تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله - الصفحة 31 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         إيران عدو تاريخي للعرب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الخوارج تاريخ وعقيدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 24 - عددالزوار : 808 )           »          إنه ينادينا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 37 - عددالزوار : 11419 )           »          إيقاظ الأفئدة بذكر النار الموقدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          علة حديث: (يخرج عُنُقٌ من النار) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 9 )           »          علة حديث: (من كظم غيظا وهو يستطيع أن ينفذه ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          الأنفصال العاطفي بين الزوجين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 10 )           »          مقاومة السمنة في السنة النبوية (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          الذنوب قنطرة البلايا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 24 )           »          المشقة في مخالفة السنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 20-11-2022, 10:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2019 الى صـ 2026
الحلقة (301)





[ ص: 2019 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[49] وأن احكم بينهم بما أنـزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنـزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون

وأن احكم بينهم بما أنـزل الله عطف على (الكتاب) أي: أنزلنا إليك الكتاب والحكم بما فيه. أو على (الحق) أي: أنزلناه بالحق وب (أن احكم) ويجوز أن يكون جملة، بتقدير: وأمرنا أن احكم. وفي التعرض لعنوان إنزاله تعالى إياه، تأكيد لوجوب الامتثال، وتمهيد لما يعقبه من قوله: ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنـزل الله إليك أي: يصرفوك عنه. وإظهار الاسم الجليل لتأكيد الأمر بتهويل الخطب. كإعادة (ما أنزل الله).

فإن تولوا أي: عن الحكم المنزل وأرادوا غيره: فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم يعني بذنب التولي عن حكم الله، وإرادة خلافه، فوضع (ببعض ذنوبهم) موضع ذلك. وأراد: أن لهم ذنوبا جمة كثيرة العدد. وأن هذا الذنب - مع عظمه - بعضها وواحد منها.. وهذا الإبهام لتعظيم التولي، واستسرافهم في ارتكابه، ونحو (البعض) في هذا الكلام ما في قول لبيد. [ ص: 2020 ] (أو يرتبط بعض النفوس حمامها..!) أراد نفسه. وإنما قصد تفخيم شأنها بهذا الإبهام. كأنه قال: نفسا كبيرة ونفسا أي نفس. فكما أن التنكير يعطي معنى التكبير وهو معنى البعضية، فكذلك إذا صرح بالبعض. كذا في "الكشاف".

وفي "الحواشي": ومثل هذا قوله تعالى: ورفع بعضكم فوق بعض درجات أراد محمدا صلى الله عليه وسلم; وقيل: ذلك من الخصوص الذي أريد به العموم; وقيل: أراد العذاب في الدنيا. وأما في الآخرة فإنه يعذب بجميع الذنوب. ولقد تلطف القائل:


وأقول بعض الناس عنك كناية خوف الوشاة، وأنت كل الناس


وإن كثيرا من الناس لفاسقون أي: المتمردون في الكفر معتقدون فيه; وهذا تسجيل عليهم بالمخالفة. يعني: إن التولي عن حكم الله من التمرد العظيم والاعتداء في الكفر. والجملة اعتراض تذييلي مقرر لمضمون ما قبله. ونظيرها قوله تعالى: وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين وقوله تعالى: وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله

روى ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: قال كعب بن أسد، وابن صلوما، [ ص: 2021 ] وعبد الله بن صوريا، وشاس بن قيس; بعضهم لبعض: اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، فأتوه فقالوا: يا محمد! إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم. وإنا - إن اتبعناك - اتبعنا يهود، ولم يخالفونا. وأن بيننا وبين قومنا خصومة فنحاكمهم إليك، فتقضي لنا عليهم، ونؤمن لك ونصدقك. فأبى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأنزل الله عز وجل فيهم: وأن احكم بينهم بما أنـزل الله ولا تتبع أهواءهم الآية.
القول في تأويل قوله تعالى:

[50] أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون

أفحكم الجاهلية يبغون أي: يريدون منك.

قال أبو السعود: إنكار وتعجب من حالهم وتوبيخ لهم و (الفاء) للعطف على مقدر يقتضيه المقام. أي: أيتولون عن حكمك فيبغون حكم الجاهلية. وتقديم المفعول للتخصيص المفيد لتأكد الإنكار والتعجيب. لأن التولي عن حكمه صلى الله عليه وسلم. وطلب حكم آخر، منكر عجيب. وطلب حكم الجاهلية أقبح وأعجب. والمراد ب (الجاهلية) إما الملة الجاهلية التي هي متابعة الهوى، الموجبة للميل والمداهنة في الأحكام فيكون تعبيرا لليهود بأنهم مع كونهم أهل كتاب وعلم، يبغون حكم الجاهلية التي هي هوى وجهل لا يصدر عن كتاب ولا يرجع إلى وحي. وإما أهل الجاهلية، وحكمهم ما كانوا عليه من التفاضل فيما بين القتلى. انتهى.

ومن أحسن من الله حكما أي: قضاء: لقوم يوقنون أي: ينظرون بنظر اليقين إلى العواقب. والاستفهام إنكار لأن يكون أحد حكمه أحسن من حكمه تعالى أو مساويا له.

قال ابن كثير: ينكر تعالى على من خرج عن حكم الله المحكم - المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر - وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات التي وضعها [ ص: 2022 ] الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم، وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن جنكزخان الذي وضع لهم (الياسق) وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها من شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية وغيرها. وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعا متبعا يقدمونه على الحكم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله. فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير. قال الله تعالى: أفحكم الجاهلية يبغون أي: يبتغون ويريدون، وعن حكم الله يعدلون.

ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون أي: ومن أعدل من الله في حكمه لمن عقل عن الله شرعه وآمن به وأيقن، وعلم أن الله تعالى أحكم الحاكمين وأرحم بخلقه من الوالدة بولدها؟ فإنه تعالى هو العالم بكل شيء، القادر على كل شيء، العادل في كل شيء. روى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: من حكم بغير حكم الله فحكم الجاهلية. وكان طاوس إذا سأله رجل: أفضل بين ولدي في النحل؟ قرأ: أفحكم الجاهلية الآية. وروى الطبراني: عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبغض الناس إلى الله عز وجل من يبتغي في الإسلام سنة الجاهلية، وطالب دم امرئ بغير حق ليريق دمه. ورواه البخاري بزيادة. انتهى كلام ابن كثير.

قال بعض مفسري الزيدية: اشتمل قوله تعالى: وأنـزلنا إليك الكتاب بالحق إلى قوله تعالى: ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون على عشرين وجها من التأكيد في [ ص: 2023 ] ملازمة شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم التي أنزلها الله تعالى، واختاره لأمته، واستأثر بكثير من أسرارها فلم يطلع عليها، وما أشد امتثال ما تضمنته؟ وكيف الخروج عن عهدته خصوصا على الأئمة والحكام؟ ولن يحصل ذلك حتى يلوم نفسه بلجام الحق، ويعزل عن نفسه مطالعة الخلق، لهذه الجملة لا يقال: إنه صلى الله عليه وسلم معصوم لا يتبع أهواءهم، فكيف نهي عما يعلم الله أنه لا يفعله؟ قال الحاكم: ذلك مقدور له، فيصح النهي وإن علم أنه لا يفعله. وقيل: الخطاب له والمراد غيره.

كذلك لا يقال: قوله: فاحكم بينهم بما أنـزل الله يخرج من ذلك القياس. لأن ذلك - إن جعل خطابا له عليه الصلاة والسلام - فلم يكن متعبدا بالقياس. وإن كان خطابا للكل فالقياس ثابت بالدليل فهو بمثابة المنزل. هكذا ذكر الحاكم. والأكثر: أنه يجوز منه عليه الصلاة والسلام الاجتهاد، ومنعه آخرون. وقوله تعالى: فاستبقوا الخيرات قد يستدل به على أن الواجبات على الفوز. وهو محتمل؛ لأن المراد قبل أن يسبق عليكم الموت. انتهى.

وفي "الإكليل": استدل به على أن تقديم العبادات أول وقتها أفضل من تأخيرها. انتهى.

وقد روى مسلم عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم: أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين.

وروى أبو داود والترمذي والحاكم عن أم فروة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها» .
[ ص: 2024 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[51] يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين

يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء أي: لا يتخذ أحد منكم أحدا منهم وليا، بمعنى: لا تصافوهم ولا تعاشروهم مصافاة الأحباب ومعاشرتهم.

قال المهايمي: إذا كان تودد أهل الكتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم لقصد افتتانه عن بعض ما أنزل الله مع غاية كماله، فكيف حال من يتودد إليهم من المؤمنين؟ انتهى.

ووصفهم بعنوان (الإيمان) لحملهم من أول الأمر على الانزجار عما نهوا عنه.

فإن تذكير اتصافهم بضد صفات الفريقين، من أقوى الزواجر عن موالاتهما.

بعضهم أولياء بعض إيماء إلى علة النهي. أي: فإنهم متفوقون على خلافكم، يوالي بعضهم بعضا لاتحادهم في الدين. وإجماعهم على مضادتكم. فما لمن دينه خلاف دينهم ولموالاتهم!!.

ومن يتولهم منكم فإنه منهم أي: من جملتهم. وحكمه حكمهم وإن زعم أنه مخالف لهم في الدين، فهو بدلالة الحال منهم لدلالتها على كمال الموافقة.

قال الزمخشري: وهذا تغليظ من الله وتشديد في وجوب مجانبة المخالف في الدين واعتزاله. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تراءى ناراهما. ومنه قول عمر [ ص: 2025 ] رضي الله عنه لأبي موسى في كاتبه النصراني: لا تكرموهم إذ أهانهم الله. ولا تأمنوهم إذ خونهم الله. ولا تدنوهم إذ أقصاهم الله. وروي أنه قال له أبو موسى: (لا قوام للبصرة إلا به) فقال: مات النصراني والسلام. يعني: هب أنه قد مات، فما كنت تكون صانعا حينئذ، فاصنعه الساعة واستغن عنه بغيره.

إن الله لا يهدي القوم الظالمين يعني: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفرة.

روى ابن أبي حاتم عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عتبة: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر. قال: فظنناه يريد هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الآية.

ثم بين تعالى كيفية توليهم. وأشعر بسببه وبما يؤول إليه أمره. فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[52] فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين

فترى الذين في قلوبهم مرض أي: نفاق وشك في وعد الله لإظهار دينه: يسارعون فيهم أي: في مودتهم في الباطن والظاهر، من غير نظر فيما يلحقهم من الضرر في دين الله، والفضيحة بالنفاق: يقولون أي: في عذرهم: نخشى أن تصيبنا دائرة أي: من دوائر الزمان، وصرف من صروفه، فتكون الدولة لهم، فنحتاج إليهم، فنحن نتحفظ عن شرهم. ولا يتفكرون في أن الدائرة ربما تصيب من يوالونهم. والدائرة من الصفات الغالبة التي لا يذكر معها موصوفها. وأصلها: الخط المحيط بالسطح. استعيرت لنوائب الزمان، بملاحظة إحاطتها واستعمالها في المكروه. و (الدولة) ضدها، وقد ترد بمعنى (الدائرة) أيضا، لكنه قليل. كذا في "العناية".

[ ص: 2026 ] ثم رد تعالى عللهم الباطلة، وقطع أطماعهم الفارغة، وبشر المؤمنين بالظفر بقوله سبحانه: فعسى الله أن يأتي بالفتح أي: فتح مكة، عن السدي. أو فتح قرى اليهود من خيبر وفدك، عن الضحاك. وقال قتادة ومقاتل: هو القضاء الفصل بنصره صلى الله عليه وسلم على أعدائه، وإظهار المسلمين: أو أمر من عنده يقطع شأفة اليهود، ويجليهم عن بلادهم: فيصبحوا أي: المنافقون: على ما أسروا في أنفسهم من الشك في ظهور الإسلام، أو من النفاق: نادمين لافتضاحهم بالنفاق مع الفريقين. وتعليق الندامة بما كانوا يكتمونه - لا بما كانوا يظهرونه من موالاة الكفرة - لما أنه الذي كان يحملهم على الموالاة ويغريهم عليها. فدل ذلك على ندامتهم عليها بأصلها وسببها.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 20-11-2022, 10:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2037 الى صـ 2035
الحلقة (302)


القول في تأويل قوله تعالى:

[53] ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين

ويقول الذين آمنوا قال الزمخشري: قرئ بالنصب عطفا على (أن يأتي) وبالرفع على أنه كلام مبتدأ. أي: ويقول الذين آمنوا في ذلك الوقت. وقرئ: (يقول) بغير (واو) وهي مصاحف مكة والمدينة والشام كذلك. على أنه جواب قائل يقول: فماذا يقول المؤمنون حينئذ؟ فقيل: يقول الذين آمنوا: أهؤلاء الذين أقسموا؟ (فإن قلت): لمن يقولون هذا القول؟ (قلت): إما أن يقوله بعضهم لبعض تعجبا من حالهم، واغتباطا بما من الله عليهم من التوفيق في الإخلاص: أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم أي: حلفوا لكم بأغلاظ الأيمان: إنهم لمعكم أي: إنهم أولياؤكم ومعاضدوكم على الكفار وإما أن يقولوه لليهود، لأنهم حلفوا لهم بالمعاضدة والنصرة. كما حكى الله عنهم: وإن قوتلتم لننصرنكم أي: فقد تباعدوا عنكم. فيظهر أنهم لم يكونوا مع المؤمنين [ ص: 2027 ] ولا مع اليهود: حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين أي: في الدنيا، إذ ظهر نفاقهم عند الكل. وفي الآخرة، إذ لم يبق لهم ثواب.

قال الزمخشري: هذه الجملة من قول المؤمنين. أي: بطلت أعمالهم التي كانوا يتكلفونها في رأي أعين الناس، وفيه معنى التعجب، كأنه قيل: ما أحبط أعمالهم فما أخسرهم! أو من قول الله عز وجل، شهادة لهم بحبوط الأعمال، وتعجيبا من سوء حالهم. انتهى.

وفيه من الاستهزاء بالمنافقين والتقريع للمخاطبين، ما لا يخفى.

تنبيهات:

الأول -: في سبب نزول هذه الآيات الكريمات:

روي عن السدي، أنها نزلت في رجلين قال أحدهما لصاحبه بعد وقعة أحد: أما أنا فإني ذاهب إلى ذلك اليهودي فأواليه وأتهود معه لعله ينفعني إذا وقع أمر أو حدث حادث. وقال الآخر: وأما أنا فإني ذاهب إلى فلان النصراني بالشام فأواليه وأتنصر معه. فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى الآيات.

وقال عكرمة: نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة، فسألوه: ماذا هو صانع بنا؟ فأشار بيده إلى حلقه، أي: إنه الذبح. رواه ابن جرير. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي ابن سلول. روى ابن جرير عن عطية بن سعد قال: جاء عبادة بن الصامت من بني الحارث بن الخزرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إن لي موالي من يهود كثير عددهم. وإني [ ص: 2028 ] أبرأ إلى الله ورسوله من ولاية يهود. وأتولى الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: إني رجل أخاف الدوائر. لا أبرأ من ولاية موالي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن أبي: «يا أبا الحباب! ما بخلت به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت فهو إليك دونه» . قال: قد قبلت. فأنزل الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا الآيتين.

ثم روى ابن جرير عن الزهري قال: لما انهزم أهل بدر، قال المسلمون لأوليائهم من يهود: آمنوا قبل أن يصيبكم الله بيوم مثل يوم بدر. فقال مالك بن صيف: غركم إن أصبتم رهطا من قريش لا علم لهم بالقتال! أما لو أمررنا العزيمة أن نستجمع عليكم. لم يكن لكم يد أن تقاتلونا. فقال عبادة بن الصامت: يا رسول الله! إن أوليائي من اليهود كانت شديدة أنفسهم، كثيرا سلاحهم، شديدة شوكتهم، وإني أبرأ إلى الله وإلى رسوله من ولايتهم، ولا مولى لي إلا الله ورسوله. فقال عبد الله بن أبي: لكني لا أبرأ من ولاية يهود. إني رجل لابد لي منهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا الحباب! أرأيت الذي نفست به من ولاية يهود على عبادة بن الصامت، فهو لك دونه. فقال إذا أقبل! قال: فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود - إلى قوله -: والله يعصمك من الناس .

وقال محمد بن إسحاق: فكانت أول قبيلة من اليهود نقضت ما بينها وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزلوا على حكمه. فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد! أحسن في موالي - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال: يا محمد! أحسن في موالي. قال: فأعرض عنه. فأدخل يده في جيب درع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أرسلني. وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم [ ص: 2029 ] قال: ويحك! أرسلني. قال: لا، والله! لا أرسلك حتى تحسن في موالي. أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة؟ إني امرؤ أخشى الدوائر. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هم لك. قال محمد بن إسحاق: فحدثني أبي، إسحاق بن يسار، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تشبث بأمرهم عبد الله بن أبي، وقام دونهم. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وكان أحد بني عوف من الخزرج، لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي - فخلعهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتبرأ إلى عز وجل، وإلى رسوله من حلفهم وقال: يا رسول الله! أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم... ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت الآيات: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود - إلى قوله -: فإن حزب الله هم الغالبون .

وروى الإمام أحمد عن أسامة بن زيد قال: دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي نعوده، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «قد كنت أنهاك عن حب يهود» . فقال عبد الله: فقد أبغضهم أسعد بن زرارة فمات. وكذا رواه أبو داود.

الثاني: قال بعض مفسري الزيدية: ثمرات الآية أحكام:

الأول: - أنه لا يجوز موالاة اليهود ولا النصارى. قال الحاكم: والمراد موالاته في الدين. وجعل الزمخشري الموالاة في النصرة والمصافاة. وبين وجوب المجانبة للمخالف في الدين، كما تقدم. والبعد والمجانبة استحباب؛ إذ قد جازت المخالطة في مواضع بالإجماع، وذلك حيث لا يوهم محبتهم ولا بأنهم على حق.

[ ص: 2030 ] الحكم الثاني: - أن للإمام أن يسقط الحد إذا خشي، أو يؤخره. وقد ذكر هذا، الأمير يحيى والراضي بالله والحاكم، وهذا مأخوذ من سبب النزول، وترك النبي صلى الله عليه وسلم بني قينقاع لعبد الله بن أبي.

الحكم الثالث: - صحة الموالاة منهم لبعضهم بعضا. وقد قال علي بن موسى القمي: الآية تدل على أنهم ملة واحدة: فتصح المناكحة بينهم والموارثة. والمذهب خلاف ذلك. والدلالة على ما ذكر محتملة؛ لأنها تحتمل أن المراد: بعضهم أولياء بعض في معاداة المسلمين; أو يعني: بعض اليهود وليا لبعض اليهود.

الحكم الرابع: أن من تولاهم فهو منهم. ولا خلاف في أنه صار عاصيا لله كما عصوه. ولكن أين تبلغ حد معصيته؟ وقد اختلف في ذلك فقيل: معنى قوله: فإنه منهم أي: حكمه حكمهم في الكفر، وهذا حديث يقرهم على دينهم. فكأنه قد رضيه. وقيل: من تولاهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد أنه منهم في وجوب عداوته والبراءة منه. قال الحاكم: ودلالة الآية مجملة؛ فهي لا تدل على أنه كافر إلا أن يحمل على الموافقة في الدين.

الحكم الخامس: ذكره الحاكم، أنه لا يجوز الاستعانة بهم. قلنا: ذكر الراضي بالله: أنه صلى الله عليه وسلم قد حالف اليهود على حرب قريش وغيرهما إلى أن نقضوه يوم الأحزاب، وجدد صلى الله عليه وسلم الحلف بينه وبين خزاعة. حتى كان ذلك سبب الفتح. وكانت خزاعة عيبة نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم. مسلمهم وكافرهم. وقال الراضي بالله: وهو ظاهر قول آبائنا عليهم السلام. وقد استعان علي عليه السلام بقتلة عثمان، واستعان صلى الله عليه وسلم بالمنافقين. قال الراضي بالله: ويجوز الاستعانة بالفساق على حرب المبطلين، فتكون هذه الاستعانة غير موالاة.

[ ص: 2031 ] التنبيه الثالث - في التفسير المتقدم ما نصه: وفي الآية الكريمة زواجر عن موالاة اليهود والنصارى من وجوه:

الأول - النهي بقوله: لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء وسائر الكفار لاحق بهم.

الثاني - قوله تعالى: بعضهم أولياء بعض والمعنى: أن الموالاة من بعضهم لبعض لاتحادهم بالكفر، والمؤمنون أعلى منهم.

الثالث - قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهم وهذا تغليظ وتشديد ومبالغة. مثل قوله صلى الله عليه وسلم: لا تراءى نارهما. ومثل قوله عليه السلام: لا تستضيئوا بنار المشركين.

الرابع: ما أخبر الله به أنه لا يهديهم.

الخامس: وصفهم بالظلم، والمراد: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار.

السادس: - أنه تعالى أخبر أن الموالاة لهم من ديدن الذين في قلوبهم مرض، أي: شك ونفاق.

السابع - ما أخبر الله تعالى به من علة الموالين، وأن ذلك خشية الدوائر. لا أنه بإذن من الله ولا من رسوله.

الثامن: - قطع الله لما زينه لهم الشيطان من خشية رجوع دولة الكفر فقال تعالى: فعسى الله أن يأتي بالفتح و (عسى) في حق الله تعالى لواجب الحصول بالفتح لمكة أو لبلاد الشرك.

التاسع - ما بشر الله تعالى به من إهانته بقوله: أو أمر من عنده قيل: إذلال الشرك بالجزية. وقيل: قتل قريظة وإجلاء النضير. وقيل: أن يورث المسلمين أرضهم وديارهم.

العاشر: - ما ذكره الله تعالى من الأمر الذي يؤول إليه حالهم. وأنهم يصبحون نادمين على ما أسروا في أنفسهم [ ص: 2032 ] من غشهم للمسلمين ونصحهم للكافرين. وقيل: من نفاقهم. وقيل: من معاندتهم للكفار، وذلك حين معاينتهم للعذاب. وقيل: في الدنيا، بما صاروا فيه من الذلة والصغار.

الحادي عشر: - ما ذكره الله تعالى من تعجب المؤمنين من فضيحة أعداء الله وخبثهم في إيمانهم بقوله تعالى: ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الآية.

الثاني عشر: - ما أخبر الله من حالهم بقوله تعالى: حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين قيل: خسروا حظهم من موالاتهم. وقيل: أهلكوا أنفسهم. وقيل: خسروا ثواب الله. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[54] يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم

يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم لما نهى تعالى - فيما سلف - عن مولاة اليهود والنصارى، وبين أن موالاتهم مستدعية للارتداد عن الدين بقوله: فإنه منهم وقوله: حبطت أعمالهم - شرع في بيان حال المرتدين على الإطلاق.

ونوه بقدرته العظيمة. فأعلم أنه من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله سيستبدل به من هو خير لها منه، وأشد منعة، وأقوم سبيلا. كما قال تعالى: وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم وقال تعالى: إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين [ ص: 2033 ] وقال تعالى: إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز أي: بممتنع ولا صعب.

وفي هذه الآية مسائل:

الأولى: قال المحققون: هذه الآية من الكائنات التي أخبر عنها في القرآن قبل كونها. وقد وقع المخبر به على وفقها. فيكون معجزا. فقد روي أنه ارتد عن الإسلام إحدى عشرة فرقة: ثلاث في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. (بنو مدلج) ورئيسهم ذو الحمار - بحاء مهملة وضبطه بعضهم بالمعجمة - وهو الأسود العنسي - بالنون نسبة إلى عنس قبيلة باليمن - وكان كاهنا ثم تنبأ باليمن، واستولى على بلاده، وأخرج عمال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى معاذ بن جبل وإلى سادات اليمن. فأهلكه الله على يدي فيروز الديلمي. بيته فقتله. وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله ليلة قتل. فسر المسلمون. وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في آخر شهر ربيع الأول.

و (بنو حنيفة) قوم مسيلمة: تنبأ وكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: من مسيلمة رسول الله [ ص: 2034 ] إلى محمد رسول الله. أما بعد؛ فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك. فأجاب عليه الصلاة والسلام: من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين. فحاربه أبو بكر رضي الله عنه بجنود المسلمين، وقتل على يدي وحشي، قاتل حمزة، وكان يقول: قتلت خير الناس في الجاهلية، وشر الناس في الإسلام. أراد: في جاهليتي وإسلامي.

و (بنو أسد) قوم طليحة بن خويلد: تنبأ في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وكثر جمعه، ومات [ ص: 2035 ] صلى الله عليه وسلم وهو على ذلك. فبعث إليه أبو بكر خالدا رضي الله عنهما فقصده. فانهزم طليحة بعد القتال إلى الشام. ثم أسلم وحسن إسلامه.

وسبع في عهد أبي بكر رضي الله عنه:

(فزارة) قوم عيينة بن حصن.

و (قوم غطفان) قوم قرة بن سلمة الشيري.

و (بنو سليم) قوم الفجاءة بن عبد ياليل - بيائين ولامين كهابيل - صنم سمي هذا به.

و (بنو يربوع) قوم مالك بن نويرة.

و (بعض تميم) قوم سجاح بنت المنذر. كانت كاهنة ثم تنبأت وزوجت نفسها مسيلمة الكذاب ثم أسلمت وحسن إسلامها.

و (كندة) قوم الأشعث بن قيس.

و (بنو بكر بن وائل) بالبحرين، قوم الحطم - كزفر - بن زيد. وكفى الله أمرهم على يدي أبي بكر رضي الله عنه.

وفرقة واحدة في عهد عمر رضي الله عنه: (غسان) قوم جبلة بن الأيهم، نصرته اللطمة وسيرته إلى بلاد الروم بعد إسلامه. والجمهور على أنه مات على ردته وقيل: إنه أسلم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 20-11-2022, 10:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2036 الى صـ 2046
الحلقة (303)



وروى الواقدي: أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أحبار الشام - لما لحق بهم – [ ص: 2036 ] كتابا فيه: أن جبلة ورد إلي في سراة قومه، فأسلم فأكرمته. ثم سار إلى مكة فطاف فوطئ إزاره رجل من بني فزارة، فلطمه جبلة فهشم أنفه وكسر ثناياه. (وقيل: قلع عينه، ويدل له ما سيأتي) فاستعدى الفزاري على جبلة إلي. فحكمت إما بالعفو أو بالقصاص. فقال: أتقتص مني وأنا ملك وهو سوقة؟ فقلت: شملك وإياه الإسلام. فما تفضله إلا بالعافية.

فسأل جبلة التأخير إلى الغد. فلما كان من الليل ركب مع بني عمه ولحق بالشام مرتدا.

وروي أنه ندم على ما فعل وأنشد:


تنصرت بعد الحق عارا للطمة ولم يك فيها، لو صبرت لها، ضرر

فأدركني فيها لجاج حمية
فبعت لها العين الصحيحة بالعور

فيا ليت أمي لم تلدني وليتني
صبرت على القول الذي قاله عمر


هذا ما في "الكشاف" و "العناية".

وقال الخطابي: أهل الردة كانوا صنفين: صنفا ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة وعدلوا إلى الكفر. وهذه الفرقة طائفتان:

إحداهما: - أصحاب مسيلمة الكذاب من بني حنيفة وغيرهم [ ص: 2037 ] الذين صدقوه على دعواه في النبوة، أصحاب الأسود العنسي ومن استجابه من أهل اليمن. وهذه الفرقة بأسرها منكرة لنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. مدعية النبوة لغيره. فقاتلهم أبو بكر حتى قتل مسيلمة باليمامة، والعنسي بصنعاء. وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم.

والطائفة الأخرى: - ارتدوا عن الدين. فأنكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرهما من أمور الدين، وعادوا إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فلم يكن يسجد لله في الأرض إلا في ثلاثة مساجد: مسجد مكة، ومسجد المدينة، ومسجد عبد القيس.

قال; والصنف الآخر: هم الذين فرقوا بين الصلاة وبين الزكاة، فأنكروا وجوبها ووجوب أدائها إلى الإمام، وهؤلاء -على الحقيقة- أهل البغي وإنما لم يدعوا بهذا الاسم في ذلك الزمن خصوصا، لدخولهم في غمار أهل الردة، وأضيف الاسم في الجملة إلى أهل الردة، إذ كانت أعظم الأمرين وأهمهما.

انظر تتمة هذا المبحث في "نيل الأوطار" في كتاب الزكاة.

قال الشوكاني: فأما مانعو الزكاة منهم، المقيمون على أصل الدين، فإنهم أهل بغي. ولم يسموا على الانفراد كفارا، وإن كانت الردة قد أضيفت إليهم لمشاركتهم المرتدين في منع بعض ما منعوه من حقوق الدين، وذلك أن الردة اسم لغوي. فكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه، فقد ارتد عنه. وقد وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق. وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح، وعلق بهم الاسم القبيح، لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا.

الثانية: قوله تعالى: يحبهم ويحبونه

مذهب السلف في المحبة المسندة له تعالى. أنها ثابتة له تعالى بلا كيف ولا تأويل، ولا مشاركة للمخلوق في شيء من خصائصها. كما تقدم في الفاتحة في: الرحمن الرحيم

فتأويل مثل الزمخشري لها - بإثابته تعالى لهم أحسن الثواب، وتعظيمهم والثناء عليهم [ ص: 2038 ] والرضا عنهم - تفسير باللازم، منزع كلامي لا سلفي. وقد أنكر الزمخشري أيضا كون محبة العباد لله حقيقية، وفسرها بالطاعة وابتغاء المرضاة. فرده صاحب "الانتصاف" بأنه خلاف الظاهر. وهو من المجاز الذي يسمى فيه المسبب باسم السبب، والمجاز الذي لا يعدل إليه عن الحقيقة، إلا بعد تعذرها، فليمتحن حقيقة المحبة لغة بالقواعد، لينظر: أهي ثابتة للعبد متعلقة بالله تعالى أم لا؟ إذ المحبة، لغة: ميل المتصف بها إلى أمر ملذ. واللذات الباعثة على المحبة منقسمة إلى مدرك بالحسن: كلذة الذوق في المطعوم، ولذة النظر واللمس في الصور المستحسنة، ولذة الشم في الروائح العطرة، ولذة السمع في النغمات الحسنة، وإلى لذة تدرك بالعقل: كلذة الجاه والرياسة والعلوم وما يجري مجراها. فقد ثبت أن في اللذات الباعثة على المحبة ما لا يدركه إلا العقل دون الحس، ثم تتفاوت المحبة ضرورة بحسب تفاوت البواعث عليها، وإذا تفاوتت المحبة بحسب تفاوت البواعث، فلذات العلوم أيضا متفاوتة بحسب تفاوت المعلومات، فليس معلوم أكمل ولا أجمل من المعبود الحق. فاللذة الحاصلة في معرفته تعالى، ومعرفة جلاله وكماله، تكون أعظم. والمحبة المنبعثة عنها تكون أمكن، وإذا حصلت هذه المحبة بعثت على الطاعات والموافقات. فقد تحصل من ذلك أن محبة العبد [ ص: 2039 ] ممكنة، بل واقعة من كل مؤمن، فهي من لوازم الإيمان وشروطه، والناس فيها متفاوتون بحسب تفاوت إيمانهم، وإذا كان كذلك، وجب تفسير محبة العبد لله بمعناها الحقيقي لغة، وكانت الطاعة والموافقات كالمسبب عنها والمغاير لها. ألا ترى إلى الأعرابي الذي سأل عن الساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما أعددت لها؟ قال: ما أعددت لها كبير عمل. ولكن حب الله ورسوله. فقال عليه الصلاة والسلام: أنت مع من أحببت. فهذا الحديث ناطق بأن المفهوم من المحبة لله غير الأعمال والتزام الطاعات؛ لأن الأعرابي نفاها وأثبت الحب، وأقره عليه الصلاة والسلام على ذلك. ثم إذا ثبت إجراء محبة العبد لله تعالى على حقيقتها لغة، فالمحبة في اللغة. إذا تأكدت سميت عشقا، فمن تأكدت محبته لله تعالى، وظهرت آثار تأكدها عليه من استيعاب الأوقات في ذكره وطاعته - فلا تمنع أن تسمى محبته عشقا؛ إذ العشق ليس إلا المحبة البالغة. انتهى.

الثالث: قوله تعالى: أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين

قال ابن كثير: هذه صفات المؤمنين الكمل، أن يكون أحدهم متواضعا لأخيه ووليه، متعززا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم

قال الزمخشري: فإن قلت: هلا قيل: أذلة للمؤمنين؟ قلت فيه وجهان:

أحدهما: - أن يضمن الذل معنى الحنو والعطف كأنه قيل: عاطفين عليهم على وجه التذلل والتواضع.

[ ص: 2040 ] والثاني: أنهم -مع شرفهم وعلو طبقتهم وفضلهم على المؤمنين - خافضون لهم أجنحتهم.. وقرئ: (أذلة وأعزة) بالنصب على الحال.

وفي "الحواشي": أن قوله تعالى: أعزة على الكافرين تكميل؛ لأنه لما وصفهم بالتذلل، ربما توهم أن لهم في نفسهم حقارة. فقال: ومع ذلك هم أعزة على الكافرين، كقوله:


جلوس في مجالسهم رزان وإن ضيف ألم بهم خفوف


واستدل بالآية على فضل التواضع للمؤمنين والشدة على الكفار.

الرابعة: قوله تعالى: ولا يخافون لومة لائم

قال الزمخشري: يحتمل أن تكون (الواو) للحال على معنى: أنهم يجاهدون، وحالهم في المجاهدة خلاف حال المنافقين، فإنهم كانوا موالين لليهود. فإذا خرجوا في جيش المؤمنين خافوا أولياءهم اليهود، فلا يعملون شيئا مما يعلمون أنه يلحقهم فيه لوم من جهتهم; وأما المؤمنون فكانوا يجاهدون لوجه الله لا يخافون لومة لائم قط. وأن تكون للعطف على أن من صفتهم المجاهدة في سبيل الله. وأنهم صلاب في دينهم. إذا شرعوا في أمر من أمور الدين - إنكار منكر أو أمر بمعروف - مضوا فيه كالمسامير المحماة، لا يرعبهم قول قائل ولا اعتراض معترض ولا لومة لائم. يشق عليه جدهم في إنكارهم وصلابتهم في أمرهم. و (اللومة) المرة من اللوم. وفيها وفي التنكير مبالغتان. كأنه قيل: لا يخافون شيئا قط من لوم أحد من اللوام. انتهى.

وفيه وجوب التمسك بالحق وإن لامه لائم. وإنه مع تمسكه به صيره محلة أعلى ممن تمسك به من غير لوم؛ لأنه تعالى مدح من هذا حاله. وفيه أيضا، أن خوف الملامة ليس عذرا في ترك أمر شرعي.

[ ص: 2041 ] روى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: أمرني خليلي صلى الله عليه وسلم بسبع: أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدا شيئا، وأمرني أن أقول بالحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول (لا حول ولا قوة إلا بالله) فإنهن كنز تحت العرش.

وروى الإمام أحمد أيضا عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا، لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده. فإنه لا يقرب من أجل ولا يباعد من رزق أن يقول بحق أو أن يذكر بعظيم» .

وروي أيضا عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحقرن أحدكم نفسه، أن يرى أمرا لله فيه مقال فلا يقول فيه. فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت في كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس، فيقول: إياي أحق أن تخاف» .

وروى الشيخان عن عبادة بن الصامت قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم [ ص: 2042 ] على السمع والطاعة في المنشط والمكره. وأن لا ننازع الأمر أهله. وأن نقول بالحق حيثما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.

الخامسة: قوله تعالى: ذلك فضل الله

الإشارة إلى ما ذكر من حب الله إياهم، وحبهم لله وذلتهم للمؤمنين، وعزتهم على الكافرين، وجهادهم في سبيل الله، وعدم مبالاتهم للوم اللوام. فالمذكور كله فضل الله الذي فضل به أولياءه.

قال المهايمي: أما المحبتان فظاهر. وكذا العزة على الكفار والجهاد. وأما الذلة على المؤمنين فلأنه تواضع موجب للرفع. وأما عدم خوف الملامة فلما فيه من تحقيق المودة مع الله.

وقوله تعالى: يؤتيه من يشاء أي: ممن يريد به مزيد إكرام من سعة جوده والله واسع أي: كثير الفواضل، جل جلاله.

ولما نهى عن موالاة اليهود والنصارى، أشار إلى من يتعين للموالاة، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[55] إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون

إنما وليكم الله المفيض عليكم كل خير: ورسوله الذي هو واسطة: والذين آمنوا المعينون في موالاة الله ورسوله بأفعالهم، لأنهم: الذين يقيمون الصلاة التي هي أجمع العبادات البدنية: ويؤتون الزكاة القاطعة محبة المال الجالب للشهوات: وهم راكعون حال من فاعل الفعلين، أي: يعملون ما ذكر - من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة - وهم خاشعون ومتواضعون لله ومتذللون غير معجبين. فإن رؤيتهم تؤثر فيمن يواليهم بالعون في موالاة الله ورسوله.
[ ص: 2043 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[56] ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون

ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فيعينهم وينصرهم: فإن حزب الله هم الغالبون في العاقبة على أعدائه.

تنبيهات:

الأول: إنما أفرد (الولي) ولم يجمع، مع أنه متعدد، للإيذان بأن الولاية لله أصل، ولغيره تبع لولايته عز وجل. فالتقدير: وكذلك رسوله والذين آمنوا.

الثاني: ثمرة هذه الآية تأكيد موالاة المؤمنين والبعد عن موالاة الكفار.

الثالث: قال ابن كثير: توهم بعض الناس أن هذه الجملة - يعني قوله تعالى: وهم راكعون - في موضع الحال من قوله: ويؤتون الزكاة أي: في ركوعهم. ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمهم من أئمة الفتوى. وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرا عن علي بن أبي طالب، أن هذه الآية نزلت فيه: أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه. ثم روى ابن كثير الأثر المذكور عن ابن أبي حاتم وابن جرير وعبد الرزاق وابن مردويه، ثم قال: وليس يصح شيء منها بالكلية. لضعف أسانيدها وجهالة رجالها.. انتهى.

وقد اقتص ذلك الخفاجي في "حواشي البيضاوي" عن الحاكم وغيره بطول. ثم أنشد أبياتا لحسان بن ثابت فيها. ولوائح الضعف بل الوضع لا تخفى عليها. لا سيما ونفس حسان بن ثابت، العريق في العربية، بعيد مما نسب إليه. وأي حاجة للتنويه بفضل علي عليه السلام بمثل هذه الواهيات. وفضله أشهر من نار على علم.

[ ص: 2044 ] قال البغوي: روي عن عبد الملك بن سليمان قال: سألت أبا جعفر، محمد بن علي الباقر عن هذه الآية: إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا من هم؟ فقال: المؤمنون. فقلت: إن ناسا يقولون هو علي. فقال: علي من الذين آمنوا.

قال ابن كثير: وقد تقدم في الأحاديث التي أوردناها، أن هذه الآية كلها نزلت في عبادة بن الصامت رضي الله عنه، حين تبرأ من حلف يهود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين.

الرابع: ذهب من رأى أن هذه الآية نزلت في علي عليه السلام وأنه تصدق بخاتمه وهو راكع - كما قدمنا - إلى أن العمل القليل في الصلاة لا يبطلها، وأن صدقة النفل تسمى زكاة. نقله السيوطي في "الإكليل" عن ابن الفرس.

وقال بعض الزيدية: ثمرة الآية تأكد موالاة المؤمنين، وبيان فضل من نزلت فيه، وأنه يجوز إخراج الزكاة في الصلاة، وتنوى. وكذا نية الصيام في الصلاة تصح. وإن الفعل القليل لا يفسد الصلاة. قال: وهذا مأخوذ من سبب نزولها، لا من لفظها. ومتى قيل: إن عليا عليه السلام لم تجب عليه زكاة؟ قلنا: إذا صح ما ذكر أنها نزلت فيه، كان أولى بالصحة، وأنها قد وجبت عليه.

قال في "الغياضة": إن قيل: قد روي أنه كان من ذهب، والذهب محرم على الرجال; أجيب بأن ذلك كان في صدر الإسلام ثم نسخ، أو أن هذا من خواص علي عليه السلام. انتهى.

قال الزمخشري: فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلي رضي الله عنه، واللفظ لفظ جماعة؟ قلت: جيء به على لفظ الجمع، وإن كان السبب فيه رجلا واحدا، ليرغب الناس في مثل فعله فينالوا مثل ثوابه. ولينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية [ ص: 2045 ] من الحرص على البر والإحسان وتفقد الفقراء. حتى إن لزهم أمر لا يقبل التأخير - وهم في الصلاة - لم يؤخروه إلى الفراغ منها. انتهى.

وإنما أوردنا هذا، على علاته، تعجيبا من غرائب الاستنباط. وقد توسع الرازي، عليه الرحمة، في المناقشة مع الشيعة هنا، فليراجع فإنه بحث بديع.

الخامس: قوله تعالى: فإن حزب الله هم الغالبون معناه: فإنهم هم الغالبون.

فوضع الظاهر موضع الضمير العائد إلى (من) دلالة على علة الغلبة. وهو أنهم حزب الله. فكأنه قيل: ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله. وحزب الله هم الغالبون. وتنويها بذكرهم وتعظيما لشأنهم وتشريفا لهم بهذا الاسم. وتعريضا لمن يوالي غير هؤلاء بأنه حزب الشيطان. وأصل (الحزب) القوم يجتمعون لأمر حزبهم. وقيل: الحزب جماعة فيهم شدة. فهو أخص من الجماعة والقوم.

ثم أشار تعالى إلى أن موالاة غيرهم، إن كانت لجر نفع، فضررها أعظم. وإن كانت لدفع ضرر فالضرر الحاصل بها لا يفي بالمدفع، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[57] يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين

يا أيها الذين آمنوا أي: مقتضى إيمانكم حفظ تعظيم دينكم: لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم أي: الذي هو رأس مال كمالاتكم، الذي به انتظام معاشكم ومعادكم، وهو مناط سعادتكم الأبدية، وسبب قربكم من ربكم: هزوا أي: شيئا مستخفا: ولعبا أي: سخرية وضحكا، مبالغة في الاستخفاف به حتى لعبوا بعقول أهله. [ ص: 2046 ] ثم بين المستهزئين وفصلهم بقوله تعالى: من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار قرئ بالنصب والجر، يعني المشركين كما في قراءة ابن مسعود: ومن الذين أشركوا . أولياء في العون والنصرة. وإنما رتب النهي على وصف اتخاذهم الدين هزوا ولعبا. تنبيها على العلة، وإيذانا بأن من هذا شأنه، جدير بالبغضاء والشنآن والمنابذة. فكيف بالموالاة؟: واتقوا الله أي: في ذلك، بترك موالاتهم، أو بترك المناهي على الإطلاق. فيدخل فيه ترك موالاتهم دخولا أوليا: إن كنتم مؤمنين أي: حقا، فإن قضية الإيمان توجب الاتقاء لا محالة.

ثم بين استهزاءهم بحكم خاص من أحكام الدين، بعد استهزائهم بالدين على الإطلاق، إظهارا لكمال شقاوتهم، بقوله سبحانه:

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 20-11-2022, 11:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2047 الى صـ 2056
الحلقة (304)


القول في تأويل قوله تعالى:

[58] وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون

وإذا ناديتم إلى الصلاة أي: دعوتم إليها بالأذان: اتخذوها أي: الصلاة أو المناداة: هزوا ولعبا بأن يستهزئوا بها ويتضاحكوا: ذلك أي: الاتخاذ: بأنهم أي: بسبب أنهم: قوم لا يعقلون أي: معاني عبادة الله، فإن السفه يؤدي إلى الجهل بمحاسن الحق والهزء به، ولو كان لهم عقل في الجملة لما اجترأوا على تلك العظيمة. فإن الصلاة أكرم القربات، وفي النداء معان شريفة من تعظيم الله باعتبار ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله. ومن ذكر توحيده باعتبار ذاته، باعتبار عدم مغايرة أسمائه وصفاته، ومن تعظيم رسوله باعتبار قيامه بمصالح المعاش والمعاد، ومن الصلاة من حيث هي وصلة ما بين العبد وبين الله، ومن حيث إفادته معالي الدرجات، ومن تعظيم مقصده وهو الفلاح في الظاهر والباطن، وما هو غاية مقصده من القرب من الله باعتبار عظمة ظاهره وباطنه، ومن الوصول إلى توحيده الحقيقي. أفاده المهايمي.

[ ص: 2047 ] تنبيهات:

الأول: في آثار رويت في هذه الآية:

روى أبو الشيخ ابن حيان عن ابن عباس قال: كان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث، قد أظهرا الإسلام ونافقا، وكان رجل من المسلمين يوادهما. فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الآية.

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي في قوله: وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا قال: كان رجل من النصارى من المدينة، إذا سمع المنادي ينادي: أشهد أن محمدا رسول الله. قال: حرق الكاذب. فدخلت خادمه ليلة من الليالي بنار، وهو نائم وأهله نيام، فسقطت شرارة فأحرقت البيت، فاحترق هو وأهله.

وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في "السيرة": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ومعه بلال فأمره أن يؤذن. وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة. فقال عتاب بن أسيد: لقد أكرم الله أسيدا أن لا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه. فقال الحارث بن هشام: أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته. فقال أبو سفيان: لا أقول شيئا. لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى. فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: قد علمت الذي قلتم. ثم ذكر ذلك لهم. فقال الحارث وعتاب: نشهد أنك رسول الله. والله! ما اطلع على هذا أحد كان معنا، فنقول أخبرك.

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن محيريز - وكان يتيما في حجر أبي محذورة - قال: [ ص: 2048 ] قلت لأبي محذورة: يا عم! إني خارج إلى الشام. أخشى أن أسأل عن تأذينك. فأخبرني; أن أبا محذورة قال له: نعم! خرجت في نفر فكنا ببعض طريق حنين، فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق. فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون. فصرخنا نحكيه ونستهزئ به. فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت فأرسل إلينا، إلى أن وقفنا بين يديه. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع» ؟ فأشار القوم كلهم إلي. وصدقوا. فأرسل كلهم وحبسني فقال: «قم فأذن» . فقمت، ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. فألقى إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو نفسه فقال: قل: «الله أكبر، الله أكبر. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله» . ثم قال لي: «ارجع فامدد من صوتك» . ثم قال: «أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله» ، ثم عادني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة، ثم أمرها على وجهه مرتين. ثم مرتين على يديه. ثم على كبده. ثم بلغت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم سرة أبي محذورة. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بارك الله فيك. فقلت: يا رسول الله! مرني بالتأذين بمكة. فقال: قد أمرتك به. وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقدمت على عتاب بن أسيد، عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الثاني: دلت الآية على وجوب موالاة المؤمنين ومعاداة الكفار. والمراد به في أمر الدين، كما تقدم.

[ ص: 2049 ] الثالث: دلت على أن الهزء بالدين كفر، وأن هزله كجده.

قال في "الإكليل": الآية أصل في تكفير المستهزئ بشيء من الشريعة.

الرابع: دلت على أن للصلاة نداء وهو الأذان، فهي أصل فيه.

قال الزمخشري: قيل: فيه دليل على ثبوت الأذان بنص الكتاب، لا بالمنام وحده. ولما نهى تعالى عن تولي المستهزئين، أمر أن يخاطبوا بأن الدين منزه عما يصح صدور ما صدر عنهم من الاستهزاء، ويظهر لهم ما ارتكبوا ويلقموا الحجر، بقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[59] قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنـزل إلينا وما أنـزل من قبل وأن أكثركم فاسقون

قل يا أهل الكتاب وصفوا بذلك تمهيدا لتبكيتهم وإلزامهم بكفرهم بكتابهم، أي: يا أصحاب الكتاب، العالمين بالنقائص والكمالات، التي يستحق على تحققها وفقدها الاستهزاء: هل تنقمون منا أي: ما تعيبون وتنكرون منا: إلا أن آمنا بالله وهو رأس الكمالات: وما أنـزل إلينا وهو أصل الاعتقادات والأعمال والأخلاق: وما أنـزل من قبل وهو يشهد لما أنزل إلينا: وأن أكثركم فاسقون أي: متمردون خارجون عن الإيمان بما ذكر.

لطائف:

الأولى: إنما فسر (تنقمون) ب (تعيبون) و (تنكرون) لأن النقمة معناها الإنكار باللسان أو بالعقوبة - كما قاله الراغب - لأنه لا يعاقب إلا على المنكر فيكون على حد قوله:


ونشتم بالأفعال لا بالتكلم


فلذا حسن (انتقم منه) مطاوعه، بمعنى عاقبه وجازاه، وإلا فكيف يخالف المطاوع أصله؟ فافهم. و (نقم) ورد كعلم يعلم وضرب يضرب، [ ص: 2050 ] وهي الفصحى، ويعدى ب (من) و (على). وقال أبو حيان: أصله أن يتعدى ب (على). ثم (افتعل) المبني منه، يعدى ب (من) لتضمنه معنى الإصابة بالمكروه، وهنا (فعل) بمعنى (افتعل). كذا في "العناية".

الثانية: في الآية تسجيل على أهل الكتاب بكمال المكابرة والتعكيس، حيث جعلوا الإيمان بما ذكر، موجبا لنقمه، مع كونه في نفسه موجبا لقبوله وارتضائه. فمعنى الآية: ليس شيء ينقم من المؤمنين. فلا موجب للاستهزاء. وهذا مما تقصد العرب في مثله، تأكيد النفي والمبالغة فيه بإثبات شيء، وذلك الشيء لا يقتضي إثباته، فهو منتف أبدا. ويسمى مثل ذلك عند علماء البيان تأكيد المدح بما يشبه الذم وبالعكس، فمن الأول نحو:


ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب


ومن الثاني هذه الآية وشبهها. أي: ما ينبغي لهم أن ينقموا شيئا إلا هذا، وهذا [ ص: 2051 ] لا يوجب لهم أن ينقموا شيئا، فليس شيء ينقمونه، فينبغي أن يؤمنوا به ولا يكفروا. وفيه أيضا التعريض بكفرهم، وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان.

الثالث: إسناد الفسق إلى أكثرهم؛ لأن من قال منهم ما قال وحمل غيره على العناد، طلبا للرياسة والجاه وأخذ الرشوة، إنما هو أكثرهم، ولئلا يظن أن من آمن منهم داخل في ذلك.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[60] قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل

قل هل أنبئكم بشر من ذلك المخاطب بكاف الجمع أهل الكتاب المتقدم ذكرهم، أو الكفار مطلقا، أو المؤمنون. والمشار إليه الأكثرون الفاسقون. وتوحيد اسم الإشارة لكونه يشار به إلى الواحد وغيره، أو لتأويله بالمذكور ونحوه. وفي الكلام مقدر؛ أي: بشر من حال هؤلاء. وقيل: المشار إليه المتقدمون الذين هم أهل الكتاب، يعني أن السلف شر من الخلف. وجعله الزمخشري إشارة إلى المنقوم.

وقد جود في إيضاحه العلامة أبو السعود بقوله: لما أمر عليه الصلاة والسلام بإلزامهم وتبكيتهم، ببيان أن مدار نقمهم للدين إنما هو اشتماله على من يوجب ارتضاءه عنهم أيضا، وكفرهم بما هو مسلم لهم - أمر عليه الصلاة والسلام عقيبه بأن يبكتهم ببيان أن الحقيق بالنقم والعيب حقيقة، ما هم عليه من الدين المحرف.

وينعي عليهم في ضمن البيان جناياتهم وما حاق بهم من تبعاتها وعقوباتها، على منهاج التعريض؛ لئلا يحملهم التصريح بذلك على ركوب [ ص: 2052 ] متن المكابرة والعناد. ويخاطبهم قبل البيان بما ينبئ عن عظم شأن المبين، ويستدعي إقبالهم على تلقيه من الجملة الاستفهامية المشوقة إلى المخبر به، والتنبئة المشعرة بكونه أمرا خطيرا، لما أن النبأ هو الخبر الذي له شأن وخطر. وحيث كان مناط النقم شرية المنقوم حقيقة أو اعتقادا، وكان مجرد النقم غير مقيد لشريته البتة، قيل: (بشر من ذلك) ولم يقل: بأنقم من ذلك، تحقيقا لشرية ما سيذكر وزيادة تقرير لها. وقيل: إنما قيل ذلك، لوقوعه في عبارة المخاطبين، حيث أتى نفر من اليهود فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن دينه فقال عليه الصلاة والسلام: «أومن بالله وما أنزل إلينا» .. - إلى قوله -: ( ونحن له مسلمون ) . فحين سمعوا ذكر عيسى عليه السلام، قالوا: لا نعلم شرا من دينكم. وإنما اعتبر الشرية بالنسبة إلى الدين - وهو منزه عن شائبة الشرية بالكلية - مجاراة معهم على زعمهم الباطل المنعقد على كمال شريته، ليثبت أن دينهم شر من كل شر. أي: هل أخبركم بما هو شر في الحقيقة مما تعتقدونه شرا، وإن كان في نفسه خيرا محضا؟ انتهى.

وقوله: مثوبة عند الله أي: جزاء ثابتا عند الله. قال الراغب: الثواب ما رجع إلى الإنسان من جزاء أعماله. سمي به بتصور أن ما عمله يرجع إليه، كقوله: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ولم يقل: ير جزاءه. والثواب يقال في الخير والشر، لكن الأكثر المتعارف في الخير. وكذا المثوبة، وهي مصدر ميمي بمعناه. وعلى اختصاصها بالخير استعملت هنا في العقوبة على طريقة:


تحية بينهم ضرب وجيع


[ ص: 2053 ] في التهكم. ونصبها على التمييز من (بشر)

وقوله تعالى: من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير بدل من: (شر) على حذف مضاف، أي: بشر من أهل ذلك من لعنه الله، أو بشر من ذلك دين من لعنه الله، أو خبر محذوف. أي: هو من لعنه الله وهم اليهود، أبعدهم الله من رحمته وسخط عليهم بكفرهم وانهماكهم في المعاصي بعد وضوح الآيات ومسخ بعضهم قردة وخنازير، وهم أصحاب السبت، كما تقدم بيانه في سورة البقرة: وعبد الطاغوت عطف على صلة (من) والمراد من الطاغوت: العجل، أو الكهنة وكل من أطاعوه في معصية الله تعالى: أولئك أي: الملعونون الممسوخون: شر مكانا إثبات الشرارة للمكان كناية عن إثباتها لأهله، كقولهم: (سلام على المجلس العالي) و (المجد بين برديه) كأن شرهم أثر في مكانهم أو عظم حتى صار متجسما! وقيل: المراد بالمكان محل الكون والقرار الذي يؤول أمرهم إلى التمكن فيه، كقوله: شر مكانا وهو مصيرهم، يعني جهنم.

وأضل عن سواء السبيل أي: أكثر ضلالا عن الصراط المستقيم.

ثم بين تعالى علامات كمال شرهم وضلالهم بقوله:
[ ص: 2054 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[61] وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون

وإذا جاءوكم يعني سفلة اليهود، ويقال: المنافقون: قالوا آمنا أي: بك ونعتك أنه في كتابنا: وقد دخلوا إليكم متلبسين: بالكفر بكفر السر: وهم قد خرجوا أي: من عندكم متلبسين: به أي: بكفر السر، فهم مستمرون عليه: والله أعلم بما كانوا يكتمون أي: من الكفر، وفيه وعيد لهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[62] وترى كثيرا منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون

وترى كثيرا منهم أي: اليهود: يسارعون في الإثم أي: الحرام، كالكذب والعصيان من غير مبالاة من الله ولا من الناس: والعدوان أي: الظلم والاعتداء على الناس: وأكلهم السحت أي: الحرام كالرشا. وخصه بالذكر مع اندراجه في الإثم للمبالغة في التقبيح، وفيه دلالة على تحريم الرشا؛ لأن ذلك ورد في كبرائهم أنهم يسترشون في تغيير الحكم: لبئس ما كانوا يعملون مما ذكر.
القول في تأويل قوله تعالى:

[63] لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون

لولا أي: هلا: ينهاهم الربانيون أي: الزهاد منهم والعباد: والأحبار [ ص: 2055 ] أي: العلماء: عن قولهم الإثم أي: الكذب: وأكلهم السحت أي: الرشوة، المفسدة أمر العالم كله: لبئس ما كانوا يصنعون من ترهبهم وتعلمهم لغير دين الله. أو من تركهم نهيهم. وهذا الذم المقول فيهم، أبلغ مما قيل في حق عامتهم. أولا: لأنه لما عبر عن الواقع المذموم من مرتكبي المناكير بالعمل في قوله: لبئس ما كانوا يصنعون وعبر عن ترك الإنكار عليهم حيث ذمه بالصناعة في قوله: لبئس ما كانوا يصنعون - كان هذا الذم أشد. لأنه جعل المذموم عليه صناعة لهم وللرؤساء، وحرفة لازمة، هم فيها أمكن من أصحاب المناكير في أعمالهم.

وهذا معنى قول الزمخشري: كأنهم جعلوا آثم من مرتكبي المناكير، لأن كل عامل لا يسمى صانعا، ولا كل عمل يسمى صناعة، حتى يتمكن فيه ويتدرب وينسب إليه. وكأن المعنى في ذلك، أن مواقع المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها وتحمله على ارتكابها. وأما الذي ينهاه، فلا شهوة معه في فعل غيره. فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالا من المواقع. ثم قال الزمخشري: ولعمري! إن هذه الآية مما يقذ السامع وينعي على العلماء توانيهم. انتهى.

وفي "الإكليل": في هذه الآية وجوب النهى عن المنكر على العلماء، واختصاص ذلك بهم.

وقال البيضاوي: فيها تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك، فإن (لولا) إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض.

روى ابن جرير عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية أشد توبيخا من هذه الآية.

وقال الضحاك: ما في القرآن آية أخوف عندي منها. وروى ابن أبي حاتم عن يحيى بن يعمر قال: خطب علي بن أبي طالب، فحمد الله وأثنى [ ص: 2056 ] عليه ثم قال: أيها الناس! إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي ولم ينههم الربانيون والأحبار. فلما تمادوا أخذتهم العقوبات. فمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم. واعلموا أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقطع رزقا ولا يقرب أجلا.

وروى الإمام أحمد عن جرير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي، هم أعز منه وأمنع. ولم يغيروا، إلا أصابهم الله منه بعذاب.

ولفظ أبي داود عنه، مرفوعا: ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه فلا يغيروا، إلا أصابهم الله بعذاب قبل أن يموتوا.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 20-11-2022, 11:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2057 الى صـ 2066
الحلقة (305)



القول في تأويل قوله تعالى:

[64] وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله ويسعون في الأرض فسادا والله لا يحب المفسدين

وقالت اليهود يد الله مغلولة أخرج الطبراني وابن إسحاق عن ابن عباس قال: قال رجل من اليهود يقال له شاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق. فنزلت.

[ ص: 2057 ] وأخرج أبو الشيخ من وجه آخر عنه: نزلت في فنحاص، رأس يهود قينقاع، وتقدم أنه الذي قال: إن الله فقير ونحن أغنياء. فضربه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.

فيكون أريد بالآية هنا، ما حكي عنه بقوله المذكور. والله أعلم.

ولما لم ينكر على القائل قومه ورضوا به، نسبت تلك العظيمة إلى الكل، كما يقال: بنو فلان قتلوا فلانا. وإنما القاتل واحد منهم. و (غل اليد وبسطها): مجاز مشهور عن البخل والجود. ومنه قوله تعالى: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها قالوا: والسبب فيه أن اليد آلة لأكثر الأعمال. لا سيما لدفع المال ولإنفاقه. فأطلقوا اسم السبب على المسبب. وأسندوا الجود والبخل إلى اليد والبنان والكف والأنامل. فقيل للجواد: فياض الكف. مبسوط اليد، وسبط البنان نزه الأنامل. ويقال للبخيل: كز الأصابع، مقبوض الكف، جعد الأنامل. وقوله تعالى: غلت أيديهم دعاء عليهم بالبخل أو بالفقر والمسكنة أو بغل الأيدي حقيقة. يغلون أي: تشد أيديهم إلى أعناقهم أسارى في الدنيا ومسحوبين إلى النار في الآخرة: ولعنوا أي: أبعدوا عن الرحمة فلا يوفقون للتوبة: بما قالوا من الكلمة الشنيعة التي لا تصح في حق الله حقيقة ولا مجازا: بل يداه مبسوطتان أي: بأنواع العطايا المختلفة. وثنى (اليد) مبالغة في الرد ونفي البخل عنه تعالى، وإثباتا لغاية الجود، فإن غاية ما يبذله السخي من ماله أن يعطيه بيديه: ينفق كيف يشاء تأكيد لما قبله، منبه على أن إنفاقه تابع لمشيئته، المبنية على الحكم، التي عليها يدور أمر المعاش والمعاد.

وهاهنا مباحث:

الأول: ما زعمه الزمخشري ومن تابعه - من أن إثبات اليد لا يصح حقيقة له تعالى - فإنه نزعة كلامية اعتزالية.

قال الإمام ابن عبد البر في "شرح الموطأ": أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات [ ص: 2058 ] الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها، وحملها على الحقيقة لا على المجاز. إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة. وأما أهل البدع، الجهمية والمعتزلة كلها، والخوارج، فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة. ويزعم أن من أقر بها شبه. وهم عند من أقر بها نافون للمعبود. والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله. وهم أئمة الجماعة.

وقال القاضي أبو يعلى في كتاب "إبطال التأويل": لا يجوز رد هذه الأخبار ولا التشاغل بتأويلها. والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات الله، لا تشبه بسائر الموصوفين بها من الخلق، ولا يعتقد التشبيه فيها ثم قال: ويدل على إبطال التأويل، أن الصحابة ومن بعدهم من التابعين، حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها، ولو كان التأويل سائغا لكانوا إليه أسبق؛ لما فيه من إزالة التشبيه ورفع الشبهة. وقال الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى في كتاب "الإبانة" في باب (الكلام في الوجه والعينين والبصر واليدين) وذكر الآيات في ذلك. ورد على المتأولين بكلام طويل لا يتسع هذا الموضع لحكايته. مثل قوله:

فإن سئلنا: أتقولون لله يدان؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله: يد الله فوق أيديهم وقوله تعالى: لما خلقت بيدي وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: [ ص: 2059 ] إن الله مسح ظهر آدم بيده فاستخرج منه ذرية، وقد جاء في الخبر المأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله خلق آدم بيده، وخلق جنة عدن بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس شجرة طوبى بيده» . وليس يجوز في لسان العرب، ولا في عادة أهل الخطاب، أن يقول القائل: عملت كذا بيدي، ويعني به النعمة. وإذا كان الله إنما خاطب العرب بلغتها وما يجري في مفهومها في كلامها، ومعقولا في خطابها، وكان لا يجوز في خطاب أهل اللسان أن يقول القائل: فعلت بيدي، ويعني به النعمة - بطل أن يكون معنى قوله عز وجل: بيدي النعمة. وذكر كلاما طويلا في تقرير هذا ونحوه.

وقال القاضي أبو بكر الباقلاني في كتاب "الإبانة" له:

[ ص: 2060 ] فإن قال: فما الدليل على أن لله وجها ويدا؟ قيل له: ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ، وقوله تعالى: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي فأثبت لنفسه وجها ويدا: فإن قال: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة إذا كنتم لا تعقلون وجها ويدا إلا جارحة؟ قلنا: لا يجب هذا كما لا يجب - إذا لم نعقل حيا عالما قادرا إلا جسما - أن نقضي نحن وأنتم بذلك على الله سبحانه.

وقال الشيخ تقي الدين في "الرسالة المدنية": مذهب أهل الحديث - وهم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف - أن هذه الأحاديث تمر كما جاءت ويؤمن بها وتصدق وتصان عن تأويل يفضي إلى تعطيل، وتكييف يفضي إلى تمثيل. وقد أطلق غير واحد ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابي - مذهب السلف أنها تجري على ظاهره مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وذلك، أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات، يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله. فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية. انتهى.

ويرحم الله الإمام الصرصري الأنصاري حيث يقول من قصيدة:


إن المقال بالاعتزال لخطة عمياء حل بها الغواة المرد

هجموا على سبل الهدى بعقولهم
ليلا فعاثوا في الديار وأفسدوا

صم، إذا ذكر الحديث لديهم
نفروا، كأن لم يسمعوه، وغردوا

واضرب لهم مثل الحمير إذ رأت
أسد العرين فهن منهم شرد


[ ص: 2061 ] إلى أن قال:


يدعو من اتبع الحديث مشبها هيهات ليس مشبها من يسند


لكنه يروي الحديث كما أتى غير تأويل ولا يتأود


الثاني: روى الإمام أحمد والشيخان في معنى الآية عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة. سحاء الليل والنهار. أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه. وكان عرشه على الماء وفي يده الأخرى الفيض - أو القبض - يرفع ويخفض وقال: يقول الله تعالى: أنفق أنفق عليك» .

الثالث: في هذه الآية دلالة على جواز لعن اليهود، ولا إشكال أن ذلك جائز.

الرابع: هذه الآية أصل في تكفير من صدر منه، في جناب البارئ تعالى، ما يؤذن بنقص. وقوله تعالى: وليزيدن كثيرا منهم أي: من اليهود: ما أنـزل إليك من ربك من جوامع الخيرات: طغيانا أي: عدوانا على الناس، أو تماديا في الجحود: وكفرا أي: في أنفسهم بعد كفرهم وطغيانهم بالتحريف وأخذ الرشوة أولا. وهذا من إضافة الفعل إلى السبب. أي: يزدادون طغيانا وكفرا بما أنزل، كما قال: فزادتهم رجسا إلى رجسهم .

[ ص: 2062 ] قال الحافظ ابن كثير: أي: يكون ما آتاك الله، يا محمد، من النعمة نقمة في حق أعدائك من اليهود وأشباههم. فكما يزداد به المؤمنون تصديقا وعملا صالحا وعلما نافعا، يزداد به الكافرون الحاسدون لك ولأمتك، طغيانا - وهو المبالغة والمجاوزة للحد في الأشياء - وكفرا أي: تكذيبا كما قال تعالى: قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى وقال تعالى: وننـزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا

وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة فكلمتهم أبدا مختلفة وقلوبهم شتى، لا يقع بينهم اتفاق ولا تعاضد.

وقد ذكر الشهرستاني أنهم افترقوا نيفا وسبعين فرقة. ولما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، كان اليهود ثلاث طوائف حول المدينة: بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، وبسط ماجرياتهم، وهديه صلى الله عليه وسلم في شأنهم، مبسوط في "زاد المعاد" لابن القيم. فراجعه.

قال الرازي: واعلم أن اتصال هذه الآية بما قبلها، هو أنه تعالى بين أنهم إنما ينكرون نبوته بعد ظهور الدلائل على صحتها، لأجل الحسد ولأجل حب الجاه والتبع والمال والسيادة. ثم إنه تعالى بين أنهم، لما رجحوا الدنيا على الآخرة، لا جرم أن الله تعالى، كما حرمهم سعادة الدين، فكذلك حرمهم سعادة الدنيا، لأن كل فريق منهم بقي مصرا على مذهبه ومقالته. يبالغ في نصرته ويطعن في كل ما سواه من المذاهب والمقالات. تعظيما لنفسه وترويجا لمذهبه. فصار ذلك سببا لوقوع الخصومة الشديدة بين فرقهم وطوائفهم. وانتهى الأمر فيه إلى أن بعضهم يكفر بعضا، ويغزو بعضهم بعضا.

[ ص: 2063 ] وفي الآية وجهان:

أحدهما - ما بين اليهود والنصارى؛ لأنه جرى ذكرهم في قوله تعالى: لا تتخذوا اليهود والنصارى وهو قول الحسن ومجاهد. لأنهم المحدث عنهم في قوله تعالى: وقالت اليهود

والثاني - ما بين فرق اليهود خاصة.

أقول: وهو الظاهر. فإن قلت: فهذا المعنى حاصل أيضا بين فرق المسلمين، فكيف يكون ذلك عيبا على الكتابيين حتى يذموا به؟ قلت: بدعة التفرق التي حصلت في المسلمين، إنما حدثت بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعصر الصحابة والتابعين.

أما في الصدر الأول فلم يكن شيء من ذلك حاصلا بينهم; فحسن جعل ذلك عيبا على الكتابيين في ذلك العصر الذي نزل فيه القرآن.

كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله أي: كلما أرادوا حرب الرسول صلى الله عليه وسلم، وإثارة شر عليه، ردهم الله سبحانه وتعالى، بأن أوقع بينهم منازعة كف بها عنه شرهم، أو كلما أرادوا حرب أحد، غلبوا وقهروا ولم يقم لهم نصر من الله تعالى على أحد قط. فإيقاد النار كناية عن إرادة الحرب؛ لأنه كان عادتهم ذلك. ونيران العرب مشهورة، منها هذه. وإطفاء النار على الأول عبارة عن دفع شرهم، وعلى الثاني غلبتهم. و (للحرب) إما صلة ل (أوقدوا)، أو متعلق بمحذوف وقع صفة (نارا) أي: كائنة للحرب ويسعون في الأرض فسادا أي: للفساد أو مفسدين، أي: يجتهدون في الكيد للإسلام وأهله وتعويق الناس عنه وإثارة الفتن: والله لا يحب المفسدين أي: من كان الإفساد صفته. و (اللام) إما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا، أو للعهد، ووضع المظهر موضع المضمر للتعليل، وبيان كونهم راسخين في الإفساد.
[ ص: 2064 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[65] ولو أن أهل الكتاب آمنوا واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلناهم جنات النعيم

ولو أن أهل الكتاب أي: مع ما عددنا من سيئاتهم: آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به: واتقوا مباشرة الكبائر: لكفرنا عنهم سيئاتهم أي: ذنوبهم: ولأدخلناهم جنات النعيم في الآخرة مع المسلمين. وفيه إعلام بعظم معاصي اليهود والنصارى وكثرة سيئاتهم، ودلالة على سعة رحمة الله تعالى وفتحه باب التوبة على كل عاص، وإن عظمت معاصيه وبلغت مبالغ سيئات اليهود والنصارى، وأن الإسلام يجب ما قبله وإن جل. وأن الكتابي لا يدخل الجنة ما لم يسلم.

قال الزمخشري: وفيه أن الإيمان لا ينجي ولا يسعد إلا مشفوعا بالتقوى، كما قال الحسن: هذا العمود، فأين الأطناب؟ انتهى.

قال ناصر الدين في "الانتصاف": هو ينتهز الفرصة من ظاهر هذه الآية فيجعله دليلا على قاعدته، في أن مجرد الإيمان لا ينجي من الخلود في النار، حتى ينضاف إليه التقوى. لأن الله تعالى جعل المجموع في هذه الآية شرطا للتكفير ولإدخال الجنة. وظاهره أنهما ما لم يجتمعا لا يوجد تكفير ولا دخول الجنة. وأنى له ذلك؟ والإجماع والاتفاق من الفريقين - أهل السنة والجماعة، والمعتزلة - على أن مجرد الإيمان يجب ما قبله ويمحوه كما ورد النص. فلو فرضنا موت الداخل في الإيمان عقيب دخوله فيه، لكان كيوم ولدته أمه - باتفاق - مكفر الخطايا محكوما له بالجنة. فدل على أن اجتماع الأمرين ليس بشرط، هذا إن كان المراد بالتقوى الأعمال. وإن كانت التقوى - على أصل موضعها - الخوف من الله عز وجل، فهذا المعنى ثابت لكل مؤمن وإن قارف الكبائر وحينئذ لا يتم للزمخشري منه غرض. [ ص: 2065 ] وما هذا إلا إلحاح ولجاج في مخالفة المعتقد المستفاد من قوله عليه الصلاة والسلام: «من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى أو سرق. كررها النبي صلى الله عليه وسلم مرارا، ثم قال: وإن رغم أنف أبي ذر» . لما راجعه رضي الله عنه في ذلك، ونحن نقول: وإن رغم أنف القدرية. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[66] ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون

ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل أي: أقاموا أحكامهما وحدودهما وما فيهما من نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. أصل الإقامة الثبات في المكان. ثم استعير إقامة الشيء لتوفية [ ص: 2066 ] حقه: وما أنـزل إليهم من ربهم أي: بينوا ما بين لهم ربهم في التوراة والإنجيل. ويقال: أقروا بجملة الكتب والرسل من ربهم، ويقال: هو القرآن: لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم لوسع عليهم أرزاقهم، بأن يفيض عليهم بركات من السماء والأرض، ويكثر ثمرة الأشجار وغلة الزروع، أو يرزقهم الجنان اليانعة الثمار، فيجتنونها من رأس الشجر، ويلتقطون ما تساقط على الأرض. وجعل (من فوقهم ومن تحت أرجلهم) بمعنى الأمطار والأنهار التي تحصل بها أقواتهم - بعيد من الأكل. والأقرب الوجوه الثلاثة المتقدمة. ونبه تعالى بذلك على أن ما أصابهم من الضنك والضيق، إنما هو بشؤم معاصيهم. وكفرهم، لا لقصور في فيض الكريم، تعالى. ودلت الآية على أن العمل بطاعة الله تعالى سبب لسعة الرزق، وهو كقوله تعالى: ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا الآيات. وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 20-11-2022, 11:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2067 الى صـ 2080
الحلقة (306)



[ ص: 2067 ] روى الإمام أحمد عن زياد بن لبيد أنه قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا فقال: «وذاك عند ذهاب العلم» . قال: قلنا: يا رسول الله! وكيف يذهب العلم ونحن نقرأ القرآن ونقرئه أبناءنا، ويقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يوم القيامة؟ فقال: «ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد! إن كنت لأراك من أفقه رجل بالمدينة. أوليس هذه اليهود والنصارى يقرءون التوراة والإنجيل، لا ينتفعون مما فيهما بشيء» .

وفي رواية ابن أبي حاتم: أوليست التوراة والإنجيل بأيدي اليهود والنصارى؟ فما أغنى عنهم حين تركوا أمر الله؟ ثم قرأ: ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل الآية.

منهم أمة أي: طائفة: مقتصدة أي: عادلة مستقيمة، وهم من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، كعبد الله بن سلام والنجاشي وسلمان: وكثير منهم ساء أي: بئس: ما يعملون أي: من تحريف الحق والإعراض عنه والإفراط في العداوة. والآية كقوله تعالى: ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون
القول في تأويل قوله تعالى:

[67] يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين

يا أيها الرسول نودي صلى الله عليه وسلم بعنوان الرسالة تشريفا له وإيذانا بأنها من موجبات الإتيان بما أمر به من التبليغ: بلغ ما أنـزل إليك من ربك مما يفصل مساوئ الكفار، ومن قتالهم، والدعوة إلى الإسلام، غير مراقب في التبليغ أحدا، ولا خائف أن ينالك مكروه: وإن لم تفعل أي: ما تؤمر به من تبليغ الجميع، سترا لبعض [ ص: 2068 ] مساوئهم: فما بلغت رسالته أي: شيئا مما أرسلت به. لما أن بعضها ليس أولى بالأداء من بعض. فإذا لم تؤد بعضها فكأنك أغفلت أداءها جميعا. كما أن من لم يؤمن ببعضها، كان كمن لم يؤمن بكلها.

قال في "الانتصاف": ولما كان عدم تبليغ الرسالة أمرا معلوما عند الناس، مستقرا في الأفهام أنه عظيم شنيع، ينقم على مرتكبه، بل عدم نشر العلم من العالم أمر فظيع، فضلا عن كتمان الرسالة من الرسول - استغنى عن ذكر الزيادات التي يتفاوت بها الشرط والجزاء، للصوقها بالجزاء في الأفهام. وإن كل من سمع عدم تبليغ الرسالة، فهم ما وراءه من الوعيد والتهديد. وحسن هذا الأسلوب في الكتاب العزيز بذكر الشرط عاما بقوله: وإن لم تفعل ولم يقل: فإن لم تبلغ الرسالة فما بلغت الرسالة. حتى يكون اللفظ متغايرا، وهذه المغايرة اللفظية - وإن كان المعنى واحدا - أحسن رونقا وأظهر طلاوة، من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء. وهذا الفصل كاللباب من علم البيان.

وقوله تعالى: والله يعصمك من الناس عدة منه تعالى بحفظه من لحوق ضرر بروحه الشريفة، باعث له على الجد فيما أمر به من التبليغ وعدم الاكتراث بعداوتهم وكيدهم: إن الله لا يهدي القوم الكافرين تعليل لعصمته، أي: لا يهديهم طريق الإساءة إليك، فما عذرك في مراقبتهم؟

تنبيهات:

الأول: لا خفاء في أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بلغ البلاغ التام، وقام به أتم القيام، وثبت في الشدائد وهو مطلوب، وصبر على البأساء والضراء وهو مكروب ومحروب، وقد لقي بمكة من قريش ما يشيب النواصي، ويهد الصياصي. وهو، مع الضعف، يصابر صبر المستعلي، ويثبت ثبات المستولي، ثم انتصب لجهاد الأعداء وقد أحاطوا بجهاته، وأحدقوا بجنباته، وصار بإثخانه في الأعداء محذورا، وبالرعب منه منصورا، حتى أصبح سراج الدين وهاجا، ودخل الناس في دين الله أفواجا.

[ ص: 2069 ] روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها، قالت لمسروق: من حدثك أن محمدا كتم شيئا مما أنزل الله عليه فقد كذب، والله يقول: يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك الآية.

وفي "الصحيحين" عنها أيضا أنها قالت: لو كان محمد صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من القرآن لكتم هذه الآية: وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه .

وروى البخاري وغيره عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: هل عندكم شيء من الوحي مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة! إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر.

وقال البخاري: قال الزهري: من الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التسليم.

[ ص: 2070 ] قال ابن كثير: وقد شهدت له صلى الله عليه وسلم أمته بإبلاغ الرسالة، وأداء الأمانة، واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من أصحابه نحو من أربعين ألفا. كما ثبت في "صحيح مسلم" عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله [ ص: 2071 ] صلى الله عليه وسلم قال في خطبته يومئذ: يا أيها الناس! إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ [ ص: 2072 ] قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت. فجعل يرفع رأسه ويرفع يده إلى السماء وينكبها إليهم ويقول: اللهم! هل بلغت؟

[ ص: 2073 ] [ ص: 2074 ] وروى الإمام أحمد عن ابن عباس: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة [ ص: 2075 ] الوداع: «يا أيها الناس! أي يوم هذا؟ قالوا: يوم حرام. قال: أي بلد هذا؟ قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا؟ قالوا: شهر حرام. قال: فإن أموالكم ودماءكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا. ثم أعادها مرارا. ثم رفع إصبعه إلى السماء فقال: اللهم! هل بلغت؟ مرارا (قال ابن عباس: والله! إنها لوصية إلى ربه عز وجل) ثم قال: إلا فليبلغ الشاهد الغائب. لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض..! » وقد روى البخاري نحوه.

الثاني: تضمن قوله تعالى: والله يعصمك من الناس معجزة كبرى لرسوله صلى الله عليه وسلم.

قال الإمام الماوردي في كتابه "أعلام النبوة" في الباب الثامن في معجزاته، عصمته صلى الله عليه وسلم. ما نصه:

أظهر الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم من أعلام نبوته بعد ثبوتها بمعجز القرآن، واستغنائه عما سواه من البرهان، ما جعله زيادة استبصار يحج به من قلت فطنته، ويذعن لها من ضعفت بصيرته، ليكون إعجاز القرآن مدركا بالخواطر الثاقبة تفكرا واستدلالا وإعجاز العيان معلوما ببداية الحواس احتياطا واستظهارا، فيكون البليد مقهورا بوهمه وعيانه، واللبيب محجوجا بفهمه وبيانه؛ لأن لكل فريق من الناس طريقا هي عليهم أقرب، ولهم أجذب، فكان ما جمع انقياد الفرق أوضح سبيلا، وأعم دليلا. فمن معجزاته عصمته من أعدائه وهم الجم الغفير، والعدد الكثير، وهم على أتم حنق عليه، وأشد طلب لنفسه. وهو بينهم مسترسل قاهر، ولهم مخالط ومكاثر، ترمقه أبصارهم شزرا، وترتد عنه أيديهم ذعرا، وقد هاجر عنه أصحابه حذرا، حتى استكمل مدته فيهم ثلاث عشرة سنة. ثم خرج عنهم. [ ص: 2076 ] سليما لم يكلم في نفس ولا جسد. وما كان ذلك إلا بعصمة إلهية وعد الله تعالى بها فحققها حيث يقول: والله يعصمك من الناس فعصمه منهم.

ثم قال الماوردي رحمه الله تعالى: وإن قريشا اجتمعت في دار الندوة. وكان فيهم النضر بن الحارث بن كنانة، وكان زعيم القوم. وساعده عبد الله بن الزبعرى وكان شاعر القوم. فحضهم على قتل محمد صلى الله عليه وسلم وقال لهم: الموت خير لكم من الحياة. فقال بعضهم: كيف نصنع؟ فقال أبو جهل: هل محمد إلا رجل واحد؟ وهل بنو هاشم إلا قبيلة من قبائل قريش؟ فليس فيكم من يزهد في الحياة فيقتل محمدا ويريح قومه؟ وأطرق مليا. فقالوا: من فعل هذا ساد. فقال أبو جهل: ما محمد بأقوى من رجل منا. وإني أقوم إليه فأشدخ رأسه بحجر. فإن قتلت أرحت قومي، وإن بقيت فذاك الذي أوثر. فخرجوا على ذلك. فلما اجتمعوا في الحطيم، خرج عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: قد جاء. فتقدم من الركن فقام يصلي. فنظروا إليه يطيل الركوع والسجود، فقال أبو جهل: فإني أقوم فأريحكم منه، فأخذ مهراسا عظيما. ودنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ساجد لا يلتفت ولا يهابه، وهو يراه. فلما دنا منه ارتعد وأرسل الحجر على رجله. فرجع وقد شدخت أصابعه وهو يرتعد، وقد دوخت أوداجه. ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، فقال أبو جهل لأصحابه: خذوني إليكم. فالتزموه وقد غشي عليه ساعة. فلما أفاق قال له أصحابه: ما الذي أصابك؟ قال: لما دنوت منه، أقبل علي من رأسه فحل فاغر فاه. فحمل علي أسنانه. فلم أتمالك. وإني أرى محمدا محجوبا. فقال له بعض أصحابه: يا أبا الحكم! رغبت وأحببت الحياة ورجعت. قال: ما تغروني عن نفسي. قال النضر بن الحارث: فإن رجع غدا فأنا له. قالوا له: يا أبا سهم! لئن فعلت هذا لتسودن. فلما كان من الغد اجتمعوا في الحطيم منتظرين رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما أشرف عليهم قاموا [ ص: 2077 ] بأجمعهم فواثبوه. فأخذ حفنة من تراب وقال: «شاهت الوجوه. وقال: حم لا ينصرون» ، فتفرقوا عنه.

وهذا دفع إلهي وثق به من الله تعالى. فصبر عليه حتى وقاه الله، وكان من أقوى شاهد على صدقه.

(ومن أعلامه): أن معمر بن يزيد، وكان أشجع قومه، استغاثت به قريش وشكوا إليه أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكانت بنو كنانة تصدر عن رأيه وتطيع أمره، فلما شكوا إليه قال لهم: إني قادم إلى ثلاث وأريحكم منه. وعندي عشرون ألف مدجج فلا أرى هذا الحي من بني هاشم يقدر على حربي. وإن سألوني الدية أعطيتهم عشر ديات، ففي مالي سعة. وكان يتقلد بسيف طوله سبعة أشبار في عرض شبر. وقصته في العرب مشهورة بالشجاعة والبأس. فلبس، يوم وعده قريشا، سلاحه وظاهر بين درعين. فوافقهم بالحطيم ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الحجر يصلي. وقد عرف ذلك فما التفت ولا تزعزع ولا قصر في الصلاة. فقيل له: هذا محمد ساجد. فأهوى إليه، وقد سل سيفه وأقبل نحوه. فلما دنا منه رمى بسيفه وعاد. فلما صار إلى باب الصفا عثر في درعه فسقط فقام، وقد أدمى وجهه بالحجارة، يعدو كأشد العدو. حتى بلغ البطحاء ما يلتفت إلى خلف. فاجتمعوا وغسلوا عن وجهه الدم وقالوا: ما أصابك؟ قال: ويحكم! المغرور من غررتموه. قالوا: ما شأنك؟ قال: ما رأيت كاليوم. دعوني ترجع إلي نفسي. فتركوه ساعة وقالوا: ما أصابك؟ يا أبا الليث! قال: إني لما دنوت من محمد، فأردت أن أهوي بسيفي إليه، أهوى إلي من عند رأسه شجاعان أقرعان ينفخان بالنيران، وتلمع من أبصارهما. فعدوت. فما كنت لأعود في شيء من مساءة محمد.

ومن أعلامه: أن كلدة بن أسد، أبا الأشد، وكان من القوة بمكان، خاطر قريشا يوما في قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأعظموا له الخطر إن هو كفاهم. فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الطريق يريد المسجد ما بين دار عقيل وعقال. فجاء كلدة ومعه المزراق. فرجع المزراق في صدره. فرجع فزعا. فقالت له قريش: ما لك يا أبا الأشد؟! فقال: ويحكم! [ ص: 2078 ] ما ترون الفحل خلفي؟ قالوا: ما نرى شيئا. قال: ويحكم! فإني أراه. فلم يزل يعدو حتى بلغ الطائف. فاستهزأت به ثقيف، فقال: أنا أعذركم، لو رأيتم ما رأيت لهلكتم.

ومن أعلامه: أن أبا لهب خرج يوما، وقد اجتمعت قريش فقالوا له: يا أبا عتبة! إنك سيدنا وأنت أولى بمحمد منا. وإن أبا طالب هو الحائل بيننا وبينه. ولو قتلته لم ينكر أبو طالب ولا حمزة منك شيئا. وأنت بريء من دمه فنؤدي نحن الدية وتسود قومك. فقال: فإني أكفيكم! ففرحوا بذلك ومدحته خطباؤهم. فلما كان في تلك الليلة وكان مشرفا عليه، نزل أبو لهب، وهو يصلي. وتسلقت امرأته أم جميل الحائط، حتى وقفت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ساجد. فصاح أبو لهب فلم يلتفت إليه، وهما كانا لا ينقلان قدما ولا يقدران على شيء حتى تفجر الصبح. وفرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له أبو لهب: يا محمد، أطلق عنا. فقال: «ما كنت لأطلق عنكما أو تضمنا لي أنكما لا تؤذياني» ، قالا: قد فعلنا. فدعا ربه فرجعا.

ومن أعلامه: أن قريشا اجتمعوا في الحطيم. فخطبهم عتبة بن ربيعة فقال: إن هذا ابن عبد المطلب قد نغص علينا عيشنا وفرق جماعتنا وبدد شملنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا. وكان في القوم الوليد بن المغيرة وأبو جهل بن هشام وشيبة بن ربيعة والنضر بن الحارث ومنبه ونبيه ابنا الحجاج، وأمية وأبي ابنا خلف، في جماعة من صناديد قريش. فقالوا له: قل ما شئت فإنا نطيعك. قال: سأقوم فأكلمه. فإن هو رجع عن كلامه وعما يدعو إليه. وإلا رأينا فيه رأينا. فقالوا له: شأنك يا أبا عبد شمس! فقام وتقدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس وحده. فقال: أنعم صباحا يا محمد! قال: «يا عبد شمس، إن الله قد أبدلنا بهذا السلام تحية أهل الجنة» . قال: يا ابن أخي! إني قد جئتك من عند صناديد قريش [ ص: 2079 ] لأعرض عليك أمورهم. إن أنت قبلتها فلك الحظ فيها ولنا فيها الفسحة! ثم قال: يا ابن عبد المطلب! أنا زعيم قريش فيما قالت. قال: «قل» قال: يا ابن عبد المطلب! إنك دعوت العرب إلى أمر ما يعرفونه فاقبل مني ما أقول لك. قال: «قل» . قال: إن كان ما تدعو إليه تطلب به ملكا فإنا نملكك علينا من غير تعب ونتوجك، فارجع عن ذلك. فسكت. ثم قال له: وإن كان ما تدعو إليه أمرا تريد به امرأة حسناء فنحن نزوجك. فقال: لا قوة إلا بالله! ثم قال له: وإن كان ما تتكلم به تريد مالا أعطيناك من الأموال حتى تكون أغنى رجل في قريش. فإن ذلك أهون علينا من تشتت كلمتنا وتفريق جماعتنا. وإن كان ما تدعو إليه جنونا داويناك كما تداوى قيس بني ثعلبة مجنونهم.

فسكت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد.! ما تقول؟ وبم أرجع إلى قريش؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: حم تنـزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون - حتى بلغ إلى قوله: فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود قال عتبة: فلما تكلم بهذا الكلام، فكأن الكعبة مالت حتى خفت أن تمس رأسي من أعجازها. وقام فزعا يجر رداءه. فرجع إلى قريش وهو ينتفض انتفاض العصفور. وقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي. فقالت قريش: لقد ذهبت من عندنا نشيطا ورجعت فزعا مرعوبا فما وراءك؟ قال: ويحكم! دعوني. إنه كلمني بكلام لا أدري منه شيئا. ولقد رعدت علي الرعدة حتى خفت على نفسي، وقلت: الصاعقة قد أخذتني.. فندموا على ذلك.


ومن أعلامه: أنه لما أراد الهجرة، خرج من مكة ومعه أبو بكر. فدخل غارا في جبل ثور ليستخفي من قريش. وقد طلبته وبذلت لمن جاء به مائة ناقة حمراء، فأعانه الله تعالى بإخفاء أثره. وأنبت على باب الغار ثمامة (وهي شجرة صغيرة).

وألهمت العنكبوت فنسجت [ ص: 2080 ] على باب الغار نسج سنين في طرفة عين. ولدغ أبو بكر هذه الليلة لدغة. فخرق ثيابه وجعلها في الشقوق. وسد بعضها بقدمه اتقاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم. وأقام فيه ثلاثة أيام ثم خرج منه. فلقيه سراقة بن مالك بن جعشم. وهو من جملة من توجه لطلبه، فقال له أبو بكر: هذا سراقة قد قرب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم! اكفنا سراقة» . فأخذت الأرض قوائم فرسه إلى إبطها. فقال سراقة: يا محمد! ادع الله أن يطلقني ولك علي أن أرد من جاء يطلبك، ولا أعين عليك أبدا! فقال: «اللهم! إن كان صادقا فأطلق عن فرسه» . فأطلق الله عنه. ثم أسلم سراقة وحسن إسلامه.


هذا ما أورده الماوردي من الأعلام قبل الهجرة; ثم أورد ما وقع بعدها; وسننقلها عن ابن كثير، فإنه قال في هذه الآية:

ومن عصمة الله لرسوله، حفظه له من أهل مكة وصناديدها وحسادها; ومعانديها ومترفيها، مع شدة العداوة والبغضة ونصب المحاربة له ليلا ونهارا، بما يخلقه الله من الأسباب العظيمة بقدره وحكمته العظيمة. فصانه في ابتداء الرسالة بعمه أبي طالب؛ إذ كان رئيسا مطاعا كبيرا في قريش. وخلق الله في قلبه محبة طبيعية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شرعية. ولو كان أسلم لاجترأ عليه كفارها وكبارها.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 20-11-2022, 11:13 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2081 الى صـ 2093
الحلقة (307)






ولكن لما كان بينه وبينهم قدر مشترك في الكفر، هابوه واحترموه. فلما مات عمه أبو طالب نال منه المشركون أذى يسيرا. ثم قيض الله له الأنصار فبايعوه على الإسلام، وعلى أن يتحمل إلى دارهم، وهي المدينة. فلما صار إليها منعوه من الأحمر والأسود. وكلما هم أحد من المشركين وأهل الكتاب بسوء كاده الله ورد [ ص: 2081 ] كيده عليه. كما كاده اليهود بالسحر، فحماه الله منهم وأنزل عليه سورتي المعوذتين دواء لذلك الداء. ولما سمه اليهود في ذراع الشاة بخيبر، أعلمه الله به وحماه منه. ولهذا أشباه كثيرة جدا يطول ذكرها. فمن ذلك ما ذكره المفسرون عند هذه الآية الكريمة:

فقال ابن جرير: حدثنا الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا أبو معشر، حدثنا محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل منزلا اختار له أصحابه شجرة ظليلة، فيقيل تحتها. فأتاه أعرابي فاخترط سيفه ثم قال: من يمنعك مني؟ قال: الله عز وجل. فرعدت يد الأعرابي وسقط السيف منه. قال: وضرب برأسه الشجرة حتى انتثر دماغه، فأنزل الله عز وجل: والله يعصمك من الناس

وروى ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني [ ص: 2082 ] أنمار، نزل ذات الرقاع بأعلى نخل. فبينا هو جالس على رأس بئر قد دلى رجليه، فقال الوارث من بني النجار: لأقتلن محمدا. فقال له أصحابه: كيف تقتله؟ قال أقول له: أعطني سيفك، فإذا أعطانيه قتلته به. قال: فأتاه فقال: يا محمد! أعطني سيفك أشيمه. فأعطاه إياه. فرعدت يده حتى سقط السيف من يده. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «حال الله بينك وبين ما تريد» . فأنزل الله عز وجل: يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس .

قال ابن كثير: وهذا حديث غريب من هذا الوجه. ثم قال: وقصة غورث بن الحارث مشهورة في الصحيح. يريد ما أخرجه الشيخان عن جابر قال: غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد. فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركتهم القائلة في واد كثير العضاه. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفرق الناس يستظلون بالشجر. فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة. فعلق بها سيفه ونمنا معه نومة. فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا. وإذا عنده أعرابي فقال: «إن هذا اخترط علي سيفي وأنا نائم. فاستيقظت وهو في يده صلتا. فقال من يمنعك مني؟ فقلت: الله. ثلاثا. » ولم يعاقبه وجلس.

وفي رواية أخرى قال جابر: كنا مع رسول الله بذات الرقاع. فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاء رجل من المشركين، وسيف رسول الله صلى الله عليه [ ص: 2083 ] وسلم معلق بالشجرة. فاخترطه فقال: تخافني؟ فقال لا! فقال: من يمنعك مني؟ قال: الله. فتهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وزاد البخاري في رواية له: إن اسم ذلك الرجل غورث بن الحارث. وروى ابن مردويه عن أبي هريرة قال: كنا إذا صحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر تركنا له أعظم شجرة وأظلها. فينزل تحتها. فنزل ذات يوم تحت شجرة وعلق سيفه فيها. فجاء رجل فأخذه فقال: يا محمد! من يمنعك مني؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله يمنعني منك. ضع السيف. فوضعه. فأنزل الله عز وجل: والله يعصمك من الناس وكذا رواه ابن حبان. في "صحيحه".

وروى الإمام أحمد عن جعدة بن خالد بن الصمة قال: «سمعت النبي صلى الله عليه وسلم، ورأى رجلا سمينا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يومئ إلى بطنه بيده ويقول: لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك. قال: وأتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل فقالوا: هذا أراد أن يقتلك. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لم ترع، لم ترع. ولو أردت ذلك لم يسلطك الله علي» .

الثالث: «كان النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول هذه الآية يحرس، كما روى الإمام أحمد عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سهر ذات ليلة وهي إلى جنبه، قالت: فقلت: ما شأنك يا رسول الله؟ قال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة! قالت: فبينا أنا على ذلك إذ سمعت صوت السلاح فقال: من هذا؟ فقال: أنا سعد بن مالك. فقال: ما جاء بك؟ قال: جئت لأحرسك يا رسول الله، قال: فسمعت غطيط رسول الله صلى الله عليه وسلم في نومه» . أخرجاه في "الصحيحين".

[ ص: 2084 ] وفي لفظ: سهر رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة مقدمه المدينة، يعني على أثر هجرته بعد دخوله بعائشة، وكان ذلك في سنة ثنتين منها.

وعن عائشة قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس ليلا حتى نزلت: والله يعصمك من الناس فأخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من القبة فقال لهم: أيها الناس! انصرفوا؛ فقد عصمني الله» . أخرجه الترمذي والحاكم وابن أبي حاتم وابن جرير.

وقد روى ابن جرير عن ابن عباس قال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرس. فكان أبو طالب يرسل إليه كل يوم رجالا من بني هاشم يحرسونه. حتى نزلت عليه هذه الآية: يا أيها الرسول بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس قال: فأراد عمه أن يرسل معه من يحرسه فقال: إن الله قد عصمني من الجن والإنس» . ورواه الطبراني أيضا. وروى ابن جرير نحوه أيضا عن جابر.

قال ابن كثير: وهذا حديث غريب وفيه نكارة. فإن هذه الآية مدنية، بل هي من أواخر ما نزل بها، وهذا الحديث يقتضي أنها مكية، والله أعلم! انتهى.

أقول: بمراجعة ما أسلفنا في "المقدمة" من قاعدة أسباب النزول يرتفع الإشكال، فتذكر.

[ ص: 2085 ] الرابع: قال العلامة أبو السعود: إيراد هذه الآية الكريمة في تضاعيف الآيات الواردة في حق أهل الكتاب، لما أن الكل قوارع يسوء الكفار سماعها. ويشق على الرسول صلى الله عليه وسلم مشافهتهم بها، وخصوصا ما يتلوها من النص الناعي عليهم كمال ضلالتهم. ولذلك أعيد الأمر فقيل خطابا للفريقين:
القول في تأويل قوله تعالى:

[68] قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنـزل إليكم من ربكم وليزيدن كثيرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانا وكفرا فلا تأس على القوم الكافرين

قل يا أهل الكتاب لستم على شيء أي: من الدين: حتى تقيموا التوراة والإنجيل أي: تراعوهما وتحافظوا على ما فيهما من الأمور التي من جملتها دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم واتباعه.

قال بعض المحققين:

معنى قوله تعالى: حتى تقيموا التوراة والإنجيل أي: تعملوا طبق الواجب بأحكامهما، وتحيوا شرائعهما، وتطيعوا أوامرهما، وتنتهوا بنواهيهما. فإن الإقامة هي الإتيان بالعمل على أحسن أوجهه، كإقامة الصلاة مثلا. أي: فعلها على الوجه اللائق بها. ولا يدخل في ذلك القصص التي فيهما ولا العقائد ونحوها فإنها ليست عملية. والمراد أن يعملوا بما بقي عندهم من أحكام التوراة والإنجيل على علاته وعلى ما به من نقص وتحريف وزيادة. فإن شرائع هذه الكتب وأوامرها ونواهيها هي أقل أقسامها تحريفا، وأكثر التحريف في القصص والأخبار والعقائد وما ماثلها، وهي لا تدخل في الأمر بالإقامة. ولا شك أن أحكام التوراة والإنجيل وما فيهما من شرائع ومواعظ ونصائح ونحوها، لا تزال فيهما أشياء كثيرة لا عيب [ ص: 2086 ] فيها، ونافعة للبشر وفيها هداية عظمى للناس، فهي مما يدخل تحت قوله تعالى: وأنـزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس فإذا أقام أهل الكتاب أحكامهما على علاتها كانوا لا شك على شيء يعتد به ويصح أن يسمى دينا. وإذا لم يقيموها وجروا على خلافهما، كانوا مجردين من كل شيء يستحق أن يسمى دينا. وكانوا مشاغبين معاندين، وبدينهم غير مؤمنين إيمانا كاملا. وهذا معنى صحيح، وهو المتبادر من الآية. فأي شيء في هذا المعنى يدل على عدم تحريف التوراة والإنجيل وعلى وجودهما كاملين، كما يدعي ذلك المكابرون من أهلهما، وخصوصا بعد قوله تعالى: ونسوا حظا مما ذكروا به

ثم قال: ولك أن تقول: معنى قوله تعالى: لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل الحقيقيين. وذلك يستلزم البحث والتنقيب والجد والاجتهاد في نقد ما عندهم منهما نقدا عقليا تاريخيا صحيحا، حتى يستخلصوا حقهما من باطلهما بقدر الإمكان، ونتيجة ذلك العناء كله، أن يكونوا على شيء من الدين الحق، وهذا أمر لا شبهة فيه. ولو اتبعوا القرآن لأراحوا واستراحوا. ولكنهم - كما أخبر تعالى عنهم - لا يزيدهم القرآن إلا طغيانا وكفرا حسدا وعنادا فلا يؤمنون به. ولا يهتم جمهورهم بإصلاح دينهم من المفاسد وتنقيته من الشوائب. فلم يدركوا خير هذا ولا ذاك. فكأن الآية تريهم أنهم إذا لم يتبعوا القرآن يجب عليهم القيام بعبء ثقيل جدا من البحث والتمحيص، وبعد ذلك يكونون على شيء من الحق لا على الحق [ ص: 2087 ] كله ولو أقاموا التوراة والإنجيل الحقيقيين غاية الإقامة، فما بالك إذا كان ذلك مستحيلا لعدم وجودهما على حقيقتهما؟ فهم ليسوا على شيء مطلقا. ولا يمكن أن يكونوا عليه. فإن كتبهم قد صارت خلقة بالية. لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه، حينما رأى ورقة من التوراة بيده: ألم آتكم بها بيضاء نقية؟ والله لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي.

(فإن قيل): وكيف يحثهم الله على العمل بأي شيء من دينهم، ومنه ما جاء القرآن ناسخا له؟ (قلت): لا شك عند كل عاقل أنه خير لأهل الكتاب أن يعملوا بشرائع دينهم الأصلية؛ فإنهم حينئذ يتجنبون الكذب والتحريف والعناد والأذى والإفساد في الأرض وإهلاك الحرث والنسل والزنى، وغير ذلك مما يعلمه الناس. فمراد القرآن على التفسير الأول للآية حثهم - إن أصروا على عدم الإيمان به - على العمل بدينهم على الأقل ليستريح النبي وأتباعه من أكثر شرورهم ورذائلهم. ولكن بعد العمل بدينهم لا يكونون على الدين الحق الكامل; بل الذي يفهم من الآية أنهم يكونون على شيء من الدين، وهو - ولا شك - خير من لا شيء. ولا يفهم أنهم يكونون على الحق كله وعلى الدين الكامل الذي لا غاية أعظم منه، فإن ذلك لا يكون إلا بالإسلام: أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون انتهى.

ولا يخفى أنهم إذا أقاموا التوراة والإنجيل، آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم. لما تتقاضى إقامتهما الإيمان به. إذ كثر ما جاء فيهما من البشارات به والتنويه باسمه ودينه. فإقامتهما على وجوههما تستدعي الإسلام البتة، بل هي هو، والله الموفق.

وما أنـزل إليكم من ربكم أي: القرآن المجيد بالإيمان به. وفي التعبير بقوله تعالى: لستم على شيء من التحقير والتصغير ما لا غاية وراءه. كما تقول: هذا ليس بشيء! تريد غاية تحقيره وتصغير شأنه. وفي أمثالهم: أقل من لا شيء. أي: لستم على دين يعتد به حتى يسمى شيئا، لفساده وبطلانه.

[ ص: 2088 ] ثم بين تعالى غلوهم في العناد وعدم إفادة التبليغ فقال: وليزيدن كثيرا منهم ما أنـزل إليك من ربك طغيانا أي: تماديا: وكفرا أي: ثباتا على الكفر: فلا تأس على القوم الكافرين أي: فإذا بالغت في تبليغ ما أنزل إليك، فرأيت مزيد طغيانهم وكفرهم، فلا تحزن عليهم لغاية خبثهم في ذواتهم، فإن ضرر ذلك راجع إليهم لا إليك، وفي المؤمنين غنى عنهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[69] إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون

إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم فيما يستقبلهم من العذاب: ولا هم يحزنون أي: في الآخرة إذا خاف المقصرون وحزنوا على تضييع العمر.

لطائف:

الأول: (الصابئون) رفع على الابتداء. وخبره محذوف. والنية به التأخير عما في حيز (إن) من اسمها وخبرها. كأنه قيل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى حكمهم كذا. والصائبون كذلك، وأنشد سيبويه شاهدا له:


وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق


[ ص: 2089 ] أي: فاعلموا أنا بغاة، وأنتم كذلك. ثم قال الزمخشري: فإن قلت: ما التقديم والتأخير إلا لفائدة، فما فائدة التقديم؟ قلت: فائدة التنبيه على أن الصابئين يتاب عليهم إن صح منهم الإيمان والعمل الصالح. فما الظن بغيرهم؟ وذلك أن الصابئين أبين هؤلاء المعدودين ضلالا وأشدهم غيا، وما سموا صابئين إلا لأنهم صبئوا عن الأديان كلها. أي: خرجوا. كما أن الشاعر قدم قوله: (وأنتم) تنبيها على أن المخاطبين أوغل في الوصف بالبغاة من قومه. مع كونهم أوغل فيه منهم وأثبت قدما. انتهى.

قال الناصر في "الانتصاف":

ثمة سؤال، وهو أن يقال: لو عطف (الصابئين) ونصبه - كما قرأ ابن كثير - لأفاد أيضا دخولهم في جملة المتوب عليهم، ولفهم من تقديم ذكرهم على (النصارى) ما يفهم من [ ص: 2090 ] الرفع من أن هؤلاء الصابئين - وهم أوغل الناس في الكفر - يتاب عليهم، فما الظن بالنصارى؟ ولكان الكلام جملة واحدة بليغا مختصرا، والعطف إفرادي. فلم عدل إلى الرفع وجعل الكلام جملتين؟ وهو يمتاز بفائدة على النصب والعطف الإفرادي؟ ويجاب عن هذا السؤال بأنه لو نصبه وعطفه لم يكن فيه إفهام خصوصية لهذا الصنف. لأن الأصناف كلها معطوف بعضها على بعض عطف المفردات. وهذا الصنف من جملتها، والخبر عنها واحد. وأما مع الرفع فينقطع عن العطف الإفرادي وتبقى بقية الأصناف مخصصة بالخبر المعطوف به. ويكون خبر هذا الصنف المنفرد بمعزل. تقديره مثلا (والصابئون كذلك) فجيء كأنه مقيس على بقية الأصناف وملحق بها. وهو بهذه المثابة؛ لأنهم لما استقر بعد الأصناف من قبول التوبة، فكانوا أحقاء بجعلهم تبعا وفرعا مشبهين بمن هم أقعد منهم بهذا الخبر، وفائدة التقديم على الخبر المحذوف من ذكره، بعد تقضي الكلام وتمامه، والله أعلم.

الثانية: - فإن قلت: إن قوله تعالى: من آمن منهم كيف يقع خبرا عن: الذين آمنوا أو بدلا، وهو يقتضي انقسام المؤمنين إلى مؤمنين وغير مؤمنين؟

أجيبك بأن المراد ب: الذين آمنوا الذي آمنوا باللسان فقط. وهم المنافقون. فالمعنى: الذين آمنوا باللسان ومن معهم، من أحدث منهم إيمانا خالصا. أو يؤول: من آمن بمن ثبت على الإيمان. فيصح في حق المؤمنين الخلص. وفي هذا شبه جمع بين الحقيقة والمجاز، ودفع بأن الثبات على الإيمان ليس غير الإيمان، بل هو وإحداثه فردان من مطلقه. والوجه الأول؛ إذ في ضم المؤمنين إلى الكفرة إخلال بتكريمهم، قاله الخفاجي.

قال أبو السعود: أما على تقدير كون المراد ب: الذين آمنوا مطلق المتدينين بدين الإسلام، المخلصين منهم والمنافقين فالمراد ب: من آمن من اتصف منهم بالإيمان الخالص على الإطلاق، سواء كان ذلك بطريق الثبات والدوام عليه - كما هو شأن المخلصين. أو بطريق [ ص: 2091 ] إحداثه وإنشائه - كما هو حال من عداهم من المنافقين وسائر الطوائف. وفائدة التعميم للمخلصين المبالغة في ترغيب الباقين في الإيمان، ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين الأعلام. انتهى.

الثالثة: قال الرازي: لما بين تعالى أن أهل الكتاب ليسوا على شيء ما لم يؤمنوا، بين أن هذا الحكم عام في الكل، وأنه لا يحصل لأحد فضيلة ولا منقبة إلا إذا آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، وذلك لأن الإنسان له قوتان: القوة النظرية والقوة العملية. أما كمال القوة النظرية فليس إلا بأن يعرف الحق. وأما كمال القوة العملية فليس إلا بأن يعمل الخير. وأعظم المعارف شرفا معرفة أشرف الموجودات وهو الله سبحانه وتعالى. وكمال معرفته إنما يحصل بكونه قادرا على الحشر والنشر، فلا جرم كان أفضل المعارف هو الإيمان بالله واليوم الآخر. وأفضل الخيرات في الأعمال أمران: المواظبة على الأعمال المشعرة بتعظيم المعبود، والسعي في إيصال النفع إلى الخلق. ثم بين تعالى أن كل من أتى بهذا الإيمان وبهذا العمل، فإنه يرد يوم القيامة من غير خوف ولا حزن. والفائدة في ذكرهما: أن الخوف يتعلق بالمستقبل، والحزن بالماضي، فقال: فلا خوف عليهم بسبب ما يشاهدون من أهوال القيامة: ولا هم يحزنون بسبب ما فاتهم من طيبات الدنيا؛ لأنهم وجدوا أمورا أعظم وأشرف وأطيب. (فإن قيل): كيف يمكن خلو المكلف، الذي لا يكون معصوما، عن أهوال يوم القيامة؟ فالجواب من وجهين:

الأول: - أنه تعالى شرط ذلك بالعمل الصالح. ولا يكون آتيا بالعمل الصالح إلا إذا كان تاركا لجميع المعاصي.

والثاني: أنه إذا حصل خوف، فذلك عارض قليل لا يعتد به. انتهى.

ثم بين تعالى بعضا آخر من جناياتهم المنادية باستبعاد الإيمان منهم بقوله:
[ ص: 2092 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[70] لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقا كذبوا وفريقا يقتلون

لقد أخذنا ميثاق بني إسرائيل أي: على الإيمان بالله ورسله: وأرسلنا إليهم رسلا ليقفوهم على ما يأتون وما يذرون في دينهم: كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم أي: بما يخالف هواهم ويضاد شهواتهم من الأحكام الحقة. مع أن وضع الرسالة، الدعوة إلى مخالفة الهوى: فريقا منهم: كذبوا مع ظهور دلائل صدقهم: وفريقا يقتلون بعد التكذيب سدا لدعوتهم إلى ما يخالف أهويتهم.

لطيفتان:

الأولى: قال الزمخشري: جواب الشرط محذوف يدل عليه قوله: فريقا كذبوا وفريقا يقتلون كأنه قيل: كلما جاءهم رسول منهم ناصبوه.

قال الناصر في "الانتصاف": ومما يدل على حذف الجواب أنه جاء ظاهرا في الآية الأخرى، وهي توأمة هذه، قوله تعالى: أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون فأوقع قوله: استكبرتم جوابا. ثم فسر استكبارهم وصنيعهم بالأنبياء بقتل البعض وتكذيب البعض. فلو قدر الزمخشري ههنا الجواب المحذوف مثل المنطوق به في أخت الآية فقال: وأرسلنا إليهم رسلا كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم استكبروا، لكان أولى، لدلالة مثله عليه.

[ ص: 2093 ] الثانية: قال الزمخشري: فأن قلت: لم جيء بأحد الفعلين ماضيا وبالآخر مضارعا؟ قلت: جيء: يقتلون على حكاية الحال الماضية استفظاعا للقتل واستحضارا لتلك الحال الشنيعة، للتعجيب منها.

قال في "الانتصاف": أو يكون حالا على حقيقته؛ لأنهم داروا حول قتل محمد صلى الله عليه وسلم. وقد قيل هذا الوجه في أخت هذه الآية في (البقرة); وقد مضى وجه اقتضاء صيغة الفعل المضارع لاستحضاره دون الماضي، وتمثيله بقوله تعالى: ألم تر أن الله أنـزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير فعدل عن (فأصبحت) إلى (فتصبح) تصويرا للحال واستحضارا لها في ذهن السامع، ومنه:


بأني قد لقيت الغول تهوي بسهب كالصحيفة صحصحان

فأضربها بلا دهش فخرت
صريعا لليدين وللجران


وأمثاله كثيرة. انتهى.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 20-11-2022, 11:16 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2094 الى صـ 2106
الحلقة (308)



[ ص: 2094 ] قال الخفاجي: اقتصر العلامة هنا على حكاية حال أسلافهم، لقرينة ضمائر الغيبة، وترك تلك الآية - يعني آية البقرة - على الاحتمالين لقرينة ضمائر المخاطبين. ليكون توبيخا وتعبيرا للحاضرين بفعل آبائهم. ولذا عقبت هذه الآية بقصة عيسى عليه السلام. فتأمل.
القول في تأويل قوله تعالى:

[71] وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون

وحسبوا ألا تكون فتنة أي: ظن بنو إسرائيل أنهم لا يصيبهم من الله عذاب بقتل الأنبياء وتكذيب الرسل: فعموا وصموا عطف على (حسبوا)، و (الفاء) للدلالة على ترتيب ما بعدها على ما قبلها; أي: أمنوا بأس الله تعالى، فتمادوا في فنون الغي والفساد، وعموا عن الدين، بعدما هداهم الرسل إلى معالمه الظاهرة، وصموا عن استماع الحق الذي ألقوه عليهم، ولذلك فعلوا ما فعلوا: ثم تاب الله عليهم أي: مما كانوا فيه.

قال العلامة أبو السعود: لم يسند التوبة إليهم كسائر أحوالهم من الحسبان والعمى [ ص: 2095 ] والصمم، تجافيا عن التصريح بنسبة الخير إليهم. وإنما أشير إليها في ضمن بيان توبته تعالى عليهم، تمهيدا لبيان نقضهم إياها بقوله تعالى:

ثم عموا وصموا كرة أخرى: كثير منهم بدل من الضمير في الفعلين أو خبر محذوف، أي: أولئك كثير منهم: والله بصير بما يعملون أي: بما عملوا، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية استحضارا لصورتها الفظيعة ورعاية للفواصل. والجملة تذييل أشير به إلى بطلان حسبانهم المذكور. ووقوع العذاب من حيث لم يحتسبوا، إشارة إجمالية، اكتفى بها تعويلا على ما فصل نوع تفصيل في سورة (بني إسرائيل) أفاده أبو السعود. وهو مأخوذ من كلام القفال، كما سيأتي:

تنبيه:

في هذه الآية إشارة إلى ما اكتنف بني إسرائيل من الفتنة وعذاب الله الذي حاق بهم قبل عيسى وبعده. وذلك أن أنبياءهم قبل عيسى كانوا يوبخون رؤساءهم الأشرار وشعبهم على خطاياهم. ولا سيما في عبادتهم الأوثان. وينصحونهم أن يرجعوا إلى الله. وينذرونهم بعقابه تعالى الشديد ودمارهم إن لم يتوبوا. كما أنبأهم إرميا عليه السلام بخراب بلدهم، وقضائه تعالى الهائل عليهم، إن أصروا على طغيانهم. فما استمعوا له. حتى روي أنه ختم له بالشهادة. إذ رجمته اليهود بمصر عتوا واستكبارا. ثم سلط الله عليهم بختنصر، ملك بابل، وسبى شعبهم وهدمت جنودهم مدينتهم بيت المقدس وهيكلها. وصار تلال خراب. وذلك لاستئصال كفرهم وشرورهم، وتطهير هيكلهم من نجاسة أوثانهم. فحل عليهم من البابلية الشقاء والويل. وأخذوا أسرى إلى ما وراء الفرات. ولم يترك منهم إلا الفقراء فقط،. وبذلك انتهى ملكهم، وكان ذلك قبل ولادة عيسى عليه السلام بنحو خمسمائة وثمان وثمانين سنة. ثم تاب الله عليهم ورحمهم من سبيهم، وأعادهم برحمته إلى مدينتهم بيت المقدس. بعد أن أقاموا في بابل سبعين سنة. وابتدأوا ببناء هيكلهم ثانية. وأرجعوا العبادة إليه. وقام حزقيال عليه [ ص: 2096 ] السلام بوعظهم وتهذيبهم ودعوتهم إلى التوبة وتذكيرهم بما مضى ليعتبروا. وهكذا كل نبي فيهم، لم يزل ينذرهم ويدعوهم إلى الله إلى أن بعث الله عيسى عليه السلام. فعموا عن الاهتداء به وصموا عن وعظه، وكان ما كان من همهم بقتله. فدمرهم الله بعد ذلك وأباد مملكتهم. وطردوا من أرضهم بعد رفع عيسى عليه السلام. بنحو أربعين سنة. وأخذ الرومانيون مدينتهم وهدموها مع الهيكل. وحلت عليهم نقمة الله فتفرقوا شذر مذر.

هذا، وما قيل بأن قوله تعالى: فعموا وصموا إشارة إلى عبادتهم العجل - فإنه بعيد؛ لأنها -وإن كانت معصية عظيمة ناشئة عن كمال العمى والصمم- لكنها في عصر موسى عليه السلام. ولا تعلق لها بما حكي عنهم مما فعلوا بالرسل الذين جاؤوهم بعده عليه السلام بأعصار. وكذا ما قيل بأن قوله تعالى: ثم عموا وصموا إشارة إلى طلبهم الرؤية - فبعيد أيضا، لما ذكرنا. وفنون الجنايات الصادرة عنهم لا تكاد تتناهى. خلا أن انحصار ما حكي عنهم ههنا في المرتين، وترتبه على حكاية ما فعلوا بالرسل عليهم السلام، يقضي بأن المراد ما ذكرناه. والله عنده علم الكتاب. كذا أفاده أبو السعود.

ونحن نوافقه على ما رآه. بيد أن ما سقناه في التنبيه أظهر في ماجرياتهم، وأشد مطابقة لما في تواريخهم، مما ساقه هنا. فتثبت.

ويرحم الله الإمام القفال حيث قال: ذكر الله تعالى في سورة (بني إسرائيل) ما يجوز أن يكون تفسيرا لهذه الآية فقال: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا ثم رددنا لكم الكرة عليهم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أكثر نفيرا

فهذا في معنى: (فعموا وصموا) ثم قال: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا فهذا في معنى قوله: ثم عموا وصموا كثير منهم انتهى.

[ ص: 2097 ] ثم بين تعالى كفر النصارى وما هم عليه من فساد الاعتقاد المباين لأصل دعوة عيسى عليه السلام، من التوحيد الخالص، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[72] لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار

لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم

قال الرازي: هذا قول اليعقوبية منهم. يقولون: إن مريم ولدت إلها. قال: ولعل معنى هذا المذهب أنهم يقولون إن الله تعالى حل في ذات عيسى واتحد بها، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وقد سبق الكلام على مثل هذه الآية في هذه السورة مفصلا، فتذكر.

ثم بين تعالى أنهم صموا عن مقالات عيسى الداعية إلى التوحيد، كما عموا عما فيه من أمارات الحدوث، بقوله سبحانه: وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ولم يقل اعبدوني. ثم صرح بقوله: ربي وربكم قلعا لمادة توهم الاتحاد: إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار كيف والشرك أعظم وجوه الظلم: وما للظالمين من أنصار أي: ما لهم من أحد ينصرهم بإنقاذهم من النار، إما بطريق المبالغة أو بطريق الشفاعة. والجمع لمراعاة المقابلة ب (الظالمين); و (اللام) إما للعهد، والجمع باعتبار معنى: من ، كما أن الإفراد في الضمائر الثلاثة باعتبار لفظها. وما للجنس، وهم داخلون فيه دخولا أوليا. ووضعه على الأول موضع الضمير، للتسجيل عليهم بأنهم ظلموا بالإشراك وعدلوا عن طريق الحق. والجملة تذييل مقرر لما قبله. وهو إما من تمام كلام عيسى عليه السلام، وإما وارد من جهته تعالى، تأكيدا لمقالته عليه السلام، وتقريرا لمضمونها. أفاده أبو السعود.

[ ص: 2098 ] ثم بين تعالى كفر طائفة أخرى منهم بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[73] لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم

لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة أي: أحد ثلاثة آلهة، بمعنى واحد منها، وهم الله ومريم وعيسى.

وقال بعضهم: كانت فرقة منهم تسمى (كولي ري دينس) تقول: الآلهة ثلاثة: الأب والابن ومريم.

وجاء في كتاب "علم اليقين": أن فرقة منهم تسمى (المريميين) قال: يعتقدون أن المريم والمسيح إلهان. قال: وكذلك البربرانيون وغيرهم. انتهى.

وأسلفنا عن ابن إسحاق أن نصارى نجران، منهم من قال بهذا أيضا.

أو المعنى: أحد ثلاثة أقانيم كما اشتهر عنهم. أي: هو جوهر واحد، ثلاثة أقانيم: أب وابن وروح القدس. وزعموا، أن الأب إله والابن إله والروح إله والكل إله واحد. كما قدمنا عنهم في قوله تعالى: ولا تقولوا ثلاثة

قال الرازي رحمه الله: واعلم أن هذا معلوم البطلان ببديهة العقل؛ فإن الثلاثة لا تكون واحدا، والواحد لا يكون ثلاثة. ولا يرى في الدنيا مقالة أشد فسادا وأظهر بطلانا من مقالة النصارى. انتهى.

وقد صنفت عدة مصنفات في تزييف معتقدهم هذا، وهي شهيرة متداولة، والحمد لله.

لطيفة:

اتفق النحاة واللغويون على أن معنى قولهم (ثالث ثلاثة ورابع أربعة) ونحو ذلك أحد هذه الأعداد مطلقا. لا الوصف بالثالث والرابع.

[ ص: 2099 ] وفي "التوضيح وشرحه": لك في اسم الفاعل المصوغ من لفظ اثنين وعشرة وما بينهما أن تستعمله على سبعة أوجه:

أحدها: - أن تستعمله مفردا عن الإضافة، ليفيد الاتصاف بمعناه. فتقول: ثالث ورابع. ومعناه حينئذ واحد موصوف بهذه الصفة وهي كونه ثالثا ورابعا.

الوجه الثاني: أن تستعمله مع أصله الذي صيغ هو منه، ليفيد أن الموصوف به بعض تلك العدة المعينة لا غير. فتقول: خامس خمسة أي: واحد من خمسة لا زائد عليها، ويجب حينئذ إضافته إلى أصله. كما يجب إضافة البعض إلى كله. ك: يد زيد، قال تعالى: إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين وقال تعالى: لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وزعم الأخفش وقطرب والكسائي وثعلب أنه يجوز إضافة الأول إلى الثاني، ونصبه إياه، فعلى هذا يجوز ثالث ثلاثة بجر (ثلاثة) ونصبها. كما يجوز في (ضارب زيد).

الوجه الثالث: - أن تستعمله مع ما دون أصله الذي صيغ منه بمرتبة واحدة، ليفيد معنى التصيير، فتقول: هذا رابع ثلاثة؛ أي: جاعل الثلاثة بنفسه أربعة، قال تعالى: ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم أي: إلا هو [ ص: 2100 ] مصيرهم أربعة ومصيرهم ستة. ويجوز حينئذ إضافته وإعماله، كما يجوز الوجهان في جاعل ومصير ونحوهما.

وانظر تتمة الأوجه.

وبما ذكرناه يعلم رد ما ذهب إليه الجامي في "شرح الكافية" من اعتبار الصفة في نحو (ثالث ثالثة) حيث قال في شرح قول ابن الحاجب: ثالث ثلاثة أي: أحدها. لكن لا مطلقا بل باعتبار وقوعه في المرتبة الثالثة. قال: وإلا يلزم جواز إرادة الواحد الأول من عاشر العشرة وذلك مستبعد جدا. انتهى.

فكتب عليه بعض المحققين ما نصه: الظاهر من عبارة (التوضيح) ومن كلام المصنف أنه لا يعتبر الوقوع في المرتبة الثانية أو الثالثة وهكذا.. إذ يبعد في الآيتين كون المراد ب (ثاني اثنين وثالث ثلاثة) كونه في المرتبة الثانية أو الثالثة بل المراد أنه بعض تلك العدة، بلا نظر لكونه في المرتبة الثانية والثالثة. إلا أن يكون هذا باعتبار الوضع، وإن كان الاستعمال بخلافه. ولذا كتب العلامة عبد الحكيم على قوله (وذلك مستبعد جدا) أي: عند العقل، وإلا فالاستعمال بخلافه. انتهى.

وما من إله في نص الإنجيل والتوراة وجميع الكتب السماوية ودلائل العقل: إلا إله واحد لا يتعدد أفرادا ولا أجزاء: وإن لم ينتهوا عما يقولون من هذا الافتراء والكذب، بعد ظهور الدلالة القطعية، متمسكين بمتشابهات الإنجيل التي أوضحتها محكماته: ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم في الآخرة. من عذاب الحريق والأغلال والنكال. قال الزمخشري: ولم يقل: (ليمسنهم) لأن في إقامة الظاهر مقام المضمر فائدة. وهي تكرير الشهادة عليهم بالكفر في قوله: لقد كفر الذين قالوا وفي البيان فائدة أخرى وهي الإعلام في تفسير: الذين كفروا منهم أنهم بمكان من الكفر.
[ ص: 2101 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[74] أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم

أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه بالتوحيد والتنزيه عما نسبوه إليه من الاتحاد والحلول، فيرجعوا عن التمسك بالمتشابهات إلى القطعيات، فالاستفهام لإنكار الواقع واستبعاده، فيه تعجيب من إصرارهم. ومدار الإنكار والتعجيب عدم الانتهاء والتوبة معا. أو معناه: ألا يتوبون - بعد هذه الشهادة المكررة عليهم بالكفر وهذا الوعيد الشديد - مما هم عليه. فمدارهما عدم التوبة عقب تحقق ما يوجبها من سماع تلك القوارع الهائلة.

قال ابن كثير: هذا من كرمه تعالى وجوده ولطفه ورحمته بخلقه. مع هذا الذنب العظيم، وهذا الافتراء والكذب والإفك، يدعوهم إلى التوبة والمغفرة. فكل من تاب إليه تاب عليه. كما قال: والله غفور رحيم فيغفر لهؤلاء إن تابوا، ولغيرهم.

قال أبو السعود: الجملة حالية من فاعل: يستغفرونه مؤكدة للإنكار والتعجيب من إصرارهم على الكفر وعدم مسارعتهم إلى الاستغفار. أي: والحال أنه تعالى مبالغ في المغفرة. فيغفر لهم عند استغفارهم، ويمنحهم من فضله.

ثم أشار تعالى إلى بطلان التمسك بمعجزات عيسى وكرامات أمه على إلهيتهما. بأن غايتهما الدلالة على نبوته وولايتها، استنزالا لهم عن الإصرار على ما تقولوا عليهما، وإرشادا لهم إلى التوبة والاستغفار فقال:
القول في تأويل قوله تعالى:

[75] ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون

ما المسيح أي: المعلوم حدوثه من كونه: ابن مريم بالخوارق الظاهرة على [ ص: 2102 ] يديه. إلا رسول قد خلت أي: مضت: من قبله الرسل أولو الخوارق الباهرة. فله أسوة أمثاله. كما قال تعالى: إن هو إلا عبد أنعمنا عليه أي: ما هو إلا رسول من جنس الرسل الذين خلوا قبله، جاء بآيات من الله كما أتوا بأمثالها. إن أبرأ الله الأبرص وأحيا الموتى على يده، فقد أحيا العصا وجعلها حية تسعى وفلق بها البحر على يد موسى. وهو أعجب. وإن خلقه من غير أب فقد خلق آدم من غير أب ولا أم. وهو أغرب منه، وفي الآية وجه آخر: أي: مضت من قبله الرسل، فهو يمضي مثلهم. فالجملة - على كل - منبئة عن اتصافه بما ينافي الألوهية: وأمه صديقة أي: مبالغة في الصدق. ووقع اسم الصديقة عليها لقوله تعالى: وصدقت بكلمات ربها وكتبه والوصف بذلك مشعر بالإغراق في العبودية والقيام بمراسمها. فمن أين لهم أن يصفوها بما يباين وصفها؟

تنبيه:

قال ابن كثير:

دلت الآية على أن مريم ليست بنبية. كما زعمه ابن حزم وغيره - ممن ذهب إلى نبوة سارة أم إسحاق ونبوة أم موسى ونبوة أم عيسى - استدلالا منهم بخطاب الملائكة لسارة ومريم وبقوله: وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه وهذا معنى النبوة. والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيا إلا من الرجال. قال الله تعالى: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، رحمه الله، الإجماع على ذلك. انتهى.

[ ص: 2103 ] فائدة (في حقيقة الصديق والصدق):

قال العارف القاشاني قدس الله سره في "لطائف الأعلام":

الصديق الكثير الصدق. كما يقال: سكيت وصريع إذا كثر منه ذلك.

الصديق من الناس من كان كاملا في تصديقه لما جاءت به رسل الله علما وعملا، قولا وفعلا وليس يعلو على مقام الصديقية إلا مقام النبوة. بحيث إن من تخطى مقام الصديقية حصل في مقام النبوة. قال الله تعالى:أولئك الذين أنعم الله عليهم الآية. فلم يجعل تعالى بين مرتبتي النبوة والصديقية مرتبة أخرى تتخللهما. ثم بين قدس سره صدق الأقوال، وصدق الأفعال، وصدق الأحوال.

فالأول: هو موافقة الضمير للنطق. قال الجنيد: حقيقة الصدق أن تصدق في مواطن لا ينجيك فيه إلا الكذب. وصدق الأفعال: هو الوفاء لله بالعمل من غير مداهنة. قال المحاسبي: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الخلق من أجل إصلاح قلبه. ولا يحب اطلاع الناس على مثاقيل الذر من حسن عمله. ولا يكره أن يطلع الناس على السيئ من حاله؛ لأن كراهته لذلك دليل على أنه يجب الزيادة عندهم. وليس هذا من أخلاق الصديقين.

وصدق الأحوال: اجتماع الهم على الحق، بحيث لا يختلج في القلب بفرقة عن الحق بوجه.

وقوله تعالى: كانا يأكلان الطعام استئناف مبين لما قبله من أنهما كسائر البشر في الافتقار إلى الغذاء. وفيه تبعيد عما نسب إليهما.

قال الزمخشري: لأن من احتاج إلى الاغتذاء بالطعام، وما يتبعه من الهضم والنفض، لم يكن إلا جسما مركبا من عظم ولحم وعروق وأعصاب وأخلاط وأمزجة، مع شهوة وقرم وغير ذلك... مما يدل على أنه مصنوع مؤلف مدبر كغيره من الأجسام.

[ ص: 2104 ] لطيفة:

إنما أخر في الاستدلال على بطلان مذهب النصارى، حاجتهما للطعام عما قبله من مساواتهما للرسل عليهم السلام، ترقيا في باب الاستدلال من الجلي للأجلى، على ما هو القاعدة في سوق البراهين لإلزام الخصم، حتى إذا لم يسلم في الجلي لغموضه عليه، يورد له الأجلى تعريضا بغباوته. فيضطر للتسليم، إن لم يكن معاندا ولا مكابرا.

هذا ما ظهر لي في سر التقديم والتأخير.

وأما قول الخفاجي - ملخصا كلام البيضاوي - في سر ذلك: أنه تعالى بين أولا أقصى مراتب كمالهما، وأنه لا يقتضي الألوهية، وقدمه لئلا يواجههما بذكر نقائص البشرية الموجبة لبطلان ما ادعوا فيهما، على حد قوله تعالى: عفا الله عنك لم أذنت لهم حيث قدم العفو على المعاتبة له صلى الله عليه وسلم. انتهى - فبعيد.

وقياسه على الآية قياس مع الفارق لاختلاف المقامين. فالأظهر ما ذكرناه، والله أعلم بأسرار كتابه.

انظر كيف نبين لهم الآيات أي: على توحيد الله، وبطلان الاتحاد وإلهية عيسى وأمه، وبطلان شبهاتهم!: ثم انظر أنى يؤفكون أي: كيف يصرفون عن التأمل فيها إلى الإصرار على التمسك بالشبهات الظاهرة البطلان!

قال أبو السعود: وتكرير الأمر بالنظر، للمبالغة في التعجيب من حال الذين يدعون لهما الربوبية، ولا يرعوون عن ذلك، بعد ما بين لهم حقيقة حالهما بيانا لا يحوم حوله شائبة ريب، وثم لإظهار ما بين العجبين من التفاوت. أي: إن بياننا للآيات أمر بديع في بابه، بالغ لأقاصي الغايات القاصية من التحقيق والإيضاح. وإعراضهم عنها - مع انتفاء ما يصححه بالمرة، وتعاضد ما يوجب قبولها - أعجب وأبدع.
[ ص: 2105 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[76] قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا والله هو السميع العليم

قل أتعبدون من دون الله ما لا يملك لكم ضرا ولا نفعا هذا دليل آخر على فساد قول النصارى، والموصول كناية عن عيسى وأمه، أي: لا يستطيعان أن يضراكم بمثل ما يضركم به الله من البلايا والمصائب في الأنفس والأموال. ولا أن ينفعاكم بمثل ما ينفعكم به من صحة البدن والسعة والخصب. ولأن كل ما يستطيعه البشر من المضار والمنافع، فبإقدار الله وتمكينه، فكأنهما لا يملكان منه شيئا. وإيثار (ما) على (من) لتحقيق ما هو المراد من كونهما بمعزل من الألوهية رأسا. ببيان انتظامهما في سلك الأشياء التي لا قدرة لها على شيء أصلا; أي: وصفة الرب أن يكون قادرا على كل شيء لا يخرج مقدور عن قدرته. وإنما قدم (الضر) لأن التحرز عنه أهم من تحري النفع والله هو السميع العليم بالأقوال والعقائد. فيجازي عليها إن خيرا فخير وإن شرا فشر، فهو وعد ووعيد.

تنبيهات:

الأول: جعل ابن كثير الخطاب في قوله تعالى: أتعبدون عاما للنصارى وغيرهم، أي: قل لهؤلاء العابدين غير الله من سائر فرق بني آدم.

وفي "تنوير المقباس" أن (ما) عبارة عن الأصنام خاصة.

وكلاهما مما يأباه السباق والسياق.

الثاني: قال في "فتح البيان": إذا كان هذا في حق عيسى النبي، فما ظنك بولي من الأولياء؟ فإنه أولى بذلك.

الثالث: جعل أكثر المفسرين (ما) كناية عن عيسى عليه السلام فقط، والمقام أنها كناية عنه وعن أمه عليهما السلام، كما أوضحه المهايمي واعتمدناه.

[ ص: 2106 ] الرابع: دلت الآية على جواز الحجاج في الدين; فإن كان مع الكفار وأهل البدع، فذلك ظاهر الجواز; وإن كان مع المؤمن جاز بشرط أن يقصد إرشاده إلى الحق، لا إن قصد العلو فمحظور. وحكي عن الشافعي أنه كان إذا جادل أحدا قال: اللهم ألق الحق على لسانه. أفاده بعض الزيدية.

ولما أقام تعالى الأدلة القاهرة على بطلان ما تقوله النصارى، أرشدهم إلى اتباع الحق ومجانبة الغلو الباطل، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[77] قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل

قل يا أهل الكتاب أي: الذي هو ميزان العدل: لا تغلوا في دينكم غير الحق أي: لا تتجاوزوا الحد في تعظيم عيسى وأمه، وترفعوهما عن رتبتهما إلى ما تقولتم عليهما من العظيمة، فأدخلتم في دينكم اعتقادا غير الحق بلا دليل عليه، مع تظاهر الأدلة على خلافه. ونصب (غير) أنه صفة لمصدر محذوف، أي: غلوا غير الحق. يعني غلوا باطلا. أو حال من ضمير الفاعل أي: مجاوزين الحق. و (الغلو) نقيض التقصير، ومعناه الخروج عن الحد; وذلك لأن الحق بين طرفي الإفراط والتفريط، ودين الله بين الغلو والتقصير.

تنبيه:

دلت الآية على أن الغلو في الدين غلوان: (غلو حق) كأن يفحص عن حقائقه ويفتش عن أباعد معانيه ويجتهد في تحصيل حججه; و (غلو باطل) وهو أن يتجاوز الحق ويتخطاه بالإعراض عن الأدلة واتباع الشبه.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 20-11-2022, 11:32 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2107 الى صـ 2120
الحلقة (309)



[ ص: 2107 ] قال بعض الزيدية: دلت الآية على أن الغلو في الدين لا يجوز، وهو المجاوزة للحق إلى الباطل. ومن هذا: الغلو في الطهارة مع كثير من الناس، بالزيادة على ما ورد به الشرع لغير موجب. انتهى.

ومن هذا القبيل الغلو في تعظيم الصالحين وقبورهم حتى يصيرها كالأوثان التي كانت تعبد.

وروى الإمام أحمد والنسائي وابن ماجه والحاكم عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو في الدين، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين » .

وعن عمر; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله» . أخرجاه.

ولمسلم عن ابن مسعود; أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون » ! قالها ثلاثا. ثم نهاهم تعالى عن اتباع سلفهم وأئمتهم الضالين بقوله سبحانه:

ولا تتبعوا قال المهايمي: أي: تقليدا: أهواء قوم تمسكوا بخوارقهما على إلهيتهما. فإن نظروا إلى سبقهم [ ص: 2108 ] فغايتهم أنهم: قد ضلوا من قبل إلى كثرة أتباعهم فغايتهم أنهم: أضلوا كثيرا ممن شايعهم على التثليث: "و" إلى تمسكهم بمتشابهات الإنجيل، فغايتهم أنهم: ضلوا عن سواء السبيل إذ لم يردوها إلى المحكمات.

تنبيهات:

الأول: قال الرازي:

الأهواء - ههنا - المذاهب التي تدعو إليها الشهوة دون الحجة. قال الشعبي: ما ذكر الله لفظ الهوى في القرآن إلا ذمه. قال: ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله واتبع هواه فتردى وما ينطق عن الهوى أرأيت من اتخذ إلهه هواه . قال أبو عبيدة: لم نجد الهوى يوضع إلا في موضع الشر. لا يقال: فلان يهوى الخير. إنما يقال: يريد الخير ويحبه. وقال بعضهم: الهوى إله يعبد من دون الله. وقيل: سمي الهوى هوى لأنه يهوي بصاحبه في النار.

وأنشد في ذم الهوى:


إن الهوى لهو الهوان بعينه فإذا هويت فقد لقيت هوانا


وقال رجل لابن عباس: الحمد لله الذي جعل هواي على هواك، فقال ابن عباس: كل الهوى ضلالة.

[ ص: 2109 ] الثاني: قال الرازي أيضا: إنه تعالى وصفهم بثلاث درجات في الضلال: فبين أنهم كانوا ضالين من قبل، ثم ذكر أنهم كانوا مضلين لغيرهم، ثم ذكر أنهم استمروا على تلك الحالة حتى إنهم الآن ضالون كما كانوا. ولا نجد حالة أقرب إلى البعد من الله والقرب من عقاب الله تعالى، من هذه الحالة. نعوذ بالله منها. ويحتمل أن يكون المراد أنهم ضلوا وأضلوا ثم ضلوا بسبب اعتقادهم، في ذلك الإضلال، أنه إرشاد إلى الحق. ويحتمل أن يكون المراد بالضلال عن الدين، وبالضلال عن طريق الجنة. انتهى.

وهذه الوجوه - مع ما أسلفناه عن المهايمي - كلها مما يصح إرادتها من الآية لتصادقها جميعا عليهم.

الثالث: دلت الآية على أن ما لهؤلاء الكفرة من الأباطيل - مع مخالفتها للعقول ومزاحمتها للأصول - لا مستند ولا معول لهم فيها غير التقليد لأسلافهم الضالين، الذين أحدثوا القول بالتثليث بعد نحو ثلاثمائة سنة من رفع المسيح عليه السلام. وقرروه في تعاليمهم بعد جدال واضطراب. وتمسكوا في ذلك بظواهر الألفاظ التي لا يحيطون بها علما، مما لا أصل له في شرع الإنجيل، ولا مأخوذ من قول المسيح ولا من أقوال حوارييه. وهو مع ذلك مضطرب متناقض متهافت، يكذب بعضه بعضا، ويعارضه ويناقضه، كما تبين من الكتب المصنفة في الرد عليهم.

الرابع: جاء في "تنوير المقباس":

إن المراد ب (أهل الكتاب) هنا: نصارى نجران الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وبقوله: ولا تتبعوا أهواء قوم العاقب والسيد. والأول - كما قال ابن إسحاق - أمير القوم وذا رأيهم. والثاني صاحب رحلهم ومجتمعهم.

والأظهر أن المعني ب (أهل الكتاب) عموم النصارى. والمذكورون يدخلون فيه دخولا أوليا.

[ ص: 2110 ] الخامس: ذكر كثير من المفسرين: أن المراد ب (أهل الكتاب) هنا: اليهود والنصارى. وأن كليهما غلا في عيسى عليه السلام: أما غلو اليهود فالتقصير في حقه حتى نسبوه إلى غير رشدة. وأما غلو النصارى فمعلوم. وأن الخطاب في قوله تعالى: ولا تتبعوا أهواء قوم لليهود والنصارى الذين كانوا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم. نهوا عن اتباع أسلافهم فيما ابتدعوه من الضلالة بأهوائهم. انتهى.

وظاهر أن ما نسب للفريقين - من الغلو والابتداع - مسلم. بيد أن الأقرب للسباق الداحض لشبهات النصارى، أن تكون هذه الآية فيهم زجرا لهم عما سلكوه، إثر إبطاله بالبراهين الدامغة. على أن الغلو ألصق بالنصارى منه باليهود، كما لا يخفى. والله أعلم.

ثم أخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل فيما أنزله على داود وعيسى عليهما السلام. بسبب عصيانهم وما عدد من كبائرهم. فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[78] لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون

لعن الذين كفروا من بني إسرائيل أي: لعنهم الله عز وجل: على لسان داود وعيسى ابن مريم أي: لسانيهما. وأفرد لعدم اللبس، إن أريد باللسان الجارحة. وقيل: المراد به الكلام وما نزل عليهما. كذا في "العناية".

ذلك أي: لعنهم الهائل: بما عصوا وكانوا يعتدون بقتل الأنبياء واستحلال المعاصي.
[ ص: 2111 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[79] كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون

كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه أي: لا ينهى بعضهم بعضا عن ارتكاب المآثم والمحارم. ثم ذمهم على ذلك ليحذر من ارتكاب مثل الذي ارتكبوه فقال: لبئس ما كانوا يفعلون مؤكدا بلام القسم. تعجيبا من سوء فعلهم، كيف وقد أداهم إلى ما شرح من اللعن الكبير.

تنبيهات:

الأول: دلت الآية على جواز لعنهم.

الثاني: دلت الآية أيضا على المنع من الذرائع التي تبطل مقاصد الشرع. لما رواه أكثر المفسرين، أن الذين لعنهم داود عليه السلام أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت واصطادوا الحيتان فيه. وستأتي قصتهم في (الأعراف).

الثالث: دلت أيضا على وجوب النهي عن المنكر.

قال الحاكم: وتدل على أن ترك النهي من الكبائر.

الرابع: روى الإمام أحمد في معنى الآية عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله [ ص: 2112 ] صلى الله عليه وسلم: لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم في مجالسهم، أو في أسواقهم، وواكلوهم وشاربوهم، فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس فقال: «لا، والذي نفسي بيده! حتى تأطروهم على الحق أطرا» . أي: تعطفوهم عليه. ورواه الترمذي وقال: حسن غريب.

وأخرجه أبو داود عنه فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع؛ فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده. فلما فعلوا ذلك، ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال: لعن الذين كفروا - إلى قوله -: فاسقون ثم قال: كلا والله! لتأمرن بالمعروف. ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرا، أو تقصرنه على الحق قصرا» .

زاد في رواية: أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم يلعنكم كما لعنهم.

وكذا رواه الترمذي وحسنه. وابن ماجه.

والأحاديث في (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) كثيرة، ومما يناسب منها هذا المقام:

ما رواه الإمام أحمد والترمذي عن حذيفة بن اليمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده! لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده، ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم» .

[ ص: 2113 ] وفي "الصحيحين" عن أبي سعيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده. فإن لم يستطع فبلسانه. فإن لم يستطع فبقلبه. وذلك أضعف الإيمان» .

وروى الإمام أحمد عن عدي بن عميرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم. وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه. فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة» .

وروى ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الله ليسأل العبد يوم القيامة حتى يقول: ما منعك إذ رأيت المنكر أن تنكره؟ فإذا لقن الله عبدا حجته قال: يا رب! رجوتك وفرقت الناس» .

قال الحافظ ابن كثير: تفرد به ابن ماجه. وإسناده لا بأس به.

وروى الإمام أحمد والترمذي عن حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا ينبغي لمسلم أن يذل نفسه. قيل: وكيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء ما لا يطيق» .

قال الترمذي: حسن غريب.

[ ص: 2114 ] وروى ابن ماجه عن أنس بن مالك قال: قيل: يا رسول الله! متى نترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قال: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم. قلنا: يا رسول الله! وما ظهر في الأمم قبلنا؟ قال: الملك في صغاركم، الفاحشة في كباركم، والعلم في رذالتكم» .

قال زيد بن يحيى الخزاعي، أحد رواته: معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم (والعلم في رذالتكم) إذا كان العلم في الفساق.

تفرد به ابن ماجه. وله شاهد في حديث أبي ثعلبة يأتي إن شاء الله عند قوله تعالى: لا يضركم من ضل - أفاده ابن كثير.

أقول: هذه الأحاديث إنما يتروح بها الضعفة، من نحو العلماء والقادة. وأما من كان لهم الكلمة النافذة والوجاهة التامة فهيهات أن تغني عنهم، وهذه المواعيد الهائلة تخفق فوق رؤوسهم؛ ولذا قال العلامة الزمخشري: فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن باب التناهي عن المناكير، وقلة عبئهم به. كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء. مع ما يتلون من كتاب الله، وما فيه من المبالغات في هذا الباب. وقد مر عند قوله تعالى: لولا ينهاهم الربانيون ما يؤيد ما هنا، فتذكر.

الخامس: قال الزمخشري: فإن قلت: كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيرا للمعصية والاعتداء؟ قلت: من قبل أن الله تعالى أمر بالتناهي. فكان الإخلال به معصية، وهو اعتداء.

ولما وصف تعالى أسلافهم بما مضى، وصف الحاضرين بقوله:
[ ص: 2115 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[80] ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون

ترى كثيرا منهم أي: من أهل الكتاب: يتولون الذين كفروا أي: يوالون المشركين، بغضا لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال الرازي: والمراد منهم كعب بن الأشرف وأصحابه، حين استجاشوا المشركين على الرسول صلى الله عليه وسلم: وذكرنا ذلك في قوله تعالى: ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا

لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أي: لبئس شيئا قدموا لمعادهم. وقوله تعالى: أن سخط الله عليهم هو المخصوص بالذم، على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، تنبيها على كمال التعلق والارتباط بينهما كأنهما شيء واحد، ومبالغة في الذم. والمعنى: لبئس زادهم في الآخرة موجب سخطه تعالى عليهم: وفي العذاب أي: عذاب جهنم. هم خالدون
القول في تأويل قوله تعالى:

[81] ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنـزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون

ولو كانوا أي: هؤلاء الذين يتولون عبدة الأوثان من أهل الكتاب: يؤمنون بالله والنبي أي: نبيهم موسى عليه السلام: وما أنـزل إليه أي: من التوراة: ما اتخذوهم أولياء إذ الإيمان بالله يمنع من تولي من يعبد غيره: ولكن كثيرا منهم فاسقون خارجون عن دينهم، أو متمردون في نفاقهم. يعني: أن موالاتهم [ ص: 2116 ] للمشركين كفى بها دليلا على نفاقهم، وأن إيمانهم ليس بإيمان، لأن تحريم ذلك متأكد في التوراة وفي شرع موسى عليه السلام، فلما فعلوا ذلك ظهر أنه ليس مرادهم تقرير دين موسى عليه السلام، بل مرادهم الرياسة والجاه، فيسعون في تحصيله بأي طريق قدروا عليه، فلهذا وصفهم تعالى بالفسق.

وفي الآية وجه آخر: وهو أن يكون المعنى: ولو كانوا - أي: منافقو أهل الكتاب المدعون للإيمان - يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن حق الإيمان، ما ارتكبوا ما ارتكبوه، من موالاة الكافرين في الباطن.

والوجه الأول أقوم، والله أعلم.

ثم أكد تعالى ما تقدم من مثالب اليهود بقوله:
القول في تأويل قوله تعالى:

[82] لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون

لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا وإنما عاداهم اليهود لإيمانهم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم; وعادهم المشركون لتوحيدهم وإقرارهم بنبوة الأنبياء - أشار إليه المهايمي.

وقال غيره: لشدة إبائهم، وتضاعف كفرهم، وانهماكهم في اتباع الهوى، وركونهم إلى التقليد، وبعدهم عن التحقيق، وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء، والاجتراء على تكذيبهم، ومناصبتهم لهم. ولهذا قتلوا كثيرا منهم حتى هموا بقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم غير مرة، وسموه، وسحروه، وألبوا عليه أشباههم من المشركين. وفي تقديم (اليهود) على (المشركين)، بعد لزهما في قرن واحد، إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة، كما أن [ ص: 2117 ] في تقديمهم عليهم في قوله تعالى: ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا إيذانا بتقدمهم عليهم في الحرص ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى للين جانبهم وقلة غل قلوبهم.

قال ابن كثير: وما ذاك إلا لما في قلوبهم، إذ كانوا على دين المسيح، من الرقة والرأفة كما قال تعالى: وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية وفي كتابهم: من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر. وليس القتال مشروعا في ملتهم. انتهى.

ولأن من مذهب اليهود، أنه يجب إيصال الشر إلى من خالف دينهم بأي طريق كان، من القتل ونهب المال ونحوهما، وهو عند النصارى حرام. فحصل الفرق.

وقد روى ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعا: «ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله» .

ولكثرة اهتمام النصارى بالعلم والترهب، مما يدعو إلى قلة البغضاء والحسد، ولين العريكة، كما أشير إليه بقوله تعالى: ذلك أي: كونهم أقرب مودة للمؤمنين: بأن منهم أي: بسبب أن منهم: قسيسين أي: علماء: ورهبانا أي: عبادا متجردين: وأنهم لا يستكبرون أي: يتواضعون لوداعتهم ولا يتكبرون كاليهود. وفي الآية دليل على أن الإقبال على العلم، والإعراض عن الشهوات، والبراءة من الكبر - محمود. وإن كان ذلك من كافر.

[ ص: 2118 ] لطيفة:

قال الناصر في "الانتصاف":

إنما قال تعالى: الذين قالوا إنا نصارى ولم يقل (النصارى) تعريضا بصلابة اليهود في الكفر والامتناع من الامتثال للأمر، لأن اليهود قيل لهم: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فقابلوا ذلك بأن قالوا: فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون والنصارى قالوا: نحن أنصار الله . ومن ثم سموا نصارى. وكذلك أيضا ورد أول هذه السورة: ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به . فأسند ذلك إلى قولهم، والإشارة به إلى قولهم: نحن أنصار الله [ ص: 2119 ] لكنه ههنا ذكر تنبيها على أنهم لم يثبتوا على الميثاق ولا على ما قالوه من أنهم أنصار الله. وفي الآية الثانية ذكر تنبيها على أنهم أقرب حالا من اليهود؛ لأنهم لما ورد عليهم الأمر لم يكافحوه بالرد مكافحة اليهود. بل قالوا: نحن أنصار الله . واليهود قالت: فاذهب أنت وربك ... الآية. فهذا سره. والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[83] وإذا سمعوا ما أنـزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين

وإذا سمعوا ما أنـزل إلى الرسول عطف على (لا يستكبرون). قال أبو البقاء: ويجوز أن يكون مستأنفا في اللفظ وإن كان له تعلق بما قبله في المعنى. يعني: وإذا سمعوا القرآن: ترى أعينهم تفيض أي: تنصب: من الدمع الحاصل من اجتماع حرارة الحب والخوف، مع برد اليقين: مما عرفوا من الحق أي: من كتابهم، فوجدوه أكمل منه وأفضل، أو من الذي نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الحق، أو من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم: يقولون أي: من عدم استكبارهم: ربنا آمنا أي: بك وبما أنزلت وبرسولك محمد: فاكتبنا مع الشاهدين أي: الذين شهدوا بأنه حق أو بنبوته. روى الحاكم، وصححه، ابن عباس قال: أي: مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم، وأمته هم الشاهدون. يشهدون لنبيهم أنه قد بلغ، وللرسل أنهم قد بلغوا.

وقوله تعالى:
[ ص: 2120 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[84] وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين

وما لنا لا نؤمن بالله إنكار استبعاد لانتفاء الإيمان مع قيام موجبه - وهو الطمع - في إنعام الله عليهم بصحبة الصالحين: وما جاءنا من الحق أي: وبما جاءنا من القرآن. وفي إعرابه وجه آخر يأتي. ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين يعني مع أمة محمد صلى الله عليه وسلم; أو المعنى: أن يدخلنا ربنا الجنة مع الأنبياء والمؤمنين.
القول في تأويل قوله تعالى:

[85] فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين

فأثابهم الله بما قالوا أي: بما تكلموا به من قولهم: ربنا آمنا الصادر عن اعتقاد وإخلاص واعتراف بالحق: جنات تجري من تحتها أي: من تحت شجرها ومساكنها: الأنهار يعني أنهار الماء واللبن والعسل: خالدين فيها أي: مقيمين في الجنة لا يموتون ولا يخرجون منها: وذلك جزاء المحسنين يعني المؤمنين الموحدين المخلصين في إيمانهم.

تنبيهات:

الأول: اتفق المفسرون على أن هذه الآيات الأربع نزلت في النجاشي وأصحابه رضوان الله عليهم.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 20-11-2022, 11:35 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2121 الى صـ 2131
الحلقة (310)



أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن وعروة بن الزبير قالوا: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو بن أمية الضمري وكتب معه كتابا إلى النجاشي. فقدم [ ص: 2121 ] على النجاشي. فقرأ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين معه وأرسل إلى الرهبان والقسيسين. ثم أمر جعفر بن أبي طالب فقرأ عليهم سورة مريم. فآمنوا بالقرآن وفاضت أعينهم من الدمع. فهم الذين أنزل الله فيهم: ولتجدن أقربهم مودة - إلى قوله -: فاكتبنا مع الشاهدين

وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال: بعث النجاشي ثلاثين رجلا من خيار أصحابه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقرأ عليهم سورة (يس) فبكوا، فنزلت فيهم الآية.

وأخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه: وإذا سمعوا ما أنـزل إلى الرسول

وروى الطبراني عن ابن عباس ونحوه، بأبسط منه.

- كذا في "أسباب النزول للسيوطي" -

وقال ابن كثير: قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في النجاشي وأصحابه، الذين، حين تلا عليهم جعفر بن أبي طالب بالحبشة القرآن، بكوا حتى أخضبوا لحاهم.

قال ابن كثير: وهذا القول فيه نظر؛ لأن هذه الآية مدنية، وقصة جعفر مع النجاشي قبل الهجرة. انتهى.

أقول: إن نظره مدفوع؛ فإنه حكى في هذه الآية بعد الهجرة ما وقع قبلها، ونظائره في التنزيل كثيرة، ولا إشكال فيه. وظاهر أن المقصود بهذه الآية التعريض بعناد اليهود الذين كانوا حول المدينة. وهم يهود بني قريظة والنضير. وبعناد المشركين أيضا، وقساوة قلوب الفريقين، وأنه كان الأجدر بهما أن يعترفوا بالحق كما اعترف به النجاشي وأصحابه. وقال ابن كثير: هذا الصنف من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى: [ ص: 2122 ] وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنـزل إليكم وما أنـزل إليهم خاشعين لله الآية. وهم الذين قال الله فيهم: الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين إلى قوله -: لا نبتغي الجاهلين انتهى.

وكان سبب هجرة الصحابة إلى أرض الحبشة; أن قريشا ائتمرت أن يفتنوا المؤمنين عن دينهم، فوثبت كل قبيلة على من آمن منهم فآذوهم وعذبوهم، فافتتن من افتتن منهم، وعصم الله من شاء منهم.

قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبي طالب، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء - قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشة؛ فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه» .

فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافة الفتنة. وفروا إلى الله بدينهم.
فكانت أول هجرة كانت في الإسلام.

[ ص: 2123 ] فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر إليها من المسلمين - سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها - ثلاثة وثمانين رجلا، إن كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه.

ثم روى ابن إسحاق بسنده إلى أم سلمة - زوج النبي صلى الله عليه وسلم - قالت: لما نزلنا بأرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي. أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين. وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة. وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم. فجمعوا له أدما كثيرا. ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية. ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص. وأمروهما بأمرهم، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم. ثم قدما إلى النجاشي هداياه. ثم سلاه أن يسلمهم إليكما قبل أن يكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي - ونحن عنده بخير دار، عند خير جار - فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفعا إليه هديته قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى - أي: لجأ - إلى بلد الملك منا، غلمان سفهاء، فارقوا دين قومه، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم. فإن قومهم أعلى بهم عينا. (أي: أبصر بهم) وأعلم بما عابوا عليهم. فقالوا لهما: نعم. [ ص: 2124 ] ثم إنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه بما كلما كل بطريق.

قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامهم النجاشي. قالت: فقالت بطارقته حوله: صدقا. أيها الملك! قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم. فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فقالت: فغضب النجاشي ثم قال: لاها الله! إذا لا أسلمهم إليهما. ولا يكاد قوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم. فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم لهما ورددتهم إلى قومهم. وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهم وأحسنت جوارهم ما جاوروني.

قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا. ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا نقول والله! ما علمنا. وما أمرنا به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوا - وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل؟ قالت: فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له: أيها الملك؟ كنا قوما أهل جاهلية. نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام ونسئ الجوار. ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان. وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله. فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، [ ص: 2125 ] وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك! قال: فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت: فقال له جعفر: نعم! فقال له النجاشي: فاقرأه علي. قالت: فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) قالت: فبكى –والله- النجاشي حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم. ثم قال النجاشي: إن هذا، والذي جاء به عيسى، ليخرج من مشكاة واحدة. انطلقا، فلا، والله! لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.

قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله! لآتينه غدا عنهم بما أستأصل به خضراءهم (أي: شجرتهم التي منها تفرعوا).

قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا -: لا تفعل؛ فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله! لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.

قالت: ثم غدا عليه من الغد فقال: أيها الملك! إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما. فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. قالت: فأرسل إليهم ليسألهم عنه.

قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط. فاجتمع القوم. ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا نقول –والله- ما قال الله وما جاءنا به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. قال: فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى ابن مريم؟ قالت: فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاءنا نبينا صلى الله عليه وسلم: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. قالت: فضرب النجاشي بيده إلى [ ص: 2126 ] الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: -والله- ما عدا عيسى ابن مريم، مما قلت هذا العود. قالت: فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال. فقال: وإن نخرتم، والله! اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي - والشيوم الآمنون - من سبكم، غرم. قالها ثلاثا.

ثم قال: ما أحب أن لي دبرا - والدبر الجبل- من ذهب وأني آذيت رجلا منكم. ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها.

قالت: فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.

ثم روى ابن إسحاق في قصته: أن النجاشي عمد إلى كتاب فكتب فيه: هو يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ويشهد أن عيسى ابن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. انتهى.

وإسلام النجاشي معروف. وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما مات صلى عليه مع تباعد الديار.

وذكر شمس الدين بن القيم في "زاد المعاد": أنه كان مخرجهم إلى الحبشة في السنة الخامسة من المبعث.

التنبيه الثاني:

في الآية دليل على أن المشروع عند قراءة القرآن الخشوع والبكاء. وفي الخبر: ابكوا، فإن لم تجدوا بكاء فتباكوا. أخرجه المنذري في "الترغيب والترهيب" عن عبد الله بن عمرو. وقال: رواه الحاكم مرفوعا وصححه. والمراد إشراب القلب والخوف المهابة لله تعالى.

الثالث: في قوله تعالى: يقولون ربنا آمنا وقوله: فأثابهم الله بما قالوا دليل على أن الإقرار داخل في الإيمان كما هو مذهب الفقهاء. وتعلقت الكرامية في أن الإيمان مجرد القول بقوله تعالى: بما قالوا ، لكن الثناء بفيض الدمع في السباق، وبالإحسان في السياق، يدفع [ ص: 2127 ] ذلك; وأنى يكون مجرد القول إيمانا وقد قال الله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ؟ نفى الإيمان عنهم، مع قولهم: آمنا بالله لعدم التصديق بالقلب.

وقال أهل المعرفة: الموجود منهم ثلاثة أشياء: البكاء على الجفاء، والدعاء على العطاء، والرضا بالقضاء. فمن ادعى المعرفة ولم يكن فيه هذه الثلاثة فليس بصادق في دعواه..! أفاده النسفي.

وقال الخازن: إنما علق الثواب بمجرد القول؛ لأنه قد سبق وصفهم بما يدل على إخلاصهم فيما قالوا. وهو المعرفة والبكاء المؤذنان بحقيقة الإخلاص واستكانة القلب؛ لأن القول إذا اقترن بالمعرفة فهو الإيمان الحقيقي الموعود عليه بالثواب.

وقال الرازي: لما حصلت المعرفة والإخلاص وكمال الانقياد، ثم انضاف إليه القول، لا جرم كمل الإيمان.

الرابع: قوله تعالى: وما جاءنا يجوز أن يكون في موضع جر، أي: وبما جاءنا، و: من الحق حال من الفاعل المستتر، أو لغو متعلق ب: جاء أي: وبما جاءنا من عند الله. ويجوز أن يكون مبتدأ و: من الحق الخبر، والجملة في موضع الحال. وقوله تعالى: ونطمع يجوز أن يكون معطوفا على: نؤمن أي: وما لنا لا نطمع. ويجوز أن يكون التقدير: ونحن نطمع، فتكون الجملة حالا من ضمير الفاعل في: نؤمن - أفاده أبو البقاء.
القول في تأويل قوله تعالى:

[86] والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم

والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم أي: الذين جحدوا الحق الذي جاءهم وكذبوا بحجج الله وبراهينه أولئك أصحاب الجحيم، أي: النار الشديدة الحرارة. جزاء وفاقا.
[ ص: 2128 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[87] يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين

يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم أي: ما طاب ولذ منه. كأنه - لما تضمن ما سلف مدح النصارى على الترهيب، والحث على كسر النفس. ورفض الشهوات - عقبه النهي عن الإفراط في ذلك بتحريم اللذائذ من المباحات الشرعية. ثم أشار إلى أنه اعتداء بقوله سبحانه: ولا تعتدوا أي: عما حد الله سبحانه وتعالى بجعل الحلال حراما. أو: ولا تعتدوا في تناول الحلال فتجاوزوا الحد فيه إلى الإسراف كما قال تعالى: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا وقال: والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما أو: ولا تعتدوا على النفس والأهل بمنع الحقوق. أو: ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم إلى ما حرم عليكم: إن الله لا يحب المعتدين في كل ما ذكر، وهو تعليل لما قبله.
القول في تأويل قوله تعالى:

[88] وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون

وكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا أي: كلوا ما حل لكم وطاب مما رزقكم الله. فيكون: حلالا مفعول: وكلوا و: مما حال منه، أو متعلقة ب: كلوا ، أو هو المفعول و: حلالا حال من: ما أو من عائده المحذوف، أو صفة لمصدر محذوف، أي: [ ص: 2129 ] أكلا حلالا. وقوله تعالى: واتقوا الله تأكيد للتوصية بما أمر به، وزاده تأكيدا بقوله: الذي أنتم به مؤمنون لأن الإيمان به يوجب التقوى، في الانتهاء إلى ما أمر به وعما نهى عنه.

قال المهايمي: مقتضى إيمانكم أن لا تغيروا شيئا من أحكام دينكم، وأن لا تعارضوا في أحكامه ولو بكراهة من أنفسكم، وأن تتقوه في وضع قواعد تخالف قواعد الشرع، بل غاية ما يجوز أخذ معان من علم الشريعة مؤكدة لمقتضاه.

تنبيهات:

الأول: فيما روي في سبب نزولها:

أخرج الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتي فحرمت علي اللحم. فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا الآية.

وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: نزلت هذه الآية في رهط من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا: نقطع مذاكيرنا ونترك شهوات الدنيا ونسيح في الأرض كما تفعل الرهبان. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فأرسل إليهم، فذكر لهم ذلك، فقالوا: نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأنكح النساء. فمن أخذ بسنتي فهو مني ومن لم يأخذ بسنتي فليس مني. وروى ابن مردويه نحوه.

وفي "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله عنها، أن ناسا من أصحاب [ ص: 2130 ] رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أتزوج النساء. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟ لكني أصوم وأفطر، وأنام وأقوم، وآكل اللحم. وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني » .

وروى ابن أبي حاتم، أن عبد الله بن مسعود جاءه معقل بن مقرن فقال: إني حرمت فراشي. فتلا عليه هذه الآية.

وأخرج أيضا عن مسروق قال: كنا عند عبد الله بن مسعود. فجيء بضرع فتنحى رجل. فقال عبد الله: ادن. فقال: إني حرمت أن آكله. فقال عبد الله: ادن فاطعم وكفر عن يمينك. وتلا هذه الآية. ورواه الحاكم أيضا.

[ ص: 2131 ] الثاني: قال بعض الزيدية: ثمرة الآية النهي عن تحريم الطيبات من الحلال. وذكر الحاكم: أن هذا النهي يحتمل وجوها لا مانع من الحمل على جميعها: أحدهما لا تعتقدوا التحريم. ومنها: لا تحرموا على غيركم بالفتوى والحكم. ومنها: لا تجروه مجرى الحرمات في شدة الاجتناب. ومنها: لا تلتزموا تحريمه بنذر أو غيره.

وقال القاضي: لا تحرموا الحلال بفعل يصدر منكم، كالبياعات الربوية وخلط الحلال بالمغصوب والطاهر بالنجس.

ثم قال: ويتعلق بهذا أمران: الأول إذا حرم الحلال، هل يجب عليه الحنث والرجوع؟ قلنا: ظاهر الآية يدل على ذلك، ويلزم مع ذلك التوبة.

الأمر الثاني: هل يلزمه في ذلك كفارة؟ قلنا: هذه الآية قد يستدل بها على اللزوم؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء. انتهى.

وقال ابن كثير: ذهب الشافعي إلى أنه من حرم مأكلا أو ملبسا أو شيئا، ما عدا النساء، أنه لا يحرم عليه، ولا كفارة عليه أيضا. لإطلاق هذه الآية. ولأن الذي حرم اللحم على نفسه - كما في الحديث المتقدم - لم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة.

وذهب آخرون - منهم الإمام أحمد - إلى أن من حرم شيئا - مما ذكر - فإنه يجب عليه كفارة يمين، كما إذا التزم تركه باليمين. فكذلك يؤاخذ بمجرد تحريمه على نفسه إلزاما له بما التزمه، كما أفتى بذلك ابن عباس، وكما في قوله تعالى: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم ثم قال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم الآية. وكذلك هنا. لما ذكر هذا الحكم عقبه بالآية المبينة لتكفير اليمين، فدل على أن هذا منزل منزلة اليمين في اقتضاء التفكير. والله أعلم.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 484.30 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 478.42 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.21%)]