تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) - الصفحة 30 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         من مائدة الفقه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 13 - عددالزوار : 11001 )           »          حديث: في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين، تم تعتد أربعة أشهر وعشرا (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          تخريج حديث: المستحاضة بالوضوء لكل صلاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 718 )           »          تفسير القرآن الكريم ***متجدد إن شاء الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 3127 - عددالزوار : 543906 )           »          دروس وقيم وعظات من سورة الحجرات (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          سلسلة هدايات القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 12 - عددالزوار : 805 )           »          العرش والكرسي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          صفات المنافقين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 6 )           »          فوائد من كتاب شرح السنة للإمام البغوي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          لذة العبادة.. راحة الأرواح وغذاء القلوب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #291  
قديم 05-12-2025, 10:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة ىوسف .
من صـ 21 الى صــ 35
الحلقة (291)






الذي أكله فيه الذئب وقد أصابه من دمه ولكنهم نسوا أن يخرقوه فلهذا لم يرجع هذا الصنيع على نبي الله يعقوب .
بل قال لهم معرضا عن كلامهم إلى ما وقع في نفسه من لبسهم عليه "بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل" أي فسأصبر صبرا جميلا على هذا الأمر الذي اتفقتم عليه حتى يفرجه الله بعونه ولطفه "والله المستعان على ما تصفون" أي على ما تذكرون من الكذب والمحال .
وقال الثوري عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "وجاءوا على قميصه بدم كذب" قال لو أكله السبع لخرق القميص وكذا قال الشعبي والحسن وقتادة وغير واحد وقال مجاهد : الصبر الجميل الذي لا جزع فيه .
وروى هشيم عن عبد الرحمن بن يحيى عن حبان بن أبي حبلة قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله "فصبر جميل" فقال "صبر لا شكوى فيه" وهذا مرسل .
وقال عبد الرزاق قال الثوري عن بعض أصحابه إنه قال : ثلاث من الصبر : أن لا تحدث بوجعك ولا بمصيبتك ولا تزكي نفسك .
وذكر البخاري ههنا حديث عائشة في الإفك حتى ذكر قولها والله لا أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف "فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون" .

وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما يعملون (19)
وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم فأدلى دلوه قال يا بشرى هذا غلام وأسروه بضاعة والله عليم بما
يقول تعالى مخبرا عما جرى ليوسف حين ألقاه إخوته وتركوه في ذلك الجب وحيدا فريدا فمكث عليه السلام في البئر ثلاثة أيام فيما قاله أبو بكر بن عياش وقال محمد بن إسحاق لما ألقاه إخوته جلسوا حول البئر يومهم ذلك ينظرون ماذا يصنع وما يصنع به فساق الله له سيارة فنزلوا قريبا من تلك البئر وأرسلوا واردهم هو الذي يتطلب لهم الماء فلما جاء ذلك البئر وأدلى بدلوه فيها تشبث يوسف عليه السلام فيها فأخرجه واستبشر به وقال "يا بشرى هذا غلام" وقرأ بعض القراء يا بشراي فزعم السدي أنه اسم رجل ناداه ذلك الرجل الذي أدلى بدلوه معلما له أنه أصاب غلاما وهذا القول من السدي غريب لأنه لم يسبق إلى تفسير هذه القراءة بهذا إلا في رواية عن ابن عباس والله أعلم .
وإنما معنى القراءة على هذا النحو يرجع إلى القراءة الأخرى ويكون قد أضاف البشرى إلى نفسه وحذف ياء الإضافة وهو يريدها كما تقول العرب يا نفس اصبري يا غلام أقبل بحذف حرف الإضافة ويجوز الكسر حينئذ والرفع وهذا منه وتفسرها القراءة الأخرى يا بشراي والله أعلم .
وقوله "وأسروه بضاعة" أي وأسره الواردون من بقية السيارة وقالوا اشتريناه وتبضعناه من أصحاب الماء مخافة أن يشاركوهم فيه إذا علموا خبره .
قاله مجاهد والسدي وابن جرير هذا قول

وقال العوفي عن ابن عباس قوله "وأسروه بضاعة" يعني إخوة يوسف أسروا شأنه وكتموا أن يكون أخاهم وكتم يوسف شأنه مخافة أن يقتله إخوته واختار البيع فذكره إخوته لوارد القوم فنادى أصحابه "يا بشرى هذا غلام" يباع فباعه إخوته وقوله "والله عليم بما يعملون" أي عليم بما يفعله إخوة يوسف ومشتروه وهو قادر على تغيير ذلك ودفعه ولكن له حكمة وقدر سابق فترك ذلك ليمضي ما قدره وقضاه "ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" وفي هذا تعريض لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم لإعلامه له بأني عالم بأذى قومك لك وأنا قادر على الإنكار عليهم ولكني سأملي لهم ثم أجعل لك العاقبة والحكم عليهم كما جعلت ليوسف الحكم والعاقبة على إخوته .
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين (20)
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين
يقول تعالى : وباعه إخوته بثمن قليل .
قال مجاهد وعكرمة : والبخس هو النقص كما قال تعالى "فلا يخاف بخسا ولا رهقا" أي اعتاض عنه إخوته بثمن دون قليل ومع ذلك كانوا فيه من الزاهدين أي ليس لهم رغبة فيه بل لو سئلوه بلا شيء لأجابوا .
قال ابن عباس ومجاهد والضحاك إن الضمير في قوله "وشروه" عائد على إخوة يوسف ; وقال قتادة : بل هو عائد على السيارة والأول أقوى لأن قوله "وكانوا فيه من الزاهدين" إنما أراد إخوته لا أولئك السيارة لأن السيارة استبشروا به وأسروه بضاعة ولو كانوا فيه زاهدين لما اشتروه فترجح من هذا أن الضمير في "شروه" إنما هو لإخوته .
وقيل المراد بقوله "بخس" الحرام وقيل الظلم وهذا وإن كان كذلك لكن ليس هو المراد هنا لأن هذا معلوم يعرفه كل أحد أن ثمنه حرام على كل حال وعلى كل أحد لأنه نبي ابن نبي ابن نبي ابن خليل الرحمن فهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم وإنما المراد هنا بالبخس الناقص أو الزيوف أو كلاهما أي إنهم إخوته وقد

باعوه ومع هذا بأنقص الأثمان ولهذا قال "دراهم معدودة" فعن ابن مسعود رضي الله عنه باعوه بعشرين درهما وكذا قال ابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفي وزاد اقتسموها درهمين درهمين وقال مجاهد : اثنان وعشرون درهما وقال محمد بن إسحاق وعكرمة أربعون درهما وقال الضحاك في قوله "وكانوا فيه من الزاهدين" وذلك أنهم لم يعلموا نبوته ومنزلته عند الله عز وجل وقال مجاهد لما باعوه جعلوا يتبعونهم ويقولون لهم استوثقوا منه لا يأبق حتى وقفوه بمصر فقال : من يبتاعني وليبشر ؟ فاشتراه الملك وكان مسلما .
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون (21)
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون
يقول تعالى "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ولنعلمه من تأويل الأحاديث والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون" يخبر تعالى بألطافه بيوسف عليه السلام أنه قيض له الذي اشتراه من مصر حتى اعتنى به وأكرمه وأوصى أهله به وتوسم فيه الخير والصلاح فقال لامرأته "أكرمي مثواه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا" وكان الذي اشتراه من مصر عزيزها وهو الوزير ; حدثنا العوفي عن ابن عباس وكان اسمه قطفير
25@@@

وقال محمد بن إسحاق : اسمه أطفير بن روحيب وهو العزيز وكان على خزائن مصر وكان الملك يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال : واسم امرأته راعيل بنت رعابيل وقال غيره اسمها زليخا وقال محمد بن إسحاق أيضا عن محمد بن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس : كان الذي باعه بمصر مالك بن ذعر بن قريب بن عنقا بن مديان بن إبراهيم فالله أعلم وقال أبو إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود أنه قال : أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته "أكرمي مثواه" والمرأة التي قالت لأبيها "يا أبت استأجره" الآية وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب رضي الله عنهما .
يقول تعالى : كما أنقذنا يوسف من إخوته "كذلك مكنا ليوسف في الأرض" يعني بلاد مصر "ولنعلمه من تأويل الأحاديث" قال مجاهد والسدي : هو تعبير الرؤيا "والله غالب على أمره" إي إذا أراد شيئا فلا يرد ولا يمانع ولا يخالف بل هو الغالب لما سواه .
قال سعيد بن جبير في قوله "والله غالب على أمره" أي فعال لما يشاء وقوله ""

ولكن أكثر الناس لا يعلمون "يقول لا يدرون حكمته في خلقه وتلطفه وفعله لما يريد ."
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (22)
ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين
وقوله "ولما بلغ" أي يوسف عليه السلام "أشده" أي استكمل عقله وتم خلقه "آتيناه حكما وعلما" يعني النبوة أنه حباه بها بين أولئك الأقوام "وكذلك نجزي المحسنين" أي أنه كان محسنا في عمله عاملا بطاعة الله تعالى وقد اختلف في مقدار المدة التي بلغ فيها أشده فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة : ثلاث وثلاثون سنة وعن ابن عباس بضع وثلاثون وقال الضحاك عشرون وقال الحسن أربعون سنة وقال عكرمة خمس وعشرون سنة وقال السدي ثلاثون سنة وقال سعيد بن جبير ثمانية عشر سنة وقال الإمام مالك وربيعة بن زيد بن أسلم والشعبي الأشد الحلم وقيل غير ذلك والله أعلم .
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون (23)
وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون
يخبر تعالى عن امرأة العزيز التي كان يوسف في بيتها بمصر وقد أوصاها زوجها به وبإكرامه فراودته عن نفسه أي حاولته على نفسه ودعته إليها وذلك أنها أحبته حبا شديدا لجماله وحسنه وبهائه فحملها ذلك على أن تجملت له وغلقت عليه الأبواب ودعته إلى نفسها "وقالت هيت لك" فامتنع من ذلك أشد الامتناع و "قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي" وكانوا يطلقون الرب على السيد الكبير أي إن بعلك ربي

أحسن مثواي أي منزلي وأحسن إلي فلا أقابله بالفاحشة في أهله "إنه لا يفلح الظالمون" قال ذلك مجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم وقد اختلف القراء في قوله "هيت لك" فقرأه كثيرون بفتح الهاء وإسكان الياء وفتح التاء قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : معناه أنها تدعوه إلى نفسها وقال علي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس : هيت لك تقول هلم لك .
وكذا قال زر بن حبيش وعكرمة والحسن وقتادة قال عمرو بن عبيد عن الحسن وهي كلمة بالسريانية أي عليك وقال السدي : هيت لك أي هلم لك وهي بالقبطية قال مجاهد : في لغة عربية تدعوه بها وقال البخاري وقال عكرمة : هيت لك أي هلم لك بالحورانية وهكذا ذكره معلقا وقد أسنده الإمام أبو جعفر بن جرير حدثني أحمد بن سهل الواسطي حدثنا قرة بن عيسى حدثنا النضر بن علي الجزري عن عكرمة مولى ابن عباس في قوله "هيت لك" قال هلم لك قال : هي بالحورانية وقال أبو عبيد القاسم بن سلام وكان الكسائي يحب هذه القراءة يعني هيت لك ويقول لغة لأهل حوران وقعت إلى أهل الحجاز ومعناها تعال وقال أبو عبيدة : سألت شيخا عالما من أهل حوران فذكر أنها لغتهم عرفها

واستشهد الإمام ابن جرير على هذه القراءة بقول الشاعر لعلي بن أبى طالب رضي الله عنه :
أبلغ أمير المؤمن ... ين أذى العراق إذا أتينا
إن العراق وأهله ... عنق إليك فهيت هيتا
يقول فتعال واقترب وقرأ ذلك آخرون هئت لك بكسر الهاء والهمز وضم التاء بمعنى تهيأت لك من قول القائل هئت بالأمر أهيء هئة وممن روي عنه هذه القراءة ابن عباس وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو وائل وعكرمة وقتادة وكلهم يفسرها بمعنى تهيأت لك قال ابن جرير : وكان أبو عمرو والكسائي ينكران هذه القراءة وقرأ عبد الله بن إسحاق هيت بفتح الهاء وكسر التاء وهي غريبة وقرأ آخرون منهم عامة أهل المدينة هيت بفتح الهاء وضم التاء وأنشد قول الشاعر :
ليس قومي بالأبعدين إذا ما ... قال داع من العشيرة هيت
قال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري عن الأعمش عن أبي وائل قال : قال ابن مسعود وقد سمع القراء متقاربين فاقرءوا كما علمتم وإياكم والتنطع والاختلاف وإنما هو كقول أحدكم هلم وتعال ثم قرأ عبد الله هيت لك فقال يا أبا عبد الرحمن ناسا يقرءونها هيت قال عبد الله : أن أقرأها كما علمت أحب إلي

وقال ابن جرير : حدثني ابن وكيع حدثنا ابن عيينة عن منصور عن أبي وائل قال : قال عبد الله هيت لك فقال له مسروق إن ناسا يقرءونها هيت لك فقال دعوني فإني أقرأ كما علمت أحب إلي وقال أيضا : حدثني المثنى حدثنا آدم بن إياس حدثنا شعبة عن شقيق عن ابن مسعود قال : هيت لك بنصب الهاء والتاء ولا تهمز وقال آخرون هيت لك بكسر الهاء وإسكان الياء وضم التاء قال أبو عبيد معمر بن المثنى هيت لا تثنى ولا تجمع ولا تؤنث بل يخاطب الجميع بلفظ واحد فيقال هيت لك وهيت لكم وهيت لكما وهيت لكن وهيت لهن .
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين (24)
ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين
اختلفت أقوال الناس وعباراتهم في هذا المقام وقد روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وطائفة من السلف في ذلك ما رواه ابن جرير وغيره والله أعلم وقيل المراد بهمه بها خطرات حديث النفس حكاه البغوي

عن بعض أهل التحقيق ثم أورد البغوي ههنا حديث عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى : إذا هم عبدي بحسنة فاكتبوها له حسنة فإن عملها فاكتبوها له بعشر أمثالها وإن هم بسيئة فلم يعملها فاكتبوها حسنة فإنما تركها من جرائي فإن عملها فاكتبوها بمثلها وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وله ألفاظ كثيرة هذا منها وقيل هم بضربها وقيل تمناها زوجة وقيل هم بها لولا أن رأى برهان ربه أي فلم يهم بها وفي هذا القول نظر من حيث العربية حكاه ابن جرير وغيره وأما البرهان الذي رآه ففيه أقوال أيضا فعن ابن عباس وسعيد ومجاهد وسعيد بن جبير ومحمد بن سيرين والحسن وقتادة وأبي صالح والضحاك ومحمد بن إسحاق وغيرهم رأى صورة أبيه يعقوب عاضا على أصبعه بفمه وقيل عنه في رواية فضرب في صدر يوسف وقال العوفي عن ابن عباس : رأى خيال الملك يعني سيده وكذا قال محمد بن إسحاق فيما حكاه عن بعضهم إنما هو خيال قطفير سيده حين دنا من الباب وقال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن أبي مودود سمعت من محمد بن كعب القرظي قال رفع يوسف رأسه إلى سقف البيت فإذا كتاب

في حائط البيت "لا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا" وكذا رواه أبو معشر المدني عن محمد بن كعب وقال عبد الله بن وهب : أخبرني نافع بن يزيد عن أبي صخر قال : سمعت القرظي يقول في البرهان الذي رآه يوسف ثلاث آيات من كتاب الله "إن عليكم لحافظين" الآية وقوله "وما تكون في شأن" الآية وقوله "أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت" قال نافع : سمعت أبا هلال يقول مثل قول القرظي وزاد آية رابعة "ولا تقربوا الزنا" وقال الأوزاعي : رأى آية من كتاب الله في الجدار تنهاه عن ذلك قال ابن جرير : والصواب أن يقال إنه رأى آية من آيات الله تزجره عما كان هم به وجائز أن يكون صورة يعقوب وجائز أن يكون صورة الملك وجائز أن يكون ما رآه مكتوبا من الزجر عن ذلك ولا حجة قاطعة على تعيين شيء من ذلك فالصواب أن يطلق كما قال الله تعالى وقوله "كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء" أي كما
أريناه برهانا صرفه عما كان فيه كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره "إنه من عبادنا المخلصين" أي من المجتبين المطهرين المختارين المصطفين الأخيار صلوات الله وسلامه عليه .
واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب قالت ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم

يخبر تعالى عن حالهما حين خرجا يستبقان إلى الباب يوسف هارب والمرأة تطلبه ليرجع إلى البيت فلحقته في أثناء ذلك فأمسكت بقميصه من ورائه فقدته قدا فظيعا يقال إنه سقط عنه واستمر يوسف هاربا ذاهبا وهي في إثره فألفيا سيدها وهو زوجها عند الباب فعند ذلك خرجت مما هي فيه بمكرها وكيدها وقالت لزوجها متنصلة وقاذفة يوسف بدائها "ما جزاء من أراد بأهلك سوءا" أي فاحشة "إلا أن يسجن" أي يحبس "أو عذاب أليم" أي يضرب ضربا شديدا موجعا فعند ذلك انتصر يوسف عليه السلام بالحق وتبرأ مما رمته به من الخيانة .
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين (26)
قال هي راودتني عن نفسي وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين
وقال بارا صادقا "هي راودتني عن نفسي" وذكر أنها اتبعته تجذبه إليها حتى قدت قميصه "وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل" أي من قدامه فصدقت هي أي في قولها إنه راودها عن نفسها لأنه يكون لما دعاها وأبت عليه دفعته في صدره فقدت قميصه فيصح ما قالت .
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين (27)
وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين
وذلك يكون كما وقع لما هرب منها وتطلبته أمسكت بقميصه من ورائه لترده إليها فقدت قميصه من ورائه .
وقد اختلفوا في هذا الشاهد هل هو صغير أو كبير ؟ على قولين لعلماء السلف فقال عبد الرزاق أخبرنا إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس "وشهد شاهد من أهلها"

قال ذو لحية وقال الثوري عن جابر عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس : كان من خاصة الملك وكذا قال مجاهد وعكرمة والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وغيرهم : إنه كان رجلا وقال زيد بن أسلم والسدي : كان ابن عمها وقال ابن عباس كان من خاصة الملك وقد ذكر ابن إسحاق أن زليخا كانت بنت أخت الملك الريان بن الوليد وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "وشهد شاهد من أهلها" قال كان صبيا في المهد وكذا روي عن أبي هريرة وهلال بن يساف والحسن وسعيد بن جبير والضحاك بن مزاحم أنه كان صبيا في الدار واختاره ابن جرير وقد ورد فيه حديث مرفوع فقال ابن جرير : حدثنا الحسن بن محمد حدثنا عفان حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرني عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال تكلم أربعة وهم صغار فذكر فيهم شاهد يوسف ورواه غيره عن حماد بن سلمة عن عطاء عن سعيد بن جبير

عن ابن عباس أنه قال : تكلم أربعة وهم صغار ابن ماشطة بنت فرعون وشاهد يوسف وصاحب جريج وعيسى ابن مريم وقال الليث بن أبي سليم عن مجاهد إنه من أمر الله تعالى ولم يكن إنسيا وهذا قول غريب .
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم (28)
فلما رأى قميصه قد من دبر قال إنه من كيدكن إن كيدكن عظيم
وقوله "فلما رأى قميصه قد من دبر أي لما تحقق زوجها صدق يوسف وكذبها فيما قذفته ورمته به" قال إنه من كيدكن "أي إن هذا البهت واللطخ الذي لطخت عرض هذا الشاب به من جملة كيدكن" إن كيدكن عظيم "ثم قال آمرا ليوسف عليه السلام بكتمان ما وقع ."
يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين (29)
يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك إنك كنت من الخاطئين
"يوسف أعرض عن هذا" أي اضرب عن هذا صفحا أي فلا تذكره لأحد "واستغفري لذنبك" يقول لامرأته وقد كان لين العريكة سهلا أو أنه عذرها لأنها رأت ما لا صبر لها عنه فقال لها

: استغفري لذنبك أي الذي وقع منك من إرادة السوء بهذا الشاب ثم قذفه بما هو بريء منه "إنك كنت من الخاطئين" .
وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين (30)
وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين
يخبر تعالى أن خبر يوسف وامرأة العزيز شاع في المدينة وهي مصر حتى تحدث به الناس "وقال نسوة في المدينة" مثل نساء الكبراء والأمراء ينكرن على امرأة العزيز وهو الوزير ويعبن ذلك عليها "امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه" أي تحاول غلامها عن نفسه وتدعوه إلى نفسها "قد شغفها حبا" أي قد وصل حبه إلى شغاف قلبها وهو غلافه قال الضحاك عن ابن عباس : الشغف الحب القاتل والشغف دون ذلك والشغاف حجاب القلب "إنا لنراها في ضلال مبين" أي في صنيعها هذا من حبها فتاها ومراودتها إياه عن
نفسه .





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #292  
قديم 05-12-2025, 10:31 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة ىوسف .
من صـ 36 الى صــ 50
الحلقة (292)






فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (31)
فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم
فلما سمعت بمكرهن "قال بعضهم بقولهن , ذهب الحب بها وقال محمد بن إسحاق بل بلغهن حسن يوسف فأحببن أن يرينه فقلن ليتوصلن إلى رؤيته ومشاهدته فعند ذلك" أرسلت إليهن "أي دعتهن إلى منزلها لتضيفهن" وأعتدت لهن "متكأ" قال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن والسدي وغيرهم : هو المجلس المعد فيه مفارش ومخاد وطعام فيه ما يقطع بالسكاكين من أترج ونحوه ولهذا قال تعالى "وآتت كل واحدة منهن سكينا" وكان هذا مكيدة منها ومقابلة لهن في احتيالهن على رؤيته "وقالت اخرج عليهن" وذلك أنها كانت قد خبأته في مكان آخر فلما "خرج" و "رأينه أكبرنه" أي أعظمنه أي أعظمن شأنه وأجللن قدره وجعلن يقطعن أيديهن دهشة برؤيته وهن يظنن أنهن يقطعن الأترج بالسكاكين والمراد أنهن حززن أيديهن بها قاله غير واحد وعن مجاهد وقتادة : قطعن أيديهن حتى ألقينها فالله أعلم وقد ذكر غير واحد أنها قالت لهن بعدما أكلن وطابت أنفسهن مما وضعت بين أيديهن أترجا وآتت كل واحدة منهن سكينا هل لكن في النظر إلى يوسف ؟ قلن نعم فبعثت إليه تأمره أن اخرج إليهن فلما رأينه جعلن يقطعن أيديهن ثم أمرته أن يرجع ليرينه مقبلا ومدبرا فرجع وهن يحززن في أيديهن فلما أحسسن بالألم جعلن يولولن فقالت أنتن من نظرة واحدة فعلتن هذا فكيف ألام أنا ؟ "فقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم" ثم قلن لها : وما نرى عليك من لوم بعد هذا الذي رأينا لأنهن لم يرين في البشر شبيهه ولا قريبا منه فإنه عليه السلام كان قد أعطي شطر الحسن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح في حديث الإسراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بيوسف عليه السلام في السماء الثالثة قال فإذا هو قد أعطي شطر الحسن وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطي يوسف وأمه شطر الحسن

وقال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود قال : أعطي يوسف وأمه ثلث الحسن وقال أبو إسحاق أيضا عن أبي الأحوص عن عبد الله قال : كان وجه يوسف مثل البرق وقالت المرأة إذا أتته لحاجة غطى وجهه مخافة أن تفتن به ورواه الحسن البصري مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أعطي يوسف وأمه ثلث حسن أهل الدنيا وأعطي الناس
الثلثين أو قال أعطي يوسف وأمه الثلثين والناس الثلث

وقال سفيان عن منصور عن مجاهد عن ربيعة الجرشي قال : قسم الحسن نصفين فأعطي يوسف وأمه سارة نصف الحسن والنصف الآخر بين سائر الخلق وقال الإمام أبو القاسم السهيلي : معناه أن يوسف عليه السلام كان على النصف من حسن آدم عليه السلام فإن الله خلق آدم بيده على أكمل صورة وأحسنها ولم يكن في ذريته من يوازيه في جماله وكان يوسف قد أعطي شطر حسنه فلهذا قال هؤلاء النسوة عند رؤيته "حاش لله" قال مجاهد وغير واحد معاذ الله "ما هذا بشرا" وقرأ بعضهم ما هذا بشرى أي بمشترى بشراء .
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين (32)
قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين
"إن هذا إلا ملك كريم قالت فذلكن الذي لمتنني فيه" تقول هذا معتذرة إليهن بأن هذا حقيق أن يحب لجماله وكماله "ولقد راودته عن نفسه فاستعصم" أي فامتنع قال بعضهم لما رأين جماله الظاهر أخبرتهن بصفاته الحسنة التي تخفى عنهن وهي العفة مع هذا الجمال ثم قالت تتوعده "ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين" فعند ذلك استعاذ يوسف عليه السلام من شرهن وكيدهن .
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين (33)
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين
"وقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" أي من الفاحشة وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن "أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك أنت المستعان وعليك التكلان فلا تكلني إلى نفسي" أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه "الآية وذلك أن يوسف عليه السلام عصمه الله عصمة عظيمة وحماه فامتنع منها أشد الامتناع واختار السجن على ذلك وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته وهي امرأة عزيز مصر وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفا من الله"

ورجاء ثوابه ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه .
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم (34)
فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم
"وقال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه" أي من الفاحشة وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن "أي إن وكلتني إلى نفسي فليس لي منها قدرة ولا أملك لها ضرا ولا نفعا إلا بحولك وقوتك أنت المستعان وعليك التكلان فلا تكلني إلى نفسي" أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه "الآية وذلك أن يوسف عليه السلام عصمه الله عصمة عظيمة وحماه فامتنع منها أشد الامتناع واختار السجن على ذلك وهذا في غاية مقامات الكمال أنه مع شبابه وجماله وكماله تدعوه سيدته وهي امرأة عزيز مصر وهي مع هذا في غاية الجمال والمال والرياسة ويمتنع من ذلك ويختار السجن على ذلك خوفا من الله ورجاء ثوابه ولهذا ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله : إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ."
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين (35)
ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين
يقول تعالى : ثم ظهر لهم من المصلحة فيما رأوه أنهم يسجنونه إلى "حين" أي إلى مدة وذلك بعدما عرفوا براءته وظهرت الآيات وهي الأدلة على صدقه في عفته ونزاهته وكأنهم والله أعلم إنما سجنوه لما شاع الحديث إيهاما أنه راودها عن نفسها وأنهم سجنوه على ذلك ولهذا لما طلبه الملك الكبير في آخر المدة امتنع من الخروج حتى تتبين براءته مما نسب إليه من الخيانة فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي العرض صلوات الله عليه وسلامه وذكر السدي أنهم إنما سجنوه لئلا يشيع ما كان منها في حقه ويبرأ عرضه فيفضحها .
ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين (36)
ودخل معه السجن فتيان قال أحدهما إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين
قال قتادة : كان أحدهما ساقي الملك والآخر خبازه قال محمد بن إسحاق : كان اسم الذي على الشراب نبوا والآخر مجلث

قال السدي : كان سبب حبس الملك إياهما أنه توهم أنهما تمالآ على سمه في طعامه وشرابه وكان يوسف عليه السلام قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث وحسن السمت وكثرة العبادة صلوات الله عليه وسلامه ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم ولما دخل هذان الفتيان إلى السجن تألفا به وأحباه حبا شديدا وقالا له : والله لقد أحببناك حبا زائدا قال بارك الله فيكما إنه ما أحبني أحد إلا دخل علي من محبته ضرر أحبتني عمتي فدخل علي الضرر بسببها وأحبني أبي فأوذيت بسببه وأحبتني امرأة العزيز فكذلك فقالا والله ما نستطيع إلا ذلك ثم إنهما رأيا مناما فرأى الساقي أنه يعصر خمرا يعني عنبا وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود إني أراني أعصر عنبا ورواه ابن أبي حاتم عن أحمد بن سنان عن يزيد بن هارون عن شريك عن الأعمش عن زيد بن وهب عن ابن مسعود أنه قرأها أعصر عنبا وقال الضحاك في قوله "إنى أراني أعصر خمرا" يعني عنبا قال وأهل عمان يسمون العنب خمرا وقال عكرمة : قال له إني رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبلة من عنب فنبتت فخرج فيها عناقيد فعصرتهن ثم سقيتهن الملك فقال : تمكث في السجن ثلاثة أيام ثم تخرج فتسقيه خمرا وقال الآخر وهو الخباز : "إني أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله" الآية
والمشهور عند الأكثرين ما ذكرناه أنهما رأيا مناما وطلبا تعبيره وقال ابن جرير : حدثنا وكيع وابن حميد قالا : حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم عن عبد الله بن مسعود قال : ما رأى صاحبا يوسف شيئا إنما كانا تحالما ليجربا عليه .
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون (37)
قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما ذلكما مما علمني ربي إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون
يخبرهما يوسف عليه السلام أنهما مهما رأيا في منامهما من حلم فإنه عارف بتفسيره ويخبرهما بتأويله قبل وقوعه ولهذا قال "لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله" قال مجاهد يقول "لا يأتيكما طعام ترزقانه" في يومكما "إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما" وكذا قال السدي وقال ابن أبي حاتم رحمه الله حدثنا علي بن الحسين حدثنا محمد بن العلاء حدثنا محمد بن يزيد شيخ له ثنا رشدين عن الحسن بن ثوبان عن عكرمة عن ابن عباس قال : ما أدري لعل يوسف

عليه السلام كان يعتاف وهو كذلك لأني أجد في كتاب الله حين قال للرجلين "لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله" قال إذا جاءكم الطعام حلوا أو مرا أعتاف عند ذلك ثم قال ابن عباس : إنما علم فعلم وهذا أثر غريب ثم قال وهذا إنما هو من تعليم الله إياي لأني اجتنبت ملة الكافرين بالله واليوم الآخر فلا يرجون ثوابا ولا عقابا في المعاد .
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (38)
واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون
"واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب" الآية يقول هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى واتبع طريق المرسلين وأعرض عن طريق الضالين فإن الله يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلم ويجعله إماما يقتدى به في الخير وداعيا إلى سبيل الرشاد "ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس" هذا التوحيد وهو الإقرار بأنه لا إله إلا الله وحده لا شريك له "ذلك من فضل الله علينا" أي أوحاه إلينا وأمرنا به "وعلى الناس" إذ جعلنا دعاة لهم إلى ذلك "ولكن أكثر الناس لا يشكرون" أي لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم بل "بدلوا نعمة الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار" وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان حدثنا أبو معاوية حدثنا حجاج عن عطاء عن ابن عباس أنه كان يجعل الجد أبا ويقول والله لمن شاء لاعنته عند الحجر ما ذكر الله جدا ولا جدة قال الله تعالى يعني إخبارا عن يوسف "واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب" .
يا صاحبي السجن أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار (39)

ثم إن يوسف عليه السلام أقبل على الفتيين بالمخاطبة والدعاء لهما إلى عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما سواه من الأوثان التي يعبدها قومهما فقال "أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار" أي الذي دل كل شيء لعز جلاله وعظمة سلطانه .
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون (4
ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون
ثم بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهة إنما هي جعل منهم وتسمية من تلقاء أنفسهم تلقاها خلفهم عن سلفهم وليس لذلك مستند من عند الله ولهذا قال "ما أنزل الله بها من سلطان" أي حجة ولا برهان ثم أخبرهم أن الحكم والتصرف والمشيئة والملك كله لله وقد أمر عباده قاطبة أن لا يعبدوا إلا إياه ثم قال تعالى "ذلك الدين القيم" أي هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله وإخلاص العمل له هو الدين المستقيم الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان الذي يحبه ويرضاه "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" أي فلهذا كان أكثرهم مشركين "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقد قال ابن جريج : إنما عدل بهم يوسف عن تعبير الرؤيا إلى هذا لأنه عرف أنها ضارة لأحدهما فأحب أن يشغلهما بغير ذلك لئلا يعاودوه فيها فعاودوه فأعاد عليهم الموعظة وفي هذا الذي قاله نظر لأنه قد وعدهما أولا بتعبيرها ولكن جعل سؤالهما له على وجه التعظيم والاحترام وصلة وسببا إلى دعائهما إلى التوحيد والإسلام لما رأى في سجيتهما من قبول الخير والإقبال عليه والإنصات إليه ولهذا لما فرغ من دعوتهما شرع في تعبير رؤياهما من غير تكرار سؤال .
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه تستفتيان (41)
يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه قضي الأمر الذي فيه

"يقول لهما" يا صاحبي السجن أما أحدكما فيسقي ربه خمرا "وهو الذي رأى أنه يعصر خمرا ولكنه لم يعينه لئلا يحزن ذاك ولهذا أبهمه في قوله" وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من رأسه "وهو في نفس الأمر الذي رأى أنه يحمل فوق رأسه خبزا ثم أعلمهما أن هذا قد فرغ منه وهو واقع لا محالة لأن الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت وقال الثوري عن عمارة بن القعقاع عن إبراهيم بن عبد الله قال : لما قالا ما قالا وأخبرهما قالا ما رأينا شيئا فقال" قضي الأمر الذي فيه تستفتيان "ورواه محمد بن فضيل عن عمارة عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود به وكذا فسره مجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم وحاصله أن من تحلم بباطل وفسره فإنه يلزم بتأويله والله تعالى أعلم وقد ورد في الحديث الشريف الذي رواه الإمام أحمد عن معاوية بن حيدة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت وفي مسند أبي يعلى من طريق يزيد الرقاشي عن أنس مرفوعا الرؤيا لأول عابر ."
وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين (42)
وقال للذي ظن أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين
ولما ظن يوسف عليه السلام أن الساقي ناج قال له يوسف خفية

عن الآخر والله أعلم لئلا يشعره أنه المصلوب قال له "اذكرني عند ربك" يقول اذكر قصتي عند ربك وهو الملك فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه الملك بذلك وكان من جملة مكايد الشيطان لئلا يطلع نبي الله من السجن هذا هو الصواب أن الضمير في قوله "فأنساه الشيطان ذكر ربه" عائد على الناجي كما قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد ويقال إن الضمير عائد على يوسف عليه السلام رواه ابن جرير عن ابن عباس ومجاهد أيضا وعكرمة وغيرهم وأسند ابن جرير ههنا حديثا فقال : حدثنا ابن وكيع حدثنا عمرو بن محمد عن إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم لو لم يقل - يعني يوسف - الكلمة التي قال ما لبث في السجن طول ما لبث حيث يبتغي الفرج من عند غير الله

وهذا الحديث ضعيف جدا لأن سفيان بن وكيع ضعيف وإبراهيم بن يزيد هو الجوزي أضعف منه أيضا وقد روي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما وهذه المرسلات ههنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن والله أعلم وأما البضع فقال مجاهد وقتادة هو ما بين الثلاث إلى التسع وقال وهب بن منبه مكث أيوب في البلاء سبعا ويوسف في السجن سبعا وعذب بختنصر سبعا وقال الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما "فلبث في السجن بضع سنين" قال ثنتا عشرة سنة وقال الضحاك أربع عشرة سنة .
وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون (43)
وقال الملك إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات يا أيها الملأ أفتوني في رؤياي إن كنتم للرؤيا
هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززا مكرما وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته وتعجب من

أمرها وما يكون تفسيرها فجمع الكهنة والحادة وكبار دولته وأمراءه فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها فلم يعرفوا ذلك واعتذروا إليه بأنها "أضغاث أحلام" أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه "وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين" أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف من ذكر أمره للملك فعند ذلك تذكر بعد أمة أي مدة وقرأ بعضهم بعد أمه أي بعد نسيان فقال لهم أي للملك والذين جمعهم .
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين (44)
قالوا أضغاث أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين
هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببا لخروج يوسف عليه السلام من السجن معززا مكرما وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا فهالته وتعجب من أمرها وما يكون تفسيرها فجمع الكهنة والحادة وكبار دولته وأمراءه فقص عليهم ما رأى وسألهم عن تأويلها فلم يعرفوا ذلك واعتذروا إليه بأنها "أضغاث أحلام" أي أخلاط أحلام اقتضته رؤياك هذه "وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين" أي لو كانت رؤيا صحيحة من أخلاط لما كان لنا معرفة بتأويلها وهو تعبيرها فعند ذلك تذكر الذي نجا من ذينك الفتيين اللذين كانا في السجن مع يوسف وكان الشيطان قد أنساه ما وصاه به يوسف عليه السلام من ذكر أمره للملك فعند ذلك تذكر بعد أمة أي مدة وقرأ بعضهم بعد أمه أي بعد نسيان فقال لهم أي للملك والذين جمعهم .
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون (45)
وقال الذي نجا منهما وادكر بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلوني
لذلك "أنا أنبئكم بتأويله" أي بتأويل هذا المنام "فأرسلون أي فابعثون إلى يوسف الصديق إلى السجن ومعنى الكلام فبعثوه فجاء ."
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون (46)
يوسف أيها الصديق أفتنا في سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر يابسات لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون
فقال "يوسف أيها الصديق أفتنا" وذكر المنام الذي رآه الملك فعند ذلك ذكر له يوسف عليه السلام تعبيرها من غير تعنيف للفتى في نسيانه ما وصاه به ومن غير اشتراط للخروج قبل ذلك .
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون (47)
قال تزرعون سبع سنين دأبا فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون
بل قال "تزرعون سبع سنين دأبا" أي يأتيكم الخصب والمطر سبع سنين متواليات ففسر البقر بالسنين لأنها تثير الأرض التي تشتغل منها الثمرات والزروع وهن السنبلات الخضر ثم أرشدهم إلى ما يعتدونه في تلك السنين فقال "فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون" أي مهما استغللتم في هذه السبع السنين الخصب فادخروه في سنبله ليكون أبقى له وأبعد عن إسراع الفساد إليه إلا المقدار الذي تأكلونه وليكن قليلا قليلا لا تسرفوا فيه لتنتفعوا في السبع الشداد وهن السبع السنين المحل التي تعقب هذه السبع المتواليات وهن البقرات العجاف اللاتي تأكل السمان لأن سني الجدب يؤكل فيها ما جمعوه في سني الخصب وهن السنبلات اليابسات وأخبرهم أنهن لا ينبتن شيئا وما بذروه فلا يرجعون منه إلى شيء .
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون (48)
ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون
ولهذا قال "يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون"

ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا قال علي بن أبي طلحه عن ابن عباس "وفيه يعصرون" يحلبون .
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون (49)
ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون
ولهذا قال "يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا مما تحصنون" ثم بشرهم بعد الجدب العام المتوالي بأنه يعقبهم بعد ذلك عام فيه يغاث الناس أي يأتيهم الغيث وهو المطر وتغل البلاد ويعصر الناس ما كانوا يعصرون على عادتهم من زيت ونحوه وسكر ونحوه حتى قال بعضهم : يدخل فيه حلب اللبن أيضا قال علي بن أبي طلحه عن ابن عباس "وفيه يعصرون" يحلبون .
وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم (50)
وقال الملك ائتوني به فلما جاءه الرسول قال ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم
يقول تعالى إخبارا عن الملك لما رجعوا إليه بتعبير رؤياه التي كان رآها بما أعجبه وأيقنه فعرف فضل يوسف عليه السلام وعلمه وحسن اطلاعه على رؤياه وحسن أخلاقه على من ببلده من رعاياه فقال "ائتوني به" أي أخرجوه من السجن وأحضروه فلما جاءه الرسول بذلك امتنع من الخروج حتى يتحقق الملك ورعيته براءة ساحته ونزاهة عرضه مما نسب إليه من جهة امرأة العزيز وأن هذا السجن لم يكن على أمر يقتضيه بل كان ظلما وعدوانا فقال ارجع إلى ربك "الآية وقد وردت السنة بمدحه على ذلك والتنبيه على فضله وشرفه وعلو قدره وصبره"

صلوات الله وسلامه عليه ففي المسند والصحيحين من حديث الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال "رب أرني كيف تحيي الموتى" الآية ويرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي وفي لفظ لأحمد : حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله "فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن إن ربي بكيدهن عليم" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت لأسرعت الإجابة وما ابتغيت العذر وقال عبد الرزاق : أخبرنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبتهم حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت من يوسف وصبره وكرمه والله يغفر له حين أتاه الرسول ولو كنت مكانه لبادرتهم الباب ولكنه أراد أن يكون له العذر هذا حديث مرسل .
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين (51)
قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين
وقوله تعالى "قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف عن نفسه" إخبار عن الملك حين جمع النسوة اللاتي قطعن أيديهن عند امرأة العزيز فقال مخاطبا لهن كلهن وهو يريد امرأة وزيره وهو العزيز قال الملك للنسوة اللاتي قطعن أيديهن "ما خطبكن" أي شأنكن وخبركن "إذ راودتن يوسف عن"

نفسه "يعني يوم الضيافة" قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء "أي قالت النسوة جوابا للملك حاش لله أن يكون يوسف متهما والله ما علمنا عليه من سوء فعند ذلك" قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق "قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد : تقول الآن تبين الحق وظهر وبرز" أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين "أي في قوله" هي راودتني عن نفسي "."
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين (52)
ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين
"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" تقول إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ولا وقع المحذور الأكبر وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة "وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي" تقول المرأة ولست أبرئ نفسي فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته لأن "النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي" أي إلا من عصمه الله تعالى "إن ربي غفور رحيم" وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام وقد حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام أبو العباس رحمه الله فأفرده بتصنيف على حدة وقد قيل إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول "قال ليعلم أني لم أخنه في زوجته" بالغيب "الآيتين أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز" أني لم أخنه "في زوجته" بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين "الآية وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن"

عكرمة عن ابن عباس قال لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه ؟ "قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق"



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #293  
قديم 05-12-2025, 10:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة ىوسف .
من صـ 51 الى صــ 65
الحلقة (293)

الآية قال يوسف "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" فقال له جبريل عليه السلام : ولا يوم هممت بما هممت به ؟ فقال "وما أبرئ نفسي" الآية وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبي الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي والقول الأول أقوى وأظهر لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم بل بعد ذلك أحضره الملك .
وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم (53)
وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم
"ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" تقول إنما اعترفت بهذا على نفسي ليعلم زوجي أني لم أخنه بالغيب في نفس الأمر ولا وقع المحذور الأكبر وإنما راودت هذا الشاب مراودة فامتنع فلهذا اعترفت ليعلم أني بريئة "وأن الله لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي" تقول المرأة ولست أبرئ نفسي فإن النفس تتحدث وتتمنى ولهذا راودته لأن "النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي" أي إلا من عصمه الله تعالى "إن ربي غفور رحيم" وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام وقد حكاه الماوردي في تفسيره وانتدب لنصره الإمام أبو العباس رحمه الله فأفرده بتصنيف على حدة وقد قيل إن ذلك من كلام يوسف عليه السلام يقول "قال ليعلم أني لم أخنه في زوجته" بالغيب "الآيتين أي إنما رددت الرسول ليعلم الملك براءتي وليعلم العزيز" أني لم أخنه "في زوجته" بالغيب وأن الله لا يهدي كيد الخائنين" الآية وهذا القول هو الذي لم يحك ابن جرير ولا ابن أبي حاتم سواه قال ابن جرير : حدثنا أبو كريب حدثنا وكيع عن إسرائيل عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال لما جمع الملك النسوة فسألهن هل راودتن يوسف عن نفسه ؟ "قلن حاش لله ما علمنا عليه من سوء قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق" الآية قال يوسف "ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب" فقال له جبريل عليه السلام : ولا يوم هممت بما هممت به ؟ فقال " وما أبرئ نفسي "الآية وهكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير وعكرمة وابن أبى الهذيل والضحاك والحسن وقتادة والسدي والقول الأول أقوى وأظهر لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم بل بعد ذلك أحضره الملك ."
وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين (54)
وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي فلما كلمه قال إنك اليوم لدينا مكين أمين
يقول تعالى إخبارا عن الملك حين تحقق براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب إليه قال "ائتوني به أستخلصه لنفسي" أي أجعله من خاصتي وأهل مشورتي "فلما كلمه" أي خاطبه الملك وعرفه ورأى فضله وبراعته وعلم ما هو عليه من خلق وخلق وكمال قال له الملك "إنك اليوم لدينا مكين أمين" أي إنك عندنا قد بقيت ذا مكانة وأمانة .
قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم (55)
قال اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم
فقال يوسف عليه السلام "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" مدح نفسه ويجوز للرجل ذلك إذا جهل أمره للحاجة وذكر أنه "حفيظ" أي خازن أمين "عليم" ذو علم وبصيرة بما يتولاه وقال شيبة بن نعامة : حفيظ لما استودعتني عليم بسني الجدب رواه ابن أبي حاتم وسأل العمل لعلمه بقدرته عليه ولما فيه من المصالح للناس وإنما سأله
أن يجعله على خزائن الأرض وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها فيصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له .
وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين (56)
وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين
أي أرض مصر "يتبوأ منها حيث يشاء" قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم : يتصرف فيها كيف يشاء وقال ابن جرير : يتخذ منها منزلا حيث يشاء بعد الضيق والحبس والإسار "نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين" أي وما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز فلهذا أعقبه الله عز وجل السلام والنصر والتأييد "ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون" يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا كقوله في حق سليمان عليه السلام "هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب" والغرض أن يوسف عليه السلام ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته وأسلم الملك على يدي يوسف عليه السلام قال مجاهد وقال محمد بن إسحاق : لما قال يوسف للملك "اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم" قال الملك قد فعلت فولاه فيما ذكروا عمل أطفير وعزل أطفير عما كان عليه يقول الله عز وجل "وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين" قال فذكر لي والله أعلم

أن أطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة أطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال لها : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ قال فيزعمون أنها قالت أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين أفرايثيم بن يوسف وميشا بن يوسف وولد لأفرايثيم نون والد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب عليه السلام وقال الفضيل بن عياض وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته والملوك عبيدا بمعصيته .
ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون (57)
ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون
الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون "يخبر تعالى أن ما ادخره الله تعالى لنبيه يوسف عليه السلام في الدار الآخرة أعظم وأكثر وأجل مما خوله من التصرف والنفوذ في الدنيا كقوله في حق سليمان عليه السلام" هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب "والغرض أن يوسف عليه السلام ولاه ملك مصر الريان بن الوليد الوزارة في بلاد مصر مكان الذي اشتراه من مصر زوج التي راودته وأسلم الملك على يدي يوسف عليه السلام قال مجاهد وقال محمد بن إسحاق : لما قال يوسف للملك" اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم "قال الملك قد فعلت فولاه فيما ذكروا عمل أطفير وعزل أطفير عما كان عليه يقول الله عز وجل" وكذلك مكنا ليوسف في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين "قال فذكر لي والله أعلم أن أطفير هلك في تلك الليالي وأن الملك الريان بن الوليد زوج يوسف امرأة أطفير راعيل وأنها حين دخلت عليه قال لها : أليس هذا خيرا مما كنت تريدين ؟ قال فيزعمون أنها قالت أيها الصديق لا تلمني فإني كنت امرأة كما ترى حسناء جميلة ناعمة في ملك ودنيا وكان صاحبي لا يأتي النساء وكنت كما جعلك الله في حسنك وهيئتك على ما رأيت فيزعمون أنه وجدها عذراء فأصابها فولدت له رجلين أفرايثيم بن يوسف وميشا بن يوسف وولد لأفرايثيم نون والد يوشع بن نون ورحمة امرأة أيوب عليه السلام وقال الفضيل بن عياض وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مر يوسف فقالت : الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكا بطاعته والملوك عبيدا بمعصيته ."
وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون (58)
وجاء إخوة يوسف فدخلوا عليه فعرفهم وهم له منكرون
ذكر السدي ومحمد بن إسحاق وغيرهما من المفسرين أن السبب الذي أقدم إخوة يوسف بلاد مصر أن يوسف عليه السلام لما باشر الوزارة بمصر ومضت السبع سنين المخصبة ثم تلتها السبع السنين المجدبة وعم القحط بلاد مصر بكمالها ووصل إلى بلاد كنعان وهي التي فيها يعقوب عليه السلام وأولاده وحينئذ احتاط يوسف عليه السلام للناس في غلالهم وجمعها أحسن جمع فحصل من ذلك مبلغ عظيم وهدايا متعددة هائلة وورد عليه الناس من سائر الأقاليم والمعاملات يمتارون لأنفسهم وعيالهم فكان لا يعطي الرجل أكثر من حمل بعير في السنة وكان عليه السلام لا يشبع نفسه ولا يأكل هو والملك وجنودهما إلا أكلة واحدة في وسط النهار حتى يتكفأ الناس بما في أيديهم مدة السبع سنين وكان رحمة من الله على أهل مصر

وما ذكره بعض المفسرين من أنه باعهم في السنة الأولى بالأموال وفي الثانية بالمتاع وفي الثالثة بكذا وفي الرابعة بكذا حتى باعهم بأنفسهم وأولادهم بعدما تملك عليهم جميع ما يملكون ثم أعتقهم ورد عليهم أموالهم كلها الله أعلم بصحة ذلك وهو من الإسرائيليات التي لا تصدق ولا تكذب والغرض أنه كان في جملة من ورد للميرة إخوة يوسف عن أمر أبيهم لهم في ذلك فإنه بلغهم أن عزيز مصر يعطي الناس الطعام بثمنه فأخذوا معهم بضاعة يعتاضون بها طعاما وركبوا عشرة نفر واحتبس يعقوب عليه السلام عنده ابنه بنيامين شقيق يوسف عليه السلام وكان أحب ولده إليه بعد يوسف فلما دخلوا على يوسف وهو جالس في أبهته ورياسته وسيادته عرفهم حين نظر إليهم وهم له منكرون أي لا يعرفونه لأنهم فارقوه وهو صغير حدث وباعوه للسيارة ولم يدروا أين يذهبون به ولا كانوا يستشعرون في أنفسهم أن يصير إلى ما صار إليه فلهذا لم يعرفوه وأما هو فعرفهم فذكر السدي وغيره أنه شرع يخاطبهم فقال لهم كالمنكر عليهم ما أقدمكم بلادي ؟ فقالوا أيها العزيز إنا قدمنا للميرة قال فلعلكم عيون ؟ قالوا معاذ الله قال فمن أين أنتم ؟ قالوا من بلاد كنعان وأبونا يعقوب نبي الله قال وله أولاد غيركم ؟ قالوا نعم كنا اثني عشر فذهب أصغرنا هلك في البرية وكان أحبنا إلى أبيه وبقي شقيقه فاحتبسه أبوه ليتسلى به عنه فأمر بإنزالهم وإكرامهم .
ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين (59)
ولما جهزهم بجهازهم قال ائتوني بأخ لكم من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين
"ولما جهزهم بجهازهم" أي أوفى لهم كيلهم وحمل لهم أحمالهم قال ائتوني بأخيكم هذا الذي ذكرتم لأعلم صدقكم فيما ذكرتم "ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين" يرغبهم في الرجوع إليه ثم رهبهم .
فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون (60)
فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي ولا تقربون
فقال "فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي" الآية أي إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة "ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون" أي سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن ولا نبقي مجهودا لتعلم صدقنا فيما قلناه , وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم وفي هذا نظر لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا وهذا على رجوعهم .
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون (61)
قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون
فقال "فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم عندي" الآية أي إن لم تقدموا به معكم في المرة الثانية فليس لكم عندي ميرة "ولا تقربون قالوا سنراود عنه أباه وإنا لفاعلون" أي سنحرص على مجيئه إليك بكل ممكن ولا نبقي مجهودا لتعلم صدقنا فيما قلناه وذكر السدي أنه أخذ منهم رهائن حتى يقدموا به معهم وفي هذا نظر لأنه أحسن إليهم ورغبهم كثيرا وهذا على رجوعهم .
وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون (62)
وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم في رحالهم لعلهم يعرفونها إذا انقلبوا إلى أهلهم لعلهم يرجعون
وقال لفتيانه "أي غلمانه" اجعلوا بضاعتهم "أي التي قدموا بها"

ليمتاروا عوضا عنها "في رحالهم" أي في أمتعتهم من حيث لا يشعرون "لعلهم يرجعون" بها قيل خشي يوسف عليه السلام أن لا يكون عندهم بضاعة أخرى يرجعون للميرة بها وقيل تذمم أن يأخذ من أبيه وإخوته عوضا عن الطعام وقيل أراد أن يردهم إذا وجدوها في متاعهم تحرجا وتورعا لأنه يعلم ذلك منهم والله أعلم .
فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له لحافظون (63)
فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا يا أبانا منع منا الكيل فأرسل معنا أخانا نكتل وإنا له
يقول تعالى عنهم إنهم رجعوا إلى أبيهم "قالوا يا أبانا منع منا الكيل" يعنون بعد هذه المرة إن لم ترسل معنا أخانا بنيامين فأرسله معنا نكتل وإنا له لحافظون قرأ بعضهم بالياء أي يكتل هو "وإنا له لحافظون" أي لا تخف عليه فإنه سيرجع إليك وهذا كما قالوا له في يوسف "أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنا له لحافظون" .
قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين (64)
قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين
ولهذا قال لهم "هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل" أي هل أنتم صانعون به إلا كما صنعتم بأخيه من قبل تغيبونه عني وتحولون بيني وبينه ؟ "فالله خير حافظا" وقرأ بعضهم حفظا "وهو أرحم الراحمين" أي هو أرحم الراحمين بي وسيرحم كبري وضعفي ووجدي بولدي وأرجو من الله أن يرده علي ويجمع شملي به إنه أرحم الراحمين .
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل يسير (65)
ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم قالوا يا أبانا ما نبغي هذه بضاعتنا ردت إلينا ونمير أهلنا ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير ذلك كيل
يقول تعالى ولما فتح إخوة يوسف متاعهم وجدوا بضاعتهم ردت إليهم وهي التي كان أمر يوسف فتيانه بوضعها في رحالهم فلما وجدوها في متاعهم "قالوا يا أبانا ما نبغي" أي ماذا نريد "هذه بضاعتنا ردت إلينا" كما قال قتادة : ما نبغي وراء هذا إن بضاعتنا ردت إلينا وقد أوفى لنا الكيل "ونمير أهلنا" أي إذا أرسلت أخانا معنا نأتي بالميرة إلى أهلنا "ونحفظ أخانا ونزداد كيل بعير" وذلك أن يوسف عليه السلام كان يعطي كل رجل حمل بعير وقال مجاهد حمل حمار وقد يسمى في بعض اللغات بعيرا كذا قال "ذلك كيل يسير" هذا من تمام الكلام وتحسينه أي أن هذا يسير في مقابلة أخذ أخيهم ما يعدل هذا .
قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل (66)
قال لن أرسله معكم حتى تؤتون موثقا من الله لتأتنني به إلا أن يحاط بكم فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل
أي تحلفون بالعهود والمواثيق "لتأتنني به إلا أن يحاط بكم" إلا أن تغلبوا كلكم ولا تقدرون على تخليصه "فلما آتوه موثقهم" أكده عليهم فقال "الله على ما نقول وكيل" قال ابن إسحاق وإنما فعل ذلك لأنه لم يجد بدا منه لأجل الميرة التي لا غنى لهم عنها فبعثه معهم .
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون (67)
وقال يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل
يقول تعالى إخبارا عن يعقوب عليه السلام إنه أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنيامين

إلى مصر أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد وليدخلوا من أبواب متفرقة فإنه كما قال ابن عباس ومحمد بن كعب ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وغير واحد إنه خشي عليهم العين وذلك أنهم كانوا ذوي جمال وهيئة حسنة ومنظر وبهاء فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم فإن العين حق تستنزل الفارس عن فرسه وروى ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي في الآية في قوله "وادخلوا من أبواب متفرقة" قال علم أنه سيلقى إخوته في بعض تلك الأبواب .
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون (68)
ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وإنه لذو علم لما علمناه ولكن أكثر الناس لا يعلمون
وقوله "وما أغني عنكم من الله من شيء" أي أن هذا الاحتراز لا يرد قدر الله وقضاءه فإن الله إذا أراد شيئا لا يخالف ولا يمانع "إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ولما دخلوا من حيث أمرهم أبوهم ما كان يغني عنهم من الله من شيء إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها" قالوا هي دفع إصابة العين لهم "وإنه لذو علم لما علمناه" قال قتادة والثوري لذو علم بعلمه وقال ابن جرير لذو علم لتعليمنا إياه "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" .
ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون (69)
ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون
يخبر تعالى عن إخوة يوسف لما قدموا على يوسف ومعهم أخوه شقيقه بنيامين وأدخلهم دار كرامته ومنزل ضيافته وأفاض عليهم الصلة والألطاف والإحسان واختلى بأخيه فأطلعه على شأنه وما جرى له وعرفه أنه أخوه وقال له لا تبتئس أي لا تأسف على ما صنعوا بي وأمره بكتمان ذلك عنه وأن لا يطلعهم على ما أطلعه عليه من أنه أخوه وتواطأ معه أنه سيحتال على أن يبقيه عنده معززا مكرما معظما .
فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العيرإنكم لسارقون
لما جهزهم وحمل لهم أبعرتهم طعاما أمر بعض فتيانه أن يضع السقاية وهي إناء من فضة في قول الأكثرين وقيل من ذهب قال ابن زيد كان يشرب فيه ويكيل للناس به من عزة الطعام إذ ذاك قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد وقال شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس صواع الملك قال : كان من فضة يشربون فيه وكان مثل المكوك وكان للعباس مثله في الجاهلية فوضعها في متاع بنيامين من حيث لا يشعر أحد ثم نادى مناد بينهم "أيتها العير إنكم لسارقون" فالتفتوا إلى المنادي .
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون (71)
قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون
وقالوا "ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك" أي صاعه الذي يكيل به "ولمن جاء به حمل بعير" وهذا من باب الجعالة "وأنا به زعيم" وهذا من باب الضمان والكفالة .
قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم (72)
وقالوا "ماذا تفقدون قالوا نفقد صواع الملك" أي صاعه الذي يكيل به "ولمن جاء به حمل بعير" وهذا من باب الجعالة "وأنا به زعيم" وهذا من باب الضمان والكفالة .
)

قالوا تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين
لما اتهمهم أولئك الفتيان بالسرقة قال لهم إخوة يوسف "تالله لقد علمتم ما جئنا"

لنفسد في الأرض وما كنا سارقين "أي لقد تحققتم وعلمتم منذ عرفتمونا لأنهم شاهدوا منهم سيرة حسنة أنا" ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين "أي ليست سجايانا تقتضي هذه الصفة فقال لهم الفتيان ."
قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين (74)
قالوا فما جزاؤه إن كنتم كاذبين
فما جزاؤه "أي السارق إن كان فيكم" إن كنتم كاذبين أي أي شيء يكون عقوبته إن وجدنا فيكم من أخذه ؟ .
قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين (75)
قالوا جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه كذلك نجزي الظالمين
وهكذا كانت شريعة إبراهيم عليه السلام أن السارق يدفع إلى المسروق منه .
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم (76)
فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله نرفع درجات من نشاء وفوق كل ذي علم عليم
وهذا هو الذي أراد يوسف عليه السلام ولهذا بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه أي فتشها قبله تورية "ثم استخرجها من وعاء أخيه" فأخذه منهم بحكم اعترافهم والتزامهم إلزاما لهم بما يعتقدونه ولهذا قال تعالى "كذلك كدنا ليوسف" وهذا من الكيد المحبوب المراد الذي يحبه الله ويرضاه لما فيه من الحكمة والمصلحة المطلوبة وقوله "ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك" أي لم يكن له أخذه في حكم ملك مصر قاله الضحاك وغيره وإنما قيض الله له أن التزم له إخوته بما التزموه وهو كان يعلم ذلك من شريعتهم ولهذا مدحه الله تعالى فقال "نرفع درجات من نشاء" كما قال تعالى "يرفع الله الذين امنوا منكم" الآية "وفوق كل ذي علم عليم" قال الحسن البصري ليس عالم إلا فوقه عالم حتى ينتهي إلى الله عز وجل وكذا روى عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن عبد الأعلى الثعلبي عن سعيد بن جبير قال كنا عند ابن عباس فحدث بحديث عجيب فتعجب رجل فقال : الحمد لله فوق كل ذي علم عليم فقال ابن عباس بئس ما قلت الله العليم فوق كل عالم وكذا روى سماك عن عكرمة عن ابن عباس ""

وفوق كل ذي علم عليم "قال يكون هذا أعلم من هذا وهذا أعلم من هذا والله فوق كل عالم وهكذا قال عكرمة وقال قتادة : وفوق كل ذي علم عليم حتى ينتهي العلم إلى الله منه بدئ وتعلمت العلماء وإليه يعود وفي قراءة عبد الله وفوق كل عالم عليم ."
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون (77)
قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل فأسرها يوسف في نفسه ولم يبدها لهم قال أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون
وقال إخوة يوسف لما رأوا الصواع قد أخرج من متاع بنيامين "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل" يتنصلون إلى العزيز من التشبه به ويذكرون أن هذا فعل كما فعل أخ له من قبل يعنون به يوسف عليه السلام قال سعيد بن جبير عن قتادة كان يوسف عليه السلام قد سرق صنما لجده أبي أمه فكسره وقال محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي نجيح عن مجاهد قال كان أول ما دخل على يوسف من البلاء فيما بلغني أن عمته ابنة إسحاق وكانت أكبر ولد إسحاق وكانت عندها منطقة إسحاق وكانوا يتوارثونها بالكبر وكان من اختبأها ممن وليها كان له سلما لا ينازع فيه يصنع فيه ما يشاء وكان يعقوب حين ولد له يوسف قد حضنته عمته وكان لها به وله , فلم تحب أحدا حبها إياه حتى إذا ترعرع وبلغ سنوات تاقت إليه نفس يعقوب عليه السلام فأتاها فقال يا أخية سلمي إلي يوسف فوالله ما أقدر على أن يغيب عني ساعة

قالت فوالله ما أنا بتاركته ثم قالت : فدعه عندي أياما أنظر إليه وأسكن عنه لعل ذلك يسليني عنه أو كما قالت فلما خرج من عندها يعقوب عمدت إلى منطقة إسحاق فحزمتها على يوسف من تحت ثيابه ثم قالت فقدت منطقة إسحاق عليه السلام فانظروا من أخذها ومن أصابها ؟ فالتمست ثم قالت اكشفوا أهل البيت فكشفوهم فوجدوها مع يوسف فقالت والله إنه لي لسلم أصنع فيه ما شئت فأتاها يعقوب فأخبرته الخبر فقال لها أنت وذاك إن كان فعل ذلك فهو سلم لك ما أستطيع غير ذلك فأمسكته فما قدر عليه يعقوب حتى ماتت قال فهو الذي يقول إخوة يوسف حين صنع بأخيه ما صنع حين أخذه "إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل" وقوله فأسرها يوسف في نفسه "يعني الكلمة التي بعدها وهي قوله" أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون "أي تذكرون قال هذا في نفسه ولم يبده لهم وهذا من باب الإضمار قبل الذكر وهو كثير كقول الشاعر :"
جزى بنوه أبا الغيلان عن كبر ... وحسن فعل كما يجزى سنمار
وله شواهد كثيرة في القرآن والحديث واللغة في منثورها وأخبارها وأشعارها قال العوفي عن ابن عباس "فأسرها يوسف في نفسه" قال أسر في نفسه "أنتم شر مكانا والله أعلم بما تصفون" .
قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين (78)
لما تعين أخذ بنيامين وتقرر تركه عند يوسف بمقتضى اعترافهم شرعوا يترققون له ويعطفونه عليهم "فقالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا" يعنون وهو يحبه حبا شديدا ويتسلى به عن ولده الذي فقده "فخذ أحدنا مكانه" أي بدله يكون عندك عوضا عنه "إنا نراك من المحسنين" أي العادلين المنصفين القابلين للخير .
قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون (79)
"قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده" أي كما قلتم واعترفتم "إنا إذا لظالمون" أي إن أخذنا بريئا بسقيم .

فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين (80)
فلما استيأسوا منه خلصوا نجيا قال كبيرهم ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين
يخبر تعالى عن إخوة يوسف أنهم لما يئسوا من تخليص أخيهم بنيامين الذي قد التزموا لأبيهم برده إليه وعاهدوه على ذلك فامتنع عليهم ذلك "خلصوا" أي انفردوا عن الناس "نجيا" يتناجون فيما بينهم "قال كبيرهم" وهو روبيل وقيل يهوذا وهو الذي أشار عليهم بإلقائه في البئر عندما هموا بقتله قال لهم "ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله" لتردنه إليه فقد رأيتم كيف تعذر عليكم ذلك مع ما تقدم لكم من إضاعة يوسف عنه "فلن أبرح الأرض" أي لن أفارق هذه البلدة "حتى يأذن لي أبي" في الرجوع إليه راضيا عني "أو يحكم الله لي" قيل بالسيف وقيل بأن يمكنني من أخذ أخي "وهو خير الحاكمين" .
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب حافظين (81)
ارجعوا إلى أبيكم فقولوا يا أبانا إن ابنك سرق وما شهدنا إلا بما علمنا وما كنا للغيب
ثم أمرهم أن يخبروا أباهم بصورة ما وقع حتى يكون عذرا لهم عنده ويتنصلوا إليه ويبرءوا مما وقع بقولهم ما علمنا أن ابنك يسرق وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : ما علمنا في الغيب أنه سرق له شيئا إنما سألنا ما جزاء السارق .
واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها وإنا لصادقون (82)
"واسأل القرية التي كنا فيها" قيل المراد مصر قاله قتادة وقيل غيرها "والعير التي أقبلنا فيها" أي التي رافقناها عن صدقنا وأمانتنا وحفظنا وحراستنا

"وإنا لصادقون" فيما أخبرناك به من أنه سرق وأخذوه بسرقته .
قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم (83)
قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم
قال لهم كما قال لهم حين جاءوا على قميص يوسف بدم كذب "بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل" قال محمد بن إسحاق لما جاءوا يعقوب وأخبروه بما يجري اتهمهم فظن أنها كفعلتهم بيوسف قال "بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل" وقال بعض الناس لما كان صنيعهم هذا مرتبا على فعلهم الأول سحب حكم الأول عليه وصح قوله "بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل" ثم ترجى من الله أن يرد عليه أولاده الثلاثة يوسف وأخاه بنيامين وروبيل الذي أقام بديار مصر ينتظر أمر الله فيه إما أن يرضى عنه أبوه فيأمره بالرجوع إليه وإما أن يأخذ أخاه خفية ولهذا قال "عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم" أي العليم بحالي "الحكيم" في أفعاله وقضائه وقدره .
وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (84)
وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو
"وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف" أي أعرض عن بنيه وقال متذكرا حزن يوسف الأول "يا أسفى على يوسف" جدد له حزن الابنين الحزن الدفين قال عبد الرزاق أنا الثوري عن سفيان العصفري عن سعيد بن جبير أنه قال

لم يعط أحد غير هذه الأمة الاسترجاع ألا تسمعون إلى قول يعقوب عليه السلام "يا أسفى على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم" أي ساكت لا يشكو أمره إلى مخلوق قاله قتادة وغيره وقال الضحاك فهو كظيم كئيب حزين وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا حماد عن سلمة عن علي بن يزيد عن الحسن عن الأحنف بن قيس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن داود عليه السلام قال : يا رب إن بني إسرائيل يسألونك بإبراهيم وإسحاق ويعقوب فاجعلني لهم رابعا فأوحى الله تعالى إليه أن يا داود إن إبراهيم ألقي في النار بسببي فصبر وتلك بلية لم تنلك وإن إسحاق بذل مهجة دمه بسببي فصبر وتلك بلية لم تنلك وإن يعقوب أخذ منه حبه فابيضت عيناه من الحزن فصبر وتلك بلية لم تنلك وهذا مرسل وفيه نكارة فإن الصحيح أن إسماعيل هو الذبيح ولكن علي بن زيد بن جدعان له مناكير وغرائب كثيرة والله أعلم .
وأقرب ما في هذا أن الأحنف بن قيس رحمه الله حكاه عن بعض بني إسرائيل ككعب ووهب ونحوهما والله أعلم فإن بني إسرائيل ينقلون أن يعقوب كتب إلى يوسف لما احتبس أخاه بسبب السرقة يتلطف له في رد ابنه ويذكر له أنهم أهل بيت مصابون بالبلاء فإبراهيم ابتلي بالنار وإسحاق بالذبح ويعقوب بفراق يوسف في حديث طويل لا يصح والله أعلم فعند ذلك رق له بنوه وقالوا له على سبيل الرفق به والشفقة عليه .
قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين (85)
قالوا تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين
"تالله تفتؤ تذكر يوسف" أي لا تفارق تذكر يوسف "حتى تكون حرضا" أي ضعيف القوة "أو تكون من الهالكين" يقولون إن استمر بك هذا الحال خشينا عليك الهلاك والتلف .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #294  
قديم 05-12-2025, 10:41 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة ىوسف .
من صـ 66 الى صــ 80
الحلقة (294)



قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون (86)
"قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله" أي أجابهم عما قالوا بقوله "إنما أشكو"

بثي وحزني "أي همي وما أنا فيه" إلى الله "وحده" وأعلم من الله ما لا تعلمون "أي أرجو منه كل خير وعن ابن عباس" وأعلم من الله ما لا تعلمون "يعني رؤيا يوسف أنها صدق وأن الله لا بد أن يظهرها وقال العوفي عنه في الآية : أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وأني سوف أسجد له وقال ابن أبي حاتم حدثنا الحسن بن عرفة حدثنا يحيى بن عبد الملك بن أبي بحينة عن حفص بن عمر بن أبي الزبير عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ليعقوب النبي عليه السلام أخ مؤاخ له فقال له ذات يوم ما الذي أذهب بصرك وقوس ظهرك ؟ قال أما الذي أذهب بصري فالبكاء على يوسف وأما الذي قوس ظهري فالحزن على بنيامين فأتاه جبريل عليه السلام فقال يا يعقوب إن الله يقرئك السلام ويقول لك أما تستحيي أن تشكوني إلى غيري ؟ فقال يعقوب إنما أشكو بثي وحزني إلى الله فقال جبريل عليه السلام الله أعلم" بما تشكو ""

وهذا حديث غريب في نكارة .
يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيئسوا من روح الله إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون (87)
يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم
يقول تعالى مخبرا عن يعقوب عليه السلام إنه ندب بنيه على الذهاب في الأرض يستعلمون أخبار يوسف وأخيه بنيامين والتحسس يكون في الخير والتجسس يكون في الشر ونهضهم وبشرهم وأمرهم أن لا ييأسوا من روح الله أي لا يقطعوا رجاءهم وأملهم من الله فيما يرومونه ويقصدونه فإنه لا يقطع الرجاء ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون .
فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين (88)
فلما دخلوا عليه قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي
وقوله "فلما دخلوا عليه" تقدير الكلام : فذهبوا ودخلوا مصر ودخلوا على يوسف "قالوا يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر يعنون من الجدب والقحط وقلة الطعام" وجئنا ببضاعة مزجاة "أي ومعنا ثمن الطعام الذي نمتاره وهو ثمن قليل قاله مجاهد والحسن وغير واحد وقال ابن عباس الرديء لا ينفق مثل خلق الغرارة والحبل والشيء وفي رواية عنه الدراهم الرديئة التي لا تجوز إلا بنقصان وكذا قال قتادة والسدي وقال سعيد بن جبير : هي الدراهم الفسول وقال ابن صالح هو الصنوبر وحبة الخضراء وقال الضحاك فاسدة لا تنفق وقال أبو صالح جاءوا بحب البطم الأخضر"

والصنوبر وأصل الإزجاء الدفع لضعف الشيء كما قال حاتم طيئ
ليبك على ملحان ضيف مدافع ... وأرملة تزجي مع الليل أرملا
وقال أعشى بني ثعلبة
الواهب المائة الهجان وعبدها ... عوذا تزجي خلفها أطفالها
وقوله إخبارا عنهم "فأوف لنا الكيل" أي أعطنا بهذا الثمن القليل ما كنت تعطينا قبل ذلك وقرأ ابن مسعود : فأوقر ركابنا وتصدق علينا وقال ابن جريج وتصدق علينا برد أخينا إلينا وقال سعيد والسدي "وتصدق علينا" يقولون تصدق علينا بقبض هذه البضاعة المزجاة وتجوز فيها .
وسئل سفيان بن عيينة : هل حرمت الصدقة على أحد من الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال ألم تسمع قوله "فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين" ؟ رواه ابن جرير عن الحارث عن القاسم عنه وقال ابن جرير حدثنا الحارث حدثنا القاسم حدثنا مروان بن معاوية عن عثمان بن الأسود سمعت مجاهدا وسئل هل يكره أن يقول الرجل في دعائه : اللهم تصدق علي ؟ قال نعم إنما الصدقة لمن يبتغي الثواب .
قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون (89)

يقول تعالى مخبرا عن يوسف عليه السلام إنه لما ذكر له إخوته ما أصابهم من الجهد والضيق وقلة الطعام وعموم الجدب وتذكر أباه وما هو فيه من الحزن لفقد ولديه مع ما هو فيه من الملك والتصرف والسعة فعند ذلك أخذته رقة ورأفة ورحمة وشفقة على أبيه لإخوته وبدره البكاء فتعرف إليهم فيقال إنه رفع التاج عن جبهته وكان فيها شامة وقال "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون" أعني كيف فرقوا بينه وبين أخيه "إذ أنتم جاهلون" أي إنما حملكم على هذا الجهل بمقدار هذا الذي ارتكبتموه كما قال بعض السلف كل من عصى الله فهو جاهل وقرأ "ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة" الآية والظاهر والله أعلم أن يوسف عليه السلام إنما تعرف إليهم بنفسه بإذن الله تعالى له في ذلك كما أنه إنما أخفى منهم نفسه في المرتين الأوليين بأمر الله تعالى له في ذلك والله أعلم ولكن لما ضاق الحال واشتد الأمر فرج الله تعالى من ذلك الضيق كما قال تعالى "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا" .
قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين (90)
قالوا أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين
فعند ذلك قالوا "أئنك لأنت يوسف" وقرأ أبي بن كعب "إنك لأنت يوسف" وقرأ ابن محيصن "أنت يوسف" والقراءة المشهورة هي الأولى لأن الاستفهام يدل على الاستعظام أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام "أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف"

وهذا أخي "وقوله" قد من الله علينا "أي بجمعه بيننا بعد التفرقة وبعد المدة" إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا "الآية يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضا على قول من لم يجعلهم أنبياء وأقروا بأنهم أساءوا إليه واخطئوا في حقه ."
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين (91)
قالوا تالله لقد آثرك الله علينا وإن كنا لخاطئين
فعند ذلك قالوا "أئنك لأنت يوسف" وقرأ أبي بن كعب "إنك لأنت يوسف" وقرأ ابن محيصن "أنت يوسف" والقراءة المشهورة هي الأولى لأن الاستفهام يدل على الاستعظام أي أنهم تعجبوا من ذلك أنهم يترددون إليه من سنتين وأكثر وهم لا يعرفونه وهو مع هذا يعرفهم ويكتم نفسه فلهذا قالوا على سبيل الاستفهام "أئنك لأنت يوسف قال أنا يوسف وهذا أخي" وقوله "قد من الله علينا" أي بجمعه بيننا بعد التفرقة المدة "إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين قالوا تالله لقد آثرك الله علينا" الآية يقولون معترفين له بالفضل والأثرة عليهم في الخلق والخلق والسعة والملك والتصرف والنبوة أيضا على قول من لم يجعلهم أنبياء وأقروا بأنهم أساءوا إليه واخطئوا في حقه .
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين (92)
قال لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين
"قال لا تثريب عليكم اليوم" يقول أي لا تأنيب عليكم ولا عتب عليكم اليوم ولا أعيد عليكم ذنبكم في حقي بعد اليوم ثم زادهم الدعاء لهم بالمغفرة فقال "يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين" قال السدي اعتذروا إلى يوسف فقال "لا تثريب عليكم اليوم" يقول لا أذكر لكم ذنبكم وقال ابن إسحاق والثوري "لا تثريب عليكم" أي لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم "يغفر الله لكم" أي عليكم فيما فعلتم "وهو أرحم الراحمين" .
اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين (93)
اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين
يقول اذهبوا بهذا القميص "فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا" وكان قد عمي من كثرة البكاء "وأتوني بأهلكم أجمعين" أي بجميع بني يعقوب .
ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون (94)
ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون
أي خرجت من مصر "قال أبوهم" يعني يعقوب عليه السلام لمن بقي عنده من بنيه "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون" تنسبوني إلى الفند والكبر قال عبد الرزاق أنبأنا إسرائيل عن أبي سنان عن عبد الله بن أبي الهذيل قال

سمعت ابن عباس يقول : ولما فصلت العير قال لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون" قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام وكذا رواه سفيان الثوري وشعبة وغيرهما عن ابن سنان به وقال الحسن وابن جريج كان بينهما ثمانون فرسخا وكان بينه وبينه منذ افترقا ثمانون سنة وقوله "لولا أن تفندون" قال ابن عباس ومجاهد وعطاء وقتادة وسعيد بن جبير تسفهون وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون .
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم (95)
قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم
قال ابن عباس لفي خطئك القديم وقال قتادة أي من حب يوسف لا تنساه ولا تسلاه قالوا لوالدهم كلمة غليظة لم يكن ينبغي لهم أن يقولوها لوالدهم ولا لنبي الله صلى الله عليه وسلم وكذا قال السدي وغيره .
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون (96)
فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون
قال ابن عباس والضحاك "البشير" البريد وقال مجاهد والسدي كان يهوذا بن يعقوب

قال السدي إنما جاء به لأنه هو الذي جاء بالقميص وهو ملطخ بدم كذب فأحب أن يغسل ذلك بهذا فجاء بالقميص فألقاه على وجه أبيه فرجع بصيرا وقال لبنيه عند ذلك "ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون" أي أعلم أن الله سيرده إلي وقلت لكم "إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ."
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين (97)
قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا
فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له "يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم" أي من تاب إليه تاب عليه قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر وقال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دسار قال كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول : اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت وهذا السحر فاغفر لي قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله "سوف أستغفر لكم ربي" وقد ورد في الحديث أن ذلك كان ليلة الجمعة كما قال ابن جرير أيضا حدثني المثنى حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي حدثنا أبو الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "سوف أستغفر لكم ربي" يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي

يعقوب لبنيه وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والله أعلم .
قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم (98)
قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم
فعند ذلك قالوا لأبيهم مترفقين له "يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين قال سوف أستغفر لكم ربي إنه هو الغفور الرحيم" أي من تاب إليه تاب عليه قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم إلى وقت السحر وقال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن إسحاق يذكر عن محارب بن دسار قال كان عمر رضي الله عنه يأتي المسجد فيسمع إنسانا يقول : اللهم دعوتني فأجبت وأمرتني فأطعت وهذا السحر فاغفر لي قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر بقوله "سوف أستغفر لكم ربي" وقد ورد في الحديث إن ذلك كان ليلة الجمعة كما قال ابن جرير أيضا حدثني المثنى حدثنا سليمان بن عبد الرحمن أبو أيوب الدمشقي حدثنا أبو الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "سوف أستغفر لكم ربي" يقول حتى تأتي ليلة الجمعة وهو قول أخي يعقوب لبنيه وهذا غريب من هذا الوجه وفي رفعه نظر والله أعلم .
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين (99)
فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين
يخبر تعالى عن ورود يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام وقدومه بلاد مصر لما كان يوسف قد تقدم لإخوته أن يأتوه بأهلهم أجمعين فتحملوا عن آخرهم وترحلوا من بلاد كنعان قاصدين بلاد مصر فلما أخبر يوسف عليه السلام باقترابهم خرج لتلقيهم وأمر الملك أمراءه وأكابر الناس بالخروج مع يوسف لتلقي نبي الله يعقوب عليه السلام ويقال إن الملك خرج أيضا لتلقيه وهو الأشبه وقد أشكل قوله "آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر" على كثير من المفسرين

فقال بعضهم هذا من المقدم والمؤخر ومعنى الكلام "وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" وأوى إليه أبويه ورفعهما على العرش ورد ابن جرير هذا وأجاد في ذلك ثم اختار ما حكاه عن السدي أن يوسف آوى إليه أبويه لما تلقاهما ثم لما وصلوا باب البلد قال "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين" وفي هذا نظر أيضا لأن الإيواء إنما يكون في المنزل كقوله "آوى إليه أخاه" وفي الحديث "من أوى محدثا" .
وما المانع أن يكون قال لهم بعدما دخلوا عليه وآواهم إليها ادخلوا مصر وضمنه اسكنوا مصر إن شاء الله آمنين أي مما كنتم فيه من الجهد والقحط ؟ ويقال والله أعلم إن الله تعالى رفع عن أهل مصر بقية السنين المجدبة ببركة قدوم يعقوب عليهم كما رفع بقية السنين التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل مكة حين قال اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف ثم لما تضرعوا إليه واستشفعوا لديه وأرسلوا أبا سفيان في ذلك فدعا لهم فرفع عنهم بقية ذلك ببركة دعائه عليه السلام وقوله "آوى إليه أبويه" قال السدي وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم إنما كان أبوه وخالته وكانت أمه قد ماتت قديما وقال محمد بن إسحاق وابن جرير كان أبوه وأمه يعيشان قال ابن جرير ولم يقم دليل على موت أمه وظاهر القرآن يدل على حياتها وهذا الذي نصره هو المنصور الذي يدل عليه السياق .

ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم (100)
ورفع أبويه على العرش وخروا له سجدا وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم
وقوله "ورفع أبويه على العرش" قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد يعني السرير أي أجلسهما معه على سريره "وخروا له سجدا" أي سجد له أبواه وإخوته الباقون وكانوا أحد عشر رجلا "وقال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل" أي التي كان قصها على أبيه من قبل "إني رأيت أحد عشر كوكبا" الآية وقد كان هذا سائغا في شرائعهم إذا سلموا على الكبير يسجدون له ولم يزل هذا جائزا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام فحرم هذا في هذه الملة وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى هذا مضمون قول قتادة وغيره وفي الحديث أن معاوية قدم الشام فوجدهم يسجدون لأساقفتهم فلما رجع سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذا يا معاذ ؟ فقال إني رأيتهم يسجدون لأساقفتهم وأنت أحق أن يسجد لك يا رسول الله فقال لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها لعظم حقه عليها وفي حديث آخر : أن سلمان لقي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض طرق المدينة وكان سلمان حديث عهد بالإسلام فسجد للنبي صلى الله عليه وسلم فقال لا تسجد لي يا سلمان واسجد للحي الذي لا يموت والغرض أن هذا كان جائزا في شريعتهم ولهذا خروا له سجدا فعندها قال يوسف "يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا" أي هذا ما آل إليه الأمر

فإن التأويل يطلق على ما يصير إليه الأمر كما قال تعالى "هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله" أي يوم القيامة يأتيهم ما وعدوا به من خير وشر وقوله "قد جعلها ربي حقا" أي صحيحة صدقا يذكر نعم الله عليه "وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو" أي البادية قال ابن جريج وغيره كانوا أهل بادية وماشية وقال كانوا يسكنون بالعربات من أرض فلسطين من غور الشام قال وبعض يقول كانوا بالأولاج من ناحية شعب أسفل من حسمى وكانوا أصحاب بادية وشاء وإبل "من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء" أي إذا أراد أمرا قيض له أسبابا وقدره ويسره "إنه هو العليم" بمصالح عباده الحكيم "في أقواله وأفعاله وقضائه وقدره وما يختاره ويريده قال أبو عثمان النهدي عن سليمان كان بين رؤيا يوسف وتأويلها أربعون سنة قال عبد الله بن شداد وإليها ينتهي قص الرؤيا رواه ابن جرير وقال أيضا حدثنا عمر بن علي حدثنا عبد الوهاب الثقفي حدثنا هشام عن الحسن قال"
كان منذ فارق يوسف يعقوب إلى أن التقيا ثمانون سنة لم يفارق الحزن قلبه ودموعه تجري على خديه وما على وجه الأرض عبد أحب إلى الله من

يعقوب وقال هشيم عن يونس عن الحسن ثلاث وثمانون سنة وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقي يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة فغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة فمات وله عشرون ومائة وقال قتادة كان بينهما خمس وثلاثون سنة وقال محمد بن إسحاق : ذكر والله أعلم أن غيبة يوسف عن يعقوب كانت ثماني عشرة سنة قال وأهل الكتاب يزعمون أنها كانت أربعين سنة أو نحوها وأن يعقوب عليه السلام بقي مع يوسف بعد أن قدم عليه مصر سبع عشرة سنة ثم قبضه الله إليه وقال أبو إسحاق السبيعي عن أبي عبيدة عن عبد الله بن مسعود قال : دخل بنو إسرائيل مصر وهم ثلاثة وستون إنسانا وخرجوا منها وهم ستمائة ألف وسبعون ألفا وقال أبو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلثمائة وتسعون بين رجل وامرأة فالله أعلم وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب القرظي عن عبد الله بن شداد اجتمع آل يعقوب إلى يوسف بمصر وهم ست وثمانون إنسانا صغيرهم وكبيرهم وذكرهم وأنثاهم وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ونيف .

رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين (101)
رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين
هذا دعاء من يوسف الصديق دعا به ربه عز وجل لما تمت نعمة الله عليه باجتماعه بأبويه وأخويه وما من الله به عليه من النبوة والملك سأل ربه عز وجل كما أتم نعمته عليه في الدنيا أن يستمر بها عليه في الآخرة وأن يتوفاه مسلما حين يتوفاه قاله الضحاك وأن يلحقه بالصالحين وهم إخوته من النبيين والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهذا الدعاء يحتمل أن يوسف عليه السلام قاله عند احتضاره كما ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يرفع أصبعه عند الموت ويقول اللهم في الرفيق الأعلى ثلاثا ويحتمل أنه سأل الوفاة على الإسلام واللحاق بالصالحين إذا جاء أجله وانقضى عمره لا أنه سأله ذلك منجزا كما يقول الداعي لغيره أماتك الله على الإسلام ويقول الداعي اللهم أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين ويحتمل أنه سأل ذلك منجزا وكان ذلك سائغا في ملتهم كما قال قتادة قوله "توفني مسلما وألحقني بالصالحين" لما جمع الله شمله وأقر عينه وهو يومئذ مغمور

في الدنيا وملكها ونضارتها اشتاق إلى الصالحين قبله وكان ابن عباس يقول ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف عليه السلام وكذا ذكر ابن جرير والسدي عن ابن عباس أنه أول نبي دعا بذلك وهذا يحتمل أنه أول من سأل الوفاة على الإسلام كما أن نوحا أول من قال "رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا" ويحتمل أنه أول من سأل إنجاز ذلك وهو ظاهر سياق قول قتادة ولكن هذا لا يجوز في شريعتنا قال الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان ولا بد متمنيا الموت فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وأخرجاه في الصحيحين وعندهما لا يتمنين أحدكم الموت بضر نزل به إن كان محسنا فيزداد وإن كان مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي وقال الإمام أحمد حدثنا أبو المغيرة حدثنا معاذ بن رفاعة حدثني علي بن
يزيد عن القاسم عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ورققنا فبكى سعد بن أبي وقاص
فأكثر البكاء وقال يا ليتني مت فقال النبي صلى الله عليه وسلم يا سعد أعندي تتمنى الموت ؟ فردد ذلك ثلاث مرات ثم قال يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك وحسن من عملك فهو خير لك وقال الإمام أحمد حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس هو مسلم بن جبير عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به ولا يدع به من قبل أن يأتيه إلا أن يكون قد وثق بعمله فإنه إذا مات أحدكم انقطع عنه عمله لأنه لا يزيد المؤمن عمله إلا خيرا تفرد به أحمد وهذا فيما إذا كان الضر خاصا به وأما إذا كان فتنة في الدين فيجوز سؤال الموت كما قال الله تعالى إخبارا عن السحرة لما أرادهم فرعون عن دينهم وتهددهم بالقتل "قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين" وقالت مريم لما جاءها المخاض وهو الطلق إلى جذع النخلة "يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا" لما علمت من أن الناس يقذفونها بالفاحشة لأنها لم تكن ذات زوج وقد حملت ووضعت وقد قالوا "يا مريم لقد جئت شيئا فريا يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا" فجعل الله لها من ذلك الحال فرجا ومخرجا وأنطق الصبي في المهد بأنه عبد الله ورسوله فكان آية عظيمة ومعجزة باهرة صلوات الله وسلامه عليه




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #295  
قديم 05-12-2025, 10:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة ىوسف .
من صـ 81 الى صــ 95
الحلقة (295)






وفي حديث معاذ الذي رواه الإمام أحمد والترمذي في قصة المنام والدعاء الذي فيه وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون وقال الإمام أحمد حدثنا أبو سلمة أنا عبد العزيز بن محمد عن عمرو بن عاصم عن كثير بن قتادة عن محمود بن لبيد مرفوعا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اثنتان يكرههما ابن آدم : يكره الموت والموت خير للمؤمن من الفتن ويكره قلة المال وقلة المال أقل للحساب فعند حلول الفتن في الدين يجوز سؤال الموت ولهذا قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في آخر خلافته لما رأى أن الأمور لا تجتمع له ولا يزداد الأمر إلا شدة فقال : اللهم خذني إليك فقد سئمتهم وسئموني وقال البخاري رحمه الله لما وقعت له تلك الفتنة وجرى له مع أمير خراسان ما جرى قال : اللهم توفني إليك وفي الحديث إن الرجل ليمر بالقبر أي في زمان الدجال فيقول يا ليتني مكانك لما يرى من الفتن والزلازل والبلابل والأمور الهائلة التي هي فتنة لكل مفتون قال أبو جعفر بن جرير : وذكر أن بني
يعقوب الذين فعلوا بيوسف ما فعلوا استغفر لهم

أبوهم فتاب الله عليهم وعفا عنهم وغفر لهم ذنوبهم .
"ذكر من قال ذلك" حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثني حجاج عن صالح المري عن يزيد الرقاع عن أنس بن مالك قال إن الله تعالى لما جمع ليعقوب شمله ببنيه خلا ولده نجيا فقال بعضهم لبعض ألستم قد علمتم ما صنعتم وما لقي منكم الشيخ وما لقي منكم يوسف ؟ قالوا بلى قال فيغركم عفوهما عنكم فكيف لكم بربكم ؟ فاستقام أمرهم على أن أتوا الشيخ فجلسوا بين يديه ويوسف إلى جنب أبيه قاعد قالوا يا أبانا إنا أتيناك لأمر لم نأتك لأمر مثله قط ونزل بنا أمر لم ينزل بنا مثله قط حتى حركوه والأنبياء عليهم السلام أرحم البرية فقال ما لكم يا بني ؟ قالوا ألست قد علمت ما كان منا إليك وما كان منا إلى أخينا يوسف ؟ قال بلى قالوا أولستما قد غفرتما لنا ؟ قالا بلى قالوا فإن عفوكما لا يغني عنا شيئا إن كان الله لم يعف عنا قال فما تريدون يا بني ؟ قالوا نريد أن تدعو الله لنا فإذا جاءك الوحي من الله بأنه قد عفا عنا قرت أعيننا واطمأنت قلوبنا وإلا فلا قرة عين في الدنيا لنا أبدا قال فقام الشيخ فاستقبل القبلة وقام يوسف خلف أبيه وقاموا خلفهما أذلة خاشعين قال فدعا وأمن يوسف فلم يجب فيهم عشرين سنة قال صالح المري يخيفهم قال حتى إذا كان على رأس العشرين نزل جبريل عليه السلام على يعقوب عليه السلام فقال إن الله تعالى قد بعثني إليك أبشرك بأنه قد أجاب دعوتك في ولدك وأن الله تعالى قد عفا عما صنعوا وأنه قد اعتقد مواثيقهم من بعدك على النبوة هذا الأثر موقوف عن أنس ويزيد الرقاشي وصالح المري ضعيفان جدا

وذكر السدي أن يعقوب عليه السلام لما حضره الموت أوصى إلى يوسف بأن يدفن عند إبراهيم وإسحاق فلما مات صبره وأرسله إلى الشام فدفن عندهما عليه السلام .
ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (102)
ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون
يقول تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قص عليه نبأ إخوة يوسف وكيف رفعه الله عليهم وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة "نوحيه إليك" ونعلمك به يا محمد لما فيه من العبرة لك والاتعاظ لمن خالفك "وما كنت لديهم" حاضرا عندهم ولا مشاهدا لهم "إذ أجمعوا أمرهم" أي على إلقائه في الجب "وهم يمكرون" به ولكنا أعلمناك به وحيا إليك وإنزالا عليك كقوله "وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم" الآية وقال تعالى "وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر" الآية إلى قوله "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا" الآية وقال "وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا" الآية وقال "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين" يقول تعالى إنه رسوله وإنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم ومع هذا ما آمن أكثر الناس ولهذا قال "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقال "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" كقوله "إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين" إلى غير ذلك من الآيات .
وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (103)
وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين
يقول تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم لما قص عليه نبأ إخوة يوسف وكيف رفعه الله عليهم وجعل له العاقبة والنصر والملك والحكم مع ما أرادوا به من السوء والهلاك والإعدام هذا وأمثاله يا محمد من أخبار الغيوب السابقة "نوحيه إليك" ونعلمك به يا محمد لما فيه من العبرة لك والاتعاظ لمن خالفك "وما كنت لديهم" حاضرا عندهم ولا مشاهدا لهم "إذ أجمعوا أمرهم" أي على إلقائه في الجب "وهم يمكرون" به ولكنا أعلمناك به وحيا إليك وإنزالا عليك كقوله "وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم" الآية وقال تعالى "وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر" الآية إلى قوله "وما كنت بجانب الطور إذ نادينا" الآية وقال "وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا" الآية وقال "ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون إن يوحى إلي أنما أنا نذير مبين" يقول تعالى إنه رسوله وإنه قد أطلعه على أنباء ما قد سبق مما فيه عبرة للناس ونجاة لهم في دينهم ودنياهم ومع هذا ما آمن أكثر الناس ولهذا قال "وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين" وقال "وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله" كقوله "إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين" إلى غير ذلك من الآيات .
وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين (104)
وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين
وقوله "وما تسألهم عليه من أجر" أي ما تسألهم يا محمد على هذا النصح والدعاء إلى الخير والرشد من أجر أي من جعالة ولا أجرة بل تفعله ابتغاء


وجه الله ونصحا لخلقه "إن هو إلا ذكر للعالمين" أي يتذكرون به ويهتدون وينجون به في الدنيا والآخرة .
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون (105)
وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون
يخبر تعالى عن غفلة أكثر الناس عن التفكر في آيات الله ودلائل توحيده بما خلقه الله في السموات والأرض من كواكب زاهرات ثوابت وسيارات وأفلاك دائرات والجميع مسخرات , وكم في الأرض من قطع متجاورات وحدائق وجنات وجبال راسيات وبحار زاخرات وأمواج متلاطمات وقفار شاسعات وكم من أحياء وأموات وحيوان ونبات وثمرات متشابهة ومختلفات في الطعوم والروائح والألوان والصفات فسبحان الواحد الأحد خالق أنواع المخلوقات المتفرد بالدوام والبقاء والصمدية للأسماء والصفات وغير ذلك .
وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (106)
وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون
وقوله "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" قال ابن عباس : من إيمانهم أنهم إذا قيل لهم : من خلق السموات ومن خلق الأرض ومن خلق الجبال ؟ قالوا الله وهم مشركون به وكذا قال مجاهد وعطاء وعكرمة والشعبي وقتادة والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وفي الصحيحين : أن المشركين كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك

لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك وفي صحيح مسلم أنهم كانوا إذا قالوا لبيك لا شريك لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قد أي حسب حسب لا تزيدوا على هذا , وقال الله تعالى "إن الشرك لظلم عظيم" وهذا هو الشرك الأعظم يعبد مع الله غيره كما في الصحيحين عن ابن مسعود قلت يا رسول الله : أي الذنب أعظم ؟ قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك وقال الحسن البصري في قوله "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" قال ذلك المنافق يعمل إذا عمل رياء الناس وهو مشرك بعمله ذلك يعني قوله تعالى "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا" وثم شرك آخر خفي لا يشعر به غالبا فاعله كما روى حماد بن سلمة عن عاصم بن أبي النجود عن عروة قال : دخل حذيفة على مريض فرأى في عضده سيرا فقطعه أو انتزعه ثم قال "وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون" وفي الحديث من حلف بغير الله فقد أشرك رواه الترمذي وحسنه من رواية ابن عمر

وفي الحديث الذي رواه أحمد وأبو داود وغيره عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إن الرقى والتمائم والتولة شرك وفي لفظ لهما الطيرة شرك وما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل ورواه الإمام أحمد بأبسط من هذا فقال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن عمرو بن مرة عن يحيى الجزار عن ابن أخي زينب عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود قالت : كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه قالت لأنه جاء ذات يوم فتنحنح وعندي عجوز

ترقيني من الحمرة فأدخلتها تحت السرير قالت فدخل فجلس إلى جانبي فرأى في عنقي خيطا فقال : ما هذا الخيط ؟ قالت : قلت خيط رقى لي فيه فأخذه فقطعه ثم قال إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن الرقى والتمائم والتولة شرك قالت : قلت له لم تقول هذا
وقد كانت عيني تقذف فكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيها فكان إذا رقاها سكنت ؟ فقال إنما ذاك من الشيطان كان ينخسها بيده فإذا رقاها كف عنها إنما كان يكفيك أن تقولي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم أذهب البأس رب الناس اشف وأنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما وفي حديث آخر رواه الإمام أحمد عن وكيع عن ابن أبي ليلى عن عيسى بن عبد الرحمن قال دخلت على عبد الله بن حكيم وهو مريض نعوده فقيل له لو تعلقت شيئا فقال أتعلق شيئا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من تعلق

شيئا وكل إليه ورواه النسائي عن أبي هريرة وفي مسند الإمام أحمد من حديث عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من علق تميمة فقد أشرك وفي رواية من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له وعن العلاء عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه رواه مسلم وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم لا ريب فيه ينادي مناد : من كان أشرك في عمل

عمله لله فليطلب ثوابه من عند غير الله فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك رواه الإمام أحمد وقال أحمد حدثنا يونس حدثنا ليث عن يزيد يعني ابن الهادي عن عمرو عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قالوا وما الشرك الأصغر يا رسول الله ؟ قال الرياء يقول الله تعالى يوم القيامة إذا جازى الناس بأعمالهم اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء ؟ وقد رواه إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب عن عاصم بن عمرو عن قتاده عن محمود بن لبيد به

وقال الإمام أحمد حدثنا حسن أنبأنا ابن لهيعة أنبأنا ابن هبيرة عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ردته الطيرة عن حاجته فقد أشرك قالوا يا رسول الله ما كفارة ذلك ؟ قال أن يقول أحدهم اللهم لا خير إلا خيرك ولا طير إلا طيرك ولا إله غيرك وقال الإمام أحمد حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي عن أبي علي رجل من بني كاهل قال : خطبنا
أبو موسى الأشعري فقال : يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقام عبد الله بن حرب وقيس بن المضارب فقالا والله لتخرجن مما قلت أو لآتين عمر مأذونا لنا أو غير مأذون قال بل أخرج مما قلت خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم فقال يا أيها الناس اتقوا هذا الشرك فإنه أخفى من دبيب النمل فقال له من شاء الله أن يقول فكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله ؟ قال قولوا اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك بك شيئا نعلمه ونستغفرك لما لا نعلمه وقد روي من وجه آخر وفيه أن السائل في ذلك هو الصديق كما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي من حديث عبد العزيز بن مسلم عن ليث بن أبي سليم عن أبي


محمد عن معقل بن يسار قال شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أو قال حدثني أبو بكر الصديق عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال الشرك أخفى فيكم من دبيب النمل فقال أبو بكر وهل الشرك إلا من دعا مع الله إلها آخر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك فيكم أخفى من دبيب النمل ثم قال ألا أدلكم على ما يذهب عنك صغير ذلك وكبيره ؟ قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك مما لا أعلم وقد رواه الحافظ أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ عن يحيى بن أبي كثير عن الثوري عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم عن أبي بكر الصديق قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرك أخفى في أمتي من دبيب النمل على الصفا قال : فقال أبو بكر يا رسول الله فكيف النجاة والمخرج من ذلك ؟ فقال ألا أخبرك بشيء إذا قلته برئت من قليله وكثيره وصغيره وكبيره ؟ قال بلى يا رسول الله قال : قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم قال الدارقطني يحيى بن أبي كثير هذا يقال له أبو النضر متروك الحديث وقد روى الإمام أحمد والترمذي وصححه والنسائي من حديث يعلى بن عطاء سمعت عمرو بن عاصم سمعت أبا هريرة قال أبو بكر الصديق

يا رسول الله علمني شيئا أقوله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعي قال قل : اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة رب كل شيء ومليكه أشهد أن لا إله إلا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان وشركه رواه أبو داود والنسائي وصححه وزاد الإمام أحمد في رواية له من حديث ليث من أبي سليم عن مجاهد عن أبي بكر الصديق قال : أمرني رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن أقول - فذكر هذا الدعاء وزاد في آخره وأن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم .
أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون (107)
أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون
وقوله "أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله" الآية : أي أفأمن هؤلاء المشركون بالله أن يأتيهم أمر يغشاهم من حيث لا يشعرون كقوله تعالى "أفأمن الذين مكروا أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون أو يأخذهم في تقلبهم فما هم بمعجزين أو يأخذهم على تخوف فإن ربكم لرءوف رحيم" وقوله أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون "أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" .
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين (108)
قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين
يقول تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الجن والإنس آمرا له أن يخبر الناس أن هذه سبيله أي طريقته ومسلكه وسنته وهي الدعوة إلى شهادة

أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يدعو إلى الله بها على بصيرة من ذلك ويقين وبرهان وكل من اتبعه يدعو إلى ما دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم على بصيرة ويقين وبرهان عقلي وشرعي , وقوله "وسبحان الله" أي وأنزه الله وأجله وأعظمه وأقدسه عن أن يكون له شريك أو نظير أو عديل أو نديد أو ولد أو والد أو صاحبة أو وزير أو مشير تبارك وتقدس وتنزه وتعالى عن ذلك كله علوا كبيرا "تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا" .
وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون (109)
وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ولدار الآخرة خير للذين اتقوا أفلا تعقلون
يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء وهذا قول جمهور العلماء كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة إن الله تعالى لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع وزعم بعضهم أن سارة امرأة الخليل وأم موسى ومريم بنت عمران أم عيسى نبيات واحتجوا بأن الملائكة بشرت سارة بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب وبقوله "وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه" الآية وبأن الملك جاء إلى مريم وبشرها بعيسى عليه السلام وبقوله تعالى "إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين" وهذا القدر حاصل لهن ولكن لا يلزم من هذا أن يكن نبيات بذلك فإن أراد القائل بنبوتهن هذا القدر من التشريف فهذا لا شك فيه ويبقى الكلام معه في أن هذا هل

يكفي في الانتظام في سلك النبوة بمجرده أم لا ؟ الذي عليه أهل السنة والجماعة وهو الذي نقله الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري عنهم أنه ليس في النساء نبية وإنما فيهن صديقات كما قال تعالى مخبرا عن أشرفهن مريم بنت عمران حيث قال تعالى "ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام" فوصفها في أشرف مقاماتها بالصديقة فلو كانت نبية لذكر ذلك في مقام التشريف والإعظام فهي صديقة بنص القرآن وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله "وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا" الآية أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم وهذا القول من ابن عباس يعتضد بقوله تعالى "وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق" الآية وقوله تعالى "وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين" وقوله تعالى "قل ما كنت بدعا من الرسل" الآية وقوله من أهل القرى "المراد بالقرى المدن لا أنهم من أهل البوادي الذين هم من أجفى الناس طباعا وأخلاقا وهذا هو المعهود المعروف أن أهل المدن أرق طباعا وألطف من أهل بواديهم وأهل الريف والسواد أقرب حالا من الذين يسكنون في البوادي ولهذا قال تعالى" الأعراب أشد كفرا ونفاقا "الآية وقال قتادة في قوله" من أهل القرى "لأنهم أعلم وأحلم من أهل العمور وفي الحديث الآخر أن رجلا من الأعراب أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة"
فلم يزل يعطيه ويزيده حتى رضي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد هممت أن لا أتهب هبة إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دوسي

وقال الإمام أحمد حدثنا حجاج حدثنا شعبة عن الأعمش عن يحيى بن وثاب عن شيخ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الأعمش هو عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم وقوله "أفلم يسيروا في الأرض" يعني هؤلاء المكذبين لك يا محمد في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم "أي من الأمم المكذبة للرسل كيف دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها" الآية فإذا استمعوا خبر ذلك رأوا أن الله قد أهلك الكافرين ونجى المؤمنين وهذه كانت سنته تعالى في خلقه ولهذا قال تعالى "ولدار الآخرة خير للذين اتقوا" أي وكما نجينا المؤمنين في الدنيا كذلك كتبنا لهم النجاة في الدار الآخرة وهي خير لهم من الدنيا بكثير كقوله "إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار"


وأضاف الدار إلى الآخرة فقال "ولدار الآخرة" كما يقال صلاة الأولى ومسجد الجامع وعام أول و بارحة الأولى ويوم الخميس ; قال الشاعر
أتمدح فقعسا وتذم عبسا ... ألا الله أمك من هجين
ولو أقوت عليك ديار عبس ... عرفت الذل عرفان اليقين
حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين (110)
حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين
يذكر تعالى أن نصره ينزل على رسله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عند ضيق الحال وانتظار الفرج من الله في أحوج الأوقات إلى ذلك كقوله تعالى "زلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله" الآية وفي قوله "كذبوا" قراءتان إحداهما بالتشديد قد كذبوا وكذلك كانت عائشة رضي الله عنها تقرؤها قال البخاري حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد بن صالح عن ابن شهاب قال أخبرني عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت له وهو يسألها عن قول الله تعالى "حتى إذا استيأس الرسل" قال : قلت أكذبوا أم كذبوا ؟ قالت عائشة كذبوا قلت فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن ؟ قالت أجل لعمري لقد استيقنوا بذلك فقلت لها "وظنوا أنهم قد كذبوا" قالت معاذ الله لم تكن الرسل تظن ذلك بربها قلت فما هذه الآية ؟ قالت هم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم وصدقوهم فطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر "حتى إذا استيأس الرسل" ممن كذبهم من قومهم وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك حدثنا أبو اليمان أنبأنا شعبة عن الزهري قال أخبرنا عروة فقلت لها لعلها




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #296  
قديم 05-12-2025, 10:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الرعد
من صـ 96 الى صــ 110
الحلقة (296)






قد كذبوا مخففة ؟ قالت معاذ الله انتهى ما ذكره وقال ابن جريج أخبرني ابن أبى مليكة أن ابن عباس قرأها "وظنوا أنهم قد كذبوا" خفيفة قال عبد الله هو ابن أبي مليكة ثم قال لي ابن عباس كانوا بشرا ثم تلا "حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب" قال ابن جريج وقال ابن أبي مليكة وأخبرني عروة عن عائشة أنها خالفت ذلك وأبته وقالت ما وعد الله محمدا صلى الله عليه وسلم من شيء إلا قد علم أنه سيكون حتى مات ولكنه لم يزل البلاء بالرسل حتى ظنوا أن من معهم من المؤمنين قد كذبوهم قال ابن أبي مليكة في حديث عروة كانت عائشة تقرؤها "وظنوا أنهم قد كذبوا" مثقلة من التكذيب وقال ابن أبي حاتم أنا يونس بن عبد الأعلى قراءة أنا ابن وهب أخبرني سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد قال : جاء إنسان إلى القاسم بن محمد فقال إن محمد بن كعب القرظي قرأ هذه الآية "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" فقال القاسم أخبره عني أني سمعت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم تقول "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" تقول كذبتهم أتباعهم
إسناد صحيح أيضا والقراءة الثانية بالتخفيف ; واختلفوا في تفسيرها فقال ابن عباس ما تقدم وعن ابن مسعود فيما رواه سفيان الثوري عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله أنه قرأ "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" مخففة قال عبد الله هو الذي تكره

وهذا عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما مخالف لما رواه آخرون عنهما أما ابن عباس فروى الأعمش عن مسلم عن ابن عباس في قوله "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" قال لما أيست الرسل أن يستجيب لهم قومهم وظن قومهم أن الرسل قد كذبوهم جاءهم النصر على ذلك "فنجي من نشاء" وكذا روي عن سعيد بن جبير وعمران بن الحارث السلمي وعبد الرحمن بن معاوية وعلي بن أبي طلحة والعوفي عن ابن عباس بمثله وقال ابن جرير حدثني المثنى حدثنا عارم أبو النعمان حدثنا حماد بن زيد حدثنا شعيب حدثنا إبراهيم بن أبي حمزة الجزري قال : سأل فتى من قريش سعيد بن جبير قال أخبرنا أبا عبد الله كيف هذا الحرف فإني إذا أتيت عليه تمنيت أن لا أقرأ هذه السورة "حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا" قال نعم حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يصدقوهم وظن المرسل إليهم أن الرسل قد كذبوا فقال الضحاك بن مزاحم ما رأيت كاليوم قط رجل يدعى إلى علم فيتلكأ لو رحلت إلى اليمن في هذه كان قليلا ثم روى ابن جرير أيضا من وجه آخر أن مسلم بن يسار سأل سعيد بن جبير عن ذلك فأجابه بهذا الجواب فقام إلى سعيد فاعتنقه وقال فرج الله عنك كما فرجت عني وهكذا روي من غير وجه عن سعيد بن جبير أنه فسرها كذلك وكذا فسرها مجاهد بن جرير وغير واحد من السلف حتى أن مجاهدا قرأها "وظنوا أنهم قد كذبوا" بفتح الذال رواه ابن جرير إلا أن بعض من فسرها كذلك يعيد الضمير في قوله "وظنوا أنهم قد كذبوا" إلى أتباع الرسل من المؤمنين ومنهم من يعيده إلى الكافرين منهم أي وظن الكفار أن الرسل قد كذبوا مخففة فيما وعدوا به من النصر

وأما ابن مسعود فقال ابن جرير حدثنا القاسم حدثنا الحسين حدثنا محمد بن فضيل عن محمش بن زياد الضبي عن تميم بن حزم قال سمعت عبد الله بن مسعود يقول في هذه الآية "حتى إذا استيأس الرسل" من إيمان قومهم أن يؤمنوا بهم وظن قومهم حين أبطأ الأمر أنهم قد كذبوا بالتخفيف فهاتان الروايتان عن كل من
ابن مسعود وابن عباس وقد أنكرت ذلك عائشة على من فسرها بذلك وانتصر لها ابن جرير ووجه المشهور عن الجمهور وزيف القول الآخر بالكلية ورده وأباه ولم يقبله ولا ارتضاه والله أعلم .
لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون (111)
لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون
يقول تعالى لقد كان في خبر المرسلين مع قومهم وكيف نجينا المؤمنين وأهلكنا الكافرين "عبرة لأولي الألباب" وهي العقول "ما كان حديثا يفترى" أي وما كان لهذا القرآن أن يفترى من دون الله أي يكذب ويخلق "ولكن تصديق الذي بين يديه" أي من الكتب المنزلة من السماء هو يصدق ما فيها من الصحيح وينفي ما وقع فيها من تحريف وتبديل وتغيير ويحكم عليها بالنسخ أو التقرير "وتفصيل كل شيء" من تحليل وتحريم ومحبوب ومكروه وغير ذلك من الأمر بالطاعات والواجبات والمستحبات والنهي عن المحرمات وما شاكلها من المكروهات والإخبار عن الأمور الجلية وعن الغيوب المستقبلية المجملة والتفصيلية والإخبار عن الرب تبارك وتعالى بالأسماء والصفات وتنزهه عن مماثلة المخلوقات فلهذا كانت "هدى ورحمة لقوم يؤمنون" تهتدي به قلوبهم من الغي إلى الرشاد ومن الضلال إلى السداد ويبتغون بها الرحمة

من رب العباد في هذه الحياة الدنيا ويوم المعاد فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم في الدنيا والآخرة يوم يفوز بالربح المبيضة وجوههم الناضرة ويرجع المسودة وجوههم بالصفقة الخاسرة آخر تفسير
سورة يوسف عليه السلام ولله الحمد والمنة وبه المستعان .

سورة الرعد
المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ربك الحق ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (1)
أما الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السورة
الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى يدبر الأمر يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون
يخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدا لا تنال ولا يدرك مداها

فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها مرتفعة عليها من كل جانب على السواء وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية مسيرة خمسمائة عام وسمكها في نفسها مسيرة خمسمائة عام ثم السماء الثانية محيطة بالسماء الدنيا وما حوت وبينهما من بعد المسير خمسمائة عام وسمكها خمسمائة عام .
وهكذا الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة كما قال تعالى "الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن" الآية وفي الحديث "ما السموات السبع وما فيهن وما بينهن في الكرسي إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة والكرسي في العرش المجيد كتلك الحلقة في تلك الفلاة" وفي رواية "والعرش لا يقدر قدره إلا الله عز وجل" وجاء عن بعض السلف أن بعد ما بين العرش إلى الأرض مسيرة خمسين ألف سنة وبعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة وهو من ياقوتة حمراء وقوله "بغير عمد ترونها" روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا لها عمد ولكن لا ترى وقال إياس بن معاوية السماء على الأرض مثل القبة يعني بلا عمد وكذا روي عن قتادة وهذا هو اللائق بالسياق والظاهر من قوله تعالى "ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه" فعلى هذا يكون قوله "ترونها" تأكيدا لنفي ذلك أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها وهذا هو الأكمل في القدرة وفي شعر أمية بن أبي الصلت آمن شعره وكفر قلبه كما ورد في الحديث ويروى لزيد بن عمرو بن

نفيل رضي الله عنه
وأنت الذي من فضل من ورحمة ... بعثت إلى موسى رسولا مناديا
فقلت له فاذهب وهارون فادعوا ... إلى الله فرعون الذي كان طاغيا
وقولا له هل أنت سويت هذه ... بلا وتد حتى استقلت كما هيا
وقولا له أنت رفعت هذه ... بلا عمد أو فوق ذلك بانيا
وقولا له هل أنت سويت وسطها ... منيرا إذا ما جنك الليل هاديا
وقولا له من يرسل الشمس غدوة ... فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
قولا له من أنبت الحب في الثرى ... فيصبح منه العشب يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه ... في ذاك آيات لمن كان واعيا
وقوله تعالى "ثم استوى على العرش" تقدم تفسيره في سورة الأعراف وأنه يمر كما جاء من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل ولا تمثيل تعالى الله علوا كبيرا وقوله "وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمى" قيل المراد أنهما يجريان إلى انقطاعهما بقيام الساعة كقوله تعالى "والشمس تجري لمستقر لها" وقيل المراد إلى مستقرهما وهو تحت العرش مما يلي بطن الأرض من الجانب الآخر فإنهما وسائر الكواكب إذا وصلوا هنالك يكونون أبعد ما يكون عن العرش لأنه على الصحيح الذي تقوم عليه الأدلة قبة مما يلي العالم من هذا الوجه وليس بمحيط كسائر الأفلاك لأن له قوائم وحملة يحملونه ولا يتصور هذا في

الفلك المستدير وهذا واضح لمن تدبر ما وردت به الآيات والأحاديث الصحيحة ولله الحمد والمنة وذكر الشمس والقمر لأنهما أظهر الكواكب السيارة السبعة التي هي أشرف وأعظم من الثوابت فإذا كان قد سخر هذه فلأن يدخل في التسخير سائر الكواكب بطريق الأولى والأحرى كما نبه بقوله تعالى "لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون" مع أنه قد صرح بذلك بقوله "والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين" وقوله "يفصل الآيات لعلكم بلقاء ربكم توقنون" أي يوضح الآيات والدلالات الدالة على أنه لا إله إلا هو وأنه يعيد الخلق إذا شاء كما بدأه .
وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (3)
وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين يغشي الليل النهار إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون
لما ذكر تعالى العالم العلوي شرع في ذكر قدرته وحكمته وأحكامه للعالم السفلي فقال "وهو الذي مد الأرض" أي جعلها متسعة ممتدة في الطول والعرض وأرساها بجبال راسيات شامخات وأجرى فيها الأنهار والجداول والعيون ليسقي ما جعل فيها من الثمرات المختلفة الألوان والأشكال والطعوم والروائح "من كل زوجين اثنين" أي من كل شكل صنفان "يغشي الليل النهار" أي جعل كلا منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا فإذا ذهب هذا غشيه هذا وإذا انقضى هذا جاء الآخر فيتصرف أيضا في الزمان كما يتصرف في المكان والسكان

"إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون" أي في آلاء الله وحكمه ودلائله .
وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (4)
وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون
وقوله "وفي الأرض قطع متجاورات" أي أراض يجاور بعضها بعضا مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا هكذا روي عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد ومدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض فهذه تربة حمراء وهذه بيضاء وهذه صفراء وهذه سوداء وهذه محجرة وهذه سهلة وهذه مرملة وهذه سميكة وهذه رقيقة والكل متجاورات فهذه بصفتها وهذه بصفتها الأخرى فهذا كله مما يدل على الفاعل المختار لا إله إلا هو ولا رب سواه وقوله "وجنات من أعناب وزرع ونخيل" يحتمل أن تكون عاطفة على جنات فيكون "وزرع ونخيل" مرفوعين ويحتمل أن يكون معطوفا على أعناب فيكون مجرورا ولهذا قرأ بكل منهما طائفة من الأئمة وقوله "صنوان وغير صنوان" الصنوان هو الأصول المجتمعة في منبت واحد كالرمان والتين وبعض النخيل ونحو ذلك وغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار ومنه سمي عم الرجل صنو أبيه كما جاء في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر "أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه" وقال سفيان الثوري وشعبة عن أبى إسحاق عن البراء رضي الله عنه : الصنوان هي النخلات في أصل واحد وغير الصنوان المتفرقات وقاله ابن عباس ومجاهد والضحاك

وقتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغير واحد وقوله "تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل" قال الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم "ونفضل بعضها على بعض في الأكل" قال "الدقل والفارسي والحلو والحامض" رواه الترمذي وقال حسن غريب أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها وطعومها وروائحها وأوراقها وأزهارها فهذا في غاية الحلاوة وهذا في غاية الحموضة وذا في غاية المرارة وذا عفص وهذا عذب وهذا جمع وهذا وهذا ثم يستحيل إلى طعم آخر بإذن الله تعالى وهذا أصفر وهذا أحمر وهذا أبيض وهذا أسود وهذا أزرق وكذلك الزهورات مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء مع هذا الاختلاف الكبير الذي لا ينحصر ولا ينضبط ففي ذلك آيات لمن كان واعيا وهذا من أعظم الدلالات على الفاعل المختار الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد ولهذا قال تعالى "إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون" .
وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (5)
وإن تعجب فعجب قولهم أئذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم وأولئك أصحاب النار

هم فيها خالدون
يقول تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم "وإن تعجب" من تكذيب هؤلاء المشركين بالمعاد مع ما يشاهدونه من آيات الله سبحانه ودلائله في خلقه على أنه القادر على ما يشاء ومع ما يعترفون به من أنه ابتدأ خلق الأشياء فكونها بعد أن لم تكن شيئا مذكورا ثم هم بعد هذا يكذبون خبره في أنه سيعيد العالم خلقا جديدا وقد اعترفوا وشاهدوا ما هو أعجب مما كذبوا به فالعجب من قولهم "أإذا كنا ترابا أئنا لفي خلق جديد" وقد علم كل عالم وعاقل أن خلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس وأن من بدأ الخلق فالإعادة عليه أسهل كما قال تعالى "أولم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير" ثم نعت المكذبين بهذا فقال "أولئك الذين كفروا بربهم وأولئك الأغلال في أعناقهم" أي يسحبون بها في النار "وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون" أي ماكثون فيها أبدا لا يحولون عنها ولا يزولون .
ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (6)
ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب
يقول تعالى "ويستعجلونك" أي هؤلاء المكذبون "بالسيئة قبل الحسنة" أي بالعقوبة كما أخبر عنهم في قوله "وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين" وقال تعالى "ويستعجلونك بالعذاب" الآيتين وقال تعالى "سأل سائل بعذاب واقع" وقال "يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق" "وقالوا ربنا عجل لنا قطنا" الآية أي عقابنا وحسابنا كما قال مخبرا عنهم "وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك" الآية فكانوا من شدة تكذيبهم وعنادهم وكفرهم يطلبون أن

يأتيهم بعذاب الله قال الله تعالى "وقد خلت من قبلهم المثلات" أي قد أوقعنا نقمنا بالأمم الخالية وجعلناهم عبرة وعظة لمن اتعظ بهم ثم أخبر تعالى أنه لولا حلمه وعفوه لعالجهم بالعقوبة كما قال "ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة" وقال تعالى في هذه الآية الكريمة "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم" أي أنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب ليعتدل الرجاء والخوف كما قال تعالى "فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين" وقال "إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم" وقال "نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم" إلى أمثال ذلك من الآيات التي تجمع الرجاء والخوف وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد عن علي بن زيد عن سعيد بن المسيب قال : لما نزلت هذه الآية "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم" الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم "لولا عفو الله وتجاوزه ما هنأ أحد العيش ولولا وعيده وعقابه لاتكل كل واحد" .
وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة الحسن بن عثمان أبي حسان الرمادي أنه رأى رب العزة في النوم ورسول الله واقف بين يديه يشفع في رجل من أمته فقال له ألم يكفك أني أنزلت عليك في سورة الرعد "وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم" قال ثم انتبهت .


ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد (7)
ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه إنما أنت منذر ولكل قوم هاد
يقول تعالى إخبارا عن المشركين أنهم يقولون كفرا وعنادا لولا يأتينا بآية من ربه كما أرسل الأولون كما تعنتوا عليه أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن يزيح عنهم الجبال ويجعل مكانها مروجا وأنهارا قال تعالى "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون" الآية قال الله تعالى "إنما أنت منذر" أي إنما عليك أن تبلغ رسالة الله التي أمرك بها و "ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من يشاء وقوله" ولكل قوم هاد "قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : أي ولكل قوم داع وقال العوفي عن ابن عباس في الآية يقول الله تعالى أنت يا محمد منذر وأنا هادي كل قوم وكذا قال مجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وغير واحد وعن مجاهد" ولكل قوم هاد "أي نبي كقوله" وإن من أمة إلا خلا فيها نذير "وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد وقال أبو صالح ويحيى بن رافع" ولكل قوم هاد "أي قائد وقال أبو العالية الهادي القائد والقائد الإمام والإمام العمل وعن عكرمة وأبي الضحى" ولكل قوم هاد "قالا هو محمد صلى الله عليه وسلم وقال مالك" ولكل قوم هاد "يدعوهم إلى الله عز وجل"

وقال أبو جعفر بن جرير حدثني أحمد بن يحيى الصوفي حدثنا الحسن بن الحسين الأنصاري حدثنا معاذ بن مسلم حدثنا الهروي عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال لما نزلت "إنما أنت منذر ولكل قوم هاد" قال وضع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على صدره وقال "أنا المنذر ولكل قوم هاد" وأومأ بيده إلى منكب علي فقال "أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي" .
وهذا الحديث فيه نكارة شديدة ; وقال ابن أبي حاتم حدثنا علي بن الحسين حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا المطلب بن زياد عن السدي عن عبد خير عن علي "ولكل قوم هاد" قال الهادي رجل من بني هاشم قال الجنيد هو علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال ابن أبي حاتم وروي عن ابن عباس في إحدى الروايات وعن أبي جعفر محمد بن علي نحو ذلك .
الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء

عنده بمقدار (8)




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #297  
قديم 05-12-2025, 10:58 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الرعد
من صـ 11 الى صــ 125
الحلقة (297)






يخبر تعالى عن تمام علمه الذي لا يخفى عليه شيء وأنه محيط بما تحمله الحوامل من كل إناث الحيوانات كما قال تعالى "ويعلم ما في الأرحام" أي ما حملت من ذكر أو أنثى أو حسن أو قبيح أو شقي أو سعيد أو طويل العمر أو قصيره , كقوله تعالى "هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة" الآية وقال تعالى "يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث" أي خلقكم طورا من بعد طور كما قال تعالى "ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين" وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الله عليه وعلى آله وسلم "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم يكون علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ثم يبعث الله إليه ملكا فيؤمر بأربع كلمات : بكتب رزقه وعمره وعمله وشقي أو سعيد" .
وفي الحديث الآخر "فيقول الملك أي رب أذكر أم أنثى ؟ أي رب أشقي أم سعيد ؟ فما الرزق ؟ فما الأجل ؟ فيقول الله ويكتب الملك"

وقوله "وما تغيض الأرحام وما تزداد" قال البخاري حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا معن حدثنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن إلا الله لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله ولا تدري نفس بأي أرض تموت ولا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله" وقال العوفي عن ابن عباس "وما تغيض الأرحام" يعني السقط "وما تزداد" يقول ما زادت الرحم في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تماما وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومن تحمل تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى وكل ذلك بعلمه تعالى وقال الضحاك عن ابن عباس في قوله "وما تغيض الأرحام وما تزداد" قال ما نقصت عن تسعة وما زاد عليها وقال الضحاك وضعتني أمي وقد حملتني في بطنها سنتين وولدتني وقد نبتت ثنيتي وقال ابن جريج عن جميلة بنت سعد عن عائشة قالت : لا يكون الحمل أكثر من سنتين قدر ما يتحرك ظل مغزل وقال مجاهد "وما تغيض الأرحام وما تزداد" قال ما ترى من الدم في حملها

وما تزداد على تسعة أشهر وبه قال عطية العوفي والحسن البصري وقتادة والضحاك وقال مجاهد أيضا إذا رأت المرأة الدم دون التسعة زاد على التسعة مثل أيام الحيض وقال عكرمة وسعيد بن جبير وابن زيد وقال مجاهد أيضا "وما تغيض الأرحام" إراقة الدم حتى يخس الولد "وما تزداد" إن لم تهرق الدم تم الولد وعظم وقال مكحول : الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم وإنما يأتيه رزقه في بطن أمه من دم حيضتها فمن ثم لا تحيض الحامل فإذا وقع إلى الأرض استهل واستهلاله استنكاره لمكانه ; فإذا قطعت سرته حول الله رزقه إلى ثديي أمه حتى لا يحزن ولا يطلب ولا يغتم ثم يصير طفلا يتناول الشيء بكفه فيأكله فإذا هو بلغ قال هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق ؟ فيقول مكحول يا ويحك غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير حتى إذا اشتددت وعقلت قلت هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق ؟ ثم قرأ مكحول "الله يعلم ما تحمل كل أنثى" الآية وقال قتادة "وكل شيء عنده بمقدار" أي بأجل حفظ أرزاق
خلقه وآجالهم وجعل لذلك أجلا معلوما .
وفي الحديث الصحيح أن إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم بعثت إليه أن ابنا لها في الموت وأنها تحب أن يحضره فبعث إليها يقول "إن لله ما أخذ وله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى فمروها فلتصبر ولتحتسب" الحديث بتمامه .
عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (9)
عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال
وقوله "عالم الغيب والشهادة" أي يعلم كل شيء مما يشاهده العباد ومما يغيب

عنهم ولا يخفى عليه منه شيء "الكبير" الذي هو أكبر من كل شيء "المتعال" أي على كل شيء "قد أحاط بكل شيء علما" وقهر كل شيء فخضعت له الرقاب ودان له العباد طوعا وكرها .
سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (10)
سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار
يخبر تعالى عن إحاطة علمه بجميع خلقه وأنه سواء منهم من أسر قوله أو جهر به فإنه يسمعه لا يخفى عليه شيء كقوله "وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى" وقال "ويعلم ما تخفون وما تعلنون" وقالت عائشة رضي الله عنها : سبحان الذي وسع سمعه الأصوات والله لقد جاءت المجادلة تشتكي زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في جنب البيت وإنه ليخفى علي بعض كلامها فأنزل الله "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير" وقوله "ومن هو مستخف بالليل" أي مختف في قعر بيته في ظلام الليل "وسارب بالنهار" أي ظاهر ماش في بياض النهار وضيائه فإن كلاهما في علم الله على السواء كقوله تعالى "ألا حين يستغشون ثيابهم" الآية وقوله تعالى "وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين" .
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (11)
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال
أي للعبد ملائكة يتعاقبون عليه حرس بالليل وحرس بالنهار يحفظونه من الأسواء والحادثات كما

يتعاقب ملائكة آخرون لحفظ الأعمال من خير أو شر ملائكة بالليل وملائكة بالنهار فاثنان عن اليمين والشمال يكتبان الأعمال صاحب اليمين يكتب الحسنات وصاحب الشمال يكتب السيئات وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه واحد من ورائه وآخر من قدامه فهو بين أربعة أملاك بالنهار وأربعة آخرين بالليل بدلا حافظان وكاتبان كما جاء في الصحيح "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون" وفي الحديث الآخر "إن معكم من لا يفارقكم إلا عند الخلاء وعند الجماع فاستحيوهم وأكرموهم" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله "له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله" والمعقبات من الله هي الملائكة وقال عكرمة عن ابن عباس "يحفظونه من أمر الله" قال ملائكة يحفظونه

من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه وقال مجاهد ما من عبد إلا له ملك موكل يحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام فما منها شيء يأتيه يريده إلا قال له الملك : وراءك إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه وقال الثوري عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "له معقبات من بين يديه ومن خلفه" قال ذلك ملك من ملوك الدنيا له حرس من دونه حرس وقال العوفي عن ابن عباس "له معقبات من بين يديه ومن خلفه" يعني ولي السلطان يكون عليه الحرس وقال عكرمة في تفسيرها هؤلاء الأمراء المواكب من بين يديه ومن خلفه ; وقال الضحاك في الآية هو السلطان المحروس من أمر الله وهم أهل الشرك والظاهر والله أعلم أن مراد ابن عباس وعكرمة والضحاك بهذا أن حرس الملائكة للعبد يشبه حرس هؤلاء لملوكهم وأمرائهم وقد روى الإمام أبو جعفر ابن جرير هاهنا حديث غريبا جدا فقال حدثني المثنى حدثنا إبراهيم بن عبد السلام بن صالح وهشيم حدثنا علي بن جرير عن حماد بن سلمة عن عبد الحميد بن جعفر عن كنانة النهدي النسائي : دخل عثمان بن ماجه على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أخبرني عن العبد كم معه من ملك ؟ فقال "ملك عن يمينك على حسناتك وهو أمير"
على الذي على الشمال فإذا عملت حسنة كتبت عشرا وإذا عملت سيئة قال الذي على

الشمال للذي على اليمين اكتبها ؟ قال لا لعله يستغفر ويتوب فيستأذنه ثلاث مرات فإذا قال ثلاثا قال اكتبها أراحنا الله منه فبئس القرين ما أقل مراقبته لله وأقل استحياءه منا يقول الله "ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد" وملكان من بين يديك ومن خلفك يقول الله تعالى "له معقبات من بين يديه ومن خلفه" الآية ; وملك قابض على ناصيتك فإذا تواضعت لله رفعك وإذا تجبرت على الله قصمك ; وملكان على شفتيك ليس يحفظان عليك إلا الصلاة على محمد صلى الله عليه وسلم وملك قائم على فيك لا يدع أن تدخل الحية في فيك وملكان على عينيك فهؤلاء عشرة أملاك على كل آدمي ينزلون ملائكة الليل على ملائكة النهار لأن ملائكة الليل سوى ملائكة النهار فهؤلاء عشرون ملكا على كل آدمي وإبليس بالنهار وولده بالليل "وقال الإمام أحمد رحمه الله حدثنا أسود بن عامر حدثنا سفيان حدثني منصور عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة "قالوا وإياك يا رسول الله ؟ قال" وإياي ولكن الله أعانني عليه فلا يأمرني إلا بخير "انفرد بإخراجه مسلم وقوله" يحفظونه من أمر الله "قيل المراد حفظهم له من أمر الله رواه سنيد بن أبي طلحة وغيره عن ابن عباس وإليه ذهب مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم داود وغيرهم وقال روي" يحفظونه من أمر الله "قال وفي بعض القراءات يحفظونه"

بأمر الله وقال كعب الأحبار : لو تجلى لابن آدم كل سهل وكل حزن لرأى كل شيء من ذلك شيئا يقينا لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذا لتخطفتم وقال أبو أمامة : ما من آدمي إلا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له وقال أبو مجلز : جاء رجل من مراد إلى علي رضي الله عنه وهو يصلي فقال احترس فإن ناسا من مراد يريدون قتلك فقال إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه إن الأجل جنة حصينة وقال بعضهم "يحفظونه من أمر الله" بأمر الله كما جاء في الحديث أنهم قالوا يا رسول الله أرأيت رقيا نسترقي بها هل ترد من قدر الله شيئا ؟ فقال "هي من قدر الله" وقال ابن أبي حاتم حدثنا
أبو سعيد الأشج حدثنا حفص بن غياث عن

أشعث عن جهم عن إبراهيم قال أوحى الله إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل أن قل لقومك إنه ليس من أهل قرية ولا أهل بيت يكونون على طاعة الله فيتحولون منها إلى معصية الله إلا حول الله عنهم ما يحبون إلى ما يكرهون ثم قال إن تصديق ذلك في كتاب الله "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" وقد ورد هذا في حديث مرفوع فقال الحافظ محمد بن عثمان بن أبي شيبة في كتابه صفة العرش حدثنا الحسن بن علي حدثنا الهيثم بن الأشعث السلمي حدثنا أبو حنيفة اليماني الأنصاري عن عمير بن عبد الملك قال : خطبنا علي بن أبي طالب على منبر الكوفة قال : كنت إذا أمسكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتدأني وإذا سألته عن الخبر أنبأني وإنه حدثني عن ربه عز وجل قال "قال الرب وعزتي وجلالي وارتفاعي فوق عرشي ما من قرية ولا أهل بيت كانوا على ما كرهت من معصيتي ثم تحولوا عنها إلى ما أحببت من طاعتي إلا تحولت لهم عما يكرهون من عذابي إلى ما يحبون من رحمتي" وهذا غريب , وفي إسناده من لا أعرفه .
هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال (12)
هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا وينشئ السحاب الثقال
يخبر تعالى أنه هو الذي يسخر البرق وهو ما يرى من النور اللامع ساطعا من خلل السحاب ; وروى ابن جرير أن ابن عباس كتب إلى أبي الجلد يسأله عن البرق فقال البرق
الماء .
وقوله "خوفا وطمعا" قال قتادة خوفا للمسافر يخاف أذاه ومشقته وطمعا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله "وينشئ السحاب الثقال" أي يخلقها منشأة جديدة وهي لكثرة مائها ثقيلة قريبة إلى الأرض قال مجاهد : السحاب الثقال الذي فيه الماء .
ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال (13)
ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال
قال "ويسبح الرعد بحمده" كقوله "وإن من شيء إلا يسبح بحمده" وقال الإمام أحمد حدثنا يزيد حدثنا إبراهيم بن سعد أخبرني أبي قال كنت جالسا إلى جنب حميد بن عبد الرحمن في المسجد فمر شيخ من بني غفار فأرسل إليه حميد فلما أقبل قال يا ابن أخي وسع الله فيما بيني وبينك فإنه قد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء حتى جلس فيما بيني وبينه فقال له حميد : ما الحديث الذي حدثتني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له الشيخ سمعت عن شيخ من بني غفار أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول "إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك"

والمراد والله أعلم أن نطقها الرعد وضحكها البرق ; وقال موسى بن عبيدة عن سعد بن إبراهيم قال يبعث الله الغيث فلا أحسن منه مضحكا ولا آنس منه منطقا فضحكه البرق ومنطقه الرعد ; وقال ابن أبي حاتم حدثنا أبي حدثنا هشام بن عبيد الله الأصبهاني عن محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه : وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق وقال الإمام أحمد حدثنا عفان حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا الحجاج حدثنا أبو مطر عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد والصواعق قال "اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك" .
ورواه الترمذي والبخاري في كتاب الأدب والنسائي في اليوم والليلة والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة عن أبي مطر ولم يسم به

وقال الإمام أبو جعفر بن جرير حدثنا أحمد بن إسحاق حدثنا أبو أحمد حدثنا إسرائيل عن أبيه عن رجل عن أبي هريرة رفعه أنه كان إذا سمع الرعد قال "سبحان من يسبح الرعد بحمده" .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان إذا سمع صوت الرعد يقول : سبحان من سبحت له .
وكذا روى عن ابن عباس وطاوس والأسود بن يزيد أنهم كانوا يقولون كذلك وقال الأوزاعي كان ابن أبي زكريا يقول : من قال حين يسمع الرعد سبحان الله وبحمده لم تصبه صاعقة وعن عبد الله بن الزبير أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال : سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول إن هذا لوعيد شديد لأهل الأرض رواه مالك في موطئه والبخاري في كتاب الأدب

وقال الإمام أحمد حدثنا سليمان بن داود الطيالسي حدثنا صدقة بن موسى حدثنا محمد بن واسع عن معمر بن نهار عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "قال ربكم عز وجل لو أن عبيدي أطاعوني لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد" وقال الطبراني حدثنا زكريا بن يحيى الساجي حدثنا أبو كامل الجحدري حدثنا يحيى بن كثير أبو النضر حدثنا عبد الكريم حدثنا عطاء عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إذا سمعتم الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا" وقوله تعالى "ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء" أي يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء ولهذا تكثر في آخر الزمان كما قال الإمام أحمد حدثنا محمد بن

مصعب حدثنا عمارة عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال "تكثر الصواعق عند اقتراب الساعة حتى يأتي الرجل القوم فيقول من صعق قبلكم الغداة فيقولون صعق فلان وفلان وفلان" وقد روي في سبب نزولها ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا إسحاق حدثنا علي بن أبي سارة الشيباني حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا مرة إلى رجل من فراعنة العرب فقال "اذهب فادعه لي" قال فذهب إليه فقال يدعوك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له من رسول الله ؟ وما الله ؟ أمن ذهب هو أم من فضة هو أم من نحاس هو ؟ قال فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره فقال يا رسول الله قد خبرتك أنه أعتى من ذلك قال لي كذا وكذا فقال لي "ارجع إليه الثانية" فذهب فقال له مثلها فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله قد أخبرتك أنه أعتى من ذلك فقال "ارجع إليه فادعه" فرجع إليه الثالثة قال فأعاد عليه ذلك الكلام فبينما هو يكلمه إذ بعث الله عز وجل سحابة حيال رأسه فرعدت فوقعت
منها صاعقة فذهبت بقحف رأسه فأنزل الله عز وجل "ويرسل الصواعق" الآية ورواه ابن جرير من حديث علي بن أبي سارة به ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن عبدة بن عبد الله عن يزيد بن هارون عن ديلم بن غزوان عن ثابت عن أنس فذكر

نحوه وقال : حدثنا الحسن بن محمد حدثنا عفان حدثنا أبان بن يزيد حدثنا أبو عمران الجوني عن عبد الرحمن بن صحار العبدي أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى جبار يدعوه فقال أرأيتم ربكم أذهب هو ؟ أم فضة هو ؟ أم لؤلؤ هو ؟ قال فبينما هو يجادلهم إذ بعث الله سحابة فرعدت فأرسل عليه صاعقة فذهبت بقحف رأسه ونزلت هذه الآية .
وقال أبو بكر بن عياش عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال جاء يهودي فقال يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو ؟ من نحاس هو أم من لؤلؤ أو ياقوت ؟ قال فجاءت صاعقة فأخذته وأنزل الله "ويرسل الصواعق" الآية وقال قتادة : ذكر لنا أن رجلا أنكر القرآن وكذب النبي صلى الله عليه وسلم فأرسل الله صاعقة فأهلكته وأنزل الله "ويرسل الصواعق" الآية وذكروا في سبب نزولها قصة عامر بن الطفيل وأربد بن ربيعة لما قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فسألاه أن يجعل لهما نصف الأمر فأبى عليهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له عامر بن الطفيل لعنه الله أما والله لأملأنها عليك

خيلا جردا ورجالا مردا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم "يأبى الله عليك ذلك وأبناء قيلة"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #298  
قديم 05-12-2025, 11:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الرعد
من صـ 126 الى صــ 139
الحلقة (298)






يعني الأنصار ثم إنهما هما بالفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل أحدهما يخاطبه والآخر يستل سيفه ليقتله من ورائه فحماه الله تعالى منهما وعصمه فخرجا من المدينة فانطلقا في أحياء العرب يجمعان الناس لحربه عليه الصلاة والسلام فأرسل الله على أربد سحابة فيها صاعقة فأحرقته وأما عامر بن الطفيل فأرسل الله عليه الطاعون فخرجت فيه غدة عظيمة فجعل يقول يا آل عامر غدة كغدة البكر وموت في بيت سلولية حتى ماتا لعنهما الله وأنزل الله في مثل ذلك "ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله" وفي ذلك يقول لبيد بن ربيعة أخو أربد يرثيه
أخشى على أربد الحتوف ولا ... أرهب نوء السماك والأسد
فجعني الرعد والصواعق بال ... فارس يوم الكريهة النجد
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني : حدثنا مسعدة بن سعيد العطار حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي حدثني عبد العزيز بن عمران حدثني عبد الرحمن وعبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيهما عن عطاء بن يسار عن ابن عباس أن أربد بن قيس بن حزم بن جليد بن جعفر بن كلاب وعامر بن الطفيل بن مالك قدما المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فانتهيا إليه وهو جالس فجلسا بين يديه فقال عامر بن الطفيل : يا محمد ما تجعل لي إن أسلمت ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لك ما"

للمسلمين وعليك ما عليهم "قال عامر بن الطفيل أتجعل لي الأمر إن أسلمت من بعدك ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ليس ذلك لك ولا لقومك ولكن لك أعنة الخيل "قال أنا الآن في أعنة خيل نجد اجعل لي الوبر ولك المدر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" لا "فلما قفلا من عنده قال عامر : أما والله لأملأنها عليك خيلا ورجالا فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم" يمنعك الله "فلما خرج أربد وعامر قال عامر : يا أربد أنا أشغل عنك محمدا بالحديث فاضربه بالسيف فإن الناس إذا قتلت محمدا لم يزيدوا على أن يرضوا بالدية ويكرهوا الحرب فنعطيهم الدية قال أربد : أفعل فأقبلا راجعين إليه فقال عامر : يا محمد قم معي أكلمك فقام معه رسول الله صلى الله عليه وسلم فجلسا إلى الجدار ووقف معه رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلمه وسل أربد السيف فلما وضع يده على السيف يبست يده على قائم السيف فلم يستطع سل السيف فأبطأ أربد على عامر بالضرب فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأى أربد وما يصنع فانصرف عنهما فلما خرج عامر وأربد من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالحرة - حرة راقم - نزلا فخرج إليهما سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقالا اشخصا يا عدوي الله لعنكما الله فقال عامر من هذا يا سعد ؟ قال هذا أسيد بن حضير العاتب فخرجا حتى إذا كانا بالرقم أرسل الله على أربد صاعقة فقتلته وخرج عامر حتى إذا كان بالخريم أرسل الله قرحة فأخذته فأدركه الليل في بيت امرأة من بني سلول فجعل يمس قرحته في حلقه ويقول غدة كغدة الجمل في بيت سلولية يرغب أن يموت في بيتها ثم ركب فرسه فأحضره حتى مات عليه راجعا فأنزل الله فيهما" الله يعلم ما تحمل كل أنثى - إلى قوله - وما لهم من دونه من وال "قال المعقبات"
من أمر الله يحفظون محمدا صلى الله عليه وسلم ثم ذكر أربد وما قتله به فقال "ويرسل الصواعق" الآية وقوله "وهم يجادلون في الله" أي يشكون في عظمته وأنه لا إله إلا هو "وهو شديد المحال"

قال ابن جرير : شديدة مماحلته في عقوبته من طغى عليه وعتا وتمادى في كفره وهذه الأمة شبيهة بقوله "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين" وعن علي رضي الله عنه "وهو شديد المحال" أي شديد الأخذ وقال مجاهد شديد القوة .
له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (14)
له دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال
قال علي بن أبى طالب رضي الله عنه "له دعوة الحق" قال التوحيد رواه ابن جرير وقال ابن عباس وقتادة ومالك عن محمد بن المنكدر "له دعوة الحق" لا إله إلا الله "والذين يدعون من دونه" الآية أي ومثل الذين يعبدون آلهة غير الله "كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه" قال علي بن أبي طالب كمثل الذي يتناول الماء من طرف البئر بيده وهو لا يناله أبدا بيده فكيف يبلغ فاه ؟ وقال مجاهد "كباسط كفيه" يدعو الماء بلسانه ويشير إليه فلا يأتيه أبدا وقيل المراد كقابض يده على الماء فإنه لا يحكم منه على شيء كما قال الشاعر :

فإني وإياكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله
وقال الآخر :
فأصبحت مما كان بيني وبينها ... من الود مثل القابض الماء باليد
ومعنى هذا الكلام أن الذي يبسط يده إلى الماء إما قابضا وإما متناولا له من بعد كما أنه لا ينتفع بالماء الذي لم يصل إلى فيه الذي جعله محلا للشرب فكذلك هؤلاء المشركون الذين يعبدون مع الله إلها غيره لا ينتفعون بهم أبدا في الدنيا ولا في الآخرة ولهذا قال "وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" .
ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (15)
ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال
يخبر تعالى عن عظمته وسلطانه الذي قهر كل شيء ودان له كل شيء ولهذا يسجد له كل شيء طوعا من المؤمنين وكرها على الكافرين "وظلالهم بالغدو" أي البكرة "والآصال" وهو جمع أصيل وهو آخر النهار كقوله تعالى "أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله" .
قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي

الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار (16)
قل من رب السماوات والأرض قل الله قل أفاتخذتم من دونه أولياء لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار
يقرر تعالى أنه لا إله إلا هو لأنهم معترفون بأنه هو الذي خلق السموات والأرض وهو ربها ومدبرها وهم مع هذا قد اتخذوا من دونه أولياء يعبدونهم وأولئك الآلهة لا تملك لأنفسها ولا لعابديها بطريق الأولى نفعا ولا ضرا أي لا تحصل لهم منفعة ولا تدفع عنهم مضرة فهل يستوي من عبد هذه الآلهة مع الله ومن عبد الله وحده لا شريك له فهو على نور من ربه ؟ ولهذا قال "قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم" أي أجعل هؤلاء المشركون مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له ولا ولد ولا صاحبة "تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا" وإنما عبد هؤلاء المشركون معه آلهة هم معترفون أنها مخلوقة له عبيد له كما كانوا يقولون في تلبيتهم : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك وكما أخبر تعالى عنهم في قوله "ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى" فأنكر تعالى عليهم ذلك حيث اعتقدوا ذلك وهو تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه "ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له" "وكم من ملك في السموات" الآية وقال "إن كل من في السموات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا" فإذا كان الجميع عبيدا فلم يعبد بعضهم بعضا بلا دليل ولا برهان بل مجرد الرأي والاختراع والابتداع ثم قد أرسل رسله من أولهم إلى آخرهم تزجرهم عن ذلك وتنهاهم عن عبادة من سوى الله فكذبوهم وخالفوهم فحقت عليهم كلمة العذاب لا محالة "ولا يظلم ربك أحدا" .
أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (17)
أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال
اشتملت هذه الآية الكريمة على مثلين مضروبين للحق في ثباته وبقائه والباطل في اضمحلاله وفنائه فقال تعالى "أنزل من السماء ماء" أي مطرا "فسالت أودية بقدرها" أي أخذ كل واحد بحسبه فهذا كبير وسع كثيرا من الماء وهذا صغير فوسع بقدره وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها فمنها ما يسع علما كثيرا ومنها ما لا يتسع لكثير من العلوم بل يضيق عنها "فاحتمل السيل زبدا رابيا" أي فجاء على وجه الماء الذي سال في هذه الأودية زبد عال عليه هذا مثل وقوله "ومما يوقدون عليه في النار"

ابتغاء حلية أو متاع "الآية هذا هو المثل الثاني هو ما يسبك في النار من ذهب أو فضة ابتغاء حلية أي ليجعل حلية أو نحاسا أو حديدا فيجعل متاعا فإنه يعلوه زبد منه كما يعلو ذلك زبد منه" كذلك يضرب الله الحق والباطل "أي إذا اجتمعا لا ثبات للباطل ولا دوام له كما أن الزبد لا يثبت مع الماء ولا مع الذهب والفضة ونحوهما مما يسبك في النار بل يذهب ويضمحل ولهذا قال" فأما الزبد فيذهب جفاء "أي لا ينتفع به بل يتفرق ويتمزق ويذهب في جانبي الوادي ويعلق بالشجر وتنسفه الرياح وكذلك خبث الذهب والفضة والحديد والنحاس يذهب ولا يرجع منه شيء ولا يبقى إلا الماء وذلك الذهب ونحوه ينتفع به ولهذا قال" وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال "كقوله تعالى" وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون "وقال بعض السلف كنت إذا قرأت مثلا من القرآن فلم أفهمه بكيت على نفسي لأن الله تعالى يقول" وما يعقلها إلا العالمون "قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى" أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها "الآية هذا مثل ضربه الله احتملت منه القلوب على قدر يقينها وشكها فأما الشك فلا ينفع معه العمل وأما اليقين فينفع الله به أهله وهو قوله" فأما الزبد "وهو الشك" فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض "وهو اليقين وكما يجعل الحلي في النار فيؤخذ خالصه ويترك خبثه في النار فكذلك يقبل الله اليقين ويترك الشك وقال العوفي : عن ابن عباس قوله" أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا "يقول احتمل السيل ما في الوادي من عود ودمنة" ومما يوقدون عليه في النار "فهو الذهب والفضة والحلية والمتاع والنحاس والحديد فللنحاس"

والحديد خبث فجعل الله مثل خبثه
كزبد الماء فأما ما ينفع الناس فالذهب والفضة وأما ما ينفع الأرض فما شربت من الماء فأنبتت فجعل ذاك مثل العمل الصالح يبقى لأهله والعمل السيئ يضمحل عن أهله كما يذهب هذا الزبد وكذلك الهدى والحق جاءا من عند الله فمن عمل بالحق كان له وبقي كما بقي ما ينفع الناس في الأرض وكذلك الحديد لا يستطاع أن يعمل منه سكين ولا سيف حتى يدخل في النار فتأكل خبثه ويخرج جيده فينتفع به فكذلك يضمحل الباطل فإذا كان يوم القيامة وأقيم الناس وعرضت الأعمال فيزيغ الباطل ويهلك وينتفع أهل الحق بالحق وهكذا روي في تفسيرها عن مجاهد والحسن البصري وعطاء وقتادة وغير واحد من السلف والخلف وقد ضرب سبحانه وتعالى في أول سورة البقرة للمنافقين مثلين ناريا ومائيا وهما قوله "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله" الآية ثم قال "أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق" الآية وهكذا ضرب للكافرين في سورة النور مثلين "أحدهما" قوله "والذين كفروا أعمالهم كسراب" الآية والسراب إنما يكون في شدة الحر ولهذا جاء في الصحيحين فيقال لليهود يوم القيامة فما تريدون ؟ فيقولون أي ربنا عطشنا فاسقنا فيقال ألا تردون ؟ فيردون النار فإذا هي كسراب يحطم بعضها بعضا ثم قال تعالى في المثل الآخر "أو كظلمات في بحر لجي" الآية وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضا فكان منها طائفة قبلت الماء"

فأنبتت الكلأ والعشب الكثير وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا وأصابت طائفة منها أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني ونفع به فعلم وعلم ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به "فهذا مثل مائي ."
وقال في الحديث الآخر الذي رواه الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حولها جعل الفراش وهذه الدواب التي يقعن في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيقتحمن فيها - قال - فذلكم مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار فتغلبوني فتقتحمون فيها" وأخرجاه في الصحيحين أيضا فهذا مثل ناري .
للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد (18)
للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد

يخبر تعالى عن مآل السعداء والأشقياء فقال "للذين استجابوا لربهم" أي أطاعوا الله ورسوله وانقادوا لأوامرهم وصدقوا أخباره الماضية والآتية فلهم "الحسنى" وهو الجزاء الحسن كقوله تعالى مخبرا عن ذي القرنين أنه قال "أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا" وقال تعالى "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة" وقوله "والذين لم يستجيبوا له" أي لم يطيعوا الله "لو أن لهم ما في الأرض جميعا" أي في الدار الآخرة لو أن يمكنهم أن يفتدوا من عذاب الله بملء الأرض ذهبا ومثله معه لافتدوا به ولكن لا يقبل منهم لأنه تعالى لا يقبل منهم يوم القيامة صرفا ولا عدلا "أولئك لهم سوء الحساب" أي في الدار الآخرة أي يناقشون على النقير والقطمير والجليل والحقير ومن نوقش الحساب عذب ولهذا قال "ومأواهم جهنم وبئس المهاد" .
أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب (19)
أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب
يقول تعالى : لا يستوي من يعلم من الناس أن الذي "أنزل إليك" يا محمد "من ربك" هو الحق الذي لا شك فيه ولا مرية ولا لبس فيه ولا اختلاف فيه بل هو كله حق يصدق بعضه بعضا لا يضاد شيء منه شيئا آخر فأخباره كلها حق وأوامره ونواهيه عدل كما قال تعالى "وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا" أي صدقا في الإخبار وعدلا في الطلب فلا يستوي من تحقق صدق ما جئت به يا محمد ومن هو أعمى لا يهتدي إلى خير ولا يفهمه ولو فهمه ما انقاد له ولا صدقه ولا اتبعه كقوله تعالى "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون" وقال في هذه الآية الكريمة "أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى" أي أفهذا كهذا ؟ لا استواء

وقوله "إنما يتذكر أولو الألباب" أي إنما يتعظ ويعتبر ويعقل أولو العقول السليمة الصحيحة جعلنا الله مثلهم .
الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق (20)
الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق
الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق "وليسوا كالمنافقين الذين إذا عاهد أحدهم غدر وإذا خاصم فجر وإذا حدث كذب وإذا ائتمن خان ."
والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب (21)
والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب
ويخشون ربهم "أي فيما يأتون وما يذرون من الأعمال يراقبون الله في ذلك ويخافون سوء الحساب في الدار الآخرة فلهذا أمرهم على السداد والاستقامة في جميع حركاتهم وسكناتهم وجميع أحوالهم القاصرة والمتعدية ."
والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار (22)
والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار
والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم "أي عن المحارم والمآثم ففطموا أنفسهم عنها لله عز وجل ابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه" وأقاموا الصلاة "بحدودها ومواقيتها وركوعها وسجودها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي" وأنفقوا مما رزقناهم "أي على الذين يجب عليهم الإنفاق لهم من زوجات وقرابات وأجانب من فقراء ومحاويج ومساكين" سرا وعلانية "أي في السر والجهر لم يمنعهم من ذلك حال من"

الأحوال آناء الليل وأطراف النهار "ويدرءون بالحسنة السيئة" أي يدفعون القبيح بالحسن فإذا آذاهم أحد قابلوه بالجميل صبرا واحتمالا وصفحا وعفوا كقوله تعالى "ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" ولهذا قال مخبرا عن هؤلاء السعداء المتصفين بهؤلاء الصفات الحسنة بأن لهم عقبى الدار .
جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب (23)
جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب
جنات عدن "والعدن الإقامة أي جنات إقامة يخلدون فيها وعن عبد الله بن عمرو أنه قال : إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد وقال الضحاك في قوله" جنات عدن "مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى والناس حولهم بعد والجنات حولها رواهما ابن جرير ."
وقوله "ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم" أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء ممن هو صالح له دخول الجنة من المؤمنين لتقر أعينهم بهم حتى أنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتنانا من الله وإحسانا من غير تنقيص للأعلى عن درجته كما قال تعالى "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم" الآية وقوله "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" أي وتدخل عليهم الملائكة من هاهنا ومن هاهنا للتهنئة بدخول الجنة فعند

دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام ; وقال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا أبو عبد الرحمن حدثني سعيد بن أبي أيوب حدثنا معروف بن سويد الحراني عن أبي عشانة المعافري عن عبد الله بن عمرو بن الجنيد رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال "أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم ؟ فيقول إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء - قال - فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب" سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار "ورواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشدين عن أحمد بن صالح عن"
عبد الله بن وهب عن عمر بن الحارث عن أبي عشانة سمع عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال "أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي ؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة"
فيسجدون ويقولون ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك هؤلاء الذين آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب عز وجل هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل عليهم الملائكة من كل باب : "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" وقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد حدثنا أرطاة بن المنذر سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول : جلست إلى أبى أمامة فقال : إن المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين باب مبوب فيقبل الملك فيستأذن فيقول للذي يليه ملك يستأذن ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن حتى يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا فيقول أقربهم للمؤمن ائذنوا له ويقول الذي يليه للذي يليه ائذنوا له حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني قال : سمعت أبا أمامة فذكر نحوه

وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم : "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان .
سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار (24)
سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار
جنات عدن "والعدن الإقامة أي جنات إقامة يخلدون فيها وعن عبد الله بن عمرو أنه قال : إن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج فيه خمسة آلاف باب على كل باب خمسة آلاف حبرة لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد وقال الضحاك في قوله" جنات عدن "مدينة الجنة فيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى والناس حولهم بعد والجنات حولها رواهما ابن جرير ."
وقوله "ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم" أي يجمع بينهم وبين أحبابهم فيها من الآباء والأهلين والأبناء ممن هو صالح له دخول الجنة من المؤمنين لتقر أعينهم بهم حتى أنه ترفع درجة الأدنى إلى درجة الأعلى امتنانا من الله وإحسانا من غير تنقيص للأعلى عن درجته كما قال تعالى "والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم" الآية وقوله "والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" أي وتدخل عليهم الملائكة من هاهنا ومن هاهنا للتهنئة بدخول الجنة فعند دخولهم إياها تفد عليهم الملائكة مسلمين مهنئين لهم بما حصل لهم من الله من التقريب والإنعام والإقامة في دار السلام في جوار الصديقين والأنبياء والرسل الكرام ; وقال الإمام أحمد رحمه الله : حدثنا أبو عبد الرحمن حدثني سعيد بن أبي أيوب حدثنا معروف بن سويد الحراني عن أبي عشانة المعافري عن عبد الله بن عمرو بن الجنيد رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله ؟" قالوا الله ورسوله أعلم قال" أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون الذين تسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء فيقول الله تعالى لمن يشاء من ملائكته : ائتوهم فحيوهم فتقول الملائكة نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم ؟ فيقول إنهم كانوا عبادا يعبدونني لا يشركون بي شيئا وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء - قال - فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" ورواه أبو القاسم الطبراني عن أحمد بن رشدين عن أحمد بن صالح عن عبد الله بن وهب عن عمر بن الحارث عن أبي عشانة سمع عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أول ثلة يدخلون الجنة فقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره وإذا أمروا سمعوا وأطاعوا وإن كانت لرجل منهم حاجة إلى سلطان لم تقض حتى يموت وهي في صدره وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها فيقول أين عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي وجاهدوا في سبيلي ؟ ادخلوا الجنة بغير عذاب ولا حساب وتأتي الملائكة
فيسجدون ويقولون ربنا نحن نسبح بحمدك الليل والنهار ونقدس لك هؤلاء الذين آثرتهم علينا ؟ فيقول الرب عز وجل هؤلاء عبادي الذين جاهدوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل عليهم الملائكة من كل باب : "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" وقال عبد الله بن المبارك عن بقية بن الوليد حدثنا أرطاة بن المنذر سمعت رجلا من مشيخة الجند يقال له أبو الحجاج يقول : جلست إلى أبى أمامة فقال : إن المؤمن ليكون متكئا على أريكته إذا دخل الجنة وعنده سماطان من خدم وعند طرف السماطين باب مبوب فيقبل الملك فيستأذن فيقول للذي يليه ملك يستأذن ويقول الذي يليه للذي يليه ملك يستأذن حتى يبلغ المؤمن فيقول ائذنوا فيقول أقربهم للمؤمن ائذنوا له ويقول الذي يليه للذي يليه ائذنوا له حتى يبلغ أقصاهم الذي عند الباب فيفتح له فيدخل فيسلم ثم ينصرف رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث إسماعيل بن عياش عن أرطاة بن المنذر عن أبي الحجاج يوسف الألهاني قال : سمعت أبا أمامة فذكر نحوه وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يزور قبور الشهداء في رأس كل حول فيقول لهم : "سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار" وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان .
والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار (25)
والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار
هذا حال الأشقياء وصفاتهم وذكر ما لهم في الآخرة ومصيرهم إلى خلاف ما صار إليه المؤمنون كما أنهم اتصفوا بخلاف صفاتهم في الدنيا فأولئك كانوا يوفون بعهد الله ويصلون ما أمر الله به أن يوصل وهؤلاء "ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض" كما ثبت في الحديث "آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" وفي رواية "وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" ولهذا قال "أولئك لهم اللعنة" وهي الإبعاد عن الرحمة "ولهم سوء الدار" وهي سوء العاقبة والمآل "ومأواهم جهنم وبئس المهاد" وقال أبو العالية في قوله تعالى "والذين ينقضون عهد الله" الآية قال هي ست خصال في المنافقين إذا كان فيهم الظهرة على الناس أظهروا هذه الخصال إذا حدثوا كذبوا وإذا وعدوا أخلفوا وإذا ائتمنوا خانوا ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #299  
قديم 05-12-2025, 11:07 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الرعد
من صـ 140 الى صــ 154
الحلقة (299)






وقطعوا ما أمر الله به أن يوصل وأفسدوا في الأرض وإذا كانت الظهرة عليهم أظهروا الثلاث الخصال : إذا حدثوا كذبوا وإذا وعدوا أخلفوا وإذا ائتمنوا خانوا .
الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع (26)
الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع
يذكر تعالى أنه هو الذي يوسع الرزق على من يشاء ويقتر على من يشاء لما له في ذلك من الحكمة والعدل وفرح هؤلاء الكفار بما أوتوا من الحياة الدنيا استدراجا لهم وإمهالا كما قال "أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون" ثم حقر الحياة الدنيا بالنسبة إلى ما ادخره تعالى لعباده المؤمنين في الدار الآخرة فقال "وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع" كما قال "قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا" وقال "بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى" وقال الإمام أحمد : حدثنا وكيع عن يحيى بن سعيد قالا : حدثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس عن المستورد أخي بني فهرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم أصبعه هذه في اليم فلينظر بم ترجع" وأشار بالسبابة رواه مسلم في صحيحه وفي الحديث الآخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بجدي أسك ميت والأسك الصغير الأذنين فقال "والله للدنيا أهون على الله من هذا على أهله حين ألقوه" .
ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء
ويهدي إليه من أناب (27)
ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب
لولا "أي هلا" أنزل عليه آية من ربه "كقولهم" فليأتنا بآية كما أرسل الأولون "وقد تقدم الكلام على هذا غير مرة وإن الله قادر على إجابة ما سألوا وفي الحديث إن الله أوحى إلى رسوله لما سألوه أن يحول لهم الصفا ذهبا وأن يجري لهم ينبوعا وأن يزيح الجبال من حول مكة فيصير مكانها مروج وبساتين : إن شئت يا محمد أعطيتهم ذلك فإن كفروا أعذبهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين وإن شئت فتحت عليهم باب التوبة والرحمة فقال" بل تفتح لهم باب التوبة والرحمة "ولهذا قال لرسوله" قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب "أي هو المضل والهادي سواء بعث الرسل بآية على وفق ما اقترحوا أولم يجبهم إلى سؤالهم فإن الهداية والإضلال ليس منوطا بذلك ولا عدمه كما قال" وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون "وقال" إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم "وقال" ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون "ولهذا قال" قل إن الله يضل من يشاء ويهدي إليه من أناب "أي ويهدي إليه من أناب إلى الله ."
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب (28)
الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب
أي تطيب وتركن إلى جانب الله وتسكن عند ذكره وترضى به مولى ونصيرا ولهذا قال "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" .
الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب (29)
الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب
قال ابن أبي

طلحة عن ابن عباس فرح وقرة عين .
وقال عكرمة نعم مالهم وقال الضحاك غبطة لهم وقال إبراهيم داود خير لهم ; وقال قتادة هي كلمة عربية يقول الرجل طوبى لك أي أصبت خيرا وقال في رواية : طوبى لهم حسنى لهم "وحسن مآب" أي مرجع وهذه الأقوال شيء واحد لا منافاة بينها وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس "طوبى لهم" قال هي أرض الجنة بالحبشية وقال سعيد بن مسجوع طوبى اسم الجنة بالهندية وكذا روى السدي عن عكرمة طوبى لهم أي الجنة وبه قال مجاهد وقال العوفي عن ابن عباس لما خلق الله الجنة وفرغ منها قال "الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب" وذلك حين أعجبته .
وقال ابن جرير : حدثنا ابن حميد حدثنا يعقوب عن جعفر عن شهر بن حوشب قال : طوبى شجرة في الجنة كل شجر الجنة منها أغصانها من وراء سور الجنة وهكذا روي عن أبي هريرة وابن عباس ومغيث بن سليمان وأبي إسحاق السبيعي

وغير واحد من السلف أن طوبى شجرة في الجنة في كل دار منها غصن منها وذكر بعضهم أن الرحمن تبارك وتعالى غرسها بيده من حبة لؤلؤة وأمرها أن تمتد فامتدت إلى حيث يشاء الله تبارك وتعالى وخرجت من أصلها ينابيع أنهار الجنة من عسل وخمر وماء ولبن وقد قال عبد الله بن وهب : حدثنا عمرو بن الحارث أن دراجا أبا السمح حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد الخدري مرفوعا "طوبى شجرة في الجنة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" .
وقال الإمام أحمد : حدثنا حسن بن موسى سمعت عبد الله بن لهيعة حدثنا دراج أبو السمح أن أبا الهيثم حدثه عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رجلا قال : يا رسول الله طوبى لمن رآك وآمن بك قال "طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى ثم طوبى ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني" قال له رجل : وما طوبى ؟ قال "شجرة في الجنة مسيرتها مائة عام ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها" وروى البخاري ومسلم جميعا عن إسحاق بن راهويه عن مغيرة المخزومي عن وهيب عن أبي حازم عن سهل بن سعد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال "وإن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" قال فحدثت به النعمان بن أبي عياش الزرقي فقال : حدثني أبو سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال "إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام لا يقطعها"

وفي صحيح البخاري من حديث يزيد بن زريع عن سعيد عن روي عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله تعالى "وظل ممدود" قال "في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها" وقال الإمام أحمد : حدثنا شريح حدثنا فليح عن هلال بن علي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة سنة اقرءوا إن شئتم "وظل ممدود" أخرجاه في الصحيحين وفي لفظ لأحمد أيضا حدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا : حدثنا شعبة سمعت أبا الضحاك يحدث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها سبعين - أو مائة سنة - هي شجرة الخلد "وقال محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنه قالت : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر سدرة المنتهى فقال" يسير في ظل الغصن منها الراكب مائة سنة - أو قال - يستظل

في الفنن منها مائة راكب فيها فراش الذهب كأن ثمرها القلال "رواه الترمذي ."
وقال إسماعيل بن عياش عن سعيد بن يوسف عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سللام الأسود قال : سمعت أبا أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "ما منكم من أحد يدخل الجنة إلا انطلق به إلى طوبى فتفتح له أكمامها فيأخذ من أي ذلك شاء إن شاء أبيض وإن شاء أحمر وإن شاء أصفر وإن شاء أسود مثل شقائق النعمان وأرق وأحسن" وقال الإمام أبو جعفر بن جرير : حدثنا محمد بن عبد الأعلى حدثنا محمد بن ثور عن معمر عن أشعث بن عبد الله عن شهر بن حوشب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : طوبى شجرة في الجنة يقول الله لها تفتقي لعبدي عما شاء فتفتق له عن الخيل بسروجها ولجمها وعن الإبل بأزمتها وعما شاء من الكسوة وقد روى ابن جرير عن وهب بن منبه هاهنا أثرا غريبا عجيبا قال وهب رحمه الله : إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها زهرها رياط وورقها برود وقضبانها عنبر وبطحاؤها ياقوت وترابها كافور ووحلها مسك

يخرج من أصلها أنهار الخمر واللبن والعسل وهي مجلس لأهل الجنة فبينما هم في مجلسهم إذ أتتهم ملائكة من ربهم يقودون نجبا مزمومة بسلاسل من ذهب وجوهها كالمصابيح حسنا ووبرها كخز المرعزي من لينه عليها رحال ألواحها من ياقوت ودفوفها من ذهب وثيابها من سندس وإستبرق فيفتحونها يقولون إن ربنا أرسلنا إليكم لتزوروه وتسلموا عليه قال فيركبونها فهي أسرع من الطائر وأوطأ من الفراش نجبا من غير مهنة يسير الرجل إلى جنب أخيه وهو يكلمه ويناجيه لا تصيب أذن راحلة منها أذن الأخرى ولا برك راحلة برك الأخرى حتى إن الشجرة لتتنحى عن طريقهم لئلا تفرق بين الرجل وأخيه قال فيأتون إلى الرحمن الرحيم فيسفر لهم عن وجهه الكريم حتى ينظروا إليه فإذا رأوه قالوا : اللهم أنت السلام ومنك السلام وحق لك الجلال والإكرام قال فيقول تعالى عند ذلك : أنا السلام ومني السلام وعليكم حقت رحمتي ومحبتي مرحبا بعبادي الذين خشوني بغيب وأطاعوا أمري قال فيقولون ربنا لم نعبدك حق عبادتك ولم نقدرك حق قدرك فائذن لنا في السجود قدامك قال فيقول الله إنها ليست بدار نصب ولا عبادة ولكنها دار ملك ونعيم وإني قد رفعت عنكم نصب العبادة فسلوني ما شئتم فإن لكل رجل منكم أمنيته فيسألونه حتى أن أقصرهم أمنية ليقول ربي تنافس أهل الدنيا في دنياهم فتضايقوا
فيها رب فأتني مثل كل شيء كانوا فيه من يوم خلقتها إلى أن انتهت الدنيا فيقول الله تعالى لقد قصرت بك أمنيتك ولقد سألت دون منزلتك هذا لك مني لأنه ليس في عطائي نكد ولا قصر يد قال ثم يقول اعرضوا على عبادي ما لم يبلغ أمانيهم ولم يخطر لهم على بال قال فيعرضون عليهم حتى تقصر بهم أمانيهم التي في أنفسهم فيكون فيما يعرضون عليهم براذين مقرنة على كل أربعة منها سرير من ياقوتة واحدة على كل سرير منها قبة من ذهب مفرغة في كل قبة منها فرش من فرش الجنة متظاهرة في كل

قبة منها جاريتان من الحور العين على كل جارية منهن ثوبان من ثياب الجنة وليس في الجنة لون إلا وهو فيهما ولا ريح ولا طيب إلا قد عبق بهما ينفذ ضوء وجوههما غلظ القبة حتى يظن من يراهما أنهما دون القبة يرى مخهما من فوق سوقهما كالسلك الأبيض في ياقوتة حمراء يريان له من الفضل على صاحبه كفضل الشمس على الحجارة أو أفضل ويرى هو لهما مثل ذلك ويدخل إليهما فيحييانه ويقبلانه ويتعلقان به ويقولان له والله ما ظننا أن الله يخلق مثلك ثم يأمر الله تعالى الملائكة فيسيرون بهم صفا في الجنة حتى ينتهي كل رجل منهم إلى منزلته التي أعدت له وقد روى هذا الأثر ابن أبي حاتم بسنده عن وهب بن منبه وزاد فانظروا إلى موهوب ربكم الذي وهب لكم فإذا هو بقباب في الرفيق الأعلى وغرف مبنية من الدر والمرجان أبوابها من ذهب وسررها من ياقوت وفرشها من سندس وإستبرق ومنابرها من نور يفور من أبوابها وعراصها نور مثل شعاع الشمس عنده مثل الكوكب الدري في النهار المضيء وإذا بقصور شامخة في أعلى عليين من الياقوت يزهو نورها فلولا أنه مسخر إذا لالتمع الأبصار فما كان من تلك القصور من الياقوت الأبيض فهو مفروش بالحرير الأبيض وما كان فيها من الياقوت الأحمر فهو مفروش بالعبقري الأحمر وما كان فيها من الياقوت الأخضر فهو مفروش بالسندس الأخضر وما كان فيها من الياقوت الأصفر فهو مفروش بالأرجوان الأصفر مبوبة بالزمرد الأخضر والذهب الأحمر والفضة البيضاء قوائمها وأركانها من الجوهر وشرفها قباب من لؤلؤ وبروجها غرف من المرجان فلما انصرفوا إلى ما أعطاهم ربهم قربت لهم براذين من ياقوت أبيض منفوخ فيها الروح تجنبها الولدان المخلدون بيد كل وليد منهم حكمة برذون من تلك البراذين ولجمها وأعنتها من فضة بيضاء
منظومة بالدر والياقوت سروجها سرر موضونة مفروشة بالسندس والإستبرق فانطلق بهم تلك البراذين تزف بهم ببطن

رياض الجنة فلما انتهوا إلى منازلهم وجدوا الملائكة قعودا على منابر من نور ينتظرونهم ليزوروهم ويصافحوهم ويهنئوهم كرامة ربهم فلما دخلوا قصورهم وجدوا فيها جميع ما تطاول به عليهم وما سألوا وتمنوا وإذا على باب كل قصر من تلك القصور أربعة جنان : جنتان ذواتا أفنان وجنتان مدهامتان وفيهما عينان نضاختان وفيهما من كل فاكهة زوجان وحور مقصورات في الخيام فلما تبوءوا منازلهم واستقروا قرارهم قال لهم ربهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم وربنا قال هل رضيتم ثواب ربكم ؟ قالوا ربنا رضينا فارض عنا قال برضاي عنكم حللتم داري ونظرتم إلى وجهي وصافحتكم ملائكتي فهنيئا هنيئا لكم "عطاء غير مجذوذ" ليس فيه تنغيص ولا قصر يد فعند ذلك قالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وأدخلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب .
إن ربنا لغفور شكور .
وهذا سياق غريب وأثر عجيب ولبعضه شواهد ففي الصحيحين أن الله تعالى يقول لذلك الرجل الذي يرون آخر أهل الجنة دخولا الجنة : تمن فيتمنى حتى إذا انتهت به الأماني يقول الله تعالى : تمن من كذا وتمن من كذا يذكره ثم يقول ذلك لك وعشرة أمثاله .
وفي صحيح مسلم عن أبي ذر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئا إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل في البحر" الحديث بطوله وقال خالد بن معدان إن في الجنة شجرة يقال لها طوبى لها ضروع كلها ترضع صبيان أهل الجنة وإن سقط المرأة يكون في نهر من أنهار الجنة يتقلب فيه حتى تقوم القيامة فيبعث ابن أربعين سنة رواه ابن أبي حاتم .

كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (30)
كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب
يقول تعالى وكما أرسلناك يا محمد في هذه الأمة "لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك" أي تبلغهم رسالة الله إليهم كذلك أرسلنا في الأمم الماضية الكافرة بالله وقد كذب الرسل من قبلك فلك بهم أسوة وكما أوقعنا بأسنا ونقمتنا بأولئك فليحذر هؤلاء من حلول النقم بهم فإن تكذيبهم لك أشد من تكذيب غيرك من المرسلين قال الله تعالى "تالله لقد أرسلنا إلى أمم من قبلك" الآية وقال تعالى "ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا ولا مبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإ المرسلين" أي كيف نصرناهم وجعلنا العاقبة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة وقوله "وهم يكفرون بالرحمن" أي هذه الأمة التي بعثناك فيهم يكفرون بالرحمن لا يقرون به لأنهم كانوا يأنفون من وصف الله بالرحمن الرحيم ولهذا أنفوا يوم الحديبية أن يكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم وقالوا ما ندري ما الرحمن الرحيم قاله قتادة والحديث في صحيح البخاري وقد قال الله تعالى "قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى" وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أحب الأسماء إلى الله تعالى عبد الله وعبد الرحمن"

"قل هو ربي لا إله إلا هو" أي هذا الذي تكفرون به أنا مؤمن به معترف مقر له بالربوبية والإلهية هو ربي لا إله إلا هو "عليه توكلت" أي في جميع أموري "وإليه متاب" أي إليه أرجع وأنيب فإنه لا يستحق ذلك أحد سواه .
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييئس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد (31)
ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى بل لله الأمر جميعا أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم حتى يأتي وعد الله إن الله لا يخلف الميعاد
يقول تعالى مادحا للقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم ومفضلا له على سائر الكتب المنزلة قبله "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال" أي لو كان في الكتب الماضية كتاب تسير به الجبال عن أماكنها أو تقطع به الأرض وتنشق أو تكلم به الموتى في قبورهم لكان هذا القرآن هو المتصف بذلك دون غيره أو بطريق الأولى أن يكون كذلك لما فيه من الإعجاز الذي لا يستطيع الإنسان والجن عن آخرهم إذا اجتمعوا أن يأتوا بمثله ولا بسورة من مثله ومع هذا فهؤلاء المشركون كافرون به جاحدون له "بل لله الأمر جميعا" أي مرجع الأمور كلها إلى الله عز وجل ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن ومن يضلل الله فلا هادي له ومن يهد فما له من مضل وقد يطلق اسم القرآن على كل من الكتب المتقدمة لأنه مشتق من الجمع قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة قال


: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خفف على داود القرآن فكان يأمر بدابته أن تسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته وكان لا يأكل إلا من عمل يديه" انفرد بإخراجه البخاري والمراد بالقرآن هو الزبور وقوله "أفلم ييأس الذين آمنوا" أي من إيمان جميع الخلق ويعلموا أو يتبينوا "أن لو يشاء لهدى الناس جميعا" فإنه ليس ثم حجة ولا معجزة أبلغ ولا أنجع في العقول والنفوس من هذا القرآن الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "ما من نبي إلا وقد أوتي ما آمن على مثله البشر وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة" معناه أن معجزة كل نبي انقرضت بموته وهذا القرآن حجة باقية على الآباد لا تنقضي عجائبه ولا يخلق عن كثرة الرد ولا يشبع منه العلماء هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى من غيره أضله الله وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبو زرعة حدثنا منجاب بن الحارث أنبأنا بشر بن عمارة حدثنا عمر بن حسان عن عطية العوفي قال : قلت له "ولو أن قرآنا سيرت به الجبال" الآية قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم لو سيرت لنا جبال مكة حتى تتسع فنحرث فيها أو قطعت بنا الأرض كما كان سليمان يقطع لقومه بالريح أو أحييت لنا الموتى كما
كان عيسى يحيي الموتى لقومه فأنزل الله هذه الآية قال : قلت هل تروون هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قال نعم عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا روي عن ابن عباس والشعبي وقتادة والثوري وغير واحد في سبب

نزول هذه الآية والله أعلم وقال قتادة : لو فعل هذا بقرآن غير قرآنكم لفعل بقرآنكم وقوله "بل لله الأمر جميعا" قال ابن عباس : أي لا يصنع من ذلك إلا ما شاء ولم يكن ليفعل رواه ابن إسحاق بسنده عنه وقاله ابن جرير أيضا وقال غير واحد من السلف في قوله "أفلم ييأس الذين آمنوا" أفلم يعلم الذين آمنوا وقرأ آخرون أفلم يتبين الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وقال أبو العالية : قد يئس الذين آمنوا أن يهدوا ولو يشاء الله لهدى الناس جميعا وقوله "ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبا من دارهم" أي بسبب تكذيبهم لا تزال القوارع تصيبهم في الدنيا أو تصيب من حولهم ليتعظوا ويعتبروا كما قال تعالى "ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى وصرفنا الآيات لعلهم يرجعون" وقال "أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون" قال قتادة عن الحسن "أو تحل قريبا من دارهم" أي القارعة وهذا هو الظاهر من السياق وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا المسعودي عن قتادة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله "ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة" قال سرية "أو تحل قريبا من دارهم" قال محمد صلى الله عليه وسلم "حتى يأتي وعد الله" قال "فتح مكة" وهكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد في رواية

وقال العوفي عن ابن عباس "تصيبهم بما صنعوا قارعة" قال عذاب من السماء منزل عليهم "أو تحل قريبا من دارهم" يعني نزول رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم وقتاله إياهم وكذا قال مجاهد وقتادة وقال عكرمة في رواية عن ابن عباس "قارعة" أي نكبة وكلهم قال "حتى يأتي وعد الله" يعني فتح مكة وقال الحسن البصري يوم القيامة وقوله "إن الله لا يخلف الميعاد" أي لا ينقض وعده لرسله بالنصرة لهم ولأتباعهم في الدنيا والآخرة "فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام" .
ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب (32)
ولقد استهزئ برسل من قبلك فأمليت للذين كفروا ثم أخذتهم فكيف كان عقاب
يقول تعالى مسليا لرسوله في تكذيب من كذبه من قومه "ولقد استهزئ برسل من قبلك" أي فلك فيهم أسوة "فأمليت للذين كفروا" أي أنظرتهم وأجلتهم "ثم أخذتهم" أخذة رابية فكيف بلغك ما صنعت بهم وعاقبتهم وأمليت لهم كما قال تعالى "وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير" وفي الصحيحين "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته" ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم "وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد" .
أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت وجعلوا لله شركاء قل سموهم أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض أم بظاهر من القول بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل ومن يضلل الله فما له من هاد (33)

أي حفيظ عليم رقيب على كل نفس منفوسة يعلم ما يعمل العاملون من خير وشر ولا يخفى عليه خافية "وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه" وقال تعالى "وما تسقط من ورقة إلا يعلمها" وقال "وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين" وقال "سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار" وقال "يعلم السر وأخفى" وقال "وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير" أفمن هو كذلك كالأصنام التي يعبدونها لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل ولا تملك نفعا لأنفسها ولا لعابديها ولا كشف ضر عنها ولا عن عابديها ؟ وحذف هذا الجواب اكتفاء بدلالة السياق عليه وهو قوله "وجعلوا لله شركاء" أي عبدوها معه من أصنام وأنداد وأوثان "قل سموهم" أي أعلمونا بهم واكشفوا عنهم حتى يعرفوا فإنهم لا حقيقة لهم ولهذا قال "أم تنبئونه بما لا يعلم في الأرض" أي لا وجود له لأنه لو كان لها وجود في الأرض لعلمها لأنه لا تخفى عليه خافية "أم بظاهر من القول" قال مجاهد : بظن من القول وقال الضحاك وقتادة بباطل من القول أي إنما عبدتم هذه الأصنام بظن منكم أنها تنفع وتضر وسميتموها آلهة "إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى" "بل زين للذين كفروا مكرهم" قال مجاهد قولهم أي ما هم عليه من الضلال والدعوة إليه آناء الليل وأطراف النهار كقوله تعالى "وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم" الآية ""




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #300  
قديم 05-12-2025, 11:11 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,618
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)



تفسير القرآن العظيم
(تفسير ابن كثير)

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي
الجزء
(8)
سورة الرعد
من صـ 155 الى صــ 170
الحلقة (300)






وصدوا عن السبيل "من قرأها بفتح الصاد معناه أنه لما زين لهم ما هم فيه وأنه حق دعوا إليه وصدوا الناس عن اتباع طريق الرسل ومن قرأها بالضم أي بما زين لهم من صحة ما هم عليه صدوا به عن سبيل الله ولهذا قال" ومن يضلل الله فما له من هاد "كما قال" ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا "وقال" إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين "."
لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق (34)
لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق وما لهم من الله من واق
ذكر تعالى عقاب الكفار وثواب الأبرار فقال بعد إخباره عن حال المشركين وما هم عليه من الكفر والشرك "لهم عذاب في الحياة الدنيا" أي بأيدي المؤمنين قتلا وأسرا "ولعذاب الآخرة" أي المدخر مع هذا الخزي في الدنيا "أشق" أي من هذا بكثير كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين "إن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة" وهو كما قال صلوات الله وسلامه عليه فإن عذاب الدنيا له انقضاء وذاك دائم أبدا في نار هي بالنسبة إلى هذه سبعون ضعفا ووثاق لا يتصور كثافته وشدته كما قال تعالى "فيومئذ لا يعذب عذابه أحد ولا يوثق وثاقه أحد" وقال تعالى "وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا له تغيظا وزفيرا وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا لا تدعو اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهما جزاء ومصيرا" .
مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار (35)
مثل الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار
أي صفتها ونعتها "تجري من تحتها الأنهار" أي سارحة في أرجائها وجوانبها وحيث شاء أهلها يفجرونها تفجيرا أي يصرفونها كيف شاءوا وأين شاءوا كقوله "مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة" الآية

وقوله "أكلها دائم وظلها" أي فيها الفواكه والمطاعم والمشارب لا انقطاع ولا فناء وفي الصحيحين من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف وفيه قالوا : يا رسول الله رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا ثم رأيناك تكعكعت فقال "إني رأيت الجنة - أو أريت الجنة - فتناولت منها عنقودا ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا" وقال الحافظ أبو يعلى : حدثنا أبو خيمة حدثنا عبد الله بن جعفر حدثنا عبيد الله حدثنا أبو عقيل عن جابر قال : بينما نحن في صلاة الظهر إذ تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدمنا ثم تناول شيئا ليأخذه ثم تأخر فلما قضى الصلاة قال له أبي بن كعب يا رسول الله صنعت اليوم في الصلاة شيئا ما رأيناك كنت تصنعه فقال "إني عرضت علي الجنة وما فيها من الزهرة والنضرة فتناولت منها قطفا من عنب لآتيكم به فحيل بيني وبينه ولو أتيتكم به لأكل منه من بين السماء والأرض لا ينقصونه" وروى مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر شاهدا لبعضه

وعن عتبة بن عبد السلمي أن أعرابيا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الجنة فقال فيها عنب ؟ قال "نعم" قال فما عظم العنقود ؟ قال "مسيرة شهر للغراب الأبقع ولا يفتر" رواه الإمام أحمد وقال الطبراني : حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا علي بن المديني حدثنا ريحان بن سعيد عن عبادة بن منصور عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء عن ثوبان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الرجل إذا نزع ثمرة من الجنة عادت مكانها أخرى" وعن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يأكل أهل الجنة ويشربون ولا يمتخطون ولا يتغوطون ولا يبولون طعامهم ذلك جشاء كريح المسك ويلهمون التسبيح والتقديس كما يلهمون النفس" رواه مسلم
وروى الإمام أحمد والنسائي من حديث الأعمش عن تمام بن عقبة سمعت زيد بن أرقم قال : جاء رجل من أهل الكتاب فقال : يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون ؟ قال "نعم والذي نفس محمد"
بيده إن الرجل منهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة "قال إن الذي يأكل ويشرب تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال" تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كريح المسك فيضمر بطنه "رواه الإمام أحمد والنسائي وقال الحسن بن عرفة : حدثنا خلف بن خليفة عن حميد بن الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال لي رسول الله صلى الله"

عليه وسلم "إنك لتنظر إلى الطير في الجنة فيخر بين يديك مشويا" وجاء في بعض الأحاديث أنه إذا فرغ منه عاد طائرا كما كان بإذن الله تعالى وقد قال الله تعالى "وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة" وقال "ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا" وكذلك ظلها لا يزول ولا يقلص كما قال تعالى "والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا" وقد تقدم في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال "إن في الجنة شجرة يسير الراكب المجد الجواد المضمر السريع في ظلها مائة عام لا يقطعها" ثم قرأ "وظل ممدود" وكثيرا ما يقرن الله تعالى بين صفة الجنة وصفة النار ليرغب في الجنة ويحذر من النار ولهذا لما ذكر صفة الجنة بما ذكر قال بعده "تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين النار" كما قال تعالى "لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون" وقال بلال بن سعد خطيب دمشق في بعض خطبه : عباد الله هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من عبادتكم تقبلت منكم أو أن شيئا من خطاكم غفرت لكم ؟ "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون" والله لو عجل لكم الثواب في
الدنيا لاستقللتم كلكم ما افترض عليكم أو ترغبون في طاعة الله لتعجيل دنياكم ولا تنافسون في جنة "أكلها دائم" رواه ابن أبي حاتم .
والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب (36)
والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ومن الأحزاب من ينكر بعضه قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب
يقول تعالى "والذين آتيناهم الكتاب" وهم قائمون بمقتضاه "يفرحون بما أنزل إليك" أي من القرآن لما في كتبهم من الشواهد على صدقه والبشارة به كما قال تعالى "الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته" الآية وقال تعالى "قل آمنوا به أو لا تؤمنوا - إلى قوله - إن كان وعد ربنا لمفعولا" أي إن كان ما وعدنا الله به في كتبنا من إرسال محمد صلى الله عليه وسلم لحقا وصدقا مفعولا لا محالة وكائنا فسبحانه ما أصدق وعده فله الحمد وحده "ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا" وقوله "ومن الأحزاب من ينكر بعضه" أي ومن الطوائف من يكذب ببعض ما أنزل إليك وقال مجاهد "ومن الأحزاب" أي اليهود والنصارى "من ينكر بعضه" أي بعض ما جاءك من الحق وكذا قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهذا كما قال تعالى "وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله" الآية "قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به" أي إنما بعثت بعبادة الله وحده لا

شريك له كما أرسل الأنبياء من قبلي "إليه أدعو" أي إلى سبيله أدعو الناس "وإليه مآب" أي مرجعي ومصيري .
وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق (37)
وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعدما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق
وقوله "وكذلك أنزلناه حكما عربيا" أي وكما أرسلنا قبلك المرسلين وأنزلنا عليهم الكتب من السماء كذلك أنزلنا عليك القرآن محكما معربا شرفناك به وفضلناك على من سواك بهذا الكتاب المبين الواضح الجلي الذي "لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد" وقوله "ولئن اتبعت أهواءهم" أي آراءهم "بعدما جاءك من العلم" أي من الله سبحانه وتعالى "ما لك من الله من ولي ولا واق" وهذا وعيد لأهل العلم أن يتبعوا سبل أهل الضلالة بعدما صاروا إليه من سلوك السنة النبوية والمحجة المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام .
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب (38)
ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب
يقول تعالى وكما أرسلناك يا محمد رسولا بشريا كذلك قد بعثنا المرسلين قبلك بشرا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويأتون الزوجات ويولد لهم وجعلنا لهم أزواجا وذرية وقد قال تعالى لأشرف الرسل وخاتمهم "قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي" وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال "أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وآكل اللحم وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أنبأنا الحجاج بن أرطاة عن مكحول قال : قال أبو أيوب قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "أربع من سنن المرسلين : التعطر والنكاح"

والسواك والحناء "وقد رواه أبو عيسى الترمذي عن سفيان بن وكيع عن حفص بن غيلان عن الحجاج عن مكحول عن أبى السماك عن أبي أيوب فذكره ثم قال وهذا أصح من الحديث الذي لم يذكر فيه أبو السماك ."
وقوله "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله" أي لم يكن يأتي قومه بخارق إلا إذا أذن له فيه ليس ذلك إليه بل إلى الله عز وجل يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد "لكل أجل كتاب" أي لكل مدة مضروبة كتاب مكتوب بها وكل شيء عنده بمقدار "ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير" وكان الضحاك بن مزاحم يقول في قوله "لكل أجل كتاب" أي لكل كتاب أجل يعني لكل كتاب أنزله من السماء مدة مضروبة عند الله ومقدار معين .
يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب (39)
يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب
يمحو الله ما يشاء "منها" ويثبت "يعني حتى نسخت كلها بالقرآن الذي أنزله الله على رسوله صلوات الله وسلامه عليه"

وقوله "يمحو الله ما يشاء ويثبت" اختلف المفسرون في ذلك فقال الثوري ووكيع وهشيم عن ابن أبي ليلى عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : يدبر أمر السنة فيمحو الله ما يشاء إلا الشقاء والسعادة والحياة والموت وفي رواية "يمحو الله ما يشاء ويثبت" قال كل شيء إلا الموت والحياة والشقاء والسعادة فإنهما قد فرغ منهما وقال مجاهد "يمحو الله ما يشاء ويثبت" إلا الحياة والموت والشقاء والسعادة فإنهما لا يتغيران وقال منصور سألت مجاهدا فقلت أرأيت دعاء أحدنا يقول : اللهم إن كان اسمي في السعداء فأثبته فيهم وإن كان في الأشقياء فامحه عنهم واجعله في السعداء فقال حسن : ثم لقيته بعد ذلك بحول أو أكثر فسألته عن ذلك فقال "إنا أنزلناه في ليلة مباركة" الآيتين قال يقضي في ليلة القدر ما يكون في السنة من رزق أو مصيبة ثم يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء فأما كتاب السعادة والشقاء فهو ثابت لا يغير وقال الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة أنه كان كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء : اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحه واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب رواه ابن جرير
أيضا حدثنا عمرو بن علي حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبي عن أبي حكيمة عصمة عن أبي عثمان النهدي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال وهو يطوف بالبيت وهو يبكي : اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب فاجعله سعادة ومغفرة وقال حماد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان يدعو بهذا الدعاء أيضا ورواه شريك عن هلال بن حميد عن عبد الله بن عليم عن ابن مسعود بمثله وقال ابن جرير : حدثني المثنى حدثنا حجاج حدثنا خصاف عن أبي حمزة عن إبراهيم أن كعبا قال لعمر بن الخطاب : يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله لأنبأتك بما هو كائن إلى يوم القيامة قال وما هي ؟ قال قول الله تعالى "يمحو الله ما يشاء" الآية
ومعنى هذه الأقوال أن الأقدار ينسخ الله ما يشاء منها ويثبت منها ما يشاء وقد يستأنس لهذا القول بما رواه الإمام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان هو الثوري عن عبد الله بن عيسى عن عبد الله
بن أبي الجعد عن ثوبان قال : قال رسول الله "إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ولا يرد القدر إلا الدعاء ولا يزيد في العمر إلا البر" ورواه النسائي وابن ماجه من حديث سفيان الثوري به وثبت في الصحيح أن صلة الرحم تزيد في العمر وفي حديث آخر "إن الدعاء والقضاء ليعتلجان بين السماء والأرض"

"وقال ابن جرير : حدثني محمد بن سهل بن عسكر حدثنا عبد الرزاق أنا ابن جرير عن عطاء عن ابن عباس قال : إن لله لوحا محفوظا مسيرة خمسمائة عام من درة بيضاء لها دفتان من ياقوت - والدفتان لوحان - لله عز وجل كل يوم ثلاثمائة وستون لحظة يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وقال الليث بن سعد عن زياد بن محمد عن محمد بن كعب القرظي عن فضالة بن عبيد عن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" يفتح الذكر في ثلاث ساعات يبقين من الليل في الساعة الأولى منها ينظر في الذكر الذي لا ينظر فيه أحد غيره فيمحو ما يشاء ويثبت "وذكر تمام الحديث رواه ابن جرير وقال الكلبي" يمحو الله ما يشاء ويثبت "قال يمحو من الرزق يزيد فيه ويمحو من الأجل ويزيد فيه فقيل له من حدثك بهذا ؟ فقال أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم سئل بعد ذلك عن هذه الآية"
فقال يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيء ليس فيه ثواب ولا عقاب مثل قولك أكلت وشربت دخلت وخرجت ونحو ذلك من الكلام وهو صادق ويثبت ما كان فيه الثواب وعليه العقاب وقال عكرمة عن ابن عباس : الكتاب كتابان فكتاب يمحو الله منه ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب وقال العوفي عن ابن عباس في قوله "يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب" يقول هو الرجل يعمل الزمان بطاعة الله ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالة فهو الذي يمحو والذي يثبت الرجل يعمل بمعصية الله وقد كان سبق له خير حتى يموت وهو في طاعة الله وهو الذي يثبت وروي عن سعيد بن جبير أنها بمعنى "يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير" وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس "يمحو الله ما يشاء ويثبت" يقول يبدل ما يشاء فينسخه ويثبت ما يشاء فلا يبدله "وعنده أم الكتاب" وجملة ذلك عنده في أم الكتاب الناسخ وما يبدل وما يثبت كل ذلك في كتاب وقال قتادة في قوله "يمحو الله ما يشاء ويثبت" كقوله "ما ننسخ من آية أو ننسها" الآية وقال ابن أبي
نجيح عن مجاهد في قوله "يمحو الله ما يشاء ويثبت" قال : قالت كفار قريش لما نزلت "وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله" ما نرى محمدا يملك شيئا وقد فرغ من الأمر فأنزلت هذه الآية تخويفا ووعيدا لهم إنا إن

شئنا أحدثنا له من أمرك ما شئنا ونحدث في كل رمضان فيمحو ما يشاء ويثبت ما يشاء من أرزاق الناس ومصائبهم وما يعطيهم وما يقسم لهم وقال الحسن البصري "يمحو الله ما يشاء ويثبت" قال من جاء أجله يذهب ويثبت الذي هو حي يجري إلى أجله وقد اختار هذا القول أبو جعفر بن جرير رحمه الله وقوله "وعنده أم الكتاب" قال الحلال والحرام وقال قتادة أي جملة الكتاب وأصله وقال الضحاك "وعنده أم الكتاب" قال كتاب عند رب العالمين وقال سنيد بن داود حدثني معتمر عن أبيه عن يسار عن ابن عباس أنه سأل كعبا عن أم الكتاب فقال : علم الله ما هو خالق وما خلقه عاملون , ثم قال لعلمه : كن كتابا فكان كتابا وقال ابن جريج عن ابن عباس "وعنده أم الكتاب" قال الذكر .
وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب (40)
وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب

يقول تعالى لرسوله "وإما نرينك" يا محمد بعض الذي نعد أعداءك من الخزي والنكال في الدنيا "أو نتوفينك" أي قبل ذلك "فإنما عليك البلاغ" أي إنما أرسلناك لتبلغهم رسالة الله وقد فعلت ما أمرت به "وعلينا الحساب" أي حسابهم وجزاؤهم كقوله تعالى "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمصيطر إلا من تولى وكفر فيعذبه الله العذاب الأكبر إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم" .
أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب (41)
أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب
"وقوله" أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها "قال ابن عباس : أولم يروا أنا نفتح لمحمد صلى الله عليه وسلم الأرض بعد الأرض وقال في رواية : أولم يروا إلى القرية تخرب حتى يكون العمران في ناحية وقال مجاهد وعكرمة ننقصها من أطرافها قال خرابها وقال الحسن والضحاك : هو ظهور المسلمين على المشركين وقال العوفي عن ابن عباس نقصان أهلها وبركتها وقال مجاهد : نقصان الأنفس والثمرات وخراب الأرض وقال الشعبي : لو كانت الأرض تنقص لضاق عليك حشك ولكن تنقص الأنفس والثمرات وكذا قال عكرمة : لو كانت الأرض تنقص لم تجد مكانا تقعد فيه ولكن هو الموت وقال ابن عباس في رواية خرابها بموت علمائها وفقهائها وأهل الخير منها وكذا"

قال مجاهد أيضا هو موت العلماء ; وفي هذا المعنى روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة أحمد بن عبد العزيز أبي القاسم المصري الواعظ سكن أصبهان حدثنا أبو محمد طلحة بن أسد المري بدمشق أنشدنا أبو بكر الآجري بمكة قال أنشدنا أحمد بن نمزال لنفسه :
الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها ... متى يمت عالم منها يمت طرف
كالأرض تحيا إذا ما الغيث حل بها ... وإن أبى عاد في أكنافها التلف
والقول الأول أولى وهو ظهور الإسلام على الشرك قرية بعد قرية كقوله "ولقد أهلكنا ما حولكم من القرى" الآية وهذا اختيار ابن جرير .
وقد مكر الذين من قبلهم فلله المكر جميعا يعلم ما تكسب كل نفس وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار (42)
يقول تعالى "وقد مكر الذين من قبلهم" برسلهم وأرادوا إخراجهم من بلادهم فمكر الله بهم وجعل العاقبة للمتقين كقوله "وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" وقوله تعالى "ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا" الآيتين وقوله "يعلم ما تكسب كل نفس" أي أنه تعالى عالم بجميع السرائر والضمائر وسيجزي كل عامل بعمله "وسيعلم الكافر" والقراءة الأخرى الكفار "لمن عقبى"




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 377.41 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 371.56 كيلو بايت... تم توفير 5.84 كيلو بايت...بمعدل (1.55%)]