|
|
|
|||||||
| هيا بنا نحفظ القرآن ونرضى الرحمن قسم يختص بحفظ واستظهار كتاب الله عز وجل بالإضافة الى المسابقات القرآنية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#11
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (11) بخاري أحمد عبده بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [آل عمران: 102 - 105]. حذو مثل الآيات يجعل بنا أن نقف فنطيل الوقوف، نصعد خلالها البصر، وننعم بمشهد أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. وسرعان ما نندحر حين تمنع ظلمة الواقع مد البصر، فنرتطم بالحاضر المر الذي يجثم غصة على الصدور كما تجثم الجلطة في الأوعية الدموية. حينئذ ينقلب إليك البصر خاسئًا حسيرًا يتعثر في أشلاء أولئك الذين خلفوا من بعد. وعدنا - في غير وعي -نهمهم بقول الله: ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيْئًا ﴾ [مريم: 59، 60]. وتنداح دوائر الشجون، وتتداعى المعاني فتسرح النفس في خربات أولئك الذين ذكروا (بضم الذال وكسر الكاف المشددة) فنسوا وبدلوا، وعتوا فسيموا سوء العذاب، وغاصوا في أوحال الأدنى وتقطعوا في الأرض أمما. وصحنا - في غير وعي - ما أشبه الليلة بالبارحة، وعدنا نتمتم بقرآن: ﴿ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا[1] قِرَدَةً خَاسِئِينَ * وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ[2] عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ[3] سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ[4] يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيه ﴾ [الأعراف: 166 - 169]. نعم يجمل هنا أن نقف فنطيل الوقوف. فالقرآن - كما علمنا - لا يجذ عطاؤه، ولا تنفذ معانيه، وأنت إذ تنظر فيه بعين زمانك، ووعي عصرك، وحس مشاكلك، تنتثل منه وتنتثل، وتكتشف الجديد، وتظفر بالخرائد الفرائد التي تأسو علل الزمان، وتشخص أدواء الجيل. ولا نزاع في أن من شر العلل التي تجتاح المسلمين علة الشقاق والشتات. ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعوذ بالله من شتات الأمر ووسوسة الصدر استعاذته به سبحانه من عذاب القبر كما روى عنه وإن كان فيه ضعف: (اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، ووسوسة الصدر، وشتات الأمر) وشتات الأمر - فيما أحسب - هو الفردية التي تفك عقال الفؤاد كي يجمح وراء الأهواء، فيتشتت، ويتبع الشعب كلها، ويمسي شعبًا، بكل واد شعبة مصداق حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم. نداء التوحيد: والمؤمن سداه، ولحمته التوحيد. وكل المعاني الإسلامية الأخرى تجود، وتزهو في حمى التوحيد بين السدى واللحمة. والمؤمنون في كنف التوحيد متلاقون تجمعهم وحدة الولاية ووحدة الغاية ووحدة الوسيلة. وبعضهم - في ظل ولاية الله - أولياء بعض، يتلاقون بلا تدابر، ويتعاونون بلا تخاذل ويتناصرون فلا تناحر ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم ﴾ [التوبة: 71]. هكذا بواو الجمع في كل شئونهم ليظل دأبهم التجمع وهمهم المجتمع. والوجود الصحي للمؤمن لا يكمل إلا في إطار الجماعة. فلا فردية إذ الله وحده هو الفرد الصمد. وإذا انفرد المسلم بنفسه، وانفك عن أمته أوشك معين الإيمان فيه أن ينضب، ويغيض، ولذا كان من دعاء النبيين ﴿ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِين ﴾ [الأنبياء: 89]. وإذا شط وبعد اختطف، وانتهب (إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية). ولشدة ارتباط الوحدة بالتوحيد اختلفت رؤية نبيين كريمين إلى مرتبتهما: هارون عليه السلام رأى أن قضية الوحدة حرية بالمراعاة، وأن التصدع يفضي إلى انكشاف وشتات. وأن من شت شذ، ومن شذ شذ في النار. ولذلك خشى أن يكون - من حيث لا يحتسب - معول تفريق، وآثر التريث والتأني في شأن أولئك الذين كفروا واتخذوا العجل. وموسى - عليه السلام - رأى أن الأساس التوحيد فإذا اندك كله، أو بعضه تصدعت سائر الدعائم وانهار البنيان. ولذلك غلى، واشتد وقذف بالزبد، وأخذ برأس أخيه يجره إليه منكرًا عليه ألا يكون حاسمًا حازمًا في قضية حيوية كقضية التوحيد، وأن يقف موقف الرجاء الهين اللين حيال المرتدين ﴿ قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي[5]* قَالَ يَاابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه: 92- 94]. والحق أن التوحيد حبل الله الذي ينتظم المؤمنين جميعًا. فهو بالضروة يجمع، ويوحد، ويرفع إلى أفق رفيع فسيح يؤاخي، ويصهر، ويبرز المؤمنين كل المؤمنين في كينونة واحدة. والتوحيد الذي لا يحقق هذا حري بإعادة النظر فيه كما أن التجمع لا يكون موطد الأركان، سامق الدعائم متبعًا إلا شد على أرضية من توحيد. وظني أن هارون عليه السلام اعتبر الشكل، ونظر إلى وحدة الصف باعتبارها مظهرًا من مظاهر التوحيد، وأن موسى عليه السلام تجاوز الشكل إلى الموضوع فارتاع حين مادت أرضية التوحيد وزلزلت زلزالها. وليست العبرة أبدًا بوحدة الشكل. فالله تعالى قد ذم قومًا استوفوا جوانب المظهر وأفئدتهم خواء 0﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ﴾ [الحشر: 14]. كما عرض سبحانه بفرعة جسام راع مبناهم وضاع معناهم ﴿ وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ﴾ [المنافقون: 4]. إن الإسلام يعني بالمخبر، ولكن لا يغفل المظهر المتاح. فالتماسك الذي يشد المؤمن إلى المؤمن يحكم صلابته أوثق عرا الإيمان من موالاة في الله،وحب في الله، وبغض في الله مصداق ما رواه ابن عباس عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم. والمؤمن في كنف أوثق العرا صحي النزعات، طيب النفس، وطيب النفس النعيم. ومقومات المسلم تلك ترتفع بالمسلمين إلى مستوى القربى، وتقتضي بالضروة المودة في القربى. والمودة في القربى تغذي الانفعال بالقربى، وتفضي إلى مزيد من التآلف والتداني إلى مزيد من قربى ومزيد من مودة يصورها الله تعالى في صورة عائد تقر به عين رسول الله نفسه ﴿ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى ﴾ [الشورى: 23]. والقربى هنا أعم مفهومًا،وأرحب أفقًا. فهي تسع العشيرة الأقربين المعنيين بقول الله ﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ ﴾ [الشعراء: 214]، وتسع مفهوم كلمات (الْقُرْبَى) التي وردت في القرآن مسبوقة بـ (ذي) أو (ذا) أو (ذوي) أو(أولو) أو (أولي) - أو غير مسبوقة، وتسع مفهوم (الأرحام) التي حذر الله من تقطيعها، ومفهوم (أولي الأرحام) الذين جعل الله بعضهم أولى ببعض...الخ. ولا تزال الكلمة تتسع وتمتلئ حتى تنتظم المسلمين قاطبة، فالإسلام رحم بين أهله والمؤمنون كلهم إخوة بمنطوق القرآن، وصريح السنة، وبروح الشريعة الغراء ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: 10]. والمؤمن مطالب أن يدرج مشتملًا بمعاني (القربى) حتى يرقى إلى مقام الأخوة الحقة التي امتن الله بها على العباد ﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران: 103]. وإذا كانت الأخوة نعمة حقيقة بالمن، فإن الانسلاخ عنها، والتفريط فيها، والهوى (بكسرالواو وتشديد الياء) من آفاقها كفر يستنزل سخط الله،ويوجب الهوان والضيق مصداق قول الله: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]. علل تنخر في البنيان وتصدع الأركان: إن المؤمن كي ينعم بحلاوة التوحيد لا بد أن ينخرط في جماعة ممتثلًا لأمر الله ﴿ وَاعْتَصِمُوا ﴾ وكي تخفق ألوية الحق، وينتشر شذى الدين، ويرتفع سناه لا بد أن يتضافر مع جماعة ممتثلًا لأمر الله ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ… ﴾ [آل عمران: 104]. وكي تطيب حياته، وتزكو دنياه،وتعلو أمته لا بد أن يتحرك ضمن جماعة ممتثلًا لأمر الله ﴿ وَتَعَاوَنُوا ﴾ وكل عضو يتحتم عليه أن يصدق النية، ويطهر الذيل، ويستهدف الخير، يذب عن فيلقه حتى لا[6] يردى، أو يقع طعمة للهوام، نهبًا للآفات، عرضة للمزالق. والغريب أنه رغم وضوح المعالم، ونصاعة الهدي تختلط على الناس السبل، ويضلون الطريق، وتفترسهم علل تنخر نخر السوس في الكيان. من هذه العلل: (أ) تراث الطين والأنوية وعشق الذات ورث الناس فيما ورثوا عفن الحمأ المسنون، وضعة الماء المهين. ووجدوا يرشفون في شهوات وأدواء كثيرًا ما تثور فتعصف بالمقومات، وتنسف معالم الطريق. وفي حميا الثورة العارمة التي تغذيها الشهوات، ويذكي أوارها الشيطان، يفلت من خلال الأيدي الحبل الذي يصل بالله، ويكفل العصمة، ويضمن السلامة. وعندئذ يمسي صيدًا سهلًا للشيطان يحنكه بالهوى، ويجرعه خمرته، ويرسله ثملًا متخبطًا فاقد الوزن، نهب الشهوات البينة، والخفية التي يفجرها المنتمى والعنصر المتغير المسنون. وإذا انفجر في الإنسان تراث الطين تكدر صفوه وتغير أمره، واحلولك طريقه إلى الخالق، والخلق. وانفعالًا بتراث الطين استعظم الناس أن يعبدوا ما لا يرى. فرصدوا أجرامًا، ونحتوا أصنامًا، وقدسوا كائنات، وألهوا مخلوقات، وعبدوا شهوات، وسبحوا بحمد الدرهم والدينار، وسكبوا من مشاعرهم المادية على مواقف تعبدية، واختلقوا بدعًا، وعظموا صالحين.. الخ وعلى درب هذه الطبيعة، وانفعالًا بتراث الطين علت صيحات مستويات عليا ﴿ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ [البقرة: 260]، ﴿ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ ﴾ [الأعراف: 143]، وعلت صيحات مستويات وسطى ﴿ اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ ﴾ [الأعراف: 138]، أجعل لنا ذات أنواط وعلت صيحات مستويات دنيا ﴿ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ﴾ [الفرقان: 21]، ﴿ يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا ﴾ [غافر: 36]، ﴿ لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾ [الإسراء: 90]...الخ وانفعالًا بتراث الطين استعظم الإنسان أن يدب فلا يسمع دبيبه، أو يحضر فلا يرى مكانه ولا يحتل الصدارة، أو يعبد فلا تعلم عبادته، أو يعمل فلا يقوم من الناس عمله، أو يجد فلا يقوم على الأرض سعيه. كيف وهو من صلصال كالفخار، ومعدنه الفخاري يصل صليلًا يطلب الإشباع لغريزة حب الظهور الراسخة في أعماقه، ولعاطفة اعتبار الذات التي تقيمه وتقعده. وانفعالًا بتراث الطين جلجلت في التاريخ كلمة (أنا) ودوت ملتهبة مارجة كالنار ﴿ قَالَ أَنَا خَيْرٌ منه ﴾ [الأعراف: 12]، ﴿ قَالَ أَنَا أُحْيِي وأميت ﴾ [البقرة: ٍ258]، ﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِين ﴾ [الزخرف: 52]، ﴿ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا ﴾ [الكهف: 34]. والإسلام إذ يندبنا إلى درجة الإحسان (اعبد الله كأنك تراه...) إنما يشبع نهم الغريزتين ويهدهد من حدتهما حتى لا تستحيلا نارًا ضارية. فالإسلام يرفض أن يكون المسلم دفين ماديته فهو كما علمنا ينتشله من أوحال المادية بالتوحيد، ويكبح جماح غريزة الظهور وعشق الذات فيغلق دون المؤمنين كل دروب الرياء باعتباره شركًا أصغر وشهوة خفية تنذر بالتمزق والمحق ((... طوبى لعبد آخذ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة، إن استئذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع))؛ حديث صحيح. والرسول بهذا الحديث يربي المؤمنين على نكران الذات باعتباره وسيلة عمران، وغاية إسلام. وفي طريق الحد من نزعة عشق الذات تقرأ في الصحيح قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من سمع سمع الله به،ومن يرائي يرائي الله به)). إن ثغرات الرياء منافذ الشيطان إلى القلوب يدنسها، ويوهيها، وإلى الأعمال يحبطها. وهي مسارب الأدواء التي تورث العفن، وتصيب بالتآكل. ولقد تسلل الشيطان من خلال هذه الأدواء إلى الصف، ونفذ إلى النفوس فأفقدها الاتزان، ورفع فوق الرءوس المهتزة السكرى بيارق الأنانية، والأثرة، واللجاج. وطواهم في أكفان الشهوات الخفية. أمسك بخطامهم يدور بهم في فراغ، ويحشرهم في متاهات، ويغريهم كي يبتنوا مساجد ضرار، ويعتلوا منابر ضرار، وينشئوا روابط ضرار وينشطوا أنشطة خوت من كل إخلاص، وشرقت بالذاتية، وفاضت بالشهوة الخفية، وطفحت بكل خبائث الشرك الأصغر، فلا غرو إذا انفصمت العرا، وانحلت العلائق فلا اعتصام ولا انسجام، ولا مودة ولا وئام. [1] وقيت هذه الأمة ذل المسخ المادي، أما المسخ المعنوي الذي يلحق الصفات ويشوه الخلال، وينال من الجلال فهو قائم يتهدد من غفل وحرف وبدل. [2] استغراق في المنع، وكلف بالصغائر، وتمرس بالصغار. [3] استغراق في أحلام كاذبة. [4] نهم لا يشبع، وغرام بالرشا والمكاسب الخبيثة. [5] أمره قوله: ﴿ اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين ﴾. [6] يهلك.
__________________
|
|
#12
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (12) بخاري أحمد عبده الركيزة الثالثة: ﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً ﴾ [التوبة: 69]. لا زِلنا نصعَدُ (أصعد في الأرض: مضى)، ونصْب الأعين آياتنا تلك التي تُقرِّر أنَّ المسلم - مهما اعتلَّ - في رباطٍ مع القادِرين أو خلف القادرين، ما دام فيه عرق يفصح عن قدرةٍ، أو فضل قوَّة، أو فيض حيلة؛ ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 91]. ولقد مضَيْنا - ونحن نغذِّي - (نغذِّي السير وفيه: نسرع) - في السير نحو الآية الرائدة - عبر آيات تذرو الخير، وتشدُّ العضد، وتجري بالمؤمنين يسرًا يسرًا إلى حيث الآيات التي تواكب بأنوارها سيرهم، وتحفُّهم بأعطافها حتى يستقرَّ بهم حول مناهلها الثواء. عبْر آيات توقفك وقفاتٍ متمعِّنة على إدراك الماديِّين؛ حيث تتبيَّن قسماتهم، وتُبصِر مساقطهم، وتربَأ بنفسك عن مثالبهم. والقُرآن بعد ذلك يُغرِي المؤمنين بالتِزام الجادة؛ فلا يَخُوضون المَخاض، ولا يحتَذُون مِثال الضالِّين، ويستقبلك القُرآن بصورةٍ بيِّنة الملامح، بشِعة المصير؛ ﴿ كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [التوبة: 69]. ولأهميَّة هذه الصورة يُحِيل القرآن عُنقَك نحوها، ويشدُّ انتباهَك بالالتفات من أسلوب الغيبة إلى أسلوب المواجهة والخِطاب ﴿ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾، ﴿ أَشَدَّ مِنْكُمْ ﴾، ﴿ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ ﴾، ﴿ وَخُضْتُمْ ﴾. ثم بالعودة إلى أسلوب الغيبة ثانية؛ ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [التوبة: 70]. وفي هذا الالتفات البلاغي مزيدُ إثارةٍ للمؤمنين حتى يَعُوا ويتحصَّنوا بالقِيَم العليا التي تكفل وضوح الرؤية، وصحَّة المسيرة، وصلاح الدارين، ومن مُنطَلق كلِّ القيم العُليَا التي يُغري بها المؤمن تتحقَّق صلابة التصدِّي لأهل الضَّعة من منافقين وكافرين، حتى يحسم الداء ويفرض على الأعداء الذلَّة والصَّغار. هكذا يضرب القُرآن للمسلمين مثلاً اليهود والنصارى؛ مارَسُوا حظَّهم من الدِّين، والتَزَموا بمقدارٍ، ثم خاضوا في آيات الله وحرَّفوا وبدَّلوا، وضيَّعوا وابتَدعوا، والخطاب مُوجَّه - على الأرجح - للمسلمين؛ أخْذًا بما رُوِي في الصحيح عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - عن النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لتتبعنَّ سنن مَن قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخَلتُموه))، قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: ((فمن؟)). واستخدام صِيغة الماضي ﴿ فَاسْتَمْتَعْتُمْ ﴾، ﴿ وَخُضْتُمْ ﴾ فوق أنَّه يُفِيد حتميَّة التحقُّق يُوحِي بأنَّ ذلك وشيكُ الوقوع، ولقد أحسَّ ابن عباس - رضي الله عنهما - بأنَّ الأمر يُوشِك أنْ يبيتهم فصاحَ منزعجًا: "ما أشبه الليلة بالبارحة، هؤلاء بنو إسرائيل شبهنا بهم". وصدَق الله ورسوله؛ فقد خُضنا مُبكِّرين في مَباءات الفتن، وخضنا مُبكِّرين في أسباب الدُّنيا، وخُضنا في قَضايا الدِّين بهوى المارِقين وغَفلة الأنعام، وتعقَّبنا الشياطين حتى جاوَزنا الضَّحضاح الضحل، وغشينا الأعماق، وأشرفنا على الاختناق، ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا ﴾. ووحدة الصنيع تُؤذِن بوحدة المصير، وتنذر بخسران الدنيا والآخِرة؛ ﴿ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ [التوبة: 69]. وأولئك الخاسرون كانوا أقوياء ببنيتهم وازدادوا قوَّةً بما أوتوا وبما ولدوا، وبدل أنْ يرصدوا عوائد هذه القُوَى ذخرًا للدارين أهدَرُوها وأسرَفُوا في المُتَع، وشربوا حتى الثمالة؛ فانحرفوا سَكرَى إلى متاهات شيطانية مودية. وأجيالنا بريادة الماديِّين المترَفين وبتبعيَّة المستضعفين الإمَّعات تسعى - مثل أولئك - إلى حتوفها بأظْلافها، وتبتكر وهي في سكرتها وسائل الدَّمار المادية والمعنوية، التي تَعصِف بالأمن، وتنشر التوتر، وتشيع الشقاء. والقُرآن - بعد ذلك - يُجرِّد من التاريخ أممًا قد خلَتْ أُخِذُوا لما أخلَدُوا إلى الأرض، واستغنوا بحظ العاجلة، وأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا؛ ﴿ أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [التوبة: 70]. وهؤلاء جميعًا أُتِيحت لهم قُوى وأُنعِم عليهم بنعمٍ، فهل أسرعت بهم قُواهم إذ بطَّأ بهم عملهم؟ وإذا كان ذلك مآل مَن مُنِحوا مزيدًا من قوَّة ومن مال وولد فكيف بغيرهم؟ والله - ترشيدًا للسابلة وتبصيرًا لعباده - يضَع المعالم حذو مساقط الأمم التي تبتلع قوافل الغافلين، وتقطعهم عن خلاق الآخرة؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [آل عمران: 77]. ورغم كلِّ معالِم الهُدَى كان من الناس مَن يقول: ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [البقرة: 200 - 201]. وبعد هذا الحديث المستفيض عن قُوَى التعويق وجحافل المعوِّقين الضالين، تعرض السورة وجهًا آخَر للكون، وصورة بيضاء مثل الصفا لآخَرين لم تستَهوِهم المُتَع، ولم يستزلَّهم الشيطان؛ وذلك قول الله: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 71 - 72]. الركيزة الرابعة: وشُكر هذه النعمة الجلي أنْ يظلَّ المؤمن شاكي السلاح، آخِذًا وضْع الاستعداد علقمًا في حُلوق قُوَى الشيطان إلى يوم القيامة، وإيحاء بهذا أغلق له دائرة الحديث بقوله بعد ذلك مباشرةً: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ [التوبة: 73]. فلا شكَّ أنَّ للشيطان وقوده الذي يزكي به ضرام الباطل، وله قُواه التي يصفها ذودًا عن مَرابِضه وعن معاطن حزبه، وللحق كذلك جنوده التي تدفع تلك القُوَى الشيطانيَّة، فسنة الله في الكون أنْ يدفع الناس بعضهم ببعض مصداق قوله - سبحانه -: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ﴾ [البقرة: 251]. وقوله: ﴿ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ﴾ [الحج: 40]، وقوله: ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ﴾ [محمد: 4]. وقوام قوَّة الحق مجتمعٌ نقيٌّ يعمره الإيمان وتسودُه القيم، ويرفع دعائمه تواصٍ بالخير، وتعاهدٌ على الصبر، وتعاون على البر والتقوى، وتآمُر بالمعروف، وتناهٍ عن المنكر، مجتمع يؤمُّه ربانِيٌّ جمَع إلى الدين البصر بالسياسة والقُدرة على تعبئة المُخلِصين يرتق بطاقاتهم كلَّ فتق، ويدفع بهم عناصر الفتنة والشر، ويجاهد معهم الكفار والمنافقين؛ ائتمارًا بقول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ [التوبة: 73]. والجهاد بذْل الجهد في دفْع ما لا يرضي، والصراع المحتدِم بين الحق والباطل يمرُّ بمراحل؛ أدناها جهاد اللسان، وأعلاها الجود بالنفس في مواجهة: (أ) المشركين: ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ﴾ [التوبة: 5]. (ب) أهل الكتاب: ﴿ قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ﴾ [التوبة: 29]. (جـ) والمنافقين: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ ﴾ [التوبة: 73]. (د) والبغاة: ﴿ فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ﴾ [الحجرات: 9]. والمؤمن في ظلِّ أربعة السيوف هذه يظلُّ في رباط يُعبِّئ أو يُخطِّط أو يُموِّل أو ينفذ، يواجه بلا خور جراثيم الشر في المجتمع المسلم ويتصدَّى للعناصر التي تخدع بالشعارات وتخدر بالحلف وتفتن بالبريق ثم تفترس بلا رحمة. فلا عجب إذا أبصرت عبر نداء الجهاد ﴿ جَاهِد ﴾ قُرآنًا يستقصي - في معرض الذم وإثارة المشاعر ضدهم - آثار هوامَّ تزحَفُ بين الصفوف تنفُث السموم يتتبَّعهم حتى يبرزوا بكلِّ ملامحهم؛ جشع وهلع، وانغِماس في المُتَع، وكُفْر وتربص، وخداع ونقض للعهود، وإغراء بالقعود... إلخ . وهؤلاء - وإنْ بدوا أولي طَوْلٍ - أجبن الناس عند اللقاء، وأكثر الناس تشدُّقًا وتطاولاً إذا ما خلَوْا بأرضٍ، تتمثلهم حين تَقرَأ قول الله: ﴿ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ ﴾ [الأحزاب: 19]. وتراهم خِلال قول الله: ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾ [محمد: 20]. وانبعاثًا من وَهْدَةِ الجبن يختلقون الأعذار، وينطَوُون في العلل، ويَلُوذون بالأحجار؛ ﴿ لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [التوبة: 88]. لا يقعد منهم غيرُ أولي الضرر، ولا يرغب أحدٌ بنفسه عن نفس الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - إنْ ضاقتْ بأحدهم مواطن القتال اتَّخَذ مواقف مناسبة خلْف الصفوف، وعَزاؤه قول الله: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ ﴾ [التوبة: 91].
__________________
|
|
#13
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (13) بخاري أحمد عبده بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ * وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ * فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴾ [المسد: 1 - 5].الآيات - بالنظرة الأولى - تُنذِر بيتَ أبي لهب بسوء المآل، وتُبشِّر بهلاك محقَّق يُحِيق فلا ينفع فيه مال، ولا تُجدِي أعمال، ولا تُغنِي عشيرة ولا نسب، وتصور زوجَيِ السُّوء يغلاَّن في قرنٍ[1] ويَدُعَّان[2] إلى جهنَّم دعًّا؛ حيث يذلُّ كلٌّ منهما ويخزى، وتخرجهما مخرج ابتِذال وهوان. وهي كذلك تُوحِي بأنَّ زوجي السُّوء قد سبق عليهما القول؛ فلا مَجال لأوبةٍ، ولا مطمحٍ في إيمان، ولا رجاء في خلَّة أو شفاعة، وكأنَّ المولى بهذا القرار وبهذا الإعلان المبكِّر يُوحِي إلى رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بمثْل ما أوحى إلى نوح: ﴿ لَنْ يُؤْمِنَ... فَلَا تَبْتَئِسْ ﴾ [هود: 36]، ﴿ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ [هود: 37]، ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ [هود: 46]، ﴿ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [هود: 48]. ذلك محصلة النظرة الأولى، ولكنَّ القرآن معجز، ومن إعجازه أنَّه يُعطِي عطاءً غير مجذوذ، وأنَّ مُقتَطفاته خالدة لا يُدرِكها بِلًى، ثرَّة[3] لا يلحقها نُضوب، ريَّانة لا يَعتَرِيها ذُبول، مُثمِرة أبدًا، ومواقفه - برغم قدمها، وتعلُّقها بأشخاص مُعيَّنين - تظلُّ ريَّانة تتقلَّب مع دهرك، وتَعكِس لك من صُوَرِ مُعاصِريك وأحداث عَصرِك ما ترى خِلالها وُجوهًا تعرفها، وأحداثًا تعيشُها، ومشاكي تفيض بالنُّور، ومَواطِن تَغُوص في الظُّلمة، وبِقاعًا ترفل في الخير، ومراجل تغلي بالعَلْقَم، وتتوقَّد تحتَها النار، ودُعاة مِن ورَثَة الأنبياء، يبلون المر، ويتجرَّعون الصاب، ويلقون ما يلقون وهم ينشدون: إِنَّ الَّذِي خَلَقَ الحَقِيقَةَ عَلْقَمًا ![]() لَمْ يُخْلِ مِنْ أَهْلِ الحَقِيقَةِ جِيلاَ ![]() وَلَرُبَّمَا قَتَلَ الغَرَامُ رِجَالَهَا ![]() قُتِلَ الغَرَامُ كَمِ اسْتَبَاحَ قَتِيلاَ ![]() ومن شواهد العطاء الذي لا ينفد، هذه السورة الفريدة في القُرآن، التي كثيرًا ما نَتجاوَز إلى غيرها؛ ظانِّين أنها تُصوِّر مَوقِفًا ساكِنًا سجَّلت السماء فيه ضَلال العمومة، وعنت العشيرة الأقربين، أو أنها تُعالِج تصرُّفًا اقتَضَى التنديد، والتهديد، والتشهير؛ حتى يكون صاحبه عبرةً ومثلًا للآخِرين، أو أنها نص حكمٍ استثنائي اقتضَتْه ظُروفٌ سلَفتْ، ولن تتكرَّر. والحقُّ أنَّ السورة رغْم جوِّها الذي يبدو شخصيًّا، تحوي من مشاهد الدُّنيا، وحقائق الآخِرة معاني ننتثل منها جهد الطاقة، ووسع البصيرة، ويَبقَى بعد كلِّ ذلك مزيدٌ لمستزيد. فقصة هذه العمومة الضالَّة تُذكِّر بمثلٍ في الأوَّلين يجمع بين برِّ البنوَّة، وفَظاظة الأبوَّة، ويتلو عليه من سِيرة إبراهيم - عليه السلام - قول الله: ﴿ وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا ﴾ [مريم: 41 - 47]. وتذكر بنزغ الشيطان بين يوسف وإخوته، وكيف لعب ببني يعقوب حتى اجترَؤُوا على يعقوب، وتقرأ في ذلك من سورة يوسف قوله - سبحانه -: ﴿ إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ * قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ ﴾ [يوسف: 8 - 10]. وتذكر بامرأة نوح وامرأة لوط، وكلُّ هذه كانت هزَّات في بيوت نبوَّة، ولكنَّها لم تبلغ في إيجابيَّتها ما بلَغ شأن أبي لهب. قصَّة تلك العُمومة الضالَّة تُثِير - ضِمن ما تُثِير - حقيقة أنَّ المؤمنين إخوة، وأنَّ الإسلام رحمٌ بين أهله، وأنَّ كلَّ مَن احتلَّ في دولة الإسلام الصدارة، وتبوَّأ المركز الأسمى ملكًا كان أو رئيسًا، أو أميرًا، فهو أبٌ، وأخ، وعم، فإنِ استبدَّ وعطل، أو صدَّ وتعلل، أو استميل فمال وانطوى، كان في موقعه الذي هو فيه أبا لهب، وصارَ في زُمرة اللهبيين إلى تباب. ويَقِيني أنَّ الله أحكَمَ هذه السورة، وأثبَتَها كي تذهب مثلاً يعتبر به كلُّ مَن عادَى ما أنزل الله اغتنامًا للفرصة، أو جلبًا للجاه، أو إبقاءً على السلطة، أو تحبُّبًا للسلطان، أو مُطاوَعة للهوى، أو إيثارًا للمألوف أو اغتِرارًا بالصولة، أو اعتِدادًا بالقوَّة ونفخة الشيطان، أو انبِهارًا بما أُتِيح له من زينة الحياة الدنيا. والسورة إذ تُسجِّل موقف زوجي السوء تُعلِّم الدعاة أنَّ الشيطان - وهو يكيد - قد يدورُ حولك دوراتٍ ماكرة، ويُجنِّد ضدك من داخلك ومن بني جلدتك أسنَّة وأرماحًا، وقنوات يُمزِّق بها الأشلاء، ويقطع بها الأوصال، وقد يتَّخِذُ من أهلك خيولاً تُثِير بسنابكها الغُبار لتكثف الظُّلمة، وتخنق الأنفاس، وقد ينصب منهم دُعاة يحدون إلى أبواب جهنم من أجابهم إليها قذَفُوه في النار، هكذا حتى يتآكَل المسلمون من الداخل، ولقد لقَّن الشيطان أولياءه هذا الأسلوب فمارَسُوه، وأيقَنُوا بالممارسة أنَّ الشجرة لا يقطَعُها إلا فرع منها، عرفوا ونسينا نحن رغم الأحاديث الصحيحة الصريحة التي فصلت لنا هذه القضيَّة ((... هم من جِلدتنا ويتكلَّمون بألسنتنا))، ((... وإنَّ ربي قال: يا محمد... وإنِّي أعطيتك لأمَّتك ألاَّ أهلكهم بسنة عامَّة، وألاَّ أسلِّط عليهم عدوًّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم مَن بأقطارها حتى يكون بعضهم يهلك بعضًا، ويسبي بعضهم بعضًا)). لا محسوبية في الإسلام: والقُرآن إذ يُشهِّر بعمِّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا التشهيرَ المرَّ، يضع قاعدة أنَّه لا محسوبيَّة في الإسلام؛ ذلك لأنَّ أبا لهب لَم يكُنْ أوَّل الكافرين ولا آخِرهم، بل له نُظَراء ربما كانوا أفجَرَ منه وأعتى، ولكنَّ القُرآن خصَّه بالتشهير؛ كي يتَّضح من أوَّل وهلة أنَّ لحمة النسب قد تُحقِّق قُرب مكان، ولكنَّها لا تُحقِّق قُرب مكانة، وأنَّ الحسيب النسيب إذا أجرم لا يفلت في الإسلام من العقاب. ويحضرني في هذا المقام حكمة تتناسَب مع هذه القضية هي قول الشاعر: إِنِّي وَقَتْلِي سُلَيْكًا ثُمَّ أَعْقِلَهُ ![]() كَالثَّوْرِ يُضْرَبُ لَمَّا عَافَتِ الْبَقَرُ ![]() إلاَّ أنَّ أبا لهب هنا ضرب لأنَّه كان في العائقين، وكان يَخُوضُ مع الخائضين. ورابطة الإسلام التي يعتدُّ بها هي رابطة الإيمان التي تُورِث الحب؛ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا ﴾ [مريم: 96]، والتي تُوجِب الترابُط والاجتِماع في الله؛ ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ [الكهف: 28]. أمَّا العلاقات الدنيويَّة الدنيا، فإنها تُعادِل في ميزان الإسلام لا شيء، فإذا جرَّت إلى الضلال وأورثت العمى كانت منبوذةً ممنوعةً؛ ﴿ وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ﴾ [العنكبوت: 25]. واستحالَتْ تلك العلاقات يوم الدِّين صياحًا يفري الحشا؛ ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ﴾ [الفرقان: 27 - 28]. والقرآن حريصٌ على أنْ يقرَّ في أذهان المسلمين معنى "لا محسوبية"، وحتى لا يتوهَّم أنَّ هذه القاعدة اخترمت باستغفار إبراهيم لأبيه، يُؤكِّد القاعدة ثم يُبادِر بتعليل ذلك الموقف: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ * وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ﴾ [التوبة: 113 - 114]. والعمدة في هذا الباب قولُ الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ [التوبة: 23 - 24]. وتأكيدًا لهذه المعاني، ونبذًا للصِّلات الدنيا إذا تضاربت مع وَشائج القِيَم، نقرأ في القُرآن ما يُوحِي - في ظنِّي - بأنَّه لا قداسة لتُرابٍ تُغتال فوقه القيم، وتُوءَد الحريَّات، ولا قَداسة لأبوَّة أو بنوَّة أو أخوَّة، تقفُ موقف الحرب أو تُؤثِر جانب السلب وهي ترى دُعاة القيَم وحمَلَة مشاعل الأنبياء يُقصَون، ويُؤذَون، ويُردُّون، ذلك ما أستَوحِيه مِن رفض المولى - سبحانه - أنْ يقسم ببلدٍ يُضارُّ فيها الرسول، وتستحل حرمته، ولا بوالدٍ وولدان تستَقطِبهم الأنوية، أو تستَهوِيهم الفرديَّة، أو تستَعبِدهم النفعيَّة العَمياء، أو تُحرِّكهم الإمعيَّة البَلهاء، أو تشلُّهم السلبيَّة الصفراء؛ فلا يُذِيعون معروفًا ولا يُنكِرون مُنكَرًا، ذلك قول الله: ﴿ لَا أُقْسِمُ [4] بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ [5] بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾ [البلد: 1 - 3]. وانحِطاط أولي القربى الأدنين إلى هذا الدرك شيءٌ يكره العُرف العربي، ولقد قال قائل العرب قديمًا: وَظُلْمُ ذَوِي القُرْبَى أَشَدُّ مَضَاضَةً ![]() عَلَى المَرْءِ مِنْ وَقْعِ الحُسَامِ المُهَنَّدِ ![]() وقال قائلهم حديثًا: وَيْحَ جَنْبِي أَخِي وَيَنْكَأُ جُرْحِي ![]() بِيَدَيْهِ فَمَنْ يَشُدُّ الضّمَادَا ![]() فلا عجب إذًا إذَا رأينا الدِّين يُحتِّم مُفاصَلة هؤلاء، ولكن مع مُوالاتهم بالوعظ، وملاحقتهم بالقول المؤثِّر البليغ؛ مصداق قَوْل الله: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا ﴾ [النساء: 63]. عودٌ إلى أبي لهب: والحقُّ أنَّه لم يُعرَف في العشيرة الأقربين عتلٌّ كأبي لهب، في أذيَّته لابن أخيه، وتنقُّصه له ولدِينه، فلكم بالَغَ في العداوة، ونبا نبوًا بعيدًا، ومِن شواهد هذا: (1) موقفه من الدعوة منذ اللحظة الأولى، فلقد أخرج البخاري عن ابن عباسٍ - رضي الله عنهما - أنَّ النبيَّ خرج إلى البطحاء فصعَدَ الجبل فنادى: ((يا صَباحاه))، فاجتمعتْ إليه قريش فقال: ((أرأيتم إنْ حدَّثتكم أنَّ العدوَّ مُصبحكم، أو ممسيكم أكنتم مصدقيَّ؟))، قالوا: نعم، قال: ((فإنِّي نذيرٌ لكم بين يدي عذاب شديد))، فقام أبو لهب ينفض يديه وهو يقول: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ هكذا في غير اتِّزان، ولا تروٍّ، ولا أناةٍ، ولا عفَّة لسان! وروى أحمدُ والطبَراني عن ابن عباس أنَّه قال: سمعت ربيعة ابن عباد الديلي يقول: إنِّي لمع أبي - رجل شاب - أنظُر إلى رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يتبع القبائل، ووراءه رجلٌ أحول وَضِيء الوجه، ذو جمة[6]، يقفُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على القبيلة فيقول: ((يا بني فلان، إنِّي رسول الله، آمُركم أنْ تعبدوا الله ولا تُشرِكوا به شيئًا، وأنْ تصدقوني، وتمنعوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به))، فإذا فرغ قال الآخَر: يا بني فلان، هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى وحلفاءكم من الجن إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه، فقلت لأبي: مَن هذا؟ قال: عمُّه أبو لهب. وهذا دأب الطُّغاة ينصتون لِخُصومهم، ويَرصُدون حركاتهم، ويخلَعُون عليهم أشنَعَ النُّعوت، وينحلونهم شتَّى الجرائم بَغيًا، يمهِّدون بذلك إلى ما يُبيِّتون من إيذاء وقهر وتصفية، ألم يقل فرعون: ﴿ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ ﴾ [غافر: 26]، ألم يقل الملأ من قومه: ﴿ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ ﴾ [الأعراف: 127]. (2) ولقد شذَّ وحدَه عن بني هاشم يومَ أجمعت الخصوم على مُقاطَعتهم إنْ هم آزَرُوا النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وحالَف عليهم الخصوم، ووقَّع معهم على صحيفة المقاطعة والتجويع والضغط، وطابَ له أنْ يرغد وينعم ويتخم وبنو أبيه يَبِيتون على الطَّوى، ويتقوَّتون بورق الشجر. (3) ومن كيده أنَّه فسَخ خطبة ولدَيْه لبنتي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - كراهيةً وإضرارًا، وإثقالاً على رسول الله. إلى غير ذلك من المُضايَقات وسوء الجوار، وكلها تُنبِئ عن الشذوذ والنفسيَّة المتقيحة التي لا تعرف البرَّ، ولا تنمُّ عن رجولة أو نخوة أو عزَّة. [1] القرن: الحبل. [2] يدفعان. [3] ثرَّة: غزيرة. [4] ظني أنَّ (لا) على بابها نافية وليست مُلغاة أو زائدة. [5] حلٌّ؛ أي: مستباح. [6] الجمة: مجتمع شعر الرأس.
__________________
|
|
#14
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (14) بخاري أحمد عبده قال تعالى: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ * إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [التوبة: 91- 93]. بيئة الآيات: مآذن براءة ترفع عبر الأسماع نداء القوة والقدرة معلنة طول باع المؤمنين مزلزلة معنويات المشركين مجردة إياهم من مكاسب مزعومة تسلطوا عليها حقبا طويلة. ثم تميل بعد ذلك ميلة واحدة على قوى الإرجاف والتثبيط والمكر تستعرض نماذجهم وتندد بمواقفهم وتتوغل في صدورهم تكشف ما تنطوي عليه من شر وتفند ما يسوقون من مفتريات ودعاوى. والسورة بهذا المنهج تشكل بأياتها المتعاطفة بيئة متكاملة كبرى تتراءى عبر الآيات مربية هادية والهدف أن يدرج المؤمن نحو قمته الشماء فطنا واعيا عاضا على دينه مهيمنا على دنياه مستحوذا على أسباب العزة والعلو. وخلال هذه البيئة الكبرى بيئات صغرى تحمل من سمات البيئة الأم وتتميز بالتصوير أوبالتفريع أوبالتركيز على مواقف ذات خطوط معبرة أوعلى معارج أومهاوي أومزالق حرية بالتدبر والتفكير. والبيئة الصغرى التي استبحنا لأنفسنا أن نعرضها معزولة مجردة تعد بعدا من أبعاد البيئة الكبرى وهي كالبيئة الكبرى مترامية الأطراف تمتد في أحاديث مستفيضة عن قوى الخديعة والتربص والتعويق حتى تقذف الوجوه الشائهة بالكفر والفسوق وتجبههم بالتهديد بالأسلوب التلقيني ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ ﴾[التوبة: 53] ثم تمتد إلى قول الله: ﴿ لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى ﴾ [التوبة: 91] إلى قول الله: ﴿ وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ ﴾ [التوبة: 92] إلى قول الله: ﴿ إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ ﴾ [التوبة: 93]. والآيات هنا تلاحق العناصر الهدامة التي تحجل بشعاراتها الكاذبة على الطريق تكيد للإسلام وترشق صرحه بسهام مسمومة. تباغتهم وترصد حركاتهم الدودية النشطة كأنهم الطفيليات تجهد كي تعلق بالجدار وتنفذ إلى القرار تنشط أشد ما يكون النشاط ساعة يهن البنيان ويثقل الجثمان وتتوارى في فترات القوة والصحة متربصة وان طال المدى همها أن تنحر وتنخر وتفري وتغري الكيان وتنفث السموم. والآيات في بيئتها هذه تشحن المؤمنين فطنة ومعرفة ومناعة حتى يعيشوا مبصرين ويواجهوا تلك القوى الغاشمة مخططين مستهدين بكل الآيات التي يدعم بعضها بعضا وتطرق متضافرة عين السبيل فلا عجب اذا ومض في سماوة فكرك وأنت تتدبر آي التوبة مثل قول الله: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليهود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، ﴿ وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ ﴾ [آل عمران: 73]، ﴿ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً ﴾ [النساء: 102]، ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ [النساء: 89]، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾ [آل عمران: 118] ﴿ كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يُرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ ﴾ [التوبة: 8]، ﴿ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [الفتح: 11] إلى غير ذلك من الآيات التي تحلق في الآفاق دون أن تجد المحط الملائم والمستقر الرشيد. أترى هذه المظاهرة الخالدة التي تنظمها هذه الآيات قامت قومتها القرآنية المدوية لتخمد فور أن ينفخ فيها دعى أويوارى شمسها أخرق مغلوب؟ وهل تنمرت الهررة واستنسر البغاث علينا إلا منذ غفلنا عن هدايات مثل هذه الآيات؟ ركائز على الطريق: وآيات البيئة - وهي تبني للمسلمين وتشرح أعراق تلك القوى المفطورة على الخداع المجبولة على اللف متسترة خلف شعارات مخدرة مروجة دعاواها بالإيمان وبالبيان تلو البيان - الآيات تتراءى خلالها ركائز ذات فحوى تجدد صياغة المسلم وتجلو بصيرته وتزكي. وهذه الركائز حرية بدراسة مستقلة ولكنا في هذا المقال نكتفي بأن نرقبها من خلال الآيات التي رفعناها محاور تدور الركائز حولها ومعها مكونة مجموعة شمسية واحدة في الأفق القرآني. الركيزة الأولى: قوامها قول الله تعالى: ﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ * وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ ﴾ [التوبة: 53- 54]. والركيزة الأولى تستهدف تربية المسلم تربية تكسبه مناعة ضد البريق الخاطف المنبعث من كل زهرات الحياة الفانية ومن المتاع القليل بطيبات عجلت لكثيرين في الدنيا تستهدف كسر شرة الاتجاه المادي ومنهج الإسلام أن المال ذخر الدارين وأن منفذ المال إلى الدار الأخرى حسن الصلة بالله وبالناس فمن وهت وشائجه التي تصله بالمولى أوتقطعت أواصره التي تربطه بالناس رمته الشياطين بسهامها فأصمته فكان كالمنبت حرنت (حرن حرانا وقف) نيته وبطأ به عمله فلم يسرع به ماله. والصلة بالله عمادها الصلاة والصلة بالناس قوامها الزكاة والنصح والصلات التي لا ترودها صلاة وزكاة ونصح لا تهب أمنا ولا تورث سكينة ولا تحقق نصرا وفاق قول الله ﴿ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾ [الحج: 40-41]. وكمال التربية يتجلى في قول الله بعد ذلك: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 55] فالقرآن بمثل هذا التوجيه يهز المعايير التي كانت متعارفة ويقر في أذهان المسلمين مفاهيم جديدة فحواها أن التكاثر في الأموال والأولاد فتنة قد تسوء عقباها مصداق قول الله: ﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ﴾ [التغابن: 15]. وسمة المؤمن ألا يتخذ هذه الأعراض موازين فالله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب وقد يضيق على من يحب ويغدق على من لا يحب ولا يجعل ذلك دليل رضوان وخير﴿ أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 55- 56]. وذلك وفاق ما صح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا رأيت الله يعطي العبد من الدنيا رغم معاصيه فاعلم أن ذلك استدراج)) ثم تلا قول الله: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ [الأنعام: 44] واتقاء مضلات الفتن تلك يؤدب الله رسوله والمؤمنين بقوله سبحانه: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ [طه: 131] ولخطورة الأمر وأهمية التوجيه يعيد الله الآية بنصها تقريبا بعد باقة هادية من نفحات ﴿ وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 85]. والفناء في المال يورث فرقا وضعة ويهدر الرجولة ويغري بالتفريط واطراح المكرمات ولذلك نهى عن الافتتان بالمال والولد ثم عقب بما يوحي بهوان المفتونين على الله والناس ﴿ وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ * رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ﴾ [التوبة: 86- 87] (الخوالف هم النساء بالدرجة الأولى ثم الزمنى والضعفاء والرجل الخالف غير النجيب ويقال خلف اللبن حمض وخلف الفم أي تغير ريحه ومنه خلوف فم الصائم). ومفاد كل هذا أن المؤمن أولى به ألا ينبهر برونق وشيك الذبول يصحبه كبد عند الجمع وقلق وقت الحفظ وتوتر عند الاستثمار وحسرة يوم الإنفاق أوالنفوق فلا عجب إذا رأينا الإسلام يرفض التقوقع في المتع ويجعل الفناء في أسباب المادة مصدر تعاسة ((تعس عبد الدرهم)) وطريق ردة ونذير هلاك ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ ﴾ [التوبة: 55]. وانتماء هؤلاء الذين أقصاهم حب المال عن الجادة إلى الملة انتماء كاذب لا روح فيه وليقينهم من كذب نسبتهم إلى الإسلام راحوا يدعمون دعواهم بالشعارات ويدفعون دلائل النفاق التي تطبع وجودهم بدلالة اليمين فرقا من الإفتضاح ﴿ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴾ [البقرة: 9] وهؤلاء الذين يدينون بدين المال يودون - فرارا من تكاليف الإسلام وضعفا عن مواجهة الحقائق وكراهية للمسلمين - لوطوتهم المغارات ووارتهم السراديب والنفق أوابتلعتهم الأرض تمعن تر كل هذه المعاني في قول الله: ﴿ فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ * وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ * لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ ﴾ [التوبة: 55 - 57] ودفين ماله عاشق ذات يرى نفسه في ماله وماله في ذاته فهو محصور بين بعدين بعد النفس وبعد المال إذا تجاوزهما استشعر الغربة والغرابة فجبن وعجز عن المواجهة مستمرئا الهمز واللمز. وقوى ألفت والتخاذل تنبعث من درك المادية وأغوار الجبن همزة ولمزة تشيع السوء وتنال خلسة من الأقدار منفعلة في كل ذلك بجاذبية الطين مبتغية حظ النفس وإشباع الفهم راغبة عن رحاب الله وهدى رسوله ذلك قول الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا ءَاتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ ﴾ [التوبة: 58- 59]. قال قتادة: ((أتى رجل بدوي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقسم ذهبا وفضة فقال يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما عدلت فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ويلك فمن ذا الذي يعدل عليك بعدي؟ ثم قال احذروا هذا وأشباهه في أمتي أشباه هذا يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا خرجوا فاقتلوهم ثم إذا خرجوا فاقتلوهم)). هؤلاء الماثلون في الآيات الملاحقون (الملاحقون تقرأ بفتح الحاء) بأحاديث متعددة هم عبيد المال وأسرى الأهواء لا يغارون من أجل دين ولا يبنون لمجتمع ولا يتحركون نحو أمجاد. والإسلام يربي المؤمن تربية تكفل له الصمود في مواجهة هذه النزعة بآيات وأحاديث تلائم بين النزعات حتى لا تتمزق معانيه أو تنفصم عراه فيغدو- بفعل النفس الجموح - بكل واد شعبة. إن المؤمن منسجم القوى منسق الرغبات متلاقي العواطف ومن قاعدة هذه القوى ينطلق عابدا وداعيا ومجاهدا ومتبوئا مقام الخلافة في الأرض.
__________________
|
|
#15
|
||||
|
||||
|
نفحات قرآنية (15) بخاري أحمد عبده ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. مع أرواح يوم عرفة تنفَتِح السماء على الأرض، فتُقدِّم في صِحافٍ من نُورٍ هُدَى الله، وتتحف بمعاني العزَّة وخير الدارَيْن، وتشحن بقُوَى راشدة سلمتْ من الانفِعالات الدُّنيا المثقَلة بالحقد والبغي والشنآن. وتَجُودُ السماء بسورة المائدة التي تحفل بتلك الصحاف، والتي تَتضافَر آياتها كي تَصنَع المسلم القويَّ السويَّ وتسحَج قُواه، وتُقِيمه على الموضوعيَّة، وتحقنه بترياق البصيرة والأناة والرِّفق؛ كي تَتفاعَل هذه مع ما أُتِيح للمسلم - يومئذٍ - من قوَّة فتنتج العزَّة السمحة، والشدَّة الحانية والسُّلطان الحكيم. بلا ضَرر ولا ضِرار، ولا غَدر ولا خِيانة، ولا تَجَنٍّ ولا شَنآن، بل تعاون بار، وتواصٍ بالخير، وبسط لأجنحة المودَّة، ودفْع بالتي هي أحْسَن. والمائدة بما حَوَتْ من دسم استحقَّت أنْ تكون المئذنة التي ارتفع منها أذان الكمال، وانبعَثَ ألق الوسام الرباني الذي قلدته هذه الأمة، فغمر وهجه الآفاق، وأثار حَفائظ أُوكِيت على الحِقد والحسد والبغض. نعم، مع أرواح يوم عرفة يُطالِعنا موقف رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على ناقته العضباء بعد العصر من يوم الجمعة يستَقبِل مددَ السماء، ويتلقَّى عن الله قولاً ثقيلاً كاد عضد الناقة ينقدُّ من شدَّته[1] حتى بركت، والصحابة من حوله يتلقَّفون - واعين - مَدَدَ الوحي، ويتلون - فيما يتلون - قولَ الله: ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3]. وترسخ الآية بكلِّ أبعادها، ويحسُّ المسلمون - خِلال البشرى - رهبةَ الموقف، وجَسامة المسؤوليَّة، وثقل الأمانة التي أُلقِيت على كواهلهم بهذا الإعلان العظيم، مسؤولية الحركة واليقظة والدأب، صيانةً للوديعة، وحِفاظًا على الكمال، وبثًّا للأريج، ونشرًا للسَّنا، وكسرًا للحواجز... إلخ. والمولى إذ يَبلُو المسلمين بهذه المسؤوليَّة يُعِينهم عليها، فيذكر في السورة حقائق تذودُ وتصونُ وتمنعُ عوامل التآكُل من أنْ تدبَّ إلى الكيان وتنخر في البُنيان. وحقائق تعبد مسالك العزَّة، وتُذكِي أوار الحيويَّة، وتوضح المزالق، وتُصوِّر المزالق؛ حتى يأمن الحماة ويخلد الكمال، وتدوم هيمنة الإسلام. وسام الكمال منحةُ السماء لهذه الأمة في مناسبة رخية الأكتاف، طيِّبة الأكل، فيَّاضة بالرحمات في مناسبة يوم الحج الأكبر. والمنحة وهي تتوهَّج بين حاشيةٍ من الآيات مُقرِّرة الكمال، ممتنَّة بالتمام، مبشِّرة بالرضوان، متضمِّنة هيمنة الإسلام على الأديان، تسلمك إلى: 1- آيات تبسط عواقب السابقين، وتتحدَّث عن آفات طمست على أعينهم حتى استَشرَى الضلال، وغلبت الشقوة، وعربدت جبلة الطين فحرَّفوا وبدَّلوا وابتدَعوا، وخاضوا بعلاتهم غمار الغفلات، واستطابوا الخبائث، ومارَسوا الخيانة والعداوة، والفُجر والغدر؛ ﴿ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [المائدة: 13 - 14]. 2- وآيات تُندِّد بأراذل وهنوا وهانوا، وجبنوا يوم الزحف، وآثَروا السلامة، وأسلَموا المقدَّسات وأعطوا بأيديهم، ونبيهم من خَلفهم يحثُّهم ويغريهم، ويعدهم ويُمنِّيهم، ويُنادي: ﴿ يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ * قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 21 - 26]. 3- وآيات تطرح من الحِساب أدْعياء يلبَسون جلود الضأن من اللين، وقلوبهم قلوب الذئاب، وأشقياء يدعون أنهم على دِين وهم أبعد الناس عن معاييره وقيمه؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ... ﴾ [المائدة: 41 - 42]. 4- وآيات ترتاد بك آفاقَ الأديان وتعرض من حَقائق التوراة ومواعظ الإنجيل ما تعرض، ثم تُؤويك إلى سيِّد الكُتُب مهيمنًا على الشرائع، محيطًا بكلِّ الآفاق، مهيَّأ للقيادة والعبادة والحكم؛ ﴿ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ * وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ * أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 48 - 50]. 5- وآيات تُحذِّر من العماية في تحديد جهة الولاية… وآيات ثم آيات. والقُرآن بهذه الإشارات التي صدَرت بعد أنْ بُوِّئتْ مكانة الكمال، يُحِيطك عِلمًا بالأدواء التي تفتك بالأمم وتنسف المواقع، وتُزَلزل الأركان حتى تتبيَّن وتُحذِّر، ويزيدك علمًا بأعدائك الذين يتحيَّنون حينَك ويستعجلون ساعة سُقوطك حتى تتيقَّظ وتبصر. ذلك إيحاء النسق، ودلالة الآيات اللاحقة لأذان العزَّة والنِّعمة والكمال؛ ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [المائدة: 3]. إيحاء الآيات السابقة: والآيات التي مهَّدت ليوم الكمال تخرط الكيان المسلم، وتسحج الشوائب، وتضَع اللمسات الأخيرة على صرْح سمق وارتَفَع، وأمَّة استَكمَلت - في هدي القرآن - مناهج التربية التي تعد للدارين وتستهدف الحياة الموصولة الممتدَّة حتى الفردوس الأعلى. أمَّة أضحتْ بفضل الإعداد السماوي والتربية القرآنية حرَّةً تملك في حمى الله زمام نفسها، وتُدبِّر في هدى الشرع شؤون ملكها، مكتملة عزيزة في مقدورها أنْ تلاين وتعنف، وأنْ تعدل وتظلم، وأنْ تفي وتغدر. فلا عجب إذا استفتحت السورة بنداء الإيمان الموحِي بالعزَّة والرشد والرزانة ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [المائدة: 1]، ثم ذهبت تدعو إلى الوَفاء، وتحذر من طُغيان الهوى، وتغلب الاتجاه المادي؛ ﴿ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [المائدة: 1]. ولا عجب إذا نَهاك بحقِّ الإيمان عن أنْ تطمس حُدودًا، أو تتعدَّى معالم، أو تُنتَهك حرمة أو تخلُّ بشَعائِر الله وشَرائِع دينه التي أُمِرنا بتعظيمها؛ ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32]. وإذا كان هذا هو حُكم الإيمان في سائر الأحوال ومع عامَّة الناس، فإنَّ لوفود الرحمن وهَدايا الرحمن مزيدَ حُرمة تستَوجِب مزيدَ توصية؛ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ[2] وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ﴾ [المائدة: 2]. وحذَّر أنْ يُفضِي بك العَدْوُ - بفتح العين وسكون الدال - إلى عُدوان، وخشية أنْ تطوح بك شهوة الطراد والقنص إلى خارج المجال الروحاني الوقور، وحتى لا تَنال شوائب المُتَع من جلال الزمان والمكان، يأمُر الله المحرم أنْ يوسع دائرة الأمان حتى يشمل وحوش البريَّة؛ ﴿ وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا ﴾ [المائدة: 2]. وتَمضِي السورة في طريق الإعداد ليوم الكمال فتسمو بالمؤمن أنْ تدعوه قُدرته على الظُّلم، وأنْ تغرَّه قوَّته فيجمع مع دَواعِي الغضب دوافِعَ الثَّأر والانتقام؛ ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ[3] شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ [المائدة: 2]. هكذا يُؤمِّن الله مسيرة الحجيج وفجاج القوافل، وكذلك يشذب قُوَى المؤمنين حتى تكون بنَّاءة عاقلة، فلا صدَّ ولا عُدوان، ولا انتِهاب ولا غبن، ولا استغلال لأحدٍ ممَّن يؤمُّ البيت بل استِئلاف ولُطف تنبسط به النُّفوس، وتشيد بذكره الألسنة؛ فتعظم الدعاية. إنَّ القُرآن وهو يدرج بالمؤمن نحو الذروة يرفَعُ في سماواته شعار: لا عدوانية ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ... ﴾ [المائدة: 2]، ولَمَّا كان العدوان غالبًا ما يتمُّ بطريق التظاهُر أمروا أثر ما نهوا عنه في ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ... ﴾ [المائدة: 2] بالتعاون على كلِّ ما هو من باب البرِّ والتقوى، ومتابعة الأمر، ومجانبة الهوى… إلخ. ودخَل في ذلك ما نحن بصدَدِه من التعاوُن على العفو، والإغضاء عمَّا وقع منهم دُخولاً أوليًّا ثم نهوا عن التعاون في كلِّ ما هو من مقولة الظُّلم والمعاصي، فاندَرَج فيه النهي عن التعاون على الاعتداء والانتقام بالطريق البرهاني[4]. ودخَل في ذلك ما نحن بصدده من التعاون على العفو، والإعضاء والمحارم، وتحرم إعانة المعتدي والعاصي وتكثير سَوادهم، وترويج باطِلهم، والتستُّر على ضَلالاتهم وغيِّهم بوجهٍ من قول أو فعل أو موالاة أو مؤازرة من منطلق النفعيَّة، أو العصبيَّة، أو الحزبية... إلخ. ولأهميَّة قضيَّة التعاون يَقِفُ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حيالها وَقفات مُتأنِّية محيطة تنفَع المؤمنين، من ذلك: 1- ما أخرجه مسلم في "صحيحه" عن النواس بن سمعان قال: سألت رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - عن البرِّ والإثم فقال: ((البرُّ حُسن الخلق، والإثم ما حاكَ في صَدرِك وكرهت أنْ يطَّلع عليه الناس)). 2- وما رواه مسلم عن أبي مسعودٍ البدري - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن دلَّ على خيرٍ فله مثْل أجْر فاعِلِه)). 3- وما رواه مسلمٌ عن أبي هريرة - رضِي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور مَن تَبِعَه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومَن دعا إلى ضَلالةٍ كان عليه من الإثم مثلُ آثام مَن تَبِعَه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا)). 4- وما رواه أحمد والشيخان عن أنس بن مالك - رضِي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((انصُر أخاك ظالمًا أو مظلومًا)) قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلومًا، فكيف أنصره إذا كان ظالمًا؟ قال: ((تحجزه وتمنَعه من الظُّلم، فذاك نصرُك إيَّاه)). 5- وما رواه الطبراني عن أوس بن شرحبيل أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن مشى مع ظالمٍ ليُعِينه وهو يعلم أنَّه ظالم، فقد خرج من الإسلام))؛ رواه الضياء المقدسي أيضًا، وهو ضعيف[5]. ثم تعلو الآيات بهمَّة المسلم أنْ يستَهوِيها سقط المتاع، أو يحطَّ من رفعتها الفرث والدم والميتة والخنزير، وسائر السواقط التي لا تتَّفق مع شمخة المؤمن العزيز: ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ [6] وَالْمُنْخَنِقَة[7] وَالْمَوْقُوذَة [8] وَالْمُتَرَدِّيَة[9] وَالنَّطِيحَةُ[10] وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ[11] وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلاَمِ [12]ذَلِكُمْ فِسْقٌ... ﴾ [المائدة: 3]. لمسات إلهيَّة، وإبراز مستأنف لبعض المحارم على سبيل التذكير والتأكيد، حتى إذا سحجت القلوب، وتهذَّبت الطباع وتهيَّأت لمقامات الكمال منَحَها الله وسامَ الكمال، واستَودَعها دينًا حصينًا منيعَ الجوانب، فيَّاضًا بالهدى والعزَّة. [1] روى الإمام أحمد في "مسنده" عن أسماء بنت يزيد قالت: إني لآخِذةٌ بزِمام العضباء - ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ نزَلتْ عليه المائدة كلها، فكادتْ من ثقلها تدقُّ عنق عضد الناقة. [2] لا تنتَهِكوا حُرمة المناسك، ولا تصدُّوا المتنسكين. [3] لا يحملنَّكم على الجريمة شدَّة بُغض قوم. [4] من "محاسن التأويل" نقلاً عن أبي السعود. [5] انظر: "ضعيف الجامع الصغير"، رقم 5859. [6] ما ذُكِر عليه اسمُ غير الله من صنم أو طاغوت... إلخ. [7] هي التي تموتُ بالخنق قصدًا أو اتفاقًا. [8] الموقوذة: هي التي قُتِلت صدمًا بالخشب ونحوه. [9] هي التي تردَّت وسقطت من حالق. [10] هي التي نطحَتْها أخرى فماتت. [11] ومثل هذا ما ذبح حول الأضرحة وعلى الأعتاب. [12] نهى عن التنجيم ونحوه، وعن ضروب الميسر.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, موقع الرقية الشرعية |