|
|||||||
| ملتقى نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم قسم يختص بالمقاطعة والرد على اى شبهة موجهة الى الاسلام والمسلمين |
![]() |
|
|
أدوات الموضوع | انواع عرض الموضوع |
|
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (12) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثانية عشرة من برنامج (خاتم النبيين) بداية غزوة بدر الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلِّم على النبي المصطفى الأمين، وعلى آله وصَحْبه والتابعين. ذكَرْنا - إخواني الأكارم - في الحلقة الماضية شيئًا من البعوث والسرايا التي أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم لمجاهدة الكفار، وذكرنا شيئًا من التشريعات والأحكام التي شرعت في السنة الثانية من الهجرة؛ وذلك كتحويل القبلة، وفرض الصيام والزكاة، وأيضًا ذكرنا الدروس المستفادة من ذلك، والآن في حلقتنا هذه نزدلف إلى الحديث عن غزوة بدر الكبرى، فقد حدثَتْ تلك الغزوة التاريخية العظيمة في نهار يوم الجمعة السابع عشر من رمضان من السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم كما ورد ذلك في صحيح مسلم، قال ابن عبدالبر رحمه الله: كانت أشرف غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وأعظمها حرمة عند الله تعالى، وهذا اليوم الذي وقعت فيه الغزوة يُسمَّى يوم الفرقان؛ حيث أعزَّ الله عز وجل الإسلام وأهله، وأذلَّ الشرك وأهله مع قلة المسلمين وكثرة المشركين، ومن خصائص هذه الغزوة ما يلي: أولًا: أن مَن شهِدها فإنه ينسب إليها، فيُقال: فلان البَدْريُّ، ولا يُقال ذلك في غيرها. ثانيًا: من خصائص غزوة بدر أن مَن شهِدها من المسلمين له فضله الكبير؛ حيث ورد عند البخاري عن رفاعة بن رافع وكان بَدْريًّا قال: جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((ما تَعُدُّون أهلَ بَدْر فيكم، قال: من أفضل المسلمين، قال: وكذلك مَنْ شَهِدَ بَدْرًا من الملائكةِ))؛ رواه البخاري. ثالثًا: من خصائص تلك الغزوة أن من شهِدَها كُتبت له المغفرة إلى يوم القيامة، فقد أخرج البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حاطب بن أبي بلتعة في قصة إخباره لأهل مكة بمسير النبي صلى الله عليه وسلم إليهم قال فيه: ((أليس من أهل بدر؟ لعَلَّ اللهَ اطَّلَع على أهل بَدْر، فقال: اعملوا ما شئتم، فقد وجَبَتْ لكُم الجنة أو فقد غَفَرْتُ لكم))؛ رواه البخاري ومسلم. رابعًا: من خصائصها أن الملائكة قاتلت فيها مع المسلمين إلى غير ذلك من الخصائص. وكان سبب هذه الغزوة أن عِيرًا لقريش عظيمة قادمة من الشام تريد مكة، فيها أموال قريش، فكان فيها ألف بعير، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة: ((هذه عِير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعَلَّ اللهَ أن يَنْفُلكمُوها)) ذكر ذلك ابن إسحاق رحمه الله، فخرجوا لتلك العير وفيها ثلاثون أو أربعون رجلًا من قريش، وعندما علم أبو سفيان قائد العير بذلك الخروج للمسلمين أرسل ضمضمة بن عمرو إلى مكة ليستنفر قريشًا، ويخبرهم بأن محمدًا عليه الصلاة والسلام وأصحابه اعترضوها، وقد استطاع أبو سفيان أن ينجو بالعير؛ ولكنه حصل القتال بين المسلمين والكفار حتى أثبت الله الحق وأزهق الباطل، فعندما علِمَ النبي صلى الله عليه وسلم بمسير قريش إلى بَدْر استشار الصحابة، فتحدَّث أبو بكر رضي الله عنه وأحسن، وتحدَّث عمر وأحسن، وقام المقداد بن عمرو، وقال: امْضِ يا رسول الله ونحن معك، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أشيرُوا عليَّ أيُّها الناسُ))، وكان يقصد الأنصار، فقام سعد بن معاذ فقال: والله، لكأنك تريدنا يا رسول الله، قال: ((أجَل)) فقال سعد رضي الله عنه: آمنا بك وصدَّقْناك، وأعطيناك مواثيقنا على السمع والطاعة، فامْضِ يا رسول الله لما أردْتَ، فنحن معك؛ فسُرَّ بذلك النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: ((سِيرُوا وأبْشِرُوا، فإنَّ اللهَ وعَدَني إحدى الطائفتين، واللهِ لكأنِّي أنظُر مصارعَ القوم))؛ رواه مسلم. وإن كان هذا هو اتفاق المسلمين على الخروج والقتال، فقد افترق كُفَّار قريش، فبعضُهم يرى الرجوع دون القتال، وكان أبو جهل وهو قائدهم مُصِرًّا على القتال، وممن يرى عدم القتال بنو زهرة وبنو عدي، فقد رجعوا؛ بل إنَّ أبا سفيان قائد العِير يرى الرجوع من دون قتالٍ، وذلك لما ضرب في قلوبهم من الخوف والوجل، وفي تلك الغزوة التقى الجَمْعانِ، وهي معركة قاتل فيها خيارُ أهل الأرض وهم الصحابة رضي الله عنهم، وخيارُ أهل السماء وهم الملائكة عليهم السلام، وشاء الله تعالى ألا يتكافأ العدد، فعدد المسلمين فيها ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا، بينما كان عدد المشركين ألفًا وثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، ومع ذلك وقع النصر للمسلمين وهُزِم المشركون وقُتِل صناديدُهم، وميزان النصر ليس بالعدد والعتاد، وما النصر إلَّا من عند الله عز وجل، ولك أن تتخيل أخي الكريم كيف كانت قوة الاستجابة والصمود واليقين، حيث إنه في الشهر نفسه شهر رمضان وهو أول شهر يصومونه؛ حيث إنه فرض في تلك السنة، ثم جاءتْ فيه تلك الغزوة العظيمة، ومع ذلك صمدوا واستجابوا لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وذلك بتثبيت الله تعالى لهم وتوفيقه إياهم، وقد تخلف عن هذه الغزوة عددٌ من الصحابة رضي الله عنهم، ولهم أعذارهم، فمنهم عثمان بن عفان رضي الله عنه، حيث كانت امرأتُه مريضةً فقام عليها، وقد ماتت في مرضها هذا، وهي رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وتخلَّف أيضًا طلحة بن عبيدالله وسعيد بن زيد؛ حيث بعثهما النبي صلى الله عليه وسلم قبل القِتال ليأتيا بخبر العير عند انطلاقها من الشام، فلما قدم المدينة بالخبر وجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاءه الخبر عنها، فلحقاه حتى لقياه منصرفًا من بَدْر، وتخلَّف أيضًا أبو لبابة رضي الله عنه؛ حيث استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة، وتخلَّف أبو أمامة ابن ثعلبة؛ حيث كانت أُمُّه مريضةً، فقال له خاله: أقِمْ عند أمِّكَ يا بن أختي، فقال: بل أنت أقم عند أختك، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فأمر أبا أمامة أن يقيم عند أُمِّه، وتخلَّف عاصم بن عدي؛ حيث استخلفه النبي صلى الله عليه وسلم على قُباء، وتخلَّف أيضًا الحارث بن الصمة؛ حيث انكسرت ساقه في الطريق، فردَّه النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وغير هؤلاء تخلَّفوا بأعذارهم الشرعية رضي الله عنهم أجمعين. وكان الصحابة في مسيرهم إلى الغزوة كل ثلاثة يتعاقبون بعيرًا في ركوبه، وكان علي ومرثد بن أبي مرثد ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتعاقبون بعيرًا، فلما جاء دور النبي صلى الله عليه وسلم في المشي قالا له: اركب يا رسول الله ونحن نمشي عنك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما أنتما أقوى مني، ولا أنا بأغْنَى عن الأجْرِ مِنْكُما)). ومكث النبي صلى الله عليه وسلم يستعرض أصحابه في مشاركتهم للقتال، فرَدَّ مَن استصغره منهم، وكان ممن ردَّه أسامة بن زيد، وابن عمر، والبراء بن عازب، ورافع بن خديج، وأسيد بن الحضير، رضي الله عنهم أجمعين؛ حيث كانوا صغارًا، ويقول سعد بن أبي وقاص: عندما كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعرضنا رأيت أخي عميرًا يتوارى ويختفي، فقلت: ما لك تختفي؟ فقال: أخشى أن يرُدَّني النبي صلى الله عليه وسلم، فرآه النبي عليه الصلاة والسلام فاستصغره فرَدَّه، فبكى عمير، فأجازه النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ابن ست عشرة سنة. وبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بإعداد القيادات وتوزيعها، وأعطى اللواء - وهو الراية التي يجتمع حولها الجيش - مصعبَ بن عمير، وقسَّم جيشه إلى كتيبتين؛ الأولى: كتيبة المهاجرين، وأخذ لواءها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والثانية: كتيبة الأنصار، وأخذ لواءها سعد بن معاذ رضي الله عنه، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بن العوام على الميمنة، والمقداد بن عمرو على الميسرة، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، والقيادة العامة كانت في يد النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رأى النبي صلى الله عليه وسلم فقر المسلمين وحاجتهم دعا فقال: ((اللهُمَّ إنهم حُفاةٌ فاحملهم، اللهمَّ إنهم عُراةٌ فاكْسُهم، اللهمَّ إنهم جِياعٌ فأشْبِعْهم))، فاستجاب الله تعالى لنبيِّه عليه الصلاة والسلام فأغناهم، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم بالفطر؛ حيث إن تلك الغزوة في شهر رمضان، فمن وجد قوةً صام، ومن وجد ضعفًا أفطر، وفي صحيح مسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه رضي الله عنهم: ((قُومُوا إلى جنَّةٍ عرضُها السماواتُ والأرضُ)) فقال عمير بن الحمام: بَخٍ بَخٍ، فأخرج تمرات من جَعْبته، فجعل يأكل منهنَّ ثم قال: لئن أنا حييتُ حتى آكلَ تمرات هذه، إنها لحياةٌ طويلةٌ، فترك ما كان معه من التمر ثم قاتلهم رضي الله عنه حتى قُتِل؛ رواه مسلم. واقترح سعد بن معاذ في ذلك اليوم أن يُبنى للنبي صلى الله عليه وسلم عريش؛ حفاظًا عليه، فبُني له ذلك العريش، وبات النبي صلى الله عليه وسلم ليلته تلك يدعو ربَّه قائلًا: ((اللهُمَّ إنك إن تُهلِك هذه الفئةَ لا تُعبَد))، وفي البخاري ومسلم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اللهُمَّ إني أنشدك عهدَكَ ووعدَكَ))، فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك يا رسول الله- أي: كافيك - لأنه أشفق عليه فخرج النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ﴾ [القمر: 45] وحيث تجهز المسلمون ورتَّبوا أنفسهم، فقد تجهزت قريش أيضًا في ترتيب جيشها، فنفروا، فلم يتخلف من كِبارهم أحد إلا أبو لهب، ومَن كرِه الخروج أخرجوه، فخرجوا عن بكرة أبيهم، وتجهَّزوا مسرعين، وكان عددهم ألفًا وثلاثمائة وتسعة عشر مقاتلًا، وكان معهم مئة فرس وستمائة من الدروع، وجِمال كثيرة، وكانوا بقيادة أبي جهل - لعنه الله - بينما المسلمون ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فهي معركة غير متكافئة في العدد والعتاد؛ ولكن الله تعالى نصر نبيَّه وأولياءه على أعدائه، وأظهر الحق وأزهق الباطل، ولله الحمد والفضل والمنة، وهو القوي العزيز. ولعلنا نذكر شيئًا من الدروس والعبر فيما سبق، ونستكمل بإذن الله تعالى تلك الغزوة العظيمة في الحلقة القادمة، فمن الدروس في ذلك ما يلي: الدرس الأول: في غزوة بدر ظهر فضل هؤلاء الصحابة المشاركين في الغزوة، ويطلق عليهم البَدْريُّون، حيث وجبت لهم الجنة أو المغفرة كما في الحديث الصحيح، وهذا من فضل الله تعالى عليهم؛ حيث طلبوه فأعطاهم عز وجل، فَلْنَلْتَمِس نحن فضل الله تعالى وعطاءه في كل ما يُقرِّبنا من الله عز وجل من صلاة وصيام وصدقة وبِرٍّ وذِكْرٍ وغيرها، فإن الأعمال الصالحة لا تُحصَى كثرةً، فيا أخي الكريم، اجعل لك مع كل طاعة منهجًا ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، لعَلَّ اللهَ أن يفتح لك من فضله، وإذا فتح لك ذلك الباب من الخير، فاستثمره واشكُر الله تعالى وادْعُ إليه الآخرين، واستفتح أبوابًا أخرى فإن الرب شكور، فإن فعلتَ ذلك فقد سَلَكْتَ طُرُقًا إلى الجنة كما سَلَكَها هؤلاء الصَّحْبُ الكِرامُ، وغُفِرَت ذنوبُك؛ لأن الحسنات يُذْهِبْنَ السيئات، وكُنْ جازمًا وعازمًا، فرياض الجنة بين يديك، فاملأ وقتك بما فتحه الله عليك من الطاعات لتملأ ميزانك من الحسنات فتَقَرَّ عينُك يوم القيامة. الدرس الثاني:إن قتال الملائكة مع المؤمنين في بدر شاهد كبير وظاهر على معية الله تعالى لعباده المؤمنين، ينصرهم ويسددهم ويعينهم، وإن كان ذلك في القتال فإن معية الله تعالى لعباده بالنصر والتسديد والإعانة تكون بأعمال أخرى يسيرة، ومن أهمها ذكر الله تعالى؛ حيث ورد في الحديث القدسي: ((وأنا معه إذا ذكرني))، فعليك أخي الكريم بكثرة ذكر الله تعالى حتى وأنت تقضي حاجاتك خارج بيتك من شراء وبيع ومعاملات ومراجعات وغيرها، فإن الله تعالى يكون معك فيأتيك العون والتسديد من حيث لا تشعر، فما بال أحدنا إذا خرج من بيته لحاجته أو مراجعة دائرة من الدوائر أو في أي شأن من شؤونه تجده ساكتًا صامتًا إلا من رحم الله. إن هذا الذكر هو سبب لمعية الله، فاحرص عليه وأكثر منه، وهذا زيادة على الأجر الذي تحصل عليه، فما أسعدك حينما تدخل وتخرج وأنت ذاكر لله تعالى وهو يسمعك ويراك ويعلم حاجتك! فأبشر بالتيسير. الدرس الثالث: إن النبي صلى الله عليه وسلم عندما أراد الخروج استشار الصحابة رضي الله عنهم مع أنه رسول رب العالمين والمؤيد بالوحي، وهذا يعطينا أهمية الاستشارة، وقد قال الله تعالى: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾ [آل عمران: 159]، فالاستشارة في فعل الشيء تجمع لك مع عقلك عقول الآخرين، ولا شك أن جمع آراء العقول أكثر سدادًا في الرأي، وربما أشاروا عليك بشيء لم يكن في خَلَدك، فلا تدع الاستشارة في جميع أمورك، وأيضًا كذلك استخر الله عز وجل، فمن استشار واستخار لم يندم، في حين أن بعض الناس يعمل أعمالًا كثيرة ولا تخطر في باله الاستشارة، ثم يجد بعد ذلك مَن يوبِّخه أو يشير عليه بغير فعله، وعلى المستشار أن ينصح له في رأيه، وذلك قبل الفعل، أما إن استشارك بعد الفعل فبارك له عمله، وادْعُ له، وإن كنت ملحًّا في إبداء رأيك المخالف لفعله فليكن برفْقٍ وأحسن عبارة وألطف إشارة، ولا تُكرِّر عليه الرأي، فإن رأيت منه ندمًا فبارك له رأيه، وافتح له إيجابيات في رأيه، وأظهر له ما استحسنته فيه ليفرح به. الدرس الرابع: إن استجابة الصحابة رضي الله عنهم لنداء الرسول صلى الله عليه وسلم للخروج للعير كانت سريعةً وبقوةٍ، وهكذا المؤمن يستجيب لله ورسوله عليه الصلاة والسلام، ونحن قد نادانا اللهُ تعالى كثيرًا بقوله: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [البقرة: 278] وغيرها من نداءات المؤمنين في القرآن؛ كترك الربا والتزام الصدق، وكثرة الذكر والتثبُّت من الأخبار والقول السديد وغيرها كثير، فلتكن استجابتنا قويةً وسريعةً ما دمنا في زمن الإمكان ليزداد إيماننا، ويحسن سلوكُنا، وتسلم قلوبُنا، ونرضي ربَّنا، ونقتدي بنبيِّنا عليه الصلاة والسلام، أما إن تأخَّرْنا عن الاستجابة فسنكون مصيدةً للشيطان، نعوذ بالله منه، فتأمَّل نفسَك وواقعك، وصحِّح مسارك قبل ألا يكون لديك فرصة لتصحيح المسار. الدرس الخامس: حيث إن غزوة بدر في رمضان، فكان الصحابة رضي الله عنهم خرجوا صائمين، فبعضُهم أفطر، وبعضُهم بقي على صيامه، فخروجُهم وصيامُهم يُعطينا درسًا عظيمًا في الصبر، واعلم أخي الكريم، أنك لن تنال مُناك إلا بالصبر سواء في دينك أو دنياك، فإذا أردت فعل شيء وثقل عليك فلا يكن الحل هو تركه؛ وإنما الحل هو الصبر عليه؛ لأن عاقبة الصبر أحلى من العسل، وبعد العمل المصاحب للصبر سيجد ذلك العامل نشوةً عاليةَ ولذةً جميلةً ومخرجات طيبة، وهذا يشهد له واقع الصابرين سواءً كان الصبر على طاعة الله أو عن معصية الله أو على أقدار الله تعالى أو على أمور الدنيا ومشاغلها أو على تربية الأولاد والنفس، فالصبر كُلُّه ممدوح، ومخرجاته كلُّها دروس لهذا الصابر، فلنكن كذلك بوركتم ووفقتم. الدرس السادس: حرص الصحابة رضي الله عنهم على مرضاة الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، فقد تقدَّموا للقتال وهم صغار، يرجون ما عند الله تعالى، وبعضهم يبكي عندما ردَّه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فلماذا لا نُسارع - إخواني الكرام - إلى مرضاة الله تعالى في صلواتنا، وقيامنا، وصيام النفل، وصدقات التطوُّع، وفعل المعروف وغير ذلك؛ ليكون أولادنا كذلك، فما أجمل الحرص مع المسارعة إلى الطاعة عند الصغير والكبير! الدرس السابع: في قصة عمير بن الحمام عندما ترك تلك التمرات التي بيده واستطول الحياة إن هو جلس يأكلها فيها درس لقصر الأمل، فالحياة كُلُّها قصيرة، فاستثمرها بالطاعة؛ ولهذا يقول ابن السماك: الدنيا قليل، ولم يبق منها إلا القليل، وليس لك مما بقي إلا القليل، ولم يبق أيضًا من قليلك إلا القليل. فاستثمر وقتك بإصلاح نفسك والزُّلفى إلى ربِّك لعلَّكَ تحظى برحمة الله تعالى، ثم بدخول الفردوس الأعلى بفضل الله عز وجل. الدرس الثامن:في أول معركة بَدْر وبعد الإعداد والتأهُّب بدأ النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربَّه، ويلتجئ إليه، وفي هذا درس عظيم في أن ندعو الله عز وجل في جميع شؤوننا صغيرها وكبيرها، فكل شيء تريد فعله فادْعُ اللهَ عز وجل تيسيره، فلو لم يُيسِّره الله عز وجل لم يتيسر، وإذا تيسَّر أيضًا، فاحمد الله عز وجل على ذلك التيسير، فستجد نفسَك تدعو وتحمد خلال حياتك بملايين المرات، وهذا فضل عظيم وأجر جسيم وكبير تجده في موازينك يوم القيامة فادْعُ الله في جميع أحوالك في حين أن البعض من الناس - هداهم الله - مُقللون جدًّا في هذا الجانب، ويشكون النقص، فيقال لهم: اتجهوا إلى مولاكم، فقد ناداكم لتدعوه فيجيبكم فضلًا منه وكرمًا، وأنت إذا دعوت الله عز وجل، فلن تخيب من تلك الدعوات، فلك بدعواتك إحدى ثلاث؛ الأولى: إما أن تُعطى ما سألت، الثانية: أن يُدفَع عنك من السوء مثلها، الثالثة: أن تُدَّخَر لك تلك الدعوات حسنات في ميزانك، فأنت رابح في جميع أحوالك، ونعتب كثيرًا على بعض إخواننا وأخواتنا في قلة دعائهم عندما لا يحصل لهم ما سألوا أن يتركوا الدعاء بحجة أنه لا يستجاب لهم، وهذا من قلة الفقه والعلم، ووالله ثم والله، لو علم هؤلاء ما دفع الله عنهم من البلاء وما ادَّخَره لهم من الأجور لضاعفوا جهودهم في الدعاء، ولأكثروا من دعاء ربهم عز وجل في جميع أحوالهم، فلنُكثر أيها الأخوة والأخوات من دعاء الله عز وجل، فهو من أفضل العبادات وأجلِّها، وابدأوا دعاءكم بالحمد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتوسُّل بالاسم الأعظم الحي القيوم أو يا الله، وأبشروا بعد ذلك بالخير العظيم من الله عز وجل اللطيف الحنَّان المنَّان. أسأل الله تبارك وتعالى أن يتقبَّل مِنَّا أعمالنا، وأن يصلح قلوبنا ونيَّاتنا وذرياتنا والمسلمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (13) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثالثة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والوثيقة مع اليهود بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلي وأسلم على مَن أُرسِل رحمةً للعالمين، وعلى آله وصَحْبه والتابعين، وبعد: إخواني الأكارم، ذكرنا في الحلقة الماضية الأحداث والمواقف في طريق الهجرة من مكة إلى المدينة، وأيضًا ذكرنا صورًا من إسلام بعض الصحابة رضي الله عنهم، وأيضًا تعرَّضنا لمسجد قُباء وفضله، وذكرنا شيئًا من دلائل النبوة ومعجزاتها، وبذلك نكون انتهينا من العهد المكي، ونزدلف الآن إلى العهد المدني في حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث أمضى النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ثلاثةَ عشرَ عامًا، تلوَّنَتْ تلك الأعوامُ بالأفراح والأتراح في المجال الدعوي، وبقي من عمر النبي صلى الله عليه وسلم عشر سنين أمضاها في المدينة، وفيها شُرعت أكثر الأحكام الشرعية، وانتشر الإسلام في الأرض، وفتح الله تعالى على نبيِّه وعباده فتوحًا عظيمة، وحصلت الغزوات والمعارك. وكان بداية ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج من مكة وعلِمَ بذلك أهلُ المدينة كانوا يخرجون صبيحة كل يوم ينتظرون قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا اشتدَّ الحَرُّ رجعوا، فلما كان في يوم الاثنين سنة أربع عشرة من البعثة، وهي السنة الأولى من الهجرة خرجوا كعادتهم، فلما اشتدَّ الحَرُّ رجعوا، وبعد رجوعهم صعد رجلٌ من اليهود على بيته لحاجة له، فنظر فإذا شيء قادم، فاتَّضحه فإذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَحْبه الكِرام رضي الله عنهم، فقال: يا معشر العرب، هذا جَدُّكم الذي تنتظرونه، فثار المسلمون في حَرِّ الشمس وأخذوا السلاح، فتلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصَحْبه الكِرام بظَهْرِ الحَرَّة، ولهم تكبير رجَّ المكان فتلقَّوه وحيَّوه وصَحْبَه، وكان بعضهم لا يعرف الرسول صلى الله عليه وسلم، فلما ظلَّله أبو بكر عن الشمس عرَفوا أنه هو الرسول عليه الصلاة والسلام، فغامرتهم الفرحة وغشيتهم السكينة، وظهر في أسارير وجوههم السرور، واتَّضح ذلك كثيرًا وقد استقبلوه خارج المدينة، فمَشَوا معه حتى دخل المدينة عليه الصلاة والسلام، وهم عن يمينه وشماله متقلِّدو سيوفهم، وكلَّما مرَّ على قوم رحَّبُوا به وطلبوه أن ينزل عندهم، فيقول لهم عليه الصلاة والسلام: ((خَلُّوا سَبيلَها فإنَّها مأمُورةٌ)) - يعني ناقته - وكان قد مَرَّ على أربعة أقوام قبيل المدينة كلهم يقول له ذلك، فيرُدُّ عليهم: ((خَلُّوا سَبيلَها فأنَّها مأمُورةٌ))، حتى دخل المدينة عليه الصلاة والسلام، وكان ذلك مساء يوم الجمعة في جوٍّ مشحونٍ بالفرح والسرور والبهجة، وكان يومًا تاريخيًّا مشهودًا ارتجَّتْ له المدينة بالتحميد والتكبير حتى إن النساء فوق البيوت يتراءونه يقلْنَ: أيهم هو؟ أيهم هو؟ وقال البراء بن عازب: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء مثل فرحهم هذا، ولم تزل ناقتُه عليه الصلاة والسلام تسير به حتى أتَتْ إلى دار بني مالك بن النجار، وهو موضع المسجد النبوي اليوم، فبركَتْ عنده، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هذا إنْ شاءَ اللهُ المنزل))، أمام دار أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((أيُّ بيوتِ أهلِنا أقْرَبُ?)) فقال أبو أيوب رضي الله عنه: أنا يا نبي الله، هذه داري، وهذا بابي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((فانطلِقْ فهيِّئ لنا مَقيلًا))، فاحتمل أبو أيوب رَحْلَ النبي صلى الله عليه وسلم، فوضَعه في بيته، فجاء رجل بعد ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أين تحلُّ يا رسول الله? فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المَرْءُ مع رَحْله))، وأخذ أسعد بن زرارة راحلة النبي صلى الله عليه وسلم إلى داره. وقد أقام النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب سبعة أشهر، وقيل: شهرًا واحدًا، ثم انتقل إلى مساكنه قرب المسجد، فما أحسَنَ حظَّ أبي أيوب! وما أكرم الضيفَ عليه الصلاة والسلام! ولم تقتصر تلك الفرحة بقدومه صلى الله عليه وسلم إلى المدينة على المسلمين فقط؛ بل شملت نفرًا من أهل الكتاب، فهذا عبدالله بن سلام رضي الله عنه وكان حين قدوم النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يهوديًّا، فيقول عبدالله بن سلام: جئت لأنظر إليه فعرَفتُ أن وجهه ليس بوجه كذَّاب، وكان أول ما سمِعْتُه منه قوله: ((يا أيُّها الناسُ، أفْشُوا السلامَ، وأطْعِمُوا الطعامَ، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناسُ نيام، تدخلوا الجنةَ بسلامٍ)). وكانت أول جمعة صلَّاها صلى الله عليه وسلم بالمدينة هي التي كانت في حي بني سالم بن عوف، وعندما نزل النبي صلى الله عليه وسلم عند أبي أيوب نزل في القسم السفلي وأبو أيوب وزوجته في القسم العلوي، فقال أبو أيوب لزوجته: كيف نمشي فوق رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك أثناء الليل فتنحَّوا جانبًا من البيت حتى أصبحوا، ثم ذكر أبو أيوب ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أن يكون الرسول في الأعلى وهو في الأسفل، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((السُّفْلُ أرْفَقُ بنا وبمَنْ يَغْشانا)) ثم لم يزل أبو أيوب يرجوه ويُلِحُّ عليه في ذلك حتى صعد النبي صلى الله عليه وسلم في الأعلى، وكان أبو أيوب إذا أخذ فضلة العشاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم تيمَّم هو وزوجته مكان يده عليه الصلاة والسلام، فأكل منها رجاء البركة. وعندما كان النبي صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب بعث زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم ليأتياه بأهله، فقدما رضي الله عنهما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وأيضًا قدما بزوجته سودة بنت زمعة وغيرهن. فقدموا المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت أسماء بنت أبي بكر حين هاجرت حاملًا بابنها عبدالله بن الزبير، فلما نزلت قُباء ولدَتْه، فأتت به النبي صلى الله عليه وسلم فحَنَّكَه؛ حيث مضغ النبي صلى الله عليه وسلم التمرة ثم أخذ منها ووضعه في فم عبدالله بن الزبير فحَنَّكَه بها، فكان من أوائل ما دخل إلى جوف عبدالله بن الزبير هو ريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا له وباركه، وسمَّاه عبد الله، فكان هو أول مَن ولِدَ في الإسلام بعد الهجرة؛ رواه البخاري. وفي شهر شوال من السنة الأولى من الهجرة تزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة وقد رآها في المنام، فقال عليه الصلاة والسلام بعد تلك الرؤيا: ((إنْ يَكُ هذا من الله يُمْضِهِ))؛ رواه البخاري ومسلم، وهي البِكْر الوحيدة من زوجاته عليه الصلاة والسلام، وقد دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم ضُحى وهي بنت تسع سنين، وكانت كنيتها أم عبدالله، والذي كنَّاها بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم وهي لم يولد لها قَطُّ، وكانت وليمتها مختصرة جدًّا تقدر بالجفنة من الطعام، أتى بها سعد بن عبادة رضي الله عنه؛ أخرجه الإمام أحمد، وحين استقر النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة عمد إلى تأسيس لهذا المجتمع المسلم يقوم على أعمدة ثلاثة؛ الأول: بناء المسجد، والثاني: المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، والثالث: المعاهدة مع اليهود في المدينة، فكان بناء المسجد هو أول الأعمال التي قام بها في المدينة؛ حيث هو الشعار الكبير للمسلمين والإسلام، فهم يجتمعون فيه مرارًا في اليوم والليلة لتأدية تلك الفريضة العظيمة الصلاة. فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا غلامين من بني النجَّار وهما صاحبا الأرض التي عليها المسجد فساومَهما على ثمنها، فقالا: نَهِبُها لك يا رسول الله، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا بالثمن، فابتاعها منهما بعشرة دنانير، وكانت قبلته إلى بيت المقدس؛ لأنه في أول الأمر قبل أن تتحوَّل القبلة إلى الكعبة كانت إلى بيت المقدس، وتم بناء المسجد، وكان طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع- أي: خمسون مترًا - فهو مربع الشكل، وفي عهد عمر تمت زيادة المسجد، وقد قال عمر عند أمره ببناء المسجد وتوسعته لمن يبنيه، قال له: إياك أن تحمِّر أو تصفِّر، فتفتن الناس – أي: نهي لهذا البنَّاء عن الزخرفة - فهو نهي من عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الزخرفة المشغلة للمصلِّين، وكذلك في عهد عثمان بن عفان زاد فيه كثيرًا فكان المسجد مركزًا للمسلمين للتآلف والتشاوُر، يسلم فيه فئام من الناس، وفيه إيواء الفقراء؛ كأهل الصُّفَّة، ويُقابَل فيه الوفود، وتُصدَر فيه الأحكام، وتنطلق منه الراياتُ، وتنعقد فيه حِلَقُ الذِّكْر والعلم. وذكر البيهقي رحمه الله أن بناء المسجد قد استغرق اثني عشر يومًا، وبعد الفراغ من المسجد تم بناء الحجرات لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وقد استغرق هذا البناء لهذه الحجرات أيامًا قليلة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس مستندًا إلى جذع نخلة، فلما كثُر الناس وكان ذلك بعد غزوة خيبر أشار عليه أصحابه رضي الله عنهم، فقالوا: لو اتخذت شيئًا تخطُب عليه؟ فأمر ببناء المنبر، فلما قام على المنبر حَنَّ الجذعُ وأصدر صوتًا كصياح الطفل، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم ومسَحَه فسَكَن، وفي المسجد الروضة الشريفة حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياضِ الجنةِ، ومنبري على حوضي))؛ رواه البخاري ومسلم، قال ابن حجر في الفتح في معنى ذلك: أي تلك البقعة كروضة من رياض الجنة في نزول الرحمة وحصول السعادة، أو أن يكون الحديث على ظاهره بأن تلك البقعة تنتقل في الآخرة إلى الجنة. والصلاة في المسجد النبوي بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألْفِ صلاةٍ فيما سواه إلا المسجد الحرام))؛ متفق عليه، وهي تعادل أكثر من ستة أشهر فيما سواه، ومن أسماء المدينة طابة، ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ سمَّى المدينةَ طابة))؛ رواه مسلم، وسمَّاها النبي صلى الله عليه وسلم طيبة، وقد نهي عن تسميتها يَثْرِب، قال ابن حجر: لأن كلمة يَثْرِب هي من التثريب، وهو التوبيخ، أو من الثرب وهو الفساد، وكلاهما مستقبح على المدينة. إخواني الكرام، لعلنا نستخرج بعض الدروس والعِبَر والفوائد مما سبق ذكره، نستكمل مادتنا العلمية في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: حرص الصحابة رضي الله عنهم على استقبال النبي صلى الله عليه وسلم عند قدومه المدينة، وكان ضيفًا عليهم وأكْرِمْ به من ضيف وصحبه الكرام! والدافع لهم في ذلك هو التقرُّب إلى الله تعالى بمحبة هذا النبي الكريم واتِّباعه والإيمان به، ومن حُسْن استقبالهم له وحفاوتهم به خرجوا من المدينة لاستقباله عليه الصلاة والسلام، ومَشَوا معه داخلين إلى المدينة، وفي هذا درس في استقبال الضيوف خصوصًا إذا كانوا من أهل العلم والكِبار والوجهاء وأهل الإحسان بأن يكون الاستقبال محفوفًا بالاهتمام، فإن ذلك يُدخِل السرور، ويُوجِب المحبة، ويسلم الصدور، ويبهج النفس، وذلك بعكس المعهود السلبي عند بعض الناس حيث يستقبل ضيوفه ببرودة وغير اهتمام؛ مما يجعل الضيف قد لا يعود مرةً أخرى، وقد اشتاق الأنصار للالتقاء بالنبي صلى الله عليه وسلم فحصل لهم ما اشتاقوا إليه، وحقَّ لهم ذلك؛ فهو سيِّدُ ولد آدم، وأفضل خَلْق الله تعالى، ورسول ربِّ العالمين عليه الصلاة والسلام. الدرس الثاني: لقد فرح الصحابة رضي الله عنهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فرحًا شديدًا؛ حيث تخلَّص من أذية قريش، وجاء إلى مَن ينصره ويرفع راية دينه، فإن كان الصحابة رضي الله عنهم فعلوا ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم حال وجوده بين أظهرهم، فلنفرح نحن في زماننا هذا بسُنَّته عليه الصلاة والسلام تطبيقًا لها ودعوة إليها، ومنابذة لمن يُعاديها وتربية لأولادنا وأنفسنا عليها ودفاعًا عنها، وإننا إذ نفعل ذلك فهو مقدورنا وما قدَّره الله لنا، وأيضًا عندما نفعل ذلك فإننا لنرجو أن نفرح بلُقْياه عليه الصلاة والسلام في الآخرة ونُحشَر في زمرته وتحت لوائه، فاستمسكوا بسُنَّته وعضُّوا عليها بالنواجذ في أقوالكم وأفعالكم وأعمال قلوبكم، فهذا من أعظم أسباب الثبات على دين الله تعالى، وقوموا بتربية أولادكم على ذلك باستحداث البرامج التربوية داخل أُسَركم وبيوتكم، وذلك كتحفيظ أولادكم لأذكار اليوم والليلة، ودلالتهم على عمل اليوم والليلة؛ كصلاة الضُّحى والسُّنَن الرواتب، وصلاة الوتر، وغيرها من التطوعات، وقد يتسلسل ذلك إلى أحفادكم، ويكون صدقةً جاريةً لكم، فافرحوا بهذا كما فرح الصحابة رضي الله عنهم بلُقْيا النبي صلى الله عليه وسلم. الدرس الثالث: تأمَّل من خلال السيرة كيف أن الله عز وجل يُؤتي فضلَه مَن يشاء، نسأل الله تعالى من فضله، وذلك بعمل مقارنة سريعة بين أهل مكة وهم قريش، وأهل المدينة وهم الأنصار، فالجميع خَلْق من خَلْق الله تعالى؛ ولكن الله عز وجل أسدى فضله وعطاءه للأنصار في المدينة، وحرَمه قريشًا في مكة، فإن الأنصار في المدينة نصروا النبي صلى الله عليه وسلم واتَّبعوه ووقَّرُوه وعزَّروه وأطاعوه، بينما قريش في مكة آذَوْه وحاربوه وطردوه وكفَروا به، فما حجم الفرق بين الفريقين؛ فريق في الجنة، وفريق في السعير، فعندما تتأمَّل تلك المقارنة فإنك تسأل الله تعالى التوفيق والثبات على الحقِّ في الدارين. الدرس الرابع: في موقف أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم في منزله، حيث أشار أبو أيوب على النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون النبي في الأعلى وأبو أيوب في الأسفل وليس العكس، وذلك كله تقديرًا واحترامًا ومهابة للنبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان أبو أيوب فعل ذلك مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلنعمل نحن ذلك مع سُنَّته صلى الله عليه وسلم محبةً له وتوقيرًا ومهابةً، وذلك في تطبيقها والدعوة إليها والتربية عليها وعدم مخالفتها وتمام الإيمان بها. الدرس الخامس: في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من عائشة وهي ابنة تسع سنين دليلٌ كبيرٌ على جواز تزويج الصغيرات إذا كُنَّ يعقلْنَ الأمر ويفهمْنَه، ودرس لجميع الأولياء الكِرام الذين تبقى بناتُهم ومولياتهم حبيسات البيوت سنين طويلة؛ نظرًا لشروط يتطلبونها هم أو بناتهم، فيا معاشر الأولياء كما تبحثون لأبنائكم عن زوجات، فابحثوا لبناتكم عن أزواج أكْفاء، ولا تزيدوا في شروط لا داعي لها، فليس من صالح الجميع أن تتأخر الفتاة أو يتأخر الشابُّ في الزواج، فالتأخُّر له سلبياته التي تتزايد كلما زاد ذلك التأخر، فالكمال عزيز، فلا بُدَّ من التنازل غير المخل والتفاؤل مطلب الجميع، وهناك زواجات عديدة لم يكمل انعقادها وتمامها؛ بل انتهت أثناء الخطبة، وكان السبب في ذلك شروطًا لا داعي لها ولا تستحق أن يُطلق عليها ثانويات، ناهيك أن تكون ضروريات، فيا معاشر الأزواج والزوجات والآباء والأمهات خفِّفُوا من شروطكم واسْعَوا إلى استثمار الخطاب ما أمكن، وعيشوا حالة التفاؤل ولا بُدَّ من مراعاة كل طرف للآخر، بارك الله لكم وفيكم، وجعلكم مباركين أينما كنتم. الدرس السادس: إن من أعظم النساء بركةً أيسرهُنَّ مؤونة، وقد كانت وليمة عائشة رضي الله عنها تقدر بالجفنة من الطعام، أتى بها سعد بن عبادة، وأيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالرحمن بن عوف: ((أوْلِمْ ولو بشاةٍ)) وعندما نُلقي نظرةً على الواقع نجده أحيانًا أليمًا وموجعًا أن تكون الولائم أضعافًا مضاعفة للحاضرين، وربما أن المتبقي منها قد لا يُستفاد منه كما ينبغي، وهذا من طِباع بعض الناس هداهم الله، أما أناس آخرون فقد قدروا تلك النِّعَم فلم يزيدوا إلا القليل، واستفادوا من ذلك المتبقي للفقراء والمحتاجين عن طريق الجمعيات الخيرية وغيرها، فحَريٌّ بنا جميعًا الابتعاد عن الإسراف ما أمكن سواء في الوليمة أو في مقدماتها من المأكولات الشعبية والمحلية. الدرس السابع: أهمية المسجد في حياة المسلم، فهو يتردَّد عليه مرارًا في اليوم والليلة، فعلينا التعرف على فضائله، فالمكث فيه عبادة، فتدعو الملائكة لك وتُصلِّي عليك، وهو في صلاة ما انتظر الصلاة، وأيضًا صلاة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم هي خيرٌ من ألف صلاة، فهي تعادل في غيره ستة أشهر عدا المسجد الحرام، والمسجد مصدرٌ للعلم والتعلُّم والتواصل والتكافل، فلا يكن المسجد فقط لأداء صلواتكم؛ بل امكثوا فيه في مبادرتكم للصلوات، وكذلك امكثوا بعدها وتعلَّمُوا فيه، وعلى أئمة المساجد ومؤذنيها - حفظهم الله وسلَّمَهم - أن يستشعروا تلك المسئولية من حيث تحقيق المقاصد الشرعية مما كُلِّفوا به والحرص على التوافق ونبذ الخلاف وتحقيق الائتلاف، وعليهم - وفقهم الله - إحياء مساجدهم بالكلمات الوعظية عن طريق الجمعيات الدعوية، وأيضًا من خلال حديث العصر والعشاء، فلهذه المصالح ونحوها بدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالمسجد حال وصوله المدينة. الدرس الثامن: لما وسَّع عمر بن الخطاب رضي الله عنه المسجد نهى ذلك البَنَّاء أن يزخرف المسجد حتى لا يكون مُشغِلًا للمُصلِّين، وفي هذا درس عظيم لأصحاب الخير والإحسان الذين يقومون ببناء المساجد في عدم الإسراف وإزجاء الأموال في زخرفتها وتحسينها أكثر مما يلزم، ففي هذا مفسدتان: المفسدة الأولى إشغال المصلي بتلك الزخافة الزائدة، والمفسدة الثانية ضياع المال على شيء ليس له مردود، وكلا الأمرين خسارة، فعلى المحسنين ونحوهم أن تكون أموالهم مصروفةً في مكانها الصحيح، فالمساجد تختلف عن البيوت والقصور والمتاحف، فهي ليست مكانًا للزخرفة والنقوش الزائدة؛ ولذلك قال عمر لمن يبني: لا تحمِّر ولا تصفِّر، فتفتن الناس، وهذا أمر واقع، فكثرةُ الزخرفة هي فتنة ومشغلة للمُصلِّين. الدرس التاسع: إثبات معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي حنين ذلك الجِذْع وهو جماد، فكيف صدر منه هذا الصوت؟! فهو أمر خارق للعادة، فسبحان الله ما أعظمَه! لذلك كان معجزة لهذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وذلك كسلام الحَجَر والشَّجَر عليه في مكة، فمعرفة معجزاته عليه الصلاة والسلام تزيد من الإيمان به، وهي سببٌ من أسباب الثبات على الدين. إن من يتأمَّل تلك المعجزات يقوى إيمانُه بقدرة الله تبارك وتعالى وبرسوله عليه الصلاة والسلام، وكم هو جميل أن يكون للأسرة الكريمة مجلسٌ ولو أسبوعيًّا في قراءة تلك المعجزات والتعليق عليها، فهو خيرٌ عظيمٌ لهذه الأسرة. أخي الكريم، إن تأمُّلَك وقراءاتك في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم تعطيك بإذن الله تعالى دروسًا علمية وعملية، فحافظ على ذلك مقتديًا به متأسيًا به، ومما يُقترح عليك في ذلك قراءة كتاب الرحيق المختوم للمباركفوري، فهو كتابٌ قيِّمٌ ومفيدٌ، وقد حصل على الدرجة الأولى في المسابقة العالمية، فأسلوبُه سهلٌ ومادَّتُه متميزة. أسأل الله تبارك وتعالى التوفيق للجميع، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#3
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (14) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الرابعة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) بداية السرايا والبعوث وبعض الأحكام الشرعية بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم وبارك على خير رُسُلِه وأنبيائه وعلى آله وصَحْبه أجمعين. وقد ذكرنا في الحلقة الماضية إخواني الأكارم ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة مهاجرًا، فأوَّل ما بدأ به بناء المسجد، ثم المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ثم حدَّد موقفه عليه الصلاة والسلام من اليهود، وكتب الوثيقة بينه وبينهم، وتعرَّضْنا أيضًا لشعيرة الأذان وكيف شُرعت، وتعرَّضْنا أيضًا لبعض الأحكام الشرعية في أول الهجرة، ونستكمل حديثنا في تلك الحلقة في غزوات النبي صلى الله عليه وسلم ومعاركه وسراياه، فحين استقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم وبنى مسجده وآخى بين أصحابه، وعاهد اليهود، بدأ بعد ذلك بخطوات عملية أخرى يكسب من خلالها نشر ذلك الدين والدعوة إليه، وفي الوقت نفسه أيضًا تنزل التشريعات الربانية على نبيِّه عليه الصلاة والسلام في بيان عبادتهم وفي تزكيتهم، ومن ذلك الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم بَعْثُ السرايا والغزوات، وجهاده الأعداء، وترتيبه جيشه، فإن قريشًا لا تزال تمثل عدوًّا للمسلمين، ولا يزال يحيط بالمدينة عددٌ من القبائل تدين بالولاء لقريش. وهؤلاء يمثلون خطرًا على المدينة، وحتى يأمن النبي صلى الله عليه وسلم شرَّهم شكَّل مجموعة من السرايا والغزوات؛ وذلك لتهديد قريش في طريقها إلى الشام من جهة المدينة، وضرب اقتصادها، وأيضًا إبراز قوة المسلمين وتهيئتهم، وقد ذكر ابن سعد رحمه الله أن عدد الغزوات اثنتان وسبعون غزوة، وكانت الغزوات التي قاتل فيها النبي صلى الله عليه وسلم تسع غزوات؛ وهي: بَدْر، وأُحُد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، وخيبر، وفتح مكة، وحُنين، والطائف، وقد نزل القرآن متحدثًا عن هذه الغزوات الكبار، ففي غزوة بَدْر نزل كثير من سورة الأنفال، وفي غزوة أحد نزل قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ ﴾ [آل عمران: 121] الآيات، وفي الخندق وقريظة نزل صدر سورة الأحزاب، وفي شأن الحديبية وخيبر نزلت سورة الفتح، وأشير أيضًا إلى فتح مكة في سورة النصر، وفي غزوة حُنين وتبوك نزلت آيات من سورة التوبة، وفي بني النضير شيء من سورة الحشر، وهكذا ينزل القرآن في شأن حروب المسلمين موضحًا الأحكام، مُثبِّتًا لهم، مُعزِّزًا لمواقفهم، مُبيِّنًا أحوالهم. وقد قاتلت الملائكة في غزوة بدر، قيل: كذلك في أُحُد وحُنين، وكذلك نزلت في غزوة الخندق، فزلزلوا المشركين، وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم في أول الهجرة ينذر بالدعوة بغير قتالٍ، صابرًا هو وأصحابه رضي الله عنهم على كيد المشركين وأذاهم؛ حيث يقول الله تبارك وتعالى: ﴿ فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [الحجر: 94]، ويقول الله عز وجل: ﴿ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ﴾ [البقرة: 109]. فلما قويت شوكة المسلمين، واشتدَّ ساعِدُهم أنزل الله عز وجل الإذن بالقتال؛ حيث قال الله تعالى: ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ ﴾ [الحج: 39] الآيات، قال ابن عباس رضي الله عنه: هي أول ما نزل في الإذن بالقتال، وأول ما بدأ القتال بدأ ببعث البعوث والسرايا، والسرايا جمع سَريَّة؛ والمراد بالسرية: هي طائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة من المقاتلين، في السنة الأولى أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سَريَّةً بقيادة حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه في ثلاثين راكبًا من المهاجرين، فخرج بهم حمزة، وكان هدفهم اعتراض عِيرٍ لقريش قادمة من الشام تريد مكة، ثم تتابعت السرايا بعد ذلك واحدة تِلْوَ الأخرى لقتال المشركين، ثم في السنة الثانية من الهجرة بدأت الغزوات، وهي أكبر وأكثر عددًا من السرايا والبعوث، وهذا يدل على قوة المسلمين، وأول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم هي غزوة الأبواء، وتسمى وَدَّان، ومكانها بين مكة والمدينة، والأبواء ووَدَّان هما مكانان متقاربان، ففي البخاري: قال ابن إسحاق رحمه الله: أول غزوة غزاها النبي صلى الله عليه وسلم الأبْواء، ثم بُواط، ثم العُشَيْرة، وكانت في شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة، وعددهم سبعون، ثم في ربيع الأول غزا النبي صلى الله عليه وسلم بُواط، وكان عددُهم مائتي رجل، ثم غزوة العُشَيْرة في جمادى الآخرة، وكان عددهم مائة وخمسين رجلًا في ثلاثين بعيرًا، ولم يقم النبي صلى الله عليه وسلم بعدها في المدينة إلا ليالي معدودة، حتى نزل عدد من التشريعات والأحكام تبيينًا لهذه الأُمَّة لأمر دينها، وتشريعًا لأحكامه. ففي هذه السنة الثانية حصل عدد من الأحكام الشرعية، وعدد من الغزوات والسرايا والبعوث، فمن الأحكام ما يلي: أولًا: تحويل القبلة، ففي النصف من شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة أمر الله عز وجل بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة في المسجد الحرام في مكة، فقد أخرج البخاري ومسلم عن البراء بن عازب قال: صلَّينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو بيت المقدس ستةَ عشرَ شهرًا، أو سبعةَ عشرَ شهرًا، ثم صُرِفنا إلى الكعبة؛ رواه البخاري ومسلم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يُصرَف إلى الكعبة، فقد كان وهو بمكة يجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس، ثم بعدها صُرِف إلى الكعبة في السنة الثانية، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يرفع طرفه إلى السماء، ويدعو ربَّه بذلك، فأنزل الله تعالى عليه قوله: ﴿ قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، وأول صلاة صلَّاها إلى الكعبة هي صلاة العصر، كما عند البخاري، وقد تأخَّر الخبر عن أهل قُباء، فلم يصِلْ إليهم تحويل القبلة إلا في وقت الفجر، فقد أخرج البخاري ومسلم عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: بينا الناس بقُباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آتٍ، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أُنزِل عليه الليلة قرآن، وقد أُمِر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام، فاستداروا إلى الكعبة؛ رواه البخاري ومسلم. وحصل مثل هذا لقوم من الأنصار قرب المدينة في صلاة العصر، فانحرفوا نحو الكعبة كما عند البخاري، وفي حديث تحويل القبلة حجة قوية في قبول خبر الآحاد، والعمل به؛ حيث إن البعض من الناس يعمل بالمتواتر دون الآحاد، وهذا خطأ كبير وجسيم، فخبر الآحاد إذا ثبت فهو حجة على الخلق أجمعين، وفي تحويل القبلة تخبَّط أهل النفاق واليهود يُشكِّكون، فقالوا: ما لهؤلاء، تارة يستقبلون الشام، وتارة يستقبلون الكعبة؟! فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ﴾ [البقرة: 142] الآية، وأما المسلمون فقالوا: سمِعْنا وأطَعْنا؛ ولكن كيف حال صلاتنا إلى بيت المقدس، وكيف بمن مات وهو يصلي إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى قوله: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ﴾ [البقرة: 143]؛ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس. الحكم الشرعي الثاني الذي شرع في مقدم النبي صلى الله عليه وسلم للمدينة هو صيام يوم عاشوراء، فلما قدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة وجد اليهود يصومون ذلك اليوم، فسألهم، فقالوا: هذا يوم نجَّى اللهُ فيه موسى وقومَه من فرعون وقومِه، فنحن نصومه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((نحنُ أحَقُّ بموسى منكم))، فأمر بصيامه، وجاء في فضله أنه عليه الصلاة والسلام سُئل عن صيامه، فقال: ((يُكَفِّر السنةَ الماضيةَ))؛ رواه مسلم. الحكم الثالث الذي شرع في السنة الثانية هو صيام شهر رمضان، وقد فرض بعد تحويل القبلة بشهر، فهو فُرض في شهر شعبان من السنة الثانية من الهجرة، وكان صيامه على ثلاث مراحل؛ المرحلة الأولى: التخيير بين أن يصومه المسلم، أو يُطعم عن كل يوم مسكينًا، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ﴾ [البقرة: 184]، فمن شاء صام، ومن شاء أفطر وافتدى بإطعام مسكين لكل يوم، المرحلة الثانية: وجوب صيامه، ولا يتناول ذلك الصائم المفطرات إلا فقط ما بين المغرب والعشاء، فإذا دخل وقت العشاء أو نام قبله حُرِّمَت عليه جميع المفطرات إلى الليلة القابلة فوجدوا مشقة كبيرة في ذلك، فجاءت المرحلة الثالثة تخفيفًا على العباد؛ وهي الصيام ما بين الفجر إلى الليل، وهو الذي استقر عليه الحال. الحكم الرابع الذي فرض في السنة الثانية من الهجرة: زكاة الفطر في شهر شعبان، وكان ذلك قبل أن تُفرَض زكاة المال؛ وهي صاع من قوت البلد على الذكر والأنثى، والحُرِّ والعَبْد، والصغير والكبير من المسلمين. الحكم الخامس الذي فرض في هذه السنة: هو زكاة الأموال ذات النصاب، فقد فرضت في هذه السنة؛ الثانية من الهجرة التي هي ركن من أركان الإسلام. إخواني الكرام، هذه أحكام شُرعت في تلك السنة الثانية من الهجرة؛ وهي تحويل القبلة، وصيام رمضان، وصيام عاشوراء، وزكاة الفطر، وزكاة المال، ولعلنا نطرح بعض الدروس والعبر مما سبق، ونستكمل المادة العلمية للسيرة في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى: الدرس الأول: أن المربي حين يأمر من يربيهم بشيء من أمور التربية؛ فإنه يكون قدوةً لهم في ممازجة ذلك العمل الذي أمرهم به؛ وذلك ليقتدوا به في ذلك، حتى يحفِّزهم على العمل، ومأخذ هذا من السيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بقتال عدوِّهم لم يتأخَّر عنهم؛ بل كان قائدًا لهم في ذلك، مُطبِّقًا ما يأمرهم به، وهكذا نحتاج في تربيتنا لغيرنا عندما نُوجِّههم إلى سلوكيات إيجابية، فلنكن نحن أول من يطبق ذلك السلوك؛ ليروا ذلك حتى يطبقوه بأنفسهم، أما إذا صدر الأمر وتخلَّف التطبيق؛ فإن عزيمتهم ستضعُف عند التنفيذ. الدرس الثاني: نزل القرآن مُتحدِّثًا عن الغزوات؛ كبَدْر، وأُحُد، والخندق، وغيرها؛ تثبيتًا للمؤمنين على دينهم، وتقويةً لقلوبهم، فنحن بحاجة ماسة للتأمل والتدبر لتلك الآيات؛ ليقوى تمسُّكُنا بديننا، ويعظم ثباتُنا عليه في خضمِّ تلك الفتن في الليل والنهار، فمن قرأ وتدبَّر وتأمَّل فإنه حريٌّ بأن يستلهم الدروس والعبر، معظمًا لله تعالى، متبعًا لشرعه، ثابتًا على دينه لا تزعزعه الفتن. الدرس الثالث: نزول الملائكة في بعض غزوات النبي صلى الله عليه وسلم تقاتل مع المؤمنين يعطينا درسًا عظيمًا أن الله تعالى مع عباده المؤمنين، ينصرهم ويثبتهم، وييسِّر أمورهم، ويشرح صدورهم، وإن من أكثر ما يكون ذلك مع كثرة ذكر الله تعالى حيث ورد في الحديث القدسي: ((وأنا مَعَه إذا ذَكَرني))، وفي قوله تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾ [البقرة: 152]، فإذا ذكرت الله تعالى ذكرَكَ الله، وكان مَعَك، فكُنْ مُكْثِرًا من ذكر الله تعالى في ذَهابك وإيابك، ولحظات انتظارك، فهو عبادة عظيمة في أجرها، ويسيرة في تطبيقها، فما عليك إلا تحريك لسانك في تسبيح، أو تهليل، أو استغفار، أو قرآن، أو غيره من الأذكار، فلا تغفل عن هذا ليذكرك الله تعالى ويكن معك. الدرس الرابع: في أول الإسلام لم يُؤمَر النبي صلى الله عليه وسلم بالقتال؛ وذلك لقلة المسلمين وضعفهم، وقوة عدوِّهم؛ ولكن بعد أن قويت شوكتُهم، وكثُر عددُهم، وانتشر دينهم جاء الإذن بالقتال، وفي ذلك درس عظيم في عدم الإقدام على الأشياء التي لا يستطيعها الإنسان، ففي حياتنا اليومية نجد الإغراق أحيانًا في أشياء لا نستطيعها، وهي مكلفة لنا، وفوق طاقتنا، ومع ذلك نفعلها، فلو تم تأجيلها حتى يتسنَّى الحال المناسب لها لكان أليق وأحسن، وذلك له أمثلة كثيرة؛ كالصرف على الأولاد، فالبعض ينفق فوق طاقته تماشيًا مع حال فلان وفلان من الأغنياء والأثرياء، فلو أنفق بقدر الطاقة حتى يفتح الله تعالى عليه من رزقه وفضله لكان خيرًا له، ومثال آخر في تأثيث المنازل يسرف في هذا فوق ما يستطيع، ومثل هذا ينتظر حتى يوسِّع الله عليه من رزقه وفضله، ومثال ثالث في شراء السيارات الفارهة، ومثال رابع في بناء البيوت الشاهقة، وخامس في السفريات المكلفة، ومثال سادس في المناسبات المسرفة، وهكذا حال بعض الناس، فيقال لهؤلاء جميعًا: أدركوا أحجامَكم وقدراتكم، وكونوا معها على حدٍّ سواء. الدرس الخامس: يتضح لنا من خلال السيرة حكم شرعي في الصلاة؛ وهو لو أن الإنسان جهل القبلة، فبحث، فلم يجد ما يدُلُّه عليها، فتحرَّاها واجتهد في ذلك وصلى، ثم جاءه أحد، وأشار عليه بأن القبلة عن يمينك، فليستدر إلى يمينه، وهو يصلي، وليبن على صلاته، وما مضى من صلاته فهو صحيح؛ حيث استدار أهل قُباء في صلاتهم، وبنوا على ما سبق منها. الدرس السادس: في انحراف أهل قُباء للقبلة، وهم في صلاتهم عندما أتاهم آتٍ، وأخبرهم بأن القبلة حُوِّلت إلى الكعبة، في ذلك حسن الاستجابة لله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وهذا هو واجب المسلم الحق إذا علم شيئًا عن الله تعالى ورسوله، فإنه يُسارع في الاستجابة لذلك، ولا يتوانى، ولا يتأخَّر، والله عز وجل يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾ [الأنفال: 24]. فيا أخي الكريم، كلنا نقرأ القرآن، وشيئًا من السُّنَّة، ونسمع كلام أهل العلم والوعظ والإرشاد، فبعضنا - مشكورًا مأجورًا - يُفلِح في الاستجابة، ويُسارع فيها، ويدعو إليها، وهذا من فضل الله تعالى عليه، والبعض الآخر يقرأ وربما تجاهل حاله التي هو عليها، فهو يسمع عن تحريم الإسبال ويستمر عليه، ويسمع عن تحريم الغناء ويستمر عليه، ويقرأ في تحريم الغِيبة والكذب ويستمر عليهما، ويقرأ ويسمع في تحريم القطيعة والعقوق وهو على ذلك، وهكذا بقية الأحكام، فإلى متى عدم الاستجابة وضعفها؟! فاستثمر وقتك ما دمت في زمن الإمكان، وقبل زوال الأوان، ولو عُرِض على أصحاب القبور الذين لم يستجيبوا أن يرجعوا ليستجيبوا، لافتدوا ذلك بالدنيا كلها؛ ولكنهم إليها لا يرجعون، فما دمت يا أخي الكريم في زمان يمكنك فيه الاستجابة، فسارع إليها قبل أن تحطَّ رِحالَك في زمان ومكان لا يمكنك الاستجابة والرجوع. الدرس السابع: لا تقوم الحجة على المكلف حتى يبلغه الحكم الشرعي، فتحويل القبلة بدأ بصلاة العصر في المدينة، وأهل قُباء لم يبلغهم ذلك إلا في صلاة الصبح من الغد، فصلَّوا العصر والمغرب والعشاء إلى القبلة الأولى إلى بيت المقدس، فلم يؤمروا بالإعادة، فدلَّ ذلك على أن الحجة لا تقوم حتى يبلغ المكلف الخبر. الدرس الثامن: في فرضية الصيام، وتخفيفه في نهاية الأمر مظهر عظيم من مظاهر رحمة الله تعالى بعباده؛ حيث شرع ذلك الركن، فلما شقَّ عليهم في أول الأمر خفَّف عنهم برحمته، وواسع فضله عز وجل، وهكذا في كثير من الأحكام؛ لأن الله عز وجل رؤوف بعباده، غفور لذنوبهم، رحيم بهم، ومتى سأل المسلم ربَّه الرحمة أعطاه إياها، فكل النعم رحمة من الله تعالى بعباده، ومن مظاهر رحمة الله تعالى بعباده في الأحكام الفطر في السفر والمرض، وأيضًا كذلك من مظاهر الرحمة قصر الصلاة في السفر، وكذلك المسافر والمريض يكتب لهما ما كان يعملان صحيحين مقيمين، ومن مظاهر الرحمة مضاعفة العمل إلى عشرة أضعافه وهكذا يتتابع عدد من المظاهر في رحمة الله تعالى بعباده، فلله الحمد رب العالمين على رحمته وسعة فضله بعباده. الدرس التاسع: في دراسة السيرة النبوية تظهر مظاهر القدرة الإلهية في نصرة الله تعالى لعباده وأنبيائه وأوليائه وتسديدهم وتيسير أمورهم، فمن آمن وأسلم، فإن الله عز وجل معه بنصره وتأييده، ومن كفَر وعاند، فإن الله عز وجل يخذله ويمكر به، أخي الكريم كم هو جميل أن يكون لك مع أسرتك الكريمة قراءة وجلسة، ولو مرة في الأسبوع في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ للتعرف على هذا الخُلُق الكريم، والمعاملة الحسنة، والتعبُّد والنُّسُك لنبينا عليه الصلاة والسلام، وصحابته رضي الله عنهم مع ما يحصل مع هذا من تصحيح المفاهيم والتصورات، وما يصحب ذلك من نزول السكينة، وغشيان الرحمة، فاحرص أخي الكريم على ذلك، فما أحوجنا إلى مثل هذا! تربيةً لنفوسنا أولًا، ولمن تحت أيدينا ثانيًا، وأيضًا هو علم نتقرَّب به إلى الله تعالى، وكم هو جميل أن يكون ذلك المقروء مسابقة بين الأولاد لتحفيزهم وتشجيعهم! ومما يقترح في ذلك كتاب الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، وقد كان هذا الكتاب قد حاز المركزَ الأول في المسابقة العالمية في السيرة، أو أن تكون القراءة في كتاب مختصر ككتاب " نور اليقين في سيرة سيد المرسلين "، وسيستفيد الجميع زيادة على ما ذكر الثبات على دين الله تعالى والاستمساك به، فإن الإنسان إذا قرأ في الكتاب والسنة، ثم في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يتعرف على كثير من أسباب الثبات على دين الله؛ لأن هؤلاء الصحابة الكِرام كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم، فقد ثبتوا بتوفيق الله تعالى لهم، فما أحوجنا إلى أن نكون كذلك في زماننا هذا! أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من عباده المفلحين، الذين لا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، اللهم أوصلنا إلى دار السلام بسلامٍ، وبارك لنا في أعمالنا وأعمارنا، واغفر لنا، وارحمنا ووالدينا والمسلمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#4
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (15) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الخامسة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) القدوم على المدينة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين على إحسانه، والشُّكرُ له على توفيقه وامتنانه، وصلى الله وسلم وبارك على خير أنبيائه، وعلى آله وصَحْبه وأتباعه إلى يوم الدين. وقد سبق معنا - إخواني الأكارم - في الحلقة الماضية الكلام عن قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ حين الهجرة، وكيف استقبله أهل المدينة ذلك الاستقبال الحافل المفعم بالبهجة والفرحة، وأيضًا سبق معنا أين نزل النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف نزل، وأيضًا كيف بنى المسجد والحجرات، ونستكمل في هذه الحلقة شيئًا من أعمال النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة في أول أيامه، فبعد بناء المسجد وتأسيسه شَرع النبيُّ صلى الله عليه وسلم في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار؛ حيث إن المهاجرين لما هاجروا من مكة تركوا كثيرًا من أموالهم في مكة، فكانوا بحاجة إلى مؤازرة إخوانهم من الأنصار، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يجد حلًّا لهذه الحالة المادية عند المهاجرين، فعَقَد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وقد عُقِدتْ تلك المؤاخاة في دار أنس بن مالك رضي الله عنه، وقال آخرون: إنها عُقِدتْ في المسجد، وقد وصلت تلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار إلى حد التوارُث، فكان يَرِث المهاجريُّ الأنصاريَّ، والأنصاريُّ المُهاجِريَّ، وهو ليس من رَحِمِه؛ ولكن بسبب المؤاخاة، فنُسِخ ذلك بقول الله تعالى: ﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ﴾ [الأنفال: 75]، وكانت تلك المؤاخاة مظهرًا شريفًا ورائعًا من مظاهر حسن الإسلام، والتعاون على البر والتقوى والتكافل الاجتماعي، فجاءت تلك المؤاخاة لتزيل عن المهاجرين وَحْشةَ الغُرْبة، وأُنْسًا لهم عن مفارقة الأهل والعشيرة، ومن نماذج تلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ما حصل بين أبي عبيدة بن الجرَّاح وأبي طلحة رضي الله عنهما، وأيضًا ما حصل بين عبدالرحمن بن عوف وسعد بن الربيع رضي الله عنهما، وقد تكون المؤاخاة أحيانًا بين المهاجرين أنفسهم بعضهم مع بعض، فالأعلى مع الأدنى، وكانت المؤاخاة مع تسعين إلى مئة من الصحابة رضي الله عنهم، وقد سجَّل الأنصار مواقف نبيلة في البذل والعطاء لإخوانهم المهاجرين، كما سجَّل المهاجرون مواقف مماثلة في الشكر وردِّ المعروف للأنصار، وفي الصحيحين وغيرهما قصة سعد رضي الله عنه حين عَرَض على أخيه عبدالرحمن بن عوف أن يُناصفه أهلَه ومالَه، فعَرَض عليه رضي الله عنه أن يُناصفه هؤلاء الأهل وهذا المال، فيتركه لعبدالرحمن بن عوف، فقال له عبدالرحمن بن عوف: بارك الله لك في أهلِكَ ومالِكَ؛ ولكن دُلُّوني على السوق، فذهب إلى السوق فربِح فيه ربحًا كثيرًا. ومن نماذج المؤاخاة أن الأنصار قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: اقسم بيننا وبين إخواننا المهاجرين النخيل، فأبى عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، فقال الأنصار للمهاجرين تبرعًا منهم: تكفوننا المؤونة والسقي، ونشرككم في الثمرة؛ رواه البخاري. فشاركوهم في المؤونة وشاركوهم في الثمرة، إن تلك المؤاخاة قد أذابَت العصبية والقبلية بصورة عملية واقعية رائعة، فما أحوجنا في زماننا هذا إلى المؤاخاة المعنوية التي تذيب القبلية والعصبية للجنس أو البلد، والمقياس في ذلك هو التقوى، قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]. وهؤلاء الأنصار سموا بذلك؛ لأنهم نصروا دين الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، وجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم حبَّهم علامةً على الإيمان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يُحِبُّهُمْ إلَّا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضُهُمْ إلَّا مُنَافِقٌ))؛ رواه البخاري، وأيضًا دعا لهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالمغفرة، فقال عليه الصلاة والسلام: ((اللهُمَّ اغفِرْ للأنصار ولأبناءِ الأنصار ِولأبناءِ أبناءِ الأنصارِ ولنساءِ الأنصار))؛ رواه البخاري، وقال أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام: ((آيةُ الإيمانِ حُبُّ الأنصار، وآيةُ النِّفاق بُغْضُ الأنصارِ))؛ رواه البخاري ومسلم، وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أحَبَّهم أحَبَّه اللهُ، ومَن أبْغَضَهم أبْغَضَه الله))؛ رواه البخاري ومسلم. فهذه المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وهي العمل الثاني الذي أسَّسَه النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة وذلك بعد العمل الأول والأهَمِّ وهو بناءُ المسجد، أما العمل الثالث الذي عمله النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء إلى المدينة فهو المعاهدة وكتابة الوثيقة مع اليهود في المدينة؛ حيث إنه لمَّا وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة كان بها عدد كبير من اليهود، وحيث نظَّم النبي صلى الله عليه وسلم العلاقة بين المهاجرين والأنصار كان لا بُدَّ أن يُنظِّم العلاقة مع غير المسلمين، واليهود أبرزُهم؛ وذلك ليأمَن شرَّهم وحتى تكون تلك المعاهدة حُجَّةً للنبيِّ عليه الصلاة والسلام في معاملتهم بما يستحقون. وهذه الوثيقة يُصحِّحها قوم من أهل العلم، وربما ضعَّفَها آخرون، وكان من بنود تلك الصحيفة ما يلي: أولًا: أنَّ مَن خالف تلك الصحيفة فإنه يُحارب ويُقاتل، ثانيًا: من بنود تلك الصحيفة أن يكون بينهم النصح والبر دون الإثم، ثالثًا: أن جوف المدينة حرام على اليهود، رابعًا: أن الجار كالنفس غير مضارٍّ ولا آثم، خامسًا: أن ما كان من خلاف في هذه الصحيفة أو شجار فمردُّه إلى الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، سادسًا: أن من خرج من المدينة فهو آمن، وقد بلغت بنود الصحيفة قرابة بضعة وثلاثين بندًا كلها في تنظيم الحياة مع اليهود؛ ليعيش المجتمع المدني آمنًا عابدًا لربِّه مطمئنًّا مستكينًا، وبهذه الحكمة أرسى النبي صلى الله عليه وسلم قواعدَ وأسَّس هذا المجتمع المسلم، وأيضًا كذلك في السنة الأولى من الهجرة شُرع الأذان، فقد أخرج البخاري ومسلم من حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاةَ، ليس يُنادى لها، فتكلَّموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال آخرون: بل بُوقًا مثل بُوق اليهود"؛ متفق عليه. ثم جاءت بعد ذلك رؤيا عبدالله بن زيد رضي الله عنه؛ حيث رأى صفةَ الأذان المعهود في منامه، فلما أصبح حدَّث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنها لرؤيا حَقٍّ إن شاء الله، قُمْ فألْقِ على بلال ما رأيتَ، فليؤذن؛ فإنه أندى صوتًا منك))، فقمتُ مع بلال، فجعلتُ ألقي عليه ويُؤذِّن، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعد ذلك حينما سمِعَ ذلك فقال: والذي بعثك بالحق، لقد رأيتُ مثل ما رأى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((فللهِ الحمدُ))، وكان للنبي صلى الله عليه وسلم أربعةٌ من المؤذِّنين؛ وهم: بلال، وابن أُمِّ مكتوم بالمدينة، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ بقُباء. وفي فضل الأذان يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((فإنَّه لا يَسْمَع صوتَ المؤذِّنِ جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيء إلا شهِدَ له يومَ القيامة))؛ رواه البخاري، ويُسَنُّ لمن يسمَع الأذان خمس سُنَن؛ وهي: أولًا: المتابعة للمؤذِّن، ثانيًا: أن يُصلِّي على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأذان مباشرة، ثالثًا: أن يقول: اللهُمَّ رب هذه الدعوة التامَّة والصلاة القائمة آتِ محمدًا الوسيلةَ والفضيلةَ، وابْعَثْه مقامًا محمودًا الذي وعدْتَه، رابعًا: أن يقول: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، خامسًا: أن يدعو بما شاء، فهذه خمس سُنَن في الوقت الواحد، وفي اليوم والليلة خمس وعشرون سنة، فحافظ عليها. ولما قدم المهاجرون المدينة استنكروا ماءها، وقد كان هناك عين رومة، وهي لرجل من بني غِفار، وكان يبيع القِرْبة منها بمُدٍّ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((تبيعنيها بعين في الجنَّةِ))، فقال: ليس لي ولعيالي مال غيرها، فبلغ ذلك عثمان بن عفان رضي الله عنه، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: تجعل لي فيها ما جعلت له؟ قال: ((نَعَم)) فاشتراها عثمان رضي الله عنه بخمسة وثلاثين ألف درهم، وجعلها للمسلمين. ومن الأحكام التي حصلت في أول الهجرة أن الصلاة زِيدت من ركعتين في أول الأمر إلى أربع ركعات بعد الهجرة، وذلك في الظهر والعصر والعشاء، إلا المغرب والفجر فبقيت على عددها، وكانت تلك الزيادة إنما هي في الحضر، وأقرت ركعتين في السفر، وكان اليهود يضمرون العداوة للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان من أشدهم حيي بن أخطب وأخوه أبو ياسر، وسلام بن مِشْكم، وكعب بن الأشرف ونحوهم من أكابر اليهود، فكانوا يُثيرون البلبلة عند المسلمين، ومن ذلك قول بعضهم لبعض: تعالوا نؤمن بمحمدٍ غدوةً، ونكفُر بالعشية حتى نلبس عليهم دينهم، فنزل قوله تعالى: ﴿ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ [آل عمران: 72]، فعداوة اليهود متأصِّلة على المسلمين قديمًا وحديثًا، والله تعالى يقول: ﴿ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ [البقرة: 120]، فهم لا يرضيهم إلا الخروج من الإسلام واتِّباع اليهودية والنصرانية، فمتى يعي المعجبون بهم ذلك ويبتعدون عن موالاتهم والتشبُّه بهم ليسلم لهم دينهم؟! فإن تولوهم فهم على خطر عظيم وجسيم. إخواني الكرام، لعلنا نستخرج بعض الدروس والعِبَر والفوائد مما سبق، ونستكمل مادتنا العلمية في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى، فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: إن تلك المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار هي من محاسن الإسلام، فهو ترابُط رُوحي وجسدي، وإن كان ذلك بينهم رضي الله عنهم، فإن التآخي باقٍ عند المسلمين إلى يوم القيامة تكافلًا وترابُطًا ونُصْحًا وتوجيهًا وإعانةً، وهذا من المحاسن الكُبْرى للإسلام التي من خلالها يكون جسدُ الأمة جسدًا واحدًا متماسكًا، فالمجتمع هو أنا وأنت، فإذا كنا متكاتفين؛ فسيسعد المجتمع، ويكون لُحْمةً واحدةً، ومن مجالات ذلك التماسُك التوجيه التربوي والتكافُل المالي من الصدقة والزكاة وغيرهما، وأيضًا إغاثة الملهوف، وإعانة العاجز، وزيارة المريض، وصِلة الرَّحِم، وإظهار حقِّ الجار، وبَذْل السلام، وبذل المعروف، ونحو ذلك، فلو أن تلك المجالات ظهرت ظهورًا واضحًا في المجتمع لصار المجتمع سعيدًا، يشعُر بإخوانه من حوله، فلنجتهد على إظهارها، فابدأ بنفسك ولا ترتبط بالآخرين فلك أجرك وثوابك الجزيل عند الله تعالى، ولو لم يعمل بها إلا أنت، فإذا رآك الآخرون اقتدوا بك، فكسبت مثل أجورهم. الدرس الثاني:إن إسداء المعروف يستوجب الشكر عليه؛ ليتكرر ذلك المعروف، ومأخذ هذا من أحداث الهجرة أن الأنصار لما قاموا بخدمة المهاجرين رضي الله عن الجميع وضيَّفوهم أجزل المهاجرون الشكر للأنصار على صنيعهم الجميل، وهكذا كُلَّما أسدى أحدٌ إليك معروفًا ولو صغيرًا فاشكره عليه، فإن هذا الشكر له أثر كبير على النفوس وتقوية لها، وكن شاكرًا دائمًا لصاحب الإيجابية حتى ولو كانت الإيجابية على غيرك فشُكْره تعزيزٌ له، وبعضنا قد يعاتب على السلبية إذا رآها ولا جناح؛ لكن قد لا يشكر على الإيجابية إذا رآها فلا بُدَّ من التوازن بين الشكر والعتاب، وما أجمل أن ترى عملًا طيبًا حسنًا لشخص ما فتُزجي شكرك له وثناءك عليه! فسيتضاعف لديه النشاط والجهد في تكرار ذلك العمل الإيجابي، فيكون لك مثل أجره، فلنكن جميعًا كذلك - جزيتم الجنة - لتكثُر إيجابياتُنا. الدرس الثالث:في قول عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه: دُلُّوني على السوق، عندما عرض عليه أخوه سعد بن الربيع أن يُناصفه ماله وأهله، في ذلك درس عظيم على العمل والنشاط ونَبْذ الكسل، فإن الحياة قد تثقل أحيانًا بمتطلباتها ومستقبلها من زواج وسكن ونفقات وغيرها، فعلى شبابنا المبارك أن يبحثوا عن العمل في جميع المجالات، ولا يتوقف على مجال وظيفي معين، فبعض الشباب قد يرغب في مجال من العمل فينتظره وقتًا طويلًا فتسير الحياة ويتسارع الزمن وهو ما زال في الانتظار، وهذا خطأ واضحٌ جليٌّ، فإن كنت أخي الشاب تنتظر ما تريده وترغبه من العمل، فإنك حين انتظارك يجب أن تعمل عملًا آخر تكسب من خلاله شيئًا من المال؛ حتى لا تخسر المال والعمل جميعًا، فالأعمال الحرة متنوعة وواسعة ومتشكلة، فانظر ما يناسبك منها، وكن مع ذلك منتظرًا لما تريده وترغبه من الوظيفة الأخرى. الدرس الرابع:في حدث المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار زالت - وكأن لم تكن - تلك العصبية القبلية، فإنها إن تعززت أفسدت، فهي ليست مقياسًا للفضل والرفعة، وإنما المقياس الحقيقي، هو في قوله تعالى: ﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: 13]، فللنسب شرفه ورفعته؛ لكنه ليس مقياسًا للتفاضل بين الناس، فانظر إلى التقيِّ نظرةَ احترامٍ وتقديرٍ، ولو كان من أقل الناس نسَبًا، وانظر إلى الشقيِّ نظرةَ إشفاقٍ، ولو كان من أرفع الناس نسَبًا، فالفضل في التقوى والعمل الصالح. الدرس الخامس:إن حبَّ الأنصار علامةٌ على الإيمان، وحبهم عبادة وقُرْبة إلى الله تعالى، وعلامة حُبِّهم اتِّباعهم؛ حيث إن المحبة ليست ادِّعاءً فقط باللسان، وإنما لا بُدَّ أن يتوافق اللسان مع الجوارح لتصدق المحبة، فمَن أحبَّهم وخالفَهم فليس صادقًا في محبَّتِه، فمحبَّتُهم مع اتِّباعهم إيمان، وبُغْضهم نِفاقٌ، ومَنْ أحبَّهم يكسب بحُبِّهم أن الله عز وجل يُحِبُّه، ومن أبغضَهم أبغضَه الله كما ثبَت ذلك كله في الأحاديث الصحيحة. الدرس السادس:الرؤيا هي من طرق الوحي إذا رآها نبيٌّ من الأنبياء أو أقرَّها ذلك النبيُّ، فهذه شعيرة الأذان جاءت في رؤيا أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، فأقَرَّها النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فصارت شريعةً ظاهرةً لهذا الدين، وعلى المسلم إذا رأى رؤيا، فإن كانت حسنةً وصالحةً أخبر بها مَن يُحِب، وسأل عن تعبيرها، وإن كانت سيئةً كتَمَها وتعوَّذ بالله من الشيطان، ونفَث عن يساره ولم يسأل عنها، فإنها بذلك لا تضرُّه، في حين أن البعض من الناس - هداهم الله - يتحدَّثون بكل ما يرون، ويسألون عن كل ما يرون، وهذا جانب من الخطأ الذي يجب تعديله؛ حتى لا يحصل ما يكرهه. الدرس السابع:الأذان شعيرة ظاهرة من شعائر الإسلام، وله فضل عظيم، وحيث إنه كذلك فينبغي علينا الاعتناء بالأذان من عدة جهات؛ من جهة المؤذِّن في أمانته في ضبطه للوقت، ومن جهة المستمع أيضًا في متابعته وتطبيق سُنَنه الخمس المشهورة المعروفة، في حين أن بعض الناس قد يسمع المؤذِّن ثم ينشغل بأحاديث جانبية ثانوية يمكن تأجيلها حتى يتابع المؤذِّن ويَنال الأجر العظيم؛ بل لو كان في سيارته فسمِع المؤذِّن فوقف قليلًا ليتابع وينال ذلك الأجر العظيم وهو دخول الجنة لكان أمْرًا حَسَنًا طيبًا، فاحرص على ذلك فهو من الأعمال الصالحة المتكررة، وعلينا التسابُق إلى الأذان كما كان يفعله الصَّحْب الكِرام. الدرس الثامن: بيان حرص عثمان بن عفان رضي الله عنه على استثمار المواقف الصالحة، ومأخذ ذلك من حدث الهجرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن كانت له بئر رومة: ((بِعْنِيها ولك عينٌ في الجنَّةِ))، فاعتذر عن هذا، فاشتراها عثمان رضي الله عنه وسَبَّلَها للمسلمين، فالحرص على سقي الماء وحفر الآبار هو عمل صالح جليل رائع، ففي كل كبد رطبة أجْر، فبذلك سقيت الظمآن، فأنت قد أطعمته وأدخلت عليه السرور، ونلت أجر الصدقة عليه، ومن فرص ذلك وضع البرَّادات في أماكنها المناسبة، وأيضًا إيصال الماء المعلَّب إلى العمالة الذين يعملون في الطرق ونحوها، وأيضًا التصدق به على الفقراء والمساكين، وأيضًا ما يتعلق بالمساجد وروَّادها، والاحتساب في بذله في المناسبات الكبيرة والصغيرة، وإن أمرًا آخر قد ينساه كثيرٌ من الناس، وهو ما تضعه في بيتك لنفسك وأولادك فاحتسبه صَدَقةً، فهو يكتب لك كذلك، ويجري على ذلك سائر النفقات على الأولاد، ففي الحديث المتفق عليه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إذا أنْفَقَ الرجلُ على أهلِه نفقةً يحتسبها فهي له صَدَقة))؛ متفق عليه، فلنحتسب في نفقاتنا على أولادنا باستحضار النية بأنها صدقة عليهم، وقيام بواجب النفقة، فقد ينفق بعضُ الآباء الآلاف من الريالات على أولاده، فليحتسبها لتكون له صَدَقةً كما في الحديث السابق، واحتسابُها أن يمُرَّ على قلبه أن هذه صَدَقةٌ على أولاده. الدرس التاسع: بيان عداوة اليهود للمسلمين، وكيف أساءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وصَحْبه الكِرام؛ حيث إنهم آذوه وحاولوا قتله، وأساءوا إلى دين الإسلام، وحاولوا تفريق الأمة وبثهم للسُّمِّ الزُّعاف في إنتاجهم الثقافي، ومع ذلك كله نجد مع الأسف من المسلمين من يميل إليهم ويواليهم، وكيف يفعل ذلك وقد عملوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ودينه وصَحْبه ما عملوا، فهؤلاء أحفاد أولئك، والحية لا تَلِد إلا حيَّةً، فعداوتهم وبغضهم والبعد عنهم هو قربة يتقرَّب بها المسلم إلى ربِّه، والله عز وجل يقول: ﴿ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ ﴾ [المائدة: 51]، وقال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ﴾ [المائدة: 51]، فهذا وعيدٌ شديدٌ يخشى المسلم على نفسه من تلك الموالاة لهم أن يختم له بها، أو يأتيه من فساد قلبه ما يأتيه من خلال موالاته لهم، وكافيك أنهم نسبوا الفقر إلى الله تعالى، وقد قتلوا بعض أنبيائهم، وكتموا العلم، وحرَّفوا كتابهم، وكفروا بالله عز وجل، فكيف بعد ذلك يأتي مَن يواليهم على حساب دنيا حقيرة قليلة فانية؟! فليحذر أولئك أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم. إن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي منهج يسير عليه المسلم تزكيةً لنفسه وسلامةً لقلبه وشرحًا لصدره وتصحيحًا لمفاهيمه، ماذا أخي الكريم لو قرأت في كل يوم ولو عشر دقائق أو صفحةً من كتاب، فستدرك بذلك شيئًا كثيرًا وجليلًا وجميلًا من السيرة النبوية في وقت يسير، فابدأ واستمر فأنت تقرأ سيرة أعظم رجل في التاريخ وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وما تقرؤه اذكره في مجالسك لتفيد وتستفيد، وهذا من طلب العلم ونشره فسيُيسِّر الله تعالى لك به طريقًا إلى الجنة، وأيضًا أن يكون لك مع أولادك مجلسٌ في هذه السيرة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام، ثم بعد ذلك تستخرجون الدروس والعِبَر، فأنتم بذلك تكونون سببًا في حضور الملائكة إلى مجلسكم وغشيان الرحمة عليكم، وأيضًا تنزل عليكم السكينة ويذكركم الله تعالى فيمن عنده، وأيضًا يتربَّى الأولاد على تلك السيرة النبوية، وتُصحِّح مفاهيمهم، ويحظون بالأعمال الصالحة من خلال إرشادات هذا النبي الكريم، ومن خلال اقتداء الصحابة رضي الله عنهم به عليه الصلاة والسلام، فما أجمل تلك الجلسات أن تكون في بيوتنا وبين أولادنا ومع إخواننا وزملائنا! فهي لا شكَّ خيرٌ عظيمٌ. أسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتَّبِعون أحسنَه، وصلى الله وسلم، وبارك على نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________________
|
|
#5
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (17) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة السابعة عشرة من برنامج (خاتم النبيين) الأحداث بين بدر وأُحُد، وعددها 15 حدثًا بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعثه الله تعالى رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: وقد ذكرنا إخواني الأفاضل في الحلقة الماضية شيئًا من تفاصيل غزوة بدر في ملاقاة عِير أبي سفيان، كيف علمت قريش بذلك، وماذا عملوا عندما علموا، وأيضًا ذكرنا كيف كان خروج كل من الفريقين، وكيف بدأ القتال، وأيضًا ذكرنا النتيجة لهذا القتال في تلك الغزوة، وأيضًا ذكرنا كيف لطف الله عز وجل بعباده المؤمنين، إلى غير ذلك من المسائل. وفي حلقتنا هذه نتطرق لأحداث حدثت بعد غزوة بدر وقبل أُحُد؛ حيث إنه لم يكن بينهما إلا سنة واحدة، فغزوة بدر في السنة الثانية وغزوة أُحُد في السنة الثالثة، وحدث بين الغزوتين أحداث تاريخية يحسن بنا مدارستها والعلم بها على سبيل الاختصار، ومن ذلك: الحدث الأول: عيد للفطر هو بعد غزوة بدر مباشرة، فلم يكن بينهما إلا بضعة أيام، فما أروع هذا العيد بعد هذا الانتصار المبين، وقد كان لأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ اللهَ قد أبْدَلَكم بهما خيرًا: يوم الفطر، ويوم النَّحْر))؛ أخرجه أحمد. الحدث الثاني: وفاة رقية بنت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي زوجة عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ حيث تخلَّف عثمان عن غزوة بدر بإذنٍ من النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليكون عند زوجته رقية، حيث قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ لكَ أجرَ رجلٍ ممَّن شَهِدَ بدرًا وسَهْمَه))؛ رواه البخاري. الحدث الثالث: زواج علي بن أبي طالب رضي الله عنه من فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنها؛ حيث بنى عليها في السنة الثانية بعد بدر، وقد عقد له عليها في نهاية السنة الأولى، وكان عُمُرُه حينها خمسة وعشرين عامًا، وكان عمرها ثماني عشرة سنة، وقد خطبها قبل ذلك أبو بكر وعمر، فردَّهما النبي صلى الله عليه وسلم لصغرها آنذاك، وولد له منها الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم وزينب، ولما ولد الذكور سموا الأول حربًا، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن، ولما ولد الثاني سمَّوه أيضًا حربًا، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم الحسين، ولما ولد الثالث كذلك سمَّوه حربًا، فسمَّاه النبي صلى الله عليه وسلم محسن، وفي هذا العناية باختيار الأسماء ذات المعاني الطيبة، وعقَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين كَبْشَينِ كَبْشَينِ. الحدث الرابع: ظهور النفاق والمنافقين، ففي هذه الفترة بدأت ظاهرة النفاق، فأسلم أناس في الظاهر، وأبطنوا الحقد والكيد في قلوبهم للإسلام وأهله. الحدث الخامس: بني قينقاع، فقد حدثت تلك الغزوة في السنة الثانية بعد بدر بشهر تقريبًا، وكان بينهم وبين الرسول عليه الصلاة والسلام عهدٌ، فلما كانت وقعة بدر أظهروا الحسد والبغي، ونقضوا العهد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام لما رجع من بدر جمع اليهود فقال لهم: ((يا معشر يهود، أسْلِمُوا قبل أن يصيبَكم مثل ما أصاب قريشًا))، فكان ردُّهم سيئًا، واعتزوا بقوتهم، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [آل عمران: 12]، وحاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم، فتحصنوا في حصونهم ودام الحصار عليهم خمسة عشر يومًا، ثم نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكتفهم عليه الصلاة والسلام وأسرهم، ثم بدأ المنافق عبدالله بن أُبيِّ بن سلول يشفع لهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فألحَّ عليه كثيرًا حتى قبِلَ النبي عليه الصلاة والسلام شفاعته، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرجوا من المدينة، وأمهلهم ثلاثة أيام، وأوكل بهم عبادة بن الصامت، وطلبوا هم من عبادة زيادة المدة في الإمهال، فقال لهم عبادة رضي الله عنه: لا أمهلكم ولا ساعة من نهار بعد الثلاثة أيام، فأخرجهم من المدينة وأجْلَاهم عنها. الحدث السادس: غزوة السويق، وهي في الخامس من ذي الحجة من السنة الثانية من الهجرة؛ حيث إن أبا سفيان أقسم يمينًا أن يغزو محمدًا وصحبه؛ ليأخذ بثأر بدر، فخرج بمئتي رجل من قريش متجهًا إلى المدينة للحرب، فلما وصل أطراف المدينة ليلًا طرق الباب على حُيي بن أخطب زعيم بني النضير، فأبى أن يفتح عليه بابه؛ خوفًا من المسلمين، ثم اتجه إلى سلام بن مشكم وكان من ساداتهم أيضًا ففتح له وتحدث معه ساعةً، ثم خرج منه وبعث رجالًا من قومه الذين معه إلى بستان، فوجدوا فيه رجلين من المسلمين، فقتلوهما، ثم هربوا، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عليه الصلاة والسلام مائتي رجل من المهاجرين والأنصار، فخرج بهم عليه الصلاة والسلام يطلب هؤلاء، فهرب أبو سفيان ومن معه حتى ألقوا ما معهم من السويق؛ وهو نوع من الطعام؛ ليتخفَّفوا في هروبهم، فلما ولَّوا مدبرين رجع النبي صلى الله عليه وسلم بالصحابة إلى المدينة، وسميت بهذا الاسم؛ لكثرة ما ألقي من السويق ليتخفَّفوا في الهرب. الحدث السابع: إقامة عيد الأضحى، فهو أول عيد للأضحى في المدينة، فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضحى هو وأهل اليسر من الصحابة، فقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم كبشين، وذلك بعد صلاة العيد، وكان من هديه عليه الصلاة والسلام الإمساك عن الشعر والظفر لمن أراد أن يضحي. الحدث الثامن: وفاة عثمان بن مظعون رضي الله عنه، فقد كان من سادات المهاجرين، وهو ممن هاجر إلى الحبشة والمدينة، وأيضًا هو ممن شهد بدرًا، وكان صاحب نُسُك وعبادة كثيرة، وقد أخرج البخاري (أن أم العلاء رضي الله عنها قالت: رأيت في النوم عينًا تجري لعثمان بن مظعون)، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عليه الصلاة والسلام: ((ذلك عملُه يجري له))؛ رواه البخاري. الحدث التاسع: غزوة بني سليم، وكانت في منتصف شهر الله المحرم من السنة الثالثة، فعندما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن جمعًا من بني سليم وغطفان تجمعوا لقتاله، خرج إليهم عليه الصلاة والسلام بمئتي رجل من أصحابه رضي الله عنهم، فساروا إليهم، فهربوا منه ولم يبق إلا الراعي يسار ومعه الإبل يرعاها، فظفروا وغنموا تلك الإبل والراعي، وأعتق الراعي بعد ذلك الذي هو يسار، ثم أسلم هذا الراعي، وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الإبل على الصحابة، وكان ذلك استغرق خمس عشرة ليلة. الحدث العاشر: غزوة غطفان، ففي المحرم من السنة الثالثة خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أربعمائة رجل من أصحابه رضي الله عنهم، وذلك عندما جاءه الخبر أن جمعًا من غطفان اجتمعوا للإغارة على المدينة، فلما سمعوا بخروج رسول الله عليه الصلاة والسلام والصحابة إليهم هربوا على رؤوس الجبال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم سار إليهم حتى بلغ مكانًا يقال له ذو أمر، فعسكر به، وأصابهم مطر، وجلس النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة، فرآه المشركون كذلك، فبعثوا رجلًا شجاعًا لقتل النبي صلى الله عليه وسلم، واسم هذا الرجل دعثور بن الحارث، فلما شعر به الرسول عليه الصلاة والسلام وهو قائم على رأسه والسيف بيد دعثور، فقال له: مَن يمنعك مني يا محمد؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((الله))، فوقع السيف من يده على الأرض، فأخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((مَنْ يمنعك مني؟))، قال دعثور: لا أحد، ثم قال بعد ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، فرجع إلى قومه متغيرًا، فقالوا: ويلك! ما لك؟! فقال: لما جئتُ إلى محمد لأقتله نظرت إلى رجل طويل، فدفع في صدري ووقعت لظهري، فوقع مني السيف، فعرفت أنه مَلَك، فأسلمتُ، وجعل يدعو قومه إلى الإسلام. الحدث الحادي عشر: مقتل كعب بن الأشرف، وهو من أشد اليهود عداوةً للنبي عليه الصلاة والسلام، وكان شاعرًا مجيدًا، ولما علم بانتصار المسلمين في بدر، قال: إن كان ذلك صحيحًا، فبطن الأرض خيرٌ من ظهرها، فانبعث يهجو المسلمين، ويمدح كفار قريش، ويبكي على قتلاهم، فلما اشتد أذاه للمؤمنين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ لكعب بن الأشرف؛ فإنه آذى اللهَ ورسولَه؟))، فانتدب له ثلاثة من الصحابة، وهم: محمد بن مسلمة، وأبو نائلة، وعباد بن بشر، ودلَّهم على قتله، وذهبوا إليه، ولهم في قصة قتله حدث طويل كبير طريف رواه البخاري في صحيحه؛ لكن في آخر موقفهم قال لهما أبو نائلة- أي: قال لمحمد وعبَّاد -: سأشم الطيب في رأس كعب، فإذا تمكنت منه فاقتلوه، فلما تمكن منه قتلوه شر قتلة، ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لهم عليه الصلاة والسلام: ((أفلَحَتِ الوجوهُ))، والقصة طويلة وطريفة جدًّا، فليُرجَع إليها في صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب قتل كعب بن الأشرف، ولما قُتِل كعب - وهو من أشرافهم- ضعف اليهود واستكانوا، ودَبَّ الرعب والخوف في قلوبهم. الحدث الثاني عشر: سرية زيد بن حارثة، حيث إن قريشًا قالت: لا بد أن نذهب بتجارتنا إلى الشام وليس لنا طريق إلا بجوار المدينة، وإننا نخشى المسلمين أن يفعلوا بنا كما فعلوا في بدر، فسلكوا طريقًا بعيدًا عن المدينة يتَّجه إلى الشام، فلما علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل زيد بن حارثة بمئة راكب، فأدركوهم بمكان يقال له القردة، فاستولوا على العِير كلها، وهرب أهلها وأسر المسلمون دليل القافلة، وهو فرات بن الحارث، وأسلم عندما أُسِر وحسُن إسلامه. الحدث الثالث عشر: زواج عثمان بن عفان رضي الله عنه بأم كلثوم رضي الله عنها بنت النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث إن عثمان تزوج اختها رقية بنت محمد عليه الصلاة والسلام وماتت، ثم تزوج بعدها أختها أم كلثوم. الحدث الرابع عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بحفصة بنت عمر، فقد تزوجها في شعبان من السنة الثالثة، وكان عمر قد عرض نكاحها على عثمان بن عفان فأبى، ثم عرضها على أبي بكر رضي الله عنه فأبى، ثم تقدم إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتزوجها، ثم قال أبو بكر بعد ذلك لعمر: لم أقبل الزواج بحفصة؛ لأني سمِعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها ليتزوجها. الحدث الخامس عشر: زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت خزيمة، فقد تزوَّجها في شهر رمضان من السنة الثالثة، وكانت رضي الله عنها تُسمَّى أم المساكين؛ لكثرة إطعامها لهم، ولم تلبث إلا ستة أشهر تقريبًا حتى توفيت ولها ثلاثون سنة، فصلَّى عليها النبي صلى الله عليه وسلم ودُفِنَتْ في البقيع. إخواني وأخواتي الكرام، هذه خمسةَ عشرَ حدثًا حصلت بين غزوة بدر وأُحُد، ولعلنا نختم تلك الحلقة ببعض الدروس والعِبَر من تلك الأحداث، فمن الدروس في تلك الأحداث ما يلي: الدرس الأول: أن من نوى عملًا من أعمال الخير، ثم منعه مانع منه، فإنه يُكتَب له أجر ذلك العمل فضلًا من الله عز وجل ورحمة، وهذا مستنبط من بقاء عثمان بن عفان رضي الله عنه لتمريض زوجته رقية، وقد عقد العزم على الخروج إلى غزوة بدر؛ لكنه منعه ذلك المانع؛ وهو مرض زوجته رقية رضي الله عنها؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ لك أجْرَ مَن شهِدَ بدرًا وسَهْمَه))؛ رواه البخاري، والله عز وجل يقول: ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [النساء: 100] وقد استنبط أهل العلم من ذلك حكمًا؛ وهو أن مَن منعه مانع من أداء العمل الذي عزم على فعله، فإنه يُكتَب له أجرُه، فالحمد لله على سعة فضله ورحمته على عباده، فلا تضِق ذَرْعًا إذا مُنعت من خير قد عزمت على فعله، فاهنأ بفضل الله تبارك وتعالى؛ فقد كتب لك الأجر وإن لم تعمل. الدرس الثاني: يتعين علينا العناية بتسمية أبنائنا وبناتنا الأسماء الحسنة ذات المعاني السامية الطيبة حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم سمَّى أبناءه الحسن والحسين ومحسنًا، وبدل تسميتهم الأولى بحرب؛ فهي تفيد معنى الإحسان وذلك بخلاف الأسماء ذات المعاني السيئة أو أسماء أعداء الإسلام أو الأسماء الأجنبية، فكل هذا محظور، ففي الغالب أن المسمى له نسبة من اسمه؛ فقد ورد عن المسيب عن أبيه عن جده قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما اسمُكَ؟))، قلتُ: حزن، قال: ((بل أنت سهل))، قال: لا أغير اسمًا سمَّاني به أبي، فقال المسيب: ما زالت الحزونة فينا بعد؛ رواه البخاري. فيا معاشر الأولياء، اختاروا لأولادكم الأسماء الحسنة ذات المعاني السامية، فهذا من أسباب صلاحهم. الدرس الثالث: لقد حثَّ الإسلام على العقيقة عن المولود؛ حيث عقَّ النبي صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين كبشين كبشين، وهي سنة مؤكدة، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((الغلامُ مرتهنٌ بعقيقتِه)) ويقول أيضًا عليه الصلاة والسلام: ((كُلُّ غلامٍ مرتهنٌ بعقيقته، تُذبَح عنه اليوم السابع، ويحلق، ويُسمَّى))؛ صححه الألباني وغيره، وهي عن الذكر والأنثى، فللذكر شاتان، وللأنثى شاة، ولو ذبح شاة عن الذكر لجاز ذلك، وقد كان اليهود يعقُّون عن الذكر ويتركون الأنثى، وفي هذا تكريم من الإسلام للمرأة، وتُذبَح العقيقة في اليوم السابع من ولادته، وهذا على سبيل الاستحباب، ومن منافعها قيل: إنه محبوس عن الشفاعة لوالديه حتى يعق عنه، وقيل أيضًا: إنها نوع من أسباب حفظه من الشيطان، ومن لم يعق عنه حال صغره فله أن يذبح له عقيقة ولو كان كبيرًا. الدرس الرابع: بيان خطر النفاق والمنافقين، فإن فعل المنافق هو خير في الظاهر؛ لكنه ليس لله عز وجل، فهو تعب بلا ثمرة، وليسأل الإنسان ربَّه عز وجل الثبات على الحق، ويبذل جهده في الإخلاص لله تعالى في أقواله وأفعاله، ولو نظرنا إلى عمل المنافقين لرأيناها صلاةً وصَدَقةً وصيامًا وغيرها من العبادات؛ لكنها هباء منثور، فلنستعذ بالله تعالى من حالهم، ولنبتعد عن صفاتهم ونفاقهم العملي والاعتقادي، فعملهم كعمل المسلمين؛ لكن فقدوا ثمرة العمل بسبب تلك النية الفاسدة، نسأل الله تعالى العافية. الدرس الخامس: إن الصدقة الجارية هي أجر وحسنات تُكتَب للإنسان في حياته وبعد مماته، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان بن مظعون في تفسير الرؤيا: ((ذاك عمَلُه يجري له))، فهل جعلنا لأنفسنا أعمالًا تجري لنا من الصدقات الجارية، فما أحوجنا لذلك! وإنني ألفتُ نظرك أخي الكريم إلى أن الصدقة الجارية ليس لزامًا أن تحتوي على كلفة مادية مالية؛ كبناء مسجد، أو حفر بئر، ونحوهما، فهذه الصدقات ذات الكلفة المالية هي على رأس الصدقات الجارية فضلًا وأجرًا وغنيمةً؛ ولكن لمن لا يستطيعها فإن لديه صدقات جارية هي خالية من المال تمامًا، وهي قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ دلَّ على خير فله مثلُ أجْرِ فاعلِه))؛ رواه مسلم، فعندما تُعلِم أحدًا من الناس بعمل صالح فيعمله، فهو صدقة جارية لك، وإنني أذكر لك صورةً من أبدع الصور في ذلك، وغيرها كثير، وذلك أن أحدهم تحدث مع أصحابه مدة لا تزيد عن دقيقتين في رحلة لهم، وذلك عن صيام يوم الاثنين، فلما انصرفوا تحدَّث أحد هؤلاء الجالسين مع زوجته عن ذلك الصيام لذلك اليوم المبارك، فشجَّعَتْه زوجتُه على صيام ذلك اليوم، فيقول: صُمْنا بعد ذلك مدة ثلاثين عامًا ولا نزال نصوم، وهي ما يعادل تقريبًا ثلاثة آلاف يوم، وكلها في ميزان ذلك المتحدث، فكان هذا الكلام المختصر صدقةً جاريةً لهذا المتحدث فيا بُشْراه! فلنكن جميعًا كذلك، ولنحفظ بعض الأحاديث المختصرة الثابتة، ولنجعلها مشروعًا لنا وصدقةً جاريةً لنا في مجالسنا، ومع أهلنا وأبنائنا وأصحابنا، وأيضًا في وسائل التواصل لدينا، وذلك مثل قوله عليه الصلاة والسلام: ((مَن قال: سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حُطَّت خطاياه، وإن كانتْ مثل زَبَد البحر))؛ رواه البخاري. فاجعل هذا الحديث العظيم في فضله واليسير في تنفيذه، اجعله وأمثاله صدقةً جاريةً لك في حياتك وبعد مماتك، فستنهال عليك الحسنات والأجور بإذن الله تبارك وتعالى، ولا تغفل عن ذلك ولا تُسوِّف. الدرس السادس: عندما نقرأ أو نسمع شيئًا من الأعمال والأقوال الصالحة لا يحسن بنا أن تكون حبيسة الأفكار والأذهان؛ بل إن من الدعوة إلى الله تعالى نشرَ ذلك ليكون أجرًا وذخرًا لنا، وذلك مقتبس من موقف دعثور عندما أراد قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فسقط من يده السيف، وفي الأخير أسلم وذهب دعثور إلى قومه، فدعاهم إلى الإسلام واجتهد في ذلك فلم يكن أنانيًّا فيما كسبه من الخير؛ بل ذهب إلى قومه يدعو إلى الله عز وجل، فلنكن نحن كذلك عندما نعلم شيئًا من الخير، فهو مرصود لنا في الموازين، فاستثمر مجالسك بذلك يا رعاك الله. الدرس السابع: لقد عرض عمرُ حفصةَ على عثمانَ، وبعده على أبي بكر رضي الله عنهما، فلم يرغبا في ذلك، ثم خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، وفي ذلك درس عظيم لنا معاشر الأولياء؛ ألا ننتظر في بناتنا حتى يأتي الخُطَّاب؛ بل إذا علمنا أن فلانًا كُفْئًا، فلنلتمس ذلك بالطرق المناسبة، ولنعرض عليه بالأسلوب المناسب، فالبيوت قد امتلأت بسبب ذلك الانتظار، ولو كنا إذا رأينا الكفء وعلمنا ذلك تمامًا مدَدْنا الجسور للموافقة، لكان ذلك طريقًا حسنًا في سرعة تزويج بناتنا، واختصرنا كثيرًا من الجهود والأوقات، وفي المقابل أيضًا إذا تقدم الكُفْء فلا يطيل الوليُّ في السؤال والتسويف، ثم يكون ذلك حجرَ عثرةٍ في التزويج؛ بل يستعجل بلا خَلَلٍ. الدرس الثامن: بعض المواقف تكون مكروهةً للنفس؛ لكن وراءها الخير العظيم، وذلك يتضح من خلال أسْرِ دليل قريش في سير عِيرهم إلى الشام، وهو فرات بن حيان، فلما تم أسْرُه كره ذلك كثيرًا وحزن له واهتمَّ؛ ولكنه كان سببًا في إسلامه، فنحن يحصل لنا في مواقفنا الحياتية أمور نكرهها وربما كان الخير فيها، والله عز وجل يقول: ﴿ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 19]، فوطِّن نفسك عند حصول أي موقف تكرهه أنه ربما كان خيرًا وأنت لا تعلم، فإن هذا يُسهِّل عليك في هذا الموقف غير المرغوب، وقد لا يخلو ذلك الموقف من نسبة إيجابية، ففكِّر فيها منطلقًا منها؛ ليخف عليك ذلك المكروه. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا السداد والهُدى والرشاد، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
__________________
|
|
#6
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (20) الشيخ خالد بن علي الجريش بعض الحِكَم والأحكام في أُحُد مع استكمال بعض أحداثها بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على النبي المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، وبعد: سبق معنا في الحلقة الماضية شيء من أحداث غزوة أُحُد، فذكرنا كرامات لبعض الصحابة رضي الله عنهم الذين استشهدوا في تلك الغزوة، وذكرنا أيضًا بعض الأحكام للشهيد؛ من حيث التغسيل والتكفين والدفن، وذكرنا أيضًا كيف كان انصراف الصحابة رضي الله عنهم من غزوة أُحُد إلى المدينة، ثم تعرضنا بعد ذلك لغزوة حمراء الأسد وأسبابها ونتائجها، وغير ذلك. وفي حلقتنا هذه نتدارس شيئًا من الحكم والأحكام من غزوة أُحُد، مع بيان شيء من الأحداث المباشرة لها، فقد نزل من القرآن قرابة ستين آية من سورة آل عمران، فيها تفصيل وبيان لأحداث وأحكام وحكم تلك الغزوة العظيمة غزوة أُحُد، وهي تمزج بين العتاب الرقيق والدرس النافع وتطهير المؤمنين من اليأس والقنوط، وذلك كقول الله تبارك وتعالى: ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: 139]، وكقوله تعالى: ﴿ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ﴾ [آل عمران: 140]، وكقول الله عز وجل: ﴿ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 141] إلى غير ذلك من الآيات التي يتربَّى عليها المؤمنون، ويستلهمون منها الدروس والعِبر. وقد اشتملت تلك الغزوة على كثير من الأحكام الفقهية والحكم الوعظية، فمن ذلك ما يلي: أولًا:من الحكم والأحكام أن السُّنَّة في الشهيد ألَّا يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه ولا يُكفَّن بغير ثيابه؛ بل يدفن بدمائه؛ حيث فعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بشهداء أُحُد. ثانيًا: من الأحكام أن السُّنَّة في الشهداء أن يُدفنوا في مصارعهم ولا يُنقَلوا إلى مكان آخر؛ حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم دفن شهداء أُحُد في مكانهم، وأمر بمن تم نقلهم أن يرجعوا إلى مكانهم. ثالثًا: من الأحكام جواز دفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد عند الحاجة والضرورة. رابعًا: من الحكم في تلك الغزوة تعريفهم سوء عاقبة المعصية، وأن ما أصابهم في أُحُد هو بسبب تلك المعصية، فلما حصل ذلك وفهموا الدرس واستلهموه كانوا رضي الله عنهم حذرين من تكرار تلك المعصية، فللمعصية شؤم وضرر قد يعمُّ وقد يخصُّ. خامسًا: من الحكم اقتضت حكمة الله تبارك وتعالى وسُنَّته أن الرسل وأتباعهم ينتصرون أحيانًا، ويُدال عليهم أحيانًا أخرى؛ لكن تكون العاقبة لهم، فلو انتصروا دائمًا لم يتميز الصادق من غيره، ولو أُديل عليهم دائمًا لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة، فاقتضت السُّنَّة الإلهية الجمع بين الأمرين ابتلاء واختبارًا للفريقين. سادسًا: من الحكم أن الله عز وجل يقدر على عباده الابتلاءات؛ كما حصل في غزوة أُحُد ليبلغوا درجات لهم في الجنة لا تبلغها أعمالهم، فتكون تلك الابتلاءات رفعةً في درجاتهم في الجنان. والأحكامُ والحِكَمُ من تلك الغزوة كثيرةٌ جدًّا، وقد أسهب في ذكرها الإمام ابن القيم رحمه الله في كتابه "زاد المعاد" فليُراجع؛ ففيه كلام نفيس، وكان بعد غزوة أُحُد بعوث وسرايا أرسلها النبي صلى الله عليه وسلم وبعثَها للدعوة إلى الله عز وجل، ولرصد تحركات المشركين ونحو ذلك، فهي أحداث عظيمة حصلت بين أُحُد والخندق، وسبب تلك الأحداث أنه بعد المصيبة التي حصلت في غزوة أُحُد كانت هيبة المسلمين قد ضعفت، فظهر عدد من المنافقين واليهود وبدأوا بنقض العهود، وبعض القبائل المشركة قامت بمكائد للمسلمين؛ ولكن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتصرف تجاه ذلك التصرف الحكيم المؤيد من رب العالمين الذي بيده كل شيء جل جلاله؛ ولذلك أرسل السرايا وبعثَ البعوث؛ ليُعيد لتلك الأمة قوَّتها وشجاعتها، وفعلًا عاد لهم ذلك، فقد حدثت أحداث عدة بعد غزوة أُحُد، ولعلي أقتصر على حدثينِ منهما: الحدث الأول: سرية أبي سلمة رضي الله عنه إلى بني أسد، وكان سببها أن بعض بني أسد قد عزموا على حرب النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الخبر دعا أبا سلمة، فقال له: ((اخرج في هذه السرية، فقد استعملتُكَ عليها))، وبعث معه مئة وخمسين رجلًا، وقال له: ((سِرْ حتى تأتي بني أسد فأغِرْ عليهم قبل أن تتلاقى عليك جموعهم))، وأوصاه ومن معه بتقوى الله عز وجل، فخرج أبو سلمة رضي الله عنه بهم في محرم من السنة الرابعة للهجرة حتى انتهى إلى ماء فأغار عليهم فجأةً، فذعروا وخافوا وهربوا وتركوا مواشيهم فأخذها أبو سلمة، ومكث على مائهم وعسكر فيه، ثم تبعهم يطلبهم، فساروا خارج ديارهم، فرجع أبو سلمة رضي الله عنه غانمًا تلك المواشي، وأسر بعض مماليكهم، وأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وهم سالمون منتصرون بحمد الله تعالى، ولما رجع أبو سلمة إلى المدينة اشتعل عليه جرحُه الذي جرحه في غزوة أُحُد وأقام عليه شهرًا يعالجه، وكان ذلك الجرح سببًا لوفاته رضي الله عنه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك: ((اللهُمَّ اغْفِرْ لأبي سلمة، وارفع درجته في المهديين، واخلُفْه في عقبه في الغابرين، وافسَحْ له في قبره، ونوِّرْ له فيه))؛ رواه مسلم. ثم قالت زوجته أم سلمة بعد وفاته: من لي بخير من أبي سلمة من المسلمين؟ ثم قالت ما أوصى به النبي صلى الله عليه وسلم المصاب أن يقوله وهو: ((إنَّا للهِ وإنَّا اليه راجعونَ، اللهم أجرني في مصيبتي واخلُف لي خيرًا منها))، فلما قالتها بيقين تزوَّجَها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. الحدث الثاني: بئر معونة أو سرية القُرَّاء، وكانت في صفر من السنة الرابعة للهجرة، فقد روى البخاري رحمه الله عن أنس رضي الله عنه أنه قال: إن رِعْلًا وذِكْوانَ وعُصَيَّة بني لحيان استمدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عددًا فأمدَّهم بسبعين من الأنصار يقال لهم القُرَّاء، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل رضي الله عنهم، وفي صحيح مسلم قالوا: ابعث لنا رجالًا يُعلِّموننا القرآن والسُّنَّة، فوصل هؤلاء السبعون إلى بئر معونة، فنزلوا فيها، وكانوا في جوار رجلٍ منهم، وبعثوا كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حرام بن ملحان رضي الله عنه، ليسلمه إلى سيدهم عامر بن الطفيل، فلم ينظر عامر بن الطفيل إلى الكتاب؛ بل أمر بقتل حرام بن ملحان، فقال حرام بعدما قُتِل: فُزْتُ وربِّ الكعبة، ثم لم يكتفِ عامر بذلك الغدر؛ بل استنفر بني عامر في قتال الباقين من الصحابة القُرَّاء، فأبى ذلك بنو عامر وقالوا: لا نخفر جوار أبي براء لهم، وكان أبو براء عامر بن مالك قد أجار هؤلاء القُرَّاء، فاستنفر عامر ابن طفيل قبائل بني سليم وهم رِعْل وذكْوان وعُصَيَّة، فأجابوا إلى ذلك وغدروا، فقاتلوهم حتى قتلوهم. وبعد هذا بوقت ليس بالطويل مرَّ على مكان الوقعة اثنانِ من الصحابة، وهما: عمرو بن أمية الضمري، والمنذر بن عقبة الأنصاري، وهما يسرحان بالماشية، فرأيا طيورًا في ذلك الموقع، فقال بعضهم لبعض: إن لهذه الطيور لشأنًا، فنظرا فإذا هؤلاء أصحابهم من القُرَّاء بدمائهم مقتولين، فقال المنذر لعمرو: ما ترى في هذا الشأن، فقال عمرو: أرى أن نرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونخبره الخبر، أما المنذر فقال: إنه سيقاتل القوم الذين قتلوا هؤلاء الصحابة، فقاتلهم رضي الله عنه حتى قُتِل، وأما عمرو بن أمية فرجع إلى المدينة وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فحزن لذلك النبي صلى الله عليه وسلم والصحابةُ حزنًا شديدًا. وقد مكث النبي صلى الله عليه وسلم شهرًا يدعو على تلك القبائل، وأخرج مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه: ((إنَّ إخوانَكم قد قُتِلُوا، وإنهم قالوا: اللهم بلِّغ عنا نبيَّك أنا قد لقيناك فرضينا عنك ورضيت عنا))؛ رواه مسلم. وأما عامر بن مالك الذي أجار هؤلاء القُرَّاء وهو سيد من أسياد بني عامر الذي أعطى الجوار لهؤلاء القُرَّاء، فإنه لما بلغه مقتلهم شقَّ عليه ذلك أشدَّ المشقَّة حتى مات من شدة الهمِّ والمشقَّة، وأما عمرو بن أمية في رجوعه إلى المدينة ففي طريقه وجد رجلين من بني عامر قتلة هؤلاء القُرَّاء، فنزل معهما في ظل شجرة، وكان الرجلان معهما عقد وجوار من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهما؛ ولكن لم يعلم به عمرو، فلما علم أنهما من بني عامر ورآهما قد ناما قام بقتلهما أخذًا بالثأر من قتل القُرَّاء، فلما قدم إلى المدينة أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بمقتله لهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بئسَ ما صنعْتَ؛ لقد كان لهما مني أمانٌ وجوارٍ، لأدِينَّهما))، فبعث بدِيَتِهما لقومهما. إخواني الكرام، لعلنا نختم حلقتنا هذه ببعض الدروس والعِبر، ونستكمل بإذن الله عز وجل في الحلقة القادمة تلك الأحداث التاريخية، فمن الدروس فيما سبق ذكره: الدرس الأول: أن ما حصل في غزوة أُحُد من جراح وقرح وتعب ومصائب هو من الكفَّارات التي يُكفِّر الله بها ذنوب العبد، فالمشروع للعبد إذا حصل له ما يكره من مصائب الدنيا أن يعلم أنها مقدرة ومكتوبة ولحكمة عظيمة، ويُشرع له حيالها الصبر والتسليم والرضا والحمد، فإذا فعل ذلك هانت عليه مصيبته، وذلك بخلاف الذي جزع ولم يصبر؛ فإن الشيطان يستولي عليه، ووصيتي لك أخي الكريم أن تعلم أنه لا يوجد شر محض بحمد الله فيما يصيب المؤمن من البلاء، فانظر في كل ما يصيبك إلى الوجه الإيجابي فيه، ولو كان يسيرًا، فادخل من خلاله لسلامة صدرك وانشراحه، فالمرض مثلًا وإن كان شرًّا ففيه وجه إيجابي وهو التكفير للسيئات ورفع الدرجات مع سؤال الله تعالى العافية، فعِش التفاؤل وحسن الظن في كل ما يصيبك مبتدأ بالنقطة الإيجابية فيه، وإذا حصل لك خلاف ما تريد فتفاءل بقولك: لعله خير لي من حيث لا أشعر، وهكذا فإنك بذلك تشرح صدرك وتطمئن نفسك، وأيضًا ترسل لنفسك وسائل ورسائل إيجابية تعزيزية، أما لو عشت السلبية لضاقت عليك الأرض بما رحبت. الدرس الثاني: شرع الإسلام للمصاب بأي مصيبة كانت كلامًا يقوله، فيشرح الله تعالى له صدره، ويخلف عليه بخير، وهو قوله عند المصيبة: ((إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي، واخلُف لي خيرًا منها))، وهذا ما أرشد النبي صلى الله عليه وسلم له أُمَّ سلمة رضي الله عنها عندما قُتِل زوجُها قالت: ومَن خيرٌ من أبي سلمة، فتقول أم سلمة رضي الله عنها: فلما قلتُها بيقينٍ أخلف الله عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيا أخي الكريم، اجعل بدل تأسُّفك وتفكيرك عند حصول المصائب تلك العباراتِ النيرةَ والكلماتِ الطيبةَ على لسانك، فهي دعاء وتوسُّل وخشوع، والله عز وجل قريب مجيب. الدرس الثالث: الحذر من المعصية؛ فإن لها شؤمًا قد يعم وقد يخص؛ كما حصل في غزوة أُحُد، فالمعصية شرٌّ لا خير فيه، فلماذا يفعل العاقل ما يعتقد أنه شر محض، وهو يعلم أن الله عز وجل يراه ويسمعه، وهو الذي خلقه ورزقه، وبيده تدبير أمره؟! فلنتَّقِ اللهَ تعالى جميعًا، لعلنا نفلح ونسعد دنيا وأُخْرى. الدرس الرابع: إن أهل الحق أحيانًا قد يهزمون ويُدال عليهم، وذلك ابتلاء لهم أو خلل لديهم أو ابتلاء لأهل الباطل بسُّنَّة الإمهال؛ لكن العاقبة تكون للمتقين، ولكن من ابتلاء أهل الحق في هزيمتهم أن ينظر هل يستكينون وينكصون على أعقابهم أو يُصحِّحون المسار والخلل، ويرجعون وينيبون، هو موضع ابتلاء لهم، فعلى أهل الحق العمل على نصرته في كل وقت وحين، ويقول القائل: إن إيقادك لشمعة في الظلام هو أفضل من أن تلعن الظلام ألف مرة، فالعمل على نصرة الحق بما أعطاك الله ومكَّنك منه، هو الواجب عليك، وكلٌّ أعلم بمقدرته ومقدوره، وهذا مستفاد من واقع الصحابة رضي الله عنهم عندما رجعوا من غزوة أُحُد بجراحهم وتعبهم، استعدوا للذهاب إلى حمراء الأسد مباشرة، فرضي الله عنهم وأرضاهم. الدرس الخامس: عندما قال حرام بن ملحان رضي الله عنه: فُزْتُ وربِّ الكعبة بعدما قُتِل، هو فوز حقيقي في مقاييس الآخرة مع أنه قُتِل؛ وذلك لأنه بلَّغ كتابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقام بمهمته التي كلَّفه بها النبي عليه الصلاة والسلام، ومقاييس الآخرة هي المقاييس الحقيقية للفوز؛ لأنها هي الباقية، أرأيت من أنفق ماله في مجالات الخير فهو أربح ممن أمسك هذا المال مع أن هذا الممسك قد يكون أكثر فيما بقي ممن أنفق ماله، أرأيت أيضًا من قام ليله راكعًا وساجدًا هو أكثر فوزًا وربحًا من هذا النائم مع أن هذا النوم ربما كان أكثر راحةً للجسم، أرأيت من أتعب نفسه في خدمة إخوانه المسلمين وقضاء حوائجهم هو أكثر ربحًا وفوزًا ممن ليس كذلك، مع أن الأخير هو أكثر راحةً جسميةً بينما الأول هو أكثر راحةً نفسيةً وربحًا وفوزًا في الأجور والحسنات، أرأيت من تعب في وَصْلِ رَحِمِه وبِرِّه بوالديه، فهو أكثر فوزًا وربحًا ممن قطع وعقَّ مع أن الأخير هو أكثر راحةً جسميةً، وهكذا المقاييس المعتبرة هي مقاييس الآخرة؛ لأنها هي الباقية وليست مقاييس الدنيا؛ لأنها هي الفانية. فمن تصدَّق بماله فقد قدمه لنفسه، ومن أمسكه فقد جعله لغيره؛ ولهذا قال حرام بن ملحان رضي الله عنه: فُزْتُ وربِّ الكعبة، مع أنه قُتِل. الدرس السادس: إن الغدر والخداع والمكر ونقض العهود هو من صفات أهل الجاهلية والأعداء بخلاف أهل الملة والدين فهم موفون بالعهود، لا يعرفون للغدر طريقًا، ومأخذ هذا من السيرة عندما غدرت قبائل بني سليم في قتل القُرَّاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أمرهم عامر بن الطفيل فغدروا في الجوار والذمة بينما في الجانب الآخر الذي أمر به الإسلام وهو الوفاء بالعهد، ويظهر هذا جليًّا من خلال موقف عمرو بن أمية رضي الله عنه عندما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأنه قتل رجلينِ من رجال عامر بن الطفيل أخذًا بالثأر من قتل القُرَّاء من الصحابة، وهو لم يعلم أنهما في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعاتبَه النبي عليه الصلاة والسلام بذلك، ودفع دية الرجلينِ؛ لأنهما كانا في جوار وذمة، فقارِنْ بين هذا وذاك. الدرس السابع: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعدما بلغَه قتلُ القُرَّاء اتجه إلى ربِّه عز وجل بالدعاء على تلك القبائل التي غدرت وقتلت هؤلاء القُرَّاء، وهكذا المسلم عندما يحزُبُه أمر، فإنه يتجه إلى ربِّه تبارك وتعالى يدعوه ويرجوه؛ لأن جميع الأمور هي بيد العزيز الحكيم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو عليهم في صلاته بعدما يرفع من ركوعه، وكان الدعاء في هذا الموطن مع أن السجود أقرب الأحوال؛ لأنه أراد أن يُؤمِّن المصلُّون على دعائه، وهذا لا يحصل في السجود؛ قال ذلك ابن حجر رحمه الله. فالدعاء مخرج عظيم في تحصيل الأمور وشرح الصدور واطمئنان النفوس؛ فلنفزع إليه عند أي مصيبة، فله أثر عجيب في الحاضر والمستقبل. إخواني الكرام، ما أجمل الاطلاع والقراءة في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته! مقتبسين الدروس والعِبر؛ لتكون نبراسًا لنا في أفعالنا وأقوالنا؛ فسنستفيد منها الأحكام والحكم وخصال الخير ونفائس الصفات، فكم هو جميل أن تجتمع الأسرة على برنامج ولو يومًا في الأسبوع في ذلك المجال! وإنني أقترح عليك أخي الكريم أن تعقد العزم على تنفيذ ذلك مع أسرتك المباركة الكريمة، كما أقترح عليك أن تختار أحد هذه الكتب الثلاثة؛ فهي من أجمل ما كتب في السيرة، الكتاب الأول: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون من تأليف موسى العازمي، والكتاب الثاني: الرحيق المختوم لصفي الرحمن المباركفوري، والكتاب الثالث: نور اليقين في سيرة سيد المرسلين، فاحرص على اقتناء أحدها، واجعله منهجًا لك ولأسرتك قراءة وتعلمًا وتعليمًا واستخراجًا للدروس والعبر، وكافيك في هذا أربع خصال عظيمة: تحفكم الملائكة، وتغشاكم الرحمة، وتنزل عليكم السكينة، ويذكركم الله فيمن عنده، وهذه الصفات هي خير من الدنيا وما فيها مع أنه طريق من طرق طلب العلم، ومَن سَلَك طريقًا يطلب فيه علمًا سهَّل الله له به طريقًا إلى الجنة، فاعقد العزم أخي الكريم مستشيرًا أولادك في هذا المجال حتى يحصل بإذن الله عز وجل ما يمكن أن تصحح معه المفاهيم الاجتماعية والإيمانية والتربوية، وتعيش هذه الأسرة عيشة هنية مقتبسة ذلك من حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكِرام. أسأل الله تبارك وتعالى لنا جميعًا الصلاح والإصلاح في النية والذرية، وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#7
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (22) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثانية والعشرون من برنامج: خاتم النبيين بعض الأحداث بين أحد والخندق (2) بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين؛ أما بعد: فقد سبق معنا - إخواني الأكارم - في الحلقة الماضية ذكر بعض الأحداث التي حصلت بين غزوتي أُحُد والخندق، فقد ذكرنا يهود بني النضير وبني قريظة، وأيضًا غدرهم وكيف أجلاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن المدينة، وذكرنا ما أفاءه الله على رسوله عليه الصلاة والسلام من سلاحهم وأموالهم، وذكرنا أيضًا غزوة دُومة الجندل، وغزوة بدر الآخرة، إلى غير ذلك مما سبق ذكره، ونحن في حلقتنا هذه بإذن الله نتابع ذكر تلك الأحداث، سواء كانت في بيت النبوة أم خارجها. فمن ذلك قدوم وفد مُزَينة؛ ففي رجب من السنة الخامسة قدم وفد من مزينةَ، وعددهم أربعمائة رجل، فبايعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فأمرهم بأمره، وأوضح لهم، وزودهم ببعض الطعام، وهذا الوفد هو أحد الوفود التي قدمت المدينة، فتُبايع النبي صلى الله عليه وسلم على الإسلام، وذلك مما يغيظ المنافقين والكفار آنذاك؛ لأنه بإسلام مثل هذا الوفد ورجوعه إلى قومه سيسلم الكثيرون ممن وراءهم، وهذا من فضل الله تبارك وتعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام، ومن نصره له، وتسديده إياه، ومن الأحداث أيضًا في تلك المرحلة غزوة بني المصطلق أو المُرَيْسِيع، والمريسيع هو موقع ماء لخزاعة، وهو الآن في وادي ستارة، تبعد عن المدينة قرابة مائتين وخمسين كيلومترًا إلى جهة مكة قريبًا من قديد، وكانت تلك الغزوة في الثاني من شهر شعبان من السنة الخامسة، وكان سببها أنه بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الحارث بن أبي ضرار سيد بني المصطلق جمع قومه لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث رسول الله عليه الصلاة والسلام بريدة بن الحصيب؛ ليأتيه بخبرهم، فأتاهم وكأنه رجل من العرب يريد إعانتهم، فأتى إلى الحارث وكلَّمه فيما يريدونه، وعلِم خططهم ومآربهم وما هم عليه من خلال كلامه معه، فقال بريدة للحارث: دعني أذهب إلى قومي لكي أجمع منهم رجالًا، فسُرُّوا بذلك، ورجع هو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بخبرهم، فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إليهم، فأسرعوا الخروج وكانوا سبعمائة مقاتل وثلاثين فرسة، وخرج معهم عدد كبير من المنافقين، ومعهم رأسهم عبدالله بن أبي بن سلول، وكان الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق قد أرسل عينًا له يأتيه بخبر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فلقيَهُ النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه، فسأله عنهم، فلم يذكر عنهم شيئًا، وكتم أخبارهم، فعرض النبي عليه الصلاة والسلام عليه الإسلام، فأبى أن يسلم، واتضح لهم أنه عين لبني المصطلق، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرَ بن الخطاب فضرب عنقه، فلما علم بذلك الحارث، ساءهم وَوَلَجَ في قلوبهم الرعب، وتفرق عنه مَن كان معه من غير قومه. فوصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المريسيع، فأغار عليهم وهم غافلون، فقتل بعض مقاتلتهم، وسبى من ذراريهم، وكان منهم جويرية رضي الله عنها؛ [رواه البخاري]، ثم جُمعت الغنائم بعد ذلك، وغنموا من الإبل الشيء الكثير، فقد غنموا ألفين من الإبل، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي والأسرى الشيء الكثير؛ لأنهم أتَوهم على غفلة، ثم قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك كله في موضعه الذي غنمه فيه، فأخرج الخمس، ثم قسم الباقي بين الناس، وفرق السبيَ، فصار بأيدي الرجال، وقسم الإبل والشياه، وكانت جويرية رضي الله عنها من السبي فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فكانت أمًّا للمؤمنين؛ وهي بنت الحارث رئيس بني المصطلق. وكان زواجه عليه الصلاة والسلام بها سببًا في إسلام الكثير من بني المصطلق، حتى أسلم أبوها الحارث بن ضرار، ثم خرج الحارث إلى قومه يدعوهم إلى الإسلام، فأسلم كثير منهم، وبزواجه أيضًا عليه الصلاة والسلام من جويرية أعتق كثير من الرقيق؛ لأنهم صاروا أصهارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك تقول عائشة رضي الله عنها: ((ما أعلم امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها))، وكانت جويرية رضي الله عنها عابدة ذاكرة، وهي التي كانت سببًا في ورود ذلك الذكر العظيم المضاعف الذي رواه مسلم في صحيحه؛ فقد روى مسلم في صحيحه عن جويرية رضي الله عنها: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها؛ أي: في موضع صلاتها، ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال لها: ما زلتِ على الحال التي فارقتكِ عليها؟ قالت: نعم، أذكر الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد قلتُ بعدكِ أربع كلمات؛ ثلاث مرات، لو وُزنت بما قلتِ منذ اليوم، لوزنتهن: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته))؛ [رواه مسلم]. فهذا ذكر عظيم جليل ينبغي لنا حفظه، والمحافظة عليه، وتحفيظه لأولادنا، ولم يُقتَل أحد من المسلمين في تلك الغزوة إلا رجل واحد، وهو هشام بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار، وهو يظنه من العدو فقتله خطأ، فلما علم أخوه مقياس بن صبابة وهو في مكة، جاء إلى المدينة وأشهر إسلامه، ومكث أيامًا، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أطلب دية أخي"، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع دية أخيه، فأخذها، واستلمها، ثم بعد أن أقام أيامًا عدا على قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًّا، والعياذ بالله، فأهدر رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه وإن كان متعلقًا بأستار الكعبة؛ فقُتل في فتح مكة. وقد خرج في تلك الغزوة غزوة المريسيع عدد من المنافقين؛ ومنهم عبدالله بن أُبي، رئيس المنافقين، وقد خرجوا باسم الجهاد، ولكنهم يقصدون إثارة الفتنة بين المسلمين، وقد حدث حدثان عظيمان بسببهم: الحدث الأول: إنه ازدحم رجلان؛ أحدهما من المهاجرين، والآخر من الأنصار، فاختلفا فكسع المهاجري الأنصاري؛ أي: ضربه، فقال الأنصاري: يا للأنصار! وقال المهاجري: يا للمهاجرين! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دعوها؛ فإنها مُنتنة، لينصر الرجل أخاه ظالمًا أو مظلومًا؛ فإن كان ظالمًا، فلْيَنْهَهُ، فإنه له نصرة، وإن كان مظلومًا فلينصره))؛ [رواه مسلم]، وفي رواية قال: ((ما بال دعوى الجاهلية؟ فبلغ ذلك عبدالله بن أبي بن سلول رأس المنافقين، فغضب، وعنده رهط من قومه، وفيهم زيد بن أرقم رضي الله عنه وأرضاه، وكان غلامًا يافعًا، فقال ابن أبي: أو قد فعلوها؟ يعني: المهاجرين جاؤوا إلى المدينة، وكاثرونا في ديارنا، والله ما أعُدُّنا وجلابيب قريش إلا كقول القائل: سمِّن كلبك يأكلك، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، وقال أيضًا: لا تنفقوا على مَن عند رسول الله؛ حتى ينفضوا من حوله))؛ [أخرجه البخاري ومسلم]. فذهب زيد بن أرقم ذلك الغلام وكان حاضرًا معهم، فذكر ذلك لعمه سعد بن عبادة، فذكر سعد ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال عمر: يا رسول الله، دعني أضرب عنق ذلك المنافق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((دَعْهُ؛ لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى عبد الله بن أبي يسأله عن ذلك، فحلف أنه ما قال ذلك، واجتهد في يمينه، وقال هو ومن معه: كذب زيد، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد؛ أي مستنكرًا ذلك الخبر، فقال سعد: إنما أخبرنيه ذلك الغلام؛ يعني: زيدًا، فأخذ عبدالله بن أبي يزجر زيدًا على ذلك زجرًا شديدًا، يقول زيد: فأجهشت بالبكاء عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقلت: والذي أنزل عليك النبوة، لقد قالها، يقول زيد: فأصابني همٌّ وغمٌّ لم يصبني مثله قط، وجلست وحيدًا، فلما حصل ذلك أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرف الناس عن دعوى الجاهلية، وإلا تتسع دائرة المشكلة، فأمر بسير الجيش في ساعة لا يرتحل فيها عادة، فسأله أسيد بن الحضير عن هذا الارتحال على غير العادة، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم بمقالة ابن أبي، فقال أسيد رضي الله عنه: أنت يا رسول الله العزيز، وهو وحزبه الذليل، ثم قال: يا رسول الله، ارفق به؛ فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لَينْظِمون له الخرز ليُتوِّجوه؛ فإنه يرى أنك قد سلبته ملكه. ثم سار بهم النبي صلى الله عليه وسلم مسارًا طويلًا حتى تعبوا ثم ناموا، قال زيد: فبينما أنا أسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خفقت برأسي من الهم والغم، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمسك بأُذني، وضحك في وجهي، فما يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، فلقيني أبو بكر، فقال: ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقلت: ما قال شيئًا، وإنما ضحك في وجهي، وسررت لذلك، ولحقني عمر، وقال لي مثل ذلك، فقلت له مثل ذلك، فلما أصبحنا قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقون؛ وكان مما قرأ قوله تعالى: ﴿ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا ﴾ [المنافقون: 7]؛ الآية، وقوله: ﴿ يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ﴾ [المنافقون: 8]؛ الآية. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الله قد صدقك))؛ [رواه البخاري]، ثم أكملوا مسيرهم فنزلوا في مكان، فهبت عليهم ريح شديدة وتخوَّفوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تخافوها؛ هذه الريح لموت منافق))، قال جابر: فلما قدمنا المدينة، فإذا رفاعة بن زيد قد مات، وهو من عظماء اليهود، وكان كهفًا للمنافقين، وعندما علم عبدالله بن عبدالله بن أبي بن سلول وهو أحد الصحابة الأجلاء، عندما علم ما قاله والده المنافق، أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، إنه قد بلغني أنك تريد قتل أبي عبد الله بن أبي، فإن كنت فاعلًا، فمُرْني به، فإني أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمتِ الخزرج ما كان لها من رجل أبرَّ بوالده مني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقِيَ معنا))، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من المريسيع، وقف الصحابي الجليل عبدالله بن عبدالله بن أبي على باب المدينة، فلما جاء أبوه أناخ ناقته عند بابها، وقال لأبيه: والله لا تجوز من هذا الباب، حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنه العزيز وأنت الذليل، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أذِن له فخلى سبيله، وكانت تلك الغزوة في اليوم الثاني من شهر شعبان، وقدموا المدينة في هلال رمضان. إخواني الكرام، فيما سبق عرضه في تلك الحلقة دروس وعِبر، فلعلنا نتطرق لبعضها، ونستكمل حديثنا في الحلقة القادمة إن شاء الله؛ فمن الدروس ما يلي: الدرس الأول: في هذه الغزوة ظهرت بركات متعددة لجويرية رضي الله عنها وأرضاها، وهي أم المؤمنين، وزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما كانت في السبي صارت من نصيب أحد الصحابة، فعرضت على سيدها المكاتبة، فكاتبها، فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعينها، فأعانها، وتزوجها، فزواجه منها صار سببًا في عتق عدد من الصحابة لمماليكهم من بني المصطلق؛ حيث كانوا بعد هذا الزواج أصهارًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن بركتها أنها بزواجها من الرسول عليه الصلاة والسلام أسلم أبوها، ومن بركتها أيضًا أنه بإسلام أبيها ذهب يدعو قومه فأسلموا، وأيضًا من بركتها رضي الله عنها أنها كانت سببًا في هذا الذكر المضاعف؛ وهو ((سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته))؛ والحديث مشهور في صحيح مسلم، فهو ذكر عظيم جليل ينبغي لنا حفظه والمحافظة عليه، وتحفيظه لأولادنا صغارًا وكبارًا، وأن ندل عليه كل من نحب، فهو يُقال في كل وقت، لكنه يتأكد في الصباح، وهو ذكر عظيم ويسير أيضًا؛ فهو لا يستغرق أكثر من ربع دقيقة، لكنه يحوي من الأجور أكثر من ملء الأرض والسماء، فحافظوا عليه يا رعاكم الله، فإنكم على خير عظيم، وأُعيده لأهميته: ((سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته؛ ثلاث مرات)). الدرس الثاني: قد يكون أحيانًا ظاهرُ الأمر قتلًا وفتكًا، لكنه في باطنه الخير العظيم؛ فغزوة بني المصطلق كانت لقتال وجهاد الكفار، ولكنه حصل في تلك الغزوة خير عظيم، ويتمثل ذلك بإسلام الأسرى، وبركات جويرية رضي الله عنها، وإسلام الحارث زعيم بني المصطلق، وإسلام كثير من قومه لما دعاهم، فحصل هذا الخير العظيم، مع أن ظاهر الأمر لهم شرٌّ كبير، فعندما يحصل أمر قد نكرهه في حياتنا، فلننظر إلى النقطة الإيجابية فيه، وننطلق منها في التفاؤل وحسن الظن؛ فإن ذلك أشْرَحُ لصدورنا، وأكثر طمأنينة لنفوسنا، وأضيق لدائرة المشكلة، وأوسع في دائرة الحل، بينما لو تشاءمنا ولم نتفاءل، لانقلبت تلك الإيجابيات المذكورة إلى سلبيات، فتبدأ المشاكل بالاتساع والتكاثر. الدرس الثالث: في تلك الغزوة عندما تشاجر المهاجري والأنصاري يُستفاد أن النفوس ليست معصومة من الخطأ، حتى ولو كانوا صحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، ولكنهم يرجعون سريعًا للحق رضي الله عنهم، ويُستفاد من تلك الحادثة تلكم القاعدة التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي نهيه عن أمور الجاهلية؛ حيث قال: ((دعوها فإنها منتنة))، فهو نهي عن أعمال أهل الجاهلية وأسس المحبة والتعاون، والتكاتف والتفاهم، وحسن الظن، وغير ذلك من تعاليم الإسلام، فإذا أسلم الكافر أو اهتدى العاصي، فليترك ما كان عليه قبل ذلك من جاهلية، وليستبدلها بنور الإسلام وتعاليمه. الدرس الرابع: على المسلمين أن ينصر بعضهم بعضًا، سواء كانوا ظالمين أو مظلومين، فنصرُ الظالم بإبعاده عن الظلم ونهيه عنه، ونصر المظلوم بأخذ حقه من الظالم، والمقياس في هذا كله هو الإسلام، وليس حظوظ النفس أو القرابة أو العشيرة ونحو ذلك؛ فالعدل هو الأساس، والله عز وجل يعلم الخفايا وما تخفيه الصدور، ونهيُ الظالم عن ظلمه هو حجز له عن عذاب الله، وحفاظ على حسناته وأعماله، وكم نحن بحاجة ماسة في واقعنا المعاصر إلى ذلك، سواء في البيع والشراء، أو في الغيبة والنميمة، أو في القضايا الزوجية، أو في التعاملات الأخرى، فيتعين علينا جميعًا أن نعدل في هذا، وننصف المظلوم من الظالم، وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك إذا طلب منك شهادة على شيء من الأشياء، فعليك بالعدل، واحذر الحيف، ولا يمنعك من العدل، حتى ولو كان صاحبك أو قريبك، بل ولو على نفسك؛ لأنك إن نجوت الآن، فأمامك الآخرة، وسيتضح فيها كل شيء، وستظهر فيها النتائج على حقيقتها، فكلما وقع سمعك أو نظرك على ظلم، فكن إيجابيًّا مع الظالم والمظلوم، وذلك بإحلال العدل بينهما؛ فالظلم يتنوع؛ فقد يكون بالأقوال، أو بالأعيان، أو بالأعراض، ويا ليت الظالم الذي يأخذ ما ليس له من مال أو عرض في الدنيا، يا ليته يعلم أنه سيرده يوم القيامة من حسناته، فوقفة تأمل مع تلك النقطة قد تُوقِظ القلب إلى الأبد، إن كان في القلب تقوى وخوف. الدرس الخامس: تأمل بُعد النظر عند هذا النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، وتأمل أيضًا النظر في مآلات الأمور، كم نحن بحاجة ماسة لهذه الصفة العظيمة؛ وهي بُعْدُ النظر في تصرفاتنا وقراراتنا! فكان بإمكان النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول لأحد الصحابة بقتل رئيس المنافقين، وينتهي أمره، ويدرأ شره، لكنه عليه الصلاة والسلام نظر إلى أمر بعيد، وهو قوله: ((لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه))، فإن هذا قد يرد بعض الناس عن الإسلام، وكذلك قد تقوم فتنة بذلك؛ ولذلك احتمل أدنى المفسدتين بدفع أعلاهما، فكذلك نحن في تربيتنا لأولادنا وتصرفاتنا وتعاملنا مع الآخرين لا بد أن يكون ذلك مدروسًا ومنظورًا فيه عواقب الأمور؛ ففي الطلاق والهجر، والكلام السيئ، والظنون القبيحة آثار سلبية كبيرة، فلندرأها ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا. الدرس السادس: في موقف عبدالله بن عبدالله بن أُبيٍّ رضي الله عنه عندما أراد أبوه دخول المدينة فقال: "لا تتجاوز حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم"، في هذا الموقف العظيم تقديم أمر الرسول عليه الصلاة والسلام على أمر الوالدين، مع أنه كان بارًّا بأبيه أشد البر، ومع ذلك قال له: "لا تدخل المدينة حتى يأذن لك رسول الله صلى الله عليه وسلم"، فمهما كانت محبة الوالدين أو البر بهما، فلا يُقدَّمان على أمر الله ورسوله، وفي ذلك قوة إيمان بالله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام، مع عِظم حق الوالدين، ووجوب البر بهما، فإن تلك المحبة وذلك البر إذا تعارض مع أمر الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فإنه لا يُنظر إليه، بل ليس برًّا. الدرس السابع: يظهر في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لعبدالله بن أُبيِّ بن سلول، الخلق الحسن في التعامل حتى ولو كان الآخر فيه عداوة؛ فالخلق الحسن مفتاح لكل خير، وجالب لكل برٍّ، وهذا يرسم لنا منهجًا في التعامل الأمثل فيما بيننا في كلامنا وتصرفاتنا أن تكون مدروسة، ويُراعَى فيها نفوس الآخرين؛ فالخلق الحسن والتعامل الأمثل هو دعوة إلى الدين، وموضع قدوة للآخرين، فإذا رآك أحد على خلق حسن أحبك وارتاح إليك، واقتدى بك، فنِلْتَ مثل أجره، فاحرص على اقتناص ذلك الخلق الحسن من خلال تصرفات الآخرين، فما كان من حسن فخُذْهُ، واحرص عليه، وما كان من سيئ، فاتركه وابتعد عنه، وبذلك تجتمع فيك المحاسن، وتزول عنك المساوئ، فهذه قاعدة عظيمة في حسن الأخلاق، وذلك فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم، اللهم أصلحنا وأصلح لنا، وأصلح بنا، واغفر لنا، وارحمنا ووالدينا والمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#8
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (23) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الثالثة والعشرون من برنامج خاتم المرسلين حادثة الإفك بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأُصلِّي وأسلِّم على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد: فمرحبًا بكم أيها المستمعون والمستمعات الكرام في برنامجكم خاتم النبيين، فقد تعرضنا مستمعي الأكارم في الحلقة الماضية إلى غزوة بني المصطلق وهي المريسيع، وذكرنا وفودَ وفدٍ من مُزينة على النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا شيئًا من معجزاته عليه الصلاة والسلام، وكذلك ذكرنا الخير العظيم الذي كان في تلك الغزوة، وأيضًا ذكرنا فضائل جويرية رضي الله عنها على قومها، بل على الأمة جمعاء! وذكرنا شيئًا من أحداث المنافقين في تلك الغزوة، ويتواصل الحديث في تلك الحلقة عن حدث في آخر غزوة المريسيع، وهو حادثة الإفك التاريخية التي كانت أعظم فتنة حاكها المنافقون، وقد استباح عبدالله بن أبي ابن سلول لنفسه أن يرمي الطاهرة المطهرة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها بالفحشاء، وهذه الحادثة أخرجها البخاري في صحيحه؛ حيث ترويها عائشة رضي الله عنها، فتقول: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد الخروج أقرع بين نسائه؛ أي جعل بينهن قرعة، فمن خرج سهمها خرجت معه، فلما كان غزوة بني المصطلق، فعل كما كان يفعل، فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدما نزل وجوب الحجاب، فكنت أُحمل في الهودج وانزل فيه، حتى إذا فرغ النبي صلى الله عليه وسلم من غزوته، رجعنا إلى المدينة فنزلنا وبتنا بعض الليل قرب المدينة، فلما أذنوا بالرحيل، ذهبت لقضاء حاجتي، فلما قضيت حاجتي ورجعت، فلمست صدري فلم أجد عقدي، فرجعت أطلبه وألتمسه، فلما رجعت فإذا الجيش قد حملوا هودجي، وظنوا أني فيه، فحملوه على بعيري، وكنت خفيفة اللحم إذ ذاك، فبعثوا الجمل وسار الجيش، ووجدت عقدي بعد مسيرهم، فجئت إلى مكانهم فلم أجدهم، فمكثت في مكاني لأجل أنهم إذا فقدوني رجعوا إليه، فبينما أنا جالسة ومتحجبة بجلبابي، فنمت وكان صفوان بن معطل السلمي رضي الله عنه من وراء الجيش، فرأى سواد إنسان، فأتاني فعرفني حين رآني، وكان قد رآني قبل وجوب الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي، فوالله ما سمعت منه كلمة غير الاسترجاع، فأناخ راحلته فركبتها، فسار حتى أتينا الجيش وهم نازلون في طريقهم، فلما رأى الناس ذلك قالوا ما قالوا من السوء، وهلك من هلك، وقد تولى الإفك عبدالله بن أبي ابن سلول، ثم قدمنا المدينة والناس يتحدثون بالإفك ولم أشعر به، وكنت مشتكية من المرض بعد قدوم إلى المدينة، فلما زال عني بعض مرضي خرجت أنا وأم مسطح لبعض الحاجة، فلما رجعنا إلى بيتي، قالت أم مسطح: تعس مسطح، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلًا شهد بدرًا? فقالت: أو لم تسمعي ما قال، قلت: وما قال? فأخبرتني بقول أهل الإفك، فرجع إليَّ مرضي، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، فسأل عن الحال، فقال: كيف تيكم? فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي، فأذن لي وأنا أريد أن استوثق الخبر منهما، فقالت عائشة رضي الله عنها لأمها: بماذا يتحدث الناس? فأخبرتها، قالت أمها: ويا بنية هوِّني عليك من الأمر، فقلت: وهل علم بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي? قالت نعم، فبكيت حتى سمعني أبي، فقال: ما شأنها? فذكرت له حادثة الإفك، فقال أقسمت عليك يا بنية أن ترجعي إلى بيتك فرجعت؛ رواه البخاري. وقد استشار النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة فبرَّؤوها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر، فقال: يا معشر المسلمين، مَن يعذِرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله، أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت عنقه وكان سعد سيد الأوس، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا ذلك، قالت عائشة: فمكثت أبكي يومًا وليلتين ولا أكتحل بنوم، مما أصابني من الهم والغم وكان عندي أبواي، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه شيء في شأني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا عائشة، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرِّئك الله، وإن كنت ألممتِ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله، تاب الله عليه، فقلت لأبي: أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما عندي ما أجيب به رسول الله عليه الصلاة والسلام. وقلت لأمي أجيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ما أدري ما أقول لرسول الله عليه الصلاة والسلام، فقلت: والله لقد علمت ما سمعت، واني والله إن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة، فإنكم لا تصدقوني، وإن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة، فإنكم مصدقي، ولكن لا أقول إلا كما قال يعقوب: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ﴾ [يوسف: 18]، ثم تحولت واضطجعت على فراشي، وكنت أرجو أن يوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء في هذا، فوالله ما خرج أحد من البيت حتى بدأ الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعرفناه. فإنه ليتحدَّر منه العرق ونحن في يوم شاتي، وذلك من ثقل القول عليه، فأما أنا فعلمت أنها براءتي. وأما أبواي فأخذهما الغم والهم خشيةَ أن يكون صدق الناس فيما قالوا، فلما سُري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يضحك ويقول: يا عائشة، أما الله عز وجل فقد برأك، فحمدت الله عز وجل، فأنزل الله تبارك وتعالى قوله: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ * إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 11 - 20]، فلما نزلت البراءة خرج النبي صلى الله عليه وسلم على الناس في المسجد، ثم تلا تلك الآيات، ثم أمر برجلين وامرأة - وهما مسطح بن أثاثة وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش - فضُربوا ثمانين حدَّ القذف. ثم اعتذر حسان من عائشة رضي الله عنها ومدحها بأبيات من الشعر في طهارتها وعفافها، وفي أثناء الإفك سأل النبي صلى الله عليه وسلم زوجته زينب بنت جحش عما سمعت أو رأت من الحال، فقالت: يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، والله ما علمت عنها إلا خيرًا، وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق على مسطح بن أثاثة؛ حيث كان ابن خالته، فلما نزلت براءة عائشة، أمسك أبو بكر تلك النفقة ردةَ فعل لما اتَّهم عائشة، فأنزل الله تعالى قوله ) ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22]، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى والله أحب أن يغفر الله لي، فأرجع على مسطح النفقة، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، وقد قيل: إن آية التيمم نزلت في تلك الغزوة، وقال آخرون: إنها في موقف آخر، ولعله هو الراجح كما ذكره ابن القيم وغيره، وقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله فوائد عظيمة مما اشتملت عليه حادثة الإفك، فقد ذكر سبعين فائدة، وأذكر منها في هذا المقام عشرًا وهي كما يلي: أولًا: مشروعية القرعة حين الاختلاف، فقد فعل النبي صلى الله عليه وسلم القرعة بين نسائه حينما أراد أن يخرج بإحداهن. ثانيًا: وجوب تغطية المرأة وجهها عن الرجال الذين ليسوا من محارمها، فقد احتجبت عائشة رضي الله عن صفوان رضي الله عنه. ثالثًا: مشروعية رد عرض المسلم كما ذكرت زينب وأبو أيوب وغيرهما؛ حيث قالوا لا نعلم إلا خيرًا. رابعًا: مشروعية التسبيح عندما يسمع المسلم شيئًا كذبًا، فيقول: سبحان الله. خامسًا عدم خروج المرأة من بيتها إلا بإذن زوجها. سادسًا: فيه تثبت أبي بكر في الموقف، فلم يلفظ بكلمة واحدة حميَّة، فهو ينتظر الحقيقة من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال أبو بكر: ما قيل عنا هذا في الجاهلية، فكيف يقال عنا بعد أن أعزنا الله بالإسلام؟ سابعًا: فيه الحث على البشارة لمن تجدَّدت له نعمة أو اندفعت عنه نقمة، والمسارعة بها؛ لأنها سرور على مسلم، وهو عمل صالح. ثامنًا: فيه أن الشدة كلما زادت فإن الفرج قريب. تاسعًا: فيه الحث على العفو والصفح كما حصل من أبي بكر لمسطح. عاشرًا: فيه مساعدة من حصل له بلية أن يشاركه شعوره مع محاولة تأنيسه والتوسعة عليه، وقد ذكر ابن حجر رحمه الله تعالى تلك الفوائد السبعين كلها في كتابه فتح الباري في الجزء التاسع منه، وهكذا وبعد شهر من حصول هذه التهمة لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، تقشعت سُحب الشك والارتياب والاضطراب، وافتُضح رأس المنافقين ومن شاكلهم بنزول تلك الآيات العظيمة التي تتلى إلى يوم القيامة. أيها المستمعون الكرام، نختم حلقتنا تلك ببعض الدروس والعبر من تلك الحادثة، على أننا سنكمل بإذن الله عز وجل الكلام عن السيرة في الحلقة القادمة بذكر غزوة الخندق بإذن الله تبارك وتعالى، فمن دروس حادثة الإفك ما يلي: الأول: بيان الحكمة الإلهية العظيمة في حصول تلك الأحداث ولو كانت سيئة على أصحابها؛ ليحصل من خلالها حكمٌ عظيمة يطول ذكرها، لكن منها التشريعات الفقهية المستفادة مما يحصل، بحيث يكون تشريعًا للعباد، وتكون تلك الأحداث أيضًا بيانًا للمخلص من غيره، وتكون تكفيرًا لمن قدرت عليه تلك الأحداث، ويرتفع بها أقوام، وينخفض بها آخرون حسب الواقع الذي يعيشونه، وهذه الأحداث بأفراحها وأتراحها، فإن للمؤمن منها موقفًا شرعيًّا يجب عليه التمسك به، وهو الصبر عند الأتراح مع الحمد والتسليم، وكذلك الشكر عند الأفراح مع الثناء على الله عز وجل، وإمساك اللسان عن حوادث الفتن، ولا يقول ما لا يعلم، وليستحضر أنه مسؤول عن كل كلمة أو فعل يصدُر منه، فهو مسؤول عنه في الدنيا والآخرة، وليتأمل ماذا يترتب على ذلك، وليكن بعيدَ النظر، والسلامة لا يعدلها شيء؛ فاجعل موقفك إيجابيًّا في أفراحك وأتراحك، فالشكر والحمد والثناء والامتثال عند حصول أفراحك، وكذلك استرجاعك وحمدك وصبرك وتسليمك الأمر لله عند حصول أتراحك، وبهذا تكون صابرًا شاكرًا، وحينها ينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن أمر المؤمن كله له خير، إن أصابته سراءُ شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن). فاستحضِر هذا جيدًا عند حصول ذلك، وأتْبِع العلم بالعمل. الدرس الثاني: في ذهاب عائشة رضي الله عنها لالتماس عقدها لم يعلموا عنها، ولذلك حملوا الهودج ظنًّا منهم أنها فيه، فهي لم تخبرهم، وهذا يعطينا أدبا من الآداب في الرحلات والسفريات ونحوهما، أنه إذا أراد أحدنا أمرًا من الأمور كقضاء حاجة أو شراء شيء ما، أو نحو ذلك - أن يخبر رُفقته عن ذلك، خصوصًا إذا كان قرب الرحيل من المكان؛ حتى لا يحصل ما لا تُحمد عقباه، فعائشة رضي الله عنها لم تخبرهم ولو أخبرتهم لانتظروها، ولكن لَما لم يعلموا ساروا على أنها معهم، فلنعلِّم صغارنا وأولادنا ذلك الأدب حتى لا يحصل ما لا يُحمد. الدرس الثالث: في قول عائشة رضي الله عنها عن صفوان رضي الله عنه وقد رآني قبل نزول الحجاب، فيه دلالة صريحة صحيحة على وجوب الحجاب للمرأة بأن تغطي وجهها وسائر بدنها عن غير محارمها، أما المحارم فيكشف لهم الوجه والقدمان والرأس ونحو ذلك، والله عز وجل يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾ [الأحزاب: 59]، ويقول الله تبارك: ﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾ [النور: 31]، فالخمار على الرأس ويضرب على الجيب، فيغطي الوجه، وقال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ [الأحزاب: 53]، وتقول عائشة رضي الله عنها حين الإحرام إذا حاذانا الرجال أسدلت إحدانا جلبابها، وإذا جاوزونا كشفناه، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم الخاطب أن ينظر إلى مخطوبته، كل هذه الأدلة وما في معناها تدل على وجوب حجاب المرأة عن الرجال غير المحارم، وهو أكثر صيانة لها، وأيضًا هو عبادة تتعبد بها وتؤجر عليها، وهو أبعد عن الفتنة وأقرب إلى الطهر والتزكية، فصفوان رضي الله عنه قد رأى عائشة قبل نزول آيات الحجاب، وفي آيات الحجاب جاء القرآن موافقًا لرأي عمر رضي الله عنه؛ حيث قال عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: لو احتجبت نساؤك يا رسول الله، فنزل القرآن موافقًا لرأي عمر، فعلينا تربية بناتنا على ذلك، فهو أكثر مروءة وطهرًا وعفافًا وتزكية للنفس، وبُعدًا عن مواطن الفتنة. الدرس الرابع: في قول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها عندما سألها عن الحقيقة في تلك الحادثة قال: إن كنت ألممتِ بذنبٍ، فاستغفري الله وتوبي إليه، يستفاد من ذلك أن العبد المسلم إذا فعل ذنبًا أو قصر في عبادة، فعليه بالاستغفار، وهذا الاستغفار هو نعمة من الله تبارك وتعالى على عباده؛ حيث يغفر ذنوبهم باستغفارهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الاستغفار في يومه وليلته، وربما استغفر سبعين مرة في المجلس الواحد، فهو الأسوة والقدوة لنا جميعًا، فما منهجيتنا مع الاستغفار? لعلك أخي المستمع الكريم تضع لك منهجية في الاستغفار فتربطه بأوقات الصلاة، أو بساعات اليوم، أو في أوقات فراغك وذَهابك وإيابك، أو كما تراه مناسبًا، فكن مكثرًا من الاستغفار في يومك وليلتك، لتحصل لك طوبى، ففي الحديث الصحيح يقول النبي صلى الله عليه وسلم: طوبى لمن وجَد في صحيفته استغفارًا كثيرًا، والاستغفار علاج لكثير من المشاكل المعنوية والحسية، وسبب لحصول كثير من البركات العامة والخاصة. الدرس الخامس: في حادثة الإفك درس عظيم في التثبت في مجريات الأخبار، وعدم الشهادة بشيء لم يتضح، فالأعراض مصونة والأنفس محترمة، والألسن محاسبة عما تقول، ولا تقل شيئًا لا تعلمه؛ لأن فلانًا قال به، فعليه حسابه وعليك حسابك، فالخصوم ستجتمع عند الله تبارك وتعالى يحكم بينهم، فالإشاعات يجب ألا تنطلي على العاقل الحصيف، فإنه يصطحب الأصل حتى يحصل خلافه، فإن كان أحدٌ ألَمَّ بشيء من ذلك على أحد، فليتحلل منه اليوم قبل ألا يكون دينار ولا درهم، وإنما هي الحسنات والسيئات، ومن أهم الأشياء ما يعرف بالشهادة من دون علم، كشهادة الزور ونحوها، وذلك مقابل مال حقير سيذهب ويتركه لغيره، وليستحضر المتحدث والمتصرف بهذه الأشياء أهوال يوم القيامة والحساب وما فيه، فإن ذلك حاجز له عن السوء بالآخرين، ومبرئٌ لذمته بإذن الله عز وجل بأن يكون صادقًا أمينًا في قوله وفعله. الدرس السادس: قاعدة عظيمة في تربية اللسان على الخير وتحصينه عن الشر، وهي تتمثل في قول زينب بنت جحش رضي الله عنها زوجة النبي صلى الله عليه وسلم، عندما سألها عن الإفك، قالت رضي الله عنها: أحمي سمعي وبصري، ما علمت عنها إلا خيرًا، فعلى المسلم أن يحفظ جوارحه عن التُّهَم بالآخرين، فهو أذكى له وأطهر، ولا يقول: سمعت ورأيت إلا إذا كان سمع ورأى حقائقَ، أما سماع الإشاعة والظنون ورؤيتها، فهذا يترفع عنه العاقل الحصيف في مقام الشهادة والحكم، ومجالس الناس؛ لأنه قد يُبنى عليها أحكام وظنون وزيادات كلها ملفقة على مسلم هو منها براء، فلينتبه لهذا. الدرس السابع: في موقف أبي بكر في إرجاع النفقة لمسطح؛ حيث إن مسطحًا كان من المتهمين لعائشة، وكان أبو بكر رضي الله عنه ينفق عليه، ثم منع النفقة فلما سمع قول الله تعالى: ﴿ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [النور: 22]، عفا عنه وصفح، وأرجع النفقة إليه، وهكذا النفوس الزكية الطاهرة تتطلع لواسع فضل الله تعالى ومغفرته، مع أن أبا بكر رضي الله عنه تجرع مرارة الإفك، ولكن أمر الله تعالى ومغفرته أعظم، بل قال: لا أنزعها عنه أبدًا، فلنكن كذلك إذا أخطأ علينا أحد وجاء يطلب العفو، فلنعلم أن الجزاء من جنس العمل، فعفو الله عز وجل أعظم وأجل، ولنا بالصحب الكرام أسوة وقدوة، ولا نكن حريصين على أخذ حقوقنا من حسنات الآخرين يوم القيامة، بل إذا عفونا فإنما يأتينا من فضل الله تعالى ما هو أعظم من ذلك، حيث يقول الله تعالى: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 40]، والله عز وجل يعطي بغير حساب اللهم ارزقنا قلوبًا سليمة والسنة صادقة، وبارك لنا في أعمارنا وأعمالنا، وأصلح لنا نياتنا وذرياتنا، ووفِّقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#9
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (25) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة الخامسة والعشرون من برنامج خاتم المرسلين دروس من غزوة الخندق بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على خير النبيين وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد: فمرحبًا بكم أيها المستمعون والمستمعات الكرام في برنامجكم خاتم النبيين، فيما سبق مستمعي الأكارم في حلقتنا الماضية ذكرنا غزوة الأحزاب، وكيف تحزَّب المشركون على المسلمين، وماذا كان مستوى تلك الشدة، وكيف تعامل معها النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم، وأيضا ذكرنا عددًا من المعجزات في تلك الغزوة، وأزلفنا أيضًا وصفًا لواقع للمشركين والمسلمين، وذكرنا عددًا من المبشرات إلى غير ذلك. وفي حلقتنا هذه نستكمل تلك الغزوة، مواقفها ودروسها، فهي اشتداد في الحال وظهور في النفاق والمنافقين، فإن هذا لم يفتَّ من عَضُد المؤمنين، بل سلموا الأمر لله تعالى تسليمًا، وعلموا أن النصر من عند الله تبارك وتعالى وأنه قريبٌ، فكانوا يعيشون ذلك التفاؤل والاطمئنان داخل نفوسهم، وإن كان الواقع مخيفًا، لكن الله عز وجل ربط على قلوبهم، وبدأت المعركة بالنبال حتى خرجت فوارس من قريشإلى الخندق، فرأوا مكانًا ضيقًا، فاقتحموه فدخلوا على المسلمين، فأسرع إليهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في نفر من المسلمين، فأغلقوا تلك الثغرة عن دخول آخرين، وممن دخل مع هذه الفتحة عمرو بن ود، فأخذ يدعو إلى المبارزة، وهو ابن تسعين سنة، فبارزه علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حتى قتله فهرَب أصحابه راجعين، واستمرت المناوشات بين المسلمين والكفار، فأصاب رجل من الكفار سعد بن معاذ، أصابه إصابة شديدة وسالت منه الدماء، فقال سعد رضي الله عنه: اللهم لا تُخرج نفسي حتى تقرَّ عيني من بني قريظة، فاستمسك الدم عن السيلان، فاستجاب الله عز جل دعوته، وحكم سعد على بني قريظة بأن تُقتل مقاتلتهم، وتُسبى ذراريهم، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، فحمل رضي عنه إلى المسجد، ليتطبب فيه وليعوده من يعوده، وحيث مكث المشركون قريبًا من شهر، ولم يستطيعوا أن يعبروا الخندق في الجهة الشمالية من المدينة، فقد طال المقام عليهم، فاتَّعدوا أن يُغيروا جميعًا ولا يتخلف منهم أحد، فهيؤُوا أنفسهم ورتبوا صفوفهم ليعبروا الخندق عبرًا واحدًا، ويقاتلوا المسلمين، فجاؤوا إلى الخندق قبل طلوع الشمس، فتجهزوا للقتال، وكذلك تجهز المسلمون لمجابهة عدوهم، وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف أصحابه رضي الله عنهم ويرتِّبهم، ووعدهم بالنصر بإذن الله تعالى إن هم صبَروا، فحصل التراشق بالنبل وبالرمي، وكان المسلمون يدافعون ضربات عدوِّهم، ودام ذلك التراشق مع محاولة عبور الخندق يومهم هذا كله، حتى غربت الشمس، فلم يستطع المسلمون أن يُصلوا صلواتهم لانشغالهم بعدوِّهم، وذلك قبل نزول صلاة الخوف، فلما غربت الشمس تفرَّق المشركون ولم يحصل بعد ذلك اليوم قتال، وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الصلوات الفائتة، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا؛ رواه مسلم. وفي هذه الشدة العصيبة واجتماع الأحزاب جميعًا على المسلمين، أسلم نُعيم بن مسعود رضي الله عنه، فجاء خُفية إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وشهد شهادة الحق، وقال: يا رسول الله، مُرني بما شئت، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: خذِّل عنا ما استطعتَ، فإن الحرب خَدعة، فذهب نعيم رضي الله عنه وأخذ يقابل بعض سادات بني قريظة، فقال لهم كلامًا ثم ذهب إلى أشراف قريش من الأحزاب، فقال لهم كلامًا آخر مغايرًا، وذهب إلى غطفان وقال لهم كلامًا مغايرًا عن السابق، حتى اضطرب القوم، وكل منهم يقول لأصحابه: صدق نعيم بما قاله، فتباعد كل فريق عن الآخر، ووقعت بينهم الوقيعةُ، ولهذا قال الله تعالى: ﴿ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ﴾ [الأحزاب: 25]، وقد حصل النصر للمسلمين على عدوهم من خلال عوامل عديدة بإذن الله تعالى، من أهمها ما يلي: أولًا: حفر الخندق الذي حال بين المسلمين والكفار، وهو تجربة فارسية. الثاني: الريح التي أرسلها الله تعالى؛ قال الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ [الأحزاب: 9]، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: نُصرت بالصَّبا وأهلكت عاد بالدَّبور؛ متفق عليه. العامل الثالث في نصر المسلمين في الأحزاب: موقف نعيم بن مسعود رضي الله عنه، فعندما أسلم ذهب ليخذِّل الأحزاب ويخالف بينهم. العامل الرابع: الدعاء، فهو سلاح كبير وعظيم، فقد دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزِم الأحزاب، اللهم اهزِمهم وزلزِلهم؛ متفق عليه، وفي رواية صحيحة: وانصُرنا عليهم، ومن أعظم نتائج غزوة الأحزاب أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أصحابه رضي الله عنهم متفائلًا ومستشعرًا نصرَ الله عز وجل حين انصرف الأحزاب أذلاءَ صاغرين، فقد قال لهم: الآن نغزوهم ولا يَغزوننا، نحن نسير إليهم؛ رواه البخاري، وفي رواية أخرى حسنة قال: لا يغزونكم بعد هذا أبدًا، ولكن أنتم تغزونهم. وفعلًا بعد تلك الغزوة سار المسلمون إلى الكفار يغزونهم، فقد سار المسلمون إلى مكة معتمرين بعد الأحزاب، وتوالت الفتوح بدءًا بفتح مكة في السنة الثامنة، ثم حنين، وهكذا حتى دخل الناس في دين الله تعالى أفواجًا، وأما الأحزاب فلم يغزو المدينة بعد ذلك، وفي هذا علم من أعلام نبوته عليه الصلاة والسلام، وقد ظهرت مظاهر القدرة الإلهية في غزوة الأحزاب، فأرسل الله تعالى تلك الريح الباردة في الليالي الشاتية، فأكفأت قدورَهم وأطفأت نيرانهم، وهدمت خيامهم، وأرسل الله تعالى مع الريح ملائكة تُزلزلهم، وتلقي الرعب في قلوبهم، فامتلأت قلوبهم رعبًا وخوفًا؛ قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: ولولا أن جعل الله رسوله رحمة للعالمين؛ حيث قال تعالى: وما الله ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾ [الأنفال: 33]، لولا ذلك وذاك، لكانت هذه الريح كالريح العقيم على عاد، ويلتمس أيضًا الإمام ابن كثير رحمه الله حكمة وملحة، فيقول: حيث اجتمعوا بسبب الرأي والهوى، فقد سلط الله عليهم الهواء الذي فرَّقهم، فكما جمعهم هوى فقد فرَّقهم أيضًا هواء، ولما حصلت تلك الريح وساءت حالهم، سأل النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه من رجل يقوم، فينظُر لنا ما فعل القوم، ثم يرجع، أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة، قال حذيفة: فما قام أحد من شدة الجوع والبرد والخوف، فلما لم يقم أحد دعاني عليه الصلاة والسلام، فقال: اذهَب فادخل في القوم، فانظُر ماذا يفعلون، ولا تحدثن شيئًا حتى تأتينا، قال حذيفة فذهبت وتسلَّلت حتى دخلت في القوم، فرأيت الريح وجنود الله تعالى تفعل بهم الأفاعيل، فكأنهم توجسوا أن أحدًا دخل عليهم، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، ليَنظر كل امرئ من جليسه، قال حذيفة رضي الله عنه، فبادرت مَن عن يميني وعن يساري، فقلت من أنت? فلما انتهيت رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم يصلي، فلما سلَّم، أخبرته خبرهم، ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاني أن أُحدث شيئًا لقتلت أبا سفيان زعيمهم، وبعد ذلك أَذِنَ الرسول عليه الصلاة والسلام للمسلمين في الانصراف إلى المدينة وهم يقولون: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده، وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده، وكان انصرافهم في أواخر ذي القعدة، وهكذا تكالب الأحزاب والقبائل، ورجعوا خاسئين خاسرين خائبين، أذلاءَ صاغرين، وهي سنة الله تعالى في نصر أوليائه، وكبت أعدائه إلى قيام الساعة، فلله الحمد أولًا وآخرًا. ونختتم حلقتنا هذه أيها المستمعون والمستمعات الكرام ببعض الدروس والعبر المستفادة مما سبق عرضه، فمن ذلك ما يلي: أولًا: في هذه الغزوة سنة إلهية وحكمة ربانية تستحق التأمل؛ لأن فيها فرجًا ومخرجًا للنفوس، واطمئنانًا لِما في الصدور، وهي أنه كلما زادت الشدة، فإن الفرج على أثرها، ويَتبعها، وتلك الغزوة مثال ونموذج على هذا، وقد قال الله تعالى: ﴿ فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا ﴾ [الشرح: 5، 6]، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: لن يغلب عسرٌ يسرين، ففي تلك الآية العسر جاء معرفًا، فالأول هو الثاني نفسه، لكن اليسر جاء منكرًا، ومن ثم يختلف الثاني عن الأول، ففي الآية عسر واحد ويسران، فإن من ابتُلي بشدة وعسر، وتأمَّل مثل هذه القواعد، فإنه يحسن الظن بربه عز وجل، وينتظر الفرج ويتفاءل بحصوله، وإذا كان كذلك، فسيحصل عنده الاطمئنان والراحة بقدر ما عنده من التفاؤل وحسن الظن، فليستقل أو ليستكثر، أما من تخلف عن فكره تلك القاعدة العظيمة، فقد يعيش في أوهام ومخاوف قد تتجدد وتتكاثر، وتفتح باب الشيطان، ففي تلك الغزوة ومع شدتهم وضيقهم، قالوا: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: 22]، فتفاءلوا وأحسنوا ظنَّكم بربكم رحمكم الله. الدرس الثاني في تلك الغزوة: أنهم انشغلوا بالقتال ومدافعة العدو عن صلاتهم، وذلك أنهم لم يستطيعوا أن يجمعوا بين الصلاة والمدافعة، وذلك قبل نزول صلاة الخوف، فكان تأسُّفهم رضي الله عنهم على فوات صلاتهم، وهم بذلك معذورون ومعهم نبيهم عليه الصلاة والسلام، فتأسفوا كل الأسف وندموا كل الندم على فواتها عن وقتها، انشغالًا بمدافعة ذلك العدو الذي لو انشغلوا عنه لاستأصلهم، فأين الذين يؤخرون صلواتهم عن أوقاتها بلا عذر أو بنومٍ لا يُعذرون فيه، فإن جملة كبيرة من أهل العلم قالوا: إذا أخَّر المسلم الصلاة عن وقتها عمدًا بلا عذرٍ فلا تصح منه ولو صلاها مرارًا؛ لأنها ليست في وقتها، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ؛ أي مردود على صاحبه، ومثلوا لذلك بمن أخَّر صيام رمضان إلى غيره من الشهور بلا عذرٍ، أو أخر الحج إلى غيره من الشهور، فإنه لا يُقبل منه صيام ولا حج، قالوا: والصلاة أعظم من الصيام والحج، فليتقِ الله تعالى أولئك الذين هم عن صلاتهم ساهون، فيجمعون الصلاة مع الأخرى بغير عذرٍ، فهم على خطر عظيم من الكفر، كما قاله جمع من السلف، فعليهم أن يتوبوا ويرجعوا. ألا يخشى أولئك أن تُقبض أرواحُهم وهم لم يُصلوا؟ فبماذا يقابلون ربهم عز وجل? وهم لاهون غير معذورين، فليس كل نوم عذرًا مبيحًا لتأخير الصلاة، فاتقوا الله تعالى تفلحوا في الدارين. الدرس الثالث: في موقف نعيم بن مسعود رضي الله عنه درس في أن الحرب خَدعة، فهو قال كلامًا، ونقله بين الأحزاب وهو ليس حقيقيًّا، لكنه فيه مصلحة للمسلمين وتفريق للكافرين، وقد أَذِنَ له النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فحصل به فرج للمسلمين بتوفيق الله تعالى، ويشبه هذا ما يكون للإصلاح بين المتخاصمين، فالمصلح له أن ينقل كلامًا بين المتشاحنين ليصلح بينهما، وليحرص أن يكون ذلك من المعاريض إن أمكَن، فيقصد به وجهًا ويفهمون هم وجهًا آخر للكلام، فالإصلاح بين المتخاصمين عمل صالح كبير وثوابه جزيل، وما يقال في سبيل الإصلاح لعله مغفور مقابل تلك المصلحة العظيمة، وهو الصلح بين المتخاصمين. الدرس الرابع: في الأحزاب أرسل الله تعالى الريح وهي جندٌ من جند الله، يرسلها على من خالف أمره واتَّبع هواه، فجنود الله تعالى عظيمة وكثيرة، وليخشَ العصاة المجاهرون أن يقع عليهم شيءٌ من جنود الله تعالى من مرض أو وباء، أو فقر مُدقعٍ، أو تسلُّط عدوٍّ، أو نقصٍ في المعيشة، أو غير ذلك، ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ ﴾ [المدثر: 31]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: كل أمتي معافى إلا المجاهرون. فإن المعصية إذا خَفيت فهي على صاحبها، أما إذا جهر بها ولم تُنكر، فتعم، فلنتقِ الله تعالى في أفعالنا وأقوالنا، ولنعلَم أن الله عز وجل أنعم علينا بنعم قد صرَفها عن غيرنا، أما نخشى أن يَصرفها عنا. الدرس الخامس: الدعاء سلاح عظيم وجسيم، وهو طريق لتفريج الكربات والمضايق، سلكه الأنبياء والصالحون، فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا في الأحزاب على العدو، فاستجاب الله عز وجل دعوته، فكن أخي المستمع الكريم في جميع أحوالك ملازمًا للدعاء، وعندما تدعو فافتتحه بالحمد والثناء على الله وحسن الظن به، وتوسل بقولك: يا ألله يا حي يا قيوم، وأظهر حاجتك وعجزك، فالله عز وجل قريب مجيب، والبعض منا قد يسلك الأسباب المادية وينسى الدعاء، بقضاء حاجاته وتفريجها، واعلم أنك إذا دعوت فلك بدعائك إحدى ثلاث؛ إما أن تُعطى ما سألت، أو يُدَّخر لك ذلك حسنات يوم القيامة، أو أن يُدفع عنك بلاءٌ سيقع عليك، فيدفعه الله عنك، فأنت رابح في جميع أحوالك، فإذا كنت تدعو الله تعالى لقضاء حاجاتك وتحمده أيضًا بعد قضائها، فستدعو وتحمد خلال حياتك بملايين المرات، فيا بشراك بذلك، فاجعل ذلك سجية لك أنك في جميع حاجاتك تدعو، وإذا قضيت تلك الحاجة تحمد، فما أحوجنا إلى تلك اللمسات أن تكون واقعًا لنا. الدرس السادس: في غزوة الأحزاب شيء من دلائل النبوة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبرهم بأن الأحزاب لن يغزوَهم، وقد حصل ذلك فعلًا، فلم يغزوهم في المدينة بعد غزوة الأحزاب، وكل معجزاته عليه الصلاة والسلام هي دلائل على صحة نبوته عليه الصلاة والسلام، فإذا تأمَّلها المسلم زاد علمًا ويقينًا وإيمانًا وثباتًا، وزالت عنه الشُّبه واتَّضح له الحق. الدرس السابع: أهمية التفاؤل في حياة المسلم، فما أضيقَ الحالة التي مرت بالمسلمين في الأحزاب? ومع ذلك كانوا متفائلين ومحسنين الظن بالله عز وجل، ففي جميع أحوالك - وخصوصًا ما ضاق منها - كن متفائلًا؛ لأنك إن تفاءلت كان هذا التفاؤل رسائل إيجابية للضمير، فيرتاح ولو نسبيًّا، ويخف عليه وطأة المشكلة، وذلك الضيق، أما لو لم يتفاءل وبَقِيَ على ضيقه وتشاؤمه، فسيفتح على نفسه باب الوساوس والتفكير، وسيرسل من خلال ذلك رسائل سلبية للضمير، فيزيد الضيق ضيقًا والإشكال إشكالًا، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التفاؤل؛ لأنه شرح للنفس وطُمأنينة لها، وسلامة للقلب، وطريق للحل والوصول إليه، وعلى أقل أحواله هو علاج مناعي عن زيادة الأمراض المزمنة، فلنتفاءل حتى ولو بلغت القلوب الحناجر. الدرس الثامن: أن الصلاة إذا فاتت بعذرٍ، وأراد المسلم تأديتها، فليُصلها كما كان، يُصليها كل يوم، فالجهرية يَجهر بها ولو قُضيت في وقت سرٍّ، كالفجر في وقت الضحى، والسرية تُصلى سرًّا، ولو قضيت في الليل، فالقضاء يحكي الأداء، أما من أخرها عن وقتها بلا عذرٍ كمن يضع المنبه لصلاة الفجر في وقت الضحى، فيستيقظ ويصلي، ثم يذهب إلى عمله، فإني أهمس في أذنه ما يلي: أولًا: إن هذا الفعل مخالفة للفطرة والشريعة، فهي صلاة في غير وقتها، فقد افتقدت شرطًا مهمًّا من شروط الصلاة وهو الوقت؛ لأنها بغير عذرٍ، ولأن النوم والحالة هذه ليس عذرًا شرعيًّا. ثانيًا: ماذا لو ختمت حياته قبل استيقاظه، وقد تعمَّد تأخير الصلاة عن وقتها، فما جوابه لربه عز وجل؟ ثالثًا: إن المنافقين لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى، ويؤخرون الصلاة، ويصلون في بيوتهم، وهذا تشبُّه بهم. رابعًا: إن هذا وأمثاله كيف يكونون في ذمة الله تعالى وهم لم يطيعوا الله عز وجل في تأدية الصلاة في وقتها. خامسًا: إن هذا الفعل فيه رضا للشيطان، فهو يريد ذلك الفعل؛ ليفسد على المسلم دينه. سادسًا: إن هذا وأمثاله لو تاب توبة صادقة، فإن له أربعًا من البشارة، الأولى تمحى عنه سيئاته التي كُتبت عليه، والثانية أنها تقلب إلى حسنات، والثالثة أن الله عز وجل يفرح بتوبته فرحًا شديدًا، والرابعة أن الملائكة تستغفر له وتدعو له، فحَيهلًا أيها المستمعون والمستمعات الكرام على التوبة وتحصيل تلك البشريات، فهي خير عظيم في الدارين. إن دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم هي منهج يسير عليه المسلم؛ تزكيةً لنفسه وسلامة لقلبه، وشرحًا لصدره، وتصحيحًا لمفاهيمه، فماذا لو قرأت في كل يوم ولو عشر دقائق أو صفحة من كتاب، فستدرك بذلك شيئًا كثيرًا وجليلًا وجميلًا من السيرة النبوية في وقت يسير، فابدأ أخي المستمع الكريم، واستمر فأنت تقرأ سيرة أعظم رجل في التاريخ، وهو محمد عليه الصلاة والسلام، وما تقرأه أيضًا اذكره في مجالسك لتفيد وتستفيد، وهذا من طلب العلم ونشره، فسيُيسر الله عز وجل لك طريقًا إلى الجنة؛ حيث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا، سهل الله له به طريقًا إلى الجنة)، فما أحوجك أخي المستمع الكريم أن تجعل لك في دنياك هذه طرقًا توصلك إلى الجنة، ومن هذه الطرق أن تبدأ بقراءة سيرة النبي صلى الله وسلم، مستخرجًا منها الدروس والعبر، ولتكون منهجًا لك ولأولادك ولأقربائك ولجلسائك، وكل مَن عَلِمَ علمًا من تلك السيرة عن طريقك، فإن لك مثل أجره. أسال الله تبارك وتعالى أن يَجعلنا من عباده المفلحين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. اللهم ارزُقنا قلوبًا صادقة، وعقولًا زاكية راشدة، ووفِّقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
|
#10
|
||||
|
||||
|
خاتم النبيين (26) الشيخ خالد بن علي الجريش الحلقة السادسة والعشرون من برنامج خاتم المرسلين غزوة بني قريظة بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد: فمرحبًا بكم مستمعي الأكارم في برنامجكم خاتم النبيين، وقد سبق معنا أيها المستمعون الأفاضل أن استكمَلنا في حلقة ماضية غزوة الأحزاب، وكيف تعامل الصحابة رضي الله عنهم مع ضيق الحال والشدة والخوف? تعاملوا بالتفاؤل وحسن الظن بالله تبارك وتعالى، وكيف أيضًا حاول المشركون القتال، فخيَّبهم الله، وذكرنا أيضًا المبارزة ونتيجتها، وذكرنا أيضًا العوامل التي سخَّرها الله تعالى لعباده المؤمنين، فكانت سببًا لنصرهم بتوفيق الله عز وجل، وذكرنا أيضًا انصراف المؤمنين منتصرين، وانصراف المشركين خاسئين مهزومين، وختمنا ذلك بالدروس والعبر، ونزدلف في حلقتنا هذه إلى الحديث عن غزوة بني قريظة، يقول ابن القيم رحمه الله: وأما قريظة فكانت أشد اليهود عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال ابن كثير رحمه الله: أحلَّ الله على بني قريظة البأس الشديد في الدنيا، مع ما أعدَّه لهم في الآخرة من العذاب الأليم، وذلك لكفرهم ونقْضهم للعهود ومشاركتهم الأحزاب، فباؤوا بغضب الله، وأخرج البخاري أنه لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الخندق، ووضع السلاح واغتسل، أتاه جبريل عليه السلام، فقال: وضعت السلاح والله ما وضعناه، فاخرُج إليهم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين? قال: ها هنا وأشار إلى بني قريظة، فخرج إليهم النبي صلى الله عليه وسلم؛ رواه البخاري، وقد جاء جبريل على هيئة دحية الكلب رضي الله عنه، وقد كان دحية حسن الصورة، وكان جبريل كثيرًا ما يأتي إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة دحية، ثم بعد ذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم الناس ألا يصلين أحدٌ العصر إلا في بني قريظة، وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وأعطى الراية لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد أخرج البخاري عن أنس أنه قال: كأني أنظر إلى الغبار ساطعًا في طرق الخزرج وهو موكب جبريل، حين سار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة، ولما وصل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه إلى بني قريظة، حاصرهم خمسًا وعشرين ليلة، فلما اشتد عليهم الحصار، أرسلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن تعاملنا معاملة بني النضير، بحيث يرحلون ولهم ما حملت الإبل من المتاع إلا السلاح، فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك إلا أن ينزلوا على حكمه، ثم أرسلوا إليه مرة أخرى، فقالوا: لنرحل ولا حاجة لنا في الأموال كلها، فأبى عليهم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن ينزلوا على حكمه، فلما رأوا ذلك طلبوا أن يستشيروا حلفاءهم من الأوس: ماذا سيحل بهم إذا نزلوا على حكمه، فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل إليهم أبا لبابة رضي الله عنه، وكان حليفًا لهم، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فلما رأوه أجهشوا بالبكاء، وقاموا إليه وسألوه ماذا سيفعل بهم محمد إذا نزلوا على حكمه? فأشار بيده إلى حلقه يعني الذبح وكان أبو لبابة بإشارته تلك، رأى أنه افشى سرًّا وخان الله ورسوله، فقال رضي الله عنه: والله لا أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أتوب مما فعلت، ويتوب الله تعالى عليَّ، فذهب إلى المسجد وربط نفسه، وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله عليَّ مما صنعت، فنزل قول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون ﴾ [الأنفال: 27]. فلما استبطأه الرسول صلى الله عليه وسلم، وعَلِم خبره قال: أما إنه لو جاءني لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل، فما أنا بالذي أطلقه من مكانه حتى يتوب الله عليه، وقام أبو لبابة مربوطًا في المسجد ست ليال، فلا يحل رباطه إلا امرأته لوقت الصلاة فقط، حتى نزلت توبته رضي الله عنه في قول الله تعالى: ﴿ وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [التوبة: 102]، ولما اشتد عليهم الحصار، نزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قذف الله في قلوب بني قريظة الرعب والخوف، وانهارت معنوياتهم، فأمر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكُتفوا وكانوا أربعمائة، وقيل سبعمائة، وتَم عزل الرجال عن النساء والذراري، فجاء الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقالوا يا رسول الله، إن بني قريظة حلفاؤنا وموالينا، وقد التمسوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يخفف عليهم العقوبة والحكم، فقال عليه الصلاة والسلام ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجلٌ منكم، قالوا: بلى يا رسول الله، فقال فذاك إلى سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه في المسجد في خيمة له وهو مريض يعوده من يعوده، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى سعد فأُتي به محمولًا على حمار ليحكم فيهم، فلما كان في طريقه إليهم، استقبلوه وكلموه في الرفق، وقالوا هم مواليك وحلفاؤك، وأكثروا عليه من طلب الرفق بهم، فقال سعد بن معاذ رضي الله عنه: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم، فلما وصل قال النبي صلى الله عليه وسلم للأنصار: قوموا إلى سيدكم أو خيركم فأنزلوه، فقاموا إليه فأنزلوه، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن هؤلاء نزلوا على حكمك، فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتُسبى ذراريهم، وتُقسم أموالهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه بالأسرى فجُمعوا، ثم أمر بحفر الخنادق لهم، فجيء بهم إرسالًا ومجموعات، ثم تضرب أعناقهم في تلك الخنادق، ويلقون فيها، وكانوا أربعمائة وقيل سبعمائة، وكان من جملتهم حيي بن أخطب؛ لأنه دخل مع بني قريظة في حصنهم، ولم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة، وقد تم توزيع غنائم بني قريظة، فجمعوا من حصونهم ألفًا وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع وألف رمح وجمالًا وماشية كثيرة، وروى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، وأقر بني قريظة ومنَّ عليهم، حتى حاربت قريظة بعد ذلك ونقضوا العهد، فقتل رجالهم وقسَّم نساءهم وأولادهم، وقد قال الله في بني قريظة: ﴿ وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ ﴾ [الأحزاب: 26]؛ أي حصونهم: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا ﴾ [الأحزاب: 26، 27]، ولم يستشهد من المسلمين في مقابلة بني قريظة إلا ثلاثة فقط، وفي نهاية الحدث مع بني قريظة ذلت اليهود وذل المنافقون، ودخلهم الرعب والخوف، ولم يكن لهم بعد ذلك شوكة، ولم يفكروا في غزو المسلمين، ولما حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه على بني قريظة، وشفى الله تعالى صدره منهم، انفجر جرحه، فمات رضي الله عنه وقد سأل الله تعالى ألا يُميته حتى يشفي صدره من بني قريظة في حكمه عليهم؛ لأنهم نقضوا العهود والمواثيق بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد اهتز العرش لوفاة سعد رضي الله عنه، وهبطت الملائكة لتشييعه، وأخرج النسائي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال عن سعد: لقد ضُمَّ ضمة ثم فرِّج عنه، وقد حملوا سعدًا لدفنه وكان جسمه طويلًا وضخمًا، ووجدوا له خفة، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الملائكة تحمله معهم، وكان عمره رضي الله عنه سبعًا وثلاثين سنة، وفي ذلك العام الخامس من الهجرة، قدم وفد من أشجع وكانوا مائة رجل، فأسلموا وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يعبدوا الله تعالى ولا يشركوا به شيئًا، والصلوات الخمس والطاعة، ولا يسألون الناس شيئًا، قال عوف: فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوت أحدهم فلا يسأل أحدًا يناوله إياه، وبعد أن قويت شوكة المسلمين بدؤوا يغزون غيرهم من المشركين، ففتحوا الفتوح وكثر إرسال السرايا والبعوث لدعوة غير المسلمين أو قتالهم، وهذا مصداق ما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنهم بعد الخندق يغزون الكفار فبدؤوا بفتح مكة والطائف وحنين، وغيرها من الفتوحات. ونختم أيها المستمعون والمستمعات الكرام حلقتنا تلك في بعض الدروس والعبر مما سبق عرضه، ومن هذه الدروس ما يلي: الدرس الأول: يظهر في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لبني قريظة العزة والقوة والشجاعة والبسالة، فقد طلب بنو قريظة من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعاملوه معاملة بني النظير، ولكنه أبى عليهم لأن بني قريظة قد عاهدوا وغدروا بعد عهدهم وقاتلوا مع الأحزاب، فأظهر النبي صلى الله عليه وسلم عزة الإسلام وقوته، فلم يُطعهم فيما طلبوا، مع أنهم استكانوا وخضعوا وذلوا في طلبهم هذا، ولكن العزة لله تعالى ولرسوله وللمؤمنين، فحكم عليهم بما أصدره سعد بن معاذ من قتلهم وسبيهم، وأقرَّه على ذلك وأوضح أن هذا هو حكم الله تعالى فيهم، وبذلك استردت الأمة قوتها وشجاعتها بين الأمم، وخافها القاصي والداني، وبدأ المسلمون بعد ذلك يغزون الكفار في بلادهم كفتح مكة وحنين والطائف؛ حيث بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أنكم تغزونهم ولا يغزونكم. الدرس الثاني: أن المسلم إذا فعل ذنبًا أو معصية، فإنه يشعر بألم تلك الخطيئة، ولا تكن عادة أو أمرًا يسيرًا، وذلك أنه معصية لله تبارك وتعالى، وهو العظيم القوي العزيز، فهذا أبو لبابة رضي الله عنه عندما ذهب إلى بني قريظة يستشيرونه في نزولهم على حكم النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم أبو لبابة: نعم انزلوا على حكمه، وهذا لا جناح عليه، لكنه زاد على ذلك أنه وضَّح لهم العقوبة وهي القتل، عندما أشار إلى حلقه أنه الذبح، فاعتبر نفسه بتلك الإشارة إلى حلقه وأنه الذبح أنه قد خان الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، فماذا فعل أبو لبابة رضي الله عنه بعد ذلك? ذهب وربط نفسه في المسجد حتى يتوب الله تعالى عليه، وذلك إظهار للندم على تلك المعصية حتى تاب الله تعالى عليه، فنحن يا كرام عندما نخطئ في جنب الله تعالى بتسويل من الشيطان، فنرتكب معصية من المعاصي، فيتعيَّن علينا أن يكون لهذه المعصية وقعٌ شديد في أنفسنا وهمٌّ في الخلاص منها؛ لأنها إذا تكررت المعصية على النفس، ولم يكن لها وقعٌ شديد، فإن دخول الشيطان إلى قلب الإنسان يكون سهلًا، فيكثر دخوله عليه، فيخشى عليه من الران وهو متابعة الذنب على الذنب، وقد يختم له بشيءٍ من هذه المعاصي، فإذا سول لك الشيطان المعصية، ففعلتها فاندم وتبْ واستغفر، وعوِّضها من صالح العمل لعل الحسنة تكفر السيئة وتَمحوها، فأبو لبابة رضي الله عنه يعرف أن باب التوبة مفتوح، ولكنه يريد تأديب نفسه؛ حتى لا تتكرر تلك المعصية أو غيرها، أو حتى يطهِّر نفسه أيضًا من أضرارها، وهذا يدل على قوة الإيمان ويقظة الضمير، والله تعالى يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾ [الأعراف: 201]. الدرس الثالث: في قصة أبي لبابة أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى الاستغفار، ومعنى الاستغفار هو طلب المغفرة والعفو والمحو للذنب عنه، فهو ذكر من أهم الأذكار وأخفها على اللسان، فما أجمل كلمة أستغفر الله، فهي اعتراف بالذنب وطلب لمغفرة هذا الخطأ، فإذا استشعر المستغفر ذلك، واستشعر أن الله تعالى غفور غفار، وأحسن الظن بربه، فليُبشر بالخير العظيم، فقد وعد الله تعالى عباده بالإجابة، وليكن لنا أيها المستمعون الكرام منهجية واضحة مع الاستغفار، سواء عند الذنب، أو عند الانتهاء من الطاعة، أو في المجالس، أو على عموم الأحوال، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستغفر أكثر من سبعين مرة، وربما كان ذلك في المجلس الواحد، فاجعل الاستغفار سجية لك، فاستغفر في مجلسك، وبعد صلاتك وفي سجودك، وعند خطئك وعلى عموم أحوالك، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: طُوبى لمن وجد في صحيفته استغفارًا كثيرًا، واحرص على الأعمال التي من خلالها تُغفر الذنوب، وذلك مثل قولك: سبحان الله وبحمده في اليوم مائة مرة، فقد ورد في البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة، حُطَّت خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر، ففي خلال دقيقتين تغفر ذنوبك بهذا، فما أعظم عفو الله تعالى وسعة فضله على عباده. الدرس الرابع: فضيلة سعد بن معاذ رضي الله عنه، فإنه قد دعا الله تعالى ألا يُميته حتى يحكم في بني قريظة، وقد استجاب الله دعاءه، فحكم عليهم بحكم الله تعالى، ومن فضائله أنه اهتز لموته عرش الرحمن، ومن فضائله أن الملائكة هبطت من السماء لتشييع جنازة سعد، ولذلك وجدوا لحمله خفة مع أنه رجل طويل ضخم، وهذه الفضائل وغيرها كثير مع أنه لم يعمر كثيرًا، فهو رضي الله عنه لم يتجاوز السابعة والثلاثين، وهكذا هم القدوات من الصحابة والأئمة والصالحين، تَكثُر أعمالهم تزكيةً لنفوسهم، وليكونوا قدوة لمن خلفهم، فلنستمسك بما استمسكوا به من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم علمًا وعملًا، ولنربي أولادنا على ذلك المسلك القويم، لنحيا حياة السعداء، فما أجمل أن يكون في داخل الأسرة كلام عن سيرة الصالحين في السابق واللاحق؛ ليكونوا محل القدوة والأسوة، فإن ذلك سيكون سببًا في تصحيح المفاهيم وتحسين الأخلاق وكثرة الأعمال الصالحة. الدرس الخامس: إن سعد بن معاذ على فضائله الجمة والجليلة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنه ضمه القبر ضمة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيًا منها لنجا منها سعد بن معاذ)؛ صححه الألباني ووافقه الذهبي وغيره، وهي ضمة تكون على المؤمن الصالح يسيرة، ثم يفرج عنه، وتشتد على الفاسق وتطول عليه، وهي من المكفرات للذنوب، فهم يتفاوتون في ذلك حسب أعمالهم الحسنة والسيئة، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام، فلنُكثر من الصالحات ولنجتنب السيئات، فمن فعل ذلك، فهو على خير في دينه ودنياه وفي قبره وأخراه بإذن الله تعالى، وليعلم العبد أن أمامه أهوالًا وعليه استحضارها عندما يفعل الطاعة ليزيد منها، وعندما يهمُّ بفعل المعصية لينزع منها، فما أحرانا بذلك معاشر المستمعين كرام. الدرس السادس: عندما وفد قوم من أشجع بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم على أمور أربعة هي من عظائم الأمور، وهي أولًا: العبادة الخالصة من الشرك والرياء والنفاق، فلا ينفعك عند ربك إلا ما أخلصت فيه لله تعالى، وأما غير ذلك فهو وبال على صاحبه، ومردود عليه فلا يتعب نفسه فيه. الأمر الثاني الذي بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلوات الخمس، وإتقانها كما أمر الله تعالى بأوقاتها وأذكارها، فلا تأخير ولا نسيان، ولا جمعَ لها بغير عذرٍ، فهي - أي الصلاة - ستخاطب صاحبها يوم القيامة، فتقول له إن كان محافظًا عليها: حفِظك الله كما حفظتني وإن كان مضيعًا لها فهي ستقول له: ضيَّعك الله كما ضيعتني، فلنحضر أيها المستمعون والمستمعات قلوبنا في صلواتنا، ولنحافظ عليها في أوقاتها، ولنؤدِّيها كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم باطمئنان وتأنٍّ وتُؤدة، ولا نستعجل في أدائها، ولا ننقص من أذكارها وأقوالها حتى تقول لنا يوم القيامة حفِظكم الله كما حفظتموني. الأمر الثالث: الطاعة لله ورسوله بالفعل في الأوامر والترك في النواهي، فهذه هي العبادة الحقة، فلو حرصنا أيها المستمعون الكرام مع أولادنا على أن ننظر في أوامر الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام ثم نَمتثلها، وننظر إلى النواهي ثم نتركها، لكنا على خيرٍ عظيم، وإن قصَّرنا في الأوامر استغفرنا، وإن قصرنا في ترك النواهي استغفرنا، فصار هذا المنهج سجيةً لنا ومع أولادنا، وبهذا نلحق لركب المفلحين والصالحين والمصلحين. الأمر الرابع: عدم سؤال الناس، وهذه هي التي تجعل الناس معك ويحبونك ويجالسونك، فإن سؤال الناس هو إظهار لِمِنَّتهم عليك، وكسل تجلبه إلى نفسك، وزهد من الناس فيك، إذا استغنيت عن الناس واستعنت بالله تعالى، وقضيت حوائجك بنفسك، فإنك ستغتني عن الناس بفضل الله تعالى وعونه لك، وهذا لا يمنع أن يشفع الناس بعضهم لبعض، أو يعينوا بعضهم بعضًا، فإن هذا باب من الخير عظيم وهو من الإحسان الذي يؤجر عليه الإنسان، ولكن الذي تستطيع فعله افعَله، ولا تحتج إلى الناس، وأما سوى ذلك فلا مانع من الاستعانة بالناس بعد الله تعالى فيما يقدِر عليه الناس، ولكن لا يكن ذلك عادة دائمة فيَملَّ الناس منك، ولهذا بعض الناس كثيرًا ما يجعل الناس يخدمونه حتى في أمور هو يستطيع فعلها، وهذا لا شك أنه من الكسل، ومن ثم ربما ملَّ الناس من هذا الذي يحتاج إليهم، أما حاجة الإنسان لأخيه فيما لا يستطيعه هذا المحتاج، وهو في مقدور ذلك المستعان به بعد الله تعالى، فهذا لا مانع، وهو من الإحسان الذي أمر الله تعالى به، ويؤجَر عليه الناسُ، وفي الأثر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ازهد فيما عند الناس يُحبك الناس). أسأل الله تبارك وتعالى أن يُعيننا على ذكره وشكره وحُسن عبادته، كما أسأله تبارك وتعالى أن يوصلنا دار السلام بسلام، وأن يرزقنا قلوبًا سليمة وعقولًا زاكية راشدة وألسنةً صادقةً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
__________________
|
![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
|
|
|
|
|
Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour |