيك قالت أولك رب غير أبي ؟ قالت نعم ربي وربك ورب أبيك الله ."
قال فدعاها فقال ألك رب غيري ؟ قالت نعم ربي وربك الله عز وجل .
قال فأمر ببقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها أن تلقى فيها قالت إن لي إليك حاجة قال ما هي ؟ قال تجمع عظامي وعظام ولدي في موضع قال ذاك لك لما لك علينا من الحق قال فأمر

بهم فألقوا واحدا واحدا حتى بلغ رضيعا فيهم فقال يا أمه قعي ولا تقاعسي فإنك على الحق "قال وتكلم أربعة في المهد وهم صغار هذا وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم عليه السلام إسناد لا بأس به ولم يخرجوه" طريق أخرى "قال الإمام أحمد أيضا حدثنا محمد بن جعفر وروح بن المعين قالا حدثنا عوف عن زرارة بن أوفى عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لما كان ليلة أسري بي فأصبحت بمكة فظعت وعرفت أن الناس مكذبي "فقعد معتزلا حزينا فمر به عدو الله أبو جهل فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ هل كان من شيء ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" نعم "قال وما هو ؟ قال" إني أسري بي الليلة "قال إلى أين ؟ قال" إلى بيت المقدس "قال ثم أصبحت بين ظهرانينا ؟ قال" نعم "قال فلم ير أن يكذبه مخافة أن يجحد الحديث إن دعا قومه إليه فقال أرأيت إن دعوت قومك أتحدثهم بما حدثتني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" نعم "فقال يا معشر بني كعب بن لؤي قال فانفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما قال حدث قومك بما حدثتني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" إني أسري بي

الليلة "فقالوا إلى أين ؟ قال" إلى بيت المقدس "قالوا ثم أصبحت بين ظهرانينا قال" نعم "قال فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب قالوا وتستطيع أن تنعت لنا المسجد وفيهم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر إليه حتى وضع دون دار عقيل أو عقال فنعته وأنا أنظر إليه قال وكان مع هذا نعت لم أحفظه قال فقال القوم أما النعت فوالله لقد أصاب فيه "."
وأخرجه النسائي من حديث عوف بن أبي جميلة وهو الأعرابي به ورواه البيهقي عن حديث النضر بن شميل وهوذة عن عوف وهو ابن أبي جميلة الأعرابي أحد الأئمة الثقات "رواية عبد الله بن مسعود رضي الله عنه" قال الحافظ ابن بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب حدثنا السري بن خزيمة حدثنا يوسف بن بهلول حدثنا عبد الله بن نمير عن مالك بن مغول عن الزبير بن عدي عن طلحة بن مصرف عن مرة الهمداني عن عبد الله بن مسعود قال : لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهى إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة وإليها ينتهي ما يصعد به حتى يقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها حتى يقبض "إذ يغشى السدرة ما يغشى" قال غشيها فراش من ذهب وأعطي رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس وخواتيم سورة البقرة وغفر لمن لا يشرك بالله شيئا المقحمات

يعني الكبائر .
ورواه مسلم في صحيحه عن محمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب كلاهما عن عبد الله بن نمير به ثم قال البيهقي وهذا الذي ذكره عبد الله بن مسعود طرف من حديث المعراج وقد رواه أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رواه مرة مرسلا من دون ذكرهما ثم إن البيهقي ساق الأحاديث الثلاثة كما تقدم .
قلت وقد روي عن ابن مسعود بأبسط من هذا وفيه غرابة وذلك فيما رواه الحسن بن عرفة في جزئه المشهور : حدثنا مروان بن معاوية عن قتادة بن عبد الله التيمي حدثنا أبو ظبيان الجنبي قال : كنا جلوسا عند أبي عبيدة بن عبد الله يعني ابن مسعود ومحمد بن سعد بن أبي وقاص وهما جالسان فقال محمد بن سعد لأبي عبيدة حدثنا عن أبيك ليلة أسري بمحمد صلى الله عليه وسلم فقال أبو عبيدة لا بل حدثنا أنت عن أبيك فقال محمد لو سألتني قبل أن أسألك لفعلت قال فأنشأ أبو عبيدة يحدث يعني عن أبيه كما سئل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أتاني جبريل عليه السلام بدابة فوق الحمار ودون البغل فحملني عليه ثم انطلق يهوي بنا كلما صعد عقبة استوت رجلاه كذلك مع يديه وإذا هبط استوت يداه مع رجليه حتى مررنا برجل طوال سبط آدم كأنه من رجال أزد شنوءة فيرفع صوته يقول أكرمته وفضلته قال فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد"

السلام فقال من هذا معك يا جبريل ؟ قال هذا أحمد قال مرحبا بالنبي الأمي العربي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته قال ثم اندفعنا فقلت من هذا يا جبريل ؟ قال هذا موسى بن عمران قال قلت ومن يعاتب قال يعاتب ربه فيك قلت ويرفع صوته على ربه قال إن الله قد عرف له حدته .
قال ثم اندفعنا حتى مررنا بشجرة كأن ثمرها السرح تحتها شيخ وعياله قال فقال لي جبريل اعمد إلى أبيك إبراهيم فدفعنا إليه فسلمنا عليه فرد السلام فقال إبراهيم من هذا معك يا جبريل ؟ قال هذا ابنك أحمد قال فقال مرحبا بالنبي الأمي الذي بلغ رسالة ربه ونصح لأمته يا بني إنك لاق ربك الليلة وإن أمتك آخر الأمم وأضعفها فإن استطعت أن تكون حاجتك أو جلها في أمتك فافعل .
قال ثم اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى فنزلت فربطت الدابة في الحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين من بين قائم وراكع وساجد قال ثم أتيت بكأسين من عسل ولبن فأخذت اللبن فشربت فضرب جبريل عليه السلام منكبي وقال أصبت الفطرة ورب محمد قال ثم أقيمت الصلاة فأممتهم ثم انصرفنا فأقبلنا "إسناد غريب ولم يخرجوه فيه من الغرائب سؤال الأنبياء عنه عليه السلام ابتداء ثم سؤاله عنهم بعد انصرافه والمشهور في الصحاح كما تقدم أن جبريل كان يعلمه بهم أولا ليسلم عليهم سلام معرفة وفيه أنه اجتمع بالأنبياء عليهم السلام قبل دخوله المسجد الأقصى والصحيح أنه إنما اجتمع بهم في السماوات ثم نزل إلى بيت المقدس ثانيا وهم معه وصلى بهم فيه ثم إنه ركب البراق وكر راجعا إلى مكة والله أعلم" طريق أخرى "قال الإمام أحمد حدثنا هشيم حدثنا العوام عن جبلة بن سحيم عن مرثد بن جنادة عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" لقيت ليلة أسري بي إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام فتذاكروا أمر الساعة قال فردوا أمرهم إلى إبراهيم عليه السلام فقال لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى موسى فقال لا علم لي بها فردوا أمرهم إلى عيسى فقال أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله عز وجل وفيما عهد إلي ربي أن الدجال خارج قال ومعي قضيبان فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص قال فيهلكه الله إذا رآني حتى إن الحجر والشجر يقول يا مسلم إن تحتي كافرا فتعال فاقتله قال فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم قال فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون فيطئون بلادهم فلا يأتون على شيء إلا أهلكوه ولا يمرون على ماء إلا شربوه قال ثم يرجع الناس إلي فيشكونهم فأدعو الله عليهم فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من

نتن ريحهم أي تنتن قال فينزل الله المطر فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك أن الساعة كالحامل المتم لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادها ليلا أو نهارا "."
وأخرجه ابن ماجه عن بندار عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب رواية عبد الرحمن بن قرط أخي عبد الله بن قرط الثمالي قال سعيد بن منصور حدثنا مسكين بن ميمون مؤذن مسجد الرملة حدثني عروة بن رويم عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ليلة أسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى من بين زمزم والمقام جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فطارا به حتى بلغ السماوات العلى فلما رجع قال "سمعت تسبيحا في السماوات العلى مع تسبيح كثير سبحت السماوات العلى من ذي المهابة مشفقات من ذوي العلو بما علا سبحان العلي الأعلى سبحانه وتعالى" .
ونذكر هاهنا الحديث عند قوله تعالى من هذه السورة "تسبح له السماوات السبع والأرض" الآية .
"رواية عمر بن الخطاب رضي الله عنه" قال الإمام أحمد حدثنا أسود بن

عامر حدثنا حماد بن سلمة عن أبي سنان عن عبيد بن آدم وأبي مريم وأبي شعيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس قال : قال أبو سلمة فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم قال سمعت عمر بن الخطاب يقول لكعب أين ترى أن أصلي ؟ فقال إن أخذت عني صليت خلف الصخرة فكانت القدس كلها بين يديك فقال عمر رضي الله عنه ضاهيت اليهودية ولكن أصلي حيث صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم إلى القبلة فصلى ثم جاء فبسط رداءه وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس فلم يعظم الصخرة تعظيما يصلي وراءها وهي بين يديه كما أشار كعب الأحبار وهو من قوم يعظمونها حتى جعلوها قبلتهم ولكن من الله عليه بالإسلام فهدي إلى الحق ولهذا لما أشار بذلك قال له أمير المؤمنين عمر ضاهيت اليهودية ولا أهانها إهانة النصارى الذين كانوا قد جعلوها مزبلة من أجل أنها قبلة اليهود ولكن أماط عنها الأذى وكنس عنها الكناسة بردائه وهذا شبيه بما جاء في صحيح مسلم عن أبي مرثد الغنوي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها" .
"رواية أبي هريرة وهي مطولة جدا وفيها غرابة" قال الإمام أبو جعفر بن جرير في تفسير سورة سبحان حدثنا علي ابن سهل ثنا حجاج ثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية الرياحي عن أبي هريرة أو غيره - شك أبو جعفر - في قول الله عز وجل "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا" الآية قال

جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ميكائيل فقال جبرائيل لميكائيل ائتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح له صدره قال فشق عنه بطنه فغسله ثلاث مرات واختلف إليه ميكائيل بثلاث طساس من ماء زمزم فشرح صدره فنزع ما كان فيه من غل وملأه علما وحلما وإيمانا ويقينا وإسلاما وختم بين كتفيه بخاتم النبوة ثم أتاه بفرس فحمله عليه كل خطوة منه منتهى بصره أو أقصى بصره قال فسار وسار معه جبريل عليهما السلام قال فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال النبي صلى الله عليه وسلم "يا جبريل ما هذا ؟" قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين ثم أتى على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال "ما هؤلاء يا جبريل ؟" قال هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة المكتوبة ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع وعلى أدبارهم رقاع يسرحون كما تسرح الإبل والنعم ويأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم وحجارتها "قال فما هؤلاء يا جبريل ؟" قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله تعالى شيئا وما الله بظلام للعبيد ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر ولحم نيء في قدر خبيث فجعلوا يأكلون من اللحم النيء الخبيث ويدعون النضيج الطيب فقال "ما هؤلاء يا جبريل ؟" فقال

هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيبة فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح والمرأة تقوم من عند زوجها حلالا طيبا فتأتي رجلا خبيثا فتبيت معه حتى تصبح قال ثم أتى على خشبة على الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا خرقته قال ما هذا يا جبريل ؟ قال هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونها ثم تلا "ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون" الآية قال ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها فقال "ما هذا يا جبريل ؟"
قال هذا الرجل من أمتك يكون عليه أمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يحمل عليها ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال "ما هذا يا جبريل ؟" فقال هؤلاء خطباء الفتنة ثم أتى على حجر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع فقال "ما هذا يا جبريل ؟" فقال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة باردة وريح مسك وسمع صوتا فقال : "يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة وما هذا المسك وما هذا الصوت ؟" قال هذا صوت الجنة تقول يا رب ائتني بما وعدتني فقد كثرت غرفي وإستبرقي وحريري وسندسي وعبقريي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وأكؤسي وعسلي ومائي ولبني وخمري فائتني بما وعدتني فقال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك بي شيئا ولم يتخذ من دوني أندادا ومن خشيني فهو آمن ومن سألني أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد وقد أفلح المؤمنون وتبارك الله أحسن الخالقين
قالت قد رضيت .
قال ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا ووجد ريحا خبيثة فقال : ما هذه الريح يا جبريل وما هذا الصوت ؟ "فقال هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتني بما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي وقد بعد قعري واشتد حري فائتني بما وعدتني قال لك كل مشرك ومشركة وكافر وكافرة وكل خبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت قد رضيت ."
قال ثم سار حتى أتى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى الصخرة ثم دخل فصلى مع الملائكة فلما قضيت الصلاة قالوا يا جبريل من هذا معك قال محمد صلى الله عليه وسلم قالوا أوقد أرسل إليه قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال ثم لقي أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم فقال إبراهيم عليه السلام : الحمد لله الذي اتخذني خليلا وأعطاني ملكا عظيما وجعلني أمة قانتا يؤتم بي وأنقذني من النار وجعلها علي بردا وسلاما .
ثم إن موسى عليه السلام أثنى على ربه فقال الحمد لله الذي كلمني تكليما وجعل هلاك آل فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي وجعل من أمتي قوما يهدون بالحق وبه يعدلون .
ثم إن داود عليه السلام أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي جعل لي ملكا عظيما وعلمني الزبور وألان لي الحديد وسخر لي الجبال يسبحن والطير وأعطاني الحكمة وفصل الخطاب .
ثم إن سليمان عليه السلام أثنى على ربه فقال : الحمد لله الذي سخر لي الرياح وسخر لي الشياطين يعملون لي ما شئت من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات وعلمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلا وسخر لي جنود الشياطين والإنس والطير وفضلني على كثير من عباده المؤمنين وآتاني ملكا عظيما لا ينبغي لأحد من بعدي وجعل ملكي ملكا طيبا ليس فيه حساب ثم إن عيسى عليه السلام أثنى على ربه عز وجل فقال : الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعل مثلي كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله

ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان علينا سبيلا.
قال ثم إن محمدا صلى الله عليه وسلم أثنى على ربه عز وجل فقال "كلكم أثنى على ربه وإني مثن على ربي فقال : الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين وكافة للناس بشيرا ونذيرا وأنزل علي الفرقان فيه بيان لكل شيء وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس وجعل أمتي أمة وسطا وجعل أمتي هم الأولين وهم الآخرين وشرح لي صدري ووضع عني وزري ورفع لي ذكري وجعلني فاتحا وخاتما" فقال إبراهيم عليه السلام بهذا فضلكم محمد صلى الله عليه وسلم قال أبو جعفر الرازي خاتم بالنبوة فاتح بالشفاعة يوم القيامة .
ثم أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها فأتي بإناء منها فيه ماء فقيل له اشرب فشرب منه يسيرا ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن فقيل له اشرب فشرب منه حتى روي ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر فقيل له اشرب فقال "لا أريده قد رويت" فقال له جبريل أما إنها ستحرم على أمتك ولو شربت منها لم يتبعك من أمتك إلا القليل قال ثم صعد به إلى السماء فاستفتح فقيل من هذا يا جبريل فقال محمد فقالوا أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء ففتح لهما فدخل فإذا هو برجل تام الخلق لم ينقص من خلقه شيء كما ينقص من خلق الناس عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة فإذا نظر إلى الباب الذي عن يمينه ضحك واستبشر وإذا نظر إلى الباب الذي عن شماله بكى وحزن فقلت "يا جبريل من هذا الشيخ التام الخلق الذي لم ينقص من خلقه شيء وما هذان البابان" فقال هذا أبوك آدم وهذا الباب الذي عن يمينه باب الجنة فإذا نظر إلى من يدخل الجنة من ذريته ضحك واستبشر والباب الذي عن شماله باب جهنم إذا نظر إلى من يدخلها من ذريته بكى وحزن






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #318  
قديم 06-12-2025, 07:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الإسراء
من صـ 421 الى صــ 435
الحلقة (318)






ثم صعد به جبريل إلى السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا معك ؟ فقال محمد رسول الله قالوا أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال فدخل فإذا هو بشابين فقال "يا جبريل من هذان الشابان" قال هذا عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا ابنا الخالة عليهما السلام قال فصعد به إلى السماء الثالثة فاستفتح فقالوا من هذا ؟ قال جبريل قالوا ومن معك قال محمد قالوا أوقد أرسل إليه قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال فدخل فإذا هو برجل قد فضل على الناس في الحسن كما فضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب قال "من هذا يا جبريل الذي قد فضل على الناس في الحسن" قال هذا أخوك يوسف عليه السلام قال ثم صعد به إلى السماء الرابعة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد قالوا أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال فدخل فإذا هو برجل قال "من هذا يا جبريل" قال هذا إدريس عليه السلام رفعه الله مكانا عليا ثم صعد به
إلى السماء الخامسة فاستفتح فقالوا من هذا ؟ قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد قالوا أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال فدخل فإذا هو برجل جالس وحوله قوم يقص عليهم قال "من هذا يا جبريل ومن هؤلاء حوله" قال هذا هارون المحبب وهؤلاء بنو إسرائيل ثم صعد به إلى السماء السادسة فاستفتح فقيل من هذا قال جبريل قالوا ومن معك ؟ قال محمد قالوا أوقد أرسل إليه ؟ قال نعم قالوا حياه الله من

أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال فدخل فإذا هو برجل جالس فجاوزه فبكى الرجل فقال "يا جبريل من هذا" قال موسى قال "فما باله يبكي" قال يزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله عز وجل وهذا رجل من بني آدم قد خلفني في دنيا وأنا في أخرى فلو أنه بنفسه لم أبال ولكن مع كل نبي أمته قال ثم صعد به إلى السماء السابعة فاستفتح فقيل من هذا ؟ قال جبريل قيل ومن معك قال محمد قالوا أوقد أرسل إليه قال نعم قالوا حياه الله من أخ ومن خليفة فنعم الأخ ونعم الخليفة ونعم المجيء جاء قال فدخل فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي وعنده قوم جلوس بيض الوجوه أمثال القراطيس وقوم في ألوانهم شيء فقام هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فدخلوا نهرا فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلص من ألوانهم شيء ثم دخلوا نهرا آخر فاغتسلوا فيه فخرجوا وقد خلصت ألوانهم فصارت مثل ألوان أصحابهم فجاءوا فجلسوا إلى أصحابهم فقال "يا جبريل من هذا الأشمط ؟ ثم من هؤلاء البيض الوجوه ؟ ومن هؤلاء الذين في ألوانهم شيء وما هذه الأنهار التي دخلوا فيها فجاءوا وقد صفت ألوانهم" قال هذا أبوك إبراهيم أول من شمط على وجه الأرض وأما هؤلاء البيض الوجوه فقوم لم يلبسوا إيمانهم بظلم وأما هؤلاء الذين في ألوانهم شيء فقوم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا فتاب الله عليهم وأما الأنهار فأولها رحمة الله والثاني نعمة الله والثالث سقاهم ربهم شرابا طهورا قال ثم انتهى إلى السدرة فقيل له هذه السدرة ينتهي إليها كل أحد خلا من أمتك
على سنتك .
فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى وهي شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين عاما لا يقطعها والورقة منها تغطي الأمة كلها قال فغشيها نور الخلاق عز وجل وغشيتها الملائكة أمثال الغربان حين يقعن على الشجرة من حب الرب تبارك وتعالى قالوا فكلمه الله عند ذلك فقال له سل فقال إنك اتخذت إبراهيم خليلا وأعطيته ملكا عظيما وكلمت موسى تكليما وأعطيت داود ملكا عظيما وألنت له الحديد وسخرت له الجبال وأعطيت سليمان ملكا وسخرت له الجن والإنس والشياطين وسخرت له الرياح وأعطيت له ملكا لا ينبغي لأحد من بعده وعلمت عيسى التوراة والإنجيل وجعلته يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذنك وأعذته وأمه من الشيطان الرجيم فلم يكن للشيطان عليهما سبيل فقال له الرب عز وجل وقد اتخذتك خليلا - وهو مكتوب في التوراة حبيب الرحمن - وأرسلتك إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وشرحت لك صدرك ووضعت عنك وزرك ورفعت لك ذكرك فلا أذكر إلا ذكرت معي وجعلت أمتك خير أمة أخرجت للناس وجعلت أمتك أمة وسطا وجعلت أمتك هم الأولين وهم الآخرين وجعلت أمتك لا تجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي وجعلت من أمتك أقواما قلوبهم أناجيلهم وجعلتك أول النبيين خلقا وآخرهم بعثا وأولهم يقضى له وأعطيتك سبعا من المثاني لم يعطها نبي قبلك وأعطيتك خواتيم سورة البقرة من كنز تحت العرش لم أعطها نبيا قبلك وأعطيتك الكوثر وأعطيتك ثمانية أسهم الإسلام والهجرة والجهاد والصلاة والصدقة وصوم رمضان والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلتك فاتحا خاتما فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "فضلني ربي بست : أعطاني فواتح الكلام وخواتيمه وجوامع الحديث وأرسلني إلى الناس كافة بشيرا ونذيرا وقذف في قلوب أعدائي الرعب من مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وجعلت لي الأرض كلها طهورا ومسجدا قال وفرض عليه خمسين صلاة فلما رجع إلى موسى قال بم أمرت يا محمد قال بخمسين صلاة قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم"

فقد لقيت من بني إسرائيل شدة قال فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل فسأله التخفيف فوضع عنه عشرا ثم رجع إلى موسى فقال له بكم أمرت قال بأربعين قال ارجع
إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم وقد لقيت من بني إسرائيل شدة قال فرجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ربه فسأله التخفيف فوضع عنه عشرا فرجع إلى موسى فقال بكم أمرت قال أمرت بثلاثين .
فقال له موسى ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم وقد لقيت من بني إسرائيل شدة .
قال فرجع إلى ربه فسأله التخفيف فوضع عنه عشرا فرجع إلى موسى عليه السلام فقال بكم أمرت بعشرين قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم وقد لقيت من بني إسرائيل شدة قال فرجع إلى ربه عز وجل فسأله التخفيف فوضع عنه عشرا فرجع إلى موسى فقال بكم أمرت قال أمرت بعشر قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم وقد لقيت من بني إسرائيل شدة قال فرجع على حياء من ربه فسأله التخفيف فوضع عنه خمسا فرجع إلى موسى عليه السلام فقال بكم أمرت ؟ قال أمرت بخمس قال ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فإن أمتك أضعف الأمم وقد لقيت من بني إسرائيل شدة قال قد رجعت إلى ربي حتى استحييت فما أنا براجع إليه قيل أما إنك كما صبرت نفسك على خمس صلوات فإنهم يجزين عنك خمسين صلاة فإن كل حسنة بعشر أمثالها قال فرضي محمد صلى الله عليه وسلم كل الرضا قال وكان موسى عليه السلام من أشدهم عليه حين مر به وخيرهم له حين رجع إليه .
ثم رواه ابن جرير عن محمد بن عبيد الله عن أبي النضر هاشم بن القاسم عن أبى جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أو غيره - شك أبو جعفر - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره بمعناه وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي عن أبي سعيد الماليني عن ابن عدي عن محمد بن الحسن السكوني البالسي بالرملة حدثنا علي بن سهل فذكر مثل ما رواه ابن جرير عنه وذكر البيهقي أن الحاكم أبا عبد الله رواه عن إسماعيل بن محمد بن الفضل بن محمد

الشعراني عن جده عن إبراهيم بن حمزة الزبيري عن حاتم بن إسماعيل حدثني عيسى بن ماهان يعني أبا جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم فذكره .
وقال ابن أبي حاتم ذكر أبو زرعة حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير حدثنا يونس بن بكير حدثنا عيسى بن عبد الله التيمي عن أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس البكري عن أبي العالية أو غيره - شك عيسى - عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله تعالى "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام" فذكر الحديث بطوله كنحو مما سقناه "قلت" وأبو جعفر الرازي قال فيه الحافظ أبو زرعة الرازي يهم في الحديث كثيرا وقد ضعفه غيره أيضا ووثقه بعضهم والظاهر أنه سيئ الحفظ ففيما تفرد به نظر .
وهذا الحديث في بعض ألفاظه غرابة ونكارة شديدة وفيه شيء من حديث المنام من رواية سمرة بن جندب في المنام الطويل عند البخاري ويشبه أن يكون مجموعا من أحاديث شتى أو منام أو قصة أخرى غير الإسراء والله أعلم .
وقد روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "حين أسري بي لقيت موسى عليه السلام - فنعته فإذا رجل حسبته قال - مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة قال ولقيت عيسى - فنعته النبي صلى الله عليه وسلم قال - ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس - يعني حماما قال - ولقيت إبراهيم وأنا أشبه ولده به قال وأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر"

خمر قيل لي خذ أيهما شئت فأخذت اللبن فشربت فقيل لي هديت الفطرة أو أصبت الفطرة أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك "وأخرجاه من وجه آخر عن الزهري به نحوه وفي صحيح مسلم عن محمد بن رافع عن الحجين بن المثنى عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن الفضل الهاشمي عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيتني في الحجرة وقريش تسألني عن مسراي فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها فكربت كربا ما كربت مثله قط فرفعه الله إلي أنظر إليه ما سألوني عن شيء إلا أنبأتهم به وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي وإذا هو رجل جعد كأنه من رجال شنوءة وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلي أقرب الناس شبها به عروة بن مسعود الثقفي وإذا إبراهيم قائم يصلي أقرب الناس شبها به صاحبكم - يعني نفسه - فحانت الصلاة فأممتهم فلما فرغت قال قائل يا محمد هذا مالك خازن جهنم فالتفت إليه فبدأني بالسلام" وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي الصلت عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "رأيت ليلة أسري بي لما انتهيت إلى السماء السابعة فنظرت فوق فإذا رعد وبرق وصواعق ."
قال وأتيت على قوم بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هؤلاء آكلوا الربا فلما نزلت إلى السماء الدنيا نظرت أسفل مني فإذا أنا برهج ودخان وأصوات فقلت من هؤلاء يا جبريل ؟ قال هذه الشياطين يحومون على أعين بني آدم لا يتفكرون في ملكوت

السماوات والأرض ولولا ذلك لرأوا العجائب "ورواه الإمام أحمد عن حسن وعفان كلاهما عن حماد بن سلمة به ورواه ابن ماجه من حديث حماد به" رواية جماعة من الصحابة ممن تقدم وغيرهم "قال الحافظ البيهقي حدثنا أبو عبد الله يعني الحاكم حدثنا عبد الله بن يزيد بن يعقوب الدقاق الهمذاني حدثنا إبراهيم بن الحسين الهمداني حدثنا أبو محمد هو إسماعيل بن موسى الفزاري حدثنا عمر بن سعد النضري من بني نضرة بن معين حدثني عبد العزيز وليث بن أبي سليم وسليمان الأعمش وعطاء بن السائب بعضهم يزيد في الحديث على بعض عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعن محمد بن إسحاق بن يسار عمن حدثه عن ابن عباس وعن سليم بن مسلم العقيلي عن عامر الشعبي عن عبد الله بن مسعود وجويبر عن الضحاك بن مزاحم قالوا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانئ راقدا وقد صلى العشاء الآخرة قال أبو عبد الله الحاكم قال لنا هذا الشيخ وذكر الحديث فكتبت المتن من نسخة مسموعة منه فذكر حديثا طويلا يذكر فيه عدد الدرج والملائكة وغير ذلك مما لا ينكر شيء منها في قدرة الله إن صحت الرواية قال البيهقي فيما ذكرنا قبل في حديث أبي هارون العبدي في إثبات الإسراء والمعراج كفاية وبالله التوفيق" قلت "وقد أرسل هذا الحديث غير واحد من التابعين وأئمة المفسرين رحمة الله عليهم أجمعين" رواية عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها "قال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله"
الحافظ أخبرني مكرم بن أحمد القاضي حدثني إبراهيم بن الهيثم البكري حدثني محمد بن كثير الصنعاني حدثنا معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد الأقصى أصبح يحدث الناس بذلك فارتد ناس ممن كانوا آمنوا به وصدقوه وسعوا بذلك إلى أبي بكر فقالوا هل لك في صاحبك ؟ يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس فقال أوقال ذلك ؟ قالوا نعم قال لئن كان قال ذلك لقد صدق قالوا فتصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح
؟ قال نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك أصدقه في خبر السماء في غدوة أو روحة فلذلك سمي أبو بكر الصديق "رواية أم هانئ بنت أبي طالب" قال محمد بن إسحاق حدثني محمد بن محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح باذان عن أم هانئ بنت أبي طالب في مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول : ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو في بيتي نائم عندي تلك الليلة فصلى العشاء الآخرة ثم نام ونمنا فلما كان قبيل الفجر أهبنا رسول الله فلما صلى الصبح وصلينا معه قال "يا أم هانئ لقد صليت معكم العشاء الآخرة كما رأيت بهذا الوادي ثم"

