|
|||||||
| ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#301
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة إبراهيم من صـ 171 الى صــ 185 الحلقة (301) الدار "لمن تكون الدائرة والعاقبة لهم أو لأتباع الرسل ؟ كلا : بل هي لأتباع الرسل في الدنيا والآخرة ولله الحمد والمنة ." ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (43) يقول تعالى يكذبك هؤلاء الكفار ويقولون "لست مرسلا" أي ما أرسلك الله "قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم" أي حسبي الله هو الشاهد علي وعليكم شاهد علي فيما بلغت عنه من الرسالة وشاهد عليكم أيها المكذبون فيما تفترونه من البهتان وقوله "ومن عنده علم الكتاب" قيل نزلت في عبد الله بن سلام قاله مجاهد وهذا القول غريب لأن هذه الآية مكية وعبد الله بن سلام إنما أسلم في أول مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة والأظهر في هذا ما قاله العوفي عن ابن عباس قال : هم من اليهود والنصارى . وقال قتادة : منهم ابن سلام وسلمان وتميم الداري وقال مجاهد في رواية عنه هو الله تعالى وكان سعيد بن جبير ينكر أن يكون المراد بها عبد الله بن سلام ويقول هي مكية وكان يقرؤها "ومن عنده علم الكتاب" ويقول من عند الله وكذا قرأها مجاهد والحسن البصري . وقد روى ابن جرير من حديث هارون الأعور عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها "ومن عنده علم الكتاب" ثم قال لا أصل له من حديث الزهري عند الثقات قلت : وقد رواه الحافظ أبو يعلى في مسنده من طريق هارون بن موسى هذا عن سليمان بن أرقم وهو ضعيف عن الزهري عن سالم عن أبيه مرفوعا كذلك ولا يثبت والله أعلم . والصحيح في هذا أن "ومن عنده" اسم جنس يشمل علماء أهل الكتاب الذين يجدون صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتبهم المتقدمة من بشارات الأنبياء به كما قال تعالى "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل" الآية وقال تعالى "أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل" الآية وأمثال ذلك مما فيه من الإخبار عن علماء بني إسرائيل أنهم يعلمون ذلك من كتبهم المنزلة . وقد ورد في حديث الأحبار عن عبد الله بن سلام بأنه أسلم بمكة قبل الهجرة . قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب دلائل النبوة وهو كتاب جليل حدثنا سليمان بن أحمد الطبراني حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا محمد بن مصفى حدثنا الوليد بن مسلم عن محمد بن حمزة بن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه عن جده عبد الله بن سلام أنه قال لأحبار اليهود إني أردت أن أحدث بمسجد أبينا إبراهيم وإسماعيل عيدا فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة فوافاهم وقد انصرفوا من الحج فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى والناس حوله فقام مع الناس فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "أنت عبد الله بن سلام ؟" قال قلت نعم قال "ادن" قال فدنوت منه قال "أنشدك بالله يا عبد الله بن سلام أما تجدني في التوراة رسول الله ؟" فقلت له انعت ربنا قال فجاء جبريل حتى وقف بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له "قل هو الله أحد الله الصمد" إلى آخرها فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ابن سلام : أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله ثم انصرف ابن سلام إلى المدينة فكتم إسلامه فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة وأنا فوق نخلة لي أجذها فألقيت نفسي فقالت أمي لله أنت لو كان موسى بن عمران ما كان لك أن تلقي نفسك من رأس النخلة فقلت والله لأنا أسر بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم من موسى بن عمران إذ بعث وهذا حديث غريب جدا . آخر تفسير سورة الرعد ولله الحمد والمنة . الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد (1) الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض وويل للكافرين من عذاب شديد وقوله "الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض" قرأ بعضهم مستأنفا مرفوعا وقرأ آخرون على الإتباع صفة للجلالة كقوله تعالى "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض" الآية وقوله "وويل للكافرين من عذاب شديد" أي ويل لهم يوم القيامة إذ خالفوك يا محمد وكذبوك . الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد (3) الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا أولئك في ضلال بعيد ثم وصفهم بأنهم يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة أي يقدمونها ويؤثرونها عليها ويعملون للدنيا ونسوا الآخرة وتركوها وراء ظهورهم "ويصدون عن سبيل الله" وهي اتباع الرسل "ويبغونها عوجا" أي ويحبون أن تكون سبيل الله عوجا مائلة عائلة وهي مستقيمة في نفسها لا يضرها من خالفها ولا من خذلها فهم في ابتغائهم ذلك في جهل وضلال بعيد من الحق لا يرجى لهم والحالة هذه صلاح . وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم (4) وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وهو العزيز الحكيم هذا من لطفه تعالى بخلقه أنه يرسل إليهم رسلا منهم بلغاتهم ليفهموا عنهم ما يريدون وما أرسلوا به إليهم كما روى الإمام أحمد حدثنا وكيع عن عمر بن ذر قال : قال مجاهد عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لم يبعث الله عز وجل نبيا إلا بلغة قومه" وقوله "فيضل الله ما يشاء ويهدي من يشاء" أي بعد البيان وإقامة الحجة عليهم يضل الله من يشاء عن وجه الهدى ويهدي من يشاء إلى الحق "وهو العزيز" الذي ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن "الحكيم" في أفعاله فيضل من يستحق الإضلال ويهدي من هو أهل لذلك وقد كانت هذه سنته في خلقه أنه ما بعث نبيا في أمة إلا أن يكون بلغتهم فاختص كل نبي بإبلاغ رسالته إلى أمته دون غيرهم واختص محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بعموم الرسالة إلى سائر الناس كما ثبت في الصحيحين عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي : نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة" وله شواهد من وجوه كثيرة وقال تعالى "قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا" . ولقد أرسلنا موسى بآياتنا أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (5) فيقول تعالى وكما أرسلناك يا محمد وأنزلنا عليك الكتاب لتخرج الناس كلهم تدعوهم إلى الخروج من الظلمات إلى النور كذلك أرسلنا موسى إلى بني إسرائيل بآياتنا قال مجاهد وهي التسع الآيات "أن أخرج قومك" أي أمرناه قائلين له "أخرج قومك من الظلمات إلى النور" أي ادعهم إلى الخير ليخرجوا من ظلمات ما كانوا فيه من الجهل والضلال إلى نور الهدى وبصيرة الإيمان "وذكرهم بأيام الله" أي بأياديه ونعمه عليهم في إخراجه إياهم من أسر فرعون وقهره وظلمه وغشمه وإنجائه إياهم من عدوهم وفلقه لهم البحر وتظليله إياهم بالغمام وإنزاله عليهم المن والسلوى إلى غير ذلك من النعم قال ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد وقد ورد فيه الحديث المرفوع الذي رواه عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في مسند أبيه حيث قال : حدثني يحيى بن عبد الله مولى بني هاشم حدثنا محمد بن أبان الجعفي عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى "وذكرهم بأيام الله" قال "بنعم الله" ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم من حديث محمد بن أبان به ورواه عبد الله ابنه أيضا موقوفا وهو شبه ; وقوله "إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور" أي إن في ما صنعنا بأوليائنا بني إسرائيل حين أنقذناهم من يد فرعون وأنجيناهم مما كانوا فيه من العذاب المهين لعبرة لكل صبار أي في الضراء شكور أي في السراء كما قال قتادة : نعم العبد عبد إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر وكذا جاء في الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إن أمر المؤمن كله عجب لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرا له إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له" . وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم (6) وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم يقول تعالى مخبرا عن موسى حين ذكر قومه بأيام الله عندهم ونعمه عليهم إذ أنجاهم من آل فرعون وما كانوا يسومونهم به من العذاب والإذلال حيث كانوا يذبحون من وجد من أبنائهم ويتركون إناثهم فأنقذهم الله من ذلك وهذه نعمة عظيمة ولهذا قال "وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم" أي نعمة عظيمة منه عليكم في ذلك أنتم عاجزون عن القيام بشكرها . وقيل : وفيما كان يصنعه بكم قوم فرعون من تلك الأفاعيل "بلاء" أي اختبار عظيم ويحتمل أن يكون المراد هذا وهذا والله أعلم كقوله تعالى "وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون" . وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد (7) وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد "وقوله" وإذ تأذن ربكم "أي آذنكم وأعلمكم بوعده لكم ويحتمل أن يكون المعنى : وإذ أقسم ربكم وآلى بعزته وجلاله وكبريائه كقوله تعالى" وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة "وقوله" لئن شكرتم لأزيدنكم "أي لئن شكرتم نعمتي عليكم لأزيدنكم منها" ولئن كفرتم "أي كفرتم النعم وسترتموها وجحدتموها" إن عذابي لشديد "وذلك بسلبها عنهم وعقابه إياهم على كفرها وقد جاء في الحديث" إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه "وفي المسند أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به سائل فأعطاه تمرة فسخطها ولم يقبلها ثم مر به آخر فأعطاه إياها فقبلها وقال تمرة من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأمر له بأربعين درهما أو كما قال قال الإمام أحمد : حدثنا أسود حدثنا عمارة الصيدلاني عن ثابت عن أنس قال أتى النبي صلى" الله عليه وسلم سائل فأمر له بتمرة فلم يأخذها أو وحش بها - قال - وأتاه آخر فأمر له بتمرة فقال سبحان الله تمرة من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للجارية "اذهبي إلى أم سلمة فأعطيه الأربعين درهما التي عندها" تفرد به الإمام أحمد وعمارة بن زاذان وثقه ابن حبان وأحمد ويعقوب بن سفيان وقال ابن معين : صالح وقال أبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم يكتب حديثه ولا يحتج به ليس بالمتين وقال البخاري ربما يضطرب في حديثه وعن أحمد أيضا أنه قال : روي عنه أحاديث منكرة . وقال أبو داود ليس بذلك وضعفه الدارقطني وقال ابن عدي لا بأس به ممن يكتب حديثه . وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد (8) وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد وقوله تعالى "وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعا فإن الله لغني حميد" أي هو غني عن شكر عباده وهو الحميد المحمود وإن كفره من كفر كقوله "إن تكفروا فإن الله غني عنكم" الآية وقوله "فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد" وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئا يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذ دخل البحر" فسبحانه وتعالى الغني الحميد . ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (9) ألم يأتكم نبأ الذين من قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم لا يعلمهم إلا الله جاءتهم رسلهم بالبينات فردوا أيديهم في أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب قال ابن جرير : هذا من تمام قول موسى لقومه يعني وتذكيره إياهم بأيام الله بانتقامه من الأمم المكذبة بالرسل وفيما قال ابن جرير نظر والظاهر أنه خبر مستأنف من الله تعالى لهذه الأمة فإنه قد قيل إن قصة عاد وثمود ليست من التوراة فلو كان هذا من كلام موسى لقومه وقصصه عليهم لا شك أن تكون هاتان القصتان في التوراة والله أعلم وبالجملة فالله تعالى قد قص علينا خبر قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم من الأمم المكذبة للرسل مما لا يحصي عددهم إلا الله عز وجل "جاءتهم رسلهم بالبينات" أي بالحجج والدلائل الواضحات الباهرات القاطعات وقال ابن إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله أنه قال في قوله "لا يعلمهم إلا الله" كذب النسابون . وقال عروة بن الزبير وما وجدنا أحدا يعرف ما بعد معد بن عدنان وقوله "فردوا أيديهم في أفواههم" اختلف المفسرون في معناه قيل معناه أنهم أشاروا إلى أفواه الرسل يأمرونهم بالسكوت عنهم لما دعوهم إلى الله عز وجل وقيل بل وضعوا أيديهم على أفواههم تكذيبا لهم وقيل بل هو عبارة عن سكوتهم عن جواب الرسل . وقال مجاهد ومحمد بن كعب وقتادة معناه أنهم كذبوهم وردوا عليهم قولهم بأفواههم قال ابن جرير : وتوجيهه أن في هنا بمعنى الباء قال وقد سمع من العرب أدخلك الله بالجنة يعنون في الجنة وقال الشاعر : وأرغب فيها عن لقيط ورهطه ... ولكنني عن سنبس لست أرغب يريد أرغب بها قلت ويؤيد قول مجاهد تفسير ذلك بتمام الكلام "وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب" فكان هذا والله أعلم تفسيرا لمعنى "فردوا أيديهم في أفواههم" وقال سفيان الثوري وإسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله في قوله "فردوا أيديهم في أفواههم" قال عضوا عليها غيظا وقال شعبة عن أبي إسحاق أبي هبيرة ابن مريم عن عبد الله أنه قال ذلك أيضا . وقد اختاره عبد الرحمن بن زيد بن أسلم ووجهه ابن جرير مختارا له بقوله تعالى عن المنافقين "وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ" وقال العوفي عن ابن عباس لما سمعوا كلام الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم وقالوا إنا كفرنا بما أرسلتم به الآية يقولون لا نصدقكم فيما جئتم به فإن عندنا فيه شكا قويا . قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين (10) قالت رسلهم أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين يخبر تعالى عما دار بين الكفار وبين رسلهم من المجادلة وذلك أن أممهم لما واجهوهم بالشك فيما جاءوهم به من عبادة الله وحده لا شريك له قالت الرسل "أفي الله شك" وهذا يحتمل شيئين "أحدهما" أفي وجوده شك فإن الفطر شاهدة بوجوده ومجبولة على الإقرار به فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة ولكن قد يعرض لبعضها شك واضطراب فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده ولهذا قالت لهم الرسل ترشدهم إلى طريق معرفته بأنه "فاطر السماوات والأرض" الذي خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق فإن شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليهما فلا بد لهما من صانع وهو الله لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه ; والمعنى الثاني في قولهم "أفي الله شك" أي أفي إلهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك وهو الخالق لجميع الموجودات ولا يستحق العبادة إلا هو وحده لا شريك له فإن غالب الأمم كانت مقرة بالصانع ولكن تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى ; وقالت لهم رسلهم "يدعوكم ليغفر لكم من ذنوبكم" أي في الدار الآخرة "ويؤخركم إلى أجل مسمى" أي في الدنيا كما قال تعالى "وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى ويؤت كل ذي فضل فضله" الآية فقالت لهم الأمم محاجين في مقام الرسالة بعد تقدير تسليمهم المقام الأول وحاصل ما قالوه "إن أنتم إلا بشر مثلنا" أي كيف نتبعكم بمجرد قولكم ولما نر منكم معجزة "فأتونا بسلطان مبين" أي خارق نقترحه عليكم . قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون (11) قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم "أي صحيح أنا بشر مثلكم في البشرية" ولكن الله يمن على من يشاء من عباده "أي بالرسالة والنبوة" وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان "على وفق ما سألتم" إلا بإذن الله "أي بعد سؤالنا إياه وإذنه لنا في ذلك" وعلى الله فليتوكل المؤمنون "أي في جميع أمورهم ." وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون (12) وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ثم قالت الرسل "وما لنا أن لا نتوكل على الله" أي وما يمنعنا من التوكل عليه وقد هدانا لأقوم الطرق وأوضحها وأبينها "ولنصبرن على ما آذيتمونا" أي من الكلام السيئ والأفعال السخيفة "وعلى الله فليتوكل المتوكلون" . وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (13) وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين يخبر تعالى عما توعدت به الأمم الكافرة رسلهم من الإخراج من أرضهم والنفي من بين أظهرهم كما قال قوم شعيب له ولمن آمن به "لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا" الآية وكما قال قوم لوط "أخرجوا آل لوط من" قريتكم "الآية ; وقال تعالى إخبارا عن مشركي قريش" وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا "وقال تعالى" وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "وكان من صنعه تعالى أنه أظهر رسوله ونصره وجعل له بسبب خروجه من مكة أنصارا وأعوانا وجندا يقاتلون في سبيل الله تعالى ولم يزل يرقيه تعالى من شيء إلى شيء حتى فتح له مكة التي أخرجته ومكن له فيها وأرغم أنوف أعدائه منهم ومن سائر أهل الأرض حتى دخل الناس في دين الله أفواجا وظهرت كلمة الله ودينه على سائر الأديان في مشارق الأرض ومغاربها في أيسر زمان ولهذا قال تعالى" فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم "وكما قال" ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون "وقال تعالى" كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز "وقال تعالى" ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر "الآية" وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين "وقال تعالى" وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون . ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (14) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد "وقوله" ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد "أي وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة وخشي من وعيدي وهو تخويفي وعذابي كما قال تعالى" فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى "وقال" ولمن خاف مقام ربه جنتان . واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد "وقوله" واستفتحوا "أي استنصرت الرسل ربها على قومها قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم استفتحت الأمم على أنفسها كما قالوا" اللهم ![]()
__________________
|
|
#302
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة إبراهيم من صـ 186 الى صــ 200 الحلقة (302) إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم "ويحتمل أن يكون هذا مرادا وهذا مرادا كما أنهم استفتحوا على أنفسهم يوم بدر واستفتح رسول الله صلى الله عليه وسلم واستنصر وقال الله تعالى للمشركين" إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم "الآية والله أعلم" وخاب كل جبار عنيد "أي متجبر في نفسه عنيد معاند للحق كقوله تعالى" ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد "وفي الحديث" إنه يؤتى بجهنم يوم القيامة فتنادي الخلائق فتقول إني وكلت بكل جبار عنيد "الحديث خاب وخسر حين اجتهد الأنبياء في الابتهال إلى ربها العزيز المقتدر ." من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد وقوله "من ورائه جهنم" وراء هنا بمعنى أمام كقوله تعالى "وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا" وكان ابن عباس يقرؤها وكان أمامهم ملك أي من وراء الجبار العنيد جهنم أي هي له بالمرصاد يسكنها مخلدا يوم المعاد ويعرض عليها غدوا وعشيا إلى يوم التناد "ويسقى من ماء صديد" أي في النار ليس له شراب إلا من حميم وغساق فهذا حار في غاية الحرارة وهذا بارد في غاية البرد والنتن كما قال "هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج" وقال مجاهد وعكرمة : الصديد من القيح والدم وقال قتادة هو ما يسيل من لحمه وجلده وفي رواية عنه : الصديد ما يخرج من جوف الكافر قد خالط القيح والدم ومن حديث شهر بن حوشب عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت : قلت يا رسول الله ما طينة الخبال ؟ قال "صديد أهل النار" وفي رواية "عصارة أهل النار" وقال الإمام أحمد حدثنا علي بن إسحاق أنبأنا عبد الله أنا صفوان بن عمرو عن عبيد الله بن بشر عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "ويسقى من ماء صديد يتجرعه" قال "يقرب إليه فيتكرهه فإذا أدني منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره" يقول الله تعالى "وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" ويقول "وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه" الآية وهكذا رواه ابن جرير من حديث عبد الله بن المبارك به ورواه هو وابن أبي حاتم من حديث بقية بن الوليد عن صفوان بن عمرو به . يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ وقوله "يتجرعه" أي يتغصصه ويتكرهه أي يشربه قهرا وقسرا لا يضعه في فمه حتى يضربه الملك بمطراق من حديد كما قال تعالى "ولهم مقامع من حديد" "" ولا يكاد يسيغه "أي يزدريه لسوء طعمه ولونه وريحه وحرارته أو برده الذي لا يستطاع" ويأتيه الموت من كل مكان "أي يألم له جميع بدنه وجوارحه وأعضائه قال عمرو بن ميمون بن مهران من كل عظم وعصب وعرق وقال عكرمة حتى من أطراف شعره وقال إبراهيم التيمي من موضع كل شعرة أي من جسده حتى من أطراف شعره وقال ابن جرير" ويأتيه الموت من كل مكان "أي من أمامه وخلفه وفي رواية وعن يمينه وشماله ومن فوقه ومن تحت أرجله ومن سائر أعضاء جسده وقال الضحاك عن ابن عباس" ويأتيه الموت من كل مكان "قال أنواع العذاب الذي يعذبه الله بها يوم القيامة في نار جهنم ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت ولكن لا يموت لأن الله تعالى قال" لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها "ومعنى كلام ابن عباس رضي الله عنه : أنه ما من نوع من هذه الأنواع من العذاب إلا إذا ورد عليه اقتضى أن يموت منه لو كان يموت ولكنه لا يموت ليخلد في دوام العذاب والنكال ولهذا قال تعالى" ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت "وقوله" ومن ورائه عذاب غليظ "أي وله من بعد هذه الحال عذاب آخر غليظ أي مؤلم صعب شديد أغلظ من الذي قبله وأدهى وأمر وهذا كما قال تعالى عن شجرة الزقوم" إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم "فأخبر أنهم تارة يكونون في أكل زقوم وتارة في شرب حميم وتارة يردون إلى جحيم عياذا بالله من ذلك وهكذا قال تعالى" هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن "وقال تعالى" إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون "وقال" وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم "وقال تعالى" هذا وإن للطاغين لشر مآب جهنم يصلونها فبئس المهاد "" هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج "إلى غير ذلك من الآيات" الدالة على تنوع العذاب عليهم وتكراره وأنواعه وأشكاله مما لا يحصيه إلا الله عز وجل جزاء وفاقا "وما ربك بظلام للعبيد" . مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد (18) مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره وكذبوا رسله وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها فقال تعالى "مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم" أي مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدوا شيئا ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة "في يوم عاصف" أي ذي ريح شديدة عاصفة قوية فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم كقوله تعالى "وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا" وقوله تعالى "مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون" وقوله تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه" صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين "وقوله في هذه الآية" ذلك هو الضلال البعيد "أي سعيهم وعملهم على غير أساس ولا استقامة حتى فقدوا ثوابهم أحوج ما كانوا إليه" ذلك هو الضلال البعيد "." ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (19) ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد يقول تعالى مخبرا عن قدرته على معاد الأبدان يوم القيامة بأنه خلق السماوات والأرض التي هي أكبر من خلق الناس أفليس الذي قدر على خلق هذه السماوات في ارتفاعها واتساعها وعظمتها وما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات والحركات المختلفات والآيات الباهرات وهذه الأرض بما فيها من مهاد ووهاد وأوتاد وبرار وصحار وقفار وبحار وأشجار ونبات وحيوان على اختلاف أصنافها ومنافعها وأشكالها وألوانها "أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير" وقال تعالى "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون" . وما ذلك على الله بعزيز (20) وما ذلك على الله بعزيز وقوله "إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" أي بعظيم ولا ممتنع بل هو سهل عليه إذا خالفتم أمره أن يذهبكم ويأتي بآخرين على غير صفتكم كما قال "يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز" وقال "وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم" وقال "يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه" وقال "إن يشأ يذهبكم ويأت بآخرين وكان الله على ذلك قديرا" . وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (21) وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء قالوا لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص يقول تعالى "وبرزوا" أي برزت الخلائق كلها برها وفاجرها لله الواحد القهار أي اجتمعوا له في براز من الأرض وهو المكان الذي ليس فيه شيء يستر أحدا "فقال الضعفاء" وهم الأتباع لقادتهم وسادتهم وكبرائهم "للذين استكبروا" عن عبادة الله وحده لا شريك له وعن موافقة الرسل قالوا لهم "إنا كنا لكم تبعا" أي مهما أمرتمونا ائتمرنا وفعلنا "فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء" أي فهل تدفعون عنا شيئا من عذاب الله كما كنتم تعدوننا وتمنوننا فقالت القادة لهم "لو هدانا الله لهديناكم" ولكن حق علينا قول ربنا وسبق فينا وفيكم قدر الله وحقت كلمة العذاب على الكافرين "سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص" أي ليس لنا خلاص مما نحن فيه إن صبرنا عليه أو جزعنا منه . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن أهل النار قال بعضهم لبعض تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله عز وجل تعالوا نبك ونتضرع إلى الله فبكوا وتضرعوا فلما رأوا أنه لا ينفعهم قالوا إنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر تعالوا حتى نصبر فصبروا صبرا لم ير مثله فلم ينفعهم ذلك فعند ذلك قالوا "سواء علينا أجزعنا أم صبرنا" الآية قلت والظاهر أن هذه المراجعة في النار بعد دخولهم إليها كما قال تعالى "وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد" وقال تعالى "قال ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون" وقال تعالى "ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا" وأما تخاصمهم في المحشر فقال تعالى "ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون" . وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتمون من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم (22) وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم ما أنا بمصرخكم وما أنتم بمصرخي إني كفرت بما أشركتموني من قبل إن الظالمين لهم عذاب أليم يخبر تعالى عما خاطب به إبليس أتباعه بعدما قضى الله بين عباده فأدخل المؤمنين الجنات وأسكن الكافرين الدركات فقام فيهم إبليس لعنه الله يومئذ خطيبا ليزيدهم حزنا إلى حزنهم وغبنا إلى غبنهم وحسرة إلى حسرتهم فقال "إن الله وعدكم وعد الحق" أي على ألسنة رسله ووعدكم في اتباعهم النجاة والسلامة وكان وعدا حقا وخبرا صدقا وأما أنا فوعدتكم فأخلفتكم كما قال تعالى "يعدهم ويمنيهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا" ثم قال "وما كان لي عليكم من سلطان" أي ما كان لي دليل فيما دعوتكم إليه ولا حجة فيما وعدتكم به "إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي" بمجرد ذلك هذا وقد أقامت عليكم الرسل الحجج والأدلة الصحيحة على صدق ما جاءوكم به فخالفتموهم فصرتم إلى ما أنتم فيه "فلا تلوموني" اليوم "ولوموا أنفسكم" فإن الذنب لكم لكونكم خالفتم الحجج واتبعتموني بمجرد ما دعوتكم إلى الباطل "ما أنا بمصرخكم" أي بنافعكم ومنقذكم ومخلصكم مما أنتم فيه "وما أنتم بمصرخي" أي بنافعي بإنقاذي مما أنا فيه من العذاب والنكال "إني كفرت بما أشركتمون من قبل" قال قتادة أي بسبب ما أشركتمون من قبل وقال ابن جرير : يقول إني جحدت أن أكون شريكا لله عز وجل وهذا الذي قال هو الراجح كما قال تعالى "ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين" وقال "كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا" وقوله "إن الظالمين" أي في إعراضهم عن الحق واتباعهم الباطل لهم عذاب أليم والظاهر من سياق الآية أن هذه الخطبة تكون من إبليس بعد دخولهم النار كما قدمنا ولكن قد ورد في حديث رواه ابن أبي حازم وهذا لفظه وابن جرير من رواية عبد الرحمن بن زياد : حدثني دخين الحجري عن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "إذا جمع الله الأولين والآخرين فقضى بينهم ففرغ من القضاء قال المؤمنون قد قضى بيننا ربنا فمن يشفع لنا ؟ فيقولون انطلقوا بنا إلى آدم وذكر نوحا وإبراهيم وموسى وعيسى فيقول عيسى أدلكم على النبي الأمي فيأتوني فيأذن الله لي أن أقوم إليه فيثور من مجلسي من أطيب ريح شمها أحد قط حتى آتي ربي فيشفعني ويجعل لي نورا من شعر رأسي إلى ظفر قدمي ثم يقول" الكافرون هذا قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا ؟ ما هو إلا إبليس هو الذي أضلنا فيأتون إبليس فيقولون قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم فيثور من مجلسه من أنتن ريح شمها أحد قط ثم يعظم نحيبهم "وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي فلا تلوموني ولوموا أنفسكم" وهذا سياق ابن أبي حاتم ورواه المبارك عن رشدين بن سعد عن عبد الرحمن بن زياد بن نعيم عن دخين عن عقبة به مرفوعا وقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله لما قال أهل النار "سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص" قال لهم إبليس "إن الله وعدكم وعد الحق" الآية فلما سمعوا مقالته مقتوا أنفسهم فنودوا "لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون" وقال عامر الشعبي : يقوم خطيبان يوم القيامة على رءوس الناس يقول الله تعالى لعيسى ابن مريم "أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله" - إلى قوله - "قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم" قال ويقوم إبليس لعنه الله فيقول "ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي" الآية . وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام (23) وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام ثم لما ذكر تعالى مآل الأشقياء وما صاروا إليه من الخزي والنكال وأن خطيبهم إبليس عطف بمآل السعداء فقال "وأدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار" سارحة فيها حيث ساروا وأين ساروا "خالدين فيها" ماكثين أبدا لا يحولون ولا يزولون "" بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام "كما قال تعالى" حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم "وقال تعالى" والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم "وقال تعالى" ويلقون فيها تحية وسلاما "وقال تعالى" دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين "." ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء (24) ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "مثلا كلمة طيبة" شهادة أن لا إله إلا الله "كشجرة طيبة" وهو المؤمن "أصلها ثابت" يقول لا إله إلا الله في قلب المؤمن "وفرعها في السماء" يقول يرفع بها عمل المؤمن إلى السماء وهكذا قال الضحاك وسعيد بن جبير وعكرمة ومجاهد وغير واحد إن ذلك عبارة عن عمل المؤمن وقوله الطيب وعمله الصالح وإن المؤمن كشجرة من النخل لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت وصباح ومساء وهكذا رواه السدي عن مرة عن ابن مسعود قال هي النخلة وشعبة عن معاوية بن قرة عن أنس هي النخلة . وحماد بن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقناع بسر فقرأ "مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة" قال هي النخلة وروي من هذا الوجه ومن غيره عن أنس موقوفا وكذا نص عليه مسروق ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وغيرهم وقال البخاري : حدثنا عبيد بن إسماعيل عن أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أخبروني عن شجرة تشبه - أو - كالرجل المسلم لا يتحات ورقها صيفا ولا شتاء وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" قال ابن عمر : فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا بكر وعمر لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم فلما لم يقولوا شيئا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هي النخلة" فلما قمنا قلت لعمر : يا أبتاه والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة قال ما منعك أن تتكلم ؟ قلت لم أركم تتكلمون فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئا قال عمر : لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا وقال أحمد : حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح عن مجاهد صحبت ابن عمر إلى المدينة فلم أسمعه يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حديثا واحدا قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتى بجمار فقال "من الشجر شجرة مثلها مثل الرجل المسلم" فأردت أن أقول هي النخلة فنظرت فإذا أنا أصغر القوم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هي النخلة" أخرجاه وقال مالك وعبد العزيز عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما لأصحابه "إن من الشجر شجرة لا يطرح ورقها مثل المؤمن" قال فوقع الناس في شجر الوادي ووقع في قلبي أنها النخلة فاستحييت حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهي النخلة" أخرجاه أيضا وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبان يعني ابن زيد العطار حدثنا قتادة أن رجلا قال يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور فقال "أرأيت لو عمد إلى متاع الدنيا فركب بعضه على بعض أكان يبلغ السماء ؟ أفلا أخبرك بعمل أصله في الأرض وفرعه في السماء ؟ قال ما هو يا رسول الله ؟ قال" تقول لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله عشر مرات في دبر كل صلاة فذاك أصله في الأرض وفرعه في السماء "وعن ابن عباس كشجرة طيبة قال هي شجرة في الجنة ." تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (25) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون وقوله "تؤتي أكلها كل حين" قيل غدوة وعشيا وقيل كل شهر وقيل كل شهرين وقيل كل ستة أشهر وقيل كل سبعة أشهر وقيل كل سنة والظاهر من السياق أن المؤمن مثله كمثل شجرة لا يزال يوجد منها ثمر في كل وقت من صيف أو شتاء أو ليل أو نهار كذلك المؤمن لا يزال يرفع له عمل صالح آناء الليل وأطراف النهار في كل وقت وحين "بإذن ربها" أي كاملا كثيرا طيبا مباركا "ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم"يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار (26) من فوق الأرض ما لها من وقوله تعالى "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة" هذا مثل كفر الكافر لا أصل له ولا ثبات مشبه بشجرة الحنظل ويقال لها الشريان رواه شعبة عن معاوية بن أبي قرة عن أنس بن مالك أنها شجرة الحنظل وقال أبو بكر البزار الحافظ حدثنا يحيى بن محمد السكن حدثنا أبو زيد سعيد بن الربيع حدثنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس أحسبه رفعه قال "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة" قال هي النخلة "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة" قال هي الشريان ثم رواه عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن معاوية عن أنس موقوفا وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد هو ابن سلمة عن شعيب بن الحبحاب عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " "ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة" هي الحنظلة " فأخبرت بذلك أبا العالية فقال : هكذا كنا نسمع ورواه ابن جرير من حديث حماد بن سلمة به ورواه أبو يعلى في مسنده بأبسط من هذا فقال : حدثنا غسان عن حماد عن شعيب عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بقناع عليه بسر فقال "مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها" فقال " هي النخلة "" ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار " قال هي الحنظل "قال" شعيب فأخبرت بذلك أبا العالية فقال : كذلك كنا نسمع وقوله "اجتثت" أي استؤصلت "من فوق الأرض ما لها من قرار" أي لا أصل لها ولا ثبات كذلك الكفر لا أصل له ولا فرع ولا يصعد للكافر عمل ولا يتقبل منه شيء . يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء (27) يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء "قال البخاري حدثنا ابن الوليد حدثنا شعبة أخبرني علقمة بن مرثد قال سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال" المسلم إذا سئل في القبر شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فذلك قوله "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" ورواه مسلم أيضا وبقية الجماعة كلهم من حديث شعبة به وقال الإمام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وجلسنا حوله كأن على رءوسنا الطير وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال "استعيذوا بالله من عذاب القبر" مرتين أو ثلاثا ثم قال "إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء" بيض الوجوه كأن وجوههم الشمس معهم كفن من أكفان الجنة وحنوط من حنوط الجنة حتى يجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الطيبة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان - قال - فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وفي ذلك الحنوط ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها يعني على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الطيبة ؟ فيقولون فلان ابن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى السماء التي تليها حتى ينتهى بها إلى السماء السابعة فيقول الله اكتبوا كتاب عبدي في عليين وأعيدوه إلى الأرض فإني منها خلقتهم وفيها أعيدهم ومنها أخرجهم تارة أخرى قال فتعاد روحه في جسده فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له من ربك ؟ فيقول ربي الله فيقولان له ما دينك ؟ فيقول ديني الإسلام فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول هو رسول الله فيقولان له وما علمك ؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت فينادي مناد من السماء أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة وألبسوه من الجنة وافتحوا له بابا إلى الجنة - قال - فيأتيه من روحها وطيبها ويفسح له في قبره مد بصره ويأتيه رجل حسن الوجه حسن الثياب طيب الريح فيقول أبشر بالذي كنت يسرك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول له من أنت ؟ فوجهك الوجه الذي يأتي بالخير فيقول أنا عملك الصالح فيقول رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي - قال - وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الأخرة نزل إليه ملائكة من السماء سود الوجوه معهم المسوح فجلسوا منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت فيجلس عند رأسه فيقول أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب . ![]()
__________________
|
|
#303
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة إبراهيم من صـ 201 الى صــ 215 الحلقة (303) قال - فتفرق في جسده فينتزعها كما ينتزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يجعلوها في تلك المسوح فيخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملإ من الملائكة إلا قالوا ما هذه الروح الخبيثة ؟ فيقولون فلان ابن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا حتى ينتهى بها إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له - ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط" فيقول الله اكتبوا كتابه في سجين في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحا - ثم قرأ "ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق" فتعاد روحه في جسده ويأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له من ربك ؟ فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما دينك ؟ فيقول هاه هاه لا أدري فيقولان له ما هذا الرجل الذي بعث فيكم ؟ فيقول هاه هاه لا أدري فينادي مناد من السماء أن كذب عبدي فأفرشوه من النار وافتحوا له بابا إلى النار فيأتيه من حرها وسمومها ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه ويأتيه رجل قبيح الوجه قبيح الثياب منتن الريح فيقول أبشر بالذي يسوءك هذا يومك الذي كنت توعد فيقول ومن أنت فوجهك الوجه الذي يجيئ الشر فيقول أنا عملك الخبيث فيقول رب لا تقم الساعة "ورواه أبو داود من حديث الأعمش والنسائي وابن ماجه من حديث المنهال بن عمرو به وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن يونس بن حبيب" عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنازة فذكر نحوه وفيه "فإذا خرجت روحه صلى عليه كل ملك بين السماء والأرض وكل ملك في السماء وفتحت أبواب السماء ليس من أهل باب إلا وهم يدعون الله عز وجل أن يعرج بروحه من قبلهم" وفي آخره "ثم يقيض له أعمى أصم أبكم وفي يده مرزبة لو ضرب بها جبل لكان ترابا فيضربه ضربة فيصير ترابا ثم يعيده الله عز وجل كما كان فيضربه ضربة أخرى فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين" قال البراء ثم يفتح له باب إلى النار ويمهد له من فرش النار وقال سفيان الثوري عن أبيه عن خيثمة عن البراء في قوله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في" الحياة الدنيا وفي الآخرة "قال عذاب القبر وقال المسعودي عن عبد الله بن مخارق عن أبيه عن عبد الله قال : إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره فيقال له ما ربك ؟ ما دينك ؟ من نبيك ؟ فيثبته الله فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم وقرأ عبد الله" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة "وقال الإمام عبد بن حميد رحمه الله في مسنده حدثنا يونس بن محمد حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة حدثنا أنس بن مالك قال قال رسول الله" صلى الله عليه وسلم "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم فيأتيه ملكان فيقعدانه فيقولان له ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ قال فأما المؤمن فيقول أشهد أنه عبد الله ورسوله قال : فيقال له انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة" قال النبي صلى الله عليه وسلم "فيراهما جميعا" قال قتادة وذكر لنا أنه يفسح له في قبره سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم القيامة . رواه مسلم عن عبد بن حميد به وأخرجه النسائي من حديث يونس بن محمد المؤدب به وقال الإمام أحمد حدثنا يحيى بن سعيد عن ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سأل جابر بن عبد الله عن فتاني القبر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا أدخل المؤمن قبره وتولى عنه أصحابه جاءه ملك شديد الانتهار فيقول له ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فأما المؤمن فيقول إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبده فيقول له الملك انظر إلى مقعدك الذي كان لك في النار قد أنجاك الله منه وأبدلك بمقعدك الذي ترى من النار مقعدك الذي ترى من الجنة فيراهما كليهما فيقول المؤمن دعوني أبشر أهلي فيقال له اسكن ; وأما المنافق فيقعد إذا تولي عنه فيقال له ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول لا أدري أقول كما يقول الناس فيقال" له لا دريت هذا مقعدك الذي كان لك في الجنة أبدلت مكانه مقعدك من النار "قال جابر فسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول" يبعث كل عبد في القبر على ما مات المؤمن على إيمانه والمنافق على نفاقه "إسناده صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه ." وقال الإمام أحمد حدثنا أبو عامر حدثنا عباد بن راشد عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري قال : شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا أيها الناس إن هذه الأمة تبتلى في قبورها فإذا الإنسان دفن وتفرق عنه أصحابه جاءه ملك في يده مطراق من حديد فأقعده فقال ما تقول في هذا الرجل ؟ فإن كان مؤمنا قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقول له صدقت ثم يفتح له بابا إلى النار فيقول كان هذا منزلك لو كفرت بربك فأما إذ آمنت فهذا منزلك فيفتح له بابا إلى الجنة فيريد أن ينهض إليه فيقول له اسكن ويفسح له في قبره وإن كان كافرا أو منافقا فيقول له ما تقول في هذا الرجل ؟ فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فيقول لا دريت ولا تليت ولا اهتديت ثم يفتح له بابا إلى الجنة فيقول هذا منزلك لو آمنت بربك فأما إذ كفرت به فإن الله عز وجل أبدلك به هذا فيفتح له بابا إلى النار ثم يقمعه قمعة بالمطراق فيصيح صيحة يسمعها خلق الله عز وجل كلهم غير الثقلين فقال بعض القوم يا رسول الله ما أحد يقوم عليه" ملك في يده مطراق إلا هيل عند ذلك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت" وهذا أيضا إسناد لا بأس به فإن عباد بن راشد التميمي روى له البخاري مقرونا ولكن ضعفه بعضهم وقال الإمام أحمد حدثنا حسين بن محمد عن ابن أبي ذئب عن محمد بن عمرو بن عطاء عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إن الميت تحضره الملائكة فإذا كان الرجل الصالح قالوا اخرجي أيتها النفس الطيبة كانت في الجسد الطيب اخرجي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان قال فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا ؟ فيقال فلان فيقولون مرحبا بالروح الطيبة كانت في الجسد الطيب ادخلي حميدة وأبشري بروح وريحان ورب غير غضبان - قال - فلا يزال يقال لها حتى ينتهى بها إلى السماء التي فيها الله عز وجل وإذا كان الرجل السوء قالوا اخرجي أيتها النفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث اخرجي ذميمة وأبشري بحميم وغساق وآخر من شكله أزواج فلا يزال يقال لها ذلك حتى تخرج ثم يعرج بها إلى السماء فيستفتح لها فيقال من هذا ؟ فيقال فلان فيقال" لا مرحبا بالنفس الخبيثة كانت في الجسد الخبيث ارجعي ذميمة فإنه لا تفتح لك أبواب السماء فيرسل من السماء ثم يصير إلى القبر فيجلس الرجل الصالح فيقال له - مثل ما قيل في الحديث الأول - ويجلس الرجل السوء فيقال له - مثل ما قيل له في الحديث الأول - "ورواه النسائي وابن ماجه من طريق ابن أبي ذئب بنحوه وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : إذا خرجت روح العبد المؤمن تلقاها ملكان يصعدان بها قال حماد فذكر من طيب ريحها وذكر المسك - قال - ويقول أهل السماء روح طيبة جاءت من قبل الأرض صلى الله عليك" وعلى جسد كنت تعمرينه فينطلق به إلى ربه عز وجل فيقال انطلقوا به إلى آخر الأجل وإن الكافر إذا خرجت روحه - قال حماد - وذكر من نتنها وذكر مقتا ويقول أهل السماء روح خبيثة جاءت من قبل الأرض فيقال انطلقوا به إلى آخر الأجل - قال أبو هريرة - فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم ريطة كانت عليه على أنفه هكذا وقال ابن حبان في صحيحه حدثنا عمر بن محمد الهمداني حدثنا زيد بن أحزم حدثنا معاذ بن هشام حدثني أبي عن قتادة عن قسام بن زهير عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن المؤمن إذا قبض أتته ملائكة الرحمة بحريرة بيضاء فيقولون اخرجي إلى روح الله فتخرج كأطيب ريح مسك حتى إنه ليناوله بعضهم بعضا يشمونه حتى يأتوا به باب السماء فيقولون ما هذه الريح الطيبة التي جاءت من قبل الأرض ولا يأتون سماء إلا قالوا مثل ذلك حتى يأتوا به أرواح المؤمنين فلهم أشد فرحا به من أهل الغائب بغائبهم فيقولون ما فعل فلان فيقولون دعوه حتى يستريح فإنه كان في غم فيقول قد مات أما أتاكم فيقولون ذهب به إلى أمه الهاوية وأما الكافر فيأتيه ملائكة العذاب بمسح فيقولون اخرجي إلى غضب الله فتخرج كأنتن ريح جيفة فيذهب به إلى باب الأرض" . وقد روي أيضا من طريق همام بن يحيى عن أبي الجوزاء عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه قال "فيسأل ما فعل فلان ما فعل فلان ما فعلت فلانة قال أما الكافر فإذا قبضت نفسه وذهب بها إلى باب الأرض تقول خزنة الأرض ما وجدنا ريحا أنتن من هذه فيبلغ بها الأرض" السفلى "قال قتادة وحدثني رجل عن سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو قال : أرواح المؤمنين تجتمع بالجابيين وأرواح الكفار تجتمع ببرهوت سبخة بحضرموت ثم يضيق عليه قبره ." وقال الحافظ أبو عيسى الترمذي رحمه الله حدثنا يحيى بن خلف حدثنا بشر بن المفضل عن عبد الرحمن عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا قبر الميت أو قال أحدكم - أتاه ملكان أسودان أزرقان يقال لأحدهما منكر والآخر نكير فيقولان ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ فيقول ما كان يقول هو عبد الله ورسوله أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا في سبعين وينور له فيه ثم يقال له نم فيقول أرجع إلى أهلي فأخبرهم فيقولان : نم نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله إليه حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك وإن كان منافقا قال سمعت الناس يقولون فقلت مثلهم لا أدري فيقولان قد كنا نعلم أنك تقول هذا فيقال للأرض التئمي عليه فتلتئم عليه حتى تختلف أضلاعه فلا يزال فيها معذبا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك" ثم قال الترمذي هذا حديث حسن غريب . وقال حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة" قال "ذلك إذا قيل له في القبر من ربك وما دينك ومن نبيك ؟ فيقول ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد جاءنا بالبينات" من عند الله فآمنت به وصدقت فيقال له صدقت على هذا عشت وعليه مت وعليه تبعث "وقال ابن جرير حدثنا مجاهد بن موسى والحسن بن محمد قالا حدثنا يزيد أنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال" والذي نفسي بيده إن الميت ليسمع خفق نعالكم حين تولون عنه مدبرين فإن كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه والزكاة عن يمينه والصوم عن يساره وكان فعل الخيرات من الصدقة والصلة والمعروف والإحسان إلى الناس عند رجليه فيؤتى من قبل رأسه فتقول الصلاة ما قبلي مدخل فيؤتى عن يمينه فتقول الزكاة ما قبلي مدخل فيؤتى عن يساره فيقول الصيام ما قبلي مدخل فيؤتى عند رجليه فيقول فعل الخيرات ما قبلي مدخل فيقال اجلس فيجلس قد مثلت له الشمس قد دنت للغروب فيقال له أخبرنا عما نسألك فيقول دعني دعني حتى أصلي فيقال له إنك ستفعل فأخبرنا عما نسألك فيقول عم تسألوني ؟ فيقال أرأيت هذا الرجل الذي كان فيكم ماذا تقول فيه وماذا تشهد به عليه ؟ فيقول أمحمد ؟ فيقال له نعم فيقول أشهد أنه رسول الله وأنه جاءنا بالبينات من عند الله فصدقناه فيقال له على ذلك حييت وعلى ذلك مت وعليه تبعث إن شاء الله ثم يفسح له في قبره سبعون ذراعا وينور له فيه ويفتح له باب إلى الجنة فيقال له انظر إلى ما أعد الله لك فيها فيزداد غبطة وسرورا ثم تجعل نسمته في النسم الطيب وهي طير أخضر يعلق بشجر الجنة ويعاد الجسد إلى ما بدئ من التراب "وذلك قول الله عز وجل" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة "رواه ابن حبان من طريق المعتمر بن سليمان عن محمد بن عمر وذكر جواب الكافر وعذابه وقال البزار حدثنا سعيد بن بحر القراطيسي حدثنا الوليد بن القاسم حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة أحسبه رفعه قال" إن المؤمن ينزل به الموت ويعاين ما يعاين فيود لو خرجت يعني نفسه والله يحب لقاءه وإن المؤمن يصعد بروحه إلى السماء فتأتيه أرواح المؤمنين فتستخبره عن معارفهم من أهل الأرض فإذا قال تركت فلانا في الأرض أعجبهم ذلك وإذا قال إن فلانا قد مات قالوا ما جيء به إلينا وإن المؤمن يجلس في قبره فيسأل من ربك فيقول ربي الله ويسأل من نبيك فيقول محمد نبيي فيقال ماذا دينك ؟ قال ديني الإسلام فيفتح له باب في قبره فيقول - أو يقال - انظر إلى مجلسك ثم يرى القبر فكأنما كانت رقدة وإذا كان عدو الله نزل به الموت وعاين ما عاين فإنه لا يحب أن تخرج روحه أبدا والله يبغض لقاءه فإذا جلس في قبره أو أجلس فيقال له من ربك ؟ فيقول لا أدري فيقال لا دريت فيفتح له باب إلى جهنم ثم يضرب ضربة تسمعها كل دابة إلا الثقلين ثم يقال له نم كما ينام المنهوش "قلت لأبي هريرة ما المنهوش ؟ قال الذي تنهشه الدواب والحيات ثم ضيق عليه قبره ثم قال لا نعلم رواه إلا الوليد بن مسلم" وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا حجين بن المثنى حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر قال : كانت أسماء يعني بنت الصديق رضي الله عنها تحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قالت : قال "إذا دخل الإنسان قبره فإن كان مؤمنا أحف به عمله الصلاة والصيام قال فيأتيه الملك من نحو الصلاة فترده ومن نحو الصيام فيرده قال فيناديه اجلس فيجلس فيقول له ماذا تقول في هذا الرجل يعني النبي صلى الله عليه وسلم قال من ؟ قال محمد قال أشهد أنه رسول الله قال وما يدريك أدركته قال أشهد أنه رسول الله قال : يقول على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث وإن كان فاجرا أو كافرا جاءه الملك ليس بينه وبينه شيء يرده فأجلسه فيقول له ماذا تقول في هذا الرجل ؟ قال أي رجل ؟ قال محمد قال : يقول والله ما أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته قال له الملك على ذلك عشت وعليه مت وعليه تبعث قال ويسلط عليه دابة في قبره معها سوط ثمرته جمرة مثل عرف البعير تضربه ما شاء الله صماء لا تسمع صوته فترحمه" وقال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال : إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة فسلموا عليه وبشروه بالجنة فإن مات مشوا مع جنازته ثم صلوا عليه مع الناس فإذا دفن أجلس في قبره فيقال له من ربك ؟ فيقول ربي الله ; فيقال له من رسولك ؟ فيقول محمد صلى الله عليه وسلم فيقال له ما شهادتك ؟ فيقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فيوسع له في قبره مد بصره ; وأما الكافر فتنزل عليه الملائكة فيبسطون أيديهم والبسط هو الضرب "يضربون وجوههم وأدبارهم عند الموت فإذا أدخل قبره أقعد فقيل له من ربك ؟ فلم يرجع إليهم شيئا وأنساه الله ذكر ذلك وإذا قيل من الرسول الذي بعث إليك ؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئا" كذلك يضل الله الظالمين "وقال ابن أبي حاتم حدثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأزدي حدثنا شريح بن مسلمة حدثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد البجلي عن أبي قتادة الأنصاري في قوله تعالى" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة "الآية قال إن المؤمن إذا مات أجلس في قبره فيقال له من ربك ؟ فيقول الله ; فيقال له من نبيك ؟ فيقول محمد بن عبد الله ; فيقال له ذلك مرات ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له انظر إلى منزلك من النار لو زغت ; ثم يفتح له باب إلى الجنة فيقال له انظر إلى منزلك من الجنة إذ ثبت وإذا مات الكافر أجلس في قبره فيقال له من ربك ؟ من نبيك ؟ فيقول لا أدري كنت أسمع الناس يقولون فقال له لا دريت ثم يفتح له باب إلى الجنة فقال له انظر إلى منزلك لو ثبت ; ثم يفتح له باب إلى النار فيقال له انظر إلى منزلك إذ زغت فذلك قوله تعالى" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة "وقال عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه" يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا "قال لا إله إلا الله" وفي الآخرة "المسألة في القبر وقال قتادة أما الحياة الدنيا فيثبتهم بالخير والعمل الصالح" وفي الآخرة "في القبر وكذا روي عن غير واحد من السلف وقال أبو عبد الله الحكيم الترمذي في كتابه نوادر الأصول حدثنا أبي حدثنا عبد الله بن نافع عن ابن أبي فديك عن عبد الرحمن بن عبد الله عن سعيد بن" المسيب عن عبد الرحمن بن سمرة قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال "إني رأيت البارحة عجبا ; رأيت رجلا من أمتي جاء ملك الموت ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فرد عنه ورأيت رجلا من أمتي قد بسط عليه عذاب القبر فجاءه وضوءه فاستنقذه من ذلك ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته الشياطين فجاءه ذكر الله فخلصه من بينهم ورأيت رجلا من أمتي قد احتوشته ملائكة" العذاب فجاءته صلاته فاستنقذته من أيديهم ورأيت رجلا من أمتي يلهث عطشا كلما ورد حوضا منع منه فجاءه صيامه فسقاه وأرواه ورأيت رجلا من أمتي والنبيون قعود حلقا حلقا كلما دنا لحلقة طردوه فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده فأقعده إلى جنبي ورأيت رجلا من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة ومن فوقه ظلمة ومن تحته ظلمة وهو متحير فيها فجاءته حجته وعمرته فاستخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور ورأيت رجلا من أمتي يكلم المؤمنين فلا يكلمونه فجاءه صلة الرحم فقالت يا معشر المؤمنين كلموه فكلموه ورأيت رجلا من أمتي يتقي وهج النار وشررها بيده عن وجهه فجاءته صدقته فصارت له سترا على وجهه وظلا على رأسه ورأيت رجلا من أمتي قد أخذته الزبانية من كل مكان فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فاستنقذاه من أيديهم وأدخلاه مع ملائكة الرحمة ورأيت رجلا من أمتي جاثيا على ركبتيه بينه وبين الله حجاب فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده فأدخله على الله عز وجل ورأيت رجلا من أمتي قد هوت صحيفته من قبل شماله فجاءه خوفه من الله فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه ورأيت رجلا من أمتي قد خف ميزانه فجاءته أفراطه فثقلوا ميزانه ورأيت رجلا من أمتي قائما على شفير جهنم فجاءه وجله من الله فاستنقذه من ذلك ومضى ورأيت رجلا من أمتي هوى في النار فجاءته دموعه التي بكى من خشية الله في الدنيا فاستخرجته من النار ورأيت رجلا من أمتي قائما على الصراط يرعد كما ترعد السعفة فجاء حسن ظنه بالله فسكن رعدته ومضى ورأيت رجلا من أمتي على الصراط يزحف أحيانا ويحبو أحيانا فجاءته صلاته علي فأخذت بيده فأقامته ومضى على الصراط ورأيت رجلا من أمتي انتهى إلى باب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءته شهادة أن لا إله إلا الله ففتحت له الأبواب وأدخلته الجنة "." قال القرطبي بعد إيراده هذا الحديث من هذا الوجه هذا حديث عظيم ذكر فيه أعمالا خاصة تنجي من أهوال خاصة أورده هكذا في كتابه التذكرة وقد روى الحافظ أبو يعلى الموصلي في هذا حديثا غريبا مطولا فقال : حدثنا أبو عبد الرحمن أحمد بن إبراهيم البكري حدثنا محمد بن بكر البرساني أبو عثمان حدثنا أبو عاصم الحبطي وكان من أخيار أهل البصرة وكان من أصحاب حذم وسلام بن أبي مطيع حدثنا بكر بن حبيش عن ضرار بن عمرو عن يزيد الرقاشي عن أنس بن مالك عن تميم الدارمي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "يقول الله عز وجل لملك الموت انطلق - إلى وليي فأتني به فإني قد ضربته بالسراء والضراء فوجدته حيث أحب ائتني به فلأريحنه فينطلق إليه ملك الموت ومعه خمسمائة من الملائكة معهم أكفان وحنوط من الجنة ومعهم ضبائر الريحان أصل الريحانة واحد وفي رأسها عشرون لونا لكل لون منها ريح سوى ريح صاحبه ومعهم الحرير الأبيض فيه المسك الأذفر فيجلس ملك الموت عند رأسه وتحف به الملائكة ويضع كل ملك منهم يده على عضو من أعضائه ويبسط ذلك الحرير الأبيض والمسك الأذفر تحت ذقنه ويفتح له باب إلى الجنة فإن نفسه لتعلل عند ذلك بطرف الجنة تارة بأزواجها وتارة" بكسوتها ومرة بثمارها كما يعلل الصبي أهله إذا بكى قال وإن أزواجه ليبتهشن عند ذلك ابتهاشا قال وتبرز الروح - قال البرساني يريد أن تخرج من العجل إلى ما تحب - قال : ويقول ملك الموت اخرجي يا أيتها الروح الطيبة إلى سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب قال ولملك الموت أشد به لطفا من الوالدة بولدها يعرف أن ذلك الروح حبيب لربه فهو يلتمس بلطفه تحببا لديه رضاء للرب عنه فتسل روحه كما تسل الشعرة من العجين ; قال : وقال الله عز وجل "الذين تتوفاهم الملائكة طيبين" وقال "فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم" قال روح من جهة الموت وريحان يتلقى به وجنة نعيم تقابله قال فإذا قبض ملك الموت روحه قالت الروح للجسد جزاك الله عني خيرا فقد كنت سريعا بي إلى طاعة الله بطيئا بي عن معصية الله فقد نجيت وأنجيت قال : ويقول الجسد للروح مثل ذلك قال وتبكي عليه بقاع الأرض التي كان يطيع الله فيها وكل باب من السماء يصعد منه عمله وينزل منه رزقه أربعين ليلة قال فإذا قبض ملك الموت روحه أقامت الخمسمائة من الملائكة عند جسده فلا يقلبه بنو آدم لشق إلا قلبته الملائكة قبلهم وغسلته وكفنته بأكفان قبل أكفان بني آدم وحنوط قبل حنوط بني آدم ويقوم من باب بيته إلى قبره صفان من الملائكة يستقبلونه بالاستغفار فيصيح عند ذلك إبليس صيحة تتصدع منها عظام جسده قال ويقول لجنوده الويل لكم كيف خلص هذا العبد منكم ؟ فيقولون إن هذا كان عبدا معصوما ; قال فإذا صعد ملك الموت بروحه يستقبله جبريل في سبعين ألفا من الملائكة كل يأتيه ببشارة من ربه . سوى بشارة صاحبه قال فإذا انتهى ملك الموت بروحه إلى العرش خر الروح ساجدا قال : يقول الله عز وجل لملك الموت : انطلق بروح عبدي فضعه في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب قال فإذا وضع في قبره جاءته الصلاة فكانت عن يمينه وجاءه الصيام فكان عن يساره وجاءه القرآن فكان عند رأسه وجاءه مشيه إلى الصلاة فكان عند رجليه وجاءه الصبر فكان ناحية القبر قال فيبعث الله عز وجل عنقا من العذاب قال فيأتيه عن يمينه قال : فتقول الصلاة وراءك والله ما زال دائبا عمره كله وإنما استراح الآن حين وضع في قبره قال فيأتيه عن يساره فيقول الصيام مثل ذلك قال ثم يأتيه من عند رأسه فيقول القرآن والذكر مثل ذلك قال ثم يأتيه من عند رجليه فيقول مشيه إلى الصلاة مثل ذلك فلا يأتيه العذاب من ناحية يلتمس هل يجد إليه مساغا إلا وجد ولي الله قد أخذ جنته قال فينقمع العذاب عند ذلك فيخرج قال : ويقول الصبر لسائر الأعمال أما إنه لم يمنعني أن أباشر أنا بنفسي إلا أني نظرت ما عندكم فإن عجزتم كنت أنا صاحبه فأما إذا أجزتم عنه فأنا له ذخر عند الصراط والميزان قال ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكب كل واحد مسيرة كذا وكذا وقد نزعت منهما الرأفة والرحمة يقال لهما منكر ونكير في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها قال فيقولان له اجلس قال فجلس فيستوي جالسا قال وتقع أكفانه في حقويه قال : فيقولان له من ربك وما دينك ومن نبيك ؟ قال : قالوا يا رسول الله ومن يطيق الكلام عند ذلك وأنت تصف من الملكين ما تصف ؟ قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" قال : فيقول ربي الله وحده لا شريك له وديني الإسلام الذي دانت به الملائكة ![]()
__________________
|
|
#304
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة إبراهيم من صـ 216 الى صــ 230 الحلقة (304) ونبيي محمد خاتم النبيين قال : فيقولان له صدقت قال فيدفعان القبر فيوسعان من بين يديه أربعين ذراعا وعن يمينه أربعين ذراعا وعن شماله أربعين ذراعا ومن خلفه أربعين ذراعا ومن عند رأسه أربعين ذراعا ومن عند رجليه أربعين ذراعا قال فيوسعان له مائتي ذراع قال البرساني فأحسبه وأربعين ذراعا تحاط به - قال ثم يقولان له انظر فوقك فإذا باب مفتوح إلى الجنة قال فيقولان له : ولي الله هذا منزلك إذ أطعت الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفس محمد بيده إنه يصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا ثم يقال له انظر تحتك قال فينظر تحته فإذا باب مفتوح إلى النار قال فيقولان : ولي الله نجوت آخر ما عليك قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك فرحة لا ترتد أبدا "قال فقالت عائشة يفتح له سبعة وسبعون بابا إلى الجنة يأتيه ريحها وبردها حتى يبعثه الله عز وجل وبالإسناد المتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال" ويقول الله تعالى لملك الموت انطلق إلى عدوي فائتني به فإني قد بسطت له رزقي ويسرت له نعمتي فأبى إلا معصيتي فائتني به لأنتقم منه قال فينطلق إليه ملك الموت في أكره صورة رآها أحد من الناس قط له اثنتا عشرة عينا ومعه سفود من النار كثير الشوك ومعه خمسمائة من الملائكة معهم نحاس وجمر من جمر جهنم ومعهم سياط من نار لينها لين السياط وهي نار تأجج قال فيضربه ملك الموت بذلك السفود ضربة يغيب كل أصل شوكة من ذلك السفود في أصل كل شعرة وعرق وظفر قال ثم يلويه ليا شديدا قال فينزع روحه من أظفار قدميه قال فيلقيها في عقبيه . قال فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه قال وتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط قال فيشده ملك الموت شدة فينزع روحه من عقبيه فيلقيها في ركبتيه ثم يسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه قال فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط قال فينتره ملك الموت نترة فينزع روحه من ركبتيه فيلقيها في حقويه فيسكر عدو الله عند ذلك سكرة فيرفه ملك الموت عنه قال فتضرب الملائكة وجهه ودبره بتلك السياط قال كذلك إلى صدره ثم كذلك إلى حلقه قال ثم تبسط الملائكة ذلك النحاس وجمر جهنم تحت ذقنه قال : ويقول ملك الموت اخرجي أيتها الروح اللعينة إلى سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم - قال - فإذا قبض ملك الموت روحه قال الروح للجسد : جزاك الله عني شرا فقد كنت سريعا بي إلى معصية الله بطيئا بي عن طاعة الله فقد هلكت وأهلكت - قال - ويقول الجسد للروح مثل ذلك وتلعنه بقاع الأرض التي كان يعصي الله عليها وتنطلق جنود إبليس إليه فيبشرونه بأنهم قد أوردوا عبدا من ولد آدم النار قال فإذا وضع في قبره ضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه حتى تدخل اليمنى في اليسرى واليسرى في اليمنى قال ويبعث الله إليه أفاعي دهما كأعناق الإبل يأخذن بأذنيه وإبهامي قدميه فيقرضنه حتى يلتقين في وسطه قال ويبعث الله ملكين أبصارهما كالبرق الخاطف وأصواتهما كالرعد القاصف وأنيابهما كالصياصي وأنفاسهما كاللهب يطآن في أشعارهما بين منكبي كل واحد منهما مسيرة كذا وكذا قد نزعت منهما الرأفة والرحمة يقال لهما منكر ونكير في يد كل واحد منهما مطرقة لو اجتمع عليها ربيعة ومضر لم يقلوها ; قال فيقولان له اجلس فيستوي جالسا وتقع أكفانه في حقويه قال فيقولان له من ربك وما دينك . ومن نبيك ؟ فيقول لا أدري فيقولان له لا دريت ولا تليت فيضربانه ضربة يتطاير شررها في قبره ثم يعودان قال : فيقولان انظر فوقك فينظر فإذا باب مفتوح من الجنة فيقولان : عدو الله هذا منزلك لو أطعت الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدا قال ويقولان له : انظر تحتك فينظر تحت فإذا باب مفتوح إلى النار فيقولان عدو الله هذا منزلك إذ عصيت الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : والذي نفسي بيده إنه ليصل إلى قلبه عند ذلك حسرة لا ترتد أبدا "قال : وقالت عائشة ويفتح له سبعة وسبعون بابا إلى النار يأتيه حرها وسمومها حتى يبعثه الله إليها ." هذا حديث غريب جدا وسياق عجيب ويزيد الرقاشي راويه عن أنس له غرائب ومنكرات وهو ضعيف الرواية عند الأئمة والله أعلم ; ولهذا قال أبو داود يحدثنا إبراهيم بن موسى الرازي حدثنا هشام هو ابن يوسف عن عبد الله بن بجير عن هانئ مولى عثمان عن عثمان رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الرجل وقف عليه وقال "استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبت فإنه الآن يسأل" تفرد به أبو داود وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مردويه عند قوله تعالى "ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم" الآية حديثا مطولا جدا من طرق غريبة عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا وفيه غرائب أيضا . ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار (28) ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار قال البخاري قوله "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" ألم تعلم كقوله "ألم تر كيف" "ألم تر إلى الذين خرجوا" البوار الهلاك بار يبور بورا "وقوما بورا" هالكين حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عطاء سمع ابن عباس "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" قال هم كفار أهل مكة وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية هو جبلة بن الأبهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول وإن كان المعنى يعم جميع الكفار فإن الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ونعمة للناس فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة ومن ردها وكفرها دخل النار وقد روي عن علي نحو قول ابن عباس الأول وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن القاسم بن أبي بزة عن أبي الطفيل أن ابن الكواء سأل عليا عن "الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار" قال هم كفار قريش يوم بدر حدثنا المنذر بن شاذان حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا بسام هو الصيرفي عن أبي الطفيل قال : جاء رجل إلى علي فقال يا أمير المؤمنين من الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ؟ قال منافقو قريش وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا ابن نفيل قال قرأت على معقل عن ابن أبي حسين قال قام علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال : ألا أحد يسألني عن القرآن فوالله لو أعلم اليوم أحدا أعلم به مني وإن كان من وراء البحار لأتيته ; فقام عبد الله بن الكواء فقال من الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار ؟ قال مشركو قريش أتتهم نعمة الله الإيمان فبدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار وقال السدي في قوله "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" الآية ذكر مسلم المستوفي عن علي أنه قال هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة فأما بنو المغيرة فأحلوا قومهم دار البوار يوم بدر وأما بنو أمية فأحلوا قومهم دار البوار يوم أحد وكان أبو جهل يوم بدر وأبو سفيان يوم أحد وأما دار البوار فهي جهنم وقال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا محمد بن يحيى حدثنا الحارث أبو منصور عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن مرة قال سمعت عليا قرأ هذه الآية "وأحلوا قومهم دار البوار" قال هم الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة ; فأما بنو المغيرة فأهلكوا يوم بدر وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين ورواه أبو إسحاق عن عمرو بن مرة عن علي نحوه وروي من غير وجه عنه وقال سفيان الثوري عن علي بن زيد عن يوسف بن سعد عن عمر بن الخطاب في قوله "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا" قال هم الأفجران من قريش بنو المغيرة وبنو أمية ; فأما بنو المغيرة فكفيتموهم يوم بدر ; وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين وكذا رواه حمزة الزيات عن عمرو بن مرة قال : قال ابن عباس لعمر بن الخطاب يا أمير المؤمنين هذه الآية "ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار" قال هم الأفجران من قريش أخوالي وأعمامك فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى حين وقال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وقتادة وابن زيد هم كفار قريش الذين قتلوا يوم بدر وكذا رواه مالك في تفسيره عن نافع عن ابن عمر . جهنم يصلونها وبئس القرار (29) لا يوجد تفسير لهذه الأية وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (30) وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار وقوله "وجعلوا لله أندادا ليضلوا عن سبيله" أي جعلوا له شركاء عبدوهم معه ودعوا الناس إلى ذلك ثم قال تعالى مهددا لهم ومتوعدا لهم على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم "قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار" أي مهما قدرتم عليه في الدنيا فافعلوا فمهما يكن من شيء "فإن مصيركم إلى النار" أي مرجعكم وموئلكم إليها كما قال تعالى : "نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ" وقال تعالى "متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون" . قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (31) قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال يقول تعالى آمرا عباده بطاعته والقيام بحقه والإحسان إلى خلقه بأن يقيموا الصلاة وهي عبادة الله وحده لا شريك له وأن ينفقوا مما رزقهم الله بأداء الزكوات والنفقة على القرابات والإحسان إلى الأجانب والمراد بإقامتها هو المحافظة على وقتها وحدودها وركوعها وخشوعها وسجودها وأمر تعالى بالإنفاق مما رزق في السر أي في الخفية والعلانية وهي الجهر وليبادروا إلى ذلك لخلاص أنفسهم "من قبل أن يأتي يوم" وهو يوم القيامة "لا بيع فيه ولا خلال" أي ولا يقبل من أحد فدية أن تباع نفسه كما قال تعالى "فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا" وقوله "ولا خلال" قال ابن جرير يقول ليس هناك مخالة خليل فيصفح عمن استوجب العقوبة عن العقاب لمخالفته بل هناك العدل والقسط والخلال مصدر من قول القائل خاللت فلانا فأنا أخاله مخالة وخلالا ومنه قول امرئ القيس : صرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقل للخلال ولا قالي وقال قتادة إن الله قد علم أن في الدنيا بيوعا وخلالا يتخالون بها في الدنيا فينظر الرجل من يخالل وعلى من يصاحب فإن كان لله فليداوم وإن كان لغير الله فلينقطع عنه قلت والمراد من هذا أنه يخبر تعالى أنه لا ينفع أحدا بيع ولا فدية ; ولو افتدى بماء الأرض ذهبا لو وجده ولا تنفعه صداقة أحد ولا شفاعة أحد إذا لقي الله كافرا قال الله تعالى "واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون" وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون" . الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار (32) الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار يعدد تعالى نعمه على خلقه بأن خلق لهم السماوات سقفا محفوظا والأرض فراشا "وأنزل من السماء ماء فأخرج به أزواجا من نبات شتى" ما بين ثمار وزروع مختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح والمنافع وسخر الفلك بأن جعلها طافية على تيار ماء البحر تجري عليه بأمر الله تعالى وسخر البحر لحملها ليقطع المسافرون بها من إقليم إلى إقليم آخر لجلب ما هنا إلى هناك وما هناك إلى هنا وسخر الأنهار تشق الأرض من قطر إلى قطر رزقا للعباد من شرب وسقي وغير ذلك من أنواع المنافع . وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار (33) وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار "وسخر لكم الشمس والقمر دائبين" أي يسيران لا يفتران ليلا ولا نهارا "لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون" "يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" فالشمس والقمر يتعاقبان والليل والنهار يتعارضان فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول ثم يأخذ الآخر من هذا فيقصر "يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى ألا هو العزيز الغفار" . وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار (34) وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار وقوله "وآتاكم من كل ما سألتموه" يقول هيأ لكم كل ما تحتاجون إليه في جميع أحوالكم مما تسألونه بحالكم وقال بعض السلف من كل ما سألتموه وما لم تسألوه وقرأ بعضهم "وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه" وقوله "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" يخبر تعالى عن عجز العباد عن تعداد النعم فضلا عن القيام بشكرها كما قال طلق بن حبيب رحمه الله : إن حق الله أثقل من أن يقوم به العباد وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا تائبين وأمسوا تائبين وفي صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول "اللهم لك الحمد غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا" وقال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده حدثنا إسماعيل بن أبي الحارث حدثنا داود بن المحبر حدثنا صالح المزي عن جعفر بن زيد العبدي عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال "يخرج لابن آدم يوم القيامة ثلاثة دواوين : ديوان فيه العمل الصالح وديوان فيه ذنوبه وديوان فيه النعم من الله تعالى عليه فيقول الله تعالى لأصغر نعمه - أحسبه قال - في ديوان النعم خذي ثمنك من عمله الصالح فتستوعب عمله الصالح كله ثم تنحى وتقول : وعزتك ما استوفيت وتبقى الذنوب" والنعم فإذا أراد الله أن يرحمه قال يا عبدي قد ضاعفت لك حسناتك وتجاوزت لك عن سيئاتك - أحسبه قال - ووهبت لك نعمي "غريب وسنده ضعيف وقد روي في الأثر أن داود عليه السلام قال يا رب كيف أشكرك وشكري لك نعمة منك علي ؟ فقال الله تعالى الآن شكرتني يا داود أي حين اعترفت بالتقصير عن أداء شكر المنعم ; وقال الإمام الشافعي رحمه الله : الحمد لله الذي لا تؤدى شكر نعمة من نعمه إلا بنعمة حادثة توجب على مؤديها شكره بها وقال القائل في ذلك :" لو كل جارحة مني لها لغة ... تثني عليك بما أوليت من حسن لكان ما زاد شكري إذ شكرت به ... إليك أبلغ في الإحسان والمنن وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (35) وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا البلد آمنا واجنبني وبني أن نعبد الأصنام يذكر تعالى في هذا المقام محتجا على مشركي العرب بأن البلد الحرام مكة إنما وضعت أول ما وضعت على عبادة الله وحده لا شريك له وأن إبراهيم الذي كانت عامرة بسببه آهلة تبرأ ممن عبد غير الله وأنه دعا لمكة بالأمن فقال "رب اجعل هذا البلد آمنا" وقد استجاب الله له فقال تعالى "أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا" الآية وقال تعالى "إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا" وهدى للعالمين فيه آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان آمنا "وقال في هذه القصة" رب اجعل هذا البلد آمنا "فعرفه لأنه دعا به بعد بنائها ولهذا قال" الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق "ومعلوم أن إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاث عشرة سنة فأما حين ذهب بإسماعيل وأمه وهو رضيع إلى مكان مكة فإنه دعا أيضا فقال" رب اجعل هذا بلدا آمنا "كما ذكرناه هنالك في سورة البقرة مستقصى مطولا ." وقوله "واجنبني وبني أن نعبد الأصنام" ينبغي لكل داع أن يدعو لنفسه ولوالديه ولذريته ; ثم ذكر أنه افتتن بالأصنام خلائق من الناس وأنه تبرأ ممن عبدها ورد أمرهم إلى الله إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم كقول عيسى عليه السلام "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم" وليس فيه أكثر من الرد إلى مشيئة الله تعالى لا تجويز وقوع ذلك . رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (36) رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم قال عبد الله بن وهب حدثنا عمرو بن الحارث أن بكر بن سوادة حدثه عن عبد الرحمن بن جرير عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا قول إبراهيم عليه السلام "رب إنهن أضللن كثيرا من الناس" الآية وقول عيسى عليه السلام "إن تعذبهم فإنهم عبادك" الآية ثم رفع يديه ثم قال "اللهم أمتي اللهم أمتي اللهم أمتي" وبكى فقال الله اذهب يا جبريل إلى محمد وربك أعلم وسله ما يبكيك ؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال : فقال الله اذهب إلى محمد فقل له إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك . ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون (37) ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون وهذا يدل على أن هذا دعاء ثان بعد الدعاء الأول الذي دعا به عندما ولى عن هاجر وولدها وذلك قبل بناء البيت وهذا كان بعد بنائه تأكيدا ورغبة إلى الله عز وجل ولهذا قال "عند بيتك المحرم" وقوله "ربنا ليقيموا الصلاة" قال ابن جرير هو متعلق بقوله "المحرم" أي إنما جعلته محرما ليتمكن أهله من إقامة الصلاة عنده "فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم" قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وغيره لو قال أفئدة الناس لازدحم عليه فارس والروم واليهود والنصارى والناس كلهم ولكن قال "من الناس" فاختص به المسلمون وقوله "وارزقهم من الثمرات" أي ليكون ذلك عونا لهم على طاعتك وكما أنه واد غير ذي زرع فاجعل لهم ثمارا يأكلونها وقد استجاب الله ذلك كما قال "أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا" وهذا من لطفه تعالى وكرمه ورحمته وبركته أنه ليس في البلد الحرام مكة شجرة مثمرة وهي تجبى إليها ثمرات ما حولها استجابة لدعاء الخليل عليه السلام . ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء (38) ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في السماء قال ابن جرير : يقول تعالى مخبرا عن إبراهيم خليله أنه قال "ربنا إنك تعلم ما نخفي وما نعلن" أي أنت تعلم قصدي في دعائي وما أردت بدعائي لأهل هذا البلد وإنما هو القصد إلى رضاك والإخلاص لك فإنك تعلم الأشياء كلها ظاهرها وباطنها لا يخفى عليك منها شيء في الأرض ولا في السماء . الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء (39) الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ثم حمد ربه عز وجل على ما رزقه من الولد بعد الكبر فقال "الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء" أي أنه يستجيب لمن دعاه وقد استجاب لي فيما سألته من الولد . رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء (40) رب اجعلني مقيم الصلاة ومن ذريتي ربنا وتقبل دعاء ثم قال "رب اجعلني مقيم الصلاة" أي محافظا عليها مقيما لحدودها "ومن ذريتي" أي واجعلهم كذلك مقيمين لها "ربنا وتقبل دعاء" أي فيما سألتك فيه كله . ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب (41) ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب "ربنا اغفر لي ولوالدي" قرأ بعضهم ولوالدي بالإفراد وكان هذا قبل أن يتبرأ من أبيه لما تبين له عداوته لله عز وجل "وللمؤمنين" أي كلهم "يوم يقوم الحساب" أي يوم تحاسب عبادك فتجازيهم بأعمالهم إن خيرا فخير وإن شرا فشر . ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (42) ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار يقول تعالى ولا تحسبن الله يا محمد غافلا عما يعمل الظالمون أي لا تحسبنه إذا أنظرهم وأجلهم أنه غافل عنهم مهمل لهم لا يعاقبهم على صنعهم بل هو يحصي ذلك عليهم ويعده عليهم عدا "إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار" أي من شدة الأهوال يوم القيامة . مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء (43) مهطعين مقنعي رءوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء ثم ذكر تعالى كيفية قيامهم من قبورهم وعجلتهم إلى قيام المحشر فقال "مهطعين" أي مسرعين كما قال تعالى "مهطعين إلى الداع" الآية وقال تعالى "" يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له "- إلى قوله -" وعنت الوجوه للحي القيوم "وقال تعالى" يوم يخرجون من الأجداث سراعا "الآية وقوله" مقنعي رءوسهم "قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد رافعي رءوسهم" لا يرتد إليهم طرفهم "أي أبصارهم ظاهرة شاخصة مديمون النظر لا يطرفون لحظة لكثرة ما هم فيه من الهول والفكرة المخافة لما يحل بهم عياذا بالله العظيم من ذلك ولهذا قال" وأفئدتهم هواء "أي وقلوبهم خاوية خالية ليس فيها شيء لكثرة الوجل والخوف ولهذا قال قتادة وجماعة إن أمكنة أفئدتهم خالية لأن القلوب لدى الحناجر قد خرجت من أماكنها من شدة الخوف وقال بعضهم هي خراب لا تعي شيئا لشدة ما أخبر به تعالى عنهم ثم قال تعالى لرسوله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم ." وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال (44) وأنذر الناس يوم يأتيهم العذاب فيقول الذين ظلموا ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال ![]()
__________________
|
|
#305
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة الحجر من صـ 231 الى صــ 241 الحلقة (305) يقول تعالى مخبرا عن قيل الذين ظلموا أنفسهم عند معاينة العذاب "ربنا أخرنا إلى أجل قريب نجب دعوتك ونتبع الرسل" كقوله "حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون" الآية وقال تعالى "يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم" الآيتين وقال تعالى مخبرا عنهم في حال محشرهم "ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم" الآية . وقال "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا" الآية وقال تعالى "وهم يصطرخون فيها" الآية قال تعالى ردا عليهم في قولهم هذا "أولم تكونوا أقسمتم من قبل ما لكم من زوال" أي أولم تكونوا تحلفون من قبل هذه الحالة أنه لا زوال لكم عما أنتم فيه وأنه لا معاد ولا جزاء فذوقوا هذا بذلك قال مجاهد وغيره "ما لكم من زوال" أي ما لكم من انتقال من الدنيا إلى الآخرة كقوله "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت" الآية . وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال (45) وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال "أي قد رأيتم وبلغكم ما أحللنا بالأمم المكذبة قبلكم ومع هذا لم يكن لكم فيهم معتبر ولم يكن فيما أوقعنا بهم لكم مزدجر" حكمة بالغة فما تغني النذر "." وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال (46) وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال وقد روى شعبة عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن رباب أن عليا رضي الله عنه قال في هذه الآية "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" قال أخذ ذاك الذي حاج إبراهيم في ربه نسرين صغيرين فرباهما حتى استغلظا واستفحلا وشبا قال فأوثق رجل كل واحد منهما بوتد إلى تابوت وجوعهما وقعد هو ورجل آخر في التابوت قال ورفع في التابوت عصا على رأسه اللحم فطارا وجعل يقول لصاحبه انظر ما ترى قال أرى كذا وكذا حتى قال أرى الدنيا كلها كأنها ذباب . قال فصوب العصا فصوبها فهبطا جميعا قال فهو قوله عز وجل "وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال" قال أبو إسحاق وكذلك هي في قراءة عبد الله "وإن كاد مكرهم" قلت وكذا روي عن أبي بن كعب وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما أنهما قرآ "وإن كاد" كما قرأ علي وكذا رواه سفيان الثوري لإسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن رباب عن علي فذكر نحوه وكذا روي عن عكرمة أن سياق هذه القصة لنمروذ ملك كنعان أنه رام أسباب السماء بهذه الحيلة والمكر كما رام ذلك بعده فرعون ملك القبط في بناء الصرح فعجزا وضعفا وهما أقل وأحقر وأصغر وأدحر ; وذكر مجاهد هذه القصة عن بختنصر وأنه لما انقطع بصره عن الأرض وأهلها نودي أيها الطاغية أين تريد ؟ ففرق ثم سمع الصوت فوقه فصوب الرماح فصوبت النسور ففزعت الجبال من هدتها وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك فذلك قوله "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" ونقل ابن جريج عن مجاهد أنه قرأها "لتزول منه الجبال" بفتح اللام الأولى وضم الثانية وروى العوفي عن ابن عباس في قوله "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" يقول ما كان مكرهم لتزول منه الجبال وكذا قال الحسن البصري ووجهه ابن جرير بأن هذا الذي فعلوه بأنفسهم من شركهم بالله وكفرهم به ما ضر ذلك شيئا من الجبال ولا غيرها وإنما عاد وبال ذلك عليهم قلت ويشبه هذا قول الله تعالى "ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا" والقول الثاني في تفسيرها ما رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" يقول شركهم كقوله "تكاد السماوات يتقطرن منه" الآية . وهكذا قال الضحاك وقتادة . فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام (47) فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام يقول تعالى مقررا لوعده ومؤكدا "فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله" أي من نصرتهم في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ثم أخبر تعالى أنه ذو عزة لا يمتنع عليه شيء أراده ولا يغالب وذو انتقام ممن كفر به وجحده "فويل يومئذ للمكذبين" . يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار (48) يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ولهذا قال "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" أي وعده هذا حاصل يوم تبدل الأرض وهي هذه على غير الصفة المألوفة المعروفة كما جاء في الصحيحين من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد" وقال الإمام أحمد حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن الشعبي عن مسروق عن عائشة أنها قالت أنا أول الناس سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" قالت : قلت أين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال "على الصراط" . رواه مسلم منفردا به دون البخاري , والترمذي وابن ماجه من حديث داود بن أبي هند به وقال الترمذي حسن صحيح ورواه أحمد أيضا عن عفان عن وهيب عن داود عن الشعبي عنها ولم يذكر مسروقا وقال قتادة عن حسان بن بلال المزني عن عائشة رضي الله عنها أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" قال : قالت يا رسول الله فأين الناس يومئذ ؟ قال "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أمتي ذاك أن الناس على جسرهم" . وروى الإمام أحمد من حديث حبيب بن أبي عمرة عن مجاهد عن ابن عباس حدثتني عائشة أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى "والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه" فأين الناس يومئذ يا رسول الله ؟ قال "هم على متن جهنم" وقال ابن جرير حدثنا الحسن حدثنا علي بن الجعد أخبرنا القاسم سمعت الحسن قال : قالت عائشة يا رسول الله "يوم تبدل الأرض غير الأرض" فأين الناس يومئذ ؟ قال "إن هذا شيء ما سألني عنه أحد" قال "على الصراط يا عائشة" ورواه أحمد عن عفان عن القاسم بن الفضل عن الحسن به وقال الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه حدثني الحسن بن علي الحلواني حدثني أبو توبة الربيع بن نافع حدثنا معاوية بن سلام عن زيد يعني أخاه أنه سمع أبا سلام حدثني أبو أسماء الرحبي أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثه قال : كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال السلام عليك يا محمد فدفعته دفعة كاد يصرع منها فقال لم تدفعني ؟ فقلت ألا تقول يا رسول الله فقال اليهودي إنما ندعوه باسمه الذي سماه به أهله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن اسمي محمد الذي سماني به أهلي" فقال اليهودي جئت أسألك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أينفعك شيئا إن حدثتك" قال أسمع بأذني فنكت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعود معه فقال "سل" فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "هم في الظلمة دون الجسر" قال فمن أول الناس إجازة ؟ فقال "فقراء المهاجرين" فقال اليهودي فما تحفتهم حين يدخلون الجنة ؟ قال : "زيادة كبد النون" قال فما غذاؤهم في أثرها ؟ قال "ينحر لهم ثور الجنة الذي كان يأكل من أطرافها" قال فما شرابهم عليه ؟ قال : من عين فيها تسمى سلسبيلا "قال صدقت" قال وجئت أسألك عن شيء لا يعلمه أحد من أهل الأرض إلا نبي أو رجل أو رجلان قال أينفعك إن حدثتك ؟ قال "أسمع بأذني" قال جئت أسألك عن الولد قال "ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر فإذا اجتمعا فعلا مني الرجل مني المرأة أذكرا بإذن الله تعالى وإذا علا مني المرأة مني الرجل آنثا بإذن الله" قال اليهودي لقد صدقت وإنك لنبي ثم انصرف فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "" لقد سألني هذا عن الذي سألني عنه وما لي علم بشيء منه حتى أتاني الله به "قال أبو جعفر بن جرير الطبري حدثنا ابن عوف حدثنا أبو المغيرة حدثنا ابن أبي مريم حدثنا سعيد بن ثوبان الكلاعي عن أبي أيوب الأنصاري أن حبرا من اليهود سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت إذ يقول الله تعالى في كتابه" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات "فأين الخلق عند ذلك ؟ فقال" أضياف الله فلن يعجزهم ما لديه "ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم به وقال جعبة أخبرنا أبو إسحاق سمعت عمرو بن ميمون وربما قال : قال عبد الله وربما لم يقل فقلت له عن عبد الله فقال سمعت عمرو بن ميمون يقول" يوم تبدل الأرض غير الأرض "قال أرض كالفضة البيضاء نقية لم يسفك فيها دم ولم يعمل عليها خطيئة ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي حفاة عراة كما خلقوا قال أراه قال قياما حتى يلجمهم العرق وروي من وجه آخر عن شعبة عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن عمرو بن" ميمون عن ابن مسعود بنحوه وكذا رواه عاصم عن زر عن ابن مسعود به وقال سفيان عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون لم يخبر به أورد ذلك كله ابن جرير وقد قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبد الله بن عبيد بن عقيل حدثنا سهل بن حماد أبو غياث حدثنا جرير بن أيوب عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل "يوم تبدل الأرض غير الأرض" قال "أرض بيضاء لم يسفك عليها دم ولم يعمل عليها خطيئة" . ثم قال لا نعلم رفعه إلا جرير بن أيوب ليس بالقوي ثم قال ابن جرير حدثنا أبو كريب ثنا معاوية بن هشام عن سنان عن جابر الجعفي عن أبي جبيرة عن زيد قال أرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليهود فقال "هل تدرون لم أرسلت إليهم ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال "فإني أرسلت إليهم أسألهم عن قول الله" يوم تبدل الأرض غير الأرض "إنها تكون يومئذ بيضاء مثل الفضة" فلما جاءوا سألهم فقالوا تكون بيضاء مثل النقي وهكذا روي عن علي وابن عباس وأنس بن مالك ومجاهد بن جبر أنها تبدل يوم القيامة بأرض من فضة وعن علي رضي الله عنه أنه قال تصير الأرض فضة والسماوات ذهبا وقال الربيع عن أبي العالية عن أبي بن كعب قال : تصير السماوات جنانا وقال أبو معشر عن محمد بن كعب القرظي عن محمد بن قيس في قوله "يوم تبدل الأرض غير الأرض" قال خبزة يأكل منها المؤمنون من تحت أقدامهم وكذا روى وكيع عن عمر بن بشر الهمداني عن سعيد بن جبير في قوله "يوم تبدل الأرض غير الأرض" قال تبدل الأرض خبزة بيضاء يأكل المؤمن من تحت قدميه وقال الأعمش عن خثيم قال : قال عبد الله بن مسعود : الأرض يوم القيامة كلها نار والجنة من ورائها ترى كواعبها وأكوابها ويلجم الناس العرق ويبلغ منهم العرق ولم يبلغوا الحساب وقال الأعمش أيضا عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن قال : قال عبد الله الأرض كلها نار يوم القيامة والجنة من ورائها نرى أكوابها وكواعبها والذي نفس عبد الله بيده إن الرجل ليفيض عرقا حتى ترشح في الأرض قدمه ثم يرتفع حتى يبلغ أنفه وما مسه الحساب قالوا مم ذلك يا أبا عبد الرحمن ؟ قال مما يرى الناس ويلقون وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن كعب في قوله "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" قال تصير السماوات جنانا فيصير مكان البحر نارا وتبدل الأرض غيرها وفي الحديث الذي رواه أبو داود "لا يركب البحر إلا غاز أو حاج أو معتمر فإن تحت البحر نارا - أو - تحت النار بحرا" "وفي حديث الصور المشهور المروي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال" يبدل الله الأرض غير الأرض والسماوات فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في هذه المبدلة "وقوله" وبرزوا لله "أي خرجت الخلائق جميعها من قبورهم لله" الواحد القهار "أي" الذي قهر كل شيء وغلبه ودانت له الرقاب وخضعت له الألباب . وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (49) وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد يقول تعالى "يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات" وتبرز الخلائق لديانها ترى يا محمد يومئذ المجرمين وهم الذين أجرموا بكفرهم وفسادهم "مقرنين" أي بعضهم إلى بعض قد جمع بين النظراء أو الأشكال منهم كل صنف إلى صنف كما قال تعالى "احشروا الذين ظلموا وأزواجهم" وقال "وإذا النفوس زوجت" وقال "وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا" وقال "والشياطين كل بناء وغواص وآخرين مقرنين في الأصفاد" والأصفاد هي القيود قاله ابن عباس وسعيد بن جبير والأعمش وعبد الرحمن بن زيد وهو مشهور في اللغة قال عمرو بن كلثوم فآبوا بالثياب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار (50) سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار وقوله "سرابيلهم من قطران" أي ثيابهم التي يلبسونها من قطران وهو الذي تهنأ به الإبل أي تطلى قال قتادة وهو ألصق شيء بالنار ; ويقال فيه قطران بفتح القاف وكسر الطاء وتسكينها وبكسر القاف وتسكين الطاء ومنه قول أبي النجم كأن قطرانا إذا تلاها ... ترمي به الريح إلى مجراها وكان ابن عباس يقول القطران هو النحاس المذاب وربما قرأها "سرابيلهم من قطران" أي من نحاس حار قد انتهى حره وكذا روي عن مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وقوله "وتغشى وجوههم النار" كقوله "تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون" وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا يحيى بن إسحاق أنبأنا أبان بن يزيد عن يحيى بن أبي كثير عن زيد عن أبي سلام عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركوهن : الفخر بالأحساب والطعن في الأنساب والاستسقاء بالنجوم والنياحة على الميت ; والنائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب" انفرد بإخراجه مسلم وفي حديث القاسم عن أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعه "النائحة إذا لم تتب توقف في طريق بين الجنة والنار وسرابيلها من قطران وتغشى وجهها النار" . ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب (51) ليجزي الله كل نفس ما كسبت إن الله سريع الحساب وقوله "ليجزي الله كل نفس ما كسبت" أي يوم القيامة "ليجزي الذين أساءوا بما عملوا" الآية "إن الله سريع الحساب" يحتمل أن يكون كقوله تعالى "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون" ويحتمل أنه في حال محاسبته لعبده سريع النجاز لأنه يعلم كل شيء ولا يخفى عليه خافية وإن جميع الخلق بالنسبة إلى قدرته كالواحد منهم كقوله تعالى "ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة" وهذا معنى قول مجاهد "سريع الحساب" إحصاء ويحتمل أن يكون المعنيان مرادين والله أعلم . هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب (52) هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب يقول تعالى هذا القرآن بلاغ للناس كقوله "لأنذركم به ومن بلغ" أي هو بلاغ لجميع الخلق من إنس وجن كما قال في أول السورة "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور" الآية "ولينذروا به" أي ليتعظوا به "وليعلموا أنما هو إله واحد" أي يستدلوا بما فيه من الحجج والدلالات على أنه لا إله إلا هو "وليذكر أولوا الألباب" أي ذوي العقول آخر تفسير سورة إبراهيم عليه السلام ولله الحمد والمنة . سورة الحجر الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين (1) الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة التي في أوائل السور فمنهم من قال هي مما استأثر الله بعلمه فردوا علمها إلى الله ولم يفسرها حكاه القرطبي في تفسيره عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقاله عامر الشعبي وسفيان الثوري والربيع بن خثيم واختاره أبو حاتم بن حبان . ومنهم من فسرها واختلف هؤلاء في معناها فقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما هي أسماء السور . قال العلامة أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري في تفسيره وعليه إطباق الأكثر ونقل عن سيبويه أنه نص عليه ويعتضد لهذا بما ورد في الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة "الم" السجدة و "هل أتى على الإنسان" وقال سفيان الثوري عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أنه قال : الم وحم والمص وص . فواتح افتتح الله بها القرآن وكذا قال غيره عن مجاهد وقال مجاهد في رواية أبي حذيفة موسى بن مسعود عن شبل عن ابن أبي نجيح عنه أنه قال الم اسم من أسماء القرآن وهكذا وقال قتادة وزيد بن أسلم ولعل هذا يرجع إلى معنى قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أنه اسم من أسماء السور فإن كل سورة يطلق عليها اسم القرآن فإنه يبعد أن يكون المص اسما للقرآن كله لأن المتبادر إلى فهم سامع من يقول قرأت المص إنما ذلك عبارة عن سورة الأعراف لا لمجموع القرآن والله أعلم . وقيل هي اسم من أسماء الله تعالى فقال عنها في فواتح السور من أسماء الله تعالى وكذلك قال سالم بن عبد الله وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير وقال شعبة عن السدي بلغني أن ابن عباس قال الم اسم من أسماء الله الأعظم . هكذا رواه ابن أبي حاتم من حديث شعبة ورواه ابن جرير عن بندار عن ابن مهدي عن شعبة قال سألت السدي عن حم وطس والم فقال قال ابن عباس هي اسم الله الأعظم وقال ابن جرير وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا أبو النعمان حدثنا شعبة عن إسماعيل السدي عن مرة الهمداني قال : قال عبد الله فذكر نحوه . وحكي مثله عن علي وابن عباس وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس هو قسم أقسم الله به وهو من أسماء الله تعالى وروى ابن أبي حاتم وابن جرير من حديث ابن علية عن خالد الحذاء عن عكرمة أنه قال الم قسم . وروينا أيضا من حديث شريك بن عبد الله بن عطاء بن السائب عن أبى الضحى عن ابن عباس : الم قال أنا الله أعلم . وكذا قال سعيد بن جبير وقال السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمداني عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الم قال أما الم فهي حروف استفتحت من حروف هجاء أسماء الله تعالى . قال وأبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية في قوله تعالى الم قال هذه الأحرف الثلاثة من التسعة والعشرين حرفا دارت فيها الألسن كلها ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسمائه وليس منها حرف إلا وهو من آلائه وبلألائه ليس منها حرف إلا وهو في مدة أقوام وآجالهم . قال عيسى ابن مريم عليه السلام وعجب : فقال أعجب أنهم يظنون بأسمائه ويعيشون في رزقه فكيف يكفرون به فالألف مفتاح الله واللام مفتاح اسمه لطيف والميم مفتاح اسمه مجيد فالألف آلاء الله واللام لطف الله والميم مجد الله والألف سنة واللام ثلاثون سنة والميم أربعون سنة . هذا لفظ ابن أبي حاتم ونحوه رواه ابن جرير ثم شرع يوجه كل واحد من هذه الأقوال ويوفق بينها وأنه لا منافاة بين كل واحد منها وبين الآخر وأن الجمع ممكن فهي أسماء للسور ومن أسماء الله تعالى يفتتح بها السور فكل حرف منها دل على اسم من أسمائه وصفة من صفاته كما افتتح سورا كثيرة بتحميده وتسبيحه وتعظيمه قال ولا مانع من دلالة الحرف منها على اسم من أسماء الله وعلى صفة من صفاته وعلى مدة وغير ذلك كما ذكره الربيع بن أنس عن أبي العالية لأن الكلمة الواحدة تطلق على معان كثيرة كلفظة الأمة فإنها تطلق ويراد بها الدين كقوله تعالى "إنا وجدنا آباءنا على أمة" وتطلق ويراد بها الرجل المطيع لله كقوله تعالى "إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين" وتطلق ويراد بها الجماعة كقوله تعالى "وجد عليه أمة من الناس يسقون" وقوله تعالى "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا" وتطلق ويراد بها الحين من الدهر كقوله تعالى "وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة" أي بعد حين على أصح القولين قال فكذلك هذا . هذا حاصل كلامه موجها ولكن هذا ليس كما ذكره أبو العالية فإن أبا العالية زعم أن الحرف دل على هذا وعلى هذا وعلى هذا معا ولفظة الأمة وما أشبهها من الألفاظ المشتركة في الاصطلاح إنما دل في القرآن في كل موطن على معنى واحد دل عليه سياق الكلام فأما حمله على مجموع محامله إذا أمكن فمسألة مختلف فيها بين علماء الأصول ليس هذا موضع البحث فيها والله أعلم . ثم إن لفظة الأمة تدل على كل من معانيها في سياق الكلام بدلالة الوضع فأما دلالة الحرف الواحد على اسم يمكن أن يدل على اسم آخر من غير أن يكون أحدهما أولى من الآخر في التقدير أو الإضمار بوضع ولا بغيره فهذا مما لا يفهم إلا بتوقيف والمسألة مختلف فيها وليس فيها إجماع حتى يحكم به وما أنشدوه من الشواهد على صحة إطلاق الحرف الواحد على بقية الكلمة فإن في السياق ما يدل على ما حذف بخلاف هذا كما قال الشاعر : قلنا قفي لنا فقالت قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف تعني وقفت . وقال الآخر : ما للظليم عال كيف لا ي ... ينقد عنه جلده إذا ي فقال ابن جرير كأنه أراد أن يقول إذا يفعل كذا وكذا فاكتفى بالياء من يفعل وقال الآخر : بالخير خيرات وإن شرا فا ... ولا أريد الشر إلا أن ت يقول وإن شرا فشرا ولا أريد الشر إلا أن ت فاكتفى بالفاء والتاء من الكلمتين عن بقيتهما ولكن هذا ظاهر من سياق الكلام والله أعلم . قال القرطبي وفي الحديث "من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة" الحديث قال سفيان هو أن يقول في اقتل "اق" وقال خصيف عن مجاهد أنه قال فواتح السور كلها "ق و ص و حم و طسم و الر" وغير ذلك هجاء موضوع وقال بعض أهل العربية هي حروف من حروف المعجم استغنى بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تتمة الثمانية والعشرين حرفا كما يقول القائل ابني يكتب في - ا ب ت ث - أي في حروف المعجم الثمانية والعشرين فيستغني بذكر بعضها عن مجموعها حكاه ابن جرير . قلت مجموع الحروف المذكورة في أوائل السور بحذف المكرر منها أربعة عشر حرفا وهي - ا ل م ص ر ك ه ي ع ط س ح ق ن - يجمعها قولك : نص حكيم قاطع له سر . وهي نصف الحروف عددا والمذكور منها أشرف من المتروك وبيان ذلك من صناعة التصريف . قال الزمخشري وهذه الحروف الأربعة عشر مشتملة على أصناف أجناس الحروف يعني من المهموسة والمجهورة ومن الرخوة والشديدة ومن المطبقة والمفتوحة ومن المستعلية والمنخفضة ومن حروف القلقلة . وقد سردها مفصلة ثم قال : فسبحان الذي دقت في كل شيء حكمته . وهذه الأجناس المعدودة مكثورة بالمذكورة منها وقد علمت أن معظم الشيء وجله ينزل منزلة كله وههنا لخص بعضهم في هذا المقام كلاما فقال : لا شك أن هذه الحروف لم ينزلها سبحانه وتعالى عبثا ولا سدى ومن قال من الجهلة إن في القرآن ما هو تعبد لا معنى له بالكلمة فقد أخطأ خطأ كبيرا فتعين أن لها معنى في نفس الأمر فإن صح لنا فيها عن المعصوم شيء قلنا به وإلا وقفنا حيث وقفنا وقلنا "آمنا به كل من عند ربنا" ولم يجمع العلماء فيها على شيء معين وإنما اختلفوا فمن ظهر له بعض الأقوال بدليل فعليه اتباعه وإلا فالوقف حتى يتبين هذا المقام . المقام الآخر في الحكمة التي اقتضت إيراد هذه الحروف في أوائل السور ما هي مع قطع النظر عن معانيها في أنفسها فقال بعضهم إنما ذكرت ليعرف بها أوائل السور حكاه ابن جرير وهذا ضعيف لأن الفصل حاصل بدونها فيما لم تذكر فيه وفيما ذكرت فيه البسملة تلاوة وكتابة وقال آخرون بل ابتدئ بها لتفتح لاستماعها أسماع المشركين إذ تواصوا بالإعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم المؤلف منه حكاه ابن جرير أيضا وهو ضعيف أيضا لأنه لو كان كذلك لكان ذلك في جميع السور لا يكون في بعضها بل غالبها ليس كذلك ولو كان كذلك أيضا لانبغى الابتداء بها في أوائل الكلام معهم سواء كان افتتاح سورة أو غير ذلك ثم إن هذه السورة والتي تليها أعني البقرة وآل عمران مدنيتان ليستا خطابا للمشركين فانتقض ما ذكروه بهذه الوجوه . وقال آخرون بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا وقرره الزمخشري في كشافه ونصره أتم نصر وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي وحكاه لي عن ابن تيمية . قال الزمخشري ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة وكرر التحدي بالصريح في أماكن قال وجاء منها على حرف واحد كقوله - ص ن ق - وحرفين مثل "حم" وثلاثة مثل "الم" وأربعة مثل "المر" و "المص" وخمسة مثل "كهيعص - و - حم عسق" لأن أساليب كلامهم على هذا من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك "قلت" ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن وبيان إعجازه وعظمته وهذا معلوم بالاستقراء وهو الواقع في تسع وعشرين سورة ولهذا يقول تعالى "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" "الم الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه" "المص كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه" "الر كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم" "الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين" "حم تنزيل من الرحمن الرحيم" "حم عسق كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم" وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم . وأما من زعم أنها دالة على معرفة المدد وأنه يستخرج من ذلك أوقات الحوادث والفتن والملاحم فقد ادعى ما ليس له وطار في غير مطاره وقد ورد في ذلك حديث ضعيف وهو مع ذلك أدل على بطلان هذا المسلك من التمسك به على صحته وهو ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار صاحب المغازي حدثني الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن جابر بن عبد الله بن رباب قال مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فأتى أخاه بن أخطب في رجال من اليهود فقال تعلمون والله لقد سمعت محمدا يتلو فيما أنزل الله تعالى عليه "الم ذلك الكتاب لا ريب فيه" فقال أنت سمعته قال نعم قال فمشى حي بن أخطب في أولئك النفر من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا يا محمد ألم يذكر أنك تتلو فيما أنزل الله عليك "الم ذلك الكتاب" ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "بلى" فقالوا جاءك بهذا جبريل من عند الله ؟ فقال "نعم" قالوا لقد بعث الله قبلك أنبياء ما نعلمه بين لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك . فقام حي بن أخطب وأقبل على من كان معه فقال لهم الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون فهذه إحدى وسبعون سنة أفتدخلون في دين نبي إنما مدة ملكه وأجل أمته إحدى وسبعون سنة ؟ ثم أقبل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد هل مع هذا غيره فقال "نعم" قال ما ذاك ؟ قال "المص" قال هذا أثقل وأطول الألف واحد واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه إحدى وثلاثون ومائة سنة . هل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال "نعم" قال ما ذاك ؟ قال "الر" قال هذا أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والراء مائتان فهذه إحدى وثلاثون ومائتا سنة . فهل مع هذا يا محمد غيره ؟ قال "نعم" قال ماذا قال "المر" قال هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والراء مائتان فهذه إحدى وسبعون ومائتان ثم قال : لقد لبس علينا أمرك يا محمد حتى ما ندري أقليلا أعطيت أم كثيرا . ثم قال قوموا عنه ثم قال أبو ياسر لأخيه حي بن أخطب ولمن معه من الأحبار ما يدريكم لعله قد جمع هذا لمحمد كله إحدى وسبعون وإحدى وثلاثون ومائة وإحدى وثلاثون ومائتان وإحدى وسبعون ومائتان فذلك سبعمائة وأربع سنين ؟ فقالوا لقد تشابه علينا أمره فيزعمون أن هؤلاء الآيات نزلت فيهم "هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات" فهذا الحديث مداره على محمد بن السائب الكلبي وهو ممن لا يحتج بما انفرد به ثم كان مقتضى هذا المسلك إن كان صحيحا أن يحسب ما لكل حرف من الحروف الأربعة عشر التي ذكرناها وذلك يبلغ منه جملة كثيرة وإن حسبت مع التكرر فأطم وأعظم والله أعلم . ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (2) ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين وقوله تعالى "ربما يود الذين كفروا" الآية إخبار عنهم أنهم سيندمون على ما كانوا فيه من الكفر ويتمنون لو كانوا في الدنيا مع المسلمين ونقل السدي في تفسيره بسنده المشهور عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن كفار قريش لما عرضوا على النار تمنوا أن لو كانوا مسلمين وقيل إن المراد أن كل كافر يود عند احتضاره أن لو كان مؤمنا وقيل هذا إخبار عن يوم القيامة كقوله تعالى "ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين" وقال سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزاهرية عن عبد الله في قوله "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" قال هذا في الجهنميين إذا رأوهم يخرجون من النار وقال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا مسلم حدثنا القاسم ![]()
__________________
|
|
#306
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة الحجر من صـ 242 الى صــ 256 الحلقة (306) حدثنا ابن أبي فروة العبدي أن ابن عباس وأنس بن مالك كانا يتأولان هذه الآية "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" يتأولانها يوم يحبس الله أهل الخطايا من المسلمين مع المشركين في النار قال فيقول لهم المشركون ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون في الدنيا ؟ قال فيغضب الله لهم بفضل رحمته فيخرجهم فذلك حين يقول "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" وقال عبد الرزاق أخبرنا الثوري عن حماد عن إبراهيم وعن خصيف عن مجاهد قالا : يقول أهل النار للموحدين ما أغنى عنكم إيمانكم ؟ فإذا قالوا ذلك قال الله أخرجوا من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان قال فعند ذلك قوله "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" وهكذا روي عن الضحاك وقتادة وأبي العالية وغيرهم وقد ورد في ذلك أحاديث مرفوعة فقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن العباس هو الأخرم حدثنا محمد بن منصور الطوسي حدثنا صالح بن إسحاق الجهبذي وابن علية يحيى بن موسى حدثنا معروف بن واصل عن يعقوب بن نباتة عن عبد الرحمن الأغر عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "إن ناسا من أهل لا إله إلا الله" يدخلون النار بذنوبهم فيقول لهم أهل اللات والعزى ما أغنى عنكم قولكم لا إله إلا الله وأنتم معنا في النار ؟ فيغضب الله لهم فيخرجهم فيلقيهم في نهر الحياة فيبرءون من حرقهم كما يبرأ القمر من خسوفه ويدخلون الجنة ويسمون فيها الجهنميون "فقال رجل يا أنس أنت سمعت هذا من رسول الله صلى" الله عليه وآله وسلم ؟ فقال إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" نعم أنا سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول هذا ثم قال الطبراني تفرد به الجهبذ "الحديث الثاني" قال الطبراني أيضا حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثنا أبو الشعثاء علي بن حسن الواسطي حدثنا خالد بن نافع الأشعري عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا اجتمع أهل النار في النار ومعهم من شاء الله من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين ألم تكونوا مسلمين ؟ قالوا بلى قالوا فما أغنى عنكم الإسلام وقد صرتم معنا في النار ؟ قالوا كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فسمع الله ما قالوا فأمر بمن" كان في النار من أهل القبلة فأخرجوا فلما رأى ذلك من بقي من الكفار قالوا يا ليتنا كنا مسلمين فنخرج كما خرجوا قال ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم "الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" ورواه ابن أبي حاتم من حديث خالد بن نافع به وزاد فيه بسم الله الرحمن الرحيم عوض الاستعاذة "الحديث الثالث" قال الطبراني أيضا حدثنا موسى بن هارون حدثنا إسحاق بن راهويه قال : قلت لأبي أسامة أحدثكم أبو روق واسمه عطية بن الحارث حدثني صالح بن أبي شريف قال سألت أبا سعيد الخدري فقلت له هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" ؟ قال نعم سمعته يقول "يخرج الله ناسا من المؤمنين من النار بعدما يأخذ نقمته منهم" وقال " لما أدخلهم الله النار مع المشركين قال لهم المشركون تزعمون أنكم أولياء الله في الدنيا فما بالكم معنا في النار ؟ فإذا سمع الله ذلك منهم أذن في الشفاعة لهم فتشفع لهم الملائكة والنبيون ويشفع المؤمنون حتى يخرجوا بإذن الله فإذا رأى المشركون ذلك قالوا يا ليتنا كنا مثلهم فتدركنا الشفاعة فنخرج معهم ; قال فذلك قول الله "ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين" فيسمون في الجنة الجهنميين من أجل سواد في وجوههم فيقولون يا رب أذهب عنا هذا الاسم فيأمرهم فيغتسلون في نهر الجنة فيذهب ذلك الاسم عنهم " فأقر به أبو أسامة وقال نعم "الحديث الرابع" قال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا العباس بن الوليد البرسي حدثنا مسكين أبو فاطمة حدثني اليمان بن يزيد عن محمد بن جبير عن محمد بن علي عن أبيه عن جده قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "منهم من تأخذه النار إلى ركبتيه ومنهم من تأخذه إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى عنقه على قدر ذنوبهم وأعمالهم ومنهم من يمكث فيها شهرا ثم يخرج منها ومنهم من يمكث فيها سنة ثم يخرج منها وأطولهم فيها مكثا بقدر الدنيا منذ يوم خلقت إلى أن تفنى فإذا أراد الله أن يخرجهم منها قالت اليهود والنصارى ومن في النار من أهل الأديان والأوثان لمن في النار من أهل التوحيد آمنتم بالله وكتبه ورسله فنحن وأنتم اليوم في النار سواء فيغضب الله لهم غضبا لم يغضبه لشيء فيما مضى فيخرجهم إلى عين في الجنة وهو قوله" ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين "." ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (3) ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون وقوله "ذرهم يأكلوا ويتمتعوا" تهديد شديد لهم ووعيد أكيد كقوله تعالى "قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار" وقوله "كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون" ولهذا قال "ويلههم الأمل" أي عن التوبة والإنابة "فسوف يعلمون" أي عاقبة أمرهم . وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم (4) وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم يخبر تعالى أنه ما أهلك قرية إلا بعد قيام الحجة عليها وانتهاء أجلها . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (5) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون وأنه لا يؤخر أمة حان هلاكهم عن ميقاتهم ولا يتقدمون عن مدتهم وهذا تنبيه لأهل مكة وإرشاد لهم إلى الإقلاع عما هم عليه من الشرك والعناد والإلحاد الذي يستحقون به الهلاك . وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون (6) وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك يخبر تعالى عن كفرهم وعنادهم في قولهم "يا أيها الذي نزل عليه الذكر" أي الذي تدعي ذلك "إنك لمجنون" أي في دعائك إيانا إلى اتباعك وترك ما وجدنا عليه آباءنا . لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (7) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين "لو ما" أي هلا "تأتينا بالملائكة" أي يشهدون لك بصحة ما جئت به كما قال فرعون "فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين" "وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا ." ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين (8) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين وكذا قال في هذه الآية "ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين" وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى "له لحافظون" على النبي صلى الله عليه وسلم كقوله "والله يعصمك من الناس" والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق . إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (9) إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون وهو القرآن وهو الحافظ له من التغيير والتبديل ومنهم من أعاد الضمير في قوله تعالى "له لحافظون" على النبي صلى الله عليه وسلم كقوله "والله يعصمك من الناس" والمعنى الأول أولى وهو ظاهر السياق . ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين (10) ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين يقول تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من كفار قريش إنه أرسل من قبله من الأمم الماضية وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به . وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (11) وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون يقول تعالى مسليا لرسوله صلى الله عليه وسلم في تكذيب من كذبه من كفار قريش إنه أرسل من قبله من الأمم الماضية وإنه ما أتى أمة من رسول إلا كذبوه واستهزءوا به . كذلك نسلكه في قلوب المجرمين (12) كذلك نسلكه في قلوب المجرمين ثم أخبر أنه سلك التكذيب في قلوب المجرمين الذين عاندوا واستكبروا عن اتباع الهدى قال أنس والحسن البصري "كذلك نسلكه في قلوب المجرمين" يعني الشرك . لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين (13) لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين وقوله "قد خلت سنة الأولين" أي قد علم ما فعل تعالى بمن كذب رسله من الهلاك والدمار وكيف أنجى الله الأنبياء وأتباعهم في الدنيا والآخرة . ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون (14) ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون يخبر تعالى عن قوة كفرهم وعنادهم ومكابرتهم للحق أنه لو فتح لهم بابا من السماء فجعلوا يصعدون فيه لما صدقوا بذلك . لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون (15) لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون بل قالوا "إنما سكرت أبصارنا" قال مجاهد وابن كثير والضحاك سدت أبصارنا وقال قتادة عن ابن عباس أخذت أبصارنا وقال العوفي عن ابن عباس شبه علينا وإنما سحرنا وقال الكلبي عميت أبصارنا وقال ابن زيد "سكرت أبصارنا" السكران الذي لا يعقل . ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (16) ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين يذكر تعالى خلقه السماء في ارتفاعها وما زينها به من الكواكب الثوابت والسيارات لمن تأمل وكرر النظر فيما يرى من العجائب والآيات الباهرات ما يحار نظره فيه وبهذا قال مجاهد وقتادة البروج ههنا هي الكواكب . "قلت" وهذا كقوله تبارك وتعالى "تبارك الذي جعل في السماء بروجا" الآية . ومنهم من قال البروج هي منازل الشمس والقمر وقال عطية العوفي البروج ههنا هي قصور فيها الحرس وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملإ الأعلى فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه كما جاء مصرحا به في الصحيح كما قال البخاري . في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان" قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا" للذي قال "الحق وهو العلي الكبير" فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض وربما قال سفيان حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء . وحفظناها من كل شيطان رجيم (17) وحفظناها من كل شيطان رجيم وقال عطية العوفي البروج ههنا هي قصور فيها الحرس وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملإ الأعلى فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها قبل أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه كما جاء مصرحا به في الصحيح كما قال البخاري . في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان" قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا" للذي قال "الحق وهو العلي الكبير" فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض وربما قال سفيان حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء . إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (18) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين "قلت" وهذا كقوله تبارك وتعالى "تبارك الذي جعل في السماء بروجا" الآية . ومنهم من قال البروج هي منازل الشمس والقمر وقال عطية العوفي البروج ههنا هي قصور فيها الحرس وجعل الشهب حرسا لها من مردة الشياطين لئلا يسمعوا إلى الملإ الأعلى فمن تمرد وتقدم منهم لاستراق السمع جاءه شهاب مبين فأتلفه فربما يكون قد ألقى الكلمة التي سمعها أن يدركه الشهاب إلى الذي هو دونه فيأخذها الآخر ويأتي بها إلى وليه كما جاء مصرحا به في الصحيح كما قال البخاري . في تفسير هذه الآية : حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال "إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان" قال علي وقال غيره صفوان ينفذهم ذلك "فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا" للذي قال "الحق وهو العلي الكبير" فيسمعها مسترقو السمع ومسترقو السمع هكذا واحد فوق آخر ووصف سفيان بيده وفرج بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها إلى صاحبه فيحرقه وربما لم يدركه حتى يرمي بها إلى الذي يليه إلى الذي هو أسفل منه حتى يلقوها إلى الأرض وربما قال سفيان حتى تنتهي إلى الأرض فتلقى على فم الساحر أو الكاهن فيكذب معها مائة كذبة فيصدق فيقولون ألم يخبرنا يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا فوجدناه حقا للكلمة التي سمعت من السماء . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون (19) والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ثم ذكر تعالى خلقه الأرض ومده إياها وتوسيعها وبسطها وما جعل فيها من الجبال الرواسي والأودية والأراضي والرمال وما أنبت فيها من الزروع والثمار المتناسبة وقال ابن عباس "من كل شيء موزون" أي معلوم وكذا قال سعيد بن جبير وعكرمة وأبو مالك ومجاهد والحكم بن عيينة والحسن بن محمد وأبو صالح وقتادة ومنهم من يقول مقدر بقدر وقال ابن زيد من كل شيء يوزن ويقدر بقدر وقال ابن زيد ما يزنه أهل الأسواق . وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين (20) وجعلنا لكم فيها معايش ومن لستم له برازقين وقوله "وجعلنا لكم فيها معايش" يذكر تعالى أنه صرفهم في الأرض في صنوف الأسباب والمعايش وهي جمع معيشة وقوله "ومن لستم له برازقين" قال مجاهد هي الدواب والأنعام وقال ابن جرير هم العبيد والإماء والدواب والأنعام والقصد أنه تعالى يمتن عليهم بما يسر لهم من أسباب المكاسب ووجوه الأسباب وصنوف المعايش وبما سخر لهم من الدواب التي يركبونها والأنعام التي يأكلونها والعبيد والإماء التي يستخدمونها ورزقهم على خالقهم لا عليهم فلهم هم المنفعة والرزق على الله تعالى . وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم (21) وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم يخبر تعالى أنه مالك كل شيء وأن كل شيء سهل عليه يسير لديه وأن عنده خزائن الأشياء من جميع الصنوف "وما ننزله إلا بقدر معلوم" كما يشاء كما يريد ولما له في ذلك من الحكمة البالغة والرحمة بعباده لا على جهة الوجوب بل هو كتب على نفسه الرحمة . قال يزيد بن أبي زياد عن أبي جحيفة عن عبد الله ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يقسمه بينهم حيث شاء عاما ههنا وعاما ههنا ثم قرأ "وإن من شيء إلا عندنا خزائنه" الآية . رواه ابن جرير وقال أيضا حدثنا القاسم حدثنا هشيم أخبرنا إسماعيل بن سالم عن الحكم بن عيينة في قوله "وما ننزله إلا بقدر معلوم" قال ما عام بأكثر مطرا من عام ولا أقل ولكنه يمطر قوم ويحرم آخرون بما كان في البحر قال وبلغنا أنه ينزل مع المطر من الملائكة أكثر من عدد ولد إبليس وولد آدم يحصون كل قطرة حيث تقع وما تنبت وقال البزار حدثنا داود هو ابن بكير حدثنا حيان بن أغلب بن تميم حدثني أبي عن هشام عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خزائن الله الكلام فإذا أراد شيئا قال له كن فكان" ثم قال لا يرويه إلا أغلب وليس بالقوي وقد حدث عنه غير واحد من المتقدمين ولم يروه عنه إلا ابنه . وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين (22) وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين وقوله تعالى "وأرسلنا الرياح لواقح" أي تلقح السحاب فتدر ماء وتلقح الشجر فتفتح عن أوراقها وأكمامها وذكرها بصيغة الجمع ليكون منها الإنتاج بخلاف الريح العقيم فإنه أفردها ووصفها بالعقيم وهو عدم الإنتاج لأنه لا يكون إلا بين شيئين فصاعدا وقال الأعمش عن المنهال بن عمرو عن قيس بن السكن عن عبد الله بن مسعود في قوله "وأرسلنا الرياح لواقح" قال ترسل الريح فتحمل الماء من السماء ثم تمر مر السحاب حتى تدر كما تدر اللقحة . وكذا قال ابن عباس وإبراهيم النخعي وقتادة وقال الضحاك يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء وقال عبيد بن عمير الليثي يبعث الله المبشرة فتقم الأرض قما ثم بعث الله المثيرة فتثير السحاب ثم يبعث الله المؤلفة فتؤلف السحاب ثم يبعث الله اللواقح فتلقح الشجر ثم تلا "وأرسلنا الرياح لواقح" . وقد روى ابن جرير من حديث عبيس بن ميمون عن أبي المهزم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "الريح الجنوب من الجنة وهي التي ذكر الله في كتابه وفيها منافع للناس" وهذا إسناد ضعيف وقال الإمام أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي في مسنده حدثنا سفيان حدثنا عمرو بن دينار أخبرني يزيد بن جعدية الليثي أنه سمع عبد الرحمن بن مخراق يحدث عن أبي ذر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله خلق في الجنة ريحا بعد الريح سبع سنين وإن من دونها بابا مغلقا وإنما يأتيكم الريح من ذلك الباب ولو فتح لأذرت ما بين السماء والأرض من شيء وهي عند الله الأذيب وهي فيكم الجنوب" وقوله "فأسقيناكموه" أي أنزلناه لكم عذبا يمكنكم أن تشربوا منه لو نشاء جعلناه أجاجا كما نبه على ذلك في الآية الأخرى في سورة الواقعة وهو قوله تعالى "أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون" وفي قوله "هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون" وقوله "وما أنتم له بخازنين" قال سفيان الثوري بمانعين ويحتمل أن المراد وما أنتم له بحافظين بل نحن ننزله ونحفظه عليكم ونجعله معينا وينابيع في الأرض ولو شاء تعالى لأغاره وذهب به ولكن من رحمته أنزله وجعله عذبا وحفظه في العيون والآبار والأنهار وغير ذلك ليبقى لهم في طول السنة يشربون ويسقون أنعامهم وزروعهم وثمارهم . وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون (23) وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن الوارثون وقوله "وإنا لنحن نحيي ونميت" إخبار عن قدرته تعالى على بدء الخلق وإعادته وأنه هو الذي أحيا الخلق من العدم ثم يميتهم ثم يبعثهم كلهم ليوم الجمع وأخبر أنه تعالى يرث الأرض ومن عليها وإليه يرجعون . ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين (24) ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين ثم أخبر تعالى عن تمام علمه بهم أولهم وآخرهم فقال "ولقد علمنا المستقدمين منكم" الآية . قال ابن عباس رضي الله عنهما المستقدمون كل من هلك من لدن آدم عليه السلام والمستأخرون من هو حي ومن سيأتي إلى يوم القيامة وروي نحوه عن عكرمة ومجاهد والضحاك وقتادة ومحمد بن كعب والشعبي وغيرهم وهو اختيار ابن جرير رحمه الله وقال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن رجل عن مروان بن الحكم أنه قال كان أناس يستأخرون في الصفوف من أجل النساء فأنزل الله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" وقد ورد فيه حديث غريب جدا فقال ابن جرير حدثني محمد بن موسى الجرشي حدثنا نوح بن قيس حدثنا عمرو بن قيس حدثنا عمر بن مالك عن أبي الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنهما قال كانت تصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم امرأة حسناء قال ابن عباس لا والله ما رأيت مثلها قط وكان بعض المسلمين إذا صلوا استقدموا يعني لئلا يروها وبعض يستأخرون ; فإذا سجدوا نظروا إليها من تحت أيديهم فأنزل الله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" وكذا رواه أحمد وابن أبي حاتم في تفسيره ورواه الترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننيهما وابن ماجه من طرق عن نوح بن قيس الحداني وقد وثقه أحمد وأبو داود وغيرهما وحكي عن ابن معين تضعيفه وأخرجه مسلم وأهل السنن وهذا الحديث فيه نكارة شديدة وقد رواه عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن عمرو بن مالك وهو البكري أنه سمع أبا الجوزاء يقول في قوله "ولقد علمنا المستقدمين منكم" في الصفوف في الصلاة "والمستأخرين" فالظاهر أنه من كلام أبي الجوزاء فقط ليس فيه لابن عباس ذكر وقد قال الترمذي هذا أشبه من رواية نوح بن قيس والله أعلم وهكذا روى ابن جرير عن محمد بن أبي معشر عن أبيه أنه سمع عون بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" أنها في صفوف الصلاة فقال محمد بن عبد الله يذكر محمد بن كعب في قوله "ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين" أنها في صفوف الصلاة فقال محمد بن كعب ليس هكذا "ولقد علمنا المستقدمين منكم" الميت والمقتول "والمستأخرين" من يخلق بعد "وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم" فقال عون بن عبد الله وفقك الله وجزاك خيرا . وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم (25) وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم "وإن ربك هو يحشرهم إنه حكيم عليم" فقال عون بن عبد الله وفقك الله وجزاك خيرا . ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (26) ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون قال ابن عباس ومجاهد وقتادة : المراد بالصلصال ههنا التراب اليابس والظاهر أنه كقوله تعالى "خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان من مارج من نار" وعن مجاهد أيضا "الصلصال" المنتن وتفسير الآية بالآية أولى وقوله "من حمإ مسنون" أي الصلصال من حمإ وهو الطين والمسنون الأملس كما قال الشاعر : ثم خاصرتها إلى القبة الخض ... راء تمشي في مرمر مسنون أي أملس صقيل ولهذا روي عن ابن عباس أنه قال هو التراب الرطب وعن ابن عباس ومجاهد أيضا والضحاك إن الحمأ المسنون هو المنتن وقيل المراد بالمسنون ههنا المصبوب . والجان خلقناه من قبل من نار السموم (27) والجان خلقناه من قبل من نار السموم وقوله "والجان خلقناه من قبل" أي من قبل الإنسان "من نار السموم" قال ابن عباس هي السموم التي تقتل وقال بعضهم السموم بالليل والنهار ومنهم من يقول السموم بالليل والحرور بالنهار ; وقال أبو داود الطيالسي حدثنا شعبة عن أبي إسحاق قال دخلت على عمر الأعصم أعوده فقال ألا أحدثك حديثا سمعته من عبد الله بن مسعود يقول هذه السموم جزء من سبعين جزءا من السموم التي خلق منها الجان ثم قرأ "والجان خلقناه من" قبل من نار السموم "وعن ابن عباس إن الجان خلق من لهب النار وفي رواية من أحسن النار وعن عمرو بن دينار من نار الشمس وقد ورد في الصحيح" خلقت الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم "والمقصود من الآية التنبيه على شرف آدم" وطيب عنصره وطهارة محتده . وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون (28) وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون يذكر تعالى تنويهه بذكر آدم في ملائكته قبل خلقه له وتشريفه إياه بأمر الملائكة بالسجود له ويذكر تخلف إبليس عدوه عن السجود له من بين سائر الملائكة حسدا وكفرا وعنادا واستكبارا وافتخارا بالباطل ولهذا قال "لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون" كقوله "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" وقوله "أرأيتك هذا الذي كرمت علي" الآية . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (29) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر عن ![]()
__________________
|
|
#307
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة الحجر من صـ 257 الى صــ 270 الحلقة (307) عكرمة عن ابن عباس قال لما خلق الله الملائكة قال "إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" قالوا لا نفعل فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم , ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين وفي ثبوت هذا عنه بعد والظاهر أنه إسرائيلي والله أعلم . فسجد الملائكة كلهم أجمعون (30) فسجد الملائكة كلهم أجمعون وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال لما خلق الله الملائكة قال "إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" قالوا لا نفعل فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم , ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين وفي ثبوت هذا عنه بعد والظاهر أنه إسرائيلي والله أعلم . إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين (31) إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال لما خلق الله الملائكة قال "إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" قالوا لا نفعل فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم , ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين وفي ثبوت هذا عنه بعد والظاهر أنه إسرائيلي والله أعلم . قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (32) قال يا إبليس ما لك ألا تكون مع وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال لما خلق الله الملائكة قال "إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" قالوا لا نفعل فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم , ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين وفي ثبوت هذا عنه بعد والظاهر أنه إسرائيلي والله أعلم . قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون (33) قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمإ مسنون وقد روى ابن جرير ههنا أثرا غريبا عجيبا من حديث شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال لما خلق الله الملائكة قال "إني خالق بشرا من طين فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين" قالوا لا نفعل فأرسل عليهم نارا فأحرقتهم , ثم خلق ملائكة أخرى فقال لهم مثل ذلك فقالوا سمعنا وأطعنا إلا إبليس كان من الكافرين الأولين وفي ثبوت هذا عنه بعد والظاهر أنه إسرائيلي والله أعلم . قال فاخرج منها فإنك رجيم (34) قال فاخرج منها فإنك رجيم يذكر تعالى أنه أمر إبليس أمرا كونيا لا يخالف ولا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملإ الأعلى وأنه رجيم أي مرجوم وأنه قد اتبعته لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة . وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (35) وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين يذكر تعالى أنه أمر إبليس أمرا كونيا لا يخالف ولا يمانع بالخروج من المنزلة التي كان فيها من الملأ الأعلى وأنه رجيم أي مرجوم وأنه قد اتبعته لعنة لا تزال متصلة به لاحقة له متواترة عليه إلى يوم القيامة . قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (36) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون وعن سعيد بن جبير أنه قال : لما لعن الله إبليس تغيرت صورته عن صورة الملائكة ورن رنة فكل رنة في الدنيا إلى يوم القيامة منها . رواه ابن أبي حاتم وأنه لما تحقق الغضب الذي لا مرد له سأل من تمام حسده لآدم وذريته النظرة إلى يوم القيامة وهو يوم البعث . قال فإنك من المنظرين (37) قال فإنك من المنظرين وأنه أجيب إلى ذلك استدراجا له وإمهالا . إلى يوم الوقت المعلوم (38) إلى يوم الوقت المعلوم فلما تحقق النظرة قبحه الله . قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (39) قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين يقول تعالى مخبرا عن إبليس وتمرده وعتوه أنه قال للرب "بما أغويتني" قال بعضهم أقسم بإغواء الله له "قلت" ويحتمل أنه بسبب ما أغويتني وأضللتني "لأزينن لهم" أي لذرية آدم عليه السلام "في الأرض" أي أحبب إليهم المعاصي وأرغبهم فيها وأأزهم إليها وأزعجهم إزعاجا "ولأغوينهم أجمعين" أي كما أغويتني وقدرت علي ذلك . إلا عبادك منهم المخلصين (40) إلا عبادك منهم المخلصين إلا عبادك منهم المخلصين "كقوله" أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا "" قال "الله تعالى له متهددا ومتوعدا ." قال هذا صراط علي مستقيم (41) قال هذا صراط علي مستقيم هذا صراط علي مستقيم "أي مرجعكم كلكم إلي فأجازيكم بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر كقوله تعالى" إن ربك لبالمرصاد "وقيل طريق الحق مرجعها إلى الله تعالى وإليه تنتهي قاله مجاهد والحسن وقتادة كقوله" وعلى الله قصد السبيل "وقرأ قيس بن عبادة ومحمد بن سيرين وقتادة" هذا صراط علي مستقيم "كقوله" وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم "أي رفيع والمشهور القراءة الأولى ." إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين (42) إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين وقوله "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" أي الذين قدرت لهم الهداية فلا سبيل لك عليهم ولا وصول لك إليهم "إلا من اتبعك من الغاوين" استثناء منقطع . وقد أورد ابن جرير ههنا من حديث عبد الله بن المبارك عن عبد الله بن موهب حدثنا يزيد بن قسيط قال : كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء خرج إلى مسجده فصلى ما كتب الله ثم سأله ما بدا له فبينا نبي في مسجده إذ جاء عدو الله - يعني إبليس - حتى جلس بينه وبين القبلة فقال النبي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال فرده ذلك ثلاث مرات فقال عدو الله أخبرني بأي شيء تنجو مني فقال النبي بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم مرتين فأخذ كل واحد منهما على صاحبه فقال النبي إن الله تعالى يقول "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين" قال عدو الله قد سمعت هذا قبل أن تولد قال النبي ويقول الله "وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم" وإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك قال عدو الله صدقت بهذا تنجو مني فقال النبي أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم ؟ قال آخذه عند الغضب والهوى . وإن جهنم لموعدهم أجمعين (43) وإن جهنم لموعدهم أجمعين وقوله "وإن جهنم لموعدهم أجمعين أي جهنم موعد جميع من اتبع إبليس كما قال عن القرآن" ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده . لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم (44) لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم ثم أخبر أن لجهنم سبعة أبواب "لكل باب منهم جزء مقسوم" أي قد كتب لكل باب منها جزء من أتباع إبليس يدخلونه لا محيد لهم عنه أجارنا الله منه وكل يدخل من باب بحسب عمله ويستقر في درك بقدر عمله قال إسماعيل بن علية وشعبة كلاهما عن أبي هارون الغنوي عن حطان بن عبد الله أنه قال سمعت علي بن أبي طالب وهو يخطب قال : إن أبواب جهنم هكذا - قال أبو هارون - أطباقا بعضها فوق بعض وقال إسرائيل عن أبي إسحاق عن هبيرة بن أبي مريم عن علي رضي الله عنه قال أبواب جهنم سبعة بعضها فوق بعض فيمتلئ الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى تمتلئ كلها وقال عكرمة سبعة أبواب سبعة أطباق وقال ابن جريج سبعة أبواب أولها جهنم ثم لظى ثم الحطمة ثم السعير ثم سقر ثم الجحيم ثم الهاوية . وروى الضحاك عن ابن عباس نحوه وكذا روي عن الأعمش بنحوه أيضا وقال قتادة "لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم" هي والله منازل بأعمالهم رواهن ابن جرير وقال جويبر عن الضحاك "لها سبعة أبواب لكل باب منهم جزء مقسوم" قال باب لليهود وباب للنصارى وباب للصابئين وباب للمجوس وباب للذين أشركوا وهم كفار العرب وباب للمنافقين وباب لأهل التوحيد فأهل التوحيد يرجى لهم ولا يرجى لأولئك أبدا . وقال الترمذي حدثنا عبد بن حميد حدثنا عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن حميد عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "لجهنم سبعة أبواب" باب منها لمن سل السيف على أمتي - أو قال - على أمة محمد "ثم قال لا نعرفه إلا من حديث مالك بن مغول ." وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا عباس بن الوليد الخلال حدثنا زيد - يعني ابن يحيى - حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن أبي نضرة عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "لكل باب منهم جزء مقسوم" قال "إن من أهل النار من تأخذه النار إلى كعبه وإن منهم من تأخذه النار إلى حجزته ومنهم من تأخذه النار إلى تراقيه منازلهم بأعمالهم فذلك قوله لكل باب منهم جزء مقسوم" . إن المتقين في جنات وعيون (45) إن المتقين في جنات وعيون لما ذكر تعالى حال أهل النار عطف على ذكر أصل الجنة وأنهم في جنات وعيون . ادخلوها بسلام آمنين (46) ادخلوها بسلام آمنين وقوله "ادخلوها بسلام" أي سالمين من الآفات مسلم عليكم "آمنين" أي من كل خوف وفزع ولا تخشوا من إخراج ولا انقطاع ولا فناء . ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (47) ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين وقوله "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" روى القاسم عن أبي أمامة قال : يدخل أهل الجنة الجنة على ما في صدورهم في الدنيا من الشحناء والضغائن حتى إذا توافوا وتقابلوا نزع الله ما في صدورهم في الدنيا من غل ثم قرأ "ونزعنا ما في صدورهم من غل" هكذا في هذه الرواية والقاسم بن عبد الرحمن في روايته عن أبي أمامة ضعيف وقد روى سعيد في تفسيره حدثنا ابن فضالة عن لقمان عن أبي أمامة قال : لا يدخل الجنة مؤمن حتى ينزع الله ما في صدره من غل حتى ينزع منه مثل السبع الضاري . وهذا موافق لما في الصحيح من رواية قتادة حدثنا أبو المتوكل الناجي أن أبا سعيد الخدري حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار يقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة" وقال ابن جرير حدثنا الحسن حدثنا يزيد بن هارون أخبرنا هشام عن محمد هو ابن سيرين قال استأذن الأشتر على علي رضي الله عنه وعنده ابن لطلحة فحبسه ثم أذن له فلما دخل قال إني لأراك إنما حبستني لهذا ؟ قال أجل قال إني لأراه لو كان عندك ابن لعثمان لحبستني قال أجل إني لأرجو أن أكون أنا عثمان ممن قال الله تعالى "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" وقال ابن جرير أيضا حدثنا الحسن بن محمد حدثنا أبو معاوية الضرير حدثنا أبو مالك الأشجعي حدثنا أبو حبيبة مولى لطلحة قال : دخل عمران بن طلحة على علي رضي الله عنه بعدما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وقال : إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" وحدثنا الحسن حدثنا أبو معاوية الضرير حدثنا أبو مالك الأشجعي عن أبي حبيبة مولى لطلحة قال : دخل عمران بن طلحة على علي رضي الله عنه بعدما فرغ من أصحاب الجمل فرحب به وقال : إني لأرجو أن يجعلني الله وأباك من الذين قال الله "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" قال ورجلان جالسان إلى ناحية البساط فقالا الله أعدل من ذلك تقتلهم بالأمس وتكونون إخوانا فقال علي رضي الله عنه أبعد أرض وأسحقها فمن هم إذا إن لم أكن أنا وطلحة ؟ وذكر أبو معاوية الحديث بطوله . وروى وكيع عن أبان بن عبد الله البجلي عن نعيم بن أبي هند عن ربعي بن خراش عن علي نحوه وقال فيه فقام رجل من همدان فقال الله أعدل من ذلك يا أمير المؤمنين قال فصاح به علي صيحة فظننت أن القصر قد تدهده لها ثم قال إذا لم نكن نحن فمن هم ؟ وقال سعيد بن مسروق عن أبي طلحة وذكره وفيه فقال الحارث الأعور ذلك فقام إليه علي رضي الله عنه فضربه بشيء كان في يده في رأسه وقال فمن هم يا أعور إذا لم نكن نحن ؟ وقال سفيان الثوري عن منصور عن إبراهيم قال : جاء ابن جرموز قاتل الزبير يستأذن على علي رضي الله عنه فحجبه طويلا ثم أذن له فقال له أما أهل البلاء فتجفوهم فقال علي بفيك التراب إني لأرجو أن أكون أنا وطلحة والزبير ممن قال الله "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" وكذا روى الثوري عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بنحوه وقال سفيان بن عيينة عن إسرائيل عن أبي موسى سمع الحسن البصري يقول : قال علي فينا والله أهل بدر نزلت هذه الآية "ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين" وقال كثير النوى : دخلت على أبي جعفر محمد بن علي فقلت وليي وليكم وسلمي سلمكم وعدوي عدوكم وحربي حربكم أنا أسألك بالله أتبرأ من أبي بكر وعمر فقال "قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين" تولهما يا كثير فما أدركك فهو في رقبتي هذه ثم تلا هذه الآية "إخوانا على سرر متقابلين" قال أبو بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أجمعين وقال الثوري عن رجل عن أبي صالح في قوله "إخوانا على سرر متقابلين" قال هم عشرة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم أجمعين وقوله "متقابلين" قال مجاهد لا ينظر بعضهم في قفا بعض وفيه حديث مرفوع . قال ابن أبي حاتم حدثنا يحيى بن عبد الله ثنا حسان بن حسان ثنا إبراهيم بن بشر ثنا يحيى بن معين عن إبراهيم القومسي عن سعيد بن شرحبيل عن زيد بن أبي أوفى قال : خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلا هذه الآية "إخوانا على سرر متقابلين" في الله ينظر بعضهم إلى بعض . لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين (48) لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين وقوله لا يمسهم فيها نصب "يعني المشقة والأذى كما جاء في الصحيحين" إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب "." وقوله "وما هم منها بمخرجين" كما جاء في الحديث "يقال يا أهل الجنة إن لكم أن تصحوا فلا تمرضوا أبدا وإن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تقيموا فلا تظعنوا أبدا" . وقال الله تعالى "خالدين فيها لا يبغون عنها حولا" . نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم (49) نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وقوله "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" أي أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف وذكر في سبب نزولها ما رواه موسى بن عبيدة عن مصعب بن ثابت قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على ناس من أصحابه يضحكون فقال "اذكروا الجنة واذكروا النار" فنزلت "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" . رواه ابن أبي حاتم وهو مرسل وقال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا إسحاق أخبرنا ابن المكي أخبرنا ابن المبارك أخبرنا مصعب بن ثابت حدثنا عاصم بن عبيد الله عن ابن أبي رباح عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : طلع علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الباب الذي يدخل منه بنو شيبة فقال "ألا أراكم تضحكون" ثم أدبر حتى إذا كان عند الحجر رجع إلينا القهقرى فقال" إني لما خرجت جاء جبريل عليه السلام فقال يا محمد إن الله يقول لك لم تقنط عبادي "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" " وقال شعبة عن قتادة في قوله "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم" قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "لو يعلم العبد قدر عفو الله لما تورع من حرام ولو يعلم العبد قدر عذاب الله لبخع نفسه" . وأن عذابي هو العذاب الأليم (50) وأن عذابي هو العذاب الأليم أي أخبر يا محمد عبادي أني ذو رحمة وذو عذاب أليم وقد تقدم ذكر نظير هذه الآية الكريمة وهي دالة على مقامي الرجاء والخوف . ونبئهم عن ضيف إبراهيم (51) ونبئهم عن ضيف إبراهيم يقول تعالى وأخبرهم يا محمد عن قصة ضيف إبراهيم والضيف يطلق على الواحد والجمع كالزور والسفر . إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (52) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون وكيف دخلوا عليه فقالوا سلاما "قال إنا منكم وجلون" أي خائفون وقد ذكر سبب خوفه منهم لما رأى أيديهم لا تصل إلى ما قربه إليهم من الضيافة وهو العجل السمين الحنيذ . قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (53) قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم "قالوا لا توجل" أي لا تخف وبشروه "بغلام عليم" أي إسحاق "كما تقدم في سورة هود ." قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون (54) قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشروني ثم "قال" متعجبا من كبره وكبر زوجته ومتحققا للوعد "أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون" فأجابوه مؤكدين لما بشروه به تحقيقا وبشارة بعد بشارة . قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين (55) قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين "قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين" وقرأ بعضهم القنطين . قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون (56) قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون فأجابهم بأنه ليس يقنط ولكن يرجو من الله الولد وإن كان قد كبر وأسنت امرأته فإنه يعلم من قدرة الله ورحمته ما هو أبلغ من ذلك . قال فما خطبكم أيها المرسلون (57) قال فما خطبكم أيها المرسلون يقول تعالى إخبارا عن إبراهيم عليه السلام لما ذهب عنه الروع وجاءته البشرى إنه شرع يسألهم عما جاءوا له . قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (58) قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين فقالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين "يعنون قوم لوط ." إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين وأخبروه أنهم سينجون آل لوط من بينهم . إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين (60) إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين إلا امرأته فإنها من الهالكين ولهذا قالوا "إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين" أي الباقين المهلكين . فلما جاء آل لوط المرسلون (61) فلما جاء آل لوط المرسلون يخبر تعالى عن لوط لما جاءته الملائكة في صورة شباب حسان الوجوه فدخلوا عليه داره . قال إنكم قوم منكرون (62) قال إنكم قوم منكرون قال إنكم قوم منكرون . قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون (63) قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون "قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون" يعنون بعذابهم وهلاكهم ودمارهم الذي كانوا يشكون في وقوعه بهم وحلوله بساحتهم . وأتيناك بالحق وإنا لصادقون (64) وأتيناك بالحق وإنا لصادقون "وأتيناك بالحق" كقوله تعالى "ما ننزل الملائكة إلا بالحق" وقوله "وإنا لصادقون" تأكيد لخبرهم إياه بما أخبروه به من نجاته وإهلاك قومه . فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون (65) فأسر بأهلك بقطع من الليل واتبع أدبارهم ولا يلتفت منكم أحد وامضوا حيث تؤمرون يذكر تعالى عن الملائكة أنهم أمروه أن يسري بأهله بعد مضي جانب من الليل وأن يكون لوط عليه السلام يمشي وراءهم ليكون أحفظ لهم وهكذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي في الغزو إنما يكون ساقة يزجي الضعيف ويحمل المنقطع وقوله "ولا يلتفت منكم أحد" أي إذا سمعتم الصيحة بالقوم فلا تلتفتوا إليهم وذروهم فيما حل بهم من العذاب والنكال "وامضوا حيث تؤمرون" كأنه كان معهم من يهديهم السبيل . وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين (66) وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين "وقضينا إليه ذلك الأمر" أي تقدمنا إليه في هذا "أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين" أي وقت الصباح كقوله في الآية الأخرى "إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب" . وجاء أهل المدينة يستبشرون (67) وجاء أهل المدينة يستبشرون يخبر تعالى عن مجيء قوم لوط لما علموا بأضيافه وصباحة وجوههم وأنهم جاءوا مستبشرين بهم فرحين . قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون (68) قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون واتقوا الله ولا تخزون "وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله كما قال في سورة هود وأما ههنا فتقدم ذكر أنهم رسل الله وعطف ذكر مجيء قومه ومحاجته لهم ولكن الواو لا تقتضي الترتيب ولا سيما إذا دل دليل على خلافه ." واتقوا الله ولا تخزون (69) واتقوا الله ولا تخزون وهذا إنما قاله لهم قبل أن يعلم بأنهم رسل الله . قالوا أولم ننهك عن العالمين (70) قالوا أولم ننهك عن العالمين فقالوا له مجيبين "أولم ننهك عن العالمين" أي أوما نهيناك أن تضيف أحدا ؟ . قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين (71) قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين فأرشدهم إلى نسائهم وما خلق لهم ربهم منهم من الفروج المباحة وقد تقدم إيضاح القول في ذلك بما أغنى عن إعادته هذا كله وهم غافلون عما يراد بهم وما قد أحاط بهم من البلاء وما يصبحون من العذاب المنتظر ولهذا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون" أقسم تعالى بحياة نبيه صلوات الله وسلامه عليه وفي هذا تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض قال عمرو بن مالك البكري عن أبي الجوزاء عن ابن عباس أنه قال : ما خلق الله وما ذرأ وما برأ نفسا أكرم عليه من محمد صلى الله عليه وسلم وما سمعت الله أقسم بحياة أحد غيره . لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون (72) لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون قال الله تعالى "لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون" يقول وحياتك وعمرك وبقائك في الدنيا "إنهم لفي سكرتهم يعمهون" . رواه ابن جرير وقال قتادة في سكرتهم أي في ضلالتهم "يعمهون" أي يلعبون وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "لعمرك" لعيشك "إنهم لفي سكرتهم يعمهون" قال يترددون . فأخذتهم الصيحة مشرقين (73) فأخذتهم الصيحة مشرقين يقول تعالى "فأخذتهم الصيحة" وهي ما جاءهم به من الصوت القاصف عند شروق الشمس وهو طلوعها وذلك مع رفع بلادهم إلى عنان السماء . فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل (74) فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليهم حجارة من سجيل ثم قلبها وجعل عاليها سافلها وأرسل حجارة السجيل عليهم وقد تقدم الكلام على السجيل في هود بما فيه كفاية . إن في ذلك لآيات للمتوسمين (75) إن في ذلك لآيات للمتوسمين وقوله "إن في ذلك لآيات للمتوسمين" أي أن آثار هذه النقم الظاهرة على تلك البلاد لمن تأمل ذلك وتوسمه بعين بصره وبصيرته كما قال مجاهد في قوله "للمتوسمين" قال المتفرسين وعن ابن عباس والضحاك للناظرين وقال قتادة للمعتبرين وقال مالك عن بعض أهل المدينة "للمتوسمين" للمتأملين . وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا محمد بن كثير العبدي عن عمرو بن قيس عن عطية عن أبي سعيد مرفوعا قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله" ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم "إن في ذلك لآيات للمتوسمين" . رواه الترمذي وابن جرير من حديث عمرو بن قيس الملائي عن عطية عن أبي سعيد وقال الترمذي لا نعرفه إلا ![]()
__________________
|
|
#308
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة الحجر من صـ 271 الى صــ 285 الحلقة (308) من هذا الوجه , وقال ابن جرير أيضا حدثني أحمد بن محمد الطوسي حدثنا الحسن بن محمد حدثنا الفرات بن السائب حدثنا ميمون بن مهران عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله" . وقال ابن جرير حدثني أبو شرحبيل الحمصي حدثنا سليمان بن سلمة حدثنا المؤمل بن سعيد بن يوسف الرحبي حدثنا أبو المعلى أسد بن وداعة الطائي حدثنا وهب بن منبه عن طاوس بن كيسان عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله وبتوفيق الله" . وقال أيضا حدثنا عبد الأعلى بن واصل حدثنا سعيد بن محمد الجرمي حدثنا عبد الواحد بن واصل حدثنا أبو بشر المزلق عن ثابت عن أنس بن مالك قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم "إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم" . ورواه الحافظ أبو بكر البزار حدثنا سهل بن بحر حدثنا سعيد بن محمد الجرمي حدثنا أبو بشر يقال له ابن المزلق قال وكان ثقة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله "إن لله عبادا يعرفون الناس بالتوسم" . وإنها لبسبيل مقيم (76) وإنها لبسبيل مقيم وقوله "وإنها لبسبيل مقيم" أي وإن قرية سدوم التي أصابها ما أصابها من القلب الصوري والمعنوي والقذف بالحجارة حتى صارت بحيرة منتنة خبيثة بطريق مهيع مسالكه مستمرة إلى اليوم كقوله "وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا" تعقلون وإن يونس لمن المرسلين "وقال مجاهد والضحاك" وإنها لبسبيل مقيم "قال معلم وقال قتادة بطريق واضح وقال قتادة أيضا بصقع من الأرض واحد وقال السدي بكتاب مبين يعني كقوله" وكل شيء أحصيناه في إمام مبين "ولكن ليس المعنى على ما قال ههنا والله أعلم ." إن في ذلك لآية للمؤمنين (77) إن في ذلك لآية للمؤمنين وقوله "إن في ذلك لآية للمؤمنين" أي إن الذي صنعنا بقوم لوط من الهلاك والدمار وإنجاءنا لوطا وأهله لدلالة واضحة جلية للمؤمنين بالله ورسله . وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (78) وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين أصحاب الأيكة هم قوم شعيب قال الضحاك وقتادة وغيرهما الأيكة الشجر الملتف وكان ظلمهم بشركهم بالله وقطعهم الطريق ونقصهم المكيال والميزان . فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين (79) فانتقمنا منهم وإنهما لبإمام مبين فانتقم الله منهم بالصيحة والرجفة وعذاب يوم الظلة وقد كانوا قريبا من قوم لوط بعدهم في الزمان ومسامتين لهم في المكان ولهذا قال تعالى "وإنهما لبإمام مبين" أي طريق مبين قال ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيره طريق ظاهر ولهذا لما أنذر شعيب قومه قال في نذارته إياهم "وما قوم لوط منكم ببعيد" . ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (80) ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين أصحاب الحجر هم ثمود الذين كذبوا صالحا نبيهم عليه السلام ومن كذب برسول فقد كذب بجميع المرسلين ولهذا أطلق عليه تكذيب المرسلين . وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (81) وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين وذكر تعالى أنه آتاهم من الآيات ما يدلهم على صدق ما جاءهم به صالح كالناقة التي أخرجها الله لهم بدعاء صالح من صخرة صماء وكانت تسرج في بلادهم لها شرب ولهم شرب يوم معلوم فلما عتوا وعقروها قال لهم "تمتعوا في داركم ثلاثة أيام ذلك وعد غير مكذوب" وقال تعالى "وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى" . وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (82) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين وذكر تعالى أنهم "كانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين" أي من غير خوف ولا احتياج إليها بل أشرا وبطرا وعبثا كما هو المشاهد من صنيعهم في بيوتهم بوادي الحجر الذي مر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ذاهب إلى تبوك فقنع رأسه وأسرع دابته وقال لأصحابه "لا تدخلوا بيوت القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين فإن لم تبكوا فتباكوا خشية أن يصيبكم ما أصابهم" . فأخذتهم الصيحة مصبحين (83) فأخذتهم الصيحة مصبحين وقوله "فأخذتهم الصيحة مصبحين" أي وقت الصباح من اليوم الرابع . فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون (84) فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون "أي ما كانوا يستغلونه من زروعهم وثمارهم التي ضنوا بمائها عن الناقة حتى عقروها لئلا تضيق عليهم في المياه فما دفعت عنهم تلك الأموال ولا نفعتهم لما جاء أمر ربك ." وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل (85) وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل يقول تعالى "وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وإن الساعة لآتية" أي بالعدل "ليجزي الذين أساءوا بما عملوا" الآية وقال تعالى "وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار وقال تعالى أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم" ثم أخبر نبيه بقيام الساعة وأنها كائنة لا محالة ثم أمره بالصفح الجميل عن المشركين في أذاهم له وتكذيبهم ما جاءهم به كقوله "فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون" وقال مجاهد وقتادة وغيرهما كان هذا قبل القتال وهو كما قالا فإن هذه مكية والقتال إنما شرع بعد الهجرة . إن ربك هو الخلاق العليم (86) إن ربك هو الخلاق العليم وقوله "إن ربك هو الخلاق العليم" تقرير للمعاد وأنه تعالى قادر على إقامة الساعة إنه الخلاق الذي لا يعجزه خلق شيء , العليم بما تمزق من الأجساد وتفرق في سائر أقطار الأرض كقوله "أوليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذي بيده ملكوت كل شيء وإليه ترجعون" . ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (87) ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم كما آتيناك القرآن العظيم فلا تنظرن إلى الدنيا وزينتها وما متعنا به أهلها من الزهرة الفانية لنفتنهم فيه فلا تغبطهم بما هم فيه ولا تذهب نفسك عليهم حسرات حزنا عليهم في تكذيبهم لك ومخالفتهم دينك , وقد اختلف في السبع المثاني ما هي فقال ابن مسعود وابن عمر وابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغيرهم : هي السبع الطوال يعنون البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف ويونس نص عليه ابن عباس وسعيد بن جبير وقال سعيد بين فيهن الفرائض والحدود والقصص والأحكام وقال ابن عباس بين الأمثال والخبر والعبر وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا ابن أبي عمر قال : قال سفيان : المثاني البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والأنعام والأعراف والأنفال وبراءة سورة واحدة قال ابن عباس : ولم يعطهن أحد إلا النبي صلى الله عليه وسلم وأعطي موسى منهن ثنتين رواه هشيم عن الحجاج عن الوليد بن العيذار عن سعيد بن جبير عنه . وقال الأعمش عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : أوتي النبي صلى الله عليه وسلم سبعا من المثاني الطول وأوتي موسى عليه السلام ستا فلما ألقى الألواح ارتفع اثنتان وبقيت أربع . وقال مجاهد : هي السبع الطوال ويقال هي القرآن العظيم . وقال خصيف عن زياد بن أبي مريم في قوله تعالى "سبعا من المثاني" قال أعطيتك سبعة أجزاء مر وانه وبشر وأنذر واضرب الأمثال واعدد النعم وأنبئك بنبإ القرآن . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم "والقول الثاني" أنها الفاتحة وهي سبع آيات . وروي ذلك عن علي وعمر وابن مسعود وابن عباس قال ابن عباس : والبسملة هي الآية السابعة وقد خصكم الله بها . وبه قال إبراهيم النخعي وعبد الله بن عبيد بن عمير وابن أبي مليكة وشهر بن حوشب والحسن البصري ومجاهد . وقال قتادة : ذكر لنا أنهن فاتحة الكتاب وأنهن يثنين في كل ركعة مكتوبة أو تطوع واختاره ابن جرير واحتج بالأحاديث الواردة في ذلك وقد قدمناها في فضائل سورة الفاتحة في أول التفسير ولله الحمد . وقد أورد البخاري رحمه الله تعالى ههنا حديثين أحدهما قال : حدثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن حبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي سعيد بن المعلى قال : مر بي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أصلي فدعاني فلم آته حتى صليت فأتيته فقال "ما منعك أن تأتيني ؟" فقلت كنت أصلي فقال "ألم يقل الله" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد" فذهب النبي صلى الله عليه وسلم ليخرج فذكرت فقال "الحمد لله رب العالمين" هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته "" الثاني "قال : حدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب حدثنا المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم "فهذا نص في أن الفاتحة السبع المثاني والقرآن العظيم ولكن لا ينافي وصف غيرها من السبع الطول بذلك لما فيها من هذه الصفة كما لا ينافي وصف القرآن بكماله" بذلك أيضا كما قال تعالى "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني" فهو مثاني من وجه ومتشابه من وجه وهو القرآن العظيم أيضا كما أنه عليه الصلاة والسلام لما سئل عن المسجد الذي أسس على التقوى فأشار إلى مسجده والآية نزلت في مسجد قباء فلا تنافي فإن ذكر الشيء لا ينفي ذكر ما عداه إذا اشتركا في تلك الصفة والله أعلم . لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين (88) لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ولا تحزن عليهم واخفض جناحك للمؤمنين وقوله "لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم" أي استغن بما آتاك الله من القرآن العظيم عما هم فيه من المتاع والزهرة الفانية ومن ههنا ذهب ابن عيينة إلى تفسير الحديث الصحيح "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" إلى أنه يستغنى به عما عداه وهو تفسير صحيح ولكن ليس هو المقصود من الحديث كما تقدم في أول التفسير . وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن وكيع بن الجراح حدثنا موسى بن عبيدة عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي رافع صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال ضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفا ولم يكن عند النبي صلى الله عليه وسلم شيء يصلحه فأرسل إلى رجل من اليهود "يقول لك محمد رسول الله أسلفني دقيقا إلى هلال رجب" قال لا إلا برهن فأتيت النبي صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم فأخبرته فقال "أما والله إني لأمين من في السماء وأمين من في الأرض ولئن أسلفني" أو باعني لأؤدين إليه "فلما خرجت من عنده نزلت هذه الآية" لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا "إلى آخر الآية كأنه يعزيه عن الدنيا ." قال العوفي عن ابن عباس "لا تمدن عينيك" قال نهي الرجل أن يتمنى ما لصاحبه . وقال مجاهد "إلى ما متعنا به أزواجا منهم" هم الأغنياء . واخفض جناحك للمؤمنين أي ألن لهم جانبك كقوله "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم" . وقل إني أنا النذير المبين (89) وقل إني أنا النذير المبين يأمر تعالى نبيه أن يقول للناس "إني أنا النذير المبين" البين النذارة نذير للناس من عذاب أليم أن يحل بهم على تكذيبه كما حل بمن تقدمهم من الأمم المكذبة لرسلها وما أنزل الله عليهم من العذاب والانتقام . كما أنزلنا على المقتسمين (90) كما أنزلنا على المقتسمين وقوله "المقتسمين" أي المتحالفين أي تحالفوا على مخالفة الأنبياء وتكذيبهم وأذاهم كقوله تعالى إخبارا عن قوم صالح أنهم "قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله" الآية أي نقتلهم ليلا . قال مجاهد : تقاسموا وتحالفوا "وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت" "أولم تكونوا أقسمتم من قبل" الآية "أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة" فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء من الدنيا إلا أقسموا عليه فسموا مقتسمين . قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : المقتسمون أصحاب صالح الذين تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله . وفي الصحيحين عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قومه فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني وإني أنا النذير العريان فالنجاء النجاء فأطاعه طائفة من قومه فأدلجوا وانطلقوا على مهلهم فنجوا وكذبه طائفة منهم فأصبحوا مكانهم فصبحهم الجيش فأهلكهم واجتاحهم فذلك مثل من أطاعني واتبع ما جئت به ومثل من عصاني وكذب ما جئت به من الحق" . الذين جعلوا القرآن عضين (91) الذين جعلوا القرآن عضين وقوله "الذين جعلوا القرآن عضين" أي جزءوا كتبهم المنزلة عليهم فآمنوا ببعض وكفروا ببعض قال البخاري : حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا هشيم أنبأنا أبو بشر سعيد بن جبير عن ابن عباس "جعلوا القرآن عضين" قال هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس "جعلوا القرآن عضين" قال هم أهل الكتاب جزءوه أجزاء فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه . حدثنا عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس قال "كما أنزلنا على المقتسمين" قال : آمنوا ببعض وكفروا ببعض اليهود والنصارى . قال ابن أبي حاتم وروي عن مجاهد والحسن والضحاك وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم نحو ذلك . وقال الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس "جعلوا القرآن عضين" قال السحر . وقال عكرمة : العضه السحر بلسان قريش يقول للساحرة إنها العاضهة . وقال مجاهد : عضوه أعضاء قالوا سحر وقالوا كهانة وقالوا أساطير الأولين وقال عطاء قال بعضهم ساحر وقالوا مجنون وقالوا كاهن فذلك العضين . وكذا روي عن الضحاك وغيره وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد بن جبير عن ابن عباس أن الوليد بن المغيرة اجتمع إليه نفر من قريش وكان ذا شرف فيهم وقد حضر الموسم فقال لهم يا معشر قريش إنه قد حضر هذا الموسم وإن وفود العرب ستقدم عليكم فيه وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا فقالوا وأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به قال : بل أنتم قولوا لأسمع قالوا : نقول كاهن قال ما هو بكاهن قالوا فنقول مجنون قال ما هو بمجنون قالوا فنقول شاعر قال ما هو بشاعر قالوا فنقول ساحر قال ما هو بساحر قالوا فماذا نقول ؟ قال والله إن لقوله لحلاوة فما أنتم بقائلين من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل وإن أقرب القول أن تقولوا هو ساحر ; فتفرقوا عنه بذلك وأنزل الله فيهم "الذين جعلوا القرآن عضين" أصنافا . فوربك لنسألنهم أجمعين (92) فوربك لنسألنهم أجمعين "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" أولئك النفر الذين قالوا لرسول الله . وقال عبد الله هو ابن مسعود والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول : ابن آدم ماذا غرك مني بي ؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت ؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ؟ . عما كانوا يعملون (93) عما كانوا يعملون وقال عطية العوفي عن ابن عمر في قوله "لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" . قال عن لا إله إلا الله وقال عبد الرزاق أنبأنا الثوري عن ليث هو ابن أبي سليم عن مجاهد في قوله تعالى "لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" قال : عن لا إله إلا الله . وقد روى الترمذي وأبو يعلى الموصلي وابن جرير وابن أبي حاتم من حديث شريك القاضي عن ليث بن أبي سليم عن بشير بن أبي نهيك عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم "فوربك لنسألنهم أجمعين" قال : عن لا إله إلا الله ورواه ابن إدريس عن ليث عن بشير عن أنس موقوفا وقال ابن جرير : حدثنا أحمد حدثنا أبو أحمد حدثنا شريك عن هلال عن عبد الله بن حكيم قال : ورواه الترمذي وغيره من حديث أنس مرفوعا . وقال عبد الله هو ابن مسعود والذي لا إله غيره ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول : ابن آدم ماذا غرك مني بي ؟ ابن آدم ماذا عملت فيما علمت ؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين ؟ وقال أبو جعفر عن الربيع عن أبي العالية في قوله "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" قال يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عما كانوا يعبدون وعن ماذا أجابوا المرسلين وقال ابن عيينة عن عملك وعن مالك وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي حدثنا أحمد بن أبي الحواري حدثنا يونس الحذاء عن أبي حمزة الشيباني عن معاذ بن جبل قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا معاذ إن المرء يسأل يوم القيامة عن جميع سعيه حتى كحل عينيه وعن فتات الطينة بإصبعه فلا ألفينك يوم القيامة وأحد غيرك أسعد بما آتاك الله منك" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون" ثم قال "فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان" قال لا يسألهم هل عملتم كذا ؟ لأنه أعلم ذلك منهم ولكن يقول لم عملتم كذا وكذا ؟ . فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (94) فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم بإبلاغ ما بعثه به وبإنفاذه والصدع به وهو مواجهة المشركين به كما قال ابن عباس في قوله "فاصدع بما تؤمر" أي أمضه وفي رواية "افعل ما تؤمر" وقال مجاهد هو الجهر بالقرآن في الصلاة . وقال أبو عبيدة عن عبد الله بن مسعود : ما زال النبي صلى الله عليه وسلم مستخفيا حتى نزلت "فاصدع بما تؤمر" فخرج هو وأصحابه وقوله "وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين" أي بلغ ما أنزل إليك من ربك ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله "ودوا لو تدهن فيدهنون" ولا تخفهم فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم كقوله تعالى "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا عون بن كهمس عن يزيد بن درهم عن أنس قال : سمعت أنسا يقول في هذه الآية "إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر" قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمزه بعضهم فجاء جبريل قال أحسبه قال فغمزهم فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا . وقال محمد بن إسحاق : كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم من بني أسد بن عبد العزى بن قصي الأسود بن المطلب أبي زمعة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه فقال "اللهم أعم بصره وأثكله ولده" ومن بني زهرة الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ومن بني سهم ابن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد ومن خزاعة الحارث بن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد بن عمر بن ملكان . فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين" إلى قوله - "فسوف يعلمون" قال ابن إسحاق فحدث يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله وكان أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر إزاره وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش وليس بشيء فانتفض به فقتله ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص قدمه فخرج على حمار له يريد الطائف فربض على شبرقة فدخلت في أخمص قدمه فقتلته ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن رجل عن ابن عباس قال : كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به عن يزيد عن عروة بطوله إلا أن سعيدا يقول الحارث بن غيطلة وعكرمة يقول الحارث بن قيس قال الزهري وصدقا هو الحارث بن قيس وأمه غيطلة وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد أنهم كانوا خمسة وقال الشعبي : كانوا سبعة والمشهور الأول . إنا كفيناك المستهزئين (95) إنا كفيناك المستهزئين وقوله "وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين" أي بلغ ما أنزل إليك من ربك ولا تلتفت إلى المشركين الذين يريدون أن يصدوك عن آيات الله "ودوا لو تدهن فيدهنون" ولا تخفهم فإن الله كافيك إياهم وحافظك منهم كقوله تعالى "يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس" قال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا يحيى بن محمد بن السكن حدثنا إسحاق بن إدريس حدثنا عون بن كهمس عن يزيد بن درهم عن أنس قال : سمعت أنسا يقول في هذه الآية "إنا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر" قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم فغمزه بعضهم فجاء جبريل قال أحسبه قال فغمزهم فوقع في أجسادهم كهيئة الطعنة فماتوا . وقال محمد بن إسحاق : كان عظماء المستهزئين كما حدثني يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير خمسة نفر وكانوا ذوي أسنان وشرف في قومهم من بني أسد بن عبد العزى بن قصي الأسود بن المطلب أبي زمعة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بلغني قد دعا عليه لما كان يبلغه من أذاه واستهزائه فقال "اللهم أعم بصره وأثكله ولده" ومن بني زهرة الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ومن بني مخزوم الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ومن بني سهم ابن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سعد ومن خزاعة الحارث ابن الطلاطلة بن عمرو بن الحارث بن عبد بن عمر بن ملكان . فلما تمادوا في الشر وأكثروا برسول الله صلى الله عليه وسلم الاستهزاء أنزل الله تعالى "فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين إنا كفيناك المستهزئين" إلى قوله - "فسوف يعلمون" قال ابن إسحاق فحدث يزيد بن رومان عن عروة بن الزبير أو غيره من العلماء أن جبريل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالبيت فقام وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه فمر به الأسود بن عبد يغوث فأشار إلى بطنه فاستسقى بطنه فمات منه ومر به الوليد بن المغيرة فأشار إلى أثر جرح بأسفل كعب رجله وكان أصابه قبل ذلك بسنين وهو يجر إزاره وذلك أنه مر برجل من خزاعة يريش نبلا له فتعلق سهم من نبله بإزاره فخدش رجله ذلك الخدش وليس بشيء فانتفض به فقتله ومر به العاص بن وائل فأشار إلى أخمص قدمه فخرج على حمار له يريد الطائف فربض على شبرقة فدخلت في أخمص قدمه فقتلته ومر به الحارث بن الطلاطلة فأشار إلى رأسه فامتخط قيحا فقتله قال محمد بن إسحاق : حدثني محمد بن أبي محمد عن رجل عن ابن عباس قال : كان رأسهم الوليد بن المغيرة وهو الذي جمعهم وهكذا روي عن سعيد بن جبير وعكرمة نحو سياق محمد بن إسحاق به عن يزيد عن عروة بطوله إلا أن سعيدا يقول الحارث ابن غيطلة وعكرمة يقول الحارث بن قيس قال الزهري وصدقا هو الحارث بن قيس وأمه غيطلة وكذا روي عن مجاهد ومقسم وقتادة وغير واحد أنهم كانوا خمسة وقال الشعبي : كانوا سبعة والمشهور الأول . الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون (96) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون وقوله "الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون" تهديد شديد ووعيد أكيد لمن جعل مع الله معبودا آخر . ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون وقوله "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" أي وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض فلا يهيدنك ذلك ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة ولهذا قال "فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد ![]()
__________________
|
|
#309
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة النحل من صـ 286 الى صــ 300 الحلقة (309) : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن عمار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" ورواه أبو داود والنسائي من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى . فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (98) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين وقوله "ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" أي وإنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك ضيق صدر وانقباض فلا يهيدنك ذلك ولا يثنينك عن إبلاغك رسالة الله وتوكل عليه فإنه كافيك وناصرك عليهم فاشتغل بذكر الله وتحميده وتسبيحه وعبادته التي هي الصلاة ولهذا قال "فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين" كما جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن كثير بن مرة عن نعيم بن عمار أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "قال الله تعالى يا ابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره" ورواه أبو داود والنسائي من حديث مكحول عن كثير بن مرة بنحوه ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى . واعبد ربك حتى يأتيك اليقين (99) واعبد ربك حتى يأتيك اليقين وقوله "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" قال البخاري قال سالم الموت وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر كما قال ابن جرير : حدثنا محمد بن بشار حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان حدثنا طارق بن عبد الرحمن عن سالم بن عبد الله "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" قال الموت وهكذا قال مجاهد والحسن وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيره والدليل على ذلك قوله تعالى إخبارا عن أهل النار أنهم قالوا "لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين" وفي الصحيح من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أم العلاء امرأة من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات قالت أم العلاء رحمة الله عليك أبا السائب فشهادتي عليك لقد أكرمك الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "وما يدريك أن الله أكرمه ؟" فقلت بأبي وأمي يا رسول الله فمن ؟ فقال "أما هو فقد جاءه اليقين وإني لأرجو له الخير" ويستدل بهذه الآية الكريمة وهي قوله "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين" على أن العبادة كالصلاة ونحوها واجبة على الإنسان ما دام عقله ثابتا فيصلي بحسب حاله كما ثبت في صحيح البخاري عن عمران بن حصين رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال صل قائما فإن لم تستطع فقاعدا فإن لم تستطع فعلى جنب "ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم وهذا كفر وضلال وجهل فإن الأنبياء" كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة وإنما المراد باليقين ههنا الموت كما قدمناه ولله الحمد والمنة والحمد لله على الهداية وعليه الاستعانة والتوكل وهو المسئول أن يتوفانا على أكمل الأحوال وأحسنها فإنه جواد كريم . آخر تفسير سورة الحجر والحمد لله رب العالمين . سورة النحل أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون (1) أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون يخبر تعالى عن اقتراب الساعة ودنوها معبرا بصيغة الماضي الدال على التحقيق والوقوع لا محالة كقوله "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون" وقال "اقتربت الساعة وانشق القمر" وقوله "فلا تستعجلوه" أي قرب ما تباعد "فلا تستعجلوه" يحتمل أن يعود الضمير على الله ويحتمل أن يعود على العذاب وكلاهما متلازم كما قال تعالى "ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين" وقد ذهب الضحاك في تفسير هذه الآية إلى قول عجيب فقال في قوله "أتى أمر الله" أي فرائضه وحدوده وقد رده ابن جرير فقال : لا نعلم أحدا استعجل بالفرائض وبالشرائع قبل وجودها بخلاف العذاب فإنهم استعجلوه قبل كونه استبعادا وتكذيبا قلت كما قال تعالى "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد" . وقال ابن أبي حاتم : ذكر عن يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش عن محمد بن عبد الله مولى المغيرة بن شعبة عن كعب بن علقمة عن عبد الرحمن بن حجيرة عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "تطلع عليكم عند الساعة سحابة سوداء من المغرب مثل الترس فما تزال ترتفع في السماء ثم ينادي مناد فيها : أيها الناس فيقبل الناس بعضهم على بعض هل سمعتم ؟ فمنهم من يقول نعم ومنهم من يشك ثم ينادي الثانية يا أيها الناس فيقول الناس بعضهم لبعض : هل سمعتم ؟ فيقولون نعم ثم ينادي الثالثة أيها الناس أتى أمر الله فلا تستعجلوه" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فوالذي نفسي بيده إن الرجلين لينشران الثوب فما يطويانه أبدا وإن الرجل ليمدن حوضه فما يسقي فيه شيئا أبدا وإن الرجل ليحلب ناقته فما يشربه أبدا - قال - ويشتغل الناس "ثم إنه تعالى نزه نفسه عن شركهم به غيره وعبادتهم معه ما سواه من الأوثان والأنداد تعالى وتقدس علوا كبيرا وهؤلاء هم المكذبون بالساعة فقال" سبحانه وتعالى عما يشركون "." ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (2) ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون يقول تعالى "ينزل الملائكة بالروح" أي الوحي كقوله "وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا" وقوله "على من يشاء من عباده" وهم الأنبياء كما قال تعالى "الله أعلم حيث يجعل رسالته" وقال "الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس" وقال "يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار" وقوله "أن أنذروا" أي لينذروا "أنه لا إله إلا أنا فاتقوني" أي فاتقوا عقوبتي لمن خالف أمري وعبد غيري . خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (3) خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون يخبر تعالى عن خلقه العالم العلوي وهو السماوات والعالم السفلي وهو الأرض بما حوت وأن ذلك مخلوق بالحق لا للعبث بل "ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى" ثم نزه نفسه عن شرك من عبد معه غيره وهو المستقل بالخلق وحده لا شريك له فلهذا يستحق أن يعبد وحده لا شريك له . خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين (4) خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ثم نبه على خلق جنس الإنسان من نطفة أي مهينة ضعيفة فلما استقل ودرج إذا هو يخاصم ربه تعالى ويكذبه ويحارب رسله وهو إنما خلق ليكون عبدا لا ضدا كقوله تعالى "وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا" وقوله "أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم" وفي الحديث الذي رواه الإمام أحمد وابن ماجه عن بشر بن جحاش قال : بصق رسول الله في كفه ثم قال "يقول الله تعالى : ابن آدم أنى تعجزني وقد خلقتك من مثل هذه حتى إذا سويتك فعدلتك مشيت بين برديك وللأرض منك وئيد فجمعت ومنعت حتى إذا بلغت الحلقوم قلت أتصدق ؟ وأنى أوان الصدقة ؟" . والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (5) والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون يمتن تعالى على عباده بما خلق لهم من الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم كما فصلها في سورة الأنعام إلى ثمانية أزواج وبما جعل لهم فيها من المصالح والمنافع من أصوافها وأوبارها وأشعارها يلبسون ويفترشون ومن ألبانها يشربون ويأكلون من أولادها . ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون وما لهم فيها من الجمال وهو الزينة ولهذا قال "ولكم فيها جمال حين تريحون" وهو وقت رجوعها عشيا من المرعى فإنها تكون أمده خواصر وأعظمه ضروعا وأعلاه أسنمة "وحين تسرحون" أي غدوة حين تبعثونها إلى المرعى . وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم (7) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم "" وتحمل أثقالكم "وهي الأحمال الثقيلة التي تعجزون عن نقلها وحملها" إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس "وذلك في الحج والعمرة والغزو والتجارة وما جرى مجرى ذلك تستعملونها في أنواع الاستعمال من ركوب وتحميل كقوله" وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون وعليها وعلى الفلك تحملون "وقال تعالى" الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون ويريكم آياته فأي آيات الله تنكرون "ولهذا قال هنا بعد تعداد هذه النعم" إن ربكم لرءوف رحيم "أي ربكم الذي قيض لكم هذه الأنعام وسخرها لكم كقوله" أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون "وقال" وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون "قال ابن عباس :" لكم فيها دفء "أي ثياب و" ومنافع "ما ينتفعون به من الأطعمة والأشربة وقال عبد الرزاق : أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس : دفء ومنافع نسل كل دابة وقال مجاهد لكم فيها دفء أي لباس" ينسج ومنافع مركب ولحم ولبن قال قتادة : دفء ومنافع يقول لكم فيها لباس ومنفعة وبلغة. وكذا قال غير واحد من المفسرين بألفاظ متقاربة. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون هذا صنف آخر مما خلق تبارك وتعالى لعباده يمتن به عليهم وهو الخيل والبغال والحمير التي جعلها للركوب والزينة بها وذلك أكبر المقاصد منها ولما فصلها من الأنعام وأفردها بالذكر استدل من استدل من العلماء ممن ذهب إلى تحريم لحوم الخيل بذلك على ما ذهب إليه فيها كالإمام أبي حنيفة رحمه الله ومن وافقه من الفقهاء بأنه تعالى قرنها بالبغال والحمير وهي حرام كما ثبتت به السنة النبوية وذهب إليه أكثر العلماء وقد روى الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثني يعقوب حدثنا ابن علية أنبأنا هشام الدستوائي حدثنا يحيى بن أبي كثير عن مولى نافع بن علقمة عن ابن عباس أنه كان يكره لحوم الخيل والبغال والحمير وكان يقول : قال الله تعالى "والأنعام" خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون "فهذه للأكل" والخيل والبغال والحمير لتركبوها "فهذه للركوب وكذا روي من طريق سعيد بن جبير وغيره عن ابن عباس بمثله ." وقال مثل ذلك الحكم بن عيينة أيضا رضي الله عنه واستأنسوا بحديث رواه الإمام أحمد في مسنده : حدثنا يزيد بن عبد ربه حدثنا بقية بن الوليد حدثنا ثور بن يزيد عن صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد رضي الله عنه قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث صالح بن يحيى بن المقدام وفيه كلام ورواه أحمد أيضا من وجه آخر بأبسط من هذا وأدل منه فقال : حدثنا أحمد بن عبد الملك حدثنا محمد بن حرب حدثنا سليمان بن سليم عن صالح بن يحيى بن المقدام عن جده المقدام بن معد يكرب قال : غزونا مع خالد بن الوليد الصائفة فقدم أصحابنا إلى اللحم فسألوني رمكة فدفعتها إليهم فحبلوها وقلت مكانكم حتى آتي خالدا فأسأله فأتيته فسألته فقال : غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة خيبر فأسرع الناس في حظائر يهود فأمرني أن أنادي الصلاة جامعة ولا يدخل الجنة إلا مسلم ثم قال "أيها الناس إنكم قد أسرعتم في حظائر يهود ألا لا يحل أموال المعاهدين إلا بحقها وحرام عليكم لحوم الحمر الأهلية وخيلها وبغالها وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير" والرمكة هي الحجرة وقوله حبلوها أي أوثقوها في الحبل ليذبحوها والحظائر البساتين القريبة من العمران وكأن هذا الصنيع وقع بعد إعطائهم العهد ومعاملتهم على الشطر والله أعلم . فلو صح هذا الحديث لكان نصا في تحريم لحوم الخيل ولكن لا يقاوم ما ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل . ورواه الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال : ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البغال والحمير ولم ينهنا عن الخيل. وفي صحيح مسلم عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت : نحرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا فأكلناه ونحن بالمدينة فهذه أدل وأقوى وأثبت وإلى ذلك صار جمهور العلماء مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وأكثر السلف والخلف والله أعلم . وقال عبد الرزاق أنبأنا ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس قال : كانت الخيل وحشية فذللها الله لإسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام وذكر وهب بن منبه في إسرائيلياته أن الله خلق الخيل من ريح الجنوب والله أعلم فقد دل النص على جواز ركوب هذه الدواب ومنها البغال. وقد أهديت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلة فكان يركبها مع أنه قد نهى عن إنزاء الحمر على الخيل لئلا ينقطع النسل . قال الإمام أحمد : حدثني محمد بن عبيد حدثنا عمر من آل حذيفة عنه عن الشعبي عن دحية الكلبي قال : قلت يا رسول الله ألا أحمل لك حمارا على فرس فتنتج لك بغلا فتركبها ؟ قال "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون" . وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين لما ذكر تعالى من الحيوانات ما يسار عليه في السبل الحسية نبه على الطرق المعنوية الدينية وكثيرا ما يقع في القرآن العبور من الأمور الحسية إلى الأمور المعنوية النافعة الدينية كقوله تعالى "وتزودوا فإن خير الزاد التقوى" وقال تعالى "يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير" ولما ذكر تعالى في هذه السورة الحيوانات من الأنعام وغيرها التي يركبونها ويبلغون عليها حاجة في صدورهم وتحمل أثقالهم إلى البلاد والأماكن البعيدة والأسفار الشاقة شرع في ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه فبين أن الحق منها ما هي موصلة إليه فقال "وعلى الله قصد السبيل" كقوله "وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله" وقال "قال هذا صراط علي مستقيم" قال مجاهد في قوله "وعلى الله قصد السبيل" قال طريق الحق على الله وقال السدي "وعلى الله قصد السبيل" الإسلام وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "وعلى الله قصد السبيل" يقول وعلى الله البيان أي يبين الهدى والضلالة وكذا روى علي بن أبي طلحة عنه وكذا قال قتادة والضحاك وقول مجاهد هاهنا أقوى من حيث السياق لأنه تعالى أخبر أن ثم طرقا تسلك إليه فليس يصل إليه منها إلا طريق الحق وهي الطريق التي شرعها ورضيها وما عداها مسدودة والأعمال فيها مردودة ولهذا قال تعالى "ومنها جائر" أي حائد مائل زائغ عن الحق قال ابن عباس وغيره : هي الطرق المختلفة والآراء والأهواء المتفرقة كاليهودية والنصرانية والمجوسية وقرأ ابن مسعود "ومنكم جائر" ثم أخبر تعالى أن ذلك كله كائن عن قدرته ومشيئته فقال "ولو شاء لهداكم أجمعين" كما قال تعالى "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا" وقال "ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين" . هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون (10) هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر فيه تسيمون لما ذكر تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب شرع في ذكر نعمته عليهم في إنزال المطر من السماء وهو العلو مما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم فقال "لكم منه شراب" أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه ولم يجعله ملحا أجاجا "ومنه شجر فيه تسيمون" أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم . وقال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة وابن زيد في قوله فيه تسيمون أي ترعون ومنه الإبل السائمة والسوم : الرعي وروى ابن ماجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن السوم قبل طلوع الشمس . ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون (11) ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون وقوله "ينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات" أي يخرجها من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف صنوفها وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها ولهذا قال "إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون" أي دلالة وحجة على أنه لا إله إلا الله كما قال تعالى "أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون" . وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (12) وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ينبه تعالى عباده على آياته العظام ومننه الجسام في تسخيره الليل والنهار يتعاقبان والشمس والقمر يدوران والنجوم الثوابت والسيارات في أرجاء السماوات نورا وضياء ليهتدى بها في الظلمات وكل منها يسير في فلكه الذي جعله الله تعالى فيه يسير بحركة مقدرة لا يزيد عليها ولا ينقص عنها والجميع تحت قهره وسلطانه وتسخيره وتقديره وتسهيله كقوله "إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" ولهذا قال "إن في ذلك لآيات"لقوم يعقلون "أي لدلالات على قدرته تعالى الباهرة وسلطانه العظيم لقوم يعقلون عن الله ويفهمون حججه ." وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (13) وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون وقوله "وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه" لما نبه تعالى على معالم السماوات نبه على ما خلق في الأرض من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة من الحيوانات والمعادن والنباتات والجمادات على اختلاف ألوانها وأشكالها وما فيها من المنافع والخواص "إن في ذلك لآية لقوم يذكرون" أي آلاء الله ونعمه فيشكرونها. وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (14) وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون يخبر تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه وجعله السمك والحيتان فيه وإحلاله لعباده لحمها حيها وميتها في الحل والإحرام وما يخلقه فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة وتسهيله للعباد استخراجهم من قراره حلية يلبسونها وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره أي تشقه وقيل تمخر الرياح وكلاهما صحيح وقيل تمخره بجؤجئها وهو صدرها المسنم الذي أرشد العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك إرثا عن أبيهم نوح عليه السلام فإنه أول من ركب السفن وله كان تعليم صنعتها ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل يسيرون من قطر إلى قطر ومن بلد إلى بلد ومن إقليم إلى إقليم لجلب ما هناك إلى هنا وما هنا إلى هناك ولهذا قال تعالى "ولتبتغوا" من فضله ولعلكم تشكرون "أي نعمه وإحسانه ." وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده : وجدت في كتابي عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو عن سهل بن أبى صالح عن أبيه عن أبي هريرة قال : كلم الله البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للبحر الغربي إني حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع فيهم ؟ قال أغرقهم فقال بأسك في نواحيك واحملهم على يدي وحرمت الحلية والصيد وكلم البحر الشرقي فقال : إني حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم ؟ فقال : أحملهم على يدي وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية والصيد ثم قال البزار لا نعلم من رواه عن سهل غير عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو وهو منكر الحديث وقد رواه سهل عن النعمان بن أبي عياش عن عبد الله بن عمرو موقوفا . وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (15) وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون ثم ذكر تعالى الأرض وما ألقى فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات لتقر الأرض ولا تميد أي تضطرب بما عليها من الحيوانات فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك ولهذا قال "والجبال أرساها" وقال عبد الرزاق : أنبأنا معمر عن قتادة سمعت الحسن يقول : لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال "وقال سعيد عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة أن الله لما خلق الأرض جعلت تمور فقالت الملائكة : ما هذه بمقرة على ظهرها أحدا فأصبحت صبحا وفيها" رواسيها. ![]()
__________________
|
|
#310
|
||||
|
||||
![]() تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي الجزء (8) سورة النحل من صـ 301 الى صــ 315 الحلقة (310) وقال ابن جرير : حدثني المثنى حدثني حجاج بن منهال حدثنا حماد عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن حبيب عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال لما خلق الله الأرض فمضت وقالت أي رب تجعل علي بني آدم يعملون الخطايا ويجعلون علي الخبث ؟ قال فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون فكان إقرارها كاللحم يترجرج . وقوله "وأنهارا وسبلا" أي جعل فيها أنهارا تجري من مكان إلى مكان آخر رزقا للعباد ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر فيقطع البقاع والبراري والقفار ويخترق الجبال والآكام فيصل إلى البلد الذي سخر لأهله وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة وجنوبا وشمالا وشرقا وغربا ما بين صغار وكبار وأودية تجري حينا وتنقطع في وقت وما بين نبع وجميع وقوي السير وبطيئه بحسب ما أراد وقدر وسخر ويسر فلا إله إلا هو ولا رب سواه. وكذلك جعل فيها سبلا أي طرقا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد حتى أنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون ما بينهما ممرا ومسلكا كما قال تعالى "وجعلنا فيها فجاجا سبلا" الآية . وعلامات وبالنجم هم يهتدون (16) وعلامات وبالنجم هم يهتدون وقوله "وعلامات" أي دلائل من جبال كبار وآكام صغار ونحو ذلك يستدل بها المسافرون برا وبحرا إذا ضلوا الطرق . وقوله "وبالنجم هم يهتدون" أي في ظلام الليل قاله ابن عباس. وعن مالك في قوله "وعلامات وبالنجم هم يهتدون" يقول النجوم وهي الجبال . أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون (17) أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون ثم نبه تعالى على عظمته وأنه لا تنبغي العبادة إلا له دون ما سواه من الأوثان التي لا تخلق شيئا بل هم يخلقون ولهذا قال "أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون" . وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (18) وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم ثم نبههم على كثرة نعمه عليهم وإحسانه إليهم فقال "وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم" أي يتجاوز عنكم ولو طالبكم بشكر نعمه لعجزتم عن القيام بذلك ولو أمركم به لضعفتم وتركتم ولو عذبكم لعذبكم وهو غير ظالم لكم ولكنه غفور رحيم يغفر الكثير ويجازي على اليسير . وقال ابن جرير : يقول إن الله لغفور لما كان منكم من تقصير في شكر بعض ذلك إذا تبتم وأنبتم إلى طاعته واتباع مرضاته رحيم بكم لا يعذبكم بعد الإنابة والتوبة. والله يعلم ما تسرون وما تعلنون (19) والله يعلم ما تسرون وما تعلنون يخبر تعالى أنه يعلم الضمائر والسرائر كما يعلم الظواهر وسيجزي كل عامل بعمله يوم القيامة إن خيرا فخير وإن شرا فشر . والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون (20) والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ثم أخبر أن الأصنام التي يدعونها من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون كما قال الخليل "أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون" . أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون (21) أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون وقوله "أموات غير أحياء" أي هي جمادات لا أرواح فيها فلا تسمع ولا تبصر ولا تعقل "وما يشعرون أيان يبعثون" أي لا يدرون متى تكون الساعة فكيف يرتجى عند هذه نفع أو ثواب أو جزاء ؟ إنما يرجى ذلك من الذي يعلم كل شيء وهو خالق كل شيء . إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون (22) إلهكم إله واحد فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون يخبر تعالى أنه لا إله إلا هو الواحد الأحد الفرد الصمد وأخبر أن الكافرين تنكر قلوبهم ذلك كما أخبر عنهم متعجبين من ذلك "أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب" وقال تعالى "وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون" وقوله "وهم مستكبرون" أي عن عبادة الله مع إنكار قلوبهم لتوحيده كما قال "إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين" . لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين (23) لا جرم أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه لا يحب المستكبرين ولهذا قال هاهنا "لا جرم" أي حقا "أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون" أي وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء "إنه لا يحب المستكبرين" . وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين (24) وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين يقول تعالى وإذا قيل لهؤلاء المكذبين "ماذا أنزل ربكم قالوا" معرضين عن الجواب "أساطير الأولين" أي لم ينزل شيئا إنما هذا الذي يتلى علينا أساطير الأولين أي مأخوذ من كتب المتقدمين كما قال تعالى "وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا" أي يفترون على الرسول ويقولون أقوالا متضادة مختلفة كلها باطلة كما قال تعالى "انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا" وذلك أن كل من خرج عن الحق فمهما قال أخطأ وكانوا يقولون ساحر وشاعر وكاهن ومجنون ثم استقر أمرهم إلى ما اختلقه لهم شيخهم الوحيد المسمى بالوليد بن المغيرة المخزومي لما "فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر" أي ينقل ويحكى فتفرقوا عن قوله ورأيه قبحهم الله. ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (25) ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون قال الله تعالى "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم" أي إنما قدرنا عليهم أن يقولوا ذلك ليتحملوا أوزارهم ومن أوزار الذين يتبعونهم ويوافقونهم أي يصير عليهم خطيئة ضلالهم في أنفسهم وخطيئة إغوائهم لغيرهم واقتداء أولئك بهم كما جاء في الحديث "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" وقال تعالى "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا يفترون" وهكذا روى العوفي عن ابن عباس في الآية "ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم" أنها كقوله "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم" وقال مجاهد : يحملون أثقالهم ذنوبهم وذنوب من أطاعهم ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئا . قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون (26) قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون قال العوفي عن ابن عباس في قوله "قد مكر الذين من قبلهم" قال هو النمروذ الذي بنى الصرح قال ابن أبي حاتم وروي عن مجاهد نحوه وقال عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أول جبار كان في الأرض النمروذ فبعث الله عليه بعوضة فدخلت في منخره فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه وكان جبارا أربعمائة سنة فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه ثم أماته وهو الذي بنى الصرح إلى السماء الذي قال الله تعالى "فأتى الله بنيانهم من القواعد" وقال آخرون بل هو بختنصر وذكروا من المكر الذي حكاه الله هاهنا كما قال في سورة إبراهيم "وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال" وقال آخرون هذا من باب المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره كما قال نوح عليه السلام "ومكروا مكرا كبارا" أي احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة "بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا" الآية وقوله "فأتى الله بنيانهم من القواعد" أي اجتثه من أصله وأبطل عملهم كقوله تعالى "كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله" وقوله "فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار" وقال الله هاهنا "فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ثم يوم القيامة يخزيهم" . ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين (27) ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم قال الذين أوتوا العلم إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين يظهر فضائحهم وما كانت تجنيه ضمائرهم فجعله علانية كقوله تعالى "يوم تبلى السرائر" أي تظهر وتشتهر كما في الصحيحين عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته فيقال هذه غدرة فلان بن فلان" وهكذا هؤلاء يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رءوس الخلائق ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعا لهم وموبخا "أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم" تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا ؟ "هل ينصرونكم أو ينتصرون" "فما له من قوة ولا ناصر" فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة وحقت عليهم الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار "قال الذين أوتوا العلم" وهم السادة في الدنيا والآخرة والمخبرون عن الحق في الدنيا والآخرة فيقولون حينئذ "إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين" أي الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه . الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (28) الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم فألقوا السلم ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون يخبر تعالى عن حال المشركين الظالمي أنفسهم عند احتضارهم ومجيء الملائكة إليهم لقبض أرواحهم الخبيثة "فألقوا السلم" أي أظهروا السمع والطاعة والانقياد قائلين "ما كنا نعمل من سوء" كما يقولون يوم المعاد "والله ربنا ما كنا مشركين" "يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم" قال الله مكذبا لهم في قيلهم ذلك "بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين" . فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين (29) فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى المتكبرين أي بئس المقيل والمقام والمكان من دار هوان لمن كان متكبرا عن آيات الله واتباع رسله وهم يدخلون جهنم من يوم مماتهم بأرواحهم وينال أجسادهم في قبورها من حرها وسمومها فإذا كان يوم القيامة سلكت أرواحهم في أجسادهم وخلدت في نار جهنم "لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها" كما قال الله تعالى "النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب" . وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين (30) وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين هذا خبر عن السعداء بخلاف ما أخبر به عن الأشقياء فإن أولئك قيل لهم "ماذا أنزل ربكم" قالوا معرضين عن الجواب لم ينزل شيئا إنما هذا أساطير الأولين وهؤلاء قالوا خيرا أي أنزل خيرا أي رحمة وبركة لمن اتبعه وآمن به ثم أخبر عما وعد الله عباده فيما أنزله على رسله فقال "للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة" الآية كقوله تعالى "من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون" أي من أحسن عمله في الدنيا أحسن الله إليه عمله في الدنيا والآخرة ثم أخبر بأن دار الآخرة خير أي من الحياة الدنيا والجزاء فيها أتم من الجزاء في الدنيا كقوله "وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير" الآية وقال تعالى "وما عند الله خير للأبرار" وقال تعالى "والآخرة خير وأبقى" وقال لرسوله صلى الله عليه وسلم "وللآخرة خير لك من الأولى" ثم وصف الدار الآخرة فقال "ولنعم دار المتقين" . جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين (31) جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين وقوله "جنات عدن" بدل من دار المتقين أي لهم في الآخرة جنات عدن أي مقام يدخلونها "تجري من تحتها الأنهار" أي بين أشجارها وقصورها "لهم فيها ما يشاءون" كقوله تعالى "وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون" وفي الحديث "إن السحابة لتمر بالملإ من أهل الجنة وهم جلوس على شرابهم فلا يشتهي أحد منهم شيئا إلا أمطرته عليه حتى إن منهم لمن يقول أمطرينا كواعب أترابا فيكون ذلك" "كذلك يجزي الله المتقين" أي كذلك يجزي الله كل من آمن به واتقاه وأحسن عمله . الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون (32) الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون ثم أخبر تعالى عن حالهم عند الاحتضار أنهم طيبون أي مخلصون من الشرك والدنس وكل سوء وأن الملائكة تسلم عليهم وتبشرهم بالجنة كقوله تعالى "إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم" وقد قدمنا الأحاديث الواردة في قبض روح المؤمن وروح الكافر عند قوله تعالى "يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء" . هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (33) هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك كذلك فعل الذين من قبلهم وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم يظلمون يقول تعالى مهددا للمشركين على تماديهم في الباطل واغترارهم بالدنيا هل ينتظر هؤلاء إلا الملائكة أن تأتيهم لقبض أرواحهم قاله قتادة "أو يأتي أمر ربك" أي يوم القيامة وما يعاينونه من الأهوال وقوله "كذلك فعل الذين من قبلهم" أي هكذا تمادى في شركهم أسلافهم ونظراؤهم وأشباههم من المشركين حتى ذاقوا بأس الله وحلوا فيما هم فيه من العذاب والنكال "وما ظلمهم الله" لأنه تعالى أعذر إليهم وأقام حججه عليهم بإرسال رسله وإنزال كتبه "ولكن كانوا أنفسهم يظلمون" أي بمخالفة الرسل والتكذيب بما جاءوا به . فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون (34) فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فلهذا أصابتهم عقوبة الله على ذلك "وحاق بهم" أي أحاط بهم من العذاب الأليم "ما كانوا به يستهزئون" أي يسخرون من الرسل إذا توعدوهم بعقاب الله فلهذا يقال لهم يوم القيامة "هذه النار التي كنتم بها تكذبون" . وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين (35) وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين يخبر تعالى عن اغترار المشركين بما هم فيه من الإشراك واعتذارهم محتجين بالقدر بقولهم "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء" أي من البحائر والسوائب والوصائل وغير ذلك مما كانوا ابتدعوه واخترعوه من تلقاء أنفسهم ما لم ينزل به سلطانا ومضمون كلامهم أنا لو كان تعالى كارها لما فعلنا لأنكره علينا بالعقوبة ولما مكننا منه قال الله تعالى رادا عليهم شبهتهم "فهل على الرسل إلا البلاغ المبين" أي ليس الأمر كما تزعمون أنه لم ينكره عليكم بل قد أنكره عليكم أشد الإنكار ونهاكم عنه آكد النهي . ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (36) ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين وبعث في كل أمة أي في كل قرن وطائفة من الناس رسولا وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه "أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" فلم يزل تعالى يرسل إلى الناس الرسل بذلك منذ حدث الشرك في بني آدم في قوم نوح الذين أرسل إليهم نوح وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض إلى أن ختمهم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي طبقت دعوته الإنس والجن في المشارق والمغارب وكلهم كما قال الله تعالى "وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدوني" وقوله تعالى "واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون" وقال تعالى في هذه الآية الكريمة "ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت" فكيف يسوغ لأحد من المشركين بعد هذا أن يقول "لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء" فمشيئته تعالى الشرعية عنهم منتفية لأنه نهاهم عن ذلك على ألسنة رسله وأما مشيئته الكونية وهي تمكينهم من ذلك قدرا فلا حجة لهم فيها لأنه تعالى خلق النار وأهلها من الشياطين والكفرة وهو لا يرضى لعباده الكفر وله في ذلك حجة بالغة وحكمة قاطعة ثم إنه تعالى قد أخبر أنه أنكر عليهم بالعقوبة في الدنيا بعد إنذار الرسل فلهذا قال "فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين" أي اسألوا عما كان من أمر من خالف الرسل وكذب الحق كيف "دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها" فقال "ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير" . إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (37) إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين ثم أخبر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن حرصه على هدايتهم لا ينفعهم إذا كان الله قد أراد إضلالهم كقوله تعالى "ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا" وقال نوح لقومه "ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم" وقال في هذه الآية الكريمة "إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل" كما قال الله "ومن يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون" وقال تعالى "إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم" وقوله "فإن الله" أي شأنه وأمره أنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فلهذا قال "لا يهدي من يضل" أي من أضله فمن ذا الذي يهديه من بعد الله ؟ أي لا أحد "وما لهم من ناصرين" أي ينقذونهم من عذابه ووثاقه "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" . وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (38) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون يقول تعالى مخبرا عن المشركين أنهم حلفوا فأقسموا بالله جهد أيمانهم أي اجتهدوا في الحلف وغلظوا الأيمان على أنه لا يبعث الله من يموت أي استبعدوا ذلك وكذبوا الرسل في إخبارهم لهم بذلك وحلفوا على نقيضه فقال تعالى مكذبا لهم وردا عليهم "بلى" أي بلى سيكون ذلك "وعدا عليه حقا" أي لا بد منه "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" أي فلجهلهم يخالفون الرسل ويقعون في الكفر . ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين (39) ليبين لهم الذي يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين ثم ذكر تعالى حكمته في المعاد وقيام الأجسام يوم التناد فقال "ليبين لهم" أي للناس "الذي يختلفون فيه" أي من كل شيء "ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى" "وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين" أي في أيمانهم وأقسامهم لا يبعث الله من يموت ولهذا يدعون يوم القيامة إلى نار جهنم دعا وتقول لهم الزبانية "هذه النار التي كنتم بها تكذبون أفسحر هذا أم أنتم لا تبصرون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون" . إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ثم أخبر تعالى عن قدرته على ما يشاء وأنه لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء وإنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون والمعاد من ذلك إذا أراد كونه فإنما يأمر به مرة واحدة فيكون كما يشاء كقوله "وما أمرنا إلا واحدة كلمح" بالبصر "وقال" ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة "وقال في هذه الآية الكريمة" إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون "أي أن نأمر به مرة واحدة فإذا هو كائن كما قال الشاعر :" إذا ما أراد الله أمرا فإنما ... يقول له كن فيكون أي أنه تعالى لا يحتاج إلى تأكيد فيما يأمر به فإنه تعالى لا يمانع ولا يخالف لأنه الواحد القهار العظيم الذي قهر سلطانه وجبروته وعزته كل شيء فلا إله إلا هو ولا رب سواه وقال ابن أبي حاتم : ذكر الحسن بن محمد بن الصباح حدثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني عطاء أنه سمع أبا هريرة يقول : "قال الله تعالى شتمني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك وكذبني ابن آدم ولم يكن ينبغي له ذلك فأما تكذيبه إياي فقال" وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت "قال وقلت" بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون "وأما شتمه إياي فقال" إن الله ثالث ثلاثة "وقلت" قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد "هكذا ذكره موقوفا وهو في الصحيحين مرفوع بلفظ آخر." والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون (41) والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان رجاء ثواب الله وجزائه . ويحتمل أن يكون سبب نزولها في مهاجرة الحبشة الذي اشتد أذى قومهم لهم بمكة حتى خرجوا من بين أظهرهم إلى بلاد الحبشة ليتمكنوا من عبادة ربهم ومن أشرافهم عثمان بن عفان ومعه زوجته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعفر بن أبي طالب ابن عم الرسول وأبو سلمة بن عبد الأسود في جماعة قريب من ثمانين ما بين رجل وامرأة صديق وصديقة رضي الله عنهم وأرضاهم وقد فعل فوعدهم تعالى بالمجازاة الحسنة في الدنيا والآخرة فقال "لنبوئنهم في الدنيا حسنة" قال ابن عباس والشعبي وقتادة : المدينة ; وقيل الرزق الطيب قاله مجاهد . ولا منافاة بين القولين فإنهم تركوا مساكنهم وأموالهم فعوضهم الله خيرا منها في الدنيا فإن من ترك شيئا لله عوضه الله بما هو خير له منه وكذلك وقع فإنهم مكن الله لهم في البلاد وحكمهم على رقاب العباد وصاروا أمراء حكاما وكل منهم للمتقين إماما وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا فقال "ولأجر الآخرة أكبر" أي مما أعطيناهم في الدنيا "لو كانوا يعلمون" أي لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله ولهذا قال هشيم عن العوام عمن حدثه أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه يقول خذ بارك الله لك فيه هذا ما وعدك الله في الدنيا وما ادخر لك في الآخرة أفضل ثم قرأ هذه الآية "لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون" . الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (42) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ثم وصفهم تعالى فقال "الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون" أي صبروا على الأذى من قومهم متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة . وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (43) وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون قال الضحاك عن ابن عباس لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم وقالوا الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا فأنزل الله "أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس" الآية وقال "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" يعني أهل الكتب الماضية أبشرا كانت الرسل إليهم أم ملائكة ؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا . قال تعالى "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى" ليسوا من أهل السماء كما قلتم وكذا روي عن مجاهد عن ابن عباس أن المراد بأهل الذكر أهل الكتاب وقاله مجاهد والأعمش وقول عبد الرحمن بن زيد الذكر القرآن واستشهد بقوله "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" صحيح لكن ليس هو المراد هاهنا لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه وكذا قول أبي جعفر الباقر نحن أهل الذكر ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر صحيح فإن هذه الأمة أعلم من جميع الأمم السالفة . وعلماء أهل بيت رسول الله عليهم السلام والرحمة من خير العلماء إذا كانوا على السنة المستقيمة كعلي وابن عباس وابني علي الحسن والحسين ومحمد بن الحنفية وعلي بن الحسين زين العابدين وعلي بن عبد الله بن عباس وأبي جعفر الباقر وهو محمد بن علي بن الحسين وجعفر ابنه وأمثالهم وأضرابهم وأشكالهم ممن هو متمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم وعرف لكل ذي حق حقه ونزل كل المنزل الذي أعطاه الله ورسوله واجتمعت عليه قلوب عباده المؤمنين والغرض أن هذه الآية الكريمة أخبرت بأن الرسل الماضين قبل محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كانوا بشرا كما هو بشر كما قال تعالى "قل سبحان" ربي هل كنت إلا بشرا رسولا وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا "وقال تعالى" وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق "وقال تعالى" وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين "وقال" قل ما كنت بدعا من الرسل "وقال تعالى" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي "ثم أرشد الله تعالى من شك في كون الرسل كانوا بشرا إلى سؤال أصحاب الكتب المتقدمة عن الأنبياء الذين سلفوا هل كان أنبياؤهم بشرا أو ملائكة ." بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون (44) بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ثم ذكر تعالى أنه أرسلهم "بالبينات" أي بالحجج والدلائل "والزبر" وهي الكتب قاله ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم والزبر جمع زبور تقول العرب زبرت الكتاب إذا كتبته . وقال تعالى " وكل شيء فعلوه في الزبر "وقال" ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" ثم قال تعالى "وأنزلنا إليك الذكر" يعني القرآن "لتبين للناس ما نزل إليهم" أي من ربهم لعلمك بمعنى ما أنزل الله عليك وحرصك عليه واتباعك له ولعلمنا بأنك أفضل الخلائق وسيد ولد آدم فتفصل لهم ما أجمل وتبين لهم ما أشكل "ولعلهم يتفكرون" أي ينظرون لأنفسهم فيهتدون فيفوزون بالنجاة في الدارين . أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (45) أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون يخبر تعالى عن حلمه وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات ويدعون إليها ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم وحملهم عليها مع قدرته على أن يخسف بهم ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |