|
|||||||
| فتاوى وأحكام منوعة قسم يعرض فتاوى وأحكام ومسائل فقهية منوعة لمجموعة من العلماء الكرام |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#21
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 296الى صــ 310 الحلقة (21) وأنا حائض» (١). * لا حرج من سؤر الحائض ومؤاكلتها: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنتُ أشرب وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ فيشرب، وأتعرَّق (٢) العَرْق وأنا حائض؛ ثمَّ أناوله النّبيّ - ﷺ -؛ فيضع فاه على موضع فيَّ» (٣). وعن عبد الله بن سعد -رضي الله عنه- قال: «سألت رسول الله - ﷺ - عن مؤاكلة الحائض؟ فقال:»واكِلْها«(٤). قال في»نيل الأوطار«(١/ ٣٥٥):»والحديث يدلّ على جواز مواكلة الحائض. قال الترمذي: وهو قول عامَّة أهل العلم؛ لم يَروا بمواكلة الحائض بأسًا. قال ابن سيد النَّاس في «شرحه»: «وهذا أجمع النَّاس عليه، وهكذا نَقل الإِجماع محمد بن جرير الطبري». وأمَّا قوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النِّساء في المحيض﴾ (٥) فالمراد: اعتزلوا --------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٢٩٥، ومسلم: ٢١٧ (٢) العَرْق: العظم إِذا أُخِذ عنه معظم اللحم، يُقال: عَرَقْتُ العظم واعترقته وتعرَّقُته: إِذا أخذْت عنه اللحم بأسنانك. «النهاية». (٣) أخرجه مسلم: ٣٠٠، وغيره، وتقدم. (٤) أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي «صحيح سنن الترمذي» (١١٤)، وابن ماجه «صحيح سنن ابن ماجه» (٥٣١). (٥) البقرة: ٢٢٢ وطأهنَّ». * الإِجهاض: سواءٌ كان قبل تخلُّق الجنين أو بعده فإِنّه يُعدُّ نفاسًا، والنّفساء كالحائض، لا تصوم ولا تصلّي، ولكنَّها تقضي الصيام دون الصَّلاة (١). * إِذا لم تر المرأة في أيامها الأخيرة من الحيض وقبل طُهرها أثرًا للدّم، ولم تلحظ القصة البيضاء؛ فهي حائض ما دامت في عادتها. * إِذا شعرت المرأة بألم العادة، ولم تَرَ دمًا قبل غروب الشمس؛ فإِنَّها تُتمّ صومها وتؤدّي صلاتها، إِذ الضابط في الحُكم على الحيض رؤيتها الدّم، وكذلك إِذا لم تجزم أنَّ دمها دمُ حيض، فلا يُحكم لها بالحيض حتى تجزم. * إذا اضطرب موعد قدوم الدورة؛ فإِنَّها تنظر إِلى لون الدَّم؛ لأنَّ دم الحيض أسود يُعرف. * كفَّارة من أتى زوجته وهي نفساء ككفّارة من أتاها وهي حائض. * إِذا نزلت نقاط يسيرة من الدَّم من المرأة طوال شهر، فلا شكَّ أنَّها مرَّت في عادتها من الحيض، إِذا لم تكن حاملًا، فهي أدرى بنفسها؛ فيما إِذا كانت معتادة. يعني لها عادة كل شهر، تحيضُ في الأسبوع الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع -فهي وهذه الحالة، تُمسِك عن الصَّلاة والصيام في الأيّام التي -------------------------- (١) استفدتُ هذا إلى آخر الباب من شيخنا -حفظه الله تعالى- من مجالستي له، ومن خلال بعض الاستفسارات، وذكرْتُه هكذا مُلخصًا، والأدلة والتفصيلات مبثوثة داخل الكتاب في العديد من الأبواب، فلم أُعِدها. تقدِّرها أنَّها هي أيَّام الحيض، وسائر الأيام من الشهر، تصلّي وتصوم، لأنَّها مستحاضة. * إِذا رأت المرأة دمًا في أوان عادتها، ولم تَرَه في بعض الأيام؛ فإِنَّه لا يُنظر إِلى انقطاع الدَّم أو استمراره، فهي حائض ما دامت في عادتها، فالمعتادة لا تنظر إِلى استمرار الدَّم أو انقطاعه، فهي حائض وإن لم تَرَ دمًا. * الحُمرة والصُّفرة بعد أيَّام الحيض تُعدّ استحاضة. * لا قيمة للكُدرة التي تراها المرأة إلاَّ في أيَّام الحيض، أمَّا قبل الحيض أو بعده ببضعة أيَّام فلا. * إِذا كانت المرأة حاملًا ثمَّ أُجريت لها عمديَّة جراحية، وأُخرج الطفل دون نزول دم من المكان المعتاد، فإِنَّها لا تمضي عليها أحكام النّفاس، ولا تُعدّ نفساء. * إِذا أُصيبت الحامل بحادث، وأجهضت الجنين، مُصاحبًا ذلك نزيفًا حادًّا؛ فهي نُفَساء. الصَّلاة الصَّلاةُ في اللغة: الدُّعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلِّ عليهم إِنَّ صلاتَكَ سكَنٌ لهم﴾ (١) أي: ادعْ لهم، وقال النّبيّ - ﷺ -:»إِذا دُعي أحدكم فليُجب، فإِن كان مُفطرًا؛ فليطعَم وإِن كان صائمًا؛ فليصلِّ«(٢). وقال الشاعر: تقول بنتي وقد قرَّبت مرتحلا ... يا ربِّ جنّب أبي الأوصاب والوجعا عليك مِثل الذي صليت فاغتمضي ... نومًا فإِنَّ لجنب المرء مضطجعا (٣). ومعناها في اصطلاح الفقهاء: أقوالٌ وأفعالٌ مُفتَتَحةٌ بالتكبير، مختَتَمةٌ بالتسليم، بشرائطَ مخصوصةٍ، وهذا التعريف يشمل كلّ صلاةٍ مفتتحةٍ بتكبيرة الإِحرام، ومختتمةٍ بالسلام، ويخرج عنه سجود التلاوة وهو سجدة واحدة عند سماع آية من القرآن المشتملة على ما يترتّب عليه ذلك السجود من غير تكبير، أو سلام» (٤). جاء في «المغني» (١/ ٣٧٦) (٥): «وهي واجبةٌ بالكتاب والسنَّة والإِجماع، أمَّا الكتاب فقول الله تعالى: ﴿وما أمروا إِلاَّ ليعبدوا الله مخلِصين ---------------------------- (١) التوبة: ١٠٣ (٢) أخرجه مسلم: ١٤٣١، وغيره. (٣) عن كتاب»المغني«(١/ ٣٧٦). (٤)»الفقه على المذاهب الأربعة" (١/ ١٦٠). (٥) بحذف وتصرُّفٍ يسيرين. له الدين حُنفاءَ ويقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزكاة وذلك دين القَيِّمة﴾ (١). وأمَّا السُّنّة؛ فقد ثبَت عن ابن عمر عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «بُني الإِسلام على خمس: شهادةِ أن لا إِله إلاَّ الله وأنَّ محمّدًا رسول الله، وإِقامِ الصَّلاة، وإيتاءِ الزكاة والحجِّ وصومِ رمضان» (٢). وأمَّا الإِجماع؛ فقد أجمعت الأمَّة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة«. فضل الصلاة ومنزلتها في الإِسلام (٣) للصلاة منزلةٌ عظيمةٌ في الإِسلام وقد ورد في ذلك آيات كثيرة والمتتبّع لآيات القرآن الكريم يرى أنَّ الله سبحانه يذكُر الصَّلاةَ ويقرِنُها بالذِّكر تارةً: ﴿إنَّ الصَّلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذِكْر الله أكبر﴾ (٤)، ﴿قدْ أفلحَ من تزكَّى وذكَرَ اسمَ ربِه فصلَّى﴾ (٥)، ﴿وأقم الصَّلاة لذِكْري﴾ (٦). وتارةً يَقرِنُها بالزكاة: ﴿وأقيموا الصَّلاة وآتوا الزكاة﴾ (٧)، ومرّة بالصبر: --------------------------- (١) البيّنة: ٥ (٢) أخرجه البخاري: ٨، ومسلم: ١٦، وغيرهما. (٣) انظر كتابي»الصلاة وأثرها في زيادة الإِيمان وتهذيب النفس". (٤) العنكبوت: ٤٥ (٥) الأعلى: ١٤، ١٥ (٦) طه: ١٤ (٧) البقرة: ١١٠ ﴿واستعينوا بالصَّبر والصَّلاة﴾ (١)، وطورًا بالنُّسك: ﴿فَصَلِّ لرَبِّك وانْحَرْ﴾ (٢)، ﴿قُلْ إِنَّ صلاتي ونُسُكي ومحْيَايَ ومَمَاتي لله رَبِّ العالمينَ لا شريكَ لهُ وبِذَلِكَ أُمرتُ وأنا أوَّل المُسلمِين﴾ (٣). وأحيانًا يفتَتِح بها أعمال البر ويختتمها بها، كما في سورة «المعارج» وفي أول سورة المؤمنين: ﴿قدَ أفلح المُؤمنُون * الذينَ هُم في صلاتهم خاشعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿والذين هُم على صلواتهم يُحافظونَ * أولئكَ هُمُ الوارِثونَ * الذين يرِثونَ الفردوسَ هُم فيها خالدون﴾ (٤). وقد بَلغَ من عناية الإِسلام بالصَّلاة، أنْ أمرَ بالمحافظة عليها في الحضر والسفَر، والأمن والخوف؛ فقال تعالى: ﴿حافظوا على الصَلَوَات والصَّلاة الوُسطى وقوموا لله قانتين * فإِنْ خفتم فَرِجالًا أو رُكبَانًا فإِذا أمنْتم فاذكروا الله كما علَّمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾ (٥)، وقال مُبَيِّنًا كيفيَّتَها في السفر والحرب والأمن: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا * وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا ---------------------- (١) البقرة: ٤٥ (٢) الكوثر: ٢ (٣) الأنعام: ١٦٢، ١٦٣ (٤) المؤمنون: ١ - ١١ (٥) البقرة: ٢٣٨، ٢٣٩ فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا * فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (١). وقد شدَّد النكيرَ على من يُفرِّط فيها، وهدَّد الذين يُضيّعونها. فقال جلَّ شأنه: ﴿فَخَلفَ من بعدهِم خلْفٌ أضاعوا الصَّلاةَ واتَّبعُوا الشّهواتِ فسوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٢)، وقال: ﴿فويلٌ للمُصَلّينَ * الذينَ همْ عنْ صلاتهم ساهون﴾ (٣). ولأنَّ الصَّلاة من الأمور الكبرى التي تحتاجِ إِلى هداية خاصّة، سأَل إِبراهيمِ عليه السلام ربّه، أن يجعله هو وذريّته مقيمًا لها فقال: ﴿رَبِّ اجعلني مُقيم الصَّلاةِ ومن ذُرّيتي ربّنا وتقبَّلْ دُعاء﴾ (٤) «(٥). وقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الصَّلاة وسموّ منزلتها في الدين، منها: ----------------------------- (١) النساء: ١٠١ - ١٠٣ (٢) مريم: ٥٩ (٣) الماعون: ٤، ٥ (٤) إِبراهيم: ٤٠ (٥) انظر كتاب»فقه السنّة" (١/ ٩٠ - ٩٢) للسيد سابق -حفظه الله تعالى-. حديث معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال: «كنتُ مع النّبيّ - ﷺ - في سفَر، فأصبحْتُ يومًا قريبًا منه، ونحن نسير، فقلت: يا رسول الله أخبِرني بعمل يُدخلني الجنَّة، ويباعدني من النَّار، قال: لقد سأَلتَني عن عظيم، وإنَّه ليسير على من يسَّره الله عليه: تعبدُ الله ولا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصَّلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحجّ البيت، ثمَّ قال: ألا أدلّك على أبواب الخير؟ الصوم جُنَّة (١)، والصدقة تُطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النَّار، وصلاة الرجل في جوف الليل، قال: ثمَّ تلا: ﴿تتجافى جُنوبُهم عن المضاجع﴾ حتى بلغ: ﴿يعملون﴾ (٢)، ثمَّ قال: ألا أخبرك برأس الأمر وعَموده، وذِروة سَنامه؟ (٣) قلتُ: بلى يا رسول الله: قال: رأس الأمر الإِسلام وعموده الصَّلاة، وذروة سَنامه الجهاد، ثمَّ قال: ألا أخبرك بملاك ذلك كلِّه؟ قلت: بلى يا نبيّ اللهَ، فأخذَ بلسانه، قال: كُفَّ عليك هذا، فقلتُ: يا نبيّ الله وإِنَّا لمؤاخذون بما نتكلّم به؟ فقال: ثَكِلَتْك (٤) أمّك يا معاذ! وهل يكُبُّ النّاسَ في النَّار على وجوههم أو على مناخرهم إلاَّ حصائدُ ألسنتهم» (٥). ----------------------- (١) أي: يقي صاحبه ما يُؤذيه من الشهوات؛ والجُنّة: الوقاية. «النهاية». (٢) السجدة: ١٦ - ١٧ (٣) الذِّروة: أعلى سَنام البعير، وذِروة كلِّ شيء أعلاه. «النهاية». السَّنام: كُتل من الشحم محدّبة على ظهر البعير والناقة، والسَّنام من كل شيء أعلاه. «الوسيط». (٤) قال في «النهاية» -بحذف-: أي: فقَدَتْك، والثُّكْل: فقْد الولد، والموت يعم كلَّ أحد، فإِذن الدعاء عليه كلا دُعاء ... ويجوز أن يكون من الألفاظ التي تجري على ألسنة العرب، ولا يُراد بها الدعاء كقوله تربت يداك .... (٥) أخرجه الترمذي وابن ماجه وأحمد، وهو حديث صحيح بطُرُقه، خرَّجه شيخنا في «الإرواء» (٤١٣). وعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «أوّل ما يحايسَبُ به العبد يوم القيامة الصَّلاة، فإِن صلحت؛ صلح سائر عمله، وإِنْ فسدت؛ فسد سائر عمله» (١). وعن أبي هريرة أنَّه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: «أرأيتم لو أنَّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كلَّ يوم خمسًا؛ ما تقولُ ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من درنه (٢) شيئًا. قال: فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله به الخطايا» (٣). وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «تحترقون تحترقون (٤)، فإِذا صلّيتم الصُّبحَ غَسَلَتْها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم الظهرَ غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العصر غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صليتم المغرب غَسَلَتها، ثمَّ تحترقون تحترقون، فإِذا صلّيتم العشاء غَسَلَتها، ثمَّ تَنامون فلا يُكتبُ عليكم حتى تَستَيْقظوا» (٥). -------------------------- (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط»، وصححه شيخنا بمجموع طُرُقه في «الصحيحة» (١٣٥٨). (٢) أي: وسخه. (٣) أخرجه البخاري: ٥٢٨، ومسلم: ٦٦٧ (٤) الإِحراق: الإِهلاك، وهو من إِحراق النار. «النهاية». والمراد هنا: استحقاق الهلاك لاقتراف الذنوب والآثام. (٥) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٣٤): رواه الطبراني في «الصغير» و«الأوسط» وإسناده حسن. ورواه في «الكبير» موقوفًا عليه، وهو أشبه، ورواته محتجٌّ بهم في الصحيح، وحسّنه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٥١). وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان أخَوان، فهلكَ أحدهما قبل صاحبه بأربعين ليلة، فَذُكِرَتْ فضيلة الأول منهما عند رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -:»ألم يكن الآخر مسلمًا؛ قالوا: بلى، وكان لا بأس به. فقال رسول الله - ﷺ-: «وما يُدريكم ما بَلَغَتْ به صلاته؟ إِنَّما مثَل الصَّلاةِ كمثل نهرٍ عَذْبٍ غَمْرٍ، بباب أحدكم، يَقْتَحم فيه كلَّ يوم خمس مرات، فما ترَون في ذلك يُبقي من درنه؟ فإِنّكم لا تدرون ما بلَغتْ به صلاته» (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «كان رجلان من بَلِي من -قضاعة- أسلما مع رسول الله - ﷺ -، فاستشهد أحدهما، وأُخِّر الآخرُ سنةً، فقال طلحة بن عبيد الله: فرأيتُ المؤخَّرَ منهما أُدخلَ الجنَّة قبل الشهيد، فتعجّبتُ لذلك، فأصبحتُ، فذكرتُ ذلك للنبي - ﷺ - أو ذُكر لرسول الله - ﷺ - فقال رسول الله - ﷺ -:»أليس قد صام بعده رمضانَ، وصلَّى ستةَ آلاف ركعةٍ، وكذا وكذا ركعةً، صلاةَ سنةٍ؟ «(٢). ------------------------ (١) قال المنذري في»الترغيب والترهيب«(١/ ٢٤٣): رواه مالك واللفظ له، وأحمد بإِسناد حسن، والنسائي وابن خزيمة في»صحيحه«إِلا أنَّه قال: عن عامر بن سعد ابن أبي وقاص قال: سمعتُ سعدًا وناسًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقولون:»كان رجلان أخوان في عهد رسول الله - ﷺ -، وكان أحدهما أفضل من الآخر، فتوفِّي الذي هو أفضلهما، ثمَّ عُمِّر الآخرُ بعده أربعين ليلة، ثمَّ توفّي، فذُكر ذلك لرسول الله - ﷺ - فقال: «ألم يكن يصلي؟» قالوا: بلى يا رسول الله، وكان لا بأس به، فقال رسول الله - ﷺ -: «وماذا يُدريكم ما بلغَت به صلاته ...» الحديث. قال شيخنا: «وهذا اللفظ هو عند أحمد (١٥٣٤) أيضًا»، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٤). (٢) قال المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٢٤٤): رواه أحمد بإِسناد حسن = حُكم ترْك الصَّلاة عن جابر -رضي الله عنه- قال: سمعتُ النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكُفر تركَ الصَّلاة» (١). وعن بريدة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة، فمَن تركها فقد كفر» (٢). وعن عبد الله بن شقيق قال: «كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يَرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصَّلاة» (٣). إِنَّ ما تقدم من النصوص ينطق بكفر تارك الصَّلاة، ولكن هل هو كفر مُخرجٌ من الملّة؟ أم هو كُفر دون كُفر؟ وهل هو كفر عمل أم كفر اعتقاد (٤)؟ ومن الأمور المتفق عليها؛ أنَّ من لم يقر بوجوب الصلاة فهو كافر، بالنص ------------------------- = ورواه ابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والبيهقي كلهم عن طلحة بنحوه، أطول منه. وزاد ابن ماجه وابن حبان في آخره: «فلما بينهما أبعدُ ممّا بين السماء والأرض». وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٦). (١) أخرجه مسلم: ٨٢ (٢) أخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وصححه الحاكم والذهبي ووافقهم شيخنا في «المشكاة» (٥٧٤). (٣) أخرجه الترمذي «صحيح سنن الترمذي» (٢١١٤)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٥٦٢). (٤) وانظر كلام ابن القيم -رحمه الله تعالى- الآتي قريبًا بإِذن الله -سبحانه-. والإِجماع (١). جاء في «النهاية»: «... ومنه الحديث:»من قال لأخيه: يا كافر؛ فقد باء به أحدهما«لأنَّه إِمَّا أن يصدُق عليه أو يكذب، فإِن صدَق فهو كافر، وإن كذب عاد الكُفر إِليه بتكفيره أخاه المسلم. والكُفر (٢) صنفان: أحدهما الكُفر بأصل الإِيمان وهو ضدُّه، والآخر الكُفر بفَرْعٍ من فروع الإِسلام، فلا يَخْرج به عن أصْل الإِيمان. وقيل: الكُفر على أربعة أنحاء: كُفر إِنكار، بألاَّ يعرف الله أصلًا ولا يعترف به. وكُفر جُحود، ككُفر إِبليس، يعرف الله بقلبه ولا يُقِرّ بلسانه (٣). وكُفر عِنَاد، وهو أن يعترف بقلبه ويعترف بلسانه ولا يدين به؛ حسدًا وبغيًا، ككُفَر أبي جهل وأضرابه. وكُفر نفاق، وهو أن يُقرّ بلسانه ولا يعتقد بقلبه. قال الهروي: سُئل الأزهري عمّن يقول بخلق القرآن: أتسمِّيه كافرًا؟ فقال: الذي يقوله كُفر، فأُعيد عليه السؤال ثلاثًا ويقول مِثل ما قال، ثمَّ قال في الآخر: قد يقول المسلم كُفرًا. ومنه حديث ابن عباس قيل له:»﴿ومن لم يحكُم بما أنزَل الله فأولئك ------------------------- (١) وسيأتي كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله تعالى- في ذلك غير بعيد بإِذن الله -سبحانه-. (٢) انظر تقسيم ابن القيم -رحمه الله- للكفر في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧). (٣) بل كفره كفر إِباء واستكبار، وهو قول ابن القيم -رحمه الله- في «مدارج السالكين» (١/ ٣٣٧). هم الكافرون﴾ (١) قال: هم كَفَرة، وليسو كمن كفَر بالله واليوم الآخر». ومنه حديثه الآخر: «إِنَّ الأوس والخزرج ذكروا ما كان منهم في الجاهلية، فثار بعضهم إِلى بعض بالسيوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وكيفَ تكفرونَ وأنتم تُتلى عليكُمْ آياتُ الله وفيكُم رسولُه﴾ (٢) ولم يكن ذلك على الكُفر بالله، ولكن على تغطيتهم ما كانوا عليه من الأُلفة والمودَّة» (٣). انتهى. قال النووي -رحمه الله- في شرح حديث مسلم المتقدّم -بحذف-: «إِنَّ بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصَّلاة»: "وأمَّا تارك الصَّلاة فإِن كان مُنكِرًا لوجوبها فهو كافر بإِجماع المسلمين، خارج من ملّة الإِسلام؛ إلاَّ أن يكون قريب عهد بالإِسلام ولم يخالط المسلمين مدّة؛ يبلغه فيها وجوب الصَّلاة عليه، وإِن كان ترَكه تكاسلًا مع اعتقاده وجوبها -كما هو حال كثير من النَّاس- فقد اختلف العلماء فيه فذهب مالك والشافعي -رحمهما الله- والجماهير من السلف والخلف إِلى أنَّه لا يكفر، بل يفسق ويُستتاب، فإِنْ تاب وإِلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصَن، ولكنَّه يُقتل بالسيف، وذهب جماعة من السلف إِلى أنّه يكفر وهو مرويٌّ عن عليّ بن أبي طالب وهو إِحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل -رحمه الله- وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي -رضوان الله عليه- وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة والمزني صاحب الشافعي ------------------------ (١) المائدة: ٤٤ (٢) آل عمران: ١٠١ (٣) إِنْ صحّ هذا الخبر، وهناك كلام طيب لابن كثير في هذا الموضع فارجِع إِليه -إِن شئت-. -رحمهما الله- أنَّه لا يكفر ولا يقتل، بل يُعزّر ويُحبس حتى يصلّي، واحتجّ من قال بكفره بظاهر الحديث الثاني المذكور وبالقياس على كلمة التوحيد، واحتجّ من قال لا يُقتل بحديث «لا يحلّ دم امرئ مسلم إلاَّ بإِحدى ثلاث ...» (١) وليس فيه الصَّلاة، واحتجّ الجمهور على أنَّه لا يكفَّر بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لا يغفر أن يُشرَك به ويَغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) وبقوله - ﷺ -: «من قال لا إله إلاَّ الله دخل الجنة»، «من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله دخل الجنَّة»، «ولا يلقى اللهَ تعالى عبدٌ بهما غير شاكٍّ فيُحجب عن الجنَّة» (٣)، «حرم الله على النَّار من قال لا إِله إلاَّ الله ...» (٤). وغير ذلك، واحتجّوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فإِنْ تابوا وأقاموا الصَّلاة وآتَوُا الزكاة فخلّوا سبيلهم﴾ (٥)، وقوله - ﷺ -: «أُمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إِله إلاَّ الله، ويقيموا الصَّلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منّي دماءهم وأموالهم» (٦). وتأوّلوا قوله - ﷺ -: «بين العبد وبين الكفر ترك الصَّلاة» (٧)، على معنى أنَّه --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٨٧٨، ومسلم: ١٦٧٦ (٢) النساء: ٤٨ (٣) أخرجه مسلم: ٢٦، ٢٧ (٤) أخرجه مسلم: ٢٩ (٥) التوبة: ٥ (٦) أخرجه البخاري: ٢٥، ومسلم: ٢٢ (٧) تقدّم تخريجه. يستحق بترك الصَّلاة عقوبة الكافر وهي القتل، أو أنَّه محمول على المستحلّ، أو على أنَّه قد يؤول به إِلى الكفر، أو أن فِعله فِعل الكفّار والله أعلم». وفي «مجموع الفتاوى» (٢٢/ ٤٠) لشيخ الإِسلام ابن تيمية: «وسُئل -رحمه الله- عن تارك الصَّلاة من غير عُذر، هل هو مسلم في تلك الحال؟ فأجاب: أمَّا تارك الصَّلاة؛ فهذا إِن لم يكن معتقدًا لوجوبها فهو كافر بالنصّ والإِجماع، لكنْ إِذا أسلم ولم يعلم أنَّ الله أوجب عليه الصَّلاة، أو وجوب بعض أركانها؛ مِثل أن يصلّي بلا وضوء، فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه الوضوء، أو يصلّي مع الجنابة فلا يعلم أنَّ الله أوجب عليه غُسل الجنابة، فهذا ليس بكافر إِذا لم يعلم. وقال (ص ٤٨):»وإِذا صبر حتى يقتل فهل يقتل كافرًا مرتدًا، أو فاسقًا كفسّاق المسلمين؟ على قولين مشهورين؛ حُكيا روايتين عن أحمد، وهذه الفروع لم تُنقَل عن الصحابة، وهي فروع فاسدة، فإِنْ كان مقرًّا بالصَّلاة في الباطن، معتقدًا لوجوبها، يمتنع أن يصرّ على تركها حتى يقتل وهو لا يصلّي، هذا لا يُعرَف من بني آدم وعادتهم؛ ولهذا لم يقع هذا قطّ في الإِسلام، ولا يعرف أنَّ أحدًا يعتقد وجوبها، ويقال له: إِنْ لم تصلّ وإِلاَّ قتلناك، وهو يصرّ على تركها، مع إِقراره بالوجوب، فهذا لم يقع قطّ في الإِسلام. ومتى امتنع الرجل من الصَّلاة حتى يقتل لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها، ولا ملتزمًا بفِعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين، كما استفاضت الآثار عن الصحابة بكفر هذا، ودلّت عليه النصوص الصحيحة. ![]()
__________________
|
|
#22
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 311الى صــ 325 الحلقة (22) كقوله - ﷺ -: «ليس بين العبد وبين الكفر إلاَّ ترك الصَّلاة». رواه مسلم (١). وقوله: «العهد الذي بيننا وبينهم الصَّلاة فمن تركَها فقد كفَر». وقول عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب محمد لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كُفر إلاَّ الصَّلاة». فمن كان مُصرًّا على تركها حتى يموت، لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون مسلمًا مقرًَّا بوجوبها، فإِنّ اعتقاد الوجوب، واعتقاد أنّ تاركها يستحقّ القتل؛ هذا داعٍ تامٌّ إِلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإِذا كان قادرًا ولم يفعل قطّ؛ علم أنَّ الداعي في حقّه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل، لكن هذا قد يعارضه أحيانًا أمور توجب تأخيرها وترْك بعض واجباتها، وتفويتها أحيانًا. فأمَّا من كان مُصرًّا على تركها لا يصلّي قطّ، ويموت على هذا الإِصرار والترك؛ فهذا لا يكون مسلمًا؛ لكن أكثر النَّاس يصلّون تارة، ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في «السنن» حديث عبادة عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: «خمس صلوات كتبهنّ الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهنّ؛ كان له عهد عند الله أنْ يدخله الجنّة، ومن لم يحافظ عليهنّ لم يكن له عهد عند الله، إِنْ شاء عذّبه وإنْ شاء غفر له» (٢). ------------------------ (١) وتقدم تخريجه. (٢) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤١٠)، وغيرهما وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «المشكاة» (٥٧٠)، وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٣٦٣) و«السنّة» لابن أبي عاصم (٩٦٧). فالمحافظ عليها الذي يصلّيها في مواقيتها، كما أمر الله تعالى، والذي ليس يؤخّرها أحيانًا عن وقتها، أو يترك واجباتها، فهذا تحت مشيئة الله تعالى، وقد يكون لهذا نوافل يكمل بها فرائضه، كما جاء في الحديث». وجاء (ص ٥٣) -منه-: «وسئل عن رجل يأمره الناس بالصَّلاة ولم يصلّ فما الذي يجب عليه؟ فأجاب: إِذا لم يصلّ فإِنَّه يستتاب، فإِن تاب وإِلاَّ قُتل، والله أعلم». ويظهر من كلام شيخ الإِسلام -رحمه الله- أنه قد قسم الناس إِلى أربعة أقسام: ١ - الممتنع منها حتى يُقَتل؛ كما في قوله المتقدم: «ومتى امتنع الرجل من الصلاة حتى يقتل؛ لم يكن في الباطن مقرًا لوجوبها، ولا ملتزمًا بفعلها، وهذا كافر باتفاق المسلمين». ٢ - المُصرّ على الترك؛ كما يظهر في قوله: «فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت؛ لا يسجد لله سجدةً قط؛ فهذا لا يكون مسلمأ مُقرًّا بوجوبها». بمعنى أنه يرى -رحمه الله- كُفره. ٣ - الذي لا يحافظ عليها ويظهر من قوله: «لكنّ أكثر الناس يُصلّون تارة ويتركونها تارة ...» وهذا تحت المشيئة؛ لحديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- المشار إِليه آنفًا. ٤ - المؤمنون المحافظون على الصلاة، وهم أصحاب العهد في دخول الجنّة. وبهذا يرى شيخ الإِسلام -رحمه الله- أن الامتناع من الصلاة حتى القتل، أو الإِصرار على الترك؛ قرينتان للكفر، فقد قال -رحمه الله- في الممتنع: «... لم يكن في الباطن مقرًّا بوجوبها»، وقال -رحمه الله- في المُصرّ على الترك (٢٢/ ٤٨): «... فهذا لا يكون قطُّ مسلمًا مقرًّا بوجوبها». وبهذا ينحصر الخلاف في المُصرّ على الترك، وهو المُشكل في كل الأقسام، وعليه مدار البحث والنظر، وتحقيق مناط الحُكم مرتبِطٌ بتنقيح مناطه، ويعود الأمر إِلى الإِقرار بالوجوب وعدمه. وبالله التوفيق. وجاء أيضًا في «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ٢٨٥) -بحذف-: «وسُئل -رحمه الله- عن الصلاة على الميت الذي كان لا يصلّي، هل لأحد فيها أجر أم لا؟ وهل عليه إِثم إِذا ترَكها مع عِلمه أنه كان لا يصلّي؟ وكذلك الذي يشرب الخمر، وما كان يصلّي؛ هل يجوز لمن كان يعلم حاله أنْ يصلّي عليه أم لا؟ فأجاب: أمّا من كان مظهِرًا للإِسلام، فإِنّه تجري عليه أحكام الإِسلام الظاهرة؛ من المناكحة، والموارثة، وتغسيله، والصلاة عليه، ودفنه في مقابر المسلمين، ونحو ذلك، لكن من عُلِم منه النفاق والزندقة، فإِنه لا يجوز لمن عَلِم ذلك منه الصلاة عليه؛ وإن كان مُظهِرًا للإِسلام». وقال (ص ٢٨٦): «وكلّ من لم يُعلَم منه النفاق وهو مسلم؛ يجوز الاستغفار له والصلاة عليه بل يشرع ذلك». وجاء (ص ٢٨٧) منه: "وسُئل عن رجل يصلي وقتًا، ويترك الصلاة كثيرًا، أو لا يصلّي هل يصلّى عليه؟ فأجاب: مثل هذا ما زال المسلمون يصلّون عليه، بل المنافقون الذين يكتمون النفاق يصلّي المسلمون عليهم، ويُغسَّلون، وتجري عليهم أحكام الإِسلام؛ كما كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ -، وإِن كان من علم نفاق شخص؛ لم يجُز له أن يصلّي عليه، كما نُهي النبي - ﷺ - عن الصلاة على من عَلم نفاقَه، وأمّا من شُكّ في حاله؛ فتجوز الصلاة عليه، إِذا كان ظاهره الإِسلام». وقال ابن القيّم -رحمه الله- في كتاب «الصلاة وحُكم تاركها» (ص ٣٨) في المسألة الأولى -وقد رجّح استتابة تارك الصلاة: المسألة الثانية: «... أنه لا يقتل حتى يُدعى إِلى فِعلها فيمتنع». فماذا إِذا لم يُدع ولم يُستَتب؟ وماذا إِذا لم يُهدَّد بالقتل من الحاكم، أيُحكَم عليه بالكفر، وهذا هو واقعنا مع الأسف، فتنبّه وتدبّر. ومِثله ما جاء في «الاختيارات» (ص٣٢) في ردّ شيخ الإِسلام -رحمه الله- على متأخري الفقهاء: «... إِذ يمتنع أن يعتقد أنّ الله فرَضها ولا يفعلها، ويصبر على القتل؛ هذا لا يفعله أحد قطّ» وقد سبقت الإِشارة إِلى مِثل هذا، وانظر «مجموع الفتاوى» (٧/ ٢١٨) فإِن فيه تفصيلًا أكثر. وجاء في «المرقاة» (٢/ ٢٧٦): «فمن تركها فقد كفر: أي: أظهر الكُفر وعمل عمل أهل الكُفر فإِنّ المنافق نفاقًا اعتقاديًا كافر، فلا يُقال في حقّه كَفر». وجاء في «الصحيحة» (١/ ١٧٤) -بحذف-: "فالجمهور على أنَّه لا يكفُر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد -في رواية- إِلى أنَّه يكفر، وأنَّه يُقتَل ردّة لا حدًّا، وقد صحّ عن الصحابة أنَّهم كانوا لا يرون من الأعمال شيئًا ترْكه كُفر غير الصَّلاة. رواه الترمذي والحاكم. وأنا أرى أنَّ الصواب رأي الجمهور، وأنّ ما ورَد عن الصحابة ليس نصًّا على أنَّهم كانوا يريدون بـ (الكفر) هنا الكفر الذي يُخلِّد في النار ... ثمَّ وقفْتُ على «الفتاوى الحديثة» (٨٤/ ٢) للحافظ السخاوي، فرأيته يقول بعد أن ساق بعض الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصَّلاة -وهي مشهورة معروفة-: «ولكن؛ كل هذا إِنَّما يُحمل على ظاهره في حقّ تاركها جاحدًا لوجوبها، مع كونه ممَّن نشأ بين المسلمين؛ لأنَّه يكون حينئذ كافرًا مرتدًّا بإِجماع المسلمين، فإِنْ رجع إِلى الإِسلام؛ قُبِل منه وإِلاَّ قُتل. وأمّا من تركَها بلا عذر بل تكاسلًا مع اعتقاد وجوبها؛ فالصحيح المنصوص الذي قطَع به الجمهور أنَّه لا يكفر، وأنَّه -على الصحيح أيضًا بعد إِخراج الصَّلاة الواحدة عن وقتها الضروري؛ كأن يترك الظهر مثلًا حتى تغرب الشمس، أو المغرب حتى يطلع الفجر؛ يستتاب كما يستتاب المرتدّ، ثمَّ يُقتل إِن لم يَتُب، ويُغسل ويصلَّى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين، مع إِجراء سائر أحكام المسلمين عليه (١)، ويؤول إِطلاق الكفر عليه لكونه شاركَ الكافر في بعض أحكامه، وهو وجوب العمل؛ جمعًا بين هذه النصوص وبين ما صحّ أيضًا عنه - ﷺ - أنَّه قال:»خمس صلوات كتبهنّ الله ... (فذكر الحديث، وفيه إِنْ شاء عذبه، وإِن شاء غفر له«، وقال أيضًا:»من مات وهو يعلم أن لا إِله إلاَّ الله؛ دخل الجنّة«إِلى غير ذلك ... ولهذا لم يزل المسلمون يَرِثون تارك الصَّلاة ويورّثونه، ولو كان كافرًا؛ لم يُغفر له؛ لم يَرِث ولم يُورَث».وقد ذكر نحو هذا الشيخ سليمان عبد الله في «حاشيته على المقنع» ------------------------- (١) سيأتي كلام شيخنا في إِبطال هذا؛ عما قريب -بإِذن الله تعالى-. (١/ ٩٥ - ٩٦)، وختم البحث بقوله:»ولأنَّ ذلك إِجماع المسلمين، فإِننا لا نعلم في عصرٍ من الأعصار أحدًا من تاركي الصَّلاة تُرك تغسيلُه والصَّلاة عليه، ولا مُنع ميراث موروثه، مع كثرة تاركي الصَّلاة، ولو كَفَر؛ لثبتت هذه الأحكام، وأمَّا الأحاديث المتقدمة؛ فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكافر لا على الحقيقة؛ كقوله عليه الصلاة والسلام: «سِباب المسلم فسوق وقتاله كُفر» (١)، وقوله: «من حلف بغير الله فقد أشرك» (٢)، وغير ذلك. قال الموفق: وهذا أصوب القولين«. أقول [أي: شيخنا -حفظه الله-]: نقلْت هذا النص من»الحاشية«المذكورة، ليعلم بعض متعصّبة الحنابلة أن الذي ذهَبْنا إِليه ليس رأيًا لنا تفرَّدْنا به دون أهل العلم، بل هو مذهب جمهورهم، والمحققين من علماء الحنابلة أنفسهم؛ كالموفّق هذا -وهو ابن قدامة المقدسي- وغيره؛ ففي ذلك حُجّة كافية على أولئك المتعصبة، تَحْمِلُهم إِنْ شاء الله تعالى على ترك غلَوائهم، والاعتدال في حُكمهم. بيد أنَّ هنا دقيقة قَلَّ من رأيته تنبّه لها، أو نبّه عليها، فوجب الكشفُ عنها وبيانها، فأقول: إِنَّ التارك للصلاة كسَلًا؛ إِنَّما يصح الحكم بإِسلامه، ما دام لا يوجد هناك ما يكشف عن مكنون قلبه، أو يدلّ عليه، ومات على ذلك قبل أن يستتاب؛ كما هو الواقع في هذا الزمان، أمَّا لو خُيِّر بين القتل والتوبة بالرجوع إِلى ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤ (٢) أخرجه أحمد وأبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٢٧٨٧)، والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٤١) وغيرهم، وانظر»الإِرواء" (٢٥٦١). المحافظة على الصَّلاة، فاختار القتل عليها، فقُتل؛ فهو في هذه الحالة يموت كافرًا، ولا يُدفَن في مقابر المسلمين، ولا تَجري عليه أحكامهم؛ خلافًا لما سبق عن السخاوي؛ لأنَّه لا يُعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه - أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل معروف بالضرورة من طبيعة الإِنسان، لا يحتاج إِثباته إِلى برهان». انتهى. وكم أعجبني قول بعض طلاب العلم: «إِنَّ ممّا أخشاه أن يكون المكفّرون لتارك الصلاة مطلقًا؛ قد عظّموا الصَّلاة أكثر من الشهادتين». وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنّه قال: «أُمِرَ بعبد من عباد الله أن يضربَ في قبره مائة جلدة، فلم يزل يسأل ويدعو حتى صارت جلدة واحدة، فجُلدَ جلدةً واحدةً، فامتلأ قبره عليه نارًا، فلما ارتفع عنه وأفاق قال: على ما جلدتموني؟ قالوا: إِنّك صليت صلاةً واحدةً بغير طهورٍ، ومررتَ على مظلومٍ فلم تنصره» (١). قال شيخنا -حفظه الله تعالى- من فقه الحديث: قال الطحاوي عقبه: «فيه ما قد دل أن تارك الصلاة لم يكن بذلك كافرًا، لأنّه لو كان كافرًا لكان دعاؤه باطلًا لقول الله تعالى: ﴿وما دعاء الكافرين إلاَّ في ضلال﴾. ونقله عنه ابن عبد البر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٩)، وأقره، بل وأيده بتأويل الأحاديث الواردة في تكفير تارك الصلاة على أن معناها:»من ترك الصلاة جاحدًا لها معاندًا مستكبرًا غير مقرّ بفرضها. وألزم من قال بكفره بها وقبلها --------------------- (١) أخرجه الطحاوي في «مشكل الآثار» وغيره، وخرّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٧٧٤). على ظاهرها فيهم أن يكفر القاتل والشاتم للمسلم، وأن يكفر الزاني و... و.. إِلى غير ذلك مما جاء في الأحاديث لا يُخرج بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِن كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أن تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك». وفي «المغني» (٢/ ٢٩٨) بحثٌ نفيسٌ فارجِع إِليه -إِن شئت-. ثمَّ رأيتُ ردًّا للشيخ علي الحلبي -حفظه الله- على من يقول بتكفير تارك الصلاة إِذا كان غير جاحد لوجوبها، ذكر فيه عددًا من الحجج والبراهين من ذلك: ١ - في كتاب «الجامع» (٢/ ٥٤٦ - ٥٤٧) للخلاّل، عن إِبراهيم بن سعد الزّهري، قال: سألتُ ابن شهابٍ عن الرجل يترك الصلاة؟ قال: «إِنْ كان إِنّما يتركها أنه يبتغي دينًا غير الإِسلام قُتل، وإِنْ كان إِنّما هو فاسق من الفُسّاق، ضُرب ضربًا شديدًا أو سُجن». ٢ - قال الإِمام ابن المنذر في كتاب «الإِجماع» (ص ١٤٨) في مسألة تارك الصلاة: «لم أجِدْ فيها إِجماعًا» (١) أي: على كُفره. ٣ - نَقَلَ الحافظ محمد بن نصر المقدسيّ عن ابن المبارك قولَه في تكفير تارك الصلاة -في كتابه «تعظيم قدر الصلاة» (٢/ ٩٩٨) -، ثمَّ قال: «فقيل ----------------------- (١) ومِثله ما ذَكَره في مقدّمة كتاب»حكم تارك الصلاة«لشيخنا عن الإِمام محمد ابن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- فقد قال كما في»الدُّرر السنيّة«(١/ ٧٠) - جوابًا على من قال عمّا يُكَّفَّر الرجل به؟ وعمّا يقاتَل عليه؟:»أركان الإِسلام الخمسة؛ أولها الشهادتان، ثمَّ الأركان الأربعة؛ إِذا أقرَّ بها وتركها تهاونًا، فنحن وإنْ قاتلناه على فِعلها فلا نكفره بتركها، والعلماء اختلفوا في كفر التارك لها كسلًا من غير جحود، ولا نكَفّر إلاَّ ما أجمع عليه العلماء كلهم، وهو الشهادتان". لابن المبارك: أيتوارثان إِنْ مات؟! أو إِن طَلَّقها يقع طلاقُهُ عليها؟ فقال: أمّا في القياس؛ فلا طلاق ولا ميراث، ولكنْ أَجْبُنُ» ... ٤ - قال الإِمام ابن القيّم في «كتاب الصلاة» (ص ٥٥): «وها هنا أصل آخر، وهو أنّ الكفر نوعان: كُفر عمل، وكُفر جحود وعناد. فكُفر الجحود: أن يكفر بما علم أنّ الرسول جاء به من عند الله جُحودًا وعنادًا من أسماء الربّ وصفاته وأفعاله وأحكامه، وهذا الكفر يضادُّ الإِيمان من كل وجه، وأما كُفر العمل، فينقسم إِلى ما يضادّ الإِيمان، وإِلى ما لا يضاده، فالسجود للصنم والاستهانة بالمصحف، وقتل النّبيّ وسّبه يضادّ الإِيمان. وأمّا الحكم بغير ما أنزل الله وترك الصلاة، فهو من الكفر العملي قطعًا، ولا يمكن أن يُنفى عنه اسم الكفر؛ بعد أنْ أطلقه الله ورسوله عليه، فالحاكم بغير ما أنزل الله كافر، وتارك الصلاة كافر بنص رسول الله - ﷺ -، ولكنْ هو كفر عمل لا كفر اعتقاد، ومن الممتنع أن يُسمّي الله -سبحانه- الحاكم بغير ما أنزل الله كافرًا، ويُسمّي رسول الله - ﷺ - تارك الصلاة كافرًا، ولا يُطلِق عليهما اسم الكفر، وقد نفى رسول الله - ﷺ - الإِيمان عن الزاني والسارق وشارب الخمر، وعمّن لا يأمن جاره بوائقه، وإِذا نفي عنه اسم الإِيمان، فهو كافر من جهة العمل، وانتفى عنه كُفر الجحود والاعتقاد، وكذلك قوله:»لا ترْجِعوا بعدي كُفّارًا يضربُ بعضكم رقاب بعض«(١) فهذا كُفر عمل (٢)». ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٨٦٨، ومسلم: ٦٦ (٢) قلت: ولا يخفى ما يقوله ابن القيّم -فيما يظهر من كلامه- تبعًا لشيخ الإِسلام -رحمهما الله تعالى- أنه يُعلّق الكفر على تحقُّق الترك، والإِصرار عليه؛ باعتبارهما قرينة على عدم الإِقرار بالوجوب. ٥ - قال الإِمام الشنقيطي -رحمه الله تعالى- في»أضواء البيان«(٤/ ٣٤٧) -بعد نقاشٍ طويلٍ في المسألة، وسَرْدٍ مستوعب لأدلة المكفِّرين، وغيرهم-:»هذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا؛ مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال إِنه كافر، وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إِنه كُفر غير مخرج عن الملة لوجوب الجمع بين الأدلة إِذا أمكن. وإِذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج من الملة؛ حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إِذا أمكن؛ لأن إِعمال الدليلين أولى من إِلغاء أحدهما؛ كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في «شرح المهذب» -بعد أن ساق أدلة من قالوا إِنه غير كافر ما نصه-: «ولم يزل المسلمون يورّثون تارك الصلاة ويوَرِّثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يرث ولم يورث». من أجل هذا؛ عدّ الإِمام ابن رشد في كتابه «بداية المجتهد» (١/ ٢٢٨) قول مكفّري تارك الصلاة: «... مضاهيًا لقول من يكفّر بالذنوب». ولعلّه -من أجل ذا- قال العلامة أبو الفضل السَّكْسَكي في كتابه «البرهان» (ص ٣٥): "إِنّ تارك الصلاة -إِذا لم يكن جاحدًا- فهو مسلم -على الصحيح من مذهب أحمد- وأنّ المنصورية يسمّون أهل السنّة مرجئة؛ لأنهم يقولون بذلك، ويقولون: هذا يؤدي إِلى أن الإيمان عندهم قول بلا عمل«! ٦ - قال الإِمام ابن عبد البّر في»التمهيد«(٤/ ٢٣٦) مُلزِمًا مكفّري تارك الصلاة -لمجرّد العمل-:»ويلزم من كَفَّرهم بتلك الآثار (١) وقبلها على ظاهرها فيهم: أن يكفِّر القاتل، والشاتم للمسلم، وأن يكفِّر الزاني، وشارب الخمر، والسارق، والمنتهب، ومن رغب عن نسب أبيه. فقد صح عنه - ﷺ - أنّه قال: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (٢). وقال - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ...» (٣). وقال - ﷺ -: «لا ترغبوا عن آبائكم، فإِنّه كُفرٌ بكم أن ترغبوا عن آبائكم» (٤). وقال أيضًا: «لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض» (٥). إِلى آثار مِثل هذه لا يُخرجُ بها العلماء المؤمن من الإِسلام، وإِنْ كان بفعل ذلك فاسقًا عندهم، فغير نكير أنْ تكون الآثار في تارك الصلاة كذلك«. ------------------------- (١) منها حديث بُريدة بن الخصيب -مرفوعًا-:»العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كَفر"، وتقدّم تخريجه. (٢) أخرجه البخاري: ٤٨، ومسلم: ٦٤، وتقدّم. (٣) أخرجه البخاري: ٦٨١٠، ومسلم: ٥٧ (٤) أخرجه البخاري: ٦٧٦٨، ومسلم: ٦٢ (٥) تقدّم. ٧ - قال الإِمام عبد الحقِّ الإِشبيلي في كتابه»الصلاة والتهجّد«(ص ٩٦):»... وذهب سائر المسلمين من أهل السنّة -المحدثين وغيرهم- إِلى أن تارك الصلاة متعمدًا، لا يكفر بتركها، وأنه أتى كبيرة من الكبائر إِذ كان مؤمنًا بها، مُقرًّا بفرضها، وتأولوا قول النّبيّ - ﷺ -، وقول عمر، وقول غيره ممن قال بتكفيره، كما تأولوا قوله - ﷺ -: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (١)، وغير ذلك مما تأوّلوه، ومن قال بقتل تارك الصلاة من هؤلاء، فإِنما قال: يقتل حدًّا، ولا يقتل كفرًا، وإِلى هذا ذهب مالك والشافعي وغيرهما. ٨ - ويقول الحافظ العراقي في «طرح التثريب» (٢/ ١٤٩): «وذهب جمهور أهل العلم إِلى أنه لا يكفر بترك الصلاة -إِذا كان غير جاحد لوجوبها-، وهو قول بقية الأئمة أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهي رواية عن أحمد بن حنبل -أيضًا-». انتهى كلام الشيخ علي الحلبي -حفظه الله-. قلتُ: ومهما يكن مِن أمر؛ فإِنه لا ينبغي أن نختلف في هذه المسألة، أو نجعل فيها ولاءً وبراءً -إِذ الخلاف شرٌّ- وهذه من مسائل الاجتهاد، والذي ينبني على هذه المسألة أمران: ١ - أمْرٌ يتعلّق بجزاء تارك الصلاة عند اللَّه -تعالى- أيخلُد في النّار أم لا؟ وليس لنا من هذا الأمر شيء. ٢ - وأمْرٌ يتعلق بإِجراء الأحكام عليه في الدنيا، وينقسم إِلى قسمين: أ- ما ينبني عليه من إِجراء أحكام الكافر؛ كمنع الميراث، وتطليق زوجته، وعدم دفنه في مقابر المسلمين عند موته ... إِلخ. --------------------- (١) تقدّم تخريجه. وهذا لم يمض عليه عَمَلُ مَن قبلنا، ومن هم خيرٌ منا، وتقدم الكلام فيه. ب- ما ينبني عليه من الاستتابة إِذا امتنع؛ من قتل، ونحن نعلم -مع الأسف- غياب هذا، والعجز عنه. ولو تحقق هذا؛ لانتهى ما طال حوله الجدل، فلنتآلف ولتجتمع قلوبنا، ولنعمل للإِسلام؛ ليأتي اليوم الذي نفرح فيه؛ بتطبيق أحكامه، وهذا من أبرزها، وبالله التوفيق. على مَن تجب؟ تجب الصَّلاة على المسلم العاقل البالغ؛ لحديث عائشة -رضي الله عنها- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «رُفع القلم عن ثلاثة: عن النّائم حتى يستيقظ، وعن المُبتَلى حتى يبرَأ (١)، وعن الصّبيّ حتى يكبُر (٢)» (٣). صلاة الصبيّ تقدَّم حديث عائشة -رضي الله عنها-: «رفع القلم ...» ويتضمّن ذلك الصبيّ حتى يكبر أو يحتلم. بيْد أنَّ عدم الوجوب لا يُعفي وليَّه أن يأمره بها حين يبلغ سبْع سنين، وأن يُعاقبه بالضّرب على ترْكها حين يبلغ عشرًا، كما في الحديث: «مُرُوا أولادكم بالصَّلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين، وفرِّقوا ------------------------- (١) وفي رواية:»وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق«، انظر»الإِرواء«(٢٩٧). (٢) وفي رواية:»حتى يحتلم«. المصدر السابق. (٣) أخرجه أبو داود وغيره وقال الحاكم: صحيح عى شرط مسلم ووافقه الذهبي وكذا شيخنا في»الإرواء" (٢٩٧). بينهم في المضاجع» (١). عدد الفرائض وفرائض الصَّلاة في اليوم والليلة خمس كما في حديث طلحة بن عبيد الله: «أنَّ أعرابيًا جاء إِلى رسول الله - ﷺ - ثائر الرأس فقال: يا رسولَ الله أخبِرني ماذا فرض الله عليَّ من الصَّلاة، فقال: الصلوات الخمس إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني ما فرَض الله عليَّ من الصيام. فقال: شهر رمضان إلاَّ أن تطوَّع شيئًا، فقال: أخبِرني بما فرض الله عليَّ من الزكاة، فقال: فأخبَره رسول الله - ﷺ - شرائع الإِسلام، قال: والذي أكرمك لا أتطوّع شيئًا، ولا أنقُص ممَّا فرض الله عليَّ شيئًا. فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إِنْ صدق، أو دخل الجنَّة إِن صدق» (٢). مواقيت الصَّلاة قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كانت على المؤمنين كتابًا موقوتًا (٣)﴾ (٤). قال في «المغني» (١/ ٣٧٨): «أجمعَ المسلمون على أنَّ الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت محددةٍ». ------------------------ (١) أخرجه ابن أبى شيبة في «المصنف» وأبو داود والدارقطني والحاكم والبيهقي وأحمد وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٤٧)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٣٩). (٢) أخرجه البخاري: ١٨٩١، ومسلم: ١١، وغيرهما. (٣) النساء: ١٠٣ (٤) جاء في «تفسير ابن كثير»: قال ابن مسعود: «إِنَّ الصلاة وقتًا كوقت الحجّ، وقال زيد بن أسلم: (كتابًا موقوتًا): مُنجَّمًا: كلّما مضى نجم جاء نجم، يعني: كلما مضى وقت جاء وقت». وقد بيّنَت الأحاديث هذه المواقيت؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو، أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقتُ الظهر إِذا زالت الشمس وكان ظلُّ الرَّجلِ كطوله، ما لم يحضُر العصر، ووقت العصر ما لم تصفَرَّ الشمس، ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق، ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط، ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر، ما لم تطلع الشمس، فإِذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصَّلاة، فإِنَّها تطلع بين قرنيْ شيطانٍ» (١). وكذلك حديث جابر: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - جاءه جبريلُ عليه السلام فقال: قم فصلِّه، فصلّى الظهر حين زالت الشمس، ثمَّ جاءه العصر فقال: قم فصلّه فصلّى العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثلَه، ثمَّ جاءه المغرب فقال: قم فصلّه، فصلّى المغرب حين وجبت (٢) الشمس، ثمَّ جاءه العشاء فقال: قم فصلّه، فصلّى العشاء حين غاب الشفَق، ثمَّ جاءه الفجر فقال: قم فصلِّه، فصلَّى الفجر حين برق الفجر أو قال: سطع الفجر، ثمَّ جاء من الغد للظهر فقال: قم فصلّه، فصلّى الظهر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله، ثمَّ جاءه العصر حين صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه، ثمَّ جاءه المغرب وقتًا واحدًا لم يَزُل عنه. ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل، فصلّى العشاء، ثمَّ جاء حين أسفر (٣) جدًا، فقال له: قم فصلّه، فصلّى الفجر ثمَّ قال: ما بين هذين ---------------------- (١) أخرجه مسلم:٦١٢ (٢) أصل الوجوب: السقوط والوقوع، والمراد هنا: الغروب. (٣) أسفر الصبح: إِذا انكشف وأضاء والمراد: تأخيرها إِلى أن يطلع الفجر الثاني ويتحقّقه، وقيل إِن الأمر بالإِسفار خاصٌّ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أول الصبح لا يتبيّن فيها فأُمروا بالإِسفار احتياطًا.»النهاية" بتصرف. ![]()
__________________
|
|
#23
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 326الى صــ 340 الحلقة (23) وقتٌ» (١) وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِنَّ للصلاة أولًا وآخرًا، وإنّ أوّل وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وإنّ أول وقت صلاة العصر حين يدخل وقتها، وإِنّ آخر وقتها حين تصفرّ الشمس، وإنّ أول وقت المغرب حين تغرب الشمس، وإن آخر وقتها حين يغيب الأفق، وإِنّ أول وقت العشاء الآخرة حين يغيب الأفق، وإن آخر وقتها حين ينتصف الليل، وإِنّ أول وقت الفجر حين يطلع الفجر، وإِنَّ آخر وقتها حين تطلع الشمس» (٢). وقت الظُّهر (٣) عن عبد الله بن عمرو أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «وقت الظهر إِذا زالت --------------------- (١) أخرجه النسائي»صحيح سنن النسائي«(٤٨٨) والترمذي»صحيح سنن الترمذي«(١٢٧) والدارقطني والحاكم وعنه البيهقي وأحمد، وقال الحاكم:»حديث صحيح مشهور«ووافقه الذهبي، وشيخنا الألباني، وانظر»الإِرواء«(٢٥٠). (٢) أخرجه الترمذي والطحاوي في»شرح المعاني«والدارقطني في»السنن«وغيرهم، وخرّجه شيخنا في»الصحيحة«(١٦٩٦). (٣) قال في»المغني«(١/ ٣٧٨):»بدأ الخرقي بذِكر صلاة الظهر؛ لأنَّ جبريل بدأ بها حين أمّ النّبيّ - ﷺ - في حديث ابن عباس وجابر، وبَدأ بها - ﷺ - حين علَّم الصحابة مواقيتَ الصلاة في حديث بريدة وغيره، وبدأ بها الصحابة حين سُئلوا عن الأوقات في حديث أبي برزة وجابر وغيرهما«. انتهى. قلتُ: لكن بدأت بعض الألفاظ بصلاة الفجر، كما في»صحيح مسلم«(٦١٢). فعن عبد الله بن عمرو أنَّ نبي الله - ﷺ - قال:»إِذا صلّيتم الفجر فإِنَّه وقت إِلى أنْ يطلع = الشمس، وكان ظلّ الرجل كطوله، ما لم يحضُر العصر» (١). يبدأ وقت الظهر حين تزول الشمس عن بطن السماء ووسطها، ويستمرّ ذلك حتى يصير ظلّ كلّ شيء مثله، باستثناء فيء (٢) الزوال. وأجمع أهل العلم على أن أوّل وقت الظهر زوال الشمس، قاله ابن المنذر وابن عبد البرّ، وقد تظاهرَت الأخبار بذلك ... (٣). قال في «المغني» (١/ ٣٨٠): «ومعنى زوال الشمس: ميلها عن كبد ----------------------- = قرن الشمس الأول، ثمَّ إِذا صليتم الظهر فإِنه وقتٌ إِلى أن يحضر العصر، فإِذا صلّيتم العصر فإِنَّه وقتٌ إِلى أن تصفر الشمس، فإِذا صليتم المغرب فإِنَّه وقتٌ إلى أن يسقط الشفق، فإِذا صليتم العشاء فإِنَه وقتٌ إِلى نصف الليل». وورد في «صحيح مسلم» (٦١٢): عن عبد الله بن عمرو أيضًا مرفوعًا بلفظ: «وقت صلاة الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول ...» ولكن أحاديث الابتداء بوقت صلاة الظهر أكثر. واستحسن شيخ الإسلام ابن تيمية: كما في «الاختيارات» (ص ٣٣): أن يُبدَأ بالفجر؛ لأنَّ الصلاة الوسطى هي العصر، وإنَّما تكون الوسطى إِذا كان الفجر هو الأوّل. (١) أخرجه مسلم: ٦١٢ (٢) قال في «النهاية»: «... وأصْل الفيء الرجوع، يُقال: فاء يفي فئةً وفُيوءًا؛ كأنه كان في الأصل لهم فرجع إِليهم، ومنه قيل للظلِّ الذى يكون يعد الزوال: فيء، لأنَّه يرجع من جانب الغرب إِلى جانب الشرق». قال النووي: «والفيء لا يكون إلاَّ بعد الزوال، وأمّا الظلّ فيُطلق على ما قبل الزوال وبعده، وهذا قول أهل اللغة». وقال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٣٢٦): «والفيء يكون من عند زوال الشمس، ويتناهى بمغيبها». (٣) انظر «الأوسط» (٢/ ٣٢٦)، و«المغني» (١/ ٣٧٨). السماء، ويُعرف ذلك بطول ظلّ الشخص بعد تناهي قِصَره، فمن أراد معرفة ذلك فليُقدّر ظلّ الشمس، ثمَّ يصبر قليلًا ثمَّ يقدّره ثانيًا، فإِنْ كان دون الأول فلم تَزُل، وإن زاد ولم ينقص فقد زالت، وأمَّا معرفة ذلك بالأقدام فتختلف باختلاف الشهور والبلدان، فكلّما طال النهار قصر الظل، وإِذا قصر طال الظلّ، فكلّ يوم يزيد أو ينقص». جاء في «عون المعبود» (٣/ ٣٠٠): «قال الشيخ عبد القادر الجيلاني في»غنية الطالبين«: فإِذا أردت أن تعرف ذلك؛ فقِس الظل بأن تنصب عمودًا أو تقوم قائمًا في موضع الأرض مستويًا معتدلًا، ثمَّ علِّم على منتهى الظل؛ بأن تخط خطًا، ثم انظر أينقص أو يزيد، فإِن رأيته ينقص؛ علمْتَ أنّ الشمس لم تَزُل بعد، وإِنْ رأيته قائمًا لا يزيد ولا ينقص؛ فذلك قيامها وهو نصف النهار، لا تجوز الصلاة حينئذ، فإِذا أخذ الظل في الزيادة؛ فذلك زوال الشمس، فقِس من حدّ الزيادة إِلى ظلّ ذلك الشيء الذي قست به طول الظل، فإِذا بلغ إِلى آخر طوله؛ فهو وقت آخر الظهر». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- موضّحًا دخول وقت الظهر (١): «لو وضَعْنا شاخصًا وراقبْنا ظلّه حتى صار الظلّ ٢ سم مثلًا، وبعد ذلك لم يطُل أكثر من ذلك ولم يقصُر، ثمَّ تحرَّك حتى صار مثلًا ٢ سم و١ ملم، فهذا اسمه فيء الزوال، بمعنى زالت الشمس عن وسط السماء، ودخل وقت الظهر». ------------------------ (١) قاله لي هكذا بمعناه حين طلبْتُ منه توضيحًا عمليًّا لذلك. وانظر ما قاله ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٢٨) تحت (باب ذكر معرفة الزوال). الإِبراد بصلاة الظهر عند الحرّ عن أبي ذرّ -رضي الله عنه- قال: «كان النّبيّ - ﷺ - في سفر، فقال: أبرِد، ثمَّ قال: أبرِد، حتى فاء الفيء -يعني للتلول (١) - ثمَّ قال: أبردوا بالصَّلاة؛ فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح (٢) جهنّم» (٣). وعن أبي سعيد -رضي الله عنه- قال: «قال النّبيّ - ﷺ -: أبردوا بالصَّلاة، فإِنَّ شدّة الحرّ من فيح جهنّم» (٤). قال في «المغني» (١/ ٤٠٠): «وقال القاضي: إِنَّما يُستحبُّ الإِبراد بثلاثة شروط: شدّة الحرّ، وأن يكون في البلدان الحارّة ومساجد الجماعات، فأمَّا من صلاّها في بيته، أو في مسجدٍ بفناء بيته؛ فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي؛ لأنَّ التأخير إِنَّما يُستحبّ لينكسر الحرّ ويتسع في ---------------------- (١) جمع تلّ: وهو ما ارتفع من الأرض عمّا حوله، وهو دون الجبل، وتُجمع أيضًا على تِلال وأتلال، وانظر»الوسيط«. (٢) الفيح: سطوع الحر وفورانه، وفاحت القدر غلت.»النهاية«. (٣) أخرجه البخاري: ٣٢٥٨، ومسلم: ٦١٦، قال النووي (٣/ ١١٩):»ومعنى قوله رأَينا فيء التّلول: أنَّه أخّر تأخيرًا كثيرًا؛ حتى صار للتلول فيءٌ، والتلولُ مُنبطحة غير منتصبة، ولا يصير لها فيءٌ في العادة؛ إلاَّ بعد زوال الشمس بكثير". (٤) أخرجه البخاري: ٣٢٥٩، ومسلم: ٦١٥ الحيطان، ويكثر السعي إِلى الجماعات، ومن لا يصلّي في جماعة لا حاجة به إِلى التأخير». واختلف العلماء في غاية الإِبراد: قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٢٠) (١): «وقد اختلف العلماء في غاية الإِبراد، فقيل: حتى يصير الظلّ ذراعًا بعد ظلّ الزوال، وقيل: رُبع قامة، وقيل: ثلثها وقيل: نصفها، وقيل: غير ذلك. ونزلها المازري على اختلاف الأوقات، والجاري على القواعد أنَّه يختلف باختلاف الأحوال، لكن يشترط أن لا يمتدّ إِلى آخر الوقت». وقت صلاة العصر ويبدأ حين يكون ظلّ الشيء مثله مع فيء الزوال، ويمتدّ إِلى غروب الشمس. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى- في بيان وقت العصر في درس عمليّ: «قلنا في بيان صلاة الظهر أنَّ طول الشاخص ١م مثلًا وفيء الزوال ٢سم و١ ملم، فمتى يكون وقت العصر؟ عندما يصير هذا الظلّ طوله ١م و٢سم و١ملم، فالشاخص الذي قلنا إِنَّ طوله ١م، يصير ظلّه على الأرض ١م و٢سم و١ملم وهو فيء الزوال». انتهى. وفي ذلك أحاديث منها حديث جابر المتقدّم وفيه: «... ثمَّ جاءه العصر فقال: قُم فصلِّه، فصلَّى العصر حين صار ظلّ كل شيء مثليه». وكذلك حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: ------------------------ (١) ونقله السيد سابق -حفظه الله- في «فقه السنة» (١/ ٩٩). «... ومن أدرك ركعة (١) قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر» (٢). وفي رواية: «إِذا أدرك أحدكم سجدةً (٣) من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس، فليتمّ صلاته» (٤). الترهيب من ترك صلاة العصْر عن أبي المَليح قال: كنّا مع بريدة في غزوةٍ في يوم ذي غيم، فقال: بكِّروا بصلاة العصر، فإِنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «من ترك صلاة العصر فقد حَبِط عمله» (٥). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «الذى تفوتُه صلاة العصر كأنَّما وُتِرَ (٦) أهلَه وماله» (٧). ------------------------- (١) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر). (٢) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨ (٣) سيأتي الكلام حولها في (باب من أدرك ركعة من صلاة الفجر أو العصر). (٤) أخرجه البخاري: ٥٥٦ من حديث أبي هريرة، ومسلم: ٦٠٩ من حديث عائشة -رضي الله عنهما-. (٥) أخرجه البخاري: ٥٥٣، ٥٩٤، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية، «الإِرواء» (٢٥٥). (٦) قال في «الفتح»: «وُتِر أهله: هو بالنصب عند الجمهور على أنَه مفعول ثانٍ لوُتِر، وأُضمر في (وُتِر) مفعول لم يسمّ فاعله، وهو عائد على الذي فاتَتْه، فالمعنى: أصيب بأهله وماله، وهو متعدٍّ إِلى مفعولين ...». (٧) أخرجه البخاري: ٥٥٢، ومسلم: ٦٢٦، وغيرهما. تعجيلها عند الغيم لقول بريدة السابق حين غزا في يوم ذي غيمْ: «بكّروا بصلاة العصر ...». صلاة العصر هي الصَّلاة الوسطى قال الله تعالى: ﴿حافِظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين﴾ (١). وعن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال يوم الخندق: «ملأ الله عليهم بيوتهم، وقبورهم نارًا؛ كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» (٢). وفي رواية: «شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا ...» (٣). وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: «حَبَسَ المشركون رسول الله - ﷺ - عن صلاة العصر، حتى احمرَّت الشمس أو اصفرَّت، فقال رسول الله - ﷺ -: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر؛ ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا»، أو قال: «حشا الله أجوافهم وقبورهم نارًا» (٤). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٨): "ويُقال: إِنها سُمّيت وسطى ------------------------ (١) البقرة: ٢٣٨ (٢) أخرجه البخاري: ٤١١١، ومسلم: ٦٢٧ (٣) أخرجه مسلم: ٦٢٧ (٤) أخرجه مسلم: ٦٢٨ لأنها بين صلاتين في الليل، وصلاتين في النهار». وقت صلاة المغرب ويبدأ وقت صلاة المغرب إِذا غابَ جميع قُرص الشمس، ويستمرّ إِلى مغيب الشّفق (١) الأحمر، وتقدَّم حديث مسلم (٦١٢): «فإِذا صلّيتم المغرب؛ فإِنَّه وقْتٌ إِلى أن يسقُط الشّفق». ويُستحبّ التعجيل بصلاة المغرب وفي ذلك نصوص عديدة منها: ١ - ما رواه سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يصلي المغرب إِذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب» (٢). ٢ - عن أبي أيوب -رضي الله عنه- عن النبيّ - ﷺ - قال: «صلّوا صلاة المغرب مع سقوط الشمس» (٣). ٣ - ما رواه رافع بن خديج -رضي الله عنه- قال: «كُنّا نصلّي المغرب مع النّبيّ - ﷺ - فينصرف أحدُنا؛ وإِنَّه ليُبصر مواقع نَبْلِه» (٤). جاء في «المغني» (١/ ٣٩٠): «وإِذا غابت الشمس وجَبَت المغرب، ولا يُستحبّ تأخيرها إِلى أن يغيب الشّفق، أمَّا دخول وقت المغرب بغروب ------------------ (١) قال في»النهاية«: الشفق من الأضداد؛ يقع على الحُمرة التي تُرى في المغرب بعد مغيب الشمس، وبه أخذَ الشافعي، وعلى البياض الباقي في الأفق الغربي بعد الحمرة المذكورة، وبه أخذَ أبو حنيفة. (٢) أخرجه البخاري: ٥٦١، ومسلم: ٦٣٦ (٣) أخرجه الطبراني وغيره وخرجه شيخنا في»الصحيحة" (١٩١٥). (٤) أخرجه البخاري: ٥٥٩، ومسلم: ٦٣٧ الشمس؛ فإِجماع أهل العلم لا نعلم بينهم خلافًا فيه، والأحاديث دالّة عليه وآخره مغيب الشّفق، وبهذا قال الثوري وإِسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وبعض أصحاب الشافعي، وقال مالك والأوزاعي والشافعي: ليس لها إلاَّ وقت واحد عند مغيب الشمس؛ لأن جبريل عليه السلام صلاّها بالنّبيّ - ﷺ - في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصَّلاة». التعجيل بصلاة المغرب: لما تقدّم من النصوص: وقال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩): «وأجمع كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم على أنَّ التعجيل بصلاة المغرب أفضل، وكذلك نقول». وقت العشاء يبدأ وقت صلاة العشاء حين يغيب الشّفق، ويمتدّ إلى نصف الليل، وتقدَّم حديث جابر -رضي الله عنه-: «... فصلّى العشاء حين غاب الشّفق ...»، إِلى قوله: «ثمَّ جاء من الغد ... ثمَّ جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثُلث الليل، فصلّى العشاء ... ثمَّ قال: ما بين هذين وقْت». وفي الحديث: «إِذا ملأ الليل بطن كلِّ وادٍ فصلّ العشاء الآخرة» (١). استحباب تأخير العشاء عن أوّل وقْتها وفيه أحاديثُ عديدة، منها: --------------------- (١) أخرجه أحمد وغيره، وهو ثابت بمجموع طرقه، وانظر «الصحيحة» (١٥٢٠). حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- يصف صفة صلاة النّبيّ - ﷺ - المكتوبة- قال: «وكان يستحِبُّ أن يؤخّر من العشاء التي تدْعونها العَتَمةَ» (١). وعن حميد قال: «سُئل أنسٌ: هل اتخذ النّبيّ - ﷺ - خاتَمًا؟ قال: أخّرَ ليلةً صلاة العشاء إِلى شطر الليل، ثمَّ أقبلَ علينا بوجهه، فكأني أنظر إِلى وبيص (٢) خاتمه، قال: إِنّ الناس قد صلَّوا وناموا، وإِنَّكَم لم تزالوا في صلاة ما انتظرتموها» (٣). وعن عائشة؛ قالت: «أَعْتَم (٤) النّبيّ - ﷺ - ذات ليلة حتى ذهب عامّة الليل، وحتى نام أهل المسجد، ثمَّ خرج فصلّى، فقال:»إِنَّه لَوَقتها؛ لولا أن أشقَّ على أمّتي«(٥). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لولا أن أشقَّ على أمّتي، لأمَرْتهم أن يُؤخّروا العشاء إِلى ثلث الليل أو نصفه«(٦). وعن محمد بن عمرو بن الحسن بن عليّ قال: قدم الحجّاج فسأَلنا جابر --------------------------- (١) ووردَ معلقًا في البخاري: (١/ ١٥٠)، وموصولًا (٥٤٧)، وانظر مسلم: ٦٤٧ (٢) أي: بريق. (٣) رواه البخاري: ٥٨٦٩، ومسلم: ٦٤٠ (٤) أي: أخر صلاة العشاء حتى اشتدّت عتمة الليل وظُلمته. (٥) أخرجه مسلم: ٦٣٨، وغيره. (٦) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وهو في»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٦٥)، وصحّح شيخنا إِسناده في»المشكاة" (٦١١). ابن عبد الله فقال: «كان النّبيّ - ﷺ - يصلّي الظهرَ بالهاجرةِ (١)، والعصر والشمس نقيةٌ، والمغرب إِذا وجبتْ، والعشاء أحيانًا وأحيانًا: إِذا رآهم اجتمعوا عجّلَ، وإذا رآهم أبطأوا أخَّر، والصبح -كانوا أو كان النّبيّ - ﷺ - يصليها بغَلَس» (٢). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٤٨) عقب الحديث (٥٦٧): «... فعلى هذا من وجد به قوّةً على تأخيرها، ولم يغلِبه النوم ولم يشقّ على أحد من المأمومين؛ فالتأخير في حقّه أفضل، وقد قرّر النووي ذلك في»شرح مسلم«، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعيّة وغيرهم والله أعلم. ونقل ابن المنذر عن الليث وإِسحاق؛ أنَّ المستحبّ تأخير العشاء إِلى قبل الثُلث، وقال الطحاوي: يُستحبُّ إِلى الثلث، وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعي في الجديد، وقال في القديم: التعجيل أفضل، وكذا قال في»الإِملاء«وصحّحه النووي وجماعة وقالوا: إِنَّه ممَّا يُفتي به على القديم، وتعقب بأنَّه ذكره في»الإِملاء«وهو من كُتُبه الجديدة، والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير، ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم». قلت: «ولعلّ ذلك يتبع ما بالحيّ والجماعة من قوّة؛ يُراعى فيها أضعفهم؛ حرصًا على صلاة الجماعة. -------------------------- (١) قال في»النهاية«:»والهجير والهاجرة: اشتداد الحرّ نصف النّهار«. وأشار الحافظ في»الفتح" (٢/ ٤٢) أنَّه عقبَ الزوال؛ حين اشتداد الحرّ، وذلك في معرض مناقشة بعض الأقوال. (٢) أخرجه البخاري: ٥٦٠، ومسلم: ٦٤٦ فربّما استدعى الأمر إِلى عدم التأخير مُطلقًا لظروف المصلِّين، وربما كان المصلّون قلَّةً في مسجدٍ ما، يستطيعون تأخير الصلاة إِلى ثلث الليل أو قبله أو بعده، ويراعى في ذلك الانتفاع من وقت الانتظار في العبادة والطاعة، والله أعلم». ولابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٦٩) كلام نفيس في هذا فارجع إِليه -إِن شئت-. آخر وقت للعشاء تعدَّدت الأقوال في آخر وقت للعشاء، فمنهم مَن قال: إِنَّ العشاء يمتدُّ إِلى طلوع الفجر الثاني، ومنهم من قال: إِنّه يمتدّ إِلى ثُلث الليل، ومنهم من قال: إِلى نصف الليل. ومنهم من قال: وقت الاختيار إِلى ثلث الليل، ووقت الضرورة إِلى طلوع الفجر الثاني. واستدلّ من قال بامتداد العشاء إِلى طلوع الفجر الثاني بحديث «مسلم» (٦٨١): «... أما إِنّه ليس في النّوم تفريط، إِنَّما التفريطُ على من لم يُصلِّ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأُخرى ...». قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص١٤٠): "... ولا دليل فيه على ما ذهبوا إِليه، إِذ ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك وإِنّما لبيان إِثم من يؤخِّر الصلاة حتى يخرجها عامدًا عن وقتها مطلقًا؛ سواء كان يعقبها صلاة أخرى مِثل العصر مع المغرب، أوْ لا، مِثْل الصبح مع الظهر، ويدلّ على ذلك أنّ الحديث ورَد في صلاة الفجر؛ حين فاتتْه - ﷺ - مع أصحابه وهم نائمون في سَفَر لهم، واستعظَم الصحابة -رضي الله عنهم- وقوع ذلك منهم، فقال - ﷺ - لهم: «أما لكم فيَّ أُسوة؟» ثمَّ ذكَر الحديث. كذلك هو في «صحيح مسلم» وغيره، فلو كان المراد من الحديث ما ذهبوا إِليه من امتداد وقت كل صلاة إِلى دخول الأخرى، لكان نصًّا صريحًا على امتداد وقت الصبح إِلى وقت الظهر، وهم لا يقولون بذلك، ولذلك اضطروا إِلى استثناء صلاة الصبح من ذلك، وهذا الاستثناء على ما بينّا من سبب الحديث يعود عليه بالإِبطال؛ لأنَّه إِنَّما ورَد في خصوص صلاة الصبح، فكيف يصحّ استثناؤها؟! فالحقّ أنَّ الحديث لم يَرِد من أجل التحديد، بل لإِنكار تعمُّد إِخراج الصلاة عن وقتها مطلقًا، ولذلك قال ابن حزم في «المحلّى» (٣/ ٢٣٣) مجيبًا على استدلالهم المذكور: «هذا لا يدلّ على ما قالوه أصلًا، وهم مُجمِعون معَنا أنَّ وقت صلاة الصبح لا يمتدّ إِلى وقت صلاة الظهر، فصحّ أنَّ هذا الخبر لا يدل على اتّصال وقْت كلّ صلاة بوقت التي بعدها، وإِنَّما فيه معصية من أخَّرَ صلاةً إِلى وقْتِ غيرها فقط، سواءٌ اتصل آخر وقتها بأول الثانية أمْ لم يتَّصل، وليس فيه أنّه لا يكون مفرِّطًا أيضًا من أخَّرها إِلى خروج وقتها، وإِن لم يدخُل وقتُ أخرى، ولا أنّه يكون مُفرِّطًا، بل هو مسكوت عنه في هذا الخبر، ولكن بيانه في سائر الأخبار التي فيها نصٌّ على خروج وقتِ كلِّ صلاة، والضرورة توجبُ أنَّ من تعدَّى بكل عمل وقته الذي حدَّه الله تعالى لذلك العمل؛ فقد تعدّى حدود الله، وقال تعالى: ﴿ومن يتَعَدَّ حدودَ الله فأولئكَ هم الظالمون﴾ (١)». وإذ قد ثَبت أنّ الحديث لا دليل فيه على امتداد وقت العشاء إِلى الفجر، ----------------------------- (١) البقرة: ٢٢٩ فإِنَّه يتحتّم الرجوع إِلى الأحاديث الأخرى التي هي صريحة في تحديد وقت العشاء مِثل قوله - ﷺ -: «ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...». رواه «مسلم» (٦١٢) وغيره. وقد مضى بتمامه في الكتاب، ويؤيّده ما كتب به عمر بن الخطاب إِلى أبي موسى الأشعري: «... وأَن صلِّ العشاء ما بينك وبين ثلث الليل، وإنْ أخَّرْت فإِلى شطْر الليل، ولا تكن من الغافلين». أخرجه مالك والطحاوي وابن حزم، وسنده صحيح. فهذا الحديث دليل واضح على أنَّ وقت العشاء إِنّما يمتدّ إِلى نصف الليل فقط، وهو الحقّ، ولذلك اختارَه الشوكاني في «الدرر البهية»، فقال: «... وآخر وقت صلاة العشاء نصف الليل»، وكذا في «السيل الجرّار» (١/ ١٨٣) وتبِعه صديق حسن خان في «شرحه» (١/ ٦٩ - ٧٠)، وقد رُوي القول به عن مالك كما في «بداية المجتهد»، وهو اختيار جماعة من الشافعية كأبي سعيد الاصطخري وغيره. انظر «المجموع» (٣/ ٤٠). فخلاصة الأمر أنَّ وقت صلاة العشاء؛ يمتدّ إلى نصف الليل فقط، وحديث «مسلم» (٦١٢) المتقدم عُمدة في ذلك وفيه: «... ووقت صلاة العشاء إِلى نصف الليل الأوسط ...» وبالله التوفيق. فائدة: ينتهي الليل بطلوع الفجر الصادق، قال الله تعالى: ﴿وكلُوا واشْرَبُوا حتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ من الفَجْر﴾ (١). فالخيط ------------------------- (١) البقرة: ١٨٧ الأسود آخر الليل، والخيط الأبيض أول الفجر. وقت صلاة الصبح يبدأ وقت صلاة الصبح حين يطلُع الفجر الصّادق، ويمتدّ إِلى طلوع الشمس. جاء في «المغني» (١/ ٣٩٥): «وإذا طلَع الفجر الثاني وجَبَت صلاة الصبح، والوقت مُبقىً إِلى ما قبل أنْ تطلُع الشمس، ومن أدرَك منها ركعةً قبل أن تطلُع فقد أدرَكها وهذا مع الضرورة. وجملته: إِنَّ وقت الصبح يدخل بطلوع الفجر الثاني إِجماعًا، وقد دلَّت عليه أخبار المواقيت وهو البياض المستطير (١) المنتشر في الأفق، ويُسمَّى الفجر الصادق؛ لأنَّه صدقَك عن الصبح وبيَّنه لك، والصبحُ ما جمع بياضًا وحمرةً، ومنه سُمِّي الرجل الذي في لونه بياض وحمرة أصبح، فأمَّا الفجر الأول: فهو البياض المستدق صُعُدًا (٢) من غير اعتراض، فلا يتعلّق به حكم، ويُسمَّى الفجر الكاذب». ------------------------ (١) الفجر المستطير: هو الذي انتشر ضوؤه واعترض في الأفق، بخلاف المستطيل. ومنه حديث بني قريظة: وهان على سراة بني لؤيٍّ ... حريقٌ بالبويرة مستطير أي: منتشر متفرّق، كأنه طار في نواحيها. «النهاية». (٢) أي: طولًا. ![]()
__________________
|
|
#24
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 341الى صــ 355 الحلقة (24) التغليس (١) بصلاة الفجر يستحبُّ التغليس بصلاة الفجر؛ بأن تُصلّى في أوّل وقتها، كما تدلّ على ذلك الأحاديث الصحيحة، منها: حديث أبي مسعود البدري: «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى الصبح مرّة بغلس، ثمَّ صلّى مرّة أخرى فأسفَر بها، ثمَّ كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات، ولم يعد إِلى أن يسفر» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: «كنَّ نساءُ المؤمنات يشهدنَ مع رسول الله - ﷺ - صلاة الفجر مُتَلَفِّعاتٍ بمروطهنَّ، ثمَّ ينقلبنَ إِلى بيوتهنَّ حين يقضين الصلاة؛ لا يعرفهنَّ أحدٌ من الغَلَس» (٣). --------------------- (١) الغَلس: ظُلمة آخر الليل كما تقدّم، والمراد بالتغليس هنا: المبادرة بصلاة الفجر في أوّل وقتها. (٢) أخرجه أبو داود بسند حسن كما قال النووي وابن حبان في «صحيحه» (٣٧٨) وصححه الحاكم والخطابي والذهبي وغيرهم، كما بيّنه شيخنا -حفظه الله تعالى- في «صحيح سنن أبي داود» (٣٧٨)، وقال: «والعمل بهذا الحديث هو الذي عليه جماهير العلماء؛ من الصحابة والتابعين والأئمّة المجتهدين ...»، وانظر «الضعيفة» (٢/ ٣٧٢). ومعنى إِلى أن يُسفر: «أي: ينكشف ويُضيء فلا يُشَكُّ فيه، وسيأتي شرحه قريبًا -إِن شاء الله- في حديث:»أسفروا بالفجر ... «، وقال ابن المنذر في»الأوسط«(٢/ ٣٨١):»وقال بعضهم: معروف في كلام العرب قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، وأسفري عن وجهك، أي: اكشفي«. (٣) أخرجه البخاري: ٥٧٨، ومسلم: ٦٤٥، وغيرهما. قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٥٥):»(كنَّ): قال الكرماني: هو مِثل (أكلوني = وفي رواية: «وما يعرف بعضنا وجوه بعض» (١). ولا يُعارض هذا الحديث قوله - ﷺ -: «أسفروا (٢) بالفجر؛ فإِنَّه أعظم ----------------------- = البراغيث) لأنَّ قياسه الإِفراد وقد جُمِع. قوله (نساء المؤمنات): تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها، ذلك حتى لا يكون من إِضافة الشيء إلى نفسه، وقيل: إِنَّ (نساء) هنا بمعنى الفاضلات، أي: فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أي: فضلاؤهم. وقوله (لا يعرفهن أحد)، قال الداودي: معناه: لا يُعرفن أنساء أم رجال، أى: لا يظهر للرائي إلاَّ الأشباح خاصّة، وقيل: لا يُعرف أعيانهن فلا يُفرّق بين خديجة وزينب، وضعّفه النووي بأنّ المتلفّعة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة، وتعقّب بأن المعرفة إِنما تتعلق بالأعيان، فلو كان المراد الأول لعبَّر بنفي العِلم، وما ذكر من أن المتلفّعة بالنهار لا تُعرف عينُها فيه نظر، لأنَّ لكلّ أمرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب، ولو كان بدنها مُغطّى. وقال الباجي: هذا يدلّ على أنهنّ كنّ سافرات، إِذ لو كنَّ متنقّبات لمنع تغطية الوجه من معرفتهنّ لا الغلس. قلت: وفيه ما فيه، لأنَّه مبني على الاشتباه الذي أشار إِليه النووي، وأمّا إِذا قلنا إِنَّ لكل واحدة منهن هيئة غالبًا فلا يلزم ما ذكر. والله أعلم. والمروط: جمع مِرط بكسر الميم وهو كساء معلم من خز أو صوف أو غير ذلك، وقيل: لا يسمى مِرْطًا؛ إلاَّ إِذا كان أخضر، ولا يلبسه إلاَّ النساء، وهو مردود بقوله مِرْط من شعر أسود، وقوله: ينقلبن أي: يرجعن». (١) أخرجه أبو يعلى في «مسنده» بسند صحيح عنها. عن «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٦٦). (٢) أسفر الصبح إِذا انكشف وأضاء. قالوا: يُحتمل أنهم حين أمرهم بتغليس صلاة الفجر في أوّل وقتها؛ كانوا يصلّونها عند الفجر الأوّل حرصًا ورغبةً، فقال: أسفِروا بها = للأجر» (١). قال الحافظ -رحمه الله- في «الفتح» (٢/ ٥٥): «وأمّا ما رواه أصحاب السنن وصحّحه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله - ﷺ -:»أسفِروا بالفجر فإِنَّه أعظم للأجر«، فقد حَمَله الشافعي وغيره على أنَّ المراد بذلك تحقُّق طلوع الفجر، وحَمله الطحاوي على أنَّ المراد الأمر بتطويل القراءة فيها؛ حتى يخرج من الصلاة مُسفِرًا، وأبعَدَ من زَعمَ أنَّه ناسخ للصلاة في الغلس». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «الإِرواء» (١/ ٢٨٦): «قال الترمذي عقب الحديث: وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النّبيّ - ﷺ - والتابعين الإِسفار بصلاة الفجر. وبه يقول سفيان الثوري. وقال الشافعي وأحمد وإِسحاق: معنى الإِسفار: أن يتضح الفجر، فلا يُشكّ فيه، ولم يرو أنَّ معنى الإِسفار تأخير الصَّلاة». قلت [الكلام لشيخنا -حفظه الله-]: «بل المعنى الذي يدل عليه مجموع ألفاظ الحديث إِطالة القراءة في الصَّلاة حتى يخرج منها في الإِسفار، ومهما أسفَر فهو أفضل وأعظم للأجر؛ كما هو صريحُ بعضِ الألفاظ المتقدمة، فليس معنى الإِسفار إِذن هو الدخول في الصَّلاة في وقت الأِسفار؛ كما هو ---------------- = أي: أخّروها إِلى أن يطلع الفجر الثاني وتتحققوه. وقيل: إِن الأمر بالإسفار خاصٌ في الليالي المقمرة؛ لأنَّ أوّل الصبح لا يتبّين فيها، فأُمروا بالأِسفار احتياطًا.»النهاية«بحذف يسير. (١) أخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في»الإرواء" (٢٥٨)، وذكر له طُرقًا وشواهد عديدة. مشهور عن الحنفية، لأنَّ هذا خلاف السنّة الصحيحة العملية التي جرى عليها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما تقدَّم في الحديث الذي قبله، ولا هو التحقّق من دخول الوقت كما هو ظاهر كلام أولئك الأئمّة، فإِنَّ التحقق فرْض لا بد منه، والحديث لا يدلّ إلاَّ على شيء هو أفضل من غيره، لا على ما لا بدّ منه كما هو صريح قوله: «... فإِنَّه أعظم للأجر»، زِدْ على ذلك أنَّ هذا المعنى خلاف قوله في بعض ألفاظ الحديث: «... فكلّما أصبحتم بها فهو أعظم للأجر». وخلاصة القول؛ أنَّ الحديث إِنّما يتحدّث عن وقت الخروج من الصلاة، لا الدخول، فهذا أمر يُستفاد من الأحاديث الأخرى، وبالجمع بينها وبين هذا: نستنتج أنَّ السنَّة الدخول في الغلس والخروج في الإِسفار، وقد شرح هذا المعنى الإِمام الطحاوي في «شرح المعاني»، وبيّنه أتمّ البيان بما أظهر أنَّه لم يُسبَق إِليه، واستدلّ على ذلك ببعض الأحاديث والآثار، وختم البحث بقوله: فالذي ينبغي الدخول في الفجر في وقت التغليس، والخروج منها في وقت الإِسفار؛ على موافقة ما روينا عن رسول الله - ﷺ - وأصحابه. وهو قول أبي حنيفة وأيي يوسف ومحمد بن الحسن -رحمهم الله تعالى-. وقد فاتهَ -رحمه الله- أصرح حديث يدلّ على هذا الجمع؛ منْ فِعْله عليه الصلاة والسلام وهو حديث أنس -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يصلّي، .. الصُّبح إِذا طلَع الفجر إِلى أن ينفسح البصر». أخرجه أحمد بسند صحيح كما تقدَّم بيانه في آخر تخريج الحديث السابق. وقال الزيلعي (١/ ٢٣٩): «هذا الحديث يُبطلِ تأويلهم الإِسفار بظهور الفجر» وهو كما قال -رحمه الله تعالى-". انتهى ولشيخ الإِسلام كلام مهم في «الفتاوى» (٢٢/ ٩٥) فارجع إِليه -إِن شئت-. من أدرَك ركعة من صلاة الفجر أو العصر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من أدرَك من الصبح ركعةً قبل أن تطلع الشمس؛ فقد أدرَك الصبح، ومن أدرَك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس؛ فقد أدرَك العصر» (١). وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أدرَك أحدُكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرُب الشمس، فليُتمَّ صلاته، وإذا أدرَك سجدةً من صلاة الصُّبح قبل أن تطلع الشمس، فليتمّ صلاته» (٢). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدرَك من العصر سجدةً قبل أن تغرب الشمس؛ أو من الصبح قبل أنْ تطلع، فقد أدرَكها» (٣) والسجدة إِنَّما هي الركعة (٤). ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٥٧٩، ومسلم: ٦٠٨ (٢) أخرجه البخاري: ٥٥٦ (٣) أخرجه مسلم: ٦٠٩، وغيره. (٤) قوله: «والسجدة إِنما هي الركعة» مُدرجة في الحديث ليست من قوله - ﷺ -. قال شيخنا في «الإِرواء» (تحت الحديث ٢٥٢): «وهي مُدرجةٌ في الحديث ليست من كلامه - ﷺ -، قال الحافظ في»التلخيص«(ص٦٥): قال المحبّ الطبري في»الأحكام«: ويُحتمل إِدراج هذه اللفظة الأخيرة. قلت: -أي: شيخنا حفظه الله -:»وهو الذي أُلقيَ في نفسي وتبيّن لي بعد أن تتبعتُ مصادر الحديث فلم أجدها عند غير مسلم. والله أعلم". وجاء في «صحيح البخاري» (٥٥٦) (كتاب مواقيت الصلاة) «باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب»، وأورد فيه حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-: «إِذا أدرَك أحدكم سجدةً ...». قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٣٨): «قوله (باب من أدرَك ركعةً من العصر قبل الغروب) أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة:»إِذا أدرَك أحدكم سجدةً من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، فكأنَّه أراد تفسير الحديث، وأنَّ المراد بقوله: «فيه سجدة»، أي: ركعة. وقد رواه الإِسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ: «من أدرَك منكم ركعة» فدلّ على أنَّ الاختلاف في الألفاظ وقَع من الرواة، ... و[في] رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ: «من أدرَك ركعة» ولم يُختَلف على راويها في ذلك، فكان عليها الاعتماد. وقال الخطابي: «المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، والركعة إِنّما يكون تمامها بسجودها فسُمّيت على هذا المعنى سجدة»«. قال شيخنا في»الإِرواء«(١/ ٢٧٥):»... وقد أخرجه البيهقي (١/ ٣٧٨) من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحنين حدثنا الفضل يعني ابن دكين به، بلفظ: «إِذا أدرك أحدكم أوّل سجدة ...» بزيادة «أوّل» في الموضعين. ... فثبتَ مما ذكَرْنا أنَّ هذه الزيادة صحيحة ثابتة في الحديث، وهي تعيِّن أنَّ المراد من الحديث إدراك الركوع مع السجدة الأولى؛ كما سبَق بيانه، وما يترتّب عليه من رفْع الخلاف الفقهي في الحديث الذي قبله"، أي: حديث: «من أدرَك ركعةً من الصبح ...». الأوقات التي ورَد النّهي عن الصَّلاة فيها لقد ورَد النهي عن الصَّلاة في عِدّه مواطن، وهي ما يأتي: ١ - بعد صلاة الفجر حتى تطلُع الشمس. ٢ - وحين طلوعها حتى ترتفع قدر رمح. ٣ - وحين استوائها. ٤ - وحين تميل إِلى الغروب. ٥ - وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس؛ وذكر بعض العلماء جواز ذلك قبل اصفرار الشمس، كما سيأتي إِن شاء الله. ودليل ذلك: حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا صلاة بعد صلاة العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الفجر حتَّى تطلع الشمس» (١). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٥٨٦، ومسلم: ٨٢٧ قال شيخ الإِسلام ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم» (٦٣ - ٦٥) بحذف يسير: "فقد نهى النّبيّ - ﷺ - عن الصلاة وقت طلوع الشمس، ووقت الغروب، مُعلِّلًا ذلك النهي: بأنّها تطلع وتغرب بين قرني شيطان، وأنَّه حينئذ يسجُد لها الكفار. ومعلوم أنَّ المؤمن لا يقصد السجود إلاَّ لله تعالى، وأكثر النّاس قد لا يعلمون أنَّ طلوعها وغروبها بين قرني شيطان، ولا أنَّ الكفار يسجدون لها، ثمَّ إِنَّه - ﷺ - نَهى عن الصلاة في هذا الوقت حَسمًا لمادّة المشابهة بكلّ طريق. = وحديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- في قصة إِسلامه، وفيه: «فقلتُ: يا نبي الله! أخبِرني عمَّا علَّمك الله وأجهلُهُ، أخبرْني عن الصلاة؟». قال: «صلِّ صلاة الصبح. ثمَّ أقْصِرْ عن الصَّلاة حتى تطلع الشمس حتَّى ترتفع، فإِنّها تطلعُ حين تطلعُ بين قرْني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثمَّ صلِّ فإِنَّ الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ (١) حتَّى يستقلَّ الظِّلُّ بالرمح (٢). ثمَّ أقصِرْ ------------------- = ... وكان فيه تنبيهٌ على أنَّ كلّ ما يفعله المشركون من العبادات ونحوها ممّا يكون كفرًا أو معصية بالنية؛ يُنهى المؤمنون عن ظاهره، وإنْ لم يقصدوا به قصْد المشركين سدًّا للذريعة، وحسمًا للمادة»، ولهذا نهَى عن الصلاة إِلى ما عُبد من دون الله في الجملة، وإِن لم يكن العابد يقصد ذلك، ولهذا يُنهى عن السجود لله بين يدي الرّجل، وإن لم يقصد الساجد ذلك، لِمَا فيه من مُشابهة السجود لغير الله. فانظر كيف قَطَعت الشريعة المشابهة في الجهات وفي الأوقات، وكما لا يُصلّي إِلى القبلة التي يُصلون إِليها؛ كذلك لا يصلّي إِلى ما يُصلّون له؛ بل هذا أشدّ فسادًا، فإِنَّ القبلة شريعة من الشرائع، قد تختلف باختلاف شرائع الأنبياء، أمَّا السجود لغير الله وعبادته؛ فهو مًحرّم في الدين الذي اتفقت عليه رسل الله، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿واسألْ من أرسَلْنا من قبلِك من رُسُلنا أجعَلْنا من دون الرحمن آلهةً يُعبدون﴾. [الزخرف: ٤٥]. (١) أي: تشهدها الملائكة وتحضرها. (٢) قال النووي -رحمه الله-: أى: يقوم مقابله في جهة الشمال؛ ليس مائلًا إِلى المغرب ولا إِلى المشرق، وهذه حالة الاستواء، وفي الحديث التصريح بالنهي عن الصلاة حينئذ حتى تزول الشمس، وهو مذهب الشافعي وجماهير العلماء، واستثنى الشافعي حالة الاستواء يوم الجمعة. وقال في «النهاية»: أي: حتى يبلغ ظلّ الرمح المغروس في الأرض أدنى غاية القلَّة والنقص؛ لأنَّ ظلَّ كل شيء في أوّل النّهار يكون طويلًا، ثمَّ لا يزال ينقص حتى يبلغ أقصره = عن الصَّلاة. فإِنَّ حينئذ تُسْجَرُ جهنم (١) فإِذا أقبل الفيءُ فَصَلِّ (٢). فإِن الصَّلاة مشهودةٌ محضورةٌ، حتَّى تصلِّي العصر ثمَّ أقصِر عن الصَّلاة (٣) حتَّى تغرب الشمس. فإِنّها تغرُب بين قرني شيطانٍ، وحينئذ يسجد لها الكفار» (٤). وعن عقبة بن عامر الجهني -رضي الله عنه- قال: «ثلاث ساعات كان رسول الله - ﷺ - ينهانا أن نصلِّي فيهنّ، أو أن نقبرَ فيهنّ موتانا (٥): حين تطلعُ الشمس بازغةً (٦) حتى ترتفع، وحين يقوم قائمُ الظهيرة (٧) حتى تميل ---------------------- = وذلك عند انتصاف النهار، فإِذا زالت الشمس عاد الظِّل يزيد، وحينئذ يدخل وقت الظهر، وتجوز الصلاة ويذهب وقت الكراهة. وهذا الظّل المتناهي في القِصَر هو الذي يسمّى ظلَّ الزوال، أي: الظل الذي تزول الشمس عن وسط السماء، وهو موجود قبل الزيادة. فقوله:»يستقل الرّمح بالظل«هو من القلة لا من الإِقلال والاستقلال الذي بمعنى الارتفاع والاستبداد، يقال: تقلل الشيء، واستقله، وتقالَّه: إِذا رآه قليلا. (١) أي: توقد إِيقادًا بليغًا.»شرح النووي«. (٢) أقبل الفيء: ظهر إِلى جهة الشرق، والفيء مختصّ بما بعد الزّوال، وأمّا الظلّ فيقع على ما قبل الزوال وبعده.»شرح النووي«. (٣) أي: أمسِكْ وكفّ. (٤) أخرجه مسلم: ٨٣٢، وغيره. (٥) قال شيخنا -حفظه الله- في»تمام المنة«(ص ١٤٣): [الواجب] تأخير دفْن الجنازة حتى يخرج وقت الكراهة، إلاَّ إِذا خيف تغيّر الميت، وهو قول الحنابلة كما ذكره المؤلف [أي: السيد سابق -حفظه الله-] في كتاب»الجنائز«. (٦) البزوغ: ابتداء طلوع الشمس، يقال: بزغت الشمس، وبزغ القمر وغيرهما: إِذا طلعَت.»النهاية". (٧) أي: قيام الشمس وقت الزوال، من قولهم: قامت به دابّته: أي: وقَفَت = الشمس، وحين تضَيَّف (١) الشمس للغروب حتى تغرب» (٢). أمّا الصلاة بعد العصر؛ فقد ذكر بعض العلماء جوازها قبل اصفرار الشمس؛ لحديث عليّ -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله - ﷺ - عن الصَّلاة بعد العصر إلاَّ والشمس مرتفعة» (٣). وعن المقدام بن شريح عن أبيه قال: «سألت عائشة عن الصلاة بعد العصر؛ فقالت: صلِّ، إِنما نهى رسول الله - ﷺ - قومك أهل اليمن عن الصلاة إِذا طلعت الشمس» (٤). ------------------ = والمعنى: أنَّ الشمس إذا بَلَغَت وسط السماء أبطأت حركة الظلّ إِلى أن تزول، فيحسب النّاظر المتأمل أنها قد وقفت وهي سائرة؛ لكن سيرًا لا يظهر له أثر سريع؛ كما يظهر قبل الزوال وبعده، فيُقال لذلك الوقوف المشاهد: قامَ قائم الظهيرة. «النهاية». ويستثنى من ذلك التطوّع يوم الجمعة، كما سيأتي إِن شاء الله تعالى، وقال شيخنا في «تمام المنة» (ص١٤٣): «وفيه أحاديث كثيرة؛ تراجع في»زاد المعاد«و»إِعلام أهل العصر بحُكم ركعتي الفجر«للعظيم آبادي وغيرهما». قال النووي: حال استواء الشمس، ومعناه: حين لا يبقى للقائم فى الظهيرة ظلٌّ في المشرق ولا في المغرب. (١) أي: تميل، يُقال: ضاف عنه يضيف. وانظر «النهاية». (٢) أخرجه مسلم: ٨٣١، وغيره. (٣) أخرجه أبو داود والنسائي وأبو يعلى في «مسنده» وغيرهم، وهو حديث صحيح خرَّجه شيخنا في «الصحيحة» (٢٠٠). (٤) قال شيخنا -شفاه الله- في «الضعيفة» تحت الحديث (٩٤٥): «وسنده صحيح على شرط مسلم». قال شيخنا في»الصحيحة«(١/ ٣٤٢) بعد حديث»لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس«:»فهذا مطلق، يقيّده حديث عليّ -رضي الله عنه- وإلى هذا أشار ابن حزم -رحمه الله- بقوله المتقدِّم: «وهذه زيادة عدْل لا يجوز ترْكها». ثمَّ قال البيهقي: «وقد رُوي عن علي -رضي الله عنه- ما يخالف هذا. وروي ما يوافقه». ثمَّ ساق هو والضياء في «المختارة» (١/ ١٨٥) من طريق سفيان قال: أخبَرني أبو إِسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي -رضي الله عنه- قال: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلِّي ركعتين في دبر كلِّ صلاةٍ مكتوبةٍ، إلاَّ الفجر والعصر». قلتُ -أي: شيخنا حفظه الله تعالى-: "وهذا لا يخالف الحديث الأوّل إِطلاقًا، لأنَّه إنما ينفي أن يكون النّبيّ - ﷺ - صلَّى ركعتين بعد صلاة العصر، والحديث الأوّل لا يُثبِت ذلك حتى يُعارَض بهذا، وغاية ما فيه أنَّه يدلّ على جواز الصَّلاة بعد العصر إِلى ما قبل اصفرار الشمس، وليس يلزم أن يفعل النّبيّ - ﷺ - ما أثبت جوازه بالدليل الشرعي كما هو ظاهر. نعم، قد ثبَت عن أمّ سلمة وعائشة -رضي الله عنهما- أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى ركعتين سنة الظهر البعدية بعد صلاة العصر، وقالت عائشة: إِنَّه - ﷺ - داوم عليها بعد ذلك، فهذا يُعارض حديث عليّ الثاني، والجمع بينهما سهْل، فكلٌّ حَدَّث بما عَلِم، ومن عَلِم حُجَّةٌ على من لم يعلم، ويظهر أنَّ عليًا -رضي الله عنه- عَلِم فيما بعد من بعض الصحابة ما نفاه في هذا الحديث، فقد ثبَت عنه صلاته - ﷺ - بعد العصر، وذلك قول البيهقي: «وأمّا الذي يوافقه ففيما أخبَرنا ...» ثمَّ ساق من طريق شعبة عن أبي إِسحاق عن عاصم بن ضمرة قال: «كُنّا مع عليّ -رضي الله عنه- في سفر فصلَّى بنا العصر ركعتين، ثمَّ دخل فسطاطه (١) وأنا أنظر، فصلّى ركعتين». ففي هذا أنَّ عليًّا -رضي الله عنه- عَمِل بما دلّ عليه حديثه الأوّل من الجواز. وروى ابن حزم (٣/ ٤) عن بلال مُؤذِّن رسول الله - ﷺ - قال: «لم ينه عن الصلاة إلاَّ عند غروب الشمس». قلت: وإِسناده صحيح، وهو شاهد قويّ لحديث عليّ -رضي الله عنه- وأمّا الركعتان بعد العصر، فقد روى ابن حزم القول بمشروعيّتهما عن جماعةٍ من الصحابة، فمن شاء فليرجع إِليه. وما دلَّ عليه الحديث من جواز الصلاة ولو نفلًا بعد صلاة العصر وقبل إصفرار الشمس، هو الذي ينبغي الاعتماد عليه في هذه المسألة التي كثُرت الأقوال فيها، وهو الذي ذهب إِليه ابن حزم تبعًا لابن عمر -رضي الله عنهما- كما ذكره الحافط العراقي وغيره، فلا تكن ممّن تغرّه الكثرة، إذا كانت على خلاف السُنَّة. ثمَّ وجَدْتُ للحديث طريقًا أخرى عن عليّ -رضي الله عنه- بلفظ: «لا تصلُّوا بعد العصر، إلاَّ أن تُصلّوا والشمس مرتفعة». أخرجه الإمام أحمد (١/ ١٣٠): حدثنا إِسحاق بن يوسف: أخبرنا سفيان عن أبي إِسحاق عن ------------------------ (١) الفُسطاط: -بالضم والكسر- المدينة التي فيها مجتمع الناس. «النهاية». عاصم عن عليّ -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه قال: فذكره. قلت: وهذا سند جيّد، ورجاله كلّهم ثقات رجال الشيخين غير عاصم وهو ابن ضمرة السلولي وهو صدوق. كما في»التقريب«. قلت: فهذه الطريق مما يُعطي الحديث قوّة على قوّة، لا سيما وهي من طريق عاصم الذي روى عن عليّ أيضًا أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان لا يصلّي بعد العصر، فادّعى البيهقي من أجل هذه الرواية إِعلال الحديث، وأجَبْنا عن ذلك بما تقدّم، ثمَّ تأكَّدْنا من صحة الجواب حين وقَفْنا على الحديث من طريق عاصم أيضًا. فالحمد لله على توفيقه» اهـ. ثمَّ وجدت لابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ٣٨٨ - ٣٩١) كلامًا مفيدًا في ذلك. قال -رحمه الله- (ص ٣٨٨): "قد ثبتت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - بنهيه عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، فكان الذي يوجبه ظاهر هذه الأحاديث عن النّبيّ - ﷺ - الوقوف عن جميع الصلوات بعد العصر حتى تغرب الشمس، وبعد الصبح حتى تطلع الشمس، فدّلت الأخبار الثابتة عن النّبيّ - ﷺ - على أنَّ النهي إِنّما وقع في ذلك على وقت طلوع الشمس ووقت غروبها، فممّا دلّ على ذلك حديث عليّ بن أبي طالب، وابن عمر، وعائشة -رضي الله عنهم-، وهي أحاديث ثابتة بأسانيد جياد، لا مطعن لأحد من أهل العلم فيها. ثمَّ ساقها بأسانيده. ثمَّ قال (ص٣٩٠): (ذِكر الأخبار الدالة على إِباحة صلاة التطوّع بعد صلاة العصر) ثمَّ ذكر حديث أم سلمة قالت: «دخل علي رسول الله - ﷺ - بعد العصر فصلّى ركعتين فقلت: يا رسول الله إِن هذه صلاة ما كنت تصليها؟ قال: قدم وفد بني تميم فحبسوني عن ركعتين كنت أركعهما بعد صلاة الظهر» (١). وقال بعد ذلك: «قد ثبت أن نبي الله - ﷺ - صلّى بعد العصر صلاة كان يصليها بعد الظهر شغل عنها وهي صلاة تطوع، فإِذا جاز أن يتطوع بعد العصر بركعتين جاز أن يتطوع المرء ما شاء من التطوع إِذا اتقى الأوقات التي نهى رسول الله - ﷺ - عن التطوع فيها، مع أنا قد روينا عن رسول الله - ﷺ - بإِسناد ثابت لا أعلم لأحد من أهل العلم فيه مقالًا، أنّه كان يصلي بعد العصر ركعتين». وذكر تحته عددًا من الأحاديث منها: حديث عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: «والله ما ترك رسول الله - ﷺ - ركعتين عندي بعد العصر قط» (٢). وحديث الأسود بن يزيد ومسروق يقولان: «نشهد على عائشة أنها قالت: ما كان رسول الله - ﷺ - عندي في يومي إلاَّ صلاها، تعني ركعتين بعد العصر» (٣). ----------------------- (١) أخرجه أحمد في «المسند» (١٠/ ١٧٩) برقم (٢٦٥٧٧)، والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٥٦٣، ٥٦٤) ونحوه في «صحيح البخاري» (١٢٣٣)، و«صحيح مسلم» (٨٣٤). (٢) أخرجه البخاري: ٥٩١، ومسلم: ٨٣٥ (٣) أخرجه البخاري: ٥٩٣، ومسلم: ٨٣٥ التطوّع حين الإِقامة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ - قال: «إِذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلاَّ المكتوبة» (١). وعن ابن بُحينة -رضي الله عنه- قال: أقيمت صلاة الصبحِ فرأى رسول الله - ﷺ - رجلًا يصلّي والمؤذن يُقيم، فقال: «أتُصلِّي الصبح أربعًا» (٢). وعن عبد الله بن سَرجِس قال: «دخل رجلٌ المسجد ورسول الله - ﷺ - في صلاة الغداة فصلّى ركعتين في جانب المسجد، ثمَّ دخل مع رسول الله - ﷺ -، فلمّا سلَّمَ رسول الله - ﷺ - قال: يا فلان! بأيِّ الصلاتين اعتددتَ؟ أبصلاتك وحدك، أم بصلاتك معنا؟» (٣). ولا يعني هذا أن يقطع كل مصلٍّ صلاته حين يسمع الإِقامة، إِذ الأمر يختلف من إِمام إِلى إِمام، ومن مُصلٍّ إِلى مُصلٍّ، فربّما كان المصلّي في حالٍ يُرجّح فيها أنه يُدرك التكبيرة الأولى لصلاة الفريضة، أو كان آخر في وسط الصلاة، وقد عَهِد من إمامه الانتظار لتسوية الصفوف وسدّ الفُرج، فيتسنّى له استكمال صلاته مع استعجال غير مُخلٍّ، فهذا وذاك لا يقطعان الصلاة، أمَّا إِذا رجّح المصلّي فوات تكبيرة الإِحرام لأنَّه في بداية صلاته، أو لاستعجال إمامه بالتكبير دون تسوية الصفوف؛ فعليه أن يُبادر بالفريضة ويدَع ما سواها. سمعتُه من شيخنا -حفظه الله-. ------------------------- (١) أخرجه أحمد ومسلم: ٧١٠، وأصحاب السنن. (٢) أخرجه البخاري: ٦٦٣، ومسلم: ٧١١، وهذا لفظه. (٣) أخرجه مسلم: ٧١٢ ![]()
__________________
|
|
#25
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 356الى صــ 370 الحلقة (25) صلاة ما له سبب وقت الكراهة ذهب بعض أهل العلم إِلى جواز صلاة ما له سبب؛ كتحيّة المسجد وسُنّة الوضوء بعد الصبح وعند اصفرار الشمس، واستدلُّوا بصلاة رسول الله - ﷺ - سنَّة الظهر بعد صلاة العصر، وغير ذلك من النصوص. وجاء في»الفتاوى«(٢٣/ ١٧٨) باختصارٍ وتصرُّف:»في أوقات النهي، والنزاع في ذوات الأسباب، وغيرها. فإِن للناس في هذا الباب اضطرابًا كثيرًا. فنقول: قد ثبت بالنص والإِجماع أنّ النهي ليس عامًا لجميع الصلوات، فإِنّه قد ثبت في «الصحيحين» عن النّبيّ - ﷺ - أنه قال: «من أدرك ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك -وفي لفظ- فيتم صلاته -وفي لفظ- سجدة». وكلها صحيحة وكذلك قال: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك -وفي لفظ-: فليتم صلاته -وفي لفظ-: سجدة» (١). وفي هذا أمره بالركعة الثانية من الفجر عند طلوع الشمس. وفيه أنه إِذا صلى ركعة من العصر عند غروب الشمس صحت تلك الركعة، وهو مأمور بأن يَصل إِليها أخرى. وقد ثبت أن أبا بكر الصديق قرأ في الفجر بسورة البقرة. فلمّا سلّم، قيل له: كادت الشمس تطلع، فقال: لو طلعت لم تجدنا غافلين. فهذا خطاب الصديق للصحابة يبين أنها لو طلعت لم يضرهم ذلك، ولم تجدهم غافلين، بل وجدتهم ذاكرين الله. وفي حديث جبير مرفوعًا: «يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا ------------------ (١) انظر»الإِرواء" (٢٥٢) و(٢٥٣). البيت وصلّى أية ساعة من ليل أو نهار» (١). فهذا العموم لم يخص منه صورة لا بنص ولا إِجماع، وحديث النهي مخصوص بالنص والإِجماع، والعموم المحفوظ راجح على العموم المخصوص. والبيت ما زال الناس يطوفون به، ويصلون عنده مِن حين بناه إِبراهيم الخليل، وكان النّبيّ - ﷺ - وأصحابه قبل الهجرة يطوفون به، ويصلون عنده، وكذلك لما فتحت مكة كثر طواف المسلمين به، وصلاتهم عنده. ولو كانت ركعتا الطواف منهيًا عنها في الأوقات الخمسة لكان النّبيّ - ﷺ - ينهى عن ذلك نهيًا عامًا، لحاجة المسلمين إِلى ذلك، ولكان ذلك ينقل، ولم ينقل مسلم أنّ النّبيّ - ﷺ - نهى عن ذلك، مع أن الطواف طرفي النهار أكثر وأسهل. وفي النهي تعطيلٌ لمصالح ذلك الطواف والصلاة. وذوات الأسباب إِنما دعا إِليها داع؛ لم تفعل لأجل الوقت؛ بخلاف التطوع المطلق الذي لا سبب له، وحينئذ فمفسدة النهي إِنما تنشأ ممّا لا سبب له دون ما له السبب، ولهذا قال في حديث ابن عمر: «لا تحرّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها» (٢). وانظر الكتاب المذكور للمزيد من الفوائد. ------------------- (١) أخرجه الترمذي والنسائي والدارمي وغيرهم، وخرجه شيخنا في «الإِرواء» (٤٨١). (٢) أخرجه البخاري: ٥٨٢، ومسلم: ٨٢٨ الأذان تعريفه: الأذان لغةً: الإِعلام وهو اشتقاق من الأذَن -بفتحتين- وهو الاستماع. قال الله تعالى: ﴿وأَذانٌ من اللهِ ورسولِه﴾ (١)، أي: إِعلام. و﴿آذنْتُكم على سواء﴾ (٢) أعلمتكم فاستوينا في العلم. وقال الحارث بن حلزة: آذنَتْنا ببينها أسماء ... رُبَّ ثاوٍ يملّ منه الثواء أي: أعلَمَتْنا. وشرعًا: «الإِعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة» (٣). قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٧٧): «قال القرطبي وغيره: الأذان على قلّة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنَّه بدَأ بالأكبرية وهي تتضمّن وجود الله وكماله، ثمَّ ثنّى بالتوحيد ونفَى الشريك، ثمَّ بإِثبات الرسالة لمحمد - ﷺ -، ثمَّ دعا إِلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة، لأنّها لا تعرف إِلا من جهة الرسول، ثمَّ دعا إِلى الفلاح وهو البقاء الدائم، وفيه الإِشارة إِلى المعاد، ثمَّ أعاد ما أعاد توكيدا. ويحصل من الأذان الإِعلام بدخول الوقت، والدعاء ------------------ (١) التوبة: ٣ (٢) الأنبياء: ١٠٩ (٣) انظر»الفتح«(٢/ ٧٧)، و»المغني" (١/ ٤١٣)، وغيرهما. إِلى الجماعة، وإِظهار شعائر الإِسلام. والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول، وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان». فضله: لقد وردَت أحاديثُ كثيرةٌ في فضل الأذان والمؤذِّنين، من ذلك: ١ - ما رواه أبو هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِذا نودي للصلاة أدبَر الشيطان وله ضُراط؛ حتى لا يسمعَ التأذين، فإِذا قضىَ النِّداء أقَبَل، حتى إِذا ثُوِّب (١) بالصلاة أدبَر (٢) ...» (٣). ٢ - وعنه -رضي الله عنه- أيضًا أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لو يعلم النّاس ما في النّداء والصفّ الأوّل؛ ثمَّ لم يجدوا إلاَّ أن يستَهِموا (٤) عليه لاستهَموا، ------------------------- (١) قال الجمهور: المراد بالتثويب هنا الإِقامة، وبذلك جزم أبو عوانة في»صحيحه«والخطابي والبيهقي وغيرهم، وقال القرطبي: ثُوِّب بالصلاة: إِذا أقيمت وأصله أنَّه رجع إِلى ما يشبه الأذان، وكلّ من ردّد صوتًا فهو مثوب، ويدلّ عليه رواية مسلم [٣٨٩]، في رواية أبي صالح عن أبي هريرة:»فإذا سمع الإقامة ذهب«.»الفتح«(٢/ ٨٥). (٢) أخرجه البخاري: ٦٠٨، ومسلم: ٣٨٩ (٣) قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٨٧):»قال ابن بطال: يُشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء في المسجد بعد أن يؤذّن المؤذّن من هذا المعنى، لئلاّ يكون متشبّهًا بالشيطان الذي يفرّ عند سماع الأذان، والله أعلم«. (٤) أي: لم يجدوا شيئًا من وجوه الأولوية؛ أمّا في الأذان، فبأن يستووا في معرفة الوقت وحُسن الصوت، ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته، وأمّا في الصفّ الأوّل؛ فبأن يصلوا دفعة واحدة، ويستووا في الفضل؛ فيُقرع بينهم إِذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين». «الفتح» (٢/ ٩٧). ولو يعلمون ما في التهجير (١) لاستبقوا إِليه، ولو يعلمون ما في العَتَمَة والصُّبح لأتوهما ولو حَبْوًا» (٢). ٣ - وعن معاوية -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «المؤذّنون أطول النّاس أعناقًا يوم القيامة» (٣). ٤ - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنّ ولا إِنسٌ ولا شيءٌ؛ إلاَّ شَهِدَ له يوم القيامة» (٤). ٥ - وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يُغفر للمؤذّن مُنتهى أذانه، ويستغفر له كلّ رطب ويابس سمِعَه» (٥). ٦ - وقد دعا النّبيّ - ﷺ - للمؤذّنين والأئمّة فقال: «اللهم أرشِدِ الأئمّةَ، ------------------------- (١) أي: التبكير إلى الصلاة. (٢) أخرجه البخاري: ٦١٥، ومسلم: ٤٣٧، وغيرهما. (٣) أخرجه مسلم: ٣٨٧، وغيره. (٤) أخرجه مالك والبخاري: ٦٠٩، والنسائي وابن ماجه وزاد:»ولا حجرٌ ولا شجر إلاَّ شهد له«. وابن خزيمة في»صحيحه«ولفظه:»قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لا يسمع صوته شجر ولا مدر [المدر: الطين اللّزج المتماسك، والقطعة منه مَدَرَةَ، وأهل المَدَر: مكان البيوت المبنيّة؛ خلاف البدو وسُكان الخيام. «الوسيط».] ولا حجر ولا جن ولا إِنس إلاَّ شهد له«. وانظر»صحيح الترغيب والترهيب«(١٧٠). (٥) أخرجه أحمد بإِسناد صحيح والطبراني في»الكبير«، عن»صحيح الترغيب والترهيب" (٢٢٦)، وانظر إِن شئت (٢٢٧) أيضًا للمزيد من الفائدة. واغفر للمؤذنين» (١). ٧ - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «الإِمام ضامنٌ، والمؤذن مُؤتَمنٌ، فأرشدَ الله الأئمّة، وعفا عن المؤذنين» (٢). ٨ - وعن سلمان الفارسي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا كان الرجل بأرض قِيٍّ (٣)، فحانت الصلاة، فليتوضأ، فإِن لم يجد ماءً فليتيمّم، فإِن أقام، صلّى معه مَلَكاه، وإِن أذَّنَ وأقام، صلّى خلفه من جنود الله ما لا يُرى طرفاه» (٤). سبب مشروعيّته ١ - عن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون؛ فيتحيَّنون الصلاة ليس يُنادى لها، فتكلّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخِذوا ناقوسًا مِثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يا بلال، قم فنادِ بالصلاة» (٥). ---------------------- (١) أخرجه أبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان في «صحيحيهما» إلاَّ أنهما قالا: «فأرشَد الله الأئمّة، وغفَر للمؤذنين». عن «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٣٠). (٢) أخرجه ابن حبان في «صحيحه» وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٣٢). (٣) القِيّ: بكسر القاف وتشديد الياء: الأرض القفر. (٤) أخرجه عبد الرزاق في كتابه عن ابن التيمي عن أبيه عن أبي عثمان النهدي عنه. كما في «الترغيب والترهيب» وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٤١). (٥) أخرجه البخاري: ٦٠٤، ومسلم: ٣٧٧ ٢ - وعن عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- قال: لمّا أمر رسول الله بالناقوس يعمل؛ ليضرب به للنّاس لجمْع الصلاة، طاف بي وأنا نائم رجلٌ يحمل ناقوسًا في يده فقلت: يا عبد الله، أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ فقلت: ندعو به إِلى الصلاة، قال: أفلا أدُلّك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت: بلى، قال: فقال تقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله. قال: ثمَّ استأخرَ عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول إِذا أقَمْت الصلاة: الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله. فلما أصبحْتُ أتيْتُ رسول الله - ﷺ - فأخبرتُه بما رأيتُ فقال: «إِنَّها لَرُؤيا حَقّ إِنْ شاء الله، فقم مع بلال فَألْقِ عليه ما رأيت فليؤذِّن به، فإِنَّه أندى صوتًا منك». فقمت مع بلال، فجعلْتُ أُلقيه عليه ويُؤذِّن به، قال: فسمعَ ذلك عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج يجرّ رداءَه ويقول: والذي بعثَك بالحقّ يا رسول الله، لقد رأيت مثل ما أُري، فقال رسول الله - ﷺ -: «فللَّه الحمد» (١). -------------------- (١) أخرجه أبو داود: ٤٩٩، «صحيح سنن أبي داود» (٤٦٩)، والبخاري في «خلْق أفعال العباد» وغيرهما ... وهو حديث حسن خرَّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٤٦)، وذكر تصحيح جماعة من الأئمّة له؛ كالبخاري والذهبي والنووي وغيرهم. وجوب الأذان وفي وجوب الأذان العديد من الأدلّة منها: ١ - حديت مالك بن الحويرث قال: «أتينا إِلى النّبيّ - ﷺ - ونحن شَبَبَة مُتقاربون فأقمنا عندهُ عشرين يومًا وليلةً، وكان رسول الله - ﷺ - رحيمًا رفيقًا، فلما ظنَّ أنَّا قد اشتهينا أهلنا -أو قد اشتقنا- سألَنا عمّن تركْنا بعدنا، فأخبرناهُ، قال: ارجعوا إِلى أهليكم، فأقيموا فيهم وعلِّموهم، ومروهم -وذكَر أشياء أحفظُها أو لا أحفظها- وصلُّوا كما رأيتموني أصلّي، فإِذا حضرتِ الصلاة فليؤذن لكم أحدُكم وليؤمَّكم أكبرُكم» (١). ٢ - حديث عمرو بن سَلِمَة وفيه ... فقال [أي: النّبيّ - ﷺ -]: «صلّوا صلاة كذا في حين كذا، وصلّوا كذا في حين كذا، فإِذا حضرت الصلاة فليؤذّن أحدكم وليؤمّكم أكثركم قرآنًا» (٢). قال في «المحلّى» (٣/ ١٦٧): «... فصحّ بهذين الخبرين (٣) وجوب الأذان ولا بدّ، وأنّه لا يكون إلاَّ بعد حضور الصلاة في وقتها». وقال أيضًا فيه (٣/ ١٦٩): «وممّن قال بوجوب الأذان والإِقامة فرضًا: أبو سليمان وأصحابه، وما نعلم لمن لم يرَ ذلك فرضًا حُجّة أصلًا، ولو لم يكن إلاَّ استحلال رسول الله - ﷺ - دماء من لم يسمع عندهم أذانًا وأموالهم وسبيهم ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٣١، في بعض الكتب عن عمرو بن سلمة عن أبيه وكذا في»صحيح سنن أبي داود«(٥٤٨)، قال شيخنا:»... عن أبيه غير محفوظ". (٢) أخرجه البخاري: ٤٣٠٢ (٣) أي: الحديثين المتقدّميْن. لكفى في وجوب فرض ذلك (١)، وهو إِجماع متيقّن من جميع من كان معه من الصحابة -رضي الله عنهم- بلا شكّ؛ فهذا هو الإِجماع المقطوع على صحّته». قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٤): «فالأذان والإِقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأنَّ النّبيّ - ﷺ - أمر بالأذان، وأمره على الفرض، وقد أمر النّبيّ - ﷺ - أبا محذورة أن يؤذن بمكة، وأمر بلالًا بالأذان، وكل هذا يدل على وجوب الأذان». صفة الأذان لقد وردَ الأذان بالكيفيّتين الآتيتين: ١ - خمس عشرة كلمة، كما في حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- المتقدِّم. ٢ - تسع عشرهّ كلمة بترجيع الشهادتين، كما في حديث أبي محذورة - رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - علَّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإِقامة سبع عشرة كلمة: الأذان: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله (٢)، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، ---------------------- (١) قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنة» (ص ١٤٤): «والوجوب يثبت بأقلّ من هذا». (٢) وهذا هو الترجيع وهو الترديد كما في «النهاية». أشهد أنَّ محمدًا رسول، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله. والإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله (١). وفي رواية لأبي محذورة -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله، علِّمْني سُنَّةَ الأذان، قال: فمسحَ مُقَدَّمَ رأسي وقال: «الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثمَّ تقول: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثمَّ ترفع صوتك بالشهادة (٢): أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح. فإِنْ كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (٣). وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى-: هل الأصل الإِكثار من أذان بلال أم ------------------------ (١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٤)، والترمذي والنسائي وابن ماجه، وأخرجه مسلم: ٣٧٩، بترديد التكبير مرتين. (٢) وهذا هو الترجيع وهو الترديد كما تقدّم. (٣) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٢)، وانظر «تمام المنة» (ص ١٤٦). أذان أبي محذورة -رضي الله عنهما-؟ فقال: ليس عندنا شيء يحدد الأكثر من الأذانات الثابتة في السنَّة، وإِنَّما السنَّة أن ينوّع. وسألته عن الترجيع، فقال: أحيانًا. وجوب ترتيب الأذان قال في «المغني» (١/ ٤٣٨): «ولا يصحّ الأذان إلاَّ مرتَّبًا؛ لأنَّ المقصود منه يختلّ بعدم الترتيب وهو الإِعلام؛ فإِنَّه إِذا لم يكن مرتَّبًا لم يُعلم أنَّه أذان، ولأنَّه شُرِع في الأصل مُرتّبًا، وعلَّمه النّبيّ - ﷺ - أبا محذورة مرتّبًا». تثويب (١) المؤذّن في صلاة الصبح وهو قوله: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم للحديث السابق، وموضعه الفجر الأوّل لحديث أبي محذورة -رضي الله عنه- عن النّبيّ - ﷺ -: «الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم؛ في الأولى من الصبح». وعنه أيضًا قال: «كنت أؤذّن لرسول الله - ﷺ -، وكنت أقول في أذان الفجر الأوّل: حيَّ على الفلاح، الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر ---------------------- (١) التثويب: الأصل في التثويب: أن يجيء الرجل مستصرخًا؛ فيلوّح بثوبه ليُرى ويشتهر فسمّي الدعاء تثويبًا لذلك، وكلّ داع مثوّب، وقيل: إِنّما سُمّي تثويبًا من ثاب يثوب إِذا رجع، فهو رُجوعٌ إِلى الأمر بالمبادرة إِلى الصلاة، وأنَّ المؤذن إِذا قال: حيَّ على الصلاة؛ فقد دعاهم إِليها، وإذا قال بعدها: الصلاة خير من النوم، فقد رجع إِلى كلامٍ معناه المبادرة إِليها.»النهاية". الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (١). وكن بلال أنَّه: أتى النّبيّ - ﷺ - يُؤْذنه بصلاة الفجر فقيل: هو نائم، فقال: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، فأُقرَّت في تأذين الفجر، فثبت الأمر على ذلك«(٢). قال شيخنا في»تمام المنّة«(ص١٤٦):»قلتُ: إِنّما يشرع التثويب في الأذان الأوّل للصبح، الذي يكون قبل دخول الوقت بنحو ربع ساعة تقريبًا؛ لحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «كان في الأذان الأوّل بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين». رواه البيهقي (١/ ٤٢٣)، وكذا الطحاوي في «شرح المعاني» (١/ ٨٢)، وإِسناده حسن كما قال الحافظ. وحديث أبي محذورة مُطلق، وهو يشمل الأذانين، لكنّ الأذان الثاني غير مراد؛ لأنَّه جاء مُقيَّدًا في رواية أخرى بلفظ: «وإِذا أذَّنْتَ بالأوّل من الصبح فقُل: الصلاة خير من النوم. الصلاة خير من النوم»، أخرجه أبو داود والنسائي والطحاوي وغيرهم، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» (٥١٠ - ٥١٦)، فاتفقَ حديثه مع حديث ابن عمر، ولهذا قال الصنعاني في «سبل السلام» (١/ ١٦٧ - ١٦٨) عَقبَ لفْظ النسائي: «وفي هذا تقييد لما أطلقَتْه الروايات. قال ابن رسلان: وصحَّح هذه الرواية ابن خزيمة. قال: فشرعيّة التثويب إِنّما هي في الأذان الأوّل للفجر؛ لأنَّه لإِيقاظ النائم، وأمَّا الأذان الثاني --------------------------- (١) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٧٣)، والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٦٢٨) وورَد برقم (٦١٤) في (باب الأذان في السفر) بلفظ:»الصلاة خير من النوم، في الأولى من الصبح«. (٢) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه" (٥٨٦). فإِنَّه إِعلام بدخول الوقت، ودعاء إِلى الصلاة. اهـ من»تخريج الزركشي لأحاديث الرافعي«. ومِثْل ذلك في»سنن البيهقي الكبرى«عن أبي محذورهّ: أنَّه كان يُثوّب في الأذان الأوّل من الصبح بأمْره - ﷺ -. قلت [أي: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وعلى هذا ليس»الصلاة خير من النوم«من ألفاظ الأذان المشروع للدعاء إِلى الصلاة والإِخبار بدخول وقتها، بل هو من الألفاظ التي شُرعت لإِيقاظ النائم، فهو كألفاظ التسبيح الأخير الذي اعتاده الناس في هذه الأعصار المتأخرة؛ عِوَضًا عن الأذان الأول». وقال -حفظه الله- (ص١٤٨): (فائدة): قال الطحاوي بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وابن عمر المتقدّمين الصريحين في التثويب في الأذان الأوّل: «وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد -رحمهم الله تعالى-». آخر الأذان (١) عن بلال قال: آخر الأذان: «الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (٢). عن الأسود قال: كان آخر أذان بلال: «الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله» (٣). عن أبي محذورة: أنَّ آخر الأذان: «لا إِله إلاَّ الله» (٤). -------------------- (١) عجبتُ لهذا التبويب لأوّل وهلة حين قرأتُه في «سنن النسائي» وما أسرع ما زال التعجب؛ حين تذكّرت ما أبتدعَه المسلمون من زيادات عليه! (٢) عن «صحيح سنن النسائي» (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان). (٣) عن «صحيح سنن النسائي» (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان). (٤) عن «صحيح سنن النسائي» (١/ ١٤٠) بأسانيد صحيحة وكلها في (باب آخر الأذان). صفة الإِقامة ١ - إِفراد كلماتها إلاَّ التكبير الأوّل والأخير و(قد قامت الصلاة)، ففيها التثنية، كما في حديث عبد الله بن زيد المتقدّم، وفيه: «... وتقول إِذا أقيمت الصلاة: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله». ٢ - تربيع الأوّل وتثنية جميع الكلمات، إلاَّ الكلمة الأخيرة (لا إِله إلاَّ الله). كما في حديث أبي محذورة المتقدّم: «والإِقامة: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح، حيَّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إِله إلاَّ الله». ما يقول مَن يسمع المؤذّن ١ - يقول مِثْل ما يقول المؤذّن، إلاَّ في الحيعلتين: (حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح)، فإِنَّه يقول: لا حول ولا قوّة إلاَّ بالله، كما في حديث أبي سعيد الخدريّ: «إِذا سمعتم النّداء، فقولوا مِثل ما يقول المؤذّن» (١). قال يحيى وحدّثني بعض إِخواننا أنَّه قال: «لمّا قال حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، وقال: هكذا سمعتُ نبيّكم - ﷺ - يقول» (٢). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦١١، ومسلم: ٣٨٣ (٢) أخرجه البخاري: ٦١٢، ٦١٣، وانظر -إِن شئت- للمزيد من الفوائد = وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «إِذا قال المؤذّن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدُكم: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، قال: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله، ثمَّ قال: أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، قال: أشهد أنَّ محمّدًا رسول الله، ثمَّ قال: حيَّ على الصلاة، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: حيَّ على الفلاح، قال: لا حول ولا قوة إلاَّ بالله، ثمَّ قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إِله إلاَّ الله، قال: لا إِله إلاَّ الله، من قلبه- دخل الجنّة» (١). وسألت شيخنا -حفظه الله- عن حديث مسلم (٣٨٦): «من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أنْ لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمّدًا عبده ورسوله، رضيت بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا، وبالإِسلام دينًا؛ غُفر له ذنبه». سألتُه: «حين يسمع» أي: حين ينتهي من الأذان أم خلاله؟ فقال: إِذا لاحظت أنّ إِجابة المؤذّن ليست واجبة، فالأمر حينئذٍ واسع. ٢ - أن يصلّي على النّبيّ - ﷺ -، بعد الانتهاء من الأذان، ثمَّ يسأل الله عز وجل له الوسيلة، لحديث عبد الله بن عمرو بن العاص: أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِذا سمعتُم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليَّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاةً صلّى الله عليه بها عشرًا، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنّها منزلةٌ في الجنّة لا تنبغي إلاَّ لعبدٍ من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل لي ------------------------- = الحديثية وغيرها»الفتح" (٢/ ٩٣). (١) أخرجه مسلم: ٣٨٥ ![]()
__________________
|
|
#26
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 371الى صــ 385 الحلقة (26) الوسيلة حلَّت له الشفاعة» (١). وعن جابر بن عبد الله أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «من قال حين يسمع النّداء: اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة (٢) والصلاة القائمة؛ آت محمّدًا الوسيلة (٣) ------------------ (١) أخرجه مسلم: ٣٨٤ (٢) المراد بها دعوة التوحيد؛ كقوله تعالى: ﴿له دعوة الحقّ﴾ [الرعد: ١٤] وقيل لدعوة التوحيد تامة؛ لأنَّ الشركة نقْص، أو التّامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل؛ بل هي باقية إِلى يوم النشور، أو لأنّها تستحقّ صفة التمام وما سواها فمعرّض للفساد، وقال ابن التين: وُصفت بالتامّة؛ لأن فيها أتّم القول وهو»لا إِله إلاَّ الله«...»فتح«(٢/ ٩٥). (٣) قال ابن الأثير في»النهاية«بحذف: الوسيلة: ما يُتوصّل به إِلى الشيء ويُتقرّب به، وجمعها وسائل، يُقال: وسَل إِليه وسيلة وتوسّل، والمراد به في الحديث: القرب من الله تعالى. وقيل: هي منزلة من منازل الجنّة كما جاء في الحديث. اهـ وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: إِنَّ الوسيلة درجة عند الله؛ ليس فوقها درجة، فسلوا الله أن يؤتيني الوسيلة على خلْقه. [حسن شيخنا إِسناده في»فضل الصلاة«(ص ٥٠)]. وجاء في»الفتح«(٢/ ٩٥):»والوسيلة: هي ما يُتقرّب به إِلى الكبير، يُقال: توسلْت، أي: تقربت، وتُطلق على المنزلة العلية، ووقع ذلك في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم [٣٨٤] بلفظ: فإِنّها منزلة في الجنة لا تنبغي إِلاَ لعبد من عباد الله«الحديث ونحوه للبزار عند أبي هريرة، ويمكن ردّها إِلى الأوّل؛ بإِنّ الواصل إِلى تلك المنزلة قريب من الله؛ فتكون كالقربة التي يتوسّل بها». والفضيلة (١)، وابعثه مقامًا محمودًا (٢) الذي وعَدْته، حلّت له (٣) شفاعتي يوم القيامة» (٤). وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- أنَّه سمع النّبيّ - ﷺ - يقول: «إِذا سمعتم المؤذّن فقولوا مِثل ما يقول، ثمَّ صلّوا عليّ، فإِنَّه من صلّى عليَّ صلاة؛ صلّى الله بها عشرًا، ثمَّ سلوا الله لي الوسيلة، فإِنَّها منزلة فى الجنّة؛ لا تنبغي إلاَّ لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل ليّ الوسيلة حلّت له شفاعتي (٥)» (٦). --------------------- (١) الفضيلة: أي: المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرًا للوسيلة. (٢) أى: يحمد القائم فيه، وهو مُطلق في كلّ ما يجلب الحمد من أنواع الكرامات. «الفتح» (٢/ ٩٥). (٣) حلّت له: أي: استحقت ووجبت أو نزلت عليه. «فتح». (٤) أخرجه البخاري: ٦١٤ (٥) أخرجه مسلم: ٣٨٤ (٦) قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٢٦٠): «وقع عند البعض زيادات في متْن هذا الحديث فوجَب التنبيه عليها: الأولى: زيادة:»إِنَّك لا تُخلِف الميعاد«في آخر الحديث عند البيهقي؛ وهي شاذة لأنّها لم تَرِد في جميع طُرق الحديث عن عليّ بن عياش اللهمّ إلاَّ في رواية الكشميهني لصحيح البخاري خلافًا لغيره؛ فهي شاذّة أيضًا لمخالفتها لروايات الآخرين للصحيح، وكأنَه لذلك لم يلتفت إِليها الحافظ، فلم يذكُرها في»الفتح«على طريقته في جمع الزيادات من طُرُق الحديث، إلاَّ أنَّه عزاها للبيهقي فهي شاذة يقينًا، ويؤيد ذلك أنها لم تقع في»أفعال العباد" للبخاري والسند واحد. = ويقول إِن شاء: «رضيتُ بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا وبالإِسلام دينًا»، لحديث سعد بن أبي وقاص عن رسول الله - ﷺ - أنَّه قال: «من قال حين يسمع المؤذّن: أشهد أن لا إِله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنّ محمّدًا عبده ورسولُه، رضيت بالله ربًّا وبمحمّد رسولًا وبالإِسلام دينًا؛ غُفر له ذنبُه» (١). والدعاء مستجاب بعد الأذان؛ كما في حديث عبد الله بن عمرو -رضي -------------------- = ووقعَت هذه الزيادة في الحديث في كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لشيخ الإِسلام ابن تيمية في جميع الطبعات (ص٥٥) طبعة المنار الأولى، و(ص٣٧) الطبعة الثانية منه و(ص٤٩) الطبعة السلفية؛ والظاهر أنها مُدرَجة من بعض النُّساخ. والله أعلم. الثانية: في رواية البيهقي أيضًا: «اللهمّ إِنّي أسألك بحقّ هذه الدعوة». ولم تَرِدْ عند غيره. فهي شاذّة أيضًا، والقول فيها كالقول في سابقتها. الثالثة: وقع في نسخة من «شرح المعاني» «سيدنا محمّد» وهي شاذّة مدرجة ظاهرة الإِدراج. الرابعة: عند ابن السنّي «والدرجة الرفيعة» وهي مُدرجة أيضًا من بعض النساخ، فقد علمْتَ مما سبق أن الحديث عنده من طريق النسائي وليست عنده ولا عند غيره، وقد صرّح الحافظ في «التلخيص» (ص٧٨) ثمَّ السخاوى في «المقاصد» (ص ٢١٢) أنها ليست في شيء من طرق الحديث. قال الحافظ: وزاد الرافعي في «المحرر» في آخره: يا أرحم الراحمين. وليست أيضًا في شيء من طرقه، ومن الغرائب أنَّ هذه الزيادة وقعت في الحديث في كتاب «قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة» لابن تيمية وقد عزاه لصحيح البخاري: وإنّي أستبعد جدًا أن يكون الخطأ منه لما عرف به -رحمه الله- من الحفظ والضبط، فالغالب أنّه من بعض النساخ". (١) أخرجه مسلم: ٣٨٦، وغيره. الله عنهما- أنَّ رجلًا قال: يا رسول الله، إِنَّ المؤذّنين يفضلوننا، فقال رسول الله - ﷺ -:»قل كما يقولون، فإِذا انتهيتَ فسَلْ تُعطه«(١). وفي الحديث:»لا يُردّ الدعاء بين الأذان والإِقامة«(٢). وعن سهل بن سعد قال: قال رسول الله - ﷺ -: ثنتان لا تُردّان، أو قلَّما تُردّان: الدعاء عند النّداء، وعند البأس؛ حين يلحم بعضهم بعضًا» (٣). استحباب إِجابة المؤذّن والدليل على عدم وجوبها عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال: «إِنّهم كانوا يتحدثون حين يجلس عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- على المنبر حتى يسكت المؤذّن، فإِذا قام عمر على المنبر، لم يتكلّم أحد حتى يقضي خطبتيه كلتيهما». قال شيخنا في «الضعيفة» تحت الحديث (٨٧): أخرجه مالك في موطئه والطحاوي والسياق له وابن أبي حاتم في «العلل» وإِسناد الأوّلين صحيح. وقال في «تمام المنّة» (ص٣٤٠): «نعم، قد وجدْتُ له متابعًا قويًا، أخرجه ابن أبي شيبة في»المصنّف«(٢/ ١٢٤) من طريق يزيد بن عبد الله عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال:»أدركت عمر وعثمان، فكان الإِمام إِذا -------------------- (١) أخرجه أحمد وأبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٩٢). (٢) أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، وانظر «الإِرواء» (٢٤٤). (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٢٢١٥) وغيره، وانظر «المشكاة» (٦٧٢). خرج يوم الجمعة تركْنا الصلاة، فإِذا تكلّم تركْنا الكلام». وهذا إِسناد صحيح، ويزيد هذا هو ابن الهاد الليثي المدني. ثمَّ قال -حفظه الله-: «في هذا الأثر دليل على عدم وجوب إِجابة المؤذّن، لجريان العمل في عهد عمر على التحدث في أثناء الأذان وسكوت عمر عليه، وكثيرًا ما سئلتُ عن الدليل الصارف للأمر بإِجابة المؤذّن عن الوجوب؛ فأجبْت بهذا. والله أعلم». الآداب التي ينبغي أن يتصف بها المؤذّن، وما يفعله عند الأذان: ١ - أن يحتسب في أذانه ويبتغي وجْه الله سبحانه، ولا يطلب الأجر. لحديث عثمان بن أبي العاص قال: «إِنَّ آخر ما عَهد إِليّ رسول الله - ﷺ - أن اتخِذ مؤذّنًا؛ لا يأخذ على أذانه أجرًا» (١). وقد ذكر الترمذي -رحمه الله تعالى- كراهة أهل العلم أخْذ المؤذّن على الأذان أجرًا، واستحبابهم الاحتساب في ذلك. ٢ - أن يكون على طُهر، لحديث المهاجر بن قنفذ -رضي الله عنه- «أنَّه أتى النّبيّ - ﷺ - وهو يبول، فسلَّم عليه، فلم يردّ عليه حتى توضّأ، ثمَّ اعتذر إِليه فقال: إِنّي كرِهتُ أن أذكر الله إلاَّ على طهر -أو قال- على طهارة» (٢). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٣٨): «ليس على من أذّن وأقام وهو ------------------------- (١) أخرجه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، وابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٨٥)، وابن أبي شيبة، وأنظر»الإرواء«(٥/ ٣١٦). (٢) أخرجه أبو داود والنسائي والدارمي وابن ماجه وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الصحيحة" (٨٣٤). جُنُب إِعادة، لأنَّ الجنب ليس بنجس، لقي النّبيّ - ﷺ - فأهوى إِليه فقال: إِنّي جُنُب، فقال: إِنَّ المسلم ليس بنجس (١)، وروي عن النّبيّ - ﷺ - أنّه كان يذكر الله على كل أحيانه (٢)، والأذان على الطهارة أحب إِليَّ، وأكره أن يقيم جنبا لأنّه يعرض نفسه للتهمة ولفوات الصلاة». انتهى. قال لي شيخنا -حفظه الله تعالى-: «الأصل في الأذكار حتى السلام أن تكون على طهارة وهو الأفضل فالأذان من باب أولى، ولكن نقول عن الأذان بغير وضوء مكروه كراهة تنزيهيّة». ٣ - أن يؤذّن قائمًا لما ثبت عن ابن أبي ليلى قال: أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال. قال: وحدثنا أصحابنا: أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «لقد أعجبني أن تكون صلاة المسلمين -أو قال المؤمنين- واحدة، حتى لقد هممتُ أن أبُثَّ رجالًا في الدُّور يُنادونَ النَّاس بحين الصلاة، وحتى هممتُ أنْ آمر رجالًا يقومون على الآطام (٣) يُنادون المسلمين بحين الصلاة حتّى نقسوا (٤) أو كادوا أن ينقسوا» قال: فجاء رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله، إِنّي لمَّا رجعْت لِمَا رأيت من اهتمامك رأيت رجلًا كأنَّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها، إِلا أنَّه يقول: قد قامت الصلاة، ولولا أن يقول النّاس: قال ابن المثنى: أن تقولوا، لقلت إِنّي كنت ----------------- (١) تقدّم تخريجه. (٢) تقدّم تخريجه في (باب الأمور التي يستحبّ لها الوضوء). (٣) الآطام: جمع أطم وهو بناء مرتفع، وآطام المدينة: حصون كانت لأهلها. (٤) أي: ضربوا بالناقوس. يقظانًا غير نائم، فقال رسول الله - ﷺوقال ابن المثنى-: «لقد أراك الله عز وجل خيرًا» ولم يقل عمرو: «لقد أراك الله خيرًا» فَمُرْ بلالًا فليؤذّن، قال: فقال عمر: أما إِنّي قد رأيت مثل الذي رأى ولكنّي لمّا سُبِقْتُ استحييت. قال: وحدَّثنا أصحابنا قال: وكان الرجل إِذا جاء يَسأل فيُخبر بما سبق من صلاته، وإِنهم قاموا مع رسول الله - ﷺ - من بين قائم وراكع وقاعد ومصلٍّ مع رسول الله - ﷺ -. قال ابن المثنى: قال عمرو: وحدثني بها حصين عن ابن أبي ليلى -حتى جاء معاذ- قال شعبة: وقد سمِعْتها من حصين فقال: لا أراه على حال، إِلى قوله: كذلك فافعلوا«. قال أبو داود: ثمَّ رجعْت إِلى حديث عمرو بن مرزوق قال: فجاء معاذ فأشاروا إِليه، قال شعبة: وهذه سمعْتُها من حصين، قال فقال معاذ: لا أراه على حال إلاَّ كنت عليها، قال: فقال: إِنَّ معاذًا قد سنَّ لكم سنّة كذلك فافعلوا (١). وقد جرى العمل على الأذان قائمًا خَلفًا عن السلف. قال في»المغني«(١/ ٤٣٥): قال ابن المنذر: أجمع كُلّ من أحفظ من أهل العلم أنَّ السّنةَ أن يُؤذّن قائمًا ...» (٢). -------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٧٨). (٢) وقد استدلَّ بعض الفقهاء بالحديث المتفق عليه: «يا بلال: قم فنادِ بالصلاة»، على سنّية القيام، وفي الاستدلال به نظر كما في التلخيص (ص٧٥) لأنَّ معناه: اذهب إِلى موضع بارز فنادِ فيه. «الإِرواء» (١/ ٢٤١). وثبت أنَّ ابن عمر: «كان يؤذّن على البعير؛ فينزل فيُقيم» (١). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٢/ ١٢): ويدلّ على أنَّ الأذان قائمًا قوله: «قم يا بلال». وعن الحسن بن محمّد قال: «دخلتُ على أبي زيد الأنصاري فأذَّن وأقام وهو جالس، قال: وتقدَّم رجلٌ فصلّى بنا، وكان أعرج أصيبت رجله في سبيل الله تعالى» (٢). ٤ - أن يستقبل القبلة. قال في «المغني» (١/ ٤٣٩): «... المستحبّ أن يُؤذّن مستقبل القبلة؛ لا نعلم خلافًا ...». جاء في «الإِرواء» (١/ ٢٥٠) بعد تخريج حديث ضعيف في ذلك، لكنّ الحُكم صحيح فقد ثبت استقبال القبلة في الأذان من المَلَك الذي رآه عبد الله ابن زيد الأنصاري في المنام. وروى السرَّاج في «مسنده» (١/ ٢٣/١) عن مجمع بن يحيى قال: «كنتُ مع أبي أمامة بن سهل، وهو مستقبل المؤذّن، فكبّر المؤذّن وهو مستقبل القبلة» وإسناده صحيح. ٥ - أن يضع أصبُعيه في أذنيه. وقد ثبتَ هذا من قول أبي جحيفة: «إِنّ بلالًا وضَع أصبُعيه (٣) في ---------------------- (١) حسّنه شيخنا في»الإِرواء«(٢٢٦). (٢) أخرجه البيهقي وحسنّه شيخنا في»الإِرواء«(٢٢٥). (٣) قال الحافظ في»الفتح" (١/ ١١٦): لم يرد تعيين الأصبع التي يستحبّ = أذنيه» (١) قال في «المحرّر» (١/ ٣٧): «ويجعل إِصبعيه في أذنيه». قال أبو عيسى الترمذي: «وعليه العمل عند أهل العلم؛ يستحبّون أن يُدخِل المؤذّن إِصبعيه في أُذنيه في الأذان» (٢). ٦ - أن يلتفت يمينًا ويسارًا التفافًا يسيرًا يلوي به عنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، عند قوله: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح. عن أبي جحيفة «أنَّه رأى بلالًا يؤذّن، فجعلتُ أتتبع فاهُ هاهنا وهاهنا بالأذان» (٣). ----------------------- = وضْعها، وجزم النووي أنها المسبّحة، وإِطلاق الإِصبع مجاز عن الأنملة. (١) أخرجه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي وشيخنا في «الإِرواء» (٢٣٠)، وذكره البخاري معلقًا غير مجزوم به انظر «الفتح» (٢/ ١١٤). (٢) وسألت شيخنا عمّا رواه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم وقد وصله عبد الرزاق وابن أبي شيبة بسند جيد عنه كما في «مختصر البخاري» (١/ ١٦٤) بلفظ: «كان ابن عمر لا يجعل إِصبعيه في أذنيه». فقال حفظه الله: «لو كان هناك حديثان أحدهما يُثبت عبادة، والآخر ينفيها؛ فلا شكَّ في هذه الحالة، أنَّ المُثبِت مقدّم على النافي، وعندنا الآن فِعل بلال المختصّ في أذان رسول الله - ﷺ - والذي يغلب على الظنّ فِعله ذلك بمشهدٍ من الرسول - ﷺ -، فيكون له حُكم الحديث المرفوع، بينما الأثر المنسوب اٍلى ابن عمر ليس فيه هذه القوّة الفقهية، فلا نشكّ في ترجيح وضع بلال إِصبعيه في أذنيه على ترك ابن عمر ذلك». (٣) أخرجه البخاري: ٦٣٤ قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ١١٥): «ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتمّ حيث قال:»فجعلْتُ أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينًا وشمالًا يقول: حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح«وهذا تقييد للالتفات في الأذان وأنَّ محلّه عند الحيعلتين، وبوّب عليه ابن خزيمة: انحراف المؤذّن عند قوله حيَّ على الصلاة، حيَّ على الفلاح؛ بفمه لا ببدنه كله، قال: وإِنَّما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه ...». قال النووي: «قال أصحابنا: والمراد بالالتفات: أن يلوي رأسه وعنقه، ولا يحوّل صدره عن القبلة، ولا يزيل قدمه عن مكانها، وهذا معنى قول المصنّف:»ولا يستدير«. وهذا هو الصحيح المشهور الذي نصّ عليه الشافعي، وقطع به الجمهور» (١). وقال -رحمه الله- في «المجموع» (١٠٧): «قد ذكَرنا أنَّ مذهبنا أن يستحب الالتفات في الحيعلة يمينًا وشمالًا، ولا يدور ولا يستدبر القبلة؛ سواء كان على الأرض أو على منارة، وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وهو رواية عن أحمد، وقال ابن سيرين: يكره الالتفات، وقال مالك: لا يدور ولا يلتفت إلاَّ أن يريد إِسماع النّاس. وقال أبو حنيفة وإِسحاق وأحمد في رواية: يلتفت ولا يدور إلاَّ أن يكون على منارة فيدور ...». قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص١٥٠): «أمّا تحويل الصدر؛ فلا أصل له في السُّنّة البتّة». -------------------- (١) ذكره في «المجموع» ونقله عنه شيخنا في «تمام المنة» (ص١٥١). فائدة: جاء في «الأوسط» (ص٢٦): قال الأوزاعي: «يستقبل القبلة، فإِذا قال حيّ على الصلاة؛ استدار إِن شاء عن يمينه فيقول: حيّ على الصلاة مرّتين، ثمَّ يستدير عن يساره كذلك». فهذا يبيّن أنّه يقول في استدارة اليمين حي على الصلاة، حي على الصلاة، ولا يستدير عن يساره إلاَّ بعد أن يقولهما والله أعلم. ٧ - أن يؤذّن في مكان مرتفع. لحديث ابن أبي ليلى السابق وفيه: «... رأيت رجلًا كأنّ عليه ثوبين أخضرين، فقام على المسجد فأذّن، ثمَّ قعد قعدة، ثمَّ قام فقال مِثلها». وعن امرأة من بني النجار قالت: «كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، وكان بلال يؤذّن عليه الفجر، فيأتي بسَحَر فيجلس على البيت ينظر إِلى الفجر، فإِذا رآه تمطّى، ثمَّ قال: اللهمّ إِني أحمدك وأستعينك على قريش، أن يقيموا دينك. قالت: ثمَّ يؤذّن، قالت: والله ما علمْته كان تركها ليلة واحدة، تعني هذه الكلمات» (١). وذكره أبو داود في: «باب الأذان فوق المنارة». قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٨٤): «... لأنَّ الأذان يُستحبّ أن يكون على مكان عالٍ لتشترك الأسماع ...». انتهى. وانظر ما قاله ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٢٨) تحت (ذِكر الأذان على --------------------- (١) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٤٨٧). المكان المرتفع). ٨ - أن يرفع صوته بالأذان. عن أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه-: أنَّه قال لعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصة الأنصاري: «إِنّي أراك تحبّ الغنم والبادية، فإِذا كنتَ في غنمك -أو باديتك- فأذَّنت بالصلاة فارفع صوتك بالنّداء؛ فإِنَّه لا يسمع مدى صوت المؤذّن جنٌّ ولا إِنسٌ ولا شيء؛ إلاَّ شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعْته من رسول الله - ﷺ -» (١). ٩ - أن يتمهّل في الأذان ويترسّل (٢). جاء في «المغني» (١/ ٤١٨): «ويترسّل في الأذان ويحدر الإِقامة» (٣). أذان الأعمى إِذا كان له من يُخبره (٤) عن عمر -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «إِنَّ بلالًا يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يُنادي ابن أمّ مكتوم، ثمَّ قال: وكان رجلًا أعمى لا يُنادي حتى يقال له: أصبحتَ أصبحتَ» (٥). وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان ابن أمّ مكتوم يؤذّن لرسول الله ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٦٠٩، وغيره، وأشرْت إِليه في «فضل الأذان». (٢) وهو التمهّل والتأنّي. (٣) وقد رُوي في ذلك حديث: «إِذا أذّنتَ فترسَّل، وإذا أقمت فاحدُر»، ولا يثبت، وانظر تفصيله في «الإِرواء» (٢٢٨). (٤) هذا العنوان من «صحيح البخاري». (٥) أخرجه البخاري: ٦١٧ - ﷺ - وهو أعمى» (١). الانتظار بين الأذان والإِقامة عن عبد الله بن مُغفَّل المزني أنَّ رسول الله - ﷺ - قال: «بين كلّ أذان صلاة -ثلاثًا- لمن شاء» (٢). وعن أنس بن مالك قال: «كان المؤذّن إِذا قام ناسٌ من أصحاب النّبيّ - ﷺ - يبتدرون السواري حتى يخرُج النّبيّ - ﷺ -، وهم كذلك يُصلّون الركعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء (٣)» (٤). قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة: «لم يكن بينهما إلاَّ قليل» (٥). وفي الحديث: «اجعل بين أذانك وإِقامتك نفَسًا، قدْر ما يقضي المعتصر (٦) حاجته في مهل، وقدْر ما يفرُغ الآكل من طعامه في مهل» (٧). ------------------------- (١) أخرجه مسلم: ٣٨١ (٢) تقدّم. (٣) أي: لم يكن بينهما شيء كثير. (٤) أخرجه البخاري: ٦٢٥ (٥) أخرجه البخاري معلقًا مجزومًا به، ووصله الإسماعيلي في «مستخرجه» ومن طريقه البيهقي (٢/ ١٩) بسند صحيح عنه، انظر «مختصر البخاري» (١/ ١٦٣). (٦) هو الذي يحتاج إِلى الغائط؛ ليتأهّب للصلاة قبل دخول وقتها، وهو من العَصْر اْو العَصَر، وهو الملجأ والمستخفى. «النهاية». (٧) حسّنه شيخنا بمجموع طُرُقه في «الصحيحة» (٨٨٧). وعن جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: «كان بلال يؤذّن، ثمَّ يُمْهِلُ فإِذا رأى النّبيّ - ﷺ - قد خرج أقام الصلاة» (١). جاء في «الفتح» (٢/ ١٠٦): «قال ابن بطال: لا حدّ لذلك (٢) غير تمكُّن دخول الوقت واجتماع المصلّين». وعن جابر بن سمرة قال: «كان بلال لا يؤخرّ الأذان عن الوقت، وربما أخرَّ الإِقامة شيئًا» (٣). هل يجوز الكلام بين الإِقامة والصلاة؟ عن أنس -رضي الله عنه- قال: «أُقيمت صلاة العشاء فقال رجل: لي حاجة، فقام النّبيّ - ﷺ - يُناجيه، حتى نام القوم (أو بعض القوم) ثمَّ صلَّوا» (٤). قال ابن حزم في «المحلّى» (تحت مسألة ٣٣٤): «والكلام جائز بين الإِقامة والصلاة -طال الكلام أو قصُر- ولا تُعاد الإِقامة لذلك». اهـ الأذان عند دخول الوقت: ولا يجوز الأذان قبل الوقت في غير الفجر -كما سيأتي-. قال في «المحلّى» (٣/ ١٦٠) (مسألة ٣١٤): «لا يجوز أن يؤذّن لصلاةٍ ---------------------- (١) أخرجه أحمد ومسلم: ٦٠٦ (٢) أي: زمن الانتظار. (٣) أخرجه ابن ماجه»صحيح سنن ابن ماجه«(٥٨٤)، وانظر»الإِرواء" (٢٢٧). (٤) أخرجه مسلم: ٣٧٦، وتقدّم في (باب نواقض الوضوء). قبل دخول وقتها إلاَّ صلاة الصبح فقط». وجاء في «المغني» (١/ ٤٢١): «عدم إِجزاء الأذان قبل الوقت، وقال: وهذا لا نعلم فيه خلافًا وقال: قال ابن المنذر: أجمَع أهل العِلم على أنَّ مِن السنّة أن يؤذّن للصلوات بعد دخول وقتها إلاَّ الفجر، ولأنَّ الأذان شُرع للإِعلام بالوقت، فلا يشرع قبل الوقت لئلا يذهب مقصوده». وجاء فيه أيضًا: «... يشرع الأذان للفجر قبل وقتها، وهو قول مالك والأوزاعي والشافعي وإِسحاق، ومنعه الثوري وأبو حنيفة ومحمد بن الحسن ...» وذكر الدليل على ذلك. ثمَّ قال (ص ٤٢١): ولنا قول النّبيّ - ﷺ -: «إِنَّ بلالًا يؤذّن بليل؛ فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابن أم مكتوم» (١). متفق عليه (٢)، وهذا يدلّ على دوام ذلك منه، والنّبيّ - ﷺ - أقرّه عليه ولم ينهه عنه، فثبت جوازه«اهـ. وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -:»لا يمنعنّ أحدَكم -أو أحدًا منكم- أذانُ بلالٍ من سحوره، فإِنَّه يؤذّن -أو ينادي بليل، ليَرجع (٣) قائمكم ولينبّه نائمكم ... «(٤). --------------------- (١) هذا بيّن أنَّ مؤذّن الأذان الأوّل غير مؤذّن الأذان الثاني، وهي سُنّة متروكة، وهذا يُعين في التمييز بين الأذان الأول والثاني، وانظر»تمام المنة«(ص ١٤٨). (٢) أخرجه البخاري: ٦١٧، ٦٢٢، ٦٢٣، ومسلم: ١٠٩٢ (٣)» ... معناه يرد القائم -أي: المتهجّد- إِلى راحته، ليقوم إِلى صلاة الصبح نشيطًا، ويكون له حاجة إِلى الصيام فيتسحّر«.»الفتح" (٢/ ١٠٤ - ١٠٥). (٤) أخرجه البخاري: ٦٢١، ومسلم: ١٠٩٣ ![]()
__________________
|
|
#27
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 386الى صــ 400 الحلقة (27) ْقال القاسم بن محمّد (١): «ولم يكن بين أذانهما إلاَّ أن يرقى ذا وينزل ذا» (٢). هل يقيم غير الذي أذَّن: يجوز أن يقيم غير الذي أذَّن، لعدم ورود نصِّ ثابت يمنع ذلك، أمّا حديث: «من أذَّن فهو يقيم» فإِنَّه ضعيف، وانظر «الضعيفة» (٣٥). قال ابن حزم في «المحلّى» (تحت المسألة ٣٢٩): «وجائز أن يُقيم غير الذى أذَّن؛ لأنَّه يأتِ عن ذلك نهْي يصحّ». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- تعليقًا على الحديث السابق: «ومن آثار هذا الحديث السيئة أنَّه سبب لإِثارة النزاع بين المصلّين، كما وقع ذلك غير ما مّرة، وذلك حين يتأخر المؤذن عن دخول المسجد لعذر، ويريد بعض الحاضرين أن يقيم الصلاة، فما يكون من أحدهم إلاَّ أن يعترض عليه محتجًّا بهذا الحديث، ولم يدر المسكين أنَّه حديث ضعيف؛ لا يجوز نسبته إِليه - ﷺ -، فضلًا عن أن يمنع به الناس من المبادرة إِلى طاعة الله تعالى، ألا وهي إِقامة الصلاة». الإِقامة في موضع غير موضع الأذان: لما تقدّم من حديث عبد الله بن زيد -رضي الله عنه- وفيه صفة الأذان إِلى أن قال: «ثمَّ استأخَر عنّي غير بعيد، ثمَّ قال: تقول: إِذا أقمتَ الصلاة ...»، وذكر الحديث. --------------------- (١) هو الراوي عن عائشة -رضي الله عنها-. (٢) أخرجه البخاري: ١٩١٨، ١٩١٩، ومسلم: ١٠٩٢ قال شيخنا -حفظه الله- في «تمام المنّة» (ص ١٤٥) -بحذف-: «في هذا دليل واضح على أن السنّة في الإِقامة في موضع غير موضع الأذان. وقد وجدت بعض الآثار تشهد لحديث عبد الله بن زيد، فروى ابن أبي شيبة (١/ ٢٢٤) عن عبد الله بن شقيق قال: من السُّنّة الأذان في المنارة، والإِقامة في المسجد، وكان عبد الله يفعله، وسنده صحيح، وروى عبد الرزاق (١/ ٥٠٦) أن عمر بن عبد العزيز بعث إِلى المسجد رجالًا: إِذا أُقيمت الصلاة فقوموا إِليها. وسنده صحيح أيضًا. وهو ظاهر في أن الإِقامة كانت في المسجد». هل تعاد الإِقامة إذا طال الفَصل بينها وبين الصلاة؟ لا تُعاد الإِقامة إِذا فُصل بين الإِقامة والصلاة بكلام ونحوه، لحديث حُميد قال: سألتُ ثابتًا البُناني عن الرجل يتكلّم بعدما تُقام الصلاة، فحدَّثني عن أنس بن مالك قال: «أُقيمت الصلاة، فعرَض للنّبيّ - ﷺ - رجلٌ فحبَسَه بعد ما أُقيمت الصلاة» (١). وعن أنس -رضي الله عنه- أيضًا قال: «أُقيمت الصلاة والنّبيّ - ﷺ - يُناجي (٢) رجلًا في جانب المسجد، فما قام إِلى الصلاة حتى نام القوم» (٣). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- "أنَّ رسول الله - ﷺ - خرج وقد أُقيمت الصّلاة وعُدّلت الصفوف، حتى إِذا قام في مصلاّه انتظرنا أن يُكبّر، انصرف ------------------------- (١) أخرجه البخاري: ٦٤٣ (٢) أي: يحادث. (٣) أخرجه البخاري: ٦٤٢ قال: على مكانكم (١)، فمكَثنا على هيئتنا، حتى خرج إِلينا ينطِف (٢) رأسه ماءً وقد اغتسل» (٣). متى يقوم الناسُ إِلى الصلاة؟ روى ابن المنذر عن أنس أنَّه كان يقوم إِذا قال المؤذّن: «قد قامت الصلاة». قال شيخنا في «تمام المنة» (ص ١٥١): قلتُ: ينبغي تقييد ذلك بما إِذا كان الإِمام في المسجد، وعلى هذا يحمل حديث أبي هريرة: «إِن الصلاة كانت تقام لرسول الله - ﷺ -؛ فيأخذ الناس مصافّهم قبل أن يقوم النّبيّ - ﷺ - مقامه». رواه مسلم وغيره، وهو مخرج في «صحيح أبي داود» (٥٥٣)، وأما إِذا لم يكن في المسجد فلا يقومون حتى يَروْه قد خرَج لقوله - ﷺ -: «إِذا أُقيمت الصلاة فلا تقوموا؛ حتى تروني قد خرجْت». متفق عليه واللفظ لمسلم، وهو مخرَّج في «صحيح أبي داود» (٥٥٠ - ٥٥٢). انظر الشوكاني (٣/ ١٦٢). النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان لغير حاجة: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا يسمع النّداء --------------------- (١) أي: كونوا على مكانكم. (٢) أي: يقطر. (٣) أخرجه البخاري: ٦٣٩، ومسلم: ٦٠٥ قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ١٢٢):»وفي هذا الحديث من الفوائد ... جواز الفصْل بين الإِقامة والصلاة؛ لأن قوله «فصلَّى» ظاهرٌ في أنَّ الإِقامة لم تُعَدْ، والظاهر أنَّه مُقيَّد بالضرورة وبأمْن خروج الوقت، وعن مالك إِذا بعُدت الإِقامة من الإِحرام تعاد، وينبغي أن يُحمل على ما إذا لم يكن عُذر". في مسجدي هذا، ثمَّ يخرج منه إلاَّ لحاجة؛ ثمَّ لا يرجع إِليه إلاَّ منافق» (١). وعن عثمان بن عفّان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من أدركه الأذان في المسجد ثمَّ خرج لم يخرج لحاجة، وهو لا يُريد الرجعة فهو منافق» (٢). وعن سعيد بن المسيّب -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «لا يخرج من المسجد أحد بعد النداء إلاَّ منافق؛ إلاَّ أحدٌ أخرجَتْه حاجة، وهو يريد الرجوع» (٣). وعن أبي الشعثاء قال: «كنّا قعودًا في المسجد مع أبي هريرة، فأذّن المؤذن، فقام رجل من المسجد يمشي، فأتبعَه أبو هريرة بصَره حتى خرج من المسجد، فقال أبو هريرة: أمّا هذا فقد عصى أبا القاسم - ﷺ -» (٤). الأذان والإِقامة للفائتة: من فاتته صلاة؛ لنومٍ أو نسيان، فإِنه يشرع له أن يؤذّن ويقيم حينما يريد صلاتها (٥). ------------------ (١) أخرجه الطبراني في «الأوسط» ورواته محتجٌ بهم في «الصحيح» كما في «الترغيب والترهيب» للمنذري، وصححه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٥٦). (٢) أخرجه ابن ماجه، وصححه شيخنا في «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٥٧). (٣) أخرجه أبو داود في «مراسيله» وانظر «صحيح الترغيب والترهيب» (٢٥٨). (٤) أخرجه مسلم: ٦٥٥ وذكر بعض العلماء أن خروج المسلم لغير حاجة من المسجد عند الأذان؛ كهروب الشيطان عند سماعه. (٥) انظر «الأوسط» (٣/ ٣٢). وذلك لحديث أبي سعيد -رضي الله عنه- قال:»شغَلَنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل، فأنزل الله عز وجل: ﴿وكفى الله المؤمنين القتال﴾ (١)، فأمَر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأقام لصلاة الظهر، فصلاّها كما كان يصلّيها لوقتها«ثمَّ أقام للعصر فصلاها كما كان يصلّيها في وقتها، ثمَّ أذّن للمغرب فصلاّها في وقتها» (٢). ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ رسول الله - ﷺ - حين قَفَل (٣) من غزوة خيبر سار ليلهُ، حتى إِذا أدركه الكرى (٤) عرَّس (٥)، وقال لبلال: اكلأ (٦) لنا الليل فصلّى بلال ما قُدِّر له، ونام رسول الله - ﷺ - وأصحابه، فلما تقارب الفجر استند بلال إِلى راحلته مُواجه الفجر، فَغَلَبَت بلالًا عيناه وهو مُستند إِلى راحلته، فلم يستيقظ رسول الله - ﷺ - ولا بلال ولا أحد من أصحابه حتى ضربَتهم الشمس، فكان رسول الله - ﷺ - أولهم استيقاظًا، ففزع رسول الله - ﷺ - فقال: «أيْ: بلال!» فقال بلال: أخذ بنفسي الذي أخذ (بأبي أنت وأمّي! يا رسول الله!) بنفسك، قال: «اقتادوا» (٧)، فاقتادوا رواحلهم شيئًا، ثمَّ توضّأ --------------------- (١) الأحزاب: ٢٥ (٢) أخرجه أحمد والنسائي «صحيح سنن النسائي» (٦٣٨) وغيرهما، وانظر «الإِرواء» (١/ ٢٥٧). (٣) أي: رجع. (٤) أي: النعاس. (٥) أي: نزل للنوم والاستراحة. (٦) أي: ارقب واحرُس. (٧) أي: خذوا مقاود الرواحل وانطلقوا. رسول الله - ﷺ -، وأمَر بلالًا فأقام (١) الصلاة، فصلّى بهم الصبح فلمّا قضى الصلاة قال: «من نسي الصلاة فليصلِّها إِذا ذكَرها، فإِن الله قال: ﴿وأقِم الصلاة لذِكْري﴾ (٢)» (٣). وفي رواية: «... قال: فأمرَ بلالًا فأذّن وأقام وصلّى» (٤). الأذان لمن يصلّي وحده (٥): عن عقبة بن عامر سمعْت رسول الله - ﷺ - يقول: «يعْجَب ربُّك من راعي غنم في رأس شظيّة (٦) الجبل يُؤذّن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل: انظروا إِلى عبدي هذا؛ يُؤذّن ويقيم الصلاة يخافُ منّي، قد غفرْتُ لعبدي وأدخلْتُه الجنّة» (٧). قال ابن المنذر في «الأوسط» (٣/ ٦٠): «أحبّ إِليّ أن يؤذّن ويقيم إِذا صلّى وحده، ويجزيه إِن أقام وإِن لم يؤذن، ولو صلّى بغير أذان ولا إِقامة لم يجب عليه الإِعادة، وإِنما أحببت الأذان والإِقامة للمصلّي وحده لحديث ------------------- (١) في رواية أبي قتادة (٦٨١):»ثمَّ أذَّن بلال بالصلاة«. (٢) طه: ١٤ (٣) أخرجه مسلم: ٦٨٠ وغيره، وبعضه في البخاري. (٤) أخرجه أبو داود»صحيح سنن أبي داود«(٤٢١). (٥) هذا العنوان من»سنن النسائي«. (٦) الشظية: قطعة مرتفعة في رأس الجبل. وانظر»النهاية«. (٧) أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي»صحيح سنن النسائي«(٦٤٢) وغيرهم، وانظر»الإرواء" (٢١٤). أبي سعيد الخدري (١). لئلا يظن ظانّ أن الأذان لاجتماع الناس لا غير، وقد أمر النّبيّ - ﷺ - مالك بن الحويرث وابن عمه بالأذان ولا جماعة معهما لأذانهما وإِقامتهما» (٢). أذان الراعي: عن عبد الله بن ربيعة: أنَّه كان مع رسول الله - ﷺ - في سفر، فسمع صوت رجل يؤذّن، فقال مِثل قوله، ثمَّ قال: «إِنَّ هذا لراعي غنمٍ، أو عازِبٌ عن أهله» فنظَروا فإِذا هو راعي غنم (٣). الأذان في السفر: عن مالك بن الحويرث -رضي الله عنه- قال: أتى رجلان النّبيّ - ﷺ - يريدان السفر، فقال النبيّ - ﷺ -: «إِذا أنتما خرجتما فأذِّنا ثمَّ أقيما، ثمَّ لِيَؤمّكما أكبركما» (٤). قال أبو عيسى الترمذي: والعمل عليه عند أكثر أهل العلم؛ اختاروا الأذان في السفر، وقال بعضهم تُجزئ الإِقامة؛ إِنّما الأذان على من يريد أن يجمع الناس، والقول الأوّل أصحّ، وبه يقول أحمد وإسحاق. -------------------- (١) المتقدّم. (٢) كما سيأتي بعد الحديث -إن شاء الله تعالى-. (٣) أخرجه أبو داود «صحيح سنن أبي داود» (٦٤١). (٤) أخرجه البخاري: ٦٣٠ هل للنساء أذان وإِقامة؟ نعم، للنساء ذلك؛ لعموم قوله - ﷺ -: «إِنّما النساء شقائق الرجال» (١). وعن عائشة -رضي الله عنها- «أنها كانت تؤذّن وتقيم ...» (٢). وعن وهب بنَ كيسان قال: «سُئل ابن عمر: هل على النساء أذان؟ فغضب، وقال: أنا أنهى عن ذِكر الله!» (٣). ولم يرَ الشافعي وأحمد -رحمهما الله تعالى- بأسًا في ذلك. انظر للمزيد من الفائدة -إِن شئت- «الأوسط» (٣/ ٥٣). لا أذان ولا إِقامة لصلاة العيدين: عن ابن عبّاس وجابر قالا: «لم يكن يؤذَّن يوم الفطر ولا يوم الأضحى» (٤). وسيأتي في صلاة العيدين إِن شاء الله تعالى. --------------------- (١) حديث صحيح خرّجه شيخنا في «المشكاة» (٤٤١) وهو في «صحيح سنن أبي داود» (٢١٦) التحقيق الثاني و«صحيح سنن الترمذي» (٩٨). (٢) أخرجه البيهقي في «السنن الكبرى» وغيره، وهو حسنٌ لغيره وانظر تخريجه في «تمام المنة» (ص ١٥٣). (٣) أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنّف» (١/ ٢٢٣) بسند جيد، عن «تمام المنة» (ص ١٥٣). (٤) أخرجه البخاري: ٩٦٠، ومسلم: ٨٨٦ الكلام في الأذان: يجوز الكلام في الأذان لحاجة، فقد «تكلّم سليمان بن صُرَد في أذانه» (١). وقال الحسن: «لا بأس أنْ يضحك وهو يؤذن أو يقيم» (٢). وعن عبد الله بن الحارث قال: «خطبَنا ابن عبّاس في يوم ردغْ (٣)، فلما بلغ المؤذن حيَّ على الصلاة فأمره أن ينادي: الصلاة في الرِّحال، فنظر القوم بعضهم إِلى بعض، فقال: فعَل هذا من هو خير منه، وإِنّها عَزْمة (٤)» (٥). ما يُحقن بالأذان من الدماء (٦): عن أنس بن مالك أنَّ النّبيّ - ﷺ - «كان إِذا غزا بنا قومًا لم يكن يغزو بنا --------------------------- (١) أخرجه البخاري في»صحيحه«في»كتاب الأذان«(باب الكلام في الأذان) معلقًا بصيغة الجزم، وقال الحافظ:»وصَله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له، وأخرجه البخاري في التاريخ عنه وإسناده صحيح ولفظه: «إِنّه كان يؤذّن في العسكر؛ فيأمر غلامه بالحاجة في أذانه». (٢) أخرجه البخاري معلّقًا بصيغة الجزم في «كتاب الأذان» (باب الكلام في الأذان)، قال الحافظ: لم أره موصولًا. (٣) وفي بعض النسخ بالزاي «رزْغ»، قال في «النهاية»: «الرَّدَغَة: طين ووحل كثير، وتجمع على رَدَغ ورداغ، وقال في الرزغ: هو الماء والوحل». (٤) ضد الرخصة. (٥) أخرجه البخاري: ١١٦ (٦) هذا العنوان من «صحيح البخاري». حتى يصبح وينظر، فإِنْ سمع أذانًا كفّ عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم (١)، قال: فخرجنا إِلى خيبر فانتهينا إِليهم ليلًا فلمّا أصبح ولم يسمع أذانًا ركل وركبت خلف أبي طلحة وإِنَّ قدمي لتمس قدم النّبيّ - ﷺ - قال: فخرجوا إِلينا بمكاتلهم (٢) ومساحيهم (٣) فلمّا رأو النّبيّ - ﷺ - قالوا: محمد والله والخميس (٤). قال: فلمّا رآهم رسول الله - ﷺ - أكبر خربت خيبر إِنّا إِذا نزلنا بساحة قومٍ فساء صباح المنذرين». قال الحافظ في «الفتح» (٢/ ٩٠) بعد هذا الحديث: «قال الخطابي: فيه أنَّ الأذان شعار الإِسلام، وأنّه لا يجوز ترْكه، ولو أنَّ أهل بلد اجتمعوا على ترْكه؛ كان للسلطان قتالهم عليه» (٥). ------------------------ (١) أخرجه البخاري: ٦١٠، ومسلم: ٣٨٢ (٢) المكاتِل: جمع المِكتل -بكسر الميم- وهو القُفّة أي: الزِّنبيل. «شرح الكرماني» (٥/ ١٠). (٣) المساحي: جمع المسحاة، وهي المجرفة إلاَّ أنّها من الحديد. «شرح الكرماني» (٥/ ١٠). (٤) الخميس: الجيش، سمّي به لأنّه مقسوم بخمسة أقسام: المقدّمة، والساقة [المؤخرة] والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل: لأنّه تخمّس فيه الغنائم. «النّهاية». (٥) وجاء في «شرح الكرماني» (٥/ ١٠): "[قال] التيمي: وإنما يُحقن الدم بالأذان لأن فيه الشهادة بالتوحيد والإقرار بالنّبيّ - ﷺ -. قال: وهذا لمن قد بلغَته الدعوة، وكان يمسك عن هؤلاء حتى يسمع الأذان ليعلم أكانوا مجيبين للدعوة أم لا، لأن الله تعالى قد وعده إظهار دينه على الدين كله. من بدع الأذان ومخالفاته: الأصل في العبادات المنع إِلا أن يرد الدليل، والأذان عبادة لا يجوز الإِحداث فيها، فمن المخالفات والمحدثات في الأذان التي لم يرد فيها نص ولم يفعلها الصحابة الكرام -رضي الله عنهم-: ١ - التغنّي في الأذان واللحن فيه. وقد ثبت أنّ رجلًا جاء إِلى ابن عمر -رضي الله عنهما- فقال: «إِنّي أحبّك في الله، قال فاشهد عليّ أنّي أبغضك في الله، قال: ولمَ؟ قال: لأنك تلحنُ في أذانك وتأخذ عليه أجرًا» (١). ٢ - التسبيح قبل الفجر. ٣ - زيادة الصلاة على النّبيّ والسلام فيه (٢). شروط (٣) الصلاة: ١ - دخول الوقت (٤)، وقد تقدّم في (باب مواقيت الصلاة). --------------------------- (١) أخرجه الطبراني في «المعجم الكبير» وغيره، وانظر «الصحيحة» تحت الحديث (٤٢). (٢) انظر ما قاله شيخنا -شفاه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ١٥٨). (٣) الشرط: هو الأمر الذي يتوقّف عليه وجود الحُكم، ويلزم من عَدمه عدم الحُكم، ولا يلزم من وجوده وجود الحُكم، فلا يلزم من وجود الوضوء الذي هو شرط الصلاة وجودها، ولا يلزم من وجود الشاهدين وجود عقد الزواج، ووجودهما شرط لصحّته، ولكن لا تصحّ الصلاة من غير وجود الوضوء، ولا يصح النكاح مِن غير شاهدين. عن «أصول الفقه» (ص ٥٩) للشيخ محمّد أبي زهرة. (٤) انظر ما قاله شيخ الإسلام -رحمه الله تعالى- في «الفتاوى» (٢٢/ ٧٥) حول وقت الاختيار ووقت الاضصرار. قال في «المغني» (١/ ٤٠٧) بحذف يسير: «ومن صلَّى قبل الوقت، لم تجُز صلاته في قول أكثر أهل العلم، سواءٌ فعَله عمدًا أو خطأ كلّ الصلاة أو بعضها، وبه قال الزهري والأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي». ٢ - الطهارة من الحَدَث. قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذا قُمتم إِلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديَكم إِلى المرافق وامسحو ابرؤوسكم وأرجُلَكم إِلى الكعبين وإِنْ كنتم جُنُبًا فاطهروا﴾ (١). وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - ﷺ -: «لا تُقبل صلاةُ من أحدث حتى يتوضأ» قال رجل من حضرموت: ما الحدَث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط«(٢). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال:»لا تُقبل صلاةٌ بغير طُهور، ولا صدَقة من غُلول«(٣). --------------------- (١) المائدة: ٦ (٢) أخرجه البخاري: ١٣٥، ومسلم: ٢٢٥ دون قوله:»قال رجل ... «وتقدّم. قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٢٣٥):»أحدَث: أو وُجد منه الحدث، والمراد به الخارج من أحد السبيلين، وإنّما فسّره أبو هريرة بأخصّ من ذلك؛ تنبيهًا بالأخفّ على الأغلظ ...«. (٣) أخرجه مسلم: ٢٢٤ وغيره، وانظر للمزيد من الفوائد الحديثية»الإِرواء" (١/ ١٥٣). ٣ - تطهير الثوب والبدن والمكان من النجاسة (١). أمّا تطهير الثياب فلنصّ القرآن: ﴿وثيابك فطهِّر﴾ (٢). ولحديث أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: سَألتِ امرأة رسول الله - ﷺ - فقالت يا رسول الله: أرأيت إِحدانا إِذا أصاب ثوبها الدّم من الحيضة كيف تصنع؟ فقال رسول الله - ﷺ -: «إِذا أصاب ثوب إِحداكنّ الدّم من الحيضة فلتقرُصه ثمَّ لِتَنضحْه بماء ثمَّ لتصلّي فيه» (٣). ومنها حديث خلْعِه - ﷺ - للنّعل، كما في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: «صلّى بنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم؛ فلمّا كان في بعض صلاته؛ خلَع نعليه فوضَعهما عن يساره، فلما رأى الناس ذلك خلعوا نعالهم، فلمّا قضى صلاته قال:»ما بالكم ألقيتم نعالكم؟ «قالوا: رأيناك ألقيتَ نعليك فألقينا نعالنا، فقال: (إِنَّ جبريل أتاني فأخبَرني أنّ فيهما قَذَرًا -أو قال: أذى- (وفي رواية: خَبَثًا)، فألقيتُهما، فإِذا جاء أحدكم إِلى المسجد، فلينظر في نعليه، فإِن رأى فيهما قَذَرًا -أو قال: أذى- (وفي الرواية الأخرى: خَبَثًا)؛ ------------------- (١) من كتاب»الدراري المضية" (١/ ١٠٨) بتصرف. (٢) المدثر: ٤ (٣) أخرجه البخاري: ٣٠٧، ومسلم: ٢٩١ فليمسحهما، وليصلِّ فيهما (١)» (٢). وأمّا تطهير البدن؛ فلانّه أولى من تطهير الثوب؛ ولِما ورَد من وجوب تطهيره، من ذلك: حديث أنس -رضي الله عنه- أنَّ النّبيّ - ﷺ - قال: «تنزّهوا من البول؛ فإِنَّ عامّة عذاب القبر منه» (٣). ولحديث عليّ -رضي الله عنه- قال: كنتُ رجلًا مذّاءً فأمَرْت رجلًا أن يسأل النبيّ - ﷺ - لمكان ابنته، فسأل فقال: «توضّأ واغسلْ ذَكرَك» (٤). وأمّا المكان؛ فلِما ثبتَ عنه - ﷺ - من رشّ الذَّنوب على بوْل الأعرابي، كما ------------------------ (١) وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن قول بعض العلماء: «من صلّى مُلابسًا لنجاسة عامدًا؛ فقد أخلّ بواجب، وصلاته صحيحة» فقال: نحن نقول: أخلّ بشرط، لكن هل هو معذور أم ليس بمعذور؟ فللمعذور نقول: صلى رسول الله - ﷺ - بنعليه، ولمّا خلَعهما؛ سألوه عن السبب فقال: جاءني جبريل وأخبرني أنَّ فيهما قذرًا. قلت: يعني إِذا كان معذورًا فلا بأس، أمّا إِذا لم يكن كذلك فالصلاة باطلة؟ فقال -حفظه الله تعالى-: نعم. قلت: بعد أن صلى وجدَ فيه قذارة؟ فقال: مثل ذاك. وذكر لي -حفظه الله تعالى- أنَّ المصلي إِذا تذكّر أثناء الصلاة أنّه جُنب، أو أنه على غير وضوء؛ فإِنّه يستطيع أن يذهب ويغتسل أو يتوضّأ إِذا كان المكان قريبًا، ويرجع لاستكمال صلاته؛ بانيًا على ما مضى. لكن إِذا انتهى من الصلاة وتذكر أنّه كان على غير طُهر، فإنّه يتطهّر ويُعيد الصلاة. (٢) أخرجه أبو داود: ٦٥٠ «صحيح سنن أبي داود» (٦٠٥)، وابن خزيمة والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي والنووي، وانظر «الإرواء» (٢٨٤)، وصفة الصلاة (ص ٨١). (٣) حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (٢٨٠). (٤) أخرجه البخاري: ٢٦٩، ومسلم: ٣٠٣، وتقدّم. في حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ أعرابيًا بال فى المسجد، فثار إِليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: دعوه وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء أو سَجْلًا من ماء، فإِنّما بُعثتم مُيَسِّرين ولم تُبعثوا مُعَسِّرين» (١) ٤ - ستر العورة: قال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢). وبيّن ابن عباس -رضي الله عنهما- سبب نزول هذه الآية فقال: «كانت المرأةُ تطوف بالبيت وهي عُريانه، فتقول: من يُعيرني تِطوافًا تجعله على فرجها، وتقول: اليوم يبدو بعضُه أو كلُّه ... فما بدا منه فلا أُحلّه فنزلَت هذه الآية: ﴿خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾» (٣). قال البغوي في «تفسيره» (٢/ ١٥٧): في قوله سبحانه: ﴿يا بني آدم خذوا زينتَكم عند كلّ مسجد﴾ يعني: الثياب، قال مجاهد: ما يُواري عورتك ولو عباءة. قال الكلبي: «الزينة: ما يواري العورة عند كلّ مسجد لطواف وصلاة». قال شيخ الإِسلام في كتابه «حجاب المرأة ولباسها في الصلاة» (ص ١٤) في (فصل في اللباس في الصلاة): وهو أخْذ الزينة عند كلّ مسجد، الذي يسمّيه الفقهاء: «باب ستر العورة في الصلاة». ------------------ (١) أخرجه البخاري: ٦١٢٨ وغيره وتقدّم في (كتاب الطهارة) والسَّجل والذَّنوب: الدلو الممتلئة ماءً. (٢) الأعراف: ٣١ (٣) أخرجه مسلم: ٣٠٢٨ ![]()
