شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         أم المؤمنين خديجة صديقة النساء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          عبد الله بن عباس حبر الأمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 2 )           »          مفهوم العزة في نصوص القرآن (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 1 )           »          (حفظ العقل وفظاعة إفساده) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 8 )           »          هدايات سورة طه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 7 )           »          التحاكم إليه صلى الله عليه وسلم والنزول على حكمه (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 158 )           »          كيف تكون إيجابيا في مجتمعك (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 156 )           »          مظاهر اليسر في الصوم (5) كفارة رمضان وفديته (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 178 )           »          أبو عبيدة بن الجراح أمين الأمة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 175 )           »          الزبير بن العوام حواري النبي (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 157 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 26-11-2025, 12:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,014
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الثالث عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب التوكل على الله-عزوجل-


  • لا يتم الاعتماد على الله حتى يحسن العبدُ ظَنَّهُ بربِّه ويثق به في كفايته وبحسب إيمان العبد يكون توكله فكلما قوي الإيمان قوي التوكل
  • الطِّيَرَةُ مُضَادَّةٌ للفَأْلِ وكانَت العَرَبُ تتطير فأَثْبَتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الفأْلَ واسْتَحْسَنَه وأَبْطَلَ الطَّيَرَةَ ونَهَى عنها
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الثالث عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الإيمان بوجوب التوكل على الله -عزوجل-؛ لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التغابن: 13)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: 23)، وقوله -تعالى-: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} (الطلاق: 3)، ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيحين في سؤال أصحابه له عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، في حديث طويل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»، فقام عكاشة بن محصن الأسدي - رضي الله عنه - فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: «أنت منهم»، ثم قام رجل آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟، فقال: «سبقك بها عكاشة»، وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله -تعالى- والثقة به مع ما قدر له من التسبب.
الحثّ على التوكل والاستغناء عن الناس
ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير - رضي الله عنه -: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وفي صحيح البخاري من حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه -: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه»، وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب، وبه أنبأنا البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم، وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم ابن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار -خادم إبراهيم بن أدهم- قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟! فقال ابن المبارك: يا أبا علي: أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب التوكل على الله -عز وجل-)، والتوكل واجب، وقد يقع فيه الشرك، وهو عمل قلبي، ولا ينافي اتخاذ الأسباب، لقول عمر الفاروق -جوابًا لعبد الرحمن بن عوف -: (نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله)، والإسلام رغَّب في بذل الأسباب، وحث عليها، بل ورتب عليها الأجر، فمن سعى للكسب ليعف نفسه عن السؤال، فهو مأجور على سعيه، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (الإسراء: 19).
  • التوكل لغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. وشرعًا: هو الثقة بما عند الله -تعالى-، واليأس مما في أيدى الناس. ويقال: المتوكل على الله، الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده ولا يتوكل على غيره. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان، وبحسب قوة توكل العبد على الله؛ يقوى إيمانه، ويتم توحيده، والعبد مضطر إلى التوكل على الله والاستعانة به في كل ما يريد فعله أو تركه من أمور دينه أو دنياه.
حقيقة التوكل على الله
  • وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه هو النافع ، المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه، وهو مع هذا باذل جهده في فعل الأسباب النافعة. فمتى استدام العبد هذا العلم، وهذا الاعتماد والثقة، فهو المتوكل على الله حقيقة، وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو مشرك، ومن توكل على غير الله، وتعلق به، وُكِلَ إليه وخاب أمله».
قوله: لقوله -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «أي: فليعتمدوا عليه في كل أمر نابهم، وفيما يريدون القيام به، فإنه لا يتيسر أمر من الأمور إلا بالله، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاعتماد على الله، ولا يتم الاعتماد على الله، حتى يحسن العبدُ ظَنَّهُ بربِّه، ويثق به في كفايته الأمر الذي اعتمد عليه به، وبحسب إيمان العبد يكون توكله، فكلما قوي الإيمان قوي التوكل». قوله: وقوله -تعالى-: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قال القرطبي: «أي: كافينا الله، وحسب مأخوذ من الإحساب، وهو الكفاية، قال الشاعر:
فتملَأُ بيتنا أَقِطا وسَمْنا
وحسبك من غنى شبع وري
روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال في قوله -تعالى-: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (آل عمران: 173) إلى قوله: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173) قالها إبراهيم الخليل -عليه السلام- حين أُلْقِيَ في النار. وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله -تعالى-: «فإن في التوكل على الله تيسيرًا للأمر، ونصرًا على الأعداء، ودل هذا على وجوب التوكل، وعلى أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله»، وقوله: وقوله -تعالى-: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}، قال الطبري: «يقول -تعالى- ذكره: ومن يتق الله في أموره، ويفوّضها؛ إليه؛ فهو كافيه».
سؤال الصحابة عن السبعين ألفًا
  • قوله: (ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيحين في سؤال أصحابه له عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب في حديث طويل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن الأسدي ت فقال: أنا منهم يا رسول الله، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله، فقال: سبقك بها عكاشة)، وجاء في شرح الحديث لا يكتوون: الكيّ: إحراق الجلد بحديدة ونحوها، كواه كَيّا، وفي المثل: «آخر الطبّ الكَيّ». واكتوى الرجل: استعمل الكَيّ، ولا يسترقون: ورَقى الراقي يَرْقي رُقْيَةً ورَقْيًا: إذا عَوَّذَه، وصاحِبُه رَقّاءٌ. والمَرْقِيُّ: مسْترقٍ.
ولا يتطيرون: الطِّيَرَةُ مُضَادَّةٌ للفَأْلِ، وكانَت العَرَبُ تتطير، فأَثْبَتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الفأْلَ واسْتَحْسَنَه، وأَبْطَلَ الطَّيَرَةَ ونَهَى عنها، وقال ابنُ الأَثِيرِ: هو مصدر، تَطَيَّرَ طِيَرَةً وتَخَيَّرَ خِيَرَةَ لم يجئ من المصادِرِ هكذا غَيرُهما قال: أَصلُه فيما يقال التّطَيُّرُ بالسّوانِحِ والبَوَارِحِ من الظِّباءِ والطَّيْرِ وغيرهما، وكان ذلك يَصُدُّهم عن مَقَاصِدِهم فنفاه الشَّرْعُ وأَبطلَه، ونهى عنه، وأَخبَرَ أَنه ليس له تأَْثيرٌ في جَلْبِ نَفْعٍ ولا دَفْعِ ضَرَرٍ.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 02-12-2025, 04:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,014
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان




شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… الثالث عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب التوكل على الله-عزوجل-(2)


  • تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب يجعل المؤمن هادئ النفس مطمئن القلب ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليه
  • بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • أسباب كراهة الرُقية والكيّ مع التوكل: قال ابن حجر : أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: أحدها - قاله الطبري والمازري وطائفة: إنه محمول على من اعتقد اعتقاد الطبائعيين، في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون، وقال غيره: الرقى التي يحمد تركها، ما كان من كلام الجاهلية، وما الذي لا يعقل معناه، لاحتمال أن يكون كفرا، بخلاف الرقى بالذكر ونحوه، وتعقبه القاضي عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها فليس مسلما؛ فلم يسلم هذا الجواب.
  • ثانيها - قال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وهذا اختيار ابن عبد البر.
  • ثالثها - قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث؛ من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدّة لدفع العوارض؛ فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه؛ فهم غافلون عن طب الأطباء ورُقى الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئا، والله أعلم.
  • رابعها - أن المراد بترك الرقى والكي، الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه؛ قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواصّ الأولياء.
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أعلى مقامات التوكل
ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن من تَرَكَ الأسباب، وفَوَّضَ وأخلص في ذلك، كان أرفع مقاما. قال الطبري: قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء البتة، حتى السبع الضاري والعدو العادي، ولا من لم يسع في طلب رزق ولا في مداواة ألم، والحقُّ، أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض؛ لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر -صلى الله عليه وسلم - في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِّعب، وخندق حول المدينة، وأَذِن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادَّخَر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال الذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: «اعقلها وتوكل»، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل، والله أعلم» انتهى كلام ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
تفويض الأمر إلى الله -تعالى-
  • قوله: «وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله -تعالى-، والثقة به مع ما قدر له من التسبب، ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير - رضي الله عنه -: «لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وقال سهل بن عبد الله: «التوكل حال النبي -صلى الله عليه وسلم - والكسبُّ سنته، فمن بقي على حاله، فلا يتركن سنتَّه»، أي أن التوكل حاله - صلى الله عليه وسلم - القلبي والإيماني، والكسب سنته الفعلية العملية، وفي حديث الزبير - رضي الله عنه - «حثٌّ على التعفف، وتفضيل الكسب والسبب على البطالة، وجمهور المحققين -كابن جرير وأتباعه- على أن السبب لا ينافي التوكل؛ حيث كان الاعتماد على الله لا على السبب».
  • قوله: وفي صحيح البخاري من حديث المقداد بن معديكرب: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه»، وفي هذا الحديث يوضح النبي -[- أن أفضل طعام يأكله الإنسان هو الذي يأكله نتيجة كسبه وعمله، سواء كان نوع العمل حقيرًا أم عظيمًا، سواء أكان مقدار الأجر كثيرًا أم قليلًا، بل الذي عليه مدار الأمر أن يكون حلالًا لا شبهة فيه.
حال الأنبياء -عليهم السلام-
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان آدم عليه السلام حرّاثًا، ونوح نجّارًا، وإدريس خيّاطًا، وإبراهيم ولوط زرَّاعيْن، وصالح تاجرًا، وداود زرَّادًا، وموسى وشعيب ومحمد -صلوات الله عليهم- رعاة، وأما الآثار.. فروي أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني استعن بالكسب الحلال؛ فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقةٌ فى دينه، وضعفٌ فى عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به. وقيل لأحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي»، وقال حين ذكر الطير: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، أي وقع من الطير سعي وحركة.
ذم الجلوس في المسجد الجامع للتسول
  • قوله: «وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع، ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب»، «يذم الجلوس في المسجد الجامع»: يقصد الجلوس أمام أبواب المساجد للتسوّل، «ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب» أي: دكاكين ليس لها أبواب.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم)، وفي هذه العبارة يحث أبو بكر الصديق على المحافظة على الدين؛ فهو ما ينفع في الآخرة، والسعي للعمل، فهو ما ينفع في الحياة الدنيوية.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم بن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار -خادم إبراهيم بن أدهم- قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا!).
أهمية العمل والتجارة
هنا يُبيِّنُ ابن المبارك أهمية العمل والتجارة، وذكر لها فوائد شتى منها: (1) صيانة النفس عن السؤال. (2) المحافظة على العرض والكرامة. (3) الاستعانة بها على طاعة الله. (4) المسارعة في الخيرات والحرص على الصدقات. (5) سد حاجة المعوزين.
أثر التوكل على سلوك المسلم
  • تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب، يجعل المؤمن هادئ النفس، مطمئن القلب، ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليها.
  • التعلق التام بالله -تعالى-، والثقة به، وعدم التأثر بالأسباب المادية.
  • برد اليقين يجده المؤمن بقلبه والسكينة تملأ جوارحه، وهو يخوض غمار هذه الحياة متوكلا على الله معتمدا على فضله وعطائه ومواهبه التي لا تعد ولا تحصى، بخلاف غير المؤمن الذي يحفه القلق من كل جانب.
  • بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل، وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة جزء من التوكل؛ فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه.
- ترك الأسباب بالكلية ينافي التوكل، وهذا مسلك دخل على الإسلام من الصوفية، وأيده أعداء الإسلام حتى أبطلوا الجهاد في سبيل الله -تعالى-.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 16-12-2025, 11:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,014
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الخامس عشر من شعب الإيمان: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِه


  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله تعالى له ومن هذا التعظيم عدم رفع الصوت فوق صوته وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا
  • من تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء له بعد سماع الأذان والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الْخَامِس عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَان: «الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِهِ»، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} (الفتح: 9)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} (الأعراف: 157)، وَالتَّعْزِيْرُ هَاهُنَا التَّعْظِيْمُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} (النور: 63) أَيْ: لاَ تَقُوْلُوْا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا أَبَا الْقَاسِم، بَلْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، يَا نَبِيَّ اللهِ!، وَلِقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (الحجرات: 1)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2) الآيات (الحجرات 2- 5)، وَبِهِ أَنْبَأَنَا الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ فَوْقَ مَنْزِلَةِ الْمَحَبَّةِ؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ مُحِبِّ مُعَظِّمًا، كَمَحَبَّةِ الأَبِ لِوَلَدِهِ، وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْظِيْمٍ بِخَلاَفِ الْعَكْسِ.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب تعظيم النبي وتجبيله وتوقيره) وهو ركن من أركان الإيمان، يفوت الإيمان بفواته لقوله -تعالى-: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}(التوبة: 65).
  • وقوله: لقوله -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «أي: تعزروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم»، وقوله: وقوله -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ}، والتعزير ها هنا التعظيم بلا خلاف.
يقول الطبري: «القول في تأويل قوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول -تعالى- ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - وأقرُّوا بنبوّته «وعزَّروه»، يقول: وَقَّروه وعظموه وحَمَوه من الناس، وعن ابن عباس: «وعزروه»، يقول: حَمَُوه ووقَّروه. وعن مجاهد: «وعزروه ونصروه»: «عزَّروه»، سدَّدوا أمره، وأعانوا رَسُوله.
  • وقوله: «نصروه»، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم، واتبعوا النور الذي أنزل معه، يعني: القرآن والإسلام {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - هم المنجحون المدرِكون ما طلبُوا ورجَوْا بفعلهم ذلك، والصحابة ي حازوا قصب السبق في هذا المضمار.
تأديب الله للمؤمنين
  • قوله: (وقوله -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تقولوا له: يا محمد، يا أبا القاسم، بل: يا رسول الله، يا نبي الله!)، يقول الحافظ ابن كثير: «وقال مقاتل في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} يقول: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتُموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبدالله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا أدبٌ أدَّبَ الله -تعالى- به المؤمنين في مخاطبة نبيهم - صلى الله عليه وسلم-، وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه. هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} (البقرة: 104)، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: 2 - 5)، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم- والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته.
والقول الثاني في ذلك، أن المعنى في: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتمٍ، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، - والله أعلم -».
الأدب مع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم-
  • قوله: ولقوله -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «هذا متضمن للأدب، مع الله -تعالى-، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر (الله) عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في جميع أمورهم، و(أن) لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي (الشديد) عن تقديم قول غير الرسول - صلى الله عليه وسلم- على قوله؛ فإنه متى استبانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنًا ما كان». ويقول ابن القيم معلقا على هذه الآية الكريمة: فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم؟!.
أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه
  • قوله: وقوله -تعالى-: {َيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2)، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «وهذا أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه، أي: لا يرفع المُخَاطِب له، صوته معه فوق صوته، ولا يجهر له بالقول، بل يغض الصوت، ويخاطبه بأدب ولين، وتعظيم وتكريم، وإجلال وإعظام، ولا يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم- كأحدهم، بل يميزوه في خطابهم، كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة، ووجوب الإيمان به، والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به، فإن في عدم القيام بذلك محذورًا، وخشية أن يحبط عمل العبد وهو لا يشعر، كما أن الأدب معه، من أسباب حصول الثواب وقبول الأعمال».
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: وهذه منزلة فوق منزلة المحبة، إذ ليس كل محب معظمًا، كمحبة الأب لولده، والسيد لعبده، من غير تعظيم بخلاف العكس)، التعظيم درجة أعلى من درجة المحبة، فهو محبة من الأدنى إلى الأعلى، أما المحبة من الأعلى إلى الأدنى، فليس فيها تعظيم، كمحبة الولد لولده، ومحبة السيد لعبده.
أثر تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في قلب المؤمن
  • مَنْ عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- تلذذ بمتابعته له في سنته، ولم يلتفت إلى المُعَوِّقات.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ إظهار سنته، سواء كانت في العبادة أو المعاملة ليقتدي بها الناس.
  • من عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- واقتدى به ظاهرًا وباطنًا، ظاهرًا في الهدي والسمت والسلوك، وباطنًا بالإخلاص ومحبة الله -تعالى- والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وترك ما في أيدي الناس؛ ظَهَرَ أثر ذلك على أقواله وأفعاله، فلا يقول إلا خيرًا، ولا يفعل إلا برًا، فلا يُضْمِر الشر، ولا يفعله، مقتديا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله -تعالى- له، ومن هذا التعظيم؛ عدم رفع الصوت فوق صوته، وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا، كما يفعل الجهلة وضعاف الإيمان.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ الدعاء بعد سماع الأذان، والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها، وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه، من غير تمييز بينهم، واختيار بعضهم، وترك أغلبهم، كما يفعل بعض جهلة الناس اليوم.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 26-12-2025, 04:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,014
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… السادس عشر من شعب الإيمان: شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر


  • الحبّ لله وفيه هو من لوازم محبة ما يُحبّ الله ولا تستقيم محبّة ما يحبّ الله إلا بالحبّ فِيه وله سبحانه
  • معرفة شُعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية في الدنيا والآخرة
  • لا ينبغي لنا أن ندع أهل الكفر وأهل الفسوق وندعهم للشياطين تلعب بهم بل نؤلفهم ونجذبهم إلينا بالمال واللّين وحُسن الخُلق حتى يألفوا الإسلام
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • السادس عشر من شُعب الإيمان: «شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر»، لحَدِيث أنس الْمُتَّفق عَلَيْهِ: (ثَلَاثٌ من كُنّ فِيهِ وجَد بِهنَّ حلاوة الإيمان» ثمَّ قَالَ: «وأنْ يُلقى فِي النَّار أحبُّ إليه من أنْ يَرجعَ إلى الْكفْر بعد أنْ أنقذه اللهُ مِنْهُ»، وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَالرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَالرَّجُلُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»، ولحديثه أَيْضًا فِي صَحِيح مُسلم: «إن رجلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأعْطَاهُ غنمًا بَين جبلين، فَأتى قومه فَقَالَ: أَسْلمُوا، فوَ الله إِن مُحَمَّدًا ليعطي عَطاء رجل لَا يخَاف الْفَاقَة. فَقَالَ أنس: وَإِن كَانَ الرجل يجِيء إلى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - مَا يُرِيد إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُمْسِي حَتَّى يكونَ دينُه أحبَّ إليه وأعزَّ من الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا».
الشرح
المعنى الإجمالي للحديث: «شُحّ المرءِ بدينه حتى يكونَ الإحراقُ بالنار أحبَّ إليه من أن يعود إلى الكفر»؛ هذا دليل على قوة الإيمان وحلاوته في قلب صاحبه، ودليل على يقينه بالغيب؛ فالإنسانُ الذي يُسْلِم وجُلّ همّه الدنيا فحسب، ثم تنصلح نيّتُه طمعًا في الآخرة، فيزهد في الدنيا الفانية وما فيها، ويطمع بما عند الله؛ تَحَوُّله هذا دليلٌ على قوة إيمانه؛ لأن الحياةَ الآخرةَ للمؤمن بعد الموت أفضلُ له وأحبُّ من هذه الحياة القصيرة.
معاني المفردات
  • الشُّحُّ: البخل مع حرص. تقول: شحِحت بالكسر تشحّ.
  • قوله: (شُحّ المرء بدينه) أيْ: حرص المرء على دينه كما يحرص على عدم دخوله النار.
  • كره أن يقذف في النار: أيْ يستوي عنده الأمران.
  • قوله لحديث أنس: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوةَ الإيمان».
  • قوله: (ثلاثٌ) هو مبتدأ، والجملة الخبر.
  • قوله: (كنّ) أيْ (حصلْن)، فهي تامة.
  • قوله: (حلاوة الإيمان) بيان لحقيقة عظيمة من حقائق الإيمان وهو حصول حلاوة حقيقة في قلب المؤمن, يجدها ويشعر بها، ويلتذ بطعمها كما يجد حلاوة السكر في فمه.
أنواع المحبة
هنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضلّ من ضلّ؛ لعدم التمييز بينها:
  • النوع الأول: محبة الله، ولا تكفي وحدَها في النجاة من الله ومن عذابه والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعبّادَ الصليب واليهودَ وغيرَهم يزعمون أنهم يحبّون الله، قال علماء التفسير: زعم اليهود والنصارى محبة الله فأمتحنهم الله بهذه الآية الكريم: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31).
  • النوع الثاني: محبة ما يحبّ اللهُ، وهذه هي التي تدخل العبدَ في الإسلام وتخرجه من الكفر، فأحبُّ الناس إلى الله أقومُهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
  • النوع الثالث: الحب لله وفيه، وهو من لوازم محبة ما يحب اللهُ، ولا تستقيم محبة ما يحب اللهُ إلا بالحب فيه وله.
  • النوع الرابع: المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا لله، ولا من أجله، ولا فيه؛ فقد اتخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين.
قوله: (وأن يكره أن يعود في الكفر) هذه الكراهة حقيقية يشعر بها المؤمن، وتشبيهها بكراهة القذف بالنار؛ ليتضح المقصود من العَود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله -تعالى- منه.
  • قوله: (فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ). أَيْ: كَثِيرَةً كَأَنَّهَا تَمْلَأُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ.
  • قوله: (فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا).
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ فَمَا يُسْلِمُ، وَفِي بَعْضِهَا فَمَا يُمْسِي، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ: فَمَا يَلْبَثُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ أوَّلًا لِلدُّنْيَا لَا بِقَصْدٍ صَحِيحٍ بِقَلْبِهِ ثُمَّ مِنْ بَرَكَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَنُورِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَيَتَمَكَّنَ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، وفي هذا دليل أيضًا على نقاء المجتمع في الصدر الأول من الإسلام وسلامة فطرته، بخلاف حالنا اليوم؛ حيث يبقى الإنسانُ حينًا من الدهر دون أن تتغيرَ حالُه إلى الأحسن.
  • قال الشيخ ابن عثيمين: «ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، ولا أن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو ذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء، بل إن الله جعل لهم حظًا من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه».
فوائد شُحّ المرء بدينه
  • الحرص على أداء الواجبات كاملة غير منقوصة.
  • إكمال النواقص منها بكثرة النوافل والاستغفار.
  • البعد عن مواطن الشبهات والشهوات.
  • السؤال عما أشكل من أمور الدين.
  • الاستبراء للدين والعرض.
أثر شُحّ المرء بدينه على سلوك المسلم:
  • الخوف والخشية من الله.
  • الرجاء فيما أعده الله -تعالى- ثوابًا للصابرين.
  • الخشوع في أداء الصلوات وسؤال الله -تعالى- القَبول.
  • متابعة العبادة تلو العبادة مع تنويعها.
  • محاسبة النفس على التقصير.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 27-01-2026, 05:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 174,014
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الثامن عشر مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: نشـر العلم


  • نشر العلم واجب بمقتضى نصوص الكتاب والسُنَّة وإجماع أهل العلم وهو من أعمال الإيمان الداخلة في مسمّى الإيمان
  • من عمل بعلم الرواية ورث علم الدراية ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق
  • من لم يعدّ كلامه من عمله كثرت خطاياه ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الثامن عشر من شُعب الإيمان هو نشرُ العلم، لقوله -تعالى-: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187)، وقوله -تعالى-: {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} (التوبة: 122)، ولحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - في الصحيحين: «أن النبي قال في خطبته بمِنى: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن أبي داود: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وروى البيهقي بإسناده عن الإمام عمر بن عبدالعزيز الأموي -رحمة الله عليه- أنه قال: من لم يعدّ كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
طلب العلم للعمل به
وعن الحارث المحاسبي: العلم يورث الخشية، والزهد يورث الراحة، والمعرفة تورث الإنابة، وعن ابن سعد: أن من عمل بعلم الرواية ورث علم الدراية، ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية، ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق، وعن مالك بن دينار: إذا طلب العبد العلم ليعمل به كسره علمه، وإذا طلبه لغير العمل زاده كبرًا، وعن معروف الكرخي: إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عليه باب العمل، وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عليه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل، وعن أبي بكر الوراق: من اكتفى بالكلام من العلم دون الزهد والفقه تزندق، ومن اكتفى بالزهد دون الفقه والكلام ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الزهد والورع تفسّق، ومن تفنّن في الأمور كلها تخلّص، وعن الحسن البصري -رحمه الله تعالى- أنه مرّ عليه رجل فقيل: هذا فقيه، فقال: أوَ تدرون من الفقيه؟ إنما الفقيه العالم في دينه، الزاهد في دنياه، القائم على عبادة ربه، وعن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته من القلوب كما يزلّ القطر عن الصفا، وأنشد عن أبي بكر بن أبي داود لنفسه:
من غصَّ داوى بِشُرْبِ الماءِ غصَّتُهُ
فكيف يفْعَلُ من قد غصَّ بالماءِ؟
وعن أبي عثمان الحِيري الزاهد:
وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتقى
طبيبٌ يداوي والطبيبُ مريضُ
نسأل الله التوفيق للعلم والعمل، ونعوذ بجلال وجهه من الخذلان والحرص والأمل.
شرح المعنى الإجمالي
إن نشر العلم واجب بمقتضى نصوص كثيرة من الكتاب والسُنَّة وإجماع أهل العلم، وهو من أعمال الإيمان الداخلة في مسمّى الإيمان، وجاء التحذير الشديد من كتم العلم، والعلم، والاشتغالُ به، وحفظُه، ونشره بين الناس؛ مما جرى عليه عمل السلف الصالح، ولاسيما العلم الصحيح، القائم على كتاب الله وسنة رسوله [ وفقه السلف الصالح، ومن أعظم أساليب نشر العلم وتبليغه: موافقة العلم العمل، وظهور العلم في حال ناشره وباذله، وبه يظهر فضله ومكانته.
  • قوله: قال الله -تعالى-:{لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187)، قال قتادةُ: «هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئًا فليعلِّمه، وإياكم وكتمانَ العلم، فإن كتمان العلم هَلَكة، ولا يتكلَّفن رجلٌ ما لا علم له به، فيخرج من دين الله فيكون من المتكلِّفين، كان يقالمثلُ علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه! ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب)، وكان يقالطوبى لعالم ناطق، وطوبى لمستمع واعٍ)، هذا رجلٌ علِم علمًا فعلّمه وبذله ودعا إليه، ورجلٌ سمع خيرًا فحفظه ووعاه وانتفع به»، قال الجمهور: «هي عامّة في كل من علّمه الله علمًا، وعلماء هذا الأمة داخلون في هذا الميثاق».
قال الشيخ السعدي: «الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله -تعالى- على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علَّمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل».
فضيلة الفقه في الدين
  • قوله: قال الله -تعالى-:{وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم} (التوبة: 122)، قال السعدي: «أيْ: ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصًا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علمًا، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه، فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له.
وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأيّ منفعة حصلت للمسلمين منه؟! وأيّ نتيجة نتجت من علمه؟! وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه الله علما ومنحه فهما، وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعدّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينةٌ، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور».
فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ
  • قوله: ولحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - في الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بمنى فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، قال العيني في عمدة القاري: «وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: وجوب تَبْلِيغ الْعلم على الْكِفَايَة، وَقد يتَعَيَّن فِي حق بعض النَّاس».
  • قوله: وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن أبي داود: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة»، قال الخطابي: «الممسك عن الكلام مُمَثَّل بمن ألجم نفسه، كما يقال التُّقى مُلْجِم وكقول الناس: كلم فلان فلانًا فاحتج عليه بحجة ألجمته، أيْ أسكتته، والمعنى أن الملجم لسانه عن قول الحق والإخبار عن العلم والإظهار له يعاقب في الآخرة بلجام من نار، وخرج هذا على معنى مشاكلة العقوبة الذنب كقوله -تعالى-: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (البقرة: 275).
  • قال: وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فرضه كمن رأى كافرًا يريد الإسلام يقول: علّموني ما الإسلام؟ وما الدين؟ وكمن يرى رجلًا حديث العهد بالإسلام لا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها يقول: علموني كيف أصلي؟ وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني؟ فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سألوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك كان آثمًا مستحقًا للوعيد والعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها، وسئل الفضيل بن عياض عن قوله صلى الله عليه وسلم : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، فقال: «كل عمل كان عليك فرضًا، فطلبُ علمه عليك فرض، وما لم يكن العمل به عليك فرضًا، فليس طلب علمه عليك بواجب».
العلم قبل العمل
قوله: قال عمر بن عبدالعزيز-رحمه الله-: «من لم يُعدّ كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»، أي أن العلم قبل العمل، وقد صنف البخاري (باب العلم قبل القول والعمل) لقوله -تعالى-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} (محمد: 19)، والعمل بغير علم من مداخل الشيطان؛ لأنه يسهل عليه (أي الشيطان) أن يلبس على العابد بغير علم دينه، وأن يريه الضلال هدى والباطل حقًا والبدعة سنة، قال ابن تيمية: «فَالضَّلَالُ الْعَمَلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَالْغَيُّ اتِّبَاعُ الْهَوَى. قَالَ -تعالى-: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم) فَلَا يُنَالُ الْهُدَى إلَّا بِالْعِلْمِ وَلَا يُنَالُ الرَّشَادُ إلَّا بِالصَّبْرِ».
العلم يورث الخشية
  • قوله: وعن الحارث المحاسبي: «العلم يورث الخشية والزهد يورث الراحة والمعرفة تورث الإنابة»، وهذا ذكره الله في كتابه أن أكثر الناس خشية من الله هم أهل العلم، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَا} (فاطر: 28)، وقال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء)، وما روي في الأثر عن المحاسبي، وابن سعد، ومالك بن دينار ومعروف الكرخي، وأبي بكر الوراق والحسن البصري، وما أورده مالك بن دينار من نص التوراة، كلها تحث على تعلم العلم ونشره والعمل به، وتورد آثار العلم بدون عمل مثلعدم الخشية لله تعالى، والطمع في الدنيا، وترك التوبة من الذنوب، وكذلك جفاف العلم وتصحره وعدم الهداية إلى سبيل الحق، وكثرة الجدل وقلة العمل، الوقوع في البدع والفسوق، عدم التأثير بالموعظة للناس أو النصح لأن ترك العلم يزيل التأثير على القلوب التي هي أجناد مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)، وكذلك ما أورده المؤلف من أبيات شعرية تعزز هذا المعنى والله أعلم.
من فوائد نشر العلم
  • إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
  • تحقيقُ التوحيد.
  • محاربةُ الشرك والبدع.
  • نشرُ السنة المطهرة بين الناس.
  • عمارة الأرض واستغلال الأوقات فيما ينفع.
  • أثر نشر العلم على سلوك المسلم:
  • يزداد الحرص على نفع الناس بتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرهم.
  • التعبد لله -تعالى- بما شرع، لا بالأهواء والبدع.
  • الجدُّ والاجتهاد في حفظ مسائل العلم ومباحثه، والسؤال عما أشكل؛ لنفع النفس والمسلمين.
  • تقديمُ الواجب العينيّ على الواجب الكفائي في نشر الدعوة بين الناس.
  • الحذرُ من العمل بلا علم؛ لأنه من مداخل الشيطان.
معاني المفردات
  • البيان: التوضيح والشرح بما تقوم به الحجّة.
  • الإنذار: التحذير والتنبيه.
  • البلاغ: توصيل الرسالة.
  • لجام: اللجامُ الحديدة في فم الفرس مع ما فيها من سيور وحبال.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 119.46 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 115.87 كيلو بايت... تم توفير 3.59 كيلو بايت...بمعدل (3.01%)]