جئت بيت المقدس فصليت فيه ثم صليت صلاة الغداة معكم الآن كما ترين "الكلبي متروك بمرة ساقط لكن رواه أبو يعلى في مسنده عن محمد بن إسماعيل الأنصاري عن ضمرة بن ربيعة عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني عن أبي صالح عن أم هانئ بأبسط من هذا السياق فليكتب هاهنا ."
وروى الحافظ أبو القاسم الطبراني من حديث عبد الأعلى بن أبي المساور عن عكرمة عن أم هانئ قالت "بات رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به في بيتي ففقدته من الليل فامتنع مني النوم مخافة أن يكون عرض له بعض قريش فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جبريل عليه السلام أتاني فأخذ بيدي فأخرجني فإذا على الباب دابة دون البغل وفوق الحمار فحملني عليها ثم انطلق حتى أتى بي إلى بيت المقدس فأراني إبراهيم عليه السلام يشبه خلقه خلقي ويشبه خلقي خلقه وأراني موسى آدم طويلا سبط الشعر شبهته برجال أزد شنوءة وأراني عيسى ابن مريم ربعة أبيض يضرب إلى الحمرة شبهته بعروة بن مسعود الثقفي وأراني الدجال ممسوح العين اليمنى شبهته بقطن بن عبد العزى - قال - وأنا أريد أن أخرج إلى قريش فأخبرهم بما رأيت فأخذت بثوبه فقلت إني أذكرك الله إنك تأتي قومك يكذبونك وينكرون مقالتك فأخاف أن يسطوا بك قالت : فضرب ثوبه من يدي ثم خرج إليهم فأتاهم وهم جلوس فأخبرهم ما أخبرني فقام جبير بن مطعم فقال : يا محمد أن لو كنت لك شأن كما كنت ما تكلمت بما تكلمت به وأنت بين ظهرانينا ."
فقال رجل من القوم يا محمد هل مررت بإبل لنا في مكان كذا وكذا ؟ قال نعم والله قد وجدتهم قد أضلوا بعيرا لهم فهم في طلبه "قال هل مررت بإبل لبني"

فلان ؟ قال نعم وجدتهم في مكان كذا وكذا وقد انكسرت لهم ناقة حمراء وعندهم قصعة من ماء فشربت ما فيها "قالوا فأخبرنا عدتها وما فيها من الرعاة قال قد كنت عن عدتها مشغولا" فقام فأوتي بالإبل فعدها وعلم ما فيها من الرعاة ثم أتى قريشا فقال لهم "سألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاة فلان وفلان وسألتموني عن إبل بني فلان فهي كذا وكذا وفيها من الرعاة ابن أبي قحافة وفلان وفلان وهي تصبحكم بالغداة على الثنية" قال فقعدوا على الثنية ينظرون أصدقهم ما قال فاستقبلوا الإبل فسألوهم هل ضل لكم بعير ؟ فقالوا نعم فسألوا الآخر هل انكسرت لكم ناقة حمراء قالوا نعم قالوا فهل كانت عندكم قصعة قال أبو بكر أنا والله وضعتها فما شربها أحد ولا أهراقوه في الأرض فصدقه أبو بكر وآمن به فسمي يومئذ الصديق .
"فصل" وإذا حصل الوقوف على مجموع هذه الأحاديث صحيحها وحسنها وضعيفها فحصل مضمون ما اتفقت عليه من مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس وأنه مرة واحدة.
وإن اختلفت عبارات الرواة في أدائه أو زاد بعضهم فيه أو نقص منه فإن الخطأ جائز على من عدا الأنبياء عليهم السلام .
ومن جعل من الناس كل رواية خالفت الأخرى مرة على حدة فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب ولم يتحصل على مطلب .
وقد صرح بعضهم من المتأخرين بأنه عليه السلام أسري به مرة من مكة إلى بيت المقدس فقط ومرة من مكة إلى السماء فقط ومرة إلى بيت المقدس ومنه إلى السماء وفرح بهذا المسلك وأنه قد ظفر بشيء يخلص به من الإشكالات وهذا بعيد جدا ولم ينقل هذا عن أحد من السلف ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي صلى الله عليه وسلم به أمته ولنقله الناس على التعدد والتكرر .

قال موسى بن عقبة عن الزهري : كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وكذا قال عروة وقال السدي بستة عشر شهرا والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق.
فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين ثم أتي بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السماوات السبع فتلقاه من كل سماء مقربوها وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم حتى مر بموسى الكليم في السادسة وإبراهيم الخليل في السابعة ثم جاوز منزلتيهما صلى الله عليه وسلم وعليهما وعلى سائر الأنبياء حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام أي أقلام القدر بما هو كائن ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق .
ورأى البيت المعمور وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة .
ورأى الجنة والنار وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها .
ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة.
ويحتمل أنها الصبح من يومئذ ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه .
والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا وهو يخبره بهم وهذا هو اللائق لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى ثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك ثم خرج من بيت

المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس والله سبحانه وتعالى أعلم .
وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت المقدس وجاء أنه في السماء ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا لأنه كالضيافة للقادم والله أعلم .
ثم اختلف الناس هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه أو بروحه فقط على قولين فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما ولا ينكرون أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعده يقظة لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح والدليل على هذا قوله تعالى "سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله" فالتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام فلو كان مناما لم يكن فيه كبير شيء ولم يكن مستعظما ولما بادرت كفار قريش إلى تكذيبه ولما ارتدت جماعة ممن كان قد أسلم وأيضا فإن العبد عبارة عن مجموع الروح والجسد وقد قال "أسرى بعبده ليلا" قال تعالى "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس" قال ابن عباس هي رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به والشجرة الملعونة هي شجرة الزقوم .
رواه البخاري وقال تعالى "ما زاغ البصر وما طغى" والبصر من آلات الذات لا الروح وأيضا فإنه حمل على البراق وهو دابة بيضاء براقة لها لمعان وإنما يكون هذا للبدن لا للروح لأنها لا تحتاج في حركتها إلى مركب تركب عليه والله أعلم .
وقال آخرون بل أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم بروحه لا بجسده قال محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة حدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أن معاوية بن أبي سفيان كان إذا سئل عن مسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كانت رؤيا من الله صادقة

وحدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول : ما فقد جسد رسول الله ولكن أسري بروحه .
قال ابن إسحاق فلم ينكر ذلك من قولها لقول الحسن إن هذه الآية نزلت "وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس" ولقول الله في الخبر عن إبراهيم "إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى" قال ثم مضى على ذلك فعرفت أن الوحي يأتي للأنبياء من الله أيقاظا ونياما فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "تنام عيناي وقلبي يقظان" والله أعلم .
أي ذلك كان قد جاءه وعاين من الله فيه ما عاين على أي حالاته كان نائما أو يقظانا كل ذاك حق وصدق انتهى كلام ابن إسحاق وقد تعقبه أبو جعفر بن جرير في تفسيره بالرد والإنكار والتشنيع بأن هذا خلاف ظاهر سياق القرآن وذكر من الأدلة على رده بعض ما تقدم والله أعلم "فائدة حسنة جليلة" روى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني مالك بن أبي الرجال عن عمر بن عبد الله عن محمد بن كعب القرظي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم دحية بن خليفة إلى قيصر فذكر وروده عليه وقدومه إليه .
وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه وجعل أبو سفيان

يجهد أن يحقر أمره ويصغره عنده .
قال في هذا السياق عن أبي سفيان : والله ما منعني من أن أقول عليه قولا أسقطه من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها علي ولا يصدقني في شيء قال حتى ذكرت قوله ليلة أسري به قال فقلت أيها الملك ألا أخبرك خبرا تعرف أنه قد كذب ؟ قال وما هو قال قلت إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح .
قال وبطريق إيلياء عند رأس قيصر فقال بطريق إيلياء قد علمت تلك الليلة قال فنظر إليه قيصر وقال وما علمك بهذا ؟ قال إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد فلما كان تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم معالجة فغلبنا فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلا فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ولا نستطيع أن نحركه حتى نصبح فننظر من أين أتى .
قال فرجعت وتركت البابين مفتوحين .
فلما أصبحت غدوت عليهما فإذا الحجر الذي في زاوية المسجد مثقوب وإذا فيه أثر مربط الدابة قال فقلت لأصحابي ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي وقد صلى الليلة في مسجدنا وذكر تمام الحديث : "فائدة" قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه "التنوير في مولد السراج المنير" وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد ثم قال : وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وأبي ذر ومالك بن صعصعة وأبي هريرة وأبي سعيد وابن عباس وشداد بن أوس وأبي بن كعب وعبد الرحمن بن قرط وأبي حبة وأبي ليلى الأنصاريين وعبد الله بن عمرو وجابر وحذيفة وبريدة وأبي أيوب وأبي أمامة وسمرة بن جندب وأبي الحمراء وصهيب الرومي وأم هانئ وعائشة وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق رضي الله عنهم أجمعين منهم من ساقه بطوله ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة فحديث

الإسراء أجمع عليه المسلمون وأعرض عنه الزنادقة والملحدون "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" .
وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا (2)
وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبني إسرائيل ألا تتخذوا من دوني وكيلا
لما ذكر تعالى أنه أسرى بعبده محمد صلى الله عليه وسلم عطف بذكر موسى عبده ورسوله وكليمه أيضا فإنه تعالى كثيرا ما يقرن بين ذكر موسى ومحمد عليهما من الله الصلاة والسلام وبين ذكر التوراة والقرآن ولهذا قال بعد ذكر الإسراء "وآتينا موسى الكتاب" يعني التوراة "وجعلناه" أي الكتاب "هدى" أي هاديا "لبني إسرائيل ألا تتخذوا" أي لئلا تتخذوا "من دوني وكيلا" أي وليا ولا نصيرا ولا معبودا دوني لأن الله تعالى أنزل على كل نبي أرسله أن يعبده وحده لا شريك له .
ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (3)
ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا
ثم قال "ذرية من حملنا مع نوح" تقديره يا ذرية من حملنا مع نوح فيه تهييج وتنبيه على المنة أي يا سلالة من نجينا فحملنا مع نوح في السفينة تشبهوا بأبيكم "إنه كان عبدا شكورا" فاذكروا أنتم نعمتي عليكم بإرسالي إليكم محمدا صلى الله عليه وسلم وقد ورد في الحديث وفي الأثر عن السلف أن نوحا عليه السلام




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #319  
قديم 06-12-2025, 07:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الإسراء
من صـ 436 الى صــ 450
الحلقة (319)






كان يحمد الله على طعامه وشرابه ولباسه وشأنه كله ; فلهذا سمي عبدا شكورا .
قال الطبراني حدثني علي بن عبد العزيز حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن أبي حصين عن عبد الله بن سنان عن سعد بن مسعود الثقفي قال : إنما سمي نوح عبدا شكورا لأنه كان إذا أكل أو شرب حمد الله .
وقال الإمام أحمد حدثنا أبو أسامة حدثنا زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن أبي بردة عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمد الله عليها" وهكذا رواه مسلم والترمذي والنسائي من طريق أبي أسامة به وقال مالك عن زيد بن أسلم كان يحمد الله على كل حال وقد ذكر البخاري هنا حديث أبي زرعة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة - بطوله وفيه - فيأتون نوحا فيقولون : يا نوح إنك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدا شكورا"

فاشفع لنا إلى ربك "وذكر الحديث بكامله ."
وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا (4)
وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا
يخبر تعالى أنه قضى إلى بني إسرائيل في الكتاب أي تقدم إليهم وأخبرهم في الكتاب الذي أنزله عليهم أنهم سيفسدون في الأرض مرتين ويعلون علوا كبيرا أي يتجبرون ويطغون ويفجرون على الناس كقوله تعالى "وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين" أي تقدمنا إليه وأخبرناه بذلك وأعلمناه به .
فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا (5)
فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا
وقوله "فإذا جاء وعد أولاهما" أي أولى الإفسادتين "بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد" أي سلطنا عليكم جندا من خلقنا أولي بأس شديد أي قوة وعدة وعدد وسلطنة شديدة "فجاسوا خلال الديار" أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم أي بينها ووسطها وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدا وكان وعدا مفعولا وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم من هم ؟ فعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده سلط عليهم أولا ثم أديلوا عليه بعد
ذلك .
وقتل داود جالوت ولهذا قال "ثم رددنا لكم الكرة عليهم" .
ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا (6)
ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا
وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا "وعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنجاريب وجنوده وعنه أيضا وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل وقد ذكر ابن أبي حاتم له قصة عجيبة في كيفية ترقيه من حال إلى حال إلى أن ملك البلاد وأنه كان فقيرا مقعدا ضعيفا يستعطي الناس ويستطعمهم ثم آل به الحال إلى ما آل وأنه سار إلى بلاد بيت المقدس فقتل بها خلقا كثيرا من بني إسرائيل وقد روى ابن جرير في هذا المكان حديثا أسنده عن حذيفة مرفوعا مطولا وهو حديث موضوع لا محالة لا يستريب في ذلك من عنده أدنى معرفة بالحديث والعجب كل العجب كيف راج عليه مع جلالة قدره وإمامته وقد صرح شيخنا الحافظ العلامة أبو الحجاج المزي رحمه الله بأنه موضوع مكذوب ."
وكتب ذلك على حاشية الكتاب .
وقد وردت في هذا آثار كثيرة إسرائيلية لم أر تطويل الكتاب بذكرها لأن منها ما هو موضوع من وضع بعض زنادقتهم ومنها ما قد يحتمل أن يكون صحيحا ونحن في غنية عنها ولله الحمد.
وفيما قص الله علينا في كتابه غنية عما سواه من بقية الكتب قبله ولم يحوجنا الله ولا رسوله إليهم وقد أخبر الله عنهم أنهم لما طغوا وبغوا

سلط الله عليهم عدوهم فاستباح بيضتهم وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم جزاء وفاقا وما ربك بظلام للعبيد فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء.
وقد روى ابن جرير حدثني يونس بن عبد الأعلى حدثنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال : سمعت سعيد بن المسيب يقول : ظهر بختنصر على الشام فخرب بيت المقدس وقتلهم ثم أتى دمشق فوجد بها دما يغلي على كبا فسألهم ما هذا الدم : فقالوا أدركنا آباءنا على هذا وكلما ظهر عليه الكبا ظهر قال فقتل على ذلك الدم سبعين ألفا من المسلمين وغيرهم فسكن وهذا صحيح إلى سعيد بن المسيب وهذا هو المشهور وأنه قتل أشرافهم وعلماءهم حتى إنه لم يبق من يحفظ التوراة وأخذ معه منهم خلقا كثيرا أسرى من أبناء الأنبياء وغيرهم وجرت أمور وكوائن يطول ذكرها ولو وجدنا ما هو صحيح أو ما يقاربه لجاز كتابته وروايته والله أعلم .
ثم قال تعالى "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ."
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا (7)
إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا
قوله تعالى "إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها" أي فعليها كما قال تعالى "من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها" وقوله "فإذا جاء وعد الآخرة" أي الكرة الآخرة أي إذا أفسدتم الكرة الثانية وجاء أعداؤكم ليسوءوا وجوهكم "أي يهينوكم ويقهروكم" وليدخلوا المسجد "أي بيت المقدس" كما دخلوه أول مرة "أي في التي جاسوا فيها خلال الديار" وليتبروا "أي يدمروا ويخربوا" ما علوا تتبيرا "أي ما ظهروا عليه ."
عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (8)
عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا
"عسى ربكم أن يرحمكم" أي فيصرفهم عنكم "وإن عدتم عدنا" أي متى عدتم إلى الإفساد "عدنا" إلى الإدالة عليكم في الدنيا مع ما ندخره لكم في الآخرة من العذاب والنكال ولهذا قال "وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا" أي مستقرا ومحصرا وسجنا لا محيد لهم عنه وقال ابن عباس : حصيرا أي سجنا

وقال مجاهد : يحصرون فيها وكذا قال غيره وقال الحسن فراشا ومهادا وقال قتادة قد عاد بنو إسرائيل فسلط الله عليهم هذا الحي محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه يأخذون منهم الجزية عن يد وهم صاغرون .
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا (9)
إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيرا
يمدح تعالى كتابه العزيز الذي أنزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم وهو القرآن بأنه يهدي لأقوم الطرق وأوضح السبل ويبشر المؤمنين به الذين يعملون الصالحات على مقتضاه .
"أن لهم أجرا كبيرا" أي يوم القيامة.
وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما (10)
وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما
"وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة" أي ويبشر الذين لا يؤمنون بالآخرة أن لهم عذابا أليما أي يوم القيامة كما قال تعالى "فبشرهم بعذاب أليم" .
ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (11)
ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا
يخبر تعالى عن عجلة الإنسان ودعائه في بعض الأحيان على نفسه أو ولده أو ماله بالشر أي بالموت أو الهلاك والدمار واللعنة ونحو ذلك فلو استجاب له ربه لهلك بدعائه كما قال تعالى "ولو يعجل الله للناس الشر" الآية وكذا فسره ابن عباس ومجاهد وقتادة وقد تقدم في الحديث "لا تدعوا على أنفسكم ولا على أموالكم أن توافقوا من الله ساعة إجابة يستجيب فيها" وإنما يحمل ابن آدم على ذلك قلقه وعجلته ولهذا قال تعالى "وكان الإنسان عجولا" وقد ذكر سلمان الفارسي وابن عباس هاهنا قصة آدم عليه

السلام حين هم بالنهوض قائما قبل أن تصل الروح إلى رجليه وذلك أنه جاءته النفخة من قبل رأسه فلما وصلت إلى دماغه عطس فقال الحمد لله فقال الله "يرحمك ربك يا آدم" فلما وصلت إلى عينيه فتحهما فلما سرت إلى أعضائه وجسده جعل ينظر إليه ويعجبه فهم بالنهوض قبل أن تصل إلى رجليه فلم يستطع قال يا رب عجل قبل الليل .
وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (12)
وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا
يمتن تعالى على خلقه بآياته العظام فمنها مخالفته بين الليل والنهار ليسكنوا في الليل وينتشروا في النهار للمعايش والصنائع والأعمال والأسفار وليعلموا عدد الأيام والجمع والشهور والأعوام ويعرفوا مضي الآجال المضروبة للديون والعبادات والمعاملات والإجارات وغير ذلك لهذا قال "لتبتغوا فضلا من ربكم" أي في معايشكم وأسفاركم ونحو ذلك "ولتعلموا عدد السنين والحساب" فإنه لو كان الزمان كله نسقا واحدا وأسلوبا متساويا لما عرف شيء من ذلك كما قال تعالى "قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون" وقال تعالى "تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها"

سراجا وقمرا منيرا .
وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا "وقال تعالى" وله اختلاف الليل والنهار "وقال" يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار "وقال تعالى" فالق الإصباح وجعل الليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم "وقال تعالى" وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون .
والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم "ثم إنه تعالى جعل الليل آية أي علامة يعرف بها وهي الظلام وظهور القمر فيه وللنهار علامة وهي النور وطلوع الشمس النيرة فيه وفاوت بين نور القمر وضياء الشمس ليعرف هذا من هذا كما قال تعالى" هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق "إلى قوله" لآيات لقوم يتقون "وقال تعالى" يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج "الآية قال ابن جريج عن عبد الله بن كثير في قوله فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة" قال ظلمة الليل وسدف النهار وقال ابن جريج عن مجاهد الشمس آية النهار والقمر آية الليل "فمحونا آية الليل" قال : السواد الذي في القمر وكذلك خلقه الله تعالى وقال ابن جريج قال ابن عباس : كان القمر يضيء كما تضيء الشمس والقمر آية الليل والشمس آية النهار فمحونا آية الليل السواد الذي في القمر وقد روى أبو جعفر بن جرير من طرق متعددة جيدة أن ابن الكواء سأل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب فقال : يا أمير المؤمنين ما هذه اللطخة التي في القمر ؟ فقال ويحك أما تقرأ القرآن ؟ فمحونا آية الليل فهذه محوه وقال قتادة في قوله "فمحونا آية الليل" كنا نحدث أن محو آية الليل سواد القمر

الذي فيه وجعلنا آية النهار مبصرة أي منيرة وخلق الشمس أنور من القمر وأعظم وقال ابن أبي نجيح عن ابن عباس "وجعلنا الليل والنهار آيتين" قال ليلا ونهارا كذلك خلقهما الله عز وجل.
وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (13)
وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا
يقول تعالى بعد ذكر الزمان وذكر ما يقع فيه من أعمال بني آدم "وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" وطائره هو ما طار عنه من عمله كما قال ابن عباس ومجاهد وغيرهما من خير وشر ويلزم به ويجازى عليه "فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره" وقال تعالى "عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" وقال "وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون" وقال "إنما تجزون ما كنتم تعملون" وقال "من يعمل سوءا يجز به" والمقصود أن عمل ابن آدم محفوظ عليه قليله وكثيره ويكتب عليه ليلا ونهارا صباحا ومساء .
وقال الإمام أحمد حدثنا قتيبة حدثنا ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "لطائر كل إنسان في عنقه" قال ابن لهيعة يعني الطيرة وهذا القول من ابن لهيعة في تفسير هذا الحديث غريب جدا والله أعلم .
وقوله "ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا" أي نجمع له عمله كله في كتاب يعطاه يوم القيامة إما بيمينه إن كان سعيدا أو بشماله إن كان شقيا

منشورا أي مفتوحا يقرؤه هو وغيره فيه جميع عمله من أول عمره إلى آخره "ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره" .
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (14)
اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا
ولهذا قال تعالى "اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" أي إنك تعلم أنك لم تظلم ولم يكتب عليك إلا ما عملت لأنك ذكرت جميع ما كان منك ولا ينسى أحد شيئا مما كان منه وكل أحد يقرأ كتابه من كاتب وأمي وقوله "ألزمناه طائره في عنقه" إنما ذكر العنق لأنه عضو من الأعضاء لا نظير له في الجسد ومن ألزم بشيء فيه فلا محيد له عنه كما قال الشاعر :
اذهب بها اذهب بها ... طوقتها طوق الحمام
قال قتادة عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا عدوى ولا طيرة وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه" كذا رواه ابن جرير وقد رواه الإمام عبد بن حميد في مسنده متصلا فقال : حدثنا الحسن بن موسى حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "طير كل عبد في عنقه" .
وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق حدثنا عبد الله حدثنا ابن لهيعة حدثني يزيد أن أبا الخير حدثه أنه سمع عقبة بن عامر رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "ليس من عمل يوم إلا وهو يختم عليه فإذا مرض المؤمن قالت الملائكة يا ربنا عبدك فلان قد حبسته فيقول الرب جل جلاله اختموا له على مثل"

عمله حتى يبرأ أو يموت "إسناده جيد قوي ولم يخرجوه وقال معمر عن قتادة" ألزمناه طائره في عنقه "قال عمله" ونخرج له يوم القيامة "قال نخرج ذلك العمل" كتابا يلقاه منشورا "قال معمر وتلا الحسن البصري" عن اليمين وعن الشمال قعيد "يا ابن آدم بسطت لك صحيفتك وكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك والآخر عن شمالك فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك وأما الذي عن شمالك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى نخرج يوم القيامة كتابا تلقاه منشورا اقرأ كتابك الآية فقد عدل والله من جعلك حسيب نفسك هذا من أحسن كلام الحسن رحمه الله ."
من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (15)
من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا
يخبر تعالى أن "من اهتدى" واتبع الحق واقتفى أثر النبوة فإنما يحمل عاقبة ذلك الحميدة لنفسه "ومن ضل" أي عن الحق وزاغ عن سبيل الرشاد فإنما يجني على نفسه وإنما يعود وبال ذلك عليه ثم قال "ولا تزر وازرة وزر أخرى" أي لا يحمل أحد ذنب أحد ولا يجني جان إلا على نفسه كما قال تعالى "وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء" ولا منافاة بين هذا وبين قوله "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" وقوله "ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم" فإن الدعاة عليهم إثم ضلالتهم في أنفسهم وإثم آخر بسبب ما أضلوا من أضلوا من غير أن ينقص من أوزار أولئك ولا يحمل عنهم شيئا .
وهذا من عدل الله ورحمته بعباده وكذا قوله تعالى "وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا" إخبار عن عدله تعالى وأنه لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بإرسال الرسول إليه كقوله تعالى "كلما ألقي"


فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير "وكذا قوله" وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين "وقال تعالى" وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير "إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى لا يدخل أحدا النار إلا بعد إرسال الرسول إليه ومن ثم طعن جماعة من العلماء في اللفظة التي جاءت معجمة في صحيح البخاري عند قوله تعالى" إن رحمة الله قريب من المحسنين "."
حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا يعقوب حدثنا أبي عن صالح بن كيسان عن الأعرج بإسناده إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "اختصمت الجنة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال "وأما الجنة فلا يظلم الله من خلقه أحدا وإنه ينشئ للنار خلقا فيلقون فيها فتقول هل من مزيد ؟ ثلاثا" وذكر تمام الحديث فهذا إنما جاء في الجنة لأنها دار فضل وأما النار فإنها دار عدل لا يدخلها أحد إلا بعد الإعذار إليه وقيام الحجة عليه وقد تكلم جماعة من الحفاظ في هذه اللفظة وقالوا لعله انقلب على الراوي بدليل ما أخرجاه في الصحيحين واللفظ للبخاري من حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة قال : قال النبي صلى الله

عليه وسلم "تحاجت الجنة والنار" فذكر الحديث إلى أن قال "فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع فيها قدمه فتقول قط قط فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض ولا يظلم الله من خلقه أحدا وأما الجنة فإن الله ينشئ لها خلقا" .
بقي هاهنا مسألة قد اختلف الأئمة رحمهم الله تعالى فيها قديما وحديثا وهي الولدان الذين ماتوا وهم صغار وآباؤهم كفار ماذا حكمهم وكذا المجنون والأصم الشيخ الخرف ومن مات في الفترة ولم تبلغه دعوته وقد ورد في شأنهم أحاديث أنا أذكرها لك بعون الله وتوفيقه ثم نذكر فصلا ملخصا من كلام الأئمة والله المستعان "فالحديث الأول" عن الأسود بن سريع قال الإمام أحمد حدثنا علي بن عبد الله حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن قتادة عن الأحنف بن قيس عن الأسود بن سريع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أربعة يحتجون يوم القيامة : رجل أصم لا يسمع شيئا ورجل أحمق ورجل هرم ورجل مات في فترة فأما الأصم فيقول رب قد جاء الإسلام وما أسمع شيئا وأما الأحمق فيقول رب قد جاء الإسلام والصبيان يحذفوني بالبعر وأما الهرم فيقول رب لقد جاء الإسلام وما أعقل شيئا وأما الذي مات في الفترة فيقول رب ما أتاني لك رسول ."
فيأخذ مواثيقهم ليطيعنه فيرسل إليهم أن ادخلوا النار فوالذي نفس محمد بيده لو دخلوها لكانت عليهم بردا وسلاما "وبالإسناد عن قتادة عن الحسن عن أبي رافع عن أبى هريرة مثله غير أنه قال في آخره فمن دخلها"

كانت عليه بردا وسلاما ومن لم يدخلها يسحب إليها "وكذا رواه إسحاق بن راهويه عن معاذ بن هشام ورواه البيهقي في كتاب الاعتقاد من حديث أحمد بن إسحاق عن علي بن عبد الله المديني به وقال هذا إسناد صحيح وكذا رواه حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي رافع عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعة كلهم يدلي على الله بحجة فذكر نحوه ورواه ابن جرير من حديث معمر عن همام عن أبي هريرة فذكره مرفوعا ثم قال أبو هريرة فاقرءوا إن شئتم" وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا "وكذا رواه معمر عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة موقوفا."
"الحديث الثاني" عن أنس بن مالك قال أبو داود الطيالسي حدثنا الربيع عن يزيد هو ابن أبان قال : قلنا لأنس يا أبا حمزة ما تقول في أطفال المشركين ؟ فقال : قال رسول الله لم يكن لهم سيئات فيعذبوا بها فيكونوا من أهل النار ولم يكن لهم حسنات فيجازوا بها فيكونوا من أهل الجنة "."
"الحديث الثاني" عن أنس أيضا قال الحافظ أبو يعلى حدثنا أبو خيثمة حدثنا

جرير عن ليث عن عبد الوارث عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يؤتى بأربعة يوم القيامة : بالمولود والمعتوه ومن مات في الفترة والشيخ الفاني الهرم كلهم يتكلم بحجته فيقول الرب تبارك وتعالى لعنق من النار أبرز ويقول لهم إني كنت أبعث إلى عبادي رسلا من أنفسهم وإني رسول نفسي إليكم ادخلوا هذه قال : فيقول من كتب عليه الشقاء يا رب أنى ندخلها ومنها كنا نفر ؟ قال : ومن كتب عليه السعادة يمضي فيقتحم فيها مسرعا قال : فيقول الله تعالى أنتم لرسلي أشد تكذيبا ومعصية فيدخل هؤلاء الجنة وهؤلاء النار" وهكذا رواه الحافظ أبو بكر البزار عن يوسف
بن موسى عن جرير بن عبد الحميد بإسناده مثله "الحديث الرابع" عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده أيضا حدثنا قاسم بن أبي شيبة حدثنا عبد الله يعني ابن داود عن عمر بن ذر عن يزيد بن أمية عن البراء قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المسلمين قال "هم مع آبائهم" وسئل عن أولاد المشركين فقال "هم مع آبائهم" فقيل يا رسول الله ما يعملون ؟ قال "الله أعلم بهم" ورواه عمر بن ذر عن يزيد بن أمية عن رجل عن البراء عن عائشة فذكره ""
الحديث الخامس "عن ثوبان قال الحافظ أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار في مسنده حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا ريحان بن سعيد حدثنا عباد بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم عظم شأن المسألة قال" إذا كان يوم القيامة جاء أهل الجاهلية يحملون أوزارهم على ظهورهم فسألهم ربهم فيقولون ربنا لم ترسل إلينا رسولا ولم يأتنا لك أمر ولو أرسلت إلينا رسولا لكنا أطوع عبادك فيقول لهم ربهم : أرأيتم إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيقولون نعم فيأمرهم أن يعمدوا إلى جهنم فيدخلوها فينطلقون حتى إذا دنوا منها وجدوا لها تغيظا وزفيرا فرجعوا إلى ربهم فيقولون ربنا أخرجنا أو أجرنا منها فيقول لهم ألم تزعموا أني إن أمرتكم بأمر تطيعوني ؟ فيأخذ على ذلك مواثيقهم فيقول اعمدوا إليها فادخلوها فينطلقون حتى إذا رأوها فرقوا منها ورجعوا فقالوا ربنا فرقنا منها ولا نستطيع أن ندخلها فيقول ادخلوها داخرين "فقال نبي الله"

صلى الله عليه وسلم "لو دخلوها أول مرة كانت عليهم بردا وسلاما" ثم قال البزار ومتن هذا الحديث غير معروف إلا من هذا الوجه لم يروه عن أيوب إلا عباد ولا عن عباد إلا ريحان بن سعيد قلت وقد ذكره ابن حبان في ثقاته وقال يحيى بن معين والنسائي لا بأس به ولم يرضه أبو داود وقال أبو حاتم شيخ لا بأس به يكتب حديثه ولا يحتج به





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #320  
قديم 06-12-2025, 07:51 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,115
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الإسراء
من صـ 451 الى صــ 465
الحلقة (320)






"الحديث السادس" عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري : قال الإمام محمد بن يحيى الذهلي حدثنا سعيد بن سليمان عن فضيل بن مرزوق عن عطية عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الهالك في الفترة والمعتوه والمولود : يقول الهالك في الفترة لم يأتني كتاب ويقول المعتوه رب لم تجعل لي عقلا أعقل به خيرا ولا شرا ويقول المولود رب لم أدرك العقل فترفع لهم نار فيقال لهم ردوها قال فيردها من كان في علم الله سعيدا لو أدرك العمل ويمسك عنها من كان في علم الله شقيا لو أدرك العمل فيقول إياي عصيتم فكيف لو أن رسلي أتتكم ؟" وكذا رواه البزار عن محمد بن عمر بن هياج الكوفي عن عبيد الله بن موسى عن فضيل بن مرزوق به ثم قال لا يعرف من حديث أبي سعيد إلا من طريقه عن عطية عنه وقال في آخره "فيقول الله إياي عصيتم فكيف برسلي بالغيب" "الحديث السابع" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال هشام بن عمار ومحمد بن المبارك الصوري حدثنا عمرو بن واقد عن يونس بن جليس عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ بن جبل عن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال "يؤتى يوم القيامة بالممسوخ عقلا وبالهالك في الفترة وبالهالك صغيرا فيقول الممسوخ يا رب لو آتيتني عقلا ما كان من آتيته عقلا بأسعد مني" وذكر في الهالك في الفترة
والصغير نحو ذلك "فيقول الرب عز وجل إني آمركم فتطيعوني ؟ فيقولون نعم فيقول اذهبوا فادخلوا النار قال : ولو دخلوها ما ضرتهم فتخرج عليهم قوابص فيظنون أنها قد أهلكت ما خلق الله من شيء فيرجعون سراعا ثم يأمرهم الثانية فيرجعون كذلك يقول الرب عز وجل قبل أن أخلقكم علمت ما أنتم عاملون وعلى علمي خلقتكم وإلى علمي تصيرون ضميهم فتأخذهم النار" "الحديث الثامن" عن أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه .
قد تقدم روايته مندرجة مع رواية الأسود بن سريع رضي الله عنه وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟" وفي رواية قالوا : يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال "الله أعلم بما كانوا عاملين" .
وقال الإمام أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا عبد الرحمن بن ثابت عن عطاء بن ضمرة عن عبد الله بن ضمرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله

عليه وسلم فيما أعلم - شك موسى - قال "ذراري المسلمين في الجنة يكفلهم إبراهيم عليه السلام" وفي صحيح مسلم عن عياض بن حماد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل أنه قال "إني خلقت عبادي حنفاء" وفي رواية لغيره "مسلمين" "الحديث التاسع" عن سمرة رضي الله عنه رواه الحافظ أبو بكر البرقاني في كتابه المستخرج على البخاري من حديث عوف الأعرابي.
عن أبي رجاء العطاردي عن سمرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "كل مولود يولد على الفطرة" فناداه الناس يا رسول الله وأولاد المشركين ؟ قال "وأولاد المشركين" وقال الطبراني : حدثنا عبد الله بن أحمد حدثنا عقبة بن مكرم الضبي عن عيسى بن شعيب عن عباد بن منصور عن أبي رجاء عن سمرة قال سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال المشركين قال "هم خدم أهل الجنة"
"الحديث العاشر" عن عم خنساء .
قال أحمد حدثنا روح حدثنا عوف عن خنساء بنت معاوية من بني صريم قالت حدثني عمي قال : قلت يا رسول الله من في الجنة ؟ قال "النبي في الجنة والشهيد في الجنة والمولود في الجنة والوئيد في الجنة" فمن العلماء من ذهب إلى الوقوف فيهم لهذا الحديث ومنهم من جزم لهم بالجنة لحديث سمرة بن جندب في صحيح البخاري أنه عليه السلام قال في جملة ذلك المنام حين مر على ذلك الشيخ تحت الشجرة وحوله ولدان فقال له جبريل : هذا إبراهيم عليه السلام وهؤلاء أولاد المسلمين وأولاد المشركين قالوا : يا رسول الله وأولاد المشركين ؟ قال "نعم وأولاد المشركين" ومنهم من جزم لهم بالنار لقوله عليه السلام "هم مع آبائهم" .

ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العرصات فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة ومن عصى دخل النار داخرا وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة .
وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عن أهل السنة والجماعة وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد .
وقد ذكر الشيخ أبو عمر بن عبد البر النمري بعدما تقدم من أحاديث الامتحان ثم قال : وأحاديث هذا الباب ليست قوية ولا تقوم بها حجة وأهل العلم ينكرونها لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل ولا ابتلاء فكيف يكلفون دخول النار وليس ذلك في وسع المخلوقين والله لا يكلف نفسا إلا وسعها "والجواب" عما قال إن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء ومنها ما هو حسن ومنها ما هو ضعيف يقوى بالصحيح والحسن وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط أفادت الحجة عند الناظر فيها وأما قوله إن الدار الآخرة دار جزاء فلا شك أنها دار جزاء ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال وقد قال تعالى "يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود" الآية وقد ثبت في الصحاح وغيرها أن المؤمنين

يسجدون لله يوم القيامة وأن المنافق لا يستطيع ذلك ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقا واحدا كلما أراد السجود خر لقفاه .
وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجا منها أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه أن لا يسأل غير ما هو فيه ويتكرر ذلك مرارا ويقول الله تعالى : "يا ابن آدم ما أغدرك" ثم يأذن له في دخول الجنة وأما قوله فكيف يكلفهم الله دخول النار وليس ذلك في وسعهم فليس هذا بمانع من صحة الحديث فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط وهو جسر على جهنم أحد من السيف وأدق من الشعرة ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل والركاب ومنهم الساعي ومنهم الماشي ومنهم من يحبو حبوا ومنهم المكدوش على وجهه في النار وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا بل هذا أطم وأعظم وأيضا فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه بردا وسلاما فهذا نظير ذاك وأيضا فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفا يقتل الرجل أباه وأخاه وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم وذلك عقوبة لهم على عبادتهم العجل وهذا أيضا شاق على النفوس جدا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور والله أعلم .

"فصل" إذا تقرر هذا فقد اختلف الناس في ولدان المشركين على أقوال "إحداها" أنهم في الجنة واحتجوا بحديث سمرة أنه عليه السلام رأى مع إبراهيم عليه السلام أولاد المسلمين وأولاد المشركين وبما تقدم في رواية أحمد عن خنساء عن عمها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "والمولود في الجنة" وهذا استدلال صحيح ولكن أحاديث الامتحان أخص منه .
فمن علم الله منه أنه يطيع جعل روحه في البرزخ مع إبراهيم وأولاد المسلمين الذين ماتوا على الفطرة ومن علم منه أنه لا يجيب فأمره إلى الله تعالى ويوم القيامة يكون في النار كما دلت عليه أحاديث الامتحان ونقله الأشعري عن أهل السنة ثم إن هؤلاء القائلين بأنهم في الجنة منهم من يجعلهم مستقلين فيها ومنهم من يجعلهم خدما لهم كما جاء في حديث علي بن زيد عن أنس عند أبي داود الطيالسي وهو ضعيف والله أعلم .
"والقول الثاني" أنهم مع آبائهم في النار واستدل عليه بما رواه الإمام أحمد بن حنبل عن أبي المغيرة حدثنا عتبة بن ضمرة بن حبيب حدثني عبد الله بن أبى قيس مولى غطيف أنه أتى عائشة فسألها عن ذراري الكفار فقالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هم تبع لآبائهم" فقلت يا رسول الله بلا أعمال

؟ فقال "الله أعلم بما كانوا عاملين" وأخرجه أبو داود من حديث محمد بن حرب عن محمد بن زياد الألهاني سمعت عبد الله بن أبي قيس سمعت عائشة تقول سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذراري المؤمنين قال "هم مع آبائهم" قلت فذراري المشركين ؟ قال "هم مع آبائهم" فقلت بلا عمل ؟ قال "الله أعلم بما كانوا عاملين" ورواه أحمد أيضا عن وكيع عن أبي عقيل يحيى بن المتوكل وهو متروك عن مولاته بهية عن عائشة أنها ذكرت أطفال المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "إن شئت أسمعتك تضاغيهم في النار" وروى عبد الله بن الإمام أحمد حدثنا عثمان بن أبي شيبة عن محمد بن فضيل بن غزوان عن محمد بن عثمان عن زاذان عن علي رضي الله عنه قال : سألت خديجة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ولدين لها ماتا في الجاهلية فقال "هما في النار" قال فلما رأى الكراهية في وجهها فقال لها "لو رأيت"
مكانهما لأبغضتهما "قالت فولدي منك ؟ قال" إن المؤمنين وأولادهم في الجنة وإن المشركين وأولادهم في النار - ثم قرأ "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم" وهذا حديث غريب فإن في إسناده محمد بن عثمان مجهول الحال وشيخه زاذان لم يدرك عليا والله أعلم .
وروى أبو داود من حديث ابن أبي زائدة عن أبيه عن الشعبي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "الوائدة والموءودة في النار" ثم قال الشعبي حدثني به علقمة عن أبي وائل عن ابن مسعود وقد رواه جماعة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن علقمة عن سلمة بن قيس الأشجعي قال : أتيت أنا وأخي النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا إن أمنا ماتت في الجاهلية وكانت تقري الضيف وتصل الرحم وأنها وأدت أختا لنا في الجاهلية لم تبلغ الحنث فقال "الوائدة والموءودة في النار إلا أن تدرك الوائدة الإسلام فتسلم" وهذا إسناد حسن .
"والقول الثالث" التوقف فيهم واعتمدوا على قوله صلى الله عليه وسلم "الله أعلم بما كانوا عاملين" وهو في الصحيحين من حديث جعفر بن أبي إياس عن

سعيد بن جبير عن ابن عباس سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أولاد المشركين قال "الله أعلم بما كانوا عاملين" وكذلك هو في الصحيحين من حديث الزهري عن عطاء بن يزيد وعن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن أطفال المشركين فقال "الله أعلم بما كانوا عاملين" ومنهم من جعلهم من أهل الأعراف وهذا القول يرجع إلى قول من ذهب إلى أنهم من أهل الجنة لأن الأعراف ليس دار قرار ومآل أهلها إلى الجنة كما تقدم تقرير ذلك في سورة الأعراف والله أعلم.
"فصل" وليعلم أن هذا الخلاف مخصوص بأطفال المشركين فأما ولدان المؤمنين فلا خلاف بين العلماء كما حكاه القاضي أبو يعلى بن الفراء الحنبلي عن الإمام أحمد أنه قال : لا يختلف فيهم أنهم من أهل الجنة وهذا هو المشهور بين الناس وهو الذي نقطع به إن شاء الله عز وجل .
فأما ما ذكره الشيخ أبو عمر بن عبد البر من بعض العلماء أنهم توقفوا في ذلك وأن الولدان كلهم تحت المشيئة قال أبو عمر ذهب إلى هذا القول جماعة من أهل الفقه والحديث منهم حماد بن زيد وحماد بن سلمة وابن المبارك وإسحاق بن راهويه وغيرهم قال وهو يشبه ما رسم مالك في موطئه في أبواب القدر وما أورده من الأحاديث في ذلك وعلى ذلك أكثر أصحابه وليس عن مالك فيه شيء منصوص إلا أن المتأخرين من أصحابه ذهبوا إلى أن أطفال المسلمين في الجنة وأطفال المشركين خاصة في المشيئة انتهى كلامه وهو غريب جدا.

وقد ذكر أبو عبد الله القرطبي في كتاب التذكرة نحو ذلك أيضا والله أعلم .
وقد ذكروا في ذلك أيضا حديث عائشة بنت طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت : دعي النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازة صبي من الأنصار فقلت يا رسول الله طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه فقال "أوغير ذلك يا عائشة إن الله خلق الجنة وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم وخلق النار وخلق لها أهلا وهم في أصلاب آبائهم" رواه مسلم وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
ولما كان الكلام في هذه المسألة يحتاج إلى دلائل صحيحة جيدة وقد يتكلم فيها من لا علم عنده عن الشارع كره جماعة من العلماء الكلام فيها روي ذلك عن ابن عباس والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ومحمد بن الحنفية وغيرهم .
وأخرج ابن حبان في صحيحه عن جرير بن حازم سمعت أبا رجاء العطاردي سمعت ابن عباس رضي الله عنهما وهو على المنبر يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا يزال أمر هذه الأمة مواتيا أو مقاربا ما لم يتكلموا في الولدان والقدر" قال ابن حبان يعني أطفال المشركين وهكذا رواه أبو بكر البزار من طريق جرير ابن حازم به ثم قال وقد رواه جماعة

عن أبي رجاء عن ابن عباس موقوفا .
وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (16)
وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا
اختلف القراء في قراءة قوله "أمرنا" فالمشهور قراءة التخفيف واختلف المفسرون في معناها فقيل معناه أمرنا مترفيها ففسقوا فيها أمرا قدريا كقوله تعالى "أتاها أمرنا ليلا أو نهارا" إن الله لا يأمر بالفحشاء قالوا معناه أنه سخرهم إلى فعل الفواحش فاستحقوا العذاب وقيل معناه أمرناهم بالطاعات ففعلوا الفواحش فاستحقوا العقوبة .
رواه ابن جريج عن ابن عباس وقاله سعيد بن جبير أيضا وقال ابن جرير يحتمل أن يكون معناه جعلناهم أمراء قلت إنما يجيء هذا على قراءة من قرأ "أمرنا مترفيها" قال علي بن طلحة عن ابن عباس قوله "أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" يقول سلطنا أشرارها فعصوا فيها فإذا فعلوا ذلك أهلكهم الله بالعذاب وهو قوله "وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها" الآية وكذا قال أبو العالية ومجاهد والربيع بن أنس وقال العوفي عن ابن عباس "وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها" يقول أكثرنا عددهم وكذا قال عكرمة والحسن والضحاك وقتادة وعن مالك عن الزهري "أمرنا مترفيها" أكثرنا وقد استشهد بعضهم بالحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال : حدثنا روح بن عبادة حدثنا أبو نعيم العدوي عن مسلم بن بديل عن إياس بن زهير عن سويد بن هبيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "خير مال امرئ له مهرة مأمورة أو سكة مأبورة" قال الإمام أبو عبيد القاسم بن

سلام رحمه الله في كتابه الغريب المأمورة كثيرة النسل والسكة الطريقة المصطفة من النخل والمأبورة من التأبير وقال بعضهم إنما جاء هذا متناسبا كقوله "مأزورات غير مأجورات" .
وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (17)
وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا
يقول تعالى منذرا كفار قريش في تكذيبهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم بأنه قد أهلك أمما من المكذبين للرسل من بعد نوح ودل هذا على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح على الإسلام كما قاله ابن عباس كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام .
ومعناه أنكم أيها المكذبون لستم أكرم على الله منهم وقد كذبتم أشرف الرسل وأكرم الخلائق فعقوبتكم أولى وأحرى.
وقوله "وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا" أي هو عالم بجميع أعمالهم خيرها وشرها لا يخفى عليه منها خافية سبحانه وتعالى .
من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18)
من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا
يخبر تعالى أنه ما كل من طلب الدنيا وما فيها من النعيم يحصل له بل إنما يحصل لمن أراد الله وما يشاء وهذه مقيدة لإطلاق ما سواها من الآيات فإنه قال "عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم" أي في الدار الآخرة "يصلاها" أي يدخلها حتى تغمره من جميع جوانبه "مذموما" أي في حال كونه مذموما على سوء تصرفه وصنيعه إذ اختار الفاني على الباقي "مدحورا" مبعدا مقصيا حقيرا ذليلا مهانا .
روى الإمام أحمد حدثنا حسين حدثنا دويد عن أبي إسحاق عن زرعة عن عائشة رضي الله عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الدنيا دار من لا دار له ومال من لا مال له ولها يجمع من لا عقل له .
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19)
ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا
وقوله "ومن أراد الآخرة" أي أراد الدار الآخرة وما فيها من النعم والسرور "وسعى لها سعيها" أي طلب ذلك من طريقه وهو متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم "وهو مؤمن" أي قلبه مؤمن أي مصدق موقن بالثواب والجزاء "فأولئك كان سعيهم مشكورا" .
كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا (20)
كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا
يقول تعالى "كلا" أي كل واحد من الفريقين الذين أرادوا الدنيا والذين أرادوا الآخرة نمدهم فيما فيه "من عطاء ربك" أي هو المتصرف الحاكم الذي

لا يجور فيعطي كلا ما يستحقه من السعادة والشقاوة فلا راد لحكمه ولا مانع لما أعطى ولا مغير لما أراد ولهذا قال "وما كان عطاء ربك محظورا" أي لا يمنعه أحد ولا يرده راد قال قتادة "وما كان عطاء ربك محظورا" أي منقوصا وقال الحسن وغيره أي ممنوعا .
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا (21)
انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا
ثم قال تعالى "انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض" أي في الدنيا فمنهم الغني والفقير وبين ذلك والحسن والقبيح وبين ذلك ومن يموت صغيرا ومن يعمر حتى يبقى شيخا كبيرا وبين ذلك "وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" أي ولتفاوتهم في الدار الآخرة أكبر من الدنيا فإن منهم من يكون في الدركات في جهنم وسلاسلها وأغلالها ومنهم من يكون في الدرجات العلى ونعيمها وسرورها ثم أهل الدركات يتفاوتون فيما هم فيه كما أن أهل الدرجات يتفاوتون فإن الجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض .
وفي الصحيحين "إن أهل الدرجات العلى ليرون أهل عليين كما ترون الكوكب الغابر في أفق السماء" ولهذا قال تعالى "وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" وفي الطبراني من رواية زاذان عن سلمان مرفوعا "ما من عبد يريد أن يرتفع في الدنيا درجة فارتفع إلا وضعه الله في الآخرة أكبر منها" ثم قرأ "وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا" .
لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا (22)
لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا
يقول تعالى والمراد المكلفون من الأمة لا تجعل أيها المكلف في عبادتك ربك له شريكا "فتقعد مذموما" أي على إشراكك "مخذولا" لأن الرب تعالى لا ينصرك بل يكلك إلى الذي عبدت معه وهو لا يملك لك ضرا ولا نفعا لأن مالك الضر والنفع هو الله وحده لا شريك له .






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 387.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 382.12 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.51%)]