__________________
|
|
#28
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 401الى صــ 415 الحلقة (28) وقال -رحمه الله- (ص ٢٣): «وفي الصلاة نوع ثالث؛ فإِن المرأة لو صلَّت وحدها، كانت مأمورة بالاختمار، وفي غير الصلاة يجوز لها كشف رأسها في بيتها، فأَخْذ الزينة في الصلاة لحق الله، فليس لأحد أن يطوف بالبيت عُريانًا ولو كان وحده بالليل، ولا يصلي عُريانًا ولو كان وحده، فعلم أن أخذ الزينة في الصلاة لم يكن لتحتجب عن الناس، فهذا نوع، وهذا نوع. وحينئذ فقد يستر المصلي في الصلاة ما يجوز إِبداؤه في غير الصلاة، وقد يُبدي في الصلاة ما يستره عن الرجال. فالأول مِثل المَنكِبين، فإِنّ النّبيّ - ﷺ - نهى أن يصلّي الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء فهذا لحقّ الصلاة، ويجوز له كشف منكبيه للرجال خارج الصلاة». وقال -رحمه الله- (ص ٣٢): «والمنكبان في حقه؛ كالرأس في حقّ المرأة؛ لأنّه يصلّي في قميص أو ما يقوم مقام القميص ...». ما يجب على الرّجل ستره عند الصلاة: يجب ستر القُبل والدُّبر، وجاء في بعض النصوص ما يدّل على أنّه يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة وهو القسم الأعلى منه؛ كما في حديث بريدة -رضي الله عنه-: «نهى رسول الله - ﷺ - أن يُصلّي الرجل في لحاف واحد؛ لا يتوشّح به (١) ونهى أن يُصلّي الرجل في سراويل وليس عليه رداء» (٢). قال شيخنا في «تمام المنّة» (١٦٣): «وفي الحديث دلالة على أنّه ---------------------------- (١) أي: يتغشّى به. (٢) أخرجه أبو داود وغيره وإسناده حسن وانظر»تمام المنّة" (١٦٢). يجب على المصلّي أن يستر من بدنه ما ليس بعورة، وهو القسم الأعلى منه، وذلك إِنْ وجَد كما يدلّ عليه حديث ابن عمر وغيره، وظاهر النهي يفيد بطلان الصلاة، ويؤكّد ذلك قوله - ﷺ -: لا يصلّينّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه (وفي رواية: عاتقيه. وفي أخرى: منكبيه) منه شيء». رواه الشيخان وأبو داود وغيرهم، وهو مخرَّج في «الإِرواء» (٢٧٥) و«صحيح أبي داود» (٦٣٧). قال الشوكاني في «نيل الأوطار» (٢/ ٥٩): «وقد حمَل الجمهور هذا النهي على التنزيه، وعن أحمد: لا تصحّ صلاة من قَدِرَ على ذلك فتركَه، وعنه أيضًا: تصحّ ويأثم»«. وقد ورَد في بعض الأحاديث ما يدّل على جواز الصلاة في الثوب الواحد. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أنَّ سائلًا سأل رسول الله - ﷺ - عن الصلاة في ثوب واحد، فقال رسول الله - ﷺ -:»أَولكُلِّكُمْ ثوبان«(١). وعن محمّد بن المنكدر قال:»رأيت جابر بن عبد الله يُصلّي في ثوبٍ واحد، وقال: رأيت النّبي - ﷺ - يصلّي في ثوب«(٢). وعنه أيضًا قال:»صلّى جابر في إِزارٍ قد عقَده من قبل قفاه وثيابه موضوعة على المِشجَب (٣) قال له قائل: تُصلّي في إِزارٍ واحدٍ؟ فقال: إِنّما صنعْتُ ذلك ليراني أحمقُ مثلُك، وأيُّنا كان له ثوبان على عهد النّبيّ - ﷺ -«؟ (٤). ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٥٨، ومسلم: ٥١٥، وتقدّم. (٢) أخرجه البخاري: ٣٥٣ (٣) هو عيدان تُضمّ رؤوسها ويُفرَج بين قوائمها توضَع عليها الثياب وغيرها.»فتح". (٤) أخرجه البخاري: ٣٥٢ وعن عمر بن أبي سلمة «أنَّ النّبيّ - ﷺ - صلّى في ثوبٍ واحدٍ قد خالف بين طرفيه» (١). ولكن الصلاة في الثوب الواحد بقيد تغطية العاتقين (٢). قال البخاري -رحمه الله- (٣): (باب إِذا صلّى في الثوب الواحد، فليجعل على عاتقيه). وروى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال النّبيّ - ﷺ -: «لا يُصلي (٤) أحدُكم في الثوب الواحد؛ ليس على عاتِقَيه شيء» (٥). ثمَّ روى حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «أشهدُ أنّي سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: من صلّى في ثوبٍ واحدٍ؛ فليخالِف بين طرفيه» (٦). ----------------------- (١) أخرجه البخاري: ٣٥٤ (٢) العاتق: هو ما بين المنكبين إِلى أصل العُنُق. (٣) انظر «الفتح» (١/ ٤٧١). (٤) قال في «الفتح» (١/ ٤٧١): قوله (لا يصلي)، قال ابن الأثير: كذا هو في الصحيحين بإِثبات الياء، ووجهه أن (لا) نافية، وهو خبر بمعنى النهي. قلت [أي: الحافظ -رحمه الله-]: ورواه الدارقطني في «غرائب مالك» من طريق الشافعي عن مالك بلفظ: «لا يُصلِّ»، بغير ياء، ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء عن مالك بلفظ «لا يصلِّيَنّ» بزيادة نون التأكيد. (٥) أخرجه مسلم: ٥١٦. (٦) انظر البخاري: ٣٦٠. جاء في «الفتح» (١/ ٤٧١): «... ودلالته على الترجمة من جهة؛ أنَّ المخالفة بين الطرفين لا تتيسَّر إلاَّ بجعل شيءٍ من الثوب على العاتق، كذا قال الكرماني». حُجّة من يرى أنَّ الفخذ ليست بعورة (١): استدل القائلون بأنَّ السُّرّة والفخذ والركبة ليست بعورة بهذه الأحاديث: عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: كان رسول الله - ﷺ - مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فخذيه، فاستأذَن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، ثمَّ استأذَن عمر، فأذِن له وهوكذلك، فتحدّث، ثمَّ استأذن عثمان، فجلس النّبيّ - ﷺ - يُسوّي ثيابه وقال محمّد: -ولا أقول ذلك في يوم واحد- فدخل، فتحدّث، فلمّا خرج قالت له عائشة: دخل عليك أبو بكر فلم تجلس، ثمَّ دخل عثمان، فجلست وسوَّيتَ ثيابك؟ فقال: ألا أستحي ممن تستحي منه الملائكة«(٢). قال البخاري -رحمه الله-:»وقال أنس: حسَر النّبيّ - ﷺ - عن فَخِذه (٣)، --------------------- (١) عن «فقه السنة» (١/ ١٢٥) بتصرف يسير. (٢) أخرجه الطحاوي في «المشكل» وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٢٩٨) وأصْله في مسلم: ٢٤٠١ (٣) أخرجه البخاري معلقًا وموصولًا: ٣٧١ وانظر «الفتح» (١/ ٤٧٨) -إِن شئت- للمزيد من الفائدة وانظر أيضًا «صحيح مسلم» (٢٤٠١). وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد (١) أحوط، حتى يُخرَجَ من اختلافهم، وقال أبو موسى: غطَّى النّبيّ - ﷺ - رُكبتيه حين دخل عثمان (٢). وقال زيد بن ثابت: أنزل الله على رسوله - ﷺ - وفخِذه على فخذي، فثقُلَت عليَّ حتى خِفتُ أن ترُضَّ فخذي» (٣). قال ابن حزم (٤): «فصحّ أنَّ الفخذ ليست عورة، ولوكانت عورة؛ لَما كشَفَها الله عز وجل عن رسول الله - ﷺ - المطهَّر المعصوم من الناس؛ في حال النّبوة والرسالة، ولا أَراها أنس بن مالك ولا غيره، وهو تعالى قد عصَمَه من كشْف العورة في حال الصّبا وقبل النّبوة». ثمَّ ذكَر حديث جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- في «الصحيحين»: «أنَّ رسول الله - ﷺ - كان ينقل معهم الحجارة للكعبة وعليه إِزاره، فقال له العباس عمّه: يا ابن أخي! لو حلَلْتَ إِزارك فجعلتَه على منكِبك دون الحجارة، قال: فحلَّه فجعلَه على مَنْكِبه، فسقط مغشيًا عليه، فما رؤي بعد ذلك عُريانًا - ﷺ -» (٥). وعن أبي العالية البَراء قال: قلتُ لعبد الله بن الصامت نُصلِّي يوم الجمعة -------------------------- (١) قال شيخنا في «مختصر البخاري» (١/ ١٠٧): «وصَله مالك والترمذي وحسّنه، وصحّحه ابن حبان». (٢) وصَله البخاري في كتاب «فضائل الصحابة» وانظر (٣٦٩٥). (٣) وصَله البخاري في «كتاب الجهاد» وانظر رقم (٢٨٣٢) وأشار شيخنا إِلى ذلك في «مختصره»، وكذا الذي قبله. (٤) انظر «المحلّى» (٣/ ٧٢٧٢). (٥) انظر البخاري: ٣٦٤، ومسلم: ٣٤٠ خلْف أمراء، فيؤخّرون الصلاة، قال: فضرب فَخذي ضربةً أوجعتني، وقال: سألتُ أبا ذرٍّ عن ذلك فضرَب فخِذي، وقال: سألتُ رسول الله - ﷺ - عن ذلك: فقال: «صَلُّوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة». قال: وقال عبد الله: ذُكر لي أنَّ النّبيّ - ﷺ - ضرب فَخِذَ أبي ذرّ«(١). وفي رواية لمسلم:»وقال: إِنِّي سألتُ رسول الله - ﷺ - كما سألتني، فضربَ فخِذي كما ضرَبتُ فَخِذَك ... «(٢). قال ابن حزم: فلو كانت الفخذ عورة؛ لما مسَّها رسول الله - ﷺ -، من أبي ذرّ أصلًا بيده المقدّسة. ولو كانت الفخذ عند أبي ذرّ عورة، لما ضرب عليها بيده، وكذلك عبد الله بن الصامت وأبي العالية. وما يستحلّ مسلم أن يضرب بيده على ذَكَر إِنسان، على الثياب، ولا على حلقة دُبُر الإِنسان على الثياب، ولا على بدن امرأة أجنبية على الثياب، البتة». ثمَّ ذكَر ابن حزم (٣) بإِسناده إِلى أنس بن مالك أنّه أتى ثابت بن قيس بن شمّاس؛ وقد حسر عن فَخِذيه ... «(٤). حُجَّة من يرى أنَّها عورة: واستدلّ القائلون بأنّها عورة بهذين الحديثين: ١ - عن محمّد بن جحش قال:»مرّ رسول الله - ﷺ - على معمر، وفخذاه ---------------------- (١) أخرجه مسلم: ٦٤٨ (٢) انظره تحت رقم: ٦٤٨ (٣) انظر «المحلى» (٣/ ٢٧٨). (٤) انظر البخاري: ٢٨٤٥ مكشوفتان فقال: يا معمر غطِّ فخذيك؛ فإِنَّ الفخذين عورة» (١). ٢ - وعن جَرهَد قال: مرّ رسول الله - ﷺ - وعليّ بُردة وقد انكشفت فخِذي فقال: «غطِّ فخذك فإِنَّ الفخِذ عورة» (٢). قال شيخنا في «تمام المنّة» (١٥٩ - ١٦٠): «ومن الواضح لدى كلّ ناظرٍ في الأدلّة التي ساقَها المؤلّف؛ أنَّ أدلّة القائلين بأنَّ الفخذ ليس بعورة فعليّة من جهة، ومبيحة من جهة أخرى. وأدلة القائلين بأنّه عورة قولية من جهة، وحاظرة من جهة أخرى، ومن القواعد الأصولية التي تساعد على الترجيح بين الأدلة والاختيار قاعدتان: الأولى: الحاظر مُقدَّم على المبيح. والأخرى: القول مُقدَّم على الفِعل؛ لاحتمال الخصوصية وغيرها؛ مع أنَّ الفعل في بعض الأدلة المشار إِليها لا يظهر فيها أنَّه كان مقصودًا متعمّدًا؛ كحديث أنس وأثر أبي بكر -رضي الله عنهما- أضِف إِلى ذلك أنّها وقائعُ أعيان لا عموم لها؛ بخلاف الأدلّة القولية، فهي شريعة عامّة، وعليها جَرى عمل المسلمين سلَفًا وخلفًا، بحيث لا نعلم أنّ أحدًا منهم كان يمشي أو يجلس كاشفًا عن فَخِذيه؛ كما يفعل بعض الكفّار اليوم، ومن يقلّدهم من المسلمين الذ ين يلبسون البنطلون الذي يسمّونه بـ (الشورت)، وهو (التبان) في اللغة. ---------------------- (١) أخرجه أحمد في المسند وغيره وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره كما فى»المشكاة«(٣١١٤)، و»الإرواء«(١/ ٢٩٧ - ٢٩٨). (٢) أخرجه أحمد في»مسنده«والحاكم في»المستدرك«وغيرهما وذكره البخاري معلقًا انظر»الفتح«(١/ ٤٧٨)، وإسناده ضعيف لكنّه يتقوى بغيره أيضًا، وانظر»الإرواء" (١/ ٢٩٨). ولهذا، فلا ينبغي التردد في كون الفخذ عورة ترجيحًا للأدلة القولية، فلا جَرَم أن ذهب إِليه أكثر العلماء، وجزم به الشوكاني في»نيل الأوطار«(٢/ ٥٢ - ٥٣) و»السيل الجرّار«(١/ ١٦٠ - ١٦١). نعم، يمكن القول بأنّ عورة الفخذين أخفّ من عورة السوأتين، وهو الذي مال إِليه ابن القيّم في»تهذيب السنن«كما كُنتُ نقَلْتهُ عنه في»الإِرواء«(١/ ٣٠١). وحينئذ، فمسُّ الفَخِذ الذي وقع في حديث أبي ذرّ -والظاهر أنَّه من فوق الثوب- ليس كمس السوأتين ...». انتهى. وعن أنس بن مالك «أنَّ رسول الله - ﷺ - غزا خيبر فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس، فركب النّبيّ - ﷺ - وركب أبو طلحة، وأنا رديف أبي طلحة، فأجرى رسول الله - ﷺ - في زقاق خيبر، وإنّ ركبتي لتمسّ فخذ رسول الله - ﷺ -، ثمَّ حسر الإِزار عن فخِذه حتى إِني أنظر إِلى بياض فخذ نبيَّ الله - ﷺ - ...». قال شيخنا في «الإِرواء» (١/ ٣٠٠) بعد تخريج الحديث: أخرجه البخاري (١/ ١٠٥) والبيهقي (٢/ ٢٣٠) وأخرجه مسلم (٤/ ١٤٥، ٥/ ١٨٥) وأحمد (٣/ ١٠٢) إِلا أنهما قالا: «وأنحسر» بدل «وحسر»، ولم يذكر النسائي في روايته (٢/ ٩٢) ذلك كلّه. قال الزيلعي في «نصب الراية» (٤/ ٢٤٥) عقب رواية مسلم: «قال النووي في الخلاصة: وهذه الرواية تُبيّن رواية البخاري، وأنّ المراد: انحسر بغير اختياره لضرورة الإِجراء. انتهى». قلت [القائل: شيخنا -حفظه الله تعالى-]: وأجاب عن ذلك الحافظ في «الدراية» بقوله (ص ٤٣٤): "قلت: لكن لا فرق في نظري بين الروايتين؛ من جهة أنَّه - ﷺ - لا يُقرّ على ذلك لو كان حرامًا، فاستوى الحال بين أن يكون حسَره باختياره، وانحسر بغير اختياره». وهذا من الحافظ نظر دقيق، ويؤيده أن لا تعارض بين الروايتين، إِذ الجمع بينهما ممكن بأن يقال: حسَر النّبيّ - ﷺ - الثوب فانحسر. وقد جمع الشوكاني بين هذين الحديثين وبين الأحاديث المتقدّمة في أن الفخِذ عورة بأنهما حكاية حال، لا عموم لها. انظر «نيل الأوطار» (١/ ٢٦٢). ولعل الأقرب أن يقال في الجمع بين الأحاديث: ما قاله ابن القيم في «تهذيب السنن» (٦/ ١٧): «وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمدَ وغيرهم: أنّ العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة: السوأتان، والمخففة: الفخذان. ولا تَنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة. والله أعلم». قلت: وكأنّ الإمام البخاري -رحمه الله- أشار إِلى هذا الجمع بقوله المتقدّم: «وحديث أنس أسند، وحديث جَرهَد أحوط» اهـ. ما يجب على المرأة سِتْره في الصلاة يجب على المرأة أن تستر بدنها كلّه في الصلاة خلا الوجه والكفين، لقول الله تعالى: ﴿ولا يُبدين زينتهنّ إِلاَّ ما ظَهَر منها﴾ (١). قال ابن كثير -رحمه الله- في «تفسيره»: "أي: لا يُظهرن شيئًا من الزينة ----------------------- (١) النور: ٣١ للأجانب إِلا ما لا يمكن إِخفاءه». قال ابن المنذر في «الأوسط» (٥/ ٧٠): «وقد روينا عن جماعة من أهل التفسير أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إِلاَّ ما ظهر منها﴾ الآية، أنّ ذلك الكفان والوجه، فممّن روينا ذلك عنه ابن عباس، وعطاء ومكحول، وسعيد بن جبير». قال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٤٠): «... وقد اختلفت أقوال السلف في تفسيرها؛ فمن قائل: إِنّها الثياب الظاهرة، ومن قائل: إِنّها الكحل والخاتم والسوار والوجه، وغيرها من الأقوال التي رواها ابن جرير في»تفسيره«(١٨/ ٨٤) عن بعض الصحابة والتابعين، ثمَّ اختار هو أنّ المراد بهذا الاستثناء الوجه والكفان، فقال:»وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: عَنَى بذلك الوجه والكفين، يدخل في ذلك -إِذا كان كذلك- الكحل والخاتم والسوار والخضاب، وإنّما قلنا: ذلك أولى الأقوال في ذلك بالتأويل؛ لإِجماع الجميع على أنّ على كلّ مصلٍّ أن يستر عورته في صلاته، وأنّ للمرأة أن تكشف وجهها وكفّيها في صلاتها، وأنّ عليها أن تستر ما عدا ذلك من بدنها، إلاَّ ما روي عن النّبيّ - ﷺ - أنَّه أباح لها أن تبدي من ذراعها قدْر النصف (١)، فإِذا كان ذلك من جميعهم إِجماعًا؛ كان معلومًا بذلك أنَّ لها أن تبديَ من بدنها ما لم يكن عورة كما ذلك للرجال، لأنَّ ما لم يكن عورة فغير حرام إِظهاره، وإِذا كان لها إِظهار ذلك؛ كان معلومًا أنَّه ممَّا استثنى الله تعالى ذكره بقوله: ﴿إِلاَّ ما ---------------- (١) وهو حديث منكر وانظر «جلباب المرأة المسلمة» (ص ٤١). ظهر منها﴾؛ لأنَّ كل ذلك ظاهر منها». ثمَّ ذكر شيخنا (ص٥١) كلام القرطبي (١٢/ ٢٢٩): «قال ابن عطية: ويظهر لي بحُكم ألفاظ الآية أنَّ المرأة مأمورة بأن لا تُبديَ، وأن تجتهد في الإخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بدَّ منه، أو إِصلاح شأن، ونحو ذلك فـ ﴿ما ظهر﴾ على هذا الوجه ممّا تؤدي إِليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه». وقال -حفظه الله- (ص٥١ - ٥٢) -بحذف يسير-: «... وبيانه أنَّ السلف اتفقوا على أنّ قوله تعالى: ﴿إِلاَّ ما ظهَر منها﴾ يعود إِلى فعلٍ يصدر من المرأة المكلَّفة، غاية ما في الأمر أنهم اختلفوا فيما تظهره بقصدٍ منها، فابن مسعود يقول: هو ثيابها؛ أي: جلبابها. وابن عباس ومن معه من الصحابة وغيرهم يقول: هو الوجه والكفان منها. فمعنى الآية حينئذ: إلاَّ ما ظهرَ عادة بإِذن الشارع وأمرِه. ألستَ ترى أن المرأة لو رفعت من جلبابها حتى ظهر من تحته شيء من ثيابها وزينتها -كما يفعل ذلك بعض المتجلببات- أنها تكون قد خالفَت الآية باتفاق العلماء؛ فقد التقى فِعْلها هذا مع فِعْلها الأول، وكلاهما بقصد منها؛ لا يمكن إلاَّ هذا، فمناط الحكم إِذن في الآية؛ ليس هو ما ظهر دون قصد من المرأة -فهذا ممّا لا مؤاخذة عليه في غير موضع الخلاف أيضًا اتفاقًا - وإِنما هو فيما ظهر دون إِذنٍ من الشارع الحكيم». وقال شيخنا -حفظه الله تعالى- في «تمام المنّة» (ص ١٦٠): «روى ابن أبي شيبة في»المصنّف" (٤/ ٢٥٣) عن ابن عباس في تفسير الآية المذكورة: «قال: الكفّ ورقعة الوجه». وسنده صحيح. «ورَوَى نحوه عن ابن عمر بسند صحيح أيضًا ...». وفي الحديث: «لا يقبل الله صلاة حائض (١) إلاَّ بخمار (٢)» (٣). وروى عبد الرزاق من طريق أم الحسن قالت: «رأيت أمّ سلمة زوج النّبيّ - ﷺ - تصلّي في دِرْع (٤) وخمار» (٥). وعن عبيد الله الخولاني -وكان يتيمًا في حِجر ميمونة- أنَّ ميمونة كانت تُصلّي في الدّرع والخمار ليس عليها إِزار«(٦). قال شيخنا في»تمام المنّة«(ص ١٦٢):»وفي الباب آثار أُخرى؛ مما يدلّ على أنَّ صلاة المرأة في الدرع والخمار كان أمرًا معروفًا لديهم، وهو أقلّ ما يجب عليهنّ لستر عورتهنّ في الصلاة. ولا ينافي ذلك ما روى ابن أبي شيبة والبيهقي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: «تصلي المرأة ------------------ (١) هي التي بلَغت سنَّ المحيض وجرى عليها القلم، ولم يُرِدْ في أيام حيضها، لأنَّ الحائض لا صلاة عليها.»النهاية«. (٢) هو غطاء الرأس. (٣) أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه وابن أبي شيبة وغيرهم، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الإِرواء«(١١٦). (٤) درع المرأة: قميصها.»النهاية«. (٥) وإسناده صحيح كما في»تمام المنّة«(ص ١٦٢). (٦) أخرجه مالك في»الموطّأ«، وعنه ابن أبي شيبة والبيهقي وإسناده صحيح، انظر»تمام المنّة" (ص ١٦٢). في ثلاثة أثواب: درع وخمار وإزار«. وإسناده صحيح. وفي طريق أخرى عن ابن عمر قال:»إِذا صلت المرأة فلتصلِّ في ثيابها كلها: الدرع والخمار والملحفة (١)«. رواه ابن أبي شيبة وسنده صحيح أيضًا. فهذا كله محمول على الأكمل والأفضل لها، والله أعلم». ملاحظة: احِرص على الثياب التي تستر العورة، واعلم أنَّه لا تجوز الصلاة في الثوب الرقيق الذي يُبرز لَون الجلد. وقد سألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عمّن لبس ثوبًا خفيفًا بحيث يبيّن لون الجلد؛ من بياض أو حمرة فقال: «إِذا كان اللباس خفيفًا، بحيث يصف العضو، فهو كالعاري». هل يكشف الرجل رأسه في الصلاة؟ قال الله تعالى: ﴿يا بني آدمَ خذوا زينَتكم عند كلّ مسجد﴾ (٢). قال ابن كثير في «تفسيره»: «قال العوفي عن ابن عباس ... كان رجال يطوفون بالبيت عُراة فأمَرهم الله بالزينة، والزينة اللباس، وهو ما يُواري السوأة وما سوى ذلك من جيّد البز (٣) والمتاع (٤) فأمرهم أن يأخذوا زينتهم عند كلّ مسجد ...». ------------------- (١) ما يتخذ من اللباس فوق سائر اللباس من دثار البرد ونحوه، وانظر «المحيط». (٢) الأعراف: ٣١ (٣) البز: الهيئة والشارة. «الوسيط». (٤) المتاع: كلّ ما يُنفع به ويُرغب في اقتنائه؛ كالطعام وأثاث البيت والسلعة والأداة والمال. «الوسيط». وقال: «ولهذه الآية وما ورَد في معناها من السنّة التجمُّل عند الصلاة، ولا سيّما يوم الجمعة ويوم العيد، والطِّيب لأنَّه من الزينة، والسواك لأنَّه من تمام ذلك ومن أفضل اللباس البياض ...». فإِذا كان الطِّيب والسواك ولبس البياض من الزينة؛ أفلا يكون غطاء الرأس من الزينة؟! قال شيخنا في «تمام المنة» (ص ١٦٤) -بحذف يسير-: «والذي أراه في هذه المسألة؛ أنَّ الصلاة حاسرَ الرأس مكروهةٌ، ذلك أنَّه من المُسلَّم به استحباب دخول المسلم في الصلاة في أكمل هيئة إِسلاميّة؛ للحديث المتقدّم» ... فإِنَّ الله أحقّ أن يُتزيَّن له". وليس من الهيئة الحسنة في عُرف السلف اعتياد حسْر الرأس والسير كذلك في الطرقات والدخول كذلك في أماكن العبادات، بل هذه عادة أجنبية؛ تسرَّبَتَ إِلى كثيرٍ من البلاد الإِسلامية؛ حينما دخَلَها الكُفار، وجلبوا إِليها عاداتهم الفاسدة، فقلَّدهم المسلمون فيها، فأضاعوا بها وبأمثالها من التقاليد شخصيّتهم الإِسلامية، فهذا العرض الطارئ لا يصلح أن يكون مسوِّغًا لمخالفة العُرف الإِسلامي السابق ولا اتخاذه حُجَّةً لجواز الدخول في الصلاة حاسر الرأس. وأمّا استدلال بعض إِخواننا ... على جوازه قياسًا على حسر المُحرم في الحجّ؛ فمن أبطلِ قياسٍ قرأْتُه ... كيف والحسر في الحجّ شعيرة إِسلامية، ومن مناسكه التي لا تُشاركه فيها عبادة أُخرى، ولو كان القياس المذكور صحيحًا؛ للزم القول بوجوب الحسر في الصلاة؛ لأنَّه واجب في الحجّ، وهذا إلزامٌ لا انفكاك لهم عنه إلاَّ بالرجوع عن القياس المذكور ...». وقال -حفظه الله- (ص ١٦٦): «وأمّا استحباب الحسر بنية الخشوع؛ فابتداعُ حُكمٍ في الدين لا دليل عليه إلاَّ الرأي، ولو كان حقًّا؛ لفعله رسول الله - ﷺ -، ولو فعَله لنُقل عنه؛ وإذ لم يُنقل عنه، دلّ ذلك أنَّه بدعة فاحذرها. وممّا سلف تعلم أنَّ نفي المؤلّف (١) ورود دليل بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة، ليس صوابًا على إِطلاقه، إلاَّ إِن كان يُريد دليلًا خاصًا، فهو مُسلَّم، ولكنّه لا ينفي ورود الدليل العام على ما بيّناه آنفًا، وهو التزيّن للصلاة بالزّيّ الإِسلامي المعروف من قَبل هذا العصر، والدليل العام حجّة عند الجميع عند عدم المُعارِض فتأمّل». ٥ - استقبال القِبلة قال الله تعالى. ﴿قد نرى تقلُّب وجْهِك في السماء فَلَنولينَّك قبلةً ترضاها فولِّ وجْهَك شطْر المسجد الحرام وحيثُما كنتم فولُّوا وجوهَكم شَطره﴾ (٢). --------------------- (١) أي: الشيخ الفاضل السيد سابق -حفظه الله- حين قال: «ولم يَرِدْ دليلٌ بأفضلية تغطية الرأس في الصلاة». (٢) البقرة: ١٤٤، وقوله تعالى: شطره: أي: نحوه كما أنشدوا: ألا مَن مُبلِغٍ عنّا رسولًا ... وما تُغني الرسالةُ شطْر عمرو أي: نحو عمرو وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا؛ إِذا كانت بيوتهم تُقابل بيوتهم. «المغنى» (١/ ٤٤٧). ![]()
__________________
|
|
#29
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الأول من صــ 416الى صــ 423 الحلقة (29) ْوقد ورد في مناسبة نزول هذه الآية حديث مسلم (٥٢٥) عن البراء بن عازب قال: «صلّيت مع النّبيّ - ﷺ - إِلى بيت المقدس ستةَ عشَر شهرًا، حتى نزَلت الآية التي في البقرة ﴿وحيثما كنتم فولُّوا وجوهكم شَطره﴾. فنزلت بعدما صلّى النّبيّ - ﷺ -، فانطلق رجل من القوم، فمرَّ بناسٍ من الأنصار وهم يُصلّون، فحدَّثهم، فولَّوا وجوههم قِبَل البيت». وكان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة؛ استقبل الكعبة في الفرض والنفل (١). وفي حديث «المسيء صلاته»: «إِذا قمتَ إِلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثمَّ استقبِل القبلة فكبِّر» (٢). حُكم المشاهد للكعبة وغير المشاهد لها (٣) يجب على المشاهد للكعبة أن يستقبل عينها، أمّا من لا يستطيع مشاهدتها؛ فيجب عليه أن يستقبل جهتها لقول الله عز وجل: ﴿لا يكلّف الله نفسًا إِلاَّ وسعها﴾، وهذا هو الواسع والمقدُور. ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: «ما بين المشرق والمغرب قِبلة» (٤). ------------------------ (١) قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص ٥٥) بعد ذِكْر هذه العبارة: «هذا شيء مقطوع به لتواتره ...». (٢) وسيأتي تخريجه بإِذن الله تعالى. (٣) عن «فقه السنة» (١/ ١٢٩) بتصرف يسير. (٤) أخرجه الترمذي وابن ماجه وغيرهما، وهو حديث صحيح خرّجه شيخنا في «الإرواء» (٢٩٢). هذا بالنسبة لأهل المدينة، ومن جرى مجراهم، وأمّا الأقطار الأخرى فيختلف الأمر حسب الموقع. متى يسقط استقبال القبلة؟ يسقط استقبال القبلة في الأحوال الآتية: ١ - صلاة التطوع للراكب. عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: «رأيت النّبيّ - ﷺ - في غزوة أنمار يُصلّي على راحلته متوجّهًا قِبَل المشرق متطوّعًا» (١). وعنه أيضًا: «كان رسول الله - ﷺ - يُصلّي على راحلته حيث توجّهت؛ فإِذا أراد الفريضة نزَل فاستقبل القبلة» (٢). وعن عامر بن ربيعة قال: «رأيتُ رسول الله - ﷺ - وهو على الراحلة يُسبِّح، يومئ برأسه قِبَل أيّ وجه توجَّه (٣) ولم يكن رسول الله - ﷺ - يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة» (٤). ٢ - صلاة الخائف والمريض والعاجز والمُكره. يجوز الصلاة لغير القبلة لمن عَجَز من استقبالها من خوف أو مرض أو --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٤١٤٠ (٢) أخرجه البخاري: ٤٠٠ (٣) أي: أينما توجّهت راحلته. (٤) أخرجه البخاري: ١٠٩٧، ومسلم: ٧٠١. وانظر للمزيد من الأدلة «صحيح مسلم» (كتاب صلاة المسافرين)، (باب جواز صلاة النافلة على الدابّة في السفر حيث توجّهت). إِكراه لقوله تعالى: ﴿لا يكلِّف الله نفسًا إِلاَّ وُسْعَها﴾ (١). ولقوله سبحانه: ﴿فإِنْ خِفْتُم فَرِجالًا أو رُكبانًا﴾ (٢). قال ابن عمر -رضي الله عنهما-: «... فإِن كان خوفٌ هو أشدَّ من ذلك، صلَّوا رجالًا قيامًا على أقدامهم أو ركبانًا مستقبلي القِبلة أو غير مستقبليها» (٣). وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: «غزوتُ مع رسول الله - ﷺ - قِبَل نجْد، فوازينا العدوّ، فصافَفْنا لهم، فقام رسول الله - ﷺ - يصلّي لنا» (٤). فقوله: (وازَيْنا) أي: (قابَلْنا) وهذا يقتضي عدم التزام القبلة بل الانصراف عنها حسب وضْع العدوّ. حُكم من خفيت عليه القبلة عن عبد الله بن ربيعة عن أبيه قال: «كُنا مع النّبيّ - ﷺ - في سفر في ليلة مُظلمة فلم نَدْرِ أين القبلة، فصلّى كل رجل حياله (٥)، فلمّا أصبحنا ذَكَرْنا ذلك لرسول الله - ﷺ - فنزَل ﴿فأينما تولّوا فثمَّ وجهُ الله﴾ (٦)» (٧). ------------------ (١) البقرة: ٢٨٦ (٢) البقرة: ٢٣٩ (٣) أخرجه البخاري: ٤٥٣٥ (٤) أخرجه البخاري: ٩٤٢ (٥) أي: تلقاء وجهه. «النهاية». (٦) البقرة: ١١٥ (٧) أخرجه الترمذي وغيره وهو حديث حسن خرّجه شيخنا في «الإِرواء» (٢٩١). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: «كُنَّا مع رسول الله - ﷺ - في مسيرة أو سريَّة، فأصابنا غيم، فتحرَّينا واختلفنا في القبلة، فصلّى كلُّ رجل منّا على حدة، فجعل أحدنا يخطُّ بين يديه لنعلم أمكنتنا، فلمّا أصبحنا نظرناه؛ فإِذا نحن صلّينا على غير القبلة، فذكَرنا ذلك للنّبيّ - ﷺ -، [فلم يأمرنا بالإِعادة]، وقال: (قد أجزأت صلاتكم)» (١). وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «بَيْنا الناس بقُباء في صلاة الصبح إِذ جاءهم آتٍ فقال: إِنَّ رسول الله - ﷺ - قد أُنزلَ عليه الليلة قرآن، وقد أمر أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها ... وكانت وجُوههم إِلى الشام فاستداروا إِلى الكعبة» (٢). وبهذا فعلى الإِنسان أن يبذل وُسعه في معرفة القبلة، فإِنْ تبيّن له أنَّه صلّى على غير القبلة فلا إِعادة عليه، وقد أجزأت صلاته، كما يجوز للشخص أن يحوّل أخاه إِلى جهة القبلة ويصوّبه أثناء الصلاة. كيفيّة الصلاة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- «أنَّ رسول الله - ﷺ - دخل المسجد، فدخَل رجل فصلّى، فسلَّم على النّبيّ - ﷺ - فردَّ وقال: ارجِع فصلِّ فإِنَّك لم تُصلِّ فرجع يُصلِّي كما صلّى، ثمَّ جاء فسلّم على النّبيّ - ﷺ - فقال: ارجع فصلّ --------------------- (١) أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي وابن ماجه والطبراني وحسنه شيخنا في»الإِرواء" (١/ ٣٢٣). (٢) أخرجه البخاري: ٤٠٣، ومسلم: ٥٢٦ فإِنَّكَ لم تُصلِّ ثلاثًا، فقال: والذي بعثكَ بالحقِّ ما أُحسن غيره فعلِّمني فقال: إِذا قُمتَ إلى الصلاة فكبِّر ثمَّ اقرَأ ما تيسر معك من القرآن، ثمَّ اركع حتَّى تطمئنَّ راكعًا، ثمَّ ارفعْ حتَّى تعدلَ قائمًا، ثمَّ اسجد حتَّى تطمئنَّ ساجدًا، ثمَّ ارفع حتَّى تطمئنَّ جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلِّها» (١). وهذا حديث جامع في الصلاة، وإِليك أعمال الصلاة بشكل مُجمل (٢). استقبال القبلة، ثمَّ القيام لمن يستطيع وإلا صلى قاعداَّ، فإِن لم يستطع فعلى جنب، وينوي الصلاة بقلبه دون التلفّظ بها، ويستفتح الصلاة بقوله: «الله أكبر»، ويرفع اليدين مع التكبير، ويجعلها حذو مَنكِبيه، وربما كان - ﷺ - يرفعهما حتى يحاذي بهما فروع أُذنيه (٣)، ويضع اليمنى على اليُسرى على الصدر، مع الحِرص على النظر إِلى موضع السجود، ويتخيّر من أدعية الاستفتاح ما تيسرّ له (٤)، ثمَّ يستعيذ بالله تعالى ويقرأ الفاتحة ويقرأ بعد الفاتحة ما تيسّر مما سيأتي تفصيله إِنْ شاء الله ثمَّ يسكت سكتة، ئمَّ يرفع يديه ويكبّر ويركع مطمئنًّا في ركوعه، ذاكرًا ما تيسّر من أذكار الركوع، ثمَّ يعتدل من الركوع حتى يستوي قائمًا حتى يعود كلَ فقارٍ (٥) مكانه، قائلًا: ---------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٥٧، ومسلم: ٣٩٧ (٢) لخّصتها من كتاب «صفة صلاة النّبي - ﷺ -» لشيخنا الألباني -حفظه الله تعالى-. (٣) أي: أعاليهما، وفَرْع كل شيء أعلاه. «النهاية». (٤) دون التزام بدعاءٍ واحد، بل تارة بهذا وتارة بهذا، وكذلك الشأن مع أدعية الركوع والسجود والتشهد ونحو ذلك. (٥) هي العظام التي يقال: لها خرز الظهر، قاله القزاز، وقال ابن سيده: هي من = سمع الله لمن حَمده؛ مع ما تيسّر من أذكار الاعتدال من الركوع، مطمئنًّا في ذلك ثمَّ يكبّر ويهوي ساجدًا، واضعًا يديه قبل ركبتيه، ممكّنًا أنفه وجبهته من الأرض، مع الحرص على أن يسجد على سبعة أعضاء: الكفين والركبتين والقدمين والجبهة والأنف، مطمئنًّا في ذلك متخيّرًا الأذكار الواردة، ويرفع من السجود مكبّرًا حتى تطمئنَّ مفاصله، فارشًا رجله اليسرى، قاعدًا عليها ناصبًا رجله اليمنى، متخيّرًا الأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يكبرّ ويسجد السجدة الثانية، يفعل مثل ما فعَل في الأولى، ثمَّ يرفع رأسه مكبِّرًا، ثمَّ يجلس جلسة الاستراحة، قاعدًا على رجله اليسرى معتدلًا، ويعتمد على اليدين يعجن (١) في النهوض إِلى الركعة الثانية ويصنع في هذه الركعة مِثْل ما صنع في الأولى، بيْد أنَّ رسول الله - ﷺ - كان يجعلها أقصر من الأولى. ثمَّ يجلس للتشهّد، فإِذا كانت الصلاة ركعتين كالفجر، جلَس مفترشًا كما كان يجلس بين السجدتين، ثمَّ يبسط كفه اليسرى على ركبته اليسرى، ويقبض أصابع كفّه اليمنى كلّها، ويشير بإِصبعه التي تلي الإِبهام إِلى القبلة، يحركها يدعو بها، ويدعو بالأدعية الواردة في ذلك، ثمَّ يصلّي على النّبيّ - ﷺ - وفي ذلك صِيَغٌ عديدة، ثمَّ ينهض إِلى الركعة الثالثة مُكبّرًا، ويفعل كما فعل في الركعة الأولى، فيجلس الاستراحة ويعجن معتمدًا على يديه، وبعد أن يُتمّ الرابعة؛ يجلس للتشهد الأخير، ويفعل فيه ما كان يفعله في التشهد الأول، ------------------ = الكاهل إِلى العَجْب. «الفتح» (٢/ ٣٠٨)، والعَجْب: أصل الذَّنَب ومُؤخرّ كل شيء. «المحيط». (١) أي: يعتمد على يديه إِذا قام؛ كما يفعل الذي يعجن العجين. «النهاية». بيْد أنَّه يقعد فيه متوركًا (١)، ثمَّ يصلّي على النّبيّ - ﷺ - كما هو الشأن في التشهد الأول، ثمَّ يستعيذ بالله من أربع فيقول: «اللهمّ إِنِّي أعوذ بك من عذاب جهنّم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرّ فتنة المسيح الدّجال»، ثمَّ يدعو قبل السلام بالأدعية المنوّعة الواردة في ذلك، وهو الأولى -كما سيأتي إِن شاء الله- ثمَّ يسلم عن يمينه وعن يساره بما ورَد من الصيغ في ذلك. -------------------- (١) وذلك بأن يُنحّي رجليه في التشهد الأخير، ويُلصق مقعدته بالأرض، وهو: أي التورك مِن وضْع الوَرِك عليها، والوَرِك: ما فوق الفخذ. وانظر «النهاية». ![]()
__________________
|
|
#30
|
||||
|
||||
![]() الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة المؤلف: حسين بن عودة العوايشة عدد الأجزاء: ٧ الجزء الثانى من صــ 1الى صــ 15 الحلقة (30) الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة الجزء الثاني تتمة كتاب الصلاة بقلم حسين بن عودة العوايشة المكتبة الإسلامية دار ابن حزم بسم الله الرحمن الرحيم الموسوعة الفقهية الميسرة في فقه الكتاب والسنة المطهرة جميع الحقوق محفوظة للمؤلف الطبعة الأولى ١٤٢٣ هـ - ٢٠٠٢ م المكتبة الإسلامية ص ب: (١١٣) الجبيهة - هاتف ٥٣٤٢٨٨٧ عمَّان - الأردن دار ابن حزم للطباعة والنشر والتوزيع بيروت - لبنان - ص ب: ٦٣٦٦/ ١٤ - تليفون: ٧٠١٩٧٤ فرائض الصلاة وسننها ١ - النية: وهي شرط أو ركن. قال الله تعالى: ﴿وما أُمروا إِلاَّ ليعبدواْ الله مُخلِصين له الدين﴾ (١). وقال رسول الله - ﷺ -: «إِنَّما الأعمال بالنيات، وإِنّما لكلّ امرئٍ ما نوى ...» (٢). هل يتلفظ بها؟ قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص٨٦) (باب التكبير): «ثمَّ كان - ﷺ - يستفتح الصلاة بقوله»الله أكبر«(٣) وقال في التعليق:»وفي الحديث إِشارة إِلى أنَّه لم يكن يستفتحها بنحو قولهم: «نويت أن أصلِّي» إلخ بل هذا من البدع اتفاقًا، وإِنما اختلفوا في أنّها حسنة أو سيئة، ونحن نقول: إِنَّ كلّ بدعة في العبادة ضلالة، لعموم قوله - ﷺ -: «وكلّ بدعة ضلالة وكلّ ضلالة في النّار»«. ٢ - تكبيرة الإِحرام (٤): وهي ركن؛ لحديث عليّ -رضي الله عنه- قال: --------------------- (١) البينة: ٥ (٢) أخرجه البخاري: ١، ومسلم: ١٩٠٧، وتقدم. (٣) أخرجه مسلم تحت: ٧٧١ بلفظ:»كان رسول الله - ﷺ - إِذا استفتح الصلاة كبّر ثمَّ قال: «وجهت وجهي» ...«. (٤) قال الحافظ في»الفتح«(٢/ ٢١٧):»تكبيرة الإِحرام رُكن عند الجمهور، وقيل شرط، وهو عند الحنفية، ووجه عند الشافعية،، قيل: سُنّة، قال ابن المنذر: لم يقُل به أحد غير الزهري، ونقلَه غيره عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحًا، وإِنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعًا تجزئة تكبيرة الركوع. = «مفتاح الصلاة الطُّهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (١). وفي حديث المسيء صلاته: «... إِنه لا تتمّ صلاةٌ لأحدٍ من الناس حتى يتوضّأ؛ فيضع الوضوء مواضعه ثمَّ يقول: الله أكبر» (٢). وفي حديث أبي حميد الساعدي -رضي الله عنه-: «كان رسول الله - ﷺ - إِذا قام إِلى الصلاة اعتدلَ قائمًا، ورفع يديه حتى يحاذي بهما مَنكِبيه، فإِذا أراد أن يركع؛ رفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، ثمَّ قال: الله أكبر ...» (٣). ٣ - رفْع اليدين: قد ثبت الرفع في جميع التكبيرات، ولكن هناك تكبيرات التزم النّبيّ - ﷺ - رفع اليدين فيها وهناك تكبيرات لم يلتزم بها. فمن الحالات التي ورد التزام رسول الله - ﷺ - فيها بالرفع عند التكبير: ١ - تكبيرة الإحرام. ٢ - حين الركوع. ----------------------- = نعم نقَله الكرخي من الحنفية عن إِبراهيم بن عليّة وأبي بكر الأصمّ ومخالفتهما للجمهور كثيرة«. (١) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم وصححه ووافقه الذهبي، وهو مخرّج في»الإِرواء«(٣٠١). (٢) أخرجه الطبراني بإِسناد صحيح عن»صفة الصلاة«(ص٦٦). (٣) حديث صحيح خرّجه شيخنا في»الإِرواء«(٢/ ١٤)، و»المشكاة«(٨٠٢)، وانظر»الفتح" (٢/ ٢١٧). ٣ - حين الرفع من الركوع. فعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: «رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا قام في الصلاة رفع يديه حتى يكونا حذو مَنكِبيه، وكان يفعل ذلك حين يُكبِّر للرّكوع، ويفعل ذلك إِذا رفع رأسه من الركوع ويقول: سمع الله لمن حمده، ولا يفعل ذلك في السجود» (١)، ولحديث أبي قِلابة: «أنَّه رأى مالك بن الحويرث إِذا صلّى كبَّر ورفع يديه، وإِذا أراد أن يركع رفع يديه، وإِذا رفع رأسه من الركوع رفع يديه، وحدَّث أنَّ رسول الله - ﷺ - صنع هكذا» (٢). ٤ - إِذا قام من الركعتين إِلى الثالثة، لِما حدّثه عبيد الله عن نافع «أنَّ ابن عمر كان إِذا دخل في الصلاة كبّر ورفع يديه، وإذا ركع رفع يديه، وإذا قال سمع الله لمن حمده رفع يديه، وإذا قام من الركعتين رفع يديه. ورفع ذلك ابن عمر إِلى نبيّ الله - ﷺ -» (٣). وسألت شيخنا -حفظه الله تعالى- عن هذه الحالة، فقال: «عندي تردّد في التزام الرفع هنا، وأميل إِلى الالتزام؛ لأنَّه من رواية ابن عمر -رضي الله عنهما- الذي روى الرفع عند الركوع والرفع منه». كما قد ثبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضًا. -------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٣٦، ومسلم: ٣٩٠ (٢) أخرجه البخاري: ٧٣٧، ومسلم: ٣٩١ (٣) أخرجه البخاري: ٧٣٩، ومسلم: ٣٩٠ قال شيخنا في»تمام المنة«(١٧٢، ١٧٣):»قد ثَبت الرفع في التكبيرات الأخرى أيضًا، أمّا الرفع عند الهوي إلى السجود والرفع منه، ففيه أحاديث كثيرة عن عشرة من الصحابة، قد خرَّجْتها في «التعليقات الجياد»، منها: عن مالك بن الحويرث «أنَّه رأى النّبيّ - ﷺ - رفَع يديه في صلاته إِذا ركع، وإذا رفَع رأسه من الركوع، وإِذا سجد، وإِذا رفَع رأسه من السجود، حتى يحاذي بهما فروع أذنيه»، أخرجه النسائي وأحمد وابن حزم بسند صحيح على شرط مسلم، وأخرجه أبو عوانة في «صحيحه» كما في «الفتح» للحافظ، ثمَّ قال: «وهو أصحّ ما وقفْتُ عليه من الأحاديث في الرفع في السجود». وأمّا الرفع من التكبيرات الأخرى، ففيه عدّة أحاديث أنَّ النّبيّ - ﷺ - كان يرفع يديه عند كل تكبيرة. ولا تعارُض بين هذه الأحاديث؛ وبين حديث ابن عمر المتقدّم في الكتاب بلفظ: «... ولا يرفعهما بين السجدتين»، لأنَّه نافٍ، وهذه مثبتة، والمثبت مقدّم على النافي كما تقرر في علم الأصول. وقد ثبت الرفع بين السجدتين عن جماعة من السلف منهم أنس -رضي الله عنه- بل منهم ابن عمر نفسه، فقد روى ابن حزم من طريق نافع عنه؛ «أنَّه كان يرفع يديه إِذا سجد وبين الركعتين». وإِسناده قوي. وروى البخاري في جزء «رفع اليدين» (ص ٧) من طريق سالم بن عبد الله أنَّ أباه كان إِذا رفع رأسه من السجود، وإذا أراد أن يقوم رفع يديه. وسنده صحيح على شرط البخاري في «الصحيح». وعَمِل بهذه السنّة الإِمام أحمد بن حنبل، كما رواه الأثرم، ورُوي عن الإِمام الشافعي القول به، وهو مذهب ابن حزم، فراجع «المحلّى»«. ٤ - وضْع اليدين على الصدر: للعلماء في وضْع اليدين عند القيام الأوّل أقوال عديدة، وقد ثبَت عن النّبيّ - ﷺ - أنّه وضع يديه على صدره. وذكَر شيخنا الأدلّة في»صفة الصلاة«(ص ٨٨) فقال: و»كان يضع اليُمنى على ظهر كفّه اليُسرى والرسغ (١) والساعد«(٢). وسألتُ شيخنا -حفظه الله تعالى-:»هل ترون وضْع اليمنى على ظهر كفّه اليسرى والرسغ والساعد واجبًا أم سنّة؟ فقال: «الوضع مطلقًا واجب، ولكن على التفصيل المذكور سنّة». و«أمر بذلك أصحابه» (٣)، و«كان -أحيانًا- يقبض باليمنى على اليسرى» (٤). وفي الحديث: «إِنَّا معشر الأنبياء؛ أُمرنا بتعجيل فِطرنا، وتأخير سُحورنا، --------------------- (١) الرسغ: مَفصل بين الساعد والكف، والساعد هو الذراع. (٢) سيأتي تخريجه. (٣) أخرجه مالك، وابن أبي شيبة، كما في»الفتح«وانظر»مختصر البخاري«(١/ ٢٨٣)، وأبو عوانة. (٤) أخرجه النسائي والدارقطني بسند صحيح، وفي هذا الحديث دليل على أنّ السُّنّة القبض، وفي الحديث الأول الوضع، فكُلٌّ سُنّة، وأمّا الجمع بين الوضع والقبض فبدعة، عن»الصفة" (ص ٨٨) بحذف يسير. ووضْع أيماننا على شمائلنا» (١). قلت لشيخنا: «أتفيد كلمة (أُمرنا) هنا الوجوب»؟ فقال -حفظه الله تعالى-: «نعم تفيد الوجوب، وهناك قرينة أُخرى أقوى من هذه، وهو حديث سهل بن سعد الساعدي؛ كما في صحيح البخاري، ومن طريق مالك في»موطئه«بإِسناده العالي عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال:»كانوا يؤمَرون بوضْع اليمنى على اليُسرى في الصلاة «ينمي (٢) ذلك إِلى النّبيّ - ﷺ -». و«كان يضعهما على الصدر» (٣). وأخبرني شيخنا أنَّه يرى سنيّة ذلك. ------------------- (١) أخرجه الطيالسي وغيره، وصححه ابن حبّان. قال شيخنا في «أحكام الجنائز» (ص ٤٩): وسنده صحيح على شرط مسلم. (٢) أي ينسبه إِلى رسول الله - ﷺ -. (٣) أخرجه أبو داود وابن خزيمة في «صحيحه»، وأحمد وأبو الشيخ في «تاريخ أصبهان» (ص ١٢٥)، وحسَّن أحد أسانيده الترمذي، ومعناه في «المؤطأ» والبخاري في «صحيحه» عند التأمّل، و«أحكام الجنائز» (ص ١٥٠). قال شيخنا في «صفة الصلاة» (ص ٨٨): «وضْعهما على الصدر هو الذي ثبت في السُّنة، وخلافه إِمّا ضعيف، أو لا أصل له، وقد عَمِل بهذه السنة الإِمام إِسحاق بن راهويه، فقال المروزي في»المسائل«(ص٢٢٢):»كان إِسحاق يوتر بنا ... ويرفع يديه في القنوت، ويقنت قبل الركوع، ويضع يديه على ثدييه أو تحت الثديين، ومثله قول القاضي عياض المالكي في «مستحبات الصلاة» من كتابه «الإِعلام» (ص ١٥ - الطبعة الثالثة- الرباط): «ووضع اليمنى على ظاهر اليسرى عند النحر. [والنحر أعلى الصدر]. وقريب منه ما روى عبد الله بن أحمد في»مسائله«(ص ٦٢) قال:»رأيت أبي إذا صلّى وضع يديه إِحداهما على الأخرى فوق السُّرة«. وانظر»إِرواء الغليل" (٣٥٣). و»كان ينهى عن الاختصار (١) في الصلاة«؟ (٢). كيفية رفْع اليدين: كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه ممدودة الأصابع، [لا يُفرِّج بينهما ولا يضمّهما]» (٣). ويجعل كفيه حذو منكبيه، لحديث ابن عمر المتقدّم: «رأيت رسول الله - ﷺ - إِذا قام في الصلاة، رفَع يديه حتى يكونا حذو مَنكبيه». وأحيانًا يُبالغ في رفعهما حتى يحاذي بهما أطراف أُذُنيه (٤). وتقدّم أتمّ منه، وفي رواية: «حتى يحاذي بهما فروع أذنيه» (٥). وقت الرّفع: «كان رسول الله - ﷺ - يرفع يديه تارة مع التكبير، وتارة بعد التكبير، وتارة ------------------- (١) هو أن يضع يده على خاصرته؛ كما فسّرَه بعض الرواة. (٢) أخرجه البخاري، ومسلم، وهو مخرج في»الإرواء«(٣٧٤). (٣) أخرجه أبو داود وابن خزيمة، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. عن»صفة الصلاة«(٨٧). (٤) لحديث مالك بن الحويرث»أنَّ رسول الله - ﷺ - كان إِذا كبّر رفع يديه حتى يحاذى بهما أُذنيه، وإذا ركع رفع يديه حتى يحاذى بهما أُذنيه، وإذا رفع رأسه من الركوع، فقال: «سمع الله لمن حمده»، فعل مثل ذلك«. (٥) فروع أُذنيه: أي أعاليهما، وفَرع كل شيء أعلاه.»النهاية". قبله» (١). ٥ - دعاء الاستفتاح: ويكون بعد تكبيرة الإِحرام وقبل القراءة. قال شيخنا في «تلخيص الصِّفة» (ص ١٦): «وقد ثبَت الأمر به فينبغي المحافظة عليه». وقد راجعتُ شيخنا -حفظه الله تعالى- فقلت له: هل قولكم: ثبت الأمر به؛ ضرْب من ضروب التعبير اللغوي أَم ماذا؟ فقال -حفظه الله تعالى-: «إِني لم أستعمل لفظ الوجوب لسبب؛ وهو أَنِّي لم أستحضر أنَّ أحدًا من أهل العلم قال بالوجوب، فإِن وُجد فهو بمعنى الوجوب، وإن لم يقُل به أحد من العلماء فلا نتجرّأ على القول بما لم يقولوا». وقد ثبت عن النّبيّ - ﷺ - أدعية عديدة في هذا الموطن، فيحسن بالمصلى أن يقرأ تارةً بهذا وتارة بهذا، وإليك هذه الصيّغ (٢). ١ - اللهمّ باعِدْ بيني وبين خطاياي؛ كما باعدْتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني من خطاياي كما يُنقَّى الثوب الأبيض من الدنس (٣)، اللهم اغسِلني ---------------- (١) انظر «صحيح البخاري» (٧٣٨، ٧٣٩)، و«سنن أبي داود»، و«صفة الصلاة» (٨٧) وانظر -إِن شئت- «تمام المنّة» (١٧٣) للمزيد من الفائدة. (٢) نقلْتُها وتخريجاتها من كتاب «صفة الصلاة» (٩١ - ٩٥) بتصرُّف. (٣) الدنس: الوسخ، انظر «النهاية». من خطاياي بالماء والثلج والبَرد»، وكان يقوله في الفرض (١). ٢ - وجَّهتُ وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفًا (٢) [مسلمًا] وما أنا من المشركين، إِنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين، لا شريك له وبذلك أُمِرت وأنا أوّل المسلمين (٣)، اللهّم أنت الملِك، لا إِله إلاَّ أنت، [سبحانك وبحمدك]، أنت ربي وأنا عبدك، ظلمْتُ نفسي، واعترفْتُ بذنبي، فاغفر لي ذنبي جميعًا؛ إنَّه لا يغفر الذنوب إلاَّ أنت، واهدني لأحسن الأخلاق؛ لا يهدي لأحسنها إلاَّ أنت، واصرف عنّي سيئها؛ لا يصرف عنّي سيئها إلاَّ أنت، لبّيك وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ليس إِليك (٤) [والمهدي من هديت]، أنا بك وإليك. [لا منجا ولا ملجأ منك إلاَّ إِليك]، ------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٤٤، ومسلم: ٥٩٨ (٢) الحنيف: هو المائل إِلى الإِسلام، الثابت عليه، والحنيف عند العرب: من كان على دين إِبراهيم عليه السلام، وأصل الحَنَف: الميل، «النهاية». (٣) قال شيخنا في التعليق: «هكذا في أكثر الروايات، وفي بعضها:»وأنا من المسلمين«، والظاهر أنه من تصرُّف بعض الرواة، وقد جاء ما يدّل على ذلك، فعلى المصلّي أن يقول:»وأنا أوّل المسلمين«، ولا حرج عليه في ذلك؛ خلافًا لما يزعم البعض، توهُّمًا منه أن المعنى:»إِنّي أوّل شخص اتصف بذلك، بعد أن كان الناس بمعزل عنه«، وليس كذلك، بل معناه: بيان المسارعة في الامتثال لما أُمر به، ونظيره ﴿قُلْ إِنْ كان للرحمن ولدٌ فأنا أولُ العابدين﴾، وقال موسى - ﷺ -: ﴿وأنا أولُ المؤمنين﴾. (٤) قال شيخنا في التعليق:»أي لا ينسب الشر إِلى الله تعالى، لأنه ليس في فِعْله تعالى شر، بل أفعاله عز وجل كلها خير؛ لأنها دائرة بين العدل والفضل والحكمة، وهو كلّه خير لا شر فيه، والشر إِنما صار شرًّا لانقطاع نسبته وإضافته إِليه تعالى«. ثمَّ ذكَر كلامًا مفيدًا لابن القيم -رحمه الله تعالى-». تباركتَ (١) وتعاليتَ، أستغفرك وأتوب إِليك». وكان يقوله في الفرض والنفل (٢). ٣ - «سبحانك، اللهمّ وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جَدُّك، ولا إِله غيرك» (٣). ٤ - «الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بُكرة (٤) وأصيلًا» (٥). استفتح به رجل من الصحابة فقال - ﷺ -: «عجبْتُ لها! فُتِحت لها أبواب السماء» (٦). ٥ - «الحمد لله حمدًا كثيرًا طيّبًا مباركًا فيه»؛ استفتح به رجل آخر، فقال - ﷺ -: «لقد رأيت اثني عَشَر مَلَكًا يبتدرونها (٧) أيهم يرفعها» (٨). ٦ - «اللهمّ لك الحمد، أنت نور السماوات والأرض ومن فيهنّ، ولك الحمد، أنت قيِّمُ السماوات والأرض ومن فيهنّ، [ولك الحمد، أنت مَلِك ------------------------ (١) أصله البركة، تطلق على الدوام والثبوت وقيل للزيادة والكثرة. (٢) أخرجه مسلم: ٧٧١، وأبو عوانة، وأبو داود، وغيرهم. (٣) أخرجه أبو داود، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي. (٤) البُكرة: أول النهار إِلى طلوع الشمس.»الوسيط«. وفي»المحيط«:»البُكرة: الغُدوة، وهي البكرة، أو ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس«. (٥) الأصيل: الوقت بعد العصر إِلى المغرب.»مختار الصحاح«. وفي»الوسيط«:»الأصيل: الوقت حين تصفَر الشمس لمغربها«. (٦) أخرجه مسلم: ٦٠١، وغيره. (٧) يعجلون ويستبقون. انظر»المحيط". (٨) أخرجه مسلم: ٦٠٠، وأبو عوانة. السماوات والأرض ومن فيهنّ]، ولك الحمد، أنت الحق، ووعدك حقّ، وقولك حقّ، ولقاؤك حقّ، والجنّة حقّ، والنار حقّ، والساعة حقّ، والنبيّون حقّ، ومحمّد حقّ، اللهمّ لك أسلمتُ، وعليك توكّلتُ، وبك آمنْتُ، وإِليك أنَبْتُ، وبك خاصمْتُ، وإليك حاكمْتُ، [أنت ربنا وإِليك المصير، فاغفِر لي ما قدَّمْت، وما أخّرتُ، وما أسررت وما أعلنْت]، [وما أنت أعلم به مني]، أنت المقدِّم وأنت المؤخر، [أنت إِلهي]، لا إله إلاَّ أنت، [ولا حول ولا قوة إِلا بك] «(١). وكان يقول - ﷺ - في صلاة الليل كالأنواع الآتية (٢): ٧ -»اللهمّ ربّ جبرائيل وميكائيل وإِسرافيل فاطر السماوات والأرض! عالم الغيب والشهادة! أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحقّ بإِذنك، إِنك تهدي من تشاء إِلى صراط مستقيم (٣) «(٤). ٨ - كان يكبر عشرًا، ويحمد عشرًا، ويسبح عشرًا، ويُهلّل عشرًا، ويستغفر عشرًا، ويقول:»اللهمّ اغفر لي واهدني وارزقني [وعافني] «عشرًا، --------------------- (١) أخرجه البخاري: ٧٤٩٩، ومسلم: ٧٦٩، وغيرهما. (٢) قال شيخنا في التعليق على»الصفة«:»ولا ينفي ذلك مشروعيتها في الفرائض أيضًا كما لا يخفى؛ إلاَّ الإِمام كي لا يطيل على المؤتمّين«. وقال -شفاه الله وعافاه- في»تمام المنّة«(ص ١٧٥): في مثل هذا:»وإذا كان ذلك مشروعًا في الفريضة؛ ففي النافلة من باب أولى كما لا يخفى على أولي النهى". (٣) هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، ونقَل الإِمام ابن جرير إِجماع الأمّة على ذلك. (٤) أخرجه مسلم: ٧٧٠، وأبو عوانة. ويقول: «اللهمّ إِني أعوذ بك من الضيق يوم الحساب» عشرًا (١). ٩ - «الله أكبر [ثلاثًا] (ذو الملكوت والجبروت (٢» والكبرياء والعظمة (٣)» (٤). ٦ - الاستعاذة: لقول الله: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآنَ فاستعِذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ (٥). قال ابن حزم -رحمه الله- في «المحلّى» (مسألة ٣٦٣): «وفرض على كلّ مصلّ أن يقول إِذا قرأ:»أعوذ بالله من الشيطان الرجيم«. لا بُدّ له في كلّ ركعةٍ من ذلك؛ لقول الله تعالى: ﴿فإِذا قرأْتَ القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾ .....». وقال رادًّا على من لا يقول بفرضيته: «ومن الخطأ أن يأمر الله تعالى بأمر؛ ثمَّ يقول قائل بغير برهانٍ من قرآن ولا سنّة: هذا الأمر ليس فرضًا، لا سيّما أمرُهُ تعالى بالدعاء في أن يعيذنا من كيد الشيطان؛ فهذا أمْر متيقّن أنَّه فرض؛ لأنَّ اجتناب الشيطان والفرار منه، وطلَب النجاة منه؛ لا يختلف اثنان في أنَّه -------------------(١) أخرجه أحمد، وابن شيبة وأبو داود والطبراني في»الأوسط«بسند صحيح وآخر حسن. (٢) اسمان مبنيان مِن الملك والجبر. (٣) العظمة والملك: قيل هي عبارة عن كمال الذات وكمال الوجود ولا يُوصف به إلاَّ الله تعالى.»النهاية". (٤) أخرجه الطيالسي، وأبو داود بسند صحيح. (٥) النحل: ٩٨ ![]()
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |