|
|||||||
| ملتقى الخطب والمحاضرات والكتب الاسلامية ملتقى يختص بعرض الخطب والمحاضرات الاسلامية والكتب الالكترونية المنوعة |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
#21
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (21) اسم الله (المَجِيد) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛ المقدمة: - التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم). - ورد اسم الله -تعالى- (الْمَجِيدُ) في القرآن الكريم مرتين: قال -تعالى-: (قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ) (هود: 73)، وقال -تعالى-: (وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ . ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) (البروج: 14- 15). - معنى (الْمَجِيدُ) في حق الله -تعالى-: قال الزجاج -رحمه الله-: "الماجد في اللغة: الكثير الشرف" (تفسير الأسماء). وقال الراغب -رحمه الله-: "المجد: السعة في الكرم والجلال" (المفردات). وقال الخطابي -رحمه الله-: "(الْمَجِيدُ) هو الواسع الكرم" (شأن الدعاء). وقال ابن جرير -رحمه الله-: "مجيد، ذو مجد ومدح وثناء كريم" (تفسير الطبري). وقال ابن القيم -رحمه الله-: "هو المتضمن لكثرة صفات كماله وسعتها، وعدم إحصاء الخلق لها، وسعة أفعاله وكثرة خيره ودوامه، وأما من ليس له صفات كمال ولا أفعال حميدة، فليس له من المجد شيء، والمخلوق إنما يصير مجيدًا بأوصافه وأفعاله، فكيف يكون الرَّبُّ تبارك وتعالى مجيدًا، وهو معطَلٌ عن الأوصاف والأفعال؟! تعالى اللهُ عمَّا يقول المعطِّلون علوًّا كبيرًا، بل هو المجيدُ الفعَّالُ لما يريد" (التبيان). آثار التعبد لله -تعالى- باسمه (الْمَجِيدُ): أولًا: زيادة المحبة لله -عز وجل- الموصوف بصفات المجد والكبرياء والعظمة والجلال، الذي هو أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء، فله كل صفات الكمال والشرف التي يتعزز بها المسلم، ففي الحديث القدسي: (أَنَا الْجَبَّارُ، أَنَا الْمُتَكَبِّرُ، أَنَا الْمَلِكُ، أَنَا الْمُتَعَالِي) (رواه أحمد في المسند بسند صحيح). ثانيًا: الإكثار من الصلاة التي كلها تمجيد لله، فهي مبنية على الثناء والتعظيم، في أفعالها وألفاظها، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (قَالَ اللَّهُ -تعالى-: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. قَالَ اللَّهُ -تعالى-: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. قَالَ اللَّهُ -تعالى-: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ. قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي) (رواه مسلم). وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: كان -عليه الصلاة والسلام- إذا رفع رأسه من الركوع قال: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَاوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ، أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ) (رواه مسلم). وفي حديث عمرو بن عبسة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- علمه الوضوء، ثم قال: (فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ، إِلَّا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ) (رواه مسلم). ثالثًا: الإكثار من مجالس ذكره -تعالى-، والإكثار من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير، وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة، والاستغفار، والدعاء: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ مَلَائِكَةً يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذِّكْرِ، فَإِذَا وَجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنَادَوْا: هَلُمُّوا إِلَى حَاجَتِكُمْ. فَيَسْأَلُهُمْ رَبُّهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ مِنْهُمْ: مَا يَقُولُ عِبَادِي؟ قَالُوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيُمَجِّدُونَكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: هَلْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: فَيَقُولُونَ: لَا وَاللَّهِ مَا رَأَوْكَ. قَالَ: فَيَقُولُ: وَكَيْفَ لَوْ رَأَوْنِي؟ قَالَ: يَقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ لَكَ عِبَادَةً وَأَشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا وَتَحْمِيدًا) (رواه البخاري). وقال -صلى الله عليه وسلم-: (وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ) (رواه البخاري ومسلم). رابعًا: طلب الرفعة والمجد من (الْمَجِيدُ)، وذلك بطاعته -تعالى-، وليس بالشهرة والمجد الزائف الذي يُكتسب بطريق حرام ومخالفة الشرع، فأي مجد يكون في معصية الله؟! قال -تعالى- عمن استبد به الغرور والبطر، متفاخرًا بملكه العظيم على مصر: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ . أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ) (الزخرف: 51- 52)، وقال -تعالى-: (فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى . إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى) (النازعات: 25- 26)(1). خاتمة: المجد في التزام منهج (المَجِيد) -سبحانه-: - لقد عاشت أمتنا الإسلامية أمجادًا عظيمة، لما كانت متعلقة بمنهج ربها (الْمَجِيدُ): قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور: 55). - إن المجد الحقيقي للإنسان هو الشرف والرفعة الباقية عند الله في الآخرة، وإن ذهبت الدنيا كلها في سبيل ذلك: "إشارات موجزة إلى: غلام الأخدود، ومصعب بن عمير، وغيرهم الكثير والكثير". قال الشاعر المسلم(2): كُـنَّـا جِـبَـالًا فَـوْقَ الْجِـبَـالِ وَرُبّـَمَا سِـرْنَا عَلَى مَـوْجِ الْـبـِحَارِ بِـحـَارَا بِـمـَعَــابِــدِ الْإِفــْرِنْـجِ كَـانَ أَذَانـُنـَا قَـبْـلَ الْـكَـتَـائِـبِ يَـفْتـَحُ الْأَمْـصـَارَا لَمْ تَـنْسَ إِفْرِيـقِـيَـا وَلَا صَحْرَاؤُهَا سَـجَــدَاتـِنـَا وَالْأَرْضُ تَـقْـذِفُ نَارَا وَكَأَنَّ ظِــلَّ الـسَّـيْفِ ظِـلُّ حَـدِيقَـةٍ خَـضْـرَاءَ تُـنْـبِتُ حَـوْلَـنَا الْأَزْهَارَا لَمْ نَـخْـشَ طَاغُـوتًا يُحَارِبُـنَا وَلَـوْ نَـصـَـبَ الْـمَنَـايَا حَـوْلـَنـَا أَسْـوَارَا نَدْعُو جِـهَـارًا لَا إِلَهَ سِـوَى الَّذِي صـَنـَـعَ الْـوُجُـودَ وَقَــدَّرَ الْأَقْــدَارَا ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ (1) ومن هنا فلا ينبغي لمسلم أن يمجِّد فاسقًا ينشر الفساد بالمجاهرة بفجوره؛ كما هو حال أهل الفن والغناء، فضلًا عن تمجيد كافر لا يؤمن بالمجيد -سبحانه-؛ قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِلْمُنَافِقِ: يَا سَيِّدُ، فَقَدْ أَغْضَبَ رَبَّهُ -تَبَارَكَ وَتعالى-) (رواه الحاكم، وحسنه الألباني). (2) هو الشاعر الباكستاني المعاصر محمد إقبال -رحمه الله-.
__________________
|
|
#22
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (22) اسم الله (الْعَلِيم) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مائة إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). - ورد اسم الله (العليم) في القرآن الكريم مائة وسبعًا وخمسين مرة: من ذلك قوله -تعالى-: (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 32)، وقال -تعالى-: (قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (الأنبياء: 4). - معنى (الْعَلِيمُ) في حق الله -تعالى-: قال صاحب اللسان: "هو الله العالم بما كان وما يكون قبل كونه، وبما يكون وما لم يكن بعد قبل أن يكون، لم يزل عالمًا ولا يزال عالمًا بما كان وما يكون، ولا يخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، أحاط علمه بجميع الأشياء باطنها وظاهرها، دقيقها وجليلها على أتم الإمكان". وقال ابن القيم -رحمه الله- في نونيته: وَهُـوَ الْعَـلِيـمُ أَحَاطَ عِـلْمـًا بِالَّـذِي فِي الْكَوْنِ مِنْ سِرٍّ وَمِنْ إِعْلَانِ وَبِـكُـلِّ شَــيْءٍ عِــلْـمُـهُ سُـبْحَانهُ فَهْوَ الْمُحِيطُ وَلَيْسَ ذَا نِـسْيـَانِ وَكَـذَاكَ يَعْـلَمُ مَا يَكُونُ غَدًا وَمَـا قَدْ كَانَ وَالْمَوْجـُودَ فِي ذَا الْآنِ وَكَذَاكَ أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَـكـُونُ ذَاكَ الْأَمـْـرُ ذَا إِمـْـكـَانِ أولاً: شمول علم (الْعَلِيمُ) لكل شيء في السماوات وفي الأرض: قال -تعالى-: (عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (سبأ: 3). وقال -تعالى-: (وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: 59). ثانيًا: علم (الْعَلِيمُ) -تعالى- المحيط بمكنونات القلوب، وما تخفيه الصدور، وما توسوس به النفوس: قال -تعالى-: (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران: 29)، وقال -تعالى-: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) (ق: 16). ثالثًا: علم (الْعَلِيمُ) -سبحانه- لكلِّ الأشياء قبل وقوعها، وأن ذلك في كتاب، وله الحكمة البالغة في تقديرها: قال -سبحانه-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) (الحديد: 22). رابعًا: علم (الْعَلِيمُ) -تعالى- ما كان وما يكون وما لم يكن، لو كان كيف يكون: أي: أنه -سبحانه- يعلم الأمور الماضية التي وقعت، والأمور المستقبلية التي لم تقع بعد، ويعلم الأمور التي لن تقع لو فرض أنها تقع كيف تقع، وهذا من كمال علمه بالغيب وعواقب الأمور؛ قال -تعالى-: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) (القمر: 49)، وقال -تعالى-: (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) (التوبة: 47). ولذلك كان الإمام أحمد -رحمه الله- يوصي من يخاصم القدرية بقوله: "حاجوهم بالعلم"، أي: اسألوهم: هل الله -عز وجل- علم بالأشياء قبل وقوعها؟ فإن أقروا خصموا، وإن نفوا العلم كفروا. خامسًا: هذا العلم الذي يعلمه الإنسان، المحدود من علوم الدين والدنيا، إنما هو من تعليم الله -تعالى- له واختصاصه إياه بالعقل، وقابليته التعلم، وإلا فالإنسان كما قال عنه خالقه -عز وجل-: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) (النحل: 78). وما أحسن ما وصف به الخضر -عليه السلام- علم الإنسان بالنسبة إلى علم خالقه -عز وجل-، حينما قال لموسى -عليه السلام- وهو يرى طائرًا ينقر في البحر ليأخذ من مائه: (إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَكَهُ اللهُ لَا أَعْلَمُهُ، وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ... مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ مِنَ الْبَحْرِ) (متفق عليه). الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله -تعالى- باسمه (الْعَلِيمُ): أولاً: الخوف من الله -عز وجل- وخشيته، ومراقبته في السر والعلن؛ لأن العبد إذا أيقن أن الله -تعالى- عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله -عز وجل- ظاهرًا وباطنًا، فعند ذلك تزكو أعمال قلبه وجوارحه ويصل إلى مرتبة الإحسان الذي قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ) (متفق عليه). ثانيًا: اليقين بشمول علم الله -تعالى- لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله -تعالى- وإجلاله والحياء منه. ثالثًا: إن اليقين بعلم الله -تعالى- للأمور قبل وقوعها وكتابتها عنده -سبحانه- في اللوح المحفوظ قبل خلقها، يثمر في قلب العبد طمأنينة إزاء ما يقضيه الله -تعالى- من الأحكام القدرية كالمصائب والمكروهات التي لم تحدث إلا بعلم الله -تعالى- وحكمته، وأنها ليست عبثًا ولعبًا؛ قال -تعالى-: (قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) (التوبة: 51). رابعًا: التسليم لأحكام الله الشرعية، حيث إنها من لدن عليم حكيم، عليم بما يصلح لعباده ويجلب لهم الخير والسعادة في الدارين فيأمرهم به، وعليم بما يجلب لعباده الشر والشقاء في الدارين فينهاهم عنه ويحذرهم منه؛ قال -تعالى-: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14)؛ ولذا نجد كثيرًا من آيات الأحكام تختم باسميه سبحانه (العليم، الحكيم). وعن جابر -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلمنا السورة من القرآن، ويقول: (إِذَا هَمَّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ، فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ، وَأَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ، اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاقْدُرْهُ لِي، وَيَسِّرْهُ لِي، ثُمَّ بَارِكْ لِي فِيهِ، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ شَرٌّ لِي، فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي، أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ، فَاصْرِفْهُ عَنِّي، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ، وَاقْدُرْ لِي الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ، ثُمَّ أَرْضِنِي. قَالَ: وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ) (رواه البخاري). خامسًا: إن يقين العبد بعلم الله -تعالى- الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله -تعالى- ويدفع اليأس والقنوط من القلب؛ لأن العبد إذا أيقن أن ربه -سبحانه- يعلم حاله ولا تخفى عليه خافية في ليل أو نهار، في بر أو بحر أو سماء، تضرع بين يديه ووجه شكواه إليه: قال -تعالى-: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ . فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء: 87- 88). سادسًا: تثبيت المؤمنين في ميدان الصراع والنزال مع الباطل وأهله. فإذا قصر علم البشر عن العلم والإحاطة بكيد الكافرين ومكرهم فإن الله -عز وجل- لا تخفى عليه من أمورهم خافية، وهو من ورائهم محيط وعليهم قدير، وهذا الإيمان يجعل المؤمن في مواجهة الخصوم وكيدهم يطمئن قلبه، ويقوي ضعفه، ويقبل على مقارعة عدوه غير هياب ولا وجل؛ قال -تعالى-: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) (النساء: 45). سابعًا: الحرص على التزود من العلم النافع، والتواضع لله -تعالى- وللخلق بهذا العلم، وهذا إنما يتأتى باليقين بأنه لا علم من علوم الدين والدنيا إلا من الله (الْعَلِيمُ)، (قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (البقرة: 32). خاتمة: في معرفة صفة العلم لله -تعالى- رسالة لكل طائع وكل عامل مجتهد بأن (العليم) مطلع على أعمالك، وسيجازيك على إحسانك إحسانًا، كما قال -تعالى-: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) (البقرة: 197)، وقال -تعالى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) (البقرة: 270)، وقال -تعالى-: (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) (آل عمران: 92)، وقال -تعالى-: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (التوبة: 105). فاللهم عالم الغيب والشهادة، اهدنا لأحسن الأعمال والأحوال، واجعلنا من عبادك الذين سبق في علمك أنهم من أهل الجنة. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ (1) فائدة لغوية حول مشتقات الاسم الكريم: "العليم والعالم" اسمان متضمنان صفة العلم، "فالعالم": اسم الفاعل من علم يعلم فهو عالم، و"العليم" من أبنية المبالغة في الوصف بالعلم، وهو بمنزلة "قدير" من "القادر". و"العلَّام" بمنزلة "عليم" في المبالغة في الوصف بالعلم، إلا أن "علاَّمًا" يتعدى إلى مفعول، وبناء "فعَّال" بناء تكثير وزيادة.
__________________
|
|
#23
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (23) اسم الله (اللطيف) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرف على الله أجل أبواب العلوم، والتعبد لله بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال: (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى) (الإسراء: 110)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). - ورد هذا الاسم الكريم (اللطيف) في القرآن سبع مرات: قال -تعالى-: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (الشورى: 19)، وقال -سبحانه-: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100). وقال حكاية عن لقمان -عليه السلام-: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 16)، وقال -تعالى-: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (الملك: 14). وغيرها. - معنى اسم الله (اللطيف): قال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: "واسمه اللطيف يتضمن: علمه بالأشياء الدقيقة، وإيصاله الرحمة بالطرق الخفية" (شفاء العليل). وقال عن هذين المعنيين في نونيته: وهـو الـلـطيـف بعـبـده ولعبده واللطف في أوصافـه نـوعـان إدراك أسـرار الأمـور بـخـبـرة واللطف عند مواقع الإحـسـان مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على اسم الله (اللطيف): - (قصة عامل المبولة): كان رجل صالح فقير جدًّا، يعمل خادمًا على دورة مياه عامة، فقررت الهيئة الحكومية إجراء اختبار للعاملين في القراءة والكتابة (محو الأمية)، ومن نجح جددوا له عقد الخدمة والعكس، فجاء الرجل ليلة الامتحان إلى إمام المسجد، وطلب منه أن يدعو الله له بالنجاح، فقال الشيخ الفقيه: اللهم قدِّر له الخير، فقال الرجل متسائلًا: أنا أقول لك أن تدعو لي بالنجاح، فقال الشيخ: إنك لا تدري أي الحالين لك خير! وانصرف الرجل غير راضٍ بما قال الشيخ، وفي اليوم التالي ذهب إلى الامتحان، وظهرت النتيجة بعد ذلك بالرسوب، وعليه تم إخراج الرجل من عمله، وظل الرجل حزينًا كئيبًا أيامًا، وهو يفكر في أسباب الرزق لأولاده! فقام بصناعة عربة خشبية صغيرة جدًّا لبيع اللب والسوداني بجوار المبولة! ودارت الأيام والشهور، ووجد الرزق أكثر من راتب المبولة، فقرر أن يؤجر محلًّا صغيرًا تحسينًا للرزق، ودارت الشهور والسنون، والرزق يزداد يومًا بعد يوم، فقرر شراء محلٍّ أكبر وأفضل، وهكذا ظل الرزق يزيد، والرجل يطور من عمله، حتى صار الرجل من أكبر التجار في بلده! الله أكبر. وهنا يأتي السؤال: ماذا لو نجح الرجل في امتحان محو الأمية؟! لكن اللطيف يوصل الخير إلى عبده من طريق خفي! قال -تعالى-: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (الشورى: 19). وصدق الشاعر القائل: وكـم لـلـه من لـطــف خــفـي يدق خفاه عن فـهـم الـذكـي وكم يسر أتى مـن بعد عـسر فـفرج كـربة القـلـب الشجي وكم أمـر تـسـاء به صـباحـًا وتأتـيـك الـمـسرة بالـعـشـي إذا ضاقت بك الأحوال يومـًا فثق بالواحد الـفـرد العـلـي ولا تجزع إذا ما ناب خـطب فـكـم لله مـن لـطــف خـفـي - اللطيف عليم بدقائق الأمور، خبير بأسرارها: قال -تعالى-: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ) (لقمان: 16). - ومن لطفه بعباده: أنه يقدِّر أرزاقهم بحسب علمه بمصلحتهم لا بحسب مراداتهم، فقد يريدون شيئًا وغيره أصلح فيقدِّر لهم الأصلح وإن كرهوه لطفًا بهم وبرًّا وإحسانًا، قال -تعالى-: (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ) (الشورى: 19). - فهذا من عباده يصلح أمره بالغنى، وهذا يصلح أمره بالفقر، وهذا يقلِّبه بينهما: روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، رَبُّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَيَقُولُ: إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْغِنَى وَلَوْ أَفْقَرْتُهُ لَكَفَرَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالْقِلَّةِ وَلَوْ أَغْنَيْتُهُ لَكَفَرَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصْلُحُ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالسُّقْمِ وَلَوْ أَصْحَحْتُهُ لَكَفَرَ، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَا يَصِحُّ إِيمَانُهُ إِلَّا بِالصِّحَّةِ وَلَوْ أَسْقَمْتُهُ لَكَفَرَ". الوقفة الثانية: حول المعنى الثاني (اللطف عند مواقع الإحسان): - إشارة مختصرة إلى قصة نبي الله يوسف -عليه السلام-: (بغض الإخوة وحسدهم له - إلقاؤه في البئر المهلك - بيعه رقيقًا بثمن بخس - فتنة امرأة العزيز - محنة السجن بضع سنين - ثم: منام الملك! لنيل السلطان والملك، ودعوة الناس إلى الحق، واجتماع الشمل)؛ قال -تعالى- من قِيلِ يوسف -عليه السلام-: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (يوسف: 100). - كلام جميل حول ذلك: قال السعدي -رحمه الله-: "ومن لطفه بعبده ووليه الذي يريد أن يتم عليه إحسانه، ويشمله بكرمه، ويرقيه إلى المنازل العالية، فييسِّره لليسرى، ويجنِّبه العسرى، ويجري عليه من أصناف المحن التي يكرهها وتشق عليه وهي عين صلاحه، والطريق إلى سعادته، كما امتحن الأنبياء بأذى قومهم، وبالجهاد في سبيله. وكما ذكر الله عن يوسف -عليه السلام- وكيف ترقت به الأحوال ولطف الله به وله بما قدَّره عليه من تلك الأحوال التي حصلت له في عاقبتها حسن العقبى في الدنيا والآخرة، وكما يمتحن أولياءه بما يكرهونه لينيلهم ما يحبون، وكم لله من لطف وكرم لا تدركه الأفهام ولا تتصوره الأوهام، وكم استشرف العبد على مطلوب من مطالب الدنيا من ولاية ورئاسة أو سبب من الأسباب المحبوبة فيصرفه الله عنها، ويصرفها عنه رحمة به لئلا تضره في دينه، فيظل العبد حزينًا من جهله، وعدم معرفته بربه، ولو علم ما ادخر له في الغيب، وأريد إصلاحه، لحمد الله وشكره على ذلك، فإن الله بعباده رءوف رحيم، لطيف بأوليائه" (الحق الواضح المبين). الوقفة الثالثة: من آثار التعبد لله باسمه -سبحانه- (اللطيف): 1- زيادة محبة الله -عز وجل- والأنس به حيث إنه يلطف بعباده المؤمنين، ويحسن إليهم ويرفق بهم ويسوق لهم الخير من حيث يحتسبون، ومن حيث لا يحتسبون، بل يسوق لهم الخير من حيث يكرهون. وهذه المحبة تثمر التقرب إليه سبحانه بأنواع العبوديات. 2- إذا استقرت في قلب العبد هذه المعاني السابقة، رضي وسلَّم واطمأن وفوَّض الأمر إلى الله -تعالى-. وهذه الثمرة تقودنا إلى الثمرة التالية؛ ألا وهي: 3- صدق التوكل على الله -عز وجل- والرضا بما يختاره سبحانه، فإن الله -عز وجل- يعلم أين تكون مصلحة العبد والعبد لا يعلم، والله -سبحانه- يقدر على تحقيقها، والعبد لا يقدر والله سبحانه هو العليم القدير. 4- إذا علم العبد أن ربه متصف بدقة العلم، وإحاطته بكل صغيرة وكبيرة، حاسب نفسه على أقواله وأفعاله وحركاته وسكناته، فإنه في كل وقت وحين، بين يدي اللطيف الخبير، قال -تعالى-: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) (الأنبياء: 47). 5- لما كان من معاني (اللطيف) البر والرفق والإحسان، فإن ممَّا يثمره في قلب المؤمن وأخلاقه أن يتخلق بهذا الخلق العظيم فيكون رفيقًا بعباد الله -عز وجل- محسنًا إليهم، بارًّا بهم يحب الخير ويفعله لهم ويكره الشر لهم. مبتدئًا في ذلك بالوالدين والأولاد والأقارب وعموم المسلمين. (باختصار من النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى). ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــ * قال الشيخ السعدي -رحمه الله-: "فإذا قال العبد: يا لطيف الطف بي، أو لي، وأسألك لطفك. فمعناه: تولني ولاية خاصة بها تصلح أحوالي الظاهرة، والباطنة، وبها تندفع عني جميع المكروهات من الأمور الداخلية والأمور الخارجية... فإذا يسَّر الله لعبده وسهَّل له طريق الخير وأعانه عليه، فقد لطف به، وإذا قيَّض الله له أسبابًا خارجية غير داخلة تحت قدرة العبد فيها صلاحه، فقد لطف له" (تفسير أسماء الله الحسنى).
__________________
|
|
#24
|
||||
|
||||
|
الوقفات الإيمانية مع الأسماء والصفات الإلهية (24) اسما الله (الشكور، الشاكر) (موعظة الأسبوع) كتبه/ سعيد محمود المقدمة: - التعرف على الله -تعالى- أجل أنواع المعرفة، والتعبد له -تعالى- بأسمائه وصفاته أجل أبواب التعبد: قال -تعالى-: (وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) (متفق عليه). - ورد اسما الله سبحانه (الشكور، الشاكر) في القرآن الكريم مواضع مختلفة، من أصرحها دلالة قوله -تعالى-: (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ) (التغابن: 17). وقوله -تعالى-: (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 158). وورد معنى شكر الله في الحديث في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ) (متفق عليه). - مدخل وعظي لإثارة النفوس للتعرف على هذين الاسمين الجليلين (الشكور، الشاكر): تأمَّل الآية والحديث المتقدِّمين مع قوله -تعالى-: (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (البقرة: 261). (حبة تساوي سبعمائة! كيف يساوي الواحد سبعمائة، بل أضعاف؟! نعم؛ لأن المجازي هو الله الشكور). - دلالة معنى اسم (الشكور، الشاكر) في حق الله -تعالى-: قال السعدي -رحمه الله-: "هو الذي يشكر القليل من العمل الخالص النقي النافع، ويعفو عن الكثير من الزلل ولا يضيِّع أجر من أحسن عملًا، بل يضاعفه أضعافًا مضاعفة بغير عدٍّ ولا حساب، ومن شكره أنه يجزي بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة" (الحق الواضح المبين). وقال الخطابي -رحمه الله-: "الشكور هو الذي يشكر اليسير من الطاعة فيثيب عليه الكثير من الثواب، ويعطي الجزيل من النعمة (شأن الدعاء). الوقفة الأولى: من صور شكره -تعالى- لعبده: قال ابن القيم -رحمه الله-: "وأمَّا شكر الرب -تعالى- فله شأن آخر كشأن صبره، فهو أولى بصفة الشكر من كل شكور، بل هو الشكور على الحقيقة، فإنه يعطي العبد ويوفِّقه لما يشكره عليه! ويشكر القليل من العمل والعطاء؛ فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة. ويشكر عبده بقوله بأن يثني عليه بين ملائكته وفي ملئه الأعلى، ويلقي له الشكر بين عباده ويشكره بفعله، فإذا ترك العبد له شيئًا أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئًا ردَّه عليه أضعافًا مضاعفة، وهو الذي وفَّقه للترك والبذل وشكره على هذا وذاك!" (عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين). وإليك بعض الصور: 1- لمَّا بذل الرسل -عليهم السلام- أعراضهم فيه لأعدائهم فنالوا منهم وسبوهم، شكر لهم ذلك، بأن أعاضهم من ذلك بأن صلَّى عليهم هو وملائكته، وجعل لهم أطيب الثناء في سماواته وبين خلقه؛ فأخلصهم: فتكرر: (وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ) (مريم: 16)، ثم: (إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (ص: 46). 2- ولمَّا ترك الصحابة -رضي الله عنهم- ديارهم (مكة) وخرجوا منها في مرضاته، ونصرة لرسوله -صلى الله عليه وسلم-، شكر لهم ذلك، وأعاضهم عنها أن ملَّكهم الدنيا وفتحها لهم، وجعل لهم في الآخرة أحسن الجزاء: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) (التوبة: 100). 3- ولمَّا بذل الشهداء له أرواحهم وأبدانهم حتى مزَّقها أعداؤه، شكر لهم ذلك بأن أعاضهم عنها حياة برزخية خاصة: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (آل عمران: 169). وبالجملة: إذا قام العبد من عباده مقامًا يرضيه بين الناس؛ شكر ذلك له؛ ونوَّه بذكره عند ملائكته وعباده المؤمنين، كما شكر لمؤمن آل فرعون ذلك المقام، وأثنى به عليه؛ ونوَّه بذكره بين عباده؛ فقال: (فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ) (غافر: 45). وكذلك شكره لصاحب يس مقامه ودعوته إليه؛ فقال: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ . قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ) (يس: 26- 27). (وكذلك شكره لأهل مجالس الذكر، وقائم الليل، وأهل صعيد عرفة، وغيرهم وغيرهم). ومن عجيب شكره -تعالى- لعبده: 1- أنه يشكر للعصاة إذا عملوا عملًا صالحًا، وإن لم يتوبوا من عموم معاصيهم، فقد غُفِرَ للمرأة البغي بسقيها كلبًا كان قد جهده العطش حتى أَكَلَ الثَّرَى، وغفر لآخر بِتَنْحِيَتِه غُصْنَ شَوْكٍ عن طريق المسلمين. 2- وأنه يخرج العبد من النار بأدنى مثقال ذرة من خير؛ ولا يضيِّع عليه هذا القدر: فيقول -تعالى- يوم القيامة: (انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَخْرِجْهُ مِنَ النَّارِ) (متفق عليه). 3- وأبلغ من ذلك: أنه يجازي عدوه بما يفعله من الخير والمعروف في الدنيا! (بمال - بجاه - بجمال - بمتاع - ...) وربما يخفِّف به عنه يوم القيامة (فالكفار في دركات مختلفة من النار)؛ فلا يضيِّع عليه ما يعمله من الإحسان؛ وهو من أبغض خلقه إليه! كما في مجازاة أبي طالب على إحسانه للنبي -صلى الله عليه وسلم-. الوقفة الثانية: من آثار التعبد لله باسميه -سبحانه- (الشكور، الشاكر): أولًا: محبته -سبحانه-: - حيث إنه -سبحانه- قد غمر العباد بفضله وإحسانه وكرمه، وهو الذي أنعم عليهم بنعمة الإيجاد والإعداد والإمداد، ومع ذلك فحينما يعملون العمل الصالح القليل الذي هو بتوفيقه وفضله، يشكرهم عليه ويضاعف لهم الأجور ويغفر لهم الذنوب؛ ويقول لهم: (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 22). - فسبحانه مِن إله برٍّ رحيمٍ جوادٍ كريمٍ يستحق الحب كله: (قيل لأعرابي في مرضه: إنك تموت، فقال: ثم إلى أين؟ قالوا: إلى الله. فقال: كيف تكرهون أن أقدم على ربٍّ شكور، يعطي على القليل الكثير؟!). ثانيًا: الحياء منه -سبحانه- والسعي في مرضاته: - إذا كان الخالق المنشئ، المنعم المتفضل، الغني عن العالمين يشكر ويجازي (الواحد عنده = عشرة، بل إلى أضعاف مضاعفة) فالواجب على العباد المخلوقين الضعفاء المغمورين بنعمه، أن يستحيوا من ذلك الكرم والمن بالاستجابة لأمره، والمسارعة في مرضاته: (كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي حَتَّى تَرِمَ أَوْ تَنْتَفِخَ قَدَمَاهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) (متفق عليه). قصة من واقع الحياة (الزوجان وبناء المسجد): يقول أحد الدعاة إلى الله: كنت أقف أمام أحد المتاجر الكبيرة مع صاحب لي، فقال صاحبي: ألا أخبرك بقصة صاحب هذا المتجر؟ إنه كان هو وزوجته منذ سنوات يجمعان المال من راتبيهما الوظيفيين لأجل شراء بيت العمر للأسرة، وظلَّا يجمعان المال سنوات، حتى إذا قاربا النهاية المطلوبة، إذا بالزوج وقد سمع من أحد الدعاة في المسجد حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ، أَوْ أَصْغَرَ، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني). فوقع الكلام منه موقعًا، وشعر بالحياء من الله، فقرَّر أن يكون المال المدخر لبيت الدنيا ثمنًا لبيت في الجنة، فرجع إلى زوجته، وأخبرها بالأمر، وأنه يستحيي من الله أن يعده ببيت في الآخرة شكرًا على عمله ولا يفعل! فإذا بالزوجة تسلك مسلكه نفسه. وتم بناء المسجد، ثم شرعا في الادخار مرة أخرى لبيت العمر، فماذا تظن أن يكون فعل (الشكور، الشاكر) -سبحانه- معهما؟ وهو الذي يقول: (وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 22). لقد يسَّر الله الشكور لهذا الرجل بابًا للتجارة، وفتح له أسباب الرزق من أوسع أبوابها! وفي سنوات قليلة صار الرجل صاحب سلسلة كبيرة من المتاجر المشهورة، وصاحب بيوت كثيرة من بيوت الدنيا! (إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا) (الإنسان: 22). ثالثًا: الاتصاف بموجب هذين الاسمين الكريمين (الشكور، الشاكر)، والبعد عن ضدهما: - لمَّا كان -سبحانه- هو الشكور على الحقيقة، كان أحب خلقه إليه مَن اتصف بصفة الشكر، كما أن أبغض خلقه إليه من عطَّلها واتصف بضدها، وهو الكفر والجحود، قال -سبحانه-: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ) (البقرة: 152)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ لَا يَشْكُرُ النَّاسَ لَا يَشْكُرُ اللَّهَ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني). - نموذج في الشكر باليسير من العمل، وفاءً وحفظًا للجميل: قال أبو حنيفة -رحمه الله-: ما صليت منذ مات شيخي حماد، إلا استغفرت له مع والدي، وإني لأستغفر لمن تعلمت منه علمًا أو علمته علمًا! وقال أبو يوسف -رحمه الله-: إني لأدعو لأبي حنيفة قبل أبوي! وقال الإمام أحمد -رحمه الله-: ما بت منذ ثلاثين سنة إلا وأنا أدعو للشافعي وأستغفر له! وقال بعض العقلاء: تعلموا أن تنحتوا المعروف على الصخر. خاتمة: - كثير من الناس يعملون ويشتدون طلبًا لشكر المخلوقين الفقراء الضعفاء، فتضيع أعمالهم ويغفلون عن العمل الذي يطلب شكره من الغني الكريم (الشكور، الشاكر) الذي لا يضيِّع أجر المحسنين، قال -تعالى-: (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا) (المزمل: 20). - لا تستهن بيسير العمل عند الشكور -سبحانه- (أمثلة: إغلاق صنبور الماء المفتوح في الأماكن العامة - إنارة مدخل العمارة بمصباح صغير - إعانة ضعيف في الطريق أو المواصلات - نصيحة بعمل صالح - كلمة طيبة - إماطة أذى - ...) فهو يجازي على القليل بالكثير، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ وَجَدَ غُصْنَ شَوْكٍ عَلَى الطَّرِيقِ فَأَخَّرَهُ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَغَفَرَ لَهُ) (متفق عليه). جعلنا الله وإياكم من الشاكرين.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|

|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2026, By Ali Madkour |