تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله - الصفحة 32 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 242 - عددالزوار : 5259 )           »          حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5165 - عددالزوار : 2473161 )           »          إشــــــــــــراقة وإضــــــــــــاءة (متجدد باذن الله ) (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 4757 - عددالزوار : 1797650 )           »          أحمر الشفاه المناسب لكل لون بشرة.. درجات الماجينتا موضة 2026 (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 44 )           »          طريقة عمل طاجن المسقعة باللحم المفرومة.. أكلة شتوية مشبعة ولذيذة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 43 )           »          7خطوات لروتين صباحى للعناية المتكاملة بالبشرة والشعر فى أقل من 5 دقائق (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 29 )           »          طريقة عمل عصير الحرنكش.. تريند 2026 فى العصاير الفريش (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 34 )           »          أيهما أفضل فى المطبخ: لوح التقطيع الخشبى أم البلاستيكى؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 46 )           »          طريقة عمل مكرونة إسباجتى بالكبد والقوانص (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 33 )           »          وصفات طبيعية لتوريد الشفايف وترطيبها فى الشتاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 21-11-2022, 12:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2132 الى صـ 2142
الحلقة (311)




[ ص: 2132 ] وفي "زاد المعاد" لابن القيم فصل مهم في حكم من حرم أمته أو زوجته أو متاعه؛ تنبغي مراجعته.

الثالث: هذه الآية أصل في ترك التنطع والتشدد في التعبد - كذا في "الإكليل".

قال ابن جرير: لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شيء، مما أحل الله لعباده المؤمنين، على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون. فثبت أنه لا فضل في ترك شيء مما أحله الله لعباده. وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب الله إليه عباده، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنه لأمته، واتبعه على منهاجه الأئمة الراشدون. إذ كان خير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.. فإذا كان ذلك كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان، إذا قدر على لباس ذلك من حله. وآثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره حذرا من عارض الحاجة إلى النساء.

قال: فإن ظن ظان أن الفضل في غير الذي قلنا - في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس وصرف ما فضل منهما من القيمة إلى أهل الحاجة - فقد ظن خطأ. وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شيء أضر على الجسم من المطاعم الرديئة؛ لأنها مفسدة لعقله ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته.. انتهى.

وللرازي هنا مبحث جيد في حكمة هذا النهي. مؤيد لما ذكر. فليراجع؛ فإنه نفيس.

وقد أخرج الترمذي عن عائشة قالت: كان رسول الله يحب الحلواء والعسل. وله عن أبي هريرة قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلحم فرفع إليه الذراع - وكانت تعجبه – [ ص: 2133 ] فنهش منها. قالت عائشة: ما كان الذراع أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا، وكان يعجل إليه الذراع؛ لأنه أعجلها نضجا. أخرجه الترمذي. وحكى الزمخشري عن الحسن أنه دعي إلى طعام ومعه فرقد السبخي وأصحابه. فقعدوا على المائدة - وعليها الألوان من الدجاج المسمن والفالوذ وغير ذلك - فاعتزل فرقد ناحية، فسأل الحسن: أهو صائم؟ قالوا: لا، ولكنه يكره هذه الألوان، فأقبل الحسن عليه وقال: يا فريقد! أترى لعاب النحل، بلباب البر، بخالص السمن، يعيبه مسلم؟

وعنه: أنه قيل له: فلان لا يأكل الفالوذ ويقول: لا أؤدي شكره. قال: أفيشرب الماء البارد؟ قالوا: نعم، قال: إنه جاهل. إن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته في الفالوذ.

وعنه: أن الله تعالى أدب عباده فأحسن أدبهم قال الله تعالى: لينفق ذو سعة من سعته ما عاب الله قوما وسع عليهم الدنيا فتنعموا وأطاعوا. ولا عذر قوما زواها عنهم فعصوه.

الرابع: قال الرازي: لم يقل تعالى: كلوا ما رزقكم، ولكن قال: مما رزقكم الله وكلمة: "من" للتبعيض. فكأنه قال: اقتصروا في الأكل على البعض واصرفوا البقية إلى الصدقات والخيرات؛ لأنه إرشاد إلى ترك الإسراف كما قال: ولا تسرفوا .
[ ص: 2134 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[89] لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تشكرون

لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم تقدم الكلام على اللغو في اليمين في (سورة البقرة) وإنه ما يسبق إليه اللسان بلا قصد الحلف، كقول الإنسان: لا، والله! وبلى والله! والمراد بالمؤاخذة: مؤاخذة الإثم والتكفير، أي: فلا إثم في اللغو ولا كفارة: ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان أي: بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها عليه بأن حلفتم عن قصد منكم، أي: إذا حنثتم. أو بنكث ما عقدتم، فحذف للعلم به. وقرئ بالتخفيف، وقرئ (عاقدتم) بمعنى عقدتم: فكفارته أي: فكفارة نكثه، أي: الخصلة الماحية لإثمه: إطعام عشرة مساكين يعني محاويج من الفقراء ومن لا يجد ما يكفيه: من أوسط ما تطعمون أهليكم أي: لا من أجوده فضلا عما تخصونه بأنفسهم. ولا من أردأ ما تطعمونهم فضلا عن الذي تعطونه السائل: أو كسوتهم أو تحرير رقبة أي: عتقها: فمن لم يجد أي: شيئا مما ذكر: فصيام ثلاثة أيام كفارته: ذلك أي: المذكور: كفارة أيمانكم أي: التي اجترأتم بها على الله تعالى: إذا حلفتم أي: وحنثتم: واحفظوا أيمانكم أي: عن الإكثار منها - أو عن الحنث - إذا لم يكن ما حلفتم عليه خيرا، لئلا يذهب تعظيم اسم الله عن قلوبكم: كذلك أي: مثل هذا البيان الكامل: يبين الله لكم آياته [ ص: 2135 ] أي: أعلام شرائعه: لعلكم تشكرون أي: نعمته فيما يعلمكم ويسهل عليكم المخرج.

قال المهايمي: أي: تشكرون نعمه بصرفها إلى ما خلقت له، ومن جملتها صرف اللسان، الذي خلق لذكر الله وتعظيمه، إلى ذلك. فإذا فات صرف بعض ما ملكه إلى بعض ما يجبره ليقوم مقام الشكر باللسان، إذ به يتم تعظيمه. فإذا لم يجد كسر هوى النفس من أجله فهو أيضا من تعظيمه. فافهم.

وفي هذه الآية مباحث:

الأول: معنى (أو) التخيير وإيجاب إحدى الكفارات الثلاث. فإذا لم يجد انتقل إلى الصوم.

فأما الإطعام فليس فيه تحديد بقدر. لا في وجبة ولا وجبتين، ولا في قدر من الكيل.

ولذا روي عن الصحابة والتابعين فيه وجوه. جميعها مما يصدق عليه مسماه، فبأيها أخذ أجزأه. فمنها ما رواه ابن أبي حاتم عن علي رضي الله عنه قال: يغديهم ويعشيهم. كأنه ذهب - رضي الله عنه - إلى المراد بالإطعام الكامل - أعني قوت اليوم وهو وجبتان - وإلا فالإطعام يصدق على الوجبة الواحدة.

ولذا قال الحسن ومحمد بن الحنفية: يكفيه إطعامهم أكلة واحدة خبزا ولحما. زاد الحسن: فإن لم يجد فخبزا وسمنا ولبنا، فإن لم يجد فخبزا وزيتا وخلا حتى يشبعوا.

وعن عمر وعلي أيضا وعائشة وثلة من التابعين: يطعم كل واحد من العشرة نصف صاع من بر أو تمر أو نحوهما.

وعن ابن عباس: لكل مسكين مد من بر ومعه إدامه.

[ ص: 2136 ] وفي "فتح القدير" من كتب الحنفية: يجوز أن يغديهم ويعشيهم بخبز. إلا أنه إن كان برا لا يشترط الإدام، وإن كان غيره فبإدام. وحكي عن الهادي: اشتراط الأكل لإشعار (الإطعام) بذلك.

والأكثرون: أن الأكل غير شرط. لأنه ينطلق لفظ (الإطعام) على التمليك.

الثاني: إطلاق (المساكين) يشمل المؤمن والكافر الذمي والفاسق. فبعضهم أخذ بعموم ذلك. ومذهب الشافعية والزيدية: خروج الكافر بالقياس على منع صرف الزكاة إليه، وأما الفاسق فيجوز الصرف إليه مهما لم يكن في ذلك إعانة له على المنكر. ولم يجوزه الهادي. وظاهر الآية اشتراط العدد في المساكين. وقول بعضهم: إن المراد إطعام طعام يكفي العشرة، مفرعا عليه جواز إطعام مسكين واحد عشرة أيام - عدول عن الظاهر، لا يثبت إلا بنص.

الثالث: لم يبين في الآية حد الكسوة وصفتها; فالواجب حينئذ الحمل على ما ينطلق عليها اسمها.

قال الشافعي، رحمه الله: لو دفع إلى كل واحد من العشرة ما يصدق عليه اسم الكسوة - من قميص أو سراويل أو إزار أو عمامة أو مقنعة - أجزأه ذلك.

وقال مالك وأحمد بن حنبل: لا بد أن يدفع إلى كل واحد منهم من الكسوة ما يصح أن يصلي فيه، إن كان رجلا أو امرأة، كل بحسبه.

وقال العوفي عن ابن عباس: عباءة لكل مسكين أو شملة.

وقال مجاهد: أدناه ثوب وأعلاه ما شئت.

وعن ابن المسيب: عمامة يلف بها رأسه، وعباءة يلتحف بها.

وعن الحسن وابن سيرين: ثوبان ثوبان.

وروى ابن مردويه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: أو كسوتهم قال: عباءة لكل مسكين. قال ابن كثير: حديث غريب.

[ ص: 2137 ] أقول: لا يخفى الاحتياط والأخذ بالأكل والأفضل في الإطعام والكسوة.

الرابع: قال الرازي: المراد ب (الرقبة) الجملة. قيل: الأصل في هذا المجاز أن الأسير في العرب كان يجمع يداه إلى رقبته بحبل. فإذا أطلق حل ذلك الحبل. فسمي (الإطلاق من الرقبة) فك الرقبة. ثم جرى ذلك على العتق. وقد أخذ بإطلاقها أبو حنيفة فقال: تجزئ الكافرة كما تجزئ المؤمنة. وقال الشافعي وآخرون: لا بد أن تكون مؤمنة. وأخذ تقييدها من كفارة القتل لاتحاد الموجب، وإن اختلف السبب. ومن حديث معاوية بن الحكم السلمي - الذي هو في "موطأ مالك" و "مسند الشافعي" و "صحيح مسلم" – [ ص: 2138 ] أنه ذكر أنه عليه عتق رقبة. وجاء معه بجارية سوداء. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة... الحديث بطوله.

قال الشعراني، قدس سره في "الميزان": قال العلماء: عدم اعتبار الإيمان في الرقبة مشكل؛ لأن العتق ثمرته تخليص رقبة لعبادة الله عز وجل. فإذا أعتق رقبة كافرة فإنما خلصها لعبادة إبليس. وأيضا فإن العتق قربة، ولا يحسن التقرب إلى الله تعالى بكافر. انتهى.

الخامس: للعلماء في حد الإعسار الذي يبيح الانتقال إلى الصوم أقوال. وظاهر الآية هو أنه لا يملك قدر إحدى الكفارات الثلاثة - من الإطعام أو الكسوة أو العتق - فإن وجد قدر إحداهما كان ذلك مانعا من الصوم، اللهم إذا فضل عن قوته وقوت عياله في يومه ذلك.

وقد روى ابن جرير عن سعيد بن جبير والحسن أنهما قالا: من وجد ثلاثة دراهم لزمه الإطعام، وإلا صام.

السادس: إطلاق قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام صادق على المجموعة والمفرقة. كما في قضاء رمضان، لقوله: فعدة من أيام أخر ومن أوجب التتابع استدل بقراءة [ ص: 2139 ] أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أنهما كانا يقرآن: "فصيام ثلاثة أيام متتابعات". وقراءتهما لا تختلف عن روايتهما.

قال الأعمش: كان أصحاب ابن مسعود يقرؤونها كذلك.

قال ابن كثير: وهذه، إذا لم يثبت كونها قرآنا متواترا. فلا أقل أن يكون خبر واحد أو تفسيرا من الصحابة. وهو في حكم المرفوع.

وروى ابن مردويه عن ابن عباس قال: لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة: يا رسول الله! نحن بالخيار؟ قال: «أنت بالخيار، إن شئت أعتقت وإن شئت كسوت. وإن شئت أطعمت. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات» . قال ابن كثير: وهذا حديث غريب جدا.

ونقل بعض الزيدية، رواية عن ابن جبير، أنه كان يصلي تارة بقراءة ابن مسعود وتارة بقراءة زيد.

السابع: قال الناصر في "الانتصاف": في هذه الآية - يعني قوله تعالى: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم - وجه لطيف المأخذ في الدلالة على صحة وقوع الكفارة بعد اليمين وقبل الحنث، وهو المشهور من مذهب مالك. وبيان الاستدلال بها أنه جعل ما بعد الحلف ظرفا لوقوع الكفارة المعتبرة شرعا. حيث أضاف: إذا إلى مجرد الحلف وليس في الآية إيجاب الكفارة حتى يقال: قد اتفق على أنها إنما تجب بالحنث. فتعين تقديره مضافا إلى الحلف. بل إنما نطقت بشرعية الكفارة ووقوعها على وجه الاعتبار. إذ لا يعطي قوله: ذلك كفارة أيمانكم إيجابا، إنما يعطي صحة واعتبارا. والله أعلم.

[ ص: 2140 ] وهذا انتصار على منع التكفير قبل الحنث مطلقا، وإن كانت اليمين على بر.

والأقوال الثلاثة في مذهب مالك، إلا أن القول المنصور هو المشهور. انتهى.

وقال الرازي: احتج الشافعي بهذه الآية على أن التكفير قبل الحنث جائز؛ لأنها دلت على أن كل واحد من الثلاثة كفارة لليمين عند وجود الحلف. فإذا أداها بعد الحلف، قبل الحنث، فقد أدى الكفارة. وقوله تعالى: إذا حلفتم فيه دقيقة؛ وهي التنبيه على أن تقديم الكفارة قبل اليمين لا يجوز. انتهى.

وفي "الصحيحين" من حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك وأت الذي هو خير. وعند أبي داود: فكفر عن يمينك ثم أت الذي هو خير.

الثامن: قال السيوطي في "الإكليل": في قوله تعالى: واحفظوا أيمانكم استحباب ترك الحنث إلا إذا كان خيرا، أي: لما تقدم من حديث ابن سمرة. وهذا على أحد وجهين في الآية. والآخر النهي عن الإكثار من الحلف كما سبق. قال كثير:


قليل الألايا حافظ ليمينه وإن سبقت منه الألية برت!


[ ص: 2141 ] التاسع: حكمة تقديم الإطعام على العتق - مع أنه أفضل - من وجوه:

أحدها: التنبيه من أول الأمر على أن هذه الكفارة وجبت على التخيير لا على الترتيب. وإلا لبدئ بالأغلظ.

ثانيها: كون الطعام أسهل؛ لأنه أعم وجودا، والمقصود منه التنبيه على أنه تعالى يراعي التخفيف والتسهيل في التكاليف.

وثالثها: كون الإطعام أفضل، لأن الحر الفقير قد لا يجد الطعام، ولا يكون هناك من يعطيه الطعام، فيقع في الضر. أما العبد فإنه يجب على مولاه إطعامه وكسوته، أفاده الرازي.

العاشرة: سر إطعام العشرة، أنه بمنزلة الإمساك عن الطعام عشرة أيام؛ العدد الكامل، الكاسرة للنفس المجترئة على الله تعالى. وسر الكسوة كونه يجزي بستر العورة سر المعصية. وسر التحرير فك رقبة عن الإثم. وسر صوم الثلاثة، أن الصيام لما كان ضيرا بنفسه اكتفى فيه بأقل الجمع. أفاده المهايمي، قدس سره.

[ ص: 2142 ] الحادي عشر: قال شمس الدين بن القيم في "زاد المعاد": كان صلى الله عليه وسلم يستثني في يمينه تارة، ويكفرها تارة، ويمضي فيها تارة. والاستثناء يمنع عقد اليمين. والكفارة تحلها بعد عقدها. ولهذا سماها الله: تحلة . وحلف صلى الله عليه وسلم في أكثر من ثمانين موضعا. وأمره الله سبحانه بالحلف في ثلاثة مواضع: فقال تعالى: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين وقال تعالى: وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم وقال تعالى: زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير وكان إسماعيل بن إسحاق القاضي يذكر أبا بكر بن داود الظاهري ولا يسميه بالفقيه. فتحاكم إليه يوما هو وخصم له. فتوجهت اليمين على أبي بكر بن داود. فتهيأ للحلف. فقال له القاضي إسماعيل: وتحلف، ومثلك يحلف يا أبا بكر؟ فقال: وما يمنعني عن الحلف؟ وقد أمر الله تعالى نبيه بالحلف في ثلاثة مواضع من كتابه. قال: أين ذلك؟ فسردها أبو بكر، فاستحسن ذلك منه جدا، ودعاه بالفقيه من ذلك اليوم.. انتهى.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 21-11-2022, 12:41 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2143 الى صـ 2154
الحلقة (312)



القول في تأويل قوله تعالى:

[90] يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون

يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر أي: الشراب الذي خامر العقل، أي: خالطه [ ص: 2143 ] فستره: والميسر أي: القمار: والأنصاب أي: الأصنام المنصوبة للعبادة: والأزلام أي: القداح: رجس من عمل الشيطان أي: خبيث من تزيين الشيطان، وقذر تعاف عنه العقول.

قال المهايمي: لأن الخمر تضيع العقل، وما دون السكر داع إلى ما يستكمله، فأقيم مقامه في الشرع الكامل. والميسر يضيع المال. والأنصاب تضيع عزة الإنسان بتذلله لما هو أدنى منه. والأزلام تضيع العلم للجهل بالثمن والمثمن. انتهى.

وما ذكره هو شذرة من مفاسدها.

فاجتنبوه أي: اتركوه، يعني: ما ذكر. أو (الرجس) الواقع على الكل: لعلكم تفلحون أي: رجاء أن تنالوا الفلاح فتنجوا من السخط والعذاب وتأمنوا في الآخرة.

ثم أكد تعالى تحريم الخمر والميسر ببيان مفاسدهما الدنيوية والدينية. فالأولى في قوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[91] إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون

إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة أي: المشاتمة والمضاربة والمقاتلة: والبغضاء القاطعة للتعاون الذي لا بد للإنسان منه في معيشته: في الخمر أي: إذا صرتم نشاوى: والميسر إذا ذهب مالكم. وقد حكي أنه ربما قامر الرجل بأهله وولده فإذا أخذه الخصم وقعت العداوة بينهما أبدا. ثم أشار إلى مفاسدهما الدينية بقوله: ويصدكم عن ذكر الله إذ يغلب السرور والطرب على النفوس والاستغراق في الملاذ الجسمانية فيلهي عن ذكر الله. والميسر، إن كان صاحبه غالبا انشرحت نفسه ومنعه حب الغلبة عن ذكر الله. وإن كان مغلوبا، مما حصل من الانقباض أو الاحتيال إلى أن يصير غالبا [ ص: 2144 ] لا يخطر بباله ذكر الله: وعن الصلاة أي: ويصدكم عن مراعاة أوقاتها. وقوله تعالى: فهل أنتم منتهون من أبلغ ما ينهى به، كأنه قيل: قد تلي عليكم ما فيهما من أنواع الصوارف والموانع. فهل أنتم مع هذه الصوارف منتهون؟ أم أنتم على ما كنتم عليه كأن لم توعظوا ولم تزجروا؟ أفاده الزمخشري.

تنبيهات:

الأول: سبق الكلام على الخمر والميسر في سورة البقرة في قوله تعالى: يسألونك عن الخمر والميسر وسلف أيضا معنى الأنصاب والأزلام في أول هذه السورة عند قوله: وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام فتذكر.

الثاني: إنما جمع الخمر والميسر مع الأنصاب والأزلام أولا، ثم أفردا آخرا، وخصصا بشرح ما فيهما من الوبال - للتنبيه على أن المقصود بيان حالهما. وذكر الأصنام والأزلام للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة. كأنه لا مباينة بين من عبد صنما وأشرك بالله في علم الغيب، وبين من شرب خمرا أو قامر.

روى الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن ابن عمرو مرفوعا: «شارب الخمر كعابد وثن، وشارب الخمر كعابد اللات والعزى» . وإسناده حسن.

وتخصيص الصلاة بالإفراد، مع دخولها في الذكر للتعظيم والإشعار بأن الصاد عنها كالصاد عن الإيمان، لما أنها عماده.

الثالث: هذه الآية دالة على تأكيد تحريم الخمر والميسر من وجوه:

(ومنها): تصدير الجملة ب (ما) وذلك لأن هذه الكلمة للحصر، فكأنه تعالى قال: لا رجس ولا شيء من عمل الشيطان إلا الخمر والميسر وما ذكر معهما.

و (منها): أنه قرنهما بعبادة الأوثان.

[ ص: 2145 ] و (منها): أنه جعلها رجسا كما قال تعالى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان

و (منها): أنه جعلها من عمل الشيطان، والشيطان لا يأتي منه إلا الشر البحت.

و (منها): أنه أمر بالاجتناب، وظاهر الأمر للوجوب.

و (منها): أنه جعل الاجتناب من الفلاح. وإذا كان الاجتناب فلاحا، كان الارتكاب خيبة ومحقة.

و (منها): أنه ذكر ما ينتج منهما من الوبال - وهو وقوع التعادي والتباغض - وما يؤديان إليه من الصد عن ذكر الله وعن مراعاة أوقات الصلاة.

و (منها): إعادة الحث على الانتهاء بصيغة الاستفهام مرتبا على ما تقدم من أصناف الصوارف بقوله سبحانه: فهل أنتم منتهون فآذن بأن الأمر في الزجر والتحذير، وكشف ما فيهما من المفاسد والشرور قد بلغ الغاية. وأن الأعذار قد انقطعت بالكلية.

و (منها): قوله تعالى بعد ذلك:
القول في تأويل قوله تعالى:

[92] وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول واحذروا فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين

وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول أي: في جميع ما أمرا به ونهيا عنه: واحذروا أي: مخالفتهما في ذلك. فيدخل فيه مخالفة أمرهما ونهيهما في الخمر والميسر دخولا أوليا.

و (منها): قوله تعالى:

فإن توليتم فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين أي: إن أعرضتم عن الامتثال [ ص: 2146 ] بما أمرتم به من الاجتناب عن الخمر والميسر، فقد قامت عليكم الحجة وانتهت الأعذار. والرسول قد خرج عن عهدة التبليغ إذ أداه بما لا مزيد عليه. فما بقي بعد ذلك إلا العقاب. وفيه تهديد عظيم ووعيد شديد في حق من خالف وأعرض عن حكم الله وبيانه.

الرابع: قال الرازي: اعلم أن من أنصف وترك الاعتساف، علم أن هذه الآية نص صريح في أن كل مسكر حرام؛ وذلك لأنه تعالى رتب النهي عن شرب الخمر على كونها مشتملة على تلك المفاسد الدينية والدنيوية، ومن المعلوم في بدائه العقول أن تلك المفاسد إنما تولدت من كونها مؤثرة في السكر. وهذا يفيد القطع بأن علة قوله: فهل أنتم منتهون هي كون الخمر مؤثرا في الإسكار. وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن كل مسكر حرام. قال: ومن أحاط عقله بهذا التقرير، وبقي مصرا على قوله، فليس لعناده علاج. انتهى.

ثم بين تعالى رفع الإثم عمن مات وهو يشرب الخمر قبل التحريم - كما سنفصله - بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[93] ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين

ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح أي: إثم: فيما طعموا مما حرم بعد تناولهم: إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وآمنوا ثم اتقوا وأحسنوا والله يحب المحسنين

وهنا مسائل:

الأولى: قال بعض المفسرين: إن قيل: لم خص المؤمنين بنفي الجناح في الطيبات إذا [ ص: 2147 ] ما اتقوا، والكافر كذلك؟ قال الحاكم: لأنه لا يصح نفي الجناح عن الكافر، وأما المؤمن فيصح أن يطلق عليه، ولأن الكافر سد على نفسه طريق معرفة الحلال والحرام. انتهى.

وفي "العناية": تعليق نفي الجناح بهذه الأحوال ليس على سبيل اشتراطها، فإن عدم الجناح في تناول المباح الذي لم يحرم لا يشترط بشرط. بل على سبيل المدح والثناء والدلالة على أنهم بهذه الصفة.

قال الزمخشري: ومثاله أن يقال لك: هل على زيد فيما فعل جناح؟ فتقول - وقد علمت أن ذلك أمر مباح - ليس على أحد جناح في المباح إذا اتقى المحارم وكان مؤمنا محسنا، تريد: إن زيدا تقي مؤمن محسن، وأنه غير مؤاخذ بما فعل.

وقال العلامة أبو السعود: ما عدا اتقاء المحرمات من الصفات الجميلة المذكورة، لا دخل لها في انتفاء الجناح. وإنما ذكرت في حيز (إذا) شهادة باتصاف الذين سئل عن حالهم بها، ومدحا لهم بذلك، وحمدا لأحوالهم. وقد أشير إلى ذلك حيث جعلت تلك الصفات تبعا للاتقاء في كل مرة تمييزا بينها وبين ما له دخل في الحكم؛ فإن مساق النظم الكريم بطريق العبارة - وإن كان لبيان حال المتصفين بما ذكر من المنعوت فيما سيأتي بقضية كلمة (إذ ما) - لكنه قد أخرج مخرج الجواب عن حال الماضين لإثبات الحكم في حقهم في ضمن التشريع الكلي على الوجه البرهاني بطريق دلالة النص بناء على كمال اشتهارهم بالاتصاف بها، فكأنه قيل: ليس عليهم جناح فيما طعموه إذا كانوا في طاعته تعالى. مع ما لهم من الصفات الحميدة - بحيث كلما أمروا بشيء تلقوه بالامتثال - وإنما كانوا يتعاطون الخمر والميسر في حياتهم لعدم تحريمهما إذ ذاك. ولو حرما في عصرهم، لاتقوهما بالمرة.

وقال الطيبي: المعنى أنه ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم الطيبات. وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص واليقين ومعارج القدس والكمال. وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك، وعلى الإيمان بما يجب [ ص: 2148 ] الإيمان به، وعلى الأعمال الصالحة لتحصيل الاستقامة التامة التي يتمكن بها إلى الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج (أن تعبد الله كأنك تراه) وهو المعني بقوله تعالى: وأحسنوا إلخ. وبه ينتهى للزلفى عند الله ومحبته. والله يحب المحسنين.

قال الخفاجي: وهذا دفع للتكرير وأنه ليس لمجرد التأكيد، لأنه يجوز فيه العطف ب (ثم) كما صرح به ابن مالك في قوله: كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون بل به باعتبار تغاير ما علق به مرة بعد أخرى. والله أعلم.

الثانية: الإحسان المذكور في الآية: إما إحسان العمل، أو الإحسان إلى الخلق، أو إحسان المشاهدة المتقدم، ولا مانع من الحمل على الجميع.

الثالثة: روي في سبب نزولها عن أنس قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة. فنزل تحريم الخمر فأمر صلى الله عليه وسلم مناديا فنادى. فقال أبو طلحة: اخرج فانظر ما هذا الصوت. قال: فخرجت فقلت: هذا مناد ينادي: ألا إن الخمر قد حرمت. فقال لي: اذهب فأهرقها. قال: فجرت في سكك المدينة.

قال: وكانت خمرهم يومئذ الفضيخ. فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم. [ ص: 2149 ] قال: فأنزل الله: ليس على الذين آمنوا الآية.
رواه البخاري في "التفسير".

روى الترمذي عن البراء بن عازب قال: مات ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهم يشربون الخمر. فلما نزل تحريمها قال ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربونها؟ قال فنزلت: ليس على الذين الآية. وقال: حسن صحيح.

وعن ابن عباس قال: قالوا: يا رسول الله! أرأيت الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ (لما نزل تحريم الخمر)، فنزلت: ليس على الذين الآية. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة قال: حرمت الخمر ثلاث مرات: قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 2150 ] المدينة وهم يشربون الخمر ويأكلون الميسر. فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهما؟ فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه وسلم: يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما إلى آخر الآية. فقال الناس: ما حرمت علينا. إنما قال: فيهما إثم كبير وكانوا يشربون الخمر حتى إذا كان يوم من الأيام، صلى رجل من المهاجرين. أم أصحابه في المغرب. خلط في قراءته فأنزل الله آية أغلظ منها: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون فكان الناس يشربون حتى يأتي أحدهم الصلاة وهو مفيق، ثم أنزلت آية أغلظ من ذلك: يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر - إلى قوله -: فهل أنتم منتهون فقالوا: انتهينا. ربنا؟ فقال الناس: يا رسول الله! ناس قتلوا في سبيل الله أو ماتوا على فرشهم، كانوا يشربون الخمر ويأكلون الميسر، وقد جعله الله رجسا ومن عمل الشيطان؟ فأنزل الله: ليس على الذين آمنوا ... الآية. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو حرمت عليهم لتركوها كما تركتم.

قال ابن كثير: انفرد به أحمد.

وعن أبي ميسرة قال: لما نزل تحريم الخمر قال عمر: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في البقرة: يسألونك عن الخمر والميسر الآية. فدعي عمر [ ص: 2151 ] فقرئت عليه فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في سورة النساء: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم - إذا قال: حي على الصلاة - نادى: لا يقربن الصلاة سكران. فدعي عمر فقرئت عليه فقال: اللهم! بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فنزلت الآية التي في المائدة. فلما بلغ قوله تعالى: فهل أنتم منتهون قال عمر: انتهينا! انتهينا! رواه الإمام أحمد. وأصحاب السنن.

ورواه البيهقي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: إنما نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار. شربوا فلما أن ثمل القوم عبث بعضهم ببعض. فلما أن صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ورأسه ولحيته فيقول: صنع بي هذا أخي فلان. وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فيقول: والله! لو كان بي رؤوفا رحيما ما صنع بي هذا. حتى وقعت الضغائن في قلوبهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية: إنما الخمر - إلى قوله -: فهل أنتم منتهون

فقال ناس من المتكلفين: هي رجس وهي في بطن فلان وقد قتل في أحد. فأنزل الله تعالى: ليس على الذين الآية. ورواه النسائي في "التفسير".

وأخرج أبو بكر البزار عن جابر رضي الله عنه قال: اصطبح ناس الخمر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم قتلوا شهداء يوم أحد، فقالت اليهود: فقد مات بعض الذين قتلوا وهي في بطونهم، فنزلت: ليس على الذين الآية. قال البزار: إسناده صحيح.

قال ابن كثير: هو كما قال.

وقد ساق ابن كثير - أحاديث كثيرة في تحريم الخمر مما رواه أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد، فمن شاء فليرجع إليه. ولا يخفى أن تحريمها معلوم من الدين بالضرورة.

[ ص: 2152 ] وقد روى السيوطي في "الجامع الكبير" عن ابن عساكر بسنده إلى سيف بن عمر عن الربيع وأبي عثمان وأبي حارثة قالوا: كتب أبو عبيدة إلى عمر رضي الله عنهما: إن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب. منهم ضرار وأبو جندل. فسألناهم فتأولوا وقالوا: خيرنا فاخترنا. قال: فهل أنتم منتهون ؟ ولم يعزم. فكتب إليه عمر: فذلك بيننا وبينهم: فهل أنتم منتهون يعني: فانتهوا. وجمع الناس فاجتمعوا على أن يضربوا ثمانين جلدة ويضمنوا النفس، ومن تأول عليها بمثل هذا، فإن أبى قتل. وقالوا: من تأول على ما فر رسول الله صلى الله عليه وسلم منه، يزجر بالفعل والقتل. فكتب عمر إلى أبي عبيدة أن ادعهم. فإن زعموا أنها حلال فاقتلهم. وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم ثمانين. فبعث إليهم فسألهم على رؤوس الأشهاد فقالوا: حرام. فجلدهم ثمانين. وحد القوم، وندموا على لجاجتهم، وقال: ليحدثن فيكم - يا أهل الشام! - حادث، فحدث الرمادة.

ورواه سيف بن عمر أيضا عن الشعبي والحكم بن عيينة.
[ ص: 2153 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[94] يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد تناله أيديكم ورماحكم ليعلم الله من يخافه بالغيب فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم

يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد أي: يرسله إليكم وأنتم محرمون: تناله أيديكم لتأخذوه، وهو الضعيف من الصيد وصغيره: ورماحكم لتطعنوه، وهو كبار الصيد: ليعلم الله من يخافه بالغيب فيمتنع عن الاصطياد لقوة إيمانه.

قال مقاتل بن حيان: أنزلت هذه الآية في عمرة الحديبية. فكانت الوحش والطير والصيد تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط فيما خلا، فنهاهم الله عن قتله وهم محرمون.

قال ابن كثير: يعني أنه تعالى يبتليهم بالصيد يغشاهم في رحالهم، يتمكنون من أخذه بالأيدي والرماح سرا وجهرا، لتظهر طاعة من يطيع منهم في سره أو جهره، كما قال تعالى: إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير

وقوله تعالى: فمن اعتدى أي: بالصيد: بعد ذلك يعني بعد الإعلام والإنذار: فله عذاب أليم لمخالفته أمر الله وشرعه.

لطيفة:

قال الزمخشري: فإن قلت: ما معنى التقليل والتصغير في قوله: بشيء من الصيد ؟ قلت: قلل وصغر ليعلم أنه ليس بفتنة من الفتن العظام التي تدحض عندها أقدام الثابتين - كالابتلاء ببذل الأرواح والأموال - وإنما هو شبيه بما ابتلي به أهل أيلة من صيد السمك، وأنهم إذا لم يثبتوا عنده، فكيف شأنهم عند ما هو أشد منه...؟

[ ص: 2154 ] قال الناصر في "الانتصاف": قد وردت هذه الصيغة بعينها في الفتن العظيمة في قوله تعالى: ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين فلا خفاء في عظم هذه البلايا والمحن التي يستحق الصابر عليها أن يبشر؛ لأنه صبر عظيم. فقول الزمخشري: إنه قلل وصغر تنبيها على أن هذه الفتنة ليست من الفتن العظام - مدفوع باستعمالها مع الفتن المتفق على عظمها. والظاهر - والله أعلم - أن المراد بما أشعر به اللفظ من التقليل والتصغير، التنبيه على أن جميع ما يقع الابتلاء به من هذه البلايا بعض من كل، بالنسبة إلى مقدور الله تعالى. وأنه تعالى قادر على أن يكون ما يبلوهم به من ذلك أعظم مما يقع وأهول. وأنه مهما اندفع عنهم مما هو أعظم في المقدور فإنما يدفعه عنهم إلى ما هو أخف وأسهل، لطفا بهم ورحمة. ليكون هذا التنبيه باعثا لهم على الصبر، وحاملا على الاحتمال. والذي يرشد إلى أن هذا مراد، أن سبق التوعد بذلك لم يكن إلا ليكونوا متوطنين على ذلك عند وقوعه. فيكون أيضا باعثا على تحمله. لأن مفاجأة المكروه بغتة أصعب. والإنذار به قبل وقوعه مما يسهل موقعه. وحاصل ذلك لطف في القضاء... فسبحان اللطيف بعباده. وإذا فكر العاقل فيما يبتلى به من أنواع البلايا، وجد المندفع عنه منها أكثر، إلى ما لا يقف عند غاية. فنسأل الله العفو والعافية واللطف في المقدور.. انتهى.

وللزمخشري أن يجيب بأن الآية: ولنبلونكم شاهدة له لا عليه؛ لأنه المقصود فيه أيضا بالنسبة إلى ما دفعه الله عنهم - كما صرح به الناصر - مع أنه لا يتم دفعه بالآية إلا إذا كان: ونقص معطوفا على مجرور (من)، ولو عطف على (شيء) لكان مثل هذه الآية بلا فرق.. كذا في "العناية".



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 21-11-2022, 12:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2155 الى صـ 2166
الحلقة (313)



[ ص: 2155 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[95] يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام

يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم أي: محرمون بحج أو عمرة.

قال المهايمي: لأن قتله تجبر. والمحرم في غاية التذلل. انتهى.

وذكر القتل دون الذبح والذكاة، للتعميم. أو للإيذان بكونه في حكم الميتة. والصيد: ما يصاد مأكولا أو غيره. ولا يستثنى إلا ما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور» . وفي رواية: (الحية) بدل (العقرب).

قال زيد بن أسلم وابن عيينة: الكلب العقور يشمل السباع العادية كلها. ويستأنس لهذا بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال: «اللهم سلط عليه كلبك» . فأكله السبع بالزرقاء.

ومن قتله منكم أيها المحرمون: متعمدا ذاكرا [ ص: 2156 ] لإحرامه: فجزاء بالتنوين ورفع ما بعده، أي: فعليه جزاء هو: مثل ما قتل من النعم أي: شبهه في الخلقة. وفي قراءة بإضافة (جزاء): يحكم به أي: بالمثل مجتهدان: ذوا عدل منكم لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به. وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي الله عنهم في النعامة ببدنة. وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة. وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة. وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام؛ لأنه يشبهها في العب: هديا حال من (جزاء): بالغ الكعبة أي: يبلغ به الحرم. فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه. فلا يجوز أن يذبح حيث كان: أو عليه: كفارة غير الجزاء. وإن وجده. هي: طعام مساكين من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء. لكل مسكين مد. وفي قراءة بإضافة (كفارة) لما بعده، وهي للبيان: أو عليه: عدل مثل: ذلك الطعام: صياما يصوم، عن كل مد يوما: ليذوق أي: هاتك حرمة الله: وبال أمره أي: شدة وثقل هتكه لحرمة الإحرام. و (وليذوق) متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور. أي: فعليه جزاء ليذوق أو بفعل يدل عليه الكلام. أي: شرع ذلك عليه ليذوق: عفا الله عما سلف من قتل الصيد قبل تحريمه ومن عاد إليه: فينتقم الله منه بطلب الجزاء في الدنيا والمعاقبة في الآخرة. وكيف يترك ذلك: والله عزيز غالب على أمره. ومقتضى عزته الانتقام من هاتك حرمته، فهو لا محالة: ذو انتقام ممن عصاه.

تنبيهات:

الأول: - روى ابن أبي حاتم عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمدا.

قال ابن كثير: وهذا مذهب غريب. وهو تمسك بظاهر الآية.

ورأيت في بعض تفاسير الزيدية نسبة هذا القول إلى ابن عباس وعطاء ومجاهد وسالم وأبي ثور وابن جبير والحسن (في إحدى الروايتين)، والقاسم والهادي والناصر وغيرهم. انتهى.

[ ص: 2157 ] والجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه.

وقال الزهري: دل الكتاب على العابد. وجرت السنة على الناسي.

الثاني: إذا لم يكن الصيد مثليا حكم ابن عباس بثمنه يحمل إلى مكة. رواه البيهقي.

الثالث: ذهب معظم الأئمة إلى التخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، لأنه بلفظ (أو) وحقيقتها التخيير.

وعن بعض السلف أن ذلك على الترتيب. قالوا: إنما دخلت (أو) لبيان أن الجزاء لا يعدو أحد هذه الأشياء، ولأنا وجدنا الكفارات من الظهار والقتل على الترتيب. قلنا: هذا معارض بكفارة اليمين وبدم الأذى، فلا يخرج عن حقيقة اللفظ وهو التخيير.

الرابع: تعلق بظاهر قوله تعالى: ومن عاد فينتقم الله منه من قال: لا كفارة على العائد؛ لأنه تعالى لم يذكرها. هو مروي عن ابن عباس وشريح. والجمهور: على وجوبها عليه؛ لأن وعيد العائد لا ينافي وجوب الجزاء عليه. وإنما لم يصرح به لعلمه فيما مضى. مع أن الآية يحتمل أن معناها: من عاد بعد التحريم إلى ما كان قبله.

الخامس: قال الحاكم: كما دلت الآية على الرجوع إلى ذوي العدل في المماثلة. ففي ذلك دلالة على جواز الاجتهاد وتصويب المجتهدين. وجواز تعليق الأحكام بغالب الظن. وجواز رجوع العامي إلى العالم، وأن عند التنازع في الأمور يجب الرجوع إلى أهل البصر... انتهى.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[96] أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون

أحل لكم خطاب للمحرمين: صيد البحر وطعامه قال المهايمي: إذ ليس فيه التجبر المنافي للتذلل الإحرامي. و: صيد البحر ما يصطاد منه طريا، و: وطعامه ما يتزود [ ص: 2158 ] منه مملحا يابسا، كذا في رواية عن ابن عباس. والمشهور عنه أن صيده ما أخذ منه حيا، وطعامه ما لفظه ميتا. قال ابن كثير: وهذا ما روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم، وعن غير واحد من التابعين.

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر قال: طعامه: كل ما فيه.

وعن ابن المسيب: طعامه: ما لفظه حيا أو حسر عنه فمات.

متاعا لكم أي: تمتيعا للمقيمين منكم يأكلونه طريا: وللسيارة منكم يتزودونه قديدا.

و (السيارة) القوم يسيرون. أنث على الرفقة والجماعة.

تنبيهان:

الأول: قال ابن كثير: استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية، وبما رواه الإمام مالك عن ابن وهب وابن كيسان عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل. فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة - قال: وأنا فيهم - قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد. فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش. فجمع ذلك فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم تصبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فقدت. قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب. فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة. ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا. ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتها ولم تصبها.

وهذا الحديث مخرج من "الصحيحين" وله طرق عن جابر. وفي "صحيح مسلم" [ ص: 2159 ] عن جابر: وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم. هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.

وفي بعض روايات مسلم: أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين وجدوا هذه السمكة. فقال بعضهم: هي واقعة أخرى. وقال بعضهم: هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة. فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة. والله أعلم؟

وعن أبي هريرة: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . رواه مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن. وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم.

[ ص: 2160 ] وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» . رواه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي، وله شواهد. وروي موقوفا. فهذه حجج الجمهور.

الثاني: احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه يؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئا. وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه: كل ما فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع، وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي عبد الرحمن التيمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع. وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال: نقيقها تسبيح»

وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما أي: محرمين; فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا أثم وغرم. أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله؛ لأنه في حقه كالميتة: واتقوا الله في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام، ثم حذرهم بقوله سبحانه: الذي إليه تحشرون أي: تبعثون فيجازيكم على أعمالكم.

[ ص: 2161 ] لطيفة:

قال المهايمي: إنما حرم الصيد على المحرم، لأنه قصد الكعبة التي حرم صيد حرمها، فجعل كالواصل إليه. وإنما حرم صيد حرمها لأنها مثال بيت الملك، لا يتعرض لما فيه أو في حرمه. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[97] جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم

جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس أي: مدارا لقيام أمر دينهم بالحج إليه، ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه.

قال المهايمي: جعله الله مقام التوجه إليه في عبادته للناس المتفرقين في العالم، ليحصل لهم الاجتماع الموجب للتألف، الذي يحتاجون إليه في تمدنهم، الذي به كمال معايشهم ومعاهدهم، لاحتياجهم إلى المعاونة فيهما.

والشهر الحرام بمعنى الأشهر الحرم - ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب - قياما لهم بأمنهم من القتال فيها. لأنه حرم فيها ليحصل التآلف فيها: والهدي وهو ما يهدى إلى مكة: والقلائد جمع قلادة. وهي ما يجعل في عنق البدنة التي تهدى وغيره. والمراد ب (القلائد) ذوات القلائد وهي البدن. خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. والمفعول الثاني محذوف، ثقة بما مر، أي: جعل الهدي والقلائد أيضا قياما لهم؛ فإنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم. وفيه قوام لمعيشة الفقراء ثمت. وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوها أو قلدوا أنفسهم، عند الإحرام، من لحاء شجر [ ص: 2162 ] الحرم. فلا يتعرض لهم أحد: ذلك أي: الجعل المذكور: لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فإن جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها، دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن.

وقد جود الرازي تقرير هذا المقام فأبدع، فلينظر.

وقوله تعالى: وأن الله بكل شيء عليم تعميم إثر تخصيص للتأكيد.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[98] اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم

اعلموا أن الله شديد العقاب وعيد لمن انتهك محارمه أو أصر على ذلك: وأن الله غفور رحيم وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[99] ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون

ما على الرسول إلا البلاغ يعني: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، إلا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج. وفي الآية تشديد في إيجاب القيام بما أمر به. وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ. وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط: والله يعلم ما تبدون وما تكتمون من الخير والشر، فيجازيكم بذلك.
[ ص: 2163 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[100] قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون

قل لا يستوي الخبيث والطيب حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وجيدها. قصد به الترغيب في صالح العمل وحلال المال: ولو أعجبك كثرة الخبيث فإن العبرة بالجودة والرداءة، دون القلة والكثرة. فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. والخطاب عام لكل معتبر - أي: ناظر بعين الاعتبار - ولذلك قال: فاتقوا الله يا أولي الألباب أي: فاتقوه في تحري الخبيث وإن كثر. وآثروا الطيب وإن قل: لعلكم تفلحون أي: بمنازل القرب عنده تعالى المعد للطيبين.

تنبيهان:

الأول: - قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله: اعلموا أن الله شديد العقاب الآية. ثم بما بعدها أيضا - أتبعه بنوع آخر من الترغيب والترهيب بقوله: قل لا يستوي الآية.. وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان: أحدهما الذي يكون جسمانيا وهو ظاهر لكل أحد.

والثاني الذي يكون روحانيا. وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية. وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته. وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة. فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعته تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة. وأما الأرواح العارفة بالله تعالى، المواظبة على خدمته، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية، مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة. وكما أن الخبيث والطيب [ ص: 2164 ] في عالم الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان. بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد؛ لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ومنفعة طيبة مختصرة. وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية. وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية. وهو القرب من جوار رب العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، والمرافقة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية.

الثاني: قال بعض المفسرين: من ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه على الطالح. وأن الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن، ميز المؤمن في المجلس. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[101] يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم

يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا أي: نبيكم: عن أشياء إن تبد أي: تظهر: لكم تسؤكم لما فيها من المشقة: وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم أي: وإن تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة، فتطلبوا بيانها، تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. هذا وجه في الآية. وعليه ف (حين) ظرف ل (تسألوا).

وثمة وجه آخر: وهو جعل (حين) ظرفا ل (تبد)، والمعنى: وإن تسألوا عنها تبد لكم حين ينزل القرآن.

قال ابن القيم: والمراد ب (حين النزول) زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن للنزول. وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله. ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا. ثم قال: وثمة قول ثان في قوله تعالى: وإن تسألوا عنها إلخ، وهو أنه من باب التهديد والتحذير، أي: ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم [ ص: 2165 ] بيان ما سألتم عنه بما يسوءكم: والمعنى: لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم. انتهى.

وقال بعضهم: إنه تعالى، بين أولا أن تلك الأشياء - التي سألوا عنها - إن أبديت لهم ساءتهم. ثم بين ثانيا أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم. فكان حاصل الكلام: إن سألوا عنها أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم: إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم.

قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: إن تبد لكم تسؤكم صفة ل (أشياء) داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها، لا بالسؤال عنه، عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور قطعا. فقيل: وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم أي: تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي، كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين التنزيل. والمراد به: ما يشق عليهم ويغمهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه. فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد، لإساءتهم الأدب واجترائهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز وجل، من غير بحث فيه ولا تعرض لكيفيته وكميته. أي: لا تكثروا مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيكم من تكاليف شاقة عليكم - إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أوحي إليه - لم تطيقوا بها، ونحو بعض أمور مستورة تكرهون بروزها.

عفا الله عنها أي: عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم توسعة عليكم. أو: عفا الله عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها. فالجملة في موضع جر صفة أخرى ل: أشياء . أو المعنى: عفا الله عن مسائلكم السالفة، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. فالجملة حينئذ مستأنفة مبينة لأن نهيهم عنها لم يكن لمجرد [ ص: 2166 ] صيانتهم عن المساءة. بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها. وفيه من حثهم على الجد في الانتهاء عنها ما لا يخفى: والله غفور رحيم اعتراض تذييلي مقرر لعفوه تعالى، أي: مبالغ في مغفرة الذنوب. ولذا عفا عنكم ولم يؤاخذكم بما فرط منكم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[102] قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين

قد سألها قوم من قبلكم أي: سألوا هذه المسألة، لكن لا عينها، بل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير: ثم أصبحوا بها كافرين أي: بسببها. حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به، ويفعلوه. وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا. والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له.

تنبيهات:

الأول: روى البخاري في سبب نزولها في "التفسير" عن أبي الجويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء. فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل، تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا حتى فرغ من الآية كلها.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 21-11-2022, 12:47 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2167 الى صـ 2180
الحلقة (314)




وأخرج أيضا عن موسى بن أنس عن أنس رضي الله عنه قال: خطب رسول الله صلى [ ص: 2167 ] الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط، قال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا... قال: فغطى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم، لهم خنين. فقال رجل: من أبي؟ قال: فلان» فنزلت هذه الآية: لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم

وروى البخاري أيضا في كتاب "الفتن" عن قتادة: أن أنسا حدثهم قال: سألوا النبي صلى الله عليه وسلم حتى أحفوه بالمسألة. فصعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم المنبر فقال: «لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم. فجعلت أنظر يمينا وشمالا، فإذا كل رجل، رأسه في ثوبه يبكي. فأنشأ رجل - كان إذا لاحى يدعى إلى غير أبيه - فقال: يا نبي الله! من أبي؟ فقال: أبوك حذافة» . ثم أنشأ عمر فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا. نعوذ بالله من سوء الفتن.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما رأيت في الخير والشر كاليوم قط. إنه صورت لي الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط» .

فكان قتادة يذكر هذا الحديث عند هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء


وفي رواية: قال قتادة يذكر - بالبناء للمجهول - هذا الحديث... إلخ

وروى البخاري أيضا في كتاب "الاعتصام بالكتاب والسنة" في باب ما يكره من كثرة السؤال، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر. فلما سلم قام إلى المنبر فذكر الساعة. وذكر أن بين يديها أمورا عظاما. ثم قال: «من أحب أن يسأل عن شيء فليسأل عنه، [ ص: 2168 ] فوالله! لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به ما دمت في مقامي هذا» . قال أنس: فأكثر الأنصار البكاء، وأكثر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: فقال أنس: فقام رجل فقال: أين مدخلي يا رسول الله! قال: النار. فقام عبد الله بن حذافة فقال: من أبي يا رسول الله؟! قال: «أبوك حذافة» . قال: ثم أكثر أن يقول: سلوني. فبرك عمر على ركبتيه فقال: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا.

قال: فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال عمر ذلك.

ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده! لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط وأنا أصلي. فلم أر كاليوم في الخير والشر»
.

وعند مسلم: قال ابن شهاب: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قالت أم عبد الله بن حذافة لعبد الله بن حذافة: ما سمعت بابن قط أعق منك. أأمنت أن تكون أمك قد قارفت بعض ما تقارف نساء أهل الجاهلية، فتفضحها على أعين الناس؟

قال عبد الله بن حذافة: والله! لو ألحقني بعبد أسود للحقته.

وروى ابن جرير عن السدي قال: غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من الأيام فقام خطيبا فقال: سلوني. - نحو ما تقدم - وزاد: فقام إليه عمر فقبل رجله وقال: رضينا بالله ربا.. إلخ.

وزاد: وبالقرآن إماما، فاعف عنا عفا الله عنك. فلم يزل به حتى رضي.

وأخرج أيضا عن أبي هريرة قال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان محمار وجهه حتى [ ص: 2169 ] جلس على المنبر. فقام إليه رجل فقال: أين أنا؟ قال: في النار. - نحو ما مر - وفيه: فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا » الآية.

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": وبهذه الزيادة - أي: على ما في البخاري من قول رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أين أنا؟ قال: في النار. - يتضح أن هذه القصة سبب نزول: لا تسألوا عن أشياء الآية. فإن المساءة في حق هذا جاءت صريحة، بخلافها في حق حذافة فإنه بطريق الجواز، أي: لو قدر أنه في نفس الأمر لم يكن لأبيه، فبين أباه الحقيقي، لافتضحت أمه، كما صرحت بذلك أمه حين عاتبته على هذا السؤال. انتهى.

وروى الإمام أحمد والترمذي عن أبي البختري عن علي رضي الله عنه قال: لما نزلت هذه الآية: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا قالوا: يا رسول الله! أفي كل عام؟ فسكت، فقالوا: أفي كل عام؟ فسكت، قال ثم قالوا: أفي كل عام؟ فقال: لا. ولو قلت نعم لوجبت. ولو وجبت لما استطعتم. فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا الآية.

قال الترمذي: غريب وسمعت البخاري يقول: أبو البختري لم يدرك عليا.

وروى ابن جرير ونحوه عن أبي هريرة وأبي أمامة، وكذا عن ابن عباس، [ ص: 2170 ] قال في الآية: لا تسألوا عن أشياء إن نزل القرآن فيها بتغليظ ساءكم ذلك، ولكن انتظروا فإن نزل القرآن فإنكم لا تسألون عن شيء إلا وجدتم بيانه.

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والحاصل أنها نزلت بسبب كثرة المسائل. إما على سبيل الاستهزاء أو الامتحان، وإما على سبيل التعنت عن الشيء الذي لو لم يسأل عنه لكان على الإباحة.

الثاني - قال ابن كثير: ظاهر الآية النهي عن السؤال عن الأشياء التي إذا علم بها الشخص ساءته. فالأولى الإعراض عنها وتركها. وما أحسن الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا يبلغني أحد عن أحد شيئا؛ فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر. ورواه أبو داود والترمذي.

الثالث: - قال الإمام ابن القيم في "إعلام الموقعين":

لم ينقطع حكم هذه الآية، بل لا ينبغي للعبد أن يتعرض للسؤال عما إن بدا له ساءه. بل يستعفي ما أمكنه، ويأخذ بعفو الله. ومن هاهنا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا صاحب الميزاب! لا تخبرنا. لما سأله رفيقه عن مائه: أطاهر أم لا؟

وكذلك لا ينبغي للعبد أن يسأل ربه أن يبدي له من أحواله وعاقبته ما طواه عنه وستره فلعله يسوءه إن أبدي له. فالسؤال عن جميع ذلك تعرض لما يكرهه الله. فإنه سبحانه يكره إبداءها، ولذلك سكت عنها.

[ ص: 2171 ] وما ذكره من التعميم هو باعتبار ظاهرها. وأما المقصود أولا وبالذات - كما يفيده تتمتها - فهو النهي عن السؤال بما يسوء إبداؤه في زمن الوحي.

ويدل له، ما رواه البخاري عن سعد بن أبي وقاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أعظم المسلمين جرما، من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» .

فإن مثل ذلك قد أمن وقوعه.

وعن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ذروني ما تركتكم. فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم. فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم. وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» ، رواه الإمام أحمد ومسلم والنسائي.

وعن أبي ثعلبة الخشني: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تعالى فرض فرائض فلا تضيعوها. وحد حدودا فلا تعتدوها. وحرم أشياء فلا تقربوها. وترك أشياء، من غير نسيان، فلا تبحثوا عنها» . رواه الدارقطني وأبو نعيم.

وعن سلمان الفارسي: قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أشياء فقال: [ ص: 2172 ] «الحلال ما أحل الله في كتابه. والحرام ما حرم الله في كتابه. وما سكت عنه فهو مما قد عفا عنه، فلا تتكلفوا» . رواه الترمذي والحاكم وابن ماجه.

وأخرج الشيخان عن أنس قال: كنا نهينا أن نسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شيء. وكان يعجبنا أن يجيء الرجل الغافل من أهل البادية فيسأله ونحن نسمع.

وفي قصة اللعان من حديث ابن عمر: فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم المسائل وعابها.

[ ص: 2173 ] ولمسلم عن النواس بن سمعان قال: أقمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سنة بالمدينة، ما يمنعني من الهجرة إلا المسألة. كان أحدنا، إذا هاجر، لم يسأل النبي صلى الله عليه وسلم.

ومراده: أنه قدم وافدا، فاستمر بتلك الصورة ليحصل المسائل، خشية أن يخرج من صفة الوفد إلى استمرار الإقامة فيصير مهاجرا، فيمتنع عليه السؤال.

وفيه إشارة إلى أن المخاطب بالنهي عن السؤال غير الأعراب، وفودا كانوا أو غيرهم.

وأخرج أحمد عن أبي أمامة قال: لما نزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء الآية. كنا قد اتقينا أن نسأله صلى الله عليه وسلم. فأتينا أعرابيا فرشوناه برداء وقلنا: سل النبي صلى الله عليه وسلم.

ولأبي يعلى عن البراء: إن كان ليأتي علي السنة أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشيء فأتهيب، وإن كنا لنتمنى الأعراب - أي: قدومهم - ليسألوه، فيسمعوهم أجوبة سؤالات الأعراب، فيستفيدوها.

وأما ما ثبت في الأحاديث من أسئلة الصحابة، فيحتمل أن يكون قبل نزول الآية، [ ص: 2174 ] ويحتمل أن النهي في الآية لا يتناول ما يحتاج إليه مما تقرر حكمه، أو ما لهم بمعرفته حاجة راهنة: كالسؤال عن الذبح بالقصب. والسؤال عن وجوب طاعة الأمراء إذا أمروا بغير الطاعة. والسؤال عن أحوال يوم القيامة وما قبلها من الملاحم والفتن. والأسئلة التي في القرآن: كسؤالهم عن الكلالة والخمر والميسر والقتال في الشهر الحرام واليتامى والمحيض والنساء والصيد وغير ذلك.

لكن الذين تعلقوا بالآية في كراهية كثرة المسائل عما لم يقع، أخذوه بطريق الإلحاق، من جهة أن كثرة السؤال، لما كانت سببا للتكليف بما يشق، فحقها أن تجتنب.

وقد عقد الإمام الدارمي في أوائل "مسنده" لذلك بابا. وأورد فيه عن جماعة من الصحابة والتابعين آثارا كثيرة في ذلك، منها: عن ابن عمر: لا تسألوا عما لم يكن. فإني سمعت عمر يلعن السائل عما لم يكن.

وعن عمر: أحرج عليكم أن تسألوا عما لم يكن. فإن لنا فيما كان شغلا.

وعن زيد بن ثابت، أنه كان إذا كان إذا سئل عن الشيء؟ يقول: كان هذا؟ فإن قيل: لا قال: دعوه حتى يكون.

وعن أبي بن كعب، وعن عمار نحو ذلك.

وأخرج أبو داود في "المراسيل": عن أبي سلمة ومعاذ مرفوعا: لا تعجلوا بالبلية قبل نزولها؛ فإنكم إن تفعلوا لم يزل في المسلمين من إذا قال سدد - أو وفق - وإن عجلتم تشتتت بكم السبل.

وعن أشياخ الزبير بن سعيد مرفوعا: لا يزال في أمتي من إذا سئل سدد، حتى يتساءلوا عما لم ينزل.

قال بعض الأئمة: والتحقيق في ذلك: أن البحث عما لا يوجد فيه نص، على قسمين:

[ ص: 2175 ] أحدهما: أن يبحث عن دخوله في دلالة النص على اختلاف وجوهها، فهذا مطلوب لا مكروه. بل ربما كان فرضا على من تعين عليه من المجتهدين.

ثانيهما: - أن يدقق النظر في وجوه الفروق، فيفرق بين متماثلين بفرق ليس له أثر في الشرع مع وجود وصف الجمع، أو بالعكس بأن يجمع بين متفرقين بوصف طردي مثلا. فهذا الذي ذمه السلف. وعليه ينطبق حديث ابن مسعود رفعه: هلك المتنطعون... أخرجه مسلم، فرأوا أن فيه تضييع الزمان بما لا طائل تحته.

ومثله الإكثار من التفريع على مسألة لا أصل لها في الكتاب ولا السنة ولا الإجماع، وهي نادرة الوقوع جدا، فيصرف فيها زمانا كان صرفه في غيرها أولى، لا سيما إن لزم من ذلك إغفال التوسع في بيان ما يكثر وقوعه. وأشد من ذلك - في كثرة السؤال - البحث عن أمور مغيبة ورد الشرع بالإيمان بها مع ترك كيفيتها. ومنها لا يكون له شاهد في عالم الحس. كالسؤال عن وقت الساعة وعن الروح وعن مدة هذه الأمة.. إلى أمثال ذلك مما لا يعرف إلا بالنقل الصرف. والكثير منه لم يثبت فيه شيء، فيجب الإيمان من غير بحث. وأشد من ذلك ما يوقع كثرة البحث عنه في الشك والحيرة. قال بعضهم: مثال التنطع في السؤال حتى يفضي بالمسؤول إلى الجواب بالمنع بعد أن يفتي بالإذن - أن يسأل عن السلع التي توجد في الأسواق: هل يكره شراؤها ممن هي في يده من قبل البحث عن مصيرها إليه أو لا؟ فيجيبه بالجواز. فإن عاد فقال: أخشى أن يكون من نهب أو غصب، ويكون ذلك الوقت قد وقع شيء من ذلك في الجملة، فيحتاج أن يجيبه بالمنع. ويقيد ذلك إن ثبت شيء من ذلك حرم، وإن تردد كره أو كان خلاف الأولى، ولو سكت السائل عن هذا التنطع لم يزد المفتي على جوابه بالجواز. وإذا تقرر ذلك، فمن يسد باب المسائل حتى فاته معرفة كثير من الأحكام التي يكثر وقوعها، فإنه يقل فهمه وعلمه، ومن توسع في تفريع [ ص: 2176 ] المسائل وتوليدها - ولا سيما فيما يقل وقوعه أو يندر، ولا سيما إن كان الحامل على ذلك المباهاة والمغالبة - فإنه يذم فعله، وهو عين الذي كره السلف. ومن أمعن في البحث عن معاني كتاب الله، محافظا على ما جاء في تفسيره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه، الذين شاهدوا التنزيل. وحصل من الأحكام ما يستفاد من منطوقه ومفهومه، وعن معاني السنة وما دلت عليه كذلك، مقتصرا على ما يصلح للحجة منها، فإنه الذي يحمد وينتفع به. وعلى ذلك يحمل عمل فقهاء الأمصار من التابعين فمن بعدهم - كذا في "فتح الباري".

ثم رأيت في "موافقات" الإمام الشاطبي رحمه الله تعالى، في أواخرها - في هذا الموضوع - مبحثا جليلا، قال في أوله:

الإكثار من الأسئلة مذموم. والدليل عليه النقل المستفيض من الكتاب والسنة وكلام السلف الصالح. من ذلك قوله تعالى... - وساق هذه الآية وما أسلفناه من الآثار وزاد أيضا عما نقلنا - ثم قال: والحاصل أن كثرة السؤال ومتابعة المسائل بالأبحاث العقلية والاحتمالات النظرية، مذموم. وقد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وعظوا في كثرة السؤال حتى امتنعوا منه. وكانوا يحبون أن يجيء الأعراب فيسألون حتى يسمعوا كلامه ويحفظوا منه العلم.. ثم قال: ويتبين من هذا أن لكراهية السؤال مواضع، نذكر منها عشرة مواضع:

أحدها: السؤال عما لا ينفع في الدين، كسؤال عبد الله بن حذافة: من أبي؟ وروي في "التفسير" أنه عليه السلام سئل: ما بال الهلال يبدو رقيقا كالخيط ثم لا يزال ينمو [ ص: 2177 ] حتى يصير بدرا ثم ينقص إلى أن يصير كما كان؟ فأنزل الله: يسألونك عن الأهلة الآية. فإنما أجيب بما فيه منافع الدين.

وثانيها: أن يسأل بعد ما بلغ من العلم حاجته، كما سأل الرجل عن الحج: أكل عام؟ مع أن قوله تعالى: ولله على الناس حج البيت قاض بظاهره أنه للأبد، لإطلاقه. ومثله سؤال بني إسرائيل بعد قوله: إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة

وثالثها: السؤال من غير احتياج إليه في الوقت، وكأن هذا - والله أعلم - خاص [ ص: 2178 ] بما لم ينزل فيه حكم، وعليه يدل قوله: «ذروني ما تركتكم» . وقوله: «وسكت عن أشياء رحمة بكم، لا عن نسيان، فلا تبحثوا عنها» .

ورابعها: أن يسأل عن صعاب المسائل وشرارها، كما جاء في النهي عن الأغلوطات.

وخامسها: أن يسأل عن علة الحكم - هو من قبيل التعبدات، أو السائل ممن لا يليق به ذلك السؤال - كما في حديث قضاء الصوم دون الصلاة.

وسادسها: أن يبلغ بالسؤال إلى حد التكلف والتعمق، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ولما سئل الرجل: [ ص: 2179 ] يا صاحب الحوض! هل ترد حوضك السباع؟ قال عمر بن الخطاب: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإنا نرد على السباع وترد علينا.

وسابعها: أن يظهر من السؤال معارضة الكتاب والسنة بالرأي، ولذلك قال سعيد: أعراقي أنت؟ وقيل لمالك بن أنس: الرجل يكون عالما بالسنة أيجادل عنها؟ قال: لا. ولكن يخبر بالسنة. فإن قبلت منه وإلا سكت.

وثامنها: السؤال عن المتشابهات، وعلى ذلك يدل قوله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه الآية.. وعن عمر بن عبد العزيز: من جعل دينه غرضا للخصومات أسرع التنقل، ومن ذلك سؤال من سأل مالكا عن الاستواء؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهول، والسؤال عنه بدعة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 21-11-2022, 12:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2180 الى صـ 2193
الحلقة (315)



[ ص: 2180 ] وتاسعها: السؤال عما شجر بين السلف الصالح. وقد سئل عمر بن عبد العزيز عن قتال أهل صفين؟ فقال: تلك دماء كف الله عنها يدي، فلا أحب أن ألطخ بها لساني.

وعاشرها: سؤال التعنت والإفحام وطلب الغلبة في الخصام. وفي القرآن في ذم نحو هذا: ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وقال: بل هم قوم خصمون وفي الحديث: أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم.

هذه جملة من المواضع التي يكره السؤال فيها، يقاس عليها ما سواها، وليس النهي فيها [ ص: 2181 ] واحدا، بل فيها ما تشتد كراهيته، ومنها ما يخف، ومنها ما يحرم، ومنها يكون محل اجتهاد. وعلى جملة، منها يقع النهي عن الجدال في الدين كما جاء: إن المراء في القرآن كفر. وقال تعالى: وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم الآية.. وأشباه ذلك من الآي والأحاديث... فالسؤال في مثل ذلك منهي عنه، والجواب بحسبه. انتهى كلامه.

التنبيه الرابع:

قال بعض المفسرين: لا بد من تقييد النهي في هذه الآية (بما لا تدعو إليه حاجة). لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين قد أذن الله بالسؤال عنه فقال: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال صلى الله عليه وسلم: «قاتلهم الله ألا سألوا إذا لم يعلموا. فإنما شفاء العي السؤال...» انتهى.

[ ص: 2182 ] ولا يخفى أن الآية بقيدها - أعني: إن تبد .. إلخ - غنية عن أن تقيد بقيد آخر كما ذكره البعض؛ لأن المراد بها ما يشق عليهم من التكاليف الصعبة وما يفتضحون به - كما أسلفنا - مما هو خوض في الفضول، وشروع فيما لا حاجة إليه. وفيه خطر المفسدة. والشيء الذي لا يحتاج إليه ويكون فيه خطر المفسدة، يجب على العاقل الاحتراز عنه.

وأما ما تدعو إليه الحاجة فلا تشمله الآية - كما يتضح من نظمها الكريم - مع ما بينته السنة في سبب النزول، وتحرج الصحابة عن المسائل المار بيانه - معلوم أنه فيما لا ضرورة إليها. وإلا فمسائلهم في الضروريات والحاجيات طفحت بها كتب السنة، مما يبين أن هذه الآية في موضوع خاص.

وقد كان صلى الله عليه وسلم يكره فتح باب كثرة المسائل، خشية أن تفضي إلى حرج أو مساءة أو تعنت.

روى الشيخان عن المغيرة بن شعبة أنه كتب إلى معاوية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينهى عن قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال.

[ ص: 2183 ] وروى أحمد وأبو داود: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الأغلوطات - وهي صعاب المسائل - والآثار في ذلك كثيرة.

ثم بين تعالى بطلان ما ابتدعه أهل الجاهلية - من تحريم بعض بهيمة الأنعام - بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[103] ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون

ما جعل الله من بحيرة أي: ما شرع وما وضع. و (من) مزيدة لتأكيد النفي. والبحيرة (كسفينة) فعيلة بمعنى المفعول من (البحر) وهو شق الأذن. يقال: بحر الناقة والشاة، يبحرها: شق أذنها. وفي البحرة أقوال كثيرة ساقها صاحب القاموس وغيره.

قال أبو إسحاق النحوي: أثبت ما روينا عن أهل اللغة في البحرة: أنها الناقة كانت إذا نتجت خمسة أبطن، فكان آخرها ذكرا، بحروا أذنها (أي: شقوها) وأعفوا ظهرها من الركوب والحمل والذبح، ولا تمنع من ماء ترده ولا من مرعى. وإذا لقيها المعيي المنقطع به، لم يركبها.

ولا سائبة وهي الناقة كانت تسيب في الجاهلية لنذر أو لطواغيتهم. أي: تترك ولا تركب ولا يحمل عليها كالبحيرة. أو كانت إذا ولدت عشرة أبطن كلهن إناث، ليس بينهن ذكر، سيبت فلم تركب ولم يجز وبرها، ولم يشرب لبنها إلا ولدها أو الضيف. أو كان الرجل إذا قدم من سفر بعيد، أو برئ من علة، أو نجت دابته من مشقة أو حرب، قال: وهي (أي: ناقتي) سائبة.

ولا وصيلة كانوا إذا ولدت الشاة ستة أبطن عناقين عناقين. وولدت في السابع عناقا وجديا، قالوا: وصلت أخاها. فلا يذبحون أخاها من أجلها. وأحلوا لبنها للرجال وحرموه على النساء. والعناق (كسحاب) الأنثى من أولاد المعز. [ ص: 2184 ] وقيل: الوصيلة كانت في الشاة خاصة، إذا ولدت الأنثى فهي لهم، وإذا ولدت ذكرا جعلوه لآلهتهم. وإن ولدت ذكرا وأنثى قالوا: وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم: ولا حام وهو الفحل من الإبل يضرب الضراب المعدود. فإذا انقضى ضرابه جعلوا عليه ريش الطواويس، وسيبوه للطواغيت. وقيل: هو الفحل ينتج من صلبه عشرة أبطن. ثم هو حام حمى حمى ظهره. فيترك فلا ينتفع منه بشيء، ولا يمنع من ماء ولا مرعى. وحكى أبو مسلم: إذا أنتجت الناقة عشرة أبطن، قالوا: حمت ظهرها.

وقد روي في تفسير هذه الأربعة، أقوال أخر. ولا تنافي في ذلك؛ لأن أهل الجاهلية لهم في أضاليلهم تفننات غريبة.

هذا وروى ابن أبي حاتم عن أبي الأحوص عوف بن مالك بن نضلة، عن أبيه مالك بن نضلة، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في خلقان من الثياب. فقال لي: هل لك من مال؟ فقلت: نعم. قال: من أي المال؟ قال فقلت: من كل المال: الإبل والغنم والخيل والرقيق. قال: فإذا أتاك الله مالا كثيرا فكثر عليك. ثم قال: تنتج إبلك وافية آذانها؟ قال قلت: نعم. قال: وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: فلعلك تأخذ الموسى فتقطع آذان طائفة منها، وتقول: هذه حرم؟ قلت: نعم. قال: فلا تفعل. إن كل ما آتاك الله لك حل. ثم قال: ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام

أما البحيرة فهي التي يجدعون آذانها فلا تنتفع امرأته ولا بناته ولا أحد من أهل بيته بصوفها ولا أوبارها ولا أشعارها ولا ألبانها. فإذا ماتت اشتركوا فيها. وأما السائبة فهي التي يسيبون لآلهتهم يذهبون إلى آلهتهم فيسيبونها، وأما الوصيلة فالشاة تلد ستة أبطن. فإذا ولدت السابع جدعت وقطعت قرنها فيقولون: قد وصلت، فلا يذبحونها ولا تضرب ولا تمنع مهما وردت على حوض.

قال ابن كثير: هكذا ذكر تفسير ذلك مدرجا في الحديث. وقد روي من وجه آخر [ ص: 2185 ] عن أبي الأحوص من قوله، وهو أشبه. وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن مالك بن نضلة. وليس فيه تفسير هذه. والله أعلم.

ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون أي: ما شرع الله هذه الأشياء، ولا هي عنده قربة. ولكن المشركون افتروا ذلك وجعلوه شرعا لهم وقربة يتقربون بها، وليس ذلك بحاصل لهم، بل هو وبال عليهم.

وفي البخاري أن التبحير والتسييب وما بعدهما، كله لأجل الطواغيت. يعني أصنامهم، [ ص: 2186 ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: رأيت عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار. وكان أول من سيب السوائب وبحر البحيرة وغير دين إسماعيل. لفظ مسلم.

زاد ابن جرير: وحمى الحامي.

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول [ ص: 2187 ] من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو خزاعة عمرو بن عامر، وإني رأيته يجر أمعاءه في النار» .

قال ابن كثير: عمرو هذا هو ابن لحي بن قمعة أحد رؤساء خزاعة الذين ولوا البيت بعد جرهم. وكان أول من غير دين إبراهيم الخليل. فأدخل الأصنام إلى الحجاز ودعا الرعاء من الناس إلى عبادتها والتقرب بها. وشرع لهم هذه الشرائع الجاهلية في الأنعام وغيرها. كما ذكره الله تعالى في سورة الأنعام عند قوله تعالى: وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا الآيات. انتهى.

لطيفة:

قال الرازي: فإن قيل: إذا جاز إعتاق العبيد والإماء، فلم لا يجوز إعتاق هذه البهائم من الذبح والإتعاب والإيلام؟ قلنا: الإنسان مخلوق لخدمة الله تعالى وعبوديته. فإذا أزيل الرق عنه تفرغ لعبادته تعالى، فكان ذلك قربة مستحسنة. وأما هذه الحيوانات فإنها مخلوقة لمنافع الناس. فإهمالها يقتضي فوات منفعة على مالكها وعلى غيره. أي: وهو خلاف الحكمة التي خلقت هي لأجلها. على أن الرقيق إذا أعتق قدر على تحصيل مصالح نفسه، بخلاف البهيمة. ففي تسييبها إيقاع لها في أنواع من المحنة والمشقة.

قال المهايمي: قاسوه (يعني التبحير) على عتق الإنسان مع ظهور الفرق. لما في عتق الإنسان من تمليك التصرفات، ولا تصرف للحيوانات العجم.

ثم قال: الأول كالعتق بلا نذر. والثاني كالعتق بالنذر. والثالث مشبه بما يشبه العتق. والرابع ملك النفس بلا تمليك. ولا معنى للتمليك في الحيوانات العجم، فهذه الأمور غير معقولة ظاهرا وباطنا، فلا يفعلها الحكيم.

[ ص: 2188 ] تنبيه:

قال السيوطي في "الإكليل": في الآية تحريم هذه الأمور. واستنبط منه تحريم جميع تعطيل المنافع. ومن صور السائبة: إرسال الطائر ونحوه. واستدل ابن الماجشون بالآية على منع أن يقول لعبده: أنت سائبة. وقال: لا يعتق. انتهى.

وقال بعض مفسري الزيدية: قال الحاكم: استدل بعضهم على بطلان الوقف بالآية الكريمة؛ لأن الملك لا يخرج عن ملك صاحبه إلى مالك آخر. أو على وجه القربة إلى الله. كتحرير الرقاب.

قال الحاكم: وليس بصحيح؛ لأن الوقف قربة كالعتق. ولقائل أن يقول: يستدل بالآية على نظير ذلك. وهو ما يلقى في الأنهار والطريق وقرب الأشجار، من طرح البيض والفراريج ونحو ذلك. فلا يجوز فعله، ولا يزول ملك المالك. ويحتمل أن يقول: قد رغب عنه وصيره مباحا. وأما كسر البيض على العمارة والطريق والأبواب، فالظاهر عدم الجواز؛ لأن في ذلك إضاعة مال، ولم يرد بفعله دليل. انتهى.

ولما بين تعالى أن أكثرهم لا يعقلون أن تحريم هذه الأشياء افتراء باطل حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق، وإنما يقلدون قدماءهم - أشار إلى عنادهم واستعصائهم حينما هدوا إلى الحق، وإلى ضلالهم ببقائهم في أسر التقليد، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[104] وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنـزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ولا يهتدون

وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنـزل الله من الكتاب المبين للحلال والحرام: وإلى الرسول أي: الذي أنزل هو عليه، لتقفوا على حقيقة الحال، وتميزوا بين الحرام والحلال، [ ص: 2189 ] فترفضوا تقليد القدماء المفترين على الله الكذب بالضلال: قالوا أي: لإفراط جهلهم وانهماكهم في التقليد: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أي: كافينا ذلك. و: حسبنا مبتدأ، والخبر: ما وجدنا و (ما) بمعنى الذي. والواو في قوله تعالى: أولو كان آباؤهم للحال. دخلت عليها همزة الإنكار. أي: أحسبهم ذلك ولو كان آباؤهم: لا يعلمون شيئا أي: لا يعرفون حقا ولا يفهمونه: ولا يهتدون أي: إليه. قال الزمخشري: والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدي. وإنما يعرف اهتداؤه بالحجة. انتهى.

وقال الرازي: واعلم أن الاقتداء إنما يجوز بالعالم المهتدي. وإنما يكون عالما مهتديا إذا بنى قوله على الحجة والدليل. فإذا لم يكن كذلك لم يكن عالما مهتديا. فوجب أن لا يجوز الاقتداء به. انتهى.

وقال بعض مفسري الزيدية: ثمرة الآية قبح التقليد ووجوب النظر واتباع الحجة. ثم قال: وقد فسر التقليد بأنه قبول قول الغير من غير حجة. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[105] يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون

يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم أي: الزموا أن تصلحوها باتباع كتاب الله وسنة رسوله: لا يضركم من ضل أي: ممن قال: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو أخذ بشبهة. أو عاند في قول أو فعل: إذا اهتديتم أي: إلى الإيمان. وكأن المؤمنين كان يشتد عليهم بقاء الكفار في كفرهم وضلالهم. فقيل لهم: عليكم أنفسكم وما كلفتم من إصلاحها والمشي بها في طريق الهدى. لا يضركم ضلال الضالين وجهل الجاهلين، [ ص: 2190 ] إذا كنتم مهتدين. كما قال عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: فلا تذهب نفسك عليهم حسرات

قال الزمخشري: وكذلك من يتأسف على ما فيه الفسقة من الفجور والمعاصي ولا يزال يذكر معايبهم ومناكيرهم، فهو مخاطب بهذه الآية: إلى الله مرجعكم بعد الموت: جميعا فينبئكم أي: يخبركم: بما كنتم تعملون أي: في الدنيا من أعمال الهداية والضلال. فهو وعد ووعيد للفريقين. وتنبيه على أن أحدا لا يؤاخذ بعمل غيره.

تنبيه:

لا يستدل بالآية على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأن الظاهر من الآية أن ضلال الغير لا يضر، وأن المطيع لربه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي. وإلا فمن تركها مع القدرة عليهما، فليس بمهتد. وإنما هو بعض الضلال الذي فصلت الآية بينهم وبينه.

قال الحاكم: ولو استدل على وجوبها بقوله تعالى: عليكم أنفسكم كان أولى. لأنه يدخل في ذلك كل ما لزم من الواجبات. أي: كما فعل المهايمي في تفسيره حيث قال: عليكم أنفسكم . أي: الزموا أن تصلحوها باتباع الدلائل من كتاب الله وسنة رسوله. والعقليات المؤيدة بها، ودعوة الإخوان إلى ذلك. بإقامة الحجج ودفع الشبه، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر بما أمكن من القول والفعل. لا تقصروا في ذلك؛ إذ لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، بدعوتهم إلى ما أنزل وإلى الرسول وإقامة الحجج لهم، ودفع الشبه عنهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، بما أمكن من القول والفعل. ولا تقصروا في ذلك. إذ إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون، من التقصير أو الإيفاء قولا وفعلا، في حق أنفسكم أو غيركم. انتهى.

[ ص: 2191 ] ونقل الرازي عن عبد الله بن المبارك أنه قال: هذه أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فإنه قال: عليكم أنفسكم يعني عليكم أهل دينكم. ولا يضركم من ضل من الكفار. وهذا كقوله: فاقتلوا أنفسكم يعني أهل دينكم. فقوله: عليكم أنفسكم يعني بأن يعظ بعضكم بعضا، ويرغب بعضكم بعضا في الخيرات وينفره عن القبائح والسيئات. والذي يؤكد ذلك ما بينا أن قوله: عليكم أنفسكم معناه: احفظوا أنفسكم من ملابسة المعاصي والإصرار على الذنوب. فكان ذلك أمرا بأن نحفظ أنفسنا. فإذا لم يكن ذلك الحفظ إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان ذلك واجبا. انتهى.

وروى الإمام أحمد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه. أنه قام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنكم تقرءون هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى آخر الآية. وإنكم تضعونها على غير موضعها. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس، إذا رأوا المنكر، ولا يغيرونه، يوشك أن يعمهم الله عز وجل بعقابه» .

ورواه أصحاب السنن وابن حبان في صحيحه وغيرهم.

وروى الترمذي عن أبي أمية الشعباني. قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: [ ص: 2192 ] كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم قال: أما والله! لقد سألت عنها خبيرا. سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر. حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخاصة نفسك ودع العوام. إن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا، يعملون مثل عملكم»

«قال عبد الله بن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل يا رسول الله! أجر خمسين رجلا منا أو منهم؟ قال: لا، بل أجر خمسين منكم»
.

قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.

وكذا رواه أبو داود وابن ماجه وابن جرير وابن أبي حاتم.

وروى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن أن ابن مسعود رضي الله عنه سأله رجل عن قول الله: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال: إن هذا ليس بزمانها. إنها اليوم مقبولة. ولكنه قد يوشك أن يأتي زمانها. تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا. أو قال: فلا يقبل منكم. فحينئذ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل.

ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسا. فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس. حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه. فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فآمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر؟ فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك. فإن الله يقول: عليكم أنفسكم الآية. قال فسمعها ابن مسعود فقال: مه. لم يجئ تأويل هذه بعد. إن القرآن أنزل حيث أنزل. ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزلن. ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنه آي [ ص: 2193 ] قد وقع تأويلهن بعد النبي صلى الله عليه وسلم بيسير. ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب، ما ذكر من الحساب والجنة والنار. فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة ولم تلبسوا شيعا ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا. وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعا وذاق بعضكم بأس بعض فأمر نفسك. وعند ذلك جاء تأويل هذه الآية. أخرجه ابن جرير.

وأخرج أيضا أنه قيل لابن عمر: لو جلست في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه، فإن الله قال: عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم فقال ابن عمر: إنها ليست لي ولا لأصحابي. لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ألا فليبلغ الشاهد الغائب. فكنا نحن الشهود وأنتم الغيب. ولكن هذه الآية لأقوام يجيئون من بعدنا. إن قالوا لم يقبل منهم» .

وقد ضعف الرازي ما روي عن ابن مسعود وابن عمر مما سقناه. قال: لأن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا خطاب عام، وهو أيضا خطاب مع الحاضرين. فكيف يخرج الحاضر ويخص الغائب؟ انتهى.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 21-11-2022, 12:54 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2194 الى صـ 2206
الحلقة (316)



أقول: ليس مراد ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما، إخراج الحاضرين عن الخطاب، وأنه لم يعن بها إلا الغيب. وإنما مرادهما الرد على من تأولها بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فأعلماه بأنه لا يسوغ الاستشهاد بها في ترك ذلك. والاسترواح لظاهرها، إلا في الزمن الذي بيناه. وحاصله: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبان ما قبلا، فإن ردا في مثل ذلك الزمن فليقرأ: عليكم أنفسكم هذا مرادهما. والله أعلم.

[ ص: 2194 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[106] يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت أي: ظهرت أماراته: حين الوصية بدل من الظرف، ظرف (للموت) ولا لحضوره. فإن في الإبدال تنبيها على أن الوصية من المهمات التي لا ينبغي التهاون بها. وقوله تعالى: اثنان خبر: شهادة بتقدير مضاف. أي: شهادة بينكم حينئذ، شهادة اثنين. أو فاعل (شهادة) على أن خبرها محذوف. أي: فيما نزل عليكم، أن يشهد بينكم اثنان: ذوا عدل منكم أي: من المسلمين: أو آخران من غيركم أي: من أهل الذمة: إن أنتم ضربتم في الأرض أي: سافرتم فيها: فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما أي: توقفونهما للتحليف: من بعد الصلاة أي: صلاة العصر. كما قاله ابن عباس وثلة من التابعين. وعدم تعيينها، لتعيينها عندهم بالتحليف بعدها. لأنه وقت اجتماع الناس ووقت تصادم ملائكة الليل وملائكة النهار. واجتماع طائفتي الملائكة، فيه تكثير للشهود منهم على صدقه وكذبه. فيكون أقوى من غيره وأخوف.

وعن الزهري: بعد أي صلاة للمسلمين كانت. وذلك لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق، وناهية عن الكذب والزور، كما قال تعالى: إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [ ص: 2195 ] فالتعريف في: الصلاة إما للعهد أو للجنس فيقسمان أي: يحلفان: بالله إن ارتبتم أي: شككتم فيهما بخيانة وأخذ شيء من تركة الميت. وقوله تعالى: لا نشتري به ثمنا جواب للقسم. أي: يقولان: لا نأخذ لأنفسنا بدلا من الله. أي: من حرمته عرضا من الدنيا بأن نهتكها ونزيلها بالحلف الكاذب. أي: لا نحلف بالله كاذبين لأجل المال: ولو كان أي: من نقسم له ونشهد عليه، المدلول عليه بفحوى الكلام: ذا قربى أي: قريبا منا. تأكيد لتبرئهم من الحلف كاذبا. ومبالغة في التنزه عنه. كأنهما قالا: لا نأخذ لأنفسنا بدلا من حرمة اسمه تعالى مالا. ولو انضم إليه رعاية جانب الأقرباء. فكيف إذا لم يكن كذلك؟: ولا نكتم شهادة الله أي: الشهادة التي أمرنا الله تعالى بإقامتها. وإضافتها إلى الاسم الكريم تشريفا لها وتعظيما لأمرها: إنا إذا إن كتمناها: لمن الآثمين أي: المعدودين من المسترقين في الإثم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[107] فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا إذا لمن الظالمين

فإن عثر أي: اطلع بعد التحليف: على أنهما أي: الشاهدين الوصيين: استحقا إثما أي: فعلا ما يوجبه من خيانة أو غلول شيء من المال الموصى به إليهما: فآخران يقومان مقامهما أي: فرجلان آخران يقومان مقام اللذين عثر على خيانتهما أي: في توجه [ ص: 2196 ] اليمين عليهما لإظهار الحق وإبراز كذبهما فيما ادعيا من استحقاقهما لما في أيديهما: من الذين استحق عليهم الأوليان أي: من ورثة الميت الذي استحق من بينهم الأوليان، أي: الأقربان إلى الميت، الوارثان له، الأحقان بالشهادة، أي: اليمين. ف (الأوليان) فاعل (استحق). ومفعول (استحق) محذوف، قدره بعضهم (وصيتهما) وقدره ابن عطية (مالهم وتركتهم)، وقدره الزمخشري أن يجردوهما للقيام بالشهادة؛ لأنها حقهما ويظهروا بهما كذب الكاذبين. وقرئ على البناء للمفعول أي: من الذين استحق عليهم الإثم. أي: جني عليهم. وهم أهل الميت وعشيرته. ف (الأوليان) مرفوع على أنه خبر لمبتدأ محذوف. كأنه قيل: ومن هما؟ فقيل: الأوليان. أو هو بدل من الضمير في (يقومان) أو من (آخران) وقد جوز ارتفاعه (استحق) على حذف المضاف. أي: استحق عليهم ندب الأوليين منهم للشهادة. وقرئ الأولين جمع (أول) على أنه صفة للذين، مجرور أو منصوب على المدح. ومعنى الأولية التقدم على الأجانب في الشهادة لكونهم أحق بها. وقرئ الأوليين، على التثنية. وانتصابه على المدح. أفاده أبو السعود.

وقرئ: الأولين تثنية (أول) نصبا على ما ذكر. كما في البيضاوي.

قال أبو البقاء: ويقرأ الأوليين وهو جمع (أولى) وإعرابه كإعراب الأولين. ويقرأ الأولان، تثنية (الأول) وإعرابه كإعراب (الأوليان): فيقسمان بالله عطف على (يقومان): لشهادتنا أحق أي: بالقبول: من شهادتهما أي: لقولنا: إنهما خانا وكذبا فيما ادعيا من الاستحقاق، أحق من شهادتهما المتقدمة. لما أنه قد ظهر للناس استحقاقهما للإثم: وما اعتدينا أي: ما تجاوزنا الحق فيها أو فيما قلنا فيهما من الخيانة: إنا إذا أي: إن اعتدينا: لمن الظالمين أي: أنفسهم بتعريضها لسخط الله تعالى وعذابه، بسبب هتك حرمة اسم الله تعالى. أو من الواضعين الحق في غير موضعه.

ومعنى الآية الكريمة: أن الرجل إذا حضرته الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين.

[ ص: 2197 ] فإن لم يجدهما، فرجلين من أهل الكتاب. يوصي إليهما ويدفع إليهما ميراثه. فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة وعرفوا ما لصاحبهم قبل قولهما وتركا. وإن اتهموهما، رفعوهما إلى السلطان فحلفا بعد صلاة العصر بالله، ما كتمنا ولا كذبنا ولا خنا ولا غيرنا، فإن اطلع الأوليان على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء، فحلفا بالله; أن شهادة الكافرين باطلة، وأنا لم نعتد. فترد شهادة الكافرين وتجوز شهادة الأولياء، هكذا روى ابن جرير عن ابن عباس وابن جبير وغيرهما.

قال الإمام ابن كثير: وهذا التحليف للورثة والرجوع إلى قولهما، والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول، إذا ظهر لوث في جانب القاتل. فيقسم المستحقون على القاتل. فيدفع برمته إليهم. كما هو مقرر في "باب القسامة". وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة.

روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إلى آخرها قال: برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإسلام. فأتيا الشام لتجارتهما. وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له بديل (بدال أو زاي مصغرا. وضبطه بالثانية ابن ماكولا) ابن أبي مريم بتجارة، معه جام من فضة يريد بها الملك. وهو أعظم تجارته. فمرض فأوصى إليهما. وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله. قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم. واقتسمناه أنا وعدي. فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا. وفقدوا الجام فسألوا عنه. فقلنا: ما ترك غير هذا، وما دفع إلينا غيره.

قال تميم: فلما أسلمت، بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم. وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها. فوثبوا [ ص: 2198 ] عليه فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه. فحلف فنزلت: يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم - إلى قوله -: فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.


وهكذا رواه الترمذي وابن جرير عن محمد بن إسحاق به، فذكره. وعنده: فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألهم البينة فلم يجدوا. فأمرهم أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه فحلف. فأنزل الله هذه الآية. فقام عمرو بن العاص ورجل آخر فحلفا. فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء.

ثم تكلم الترمذي على إسناده. وأسند بعد ذلك هذه القصة مختصرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بداء. فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم. فلما قدما بتركته فقدوا جاما من فضة مخوصا بذهب. فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم وجد الجام بمكة. فقيل: اشتريناه من تميم وعدي. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما. وأن الجام لصاحبهم. وفيهم نزلت هذه الآية. وكذا رواه أبو داود. ثم قال الترمذي: حديث حسن غريب!

وأقول: أخرجه البخاري أيضا في كتاب "الوصايا" تحت باب عقده لهذه الآية بخصوصها.

[ ص: 2199 ] و (الجام) الإناء، وتخويصه أن يجعل عليه صفائح من ذهب كخوص النخل.

قال ابن كثير: وقد ذكر هذه القصة مرسلة غير واحد من التابعين. منهم عكرمة ومحمد بن سيرين وقتادة. وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر. رواه ابن جرير. وكذلك ذكرها مرسلة مجاهد والحسن والضحاك. وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.

ومن الشواهد لصحة هذه القصة ما رواه ابن جرير بإسنادين صحيحين، وأبو داود بإسناد - رجاله ثقات - عن الشعبي: أن رجلا من المسلمين حضرته الصلاة بدقوقاء، قال: فحضرته الوفاة - ولم يجد أحدا من المصلين يشهده على وصيته - فأشهد رجلين من أهل الكتاب، قال: فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري رضي الله عنه فأخبراه. وقدما الكوفة بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: فأحلفهما بعد العصر بالله ما خانا ولا كذبا ولا بدلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما. وقوله: (هذا أمر لم يكن بعد الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) الظاهر - والله أعلم - أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعدي بن بداء.
[ ص: 2200 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[108] ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا والله لا يهدي القوم الفاسقين

ثم بين وجه الحكمة والمصلحة المتقدم تفصيله بقوله:

ذلك أي: الحكم المذكور: أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أي: أقرب إلى أن يؤدي الشهود - أو الأوصياء - الشهادة في نحو تلك الحادثة على حقيقتها من غير تغيير لها، خوفا من العذاب الأخروي. ف (الوجه) بمعنى الذات والحقيقة.

قال أبو السعود: وهذه - كما ترى - حكمة شرعية التحليف بالتغليظ المذكور!

وقوله تعالى: أو يخافوا أن ترد أيمان بعد أيمانهم بيان لحكمة شرعية رد اليمين على الورثة، معطوف على مقدر ينبئ عنه المقام; كأنه قيل: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، ويخافوا عذاب الآخرة بسبب اليمين الكاذبة. أو يخافوا أن ترد اليمين على المدعين بعد أيمانهم، فيفتضحوا بظهور الخيانة واليمين الكاذبة، ويغرموا فيمتنعوا من ذلك.

واتقوا الله أي: في مخالفة أحكامه التي منها هذا الحكم، وهو ترك الخيانة والكذب: واسمعوا أي: ما تؤمرون به سماع قبول: والله لا يهدي القوم الفاسقين أي: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته، أي: إلى طريق الجنة أو إلى ما فيه نفعهم.

وقد استفيد من الآية أحكام:

الأول: - لزوم الوصية حال الخوف من الموت وحضور قرائنه؛ لأنه تعالى قال: حين الوصية أي: وقت أن تحق الوصية وتلزم.

الثاني: - قال بعضهم: دل قوله تعالى: اثنان ذوا عدل منكم على أن الحكم شرطه أن يشهد فيه اثنان عدلان. وهذا إطلاق لم يفصل فيه بين حق الله وحق غيره، [ ص: 2201 ] ولا بين الحدود وغيرها، إلا شهادة الزنى. فلقوله تعالى في النور: ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ، وهذا مجمع عليه.

قال ابن القيم في "أعلام الموقعين": إنه سبحانه ذكر ما يحفظ به الحقوق من الشهود ولم يذكر أن الحكام لا يحكمون إلا بذلك. فليس في القرآن نفي الحكم بشاهد ويمين، ولا بالنكول، ولا باليمين المردودة، ولا بأيمان القسامة، ولا بأيمان اللعان وغير ذلك مما يبين الحق ويظهره ويدل عليه. والشارع - في جميع المواضع - يقصد ظهور الحق بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له.

ولا يرد حقا قد ظهر بدليله أبدا. فيضيع حقوق الله وحقوق عباده ويعطلها. ولا يقف ظهور الحق على أمر معين لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحا لا يمكن جحده ودفعه. وقد أطال في ذلك بما لا يستغنى عن مراجعته.

الثالث: - في قوله تعالى: أو آخران من غيركم دلالة على صحة شهادة الذمي على المسلم عموما. لكن خرج جوازها فيما عدا وصية المسلم في السفر بالإجماع.

قال بعض المفسرين: ذهب الأكثر إلى أن شهادة الذميين قد نسخت. وعن الحسن وابن أبي ليلى والأوزاعي وشريح والراضي بالله وجده الإمام عبد الله بن الحسين: أنها صحيحة ثابتة. وكذا ذهب الأكثر إلى أن تحليف الشهود منسوخ. وقال طاوس والحسن والهادي: إنه ثابت. انتهى.

أقول: لم يأت من ادعى النسخ بحجة تصلح لذكرها وتستدعي التعرض لدفعها.

قال الإمام ابن القيم في "أعلام الموقعين":

أمر تعالى في الشهادة على الوصية في السفر باستشهاد عدلين من المسلمين أو آخرين من [ ص: 2202 ] غيرهم. وغير المؤمنين هم الكفار، الآية صريحة في قبول شهادة الكافرين على وصية في السفر عند عدم الشاهدين المسلمين. وقد حكم به النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة بعده، ولم يجئ بعدها ما ينسخها، فإن المائدة من آخر القرآن نزولا وليس فيها منسوخ، وليس لهذه الآية معارض البتة. ولا يصح أن يكون المراد بقوله: من غيركم من غير قبيلتكم; فإن الله سبحانه خاطب بها المؤمنين كافة بقوله: يا أيها الذين آمنوا الآية.. ولم يخاطب بذلك قبيلة معينة حتى يكون قوله: من غيركم أيتها القبيلة، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يفهم هذا من الآية. بل إنما فهم منها ما هي صريحة فيه، وكذلك أصحابه من بعده.

وقال الحافظ ابن حجر في "الفتح": واستدل بالآية على جواز شهادة الكفار بناء على أن المراد بال (غير) الكفار. وخص جماعة القبول بأهل الكتاب وبالوصية وبفقد المسلم حينئذ. منهم: ابن عباس وأبو موسى الأشعري، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والأوزاعي، والثوري، وأبو عبيد، وأحمد - وهؤلاء أخذوا بظاهر الآية - وقوى ذلك حديث الباب - يعني حديث ابن عباس المتقدم - فإن سياقه مطابق لظاهر الآية. وقيل: المراد بال (غير) العشيرة. والمعنى (منكم) أي: من عشيرتكم: أو آخران من غيركم أي: من غير عشيرتكم، وهو في قول الحسن واحتج له النحاس بأن لفظ (آخر) لابد أن يشارك الذي قبله في الصفة، حتى لا يسوغ أن تقول: مررت برجل كريم ولئيم آخر. فعلى هذا فقد وصف الاثنان بالعدالة. فيتعين أن يكون الآخران كذلك. وتعقب بأن هذا - وإن ساغ في الآية الكريمة - لكن الحديث دل على خلاف ذلك. والصحابي إذا حكى سبب النزول كان ذلك في حكم الحديث المرفوع اتفاقا. وأيضا، ففي ما قال رد المختلف فيه بالمختلف فيه. لأن اتصاف الكافر بالعدالة مختلف فيه. وهو فرع قبول شهادته، فمن قبلها وصفه بها، ومن لا، فلا. واعترض أبو حيان على المثال الذي ذكره النحاس بأنه غير مطابق. فلو قلت: جاءني رجل مسلم وآخر [ ص: 2203 ] كافر، صح. بخلاف ما لو قلت: جاءني رجل مسلم وكافر آخر. والآية من قبيل الأول لا الثاني؛ لأن قوله: أو آخران من جنس قوله: اثنان؛ لأن كلاهما منهما صفة (رجلان)، فكأنه قال: فرجلان اثنان ورجلان آخران. وذهب جماعة من الأئمة إلى أن هذه الآية منسوخة. وأن ناسخها قوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء واحتجوا بالإجماع على رد شهادة الفاسق. والكافر شر من الفاسق. وأجاب الأولون: بأن النسخ لا يثبت بالاجتمال، وأن الجمع بين الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. وبأن سورة المائدة من آخر ما نزل من القرآن. حتى صح عن ابن عباس وعائشة وعمرو بن شرحبيل وجمع من السلف، أن سورة المائدة محكمة. وعن ابن عباس: أن الآية نزلت فيمن مات مسافرا وليس عنده أحد من المسلمين، فإن اتهما استحلفا. أخرجه الطبري بإسناد رجاله ثقات.

وأنكر أحمد على من قال: إن هذه الآية منسوخة.

وصح عن أبي موسى الأشعري أنه عمل بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم.

ورجح الفخر الرازي - وسبقه الطبري - لذلك. أن قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا خطاب للمؤمنين. فلما قال: أو آخران وضح أنه أراد غير المخاطبين. فتعين أنهما من غير المؤمنين. وأيضا: فجواز استشهاد المسلم ليس مشروطا بالسفر. وأن أبي موسى حكم بذلك فلم ينكره أحد من الصحابة. فكان حجة. انتهى كلام الحافظ.

وفي "فتح البيان": الحق أن الآية محكمة لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ. وأما قوله تعالى: ممن ترضون من الشهداء وقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم فهما عامان في الأشخاص والأزمان والأحوال. وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين. ولا تعارض بين خاص وعام. انتهى.

وقد أطنب الرازي في "تفسيره" في الاحتجاج على عدم نسخها بوجوه عديدة، وجود الكلام - في أن المراد من: غيركم أي: من غير ملتكم - تجويدا فائقا.

[ ص: 2204 ] الرابع: قال الحافظ ابن حجر في "الفتح":

ذهب الكرابيسي ثم الطبري وآخرون إلى أن المراد بالشهادة في الآية اليمين. قال: وقد سمى الله اليمين شهادة في آية اللعان. وأيدوا ذلك بالإجماع على أن الشاهد لا يلزمه أن يقول: أشهد بالله. وأن الشاهد لا يمين عليه أنه شهد بالحق. قالوا: فالمراد بالشهادة اليمين لقوله: فيقسمان بالله أي: يحلفان. فإن عرف أنهما حلفا على الإثم رجعت اليمين على الأولياء. وتعقب بأن اليمين لا يشترط فيها عدد ولا عدالة، بخلاف الشهادة. وقد اشترطا في هذه القصة، فقوي حملها على أنها شهادة. وأما اعتلال من اعتل في ردها بأنها تخالف القياس والأصول - لما فيها من قبول شهادة الكافر وحبس الشاهد وتحليفه وشهادة المدعي لنفسه واستحقاقه بمجرد اليمين - فقد أجاب من قال به بأنه حكم بنفسه مستغن عن نظيره. وقد قبلت شهادة الكافر في بعض المواضع، كما في الطب. وليس المراد بالحبس السجن. وإنما المراد: الإمساك لليمين ليحلف بعد الصلاة. وأما تحليف الشاهد فهو مخصوص بهذه الصورة عند قيام الريبة. وأما شهادة المدعي لنفسه واستحقاقه بمجرد اليمين، فإن الآية تضمنت نقل الأيمان إليهم عند ظهور اللوث بخيانة الوصيين. فيشرع لهما أن يحلفا ويستحقا، كما يشرع لمدعي الدم في القسامة أن يحلف ويستحق فليس هو من شهادة المدعي لنفسه، بل من باب الحكم له بيمينه القائمة مقام الشهادة لقوة جانبه. وأي فرق بين ظهور اللوث في صحة الدعوى بالدم، وظهوره في صحة الدعوى بالمال؟ وحكى الطبري: أن بعضهم قال: المراد بقوله: اثنان ذوا عدل منكم الوصيان. قال: والمراد بقوله: شهادة بينكم معنى الحضور لما يوصيهما به الموصي. ثم زيف ذلك. انتهى كلام "الفتح".

ولا يخفاك أن الآية بنفسها - مع ما ورد في نزولها - غنية عن تكلف إدخالها تحت القياس والقواعد والتمحل لتأويلها.

[ ص: 2205 ] الخامس: في قوله تعالى: من بعد الصلاة دلالة على تغليظ اليمين.

قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" وبعض المفسرين:

ذهب الجمهور إلى وجوب التغليظ بالزمان والمكان. فأما في الزمان فبعد العصر. وأما في المكان: ففي المدينة عند المنبر، وبمكة بين الركن والمقام، وفي بيت المقدس عند الصخرة، وبغيرهما بالمسجد الجامع. واتفقوا على أن ذلك في الدماء والمال الكثير، لا في القليل. انتهى.

وذهب الزيدية والحنفية والحنابلة إلى أن اليمين لا تغلظ بزمان ولا بمكان. وأخذوا بعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «البينة على المدعي واليمين على من أنكر» ، ولم يفصل. قالوا: وقوله تعالى في هذه الآية: من بعد الصلاة يحتمل أن ذكره لأنهم كانوا لا يعتادون الحكم إلا في ذلك الوقت.

قال بعض الزيدية: وهل التغليظ في المكان والزمان على سبيل الوجوب أو الاستحباب؟ قال الإمام المؤيد بالله يحيى بن حمزة: المختار، التغليظ في الأيمان لفساد أهل الزمان. وذلك مروي عن أمير المؤمنين المرتضى وأبي بكر وعمر وعثمان وابن عباس ومالك والشافعي. قال: والمختار أنه مستحب غير واجب. انتهى.

وفي كتاب "الشهادات" من "صحيح البخاري" بابان في هذه المسألة. فليراجع مع شروحه.

السادس: قال ابن أبي الفرس: في قوله تعالى: فيقسمان بالله دليل على أن (أقسم بالله يمين) لا (أقسم) فقط.

السابع: في قوله تعالى: ولا نكتم شهادة الله الآية. دليل على تحريم كتمان الشهادة. وذلك لا إشكال فيه. الثامن: قال السيوطي: تخصيص الحلف في الآية باثنين من أقرب الورثة [ يعني على قراءة الأوليان ] لخصوص الواقعة التي نزلت لها. ثم ساق رواية البخاري السابقة. أي: وللإشارة إلى الاكتفاء باثنين من أقرب الورثة أيضا وإن كان فيهم كثرة.

[ ص: 2206 ] غريبة:

قال مكي في كتابه المسمى ب "الكشف":

هذه الآيات الثلاث - عند أهل المعاني - من أشكل ما في القرآن إعرابا ومعنى وحكما وتفسيرا. ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها.

قال: ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر. وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد.

قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له الناتج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله تعالى - يعني من كتاب مكي -.

قال القرطبي: ما ذكره مكي، ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضا.

قال السعد في "حاشيته على الكشاف": واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعرابا ونظما وحكما.. انتهى.

أقول: هذه الآية الكريمة غنية بنفسها - مع ما ورد في سبب نزولها، وما قاله حبر الأمة وترجمان القرآن في معناها - عن التشكيك فيها، والتكلف لإدخالها تحت القواعد، والتمحل لتأويلها. فخذ ما نقلناه من محاسن تأويلها وكن من الشاكرين.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 21-11-2022, 01:03 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2207 الى صـ 2226
الحلقة (317)


القول في تأويل قوله تعالى:

[109] يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب

يوم منصوب ب (اذكروا) أو (احذروا): يجمع الله الرسل وذلك يوم القيامة، وتخصيص الرسل بالذكر ليس لاختصاص الجمع بهم دون الأمم. كيف لا؟ وذلك [ ص: 2207 ] يوم مجموع له الناس، بل لإبانة شرفهم وأصالتهم والإيذان بعدم الحاجة إلى التصريح بجمع غيرهم. بناء على ظهور كونهم أتباعا لهم: فيقول أي: للرسل: ماذا أجبتم أي: ما الذي أجابكم من أرسلتم إليهم؟ ففيه إشعار بخروجهم عن عهد الرسالة. إذ لم يقل: هل بلغتم رسالاتي؟ وفي توجيه السؤال إليهم. والعدول عن إسناد الجواب إلى قومهم بأن يقال: ماذا أجابوا - من الإنباء عن شدة الغضب الإلهي ما لا يخفى. وفي "الصحيح" في حديث الشفاعة: إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله.

قالوا من هيبته تعالى، وتفويضا للأمر إلى علم سلطانه وتأدبا بليغا في ذاك الموقف الجلالي: لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب أي: ومن علم الخفيات، لم تخف عليه الظواهر التي منها إجابة أممهم لهم.

تنبيهات:

الأول: قال الرازي: اعلم أن عادة الله تعالى جارية في هذا الكتاب الكريم أنه إذا ذكر أنواعا كثيرة من الشرائع والتكاليف والأحكام، أتبعها إما بالإلهيات، وإما بشرح أحوال الأنبياء، أو بشرح أحوال القيامة، ليصير ذلك مؤكدا لما تقدم ذكره من التكاليف والشرائع. فلا جرم، لما ذكر - فيما تقدم - أنواعا كثيرة من الشرائع، أتبعها بوصف أحوال القيامة.

الثاني: قال الزمخشري فإن قلت: ما معنى سؤالهم؟ قلت: توبيخ قومهم. كما كان [ ص: 2208 ] سؤال الموءودة توبيخا للوائد. فإن قلت: كيف يقولون: لا علم لنا، وقد علموا بما أجيبوا؟ قلت: يعلمون أن الغرض بالسؤال توبيخ أعدائهم، فيكلون الأمر إلى علمه، وإحاطته بما منوا به منهم، وكابدوا من سوء إجابتهم، إظهارا للتشكي واللجأ إلى ربهم في الانتقام منهم، وذلك أعظم على الكفرة، وأفت في أعضادهم، وأجلب لحسرتهم وسقوطهم في أيديهم. إذا اجتمع توبيخ الله وتشكي أنبيائه عليهم. ومثاله: أن ينكب بعض الخوارج على السلطان، خاصة من خواصه نكبة، قد عرفها السلطان واطلع على كنهها، وعزم على الانتصار له منه، فيجمع بينهما ويقول له: ما فعل لك هذا الخارجي؟ [ وهو عالم بما فعل به ] يريد توبيخه وتبكيته، فيقول له: أنت أعلم بما فعل بي، تفويضا للأمر إلى علم سلطانه، واتكالا عليه، وإظهارا للشكاية، وتعظيما لما حل به منه. انتهى.

واستظهر الرازي أن نفي العلم لهم على حقيقته عملا بما تقرر من أن العلم غير الظن. قال: لأن الحاصل من حال الغير عن كل أحد إنما هو الظن لا العلم. وفي الحديث: نحن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر، وقال صلى الله عليه وسلم: «إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض. فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» ، فالأنبياء قالوا: لا علم لنا البتة بأحوالهم. إنما الحاصل عندنا من أحوالهم هو الظن. والظن كان معتبرا في الدنيا. وأما الآخرة فلا التفات فيها إلى الظن. لأن الأحكام في الآخرة مبنية على حقائق الأشياء وبواطن الأمور. فلهذا السبب قالوا: لا علم لنا. ولم يذكروا ما معهم من الظن؛ لأن الظن لا عبرة به في القيامة. والله أعلم.

الثالث: دلت الآية على جواز إطلاق لفظ العلام عليه. كما جاز إطلاق لفظ الخلاق [ ص: 2209 ] عليه. وأما العلامة فإنهم أجمعوا على أنه لا يجوز إطلاقه في حقه. ولعل السبب ما فيه من لفظ التأنيث. أفاده الرازي.

على أن المختار أن أسماءه تعالى توقيفية.
القول في تأويل قوله تعالى:

[110] إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين

إذ قال الله يا عيسى ابن مريم شروع في بيان ما جرى بينه تعالى وبين واحد من الرسل المجموعين، من المفاوضة، على التفصيل. إثر ما جرى بينه تعالى وبين الكل على وجه الإجمال، لكون ذلك كالأنموذج لتفاصيل أحوال الباقين. وتخصيص شأن عيسى عليه السلام بالبيان، تفصيلا بين شؤون سائر الرسل عليهم السلام، مع دلالتها على كمال هول ذلك اليوم ونهاية سوء حال المكذبين بالرسل - لما أن شأنه عليه السلام متعلق بكلا الفريقين من أهل الكتاب الذي نعيت عليهم في السورة الكريمة جناياتهم. فتفصيله أعظم عليهم وأجلب لحسرتهم وندامتهم، وأدخل في صرفهم عن غيهم وعنادهم. أفاده أبو السعود.

اذكر نعمتي عليك أي: منتي عليك: وعلى والدتك بما طهرها واصطفاها على نساء العالمين: إذ أيدتك أي: قويتك: بروح القدس أي: بجبريل عليه السلام [ ص: 2210 ] لتثبيت الحجة. أو بجعل روحك طاهرة عن العلائق الظلمانية. بحيث يعلم أنه ليس بواسطة البشر، فيشهد ببراءتك وبراءة أمك. ومن ذلك التأييد قويت نفسك الناطقة؛ لذلك: تكلم الناس في المهد وكهلا أي: في أضعف الأحوال وأقواها. بكلام واحد من غير أن يتفاوت في حين الطفولة وحين الكهولة. الذي هو وقت كمال العقل وبلوغ الأشد.

قال ابن كثير: أي: جعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك وكبرك. فأنطقتك في المهد صغيرا. فشهدت ببراءة أمك من كل عيب. واعترفت لي بالعبودية. وأخبرت عن رسالتي إياك ودعوتك إلى عبادتي. لهذا قال: تكلم الناس في المهد وكهلا أي: تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك. وضمن: تكلم تدعو؛ لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب. انتهى.

وإذ علمتك الكتاب أي: الخط وظاهر العلم الذي يكتب: والحكمة أي: الفهم وباطن العلم الذي لا يكتب. بل يخص به أهله: والتوراة وهي المنزلة على موسى الكليم عليه السلام: والإنجيل وهو الذي أنزله عليه صلى الله عليه وسلم: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير أي: تقدر وتصور منه صورة مماثلة لهيئة الطير: بإذني أي: لك في ذلك: فتنفخ فيها أي: في تلك الهيئة المصورة: فتكون أي: فتصير تلك الهيئة: طيرا لحصول الروح من نفختك فيها: بإذني وتبرئ الأكمه أي: الذي يولد أعمى مطموس البصر: والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى أي: من القبور أحياء: بإذني فهذا مما فعل به من جر المنافع. ثم أشار إلى ما دفع عنه من الضار، فقال سبحانه: وإذ كففت بني إسرائيل عنك أي: منعت اليهود الذين أرادوا بك السوء وسعوا في قتلك وصلبك، فنجيتك منهم ورفعتك إلي وطهرتك من دنسهم: إذ جئتهم بالبينات أي: المعجزات التي توجب انقيادهم لك لتعاليها عن قوى البشر فلا يتوهم فيها السحر: فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين أي: ما هذا الذي يرينا إلا سحر ظاهر.

[ ص: 2211 ] لطيفة:

إن قيل: إن السياق في تعديد نعمه تعالى على عيسى عليه السلام وقول الكفار في حقه: إن هذا إلا سحر مبين، ليس من النعم بحسب الظاهر. فما السر في ذكره؟ فالجواب: إن من الأمثال المشهورة: إن كل ذي نعمة محسود. فطعن اليهود فيه بهذا الكلام يدل على أن نعم الله في حقه كانت عظيمة. فحسن ذكره عند تعديد النعم، للوجه الذي ذكرناه. أفاده الرازي.

ولما بين تعالى النعم اللازمة، تأثرها بنعمه عليه المتعدية، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[111] وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا آمنا واشهد بأننا مسلمون

وإذ أوحيت إلى الحواريين أي: بطريق الإلهام والإلقاء في القلب: أن آمنوا بي وبرسولي أي: عن دعوته: قالوا آمنا وأكدوا إيمانهم بقولهم: واشهد أي: لتؤديها عند ربك: بأننا مسلمون أي: منقادون لكل ما تدعونا إليه.

وههنا لطائف:

الأولى: - إنما قدموا ذكر الإيمان لأنه صفة القلب. والإسلام عبارة عن الانقياد والخضوع في الظاهر. يعني آمنا بقلوبنا وانقدنا بظواهرنا.

الثانية: - إنما ذكر تعالى هذا في معرض تعديد النعم؛ لأن صيرورة الإنسان مقبول القول عند الناس. محبوبا في قلوبهم. من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان. كذا قاله الرازي.

قال المهايمي: ليحصل له رتبة التكميل وثواب رشدهم.

الثالثة: قال الرازي: إن قيل: إنه تعالى قال في أول الآية: اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك [ ص: 2212 ] ثم إن جميع ما ذكره تعالى من النعم مختص بعيسى عليه السلام، وليس لأمه تعلق بشيء منها. قلنا: كل ما حصل للولد من النعم الجليلة والدرجات العالية، فهو حاصل على سبيل التضمن والتبع للأم، ولذلك قال تعالى: وجعلنا ابن مريم وأمه آية فجعلهما معا آية واحدة لشدة اتصال كل واحد منهما بالآخر. انتهى.

وقال بعضهم: قيل: أريد بالذكر في قوله تعالى: اذكر نعمتي الشكر. ففي ذلك دلالة على وجوب شكر النعمة. وأن النعمة على الأم نعمة على الولد. والشكر يكون بالقول والفعل والاعتقاد.
القول في تأويل قوله تعالى:

[112] إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم هل يستطيع ربك أن ينـزل علينا مائدة من السماء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين

إذ قال الحواريون يا عيسى ابن مريم ذكروه باسمه ونسبوه إلى أمه لئلا يتوهم أنهم اعتقدوا إلهيته أو ولديته، ليستقل بإنزال المائدة: هل يستطيع ربك أن ينـزل علينا مائدة من السماء هذه قصة المائدة وإليها تنسب السورة فيقال: سورة المائدة. وههنا قراءتان: الأولى: يستطيع ربك بالياء على أنه فعل وفاعل و: أن ينزل المفعول. والثانية - بالتاء و: "ربك" نصب؛ أي: سؤال ربك. فحذف المضاف. والمعنى: هل تسأله ذلك من غير صارف يصرفك عنه؟ وهي قراءة علي وعائشة وابن عباس ومعاذ رضي الله عنهم. وسعيد بن جبير والكسائي. في آخرين.

قال أكثر المفسرين: الاستفهام على القراءة الأولى محمول على المجاز. إذ لا يسوغ لأحد أن يتوهم على الحواريين أنهم شكوا في قدرة الله تعالى، لكنه كما يقول الرجل لصاحبه: [ ص: 2213 ] هل تستطيع أن تقوم معي؟ مع علمه بأنه يقدر على القيام، مبالغة في التقاضي. وإنما قصد بقوله: [ هل تستطيع ] هل يسهل عليك، وهل يخف أن تقوم معي؟ فكذلك معنى الآية؛ لأن الحواريين كانوا مؤمنين عارفين بالله عز وجل، ومعترفين بكمال قدرته. وسؤالهم ليس لإزاحة شك، بل ليحصل مزيد الطمأنينة. كما قال إبراهيم عليه السلام: ولكن ليطمئن قلبي ولا شك أن مشاهدة هذه الآية العظيمة تورث مزيد الطمأنينة في القلب. ولهذا السبب قالوا: وتطمئن قلوبنا وحاصله أن: هل يستطيع سؤال عن الفعل دون القدرة عليه، تعبيرا عنه بلازمه. أو عن المسبب بسببه. وقيل المعنى: هل يطيع ربك؟ أي: هل يستجيب دعوتك إذا دعوته؟ (فيستطيع) بمعنى (يطيع) وهما بمعنى واحد. والسين زائدة. كاستجاب وأجاب واستجب وأجب و (يطيع) بمعنى (يجيب) مجازا، لأن المجيب مطيع.

وذكر أبو شامة «أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد أبا طالب في مرض. فقال له: يا ابن أخي! ادع ربك أن يعافيني. فقال: اللهم اشف عمي. فقام كأنما نشط من عقال. فقال: يا ابن أخي! إن ربك الذي تعبده ليطيعك. فقال: يا عم! وأنت لو أطعته لكان يطيعك أي: يجيبك لمقصودك» .

وحسنه في الحديث المشاكلة، فظهر أن العرب استعملته بهذا المعنى.

قال الخازن: وقال بعضهم: هو على ظاهره. وقال: غلط القوم وقالوا ذلك قبل استحكام الإيمان والمعرفة في قلوبهم. وكانوا بشرا، فقالوا هذه المقالة. فرد عليهم غلطهم بقوله: قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين يعني اتقوا الله أن تشكوا في قدرته.

والقول الأول أصح. انتهى.

[ ص: 2214 ] وعليه فمعنى: اتقوا الله من أمثال هذا السؤال، وأن توقفوا إيمانكم على رؤية المائدة: إن كنتم به وبرسالتي: مؤمنين فإن الإيمان مما يوجب التقوى والاجتناب عن أمثال هذه الاقتراحات.

لطيفة:

في المائدة قولان: الأول - أنها الطعام نفسه، من (ماد) إذا أفضل. كما في "اللسان" وهذا القول جزم به الأخفش وأبو حاتم. أي: وإن لم يكن معه خوان. كما في "التقريب" و"اللسان" وصرح به ابن سيده في "المحكم".

قال الفاسي: والآية صريحة فيه، قاله أرباب التفسير والغريب.

والثاني: أنها الخوان عليه الطعام. قال الفارسي: لا تسمى مائدة حتى يكون عليها طعام، وإلا فهي خوان، وصرح به فقهاء اللغة. وجزم به الثعالبي وابن فارس. واقتصر عليه الحريري في "درة الغواص" وزعم أن غيره من أوهام الخواص. وذكر الفاسي في "شرحها" أنه يجوز إطلاق المائدة على الخوان مجردا عن الطعام. باعتبار أنه وضع أو سيوضع. وقال ابن ظفر: ثبت لها اسم المائدة بعد إزالة الطعام. كما قيل: (لقحة) بعد الولادة. وقال أبو عبيد: المائدة في المعنى مفعولة، ولفظها فاعلة. وهي مثل عيشة راضية. وقيل: من (ماد) إذا أعطى. يقال: ماد زيد عمرا، إذا أعطاه. وقال أبو إسحاق: الأصل عندي في مائدة أنها فاعلة. من (ماد يميد) إذا تحرك. فكأنها تميد بما عليها. أي: تتحرك. وقال أبو عبيدة: سميت مائدة لأنها ميد بها صاحبها. أي: أعطيها وتفضل عليه بها. وفي "العناية": فكأنها تعطي من حولها مما حضر عليها. وفي "المصباح": لأن المالك [ ص: 2215 ] مادها للناس. أي: أعطاهم إياها. ومثله في كتاب "الأبنية لابن القطاع": ويقال في المائدة ميدة. قاله الجرمي وأنشد:


وميدة كثيرة الألوان تصنع للإخوان والجيران


كذا في "القاموس وشرحه" والخوان بضم الخاء وكسرها ما يؤكل عليه الطعام كما في "القاموس". معرب كما في "الصحاح" و "العين". وقيل: إنه عربي مأخوذ من (تخونه) أي: نقص حقه؛ لأنه يؤكل عليه فينقص. كذا في "العناية".
القول في تأويل قوله تعالى:

[113] قالوا نريد أن نأكل منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد صدقتنا ونكون عليها من الشاهدين

قالوا نريد أن نأكل منها أي: آمنا. لكنا نريد الأكل منها من غير مشقة تشغلنا عن عبادة الله تعالى: وتطمئن قلوبنا أي: فلا تعتريها شبهة لا يؤمن من ورودها، لولا مثل هذه الآية. فإن انضمام علم المشاهدة إلى العلم الاستدلالي مما يوجب قوة اليقين: ونعلم أن قد صدقتنا أي: في دعوى النبوة، وفيما تعدنا من نعيم الجنة، مع أنها سماوية: ونكون عليها من الشاهدين أي: فنشهد عليها عند الذين لم يحضروها من بني إسرائيل، ليزداد المؤمنون منهم بشهادتنا طمأنينة ويقينا. ويؤمن بسببها كفارهم. أو من الشاهدين للعين دون السامعين للخبر.

ثم لما رأى أن لهم غرضا صحيحا في ذلك. لا يقلعون عنه، أزمع على استدعائها واستنزالها. [ ص: 2216 ] روى ابن أبي حاتم، أنه توضأ واغتسل ودخل مصلاه، فصلى ما شاء الله. فلما قضى صلاته قام مستقبل القبلة. وصف قدميه، ووضع يده اليمنى على اليسرى فوق صدره وغض بصره وطأطأ برأسه، خشوعا. ثم أرسل عينيه بالبكاء فما زالت دموعه تسيل على خديه، وتقطر من أطراف لحيته، حتى ابتلت الأرض حيال وجهه، من خشوعه. فعند ذلك دعا الله تعالى فقال: اللهم ربنا. كما قال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[114] قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أنـزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا وآية منك وارزقنا وأنت خير الرازقين

قال عيسى ابن مريم اللهم ربنا أي: يا الله المطلوب لكل مهم، الجامع للكمالات، الذي ربانا بها. ناداه سبحانه وتعالى مرتين بوصف الألوهية والربوبية، إظهارا لغاية التضرع ومبالغة في الاستدعاء: أنـزل علينا مائدة من السماء أي: التي فيها ما تعدنا من نعيم الجنة: تكون لنا عيدا لأولنا وآخرنا أي: يكون يوم نزولها عيدا نعظمه ونسر به، نحن الذين يدركونها. ومن بعدنا الذين يسمعونها فيتقوون في دينهم. و (العيد) العائد. مشتق من (العود) لعوده في كل عام بالفرح والسرور. وكل ما عاد عليك في وقت فهو عيد، قال الأعشى:


فوا كبدي من لاعج الحب والهوى إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها


كذا في "العناية".

وفي "القاموس" (العيد) بالكسر، ما اعتادك من هم أو مرض أو حزن أو نحوه. [ ص: 2217 ] وكل يوم فيه جمع: وآية منك أي: على كمال قدرتك وصدق وعدك وتصديقك إياي: وارزقنا أي: أعطنا ما سألناك: وأنت خير الرازقين أي: خير من يرزق؛ لأنه خالق الرزق ومعطيه بلا عوض.
القول في تأويل قوله تعالى:

[115] قال الله إني منـزلها عليكم فمن يكفر بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين

قال الله إني منـزلها عليكم إجابة لدعوتكم: فمن يكفر أي: بي وبرسولي: بعد أي: بعد تنزيلها، المفيد للعلم الضروري بي وبرسولي: منكم أيها المنعمون بها: فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين أي: من عالمي زمانهم. أو من العالمين جميعا.

روى ابن جرير بسنده إلى قتادة قال: كان الحسن يقول: لما قيل لهم: فمن يكفر بعد منكم إلخ قالوا: لا حاجة لنا فيها، فلم تنزل.

روى منصور بن زادان عن الحسن أيضا أنه قال في المائدة: أنها لم تنزل.

وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: هو مثل ضربه الله ولم ينزل شيء. أي: مثل ضربه الله لخلقه. نهيا لهم عن مسألة الآيات لأنبيائه.

قال الحافظ ابن كثير: وهذه أسانيد صحيحة إلى مجاهد والحسن. وقد يتقوى ذلك بأن خبر المائدة لا تعرفه النصارى. وليس هو في كتابهم. ولو كانت قد نزلت لكان ذلك [ ص: 2218 ] مما يتوفر الدواعي على نقله. وكان يكون موجودا في كتبهم متواترا، ولا أقل من الآحاد. والله أعلم.

ثم قال: ولكن الجمهور أنها نزلت. وهو الذي اختاره ابن جرير. قال: لأن الله تعالى أخبر بنزولها في قوله تعالى: إني منـزلها عليكم ووعد الله ووعيده حق وصدق.

وهذا القول هو -والله أعلم- الصواب. كما دلت عليه الأخبار والآثار عن السلف وغيرهم.
يتبع






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 21-11-2022, 01:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2207 الى صـ 2226
الحلقة (318)






ومن الآثار ما أخرجه الترمذي عن عمار بن ياسر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنزلت المائدة من السماء خبزا ولحما وأمروا أن لا يخونوا ولا يدخروا لغد. فخانوا وادخروا ورفعوا لغد. فمسخوا قردة وخنازير. قال الترمذي: وقد روي عن عمار، من طريق، موقوفا وهو أصح.

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب عن ابن عباس، أن عيسى ابن مريم قالوا له: ادع الله أن ينزل علينا مائدة من السماء. قال: فنزلت الملائكة بالمائدة يحملونها. عليها سبعة أحوات وسبعة أرغفة. فأكل منها آخر الناس كما أكل منها أولهم.

وقد ساق ابن كثير آثارا في نزولها لا تخلو عن غربة ونكارة في سياقها، كما لا يخفى.

روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال: «قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم: ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم: قال: فدعاه، فأتاه جبريل [ ص: 2219 ] فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين. وإن شئت فتحت لهم باب التوبة والرحمة. قال: بل باب التوبة والرحمة» .

ورواه الحاكم في مستدركه وابن مردويه.
القول في تأويل قوله تعالى:

[116] وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب

وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله اعلم أنا بينا أن الغرض من قوله تعالى للرسل: ماذا أجبتم توبيخ من تمرد من أممهم. وأشد الأمم افتقارا إلى التوبيخ والملامة النصارى. الذي يزعمون أنهم أتباع عيسى عليه السلام؛ لأن طعن سائر الأمم كان مقصورا على الأنبياء. وطعن هؤلاء الملحدة تعدى إلى جلال الله وكبريائه، حيث وصفوه بما لا يليق أن يوصف مقامه به، وهو اتخاذ الزوجة والولد. فلا جرم ذكر تعالى أنه يعدد أنواع نعمه على عيسى بحضرة الرسل واحدة فواحدة. إشعارا بعبوديته؛ فإن كل واحدة من تلك النعم المعدودة عليه، تدل على أنه عبد وليس بإله، ثم أتبع ذلك باستفهامه لينطق بإقراره، عليه السلام، على رؤوس الأشهاد، بالعبودية، وأمره لهم بعبادة الله عز وجل. إكذابا لهم في افترائهم عليه، وتثبيتا للحجة على قومه; فهذا سر سؤاله تعالى له، مع علمه بأنه لم يقل ذلك. وكل ذلك لتنبيه النصارى الذين كانوا في وقت نزول الآية ومن تأثرهم، على قبح مقالتهم وركاكة مذهبهم واعتقادهم.

[ ص: 2220 ] تنبيهات:

الأول: روي عن قتادة: أن هذا القول يكون يوم القيامة لقوله تعالى: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم وقال السدي: هذا الخطاب والجواب في الدنيا وصوبه ابن جرير، قال: وكان ذلك حين رفعه إلى السماء. واحتج ابن جرير على ذلك بوجهين: أحدهما: أن الكلام بلفظ المضي.

والثاني قوله: إن تعذبهم وإن تغفر لهم .

قال الحافظ ابن كثير: وهذان الدليلان فيهما نظر؛ لأن كثيرا من أمور يوم القيامة ذكر بلفظ المضي ليدل على الوقوع والثبوت. ومعنى قوله: إن تعذبهم فإنهم عبادك الآية.: التبرؤ منهم ورد المشيئة فيهم إلى الله تعالى. وتعليق ذلك على الشرط لا يقتضي وقوعه. كما في نظائر ذلك من الآيات. فالذي قاله قتادة وغيره هو الأظهر. فالله أعلم أن ذلك كائن يوم القيامة، ليدل على تهديد النصارى وتقريعهم وتوبيخهم على رؤوس الأشهاد، وقد روي بذلك حديث مرفوع، رواه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أبي عبد الله مولى عمر بن عبد العزيز، -وكان ثقة- قال: سمعت أبا بردة يحدث عمر بن عبد العزيز عن أبيه، أبي موسى الأشعري. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة دعي الأنبياء وأممهم. ثم يدعى بعيسى فيذكره الله نعمته عليه فيقر بها فيقول: يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك الآية. ثم يقول: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ؟ فينكر أن يكون قال ذلك، فيؤتى بالنصارى فيسألون فيقولون: نعم هو أمرنا بذلك! قال: فيطول شعر عيسى عليه السلام. فيأخذ كل ملك من الملائكة بشعرة من شعر رأسه وجسده فيجاثيهم بين يدي الله عز وجل مقدار ألف عام حتى ترفع عليهم الحجة ويرفع لهم الصليب وينطلق بهم إلى النار!

قال ابن كثير: وهذا حديث غريب عزيز!

[ ص: 2221 ] الثاني: إيثار قوله تعالى: أمي على: مريم توبيخ للمتخذين، على توبيخ، أي: مع أنك بشر تلد وتولد قبل هذا.

الثالث: توهم بعضهم أن كلمة (من دون الله) تفيد أن النصارى يعتقدون أن عيسى وأمه، عليهما السلام. مستقلان باستحقاق العبادة، بدلا عن الله تعالى. كما يقال: اتخذت فلانا صديقا دوني. فإن معناه أنه استبدله به. لا أنه جعله صديقا معه. وهم لم يقولوا بذلك. بل ثلثوا. فأجاب: بأن من أشرك مع الله غيره فقد نفاه معنى؛ لأنه وحده لا شريك له، منزه عن ذلك. فإقراره بالله كلا إقرار. فيكون: من دون الله مجازا عن (مع الله). ولا يخفى أن هذا تكلف؛ لأن توبيخهم إنما يحصل بما يعتقدونه ويعترفون به صريحا لا بما يلزمه بضرب من التأويل. فالصواب أن المراد اتخاذهما بطريق إشراكهما به سبحانه. كما في قوله تعالى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا وقوله عز وجل: ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله - إلى قوله تعالى -: سبحانه وتعالى عما يشركون إذ به يتأتى التوبيخ، ويتسنى التقريع والتبكيت. هذا ما حققوه هنا.

وأقول: إن كلمة (دون) في هذه الآية وأمثالها بمعنى (غير) كما حققه اللغويون. ولا تفيد [ ص: 2222 ] وضعا، الاستقلال والبدلية، كما توهم، وسر ذكرها إفهام الشركة؛ لأنه لولاها لتوهم دعوى انحصار الألوهية فيما عداه. مع أنهم لا يعتقدون ذلك. ولا يفهم من نحو [ اتخذت صديقا من دوني ] الاستبدال. فذاك من قرينة خارجية. وإلا فالمثال لا يعنيه. لجواز إرادة اتخاذه معه كما لا يخفى. فتبصر.

قال سبحانك أي: أنزهك تنزيها لائقا بك من أن يقال هذا وينطق به: ما يكون لي أي: ما يتصور مني بعد إذ بعثتني لهداية الخلق: أن أقول أي: في حق نفسي: ما ليس لي بحق أي: ما استقر في قلوب العقلاء عدم استحقاقي له مما يضلهم: إن كنت قلته فقد علمته استئناف مقرر لعدم صدور القول المذكور عنه عليه السلام، بالطريق البرهاني. فإن صدوره عنه مستلزم لعلمه تعالى به قطعا. فحيث انتفى علمه تعالى به، انتفى صدوره عنه حتما. ضرورة أن عدم اللازم مستلزم لعدم الملزوم. قاله أبو السعود.

تعلم ما في نفسي استئناف جار مجرى التعليل لما قبله. كأنه قيل: لأنك تعلم ما أخفيه في نفسي. فكيف بما أعلنه؟ وقوله تعالى: ولا أعلم ما في نفسك بيان للواقع، وإظهار لقصوره. أي: ولا أعلم ما تخفيه من معلوماتك. أفاده أبو السعود: إنك أنت علام الغيوب
القول في تأويل قوله تعالى:

[117] ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد

ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أي: ما أمرتهم إلا بما أمرتني به. وإنما قيل: ما قلت لهم نزولا على قضية حسن الأدب، ومراعاة لما ورد في الاستفهام. وقوله تعالى: أن اعبدوا الله ربي وربكم تفسير للمأمور به: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم [ ص: 2223 ] أي: رقيبا أراعي أحوالهم وأحملهم على العمل بموجب أمرك، ويتأتى لي نهيهم عما أشاهده فيهم مما لا ينبغي: فلما توفيتني أي: بالرفع إلى السماء. كما في قوله تعالى: إني متوفيك ورافعك إلي والتوفي: أخذ الشيء وافيا. والموت نوع منه. قال تعالى: الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها وسبق في قوله تعالى: يا عيسى إني متوفيك في زيادة إيضاح على ما هنا. فتذكر.

كنت أنت الرقيب عليهم أي: الناظر لأعمالهم. فمنعت من أردت عصمته من التفوه بذلك. وخذلت من خذلت من الضالين، فقالوا ما قالوا: وأنت على كل شيء شهيد اعتراض تذييلي مقرر لما قبله. وفيه إيذان بأنه تعالى كان هو الشهيد على الكل، حين كونه عليه السلام فيما بينهم.

تنبيه:

دلت الآية على أن الأنبياء، بعد استيفاء أجلهم الدنيوي، ونقلهم إلى البرزخ لا يعلمون أعمال أمتهم. وقد روى البخاري هنا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا أيها الناس! إنكم محشورون إلى الله حفاة عراة غرلا. ثم قال: كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين إلى آخر الآية، ثم قال: [ ص: 2224 ] ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيام إبراهيم. ألا وإنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول: يا رب! أصيحابي. فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح: وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم» .
القول في تأويل قوله تعالى:

[118] إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم

إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم قال الحافظ ابن كثير: هذا الكلام يتضمن رد المشيئة إلى الله عز وجل. فإنه الفعال لما يشاء: لا يسأل عما يفعل وهم يسألون . ويتضمن التبرؤ من النصارى الذين كذبوا على الله ورسوله. وجعلوا لله ندا وصاحبة وولدا. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. انتهى.

أي: إن تعذبهم فإنك تعذب عبادك. ولا اعتراض على المالك المطلق فيما يفعل بملكه. وفيه تنبيه على أنهم استحقوا ذلك لأنهم عبادك وقد عبدوا غيرك. وإن تغفر لهم فلا عجز ولا استقباح؛ لأنك القادر القوي على الثواب والعقاب. الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب. فإن المغفرة مستحسنة لكل مجرم. فإن عذبت فعدل، وإن غفرت ففضل. وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد. فلا امتناع فيه لذاته، ليمتنع الترديد والتعليق ب (إن). أفاده البيضاوي.

يعني أن المغفرة، وإن كانت قطعية الانتفاء بحسب الوجود، لكنها لما كانت بحسب العقل، تحتمل الوقوع والوقوع، استعمل فيها كلمة (إن) فسقط ما يتوهم أن تعذيبهم، مع أنه قطعي الوجود، كيف استعمل فيه (إن) وعدم وقوع العفو بحكم النص والاجتماع.

[ ص: 2225 ] وفي كتب الكلام: إن غفران الشرك جائز عقلا عندنا وعند جمهور البصريين من المعتزلة؛ لأن العقاب حق الله على المذنب، وليس في إسقاطه مضرة.

وبالجملة: فليس قوله تعالى: إن تغفر لهم تعريضا بسؤاله العفو عنهم. وإنما هو لإظهار قدرته على ما يريد، وعلى مقتضى حكمه وحكمته. ولذا قال: إنك أنت العزيز الحكيم، تنبيها على أنه لا امتناع لأحد عن عزته، فلا اعتراض في حكمه وحكمته.

قال الرازي: قال قوم: لو قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، أشعر ذلك بكونه شفيعا لهم. فلما قال: فإنك أنت العزيز الحكيم، دل ذلك على أن غرضه تفويض الأمر بالكلية إلى الله تعالى، وترك التعرض لهذا الباب من جميع الوجوه.

وفي "العناية" ما ملخصه: أن ما ظنه بعضهم من أن مقتضى الظاهر: الغفور الرحيم بدل: العزيز الحكيم كما وقع في مصحف عبد الله بن مسعود - فقد غاب عنه سر المقام؛ لأنه ظن تعلقه بالشرط الثاني فقط، لكونه جوابه. وليس كما توهم. بل هو متعلق بهما. ومن له الفعل والترك عزيز حكيم. فهذا أنسب وأدق وأليق بالمقام، أو هو متعلق بالثاني، وإنه احترس؛ لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز ينافي القدرة، أو لإهمال ينافي الحكمة. فبين أن ثوابه وعقابه مع القدرة التامة والحكمة البالغة.

تنبيه:

قال الحافظ ابن كثير: هذه الآية لها شأن عظيم ونبأ عجيب. وقد ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بها ليلة إلى الصباح يرددها.

روى الإمام أحمد عن أبي ذر رضي الله عنه قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم فلما أصبح قلت: يا رسول! لم تزل تقرأ هذه الآية حتى أصبحت. تركع [ ص: 2226 ] بها وتسجد بها؟ قال: «إني سألت ربي عز وجل الشفاعة لأمتي; فأعطانيها. وهي نائلة، إن شاء الله، لمن لا يشرك بالله شيئا» . وأخرجه النسائي أيضا.

وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي ذر قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الليالي في صلاة العشاء. فصلى بالقوم ثم تخلف أصحاب له يصلون. فلما رأى قيامهم وتخلفهم انصرف إلى رحله. فلما رأى القوم قد أخلوا المكان رجع إلى مكانه فصلى. فجئت فقمت خلفه فأومأ إلي بيمينه، فقمت عن يمينه. ثم جاء ابن مسعود فقام خلفي. وخلفه، فأومأ إليه بشماله فقام عن شماله. فقمنا ثلاثتنا يصلي كل واحد منا بنفسه، ونتلو من القرآن ما شاء الله أن نتلو. وقام بآية من القرآن يرددها، حتى صلى الغداة. فلما أصبحنا أومأت إلى عبد الله بن مسعود أن سله ما أراد إلى ما صنع البارحة؟ فقال ابن مسعود: لا أسأله عن شيء حتى يحدث إلي، فقلت: بأبي وأمي! قمت بآية من القرآن ومعك القرآن. لو فعل هذا بعضنا لوجدنا عليه. قال: دعوت لأمتي. قلت: فماذا أجبت؟ أو ماذا رد عليك؟ قال: أجبت بالذي لو اطلع عليه كثير منهم طلعة، تركوا الصلاة. قلت: أفلا أبشر الناس، قال: بلى. فانطلقت معنقا قريبا من قذفة بحجر. فقال عمر: يا رسول الله؟ إنك إن تبعث بهذا نكلوا عن العبادة. فناداه أن ارجع. فرجع.

وتلك الآية: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم


وروى الإمام مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص; أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني

وقول عيسى: إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم . [ ص: 2227 ] فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي. وبكى. فقال الله تعالى: يا جبريل! اذهب إلى محمد -وربك أعلم- فاسأله: ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم. فقال الله: يا جبريل! اذهب إلى محمد فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك.


ثم ختم تعالى حكاية ما حكى مما يقع يوم يجمع الله الرسل، عليهم الصلاة والسلام، مع الإشارة إلى نتيجة ذلك ومآله بقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[119] قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم

قال الله هذا أي: يوم القيامة: يوم ينفع الصادقين صدقهم لأنه يوم الجزاء. والمراد ب (الصادقين) المستمرون على الصدق في الأمور الدينية، التي معظمها التوحيد، الذي الآية في صدده. وفيه شهادة بصدق عيسى عليه السلام فيما قاله، جوابا عن قوله: أأنت قلت للناس الآية.

وقوله تعالى: لهم جنات تفسير للنفع المذكور. ولذا لم يعطف عليه، أي: لهم بساتين من غرس صدقهم: تجري من تحتها أي: من تحت شجرها وسررها: الأنهار أنهار الماء واللبن والخمر والعسل: خالدين فيها مقيمين لا يموتون ولا يخرجون: أبدا رضي الله عنهم لصدقهم: ورضوا عنه تحقيقا لصدقهم. فلم يسخطوا لقضائه في الدنيا: ذلك أي: الخلود والرضوان: الفوز العظيم أي: الكبير الذي لا أعظم منه. كما قال تعالى: لمثل هذا فليعمل العاملون وكما قال تعالى: وفي ذلك فليتنافس المتنافسون
وقوله تعالى:

[ ص: 2228 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[120] لله ملك السماوات والأرض وما فيهن وهو على كل شيء قدير

لله ملك السماوات والأرض وما فيهن تحقيق للحق وتنبيه على كذب النصارى وفساد ما زعموا في المسيح وأمه. وذلك من تقديم الظرف؛ لأنه المالك لا غيره. فلا شريك له وهو على كل شيء قدير أي: مبالغ في القدرة. فالجميع ملكه وتحت قهره وقدرته ومشيئته. فلا نظير له ولا وزير. لا إله غيره ولا رب سواه.

رواه ابن وهب عن عبد الله بن عمرو، قال: آخر سورة أنزلت سورة المائدة. أخرجه الترمذي والحاكم. وأخرجا أيضا عن عائشة قالت: آخر سورة نزلت المائدة والفتح - كذا في "الإتقان" -.

كمل ما قدره تعالى على عبيده من محاسن تأويل هذه السورة الشريفة

بعد عصر يوم الجمعة في 19 رمضان عام 1320

في السدة اليمنى العليا من جامع السنانية.

والحمد لله رب العالمين.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 21-11-2022, 01:13 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
المجلد السادس
صـ 2227 الى صـ 2243
الحلقة (319)



سُورَةُ الْأَنْعَامِ


[ ص: 2230 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ 6- سُورَةُ الْأَنْعَامِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ. وَهِيَ مِائَةٌ وَخَمْسٌ وَسِتُّونَ آيَةً.

رَوَى الْعَوْفِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَعَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِمَكَّةَ.

رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: هِيَ مَكِّيَّةٌ، نَزَلَتْ جُمْلَةً وَاحِدَةً، نَزَلَتْ لَيْلًا وَكَتَبُوهَا مِنْ لَيْلَتِهِمْ، غَيْرَ سِتِّ آيَاتٍ مِنْهَا، فَإِنَّهَا مَدَنِيَّاتٌ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ إِلَى آخِرِ الثَّلَاثِ آيَاتٍ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ [ ص: 2231 ] الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِلَى آخِرِ الْآيَتَيْنِ.

وَذَكَرٌ مُقَاتِلٌ نَحْوَ هَذَا وَزَادَ آيَتَيْنِ، وَهُمَا قَوْلُهُ تَعَالَى: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ الْآيَةَ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ الْآيَةَ.

وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَقَتَادَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: إِنَّهَا مَكِّيَّةٌ إِلَّا آيَتَيْنِ نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ، قَوْلُهُ: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَقَوْلُهُ: وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ الْآيَةَ.

[ ص: 2232 ] قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي (الدَّلَائِلِ): فِي بَعْضِ السُّوَرِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ آيَاتٌ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ، فَأُلْحِقَتْ بِهَا. وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَصَّارِ: كُلُّ نَوْعٍ مِنَ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ، مِنْهُ آيَاتٌ مُسْتَثْنَاةٌ. قَالَا: إِلَّا أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنِ اعْتَمَدَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الِاجْتِهَادِ دُونَ النَّقْلِ. ثُمَّ نَاقَشَ هَذِهِ الْآيَاتِ، قَالَ: وَلَا يَصِحُّ بِهِ نَقْلٌ، خُصُوصًا مَا وَرَدَ أَنَّهَا نَزَلَتْ جُمْلَةً.

وَرَدَّ عَلَيْهِ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّهُ صَحَّ النَّقْلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِاسْتِثْنَاءِ: قُلْ تَعَالَوْا الْآيَاتُ الثَّلَاثُ، وَالْبَوَاقِي: وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ لِمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَالِكِ بْنِ الصَّيْفِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا نَزَلَتَا فِي مُسَيْلِمَةَ، وَقَوْلُهُ: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ وَقَوْلُهُ: وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَـزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ

وَأَخْرَجَ أَبُو الشَّيْخِ عَنِ الْكَلْبِيِّ قَالَ: نَزَلَتِ الْأَنْعَامُ كُلُّهَا بِمَكَّةَ، إِلَّا آيَتَيْنِ نَزَلَتَا بِالْمَدِينَةِ فِي رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ، وَهُوَ الَّذِي قَالَ: مَا أَنْـزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ - كَذَا فِي (اللُّبَابِ) وَ (الْإِتْقَانِ). وَمِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ السُّورَةِ مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ بِمَكَّةَ لَيْلًا، جُمْلَةً وَاحِدَةً، حَوْلَهَا سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ، يَجْأَرُونَ بِالتَّسْبِيحِ.

[ ص: 2233 ] وَرَوَى السُّدِّيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ يُشَيِّعُهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَرُوِيَ نَحْوُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْهُ أَيْضًا.

رَوَى الْحَاكِمُ فِي (مُسْتَدْرَكِهِ) عَنْ جَابِرٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ شَيَّعَ هَذِهِ السُّورَةَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَا سَدَّ الْأُفُقَ. . ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ.

وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَزَلَتْ سُورَةُ الْأَنْعَامِ مَعَهَا مَوْكِبُ الْمَلَائِكَةِ سَدَّ مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنِ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ، وَالْأَرْضُ بِهِمْ تَرْتَجُّ، وَرَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ؟ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ!

وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الْأَنْعَامِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَشَيَّعَهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ، لَهُمْ زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ.

قَالَ الرَّازِيُّ: قَالَ الْأُصُولِيُّونَ: هَذِهِ السُّورَةُ اخْتُصَّتْ بِنَوْعَيْنِ مِنَ الْفَضِيلَةِ:

أَحَدُهُمَا: - أَنَّهَا نَزَّلَتْ دُفْعَةً وَاحِدَةً.

وَالثَّانِي: أَنَّهَا شَيَّعُهَا سَبْعُونَ أَلْفًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ. وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهَا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى دَلَائِلِ التَّوْحِيدِ، وَالْعَدْلِ، وَالنُّبُوَّةِ، وَالْمَعَادِ، وَإِبْطَالِ مَذَاهِبِ الْمُبْطِلِينَ وَالْمُلْحِدِينَ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عِلْمَ الْأُصُولِ فِي غَايَةِ الْجَلَالَةِ وَالرِّفْعَةِ. وَأَيْضًا فَإِنْزَالُ مَا يَدُلُّ عَلَى الْأَحْكَامِ، قَدْ تَكُونُ الْمَصْلَحَةُ أَنْ يُنْزِلَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَدْرَ حَاجَتِهِمْ، وَبِحَسْبِ الْحَوَادِثِ وَالنَّوَازِلِ. وَأَمَّا مَا يَدُلُّ عَلَى عِلْمِ الْأُصُولِ، فَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى جُمْلَةً وَاحِدَةً، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَعَلُّمَ عِلْمِ الْأُصُولِ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ، لَا عَلَى التَّرَاخِي.

وَأَخْرَجَ الدَّارِمِيُّ فِي (مُسْنَدِهِ) عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: الْأَنْعَامُ مِنْ نَوَاجِبِ الْقُرْآنِ.

وَفِي الْقَامُوسِ: نَجَائِبُ الْقُرْآنِ: أَفْضَلُهُ وَمَحْضُهُ. وَنَوَاجِبُهُ لُبَابُهُ. انْتَهَى.

وَسُمِّيَتْ بِ (سُورَةِ الْأَنْعَامِ)، لِأَنَّ أَكْثَرَ أَحْكَامِهَا، وَجَهَالَاتِ الْمُشْرِكِينَ فِيهَا، وَفِي التَّقَرُّبِ بِهَا إِلَى أَصْنَامِهِمْ - مَذْكُورَةٌ فِيهَا.

[ ص: 2234 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى:

[1] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

الْحَمْدُ لِلَّهِ أَيْ: جَمِيعُ الْمَحَامِدِ، بِمَا حَمِدَ بِهِ نَفْسَهُ أَوْ خَلْقُهُ، أَوْ حَمِدَ بِهِ الْخَلْقُ رَبَّهُمْ، أَوْ بَعْضُهُمْ، مَخْصُوصٌ بِهِ. ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ قُدْرَتِهِ الْكَامِلَةِ، الْوَاجِبَةِ لِاسْتِحْقَاقِهِ لِجَمِيعِ الْمَحَامِدِ بِقَوْلِهِ: الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ خَصَّهَمَا بِالذِّكْرِ، لِأَنَّهُمَا أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ، فِيمَا يَرَى الْعِبَادُ، وَفِيهِمَا الْعِبَرُ وَالْمَنَافِعُ؛ لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ بِأَوْضَاعِهَا وَحَرَكَاتِهَا أَسْبَابُ الْكَائِنَاتِ وَالْفَاسِدَاتِ الَّتِي هِيَ مَظَاهِرُ الْكَمَالَاتِ الْإِلَهِيَّةِ. وَالْأَرْضُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى قَوَابِلِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ الَّتِي هِيَ الْمُسَبِّبَاتُ.

وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ أَيْ: أَوْجَدَهُمَا مَنْفَعَةً لِعِبَادِهِ، فِي لَيْلِهِمْ وَنَهَارِهِمْ.

وَهَهُنَا لَطَائِفُ:

الْأُولَى: أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْآيَةِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمُنْعِمَ بِهَذِهِ النِّعَمِ الْجِسَامِ هُوَ الْحَقِيقُ بِالْحَمْدِ وَالْعِبَادَةِ، دُونَ مَا سِوَاهُ.

الثَّانِيَةُ: لَفْظُ (جَعَلَ) يَتَعَدَّى إِلَى وَاحِدٍ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى أَحْدَثَ وَأَنْشَأَ، كَمَا هُنَا; وَإِلَى مَفْعُولَيْنِ إِذَا كَانَ بِمَعْنَى (صَيَّرَ) كَقَوْلِهِ: وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ (الْخَلْقِ) وَ (الْجَعْلِ) أَنَّ الْخَلْقَ فِيهِ مَعْنَى التَّقْدِيرِ، وَفِي (الْجَعْلِ) مَعْنَى التَّضْمِينِ، كَإِنْشَاءِ شَيْءٍ مِنْ شَيْءٍ أَوْ تَصْيِيرِ شَيْءٍ شَيْئًا، أَوْ نَقْلِهِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ. وَمِنْ ذَلِكَ: [ ص: 2235 ] وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا وَإِنَّمَا حَسُنَ لَفْظُ (الْجَعْلِ) هَهُنَا؛ لِأَنَّ النُّورَ وَالظُّلْمَةَ لَمَّا تَعَاقَبَا، صَارَ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِنَّمَا تَوَلَّدَ مِنَ الْآخَرِ - قَالَهُ الرَّازِيُّ - وَسَبَقَهُ إِلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ. قَالَ النَّاصِرُ فِي "الِانْتِصَافِ": وَقَدْ وَرَدَتْ: جَعَلَ وَ: خَلَقَ مَوْرِدًا وَاحِدًا. فَوَرَدَ: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا . وَوَرَدَ: وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا . وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي التَّرَادُفِ. إِلَّا أَنَّ لِلْخَاطِرِ مَيْلًا إِلَى الْفَرْقِ الَّذِي أَبْدَاهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ: جَعَلَ لَمْ يَصْحَبِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، وَإِمَّا لَزِمَتْهُمَا: خَلَقَ . وَفِي إِضَافَةِ (الْخَلْقِ) فِي هَذِهِ الْآيَةِ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَ (الْجَعْلِ) إِلَى الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ، مِصْدَاقٌ لِلْمَيْزِ بَيْنَهُمَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

الثَّالِثَةُ: إِنْ قِيلَ: لِمَ جُمِعَتِ السَّمَاوَاتُ دُونَ الْأَرْضِ مَعَ أَنَّهَا مِثْلُهُنَّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: [ ص: 2236 ] وَمِنَ الأَرْضِ مِثْلَهُنَّ وَفِي الْحَدِيثِ: «هَلْ تَدْرُونَ مَا هَذِهِ؟ قَالُوا: هَذِهِ أَرْضٌ. هَلْ تَدْرُونَ مَا تَحْتَهَا؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ؟ قَالَ: أَرْضٌ أُخْرَى، وَبَيْنَهُمَا مَسِيرُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ، حَتَّى عَدَّ سَبْعَ أَرْضِينَ، بَيْنَ كُلِّ أَرْضِينَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عَامٍ». - أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

[ ص: 2237 ] فَالْجَوَابُ: لِأَنَّ السَّمَاوَاتِ طَبَقَاتٌ مُتَفَاضِلَةٌ بِالذَّاتِ، مُخْتَلِفَةٌ بِالْحَقِيقَةِ، بِخِلَافِ الْأَرْضِينَ، كَمَا قَالَهُ الْبَيْضَاوِيُّ.

وَقَالَ الرَّازِيُّ: إِنَّ السَّمَاءَ جَارِيَةٌ مَجْرَى الْفَاعِلِ. وَالْأَرْضَ مَجْرَى الْقَابِلِ. فَلَوْ كَانَتِ السَّمَاءُ وَاحِدَةً لَتَشَابَهَ الْأَثَرُ، وَذَلِكَ يُخِلُّ بِمَصَالِحِ هَذَا الْعَالَمِ. أَمَّا لَوْ كَانَتْ كَثِيرَةً اخْتَلَفَتِ الِاتِّصَالَاتُ الْكَوْكَبِيَّةُ، فَحَصَلَ بِسَبَبِهَا الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، وَسَائِرُ الْأَحْوَالِ الْمُخْتَلِفَةِ، وَحَصَلَ بِسَبَبِ تِلْكَ الِاخْتِلَافَاتِ مَصَالِحُ هَذَا الْعَالَمِ. أَمَّا الْأَرْضُ فَهِيَ قَابِلَةٌ لِلْأَثَرِ، وَالْقَابِلُ الْوَاحِدُ كَافٍ فِي الْقَبُولِ. انْتَهَى.

وَقَدَّمَ السَّمَاوَاتِ لِشَرَفِهَا وَعُلُوِّ مَكَانِهَا.

الرَّابِعَةُ: الظَّاهِرُ فِي (الظُّلُمَاتِ وَالنُّورِ) أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُمَا الْأَمْرَانِ الْمَحْسُوسَانِ بِحِسِّ الْبَصَرِ. وَالَّذِي يُقَوِّي ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِيهِمَا. وَالْأَصْلُ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ. وَلِأَنَّ (الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ) إِذَا قُرِنَا بِالسَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لَمْ يُفْهَمْ مِنْهُمَا إِلَّا الْأَمْرَانِ الْمَحْسُوسَانِ، وَنُقِلَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُ عَنَى بِهِمَا الْكُفْرَ وَالْإِيمَانَ.

وَرَجَّحَ الرَّازِيُّ الْأَوَّلَ لِمَا ذُكِرَ.

وَوَجَّهَ بَعْضُهُمُ الثَّانِيَ بِأَنَّ الْمَعْنَى: أَنَّهُ لَمَّا خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ، فَقَدْ نَصَبَ الْأَدِلَّةَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ. ثُمَّ بَيَّنَ طَرِيقَ الضَّلَالِ، وَطَرِيقَ الْهُدَى، بِإِنْزَالِ الشَّرَائِعِ وَالْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ فَنَاسَبَ الْمَقَامَ (ثُمَّ) الِاسْتِبْعَادِيَّةُ إِذْ يَبْعُدُ مِنَ الْعَاقِلِ النَّاظِرِ بَعْدَ إِقَامَةِ الدَّلِيلِ، اخْتِيَارُ الْبَاطِلِ. انْتَهَى.

وَعَلَيْهِ فَجَمْعُ (الظُّلُمَاتِ) وَتَوْحِيدُ (النُّورِ) ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ الْهُدَى وَاحِدٌ، وَالضَّلَالَ مُتَعَدِّدٌ، كَمَا قَالَ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ

[ ص: 2238 ] وَعَلَى الْأَوَّلِ، فَجَمْعُهَا لِظُهُورِ كَثْرَةِ أَسْبَابِهَا وَمَحَالِّهَا عِنْدَ النَّاسِ، فَإِنَّ لِكُلِّ جِرْمٍ ظُلْمَةً، وَلَيْسَ لِكُلِّ جِرْمٍ نُورٌ. وَأَمَّا تَقْدِيمُهُمَا فَلِسَبْقِهَا فِي التَّقْدِيرِ وَالتَّحَقُّقِ، عَلَى النُّورِ.

وَفِي الْأَثَرِ: إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي ظُلْمَةٍ ثُمَّ رَشَّ عَلَيْهِمْ مِنْ نُورِهِ.

وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ مَعْطُوفٌ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ النَّاطِقَةِ بِمَا مَرَّ مِنْ مُوجِبَاتِ اخْتِصَاصِهِ تَعَالَى، بِالْحَمْدِ الْمُسْتَدْعِي لِاقْتِصَارِ الْعِبَادَةِ عَلَيْهِ. مَسُوقٌ لِإِنْكَارِ مَا عَلَيْهِ الْكَفَرَةُ، وَاسْتِبْعَادِهِ مِنْ مُخَالَفَتِهِمْ لِمَضْمُونِهَا، وَاجْتِرَائِهِمْ عَلَى مَا يَقْضِي بِبُطْلَانِهِ بَدِيهَةُ [ ص: 2239 ] الْعُقُولِ. وَالْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى مُخْتَصٌّ بِاسْتِحْقَاقِ الْحَمْدِ وَالْعِبَادَةِ، بِاعْتِبَارِ ذَاتِهِ، وَبِاعْتِبَارِ مَا فُصِّلَ مِنْ شُؤُونِهِ الْعَظِيمَةِ الْخَاصَّةِ بِهِ، الْمُوجِبَةِ لِقَصْرِ الْحَمْدِ وَالْعِبَادَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ هَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ لَا يَعْمَلُونَ بِمُوجِبِهِ، وَيَعْدِلُونَ بِهِ سُبْحَانَهُ. أَيْ: يُسَوُّونَ بِهِ غَيْرَهُ فِي الْعِبَادَةِ الَّتِي هِيَ أَقْصَى غَايَاتِ الشُّكْرِ، الَّذِي رَأَسُهُ الْحَمْدُ، مَعَ كَوْنِ كُلِّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقًا لَهُ، غَيْرَ مُتَّصِفٍ بِشَيْءٍ مِنْ مَبَادِئِ الْحَمْدِ. وَكَلِمَةُ (ثُمَّ) لِاسْتِبْعَادِ الشِّرْكِ بَعْدَ وُضُوحِ مَا ذُكِرَ مِنَ الْآيَاتِ التَّكْوِينِيَّةِ، الْقَاضِيَةِ بِبُطْلَانِهِ. وَ (الْبَاءُ) مُتَعَلِّقَةٌ بِ (يَعْدِلُونَ) وَوُضِعَ (الرَّبُّ) مَوْضِعَ ضَمِيرِهِ تَعَالَى، لِزِيَادَةِ التَّشْنِيعِ وَالتَّقْبِيحِ. وَالتَّقْدِيمُ لِمَزِيدِ الِاهْتِمَامِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى تَحْقِيقِ مَدَارِ الْإِنْكَارِ وَالِاسْتِبْعَادِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى الْفَوَاصِلِ، وَتُرِكَ الْمَفْعُولُ لِظُهُورِهِ، أَوْ لِتَوْجِيهِ الْإِنْكَارِ إِلَى نَفْسِ الْفِعْلِ، بِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ اللَّازِمِ، إِيذَانًا بِأَنَّهُ الْمَدَارُ فِي الِاسْتِبْعَادِ، لَا خُصُوصِيَّةُ الْمَفْعُولِ. هَذَا هُوَ الْحَقِيقُ بِجَزَالَةِ التَّنْزِيلِ؛ أَفَادَهُ أَبُو السُّعُودِ.

ثُمَّ نَاقَشَ مَا وَقَعَ لِلْمُفَسِّرِينَ هُنَا مِمَّا يُخَالِفُهُ. فَانْظُرْهُ.

وَأَصْلُ (الْعَدْلِ) مُسَاوَاةُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ لَهُ عَدِيلًا مِنْ خَلْقِهِ، مِمَّا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، فَيَعْبُدُونَ الْحِجَارَةَ، مَعَ إِقْرَارِهِمْ بِأَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ.

وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: (الْبَاءُ) بِمَعْنَى (عَنْ) أَيْ: عَنْ رَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ وَيَنْحَرِفُونَ، مِنَ الْعُدُولِ عَنِ الشَّيْءِ.

لَطِيفَةٌ:

قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ رَحِمَهُ اللَّهُ: (ثُمَّ) دَالَّةٌ عَلَى قُبْحِ فِعْلِ الَّذِينَ كَفَرُوا؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ خَلْقَهُ السَّمَاوَاتِ قَدْ تَقَرَّرَ، وَآيَاتُهُ قَدْ سَطَعَتْ، وَإِنْعَامُهُ بِذَلِكَ قَدْ تَبَيَّنَ، ثُمَّ بَعْدَ هَذَا كُلِّهِ قَدْ عَدَلُوا بِرَبِّهِمْ. فَهَذَا كَمَا تَقُولُ: أَعْطَيْتُكَ وَأَحْسَنْتُ إِلَيْكَ، ثُمَّ تَشْتُمُنِي؟ وَلَوْ وَقَعَ الْعَطْفُ فِي هَذَا وَنَحْوِهِ بِ (الْوَاوِ) لَمْ يَلْزَمِ التَّوْبِيخُ كَلُزُومِهِ بِ (ثُمَّ). انْتَهَى. أَيْ: فَفِيهَا الدَّلَالَةُ عَلَى التَّوْبِيخِ وَالْإِنْكَارِ، كَالتَّعْجِيبِ أَيْضًا.

[ ص: 2240 ] قَالَ أَبُو حَيَّانَ: هَذَا الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ مِنْ أَنْ (ثُمَّ) لِلتَّوْبِيخِ. وَالزَّمَخْشَرِيُّ مِنْ أَنَّهَا لِلِاسْتِبْعَادِ - مَفْهُومٌ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، لَا مِنْ مَدْلُولِ (ثُمَّ). انْتَهَى.

وَإِنَّمَا لَمْ تَحْمِلْ (ثُمَّ) عَلَى التَّرَاخِي، مَعَ اسْتِقَامَتِهِ، لِكَوْنِ الِاسْتِبْعَادِ أَوْفَقُ بِالْمَقَامِ؛ لِأَنَّ التَّرَاخِيَ الزَّمَانِيَّ مَعْلُومٌ فِيهِ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ.
القول في تأويل قوله تعالى:

[2] هو الذي خلقكم من طين ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده ثم أنتم تمترون

هو الذي خلقكم من طين استئناف مسوق لبيان بطلان كفرهم بالبعث، مع مشاهدتهم لما يوجب الإيمان به، إثر بيان بطلان إشراكهم به تعالى، مع معاينتهم لموجبات توحيده. وتخصيص خلقهم بالذكر من بين سائر دلائل صحة البعث، مع أن ما ذكره من خلق السماوات والأرض من أوضحها وأظهرها، كما ورد في قوله تعالى: أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم لما أن محل النزاع بعثهم. فدلالة بدء خلقهم على ذلك أظهر، وهم بشؤون أنفسهم أعرف، والتعامي عن الحجة النيرة أقبح. والالتفات لمزيد التشنيع والتوبيخ. أي: ابتدأ خلقكم منه، فإنه المادة الأولى للكل، لما أنه منشأ آدم الذي هو أبو البشر. وإنما نسب هذا الخلق إلى المخاطبين، لا إلى آدم عليه السلام، وهو المخلوق منه حقيقة. بأن يقال: هو الذي خلق أباكم... إلخ. مع كفاية علمهم بخلقه عليه السلام منه، في إيجاب الإيمان بالبعث، وبطلان الامتراء - لتوضيح منهاج القياس، وللمبالغة في إزاحة الاشتباه والالتباس. مع ما فيه من تحقيق الحق والتنبيه على حكمة خفية: هي أن كل فرد من أفراد البشر له حظ من إنشائه، عليه السلام، منه [ ص: 2241 ] حيث لم تكن فطرته البديعة مقصورة على نفسه، بل كانت أنموذجا منطويا على فطرة سائر آحاد الجنس، انطواء إجماليا، مستتبعا لجريان آثارها على الكل. فكان خلقه عليه السلام من الطين خلقا لكل أحد من فروعه منه. ولما كان خلقه على هذا النمط الساري إلى جميع أفراد ذريته، أبدع من أن يكون ذلك مقصورا على نفسه، كما هو المفهوم من نسبة الخلق المذكور إليه، وأدل على عظم قدرة الخلاق العليم، وكمال علمه وحكمته، وكان ابتداء حال المخاطبين أولى بأن يكون معيارا لانتهائها - فعل ما فعل. ولله در شأن التنزيل! وعلى هذا السر مدار قوله تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم إلخ. وقوله تعالى: وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا كما سيأتي.

وقيل: المعنى خلق أباكم منه، على حذف المضاف. وقيل: معنى خلقهم منه، خلقهم من النطفة الحاصلة من الأغذية المتكونة من الأرض. وأيا ما كان، ففيه من وضوح الدلالة على كمال قدرته تعالى على البعث، ما لا يخفى؛ فإن من قدر على إحياء ما لم يشم رائحة الحياة قط، كان على إحياء ما قارنها مدة أظهر قدرة. أفاده أبو السعود.

وفي "العناية": أن في الآية التفاتا؛ لأن الخطاب - وإن صح كونه عاما - لكنه خاص بالذين كفروا، كما يقتضيه: ثم أنتم تمترون . ونكتته أن دليل الأنفس أقرب إلى الناظر من دليل الآفاق الذي في الآية السابقة، والشكر عليه أوجب. وقد أشير في كل من الدليلين إلى المبدأ والمعاد، وما بينهما. انتهى.

[ ص: 2242 ] أخرج أبو داود والترمذي عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قدر الأرض. جاء منهم. الأحمر والأبيض والأسود، وبين ذلك. والسهل والحزن، والخبيث والطيب» .

وقوله تعالى: ثم قضى أجلا أي: كتب لموت كل واحد منكم أجلا خاصا به. أي: حدا معينا من الزمان يفنى عند حلوله. أو كتب، لما بين أن يولد كل منكم إلى يوم أن يموت، أجلا.

وأجل مسمى عنده أي: وحد معين لبعثكم جميعا، مثبت معين في علمه، لا يقبل التغيير، ولا يقف على وقت حلوله أحد. كقوله تعالى: إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو فمعنى: عنده أنه مستقل بعلمه. و: وأجل مبتدأ لتخصيصه بالصفة، ولوقوعه في موقع التفصيل. وتنوينه لتفخيم شأنه، وتهويل أمره، ولذلك أوثر تقديمه على الخبر الذي هو: عنده ، مع أن الشائع في مثله التأخير، كأنه قيل: وأي أجل معين في علمه لا يعلمه أحد لا مجملا ولا مفصلا. أما أجل الموت فمعلوم إجمالا وتقريبا، بناء على ظهور أمارته، أو على ما هو المعتاد في أعمار الإنسان.

ثم أنتم تمترون استبعاد واستنكار لامترائهم في البعث، بعد معاينتهم لما ذكر [ ص: 2243 ] من الحجج الباهرة الدالة عليه. أي: تمترون في وقوعه وتحققه في نفسه، مع مشاهدتكم في أنفسكم ما يقطع مادة الامتراء؛ فإن من قدر على خلق المواد وجمعها وإبداع الحياة فيها، وإبقائها ما يشاء، كان أقدار على جمع تلك المواد وإحيائها ثانيا.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 20-12-2022, 04:57 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
المجلد السادس
صـ 2244 الى صـ 2253
الحلقة (320)





القول في تأويل قوله تعالى:

[3] وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون

وهو الله في السماوات وفي الأرض أي: المعبود فيهما يعلم سركم وجهركم أي: من الأقوال أو الدواعي والصوارف القلبية وأعمال الجوارح ويعلم ما تكسبون أي: ما تفعلونه من خير أو شر، فيثيب عليه ويعاقب. وتخصيصه بالذكر، مع اندراجه فيما سبق، على التفسير الثاني للسر والجهر - لإظهار كمال الاعتناء به الذي يتعلق به الجزاء. وهو السر في إعادة يعلم.

قال الناصر في "الانتصاف": وما هاتان الآيتان الكريمتان - يعني هذه الآية وآية الزخرف، وهي قوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض - إلا توأمتان. فإن التمدح في آية الزخرف، وقع بما وقع التمدح به هاهنا من القدرة على الإعادة والاستئثار بعلم الساعة والتواجد في الألوهية، وفي كونه تعالى المعبود في السماوات والأرض.

وقال الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى: للمفسرين في هذه الآية أقوال، بعد اتفاقهم على إنكار قول الجهمية الأول، القائلين - تعالى عن قولهم علوا كبيرا - بأنه في كل مكان؛ حيث حملوا الآية على ذلك. فلأصح من الأقوال أنه المدعو في السماوات والأرض، أي: [ ص: 2244 ] يعبده ويوحده ويقر له بالآلهية من في السماوات ومن في الأرض، ويسمونه الله، ويدعونه: ويدعوننا رغبا ورهبا . إلا من كفر من الجن والإنس. وهذه الآية - على هذا القول - كقوله تعالى: وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله أي: هو إله من في السماء وإله من في الأرض، وعلى هذا فيكون قوله: يعلم سركم وجهركم خبرا أو حالا.

والقول الثاني: إن المراد أنه الله الذي يعلم ما في السماوات وما في الأرض من سر وجهر. فيكون قوله: يعلم متعلقا بقوله: في السماوات وفي الأرض تقديره: وهو الله يعلم سركم وجهركم في السماوات.... إلخ.

والقول الثالث: إن قوله: وهو الله في السماوات وقف تام، ثم استأنف الخبر فقال: وفي الأرض يعلم سركم وجهركم وهذا اختيار ابن جرير. انتهى.

ورجح ابن عطية في الآية: أنه الذي يقال له: الله فيهما. قال: وهذا عندي أفضل الأقوال، وأكثرها إحرازا لفصاحة اللفظ، وجزالة المعنى، وإيضاحه: أنه أراد أن يدل على خلقه، وآيات قدرته، وإحاطته واستيلائه، ونحو هذه الصفات. فجمع هذه كلها في قوله: وهو الله - الذي له هذه كلها -: في السماوات والأرض كأنه قال: وهو الخالق والرازق والمحيي والمميت فيهما.

تنبيه:

قال الرازي: الآية تدل على كون الإنسان مكتسبا للفعل، والكسب هو الفعل المفضي إلى اجتلاب نفع، أو دفع ضر. ولهذا السبب لا يوصف فعل الله بأنه كسب، لكونه تعالى منزها عن جلب النفع، ودفع الضر. والله أعلم.
[ ص: 2245 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[4] وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين

وما تأتيهم من آية من آيات ربهم يعني: ما يظهر لكفار مكة دليل من الأدلة التي يجب فيها النظر والاعتبار، أو معجزة من المعجزات، أو آية من آيات القرآن، التي من جملتها الآيات السالفة، الناطقة ببدائع صنعه وقدرته على البعث: إلا كانوا عنها معرضين أي: على وجه التكذيب والاستهزاء، لقلة خوفهم وتدبرهم، في العواقب.
القول في تأويل قوله تعالى:

[5] فقد كذبوا بالحق لما جاءهم فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون

فقد كذبوا بالحق لما جاءهم يعني: القرآن الذي تحدوا به، فعجزوا عنه: فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون أي: مصداق أنباء الحق الذي كانوا يكذبون به على سبيل الاستهزاء. وأنباؤه عبارة عما سيحيق بهم من العقوبات العاجلة. فهو وعيد شديد لهم بأنه لا بد لهم أن يذوقوا وباله. وقد ذاقوه يوم بدر وغيره.
القول في تأويل قوله تعالى:

[6] ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم فأهلكناهم بذنوبهم وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين

ألم يروا أي: ألم يعلموا علما يشبه الرؤية بالبصر، لما سمعوا بالتواتر من إتيان المستهزئين قبلهم. أنباءهم مرارا كثيرة: كم أهلكنا من قبلهم من قرن أي: من أمة، فلم نبق منها [ ص: 2246 ] أحدا، مثل قوم نوح وعاد وثمود، وغيرهم من الأمم الماضية، والقرون الخالية مكناهم في الأرض أي: قررناهم وثبتناهم في الأرض ما لم نمكن لكم أي: ما لم نجعل لكم من السعة والرفاهية وطول الأعمار، يا أهل مكة! وأرسلنا السماء أي: المطر. قال المهايمي: هو أبلغ من: أنزلنا في الدلالة على الكثرة عليهم مدرارا أي: كثيرا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم أي: من تحت أشجارهم، فعاشوا في الخصب بين الأنهار والثمار، وسقيا الغيث المدرار فأهلكناهم بذنوبهم أي: بسبب ذنوبهم وكفرهم، وتكذيبهم رسلهم، وجعلناهم أحاديث، فما أغنى عنهم ما كانوا فيه. أي: وسيحل بهؤلاء مثل ما حل بهم من العذاب وأنشأنا من بعدهم قرنا آخرين أي: بدلا من الهالكين، يعني: فلا يتعاظمه تعالى أن يهلك هؤلاء، ويخلي ديارهم منهم، وينشئ أمة سواهم، فما هم بأعز على الله منهم. والرسول الذي كذبوه أكرم على الله من رسلهم. فهم أولى بالعذاب، ومفاجأة العقوبة، لولا لطفه وإحسانه.

ثم بين تعالى شدة مكابرتهم، إثر إعراضهم، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[7] ولو نـزلنا عليك كتابا في قرطاس فلمسوه بأيديهم لقال الذين كفروا إن هذا إلا سحر مبين

ولو نـزلنا عليك كتابا في قرطاس أي: مكتوبا في ورق: فلمسوه بأيديهم أي: فمسوه لقال الذين كفروا إن هذا أي: ليس هذا المعظم بهذه الوجوه الدالة على أنه لا يكون إلا من الله إلا سحر مبين تعنتا وعنادا، وتخصيص (اللمس) لأن التزوير لا يقع فيه، فلا يمكنهم أن يقولوا إنما سكرت أبصارنا، ولأنه يتقدمه الإبصار، حيث لا مانع. وتقييده ب (الأيدي) لرفع التجوز، فإنه قد يتجوز به للفحص، كقوله: وأنا لمسنا السماء أفاده البيضاوي.

[ ص: 2247 ] قال الناصر في "الانتصاف": والظاهر أن فائدة زيادة لمسهم له بأيديهم، تحقيق القراءة على قرب. أي: فقرأوه وهو في أيديهم، لا بعيد عنهم، لما آمنوا.

وقال ابن كثير: وهذا كما قال تعالى مخبرا عن مكابرتهم للمحسوسات: ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ولقوله تعالى: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم
القول في تأويل قوله تعالى:

[8] وقالوا لولا أنـزل عليه ملك ولو أنـزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون

وقالوا لولا أنـزل عليه ملك أي: ليكون معه فيكلمنا أنه نبي، كقوله: لولا أنـزل إليه ملك فيكون معه نذيرا

ولو أنـزلنا ملكا لقضي الأمر جواب لمقترحهم، وبيان لمانعه، وهو البقيا عليهم، كيلا يكونوا كالباحث عن حتفه بظلفه. والمعنى: أن الملك لو أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورته، وهي آية لا شيء أبين منها وأيقن، ثم لم يؤمنوا، لحاق بهم العذاب، وفرغ الأمر. فإن سنة الله قد جرت في الكفار أنهم متى اقترحوا آية ثم لم يؤمنوا، استؤصلوا بالعذاب، كما قال تعالى: ما ننـزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين [ ص: 2248 ] وقوله تعالى: يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين

ثم لا ينظرون أي: لا يمهلون بعد نزوله طرفة عين، فضلا عن أن ينذروا به. ومعنى ثم: بعد ما بين الأمرين، قضاء الأمر، وعدم الإنظار، جعل عدم الإنظار أشد من قضاء الأمر؛ لأن مفاجأة الشدة أشد من نفس الشدة.

تنبيه:

ذكر الزمخشري وجها ثانيا في تعجيل عذابهم، عند نزول الملائكة، وهو أنه يزول الاختيار الذي هو قاعدة التكليف، فيجب إهلاكهم، وفي "الكشف" الاختيار قاعدة التكليف، وهذه آية ملجئة. قال تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا فوجب إهلاكهم، لئلا يبقى وجودهم عاريا عن الحكمة؛ إذ ما خلقوا إلا للابتلاء بالتكليف، وهو لا يبقى مع الإلجاء. هذا تقريره على مذهبهم، وهو غير صاف عن الإشكال. انتهى. وفيه إشارة إلى أنه ليس على قواعد السنة، وكأن وجه إشكاله أنه وقع في القرآن، والواقع ما ينافيه، كما في قوله تعالى: أو كالذي مر على قرية كذا في "العناية".

[ ص: 2249 ] وذكر أيضا وجها ثالثا؛ وهو أنهم إذا شاهدوا ملكا في صورته، زهقت أرواحهم من هول ما يشاهدون.

قال في "الانتصاف": ويقوي هذا الوجه قوله: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا قال ابن عباس: ليتمكنوا من رؤيته، ولا يهلكوا من مشاهدة صورته، انتهى.

وهذا الوجه آثره أبو السعود في التقديم حيث قال: أي: لو أنزلنا ملكا على هيئته حسبما اقترحوه، والحال أنه من هول المنظر، بحيث لا تطيق بمشاهدته قوى الآحاد البشرية. ألا يرى أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كانوا يشاهدون الملائكة ويفاوضونهم على الصورة البشرية؟ كضيف إبراهيم ولوط، وخصم داود عليهم السلام، وغير ذلك. وحيث كان شأنهم كذلك، وهم مؤيدون بالقوى القدسية، فما ظنك بمن عداهم من العوام؟ فلو شاهدوه كذلك لقضي أمر هلاكهم بالكلية، واستحال جعله نذيرا، وهو - مع كونه خلاف مطلوبهم - مستلزم لإخفاء العالم عما عليه يدور نظام الدنيا والآخرة، من إرسال الرسل، وتأسيس الشرائع، وقد قال سبحانه: وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا انتهى.

وفي "العناية" أن الوجه الثالث لا يناسب قوله: ثم لا ينظرون ، لأنه يدل على إهلاكهم، لا على هلاكهم، برؤية الملك، إلا بتكلف.

هذا وقال الناصر في "الانتصاف": على الوجه الأول لا يحسن أن يجعل سبب مناجزتهم بالهلاك وضوح الآية في نزول الملك. فإنه ربما يفهم هذا الكلام أن الآيات التي لزمهم الإيمان بها دون نزول الملك في الوضوح، وليس الأمر كذلك. فالوجه - والله أعلم - أن يكون سبب تعجيل عقوبتهم بتقدير نزول الملك وعدم إيمانهم، أنهم اقترحوا ما لا يتوقف وجوب الإيمان عليه؛ إذ الذي يتوقف الوجوب عليه المعجز من حيث كونه معجزا، لا المعجز الخاص، [ ص: 2250 ] فإذا أجيبوا على وفق مقترحهم، فلم ينجع فيهم، كانوا حينئذ على غاية من الرسوخ في العناد المناسب لعدم النظرة. والله أعلم.

قال المهايمي: لا دليل على النبوة سوى شهادة الملك، وتنزيل الملك بصورته الملكوتية يقطع أمر التكليف؛ إذ لا ينفع الإيمان بعد انكشاف عالم الملكوت، فلا يمهلون؛ لأن الإمهال للنظر. والمعجزة - وإن أفادت علما ضروريا - لا تخلو عن خفاء يحتاج إلى أدنى نظر، ولا خفاء مع انكشاف عالم الملكوت، فلا وجه للإمهال للنظر، فلا يقبل الإيمان معه، فلا بد من المؤاخذة عقيبه. انتهى. فليتأمل.
القول في تأويل قوله تعالى:

[9] ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون

ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا جواب ثان. أي: ولو جعلنا النذير الذي اقترحوه ملكا لمثلناه رجلا، لما مر من عدم استطاعة الآحاد لمعاينة الملك على صورته، من النور. وإنما رآه كذلك الأفراد من الأنبياء بقوتهم القدسية وللبسنا عليهم ما يلبسون جواب محذوف. أي: ولو جعلناه رجلا لشبهنا عليهم ما يشبهون على أنفسهم حينئذ، بأن يقولوا له: إنما أنت بشر، ولست بملك. ولو استدل على ملكيته بالقرآن المعجز، الناطق بها، أو بمعجزات أخر غير ملجئة إلى التصديق - لكذبوه، كما كذبوا النبي عليه الصلاة والسلام. ولو أظهر لهم صورته الأصلية لزم ما تقدم من قضاء الأمر.

تنبيهات:

الأول: في إيثار (رجلا) على (بشرا) إيذان بأن الجعل بطريق التمثيل، لا بطريق قلب الحقيقة، وتعيين لما يقع به التمثيل.

الثاني: في الآية بيان لرحمته تعالى بخلقه، وهو أنه يرسل إلى كل صنف من الخلائق [ ص: 2251 ] رسلا منهم، ليدعو بعضهم بعضا، وليمكن بعضهم أن ينتفع ببعض في المخاطبة والسؤال. كما قال تعالى: لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم الآية. وقال تعالى: قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنـزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا

الثالث: التعبير عن تمثيله تعالى رجلا باللبس إما لكونه في صورة اللبس، أو لكونه سببا للبسهم، أو لوقوعه في صحبته بطريق المشاكلة. وفيه تأكيد لاستحالة جعل النذير ملكا، كأنه قيل: لو فعلناه ما لا يليق بشأننا من لبس الأمر عليهم. أفاده أبو السعود.

الرابع: جوز بعضهم وجها ثانيا في قوله تعالى: ولو جعلناه ملكا وهو أن يكون جواب اقتراح ثان، على أن الضمير عائد للرسول، لا لمقترحهم السابق. قال: لأنهم تارة يقولون: لولا أنزل عليه ملك وتارة يقول: لو شاء ربنا لأنزل ملائكة . والمعنى: ولو جعلنا الرسول ملكا لمثلناه رجلا. والظاهر هو الوجه الأول.
[ ص: 2252 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[10] ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون

وقوله تعالى: ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يلقاه من قومه، ووعد له وللمؤمنين به بالنصر والعاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. و (حاق): بمعنى نزل وحل، ولا يكاد يستعمل إلا في الشر. فنزل بهم وبال استهزائهم، أو العذاب الذي كانوا يسخرون من التخويف به، إذ هلكوا في الدنيا على أقبح الوجوه، ثم ردوا إلى أفظع العذاب أبد الآبدين. وجعل الرسل في أعلى منازل القرب من رب العالمين.

ثم أمر تعالى أن يصدعهم بالتجول في الأرض إن ارتابوا فيما تواتر، أو تعاموا عما رأوا، بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[11] قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين

قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين أي: سيروا في الأرض لتعرف أحوال أولئك الأمم، وتفكروا في أنهم كيف أهلكوا لما كذبوا الرسل وعاندوا، فتعرفوا صحة ما توعظون به. وفي السير في الأرض، والسفر في البلاد، ومشاهدة تلك الآثار الخاوية على عروشها - تكملة للاعتبار، وتقوية للاستبصار؛ أي: فلا تغتروا بما أنتم عليه من التمتع بلذات الدنيا وشهواتها.

وفي هذه الآية تكملة للتسلية، بما في ضمنها من العدة اللطيفة، بأنه سيحيق بهم مثل ما حاق بأضرابهم المكذبين، وقد أنجز ذلك يوم بدر أي إنجاز.

[ ص: 2253 ] لطيفة:

وقع هنا: ثم انظروا . وفي النمل: قل سيروا في الأرض فانظروا وكذا في العنكبوت. فتكلف بعضهم لتخصيص ما هنا ب [ ثم ] ، كما هو مبسوط في "العناية"، مع ما عليه. ونقل عن بعضهم أن السير متحد فيهما، ولكنه أمر ممتد، يعطف بالفاء تارة، نظرا لآخره، وب [ ثم ] نظرا لأوله، ولا فرق بينهما.

وفي "الانتصاف": الأظهر أن يجعل الأمر بالسير في المكانين واحدا، ليكون ذلك سببا في النظر، فحيث دخلت الفاء، فلإظهار السببية. وحيث دخلت ثم، فللتنبيه على أن النظر هو المقصود من السير، وأن السير وسيلة إليه لا غير. وشتان بين المقصود والوسيلة. والله أعلم.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 486.96 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 481.08 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.21%)]