التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن الملقن - الصفحة 30 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حساسية الحليب عند الرضع: أعراضها وأنواعها وعلاجها (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 17 )           »          الآثار الجانبية لاستئصال الرحم والمضاعفات المحتملة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          أعراض حساسية الحليب عند الرضع (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 15 )           »          أسباب رائحة البول الكريهة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 12 )           »          طرق الوقاية من الزهايمر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 13 )           »          من يعطينا خلطة السالسيك اسيد وكينا كومب لعلاج الصدفيه (اخر مشاركة : حااجب - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          من سنن الله: وأملي لهم إن كيدي متين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          من بركات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          مما لا يصلح في مجالس طلبة العلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 21 )           »          (وَمَاۤ أَدۡرَىٰكَ ما ٱلۡقَارِعَةُ) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 26 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى السيرة النبوية وعلوم الحديث ملتقى يختص في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلوم الحديث وفقهه

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #291  
قديم 09-02-2026, 05:23 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 411 الى صـــ 430
الحلقة (291)




النوع بخلاف ما إذا كانت كلها ماخضة؛ لأن الحامل قد تتخيّل حيوانين.
وقد احتج الشافعي لمذهبه في أن السخال يؤخذ منها ما يؤخذ في الكبار بهذا الحديث، فإذا لم يملك كريم مال فلا يكلف شراءه.
قال ابن القصار: فيقال له: وكذلك أيضًا نهي عن أخذ الدون، وكلف الوسط، وليس إذا كلف الوسط كلف كريم ماله، ألا ترى أنا نرفه رب المال إذا كانت غنمه كرائمًا كلها رُبَّى ومواخض ولوابن وشاة اللحم والفحل؛ لئلا نأخذ منها، فكذلك نرفه الفقير؛ لئلا يأخذ الصغيرة، ويأخذ السنن المجعول، وهذا هو العدل بينهم وبين أرباب المواشي-كما قال عمررضي الله عنه -.
قلت: مثل هذا لا يقال لمثل هذا الإمام الجبل، فإذا كانت كلها صغارًا فلا دون فيها حتَّى نلزم به هذا الإمام، وقوله: وليس إذا كلف الوسط كلف كريم ماله. عجيب، فإنه تكليف بما لا يجب عليه ولا ملكه البتة، وقوله: ألا ترى أنا نرفه رب المال إذا كانت غنمه كلها كرامًا؛ لئلا نأخذ منها ممنوعٌ، فإنا نأخذ منها واحدة -كما أسلفناه- وجعلناه لشرف النوع.


٤٢ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ صَدَقَةٌ
١٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنَ التَّمْرِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ، وَلَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ مِنَ الإِبِلِ صَدَقَةٌ». [انظر: ١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣٢٢]
ذكر فيه حديث أبي سعيد الخدري السالف في أول الزكاة (١)، وزكاة الورق (٢)، وزاد هنا: «خمسة أوسق من التمر» زاد لفظ: «التمر» ولمسلم: «من تمر ولا حب» (٣)، وقد سلف فقهه هناك.

------------
(١) سلف برقم (١٤٠٥) باب: ما أُدي زكاته فليس بكنز.
(٢) سلف برقم (١٤٤٧).
(٣) «صحيح مسلم» (٩٧٩/ ٤) كتاب: الزكاة.



٤٣ - باب زَكَاةِ البَقَرِ
وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ». وَيُقَالَ: جُؤَارٌ ﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل:٥٣] تَرْفَعُونَ أَصْوَاتَكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ.

١٤٦٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنِ المَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ - رضي الله عنه - قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تَكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا، إِلاَّ أُتِيَ بِهَا يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ وَأَسْمَنَهُ، تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا، وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا، كُلَّمَا جَازَتْ أُخْرَاهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا، حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ». رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٦٦٣٨ - مسلم: ٩٩٠ - فتح: ٣/ ٣٢٣]
هي اسم جنس مشتقة من بقرت الشيء إذا شققته؛ لأنها تبقر الأرض بالحراثة. يكون للمذكر والمؤنث، كما قاله في «المحكم» (١).
(قال البخاري) (٢): وَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لأَعْرِفَنَّ مَا جَاءَ اللهَ رَجُلٌ بِبَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ». وَيُقَالَ: جُؤَارٌ ﴿تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] تَرْفَعُونَ أَصْوَاتكُمْ كَمَا تَجْأَرُ البَقَرَةُ.
ثم ذكر حديث أبي ذر: قَالَ: انْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فقَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ -أَوْ وَالَّذِي لَا إله غَيْرُهُ، أَوْ كَمَا حَلَفَ- مَا مِنْ رَجُلٍ تكُونُ لَهُ إِبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا ..» الحديث. رَوَاهُ بُكَيْرٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.

---------------
(١) «المحكم» ٦/ ٢٤١ - ٢٤٢.
(٢) ليست في الأصل.



الشرح: أما حديث أبي حميد فهو قطعة من حديث ابن اللتبية، وقد أسنده فيما سيأتي (١)، وما ذكره في تفسير (جؤار) تبع فيه أبا عبيدة معمر بن المثنى، وعبارة ابن سيده: رفع صوته مع تضرع واستغاثة (٢).
قال ابن الأثير: المشهور بالخاء (٣)، يعني: المعجمة، و(الخوار) غير مهموز و(الجؤار) مهموز وهما سواء. كما قال القزاز: اللفظتان تقالان في البقرة إذا صاحت ومنه ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه: ٨٨]، وكذلك جؤار الثور بالجيم، والعرب تستعيره في الرجل، وأصله في البقر قال تعالى: ﴿فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] أي: ترفعون أصواتكم بالدعاء.
وحديث أبي ذر أخرجه مسلم أيضًا، وسيأتي في الأيمان والنذور أيضًا، وحديث بكير أخرجه مسلم من حديث ابن وهب، عن عمرو ابن الحارث، عنه، وهو: بكير بن عبد الله بن الأشج، عن ذكوان وهو: أبو صالح، عن أبي هريرة عن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة في إبله» وساق الحديث بنحو حديث سهيل عن أبيه -يعني المذكور عنده-: «ما من صاحب إبل …» إلى آخره. وفي آخره: قال سهيل: فلا أدري أذكر البقر أم لا، وذكر فيه الكنز والخيل (٤).
وذكره البيهقي من هذا الوجه بذكر البقر ثم قال: رواه مسلم وأشار إليه البخاري (٥).

-----------
(١) سيأتي برقم (١٥٠٠) كتاب: الزكاة، باب: قول الله تعالى: ﴿وَالعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾، و(٢٥٩٧) كتاب: الهبة، باب: من لم يقبل الهدية لعلة، و(٦٩٧٩) كتاب: الحيل، باب: احتيال العامل ليهدى له.
(٢) «المحكم» ٧/ ٣٣٦.
(٣) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ٢٣٢.
(٤) «صحيح مسلم» (٩٨٧) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.
(٥) «السنن الكبرى» ٤/ ٩٨ كتاب: الزكاة.



وهو أصح الأحاديث الواردة في زكاة البقر، وجاء في أحاديث أخر منها: حديث معاذ: لما بعثه إلى اليمن أمره أن يأخذ من كل أربعين بقرة مسنةً، ومن كل ثلاثين تبيعًا. حسنه الترمذي، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (١).
وحديث عمرو بن حزم أيضًا في كل أربعين باقورة بقرة (٢). وقد سلف أيضًا حديث: «ليس في البقر العوامل شيء» (٣).
إذا تقرر ذلك: فالحديث دال على وجوب زكاتها من أجل الوعيد الذي جاء إن لم يؤد زكاتها، ومقدار نُصبها في حديث معاذ السالف، وكذا ما يؤخذ منها وغيره من الأحاديث السالفة.
قال ابن بطال: وكذا في كتاب الصدقات لأبي بكر وعمر، وعلى ذَلِكَ مضى الخلفاء، وعليه عامة الفقهاء.
قال ابن المنذر: ولا أعلم الناس يختلفون فيه اليوم، وفيه شذوذ لا يلتفت إليه، روي عن ابن المسيب، والزهري، وأبي قلابة أن في كل خمس من البقر شاة، وفي عشر شاتين، وفي خمسة عشر ثلاثًا، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بقرة إلى خمس وسبعين، فإذا زادت فبقرتان إلى عشرين ومائة، فإذا زادت ففي كل أربعين بقرة بقرة. وروي عن أبي قلابة أنه قال: في كل خمس شاة

-------
(١) «سنن الترمذي» (٦٢٣)، «المستدرك» ١/ ٣٩٨، ورواه أيضًا أبو داود (١٥٧٨)، والنسائي ٥/ ٢٦، وابن ماجه (١٨٠٣).
والحديث صححه ابن عبد البر في «التمهيد» ٢/ ١٣٠. وللألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٠٨)، وفي «الإرواء» (٧٩٥).
(٢) تقدم تخريجه قريبًا.
(٣) تقدم تخريجه أيضًا.



إلى أن تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها تبيع.
واعتل قائلو هذِه المقالة بحديث لا أصل له رواه حبيب بن أبي حبيب (١)، عن عمرو بن هرم أنه في كتاب عمرو بن حزم. [وحجتهم] (٢) من طريق النظر أن الشارع قد عدلها بالإبل إذ جعل الواحد منها يجزئ عن سبعة في الهدايا والضحايا كما في الإبل، فزكاتها زكاتها، قالوا: وخبر معاذ منسوخ بكتابه - ﷺ - إلى عماله، الذي رواه عمرو بن حزم.
قال الطبري: وهذا الحديث أراه غير متصل ولا يجوز الاحتجاج به في الدين، والمعروف في كتابه - ﷺ - في الصدقة لآل عمرو بن حزم خلاف ذَلِكَ (٣).
قُلْتُ: فيه: وفي كل أربعين باقورة بقرة. كما أسلفناه.
قُلْتُ: وأما ابن حزم فإنه صححه مستدلًا به، أخرجه من طريق أبي عبيد بن سلام: نا يزيد، عن حبيب بن أبي حبيب، عن عمرو بن هرم، عن محمد بن عبد الرحمن قال: كان في كتاب عمرو أن البقر يؤخذ منها كما يؤخذ من الإبل (٤).
وجماعة الفقهاء على أنه لا شيء فيما زاد على الأربعين حتَّى تبلغ ستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان فإذا بلغت سبعين، فتبيع ومسنة، وبهذا قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد (٥).

----------
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: حبيب بن أبي حبيب الجرمي عن عمرو بن هرم غمزه أحمد ونهى ابن معين عن كتابة حديثه، وقدح فيه يحيى بن سعيد القطان.
(٢) ليست بالأصل، ومثبتة من «شرح ابن بطال» والسياق يقتضيها.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٧٧ - ٤٧٨.
(٤) «المحلى» ٤/ ٦.
(٥) انظر: «الأصل» ٢/ ٦٢ - ٦٣، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٣.



وسئل أبو حنيفة، فقال: ما زاد على الأربعين من البقر فبحسابه، ففي كل خمسة وأربعين مسنة وثُمن، وفي خمسين مسنة وربع، وعلى هذا كل ما زاد قل أو كثر. هذا هو المشهور عنه، وقد روى أسد بن عمرو عن أبي حنيفة مثل قول الجماعة (١)، ولا قول إلا قولهم؛ لأنهم الحجة على من خالفهم، وفي حديث معاذ أنه قال: لم يأمرني رسول الله - ﷺ - في الأوقاص بشيء. وعند أهل الظاهر لا زكاة في أقل من خمسين منها، فإذا ملك خمسين منها عامًا قمريًا متصلًا ففيها بقرة، وفي المائة بقرتان، ثم في كل خمسين بقرة بقرةٌ، ولا شيء في الزيادة حتَّى تبلغ الخمسين.
وقال إبراهيم فيما رواه ابن حزم: ليس فيما دون ثلاثين شيء فإذا بلغتها فتبيع، ثم لا شيء فيها حتَّى تبلغ أربعين فإذا بلغتها (٢) فبقرة ثم لا شيء فيها حتَّى تبلغ خمسين، فإذا بلغتها فبقرة وربع، ثم لا شيء فيها حتَّى تبلغ سبعين فتبيع ومسنة. قال: وهي رواية غير مشهورة عن أبي حنيفة، قال: وقالت طائفة: ليس فيما دون الثلاثين من البقر شيء فإذا بلغتها ففيها بقرة مسنة، فإذا زادت واحدة ففيها بقرة وجزء من أربعين جزءًا من بقرة، وهكذا في كل واحد يزيد فيها جزءًا آخر من أربعين جزءًا من بقرة، هكذا إلى الستين، فإذا بلغتها ففيها تبيعان، ثم لا شيء فيها إلا في كل عشر زائد كما ذكرنا.
قال: وقيل: المشهور عن أبي حنيفة (٣): ليس في أقل من ثلاثين من

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٣.
(٢) كذا بالأصل، وتتمة الكلام كما في «المحلى» ٧/ ٦: ففيها تبيع، ثم لا شيء فيها حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها.
(٣) «المحلى» ٦/ ٧.



البقر صدقة، فإذا بلغتها سائمة وحال عليها الحول ففيها تبيع أو تبيعة وهي التي طعنت في الثالثة، فإذا زادت على الأربعين ففي الزيادة بقدر ذَلِكَ إلى الستين عند أبي حنيفة، ففي الواحدة الزائدة ربع عشر المسنة، وفي الثنتين نصف عشر مسنة.
وقال أبو يوسف ومحمد: لا شيء في الزيادة حتَّى تبلغ ستين، فيكون فيها تبيعان أو تبيعتان، وهي رواية عن أبي حنيفة، وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة، وفي المائة تبيعان ومسنة، على هذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة (١).
وفي «مصنف ابن أبي شيبة» من حديث ابن أرطاة، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم قال: يحاسب صاحب البقر بما فوق الفريضة.
قال: وحَدَّثَنَا زيد بن حباب، عن معاوية بن صالح، عن العلاء بن الحارث، عن مكحول أنه قال في صدقة البقر: ما زاد فبالحساب (٢).
وروى ابن حزم بإسناد جيد إلى الزهري وقتادة، عن جابر بن عبد الله قال: في كل خمس من البقر شاة (٣) كالإبل في عشرين أربع.
قال الزهري: فرائض البقر مثل فرائض الإبل غير أنه لا أسنان فيها، قال: وبلغنا أن قولهم: قال النبي - ﷺ -: «في كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين بقرة» (٤). أن ذَلِكَ كان خفيفًا لأجل اليمن، ثم كان هذا بعد ذَلِكَ.

-------------
(١) انظر: «الأصل» ٢/ ٦١ - ٦٢، و«مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤١٣، و«المبسوط» ٢/ ١٨٧، و«الهداية» ١/ ١٠٦ - ١٠٧.
(٢) «المصنف» ٢/ ٣٦٤ (٩٩٤٦ - ٩٩٤٧) كتاب: الزكاة، في الزيادة في الفريضة.
(٣) كذا بالأصل، وتتمة الكلام كما في «المحلى» ٦/ ٢: وفي عشر شاتان وفي خمس عشرة ثلاث شياه.
(٤) رواه النسائي ٥/ ٢٦ كتاب: الزكاة، باب: زكاة البقرة، وأحمد ٥/ ٢٣٣، =



قال: وعن عكرمة بن خالد: اسْتُعملتُ على صدقات عك، فلقيت أشياخًا ممن صدق على عهد رسول الله - ﷺ -، فاختلفوا، فمنهم من قال: اجعلها مثل صدقة الإبل. ومنهم من قال: في ثلاثين تبيع. ومنهم من قال: في أربعين مسنة (١).
قُلْتُ: وروي عنه أن رجلًا حدثه عن مصدق أبي بكر أنه أخذ من كل عشر بقرات بقرة.
وروى ابن حزم أيضًا من طريق أبي عبيد إلى عمر بن عبد الرحمن بن خلدة الأنصاري أن صدقة البقر صدقة الإبل، غير أنه لا أسنان، وعن معمر أعطاني سماك بن الفضل كتابًا من رسول الله - ﷺ - إلى مالك [بن] (٢) كفلافس والمصعبين، فقرأته فإذا فيه: «وفي البقر مثل الإبل».
قال ابن حزم: ما ذُكر عن الزهري من أنه قال: هذا هو آخر أمر رسول الله - ﷺ -، وأن الأمر بالتبيع في الثلاثين نُسخ بهذا، واحتجوا بعموم الخبر: «ما من صاحب بقر» الحديث.
فهذا عموم لكل بقر إلا ما خصه نص أو إجماع، ومن عمل مثل قولنا كان على يقين، فإنه قد أدى الفريضة، ومن خالف لم يكن على يقين من ذَلِكَ.
فإن احتجوا بالخبر الذي فيه: «في كل ثلاثين تبيع وفي كل أربعين

-------------
= وابن خزيمة في»صحيحه«٤/ ١٩ (٢٢٦٨) كتاب: الزكاة، باب: صدقة البقر، بذكر لفظ مجمل غير مفسر، والشاشي في»مسنده«٣/ ٢٥٢ - ٢٥٣ (١٣٥٠ - ١٣٥٢)، والطبراني ٢٠/ ١٢٨ - ١٣٠، والبيهقي ٤/ ٩٨ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض صدقة البقر، ٩/ ١٩٣ كتاب: الجزية، باب: كم الجزية.
(١)»المحلى«٦/ ٢ - ٣.
(٢) ليست بالأصل وإنما هي من»المحلى" ٦/ ٤. وفيه: مالك بن كفلانس المصعبين.



مسنة» (١). قلنا نحن بهذا، وليس فيه إسقاط الزكاة عما دون ذَلِكَ (٢).
ثم ساق بإسناده إلى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عمرو بن دينار قال: كان عمال ابن الزبير وطلحة بن عبيد الله بن عوف يأخذون من كلٍ خمسين بقرة بقرة، ومن كل مائة بقرتين، فإذا كثرت ففي كل خمسين بقرة بقرةٌ (٣).
ثم قال ابن حزم: وجدنا الآثار الواردة فيه عن رسول الله - ﷺ - منقطعة، ولا يصح في هذا من طريق إسناد الآحاد، ولا من طريق التواتر شيء، ولا عن أحد من الصحابة شيء لا يعارضه غيره، ولم يبق إلا ما رويناه من عمل ابن الزبير وطلحة بن أخي عبد الرحمن بن عوف بحضرة بقية الصحابة، ولم ينكروه، ووجدنا الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا خلاف فيه وحكم به من الصحابة ومن بعدهم أن في كل خمسين بقرة، وكل ما دون ذَلِكَ فمختلف فيه ولا نص في إيجابه، فلم يجز القول به (٤).
وحكى ابن التين مقابله أن في خمس وعشرين تبيعًا، وفي أربعين مسنة. وعن شهر بن حوشب في عشر شاة، وفي عشرين شاتان (٥)، ثم نقل عن القاضي أبي محمد بعد أن حكى مقالة أبي قلابة وسعيد والزهري أيضًا أن كل هذا لا يلتفت إليه، والأصل في الباب الذي يجب أن يصار إليه حديث معاذ «خذ البقر من البقر» وحديثه في

---------------
(١) تقدم تخريجه.
(٢) «المحلى» ٦/ ٣ - ٥.
(٣) «المصنف» ٤/ ٢٣ (٢٨٤٦) كتاب: الزكاة، باب: البقر.
(٤) «المحلى» ٦/ ٧ و١٦.
(٥) رواه ابن أبي شبة في «المصنف» ٢/ ٤٣٣ (١٠٧٤٧) كتاب: الزكاة، من قال: فيما دون ثلاثين من البقر زكاة.



«الموطأ» أن معاذًا أخذ من ثلاثين بقرة تبيعًا، ومن أربعين مسنة، وأُتي ما دون ذَلِكَ فأبى أن يأخذ، وقال: لم أسمع من النبي - ﷺ - فيه شيئًا حتَّى ألقاه فأسأله، فتوفي رسول الله - ﷺ - قبل أن يقدم معاذ (١).
وفي حديث سليمان، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «وفي كل ثلاثين باقورة تبيع أو جذعة، وفي كل أربعين بقرة» (٢).
وقد تكلف بعض الناس إيراد شبهة لبعض ما تقدم من الأقاويل المختلفة فقالوا: يمكن أن يحتج لذلك بما روي في حديث عمرو بن حزم أنه - ﷺ - ذكر صدقة الإبل، ثم عطف عليه فقال: «وكذلك البقر» وهذا غير محفوظ في نقل صحيح، وروينا صدقة البقر مفسرة من طريق عمرو بن حزم ونحوه، ويحتمل ذَلِكَ إن صح أن يكون عطفًا على وجوب الزكاة دون صفتها قالوا: ولما كانت البقر كالإبل في أن الواحد يجزئ في الأضحية عن سبعة كانت كذلك في صفة الزكاة، وهذا لا يصح على أصل المالكية؛ لأنهم لا يجيزون الاشتراك في الأضحية، فبطل قولهم.
فرع:
التبيع عندنا: ما له سنة، والمسنة: ما لها سنتان، وفي ذَلِكَ خلاف عندنا (٣)، والتبيع والجذع عند المالكية: ما له سنتان، وقيل: سنة،

------------
(١) «الموطأ» ١/ ٢٦٦ - ٢٦٧ (٦٨١) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الماشية.
(٢) رواه الحاكم ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة، والبيهقي ٤/ ٨٩ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض الزكاة، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٣٣) وانظر: «الإرواء» (١٢٢).
(٣) انظر: «العزيز» ٢/ ٤٧٢، و«روضة الطالبين» ٢/ ١٥٢.



والمسنة: ما لها ثلاث، وقيل: سنتان (١).
فرع:
لو أخرج تبيعة أجزأت عندنا (٢)، بل هي أولى للأنوثة، وانفرد أبو حنيفة فجوز الذكر بدل المسنة وإن كانت بقره إناثًا (٣).
ونقل ابن التين عن بعض أصحابنا: إن كانت البقر ذكورًا كلها أخذ فيها مسنًّا ذكرًا، دليلنا حديث معاذ السالف «مسنة» ولم يفرق. وبيّن في حديث عمرو بن حزم أن التبيع يجوز أن يكون ذكرًا أو أنثى على ما سلف، ولم يذكر ذَلِكَ في مسنة، ولأن المأخوذ في فرائض الماشية الإناث، إلا من ضرورة اعتبارًا بالإبل والغنم.

-------------
(١) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٣١.
(٢) انظر: «الحاوي» ٣/ ١٠٨، و«التهذيب» ٣/ ٢٧.
(٣) انظر: «المبسوط» ٢/ ١٨٨، و«الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٢٢١.



٤٤ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الأَقَارِبِ
وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَهُ أَجْرَانِ أَجْرُ القَرَابَةِ، وَالصَّدَقَةِ». [انظر: ١٤٦٦]

١٤٦١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ - رضي الله عنه - يَقُولُ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ. إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَقُولُ ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَىَّ بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بَخْ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَإِسْمَاعِيلُ عَنْ مَالِكٍ: «رَايِحٌ». [٢٣١٨، ٢٧٥٢، ٢٧٥٨، ٢٧٦٩، ٤٥٥٤، ٤٥٥٥، ٥٦١١ - مسلم: ٩٩٨ - فتح: ٣/ ٣٢٥]

١٤٦٢ - حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي زَيْدٌ، عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه -: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فِي أَضْحًى -أَوْ فِطْرٍ- إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، تَصَدَّقُوا». فَمَرَّ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ، تَصَدَّقْنَ، فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ». فَقُلْنَ: وَبِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ العَشِيرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ». ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمَّا صَارَ إِلَى مَنْزِلِهِ جَاءَتْ زَيْنَبُ امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ


تَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هَذِهِ زَيْنَبُ، فَقَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟». فَقِيلَ: امْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ. قَالَ: «نَعَمِ ائْذَنُوا لَهَا». فَأُذِنَ لَهَا، قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ اليَوْمَ بِالصَّدَقَةِ، وَكَانَ عِنْدِي حُلِيٌّ لِي، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ، فَزَعَمَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّهُ وَوَلَدَهُ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَيْهِمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «صَدَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ، زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ». [انظر: ٣٠٤ - مسلم: ٨٠ - فتح: ٣/ ٣٢٥]
ثم ذكر فيه حديث عبد الله بن يوسف، أَنَا مَالِكٌ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عن أَنَسَ: كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالمَدِينَةِ مَالًا مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيهِ بَيْرُحَاءَ، وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ المَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يدْخُلُهَا وَيشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّب، قَالَ أَنَسٌ: فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هذه الأيَةُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فقَالَ: يَا رَسُول اللهِ، إِنَّ اللهَ تبارك وتعالى يَقُولُ: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَى بَيْرُحَاءَ، وَإِنَّهَا صَدَقَة لله أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ، فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللهُ. قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ -: «بَخْ، ذَلِكَ مالٌ رَابِحٌ، ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ، وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ، وَإِنِّي أَرى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأقرَبِينَ». فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ.
تَابَعَهُ رَوْحٌ. وَقَالَ يَحْييَ بْنُ يَحْيَى وإِسْمَاعِيلُ، عَنْ مَالِكٍ: «رَايحٌ».
ثم ذكر حديث أبي سعيد خَرَجَ علينا رَسُولُ اللهِ - ﷺ - في أَضْحًى -أَوْ فِطْرٍ- إِلَى المُصَلَّى، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَعَظَ النَّاسَ وَأَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ .. الحديث، وفي آخره: «زَوْجُكِ وَوَلَدُكِ أَحَقُّ مَنْ تَصَدَّقْتِ بِهِ عَلَيْهِمْ».
الشرح:
أما الحديث الأول المعلق فسيأتي مسندًا قريبًا في حديث زينب زوج


ابن مسعود بلفظ: «لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة» (١)
وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وأما حديث أنس فأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وكذا النسائي في التفسير (٤)، وفي رواية للبخاري: «قبلناه منك ورددناه عليك، فاجعله في الأقربين». فتصدق به أبو طلحة على ذوي رحمه، قال: وكان منهم أُبي -يعني: ابن كعب- وحسان، فباع حسان حصته منه من معاوية، فعوتب فيه فقال: ألا نبيع صاعًا من تمر بصاع من دراهم! خرجه في الوصايا (٥).
وقال: قال الأنصاري: حَدَّثَني أبي عن ثمامة، عن أنس قال: اجعلها لفقراء قرابتك (٦). وهذا التعليق أسنده أبو نعيم والطحاوي من طريق إبراهيم بن مرزوق عنه (٧).
زاد ابن خزيمة: «أو في أهل بيتَك» وفي رواية: لما نزلت هذِه الآية: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال أو: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قال أبو طلحة: يا رسول الله.
الحديث (٨)، وللترمذي: يا رسول الله حائطي لله، ولو استطعت أن

------------
(١) سيأتي برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ولو كانوا مشركين.
(٣) «صحيح مسلم» (٩٩٨).
(٤) «السنن الكبرى» ٦/ ٣١١ - ٣١٢ (١١٠٦٦).
(٥) سيأتي برقم (٢٧٥٨) باب: من تصدق إلى وكيله، ثم رد الوكيل إليه.
(٦) سيأتي في باب: إذا وقف أو أوصى لأقاربه، ومن الأقارب، كتاب: الوصايا.
(٧) «شرح معاني الآثار» ٣/ ٢٨٩، و٤/ ٣٨٦.
(٨) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٠٥ (٢٤٥٨) كتاب: الزكاة، باب: الأمر بإتيان القرابة بما يتقرب به الموالي ..



أسره لم أعلنه (١). وسيأتي في الوقف والوكالة والأشربة والتفسير (٢)، ووقع في «العباب» للصغاني عن أنس أنه قال: وكنت أقرب إليه منهما (٣). وليس كذلك فإنهما يجتمعان في حِرام، وهو الأب الثالث بخلافه، وقد ساق ابن بطال بإسناده قال أنس: وكانا أقرب إليه مني (٤)، فصح.
وحديث يحيى بن يحيى أخرجه الدارقطني في أحاديث «الموطأ» من حديث موسى بن أبي خزيمة، ثنا يحيى به. وأما طريق إسماعيل، عن مالك فسيأتي في كلام الداني. وقال في باب: من تصدق على وكيله ثم رد وكيله عليه: وقال إسماعيل: أخبرني عبد العزيز بن أبي سلمة، عن إسحاق بن عبد الله قال: ولا أعلمه إلا عن أنس، ولفظه فيه: «قبلناه منك» إلى آخر ما أسلفناه قبل. وزعم أبو مسعود وخلف أنه إسماعيل بن جعفر، والصواب كما قال المزي: أنه ابن أبي أويس.
وحديث أبي سعيد أخرجه مسلم أيضًا وقال: مثل حديث ابن عمر (٥).

-------------
(١) «سنن الترمذي» (٢٩٩٧) كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة آل عمران.
(٢) سيأتي برقم (٢٣١٨) كتاب: الوكالة، باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله وقال الوكيل: قد سمعت ما قلت، و(٤٥٥٤ - ٤٥٥٥) كتاب: التفسير، باب: ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، و(٥٦١١) كتاب: الأشربة، باب: استعذاب الماء.
(٣) في هامش الأصل ما نصه: وفي تفسير آل عمران من البخاري: فجعلها لحسان وأُبي، وأنا أقرب، ولم يجعل لي منها شيئًا، وفي الوصية: وكانا أقرب إليه مني.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٢.
(٥) «صحيح مسلم» (٨٠) كتاب: الإيمان، باب: بيان نقصان الإيمان بنقصان الطاعات، وبيان إطلاق لفظ الكفر على غير الكفر بالله ككفر النعمة والحقوق.



إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام على ذَلِكَ من أوجه:
أحدها:
هذِه الأحاديث لا دلالة فيها على ما ترجم عليه، ويحتمل أن المراد بالصدقة التطوع كما ستعلمه، لا جرم اعترض الإسماعيلي حيث قال: هذا الحديث في قصة أبي طلحة ليس من الزكاة في شيء وإنما هو في الصدقة بحديقة، فإن أراد البخاري الاستدلال على أن الأقارب في الزكاة أحق بها إذ رأى النبي - ﷺ - ما ليس بزكاة من صدقة، صرفها إلى الأقارب أفضل، فذلك حينئذ له وجه، قال: ولا أعرف أحدًا منهم إلا قال: رابح بالباء، وقال ابن قعنب بالشك، ولم أذكره.
ثانيها:
تحصل في بيرحاء عشرة أوجه: فتح الباء وكسرها وتثليث الراء، إلا أن الكسر مع الجر، وبالجيم والحاء، والمد والقصر، وبَرِيحا، وبأريحاء، قال عياض (١) وغيره: رواية المغاربة بضم الراء وفتحها في النصب، وكسرها في الجر مع الإضافة أبدًا وحاء على حالها.
وذكر الباجي عن أبي ذر إنما هي بفتح الراء على كل حال، قال الباجي: وعليه أدركت أهل الحفظ والعلم بالمشرق. وقال أبو عبد الله الصوري: إنما هو بفتح الباء والراء على كل حال (٢)، ومن رفع الراء وألزمها حكم الإعراب أخطأ.
قال القاضي: وبالرفع قرأناه على شيوخنا بالأندلس، قال: وعلى روايتهم عن (أبي جعفر) (٣) في مسلم بكسر الباء وفتح الراء والقصر،

----------------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ١١٥ - ١١٦.
(٢) «المنتقى» ٧/ ٣١٩ - ٣٢٠.
(٣) في «مشارق الأنوار»: ابن أبي جعفر.



وفي «الموطأ» (١) عن ابن عتاب وغيره بضم الراء وفتحها معًا عن الأصيلي، وهو: موضع بقرب المسجد يعرف بقصر بني جديلة كما رواه البخاري في موضع آخر (٢)، ورواه مسلم من طريق حماد بن سلمة: بريحا، ورواية الراوي في مسلم من حديث مالك بن أنس: بريحا (٣) وهم، وإنما هذا في حديث حماد (٤).
وقال ابن الجوزي: أكثر المحدثين يروونه بالجيم، والصواب بالحاء المهملة. وقال المنذري: هو بضم الراء في الرفع والنصب، وكسرها في الجر مع الإضافة إلى حاء أبدًا، وقيل بفتحها في كل حال. وقال القرطبي: بكسر الباء وفتح الراء وضمها، وبمد حاء وقصرها (٥)، لغتان. وفي «سنن أبي داود»: بأريحاء (٦)، وهذا يدل على أنها ليست ببئر، وقال ابن التين: قيل: حاء اسم امرأة، وقيل: اسم موضع، وهو ممدود ويجوز قصره.
وفي «المنتهى»: أنه اسم رجل. قال ابن التين: والرواية أنه مبني غير مضاف بالقصر وبناؤه في ضبطهم على الفتح. وقال الزمخشري: هي فيعلى من البراح، وهي الأرض الظاهرة المنكشفة (٧).
وفي «معجم أبي عبيد»: حاء على لفظ الهجاء: موضع بالشام، وحاء آخر موضع بالمدينة، وهو الذي ينسب إليه بيرحاء، وبعض الرواة يرويه

--------------
(١) «الموطأ» ٢/ ١٧٤ - ١٧٥ (٢١٠١).
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٧٥٨).
(٣) «صحيح مسلم» (٩٩٨).
(٤) انتهى كلام القاضي في «مشارق الأنوار» ١/ ١١٥ - ١١٦.
(٥) «المفهم» ٣/ ٤١.
(٦) «سنن أبي داود» (١٦٨٩) كتاب: الزكاة، باب: في صلة الرحم.
(٧) «الفائق» ١/ ٩٣.



بيرحا جعله اسمًا واحدًا، والصحيح ما قدمته، ورواية حماد بن سلمة، عن ثابت أريحاء خرجه أبو داود (١)، ولا أعلم أريحا، إلا بالشام.
قُلْتُ: أخرج ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث أنس: يا رسول الله، ليس لي أرض أحب إليّ من أرض أريحا، فقال - عليه السلام -: «أريحا خير رابح -أو- خير رايح» (٢) شك الشيخ. قال البكري: وفي الحديث كما قال حسان:
أمسى الجلابُ وقد عزُّوا وقد كثروا … وابن الفريعة أمسى بيضة البلد.
اعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف، فقال - ﷺ - لحسان:
«أحسن في الذي أصابك». قال: هي لك يا رسول الله، فأعطاه النبي - ﷺ - بيرحا قصر بني جديلة اليوم، كانت لأبي طلحة فتصدق بها إلى رسول الله - ﷺ -، وأعطاه سيرين (٣).
ويجوز أن حسان لما ضربه صفوان تصدق أبو طلحة بتلك الصدقة في تلك الأيام، فأشار - ﷺ - بما أشار، فاعتقد الراوي أن ذَاكَ كان لأجل تلك الضربة، وقال بعضهم: سميت بيرحاء بزجر الإبل عنها، وذلك أن الإبل يقال لها إذا زجرت -وقد رويت-: حاحا. وقال بعضهم: بيرحاء من البرح، والباء زائدة، جمع ابن الأثير لغاته فقال: هي بفتح الباء وكسرها وبفتح الراء وضمها، والمد فيهما، وبفتحها والقصر، قال: وهو اسم مال، موضع بالمدينة (٤).

-----------
(١) أبو داود (١٦٨٩).
(٢) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٠٣ - ١٠٤ (٢٤٥٥) كتاب: الزكاة، باب: فضل صدقة المرء بأحب ماله لله …
(٣) «معجم ما استعجم» ١/ ٤١٤.
(٤) «النهاية في غريب الحديث والأثر» ١/ ١١٣ - ١١٤.



ثالثها:
قوله: «بخْ» هو بسكون الخاء وبتنوينها مكسورة، قال عياض: وبالكسر بلا تنوين، وروي بالرفع دون تنوين، وبالضم مع التنوين والتخفيف (١).
وعن الخطابي: الاختيار إذا كررت: تنوين الأولى وتسكين الثانية (٢)، وهكذا هو في كل كلام مبني كقولهم: صهٍ صه، وطابٍ طاب ونحوهما، ومعناها: تعظيم الأمر وتفخيمه. وعبارة ابن بطال: هي كلمة إعجاب (٣).
وعبارة ابن التين: تقولها العرب عند المدح والمحمدة. وكله متقارب، وعبارة القزاز: هي كلمة يقولها المفتخر عند ذكر الشيء العظيم، وتخففها العرب فتلحقها بالرباعي. وقال صاحب «الواعي»: عن الأحمر في (بخ) أربع لغات: الجزم، والخفض، والتشديد، والتخفيف. وحكاها عنه ابن بطال بعد أن قال تخفف وتثقل (٤).
رابعها:
قوله: «ذَلِكَ مال رابح» أي: ذو ربح، وقيل: فاعل بمعنى مفعول أي: مال مربوح فيه كقوله ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ﴾ [البقرة: ١٦]. ومن رواه بالمثناة تحت فمعناه: يروح عليه أجره كلما أطعمت الثمار، قاله ابن بطال، قال: والرايح القريب المسافة الذي يروح خيره ولا يغرب نفعه (٥).

-----------------
(١) «مشارق الأنوار» ١/ ٧٩.
(٢) «غريب الحديث» ص ٦١٠.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٠.
(٤) السابق.
(٥) السابق.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #292  
قديم 09-02-2026, 05:29 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 431 الى صـــ 450
الحلقة (292)






وقيل: معناه قريب يروح خيره ليس بغارب، وذلك أنفس الأموال.
وقيل: يروح بالأجر ويغدو به، واكتفي بالرواح عن الغدو لعلم السامع.
وقال صاحب «المطالع»: «رابح» بباء موحدة أي: ذو ربح أو رابح به، وروي بالياء المثناة من تحت من الرواح عليه بالأجر على الدوام ما بقيت أصوله.
وقال القاضي: هي رواية يحيى بن يحيى وجماعة، والأولى رواية أبي مصعب وغيره. وقال صاحب «المطالع»: بل الذي رويناه ليحيى بالباء المفردة، وهو ما في مسلم (١).
قُلْتُ: يحيى الذي أشار إليه هو: الليثي المغربي، ويحيى في البخاري هو: النيسابوري، قال الداني في «أطرافه»: في رواية يحيى الأندلسي بالباء الموحدة، وتابعه روح بن عبادة وغيره وقال يحيى بن يحيى النيسابوري، وإسماعيل، وابن وهب وغيرهم: «رائح» بالهمز من الرواح. وشك القعنبي كما سلف، وقال الإسماعيلي: من قاله بالباء فقد صحف.
خامسها: في فوائده:
الأولى: حب الرجل الصالح المال، وقال أبو بكر لعائشة: ما أحد أحب إليّ غنى منك ولا أعز علي فقرًا منك (٢). وإيثار حب بعضه.
الثانية: دخول الشارع حوائط أصحابه ويشرب من مائها، والأكل من ثمارها بغير إذنهم، إذا علم أن نفس أصحابها تطيب بذلك، وكان بما لا يتشاح فيه.

------
(١) مسلم (٩٩٨).
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٩/ ١١١ (١٦٥٠٧)، وابن سعد ٣/ ١٩٥.



الثالثة: تفويض الصدقة إلى الشارع.
الرابعة: إشارة الشارع لما هو أفضل.
الخامسة: فضل الكفاف على ما سواه؛ لأنه أمسك بعض ماله.
السادسة: اعتبارهم بالقرآن واتباعهم لما فيه.
السابعة: صحة الوقف وإن لم يذكر سبيله، ومصارف دخله، وهو ما بوب عليه البخاري في الوصايا (١)، وسيأتي الكلام فيه هناك إن شاء الله تعالى.
الثامنة: إعطاء الواحد من الصدقة فوق مائتي درهم؛ لأن هذا الحائط مشهور أمره أنَّ دخله يزيد عليه زيادة كثيرة، وقد جعله أبو طلحة بين نفسين كما سلف، وسواء صدقة الفرض ونفلها في مقدار ما يجوز إعطاؤه المتصدق عليه، قاله الخطابي (٢)، يريد: إذا نذرت صدقة، وألا يبدأ الصدقة بها على أقاربه، لما كان حكمها حكم المفروضة.
التاسعة: ﴿البِرَّ﴾ في الآية الجنة، قاله ابن مسعود (٣)، والتقدير على هذا ثواب البر، وقيل: العمل الصالح، والمراد بـ ﴿حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ حتَّى تتصدقوا، وروي أن عمر كتب إلى أبي موسى الأشعري أن يشتري جارية حين فتحت مدائن كسرى، فاشتراها ووجه بها إليه، فلما رآها أعجب بها وأعتقها وقرأ الآية. قال مجاهد: وهو مثل قوله: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [الإنسان: ٨] (٤) وذكر عن ابن عمر أنه كان ينفذ إلى

----------
(١) انظر ما سيأتي برقم (٢٧٥٢).
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٨٨.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٣/ ٧٠٣ (٣٨٠٨).
(٤) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ٣٤٦ (٧٣٩٠ - ٧٣٩١).



مصر فيأتيه السكر فيتصدق به، ويقول: إني أحبه ويتلو هذِه الآية (١).
العاشرة: معنى (أرجو برها)، أي: ثو اب برها. (وذخرها) أي: أقدمه فأدخره؛ لأجده هناك.
الحادية عشرة: أن الصدقة إذا كانت جزلة مدح صاحبها بها وغبط؛ لقوله - عليه السلام -: «بخ ذَلِكَ مال رابح» فسلاه بما يناله من ربح الآخرة، وما عوضه الله فيها عما عجله في الدنيا الفانية.
الثانية عشرة: أن ما فوته الرجل من صميم ماله، وعبيط عقاره عن ورثته بالصدقة، يستحب له أن يرده إلى أقاربه غير الورثة؛ لئلا يفقد أهله نفع ما خوله الرب ﷻ، وفي القرآن ما يؤيده قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ إلى قوله: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] فثبت بهذا المعنى أن الصدقة على الأقارب وضعفاء الأهلين أفضل منها على سائر الناس، إذا كانت صدقة تطوع، ودل على ذَلِكَ حديث زينب امرأة ابن مسعود.
وقوله - ﷺ -: «لها أجران أجر القرابة وأجر الصدقة» (٢). وقال لميمونة عن أعتقت جارية لها: «أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظمْ لأجرك» ذكره البخاري في الهبة كما سيأتي (٣).
واستعمل الفقهاء الصدقة في غير الأقارب؛ لئلا يصرفوها فيما يجري بين الأهلين في الحقوق والصلات والمرافق؛ لأنه إذا جعل الصدقة الفريضة في هذا المعتاد بين الأهلين، فكأنهم لم يخرجوها

-------
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٩١، وعزاه إلى ابن المنذر.
(٢) قطعة من حديث سيأتي قريبًا برقم (١٤٦٦) كتاب: الزكاة، باب: على الزوج والأيتام في الحَجْر.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٩٢) باب: هبة المرأة لغير زوجها وعتقها.



من أموالهم؛ لانتفاعهم بها وتوفير تلك الصلات بها، فإذا زال هذا المعنى جازت الزكاة للأقارب الذين لا يلزمه نفقتهم، وقد تقدم اختلاف العلماء في الزكاة على الأقارب في باب: إذا تصدق على ابنه وهو لا يشعر. فراجعه.
ولم يختلف العلماء -كما قال ابن بطال- أن قوله: في أقاربه وبني عمه، أنهم أقارب أبي طلحة لا أقاربه - عليه السلام -، وقد روى ذَلِكَ الثقات (١)، ثم ساق بإسناده ذَلِكَ إلى أنس، وهو في البخاري كما أسلفناه.
الثالثة عشرة: فيه استعمال عموم اللفظ، ألا ترى إلى فهم الصحابة لذلك؟ وأنهم يتوقفون حتَّى يتبين لهم بآية أخرى أو بسنة مبينة لمراد الله تعالى في الشيء الذي يجب أن ينفقه عباده؛ لأنهم يحبون أشياء كثيرة فبدر كل واحد منهم إلى نفقة أحب أمواله إليه، فتصدق أبو طلحة بحائطه، وكذلك فعل زيد بن حارثة.
وروي عن ابن عيينة، عن ابن المنكدر قال: لما نزلت ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ﴾ [آل عمران: ٩٢] قال زيد: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلى من فرسي هذِه، وكان له فرس فجاء به إلى رسول الله - ﷺ - فقال: هذا في سبيل الله، فقال لأسامة بن زيد: «اقبضها منه» فكأن زيدًا وجه في نفسه من ذَلِكَ، فقال رسول الله - ﷺ -: «إن الله قد قبلها منك» (٢).
وفعل مثل ذَلِكَ ابن عمر، روي أنه كان له جارية جميلة وكان يحبها، فأعتقها لهذِه الآية، ثم أتبعتها نفسه، فأراد تزويجها فمنعه بنوه، فكان

-----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٢.
(٢) رواه ابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٤)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، وعزاه إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.



بعد ذَلِكَ يقرب بنيها من غيره لمكانها في نفسه (١). وروى الثوري أن أم ولد الربيع قالت: كان إذا جاءنا السائل يقول: يا فلانة أعطي السائل سكرًا فإن الربيع يحبه، قال سفيان: يتأول ﴿لَنْ تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ (٢) (٣).
الرابعة عشرة: فيه من معاني الصدقات والهبات كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.
الخامسة عشرة: في حديث أبي سعيد: «يكثرن اللعن» يعني: أكثر من الرجال، «ويكفرن العشير» أي: الزوج، وقد سلف تفسيره. ونقصان عقولهن، أنهن لا يذكرن عند الغضب ما أسدي إليهن من الخير، ودينهن مضى. واللب: العقل، يعني: أنهن إذا أردن شيئًا غالبن عليه والتوين حتَّى يفعله الرجال صوابًا كان أو خطأً.
السادسة عشرة: زينب هذِه زعم الطحاوي أنها رائطة، قال: ولا نعلم عبد الله تزوج غيرها في زمنه - عليه السلام -. وقال الكلاباذي: رائطة هي المعروفة بزينب (٤). وقال ابن طاهر وغيره: امرأة ابن مسعود زينب، ويقال: اسمها رائطة (٥). وكذا رواه أبو يوسف القاضي في كتاب «الزكاة» مصرحًا به.

-----------
(١) رواه ابن أبي حاتم ٣/ ٧٠٤ (٣٨١٤) بدون قوله: فمنعوه بثوه. وأبو نعيم في «حلية الأولياء» ١/ ٢٩٥، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٢/ ٨٩، وعزاه إلى ابن حميد والبزار في «المصنف».
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٧/ ١٦٠ (٣٤٨٥٢) كتاب: الزهد، كرم ربيع بن خيثم، وابن عبد البر في «التمهيد» ١/ ٢٠٤.
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الخامس عشر، كتبه مؤلفه.
(٤) «رجال صحيح البخاري» للكلاباذي ٢/ ٨٥٠ (١٤٣٢).
(٥) «إيضاح الإشكال» لابن طاهر المقدسي (٢٠٣).



وأما ابن سعد (١)، والعسكري، والطبراني (٢)، والبيهقي (٣)، وابن عبد البر (٤)، وأبو نعيم (٥)، وابن منده، وأبو حاتم بن حبان (٦) فجعلوهما ثنتين، والله أعلم.
السابعة عشرة: قوله: فقال النبي - ﷺ -: «زوجك وولدك» إلى آخره ظاهره سماعها من رسول الله - ﷺ -، وقد ورد مصرحًا في البزار فقال لها النبي - ﷺ - لما دخلت عليه: «صدق ابن مسعود» الحديث. قال ابن القطان عقبها: تبين أن زينب سمعته من رسول الله - ﷺ -، ولكن لا ندري ممن تلقى ذَلِكَ أبو سعيد. وفي «صحيح ابن خزيمة» من حديث أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة: «تصدقي عليه وعلى بنيه فإنهم له موضع» (٧).
الثامنة عشرة: استئذان النساء على الرجل وهو مع أهله وسؤاله قبل الإذن عمن يستأذن، وأنه إذا لم ينسب إليه من يستأذن، سأل أن ينسب، والزيانب: جمع زينب.
التاسعة عشرة: فيه اتخاذ العلي، وفي الترمذي من حديث ابن

---------
(١) «الطبقات الكبرى» ٨/ ٢٩٠.
(٢) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٦٣ حيث قال: رائطة بنت عبد الله؟؟؟ امرأة عبد الله بن مسعود. وأورد لها خمسة أحاديث، ثم ترجم في ٢٤/ ٢٨٣، فقال: زينت بنت أبي معاوية امرأة عبد الله بن مسعود. وأورد لها ستة عشر حديثًا.
(٣) انظر: «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٢٠٦ - ٢٠٧ (٨٥٠٣، ٨٥٠٥).
(٤) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٤٠٥ (٣٣٨٧) و٤/ ٤١١ (٣٣٩٦).
(٥) انظر: «معرفة الصحابة» ٦/ ٣٣٣٠ (٣٨٧٣) و٦/ ٣٣٣٨ (٣٨٨٥).
(٦) انظر: «صحيح ابن حبان» ٥/ ٥٩٠ (٢٢١٢) و٥/ ٥٩٣ (٢٢١٥) و١٠/ ٥٦ - ٥٩ (٤٢٤٦ - ٤٢٤٨).
(٧) «صحيح ابن خزيمة» ٤/ ١٠٦ - ١٠٧ (٢٤٦١) كتاب: الزكاة، باب: استحباب إتيان المرأة زوجها وولدها بصدقة التطوع ....



لهيعة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - أنه رأى في الحلي زكاة (١). وفي إسناده مقال، ولا يصح في هذا الباب شيء عن رسول الله - ﷺ - (٢)، وقال بعض الصحابة، ابن عمر وجابر وعائشة وأنس:
------------
(١) «سنن الترمذي» (٦٣٧).
ولفظه: إن امرأتين أتتا رسول الله - ﷺ - وفي أيديهما سواران من ذهب فقال لهما: «أتؤديان زكاته»، قالتا: لا، قال: فقال لهما رسول الله - ﷺ -: «أتحبان أن يسوركما الله بسوار من نار؟» قالتا: لا، قال: «فأديا زكاته».
ورواه أبو داود (١٥٦٣)، والنسائي ٥/ ٣٨ من طريق حسين المعلم، عن عمرو به بلفظ: أن امرأة [زاد النسائي من أهل اليمن] أتت رسول الله - ﷺ - ومعها ابنة لها وفي يد ابنها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: «أتعطين زكاة هذا؟» فقالت: لا، قال: «أيسرك ان يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟» قال: فخلعتهما فألقتهما إلى النبي - ﷺ -: وقالت: هما لله -عز وجل- ولرسوله.
(٢) هذا قول الترمذي. قال ابن القطان: الترمذي إنما ضعف هذا الحديث؛ لأنه وقع له من وراية ابن لهيعة عن عمرو، لا بعمرو بن شعيب. وصحح إسناد أبي داود والنسائي: «بيان الوهم والإيهام» ٥/ ٣٦٥ - ٣٦٦ (٢٥٣٩).
وقال النووي في «المجموع» ٥/ ٥١٦: إسناد حسن، ورواه الترمذي من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف.
والحديث من طريق أبي داود والنسائي صححه أيضًا المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٥ - ٥٦٦.
وقال الحافظ في «بلوغ المرام» (٦٤١): رواه الثلاثة وإسناده قوي.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٩٦): إسناده حسن. وقال في «الإرواء» ٣/ ٢٩٦: إسناده إلى أبي داود والنسائي جيد.
والحديث رواه النسائي ٥/ ٣٨ عن عمرو بن شعيب، مرسل. وقال كما في «تحفة الأشراف» ٦/ ٣٠٩. وكما في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٨، وفي «الدراية» ١/ ٢٥٩: المرسل أولى بالصواب.
قال الحافظ: علة غير قادحة.
والحديث قد أعله بعض أهل العلم في مجمله تبعًا للترمذي، انظر ذلك مبينًا في «البدر المنير» ٥/ ٥٦٦ - ٥٦٨.



ليس في الحلي زكاة (١)، وبه يقول الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (٢).
قُلْتُ: وأسماء وعبد الله بن يزيد كما ذكره أحمد (٣)، وحديث أم سلمة أنها كانت تلبس أوضاحًا من ذهب فسألت رسول الله - ﷺ -: أكنز هو؟ قال: «لا إذا أديت زكاته فليس بكنز» حديث حسن، وصححه الحاكم على شرط الشيخين (٤)، وعن عائشة مثله وقال: صحيح على شرطهما (٥)، وقد سلفت المسألة.

------------
(١) انظر: «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٨٣ كتاب: الزكاة، من قال: ليس في الحلي زكاة، و«مصنف عبد الرزاق» ٤/ ٨١ - ٨٣ كتاب: الزكاة، باب: البر والحلي.
(٢) انتهى كلام الترمذي ٣/ ٢٠ - ٢١، وانظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٦، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٦٠، «المبدع» ٢/ ٣٦٩.
(٣) هذِه العبارة فيها نظر؛ فليس لعبد الله بن يزيد في هذا الباب عند أحمد شيئًا، وإنما الحديث لأسماء بنت يزيد، رواه أحمد ٦/ ٤٦١ من طريق شهر بن حوشب عنها، قالت: دخلت أنا وخالتي على النبي - ﷺ - عليها أسورة من ذهب، فقال لنا: «أتعطيان زكاته؟» قالت: فقلنا: لا، قال: «أما تخافا أن يسوركما الله أسورة من نار، أديا زكاته».
قال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٩: في إسناده مقال.
(٤) «المستدرك» ١/ ٣٩٠.
ورواه أبو داود (٥٦٤). قال النووي في «المجموع» ٥/ ٥١٦ - ٥١٧: إسناده حسن.
وقال الحافظ في «الدراية» ١/ ٢٥٩: قواه ابن دقيق العيد.
وحسنه الألباني في «صحيح أبي داود» وانظر: «الصحيحة» (٥٥٩).
(٥) «المستدرك» ١/ ٣٨٩ - ٣٩٠.
ورواه أبو داود (١٥٦٥).
قال الحافظ: إسناده على شرط الصحيح. وقال في «الدراية» ١/ ٢٥٩: قال ابن دقيق العيد: على شرط مسلم.
وأعله بعض أهل العلم. انظر: «البدر المنير» ٥/ ٥٨٣ - ٥٨٤.
وقال الألباني في «صحيح أبي داود» (١٣٩٩٨)، وفي «الإرواء» ٣/ ٢٩٧: إسناده صحيح على شرط الشيخين.



العشرون: فتوى العالم مع وجود أعلم منه، وأرادت التثبت مع قول ابن مسعود ممن هو أعلم منه.
الحادية بعد العشرين: قوله - ﷺ - لها: «زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم» قال ابن التين: لم يخص فرضًا من تطوع. قال ابن أبي ذئب وسفيان وأهل المشرق: تعطي المرأة زوجها الفقير من زكاتها (١).
وقال ابن حبيب عن مالك: لا يجزئها. وقال أشهب: إن صرف ذَلِكَ في منافعها لم يجزئها، وإلا أجزأها، وبه قال ابن حبيب (٢).
الثانية بعد العشرين: قال أبو عبيد القاسم بن سلام في تفسير هذا الحديث في قولها: (فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم) أُراهم أولاد ابن مسعود من غيرها؛ لأنهم أجمعوا أن المرأة لا تعطي صدقتها بنيها، والذي زعم أنه إجماع ليس كذلك كما قال ابن التين؛ لأن مالكًا ومن اقتدى به يقولون: من لا تلزم نفقته إن أُعطِي من الصدقة أجزأ (٣).
والأم لا يلزمها نفقة الولد، ويرد عليه أيضًا قوله - عليه السلام -: «زوجك وولدك» إلى آخره، وخاطبها بذلك فدل على أنهم ولدها وكذلك في الحديث الآتي بعده: أيجزئ عني أن أنفق على زوجي وأيتام لي في حجري؟
وقال الإسماعيلي: حديث أبي سعيد هذا فيه نظر، فإن في حديث زينب: وأيتام في حجرها؟ وفي بعض الحديث: وولد ابن مسعود. كأنهم

----------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٥.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٦.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٤.



من غيرها، وفي الجملة: لا يجوز صرف الزكاة من سهم الفقراء من الرجل إلى ولده وهو يعلم، فإن كان معنى الخبر على ما روي: «ما أنفقه المسلم فهو له صدقة حتَّى اللقمة ترفعها إلى فيك» (١)
فهذا محتمل ويحتمل أن تكون النفقة على أبي الصغار دون أنفسهم، فإذا كان الأب لا مال له ينفق عليهم، كان للأم أن تتصدق عليه وعليهم، أو تعطيه لينفق هو على نفسه وعليهم، يدل على ذَلِكَ حديث أم سلمة من عند البخاري: أُنفق على بني أبي سلمة إنما هم بني (٢)؟
وفي «معجم الطبراني»: أيجزئ أن أجعل صدقتي فيك وفي بني أخي أيتام؟ الحديث (٣)، وفي رواية: يا رسول الله، هل لي من أجر أن أتصدق على ولد عبد الله من غيري. وإسنادهما جيد (٤)، وللبيهقي: كنت أعول عبد الله ويتامى في حجري (٥).
وقال أبو طالب: سئل أبو عبد الله: أتعطي المرأة زوجها من الزكاة؟ قال: لا أحب أن تعطيه، قيل له: فامرأة ابن مسعود أليس أمرها النبي - ﷺ - أن تعطيه؟! قال: ذاك صدقة ليس من الزكاة، ثم حسبته إن شاء

----------
(١) قال ابن رجب الحنبلي: هذا اللفظ غير معروف، إنما المعروف قول النبي - ﷺ -: «إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرْت عليها، حتى اللقمة ترفعها إلى في امرأتك». اهـ. «جامع العلوم والحكم» ٢/ ٦٥ بتصرف.
قلت: حديث سعد هذا سلف برقم (٥٦) كتاب: الإيمان، باب: ما جاء أن الأعمال بالنية والحسبة، ولكل امرئ ما نوى، ورواه مسلم (١٦٢٨) كتاب: الوصية، باب: الوصية بالثلث- مطولًا.
(٢) سيأتي برقم (١٤٦٧) كتاب: الزكاة، باب: الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر.
(٣) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٨٥ (٧٢٥).
(٤) «المعجم الكبير» ٢٤/ ٢٨٦ (٧٢٨).
(٥) «السنن الكبرى» ٤/ ١٧٨ كتاب: الزكاة، باب: الاختيار في الصدقة.



الله، قال: لم يروه إلا إبراهيم النخعي من الزكاة، وفي موضع آخر قال: وقد قال بعض الناس: فيه من الزكاة وما هو عندي بمحفوظ.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز لأحد دفع الزكاة إلى أبيه وجده وإن علا، ولا إلى ولده وولد ولده وإن سفل، ومن سواهم يجوز دفعها إليهم (١)، وهو أفضل، وأجمعوا أنه لا يعطي زوجته من الزكاة (٢)، ولا تدفع المرأة لزوجها عند أبي حنيفة ومالك (٣)، وقد أسلفنا قول أحمد.
وقال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأشهب وأبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وابن حزم: يجوز (٤)، محتجين بحديث زينب، وبما رواه الجوزجاني عن عطاء قال: أتت رسول الله - ﷺ - امرأة فقالت: يا رسول الله، إن علي نذرًا أن أتصدق بعشرين درهمًا، وإن لي زوجًا فقيرًا أفيجزئ عني أن أعطيه؟ قال: «نعم لك كفلان من الأجر»، وحديث زينب في التطوع لقولها: وعندي حلي لي فأردت أن أتصدق به. ولا تجب الصدقة في الحلي عند بعض العلماء، ومن يجيزه لا يكون الحلي كله زكاة، إنما يجب جزء منه، وقال - ﷺ -: «زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم» والولد لا تدفع إليه الزكاة إجماعًا. انتهى كلامه.
وقد أسلفنا كلام ابن التين عن مالك وأن الأم لا يلزمها نفقة الولد، أي: لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى المَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]

----------
(١) «الإجماع» لابن المنذر ص ٥٧.
(٢) المصدر السابق ص ٥٨.
(٣) انظر: «الأصل» ٢/ ١٤٨، «الهداية» ١/ ١٢٢، «عيون المجالس» ٢/ ٥٩٥.
(٤) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٠، «المنتقى» ٢/ ١٥٦، «البيان» ٣/ ٤٤٤، «المحلى» ٦/ ١٥٢.



وقد جاء أنهم أولاده من غيرها فنسبتهم إليها مجازًا؛ لأنهم في مؤنتها، واحتج من جوز ذَلِكَ بأنه داخل في جملة الفقراء الذين تحل لهم الصدقة، ولأن كل من لا يلزم الإنسان نفقته جائز أن يضع فيه الزكاة، والمرأة لا تلزمها النفقة على زوجها ولا على بنيه.
الثالثة بعد العشرين: فيه اتخاذ البساتين والعقار، قال ابن عبد البر: وفيه رد؛ لما يروى عن ابن مسعود أنه قال: لا تتخذوا الضيعة فترغبوا في الدنيا. قال: ولا خلاف أن كسب العقار مباح إذا كان حلالًا، ولم يكن بسبب ذل ولا صغار، فإن ابن عمر كره كسب أرض الخراج ولم ير شراءها، وقال: لا تجعل في عنقك صغارًا (١).
الرابعة بعد العشرين: إباحة استعذاب الماء وتفضيل بعضه على بعض؛ لقوله: ويشرب من ماء فيها طيب.
الخامسة بعد العشرين: فيه دلالة للمذهب الصحيح أنه يجوز أن يقال: إن الله ﷻ يقول، كما يقال: إن الله تعالى قال، خلافًا لما قاله مطرف بن عبد الله بن الشخير إذ قال: لا يقال: الله تعالى يقول، إنما يقال: قال، أو: الله -عز وجل- قال، كأنه ينحو إلى استئناف القول، وقول الله تعالى قديم، وكأنه ذهل عن قوله: ﴿وَاللهُ يَقُولُ الحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ (٢) [الأحزاب: ٤].
السادسة بعد العشرين: قوله: (ضعها حيث أراك الله). فيه: مشاورة أهل العلم والفضل في كيفية وجوه الطاعات وغيرها والإنفاق من المحبوب.

---------------
(١) «التمهيد» ١/ ٢٠١.
(٢) انظر: «المجموع» ٢/ ١٩٧.



السابعة بعد العشرين: قوله: «وقد سمعت ما قُلْت» بوب عليه البخاري في الوكالة باب: إذا قال الرجل لوكيله: ضعه حيث أراك الله، وقال الوكيل: قد سمعت (١)، قال المهلب: دل على قبوله - ﷺ - ما جعل إليه أبو طلحة، ثم رد الوضع فيها إلى أبي طلحة بعد مشورته عليه في من يضعها.
وفيه: أن الوكالة لا تتم إلا بالقبول، وقد ذكر إسماعيل القاضي في «مبسوطه» عن القعنبي بسنده سواء.
وفيه: أنه - ﷺ - قسمها في أقاربه وبني عمه، يعني: أقارب أبي طلحة لا خلاف في ذَلِكَ.
قال أبو عمر: وهو المحفوظ عند العلماء، وأضاف القسم في ذَلِكَ إلى الشارع؛ لأنه الآمر به (٢).
الثامنة بعد العشرين: قوله: (أفعل يا رسول الله) ضبطه ابن التين. في غير هذا الباب بضم اللام، قال: وهو فعل مستقبل مرفوع، ويحتمل كما قال النووي أن يكون: أفعل أنت ذاك فقد أمضيته على ما قُلْت فجعله أمرًا. واختلف الفقهاء إذا قال الرجل لآخر: خذ هذا المال فاجعله حيث أراك الله من وجوه الخير، قال مالك في «المدونة»: لا يأخذ منه شيئًا، وإن كان فقيرًا. وقال آخرون: يأخذ منه كنصيب أحد الفقراء. وقال آخرون: جائز له أن يأخذه كله إذا كان فقيرًا.

-------------
(١) سيأتي برقم (٢٣١٨).
(٢) «التمهيد» ١/ ١٩٩.



٤٥ - باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ قَالَ: سَمِعْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَغُلَامِهِ صَدَقَةٌ». [١٤٦٤ - مسلم: ٩٨٢ - فتح: ٣/ ٣٢٦]
ذكر فيه حديث عراك بن مالك، عن أبي هريرة: قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلا غُلَامِهِ صَدَقَة».


٤٦ - باب لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ صَدَقَةٌ
١٤٦٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، عَنْ خُثَيْمِ بْنِ عِرَاكٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا خُثَيْمُ بْنُ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَةٌ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ». [انظر: ١٤٦٣ - مسلم: ١٨٢ - فتح: ٣/ ٣٢٧]
ذكر فيه الحديث المذكور (١) من طريقين بلفظ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ صَدَقَة فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ».
هذا الحديث أخرجه من حديث خثيم بن عراك عن أبيه، عن أبي هريرة به، وليس له عنده سواه -أعني خثيم-، عن أبيه عنه، وأخرجه مسلم والأربعة بلفظ: «ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة» (٢).
وفي لفظ له -وهو من أفراده-: «ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر» (٣) ولأبي داود: «إلَّا زكاة الفطر في الرقيق» (٤).
ولابن وهب: «لا صدقة على الرجل في خيله ولا في رقيقه» (٥).
ولابن أبي شيبة: «ولا وليدته» (٦).

------------
(١) بعدها في الأصل: (الشافعي مرفوعًا) وكتب فوقها: لا … إلى.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه.
(٣) «صحيح مسلم» (٩٨٢) كتاب: الزكاة، باب: لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه.
(٤) «سنن أبي داود» (١٥٩٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق.
(٥) «موطأ ابن وهب» ص ٧٢ (١٨٩).
(٦) «المصنف» ٢/ ٣٨٠ (١٠١٣٩) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل.



وهو مُقتضٍ لنفي كل صدقة من هذا الجنس إلا ما دل الدليل عليه، وذهب مالك، والشافعي، وأحمد إلى أنه لا زكاة في الخيل (١). ورُوي ذلك عن علي، وابن عمر، وهو قول النخعي، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومكحول، والشعبي -فيما ذكره ابن أبي شيبة- (٢) وعطاء، والحسن البصري، والحكم، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي يوسف، ومحمد، وأبي ثور (٣). وخالف الجماعةَ أبو حنيفة، وزفر فقالا: في كل فرس دينار إذا كانت ذكورًا وإناثًا سائمة، وإن شاء قوَّمها وأعطى عن كل مائتي درهم خمسة دراهم (٤).
دليل الجماعة هذا الحديث، وقد أخرجه مالك في «الموطأ»، والستة كما تقدم (٥).
وكذا خالف في العبد كما قال الداودي: خالف الكوفي سائر العلماء في الفرس والعبد وقال: فيهما الصدقة، وغيره قال: لا خلاف أنه ليس في رقاب العبيد زكاة.

------------
(١) انظر: «المعونة» ١/ ٢٤٤، «الأم» ٢/ ٢٢، «المغني» ٤/ ٦٦.
(٢) «المصنف» ٢/ ٣٨١ (١٠١٤٥ - ١٠١٤٨، ١٠١٥٠) كتاب: الزكاة، ما قالوا في زكاة الخيل.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٢١، «المجموع» ٥/ ٣١١.
(٤) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٢٩٠ - ٢٩١، «البناية» ٣/ ٣٩٦.
(٥) «الموطأ» ١/ ٢٨٧ (٧٣٤) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق والعسل والخيل، وسلف برقم (١٤٦٣)، ورواه مسلم (٩٨٢)، وأبو داود (١٥٩٥) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الرقيق، والترمذي (٦٢٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في الخيل والرقيق صدقة، والنسائي ٥/ ٣٦ كتاب الزكاة، باب: زكاة الرقيق، وابن ماجة (١٨١٢) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الخيل والرقيق.



قال أبو عبد الملك: هذا الحديث أصل في المقتنيات كلها أنه لا صدقة فيها.
وأصل الحلي إذا اقتني لا زكاة فيه، واحتج به داود على أن العروض لا زكاة فيها وإن أريد بها التجارة، وكذلك استثنى في رواية زكاة الفطر؛ لما كانت واجبة، وفي «الأسرار» للدبوسي: لما سمع زيد ابن ثابت حديث أبي هريرة هذا قال: صدق رسول الله - ﷺ -، ولكنه أراد فرس الغازي، وأما ما طلب نسْلها ورِسْلها، ففيها الزكاة في كل فرس دينار، أو عشرة دراهم. قال أبو زيد: ومثل هذا لا نعرفه قياسًا، فثبت أنه مرفوع. قُلْتُ حتَّى يثبت الأصل.
وقال ابن عبد البر في حديث أبي هريرة: رواه حبيب كاتب مالك، عن مالك، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، فأخطأ، وكان كثير الخطأ، وأخطأ فيه أيضًا يحيى بن يحيى -يعني: الأندلسي- فأسقط سليمان بين ابن دينار وعراك.
وأما حديث مالك (١) عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار أن عمر وأبا عبيدة أبيا عن ذَلِكَ، ففيه دلالة واضحة على المنع، وهذا يعارض ما روي عن عمر في زكاة الخيل، قال: ولا أعلم أحدًا من فقهاء الأمصار أوجبها في الخيل إلا أبا حنيفة.
وحجته ما رواه عبد الرزاق عن عمر (٢)، وحديث مالك يرده ويعارضه فتسقط الحجة (٣).
قُلْتُ: وفي «مستدرك الحاكم» ما أخرجه أحمد أن عمر جاءه ناس

------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: منقطع.
(٢) «المصنف» ٤/ ٣٥ - ٣٦ (٦٨٨٧ - ٦٨٨٩) كتاب: الزكاة، باب: الخيل.
(٣) «الاستذكار» ٩/ ٢٨٠ - ٢٨١.



من أهل الشام فقالوا: إنا أصبنا أموالًا وخيلًا ورقيقًا نحب أن يكون لنا فيها زكاة، فاستشار أصحاب محمد - ﷺ - فقالوا: حسن وفيهم علي. فقال: هو حسن إن لم يكن جزية راتبة يؤخذون بها فعدل. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد إلا أن الشيخين لم يخرجا عن حارثة بن مضرب -يعني: أحد رواته- وإنما ذكرته في هذا الموضع للمحدثات الراتبة التي فرضت في زماننا على المسلمين (١).
وأما ما رواه البغوي في «معجمه» عن مرثد بن ربيعة (اليزني) (٢) قال: سألت رسول الله - ﷺ - عن الخيل فيها شيء؟ قال: «لا، إلا ما كان منها للتجارة» (٣) فآفته الشاذكوني (٤). وأما حديث أبي يوسف، عن غورك ابن الحصرم، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر مرفوعًا: «في الخيل السائمة في كل فرس دينار» (٥) قال الدارقطني: تفرد به غُورك،

--------------
(١) «المستدرك» ١/ ٤٠٠ - ٤٠١ كتاب: الزكاة، «المسند» ١/ ١٤.
(٢) كذا بالأصل، وفي مصادر الترجمة: العبدي.
(٣) «معجم الصحابة» ٥/ ٤٣٤.
(٤) وقال البغوي: وما بلغني هذا الحديث إلا من هذا الوجه الذي رواه سليمان بن داود الشاذكوني، وقد رماه الأئمة بالكذب.
(٥) روه الطبراني في «الأوسط» ٧/ ٣٣٨ (٧٦٦٥)، الدارقطني في «سننه» ٢/ ١٢٥ - ١٢٦ كتاب: الزكاة، باب: زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق، والبيهقي في «سننه» ٤/ ١١٩ كتاب: الزكاة، باب: من رأى في الخيل صدقة، وفي «معرفة السنن والآثار» ٦/ ٩٥ (٨١١٩) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، والخطيب في «تاريخ بغداد» ٧/ ٣٩٧ - ٣٩٨، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» ٢/ ٥ (٨١٩) وقال: هذا حديث لا يصح، وغورك ليس بشيء، وقال الدارقطني: هو ضعيف جدًا.
وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» ٣/ ٦٩ وعزاه للطبراني وقال: فيه: الليث بن حماد وغورك، وكلاهما ضعيف، وقال ابن حجر في «تلخيص الحبير» إسناده ضعيف جدًا، وانظر: «الضعيفة» ٩/ ١٨ (٤٠١٤).



وهو ضعيف جدًّا (١).
قال البيهقي: ولو كان صحيحًا عند أبي يوسف لم يخالفه (٢). وقد قال بقول أبي حنيفة زفر، وقبلهما حماد بن أبي سليمان، وفي «الروضة»، وإبراهيم النخعي.
وحديث علي مرفوعًا: «عفوت عن صدقة الخيل والرقيق» صححه البخاري من طريقيه فيما سأله الترمذي (٣). وحديث عمرو بن حزم (٤)، عن أبيه، عن جده مرفوعًا: «ليس في عبد مسلم ولا في فرسه شيء» (٥) دالَّان للجماعة.
واحتج لأبي حنيفة أيضًا بحديث أبي هريرة: «الخيل لثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، وعلى رجل وزر، فأما التي هي له ستر يتخذها تكرمًا وتجملًا، ولم ينس حق الله في ظهورها وبطونها وعسرها ويسرها» (٦).
وقد أنصف الطحاوي فقال: كل ما سلف أن ما أخذ عمر منهم لم يكن زكاة، ألم تر أن اللذين كانا قبل -يعني: رسول الله والصديق- لم يأخذا منها صدقة ولم ينكر على عمر ما قال من ذَلِكَ أحدٌ من الصحابة،

----------
(١) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٦.
(٢) «سنن البيهقي» ٤/ ١١٩.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٢٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الذهب والورق، وقد تقدم تخريجه والكلام عليه.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: صوابه: أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم.
(٥) رواه الحاكم في «المستدرك» ١/ ٣٩٥ - ٣٩٧ كتاب: الزكاة، والبيهقي في «سننه» ٤/ ٨٩ كتاب: الزكاة، باب: كيف فرض الصدقة، و٤/ ١١٨ كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة في الخيل، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (٢٣٣٣).
(٦) سيأتي برقم (٢٨٦٠) كتاب: الجهاد والسير، باب: الخيل لثلاثة، ورواه مسلم (٩٨٧) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.



وذكر قول عمر السالف أنه إنما أخذ ذَلِكَ بسؤالهم إياه، وأن لهم منع ذَلِكَ متى أحبوا، ثم سلك عمر بالعبيد في ذَلِكَ مسلك الخيل، ولم يدل ذَلِكَ أن العبيد الذين لغير التجارة تجب فيهم الصدقة، وإنما كان ذَلِكَ على التبرع من مواليهم لإعطاء ذَلِكَ (١).
والأمة مجمعة على أنه لا زكاة في العبيد غير زكاة الفطر إذا كانوا للقنية، فإن كانوا للتجارة فالزكاة في أثمانهم، ويلزم تقويمهم كالعروض.
وأما حديث أبي هريرة: «ولم ينس حق الله» (٢) فإنه يجوز أن يكون ذَلِكَ الحق حقًّا سوى الزكاة، فإنه روي ذَلِكَ عن رسول الله - ﷺ -: «في المال حق سوى الزكاة» (٣) لكنه ضعيف كما تقدم، وأيضًا الحديث في الخيل المرتبطة لا السائمة.
وأيضًا حديث جابر مرفوعًا: «إن حق الإبل إطراق فحلها، وإعارة دلوها ومنحة سمينها» (٤) فيحتمل أن يكون كذلك في الخيل، ومن جهة النظر أن من أوجبها لا يوجبونها حتَّى تكون ذكورًا وإناثًا، ويلتمس صاحبها نسلها، ولا يجب في ذكورها خاصة، ولا في إناثها خاصة.
وكانت الزكاوات المتفق عليها في المواشي تجب في الإبل، والبقر، والغنم ذكورًا كانت كلها أو إناثًا، فلما استوى حكم الذكور خاصة في ذَلِكَ، وحكم الإناث خاصة، وحكم المجموع، وكانت الذكور من الخيل خاصة، والإناث منها خاصة لا تجب فيها زكاة.

------------
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٨.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) سبق تخريجه.
(٤) رواه مسلم (٩٨٨) كتاب: الزكاة، باب: إثم مانع الزكاة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #293  
قديم 09-02-2026, 05:35 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 451 الى صـــ 470
الحلقة (293)






قال الطحاوي والطبري: والنظر أن الخيل في معنى البغال والحمير التي قد أجمع الجميع أن لا صدقة فيها، ورد المختلف في ذَلِكَ إلى المتفق عليه إذا اتفق في المعنى أولى (١).
فرع:
في الحديث جواز قول: غلام فلان. وجواز قول: عبد فلان. وفي البخاري: نهى رسول الله - ﷺ - أن يقول الرجل عبدي وأمتي، وليقل: فتاي وفتاتي (٢) (٣).

--------------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٩ - ٣٠.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: آخر ٧ من ٨ من تجزئة المصنف.
(٣) سيأتي برقم (٢٥٥٢) كتاب: العتق، باب: كراهية التطاول على الرقيق.



٤٧ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى اليَتَامَى
١٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ هِلَالِ بْنِ أَبِي مَيْمُونَةَ، حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ - رضي الله عنه - يُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ وَجَلَسْنَا حَوْلَهُ فَقَالَ: «إِنِّي مِمَّا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي مَا يُفْتَحُ عَلَيْكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا». فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ أَوَ يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ فَسَكَتَ النَّبِيُّ - ﷺ - فَقِيلَ لَهُ: مَا شَأْنُكَ تُكَلِّمُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَلَا يُكَلِّمُكَ؟ فَرَأَيْنَا أَنَّهُ يُنْزَلُ عَلَيْهِ. قَالَ: فَمَسَحَ عَنْهُ الرُّحَضَاءَ، فَقَالَ: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» وَكَأَنَّهُ حَمِدَهُ. فَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ، وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ، إِلاَّ آكِلَةَ الخَضْرَاءِ، أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتْ عَيْنَ الشَّمْسِ، فَثَلَطَتْ وَبَالَتْ وَرَتَعَتْ، وَإِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِمِ مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّهُ مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». [انظر: ٩٢١ - مسلم: ١٠٥٢ - فتح: ٣/ ٣٢٧].
ذكر فيه حديث أَبَي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّه - عليه السلام - جَلَسَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى المِنْبَرِ ..
وذكر الحديث: «وَإِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَنِعْمَ صَاحِبُ المُسْلِم مَا أَعْطَى مِنْهُ المِسْكِينَ وَاليَتِيمَ وَابْنَ السَّبِيلِ -أَوْ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - وَإِنَّه مَنْ يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ كَالَّذِي يَأكلُ وَلَا يَشْبَعُ، وَيَكُونُ شَهِيدًا عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ».
الشرح:
هذا الحديث ذكره البخاري في موضع آخر بلفظ: «أخوفُ ما أخافُ عليكم ما يخرج الله لكم من زهرةِ الدنيا» قالوا: وما زهرةُ الدنيا يا رسول


الله؟ قال: «بركاتُ الأرض» وفي آخره: «فمَنْ أخَذَهُ بحقِهِ ودفعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه ..» الحديث (١). وفي لفظ: «أين السائل آنفًا؟ أو خير هو -ثلاثًا- إن الخير لا يأتي إلا بالخير» (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجهين:
أولهما: في ألفاظه: «زَهْرَةِ الدُّنْيَا»: يقال لحسن الدنيا وبهجتها
الزهرة والزهراء مأخوذ من زهرة الأشجار، وهو ما يصفر من نوارها، قاله في «الموعب»، والنور: قال ابن الأعرابي: هو الأبيض منها.
وقال أبو حنيفة: الزهر والنور سواء. وفي «مجمع الغرائب»: هو ما يزهر منها من أنواع المتاع والعين، والثياب، والزرع، وغيرها بما يغتر الخلق بحسنها مع قلة بقائها.
وفي «المحكم»: زَهْرَة الدنيا وزَهَرَتُها (٣).
و(الرُّحَضَاءَ): العرق الشديد، قال ابن بطال: عرق الحمى، وقد رحض ورحضت الثوب: غسلته (٤). ورحض الرجل إذا أصابه ذَلِكَ فهو رحيض ومرحوض. وعبارة الخطابي: الرحضاء: عرق يرحض الجلد لكثرته (٥).
وقوله: («أَوَيَأتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟») هو بهمزة الاستفهام، وواو العطف -الواقعة بعدها- المفتوحة على الرواية الصحيحة، مُنكرًا على

------------
(١) هذا اللفظ عند مسلم (١٠٥٢) كتاب: الزكاة، باب: تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا -أما لفظ البخاري: «إن أكثر ما أخاف عليكم ..» الحديث سيأتي برقم (٦٤٢٧) كتاب: الرقاق، باب: ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافي فيها.
(٢) سيأتي برقم (٢٨٤٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: فضل النفقة في سبيل الله.
(٣) «المحكم» ٤/ ١٦٤.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٨٨.
(٥) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٣.



من توهم أنه لا يحصل منه شر أصلًا لا بالذات ولا بالعرض، نعم قد يعرض له ما يجعله شرًا إذا أسرف فيه ومنع من حقه.
وقوله: («وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ») قال القزاز: هذا حديث جرى فيه البخاري على عادته في الاختصار والحذف؛ لأن قوله: فرأينا يُنْزَل عليه، يريد: الوحي.
وقوله: («وَإِنَّ مِمَّا يُنْبِتُ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ») حذف (ما) قبل يقتل وحذف حبطا، والحديث: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» فحذف حبطا، وحذف (ما). قال القزاز: وقد رويناه بها.
قال ابن دريد في «وشاحه»: هذا من الكلام الفرد الموجز الذي لم يسبق إليه، وهو أكثر من سبعين لفظة، ذكرها مفصلة، وروايته فيه (لما) بلام وما.
وقوله: («إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَ») يعني: التي تخرج مما جمعت منه ورعت، وما ينفعها إخراجه مما لو أمسكه؛ لضره إثمه كما يضر التي رعت لو أمسكت البول والغائط ولم تخرجه. ويبين هذا المعنى قوله - عليه السلام - في المال: «فنعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين وابن السبيل» وفي هذا تفضيل المال.
وقال الخطابي: الخضر ليس من أحرار البقول التي تستكثر منه الماشية فتنهكه أكلًا، ولكنه من الجنْبَة التي ترعاها بعد هيج العشب ويبسه، وأكثر ما رأيت العرب تقول: الخضر لما اخضر من الكلأ الذي لم يصفر، والماشية من الإبل ترتع منه شيئًا فشيئًا فلا تستكثر منه فلا تحبط بطونها عليه. وقد ذكره طرفة وبين أنه نبت في الصيف فقال:


إذا أنبتا الصيف عساليج الخضر.
والخضر من كلأ الصيف وليس من أحرار بقول الربيع، والنعم لا تستوكله ولا تحبط بطونها عليه (١).
وقال أبو عبد الملك: يريد لو استوفت نبت الربيع ربما قتلها، وهو خير، وكذلك المال إذا منع منه فإنه يهلكه وهو خير أيضًا. وقال غيره: أراد بآكلة الخضر المقتصد على قدر الكفاية من الدنيا، فضربه - عليه السلام - مثلًا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ناج من وبالها كما نجت آكلة الخضر، ألا تراه قال: «أكلت حتَّى امتدت خاصرتاها استقبلت عين الشمس؛ فثلطت وبالت» أراد أنها شبعت منه بركت مستقبلة الشمس؛ تستمرئ بذلك ما أكلت وتجتر وتثلط، فإذا ثلطته فقد زال عنها الحبط وهو انتفاخ البطن من داءٍ يصيب الآكل، وإنما يحبط الماشية؛ لأنها لا تثلط، ولا تبول، ومنه قوله تعالى: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [المائدة: ٥٣] أي: بطلت.
ووقع في رواية العذري: «إِلَّا آكِلَةَ الخَضْرَة» على الإفراد، وعند الطبري: «الخُضْرة» «وثلطت» بفتح اللام، وبه صرح الجوهري وغيره (٢)، قال ابن التين: وهو ما سمعناه. وضبطه بعضهم بكسرها.
قال الجوهري: ثلط البعير إذا ألقى بعره رقيقًا وكذا قال ابن فارس (٣) وصاحب «المحكم» حيث قال: ثلط الثور والبعير والصبي يثلط ثلطًا سلح سلحًا (٤) رقيقًا. وفي «مجمع الغرائب» خرج رجيعها -يعني: آكلة الخضر- عفوًا من غير مشقة؛ لاسترخاءِ ذات بطنها فيبقى

------------
(١) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٣.
(٢) «الصحاح» ٣/ ١١١٨.
(٣) «مجمل اللغة» ١/ ١٦٢.
(٤) «المحكم» ٩/ ١٢٠.



نفعها وتخرج فضولها ولا تتأذى. وفي «المغيث»: وأكثر ما يقال للبعير والفيل (١).
و«الربيع»: جزء من أجزاء السنة، فمن العرب من يجعله الفصل الذي يدرك فيه الثمار، وهو الخريف، ومنهم من يسمي الفصل الذي تدرك فيه الثمار وهو الخريف الربيع الأول، ويسمي الفصل الذي يتلو الشتاء، وتأتي فيه الكمأة والنور: الربيع الثاني، وكلهم مجمعون على أن الخريف هو الربيع.
قال أبو حنيفة في كتاب «الأنواء»: يسمى قسما الشتاء ربيعين: الأول منهما: ربيع الماء والأمطار، والثاني: ربيع النبات؛ لأن فيه ينتهي النبات منتهاه. قال: والشتاء كله ربيع عند العرب من أجل الندى، قال: والمطر عندهم ربيع متى جاء، والجمع: أربعة ورباع، وربما سمي الكلأ والعشب ربيعًا، والربيع أيضًا: المطر الذي يكون بعد الوسمي، والربيع: ما تعتلفه الدواب من الخضر، والجمع من كل ذَلِكَ: أربعة.
وقوله: («أو يلم») أي: يقرب من الهلاك، يقال: ألم الشيء: قرب. «ورتعت» رعت، أرتع إبله: رعاها في الربيع، أرتع وارتبع الفرس وتربع: أكل الربيع. وقال الداودي: رتعت افتعل من الرعي، وليس كذلك. ورتعت عند أهل اللغة: اتسعت في المرعى، وإنما استقبلت عين الشمس؛ لأنه الحين الذي تشتهى فيه الشمس، فإذا ألقته مجتمعًا ليس ببعر اشتهت المرعى فرتعت، فجعل هذا مثلًا لمن يأخذ البعر، ووجه المثل من الحديث أن يقول: نبات الربيع خير،

-----------
(١) «المجموع المغيث» ١/ ٢٧١.


ولكن ربما قتل بهذا الداء -يعني: الحبط- أو قارب القتل. قال الأزهري: هذا الحديث فيه مثلان:
أحدهما: للمفرط في جمع الدنيا ومنعها من حقها، فهي آكلة الربيع؛ لأنه ينبت أحرار البقول، والعشب فتستكثر منه الماشية؛ فيشق أمعاءها.
والثاني: ضربه مثلًا للمقتصد، وهو قوله: «إلا آكلة الخضر». وقد سلف.
وقوله: («وإن هذا المال خضرة حلوة») يريد أن صورة الدنيا ومتاعها حسنة مؤنقة، والعرب تسمي الشيء الحسن المشرق الناضر خضرًا؛ تشبيهًا له بالنبات الأخضر الغض. ويقال: سمي الخضر خضرًا لحسن وجهه وإشراقه، قال تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا﴾ [الأنعام: ٩٩] ومنه قولهم: اختضر الرجل إذا مات شابًا؛ لأنه يؤخذ في وقت الحسن والإشراق. يقول: إن المال يعجب الناظرين إليه، ويحلو في أعينهم فيدعوهم حسنه إلى الاستكثار منه، فماذا فعلوا ذَلِكَ تضرروا به كالماشية إذا استكثرت من المرعى ثلطت أي: سلحت سلحًا رقيقًا.
وقال ابن الأنباري: قوله: «خضرة»: حلوة لم يأت على الصفة، وإنما أتى على التمثيل والتشبيه كأنه قال: إن هذا المال كالبقلة الخضرة الحلوة، ويقول: إن هذا السجود حسنة، والسجود مذكر، فكأنه قال: السجود فعلة حسنة.
وقوله: («نعم صاحب المسلم ما أعطى منه المسكين واليتيم وابن السبيل») يقول: إن من أُعطي مالًا وسلط على هلكته في الحق، فأعطى


من فضله المسكين وغيره، فهذا المال المرغوب فيه.
وقوله: «وإنه من يأخذه بغير حقه كالذي يأكل ولا يشبع» يعني: إنه كلما نال منه شيئًا ازدادت رغبته، واستقل ما في يده، ونظر إلى من فوقه فنافسه.
وقوله: «ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة» يجوز أن يكون على ظاهره، وأنه يجاء بماله يوم القيامة فينطق الصامت بما فعل فيه، أو يمثل له بمثال حيوان كما سلف، أو يشهد عليه الموكلون بكتب السبب والإنفاق.
الوجه الثاني: في فوائده:
الأولى: جلوس الإمام على المنبر عند الموعظة وجلوس الناس حوله.
الثانية: خوف المنافسة؛ لقوله: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا».
الثالثة: استفهامهم بضرب المثل، وقول الرجل: أو يأتي الخير بالشر؟ يريد المال، وقد سمى الله تعالى المال خيرًا في قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وضربه - ﷺ - مثلًا.
الرابعة: سكوت العالم عند السؤال وتأخر جوابه طلبًا لليقين، فقد سكت - عليه السلام - عند ذَلِكَ.
الخامسة: اللوم عند خوف كراهة المسألة والاعتراض، إذا لم يكن موضعه بينًا ينكر على المعترض به، ألا تراهم أنكروا على السائل. وقالوا: إن من سأل العالم وبَاحَثَه عما ينتفع به ويفيد، حكمه أنه
محمود مَنْ فَعَله.


السادسة: معرفتهم حالة نزول الوحي عليه - عليه السلام -؛ لقوله: (فرأينا أنه ينزل عليه).
السابعة: مسح الرحضاء؛ لشدة الوحي عليه، وهو شدة العرق الذي أدركه عند نزوله عليه.
الثامنة: دعاء السائل؛ لقوله: «أين السائل؟» سأل عنه؛ ليجيبه.
التاسعة: ظهور البشرى؛ لقوله: (وكأنه حمده) أي: لما رأوا فيه من البشرى؛ لأنه كان إذا سرَّ برقت أسارير وجهه.
العاشرة: احتج به قوم على تفضيل الفقر على الغنى، وليس كما تأولوه؛ لأنه - عليه السلام - لم يخش عليهم ما يفتح عليهم من زهرة الدنيا إلا إذا ضيعوا ما أمرهم الله تعالى به في إنفاقه في حقه إذا كسبوه من غير وجهه.
الحادية عشرة: ضرب الأمثال بالأشياء التافهة.
الثانية عشرة: جواز عرض التلميذ على العالم الأشياء المجملة؛ ليبينها.
الثالثة عشرة: الحض على إعطاء هذِه الأصناف: المسكين، واليتيم، وابن السبيل، وقد ورد في الحديث أن الصدقة على اليتيم تذهب قساوة القلب، وسيأتي في الأدب -إن شاء الله تعالى- في فضل من يعول يتيمًا (١).
الرابعة عشرة: أن المكتسب للمال من غير حله غير مبارك فيه؛ لقوله «كالذي يأكل ولا يشبع»؛ لأن الله تعالى قد رفع عنه البركة، وأبقى في قلوب آكليه ومكتسبيه الفاقة، وقلة القناعة، ويشهد لهذا
(١) سيأتي برقم (٦٠٠٥).


قول الله ﷻ: ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦] فالمحق أبدًا في المال: المكتسب من غير وجهه.
الخامسة عشرة: أن للعالم أن يحذر من يجالسه من فتنة المال وغيره، وتنبيههم على مواضع الخوف من الافتتان به كما قال - ﷺ -: «إن مما أخاف عليكم» فوصف لهم ما يخاف عليهم، ثم عرفهم بمداواة تلك الفتنة وهي إطعام هؤلاء الثلاثة.


٤٨ - باب الزَّكَاةِ عَلَى الزَّوْجِ وَالأَيْتَامِ فِي الحَجْرِ
قَالَهُ أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [انظر: ٣٠٤]

١٤٦٦ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ قَالَ: حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما. قَالَ: فَذَكَرْتُهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللهِ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، قَالَتْ: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ». وَكَانَتْ زَيْنَبُ تُنْفِقُ عَلَى عَبْدِ اللهِ وَأَيْتَامٍ فِي حَجْرِهَا، قَالَ: فَقَالَتْ لِعَبْدِ اللهِ: سَلْ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَيْكَ وَعَلَى أَيْتَامِي فِي حَجْرِي مِنَ الصَّدَقَةِ؟ فَقَالَ: سَلِي أَنْتِ رَسُولَ اللهِ - ﷺ -. فَانْطَلَقْتُ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -. فَوَجَدْتُ امْرَأَةً مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى البَابِ، حَاجَتُهَا مِثْلُ حَاجَتِي، فَمَرَّ عَلَيْنَا بِلَالٌ فَقُلْنَا: سَلِ النَّبِيَّ - ﷺ -: أَيَجْزِي عَنِّي أَنْ أُنْفِقَ عَلَى زَوْجِي وَأَيْتَامٍ لِي فِي حَجْرِي؟ وَقُلْنَا: لَا تُخْبِرْ بِنَا. فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: «مَنْ هُمَا». قَالَ: زَيْنَبُ قَالَ: «أَيُّ الزَّيَانِبِ؟». قَالَ: امْرَأَةُ عَبْدِ اللهِ. قَالَ: «نَعَمْ لَهَا أَجْرَانِ: أَجْرُ القَرَابَةِ، وَأَجْرُ الصَّدَقَةِ». [مسلم: ١٠٠٠ - فتح: ٣/ ٣٢٨]

١٤٦٧ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ [أُمِّ سَلَمَةَ]، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: «أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ». [٥٣٦٩ - مسلم: ١٠٠١ - فتح: ٣/ ٣٢٨].
قاله أبو سعيد عن النبي - ﷺ -.
ثم ذكر فيه حديث الأَعْمَشُ عن شَقِيقٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ
امْرَأَةِ عَبْدِ. قَالَ: فَذَكَرْتهُ لإِبْرَاهِيمَ، فَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ (١)، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الحَارِثِ، عَنْ زَيْنَبَ بِمِثْلِهِ سَوَاءً، قَال: كُنْتُ فِي المَسْجِدِ، فَرَأَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: «تَصَدَّقْنَ وَلَوْ مِنْ حُلِيِّكُنَّ» .. الحديث.

--------
(١) في هامش الأصل تعليق نصه: في السند تابعي عن تابعي، الصحابي، عن صحابية.


ثم ذكر حديث أُمِّ سَلَمَةَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلِيَ أَجْرٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى بَنِي أَبِي سَلَمَةَ؟ إِنَّمَا هُمْ بَنِيَّ. فَقَالَ: «أَنْفِقِي عَلَيْهِمْ، فَلَكِ أَجْرُ مَا أَنْفَقْتِ عَلَيْهِمْ».
الشرح:
تعليق أبي سعيد سلف قريبًا في الزكاة على الأقارب (١).
وحديث زينب أخرجه مسلم (٢)، وحديث أم سلمة أخرجه مسلم أيضًا (٣)، وحديث زينب أخرجه النسائي بإدخال ابن أخي زينب امرأة عبد الله (٤)، وهو وهم كما نبه عليه الترمذي ونقله في «علله» (٥) عن البخاري، وأباهُ ابنُ القطان (٦).
وذكر الإسماعيلي أن رواية إبراهيم، عن أبي عبيدة، عن زينب تصحح رواية من لم يدخل بين عمرو وزينب ابن أخيها، والمرأة التي وجدتها تسأل عن مثل ذَلِكَ اسمها زينب، وهي امرأة أبي مسعود الأنصاري. أخرجه النسائي (٧)، وطَرَّقَهُ الدارقطني، وقد سلف فقهه قريبًا في باب: الزكاة على الأقارب، فراجعه (٨).
وقولها: (فرأيت النبي - ﷺ -) كذا هنا، وفي مسلم: فرآني النبي - ﷺ -.
وهو صحيح أيضًا (٩)، وبخط الدمياطي أنه الوجه.

-------------
(١) سلف برقم (١٤٦٢).
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٠٠) كتاب: الزكاة، باب: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدَين ولو كانوا مشركَين.
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٠١).
(٤) «سنن النسائي» ٥/ ٩٢ - ٩٣ كتاب: الزكاة، الصدقة على الأقارب.
(٥) «علل الترمذي»
(٦) «بيان الوهم والإيهام»
(٧) النسائي ٥/ ٩٢ - ٩٣.
(٨) راجع حديث (١٤٦٢).
(٩) «صحيح مسلم» (١٠٠٠/ ٤٦).



٤٩ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]
وَيُذْكَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: يُعْتِقُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وَيُعْطِي فِي الحَجِّ. وَقَالَ الحَسَنُ: إِنِ اشْتَرَى أَبَاهُ مِنَ الزَّكَاةِ جَازَ، وَيُعْطِي فِي المُجَاهِدِينَ وَالَّذِي لَمْ يَحُجَّ. ثُمَّ تَلَا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيَةَ، فِي أَيِّهَا أَعْطَيْتَ أَجْزَأَتْ. وَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنَّ خَالِدًا احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ». وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي لَاسٍ: حَمَلَنَا النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ لِلْحَجِّ.

١٤٦٨ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِالصَّدَقَةِ فَقِيلَ: مَنَعَ ابْنُ جَمِيلٍ، وَخَالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا يَنْقِمُ ابْنُ جَمِيلٍ إِلاَّ أَنَّهُ كَانَ فَقِيرًا فَأَغْنَاهُ اللهُ وَرَسُولُهُ، وَأَمَّا خَالِدٌ فَإِنَّكُمْ تَظْلِمُونَ خَالِدًا، قَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتُدَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَمَّا العَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ فَعَمُّ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَهْيَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَمِثْلُهَا مَعَهَا».
تَابَعَهُ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حُدِّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ بِمِثْلِهِ. [مسلم: ٩٨٣ - فتح: ٣/ ٣٣١]
ويذكر عن ابن عباس: يعتق من زكاة ماله، ويعطي في الحج. وقال الحسن: إن اشترى أباه من الزكاة جاز، ويعطي في المجاهدين والذي لم يحج، ثم تلا: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية في أيها أعطيت أجزأت.
وقال النبي - عليه السلام -: «إن خالدًا احتبس أدراعه في سبيل الله».


ويذكر عن أبي لاسٍ الخزاعي: حَمَلَنا النبيُّ - ﷺ - على إبل الصدقة للحج.
ثم ذكر حديث أبي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ - عليه السلام - بِالصَّدقةِ، فَقِيلَ: مَنَعَ ابن جَمِيلٍ، «مَا يَنْقِمُ ابن جَمِيلٍ ..» الحديث.
تَابَعَهُ ابن أبي الزِّنَادِ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: «هِيَ عَلَيْهِ وَمِثْلُهَا مَعَهَا». وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ: حُدَّثْتُ عَنِ الأَعْرَجِ مِثْلَهُ.
الشرح:
أثر ابن عباس المعلق أسنده ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر، عن
الأعمش، عن حسان، عن مجاهد، عنه أنه كان لا يرى بأسًا أن يعطي الرجل من زكاته في الحج، وأن يعتق النسمة منها (١).
وفي «علل عبد الله بن أحمد»، عن أبيه، حَدَّثَنَا أبو بكر بن عياش، ثنا الأعمش، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال ابن عباس: أعتق من زكاتك. وقال الميموني: قيل لأبي عبد الله: يشتري الرجل من زكاة ماله الرقاب، فيعتق ويجعل في ابن السبيل؟ قال: نعم، ابن عباس يقول ذَلِكَ ولا أعلم شيئًا يدفعه، وهو ظاهر الكتاب.
قال الخلال في «علله»: هذا قوله الأول، والعمل على ما بيّن عنه الجماعة في ضعف الحديث إلى أحمد بن هاشم الأنطاكي. قال: قال أحمد: كنت أرى أن يعتق من الزكاة ثم كففت عن ذَلِكَ؛ لأني لم أرَ إسنادًا يصح. قال حرب: فاحتج عليه بحديث ابن عباس، فقال: هو مضطرب.

--------------
(١) «المصنف» ٢/ ٤٠٣ (١٠٤٢٤) كتاب: الزكاة، من رخص أن يعتق من الزكاة.


وأثر الحسن روى ابن أبي شيبة بعضه، عن حفص، عن أشعث بن سوار قال: سُئل الحسن عن رجل اشترى أباه من الزكاة فأعتقه. قال: اشترى خير الرقاب (١).
وتعليق حديث خالد قد أسنده في نفس الباب.
وحديث أبي لاسٍ المعلق أخرجه الطبراني عن عبيد بن غنام، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وحَدَّثَنَا أبو خليفة، ثنا ابن المديني، ثنا محمد بن عبيد الطنافسي، ثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن عمر بن الحكم بن ثوبان، عن أبي لاسٍ قال: حملنا رسول الله - ﷺ - على إبل من إبل الصدقة ضعاف للحج؛ فقلنا: يا رسول الله، ما نَرى أن تحملنا هذِه. فقال: «ما من بعير إلا وفي ذروته شيطان، فإذا ركبتموها فاذكروا نعمة الله عليكم كما أمركم الله ثم امتهنوها لأنفسكم فإنما يحمل الله» (٢).
وعزاه ابن المنذر إلى رواية ابن إسحاق كما سقناه وتوقف في ثبوته كما سيأتي.
فائدة: أبو لاس هذا خزاعي، ويقال: حارثي، عبد الله بن غنمة، وقيل محمد بن الأسود (٣) قاله أبو القاسم وقيل: زياد مدني له صحبة، وحدثت له حديثان وليس لهم أبو لاس غيره، فهو فرد، وهو بالمهملة (٤).

------------
(١) «المصنف» ٢/ ٤٠٣ (١٠٤٢٣).
(٢) «المعجم الكبير» ٢٢/ ٣٣٤ (٨٣٧).
(٣) في هامش الأصل تعليق نصه: قاله الذهبي في «التجريد» ٢/ ٥٤ محمد بن أسود بن خلف بن أسعد الخزاعي، قال شباب روى على ذروة كل بعير شيطان …) والتعليق طويل غير مقروء.
(٤) انظر: «الاستيعاب» ٤/ ٣٠٣ (٣١٧٨)، و«أسد الغابة» ٦/ ٢٦٥ (٦١٩٦)، و«الإصابة» ٤/ ١٦٨ (٩٨٠).



وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم أيضًا (١). ومتابعة ابن أبي الزناد، وابن إسحاق خرجهما الدارقطني (٢).
وقوله: «وأعبده» بالباء، والصحيح ما قاله عبد الحق بالمثناة فوق، ولمسلم «أعتاده» (٣).
إذا تقرر ذَلِكَ:
فاختلف العلماء في المراد بالرقاب في الآية أي: ملاكها على قولين:
أحدهما: أن يشتري رقبة سليمة فيعتق، قاله ابن القاسم، وأصبغ (٤).
والثاني: المكاتبون، قاله الشافعي، وابن وهب، وروى مطرف عن مالك: لا بأس أن يعطى زكاة للمكاتب ما يتم به عتقه. وعنه كراهة ذَلِكَ؛ لأنه عبد ما بقي عليه درهم فربما عجز فصار عبدًا (٥).
وعلى الأول الولاء للمسلمين، ويشترط فيها الإسلام على المشهور. وفي إجزاء المعيبة قولان. وفي المكاتب والمدبر قولان، والمعتق بعضه.
ثالثها: إن كمل عتقه أجزأ وإلا فلا. والمشهور لا يعطي الأسير لعدم الولاء، ولو اشترى بها وأعتق عن ثفسه لم يجزِئْه على المشهور، وعلى الآخر الولاء للمسلمين.
وما قاله الشافعي مروي عن علي، والنخعي، وسعيد بن جبير،

-------------
(١) «صحيح مسلم» (٩٨٣) كتاب: الزكاة، باب: في تقديم الزكاة ومنعها.
(٢) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٣ باب: تعجيل الصدقة قبل الحلول.
(٣) مسلم (٩٨٣).
(٤) انظر: «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨٣.
(٥) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٥، «الجامع لأحكام القرآن» ٨/ ١٨٣.



والزهري، والثوري، وأبي حنيفة، والليث، ورواية ابن نافع وابن القاسم عن مالك (١)، قال ابن قدامة: وإليه ذهب أحمد، وقد أسلفنا الاختلاف عنه. والأول سلف عن ابن عباس، وبه قال إسحاق، وأبو ثور، والحسن، ورواية عن أحمد سلفت (٢).
احتج الثاني بأن كل صنف أعطاهم الله الصدقة بلام التمليك، فكذا الرقاب يجب أن يكون المراد به من يملكها، والعبد لا يملكها، ولأن الله تعالى ذكر الأصناف الثمانية، وجمع بين كل صنفين متقاربين في المعنى، فجمع بين الفقراء والمساكين، وجمع بين العاملين والمؤلفة قلوبهم، لأنهما يستعان بهما إما في جباية الصدقة، وإما في معاونة المسلمين.
وجمع بين ابن السبيل وسبيل الله لتقاربهما في المعنى، وهو قطع المسافة، وجمع بين الرقاب، والغارمين، وأخذ المكاتب لغرم كتابته كأخذ الغارمين للديون.
وفي الدارقطني من حديث البراء قال رجل: يا رسول الله، دُلَّني على عمل يقربني من الجنة ويباعدني من النار. قال: «أعتق النسمة، وفك الرقبة» قال: يا رسول الله، أو ليسا واحدًا قال: «لا، عتق النسمة أن ينفرد بعتقها، وفك الرقبة أن يعين في ثمنها» (٣) وفي الترمذي عن أبي هريرة

-------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٢، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨٤.
(٢) «المغني» ٤/ ٣٢٠.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٥.
ورواه أحمد ٤/ ٢٩٩. وصححه ابن حبان ٢/ ٩١ - ٩٢ (٣٧٤)، والحاكم ٢/ ٢١٧، والحافظ في «الفتح» ٥/ ١٤٦.
وقال الهيثمي ٤/ ٢٤٠: رواه أحمد ورجاله ثقات. وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٣٩٧٦).



مرفوعًا: «ثلاثة كلهم حق على الله عونه: الغازي في سبيل الله، والمكاتب يريد الأداء، والناكح المتعفف» (١) احتج لمالك بعموم ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠] وإطلاقها يقتضي عتق الرقاب في كل موضع أطلق ذكرها مثل كفارة الظهار قال الله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادله: ٣] وكذلك في اليمين، ولو أراد المكاتبين لاكتفي بذكر الغارمين لأنه غارم.
قالوا: وشراء العبد ابتداء أولى من المكاتب؛ لأن المكاتب حصل له سبب العتق بمكاتبة سيده له، والعبد لم يحصل له سبب عتق.
قالوا: ولو أعطينا المكاتب، فإن تم عتقه كان الولاء لسيده فيحصل، له المال والولاء. وإذا اشترينا عبدًا فأعتقناه كان ولاؤه للمسلمين، فكان أولى لظاهر الآية. ولا نسلم لهم ما ذكروه. وقول الحسن: (إن اشترى أباه من الزكاة جاز).
قال ابن التين: لم يقل به مالك. وقال ابن بطال: ينبغي أن يجوز على أصل مالك؛ لأنه يجيز عتق الرقاب من الزكاة، إلا أنه يكرهه، لما فيه من انتفاعه بالثناء عليه بأنه ابن حر، ولا يجوز عند أبي حنيفة، والشافعي (٢).
وقوله قبل ذَلِكَ عن ابن عباس: (ويعطى) قال به ابن عمر أيضًا، وأحمد، وقال: معنى قوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠]

--------------
(١) «سنن الترمذي» (١٦٥٥) ورواه النسائي ٦/ ١٥ - ١٦ و٦١ وابن ماجه (٢٥١٨).
وصححه ابن حبان ٩/ ٣٦٩ (٣٢١٨)، والحاكم ٢/ ١٦٠ و٢١٧.
وقال الداقطني في «العلل» ١٠/ ٣٥٠ - ٣٥١: اختلف في رفعه ووقفه، ورفعه صحيح.
وحسنه الألباني في «صحيح ابن ماجه» (٢٠٤١)، وفي «غاية المرام» (٢١٠).
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٦ - ٤٩٧.



الحج (١). وقال مالك، والشافعي، وجمهور الفقهاء: هو الغزو والجهاد (٢). دليلهم أن هذا اللفظ إذا أطلق كان ظاهره الغزو ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٩٠] ولا خلاف أن المراد به الغزو والجهاد وقال: ﴿الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف: ٤] وقال: ﴿وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢١٨] وقيل: المراد به المجاهدون والحجاج. وقال أبو يوسف: هم منقطعو الغزاة. وقال محمد بن الحسن: فقراء الحاج، كذا في «المبسوط» وغيره (٣).
وعند ابن المنذر قولهما، وقول أبي حنيفة أنه المغازي، وحكى أبو ثور، عن أبي حنيفة أنه الغازي دون الحاج (٤).
وزعم ابن بطال أيضًا أن هذا قول أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور. قال: إلا أن أبا حنيفة، وأصحابه قالوا: لا يعطي الغازي إلا أن يكون محتاجًا. وقال مالك، والشافعي: يعطى وإن كان غنيًا (٥).

----------
(١) قال ابن قدامة رحمه الله: ولا خلاف في أنهم الغزاة في سبيل الله لأن سبيل الله عند الإطلاق وهو الغزو وللإمام أحمد في دفع الزكاة في الحج روايتان:
الأولى: أنه يعطى من الصدقة، والثانية: لا يصرف منها في الحج؛ لأن سبيل الله عند الإطلاق إنما ينصرف إلى الجهاد؛ ولأنه لا مصلحة للمسلمين في حج الفقير ولا حاجة به إلى إيجاب الحج عليه، وهو ما رجحه ابن قدامة لقوله: وهو أصح.
«المغني» ٩/ ٣٢٨ - ٣٢٩.
(٢) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٣، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٤٥، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢١.
(٣) «المبسوط» ٣/ ١٠.
(٤) انظر: «البناية» ٣/ ٥٣٤.
(٥) انظر: «المعونة» ١/ ٢٧٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢١.



وقال محمد بن الحسن: من أوصى بثلث ماله في سبيل الله، فللوصي أن يجعله في الحاج المنقطع به.
واحتجوا بأن رجلًا وقف ناقة له في سبيل الله، فأرادت امرأته أن تحج وتركبها، فسألت رسول الله - ﷺ - فقال: «اركبيها فإن الحج من سبيل الله» فدل أن سبيل الله كلها داخلة في عموم اللفظ، رواه شعبة، عن إبراهيم بن مهاجر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن قال: أرسل مروان إلى (أم معقل) (١) يسألها عن هذا الحديث (٢). وإلى هذا ذهب البخاري، وكذلك ذكر حديث أبي لاس أن النبي - ﷺ - حملهم على إبل الصدقة للحج. وتأول قوله: «إن خالدًا احتبس أدراعه وأعبده في سبيل الله» أنه يجوز أن يدخل فيه كل سبيل الله الحج والجهاد وغيره (٣).
وذكر قول الحسن السالف. وأغرب ما رأيت أنهم طلبة العلم حكاه شارح «الهداية» من الحنفية. وقال أبو عبيد: لا أعلم أحدًا أفتى أن تصرف الزكاة إلى الحج.
وقال ابن المنذر: لا يعطى منها في الحج؛ لأن الله تعالى قد بين من يعطاها إلا أن يثبت حديث أبي لاس، فإن ثبت وجب القول به في مثل ما جاء الحديث خاصة. وأما قول أبي حنيفة: لا يعطى الغازي من الزكاة إلا أن يكون محتاجًا (٤).

------------
(١) في الأصل: أم الفضل، والصواب ما أثبتناه كما سيأتي في تخريج الحديث.
(٢) رواه أحمد ٦/ ٤٠٥ - ٤٠٦، وابن خزيمة في «صحيحه» ٤/ ٣٦٠ (٣٠٧٥) كتاب: الزكاة، باب: الرخصة في العمرة على الدواب المحبسة في سبيل الله، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٨٢ كتاب: المناسك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٧.
(٤) انظر: «الهداية» ١/ ١٢١، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٢٧٠.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #294  
قديم 09-02-2026, 05:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 471 الى صـــ 490
الحلقة (294)






فهو خلاف ظاهر الكتاب والسنة. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: ٦٠] فإذا غزا الغني فأعطي كان ذَلِكَ في سبيل الله.
وأما السنة: فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لعامل عليها، أو لغاز في سبيل الله، أو غني اشتراها بماله، أو فقير تصدق عليه فأهدى لغني، أو غارم» (١).
وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٢). ورواه أبو داود مرة مرسلًا (٣). ولأنه يأخذ ذَلِكَ لحاجتنا إليه، فجاز له أخذها مع الغنى كالعامل.
وقوله: في أيها أُعطيت أجزأت. كذا بخط الدمياطي، والألف ملحقة، وذكره ابن التين بلفظ: أجزت وقال: معناه: قضت عنه.
والمشهور في هذا جزأ فعل ثلاثي، فإذا كان رباعيًا همز لغة بني تميم، وقيل جزأ وأجزأ بمعنًى، أي: قضى، مثل وفي وأوفي. وقد سلف ذَلِكَ ويتعلق بهذا مالك، وأبو حنيفة في الاقتصار على صنف واحد من الأصناف الثمانية (٤)، خلافًا للشافعي فإنه لا يجزئ مع

-----------
(١) «المصنف» ٤/ ١٠٩ (٧١٥١) باب: كم الكنز؟ ولمن الزكاة؟.
(٢) «سنن أبي داود» (١٦٣٦) باب: من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني، «سنن ابن ماجه» (١٨٤١) باب: من تحل له الصدقة، «المستدرك» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ كتاب: الزكاة، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه؛ لإرسال مالك بن أنس إياه عن زيد بن أسلم.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٣٥) انظر «صحيح أبي داود» (١٤٤٥).
(٤) انظر: «تبين الحقائق» ١/ ٢٩٩، «الكافي» ص ١١٥.



وجود الأصناف الدفع إلى بعضهم (١).
وأما حديث أبي هريرة: فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
المراد بالصدقة: الفرض، وأبعد من قال: التطوع. وفي مسلم: بعث عمر على الصدقة (٢). وهو دال للأول. وكذا قوله منع. وهو قول الجمهور إذ البعث إنما يكون على الفرض، وادعى ابن القصار أن الأليق أن يكون في التطوع؛ لأنا لا نظن بأحد منهم منع الواجب. فعذر خالد أنه لما أخرج أكثر ماله حبسًا في سبيل الله، لم يحتمل التطوع، فعذر لذلك، أو حسب له ذَلِكَ عوضًا عن الواجب وخاصة بها، وابن جميل شح في التطوع فعتب عليه الشارع. وأخبر عن العباس أنه سمح بما طلب منه ومثله معه، وأنه مما لا يمتنع بما حضه عليه رسول الله - ﷺ -، بل يعده كاللازم، وهو عجيب منه، ففي البيهقي من حديث أبي البختري (٣) عن علي أن النبي - ﷺ - قال: «إنا كنا احتجنا فاستلفنا للعباس صدقة عامين» وفيه: إرسال بين أبي البختري وعلي (٤).
قُلْتُ: وروي من حديث موسى بن طلحة، عن طلحة أيضًا، ومن حديث سليمان الأحول عن أبي رافع، أخرجهما الدارقطني (٥).

---------------
(١) انظر: «روضة الطالبين» ٢/ ٣٢٩.
(٢) «صحيح مسلم» (٩٨٣).
(٣) ورد بهامش الأصل ما نصه: أبو البختري اسمه سعيد بن فيروز الطائي يروي عن علي وابن مسعود مرسلًا.
(٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١١١ باب: تعجيل الصدقة.
(٥) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٢٤ - ١٢٥ باب: تعجيل الصدقة قبل الحول وقال الدارقطني عن حديث طلحة: اختلفوا عن الحكم في إسناده، والصحيح عن الحسن بن مسلم، مرسل.



ثانيها:
ابن جميل. قال ابن منده وغيره: لا يعرف اسمه. وقال ابن بزيزة: اسمه حميد، ووقع في «تعليق» القاضي الحسيني، و«بحر الروياني» في متن الحديث عبد الله بن جميل. ووقع في «غريب أبي عبيد»: منع أبو جهم، ولم يذكر أباه (١).
قال المهلب: وكان منافقًا فمنع الزكاة تربصًا، فاستتابه الله في كتابه فقال: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧٤] فقال: استتابني ربي. فتاب وصلحت حاله.
وذكر غيره أنها نزلت في ثعلبة. و(ينقم) فيه (٢) بفتح أوله وكسر ثانيه، ويجوز فتحه أيضًا، ومعناه: ينكر، أو يكره، أو يعيب، أي: لا عذر له في المنع إذ لم يكن موجبه إلا أن كان فقيرًا فأغناه الله. وذلك ليس بموجب له، فلا موجب ألبتة.
ثالثها:
نص رواية البخاري أنه تركها له ومثلها معها، وذلك لأن العباس كان استدان في مفاداة نفسه، ومفاداة عقيل، وكان من الغارمين الذين لا تلزمهم الزكاة، وإليه يرد قوله: «فهي له ومثلها معها» وذكره ابن بطال أيضًا (٣).
وقال أبو عبيد في رواية ابن إسحاق: «هي عليه ومثلها معها». نرى -والله أعلم- أنه أخر عنه الصدقة عامين من أجل حاجة العباس، وأنه

---------------
(١) «غريب الحديث»:
(٢) فوقها في الأصل علق بقوله: (أي في الحديث).
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٤٩٩.



يجوز للإمام أن يؤخرها على وجه النظر ثم يأخذها منه بعد، كما أخر عمر صدقته عام الرمادة، فلما حيي الناس في العام المقبل أخذ منهم صدقة عامين (١).
وأما الحديث الذي يروى «إنا قد تعجلنا منه صدقة عامين» (٢) فهو عندي من هذا أيضًا، إنما تعجل منه أنه أوجبها عليه وضمنها إياه، ولم يقبضها منه، فكانت دينًا على العباس ألا ترى قوله: «هي عليه، ومثلها معها». وحديث حجيّة، عن علي: أن العباس سأل رسول الله - ﷺ - أن يعجل صدقته للمساكين قبل أن تحل، فأذن له أخرجه أبو داود والترمذي، وابن ماجه، والحاكم. وقال: صحيح الإسناد (٣). وخالف الدارقطني وغيره فقال: إرساله أصح (٤). فيكون معنى قوله: («فهي عليه صدقة، ومثلها معها») أي: فهي عليه واجبة فأداها قبل محلها.
و«مثلها معها» أي: قد أداها أيضًا لعام آخر كما سلف، وهذا أيضًا معنى رواية مَنْ روى: «فهي عليه» ولم يذكر: صدقة (٥). وفي رواية لعبد الرزاق، عن ابن جريج، عن (يزيد أبي خالد) (٦)، أن عمر قال للعباس:

------------
(١) رواه ابن سعد في «الطبقات الكبرى» ٣/ ٣٢٣.
(٢) هذا الحديث رواه ابن سعد في «طبقاته» ٤/ ٢٦، والطبراني في «الكبير» ١٠/ ٧٢ (٩٩٨٥)، وفي «الأوسط» ١/ ٢٩٩ (١٠٠٠) وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٤٩.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٢٤) كتاب: الزكاة، باب: في تعجيل الزكاة، «سنن الترمذي» (٦٧٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في تعجيل الزكاة، «سنن ابن ماجه» (١٧٩٥) كتاب: الزكاة، باب: تعجيل الزكاة قبل محلها، «المستدرك» ٣/ ٣٣٢ والحديث حسنه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٣٦)، وفي «الإرواء» (٨٥٧).
(٤) «علل الدارقطني» ٣/ ١٨٧ - ١٨٩.
(٥) رواه مسلم (٩٨٣).
(٦) في الأصل: زيد بن خالد، والمثبت من «مصنف عبد الرزاق» ٤/ ٨٦.



(لإِبَّان) (١) الزكاة: أد زكاة مالك. فقال: قد أديتها قبل ذَلِكَ، فذكر ذَلِكَ عمر لرسول الله - ﷺ - فقال: «صدق قد أداها قبل» (٢).
وروى ورقاء، عن أبي الزناد: «فهي علي» (٣). فالمعنى أنه أراد أن يؤديها عنه برأيه، لقوله: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه» (٤). ومن حمله على التطوع. قال: المعنى: «فهي عليه صدقة ومثلها معها» أي أنه سيتصدق بمثلها؛ لأنه لا يمتنع من شيء ألزمه إياه من التطوع، بل يعده كاللازم (٥).
وطعن جماعات في هذِه اللفظة أعني قوله: «فهي عليه صدقة ومثلها معها» قال البيهقي: رواية شعيب هذِه، عن أبي الزناد يبعد أن تكون محفوظة؛ لأن العباس كان من صلبية بني هاشم ممن تحرم عليه الصدقة، فكيف يجعل - عليه السلام - ما عليه من صدقة عامين صدقة عليه؟ (٦) وأجاب المنذري بأنه لعل ذَلِكَ قبل تحريم الصدقة على الآل فرأى إسقاط الزكاة عنه لوجه رآه.
وقال الخطابي: هذِه لفظة لم يتابع عليها شعيب بن أبي حمزة. وليس
ذَلِكَ بجيد، ففي البخاري متابعة أبي الزناد عليها، لكن بحذف لفظة «صدقة» وتابعه موسى بن عقبة أيضًا عن أبي الزناد في النسائي (٧).

-------------
(١) كذا في الأصل والمصنف.
(٢) «المصنف» ٤/ ٨٦ - ٨٧ (٧٠٦٧) كتاب: الزكاة، باب: وقت الصدقة.
(٣) مسلم (٩٨٣).
(٤) رواه مسلم (٩٨٣) كتاب الزكاة، باب في تقديم الزكاة ومنعها، من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
(٥) وقع هنا في الأصل ثلاثة أسطر مكانها يأتي بعد، وعلم عليها (زائد في. إلى).
(٦) «السنن الكبرى» ٤/ ١١١ - ١١٢.
(٧) «أعلام الحديث» ٢/ ٧٩٦ - ٧٩٧.



وقال ابن الجوزي: قال لنا ابن ناصر: يجوز أن يكون قد قال: «هي علية» بتشديد الياء ولم يبين الراوي، وأما رواية من روى «فهي له، ومثلها معها» فهي رواية موسى بن عقبة والمراد: عليه، وهما بمعنى قال تعالى: ﴿وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ﴾ [غافر: ٥٢] وقال: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ١٦] ويحتمل أن يكون «فهي له» أي عليّ. ويحتمل أنها كانت له عليه إذ كان قد قدمها كما سلف، وبه احتج من رأى تقديمها، وسيأتي.
وأما رواية من روى «فهي عليَّ ومثلها معها» فقيل فيه أنه - عليه السلام - كان تعجلها كما سلف. فالمعنى على النبي - ﷺ - ويحتمل أن يكون عليّ أن أؤديها عنه؛ لما له علي من الحق خصوصًا له؛ ولهذا قال: «أما علمت أن عم الرجل صنو أبيه» أي: أصله وأصل أبيه واحد. وأصل ذَلِكَ أن طلع النخلات من عرقٍ واحدٍ.
قال البيهقي: وهذِه الرواية أولى بالصحة لموافقتها الروايات الصحيحة بالاستسلاف والتعجيل (١).
وقال الداودي: المحفوظ: «هي له» أي: إنه قد تصدق بصدقته ومثلها معها، وهي أولى؛ لأنه رجل في صلب بني هاشم لا تحل له الصدقة، وقد رواه ورقاء، عن أبي الزناد: «فهي علي ومثلها معها» كأنه قال: كان يسلف منه صدقة عامين: ذَلِكَ العام وعام قبله كذا قال.
ورواية «فهي له» هي رواية موسى بن عقبة يمكن حملها على هذا أيضًا، وقد يحمل على التأويل الأول؛ لأن «له» بمعنى عليه كما سلف. قال ابن التين: والصحيح أن معنى هذِه الرواية أنه قدم صدقة عامين كما سلف.

------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ١١٢.


رابعها:
اختلف أهل العلم في تعجيل الزكاة قبل محلها، فرأي طائفة منهم أنها لا تعجل، وبه قالت عائشة، وسفيان، والحسن، وابن سيرين.
وقال أكثر أهل العلم: تجوز، وبه قال عطاء، وسعيد بن جبير، وإبراهيم، والحسن، والضحاك، والحكم، وابن سيرين، والنخعي، والأوزاعي، والزهري، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور (١). وعند مالك في إخراجها قبل الحول بيسير قولان، وحد القليل بشهر، ونصف شهر، وخمسة أيام، وثلاثة (٢).
وقال ابن المنذر: كره مالك والليث إخراجها قبل وقتها، قال: ولا يجزئه أن يعجل. قالوا: وهو كالذي يصلي ويصوم قبل الوقت.
قال الطبري: والذي شبه الزكاة بالصلاة والصيام فليس بمشبه، وذلك أنه لا خلاف بين السلف والخلف في أن الصدقة لو وجبت في ماشيته، فهرب بها من المتصدق، فظهر عليه المصدق فأخذ زكاتها وربها كاره أنها تجزئ عنه، ولا خلاف بينهم أنه لو امتنع من أداء صلاة مكتوبة فأخذ بأدائها كرهًا، فصلاها وهو غير مريد قضاءها، أنها غير مجزئة عنه، فاختلفا.
والعجب ممن زعم عدم الإجزاء لأنه تطوع به، ولا يقع عن الفرض، وليس كما ظن؛ لأن الذي تعجله، لا يعطيه بمعنى الزكاة، وإنما يعطيه من يعطيه دينًا له عليه، على أن يحتبسه عند محله زكاة

------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٥٥ - ٤٥٦، و«البناية» ٣/ ٤٢٦، و«روضة الطالبين» ٢/ ٢١٢، و«المغني» ٤/ ٧٩، و«نيل الأوطار» ٣/ ٥٥.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٣/ ١٣٧.



من ماله. وعلى هذا الوجه كان استسلاف الشارع من العباس صدقته قبل وجوبها في ماله، ومن قاس ذَلِكَ على الصلاة والصوم فقد أفحش الخطأ؛ لأنهما عبادة بدنية بخلافها، وبدليل أخذها من مال المجنون واليتيم.
فإن قلت: فحديث أبي هريرة في التطوع. قُلْتُ: صح في التعجيل كما سلف.
فرع:
رجح الرافعي أنه لا يجوز تعجيل صدقة عامين (١)، والأصح خلافه كما قررته في الفروع، وتؤيده الرواية السالفة.
خامِسهُا: قد أسلفنا أن قوله: (وأَعْتُدَه) بالتاء المثناة فوق على الصحيح، وأَعْبُد: جمع عبد. وأعتده: بالتاء جمع: عند وهو الفرس.
وقد أسلفنا أن عند مسلم «أعتاده» (٢) وهو رواية أبي داود (٣)، وهو شاهد لصحة رواية: «أعتده»، جمعه. والمعروف من عادة الناس في كل زمان تحبيس الخيل والسلاح في سبيل الله. وقال صاحب «العين»: فرس عتد وعتيد أي: معد للركوب، وبذلك سُميت عتيدة الطيب (٤). وقال غيره: الذكر والأنثى فيه سواء. ومما يدل على أنه عند بفتح التاء مجيئه للذكر والأنثى بلفظ واحد هذا حكم المصادر.
سادسها:
اعتذر عن خالد بقوله: «احتبس أدراعه وأعتده في سبيل الله» أي:

-------------
(١) «العزيز» ٣/ ١٦.
(٢) مسلم (٩٨٣).
(٣) أبو داود (١٦٢٤).
(٤) «العين» ٢/ ٢٩ - ٣٠.



تبررًا وذلك غير واجب عليه، فكيف يجوز أن يمنع واجبًا، وقيل: إنه طولب بالزكاة عن أثمان الأدراع والأعتد على معنى أنها كانت للتجارة، فأخبر أنه لا زكاة عليه فيها إذ قد جعلها حبسًا في سبيل الله.
وفي ذَلِكَ إثبات زكاة التجارة. وبه قال جميع الفقهاء إلا داود، وبعض المتأخرين (١).
وقيل: إنه احتبسها أي جعلها في سبيل الله ليحاسب بها، ولو كان حبسها ولم ينو الزكاة للزمته الزكاة. وإنما أجزأه ذَلِكَ؛ لأن أحد الأصناف المستحقين للزكاة: في سبيل الله، وهم المجاهدون، فصرفها في الحال إليهم كصرفها في المآل فعلى هذا يكون دليلًا على إخراج القيم في الزكاة، وعلى جواز إخراج الزكاة. قبل محلها، وقد سلف. وعلى وضع الزكاة في جنس واحد من الثمانية، خلافًا للشافعي في غير الإمام وقد سلف أيضًا.
وفيه: تحبيس آلات الحرب، والثياب، وكل ما ينتفع به مع بقاء عينه، والخيل والإبل كالأعبد. وفي تحبيس غير العقار ثلاثة أقوال للمالكية: المنع المطلق، ومقاتلة الخيل فقط. وقيل: يكره في الرقيق خاصة؛ وجه المنع أن الوقف ورد في العقار دون غيره، فلم يجز تعديه. ووجه الجواز حديث خالد هذا (٢).
وروي أن أبا معقل وقف بعيرًا له، فقيل لرسول الله - ﷺ -، فلم ينكره (٣). وقال أبو حنيفة: لا يلزم الوقف في شيء إلا أن يحكم به

-------------
(١) انظر: «عيون المجالس» ٢/ ٥٢٧، «المغني» ٤/ ٢٤٨، «الإجماع لابن المنذر» ص ٥٧.
(٢) انظر: «الذخيرة» ٦/ ٣١٣.
(٣) سبق تخريجه.



حاكم، أو يكون الوقف مسجدًا، أو سقاية، أو وصية من الثلث (١).
سابعها: فيه: بعث الإمام العمال بجباية الزكاوات، وأن يكونوا فقهاء أمناء ثقات عارفين، حيث بعث عليها عمر، وتعريف الإمام بمانعيها ليعينهم على أخذها منهم، أو يبين لهم وجوه أعذارهم في منعها، وتعريف الفقير نعمة الله عليه في الغني؛ ليقوم بحق الله فيه. وعتب الإمام على من منع الخير، وإن كان منعه مندوبًا في غيبته وحضوره، وصحة الوقف، وصحة وقف المنقول، وبه قالت الأمة بأسرها إلا أبا حنيفة، وبعض الكوفيين (٢)، وأنه لا زكاة في الوقف، ووجوب زكاة التجارة على ما سلف، والتصريح باسم القريب، وفيه غير ذَلِكَ مما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه تجدْ نفائسَ (٣).

------------
(١) انظر: «الهداية» ٣/ ١٥ - ١٦.
(٢) انظر: «بدائع الصنائع» ٦/ ٢٢٠.
(٣) في هامش الأصل تعليق: ثم بلغ في السادس عشر كتبه مؤلفه.
وانظر: «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ٧١ - ٩٤.



٥٠ - باب الاِسْتِعْفَافِ عَنِ المَسْأَلَةِ
١٤٦٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْثِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». [٦٤٧٠ - مسلم: ١٠٥٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]

١٤٧٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا، فَيَسْأَلَهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». [١٤٨٠، ٢٠٧٤، ٢٣٧٤ - مسلم ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٣٥]

١٤٧١ - حَدَّثَنَا مُوسَى، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ، أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ». [٢٠٥٧ - ٢٣٧٣ - فتح: ٣/ ٣٣٥]

١٤٧٢ - وَحَدَّثَنَا عَبْدَانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ - رضي الله عنه - قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي، ثُمَّ سَأَلْتُهُ فَأَعْطَانِي ثُمَّ قَالَ: «يَا حَكِيمُ، إِنَّ هَذَا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِسَخَاوَةِ نَفْسٍ بُورِكَ لَهُ فِيهِ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِإِشْرَافِ نَفْسٍ لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ كَالَّذِي يَأْكُلُ وَلَا يَشْبَعُ، اليَدُ العُلْيَا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلَى».
قَالَ حَكِيمٌ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَكَ شَيْئًا حَتَّى أُفَارِقَ الدُّنْيَا، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ - رضي الله عنه - يَدْعُو حَكِيمًا إِلَى العَطَاءِ فَيَأْبَى أَنْ يَقْبَلَهُ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّ عُمَرَ - رضي الله عنه - دَعَاهُ لِيُعْطِيَهُ فَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ شَيْئًا. فَقَالَ عُمَرُ: إِنِّي أُشْهِدُكُمْ يَا مَعْشَرَ


المُسْلِمِينَ عَلَى حَكِيمٍ، أَنِّي أَعْرِضُ عَلَيْهِ حَقَّهُ مِنْ هَذَا الفَيْءِ فَيَأْبَى أَنْ يَأْخُذَهُ. فَلَمْ يَرْزَأْ حَكِيمٌ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ - حَتَّى تُوُفِّيَ. [٢٧٥٠، ٣١٤٣، ٦٤٤١ - مسلم: ١٠٣٥ - فتح: ٣/ ٣٣٥]
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَألُوا رَسُولَ اللهِ - ﷺ - فَأَعْطَاهُمْ .. الحديث. وفيه: «وَمَنْ يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ الله».
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ، خيرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا فَيَسْأَلهُ، أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ». الحديث.
وحديث الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّام مرفوعًا مثله. وحديث حَكِيم بنِ حِزَامٍ «يا حكيم إِنَّ هذا المَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَة ..» الحديث.
الشرح:
هذِه الأحاديث أخرجها مسلم خلا حديث (ابن الزبير) (١) فهو من أفراد البخاري (٢)، واستغرب الترمذي حديث أبي هريرة (٣).
وحديث حكيم خرجه البخاري أيضًا في الوصايا (٤)، وسلف «لا صدقة إلا عن ظهر غنى» (٥).
إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليها من وجوه:

----------
(١) في الأصل علق تحتها بقوله: يعني: عروة.
(٢) حديث أبي سعيد الأول رواه مسلم (١٠٥٣) كتاب: الزكاة، باب: فضل التعفف والصبر، حديث أبي هريرة الثاني رواه مسلم (١٠٤٢) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس، حديث حكيم الرابع رواه مسلم (١٠٣٥) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٨٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة.
(٤) سيأتي برقم (٢٧٥٠) باب تأويل قول الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾.
(٥) انظر ما سلف برقم (١٤٢٦).



أحدها:
«نفِد» في الحديث الأول بكسر الفاء ثم دال مهملة أي: فرغ وفني. ذكره الجوهري (١).
ثانيها:
قوله فيه: «(فلن أدخره عنكم» قال الترمذي: روي عن مالك: «فلن»، ويروى عنه: «فلم» أي: لن أحبسه عنكم، وقوله: قبله: (فقال: «ما يكون عندي من خير») بخط الدمياطي صوابه: «يكن» أي: من حيث الرواية.
ثالثها:
قوله: «لأن يأخذ» كذا هنا، وفي «الموطأ» «ليأخذ» (٢) وعند الإسماعيلي من رواية قتيبة ومعن والتنيسي «ليأخذ» ثم قال معن والتنيسي: «لأن يأخذ».
واعلم أن مدار هذِه الأحاديث على كراهية المسألة، ولا شك أنها على ثلاثة أوجه: حرام، ومكروه، ومباح. فمن سأل وهو غني من زكاة، وأظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا لا يحل له. ومن سأل من تطوع ولم يظهر من الفقر فوق ما هو به فهذا مكروه. والاحتطاب خير منه. والمباح: أن يسأل بالمعروف قريبًا أو صديقًا أو ليكافيء. أما السؤال عند الضرورة فواجب لإحياء النفس، وأدخله الداودي في المباح. وأما الأخذ من غير مسألة ولا إشراف نفس فلا بأس به.

-------------
(١) «الصحاح» ٢/ ٥٤٤.
(٢) «الموطأ»



رابعها:
قوله: «إن هذا المال خضرة حلوة» سلف معناه في باب: الصدقة على اليتامى. ومعنى «فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه»: أي: بغير شدة ولا إلحاح ولا بمسكنة، وفي رواية «بطيب نفس» (١).
قال القاضي: فيه احتمالان:
أحدهما: أنه عائد على الآخذ، يعني: من أخذه بغير سؤال ولا إشراف نفس بورك فيه.
والثاني: أنه عائد إلى الدافع، ومعناه: فمن أخذه ممن يدفعه منشرحًا يدفعه إليه طيب النفس من غير سؤال اضطره إليه أو نحوه مما لا تطيب معه نفس الدافع.
خامسها:
قوله: «ومن أخذه بإشراف نفس كان كالذي يأكل ولا يشبع»؛ لأنه يأكل من سقم وآفة، فكلما أكل ازداد سقما ولا يجد شبعًا فينجع فيه الطعام، ويزعم أهل الطب أن ذَلِكَ من علة السوداء، ويقال: إنها صفة دائه وأهل الطب يسمونها الشهوة الكلبة والكلبية لمن يأكل ولا يشبع قيل: إنه لا يبقي شيئًا ولا يسد لها مسدًّا. وقيل: معنى بإشراف نفس أن المسئول يعطيه عن تكرر. وقيل: يريد به شدة حرص السائل وإشرافه على المسألة. ومعنى: «لم يبارك له فيه» أي إذا أتبع نفسه المسألة، ولم يصن وجهه فلم يبارك له فيما أخذ وأنفق.
سادسها:
معنى «لا أرزأ أحدًا بعدك» أي: لا آخذ من أحد شيئًا؛ لأنه إذا أخذ

--------------
(١) ستأتي برقم (٦٤٤١) في الرقاق، باب: قول النبي - ﷺ -: «هذا المال خضرة حلوة».


من مال أحد فقد نقص ذَلِكَ من ماله وصارت كلمة فاشية. ولما ولي عمر ابن عبد العزيز، قدم عليه وفد العراق، فأمر لهم بعطاء، فقالوا: لا نرزؤك، وترك حكيم أخذ العطاء، وهو حق له؛ لأنه خشي أن يفعل خلاف ما قال لرسول الله - ﷺ -، واتقى أن يكون بما يعطى، فترك ما يريبه لما لا يريبه.
وفي بعض حديثه: ولا منك يا رسول الله؟ قال: «ولا مني» وإنما قال له ذَلِكَ لما كان وقع منه من الحرص والإشراف في المسألة ورأى أن قطع ذَلِكَ كله عن نفسه خير له؛ لئلا تشرف نفسه إلى شيء فيتجاوز به القصد.
سابعها:
فيه تشبيه الرغبة في المال، والميل إليه، وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة، فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده والحلو كذلك فاجتماعهما أشد.
وفيه: أيضًا إشارة إلى عدم بقائه؛ لأن الخضراوات لا تبقى ولا تراد للبقاء.
ثامنها:
في حديث أبي سعيد من الفقه: إعطاء السائل مرتين من مال واحد من الصدقة. قال ابن بطال (١): ومثله عندهم الوصايا، يجيزون لمن أوصي له بشيء إذا قبضه أن يعطى مع المساكين، وإن كان ذَلِكَ الشيء لا يخرجه عن حد المسكنة، وأبى ذَلِكَ ابن القاسم وطائفة من الكوفيين.
وفيه: أيضًا ما كان - عليه السلام - من الكرم والسخاء والإيثار على نفسه.

---------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٠٤ - ٥٠٦.


وفيه: الاعتذار للسائل إذا لم يجد ما يعطيه.
وفيه: الحض على الاستغناء عن الناس بالصبر، والتوكل على الله، وانتظار رزق الله، وأن الصبر أفضل ما أعطيه المؤمن، وكذلك الجزاء عليه غير مقدور، ولا محدود. قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠].
تاسعها:
في حديث أبي هريرة الحض على التعفف عن المسألة، والتنزه عنها، وأن يمتهن المرء نفسه في طلب الرزق، وإن ركب المشقة في ذَلِكَ، ولا يكون عيالًا على الناس، ولا كَلاًّ، وذلك لما يدخل على السائل من الذل في سؤاله وفي الرد إذا رد خائبًا، ولما يدخل على المسئول من الضيق في ماله إن هو أعطى لكل سائل، ولهذا المعنى قال رسول الله - ﷺ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى».
وكان مالك يرى ترك ما أعطى الرجل على جهة الصدقة أحب إليه من أخذه وإن لم يسأله.
عاشرها:
في حديث حكيم من الفقه أن سؤال السلطان الأعلى ليس بعار، وأن السائل إذا ألحف لا بأس برده، وموعظته، وأمره بالتعفف، وترك الحرص على (أخذه) (١)؛ كما فعل الشارع بحكيم فأنجح الله موعظته ومحا بها حرصه، فلم يرزأ أحدًا بعده، والقناعة وطلب الكفاية والإجمال في الطلب مقرون بالبركة. وأن من طلبه بالشرَهِ والحرص فلم يأخذه من حقه لم يبارك له فيه، وعوقب بأن حرم بركة ما جمع،

--------------
(١) في الأصل: (أحد)، ولعل المثبت هو الصحيح.


وفضل المال والغنى إذا أنفق في الطاعة عملًا بقوله: «اليد العليا خير من اليد السفلى» وأن الإنسان لا يسأل شيئًا إلا عند الحاجة؛ لأنه إذا كان يده السفلى مع إباحة المسألة فهو أحرى أن يمتنع من ذَلِكَ عند غيرها. وأن من كان له عند أحد حق من معاملة وغيرها، فإنه يجبره على أخذه إذا أبي. وإن كان بما لا يستحقه إلا ببسط اليد إليه فلا يجبر على أخذه. وإنما أشهد عمر على إباء حكيم من أخذ ماله في بيت المال؛ لأنه خشي سوء التأويل، فأراد تبرئة ساحته بالإشهاد عليه، وأنه لا يستحق أحد من بيت المال شيئًا بعد أن يعطيه الإمام إياه، وأما قبل ذَلِكَ فليس مستحق له، ولو كان مستحقًّا له لقضى عمر على حكيم بأخذه، وعلى ذَلِكَ يدل قوله تعالى حين ذكر قسم الصدقات وفي أي الأصناف تقسم ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ آية [الحشر: ٧] فإنما هو لمن أوتيه لا لغيره وإنما قال العلماء في إثبات الحقوق في بيت المال تشددًا على غير المرَضِيِّ من السلاطين؛ ليغلقوا باب الامتداد إلى أموال المسلمين والتسبب إليها بالباطل. ويدل على ذَلِكَ فتيا مالك فيمن سرق من بيت المال أنه يقطع (١)، ومن زنى بجارية من الفيء أنه يحد، ولو استحق في بيت المال أو في الفيء شيئًا على الحقيقة قبل إعطاء السلطان له ذَلِكَ لكانت شبهة يُدرأ عنه الحد بها. وجمهور الأمة على أن للمسلمين حقًّا في بيت المال، والفيء يقسمه الإمام على اجتهاده، وسيأتي ذَلِكَ في الجهاد إن شاء الله ذَلِكَ وقدره (٢).
------------
(١) انظر: «المدونة» ٤/ ٤٢٧.
(٢) انتهى كلام ابن بطال بتصرف.



٥١ - باب مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ
١٤٧٣ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيْهِ مِنِّي فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا المَالِ شَيْءٌ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ». [٧١٦٣، ٧١٦٤ - مسلم: ١٠٤٥ - فتح: ٣/ ٣٣٧]
ذكر فيه حديث سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُعْطِينِي العَطَاءَ، فَأَقُولُ: أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إِلَيهِ مِنِّي فَقَالَ: «خُذْهُ، إِذَا جَاءَكَ مِنْ هذا المَالِ شَيٌ -وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ- فَخُذْهُ، وَمَا لَا فَلَا تتبِعْهُ نَفْسَكَ».
الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا عن سالم، عن أبيه أن رسول الله - ﷺ - كان يعطي عمر بزيادة. قال سالم: فمن أجل ذَلِكَ كان ابن عمر لا يسأل أحدًا شيئًا، ولا يرد شيئًا أعطيه، وأخرجه عن عمر أيضًا (١).
ومعنى غير مشرف: غير متعرض، ولا حريص عليه بشره وطمع، وأصله من قولهم: أشرف فلان على كذا، إذا تطاول له ورماه ببصره. ومنه قيل للمكان المرتفع: شرف، وللشريف من الرجال: شريف؛ لارتفاعه عمن دونه بمكارم الأخلاق. ومعنى («فلا تتبعه نفسك»): ما لم يأتك من غير مسألة فلا تحرص عليه.

--------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٤٥) كتاب: الزكاة، باب: إباحة الأخذ لمن أعطي من غير مسألة ولا إشراف.


قال الطحاوي: ليس معنى هذا الحديث في الصدقات، وإنما هو في الأموال التي يقسمها الإمام على أغنياء الناس وفقرائهم، فكانت تلك الأموال يعطاها الناس لا من جهة (الفقر) (١)، ولكن من حقوقهم فيها، فكره الشارع لعمر حين أعطاه قوله: أعطه من هو أفقر إليه مني. لأنه إنما أعطاه لمعنى غير الفقر، ثم قال له: «خذه فتموله» (٢) هكذا رواه شعيب عن الزهري، فدل أن ذَلِكَ ليس من أموال الصدقات؛ لأن الفقير لا ينبغي أن يأخذ من الصدقات ما يتخذه مالًا كان عن غير مسألة أو عن مسألة. ثم قال: «إذا جاءك من هذا المال الذي هذا حكمه فخذه» (٣).
قال الطبري: واختلف العلماء في قوله: «فخذه» بعد إجماعهم على أنه أمر ندب وإرشاد، فقال بعضهم: هو ندب لكل من أعطي عطية أبي قبولها كائنًا من كان معطيها إمامًا أو غيره، صالحًا كان أو فاسقًا، بعد أن يكون ممن تجوز عطيته. روي عن أبي هريرة أنه قال: ما أحد يهدي إليَّ هدية إلا قبلتها، فأما أن أسأل فلا. وعن أبي الدرداء مثله. وقبلت عائشة من معاوية.
وقال حبيب بن أبي ثابت: رأيت هدايا المختار تأتي ابن عمر، وابن عباس فيقبلانها. وقال عثمان بن عفان: جوائز السلطان لحم ظبي ذكي.
وبعث سعيد بن العاصي إلى علي بهدايا فقبلها وقال: خذ ما أعطوك.
وأجاز معاوية الحسين بأربعمائة ألف. وسئل أبو جعفر محمد بن علي ابن الحسين عن هدايا السلطان فقال: إن علمت أنه من غصب أو

-----------
(١) في الأصل: (الفقراء) بالمد ولعل المثبت أصح.
(٢) سيأتي في رواية (٧١٦٣) كتاب الأحكام، باب رزق الحكام والعاملين عليها.
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٢٢.



سحت فلا تقبله، وإن لم تعرف ذَلِكَ فاقبله، ثم ذكر قصة بريرة. وقول الشارع: «هو لنا هدية»، وقال: ما كان من مأثم فهو عليهم وما كان من مهنأ فهو لك، وقبلها علقمة، والأسود، والنخعي، والحسن، والشعبي.
وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب منه أُمَّتَه إلى قبول عطية غير ذي سلطان، فأما السلطان، فإن بعضهم كان يقول: حرام قبول عطيته، وبعضهم كرهها، روي أن خالد بن أسيد أعطى مسروقًا ثلاثين ألفًا فأبى أن يقبلها، فقيل له: لو أخذتها فوصلت بها رحمك. فقال: أرأيت لو أن لصًّا نقب بيتا، ما أبالي أخذتها أو أخذت ذَلِكَ. ولم يقبل ابن سيرين ولا ابن رزين ولا ابن محيريز من السلطان. وقال هشام بن عروة: بعث إليَّ عبد الله بن الزبير وإلى أخي بخمسمائة دينار. قال أخي: رُدَّها، فما أكلها أحد وهو غني عنها إلا أحوجه الله إليها.
وقال ابن المنذر: كره جوائز السلطان محمد بن واسع، والثوري وابن المبارك وأحمد. وقال آخرون: بل ذَلِكَ ندب إلى قبول هدية السلطان دون غيره. وروي عن عكرمة: إنا لا نقبل إلا من الأمراء.
قال الطبري: والصواب عندي أنه ندب منه إلى قبول عطية كل معطٍ جائزة عطيته، سلطانًا كان أو غيره، لحديث عمر، فندبه إلى قبول كل ما آتاه الله من المال من جميع وجوهه من غير تخصيص سوى ما استثناه، وذلك ما جاء من وجه حرام عليه وعلم به، ووجه من رد أنه كان على من كان الأغلب من أمره أنه لا يأخذ المال من وجهه، فرأى أن الأسلم لدينه والأبرأ لعرضه تركه، ولا يدخل في ذَلِكَ ما إذا علم حرمته، ووجه من


قبل ممن لم يبال من أين أخذ المال، ولا فيما وضعه أنه ينقسم ثلاثة أقسام: ما علم يقينًا فلا يستحب رده. وعكسه: فيحرم قبوله.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #295  
قديم 09-02-2026, 05:45 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 491 الى صـــ 510
الحلقة (295)






وما لا فلا يكلف البحث عنه. وهو في الظاهر أولى به من غيره ما لم يستحق. وأما مبايعة من يخالط ماله الحرام وقبول هداياه فكره ذَلِكَ قوم، وأجازه آخرون. فممن كرهه: عبد الله بن يزيد وأبو وائل والقاسم وسالم، وروي أنه توفيت مولاة لسالم كانت تبيع الخمر بمصرَ فنزك ميراثها أيضًا، وقال مالك: قال عبد الله بن يزيد بن هرمز: إني لأعجب ممن يرزق الحلال ويرغب في الربح فيه الشيء اليسير الحرام فيفسد المال كله. وكره الثوري المال الذي يخالطه الحرام. وممن أجازه ابن مسعود. روي عنه أن رجلًا سأله فقال: لي جار لا يتورع مِن أكل الربا، ولا مِن أخذ ما لا يصلح، وهو يدعونا إلى طعامه، ويكون لنا الحاجة فنستقرضه. فقال: أجبه إلى طعامه، واستقرضه فلك المهنأ وعليه المأثم (١). وسئل ابن عمر عن أكل طعام من يأكل الربا، فأجازه (٢).
وسئل النخعي عن الرجل يرث المال منه الحلال والحرام. قال: لا يحرم عليه إلا حرام بعينه. وعن سعيد بن جبير أنه مرَّ بالعشَّارين وفي أيديهم شماريخ، فقال: ناولنيها من سحتكم هذا، إنه عليكم حرام، وعلينا حلال. وأجاز البصري طعام العشار، والصراف، والعامل. وعن مكحول والزهري: إذا اختلط الحلال بالحرام فلا بأس

------------
(١) رواه عبد الرزاق في «مصنفه» ٨/ ١٥٠ (١٤٦٧٥ - ١٤٦٧٦) كتاب: البيوع، باب: طعام الأمراء وأكل الربا، وابن حزم في «المحلى» ٩/ ١٥٦.
(٢) رواه البيهقي في «سننه» ٥/ ٣٣٥ كتاب: البيوع، باب: كراهية مبايعة من أكثر ماله من الربا أو ثمن المحرم.



به، وإنما يكره من ذَلِكَ الشيء يعرف بعينه. وأجازه ابن أبي ذئب.
قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى ذكر اليهود فقال: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقد رهن الشارع درعه عند يهودي على طعام أخذه (١).
وقال الطبري: في إباحة الله تعالى أخذ الجزية من أهل الكتاب مع علمه بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير، وهم يتعاملون بالربا أبين الدلالة على من كان من أهل الإسلام بيده مال لا يدري أمن حرام كسبه أو من حلال فإنه لا يحرم قبوله لمن أُعطِيَه، وإن كان ممن لا يبالي اكتسبه من غير حله بعد أن لا يعلم أنه حرام بعينه، وبنحو ذَلِكَ قالت الأئمة من الصحابة والتابعين. ومن كرهه فإنما ركب في ذَلِكَ طريق الورع وتجنب الشبهات، والاستبراء لدينه؛ لأن الحرام لا يكون إلا بَيِّنًا غير مشكل.
وفي الحديث: من الفقه:
أن للإمام أن يعطي الرجل العطاء وغيره أحوج إليه منه إذا رأى لذلك وجهًا لسابقة، أو خير، أو غنًى عن المسلمين، وأن ما جاء من المال الحلال الطيب من غير مسألة فإنَّ أَخْذَه خير من تركه، إذا كان ممن يُجْمُل الأخذ منه. وأنَّ رد عطاء الإمام ليس من الأدب؛ لأنه داخل تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] فإذا لم يأخذه فكأنه لم يأتمر.

------------
(١) سيأتي برقم (٢٦٨)، ورواه مسلم (٢٥٠٨).


باب في قوله تعالى:
﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩]
المحروم: المحارف، قال ابن عمر: الحق هنا سوى الصدقة المفروضة (١). وقاله مجاهد (٢). وهذا الباب في بعض النسخ، ونبه عليه ابن التين. وقال: إنه ليس في رواية أبي ذر (٣)، فلذا حذفه ابن بطال وشيخنا. والمحروم من حرم الرزق، وكذلك المحارف.
واختلف أهل اللغة من أين أخذ هذا للمحارف، فقيل له: حورف كسبه: ميل به عنه، كتحريف الكلام يعدل عن جهته.
وزعم ناس أنه أخذ من المحراف وهو حديدة يعالج بها الجراحة، أي: قدر رزقه كما تعقل الجراحة بالمنشار. وقال الحسن بن محمد: المحروم من لا سهم له في الغنيمة. وقال زيد بن أسلم: إنه الذي لحقته الجائحة فأذهبت زرعه وماشيته.
وقال الشعبي: أنا منذ احتلمت أسأل عن المحروم، وما أنا الساعة بأعلم به مني ذَلِكَ الوقت ولي سبعون سنة.
وقال محمد بن الحنفية: بعث الشارع سرية فغنمت، فجاء قوم لم يشهدوا الحرب فأنزل الله الآية المذكورة (٤).

------------
(١) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ١٣٥ وعزاه إلى عبد بن حميد.
(٢) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» ٢/ ٤١١ - ٤١٢ (١٠٥٢٤) كتاب: الزكاة، من قال: في المال حق سوى الزكاة، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ٦/ ١٣٥ وعزاه إلى ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر.
(٣) كذا ذكر المصنف نقلًا عن ابن التين وفي حاشية السلطانية ٢/ ١٢٣ أنها من رواية أبي ذر والمستملي.
(٤) انظر: هذِه الآثار في «الجامع لأحكام القرآن» ١٧/ ٣٨ - ٣٩.



٥٢ - باب مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكثُّرًا
١٤٧٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ - رضي الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «مَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النَّاسَ حَتَّى يَأْتِىَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ». [١٤٧٥ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٣٨]

١٤٧٥ - وَقَالَ: «إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ العَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ، ثُمَّ بِمُوسَى، ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ - ﷺ -». وَزَادَ عَبْدُ اللهِ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ، فَيَمْشِي حَتَّى يَأْخُذَ بِحَلْقَةِ البَابِ، فَيَوْمَئِذٍ يَبْعَثُهُ اللهُ مَقَامًا مَحْمُودًا، يَحْمَدُهُ أَهْلُ الجَمْعِ كُلُّهُمْ». [٤٧١٨]
وَقَالَ مُعَلّى: حدثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِمِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابن عُمَرَ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي الَمسْأَلةِ. [انظر: ١٤٧٤ - مسلم: ١٠٤٠ - فتح: ٣/ ٣٣٨]
حَدَّثَنَا يَحْييَ بْنُ بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ: سَمِعْتُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَسْأل النَّاسَ حَتَّى يَأْتيَ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ ..» الحديث.
وَزَادَ عَبْدُ اللهِ: حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي جَعْفَرٍ: «فَيَشْفَعُ لِيُقْضَى بَيْنَ الخَلْقِ ..» الحديث.
وَقَالَ مُعَلًّى: ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنِ النُّعمانِ بْنِ رَاشِدِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُسْلِم أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنْ حَمْزَةَ، سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - فِي المَسْألَةِ.


الشرح:
هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله «مزعة لحم» ولم يذكره في رواية أخرى: أعني: «مزعة» (١).
وقوله: (قال: مُعَلَّى) أسنده البيهقي، عن أبي الحسين القطان، ثنا (ابن أبي درستويه) (٢)، ثنا يعقوب بن سفيان، ثنا مُعَلَّى به: «ما تزال المسألة بالرجل حتَّى يلقى الله وما في وجهه مزعة لحم» (٣).
وقوله: (وزاد عبد الله) يعني: ابن صالح كاتب الليث بن سعد. قاله أبو نعيم وخلف في «أطرافه». ووقع أيضًا في بعض الأصول منسوبًا، وتابع يحيى عبدُ الله بن عبد الحكم، وشعيبُ بن الليث فروياه عن الليث. ورواية عبد الله أسندها البزار، عن أبي بكر بن إسحاق، ثنا عبد الله بن صالح، ثنا الليث، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن حمزة، ورأيته في موضع آخر عن عبيد الله بن أبي جعفر قال: حَدَّثَني حمزة، عن أبيه، قال: قال رسول الله - ﷺ -. فذكره مطولًا.
إذا تقرر ذَلِكَ:
فالمُزعة -بضم الميم- القطعة من اللحم، ويقال بكسرها، قاله ابن فارس (٤).

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٤٠) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة للناس.
(٢) في الأصل: ابن درستويه، ولعل الصواب ما أثبتناه كما في «سنن البيهقي» ٣/ ١٩٦ (٧٨٧٠).
(٣) «السنن الكبرى» ٤/ ١٩٦ كتاب: الزكاة، باب: كراهية السؤال والترغيب في تركه.
(٤) «مجمل اللغة» ٣/ ٨٢٩.



واقتصر عليه القزاز في «جامعه»، وابن سيده (١): الضم فقط، وكذا الجوهري، قال: وبالكسر من الريش والقطن (٢).
سوَّى ابنُ سيده بين الكل بالضم. قال ابن التين: وضبطه أبو الحسن بفتح الميم والزاي، وقال: الذي أحفظ عن المحدثين ضمها. ومزعت اللحم: قطعته قطعة قطعة، ويقال: أطعمه مزعة من لحم أي: قطعة وثيقة منه.
قال الخطابي: هذا يحتمل وجوهًا: منها أنه يأتي يوم القيامة ساقطًا لا جاه له ولا قدر، ومنها أن يكون وجهه عَظْمًا لا لحم عليه، بأن يكون قد عذب في وجهه حتَّى سقط لحمه، على معنى مشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من الأعضاء (٣).
كما روي من قرض شفاه الخطباء (٤)، وتخبط آكلة الربا (٥)، ويكون ذَلِكَ شعاره يعرف به. وقد جاء في رواية أنه يأتي يوم القيامة ووجهه عظم كله. قال المهلب: وفيه ذم السؤال وتقبيحه.
وفهم البخاري أن الذي يأتي يوم القيامة ولا لحم في وجهه من كثرة السؤال أنه السائل تكثرًا لغير ضرورة إلى السؤال. ومن سأل تكثرًا فهو غني لا تحل له الصدقة، فعوقب في الآخرة، فإذا جاء لا لحم في وجهه فتؤذيه الشمس أكثر من غيره، ألا ترى قوله في الحديث:

--------------
(١) «المحكم» ١/ ٣٣٧.
(٢) «الصحاح» ٣/ ١٢٨٤.
(٣) «أعلام الحديث» ٢/ ٨٠٢.
(٤) رواه أحمد ٣/ ١٢٠ و١٨٠ و٢٣١ و٢٣٩ من حديث أنس.
وله عنه طرق عدة جمعها الألباني مصححًا للحديث في «الصحيحة» (٢٩١).
(٥) يشير إلى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ المَسِّ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٥].



«إن الشمس تدنو من رءوسهم يوم القيامة حتَّى يبلغ العرق نصف الأذن» وفي رواية: «يبلغ عرق الكافر» فحذر - ﷺ - من الإلحاف لغير حاجة في المسألة.
وأما من سأل مضطرًا فقيرًا فمباح له المسألة، ويرجى له أن يؤجر عليها إذا لم يجد عنها بدًّا، ورضي بما قسم الله له، ولم يسخط قدره.
وفي حديث سمرة مرفوعًا: «المسائل كدوح يكدح بها الرجل وجهه، فمن شاء أبقى على وجهه، وما شاء ترك إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان، أو في أمر لا يجد منه بدًّا» (١).
قُلْتُ: ولا يحل للفقير أن يظهر من المسألة أكثر مما به.

--------------
(١) رواه أبو داود (١٦٣٩) كتاب: الزكاة، باب: ما تجوز فيه المسألة، والترمذي (٦٨١) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في النهي عن المسألة، والنسائي ٥/ ١٠٠ كتاب: الزكاة، مسألة الرجل في أمر لا بد له منه، وأحمد ٥/ ١٠، ٥/ ١٩، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٧)، وفي «صحيح الجامع» (٦٦٩٥)، و«صحيح الترغيب والترهيب» ١/ ٤٨٦ (٧٩٢).


٥٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣]
وَكَمِ الغِنَى، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «وَلَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ». [لقول الله تعالى:] ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ إِلَى قَوُلِهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٧٣].

١٤٧٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مِنْهَالٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكْلَةُ وَالأُكْلَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إِلْحَافًا». [١٤٧٩، ٤٥٣٩ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣/ ٣٤٠]

١٤٧٧ - حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الحَذَّاءُ، عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إِلَى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَيَّ بِشَيْءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ - ﷺ -. فَكَتَبَ إِلَيْهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلَاثًا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ». [انظر: ٨٤٤ - مسلم: ٥٩٣ سيأتي بعد الحديث ١٧١٥ - فتح: ٣/ ٣٤٠]

١٤٧٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غُرَيْرٍ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللهِ - ﷺ - رَهْطًا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ، قَالَ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - مِنْهُمْ رَجُلًا لَمْ يُعْطِهِ، وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَى، فَقُمْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ - ﷺ - فَسَارَرْتُهُ فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أو قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. قَالَ: فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ فِيهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ وَاللهِ إِنِّي لأُرَاهُ مُؤْمِنًا. أَوْ قَالَ: مُسْلِمًا. يَعْنِي: فَقَالَ: «إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وَعَنْ أَبِيهِ عَنْ صَالِحٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ


ابْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ هَذَا، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكَتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ». [انظر: ٢٧ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ٣/ ٣٤٠] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤] قُلِبُوا ﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٥٢] أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا.

١٤٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنِ المِسْكِينُ الذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ بِهِ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ». [انظر: ١٤٧٦ - مسلم: ١٠٣٩ - فتح: ٣/ ٣٤١]

١٤٨٠ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، ثُمَّ يَغْدُوَ -أَحْسِبُهُ قَالَ: إِلَى الجَبَلِ- فَيَحْتَطِبَ، فَيَبِيعَ فَيَأْكُلَ وَيَتَصَدَّقَ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ أَكْبَرُ مِنَ الزُّهْرِيِّ، وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ ابْنَ عُمَرَ. [انظر: ١٤٧٠ - مسلم: ١٠٤٢ - فتح: ٣/ ٣٤١]
ذكر خمسة أحاديث:
أحدها: حديث أبي هريرة «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي تَرُدُّهُ الأُكلَةُ وَالأُكلَتَانِ، ولكنِ المِسْكِينُ الذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْألُ النَّاسَ إِلْحَافًا».
ثانيها: حديث ابن أشوع -وهو سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي قاضيها مات في ولاية خالد بن عبد الله- عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَنِي كَاتِبُ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: كَتَبَ مُعَاوِيَةُ إلى المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنِ اكْتُبْ إِلَى بِشَيءٍ سَمِعْتَهُ مِنَ رسول الله - ﷺ -. فَكَتَبَ إِلَيهِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ


- ﷺ - يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلًاثا: قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةَ المَالِ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ».
ثالثها: حديث محمد بن غُرَيْرٍ عن يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ، عَنِ ابن شِهَابٍ عن عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ الله - ﷺ - رَهْطًا .. الحديث.
وفي آخره: «إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغيرُهُ أَحَبُّ إِلَى مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكَبَّ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ». وَعَنْ أَبِيهِ، عَنْ صَالِحِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ عن أبيه، فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - بِيَدِهِ فَجَمَعَ بَيْنَ عُنُقِي وَكتِفِي، ثُمَّ قَالَ: «أَقْبِلْ أَيْ سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ».
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ [الشعراء: ٩٤]: قُلِبُوا، ﴿مُكِبًّا﴾ [الملك: ٥٢]: أَكَبَّ الرَّجُلُ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ وَاقِعٍ عَلَى أَحَدٍ، فَإِذَا وَقَعَ الفِعْلُ قُلْتَ: كَبَّهُ اللهُ لِوَجْهِهِ، وَكَبَبْتُهُ أَنَا.
رابعها: حديث أبي هريرة: «لَيْسَ المِسْكِينُ الذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ ..» الحديث.
خامسها: حديث أبي هريرة أيضًا: «لأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ»
الشرح:
أما قوله: «لا يجد غنًى يغنيه» فقد أسنده في الباب من حديث أبي هريرة، وهو الحديث الرابع.
وأما الحديثان الأولان فأخرجهما مسلم أيضًا (١)، وسلف قطعة من

------------
(١) حديث أبي هريرة الأول رواه مسلم (١٠٣٩) كتاب: الزكاة، باب: المسكين الذي لا يجد غنًى، ولا يفطن له فيتصدق عليه.
والحديث الثاني رواه برقم (٥٩٣) كتاب: المساجد، باب: استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته.



أول الحديث الثاني في باب: الذكر بعد الصلاة (١).
وكاتب المغيرة: هو ورَّاد كما سلف هناك (٢).
وأما الثالث: فالسند الأخير أخرجه مسلم عن الحسن بن علي الحلواني، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح، عن إسماعيل بن محمد قال: سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا يعني: حديث الزهري المذكور فقال في حديثه: فضرب رسول الله - ﷺ - بيده بين عنقي وكتفي ثم قال: «أَقِتَالًا أي سعد؟ إني لأعطي الرجل» (٣)
وفي «الجمع» للحميدي في أفراد مسلم عن إسماعيل بن محمد بن سعد (٤)، عن أبيه، عن جده بنحو حديث الزهري عن عامر بن سعد.
وزعم خلف أن طريق إسماعيل بن محمد هذا في البخاري في كتاب الزكاة عن محمد بن غرير كما سقناه، لكن زاد بعد: صالح عن إسماعيل بن محمد، عن أبيه، عن سعد.
وقال أبو نعيم: وساقه من حديث الدوري، عن يعقوب بن إبراهيم ابن سعد، حَدَّثَني أبي، عن صالح، عن إسماعيل بن محمد، سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا يعني: حديث الزهري عن عامر .. الحديث
ثم قال: رواه يعني: البخاري، عن محمد بن غُرَير، عن يعقوب. وقد سلف الحديث في كتاب الإيمان.

------------
(١) سلف برقم (٨٤٤) كتاب: الأذان.
(٢) راجع شرح حديث (٨٤٤).
(٣) «صحيح مسلم» (١٥٠) كتاب: الإيمان، باب: تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع.
(٤) «الجمع بين الصحيحين» ١/ ١٨٨.



وأما حديث أبي هريرة الرابع: فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وأما حديثه الأخير فسلف في باب: الاستعفاف عن المسألة (٢).
إذا تقرر ذَلِكَ: فالآية الأولى اختلف المفسرون في تأويلها فقيل: يسألون ولا يلحفون في المسألة، وقيل: إنهم لا يسألون الناس أصلًا أي: لا يكون منهم سؤال فيكون منهم إلحاف؛ وألحف وأحفى وألح بمعنًى، والدليل على أنهم لا يسألون وصف الرب ﷻ بالتعفف، ولو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم. ويشهد له حديثا أبي هريرة في الباب الأول والرابع.
واحتج بالحديث الأول، قالوا: والمسألة بغير إلحاف مباحة للمضطر إليها، يدل على ذَلِكَ ما رواه مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن رجل من بني أسد له صحبة أن رسول الله - ﷺ - قال: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» (٣)
فدل ذَلِكَ أن من لم تكن له أوقية فهو غير ملحف ولا ملوم في المسألة. ومن لم يكن ملومًا في مسألته، فهو ممن يليق به اسم التعفف.
وليس قول من قال: لو كانوا أهل مسألة لما كان التعفف من صفتهم. بصحيح؛ لأن السؤال المذموم إنما هو لمن كان غنيًّا عنه بوجود أوقية أو عدلها، فالحديثان مختلفان في المعنى لاختلاف ظاهر ألفاظهما.
والأول نفي الإلحاف ودل على السؤال، والثاني نفي فيه السؤال أصلًا، وانتفي فيه الإلحاف بنفي السؤال، وإنما اختلفا لاختلاف أحوال السائل؛ لأن الناس يختلفون في هذا المعنى، فمنهم من يصبر عن السؤال

--------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٣٩).
(٢) سلف برقم (١٤٧٠).
(٣) «الموطأ» ٢/ ١٧٩ (٢١١١) باب: التعفف عن المسألة، وصححه الألباني في «الصحيحة» ٤/ ٢٩٦ (١٧١٩).



عند الحاجة ويتعفف، ويدافع حاله، وينتظر الفرج من خالقه، ومنهم من لا يصبر ويسأل بحسب حاجته، وكفايته، ومنهم من يسأل وهو يحب الاستكثار، وهذا هو الملحف الذي لا تنبغي له المسألة.
ويحتمل أن يكون معناهما واحدًا في نفي السؤال أصلًا. ويحتمل أن يكونا متفقي المعنى في إثبات السؤال، ونفي الإلحاف. فإن قُلْتَ: فكيف قال: «ولا يقوم فيسأل الناس» قيل: في أكثر أمره وغالب حاله يلزم نفسه التعفف عن المسألة، حتىَّ تغلبه الحاجة والفقر ويقع سؤاله نادرًا، كما قال - ﷺ -: «لا يضع عصاه عن عاتقه» (١) أي غالبًا، وكما قال: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سَوي» (٢).
وقد تحل لهم في بعض الأوقات. ومن كان سؤاله عند الضرورة وفي النادر فليس بملحف، واسم التعفف أولى به، بدليل حديث عطاء بن يسار السالف. وقال قتادة: ذكر لنا أن النبي - ﷺ - قال: «إن الله تعالى يبغض الغني الفاحش البذيء والسائل الملحف» (٣) وقال أبو هريرة:

-------------
(١) رواه مسلم (١٤٨٠) كتاب: الطلاق، باب: المطلقة ثلاثًا لا نفقة لها، من حديث فاطمة بنت قيس.
(٢) روي من حديث أبي هريرة وعبد الله بن عمرو، فحديث أبي هريرة رواة النسائي ٥/ ٩٩ كتاب: الزكاة، باب: إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، وابن ماجه (١٨٣٩) كتاب: الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنًى، وأحمد ٢/ ٣٧٧ - ٣٨٩، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ كتاب: الزكاة. وحديث عبد الله بن عمرو، رواه أبو داود (١٦٣٤) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٢) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء من لا تحل له الصدقة، وأحمد ٢/ ١٦٤، ١٩٢، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ كتاب: الزكاة، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٤). وصحح الحديثين معًا في «الإرواء» (٨٧٧).
(٣) رواه الطبري في «تفسيره» ٣/ ١٠٠ (٦٢٢٩)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٣٤ وعزاه إلى ابن جرير وابن المنذر.



المسكين: هو المتعفف في بيته، لا يسأل الناس شيئًا حتَّى تصيبه الحاجة، اقرءوا إن شئتم: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ (١).
وأما قول البخاري: وكم الغنى؟ أي: كم حده؟ وقد سلف فيه حديث عطاء. وروى ابن مسعود: يا رسول الله، ما الغنى؟ قال: «خمسون درهمًا» (٢) وفي حديث أبي سعيد: «من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» (٣).
وفي حديث سهل بن الحنظلية عند أبي داود: يا رسول الله، ما الغنى الذي لا ينبغي معه المسألة؟ قال: «قدر ما يغديه ويعشيه» وفي لفظ: «أن يكون له شبع يوم وليلة» (٤).
وحديث عليًّ: ما ظهر غنًى يا رسول الله؟ قال: «عشاء ليلة» (٥).
وسيأتي في الباب أيضًا إيضاح الخلاف فيه. وأما الآية الثانية وهي

---------
(١) ذكره ابن كثير في «تفسيره» ٢/ ٤٧٩ وعزاه إلى ابن جرير.
(٢) رواه أبو داود (١٦٢٦) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء من تحل له الزكاة، والنسائي ٥/ ٩٧ كتاب: الزكاة، حد الغنى، وابن ماجه (١٨٤٠) كتاب: الزكاة، باب: كراهية المسألة، أحمد ١/ ٣٨٨، ١/ ٤٤١، ١/ ٤٦٦، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٣٨) وفي «الصحيحة» (٤٩٩).
(٣) رواه أبو داود (١٦٢٨) كتاب: الزكاة، باب: من يعطى من الصدقة وحد الغنى، والنسائي ٥/ ٩٨ كتاب: الزكاة، من الملحف؟، وأحمد ٣/ ٧، ٩ وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٠)، و«الصحيحة» (١٧١٩).
(٤) سنن أبي داود (١٦٢٩) وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤١).
(٥) رواه أحمد ١/ ١٤٧، والعقيلي في «الضعفاء الكبير» ١/ ٢٢٤، والطبراني في «الأوسط» ٧/ ١٣٢ (٧٠٧٨)، و٨/ ١٣٨ (٨٢٠٥)، وابن عدي في «الكامل» ٦/ ٢٢٠، والدارقطني في «سننه» ٢/ ١٢١ كتاب: الزكاة، باب: الغنى التي يحرم السؤال، وقال الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» ١/ ٤٩٠ (٨٠٤): صحيح لغيره.



قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]، هم فقراء المهاجرين خاصة، قاله مجاهد (١)، وابن أبي جعفر عن أبيه، والسدي (٢).
ومعنى ﴿أُحْصِرُوا﴾: منعهم فرض الجهاد عن التصرف، وقيل: أحصرهم عدوهم؛ لأن الله شغلهم بجهادهم، وقيل: شغلهم عدوهم بالقتال عن التصرف، واللغة توجب أن أحصر من المرض إلا أن يكون المعنى صودفوا في هذا الحال.
وقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ﴾ أي: تصرفًا عن المدنية. وقيل: ألزموا أنفسهم الجهاد، كما يقال: لا أستطيع أن أعصيك أي: قد ألزمت نفسي طاعتك.
وقوله: ﴿يَحْسَبُهُمُ الجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ﴾ ليس الجهل هنا ضد العلم، وإنما هو ضد الخبرة. أي الجاهل بحالهم بما يرى بهم من التعفف؛ لأنهم لا يسألون.
وقوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ يعني: ما بهم من الخصاصة، كان أحدهم يلبس البردة إلى نصف الساق والآخر يتزرها. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ أي يعلمه ويجازي على ما أريد به وجهه.
وأما حديث أبي هريرة الأول: فقوله - ﷺ -: «ليس المسكين» أي ليس الشديد المسكنة. قاله ابن التين.

------------
(١) «تفسير مجاهد» ١/ ١١٧، ورواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ٩٦ (٦٢١٠)، وابن أبي حاتم في «تفسير القرآن العظيم» ٢/ ٥٤٠ (٢٨٦٥)، وذكره ابن الجوزي في «زاد المسير» ١/ ٣٢٧، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» ١/ ٦٣٣ وعزاه إلى سفيان، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٢) رواه ابن جرير في «تفسيره» ٣/ ٩٦ (٦٢١١ - ٦٢١٢).



وقال ابن بطال: يريد ليس المسكين المتكامل أسباب المسكنة؛ لأنه بمسألته يأتيه الكفاف والزيادة عليه فيزول عنه اسم المبالغة في المسكنة.
«وإنما المسكين» المتكامل أسباب المسكنة من لا يجد غِنًى ولا يتصدق كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: ليس ذَلِكَ غاية البر لأنه لا يبلغ بر ﴿مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ﴾ البقرة: ١٧٧. الآية (١).
وقوله: «الأُكله والأُكلتان» قال ابن التين: ضبطه بعضهم بضم الهمزة بمعنى اللقمة، فإذا فتحها كانت المرة الواحدة. قال الكسائي: يقال في كل شيء: فعلت فعلة إلا في شيئين حججت حجة ورأيت رؤية.
ذكره الهروي. وفي «الفصيح»: الأكلة: اللقمة، والأكلة بالفتح: الغداء والعشاء.
وقال صاحب «المطالع» أيضًا: هما في الحديث بالضم؛ لأنه بمعنى اللقمة، فإذا كانت بمعنى المرة الواحدة فهي بالفتح، إلا أن يكون فيها فاء فيكون مضمومًا بمعنى المأكول.
واختلف أهل اللغة في الفقير والمسكين، من هو أسوأ منهما؟
فقال ابن السكيت، وابن قتيبة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير؛ لأنه مشتق من السكون. وهو عدم الحركة، فكأنه كالميت، فالمسكين: الذي سكن وخشع، والفقير له بعض ما يقيمه، واحتجوا بقول الراعي:
أَمَّا الفَقِيُر الذي كانَتْ حَلُوبَتُه … وَفْق العِيالِ فلم يُتْرَك له سَبَدُ (٢)

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥١٦ - ٥١٧.
(٢) «غريب ابن قتيبة» ١/ ١٩١.



فجعل له حلوبة، وجعلها وفق عياله أي: قدر قوتهم. وقال ابن سيده: المِسْكين والمَسْكين، الأخيرة نادرة؛ لأنه ليس في الكلام مَفْعيل: الذي لا شيء له. وقيل: الذي لا شيء له يكفي عياله.
وقال أبو إسحاق: هو الذي أسكنه الفقر فخرجه إلى معنى مفعول (١)، والفقر ضد الغنى. وقدر ذَلِكَ أن يكون له ما يكفي عياله. وقد فقر فهو فقير والجمع: فقراء. والأنثى: فقيرة من نسوة فقائر.
وحكى اللحياني نسوة فقراء، ولا أدري كيف هذا. وقال القزاز: أصل الفقر في اللغة: من فقار الظهر، كأن الفقر كسر فقار ظهره، فبقي له من جسمه بقية يدل عليه الشعر السالف. والفَقر والفُقر، والفتح أكثر. وأما ابن عديس فسوى بينهما.
قال القزاز: والناس يجعلون المِسْكِين هو الذي معه شيء، وليس كذلك، ذاك الفقير. وأما المسكين: فالذي لا شيء معه، والفرق في الاشتقاق، لأن المْسِكين مِفْعِيل من السكون، وإذا انقطعت حركة الإنسان لم يبق له شيء. واحتج من جعل المسكين من له شيء بقوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] فجعل لهم سفينة، ومعنى هذا عند قوم أنه لم يرد فقرهم، ولكن جرى الخطاب على معنى الترحم كما تقول: ما تصنع ها هنا يا مسكين؟ على معنى الترحم. وكما قال - ﷺ - لقيلة: «يا مسكينة عليك بالسكينة» (٢).

---------------
(١) «المحكم» ٦/ ٤٤٩.
(٢) رواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ٣١٧ - ٣٢٠ مطولًا، والطبراني في «الكبير» ٢٥/ ٧ - ١١ (١)، وابن عبد البر في «التمهيد» ١٩/ ١٥٢ - ١٥٣ مختصرًا، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٦/ ١٠ - ١٢ وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات.



وقال قوم: لم تكن السفينة لهم وإنما كانوا فيها على سبيل الأجرة للعمل، وقال الجوهري: المسكين: الفقير، وقد يكون بمعنى: الذلة والضعف، يقال: سكن الرجل وتمسكن وهو شاذ، وكان يونس يقول: المسكين أشد حالًا من الفقير قال: وقلت لأعرابي أفقير أنت؟ قال: لا والله، بل مسكين. والمرأة مسكينة، وقوم مساكين، ومسكينون، والإناث مسكينات (١).
وقال الأخفش: الفقير مشتق من قولهم: فقرت له فقرة من مالي.
وقال نفطويه: الفقير عند العرب: المحتاج، والمسكين: الذي قد أذله الفقر.
إذا عرفت ذَلِكَ: فقد اختلف العلماء فيهما بناءً على ذَلِكَ:
فقال مالك وأبو حنيفة: المسكين أسوأ حالًا من الفقير (٢). وعكس الأصمعي وابن الأنباري والشافعي (٣)، احتج الأولون بهذا الحديث، واحتج الآخرون بالآية السالفة ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣]. وبالآية السالفة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [الكهف: ٧٩] قالوا: والفقر هو استئصال الشيء يقال: فقرتهم الفاقرة إذا أصابتهم داهية أهلكتهم، والفقير عند العرب الذي قد انكسر فقار ظهره كما سلف، ومن صار هكذا فقد حل به الموت. وقد يقال: مسكين لغير الفقير، ولكن لمن نقصت حاله عن الكمال في بعض الأمور كما قال - ﷺ -: «مسكين مسكين من لا زوجة

-------------
(١)»الصحاح«٥/ ٢١٣٧.
(٢) انظر:»الهداية«١/ ١٢٠،»المعونة«١/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
(٣) انظر:»الاستذكار«٩/ ٢٠٩ - ٢١٠،»روضة الطالبين" ٢/ ٣٠٨.



له، ومسكينة مسكينة من لا زوج لها» (١) قالوا: وقد قال الشارع: «اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين» رواه الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري، وقال: صحيح الإسناد (٢). وتعوذ بالله من الفقر، فعُلم أنه أسوأ حالًا وأشد من المسكنة. قال ابن التين: وأهل اللغة جميعًا على هذا القول.
وقالت طائفة من السلف: الفقير الذي لا يسأل، والمسكين الذي يسأل، روي عن ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وجابر بن زيد، والزهري، وروي عن علي بن زياد، عن مالك أن الفقير الذي لا عيال له ويتعفف عن المسألة، والمسكين: الذي لا عيال له ويسأل (٣).
واختلفوا أيضًا كم الغنى الذي لا يجوز لصاحبه أخذ الصدقة، وتحرم عليه المسألة فقال بعضهم: هو بوجود المرء قوت يومه لغدائه وعشائه. وهذا قول بعض المتصوفة الذين زعموا أنه ليس لأحد ادخار شيء لغد. وهو مردود بما ثبت عن الشارع وأصحابه أنهم كانوا يدخرون.
وقال آخرون: لا تجوز المسألة إلا عند الضرورة وأحلوا ذَلِكَ بحل الميتة للمضطر.

------------
(١) حديث مرسل، رواه الطبراني في «الأوسط» ٦/ ٣٤٨ (٦٥٨٩)، والبيهقي في «الشعب» ٤/ ٣٨٢ (٥٤٨٣)، وذكره الديلمي في «الفردوس» ٤/ ١٦٥ (٦٥١٥)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٢٥٢ وقال: رواه الطبراني في «الأوسط» ورجاله ثقات إلا أن أبا نجيح لا صحبة له، وذكره الهندي في «كنز العمال» ١٦/ ٢٧٨ - ٢٧٩ (٤٤٤٥٥)، وعزاه للبيهقي في «الشعب» عن أبي نجيح مرسلًا، وقال الألباني في «الضعيفة» (٥١٧٧): منكر.
(٢) «المستدرك» ٤/ ٣٢٢ كتاب: الرقائق، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (١٢٦١)، وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٥٨ (٨٦١).
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢.



وقال آخرون: لا تحل المسألة بكل حال. واحتجوا بما روي عنه - ﷺ - أنه قال أبي ذر: «لا تسأل الناس شيئًا» (١) وجعلوا ذَلِكَ نهيًا عامًّا عن كل مسألة. وبما رواه ابن أبي ذئب، عن محمد بن قيس، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن معاوية، عن ثوبان مرفوعًا: «من تكفل لي بواحدة تكفلت له بالجنة» قال ثوبان: أنا. قال: «لا تسأل الناس شيئًا» وكان سوطه يقع فما يقول لأحدٍ: ناولنيه، فينزل فيأخذه (٢). وقال قيس بن عاصم لبنيه: إياكم والمسألة، فإنها آخر كسب المرء، فإن أحدًا لن يسأل إلا ترك كسبه (٣).
وقالت طائفة: لا يأخذ الصدقة من له أربعون درهمًا، لقوله - ﷺ -: «من سأل وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافًا» وقد سلف (٤). وممن قال بذلك أبو عبيد.
وقالت طائفة: لا تحل لمن له خمسون درهمًا. وهو قول النخعي، والثوري، وأحمد، وإسحاق (٥). واحتجوا بحديث يروى عن ابن مسعود

-------------
(١) رواه أحمد ٥/ ١٧٢، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٤٠ (٣٤٣٠)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (٨١٠) و«صحيح الجامع» (٧٣٠٧).
(٢) رواه ابن ماجه (١٨٣٧) كتاب: الزكاة، باب: كراهة المسألة، وأحمد ٥/ ٢٧٥، ٢٧٧، وأبو نعيم في «الحلية» ١/ ١٨١، والبيهقي في «شعب الإيمان» ٣/ ٢٧٢ - ٢٧٣ (٣٥٢٠ - ٣٥٢١) ورواه أبو داود (١٦٤٣) من طريق آخر. وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٠).
(٣) رواه البخاري في «الأدب المفرد» (٩٥٣)، وابن سعد في «طبقاته» ٧/ ٣٦ - ٣٧ مختصرًا، والطبراني في «الكبير» ١٨/ ٣٣٩ - ٣٤٠ (٨٦٩ - ٨٧٠)، والحاكم. في «المستدرك» ٣/ ٦١٢ كتاب: معرفة الصحابة، وحسنه الألباني في «الأدب المفرد» (٩٥٣).
(٤) سلف تخريجه.
(٥) انظر: «المغني» ٤/ ١١٨ - ١١٩، «المبدع» ٢/ ٤١٧.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #296  
قديم 09-02-2026, 05:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 511 الى صـــ 530
الحلقة (296)







مرفوعًا بذلك (١). وأعله يحيى بن سعيد وشعبة فقالا: يرويه حكيم بن جبير، وهو ضعيف (٢).
وقالت طائفة: من ملك مائتي درهم حرم عليه الصدقة المفروضة.
وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، ورواه المغيرة عن مالك (٣).
وقال المغيرة: لا بأس أن يعطى أقل ما تجب فيه الزكاة.
وروي عن مالك: يعطى من له أربعون درهمًا إذا كان له عيال (٤).
واحتج أصحاب أبي حنيفة بقوله - ﷺ - «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها في (فقرائهم) (٥)» فجعل المأخوذ منه غير المردود عليه، ومن معه مائتا درهم تؤخذ منه الزكاة فلم تجز أن ترد عليه لما فيه من إبطال الفرق بين الجنسين، بين الغني والفقير.
وقال الطحاوي: قوله - ﷺ -: «أما وجد عنها مندوحة» بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق، «وأما من سأل وله أوقية أو عدلها» منسوخ بقوله - ﷺ -: «من سأل وله خمس أواق فقد سأل إلحافًا» (٦)، فجعل هذا حدًّا

-------------
(١) رواه أبو داود (١٦٢٦) كتاب: الزكاة، باب: من يُعطى من الصدقة وحد الغنى، والترمذي (٦٥٠ - ٦٥١) كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الزكاة، والنسائي ٥/ ٩٧ كتاب: الزكاة، حد الغنى، وابن ماجه (١٨٤٠) كتاب: الزكاة، من سأل عن ظهر غِنًى، وأحمد ١/ ٣٨٨.
(٢) والحديث صححه الألباني في: «صحيح أبي داود» (١٤٣٨)، «الصحيحة» (٤٩٩). وقال: هذا إسناد صحيح من طريق زبيد، لا من طريق حكيم بن جبير فإنه ضعيف.
(٣) انظر: «الاختيار» ١/ ١٥٨، «المنتقى» ٢/ ١٥٢.
(٤) انظر: «التاج والإكليل» ٣/ ٢٢٠.
(٥) عليها في الأصل كلمة (كذا)
(٦) رواه أحمد ٤/ ١٣٨، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ٣٧٢، وأورده الهيثمي في «المجمع» ٣/ ٩٥، وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٦٠٢٢)، وانظر: «الصحيحة» ٥/ ٣٩٩ (٢٣١٤).



لمن لا تحل له الصدقة، قال بعضهم: وكل من حد من الفقهاء في الغنى حدًّا أو لم يحد فإنما هو بعد ما لا غنًى به عنه من دار تحمله ولا تفضل عنه، وخادم هو محتاج إليها، ولا فضل له من مال يتصرف فيه، ومن كان هكذا، فأجمع الفقهاء أنه يجوز له أن يأخذ من الصدقة ما يحتاج إليه.
قال الطبري: والصواب عندنا. في ذَلِكَ أن المسألة مكروهة لكل أحد إلا لمضطر يخاف على نفسه التلف بتركها، ومن بلغ حد الخوف على نفسه من الجوع، ولا سبيل إلى ما يرد به رمقه، ويقيم به نفسه إلا بالمسألة فالمسألة عليه فرض واجب؛ لأنه لا يحل له إتلاف نفسه وهو يجد السبيل إلى حياتها.
والمسألة مباحة لمن كان ذا فاقة وإن كرهناها ما وَجدَ عنها مندوحة بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق، وإنما كرهناها له لقوله - ﷺ -: «اليد العليا خير من اليد السفلى» (١)، ولا مأثم عليه إلا على سائل سأل عن غنًى متكثرًا بها فالمسألة عليه حرام.
قُلْت: وقد أسلفنا فيما مضى أقسام المسألة، فراجعه.
وأما حديث المغيرة ففيه الكتاب بالسؤال عن العلم، والجواب عنه.
وفيه: قبول خبر الواحد، وقبول الكتابة، وهو حجة في الإجازة.
وفيه: أخذ بعض الصحابة عن بعض. والمراد بـ (قيل وقال) هنا: حكايته شيء لا يعلم صحته، وأن الحاكي له يقول: قيل وقال. قاله ابن الجوزي. وعن مالك: هو الإكثار من الكلام والإرجاف نحو قول

--------------
(١) سلف برقم (١٤٢٩) كتاب: الزكاة، باب: لا صدقة إلا عن ظهر قلب، ورواه مسلم (١٠٣٣) كتاب: الزكاة، باب: بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى.


القائل: أُعطِي فلان كذا ومنع من كذا والخوض فيما لا يعني (١).
وقال ابن التين: له تأويلان:
أحدهما: أن يراد به حكايته أقوال الناس وأحاديثهم والبحث عنها لينمي، فيقول: قال فلان كذا وفلان كذا بما لا يجر خبرًا، إنما هو ولوع وشغف، وهو من التجسس المنهي عنه.
والثاني: أن يكون في أمر الدين فيقول: قيل فيه كذا، وقال فلان، فيقلد ولا يحتاط لموضع الإخبار بالحجج. وفي لفظ آخر: نهى عن قيل وقال (٢).
قال أبو عبيد: فيه تجوز، وذلك أنه جعل القال مصدرًا كأنه قال عن قيل وقول، يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالا. فعلى هذا يكون: إن الله كره لكم قيلا وقالا منونًا؛ لأنهما مصدران وقال ابن السكيت: هما اسمان لا مصدران وقال غيره: من روى غير منون قال: إنهما فعلان. والأول على أنهما اسمان. وفي حرف عبد الله (ذلك عيسى بن مريم قالُ الحق الذي فيه تمترون) (٣).
وقوله: و«إضاعة المال» هذا على وجوه جماعها الإسراف، ووضعه في غير موضعه كالأبنية، واللباس، والفُرُش، وتمويه الأبنية بالذهب،

-------------
(١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣١٥.
(٢) سيأتي برقم (٧٢٩٢) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ورواه مسلم (٥٩٣/ ١٤) كتاب: الأقضية، باب: النهي عن كثرة المسائل بغير حاجة والنهي …
(٣) هذِه قراءة شاذة قرأ بها ابن مسعود بضم اللام، قال ابن خالويه: يقال: قلت قولًا وقيلًا وقالًا وقولة. كل ذلك مصادر، وانظر «مختصر في شواذ القرآن» من كتاب «البديع» لابن خالويه ص ٨٧.



وتطريز الثياب به أو سقوف البيت فإنه من التضييع والتصنع، ولا يمكن تخليصه منه وإعادته إلى أصله حتَّى يكون أصلًا قائمًا. ومن إضاعته: تسليمه لغير رشيد.
وفيه: دلالة على إثبات الحجر على المفسد لماله، ومن الحجر احتمال الغبن في البياعات (١)، وقسمة ما لا ينتفع بقسمته كاللؤلؤة، وتركه من غير حفظ فيضيع، أو يتركه حتَّى يفسد، أو يرميه إذا كان يسيرًا كبرًا عن تناوله، أو يسرف في النفقة أو ينفقه في المعاصي، وأن يتخلى الرجل من ماله بالصدقات وعليه دين لا يرجو له وفاء، ولا صبر له على التفسير والإضاقة، ولا يرد على فعل الصديق حيث تصدق بماله كله لغناه بقوة صبره، ومن في الأمة مثله يقاس به؟! وانظر من أنفقه عليه.
ويحتمل أن يتأول معنى: «إضاعة المال» على العكس مما سلف أن إضاعته حبسه عن حقه، والبخل به على أهله، كما قال:
وما ضاع مال أورث المجد أهله … ولكن أموال البخيل تضيع (٢)
وقال الداودي: إضاعة المال تؤدي إلى الفقر الذي يخشى منه الفتنة. وكان الشارع يتعوذ من الفقر وفتنته.
قال: وفيه دليل على فضل الكفاف على الفقر والغنى؛ لأن ضياع المال يؤدي إلى الفتنة بالفقر وكثرة السؤال، وربما خشي من الغنى الفتنة، قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦ - ٧] قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧]

----------
(١) هي الأشياء التي يتبايع بها في التجارة، «لسان العرب» ١/ ٤٠٢.
(٢) وقد قيل أيضًا:
وما ضاع مال ورث الحمد أهله … ولكن أموال البخيل تضيع



فنهى عما يؤدي إلى الحالتين، وألف قوم في تفضيل الغنى على الفقر، وعكس قوم، واحتج كلٌ، وسكتوا عن الحال التي هي أفضل منهما وهي التي دعا الله ورسوله إليها، وإنما الفقر والغنى محنتان وبليتان كان الشارع يتعوذ منهما، ولا يتعوذ من حالة فيها الفضل غير أن الغنى أضر من الفقر على أكثر الناس، وإنما توصف الأشياء بأكثرها.
وقال المهلب في «إضاعة المال»: يريد السرف في إنفاقه وإن كان فيما يحل، ألا ترى أنه - ﷺ - رد تدبير المعدم؛ لأنه أسرف على ماله فيما يحل ويؤجر فيه لكنه أضاع نفسه، وأجره في نفسه آكد من أجره في غيره.
ومن هنا اختلف العلماء في وجوب الحجر على البالغ المضيع لماله، فجمهور العلماء يوجب عليه الحجر صغيرًا كان أو كبيرًا. روي ذَلِكَ عن علي، وابن عباس، وابن الزبير، وعائشة، وهو قول مالك، والأوزاعي، وأبي يوسف، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (١).
وقال النخعي، وابن سيرين، وبعدهما أبو حنيفة، وزفر: لا حجر عليه (٢) يدل لهم حديث الذي يخدع في البيوع ولم يمنعه الشارع من التصرف، وللأولين حديث معاذ. ولعل يكون لنا عودة إليه في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما «كثرة السؤال» ففيه وجهان ذكرا عن مالك:
الأول: سؤال الشارع فإنه قال: «ذروني ما تركتكم» (٣).

------------
(١) انظر: «الهداية» ٣/ ٣١٥، «المعونة» ٢/ ١٥٩، «روضة الطالبين» ٤/ ١٨١، «المغني» ٦/ ٥٩٥.
(٢) انظر: «مختصر الطحاوي» ص ٩٧، «مختصر اختلاف العلماء» ٥/ ٢١٥.
(٣) رواه مسلم (١٣٣٧) كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر.



الثاني: سؤال الناس (١)، وهو ما فهمه البخاري وبوب عليه وقال ابن التين فيه وجوه:
أحدها: التعرض لما في أيدي الناس من الحطام بالحرص والشره وهو تأويل البخاري.
ثانيها: أن يكون في سؤال المرء ما نهي عنه من متشابه الأمور على مذهب أهل الزيغ والشك وابتغاء الفتنة، أو يكون على ما كانوا يسألون الشارع عن الشيء من الأمور من غير حاجة بهم إليه، فتنزل البلوى بهم كالسائل عمن يجد مع امرأته رجلًا. وأشد الناس جرمًا في الإسلام من سأل عن أمر لم يكن حرامًا فحرم من أجل مسألته، كما روي (٢).
وجاءت المسائل في القرآن على ضربين: محمودة: مثل ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: ١] ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ونحوه وبذلك أمر الرب ﷻ ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] ومذمومة: مثل ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: ٨٥] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢)﴾ [النازعات: ٤٢] وإليه يرجع قوله: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ﴾ [المائدة: ١٠١].
وأما حديث سعد فتقدم بفوائده في كتاب الإيمان، في باب: إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة (٣). وأسلفنا هناك أن (أراه) بفتح الهمزة، وأنه ضبط بضمها، وعليه اقتصر ابن التين هنا، أي: أظنه.

------------
(١) انظر: «المنتقى» ٧/ ٣١٥.
(٢) يشير المصنف رحمه الله إلى حديث سيأتي برقم (٧٢٨٩) كتاب: الاعتصام، باب: ما يكره من كثرة السؤال وتكلف ما لا يعنيه، ورواه مسلم (٢٣٥٨) كتاب: الفضائل، باب: توقيره - ﷺ - وترك كثرة سؤاله.
(٣) سلف برقم (٢٧).



وقوله: «أو مسلمًا» إنما نهاه أن يقطع بما لا يعلم غيبه. ومعنى «مسلمًا»: مستسلمًا يظهر بلسانه ما لا يعتقده بقلبه، وليس هذا المسلم الذي في قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ﴾ [الحج: ٧٨] والنبي - ﷺ - مع هبوط الوحي عليه لم يكن يعلم بحقيقة إيمان أحد إلا بوحي، وقد خفي عليه بعض المنافقين قال تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]
وقوله: (فضرب بيده فجمع بين عنقي وكتفي) سببه؛ لينبهه لاستماع ما يقول له، وأسلفنا أن (يكُبّه) بضم الكاف لأنه ثلاثي متعد، وإذا كان رباعيًّا كان غير متعد (١)، وهو شاذ؛ لأن سائر الأفعال إنما يؤتى بالهمزة فيها والتضعيف للتعدية.
وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا﴾، أي: كبوا على رءوسهم. وقال أبو عبيد: طرح بعضهم على بعض، والأصل كببوا، قلب من الباء كافًا استثقالًا للتضعيف. وقيل معناه: فجمعوا مشتق من الكبكبة وهي الجماعة. وقد أسلفنا هناك أن فيه فوائد: الشفاعة للرجل من غير أن يسألها ثلاثًا لما في الصدقات وغيرها.
وفيه: أن العالم يحب له أن يدعو الناس إلى ما عنده وإلى الحق والعلم بكل شيء حتَّى بالعطاء.
وفيه: أن الحرص على هداية غير المهتدي آكد من الإحسان إلى المهتدي.
وفيه: أنه يعطي من المال أهل النفاق، ومن على غير حقيقة الإسلام على وجه التألف، إذا طمع بإسلامه. وفي أحاديث الباب كلها الأمر بالمعروف، والاستفتاء، وترك السؤال. وفي الآية الثانية وهي قوله:

-----------
(١) في هامش الأصل: وله إخوة نحو ستة أو أكثر.


﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٧٣] ودليل قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب» الحديث، بيان قوله: «لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي» رواه ابن عمر وأبو هريرة (١)، وأن معناه خصوص لقوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية [البقرة: ٢٧٣] فدل على أنه لو زال عنهم الإحصار لقدروا على الضرب في الأرض، ودل ذَلِكَ على أنهم ذووا مِرة أقوياء، وقد أباح لهم تعالى أخذ الصدقة بالفقر خاصة. وكذلك قوله: «لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب» يدل على هذا المعنى؛ لأنه لا يقدر على ذَلِكَ إلا ذو المرة السوي، ولم تحرم عليه المسألة.
فذهب قوم إلى الأخذ بالحديث السالف: «لا تحل الصدقة لغني»
إلى آخره وقالوا: لا تحل لذي مرة سوي كالغني، هذا قول الشافعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيدة، ذكره ابن المنذر، وخالفهم آخرون فقالوا: كل فقير من قوى زمن فالصدقة له حلال، وتأولوا الحديث أن معناه: الخصوص هذا قول الطبري؛ لأنه لا خلاف بين جميع الأمة أن الصدقة المحرمة التي يكون أصلها محبوسًا وغلتها صدقة على الغني والفقير أنه يجوز للأغنياء أخذها وتملكها. فالحديث في الفرض لا في التطوع. وكذا أجمعوا على أن غنيًّا في بلده، لو كان في سفر

-------------
(١) حديث ابن عمر رواه ابن عدي في «الكامل» ٧/ ٣٨١، وحديث أبي هريرة رواه النسائي ٥/ ٩٩ كتاب: الزكاة، إذا لم يكن له دراهم وكان له عدلها، وابن ماجه (١٨٣٩) كتاب: الزكاة، باب: من سأل عن ظهر غنى، وأحمد ٢/ ٣٧٧، ٣٨٩.
وفي الباب من حديث عبد الله بن عمرو، وحبشي بن جنادة وطلحة، وجابر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، فمن شاء الوقوف عليها فليراجع «نصب الراية» ٢/ ٣٩٩ - ٤١٠، و«الإرواء» ٣/ ٣٨١ - ٣٨٥ (٧٨٨).



فذهبت نفقته، له أن يأخذ من الصدقة المفروضة ما يحمله إلى بلده. فالحديث مخصوص إذن، وأنه معني به بعض المفروضة؛ ولأن الله تعالى جعل في المفروضة حقًّا لصنوف من الأغنياء كالمجاهد، والعامل، وابن السبيل العاجز حالًا، وإن كان غنيًّا ببلده. وكذا ذو المرة السوي في حال تعذر الكسب عليه جائز له الصدقة المفروضة. وأما التطوع منها ففي كل الأحوال.
وقال الطحاوي: لا تحرم الصدقة بالصحة إذا أراد بها سد فقره، وإنما تحرم عليه إذا أراد بها التكثر والاستغناء (١). يدل على ذَلِكَ حديث سمرة السالف: «المسائل كدوح» إلى آخره فأباح فيه المسألة في كل أمر لا بد من المسألة فيه. وذلك إباحة المسألة في الحاجة لا بالزمانة. وروى يحيى بن سعيد، عن مجالد، عن الشعبي، عن وهب بن خنبش قال: جاء [رجل] (٢) إلى رسول الله - ﷺ - وهو واقف بعرفة، فسأله رداءه، فأعطاه إياه فذهب. ثم قال رسول الله - ﷺ -: «إن المسألة لا تحل إلا من فقر مدقع، أو غرم مفظع (٣)، ومن سأل الناس ليثرى به، فإنه خموش في وجهه، ورضف يأكله من جهنم، إن قليل فقليل، وإن كثير فكثير» (٤).
فأخبر في هذا الحديث أن المسألة تحل بالفقر والعدم، ولا تختلف في حال الزَّمِن والصحيح. وكانت المسألة التي أباها هي للفقير لا لغيره.
وكان بصحيح الأخبار عندنا يوجب أن من قصده - ﷺ - بقوله: «لا تحل

-----------------
(١)»شرح معاني الآثار«٢/ ١٨.
(٢) زيادة مسند»شرح ابن بطال«نسيها المصنف.
(٣) في الأصل: مفضع، ولعل الصواب ما أثبتناه.
(٤) رواه الطحاوي في»شرح معاني الآثار" ٢/ ١٩.



الصدقة لذي مرة سوي» هو غير من استثناه في هذِه الآثار، وأن الذي تحرم عليه الصدقة من الأصحاء: هو الذي يريد أن يتكثر ماله بالصدقة، حتَّى تصح هذِه الآثار وتتفق معانيها، ولا تتضاد، وتوافق معنى الآية المحكمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ﴾ الآية [التوبة: ١٠١]؛ لأن كل من وقع عليه اسم صنف من تلك الأصناف فهو من أهل الصدقة التي جلعها الله تعالى لهم في كتابه، وسنة رسوله، زَمِنًا كان أو صحيحًا.
فهذا الذي حملنا عليه وجوه هذِه الآثار، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف، ومحمد. قال ابن بطال: وهو قول مالك أيضًا فيما رواه المغيرة عنه أنه يعطى القوي البدن من الزكاة، ولا يمنع لقوة بدنه (١).
خاتمة:
في بعض نسخ البخاري عقب الحديث الأخير (٢)، وقال أبو عبد الله: صالح بن كيسان أكبر من الزهري، وهو قد أدرك ابن عمر.
ومشى عليها ابن التين فقط. فقال: قول البخاري: صالح: إلى آخره هو كما قال. وقد ذكر أن الزهري أدرك ابن عمر وروى عنه.
قُلْتُ: وجماعات غيره، ذكرتهم في «المقنع في علوم الحديث»، وذِكْرها عقب الثالث أنسب (٣).
والزهري اسمه: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب إمام جليل، أعلم أهل زمانه بهذا الفن.

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٢٣.
(٢) في هامش الأصل ما نصه: في نسختي هذِه الزيادة بعد الحديث الثالث وهي أوجه.
(٣) «المقنع في علوم الحديث» ١/ ١٣١.



٥٤ - باب خَرْصِ التَّمْرِ
١٤٨١ - حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ بَكَّارٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرَى، إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - لأَصْحَابِهِ: «اخْرُصُوا». وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا». فَلَمَّا أَتَيْنَا تَبُوكَ قَالَ: «أَمَا إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ». فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَأَلْقَتْهُ بِجَبَلِ طَيِّئٍ، وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ - ﷺ - بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ بُرْدًا وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ، فَلَمَّا أَتَى وَادِيَ القُرَى قَالَ لِلْمَرْأَةِ: «كَمْ جَاءَ حَدِيقَتُكِ؟». قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ خَرْصَ رَسُولِ اللهِ - ﷺ -. فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «إِنِّي مُتَعَجِّلٌ إِلَى المَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ». فَلَمَّا -قَالَ ابْنُ بَكَّارٍ كَلِمَةً مَعْنَاهَا- أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ: «هَذِهِ طَابَةُ». فَلَمَّا رَأَى أُحُدًا قَالَ: «هَذَا جُبَيْلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأَنْصَارِ؟». قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ، أَوْ دُورُ بَنِي الحَارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ، وَفِي كُلِّ دُورِ الأَنْصَارِ» يَعْنِي: خَيْرًا. [١٨٧٢، ٣١٦١، ٣٧٩١، ٤٤٢٢ - مسلم: ١٣٩٢ (كتاب الفضائل- باب (٣) بعد حديث ٧٠٦ - فتح: ٣/ ٣٤٣]

١٤٨٢ - وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِي عَمْرٌو: «ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غَزِيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ: حَدِيقَةٌ. [فتح: ٣/ ٣٤٤]
ذكر فيه حديث عَمْرِو بْنِ يَحْيَى، عَنْ عَبَّاسٍ السَّاعِدِيِّ، عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ - ﷺ - غَزْوَةَ تبوكَ، فَلَمَّا جَاءَ وَادِيَ القُرى، إِذَا امْرَأَةٌ فِي حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّﷺ - لأصْحَابِهِ: «اخْرُجوا». وَخَرَصَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - عشَرَةَ أَوْسُقٍ، فَقَالَ لَهَا: «أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا» .. الحديث.


وفي آخره: فَلَمَّا رَأى أُحُدًا قَالَ: «هذا جُبْلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ، أَلا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الأنصَارِ؟». قَالُوا: بَلَى. فذكره.
وقًالَ سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ حَدَّثَنِي عَمْروٌ: «ثُمَّ دَارُ بَنِي الحَارِثِ، ثُمَّ بَنِي سَاعِدَةَ». وَقَالَ سُلَيْمَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ غزيَّةَ، عَنْ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «أُحُدٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ». قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: كُلُّ بُسْتَانٍ عَلَيْهِ حَائِطٌ فَهْوَ حَدِيقَةٌ، وَمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِطٌ لَمْ يَقُلْ: حَدِيقَةٌ.
الشرح:
الكلام عليه من أوجه: (قال البزار: ولا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا عن أبي حميد وحده) (١).
أحدها:
غزوة تبوك تسمى: العسرة، والفاضحة، وهي من المدينة على أربع عشرة مرحلة وبينها وبين دمشق إحدى عشرة مرحلة في رجب يوم الخميس سنة تسع (٢).
قال الداودي: وهي آخر غزواته، ولم يعذر أحدًا تخلف عنها، وكانت في شدة الحر، وإقبال الثمار، ولم يكن فيها قتال. قال ابن التين: لعله يريد آخر غزواته بنفسه، وإلا فقد ذكر الشيخ أبو محمد أنها في سنة تسع، خرج إليها في أول يوم من رجب، واستخلف عليًّا على المدينة. ومكرت في هذِه الغزوة برسول الله - ﷺ - طائفة من المنافقين أرادوأ أن يلقوه من العقبة، فنزل فيهم ما في براءة (٣). ورجع في سلخ شوال منها.

---------------
(١) هكذا جاءت في الأصل وكأنها مقحمة على النص.
(٢) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٣٠٣، و«معجم البلدان» ٢/ ١٤ - ١٥.
(٣) رواه ابن أبي حاتم في «تفسيره» ٦/ ١٨٤٤، والبيهقي في «دلائله» ٥/ ٢٥٦ - ٢٥٧، =



قُلْتُ: وقيل في رمضان. قال: وبعث عليًّا في سنة عشر إلى اليمن (١) وبعث فيها أسامة بن زيد إلى الداروم (٢) من أرض مصر (٣) فغنم وسلم (٤).
وبعث أيضًا في سنة عشر عيينة بن حصن إلى بني العنبر يدعوهم فلم يجيبوا، فقتل منهم وسبى (٥).
وبعث جريرًا إلى ذي الكلاع سنة إحدى عشرة يدعوه إلى الإسلام، فأسلم (٦). ولم تأت غزوة إلا ورى النبي - ﷺ - بغيرها إلا تبوك. وقال ابن سيده: تبوك: اسم أرض، وقد تكون تبوك تفعل (٧). وزعم ابن قتيبة أن رسول الله - ﷺ - جاء في غزوة تبوك وهم يبوكون حسيها بقدح، فقال: «ما زلتم تبوكونها بعد» فسميت تبوك. ومعنى تبوكون: تدخلون فيه السهم، وتحركونه ليخرج ماؤه (٨).

--------------
= وذكره الواحدي في «أسباب النزول» ص ٢٥٧ (٥١٦)، البغوي في «معالم التنزيل» ٤/ ٧٥، السيوطي في «الدر» ٣/ ٤٦٦ وعزاه للبيهقي في «دلائله».
(١) رواه ابن سعد في «طبقاته» ٢/ ١٦٩، ٣٣٧، وانظر: «البداية والنهاية» ٥/ ٢٢٩، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٣ - ٢٧٤.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: قوله (الداروم) كذا صواب النطق به، أعني: بالميم، وقوله من أرض مصر فيه نظر، إذ الشام من العريش إلى الفرات .. والعريش بعدها، فهي شاميَّة.
(٣) الداروم تقع في أرض الشام وليست في أرض مصر، انظر: «معجم البلدان» ٢/ ٤٢٤، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٨.
(٤) انظر: سيرة ابن هشام ٤/ ٢٧٨.
(٥) رواه البخاري معلقًا عن ابن إسحاق كتاب: المغازي، باب: ٦٨، وانظر: «تاريخ الطبري» ٢/ ٢٠٩، و«الإصابة» ١/ ٥٥ و٣/ ٥٤ و٢٠١.
(٦) انظر: «الطبقات الكبرى» ١/ ٢٦٥ - ٢٦٦، و«تاريخ الطبري» ٢/ ٢٢٦، و«الاستيعاب» ١/ ٣٠٩ - ٣١٠، ٢/ ٥٣، و«الإصابة» ١/ ٣٨٢.
(٧) «المحكم» ٦/ ٤٨٤ وفيه: تبوك تفعول، لا كما ذكر هنا: تفعل.
(٨) انظر: «تفسير القرطبي» ٨/ ٢٨٠، و«معجم ما استعجم» ١/ ٣٠٣.



ثانيها:
وادي القرى، ذكر السمعاني أنها مدينة قديمة بالحجاز مما يلي الشام. وذكر صاحب «المطالع» أنها من أعمال المدينة.
ثالثها:
الحديقة: الأرض ذات الشجر. قاله ابن فارس (١) وقال الهروي: إنها كل ما أحاط به البناء. وكذلك قال البخاري وغيرهما.
وقال ابن سيده: هي من الرياض كل أرض استدارت، وقيل: كل أرض ذات شجر مثمر ونخل، وقيل: البستان والحائط، وخص به بعضهم الجنة من النخل والعنب، وقيل: حفرة تكون في الوادي يحبس الماء فيه، وإن لم يكن الماء في بطنه فهو حديقة. والحديقة: أعمق من الغدير، والحديقة: القطعة من الزرع. وكله في معنى الاستدارة (٢).
وفي «الغريبين» يقال للقطع من النخل: حديقة.
رابعها:
الخرص: الحزر لما على النخل تمرًا يقال: خرصت تمر النخل خرصًا، وكم خرص أرضك بالكسر والفتح، كما قاله المازني. قال ابن سيده: وهو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم (٣) والخراص: الحزار، خرص العدد يخرصه -بكسر الراء وضمها- خرصًا -بفتح الخاء وكسرها- حزره.

---------------
(١) «مجمل اللغة» ١/ ٢٢٢.
(٢) انتهى من «المحكم» ٢/ ٣٩٦ بتصرف.
(٣) «المحكم» ٥/ ٣٥.



خامسها:
كيفية الخرص أن يطوف النخيل، ويحزر عناقيدها رطبًا، ثم تمرًا.
ويتعين إفراد كل نخلة بالنظر لتفاوت الأرطاب إن اتحد النوع. فإن اختلف جاز أيضًا، وأن يطوف بالجميع، ثم يخرص الجميع دفعة. وعبارة ابن الحاجب: ويخرص نخلة نخلة ويسقط سقطه (١).
سادسها:
فيه حجة على أبي حنيفة وصاحبيه في منع الخرص، وأنه يؤدي عشر ما يحصل بيده زاد الخرص أو نقص، إذ فعله الشارع وأصحابه، فهو حجة للجمهور منهم: أبو بكر، وعمر، والزهري، وعطاء، وأبو ثور، ومالك، والشافعي، وأحمد (٢).
وروى أبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث سعيد بن المسيب، عن عتاب (٣) بن أسيد: أمر رسول الله - ﷺ - أن يخرص العنب كما يخرص النخل، وتؤخذ زكاته زبيبًا كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا، حسنه الترمذي، وصححه ابن حبان (٤) (٥).
وقال أبو داود: لم يسمع سعيد من عتاب (٦).

------------
(١) «مختصر ابن الحاجب» ص ٨٢. (١٥٧).
(٢) انظر: «المعونة» ١/ ٢٥٥، «العزيز» ٣/ ٧٨، «الكافي» ٢/ ١٤١.
(٣) ورد في هامش الأصل ما نصه: لا خلاف أنّ سعيدا ولد في خلافة عمر، ولم يسمع من عمر على الصحيح، وعتاب توفي يوم توفي الصديق.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٧٣ - ٧٤ (٣٢٧٨ - ٣٢٧٩) كتاب: الزكاة، باب: العشر.
(٥) رواه أبو داود (١٦٠٣ - ١٦٠٤)، الترمذي (٦٤٤)، النسائي ٥/ ١٩، ابن حبان ٨/ ٧٣ - ٧٤ (٣٢٧٨ - ٣٢٧٩)، ابن ماجة (١٨١٩) وابن نافع في «معجم الصحابة» ٢/ ٢٧٠، والبيهقي ٤/ ١٢٢.
(٦) وقال ابن قانع: لم يدرك سعيد بن المسيب عتاب بن أسيد والحديث ضعفه ابن =



وهو حجة على إلحاق العنب بالنخل. وهو حجة على داود حيث قال: لا خرص إلا في النخيل فقط (١)، وإنما يخرص إذا بدا صلاحه، ولا يخرص الحب لاستتاره. وقول الشعبي: الخرص بدعة (٢). والثوري: خرص الثمار لا يجوز لا تحل حكايته عندي.
قال ابن قدامة: وممن كان يرى الخرص سهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، والحسن، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم بن أبي المخارق، وأبو عبيد بن سلام، وأكثر أهل العلم (٣).

--------------
= حزم وقال: سعيد لم يولد إلا بعد موت عتاب بسنتين. وعتاب لم يوله النبي - ﷺ - إلا مكة ولا زرع بها ولا عنب «المحلى» ٥/ ٢٢٣. ونقل ابن عبد البر في «الاستذكار» ٩/ ٢٤٦ عن داود الظاهري قال: إنه منقطع. لم يسمع سعيد من عتاب.
وقال هو في موضع لاحق ٢١/ ٢١٣: حديث ليس بمتصل عند أهل العلم؛ لأن عتاب بن أسيد مات بمكة في اليوم الذي مات فيه أبو بكر الصديق، أو في اليوم الذي ورد النعي بموته، وسعيد بن المسيب إنما ولد لسنتين مضتا لخلافة عمر، فالحديث مرسل على كل حال.
وممن أعله بذلك وضعف الحديث أيضًا، المنذري في «مختصرالسنن» ٢/ ٢١١، وعبد الحق في «أحكامه» ٢/ ١٧٨. والنووي في «مجموعه» ٥/ ٤٣٠ - ٤٣١ فقال: هو مرسل، والإمام تقي الدين ابن دقيق العيد في «الإمام» فيما نقله عنه المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٤٠، والمصنف في نفس الموضع مؤكدًا ذلك.
وكذا الألباني فقال في «ضعيف أبي داود» (٢٨٠): إسناده ضعيف. وضعفه في «الإرواء» (٨٠٧).
وخالف ذلك كله الحافظ ابن كثير فقال في «الإرشاد» ١/ ٢٥٣: إسناده حسن!
ذكره مرة أخرى ١/ ٢٥٤ ونقل كلام أبي داود وتحسين الترمذي، وسكت!
(١) انظر: «بداية المجتهد» ٢/ ٥٢٥.
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» ٤/ ١٢٧ (٧٢١١) كتاب: الزكاة، باب: الخرص.
(٣) «المغني» ٤/ ١٧٣ - ١٧٤.



وكذا عدد ابن المنذر جماعة، ثم قال: وعامة أهل العلم. قال: وخالف ذَلِكَ أبو حنيفة وأصحابه.
فرع:
المشهور عن الشافعي إدخال جميعه في الخرص، ولا يترك للمالك نخلة أو نخلات يأكلها أهلها، خلافًا لنصه في البويطي (١)، وعند أحمد يلزم الخارص أن يترك الثلث أو الربع في الخرص توسعة على أرباب الأموال. وبه قال إسحاق، والليث (٢).
وقال ابن حبيب: يخفف عن ربه، ويوسع عليه، وهو خلاف مشهور في مذهب مالك (٣)،
وفيه حديث جيد من طريق سهل بن أبي حثمة، صححه ابن حبان والحاكم (٤).

------------
(١) انظر: «المجموع» ٥/ ٤٦٠.
(٢) انظر: «المغني» ٣/ ١٧٧، «الفروع» ٢/ ٤٣٣.
(٣) قال أبو الوليد الباجي رحمه الله في «المنتقى» ٢/ ١٦٠: وهل يخفف في الخرص على أرباب الأموال أم لا؟ المشهور من مذهب مالك أنه لا يُلْغَى له شيء، وقال ابن حبيب: يخفف عنهم، ويوسع عليهم. وقال الشيخ أبو محمد: هذا خلاف مذهب مالك، وحكى القاضي أبو محمد الروايتين عن مالك، انظر: في «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦٦، «الذخيرة» ٢/ ٩١.
(٤) «صحيح ابن حبان» ٨/ ٧٥ (٣٢٨٠)، «المستدرك» ١/ ٤٠٢.
ورواه أيضًا أبو داود (١٦٠٥)، والترمذي (٦٤٣)، والنسائي ٥/ ٤٢.
وصححه كذلك ابن الجارود ٢/ ١٥ - ١٦ (٣٤٨)، عبد الحق ٢/ ١٧٨ - ١٧٩، والنووي في «المجموع» ٥/ ٤٦٠، والمصنف هنا، وفي «البدر المنير» ٥/ ٥٤٥ - ٥٤٧ إشارة. لكن أعله ابن القطان في «بيانه» ٤/ ٢١٥ بعبد الرحمن بن مسعود بن نيار -قلت: هو راويه عن سهل بن أبي حثمة.
وقال النووي ٥/ ٤٦٠ - بعد أن قال: إسناده صحيح-: إلا عبد الرحمن فلم يتكلموا فيه بجرح ولا تعديل ولا هو مشهور، ولم يضعفه أبو داود، والله تعالى =



وقال الشافعي في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يدل على أنه لا يحتسب بالمأكول قبل الحصاد (١). وتحمل الآية على العموم أي: آتوا جميع حق المأكول والباقي.
فرع:
لو كانت هذِه الثمرة لا يجيء منها تمر ولا زبيب فيخرصها على ما يكون فيها لو أثمرت. ذكره ابن التين. ومن يقول بالقيمة التخريص عنده لأجل النصاب. وأغرب ابن العربي فقال في «مسالكه»: لم يصح حديث عتاب، ولا حديث سهل (٢).
فرع:
يكفي خارص واحد على الأصح عندنا وبه قال مالك (٣).
سَابِعُها:
اعتذر من منع من الخرص بجن حديث الباب أراد به معرفة مقدار ما
في نخلها خاصة، ثم يأخذ منها الزكاة وقت الصرام على حسب ما يجب

-------------
= أعلم. أهـ. وكذا ضعفه الإمام ابن دقيق العيد في «إلمامه» ص ٢٢١ - ٢٢٢، وفي «إمامه» كما نقله عنه المصنف في «البدر» ٥/ ٥٤٧. وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٨١)، وفي الضعيفة (٢٥٥٦).
(١) انظر: «مختصر المزني» ١/ ٢٢٩ - ٢٣٠، «الحاوي» ٣/ ٢٣٨.
(٢) قلت: حديث عتاب أعله أكثرهم، وحديث سهل أعله غير واحد. والله أعلم.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٦٠، وقال النووي رحمه الله: وهل يكفي خارص واحد أم يشترط اثنان؟ فيه طريقان:
أحدهما: القطع بخارص، كما يجوز حاكم واحد، وبهذا الطريق قال ابن سريج والإصطخري، وقطع به جماعة من المصنفين. وأصحهما وأشهرهما، وبه قطع «المصنف» والأكثرون فيه قولان. قال الماوردي: وبهذا الطريق قال أبو إسحاق، وابن أبي هريرة وجمهور أصحابنا المتقدمين، أصحهما باتفاقهم خارص.=



فيها. وأيضًا فقد خرص حديقتها، وأمر أن تحصى، وليس فيه أنه جعل زكاتها في ذمتها، وأمرها أن تتصرف في ثمرها كيف شاءت. وإنما كان يفعل ذَلِكَ تخفيفا لئلا يخونوا، وإن لم يعرفوا مقدار ما في النخيل ليأخذوا الزكاة وقت الصرام هذا معنى الخرص.
قال الطحاوي: ولم يأت في هذِه الآثار أن الثمرة كانت رطبًا حينئذٍ (١). وقال ابن العربي: لا يصح في الخرص إلا حديث الباب.
ويليه حديث ابن رواحة في الخرص على اليهود.
وهذِه المسألة عسرة جدًّا؛ لأنه ثبت عنه خرص العنب، ولم يثبت عنه خرص الزبيب، وكان موجودًا في حياته وكثيرًا في بلاده. ولم يثبت عنه خرص النخل إلا على اليهود؛ لأنهم كانوا شركاء وكانوا غير أمناء، وأما المسلمون فلم يخرص عليهم.
قال الماوردي: واحتج أبو حنيفة بما رواه جابر مرفوعًا: «نهي عن الخرص» (٢) وبما رواه جابر بن سمرة أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع كل ذي ثمرة بخرص (٣). وبأنه تخمين وقد يخطئ، ولو جوزنا لجوزنا خرص الزرع وخرص الثمار بعد جدادها، وهي أقرب إلى الأبصار من خرص ما على الأشجار، فلما لم يجز في القريب، لم يجز في البعيد. ولأن تضمين رب المال قدر الصدقة. وذلك غير جائز لأنه بيع رطب بتمر.
والثاني: بيع حاضر بغائب (٤).

-----------
= والثاني: يشترط اثنان كما يشترط في التقويم اثنان، «المجموع» ٥/ ٤٦٠.
(١) «شرح معاني الآثار» ٢/ ٣٩.
(٢) رواه أحمد ٣/ ٣٩٤، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٢/ ٤١.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٣.
(٤) «الحاوي» ٣/ ٢٢١.



وأيضًا فهو من المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمرة على رءوس النخل بالتمر كيلًا.
وأيضًا فهو من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل، ومن النسيئة. وقالوا: الخرص منسوخ بنسخ الربا.
واستدل من رآه بحديث ابن عباس في بعث النبي - ﷺ - ابن رواحة إلى خيبر حين كان يصرم النخل، فحزر النخل وهو الذي يسميه أهل المدينة الخرص. أخرجه أبو داود (١) وأخرج أيضًا من حديث عائشة مثله. قال الدارقطني: وروي مرسلًا ومسندًا (٢).
وبحديث جابر قال: أفاء الله تعالى خيبر على رسوله، فبعث ابن رواحة فخرصها عليهم عشرين ألف وسق، أخرجه الدارقطني كذلك (٣)، وابن أبي شيبة في «مصنفه». وقال: بأربعين ألف وسق (٤).

--------------
(١) «أبو داود» (٣٤١٠) ورواه أيضًا ابن ماجه (١٨٢٠). قال الألباني في «الإرواء» ٣/ ٢٨٢: إسناده جيد. وحسنه في «صحيح ابن ماجه» (١٤٧٣).
(٢) «سنن أبي داود» (١٦٠٦ و٣٤١٣). وقال الحافظ ابن كثير في «الإرشاد» ١/ ٢٥٥: رجال إسناده على شرطهما، ولكن قال البخاري: ليس بمحفوظ. والحديث يرويه حجاج عن ابن جريج قال: أخبرت عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة.
لذا قال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٤٣: فيه جهالة المخبر لابن جريج. وقال الحافظ في «التلخيص» ٢/ ١٧١: فيه جهالة الواسطة.
وقال الألباني في «ضعيف أبي داود» (٢٨٢): إسناده ضعيف، لجهالة المخبر.
وقال في «الإرواء» ٣/ ٢٨١: رجاله ثقات كلهم غير أنه منقطع.
(٣) «سنن الدارقطني» ٢/ ١٣٣ - ١٣٤. قال المصنف في «البدر المنير» ٥/ ٥٣٥ - ٥٣٦: قال المنذري: رجال إسناده. كلهم ثقات. وقال الألباني في «الإرواء» ٣/ ٢٨١: إسناده رجاله ثقات كلهم لولا أن أبا الزبير مدلس وقد عنعنه.
(٤) «المصنف» ٢/ ٤١٥ (١٠٥٦١) كتاب الزكاة، ما ذكر في خرص النخل، و٧/ ٢٩٣ (٣٦١٩٩) كتاب: الرد على أبي حنيفة.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #297  
قديم 09-02-2026, 05:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 531 الى صـــ 550
الحلقة (297)






وبحديث البيهقي، عن [الصلت بن زُييد] (١)، عن أبيه، عن جده أنه - ﷺ - استعمله على الخرص فقال: أثبت لنا النصف، وأبق لهم النصف، فإنهم يسرقون، ولا يصل إليهم .. الحديث.
وفيه قال محمد: فَحَدَّثْتُ بهذا الحديث عبيد الله بن عمر، فقال: قد ثبت عندنا أن النبي - ﷺ - قال: «أبق لنا الثلثين» قال الحافظ أبو بكر: هذا إسناد مجهول (٢).
قال الماوردي: فمن خراصين رسول الله - ﷺ - حويصة، ومحيصة، (وبردة بن عمر) (٣)، وعمر بن الخطاب. وروي عن أبي بكر أنه بعث ابنه (عبد الله) (٤) خارصًا على أهل خيبر (٥).
قال: وليس لأبي بكر، وعمر في ذَلِكَ مخالف، فثبت أنه إجماع.
وقال ابن القصار: ما هرب منه أبو حنيفة من تضمين أرباب الأموال حق الفقراء، فإن أصحاب الشافعي لا يضمنون أرباب الأموال؛ لأن الثمرة لو تلفت بعد الخرص لم يضمنهم شيئًا.
قال ابن المنذر: أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخارص إذا خرص

-------------
(١) في الأصل: (الصلت عن ابن زييد)، والمثبت كما في كتب التراجم و«سنن البيهقي»، و«التاريخ الكبير» ٤/ ٣٠١، و«الثقات» ٦/ ٤٧٢ وتصحف عندهم إلى (زبيد) وذكره ابن ناصر في «توضيح المشتبه» ٤/ ٢٧٠ على الصواب وذكر الحديث.
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٢٣ - ١٢٤ كتاب: الزكاة.
(٣) كذا بالأصل، والصواب كما جاء في كلام الماوردي في «الحاوي» ٣/ ٢٢٢، وأبي بردة وابن عمر.
(٤) كذا بالأصل، والصواب عبد الرحمن كما في كلام الماوردي.
(٥) «الحاوي» ٣/ ٢٢١ - ٢٢٢ و٢٢٣.



الثمر، ثم أصابه جائحة أنه لا شيء عليه إذا كان ذَلِكَ قبل الجداد، ولأنا نخرصها لنعرفهم لئلا يشق عليهم، ويضمنون حق الفقراء، فرفقنا بالفريقين. ودعواهم أنه منسوخ بنسخ الربا جوابه أن بعض آية الربا منسوخة بالخرص، ومخصوصة كما خصت الحوالة من بيع الدين بالدين، والقرض من بيع الذهب والفضة بمثلهما إلى أجل، والإقالة، والشركة من بيع الطعام قبل قبضه، وكذلك العرية والخرص ليس بربا، وإنما هو ليعرف حق المساكين. وقولهم: أنه ظن فالشريعة وردت بالعمل بغلبة الظن كثيرًا، ومحل الجواب عن الشبه كتب الخلافيات، وقد أشرنا إليها.
ثامنها: قوله - ﷺ -: «ستهُب الليلة ريح» هو بضم الهاء مثل كب يكب.
وهذا باب المضعف؛ لأنه مع عينه إذا كان متعديًا أن يكون مضمومًا إلا حبَّه يحبُّه خاصة، فإنه مكسور. وأحرف نادرة جاء فيها الوجهان إذا كان لازمًا مثل عد يعد، وضل يضل.
وفيه: أنه - ﷺ - كان يخبر ببعض ما يكون قبل كونه، وإنما يقول عن الوحي، وهو من أعلام نبوته.
تاسعها (١):
قوله: وأهدى ملك أيلة .. إلخ. فيه قبول هدية طاغية الكفار، وسيأتي بسط الكلام فيه في كتاب الهبة إن شاء الله. واسم ملك أيلة يوحنا بن رؤبة. وأيلة: مدينة على شاطئ البحر في منتصف ما بين مصر ومكة على وزن فعلة. هذا قول أبي عبيدة. وقال محمد بن حبيب: أيلة: شعبة من رضوى، وهو جبل ينبع. وقال البكري: الذي

-------------
(١) وقعت في الأصل ثالثها، والصواب: تاسعها.


ذكر أبو عبيدة صحيح، وقال الأحول: سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم - ﷺ -. وقد روي أن أيلة: هي القرية التي كانت حاضرة البحر (١).
وقوله: وكساه بُردًا: يريد أنه - ﷺ - كسا طاغيتهم بردًا.
وقوله: وكتب لهم ببحرهم، وفي نسخة: ببحيرهم أمنهم يريد أهل البحر. وقال الخطابي بحرتهم: أرضهم وبلدهم (٢).
وقوله: قال للمرأة: «كم جاء حديقتك» قالت: عشرة أوسق.
فيه: تصديق المرأة، وأنها مؤمنة، ذكره الداودي. ويحتمل كما قال ابن التين أن يكون إنما صدقها لتوافق خرصه.
وقد اختلف إذا زاد أو نقص على ما خرصه، فثلاثة أقوال عند المالكية. قال ابن نافع: تؤدى الزيادة، خرصه عالم أو غيره، ويرد في النقص إلى ما ظهر. وهذا هو القياس؛ لأن الزكاة في أوسق معلومة، وخطأ الخارص لا يوجب أن يكون حكمًا. وقيل: إن خرصه عالم فلا شيء عليه في الزيادة، وإن خرصه غير عالم زكى الزيادة. والذي في «المدونة» أنه إذا خرص عليه أربعة فجدَّ خمسة أحب أن يؤدى زكاتها (٣).
وفيه: تدريب الإمام أصحابه، وتعليمهم أمور الدنيا، كما يعلمهم أمور الآخرة؛ لأنه قال لهم: «اخرصوا» وقوله: «إني متعجل إلى المدينة فمن أراد منكم أن يتعجل معي فليتعجل» إنما أذن لهم؛ لئلا يستأثر دونهم بذلك، وأذن لمن شاء؛ لأنه لا يمكن لجميعهم التعجيل.
وقوله: «هذه طابة» هو اسم من أسمائها، ويقال: طيبة ومعناه:

-----------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ١/ ٢١٧، «معجم البلدان» ١/ ٢٩٢ - ٢٩٣.
(٢) «أعلام الحديث» ٢/ ٨١٢.
(٣) انظر: «المدونة» ١/ ٢٨٤، «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦٧، «المنتقى» ٢/ ١٦٢.



طيِّبة، يقال: طيب وطاب (١).
وقوله: «هذا جبل يحبنا ونحبه» لا منع من حمله على الحقيقة، ولا حاجة إلى إضمار فيه أي: أهله وهم الأنصار. فقد ثبت أن حراء ارتج تحته، وكلمه، وقال: «اثبت فلبس عليك إلا نبي، وصديق، وشهيدان» (٢).
وحن الجذع اليابس إليه حتَّى نزل وضمه، وقال: «لو لم أضمه لحن إلى يوم القيامة» (٣)، وكلمه الذئب (٤)، وسجد له البعير (٥)، وأقبل إليه

-------------
(١) انظر: «معجم ما استعجم» ٣/ ٩٠٠، و«معجم البلدان» ٤/ ٥٢/ ٥٣.
(٢) سيأتي برقم (٣٦٧٥) كتاب: «فضائل الصحابة» باب: قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا».، وبرقم (٣٦٨٦) باب: مناقب عمر بن الخطاب، وبرقم (٣٦٩٧) باب: مناقب عثمان بن عفان.
(٣) رواه ابن ماجه (١٤١٥) كتاب: إقامة الصلاة والسنة فيها، باب: ما جاء في بدء شأن المنبر، وأحمد ١/ ٢٤٩، ٢٦٦، ٣٦٣، والبخاري في «التاريخ الكبير» ٧/ ٢٦، وابن سعد في «طبقاته» ١/ ٢٥٢، وأبو يعلى ٦/ ١١٤ (٣٣٨٤)، والطبراني ١٢/ ١٨٧ (١٢٨٤١)، والضياء في «المختارة» ٥/ ٣٧ - ٣٨، وصححه الألباني في «الصحيحة» ٥/ ٢٠٦ (٢١٧٤)، وهذا الحديث سيأتي برقم (٣٥٨٣) في المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، بلفظ آخر.
(٤) رواه البيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٣٩ - ٤٠.
(٥) رواه أحمد ٣/ ١٥٨ - ١٥٩ من حديث أنس بن مالك، وأبو نعيم في «دلائل النبوة» ٢/ ٣٨٥ (٢٨٧)، والضياء في «الأحاديث المختارة» ٥/ ٢٦٥ - ٢٦٦ (١٨٩٥)، والبزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٥١ - ١٥٢ (٢٤٥٤)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٩/ ٩ وقال: رواه أحمد والبزار، ورجاله رجال الصحيح غير حفص بن أخي أنس، وهو ثقة. وفي الباب من حديث: عصمة بن مالك الخطمي رواه الطبراني ١٢/ ١٨٣ (٤٦٨)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٤/ ٣١٠ - ٣١١، وقال: رواه الطبراني، وفيه: الفضل بن المختار، وهو ضعيف.
ومن حديث عبد الله بن مسعود، رواه الطبراني في «الأوسط» ٩/ ٨١ - ٨٢ (٩١٨٩)، ومن حديث عبد الله بن أبي أوفى، رواه أبو نعيم في «دلائل النبوة» ٢/ ٣٨٤ - ٣٨٥ (٢٨٦)، والبيهقي في «دلائل النبوة» ٦/ ٢٩.



الثعبان (١)، وسلم عليه الحجر (٢)، وكلمه اللحم المسموم أنه مسموم (٣)، فلا ينكر حب الجبل له. قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩] يعني: المواضع التي كانوا يصلون عليها، وأبواب السماء التي كان يصعد منها عملهم. وحبُّ النبي - ﷺ - الجبل؛ لأن به قبور الشهداء، ولأنهم لجأوا إليه يوم أحد فامتنعوا.
----------
(١) رواه السهمي في «تاريخ جرجان» ص ٦١٥ - ٦١٦.
(٢) رواه مسلم (٢٢٧٧) كتاب: الفضائل، باب: فضل نسب النبي - ﷺ - وتسليم الحجر عليه قبل النبوة.
(٣) روي هذا الحديث موصولًا من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وكذلك مرسلًا.
حديث أبي هريرة رواه الطبراني ٢/ ٣٤ (١٢٠٢)، وذكره الهيثمي في «المجمع» ٦/ ٢٩١ وقال: رواه الطبراني، وفيه: سعيد بن محمد الوراق، وهو ضعيف.
وحديث أبي سعيد الخدري: رواه البزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٤١ (٢٤٢٤)، وقال البزار: لا نعلم يروى عن أبي سعيد إلا من هذا الوجه، والحاكم في «المستدرك» ٤/ ١٠٩ كتاب: الأطعمة، وقال: هذا حديث صحيح ولم يخرجاه وذكره الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٩٥ وقال: رواه البزار، ورجاله ثقات.
وحديث أنس: رواه البزار كما في «كشف الأستار» ٣/ ١٤٠ - ١٤١ (٢٤٢٣)، وقال البزار: تفرد به أنس، ولا نعلم رواه إلا يزيد عن مبارك.
وذكره الهيثمي في «المجمع» ٨/ ٢٩٥ وقال: رواه البزار ورجاله رجال الصحيح غير مبارك بن فضالة، وهو ثقة، وفيه ضعيف.
أما المرسل: فرواه أبو داود (٤٥١٢) كتاب: الديات، باب: فيمن سقى رجلًا سمًّا أو أطعمه فمات، أيقاد منه؟ وقال الألباني: حسن صحيح.
ورواه ابن سعد في «طبقاته» ١/ ١٧٢، والدارمي في «مسنده» ١/ ٢٠٧ - ٢٠٨ (٦٨).
وأصل هذا الحديث سيأتي برقم (٢٦١٧) كتاب: الهبة، باب: قبول الهدية من المشركين، ورواه مسلم (٢١٩٠) كتاب: السلام، باب: السم، من حديث أنس: أن يهودية أتت النبيﷺ - بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها، فقيل .. الحديث.



وقوله: «ألا أخبركم بخير دور الأنصار؟» يروى (١) أن سعد بن عبادة لحق برسول الله - ﷺ - فقال: أجعلتنا من آخرهم. قال: «أما ترضى أن تكون من الأخيار» (٢).
وقوله: -قبل ذَلِكَ- (فقام رجل فألقته بجبل طيِّئ). وفي نسخة بجبلي طيِّئ. قال الكلبي في كتابه «أسماء البلدان»: هما: أجا وسلمئ، وذلك أن سلمى بنت حام بن حُمَّى بن نزاوة من بني عمليق، كانت لها حاضنة يقال لها: العوجاء، وكانت الرسول بينها وبين أجا بن عبد الحي من العماليق فعشمقها وهرب بها وبحاضنتها إلى موضع جبلي طيِّئ، وبالجبلين قوم من عاد. وكان لسلمى إخوة، وهي أول من تسمى بسلمى، فجاءوا في طلبها فلحقوهم بموضع الجبلين، فأخذوا سلمى فنزعوا عينها ووضعوها على الجبل وكتف أجا، وكان أول من كتف ووضع على الجبل الآخر فسمي بهما الجبلان أجا وسلمى.
قال ابن الكلبي: وفي حديث آخر عن الشرقي: أن زوج سلمى هو الذي قتلها. وقال البكري: أجا: بفتح أوله وثانيه على وزن فعل يهمز ولا يهمز، ويذكر ويؤنث، وهو مقصور في كلا الوجهين من همزه وترك همزه (٣) (٤).

------------
(١) جاء في هامش الأصل ما نصه: ذا في الصحيح يأتي.
(٢) سيأتي برقم (٣٧٩١) كتاب: مناقب الأنصار، باب: اتباع الأنصار.
(٣) «معجم ما استعجم» ١/ ١٠٩.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ في الثامن عشر. كتبه مؤلفه غفر الله له.



٥٥ - باب أَخْذِ صَدَقَةِ التَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ
وَهَلْ يُتْرَكُ الصَّبِيُّ فَيَمَسُّ تَمْرَ الصَّدَقَةِ؟

١٤٨٥ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ الأَسَدِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُؤْتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ، فَيَجِيءُ هَذَا بِتَمْرِهِ، وَهَذَا مِنْ تَمْرِهِ، حَتَّى يَصِيرَ عِنْدَهُ كَوْمًا مِنْ تَمْرٍ، فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ رضي الله عنهما يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَّمْرِ، فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ - ﷺ - لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ». [١٤٩١، ٣٠٧٢ - مسلم: ١٠٦٩ - فتح: ٣/ ٣٥٠]
ذكر فيه حديث أبي هريرة: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - يُؤتَى بِالتَّمْرِ عِنْدَ صِرَامِ النَّخْلِ .. الحديث.
وفيه: فَجَعَلَ الحَسَنُ وَالحُسَيْنُ يَلْعَبَانِ بِذَلِكَ التَمْرِ، فَأخَذَ أَحَدُهُمَا تَمْرَةً، فَجَعَلَها فِي فِيهِ، فَنَظَرَ إِلَيهِ رَسُولُ الله - ﷺ - فَأَخْرَجَهَا مِنْ فِيهِ فَقَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ آلَ مُحمدٍ لَا يَأْكلُونَ الصَّدَقَةَ».
هذا الحديث أخرجه أيضًا قريبًا في باب: ما يذكر من الصدقة للنبي - ﷺ - وآله بلفظ: أخذ الحسن بن علي تمرة. فقال: «كِخْ كِخْ»؛ ليطرحها ثم قال: «أما شعرت أنا لا نأكل صدقة؟» (١).
وأخرجه مسلم كذلك. وفي رواية: «أما علمت أنا لا تحل لنا الصدقة؟» (٢) وله عندهما طريق آخر غير هذا (٣). ومن حديث أنس

------------
(١) سيأتي برقم (١٤٩١).
(٢) «صحيح مسلم» (١٠٦٩) كتاب: الزكاة، باب: تحريم الزكاة على الرسول - ﷺ - وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم.
(٣) سيأتي برقم (٣٠٧٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: من تكلم بالفارسية والرطانة، رواه مسلم (١٠٦٩).



أيضًا، وله طرق أخر (١).
والصرام: هو الجداد والقطاف، ويقال ذَلِكَ كله بالفتح والكسر، وكان الفعال بهما مطردان في كل ما كان فيه معنى وقت الفعل، مشبهان في معاقبتهما بالأوان فالأوان، والمصدر من ذَلِكَ: الصرم والجد والقطف.
وعبارة ابن سيده: الصِرام والصُرام أوان إدراكه. وأصرم: حان صرامه. والصُرامة: ما صرم من النخل. ونخل صريح: مصروم. (٢)
وفي «المغيث»: قد يكون الصرام النخل. لأنه يصرم أي: يجتنى ثمره. ومنه حديث ابن عباس: يرسل ابن رواحة إلى يهود حين يصرِم النخل (٣) بكسر الراء أي: بلغ وقت صرامه. والصرام: التمر بعينه أيضًا؛ لأنه يصرم فسمي بالمصدر. وفي «الجامع»: ربما سموا النخل صرامًا؛ لأنه يصرم ويجتنى ثمره.
وقال الإسماعيلي: قول البخاري: (عند صرام النخل) يريد بعد أن تصير تمرًا؛ لأنه يصرم النخل وهو رطب، فيتمر في المربد، ولكن ذَلِكَ لا يتطاول فحسن أن ينسب إليه، كما قال تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فمن رآه في الزكاة فإنما هو بعد أن يداس وينقى. والكوم -بفتح الكاف- والكومة: العُرمة، وهو هنا التمر المجتمع كالكدية.

-----------
(١) سيأتي برقم (٢٠٥٥) كتاب: البيوع، باب: ما يتنزه من الشبهات، (٢٤٣١ - ٢٤٣٢) كتاب: في اللقطة، باب: إذا وجد تمرة في الطريق، ورواه مسلم (١٠٧١) باب: تحريم الزكاة على رسول الله - ﷺ - وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب دون غيرهم.
(٢) «المحكم» ٨/ ٢١٣.
(٣) تقدم تخريجه في الباب السالف.



وقوله: (أخذ أحدهما تمرة). هوْ الحسن كما علمته في رواية (البخاري) (١)، ومسلم.
وقوله: «أنَّ آل محمد لا يأكلون الصدقة». وفي لفظ آخر سلف: «أنَّا لا نأكل الصدقة» (٢) قال الداودي: إما أن يكون قالهما أو روى بعضهم معنى الكلمة.
وفيه دلالة واضحة على تحريم الصدقة على آله - ﷺ -، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (٣)، وللمالكية في إعطائهم من الصدقة أربعة أقوال: الجواز، والمنع، ثالثها: يعطون من التطوع دون الواجب.
رابعها: عكسه لأن المنّة قد تقع فيها (٤). والمنع: أولاها كما قال ابن التين للحديث، وعندنا: لا يحرم عليهم التطوع، وآله عندنا: بنو هاشم، وبنو المطلب (٥). وقالت المالكية: بنو هاشم آل، وما فوق غالب ليس بآل، وفيما بينهما قولان (٦).
وعند أبي حنيفة أن آله بنو هاشم خاصة (لا استثنى بني) (٧)

------------
(١) سقطت من الأصل.
(٢) هذا اللفظ ليس كما قال المصنف -رحمه الله- أنه سلف، وإنما هو في سيأتي برقم (١٤٩١)، و(٣٠٧٢) كتاب: الجهاد والسير، باب: من تكلم بالفارسية والرطانة.
(٣) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٧٧ - ٤٧٨، «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٠١، «البيان» ٣/ ٤٣٨.
(٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٢، «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٤٦.
(٥) انظر: «البيان» ٣/ ٤٣٨ - ٤٣٩.
(٦) انظر: «عقد الجواهر الثمينة» ١/ ٢٤٦.
(٧) ورد بهامش المخطوط: هذا افتراء على أبي حنيفة - رضي الله عنه - ولعله غلط من الكاتب، والأصل: إلا أنه استثنى بني أبي لهب.



أبي لهب (١). وقال أصبغ: هم عشيرته الأقربون الذين ناداهم حين أنزل الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ [الشعراء: ٢١٤] وهم: آل عبد المطلب، وهاشم، عبد مناف وقصي وغالب قال: وقيل: هم قريش كلها، قال ابن حبيب: لا يدخل في آله من كان فوق بني هاشم من بني عبد مناف، أو بني قصي، أو غيرهم. وكذا فسر ابن الماجشون ومطرف (٢). وحكاه الطحاوي عن أبي حنيفة.
قال ابن التين: والأظهر ما قاله ابن القاسم أنهم بنو هاشم خاصة؛ لأن الأول إذا وقع على الأقارب إنما يتناول الأدنَين، فعلى هذا يأخذها من آل العشيرة من عدا عليا. وعلى قول أصبغ: لا يأخذها الخلفاء الثلاثة الأول، ولا عبد الرحمن، ولا سعد بن أبي وقاص، ولا طلحة، ولا الزبير، ولا سعيد. ويأخذها أبو عبيدة؛ لأنه يجتمع معه في فهر وهو أبو غالب فيجتمع معه فيه وفي علي، ويحتمل أن يذكر بعض من لا يحل له. وسكت عن بعض لعلم السامع أن آله لا يأخذونها. واختلف فيمن عداهما.
وذكر عبد الرزاق، عن الثوري، عن يزيد بن حبان التيمي قال: سمعت زيد بن أرقم، وقيل له: من آل محمد الذين لا تحل لهم الصدقة؟ قال: آل علي، وآل عَقِيل، وآل جعفر، وآل العباس (٣).
فرع:
الأصح عندنا إلحاق مواليهم بهم، وبه قال الكوفيون، والثوري (٤).

--------------
(١) انظر: «تبين الحقائق» ١/ ٣٠٣، «الفتاوى التاتارخانية» ٢/ ٢٧٥.
(٢) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٣، «البيان والتحصيل» ٢/ ٣٨٢.
(٣) «المصنف» ٤/ ٥٢ (٦٩٤٣) كتاب: الزكاة، باب: لا تحل الصدقة لآل محمد - ﷺ -.
(٤) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٠٢، «تبيين الحقائق» ١/ ٣٠٣، وقال النووي رحمه =



وعند المالكية قولان لابن القاسم، وأصبغ. قال أصبغ: احتججت على ابن القاسم بالحديث: «مولى القوم منهم» (١) فقال: قد جاء حديث آخر: «ابن أخت القوم منهم» (٢)
فكذلك حديث المولى وإنما يفسر: «مولي القوم منهم» في الحرمة والبر، كما في حديث: «أنت ومالك لأبيك» (٣) أي: في البر لا في القضاء واللزوم (٤). ونقل ابن بطال (٥) عن مالك، والشافعي، وابن القاسم الحِل، وما حكاه عن الشافعي غريب.
فرع:
أما سيدنا رسول الله - ﷺ - فصدقة الفرض والتطوع حرام عليه لشرفه، فإنها أوساخ الناس، قال المهلب: ولأنها منزلة ذل، والأنبياء منزهون

---------------
= الله: الزكاة حرام على بني هاشم، وبني المطلب بلا خلاف، إلا ما سبق فيما إذا كان أحدهم عاملًا، والصحيح تحريمه، وفي مواليهم وجهان أصحهما التحريم.
«المجموع» ٦/ ٢٢٠.
(١) سيأتي برقم (٦٧٦١) كتاب: الفرائض، باب: مولى القوم من أنفسهم، وابن الأخت منهم. بلفظ: «مولى القوم من أنفسهم».
(٢) سيأتي برقم (٣٥٢٨) كتاب: المناقب، باب: ابن أخت القوم منهم ومولى القوم منهم، و(٦٧٦٢) كتاب: الفرائض، ورواه مسلم (١٠٥٩/ ١٣٣) كتاب: الزكاة، باب: إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه.
(٣) رواه ابن ماجه (٢٢٩١) كتاب: التجارات، باب: ما للرجل من مال ولده. من حديث جابر، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ٤/ ١٥٨، والطبراني في «الأوسط» ٤/ ٣١ (٣٥٣٤) و٧/ ١٩ (٦٧٢٨)، وفي الباب من حديث: عبد الله بن عمرو، وابن مسعود، وعائشة، وسمرة بن جندب، وابن عمر، وأبي بكر الصديق، وأنس بن مالك، وعمر بن الخطاب. والحديث صححه الألباني في «الإرواء» ٣/ ٣٢٣ (٨٣٨) فانظره.
(٤) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٥٣.
(٥) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤٤.



عن الذل، والخضوع، والافتقار لغير الله تعالى. وقد فرض الله عليه وعلى الأنبياء قبله ألا يطلبوا على شيء من الرسالة أجرًا، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الأنعام: ٩٠] فلو أخذها لكانت كالأجرة. وكذلك لو أخذها آله؛ لأنه كالواصل إليه وأيضًا فلو حلت له لقالوا: إنما دعانا إلى ذَلِكَ. وادعى القرافي في «ذخيرته» فيه الإجماع (١).
وقال ابن قدامة: إنه الظاهر؛ لأن اجتنابها كان من دلائل نبوته كما في حديث سلمان الصحيح: يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة (٢) وهو عام. وعن أحمد: حل التطوع له (٣).
ويجوز أن يراد بالآل هنا: نفسه، كما جاء في الحديث: «لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود» (٤) يريد داود. ونقل الطحاوي عن أبي يوسف، ومحمد أن التطوع يحرم على بني هاشم أيضًا (٥) وكره أصبغ لهم فيما بينهم وبين الله تعالى أن يأخذوا من التطوع (٦).

---------
(١) «الذخيرة» ٣/ ١٤٢.
(٢) «المغني» ٤/ ١١٥، وحديث سلمان المذكور هو قطعة من حديث طويل رواه أحمد ٥/ ٤٤١ - ٤٤٥، وابن سعد في «طبقاته» ٤/ ٧٥ - ٨٠، والبزار في «مسنده» ٦/ ٤٦٢ - ٤٦٨ (٢٥٠٠)، وابن حبان في «صحيحه» ١٦/ ٦٤ - ٦٦ (٧١٢٤) كتاب: إخباره - ﷺ - عن مناقب الصحابة، والبيهقي في «دلائله» ٢/ ٩٢ - ٩٧، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (٤٨٨١).
(٣) انظر: «المغني» ٤/ ١١٧.
(٤) سيأتي برقم (٥٠٤٨) في فضائل القرآن، باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن، ورواه مسلم (٧٩٣) صلاة المسافرين، باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن.
(٥) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١.
(٦) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٩٧، «البيان والتحصيل» ٢/ ٣٨١.



واختلف في ذَلِكَ قول أبي حنيفة، فروي عنه مثل هذا القول. وروي عنه أن الفرض والتطوع حلال لبني هاشم (١).
وذكر الطبري عن أبي يوسف أنه يحل لبني هاشم الصدقة من بعضهم لبعض، ولا يحل لهم من غيرهم، وعن أبي حنيفة أن الصدقة إنما كانت محرمة عليهم من أجل ما جعل الله لهم من الخمس من سهم ذوي القربى، فلما انقطع ذَلِكَ عنهم رجع إلى غيرهم بموته - ﷺ - حل لهم بذلك ما كان حرم عليهم (٢).
وقال ابن العربي: الكتب طافحة بتحريمها عليهم (٣).
وقيل: إنما حرما عليه - ﷺ - لأنه كان له الخمس والصفي من المغنم، وأهل بيته دونه في الشرف، فلهم خمس الخمس وحده، فحرموا أحد نوعيها وهو الفرض دون التطوع.
وقال ابن بطال: حرمت الصدقة عليه وعلى آله بنص القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَى﴾ [الشورى: ٢٣] فلو حلت له الصدقة وجد القوم السبيل إلى أن يقولوا: إنما يدعو إلى ما يدعونا إليه ليأخذ أموالنا، ويعطيها أهل بيته (٤).
وقال الطبري في مقالة أبي يوسف السالفة: لا القياس أصابوا، ولا الخبر اتبعوا، وذلك أن كل صدقة وزكاة أوساخ الناس، وغسالة ذنوب من أخذت منه هاشميًّا أو مطلبيًّا، ولم يفرق الله ورسوله بين شيء منها بافتراق حال المأخوذ ذَلِكَ منه. قال: وصاحبهم أشذ قولًا

------------
(١) انظر: «شرح معاني الآثار» ٢/ ١١.
(٢) انظر ما سبق.
(٣) «عارضة الأحوذي» ٣/ ١٦١.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤١.



منهم؛ لأنه لزم ظاهر التنزيل، وهو ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية وأنكر الأخبار الواردة بتحريمها على بني هاشم، فلا ظاهر التنزيل لزموا، ولا بالخبر قالوا.
فرع:
عند الحنفية والمالكية يجوز أن يكون العامل غنيًّا لا هاشميًّا (١)، وهو الأصح عند الشافعية (٢)، لحديث أبي رافع في السنن، وصححه الترمذي (٣).
فائدة:
الآل له معنيان: القرابة والأهل، وأولاد العم. وقال مالك لعبد الملك بن صالح: آله: أمته. ولابن دحية: الأزواج، والذرية، والأتباع، وكل تقي، واختلف أهل اللغة في الآل والأهل، فقالوا: الآل يقع على ذات الشيء، وعلى ما ينضاف إليه، بخلاف الأهل.
فائدة:
قال بعض أهل العلم: السنة أخذ صدقة التمر عند جداده لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فإن أخرجها عند محلها فسرقت أو سقطت، فقال مالك، وأبو حنيفة: يجزئ عنه (٤)،

-----------
(١) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٩٧، «الاختيار» ١/ ١٥٣، «عيون المجالس» ٢/ ٥٧٥، «الذخيرة» ٣/ ١٤٦.
(٢) انظر: «الأم» ٢/ ٦١.
(٣) «سنن أبي داود» (١٦٥٠) كتاب: الزكاة، باب: الصدقة على بني هاشم، «سنن الترمذي» (٦٥٧) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في كراهية الصدقة للنبي - ﷺ - «سنن النسائي» ٥/ ١٠٧ كتاب: الزكاة، باب: مولى القوم منهم، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٦).
(٤) انظر: «الاختيار» ١/ ١٣٤، «المنتقى» ٢/ ١٦٢، «مواهب الجليل» ٣/ ١٣٦.



وهو قول الحسن.
وقال الزهري، والثوري، وأحمد: هو ضامن لها حتىَّ يضعها مواضعها (١).
وقال الشافعي: إن كان بقي له من ماله ما فيه زكاة زكاه (٢).
حجة الأول أن إخراجها موكول إليه وهو مؤتمن على إخراجها، وإذا أخرجها، من ماله وجعلت في يده جعلت كيد الساعي، وقد اتفقنا أن يد الساعي يد أمانة، فإذا قبضها ولم يفرط في دفعها، وتلفت بغير صنعة، فلا ضمان، فكذا رب المال؛ لأن الزكاة ليست متعلقة بذمته، بل في ماله.
وأما إذا أخر إخراجها حتَّى هلكت، فقال مالك، وأبو حنيفة، والشافعي: إذا أمكن الأداء بعد حلول الحول وفرط حتَّى هلك المال فعليه الضمان (٣).
خاتمة في فوائده:
فيه من الفقه: دفع الصدقات إلى السلطان.
وفيه: أن المسجد قد ينتفع به في أمر جماعة المسلمين في غير الصلاة، ألا ترى أنه - ﷺ - جمع فيه الصدقات، وجعله مخزنًا لها.

--------------
(١) انظر: «مسائل أحمد برواية عبد الله» ص ١٥٥، «الفروع» ٢/ ٥٧٠، «كشاف القناع» ٢/ ٢٦٩.
(٢) انظر: «الحاوي» ٣/ ٢٢٩.
(٣) انظر: «تبيين الحقائق» ١/ ٢٧٠، «شرح فتح القدير» ٢/ ٢٠٢ - ٢٠٣، «الكافي» ص ٩٩، «المنتقى» ٢/ ١٦٢، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٥٢، وللأحناف قول آخر، وهو أنه يضمن، وهو قول العراقيين واختيار الكرخي؛ لأنها أمانة فتضمن بالهلاك بعد الطلب كالوديعة.



وكذلك أمران يوضع فيه مال البحرين، وأن يبات عليه حتَّى قسمه فيه.
وكذلك كان يقعد فيه للوفود، والحكم بين الناس ومثل ذَلِكَ بما هو أبين لعب الحبشة بالحراب، وتعلم المثاقفة. وكل ذَلِكَ إذا كان شاملًا لجماعة المسلمين، أما إذا كان العمل لخاصة الناس فيكره، مثل الخياط والخرازة، وقد كره قوم التأديب فيه؛ لأنه خاص، ورخص فيه آخرون؛ لما يرجى من نفع تعلم القرآن.
وفيه: جواز دخول الأطفال فيه واللعب فيه بغير ما يسقط حرمته إذا كان الأطفال إذا نهوا انتهوا.
وفيه: أنه ينبغي أن يجنب الأطفال ما يتجنب الكبار من المحرمات.
وفيه: أن الأطفال إذا نهوا عن الشيء يجب أن يعرفوا لأي شيء نهوا عنه؛ ليكبروا على العلم ليأتي عليهم وقت التكليف وهم على علم من الشريعة.
وفيه: كما قال الطبري: الدليل على أن لأولياء الصغار المعاتبة، وتجنبهم التقدم على ما يجب على البالغين الانزجار عنه، والحول بينهم وبين ما حرم الله على عباده فعله، وذلك أنه - ﷺ - استخرج التمرة من الصدقة من في الحسن وهو طفل لا يلزمه الفرائض، ولم تجر عليه الأقلام ولا شك أنه لو أكل جميع تمر الصدقة، لم تلزمه تبعة عند الله، وإن لزم ماله غرمه من ضمان ذَلِكَ، ولكن من أجل أنه كان مما حرم على أهل التكليف من أهل بيته، فبان بذلك أن الواجب على ولي الطفل والمعتوه إن رآه يتناول خمرًا يشربها، أو لحم خنزير يأكله، أو مالًا لغيره ليتلفه أن يمنعه من فعله، ويحول بينه وبين ذَلِكَ.


وفيه: الدليل الواضح على صحة قول القائل: إن على ولي الصغيرة المتوفى عنها زوجها أن يجنبها الطيب، والزينة، والمبيت عن المسكن الذي يسكنه، والنكاح، وجميع ما يجب على البوالغ المعتدات اجتنابه.
وخطأ قول من قال: ليس ذَلِكَ على الصغيرة؛ اعتلالًا منهم بأنها غير متعبدة بشيء من الفرائض؛ لأن الحسن كان لا تلزمه الفرائض، فلم يكن لإخراج التمرة من فيه معنًى إلا من أجل ما كان على النبي - ﷺ - من منعه ما على المكلفين منه من أجل أنه وليه.


٥٦ - باب العُشْرِ فِيمَا يُسْقَى مِنْ مَاءِ السَّمَاءِ وَبِالمَاءِ الجَارِي
وَلَمْ يَرَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ فِي العَسَلِ شَيْئًا.

١٤٨٣ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ عَنْ أَبِيهِ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِىَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ». قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ، لأَنَّهُ لَمْ يُوَقِّتْ فِي الأَوَّلِ، يَعْنِي: حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ «وَفِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ العُشْرُ» وَبَيَّنَ فِي هَذَا وَوَقَّتَ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ، وَالمُفَسَّرُ يَقْضِي عَلَى المُبْهَمِ إِذَا رَوَاهُ أَهْلُ الثَّبَتِ، كَمَا رَوَى الفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - لَمْ يُصَلِّ فِي الكَعْبَةِ. وَقَالَ بِلَالٌ: قَدْ صَلَّى [١٥٩٩] فَأُخِذَ بِقَوْلِ بِلَالٍ، وَتُرِكَ قَوْلُ الفَضْلِ. [فتح: ٣/ ٣٤٧]
ذكر فيه عن الزهري عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ وهو ابن عمر، عَنِ النَّبِيُّ - ﷺ - قَالَ: «فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ وَالعُيُونُ أَوْ كَانَ عَثَرِيًّا العُشْرُ، وَمَا سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ العُشْرِ» (١).
الشرح:
تعليق عمر بن عبد العزيز أخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن عبيد الله، عن نافع قال: بعثني عمر بن عبد العزيز على اليمن، فأردت أن آخذ من العسل العشر، فقال مغيرة بن حكيم الصنعاني: ليس فيه شيء، فكتبت إلى عمر بن عبد العزيز، فقال:

------------
(١) وقع في هامش الأصل ما نصه: في نسختي زيادة من كلام البخاري، وقد ذكرها الشيخ في الباب الذي بعد هذا. وبعدها علامة انتهاء التعليق، ثم كتب الناسخ: وبمثل ما ذكر هنا الشيخ ذكر الدمياطي في نسخته.


صدق، وهو عدل رَضِي. وحَدَّثنَا أبو أسامة، عن عبيد الله، عن نافع قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل، فقلت: أخبرني المغيرة بن حكيم أنه ليس فيه صدقة. فقال عمر: عدل مصدق (١).
وقال الربيع بن سليمان، أنا الشافعي، أنا مالك، عن عبد الله بن أبي بكر قال: جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي وهو بمنًى أن لا يؤخذ من الخيل ولا من العسل صدقة (٢).
وفي بعض نسخ الترمذي من حديث عبيد الله بن عمر عن نافع قال: سألني عمر بن عبد العزيز عن صدقة العسل، قال: قلت: ما عندنا عسل، ولكن أخبرنا المغيرة بن حكيم أنه ليس في العسل صدقة، قال عمر: عدل مرضي، فكتب إلى الناس أن يوضع عنه، رواه ابن بشار عن عبد الوهاب الثقفي عنه (٣).
وقال البيهقي: قال الشافعي في القديم: الحديث في أن العسل يعشر ضعيف، وفي أنه لا يؤخذ منه العشر ضعيف إلا عن عمر بن عبد العزيز، قال: واختياري أن لا يؤخذ منه؛ لأن السنن والآثار ثابتة فيما يؤخذ منه، وليست فيه ثابتة، فكأنه عفو (٤).
لكن لابن حزم من طريق منقطعة ما يخالفه قال: روينا من طريق ابن

------------
(١) «المصنف» ٢/ ٣٧٣ (١٠٠٥٦ - ١٠٠٥٧) كتاب: الزكاة، من قال: ليس في العسل زكاة.
(٢) رواه البيهقي في «سننه» ٤/ ١٢٧ كتاب: الزكاة، باب: ما ورد في العسل، وفي «معرفة السنن والآثار» ٦/ ١٢٤ (٨٢٢٧) كتاب: الزكاة، ما ورد في العسل.
(٣) «سنن الترمذي» (٦٣٠) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة العسل، وصححه الألباني.
(٤) «السنن الكبرى» ٤/ ١٢٧.



جريج: كتبت إلى إبراهيم بن ميسرة أسأله عن زكاة العسل، فقال: أخبرني من لا أتهم من أهلي أن عروة بن محمد السعدي قال له: إنه كتب إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن صدقة العسل، فرد إليه عمر: قد وجدنا بيان صدقة العسل بأرض الطائف فخذ منه العشر.
وقال أبو محمد: ومن طريق ابن أبي شيبة، عن طاوس أن معاذًا لما أتى اليمن أتي بالعسل وأوقاص الغنم فقال: لم أؤمر فيها بشيء. قال: وبأن لا زكاة في العسل يقول مالك، والثوري، وابن حي، والشافعي، وأبو سليمان، وأصحابه (١). زاد ابن قدامة: وابن أبي ليلى، وابن المنذر، قال ابن المنذر: ليس في وجوب الصدقة فيه خبر يثبت، ولا إجماع، فلا زكاة فيه، قال: وروينا ذَلِكَ عن ابن عمر، وعن عمر بن عبد العزيز (٢).
وفي «الحاوي» للماوردي: أما العسل فقد علق الشافعي في القديم القول به، فجعل ذَلِكَ قولًا له في إيجاب عشره، ثم قال: والصحيح على القديم، وصرح قوله في الجديد أنه لا زكاة فيه، قال: وبإيجاب عشره قال الأوزاعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق فيما أخذ من غير أرض الخراج (٣).

-------------
(١) «المحلى» ٥/ ٢٣٢ - ٢٣٣.
(٢) «المغني» ٤/ ١٨٣.
(٣) هذِه العبارة غير مستقيمة؛ لأن أحمد وإسحاق لم يشترطا أن تكون الأرض أرض عشر أو أرض خراج، بل قالا بإطلاق أن في العسل العشر إذا بلغ النصاب، وقال أبو حنيفة وأصحابه، إن كان في أرض العشر فيه الزكاة، وإلا فلا زكاة، والصحيح كما قال الماوردي نفسه في كتابه: وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة فيما أخذ من غير أرض الخراج. «الحاوي» ٣/ ٢٣٦.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #298  
قديم 09-02-2026, 06:05 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 551 الى صـــ 570
الحلقة (298)






قال ابن قدامة. وبه قال مكحول، والزهري، وسليمان بن موسى (١).
وفي «شرح الهداية»: وربيعة، ويحيى بن سعيد، وأبو عبيد بن سلام، وابن وهب صاحب مالك. كأنهم استدلوا بما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه - ﷺ - أخذ العشر فيه، أخرجه ابن ماجه بإسناد جيد (٢)، وحسنه ابن عبد البر في «استذكاره» (٣).
وأما البخاري وغيره فقال: لا يصح في زكاة العسل حديث (٤). وقال ابن المنذر: ليس في وجوب الزكاة فيه خبر يثبت عن رسول الله - ﷺ -، ولا إجماع، فلا زكاة فيه.
قُلْتُ: وعلى تقديره فيحمل على أخذه بتطوعهم به، أو على أن ما دفعوه مقابلة لما حصل لهم من الاختصاص بالحمى، ولهذا امتنعوا من دفعه إلى عمر - رضي الله عنه - حين طالبهم بتخلية الحمى لسائر الناس. وعند الحنفية أن محل الوجوب فيه إذا كان في أرض العشر، فإن كان في أرض الخراج فلا شيء فيه كالثمرة (٥) كما قدمته.
وهذا على قاعدتهم كما ستعلمه. وذكر البخاري هذا الأثر للتنبيه على أن حديث الباب ينفي العشر فيه؛ لأنه خص العشر أو نصفه بما سقي، فأفهم ذَلِكَ أن ما لا يسقى لا يعشر. ويقوي المفهوم فيه تقديم الخبر على المبتدأ في حصر إيجاب العشر فيه. وإن كان قد يتخيل أن النحل يرعى مما لا مؤنة فيه، ولا تعب.

-------------
(١) «المغني» ٤/ ١٨٣.
(٢) «ابن ماجه» (١٨٢٤) في الزكاة، باب زكاة العسل، وقال الألباني: حسن صحيح.
(٣) «الاستذكار» ٩/ ٢٨٦. وصححه الألباني في «الإرواء» (٨١٠).
(٤) نقله عن البخاري الترمذي في «العلل الكبير» ١/ ٣١٢.
(٥) انظر: «المبسوط» ٢/ ٢١٦، «مختصر اختلاف العلماء»١/ ٤٥٦.



وأما حديث ابن عمر فهو من أفراده، كما أن حديث جابر في مسلم من أفراده أيضًا (١)، ولأبي داود «ما سقت السماء، والأنهار، والعيون، أو كان بعلا العشر. وفيما يسقى بالسواني أو النضح نصف العشر» (٢).
وفي الدارقطني (٣): فرض فيما سقت السماء، إلى آخره، وقال من رواية نافع، عن ابن عمر، عن عمر.
قوله: واختلف سالم ونافع عن ابن عمر في ثلاثة أحاديث: هذا أحدها.
وثانيها: «من باع عبدًا وله مال» قال سالم، عن أبيه، عن رسول الله - ﷺ -، وقال نافع، عن ابن عمر، عن عمر قوله. قال: وسالم أجل من نافع وأنبل. وحديث نافع (الثالث) (٤) أولى بالصواب. ولهذا الحديث وجوه عن ابن عمر.
قُلْتُ: قال الدارقطني: رواه أيوب، عن ابن عقبة، والليث، وابن جريج، عن نافع، عن ابن عمر مرفوعًا- كما رواه سالم. قال: ووهم في موضعين في قوله: عن ابن جريج، عن نافع. وإنما رواه ابن جريج عن موسى بن عقبة. وفي رفعه، وإنما هو موقوف. ورواه أيضًا من جهة عبد الله بن نافع، عن عاصم بن عمر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر مرفوعًا. وله غير ذَلِكَ من الطرق.

------------
(١) «صحيح مسلم» (٩٨١) كتاب: الزكاة، باب: ما فيه العشر أو نصف العشر.
(٢) «سنن أبي داود» (١٥٩٦) كتاب: الزكاة، باب: صدقة الزرع. وأصله حديث الباب.
(٣) «سنن الدارقطني»
(٤) وقع في الأصل: الثلاثة، وما أثبتناه أنسب للسياق.



إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
العثري بعين مهملة ثم شاء مثلثة مخففة- ويجوز تشديدها كما قاله الهجري في «نوادره»، وحكاه ابن سيده في «محكمه» (١) عن ابن الأعرابي، ورده ثعلب- ثم راء، ثم ياء مثناة من تحت.
قال ابن سيده: العثر والعثري: ما سقته السماء من النخل، وقيل: هو العذي من النخل والزرع (٢). وفي «المثنى والمثلث» لابن عديس ضم العين وفتحها، وإسكان الثاء فيهما. قال أبو عبيد: العثري والعذي ما سقته السماء، وما سقته الأنهار والعيون فهو سيح وغيل. والبعل ما شرب بعروقه من الأرض من غير سقي سماء ولا غيرها، والنضح ما سقي بالسواني ونحوه. وقال ابن فارس: العثري: ما سقى من النخل سيحًا (٣).
ويرد على أبي عبيد، وابن فارس، وكذا الجوهري (٤)، وصاحب «الجامع»، و«المنتهى» الحديث، فإن لفظه: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا» وهو دال على أن العثري غير ما سقته السماء والعيون. والصواب ما قاله الخطابي أن العثري ما شرب بعروقه من غير سقي (٥).
وعبارة الداودي «مما سقت السماء» أي: اكتفي بسقي ماء السماء.

------------
(١) «المحكم» ٢/ ٦٤.
(٢) السابق.
(٣) «مجمل اللغة» ٣/ ٦٤٧.
(٤) «الصحاح» ٢/ ٧٣٦ - ٧٣٧.
(٥) «أعلام الحديث» ٢/ ٨١٤.



والعثري: ما يسيل إليه ماء المطر، وتحمله إليه الأنهار، سمي بذلك؛ لأنه تكسر حوله الأرض، ويعثر جريه إلى أصول النخل بتراب يرتفع هناك، قاله القرطبي (١).
وقال صاحب «المطالع»: قيل له ذَلِكَ؛ لأنه يصنع له شبه الساقية يجمع فيه الماء من المطر إلى أصوله، وُيسمى ذَلِكَ العاثور.
وحكى ابن المرابط إسكان الثاء، وقد سلف، والأول أعرف.
وفي «المغيث» (٢) لأبي موسى: هو الذي يشرب بعروقه من ماء يجتمع في حفير، وسمي به لأن الماشي يتعثر به. وقيل: إنه ما ليس له حمل. قال والأول أشهر وأصح؛ لأن ما لا حمل له لا زكاة فيه. وقد أوجب الشرع فيه الزكاة. وما أسلفناه في تفسير البعل في «الموعب» لابن التياني خلافه حيث قال: قيل للنخل إذا كان يشرب ماء السماء بعل؛ لأن الغيث يأتيه من علٍ.
وفي «البارع» لأبي علي القالي كما سلف. وكذا قاله يعقوب.
وخالف أبو عبيدة فقال: البعل من النخل: ما سقته السماء. وعن الكسائي، وأبي عمرو: البعل: العذي. وفي «العين» البعل: الذكر من النخل، وهي أيضًا المرتفعة التي لا يصيبها المطر إلا مرة واحدة في السنة (٣).
وقال أبو حنيفة: كل شجر أو زرع لا يسقى فهو بعل. والعشر بضم العين، ويجوز إسكان ثانيه وضمه. والعشور بضم العين وبفتح أيضًا، قاله ابن بزيزة.

-------------
(١) «المفهم» ٣/ ١٣.
(٢) «المغيث»
(٣) «العين» ٢/ ١٤٩ - ١٥٠.



وقال القرطبي: أكثر الرواة على فتح العين، وهو اسم القدر المخرج، وقال الطبري: العشر بضم العين وسكون الشين. ويكون العشور جمع عشر. قال: والحكمة في فرض العشر أن يكتب بعشرة أمثاله، فكأن المخرج للعشر تصدق بكل ماله.
ثانيها:
هذا الحديث أصل في أن لشدة النفقة وخفتها تأثيرًا في الزكاة، فما لا مؤنة فيه أو كانت خفيفة العشرُ. وفيما فيه مؤنة نصفهُ.
واختلف أهل العلم في هذا على تسعة أقوال:
أحدها: ذهب أبو حنيفة إلى أن العشر يجب في قليل ما أخرجته الأرض وكثيرها، ولا يعتبر النصاب (١)، لعموم الحديث، وعموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الأَرْضِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ﴾ [الأنعام: ١٤١] وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] إلا الحطب والقصب والحشيش. وهو مذهب النخعي، ومجاهد، وحماد، وزفر. وبه قال عمر بن عبد العزيز. وروي عن ابن عباس. وهو قول داود، وأصحابه فيما لا يوسق (٢).
وحكاه يحيى بن آدم عن عطاءٍ. وقاله أيضًا حفص بن غياث، عن أشعث، عن الحكم، عن أبي بردة: في الرطبة صدقة. وقال بعضهم: في (دستجة) (٣) من بقل.
وعن الزهري قال: ما كان سوى القمح، والشعير، والنخل، والعنب، والسُلت، والزيتون فإني أرى أن يخرج صدقته من أثمانه.

------------
(١) انظر: «تحفة الفقهاء» ١/ ٣٢٢، «الهداية» ١/ ١١٧.
(٢) انظر: «المحلى» ٥/ ٢١٢.
(٣) في الأصل: وشدجة، والصواب ما أثبتناه، انظر: «لسان العرب» ٨/ ٤٨٢٧.



وحديث الباب بعده يرد عليه ويقضي، وهو مقيد له، كما سيأتي عن البخاري. وهو قول مالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبي يوسف، ومحمد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور (١).
قال ابن بطال: وقول أبي حنيفة خلاف السنة والعلماء، قال: وقد تناقض فيها؛ لأنه استعمل المجمل والمفسر في قوله - ﷺ -: «في الرقة ربع العشر» (٢) مع قوله: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة» (٣) ولم يستعمله في الباب مع ما بعده. وكان يلزمه القول به (٤).
قُلْتُ: وفي حديث جابر: «لا زكاة في شيء من الحرث حتىَّ يبلغ خمسة أوسق، فإذا بلغها ففيه الزكاة» (٥). ذكره بن التين، وقال: هي زيادة من ثقة فقبلت. وفي مسلم من حديث جابر: «وليس فيما دون خمسة أوساق من التمر صدقة» (٦).
وفي رواية له من حديث أبي سعيد: «ليس فيما دون خمسة أوساق من تمر، ولا حب صدقة» (٧).
وفي رواية: «ليس في حب ولا تمر صدقة حتَّى يبلغ خمسة أوسق» (٨).

-------------
(١) انظر: «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٥٣، «عيون المجالس» ٢/ ٥١٥، «البيان» ٣/ ٢٥٦، «المغني» ٤/ ١٦١، «نيل الأوطار» ٣/ ٤٢.
(٢) سلف برقم (١٤٥٤) باب: زكاة الغنم، وهو من أفراده.
(٣) سلف برقم (١٤٠٥) باب ما أدي زكاته فليس بكنز، ورواه مسلم (٩٧٩) الزكاة.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٣٠.
(٥) رواه الدارقطني في «سننه» ٢/ ٩٨ كتاب: الزكاة، باب: ليس في الخضروات صدقة.
(٦) «صحيح مسلم» (٩٨٠) كتاب: الزكاة.
(٧) «صحيح مسلم» (٩٧٩) كتاب: الزكاة.
(٨) مسلم (٩٧٩).



وأيضًا حديث الباب بيان للقدر المأخوذ دون المأخوذ منه. وحديث أبان بن أبي عياش، عن أنس أنه - عليه السلام - قال: «فيما سقت السماء العشر في قليله وكثيره» غير محفوظ، وفيه رجل مجهول، وليس هو عن أنس، رواه أبو مطيع البلخي (١) -وهو مجهول- عن أبي حنيفة، عن أبان، وهو متروك، عن رجل عن رسول الله - ﷺ - (٢).
المذهب الثاني: يجب فيما له ثمرة باقية إذا بلغ خمسة أوسق عند الصاحبين ولا يجب في الخضر ولا في البطيخ، والقثاء، والخيار. ونص محمد على أنه لا عشر في السفرجل، ولا في التين، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، والمشمش، والإجاص (٣) وتجب في كل ثمرة تبقى سنة كالجوز، واللوز، والبندق، والفستق، على قول أبي يوسف، وعلى قول أبي محمد: لا تجب (٤).
الثالث: يجب فيما يدخر ويقتات اختيارًا كالحنطة، والشعير، والدخن، والذرة، ونحوها من المقتنيات. وهو قول الشافعي، ولا زكاة عنده في التين، والتفاح، والسفرجل، والرمان، والخوخ، واللوز، والموز، وسائر الثمار، سوى الرطب والعنب. ولا يجب عنده في الزيتون، والورس في الجديد، ولا يجب في الترمس، ولا في

----------
(١) في هامش الأصل ما نصه: قال الذهبي في «المغني» الحكم بن عبيد الله البلخي أبو مطيع عن ابن جريج، وغيره، تركوه. فهو عند الذهبي متروك لا مجهول، ومنهم أبو مطيع آخر أنصاري ذاك مجهول.
(٢) انظر: «التحقيق في أحاديث الخلاف» ٢/ ٣٦، و«نصب الراية» ٢/ ٣٨٥، وقال الألباني: موضوع بهذِه الزيادة: «في قليله وكثيره». «الضعيفة» ١/ ٦٧٦ (٤٦٣).
(٣) في هامش الأصل ما نصه: الإجاص دخيل لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة واحدة من كلام العرب. الواحدة إجاصة قاله يعقوب. ولا يقل: إنجاص.
(٤) انظر: «الأصل» ٢/ ١٦٣، «المبسوط» ٣/ ٢ - ٣.



الخضراوات (١)، لحديث: «ليس في الخضر والبقول صدقة» له طرق لا تصح، وليس في هذا الباب عن رسول الله - ﷺ -، وإنما يروى عن موسى ابن طلحة عن رسول الله - ﷺ - مرسلًا (٢).
الرابع: قول مالك مثل قول الشافعي بزيادة: تجب في الترمس، والسمسم، والزيتون، وبزر الكتان، وبزر السلجم لعموم نفعها بمصر والعراق (٣).
الخامس: قول أحمد يجب فيما له البقاء واليبس والكيل من الجوز والثمار، سواء كان قوتًا: كالحنطة، والشعير، والسلت، والأرز والدخن، ونحوه، أو كان من المقتنيات كالعدس، والباقلاء، أو من الأبازير: كالكزبرة، والكمون، والكراويا، أو من البزور كبزر الكتان، والقثاء، والخيار، ونحوه، أو من حب البقول: كالرشاد، والفجل، والقرطم، وسائر الحبوب. ويجب عنده في التمر، والزبيب، واللوز، والبندق، والجوز، والفستق، والتين، والمشمس، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، والإجاص، والباذنجان، والقثاء، والخيار والجزر، ولا يجب في ورق السدر، والخطمي، والأشنان، ولا في ثمره، ولا الأزهار كالزعفران، والعصفر، ولا في القطن (٤).

--------------
(١) انظر: «البيان» ٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦، «التهذيب» ٣/ ٨٨ - ٩٠، «روضة الطالبين» ٢/ ٢٣١.
(٢) رواه الترمذي (٦٣٨) كتاب: الزكاة، باب: ما جاء في زكاة الخصروات- من حديث عيسى بن طلحة عن معاذ مرفوعًا، وصححه الألباني. وانظر طرقه في «نصب الراية» ٢/ ٣٨٦ - ٣٨٩، و«التلخيص الحبير» ٢/ ١٦٥ - ١٦٧، و«الإرواء» ٣/ ٢٧٦ (٨٠١).
(٣) انظر: «المعونة» ١/ ٢٤٦ - ٢٤٧، «الذخيرة» ٣/ ٧٣ - ٧٥.
(٤) انظر: «المستوعب» ٣/ ٢٤٩ - ٢٥٥، «المغني» ٤/ ١٥٥ - ١٥٨، «الواضح» ٢/ ٥٣، «الإقناع» ١/ ٤١١ - ٤١٥، أما قوله: ويجب عنده في الجوز زكاة ففيه نظر، فقد نص =



السادس: تجب في الحبوب، والبقول، والثمار. قاله حماد بن أبي سليمان.
السابع: ليس في شيء من الزرع زكاة إلا في التمر، والزبيب، والحنطة، والشعير. حكاه العبدري عن الثوري، وابن أبي ليلى، وابنُ العربي عن الأوزاعي، وزاد: الزيتون.
ثامنها: تؤخذ من الخضراوات إذا بلغت مائتي درهم. وهو قول الزهري والحسن.
تاسعها: أن ما يوسق يجب في خمسة أوسق منه، وما لا يوسق يجب في قليله وكثيره وهو قول (١) داود (٢).

-----------
= الحنابلة على أنه لا يجب في الجوز زكاة، انظر: «المستوعب» ٣/ ٢٥٣، «المغني» ٤/ ١٥٦، «الواضح» ٢/ ٥٣، «الإقناع» ١/ ٤١٣، «كشاف القناع» ٢/ ٢٠٤، أما قوله: والباذنجان، والقثاء، والخيار، والجزر ففيه نظر، فقد ذهب الحنا بلة إلى أنه لا تجب الزكاة في الخُضَر، بخلاف حب القثاء، والخيار، والباذنجان، وغيرهم، فإن فيها الزكاة، أما قوله: والتين، والمشمش، والتفاح، والكمثرى، والخوخ، والإجَّاص ففيه نظر، فقد قال ابن قدامة: وتجب الزكاة فيما جمع هذِه الأوصاف -الكيل والبقاء واليُبس- من الثمار، كالتمر، والزبيب، والمشمش، واللوز، والفستق، والبندق، ولا زكاة في سائر الفواكه كالخوخ، والإجاص، والكمثرى، والتفاح، والمشمش، والتين، والجوز. وكذلك قال الحجاوي والبهوتي إلا أنهما قالا: والأظهر وجوبها في العُنَّاب، والتين، والمشمش، والتوت.
انظر: «المستوعب» ٣/ ٢٥٣، «المغني» ٤/ ١٥٥ - ١٥٦، «الواضح» ٢/ ٥٣، «الإقناع» ١/ ٤١٣ - ٤١٤، «كشاف القناع» ٢/ ٢٠٤.
(١) انظر: «المحلى» ٥/ ٢١٢.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: ثم بلغ التاسع عشر إلى آخر هذا الثاني. كتبه مؤلفه.



٥٧ - باب لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ
١٤٨٤ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى، حَدَّثَنَا مَالِكٌ قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الوَرِقِ صَدَقَةٌ». [انظر: ١٤٠٥ - مسلم: ٩٧٩ - فتح: ٣/ ٣٥٠]
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هَذَا تَفْسِيرُ الأَوَّلِ إِذَا قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ». وَيُؤْخَذُ أَبَدًا فِي العِلْمِ بِمَا زَادَ أَهْلُ الثَّبَتِ أَوْ بَيَّنُوا.
ذكر فيه حديث أَبِي سَعِيدٍ «لَيْسَ فِيمَا أقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ، وَلَا فِي أقلَّ مِنْ خَمْسَه مِنَ الإِبِلِ الذَّوْدِ صدَقَةٌ» الحديث.
وقد سلف قبل زكاة البقر (١).
وفي نسخة: (قال أبو عبد الله: هذا تفسير الأول؛ لأنه لم يوقِّت في
الأول، يعني: حديث ابن عمر: «فيما سقت السماء العشر» (٢). وبيَّن في هذا ووقَّت، والزيادة مقبولة، والمفسر يقضي على المبهم إذا رواه أهل الثبت -كما قال الفضل بن العباس- أن النبي - ﷺ - لم يصل في الكعبة.
وقال بلال: قد صلى (٣). فأخذ بقول بلال، وترك قول الفضل) (٤).
وهذا الذي قاله البخاري عليه أئمة الفتوى بالأمصار. وإن الخمسة الأوسق هو بيان المقدار المأخوذ فيه كما أسلفناه في الباب قبله. وشذ أبو حنيفة، وزفر في ذَلِكَ.

---------
(١) سلف برقم (١٤٠٥) كتاب: الزكاة، باب: ما أدي زكاته ليس بكنز.
(٢) سلف برقم (١٤٨٣).
(٣) سيأتي برقم (١٥٩٩).
(٤) هذه القطعة هي التي أشار إليها الناسخ في الباب السابق ص ٥٤٩.



قال ابن بطال: وقيل: إنهما خالفا الإجماع فأوجبا في قليل ما تخرج الأرض وكثيره، وخالفه صاحباه في ذَلِكَ، قال ابن القصار: والحجة عليه أن ما طريقه المواساة في الصدقة يقتضي أوله حدًّا ونصابًا، كالذهب، والماشية، والنصاب إنما وضع في المال لمبلغ الجزء الذي يحمل المواساة بغير إجحاف برب المال، ولا يعذر عليه.
قال: تألف (١) أبو حنيفة معنًى آخر من الحديث فأوجب العشر أو نصفه في البقول، والرياحين، والفواكه، وما لا يوسق كالرمان، والتفاح، والخوخ وشبه ذَلِكَ (٢). والجمهور على خلافه لا يوجبون الزكاة إلا فيما يوسق، ويقتات، ويدخر.
قال مالك: السنة عندنا في الحبوب التي يدخرها الناس، ويأكلونها أنها يؤخذ منها العشر أو نصفه إذا بلغ ذَلِكَ خمسة أوسق بصاع رسول الله - ﷺ - وما زاد على ذَلِكَ فبحسابه.
قال: والحبوب التي فيها زكاة الحنطة، والشعير، والسلت، والذرة، والدُّخن، والأرز، والحمص، والعدس، والجلْبَان، واللوبيا، والجلجلان، وما أشبه ذَلِكَ من الحبوب التي تفسير طعامًا. وتؤخذ منها الزكاة بعد أن تفسير حبًّا يحصد. والناس مصدقون فيما دفعوه من ذَلِكَ. ولا زكاة في البقول، والخضر كلها، والتوابل (٣).

-----------
(١) في (ج): خالف.
(٢) «المبسوط» ٣/ ٣.
(٣) انظر: «النوادر والزيادات» ٢/ ٢٦١ - ٢٦٢، «الاستذكار» ٩/ ٢٥٥، «المنتقى» ٢/ ١٦٤ - ١٦٥.



قال ابن القصار: لم ينقل عن رسول الله - ﷺ - أحد بالحجاز أنه أخذ من البقول والفواكه الزكاة. ومعلوم أنها كانت عندهم بالمدينة وأهل المدينة متفقون على ذَلِكَ عاملون به إلى وقتنا، ومحال أن يكون في ذَلِكَ زكاة ولا يؤخذ مع وجود هذِه الأشياء عندهم، وحاجتهم إليها ولو أخذ منها مرة واحدة لم يجز أن يذهب عليهم، حتَّى يطبقوا على خلافه إلى هذِه الغاية (١).
-------------
(١) انظر «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٣١ - ٥٣٢.
ورد في هامش الأصل: آخر ٨ من ٤ من تجزئه المصنف.



٥٨ - باب مَنْ بَاعَ ثِمَارَهُ أَوْ نَخْلَهُ أَوْ أَرْضَهُ أَوْ زَرْعَهُ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهِ العُشْرُ أَوِ الصَّدَقَةُ فَأَدَّى الزَّكَاةَ مِنْ غَيْرِهِ، أَوْ بَاعَ ثِمَارَهُ وَلَمْ تَجِبْ فِيهِ الصَّدَقَةُ
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - ﷺ -: «لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَةَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا». فَلَمْ يَحْظُرِ البَيْعَ بَعْدَ الصَّلَاحِ عَلَى أَحَدٍ، وَلَمْ يَخُصَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ مِمَّنْ لَمْ تَجِبْ (١).

١٤٨٦ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، سَمِعْتُ ابْنَ عُمَرَ - رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذْهَبَ عَاهَتُهُ. [٢١٨٣، ٢١٩٤، ٢١٩٩، ٢٢٤٧، ٢٢٤٩ - مسلم: ١٥٣٤ - فتح: ٣/ ٣٥١]

١٤٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رضي الله عنهما: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. [٢١٨٩، ٢١٩٦، ٢٣٨١، ٢٣٤٠، ٢٦٣٢ - مسلم: ١٥٣٦ - فتح: ٣/ ٣٥١]

١٤٨٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قَالَ: حَتَّى تَحْمَارَّ. [٢١٩٥، ٢١٩٧، ٢١٩٨، ٢٢٠٨ - مسلم: ١٥٥٥ - فتح: ٣/ ٣٥٢]
ثم ساق حديث ابن عمر: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا. وَكَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاحِهَا قَالَ: حَتَّى تَذهَبَ عَاهَتها.
وحديث جابر: نَهَى النَّبِيُّ - ﷺ - عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا.

------------
(١) ورد في الأصل بعد هذِه الكلمة: قال أبو عبد الله: لم يحظر: لم يمنع، وبه سمى الحظيرة. وعليها (لا … إلى).


وحديث أنس: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ، قَالَ: تَحْمَارَّ.
أما قوله - عليه السلام -: «لا تبيعوا الثمرة» فقد أسنده في الباب.
وحديث ابن عمر أخرجه مسلم والأربعة (١). وأخرجه النسائي عن ابن عمر وجابر جمع بينهما (٢). وحديث جابر أخرجه مسلم (٣).
وحديث أنس أخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٤)، ويأتي في البيوع (٥).
وأخرجه مسلم أيضًا من حديث أبي هريرة وهو من أفراده (٦). وسيأتي في البيوع من حديث أنس، وهو من أفراده عن مسلم (٧)، وأخرجه الطحاوي من حديث عائشة، فيه: جواز بيع الثمرة التي وجبت زكاتها قبل أداء الزكاة ويتعين حينئذٍ أن تؤدى الزكاة من غيرها، خلافًا لمن أفسد البيع (٨).
وقد اختلف العلماء في هذِه المسألة، فقال مالك: من باع أصل

---------
(١) «صحيح مسلم» (١٥٣٤) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها ..، أبو داود (٣٣٦٨)، الترمذي (١٢٢٦)، النسائي ٧/ ٢٦٢، ابن ماجه (٢٢١٤).
(٢) سنن النسائي ٧/ ٢٦٢ - ٢٦٤ كتاب: البيوع، بيع الثمر قبل أن يبدو صلاحه.
(٣) «صحيح مسلم» (١٥٣٦) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها.
(٤) «صحيح مسلم» (١٥٥٥) كتاب: المساقاة، باب: وضع الحوائج، «سنن النسائي» ٧/ ٢٦٤.
(٥) سيأتي برقم (٢١٩٥) باب: بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها.
(٦) «صحيح مسلم» (١٥٣٨) كتاب: البيوع، باب: النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها، و«النسائي» ٧/ ٢٦٤.
(٧) سبق تخريجه.
(٨) «شرح معاني الآثار» ٤/ ٢٣.



حائطه أو أرضه، وفي ذَلِكَ زرع أو ثمر قد بدا صلاحه، وحل بيعه، فزكاة ذَلِكَ الثمر على البائع إلا أن يشترطها على المبتاع.
ووجه قوله أن المراعاة في الزكاة إنما تجب بطيب الثمرة، فإذا باعها ربها وقد طاب أولها فقد باع ماله، وحصة المساكين معه، فيحمل على أنه ضمن ذَلِكَ ويلزمه (١).
وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع ورده (٢). والعشر مأخوذ من الثمرة من يد المشتري ويرجع على البائع بعد ذلك. ووجه قوله أن العشر مأخوذ من الثمرة لأن سنة الساعي أن يأخذها من كل ثمرة يجدها، فوجب الرجوع على البائع بقدر ذَلِكَ كالعيب الذي يرجع بقيمته.
وقال الشافعي في أحد قوليه: إن البيع فاسد؛ لأنه باع ما يملكه، وما لا يملكه، وهو نصيب المساكين، فقدم الضعفة (٣).
وعلى هذا القول رد البخاري بقوله في الباب: (فلم يحظر البيع بعد الصلاح على أحد، ولم يخص من وجبت عليها الزكاة ممن لم تجب). والشافعي منع البيع بعد الصلاح، فخالف إباحة الشارع لبيعها إذا بدا صلاحها، واتفق مالك، وأبو حنيفة، والشافعي أنه إذا باع أصل الثمرة، وفيها ثمر لم يبد صلاحه، أن البيع جائز، والزكاة على المشتري؛ لقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وإنما الذي ورد فيه النهي عن بيع الثمرة حتَّى يبدو صلاحها، وهو بيع

-------------
(١) انظر: «الكافي» ص ١٠١، «المعونة» ١/ ٢٥٤، «الذخيرة» ٣/ ٨٨، «الاستذكار» ٩/ ٢٥٩.
(٢) «المبسوط» ١٣/ ١٦٩.
(٣) «الأم» ٢/ ٢٠، «البيان» ٣/ ٢٦٨ - ٢٦٩.



الثمرة دون الأصل؛ لأنه يخشى عليه العاهة، فيذهب مال المشتري من غير عوض.
فإذا ابتاع رقبة الثمرة، وإن كان فيها ثمر لم يبد صلاحه، فهو جائز؛ لأن البيع إنما وقع على الرقبة لا على ثمرتها التي لم تظهر بعد، فهذا الفرق بينهما.
وقال ابن التين: قوله: ولم يخص من وجبت إلى آخره. هذا الأمر مترقب عند ابن القاسم إن أعطى البائع الزكاة، وإلا أخذت من المشتري.
وقال أشهب: لا شيء على المشتري، ويطلب الساعي ذمة البائع (١).
وهذا القول أولى لظاهر الحديث.
ونهيه عن بيع الثمار حتى تزهي أي: تحمار. أزهت النخلة إذا صارت زهوا تبدو فيها العمرة وإنما نهى عن بيعها قبل الزهو للبقاء، فأما للقطع فجائز إذا كان المقطوع منتفعًا به، كالكمثرى (٢). واختلف إذا لم يذكر قطعًا ولا بقاء فعند البغداديين من المالكية أنه بيع فاسد. وقيل: هو جائز. وهو مذهب أبي حنيفة ويقطعها. ومن باع حائطه قبل أن يزهي فذلك جائز. والصدقة على المشتري كما سلف.

----------
(١) انظر «المعونة» ١/ ٢٥٤.
(٢) رسمت في الأصل: لا ككمثرى. ولعل ما أثبتناه هو الصواب حتى يستقيم المعنى.



٥٩ - باب هَلْ يَشْتَرِى صَدَقَتَهُ؟
وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِىَ صَدَقَتَهُ غَيْرُهُ؛ لأَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - إِنَّمَا نَهَى المُتَصَدِّقَ خَاصَّةً عَنِ الشِّرَاءِ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ.

١٤٨٩ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ رضي الله عنهما كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَاسْتَأْمَرَهُ، فَقَالَ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ». فَبِذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رضي الله عنهما لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلاَّ جَعَلَهُ صَدَقَةً. [٢٧٧٥، ٢٩٧١، ٣٠٠٢ - مسلم: ١٦٢١ - فتح: ٣/ ٣٥٢]

١٤٩٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ - رضي الله عنه - يَقُولُ: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأَضَاعَهُ الذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ». [٢٦٢٣، ٢٦٣٦، ٢٩٧٠، ٣٠٠٣ - مسلم: ١٦٢٠ - فتح: ٣/ ٢٥٣]
ثم ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ عن عُمَر أنه تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ، فَأَرَادَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ، ثُمَّ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَاسْتَأْمَرَهُ، فَقَالَ: «لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ» (١). فَبِذَلِكَ كَانَ ابن عُمَرَ لَا يَتْرُكُ أَنْ يَبْتَاعَ شَيْئًا تَصَدَّقَ بِهِ إِلَّا جَعَلَهُ صَدَقَةً.
وحديث عمر: حَمَلْتُ عَلَى فَرَسِ فِي سَبِيلِ اللهِ، فَأضَاعَهُ الذِي كَانَ عِنْدَهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِيَهُ، وَظَنَنْتُ أنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ، فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ - ﷺ -،

------------
(١) ورد في هامش الأصل ما نصه: الفرس الذي تصدق به عمر يقال له: الورد، أعطاه للنبي - ﷺ - تميم الداري فأعطاه عمر، فحمل عليه في سبيل الله. كذا قاله ابن سيد الناس في «سيرته» وغيره.


فَقَالَ: «لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِكَ، وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ، فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ».
الشرح:
الحديثان أخرجهما مسلم أيضًا (١)، وفي بعض طرق البخاري عن ابن عمر أن عمر حمل على فرس له في سبيل الله أعطاها رسول الله - ﷺ - ليحمل عليها فحمل عليها رجلًا، الحديث (٢).
وفي رواية له: «وإن أعطاكه بدرهم واحد» (٣) وسيأتي حديث عمر في الجهاد في باب: إذا حمل على فرس في سبيل الله فرآها تباع وفي الأوقاف وفي الهبات إن شاء الله (٤).
قال الدارقطني: والأشبه بالصواب قول من قال: عن ابن عمر (٥) أن عمر (٦) وفي رواية لابن عبد البر: «لا تشتره ولا شيئًا من نتاجه» (٧).
قال ابن عيينة: حضرت مالكًا يسأل زيد بن أسلم عن هذا الحديث، ويتلطفه مالك ويسأله عن الكلمة بعد الكلمة. قال ابن التين: ورواه مالك عن عمرو بن دينار، عن ثابت، عن الأحنف، عن ابن عمر، ولم يدخله في «موطئه». قال قتادة: والقيء حرام.

----------
(١) الحديث الأول رواه مسلم (١٦٢١) كتاب: الهبات، والثاني رواه برقم (١٦٢٠).
(٢) سيأتي برقم (٢٧٧٥) في الوصايا، باب وقف الدواب والكراع والعروض ..
(٣) سيأتي برقم (٢٦٢٣) في الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته.
(٤) سيأتي برقم (٢٦٢٣) كتاب الهبة، وبرقم (٣٠٠٣) كتاب الجهاد.
(٥) ورد بهامش الأصل ما نصه: من خط الشيخ ذكره القرافي في «السنن المأثورة» عن سفيان عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر.
(٦) «علل الدارقطني» ٢/ ١٧.
(٧) «التمهيد» ٧/ ١١٣.



إذا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه:
أحدها:
كره أكثر العلماء -كما حكاه عنهم ابن بطال- شراء الرجل صدقته لحديث الباب، وهو قول مالك والليث والكوفيين والشافعي (١)، وسواء عندهم صدقة الفرض والتطوع، فإن اشترى أحد صدقته لم يفسخ بيعه، وأولى به التنزه عنها، وكذلك قولهم فيما يخرجه المكفر في كفارة اليمين مثل الصدقة سواء.
قال ابن المنذر: ورخص في شرائها الحسن، وعكرمة، وربيعة، والأوزاعي، وقال قوم فيما حكاه ابن القصار: لا يجوز لأحد أن يشتري صدقته ويفسخ البيع، ولم يذكر قائل ذَلِكَ ويشبه -كما قال ابن بطال- أن يكونوا أهل الظاهر (٢).
وحكاه ابن التين عن ابن شعبان من المالكية. وخرجه من الخلاف في المدبر أو غيره في زكاته عرضًا؛ لأنه يجزئه عند ابن القاسم، ويجزئه عند أشهب إذا لم يحاب نفسه ما صنع (٣).
وحجة من لم ير الفسخ أن الصدقة راجعة إليه بمعنًى غير معنى الصدقة، كما خرج لحم بريرة، وانتقل عن معنى الصدقة المحرمة على الشارع إلى الهدية المباحة له، وقد قال - عليه السلام - في الحديث السالف فيما مضى: «لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة» وذكر منهم الرجل اشتراها بماله (٤)، ولم يفرق بين أن يكون المشتري لها صاحبها أو غيره.

-------------
(١) انظر: «المدونة» ١/ ٢٦٦، «التمهيد» ٧/ ١١٥، «مختصر المزني» ١/ ٢٥٠، «طرح التثريب» ٤/ ٨٨.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٣٧.
(٣) انظر: «المنتقى» ٢/ ١٨١.
(٤) رواه أبو داود (١٦٣٥ - ١٦٣٦) كتاب: الزكاة، باب: من يجوز له أخذ الصدقة =



وأجمعوا أن من تصدق بصدقة ثم ورثها أنها حلال له (١)، وقد جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إني تصدقت على أمي بجارية وإنها ماتت، قال: «وجب أجرك وردها عليك الميراث» (٢).
قال ابن التين: وشذت فرقة من أهل الظاهر فكرهت أخذها بالميراث. ورأوه من باب الرجوع في الصدقة وهو سهو؛ لأنها تدخل قهرًا، وإنما كره شراؤها لئلا يحابيه المتصدق بها عليه فيصير عائدًا في بعض صدقته؛ لأن العادة: التي تصدق عليه بها يسامحه إذا باعها وقد أخبر الشارع في لحم بريرة أنها إذا كانت الجهة التي يأخذ بها الإنسان غير جهة الصدقة جاز ذَلِكَ، ومن ملكها بماله لم يأخذها من جهة الصدقة، فدل هذا المعنى أن النهي في حديث عمر في الفرس محمول على وجه التنزيه لا التحريم لها؛ لأن المتصدق عليه بالفرس لما ملك بيعه من سائر الأجانب وجب أن يملكه من المتصدق عليه، دليله: إن وهب له جاز أن يشتريه الواهب.
وقال الطبري: معنى: حديث عمر في النهي عن شراء صدقة التطوع خاصة؛ لأنه لا صدقة في الخيل، فيقال: إن الفرس الذي تصدق به عمر كان من الواجب، وصح أنه لم يكن حبسًا؛ لأنه لو كان حبسًا لم يكن ليباع فعلم أنه كان بما تطوع به عمر، قال غيره: ولا يكون الحبس إلا أن

-------------
= وهو غني، وابن ماجه (١٨٤١) كتاب: الزكاة، باب: من تحل له الصدقة، وأحمد ٣/ ٥٦، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٧ - ٤٠٨ كتاب: الزكاة، وصححه الحاكم، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٤٥)، وانظر: «الإرواء» ٣/ ٣٧٧ (٨٧٠).
(١) انظر: «التمهيد» ٧/ ١١٥.
(٢) رواه مسلم (١١٤٩) كتاب: الصيام، باب: قضاء الصيام عن الميت.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #299  
قديم 09-02-2026, 06:10 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 571 الى صـــ 590
الحلقة (299)






ينفق عليه المحبس من ماله، وإذا خرج خارج إلى الغزو دفعه إليه مع نفقته على أن يغزو به، ويصرفه إليه، فيكون موقوفًا على مثل ذَلِكَ، فهذا لا يجوز بيعه بإجماع، وأما إذا جعله في سبيل الله وملكه الذي دفعه إليه فهذا يجوز بيعه.
قال الطبري: والدليل على جواز شراء صدقة الفرض وصحة البيع ما ثبت عن رسول الله - ﷺ - فيمن وجبت عليه سن من الإبل فلم تكن عنده وكان عنده دونها أو فوقها أن يأخذ ما وجد (١)، ويرد إن كان أخذ أفضل من الذي له دراهم أو غنمًا، وهذا لا شك أخذ عوض، وبدل من الواجب على رب المال، وإذا جاز تملك الصدقة بالشراء قبل خروجها من يد المتصدق بعوض فحكمها بعد القبض كذلك، وبنحو ذَلِكَ قال جماعة من العلماء. وكان عمر لا يكره أن يشتري الرجل صدقته إذا خرجت من يد صاحبها إلى غيره، رواه الحسن عنه وقال به هو وابن سيرين (٢)، فأما إن كان رجعت إلى المتصدق صدقته بميراث أو هبة من المتصدق عليه، فإنه لا يكره له تملكها، ولا يكون عائدًا؛ لحديث بريرة.
قال ابن التين: وليس ذَلِكَ عند مالك بالحرام البين؛ لأن الحديث إنما جاء في صدقة التطوع، قال في «الموطأ» (٣): ترك شرائها أحب إلي، وهو ما في «المدونة» (٤) أيضًا، والذي فعل ابن عمر من ترك شراء ما

------------
(١) دل على ذلك حديث سيأتي برقم (٢٣٠٥). كتاب: الوكالة، باب: وكالة الشاهد والغائب جائزة.
(٢) روى ذلك ابن أبي شيبة ٢/ ٤١١ (١٠٥١٣).
(٣) «الموطأ» ص ١٩٠.
(٤) «المدونة» ١/ ٢٦٦.



تصدق به إلا أن يشتريه؛ ليجعله صدقة، وكان ابن عمر لا ينتفع من شيء تصدق به وركب مرة راحلة كان حبسها، وفيما نقل عن الداودي رهنها فصرع عنها فرأى ذَلِكَ عقوبة لركوبه إياها، فإن أراد البخاري صدقة التطوع فلائح، وإن أراد الفرض فهو يروي عن معاذ أنه قال لأهل اليمن: ائتوني (بخميص) (١)، أو لبيس مكان الذرة والحب (٢) وقد سلف.
وقوله: (لا بأس أن يشتري صدقة غيره) صحيح يوضحه حديث بريرة: «هو لها صدقة ولنا هدية» (٣) فإذا كان هذا بغير عوض فالعوض أجوز.
ثانيها:
معنى (حملت عليها في سبيل الله) أي: دفعته إلى من هو مواظب على الجهاد في سبيل الله على وجه التحبيس له، ويحتمل هبته وتمليكه للجهاد، فعلى هذا له بيعه ويتصرف فيه بما أراد بخلاف الأول؛ لأنه موقوف في ذَلِكَ الوجه فلا يزيله مع السلامة، وهذا مثل الحديث السالف: «إن خالدًا احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله» (٤).
ومعنى إضاعته له: إما عدم حسن القيام عليه، ويبعد مثل هذا على الصحابة إلا أن يوجبه عذر، أو في استعماله فيما حبس له فصيره ضائعًا من الهزال المفرط مباشرة الجهاد وإبقائه له في سبيل الله، فإن كان حبسًا فيحتمل أن عمر ظن أنه يجوز له هذا ويباح له شراء الحبس، غير أن منعه من شرائه وتعليله بالرجوع دليل على أنه لم يكن حبسًا، إلا أن يكون هذا

----------
(١) في الأصول: (بخميس) والمثبت من اليونينية.
(٢) سلف قبل الرواية (١٤٤٨) كتاب: الزكاة، باب: العرض في الزكاة.
(٣) يأتي برقم (١٤٩٥) باب: إذا تحولت الصدقة.
(٤) سلف برقم (١٤٦٨).



الضياع قد بلغ به إلى عدم الانتفاع فيما حبس له، فيجوز بيعه عند من يراه ويحتمل أنه لما وهبه إياه على ما سلف وأراد شراءه لضياعه.
فرع:
ضياع الخيل الموقوفة إذا رجي صلاحها والنفع بها في الجهاد كالضعف المرجو برؤه منع ابن الماجشون بيعه، واختاره ابن القاسم ويوضع ثمنه في ذَلِكَ الوجه.
ثالثها:
قال ابن عبد البر: في إجازة تحبيس الخيل: وإن من حمل على فرس وغزا به فله أن يفعل فيه ما يشاء في سائر أمواله. قال ابن عمر: إذا بلغت به وادي القرى فشأنك به. وقال ابن المسيب: إذا بلغ رأس مغزاته فهو له. قال: ويحتمل أن يكون هذا الفرس ضاع حتَّى عجز عن اللحاق بالخيل، وضعف عن ذَلِكَ، فأجيز له بيعه لذلك، ومن أهل العلم من يقول: يضع ثمنه ذَلِكَ في فرس عتيق أي فاره إن وجده وإلا أعان به في مثل ذَلِكَ، ومنهم من يقول: إنه كسائر أمواله إذا غزا عليه (١).
رابعها:
قوله: («فَإِنَّ العَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالعَائِدِ فِي قَيْئِهِ») وفي رواية أخرى: «كالكلب يعود في قيئه» (٢) يريد أنه من القبح في الكراهة بمنزلة العائد في أكل ما قاءه، بعد أن تغير من حال الطعام إلى القيء، وكذلك هذا لما أخرج صدقته فلا يرتجعها بعدما تغيرت وتغير ما في ماله من الفساد فيه،

------------
(١) انتهى من كلام ابن عبد البر بتصرف «الاستذكار» ٩/ ٣٢٤ - ٣٢٦.
(٢) سيأتي برقم (٢٦٢٣) في الهبة، باب: لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته.



فإن ذَلِكَ من أفعال الكلب وأخلاقه التي ينفرد بها، فإذا تصدق على أجنبي فلا رجوع له كالفرض؛ لهذا الحديث.
قال مالك: لا يركبه وإن كان أمرًا قريبًا، وذكر ركوب ابن عمر ناقة وهبها، وقال القاضي أبو محمد: لا بأس أن يركب الفرس الذي جعله في سبيل الله، ويشتري من ألبان الغنم اليسير.
حجة مالك أنه من الرجوع في الصدقة، ووجه الآخر أن اليسير معفو عنه، فإن أعطى على غير وجه الصدقة ففي «الموازية» فيمن حمل على فرس لا للمسكنة ولا للسبيل، قال مالك: لا بأس أن يشتريه ولو تصدق (بمنفعة) (١) أو غلة، فقال محمد: لم يختلف مالك وأصحابه في إجازة شراء ذَلِكَ للمتصدق إلا عند الملك، واحتج بهذا الحديث، ووجه قول مالك أنه - عليه السلام - أرخص لصاحب العرية أن يشتريها وهي صدقته، وعندنا للأب والجد أن يرجع فيما وهبه لولد، وعند المالكية ما قصد به المودة والمحبة، فلا رجوع إلا للأبوين.
وفي إلحاق الجد والجدة بهما روايتان، وما قصد به التقرب إلى الله من صلة رحم أو لفقير أو ليتيم أو نحوه، فلا رجوع فيه لأحد؛ لأنه صدقة، ولا ينبغي أن يتملكها بوجه إلا بميراث، ولا يأكل من ثمرها ولا يركبها، وفي «الموازية»: من تصدق على ابنه الفقير في حجره بجارية فيبيعها من نفسه له أن يشتريها بخلاف الأجنبي.
وقال مالك: من تصدق على ابنه بغنم لا بأس أن يأكل من لحمها و(يشرب) (٢) من لبنها ويكتسي من صوفها، وإن كان حائطًا أكل من

------------
(١) في الأصل: (بمنفعته)، والمثبت من (ج).
(٢) في الأصل: (يشتري)، والمثبت من (ج).



ثمرته، وعنه لا يكتسي ولا يشرب.
وفي «الموازية» عن مالك: إنما ذَلِكَ في الابن الكبير دون الصغير.
وقال ابن القاسم: في الصغير، ولو تصدق على غاز بدراهم ثم ترافقا فأخرج المتصدَّق عليه منها جاز ذَلِكَ عند مالك لقصة بريرة (١).

------
(١) انظر: «النوادر والزيادات» ١٢/ ١٩٩.


٦٠ - باب مَا يُذْكَرُ فِي الصَّدَقَةِ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -
١٤٩١ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زِيَادٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - قَالَ: أَخَذَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ رضي الله عنهما تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ، فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «كِخٍ كِخٍ» لِيَطْرَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: «أَمَا شَعَرْتَ أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ». [انظر: ١٤٨٥ - مسلم: ١٠٦٩ - فتح: ٣/ ٣٥٤]
ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة الحسن. وقد سلف في باب: أخذ صدقة التمر عند صرام النخل واضحًا (١).
وقوله للحسن: «كِخْ كِخْ» هو ردع للصغار وزجر. وقال الداودي: هي معربة، ومعناها: بئس، وفيها ثلاثة أوجه: فتح الكاف وتنوين الخاء كذا في رواية أبي الحسن، ثانيها: بكسر الكاف وإسكان الخاء في رواية أبي ذر، ثالثها: كسر الكاف وتشديد الخاء في بعض نسخ الهروي (٢).
قال المهلب: وفيه أن قليل الصدقة لا يحل لآل محمد بخلاف اللقطة التي لا يحرم منها ما لا قيمة له، لقوله - عليه السلام - في التمرة الملقاة: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها» (٣).

--------
(١) برقم (١٤٨٥).
(٢) ورد بهامش الأصل ما نصه: في «المطالع» فيها لغات أكثر من ذلك، وليس منها تشديد الخاء، وقد ذكرها في «القاموس».
(٣) سيأتي برقم (٢٤٣١)، ورواه مسلم (١٠٧١).



٦١ - باب الصَّدَقَةِ عَلَى مَوَالِي أَزْوَاجِ النَّبِيِّ - ﷺ -
١٤٩٢ - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبِّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلاَّ انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟». قَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا». [٢٢٢١، ٥٥٣١، ٥٥٣٢ - مسلم: ٣٦٣ - فتح: ٣/ ٣٥٥]

١٤٩٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا الحَكَمُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - ﷺ -: «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ: وَأُتِيَ النَّبِيُّ - ﷺ - بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هَذَا مَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح: ٣/ ٣٥٥]
ذكر فيه حديث ابن عَبَّاسٍ قَالَ: وَجَدَ النَّبِيُّ - ﷺ - شَاةً مَيِّتَةً أُعْطِيَتْهَا مَوْلَاةٌ لِمَيْمُونَةَ مِنَ الصَّدَقَةِ، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟». قَالُوا: إِنَّها مَيْتَةٌ. قَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا».
وحديث عَائِشَةَ: أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِيَ بَرِيرَةَ لِلْعِتْقِ، وَأَرَادَ مَوَالِيهَا أَنْ يَشْتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرَتْ عَائِشَةُ لرسول الله - ﷺ -، فَقَالَ لَهَا: «اشْتَرِيهَا، فَإِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». قَالَتْ: وَأُتِيَ رسول الله - ﷺ - بِلَحْمٍ، فَقُلْتُ: هذا ممَا تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ. فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَة، وَلنَا هَدِيَّةٌ».
الشرح:
أما حديث عائشة: فسلف في أحكام المساجد (١)، ويأتي قريبًا (٢).

----------
(١) برقم (٤٥٦) كتاب: الصلاة، باب: ذكر البيع والشراء على المنبر في المسجد.
(٢) برقم (٢١٥٥) كتاب: البيوع، باب: البيع والشراء مع النساء.



وأما حديث ابن عباس فأخرجه مسلم بلفظ: تصُدق على مولاة لميمونة بشاة، فمر بها رسول الله - ﷺ -، فقال: «هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به؟». فقالوا: إنما هي ميتة. فقال: «إنما حرم أكلها» (١). وفي لفظ له: «هلا انتفعتم بجلدها؟» (٢)، وفي أخرى: «ألا انتفعتم بإهابها؟» (٣) وفي أخرى عن ابن عباس: أن ميمونة … (٤) يعني بهذا: الحديث، وفي رواية للبخاري: «ما على أهلها لو انتفعوا بإهابها» (٥) ولم يقل في شيء من طرقه: فدبغتموه. وفي بعض طرقه (بعير) مكان: (شاة).
وذكر في الأيمان والنذور في باب: إن حلف لا يشرب نبيذًا فشرب الطلاء أو سكرًا أو عصيرًا: عن ابن عباس عن سودة أم المؤمنين قالت: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم مازلنا ننتبذ فيه حتَّى صار شنًّا. وهو من أفراده (٦).
وأخرجه ابن أبي شيبة في «مسنده» عن ابن عباس قال: ماتت لنا شاة لسودة أم المؤمنين- فأتاها النبي - ﷺ - فأخبرته، فقال: «ألا انتفعتم بمسكها؟»، فقالت: يا رسول الله، مسك ميتة! فقال: «﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾» [الأنعام: ١٤٥] الآية، «إنكم لستم تأكلونها».
فبعث بها فسلخت، قال ابن عباس: فجعلوا مسكها قربة ثم رأيته بعد شَنَّةً.

----------
(١) «صحيح مسلم» (٣٦٣) كتاب: الحيض، باب: طهارة جلود الميتة بالدباغ.
(٢) «صحيح مسلم» (٣٦٣/ ١٠١).
(٣) رواه مسلم (٣٦٥).
(٤) رواه مسلم (٣٦٤).
(٥) ستأتي برقم (٥٥٣٢) كتاب: الذباح والصيد، باب: جلود الميتة.
(٦) سيأتي برقم (٦٦٨٦).



ولأحمد فقال: «إنكم لا تطعمونه، إن تدبغوه تنتفعوا به» (١)، وللحاكم في «تاريخ نيسابور»: مرّ النبي - ﷺ - بشاة ميتة لأم سلمة أو لسودة .. الحديث. وللدارقطني: كان أعطاها مولًى لميمونة (٢).
قال ابن عبد البر: رواه غير واحد بإسقاط ابن عباس، والصحيح اتصاله وكان ابن عيينة يقول مرارًا كذلك، ومرارًا: عن ابن عباس عن ميمونة بزيادة: «دباغ إهابها طهورها» واتفق معمر ومالك وبونس على قوله: «إنما حرم كلها» إلا أن معمرًا قال: «لحمها» ولم يذكر واحد منهم الدباغ، وكان ابن عيينة يقول: لم أسمع أحدًا يقول: «إنما حرم أكلها» إلا الزهري، واتفق عقيل وجماعات على ذكر الدباغ فيه عن الزهري؛ وكان ابن عيينة مرة يذكره، ومرة لا يذكره، قال محمد بن يحيى النيسابوري: لست أعتمد في هذا الحديث على ابن عيينة لاضطرابه فيه (٣).
وأما ذكر الدباغ فلا يؤخذ إلا عن يحيى بن أيوب، عن عُقَيل، ومن رواية بقية عن الزبيدي، ويحيى وبقية ليسا بالقويين، ولم يذكر مالك ولا يونس الدباغ، وهو الصحيح في حديث الزهري وبه كان يفتي وأما من غير رواية الزهري فصحيح محفوظ عن ابن عباس.
وأما حديث عبد الله بن عكيم قال: كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر أن «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» فحسنه الترمذي مع اضطرابه، وصححه ابن حبان (٤)، ومنهم من ادعى نسخه، وضعفه

-----------
(١) «مسند أحمد» ١/ ٣٢٧.
(٢) «سنن الدارقطني» ١/ ٤٢.
(٣) «التمهيد» ٩/ ٥٠ - ٥١ بتصرف.
(٤) «سنن الترمذي» (١٧٢٩)، «صحيح ابن حبان» ٤/ ٩٣ (١٢٧٧).



يحيى وقال ابن عبد البر: لم يثبت (١).
وقال النسائي: أصح ما في الباب في جلود الميتة حديث ابن عباس (٢).
وقال الدوري: قُلْتُ ليحيى بن معين: أيما أعجب إليك من هذين الحديثين؟ قال: «دباغها طهورها» أعجب إليَّ.
وحكى الحازمي بإسناده إلى إسحاق بن راهويه أنه ناظر الشافعي وأحمد بن حنبل حاضر في جلود الميتة، فقال الشافعي: دباغها طهورها. فقال له إسحاق: ما الدليل؟ قال: حديث ابن عباس، قال إسحاق: حديث ابن عكيم: كتب إلينا رسول الله - ﷺ - قبل موته بشهر أن «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، فهذا أشبه أن يكون ناسخًا لحديث ميمونة، فقال الشافعي: هذا كتاب وذاك سماع. فقال إسحاق: إن رسول الله - ﷺ - كتب إلى كسرى وقيصر وكانت حجة بينهم عند الله، فسكت الشافعي، فلما سمع ذَلِكَ أحمد ذهب إلى حديث ابن عكيم وأفتى به ورجع إسحاق إلى حديث الشافعي (٣).
وقوله: (أعطيتها مولاة) هو بالرفع.
إذا تقرر ذَلِكَ: فاتفق كافة الفقهاء على أن أزواج النبي - ﷺ - لا يدخلن في آله الذين تحرم عليهم الصدقة، ومواليهن أحرى بالصدقة، على ما ثبت في شاة ميمونة ولحم بريرة وإنما اختلف العلماء في موالي بني هاشم، وقد سلف ما فيه في باب: أخذ صدقة التمر فراجعه (٤)،

---------
(١) «التمهيد» ١٠/ ٣٧٤.
(٢) «سنن النسائي» ٧/ ١٧٥.
(٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار» ص ٤٦ - ٤٧.
(٤) سلف حديث يدل على ذلك برقم (١٤٨٥).



وما نقلناه من الاتفاق هو ما ذكره ابن بطال (١)، لكن في «مصنف ابن أبي شيبة»، حَدَّثَنَا وكيع، عن شريك، عن ابن أبي مليكة أن خالد بن سعيد بن العاصي أرسل إلى عائشة شيئًا من الصدقة فردته، وقالت: إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة (٢).
واعلم أن أكثر أهل العلم -فيما حكاه الحازمي- على جواز الانتفاع بجلد الميتة بعد الدباغ- منهم الأئمة الثلاثة، ومن الصحابة عبد الله بن مسعود وإلى المنع ذهب عمر وابنه عبد الله وعائشة (٣) وادعى ابن شاهين أن هذِه الأحاديث لا يمكن ادعاء نسخ شيء منها بالآخر، والمنع على ما قبل الدباغ، والإباحة على ما بعده (٤).
وقد قال الخليل: لا يقع على الجلد اسم الإهاب إلا قبل الدباغ فأما بعده فلا يسمى إهابًا بل أديمًا وجلدًا وجرابًا، وكذا في «المنتهى»: الإهاب: الجلد قبل أن يدبغ، وفي «المحكم»: الإهاب: الجلد (٥).
قال أبو عمر: ومعلوم أن المقصود بالحديث ما لم يكن طاهرًا؛ لأن الطاهر لا يحتاج إلى دباغ فبطل قول من قال: إنه لا ينتفع به بعد الدباغ، وكذا قول من قال: إن جلد الميتة ينتفع به وإن لم يدبغ، وهو قول مروي عن الزهري والليث، وهو مشهور عنهما وروي عنهما خلافه، وهو من أفراد الزهري وانفرد هو والليث بجواز بيعه قبل الدباغ، وعن مالك ما يشبهه، وظاهر مذهبه خلافه (٦).

--------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٤٣ - ٥٤٤.
(٢) «المصنف» ٢/ ٤٢٩ (١٠٧٠٨)، و٧/ ٣٢٦ (٣٦٥١٧).
(٣) «الاعتبار في الناسخ والمنسوخ» ص ٤٥ - ٤٦.
(٤) «ناسخ الحديث منسوخه» ص ١٦٠.
(٥) «المحكم» ٤/ ٢٦١.
(٦) «التمهيد» ٤/ ١٥٢ - ١٥٤ «والاستذكار» ١٥/ ٣٣٨ - ٣٤١ بتصرف.



قُلْتُ: ومعنى الحديث عند كافة الفقهاء: هلا انتفعتم بجلدها بعد الدباغ.
ومجموع ما في دباغ جلود الميتة وطهارتها سبعة أقوال:
أحدها: أنه تطهير به جميع جلود الميتة إلا الكلب والخنزير والفرع ظاهرًا وباطنًا ويستعمل في اليابس والمائع وسواء مأكول اللحم وغيره، وبه قال علي وابن مسعود، وهو مذهب الشافعي (١).
ثانيها: لا يطهر منها شيء به، روي عن جماعة سلف ذكرهم، وهي أشهر الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك (٢).
ثالثها: يطهر به جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثورج وإسحاق (٣).
رابعها: تطهير جميعها إلا الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة (٤).
خامسها: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره فقط دون باطنه، ويستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه، وهو مشهور مذهب مالك فيما حكاه أصحابه عنه (٥).
سادسها: يطهر الجميع والكلب والخنزير ظاهرًا وباطنًا وهو مذهب داود وأهل الظاهر وحكي عن أبي يوسف (٦).
سابعها: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها في المائعات واليابسات، وهو وجه شاذ لبعض أصحابنا.
ومحل بسط المسألة كتب الخلاف وسيكون لنا عودة إلى المسأله في

----------
(١) «الأم» ١/ ٧ - ٨.
(٢) «عيون المجالس» ١/ ١٧٨، «المغني» ١/ ٨٩.
(٣) «المغني» ١/ ٨٩.
(٤) «بدائع الصنائع» ١/ ٨٥.
(٥) «عيون المجالس» ١/ ١٧٨.
(٦) «المحلى» ١/ ١١٨.



أواخر الصيد والذبائح حيث ذكرها البخاري هناك (١).
واحتج بعض المالكية بحديث بريرة على أن التصرف في البيع الفاسد يفسده وهو مذهب مالك، وقال الشافعي: لا تأثير للقبض فيه بملك ولا شبهة ملك، وقال سحنون في الحرام البين (…) عندهم العيوب والقبض والنماء المنفصل والمتصل. وقال أبو حنيفة مثله إلا أنه قال: يرد مع النماء وإذا وطئ غرم الأرش، واحتج بعض المالكية بحديث بريرة على أن عائشة اشترتها شراء فاسدًا فأنفذ الشارع عتقها، ومعلوم أن شرط الولاء لغير المعتق يوجب فساد العقد، ثم أنفذ الشارع العقد واستدل به أصحاب أبي حنيفة على أنها ملكت بالقبض ملكًا تامًّا، وهو بعيد؛ لأنه - عليه السلام - في هذا الحديث وغيره أمر عائشة بالشراء ولم يكن ليأمر بفاسد، وأجاب بعضهم بأنها خصت بذلك كما خص غيرها بخصائص، وهو بعيد؛ لأن ذَلِكَ لو وقع لنقل، وعد ابن التين من ذَلِكَ: تخصيص البراء بن عازب تختم الذهب، وطلحة والزبير بجواز لبس الحرير لحكة كانت بهما (٢)، وحسان بن ثابت بجواز إنشاد الشعر في المسجد (٣)، وكله غريب.
وزيادة: «اشتريها واشترطي لهم الولاء» ما رواها إلا هشام بن عروة (٤) ساء حفظه، وادعى ابن القطان أنه خلط في آخر عمره، وسيأتي الكلام على ذَلِكَ في موضعه، فهو أمس به.

----------
(١) سيأتي برقم (٥٥٣١ - ٥٥٣٢) باب: جلود الميتة.
(٢) سيأتي هذا الحديث برقم (٢٩١٩ - ٢٩٢٠) ورواه مسلم (٢٠٧٦) من حديث أنس.
وفيه أنهما عبد الرحمن بن عون والزبير بن العوام.
(٣) انظر ما سيأتي برقم (٣٢١٢) ورواه مسلم (٢٤٨٥)، وسيأتي برقم (٣٢١٣). ورواه مسلم (٢٤٨٦).
(٤) رواها من طريقه مسلم (١٥٠٤/ ٨).



٦٢ - باب إِذَا تَحَوَّلَتِ الصَّدَقَةُ
١٤٩٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رضي الله عنها قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟». فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيْءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَيْنَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا». [انظر: ١٤٤٦ - مسلم: ١٠٧٦ - فتح: ٣/ ٣٥٦]

١٤٩٥ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضي الله عنه - أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ».
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -. [٢٥٧٧ - مسلم: ١٠٧٤ - فتح: ٣/ ٣٥٦]
ذكر فيه حديث حفصة بنت سيرين، عن أم عطية الأنصارية: قَالَتْ: دَخَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى عَائِشَةَ فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ». فَقَالَتْ: لَا، إِلَّا شَيءٌ بَعَثَتْ بِهِ إِلَينَا نُسَيْبَةُ مِنَ الشَّاةِ التِي بَعَثْتَ بِهَا مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ: «إِنَّهَا قَدْ بَلَغَتْ مَحِلَّهَا».
وحديث شعبة، عن قتادة، عن أنس أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - أُتِيَ بِلَحْمٍ تُصُدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لنَا هَدِيَّةٌ».
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، سَمِعَ أَنَسًا، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -.
الشرح:
حديث أم عطية أخرجه الشيخان (١).

------------
(١) «صحيح مسلم» (١٠٧٦) في الزكاة، باب: إباحة الهدية للنبي - ﷺ - وبني هاشم.


ونسيبة هي أم عطية وقد صرح به البخاري في بعض نسخة (١) ولمسلم: لحم بقر (٢).
والتعليق أسنده أبو نعيم في «مستخرجه» فقال: حدثنا عبد الله، ثنا يونس، ثنا أبو داود -يعني الطيالسي- أنبأنا شعبة، فذكره.
وفائدته تصريح قتادة بسماعه إياه من أنس، قال ابن التين: وكان البخاري لا يسند عن أبي داود هذا في «صحيحه»: وقال ما كان أحفظه!
إذا تقرر ذَلِكَ:
ففيهما دلالة، كما قال الطحاوي، على جواز استعمال الهاشمي، ويأخذ جعله على ذَلِك (٣)، وقد كان أبو يوسف يكره ذَلِكَ إذا كانت جعالتهم منها، قال: لأن الصدقة تخرج من ملك المتصدق إلى غير الأصناف التي سماها الله تعالى، فيملك المتصدق بعضها وهي لا تحل له، واحتج بحديث أبي رافع في ذَلِك (٤).
وخالفه آخرون فقالوا: لا بأس أن يجتعل منها الهاشمي؛ لأنه إنما يجتعل على عمله، وذلك قد يحل للأغنياء، فلما كان هذا لا يحرم على الأغنياء الذين يحرم عليهم غناهم الصدقة كان ذَلِكَ أيضًا في النظر

--------
(١) جاء في الأصل بعد كلمة نسخه: وحديث أم عطية أخرجه الشيخان فلعله تكرار.
(٢) «صحيح مسلم» برقم (١٠٧٥).
(٣) «شرح معاني الآثار» ٢/ ١٣.
(٤) رواه أبو داود (١٦٥٠)، والترمذي (٦٥٧)، والنسائي ٥/ ١٠٧ عن ابن أبي رافع، عن أبي رافع أن النبي - ﷺ - بعث رجلًا من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع: اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا، حتى آتي رسول الله - ﷺ - فأسأله، فانطلق إلى النبي - ﷺ - فسأله، فقال: «إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم». والحديث صححه ابن خزيمة (٢٣٤٤)، والألباني في «صحيح أبي داود» (١٤٥٦) وانظر «الإرواء» (٨٦٢).



لا يحرم ذَلِكَ على بني هاشم الذين يحرم عليهم سهم الصدقة، فلما كان ما تصدق به على بريرة جائزًا للشارع أكله؛ لأنه أكله بالهدية جاز أيضًا للهاشمي أن يجتعل الصدقة؛ لأنه إنما يملكها بعمله لا بالصدقة، هذا هو النظر عندنا، وهو أصح مما ذهب إليه أبو يوسف.
قال بعض العلماء: لما كانت الصدقة يجوز فيها التصرف للفقير بالبيع والهبة لصحة ملكه لها وأهدتها نسيبة وبريرة إلى عائشة، حكم لها بحكم الهبة وتحولت عن معنى الصدقة بملك المصدق عليه بها، وانقلبت إلى معنى الهدية الحلال لرسول الله - ﷺ - وإنما كان يأكل الهدية دون الصدقة (١) لما في الهبة من التآلف والدعاء إلى المحبة، وجائز أن يثيب عليها بمثلها (٢) وأفضل منها فيرفع الذلة والمنة، بخلاف الصدقة.
وقال سحنون: لا بأس أن يشتري الرجل كسور السؤال منهم، دليله حديث بريرة. قال ابن التين: وفيه دليل على أصبغ ومن نحا نحوه؛ لأنه يقول: موالي القوم منهم لا تحل لهم الصدقة ويقول: إن آل أبي بكر لا يأكلونها إلا أن يصح ما ذكره الداودي أن نسيبة بعثت إلى بريرة، لكن سائر الأخبار فيها: «بلحم تصدق به على بريرة». وإن كان يحتمل صدقة التطوع فأصبغ أيضًا يرى أنها لا تحل لهم في أحد قوليه وفي الآخر مكروهة.

---------
(١) انظر ما سيأتي برقم (٢٥٧٦)، وراه مسلم (١٠٧٧).
(٢) انظر ما سيأتي برقم (٢٥٨٥).



٦٣ - باب أَخْذِ الصَّدَقَةِ مِنَ الأَغْنِيَاءِ وَتُرَدَّ فِي الفُقَرَاءِ حَيْثُ كَانُوا
١٤٩٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ صَيْفِيٍّ، عَنْ أَبِي مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ - ﷺ - لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى اليَمَنِ: «إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ». [انظر: ١٣٩٥ - مسلم: ١٩ - فتح: ٣/ ٣٥٧]
ذكر فيه حديث معاذ، وسلف في أول الزكاة أكثره وبعضه في أثنائه (١) وقد سلف هناك الاختلاف في نقل الصدقة من بلدها وهو حجة للمانع؛ لأنه أخبر أنها تفرد في فقراء اليمن إذا أخذت من أغنيائهم.
واحتج المجيز بأثر معاذ السالف: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة (٢)؛ فإنها أنفع لأهل المدينة فأعلمهم أنه ينقلها إلى المدينة. وكان عدي بن حاتم ينقل صدقة قومه إلى الصديق بالمدينة فلم ينكر عليه (٣) وفية: أيضًا كما سلف هناك أن الزكاة تعطى لصنف واحد خلافًا للشافعي.

-----------
(١) برقم (١٣٩٥) باب: وجوب الزكاة.
(٢) سلف قبل حديث (١٤٤٨) باب العرض في الزكاة.
(٣) انظر: «سنن البيهقي» ٧/ ١٠، ١٩ - ٢٠.



وقد اختلف العلماء في الصدقات هل هي مقسومة على من سمى الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الآية؟ فقال مالك والثوري وأبو حنيفة وأصحابه: يجوز أن توضع في صنف واحد من الأصناف المذكورة على قدر اجتهاد الإمام، وهو قول عطاء والنخعي والحسن البصري، وقال الشافعي: هي مقسومة على ثمانية أصناف لا يصرف منها سهم عن أهله ما وجدوا، وهو قول عكرمة، وأخذ بظاهر الآية (١).
قال: وأجمعوا لو أن رجلًا أوصى بثلاثة لثمانية أصناف لم يجز أن يجعل ذَلِكَ في صنف واحد وكان ما أمر الله بقسمته على ثمانية أصناف أولى ألا يجعل في واحد، ومعنى الآية عند مالك والكوفيين إعلام من الله تعالى لمن تحل له الصدقة بدليل إجماع العلماء أن العامل عليها لا يستحق ثمنها وإنما له بقدر عمله، فدل ذَلِكَ على أنها ليست مقسومة على ثمانية أصناف بالسواء
واحتجوا بما روي عن حذيفة وابن عباس أنهما قالا: إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك (٢) ولا مخالف لهما من الصحابة، فهو كالإجماع. وقال مالك والكوفيون: المؤلفة قلوبهم قد بطلوا ولا مؤلفة اليوم وليس لأهل الذمة في بيت المال حق. وقال الشافعي: المؤلفة قلوبهم من دخل في الإسلام ولا يعطى مشرك يتألف على الإسلام.

-------------
(١) «المبسوط» ٣/ ٨، «مختصر اختلاف العلماء» ١/ ٤٨٢، «بدائع الصنائع» ٢/ ٤٤،
«المعونة» ١/ ٢٦٨، «الأم» ٢/ ٨٩، «عبد الرزاق» ٤/ ١٠٥ (٧١٣٥)، «ابن أبي
شيبة» ٢/ ٤٠٥ (١٠٤٥٢،١٠٤٥٤).
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٠٥ (١٠٤٤٥ - ١٠٤٤٧) عن حذيفة، ورواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٠٤ (١٦٩٠٢ - ١٦٩٠٣ - ١٦٩٠٧) عنهما.



وقوله: («اتق دعوة المظلوم») فيه عظة الإمام من ولاه النظر في أمور رعيته، ويأمره بالعدل بينهم، ويخوفه عاقبة الظلم ويحذره وباله، قال تعالى: ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ولعنة الله: الإبعاد من رحمته. والظلم محرم في كل شريعة، وقد جاء أن دعوة المظلوم لا ترد، وإن كانت من كافر (١) ومعنى ذَلِكَ أن الرب تعالى لا يرضى ظلم الكافر كما لا يرضى ظلم المؤمن، وأخبر تعالى أنه لا يظلم الناس شيئًا، فدخل في عموم هذا اللفظ جميع الناس من مؤمن وكافر. وحذر معاذًا من الظلم مع علمه بفضله وورعه، وأنه من أهل بدر وقد شهد له بالجنة، غير أنه لا يأمن أحد بل يشعر نفسه بالخوف.
-----------
(١) رواه أحمد ٢/ ٣٦٧، والطيالسي ٤/ ٩٢ (٢٤٥٠)، وابن أبي شيبة ٦/ ٤٩ (٢٩٣٦٥)، والقضاعي في «مسند الشهاب» ١/ ٢٠٨ (٣١٥) من طريق أبي معشر عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: «دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرًا ففجوره على نفسه».
قال المنذري في «الترغيب والترهيب» ٣/ ١٣٠ (٣٣٧٢)، والحافظ في «الفتح» ٣/ ٣٦٠، والهيثمي في «المجمع» (١٧٢٢٧): إسناده حسن.
وله شاهد من حديث أنس؛ رواه أحمد ٣/ ١٥٣ عنه مرفوعًا: «اتقوا دعوة المظلوم وإن كان كافرًا فإنه ليس دونها حجاب».
وقال الهيثمي في «المجمع»١٠ (١٧٢٣٥) فيه: أبو عبد الله الأسدي، لم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح والحديثين صححهما الألباني في «الصحيحة» (٧٦٧).



٦٤ - باب صَلَاةِ الإِمَامِ وَدُعَائِهِ لِصَاحِبِ الصَّدَقَةِ
وَقَوْلِهِ تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ إلى قوله ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التو بة: ١٠٣]

١٤٩٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى». [٤١٦٦، ٦٣٣٢، ٦٣٥٩ - مسلم: ١٠٧٨ - فتح: ٣/ ٣٦١]
ذكر فيه حديث عبد الله بن أبي أَوْفَى قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ - ﷺ - إِذَا أَتَاهُ قَوْمٌ بِصَدَقَتِهِمْ قَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ فُلَانٍ». فَأَتَاهُ أَبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى».
هذا الحديث ذكره في غزوة الحديبية عن عمرو سمعت ابن أبي أوفي، وكان من أصحاب الشجرة (١) ولأبي داود، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن أبي أوفي قال: كان أبي من أصحاب الشجرة (٢).
وهما صحيحان، هو ووالده من أصحابها، وأخرجه مسلم أيضًا (٣).
وهذِه الآية نزلت -فيما قاله الضحاك- في قوم تخلفوا عن غزوة تبوك منهم: أبو لبابة فندموا وربطوا أنفسهم إلى سواري المسجد (٤) فقال - عليه السلام -: «لا أعذرهم» فأنزل الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾

--------------
(١) سيأتي برقم (٤١٦٦) كتاب: المغازي.
(٢) «سنن أبي داود» (١٥٩٠).
(٣) «صحيح مسلم» (١٠٧٨) كتاب: الزكاة، باب: الدعاء لمن أتى بصدقته.
(٤) ورد في هامش الأصل ما نصه: إنما ربط أبو لبابة نفسه حين طلبه بنو قريظة فاستشاروه أينزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فأشار إلى حلقه، فجاء إلى المسجد ولم يجتمع بالنبي - ﷺ -، وربط نفسه بساريته. الحديث.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #300  
قديم 09-02-2026, 06:17 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,749
الدولة : Egypt
افتراضي رد: التوضيح لشرح الجامع الصحيح أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري المعروف بـ ابن ال




الكتاب: التوضيح لشرح الجامع الصحيح
المؤلف: سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي

المعروف بـ ابن الملقن (٧٢٣ - ٨٠٤ هـ)
الناشر: دار النوادر، دمشق - سوريا
الطبعة: الأولى، ١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م
عدد الأجزاء: ٣٦ (٣٣ والفهارس)

المجلد (10)
من صـــ 591 الى صـــ 610
الحلقة (300)






[التوبة: ١٠٢] الآية، فأتي النبي - ﷺ - بأموالهم فأبى أن يقبلها فقال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (١) الآية [التوبة: ١٠٣]. ومعنى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ادع لهم إن دعاءك سكون وتثبيت.
فيه: الأمر بالدعاء لصاحبها، وأوجبه أهل الظاهر عملًا بالأمر وبفعل الشارع، وخالفهم جميع العلماء وأنه مستحب؛ لأنها تقع الموقع وإن لم يدع له ولم يأمر به معاذًا، ولو كان واجبًا لعلمه ولأمر به السُعاة، ولم ينقل. والمراد بأنها سكن بعد الموت وهو خاص به؛ لأن صلاته سكن لنا؛ ولأن كل حق لله أو لآدمي استوفاه الإمام لا يجب عليه الدعاء لمن استوفاه منه كالحدود والكفارات والديون،
وفيه: الصلاة على غير الأنبياء، وقد منعه مالك، والحديث حجة عليه، وكذا حديث «الموطأ»: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد» (٢) ولكن هذا من باب التبع. وفيه: أن يقال: آل فلان، يريد فلانًا وآله، وذكر بعض أهل اللغة أنها لا تقال إلا للرجل العظيم كآل أبي بكر وعمر.
وقال الشافعي: الصلاة عليهم: الدعاء لهم فيستحب للإمام إذا أخذها أن يدعو لمن أخذها منه، وأحب أن يقول: أجرك الله فيما أعطيت، وجعله لك طهورًا، وبارك لك فيما أبقيت (٣). وللنسائي من حديث وائل بن حجر قال - عليه السلام - لرجل بعث بناقته -يعني في الزكاة- فذكر من حسنها: «اللهم بارك فيه وفي آله» (٤).

--------------
(١) رواه الطبري في «تفسيره» ٦/ ٤٦١، ٤٦٤ (١٧١٥٨)، (١٧١٧٢).
(٢) «الموطأ» ص ١٢٠.
(٣) «الأم» ٢/ ٥١.
(٤) «سنن النسائي» ٥/ ٣٠. والحديث صححه ابن خزيمة ٤/ ٢٢ - ٢٣ (٢٢٧٤)، والحاكم في «المستدرك» ١/ ٤٠٠ على شرط مسلم.



٦٥ - باب مَا يُسْتَخْرَجُ مِنَ البَحْرِ
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَيْسَ العَنْبَرُ بِرِكَازٍ إنما هُوَ شَيْءٌ دَسَرَهُ البَحْرُ. وَقَالَ الحَسَنُ فِي العَنْبَرِ وَاللُّؤْلُؤِ: الخُمُسُ، فَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي الرِّكَازِ الخُمُسَ، لَيْسَ فِي الَّذِى يُصَابُ فِي المَاءِ.

١٤٩٨ - وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ». [٢٠٦٣، ٢٢٩١، ٢٤٠٤، ٢٤٣٠، ٢٧٣٤، ٦٢٦١ - فتح: ٣/ ٣٦٢]
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله - ﷺ -: «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، بِأَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَدَفَعَهَا أِلَيهِ، فَخَرَجَ فِي البَحْرِ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَدَ خَشَبَةً فنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فيهَا أَلْفَ دِينَارٍ، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ، فخَرجَ الرَّجُلُ الذِي كَانَ أسلَفَة، فإذَا بِالخَشَبَةِ فَأَخَدَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ».
الشرح:
أما أثر ابن عباس فأخرجه الشافعي من حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن أذينة قال: سمعت ابن عباس، فذكره (١).

------------
(١) «مسند الشافعي» ١/ ٢٢٩ (٦٣٠).


قال البيهقي: ورواه عمرو بن دينار، عن ابن جريج (١). وأخرجه ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان بن سعيد، عن عمرو به: ليس في العنبر زكاة إنما هو شيء دسره البحر. ثم رواه عن ابن عيينة، عن ابن طاوس، عن أبيه قال: سأل إبراهيم بن سعد ابن عباس، عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس، قال: وحَدَّثَنَا وكيع، عن الثوري، عن ابن طاوس، عن أبيه أن ابن عباس سئل عن العنبر فقال: إن كان فيه شيء ففيه الخمس (٢).
وقال البيهقي: ابن عباس علق القول فيه في هذِه الرواية، وقطع بأن لا زكاة فيه في الأولى، والقطع أولى (٣).
وأما أثر الحسن فأخرجه ابن أبي شيبة، عن معاذ بن معاذ، عن أشعث عنه أنه كان يقول: في العنبر الخمس. وكذلك كان يقول في اللؤلؤ (٤).
ومعنى (دسره البحر): دفعه ورمى به، قاله ابن فارس (٥).
واختلف العلماء في العنبر واللؤلؤ إذا أخرجا من البحر هل فيهما خمس أم لا؟ وكذلك المرجان ونحوه فجمهور العلماء على أنه لا شيء فيهما وأنها كسائر العروض، وبه قال أهل المدينة والكوفيون والليث والشافعي وأحمد وأبو ثور، وقال أبو يوسف: اللؤلؤ والعنبر

-------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦، وقد انقلبت العبارة هنا على المصنف -رحمه الله- فقول البيهقي: ورواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وهو الصواب قطعًا.
(٢) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٥٩، ١٠٠٦٤، ١٠٠٦٥).
(٣) «السنن الكبرى» ٤/ ١٤٦.
(٤) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٣).
(٥) «المجمل» ٢/ ٣٢٦.



وكل حلية تخرج من البحر فيه الخمس، وهو قول عمر بن عبد العزيز والحسن البصري وابن شهاب وإسحاق (١).
وحكى ابن قدامة أن ظاهر قول الخرقي واختيار أبي بكر الأول، قال: وروي نحوه عن ابن عباس، قال: وبه قال عمر بن عبد العزيز وعطاء ومالك والثوري وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن وأبو عبيد.
وعن أحمد رواية أخرى بالوجوب؛ لأنه خارج من معدن فأشبه الخارج من معدن البحر، قال: ويحكى عن عمر بن عبد العزيز أنه أخذ من العنبر الخمس (٢)، وهو ما قدمناه أولا تبعًا لابن بطال (٣)، وهو ما في «المصنف» لابن أبي شيبة حَدَّثَنَا ابن عيينة، عن معمر أن عروة بن محمد كتب إلى عمر بن عبد العزيز في عنبرة زِنتها سبعمائة رطل فقال: فيها الخمس. وحَدَّثَنَا وكيع، عن سفيان، عن ليث أن عمر بن عبد العزيز خمس العنبر (٤).
حجة المانع أثر ابن عباس السالف، وروى أبو بكر، عن وكيع، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي الزبير، عن جابر قال: ليس في العنبر زكاة، إنما هو غنيمة لمن أخذه (٥). قال ابن القصار في قول الوجوب: إنه غلط؛ لأنه - عليه السلام - قال: «وفي الركاز الخمس» (٦) فدل أن

--------------
(١) «المبسوط» ٢/ ٢١٢، «المدونة» ١/ ٢٥١، «الأم» ٢/ ٣٣، «المغني» ٤/ ٢٤٤، وقول عمر رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٢، ١٠٠٦٣).
(٢) «المغني» ٤/ ٢٤٤.
(٣) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٠.
(٤) «المصنف» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦١ - ١٠٠٦٢).
(٥) «مصنف ابن أبي شيبة» ٢/ ٣٧٤ (١٠٠٦٠)
(٦) سيأتي قريبًا برقم (١٤٩٩)، ورواه مسلم (١٧١٠).



غير الركاز لا خمس فيه، والبحر لا ينطلق عليه اسم ركاز، واللؤلؤ والعنبر متولدان من حيوان البحر فأشبه السمك والصدف (١).
واحتج غيره بأن الله تعالى قد فرض الزكاة فقال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فأخذ الشارع من بعض الأموال دون بعض، فعلمنا أن الله تعالى لم يُرد جميع الأموال، فلا سبيل إلى إيجاب زكاة إلا فيما أخذه الشارع ووقف عليه أصحابه.
وقال ابن التين: وقول ابن عباس هو قول أكثر العلماء، ثم نقل عن عمر بن عبد العزيز والحسن إيجاب الخمس فيه. وقال الأوزاعي: إن وجده على ضفة (٢) النهر خمسه، وإن غاص عليها في مثل بحر الهند فلا شيء فيها خمس ولا نفل ولا غيره.
فائدة: روى الشيرازي في «ألقابه» من حديث حذيفة مرفوعًا: «لما أهبط آدم من الجنة بأرض الهند وعليه ذَلِكَ الورق الذي كان لباسه في الجنة يبس فتطاير فعبق منه شجر الهند فلقح، فهذا العود والصندل (٣) والمسك والعنبر من ذَلِكَ الورق» قيل: يا رسول الله، إنما المسك من الدواب، قال: «أجل هي دابَّة تشبه الغزال رعت من ذَلِكَ الشجر فصير الله المسك في سررها، فإذا رعت الربيع جعله الله مسكًا يتساقط، وقال لي جبريل: لا يكون إلا في ثلاث كور فقط: الهند والصين وتبت» قالوا: يا رسول الله، والعنبر إنما هي دابَّة في البحر، قال: «أجل كانت هذِه الدابَّة بأرض الهند ترعى في البر يومئذ»

--------------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٠.
(٢) ورد في هامش الأصل ما نصه: في «الصحاح» بالكسر: الجانب أشهر. وفي «النهاية» الفتح والكسر.
(٣) ورد في هامشج الأصل ما نصه: الصندل شجر طيب الرائحة.



وقيل: إن العنبر ينبت في البحر بمنزلة الحشيش في البر. رواه ابن رستم عن محمد بن الحسن.
وقيل: إنه شجر تتكسر فيصيبها الموج فيلقيها إلى الساحل. وقيل: إنه جُشاء دابة. وقيل: يخرج من عين.
والصواب أنه يخرج من دابَّة بحرية صرح به ابن البيطار (١) - ينبت في قعر البحر فتأكله بعض دوابِّه فإذا امتلأت منه قذفته رجيعًا وهو في خلقه كالعظام من الخشب، وهو دسم خوار دهني يطفو على الماء، ومنه ما لونه إلى السواد.
وقال ابن سينا (٢): فيما نظن نبع عين في البحر.

--------------
(١) هو العلامة ضياء الدين عبد الله بن أحمد، الأندلس، المالقي، والبناني، ابن البيطار، مصنف كتاب «الأدوية النباتية» وما صنف في معناه مثله، كان ثقة فيما ينقله، حجة، انتهت إليه معرفة الحشائش والنبات وتحقيقه وصفته وأسمائه وأماكنه، كان لا يجارى في ذلك، وسافر إلى بلاد الأغارقة وأقصى بلاد الروم، وأخذ فن النبات عن جماعة. وكان ذكيًّا فطنًا.
توفي بدمشق سنة ست وأربعين وستمائة.
وانظر تمام ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» ٢٣/ ٢٥٦ (١٦٨)، «تاريخ الإسلام» ٤٧/ ٣١١ (٤١٦)، «الوافي بالوفيات» ١٧/ ٥١ (٤٧) «شذرات الذهب» ٥/ ٢٣٤.
(٢) هو العلامة الشهير الفيلسوف- أبو علي، الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي ابن سينا، البلخي ثم البخاري، صاحب التصانيف في الطب والفسلفة والمنطق.
صنف «الإنصاف» عشرين مجلدًا. و«البر والإثم» مجلدين، «القانون» مجلدين.
قال الذهبي: هو رأس الفلاسفة الإسلامية لم يأتي بعد الفارابي مثله، فالحمد لله على الإسلام والسنة، وله كتاب «الشفاء» وغيره، وأشياء لا تحتمل، وقد كفره الغزالي في كتاب «المنقذ من الضلال» وكفر الفارابي. اهـ من «السير» ١٧/ ٥٣٥. توفي سنة ثمان وعشرين وأربعمائة.
انظر ترجمته في: «وفيات الأعيان» ٢/ ١٥٧، «وسير أعلام النبلاء» ١٧/ ٥٣١ (٣٥٦) و«تاريخ الإسلام» ٢٩/ ٢١٨ (٢٦٢)، و«الوافي بالوفيات» ١٢/ ٣٩١.



وأبعد من قال: إنه زبد البحر أو روث دابَّة. وهو أشهب وأزرق وأصفر وأسود، وفي «الحيوان» لأرسطو: الدابَّة التي تلقي العنبر من بطنها تشبه البقرة.
وجمعه عنابر على ما قال ابن جني، والعنبر (١): الزعفران وقيل: الورس، قاله ابن سيده (٢)، وفي «الجامع» أحسب النون فيه زائدة، وذكره أكثرهم في الرباعي، والعرب تقوله بالباء والميم ومن أسمائه: الذكي، كما قاله المفضل، (الإبليم) (٣) كما ذكره العسكري في «تلخيصه».
فائدة ثانية:
اللؤلؤ أصله: مطر الربيع يقع في الصدف، فأصله ماء ولا زكاة فيه، وقيل: إن الصدف حيوان يخلق الله فيه اللؤلؤ، والدر كباره.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في سبعة مواضع: هنا والبيوع والكفالة والاستقراض والملازمة والشروط والاستئذان (٤)

-------------
(١) «سر صناعة الإعراب» ١/ ٤٢١.
وابن جني هو إمام العربية. أبو الفتح عثمان بن جني الموصلي، صاحب التصانيف منها: «سر صناعة الإعراب» و«اللمع»، و«التصريف» و«الخصائص» و«المقصور والممدود». و«المحتسب في الشواذ» توفي سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
انظر ترجمته في: «تاريخ بغداد» ١١/ ٣١١، «معجم الأدباء» ١٢/ ٨١، «تاريخ الإسلام» ٢٧/ ٢٧٠، «سير أعلام النبلاء» ١٧/ ١٧ (٩).
(٢) «المحكم» ٢/ ٣٢٨.
(٣) رسمت هكذا في الأصل.
(٤) سيأتي برقم (٢٠٦٣) كتاب: البيوع، باب: التجارة في البحر، وبرقم (٢٢٩١) كتاب: الكفالة، باب: الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها، وبرقم (٢٤٠٤) كتاب: الاستقراض، باب: إذا أقرضه إلى أجل مسمًى ..، وبرقم (٢٤٣٠) كتاب: اللقطة، باب: إذا وجد خشبة في البحر أو سوطًا، وبرقم =



وما علقه هنا وقع في بعض نسخ البخاري عقبه: حَدَّثَني بذلك عبد الله بن صالح، حَدَّثَني الليث. ذكره الحافظ المزي قال: وهو ثابت في عدة أصول من كتاب البيوع من «الجامع»، من رواية أبي الوقت، عن الداودي، عن ابن حمويه، عن الفربري عنه (١). وقال الطرقي: أخرجه محمد في خمسة مواضع من الكتاب فقال: وقال الليث.
قُلْتُ: بل في سبعة كما مضى، ورواه النسائي عن علي بن محمد، عن داود بن منصور، عن الليث (٢)، وذكر ابن أبي أحد عشر في «جمعه» أن أبا خلدة حدثه به متصلًا فساقه من حديث عمر بن الخطاب السجستاني، ثنا عبد الله بن صالح، عن الليث به.
وذكره أبو نعيم في «مستخرجه» من حديث عاصم بن علي حدثنا به الليث، ورواه الإسماعيلي من هذا الوجه أيضًا ومن حديث آدم بن أبي إياس عن الليث ثم قال: ليس في هذا الحديث الذي ذكره شيء يتصل به هذا الباب رجل أقرض قرضًا فارتجع قرضه. وأعله ابن حزم بعبد الله بن صالح وقال: إنه ضعيف جدًّا وذكره من حديث عبد الرحمن بن هرمز عن أبيه عن أبي هريرة، قال: وأخرجه البخاري منقطعًا غير متصل (٣) هذا لفظه.
وقد أسلفت أن عاصم بن علي، وداود بن منصور، وآدم بن أبي إياس تابعوا عبد الله بن صالح، وقد روى عنه ابن معين والبخاري،

-----------
= (٢٧٣٤) كتاب: الشروط، باب: الشروط في القرض، وبرقم (٦٢٦١) كتاب: الاستئذان، باب: بمن يبدأ في الكتاب.
(١) «تحفة الأشراف» ١٠/ ١٥٦.
(٢) عزاه المزي في «تحفة الأشراف» للنسائي ١٠/ ١٥٦.
(٣) «المحلي» ٨/ ١١٩.



قال أبو زرعة: حسن الحديث، وسيأتي (متابع آخر له وشاهد (١» وقال ابن التين: لم يسند البخاري إلى الليث، وقد أسنده عاصم بن علي، عن الليث، والبخاري حدث عن عاصم بن علي، ولعله لم يسمعه منه، أو لعله لم يتواطأ في روايته عن الليث، وإن كان قد رواه محمد بن رمح بن مهاجر أيضًا عن الليث.
وروي من طريق آخر إلى أبي هريرة ذكره محمد بن سعدون العبدري بإسناده من حديث أبي عوانة عن عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة، فذكره، وقال الداودي: مثل قول الإسماعيلي السالف: حديث الخشبة ليس من هذا الباب في شيء.
وقال أبو عبد الملك: إنما أدخله البخاري هنا لبيان أن كل ما ألقاه البحر جاز التقاطه ولا خمس فيه، كالعنبر إذا لم يعلم أنه من مال المسلمين، وأما إذا علم أنه منها فلا يجوز أخذه وإن مات أهل المركب عطشًا، أو لعله كان كاللقطة؛ لأن الرجل إنما أخذ خشبة على الإباحة لتملكها فوجد فيها المال ولو وقع هذا اليوم لكان كاللقطة؛ لأنه معلوم أن الله تعالى لا يخلق الدنانير المضروبة في الخشب، ونحا نحو ذَلِكَ ابن المنير فقال: موضع الاستشهاد إنما هو أخذ الخشبة على أنها حطب فدل على إباحة مثل ذَلِكَ مما يلفظه البحر، أما ما ينشأ فيه كالعنبر أو مما سبق فيه ملك وعطب وانقطع ملك صاحبه منه على اختلاف بين العلماء في تمليك هذا مطلقًا أو مفصلًا، وإذا جاء تمليك الخشبة وقد تقدم عليها ملك فتمليك نحو العنبر الذي لم يتقدم عليه ملك أولى (٢).

--------------
(١) في (ج): منافع أخر وشواهد.
(٢) «المتواري» ص ١٢٩.



وهذا أخذه من قول المهلب، وفي أخذ الرجل الخشبة حطبًا دلالة على أن ما يوجد في البحر من متاع البحر وغيره أنه لا شيء فيه، وهو لمن وجده حتى يستحق ما ليس من متاع البحر من الأموال كالدنانير والثياب، وشبه ذَلِكَ، فإذا استحق رد إلى مستحقه وما ليس له طالب، ولم يكن له كبير قيمة، وحكم بغلبة الظن بانقطاعه كان لمن وجده ينتفع به ولا يلزمه فيه تعريف، إلا أن يوجد فيه دليل يستدل به على مالكه كاسم رجل معلوم أو علامة فيجتهد فيه الفقهاء في أمر التعريف (١).
وفيه أيضًا فوائد أخر منها: أن الله تعالى يجازي أهل الإرفاق بالمال يحفظه عليهم مع الأجر المدخر لهم في الآخرة كما حفظه على المسلف حين رده الله إليه، وهذان فضلان كبيران لأهل المواساة والثقة بالله والحرص على أداء الأمانة.
ومنها: جواز ركوب البحر بأموال الناس والتجارة فيه وغير ذَلِكَ (٢).

----------
(١) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥١.
(٢) ورد في هامش الأصل: ثم بلغ في العشرين كتبه مؤلفه.



٦٦ - باب فِي الرِّكَازِ الخُمُسُ
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ إِدْرِيسَ: الرِّكَازُ دِفْنُ الجَاهِلِيَّةِ، فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ الخُمُسُ. وَلَيْسَ المَعْدِنُ بِرِكَازٍ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ - فِي المَعْدِنِ: «جُبَارٌ، وَفِى الرِّكَازِ الخُمُسُ». وَأَخَذَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ مِنَ المَعَادِنِ مِنْ كُلِّ مِائَتَيْنِ خَمْسَةً. وَقَالَ الحَسَنُ: مَا كَانَ مِنْ رِكَازٍ فِي أَرْضِ الحَرْبِ فَفِيهِ الخُمُسُ، وَمَا كَانَ مِنْ أَرْضِ السِّلْمِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَإِنْ وَجَدْتَ اللُّقَطَةَ فِي أَرْضِ العَدُوِّ فَعَرِّفْهَا، وَإِنْ كَانَتْ مِنَ العَدُوِّ فَفِيهَا الخُمُسُ. وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ: المَعْدِنُ رِكَازٌ مِثْلُ دِفْنِ الجَاهِلِيَّةِ؛ لأَنَّهُ يُقَالُ: أَرْكَزَ المَعْدِنُ. إِذَا خَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ. قِيلَ لَهُ: قَدْ يُقَالُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ شَيْءٌ، أَوْ رَبِحَ رِبْحًا كَثِيرًا، أَوْ كَثُرَ ثَمَرُهُ: أَرْكَزْتَ. ثُمَّ نَاقَضَ وَقَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُمَهُ فَلَا يُؤَدِّيَ الخُمُسَ.

١٤٩٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ». [٢٣٥٥، ٦٩١٢، ٦٩١٣ - مسلم: ١٧١ - فتح: ٣/ ٣٦٤]
ثم ساق حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ - ﷺ - قَالَ: «العَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ».
الشرح:
أما قول مالك فأخرجه البيهقي من حديث (ابن مسلمة) (١) ثنا مالك

-------------
(١) كذا بالأصول، والصواب: ابن بكير. انظر: «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٥.


أنه سمع بعض أهل العلم يقولون في الركاز. إنما هو دفن الجاهلية ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه كبير عمل، فأما ما طلب بمال أوكلف فيه كبير عمل فأصيب مرة وأخطئ مرة فليس بركاز (١)، ورواه أيضًا الشافعي في القديم عن مالك.
(وابن إدريس) الظاهر أنه الإمام الشافعي المطلبي حيث قرنه بمالك، وكذا قال الحافظ المزي، ونقل ابن التين عن أبي ذر أنه يقال: ابن إدريس الشافعي، وقيل: هو عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، وهو أشبه.
وأما قوله: («وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ»). فقد أسنده آخر الباب.
وأثر عمر بن عبد العزيز أخرجه البيهقي من حديث قتادة أن عمر بن عبد العزيز جعل المعدن بمنزلة الركاز يؤخذ منه الخمس، ثم عقب بكتاب آخر فجعل فيه الزكاة، قال: وروينا عن عبد الله أبي بكر أن عمر بن عبد العزيز أخذ من المعادن من كل مائتي درهم خمسة دراهم. وعن أبي الزناد قال: جعل عمر بن عبد العزيز في المعادن أرباع العشور إلا أن تكون ركزة فإذا كانت ركزة ففيها الخمس (٢).
وأما أثر الحسن فأخرجه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن هشام، عن الحسن قال: الركاز الكنز العادي وفيه الخمس (٣).
وحدثنا أبو معاوية عن عاصم، عن الحسن قال: إذا وجد الكنز في أرض العدو فيه الخمس، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة (٤).

---------------
(١) «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٥.
(٢) «السنن الكبرى» ٤/ ١٥٢.
(٣) «المصنف» ٦/ ٤٣٨ (٣٢٦٩٥).
(٤) رواه ابن أبي شيبة ٢/ ٤٣٦ (١٠٧٧٧)، ٦/ ٤٣٧ (٣٢٦٨٦).



قال ابن التين: وقول الحسن لم يتابع عليه، وقال مرة: أجمع أهل العلم على خلافه. وكذا قال ابن المنذر: لا خلاف بين العلماء أن في الركاز الخمس، ولا نعلم أحدًا خالف في ذَلِكَ إلا الحسن ففصل. قال غيره: وهو غلط؛ لأن الشارع لم يخص أرضًا دون أرض.
وقوله: (وقال بعض الناس) هو: أبو حنيفة كما صرحوا به ومنهم ابن التين، قال: وذلك؛ لأن العلة التي ذكرها البخاري هي كالعلة المروية عن أبي حنيفة، ونقل ابن بطال عن أبي حنيفة والثوري والأوزاعي أن المعدن كالركاز (١)، وفيه الخمس في قليله وكثيره على ظاهر قوله: «وفي الركاز الخمس» احتج أبو حنيفة بقول العرب: أركز الرجل إذا أصاب ركازًا وهو قطع من الذهب تخرج من المعادن، قاله في «العين» (٢)، وألحق ابن سيده الفضة به (٣)، وفي «التهذيب»: قطعٌ عظامٌ كالجلاميد (٤).
وفي الترمذي أنه ما وُجد من دفن الجاهلية (٥).
وقال الزهري وأبو عبيد فيما حكاه ابن المنذر: إنه المال المدفون، وكذا المعدن وفيها الخمس. وفي «الجامع»: ليس الركاز من الكنوز؛ لأن أصله ما ركز في الأرض إذا ثبت أصله، وأما المعدن فهو: شيء مركوز الأصل لا تنقطع مادته، والكنز متى استخرج انقطع؛ لأنه لا أصل له، ومن جعل الكنز ركازًا قال: هو من ركزت الرمح، سمي

--------------
(١) ورد بهامش الأصل: وسيأتي عن علي - رضي الله عنه - وعن الزهري أيضًا مثل ذَلِكَ.
(٢) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٥ وانظر: «العين» ٥/ ٣٢٠.
(٣) «المحكم» ٦/ ٤٦٠.
(٤) «تهذيب اللغة» ٢/ ١٤٦٠.
(٥) «سنن الترمذي» عقب الرواية (١٣٧٧).



بذلك؛ لأنه مركوز في الأرض. وأنكر بعضهم أن يكون الركاز المعدن، قال في «المحكم»: المعدن منبت الجواهر (١) من الحديد والفضة والذهب ونحوها؛ لأن أهلها يقيمون فيه لا يبرحون عنه شتاء ولا صيفًا، ومعدن كل شيء أصله من ذلك، قال الجوهري: وهو بكسر الدال (٢)، وقال في «المغيث»: هو مركز كل شيء (٣).
وما ألزمه البخاري أبا حنيفة حجة قاطعة كما قال ابن بطال (٤)؛ لأنه لا يدل اشتراك المسميات في الأسماء على اشتراكها في المعاني والأحكام، إلا أن يوجب ذَلِكَ ما يجب التسليم له، وقد أجمعوا أن من وهب له مال أو كثر ربحه أو ثمره فإنما يلزمه في ذَلِكَ الزكاة خاصة على سببها، ولا يلزمه في شيء منه الخمس، وإن كان يقال فيه: أركز. كما يلزمه في الركاز الذي هو دفن الجاهلية إذا أصابه فاختلف الحكم وإن اتفقت التسمية، ومما يدل على ذَلِكَ حديث مالك، عن ربيعة، عن غير واحد (٥) من علمائهم أن رسول الله - ﷺ - أقطع لبلال بن الحارث المعادن القبلية ولا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة، فلما لم يؤخذ منها غير الزكاة في عهده وفي عصر الصحابة (دل) (٦) على أن الذي يجب في المعادن هو الزكاة (٧).

------------
(١) «المحكم» ٢/ ١٤.
(٢) «الصحاح» ٦/ ٢١٦٢.
(٣) «المجموع المغيث» ٢/ ٤١٢.
(٤) «شرح ابن بطال» ٣/ ٥٥٥.
(٥) ورد في هامش الأصل ما نصه: بخط الشيخ في الهامش: معناه: عن ربيعة وغير واحد، كذا عنه ابن وضاح.
(٦) زيادة ليس في الأصول، والسياق يقتضيها ليستقيم المعنى.
(٧) وراه مالك ص ١٦٩، والشافعي في «الأم» ٢/ ٣٦، والبيهقي ٤/ ١٥٢، وأيضًا ٦/ ١٥١.



وقول البخاري: (ثم ناقض فقال: لا بأس أن يكتمه ولا يؤدي منه الخمس). فالطحاوي حكى عن أبي حنيفة قال: من وجد ركازًا فلا بأس أن يعطي الخمس للمساكين وإن كان محتاجًا جاز له أن يأخذه لنفسه أي: متأولًا أن له حقًّا في بيت المال، وله نصيب في الفيء، فلذلك أجاز أن يأخذ الخمس لنفسه عوضًا من ذَلِكَ؛ لأن أبا حنيفة أسقط الخمس من المعدن بعد ما أوجبه فيه.
وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم والأربعة (١).
والكلام عليه من أوجه:
أحدُها:
العجماء: البهيمة تنفلت من يد صاحبها وعجمها: عدم نطقها، والجبار: الهدر الذي لا شيء فيه، يريد إذا جنت لا غرامة فيه. وهو محمول على ما إذا أتلفت شيئًا بالنهار، أو انفلتت بالليل من غير تفريط من مالكها، أو أتلفت ولم يكن معها أحد، لكن الحديث محتمل لإرادة الجناية على الأبدان فقط، وهو أقرب إلى حقيقة الجرح، فإنه قد ثبت في بعض طرقه في مسلم (٢) وفي البخاري في الديات: «المعجماء جرحها جبار» (٣) وفي لفظ: «عقلها جبار» (٤) وعلى كل تقدير فلم يقولوا بالعموم في إهدار كل متلف من بدن أو مال،

---------
(١) «صحيح مسلم» (١٧١٠) كتاب: الحدود، باب: جرح العجماء والمعدن والبئر جبار، أبو داود (٤٥٩٣)، «الترمذي» ٦٤٢، «النسائي» ٥/ ٤٥ - ٤٦، «ابن ماجه» (٢٦٧٣).
(٢) «صحيح مسلم» (١٧١٠).
(٣) ستأتي برقم (٦٩١٢) باب: المعدن جبار والبئر جبار.
(٤) سيأتي برقم (٦٩١٣) كتاب: الديات، باب: العجماء جبار.



والمراد بجرج العجماء إتلافها سواء كان بجرح أو بغيره. قال القاضي عياض: أجمع العلماء على أن جناية البهائم بالنهار لا ضمان فيها إذا لم يكن معها أحد، فإن كان معها راكب أو سائق أو قائد فجمهور العلماء على ضمان ما أتلفت (١).
وقال داود وأهل الظاهر: لا ضمان بكل حال كان برجل أو بمقدم؛ لأن الشارع جعل جرحها جبارًا، ولم يخص حالًا من حال إلا أن يحملها الذي هو معها على ذَلِكَ أو يقصده، فتكون حينئذ كالآلة، وكذا إذا تعدى في ربطها، أو إرسالها في موضع لا يجب ربطها أو إرسالها فيه، وأما من لم يقصد إلى ذَلِكَ فلا يضمن إلا الفاعل المقاصد.
قال أصحابنا: وسواء كان إتلافها بيدها أو رجلها أو فمها ونحوه فإنه يجب ضمانه في مال الذي هو معها، سواء كان مالكها أو مستأجرًا أو مستعيرًا أو غاصبًا أو مودعًا أو وكيلًا أو غيره، إلا أن تتلف آدميًّا فتجب ديته على عاقلة الذي معها، والكفارة في ماله.
وقال مالك والليث والأوزاعي: لا ضمان فيما إذا أصابت بيدها أو رجلها، ونقل ابن بزيزة عن أبي حنيفة أنه لا ضمان فيما لفحت برجلها دون يدها لإمكان التحفظ من اليد دون الرجل.
قال: وتحصيل مذهب مالك أنه لا ضمان على راكبها ولا على سائسها إلا أن تؤثر أثرًا، أو يفعل بها فعلًا غير معتاد، أو يوقفها في موضع لم تجر العادة بإيقافها فيه، فهو حينئذ ضامن، أما إذا أتلفت بالنهار، وكانت معروفة بالإفساد، ولم يكن معها أحد فإن مالكها

------------
(١) «إكمال المعلم» ٥/ ٥٥٣.


يضمن؛ لأن عليه ربطها والحالة هذِه، وأما جنايتها بالليل فقال مالك: يضمن صاحبها ما أتلفته، وقال الشافعي وأصحابه: إن فرط في حفظها ضمن وإلا فلا. وقال أبو حنيفة: لا ضمان فيما رعته نهارًا.
وقال الليث وسحنون: يضمن. وقد ورد حديث مرفوع في إتلافها بالليل دون النهار في المزارع وأنه يضمن -كما قاله مالك- أخرجه أبو داود والنسائي من حديث حرام بن محيصة عن البراء (١)، ومن حديث حرام عن أبيه أن ناقة للبراء (٢). وصحح ابن حبان الثاني (٣) والحاكم الأول وقال: صحيح الإسناد (٤).
ثانيها:
البئر مؤنثة مشتقة من بارت إذا حفرت، والمراد هنا: ما يحفره الإنسان حيث يجوز له، فما هلك فيها فهو هدر، وكذا إذا حفر بئرًا فانهارت على الحافر أيضًا، وأَبْعَدَ من قال: المراد بالبئر هنا البئر القديمة.
ثالثها:
المعدِن بكسر الدال: ما عدن فيه شيء من جواهر الأرض، سمي معدنًا لعدون ما أثبته الله فيه لإقامته وإقامة الناس فيه، أو لطول بقائه في الأرض (٥)، ومعنى كونه جبارًا: أن من حفره في ملكه أو موات

--------------
(١) «سنن أبي داود» (٣٥٧٠)، «السنن الكبرى» ٣/ ٤١١ - ٤١٢ (٥٧٨٥).
(٢) رواه أبو داود (٣٥٦٩)، والنسائي في «الكبرى» ٣/ ٤١١ (٥٧٨٤).
(٣) «صحيح ابن حبان» ١٣/ ٣٥٤ - ٣٥٥ (٦٠٠٨).
(٤) «المستدرك» ٢/ ٤٧ - ٤٨، والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (١٥٢٧) وانظر «الصحيحة» (٢٣٨).
(٥) انظر: «الصحاح» ٦/ ٢١٦٢، «لسان العرب» ٥/ ٢٨٤٣ - ٢٨٤٤.



ومرّ به مارٌ أو استأجر أجيرًا يعمل فيه فوقع عليه فمات فلا شيء عليه، وسيأتي تكملة لما نحن فيه في كتاب الديات إن شاء الله وقدره.
رابعها:
الركاز بكسر الراء: المركوز أي: النابت أو المختفي، ومنه: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٨٩] وهو في الشرع: الموجود الجاهلي عند جمهور العلماء، وقد سلف بسطه قريبًا، ومنهم مالك والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور، والحديث قال على المغايرة بينه وبين المعدن، وهو مذهب أهل الحجاز، ومذهب أهل العراق أنه المعدن كما سلف، والحديث يرد عليهم وفيه وجوب الخمس، وبه قال جميع العلماء، ولا أعلم أحدًا خالف فيه إلا الحسن، فإنه فصل كما سلف، ويصرف عندنا مصرف الزكاة لا لأهل الخمس على المشهور، وفاقًا لمالك، وخلافًا لأبي حنيفة.
وفيه: أن الركاز لا يختص بالذهب والفضة لعمومه، وهو أحد قولي الشافعي، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء، قال: وبه أقول، وأصحهما عنده اختصاصه بالنقد كالمعدن.
وفيه: أنه لا فرق بين قليله وكثيره في وجوب الخمس لعموم الحديث، وهو أحد قوليه.
قال ابن المنذر: وبه قال جل أهل العلم، وهو أولى، وأصحهما عنده اختصاصه بالنصاب، ونقل عن مالك وأحمد وداود وإسحاق، والأصح عند المالكية الأول، ونقل ابن التين عن ابن الجلاب أنه حكى فيه رواية بوجوب الخمس فيه وأخرى بمقابله قال: ويشبه أن يكون حد القليل ما دون النصاب، والكثير النصاب فما فوقه.


وفيه: عدم اعتبار الحول في إخراج زكاته، وهو إجماع بخلاف المعدن -على رأي- للمشقة فيه.
وفيه: إطلاق اعتبار الخمس فيه من غير اعتبار الأراضي، لكن الفقهاء فصلوا فيه كما أوضحته في «شرح العمدة» فراجعه منه (١).
تنبيهات:
أحدها: قسم بعض الحنفية المعدن ثلاثة أقسام: بما يدرك بالنار ولا ينقطع، كالنورة والكحل والفيروز ونحوها، ومما يدرك بالنار وينطبع كالذهب والفضة والحديد والرصاص والنحاس، وما يكون مائعًا كالقار والنفط والملح المائي ونحوها، والوجوب يختص بالنوع الثاني دون الآخرين عند الحنفية وأوجبه أحمد في الجميع، ومالك والشافعي في الذهب والفضة خاصة (٢).
ثانيها: أوجب الشافعي وأحمد في المعدن ربع العشر، وفي الركاز الخمس، وقال مالك في البدرة تصاب بغير كبير تعب: يجب فيها الخمس، وإن لحقته كلفة ففيه ربع العشر، وفي الكنز الخمس (٣).
وفي كتاب «الأموال» لابن زنجويه: عن علي أنه جعل المعدن ركازًا، وأوجب فيه الخمس (٤)، ومثله عن الزهري (٥)، وقد سلف حديث مالك عن ربيعة، قال ابن عبد البر: وهو عند سائر الرواة مرسل، وقد أسنده البزار من حديث الحارث بن بلال بن الحارث،

------------
(١) راجع «الإعلام بفوائد عمدة الأحكام» ٥/ ٦٠ - ٧٠.
(٢) «المبسوط» ٢/ ٢١١، «عيون المجالس» ٢/ ٥٤٨، «الأم» ٢/ ٣٦، «المغني» ٤/ ٢٤٤.
(٣) «المدونة» ٢/ ٢٤٧، «الأم» ٢/ ٣٧، «المغني» ٤/ ٢٣٢، ٢٣٩.
(٤) «الأموال» ٢/ ٧٤٣.
(٥) المصدر السابق ٢/ ٧٤٥.



عن أبيه (١)، ورواه أبو سبرة المدني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن علقمة، عن أبيه عن بلال مثله (٢)، ولم يتابع أبو سبرة عليه، ورواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده مرفوعًا، وهذا في أبي داود (٣) وكثير مجمع على ضعفه، وإسناد ربيعة فيه صالح حسن (٤).
قُلْتُ: وأخرجه الحاكم من حديث بلال، عن أبيه، ثم قال: صحيح الإسناد، ولعله علم حال الحارث (٥).
ثالثها: قال ابن حزم: كل من عدا عليه حيوان من بعير أو فرس أو بغل وشبهها، فلم يقدر على دفعه عن نفسه إلا بقتله فقتله، فلا ضمان عليه فيه، وهو قول مالك والشافعي وداود وقال الحنفيون: يضمن؛ واحتجوا بحديث: «العجماء جرحها جبار»، وبخبر رويناه عن عبد الكريم: أن إنسانًا عدا عليه فحل ليقتله فضربه بالسيف فقتله، فأغرمه أبو بكر الصديق إياه وقال: هو بهيمة لا يعقل وعن علي نحوه، ومن طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة قال: من أصاب العجماء غرم (٦). ومن طريق الثوري عن الأسود بن قيس عن أشياخ لهم أن غلامًا لهم دخل دار زيد بن صوحان فضربته ناقة لزيد فقتلته، فعمد أولياء الغلام المقتول فقتلوها فأبطل عمر دم الغلام، وأغرم والد الغلام ثمن الناقة، وعن شريح مثله، قال: وحديث العجماء في غاية الصحة وبه نقول، ولا حجة لهم فيه؛ لأنه

------------
(١) «مسند البزار» ٨/ ٣٢٢ (٣٣٩٥).
(٢) «الموطأ» ص ١٦٩ - ١٧٠.
(٣) أبو داود (٣٠٦٢). والحديث صححه الألباني في «صحيح أبي داود» (٢٦٩٢).
(٤) «التمهيد» ٣/ ٢٣٦ - ٢٣٨.
(٥) «المستدرك» ١/ ٤٠٤.
(٦) «مصنف عبد الرزاق» ١٠/ ٦٧ (١٨٣٧٨).





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; يوم أمس الساعة 04:05 AM.
رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 444.86 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 438.98 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]