تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله - الصفحة 30 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         القصد في الغنى والفقر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 32 )           »          جنة الخلد (9) الفرش والنمارق والسرر والأرائك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 19 )           »          إبراهيم: قدوة في التوحيد والصلاح (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          أعينوا الشباب على الزواج ولا تهينوهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          وقفات مع اسم الله الغفار (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 20 )           »          ونزل المطر.. (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 18 )           »          توحيد العبادة أصل النجاة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          محبة النبي صلى الله عليه وسلم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 22 )           »          السعادة في البيوت العامرة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 22 )           »          منزلة الشكر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 16 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > ملتقى القرآن الكريم والتفسير
التسجيل التعليمـــات التقويم

ملتقى القرآن الكريم والتفسير قسم يختص في تفسير وإعجاز القرآن الكريم وعلومه , بالإضافة الى قسم خاص لتحفيظ القرآن الكريم

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 08-01-2020, 05:37 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (297)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(101) الى الأية(110)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف




" أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا " (102)
وهذا برهان وبيان, لبطلان دعوى المشركين الكافرين, الذين اتخذوا بعض الأنبياء والأولياء, شركاء لله يعبدونهم, ويزعمون أنهم يكونون لهم أولياء, ينجونهم من عذاب الله, وينيلونهم ثوابه, وهم قد كفروا بالله ورسوله.
يقول الله لهم على وجه الاستفهام والإنكار المتقرر بطلانه في العقول: " أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ " أي: لا يكون ذلك ولا يوالي ولي الله, معاديا لله أبدا.
فإن الأولياء موافقون لله, في محبته, ورضاه, وسخطه, وبغضه.
فيكون على هذا المعنى, مشابها لقوله تعالى " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ " .
فمن زعم أنه يتخذ ولي الله وليا له, وهو معاد لله, فهو كاذب.
ويحتمل - وهو الظاهر - أن المعنى: أفحسب الكفار بالله, المنابذون لرسله, أن يتخذوا من دون الله أولياء ينصرونهم, وينفعونهم من دون الله, ويدفعون عنهم الأذى؟.
هذا حسبان باطل, وظن فاسد, فإن جميع المخلوقين, ليس بيدهم من النفع والضر, شيء.
ويكون هذا, كقوله تعالى: " قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا " , " وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ " .
ونحو ذلك من الآيات التي يذكر الله فيها, أن المتخذ من دونه وليا ينصره ويواليه, ضال خائب الرجاء, غير نائل لبعض مقصوده.
" إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا " أي ضيافة وقرى فبئس النزل نزلهم, وبئست جهنم, ضيافتهم.

" قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا " (103)
أي: قل يا محمد, للناس - على وجه التحذير والإنذار-: هل أخبركم بأخسر الناس أعمالا على الإطلاق؟
" الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا " (104)
" الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " أي: بطل واضمحل كل ما عملوه, من عمل, وهم يحسبون أنهم محسنون في صنعه.
فكيف بأعمالهم, التي يعلمون أنها باطلة, وأنها محادة لله ورسله, ومعاداة؟!! فمن هم هؤلاء الذين خسرت أعمالهم, فخسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة؟ ألا ذلك هو الخسران المبين.

" أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " (105)
" أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ " أي: جحدوا الآيات القرآنية والآيات العيانية, الدالة على وجوب الإيمان به, وملائكته, ورسله, وكتبه, واليوم الآخر.
" فَحَبِطَتْ " بسبب ذلك " أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا " لأن الوزن فائدته, مقابلة الحسنات بالسيئات, والنظر في الراجح منها والمرجوح وهؤلاء, لا حسنات لهم, لعدم شرطها, وهو الإيمان, كما قال تعالى " وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا " .
لكن تعد أعمالهم, وتحصى, ويقررون بها, ويخزون بها على رءوس الأشهاد, ثم يعذبون عليها, ولهذا قال: " ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ "

" ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا " (106)
" ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ " أي: حبوط أعمالهم, وأنه لا يقام لهم يوم القيامة, وزن, لحقارتهم وخستهم, بكفرهم بآيات الله, واتخاذهم آياته ورسله, هزوا يستهزئون بها, ويسخرون منهم.
مع أن الواجب في آيات الله ورسله, الإيمان التام بها, والتعظيم لها, والقيام بها أتم القيام.
وهؤلاء عكسوا القضية, فانعكس أمرهم, وتعسوا, وانتكسوا في العذاب.

" إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا " (107)
ولما بين مآل الكافرين وأعمالهم, بين أعمال المؤمنين ومآلهم فقال: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا " إلى " حِوَلًا " .
أي: إن الذين آمنوا بقلوبهم, وعملوا الصالحات بجوارحهم.
وشمل هذا الوصف جميع الدين, عقائده, وأعماله, أصوله, وفروعه الظاهرة, والباطنة.
فهؤلاء - على اختلاف طبقاتهم من الإيمان, والعمل الصالح - لهم جنات الفردوس.
يحتمل أن المراد بجنات الفردوس, أعلى الجنة, ووسطها, وأفضلها, وأن هذا الثواب, لمن كمل فيه الإيمان, والعمل الصالح, والأنبياء والمقربون.
ويحتمل أن يراد بها, جميع منازل الجنان, فيشمل هذا الثواب, جميع طبقات أهل الإيمان, من المقربين, والمقتصدين كل بحسب حاله.
وهذا أول المعنيين, لعمومه, ولذكر الجنة, بلفظ الجمع المضاف إلى الفردوس, وأن الفردوس يطلق على البستان, المحتوي على الكرم, أو الأشجار الملتفة وهذا صادق على جميع الجنة.
فجنة الفردوس, نزل, وضيافة لأهل الإيمان, والعمل الصالح.
وأي ضيافة أجل, وأكبر, وأعظم, من هذه الضيافة, المحتوية على كل نعيم, للقلوب, والأرواح, والأبدان, وفيها ما تشتهيه الأنفس.
وتلذ الأعين من المنازل الأنيقة, والرياض الناضرة والأشجار المثمرة.
والطيور المغردة الشجية, والمآكل اللذيذة, والمشارب الشهية, والنساء الحسان, والخدم, والولدان, والأنهار السارحة, والمناظر الرائقة, والجمال الحسي والمعنوي, والنعمة الدائمة.
وأعلى ذلك وأفضله وأجله, التنعم بالقرب من الرحمن [ونيل رضاه, الذي هو أكبر نعيم الجنان, والتمتع برؤية وجه الكريم, وسماع الكلام الرءوف الرحيم].
فله تلك الضيافة, ما أجلها وأجملها, وأدومها, وأكملها!! وهي أعظم من أن يحيط بها وصف أحد من الخلائق, أو تخطر على القلوب.
فلو علم العباد بعض ذلك النعيم, علما حقيقيا, يصل إلى قلوبهم, لطارت إليها قلوبهم بالأشواق, ولتقطعت أرواحهم, من ألم الفراق, ولساروا إليها زرافات ووحدانا.
ولم يؤثروا عليها دنيا فانية, ولذات منغصة متلاشية.
ولم يفوتوا أوقاتا, تذهب ضائعة خاسرة, يقابل كل لحظة منها من النعيم من الحقب آلاف مؤلفة.
ولكن الغفلة شملت.
والإيمان ضعف, والعلم قل, والإرادة وهت فكان, ما كان فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

" خالدين فيها لا يبغون عنها حولا " (108)
وقوله " خَالِدِينَ فِيهَا " هذا هو تمام النعيم, إن فيها, النعم الكامل, ومن تمامه أنه لا ينقطع " لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا " .
أي: تحولا ولا انتقالا, لأنهم لا يرون إلا ما يعجبهم ويبهجهم, ويسرهم ويفرحهم, ولا يرون نعيما فوق ما هم فيه.

" قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا " (109)
أي قل لهم مخبرا عن عظمة الباري, وسعة صفاته, وأنها لا يحيط العباد بشيء منها: " لَوْ كَانَ الْبَحْرُ " أي هذه الأبحر الموجودة في العالم.
" مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي " أي: وأشجار الدنيا, من أولها إلى آخرها, من أشجار البلدان والبراري, والبحار, أقلام.
" لَنَفِدَ الْبَحْرُ " وتكسرت الأقلام " قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي " وهذا شيء عظيم, لا يحيط به أحد.
وفي الآية الأخرى " ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم " وهذا من باب تقريب المعنى إلى الأذهان, لأن هذه الأشياء مخلوقة, وجميع المخلوقات, منقضية منتهية.
وأما كلام الله, فإنه من جملة صفاته, وصفاته غير مخلوقة, ولا لها حد ولا منتهى.
فأي سعة وعظمة تصورتها القلوب, فالله فوق ذلك.
وبهذا سائر صفات الله تعالى, كعلمه, وحكمته, وقدرته, ورحمته.
فلو جمع علم الخلائق من الأولين والآخرين أهل السماوات وأهل الأرض لكان بالنسبة إلى علم العظيم, أقل من نسبة عصفور, وقع على حافة البحر, فأخذ بمنقاره من البحر بالنسبة للبحر وعظمته.
ذلك بأن الله, له الصفات العظيمة الواسعة الكاملة, وأن إلى ربك المنتهى.

" قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا " (110)
أي: " قُلْ " يا محمد للكفار وغيرهم: " إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ " أي: لست بإله, ولا لي شركة في الملك, ولا علم بالغيب, ولا عندي خزائن الله.
" إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ " عبد من عبيد ربي, " يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ " أي: فضلت عليكم بالوحي, الذي يوحيه إلي, الذي أجله الإخبار لكم, أنما إلهكم إله واحد, أي: لا شريك له, ولا أحد يستحق من العبادة مثقال ذرة, وأدعوكم إلى العمل الذي يقربكم منه, وينيلكم ثوابه, ويدفع عنكم عقابه.
ولهذا قال: " فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا " وهو الموافق لشرع الله, من واجب ومستحب.
" وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا " أي لا يرائي بعمله بل يعمله خالصا لوجه الله تعالى.
فهذا الذي جمع بين الإخلاص والمتابعة, هو الذي ينال ما يرجو ويطلب.
وأما من عدا ذلك, فإنه خاسر في دنياه وأخراه, وقد فاته القرب من مولاه, ونيل رضاه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-01-2020, 04:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (292)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(51) الى الأية(58)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف



" ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا " (51)
يقول تعالى: ما أشهدت الشياطين وهؤلاء المضلين, خلق السماوات والأرض, ولا خلق أنفسهم.
أي: ما أحضرتهم ذلك, ولا شاورتهم عليه, فكيف يكونون خالقين لشيء من ذلك؟! بل المنفرد بالخلق والتدبير, والحكمة والتقدير, هو الله, خالق الأشياء كلها, المتصرف فيها بحكمته.
فكيف يجعل له شركاء من الشياطين, يوالون ويطاعون, كما يطاع الله, وهم لم يخلقوا ولم يشهدوا خلقا, ولم يعاونوا الله تعالى؟!.
ولهذا قال: " وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا " أي: معاونين, مظاهرين لله على شأن من الشئون.
أي: ما ينبغي, ولا يليق بالله, أن يجعل لهم قسطا من التدبير, لأنهم ساعون في إضلال الخلق والعداوة لربهم, فاللائق, أن يقصيهم ولا يدنيهم.

" ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا " (52)
ولما ذكر حال من أشرك به في الدنيا, وأبطل هذا الشرك غاية الإبطال, وحكم بجهل صاحبه وسفهه, أخبر عن حالهم مع شركائهم يوم القيامة, وأن الله يقول لهم: " نَادُوا شُرَكَائِيَ " بزعمكم أي: على موجب زعمكم الفاسد.
وإلا, فالحقيقة, ليس لله شريك في الأرض ولا في السماء, أي: نادوهم, لينفعوكم, ويخلصوكم من الشدائد.
" فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ " لأن الحكم والملك يومئذ لله, لا أحد يملك مثقال ذرة من النفع لنفسه, ولا لغيره.
" وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ " أي: بين المشركين وشركائهم " مَوْبِقًا " أي, مهلكا, يفرق بينهم وبينهم, ويبعد بعضهم من بعض, ويتبين حينئذ, عداوة الشركاء لشركائهم, وكفرهم بهم, وتبريهم منهم, كما قال تعالى " وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ " .

" ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا " (53)
أي: لما كان يوم القيامة وحصل من الحساب ما حصل, وتميز كل فريق من الخلق بأعمالهم, وحقت كلمة العذاب على المجرمين, فرأوا جهنم قبل دخولها, فانزعجوا, واشتد قلقهم, لظنهم أنهم مواقعوها, وهذا الظن قال المفسرون: إنه بمعنى اليقين, فأيقنوا أنهم داخلوها " وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا " أي: معدلا يعدلون إليه, ولا شافع لهم من دون إذنه.
وفي هذا من التخويف والترهيب, ما ترعد له الأفئدة والقلوب.

" ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا " (54)
يخبر تعالى, عن عظمة القرآن وجلالته وعمومه وأنه صرف فيه من كل مثل.
أي: من كل طريق موصل إلى العلوم النافعة, والسعادة الأبدية, وكل طريق يعصم من الشر والهلاك.
ففيه أمثال الحلال والحرام, وجزاء الأعمال, والترغيب والترهيب, والأخبار الصادقة النافعة للقلوب, اعتقادا, وطمأنينة, ونورا.
وهذا مما يوجب التسليم لهذا القرآن وتلقيه بالانقياد والطاعة, وعدم المنازعة له, في أمر من الأمور.
ومع ذلك, كان كثير من الناس, يجادلون في الحق, بعد ما تبين, ويجادلون بالباطل " لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ " ولهذا قال: " وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا " أي: مجادلة ومنازعة فيه, مع أن ذلك, غير لائق بهم, ولا عدل منهم.
والذي أوجب له ذلك, وعدم الإيمان بالله, إنما هو الظلم والعناد, لا القصور في بيانه وحجته, وبرهانه.
وإلا, فلو جاءهم العذاب, وجاءهم ما جاء قبلهم, لم تكن هذه حالهم, ولهذا قال: " وَمَا مَنَعَ النَّاسَ " إلى " قُبُلًا " .

" وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا " (55)
أي: ما منع الناس من الإيمان, والحال أن الهدى الذي يحصل به الفرق, بين الهدى والضلال, والحق والباطل, قد وصل إليهم, وقامت عليهم حجة الله.
فلم يمنعهم عدم البيان, بل منعهم الظلم والعدوان, عن الإيمان.
فلم يبق إلا أن تأتيهم سنة الله, وعادته في الأولين من أنهم إذا لم يؤمنوا, عوجلوا بالعذاب, أو يرون العذاب قد أقبل عليهم, ورأوه مقابلة ومعاينة.
أي: فيخافوا من ذلك, وليتوبوا من كفر, قبل أن يكون العذاب الذي لا مرد له.

" وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا " (56)
أي: لم نرسل الرسل عبثا, ولا ليتخذهم الناس أربابا, ولا ليدعوا إلى أنفسهم.
بل أرسلناهم يدعون الناس إلى كل خير, وينهون عن كل شر, ويبشرونهم على امتثال ذلك, بالثواب العاجل والأجل, وينذرونهم على معصية ذلك, بالعقاب العاجل والآجل, فقامت بذلك حجة الله على العباد.
ومع ذلك يأبى الظالمون الكافرون, إلا المجادلة بالباطل, ليدحضوا به الحق.
فسعوا في نصر الباطل, مهما أمكنهم, وفي إدحاض الحق وإبطاله.
واستهزءوا برسل الله وآياته, وفرحوا بما عندهم من العلم, ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون, ويظهر الحق على الباطل " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق " .
ومن حكمة الله ورحمته, أن تقييضه المبطلين المجادلين الحق بالباطل, من أعظم الأسباب إلى وضوح الحق وتبين شواهده وأدلته, وتبين الباطل وفساده, فبضدها تتبين الأشياء.

" ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا " (57)
يخبر تعالى أنه لا أعظم ظلما, ولا أكبر جرما, من عبد ذكر بآيات الله وبين له الحق من الباطل, والهدى من الضلال, وخوف ورهب ورغب, فأعرض عنها.
فلم يتذكر بما ذكر به ولم يرجع عما كان عليه, ونسى ما قدمت يداه من الذنوب, ولم يراقب علام الغيوب.
فهذا أعظم ظلما, من المعرض الذي لم تأته آيات الله, ولم يذكر بها, وإن كان ظالما, فإنه أشد ظلما من هذا, لكون العاصي على بصيرة وعلم, أعظم ممن ليس كذلك.
ولكن الله تعالى, عاقبه بسبب إعراضه عن آياته, ونسيانه لذنوبه, ورضاه لنفسه, حالة الشر, مع علمه بها أن سد عليه أبواب الهداية, بأن جعل على قلبه أكنة, أي: أغطية محكمة تمنعه أن يفقه الآيات وإن سمعها, فليس في إمكانه, الفقه الذي يصل إلى القلب.
" وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا " أي: صمما يمنعهم من وصول الآيات, ومن سماعها على وجه الانتفاع وإن كانوا بهذه الحالة, فليس لهدايتهم سبيل.
" وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا " لأن الذي يرجى أن يجيب الداعي للهدى, من ليس عالما.
وأما هؤلاء, الذين أبصروا ثم عموا, ورأوا طريق الحق فتركوه, وطريق الضلال فسلكوه, وعاقبهم الله بإقفال القلوب والطبع عليها.
فليس في هدايتهم حيلة ولا طريق.
وفي هذه الآية من التخويف لمن ترك الحق بعد علمه, أن يحال بينه وبينه, ولا يتمكن منه بعد ذلك, ما هو أعظم مرهب وزاجر عن ذلك.

" وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا " (58)
ثم أخبر تعالى عن سعة مغفرته ورحمته, وأنه يغفر الذنوب, ويتوب الله على من يتوب, فيتغمده برحمته, ويشمله بإحسانه, وأنه لو آخذ العباد على ما قدمت أيديهم من الذنوب, لعجل لهم العذاب.
ولكنه تعالى, حليم لا يعجل بالعقوبة, بل يمهل, ولا يهمل.
والذنوب لا بد من وقوع آثارها, وإن تأخرت عنها مدة طويلة, ولهذا قال: " بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا " أي: لهم موعد, يجازون فيه بأعمالهم, لا بد لهم منه, ولا مندوحة لهم عنه, ولا ملجأ, ولا محيد عنه.
وهذه سنته في الأولين والآخرين, أن لا يعاجلهم بالعقاب, بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة.
فإن تابوا وأنابوا, غفر لهم ورحمهم, وأزال عنهم العقاب.
وإلا, فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم, وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم, أنزل بهم بأسه.
ولهذا قال: " وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا " أي: بظلمهم, لا بظلم منا " وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا " أي: وقتا مقدرا, لا يتقدمون عنه, ولا يتأخرون.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 04-01-2020, 04:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (293)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(59) الى الأية(68)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف


" وإذ قال موسى لفتاه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا " (60)
يخبر تعالى, عن نبيه, موسى عليه السلام, وشدة رغبته في الخير وطلب العلم, أنه قال لفتاه, أي: خادمه الذي يلازمه في حضره وسفره, وهو " يوشع بن نون " الذي نبأه الله بعد ذلك: " لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ " أي: لا أزال مسافرا وإن طالت علي الشقة, ولحقتني المشقة, حتى أصل إلى مجمع البحرين, وهو: المكان الذي أوحي إليه أنك ستجد فيه عبدا من عباد الله العالمين, عنده من العلم, ما ليس عندك.
" أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا " أي: مسافة طويلة.
المعنى: أن الشوق والرغبة, حمل موسى أن قال لفتاة هذه المقالة.
وهذا عزم منه جازم, فلذلك أمضاه.

" فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا " (61)
" فَلَمَّا بَلَغَا " أي: هو وفتاه " مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا " وكان معهما حوت يتزودان منه ويأكلان وقد وعد أنه متى فقد الحوت فثم ذلك العبد, الذي قصدته, فاتخذ ذلك الحوت سبيله, أي: طريقه في البحر سربا وهذا من الآيات.
قال المفسرون إن ذلك الحوت الذي كانا يتزودان منه, لما وصلا إلى ذلك المكان, أصابه بلل البحر, فانسرب بإذن الله في البحر, وصار مع حيواناته حيا.

" فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " (62)
فلما جاوز موسى وفتاه مجمع البحرين, قال موسى لفتاه: " آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا " أي: لقد تعبنا من هذا السفر المجاوز فقط, وإلا فالسفر الطويل, الذي وصلا به إلى مجمع البحرين, لم يجدا من التعب فيه, وهذا من الآيات والعلامات, الدالة لموسى, على وجود مطلبه.
وأيضا, فإن الشوق المتعلق بالوصول إلى ذلك المكان, سهل لهما الطريق, فلما تجاوزا غايتهما, وجدا مس التعب.
فلما قال موسى لفتاه هذه المقالة, قال له فتاه:

" قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا " (63)
" أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ " لأنه السبب في ذلك " وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا " أي: لما انسرب في البحر, ودخل فيه, كان ذلك من العجائب.
قال المفسرون: كان ذلك المسلك للحوت سربا, ولموسى وفتاه عجبا.
فلما قال له الفتى هذا القول, وكان عند موسى وعد من الله أنه إذا فقد الحوت, وجد الخضر, فقال موسى:

" قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا " (64)
" ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ " أي: نطلب " فَارْتَدَّا " أي: رجعا " عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا " أي رجعا يقصان أثرهما الذي نسيا فيه الحوت.
فلما وصلا إليه, وجدا عبدا من عبادنا, وهو الخضر, وكان عبدا صالحا, لا نبيا على الصحيح.

" فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما "(65)
" آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا " أي: أعطاه الله رحمة خاصة, بها زاد علمه, وحسن عمله " وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا " أي: من عندنا " عِلْمًا " .
وكان قد أعطي من العلم, ما لم يعط موسى, وإن كان موسى عليه السلام أعلم منه بأكثر الأشياء, وخصوصا في العلوم الإيمانية, والأصولية, لأنه من أولي العزم من المرسلين, الذين فضلهم الله على سائر الخلق, بالعلم, والعمل, وغير ذلك.
فلما اجتمع به موسى, قال له, على وجه الأدب والمشاورة, والإخبار عن مطلبه

" قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا " (66)
" هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا " أي: هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله, ما به أسترشد وأهتدي, وأعرف به الحق في تلك القضايا؟ وكان الخضر, قد أعطاه الله من الإلهام والكرامة, ما به يحصل له الاطلاع, على بواطن كثير من الأشياء, التي خفيت, حتى على موسى عليه السلام.
فقال الخضر لموسى: لا أمتنع من ذلك, ولكنك " لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا " .
أي: لا تقدر على اتباعي وملازمتي, لأنك ترى ما لا تقدر على الصبر عليه من الأمور, التي ظاهرها المنكر, وباطنها غير ذلك, ولهذا قال:

" وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " (68)
" وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا " أي: كيف تصبر على أمر, ما أحطت بباطنه وظاهره ولا علمت المقصود منه ومآله؟ فقال موسى: " سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا " وهذا عزم منه, قبل أن يوجد الشيء الممتحن به.
والعزم شيء, ووجود الصبر شيء آخر, فلذلك ما صبر موسى عليه السلام حين وقع الأمر.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 04-01-2020, 04:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (294)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(69) الى الأية(79)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف


" قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا " (70)

فحينئذ قال له الخضر: " فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا " أي: لا تبتدئني بسؤال منك وإنكار, حتى أكون أنا الذي أخبرك بحاله في الوقت الذي ينبغي إخبارك به.
فنهاه عن سؤاله, ووعده أن يوقفه على حقيقة الأمر.

" فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا " (71)
" فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا " أي: اقتلع الخضر منها, لوحا, وكان له مقصود في ذلك, سيبينه.
فلم يصبر موسى عليه السلام, لأن ظاهره أنه منكر, لأنه عيب السفينة, وسبب لغرق أهلها, ولهذا قال موسى: " أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا " أي: عظيما شنيعا, وهذا من عدم صبره عليه السلام, فقال له الخضر:

" قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا " (72)
" أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا " أي: فوقع كما أخبرتك.
وكان هذا من موسى, نسيانا فقال: " لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا " أي: لا تعسر على الأمر, واسمح لي, فإن ذلك وقع على وجه النسيان, فلا تؤاخذني في أول مرة.
فجمع بين الإقرار به والعذر منه, وأنه ما ينبغي لك أيها الخضر, الشدة على صاحبك, فسمح عنه الخضر.

" فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا " (74)
" فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا " أي: صغيرا " فَقَتَلَهُ " الخضر.
فاشتد بموسى الغضب, وأخذته الحمية الدينية, حين قتل غلاما صغيرا, لم يذنب.
" قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا " .
وأي نكر مثل قتل الصغير, الذي ليس عليه ذنب, ولم يقتل أحد؟! وكان الأول من موسى نسيانا, وهذه غير نسيان, ولكن عدم صبر.
فقال له الخضر, معاتبا ومذكرا: " أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا " .

" قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا "(76)
فقال له موسي: " إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا " أي: بعد هذه المرة " فَلَا تُصَاحِبْنِي " أي: فأنت معذور بذلك, وبترك صحبتي " قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا " أي أعذرت مني, ولم تقصر.
" فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه قال لو شئت لاتخذت عليه أجرا "(77)
" فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا " أي: استضافاهم " فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ " أي: عاب واستهدم " فَأَقَامَهُ " الخضر أي: بناه وأعاده جديدا.
فقال له موسى: " لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا " , أي: أهل هذه القرية, لم يضيفونا مع وجوب ذلك عليهم, وأنت تبنيه من دون أجرة, وأنت تقدر عليها؟ فحينئذ لم يف موسى عليه السلام بما قال, واستعذر الخضر منه, فقال له:

" قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " (78)
" هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ " فإنك شرطت ذلك على نفسك, فلم يبق الآن عذر, ولا موضع للصحبة.
" سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا " أي: سأخبرك بما أنكرت عليَّ, وأنبئك بأن لي في ذلك من المآرب, وما يئول إليه الأمر.

" أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " (79)
" أَمَّا السَّفِينَةُ " التي خرقتها " فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ " يقتضي ذلك الرقة عليهم, والرأفة بهم.
" فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا " أي: كان مرورهم على ذلك الملك الظالم, فكل سفينة صالحة تمر عليه, ما فيها عيب, غصبها وأخذها ظلما, فأردت أن أخرقها, ليكون فيها عيب, فتسلم من ذلك الظالم.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 04-01-2020, 04:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (295)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(80) الى الأية(90)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف



" وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا " (80)
" وَأَمَّا الْغُلَامُ " الذي قتلته " فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا " .
وكان ذلك الغلام, قد قدر عليه, أنه لو بلغ, لأرهق أبويه طغيانا وكفرا.
أي: لحملهما على الطغيان والكفر, إما لأجل محبتهما إياه, أو للحاجة إليه يحملهما على ذلك.
أي: فقتلته, لاطلاعي على ذلك, سلامة لدين أبويه المؤمنين, وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة؟!! وهو وإن كان فيه إساءة إليهما, وقطع لذريتهما, فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية, ما هو خير منه, ولهذا قال:

" فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما " (81)
" فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا " أي: ولدا صالحا, زكيا, واصلا لرحمه.
فإن الغلام الذي قتل, لو بلغ لعقهما أشد العقوق, بحملهما على الكفر والطغيان.

" وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " (82)
" وَأَمَّا الْجِدَارُ " الذي أقمته " فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا " أي: حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما, لكونهما صغيرين, عدما أباهما, وحفظهما الله أيضا, بصلاح والدهما.
" فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا " أي: فلهذا هدمت الجدار, واستخرجت ما تحته من كنزهما, ورددته, وأعدته مجانا.
" رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ " أي: هذا الذي فعلته رحمة من الله, آتاها الله عبده الخضر " وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي " أي: ما أتيت شيئا من قبل نفسي, ومجرد إرادتي, وإنما ذلك من رحمة الله وأمره.
" ذَلِكَ " الذي فسرته لك " تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا " .
وفي هذه القصة العجيبة الجليلة, من الفوائد, والأحكام, والقواعد, شيء كثير, ننبه على بعضه بعون الله.
فمنها فضيلة العلم, والرحلة في طلبه, وأنه أهم الأمور.
فإن موسى عليه السلام, رحل مسافة طويلة, ولقي النصب في طلبه, وترك القعود عند بني إسرائيل, لتعليمهم وإرشادهم, واختار السفر لزيادة العلم على ذلك.
ومنها: البداءة بالأهم فالأهم, فإن زيادة العلم وعلم الإنسان, أهم من ترك ذلك, والاشتغال بالتعليم, من دون تزود من العلم, والجمع بين الأمرين أكمل.
ومنها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن, وطلب الراحة, كما فعل موسى.
ومنها: أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه, إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه, وأين يريده, فإنه أكمل من كتمه.
فإن في إظهاره, فوائد من الاستعداد له, واتخاذ عدته, وإتيان الأمر على بصيرة, وإظهار الشوق لهذه العبادة الجليلة, كما قال موسى: " لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا " .
وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حين غزا تبوك, بوجهه, مع أن عادته التورية, وذلك تبع للمصلحة.
ومنها: إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان, على وجه التسويل والتزيين, وإن كان الكل بقضاء الله وقدره, لقول فتى موسى: " وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ " .
ومنها: جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس, من نصب وجوع, أو عطش, إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا, لقول موسى: " لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا " .
ومنها: استحباب كون خادم الإنسان, ذكيا فطنا كيسا, ليتم له أمره الذي يريده.
ومنها: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله, وأكلهما جميعا, لأن ظاهر قوله: " آتِنَا غَدَاءَنَا " إضافة إلى الجميع, أنه أكل هو, وهو جميعا.
ومنها: أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به, وأن الموافق لأمر الله, يعان ما لا يعان غيره لقوله: " لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا " والإشارة إلى السفر المجاوز, لمجمع البحرين.
وأما الأول, فلم يشتك منه التعب, مع طوله, لأنه هو السفر على الحقيقة.
وأما الأخير, فالظاهر أنه بعض يوم, لأنهم فقدوا الحوت حين أووا إلى الصخرة.
فالظاهر أنهم باتوا عندها, ثم ساروا من الغد.
حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه " آتِنَا غَدَاءَنَا " , فحينئذ تذكر أنه نسيه, في الموضع الذي إليه منتهى قصده.
ومنها: أن ذلك العبد الذي لقياه, ليس نبيا, بل عبدا صالحا, لأنه وصفه بالعبودية, وذكر منه الله عليه بالرحمة والعلم, لم يذكر رسالته ولا نبوته, ولو كان نبيا, لذكر ذلك, كما ذكره غيره.
وأما قوله في آخر القصة " وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي " فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث, كما يكون لغير الأنبياء, كما قال تعالى " وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ " , " وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا " .
ومنها: أن العلم الذي يعلمه الله لعباده نوعان.
علم مكتسب يدركه العبد بجده واجتهاده.
ونوع علم لدني, يهبه الله لمن يمن عليه من عباده لقوله " وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا " .
ومنها: التأدب مع المعلم, وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب, لقول موسى عليه السلام: " هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا " فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة, وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا, وإقراره بأنه يتعلم منه.
بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر, الذين لا يظهرون للمعلم افتقارهم إلى علمه بل يدعون أنه يتعاونون هم وإياه, بل ربما ظن أحدهم أنه يعلم معلمه, وهو جاهل جدا.
فالذل للمعلم, وإظهار الحاجة إلى تعليمه, من أنفع شيء للمتعلم.
ومنها تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه فإن موسى - بلا شك - أفضل من الخضر.
ومنها: تعلم العلم الفاضل, للعلم الذي لم يتمهر فيه, ممن مهر فيه, وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة.
فإن موسى عليه السلام من أولي العزم من المرسلين, الذين منحهم الله, وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم, ولكن في هذا العلم الخاص, كان عند الخضر, ما ليس عنده, فلهذا حرص على التعلم منه.
فعلى هذا, لا ينبغي للفقيه الحدث, إذا كان قاصرا في علم النحو, أو الصرف, أو نحوهما من العلوم, أن لا يتعلمه ممن مهر فيه, وإن لم يكن محدثا ولا فقيها.
ومنها: إضافة العلم وغيره من الفضائل, لله تعالى, والإقرار بذلك, وشكر الله عليها لقوله: " تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ " أي: مما علمك الله تعالى.
ومنها: أن العلم النافع, هو العلم المرشد إلى الخير, فكل علم يكون فيه رشد وهداية لطريق الخير, وتحذير عن طريق الشر, أو وسيلة لذلك, فإنه من العلم النافع.
وما سوى ذلك, فإما أن يكون ضارا, أو ليس فيه فائدة لقوله: " أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا " .
ومنها: أن من ليس له قوة الصبر على صحبة العالم والعلم, وحسن الثبات على ذلك, أنه ليس بأهل لتلقي العلم.
فمن لا صبر له, لا يدرك العلم, ومن استعمل الصبر ولازمه, أدرك به كل أمر سعى فيه, لقول الخضر - يعتذر عن موسى بذكر المانع لموسى في الأخذ عنه: إنه لا يصبر معه.
ومنها: أن السبب الكبير لحصول الصبر, إحاطة الإنسان علما وخبره, بذلك الأمر, الذي أمر بالصبر عليه.
وإلا فالذي لا يدريه, أو لا يدري غايته ولا نتيجته, ولا فائدته وثمرته ليس عنده سبب الصبر لقوله: " وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا " .
فجعل الموجب لعدم صبره, وعدم إحاطته خبرا بالأمر.
ومنها: الأمر بالتأني والتثبت, وعدم المبادرة إلى الحكم على الشيء, حتى يعرف ما يراد منه وما هو المقصود.
ومنها: تعليق الأمور المستقبلية التي من أفعال العباد بالمشيئة, وأن لا يقول الإنسان للشيء: إني فاعل ذلك في المستقبل, إلا أن يقول " إِنْ شَاءَ اللَّهُ " .
ومنها: أن العزم على فعل الشيء, ليس بمنزلة فعله, فإن موسى قال: " سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا " فوطن نفسه على الصبر ولم يفعل.
ومنها: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم, أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء, حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها, فإن المصلحة تتبع.
كما إذا كان فهمه قاصرا, أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها, أو لا يدركها ذهنه, أو يسأل سؤالا, لا يتعلق بموضع البحث.
ومنها: جواز ركوب البحر, في غير الحالة التي يخاف منها.
ومنها: أن الناسي غير مؤاخذ بنسيانه لا في حق الله, ولا في حقوق العباد لقوله: " لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ " .
ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأخذ من أخلاق الناس ومعاملاتهم, العفو منها, وما سمحت به أنفسهم, ولا ينبغي له أن يكلفهم ما لا يطيقون, أو يشق عليهم, ويرهقهم, فإن هذا, مدعاة إلى النفور منه والسآمة, بل يأخذ المتيسر, ليتيسر له الأمر.
ومنها: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها, وتعلق بها الأحكام الدنيوية, في الأموال, والدماء وغيرها.
فإن موسى عليه السلام, أنكر على الخضر خرقه السفينة, وقتل الغلام, وأن هذه الأمور ظاهرها, أنها من المنكر.
وموسى عليه السلام لا يسعه السكوت عنها, في غير هذه الحال, التي صحب عليها الخضر.
فاستعجل عليه السلام, وبادر إلى الحكم في حالتها العامة, ولم يلتفت إلى هذا العارض, الذي يوجب عليه الصبر, وعدم المبادرة إلى الإنكار.
ومنها: القاعدة الكبيرة الجليلة وهو أنه " يدفع الشر الكبير بارتكاب الشر الصغير " ويراعي أكبر المصلحتين, بتفويت أدناهما.
فإن قتل الغلام شر, ولكن بقاءه حتى يفتن أبويه عن دينهما, أعظم شرا منه.
وبقاء الغلام من دون قتل وعصمته, وإن كان يظن أنه خير, فالخير ببقاء دين أبويه, وإيمانهما, خير من ذلك, فلذلك قتله الخضر.
وتحت هذه القاعدة من الفروع والفوائد, ما لا يدخل تحت الحصر.
فتزاحم المصالح والمفاسد كلها, داخل في هذا.
ومنها القاعدة الكبيرة أيضا وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره, إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة, أنه يجوز, ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله, إتلاف بعض مال الغير, كما خرق الخضر السفينة لتعيب, فتسلم من غصب الملك الظالم " .
فعلى هذا لو وقع حرق, أو غرق, أو نحوهما, في دار إنسان أو ماله, وكان إتلاف بعض المال, أو هدم بعض الدار, فيه سلامة للباقي, جاز للإنسان بل شرع له ذلك, حفظا لمال الغير.
وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير, ودفع إليه إنسان بعض المال, إفتداء للباقي, جاز ولو من غير إذن.
ومنها: أن العمل يجوز في البحر, كما يجوز في البر لقوله: " يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ " ولم ينكر عليهم عملهم.
ومنها: أن المسكين قد يكون له مال لا يبلغ كفايته, ولا يخرج بذلك عن اسم المسكنة, لأن الله أخبر أن هؤلاء المساكين, لهم سفينة.
ومنها: أن القتل من أكبر الذنوب لقوله في قتل الغلام " لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا " .
ومنها: أن القتل قصاصا غير منكر لقوله " بِغَيْرِ نَفْسٍ " .
ومنها: أن العبد الصالح يحفظه الله, في نفسه, وفي ذريته.
ومنها: أن خدمة الصالحين, أو من يتعلق بهم, أفضل من غيرها, لأنه علل استخراج كنزهما, وإقامة جدارهما, بأن أباهما صالح.
ومنها: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ.
فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله " فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا " .
وأما الخير, فأضافه إلى الله تعالى لقوله: " فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ " .
كما قال إبراهيم عليه السلام " وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ " .
وقالت الجن: " وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا " مع أن الكل بقضاء الله وقدره.
ومنها: أنه ينبغي للصاحب أن لا يفارق صاحبه, في حالة من الأحوال, ويترك صحبته, حتى يعتبه, ويعذر منه, كما فعل الخضر مع موسى.
ومنها: أن موافقة الصاحب لصاحبه, في غير الأمور المحذورة, مدعاة, وسبب لبقاء الصحبة, وتأكدها, كما أن عدم الموافقة, سبب لقطع المرافقة.

" ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا " (83)
كان أهل الكتاب أو المشركون, سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قصة ذي القرنين.
فأمره الله أن يقول: " سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا " فيه نبأ مفيد, وخطاب عجيب.
أي: سأتلوا عليكم من أحواله, ما يتذكر فيه, ويكون عبرة.
وأما ما سوى ذلك من أحواله, فلم يتله عليهم.

" إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا " (84)
" إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ " أي: ملكه الله تعالى, ومكنه من النفوذ في أقطار الأرض, وانقيادهم له.
" وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا " أي: أعطاه الله من الأسباب الموصلة له, لما وصل إليه, ما به يستعين على قهر البلدان, وسهولة الوصول إلى أقاصي العمران.
وعمل بتلك الأسباب, التي أعطاه الله إياها, أي: استعملها على وجهها.
فليس كل من عنده شيء من الأسباب يسلكه, ولا كل أحد يكون قادرا على السبب.
فإدا اجتمعت القدرة على السبب الحقيقي, والعمل به, حصل المقصود, وإن عدما أو أحدهما لم يحصل.
وهذه الأسباب التي أعطاه الله إياها, لم يخبرنا الله ولا رسوله بها, ولم تتناقلها الأخبار على وجه يفيد العلم, فلهذا, لا يسعنا غير السكوت عنها, وعدم الالتفات لما يذكره النقلة للإسرائيليات ونحوها.
ولكننا نعلم بالجملة, أنها أسباب قوية كثيرة, داخلية وخارجية, بها صار له جند عظيم, ذو عدد وعدد ونظام.
وبه تمكن من قهر الأعداء, ومن تسهيل الوصول إلى مشارق الأرض ومغاربها, وأنحائها.
فأعطاه الله, ما بلغ به مغرب الشمس, حتى رأى الشمس في مرأى العين, كأنها تغرب في عين حمئة, أي: سوداء, وهذا هو المعتاد لمن كان بينه وبين أفق الشمس الغربي ماء, رآها تغرب في نفس الماء وإن كانت في غاية الارتفاع, ووجد عندها, أي: عند مغربها قوما.
" قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا " أي: إما أن تعذبهم, بقتل, أو ضرب, أو أسر ونحوه, وإما أن تحسن إليهم فخير بين الأمرين, لأن الظاهر أنهم كفار, أو فساق, أو فيهم شيء من ذلك.
لأنهم لو كانوا مؤمنين غير فساق, لم يرخص في تعذيبهم.
فكان عند ذي القرنين, من السياسة الشرعية, ما استحق به المدح والثناء, لتوفيق الله له لذلك, فقال: سأجعلهم قسمين.

" قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا " (87)
" أَمَّا مَنْ ظَلَمَ " بالكفر " فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا " أي: تحصل له العقوبتان, عقوبة الدنيا, وعقوبة الآخرة.
" وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا " (88)
" وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى " أي: فله الجنة والحالة الحسنة عند الله جزاء يوم القيامة.
" وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا " أي: وسنحسن إليه, ونلطف له بالقول, ونيسر له المعاملة.
وهذا يدل على كونه من الملوك الصالحين الأولياء, العادلين العالمين, حيث وافق كل مرضاة الله في معاملة كل أحد, بما يليق بحاله.

" حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " (90)
أي لما وصل إلى مغرب الشمس كر راجعا, قاصدا مطلعها, متبعا للأسباب, التي أعطاه الله.
فوصل إلى مطلع الشمس فـ " وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا " أي: وجدها تطلع على أناس ليس لهم ستر من الشمس.
إما لعدم استعدادهم في المساكن, وذلك لزيادة همجيتهم وتوحشهم, وعدم تمدنهم.
وإما لكون الشمس, دائمة عندهم, لا تغرب غروبا يذكر, كما يوجد ذلك في شرقي أفريقيا الجنوبي.
فوصل إلى موضع انقطع عنه علم أهل الأرض, فضلا عن وصولهم إليه بأبدانهم.
ومع هذا, فكل هذا بتقدير الله له, وعلمه به ولهذا قال " كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا " بما عنده من الخير والأسباب العظيمة وعلمنا معه, حيثما توجه وسار.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 04-01-2020, 04:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (296)
تفسير السعدى
سورة الكهف
من الأية(91) الى الأية(100)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة الكهف


" ثم أتبع سببا " (92)




" ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ " قال المفسرون: ذهب متوجها من المشرق, قاصدا للشمال, فوصل إلى ما بين السدين, وهما سدان, كانا معروفين في ذلك الزمان.
سدان من سلاسل الجبال, المتصلة يمنة ويسره حتى تتصل بالبحار, بين يأجوج ومأجوج وبين الناس.
وجد من دون السدين قوما, لا يكادون يفقهون قولا, لعجمة ألسنتهم, واستعجام أذهانهم وقلوبهم.
وقد أعطى الله ذا القرنين من الأسباب العلمية, ما فقه به ألسنة أولئك القوم وفقههم, وراجعهم, وراجعوه.
فاشتكوا إليه ضرر يأجوج ومأجوج, وهما: أمتان عظيمتان من بني آدم فقالوا

" قالوا يا ذا القرنين إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا " (94)
" إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ " بالقتل وأخذ الأموال وغير ذلك.
" فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا " أي جعلا " عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا " ودل ذلك على عدم اقتدارهم بأنفسهم, على بنيان السد, وعرفوا اقتدار ذي القرنين عليه, فبذلوا له أجرة, ليفعل ذلك, وذكروا له السبب الداعي, وهو: إفسادهم في الأرض.
فلم يكن ذو القرنين ذا طمع, ولا رغبة في الدنيا, ولا تاركا لإصلاح أحوال الرعية.
بل قصده الإصلاح, فلذلك أجاب طلبتهم, لما فيها من المصلحة, ولم يأخذ منهم أجرة, وشكر ربه على تمكينه واقتداره, فقال لهم:

" قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما " (95)
" مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ " أي: مما تبذلون لي وتعطوني, وإنما أطلب منكم أن تعينوني بقوة منكم بأيديكم " أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا " أي: مانعا من عبورهم عليكم.
" آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا " (96)
" آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ " أي: قطع الحديد, فأعطوه ذلك.
" حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ " أي: الجبلين اللذين بني بينهما السد " قَالَ انْفُخُوا " أي: أوقدوها إيقادا عظيما, واستعملوا لها المنافيخ, لتشتد, فتذيب النحاس.
فلما ذاب النحاس, الذي يريد أن يلصقه بين زبر الحديد " قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا " أي: نحاسا مذابا.
فأفرغ عليه القطر, فاستحكم السد استحكاما هائلا, وامتنع له من وراءه من الناس, من ضرر يأجوج ومأجوج.

" فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا "(97)
" فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا " أي: فما لهم استطاعة, ولا قدرة على الصعود عليه, لارتفاعه, ولا على نقبه لإحكامه وقوته.
" قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا " (98)
فلما فعل هذا الفعل الجميل والأثر الجليل, أضاف النعمة إلى موليها وقال: " هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي " أي: من فضله وإحسانه عليَّ.
وهذه حال الخلفاء والصالحين, إذا من الله عليهم بالنعم الجليلة, ازداد شكرهم وإقرارهم, واعترافهم بنعمة الله كما قال سليمان عليه السلام, لما حضر عنده عرش ملكة سبأ, مع البعد العظيم قال: " هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ " بخلاف أهل التجبر والتكبر, والعلو في الأرض فإن النعم الكبار, تزيدهم أشرا وبطرا.
كما قال قارون لما آتاه الله من الكنوز, ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة قال: " إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي " وقوله: " فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي " أي: لخروج يأجوج ومأجوج " جَعَلَهُ " أي: ذلك السد المحكم المتقن " دَكَّاءَ " أي: دكه فانهدم, واستوى هو والأرض " وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا " .

" وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا " (99)
" وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ " يحتمل أن الضمير, يعود إلى يأجوج ومأجوج.
وأنهم إذا خرجوا على الناس من كثرتهم واستيعابهم للأرض كلها - يموج بعضهم ببعض, كما قال تعالى " حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ " .
ويحتمل أن الضمير يعود إلى الخلائق يوم القيامة, وأنهم يجتمعون فيه فيكثرون ويموج بعضهم ببعض, من الأهوال والزلازل العظام, بدليل قوله: " وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ " إلى " لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا " أي: إذا نفخ إسرافيل في الصور, أعاد الله الأرواح إلى الأجساد, ثم حشرهم, وجمعهم لموقف القيامة, الأولين منهم والأخرين, والكافرين والمؤمنين, ليسألوا ويحاسبوا ويجزوا بأعمالهم.
فأما الكافرون على اختلافهم فإن جهنم جزاؤهم, خالدين فيها أبدا.

" وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا " (100)
ولهذا قال: " وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا " كما قال تعالى: " وإذا الجحيم برزت " أي: عرضت لهم لتكون مأواهم ومنزلهم, وليتمتعوا بأغلالها وسعيرها, وحميمها, وزمهريرها, وليذوقوا من العقاب, ما تبكم له القلوب, وتصم الآذان, وهذا آثار أعمالهم, وجزاء أفعالهم.
فإنهم في الدنيا " كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي " أي: معرضين عن الذكر الحكيم, والقرآن الكريم, وقالوا: " قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ " .
وفي أعينهم أغطية تمنعهم من رؤية آيات الله النافعة كما قال تعالى: " وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ " .
" وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا " أي: لا يقدرون على سمع آيات الله الموصلة إلى الإيمان, لبغضهم القرآن والرسول.
فإن المبغض, لا يستطيع أن يلقي سمعه إلى كلام من أبغضه.
فإذا انحجبت عنهم طرق العلم والخير, فليس لهم سمع ولا بصر, ولا عقل نافع فقد كفروا بالله, وجحدوا آياته, وكذبوا رسله, فاستحقوا جهنم, وساءت مصيرا.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 08-01-2020, 05:38 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (298)
تفسير السعدى
سورة مريم
من الأية(1) الى الأية(10)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة مريم


" ذكر رحمة ربك عبده زكريا " (2)
أي: هذا " ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا " سنقصه عليك, ونفصله تفصيلا, يعرف به حالة نبيه زكريا, وآثاره الصالحة, ومناقبه الجميلة.
فإن في قصها عبرة للمعتبرين, وأسوة للمقتدين.
ولأن في تفصيل رحمته لأوليائه, وبأي سبب حصلت لهم, مما يدعو إلى محبة الله تعالى, والإكثار من ذكره ومعرفته, والسبب الموصل إليه.
وذلك أن الله تعالى, اجتبى واصطفى, زكريا عليه السلام لرسالته, وخصه بوحيه.
فقام بذلك قيام أمثاله من المرسلين, ودعا العباد إلى ربه, وعلمهم ما علمه الله, ونصح لهم في حياته وبعد مماته, كإخوانه من المرسلين, ومن اتبعهم.
فلما رأى من نفسه الضعف, وخاف أن يموت,.
ولم يكن أحد ينوب منابه في دعوة الخلق إلى ربهم والنصح لهم شكا إلى ربه ضعفه الظاهر والباطن, وناداه نداء خفيا, ليكون أكمل, وأفضل, وأتم إخلاصا فقال:

" قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا " (4)
" رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي " أي: وهى وضعف, وإذا ضعف العظم, الذي هو عماد البدن, ضعف غيره.
" وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا " لأن الشيب دليل الضعف والكبر, ورسول الموت, ورائده, ونذيره.
فتوسل إلى الله تعالى بضعفه وعجزه, وهذا من أحب الوسائل إلى الله, لأنه يدل التبري من الحول والقوة, وتعلق القلب بحول الله وقوته.
" وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا " أي: لم تكن يا رب تردني خائبا ولا محروما من الإجابة.
بل لم تزل بي حفيا, ولدعائي مجيبا.
ولم تزل ألطافك تتوالى علي, وإحسانك واصلا إلي.
وهذا توسل إلى الله, بإنعامه عليه, وإجابة دعواته السابقة.
فسأل الذي أحسن سابقا, أن يتمم إحسانه لاحقا.

" وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا " (5)
" وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي " أي: وإني خفت من يتولى على بني إسرائيل من بعد موتي, أي: لا يقوموا بدينك حق القيام, ولا يدعوا عبادك إليك.
وظاهر هذا, أنه لم ير فيهم أحدا, فيه لياقة للإمامة في الدين.
وهذا فيه شفقة زكريا عليه السلام, ونصحه.
وأن طلبه للولد, ليس كطلب غيره, قصده مجرد المصلحة الدنيوية, وإنما قصده, مصلحة الدين, والخوف من ضياعه, ورأي غيره, غير صالح لذلك.
وكان بيته من البيوت المشهورة في الدين, ومعدن الرسالة, ومظنة للخير.
فدعا الله أن يرزقه ولدا, يقوم بالدين من بعده.
واشتكى أن امرأته عاقر, أي ليست تلد أصلا, وأنه قد بلغ من الكبر عتيا, أي: عمرا يندر معه وجود الشهوة والولد.
" فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا " وهذه الولاية, ولاية الدين, وميراث النبوة والعلم والعمل.

" يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " (6)
ولهذا قال: " يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا " أي: عبدا صالحا ترضاه, وتحببه إلى عبادك.
والحاصل أنه سأل الله ولدا, ذكرا, صالحا, يبق بعد موته, ويكون وليا من بعده, ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه, وهذا أفضل ما يكون من الأولاد.
ومن رحمة الله بعبده, أنه يرزقه ولدا صالحا, جامعا لمكارم الأخلاق, ومحامد الشيم.

" يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا " (7)
فرحمه ربه واستجاب دعوته فقال: " يَا زَكَرِيَّا " إلى " وَعَشِيًّا " أي: بشره الله تعالى على يد الملائكة بـ " يحيى " وسماه الله له " يحيى " .
وكان اسما موافقا لمسماه: يحيا حياة حسية, فتتم به المنة, ويحيا حياة معنوية, وهي حياة القلب والروح, بالوحي والعلم والدين.
" لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا " أي: لم يسم هذا الاسم قبله أحد.
ويحتمل أن المعنى: لم نجعل له من قبل مثيلا ومساميا.
فيكون, بشارة بكماله, واتصافه بالصفات الحميدة, وأنه فاق من قبله ولكن هذا الاحتمال هذا العموم, لا بد أن يكون مخصوصا بإبراهيم, وموسى, ونوح عليهم الصلاة والسلام, ونحوهم, ممن هو أفضل من يحيى قطعا.
فحينئذ لما جاءته البشارة بهذا المولود, الذي طلبه, استغرب وتعجب وقال:

" قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا " (8)
" رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ " والحال أن المانع من وجود الولد, موجود بي وبزوجتي؟ وكأنه وقت دعائه, لم يستحضر هذا المانع, لقوة الوارد في قلبه, وشدة الحرص العظيم على الولد.
وفي هذه الحال, حين قبلت دعوته, تعجب من ذلك, فأجابه الله بقوله:

" قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا " (9)
" كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ " أي: الأمر مستغرب في العادة, وفي سنة الله في الخليقة, ولكن قدرة الله تعالى صالحة لإيجاده بدون أسبابها فذلك هين عليه, ليس بأصعب من إيجاده قبل, ولم يكن شيئا.
" قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا " (10)
" قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً " أي: يطمئن بها قلبي.
وليس هذا شكا في خبر الله, وإنما هو, كما قال الخليل عليه السلام " رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي " فطلب زيادة العلم, والوصول إلى عين اليقين بعد علم اليقين, فأجابه الله إلى طلبته, رحمة به.
" قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا " وفي الآية الأخرى " ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا " .
والمعنى واحد, لأنه تارة يعبر بالليالي, وتارة بالأيام ومؤداها واحد.
وهذا من الآيات العجيبة, فإن منعه من الكلام مدة ثلاثة أيام, وعجزه عنه من غير خرس ولا آفة, بل كان سويا, لا نقص فيه - من الأدلة على قدرة الله الخارقة للعوائد, ومع هذا, ممنوع من الكلام, الذي يتعلق بالآدميين وخطابهم.
وأما التسبيح, والذكر ونحوه, فغير ممنوع منه.
ولهذا قال في الآية الأخرى " وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ " .
فاطمأن قلبه, واستبشر بهذه البشارة العظيمة, وامتثل لأمر الله له, بالشكر, بعبادته وذكره.
فعكف في محرابه, وخرج على قومه منه, فأوحى إليهم.
أي: بالإشارة والرمز " أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا " لأن البشارة بـ " يحيى " في حق الجميع, مصلحة دينية.
" يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا "
دل الكلام السابق, على ولادة يحيى, وشبابه, وتربيته.
فلما وصل إلى حالة يفهم فيها الخطاب, أمره الله أن يأخذ الكتاب بقوة, أي: بجد واجتهاد.
وذلك بالاجتهاد في حفظ ألفاظه, وفهم معانيه, والعمل بأوامره ونواهيه.
هذا تمام أخذ الكتاب بقوة.
فامتثل أمر ربه وأقبل على الكتاب فحفظه وفهمه, وجعل الله فيه من الذكاء والفطنة, ما لا يوجد في غيره ولهذا قال: " وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 08-01-2020, 05:39 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (299)
تفسير السعدى
سورة مريم
من الأية(11) الى الأية(21)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة مريم

" وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا "(13)
وآتيناه أيضا حنانا " مِنْ لَدُنَّا " أي: رحمة ورأفة, تيسرت بها أموره, وصلحت بها أحواله, واستقامت بها أفعاله.
" وَزَكَاةً " أي: طهارة من الآفات والذنوب, فطهر قلبه, وتزكى عقله, وذلك يتضمن زوال الأوصاف المذمومة, والأخلاق الرديئة, وزيادة الأخلاق الحسنة, والأوصاف المحمودة ولهذا قال: " وَكَانَ تَقِيًّا " أي: فاعلا للمأمور, تاركا للمحظور.
ومن كان مؤمنا تقيا, كان لله وليا, وكان من أهل الجنة, التي أعدت للمتقين.
وحصل له من الثواب الدنيوي والأخروي, ما رتبه الله على التقوى.

" وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا " (14)
وكان أيضا برا " بِوَالِدَيْهِ " أي لم يكن عاقا, ولا مسيئا إلى أبويه بل كان محسنا إليهما بالقول والفعل.
" وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا " أي لم يكن متجبرا متكبرا عن عبادة الله, ولا مترفعا على عبادة الله, ولا على والديه.
فجمع بين القيام بحق الله, وحق خلقه, ولهذا حصلت له السلامة من الله, في جميع أحواله مبادئها وعواقبها.

" وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا " (15)
فلذا قال: " وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا " وذلك يقتضي سلامته من الشيطان, والشر, والعقاب في هذه الأحوال الثلاثة وما بينها, وأنه سالم من النار والأهوال, ومن أهل دار السلام.
فصلوات الله وسلامه عليه, وعلى والده, وعلى سائر المرسلين, وجعلنا من أتباعهم, إنه جواد كريم.

" واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا " (16)
لما ذكر قصة زكريا ويحيى, وكانت من الآيات العجيبة, انتقل, منها إلى ما هو أعجب منها, تدريجا من الأدنى إلى الأعلى فقال: " وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ " الكريم " مَرْيَمَ " عليها السلام, وهذا من أعظم فضائلها, أن تذكر في الكتاب العظيم, الذي يتلوه المسلمون, في مشارق الأرض ومغاربها, تذكر فيه بأحسن الذكر, وأفضل الثناء, جزاء لعملها الفاضل, وسعيها الكامل.
أي: واذكر في الكتاب مريم, في حالها الحسنة, حين " انْتَبَذَتْ " أي: تباعدت عن أهلها " مَكَانًا شَرْقِيًّا " أي: مما يلي الشرق عنهم.

" فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا " (17)
" فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا " أي: سترا ومانعا.
وهذا التباعد منها, واتخاذ الحجاب, لتعتزل, وتنفرد بعبادة ربها, وتقنت له في حالة الإخلاص والخضوع, والذل لله تعالى, وذلك امتثال منها لقوله تعالى: " وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ " .
" فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا " وهو: جبريل عليه السلام " فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا " أي: كاملا من الرجال, في صورة جميلة, وهيئة حسنة, لا عيب فيه ولا نقص, لكونها لا تحتمل رؤيته على ما هو عليه.
فلما رأته في هذه الحال, وهي معتزلة عن أهلها, منفردة عن الناس, قد اتخذت الحجاب عن أعز الناس عليها, وأهلها, خافت أن يكون رجلا قد تعرض لها بسوء, وطمع فيها, فاعتصمت بربها, واستعاذت منه فقالت له:

" قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا " (18)
" إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ " أي.
ألتجئ به واعتصم برحمته, أن تنالني بسوء.
" إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا " أي: إن كنت تخاف الله, وتعمل بتقواه, فاترك التعرض لي.
فجمعت بين الاعتصام بربها, وبين تخويفه وترهيبه, وأمره بلزوم التقوى, وهي في تلك الحالة الخالية, والشباب, والبعد عن الناس.
وهو في ذلك الجمال الباهر, والبشرية الكاملة السوية, ولم ينطق لها بسوء, أو يتعرض لها.
وإنما ذلك خوف منها, وهذا أبلغ ما يكون من العفة, والبعد عن الشر وأسبابه.
وهذه العفة - خصوصا مع اجتماع الدواعي, وعدم المانع - من أفضل الأعمال.
ولذلك أثنى الله عليها فقال: " وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا " , " وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ " .

" قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا " (19)
فأعاضها الله بعفتها, ولدا من آيات الله, ورسولا من رسله.
فلما رأى جبريل منها الروع والخيفة, قال: " إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ " أي, إنما وظيفتي وشغلي, تنفيذ رسالة ربي فيك " لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا " .
وهذه بشارة عظيمة بالولد وزكائه, فإن الزكاء, يستلزم تطهيره من الخصال الذميمة, واتصافه بالخصال الحميدة.
فتعجبت من وجود الولد من غير أب فقالت: " أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا " والولد لا يوجد إلا بذلك؟!!.

" قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا " (21)
" قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ " تدل على قدرة الله تعالى, وعلى أن الأسباب جميعها, لا تستقل بالتأثير, وإنما تأثيرها بتقدير الله.
فيرى عباده خرق العوائد في بعض الأسباب العادية, لئلا يقفوا مع الأسباب, ويقطعوا النظر عن مقدرها ومسببها " وَرَحْمَةً مِنَّا " ولنجعله رحمة منا به, وبوالدته, وبالناس.
أما رحمة الله به, فلما خصه الله بوحيه ومن عليه بما من به على أولي العزم.
وأما رحمته بوالدته, فلما حصل لها من الفخر, والثناء الحسن, والمنافع العظيمة.
وأما رحمته بالناس, فإن أكبر نعمه عليهم, أن بعث فيهم رسولا, يتلو عليهم آياته, ويزكيهم, ويعلمهم الكتاب والحكمة, فيؤمنون به, ويطيعونه, وتحصل لهم سعادة الدنيا والآخرة.
" وَكَانَ " أي: وجود عيسى عليه السلام على هذه الحاله " أَمْرًا مَقْضِيًّا " قضاء سابقا, فلا بد من نفوذ هذا التقدير والقضاء, فنفخ جبريل عليه السلام في جيبها.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 08-01-2020, 05:40 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (300)
تفسير السعدى
سورة مريم
من الأية(22) الى الأية(30)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة مريم

" فحملته فانتبذت به مكانا قصيا " (22)
أي: لما حملت بعيسى عليه السلام, خافت من الفضيحة, فتباعدت عن الناس " مَكَانًا قَصِيًّا " .
فلما قرب ولادها, ألجأها المخاض إلى جذع نخلة.
فلما آلمها وجع الولادة, ووجع الانفراد عن الطعام والشراب, ووجع قلبها من قالة الناس, وخافت عدم صبرها, تمنت أنها ماتت قبل هذا الحادث, وكانت نسيا منسيا فلا تذكر.

" فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا " (24)
وهذا التمني بناء على ذلك المزعج, وليس في هذه الأمنية خير لها, ولا مصلحة, وإنما الخير والمصلحة, بتقدير ما حصل فحينئذ سكن الملك روعها وثبت جأشها وناداها من تحتها, لعله من مكان أنزل من مكانها, وقال لها: لا تحزني, أي: لا تجزعي ولا تهتمي فـ " قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا " أي: نهرا تشربين منه.
" وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " (25)
" وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا " أي: طريا لذيذا نافعا " فَكُلِي " من التمر, " وَاشْرَبِي " من النهر " وَقَرِّي عَيْنًا " بعيسى.
فهذا طمأنينتها من جهة السلامة من ألم الولادة, وحصول المأكل والمشرب الهني.

" فكلي واشربي وقري عينا فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا " (26)
وأما من جهة قالة الناس, فأمرها أنها إذا رأت أحدا من البشر, أن تقول على وجه الإشارة: " إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا " أي: سكوتا " فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا " أي: لا تخاطبيهم, بكلام, لتستريحي من قولهم وكلامهم.
وكان معروفا عندهم أن السكوت من العبادات المشروعة.
وإنما لم تؤمر بمخاطبتهم في نفي ذلك عن نفسها لأن الناس لا يصدقونها, ولا فيه فائدة, وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد, أعظم شاهد على براءتها.
فإن إتيان المرأة بولد, من دون زوج ودعواها أنه من غير أحد, من أكبر الدعاوي, التى لو أقيم عليها عدة من الشهود, لم تصدق بذلك.
فجعلت بينة هذا الخارق للعادة, أمرا من جنسه, وهو كلام عيسى في حال صغره جدا, ولهذا قال تعالى: " فَأَتَتْ بِهِ " إلى " أُبْعَثُ حَيًّا "

" فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا " (27)
أي: فلما تعلت مريم من نفاسها, أتت بعيسى قومها تحمله, وذلك, لعلمها ببراءة نفسها وطهارتها, فأتت غير مبالية ولا مكترثة.
فقالوا: " لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا " أي: عظيما وخيما وأرادوا بذلك: البغاء حاشاها من ذلك.

" يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا " (28)
" يَا أُخْتَ هَارُونَ " الظاهر, أنه أخ لها حقيقي, فنسبوها إليه.
" مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا " أي: لم يكن أبواك إلا صالحين سالمين من البشر, وخصوصا هذا البشر, الذي يشيرون إليه.
وقصدهم: فكيف كنت على غير وصفهما؟ وأتيت بما لم يأتيا به؟.
وذلك أن الذرية - في الغالب - بعضها من بعض, في الصلاح وضده.
فتعجبوا - بحسب ما قام بقلوبهم - كيف وقع منها, فأشارت لهم إليه, أي كلموه.

" فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا " (29)
وإنما أشارت لذلك, لأنها أمرت عند مخاطبة الناس لها, أن, تقول: " إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا " .
فلما أشارت إليهم بتكليمه, تعجبوا من ذلك وقالوا: " كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا " لأن ذلك لم تجر به عادة, ولا حصل من أحد في ذلك السن.

" قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " (30)
فحينئذ قال عيسى عليه السلام, وهو في المهد صبي: " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا " فخاطبهم بوصفه بالعبودية, وأنه ليس فيه صفة, يستحق بها أن يكون إلها, أو ابنا للإله, تعالى الله عن قول النصارى المخالفين لعيسى - في قوله " إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ " ومدعون موافقته " آتَانِيَ الْكِتَابَ " أي: قضى أن يؤتيني الكتاب " وَجَعَلَنِي نَبِيًّا " فأخبرهم بأنه عبد الله, وأن الله علمه الكتاب, وجعله من جملة أنبيائه, فهذا من كماله لنفسه.
ثم ذكر تكميله لغيره فقال: " وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ " أي: في أي مكان, وأي زمان.
فالبركة جعلها الله فيَّ من تعليم الخير والدعوة إليه, والنهي عن الشر, والدعوة إلى الله في أقواله, وأفعاله فكل من جالسه, أو اجتمع به, نالته بركته, وسعد به مصاحبه.
" وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا " أي: أوصاني بالقيام بحقوقه, التي من أعظمها الصلاة, وحقوق عباده, التي أجلها الزكاة, مدة حياتي, أي: فأنا ممتثل لوصية ربي, عامل عليها, منفذ لها.
وأوصاني أيضا, أن أبر والدتي فأحسن إليها غاية الإحسان, وأقوم بما ينبغي له, لشرفها وفضلها, ولكونها والدة, لها حق الولادة وتوابعها.
" وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا " أي: متكبرا على الله, مترفعا على عباده " شَقِيًّا " في دنياي وأخراي, فلم يجلعني كذلك بل جعلني مطيعا له خاضعا خاشعا متذللا, متواضعا لعباد الله, سعيدا في الدنيا والآخرة, أنا ومن اتبعني.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 13-01-2020, 12:56 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,991
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير السعدى ___متجدد إن شاء الله

الحلقة (301)
تفسير السعدى
سورة مريم
من الأية(31) الى الأية(40)
عبد الرحمن بن ناصر السعدي

تفسير سورة مريم



" والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا " (33)
فلما تم له الكمال, ومحامد الخصال قال: " وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا " أي: من فضل ربي وكرمه, حصلت لي السلامة يوم ولادتي, ويوم بعثي - من الشر, والشيطان والعقوبة.
وذلك يقتضي سلامته من الأهوال, ودار الفجار, وأنه من أهل دار السلام.
فهذه معجزة عظيمة, وبرهان باهر, على أنه رسول الله, وعبد الله حقا.

" ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون " (34)
أي: ذلك الموصوف بتلك الصفات, عيسى بن مريم, من غير شك ولا مرية.
بل قول الحق, وكلام الله, الذي لا أصدق منه قيلا, ولا أحسن منه حديثا.
فهذا الخبر اليقيني, عن عيسى عليه السلام, وما قيل فيه مما يخالف هذا, فإنه مقطوع ببطلانه.
وغايته أن يكون شكا من قائله لا علم له به, ولهذا قال: " الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ " أي: يشكون فيما يرون بشكهم, ويجادلون بخرصهم فمن قائل عنه: إنه الله, أو ابن الله, أو ثالث ثلاثة, تعالى الله عن إفكهم وتقولهم, علوا كبيرا.

" ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون " (35)
فـ " مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ " أي: ما ينبغي ولا يليق, لأن ذلك من الأمور المستحيلة, لأنه الغني الحميد, المالك لجميع الممالك, فكيف يتخذ من عباده ومماليكه, ولدا؟!! " سُبْحَانَهُ " أي: تنزه وتقدس عن الولد والنقص.
" إِذَا قَضَى أَمْرًا " أي من الأمور الصغار والكبار, لم يمتنع, عليه ولم يستصعب " فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " .
فإذا كان قدره ومشيئته نافذا في العالم العلوي والسفلي, فكيف يكون له ولد؟!!.
وإذا كان إذا أراد شيئا قال له: " كن فيكون " فكيف يستبعد إيجاده عيسى من غير أب؟!!.

" وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " (36)
ولهذا أخبر عيسى أنه عبد مربوب كغيره فقال: " وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ " الذي خلقنا, وصورنا, ونفذ فينا تدبيره, وصرفنا تقديره.
" فَاعْبُدُوهُ " أي: أخلصوا له العبادة, واجتهدوا في الإنابة.
وفي هذا, الإقرار بتوحيد الربوبية, وتوحيد الإلهية, والاستدلال بالأول على الثاني.
ولهذا قال: " هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ " أي: طريق معتدل, موصل إلى الله, لكونه طريق الرسل وأتباعهم, وما عدا هذا, فإنه من طرق الغي والضلال.

" فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم " (37)
لما بين تعالى حال عيسى بن مريم الذي لا يشك فيها ولا يمتري, أخبر أن الأحزاب, أي: فرق الضلال, من اليهود والنصارى وغيرهم, على اختلاف طبقاتهم - اختلفوا في عيسى عليه السلام, فمن غال فيه وجاف.
فمنهم من قال: إنه الله, ومنهم من قال: إنه ابن الله.
ومنهم من قال: إنه ثالث ثلاثة.
ومنهم من يجعله رسولا, بل رماه بأنه ولد بغي كاليهود.
وكل هؤلاء أقوالهم باطله, وآراؤهم فاسدة, مبنية على الشك والعناد, والأدلة الفاسدة, والشبه الكاسدة, وكل هؤلاء مستحقون للوعيد الشديد, ولهذا قال: " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا " بالله ورسله, وكتبه.
ويدخل فيهم, اليود والنصارى, القائلون بعيسى قول الكفر.
" مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ " أي: مشهد يوم القيامة, الذي يشهده الأولون والآخرون, أهل السماوات, وأهل الأرض, الخالق والمخلوق, الممتلئ بالزلازل والأهوال المشتمل على الجزاء بالأعمال.
فحينئذ يتبين ما كانوا يخفون ويبدون, وما كانوا يكتمون.

" أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين " (38)
" أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا " أي: ما أسمعهم وما أبصرهم في ذلك اليوم؟!.
فيقررون بكفرهم وشركهم وأقوالهم ويقولون: " ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون " ففي القيامة, يستيقنون حقيقة ما هم عليه.
" لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ " وليس لهم عذر في هذا الضلال, لأنهم بين معاند ضال على بصيرة, عارف بالحق, صادف عنه, وبين ضال عن طريق الحق, متمكن من معرفة الحق والصواب, ولكنه راض بضلاله وما هو عليه من سوء أعماله, غير ساع في معرفة الحق من الباطل.
وتأمل كيف قال: " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا " بعد قوله " فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ " .
ولم يقل " فويل لهم " ليعود الضمير إلى الأحزاب, لأن من الأحزاب المختلفين, طائفة أصابت الصواب, ووافقت الحق فقالت في عيسى: " إنه عبد الله ورسوله " فآمنوا به, واتبعوه.
فهؤلاه مؤمنون, غير داخلين في هذا الوعيد, فلهذا خص الله بالوعيد الكافرين.

" وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون "(39)
الإنذار هو: الإعلام بالمخوف على وجه الترهيب, والإخبار بصفاته, وأحق ما ينذر به ويخوف به العباد, يوم الحسرة حين يقضى الأمر, فيجمع الأولون والآخرون في موقف واحد, ويسألون عن أعمالهم.
فمن آمن بالله, واتبع رسله سعد سعادة لا يشقى بعدها.
ومن لم يؤمن بالله ويتبع رسله شقى شقاء لا يسعد بعدها, وخسر نفسه وأهله.
فحينئذ يتحسر ويندم ندامة, تنقطع منها القلوب, وتتصدع منها الأفئدة.
وأي: حسرة أعظم من قوات رضا الله وجنته, واستحقاق سخطه والنار, على وجه لا يتمكن الرجوع, ليستأنف العمل ولا سبيل له إلى تغيير حاله بالعود إلى الدنيا؟!!

" إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون "(40)
فهذا قدامهم, والحال أنهم في الدنيا في غفلة عن هذا الأمر العظيم لا يخطر بقلوبهم, ولو خطر, فعلى سبيل الغفلة, قد عمتهم الغفلة وشملتهم السكرة, فهم لا يؤمنون بالله, ولا يتبعون رسله.
قد ألهتهم دنياهم, وحالت بينهم وبين الإيمان, شهواتهم المنقضية الفانية.
فالدنيا وما فيها, من أولها إلى آخرها, ستذهب عن أهلها, ويذهبون عنها, وسيرث الله الأرض ومن عليها, ويرجعهم إليه, فيجازيهم بما عملوا فيها, وما خسروا فيها أو ربحوا.
فمن عمل خيرا, فليحمد الله, ومن وجد غير ذلك, فلا يلومن إلا نفسه.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء 0 والزوار 4)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 351.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 345.75 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.67%)]