شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         حدث في مثل هذا اليوم ميلادي ... (اخر مشاركة : أبــو أحمد - عددالردود : 5297 - عددالزوار : 2696566 )           »          عشر ذي الحجة: فضائل وأحكام (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 37 )           »          الحج في سورة الحج (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          تفسير سورة الفاتحة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          إن هذه أمتكم أمة واحدة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          كيف تحمى خصوصيتك على الإنترنت فى 2026: نصائح وأدوات مفتوحة المصدر (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          ثورة قادمة من Apple: آيفون قابل للطى بإنتاج ضخم يهدد عرش المنافسين (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 36 )           »          إنستجرام يقلب الموازين: 8 مؤثرات صوتية بالذكاء الاصطناعي داخل الرسائل (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 28 )           »          كيف تختار كلمة مرور قوية وتديرها بأمان فى 2026؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 30 )           »          نموذج الذكاء الاصطناعى هانتر ألفا ينتشر بسرعة.. هل يُمثل عودة ديب سيك؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 35 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-04-2026, 10:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان




شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: الثاني والعشرون من شُعب الإيمان: الزكاة


  • من أثر الزكاة على المزكي شعوره بانتمائه ومساهمته في بناء المجتمع وإسعاد أفراده لأنه يسهم في ضمان عوامل الاستقرار
  • القيام بركن الزكاة عليه مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة
  • إخراج الزكاة يحقق للمجتمع الأمن والأمان ويقلل الجرائم ويجعل التكافل والتراحم سائدًا
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الزكاة من شعب الإيمان لقوله -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (البينة: 5)، وقوله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} (التوبة)، وقوله -تعالى-:{وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180)، ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه -في الصحيحين: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، فَقَالَ: إِنَّكَ تَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَادْعُهُمْ إِلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللهِ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ لِذَلِكَ، فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ، تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ، وَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوكَ لِذَلِكَ، فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللهِ حِجَابٌ»، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في صحيح البخاري: «مَنْ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ مَالُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي بِشِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُكَ أَنَا كَنْزُكَ، ثُمَّ تَلاَ هذه الآية: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180)».
المعنى الإجمالي
الزكاة ركن من أركان الإسلام، وفريضة على كل مسلم، وهي من أعمال الجوارح، وبها كمال الإيمان، تؤخذ من الأغنياء طهرة ونماء وبركة لأموالهم، فتردّ على الفقراء، وطهرة للمجتمع من التحاسد والتباغض، فهي عامل مهم لزيادة التواد والتكافل بين أفراد المجتمع، وقوله: (من شُعب الإيمان الزكاة): وهي الركن الثالث من أركان الإسلام، وهي لغة: النماء والزيادة، وَشَرْعًا: «عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص». لقوله -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ ا لْقَيِّمَةِ} (البينة: 5). قال القرطبي: «فيه ثلاث مسائل: الأولى- قوله -تعالى-: {وَمَا أُمِرُوا} أي وما أمر هؤلاء الكفار في التوراة والإنجيل {إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ} أي ليوحّدوه. واللام في لِيَعْبُدُوا بمعنى (أنْ)... وفي حرف عبدالله: وما أمروا إلا أن يعبدوا الله. {مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} أي العبادة، ومنه قوله -تعالى-: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} (الزمر: 11). وفي هذا دليل على وجوب النية في العبادات، فإن الإخلاص من عمل القلب، وهو الذي يراد به وجه الله -تعالى- لا غيره.
  • الثانية: قوله -تعالى-: {حُنَفَاءَ} أي مائلين عن الأديان كلها إلى دين الإسلام، وكان ابن عباس يقول: حنفاء: على دين إبراهيم -عليه السلام-. وقيل: الحنيف: من اختتن وحج، قاله سعيد بن جبير. قال أهل اللغة: وأصله أنه تحنَّف إلى الإسلام، أي مال إليه.
  • الثالثة: قوله -تعالى-: {وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ} أي بحدودها في أوقاتها. {وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} أي يعطوها عند محلها. {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} أي ذلك الدين الذي أمروا به دين القيمة، أي الدين المستقيم. وقال الزجاج: أي ذلك دين الملة المستقيمة. والْقَيِّمَةِ: نعت لموصوف محذوف. أو يقال: دين الأمة القيّمة بالحق، أي القائمة بالحق. وفي حرف عبدالله وذلك الدين القيم. قال الخليل: الْقَيِّمَةِ جمع القيم، والقيم والقائم: واحد».
قال الله -تعالى-: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} (التوبة). قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «وَقَدْ ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحِ) وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ صَاحِبِ كَنْزٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهُ إلَّا أُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ، فَيُجْعَلُ صَفَائِحَ فَيُكْوَى بِهَا جَبِينُهُ وَجَنْبَاهُ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَ عِبَادِهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ، ثُمَّ يَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ».
  • قوله: : قال الله -تعالى-: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} (آل عمران: 180)، قال الإمام السعدي: «أي: ولا يظن الذين يبخلون، أي: يمنعون ما عندهم مما آتاهم الله من فضله، من المال والجاه والعلم، وغير ذلك مما منحهم الله، وأحسن إليهم به، وأمرهم ببذل ما لا يضرهم منه لعباده، فبخلوا بذلك، وأمسكوه، وضنوا به على عباد الله، وظنوا أنه خير لهم، بل هو شر لهم، في دينهم ودنياهم، وعاجلهم وآجلهم {سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} أي: يجعل ما بخلوا به طوقًا في أعناقهم، يعذبون به كما ورد في الحديث الصحيح: «إن البخيل يمثل له ماله يوم القيامة شجاعًا أقرع، له زبيبتان، يأخذ بلهزمتيه يقول: أنا مالك، أنا كنزك وتلا رسول الله [ مصداق ذلك، هذه الآية»، فهؤلاء حسبوا أن بخلَهم نافعُهم ومُجْدٍ لهم، فانقلب عليهم الأمر، وصار من أعظم مضارّهم، وسبَبَ عقابهم،{وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (آل عمران: 180) أي: هو-تعالى- مالك الملك، وتُرَدُّ جميع الأملاك إلى مالكها، وينقلب العباد من الدنيا ما معهم درهم ولا دينار، ولا غير ذلك من المال, قال -تعالى-: {إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ} (مريم: 40) وتأمل كيف ذكر السبب الابتدائي والسبب الغائي، الموجب كل واحد منهما أن لا يبخل العبد بما أعطاه الله.
  • أخبر أولًا: أن الذي عنده وفي يده فضل من الله ونعمة، ليس ملكا للعبد، بل لولا فضل الله عليه وإحسانه، لم يصل إليه منه شيء، فمنعه لذلك منع لفضل الله وإحسانه؛ ولأن إحسانه موجب للإحسان إلى عبيده كما قال -تعالى-: {وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ} فمن تحقق أن ما بيده، فضل من الله، لم يمنع الفضل الذي لا يضره، بل ينفعه في قلبه وماله، وزيادة إيمانه، وحفظه من الآفات.
  • ثم ذكر ثانيًا: أن هذا الذي بيد العباد كلها ترجع إلى الله، ويرثها -تعالى-، وهو خير الوارثين، فلا معنى للبخل بشيء هو زائل عنك منتقل إلى غيرك.
  • ثم ذكر ثالثًا: السبب الجزائي، فقال: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} فإذا كان خبيرًا بأعمالكم جميعها -ويستلزم ذلك الجزاء الحسن على الخيرات، والعقوبات على الشر- لم يتخلف من في قلبه مثقال ذرة من إيمان عن الإنفاق الذي يجزى به الثواب، ولا يرضى بالإمساك الذي به العقاب».
ولحديث ابن عباس ب في الصحيحين أن رسول الله لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا اله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم، فإن هم أجابوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، وإياك ودعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب». قال الشيخ عبدالمحسن العباد -حفظه الله تعالى-: «أورد أبو داود -رحمه الله تعالى- حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، ورسم له الخطة التي يسير عليها في الدعوة إلى الله -عزوجل-، وكانت هذه الخطة مبنية على البدء بالأهم فالأهم، وقال له - صلى الله عليه وسلم -: «إنك تأتي قومًا أهل كتاب»، وهذا فيه بيان أحوال المدعوين الذين سيذهب إليهم، وأنهم أهل كتاب، وهذا يدل على أن الإنسان عندما يذهب إلى جهة للدعوة إلى الله، فينبغي له أن يعرف أحوال أولئك الناس الذين في ذلك البلد. ثم قال له: «فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله» فأول شيء يدعى إليه التوحيد؛ لأن التوحيد هو الأساس، فالشهادتان هما الأساس لغيرهما، وكل عمل من الأعمال لا ينفع صاحبه إلا إذا كان مبنيًا على الشهادتين: الشهادة لله بالوحدانية والألوهية، والشهادة لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - بالرسالة، إذن: الشهادتان هما أس الأسس، وهما الركن الركين، وهما أساس في نفسهما وأساس لغيرهما، وكل عمل ليس مبنيًا عليهما فإنه لا عبرة به ولا قيمة له. ثم قال: «فإن هم أجابوك لذلك» أي: شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فانتقل معهم إلى الخطوة التي تليها وهي الصلاة: «فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة»، وهذا يدلنا على أن أعظم ما يدعى إليه بعد التوحيد الصلاة، وأن أعظم أركان الإسلام بعد الشهادتين الصلاة؛ لأن الصلاة صلة وثيقة بين العبد وبين ربه، وهي تتكرر في اليوم والليلة خمس مرات، بخلاف الأعمال الأخرى فإنها لا تتكرر كتكررها، فللصلاة شأن عظيم؛ ولهذا يبدأ بها بعد التوحيد.
طريقة الدعوة إلى الله
والحديث يدل على رسم الخطة التي يسار إليها في الدعوة إلى الله، وأنه يبدأ بالأهم فالمهم، وأن أهم شيء يدعى إليه التوحيد، وأنه لابد من الجمع بين الشهادتين: الشهادة لله بالوحدانية، ولنبيه محمد -صلى الله عليه وسلم - بالرسالة...
  • قوله: «فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم» يدل على أن الزكاة عندما تؤخذ من الأغنياء تصرف للفقراء، والفقراء من مصارف الزكاة الثمانية الذين ذكرهم الله ﻷ في قوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} (التوبة: 60) الآية، وهذا يدل على أن الزكاة يجوز أن تخرج لصنف واحد؛ لأنه قال: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم».
الفرق بين الغني والفقير
ويدل الحديث على الفرق بين الغني والفقير، وأن الغني هو الذي عنده مال يزكى، والفقير هو الذي ليس عنده شيء يزكى، بل إنه ليس عنده مال أصلًا، أو عنده مال لا يكفيه، فيعطى من الزكاة ما يكفيه لمدة سنة، وذلك لأن الزكاة تؤخذ كل سنة فيعطى من الزكاة ما يكفيه لسنة، وإذا مضت السنة فيعطى من الزكاة للسنة القادمة وهكذا. وفيه دليل على أن الزكاة تصرف في بلد المال؛ لأنه قال في أهل اليمن: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم»، ولا شك أن الفقراء في البلد أولى الناس بزكاة أغنياء البلد، ولكن لا بأس أن تنقل الزكاة من بلد إلى بلد؛ لأنه قد يقال: المقصود بقوله: «تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم» المسلمون أينما كانوا، فتؤخذ من أغنياء المسلمين، وترد على فقراء المسلمين، لكن لا شك أن فقراء البلد هم الأولى، وإذا كانت الزكاة فيها فائض أو كانت الحاجة في بلد آخر أشد وأعظم فإنه يجوز نقلها. وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «فإن هم أجابوك لذلك» أي: دفعوا الزكاة «فإياك وكرائم أموالهم» يعني: احذر أن تأخذ كرائم الأموال، وهي الأموال النفيسة التي تعظم في عيون أهلها، والتي يصعب عليهم أخذها.
فوائد الزكاة
  • القيام بهذا الركن العظيم من أركان الإسلام، عليه مدار سعادة العبد في الدنيا والآخرة.
  • برهانٌ على صدق إيمان المزكي، قال [: «والصدقة برهان» (رواه مسلم).
  • تقرّب العبد إلى الله -تعالى-، ويحصل له من الأجر العظيم، قال -تعالى-: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} (البقرة: 276).
  • إخراج الزكاة تحقيق للأمن والأمان، وتقليل للجرائم، وحصول للتكافل والتراحم؛ لأنها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «تؤخذ من أغنيائهم فتردّ على فقرائهم» (متفق عليه).
  • طُهرة للمال وحلول البركة فيه.
أثر الزكاة على سلوك المسلم
1- تطهيرٌ لأخلاق باذلها من البخل والشح، كما قال -تعالى-: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} (التوبة: 103). 2- أن المزكي يلحق بركب الكرماء ذوي السماحة والوفاء. 3- اتصاف المزكي بالرحمة والعطف على إخوانه الفقراء. 4- شعور المزكي بانتمائه ومساهمته في بناء المجتمع وإسعاد أفراده؛ لأنه ساهم في ضمان عوامل الاستقرار. 5- تعويد المزكي على البذل والعطاء.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 04-11-2025, 04:14 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: الْعَاشِرُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ -تعالى-


  • محبّة الله عزوجل تقتضي حُسن الانقياد له تعالى بإيقاع كل حركة على مقتضى تعظيمه وإجلاله والحياء منه وهذا يشمل حركة القلب واللسان والأركان
  • من محبة الله عز وجل اعتقاد أنه سبحانه محمود من كل وجه فلا شيء من صفاته إلا وهو مدح له واعتقاد أنه مُحسن إلى عباده وأنه متفضل عليهم
  • التوبة النصوح هي توثيق بالعزم على ألَّا يعود لمثله قال ابن عباس ]: التوبة النصوح الندم بالقلب والاستغفار باللسان والإقلاع بالبدن والإضمار على ألَّا يعود
  • الإيمان له حلاوة وطعم يُذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم فالإيمان غذاء القلوب وقوتها كما إن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها
  • التوبة وتكرارها مما يحبه الله تعالى من عباده جميعًا لأنه سبحانه دعاهم إليها جميعًا ورغبهم فيها وحثهم عليها وهي من أسباب محبة الله تعالى
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الْعَاشِرُ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ مَحَبَّةِ اللَّهِ -عز وجل- لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة:165)، وَلِحَدِيْثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ -رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاَوَةَ الْإِيْمَانِ، أَنْ يَكُوْنَ اللهُ وَرَسُوْلُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سُوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لاَ يُحِبُّهُ إِلاَّ للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُوْدَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُوْقَدَ لَهُ نَارٌ فَيُقْذَفَ فِيْهَا، وَبِهِ أَنْبَأَنَا الْبَيْهَقِيُّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عبدالرَّحْمَنِ السُّلْمِيَّ يَقُوْلُ: سَمِعْتُ أبا نَصْر الطُّوسِيّ يقول: سمعت جَعْفَرًا الْخُلدِيَّ يقول: سمعت الْجُنيد يقول: قال رجلٌ لِسَريٍّ السَّقَطِيَّ: كَيْفَ أَنْتَ؟ فَأَنْشْأَ يَقُوْلُ:
مَنْ لَمْ يَبِتْ والْحُب حَشْوُ فُؤَادِهِ
لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُفَتَّتُ الأَكْبَادُ
وَبِهِ أَنْبَأ أبو عبدالرَّحْمَنِ السُّلِمَيّ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَصْرِ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيْل قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا الْقَاسِمِ الشِّيرَازِيّ الْوَاعِظ قَالَ: سَمِعْتُ أَبا دُجَانَةَ يَقُوْلُ: كَانت رَابِعَةُ إذَا غَلَبَ عَلَيْهَا حَالُ الْحُبِّ تَقُوْلُ:
تَعْصِي الإله وأَنْت تُظْهِرُ حُبَّهُ
هذا مُحَالٌ في الفِعَال بَدِيعُ
لَوْ كَانَ حُبُّكَ صَادِقًا لأطَعْتَهُ
إن المُحِبَّ لِمَنْ يُحِبُّ مُطِيعُ
الشرح:
  • قوله: (الإيمان بوجوب محبة الله -عز وجل-)، في اللغة نقول: وَجَب الشَّيْءُ يَجِب وُجُوبًا لَزِم، واسْتَوْجَبَه اسْتَحَقَّه، والحُبُّ نَقِيضُ البُغْضِ والحُبُّ الودادُ والمَحَبَّةُ، وهو واجب وقد يقع به الشرك مثل قوله -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: ١٦٥)، وهو من حركة القلب، وتظهر آثارها على الجوارح، فمن أحب الله ظهر أثر ذلك على عمله، ومن أحب غير الله - كحب الأنداد والشركاء- ظهر أثر ذلك على جوارحه أيضًا.
قوله: (قال -تعالى-: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ} (البقرة: ١٦٥)، قال الطبري: يعني -تعالى- ذكره بذلك: أنّ من الناس من يتخذ من دون الله أندادًا له، وأن الذين اتخذوا هذه «الأنداد» من دُون الله، يحبون أندادهم كحب المؤمنين الله. ثم أخبرَهم أن المؤمنين أشد حبًّا لله من متخذي هذه الأنداد لأندادهم، ذلك لأن محبة هؤلاء باطلة من أصلها، وستنقطع يوم القيامة، وتنقلب إلى عداوة قال -تعالى-: {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ} (البقرة: 166)، وقال: {وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ} (فاطر: 14)، وقال: {وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا} (العنكبوت: 25).
حقيقة محبة الله -عزوجل-
ومما ذكره الحليمي في محبة الله -عزوجل-:
  • اعتقاد أنه -عز اسمه- محمود من كل وجه لا شيء من صفاته إلا وهو مدح له.
  • اعتقاد أنه محسن إلى عباده وأنه متفضل عليهم.
  • الإحسان الواقع منه أكبر وأجل من أن يقضي قول العبد وعمله.
  • ألا يستقل العبد قضاياه، ولا يستكبر تكاليفه.
  • أن يكون في عامة الأوقات مشفقًا وجلًا من إعراضه عنه وسلبه معرفته التي أكرمه بها، وتوحيده الذي حلاه وزينه به.
  • أن تكون آماله معقودة به، وألَّا يرى في حال من الأحوال أنه غني عنه.
هذا بعض ما ذكره الحليمي في محبة الله -عزوجل-، ومحبة الله -عز وجل- تقتضي حسن الانقياد له -تعالى- بإيقاع كل حركة على مقتضى تعظيمه وإجلاله والحياء منه، وهذا يشمل حركة القلب واللسان والأركان.
  • قوله: (ولحديث أنس بن مالك ت في صحيح مسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن توقد له نار فيقذف فيها»).
المفردات
الحُلْو نقيض المُرّ، والحَلاوَة ضدُّ المَرارة. ولابن رجب كلام نفيس في توضيح معنى حلاوة الإيمان ومتى تكون؟، ومتى لا تكون؟
  • يقول ابن رجب: هذه الثلاث خصال من أعلى خصال الإيمان، فمن كمَّلها فقد وجد حلاوة الإيمان وطَعِم طعمه، فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم؛ فإن الإيمان هو غذاء القلوب وقوتها، كما إن الطعام والشراب غذاء الأبدان وقوتها، وكما إن الجسد لا يجد حلاوة الطعام والشراب إلا عند صحته، فإذا سقم لم يجد حلاوة ما ينفعه من ذلك، بل قد يستحلي ما يضره وما ليس فيه حلاوة لغلبة السقم عليه، فكذلك القلب إنما يجد حلاوة الإيمان من أسقامه وآفاته، فإذا سلم من مرض الأهواء المضلة، والشهوات المحرمة، وجد حلاوة الإيمان حينئذ، ومتى مرض وسقم لم يجد حلاوة الإيمان.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: سمعت أبا عبدالرحمن السُّلَمِيَّ يقول: سَمِعْتُ أبا نَصْر الطُّوسِيّ يقول: سمعت جَعْفَرًا الْخُلدِيَّ يقول: سمعت الْجُنيد يقول: قال رجلٌ لِسَريٍّ السَّقَطِيَّ: كيف أنت فأنشأ يقول:
مَنْ لَمْ يَبِتْ والْحب حَشْوُ فُؤَادِهِ
لَمْ يَدْرِ كَيْفَ تُفَتَّتُ الأَكْبَادُ
أهمية محبة الله
قلت: في هذا البيت من الشعر بيان أهمية محبة الله، وأن من أحب الله على الحقيقة لم يذق مرارة الهوى وانفطار الكبد، وهذا البيت من الشعر والذي يليه ذكرهما الإمام البيهقي بإسناده عن كبار الصوفية، ومعلوم أن بعض الصوفية لهم شطحات كثيرة في العقيدة والعبادة والسلوك، إلا أن النقل عنهم في غير هذه الشطحات لا بأس به، وهذا ما درج عليه علماؤنا. فهذا الشيخ العلامة الألباني-رحمه الله- كثيرًا ما يردد حكمة جاءت من الصوفية -وهي قاعدة أصولية- وهي: من تعجّل الشيء قبل أوانه ابتلي بحرمانه، وهذه الحكمة وإن كان الصوفية يريدون بها حث المريد على أن يصبر مع شيخه ولا يعترض ولا يسأله حتى يحصل على منشور الولاية -وهذا على زعمهم الباطل- إلا إن الألباني -رحمه الله تعالى- يتمثل هذه الحكمة في نصيحة طلاب العلم الشرعي، السائرين على منهاج الكتاب والسنة، ألاّ يتعجلوا بتصدّر المجالس للفتوى؛ بل يصبروا، ويتقوا، ويجتهدوا في التحصيل حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.
رد على من يزعم محبة الله -تعالى-
في هذا البيت رد على من يزعم محبة الله -تعالى- وهو قائم على معصية الله -تعالى-، فهذا محال في الفعل الواقع، وفي القياس، أما واقعًا؛ فالمؤمن كامل الإيمان لا يبقى في قلبه ميل لمعصية الله -تعالى-، ومقتضى القياس يقضي بعدم صحة هذه الدعوى، بدليل البيت الثاني، وهو لو كان حبك صادقًا لأطعت الله -تعالى- فيما يأمر ولا نتهيت عما نهاك عنه، إذ إن العرف والعادة تقضي بأن المحب لمن أحب مطيع.
كيف تحصل على محبة الله -عزوجل-؟
هذه طائفة من الخصال والصفات التي يتحصّل بها العبد على محبّة الله -تعالى-، إذا أخلص في هذا وأحسن في العمل، فإن الله -تعالى- لا يضيع أجر من أحسن عملًا، ومن هذه الصفات:
أولًا: الإحسان
جاء في القرآن العظيم ذكر صفات يحبها الله، ومنها الإحسان: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} (البقرة: 195)، والإحسان: هو التحقق بالعبودية على مشاهدة حضرة الربوبية بنور البصيرة، أي رؤية الحق موصوفًا بصفاته بعين صفته، فهو يراه يقينًا ولا يراه حقيقة، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «كأنك تراه»، فمن اتصف بهذا الوصف الكريم لا تراه إلا محسنًا في جميع أقواله وأفعاله، وفي الشريعة: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك والإحسان وصف عام يشمل جميع وجوه الإحسان، سواء في عبادة العبد لربه ومولاه، أو معاملته مع الخلق، وإذا اتصف العبد بالإحسان، ولازمَ هذا واستمر عليه في حياته حتى أصبح سجية له وطبعًا وأخلص فيه لله -تعالى-، حاز منشور الولاية لله، وهذا خلق لا يقوى عليه إلا الخواص والأصفياء. يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال...، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، بالشفاعات ونحو ذلك، ويدخل في ذلك الإحسان بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وتعليم العلم النافع، ويدخل في ذلك قضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم، وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم، وإعانة من يعمل عملًا، والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك، مما هو من الإحسان الذي أمر الله به، ويدخل في الإحسان أيضًا، الإحسان في عبادة الله -تعالى-، وهو كما ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك».
ثانيًا: التوبة، قال -تعالى-: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} (البقرة: 222)
التوبة وتكرارها مما يحبه الله -تعالى- من عباده جميعًا؛ لأنه -سبحانه- دعاهم إليها جميعًا، ورغبهم بها، وحثهم عليها، وهي من أسباب محبة الله -تعالى-، وجاء في معنى التوبة أنها: الرجوع إلى الله بحل عقدة الإصرار عن القلب، ثم القيام بكل حقوق الرب. والتوبة النصوح: هي توثيق بالعزم على ألَّا يعود لمثله، قال ابن عباس - رضي الله عنه -: التوبة النصوح الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، والإقلاع بالبدن، والإضمار على ألَّا يعود. وقيل: التوبة في اللغة: الرجوع عن الذنب، وكذلك التوب، قال الله -تعالى-: {غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ}. وقيل التوب، جمع توبة. والتوبة في الشرع: الرجوع عن الأفعال المذمومة إلى الممدوحة، وهي واجبة على الفور عند عامة العلماء، قال ابن كثير: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ} أي: من الذنب، وإن تكرر غشْيانه، فمن أراد محبة الله -تعالى-؛ فليجدد توبته، وليحقق أوبته إلى ربه قبل فوات وقتها، ووقتها العام: هو خروج الشمس من مغربها، ووقتها الخاص؛ إذا بلغت الروح الحلقوم.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 13-11-2025, 01:58 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان .. الحَادِي عَشَر مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ -عز وجل-


  • من رحمة الله تعالى بنا أن أَطْلَع رسوله محمدًا على شيء من الغيب كالجنة والنار ثم أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - بما رأى وذلك من أجل الاستعداد وأخذ الزاد والحذر من أسباب الهلاك
  • الخوف يستلزم الإيمان بلقاء الله عزوجل وأن يتجنب الإنسان محارم الله ويقوم بما أوجبه الله عليه خوفًا من عقاب الله تعالى
  • من رحمة الله تعالى أن أخفى علينا كثيرًا من علوم الغيب التي لو اطلعنا عليها لفسدت معايشنا واختلف حالنا
  • اتقاء النار قد يكون بالعمل القليل مع الإخلاص والخوف اللذين إذا اقترنا بالعمل اليسير فإنهما ينمّيانه ويزيدانه فيترتب على ذلك النجاة من المرهوب
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن عاقل عالي الهمة، يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعوم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الحَادِي عَشَر مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ هو: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ الْخَوْفِ مِنَ اللهِ -عزوجل-، لِقَوْلِ الله -تعالى-: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (آل عمران: 175)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} (المائدة: 44)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ} (البقرة:40). وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} (الأنبياء: 28)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الأنبياء: 90)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ} (الرعد: 21)، وقوله -تعالى-: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} (الرحمن: 46)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم: 14)، وَلِحَدِيْثِ عَدِي بْنِ حَاتِمٍ فِي الصَّحِيْحَيْنِ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشَقِّ تَمْرَةٍ»، وَلِحَدِيْثِ أَنَسٍ وَفِيْهِ: «لَوْ تَعْلَمُوْنَ مَا أَعْلَمُ؛ لَضَحِكْتُمْ قَلِيْلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيْرا»، وَعَاتَبَ رَجُلًا بَعْضُ إِخْوَانِهِ عَلَى طُوْلِ بُكَائِهِ، فَبَكَى ثُمَّ قَالَ:
بَكَيْتُ عَلَى الذُّنُوْبِ لِعِظْمِ جُرْمِي
وَحُقَّ لِكُلِّ مَنْ يَعْصِي الْبُكَاءُ
فَلَوْ كَانَ الْبُكَاءُ يَرُدُّ هَمِّي
لَأُسْعِدَتِ الدُّمُوْع مَعًا دِمَاء
وَكَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيْزِ لاَ يَجِفُّ فُوْهُ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ:
وَلاَ خَيْرَ فِي عَيْشِ امْرِئٍ لَمْ يكن
لَهُ مِنَ اللهِ فِي دَارِ الْقَرَارِ نَصِيْبُ
وَسَمَعَ أَبُو الْفَتْحِ الْبَغْدَادِيَّ هَاتِفًا يَهْتِفُ بِالشّونِيزِيَّة:
وَكَيْفَ تَنَامُ الْعَيْنُ وَهِيَ قَرِيْرَةٌ
وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيِّ الْمَحَلَّيْنِ تَنْزِلُ
فَذَهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ.
الشرح:
  • قوله: «الإيمان بوجوب الخوف من الله -تعالى-».
الخوف: توقع مكروه عن أمارة مظنونة، أو معلومة. ويضاده: الأمن، ويستعمل ذلك في الأمور الدنيوية والأخروية.. والخوف من الله: يعني استشعار عظمته، والوقوف بين يديه، وأنه يعلم سر العبد وجهره.
الخوف أقسام
الخوف من أفضل مقامات الدين وأجلها، ولكنه في العموم على أقسام:
  • الأول: خوف السر وهو أن يخاف من غير الله أن يصيبه بما يشاء من مرض أو فقر أو قتل ونحو ذلك بقدرته ومشيئته، سواء ادعى أن ذلك كرامة للمخوف بالشفاعة، أو على سبيل الاستقلال؛ فهذا الخوف لا يجوز تعلقه بغير الله أصلًا؛ لأن هذا من لوازم الإلهية، فمن اتخذ مع الله ندا يخافه هذا الخوف فهو مشرك شركا أكبر.
  • الثاني: الخوف الذي يترك به الإنسان ما يجب عليه من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بغير عذر إلا الخوف من الناس، فهذا محرم، وهو الذي جاء فيه الحديث: «إن الله -تعالى- يقول للعبد يوم القيامة: ما منعك إذا رأيت المنكر ألا تغيره؟ فيقول: يا رب خشيت الناس، فيقول: إياي كنت أحق أن تخشى».
  • الثالث: خوف وعيد الله الذي توعّد به العصاة، وهو الذي قال الله فيه: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (إبراهيم: 14).
  • الرابع: وهو الخوف الطبيعي، كالخوف من عدو وسبع وهدم وغرق ونحو ذلك، فهذا لا يذم وهو الذي ذكره الله عن موسى -عليه الصلاة والسلام- في قوله: {فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (القصص: 21).
ثم ساق الإمام القزويني الآيات التي تبين الخوف، والخشية، والرهبة من الله -تعالى-، وهي قريبة من حيث المعنى، وها هي أسوقها مع تفسيرها كما أوردها القزويني -رحمه الله تعالى-.
  • قوله: «لقوله -تعالى-: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}» يقول العلامة السعدي: أي: فلا تخافوا المشركين أولياء الشيطان، فإن نواصيهم بيد الله، لا يتصرفون إلا بقدره، بل خافوا الله الذي ينصر أولياءه الخائفين منه المستجيبين لدعوته.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ}»، أي: لا تخافوا منهم وخافوني.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ}»، أي خافون. والرهب والرهبة: الخوف.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}». وقال القرطبي: أي يفزعون إلينا فيدعوننا في حال الرخاء، وحال الشدة.
  • وقيل: المعنى يدعون وقت تعبدهم وهم بحال رغبة، ورجاء، ورهبة، وخوف؛ لأن الرغبة والرهبة متلازمان، وقيل: الرغب رفع بطون الأكف إلى السماء، والرهب رفع ظهورها.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ}»، يقول الطبري: «وهم من خوف الله وحذار عقابه أن يحلّ بهم مشفقون، يقول: حذرون أن يعصوه ويخالفوا أمره ونهيه».
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}»، أي: يخافونه، فيمنعهم خوفهم منه، ومن القدوم عليه يوم الحساب؛ أن يتجرؤوا على معاصي الله، أو يقصروا في شيء مما أمر الله به خوفًا من العقاب، ورجاء للثواب، وهذا دليل من دلائل الإيمان. يقول القرطبي: «{وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} قيل: في قطع الرحم، وقيل: في جميع المعاصي، {وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ}، سوء الحساب الاستقصاء فيه والمناقشة، ومن نوقش الحساب عُذِّب.
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ}»، يقول العلامة ابن عثيمين -رحمه الله تعالى-: «يعني أن من خاف المقام بين يدي الله يوم القيامة، فإن له جنتين.
الخوف يستلزم شيئين
وهذا الخوف يستلزم شيئين:
  • الشيء الأول: الإيمان بلقاء الله -عز وجل-؛ لأن الإنسان لا يخاف من شيء إلا وقد تيقنه.
  • والثاني: أن يتجنب محارم الله، وأن يقوم بما أوجبه الله خوفًا من عقاب الله -تعالى-، فعليه؛ يلزم كل إنسان أن يؤمن بلقاء الله -عز وجل- لقوله -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} (الانشقاق: 6) وقال -تعالى-: {وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (البقرة: 223)، وأن يقوم بما أوجبه الله، وأن يجتنب محارم الله، فمن خاف هذا المقام بين يدي الله -عز وجل- فله جنتان».
  • قوله: «وقوله -تعالى-: {ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ}»، أي: وعيدي هذا لمن خاف مقامي بين يدي يوم القيامة، وخشي من وعيدي، وهو تخويفي وعذابي.
  • قوله: «ولحديث عدي بن حاتم ت في الصحيحين: «اتقوا النار ولو بشق تمرة»».وهذا الحديث يفيد أن اتقاء النار قد يكون بالعمل القليل، لكن مع الإخلاص، والخوف، فالإخلاص والخوف إذا اقترنا بالعمل اليسير، فإنهما ينميانه ويزيدانه، فيترتب على ذلك النجاة من المرهوب.
  • قوله: «ولحديث أنس وفيه: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا».
وهذا الحديث يفيد أن من رحمة الله -تعالى- أن أخفى علينا كثيرًا من علوم الغيب التي لو اطلعنا عليها لفسدت معايشنا واختلف حالنا، ومن رحمة الله -تعالى- بنا أن أَطْلَع رسوله محمدًا على شيء من الغيب كالجنة والنار، حيث أخبرنا - صلى الله عليه وسلم - بما رأى، وذلك من أجل الاستعداد وأخذ الزاد والحذر من أسباب الهلاك.
  • قوله: وعاتب رجلًا بعضُ إخوانه على طول بكائه فبكى ثم قال:
بكيت على الذنوب لِعظْمِ جُرمي
وحُقَّ لكل من يعصي البكاءُ
فلو كان البكاء يرد هَمِّي
لأَسْعَدَتِ الدموعَ معًا دماءُ
فسبب بكائه، شعوره بما ارتكب من المعاصي، وخوفه من عقاب الله -تعالى- له، ولو أن البكاء يكشف عنه ما أهمّه من كثرة الذنوب لأسعدت الدماءُ الدموع أي نزلتا مختلطتين معا ولم تتأخر الأولى عن أختها، وهذه الحال هو غاية الحزن والهم والغم والوجد جراء الذنوب والمعاصي!
  • قوله: وكان عمر بن عبد العزيز لا يجف فوه من هذا البيت:
ولا خير في عيش امرىء لم يكن
له من الله في دار القرار نصيب
وكان الخليفة عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - الوَرِعُ شديدَ الخوف، كثيرَ البكاء، وكان يردد هذا البيت الذي يشير إلى أنه لا ينبغي لأحد أن يهنأ إذا لم يكن له في الجنة نصيب، فحياته في الدنيا لا خير فيها مهما ازدانت له الدنيا، ويلي هذا البيت:
فإن تعجب الدنيا أناسًا فإنها
قليل متاع والزوال قريب
  • قوله: وسمع أبو الفتح البغدادي هاتفًا يهتف بالشونيزية:
وكيف تنام العين وهي قريرة
ولم تدر في أي المحلين تنزل
فذهب عنه النوم».
هاتفًا يهتف: أي سمع صوتًا ينادي. الشونيزية: وهي مقبرة ببغداد بالجانب الغربي دفن فيها جماعة من الصالحين. ومعنى البيت كيف ينام الإنسان وهو مطمئن، مغمض الجفنين، وهو لا يدري إن كان مصيره إلى الجنة أم إلى النار، وكان عمر - رضي الله عنه - يقول: «لو نادى مناد كل الناس في الجنة إلا واحدًا، لظننت أني ذلك الواحد».


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 19-11-2025, 09:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان: الثاني عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب الرجاء من الله -تعالى-


  • يشمل الرجاء العصاة الذين أسرفوا على أنفسهم فقد دعاهم الله تعالى إلى رجاء رحمته وعدم اليأس مهما بلغت ذنوبهم ولو كانت شركًا
  • الجمع بين الخوف والرجاء هو وصف الأنبياء وأتباعهم من الأولياء والأصفياء التزموه وماتوا عليه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الثاني عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب الرجاء من الله -تعالى-، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} (الإسراء: 57)، وقول الله -تعالى-: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ} (الأعراف: 56)، وَقَوْلِ اللهِ -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الزمر: 53)، وَقَوْلِ اللهِ -تعالى-: { إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ} (النساء: 48 و 116)، وَلِحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ»لوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوْبَةِ؛ مَا طَمَعَ بِجَنَّتِهِ أَحَد، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ؛ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَد»، وَلِحَدِيْثِ جَابِرٍ - رضي الله عنه - فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ: «لاَ يَمُوْتُنَّ أَحَدَكُمْ إلاَّ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَ بِاللهِ -عزوجل-»، وَحَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضي الله عنه - فِي الصَّحِيْحَيْنِ «يَقُولُ اللهُ -عز وجل-: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حِيْنَ يَذْكُرُنِي» وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ. وأنشد أبو عثمان سعيد بن إسماعيل:
ما بال دينك ترضى أن تُدَنِّسَهُ
هوان ثوبك مغسول من الدَّنَسِ
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليَبَسِ
الشرح:
-قوله: الإيمان بوجوب الرجاء من الله -عزوجل-، الرجاء: لُغَةً: الأَمَلُ وعُرْفًا: تَعَلُّقُ القَلْب بحُصولِ مَحْبوبٍ مُستَقْبَلًا، وقال الراغِب: والرجاء ظن يقتضي حصول ما فيه مسرة، والرجاء والخوف سبيل المؤمن وطريقه في عبادة ربه وفي سَيْرِه في حياته، بل ويشمل الرجاء العصاة الذين أسرفوا على أنفسهم؛ فقد دعاهم الله -تعالى- إلى رجاء رحمته وعدم اليأس مهما بلغت ذنوبهم ولو كانت شركًا، والرجاء يكون مع بذل أسباب النجاة، وليس العكس. وقد اختلف العلماء في أيهما يُغَلَّب: الخوف أم الرجاء؟ هل يُغَلِّبُ العبد جانب الرجاء، أو يُغَلِّب جانب الخوف؟ والتحقيق أن ذلك على حالين:
  • الحال الأولى: الأولى: إذا كان العبد في حال الصحة والسلامة، فإنه إما أن يكون مسددًا مسارعًا في الخيرات، فهذا ينبغي أن يتساوى في قلبه الخوف والرجاء، فيخاف ويرجو؛ لأنه من المسارعين في الخيرات وإذا كان في حال الصحة والسلامة، وكان من أهل العصيان، فالواجب عليه أن يُغَلِّب جانب الخوف حتى ينكف عن المعصية.
  • الحال الثانية: إذا كان في حال المرض المخوف، فإنه يجب عليه أن يعظم جانب الرجاء على الخوف، فيقوم في قلبه الرجاء والخوف، ولكن يكون رجاؤه أعظم من خوفه؛ وذلك لقول النبي -عليه الصلاة والسلام: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بربه -تعالى-»، وذلك من جهة رجائه في الله -عزوجل-.
مما قيل في الرجاء
  • الرجاء حادٍ يحدو القلوب إلى بلاد المحبوب، وهو الله والدار الآخرة، ويُطَيِّب لها السير.
  • الاستبشار بجود فضل الرب -تبارك وتعالى- والارتياح لمطالعة كرمه -سبحانه-.
  • الثقة بجود الرب -تعالى-.
  • وقيل: النظر إلى سعة رحمة الله.
وهذه المعاني متقاربة من حيث المعنى، وهي من دلائل الإيمان.
  • قوله: لقوله -تعالى-: {وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا}، قال ابن كثير: لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء؛ فبالخوف يَنْكَفُّ عن المناهي، وبالرجاء ينبعث على الطاعات، وبهذا يتوازن فعل العبد بلا إفراط ولا تفريط.
  • قوله: وقول الله -تعالى-: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}، يقول القرطبي: {وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}، أَمْرٌ بأن يكون الإنسان في حال ترقب وتخوف وتأميل لله -عز وجل-؛ حتى يكون الرجاء والخوف للإنسان كالجناحين للطائر، يحملانه في طريق استقامته، وإن انفرد أحدهما هلك الإنسان، قال الله -تعالى-: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} (الحجر).
فيدعو الإنسان ربه خوفًا من عقابه، وطمعًا في ثوابه، قال الله -تعالى-: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا} (الأنبياء: 90)، وقال بعض أهل العلم: ينبغي أن يَغْلبَ الخوفُ الرجاءَ طول الحياة، فإذا جاء الموت غَلَّب الرجاء، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله»، وفي الحديث الآخر عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ»، وهذا يؤيد تغليب الرجاء في حال الاحتضار والموت.
  • قوله: وقول الله -تعالى-: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «يخبر -تعالى- عباده المسرفين بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل ألا يُمْكِنهم ذلك؛ فقال: {قل} يا أيها الرسول، ومن قام مقامه من الدعاة لدين اللّه، مخبرًا للعباد عن ربهم: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ} باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب.
لا تيأسوا منها
لا تيأسوا منها، فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا، وتراكمت عيوبنا، فليس لها طريق يزيلها، ولا سبيل يصرفها، فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا أنه يغفر الذنوب جميعًا من الشرك، والقتل، والزنى، والربا، والظلم، وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار، والمغفرة والرحمة، وصفان لازمان ذاتيان، لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تَسِحُّ يداه من الخيرات آناء الليل والنهار، ويوالي النعم على العباد، والفواضل في السر والجهار، والعطاء أحب إليه من المنع، والرحمة سبقت الغضب وغَلَبَتْه، ولكن لمغفرته ورحمته ونيلهما أسباب إن لم يأت بها العبد، فقد أغلق على نفسه باب الرحمة والمغفرة، أعظمها وأجلها -بل لا سبب لها غيره- الإنابة إلى الله -تعالى- بالتوبة النصوح، والدعاء والتضرع، والتأله والتعبد، فَهَلُمَّ إلى هذا السبب الأجلّ، والطريق الأعظم، فهذه معانٍ عظيمة، من تأملها من العصاة وجد فيها الأمن والملاذ، والسلامة والعافية، في الدين والدنيا.
أسباب مغفرة الذنوب
فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسبابًا كثيرة، كالحسنات الماحية، والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ، ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين، ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد، وهذا بخلاف الشرك، فإن المشرك قد سد على نفسه أبواب المغفرة، وأغلق دونه أبواب الرحمة، فلا تنفعه الطاعات من دون التوحيد، ولا تفيده المصائب شيئًا، وما لهم يوم القيامة {فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ (100) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ}»(الشعراء) قال -تعالى-: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا} (الفرقان: 23). قلت: يظهر من كلام العلماء أن الشرك يحتاج إلى توبة خاصة منه حتى يُتاب عليه.
أثر الرجاء على المؤمن
  • الرجاء والخوف يجعلان المؤمن يسير بحياته سيرًا متوازنًا، فلا النعمة تطغيه، ولا الابتلاء يقنطه.
  • الرجاء الصحيح يجعل المؤمن يحافظ على الأوامر ويترك النواهي.
  • الرجاء يتحتم في آخر الحياة وقت الاحتضار والموت؛ حيث يقوى الرجاء، ويزول الخوف حتى يكون الظن بالله حسنًا.
  • الجمع بين الخوف والرجاء هو وصف الأنبياء وأتباعهم من الأولياء والأصفياء، التزموه وماتوا عليه.
  • يقوى رجاء المؤمن حين يتدبر آثار صفة الرحمة لله -تعالى-، وما أعده من الشفاعة العظمى ليوم القيامة.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 26-11-2025, 12:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الثالث عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب التوكل على الله-عزوجل-


  • لا يتم الاعتماد على الله حتى يحسن العبدُ ظَنَّهُ بربِّه ويثق به في كفايته وبحسب إيمان العبد يكون توكله فكلما قوي الإيمان قوي التوكل
  • الطِّيَرَةُ مُضَادَّةٌ للفَأْلِ وكانَت العَرَبُ تتطير فأَثْبَتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الفأْلَ واسْتَحْسَنَه وأَبْطَلَ الطَّيَرَةَ ونَهَى عنها
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • الثالث عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الإيمان بوجوب التوكل على الله -عزوجل-؛ لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (التغابن: 13)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} (المائدة: 23)، وقوله -تعالى-: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ} (الطلاق: 3)، ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيحين في سؤال أصحابه له عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب، في حديث طويل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون»، فقام عكاشة بن محصن الأسدي - رضي الله عنه - فقال: أنا منهم يا رسول الله؟ فقال: «أنت منهم»، ثم قام رجل آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟، فقال: «سبقك بها عكاشة»، وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله -تعالى- والثقة به مع ما قدر له من التسبب.
الحثّ على التوكل والاستغناء عن الناس
ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير - رضي الله عنه -: «لأن يأخذ أحدكم حبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها؛ خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وفي صحيح البخاري من حديث المقدام بن معدي كرب - رضي الله عنه -: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه»، وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب، وبه أنبأنا البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم، وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم ابن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار -خادم إبراهيم بن أدهم- قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟! فقال ابن المبارك: يا أبا علي: أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب التوكل على الله -عز وجل-)، والتوكل واجب، وقد يقع فيه الشرك، وهو عمل قلبي، ولا ينافي اتخاذ الأسباب، لقول عمر الفاروق -جوابًا لعبد الرحمن بن عوف -: (نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله)، والإسلام رغَّب في بذل الأسباب، وحث عليها، بل ورتب عليها الأجر، فمن سعى للكسب ليعف نفسه عن السؤال، فهو مأجور على سعيه، قال -تعالى-: {وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (الإسراء: 19).
  • التوكل لغة: إظهار العجز والاعتماد على الغير. وشرعًا: هو الثقة بما عند الله -تعالى-، واليأس مما في أيدى الناس. ويقال: المتوكل على الله، الذي يعلم أن الله كافل رزقه وأمره فيركن إليه وحده ولا يتوكل على غيره. يقول الإمام محمد بن عبد الوهاب: «التوكل على الله من أعظم واجبات التوحيد والإيمان، وبحسب قوة توكل العبد على الله؛ يقوى إيمانه، ويتم توحيده، والعبد مضطر إلى التوكل على الله والاستعانة به في كل ما يريد فعله أو تركه من أمور دينه أو دنياه.
حقيقة التوكل على الله
  • وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم العبد أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنه هو النافع ، المعطي المانع، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فبعد هذا العلم يعتمد بقلبه على ربه في جلب مصالح دينه ودنياه، وفي دفع المضار، ويثق غاية الوثوق بربه في حصول مطلوبه، وهو مع هذا باذل جهده في فعل الأسباب النافعة. فمتى استدام العبد هذا العلم، وهذا الاعتماد والثقة، فهو المتوكل على الله حقيقة، وليبشر بكفاية الله له ووعده للمتوكلين، ومتى علق ذلك بغير الله فهو مشرك، ومن توكل على غير الله، وتعلق به، وُكِلَ إليه وخاب أمله».
قوله: لقوله -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ}
يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «أي: فليعتمدوا عليه في كل أمر نابهم، وفيما يريدون القيام به، فإنه لا يتيسر أمر من الأمور إلا بالله، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالاعتماد على الله، ولا يتم الاعتماد على الله، حتى يحسن العبدُ ظَنَّهُ بربِّه، ويثق به في كفايته الأمر الذي اعتمد عليه به، وبحسب إيمان العبد يكون توكله، فكلما قوي الإيمان قوي التوكل». قوله: وقوله -تعالى-: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}، قال القرطبي: «أي: كافينا الله، وحسب مأخوذ من الإحساب، وهو الكفاية، قال الشاعر:
فتملَأُ بيتنا أَقِطا وسَمْنا
وحسبك من غنى شبع وري
روى البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال في قوله -تعالى-: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (آل عمران: 173) إلى قوله: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران: 173) قالها إبراهيم الخليل -عليه السلام- حين أُلْقِيَ في النار. وقالها محمد - صلى الله عليه وسلم - حين قال له الناس: إن الناس قد جمعوا لكم».
  • قوله: وقوله -تعالى-: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله -تعالى-: «فإن في التوكل على الله تيسيرًا للأمر، ونصرًا على الأعداء، ودل هذا على وجوب التوكل، وعلى أنه بحسب إيمان العبد يكون توكله»، وقوله: وقوله -تعالى-: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ}، قال الطبري: «يقول -تعالى- ذكره: ومن يتق الله في أموره، ويفوّضها؛ إليه؛ فهو كافيه».
سؤال الصحابة عن السبعين ألفًا
  • قوله: (ولحديث ابن عباس - رضي الله عنه - في الصحيحين في سؤال أصحابه له عن السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب في حديث طويل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون، فقام عكاشة بن محصن الأسدي ت فقال: أنا منهم يا رسول الله، فقال: أنت منهم، ثم قام رجل آخر فقال: أنا منهم يا رسول الله، فقال: سبقك بها عكاشة)، وجاء في شرح الحديث لا يكتوون: الكيّ: إحراق الجلد بحديدة ونحوها، كواه كَيّا، وفي المثل: «آخر الطبّ الكَيّ». واكتوى الرجل: استعمل الكَيّ، ولا يسترقون: ورَقى الراقي يَرْقي رُقْيَةً ورَقْيًا: إذا عَوَّذَه، وصاحِبُه رَقّاءٌ. والمَرْقِيُّ: مسْترقٍ.
ولا يتطيرون: الطِّيَرَةُ مُضَادَّةٌ للفَأْلِ، وكانَت العَرَبُ تتطير، فأَثْبَتَ النبي - صلى الله عليه وسلم - الفأْلَ واسْتَحْسَنَه، وأَبْطَلَ الطَّيَرَةَ ونَهَى عنها، وقال ابنُ الأَثِيرِ: هو مصدر، تَطَيَّرَ طِيَرَةً وتَخَيَّرَ خِيَرَةَ لم يجئ من المصادِرِ هكذا غَيرُهما قال: أَصلُه فيما يقال التّطَيُّرُ بالسّوانِحِ والبَوَارِحِ من الظِّباءِ والطَّيْرِ وغيرهما، وكان ذلك يَصُدُّهم عن مَقَاصِدِهم فنفاه الشَّرْعُ وأَبطلَه، ونهى عنه، وأَخبَرَ أَنه ليس له تأَْثيرٌ في جَلْبِ نَفْعٍ ولا دَفْعِ ضَرَرٍ.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 02-12-2025, 04:40 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان




شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… الثالث عشر من شعب الإيمان: الإيمان بوجوب التوكل على الله-عزوجل-(2)


  • تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب يجعل المؤمن هادئ النفس مطمئن القلب ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليه
  • بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • أسباب كراهة الرُقية والكيّ مع التوكل: قال ابن حجر : أجاب العلماء عن ذلك بأجوبة: أحدها - قاله الطبري والمازري وطائفة: إنه محمول على من اعتقد اعتقاد الطبائعيين، في أن الأدوية تنفع بطبعها، كما كان أهل الجاهلية يعتقدون، وقال غيره: الرقى التي يحمد تركها، ما كان من كلام الجاهلية، وما الذي لا يعقل معناه، لاحتمال أن يكون كفرا، بخلاف الرقى بالذكر ونحوه، وتعقبه القاضي عياض وغيره بأن الحديث يدل على أن للسبعين ألفا مزية على غيرهم وفضيلة انفردوا بها عمن شاركهم في أصل الفضل والديانة، ومن كان يعتقد أن الأدوية تؤثر بطبعها، أو يستعمل رقى الجاهلية ونحوها فليس مسلما؛ فلم يسلم هذا الجواب.
  • ثانيها - قال الداودي وطائفة: إن المراد بالحديث الذين يجتنبون فعل ذلك في الصحة خشية وقوع الداء، وأما من يستعمل الدواء بعد وقوع الداء به فلا، وهذا اختيار ابن عبد البر.
  • ثالثها - قال الحليمي: يحتمل أن يكون المراد بهؤلاء المذكورين في الحديث؛ من غفل عن أحوال الدنيا وما فيها من الأسباب المعدّة لدفع العوارض؛ فهم لا يعرفون الاكتواء ولا الاسترقاء، وليس لهم ملجأ فيما يعتريهم إلا الدعاء والاعتصام بالله، والرضا بقضائه؛ فهم غافلون عن طب الأطباء ورُقى الرقاة، ولا يحسنون من ذلك شيئا، والله أعلم.
  • رابعها - أن المراد بترك الرقى والكي، الاعتماد على الله في دفع الداء، والرضا بقدره، لا القدح في جواز ذلك، لثبوت وقوعه في الأحاديث الصحيحة، وعن السلف الصالح، لكن مقام الرضا والتسليم أعلى من تعاطي الأسباب، وإلى هذا نحا الخطابي ومن تبعه؛ قال ابن الأثير: هذا من صفة الأولياء المعرضين عن الدنيا وأسبابها وعلائقها، وهؤلاء هم خواصّ الأولياء.
النبي - صلى الله عليه وسلم - كان في أعلى مقامات التوكل
ولا يَرِدُ على هذا وقوع ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلًا وأمرًا؛ لأنه كان في أعلى مقامات العرفان، ودرجات التوكل، فكان ذلك منه للتشريع وبيان الجواز، ومع ذلك فلا ينقص ذلك من توكله؛ لأنه كان كامل التوكل يقينًا، فلا يؤثر فيه تعاطي الأسباب شيئا، بخلاف غيره ولو كان كثير التوكل، لكن من تَرَكَ الأسباب، وفَوَّضَ وأخلص في ذلك، كان أرفع مقاما. قال الطبري: قيل: لا يستحق التوكل إلا من لم يخالط قلبه خوف من شيء البتة، حتى السبع الضاري والعدو العادي، ولا من لم يسع في طلب رزق ولا في مداواة ألم، والحقُّ، أن من وثق بالله وأيقن أن قضاءه عليه ماض؛ لم يقدح في توكله تعاطيه الأسباب اتباعًا لسنته وسنة رسوله، فقد ظاهر -صلى الله عليه وسلم - في الحرب بين درعين، ولبس على رأسه المغفر، وأقعد الرماة على فم الشِّعب، وخندق حول المدينة، وأَذِن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر هو، وتعاطى أسباب الأكل والشرب، وادَّخَر لأهله قوتهم، ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء، وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك، وقال الذي سأله: أعقل ناقتي أو أدعها؟ قال: «اعقلها وتوكل»، فأشار إلى أن الاحتراز لا يدفع التوكل، والله أعلم» انتهى كلام ابن حجر -رحمه الله تعالى-.
تفويض الأمر إلى الله -تعالى-
  • قوله: «وجملة التوكل تفويض الأمر إلى الله -تعالى-، والثقة به مع ما قدر له من التسبب، ففي الصحيحين أيضًا من حديث الزبير - رضي الله عنه -: «لأن يأخذ أحدكم حبله، ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيستغني بها، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، وقال سهل بن عبد الله: «التوكل حال النبي -صلى الله عليه وسلم - والكسبُّ سنته، فمن بقي على حاله، فلا يتركن سنتَّه»، أي أن التوكل حاله - صلى الله عليه وسلم - القلبي والإيماني، والكسب سنته الفعلية العملية، وفي حديث الزبير - رضي الله عنه - «حثٌّ على التعفف، وتفضيل الكسب والسبب على البطالة، وجمهور المحققين -كابن جرير وأتباعه- على أن السبب لا ينافي التوكل؛ حيث كان الاعتماد على الله لا على السبب».
  • قوله: وفي صحيح البخاري من حديث المقداد بن معديكرب: «ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يديه، قال: وكان داود لا يأكل إلا من عمل يديه»، وفي هذا الحديث يوضح النبي -[- أن أفضل طعام يأكله الإنسان هو الذي يأكله نتيجة كسبه وعمله، سواء كان نوع العمل حقيرًا أم عظيمًا، سواء أكان مقدار الأجر كثيرًا أم قليلًا، بل الذي عليه مدار الأمر أن يكون حلالًا لا شبهة فيه.
حال الأنبياء -عليهم السلام-
وقال ابن عباس - رضي الله عنه -: كان آدم عليه السلام حرّاثًا، ونوح نجّارًا، وإدريس خيّاطًا، وإبراهيم ولوط زرَّاعيْن، وصالح تاجرًا، وداود زرَّادًا، وموسى وشعيب ومحمد -صلوات الله عليهم- رعاة، وأما الآثار.. فروي أن لقمان الحكيم قال لابنه: يا بني استعن بالكسب الحلال؛ فإنه ما افتقر أحد قط إلا أصابه ثلاث خصال: رقةٌ فى دينه، وضعفٌ فى عقله، وذهاب مروءته، وأعظم من هذه الخصال استخفاف الناس به. وقيل لأحمد بن حنبل: ما تقول في رجل جلس في بيته أو مسجده وقال: لا أعمل شيئًا حتى يأتيني رزقي؟ فقال أحمد: هذا رجل جهل العلم، أما سمع قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله جعل رزقي تحت ظل رمحي»، وقال حين ذكر الطير: «تغدو خماصًا وتروح بطانًا»، أي وقع من الطير سعي وحركة.
ذم الجلوس في المسجد الجامع للتسول
  • قوله: «وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبدالله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد بن نصير قال: حدثني الجنيد قال: سمعت السري يذم الجلوس في المسجد الجامع، ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب»، «يذم الجلوس في المسجد الجامع»: يقصد الجلوس أمام أبواب المساجد للتسوّل، «ويقول: جعلوا المسجد الجامع حوانيت ليس لها أبواب» أي: دكاكين ليس لها أبواب.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي بإسناده عن أبي بكر الصديق قال: دينك لمعادك، ودرهمك لمعاشك، ولا خير في امرئ بلا درهم)، وفي هذه العبارة يحث أبو بكر الصديق على المحافظة على الدين؛ فهو ما ينفع في الآخرة، والسعي للعمل، فهو ما ينفع في الحياة الدنيوية.
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: أنبأنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني جعفر بن محمد الخواص قال: أنبأنا إبراهيم بن نصر المنصوري قال: سمعت إبراهيم بن بشار -خادم إبراهيم بن أدهم- قال: سمعت أبا علي الفضيل بن عياض يقول لابن المبارك: أنت تأمرنا بالزهد والتقلل والبلغة، ونراك تأتي بالبضائع من بلاد خراسان إلى البلد الحرام، كيف ذا وأنت بخلاف ذا؟ فقال ابن المبارك: يا أبا علي أنا أفعل ذا لأصون بها وجهي، وأكرم بها عرضي، وأستعين بها على طاعة ربي، لا أرى لله حقًا إلا سارعت إليه حتى أقوم به. فقال له الفضيل: يا ابن المبارك ما أحسن ذا إن تم ذا!).
أهمية العمل والتجارة
هنا يُبيِّنُ ابن المبارك أهمية العمل والتجارة، وذكر لها فوائد شتى منها: (1) صيانة النفس عن السؤال. (2) المحافظة على العرض والكرامة. (3) الاستعانة بها على طاعة الله. (4) المسارعة في الخيرات والحرص على الصدقات. (5) سد حاجة المعوزين.
أثر التوكل على سلوك المسلم
  • تحقيق مقام التوكل بعد بذل الأسباب، يجعل المؤمن هادئ النفس، مطمئن القلب، ينتظر الفرج من عند الله وكُلَّه شوق إليها.
  • التعلق التام بالله -تعالى-، والثقة به، وعدم التأثر بالأسباب المادية.
  • برد اليقين يجده المؤمن بقلبه والسكينة تملأ جوارحه، وهو يخوض غمار هذه الحياة متوكلا على الله معتمدا على فضله وعطائه ومواهبه التي لا تعد ولا تحصى، بخلاف غير المؤمن الذي يحفه القلق من كل جانب.
  • بذل أسباب السلامة في الدنيا جزء من التوكل، وكذلك بذل أسباب السلامة في الآخرة جزء من التوكل؛ فالمؤمن يعمل لدنياه ويعمل لأخراه.
- ترك الأسباب بالكلية ينافي التوكل، وهذا مسلك دخل على الإسلام من الصوفية، وأيده أعداء الإسلام حتى أبطلوا الجهاد في سبيل الله -تعالى-.


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16-12-2025, 11:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الخامس عشر من شعب الإيمان: الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِه


  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله تعالى له ومن هذا التعظيم عدم رفع الصوت فوق صوته وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا
  • من تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم - الدعاء له بعد سماع الأذان والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الْخَامِس عَشَرَ مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَان: «الْإِيْمَانُ بِوُجُوْبِ تَعْظِيْمِ النَّبِيِّ وَتَبْجِيْلِهِ وَتَوْقِيْرِهِ»، لِقَوْلِهِ -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} (الفتح: 9)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ} (الأعراف: 157)، وَالتَّعْزِيْرُ هَاهُنَا التَّعْظِيْمُ بِلاَ خِلاَفٍ، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} (النور: 63) أَيْ: لاَ تَقُوْلُوْا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، يَا أَبَا الْقَاسِم، بَلْ: يَا رَسُوْلَ اللهِ، يَا نَبِيَّ اللهِ!، وَلِقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} (الحجرات: 1)، وَقَوْلِهِ -تعالى-: {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2) الآيات (الحجرات 2- 5)، وَبِهِ أَنْبَأَنَا الْبَيْهَقِيَّ قَالَ: وَهَذِهِ مَنْزِلَةٌ فَوْقَ مَنْزِلَةِ الْمَحَبَّةِ؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ مُحِبِّ مُعَظِّمًا، كَمَحَبَّةِ الأَبِ لِوَلَدِهِ، وَالسَّيِّدِ لِعَبْدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعْظِيْمٍ بِخَلاَفِ الْعَكْسِ.
الشرح
  • قوله: (الإيمان بوجوب تعظيم النبي وتجبيله وتوقيره) وهو ركن من أركان الإيمان، يفوت الإيمان بفواته لقوله -تعالى-: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ}(التوبة: 65).
  • وقوله: لقوله -تعالى-: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «أي: تعزروا الرسول - صلى الله عليه وسلم - وتوقروه أي: تعظموه وتجلوه، وتقوموا بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة برقابكم»، وقوله: وقوله -تعالى-: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ}، والتعزير ها هنا التعظيم بلا خلاف.
يقول الطبري: «القول في تأويل قوله: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول -تعالى- ذكره: فالذين صدَّقوا بالنبي الأمي - صلى الله عليه وسلم - وأقرُّوا بنبوّته «وعزَّروه»، يقول: وَقَّروه وعظموه وحَمَوه من الناس، وعن ابن عباس: «وعزروه»، يقول: حَمَُوه ووقَّروه. وعن مجاهد: «وعزروه ونصروه»: «عزَّروه»، سدَّدوا أمره، وأعانوا رَسُوله.
  • وقوله: «نصروه»، يقول: وأعانوه على أعداء الله وأعدائه، بجهادهم ونصب الحرب لهم، واتبعوا النور الذي أنزل معه، يعني: القرآن والإسلام {أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، يقول: الذين يفعلون هذه الأفعال التي وصف بها جل ثناؤه أتباع محمد - صلى الله عليه وسلم - هم المنجحون المدرِكون ما طلبُوا ورجَوْا بفعلهم ذلك، والصحابة ي حازوا قصب السبق في هذا المضمار.
تأديب الله للمؤمنين
  • قوله: (وقوله -تعالى-: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تقولوا له: يا محمد، يا أبا القاسم، بل: يا رسول الله، يا نبي الله!)، يقول الحافظ ابن كثير: «وقال مقاتل في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} يقول: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتُموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا ابن عبدالله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله، وهذا أدبٌ أدَّبَ الله -تعالى- به المؤمنين في مخاطبة نبيهم - صلى الله عليه وسلم-، وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه. هذا قول، وهو الظاهر من السياق، كما قال -تعالى-: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} (البقرة: 104)، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ} إلى قوله: {إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (4) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: 2 - 5)، فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي - صلى الله عليه وسلم- والكلام معه وعنده، كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته.
والقول الثاني في ذلك، أن المعنى في: {لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا} أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتمٍ، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، - والله أعلم -».
الأدب مع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم-
  • قوله: ولقوله -تعالى-: {لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «هذا متضمن للأدب، مع الله -تعالى-، ومع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- والتعظيم له، واحترامه، وإكرامه، فأمر (الله) عباده المؤمنين، بما يقتضيه الإيمان، بالله وبرسوله، من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وأن يكونوا ماشين خلف أوامر الله، متبعين لسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في جميع أمورهم، و(أن) لا يتقدموا بين يدي الله ورسوله، ولا يقولوا، حتى يقول، ولا يأمروا، حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله، وهو عنوان سعادة العبد وفلاحه، وبفواته، تفوته السعادة الأبدية، والنعيم السرمدي، وفي هذا، النهي (الشديد) عن تقديم قول غير الرسول - صلى الله عليه وسلم- على قوله؛ فإنه متى استبانت سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ وجب اتباعها، وتقديمها على غيرها، كائنًا ما كان». ويقول ابن القيم معلقا على هذه الآية الكريمة: فإذا كان رفع أصواتهم فوق صوته سببا لحبوط أعمالهم فكيف تقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياساتهم ومعارفهم على ما جاء به ورفعها عليه؟! أليس هذا أولى أن يكون محبطا لأعمالهم؟!.
أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه
  • قوله: وقوله -تعالى-: {َيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} (الحجرات: 2)، يقول العلامة السعدي -رحمه الله تعالى-: «وهذا أدب مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم- في خطابه، أي: لا يرفع المُخَاطِب له، صوته معه فوق صوته، ولا يجهر له بالقول، بل يغض الصوت، ويخاطبه بأدب ولين، وتعظيم وتكريم، وإجلال وإعظام، ولا يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم- كأحدهم، بل يميزوه في خطابهم، كما تميز عن غيره في وجوب حقه على الأمة، ووجوب الإيمان به، والحب الذي لا يتم الإيمان إلا به، فإن في عدم القيام بذلك محذورًا، وخشية أن يحبط عمل العبد وهو لا يشعر، كما أن الأدب معه، من أسباب حصول الثواب وقبول الأعمال».
  • قوله: (وبه أنبأنا البيهقي قال: وهذه منزلة فوق منزلة المحبة، إذ ليس كل محب معظمًا، كمحبة الأب لولده، والسيد لعبده، من غير تعظيم بخلاف العكس)، التعظيم درجة أعلى من درجة المحبة، فهو محبة من الأدنى إلى الأعلى، أما المحبة من الأعلى إلى الأدنى، فليس فيها تعظيم، كمحبة الولد لولده، ومحبة السيد لعبده.
أثر تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في قلب المؤمن
  • مَنْ عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- تلذذ بمتابعته له في سنته، ولم يلتفت إلى المُعَوِّقات.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ إظهار سنته، سواء كانت في العبادة أو المعاملة ليقتدي بها الناس.
  • من عَظَّم النبي - صلى الله عليه وسلم- واقتدى به ظاهرًا وباطنًا، ظاهرًا في الهدي والسمت والسلوك، وباطنًا بالإخلاص ومحبة الله -تعالى- والرغبة في الآخرة والزهد في الدنيا وترك ما في أيدي الناس؛ ظَهَرَ أثر ذلك على أقواله وأفعاله، فلا يقول إلا خيرًا، ولا يفعل إلا برًا، فلا يُضْمِر الشر، ولا يفعله، مقتديا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
  • تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم- في نفوس المسلمين تابعٌ لتعظيم الله -تعالى- له، ومن هذا التعظيم؛ عدم رفع الصوت فوق صوته، وعدم مناداته باسمه مُجرَّدًا، كما يفعل الجهلة وضعاف الإيمان.
  • ومن تعظيم النبي - صلى الله عليه وسلم-؛ الدعاء بعد سماع الأذان، والصلاة عليه يوم الجمعة مع الإكثار منها، وكذا الوصاية خيرًا بأهل بيته وقرابته المستقيمين على شرعه، من غير تمييز بينهم، واختيار بعضهم، وترك أغلبهم، كما يفعل بعض جهلة الناس اليوم.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 26-12-2025, 04:36 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان… السادس عشر من شعب الإيمان: شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر


  • الحبّ لله وفيه هو من لوازم محبة ما يُحبّ الله ولا تستقيم محبّة ما يحبّ الله إلا بالحبّ فِيه وله سبحانه
  • معرفة شُعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية في الدنيا والآخرة
  • لا ينبغي لنا أن ندع أهل الكفر وأهل الفسوق وندعهم للشياطين تلعب بهم بل نؤلفهم ونجذبهم إلينا بالمال واللّين وحُسن الخُلق حتى يألفوا الإسلام
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، فقد عزف كثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعّم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
  • السادس عشر من شُعب الإيمان: «شُحُّ المرء بدينه حتى يكونَ القذفُ في النار أحبَّ إليه من الكفر»، لحَدِيث أنس الْمُتَّفق عَلَيْهِ: (ثَلَاثٌ من كُنّ فِيهِ وجَد بِهنَّ حلاوة الإيمان» ثمَّ قَالَ: «وأنْ يُلقى فِي النَّار أحبُّ إليه من أنْ يَرجعَ إلى الْكفْر بعد أنْ أنقذه اللهُ مِنْهُ»، وجاء عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَالرَّجُلُ يُحِبُّ الرَّجُلَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلهِ، وَالرَّجُلُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَرْجِعَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا»، ولحديثه أَيْضًا فِي صَحِيح مُسلم: «إن رجلًا سَأَلَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَأعْطَاهُ غنمًا بَين جبلين، فَأتى قومه فَقَالَ: أَسْلمُوا، فوَ الله إِن مُحَمَّدًا ليعطي عَطاء رجل لَا يخَاف الْفَاقَة. فَقَالَ أنس: وَإِن كَانَ الرجل يجِيء إلى النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - مَا يُرِيد إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُمْسِي حَتَّى يكونَ دينُه أحبَّ إليه وأعزَّ من الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا».
الشرح
المعنى الإجمالي للحديث: «شُحّ المرءِ بدينه حتى يكونَ الإحراقُ بالنار أحبَّ إليه من أن يعود إلى الكفر»؛ هذا دليل على قوة الإيمان وحلاوته في قلب صاحبه، ودليل على يقينه بالغيب؛ فالإنسانُ الذي يُسْلِم وجُلّ همّه الدنيا فحسب، ثم تنصلح نيّتُه طمعًا في الآخرة، فيزهد في الدنيا الفانية وما فيها، ويطمع بما عند الله؛ تَحَوُّله هذا دليلٌ على قوة إيمانه؛ لأن الحياةَ الآخرةَ للمؤمن بعد الموت أفضلُ له وأحبُّ من هذه الحياة القصيرة.
معاني المفردات
  • الشُّحُّ: البخل مع حرص. تقول: شحِحت بالكسر تشحّ.
  • قوله: (شُحّ المرء بدينه) أيْ: حرص المرء على دينه كما يحرص على عدم دخوله النار.
  • كره أن يقذف في النار: أيْ يستوي عنده الأمران.
  • قوله لحديث أنس: «ثلاثٌ من كنّ فيه وجد بهنّ حلاوةَ الإيمان».
  • قوله: (ثلاثٌ) هو مبتدأ، والجملة الخبر.
  • قوله: (كنّ) أيْ (حصلْن)، فهي تامة.
  • قوله: (حلاوة الإيمان) بيان لحقيقة عظيمة من حقائق الإيمان وهو حصول حلاوة حقيقة في قلب المؤمن, يجدها ويشعر بها، ويلتذ بطعمها كما يجد حلاوة السكر في فمه.
أنواع المحبة
هنا أربعة أنواع من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضلّ من ضلّ؛ لعدم التمييز بينها:
  • النوع الأول: محبة الله، ولا تكفي وحدَها في النجاة من الله ومن عذابه والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعبّادَ الصليب واليهودَ وغيرَهم يزعمون أنهم يحبّون الله، قال علماء التفسير: زعم اليهود والنصارى محبة الله فأمتحنهم الله بهذه الآية الكريم: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران:31).
  • النوع الثاني: محبة ما يحبّ اللهُ، وهذه هي التي تدخل العبدَ في الإسلام وتخرجه من الكفر، فأحبُّ الناس إلى الله أقومُهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.
  • النوع الثالث: الحب لله وفيه، وهو من لوازم محبة ما يحب اللهُ، ولا تستقيم محبة ما يحب اللهُ إلا بالحب فيه وله.
  • النوع الرابع: المحبة مع الله. وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئًا مع الله، لا لله، ولا من أجله، ولا فيه؛ فقد اتخذه ندًّا من دون الله، وهذه محبة المشركين.
قوله: (وأن يكره أن يعود في الكفر) هذه الكراهة حقيقية يشعر بها المؤمن، وتشبيهها بكراهة القذف بالنار؛ ليتضح المقصود من العَود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله -تعالى- منه.
  • قوله: (فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ). أَيْ: كَثِيرَةً كَأَنَّهَا تَمْلَأُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْنِ.
  • قوله: (فَقَالَ أَنَسٌ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا).
هَكَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ النُّسَخِ فَمَا يُسْلِمُ، وَفِي بَعْضِهَا فَمَا يُمْسِي، وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ، وَمَعْنَى الْأَوَّلِ: فَمَا يَلْبَثُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ أوَّلًا لِلدُّنْيَا لَا بِقَصْدٍ صَحِيحٍ بِقَلْبِهِ ثُمَّ مِنْ بَرَكَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَنُورِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى يَنْشَرِحَ صَدْرُهُ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ وَيَتَمَكَّنَ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»، وفي هذا دليل أيضًا على نقاء المجتمع في الصدر الأول من الإسلام وسلامة فطرته، بخلاف حالنا اليوم؛ حيث يبقى الإنسانُ حينًا من الدهر دون أن تتغيرَ حالُه إلى الأحسن.
  • قال الشيخ ابن عثيمين: «ويؤخذ من هذا الحديث وأمثاله: أنه لا ينبغي لنا أن نبتعد عن أهل الكفر وعن أهل الفسوق، ولا أن ندعهم للشياطين تلعب بهم؛ بل نؤلفهم، ونجذبهم إلينا بالمال واللين وحسن الخلق حتى يألفوا الإسلام، فها هو ذا الرسول - صلى الله عليه وسلم - يعطي الكفار، يعطيهم حتى من الفيء، بل إن الله جعل لهم حظًا من الزكاة، نعطيهم لنؤلفهم على الإسلام، حتى يدخلوا في دين الله، والإنسان قد يسلم للدنيا، ولكن إذا ذاق طعم الإسلام رغب فيه، فصار أحب شيء إليه».
فوائد شُحّ المرء بدينه
  • الحرص على أداء الواجبات كاملة غير منقوصة.
  • إكمال النواقص منها بكثرة النوافل والاستغفار.
  • البعد عن مواطن الشبهات والشهوات.
  • السؤال عما أشكل من أمور الدين.
  • الاستبراء للدين والعرض.
أثر شُحّ المرء بدينه على سلوك المسلم:
  • الخوف والخشية من الله.
  • الرجاء فيما أعده الله -تعالى- ثوابًا للصابرين.
  • الخشوع في أداء الصلوات وسؤال الله -تعالى- القَبول.
  • متابعة العبادة تلو العبادة مع تنويعها.
  • محاسبة النفس على التقصير.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 27-01-2026, 05:19 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان.. الثامن عشر مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: نشـر العلم


  • نشر العلم واجب بمقتضى نصوص الكتاب والسُنَّة وإجماع أهل العلم وهو من أعمال الإيمان الداخلة في مسمّى الإيمان
  • من عمل بعلم الرواية ورث علم الدراية ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق
  • من لم يعدّ كلامه من عمله كثرت خطاياه ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالا.
الثامن عشر من شُعب الإيمان هو نشرُ العلم، لقوله -تعالى-: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187)، وقوله -تعالى-: {وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} (التوبة: 122)، ولحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - في الصحيحين: «أن النبي قال في خطبته بمِنى: فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن أبي داود: «مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»، وروى البيهقي بإسناده عن الإمام عمر بن عبدالعزيز الأموي -رحمة الله عليه- أنه قال: من لم يعدّ كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح.
طلب العلم للعمل به
وعن الحارث المحاسبي: العلم يورث الخشية، والزهد يورث الراحة، والمعرفة تورث الإنابة، وعن ابن سعد: أن من عمل بعلم الرواية ورث علم الدراية، ومن عمل بعلم الدراية ورث علم الرعاية، ومن عمل بعلم الرعاية هدي إلى سبيل الحق، وعن مالك بن دينار: إذا طلب العبد العلم ليعمل به كسره علمه، وإذا طلبه لغير العمل زاده كبرًا، وعن معروف الكرخي: إذا أراد الله بعبد خيرًا فتح عليه باب العمل، وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عليه باب العمل، وفتح عليه باب الجدل، وعن أبي بكر الوراق: من اكتفى بالكلام من العلم دون الزهد والفقه تزندق، ومن اكتفى بالزهد دون الفقه والكلام ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الزهد والورع تفسّق، ومن تفنّن في الأمور كلها تخلّص، وعن الحسن البصري -رحمه الله تعالى- أنه مرّ عليه رجل فقيل: هذا فقيه، فقال: أوَ تدرون من الفقيه؟ إنما الفقيه العالم في دينه، الزاهد في دنياه، القائم على عبادة ربه، وعن مالك بن دينار قال: قرأت في التوراة: إن العالم إذا لم يعمل بعلمه زلّت موعظته من القلوب كما يزلّ القطر عن الصفا، وأنشد عن أبي بكر بن أبي داود لنفسه:
من غصَّ داوى بِشُرْبِ الماءِ غصَّتُهُ
فكيف يفْعَلُ من قد غصَّ بالماءِ؟
وعن أبي عثمان الحِيري الزاهد:
وغير تقيٍّ يأمر الناس بالتقى
طبيبٌ يداوي والطبيبُ مريضُ
نسأل الله التوفيق للعلم والعمل، ونعوذ بجلال وجهه من الخذلان والحرص والأمل.
شرح المعنى الإجمالي
إن نشر العلم واجب بمقتضى نصوص كثيرة من الكتاب والسُنَّة وإجماع أهل العلم، وهو من أعمال الإيمان الداخلة في مسمّى الإيمان، وجاء التحذير الشديد من كتم العلم، والعلم، والاشتغالُ به، وحفظُه، ونشره بين الناس؛ مما جرى عليه عمل السلف الصالح، ولاسيما العلم الصحيح، القائم على كتاب الله وسنة رسوله [ وفقه السلف الصالح، ومن أعظم أساليب نشر العلم وتبليغه: موافقة العلم العمل، وظهور العلم في حال ناشره وباذله، وبه يظهر فضله ومكانته.
  • قوله: قال الله -تعالى-:{لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} (آل عمران: 187)، قال قتادةُ: «هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم، فمن علم شيئًا فليعلِّمه، وإياكم وكتمانَ العلم، فإن كتمان العلم هَلَكة، ولا يتكلَّفن رجلٌ ما لا علم له به، فيخرج من دين الله فيكون من المتكلِّفين، كان يقالمثلُ علم لا يقال به كمثل كنز لا ينفق منه! ومثل حكمة لا تخرج كمثل صنم قائم لا يأكل ولا يشرب)، وكان يقالطوبى لعالم ناطق، وطوبى لمستمع واعٍ)، هذا رجلٌ علِم علمًا فعلّمه وبذله ودعا إليه، ورجلٌ سمع خيرًا فحفظه ووعاه وانتفع به»، قال الجمهور: «هي عامّة في كل من علّمه الله علمًا، وعلماء هذا الأمة داخلون في هذا الميثاق».
قال الشيخ السعدي: «الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله -تعالى- على كل من أعطاه الله الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علَّمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصًا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل».
فضيلة الفقه في الدين
  • قوله: قال الله -تعالى-:{وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِم} (التوبة: 122)، قال السعدي: «أيْ: ليتعلموا العلم الشرعي، ويعلموا معانيه، ويفقهوا أسراره، وليعلموا غيرهم، ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم، ففي هذا فضيلة العلم، وخصوصًا الفقه في الدين، وأنه أهم الأمور، وأن من تعلم علمًا، فعليه نشره وبثه في العباد، ونصيحتهم فيه، فإن انتشار العلم عن العالم، من بركته وأجره، الذي ينمى له.
وأما اقتصار العالم على نفسه، وعدم دعوته إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وترك تعليم الجهال ما لا يعلمون، فأيّ منفعة حصلت للمسلمين منه؟! وأيّ نتيجة نتجت من علمه؟! وغايته أن يموت، فيموت علمه وثمرته، وهذا غاية الحرمان، لمن آتاه الله علما ومنحه فهما، وفي هذه الآية أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يُعدّوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها؛ لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصدًا واحدًا، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينةٌ، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور».
فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ
  • قوله: ولحديث أبي بكرة - رضي الله عنه - في الصحيحين «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبته بمنى فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ»، قال العيني في عمدة القاري: «وَمن فَوَائِد هَذَا الحَدِيث: وجوب تَبْلِيغ الْعلم على الْكِفَايَة، وَقد يتَعَيَّن فِي حق بعض النَّاس».
  • قوله: وحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - في سنن أبي داود: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من النار يوم القيامة»، قال الخطابي: «الممسك عن الكلام مُمَثَّل بمن ألجم نفسه، كما يقال التُّقى مُلْجِم وكقول الناس: كلم فلان فلانًا فاحتج عليه بحجة ألجمته، أيْ أسكتته، والمعنى أن الملجم لسانه عن قول الحق والإخبار عن العلم والإظهار له يعاقب في الآخرة بلجام من نار، وخرج هذا على معنى مشاكلة العقوبة الذنب كقوله -تعالى-: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} (البقرة: 275).
  • قال: وهذا في العلم الذي يلزمه تعليمه إياه، ويتعين عليه فرضه كمن رأى كافرًا يريد الإسلام يقول: علّموني ما الإسلام؟ وما الدين؟ وكمن يرى رجلًا حديث العهد بالإسلام لا يحسن الصلاة وقد حضر وقتها يقول: علموني كيف أصلي؟ وكمن جاء مستفتيًا في حلال أو حرام يقول: أفتوني وأرشدوني؟ فإنه يلزم في مثل هذه الأمور أن لا يمنعوا الجواب عما سألوا عنه من العلم، فمن فعل ذلك كان آثمًا مستحقًا للوعيد والعقوبة، وليس كذلك الأمر في نوافل العلم التي لا ضرورة بالناس إلى معرفتها، وسئل الفضيل بن عياض عن قوله صلى الله عليه وسلم : (طلب العلم فريضة على كل مسلم)، فقال: «كل عمل كان عليك فرضًا، فطلبُ علمه عليك فرض، وما لم يكن العمل به عليك فرضًا، فليس طلب علمه عليك بواجب».
العلم قبل العمل
قوله: قال عمر بن عبدالعزيز-رحمه الله-: «من لم يُعدّ كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عمل بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح»، أي أن العلم قبل العمل، وقد صنف البخاري (باب العلم قبل القول والعمل) لقوله -تعالى-: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} (محمد: 19)، والعمل بغير علم من مداخل الشيطان؛ لأنه يسهل عليه (أي الشيطان) أن يلبس على العابد بغير علم دينه، وأن يريه الضلال هدى والباطل حقًا والبدعة سنة، قال ابن تيمية: «فَالضَّلَالُ الْعَمَلُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَالْغَيُّ اتِّبَاعُ الْهَوَى. قَالَ -تعالى-: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} (النجم) فَلَا يُنَالُ الْهُدَى إلَّا بِالْعِلْمِ وَلَا يُنَالُ الرَّشَادُ إلَّا بِالصَّبْرِ».
العلم يورث الخشية
  • قوله: وعن الحارث المحاسبي: «العلم يورث الخشية والزهد يورث الراحة والمعرفة تورث الإنابة»، وهذا ذكره الله في كتابه أن أكثر الناس خشية من الله هم أهل العلم، قال الله -تعالى-: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَا} (فاطر: 28)، وقال -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} (الإسراء)، وما روي في الأثر عن المحاسبي، وابن سعد، ومالك بن دينار ومعروف الكرخي، وأبي بكر الوراق والحسن البصري، وما أورده مالك بن دينار من نص التوراة، كلها تحث على تعلم العلم ونشره والعمل به، وتورد آثار العلم بدون عمل مثلعدم الخشية لله تعالى، والطمع في الدنيا، وترك التوبة من الذنوب، وكذلك جفاف العلم وتصحره وعدم الهداية إلى سبيل الحق، وكثرة الجدل وقلة العمل، الوقوع في البدع والفسوق، عدم التأثير بالموعظة للناس أو النصح لأن ترك العلم يزيل التأثير على القلوب التي هي أجناد مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)، وكذلك ما أورده المؤلف من أبيات شعرية تعزز هذا المعنى والله أعلم.
من فوائد نشر العلم
  • إخراج الناس من الظلمات إلى النور.
  • تحقيقُ التوحيد.
  • محاربةُ الشرك والبدع.
  • نشرُ السنة المطهرة بين الناس.
  • عمارة الأرض واستغلال الأوقات فيما ينفع.
  • أثر نشر العلم على سلوك المسلم:
  • يزداد الحرص على نفع الناس بتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرهم.
  • التعبد لله -تعالى- بما شرع، لا بالأهواء والبدع.
  • الجدُّ والاجتهاد في حفظ مسائل العلم ومباحثه، والسؤال عما أشكل؛ لنفع النفس والمسلمين.
  • تقديمُ الواجب العينيّ على الواجب الكفائي في نشر الدعوة بين الناس.
  • الحذرُ من العمل بلا علم؛ لأنه من مداخل الشيطان.
معاني المفردات
  • البيان: التوضيح والشرح بما تقوم به الحجّة.
  • الإنذار: التحذير والتنبيه.
  • البلاغ: توصيل الرسالة.
  • لجام: اللجامُ الحديدة في فم الفرس مع ما فيها من سيور وحبال.



اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 14-05-2026, 12:34 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 176,734
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شَرْحُ مُخْتصر شُعَب الإيمان

شُعَب الإيمان .. الخامس والعشرون مِنْ شُعَبِ الْإِيْمَانِ: الحجّ (١)


  • لا يتم إسلام العبد على وجه الكمال إلا بالالتزام بالحج عند الاستطاعة وهو واجب مرة واحدة في العمر
  • الحج من أعظم الشعائر وأهم الأعمال الظاهرة في الدين ومرتبته تأتي بعد الصلاة والزكاة والصيام من حيث الترتيب العملي
إن معرفة شعب الإيمان وفقهها مطلب لكل مؤمن يبتغي الوصول إلى الرشد والهداية والعلو في درجات الدنيا والآخرة، وقد جاء النص عليها في الحديث المشهور المعروف؛ حيث ذُكر فيه الأفضل منها والأدنى، وشعبة جليلة وهي الحياء، وحرصًا على معرفة تفاصيلها وأفرادها فقد صنف العلماء قديما مصنفات في تعدادها وإحصائها، كالحليمي والبيهقي، ولكن لما كانت مصنفاتهم طويلة موسعة، عزف الكثير من المسلمين عن قراءتها، ومن هنا جاءت فكرة الاختصار والتجريد، وهذا ما قام به القزويني في اختصار شعب الإيمان للحافظ البيهقي؛ لذلك شرحتها بأسلوب سهل مختصر مدعم بالنصوص والنقول التي تزيد الأصل زينة وبهجة وجمالًا.
الحج من شعب الإيمان؛ لقول الله -تعالى-: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97)، وقوله -تعالى-: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج: 27)، وقوله -تعالى-: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة: 196)، ولحديث ابن عمر -رضي الله عنهما- في (الصحيحين): «بُنِيَ الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ البَيْتِ»، وحديث عمر - رضي الله عنه - في صحيح مسلم قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الْإِسْلَامُ؟، قَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتَ»، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ، وروي عن أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن النبي -صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لَمْ يَحْبِسْهُ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا».
المعنى الإجمالي
الحج ركن من أركان الإسلام واجب على كل مقتدر عليه لم يحبسه حابس من مرض أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر، والحج في اللغة: القصد، وعن الخليل بن أحمد -رحمه الله-، قال: الحج كثرة القصد إلى من تعظمه، ورجل محجوج، أيْ: مقصود، وشرعًا: قصد مكة لعمل مخصوص في وقت مخصوص، وأُخِّرَ الحجّ عن الصلاة والزكاة والصوم؛ لأن الصلاة عماد الدين، ولشدة الحاجة إليها لتكرّرها كل يوم خمس مرات، ثم الزكاة لكونها قرينة لها في أكثر المواضع ولشمولها المكلّف وغيره، ثم الصوم لتكرّره كل سنة».
أحد أركان الإسلام ودعائمه
  • قوله: لقوله -تعالى-: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} (آل عمران: 97)، قال ابن كثير: «هذه أول آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل بل هي قوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة: 196), والأول أظهر، وقد وردت الأحاديث المتعددة بأنه أحد أركان الإسلام ودعائمه وقواعده، وأجمع المسلمون على ذلك إجماعًا ضروريا، وإنما يجب على المكلف في العمر مرة واحدة بالنص والإجماع؛ لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أيها الناس، قد فرض عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه» وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: يا رسول الله، أفي كل عام؟ فقال: لو قلتها لوجبت، ولو وجبت لم تعملوا بها ولن تستطيعوا أن تعملوا بها، الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع».
أقسام الاستطاعة
  • وأما الاستطاعة فأقسام: تارة يكون الشخص مستطيعًا بنفسه، وتارة بغيره كما هو مقرر في كتب الأحكام، عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قام رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «من الحاجّ يا رسول الله؟ قال: الشعث التفل، فقام آخر فقال: أيّ الحج أفضل يا رسول الله؟ قال: العج والثج، فقام آخر فقال: ما السبيل يا رسول الله؟ قال: الزاد والراحلة»، وعن أنَس - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن قول الله -تعالى-: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} فقيل: ما السبيل؟ قال: الزاد والراحلة»، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «تعجّلوا إلى الحج - يعني الفريضة - فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له»، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «من أراد الحج فليتعجل»، وروى وكيع بن الجراح عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: {مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا} قال: الزاد والبعير».
وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ
  • قوله: وقوله -تعالى-: {وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (الحج: 27)، يقول الطبري: «يقول -تعالى ذكره-: عهدنا إليه أيضا أن أذّن في الناس بالحجّ: يعني بقوله: (وأذّنْ) أعلم وناد في الناس أن حجوا أيها الناس بيت الله الحرام (يَأْتُوكَ رَجالا) يقول: فإن الناس يأتون البيت الذي تأمرهم بحجه مشاة على أرجلهم (وَعَلى كُلّ ضَامِر) يقول: وركبانًا على كلّ ضامر، وهي الإبل المهازيل (يَأْتِينَ مِنْ كُلّ فَجّ عَمِيق) يقول: تأتي هذه الضوامر من كل فجّ عميق: يقول: من كلّ طريق ومكان ومسلك بعيد...وذُكر أن إبراهيم -صلوات الله عليه- لما أمره الله بالتأذين بالحجّ، قام على مقامه فنادى: «يا أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا بيته العتيق».
ويقول السعدي: «{وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ} أي: أعلمهم به، وادعهم إليه، وبلغ دانيهم وقاصيهم، فرضه وفضيلته، فإنك إذا دعوتهم، أتوك حجاجا وعمارا، رجالا أي: مشاة على أرجلهم من الشوق، {وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ} أي: ناقة ضامر، تقطع المهامه والمفاوز، وتواصل السير، حتى تأتي إلى أشرف الأماكن، {مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} أي: من كل بلد بعيد، وقد فعل الخليل -عليه السلام-، ثم من بعده ابنه محمد - صلى الله عليه وسلم -، فدعيا الناس إلى حج هذا البيت، وأبديا في ذلك وأعادا، وقد حصل ما وعد الله به، أتاه الناس رجالا وركبانا من مشارق الأرض ومغاربها».
حديث جبريل -عليه السلام-
  • قوله: وحديث عمر - رضي الله عنه - في صحيح مسلم قال: «بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَا الْإِسْلَامُ؟، قَالَ: تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَأَنْ تُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ، وَتَعْتَمِرَ، وَتَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ، وَتُتِمَّ الْوُضُوءَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، قَالَ: فَإِنْ فَعَلْتُ هَذَا فَأَنَا مُسْلِمٌ؟، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: صَدَقْتَ»، قال نور الدين الملا الهروي القاري: «بينما نحن عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم إذ طلع علينا رجل» أي بين أوقات نحن حاضرون عنده فاجأنا وقت طلوع ذلك الرجل».
وأن تقيم (الصلاة)
وقال: «وأن تقيم (الصلاة) أي: المعهودة شرعًا، وفي رواية لمسلم: المكتوبة تنبيها على أن النافلة وإن كانت من الإسلام لكنها ليست من أركانه؛ يعني بأن تؤديها، وتحفظ شروطها، وتعدل أركانها، وتداوم عليها، ولذا لم يقل، وتصلي (وتؤتي الزكاة) أي: وأن تعطي، وفيه إشارة إلى أنه لا بد فيها من التمليك، وهي مأخوذة من زكى؛ بمعنى طهر، ونما، وهو اسم للقدر المخرج من النصاب؛ لأنه يطهر المخرج، أو المخرج عنه، ويزيد البركة (وتحج البيت) أي: الحرام: فإن فيه للعهد، أو هو اسم جنس غلب على الكعبة علما، واللام فيه جزء كما في النجم، والحج لغة القصد، أو تكراره مطلقًا، أو إلى معظم، وشرعًا قصد بيت الله في وقت معين بشرائط مخصوصة».


اعداد: د. عبدالرحمن الجيران





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 207.16 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 201.27 كيلو بايت... تم توفير 5.89 كيلو بايت...بمعدل (2.84%)]