|
|||||||
| ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#301
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 611 الى صـــ 630 الحلقة (301) ليس فيه غير أن ما جرحته العجماء لا يغرم، وليس فيه غيره، وهو حجة عليهم في تضمينهم السائق والراكب والقائد ما أصابت العجماء مما لم يحملها عليه، وأما الرواية عن أبي بكر وعلي فمنقطعة (١). رابعها: قال ابن حبيب: الركاز: دفن الجاهلية خاصة، والكنز: دفن الإسلام، فدفن الإسلام فيه التعريف، ودفن الجاهلية فيه الخمس، وما فيه لمن وجده مطلقًا، وجده في أرض العرب أو غيرها، أو صلح، قاله جماعة من أصحاب مالك، ورواه ابن وهب عن علي وعمر بن عبد العزيز ومكحول والليث. قال: وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وعن مالك أنه فرق بين أرض العنوة والصلح في ذَلِكَ فقال: من أصابه في الأول فليس لمن وجده، وفيه الخمس وأربعة أخماسه لمن افتتحها، ولورثتهم بعدهم ويتصدق به عنهم إن لم يعرفوا، وقد رد عمر السفطين الذين وجدوا بعد الفتح، وسكنى البلاد، ومن أصابه في الثاني فهو كله لهم، لا خمس فيه، إذا عرف أنه من أموالهم، وإن عرف أنه ليس من أموال أهل تلك الذمة، ولم يرثه عنهم أهل هذِه الذمة فهو لمن وجده، وكذلك إن وجد رجل في دار صلح ممن صالح عليها فهو لرب الدار لا شيء فيه؛ لأن من تملك شيئًا من أرض الصلح ملك ما تحتها. وقال سحنون: وإن لم يعرف عنوة أو صلحًا فهو لمن أصابه بعد أن يخمسه. قال الأبهري: إنما جعل في الركاز الخمس؛ لأنه مال كافر لم يملكه مسلم فأنزل واجده بمنزلة القائم من مال الكافر، وكان له أربعة أخماسه. --------- (١) «المحلي» ٨/ ١٤٥ بتصرف. وقال الطحاوي: لا فرق بين أرض العنوة والصلح؛ لأن الغانمين لم يملكوا الركاز، كأن من ملك أرض العرب لا يملك ما فيها من الركاز، وهو للواجد دون المالك بإجماع (١)، فوجب رد ما اختلفوا فيه من أرض الصلح إلى ما أجمعوا عليه من أرض العرب، واختلف قول مالك فيما وجد من دفنهم سوى العين من جوهر وحديد ونحاس ومسك وغيره، قال: ليس بركاز، ثم رجع فقال: له حكمه وأخذ ابن القاسم بالأول، وهو أبين كما قاله ابن أبي زيد؛ لأنه لا خمس فيما أوجب عليه، وإنما أخذ من الذهب والفضة؛ لأنه الركاز نفسه الذي جاء فيه النص. وقال مطرف وغيره: إنه ركاز إلا النحاس والرصاص ومن جعل ذَلِكَ كله ركازًا شبَّهه بالغنيمة يؤخذ منها الخمس، سواء كانت عينًا أو عرضًا، ونقل ابن التين القولين عن مالك، ثم قال: واختار أبو محمد عدم تخميسه، وقال القاضي أبو محمد: الصحيح أنه يخمس. واختلفوا في من وجد ركازًا في منزل اشتراه، فروي عن علي بن زياد، عن مالك أنه لرب الدار دون من أصابه، وفيه الخمس. وهو قول أبي حنيفة ومحمد، وقال ابن نافع: هو لمن وجده دون صاحب المنزل. وهو قول الثوري وأبي يوسف، قال مالك: لما كان ما يخرج من المعدن يعتمل وينبت كالزرع كان مثله في تعجيل زكاته يوم حصاده، ولا يسقط الدين زكاة المعدن كالزرع، وما كان في المعدن من الندرة تؤخذ بغير تعب ولا عمل فهو ركاز، وفيه الخمس. ونقل ابن بطال عن الشافعي أنه اختلف قوله في الندرة توجد فيه فمرة قال: فيها الخمس كقول مالك، ومرة قال: فيها الزكاة ربع العشر على ----------- (١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٦٠. كل حال (١)، وهل يصرف هذا الخمس مصرفه أو مصرف الزكاة؟ قال ابن القصار بالثاني كالعشر ونصف العشر، قال عبد الحق: والمذهب خلافه. قال ابن حبيب: والشركاء في المعدن كالواحد، والعبد كالحر، والذمي كالمسلم، والمديان كمن لا دين عليه. وقال المغيرة وسحنون: فيه الزكاة كسائر الزكاوات، ولا زكاة على أحد ممن ذكر. -------------- (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٥. ٦٧ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] وَمُحَاسَبَةِ المُصَدِّقِينَ مَعَ الإِمَامِ. ١٥٠٠ - حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، أَخْبَرَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَسْدِ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمٍ يُدْعَى: ابْنَ اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ. [انظر: ٩٢٥ - مسلم: ١٨٣٢ - فتح: ٣/ ٣٦٥] ذكر فيه حديث أبي حميد الساعدي: اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَجُلًا مِنَ الأَزد عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي سُلَيْمِ يُدْعَى: ابن اللُّتْبِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ حَاسَبَهُ. هذا الحديث سلف طرف منه في الجمعة في باب: أما بعد (١)، وإن البخاري كرره في مواضع (٢). وابن اللُّتْبِيَّة (٣) بضم اللام ويقال فيه: ابن الأتبية أيضًا واسمه فيما ذكره أبو منصور الباوردي في كتابه: عبد الله. وقال ابن دريد: بنو لُتب بطن من الأزد اللتب: الاشتداد وهو اللصوق أيضًا. فإذا تقرر ذَلِكَ: فالعلماء متفقون على أن العامل عليها: هم السعاة ------------ (١) برقم (٩٢٥). (٢) سيأتي برقم (٢٥٩٧) كتاب: الهبة، باب: من لم يقبل الهدية لعلة، وبرقم (٦٦٣٦) كتاب: الأيمان والنذور، باب: كيف كانت يمين النبي - ﷺ -، وبرقم (٦٩٧٩) كتاب: الحيل باب: احتيال العامل ليهدى له. (٣) في هامش الأصل ما نصه: اللتْبيَّة بضم اللام وإسكان المثناة فوق. ويقال فيه: بفتح المثناة المذكورة، ويقال: ابن الأتبية بالهمز. وإسكان المثناة فوق، قال الشيخ محيي الدين في «التهذيب» وليسا بصحيحين، والصواب ما قدمته يعني به الضبط الأول، وكذلك يشعر كلام صاحب «المطالع». قال في «المطالع»: واسمه عبد الله، وقال الذهبي في «التجريد»: اسمه عبد الله. المتولون لقبض الصدقة، وأنهم لا يستحقون على قبضها جزاءً منها معلومًا سُبعا أو ثُمنا، وإنما له أجرة عمله على حسب اجتهاد الإمام. ودلت الآية على أن لمن شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله ذَلِكَ كالولاة والقضاة وشبههم، وسيأتي قول من كره ذَلِكَ من السلف في باب: رزق الحكام (١) إن شاء الله تعالى. وفيه من الفقه: جواز محاسبة المؤتمن، وأن المحاسبة تصحح أمانته، وهو أصل فعل عمر في مقاسمة العمال، وإنما فعل ذَلِكَ لما رأى ما قالوه من كثرة الأرباح، وعلم أن ذَلِكَ من أجل سلطانهم، وسلطانهم إنما كان بالمسلمين، فرأى مقاسمة أموالهم نظرًا لهم واقتداء بقوله - عليه السلام -: «أولا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وأُمَّهِ، فَيرى أيُهْدى لَهُ شيءٌ أَمْ لَا؟!» (٢). ومعناه أنه لولا الإمارة لم يهد إليه شيء، وهذا اجتهاد من عمر، وإنما أخذ منهم ما أخذ لبيت مال المسلمين لا لنفسه. وفيه أيضًا: أن العالم إذا رأى متاولًا أخطأ في تأويله خطأً يعم الناس ضرره، أن يعلم الناس كافة بموضع خطئه، ويعرفهم بالحجة القاطعة لتأويله، كما فعل الشارع بابن اللتبية في خطبته للناس كما أسلفناه في الجمعة. وتوبيخ المخطئ وتقديم (الأدون) (٣) إلى الإمارة والأمانة والعمل، وثمَّ من هو أعلى منه وأفقر؛ لأنه - عليه السلام - قدم ابن اللتبية، وثم من صحابته من هو أفضل منه. --------- (١) برقم (٧١٦٣ - ٧١٦٤) كتاب: الأحكام. (٢) سيأتي برقم (٢٥٩٧) من حديث أبي حميد الساعدي. (٣) في الأصل: الأدنونت. والمثبت من (ج). ٦٨ - باب اسْتِعْمَالِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَلْبَانِهَا لأَبْنَاءِ السَّبِيلِ ١٥٠١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ اجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَقَتَلُوا الرَّاعِيَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأُتِيَ بِهِمْ، فَقَطَّعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ، وَتَرَكَهُمْ بِالحَرَّةِ يَعَضُّونَ الحِجَارَةَ. تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَحُمَيْدٌ وَثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ. [انظر: ٢٣٣ - فتح: ٣/ ٣٦٦] ذكر حديث أنس في العُرنيين، ثم قال: تَابَعَهُ أَبُو قِلَابَةَ وَثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ. وقد سلف في الطهارة في باب أبوال الإبل (١). وغرضه هنا -والله أعلم- إثباته وضع الصدقات في صنف واحد ممن ذكر في آية الصدقة، وقد سلف ما فيه. قال ابن بطال: والحجة في هذا الحديث قاطعة؛ لأنه - عليه السلام - أفرد أبناء السبيل بالانتفاع بإبل الصدقة وألبانها دون غيرهم (٢). قُلْتُ: جواب هذا أن للإمام أن يعطي زكاة واحد لواحد إذا رآه -كما أسلفته هناك- وأباحها لهم؛ لأنهم أبناء سبيل. وكره العرنيون المدينة لما أصابهم من الداء في أجوافهم. وفيه: إقامة الحد في حرم المدينة كما قال ابن التين، قال: وقوله: (يعضون الحجارة). هو بالفتح -يعني: بفتح العين- لأن أصله عضِض مثل مس يمس قال: وفيه لغة بضم العين، والقرآن مثل الأول: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ [الفرقان: ٢٧]. ---------- (١) برقم (٢٣٣) كتاب: الوضوء. (٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٨. ٦٩ - باب وَسْمِ الإِمَامِ إِبِلَ الصَّدَقَةِ بِيَدِهِ ١٥٠٢ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو الأَوْزَاعِيُّ، حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إِبِلَ الصَّدَقَةِ. [٥٤٧٠، ٥٥٤٢، ٥٨٢٤ - مَسلم ٢١١٩ (١١٢) - فتح: ٣/ ٣٦٦] ذكر فيه حديث أنس: غَدَوْتُ إِلَى رَسُولِ الله - ﷺ - بِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ليُحَنِّكَهُ (١)، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ المِيسَمُ يَسِمُ إبلَ الصَّدَقَةِ. الشرح: هذا الحديث سلف قطعة منه في الجنائز لما توفي أبو عمير بن أبي طلحة في باب: من لم يظهر حزنه عند المصيبة (٢) وفي لفظ: فإذا هو في مربد الغنم يسمها (٣) قال شعبة: وأكثر علمي أنه قال: «في آذانها»، وأخرجه مسلم أيضًا في اللباس (٤)، وفي رواية لأحمد وابن ماجه: «يسم غنمًا في آذانها» (٥). والميسم مفعل بكسر الميم وفتح السين المهملة: الآلة، والاسم منه: الوسم؛ لأن ياءه واو إلا أنها لما سكنت وكسر ما قبلها قلبت ياء. قال عياض: كذا ضبطناه بالمهملة، وقال بعضهم: بالمعجمة ------------ (١) ورد بهامش الأصل ما نصه: يقال بتشديد النون وتخفيفها حكاهما الهروي. قاله في «المطالع». (٢) سلف برقم (١٣٠١). (٣) رواه مسلم (٢١١٩) كتاب: اللباس والزينة، باب: جواز وسم الحيوان غير الآدمي في غير الوجه … (٤) «صحيح مسلم» (٢١١٩). (٥) «سنن ابن ماجه» (٣٥٦٥)، و«مسند أحمد» ٣/ ١٦٩، ١٧١، ٢٥٩. أيضًا، وبعضهم فرق فقال: بالمهملة في الوجه، وبالمعجمة في سائر الجسد (١)، وفي «الجامع»: الميسم: الحديدة التي يوسم بها، والجمع: مواسم. وأما أحكامه وفوائده: ففيه: أنه - ﷺ - كان يحنك أولاد الأنصار بتمرة يمضغها فيجعلها في حنك الطفل يمصها؛ فيكون أول ما يدخل جوفه ريق رسول الله - ﷺ -، والتمر. والصبي: محنك ومحنوك أيضًا، وعبد الله هذا حملت به أمه في ليلة موت أخيه كما سلف هناك. وفيه: وسم إبل الصدقة، وكذا الجزية، وهو ما عقد له الباب، وفعله الصحابة والتابعون أيضًا والحكمة فيه تمييزها من المِلك وليردها من أخذها ولا يلتقطها، وليعرفها متصدقها فلا يشتريها بعد؛ لئلا يكون عائدًا في صدقته، والغنم ملحق بها كما سلف وكذا البقر. ولا يسم في الوجه فملعون فاعله، كما أخرجه مسلم من حديث جابر (٢). ويسم من البغال والحمير جاعرتيها ومن الغنم آذانها، ووسم عمر بن عبد العزيز الخيل التي حمل عليها في سبيل الله في أفخاذها (٣) وروي أنه - عليه السلام - أمر بوسم الإبل في أفخاذها، في إسناده نظر (٤). أما وسم الآدمي فحرام. ------------- (١) «إكمال المعلم» ٦/ ٦٤٥. (٢) مسلم (٢١١٦ - ٢١١٧). (٣) رواه عنه سعيد بن منصور في «سننه» ٢/ ١٧٠ (٢٤٤٧)، وبنحوه البيهقي ٧/ ٣٦. (٤) رواه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ٢/ ٤٥٥ (١٢٥٦)، وابن قانع في «المعجم» ١/ ١٥٥، والطبراني ٢/ ٢٨٣ (٢١٧٩)، والدارقطني في "المؤتلف = ْوفيه: أن النهي عن المثلة وتعذيب الحيوان مخصوص بهذا، وهذا ألم لا يجحف به. وفيه: أن للإمام أن يتناول ذَلِكَ بنفسه. وفيه: أن للإمام أن يتخذ ميسمًا لخيله ولخيل السبيل، وليس للناس أن يتخذوا مثل خاتمه وميسمه لينفرد السلطان بعلامة لا يشارك فيها، قاله المهلب. وفيه: قصد الطفل أهل الخير والصلاح للتحنيك والدعاء بالبركة، وتلك كانت عادة الناس بأبنائهم في زمن رسول الله - ﷺ - تبركًا بريقه ودعوته ويده. فرع: يستحب أن يكتب في ماشية الزكاة زكاة أو صدقة بإجماع الصحابة، كما نقله ابن الصباغ. خاتمة: انفرد أبو حنيفة فقال: إن الوسم مكروه؛ لأنه تعذيب ومثلة، وقد نهي عن ذَلِكَ، حجة الجمهور هذا الحديث، وغيره من الأحاديث، وأن الشارع باشر فعله. ------------- = والمختلف«٤/ ١٨٧٤ - ١٨٧٥، وأبو نعيم في»المعرفة«٢/ ٦١٥ (١٦٦٦) والبيهقي ٧/ ٣٦. قال الحافظ في»الإصابة«١/ ٢٤٦ قال ابن السكن: لا أعلم له رواية غيره وإسناده غير معروف وقال الهيثمي في»المجمع" ٨/ ١٠٩: رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم. بسم الله الرحمن الرحيم ٧٠ - باب: (١) فَرْضِ صَدَقَةِ الفِطْرِ وَرَأَى أَبُو العَالِيَةِ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ صَدَقَةَ الفِطْرِ فَرِيضَةً. ١٥٠٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّكَنِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَهْضَمٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. [١٥٠٤، ١٥٠٧، ١٥٠٩، ١٥١١، ١٥١٢ - مسلم: ٩٨٤، ٩٨٦ - فتح: ٣/ ٣٦٧] ثم ذكر حديث عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عُمَرَ قال: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلى الصَّلَاةِ. الشرح: أما أثر أبي العالية وابن سيرين فأخرجهما ابن أبي شيبة من حديث وكيع، عن سفيان، عن عاصم، عن أبي العالية- يعني: رفيعا وابن سيرين أنهما قالا: صدقة الفطر فريضة (٢). وأما أثر عطاء فحكاه البيهقي (٣)، وحكاه ابن حزم عن أبي قلابة (٤)، وبه قال جمهور العلماء، وحكى فيه ابن المنذر وغيره الإجماع (٥) عملًا ----------- (١) ليست في الأصول. (٢) «المصنف» ٢/ ٤٣٥ (١٠٧٥٧). (٣) «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٩. (٤) «المحلى» ٦/ ١١٩. (٥) «الإجماع» ص ٥٥. بقول الراوي: (فرض)، (أمر) ثم لم ينه عنه، فبقي فرضًا لازمًا وفي «صحيح الحاكم» وصحح إسناده من حديث ابن عباس أن رسول الله - ﷺ - أمر صارخًا ببطن مكة ينادي: «إن صدقة الفطر حق واجب على كل مسلم» (١). وفي الدارقطني من حديث علي: «هي على كل مسلم» (٢) وهو الصحيح عندنا والمشهور عند المالكية. وحكى أصحاب داود خلافًا فيها. وحديث قيس بن عبادة: كنا نصوم عاشوراء ونؤدي زكاة الفطر، فلما نزل رمضان ونزلت الزكاة لم نؤمر به، ولم ننه عنه، ونحن نفعله، رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين (٣). لا يدل على سقوط فرضها؛ لأن نزول فرض لا يوجب سقوط آخر لا يقال: على (٤) بمعنى (عن)؛ لأن الموجب عليه غير الموجب عنه. وسماها أبو حنيفة واجبة على قاعدته في الفرق بين الواجب والفرض، قيل: وخالف أصله فجعل زكاة الخيل فريضة، والتجارة فريضة، والخلاف فيه أظهر من هذا، فالإجماع إذن على وجوبها، وإن اختلفوا في تسميتها، وأغرب من قال بأنها نسخت بالزكاة، قاله ------------ (١) «المستدرك» ١/ ٤١٠. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٨. (٣) قلت: بل رواه النسائي ٥/ ٤٩، وابن ماجه (١٨٢٨)، والحاكم ١/ ٤١٠، من حديث قيس بن سعد بن عبادة. وصححه ابن خزيمة (٢٣٩٤)، وقال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٢٦٧: إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح، إلا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وقد وثقه وابن معين. (٤) في هامش الأصل: يعني في الحديث الذي ساقه البخاري. بعض أهل العراق، وتأول قول الراوي: (فرض) أي: قدر كما في قوله: ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠] بعد آيات الصدقات، وجعلها مالك وغيره داخلة في آية الزكاة، ومن جعلها خارجة عنها يرده قوله: «أمرت أن آخذ صدقة الفطر من أغنيائكم» فصدقة الفطر تجب على غير الأغنياء، والإجماع قائم على لزومها عن الزوجة والخادم وولده الفقراء، ولا زكاة عليهم، فكأنها خارجة عن ذَلِكَ، وعند أبي حنيفة: لا تسمى زكاة، والحديث يرده. واختلف العلماء في وجوبها على الفقير، ومشهور مذهب مالك وجوبها على من عنده قوت يومه معها. وقيل: على من لا تجحف به. وقيل: إنما تجب على من لا يحل له أخذها وقيل: آخذ الزكاة قال ابن وهب: ومن وجد من يسلفه فليستسلف، وخالفه ابن حبيب، وعن مالك: إذا أدى الفقير زكاة الفطر فلا أرى أن يأخذ منها، ثم رجع فأجازه عند الحاجة (١). وقال الشافعي: إذا فضل عن قوته وقوت ممونه مقدار زكاة الفطر، وهو قول أحمد، وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس على من يحل له أخذها حتَّى يملك مائتي درهم (٢)، واحتج بقوله - عليه السلام -: «أمرتُ أنْ آخذَ الصَّدقةَ مِنْ أغنيائكُم، وأردّها في فقرائِكُم» وهذا فقير، فوجب صرفها إليه، ولا تؤخذ منه، وقال: «خيرُ الصَّدقةِ ما كانَ عن ظهرِ غِنى» (٣)، فنفاها عن الفقير، حجة الأول: إطلاق الأحاديث ولم يخص من له نصاب، --------- (١) «المدونة» ٢/ ٢٨٩، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٠٣ - ٢٠٤، «عيون المجالس» ٢/ ٥٦٨ (٢) «المبسوط» ٣/ ١٠٢، «الأم» ٢/ ٥٤، «المغني» ٤/ ٣٠٧. (٣) سلف من حديث حكيم بن حزام برقم (١٤٢٧) باب: لا صدقة إلا عن ظهر غنى. وقال: «أغنُوهم عن طوافِ هذا اليوم» (١) والمخاطب غني بفوت يومه، ولم يفرق بين أن يكون المأمور غنيًا أو فقيرًا، وأيضًا فإن زكاة الفطر حق في المال لا يزداد بزيادة المال، ولا يفتقر إلى نصاب أصله الكفارة، وفي «فضائل رمضان» لابن شاهين، وقال: غريب جيد الإسناد من حديث جرير مرفوعًا: «شهر رمضان معلق بين السماء والأرض فلا يرفع إلى الله -عز وجل- إلا بزكاة الفطر» (٢)، وروينا عن وكيع بن الجراح: صدقة الفطر لرمضان كسجدتي السهو للصلاة لجبر النقصان. ------------ (١) رواه الدارقطني ٢/ ١٥٣، والبيهقي ٤/ ١٧٥ من طريق أبي معشر عن نافع عن ابن عمر. وأشار البيهقي إلى تضعيفه بأبي معشر وضعفه ابن حزم في «المحلى» ٦/ ١٢١، والنووي في «المجموع» ٦/ ٨٥، والمصنف في «البدر المنير» ٥/ ٦٢٠ - ٦٢١، والحافظ في «الفتح» ٣/ ٣٧٥، وفي «بلوغ المرام» (٦٤٨)، والألباني في «الإرواء» (٨٤٤). (٢) قلت: كذا عزاه المنذري في «الترغيب والترهيب» ٢/ ٩٧ (١٦٥٣) ويبدو -والله أعلم- أن المصنف قد تبعه في هذا العزو، قال العلامة الألباني رحمه الله: في ثبوت هذا النص في كتاب ابن شاهين المذكور نظر؛ فإني قد راجعت «فضائل رمضان» له في نسخة خطية جيدة في المكتبة الظاهرية بدمشق فلم أجد الحديث فيه مطلقًا. ثم عزا الحديث إلى أحمد بن عيس المقدسي في «فضائل جرير» ونقل عنه أنه قال: رواه أبو حفص بن شاهين. فلعل ابن شاهين ذكر ذلك في غير «فضائل رمضان» أو في نسخة أخرى منه، فيها زيادات على التي وقفت عليها. اهـ «الضعيفة» ١/ ١١٧ - ١١٨. قلت: لعله في «الترغيب والترهيب» لابن شاهين؛ هذا عزاه السيوطي في «الجامع الصغير» (٤٩٢٥)، والهندي في «كنز العمال» ٨/ ٤٦٦ (٢٣٦٨٧)، ٨/ ٥٥١ (٢٤١٢٤)، والحديث رواه ابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٨ (٨٢٤) وقال: حديث لا يصح. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٤٣). فائدة: المشهور أنها فرضت في السنة الثانية من الهجرة عام فرض رمضان، وهل وجبت لعموم آي الزكاة أم لغيرها؟ وذلك الغير هل هو الكتاب، وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤] أو السنة؟ فيه خلاف لأصحابنا، حكاه الماوردي (١). وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري هنا، وترجم عليه بعده باب: صدقة الفطر على العبد وغيره من المسلمين (٢). ثم ساقه من حديث مالك، عن نافع، عن ابن عمر به، وترجم عليه بعدُ باب: صدقة الفطر صاعًا من تمر، ثم ساقه من حديث الليث، عن نافع عنه: أمر رسول الله - ﷺ - بزكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير قال عبد الله: فجعل الناس عدله مدَّين من حنطة (٣) ثم ترجم عليه بعدُ بابُ: الصدقة قبل العيد، ثم ساقه من حديث موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - أمر بزكاة الفطر قبل خروج الناس إلى الصلاة (٤). ثم ترجم عليه بعدُ باب: صدقة الفطر على الحر والمملوك من حديث حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عنه (٥). ثم ترجم عليه بعدُ باب: صدقة الفطر على الصغير والكبير، ثم ساقه من حديث يحيى، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر (٦)، وهو حديث ------------ (١) «الحاوي» ٣/ ٣٤٨. (٢) سيأتي برقم (١٥٠٤). (٣) سيأتي برقم (١٥٠٧). (٤) سيأتي برقم (١٥٠٩). (٥) سيأتي برقم (١٥٠٩). (٦) سيأتي برقم (١٥١٢). صحيح أخرجه مسلم والأربعة (١)، وأخرجه البيهقي من حديث مسدد عن يحيى، وقال: عن الصغير والكبير قال: وكذا قاله عباس النرسي، عن يحيى (٢). ولم ينفرد مالك بقوله في الحديث: «من المسلمين» كما قاله أبو قلابة عبد الملك بن محمد، والترمذي وغيرهما (٣) بل تابعه عليها جماعات بعضها في البخاري وبعضها في مسلم وبعضها في غيرهما. وقد أوضحت الكل في تخريجي لأحاديث الرافعي (٤) و«المقنع في علوم الحديث» (٥) فراجعه من ثم، فإن بعضهم ذكر اثنين من ذَلِكَ وأهمل الباقي، ولو انفرد به مالك لكان حجة عند أهل العلم، فكيف ولم ينفرد به؟ وهناك: من تابعه عمر بن نافع في الباب، الضحاك بن عثمان في مسلم، عبيد الله بن عمر صحح الحاكم إسناده (٦)، وقال أحمد في رواية صالح: والعمل عليه. وعبد الله بن عمر في الدارقطني (٧)، وابن الجارود في «منتقاه». وكثير (٨) بن فرقد، وصححه الحاكم على شرط الشيخين. والمعلى بن إسماعيل في الدارقطني، وصححه ----------- (١) «صحيح المسلم» (٩٨٤) كتاب: الزكاة، باب: زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير، «سنن أبي داود» (١٦١١، ١٦١٣ - ١٦١٤)، «سنن الترمذي» (٦٧٥)، «سنن النسائي» ٥/ ٥٠، «سنن ابن ماجه» (١٨٢٥ - ١٨٢٦). (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٦٠. (٣) «سنن الترمذي» (٦٧٦). وورد في هامش الأصل ما نصه: وقد رواه الترمذي في «العلل» آخر كتابه ولم يصرح بتفرد مالك بها مطلقًا كما قاله ابن الصلاح. (٤) «البدر المنير» ٥/ ٦١٤ - ٦١٨. (٥) «المقنع» ١/ ١٩٦ - ٢٠٨. (٦) «المستدرك» ١/ ٤١٠. (٧) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٩. (٨) ورد في هامش الأصل ما نصه: وأخرج متابعا كثير الدارقطني وقتيبة أيضًا. ابن حبان (١)، وأيوب في «صحيح ابن خزيمة» (٢). وقال ابن عبد البر: رواه حماد بن زيد والمحفوظ من روايته ورواية غيره (٣): صدقتها، ويونس بن يزيد عند الطحاوي في «مشكله» (٤) من حديث يحيى بن أيوب عنه، وابن أبي ليلى في الدارقطني (٥). وفيه رد على قول ابن عبد البر أن ابن أبي ليلى رواه عن نافع بدونها، ويحيى بن سعيد، وموسى بن عقبة، وأيوب بن موسى في البيهقي (٦). فهؤلاء اثنا عشر تابعوه فلله الحمد. ومن ضعيف الباب عند الدارقطني من حديث ابن عباس: «يهودي أو نصراني نصف صاعٍ من برٍّ، أو صاع من تمر، أو صاع من شَعير» ومن حديث ابن عمر مثَله (٧)، وللطحاوي في «المشكل» عن أبي هريرة بإسناد فيه ابن لهيعة أنه كان يخرجها عن كل إنسان يعول ولو كان نصرانيًّا (٨). وللدارقطني من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: ------------ (١) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٩٤ - ٩٥. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٨١ (٢٣٩٣). (٣) «التمهيد» ٧/ ١١٩ - ١٢٠. (٤) «مشكل الآثار» ٩/ ٢١ (٣٣٩٨). (٥) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٩. (٦) قال الحافظ في «الفتح» ٣/ ٣٧٠: وذكر شيخنا سراج الدين ابن الملقن في شرحه تبعًا لمغلطاي أن البيهقي أخرجه من طريق أيوب بن موسى، وموسى بن عقبة، ويحيى بن سعيد، ثلاثتهم عن نافع، وفيه الزيادة، وقد تتبعت تصانيف البيهقي فلم أجد فيها هذِه الزيادة من رواية أحد من هؤلاء الثلاثة. انتهى. (٧) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٥٠، وقال: سلام الطويل متروك الحديث ولم يسنده غيره. (٨) رواه الطحاوي في «مشكل الآثار» كما في «تحفة الأخيار» ٣/ ١٠٣ (١٥٤٥)، ٣/ ١٢١ (١٥٧٤). «مدان من قمح أو صاع مما سواه من الطعام» (١). وقال الترمذي: حسن غريب (٢). ومن حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده: «أو صاع من زبيب، أو صاع من أقط» وأخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» (٣)، ومن حديث جابر: «مُدّان من قمحٍ أو صاع من تمرٍ أو شعيرٍ» (٤). وللحاكم في «تاريخه» من حديث مالك بن أوس بن الحدثان، عن أبيه مرفوعًا: «أعطوا صدقةَ الفطرِ صاعًا من طعام» ثم قال: وطعامهم يومئذ الحنطة والشعير والزبيب والأقط. وله في «مستدركه»، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٥). ولابن خزيمة في «صحيحه» أيضًا عن أسماء أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله - ﷺ - بالمد الذي يقتات به أهل البيت، أو الصالح الذي يقتاتون به ينقل ذَلِكَ أهل المدينة كلهم (٦). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام في مواضع: الأول: أضيفت هذِه الزكاة إلى الفطر؛ لأنها تجب بالفطر من رمضان وزكاة ------------ (١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٤١. (٢) «سنن الترمذي» عقب الرواية (٦٧٤). (٣) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ٨٧. (٤) رواه عبد الرزاق ٣/ ٣١٥ (٥٧٧٢) باب: زكاة الفطر والدارقطني: ٢/ ١٥١ كتاب: زكاة الفطر. (٥) «المستدرك» ١/ ٤١٠. (٦) «صحيح ابن خزيمة» ٨٤/ ٤ (٢٤٠١) باب: ذكر الدليل على أن زكاة رمضان بصاع النبي - ﷺ - .... الفطرة أي: الخلقة، قال الله تعالى: ﴿فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] فكأنه يريد: الصدقة عن البدن والنفس، شرعت تزكية للنفس وتطهيرًا لها وتنمية لعملها، فيزول الرفث واللغو ولإغناء الفقراء. الثاني: متى تجب؟ عندنا ثلاثة أقوال: أصحها بأول ليلة العيد. وثانيها: بطلوع الفجر. وثالثها: بهما. وعند المالكية أربعة أقوال: مشهورها: ليلة الفطر، وطلوع الفجر يومه، وطلوع الشمس، وما بين الغروبين (١)، وفائدته فيمن ولد أو مات أو أسلم أو بيع فيما بين ذَلِكَ. وعبارة ابن بزيزة: تجب بالغروب. وقيل: بطلوع فجر يوم الفطر، وقيل: تجب وجوبًا موسعًا بين الوقتين المذكورين وعند الحنفية: تجب وقت طلوع الفجر الثاني من يوم الفطر (٢) ومعرفة وقت أدائها يوم الفطر من أوله إلى آخره، وبعده يجب القضاء عند بعضهم، والأصح عندهم أن تكون أداء وتجب وجوبًا موسعًا، وفي «الذخيرة»: لا يسقط بالتأخير ولا بالافتقار بعد وجوبها، وقال عبد الملك المالكي: آخر وقتها زوال يوم الفطر (٣). الثالث: اختلف في تقديمها، فعندنا: يجوز في كل رمضان. وقيل: وقبله. وقيل: بطلوع فجر أول رمضان وعن أبي حنيفة: يجوز لسنة وسنتين. وعن خلف بن أيوب: تجوز لشهر. وفي «الذخيرة»: لا تجوز بأكثر من يوم أو يومين كمذهب أحمد (٤). ----------- (١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٠٧. (٢) «بدائع الصنائع» ٢/ ٧٤. (٣) انظر «الذخيرة» ٣/ ١٥٧ - ١٦٠. (٤) الموضع السابق. وقيل: بنصف الشهر كتعجيل أذان الفجر من نصف الليل. وقال الحسن بن زياد: يجوز تعجيلها قبل وقت وجوبها. وعند المالكية في جواز تقديمها بيوم إلى ثلاثة حكايته قولين. الرابع: صاع رسول الله - ﷺ - خمسة أرطال وثلث بالبغدادي تقريبًا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه ثمانية أرطال، وفيه حديث في الدارقطني من حديث أنس (١) وعائشة (٢) وهما ضعيفان، ورجع أبو يوسف إلى الأول وهو قول الشافعي والجمهور. الخامس: جنس المخرج: القوت المعشر، وهو: البر والشعير والتمر والزبيب، وما أشبهها، بعضها بالنص وبعضها بالقياس بجامع القوت، وأبعد من قال: لا يجزئ البر ولا الزبيب ولا يلتفت إليه، والمنصوص عليه في حديث ابن عمر الذي ذكرناه: التمر والشعير. وفي حديث أبي سعيد فيه: الأقط يأتي، والزبيب يأتي أيضًا (٣)، وفي أبي داود: الحنطة ثم قال: وليس بمحفوظ (٤). وقال الحاكم: صحيح (٥)، وكذا ابن حبان قال: وهي تفسر الطعام فيه (٦). وفي الحاكم: السلت. ثم صححه (٧)، وخالفه ابن عبد البر، قال ----------- (١) «سنن الدارقطني» ١/ ٩٤، ٢/ ١٥٣. (٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٨. (٣) سيأتي برقم (١٥٠٦) باب: صدقة الفطر صاعًا من تمر. (٤) «سنن أبي داود» (١٦١٦). (٥) «المستدرك» ١/ ٤١٠ - ٤١١. (٦) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٩٦ (٣٣٠٣). (٧) «المستدرك» ١/ ٤٠٩. أبو داود: ووَهِم سفيان بن عيينة في ذكره الدقيق (١) والمشهور عند المالكية إجزاء القطاني والتين والسويق واللحم واللبن، وفي الدقيق يزكى به قولان لهم، والجمهور على إجزاء الأقط، وبه قال مالك خلافًا للحسن، وانفرد أبو حنيفة بإجزاء القيمة. السادس: أجمع العلماء كما قال أبو عمر على أن الشعير والتمر لا يجزئ من أحدهما إلا صاع كامل. السابع: ضابط من يؤدي عند الشافعي كما سلف والجمهور: من ملك فاضلًا عن قوته وقوت عياله يوم العيد. واعتبر أبو حنيفة النصاب. وقال سفيان: من له خمسون درهمًا وجبت عليه، وقال بعضهم: من له أربعون، ومشهور مذهب مالك وجوبها على من عنده قوت يومه معها، وقيل: إنما تجب على من لا يجحف به إخراجها، وقيل غير ذَلِكَ مما أسلفناه. وقوله: (على العبد) تعلق به داود في وجوبها عليه، وأن السيد يجب عليه أن يمكنه من كسبه كما يمكنه مق صلاة الفرض، ومذهب الجماعة وجوبها على السيد حتَّى لو كان للتجارة، وهو مذهب مالك والليث والأوزاعي والشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال عطاء والنخعي والثوري والحنفيون: إذا كان للتجارة لا تلزمه فطرته. فرع: لا تجب على المكاتب عند الجمهور، وعن مالك قولان: قيل: في كسبه، وقيل: يخرجها سيده، وهو خلاف للشافعية أيضًا، ولا يجب ------------- (١) «سنن أبي داود» عقب الرواية (١٦١٨). ![]()
__________________
|
|
#302
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (10) من صـــ 631 الى صـــ 649 الحلقة (302) على السيد عند أبي حنيفة والشافعي وأحمد، وقال ميمون بن مهران وعطاء وأبو ثور: يؤدي عنه سيده. وكان ابن عمر له مكاتب لا يؤدي عنه، وفي رواية مكاتبان أخرجهما البيهقي (١). الثامن: ضابط من يؤدي عنه كل من وجبت عليه نفقته، هذا هو الأصل الممهد ويستثنى منه مسائل محل بسطها كتب الفروع، فالزوج تجب نفقة الزوجة عليه وكذا فطرتها وفاقًا لمالك في أصح قوليه وإسحاق، وخالف أبو حنيفة والثوري وابن المنذر عملًا بقوله: على كل ذكر وأنثى. حجة الأول: حديث ابن عمر: أنه - عليه السلام - أمر بصدقة الفطر عن الصغير والكبير، الحر والعبد ممن تمونون. أخرجه البيهقي من هذا الوجه (٢) والشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد، عن أبيه (٣)، والدارقطني من حديث علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن جده، عن آبائه (٤). ورواه حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي، كلهم رفعوه (٥). وانفرد داود فقال: لا يخرج أحد زكاة الفطر عن أحد غيره لا ولد، ولا غيره. وظاهر الحديث وجوب إخراجها عمن ذكر وإن كان لفظة (على) تقتضي الوجوب عليهم، تفهم (٦) ظاهرًا، واختلف أصحابنا هل -------- (١) «السنن الكبرى» ٤/ ١٦١. (٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٦١، وقال إسناده غير قوي، وقال الذهبي في «المهذب» ٣/ ١٥٢٢ (٦٧٥٧) إسناده لين. (٣) «مسند الشافعي» ١/ ٢٥١ (٦٧٦). (٤) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٤٠. (٥) رواه البيهقي ٤/ ١٦١. (٦) كلمة غير واضحة بالأصل، ولعل ما أثبتناه يوافق السياق. وجبت على المخرج أصالة أو تحملًا؟ والأصح ثانيهما. فرع: يخرج عن البادي كالحاضر خلافًا للزهري ومن وافقه في اختصاصها بالحاضرة وأهل القرى. التاسع: الجمهور على وجوبها على الصغير وإن كان يتيمًا، خلافًا لمحمد بن الحسن وزفر، وإن كان له مال كما حكاه عنهما ابن بزيزة قالا: فإن أخرجها عنه ضمن. وأصل مذهب مالك وجوب الزكاة على اليتيم مطلقًا، وفي «الهداية» للحنفية: يخرج عن أولاده الصغار، فإن كان لهم مال أدى من مالهم عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافًا لمحمد، وقال الحسن فيما حكاه ابن بزيزة: هي على الأب فإن أعطاها من مال الابن فهو ضامن، قال: والجمهور أنها غير واجبة على الجنين، ومن شواذ الأقوال وجوبها عنه، روينا ذَلِكَ عن عثمان بن عفان وسليمان بن يسار. قُلْتُ: وبه قال أحمد، وفي «المصنف»: حَدَّثَنَا عبد الوهاب الثقفي، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: كانوا يعطون حتَّى عن الحمل (١). قال ابن بزيزة: وقال قوم من سلف العلماء: إذا كمل الجنين في بطن أمه مائة وعشرين يومًا قبل انصداع الفجر من ليلة الفطر وجب إخراجها عنه، كأنه اعتمد على حديث ابن مسعود: «إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا» (٢). -------------- (١) «المصنف» ٢/ ٤٣٢ (١٠٧٣٨). (٢) سيأتي برقم (٣٢٠٨) كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة. العاشر: قوله: (من المسلمين) أخذ بها الشافعي ومالك وأحمد وأبو ثور وابن المنذر، وقبلهم سعيد بن المسيب والحسن فقالوا: لا تؤدى إلا عن مسلم؛ لأنها طهرة وبركة. والكافر ليس من أهلها. وقال أبو حنيفة وإسحاق وجماعة من السلف، منهم النخعي ومجاهد وسعيد بن جبير والثوري وسائر الكوفيين: يجب على السيد إخراج الفطرة عن عبده الكافر. وتأول الطحاوي قوله: (من المسلمين) على أن المراد بالمسلمين: السادة دون العبيد، وما أبعده (١)، وقد أسلفنا أن مالكًا لم ينفرد بها، وأبعد بعضهم فقال: إنها زيادة مضطربة وقد خولف فيها نافع عن ابن عمر، وقول ابن بزيزة: لا شك أنها زيادة مضطربة من جهة الإسناد والمعنى؛ لأن ابن عمر راويه كان من مذهبه إخراج الزكاة عن العبد الكافر، والراوي إذا خالف ما روى كان تضعيفًا لروايته، كذا قال علماؤنا. عجيب فلا اضطراب، والعبرة عند الجمهور بما روى لا بما رأى، وغير ابن عمر رواها أيضًا كما سلف، ولعل ما أعطاه ابن عمر عنهم كان تطوعًا وممن قال: يؤدي عن عبيده الكفار: عطاء، أخرجه ابن أبي شيبة بإسناد جيد (٢). -------------- (١) ورد بهامش الأصل: قوله: وما أبعده. بل ما أقربه؛ لأن العبيد لا يملكون شيئًّا، ولا يجب عليهم شيء عند جماهير الأئمة، إلى وصفهم بالإسلام الذي هو مناط التكليف، والأحاديث عامة على الإطلاق الشامل للمسلمين من العبيد وغيرهم، وقد صرح بذلك في بعض الأحاديث. (٢) «المصنف» ٢/ ٣٩٩ (١٠٣٧٥). وأخرج أيضًا بسنده عن إسماعيل بن عياش ثنا عمرو بن المهاجر، عن عمر بن عبد العزيز قال: يعطي الرجل عن مملوكه ولو كان نصرانيًّا زكاة الفطر (١). والأصح عندنا أنه لا يلزم المسلم فطرة العبد والقريب والزوجة الكفار. الحادي عشر: قوله: (وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة). قيس أن ذَلِكَ هو السنة، والبدار بها أول النهار أولى، وروي عن ابن عباس وابن عمر وعطاء (٢)، وهو قول مالك والكوفيين. قال سعيد بن المسيب وعمر بن عبد العزيز في قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (١٥)﴾ [الأعلى:١٤، ١٥] قال: هي صدقة الفطر (٣)، وقال ابن مسعود: من إذا خرج إلى الصلاة تصدق بشيء (٤). وقال عطاء: الصدقات كلها (٥). وقال ابن عباس: تزكى من الشرك (٦). وقال: معناه قد أفلح من قال لا إله إلا الله. وتأخيرها عن الصلاة مكروه عند أبي الطيب تارك للأفضل عند البندنيجي من أصحابنا غير مجزئ عند بعض العلماء حكاه ابن التين، ويحرم تأخيرها عن يومه. وقد ورد في الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر مرفوعًا: ------------ (١) «المصنف» ٢/ ٣٩٩ (١٠٣٧٣). (٢) رواه عنهم ابن أبي شيبة ٢/ ٣٩٥ (١٠٣٢٣ - ١٠٣٢٤). (٣) «السنن الكبرى» للبيهقي ٤/ ١٥٩ عن سعيد، ٤/ ١٧٥ عن عمر. (٤) ذكره ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ١٠/ ٣٤١٨ (١٩٢٤١). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٢١ (٥٧٩٦). (٦) رواه الطبري في «تفسيره» ١٢/ ٥٤٦ (٣٦٩٨٤). «أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم» (١) ويلزمه قضاؤها مع ذلك لإخراجها عن الوقت، نعم لو أخرت لانتظار قريب أو جار لم أكرهه كما قالوه في زكاة المال ما لم يخرج الوقت. وقيل لأحمد فيما حكاه في «المغني»: إن أخرجها ولم يعطها؟ قال: نعم، إذا أعدها لقوم. وحكاه ابن المنذر أيضًا عن أحمد قال: واتباع السنة أولى. ولو تلف المؤدى عنه قبل إمكان الأداء، فالأصح بقاء الوجوب بخلاف تلف المال قبله على الأصح، كزكاة المال. وقال ابن المواز: لو هلكت ضمنها. وروى ابن عمر أنه - عليه السلام - كان إذا انصرف من الصلاة قسمها بينهم، وعن ابن سيرين والنخعي الرخصة في تأخيرها عن يوم العيد، وقال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس. وصح من حديث ابن عباس: فرض رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث، وطعمة للمساكين، من أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات. رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم وقال: صحيح على شرط البخاري (٢). ------------- (١) تقدم تخريجه قريبًا. (٢) «سنن أبي داود» (١٦٠٩)، «سنن ابن ماجه» (١٨٢٧)، «المستدرك» ١/ ٤٠٩، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٢٧). ٧١ - باب صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى العَبْدِ وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْلِمِينَ ١٥٠٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَرَضَ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ، ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى، مِنَ المُسْلِمِينَ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٤، ٩٨٦ - فتح: ٣/ ٣٦٩] ذكر فيه حديث ابن عمر، وقد سلفَ، وادعى ابن بطال أن ظاهره إيراد لزومها على العبد (١)، وقد سلف ما فيه. ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٦٣. ٧٢ - باب صدقة الفطر صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ ١٥٠٥ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. [١٥٠٦، ١٥٠٨، ١٥١٠ - مسلم: ٩٨٥ - فتح: ٣/ ٣٧١] ذكر فيه حديث سفيان عن زيد بن أسلم عن عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عن أبي سعيد: كُنَّا نُطْعِمُ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. هذا الحديث كرره في الباب، أخرجه مرة من حديث سفيان، عن زيد، ومرة عن مالك عن زيد، ومرة عن أبي عمرو وحفص بن ميسرة، وكل ذلك يأتي، وأخرجه مسلم والأربعة (١)، وإجزاء الشعير مُجمع عليه. -------------- (١) مسلم (٩٨٥)، أبو داود (١٦١٨، ١٦١٦)، الترمذي (٦٧٣)، النسائي ٥/ ٥١ - ٥٢، ابن ماجه (١٨٢٩). ٧٣ - باب صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ١٥٠٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ العَامِرِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يَقُولُ كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. [انظر: ١٥٠٥ - مسلم: ٩٨٥ - فتح: ٣/ ٣٧١] ذكر فيه حديث مَالِك، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عِيَاضِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ يَقُولُ: كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ. هذا الحديث أخرجه مسلم والأربعة أيضًا (١)، وهو ملحق بالمسند عند المحققين من الأصوليين؛ لأن هذا لا يخفي عنه - ﷺ -، ولا يذكره الصحابي في معرض الاحتجاج إلا وهو مرفوع، وفي مسلم: كنا نخرج إذ كان فينا رسول الله - ﷺ - زكاة الفطر فذكره فصرح برفعه، والطعام هنا البر كما سلف والأقط بفتح الهمزة وكسر القاف ويجوز إسكان القاف مع فتح الهمزة وكسرها (٢) كنظائره وهو لبن يابس غير منزوع الزبد. وفيه: إجزاء الأقط، وهو قول الجمهور كما سلف وطَعنُ ابن حزم في الحديث لا يقبل كما أوضحته في «تخريج أحاديث الوسيط» فراجعه منه. ولا فرق في إجزائه بين أهل الحاضرة والبادية، وعنده -أعني: ابن ----------- (١) تقدم تخريجه في الحديث السالف. (٢) ورد بهامش الأصل: وذكر في القاموس أيضًا: أقَطَ، وأقُط، وأقِطِ، وأقُطْ، فهي سبع لغات. حزم- لا يجزئ إلا التمر والشعير خاصة قال: لا يخرج في زكاة الفطر إلا التمر والشعير خاصة (١)، ورد الأحاديث التي فيها زيادة على هذين الجنسين فقال: احتجوا بأخبار فاسدة لا تصح، منها: حديث أبي سعيد هذا، ومنها حديث ثعلبة بن صُعير عن أبيه: «صاعًا من بر (٢)»، ثم ضعفه بالنعمان بن راشد واضطرابه. وقد رواه مرة فلم يذكر البر، وذكر التمر والشعير، وهو أحسن حديث في الباب، ولا يحتج به لجهالة عبد الله بن ثعلبة بن صعير، ثم ادعى أنه ليس له صحبة، وهو غريب فقد ذكره في الصحابة أبو عمر (٣) وغيره، وروى عنه سعد بن إبراهيم وغيره، فلا جهالة إذن، ثم روي من طريق عمرو بن شعيب وفيه: «مدان من حنطة --------------- (١)»المحلى«٦/ ١١٨. (٢) رواه أبو داود (١٦١٩) باب: من روى نصف صاع من قمح، وأحمد ٥/ ٤٣٢، وابن أبي عاصم في»الآحاد والمثاني«١/ ٤٥١ (٦٢٨)، والطحاوي في»شرح معاني الآثار«٢/ ٤٥، والدارقطني ٢/ ١٤٧ - ١٤٨، والبيهقي ٤/ ١٦٧، وابن الأثير في»أسد الغابة«١/ ٢٨٩ (٦٠٤). روي هذا الحديث على اختلاف في اسم صحابيه، لذا قال الحافظ في»الدراية«١/ ٢٦٩: وحاصله الاختلاف في اسم صحابيه، فمنهم من قال: عبد الله بن ثعلبة، فقيل عبد الله بن ثعلبة بن صُعير، وقيل: ابن أبي صُعير، وقيل: ثعلبة، وقيل: ثعلبة بن عبد الله بن أبي صُعير. انظر:»أسد الغابة«١/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (٦٠٤)،»تهذيب الكمال«٤/ ٣٩٤ - ٣٩٥ (٨٤٣)،»تهذيب الكمال«١/ ٢٧٢،»تقريب التهذيب«ص ١٣٤ (٨٤٢). ضعفه الألباني من طريق النعمان بن راشد، وقال: والنعمان بن راشد فيه ضعف، لكنه صححه من طريق آخر في»السلسلة الصحيحة«٣/ ١٧٠ - ١٧٢ (١١٧٧). وضعفه أيضًا في»ضعيف أبي داود«برقم (٢٨٧) قائلًا: إسناده ضعيف؛ لسوء حفظ النعمان بن راشد، والشطر الأول منه قد توبع عليه ولذلك أوردته في»الصحيحة«. (٣)»الاستيعاب" ٣/ ١٢ (١٤٩٦). أو صاع مما سوى ذَلِكَ من الطعام»، ثم قال: وهذا مرسل (١). قُلْتُ: ووصله الدارقطني، عن أبيه، عن جده، وكذا الترمذي، وقال: حسن غريب (٢). ------------ (١) «المحلي» ٦/ ١٢١. (٢) «سنن الترمذي» (٦٧٤)، «سنن الدارقطني» ٢/ ١٤١، وضعفه الألباني في «ضعيف الترمذي» (١٠٧). ٧٤ - باب صَدَقَةِ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ ١٥٠٧ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ قَالَ: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِزَكَاةِ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. قَالَ عَبْدُ اللهِ - رضي الله عنه -: فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٤ - فتح: ٣/ ٣٧١] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَمَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِزَكَاةِ الفِطْرِ، صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ. وقَالَ عَبْدُ الله: فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ. وقد سلف، والذي عدل بذلك هو معاوية كما ستعلمه في الباب بعده لا كبار الصحابة كما قال ابن بطال (١). وقال ابن عبد البر: روي أن عمر هو فاعل ذَلِكَ، وقيل: كان في زمن معاوية ولئن كان كذلك فكان إذ ذاك الصحابة متوافرين، ولا يجوز عليهم الغلط في مثل ذَلِكَ (٢)، ولم يقل به معاوية في كل بُرٍّ، وإنما قاله في سمراء الشام؛ لما فيها من الريع، كما نبه عليه القاضي (٣)، وأخذ به أبو حنيفة والثوري وجماعة من السلف من الصحابة والتابعين أنه يخرج نصف صاع بر؛ لأحاديث فيه ضعيفة، وأنكرها مالك (٤). قال ابن المنذر: وروي عن أبي بكر وعثمان ولا يثبت عنهما، وروي عن علي وابن عباس وابن مسعود وجابر وأبى هريرة وابن الزبير ومعاوية وأسماء، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس ومجاهد وعمر بن ------------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٦٥. (٢) «التمهيد» ٤/ ١٣٦. (٣) «إكمال المعلم» ٣/ ٤٨٢. (٤) «المبسوط» ٣/ ١٠١. عبد العزيز، وروي ذَلِكَ عن سعيد بن جبير وعروة وأبي سلمة وابن المبارك وأبي قلابة وعبد الله بن شداد ومصعب بن سعد. قُلْتُ: والليث والأوزاعي، واختلف عن علي وابن عباس فروي عنهما القولان جميعًا. قُلْتُ: ورواه أبو داود عن عمر وَوُهِّيَ (١)، وذهب الجمهور (٢) إلى إخراج صاع كامل فيه، ولهذا قال أبو سعيد: أما أنا فلا أزال أخرجه كما كنت أخرجه. وممن ذهب إليه الحسن البصري وأبو العالية وجابر بن زيد ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق. فرع: يتعين عندنا غالب قوت البلد، وقيل: قوته، وقيل: يتخير بين الأقوات لظاهر (أو) المذكورة، وأجاب الأول بأنها للتنويع كما في قوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، ويجزئ الأعلى عن الأدنى، والاعتبار بزيادة الاقتيات لا القيمة في الأصح، وكان - ﷺ - لا يخرج إلا التمر؛ لأنه غالب قوت المدينة. قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين (٣). ولا يجزئ ببلدنا مصر إلا البر؛ لأنه غالب قوتهم، وذكر عبد الرزاق، عن ابن عباس قال: من أدى تمرًا قبل منه، ومن أدى شعيرًا قبل منه، ومن أدى سلتًا قبل منه صاع صاع (٤). ---------- (١) «سنن أبي داود» (١٦١٤)، وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٢٨٣): رجاله ثقات، لكن ذكر عمر فيه منهم من أبي رواد ..، الصواب: أنه معاوية بن أبي سفيان. (٢) ورد بهامش (م): بل الجمهور هم الذين قد سلف ذكرهم - رضي الله عنهم - دون غيرهم فتأمل. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٠٩ - ٤١٠. وصححه ابن خزيمة ٤/ ٨٠ (٢٣٩٢). (٤) «مصنف عبد الرزاق» ٣/ ٣١٣ (٥٧٦٧). ٧٥ - باب صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ ١٥٠٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُنِيرٍ، سَمِعَ يَزِيدَ العَدَنِيَّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ قَالَ: حَدَّثَنِي عِيَاضُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. [انظر: ١٥٠٥ - مسلم: ٩٨٥ - فتح: ٣/ ٣٧٢] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنْ زيدِ [عن عِيَاض] (١)، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ - ﷺ - صَاعًا مِنْ طَعَام، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرِ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوَيةُ وَجَاءَتِ السَّمْرَاءُ قَالَ: أُرى مُدًّا مِنْ هذا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ. هذا الحديث أسلفناه بطرقه، والسمراء: الحنطة الشامية، وهذا قاله معاوية على المنبر كما أخرجه مسلم (٢)، وهو معتمد أبي حنيفة ومن وافقه في جواز نصف صاع بر، وقدموه على خبر الواحد، وخالفه الجمهور في ذَلِكَ كما سلف، ويجيبون بأنه قول صحابي قد خالفه أبو سعيد الخدري وغيره ممن هو أطول صحبة منه وأعلم بأحوال الشارع، وإذا اختلف الصحابة لم يكن بعضهم أولى من بعض فيرجع إلى دليل آخر. وظاهر الأحاديث والقياس متفقة على اشتراط الصالح من الحنطة كغيرها، فوجب اعتماده، وقد صرَّح معاوية بأنه رأي رآه لا أنه سمعه من رسول الله - ﷺ -، ولو كان عند أحد من حاضري مجلسه مع ----------- (١) ليست بالأصول، وقد تقدمت الطرق كلها: زيد عن عياض عن أبي سعيد. (٢) مسلم (٩٨٥). كثرتهم (١) تلك اللحظة علم في موافقة معاوية عن رسول الله - ﷺ - لذكره كما جرى في غير هذِه القصة. وفيه: الرجوع إلى النص وطرح الاجتهاد، وقد أسلفنا عن أبي حنيفة أنه انفرد بإخراج القيمة، وقال أبو يوسف ومحمد: ما سوى التمر والزبيب والشعير يخرج بالقيمة (٢)، قيمة نصف صاع من بر، أو قيمة صاع من شعير أو تمر، وعن أبي حنيفة: لو أعطيت في زكاة الفطر (إهليجا) (٣) أجزأ. والمراد: قيمته، وفيه دلالة أن الصالح لا يبعض، وهو كذلك عندنا. قال ابن التين: يجزئ في مذهبنا في ذَلِكَ قولان قياسًا على كفارة اليمين، فقد ذكر ابن القاسم عن محمد يجزئ أن يكسو خمسة، ويطعم خمسة. وفيه: دلالة على أبي حنيفة في تجويزه السويق والدقيق. -------------- (١) ورد بهامش الأصل: بل الصواب أن يقال: لو كان عند من حضره من جموع الصحابة والتابعين علم بمخالفته لرسول الله - ﷺ -؛ لوجب عليهم الرد عليه، وحيث لم ير عليه أحد؛ فقد صار إجماعًا. (٢) «المبسوط» ٣/ ١٠٧، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٧٥. (٣) رسمت هكذا في الأصل. ٧٦ - باب الصَّدَقَةِ قَبْلَ العِيدِ ١٥٠٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٦ - فتح: ٣/ ٣٧٥] ١٥١٠ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو عُمَرَ، عَنْ زَيْدٍ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. [انظر: ١٥٠٥ - مسلم: ٩٨٥ - فتح: ٣/ ٣٧٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أَمَرَ بِزَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى المصلى، وقد سلف فقهه. وحديث حفص بن ميسرة عن زيد، عن عياض، عن أبي سعيد الخدري: كُنَّا نُخْرِجُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - يَوْمَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ. وَقَالَ أَبُو سعيد: وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ. وقد أسلفناه. وقوله: (كنا نخرج يوم الفطر) ليس صريحًا في كونه قبل الصلاة، واحتج بهذا الحديث من قال: الطعام يقع على الشعير وما ذكر معه. وصوابه أن ذَلِكَ كان غالب قوتهم في ذَلِكَ الزمان، وليس فيه دلالة على أن اسم الطعام يقع عليه؛ لأن التخيير والتقسيم لا يقعان بين الشيء ونفسه. ٧٧ - باب صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الحُرِّ وَالمَمْلُوكِ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي المَمْلُوكِينَ لِلتِّجَارَةِ: يُزَكَّى فِي التِّجَارَةِ، وَيُزَكَّى فِي الفِطْرِ. ١٥١١ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنهما - قَالَ: فَرَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَدَقَةَ الفِطْرِ -أَوْ قَالَ: رَمَضَانَ- عَلَى الذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ. فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُعْطِى التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يُعْطِيهَا الذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٤ - فتح: ٣/ ٣٧٥] ذكر فيه حديث ابن عمر: فَرَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - صَدَقَةَ الفِطْرِ .. الحديث، وقد سلف. وفي آخره: فَكَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يُعْطِي التَّمْرَ، فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَمْرِ، فَأَعْطَى شَعِيرًا، فَكَانَ ابن عُمَرَ يُعْطِي عَنِ الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، حَتَّى إِنْ كَانَ يُعْطِي (١) عَنْ بَنِيَّ، وَكَانَ ابن عُمَرَ يُعْطِيهَا الذِينَ يَقْبَلُونَهَا، وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ. قال أبو عبد الله: (عن بني) يعني عن بني نافع، يعني: يعطون فيجمعون، فإذا كان يوم الفطر أخرجوه حينئذ إليهم يعطون قبل الفطر حتى تصل إلى الفقراء. وهكذا في بعض نسخ البخاري قال مالك: أحسن ما سمعت إن الرجل تلزمه زكاة الفطر عمن تلزمه نفقته. ولا بد أن ينفق عليه وعن مكاتبه ومدبره ورقيقه، غائبهم وشاهدهم، للتجارة كانوا أو لغير التجارة (٢) إذا ------------ (١) في حاشية الأصل بخط الدمياطي: صوابه: ليعطي. (٢) ورد بهامش (م): لئلا يجتمع عليه زكاتان فيصير عليه إجحاف وحرج. كان مسلمًا، وهو قول جمهور العلماء. وقال أبو حنيفة والثوري: لا يلزمه زكاة الفطر عن عبيد التجارة، وهو قول عطاء والنخعي (١). حجة الموجب: الحديث لم يخص عبد الخدمة من عبد التجارة، وكذلك خالف أبو حنيفة والثوري الجمهور فقالا: ليس على الزوج فطرة زوجته (٢) كما سلف ولا خادمها (٣). وقوله: (فَأَعْوَزَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ التَّمْرِ، فَأعْطَى شَعِيرًا). يدل على أنه لا يجوز أن يعطي في زكاة الفطر إلا من قوته؛ لأن التمر كان من جل عيشهم فأعطى شعيرًا حين لم يجد التمر. وقوله: (كَانَ ابن عُمَرَ يُعْطِيهَا الذِينَ يَقْبَلُونَهَا، قَبْلَ الفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ). يريد الذين يجتمع عندهم، ويكون تفريقها صبيحة يوم العيد؛ لأنها السنة، وكان كثير الاتباع للسنة. وقال ابن جريج: أخبرني ابن عمر قال: أدركت سالم بن عبد الله وغير من علمائنا فلم يكونوا يخرجونها إلا حين يغدون، وقال عكرمة وأبو سلمة: كانوا يخرجونها ويأكلون قبل أن يخرجوا إلى المصلى (٤). وقضية ما فعله ابن عمر أن الإمام ينصب لها من يقبلها، وصرح به في «الموطأ» قال مالك: إذا كان الإمام عدلًا فأرسلها إليه أحب إليَّ، وذلك أن أهل الحاجة إنما يقصدون الإمام، وقال أيضًا: أحب إلى أن يفرقها أربابها. --------------- (١) «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٧٤، «مصنف عبد الرزاق» ٤/ ٧١ (٧٠٠٢). (٢) «المبسوط» ٣/ ١٠٥. (٣) ورد بهامش (م): وعند أبي حنيفة: يجب على الزوجة فطرة نفسها بنص قوله - عليه السلام -: «على الذكر والأنثى» في الحديث المذكور. (٤) رواه عن ثلاثتهم، ابن أبي شيبة ٣/ ٣٢٧، ٣٣٠ (٥٨٤٧، ٥٨٤٣، ٥٨٤٠) ٧٨ - باب صَدَقَةِ الفِطْرِ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ ١٥١٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَالَ: فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - صَدَقَةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ وَالحُرِّ وَالمَمْلُوكِ. [انظر: ١٥٠٣ - مسلم: ٩٨٤ - فتح: ٣/ ٣٧٧] ذكر فيه حديث ابن عمر: فَرَضَ رَسُولُ الله - ﷺ - صَدَقَةَ الفِطْرِ .. الحديث. فرع: العبد المشترك تجب فطرته وفاقًا لمالك، وخلافًا لأبي حنيفة وخالفه صاحباه، ومشهور مذهب مالك أنها على الأجزاء لا على العد، وعندهم في المعتق بعضه ثلاثة أقوال: مشهورها على السيد حصته وعليهما وعلى السيد الجميع، وعندنا وعند أحمد بالقسط، وعندنا المشترك كالمبعض. خاتمة: مصرف الفطرة عندنا مصرف الزكاة، وهو مذهب مالك وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها. وعلى الأول يعطي الواحد عن متعدد عند المالكية. وقال في «المدونة»: لا بأس أن يعطي عنه وعن عياله مسكينًا واحدًا (١)، وقال أبو يوسف: لا يعطي مسكين أكثر من زكاة إنسان ولا يعطى من أخذ (٢). -------------- (١) «المدونة» ١/ ٢٩٤. (٢) في الأصل: ثم بلغ في الحادي بعد العشرين. كتبه مؤلفه. ![]()
__________________
|
|
#303
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 9 الى صـــ 30 الحلقة (303) ٢٥ - كتاب الحجِ ١ - باب وُجُوبِ الحَجِّ وَفَضلِهِ وقَولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ العَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. ١٥١٣ - حَدَّثَنَا عبد اللهِ بْن يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ الفَضْل رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْطرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الَحجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفأَحجُّ عَنْة؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَذَلِكَ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ. [١٨٥٤، ١٨٥٥، ٤٣٩٩، ٦٢٢٨ - مسلم: ١٣٣٤ - فتح: ٣/ ٣٧٨] ذكر فيه حديث الزهري: عَنْ سُلَيْمَانَ عَنِ يَسَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الفَضْلُ رَدِيفَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مِنْ خَثعَمَ، فَجَعَلَ الفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - يَصْرِفُ وَجْهَ الفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسولَ اللهِ، إِنَّ فَرِيضَةَ اللهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا، لَا يَثْبُتُ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ». وَذَلِكَ في حَجَّةِ الوَدَاعِ. الشرح: هذا الباب كذا هو هنا في الأصول، وقدم ابن بطال عليه كتاب الصوم وهو قريب فلنقتد بالجم الغفير، فنقول: قرئ في السبعة ﴿حِجُّ البَيْتِ﴾ بالفتح والكسر، فقيل: لغتان، وقيل: بالفتح المصدر وبالكسر الاسم، وقيل: عكسه وقال ابن السكيت: بالفتح القصد، وبالكسر القوم الحجاج، والحجة المرة الواحدة، وبالكسر التلبية والإجابة، وقيدها الجوهري بالكسر (١)، قال أبو موسى الحافظ: وهو من النوادر. قُلْتُ: وأنكره قوم، وحكي عن الكسائي أنه قال: يقال في كل شيء فعلت فعلة إلا في شيئين حججت حجة رويته روية يعني إلى الغزو (٢) وقال أبو إسحاق: والحج بفتح الحاء الأصل تقول: حججت الشيء أحجه حجا إذا قصدته، والفتح والكسر اسم للعمل (٣). قُلْتُ: وأكثر القراء على الفتح، وفي «أمالي الهجري»: الحج أكثر العرب يكسرون الحاء فقط. قُلْتُ: ويجمع على حجج. وقوله: ﴿وَمَن كَفَرَ﴾ أي: من أهل الملك أو: بفرضه، ونقله ابن التين عن أكثر المفسرين، أو هو من إن حج لم يره برًّا وإن حبس لم يره إثمًا، وفي حديث: «من حج لا يرجو ثوابه ولا يخاف عقابه فقد كفر» (٤). قال ------------ (١) «الصحاح» ١/ ٣٠٣. (٢) علق عليها في هامش الأصل بقوله: كذا نقله في موضع آخر ورأيت رؤية وهذا التصنيف مني لا من المؤلف. (٣) «تهذيب اللغة» ١/ ٧٤٤. (٤) رواه عبد بن حميد عن أبي داود نفيع بن الحارث كما في «الدر المنثور» ٢/ ١٠١ - ١٠٢، ورواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٦٨ بنحوه. سعيد بن جبير، عن عمر: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم عليه كما نقاتلهم على الصلاة والزكاة (١). وأصله في اللغة: القصد (٢). وفي الشرع: قصد الكعبة للنسك الآتي بيانه، وقام الإجماع ودلائل الكتاب والسنة على فرضتيه، واختلفوا متى فرض على آراء: أغربها قبل الهجرة، وأقربها قولان: سنة خمس أو سنة ست، وقيل: سنة ثمان، وقيل: سنة تسع، وصححه القاضي عياض (٣). وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة عشر، وهما غريبان، فصارت ستة أقوال غير الأول مرتبة على السنين، وسنة ست هو ما ذكره البيهقي (٤). وفي حديث ضمام بن ثعلبة ذكر الحج (٥)، وقدومه سنة تسع كما قاله الطرطوسي، لكن قال محمد بن حبيب: سنة خمس، وقام الإجماع على أنه لا يتكرر إلا لعارض كنذر (٦). فرع: يجب الحج عندنا على التراخي خلافًا للمزني (٧)، ووفاقًا للأوزاعي والثوري ومحمد بن الحسن وابن عباس وأنس وجابر وعطاء وطاوس. وقال مالك في روايةٍ: وأبو يوسف على الفور، وهو قول جمهور أصحاب أبي حنيفة، ولا نص لأبي حنيفة في ذَلِكَ، قال أبو يوسف: مذهبه يقتضي أنه على الفور، وهو الصحيح عندهم، وقال ابن خواز ----------- (١) رواه الخلال في «السنة» (١٥٧٣). (٢) «تهذيب اللغة» ١/ ٧٤٤. (٣) «إكمال المعلم» ٤/ ٤٣٨. (٤) «السنن الكبرى» ٤/ ٤٣١. (٥) رواه أحمد ١/ ٢٥٠، ٢٦٤ - ٢٦٥، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٦/ ١٧٦. ورواه أبو داود (٤٨٧) مختصرًا. وصححه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ٥٤ - ٥٥، والألباني في «صحيح أبي داود» (٥٠٥). (٦) «الإجماع» لابن المنذر ص ٦١. (٧) «الإفصاح» ٣/ ٢٣٥. منداد: واختلف في هذِه المسألة أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة وأصحاب الشافعي على قولين (١). وفي «مستدرك الحاكم» من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من أراد الحج فليتعجل» ثم قال: صحيح الإسناد (٢). حجة من لم يوجبه على الفور أنه فرض سنة خمس أو ست كما سلف، وفتحت مكة سنة ثمان فأقامه عَتَّاب (٣) بأمر رسول الله - ﷺ -، ------------ (١) «الإفصاح» ٣/ ٢٣٤. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٤٨. ورواه أيضًا أبو داود (١٧٣٢)، والبيهقي ٤/ ٣٣٩ - ٣٤٠ من طريق الحسن بن عمرو عن مهران أبي صفوان عن ابن عباس، مرفوعًا به. وصححه عبد الحق الإشبيلي في «أحكامه» ٢/ ٢٥٨، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٢٢). وقال ابن القطان في «بيان الوهم والإيهام» ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤: حديث لا يصح، وأعله بمهران. وقال النووي في «المجموع» ٧/ ٨٦: مهران هذا مجهول، قال ابن أبي حاتم: سئل أبو زرعة عنه فقال: لا أعرفه إلا من هذا الحديث. اهـ ثم أطلق القول بضعفه في موضع آخر، انظر: «المجموع» ٧/ ٩١. وأعله الذهبي في «المهذب» ٤/ ١٧٢٠ (٧٤٥١) بمهران، فقال: هذا التابعي مجهول. والحديث رواه ابن ماجه (٢٨٨٣)، وأحمد ١/ ٢١٤، ٣٢٣، ٣٥٥ من طريق إسماعيل بن خليفة، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس عن الفضل أو أحدهما عن الآخر، مرفوعًا بزيادة: «فإنه قد يمرض المريض وتضل الضالة وتعرض الحاجة». هذا لفظ ابن ماجه. وصححه أيضًا عبد الحق ٢/ ٢٥٨. واعترض عليه ابن القطان في «البيان» ٤/ ٢٧٤ - ٢٧٥ فقال: لا يصح -وأعله بإسماعيل بن خليفة فأورد أقوال من جرحه- ثم قال: فالحديث من أجله لا يقال فيه صحيح، فاعلمه اهـ وذكره أيضًا ابن كثير في «الإرشاد» ١/ ٣٠٦ وأعله أيضًا بإسماعيل بن خليفة. وقال الألباني: هذا سند ضعيف. لكن حسن الحديث بمجموع طريقيه «الإرواء» (٩٩٠). (٣) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أبي أمية، يقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو محمد المكي، روى عن النبي - ﷺ -، وروى عنه: سعيد بن المسيب وعطاء بن أبي رباح. قال ابن عبد البر: استعمله النبي - ﷺ - على مكة عام الفتح في خروجه إلى = وحج الصديق في التاسعة، وحج - ﷺ - في العاشرة، وأما حديث الباب فأخرجه أيضًا مسلم في «صحيحه» (١)، وأخرجه البخاري في الاستئذان أيضًا وقال: وأعجبه حسنها -يعني: الفضل- فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، وأخرجه بلفظ: هل يقضي أن أحج عنه؟ (٢)، وذكره في الاعتصام أيضًا عنه: إن أمي نذرت الحج فماتت قبل أن تحج، أفأحج عنها؟ قال: «حجي عنها» (٣) وسيأتي في الباب وقال: امرأة من جهينة (٤). وذكر في النذور: أتى رجل النبي - ﷺ - فقال له: إن أختي نذرت. بمثله، وقال: «فاقضوا الله فهو أحق بالقضاء» (٥). قال أبو العباس الطرقي: مدار هذا الحديث على الزهري، وقد اختلف عليه في إسناده، رواه ابن جريج عنه، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس وهو الصحيح عندي، والحديث حديث الفضل؛ لأنه كان رديف سيدنا رسول الله - ﷺ - غداة النحر من مزدلفة إلى مني، وابن عباس قدمه أن - عليه السلام - في ضعفة أهله من جمع بليل، فقد دل عن شاهد واحد أن ابن عباس لم يحضر في تلك الحال، وإنما سمع ذَلِكَ من الفضل كما جاء في حديث ابن عباس ------------ = حنين فحج بالناس سنة ثمان. انظر ترجمته في «طبقات ابن سعد» ٥/ ٤٤٦، «تهذيب الكمال» ١٩/ ٢٨٢. (١) «صحيح مسلم» (١٣٣٤) كتاب: الحج، باب: الحج عن العاجز لزمانه .. (٢) سيأتي برقم (٦٢٢٨) باب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ [النور: ٢٧]. (٣) سيأتي برقم (٧٣١٥) باب: من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين .. (٤) سيأتي برقم (١٨٥٢) كتاب: جزاء الصيد، باب: الحج والنذور عن الميت. (٥) سيأتي برقم (٦٦٩٩) باب: من مات وعليه نذر. حين دفعوا عشية عرفة: «عليكم بالسكينة» (١). قال عبد الله: وأخبرني الفضل أنه - عليه السلام - لم يزل يلبي حتَّى رمى جمرة العقبة (٢)، وكذا قال البخاري فيما حكاه الترمذي عنه أنه أصح ما روى عبد الله، عن الفضل قال: ويحتمل أن عبد الله سمعه من الفضل وغيره عن رسول الله - ﷺ -، ثم روى هذا فأرسله ولم يذكر الذي سمعه منه (٣). وعند ابن حزم صحيحًا من حديث عبيد الله بن عباس قال: كنت رديف رسول الله - ﷺ - فأتاه رجل فقال: يا رسول الله إن أمي عجوز كبيرة، إن حزمتها خشيت أن يقتلها، وإن لم أحزمها لم تستمسك فأمره أن يحج عنها (٤). قال أبو حاتم في «علله»: عبيد الله عن رسول الله مرسل (٥). إذا تقرر ذَلِكَ؛ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: فيه جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطيقة، وهو إجماع، وقد جمع ابن منده الإرداف في جزء فزاد على الثلاثين، وقد تقدم ذكر ذَلِكَ ويحتمل الزيادة، فالارتداف للسادة الرؤساء سائغ ولا سيما في الحج لتزاحم الناس ومشقة الرحالة؛ ولأن الراكب فيه أفضل كما ستعلمه. ------------- (١) سيأتي برقم (١٦٧١) كتاب: الحج، باب: أمر النبي - ﷺ - بالسكينة عند الإفاضة. (٢) يأتي برقم (١٥٤٤). (٣) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٩٠ - ٣٩٢. (٤) رواه ابن حزم في كتاب «حجة الوداع» (٥٣٢ - ٥٣٣) من طريق يزيد بن إبراهيم عن محمد بن سيرين عن عبيد الله بن عباس، به. ووقع في المطبوع من «حجة الوداع»: عبد الله بن عباس بدل عبيد الله. وهو خطأ. (٥) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٩٤ - ٢٩٥ (٨٨٨١). ثانيها: قوله: (فجاءت امرأة من خثعم) وأسلفنا رواية أخرى: من جهينة، وهاتان القبيلتان لا يجتمعان؛ لأن جهينة هو: ابن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحافي بن قضاعة. وخثعم هو: ابن أغار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن زيد بن لهلان. ثالثها: هذِه المرأة يجوز أن تكون غاثية أو غائثة، لكن فيه أنها سألت عن أمها ففي كتاب «الصحابة» لابن مسنده وأبي نعيم في باب الغين المعجمة غائثة أو غاثية أتت النبي - ﷺ - فقالت: إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي إلى الكعبة، فقال: «اقضي عنها» (١). رابعها: فيه دلالة أن المرأة تكشف وجهها في الإحرام، وهو إجماع كما حكاه ابن عبد البر (٢)، ويحتمل كما قال ابن التين أنها سدلت ثوبًا على وجهها. خامسها: في نظر الفضل إلى المرأة مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الشهوات. سادسها: أن العالم يغير من المنكر ما يمكنه إذا رآه، وأسند ابن المنذر من حديث ابن عباس قال: كان الفضل رديف رسول الله - ﷺ - يوم عرفة ------------ (١) «معرفة الصحابة» لأبي نعيم ٦/ ٣٤٠٧ (٣٩٦٨). (٢) «التمهيد» ١٥/ ١٠٤. فجعل الفتى يلاحظ النساء وينظر إليهن فقال: «يا ابن أخي، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له» (١) ولم ينقل أنه نهى المرأة عن النظر إليه، وكان الفضل وسيمًا أي: جميلًا، ويحتمل أن يكون الشارع اجتزى بمنع الفضل لما رأى أنها تعلم بذلك منع نظرها إليه؛ لأن حكمهما واحد، أو تنبهت لذلك أو كان ذَلِكَ الموضع هو محل نظره الكريم فلم يصرف نظرها. وقال الداودي: فيه احتمال أن ليس على النساء غض أبصارهن عن وجوه الرجال، إنما يغضضن عورتهن، وقال بعض المالكية: ليس على المرأة تغطية وجهها لهذا الحديث، وإنما على الرجل غض بصره، وقيل: إنما لم يأمرها بتغطية وجهها، لأنه محل إحرامها، وصَرْفُ وجه الفضل بالفعل أقرب من الأمر، وذهب ابن عباس وابن عمر إلى أن المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] أنه الوجه والكفان (٢)، وبه قال مجاهد وعطاء وأكثر الفقهاء (٣). وقال ابن مسعود: الثياب (٤). سابعها: فيه أن النيابة في الحج سائغة بأجرة وبغيرها، وهو أن يكون عاجزًا ------------- (١) رواه أحمد ١/ ٣٢٩، ٣٥٦، وأبو يعلى ٤/ ٣٣٠ (٢٤٤١)، وابن خزيمة ٤/ ٢٦٠ (٢٨٣٢)، والطبراني ١٨/ ٢٨٨ - ٢٨٩ (٧٤١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢ (٤٠٧١)، وقال الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٢٥١: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في «الكبير»، وقال أيضًا: كان الفضل بن عباس رديف، ورجال أحمد ثقات. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٥٩٦٠). (٢) ورد بهامش الأصل: حكى القاضي عياض اتفاق العلماء. (٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ٣٠٤ (٢٥٩٦٣ - ٢٥٩٦٥). (٤) الطبري ٩/ ٣٠٤ (٢٥٩٥٣). عن المباشرة بنفسه، إما بزمانة لا يرجى زوالها وسببها، فله أن يستنيب، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي وأحمد وإسحاق، وقال مالك والليث والحسن بن صالح: لا يحج أحد عن أحد إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام. وحاصل ما في مذهب مالك ثلاثة أقوال: مشهورها لا تجوز النيابة، ثالثها: تجوز في الولد، وقال: يتطوع عنه بغير هذا، يهدي عنه أو يتصدق أو يعتق، وتنفذ الوصية به على المشهور عندهم ويكون لمن حج أحب إلي، فإن لم يوص لم يجز، وإن كان فلا ضرورة على الأصح، ويكره للمرء إجارة نفسه على المشهور وتلزم. قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن من عليه حجة الإسلام وهو قادر على أن يحج لا يجزئه إلا أن يحج بنفسه، لا يجزئ أن يحج غيره عنه (١)، وقد روينا عن علي أنه قال لرجل كبير لم يحج: إن شئت فجهز رجلًا يحج عنك (٢). وعن النخعي وبعض السلف: لا يصح الحج عن ميت ولا عن غيره (٣)، وهي رواية عن مالك وإن أوصى به، وفي «مصنف ابن أبي شيبة» عن ابن عمر أنه قال: لا يحج أحد عن أحد، ولا يصم أحد عن أحد، وكذا قال إبراهيم النخعي (٤). وقال الشافعي والجمهور: يجوز الحج عن الميت عن فرضه ونذره سواء أوصى به أم لا، وهو واجب في تركته، وعندنا تجوز الاستنابة في --------------- (١) «الإجماع» لابن المنذر (٢٤٢). (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٥٠ (١٥٠٠٥). (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٦١ (١٥١٢٠). (٤) «المصنف» ٣/ ٣٦١ (١٥١١٧). حج التطوع على أصح القولين، والحديث حجة على الحسن بن حي في قوله: إن المرأة لا يجوز أن تحج عن الرجل، وهو حجة لمن أجازه. وقال صاحب «الهداية»: الأصل أن الإنسان له أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة أو صدقة أو صومًا أو غيرها عند أهل السنة والجماعة، لما روي أنه - عليه السلام - ضحى بكبشين أحدهما عن نفسه والآخر عن أمته، والعبادات أنواع مالية محصنة كالزكاة، وبدنية كالصلاة، ومركب منها كالحج، والنيابة تجزئ في النوع الأول ولا الثاني، وتجزئ في الثالث عند العجز دون القدرة، والشرط العجز الدائم إلى وقت الموت، وظاهر مذهبهم أن الحج يقع عن المحجوج عنه؛ لحديث الخثعمية، وعند محمد أنه يقع عن الحاج وللآخر ثواب النفقة. قال الخطابي: العجب من مالك كيف روى هذا الحديث ولم يقل به، قال: وقد تأول بعضهم أن معنى (أدركت أبي شيخًا كبيرًا) أي أسلم وهو شيخ بهذِه الصفة (١). وقال ابن عبد البر: اختلف أهل العلم في معنى هذا الحديث، فذهب جماعة منهم إلى أنه مخصوص به أبو الخثعمية: لا يجوز أن يتعدى به إلى غيره، بدليل الآية السالفة ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وكان أبوها ممن لا يستطيع فلم يكن عليه الحج فلما لم يكن عليه لعدم استطاعته كانت ابنته مخصوصة بذلك الجواب، وممن قال ذَلِكَ مالك وأصحابه (٢)؛ لأن الحج عندهم من عمل البدن فلا ينوب فيه أحد عن أحد كالصلاة. ----------- (١) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٣١ - ٨٣٢. (٢) «التمهيد» ٩/ ١٢٤ - ١٢٥. وذكر ابن حزم من حديث إبراهيم بن محمد (العبدوي) أن امرأة قالت: إن أبي شيخ كبير، فقال النبي - ﷺ -: «حجي عنه، وليس لأحد بعده» وكذا رواه محمد بن حبان (الإخباري) (١) أن امرأة قالت، الحديث (٢)، وهو ضعيف بالإرسال وغيره، ويحتمل أن يكون معنى (أدركت أبي) أي: أن الحج فُرض وأبوها على تلك الحالة، ويبعده قولها: عليه فريضة الحج، والشارع أنما أجابها بالإحجاج عنه لما رأى من حرصها على إيصال الخير له، كما أجاب الأخرى في النذر وشبهه بالدين، والإجماع على أنه لا يجب على وليه قضاء الدين عنه، وجعله بعض المالكية خاصًّا بالابن عن أبيه، حكاه القرطبي (٣) وحكاه ابن حزم مرسلًا، وضعفه عن محمد بن الحارث التيمي أن النبي - ﷺ - قال: «لا يحج أحد عن أحد إلا ولد عن والد» (٤). قال الطرطوسي في «الحج» تأليفه في هذا الحديث أربعة: أوله وجوب الحج على المعضوب لإقرارها عليه تشبيهه بالدين، وهو واجب جواز فعلها عنه وأنه ينفعه، ويحتمل أن تريد: أحج عنه؛ أي: بعد موته، أو يكون أوصى به. فرع: بذل الولد الطاعة يصير مستطيعًا به على الأصح. ---------- (١) كذا في الأصل وفي «المحلى» الأنصاري. (٢) «المحلى» ٧/ ٥٩. (٣) «المفهم» ٤٤٢/ ٣ - ٤٤٣. (٤) «المحلى» ٧/ ٦٠. فرع: لو صح المعضوب بعد ذَلِكَ أعاده عندنا وفاقًا للكوفيين وأبي ثور، وخلافًا لأحمد وإسحاق. فرع: لولي الصبي أن يحرم عن الصبي الذي لا يميز والمجنون. فرع غريب: عن ابن سيرين: كانوا يرون أن المرأة إذا حجت وفي بطنها ولد، أن له حجًا، وعن طاوس يجزئ عن الصغير حجة حتَّى يكبر (١). ثامنها: أجمع العلماء على أن الاستطاعة شرط في إيجاب الحج. واختلفوا في تفسيرها على قولين: أحدهما: أن من قدر على الوصول ببدنه فقد لزمه، وإن لم يجد راحلة، وهو بمنزلة من يجدها ويعجز عن المشي، وهو قول ابن الزبير وعكرمة والضحاك، وبه قال مالك. ثانيها: أنها الزاد والراحلة، وهو قول الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير (٢)، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد وإسحق وعبد العزيز بن أبي سلمة وسحنون وظاهر قول ابن حبيب، وأثبته الطرطوسي قولًا وادعى أن ذكر الراحلة لم يذكر في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وليس كما ذكر، فهي فيه في الدارقطني (٣). ---------- (١) رواه عنهما ابن أبي شيبة ٣/ ٣٣٨ (١٤٨٧٣)، (١٤٨٧٦). (٢) رواه عنه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٦٤ (٧٤٧٩ - ٧٤٨٠). (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢١٥. وأخذ المهلب من حديث الباب ما نحا إليه مالك فقال فيه: إن الاستطاعة لا تكون الزاد والراحلة، ألا ترى أن ما اعتذرت به هذِه المرأة عن أبيها ليس بهما، وإنما كان ضعف جسمه، فثبت أن الاستطاعة شائعة كيفما وقعت وتمكنت، وقال غيره: إنها في لسان العرب: القدرة، فإن جعلناها عمومًا في كل قادر جاز سواء قدر ببدنه أو به وبماله أو بماله إلا أن تقوم دلالة، وإن قلنا: إن حقيقتها أن تكون صفة قائمة في المستطيع كالقدرة والكلام والقيام والقعود فينبغي أن تكون الاستطاعة صفة فيه تخصه، وهذا لا يكون إلا لمن هو مستطيع ببدنه دون ماله، وقد سلم المخالف أن المريض ليس بمستطيع وإن وجدهما، وأهل الحرم والمواقيت فما دونهم لا يعتبر فيهم زاد ولا راحلة (١). فاحتج الشافعي ومن وافقه أنه - عليه السلام - لما سئل عن السبيل في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] قال: «الزاد والراحلة» أخرجه الحاكم -أبو عبد الله- في «مستدركه» من حديث أنس، قال: صحيح على شرط الشيخين، ثم ذكر له متابعًا على شرط مسلم (٢)، وضعفه البيهقي بلا دليل (٣). وحكى القاضي حسين وجهًا أنه لا يشترط وجود الزاد في حق من هو على دون مسافة القصر؛ لأنه كالحاضر. وحكى ابن كج عن أبي علي الطبري أنه إذا كان في الحرم يلزمه الحج إذا كان صحيحًا ولم يكن له مال ولا كسب قال: وهذا فاسد إذ لا يكلف المسألة في الطريق. ------------ (١) انظر «شرح ابن بطال» ٤/ ١٨٦. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٤١ - ٤٤٢. (٣) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٣٧. وقول ابن بطال: فإن احتجوا بحديث: «السبيل الزاد والراحلة»، فإن ابن معين وغيره قالوا: راويه إبراهيم الخوزي، وهو ضعيف (١) عجيب منه في اقتصاره على طريق ضعيف، وطرحه لما صح كما أسلفناه على أن الترمذي حسنه من الوجه المذكور، قال: وإبراهيم يُضعف (٢)، وقد رواه الدارقطني بإسقاطه (٣)، ثم نقل عن ابن المنذر أنه قال: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة وليس بمتصل (٤). قُلْتُ: ما ذكرناه ثابت متصل فقدم على الطريقة الضعيفة، ثم قال: والآية عامة ليست مجملة لا تفتقر إلى بيان فكأنه تعالى كلف كل مستطيع على أي وجه قدر بمال أو بدن، قال: والدليل على ذَلِكَ حديث: «لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مرة سوي» (٥) فجعل صحة الجسم مساوية للغنى، فسقط قول من اعتبر الراحلة. قُلْتُ: لا يسقط فإن الحديث مفسر للاستطاعة في الآية، وهو المبين عن الله، وقال إسماعيل بن إسحاق: لو أن رجلًا كان في موضع يمكنه ----------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٨٦. (٢) «سنن الترمذي» من حديث ابن عمر ٣/ ٨، وأيضًا برقم (٢٩٩٨)، وضعفه الألباني الأول في «ضعيف الترمذي» قائلًا: ضعيف جدًا، وضعف الثاني مثل الأول، ولكن دون لفظ: العج والثج، فإنها وردت في حديث آخر. (٣) «سنن الدارقطني» من حديث ابن عمر ٢/ ٢١٦ - ٢١٨. (٤) والحديث أشار النووي في «المجموع» ٧/ ٥٣ لضعفه، وضعفه الألباني في «الإرواء» (٩٨٨). وانظر لزامًا «البدر المنير» ٦/ ١٩ - ٣٠، و«التلخيص» ٢/ ٢٢١. (٥) رواه أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو (١٦٣٤)، والترمذي (٦٥٢) وقال: حديث عبد الله بن عمرو حديث حسن، وعبد الرزاق ٤/ ١١٠ (٧١٥٥)، وأحمد ٢/ ١٦٤، ١٩٢، والدارقطني ٢/ ١١٩، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٤، والحاكم ١/ ٤٠٧، والبيهقي ٧/ ١٣، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٤). المشي إلى الحج وهو لا يملك راحلة لوجب عليه الحج؛ لأنه مستطيع إليه سبيلًا (١). قُلْتُ: لا نسلم له ثم قال: وما رووه عن السلف في ذَلِكَ أن السبيل الزاد والراحلة، فإنما أرادوا التغليظ على من ملك هذا المقدار ولم يحج؛ لأنهم ذكروا أقل الأملاك التي يبلغ بها الإنسان إلى الحج. قُلْتُ: لا نسلمه بل أرادوا التشريع، فإن قيل: فإنها عبادة تتعلق بقطع مسافة بعيدة فوجبت فيها الراحلة أصله الجهاد، قيل: لا فرق بينهما، ومن تعين عليه فرض الجهاد وهو قادر ببدنه على المشي فليست الراحلة شرطًا في وجوبه عليه (٢). فرع: انفرد أبو محمد بن حزم حيث قال: الحج واجب على العبد أيضًا؛ احتجاجًا بقول جابر وابن عمر: ما من مسلم. وقال الآخر: ما من أحد من خلق الله إلا وعليه عمرة وحجة معًا، ولم يخصا إنسيًّا من جني ولا حرًّا من عبد، وسئل القاسم وسلمان بن يسار عن العبد يحج بإذن سيده فقالا: يجزئ عنه من حجة الإسلام، فإذا حج بغير إذنه لم يُجْزِهِ ------------- (١) جاء في هامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ في الهامش قال ابن حزم: الأخبار في ذلك في أحدها الخوزي وهو ساقط مطرح، وفي الثاني الحارث الأعور وهو كذاب والثالث مرسل ولا حجة في مرسل، والروايات في ذلك عن الصحابة واهية كلها [المحلى ٧/ ٥٥]، وتبعه ابن العربي وغيره. وقال ابن عبد البر: روي ذلك من أوجه منها مرسلة ومنها ضعيفة. وقال عبد الرحمن: سألت أبي عن حديث رواه سعيد بن سلام عن ابن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر مرفوعًا: «الزاد والراحلة» فقال: باطل [علل ابن أبي حاتم ١/ ٢٩٦ (٨٩١)]. وقال ابن دحية في «علمه»: قال البخاري ومسلم: لا يصح في هذا الباب حديث عن رسول الله - ﷺ -. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٨٦ - ١٨٧. وقال مجاهد: إذا حج العبد وهو فحل أجزأت عنه حجة الإسلام، قال: وأما خبر محمد بن كعب عن النبي - ﷺ - فمرسل لا يعرف، وحديث ابن عباس وقفه جماعة (١). فإن صح وقفه فهو منسوخ؛ لأنه كان قبل الفتح، ومن قال: إنه - عليه السلام - لم يحج بأم ولده فكذب شنيع لا يوجد. تاسعها: ادعى الطحاوي والطرطوسي، أن في هذِه الأحاديث ما يدل على أنه جائز للرجل أن يحج عن غيره، وإن لم يكن حج عن نفسه لإطلاقها ولم يسألها أحججت أم لا، ويدل عليه تشبيهه بالدين ويجوز قضاؤه بغير إذن من عليه، قال: والذي يدل عليه أن من حج تطوعًا ولم يحج الفرض أنها تكون تطوعًا -كما قاله من قاله من أهل المدينة يعني: المالكيين والكوفة ولا يكون من حجة الإسلام كما قاله من قاله- ما روي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «أول ما يحاسب به العبدُ يوم القيامة صلاته، فإن كان أكملها كتبت كاملة، وإن لم يكن أكملها قال الله جل وعلا لملائكته: انظروا هل تجدون لعبدي من تطوع فأكملوا ما ضيع به من فريضته» (٢). والزكاة مثل ذَلِكَ ثم تؤخذ الأعمال على مثل ذَلِكَ، فدل أنه جائز للرجل أن يحج تطوعًا، وإن لم يكن حج الفرض، وأنه جائز أن يحج عن ------------ (١) انظر: «المحلى» ٧/ ٤٢ - ٤٤. (٢) رواه أبو داود من حديث أبي هريرة برقم (٨٦٤)، والترمذي (٤١٣)، وقال: حديث أبي هريرة حديث حسن غريب من هذا الوجه، والنسائي ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤، وابن ماجه (١٤٢٥)، وأحمد ٢/ ٢٩٠، ٤٢٥، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٢/ ٣٣ - ٣٤، والحاكم ١/ ٢٦٢، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وله شاهد بإسناد صحيح على شرط مسلم، والبيهقي ٢/ ٣٨٦، وابن عبد البر في «تمهيده» ٢٤/ ٨٠، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» برقم (٨١٠). غيره قبل نفسه، قال: وأما حديث ابن عباس أن النبي - ﷺ - سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: «من شبرمة» قال: أخ لي -أو قريب لي- قال: «أحججت عن نفسك؟» قال: لا، قال: «اجعل هذِه عن نفسك ثم حج عن شبرمة» (١). فلا حجة فيه لمن تعلق به، وهو حديث معلول. والصحيح أنه موقوف على ابن عباس، وكذا قال أحمد: الصواب وقفه عليه، وأعله بعضهم بالإرسال، والذي يصح في هذا المعنى عن رسول الله - ﷺ - من رواية ابن عباس أنه سئل عن رجل لم يحج، أيحج عن غيره؟ فقال: «دين الله جل وعز أحق أن يقضيه» وليس فيه أنه لو أحرم عن غيره كان ذَلِكَ الإحرام عن نفسه. وقال الطرطوسي: وهو حجة على من قال به؛ لأن قوله: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة» وفي لفظ: «اجعل هذِه عن نفسك ثم حج عن شبرمة» دليل على أنه كان انعقد عن شبرمة، فلو كان قد وقع هذا عن نفسه كما زعمتم كيف يقول له: «حج عن نفسك؟!» غير أن هذا كان في عام الفتح (٢)؛ لأنه - عليه السلام - فسخ حجهم إلى عمرة، وإن خالف الشافعي في الفسخ، فقد رده عليه المتقدمون والمتأخرون والفقهاء ----------- (١) رواه أبو داود (١٨١١)، وابن ماجه (٢٩٠٣)، وابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ١١٣ - ١١٤ (٤٩٩)، وأبو يعلى ٤/ ٣٢٩ (٢٤٤٠)، وابن خزيمة ٤/ ٣٤٥ (٣٠٣٩)، وابن حبان ٩/ ٢٩٩ (٣٩٨٨)، والطبراني ١٢/ ٤٢ - ٤٣ (١٢٤١٩)، والدارقطني ٢/ ٢٦٨ - ٢٦٩، والبيهقي ٤/ ٣٣٦، وقال: هذا إسناد صحيح، ليس في الباب أصح منه، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٨٩) قائلًا: إسناده صحيح على شرط مسلم. (٢) في هامش الأصل تعليق نصه: قوله في عام الفتح فيه نظر كبير، وما أظن ذلك وقع إلا من النساخ وإلا فعالم لا يقول ذلك والله أعلم. والمحدثون، والجماعة مطبقون على أن هذا كان عام الفتح، فلما جاز فسخ الحج إلى العمرة جاز فسخه من شخص إلى شخص. فإن قُلْتَ: أراد بقوله: «اجعل هذِه عن نفسك» التلبية لا الإحرام. قُلْتُ: هذا غلط؛ لأنه قال: «أحججت عن نفسك؟» وهو صريح في الحج دونها. قُلْتُ: الحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح بلفظ: «حج عن نفسك» (١)، ورواية ابن حبان في «صحيحه»: «فاجعل هذِه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة» (٢) قال البيهقي: إسناده صحيح ليس في الباب أصح منه (٣)، وصححه ابن القطان أيضًا عنه (٤) وحمله بعضهم على الندب عملًا بقوله: «ابدأ بنفسك ثم بمن تعول» وفي رواية للدارقطني: وها هنا بدل شبرمة نبيشة، والصواب شبرمة (٥). وما سلف من الجواز هو قول الحسن وإبراهيم وأيوب وجعفر بن محمد وأبي حنيفة ومالك، وحكي عن أحمد أيضًا مثله. وقال الأوزاعي والشافعي وإسحاق: لا يجوز، ويقع إحرامه عن حجة الإسلام، وعن ابن عباس يقع الحج باطلًا ولا يصح عنه ولا عن غيره، ونقل عن بعض الحنابلة كما في «المغني». ------------- (١) سبق تخريجهما. (٢) سبق تخريجه. (٣) «السنن الكبرى» ٤/ ٣٣٦. (٤) «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٤٥٠ - ٤٥٢ (٢٥٢٨). (٥) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٦٨. وقال الشافعي في «مسنده»: حَدَّثَنَا سعيد بن سالم، عن سفيان بن سعيد، عن طاوس بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي أوفي قال: سألته عن الرجل لم يحج أيستقرض الحج؟ قال: لا (١). وقال الثوري: إن كان يقدر على الحج عن نفسه يحج عن نفسه، وإلا حج عن غيره، وحكاه النووي عن أبي ثور وداود أيضًا محتجين بأن الحج بما تدخله النيابة فجاز أن يؤديه عن غيره ممن لم يسقط فرضه عن نفسه كالزكاة. وروى ابن أبي شيبة في «مصنفه» عن وكيع، عن عمر بن ذر، عن مجاهد في الرجل يحج عن الرجل ولم يكن حج قط قال: يجزئ عنه وعن صاحبه الأول. وعن يزيد بن هارون، حدثنا حميد بن الأسود، عن جعفر، عن أبيه أن عليًّا كان لا يرى بأسًا أن يحج الصرورة عن الرجل. وحَدَّثَنَا يزيد بن هشام، عن الحسن، أنه كان لا يرى بأسًا أن يحج الضرورة عن الرجل. وعن ابن المسيب بإسناد جيد إن الله واسع لهما (٢). فرع: لو كان عليه قضاء ونذر قدم القضاء ثم النذر، فإن خبّط ترتب، وعند أبي حنيفة ومالك يقع عما نواه (٣). ------------ (١) «مسند الشافعي» ١/ ٢٨٤ (٧٤٥). (٢) «المصنف» ٣/ ١٨٨ (١٣٣٧٠ - ١٣٣٧٣). (٣) وقع في هامش الأصل: آخر ٩ من ٤ من تجزئة المصنف. ٢ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] ﴿فِجَاجًا﴾ [نوح: ٢٠]: الطُّرُقُ الوَاسِعَةُ. ١٥١٤ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَهُ، أَنَّ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الُحلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣/ ٣٧٩] ١٥١٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم، أَخْبَرَنَا الوَلِيدُ، حَدَّثَنَا الأوزَاعِيُّ، سَمِعَ عَطَاءً يُحَدِّثُ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما، أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ ذِي الحلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتهُ. رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم. [فتح: ٣/ ٣٧٩] ذكر فيه عن ابن عمر: قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يَرْكَبُ رَاحِلَتَهُ بِذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ يُهِلُّ حَتَّى تَسْتَوِيَ بِهِ قَائِمَةً. وعن عطاء، عن جابر بن عبد الله: أَنَّ إِهْلَالَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ. رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ -رضي الله عنهم -. الشرح: معنى ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: رجالة كما قاله ابن عباس (١)، وقرأه عكرمة مشددًا، وقرأ مجاهد رجالًا مخففًا، ويجوز رجلة ورجل --------------- (١) رواه الطبري في «تفسيره» ٩/ ١٣٥ - ١٣٦ (٢٥٠٥١ - ٢٥٠٥٤). ورجالًا، فهذِه ستة أوجه في جمع راجل، إلا أن ما روي عن مجاهد غير معروف، قال ابن عباس فيما ذكره ابن المنذر في الآية: هم المشاة والركبان على كل ضامر من الإبل. وروى محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: ما فاتني من شيء أشد علي إلا أن أكون حججت ماشيًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: ركبانًا، فبدأ بالرجال قبل الركبان (١). وذكر إسماعيل بن إسحاق، عن مجاهد قال: أهبط آدم بالهند فحج على قدميه البيت أربعين حجة. وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد أن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام حجا ماشيين (٢)، وحج الحسن بن علي خمسة وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد بين يديه (٣). وفعله ابن جريج والثوري، وحج رسول الله - ﷺ - راكبًا، وكذلك حديث ابن عمر وجابر في هذا الباب، وذلك كله مباح لكن الأظهر عندنا أن الركوب أفضل وفاقًا لمالك للاتباع ولفضل النفقة؛ فإن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله سبعمائة ضعف، كما أخرجه أحمد من حديث بريدة (٤). وقال المروذي: قرئ على أبي عبد الله، ثنا وكيع، ثنا فضيل -يعني: ابن عياض- عن ليث عن طاوس قال: حج الأبرار على الرحال (٥). -------------- (١) ذكره ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٨/ ٢٤٨٨ (١٣٨٨٥)، ورواه الخطيب في «تاريخه» ٧٤/ ٤٠٤ - ٤٠٥. (٢) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٢٢ (١٥٧٥٤). (٣) رواه الحاكم في «المستدرك» ٣/ ١٦٩، وذكره البيهقي ٤/ ٣٣١. (٤) «مسند أحمد» ٥/ ٣٥٤ - ٣٥٥. (٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٤٢٧ (١٥٧٩٩)، وأحمد في «الزهد» ص ٤٥١. وصحح جماعة أن المشي أفضل، وبه قال إسحاق؛ لأنه أشق على النفس، ولذلك بدأ به في الآية. وفي حديث صححه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعًا: «من حج إلى مكة ماشيًا حتَّى يرجع كتب له بكل خطوة سبعمائة حسنة من حسنات الحرم» فقيل: وما حسنات الحرم؟ قال: «كل حسنة بمائة ألف حسنة» (١). ولأبي موسى المديني بإسناده: «الحاج الراكب له بكل خف يضعه بعيره حسنة، والماشي له بكل خطوة يخطوها سبعون حسنة من حسنات الحرم» وفيه القدامي (٢). وفي «مستدرك الحاكم» من حديث أبي سعيد الخدري قال: حج رسول الله - ﷺ - وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة فقال: «اربطوا على أوساطكم مآزركلم وامشوا مشيًا خلط الهرولة» ثم قال: صحيح الإسناد (٣). قُلْتُ: ينظر هذا أو يبدأ بأصحابه (٤). -------------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٦٠ - ٤٦١. ورواه البيهقي ٤/ ٣٣١ وأشار لضعفه، ١٠/ ٧٨. وضعفه العلامة النووي في «المجموع» ٧/ ٧٤، والألباني في «الضعيفة» (٤٩٥). (٢) ورواه الديلمي كما في «الضعيفة» ٧/ ٤٩٦ عن عبد الله بن محمد بن ربيعة: حدثنا محمد بن مسلم الطائفي عن إبراهيم بن ميسرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعًا والحديث قال عنه الألباني ٧/ ٤٩٦ (٣٤٩٩): ضعيف جدًّا. والقدامي الذي ذكره المصنف هو عبد الله بن محمد بن ربيعة، ضعيف جدًا؛ قال الذهبي في «الميزان» ٣/ ٢٠٢ (٤٥٤٤): أحد الضعفاء، أتى عن مالك بمصائب. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣. والحديث رواه ابن ماجه (٣١١٩) وضعف إسناده البوصيري في «الزوائد» (١٠٢٦)، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٧٣٤). (٤) وقع في هامش الأصل تعليق يُقرأ: يعني أن يكون أصحابه مبتدأ ومنتهاه فسره.؟ قال ابن القصار: في قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ دليل قاطع لمالك أن الراحلة ليست من شرط السبيل، والمخالفون يزعمون أن الحج لا يجب على الرجالة، وهذا خلاف الآية. ولا نسلم له ما ذكره وأين القطع. وقول البخاري: (﴿فِجَاجًا﴾: الطرق الواسعة) اعترض عليه الإسماعيلي فقال: الفج: الطريق في الجبل بين الجبلين، فإذا لم يكن كذلك لم يسم الطريق فجًا. وليس بجيد منه؛ فقد قال ابن سيده: الفج: الطريق الواسع في جبل أو قبل جبل، وهو أوسع من الشعب، وقال ثعلب: هو ما انخفض من الطرق، وجمعه فجاج، وأفجة نادرة (١). وقال صاحب «المنتهى»: فجاج الأرض: نواحيها. وقال القزاز، وابن فارس (٢)، والفارسي في «مجمعه»: الفج: الطريق الواسع. وفي «التهذيب»: ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: واسع غامض (٣). وكذا ذكره أبو عبيد. وقال الطبري: يأتين من كل طريق ومكان ومسلك بعيد، وقال: ابن عباس، وقتادة: من كل مكان بعيد (٤)، والعميق في اللغة: البعيد، بئر عميق أي: بعيدة القعر. وقال الزجاج: ﴿يَأْتِينَ﴾ على معنى الإبل وعلى كل بعير ﴿ضَامِرٍ﴾ يعني: الجماعة. وقال الفراء: وقرئ (يأتون) فذهب إلى الركبان (٥). --------------- (١) «المحكم» ٧/ ١٦١. (٢) انظر: «المجمل» ٣/ ٧٠١. (٣) انظر: «تهذيب اللغة» للأزهري ٣/ ٢٧٤٢ - ٢٧٤٣. (٤) روى عنهما الطبري في «تفسيره» ٩/ ١٣٦ (٢٥٠٥٨ - ٢٥٠٦١). (٥) «معاني القرآن» للفراء ٢/ ٢٢٤. ![]()
__________________
|
|
#304
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 31 الى صـــ 50 الحلقة (304) وعزيت إلى ابن مسعود، وذكر بعضهم أنه يقال: ناقة ضامر فيجيء ﴿يَأتينَ﴾ مستقيمًا عليه وقيل: الضامرة: ما اتصف بذلك من جمل وناقة وغير ذَلِكَ، وهو الأظهر لكنه يتضمن معنى الجماعات أو الرفاق، فيحسن لذلك قوله: ﴿يَأْتِينَ﴾ وذكر أن العميق البعيد في المسافة، وذكر عن الفراء. وأما في الحفير في الأرض وشبهه، فهو بغين معجمة. وقوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ فقال ابن عباس وسعيد بن جبير: التجارة (١). زاد مجاهد وعطاء: ما يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة (٢). وقال أبو جعفر: المغفرة (٣)، واختاره إسماعيل بن إسحاق. وسيأتي الاختلاف في بدءِ إهلال رسول الله - ﷺ - بعد في موضعه إن شاء الله. وأحمد بن عيسى شيخ البخاري في حديث ابن عمر هو: التستري، وأخرجه البخاري عن شيخه هذا، عن ابن وهب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أخيه. والذي في «مسند ابن وهب» عبد الله، رواية يونس بن عبد الأعلى عنه، أنا يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يهل ملبدًا. وعطاء في حديث جابر هو ابن أبي رباح، وإن كان أيضًا ابن يسار روى عن جابر، لكن الأوزاعي لم يرو إلا عن ابن أبي رباح. والحديث من رواية الأوزاعي عنه. ------------ (١) رواه الطبري ٩/ ١٣٦ - ١٣٧ (٢٥٠٦٣)، (٢٥٠٦٥ - ٢٥٠٦٧). (٢) رواه الطبري عن مجاهد ٩/ ١٣٧ (٢٥٠٦٩ - ٢٥٠٧١). (٣) رواه الطبري ٩/ ١٣٧ (٢٥٠٧٤). واعترض الإسماعيلي فقال: ليس في الحديثين شيء بما ترجم الباب به. قُلْتُ: قد أسلفنا مناسبته، ولا شك أن ذا الحليفة فج عميق، وركوبه تفسير للضامر في الآية، وحديث أنس يأتي مسندًا في باب: من بات بذي الحليفة (١). وحديث ابن عباس أسنده في باب ما يلبس المحرم (٢). ------------ (١) برقم (١٥٤٦). (٢) برقم (١٥٤٥). ٣ - باب الحَجِّ عَلَى الرَّحْلِ ١٥١٦ - وَقَالَ أَبَانُ: حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارِ، عَنِ القَاسِمِ عنِ مُحَمَّدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَبٍ. وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الَحجِّ، فَإنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٣٨٠] ١٥١٧ - وَقَالَ مُحَمَّدُ بن أَبِي بَكْرٍ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَجَّ أَنَسً عَلَى رَحْلٍ، وَلم يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَجَّ عَلَى رحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. [فتح: ٣/ ٣٨٠] ١٥١٨ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمِ، حَدَّثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ، حَدَّثَنَا القَاسِمُ بن مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلم أَعْتَمِرْ. فَقَالَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ». فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ. [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح: ٣/ ٣٨٠] وَقَالَ أَبَانُ: ثَنَا مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - بَعَثَ مَعَهَا أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، وَحَمَلَهَا عَلَى قَتَب. وَقَالَ عُمَرُ - رضي الله عنه -: شُدُّوا الرِّحَالَ فِي الحَجِّ، فَإِنَّهُ أَحَدُ الجِهَادَيْنِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ: ثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا عَزْرَةُ بْنُ ثَابِتٍ، عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: حَجَّ أَنَسٌ عَلَى رَحْلٍ، وَلَمْ يَكُنْ شَحِيحًا، وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - حَجَّ عَلَى رَحْلٍ وَكَانَتْ زَامِلَتَهُ. ثم قال: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، ثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، ثَنَا أَيْمَنُ بْنُ نَابِلٍ وهو بالباء الموحدة قبل اللام، ثنَا القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، اعْتَمَرْتُمْ وَلَمْ أَعْتَمِرْ. فَقَالَ: "يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، اذْهَبْ بِأُخْتِكَ فَأَعْمِرْهَا مِنَ التَنْعِيمِ». فَأَحْقَبَهَا عَلَى نَاقَةٍ، فَاعْتَمَرَتْ. الشرح: التعليق الأول أخرجه أبو نعيم في «مستخرجه» من حديث عبدة بن عبد الله، نا حَرَمي بن عمارة، ثنا أبان، يعني: ابن يزيد العطار فذكره. والتعليق الثاني: وهو قوله. وقال محمد بن أبي بكر -وهو: المقدمي شيخ البخاري- ووقع في بعض النسخ: حَدَّثَنَا محمد بن أبي بكر، وقد وصله أيضًا الإسماعيلي فرواه عن يوسف القاضي وغيره عنه. وقال أبو نعيم: حَدَّثَنَا علي بن هارون وأبو الفرج النسائي، ثنا يوسف القاضي، ثنا محمد فذكره، ورَوى حجَّه على رَحْلٍ ابن أبي شيبة، ثنا وكيع، ثنا روح، عن يزيد بن أبان، عن أنس قال: حج رسول الله - ﷺ - على رحل وقطيفة لتساويان -أو قال لا تسوي- إلا أربعة دراهم (١). زاد ابن ماجه «اللهم حجة لا رياء فيها ولا سمعة» (٢) قال ابن أبي شيبة: وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن أبي سنان، عن عبد الله بن الحارث أن النبي - ﷺ - حج على رحل فاهتز -وقال مرة: فاجتيح- فقال: «لا عيش إلا عيش الآخرة» (٣). وحديث عائشة أخرجه الإسماعيلي أيضًا، ومستخرجه عن القاسم بن زكريا، عن محمد بن عبد الأعلى، ثنا المعتمر، عن أيمن به، وصريح إيراد البخاري أنه أخرج لأيمن استقلالًا كما قال المزي أنه متابعة. والرحل: مركب للبعير لا غير، والرحال جمع رحل (٤). ----------- (١) «المصنف» ٣/ ٤٢٧ (١٥٨٠٠). (٢) «سنن ابن ماجه» (٢٨٩٠). (٣) «المصنف» ٣/ ٤٢٧ (١٥٨٠١). (٤) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٧٠٧، «لسان العرب» ٣/ ١٦٠٨. والقتب -بالتحريك- رحل صغير على قدر السنام، قاله في «المنتهى»، والجمع أقتاب، ويجوز تأنيثه عند الخليل (١)، وغيره يرى أن قتيبة تصغير قتب وهو المعاء، وحكى ابن سيده كسر القاف وإسكان التاء أيضًا وقال هو أكاف البعير قال: وقيل: هو الأكاف الصغير على قدر سنام البعير (٢)، وقال في «المخصص»: وقيل: القَتَب لبعير الحمل، والقِتب لبعير السانية (٣). والزاملة: الدابة التي يحمل عليها من الإبل وغيرها (٤). قال القزاز: وهي بعير يستظهر به أي يحمل متاعه وطعامه عليه. وجزم به ابن التين وهذا الباب معقود لفضل الحج على الرواحل، وفعله الشارع تواضعًا لربه تعالى وإتعابًا لنفسه وضنًّا لبدنه شكرًا ويضحي يصيبه الحر والبرد ولئلا يتعجل شيئًا من حسناته وتتأسى به أمته. ومعنى أحقبها: أردفها (٥). والتنعيم: موضع بقرب مكة من جهة المدينة، وهو أول الحل (٦). وقول عمر: (فإنه أحد الجهادين) يعني: الحج سماه جهادًا؛ لأنه يجاهد فيه نفسه بالصبر على مشقة السفر، وترك الملاذ، ودرء الشيطان عن الشهوات. ------------- (١) «العين» ٥/ ١٣١. (٢) «المحكم» ٦/ ٢٠٩. (٣) «المخصص» ٢/ ٢٠٩. (٤) انظر: «الصحاح» ٤/ ١٧١٨ «النهاية في غريب الحديث» ٢/ ٣١٣، «لسان العرب» ٣/ ١٨٦٤. (٥) انظر: «الصحاح» ١/ ١١٤، «النهاية في غريب الحديث» ١/ ٤١٢، «لسان العرب» ٢/ ٩٣٧. (٦) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٣٢١، «معجم البلدان» ٢/ ٤٩. ٤ - باب فَضْلِ الحَجِّ المَبُرْورِ ١٥١٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سُئِلَ رسول الله - ﷺ -: أَيُّ الأَعمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبْرُورٌ». ١٥٢٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الُمبَارَكِ، حَدّثَنَا خَالِدٌ، أَخْبَرَنَا حَبِيبُ بْن أَبِي عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أمِّ الُمؤْمِنِينَ رضي الله عنها أنَهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبْرُورٌ». [١٨٦١، ٢٧٨٤، ٢٨٧٥، ٢٨٧٦ - فتح: ٣/ ٣٨١] ١٥٢١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا سَيَّارٌ أَبُو الَحكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا حَازِمِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لله، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمّهُ». [١٨١٩، ١٨٢٠ - مسلم: ١٣٥٠ - فتح: ٣/ ٣٨٢] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة: قَالَ: سُئِلَ رسول الله - ﷺ -: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «جِهَادٌ فِي سَبِيلِ اللهِ». قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: «حَجٌّ مَبرورٌ». وهذا الحديث سلف واضحًا في باب من قال: إن الإيمان هو: العمل، «والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (١)، كما أخرجاه من حديث أبي هريرة بزيادة في أوله: "العمرة إلى العمرة كفارة لما ------------- (١) برقم (٢٦) كتاب: الإيمان. بينهما«(١) ولأحمد من حديث جابر قالوا: يا رسول الله، ما الحج المبرور؟ قال:»إطعام الطعام، وإفشاء السلام، (٢) علقه محمد بن ثابت، قال أبو حاتم: حديث منكر شبه الموضوع (٣). وفي رواية للجُوزي: ما بره؟ قال: «العج والثج» قال: فإن لم يكن. قال: «طيب الكلام»، وللحاكم: «طيب الكلام» بدل «إفشاء السلام» ثم قال: صحيح الإسناد ولم يحتجا بأيوب بن سويد، لكن له شواهد كثيرة (٤)، وروى سعيد بن المسيب مرفوعًا: «ما من عمل بين السماء والأرض بعد الجهاد أفضل من حجة مبرورة، لا رفث فيها ولا فسوق ولا جدال». وقوله: «مبرور» قال ابن التين: يحتمل أن صاحبه أوقعه على وجه البر، وأصله أن لا يتعدى بغير حرف جر، ونقل عن بعضهم أنه قال: لعله يريد بمبرور وصف المصدر فتعدى إليه بغير حرف فجعله متعديًا، قال: وحديث: «المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» (٥) قيل: يريد به النافلة؛ لأنه سبق على الحج الجهاد، وليس فرضه كفرض الحج فيدل ذَلِكَ على أن هذا الحج نافلة. ثانيها: حديث عائشة: يَا رَسُولَ اللهِ، نَرى الجِهَادَ أَفْضَلَ العَمَلِ، أَفَلَا نُجَاهِدُ؟ قَالَ: «لَا، لكن أَفْضَلَ الجِهَادِ حَجٌّ مَبرورٌ». ----------- (١) سيأتي برقم (١٧٧٣) كتاب: العمرة، باب: وجوب العمرة وفضلها، ورواه مسلم (١٣٤٩) كتاب: الحج، باب: في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة. (٢) «مسند أحمد» ٣/ ٣٢٥. (٣) «علل ابن أبي حاتم» ٢/ ١١٨ - ١١٩ (٨٩٢). (٤) «المستدرك» ١/ ٤٨٣. (٥) سيأتي برقم (١٧٧٣). وهو من أفراده وأخرجه في موضع آخر بلفظ: استأذنت رسول الله - ﷺ - في الجهاد فقال: «جهادكن الحج» (١) وله عنها: «لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور» قالت: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رسول الله - ﷺ - (٢). وذكره في الجهاد عنها بلفظ: سأله نساؤه عن الجهاد، قال: «نعم الجهاد الحج» (٣) وفي آخر: واستأذنته عائشة، فقال: «جهادكن الحج» (٤) ولابن ماجه بإسناد على شرط الصحيح عنها قُلْتُ: يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: «نعم جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة» (٥). وضبطه (٦) الأصيلي بضم الكاف وتشديد النون، وكذا في أصل الدمياطي أيضًا، قال الشيخ أبو الحسن: وهو الذي تميل إليه نفسي، وسماه جهادًا لما أسلفنا في الباب قبله. قال ابن بطال: وإنما جعل الجهاد في حديث أبي هريرة أفضل من الحج؛ لأن ذَلِكَ كان في أول الإسلام، وقلت: وكان الجهاد فرضًا متعينًا على كل أحد، فأما إذا ظهر الإسلام وفشى، صار الجهاد من فروض الكفاية على من قام به، فالحج حينئذ أفضل ألا ترى قوله - عليه السلام - لعائشة: «أفضل جهادكن الحج» لما لم تكن من أهل (القتال) (٧) والجهاد ---------- (١) سيأتي برقم (٢٨٧٥) كتاب: الجهاد والسير، باب: جهاد النساء. (٢) سيأتي برقم (١٨٦١) كتاب: جزاء الصيد، باب: حج النساء. (٣) سيأتي برقم (٢٨٧٦). (٤) سبق تخريجه برقم (١٨٧٥). (٥) «سنن ابن ماجه» (٢٩٠١)، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه». (٦) كتب فوقها في الأصل: أي ضبط لكنَّ. (٧) في الأصل يقارب رسمها: الفنا، والمثبت من ابن بطال، وفي إحدى نسخه كما في الأصل، على ما أشار محققوه. للمشركين، فإن حل العدو ببلدة واحتيج إلى دفعه وكان له ظهور وقوة وخيف منه توجه فرض الجهاد على الأعيان وصار أفضل من الحج (١). وكذا قال ابن التين الحج أفضل، وقال المهلب: وقوله: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» يفسر قوله: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] أنة ليس على الفرض لملازمة البيوت، كما زعم من أراد تنقيص أم المؤمنين في خروجها إلى العراق للإصلاح بين المسلمين، وهذا الحديث يخرج الآية عما تأولوها؛ لأنه قال: «لكن أفضل الجهاد حج مبرور» فدل أن لهن جهادًا غير الحج، والحج أفضل منه، فإن قيل: النساء لا يحل لهن الجهاد قيل: قالت حفصة: قدمت علينا امرأة غزت مع رسول الله - ﷺ - ست غزوات، وقالت: كنا نداوي الكلمى ونقوم على المرضى. وهو في الصحيح (٢)، وكان - عليه السلام - إذا أراد الغزو أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها غزا بها (٣). قال: في هذا وفي إذن عمر لهن بالحج إبطال إفك المشغبين، وكذب الرافضة فيما اختلقوه من الكذب من أنه - عليه السلام - قال لأزواجه: «هذِه ثم ظهور الحصر» (٤)، وهذا ظاهر لا خلاف؛ لأنه حضهن على الحج وبشرهن أنه أفضل جهادهن، وأذن عمر لهن، وسير عثمان معهن. يعني الحديث المذكور آخر كتاب الحج حجة قاطعة على ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٠. (٢) سيأتي برقم (١٦٥٢) كتاب: الحج، باب: تقصير الحائض المناسك كلها إلا الطواف. (٣) سيأتي برقم (٢٦٦١) كتاب: الشهادة، باب: تعديل النساء بعضهن بعضًا، ورواه مسلم برقم (٢٧٧٠) كتاب: التوبة، باب: في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف. وانظر: «شرح ابن بطال»٤/ ١٩١. (٤) سيأتي تخريجه قريبًا. ما كذب به عليه في أمر أم المؤمنين، وكذا قولهم عنه أنه قال لها: «تقاتلي عليًّا وأنت له ظالمة» فإنه لا يصح. قُلْتُ: حديث «ثم ظهور الحصر» أخرجه أبو داود في «سننه» من حديث أبي واقد الليثي، عن أبيه بإسناد جيد (١)، وأما حديث: «تقاتلي عليًّا وأنت له ظالمة» فليس بمعروف، والمعروف أن هذا قاله للزبير بن العوام مع ضعفه. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: سَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ حَجَّ لله، فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ». هذا الحديث أخرجه مسلم بألفاظ ليس فيه لفظة (لله) منها: «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه» (٢). ومنها: «من حج فلم يرفث ولم يفسق». وهذا الحديث من قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] والرفث: الجماع أو التعريض به أو القبيح من القول. والفسوق: المعاصي كلها أو الذبح لغير الله أو إتيان المعاصي في الحرم أو السباب، أقوال. وقال ربيعة: هو قول الزور. وقرئ (فلا رفوث ولا فسوق) وكذا هو في مصحف عبد الله، وزعم ابن حزم أنه لا يحرم على المحرم إلا الإيلاج فقط، ويباح له أن يقبلها ويباشرها قال: لأن الله تعالى لم ينه إلا عن الرفث، وهو الجماع فقط ولا عجب أعجب ممن نهى عن ذَلِكَ، ولم ينه الله تعالى ولا رسوله عن ذَلِكَ (٣). ------------- (١) «سنن أبي داود» برقم (١٧٢٢). وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥١٥). (٢) مسلم (١٣٥٠). (٣) «المحلى» ٧/ ٢٥٤ - ٢٥٥. ٥ - باب فَرْضِ مَوَاقِيتِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ ١٥٢٢ - حَدَّثَنَا مَالِكٌ بنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ قَالَ: حَدَّثَنِي زَيْدُ بْنُ جُبَيْرِ: أنَهُ أَتَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي مَنْزِلهِ -وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ- فَسَأَلْتُهُ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأهلِ نَجْدٍ قَرْنَا، وَلأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الُحلَيفَةِ، وَلأهْلِ الشاْمِ الجُحْفَةَ. ذكر فيه حديث زيد بن جبير أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ الله بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي مَنْزِلِهِ -وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ- فَسَأَلْتُهُ: مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ؟ قَالَ: فَرَضَهَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَا، وَلأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ. هذا الحديث من أفراد البخاري من هذا الوجه. وزيد بن جُبير -بضم الجيم- ثقة (١)، وهو غير زيد بن جَبيرة (ت. ق) -بالفتح- الواهي (٢). ----------- (١) زيد بن جبير بن حرمل، الطائي، الكوفي، من بني جشم بن معاوية، قال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: صالح الحديث، وقال العجلي: ثقة ليس بتابعي في عداد الشيوخ، وقال النسائي: ليس به بأس، ووثقه ابن معين، وذكره ابن حبان في «الثقات». انظر: «التاريخ الكبير» ٣/ ٣٩٠ (١٢٩٨)، «معرفة الثقات» ١/ ٣٧٧ (٥٢٤)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٥٨ - ٥٥٩ (٢٥٢٧)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٣٢ - ٣٣ (٢٠٩٢). (٢) زيد بن جبيرة بن محمود بن أبي جبيرة بن الضحاك الأنصاري، أبو جبيرة المدني قال ابن معين: لا شيء، وقال البخاري: منكر الحديث. وقال في موضع آخر: متروك. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث منكر الحديث جدًّا، متروك الحديث، لا يكتب حديثه روى له الترمذي وابن ماجه. انظر ترجمته في: «التاريخ الكبير» ٣/ ٣٩٠ (١٢٩٩)، «الجرح والتعديل» ٣/ ٥٥٩ (٢٥٢٨)، «تهذيب الكمال» ١٠/ ٣٤ - ٣٥ (٢٠٩٣). ومعنى فرضها: وقتها وبينها، فمن تعداه وأحرم بعده صح حجه وعليه دم، إلا أن يعود إليه قبل الطواف. والنجد: اسم للمكان المرتفع، ويسمى المنخفض: غورًا، وقيل: سمي به لصلابة الأرض وكثرة حجارته وصعوبته (١)، حكاه القزاز قال: وقيل: سمي لاستيحاش داخله، وحُكي ضم نون نجد. قال الكلبي: وهو ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب إلى الطائف، فالطائف من نجد، وكذا المدينة وأرض اليمامة والبحرين إلى عمان، ونجد تسعة مواضع نبه عليه ياقوت (٢). و(قرن) هو موضع معروف كانت فيه وقعة لغطفان على بني عامر يقال له يوم قرن، وهو بفتح الراء وإسكانها، والإسكان أعرف فمن سكن أراد الموضع ومن فتح أراد به اقتران رءوس الجبلين (٣). قال ابن التين: رويناه بالسكون. وعن الشيخ أبي الحسن أن الصواب فتحها، وعن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن: إن قلت: قرن المنازل أسكنت، وإن قلت: قرنًا فتحت، وهو على يوم وليلة من مكة. وذو الحليفة: ماء من مياه بني جُشَم على ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: أربعة من المدينة، ووقع في «الشامل» و«البحر» و«الرافعي»: أن بينها وبين المدينة ميلًا، وهو غريب. و(الشأم) مهموز ويجوز تخفيفه بحذفها. و(الجحفة) قرية جامعة بين مكة والمدينة، سميت بذلك؛ لأن السيل أجحفها أي: استأصلها، وذلك أن العماليق أخرجوا إخوة عابد من ------------ (١) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٢٦١. (٢) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٢٦١ - ٢٦٢. (٣) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ٣٣٢. يثرب فنزلوها، فجاء سيل فأجحفهم، وهي على ثمان مراحل من المدينة، ومصر والمغرب كالشام كما سيأتي في المواقيت (١). و(الفسطاط) -بضم الفاء وكسرها- الخباء (٢). والسرادق: ما يجعل حول الخباء بينه وبينه فسحة كالحائط (٣)، وظاهره أن ابن عمر كان معه أهله وأراد سترهن بذلك لا للتفاخر. وأما حكم الباب فإجماع أئمة الفتوى قائم على أن المواقيت في الحج والعمرة واجبة، وهي توسعة ورخصة يتمتع المرء بحلها حتَّى يبلغها. قال ابن بطال: ولا أعلم أحدًا قال: إن المواقيت من فروض الحج، وهذا الباب رد على عطاء والنخعي والحسن فإنهم زعموا أنه لا شيء على من ترك الميقات ولم يحرم وهو يريد الحج والعمرة، وهو شاذ، ونقل ابن بطال عن مالك وأبي حنيفة والشافعي أنه يرجع من مكة إلى الميقات. واختلفوا إذا رجع هل عليه دم أم لا؟ فقال مالك ورواية عن الثوري: لا يسقط عنه الدم برجوعه إليه محرمًا، وهو قول ابن المبارك. وقال أبو حنيفة: إن رجع إليه فلبّى فلا دم عليه، وإن لم يلب فعليه الدم. وقال الثوري وأبو يوسف ومحمد والشافعي: لا دم عليه إذا رجع إلى الميقات بعد إحرامه على كل وجه (٤). أي: قبل أن يطوف بالبيت، فإن طاف فالدم باق ولو رجع عندنا. -------------- (١) انظر: «معجم البلدان» ٢/ ١١١. (٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ٢٦٣. (٣) انظر: «لسان العرب» ٤/ ١٩٨٨. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٢. ٦ - باب قَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] ١٥٢٣ - حَدَّثَنَا يحيى بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا شَبَابَةُ، عَنْ وَرْقَاءَ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيقُولُونَ: نَحْنُ الُمتَوَكِّلُونَ. فَإِذَا قَدِمُوا مَكَةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. رَوَاهُ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. فيه: ورقاء عَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: كَانَ أَهْلُ اليَمَنِ يَحُجُّونَ وَلَا يَتَزَوَّدُونَ وَيَقُولُونَ: نَحْنُ المُتَوَكِّلُونَ. فَإذَا قَدِمُوا مَكَّةَ سَأَلُوا النَّاسَ، فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧]. رَوَاهُ ابن عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا. الشرح: رواية ابن عيينة هذِه أخرجها الإسماعيلي عن يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا سعيد بن عبد الرحمن أبو عبيد الله المخزومي، ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى، الحديث. قال ابن صاعد: هكذا أنبأنا به أبو عبيد الله في كتاب المناسك فقال فيه: عن ابن عباس، قال: وثنا به في حديث عمرو فلم يجاوز عكرمة، مرسلًا. واختلف في المراد بالتقوى فقال ابن عباس: إن من التقوى أن لا يتعرض الرجل إلى ما يحرم عليه من المسألة، وهذا هو المعني عليه دون قول عكرمة: إن التقوى السويق والكعك، وكذا قاله سعيد بن جبير. قال ابن بطال عقبه: وليس هذا من سعيد، على أن هذِه الأصناف من الأزواد هي التي أبيحت في الحج دون ما سواها، ولكنه على إفهام السائل أن المراد هو: الزاد الذي هو قوام الأبدان لا على التزود من الأعمال، ثم أتبع ذَلِكَ بقوله: ﴿فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] وكأن هذا أن من التقوى ترك التعرض بحال من الأحوال التي تحوج أهلها إلى المسألة المحرمة عليهم. وفيه -كما قال المهلب- من الفقه: أن ترك سؤال الناس من التقوى، ألا ترى أن الله تعالى مدح قومًا فقال: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] وكذلك معنى آية الباب أي: تزودوا فلا تؤذوا الناس بسؤالكم إياهم، واتقوا الإثم في أذاهم بذلك. وفيه: أن التوكل لا يكون مع السؤال؛ وإنما التوكل على الله تعالى دون استعانة بأحد في شيء؛ ويبين ذَلِكَ قوله: «يدخل الجنة سبعون ألفًا بغير حساب، وهم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون» (١) فهذِه أسباب التوكل وصفاته. وقال الطحاوي: لما كان التزود فيه ترك المسألة المنهي عنها في غير الحج، وكانت حرامًا على الأغنياء قبل الحج كانت في الحج أوكد حرمة (٢). ----------- (١) سيأتي برقم (٥٧٠٥) كتاب: الطب، باب: من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٢ - ١٩٣. وقوله: فإذا قدموا المدينة، كذا في أصل الدمياطي، وفي ابن بطال: مكة بدل المدينة (١)، وكذا هو في شرح شيخنا علاء الدين، وفي بعض النسخ أيضًا. --------------- (١) المصدر السابق. ٧ - باب مُهَلِّ أَهْلِ مَكَّةَ لِلْحَجِّ وَالعُمْرَةِ ١٥٢٤ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا ابن طَاوُسِ، عن أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وقَّتَ لأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الحلَيْفَةِ، وَلأهلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ الَمنَازِلِ، وَلأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لَهنَّ وَلمِنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الَحجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتى أَهْلُ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ. ذكر فيه حديث ابن عباس أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأَهْلِ المَدِينَةِ ذَا الحُلَيْفَةِ، وَلأَهْلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، وَلأَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُن لَهُنَّ وَلمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِن مِمَّنْ أَرَادَ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكةَ مِنْ مَكةَ. ثم ترجم عليه: ٨ - باب مِيقَاتِ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَلَا يُهِلُّوا قَبلَ ذِي الحُلَيْفَةِ ١٥٢٥ - حَدّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّامِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». قَالَ عَبْدُ اللهِ: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». [انظر: ١٣٣ - مسلم: ١١٨٢ - فتح: ٣/ ٣٨٧] وذكر من حديث نافع عن ابن عمر: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَأَهْلُ الشَّأْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَأَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ». قَالَ عَبْدُ الله: وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: «وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ». ثم قال: ٩ - باب مُهَلِّ أَهْلِ الشَّاْمِ ١٥٢٦ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدّ، حَدَّثَنَا حَمَّادْ، عَنْ عَمْرٍو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: وَقَّتَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الُحلَيْفَةِ، وَلأهلِ الشَّأْمِ الجُحْفَةَ، وَلأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ الَمنَازِلِ، وَلأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنُّ لَهُنَّ وَلَمِنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِن، لَمِنْ كانَ يُرِيدُ الَحجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. وذكر فيه حديث ابن عباس السالف، وقال: فَهُنَّ لَهُنَّ وَلمَنْ أَتَى عَلَيْهنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، لِمَنْ كَانَ يُرِيدُ الحَجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمُهَلُّهُ مِنْ أَهْلِهِ، وَكَذَاكَ حَتَّى أَهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. ثم قال: ١٠ - باب مُهَلِّ أَهْلِ نَجْدٍ ١٥٢٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَفِظْنَاهُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالمٍ، عَنْ أَبِيهِ: وَقَّتَ النَّبِيُّ - ﷺ -. ١٥٢٨ - وحَدثني أَحْمَدُ ثنا، حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزهري به، «مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفَةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةُ وَهِيَ الجُحْفَةُ، وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ». قَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: وزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ-وَلَمْ أَسْمَعْهُ-: «وَمُهَلُّ أَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ». وذكر فيه حديث سفيان قال: حَفِظْنَاهُ مِنَ الزهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ: وَقَّتَ النَّبِيُّ - ﷺ -. ثم قال: وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ، ثَنَا ابن وَهْب قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ الزهري به: «مُهَلُّ أَهْلِ المَدِينَةِ ذُو الحُلَيْفًةِ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّأْمِ مَهْيَعَةُ وَهِيَ الجُحْفَةُ، وَأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ». قَالَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما: وزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - قَالَ -وَلَمْ أَسْمَعْهُ-: «وَمُهَلُّ أَهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمُ». ![]()
__________________
|
|
#305
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 51 الى صـــ 70 الحلقة (305) ١١ - باب مُهَلِّ مَنْ كَانَ دُونَ المَوَاقِيتِ ١٥٢٩ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الُحلَيْفَةِ، وَلأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وَلأهلِ نَجْدٍ قَرْنًا، فَهُنَّ لَهُنَّ وَلَمِنْ أَتَى عَلَيهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ كَانَ يُرِيدُ الَحجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. [انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٣/ ٣٨٨] فذكر فيه حديث ابن عباس السالف وفيه: وَلأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن وقال: فَمَنْ كَانَ دُونَهُنَّ فَمِنْ أَهْلِهِ، حَتَّى إِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا. ثم قال: ١٢ - باب مُهَلِّ أَهْلِ اليَمَنِ ١٥٣٠ - حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَقَّتَ لأهلِ الَمدِينَةِ ذَا الحلَيْفَةِ، وَلأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، وَلأهلِ نَجْدٍ قَرْنَ الَمنَازِلِ، وَلأهلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، هُنَّ لأهلِهِنَّ وَلكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِم مِمَّنْ أَرَادَ الَحجَّ وَالعُمْرَةَ، فَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ، حَتَّى أَهْلُ مَكةَ مِنْ مَكةَ. [انظر: ١٥٢٤ - مسلم: ١١٨١ - فتح: ٣/ ٣٨٨] وذكر فيه حديث ابن عباس المذكور: (وَلِكُلِّ آتٍ أَتَى عَلَيْهِنَّ) الشرح: حديث ابن عباس وابن عمر أخرجهما مسلم أيضًا (١)، وعليهما مدار المواقيت، وأخرجه مسلم من حديث أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يُسأل عن المهل فقال: سمعت -أحسبه- رفع إلى رسول الله - ﷺ - فقال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة والطريق الآخر الجحفة، ومهل أهل العراق من ذات عرق، ومهل أهل نجد من قرن، ومهل أهل اليمن من يلملم» (٢) وهو من أفراده، وانفرد البخاري بحديث ابن عمر، عن عمر، وترجم عليه: ---------- (١) حديث ابن عباس أخرجه مسلم برقم (١١٨١) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والعمرة، حديث ابن عمر أخرجه برقم (١١٨٢). (٢) مسلم (١١٨٣). ١٣ - باب ذَاتُ عِرْقٍ لأَهْلِ العِرَاقِ ١٥٣١ - حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ نَافِع، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. [فتح: ٣/ ٣٨٩] ولفظه عن ابن عمر: لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ المِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - حَدَّ لأَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا، وَإِنَّا إِنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شَقَّ عَلَيْنَا. قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ. فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ. إذا عرفت؛ ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: في بيان الأماكن الواقعة فيه غير ما سلف، اليمن: إقليم معروف. ويلملم ويقال: ألملم، بالهمز بدلًا من الياء، يصرف ولا يصرف: جبل من جبال تهامة على ليلتين من مكة، ويقال: يرمرم، بالراء (١). وذات عرق على مرحلتين من مكة وهي الحد بين نجد وتهامة (٢). و(مَهْيَعَة) -بفتح الميم والياء، وبعضهم كسر الياء، حكاه القرطبي (٣) وصححه ابن التين، والأول ما في «الصحاح» (٤). ------------ (١) انظر: «معجم البلدان» ٥/ ٤٤١. (٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٠٧ - ١٠٨. (٣) «المفهم» ٣/ ٢٦٢. (٤) «الصحاح» ٣/ ١٣٠٩ وانظر تفصيل هذِه الأقوال في «معجم البلدان» ٥/ ٢٣٥. قال ابن الصباغ والروياني: وأبعد المواقيت ذو الحليفة فإنها على عشرة مراحل من مكة، ويليه في البعد الجحفة أي: فإنها على ثلاث مراحل من مكة، والمواقيت الثلاثة على مسافة واحدة، بينها وبين مكة ليلتان قاصدتان. والمُهل -بضم الميم، وإنما يفتحها من لا يعرف، كما نبه عليه ابن الجوزي- والإهلال: رفع الصوت بالتلبية. وقولهم لعمر: (وهو جور عن طريقنا)، يعنون وهو: منحرف ومنعدل عنه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ [النحل: ٩] أي: غير قاصد، ومنه: جار السلطان إذا عدل في حكمه عن الحق إلى الباطل. والمصران: البصرة والكوفة، وإنما فتح البلد الذي هما به ولم تكونا مُصِّرَتا بعد، إنما مَصَّرهما عمر بعد ذَلِكَ. الثاني: في النسائي من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل الشام ومصر الجحفة، ولأهل العراق ذات العرق (١). وفي إسناده أحمد بن حميد المدني، احتج به الشيخان، ووثقه يحيى بن معين وغيره، وعن أحمد إنكار روايته له هذا الحديث، وأما ابن حزم فصححه (٢). وروى الشافعي في «الأم» عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج، عن عطاء أن رسول الله - ﷺ - وقت لأهل المغرب الجحفة الحديث (٣)، وهذا ----------- (١) «سنن النسائي» ٥/ ١٢٣ كتاب: مناسك الحج، باب: المواقيت، ميقات أهل مصر، وصححه الألباني في «صحيح النسائي». (٢) «المحلى» ٧/ ٧١. (٣) «الأم» ٢/ ١٣٧ كتاب: الحج، باب: الخلاف فيمن أهل بحجتين أو عمرتين. مرسل يعتضد بقيام الإجماع على مقتضاه، وأيضًا فرواه الشافعي متصلًا من حديث جابر، لكن مع الشك في رفعه، ففي ذَلِكَ زيادة مصر والمغرب (١)، وحديث جابر السالف من عند مسلم (٢) أخرجه ابن ماجه من غير شك قال: خطبنا رسول الله - ﷺ - فقال الحديث، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخُوزي ضُعِّف (٣). ورواه ابن وهب في «مسنده» عن ابن لهيعة، عن أبي الزبير عنه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول، فذكره. وقال البيهقي: الصحيح رواية ابن جريج، قال: وكقول ابن لهيعة قيل: عن أبي الزناد، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزبير، قال: ويحتمل أن يكون جابر سمع ذَلِكَ من عمر بن الخطاب (٤). ولأحمد من حديث جابر وعبد الله بن عمرو قالا: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل اليمن وأهل تهامة يلملم، ولأهل الطائف -وهي: نجد- قرن، ولأهل العراق ذات عرق (٥). وفي إسناده الحجاج بن أرطأة، وأخرجه الطبراني في «الأوسط» بدونه من طريق جعفر بن برقان، عن ميمون بن مهران، عن ابن (عمر) (٦) وقال: لم يروه عن ميمون إلا ابن برقان (٧). ----------- (١) «مسند الشافعي» ١/ ٢٩٠ (٧٥٦) كتاب: الحج، باب: في مواقيت الحج والعمرة الزمانية والمكانية. (٢) مسلم (١١٨٣/ ١٨) كتاب: الحج، باب: مواقيت الحج والمعمرة. (٣) «سنن ابن ماجه» (٢٩١٥) كتاب: المناسك، باب: مواقيت أهل الآفاق. (٤) «السنن الكبرى» ٥/ ٤٠ كتاب: الحج، باب: ميقات أهل العراق. (٥) حديث جابر أخرجه أحمد ٢/ ١٨١، وحديث ابن عمر أخرجه ٢/ ١١. (٦) في الأصل: عمرو، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر التخريج. (٧) «الأوسط» ٥/ ١٦٥ (٤٩٥٨). وله من حديث جعفر، ثنا عمرو بن دينار، عن طاوس، عن ابن عباس يرفعه: «ولأهل الطائف قرنًا» وقال: لم يروه عن جعفر إلا أبو نعيم (١). وللترمذي محسنًا من حديث ابن عباس: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل المشرق العقيق (٢). وقال البيهقي: تفرد به يزيد بن أبي زياد (٣). ولأحمد من طريقه: ولأهل العراق ذات عرق. ولابن أبي أسامة ذكر الطائف والعراق. ولأبي داود من حديث الحارث بن عمرو السهمي: وقت رسول الله - ﷺ - ذات عرق لأهل العراق. الحديث (٤). قال البيهقي: فيه من هو غير معروف (٥). وللشافعي أخبرنا مسلم (و) (٦) سعيد، عن ابن جريج، أخبرني عطاء أن النبي - ﷺ - وقت لأهل المشرق ذات عرق، قال: فراجعت عطاء فقلت: زعموا أن النبي - ﷺ - لم يوقت ذات عرق، ولم يكن أهل مشرق حينئذ قال: كذلك سمعناه أنه وقت ذات عرق أو العقيق لأهل المشرق، ولم يكن يومئذ عراق، ولم يعزه لأحد دون رسول الله - ﷺ -، ولكنه يأبى إلا أن النبي - ﷺ - وقته (٧). ------------ (١) «الأوسط» ٥/ ١٦٥ (٤٩٦٠). (٢) «سنن الترمذي» (٨٣٢) كتاب: الحج، باب: ما جاء في مواقيت الإحرام لأهل الآفاق. (٣) «السنن الكبرى» ٥/ ٢٨. (٤) «سنن أبي داود» (١٧٤٢) كتاب: المناسك، باب: في المواقيت، وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» ٥/ ٤٢٢ (١٥٢٩). (٥) «معرفة السنن» ٧/ ٩٦. (٦) في الأصل: بن. والمثبت من «مسند الشافعي». (٧) «مسند الشافعي» ١/ ٢٩١ (٧٥٨). وحكى ابن عبد البر في «تمهيده» عن صدقة بن يسار قال: قيل لابن عمر: والعراق قال: لا عراق يومئذ (١). ولأبي داود من حديث أم سلمة أنها سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ووجبت له الجنة» (٢) وأخرجه ابن ماجه أيضًا، وصححه ابن حبان (٣)، وخالف ابن حزم فأعله (٤) بما بينت غلطه في تخريجي لأحاديث الرافعي (٥). وفي «مراسيل أبي داود» عن ابن سيرين قال: وقت رسول الله - ﷺ - لأهل مكة التنعيم قال: وقال سفيان هذا الحديث لا يكاد يعرف (٦). الثالث: شيخ البخاري أحمد المذكور في باب مهل أهل نجد، قال أبو نعيم: هو ابن عيسى التستري، قال الجياني: وكذا نسبه أبو ذر في هذا الموضع. وقال الكلاباذي: قال لي أبو أحمد محمد بن إسحاق الحافظ أحمد عن ابن وهب في «جامع البخاري» هو ابن أخي ابن وهب، وغلطه الحاكم أبو عبد الله، قال الكلاباذي: قال لي ابن مسنده أبو عبد الله: كل ما قال البخاري في «الجامع»: حَدَّثَنَا أحمد عن ابن وهب فهو: ---------- (١) «التمهيد» ٨/ ٦٩. (٢) رواه أبو داود (١٧٤١) كتاب: المناسك، باب: في المواقيت، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» ١٠/ ١٤٤ (٣٠٧). (٣) «سنن ابن ماجه» (٣٠٠١) كتاب: المناسك، باب: من أهل بعمرة من بيت المقدس، وصححه ابن حبان في «صحيحه» ٩/ ١٤ (٧٠١)، وضعفه الألباني. (٤) «المحلى» ٧/ ٧٦. (٥) «البدر المنير» ٦/ ٩٢ - ٩٧٨، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٣٠٧). (٦) «مراسيل أبي داود» ص ١٤٥ (١٣٥ - ١٣٦). ابن صالح ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب شيئًا في «الصحيح»، وإذا حدَّث عن أحمد بن عيسى نسبه، فتحصلنا على ثلاثة أقوال (١). الرابع: معنى توقيته - ﷺ - هذِه المواقيت لكل بلد لا يجوز تأخير الإحرام لمريد النسك عنها، ثم كلها ثابتة بالنص ومجمع عليها، نعم اختلف في ذات عرق هل هي ميقات بالنص أو باجتهاد عمر، واضطرب الترجيح عندنا فيه، والمنصوص عليه في «الأم» الثاني (٢)، كما هو مبين في حديث الباب، وقد أسلفناه مرفوعًا أيضًا، وهو قول ابن عباس وابن عمر وعطاء، وقال جابر بالأول (٣). واعتل من قال به؛ لأن العراق فتحت في زمانه، ولم تكن العراق على عهده - عليه السلام -، وجوابه: أنه قد وقت لأهل الشام الجحفة، وهي يومئذ ذات كفر، وكذا مصر؛ لأنه علم أنها ستفتح على أمته، يؤيده: «منعت العراق دينارها ودرهمها، ومنعت الشام مديها» (٤) يعني: ستفتح، وحديث: «سيبلغ ملك أمتي ما زوي لي منها» (٥). قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر الحديث (٦). يعني: حديث ابن عمر وابن عباس، واختلفوا فيما يفعل -------------- (١) «تقييد المهمل» ٣/ ٩٤٤ - ٩٥٦. وورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثاني بعد العشرين، كتبه مؤلفه. (٢) «الأم» ٢/ ١١٧ - ١١٨. (٣) سبق تخريجها. (٤) رواه مسلم (٢٨٩٦) كتاب: الفتن، باب: لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب. (٥) رواه مسلم (٢٨٨٩) كتاب: الفتن، باب: هلاك هذِه الأمة. (٦) «الإجماع» لابن المنذر ص ٦١. من مرّ بذات عرق، فثبت أن عمر وقته لأهل العراق، ولا يثبت فيه عن النبي - ﷺ - سنده. وقال ابن حزم: الخبر بيَّنا ضعفه وإنما حد عمر ما حده لهم رسول الله - ﷺ -، ورواية من سمع وعلم أتم من رواية من لم يسمع، وكان أنس يحرم من العقيق، واستحب ذَلِكَ الشافعي والثوري (١). وهو: وادٍ وراء ذات عرق بما يلي المشرق يقرب منها (٢)؛ لأن من أحرم منه كان محرمًا منها ولا عكس، وكان مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق (٣). قال أبو بكر: الإحرام من ذات عرق يجزئ، وهو من العقيق أحوط، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة، وروي ذَلِكَ عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن، ولولا سنة عمر لكان هو أشبه بالنظر؛ لأن المعنى عندهم في ذات عرق أنه بإزاء قرن والربذة بإزاء ذي الحليفة قال أبو بكر: وقول عمر بن الخطاب أولى أن يهلوا من المواقيت التي ذكرناها، وأحرم الشارع من الميقات الذي سنه لأهل المدينة، وترك أن يحرم من سواه، وتبعه عليه أصحابه وعوام أهل العلم. قال الطحاوي: وأخذ قوم بحديث ابن عمر وابن عباس وذهبوا إلى أن أهل العراق لا ميقات لهم في الإحرام كميقات سائر أهل البلدان، ------------- (١) «الأم» ٢/ ١١٨. (٢) انظر: «معجم البلدان» ٤/ ١٣٩ - ١٤٠. (٣) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٩٤، «الكافي لابن عبد البر» ص ١٤٨، «الأم» ٢/ ١١٨، «المغني» ٥/ ٥٦ - ٥٧. وإنما يهلون من حيث مروا عليه من هذِه المواقيت (١). وأجمع أهل العلم على أن من أحرم قبل أن يأتي الميقات أنه يحرم (٢). واختلفت الأخبار عن الأوائل في هذا الباب، فثبت أن ابن عمر أهل من إيلياء -يعني: بيت المقدس- كما سيأتي (٣)، وكان عبد الرحمن والأسود وعلقمة وأبو إسحاق يحرمون من بيوتهم (٤)، ورخص فيه الشافعي (٥). وقد روينا عن عمر أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة (٦)، وكره الحسن وعطاء ومالك الإحرام من المكان البعيد (٧)، وكان الشافعي يقول: إذا مر بذي الحليفة وهو يريد الحج والعمرة فلم يحرم فعليه دم، وبه قال الليث والثوري (٨). واختلف فيه أصحاب مالك: فمنهم من أوجبه، ومنهم من لم يوجبه (٩). وكره أحمد وإسحاق مجاوزة ذي الحليفة إلى الجحفة (١٠). ----------- (١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١٧ - ١١٨. (٢) انظر: «الإجماع لابن المنذر» ص ٤٨. (٣) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٢١ كتاب: الحج، باب: تعجيل الإحرام من رخص أن يحرم من الموضع البعيد. (٤) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٣/ ١٢٢ عن الأسود. (٥) «الأم» ٢/ ١١٩. (٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٣ - ١٢٤. (٧) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٦، «الكافي لابن عبد البر» ص ١٤٨. (٨) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٨٤، «الأم» ٢/ ١١٩. (٩) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٨٣. (١٠) انظر: «المغني» ٥/ ٦٤. وقال ابن المسيب وغيره: يهل من مهل رسول الله - ﷺ -، وكان أبو ثور يرخص أن يجاوز من مر بذي الحليفة إلى الجحفة، وبه قال أصحاب الرأي، غير أن الوقت أحب إليهم (١)، وبهذا نقول، وكانت عائشة إذا أرادت الحج أحرمت من ذي الحليفة، وإذا أرادت العمرة أحرمت من الجحفة، ووقع في «شرح ابن التين» أن الأفضل في حق أهل الشام ومصر والمغرب أن يهلوا من ذي الحليفة، وهو عجيب. واختلفوا فيمن جاوز الميقات غير محرم، فقال الثوري والشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد: يرجع إلى الميقات، فإن لم يفعل إهراق دمًا (٢). وكان جابر بن زيد والحسن وسعيد بن جبير يرون أن يرجع إلى الميقات إذا تركه، وفي قول الشافعي والثوري وأبي ثور ومحمد ويعقوب: إن جاوزه فأحرم ثم رجع فلا شيء عليه وإلا قدم (٣). كما أسلفناه في بادٍ فرض مواقيت الحج والعمرة. وقال مالك كقول هؤلاء: إذا لم يرجع عليه دم، وإن جاوزه فأحرم ثم رجع إليه لم ينفعه الرجوع والدم عليه (٤). وقال ابن المبارك: لا يسعه الرجوع والدم عليه. وقال النعمان: إن جاوزه وأحرم فان رجع ملبيًّا سقط وإلا فلا، وقد سلف أيضًا. وفي المسألة أقاويل غير هذا: أحدها: أنه لا شيء على من ترك الميقات، هذا أحد قولي عطاء، ------------ (١) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٧. (٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ٦٥، «البيان» ٤/ ١١٣ - ١١٤. (٣) انظر: المصادر السابقة. (٤) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٨٤، «بداية المجتهد» ٢/ ٦٣٢. وروينا ذَلِكَ عن الحسن وإبراهيم. ثانيها: روينا عن ابن الزبير أنه يقضي حجه، ثم يرجع إلى الميقات فيهل بعمرة. ثالثها: أنه لا حج له، كذا قاله سعيد بن جبير. واختلفوا فيمن مرّ به لا يريد نسكًا، ثم بدا له إرادته فكان مالك والثوري والشافعي وأبو ثور ويعقوب ومحمد بن الحسن يقولون: يحرم من مكانه الذي بدا له أن يحرم فيه ولا شيء عليه، روي ذَلِكَ عن عطاء (١). وقال أحمد في الرجل يخرج لحاجته وهو لا يريد الحج فجاز ذا الحليفة، ثم أراد الحج قال: يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم وبنحوه قال إسحاق (٢). قال ابن المنذر: فظاهر الحديث أولى، وقد أحرم ابن عمر من الفرع، وهو بعد الميقات، وهو راوي حديث المواقيت، وحمله الشافعي على ذَلِكَ إذ جاء إلى الفرع من مكة أو غيرها، ثم بدا له في الإحرام (٣). واختلفوا في من أراد الإحرام، وموضعه دون المواقيت إلى مكة، فكان طاوس ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور يقولون: يحرم من موضعه وهو ميقاته (٤). ونقله ابن بطال عن جمهور الفقهاء (٥). -------- (١) انظر: «المدونة» ١/ ٣٠١، «الاستذكار» ١١/ ٨٦، «الأم» ٢/ ١٢٠. (٢) انظر: «المغني» ٥/ ٧٠. (٣) «الأم» ٢/ ١٢٠. (٤) انظر: «المعونة» ١/ ٣٢٧، «روضة الطالبين» ٣/ ٤٠، «المغني» ٥/ ٧٣. (٥) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٨. وقال أصحاب الرأي: يحرم من موضعه فإن لم يفعل لم يدخل الحرم إلا حرامًا، فإن دخله غير حرام فليخرج من الحرم فليهل من حيث شاء (١). وقد روينا عن مجاهد أنه قال: إذا كان الرجل أهله بين مكة وبين الميقات، أهل من مكة، قال أبو بكر: وبقول الشافعي ومالك أقول. قُلْتُ: لقوله: «ومن كان دون ذَلِكَ فمن حيث أنشأ» فإن ترك الميقات فأحرم بعد أن جاوزه ثَمَّ أَفْسَد حجه. قال الثوري وأصحاب الرأي: يمضي في حجه وعليه حج قابل، وليس عليه دم لتركه الميقات؛ لأن عليه القضاء. وقال الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور عليه دم؛ لترك الميقات وما يلزم المفسد، قال: وبقول الشافعي أقول. فرع: قال ابن المنذر وقال الشافعي بمصر -يعني: في الجديد-: إذا بلغ صبي، أو عتق عبد، أو أسلم كافر بعرفة أو بمزدلفة فأحرم أيُّ هؤلاء صار إلى هذِه الحال بالحج، ثم وافوا عرفة قبل طلوع فجر ليلة العيد فقد أدرك الحج وعليه دم لترك الميقات ولو أحرم الكافر من ميقاته، ثم أسلم بعرفة لم يكن بدّ من دم يهريقه، وليس ذَلِكَ على العبد والغلام، يحرمان من الميقات، ثم يبلغ الغلام ويعتق العبد قبل وقوفه بعرفة، وكان أبو ثور يقول في النصراني يسلم بمكة والصبي يبلغ والعبد يعتق بها: يحرمون منها ولا شيء عليهم، وكذلك قال عطاء والثوري وأحمد وإسحاق في النصراني يسلم بمكة، وقال مالك في ----------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٦١، «تبيين الحقائق» ٢/ ٧٣، «البناية» ٤/ ٣٦٩. النصراني يسلم عشية عرفة والعبد يعتق: يحرمان، والغلام يدخل مكة ثم يحتلم: يحرمان وليس عليهما شيء، وفي العبد يدخل مكة بغير إحرام ثم أذن له مولاه فأحرم بالحج عليه دم إذا عتق لترك الوقت. الخامس: قوله: «هن لهن» أي: هذِه المواقيت جعلت لهذِه البلاد، والمراد: أهلها والأصل أن يقال: هن لهم؛ لأن المراد الأهل، وقد سلف رواية البخاري: «هن لأهلهن» وقال القرطبي: «هن» ضمير جماعة المؤنث العاقل في الأصل، وقد يعاد على ما لا يعقل، وأكثر ذَلِكَ في العشرة فما دونها، فإذا جاوزوها قالوه بهاءِ المؤنث كما قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] ثم قال: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ أي: من الاثنى عشر، ثم قال: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ (١) أي: في هذِه الأربعة، وقد قيل في الجميع وهو شاذ. قال ابن المنذر: العلماء متفقون على أن يهل أهل مكة للحج من مكة؛ عملًا بالحديث المذكور فلا يخرج أهلها عن بيوتها إلا بالإحرام، وسنتهم أن لا طواف قدوم عليهم، وإنما هو سنة الغرباء. واختلف العلماء هل الأفضل أن يحرم من دويرة أهله أم من الميقات؟ على قولين: أحدهما: من دويرة أهله، وهو قول أبي حنيفة والثوري في آخرين (٢). ------------ (١) «المفهم» ٣/ ٢٦٣ - ٢٦٤. (٢) انظر: «تبيين الحقائق» ٢/ ٧، «الاختيار» ١/ ١٨٣. وثانيهما: من الميقات، وهو قول مالك، وأحمد وإسحاق (١)، ونقله ابن التين عن أبي حنيفة أيضًا وللشافعي قولان، واضطرب أصحابه في الترجيح، والموافق للأحاديث الصحيحة الثاني (٢). ------------- (١) قال أبو الوليد الباجي في «المنتقى» ٢/ ٢٠٦: وقد روى ابن المواز عن مالك جواز ذلك وكراهية فيما قرب من الميقات، وروى العراقيون كراهيته على الإطلاق اهـ. انظر: «المغني» ٥/ ٦٥ - ٦٦، «المبدع» ٣/ ١١٢، ١١٣. (٢) قال النووي رحمه الله في «المجموع» ٧/ ٢٠٥ - ٢٠٦: وللشافعي قولان: أحدهما: الإحرام من الميقات أفضل والثاني: مما فوقه أفضل. وهذان القولان مشهوران في طريقتي العراق وخراسان، وفي المسألة طريق آخر: وهو أن الإحرام أفضل من دويرة أهله قولًا واحدًا، وهي قول القفال، وهي مشهورة في كتب الخراسانيين، وهي ضعيفة غريبة، والصحيح المشهور أن المسألة على القولين، ثم إن هذين القولين منصوصان في الجديد نقلهما الأصحاب عن الجديد أحدهما: الأفضل أن يحرم من دويرة أهله نص عليه في «الإملاء». والثاني: الأفضل الإحرام من الميقات نص عليه البويطي، و«الجامع الكبير» للمزني، وأما: الغزالي فقال في «الوسيط»: لو أحرم قبل الميقات فهو أفضل، قطع به في القديم، وقال في الجديد: هو مكروه، وهو متأول، ومعناه أن يتوقى المخيط والطيب من غير إحرام، وكذا نقل الفوراني في «الإبانة» أنه كره في الجديد الإحرام قبل الميقات، وكأن الغزالي تابع الفوراني في هذا النقل، وهو نقل ضعيف غريب لا يعرف لغيرهما، ونسبه صاحب «البحر» إلى بعض أصحابنا بخراسان، والظاهر أنه أراد الفوراني، ثم قال صاحب «البحر»: هذا النقل غلط ظاهر، وهذا الذي قاله صاحب «البحر» من التغليط هو الصواب، فإن الذي كرهه الشافعي في الجديد أنه هو التجرد عن المخيط لا الإحرام قبل الميقات، بل نص في الجديد على الإنكار على من كره الإحرام قبل الميقات. واختلف أصحابنا في الأصح من هذين القولين فصححت طائفة الإحرام من دويرة أهله، ممن صرح بتصحيحه القاضي أبو الطيب في كتابه «المجرد» والروياني في «البحر» والغزالي والرافعي في كتابيه وصحح الأكثرون والمحققون تفضيل الإحرام من الميقات ممن صححه المصنف في «التنبيه» وآخرون، وقطع به كثيرون من أصحاب المختصرات، منهم أبو الفتح سليم الرازي في «الكفاية»، والماوردي في = وفي «مسند أبي يعلى» من حديث أبي أيوب مرفوعًا: «ليستمتع أحدكم بحله ما استطاع، فإنه لا يدري ما يعرض له في إحرامه» (١) وعمل بذلك أصحابه وعوام أهل العلم. وغير جائز أن يكون فعل أعلى من فعله أو عمل أفضل من عمله. وسئل مالك عن ذَلِكَ فتلا قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] (٢). والأولون اعتمدوا فعل الصحابة فإنهم أحرموا من قبلها: ابن عباس وابن مسعود وابن عمر وغيرهم، وهم أعرف بالسنة، وأصول أهل الظاهر تقتضي أنه لا يجوز الإحرام إلا من الميقات إلا أن يصح إجماع على خلافه. -------------- = «الإقناع»، والمحاملي في «المقنع»، وأبو الفتح نصر المقدسي في «الكافي»، وغيرهم، وهو الصحيح المختار، وقال الرافعي: في المسألة ثلاث طرق (أصحها) على قولين والثاني: القطع باستحبابه من دويرة أهله والثالث: إن من خشي على نفسه من ارتكاب محظورات الإحرام فدويرة أهله أفضل، وإلا فالميقات. والأصح: على الجملة أن الإحرام من الميقات أفضل. (١) رواه البيهقي ٥/ ٣٠ - ٣١ كتاب: الحج، باب: من استحب الإحرام من دويرة أهله ومن استحب التأخير إلى الميقات خوفًا من أن لا ينضبط، وقال: هذا إسناد ضعيف، واصل بن السائب: منكر الحديث، قاله البخاري وغيره. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢١٢). (٢) قال الحطاب في «مواهب الجليل» ٤/ ٥٤: قال ابن مسدي في خطبة منسكه: وعن سفيان بن عيينة قال: قال رجل لمالك بن أنس: من أين أحرم؟ قال: أحرم من حيث أحرم - ﷺ -. فأعاد عليه مرارًا وقال: فإن زدت على ذلك؟ قال: فلا تفعل فإني أخاف عليك الفتنة. قال: وما في هذِه من الفتنة إنما هي أميال أزيدها. فقال مالك: قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] قال: وأي فتنة في هذا؟ قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك أصبت فضلًا قصر عنه رسول الله - ﷺ -، أو ترى أن اختيارك لنفسك في هذا خيرًا من اختيار الله لك واختيار رسول الله - ﷺ - ا. هـ. قال ابن حزم: لا يحل لأحد أن يحرم بالحج ولا بالعمرة قبل المواقيت، فإن أحرم أحد قبلها وهو يمر عليها فلا إحرام له ولا حج ولا عمرة إلا أن ينوي إذا صار في الميقات تجديد إحرام، فذلك جائز وإحرامه حينئذ تام (١). وكره مالك كما حكاه أبو عُمر أن يحرم أحد قبله (٢)، وقد سلف، وروي عن عمر أنه أنكر على عمران بن حصين إحرامه من البصرة (٣). وأنكر عثمان على عبد الله بن عامر إحرامه قبل الميقات (٤). وفي تعليقات البخاري كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان (٥)، وكره الحسن وعطاء الإحرام من الموضع البعيد. قال إسماعيل القاضي: وإنما كرهوا ذَلِكَ والله أعلم؛ لئلا يضيق المرء على نفسه ما وسع الله تعالى عليه، وأن يتعرض لما لا يأمن أن يحدث في إحرامه وكلهم ألزمه الإحرام؛ لأنه زاد ولم ينقص. والدليل على ذَلِكَ قوله: أن ابن عمر روى المواقيت ثم أجاز الإحرام من قبلها من موضع بعيد، والذين أحرموا قبله كثير من التابعين أيضًا كما سلف عن الصحابة. قال الطحاوي: وأخذ قوم بحديث ابن عمر وابن عباس وذهبوا إلى أن أهل العراق لا ميقات لهم في الإحرام كميقات سائر البلدان، وإنما يهلون من حيث مروا عليه من هذِه المواقيت المذكورة (٦). ----------- (١) «المحلى» ٧/ ٧٠. (٢) «التمهيد» ٨/ ٧٣. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٣ - ١٢٤. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٢٣. (٥) رواه معلقا قبل الرواية (١٥٦٠) باب: قول الله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾. (٦) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١٧ - ١١٨. وحاصل الخلاف ثلاثة أقوال كما جمعها ابن بزيزة: منهم من أجازه مطلقًا، ومنهم من كرهه مطلقًا، ومنهم من أجازه في البعيد دون القريب؛ لأنه إذا أحرم من غير الميقات مع قربه ليس فيه إلا مخالفة السنة لغير فائدة بخلاف البعيد، ثم نقل عن أبي حنيفة والشافعي أن ما قبل الميقات أفضل لمن قوي على ذَلِكَ، وقد صح أن عليًّا وعمران بن حصين وابن عباس أحرموا من المواضع البعيدة، وكذا من أسلفناه من الصحابة. وقال ابن عباس: لا يحرم بالحج إلا في أشهر الحج، فإن من سنة الحج أن يحرم بالحج في أشهر الحج. أخرجه الحاكم وصححه على شرط الشيخين (١). وعند ابن أبي شيبة أن عثمان بن أبي العاصي أحرم من المَنْجَشانِيَّة، وهي قريبة من البصرة. وعن ابن سيرين أنه أحرم هو وحميد بن عبد الرحمن ومسلم بن يسار من الدارات. وإسنادهما جيد، وأحرم (ابن مسعود من السَيْلحين) (٢) (٣)، وفي إسناده مجهول. وقال إبراهيم: كانوا يحبون للرجل أول ما يحج أن يهل من بيته، وكان الأسود يحرم من بيته، وكان علقمة يحرم من النجف، وعن هلال بن خباب قال: خرجت مع سعيد بن جبير محرمًا من الكوفة. وعن الحارث بن قيس قال: خرجت في نفر من أصحاب ابن مسعود نريد مكة فلما خرجنا من البيوت أهلوا، فأهللت معهم. وعن الحكم بن عطية أخبرني من رأى قيس بن عُباد أحرم من مريد البصرة. وعن إبراهيم: كان المسور يحرم من القادسية، وأحرم الحارث بن -------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٤٨. (٢) في «المصنف» أبا مسعود من التلحين. (٣) «المصنف» ٣/ ١٢١ - ١٢٢. سويد وعمرو بن ميمون من الكوفة (١). وقد أسلفنا حديث أم سلمة في فضل الإحرام من بيت المقدس. وتضعيف ابن قدامة بابن إسحاق، وإضرابه عن أم حكيم الراوية، عن أم سلمة ليس بجيد، قال: ويحتمل تخصيصه ببيت المقدس دون غيره؛ ليجمع بين الصلاة في المسجدين في إحرام واحد، ولذلك أحرم ابن عمر منه لا من غيره إلا من الميقات (٢). وأحرم ابن سيرين مع أنس من العقيق، ومعاذ من الشام ومعه كعب الحبر، ولأبي داود عن الصُّبَي بن معبد قال: أهللت بالحج والعمرة، فلما أتيت العذيب لقيني سلمان بن ربيعة وزيد بن صوحان وأنا أهل بهما فعابا ذَلِكَ. وفيه: فقال لي عمر: هديت لسنة نبيك (٣). وحمله بعض العلماء على القران، وأما ما روي عن عمر وعلي: إتمام الحج والعمرة أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وحكاه ابن بطال عن ابن مسعود وعلي (٤)، فمعناه أنه ينشئ لهما سفرًا تقصد له من بلدك، كما فسره سفيان. وقال ابن قدامة: وكانا لا يحرمان إلا من الميقات (٥). وقد أسلفنا خلافه، قال: ولا يصح أن يفسر الإتمام بنفس الإحرام؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه [ما] (٦) أحرموا بها من بيوتهم، وقد أمر الله ------------ (١) «المصنف» ٣/ ١٢٢ - ١٢٣. (٢) «المغني» ٥/ ٦٨. (٣) «سنن أبي داود» (١٧٩٨) كتاب: المناسك، باب: في الإقران. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٨. (٥) «المغني» ٥/ ٦٨. (٦) زيادة من «المغني». بإتمام العمرة فلو حمل قولهم على ذَلِكَ لكان قولًا غير جيد (١). قال ابن بطال: وأجاز الإحرام قبل الميقات علقمة والأسود، وهو قول أبي حنيفة والثوري والشافعي (٢). السادس: قوله: «ولمن أتى عليهن» يعني: قاصدًا دخول مكة قصد الحج والعمرة أو لم يقصد عند أبي حنيفة (٣)، وعندنا أن من قصد مكة لا لنسك استحب له أن يحرم بحج أو عمرة، وفي قول: يجب إلا أن يتكرر دخوله كحطاب وصياد (٤)، وعند المالكية الخلاف أيضًا، قالوا: وإن لم يلزمه فهو مستحب، ثم إذا لم يفعله هل يلزمه دم أم لا؟ فيه خلاف عندهم (٥)، وظاهر الحديث اللزوم على المقاصد لأداء النسك خاصة، وهو مذهب الزهري وأبي مصعب في آخرين (٦). وقال ابن قدامة الحنبلي: من لا يريد النسك قسمان: يريد حاجة فيما سواها فلا يلزمه الإحرام قطعًا؛ لأن الشارع أتى بدرًا مرتين، (ولم) (٧) يحرم ولا أحد من أصحابه، فإن بدا له أحرم من موضعه ----------- (١) المصدر السابق. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ١٩٨. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ١٤٧، «تبيين الحقائق» ٢/ ٧. (٤) انظر: «البيان» ٤/ ١٤ - ١٦، «المجموع» ٧/ ١٥. (٥) ذهب المالكية إلى أن لا يجوز دخول مكة بغير إحرام، فمن دخلها بغير إحرام فقد عصى ولا دم عليه. انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٥، «التاج والإكليل» ٤/ ٥٧ - ٥٨، «مواهب الجليل» ٤/ ٥٧ - ٥٨، «الخرشي على مختصر خليل» ٢/ ٣٠٥. (٦) انظر: «الذخيرة» ٣/ ٢١٠. (٧) في الأصل: ولا، وما أثبتناه من «المغني» هو ما يستقيم به السياق. ![]()
__________________
|
|
#306
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 71 الى صـــ 90 الحلقة (306) ولا شيء عليه، وبه يقول مالك والثوري والشافعي وصاحبا أبي حنيفة، وحكى ابن المنذر عن أحمد في الرجل يخرج لحاجة وهو لا يريد الحج فجاوز ذا الحليفة، ثم أراد الحج يرجع إلى ذي الحليفة فيحرم، وبه قال إسحاق. القسم الثاني: من يريد دخول الحرم إما إلى مكة أو غيرها كمن يدخلها لقتال مباح أو من خوف أو لحاجة متكررة كالحَشَّاش والحطاب وناقل الميرة، ومن كان له ضيعة يتكرر دخوله وخروجه إليها فهؤلاء لا إحرام عليهم؛ لأن الشارع دخل يوم فتح مكة حلالًا وعلى رأسه المغفر وكذا أصحابه، ولا نعلم أنَّ أحدًا منهم أحرم يومئذ، ولو أُوْجِبَ الإحرام على من يتكرر دخوله أفضى إلى أن يكون جميع زمنه محرمًا، وبهذا قال الشافعي (١) وظاهر قوله: ممن أراد الحج والعمرة أن من لم يردهما لا إحرام عليه. السابع: قال ابن المنذر: يجمع هذا الحديث أبوابًا من السنن: منها: أن هذِه المواقيت لكل من أتى عليها من غير أهلها، فإذا جاء المدني من الشام على طريق الساحل أحرم من الجحفة، وإذا أتى اليماني على ذي الحليفة أحرم منها، وإذا أتى النجدي من تهامة أحرم من يلملم، وكل من مر بميقات بلده أحرم منه. ومنها: أن ميقات كل من منزله دون الميقات مما يلي مكة من منزله ذَلِكَ. ومنها: أن أهل مكة ميقاتهم مكة. ------ (١) «المجموع» ٧/ ١٤ - ١٥، وانظر «المغني» ٥/ ٧٠ - ٧١. ومنها: أن هذِه المواقيت إنما يلزم الإحرام منها من يريد حجًّا أو عمرة دون من لم يرده ولو مدني بذي الحليفة ولا يريدهما ثم أرادهما قبل الحرم فميقاته موضعه ولا شيء عليه، وعليه عامة العلماء إلا أحمد وإسحاق كما سلف. الثامن: مكة ليست ميقات عمرة؛ لأنه - عليه السلام - أمر عبد الرحمن أن يعمر عائشة من التنعيم (١)، وهو خارج الحرم، وهو ظاهر أنها ليست ميقات عمرة بل ميقات حج، وهو اتفاق من أئمة الفتوى أن المكي إذا أراد العمرة لا بد له من الخروج إلى الحل يهل منه (٢)؛ لأنه لا بد له في عمرته من الجمع بين الحل والحرم وليس ذَلِكَ على الحاج المكي؛ لأنه خارج في حجه إلى عرفات، وهي الحل، وشذ ابن الماجشون في قوله: لا يقرن المكي من مكة كالمعتمر، وخالفه مالك وجميع أصحابه فقالوا: إنه يقرن منها؛ لأنه خارج في حجه إلى حل عرفة (٣)، وقد ذكر ابن المواز عن مالك أنه لا يقرن من الحل، كقول ابن الماجشون (٤). فإن اعتمر من مكة ولم -------- (١) سلف برقم (٣١٦) كتاب: الحيض، باب: امتشاط عن غسلها من المحيض. (٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢٥٦، «الإقناع في مسائل الإجماع» ٢/ ٨٥٠. (٣) هذا قول ابن القاسم كما جاء في «التفريع» ١/ ٣١٩، «المعونة» ١/ ٣٢٨، «المنتقى» ٢/ ٢٢١، «الذخيرة» ٣/ ٢٩٠، أما قوله: وشذ، ففيه نظر، فقد قال القاضي عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في القارن .. وقال أبو الوليد الباجي: فإن كان قارنًا فهل يهل من الحرم أم لا؟ اختلف أصحابنا في ذلك. أما قوله وخالفه مالك وجميع أصحابه، فقد علمت أن في المسألة خلاف بين المالكية. (٤) هذا القول فيه نظر، فهو مخالف لقول ابن الماجشون، والصواب أنه لا يقرن من مكة، حتى يكون موافقًا لقول ابن الماجشون. يخرج إلى الحل للإحرام حتى طاف وسعى ففيهما قولان: أحدهما: أن عليه دمًا، لترك الميقات وعمرته تامة، وبه قال الكوفيون وأبو ثور واحد قولي الشافعي (١). وثانيهما: أن ذَلِكَ لا يجزئه حتى يخرج من الحرم، ثم يطوف ويسعى ويقصر أو يحلق ولا شيء عليه، ولو كان حلق أراق دمًا، وهو قول الشافعي الآخر، وهو الصحيح، فإن خرج إلى الحل بعد إحرامه سقط الدم على الأصح (٢)، وبالثاني قال مالك وأصحابه (٣). قال مالك: ما رأيت أحدًا أحرم بعمرة من الحرم ولا يحرم أحد بعمرة من مكة ولا تصح العمرة عند جميع العلماء إلا من الحل لمكي وغيره (٤). قال ابن المنذر: وهذا أشبه، وحكى الثوري عن عطاء أنه من أهل بعمرة من مكة أنَّه لا شيء عليه، قال سفيان: ونحن نقول: إذا أهل بها لزمته ويخرج إلى الميقات. وقال ابن المنذر: المحرم بعمرة من مكة تارك لميقاته فعليه أن يخرج من الحرم؛ ليكون قد رجع إلى ميقاته، كما نأمر من جاز ميقاته أن يرجع ما لم يطف بالبيت، فإن لم يخرج إلى الحِل حتى يفرغ من نسكه فعليه دم، كما يكون ذَلِكَ على من ترك ميقاته حتى فرغ من نسكه. التاسع: في حديث ابن عباس إثبات يلملم لأهل اليمن، وابن عمر قال: يزعمون ذَلِكَ، والمسند مقدم. ------- (١) انظر: «أحكام القرآن» للجصاص ١/ ٣٩٤، «المجموع» ٧/ ٢١٦ - ٢١٧. (٢) انظر: «البيان» ٤/ ١١٧ - ١١٨، «المجموع» ٧/ ٢١٦ - ٢١٧. (٣) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٧١. (٤) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢٥٦. وفي قول عمر: (فانظروا حذوها من طريقكم) إباحة القياس على السنن المعروفة الحكم بالتشبيه والتمثيل، يدل على ذَلِكَ ما رواه عبد العزيز بن أبي رواد، عن نافع، عن ابن عمر قال: لما وقت قرن لأهل نجد قال عمر: قيسوا من نحو العراق لنحو قرن. واختلفوا في القياس فقال بعضهم: ذات عرق. وقال بعضهم: بطن العقيق، قال ابن عمر: فقاس الناس ذَلِكَ، والناس يومئذ هم علماء الصحابة الذين هم حجة على من خالفهم (١). --------- (١) انظر: «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٠٠. ١٤ - باب الصلاة بذي الحليفة ١٥٣٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَفْعَلُ ذَلِكَ. [انظر: ٤٨٤ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ٣/ ٣٩١] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - أَنَاخَ بِالبَطْحَاءِ بِذِي الحُلَيْفَةِ فَصَلَّى بِهَا. وَكَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَفْعَلُه. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، وهو عند العلماء مستحب مستحسن مرغب فيه، ونقله ابن عبد البر عن مالك وغيره من أهل العلم، قال: وليس بسنة من سنن الحج ولا من المناسك التي تجب على تاركها دم أو فدية ولكنه حسن عند جميعهم؛ الإهلال منها لأهل المدينة، إلا ابن عمر فإنه جعله سنة (٢). وهذِه البطحاء المذكورة هنا يعرفها أهل المدينة بالمعرس، وأناخ بها - ﷺ - في رجوعه من مكة إلى المدينة، وبمكة أيضًا بطحاء، وكذا بذي قار، وبطحاء أزهر نزل به - عليه السلام - في بعض غزواته، وبه مسجد، فهذِه أماكن أربعة (٣). وقد أُري - ﷺ - في النوم وهو معرس في هذِه البطحاء أنه قيل له: إنك -------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٥٧) كتاب: الحج، باب: استحباب المبيت بذي طوى عند إرادة دخول مكة. (٢) «التمهيد» ٩/ ١٨٥. (٣) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢٥٧ - ٢٥٨، «معجم البلدان» ١/ ٤٤٦. ببطحاء مباركة، كما سيأتي قريبًا (١). فلذلك كان - عليه السلام - يصلي فيها تبركًا بها ويجعلها عندرجوعه من مكة موضع مبيته؛ ليبكر منها إلى المدينة، ويدخلها في صدر النهار، وتتقدم أخبار القادمين على أهليهم فتتهيأ المرأة وهو في معنى كراهية الطروق ليلًا من السفر. -------- (١) سيأتي برقم (١٥٣٥). ١٥ - باب خُرُوجِ النَّبِيِّ - ﷺ - عَلَى طَرِيقِ الشَّجَرَةِ ١٥٣٣ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. [انظر: ٤٨٤ - مسلم: ١٢٥٧ - فتح: ٣/ ٣٩١] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ يَخْرُجُ مِنْ طَرِيقِ الشَّجَرَةِ، وَيَدْخُلُ مِنْ طَرِيقِ المُعَرَّسِ، وَأَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى مَكَّةَ يُصَلِّي فِي مَسْجِدِ الشَّجَرَةِ، وَإِذَا رَجَعَ صَلَّى بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، وَبَاتَ حَتَّى يُصْبِحَ. هذا الحديث من أفراده (١)، وطريق الشجرة على ستة أميال من المدينة، كما قال صاحب «المطالع» والمنذري، وعند البكري: هي من البقيع (٢)، وإنما فعل - ﷺ - ذَلِكَ؛ ليكثر عدد المسلمين في أعين المنافقين والمشركين كما كان يفعل في العيدين يخرج من طريق ------------- (١) تابع المصنف المزيَّ في «أطرافه» (٧٨٠١) على عد هذا الحديث من أفراد البخاري. وأورده الحميدي في «جمعه» ٢/ ٢٠٨ (١٣٢٠) في المتفق عليه من مسند ابن عمر، ثم قال: وقد جعل بعضهم هذِه الزيادة في ذكر الصلاة من أفراد البخاري. اهـ والحديث رواه مسلم (١٢٥٧) من طريق عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، مختصرًا. (٢) «معجم ما استعجم» ٣/ ٧٨٢. ويرجع من آخر (١)، فكان يخرج من المدينة فيمر بطريق الشجرة بذي الحليفة ويدخلها، وإذا رجع بعد أن يمر بالمعرس بذي الحليفة وليس ذَلِكَ من سنن الحج، كما قال ابن بطال (٢). يعني: المتعلقة به المجبورة. -------- (١) سبق ما يدل على ذلك من حديث جابر برقم (٩٨٦) كتاب: العيدين، باب: من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٠١. ١٦ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «العَقِيقُ وَادٍ مُبَارَكٌ» ١٥٣٤ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ التِّنِّيسِيُّ قَالَا: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما يَقُولُ: إِنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ رضي الله عنه يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ». [٢٣٣٧، ٤٣٧٣ - فتح: ٣/ ٣٩٢] ١٥٣٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - أَنَّهُ رُئِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسٍ بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي، قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ، يَتَوَخَّى بِالمُنَاخِ الذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الذِي بِبَطْنِ الوَادِي، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. [انظر: ٤٨٣ - مسلم: ١٣٤٦ - فتح: ٣/ ٣٩٢] ذكر فيه حديث عمر قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - بِوَادِي العَقِيقِ يَقُولُ: «أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الوَادِي المُبَارَكِ وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ». وحديث ابنه عن رسول اللهﷺ - أَنَّهُ رُئِيَ وَهُوَ فِي مُعَرَّسٍ بِذِي الحُلَيْفَةِ بِبَطْنِ الوَادِي قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ بِبَطْحَاءَ مُبَارَكَةٍ. وَقَدْ أَنَاخَ بِنَا سَالِمٌ، يَتَوَخَّى بِالمُنَاخِ الذِي كَانَ عَبْدُ اللهِ يُنِيخُ، يَتَحَرَّى مُعَرَّسَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -، وَهُوَ أَسْفَلُ مِنَ المَسْجِدِ الذِي بِبَطْنِ الوَادِي، بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطَّرِيقِ وَسَطٌ مِنْ ذَلِكَ. الشرح: الحديث الأول من أفراده، والثاني أخرجه مسلم (١). وقال: أتى بدل: أرى، وقال: القبلة بدل: الطريق. وقوله: باب قوله - عليه السلام -: «العقيق وادٍ مبارك»، لم يذكر حديثًا أنه قال، وإنما قيل له ذَلِكَ في المنام، نعم تلفظ به. والعقيق -بفتح أوله وزنه فعيل- عقيقان، كما قال البكري عقيق بني عقيل على مقربة من عقيق المدينة الذي بقرب النقيع على ليلتين من المدينة. وقال الخليل: العقيقان في ديار بني عامر بما يلي اليمن، وهما: عقيق (تمرة) (٢)، وعقيق البياض، والرمل بينهما رمل الدبيل ورمل (يبرين) (٣)، وسمي عقيق المدينة؛ لأنه عق في الحرة، وهما عقيقان، وبها الأكبر، والأصغر، وبالأصغر بئر رومة، والأكبر فيه بئر عروة (٤). وسبب تسميته ما في «تاريخ أبي الفرج الأموي» (٥): لما سار تبع من المدينة إلى اليمن انحدر في مكان العقيق فقال: هذا عقيق الأرض فسمي العقيق. وقال ياقوت: العقيق عشرة مواضع وعقيقا المدينة أشهرها وأكثر ما ذكر في الأشعار فإياهما -والله أعلم- يعنون (٦). --------- (١) «صحيح مسلم» (١٣٤٦) كتاب: الحج، باب: التعريس بذي الحليفة. (٢) بالأصل: تبرة، والمثبت من «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٥٢. (٣) بالأصل: بدن، والمثبت من «معجم ما استعجم» ٣/ ٥٢. (٤) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٥٢ - ٩٥٣. (٥) في هامش الأصل: صاحب «الأغاني». (٦) «معجم البلدان» ٤/ ١٣٨ - ١٣٩. والخليل وصاحب «الموعب» قال: الذي قال فيه الشعراء: بئر عروة السالف، وقال الحسن بن محمد المهلبي: بين العقيق والمدينة أربعة أميال. وقال صاحب «التهذيب» أبو منصور: العرب تقول لكل مسيل ماء سقه ماء السيل في الأرض فأنهره ووسعه عقيق، وفي بلاد العرب أربع أعقة وهي أودية شقتها السيول عادية، فمنها عقيق عارض اليمامة وهو: واد واسع مما يلي الغرمة تتدفق فيه شعاب العارض، وفيه عيون عذبة الماء، ومنها عقيق بناحية المدينة، وفيه عيون ونخيل، ومنها عقيق آخر يدفق ماؤه في غوري تهامة، وهو الذي ذكره الشافعي وقال: ولو أهلوا من العقيق كان أحب إليّ (١)، ومنها عقيق القيان تجري إليه مياه قلل نجد وجباله. وقال الأصمعي: الأعقة الأودية، ثم ذكر حديث ابن عباس أنه - عليه السلام - وقت لأهل العراق بطن العقيق. قال الأزهري: أراد الذي بحذاء ذات عرق. أما فقهه ففيه: مطلوبية الصلاة عند إرادة الإحرام لاسيما في هذا الوادي المبارك، وهو مذهب العلماء كافة إلا ما حُكي عن الحسن البصري فإنه استحب كونها بعد فرض؛ لأنه روي أن هذِه الصلاة كانت صلاة الصبح. قال الطبري: ومعنى الحديث الإعلام بفضل المكان لا إيجاب الصلاة فيه لقيام الإجماع على أن الصلاة في هذا الوادي ليس بفرض، قال: فبان بذلك أن أمره بالصلاة فيه نظير حثه لأمته على الصلاة في مسجده ومسجد قباء. ------- (١) «الأم» ٢/ ١١٨. وقوله: «عمرة في حجة» يحتمل أن يقال كما أبداه الخطابي: (في) بمعنى: (مع) فيكون القرآن أفضل، وهو مذهب الكوفيين (١)، ويحتمل أن يريد عمرة مدرجة في حجة أي: عمل العمرة مضمن في عمل الحج يجزئ لهما طواف واحد وسعي واحد (٢). ويحتمل أن يريد أن يحرم بها إذا فرغ من حجته قبل منزله، فكأنه قال: إذا خرجت وحججت فقل: لبيك بعمرة وتكون في حجتك التي تحج فيها، ويؤيده رواية البخاري في كتاب الاعتصام «وقيل عمرة وحجة» (٣) ففصل بينهما بالواو، ويحتمل أن يراد به: قل عمرة في حجة أي: قال ذَلِكَ لأصحابه، أي أعلمهم أن القران جائز وأنه من سنن الحج، وهو نظير قوله - عليه السلام - «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة» (٤) وبهذه الرؤيا حكم - عليه السلام - بنسخ ما كان في الجاهلية من تحريم العمرة ممن لم يكن معه هدي أن يفسخوه في عمرة، فعظم ذَلِكَ عليهم لبقائه هو على حجه من أجل سوقه الهدي، وما كان استشعره من التلبيد لرأسه. وفيه: أن السنن والفرائض قد يخبر عنها بخبر واحد فيما اتفقا فيه، وإن كان حكمها مختلف في غيره، فلما كان الإحرام بالحج والعمرة واحدًا أخبر الله عنها في هذِه الرؤيا بذلك فقال: «عمرة وحجة» أي: إحرامك تدخل فيه العمرة والحج متتاليًا ومفرقًا. ---------- (١) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٦١، «الهداية» ١/ ١٦٦. (٢) انظر: «أعلام الحديث» ٢/ ٨٣٨. (٣) سيأتي برقم (٧٣٤٣) باب: ما ذكر النبي - ﷺ - وحض على اتفاق أهل العلم. (٤) قطعة من حديث رواه مسلم من حديث ابن عباس برقم (١٢٤١) كتاب: الحج، باب: جواز العمرة في أشهر الحج. وفيه: فضل المدينة، وما قاربها؛ لكونه - عليه السلام - بها، فإن الله تعالى جعلها له مثوى في الدنيا والبرزخ، ولا شك في فضلها ولا ريب؛ لكنه قال في مكة: «والله إنك لأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرجت منك ما خرجت» (١). --------- (١) رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عدي بن الحمراء برقم (٣٩٢٥) كتاب: المناقب، باب: في فضل مكة، وقال: حديث حسن غريب صحيح، وابن ماجه برقم (٣١٠٨) كتاب: المناسك، باب: أجر بيوت مكة، والنسائي في «الكبرى» ٢/ ٤٧٩ (٤٢٥٢) كتاب: الحج، باب: فضائل مكة والمدينة، وأحمد ٤/ ٣٠٥، والدارمي في «السنن» ٣/ ١٦٣٢ (٢٥٥٢) كتاب: السير، باب: إخراج النبي - ﷺ - من مكة، والفاكهي في «أخبار مكة» ٤/ ٢٠٦ - ٢٠٧ (٢٥١٤)، وابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» ١/ ٤٤٨ (٦٢٢)، وابن حبان ٩/ ٢٢ (٣٧٠٨) كتاب: الحج، باب: فضل مكة، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» و«صحيح الجامع» (٧٠٨٩)، وفي الباب: عن أبي هريرة. ١٧ - باب غَسْلِ الخَلُوقِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنَ الثِّيَابِ ١٥٣٦ - قَالَ أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ - رضي الله عنه -: أَرِنِي النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ. قَالَ فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ - ﷺ - بِالجِعْرَانَةِ وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَهْوَ مُتَضَمِّخٌ بِطِيبٍ؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - سَاعَةً، فَجَاءَهُ الوَحْيُ، فَأَشَارَ عُمَرُ رضي الله عنه إِلَى يَعْلَى، فَجَاءَ يَعْلَى، وَعَلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - ثَوْبٌ قَدْ أُظِلَّ بِهِ فَأَدْخَلَ رَأْسَهُ، فَإِذَا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مُحْمَرُّ الوَجْهِ وَهُوَ يَغِطُّ، ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ، فَقَالَ: «أَيْنَ الذِي سَأَلَ عَنِ العُمْرَةِ؟» فَأُتِيَ بِرَجُلٍ، فَقَالَ: «اغْسِلِ الطِّيبَ الذِي بِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَانْزِعْ عَنْكَ الجُبَّةَ، وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ كَمَا تَصْنَعُ فِي حَجَّتِكَ». قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. [١٧٨٩، ١٨٤٧، ٤٣٢٩، ٤٩٨٥ - مسلم:١١٨٠ - فتح: ٣/ ٣٩٣] قَالَ أَبُو عَاصِمٍ، أَنَا ابن جُرَيْجٍ، أَخْبَرَنِي عَطَاءٌ، أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ يَعْلَى أَخْبَرَهُ، أَنَّ يَعْلَى قَالَ لِعُمَرَ - رضي الله عنه -: أَرنِي النَّبِيَّ - ﷺ - حِينَ يُوحَى إِلَيْهِ. قَالَ: فَبَيْنَمَا النَبِيُّ - ﷺ - بِالجِعْرَانَةِ .. الحديث. وفي آخره: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: أَرَادَ الإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَراتٍ؟ قَالَ: نَعَمْ (١). الشرح: هذا الحديث أسنده البخاري في باب: يفعل في العمرة ما يفعل في الحج فقال: حَدَّثَنَا أبو نعيم، ثنا همام، ثنا عطاء (٢). ----------- (١) من قوله: قلت لعطاء. مثبت من هامش الأصل، وفي آخره قال: وهو ثابت في نسخة الدمياطي. (٢) سيأتي برقم (١٧٨٩). وفي أواخر الحج في باب إذا أحرم جاهلًا وعليه قميص، فقال: حَدَّثَنَا أبو الوليد، ثنا همام ثنا عطاء، حَدَّثَني صفوان فذكره مختصرًا، وزاد في آخره قصة عض اليد (١). وفي فضائل القرآن فقال: حَدّثَنَا أبو نعيم، ثنا همام (٢)، وفي المغازي فقال: حَدّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، ثنا إسماعيل، ثنا ابن جريج، أنا عطاء (٣). وأخرجه مسلم بألفاظ (٤)، ولابن خزيمة: «ما كنت صانعًا في حجتك» فقال: كنت أنزع هذِه الثياب وأغسله فقال: «فاصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجتك» (٥). وروي أيضًا من طريق يعلى بن أمية أو صفوان بن يعلى بن أمية، ولم يقل: عن أبيه، نبه عليه ابن عساكر، وكان هذا بالجعرانة كما ثبت هنا، وفي غيره في منصرفه - عليه السلام - من غزوة حنين، وفي ذَلِكَ الموضع قسم رسول الله - ﷺ - غنائمها، وذلك سنة ثمان كما ذكره ابن حزم (٦) وغيره، وهما موضعان متقاربان، وهذا الرجل كان يعرف أمر الحج وظن أن العمرة ليست كهو؛ فلذلك سأل رسول الله - ﷺ - عن ذَلِكَ وأجابه، ولا يحال إلا على معلوم، والمراد من اجتناب المنهيات وإلا فقد أمره بنزع الجبة وغسل الطيب. وهذا الرجل يجوز أن يكون عمرو بن سواد (٧)؛ إذ في كتاب «الشفا» --------- (١) سيأتي برقم (١٨٤٧ - ١٨٤٨) كتاب: جزاء الصيد. (٢) سيأتي برقم (٤٩٨٥) باب: نزل القرآن بلسان قريش والعرب. (٣) سيأتي برقم (٤٣٢٩) باب: غزوة الطائف. (٤) «صحيح مسلم» برقم (١١٨٠) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. (٥) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٩٢ (٢٦٧١) كتاب: المناسك. (٦) «جوامع السيرة» لابن حزم ص ٢٣٦ - ٢٤٢. (٧) ورد بهامش الأصل تعليق نصه: حاشية: في نسخة صحيحة «للشفا» قال فيها = للقاضي عياض عنه قال: أتيت وأنا متخلق للنبي - ﷺ - فقال: «ورس ورس حط حط» وعشيني بقضيب في يده في بطني فأوجعني. الحديث (١). لكن عمرو هذا لا يدرك ذا، فإنه صاحب ابن وهب وشيخ مسلم والنسائي، وابن ماجه، وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث عمر بن عبد الله بن يعلى بن أمية الثقفي، عن أبيه، عن جده قال: شحيت يومًا فقال لي صاحب لي: اذهب بنا إلى المنزل قال: فذهبت فاغتسلت وتخلقت وكان النبي - ﷺ - يمسح وجوهنا، فلما دنا مني جعل يجافي يده عن الخلوق، وقال: «يا يعلى ما حملك على هذا أتزوجت؟» قُلْتُ: لا، قال: «اذهب فاغسله» (٢) وفي البيهقي قال قتادة: فقلت لعطاء: كنا نسمع أنه قال شقها، قال: هو إفساد، والله لا يحب الفساد (٣). وفي أبي داود: فأمره أن ينزعها نزعًا (٤)، وله: فخلعها من رأسه (٥). وللنسائي: «ثم أحدث إحرامًا»، قال: ولا أحسبه بمحفوظ. يعني: هذِه الزيادة (٦). --------- = سواد بن عمرو، وهذِه هي الصواب في الحديث المذكور فيه. (١) «الشفا» ٢/ ١٩٩ وفيه: سواد بن عمرو. وانظر تعليق العيني على كلام المؤلف في «عمدة القارئ» ٩/ ١٥١. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٩٤ (٢٦٧٥)، وضعفه الألباني في «ضعيف النسائي» (٣٨٦ - ٣٨٨). (٣) «السنن الكبرى» ٥/ ٥٧ كتاب: الحج، باب: الرجل يحرم في قميص أو جبة. (٤) «سنن أبي داود» برقم (١٨٢١) كتاب: المناسك، باب: الرجل يحرم في ثيابه. (٥) المصدر السابق برقم (١٨٢٠) وقال الألباني: قوله: (من رأسه): منكر. وانظر: «صحيح أبي داود» (١٥٩٧). (٦) النسائي في «السنن الكبرى» ٢/ ٣٣٢ - ٣٣٣ (٣٦٤٨) كتاب: الحج، باب: الجبة في الإحرام. وأغرب ابن حزم فصححه، وقال: الأخذ بهذِه الزيادة واجبة (١). إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه: أحدها: اعترض الإسماعيلي فقال: شرط أبو عبد الله في الباب غسل الخلوق من الثياب، وليس في الخبر أن الخلوق كان على الثوب، وإنما الرجل متضمخ بطيب ولا يقال لمن طيب ثوبه أو صبغه بطيب أنه متضمخ بطيب، ولو كان على الجبة لكان في نزعها كفاية من جهة الإحرام، هذا كلامه. وترده رواية مسلم: عليه جبة بها أثر من خلوق (٢). وللترمذي: جبة فيها ردع من زعفران (٣)، وعادة البخاري أن يبوب لما في أطراف الحديث وإن لم يخرجه، والخلوق بفتح الخاء والخلاق واحد. وقوله: ولا يقال لمن طيب ثوبه أو صبغه بطيب أنه متضمخ بطيب، فيه نظر، فإن حرمة الثوب كالبدن، وترجم البخاري عليه أيضًا باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب (٤)، واعترض عليه وأجاب ابن المنيِّر بأن البخاري قصد التنبيه بأن القرآن والسنة كلها بوحي واحد ولسان واحد، ففي الأول ضمنها نزول الوحي مطلقًا، وهذِه خصها بالقرآن العظيم (٥). --------- (١) «المحلى» ٧/ ٨٠. (٢) «صحيح مسلم» برقم (١١٨٠/ ١٠) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. (٣) هذا لفظ أحمد كما في «المسند» ٤/ ٢٢٤ ورواه الترمذي مختصرًا دون ذكر الزعفران (٨٣٥). (٤) يأتي برقم (٤٩٨٥). (٥) «المتواري» ص ٣٨٨. ثانيها: حديث ابن عباس عند ابن أبي شيبة أنه - عليه السلام - رخص في الثوب المصبوغ للمحرم ما لم يكن (لعص) (١) ولا ردع (٢). ولأبي داود أن امرأة جاءت رسول الله - ﷺ - بثوب مشبع بعصفر فقالت: يا رسول الله، أحرم في هذا؟ قال: «لك غيره؟» قالت: لا، قال: «فأحرمى فيه» (٣) فلا يعارضان حديث يعلى؛ لأن الأول واهٍ بسبب الحجاج بن أرطاة، والثاني من مراسيل مكحول. وحديث أبي جعفر: أحرم عقيل بن أبي طالب في ثوبين ورديين فقال له عمر: ما هذا؟ فقال له علي: إن أحدًا لا يعلمنا بالسنة (٤)، منقطع. وصح عن جابر أنه قال: لا بأس بالمضرّج للمحرم (٥)، وفي لفظ: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب فلا بأس به للمحرم أن يلبسه (٦). وعن القاسم بن محمد أنه كان يلبس الثياب الموردة، وهو محرم، وعن عبد الله بن عبد الله قال: كان الفتيان يحرمون مع ابن عمر في الموردة فلا ينهاهم، وعن عمر بن محمد قال: رأيت على سالم ثوبًا موردًا، يعني: وهو محرم، وعن يزيد، عن مقسم، عن ابن عباس قال: لا بأس بالمورد للمحرم (٧)، وقد يحمل ذَلِكَ على ما لا طيب ------------ (١) في الأصل: نفض، والمثبت من «المصنف». (٢) «المصنف» ٣/ ١٣٩ (١٢٨٥٧) في المحرم يلبس المورد. (٣) «مراسيل أبي داود» ص ١٥٧ (١٥٩). (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٣٩ (١٢٨٥٨). (٥) المصدر السابق (١٢٨٥٩). (٦) المصدر السابق ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٨) من رخص في المعصفر للمحرم. (٧) المصدر السابق ٣/ ١٣٩ (١٢٨٦٠ - ١٢٨٦٢). به كما قاله جابر، وكذا قاله ابن عمر، وأنه لا ينفض كما قاله نافع بن جبير وغيره (١). ثالثها: الجِعرَّانة بتشديد الراء على قول الأكثرين، قال البكري: كذا يقول العراقيون، والحجازيون يخففون، وكذلك الحديبية (٢). وقال الأصمعي والخطابي: مخففة وهي: ماء بين الطائف ومكة، وهي إلى مكة أدنى. وقال ياقوت: هذِه غير الجعرانة التي بأرض العراق، نزلها المسلمون لقتال الفرس، قاله سيف بن عمر (٣). قال يوسف بن ماهك: اعتمر منها ثلاثمائة نبي. رابعها: يعلى هو: ابن أمية، ويعرف بابن مُنية، وهي أمه، وقيل: جدته. ونظره إلى مشاهدة الوحي تقوية لإيمانه، ولعلمه أن رسول الله - ﷺ - لا يكره ذَلِكَ. والغطيط: صوت النائم فمعنى: يغط: ينفخ، كما قال في حديث آخر: له غطيط أو خطيط، فكان ربما أخذه عند الوحي كالغشية فيضطجع لها، قاله ابن التين. وسُرِّي عنه -هو بضم أوله وكسر الراء المشددة (٤) - أي: كشف ما به وأزيل. ---------- (١) المصدر السابق ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٨ - ١٢٨٨١). (٢) «معجم ما استعجم» ١/ ٣٨٤. (٣) «معجم البلدان» ٢/ ١٤٢. (٤) في هامش الأصل: حاشية: وتخفف أيضا، ذكره في «المطالع». خامسها: فيه أنه - عليه السلام - كان يحكم بالوحي ولا شك فيه، واستدل به من قال: إنما يحكم بالوحي لا بالاجتهاد، وقد يجاب بأنه لعله لم يظهر له ذَلِكَ بالاجتهاد، أو أن الوحي يقرره. سادسها: اختلف العلماء في استعمال الطيب عند الإحرام واستدامته بعده، فكرهه قوم، ومنعوه منهم: مالك ومحمد بن الحسن (١) (٢)، وسبقهما عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص وعطاء والزهري (٣). وخالفهم في ذَلِكَ آخرون فأجازوه منهم: أبو حنيفة والشافعي (٤)؛ تمسكًا بحديث عائشة: طيبت رسول الله - ﷺ - بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت وسيأتي (٥). ولمسلم: بذريرة في حجة الوداع (٦). وللبخاري كما سيأتي: وطيبته بمنى قبل أن يفيض (٧). وعنها كأني انظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله - ﷺ - وهو محرم وسيأتي (٨). ------------ (١) في هامش الأصل: من خط الشيخ نقل ابن التين عنه وعن أبي يوسف الجواز. (٢) انظر: «الهداية» ١/ ١٤٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٩، «عيون المجالس» ٢/ ٧٩١، «الذخيرة» ٣/ ٣١١. (٣) روى ذلك ابن أبي شيبة ٣/ ٢٠٠ - ٢٠١ (١٣٤٩٩، ١٣٥٠١، ١٣٥٠٤، ١٣٥٠٦)، باب: من كره الطيب للمحرم. (٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٤٨، «الاختيار» ١/ ١٨٥، «البيان» ٤/ ١٢٢. (٥) برقم (١٥٣٩) باب: الطيب عند الإحرام. (٦) «صحيح مسلم» برقم (١١٨٩) (٣٥) باب: الطيب عند الإحرام. (٧) سيأتي برقم (٥٩٢٢) كتاب: اللباس، باب: تطييب المرأة زوجها بيدها. (٨) برقم (١٥٣٨) باب: الطيب عند الإحرام. ![]()
__________________
|
|
#307
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 91 الى صـــ 110 الحلقة (307) والوبيص -بالصاد المهملة- البريق واللمعان، قالا: وحديث يعلى إنما أمره بغسل ما عليه؛ لأن ذَلِكَ الطيب كان زعفرانًا، وقد نُهيَ الرجال عن التزعفر مطلقًا، وهذا التأويل يأباه مساق الحديث، وتأول المخالفون حديث عائشة بتأويلات أقربها: إن ذَلِكَ الوبيص الذي أبصرته، إنما كان بقايا دهن ذَلِكَ الطيب تعذر قلعه فبقي بعد أن غسل، والتقدير: فيطوف على نسائه فينضح طيبًا، ثم يصبح محرمًا لقوله: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ [الكهف: ١ - ٢] أي أنزله قيمًا ولم يجعل له عوجًا. ثانيها: إن ذَلِكَ كان من خواصه؛ لأن المحرم إنما يمنع من الطيب؛ لئلا يدعوه إلى الجماع، والشارع معصوم، وفيه بعد. ثالثها: أنه مما لا تبقى رائحته بعد الإحرام وسيأتي بسط ذَلِكَ في الباب بعده، قالوا: وكما منع من استدامة اللبس يمنع من استدامة الطيب، قالوا: والنهي عن التزعفر إنما هو محمول عند أهل المدينة على حالة الإحرام فقط، وأنه مباح في الإحلال، وسيأتي إيضاحه في اللباس عند النهي عن التزعفر إن شاء الله تعالى. قال ابن جريج بشأن صاحب الجبة: كان قبل حجة الوداع، والآخر من أمر رسول الله - ﷺ - أحق أن يتبع (١). سابعها: قوله: «ثلاث مرات»، وفي أبي داود: «يغتسل مرتين أو ثلًاثا» (٢) إنما ------------ (١) رواه ابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٨٠ (٤٤٨) عن ابن جريج قال: وكان عطاء يأخذ بشأن صاحب الجبة. (٢) «سنن أبي داود» (١٨٢١) باب: الرجل يحرم في ثيابه، وقال الألباني: صحيح. أمره بها للمبالغة في الإزالة، ولعل الطيب الذي كان عليه كان كثيرًا؛ يؤيده قوله: (متضمخ). قال ابن التين: ويحتمل أنه كان استعمله بعد الإحرام فأمره بإزالته، أو أنه تطيب ثم اغتسل كما في حديث عائشة السالف: طيبته عند إحرامه، ثم دار على نسائه، ثم أصبح محرمًا. فظاهره إنما تطيب لمباشرة ثم زال بالغسل لاسيما، وكان يغتسل من كل واحدة فلا يبقى مع ذَلِكَ، ويكون قولها: ثم أصبح ينضخ طيبًا، أي: قبل غسله، وقد أسلفنا أنه كان ذريرة، وهو مما يذهبه الغسل، ووبيص الطيب: أثره لا جرمه. وقال القاضي: يحتمل الثلاث على قوله: «فاغسله» فكأنه قال: اغسله اغسله اغسله، يدل على صحته ما روي من عادته - ﷺ - في كلامه أنه كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا (١). ثامنها: ما أسلفناه عن قتادة عن عطاء في عدم شقها قاله أيضًا طاوس، خالفه محمد بن جعفر عن علي إذا أحرم وعليه قميص لا ينزعه من رأسه، يشقه ثم يخرج منه. وقال الشعبي والحسن وإبراهيم: يخرقه. وقال أبو قلابة وأبو صالح وسالم: (يخلعه) (٢) من قبل رجليه (٣)، والأول أولى لما سلف من أن الله لا يحب الفساد. ----------- (١) سبق برقم (٩٤) كتاب: العلم، باب: من أعاد الحديث ثلاثًا ليفهم عنه. انظر: «إكمال المعلم بفوائد مسلم» ٤/ ١٦٨. (٢) في الأصل: يجعله، والصواب ما أثبتناه. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٨٣ (١٤٣٥١ - ١٤٣٥٢، ١٤٣٥٥ - ١٤٣٥٦) باب: في الرجل يحرم وعليه قميص، ما يصنع؟. تاسعها: لم يأمره - عليه السلام - في هذا الحديث بالفدية، فأخذ به الشافعي وعطاء والثوري وإسحاق وداود وأحمد في إحدى روايتيه وقالوا: إن من لبس في إحرامه ما ليس له لبسه جاهلًا فلا فدية عليه، والناسي في معنا (١). وقال أبو حنيفة والمزني في رواية عنه: يلزمه إذا غطى وجهه ورأسه متعمدًا أو ناسيًا يومًا إلى الليل، فإن كان أقل من ذَلِكَ فعليه صدقة يتصدق بها (٢). وعن مالك يلزمه إذا انتفع بذلك أو طال لبسه عليه، قال فيمن ابتاع خفين فجر بهما في رجليه: فإن كان شيئًا خفيفًا فلا شيء عليه، وإن تركها حتى منعه ذَلِكَ من حر، أو بردٍ، أو مطر افتدى (٣). لنا أن هذا الرجل كان قريب العهد بالإسلام لا يعرف أحكامه فعذره الشارع ولم يلزمه غرامة. عاشرها: قوله- «واصنع في عمرتك كما تصنع في حجك» معناه: اجتنب فيها كُلَّ ما تجتنب فيها كما أسلفناه، ألا ترى قول ابن عمر ما أمرهما إلا واحد يعني: في الإحرام والحرمة، وكذلك كلُّ ما يستحسن من الدعاء والتلبية في الحج فهو مستحسن بها. وقوله في آخر الحديث: (قُلْتُ لعطاء: أراد الإنقاء؟ قال: نعم). قال ابن التين: أراد به بعض الإنقاء؛ لأن الثلاث لا تكاد تنقي كل --------------- (١) انظر: «الأم» ٢/ ١٣٠، «المغني» ٥/ ٣٩١ - ٣٩٢. (٢) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٧ - ١٢٨، «تبيين الحقائق» ٢/ ٥٣ - ٥٤. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٩٦. الإنقاء، قال المهلب: وفيه من الفقه أن السنن قد تكون بوحي، كما كان غسل الطيب في هذا الحديث بالوحي. قال ابن بطال: ولم يقل أحد إنه فرض (١). وفيه: وجوب التثبت للعالم فيما يُسأل عنه، وإن لم يعرفه سأل من فوقه، كما فعل - عليه السلام -. وفيه: المبالغة في الإنقاء من الطيب. وفيه: أن غسل الطيب عند الإحرام ينبغي أن يبالغ في إزالته، ألا ترى أنه أمره بغسله ثلاثًا. -------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٠٦. ١٨ - باب الطِّيبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ وَمَا يَلْبَسُ إِذَا أَرَادَ أَن يُحْرِمَ وَيَتَرجَّلَ وَيَدَّهِنَ وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يَشَمُّ المُحْرِمُ الرَّيْحَانَ وَيَنْظُرُ فِي المِرْآةِ، وَيَتَدَاوى بِمَا يَأْكُلُ الزَّيْتَ وَالسَّمْنَ. وَقَالَ عَطَاءٌ: يَتَخَتَّمُ وَيَلْبَسُ الهِمْيَانَ. وَطَافَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَقَدْ حَزَمَ عَلَى بَطْنِهِ بِثَوْبٍ. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ رضي الله عنها بِالتُّبَّانِ بَأْسًا لِلَّذِينَ يَرْحَلُونَ هَوْدَجَهَا. ١٥٣٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَان، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ. فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ. [فتح: ٣/ ٣١٦] ١٥٣٨ - حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. [انظر: ٢٧١ - مسلم: ١١٩٠ - فتح: ٣/ ٣٩٦] ١٥٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنهازَوْجِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. [١٧٥٤، ٥٩٢٢، ٥٩٢٨، ٥٩٣٠ - مسلم: ١١٨٩ - فتح: ٣/ ٣٩٦] ثم أسند عن سعيد بن جبير قال: كَانَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما يَدَّهِنُ بِالزَّيْتِ. فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، قَالَ: مَا تَصْنَعُ بِقَوْلِهِ. حَدَّثَنِي الأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ الله - ﷺ - وَهُوَ مُحْرِمٌ. وعن القاسم عنها: كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - لإِحْرَامِهِ حِينَ يُحْرِمُ، وَلحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالبَيْتِ. الشرح: هذِه الترجمة بعض ألفاظها يأتي في باب: ما يلبس المحرم من الثياب قريبًا من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -: انطلق النبي - ﷺ - من المدينة بعدما ترجل وادَّهن، ولبس إزاره ورداءه هو وأصحابه .. الحديث (١). وهو ردٌّ لما زعم بعضهم من أن حديثي الباب لا مطابقة فيهما؛ إذ لا ترجيل فيهما بل في قولها: مفارق رسول الله - ﷺ - ما يرشد إليه، إذ الشعر لا ينفرق غالبًا إلا به. وأما أثر ابن عباس؛ فأخرجه البيهقي بإسناد جيد من حديث أيوب، عن عكرمة، عنه أنه كان لا يرى بأسًا للمحرم أن يشم الريحان (٢)، وكذا الدارقطني بلفظ: المحرم يشم الريحان، ويدخل الحمام، وينزع ضرسه، ويفقأ القرحة، وإن انكسر ظفره أماط عنه الأذى (٣). وأخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن حسان، عن عكرمة عنه: لا بأس أن ينظر في المرآة وهو محرم (٤) ومن حديث الضحاك، عنه: إذا تشققت يد المحرم أو رجلاه فليدهنهما بالزيت أو بالسمن. ومن حديث أشعث، عن عكرمة، عنه: يتداوى المحرم ما يأكل (٥). ثم أخرج من حديث عطاء لا بأس أن ينظر فيما يميط عنه الأذى، ومن حديث نافع أن ابن عمر لم ير باسًا أن ينظر المحرم في المرآة، وعن طاوس ------------- (١) سيأتي برقم (١٥٤٥). (٢) «السنن الكبرى» ٥/ ٥٧ كتاب: الحج، باب: من لم ير بشم الريحان بأسًا. (٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ٢٣٢ - ٢٣٣ كتاب: الحج. (٤) «المصنف» ٣/ ١٣٧ (١٢٨٣٧) في المحرم ينظر إلى المرآة من رخص في ذلك. (٥) «المصنف» ٣/ ١٤٤ (١٢٩١٩ - ١٢٩٢٠) فيما يتداوى المحرم. وعكرمة مثله (١). وعن ابن عمر يتداوى المحرم بأي دواء شاء إلا دواء فيه طيب (٢). وكان الأسود يضمد رجله بالشحم وهو محرم. وعن أشعث بن أبي الشعثاء: حَدَّثَني من سمع أبا ذر يقول: لا بأس أن يتداوى المحرم بما يأكل وفي رواية: حَدَّثَني مرة (٣) بن خالد عن أبي ذر، عن مغيث (٤) البجلي قال: أصابني شقاق وأنا محرم فسألت أبا جعفر فقال: ادهنه بما تأكل، وكذا قاله ابن جبير، وإبراهيم، وجابر بن زيد، ونافع، والحسن، وعروة، وعن الحسن بن علي: أنه كان إذا أحرم ادَّهن بالزيت، ودهن أصحابه بالطيب أو يدهن بالطيب (٥). وعن ابن عمر أنه كان يدهن بالزيت قبل أن يحرم، ورواه الترمذي عنه مرفوعًا، ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث فرقد، ولفظه بالزيت وهو محرم غير المقتت، قال أبو عيسى: هو المطيب (٦). قُلْتُ: وقد روي عن بعض من أسلفناه ما قد يخالفه ففي البيهقي بإسناد جيد عن ابن عمر أنه كان يكره ثم الريحان للمحرم (٧). -------- (١) «المصنف» ٣/ ١٣٧ (١٢٨٣٨، ١٢٨٤٠ - ١٢٨٤١). (٢) «المصنف» ٣/ ١٤٤ (١٢٩١٨). (٣) في الأصل: قرة بن خالد، والمثبت من «التاريخ الكبير» ٨/ ٥ ترجمة (١٩٣٥). (٤) في الأصل: معتب، والمثبت كما في «المصنف» لابن أبي شيبة. (٥) انظر: «المصنف» ٣/ ١٤٥ - ١٤٦ (١٢٩٢٢ - ١٢٩٢٩، ١٢٩٣١ - ١٢٩٣٤) فيما يتداوى المحرم وما ذكر فيه. (٦) رواه في «السنن» برقم (٩٦٢) كتاب: الحج. وقال الألباني: ضعيف الإسناد. (٧) «السنن الكبرى» ٥/ ٥٧ كتاب: الحج، باب: من كره شم الريحان للمحرم. وعن أبي الزبير عن جابر سماعًا: فسأل عن الريحان: أيشمه المحرم والطيب والدهن؟ فقال: لا (١). ولابن أبي شيبة عن طاوس: لا ينظر المحرم في المرآة (٢)، وعن مجاهد: إن تداوى بالسمن أو الزيت فعليه دم (٣)، وعن ابن عمر أنه كره أن يداوي المحرم يده بالدسم (٤)، وعن جابر إذا شم المحرم ريحانًا أو مس طيبًا أهراق لذلك دمًا. وعن إبراهيم: في الطيب الفدية. وعن عطاء إذا ثم طيبًا كفّر، وعنه إذا وضع المحرم على شيء منه دهنًا فيه طيب فعليه الكفارة (٥). وقوله: يشم -الأفصح فيه فتح الشين، وفي لغة ضمها، وماضيه المتصل مكسور وفي لغةٍ فتحه- ومعناه: استنشاق الرائحة، وقد يستعار في غير ذَلِكَ في كل ما قارب شيئًا أو دنا منه، وجاء في مصدره على فعيلى (٦). والريحان: ما طاب ريحه من النبات كله، الواحدة ريحانة. وأما أثر عطاء فأخرجه ابن أبي شيبة من حديث هشام بن الغاز عنه: لا بأس بالخاتم للمحرم، ومن حديث العلاء عنه به، ومن حديث أبي إسحاق عنه، وأخرجه من حديث ابن عباس بمثله بإسناد جيد، وعن النخعي ومجاهد مثله (٧). -------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٠٨ (١٤٦٠٥) من كره للمحرم أن يشم الريحان. (٢) «المصنف» ٣/ ١٣٨ (١٢٨٤٤) من كره للمحرم أن ينظر في المرآة. (٣) سبق تخريجه. (٤) «المصنف» ٣/ ١٤٦ (١٢٩٣٥) فيما يتداوى المحرم. (٥) «المصنف» ٣/ ٣٠٨ (١٤٦٠٧ - ١٤٦١٠) ما قالوا إذا شم الريحان. (٦) كذا في الأصل. (٧) «المصنف» ٣/ ٢٧١ (١٤٢١٨ - ١٤٢٢٠، ١٤٢٢٣) في الخاتم للمحرمة. وقال خالد بن أبي بكر: رأيت سالمًا يلبس خاتمه وهو محرم، وكذا قاله إسماعيل بن عبد الملك، عن سعيد بن جبير (١). ومعنى يتختم: يلبس الخاتم، وفيه ست لغات: فتح التاء وكسرها، وخاتام، وخيتام وختام وختم، حكى الأخيرتين ابن جني في «شرح المتنبي»، واختلف في قول الأعشى: وصهباء طاف يَهوديُّها … وأبرزها وعليها ختم فقيل: أراد الخاتم، وقيل: ختم فعل ماض، أي: وختم عليها والجمع خواتم وخياتيم وخياتم، وكان العجاج يهمز الخاتم. قال الصولي: إن كان الهمز من لغته في الخاتم والعالم فشعره مستوٍ وهو قوله: وخندف هامة هذا العالم … مُبارَكٍ للأنبياء خاتم والهميان يأتي، وأثر ابن عمر أخرجه الشافعي في «مسنده»: أنا سعيد، عن ابن جريج، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: رأيت ابن عمر يسعى بالبيت، وقد حزم على بطنه بثوب. وعن سعيد، عن إسماعيل بن أمية أن نافعًا أخبره أن ابن عمر لم يكن عقد الثوب عليه، إنما غرز طرفه على إزاره (٢). وقال ابن أبي شيبة في «مصنفه»: حَدَّثَنَا ابن فضيل، عن ليث، عن عطاء وطاوس قالا: رأينا ابن عمر وهو محرم وقد شد حقويه بعمامة. وحدثنا ابن عيينة، عن هشام بن حجير قال: رأى طاوس ابن عمر يطوف وقد شد حقويه بعمامة. وحَدَّثَنَا وكيع عن ابن أبي ذئب، عن --------- (١) «المصنف» ٣/ ٢٧١ (١٤٢٢١ - ١٤٢٢٢). (٢) «مسند الشافعي» ١/ ٣١١ (٨٠٦ - ٨٠٧). مسلم بن جندب: سمعت ابن عمر يقول: لا تعقد عليك شيئًا وأنت محرم (١). وفي «صحيح الحاكم» وقال: صحيح من حديث أبي سعيد الخدري قال: حج رسول الله - ﷺ - وأصحابه مشاة؛ فقال: «اربطوا على أوساطكم بأزركم» ومشينا خلط الهرولة (٢). سلف. وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم والأربعة (٣). ومحمد بن يوسف في المسند الأول هو: الفريابي وسفيان هو ابن سعيد، وهو حديث لا يختلف في صحته وثبوته، وأنكر ابن حزم رواية عائشة: ثم أصبح رسول الله - ﷺ - محرمًا، وقال: هو لفظ منكر ولا خلاف أنه إنما أحرم بعد صلاة الظهر بذي الحليفة (٤) كما قال جابر في حديثه الطويل، ولعل قولها إنما كان منه في عمرة القضاء أو الحديبيَة أو الجِعْرَانَة. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ما في الباب من أوجهٍ: أحدها: أجاز الطيب قبل الإحرام من الصحابة سعد بن أبي وقاص ومعاوية وابن عباس وأبو سعيد الخدري وابن الزبير وعائشة وأم حبيبة، ومن ----------- (١) «المصنف» ٣/ ٣٩٢ (١٥٤٣٢ - ١٥٤٣٣، ١٥٤٤٢) في المحرم يعقد على بطنه الثوب. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٤٢ - ٤٤٣ كتاب: المناسك. وضعفه الألباني في «الضعيفة» (٢٧٣٤) وتقدم تخريجه. (٣) مسلم (١١٩٠)، وأبو داود (١٧٤٦)، والترمذي (٩١٧)، والنسائي ٥/ ١٣٨، وابن ماجه (٢٩٢٨). (٤) «المحلى» ٧/ ٨٧. التابعين عروة والقاسم بن محمد والشعبي والنخعي (١). وبه قال عمر بن عبد العزيز، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، إسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وإبراهيم في رواية (٢). وحكاه ابن حزم عن البراء بن عازب، وأنس، وأبي ذر، والحسين بن علي، وابن الحنفية، والأسود، وسالم، وهشام بن عروة، وخارجة بن زيد، وابن جريج، وسعيد بن سعيد (٣). واحتجوا بحديث عائشة في الباب، واعتل من لم يجزه بما سلف في الباب قبله أنه من خواصه، قاله ابن القصار والمهلب وأبو الفرج في «شرح اللمع»، زاد المهلب معنى آخر: أنه خص به؛ لمباشرته الملائكة بالوحي وغيره. وفي الثوب عندنا وجهان، والأصح جوازه لا استحبابه، وقيل: يستحب (٤)، وادعى بعضهم الإجماع على أنه لا يستحب في الثوب كما ستعلمه، والخلاف ثابت، وسواء فيه ما بقي لونه وغيره. وقال أشهب: لا فدية على من تطيب لإحرامه، وخالفه بعض القرويين (٥). واختلف فيه الرواية عن محمد بن الحسن فيما حكاه الطرطوسي. قال ابن حزم: وأما الرواية عن عمر في كراهته فقد روينا عنه أنه لما شمه -------- (١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٩٨ - ٢٠٠ باب: من رخص في الطيب عند الإحرام. (٢) انظر: «البناية» ٤/ ٤٠، «الأم» ٢/ ١٧٢، «المغني» ٥/ ٧٧ - ٧٨. (٣) «المحلى» ٧/ ٨٤ - ٨٥. (٤) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٢٨ - ٢٢٩. (٥) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠١، «مواهب الجليل» ٤/ ٢١٥. من البراء لم ينهه عنه، وإنما قال: علمنا أن أمرأتك عطرة، وأما ابنه فقد رجع عنه فلم يبق إلا عثمان وحده، قال: وأما ما رووه في الحديث عن عائشة طيبته بطيب لا يشبه طيبكم، هذا يعني: ليس له بقاء، فليس من الحديث، إنما هو ظن ممن رواه عنها والظن أكذب الحديث (١). قُلْتُ: وعن ابن عمر: لا آمر به ولا أنهى عنه. ثانيها: الطيب بعد رمي جمرة العقبة رخص فيه ابن عباس وسعد بن أبي وقاص وابن الزبير وعائشة وابن جبير والخدري والنخعي وخارجة بن زيد، وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور (٢)؛ عملًا بحديث عائشة في الباب، وكرهه سالم ومالك، قال ابن القاسم: ولا فدية لما جاء في ذَلِكَ (٣). قال الترمذي: والعمل على حديث عائشة عند أكثر أهل العلم والصحابة وغيرهم، وروي عن عمر منعه، وإليه ذهب بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم، وهو قول أهل الكوفة (٤). وقال أبو عمر بن عبد البر: إن مذهب عمر وعثمان وابن عمر وعثمان بن أبي العاص أنه يحرم عليه الطيب حَتَّى يطوف بالبيت قال: وبه قال عطاء والزهري وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن، وإليه ذهب محمد بن الحسن وهو اختيار الطحاوي (٥). ----------- (١) «المحلى» ٧/ ٨٥ - ٨٦. (٢) انظر: «البناية» ٤/ ١٤٠، «البيان» ٤/ ٣٤٦، «المغني» ٥/ ٣٠٨. (٣) انظر: «الكافي» لابن عبد البر ص ١٦٦، «الاستذكار» ١١/ ٦٦، «التاج والإكليل» ٤/ ١٧٩ - ١٨٠. (٤) «سنن الترمذي» عقب حديث (٩١٧). (٥) «الاستذكار» ١١/ ٥٨ - ٥٩. وعبارة الطرطوسي: يكره الطيب المؤنث كالمسك والزعفران ونحوهما، فإن تطيب وأحرم به فعليه الفدية، قال: فإن أكل طعامًا فيه طيب، فإن كانت النار مسّته فلا شيء عليه وإلا فوجهان، وأما غير المؤنث مثل الرياحين والياسمين والورد فليس من ذَلِكَ ولا فدية فيه أصلًا. وذكر الهروي في «غريبه» في الهمزة مع النون في حديث إبراهيم: أنهم كانوا يكرهون المؤنث من الطيب ولا يرون بذكورته بأسًا. قال شمر: أراد بالمؤنث طيب النساء كالخلوق والزعفران، وذكورته ما لا يكون للنساء كالمسك والغالبة والكافور والعود وما أشبهها، ومثله ذكارة الطيب. فرع: الحناء عندنا ليس طيبًا (١) خلافًا لأبي حنيفة، وعند مالك وأحمد أن فيه الفدية (٢)، قالت عائشة: وكان - عليه السلام - يكره ريحه. أخرجه ----------- (١) انظر: «حلية العلماء» ٣/ ٢٤٨، «مغني المحتاج» ١/ ٤٨٠. (٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩١، «تبيين الحقائق» ٢/ ٥٢، «المدونة» ١/ ٣٤٣، «عيون المجالس» ٢/ ٧٨٥، وأما ما ذكره عن الإمام أحمد ففيه نظر، فقد قال السامُرِّي: وله أن يختضب بالحناء ما لم يغط به شيئًا مما يلزم كشفه ولا شيء عليه. وقال ابن مفلح: ويستحب خضابها بحناء للإحرام. ثم قال: فأما الخضاب للرجل فذكر الشيخ أنه لا بأس به فيما لا تشبه فيه بالنساء؛ لأن الأصل بالإباحة، وأطلق في «المستوعب» له الخضاب بالحناء، وقال في مكان آخر: كرهه أحمد، قال أحمد: لأنه من الزينة. وقال البهوتي: ويستحب لها -أي للمرأة- إذا أرادت الإحرام خضاب بحناء؛ لحديث ابن عمر؛ ولأنه من الزينة. انظر: «المستوعب» ٤/ ٩٠، «الفروع» ٣/ ٤٥٣، ٤٥٤، «تصحيح الفروع» ٣/ ٤٥٥، «كشاف القناع» ٢/ ٤٠٦. ابن أبي عاصم في كتاب «الخضاب»، وكان يحب الطيب، فلو كان طيبًا لم يكرهه. ثالثها: اختلف في شم الريحان الفارسي والمرزنجوش واللينوفر والنرجس على قولين عندنا: أحدهما: يجوز؛ لقول ابن عباس السالف، وروي عن عثمان أنه سُئِلَ عن المحرم يدخل البستان، قال: نعم، ويشم الريحان. قال ابن التين: ولأنه ليس من مؤنث الطيب. وأصحهما: لا يجوز؛ لأنه يراد للرائحة، فهو كالورد والزعفران، ففيه الفدية (١). وبه قال ابن عمر وجابر والثوري ومالك وأبو حنيفة وأبو ثور، إلا أن مالكًا وأبا حنيفة يقولان: يحرم ولا فدية (٢). واختلف في الفدية عن عطاء وأحمد كما قاله ابن المنذر. وممن جوزه -وقال: هو حلال ولا فدية فيه- عثمان وابن عباس والحسن، ومجاهد وإسحاق ونقله العبدري عن أكثر العلماء. رابعها: النظر في المرآة جائز للمحرم، كما قاله ابن عباس، قال ابن بطال: وأجازه جمهور العلماء وكان أبو هريرة يفعله (٣)، وقال مالك: لا ينظر فيها إلا من ضرورة (٤). --------- (١) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٨٩ - ٢٩٠. (٢) قوله: يحرم، فيه نظر، فقد قالا: يكره ولا فدية فيه، انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩١، «الجوهرة النيرة» ١/ ١٥٢، «الفتاوى الهندية» ١/ ٢٤٢، «المدونة» ١/ ٣٤٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٩٥. (٣) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢١٠. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٣، «المنتقى» ٢/ ٢٦٥ - ٢٦٦. خامسها: الأدهان غير المطيبة لا يحرم على المحرم استعمالها في بدنه، ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته؛ خلافًا للحسن بن حي وداود. قال ابن المنذر: أجمع العلماء أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن والشيرج (١)، وأن له أن يستعمل ذَلِكَ في جميع بدنه سوى رأسه ولحيته، فإن استعمله فيهما افتدى. وأجمعوا أن الطيب لا يجوز استعماله في بدنه (٢)، ففرقوا بين الطيب والزيت في هذا الوجه، فقياس هذا أن يكون المحرم ممنوعًا من استعمال الطيب في رأسه كما منع في بدنه، وأن يجب له استعمال الزيت والسمن في رأسه كما أبيح له في بدنه، وكلهم أوجب في دهن البنفسج الفدية، إلا الشافعي فإنه قال: ليس بطيب، وإنما يستعمل للمنفعة (٣). وقال مالك في الأدهان غير المطيبة: لا يجوز أن يدهن بها أعضاءه الظاهرة: كالوجه واليدين والرجلين ويجوز دهن الباطنة، وهو ما يوارى باللباس (٤). وبه قال أبو حنيفة في السمن والبزر، وقال في الزيت والشيرج: يحرم استعماله في الرأس والبدن (٥). ------------ (١) «الإجماع لابن المنذر» ص ٥٢، ونقله عنه النووي في «المجموع» ٧/ ٢٩٦. (٢) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٩٦. (٣) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩٠، «الفتاوى الهندية» ١/ ٢٤١، «المدونة» ١/ ٣٤١، «الأم» ٢/ ١٢٩، «المغني» ٥/ ١٤٩. (٤) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٢. (٥) انظر: «بدائع الصنائع» ٢/ ١٩٠ - ١٩١. وقال أحمد: إذا دهن بزيت أو شيرج فلا شيء عليه في أصح الروايتين سواء دهن بدنه أو رأسه (١). وقال ابن التين: المحرم ممنوع من الأدهان المطيب وغيره. وذكر ابن حبيب عن الليث إباحة ذَلِكَ بما يجوز أكله من الأدهان، وهو قول عمر وعلي، قال: ودليل قول مالك أنه معنى ينافي الشعث، فمنع منه كالتطيب والتنظيف في الحمام، قال: وقيل: في معنى قول ابن عمر: يدهن بالزيت أي: بعد الغسل وقبل الإحرام؛ لأن الزيت بعد الإحرام يزيل الشعث، فإن فعل فقال مالك عند ابن حبيب: يفتدي، واختار ابن حبيب أن لا فدية عليه (٢). سادسها: قول عطاء: تختم. قال مالك مثله في «مختصر ما ليس في المختصر»، قال اللخمي في «تبصرته»: والمعروف من قوله المنع (٣). سابعها: التبان لبسه حرام عندنا كالقميص والدراعة والخف والران ونحوها، فإن لبس شيئًا من ذَلِكَ مختارًا عامدًا أثم وأزاله وافتدى سواء قصر الزمان أو طال (٤). وحمل ابن التين قول عائشة أنها تريد به النساء؛ لأنهن يلبسن المخيط، والتبان: سراويل قصر. ----------- (١) انظر: «المغني» ٥/ ١٤٩، «الفروع» ٣/ ٣٧٩ - ٣٨٠. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٤. (٣) انظر: «مواهب الجليل» ٣/ ٤٣٢، ٤/ ٢٠٤. (٤) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٦٩. وله أن يتقلد المصحف وحمائل السيف، وأن يشد الهِميان والمنطقة (١) في وسطه، ويلبس الخاتم من غير اختلاف عنه، وقال ابن عمر في أصح الراويتين عنه بكراهة الهميان والمنطقة، وبه قال مولاه نافع، وهو ما في «الموطأ» فقيل: يحتمل أن يريد بذلك لبسها للترفه من فوق الثياب، وإن لبسها بذلك افتدى، لذا ذكره ابن التين، قال: واختلف في شد المنطقة في العضد هل يوجب فدية؟ فأوجبها أصبغ، وخالفه ابن القاسم، ومن شد منطقة لغير ضرورة يجري على الخلاف فيمن تقلد سيفًا لغير ضرورة هل يفتدى؟ قال: والصواب في الخاتم والسيف شبه ذَلِكَ أنه لا فدية؛ لأنه غير لابس. وأجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يعقد الهميان على وسطه، روي ذَلِكَ عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، والقاسم، وعطاء وطاوس والنخعي، وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، غير إسحاق فقال: لا يعقده، وقال: (يدخل) (٢) السيور بعضها في بعض (٣). وسُئلت عائشة عن المنطقة فقالت: أوثق عليك نفقتك. وقال ابن علية: قد أجمعوا أن للمحرم أن يعقد الهميان والإزار على وسطه، فكذلك المنطقة، وقول إسحاق لا يعد خلافًا ولاحظ له في النظر؛ ------------ (١) كذا بالأصل وتتمة الكلام كما في «المجموع» ٧/ ٢٧٠: في وسطه ويلبس الخاتم، ولا خلاف في جواز هذا كله، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه، فكرههما. (٢) في الأصل: لا يدخل، والمثبت من مصادر التخريج. (٣) انظر: «المبسوط» ٤/ ١٢٧، «الاستذكار» ١١/ ٤٢ - ٤٣، «المجموع» ٧/ ٢٧٠، «المغني» ٥/ ١٢٥ - ١٢٦. لأن الأصل النهي عن لباس المخيط، وليس هذا مثله فارتفع أن يكون له حكمه (١). وفي ابن عدي من حديث ابن عباس: رخص رسول الله - ﷺ - في الهميان للمحرم، ثم ضعفه (٢). فائدة: الهميان: معروف فارسي معرب، قاله القزاز وغيره بكسر الهاء، وهميان بن قحافة السعدي، يُكسر، ويُضم، وفي «المغيث» قيل: هو فعلان من همى بمعنى: سأل؛ لأنه إذا أفرغ همي ما فيه (٣)، وفسر ابن التين الهميان: بالمنطقة قال: وإنما ذَلِكَ لتكون نفقته فيها، وأما نفقة غيره فلا، وإن جعلها في وسطه لنفقته ثم نفذت نفقته وكان معه وديعة ردها إلى صاحبها، فإن تركها افتدى، وإن كان صاحبها غاب بغير علمه فيبقيها ولا شيء عليه، وشد المنطقة من تحت الثياب. فرع: اختلف في الرداء الذي يلتحف به على مئزره، فكان مالك لا يرى عقده ويلزمه الفدية إن انتفع به (٤). ونهى عنه ابن عمر وعطاء وعروة، ورخص فيه سعيد بن المسيب، وكرهه الكوفيون وأبو ثور، وقالوا: لا شيء عليه إن فعل (٥)، وحكي عن مالك أنه رخص للعامل أن يحزم الثوب على منطقته، وكرهه لغيره (٦). -------------- (١) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٤٣. (٢) رواه في «الكامل» ١/ ٢٧٣. وقال: لا أعرفه. (٣) «المجموع المغيث» ٣/ ٥١٠. (٤) انظر: «التاج والإكليل» ٤/ ٢٠٥. (٥) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٨. (٦) انظر: «التاج والإكليل» ٤/ ٢٠٥. وقوله: وحزم ابن عمر على بطنه بثوب إن أراد أنه شده فوق المئزر، فمالك يرى على من فعل ذَلِكَ الفدية، كما سلف وإن باشر به البطن ليجعل فيه نفقته فيكون كالهميان. خاتمة: قول إبراهيم -يعني: النخعي- لسعيد بن جبير: ما تصنع بقول ابن عمر -فيما سلف- أنه كان يدهن بالزيت؟ فيه حجة أن المفزع في النوازل إلى السنن، وأنها مستغنية عن آراء الرجال، وفيها المقنع والحجة البالغة، وأن من نزع بها عند الاختلاف فقد فلح وغلب خصمه. قال ابن التين: وإنما قيل له: قال ابن عمر: لا يدهن المحرم إلا بالزيت، فاحتج بذلك، ولا حجة له فيه إن كان ابن عمر فعله وهو محرم؛ لأن الشارع فعل قبل إحرامه، فإن كان فعله وهو غير محرم كما سيأتي من التأويل فقد ينفصل عن ذَلِكَ أيضًا، فإنه - عليه السلام - ادهن بدهن لاطيب فيه، إذ يكون فعله مخالفًا لفعلنا كما سلف. ١٩ - باب مَنْ أَهَلَّ مُلَبِّدًا ١٥٤٠ - حَدَّثَنَا اصْبَغُ، أَخْبَرَنَا ابن وَهْبٍ، عَنْ يونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أبِيهِ - رضي الله عنه - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - يُهِلُّ مُلَبِّدًا. [١٥٤٩، ٥٩١٤، ٥٩١٥ - مسلم: ١١٨٤ - فتح: ٣/ ٤٠٠] ذكر فيه حديث سالم: عَنْ أَبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - يُهِلُّ مُلَبِّدًا. هذا الحديث سيأتي مثله في باب: من لبد رأسه عند الإحرام. من حديث حفصة أيضًا بلفظ: «إني لبدت رأسي» .. الحديث (١). ولأبي داود والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، من حديث ابن إسحاق، عن نافع، عن ابن عمر أنه - عليه السلام - لبد رأسه بالعسل (٢). ومعنى يهل: يرفع صوته بالتلبية. وقوله: مُلبّدًا أي: سمعته يهل ورأيته ملبدًا. أما حكم الباب فالتلبيد عند الإحرام مستحب لما ذكرناه، نص عليه الشافعي وأصحابنا للرفق، وهو أن يضفر رأسه ويجعل فيه شيئًا من صمغ وشبهه؛ ليجتمع ويتلبد فلا يتخلله الغبار ولا يصيبه الشعث ولا يحصل به القمل. قال القزاز: وقيل: التلبيد: البقيا على الشعر؛ لئلا يتشعث، وحكاه الهروي أيضًا، وإنما يلبد من طول مكثه في الإحرام. ------------ (١) سيأتي برقم (١٧٢٥). (٢) «سنن أبي داود» برقم (١٧٤٨) كتاب: المناسك، باب: التلبيد، و«المستدرك» ١/ ٤٥٠ كتاب: المناسك. وقد سقطت هذِه الرواية من نسخة «المستدرك» وأثبتناها من «تلخيص الذهبي» والحديث ضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣٠٨). ![]()
__________________
|
|
#308
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 111 الى صـــ 130 الحلقة (308) قال ابن بطال: من لبد رأسه فعليه الحلاق؛ لأنه - عليه السلام - حلق (١)، وهذا فيه خلاف ستعلمه في باب من لبد رأسه عند الإحرام إن شاء الله. وقوله: (بالغسل) قال ابن الصلاح: يحتمل من حيث المعنى أنه الغِسل -بكسر الغين المعجمة- وهو: ما يغسل به الرأس من خطمي أو غيره، ويحتمل أن يكون بالمهملة المفتوحة؛ لأن الرواية بذلك لم تضبط. ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢١١. ٢٠ - باب الإِهْلَالِ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الحُلَيْفَةِ ١٥٤١ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ، سَمِعْتُ سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما. وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ. [مسلم: ١١٨٦ - فتح: ٣/ ٤٠٠] ذكر فيه من طريقين: حديث سالم أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ يَقُولُ: مَا أَهَلَّ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - إِلَّا مِنْ عِنْدِ المَسْجِدِ. يَعْنِي: مَسْجِدَ ذِي الحُلَيْفَةِ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا بلفظين عن ابن عمر: أحدهما: بات رسول الله - ﷺ - بذي الحليفة مبدأه وصلى في مسجدها (١). ثانيهما: كان إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة، أهل من ذي الحليفة (٢). وسيأتي باب: من أهل حين استوت به راحلته قائمة، ثم قال باب: الإهلال مستقبل القبلة، ثم ذكر حديث ابن عمر تعليقًا ومسندًا كما سيأتي (٣). ------------ (١) «صحيح مسلم» برقم (١١٨٨) كتاب: الحج، باب: الصلاة في مسجد ذي الحليفة. (٢) «صحيح مسلم» برقم (١١٨٧) باب: الاهلال من حيث تنبعث الراحلة. (٣) برقم (١٥٥٣) معلقًا، وبرقم (١٥٥٤) مسندًا، باب: الإهلال مستقبل القبلة. وأخرجاه من حديثه أنه قيل له: رأيتك تصنع أربعًا فذكرهن، وفي آخره: وأما الإهلال فإني لم أرَ رسول الله - ﷺ - يهلُّ حَتَّى تنبعث به راحلته، وقد سلف (١). وللبخاري من حديث جابر بن عبد الله: أن إهلال رسول الله - ﷺ - من ذي الحليفة حين استوت به راحلته، ثم قال: رواه أنس وابن عباس (٢)، ثم خرجه من حديث أنس (٣)، وساقه مسلم من حديث جابر الطويل (٤). وله ولمسلم -والسياق له- عن سالم أن ابن عمر سمع أباه يقول: بيداؤكم هذِه التي تكذبون على رسول الله - ﷺ - فيها، ما أهل رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد يعني: ذا الحليفة (٥). ولمسلم عن سالم قال: كان ابن عمر إذا قيل له: الإحرام من البيداء. قال: البيداء التي تكذبون على رسول الله - ﷺ - ما أهل رسول الله - ﷺ - إلا من عند الشجرة حَتَّى قام به بعيره (٦). فإذا علمت ذَلِكَ فقد اختلف العلماء في الموضع الذي أحرم منه رسول الله - ﷺ - فقال قوم: إنه أهل من مسجد ذي الحليفة. وقال آخرون: لم يهل إلا بعد أن استوت به راحلته بعد خروجه من المسجد، روي ذَلِكَ عن ابن عمر أيضًا وعن أنس، وابن عباس ------------ (١) سلف برقم (١٦٦) كتاب: الوضوء، باب: غسل الرجلين في النعلين .. ورواه مسلم برقم (١١٨٧). (٢) سلف برقم (١٥١٥). (٣) سيأتي برقم (١٥٤٦) باب: من بات بذي الحليفة حتى أصبح. (٤) مسلم برقم (١٢١٨) باب: حجة النبي - ﷺ -. (٥) حديث (١٥٤١)، ورواه مسلم برقم (١١٨٦) باب: أمر أهل المدينة بالإحرام من عند مسجد ذي الحليفة. (٦) مسلم برقم (١١٨٦/ ٢٤). وجابر وقد سلفت. وقال آخرون: بل أحرم حين أظل البيداء. وقال من خالفهم: قد يجوز أن يكون النبي - ﷺ - أحرم منها، لا لأنه قصد أن يكون إحرامه منها لفضل في الإحرام منها على الإحرام مما سواها، وقد رأيناه فعل في حجه أشياء في مواضع لا لفضلها: كنزوله بالمحصب من منى، لم يكن ذَلِكَ لأنه سنة، فكذلك أحرم حين صار على البيداء، لا لأن ذَلِكَ سنة، وقد أنكر قوم أن يكون رسول الله - ﷺ - أحرم من ذَلِكَ، وقد أسلفنا ذَلِكَ من رواية ابن عمر، وإنما كان ذَلِكَ بعدما ركب راحلته. واحتجوا بحديث نافع عن ابن عمر السالف في الخصال الأربع. ووجه الاختلاف في ذَلِكَ: ما رواه ابن إسحاق قال: حَدَّثَني خصيف، عن سعيد بن جبير قال: قُلْتُ لابن عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله - ﷺ - في إهلاله فقال: إني لأعلم الناس بذلك، إنما كانت من رسول الله - ﷺ - حجة واحدة، فمن هناك اختلفوا، خرج رسول الله - ﷺ - حاجًّا فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب في مجلسه، وأهل بالحج حين فرغ من ركعته، فسمع ذَلِكَ منه أقوام فحفظوه عنه، ثم ركب فلما استقلت به ناقته أهل، وأدرك ذَلِكَ منه أقوام لم يشهدوه في المرة الأولى؛ لأن الناس كانوا يأتون أرسالًا فسمعوه حين ذاك يهل فقالوا: إنما أهل حين استقلت به ناقته، ثم مضى رسول الله - ﷺ - فلما علا شرف البيداء أهل، وأدرك ذَلِكَ منه أقوام لم يشهدوه في المرتين، فنقل كل واحد منهم ما سمع، فإنما كان إهلاله في مصلاه وايم الله، ثم أهل ثانيًا ثم ثالثًا. أخرجه الحاكم في «مستدركه» وغيره، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم مفسر في الباب (١). ثم أخرج من حديث يعقوب بن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله - ﷺ -، ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج. ثم قال: صحيح الإسناد؛ فإن يعقوب بن عطاء ممن جمع أئمة (الإسناد) (٢) حديثه (٣). وله شاهد صحيح على شرطهما فذكره في الغسل، وعن سعد بن أبي وقاص قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ طريق الفرع أهل إذا استقلت به راحلته، ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٤). فينبغي لمريد الإحرام بعد الاغتسال له أن يصلي ركعتين ثم يحرم في دبرهما كما فعل رسول الله - ﷺ -، وهو قول جمهور العلماء (٥)، لكن الأظهر في مذهبنا أنه حين انبعاث دابته، أو توجهه إذا كان ماشيًا (٦)، ونقله ابن العربي عن مالك والشافعي وأكثر الفقهاء. وقال أبو حنيفة: يهل عند السلام، وعند الحسن يصليهما بعد صلاة فرض، وكان ابن عمر يحرم في دبر صلاة مكتوبة، وهو قول ابن عباس، -------- (١) «المستدرك» ١/ ٤٥١ كتاب: المناسك، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣١٢). (٢) كذا في الأصل، وفي «المستدرك»: (الإسلام) وهو أوجه. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٤٧. (٤) «المستدرك» ١/ ٤٥٢، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣١٣). (٥) انظر: «البناية» ٤/ ٤٤، «الكافي لابن عبد البر» ص ١٣٧، «المجموع» ٧/ ٢٣٢، «الإقناع» ١/ ٥٥٨. (٦) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٣٢. واستحب ذَلِكَ عطاء، والثوري، وطاوس، والشافعي (١)، وأحمد (٢)، وإسحاق، وأبو ثور. واستحب مالك أن يكون بإثر صلاة نافلة؛ لأنه زيادة خير (٣). وهو ظاهر حديث هشام عن أبيه. فإن كان في وقت لا يتنفل فيه كوقت الصبح والعصر أجزأه أن يكون بإثر الفريضة. فإن لم يكن وقتها انتظره، إلا أن يخاف فوات أصحابه فيحرم من غير صلاة. قال ابن المنذر: وإن أحرم من غير صلاة تتقدم إحرامه أجزأه؛ لأمر الشارع أسماء بنت عميس وهي نفساء بالاغتسال والإحرام، وهي غير طاهر، ومحال أن تصلي في تلك الحال. -------- (١) ويبتدئ بالتلبية إذا انبعثت به راحلته في قوله الجديد، وقال أبو حنيفة رحمه الله: المختار أن يبتدئ به في مجلس صلاته بعد فراغه من الركعتين، وهو قوله القديم. انظر: «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ١٦٨، «الأم» ٢/ ١٧٣، وفيه قول الشافعي: وإذا أراد الرجل أن يبتدئ الإحرام أحببت أن يصلي نافلة ثم يركب راحلته، فإذا استقلت به قائمة وتوجهت للقبلة سائرة أحرم، وإن كان ماشيًا فإذا توجه ماشيًا أحرم، وقال الرملي في «نهاية المحتاج»: ويسن أن يصلي للإحرام قبله ركعتين لما رواه الشيخان أنه - ﷺ - صلى بذي الحليفة ركعتين ثم أحرم، ويحرمان في وقت الكراهة في غير حرم منه، وتغنى عنهما فرضين أو نافلة كالتحية، ومانظر به في «المجموع» من كونها مقصورة فلا تندرج كسنة الظهر، رده السبكي وتبعه الزركشي وغيره بأنه إنما يتم إذا أثبتنا أنه - ﷺ - صلى ركعتين للإحرام خاصة ولم يثبت، بل الذي ثبت ودل عليه كلام الشافعي وقوع الإحرام إثر صلاة، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٧٢. (٢) انظر: «المغني» ٥/ ٨٠، «المستوعب» ٤/ ٦١١، «شرح العمدة لشيخ الإسلام ابن تيمية» ٤١٧، «منهج السالك إلى بيت الله المبجل في أعمال المناسك» لأبي عياشة الدمنهوري ١٥٥. (٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٧، «المعونة» ١/ ٣٣١، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٢٨. ولنا وجه آخر يجمع هذا الاختلاف، وهو ما رواه ابن إسحاق، عن أبي الزناد، عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص قالت: قال (سعد) (١): كان رسول الله - ﷺ - إذا أخذ طريق الفرع أَهَلَّ إذا استقلت به راحلته، وإذا أخذ طريق أحد أَهَلَّ إذا علا على شرف البيداء (٢). فائدة: قال الباجي في «المنتقى» كان إحرامه بعد صلاة الصبح (٣). وسيأتي ما يخالفه في باب ما يلبس المحرم من الثياب (٤)، وفي «الاستذكار»: ركع ركعتين بعد طلوع الشمس ثم أحرم بإثرهما (٥). وفي أبي داود أنه - عليه السلام - صلى في مسجد ذي الحليفة أربع ركعات ثم لبى دبر الصلاة. فائدة: الرواية السالفة أول الباب بيداؤكم هذِه التي تكذبون على رسول الله ----------- (١) في الأصل: سعيد، والصواب ما أثبتناه كما في مصادر التخريج. (٢) رواه أبو داود (١٧٧٥) كتاب: المناسك، باب: في وقت الإحرام، والبزار في «البحر الزخار» ٤/ ٣٧ (١١٩٨)، وأبو يعلى في «مسنده» ٢/ ١٣٨ (٨١٨)، والحاكم ١/ ٤٥٢ كتاب: المناسك، وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، والبيهقي ٥/ ٣٨ - ٣٩، كتاب: الحج، باب: من قال: يهل إذا انبعث به راحلته. وابن عبد البر في «التمهيد» ١٣/ ١٧، ٢٢/ ٢٨، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» برقم (٣١٣) قائلًا: ضعيف لعنعنة ابن إسحاق. (٣) قال الباجي: قوله كان يصلي في مسجد ذي الحليفة ركعتين. هذا اللفظ إذا أطلق في الشرع اقتضى ظاهره في عرف الاستعمال النافلة، وهو المفهوم من قولهم: صلى فلان ركعتين، وإن كان قد روي أن صلاة النبي - ﷺ - بذي الحليفة كانت صلاة الفجر، «المنتقى» ٢/ ٢٠٧. (٤) برقم (١٥٤٥) كتاب: الحج. (٥) «الاستذكار» ١١/ ٩٩. - ﷺ - فيها ما أَهَلَّ رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد، يعني: ذا الحليفة، يؤيد ما ذكره ابن عباس، وأنس في حديثهما. ووصفه بالكذب؛ لأنه الإخبار بالشيء على خلاف ما ليس به، قصده المخبر أم لا. وقد ذكر عن أنس غير هذا وروي خلافه عن ابن عباس أنه أهل إثر السلام من الصلاة. قال ابن التين: وأصح هذِه الروايات ما وافق رواية ابن عمر أنه لم تختلف روايته في ذَلِكَ، وهو أحفظ الناس للمناسك وابن عباس صغير في حجة الوداع؛ لأنه اختلفت روايته في هذا الحكم، ولم تختلف رواية ابن عمر؛ ولأن حديثه لم يختلف في صحته. وحديث ابن عباس فيه ابن إسحاق وخصيف (١). وروى مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا استوت به راحلته أحرم. وهو ممن يقتفي آثار رسول الله - ﷺ - لا يخالف ما رواه، فإن معنى: انبعثت من الأرض إلى القيام، وهذا يخالف فيه. وفي «المدونة» (٢) عن ابن نافع: أنكر مالك الإحرام من البيداء. وقال: ما البيداء؟ وقال الكرماني: البيداء فوق علمي ذي الحليفة إذا صعدت من الوادي، وفي أول البيداء بئر ماء. فائدة أخرى: قوله: ما أَهَلَّ رسول الله - ﷺ - إلا من عند المسجد -يعني: مسجد ذي الحليفة- مقتضاه أنه أفضل للاتباع، ومن أحرم من غير ذَلِكَ الموضع من ذي الحليفة أجزأه؛ لأنه يشق على الناس إحرامهم من مكان واحد. ------------ (١) تقدم تخريجه قريبًا. (٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ٢٠٨. وقد سُئِلَ مالك: أيحرم من الجحفة من أول الوادي أو وسطه أو آخره؟ فقال: هو مهل كله (١). وقال: سائر المواقيت كذلك واجبة إلى أن يحرم من أول الوادي حَتَّى يأتي على ذَلِكَ كله وهو محرم. فالمواقيت ضربان: ميقات أحرم الشارع منه، فهو أفضله. وميقات لم يحرم منه، فأفضله أوله. فائدة: من غرائب ابن حزم أن الغسل عند الإحرام مستحب وليس بفرض إلا على النفساء وحدها. قال: ومن حيث أَهَلَّ أجزأه؛ لأنه - عليه السلام - فعل ولم يأمر (٢). -------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٥٥. (٢) «المحلى» ٧/ ٨٢. ٢١ - باب مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ ١٥٤٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ». [انظر: ١٣٤ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ٣/ ٤٠١] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ؟ قَالَ: «لَا يَلْبَسُ القُمُصَ وَلَا العَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا البَرَانِسَ وَلَا الخِفَافَ، إِلاَّ أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الكَعْبَيْنِ، وَلَا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ وَرْسٌ». الشرح: هذا الحديث سلف في آخر كتاب العلم (١). وكل ما ذكر فيه مجمع على عدم لبسه، ويدخل في معنى ما ذكر من القيمص والسراويلات المخيط كله، فلا يجوز لباس شيء منه عند الأمة قاطبة (٢). ففي معنى ذَلِكَ الجباب، والفراء، والقلنسوة، وغيره، والمنسوج، والملبد. وفي معنى البرانس الغفارية. وذلك أن الترفه إنما يحصل بلبس ------- (١) برقم (١٣٤) باب: من أجاب السائل بأكثر مما سأله. (٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٢٨، «الإجماع» لابن المنذر (٥٠) و«الإقناع» للفاسي ٢/ ٧٩٣. الثياب على الوجه المقصود بتلك الخياطة، والمحرم ممنوع من الترفه، ولذلك منع من الحلق وإلقاء التفث، بخلاف ستر العورة ودفع المضرة عن الجسد، ولا بأس بإلقاء الثوب، أو السراويل، أو البرنس على كتفه. وكره مالك الارتداء بالسراويل (١). ووجَّه بقبح الزي كما كره لغير المحرم لبس السراويل مع الرداء دون قميص. ومن أدخل منكبه في القباء افتدى وفاقًا لمالك (٢)، وخلافًا لأبي حنيفة حَتَّى يدخل يديه في كميه (٣). والجواب في الحديث من بدائع خطابه حيث سُئِلَ عما يلبس فأجاب بما لا يلبس؛ لأن ما يلبس قد يشق حصره؛ لكثرته، فأجاب بالممنوع وعلم الجائز به. ثم قام الإجماع على أن الخطاب المذكور للرجال دون النساء، وأنه لا بأس بلبس المخيط والخفاف لهن (٤). وقام أيضًا على أن إحرام الرجل في رأسه، وأنه ليس له أن يغطيه؛ لنهيه - عليه السلام - عن لبس البرانس والعمائم (٥)، زاد مالك: ووجهه. وسيأتي الاختلاف في تخمير الوجه، واختلفوا في من لبس خفين غير مقطوعين وهو واجد للنعلين، أو لبسهما مقطوعين وهو واجد للنعلين، وستعلمه في أواخر الحج. ----------- (١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٤، «الاستذكار» ١١/ ٢٨، «المعونة» ١/ ٣٣٦. (٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٣٥، «المعونة» ١/ ٣٣٧. (٣) انظر: «البناية» ٤/ ٥٥، «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٧، «الأصل» ٢/ ٤٨٠، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٤. (٤) انظر: «الإقناع» لابن القطان ٢/ ٧٩٧، «الاستذكار» ١١/ ٢٨. (٥) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ٥٠، «الاستذكار» ١١/ ٢٨. والحديث دال على جواز لبسهما عند عدم النعلين مع قطعهما أسفل من الكعبين، ولا خلاف فيه بين جماعة الفقهاء. وحكي عن عطاء، وأحمد، وقوم من أصحاب الحديث أنه إذا لم يجدهما يلبس الخفين تامين من غير قطع (١). والحديث حجة عليهم. وهو أمر، ومقتضاه الوجوب. وبالقياس على من وجد النعلين. --------- (١) انظر: «المغني» ٥/ ١٢٠، «المستوعب» ٤/ ٨٠، «الفروع» ٣/ ٣٧٠، وقال ابن مفلح في «المبدع»: لا يلزمه قطع خفه في المنصوص والمختار، عملًا بإطلاق حديثي ابن عباس وجابر، فإنه لم يأمر فيهما بقطع، ولو وجب لبينه، يؤيده أن جماعة من الصحابة عملوا على ذلك، وقال أحمد: قطعهما فساد، واحتج المؤلف وغيره بالنهي عن إضاعة المال، ولأنه ملبوس أبيح لعدم غيره، أشبه السراويل؛ ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن لبس المقطوع مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح. وعنه: إن لم يقطعهما دون كعبيه فدى، وهي قول أكثر العلماء لخبر ابن عمر. قال في المغني و«الشرح»: وهي الأولى، عملًا بالحديث، الصحيح، وخروجًا من الاختلاف وأخذًا بالاحتياط، وأجيب بأن زيادة القطع لم يذكرها جماعة، وروي أنها من قول ابن عمر، ولو سلم صحة رفعها، فهي بالمدينة، وخبر ابن عباس بعرفات، فلو كان القطع واجبًا لبينه للجمع العظيم الذي لم يحضر كثير منهم كلامه في المسجد في موضع البيان ووقت الحاجة فلزم أن يكون الإطلاق ناسخًا للتقييد دفعًا لمحذور تأخير البيان عن وقت الحاجة، وحكى في «المغني» عن الخطابي أنه قال: العجب من أحمد في هذا، أي في قوله بعدم القطع، قال: فإنه لم يخالف سنة تبلغه، وقل سنة لم تبلغه، وفيه شيء، فإن أحمد لم يخالف السنة، ولم تخف عليه، قال المروزي: احتججت على أبي عبد الله بحديث ابن عمر وقلت: هو زيادة في الخبر، فقال: هذا حديث، وذاك حديث، فقد اطلع رضي الله عنه على السنة، وإنما نظر المتجرين الذين أمدهم الله بعونه، مع أن خبرنا فيه زيادة حكم، وهو جواز اللبس بلا قطع؛ لأن هذا الحكم لم يشرع بالسنة، قاله الشيخ تقي الدين، وهو أحسن من ادعاء النسخ. «المبدع» ٣/ ١٤٢. وأما حديث ابن عباس الذي لم يذكر فيه القطع، فخبر ابن عمر مقدم عليه؛ لأنه نقل صفة لبسه بخلاف خبر ابن عباس، فلو لبس الخفين عند عدم النعلين فلا فدية عليه عند الجماعة؛ خلافًا لأبي حنيفة. قيل: ونحا إليه ابن حبيب. وقوله: («فليقطعهما أسفل من الكعبين») اتفق الحفاظ من أصحاب نافع على لفظه هكذا، منهم مالك، والزهري، وخلق. ووهم جعفر بن بُرقان فيه في موضعين، حيث جعله من قول نافع (١)، وزيادة: «ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل»، وليس في حديث ابن عمر، وهذا أخذ به الشافعي (٢)، وأنكره مالك في «الموطأ»، واحتج بأنه لم يستثن فيه كما استثنى في الخفين (٣). وقال الأصيلي: انفرد بحديث السراويل جابر بن زيد، عن ابن عباس، وهو رجل بصري لا يُعرف، ولا يعرف الحديث بالمدينة. قُلْتُ: لكن أخرجاه في الصحيحين من حديث ابن عباس، كما ذكر بلفظ: سمعت النبي - ﷺ - وهو يخطب يقول: «السراويل لمن لم يجد الإزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين» (٤) يعني: المحرم. وفي رواية: يخطب بعرفات (٥). وأخرجه مسلم من حديث جابر مرفوعًا: «من لم يجد نعلين فليلبس ------------ (١) رواه ابن أبي شيبة في»المصنف«٣/ ٣١٠ (١٤٦٣٤). (٢) انظر:»حلية العلماء«٣/ ٢٤٣،»العزيز«٣/ ٤٦٢،»المجموع«٧/ ٢٧٤. (٣)»الموطأ" ص ٢١٦. (٤) سيأتي برقم (١٨٤٣) كتاب: جزاء الصيد، باب: إذا لم يجد الإزار فليلبس السراويل، ورواه مسلم (١١٧٨). (٥) سيأتي برقم (١٨٤١). خفين، ومن لم يجد إزارًا فليلبس سراويل» (١) وهو من أفراده. وقال أبو حنيفة: يشق السراويل من أسفله ويلبسه، ولا فدية عليه (٢). وقال ابن حبيب: إنما أرخص في القطع لقلة النعال، فأما اليوم فلا رخصة في ذَلِكَ. ووافقه ابن الماجشون (٣). وأجمعت الأمة على أن المحرم لا يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران (٤). والورس نبات باليمن صبغه بين الحمرة والصفرة، ورائحته طيبة. وقيل: هو ضرب من الطيب كالزعفران، فإن غسل ذَلِكَ الثوب حَتَّى ذهب منه ريح الورس أو الزعفران فلا بأس به عند جميعهم. وكرهه مالك للمحرم إلا إذا لم يجد غيره (٥). وسيأتي ذَلِكَ واضحًا في باب: ما ينهَى من الطيب للمحرم والمحرمة، وايراد حديث فيه إذا غُسِل. مع الكلام عليه. وقال ابن التين: خص المنع ما صبغ منهما؛ لأنهما أطيب وأفضل لباس المحرم البياض؛ لقوله - عليه السلام -: «البسوا من ثيابكم البياض» (٦). ------------ (١) «صحيح مسلم» (١١٧٩) كتاب: الحج، باب: ما يباح للمحرم بحج أو عمرة. (٢) انظر: «العناية» ٤/ ٥٤، «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣٤، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٤. (٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٥. (٤) انظر: «الإجماع» لابن المنذر ٥٠، «الإقناع» لابن القطان ٢/ ٧٩٣، «الاستذكار» ١١/ ٣٧. (٥) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٣٧. (٦) رواه أبو داود (٣٨٧٨) كتاب: الطب، باب: في الأمر بالكحل، والترمذي (٩٩٤) كتاب: الجنائز، باب: ما يستحب من الأكفان، والنسائي ٤/ ٣٤، كتاب: الجنائز، باب: أي الكفن خير؟ وأحمد ١/ ٢٤٧، وابن حبان في «صحيحه» ١٢/ ٢٤٢ (٥٤٢٣) كتاب: اللباس وآدابه، باب: ذكر الأمر بلبس البياض من الثياب. = ويجتنب المصبوغ بهما الرجال والنساء، ويفتدي من لبسه منهم رجلًا كان أو امرأة. وادعى ابن أبي صفرة أن في هذا دلالة أن قول عائشة: طيبته لإحرامه (١). خصوص له؛ لأنه تطيب، ونهى عن الطيب هنا، وقد أسلفنا ذَلِكَ. ----------- = وسيأتي تخريجه باستفاضة. (١) سيأتي برقم (٥٩٢٢) كتاب: اللباس، باب: تطييب المرأة زوجها بيديها. ٢٢ - باب الرُّكُوبِ وَالاِرْتِدَافِ فِي الحَجِّ ١٥٤٣، ١٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ يُونُسَ الأَيْلِيِّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، أَنَّ أُسَامَةَ - رضي الله عنه - كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. ذكر فيه حديث ابن عباس: أن أسامة كَانَ رِدْفَ النَّبِيِّ - ﷺ - مِنْ عَرَفَةَ إِلَى المُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، قَالَ: فَكِلَاهُمَا قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ. هذا الحديث أخرجه البخاري هكذا، وأخرجه مسلم من حديث كريب مولى ابن عباس عن أسامة (١). ومن حديث الفضل أيضًا (٢). أما فقهه: ففيه: أن الحج راكبًا أفضل، وقد سلف الخلاف فيه في باب الحج على الرحل. وفيه: إرداف العالم من يخدمه، وقد سلف الإرداف في أول الحج (٣). ----------- (١) سلف برقم (١٣٩) كتاب: الوضوء، باب: إسباغ الوضوء، وبرقم (١٨١) كتاب: الوضوء، باب: الرجل يوضئ صاحبه، ورواه صحيح مسلم (١٢٨٠، ١٢٨١) كتاب: الحج، باب: استحباب إدامة الحاج التلبية. (٢) سيأتي برقم (١٦٧٠) كتاب: الحج، باب: النزول من عرفة وجمع. (٣) برقم (١٥١٣) باب: وجوب الحج وفضله. ففيه: التواضع بالإرداف للرجل الكبير، والسلطان الجليل، قيل: ولم يبلغ هذا الحديث مالكًا؛ لأنه قال: يقطع التلبية إذا راح المصلى في رواية ابن القاسم، وإذا راح إلى موقف عرفة في قول أشهب. وقال: إذا زالت الشمس. وفي كتاب محمد: إذا وقف بها (١). وفي «الإشراف» عن مالك طبق الحديث. وبه قال الشافعي (٢) وأبو حنيفة (٣). واختاره المتأخرون من المالكية. قال القاضي في «معونته»: إنما قلنا: يقطعها بعد الزوال؛ لإجماع الصحابة. وذكر مالك أنه إجماع دار الهجرة؛ ولأن التلبية إجابة للنداء بالحج. وإذا انتهى إلى الموضع الذي دُعي إليه فقد انتهى إلى غاية ما أمر به، فلا معنى لاستدامتها (٤). فقول من قال: لم يبلغ الحديث مالكًا غير صحيح؛ لأن عمل أهل المدينة عند مالك مقدم على الحديث. وقال الباجي في «منتقاه»: أكثر ما رأيت عمل الناس قطعها بعرفة، وما تضمنه الحديث أظهر عندي وأقوى في النظر. وقال الشيخ أبو القاسم: فأكثر قول مالك في قطعها إلا أن يكون إحرام بالحج من عرفة فيلبي حَتَّى يرمي جمرة العقبة.(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٣. (٢) انظر: «الأم» ٢/ ١٨٧، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٠، «حلية العلماء» ٣/ ٢٩٣، «مغني المحتاج» ٣/ ٣٠٣. (٣) انظر: «الهداية» ١/ ١٥٧، «الاختيار» ١/ ١٩٨. (٤) المعونة" ٢/ ٣٣٤. فحمل الحديث على من هذا حكمه. ولعله تأول قول الراوي أنه - عليه السلام - لم يزل يلبي حَتَّى رمى جمرة العقبة أنه أمر بذلك (١). قُلْتُ: فيه بعدٌ. ------------ (١) «المنتقى» ٢/ ٢١٦، وانظر قول ابن القاسم أيضًا في «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٣. ٢٣ - باب مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيَابِ وَالأَرْدِيَةِ وَالأُزُرِ وَلَبِسَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها الثِّيَابَ المُعَصْفَرَةَ وَهْيَ مُحْرِمَةٌ وَقَالَتْ: لَا تَلَثَّمْ وَلَا تَتَبَرْقَعْ وَلَا تَلْبَسْ ثَوْبًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَانٍ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَا أَرَى المُعَصْفَرَ طِيبًا. وَلَمْ تَرَ عَائِشَةُ بَأْسًا بِالحُلِيِّ وَالثَّوْبِ الأَسْوَدِ وَالمُوَرَّدِ وَالخُفِّ لِلْمَرْأَةِ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُبْدِلَ ثِيَابَهُ. ١٥٤٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ المُقَدَّمِيُّ، حَدَّثَنَا فُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: أَخْبَرَنِي كُرَيْبٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنَ الأَرْدِيَةِ وَالأُزْرِ تُلْبَسُ إِلاَّ المُزَعْفَرَةَ التِي تَرْدَعُ عَلَى الجِلْدِ، فَأَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، رَكِبَ رَاحِلَتَهُ حَتَّى اسْتَوَى عَلَى البَيْدَاءِ، أَهَلَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَلَّدَ بَدَنَتَهُ، وَذَلِكَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ ذِي القَعْدَةِ، فَقَدِمَ مَكَّةَ لأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، فَطَافَ بِالبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلَمْ يَحِلَّ مِنْ أَجْلِ بُدْنِهِ لأَنَّهُ قَلَّدَهَا، ثُمَّ نَزَلَ بِأَعْلَى مَكَّةَ عِنْدَ الحَجُونِ، وَهْوَ مُهِلٌّ بِالحَجِّ، وَلَمْ يَقْرَبِ الكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، ثُمَّ يُقَصِّرُوا مِنْ رُءُوسِهِمْ ثُمَّ يَحِلُّوا، وَذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَدَنَةٌ قَلَّدَهَا، وَمَنْ كَانَتْ مَعَهُ امْرَأَتُهُ فَهِيَ لَهُ حَلَالٌ، وَالطِّيبُ وَالثِّيَابُ. [١٦٢٥، ١٧٣١ - فتح: ٣/ ٤٠٥] ثم ذكر فيه حديث ابن عباس انْطَلَقَ النَّبِيُّ - ﷺ - مِنَ المَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إِزَارَهُ وَرِدَاءَهُ، هُوَ وَأصْحَابُهُ .. الحديث. الشرح: أما أثر عائشة فأخرجه ابن أبي شيبة من حديث إبراهيم عنها أنها قالت: يكره الثوب المصبوغ بالزعفران، أو (الصبغة) (١) بالعصفر للرجال والنساء إلا أن يكون ثوبًا غسيلًا (٢). وفي لفظ: تكره المشبعة بالعصفر للنساء (٣). وبإسناد صحيح عنها أنها قالت: تلبس المحرمة ما شاءت إلا المهرود بالعصفر (٤)، والمورد في أثرها الثاني: قيل هو المعصفر إذا غسل صار موردًا. أو قال بعض أهل اللغة: المورد المصبوغ بالورد (٥). وأما أثر جابر فأخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي، عن أبيه، عن أبي الزبير، عن جابر قال: إذا لم يكن في الثوب المعصفر طيب فلا بأس به للمحرم أن يلبسه (٦). وأثر إبراهيم أخرجه ابن أبي شيبة، عن جرير، عن مغيرة، عنه قال: يغير المحرم ثيابه ما شاء بعد أن يلبس ثياب المحرم (٧). ------------- (١) في الأصل: السبغة، والمثبت من «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ١٣٩ - ١٤٠ (١٢٨٦٤). (٢) «المصنف» ٣/ ١٣٩ - ١٤٠ (١٢٨٦٤) كتاب: الحج، باب: من كره المصبوغ للمحرم. (٣) «المصنف» ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٦) باب: من رخص في المعصفر. (٤) ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٠ (١٢٨٧٤) كتاب: الحج، باب: من رخص في المعصفر للمحرمة. (٥) انظر: «الصحاح» ٢/ ٥٥٠، «لسان العرب» ٨/ ٤٨١٠. (٦) «المصنف» ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٨) كتاب: الحج، باب: من رخص في المعصفر للمحرم. (٧) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٣)، (١٤٧٨٦) باب: في المحرم يبدل ثيابه. ![]()
__________________
|
|
#309
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 131 الى صـــ 150 الحلقة (309) قال: وحَدَّثَنَا إسماعيل بن عياش، عن سعيد بن يوسف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة قال: غير النبي - ﷺ - ثوبيه بالتنعيم (١). وحَدَّثَنَا هشيم، عن مغيرة، عن إبراهيم، ويونس، عن الحسن وحجاج، عن عبد الملك وعطاء أنهم لم يروا بأسًا أن يبدل المحرم ثيابه (٢)، وكذا قاله طاوس، وسعيد بن جبير سُئِلَ: أيبيع المحرم ثيابه؟. قال: نعم (٣). وحديث ابن عباس من أفراده، ورواه مرة مختصرًا، وقال: يحلقوا أو يقصروا (٤). والترجل حل الشعر ومشطه. ومعنى (تردع) بعين مهملة وفتح أوله؛ لأنه ثلاثي، أي: كثر فيها الزعفران حَتَّى تنفضه وتلطخه. قال صاحب «المطالع»: وفتح الدال أوجه. والردع: الأثر على الجلد وغيره. قال ابن سيده: شيء يسير في مواضع شتى (٥). وقال ابن التين: معناه: تلطخ الجلد. وقال ابن الجوزي: كذا وقع: تردع على الجلد. والصواب: تردع الجلد أي: تصبغه، وتنفض صبغها عليه. وقال ابن بطال: من رواه بغين معجمة فهو من قولهم: أردغت الأرض: كثرت رداغها، وهي مناقع المياه، ومنه: أرزغت الأرض بالزاي، أي: كثرت رزاغها، جمع رزغة كالردفة، ذكره صاحب ----------- (١) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٢). (٢) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٦). (٣) «المصنف» ٣/ ٣٢٩ (١٤٧٨٧). (٤) سيأتي برقم (١٧٣١) كتاب: الحج، باب: تقصير التمتع بعد العمرة. (٥) «المحكم» ٢/ ٨. «الأفعال» (١). وذكر أردع وأرزغ في باب أفعل خاصة (٢). وقوله: (فأصبح بذي الحليفة، ركب راحلته حَتَّى استوى على البيداء، أهلَّ هو وأصحابه) كذا هنا وفي «صحيح مسلم» عنه أنه - عليه السلام - صلى الظهر بذي الحليفة، ثم دعا بناقته فأشعرها في صفحة سنامها الأيمن، وسلت الدم، وقلدها بنعلين، ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء، أهلَّ بالحج (٣). قال ابن حزم: فهذا ابن عباس يذكر أنه صلى الظهر في ذي الحليفة، وأنس يذكر أنه صلاها بالمدينة، وكلا الطريقين في غاية الصحة (٤). وأنس أثبت في هذا المكان؛ لأنه ذكر أنه حضر ذَلِكَ بقوله: صلى الظهر بالمدينة أربعًا، وبذي الحليفة العصر ركعتين، وابن عباس لم يذكر حضورًا، والحاضر أثبت، ثم ابن عباس لم يقل فيها أنها كانت يوم خروجه - عليه السلام - من المدينة، وإنما عني به اليوم الثاني، فلا تعارض إذن. وعند النسائي عن أنس أنه - عليه السلام - صلى الظهر بالبيداء، ثم ركب وصعد جبل البيداء، وأهلَّ بالحج والعمرة (٥). ولا تعارض فإن البيداء وذا الحليفة متصلتان بعضه مع بعض، فصلى الظهر في آخر ذي الحليفة، وهو أول البيداء، فصحا. فعلى هذا يكون قول من قال: إن أول إهلاله بالبيداء عقب صلاة الظهر. ---------- (١) «الأفعال» ص ١٦٩. (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢١٩. (٣) «صحيح مسلم» (١٢٤٣) كتاب: الحج، باب: تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام. (٤) انظر: «حجة الوداع» لابن حزم ٢٥١. (٥) «سنن النسائي» ٥/ ١٢٧ كتاب: مناسك الحج، باب: البيداء، وضعفه الألباني في «ضعيف النسائي» (١٦٩). وتقدم قول أنس أن إحرامه كان عقب صلاة الصبح، ومعلوم أن الإحرام عقب التهليل. وطريق الجمع كما ذكر ابن عباس، يعني في باب الإهلال السابق. وقوله: (وذلك لخمس بقين من ذي القعدة)، فيحتمل أنه أراد الخروج، ويحتمل الإهلال. وفي «صحيح مسلم» عن عائشة: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - لخمس بقين من ذي القعدة (١). وفي «الإكليل» بسند فيه الواقدي من حديث محمد بن جبير بن مطعم: خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة سنة عشر، فصلى الظهر بذي الحليفة ركعتين. وزعم ابن حزم أنه خرج يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة نهارًا بعد أن تغدى وصلى الظهر بالمدينة، وصلى العصر من ذَلِكَ اليوم بذي الحليفة، وبات بذي الحليفة ليلة الجمعة، وطاف على نسائه، ثم اغتسل، ثم صلى بها الصبح، ثم طيبته عائشة، ثم أحرم ولم يغسل الطيب، وأهلَّ حين انبعثت به راحلته من عند مسجد ذي الحليفة بالقران العمرة والحج معًا، وذلك قبل الظهر بيسير، ثم لبى، ثم نهض وصلى الظهر بالبيداء، ثم تمادى واستهل هلال ذي الحجة (٢). فإن قُلْتَ: كيف قال: إنه خرج من المدينة لست بقين من ذي القعدة وقد ذكر مسلم من حديث عمرة عن عائشة: لخمس بقين منها لا نرى إلا الحج؟ (٣). ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٢١١/ ١٢٥) كتاب: الحج، باب: بيان وجوه الإحرام. (٢) «حجة الوداع» ص ١١٥ - ١١٦ بتصرف. (٣) مسلم (١٢١١). قُلْتُ: قد ذكر مسلم أيضًا من طريق عروة عنها: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - موافين لهلال ذي الحجة (١). فلما اضطربت الرواية عنها، رجعنا إلى من لم تضطرب عنه في ذلك، وهما عمر وابن عباس، فوجدنا ابن عباس ذكر اندفاع رسول الله إليك من ذي الحليفة بعد أن بات بها كان لخمس بقين من ذي القعدة. وذكر أن يوم عرفة كان يوم جمعة (٢) فوجب أن استهلال ذي الحجة يوم الخميس وأن آخر ذي القعدة الأربعاء فصح أن خروجه كان يوم الخميس لست بقين منها. ويزيده وضوحًا حديث أنس: صلينا مع رسول الله - ﷺ - الظهر بالمدينة أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين (٣)، فلو كان خروجه لخمس بقين منها لكان بلا شك يوم الجمعة، والجمعة لا تصلى أربعًا، فصح أن ذَلِكَ كان يوم الخميس. وعلمنا أن معنى قول عائشة: لخمس بقين من ذي القعدة، إنما عنت اندفاعه - عليه السلام - من ذي الحليفة، فلم تعد المرحلة القريبة، وكان - عليه السلام - إذا أراد أن يخرج لسفر لم يخرج إلا يوم الخميس (٤)، فبطل خروجه يوم الجمعة، وبطل أن يكون يوم السبت؛ لأنه كان يكون حينئذ خارجًا من المدينة لأربع بقين من ذي القعدة، وصح أن خروجه كان لست بقين، واندفاعه من ذي الحليفة لخمس من ذي القعدة، وتآلفت ------------ (١) مسلم (١٢١١/ ١١٥). (٢) «حجة الوداع» لابن حزم ص ١١٩. (٣) سلف برقم (١٠٨٩). (٤) سيأتي برقم (٢٩٤٩) كتاب الجهاد، باب: من أراد غزوة فوري بغير. من حديث كعب بن مالك. الروايات (١). وقوله: (فقدم مكة -شرفها الله تعالى- لأربع ليال خلون من ذي الحجة). قال الواقدي: أخبرنا أفلح بن حميد، عن أبيه، عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن هلال ذي الحجة كان ليلة الخميس اليوم الثاني من يوم خروجه - ﷺ - من المدينة، ونزل بذي طوى فبات بها ليلة الأحد لأربع خلون من ذي الحجة، وصلى الصبح بها، ودخل مكة نهارًا من أعلاها صبيحة يوم الأحد. قُلْتُ: وهذا يعضد قول ابن حزم قال: وأقام بمكة محرمًا من أجل هديه يوم الأحد المذكور إلى ليلة الخميس، ثم نهض ضحوة يوم الخميس، وهو يوم منى، والتروية مع الناس إلى منى. وفي ذَلِكَ الوقت أحرم بالحج من الأبطح، كذا ادعى، وقد أسلفنا أنه كان قارنًا. وذو القعدة: بكسر القاف وفتحها، وكذا ذو الحجة: بفتح الحاء وكسرها، والفتح أشهر هنا. و(الحجون): بفتح الحاء موضع بمكة عند المحصب، وهو مقبرة أهل مكة (٢). قال أبو حنيفة الدينوري في «الأنواء»: الحجون: بلد، الواحد حجن. وفي «النقائض» الحجون مكان من البيت على ميل ونصف. وقال البطليوسي: الحجون الذي ذكره زهير موضع آخر غير حجون مكة. ------------ (١) هذِه المسألة فيها نظر: فقد قال ابن الملقن في بداية المسألة: (وزعم ابن حزم أنه خرج يوم السبت لست بقين من ذي القعدة نهارًا .. إلخ) ثم نقل بعد ذلك قول ابن حزم نفسه: بأن خروجه كان يوم الخميس لست بقين من ذي القعدة سنة عشر نهارًا ..، ويمكن للقارئ الرجوع لقول ابن حزم في «حجة الوداع» (١١٥ - ١١٦، ٢٣٠ - ٢٣٣). (٢) انظر: «معجم ما استعجم» ٢/ ٤٢٧، «معجم البلدان» ٢/ ٢٢٥. قوله: (ولم يقرب الكعبة بعد طوافه بها حتى رجع من عرفة) لعله شغله عن الطواف في هذِه المرة شاغل، وإلا فله أن يتطوع بالطواف ما شاء. وقوله: (وأمر أصحابه أن يطوفوا ..) إلى آخره، اختلف فيهم، فقيل: من أحرم بعمرة، وقيل من أحرم بحج أو بعمرة ولا هدي معه. وقال لمن كان أهلَّ بالحج: «هي لكم خاصة». وضرب عمر - رضي الله عنه - بعد رسول الله - ﷺ - مَنْ فعله؛ لأنها كانت خصوصًا لهم، وهو الصواب. وأمر فيه بالتقصير لأجل الحلق بمنى، ورأى قوم أن ذَلِكَ لمن بعدهم ولم يحفظوا الخصوص، ومنهم أحمد، وداود. وأجازا فسخ الحج في العمرة، ولم يجز لمن كان معه هدي أن يحل لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: (ثم يحلوا) أي: فيحل لهم المحرمات، كما ذكره بعد. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على مواضع: أحدها: قام الإجماع كما حكاه المهلب أن المحرم لا يلبس إلا الأزر والأردية، وما ليس بمخيط؛ لأن لبسه من الترفه (١)، فأراد الرب ﷻ أن يأتوه شعثًا غبرًا عليهم آثار الذلة والخشوع، ولذلك نهى عن الثوب المصبوغ كما سلف؛ لأنه طيب. ولا خلاف بين العلماء أن لبسه له لا يجوز (٢). -------------- (١) ونقل الإجماع أيضًا: ابن المنذر في «الأوسط» ص ٥٠، وابن عبد البر في «الاستذكار» ١١/ ٢٨، الفاسي في «الإقناع» ٢/ ٧٩٣. (٢) انظر: «الاستذكار» لابن عبد البر ١١/ ٣٧. واختلفوا في الثوب المعصفر له. فأجازه جابر وابن عمر، وأسماء، وعائشة، وهو قول القاسم، وعطاء، وربيعة (١). وقال مالك: المعصفر ليس بطيب، وكرهه للمحرم؛ لأنه ينتفض على جلده، فإن فعل فقد أساء، ولا فدية عليه (٢). وهو قول الشافعي (٣). وقال أبو ثور: إنما كرهنا المعصفر؛ لأنه - عليه السلام - نهى عنه؛ لأنه طيب. وكره عمر بن الخطاب لباس الثياب المصبغة (٤). وقال أبو حنيفة والثوري: المعصفر طيب، وفيه الفدية (٥). وقال ابن المنذر: إنما نهى عمر عن المصبغة في الإحرام تأديبًا؛ ولئلا يلبسه من يقتدي به فيغتر به الجاهل، ولا يميز بينه وبين الثوب المزعفر، فيكون ذريعة للجهال إلى لبس ما نهي عنه المحرم من الورس والزعفران. والدليل عليه أن عمر رأى على طلحة بن عبيد الله ثوبًا مصبوغًا، فقال: ما هذا يا طلحة؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنما هو مدر. فقال عمر: إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم، لو أن رجلًا رأى هذا الثوب ----------- (١) روى عنهم هذِه الآثار ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٠ (١٢٨٧١)، (١٢٨٧٦ - ١٢٨٧٧) باب: من رخص في المعصفر للمحرمة، ٣/ ١٤١ (١٢٨٧٨ - ١٢٨٨١) باب: من رخص في المعصفر للمحرم. (٢) انظر: «الاستذكار» ١١/ ٣٨، «الذخيرة» ٣/ ٣١١، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٣، «المدونة» ١/ ٢٩٥. (٣) انظر: «المجموع» ٧/ ٢٩٥، «العزيز» ٣/ ٤٦٥، «نهاية المحتاج» ٣/ ٣٣٥. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٤٠ (١٢٨٦٥) باب: من كره المصبوغ للمحرم. (٥) «المبسوط» ٤/ ١٢٦، «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٥. قال: رأيت طلحة يلبس المصبغة في الإحرام، أخرجه مالك في «الموطأ»، عن نافع، عن أسلم مولى عمر (١). وإن كان أراد به التحريم فقد خالفه غيره من الصحابة. والصواب عند اختلافهم أن ينظر إلى أولاهم قولًا فيقال به. وإطلاق ذَلِكَ أولى من تحريمه؛ لأن الأشياء كانت على الإباحة قبل الإحرام، فلا يجب التحريم إلا بيقين. وقد روينا أن عمر أنكر على عقيل لبسه الموردتين. وأنكر على عبد الله بن جعفر ثوبين مضرجين، قال علي لعمر: دعنا منك فإنه ليس أحد يعلمنا السنة. قال عمر: صدقت (٢). وقال ابن التين: لبس عائشة المعصفر كأنه غير المقدم؛ لأن المقدم الذي ينفض ممنوع للرجال والنساء وأما المورد بالعصفر والمصبوغ بالمغرة، وبغير الزعفران والورس، فلا يمنع منه المحرم. ويكره لمن يقتدى به لبسه. وكره أشهب المعصفر، وإن كان لا ينتفض لمن يقتدى به. قال: وحاصل مذهبنا أن الذي ينتفض من صبغه يمنع منه الرجال والنساء، وإلا فلا فيهما إلا من يقتدى به منهم، قاله ابن حبيب (٣). وقال محمد: يكره لهما جميعًا. وقال أبو حنيفة: يكره المعصفر المقدم لهما، وأباحه الشافعي، فإن لبس معصفرًا ينفض فقياس المنع الفدية، وقياس قول أبي حنيفة لا. وفي «المجموعة» نحوه عن أشهب (٤)؛ لأنه لبس من الطيب --------- (١) «الموطأ» ص ٢١٦. (٢) رواه البيهقي ٥/ ٥٩. (٣) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٢. (٤) «المصدر السابق». المؤنث، وإن غسل المعصفر فقيل: جائز أن يلبسه. وقال أشهب في «المجموعة»: أكرهه، وإن غسل. الثاني: قولها: (لا تلثم)، أي لأن إحرامها في وجهها، وكذا لا (تبرقع)، نعم لها أن تسدل على وجهها شيئًا متجافيًا عنه. وقام الإجماع على أن المرأة تلبس المخيط كله، والخمر، والخفاف، وأن إحرامها في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها، وتستر شعرها، وتسدل الثوب على وجهها سدلًا خفيفًا تستتر به عن نظر الرجال (١)، ولم يجيزوا لها تغطية وجهها إلا ما روي عن فاطمة بنت المنذر قالت: كنا نخمر وجوهنا ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر (٢). قال ابن المنذر: ويحتمل أن يكون كنحو ما روي عن عائشة قالت: كنا مع رسول الله - ﷺ - ونحن محرمات، فإذا مرَّ بنا راكب سدلنا الثوب من قبل رءوسنا، فإذا جاوز رفعناه (٣). ولا يكون ذَلِكَ خلافًا. وثبت كراهة النقاب عن سعد، وابن عباس، ------------ (١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٦٤، «الإقناع» ٢/ ٧٩٦، «الاستذكار» ١١/ ٢٨. (٢) رواه مالك ص ٢١٧، وإسحاق بن راهويه في «مسنده» ٥/ ١٣٦ (٢٢٥٥). (٣) رواه أبو داود (١٨٣٣) كتاب: المناسك باب: في المحرمة تغطي وجهها، وابن ماجه (٢٩٣٥) كتاب: المناسك، باب: المحرمة تسدل الثوب على وجهها، وأحمد ٦/ ٣٠، وابن الجارود في «المنتقى» ٢/ ٦٠ (٤١٨)، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٢٠٣ (٢٦٩١) كتاب: المناسك، والدارقطني في «السنن» ٢/ ٢٩٤ - ٢٩٥ كتاب: الحج، والبيهقي ٥/ ٤٨. والحديث ضعفه النووي في «المجموع» ٧/ ٢٦٦، والحافظ في «الدراية» ٢/ ٣٢، والألباني في «ضعيف أبي داود» (٣١٧)، وفي «الإرواء» (١٠٢٤). وابن عمر، وعائشة، ولا نعلم أحدًا من الصحابة رخص فيه. وكان ابن عمر ينهى عن القفازين، وهو قول النخعي (١). وقال مالك: إن لبست البرقع والقفازين افتدت كفدية الرجل؛ لأن إحرام المرأة عنده في وجهها ويديها (٢)، وهو أظهر قولي الشافعي (٣). وكرهت عائشة اللثام والنقاب، وأباحت لها القفازين، وهو قول عطاء (٤). واختلفوا في تخمير وجه المحرم. فقال ابن عمر: لا يخمر وجهه (٥)، وكرهه مالك، ومحمد بن الحسن. قيل لابن القاسم: أترى عليه الفدية؟ قال: لا أرى عليه الفدية، لما جاء عن عثمان (٦). وقال في «المدونة» في موضع آخر: إن غطى وجهه ونزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن لم ينزعه حَتَّى انتفع افتدى (٧). وكذلك المرأة إلا إذا أرادت سترًا. --------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٢ (١٤٢٢٥، ١٤٢٢٩ - ١٤٢٣٠) باب: في القفازين للمحرمة. (٢) «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٤٢، «الاستذكار» ١١/ ٣١، «الذخيرة» ٣/ ٣٠٤، «المعونة» ١/ ٣٣٦. (٣) «الأم» ٢/ ١٧٢، «مختصر خلافيات البيهقي» ٣/ ١٧١، «المهذب» ٢/ ٧١٠، «المجموع» ٧/ ٢٧٦، «مغني المحتاج» ٣/ ٣٣٣. (٤) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٢ (١٤٢٢٨، ١٤٢٣٤). (٥) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٣ (١٤٢٤٣) كتاب: الحج، باب: في المحرم يغطي وجهه. (٦) «الاستذكار» ١١/ ٤٥، «المدونة» ١/ ٢٩٦، «المنتقى» ٢/ ١٩٩، «المعونة» ١/ ٣٣٥. (٧) «المدونة» ١/ ٣٤٤. وروي عن ابن عباس، وابن الزبير، وزيد بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وجابر أنهم أجازوا للمحرم تغطية وجهه خلاف ابن عمر (١)، وبه قال الثوري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وهذا يخرج على أن يكون إحرام الرجل عندهم في رأسه لا في وجهه (٢). الثالث: رخصت عائشة في الحلي للمحرمة كما أسلفناه، وكذا ابن المنذر، وهو قول أبي حنيفة، وأحمد. وكره ذَلِكَ عطاء والثوري، وأبو ثور (٣). الرابع: قول إبراهيم: (لا بأس أن يبدل ثيابه) هو مذهب مالك وأصحابه أنه يجوز له الترك للباس الثوب، ويجوز له بيعه. وقال سحنون: لا يجوز له ذَلِكَ؛ لأنه يعرض القمل للقتل بالبيع. قال المهلب: وفي حديث ابن عباس إفراده - عليه السلام - للحج، وفسخ الحج لمن لم يكن معه هدي والبقاء على الإحرام الأول من كان معه هدي؛ لأن من قلد هديه فلا بد له أن يوقعه موقعه؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وسيأتي معاني ذَلِكَ في بابه إن شاء الله تعالى. ---------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٧٣ - ٢٧٤ (١٤٢٤٢)، (١٤٢٤٩) باب: في المحرم يغطي وجهه، والبيهقي ٥/ ٥٤ كتاب: الحج، باب: لا يغطي المحرم رأسه. (٢) «الاستذكار» ١١/ ٤٦، «الأم» ٢/ ١٧٢، «حلية العلماء» ٣/ ٢٤٤، «المجموع» ٧/ ٢٨٠، «المغني» ٥/ ١٥٣، «المستوعب» ٤/ ٧٦، «الفروع» ٣/ ٣٦٦. (٣) «بدائع الصنائع» ٢/ ١٨٦، «المغني» ٥/ ١٥٩، «المبدع» ٣/ ١٦٩. ٢٤ - باب مَنْ بَاتَ بِذِي الحُلَيْفَةِ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَهُ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. ١٥٤٦ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤٠٧] ١٥٤٧ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّاب، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤٠٧] ثم ذكر حديث أنس: قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَبِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ حَتَّى أَصْبَحَ بِذِي الحُلَيْفَةِ، فَلَمَّا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ أَهَلَّ. وفيه: أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - صَلَّى الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ أَرْبَعًا، وَصَلَّى العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ وَأَحْسِبُهُ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ. الشرح: أما حديث ابن عمر فسلف في باب خروجه - عليه السلام - على طريق الشجرة مسندًا (١). وأما حديث أنس الأول فهو من طريق ابن جريج حَدَّثَني محمد بن المنكدر عنه --------------- (١) برقم (١٥٣٣) كتاب: الحج. قال الدارقطني في «علله»: وقوله: ثم بات، إلى آخره، زيادة ليست بمحفوظة عن ابن المنكدر، ولم يذكرها غير ابن جريج. وقال يحيى القطان: إنه وهم. وأما رواية عيسى بن يونس، عن ابن جريج، عن الزهري، عن أنس فوهم في ذكر الزهري، والصحيح أنه من رواية ابن جريج عن ابن المنكدر (١). وحديثه الثاني من طريق عبد الوهاب، ثَنَا أيوب، عن أبي قلابة عنه. وذكره بعد في باب: رفع الصوت بالإهلال من حديث حماد بن زيد، عن أيوب (٢). وبعده في باب: التحميد من حديث وهيب ثَنَا أيوب به مطولًا، وفي آخره: قال أبو عبد الله: قال بعضهم: هذا عن أيوب، عن رجل، عن أنس (٣). قال الإسماعيلي: لم يقع في حديث حماد بن زيد عن أيوب، وأحمد بن إسحاق الحضرمي، وسليمان بن عبد الجبار عن وهيب، وغيره ذكر التسبيح والتكبير، ورواه حماد بن سلمة عن أيوب به قال: وبات بها حَتَّى أصبح، فلما استوت به راحلته سبح وكبر حين استوت به راحلته. والتعليق الذي أشار إليه البخاري ذكره مسندًا في باب نحر البدن قيامًا (٤). والرجل القائل: (وأحسبه) هو أبو قلابة والله أعلم. وعند الحميدي، ------------ (١) «العلل» ١٢/ ٢١٢ - ٢١٣. (٢) سيأتي برقم (١٥٤٨). (٣) سيأتي برقم (١٥٥١). (٤) سيأتي برقم (١٧١٤). وفي رواية عبد الوهاب، وعن أيوب: وأحسبه بات بها حَتَّى أصبح، يعني: المخرج عنه البخاري أيضًا في الحج والجهاد عن قتيبة حَدَّثَنَا عبد الوهاب به (١). قال الحميدي: وفي رواية حماد بن زيد عن أيوب: وسمعتهم يصرخون بها جميعًا (٢). وادعى المزي أن عند البخاري من حديث حماد عن أيوب: وأحسبه بات بها حَتَّى أصبح (٣). ثم إنه خرج هذا الحديث ها هنا، وفي الجهاد في باب: الخروج بعد الظهر من حديث حماد، عن أيوب، وليس فيهما ما ذكره المزي. إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا المبيت ليس هو من سنن الحج، وإنما هو من جهة الرفق بأمته؛ ليلحق به من تأخر عنه في السير، ويدركه من لم يمكنه الخروج معه. ثانيها: قوله: (صلى بالمدينة أربعًا وبذي الحليفة ركعتين) يعني: العصر كما بينه في الحديث الآتي، وإنما قصر بها هنا؛ لأنه مسافر، وإن لم يبلغ إلى موضع المشقة منه. فإذا خرج عن مصره قصر. وفيه: أن سنة الإهلال أن يكون بعد صلاة، كذا في «شرح ابن بطال» (٤). والحديث لا تعرض له لذلك، وكذا قال ابن التين. ----------- (١) سيأتي برقم (٢٩٨٦) كتاب: الجهاد، باب: الارتداف في الغزو والحج. (٢) «الجمع بين الصحيحين» ٢/ ٥٢٧. (٣) «تحفة الأشراف» ١/ ٢٥٥ (٩٤٧). (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٠. قوله: (ثم بات بها حَتَّى أصبح بذي الحليفة، فلما ركب راحلته واستوت به أهل). ظاهره أنه أحرم إثر المكتوبة؛ لأنه إذا صلى الصبح لم يركع بعدها للإحرام؛ لأنه وقت كراهة. ثالثها: قوله: (فلما ركب راحلته واستوت به أهل). يريد أن تستقل قائمة، وهذا هو الاستواء، والانبعاث أخذها في القيام، واستواؤها هو كمال القيام، كذا في ابن التين. والظاهر أن المراد بالانبعاث أخذها في السير، وقد سلف ما فيه في باب الإهلال. ٢٥ - باب رَفْعِ الصَّوْتِ بِالإِهْلَالِ ١٥٤٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - بِالمَدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعًا، وَالعَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤٠٨] ذكر فيه حديث أنس السالف في الباب قبله وفي آخره: وَسَمِعْتُهُمْ يَصْرُخُونَ بِهِمَا جَمِيعًا. ولا شك أن الإهلال رفع الصوت بالتلبية، ومنه استهلال المولود وهو صياحه إذا سقط من بطن أمه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] يعني: ما رفع فيه الصوت عند ذبحه للآلهة، وكل رافع صوته بشيء فهو يهل به، ومنه استهلال المطر والدمع، وهو صوت وقعه بالأرض. ويقال: أهل القوم الهلال إذا رأوه، وأرى أن ذَلِكَ من الإهلال الذي هو الصوت؛ لأنه كان ترفع عن رؤيته الأصوات إما بدعاء أو غيره، ولما كانت من شعائر الحج أعلن بها كالأذان. وأوجب أهل الظاهر رفع الصوت بالإهلال. قال ابن حزم: يرفع الرجل والمرأة صوتهما بالإهلال ولابد، وهو فرض ولو مرة (١). واستدل بحديث خلاد بن السائب عن أبيه مرفوعًا: «جاءني جبريل فقال: يا محمد، مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية». وفي لفظ: «فأمرني أن آمر أصحابي ومن معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية». قال: ------------ (١) «المحلى» ٧/ ٩٣. وهذا أمر (١). والحديث أخرجه أصحاب السنن الأربعة، قال الترمذي: حديث حسن صحيح (٢). وقال الحاكم؛ هذا إسناد صحيح (٣). وصححه ابن حبان أيضًا (٤). وقال ابن المنذر: ثابت. ولعبد الله بن وهب في «مسنده»: بالإهلال والتلبية يريد أحدهما. زاد الكجي في «سننه»: فإنها من شعائر الحج. وفي الترمذي والحاكم من حديث أبي بكر أن رسول الله - ﷺ - سُئِلَ: أي الأعمال أفضل؟ قال: «العج والثج». استغربه الترمذي وأعله بالانقطاع، وقال الحاكم: صحيح الإسناد (٥). والعج: رفع الصوت بالتلبية (٦). والثج: النحر (٧). ---------- (١) «المحلى» ٧/ ١٩٦. (٢) «سنن أبي داود» (١٨١٤) كتاب: المناسك، باب: كيف التلبية، «سنن الترمذي» (٨٢٩) كتاب: الحج، باب: ما جاء في رفع الصوت بالتلبية، «سنن النسائي» ٥/ ١٦٢ كتاب: مناسك الحج، باب: رفع الصوت بالإهلال، «سنن ابن ماجه» (٢٩٢٣) كتاب: المناسك، باب: رفع الصوت بالتلبية. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٥٠ كتاب: الحج. (٤) «صحيح ابن حبان» ٩/ ١١١ - ١١٢ (٣٨٠٢) كتاب: الحج، باب: الإحرام، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٥٩٢). (٥) «سنن الترمذي» (٨٢٧) كتاب: الحج، باب: ما جاء في فضل التلبية والنحر، «المستدرك» ١/ ٤٥٠ - ٤٥١ كتاب: المناسك، وصححه الألباني في «صحيح الترمذي» (٦٦١). (٦) انظر: «لسان العرب» ٥/ ٢٨١٣. (٧) انظر: «الصحاح» ١/ ٣٠٢، «لسان العرب» ١/ ٤٧٢. وقد صح في فضلهما من طريق سهل بن سعد (١)، وَوَرَد من طريق عامر بن ربيعة وجابر. وفي ابن أبي شيبة، عن المطلب بن عبد الله قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - يرفعون أصواتهم بالتلبية حَتَّى تبح أصواتهما (٢). وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يبلغون الروحاء حَتَّى تبح حلوقهم من التلبية. وقال عبد الله بن عمر: ارفعوا أصواتكم بالتلبية، ورفع أيضًا، وعن ابن الزبير مثله (٣). قُلْتُ: وليكن الرفع بحيث لا يجهده، ولا يقطع صوته. وأرى ما وقع للصحابة للإكثار لا للرفع الجهيد. والجماعة كلهم على خلاف ما قاله أهل الظاهر، وإنما هو مستحب. وكان ابن عباس يرفع صوته بها ويقول: هي قرينة الحج. وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والشافعي (٤). وعندنا أن التلبية المقترنة بالإحرام لا يجهر بها، صرح به الجويني من أصحابنا ثم قال: هذا في الرجل، أما المرأة فتخفض صوتها بحيث تقتصر على إسماع نفسها لما في الرفع من خشية الافتتان، وهو إجماع. فإن رفعت فالأصح عدم التحريم. والخنثى ملحق بها. واختلفت الرواية عن مالك فقال ابن القاسم: لا يرفع الصوت إلا في ------------- (١) رواه الترمذي (٨٢٨)، وابن ماجه (٢٩٢٤). (٢) «المصنف» ٣/ ٣٥٥ (١٥٠٥٣) كتاب: الحج، باب: من كان يرفع صوته بالتلبية. (٣) «مصنف ابن أبي شيبة» ٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥. (٤) «مختصر اختلاف العلماء» ٢/ ١٠٣، «تحفة الفقهاء» ١/ ٤٠١، «حاشية ابن عابدين» ٢/ ٤٨٤، «مختصر المزني» ٢/ ٦٣، «المهذب» ٢/ ٧٠٣، «نهاية المحتاج» ٣/ ٢٧٣. المسجد الحرام، ومسجد منى (١)، زاد في «الموطأ»: ولا يرفع صوته في مساجد جماعات (٢). وروى ابن حزم عنه الكراهة (٣). وروى ابن نافع عنه أنه يرفع صوته في المساجد التي بين مكة والمدينة. واحتج إسماعيل للقولين فقال: وجه الأول أن مساجد الجماعات إنما بنيت للصلاة خاصة، فَكُرِه رفع الصوت فيها، وليس كذلك المسجد الحرام، ومسجد منى؛ لأن المسجد الحرام جعل للحاج وغيره. وكان الملبي إنما يقصد إليه، فكان له فيه من الخصوص ما ليس في غيره. ومسجد منى هو للحاج خاصة. ووجه الثاني أن المساجد التي بين مكة والمدينة إنما جعلت للمجتازين، وأكثرهم محرمون، فهم من النحو الذي وصفنا، وما أسلفناه من الإجماع في حق المرأة، وهو ما حكاه ابن بطال (٤) ويعضده ما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عباس: لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية. وعن إبراهيم وعطاء كذلك. وعن ابن عمر: ليس على النساء أن يرفعن أصواتهن بالتلبية. وعن معاوية أنه سمع تلبية عائشة (٥). وعن إبراهيم بن نافع قال: قدمت امرأة أعجمية فخرجت مع الناس ولم تهل، إلا أنها كانت تذكر الله. فقال عطاء: لا يجزئها (٦). ------------- (١) «المنتقى» ٢/ ٢١١، «الاستذكار» ١١/ ١٢٠. (٢) «الموطأ» ص ٢٢١. (٣) «المحلى» ٧/ ٩٤. (٤) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢١. (٥) «المصنف» ٣/ ٣١٣ (١٤٦٥٩ - ١٤٦٦٤). (٦) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٣٩٦ (١٥٤٧٨) باب: في الأعجمي يحج ولا يسمي شيئًا، وابن حزم في «المحلى» ٧/ ٩٤. قال ابن المنذر في «إشرافه»: وروينا عن ميمونة أم المؤمنين أنها كانت تجهر بها وأما حديث زينب الأحمسية أن رسول الله - ﷺ - قال لها في امرأة حجت معها مصمتة: «قولي لها تكلم فإنه لا حج لمن لم يتكلم» فلا تعرض فيه للتلبية. قال ابن القطان: وليس هو خبر، إنما هو أثر عن الصديق، ومع ذَلِكَ ففيه مجهولان (١). وأما قوله: (يصرخون بهما جميعًا) فقد يستدل به على أنه - عليه السلام - كان قارنًا. وقال المهلب: إنما سمع أنس من قرن خاصة؛ لثبوت الإفراد. وليس في حديثه أنه سمع رسول الله - ﷺ - يصرخ بهما. وإنما أخبر بذلك عن قوم فعلوه، وقد يمكن أن يسمع قومًا يصرخون بحج، وقومًا يصرخون بعمرة. وقد روى أنس عن رسول الله - ﷺ - ما يرد روايته هذِه، وهو قوله: «لولا أن معي الهدي لأحللت» كما سيأتي بعد (٢). وفيه رد قول أهل الظاهر في إجازتهم تقصير الصلاة في مقدار ما بين المدينة وذي الحليفة (٣)، وفي أقل من ذَلِكَ؛ لأنه - عليه السلام - إنما قصر بها؛ لأنه كان خارجًا إلى مكة، فكذلك قصره بها بدليل قوله: (وسمعتهم يصرخون بهما جميعًا) يعني: بالحج والعمرة. وبين ذي الحليفة وبين المدينة ستة أميال. ------------- (١) «بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام» ٢/ ٢٧٢ - ٢٧٥. (٢) سيأتي برقم (١٥٥٨) باب: من أهلَّ في زمن النبي، ومسلم (١٢٥٠) باب: إهلال النبي. (٣) «المحلى» ٥/ ٢٠. ![]()
__________________
|
|
#310
|
||||
|
||||
![]() الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ) الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس) المجلد (11) من صـــ 151 الى صـــ 170 الحلقة (310) فائدة: قام الإجماع على مشروعية التلبية، ثم فيها ثلاثة مذاهب: أحدها أنها سنة، قاله الشافعي، والحسن بن حي. ثانيها: أنها واجبة يجب بتركها دم. قاله أصحاب مالك (١)؛ لأنها نسك، ومن ترك نسكًا أراق دمًا. وقال بعضهم: هي كالأول. حكاه ابن التين. ثالثها: أنها من شروط الإحرام، لا يصح إلا بها، قاله الثوري، وأبو حنيفة. قال أبو حنيفة: لا يكون محرمًا حَتَّى يلبي أو يذكر، ويسوق هديه (٢). قالا: كالتكبير للصلاة (٣)؛ لأن ابن عباس قال: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قال: الإهلال (٤). وعن عطاء، وعكرمة، وطاوس: هو التلبية (٥). وعندنا قول أنه لا ينعقد إلا بها، لكن يقوم مقامها سوق الهدي، والتقليد، والتوجه معه. وحكي في الوجوب دون الاشتراط، فعليه دم إذا ترك. وقيل: لا بد من التلبية مع النية، وظاهره اشتراط المقارنة. ------------ (١) «المنتقى» ٢/ ٢٠٧. (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ١٨٧ - ١٨٨، و«المدونة» ١/ ٢٩٥، و«النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٠ - ٣٣٣، و«الأم» ٢/ ١٣٢ - ١٣٣، و«المغني» ٥/ ١٠٠ - ١٠١. (٣) انظر: «الأصل» ٢/ ٥٥٠، «البناية» ٤/ ٦٦، «المنتقى» ٢/ ٢٠٧، «التفريع» ١/ ٣٢٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٣٣٤، «الأم» ٢/ ١٣٢، «المجموع» ٧/ ٢٣٧، «مغني المحتاج» ٣/ ٢٦٩. (٤) عزاه السيوطي في «الدر المنثور» لابن المنذر ١/ ٣٩٤. (٥) رواه الطبري في «تفسيره» ٢/ ٢٧١ - ٢٧٢ (٣٥٥٨، ٣٥٦٤)، وذكره ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ١/ ٣٤٦ (١٨٢١). وقول ابن الجلاب: إنها في الحج مسنونة غير مفروضة يريد أنها ليست من أركان الحج. واختلف إذا لبى حين أحرم ثم تركها فالمعروف من مذهب مالك أنه لا شيء عليه، وقيل: عليه دم، قاله ابن التين. ٢٦ - باب التَّلْبِيَةِ ١٥٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». [انظر: ١٥٤٠ - مسلم: ١١٨٤ - فتح: ٣/ ٤٠٨] ١٥٥٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ رضي الله عنها. [فتح: ٣/ ٤٠٨] ذكر فيه حديث مَالِك، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ». وحديث سُفْيَان، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: إِنِّي لأَعْلَمُ كَيْفَ كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - يُلَبِّي: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ». تَابَعَهُ أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ. وَقَالَ شُعْبَةُ: أَنَا سُلَيْمَانُ، سَمِعْتُ خَيْثَمَةَ، عَنْ أَبِي عَطِيَّةَ، سَمِعْتُ عَائِشَةَ. الشرح: حديث ابن عمر أخرجه مسلم والأربعة (١)، وحديث عائشة من أفراده، زاد مسلم في الأول: وكان ابن عمر يزيد مع هذا لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل. وله: وكان ابن عمر يقول: كان عمر يهل بإهلال رسول الله - ﷺ - من هؤلاء الكلمات، ويقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك لبيك. إلى آخره (٢). وفي «مسند ابن وهب»: وكان ابن عمر يزيد: لبيك لبيك لبيك، وسعديك (٣)، وكذا ذكرها أبو قرة. زاد الدارمى بعد والعمل: لبيك لبيك (٤). وأخرجه النسائي من حديث ابن مسعود إلى قوله: إن الحمد والنعمة لك (٥). وكذا هو عن جابر عند مسلم (٦). زاد أبو داود بسند مسلم: والناس يزيدون: ذا المعارج، ونحوه من الكلام، والنبي - ﷺ - يسمع فلا يقول لهم شيئًا (٧). ----------- (١) مسلم (١١٨٤/ ١٩)، أبو داود (١٨١٢)، الترمذي (٨٢٥ - ٨٢٦)، النسائي ٥/ ١٦٠، ابن ماجه (٢٩١٨). (٢) مسلم (١١٨٤/ ٢١). (٣) رواه أبو داود (١٨١٢). (٤) «مسند الدارمي» ٢/ ١١٤٠ - ١١٤١ (١٨٤٩). (٥) «سنن النسائي» ٥/ ١٦١. (٦) مسلم (١٢١٨) كتاب: الحج، باب: حجة النبي - ﷺ -. (٧) «سنن أبي داود» (١٨١٣) وصححه الألباني في: «صحيح أبي داود» (١٥٩١). ولأحمد: أن سعدًا سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج، فقال: إنه لذو المعارج، ولكنا كنا مع رسول الله - ﷺ - لا نقول ذَلِكَ (١)؛ لأن هذا إخبار عن نفسه. وللحاكم من حديث أبي هريرة: «لبيك إله الحق». ثم صححه على شرط الشيخين (٢). وأصل التلبية الاقتداء بإبراهيم - ﷺ - حين قال له تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. وأصلها إما من ألب بالمكان: إذا أقام به، أو من الإجابة، أو من اللب، وهو الخالص، أو المحبة، أقوال إجابة لإبراهيم لما دعا الناس إلى الحج على أبي قبيس، أو على حجر المقام، أو ثنية كداء. وقال ابن حزم: لا علة لها إلا ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٣) [الملك: ٢] و(إن الحمد) بكسر الهمزة على المختار على الاستئناف (٤). قال ابن التين: وكذا هو في البخاري، والوجهان في «الموطأ»، ويجوز فتحها على معنى: لأن، والمشهور: نصب النعمة، ويجوز رفعها على الابتداء وحذف الخبر، وإن شئت جعلت خبر إن محذوفًا تقديره: إن الحمد لك والنعمة مستقرة لك. والرغباء: -ممدود مفتوح، ومقصور بفتح الراء وضمها-: اتساع الإرادة. وقوله: والعمل أي: إليك القصد به؛ لتجازي عليه. ويحتمل: والعمل لك. ----------- (١) «المسند» ١/ ١٧٢. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٤٩ - ٤٥٠. (٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: نقل الزمخشري في آخر تفسير سورة يس أن الشافعية أخطأ والصحيح عن وأن أبا حنيفة كسر وما قاله الشيخ قاله النووي أن الكسر أصح وأشهر. (٤) «المحلى» ٧/ ١٣٥. وقوله: والخير بيديك. هو من باب حسن المخاطبة. وقوله: (إن تلبية رسول الله - ﷺ - كذا). أي: التي كان يواظب عليها. قال الشافعي وأصحابنا: يستحب أن لا يزاد عليها، بل يكررها ثلاثًا نسقًا، وأن يقف وقفة لطيفة عند قوله: والملك، وقيل: تكره الزيادة، حكاه في «البيان»، وهو غلط فقد صح: لبيك إله الحق. كما تقدم (١). وعند الحنفية: ينبغي ألا يخل بشيء من هذه الكلمات، وإن زاد فحسن. وعند بعضهم: وإن نقص أجزأه ولا يضره، وهي مرة شرط وما زاد فسنة (٢). قال أبو عمر: أجمع العلماء على القول بهذِه التلبية، واختلفوا في الزيادة فيها. فقال مالك: أكره الزيادة على تلبية رسول الله - ﷺ -، وهو قول الشافعي، وقد روي عن مالك أنه لا بأس أن يزاد فيها ما كان ابن عمر يزيده. وقال الثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه، وأحمد، وأبو ثور: لا بأس بالزيادة؛ عملًا بزيادة ابن عمر، وحديث جابر السالف. وكان عمر يقول بعدها: لبيك ذا النعماء والفضل والثناء الحسن، لبيك مرهوبًا منك، ومرغوبًا إليك (٣). وكان أنس يقول: لبيك حقًا حقا، تعبدًا ورقا، وروي رفعه (٤). ------------ (١) «الأم» ٢/ ١٣٢، «البيان» ٤/ ١٤٢، «روضة الطالبين» ٣/ ٧٤. (٢) «المبسوط» ٢/ ١٨٧، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٤٤٢. (٣) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ١٩٨ (١٣٤٧٠) كتاب: الحج، باب: في التلبية كيف هي؟. (٤) «الاستذكار» ١١/ ٩٠ وحديث أنس المرفوع رواه الخطيب البغدادي في «تاريخ بغداد» ١٤/ ٢١٥ - ٢١٦، وحديثه الموقوف عزاه ابن حجر في «تلخيص الحبير» ٢/ ٢٤٠ إلى البزار [كشف الأستار ٢/ ١٣]، والدارقطني في «علله» [١٢/ ٣]. ويستحب للمحرم، وإن كان جنبًا أو حائضًا؛ لقوله - عليه السلام - لعائشة: «اصنعي كما يصنع الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت» (١). ونقل ابن القصار عن الشافعي: الاقتصار على تلبية سيدنا رسول الله - ﷺ - إلا أن يزيد عليها ثنتين: لبيك إله الحق؛ لأن أبا هريرة رواه عن رسول الله - ﷺ -. والثاني: أن يقول إذا رأى شيئًا فأعجبه: إن العيش عيش الآخرة. كما فعل - عليه السلام - حين رأى الناس يزدحمون في الطواف (٢). قُلْتُ: لا، بل بعرفة (٣)، لما أعجبه ما رأى، وإذا زاد هذين كان كمن اقتصر على تلبية رسول الله - ﷺ -. واحتج بأثر سعد السالف (٤)، وحكاه ابن التين أيضًا عن الشافعي (٥). ------------ (١) سبق برقم (١٢٩٤) كتاب: الحج، باب: الأمر بالنفساء إذا نفس بلفظ: «فاقضي ما يقضي الحاج». (٢) رواه البيهقي في «السنن» ٥/ ٤٥ من حديث الأعرج عن مجاهد. (٣) من قول ابن جريج. (٤) «مسند أحمد» ١/ ١٧٢. (٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الرابع بعد العشرين، كتبه مؤلفه. ٢٧ - باب التَّسبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكبِيِر قَبْلَ الِإهْلَالِ عِنْدَ الرُّكُوبِ عَلَى الدَّابَّةِ ١٥٥١ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - قَالَ: صَلُّى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - وَنَحْنُ مَعَهُ بِالَمْدِينَةِ الظُّهْرَ أَرْبَعَا، وَالعَصْرَ بِذِي الحلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ بَاتَ بِهَا حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ، حَمِدَ اللهَ وَسَبَّحَ وَكَبَّر، ثمَّ أَهَلَّ بِحَجِّ وعُمْرَةٍ، وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهِمَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَ النَّاسَ فَحَلُّوا، حَتَّى كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهَلُّوا بِالَحْجِّ، قَالَ: وَنَحَرَ النَّبِيُّ - ﷺ - بَدَنَاتٍ بِيَدِهِ قِيَامًا، وَذَبَحَ رَسُول اللهِ - ﷺ - بِالَمْدِينَةِ كَبْشَيْنِ أَمْلَحَيْنِ. قَالَ أبو عَبْدِ اللهِ: قَالَ بَعْضُهُمْ: هذا عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ رَجُلٍ، عَنْ أَنَسٍ. [انظر: ١٠٨٩ - مسلم: ٦٩٠ - فتح: ٣/ ٤١١] ذكر فيه حديث أنس مطولًا وقد أسلفناه قريبًا في باب: من بات بذي الحليفة ببيان متابعته أيضًا (١). وغرض البخاري بهذِه الترجمة -والله أعلم- الرد على أبي حنيفة في قوله: أن من سبح أو كبر أو هلل أجزأه من إهلاله، فأثبت البخاري أن التسبيح والتحميد منه، إنما كان قبل الإهلال؛ لقوله في الحديث بعد أن سبح وكبر: (ثم أهل بحج وعمرة). ويمكن أن يكون فعل تحميده وتكبيره عند ركوبه، أخذًا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: ١٣]، ويمكن أن يكون يعلمنا منه جواز الذكر والدعاء مع الإهلال وأن الزيادة عليه مستحبة بخلاف ما سلف، نبه عليه ابن بطال (٢). ------------- (١) برقم (١٥٤٦). (٢) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٥. وقوله: (ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما). قد رد عليه ابن عمر هذا القول، وقال: كان أنس حينئذ يدخل على النساء وهن منكشفات، ينسب إليه الصغر وقلة الضبط، حَتَّى نسب إلى رسول الله - ﷺ - الإهلال بالقران، وفيه نظر ستعلمه في الباب بعده. قال ابن بطال: ومما يدل على قلة ضبط أنس للقصة قوله في الحديث: (فلما قدمنا أمر النبي - ﷺ - الناس فحلوا، حَتَّى كان يوم التروية أهلوا بالحج)، وهذا لا معنى له، ولا يفهم إن كان النبي وأصحابه قارنين كما زعم أنس؛ لأن الأمة متفقة على أن القارن لا يجوز له الإحلال حَتَّى يفرغ من عمل الحج كله، كان معه الهدي أو لم يكن، فلذلك أنكر عليه ابن عمر، وإنما حل من كان أفرد الحج وفسخه في عمرة ثم تمتع (١). وقال ابن التين: إن صح فمعناه: أباح النبي - ﷺ - أن يهل غيره بحج وعمرة، فتكون الإباحة هنا بمعنى الفعل كما يقال: كتب رسول الله - ﷺ - (٢)، وقتل العرنين (٣)، ونزح عثمان البئر (٤). وعلله البخاري بأنه عن أيوب، عن رجل، عن أنس، فأعله؛ لجهالة الرجل: قُلْتُ: لكنه أبو قلابة فيما يظهر. ------------ (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٦. (٢) من ذلك ما سلف برقج (٦٥) عن أنس، ومنه أيضًا ما سيأتي برقم (٧١٩٢)، ورواه مسلم (١٦٦٩)، ومنه ما رواه مسلم (١٥٠٧). ومن المعروف أن النبي - ﷺ - كان لا يقرأ ولا يكتب وإنما كان يكتب له. (٣) راجع ما سلف برقم (٢٣٣)، ورواه مسلم (٥٢٤). (٤) انظر ما سيأتي برقم (٥٨٧٩). وقوله: (ونحر النبي - ﷺ - بيده بدنات قيامًا) هذِه السنة في نحر الإبل قائمة؛ لأنه أمكن لنحرها؛ لأنه يطعن في لبتها وتكون معقولة اليد اليسرى. وحكى ابن التين عن مالك -فيما رواه محمد عنه- أن الشأن أن ينحر البدن قائمة، قد عقل يدها بالحبل، وقاله ابن حبيب وهو تفسير قوله تعالى: ﴿صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قال: وروى أيضًا محمد عن مالك: لا يعقلها إلا من خاف أن يضعف عنها (١). والأفضل أن يتولى ذبحها بنفسه كما فعل - ﷺ -، قال ابن التين: وفي غير هذا الموضع أنها كانت سبعين بدنة. وفي «الموطأ» عن علي أنه - عليه السلام - نحر بعض هديه، ونحر بعضه غيره (٢). وروي أن عليًّا نحر باقيها، وفي الجمع بين هذِه الأحاديث الثلاثة تكلف. قُلْتُ: لا تكلف ولله الحمد، فقد أهدى مائة بدنة فنحر ثلاثًا وستين بيده، كل واحدة عن سنة من عمره، وفيه إشارة إلى قدر عمره، وأعطى عليًّا فنحر الباقي؛ ليبين الجواز فيه. وقوله: (ذبح بالمدينة كبشين أملحين) جاء في رواية أخرى: ذبح أحدهما عن أهل بيته، والآخر عمن لم يضحِّ من أمته، والأملح: الأغبر، وهو الذي فيه سواد وبياض. ------------ (١) «النوادر والزيادات» ٢/ ٤٤٨. (٢) «الموطأ» ص ٢٥٦ (١٩٠). ٢٨ - باب مَنْ أَهَلَّ حِيَن اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً ١٥٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، أَخْبَرَنَا ابن جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي صَالِحُ بْنُ يسَانَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: أَهَلَّ النَّبِيُّ - ﷺ - حِينَ اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً. [انظر: ١٦٦ - مسلم: ١١٨٧ - فتح: ٣/ ٤١٢] ذكر فيه حديث ابن عمر وقد سلف في باب: الإهلال عند مسجد ذي الحليفة فراجعه (١). قال الطبري: جعل الله ذا الحليفة ميقاتًا للمدني، وللمار به من سائر الناس فسواء في جواز الإحرام منه من أي مكان من المسجد أو فنائه، بعد ما استقلت به راحلته أو قبل أن تنهض به قائمة بعدما علا على شرف البيداء أو قبل ما لم يجاوز ذا الحليفة، إذ كل ذَلِكَ قد روي عن رسول الله - ﷺ - أنه فعله، وليس شيء من ذَلِكَ بخلاف لغيره، وقد يمكن أن يفعل ذَلِكَ كله - عليه السلام - في عمرته التي اعتمر؛ إذ ذَلِكَ كله ميقات، ويمكن أن يكون ذَلِكَ على ما قاله ابن عباس كما سلف عنه. ------------- (١) برقم (١٥٤١) كتاب: الحج. ٢٩ - باب الإِهْلَالِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ ١٥٥٣ - وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا صَلَّى بِالغَدَاةِ بِذِي الحُلَيْفَةِ أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَرُحِلَتْ ثُمَّ رَكِبَ، فَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ قَائِمًا، ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَبْلُغَ المَحْرَمَ، ثُمَّ يُمْسِكُ حَتَّى إِذَا جَاءَ ذَا طُوًى بَاتَ بِهِ حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا صَلَّى الغَدَاةَ اغْتَسَلَ، وَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَعَلَ ذَلِكَ. تَابَعَهُ إِسْمَاعِيلُ، عَنْ أَيُّوبَ فِي الغَسْلِ. ١٥٥٤ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ أَبُو الرَّبِيعِ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما إِذَا أَرَادَ الخُرُوجَ إِلَى مَكَّةَ ادَّهَنَ بِدُهْنٍ لَيْسَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، ثُمَّ يَأْتِي مَسْجِدَ الحُلَيْفَةِ فَيُصَلِّي ثُمَّ يَرْكَبُ، وَإِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمَةً أَحْرَمَ، ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَفْعَلُ. سلف أيضًا حديثه المعلق والمسند هناك (١). والتعليق الذي علقه عن شيخه أبي معمر - عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج المنقري المقعد- ثنا عبد الوارث، ثنا أيوب، عن نافع، فذكره. وصله أبو نعيم في «مستخرجه»: حَدَّثَنَا إسحاق بن حمزة، حدثني أبو القاسم بن عبد الكريم، ثنا عباس الدوري، ثنا أبو معمر، فذكره. ووصله أيضًا ابن خزيمة في «صحيحه»، حَدَّثَنَا عبد الوارث بن عبد الصمد، ثنا أبي عن أبيه، عن أيوب فذكره (٢). ----------- (١) برقم (٤٩١) كتاب: الصلاة، باب: المساجد التي على طرق المدينة والمواقع. (٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٦٩ (٢٦١٤) كتاب: المناسك، باب: استحباب الاستقبال بالراحلة. ووصله الإسماعيلي أيضًا من طريق ابن خزيمة: حَدَّثَني محمد بن أبي حامد النيسابوري، أنا ابن خزيمة. والبيهقي عن أبي عبد الله، عن أبي أحمد الحاكم، عن أبي بكر بن خزيمة. وأخرجه مسلم، عن أبي الربيع، عن حماد، عن أيوب (١). وقوله: (تابعه إسماعيل، عن أيوب في الغسل)، أسنده في باب: الاغتسال عند دخول مكة: حَدَّثَنَا يعقوب بن إبراهيم، ثنا ابن علية، ثنا أيوب، فذكره كما سيأتي (٢). ولما ذكر الحاكم حديث ابن عباس: اغتسل رسول الله - ﷺ -، ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج، وقال: صحيح الإسناد، قال: وله شاهد على شرطهما عن ابن عمر: من السنة أن يغتسل إذا أراد أن يحرم، وإذا أراد أن يدخل مكة (٣). وأما حديثه الثاني المسند فليس فيه استقبال القبلة عند الإهلال، نعم هو في الأول، وإنما استقبلها لاستقبال دعوة إبراهيم بمكة، فلذلك يلبي الداعي أبدًا بعد أن يستقبل بالوجه؛ لأنه لا يصلح أن يولي المجيب ظهره من يدعوه ثم يلبيه، بل يستقبله بالتلبية في موضعه الذي دعا منه، ويلبيه إذا ركب راحلته أراد به إجابة ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧]. وقوله: (فرحلت) هو مخفف الحاء، لأنه ثلاثي. وقوله: (ثم يلبي حَتَّى يبلغ الحرم) معلوم من مذهبه أنه كان لا يلبي ----------- (١) «صحيح مسلم» (١٢٥٩) كتاب: الحج، باب: استحباب المبيت بذي طوى. (٢) برقم (١٥٧٣) كتاب: الحج، باب: الاغتسال عند دخول مكة. (٣) «المستدرك» ١/ ٤٤٧ كتاب: المناسك. في طوافه، وقد كرهها مالك فيه، كذا نقله عن ابن عمر ابن بطال (١)، وفيه نظر يأتي. قال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وسيأتي من أجازه ومن كرهه في باب: الاغتسال عند دخول مكة (٢)، إن شاء الله. وإنما كان يدهن بغير الطيب؛ ليمنع بذلك القمل والدواب. وقوله: (كان ابن عمر إذا صلى الغداة -يعني: الصبح- بذي الحليفة أمر براحلته فرحلت ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا ثم يلبي). قال الداودي: يحتمل أن يكون في الكلام تقديم وتأخير، أي: يأمر بها ثم يصلي، ثم يركب، وإن كان هذا محفوظًا فلقرب ذَلِكَ من الصلاة وإنما قال ذَلِكَ لما سلف عن بعضهم أنه يستحب الإحرام عقب الصلاة. وفيه؛ استقبال القبلة عند إلاهلال؛ لأنها أشرف الجهات. وقوله: (قائمًا) يعني: إذا وقفت به راحلته. ومبيت ابن عمر بذي طوى للاتباع كما سيأتي، وهو ربض من أرباض مكة، وطاؤه مثلثة مع الصرف وعدمه والمد أيضًا، قال البكري: واد بمكة (٣)، وعند السهيلي في أسفلها (٤). وذو طواء ممدود موضع بطريق الطائف، وقيل وادٍ. ودخول مكة نهارًا أفضل. وقيل: الليل والنهار سواء، فقد دخلها - عليه السلام - في عمرة ------------- (١) «شرح ابن بطال» ٤/ ٢٢٧ - ٢٢٨. (٢) انظر شرح حديث (١٥٧٣). (٣) «معجم ما استعجم» ٣/ ٨٩٦. (٤) «الروض الأنف» ٢/ ٢٢٧. الجعرانة ليلا (١)، وهو المذكور في «الهداية» (٢). وهذا الغسل لدخول مكة سنة، فإن عجز عنه تيمم يستوي فيه الحائض، والنفساء والصبي. وقد أسلفنا كلام ابن حزم فيه، قال: لا يلزم الغسل فرضًا في الحج إلا المرأة تهل بعمرة تريد التمتع فتحيض قبل الطواف بالبيت، فهذِه تغتسل ولابد، والمرأة تلد قبل أن تهل بعمرة أو بالقران، ففرض عليها أن تغتسل وتهل (٣). وقال في الطهارة: الحيض والنفاس شيء واحد، وحكم واحد فأيتهما أرادت الحج أو العمرة ففرض عليها أن تغتسل (٤). قال صاحب «الاستذكار»: ولا أعلم أحدًا من المتقدمين أوجبه -يعني: الغسل للإحرام- إلا الحسن، وقد روي عن عكرمة إيجابه كقول أهل الظاهر، وروي عنه أن الوضوء يكفي منه، وهو سنة مؤكدة عند مالك وأصحابه ولا يرخصون في تركه إلا من عذر. وعن عبد الملك وهو لازم، إلا أنه ليس في تركه ناسيًا ولا عامدًا دم ولا فدية. وقال ابن خويز منداد (٥): هو عند مالك آكد من غسل الجمعة. وقال ------------ (١) رواه الترمذي (٩٣٥). (٢) «الهداية» ١/ ١٥١. (٣) «المحلى» ٧/ ١٦٨. (٤) «السابق» ٢/ ٢٦. (٥) هو محمد بن أحمد بن عبد الله، وقيل: علي، بدل: عبد الله، الفقيه، أبو بكر بن خويز منداد المالكي، صاحب أبي بكر الأبهري، من كبار المالكية العراقيين. صنف كتابًا كبيرًا في الخلاف، وآخر في أصول الفقه، وكتاب «أحكام القرآن». انظر تمام ترجمته في «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٢١٧، «الوافي بالوفيات» ٢/ ٥٢ (٣٣٧). أبو حنيفة، والثوري، والأوزاعي: يجزئه الوضوء، وهو قول إبراهيم، وهذا أول اغتسال الحج بعد الإحرام، وبعده الوقوف بعرفة ومزدلفة غداة النحر وأيام التشريق للرمي، واستحبه الشافعي في القديم في الطواف (١). وقوله: (حَتَّى يبلغ الحرم، ثم يمسك حَتَّى إذا جاء ذا طوى بات به) أي: يتابع إهلاله في أكثر أوقاته إلى أن يبلغه. وقوله: (ثم يمسك) قال ابن التين: لعل معناه أنه محرم بعمرة؛ لأن الحاج لا يمسك حينئذ. وروي عن مالك يمسك حينئذ. وقوله: (ادهن بدهن ليس له رائحة طيبة، ثم رفعه إلى رسول الله - ﷺ -) قال ابن التين: يحتمل أن يعيد ذَلِكَ للاستواء على الراحلة أو يكون أراد به تطيبًا، ولم يعن بما لا رائحة له؛ لأن عائشة طيبته للإهلال بأطيب الطيب المسك. ويحتمل أن يكون - عليه السلام - فعل ذَلِكَ بعد أن تطيب بالمسك، فلم يره ابن عمر حين تطيب به. فائدة: في «سنن سعيد بن منصور»: حَدَّثَنَا جرير عن مغيرة قال: ذكر عند إبراهيم إذا قدم الحاج أمسك عن التلبية مادام يطوف بالبيت. وقال إبراهيم: لا، بل يلبي قبل الطواف، وفي الطواف، وبعد الطوف، ولا يقطعها حَتَّى يرمي الجمرة (٢). -------------- (١) «الاستذكار» ١١/ ١٢. وانظر «الهداية» ١/ ١٤٨، «المبسوط» ٤/ ٣، «البيان» ٤/ ١٢٠. (٢) ذكره ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٦. وقال الترمذي في «علله»: سألت محمدًا عن أبي إسحاق قال: قال: سأل أبي عكرمة -وأنا أسمع- عن الإهلال متى يقطع؟ فقال: أهلَّ النبي - ﷺ - حَتَّى رمى الجمرة، وأبو بكر، وعمر، وعثمان الحديث. فقال: هو حديث محفوظ (١). وهو قول أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وداود، إلا أن أبا حنيفة، والشافعي قالا: يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها في الجمرة (٢). وقال ابن حزم: بل مع آخر حصاة منها، وقد قال ابن عباس وأسامة: لم يزل - عليه السلام - يلبي حَتَّى رمى جمرة العقبة. وهو خلاف ما قالاه، ولو كان كما قالاه لقالا: حَتَّى بدأ بجمرة العقبة. ومن حديث عبد الله بن إبراهيم بن حسين، عن أبيه، عن ابن عباس قال: سمعت عمر يهل وهو يرمي جمرة العقبة، فقيل له: ما الإهلال يا أمير المؤمنين؟ فقال: وهل قضينا نسكنا؟ (٣). وقال قوم منهم مالك: إن الحاج يقطعها إذا طاف، وبالصفا والمروة، وإذا أتم ذَلِكَ عاودها. وقال أبو حنيفة، والشافعي: لا يقطع. وقال قوم: يقطع المعتمر التلبية إذا دخل الحرم. وقال آخرون: لا يقطعها حَتَّى يرى بيوت مكة. وقالت طائفة: حَتَّى يدخل بيوتها. وقال أبو حنيفة: لا يقطعها حَتَّى يستلم الحجر، ويعضد ما ذكره المروذي، عن أحمد، عن هشيم، ثنا الحجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: -------------- (١) «علل الترمذي الكبير» ١/ ٣٨٧ (١٣٧). (٢) انظر «المبسوط» ٤/ ٢٠، «روضة الطالبين» ٣/ ١٠٢ - ١٠٣، «المغني» ٥/ ٢٩٧ - ٢٩٨. (٣) رواه ابن حزم في «المحلى» ٧/ ١٣٦، والبيهقي ٥/ ١١٣ كتاب: الحج، باب: التلبية يوم عرفة وقبله وبعده … اعتمر رسول الله - ﷺ - ثلاث عمر، كل ذَلِكَ في ذي القعدة، يلبي حَتَّى يستلم الحجر. وقال الليث: إذا بلغ إلى الكعبة يقطع التلبية. وقال الشافعي: لا يقطع حَتَّى يفسخ الطواف. وقال مالك: من أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل أول الحرم، فإن أحرم من الجعرانة أو من التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة أو المسجد. وروي عن ابن عباس: لا يقطع المعتمر التلبية حَتَّى يستلم الركن (١)، وكان ابن عمر يقطعها إذا رأى بيوت مكة (٢). وكانت أم سلمة تأمر يوم عرفة بالشمس ترعى لها [رعية] (٣)، فإذا زالت قطعت التلبية، ذكره ابن أبي حاتم في «علله»، عن موسى بن يعقوب، عن عمته، عنها (٤). قال ابن حزم؛ والذي نقول به هو قول ابن مسعود أنه لا يقطعها، قال: فإن قالوا: فهل عندكم اعتراض فيما روي عن ابن عمر: أنه كان إذا دخل الحرم أمسك عن التلبية، ويرفع الحديث، قُلْتُ: لا معترض فيه، وهو صحيح؛ إلا أنه لا حجة لكم فيه؛ أول ذَلِكَ أنه ليس فيه ما تذكرون من أن هذا كان في العمرة، فهو مخالف لما اختاره أبو حنيفة، والشافعي في الحج، ولما اختاره أبو حنيفة في العمرة أيضًا، نقول لمن ذهب إلى قول مالك: لا حجة لكم فيه؛ لأنه ------------- (١) رواه ابن أبي شيبة ٣/ ٢٤٩ (١٤٠٠١) كتاب: الحج، باب: في المحرم المعتمر متى يقطع التلبية. (٢) «المحلى» ٧/ ١٣٥ - ١٣٨ بتصرف. (٣) ليست في الأصل، والمثبت من «العلل». (٤) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٨٩ (٨٦٣). قد يمكن أن ابن عمر إنما أشار بقوله: أنه - عليه السلام - كان يفعل ذَلِكَ، أي: إلى مبيته بذي طوى، وصلاة الصبح بها فقط، وكذا نقول: أو يكون أشار بذلك إلى قطع التلبية، كما نقول فإن كان هذا فخبر جابر، وأسامة، وابن عباس مرفوعًا، لزم التلبية ولم يقطعها حَتَّى رمي جمرة العقبة، زائد على خبر ابن عمر، وزيادة العدل لا يجوز تركها (١). وما أسلفناه عن ابن مسعود أخرجه الحاكم بلفظ: والذي بعث محمدًا بالحق لقد خرجت معه من منى إلى عرفة، فما ترك التلبية حَتَّى رمى الجمرة؛ إلا أن يخلطها بتكبير أو تهليل، ثم قال: صحيح على شرط مسلم (٢). وفي «علل ابن أبي حاتم»: سُئِلَ أبو زرعة عن حديث يونس بن بكير، عن ابن إسحاق عن إبراهيم بن عقبة (٣) عن غريب، عن ابن عباس قال: بعثني النبي - عليه السلام - مع ميمونة أقود بها بعيرها يوم النحر، ليست من جمرة العقبة بمنى، فما زلت أسمعها تلبي، فلما قذفت الجمرة بأول حصاة أمسكت. فقال أبو زرعة: إنما هو عن كريب قال: بعثني ابن عباس مع ميمونة، ويونس يهم فيه (٤). فائدة: أقدمها هنا وأحيل عليها فيما بعد: اختلف العلماء في إهلاله - ﷺ -، هل كان مطلقًا أو معينًا؟ وإذا كان معينًا، فهل كان إفرادًا، أو تمتعًا، أو قرانًا؟ ------------ (١) «المحلى» ٧/ ١٣٨ بتصرف. (٢) «المستدرك» ١/ ٤٦١ - ٤٦٢ كتاب: المناسك. (٣) في الأصل: إبراهيم بن عقبة عن ابن عمر عن كريب، والمثبت من «العلل». (٤) «علل ابن أبي حاتم» ١/ ٢٩٥ (٨٨٤). فروى الشافعي من حديث طاوس الأول، وأنه كان ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء وهو بين الصفا والمروة، وأمر أصحابه من كان منهم أهلَّ وليس معه هدي أن يجعلها عمرة الحديث (١). ومن حديث جابر بن عبد الله قال: ما سمى رسول الله - ﷺ - في تلبيته حجًّا ولا عمرة (٢). وقال في كتاب «مختلف الحديث»: إنه الأشبه أن يكون محفوظًا (٣). وقال الطبري: إن جملة الحال أنه لم يكن متمتعًا؛ لأنه قال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة»، ولا كان مفردًا؛ لأن الهدي كان معه واجبًا كما قال، وذلك لا يكون إلا للقارن، ولأن الروايات الصحيحة تواترت بأنه قد قرنهما جميعًا، فكان من زاد أولى. ووجه الاختلاف أنه - عليه السلام - لما عقد الإحرام جعل يلبي تارة بالحج، وتارة بالعمرة، وتارة بهما (٤). وأما قول المهلب السالف: رد ابن عمر على أنس قوله: أهلَّ بحج وعمرة، وقال: كان أنس حينئذٍ يدخل على النساء وهن متكشفات، ينسبه إلى الصغر وقلة الضبط. زاد الطرطوسي في «كتاب الحج» له: روى ابن عمر أن النبي - ﷺ -، وأبا بكر، وعمر، وابن عوف أفردوا الحج ولم يقرنوا، ولم يتمتعوا، قال: وهذا يدفع اعتراض من قال: سمع الحج ولم يسمع العمرة. ------------- (١) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٢ (٩٦٠). (٢) «مسند الشافعي» ١/ ٣٧٠ (٩٥٧)، «الأم» ٢/ ١٣٢. (٣) «اختلاف الحديث» ص ٢٢٩. (٤) ورد بهامش الأصل: من خط الشيخ: مما يرجح القرآن أن رواة الإفراد اختلف فيهم بخلاف من رواه. ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |