عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان - الصفحة 3 - ملتقى الشفاء الإسلامي

 

اخر عشرة مواضيع :         صرخة التوحيد في وجه التقليد: حكم الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          حسد الإخوة وكيدهم (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          صناعة الحياة بين الإقبال والإهمال (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 3 )           »          شرف الطاعة وعز الاستغناء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          من آفات اللسان (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 4 - عددالزوار : 747 )           »          بيض صحيفتك السوداء في رجب (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 1 - عددالزوار : 6 )           »          داود عليه السلام قاضيا بين الناس (25 فائدة) (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          هل ما زلت على قيد الحياة؟ (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »          الرجاء (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 4 )           »          الخوف من الله (اخر مشاركة : ابوالوليد المسلم - عددالردود : 0 - عددالزوار : 5 )           »         

العودة   ملتقى الشفاء الإسلامي > قسم العلوم الاسلامية > الملتقى الاسلامي العام
التسجيل التعليمـــات التقويم

الملتقى الاسلامي العام مواضيع تهتم بالقضايا الاسلامية على مذهب اهل السنة والجماعة

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-05-2020, 11:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة

عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان
(9)
محمود العشري




وسائل استثمار رمضان


الوسيلة الأولى: الصِّيام:
الصوم مدرسة، تهذيب وتربية، ذُلٌّ وانكسار، الصَّوم لا مِثْل له، خُمول وخشوع، سكينة وانتظار، الصِّيام زكاة النَّفس، ورياضة الجِسم، ودعوة للبِرِّ، هو للإنسان وقاية، وللجماعة صيانة، ففي جوع الجسم صفاءُ القلب، وشَحْذ القريحة، وإنفاذ البصيرة؛ فإنَّ الشِّبَع يورث البَلادة.

الصِّيام ركنٌ من أركان الإسلام، هو أستاذٌ يعلِّم الرحمة، وينشر المَحبَّة، ويعوِّد التَّضحية والبذل، قيل للأحنف بن قيس - رضي الله عنه -: إنَّك شيخٌ كبير، وإن الصِّيام يُضْعِفك، فقال: "إنِّي أُعِدُّه لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهوَنُ من الصبر على عذابه".



فالصَّوم حرمانٌ مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوعٌ لله وخضوع، يستثير الشَّفقة، ويحضُّ على الصَّدقة، ويسنُّ خِلال البِرِّ، حتى إذا جاع مَن ألِفَ الشِّبَع، وعرف المُترَف أسباب المُتَع، عرف الحِرْمان كيف يقع، وألَم الجوع إذا لذَع، فرضَه ربُّنا في كتابه، فقال - تعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 183]، وجعل - سبحانه - أفضل الصِّيام صيامَ رمضان، فقال - تعالى -:
ï´؟ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ï´¾ [البقرة: 185].

فصار هذا الشهرُ لأمَّة الإسلام شهرَ القرآن، وشهر الإحسان، وشهر الرِّضوان، وشهر الغفران، وشهرَ إغاثة اللَّهفان، وشهر التَّوسعة على الضِّيفان، وشهرًا تُفتَّح فيه أبواب الجنان، ويُصفَّد فيه كلُّ شيطان، فإذا صُمْتَ فليَصُم سمعك وبصرك، ولا تجعل يوم صومك كيوم فِطْرِك؛ ففي الصيام: احْفَظ لسانك، ولْيَكثر ذِكْرُك لله، ولْيَظهر على سَمْتِك الخشوعُ والوقار والإخبات، وإيَّاك والمعاصي، فيَفْسد الصِّيام.



استشعِر المعاني الإيمانيَّة أثناء الصيام؛ من إقامةِ حاكميَّة الله على النَّفس الأمَّارة بالسوء؛ بالكفِّ عن شهواتها، ومَنْعِها من مَطالبها، وإقامة حُكْم الله عليها، فتعود أمَةً مأمورة غير آمِرة، ومطيعةً غير مُطاعة، وأيضًا كَسْر النَّفس باستشعار ذُلِّ الفقر والحاجة، والضَّعف والفاقة؛ فإنَّ الشِّبَع والرِّيَّ يحملان النَّفس على الأشَرِ والبطَر والغفلة، وكذلك استشعار نعمة الله في المَطْعَم والمشرب، وأيضًا تَخلِّي القلب للفكر والذِّكْر؛ فإن تناول الشهوات يجعل القلب قاسيًا، ويعميه، ويستدعي الغفلة، وخلوُّ البطن من الطعام والشراب يُنير القلب، ويزيل قسوته، ثم إنَّ الصيام يضيِّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "الصحيحين": ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)).

ومن آداب الصيام:
1- الدُّعاء عند رؤية الهلال في صوم رمضان؛ فقد كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى الهلال قال: ((اللهم أهِلَّه علينا باليُمْن والإيمان، والسَّلامة والإسلام، ربِّي وربُّك الله))؛ كما في "صحيح المُسنَد".

2- الاستعداد للصوم بتَبْيِيت النِّية؛ لأن النية تميِّز صيام العادة عن العبادة؛ فعن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من لم يُبيِّت الصِّيام قبل الفجر، فلا صيام له))؛ والحديث في "صحيح سنن النَّسائي"، وذلك في فرض الواجب في رمضان، أو في قضاءِ رمضان، أو في صيام نَذْر إذا لم يَنْوِه من الليل لم يُجْزِه.



وأما صيام التطوُّع، فمباح له أن ينوِيَه بعدما يصبح؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال لي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذات يوم: ((يا عائشة، هل عندكم شيء؟))، فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء! قال: ((فإني صائم))؛ رواه مسلم.

3- الصوم هو غاية الأدب؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الصوم جُنَّة، فإذا كان أحدكم يومًا صائمًا فلا يَرْفث ولا يجهل، فإنِ امرؤٌ شتَمه أو قاتله، فلْيَقل: إنِّي صائم))؛ والحديث في "صحيح مسند الإمام أحمد"، وقال جابر بن عبدالله - رضي الله عنه -: "إذا صُمْت فلْيَصُم سمعك وبصَرُك ولسانك عن الكذب والمَحارم، ودَعْ أذى الخادم، ولْيَكن عليك وقارٌ وسَكِينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم صومك كيوم فِطْرك".

ومعنى الصِّيام لغة: السُّكون، وهو مَطْلب شرعي أيضًا؛ أن يحصل أثناء الصِّيام شيءٌ من السكون والهدوء والانكسار لله - تعالى - وكفِّ طغيان النفس.



4- تعجيل الفِطْر؛ ففي "صحيح البخاري" قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((لا يَزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر))، فينبغي يا بْن الإسلام أن تُسْرع في الإفطار؛ فبمجرَّد قول المؤذِّن: "الله أكبر" تفطر مباشرةً، ولا تنتظر حتى يتشهَّد، كما يفعل البعض، بل أسرِعْ إلى الخيريَّة بتعجيلك للفطر؛ امتثالاً لأمر نبيِّك - صلَّى الله عليه وسلم.

5- أن يفطر على تمرات أو ماءٍ قبل أن يصلِّي المغرب؛ ففي "صحيح سنن أبي داود" عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُفْطِر على رُطبات قبل أن يصلِّي، فإن لم تكن رطبات فعلى تَمرات، فإن لم تكن حسا حسواتٍ من ماء".

6- الدُّعاء قبل الإفطار؛ فأوقات الإفطار وقبل الأذان بدقائق، لحظاتٌ ثمينة، ودقائق غالية، وهي من أفضل الأوقات للدُّعاء وسؤال الله - تعالى - وهي من أوقات الاستجابة، كما في الحديث الذي رواه البيهقيُّ وصحَّحه الألباني: ((ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصَّائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر))، وأيضًا: ((ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم...))، منهم: ((دعوة الصَّائم حين يفطر))؛ صححه الألباني، فهل لك - أخي يا بن الإسلام - إلى الله حاجة؟!



أبْشِر، مسموحٌ لك في ثلاثين حاجة، سبحان الله العظيم! كم يشتهي الإنسان أشياء تُقضى بدعوةٍ عند الإفطار؛ لأنَّ قبل الإفطار في آخر النَّهار يكون الإنسان في أحسن حالات استِشْعار الانكسار، وإظهار الافتقار، ومدِّ يد الضَّراعة، وبظهور الذُّل والحاجة يستجيب الله دعاء الصائم المسكين.

اغتنم الفرصة، واستعِدَّ قبل الغروب بتجهيز كشف المطالب والتبَرُّؤِ من العيوب، واجعل لي نصيبًا في دعائك أيُّها الحبيب المحبوب، ولا تنس أن تجعل من دعائك دعاءً للأمّة جميعًا أن يفرِّج الله عنها جميعَ الكروب.

فالعبد الصَّائم مقبِلٌ على الله، منكَسِرة نفْسُه، ولكن - للأسف - راقب هذه اللَّحظات، وستجد الغفلة العجيبة عند كثيرٍ من الناس، سبحان الله! هذه اللَّحظات الغالية أوقات الدُّعاء والاستجابة والتفرُّغ، يغفل عنها أهل التَّوحيد، وكلُّنا بحاجةٍ إلى الدُّعاء وسؤال الله - سبحانه - فاحرص على هذه اللَّحظات ولا تفرِّط، والموفَّق مَن وفَّقه الله - تعالى.



7- السُّحور؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه أحمدُ وحسَّنه الألبانيُّ: ((السُّحور أَكْله برَكة، فلا تدَعوه، ولو أن يجرع أحَدُكم جرعةً من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين)).

فبالله عليك: هل مثل ذلك الفضل يضيِّعه عاقل؟! واعلم أنَّ لفظة: ((إنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحرين)) صحَّحها الألبانيُّ في "السِّلسلة الصحيحة".

والبَركة هي الزيادة والنَّماء، وذلك بِنُزول الخير الإلهيِّ في الشيء، وثبوتِه فيه، وهي جِماعٌ لكلِّ خير، وطريق موصلة لكثرة النِّعم، فلا غرابة بعد ذلك أن نجدَّ في طلب هذه البركة في شهرٍ قال فيه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((رمضان شهرٌ مبارك)) كما في "صحيح الجامع"، وفيه ليلة وصفَها ربُّنا بقوله - تعالى -:
ï´؟ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ï´¾ [الدخان: 3]، بل وعمَّت فيه البرَكةُ كلَّ شيء لتشمل حتَّى الطعام.



• قال الصنعانيُّ: "والبرَكة المشار إليها فيه: اتِّباع السُّنة، ومخالفة أهل الكِتاب؛ لحديث مسلمٍ مرفوعًا:
((فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلة السَّحَر)).

قلتُ: ومن البركة التي في السُّحور: صلاة الله وملائكتِه على المتسحِّرين، والسُّحور ما هو إلاَّ إعدادٌ للصِّيام، فما ظنكُّ بالصوم نفسه؟! ومن البركة فيه أنَّه يُعطي القوَّة على الصِّيام وغيره من الأعمال الصالحة أثناء النَّهار؛ فيجد المتسحِّرُ في نفسه نشاطًا يبعثه على أداء الفرائض والنوافل في هِمَّة وعَزْم، ومن البركة فيه إدراكُ وقت السَّحر؛ وهو وقت التنَزُّل الإلهيِّ والاستغفار المبارَك، ومن البركة فيه أنَّه أضمَنُ لترديد أذان الفَجْر مع المؤذِّن، وإدراك الصلاة في وقتها مع الجَماعة، مع ما في ذلك من فضلٍ، ومن البرَكة فيه أنَّ الصائم إذا تسحَّر لا يشقُّ عليه تكرار الصَّوم، بل يشتاق إليه، خلافًا لمن لم يتسحَّر؛ فإنَّه يجد مشقَّة تثقل عليه العودة للصِّيام، ومن البركة فيه أنَّه يكفي فيه القليل، ولو كان جرعة ماء؛ فقد صحَّح الألبانيُّ في "صحيح الجامع" قولَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تسحَّروا ولو بالماء))، وإن كان: ((نِعْم السَّحور التَّمر))، كما في "صحيح الجامع".



فإذا واظبنا على السُّحور استحقَقْنا صلاة الله - وهي الرَّحمة - وصلاة الملائكة - وهي الدُّعاء لنا بالرحمة - فكيف بعد ذلك لا نُرحَم؟! نسأل الله - تعالى - من فضله، واعلم أن السُّحور مندوب إجماعًا، وقد نقله ابن المُنذر فقال: "الإجماع على أن التسحُّر مندوب".

• فاحرص - أخي يا بن الإسلام - على السُّحور في أيِّ وقت من الليل، ولكن المستحَبّ تأخيرُه؛ ففي "الصَّحيحين" أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يَزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر))، قال الصنعانيُّ: زاد في روايةٍ لأحمد: ((وأخَّروا السُّحور)).

قلت: وهذه الزيادة من حديث أبي ذرٍّ، وإسناده ضعيف، ولكن يدلُّ على استحباب تأخير السُّحور ما رواه الطبرانيُّ وصححه الألبانيُّ في "صحيح الجامع": ((ثلاثٌ من أخلاق النبوَّة: تعجيل الفِطْر، وتأخير السُّحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة))، وما ورد في "الصحيحين" عن أنسٍ، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنهما - قال: "تسحَّرنا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسُّحور؟ قال: قَدْر خمسين آية".



ملاحظات، وتنبيهات:
•ما يظنُّه كثيرٌ من الناس من الامتناع عن السُّحور إذا سمعوا ما عُرف بمدفع الإمساك، أو التواشيح في الإذاعات، لا أساس له من الصِّحة، والصحيح أنَّ وقت الإمساك هو وقت الفجر الصادق.

• إذا شكَكْت في طلوع الفجر، فلك أن تأكل وتشرب حتى تتيقَّن؛ لقوله - تعالى -: ï´؟ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ï´¾ [البقرة: 187]، قال رجلٌ لابن عباس - رضي الله عنهما -: إنِّي أتسحَّر، فإذا شككتُ أمسكت، فقال ابن عبَّاس: كُلْ ما شكَكْت، حتَّى لا تشكّ.

• واعلم أنَّك إذا سمعت الأذان، وطعامُك وشرابك في يدك، فلك أن تأكل أو تشرب؛ وذلك لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا سمع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يده، فلا يضَعْه حتَّى يقضي حاجته منه))؛ والحديث رواه أبو داود والحاكم، وصحَّحه الألباني، ومن باب الأمانة أذكر لك - أخي الحبيب - أنَّه قد أخبرني أحد تلامذة الشيخ/ العدويِّ أن الشيخ - حفظه الله - قد ضعَّف هذا الحديث.



• احرص على أن يصوم معك أهْلُ بيتك، وشجِّعهم على ذلك، واجتَمِعوا على الإفطار والسُّحور.

8- اغتنام وقت السَّحَر بالذِّكْر والدعاء وقراءة القرآن؛ فوقت السَّحر وقت النُّزول الإلهي، ولا شكَّ أنك ستستيقظ - إن شاء الله - لتحصيل أجر السُّحور، وامتثال أمر النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكن أين أنت من ركعتين تركعهما في ظُلْمة اللَّيل، تناجي بهما ربَّك؟! فكثيرٌ من الناس عن هذا الوقت المبارك غافلون، وبعض الناس يتصوَّر أنه إذا صلى التراويح مع النَّاس، وأوتر في أول الليل، انتهت صلاة اللَّيل، واكتفى بذلك، وحَرم نفسه من هذه الأوقات الثمينة، والدقائق الغالية، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يَنْزِل الله كلَّ ليلة إلى السماء الدُّنيا، فيقول: هل من سائلٍ فأُعْطِيَه؟ هل من مستغفر فأغفِرَ له؟ هل من تائب فأتوبَ عليه؟ حتى يطلع الفجر))؛ رواه مسلمٌ، والبخاريُّ بمعناه.

وطبعًا أنت أخي لا تعتقد في نزول الله - تعالى - إلا النُّزول الذي يليق بجلاله وعظَمتِه، والذي لا يُماثل نزول المخلوقين؛ لأنه - تعالى - ï´؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ï´¾ [الشورى: 11]، فكذلك ليس كصفَتِه صفةٌ، فأنت تعتقد أن الله يَنْزل إلى السماء الدُّنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِر، نزولاً حقيقيًّا يليق بجلاله وعظمته، ولا يُماثل نزول المخلوقين.



فاللهَ اللهَ في استثمار السَّحَر؛ فإنه من صفات أهل الجنَّة التي ذكَرَها الله - تعالى - في قوله: ï´؟ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ï´¾ [آل عمران: 17]، ولا تَنْس في هذا الوقت أنَّ من السبعة الذين يظِلُّهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظلُّه: رجُلاً ((ذكَر الله خاليًا، ففاضت عيناه)) كما في الصَّحيحين، فاحرِصْ على الخشوع والبكاء من خشية الله في هذه السَّاعات المباركات؛ فإنَّ عينين لا تمسُّهما النار أبدًا؛ كما في الصحيح: ((عينٌ بكَتْ من خشية الله، وعين باتت تَحْرس في سبيل الله)).
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #2  
قديم 01-05-2020, 11:50 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان



ولا تنسَنِي - أخي الحبيب - ساعتَئذٍ من دعوةٍ صالحة؛ ليقول لك الملَك: آمين، ولك بمِثْل، وانتبه - يا بْن الإسلام - إلى أنَّ ذلك مشروع في رمضان وغيرِه.

9- ترك الإفراط في تناول الطعام أثناء الإفطار؛ فالصَّائم إذا شبع ضيَّع على نفسه الحِكْمة من الصوم؛ فالشِّبَع يورث القَسْوة، ويوفر الجفوة، ويثير النَّوم، ويَجْلب الكسل عن الطاعات، والصوم يعالِجُ ذلك، قال بعض السَّلَف: إذا امتلأَت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعَدَت الأعضاء عن العبادة.



10- كفُّ النَّفْس عما يتنافى مع حقيقة الصِّيام؛ من إطلاق الجوارح في المعاصي والذُّنوب؛ كالغِيبة والنَّميمة، والكذب، والفُحْش، وسوء الخلق، وغير ذلك؛ فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح البخاري":
((من لم يدَعْ قول الزُّور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامه وشرابه)).

11- دعوة الصَّائمين إلى طعام الإفطار - من الأرحام والجيران، واليتامى والمساكين - طلبًا للأجر من الله - تعالى - فقد قال - تعالى - في وصف الفائزين بالجنة: ï´؟ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ï´¾ [الإنسان: 8 - 12].



وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح سنن الترمذي": ((مَن فطَّر صائمًا كان له من الأجر مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم)).

12- أن لا يُجاهر المسلم المرخَّصُ له بالإفطار بإفطاره؛ كالمريض والمرأة الحائض والنُّفساء؛ احترامًا لشعور الصائمين، ولكي لا يشجِّع المستهترين من المفطرين بالمجاهرة في إفطارهم.

ومن الآداب أيضًا: الاجتهادُ في العبادة في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب طلب ليلة القَدْر، والاعتكاف، وكلُّها ستأتي معنا - إن شاء الله تعالى.

س: هل تحب أن تصوم رمضان مرَّتين في السَّنَة الواحدة؟!
ج: بالتأكيد، كلُّنا يتمنَّى ذلك، ولكن كيف؟!
والإجابة في حديث زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ الذي رواه الترمذيُّ - وصحَّحه الألباني - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا)).



فأبشر - أخي يا بن الإسلام - بهذا الفضل العظيم، واعلم أن هناك صورًا متعدِّدة يمكنك من خلالها الحصولُ على هذا الأجر العظيم من تفطير الصائمين، فمنها: تفطير الأقارب والجيران؛ إذْ بِحُسن النية تحصل على الصيام بعددِهم، وكذلك صلة الأرحام، وبِرُّ - وحُسْن - الجوار، ومنها: تفطير الإخوان والأصدقاء، ومنها: تفطير الفقراء، والصدقة عليهم بالإفطار، وكلها تحتاج إلى حُسْن النية، والله المستعان.

كيف تحصل لذَّة الصوم؟!
إنَّ هذا من أعجب الأسرار، وقليلاً ما تجد أحدًا تكلم فيها بما يَشْفي، والمقصود أيُّها السالك: إيقافك على أسرار العبادة، وجمال الخدمة، وشرف القيام بالأمر، فالعبادة اسمٌ جامع لكلِّ ما يحبُّه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ومقتضى قيامك بأداء العبادة أن تجد ثمرتَها، وثمرة العبادة تكليفٌ شرعي؛ فمثلاً: يقول عن الصلاة: ï´؟ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ï´¾ [العنكبوت: 45]؛ أي: الصلاة الصحيحة الكاملة، ولكنَّه لم يتكلم عن لذة العبادة والمناجاة والخطاب، وحلاوة القيام بتلك الصلاة، وكذلك الصوم حين قال: ï´؟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 183]، فالتَّقْوى أيضًا كالانتهاء عن الفحشاء والمنكر، كلاهما مأمور به.

وسِرُّ عدم التعرض للَذَّة العبادة، وجعلها مقصودًا وغاية مباشرة: أنَّ هذه اللذَّة والحلاوة هي مِن صميم مقام الإحسان: ((أن تَعْبُد الله كأنَّك تراه..))، ولو جُعلت مقصودًا وغاية، لعَجز جمهور المكلَّفين عن أن يحصِّلوا هذه اللذَّة؛ ليتأكدوا من حصول ثمرة العبادة، وليَئِس كثيرٌ من السالكين حيث يجتهدون وَلَمَّا يأتهم المدَد، فكان تكليفهم بالقريب الملموس، والسهل اليسير؛ لأنَّ علامات التقوى والانتهاء عن المنكر واضحة.



أمَّا باطن هذه الغايات وجوهرها، فهو الالْتِذاذ بالخِدْمة، والشُّعور بالنِّسبة - نسبة العبد لربِّه - كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعد رجوعه من الطَّائف وأذية أهلها له وإهانتهم لشخصه، قال: ((إن لم يكن بك على غضبٌ فلا أبالي))، وهذا من أجمل الألفاظ النبويَّة الجامعة، الخارجةِ من مِشْكاة خليل ربِّ العالمين؛ ولذلك كان سيِّدُ الاستغفار سيدًا؛ لما فيه من الشُّعور بالنسبة، ولذَّة الخطاب: ((أنت ربِّي، خلقتَني وأنا عبدُك؛ فإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت)).
وَمِمَّا زَادَنِي فَخْرًا وَتِيهًا
وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي
وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا



وكذلك الصوم؛ تتحصَّل اللذة فيه من الشُّعور بالنسبة والالتذاذ بالخِدْمة، قال - تعالى -:
((الصَّوم لي وأنا أجزي به))، هذه هي النِّسبة، وقال: ((ترَك طعامه وشهوته من أجلي))، وهذه هي حقيقة الالتذاذ بالخدمة.
ولذلك كان يُبْسُ الشِّفاه من العطَش، وقَرْقرة البُطون من الجوع أهنأَ ما لاقاه الصَّائمون، وأمْرَأ ما ظفر به أولئك الجياع العَطْشى، فبينما هو يتألَّم - وقد تلوَّى من جوع البطن - يتوارَدُ على فؤادِه خاطرةُ أنَّ هذا الألم يصبر عليه تعظيمًا لحقِّ الله، ومهابةً لنظره واطِّلاعه، فيرضى عن حاله، ويشبع من رضا الله عنه، ولا يطمع في أيَّة نعمة تَحُول بينه وبين هذا الألم، لكنَّه سرعان ما يُطَأطئ منكسِرًا وجِلاً خائفًا؛ لئلاَّ يقبل الله منه، فيتَضافر ألَمُ البطون مع ألم القلوب، ويتعاظم هذا الألَمُ حتى تتداركه عنايةُ الله وإمداداته، فيفيض عليه من جميل لطفه وإنعامه، فيسكن هذان الألَمان المُتضافران، وينقلبان حلاوةً غامرة، ولذَّة عامرة، بل وشوقًا للقاء الله حتى تتمَّ فرحته التي أخبر عنها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وفرحةٌ عند لقاء ربِّه)).



وإذا تأمَّلت هذه المعاني أدركتَ سرَّ قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه ابن ماجه - وفي صحيح الجامع -: ((رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلاَّ الجوعُ والعطش)).

ورُبَّما ضربتَ كفًّا على كف من اجتماع هذه المُتناقضات؛ ألَم ولذَّة، وجوع وشِبَع، وعطش ورِيّ! ولا يمنعك هذا العَجبُ من ولوج هذا الطَّريق، والسَّير فيه، فمن سلكه رأى من آيات ربِّه الكبرى!

فأحسِن القصد، وولِّد العزم، وتسلَّح بالهمَّة، وابدأ السير، وجدَّ في التّرحال، واطلب الراحة في العناء، وارض عن نفسك إذا كان مَسْعاها في المعالي، ولا تركن إلى غَبْنِ أهل الدُّنيا، ومَنِّ نفسك بالفوز الرَّبيح، وادَّخر الثمن الغالي لسلعة الله: ((ألاَ إن سلعة الله غالية، ألا إنَّ سلعة الله الجنة)).



وأخيرًا: بيان لبعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي اشتهرَتْ
على ألسنة الناس:
1- صوموا تصحُّوا، "ضعيف".
2- كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فِراشَه، واعتزل النساء، وجعل عشاءه سحورًا، "ضعيف".
3- أوَّل شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عِتْق من النار، "منكر".
4- رجَب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، "موضوع".
5- حديث صلاة الرَّغائب، "موضوع".
6- لو يَعْلم العباد ما في رمضان، لتمنَّت أمتي أن يكون السنة كلها، "موضوع".
7- ما من أيام أحبَّ إلى الله أن يُتعبَّد له فيها من عشر ذي الحجة؛ يعدل صيامُ كلِّ يوم منها صيامَ سنَة، وقيامُ كلِّ ليلة منها بقيام ليلة القَدْر، "ضعيف".
8- من صلى في آخر جمعة من رمضان والخميس الصلوات المفروضةَ في اليوم والليلة، قُضِيت عنه ما أخلَّ به من صلاة سنته، "موضوع".
9- مَن أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يَمُت قلبه يوم تموت القلوب، "موضوع".
10- شهر رمضان معلَّق بين السماء والأرض، لا يُرفع إلى الله إلا بِزَكاة الفطر، "ضعيف".
11- أغنُوهم - يعني المساكين - عن الطَّواف في هذا اليوم، "ضعيف".
12- أُعطِيَت أمتي في رمضان خمسًا لم يعطهنَّ نبي قبلي: أمَّا واحدة فإذا كان أول ليلة نظر الله - عزَّ وجلَّ - إليهم، ومن نظر الله - عزَّ وجلَّ - إليه لم يعذِّبه أبدًا، وأما الثانية: فإنَّ خلوف أفواههم حين يُمْسون أطيب عند الله - عزَّ وجلَّ - من ريح المسك، وأما الثالثة: فإنَّ الملائكة تستغفر لهم في كلِّ يوم وليلة، وأما الرابعة: فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يأمر جنته، فيقول: تزيَّنِي، واستعِدِّي لعبادي، وأما الخامسة: فإذا كان آخر ليلةٍ غفر لهم.



13- حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: خطَبنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - آخِرَ يوم من شعبان، فقال: "يا أيُّها الناس؛ قد أظلَّكم شهرٌ عظيم، جعل الله صيامه فريضة وقيامه تطوُّعًا، من تطوَّع فيه بخصلةٍ من الخير كان كمن أدَّى فريضة فيما سواه، ومن أدَّى فيه فريضة كان كمن أدَّى سبعين فريضة فيما سواه؛ الحديث، "منكر".








__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #3  
قديم 09-05-2020, 02:46 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة

سلسلة عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان
(11)

محمود العشري







وسائل استثمار رمضان


الوسيلة الرابعة
القاعدة الحادية عشر: معرفة قُطَّاع الطريق إلى الله تعالى:

فهأنت قد شَمَّرت عن ساعد الجدِّ، وحثَثْت الهِمَّة الخاملة، وأوقدت نارَ العزيمة الخامدة، وألجَمْت هواك بلِجام الإرادة، وجمعتَ رقاب الأماني بزمام التوكُّل على الله في الفِعْل، وبدأت السَّيْر إلى الله -تعالى- لِتَصل إلى شهر رمضان وقد توقَّدَت عزيمتُك، وانقادت لك إرادتُك، وأذعنَتْ لك هِمَّتُك، لقد بدأت المعركة الحقيقيَّة مُذْ تمحَّض اختيارك لله وجدَّ سيرك إليه، ويممَّت القلب والقالب في الإقبال عليه، فاحذر حينئذٍ قُطَّاع هذا الطريق الوعر؛ فإنَّه طريق الجنَّة، وهو محفوف بالشهوات والهَوى والشياطين والنَّزغ والشُّبهات، وكلُّها أنواع لجِنس واحد، وهو العائق عن الوصول لِدَرب القبول، المُؤْذِن لشمس عزمك بالأفول، فتعال معًا نتذاكَرْ صفات بعض هؤلاء القُطَّاع ومكامِنهم وخدعهم؛ فبذلك تتعلَّم صفة الشرِّ؛ لتتجنَّبه، والمقصود بيان نماذج من هؤلاء القُطَّاع؛ ليُستدل بهم على غيرهم.

فمن هؤلاء القُطَّاع: الفُتور والسَّآمة والملل، وهو مِن أعظم ما يعتري السَّالكين، وقد يتَعاظم أمْرُه ويستفحل، حتى يكون سببًا للرِّدة والنُّكوص، والعياذ بالله! وغالب شأنِ هذا الفتور مِن كثرة الفرَح بالطاعة، وعدم الشُّكر عليها، وعدم رؤية مِنَّة الله فيها، ومشاهدة النَّفس في أدائها.

قال ابن القيِّم - رحمه الله - واصفًا ومحلِّلاً ومُعالجًا لهذا الدَّاء: فإذا نَسِي السَّالكُ نفْسَه، وفَرِح فرحًا لا يُقارنه خوف، فلْيَرجع إلى السَّير إلى بدايات سُلوكه وحِدَّة طلبه؛ عسى أن يعود إلى سابقِ ما كان منه من السَّيْر الحثيث الذي كانت تسوقه الخشية، فيترك الفُتور الذي لا بُدَّ أن ينتج عن السُّرور.

فتخلُّل الفترات للسَّالكين أمرٌ لازم لا بُدَّ منه، فمن كانت فترتُه إلى مُقارَبةٍ وتسديدٍ، ولم تُخْرِجه مِن فرض، ولم تُدْخِله في محرَّم: رُجِيَ له أن يعود خيرًا مما كان، قال عمر بن الخطاب: إنَّ لهذه القلوب إقبالاً وإدبارًا، فإذا أقبلَتْ فخُذوها بالنَّوافل، وإن أدبرَت فألزِموها الفرائض.

وفي هذه الفترات والغيوم والحجُب التي تَعْرِض للسَّالكين - من الحِكَم ما لا يَعْلم تفصيلَه إلاَّ اللهُ، وبهذا يتبيَّن الصادق من الكاذب، فالكاذب ينقلب على عقِبَيه، ويعود إلى رسوم طبيعته وهواه، والصادق ينتظر الفرَج، ولا يَيْئس من رَوْح الله، ويُلقي نفسه بالباب طريحًا ذليلاً، مِسكينًا مُستكينًا، كالإناء الفارغ الذي لا شيء فيه ألبتَّة، ينتظر أن يضع فيه مالِكُ الإناء وصانِعُه ما يصلح له، لا بسببٍ من العبد - وإن كان هذا الافتقارُ من أعظم الأسباب - لكن ليس هو منك، بل هو الذي منَّ عليك به، وجرَّدَك منك، وأخلاك عنك، وهو الذي: ﴿ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ ﴾ [الأنفال: 24]، فإذا رأيتَه قد أقامك في هذا المقام فاعلَم أنَّه يريد أن يرحَمك، ويملأ إناءك، فإن وضَعْت القلب في غير هذا الموضع، فاعلم أنه قلب مُضيَّع، فسَلْ ربَّه ومن هو بين أصابعه أن يَردَّه عليك، ويجمع شملك به.

وقد أخبر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: ((إنَّ لكل عامل شِرَّة، ولكلِّ شِرَّة فَترة))، فالطالب الجادُّ لا بدَّ من أن تَعْرِض له فترة، فيشتاق في تلك الفترة إلى حالِه وقْتَ الطلب والاجتهاد، وربما كانت للسَّالك بدايةٌ ذات نشاط، كان فيها عالِيَ الهمة، فيفيده عند فتوره أن يَرْجع إلى ذكريات تلك البداية، فتتجدَّد له العزيمة، ويعود إلى دأبه في الشُّكر.

وكان الجُنَيد - رحمه الله - كثيرَ الذِّكْر لبداية سَيْره، وكان إذا ذكَرها يقول: "واشَوْقاه إلى أوقات البداية"؛ يعني لذَّة أوقات البداية، وجمع الهمَّة على الطلب والسير إلى الله، والإعراض عن الخَلْق.

أمَّا إذا راودَتْك السَّآمةُ في عبادتك - كصلاةٍ أو ذِكْر أو تلاوة قرآن - فلا تُرسل زمام هواك للشيطان، محتجًّا بقوله -صلى الله عليه وسلم-: ((فوالله، إنَّ الله لا يَملُّ حتى تملُّوا))، وقد ذكَرْتُ لك في تمارين العزيمة فقْهَ هذا الحديث ونحْوِه عن الأئمَّة الأعلام، فحريٌّ بمن ملَّ العبادة أن يعود إلى نفسه؛ هلعًا وخوفًا من أن يكون ذلك من إعراض الله عنه، ولْيَستحضر في قلبه سوء أدبه مع الله، وعدمَ تعظيمه وقَدْرِه حقَّ قدره؛ إذْ تَطِيب نفسه مع شهوات الدُّنيا، ومُعافسة الأولاد والزَّوجات للساعات الطِّوال، ثم هو يُبتلى في عبادته بالملل بعد لُوَيحظات معدودات، وما رُوِي عن بعض السَّلَف من أنَّهم كانوا يتكدَّرون لطلوع الفجر؛ لأنَّه يحول بينهم وبين لذيذ المُناجاة فيُحمَل على أنهم يحزنون لعدم تواصل لذَّة المناجاة، لا أنَّهم كانوا يكرهون طلوع الفجر، ويقدِّمون قيام الليل على الفريضة، فهذا أبعَدُ ما يكون عن هَدْيِهم، ومُتواترِ سيرتهم، كيف وهم يَعْلمون أنَّ قرآن الفجر مشهود، تحضره الملائكة، وترفع أمره إلى الله؟!

ومن قُطَّاع الطَّريق إلى الله: الوساوِسُ والخواطر الرَّديئة التي تَرِد على السَّالك طريقَ الآخرة، وتشمل هذه الخواطرُ الرديئة ما يَرِدُ على المبتلَيْن بالشَّهوات من التفكير في الصُّوَر، وفيما يعشقون، ومن يَهْوون... وكذا أصحاب الحِقْد والحسد، والأمراض القلبيَّة، والآفات النَّفْسية، وكلُّها انحرافات سلوكيَّة؛ أيْ: في السَّالك طريق الآخرة.

ومِن أعظمها خطرًا: وساوس الشُّبهات في وجود الله، وذاته، وصفاته، وهذا مما ابتُلِي به كثيرٌ من شباب هذه العصور؛ لِغَلبة الأفكار الإلحاديَّة والعلمانيَّة، المبنيَّة على المادَّة والتفسير العِلْمي لكلِّ الظواهر الكونيَّة، وشيوع الفَحْشاء والشهوات الصارفة للقلوب عن مُمارسة عبوديَّتِها في التسليم والإذعان.

وتحليلاً للخواطر؛ يُمكِنُنا تقسيمُها إلى ثلاثة أنواع:
الأوَّل: خواطر الشُّبهات؛ وهي العارضة في شأن وجود الله وذاته وصفاته، وفي قُرآنه، وأنبيائه ورسله، وقضائه وقدَرِه.
والثاني: خواطر الشَّهَوات؛ وهي وارِداتُ الذِّهْن من الصُّوَر ونماذج المعشوقات.
والثالث: خواطر القلب من آفاتٍ وأمراض نفسية؛ كالكبرياء والعُجْب والحِقْد.

وعلاج النَّوع الأول: باستحضار اليقين، وكلامُنا مع مَن اعتقد وجودَ الله؛ أمَّا المُلْحد فلا خطابَ معه، وعندي: أنَّ الإلحاد هو النَّوع الوحيد من الجُنون الذي يُؤاخَذ الإنسان به، فمَن أيقن وجود الله وربوبيَّته، وهيمنتَه وتصرُّفَه، وعدْلَه وحِكْمَته - مثَّل هذا اليقين بالشمسِ يراها، ثم يستعرض الشُّبهات ويمثِّلها بمن يُماريه في رؤيته للشمس، ويُجادله في الدليل المفيد لطلوعها، حينئذٍ يردِّد قولَه - عزَّ وجلَّ -: ﴿ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [إبراهيم: 10]، ويردِّد قوله: آمنتُ بالله، ويستعيذ بالله من نزغ الشيطان، معتَصِمًا بالله، لائذًا بحفظه وكَلاءته، متعجِّبًا من تفاهة شُبهتِه:
وَلَيْسَ يَصِحُّ فِي الأَذْهَانِ شَيْءٌ
إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيلِ

وأما النوع الثانِي: فهو الأعمُّ الأفشى بين الناس، وعلاجه من أصعب العلاجات، لكنَّنا نأتي على ذِكْر جملةٍ من الفوائد المهمَّة، المُجتثَّة لهذا المرض من جذوره.

فاعلم - أيُّها الأريب - أنَّ الشهوات في أصلها فطريَّة قدَرِيَّة، لا فكاك للعبد منها، فهو مَفْطور على الغضب واللَّذة، وحُبِّ الطعام والشَّراب، غير أنَّ هذه الشهوات رُكزت في الجبِلَّة لغاياتٍ، هي: حفظ النَّفس بالطعام، وردُّ الاعتداء وصيانة الذَّات بالغضب، وحفظ النَّسل باللذَّة - أعني شهوة الفَرْج - فإذا تعدَّت هذه الشَّهوات غاياتها، كانت وبالاً على أصحابها؛ ولذلك جاء عن النبيِّ - عليه السَّلام - التنبيهُ على حِفْظ الفَرْج والبطن واللِّسان، وأنَّه مِن أعظم أسباب النجاة والفوز.

فإذا علمتَ ذلك، تبيَّن سلطانُك على هذه الشَّهوات، وأنَّ الله -تعالى- قد أَمَّرَك في الحقيقة عليها، وأعطاك زمام قيادتها، فما عليك إلا ممارسةُ هذه الإمارة دون خوفٍ أو تباطؤ.

وحسم مادة الشهوات يكون بِحَسم موارد حياتِها، وأهمُّ تلك الموارد حبُّ الدنيا، والرغبة في نوال كلِّ ما يراه من جميلٍ فيها، فقَطْعُ شجرة الدنيا من القلب كفيلٌ بِصَرف الهمة مطلقًا عن الدنيا، والاهتمام بما تحصل به النَّجاة.

وهاك بعضَ الفوائد المُعِينة على حسم مادة الشهوات، وصَرْفِ واردات الخواطر الشيطانيَّة:
أوَّلاً: التبَرُّؤ من حول النفس وقوَّتِها، والالْتِجاء والاعتصام والاستعاذة بالله تعالى، ومن جليل ما ينبغي ترداده في حقِّ المبتلى بالشهوة: "لا حول ولا قوَّة إلا بالله"، ومعناها: لا تحوُّل عن معصيةٍ إلاَّ بمعونة الله - عزَّ وجلَّ - ولا قوَّة على طاعةٍ إلاَّ بتوفيقٍ من الله - تبارك وتعالى.

ثانيًا: تذكُّر المنغِّصات: سكرات الموت، ونزع الرُّوح، والقبر وأهواله، وسؤال الملَكَين، والبعث والنُّشور، وأهوال يوم القيامة، والمُثول بين يدي الله عاصيًا مذنِبًا، والنار وأهوالها.

ثالثًا: تذكُّر المشوقات: كلذَّة المناجاة، وتوفيق الله للطاعة، وشرف الولاية، والانتساب إلى حِزْب الله، والكرامات اللاَّئقة لأوليائه عند موتهم، ودخولهم الجنَّة وما فيها من الحور العين، اللائي لا تُقارَن الدُّنيا كلها بأنملة من أنامل الواحدة منهنَّ، ورؤية الله يوم القيامة، ورضوانه على أهل الجنة.

رابعًا: تذكُّر جمال خالق الجمال البشريِّ، الذي سماه الرسول -صلى الله عليه وسلم- جميلاً، فكلُّ جمال فُتِن به المرء لو تذكَّر معه جمال الله -تعالى- لتلاشَتْ كلُّ خواطره الرَّديئة.

خامسًا: تذكُّر مثالب الصور المعشوقة وآفاتها وأمراضها، وفساد بواطنها وظواهرها.

سادسًا: البُعْد عن المُثِيرات؛ كالسَّيْر في الطُّرقات العامة - وخاصَّة في هذه الأزمنة - وفي أماكن الفجور والفسوق، أو مشاهدة التليفزيون والفيديو، والمجلاَّت والجرائد السَّاقطة، التي تهدف غواية النُّفوس المطمئنَّة، وتحبُّ أن تشيع الفاحشةُ في الذين آمنوا، ومن هذا القبيل عدَمُ المكوث في خلوة إذا طرأ عارض الشَّهوة، بل يشتَغِل بالصَّوارف التي تلهيه عن تلك الخواطر؛ كذِكْر الله، وزيارة الصَّالحين، وحضور مجالس العلم، أو خدمة الأهل والمسلمين.

ويَنصح ابنُ القيِّم بما يلي:
• العلم الجازم باطِّلاع الرَّب - سبحانه - ونظره إلى قلبك، وعِلمه بتفصيل خواطرك.

• حياؤك منه.

• إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في البيت الذي خلَقه لتُسْكِنَه معرفته ومحبَّته.

• خوفك منه أن تسقط من عينه بتلك الخواطر.

• إيثارك له أن تُساكن قلبك غير محبته.

• خشيتك أن تتولَّد تلك الخواطر، ويستعر شرَرُها، فتأكل ما في القلب من الإيمان ومحبَّة الله، فتذهب به جملة وأنت لا تشعر.

• أن تعلم أن هذه الخواطر بِمَنْزِلة الحَبِّ الذي يُلقى للطائر ليُصاد به، فاعلم أن كلَّ خاطر منها فهو حبَّة في فخٍّ منصوب لصيدك وأنت لا تشعر.

• أن تَعْلم أنَّ الخواطر الرَّديئة لا تجتمع مع خواطر الإيمان ودواعي المحبَّة أصلاً، بل هي ضِدُّها من كلِّ وجه.

• أن تعلم أنَّ الخواطر بحرٌ من بحور الخيال، لا ساحل له، فإذا دخل القلب في غمراته غرق فيه، وتاه في ظلماته، فيطلب الخلاص، فلا يجد إليه سبيلاً، فيكون بعيدًا عن الفلاَح.

• أن تعلم أنَّ الخواطر وادي الحَمْقى، وأماني الجاهلين، فلا تُثْمر إلاَّ الندامةَ والخِزْي، وإذا غلبَتْ على القلب أورثَتْه الوساوس وعزلَتْه عن سلطانها، وانسدَّت عليه عينُه، وألقَتْه في الأَسْر الطويل.

أما النوع الثَّالث - وهو آفات القلب؛ كالحِقْد والحسَد، والكبرياء والعُجْب - فهو باطن الإثم، قال -تعالى-: ﴿ وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ ﴾ [الأنعام: 120]، وجِمَاع دواء هذه الآفات رؤية عَجْز النَّفس، وقيامها بالله، ومشاهدة حِكْمة الله -تعالى- وتصرُّفِه في الخلق، فمِثْل هذا الاستحضار يَحُول بينه وبين الاعتراض على تقسيم الرِّزق والنِّعَم، ويحول بينه وبين رؤية النَّفس وقدرتها، ويؤول به الحال إلى التسليم بِمنَّة الله وعدله وحكمته.

وقد تكلَّم الإمام ابن الجوزي - رحمه الله - كلامًا نفيسًا عن هذه الآفات في كتابه: "الطب الرُّوحاني"، فراجِعْه هناك؛ تجِدْ علاجاتٍ تفصيليةً لكلِّ آفة ومرض، وحَسْبُنا من الألْف شاهد مثالٌ واحد.

لكن ابن القيِّم - رحمه الله - يَلْمس مَكمن الداء، ويَصِفه وصفًا دقيقًا، ثم يقترح العلاج المناسب، فيقول: "واعلم أنَّ الخطرات والوساوس تؤدِّي متعلّقاتها إلى الفكر، فيأخذ الفِكْرُ فيؤدِّيها إلى التذكُّر، فيؤديها إلى الإرادة، فتأخذها الإرادة إلى الجوارح والعمل، فتستحكم، فتصير عادة، فردُّها من مبادئها أسهل من قطعها بعد قوَّتِها وتمامِها، ومعلومٌ أنه لم يُعطَ الإنسان إماتة الخواطر، ولا القوَّة على قطعها وهي تَهْجم عليه هجوم النفس، إلاَّ أن قوة الإيمان والعقل تعينه على قبول أحسنها، ورضاه به، ومُساكنته له، على رفع أقبحها، وكراهته له، ونفرته منه، كما قال الصحابة: يا رسول الله، إنَّ أحدنا يجد في نفسه ما لأَنْ يحترق حتى يصير حممةً أحبُّ إليه من أن يتكلَّم به، فقال: ((أوَقدْ وجدتُموه؟)) قالوا: نعَم، قال: ((ذاك صريح الإيمان))، وفي لفظ: ((الحمد لله الذي ردَّ كيده إلى الوسوسة)).

وفيه قولان:
أحدهما: أنَّ ردَّه وكراهته صريحُ الإيمان.

والثاني: أنَّ وجوده وإلقاء الشيطان له في نفسه صريح الإيمان؛ فإنه إنَّما ألقاه في النَّفس؛ طلبًا لِمُعارضة الإيمان، وإزالته به، وقد خلق الله - سبحانه - النَّفس شبيهة بالرَّحى الدَّائرة التي لا تَسْكن، ولا بُدَّ لها من شيءٍ تَطْحنه، فإن وُضع فيها حيٌّ طحنَتْه، وإن وضع فيها تراب أو حصًى طحنته؛ فالأفكار والخواطر التي تجول في النفس هي بمنْزِلة الحَبِّ الذي يوضع في الرَّحى، ولا تبقى تلك الرحى معطَّلة قطُّ، بل لا بدَّ لها من شيءٍ يوضع فيها، فمن الناس من يَطْحن رَحاه حَبًّا يخرج دقيقًا، ينفع به نفسَه وغيره، وأكثرهم يطحن رملاً وحصًى وتِبنًا ونحو ذلك، فإذا جاء وقت العجن والخبز تبيَّن له حقيقة طحنه".

فهذه نماذج من قُطَّاع طريقك إلى الله، وسفَرِك في درب الآخرة، وسعيك في عتق رقبتك من النار، وبَذْل ثَمن الجنة، فاحذر مثل تلك الصَّوارف وأعِدَّ لها عُدَّتها، والله الموفِّق.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #4  
قديم 09-05-2020, 02:50 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة

سلسلة عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان
(12)

محمود العشري







وسائل استثمار رمضان


الوسيلة الخامسة:
بِرُّ الوالدين:
الوالِدان هما أصحاب الفضل الأكبر بعد الله - تعالى - على الإنسان، قال - سبحانه -:
ï´؟ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ï´¾ [لقمان: 14]؛
فهُما سبب وجوده في هذه الدنيا؛ لأنَّهما تحمَّلا من الكدِّ والتعب، والعناء والنَّصَب، ما لا يمكن أن يتحمَّله أحد؛ لأجل هذا أمرَنا الله - تعالى - بِحُسن الأدب معهما، والإحسان إليهما، بل قد جعله الله - تعالى - مقرونًا بعبادته في مواضعَ متعدِّدةٍ من كتابه - تعالى - يقول - سبحانه -:
ï´؟ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ï´¾ [الإسراء: 23]
وقال - تعالى -: ï´؟ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ï´¾ [النساء: 36]
فحَقُّهما أعظم الحقِّ بعد حق الله - تعالى - فلا تُقدِّمْ عليهما أحدًا أبدًا، بل قد جعل الله - تعالى - رضاه في رضا الوالدين.



من الأدب مع الوالدين:
1 - حبُّهما ومُوالاتُهما، واستشعار فضلِهما، والدُّعاء لهما، كل ذلك على الدَّوام، وإن أساؤوا إليك.
2 - السلامُ عليهما عند الدُّخول عليهما والخروج، والأفضل أن تقرن ذلك بتقبيل يدَيْهما.
3 - حبُّهما ومَدْحُهما بما فيهما.
4 - إدخال السُّرور عليهما بما يُحِبَّان، وأن تمنع عنهما ما يكرهان.
5 - أن يعلم الابن أنَّه مهما قدم لوالديه، فهو قليلٌ في جانب ما قدَّموه، فمهما قدمت من معروف، ومهما فعلت من خير، فلن تستطيع أن تؤدِّي ولو جزءًا يسيرًا مما قدَّماه إليك وأنت طفل صغير.
6 - لِينُ القول لهما، والتأدُّب عند مخاطبتهما؛ فقد قال - تعالى -:
ï´؟ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ ï´¾
[الإسراء: 23 - 24]
وقال عبدالله بن عمر لرجلٍ: أتَفْرَق من النَّار، وتحبُّ أن تدخل الجنة؟ قال الرجل: إي والله! قال: أحَيٌّ والِداك؟ قال: عندي أمِّي، قال: فوالله ما ألَنْتَ لها الكلام، وأطعمتَها الطعام، لتدخلنَّ الجنة، ما اجتنَبْتَ الكبائر.
7 - أن لا يرفع صوته بحضرتهما.
8 - القيامُ على خدمتهما، وأداء مصالحهما بإخلاص.
9 - تقديم حقِّهما على حقِّ غيرهما على الدوام.
10 - طاعتهما طاعة مطلَقة في المعروف، إلاَّ أن يأمرا بمعصية.
11 - أن لا يتقدَّم الابنُ والِدَه في المشي إلاَّ لضرورة؛ كإزالة شوك أو نحوه.
12 - تفقُّد مواضع راحتهما، وعدم إزعاجهما.
13 - تجنُّب مدِّ اليد إلى الطعام قبلهما.
14 - عدم الاستئثار بالطيِّبات دونهما، بل إيثارهما وتفضيلهما على غيرهما، ولو زوجة أو ولدًا.
15 - دوام إكرامهما بالمال وغيره؛ فأنت ومالك لأبيك.
16 - الإخلاص في حُبِّهما وخدمتهما، والثناء عليهما في حضورهما وغيبتهما.
17 - القيام بخدمتهما دائمًا، ولزوم أقدامهما، وتسخير ما يستطيع لإدخال السُّرور عليهما.
18 - طاعتهما مطلقًا، إلا في معصية الله ورسوله، وإن أمراك بمعصية فلا تطعهما، ولكن أَلِنْ لهما القول، وانصحهما بالأدب والمعروف.
19 - عدم التعرُّض لسخطهما، فلو سخطا ودعا أحدهما على ابنه، فإنَّ الدُّعاء مستجاب منهما؛ لِما في الحديث الصَّحيح في "سنن الترمذي":
((ثلاث دعوات مستجابات لهنَّ، لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولَدِه)).




20 - تجنُّب الأمور المؤدِّية إلى العقوق، ومنها: الغضب منهما، التأفُّف من قولهما أو فِعْلهما، التضجُّر منهما، الحياء من الانتساب إليهما إذا أصبح ذا جاهٍ أو مركز.
21 - الدعاء لهما بعد موتهما، والاستغفار لهما، قال - تعالى -: ï´؟ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ï´¾ [الإسراء: 24].
22 - التصدُّق عنهما بعد موتهما؛ فعن سعد بن عُبادة - رضي الله عنه - أن أُمَّه ماتت، فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت، فأتصدَّق عنها؟ قال: ((نعم))، قال: فأيُّ الصدقة أفضل؟ قال: ((سَقْي الماء))، قال: فتلك سقاية آل سعد بالمدينة، والحديث صحيح، وهو في "سنن النسائي".
23 - أن يصل المسلِمُ أقاربهما وأصدقاءهما بعد موتهما، ففي "صحيح مسلم" قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إن أبرَّ البِرِّ صلةُ الولد أهل وُدِّ أبيه)).
24 - زيارة قبرهما، والدُّعاء لهما، والترحُّم عليهما.
25 - ألاَّ يتسبَّب في شتمهما؛ بأن يشتم والِدَيْ أحد، فيشتم هذا الشخص والديه.
26 - إذا رأى الابن من أبيه ما يكره، فعليه أن يكلِّمه بغير عنف ولا إساءة، والأفضل أن يصبر ويحتمل جفاء والديه؛ فلا ينهرهما، بل وإذا بلغه شيءٌ عنهما يتأوَّل لهما، ويُحسن الظنَّ بهما، ويدفع عنهما.
27 - وفي النِّهاية يجب أن يعلم كلُّ إنسان أنه ليس حيٌّ على ظهر الأرض أحقَّ بالمودة وحُسْن الصحبة من الوالدين، فلْيَكن جلُّ اهتمامه برضائهما وتطييب خاطرهما، المهمُّ: أنَّه لا سبيل إلى دخول الجنَّة إذا سخط الوالدان؛ فهما بابٌ من أعظم أبواب الجنَّة، فاحفظ هذا الباب أو ضيِّعْهُ!



موعظة:
أيُّها المضيع لأوكد الحقوق، المعتاض عن البِرِّ بالعقوق، الناسي لما يجب عليه، الغافل عمَّا بين يديه: بِرٌّ لوالديك عليك دَيْن، وأنت تتعاطاه باتِّباع الشين؟! تطلب الجنَّة بِزَعمك، وهي تحت أقدام أمِّك؟!

حَملَتْك في بطنها تسعة أشهر كأنها تسع حِجَج، وكابدت عند وضعك ما يذيب المُهَج، وأرضعَتْك من ثديها لَبنًا، وأطارت لأجلك وسنًا، وغسلت بيمينها عنك الأذى، وآثرَتْك على نفسها بالغِذى، وصيَّرَت حجرها لك مهدًا، وأنالتك إحسانًا ورفدًا، فإن أصابك ألَمٌ أو شِكاية، أظهرت من الألم فوق النِّهاية، وأطالت الحزن والنَّحيب، وبذلَتْ مالها للطَّبيب، ولو خُيِّرت بين حياتك وموتها، لآثرت حياتك بأعلى صوتها.

هذا؛ وكم عامَلْتَها بسوء الأدب مِرارًا، فدعَتْ لك بالتوفيق سِرًّا وجهارًا، فلما احتاجَتْ عند الكِبَر إليك، جعلتَها مِن أهون الأشياء عليك: فشَبِعْتَ وهي جائعة، ورَوِيت وهي ضائعة، وقَدَّمت عليها أهلك وأولادك في الإحسان، وقابلتَ أيادِيَها بالنِّسيان، وصَعُب لديك أمرها وهو يسيرٌ، وطال عليك عمرها وهو يسيرُ، وهجرتَها وما لها سواك نصير!

هذا؛ ومولاك قد نهاك عن التَّأفيف، وعاتبَك في حقِّها بعتابٍ لطيف، ستُعاقَب في دنياك بعقوق البنين، وفي أُخْراك بالبعد من ربِّ العالمين، يناديك بلسان التَّوبيخ والتهديد:
ï´؟ ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ï´¾ [الحج: 10].



فاحرص أخي يا بن الإسلام على برِّ الوالدين، والقرب منهما، وقضاء حوائجهما، وطاعتهما في غير معصية الله، ومُحاولة الإفطار معهما، واحذر غضبَهما؛ فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((رضا الربِّ من رضا الوالد، وسخط الربِّ من سخط الوالد))
ولكن احذر أن تتَّخِذ وجوب طاعتهما سبيلاً إلى معصيةِ مَن أوجب عليك طاعتَهما - سبحانه وتعالى - فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أرضى الله بسخط النَّاس، رضي الله عنه وأرضى عنه الناسَ، ومن أسخط الله برِضَا الناس، سخط الله عليه، وأسخط عليه الناس)).

ولا يهولنك تهديدُ بعض الآباء الجهلاء بالغضب وعدم الرِّضا إذا لم تُنفذ رغباتهم التي ترى فيها معصية الله - تعالى - فالربُّ مطَّلِع عليم، ولا يهولنك أيضًا ما يَذْكرون للنَّاس من عقوقِك وسوء خلقك، ما دُمتَ تعاملهما بما يُرضي الله، وإن كان الأوجبُ عليك أن تسترضِيَهما، ولا تترك لهما بابًا لِذمِّك أمام الناس؛ حتى لا يُشوَّه الإسلام في صورتك، فإن بذلتَ وُسعَك، ولم يَكُفَّا عنك، فسلِّم أمرك لله العليم، وقل:
ï´؟ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ ï´¾ [يوسف: 18].

الوسيلة السادسة:
صِلة الرَّحِم:
وهي الإحسان إلى الأقارِب على حسبِ حال الواصل والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارةً تكون بالخدمة، وتارةً بالزيارة والسلام، وغير ذلك، وصِلة الرحم مِن أسْمَى المطالب التي يُعنَى بها الإسلام، ويرغّب فيها، وهى قرابة الرجل مِن جهة أبيه ومِن جهة أمِّه، وهذه مِن الحقوق التي دعتْ إليها الفطرةُ السليمة، وقرَّرتها الشريعة السَّمْحة.

فاحرص أخي، يا ابنَ الإسلام
على أن تصِل رحمك، واحذر أن تقطعَهم حتى ولو قطعوك، قال تعالى:
ï´؟فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ
فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْï´¾ [محمد: 22 - 23]
وفي الصحيحين أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال:
((مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليكرم ضيفَه، ومَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليصلْ رحمَه، ومَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليقلْ خيرًا أو ليصمت))
وفيهما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((الرَّحِم معلَّقة بالعرْش، تقول: من وصلني وصلَه الله، ومَن قطعَني قطعَه الله))
وعند البخاري عن أنس قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسأ له في أثرَه، فليصِلْ رحِمَه))
وبسط الرزق - كما قال النووي -: توسيعه وكثرته، وقيل: البَركة فيه، وأما التأخير في الأجل ففيه سؤالٌ مشهور، وهو أنَّ الآجال والأرزاق مقدَّرة لا تزيد ولا تنقص
ï´؟فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَï´¾ [الأعراف: 34]
وقد أجاب العلماء بأجوبة، والصحيح منها: أنَّ هذه الزيادة بالبَركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخِرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك.



والثاني: أنَّه بالنسبة إلى ما يَظهر للملائكة، وفى اللَّوْح المحفوظ ونحو ذلك، فيظهر لهم في اللوح أنَّ عمره ستُّون سنة إلا أن يصِل رحِمه، فإنْ وصلها زِيد له أربعون، وقد عَلِم الله - تعالى - ما سيقع له مِن ذلك، وهو مِن معنى قوله تعالى: ï´؟يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِï´¾ [الرعد: 39]
فيه النسبة إلى عِلم الله - تعالى - وما سبَق به قدَره، ولا زيادة، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهَر للمخلوقين تتصوَّر الزيادة، وهو مرادُ الحديث.
والثالث: أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده، فكأنه لم يمت، حكاه القاضي... وهو ضعيف أو باطل، والله أعلم.
والأحاديث كثيرة في الحثِّ على صلة الأرْحام، والتحذير من قطعها، فأين نحن من صِلة الأرحام؟! وأين صلةُ الأرحام في هذا الزمان الذي انتشرتْ فيه قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين - ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله.

إنَّ حق القرابة قد ضُيِّع في هذا الزمان من قِبل كثيرٍ مِن الناس إلا من رحِم ربُّك، فتجد الواحدَ منهم لا يَصِلُ قرابتَه لا بالجاه، ولا بالمال، ولا بالخُلق.. تمضي الأيام والشهور والسِّنون ما رآهم، ولا زارهم، ولا تحبَّب إليهم بهدية، ولا جلَب لهم منفعة، أو دفَع عنهم مضرَّة، بل ربما - إلى جانب ذلك - أساء إليهم بالقول، أو بالفِعل، أو بهما معًا! يصل البعيد، ويقطع القريب!



ومن الناس مَن يعامل قرابته بالمثل؛ إنْ وصلوه وصلهم، وإنْ قطعوه قطعهم، وهذا ليس بواصل في الحقيقة، بل هو مكافِئ للمعروف بمثله، والمكافأة على المعروف يشترك فيها القريبُ وغيره، والواصل حقيقةً هو من يصل قرابته ابتغاءَ وجه الله، ولا يُبالي سواء وصلوه أم لا؛ ففي صحيح البخاري قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
((ليس الواصلُ بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قُطِعتْ رحِمُه وصَلَها)).

ولقد حثَّنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أداء حقِّ الرحِم، وإنْ عاملونا بالجفوة والغِلظة والشر، في حين أنَّه يطمئننا على مستقبلنا، ويُزيح عن قلوبنا اليأس؛ ففي صحيح مسلم أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأُحسن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ! فقال:
((لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنَّما تُسفُّهم - تطعمهم وتلقمهم - المَلَّ، ولا يزال معك من الله
ظهير - مُعين ناصِر - عليهم، ما دُمتَ على ذلك))
قال الأزهري: أصل الملَّة: التربة المحماة تُدفن فيها الخبزة، وقال القتيبي: المل: الجمْر، ويقال للرماد الحار - أيضًا - المل، فالملة كوضع الخبزة، يقول: إذا لم يَشكُروك، فإنَّ عطاءَك إياهم حرامٌ عليهم، ونارٌ في بطونهم، ففيه تشبيه لما يلحقهم مِن الإثم بما يلحق آكل الرَّماد الحار مِن الألم.



حكم صلة الرَّحِم ودرجاتها:
قال القاضي عياض: "لا خِلافَ أنَّ صلة الرحم واجبة في الجُملة، وقطيعتها معصية كبيرة، والأحاديث تشْهَد لهذا، ولكن الصِّلة درجات بعضها أرْفَع من بعض، وأدناها ترْك المهاجَرة بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القُدرة والحاجة؛ فمنها واجِب، ومنها مستحبّ، ولو وصل بعضَ الصِّلة، ولم يصلْ غايتها لا يُسمَّى قاطعًا، ولو قصَّر عما يقدر عليه وينبغي له، لا يُسمَّى واصلاً". اهـ.

وصلة الرحم لها فضائلُ وثمراتٌ كثيرة وعظيمة، أذكر بعضًا منها منبِّهًا على أنه قد ورد في كلِّ ما سأذكُر أحاديث صحيحة، ولكنِّي لم أذكرها اختصارًا، فارجع إليها - إن شئت - في كتاب "حق الرحم" للشيخ المصري:
1- أنَّها عبودية لله تعالى لأمْره بها؛ فإنْ وصلتها أطعتَ ربَّك، وكنت عبدًا لله حقًّا.
2- صلة الرحم شعارُ الإيمان بالله؛ فعند البخاري: ((مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخر، فليصِلْ رحِمَه)).
3- الله تعالى يصِل الواصل في الدنيا والآخِرة، فيمدُّه بالرحمة، وييسِّر له الأمور، ويفرِّج عنه الكربات.
4- صِلة الرحم تجلب للعبد رِضا الله ومحبته.
5- صلة الرحم يُكفِّر الله بها سيئاتِ العبد.
6- صلة الرحم أعجلُ الطاعة ثوابًا، وقطيعة الرحم مِن أعجل المعاصي عقوبةً.
7- الذين يَصِلُون الأرحام هم الصادِقون المتقون.
8- صِلة الرحِم تجعلك في أعْلى المنازل.
9- صلة الرحم أحبُّ الأعمال إلى الله بعدَ الإيمان به.
10- أنها مِن أسباب البَرَكة في العُمر والرزق.
11- الصَّدقة على ذي الرَّحِم أعظم أجرًا من الصدقة على المسكين.
12- صلة الرحم تعمر الدِّيار، وتزيد في الأعمار.
13- صلة الرحم مِن أعظم أسباب دخول الجنة.



أسباب قطيعة الرحم:
الأسباب كثيرة جدًّا، لكن أبرزها ما يلي: الجهل بحقوق الأقارب، وضعف التقوى، والكِبر، والانقطاع الطويل الذي يسبِّب الوحشة والنسيان، والتطفل الزائد من قِبل الموصول، ممَّا يجعل الواصلَ لا يحرِص على زيارته؛ لئلاَّ يقع في الحرج، واللامبالاة، وعدم الاكتراث بالزائرين مِن الأقارب، والعتاب الشديد مِن بعض الأقارب مما يُسبِّب النفرةَ منه.

الشح والبُخل ممَّن آتاه الله بسطةً في الرزق، فتراه لا يواصِل قرابته؛ لئلاَّ يخسر عليهم من ماله؛ كاستدانتهم منه، وغير ذلك، ونسيان بعض الأقارب في الولائم، الأمر الذي يُسبِّب سوءَ الظن فيما بينهم، والوشاية والإصغاء إليها، والمزاح الخارج عن حدِّ الاعتدال، والمنّ وتَعداد الأيادي والمطالبة بالمثل، والطلاق بين الأقارب، وتأجيل قسمة المواريث بيْن الأقارب.

فعلى الأقارب أن يُحاولوا اجتنابَ هذه الأسباب - وغيرها - المؤدية للقطيعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

أضرار قطيعة الرحم:
احذر أخي يا ابنَ الإسلام، مِن مغبَّة قطيعة الرحم؛ فإنها:
• تقطع الصلة بيْن العبد وبين الربّ - تبارك وتعالى.
• تجلب للعبد سخطَ الربّ، وبغض الناس من حوله.
• تقطع الأواصر الاجتماعيَّة في المجتمع الواحد.
• تجعل صاحبها بأخبث المنازل.
• يُعجِّل الله لصاحبها العقوبةَ في الدنيا مع ما يدَّخِره له من العقوبة يومَ القيامة.
• قاطِع الرحم يُعرِّض نفسه لعدم قَبول عمله.
• الذي يبخل على أرحامه يعرِّض نفسه للعذاب.
• قطيعة الرحم تخرب الديار.
• قاطع الرحم يعرِّض نفسه لدخول النار.
• قاطع الرحم لا يدخل الجَنَّة مع أول الداخلين.

وهناك أضرارٌ أخرى كثيرة غير ما ذكرت، فلنحذرها جميعًا، والله المستعان.


آداب صلة الرحم:
ينبغي تعلُّم بعض الآداب المتعلِّقة بصلة الرحم، ومنها:
• النية الصالحة والإخلاص؛ فإنَّ الله تعالى لا يقبل إلا العمل الخالص، فيجِب أن نُخلص النية لله تعالى.
• الاحتساب وانتظار الأجْر مِن الله تعالى، فلا تنتظر المقابلَ والمكافأة من الناس.
• تجنُّب قطيعة الرحِم، أو الانشغال عنْ وصلها بمتاع الدنيا.
• زيارتهم في بيوتهم، وتفقُّد أحوالهم، وإدْخال السرور عليهم بتقديم الهدايا لهم.
• البَدء بالأقرب؛ فكلَّما كان ذو الرحم أقربَ، كانت صلته أوْجَبَ، ووجب على الواصِل أن يبدأ به.
• صِلة الرحم بنُصحهم، وإرشاد ضالِّهم، وتذكير غافلهم، وهذا أعظم حقوقهم: إنجاؤهم مِن النار، ودلالتهم على طريقِ الجنة، وإعانتهم على الخير.
• أن يقدِّم في صلته أتْقاهم لله؛ فهو أعظمُ حقًّا، وأزيد أجرًا، هذا مع كون الصلة للقريب الكافر أيضًا، خصوصًا إذا كان بغرَض دعوته للإسلام، كما تكون الصلة للقريب المسلم غير الصالح، ولا سيَّما إذا كانتْ بغرَض نُصحه وإرشاده، ودعوته إلى الخير، وتحبيبه إليه.
• التصدُّق عليهم إنْ كانوا فقراء، فمَن تصدَّق على ذي رحِم، كان له ثوابان؛ ثواب على صَدقته، وثواب صِلته رحمه، كما في الحديثِ الصحيح في مسند الإمام أحمد.
• تعلُّم النسب، وتفقُّد الأقارب الذين يمتُّون للمرء بقرابة بعيدة؛ فإنَّه إنْ أحسن النية في البحْث عنهم وصِلتهم، كان ذلك مِن أفضل أعماله، وهذا مما يَنبغي أن يحرِص عليه المؤمن الراغِب في الخير.
• ألاَّ تكون الصلة على وجْه المكافأة.
• المداومة على وصل ذي الرحِم القاطِع وتحمُّل أذاه.
• تفقُّد أحوالهم، والسؤال عنهم، والدُّعاء لهم، وإكرامهم دائمًا، مع كفِّ الأذى عنهم.
• العفو والصَّفْح عنهم، وهو تجنُّب السيئة بمثلها، والقطيعة بمثلها.
• تجنُّب الخلوة بالأجنبية أو مصافحتها أثناءَ زيارة الأرحام، فإيَّاك أن تفعلَ حسنة بسيئة؛ أي: إنَّه ليس معنى صلة الرحم أن تخالِط النساء وتمازحهنَّ؛ فإنَّ هذا حرام تُذهب سيئاتُه بحسناته، ولتحذر أيضًا من أي مشاركة في المعاصي والمخالفات، ولو هانتْ.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #5  
قديم 12-05-2020, 03:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة

عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان

(14)



محمود العشري

وسائل استثمار رمضان

الوسيلة الأولى: الصِّيام:
الصوم مدرسة، تهذيب وتربية، ذُلٌّ وانكسار، الصَّوم لا مِثْل له، خُمول وخشوع، سكينة وانتظار، الصِّيام زكاة النَّفس، ورياضة الجِسم، ودعوة للبِرِّ، هو للإنسان وقاية، وللجماعة صيانة، ففي جوع الجسم صفاءُ القلب، وشَحْذ القريحة، وإنفاذ البصيرة؛ فإنَّ الشِّبَع يورث البَلادة.
الصِّيام ركنٌ من أركان الإسلام، هو أستاذٌ يعلِّم الرحمة، وينشر المَحبَّة، ويعوِّد التَّضحية والبذل، قيل للأحنف بن قيس - رضي الله عنه -: إنَّك شيخٌ كبير، وإن الصِّيام يُضْعِفك، فقال: "إنِّي أُعِدُّه لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهوَنُ من الصبر على عذابه".
فالصَّوم حرمانٌ مشروع، وتأديب بالجوع، وخشوعٌ لله وخضوع، يستثير الشَّفقة، ويحضُّ على الصَّدقة، ويسنُّ خِلال البِرِّ، حتى إذا جاع مَن ألِفَ الشِّبَع، وعرف المُترَف أسباب المُتَع، عرف الحِرْمان كيف يقع، وألَم الجوع إذا لذَع، فرضَه ربُّنا في كتابه، فقال - تعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 183]، وجعل - سبحانه - أفضل الصِّيام صيامَ رمضان، فقال - تعالى -: ï´؟ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ï´¾ [البقرة: 185].
فصار هذا الشهرُ لأمَّة الإسلام شهرَ القرآن، وشهر الإحسان، وشهر الرِّضوان، وشهر الغفران، وشهرَ إغاثة اللَّهفان، وشهر التَّوسعة على الضِّيفان، وشهرًا تُفتَّح فيه أبواب الجنان، ويُصفَّد فيه كلُّ شيطان، فإذا صُمْتَ فليَصُم سمعك وبصرك، ولا تجعل يوم صومك كيوم فِطْرِك؛ ففي الصيام: احْفَظ لسانك، ولْيَكثر ذِكْرُك لله، ولْيَظهر على سَمْتِك الخشوعُ والوقار والإخبات، وإيَّاك والمعاصي، فيَفْسد الصِّيام.
استشعِر المعاني الإيمانيَّة أثناء الصيام؛ من إقامةِ حاكميَّة الله على النَّفس الأمَّارة بالسوء؛ بالكفِّ عن شهواتها، ومَنْعِها من مَطالبها، وإقامة حُكْم الله عليها، فتعود أمَةً مأمورة غير آمِرة، ومطيعةً غير مُطاعة، وأيضًا كَسْر النَّفس باستشعار ذُلِّ الفقر والحاجة، والضَّعف والفاقة؛ فإنَّ الشِّبَع والرِّيَّ يحملان النَّفس على الأشَرِ والبطَر والغفلة، وكذلك استشعار نعمة الله في المَطْعَم والمشرب، وأيضًا تَخلِّي القلب للفكر والذِّكْر؛ فإن تناول الشهوات يجعل القلب قاسيًا، ويعميه، ويستدعي الغفلة، وخلوُّ البطن من الطعام والشراب يُنير القلب، ويزيل قسوته، ثم إنَّ الصيام يضيِّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "الصحيحين": ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه)).
ومن آداب الصيام:
1- الدُّعاء عند رؤية الهلال في صوم رمضان؛ فقد كان النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا رأى الهلال قال: ((اللهم أهِلَّه علينا باليُمْن والإيمان، والسَّلامة والإسلام، ربِّي وربُّك الله))؛ كما في "صحيح المُسنَد".
2- الاستعداد للصوم بتَبْيِيت النِّية؛ لأن النية تميِّز صيام العادة عن العبادة؛ فعن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من لم يُبيِّت الصِّيام قبل الفجر، فلا صيام له))؛ والحديث في "صحيح سنن النَّسائي"، وذلك في فرض الواجب في رمضان، أو في قضاءِ رمضان، أو في صيام نَذْر إذا لم يَنْوِه من الليل لم يُجْزِه.
وأما صيام التطوُّع، فمباح له أن ينوِيَه بعدما يصبح؛ فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال لي رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذات يوم: ((يا عائشة، هل عندكم شيء؟))، فقلت: يا رسول الله، ما عندنا شيء! قال: ((فإني صائم))؛ رواه مسلم.
3- الصوم هو غاية الأدب؛ قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الصوم جُنَّة، فإذا كان أحدكم يومًا صائمًا فلا يَرْفث ولا يجهل، فإنِ امرؤٌ شتَمه أو قاتله، فلْيَقل: إنِّي صائم))؛ والحديث في "صحيح مسند الإمام أحمد"، وقال جابر بن عبدالله - رضي الله عنه -: "إذا صُمْت فلْيَصُم سمعك وبصَرُك ولسانك عن الكذب والمَحارم، ودَعْ أذى الخادم، ولْيَكن عليك وقارٌ وسَكِينة يوم صيامك، ولا تجعل يوم صومك كيوم فِطْرك".
ومعنى الصِّيام لغة: السُّكون، وهو مَطْلب شرعي أيضًا؛ أن يحصل أثناء الصِّيام شيءٌ من السكون والهدوء والانكسار لله - تعالى - وكفِّ طغيان النفس.
4- تعجيل الفِطْر؛ ففي "صحيح البخاري" قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر))، فينبغي يا بْن الإسلام أن تُسْرع في الإفطار؛ فبمجرَّد قول المؤذِّن: "الله أكبر" تفطر مباشرةً، ولا تنتظر حتى يتشهَّد، كما يفعل البعض، بل أسرِعْ إلى الخيريَّة بتعجيلك للفطر؛ امتثالاً لأمر نبيِّك - صلَّى الله عليه وسلم.
5- أن يفطر على تمرات أو ماءٍ قبل أن يصلِّي المغرب؛ ففي "صحيح سنن أبي داود" عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُفْطِر على رُطبات قبل أن يصلِّي، فإن لم تكن رطبات فعلى تَمرات، فإن لم تكن حسا حسواتٍ من ماء".
6- الدُّعاء قبل الإفطار؛ فأوقات الإفطار وقبل الأذان بدقائق، لحظاتٌ ثمينة، ودقائق غالية، وهي من أفضل الأوقات للدُّعاء وسؤال الله - تعالى - وهي من أوقات الاستجابة، كما في الحديث الذي رواه البيهقيُّ وصحَّحه الألباني: ((ثلاث دعوات مستجابات: دعوة الصَّائم، ودعوة المظلوم، ودعوة المسافر))، وأيضًا: ((ثلاثة لا تُرَدُّ دعوتهم...))، منهم: ((دعوة الصَّائم حين يفطر))؛ صححه الألباني، فهل لك - أخي يا بن الإسلام - إلى الله حاجة؟!
أبْشِر، مسموحٌ لك في ثلاثين حاجة، سبحان الله العظيم! كم يشتهي الإنسان أشياء تُقضى بدعوةٍ عند الإفطار؛ لأنَّ قبل الإفطار في آخر النَّهار يكون الإنسان في أحسن حالات استِشْعار الانكسار، وإظهار الافتقار، ومدِّ يد الضَّراعة، وبظهور الذُّل والحاجة يستجيب الله دعاء الصائم المسكين.
اغتنم الفرصة، واستعِدَّ قبل الغروب بتجهيز كشف المطالب والتبَرُّؤِ من العيوب، واجعل لي نصيبًا في دعائك أيُّها الحبيب المحبوب، ولا تنس أن تجعل من دعائك دعاءً للأمّة جميعًا أن يفرِّج الله عنها جميعَ الكروب.
فالعبد الصَّائم مقبِلٌ على الله، منكَسِرة نفْسُه، ولكن - للأسف - راقب هذه اللَّحظات، وستجد الغفلة العجيبة عند كثيرٍ من الناس، سبحان الله! هذه اللَّحظات الغالية أوقات الدُّعاء والاستجابة والتفرُّغ، يغفل عنها أهل التَّوحيد، وكلُّنا بحاجةٍ إلى الدُّعاء وسؤال الله - سبحانه - فاحرص على هذه اللَّحظات ولا تفرِّط، والموفَّق مَن وفَّقه الله - تعالى.
7- السُّحور؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه أحمدُ وحسَّنه الألبانيُّ: ((السُّحور أَكْله برَكة، فلا تدَعوه، ولو أن يجرع أحَدُكم جرعةً من ماء؛ فإن الله وملائكته يصلُّون على المتسحِّرين)).
فبالله عليك: هل مثل ذلك الفضل يضيِّعه عاقل؟! واعلم أنَّ لفظة: ((إنَّ الله وملائكته يصلون على المتسحرين)) صحَّحها الألبانيُّ في "السِّلسلة الصحيحة".
والبَركة هي الزيادة والنَّماء، وذلك بِنُزول الخير الإلهيِّ في الشيء، وثبوتِه فيه، وهي جِماعٌ لكلِّ خير، وطريق موصلة لكثرة النِّعم، فلا غرابة بعد ذلك أن نجدَّ في طلب هذه البركة في شهرٍ قال فيه النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((رمضان شهرٌ مبارك)) كما في "صحيح الجامع"، وفيه ليلة وصفَها ربُّنا بقوله - تعالى -: ï´؟ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ ï´¾ [الدخان: 3]، بل وعمَّت فيه البرَكةُ كلَّ شيء لتشمل حتَّى الطعام.
قال الصنعانيُّ: "والبرَكة المشار إليها فيه: اتِّباع السُّنة، ومخالفة أهل الكِتاب؛ لحديث مسلمٍ مرفوعًا: ((فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أَكْلة السَّحَر)).
قلتُ: ومن البركة التي في السُّحور: صلاة الله وملائكتِه على المتسحِّرين، والسُّحور ما هو إلاَّ إعدادٌ للصِّيام، فما ظنكُّ بالصوم نفسه؟! ومن البركة فيه أنَّه يُعطي القوَّة على الصِّيام وغيره من الأعمال الصالحة أثناء النَّهار؛ فيجد المتسحِّرُ في نفسه نشاطًا يبعثه على أداء الفرائض والنوافل في هِمَّة وعَزْم، ومن البركة فيه إدراكُ وقت السَّحر؛ وهو وقت التنَزُّل الإلهيِّ والاستغفار المبارَك، ومن البركة فيه أنَّه أضمَنُ لترديد أذان الفَجْر مع المؤذِّن، وإدراك الصلاة في وقتها مع الجَماعة، مع ما في ذلك من فضلٍ، ومن البرَكة فيه أنَّ الصائم إذا تسحَّر لا يشقُّ عليه تكرار الصَّوم، بل يشتاق إليه، خلافًا لمن لم يتسحَّر؛ فإنَّه يجد مشقَّة تثقل عليه العودة للصِّيام، ومن البركة فيه أنَّه يكفي فيه القليل، ولو كان جرعة ماء؛ فقد صحَّح الألبانيُّ في "صحيح الجامع" قولَ النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((تسحَّروا ولو بالماء))، وإن كان: ((نِعْم السَّحور التَّمر))، كما في "صحيح الجامع".
فإذا واظبنا على السُّحور استحقَقْنا صلاة الله - وهي الرَّحمة - وصلاة الملائكة - وهي الدُّعاء لنا بالرحمة - فكيف بعد ذلك لا نُرحَم؟! نسأل الله - تعالى - من فضله، واعلم أن السُّحور مندوب إجماعًا، وقد نقله ابن المُنذر فقال: "الإجماع على أن التسحُّر مندوب".
فاحرص - أخي يا بن الإسلام - على السُّحور في أيِّ وقت من الليل، ولكن المستحَبّ تأخيرُه؛ ففي "الصَّحيحين" أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((لا يَزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفِطْر))، قال الصنعانيُّ: زاد في روايةٍ لأحمد: ((وأخَّروا السُّحور)).
قلت: وهذه الزيادة من حديث أبي ذرٍّ، وإسناده ضعيف، ولكن يدلُّ على استحباب تأخير السُّحور ما رواه الطبرانيُّ وصححه الألبانيُّ في "صحيح الجامع": ((ثلاثٌ من أخلاق النبوَّة: تعجيل الفِطْر، وتأخير السُّحور، ووضع اليمين على الشمال في الصلاة))، وما ورد في "الصحيحين" عن أنسٍ، عن زيد بن ثابت - رضي الله عنهما - قال: "تسحَّرنا مع النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ثم قام إلى الصلاة، قلت: كم كان بين الأذان والسُّحور؟ قال: قَدْر خمسين آية".
ملاحظات، وتنبيهات:
ما يظنُّه كثيرٌ من الناس من الامتناع عن السُّحور إذا سمعوا ما عُرف بمدفع الإمساك، أو التواشيح في الإذاعات، لا أساس له من الصِّحة، والصحيح أنَّ وقت الإمساك هو وقت الفجر الصادق.
إذا شكَكْت في طلوع الفجر، فلك أن تأكل وتشرب حتى تتيقَّن؛ لقوله - تعالى -: ï´؟ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ ï´¾ [البقرة: 187]، قال رجلٌ لابن عباس - رضي الله عنهما -: إنِّي أتسحَّر، فإذا شككتُ أمسكت، فقال ابن عبَّاس: كُلْ ما شكَكْت، حتَّى لا تشكّ.
واعلم أنَّك إذا سمعت الأذان، وطعامُك وشرابك في يدك، فلك أن تأكل أو تشرب؛ وذلك لحديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إذا سمع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يده، فلا يضَعْه حتَّى يقضي حاجته منه))؛ والحديث رواه أبو داود والحاكم، وصحَّحه الألباني، ومن باب الأمانة أذكر لك - أخي الحبيب - أنَّه قد أخبرني أحد تلامذة الشيخ/ العدويِّ أن الشيخ - حفظه الله - قد ضعَّف هذا الحديث.
احرص على أن يصوم معك أهْلُ بيتك، وشجِّعهم على ذلك، واجتَمِعوا على الإفطار والسُّحور.
8- اغتنام وقت السَّحَر بالذِّكْر والدعاء وقراءة القرآن؛ فوقت السَّحر وقت النُّزول الإلهي، ولا شكَّ أنك ستستيقظ - إن شاء الله - لتحصيل أجر السُّحور، وامتثال أمر النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - ولكن أين أنت من ركعتين تركعهما في ظُلْمة اللَّيل، تناجي بهما ربَّك؟! فكثيرٌ من الناس عن هذا الوقت المبارك غافلون، وبعض الناس يتصوَّر أنه إذا صلى التراويح مع النَّاس، وأوتر في أول الليل، انتهت صلاة اللَّيل، واكتفى بذلك، وحَرم نفسه من هذه الأوقات الثمينة، والدقائق الغالية، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يَنْزِل الله كلَّ ليلة إلى السماء الدُّنيا، فيقول: هل من سائلٍ فأُعْطِيَه؟ هل من مستغفر فأغفِرَ له؟ هل من تائب فأتوبَ عليه؟ حتى يطلع الفجر))؛ رواه مسلمٌ، والبخاريُّ بمعناه.
وطبعًا أنت أخي لا تعتقد في نزول الله - تعالى - إلا النُّزول الذي يليق بجلاله وعظَمتِه، والذي لا يُماثل نزول المخلوقين؛ لأنه - تعالى - ï´؟ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ï´¾ [الشورى: 11]، فكذلك ليس كصفَتِه صفةٌ، فأنت تعتقد أن الله يَنْزل إلى السماء الدُّنيا حين يبقى ثلث الليل الآخِر، نزولاً حقيقيًّا يليق بجلاله وعظمته، ولا يُماثل نزول المخلوقين.
فاللهَ اللهَ في استثمار السَّحَر؛ فإنه من صفات أهل الجنَّة التي ذكَرَها الله - تعالى - في قوله: ï´؟ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ ï´¾ [آل عمران: 17]، ولا تَنْس في هذا الوقت أنَّ من السبعة الذين يظِلُّهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظلُّه: رجُلاً ((ذكَر الله خاليًا، ففاضت عيناه)) كما في الصَّحيحين، فاحرِصْ على الخشوع والبكاء من خشية الله في هذه السَّاعات المباركات؛ فإنَّ عينين لا تمسُّهما النار أبدًا؛ كما في الصحيح: ((عينٌ بكَتْ من خشية الله، وعين باتت تَحْرس في سبيل الله)).
ولا تنسَنِي - أخي الحبيب - ساعتَئذٍ من دعوةٍ صالحة؛ ليقول لك الملَك: آمين، ولك بمِثْل، وانتبه - يا بْن الإسلام - إلى أنَّ ذلك مشروع في رمضان وغيرِه.
9- ترك الإفراط في تناول الطعام أثناء الإفطار؛ فالصَّائم إذا شبع ضيَّع على نفسه الحِكْمة من الصوم؛ فالشِّبَع يورث القَسْوة، ويوفر الجفوة، ويثير النَّوم، ويَجْلب الكسل عن الطاعات، والصوم يعالِجُ ذلك، قال بعض السَّلَف: إذا امتلأَت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعَدَت الأعضاء عن العبادة.
10- كفُّ النَّفْس عما يتنافى مع حقيقة الصِّيام؛ من إطلاق الجوارح في المعاصي والذُّنوب؛ كالغِيبة والنَّميمة، والكذب، والفُحْش، وسوء الخلق، وغير ذلك؛ فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح البخاري": ((من لم يدَعْ قول الزُّور والعمل به، فليس لله حاجةٌ في أن يدَع طعامه وشرابه)).
11- دعوة الصَّائمين إلى طعام الإفطار - من الأرحام والجيران، واليتامى والمساكين - طلبًا للأجر من الله - تعالى - فقد قال - تعالى - في وصف الفائزين بالجنة: ï´؟ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا * فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا * وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ï´¾ [الإنسان: 8 - 12].
وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح سنن الترمذي": ((مَن فطَّر صائمًا كان له من الأجر مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم)).
12- أن لا يُجاهر المسلم المرخَّصُ له بالإفطار بإفطاره؛ كالمريض والمرأة الحائض والنُّفساء؛ احترامًا لشعور الصائمين، ولكي لا يشجِّع المستهترين من المفطرين بالمجاهرة في إفطارهم.
ومن الآداب أيضًا: الاجتهادُ في العبادة في العشر الأواخر من رمضان، واستحباب طلب ليلة القَدْر، والاعتكاف، وكلُّها ستأتي معنا - إن شاء الله تعالى.
س: هل تحب أن تصوم رمضان مرَّتين في السَّنَة الواحدة؟!
ج: بالتأكيد، كلُّنا يتمنَّى ذلك، ولكن كيف؟!
والإجابة في حديث زيدِ بن خالدٍ الجهنيِّ الذي رواه الترمذيُّ - وصحَّحه الألباني - عن النبيِّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((من فطَّر صائمًا كان له مثل أجره، غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئًا)).
فأبشر - أخي يا بن الإسلام - بهذا الفضل العظيم، واعلم أن هناك صورًا متعدِّدة يمكنك من خلالها الحصولُ على هذا الأجر العظيم من تفطير الصائمين، فمنها: تفطير الأقارب والجيران؛ إذْ بِحُسن النية تحصل على الصيام بعددِهم، وكذلك صلة الأرحام، وبِرُّ - وحُسْن - الجوار، ومنها: تفطير الإخوان والأصدقاء، ومنها: تفطير الفقراء، والصدقة عليهم بالإفطار، وكلها تحتاج إلى حُسْن النية، والله المستعان.
كيف تحصل لذَّة الصوم؟!
إنَّ هذا من أعجب الأسرار، وقليلاً ما تجد أحدًا تكلم فيها بما يَشْفي، والمقصود أيُّها السالك: إيقافك على أسرار العبادة، وجمال الخدمة، وشرف القيام بالأمر، فالعبادة اسمٌ جامع لكلِّ ما يحبُّه الله من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، ومقتضى قيامك بأداء العبادة أن تجد ثمرتَها، وثمرة العبادة تكليفٌ شرعي؛ فمثلاً: يقول عن الصلاة: ï´؟ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ï´¾ [العنكبوت: 45]؛ أي: الصلاة الصحيحة الكاملة، ولكنَّه لم يتكلم عن لذة العبادة والمناجاة والخطاب، وحلاوة القيام بتلك الصلاة، وكذلك الصوم حين قال: ï´؟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ï´¾ [البقرة: 183]، فالتَّقْوى أيضًا كالانتهاء عن الفحشاء والمنكر، كلاهما مأمور به.
وسِرُّ عدم التعرض للَذَّة العبادة، وجعلها مقصودًا وغاية مباشرة: أنَّ هذه اللذَّة والحلاوة هي مِن صميم مقام الإحسان: ((أن تَعْبُد الله كأنَّك تراه..))، ولو جُعلت مقصودًا وغاية، لعَجز جمهور المكلَّفين عن أن يحصِّلوا هذه اللذَّة؛ ليتأكدوا من حصول ثمرة العبادة، وليَئِس كثيرٌ من السالكين حيث يجتهدون وَلَمَّا يأتهم المدَد، فكان تكليفهم بالقريب الملموس، والسهل اليسير؛ لأنَّ علامات التقوى والانتهاء عن المنكر واضحة.
أمَّا باطن هذه الغايات وجوهرها، فهو الالْتِذاذ بالخِدْمة، والشُّعور بالنِّسبة - نسبة العبد لربِّه - كما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - بعد رجوعه من الطَّائف وأذية أهلها له وإهانتهم لشخصه، قال: ((إن لم يكن بك على غضبٌ فلا أبالي))، وهذا من أجمل الألفاظ النبويَّة الجامعة، الخارجةِ من مِشْكاة خليل ربِّ العالمين؛ ولذلك كان سيِّدُ الاستغفار سيدًا؛ لما فيه من الشُّعور بالنسبة، ولذَّة الخطاب: ((أنت ربِّي، خلقتَني وأنا عبدُك؛ فإنَّه لا يغفر الذُّنوب إلا أنت)).
وَمِمَّا زَادَنِي فَخْرًا وَتِيهًا
وَكِدْتُ بِأَخْمَصِي أَطَأُ الثُّرَيَّا

دُخُولِي تَحْتَ قَوْلِكَ يَا عِبَادِي
وَأَنْ صَيَّرْتَ أَحْمَدَ لِي نَبِيَّا

وكذلك الصوم؛ تتحصَّل اللذة فيه من الشُّعور بالنسبة والالتذاذ بالخِدْمة، قال - تعالى -: ((الصَّوم لي وأنا أجزي به))، هذه هي النِّسبة، وقال: ((ترَك طعامه وشهوته من أجلي))، وهذه هي حقيقة الالتذاذ بالخدمة.
ولذلك كان يُبْسُ الشِّفاه من العطَش، وقَرْقرة البُطون من الجوع أهنأَ ما لاقاه الصَّائمون، وأمْرَأ ما ظفر به أولئك الجياع العَطْشى، فبينما هو يتألَّم - وقد تلوَّى من جوع البطن - يتوارَدُ على فؤادِه خاطرةُ أنَّ هذا الألم يصبر عليه تعظيمًا لحقِّ الله، ومهابةً لنظره واطِّلاعه، فيرضى عن حاله، ويشبع من رضا الله عنه، ولا يطمع في أيَّة نعمة تَحُول بينه وبين هذا الألم، لكنَّه سرعان ما يُطَأطئ منكسِرًا وجِلاً خائفًا؛ لئلاَّ يقبل الله منه، فيتَضافر ألَمُ البطون مع ألم القلوب، ويتعاظم هذا الألَمُ حتى تتداركه عنايةُ الله وإمداداته، فيفيض عليه من جميل لطفه وإنعامه، فيسكن هذان الألَمان المُتضافران، وينقلبان حلاوةً غامرة، ولذَّة عامرة، بل وشوقًا للقاء الله حتى تتمَّ فرحته التي أخبر عنها النبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((وفرحةٌ عند لقاء ربِّه)).
وإذا تأمَّلت هذه المعاني أدركتَ سرَّ قوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه ابن ماجه - وفي صحيح الجامع -: ((رُبَّ صائمٍ ليس له من صيامه إلاَّ الجوعُ والعطش)).
ورُبَّما ضربتَ كفًّا على كف من اجتماع هذه المُتناقضات؛ ألَم ولذَّة، وجوع وشِبَع، وعطش ورِيّ! ولا يمنعك هذا العَجبُ من ولوج هذا الطَّريق، والسَّير فيه، فمن سلكه رأى من آيات ربِّه الكبرى!
فأحسِن القصد، وولِّد العزم، وتسلَّح بالهمَّة، وابدأ السير، وجدَّ في التّرحال، واطلب الراحة في العناء، وارض عن نفسك إذا كان مَسْعاها في المعالي، ولا تركن إلى غَبْنِ أهل الدُّنيا، ومَنِّ نفسك بالفوز الرَّبيح، وادَّخر الثمن الغالي لسلعة الله: ((ألاَ إن سلعة الله غالية، ألا إنَّ سلعة الله الجنة)).
وأخيرًا: بيان لبعض الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي اشتهرَتْ على ألسنة الناس:
1- صوموا تصحُّوا، "ضعيف".
2- كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فِراشَه، واعتزل النساء، وجعل عشاءه سحورًا، "ضعيف".
3- أوَّل شهر رمضان رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عِتْق من النار، "منكر".
4- رجَب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي، "موضوع".
5- حديث صلاة الرَّغائب، "موضوع".
6- لو يَعْلم العباد ما في رمضان، لتمنَّت أمتي أن يكون السنة كلها، "موضوع".
7- ما من أيام أحبَّ إلى الله أن يُتعبَّد له فيها من عشر ذي الحجة؛ يعدل صيامُ كلِّ يوم منها صيامَ سنَة، وقيامُ كلِّ ليلة منها بقيام ليلة القَدْر، "ضعيف".
8- من صلى في آخر جمعة من رمضان والخميس الصلوات المفروضةَ في اليوم والليلة، قُضِيت عنه ما أخلَّ به من صلاة سنته، "موضوع".
9- مَن أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يَمُت قلبه يوم تموت القلوب، "موضوع".
10- شهر رمضان معلَّق بين السماء والأرض، لا يُرفع إلى الله إلا بِزَكاة الفطر، "ضعيف".
11- أغنُوهم - يعني المساكين - عن الطَّواف في هذا اليوم، "ضعيف".
12- أُعطِيَت أمتي في رمضان خمسًا لم يعطهنَّ نبي قبلي: أمَّا واحدة فإذا كان أول ليلة نظر الله - عزَّ وجلَّ - إليهم، ومن نظر الله - عزَّ وجلَّ - إليه لم يعذِّبه أبدًا، وأما الثانية: فإنَّ خلوف أفواههم حين يُمْسون أطيب عند الله - عزَّ وجلَّ - من ريح المسك، وأما الثالثة: فإنَّ الملائكة تستغفر لهم في كلِّ يوم وليلة، وأما الرابعة: فإنَّ الله - عزَّ وجلَّ - يأمر جنته، فيقول: تزيَّنِي، واستعِدِّي لعبادي، وأما الخامسة: فإذا كان آخر ليلةٍ غفر لهم.
13- حديث سلمان الفارسي - رضي الله عنه -: خطَبنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - آخِرَ يوم من شعبان، فقال: "يا أيُّها الناس؛ قد أظلَّكم شهرٌ عظيم، جعل الله صيامه فريضة وقيامه تطوُّعًا، من تطوَّع فيه بخصلةٍ من الخير كان كمن أدَّى فريضة فيما سواه، ومن أدَّى فيه فريضة كان كمن أدَّى سبعين فريضة فيما سواه؛ الحديث، "منكر".



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #6  
قديم 16-05-2020, 02:19 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

ومَن تأمَّل طريقة القرآن، وجدَها دالَّة على ذلك، وأنَّه - سبحانه - يضرب لهم الأمثال المعقولة التي تدلُّ على إمكان المعاد تارة، ووقوعه أخرى، فيذكر أدلَّة القدرة الدالَّة على إمكان المعاد، وأدلَّة الحِكْمة المستلزمة لوقوعه، ومن تأمَّل أدلة المعاد في القرآن وجدها مُغْنِية - بِحَمد الله - عن غيرها، كافية شافية موصِّلة إلى المطلوب بسرعة، متضمِّنة للجواب عن الشُّبه العارضة لكثيرٍ من الناس بما يَثْلَج له الصَّدر، ويكثر معه اليقين، بخلاف غيره من الأدلَّة؛ فإنَّها على العكس من ذلك، وليس هذا موضعَ التفصيل.والمقصود: أنَّ مصدر الأشياء خلقًا وأمرًا عن علم الربِّ وحكمته، واختصَّت هذه القصة بذِكْر هذين الاسمين؛ لاقتضائهما لهما؛ لتعجُّب النفوس من ولادة مولودٍ بين أبوين لا يولد لمِثلهما عادةً، وخفاء العلم بسبب هذا الإيلاد، وكون الحكمة اقتضَتْ جريان هذه الولادة على غير العادة المعروفة، فذَكَر في الآية اسم العِلْم والحكمة؛ المتضمِّن لعلمه - سبحانه - بسبب هذا الخلق، وغايته، وحكمته في وَضْعه موضِعَه من غير إخلالٍ بموجب الحكمة.ثم ذكر - سبحانه - قصَّة الملائكة في إرسالهم لهلاك قوم لوط، وإرسال الحجارة المُسوَّمة عليهم، وفي هذا ما يتضمَّن تصديق رسله وإهلاك المكذِّبين لهم، والدلالة على المعاد والثَّواب والعقاب؛ لوقوعه عيانًا في هذا العالَم، وهذا من أعظم الأدلَّة الدالة على صدق رسلِه؛ لصحة ما أخبروا به عن ربِّهم.ثم قال - تعالى -: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 35 - 36]، ففرَّق بين الإسلام والإيمان هنا لسرٍّ اقتضاه الكلام؛ فإن الإخراج هنا عبارة عن النَّجاة، فهو إخراجُ نجاةٍ من العذاب، ولا ريب أنَّ هذا مختصٌّ بالمؤمنين المتبعين للرسل ظاهرًا وباطنًا، وقوله - تعالى -: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: 36] لَمَّا كان الموجودون من المُخرَجين أوقع اسمَ الإسلام عليهم؛ لأنَّ امرأة لوطٍ كانت من أهل هذا البيت، وهي مُسلِمة في الظَّاهر، فكانت في البيت الموجودين لا في القوم الناجين، وقد أخبر - سبحانه - عن خيانة امرأة لوط؛ وخيانتُها أنَّها كانت تدلُّ قومها على أضيافه، وقلبُها معهم، وليست خيانة فاحشة، فكانت من أهل البيت المسلمين ظاهرًا، وليست من المؤمنين الناجين، ومَن وضعَ دلالة القرآن وألفاظَه مواضعَها، تبيَّن له من أسراره وحِكَمِه ما يبهر العقول، ويعلم أنه تَنْزيل من حكيم حميد.وبِهذا خرج الجواب عن السُّؤال المشهور وهو: أنَّ الإسلام أعمُّ من الإيمان، فكيف استثناء الأعمِّ من الأخص، وقاعدة الاستثناء تقتضي العكس؟! وتبيّن أن المسلمين المستثنَوْنَ مما وقع عليه فعل الوجود، والمؤمنين غير مستثنين منه، بل هم المُخْرَجون النَّاجون.وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [الذاريات: 37] فيه دليلٌ على أنَّ آياتِ الله - سبحانه - وعجائِبَه التي فعلَها في هذا العالَم، وأبقى آثارها دالَّةً عليه، وعلى صدق رسُلِه، إنَّما ينتفع بها من يؤمن بالمعاد ويخشى عذاب الله - تعالى - كما قال - سبحانه - في موضع آخر: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: 103]، وقال - سبحانه -: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الأعلى: 10]، فإنَّ من لا يؤمن بالآخرة غايته أن يقول: هؤلاء قومٌ أصابَهم الدَّهر، كما أصاب غيرهم، ولا زال الدَّهر فيه الشقاوة والسعادة، وأما من آمن بالآخرة، وأشفق منها، فهو الذي ينتفع بالآيات والمواعظ.والمقصود بهذا: إنَّما هو التنبيه والتَّمثيل على تفاوُتِ الأفهام في معرفة القرآن، واستنباطِ أسراره وآثار كنوزه، ويَعْتبر بهذا غيره، والفضل بيد الله - تعالى - يؤتيه مَن يشاء.س: هل يجوز البكاء عند تلاوة القرآن؟ج: لَم يكن من هدي سلفِنا الصالح هذُّ القرآن هذَّ الشعر دون تدبُّر وفهم، وإنما كانوا يتأثَّرون بكلام الله، ويحرِّكون به القلوب، فقد روى البخاريُّ عن عبدالله بن مسعود أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((اقرأْ عليَّ القرآن))، فقلتُ: أقرأ القرآن وعليك أنزل؟! فقال: ((إنِّي أحبُّ أن أسمعه من غيري))، قال: فقرأت سورة النساء، حتَّى إذا بلغتُ: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: ((حَسْبُك))، فالتفتُّ فإذا عيناه تذرفان.وأخرج البيهقيُّ عن أبي هريرة قال: لَمَّا نزلَت: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ﴾ [النجم: 59 - 60]، بكى أهل الصُّفة، حتى جرَتْ دموعهم على خدودهم، فلمَّا سمع رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حِسَّهم وبكى معهم، فبكينا لبكائه، فقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((لا يَلِج النَّارَ مَن بكى مِن خشية الله)).وقد قرأ ابنُ عمر سورة المطفِّفين، حتَّى بلغ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6]، فبكى حتَّى خر.وعن مُزاحم بن زفر، قال: صلَّى بنا سُفيان الثوريُّ المغرب، فقرأ حتَّى بلغ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، بكى حتَّى انقطعَتْ قراءته، ثم عاد فقرأ: ﴿الْحَمْدُ﴾ [الفاتحة: 2].وعن إبراهيم بن الأشعث قال: سمعتُ فُضيلاً يقول ذات ليلة وهو يقرأ سورة محمَّد، يردِّد هذه الآية، ويبكي: ﴿نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: 31]، وجعل يقول: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾، ويردِّد: "وتبلو أخبارنا؟! إن بلَوْتَ أخبارنا فضحتَنا وهتكتَ أستارنا، إنَّك إنْ بلوتَ أخبارنا أهلكتنا وعذَّبتنا، ويبكي"؛ فرحمهم الله، ورضي عنهم.فالبُكاء مستحَبٌّ مع القراءة وعندها، ومنشَؤُه وطريقة تحصيله: أن يُحضِر القارئُ قلبَه الحزنَ؛ بأن يتأمَّل ما في القرآن من التهديد والوعيد الشديد، والمواثيق والعهود، ثم يتأمَّل تقصيره في ذلك، فإن لم يَحْضره حزنٌ وبُكاء كما يحضر الخواصُّ، فلْيَبك على فَقْدِ ذلك فإنَّه من أعظم المصائب.قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((إنَّما العلم بالتعلُّم، والحلم بالتحلُّم))، فعوِّد نفسك على البكاء، فإنَّ أعمال القلوب مثل تمارين العضلات، فلا يكفي حين تريد تَقْوية عضلاتك أن تأتي بكتاب التَّمارين فتقرأ ولا تُمارس التَّمارين عمَلِيًّا، فكذلك مع القلب: لا بدَّ من المُمارسة عمليًّا، قال - تعالى -: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69].كان عُمر لا يبكي مثل بقية الصَّحابة، ولكنه كان يُجاهد نفسه حتَّى يبكى، وكان يُخاطبها ويدعوها إلى البُكاء، ويسأل ربَّه: البكاء يا رب، البكاء يا رب، حتَّى لقد ذُكر أنَّه بكى أوَّل مرة؛ لأنَّه لا يبكي، وبعد ذلك كان يُسمع صوتُ بكائه من خلف الصُّفوف، وكان له خطَّان أسودان أسفل عينيه من كثرة البُكاء!!أخي يا بن الإسلام، إنَّك كثيرًا ما تقرأ القرآن، فماذا أثْمَرت لك هذه القراءة؟! أين الخوف؟! أين القلق؟! أين الحذَر؟! أمَا كان رسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - سيِّدَ الكل، ثم إنَّه كان يقوم حتَّى تتورَّم قدماه؟! أمَا كان أبو بكر شجيَّ النَّشيج، كثيرَ البكاء؟! أمَا كان في خدِّ عُمَر خطَّان من أثر الدموع؟! أمَا كان عثمان يختم القرآن في ركعة؟! أمَا كان عليٌّ يَبكي باللَّيل في مِحْرابه حتى تخضلَّ لحيتُه بالدُّموع، ويقول: يا دنيا غُرِّي غيري؟! أمَا كان الحسن البصريُّ يحيا على قوَّة القلق؟! أمَا كان سفيان الثوريُّ يبكي الدَّم من الخوف؟! أما كان إبراهيم بن أدهم يبول الدَّم من الخوف؟! أما علمتَ أخبار الأئمَّة الأربعة في زهدهم وتعبُّدِهم؛ أبي حنيفة ومالكٍ والشافعيِّ وأحمد؟!!فاحْذَر من الإخلاد إلى الأرض، والتَّثاقُل إليها، وتَرْك معالي الأمور؛ فإنَّها حالة الكسالى الزَّمْنَى، ولكن هؤلاء قدوتك.فَتَشَبَّهُوا إِنْ لَمْ تَكُونُوا مِثْلَهُمْ
إِنَّ التَّشَبُّهَ بِالكِرَامِ فَلاَحُ

تعلُّم القرآن وتعليمه:قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "صحيح البخاري": ((خيرُكم من تعلَّم القرآن وعلَّمه))، فاحرص أن تكون من خير الأمَّة بموعود رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم.إذًا أخي يا بن الإسلام:مطلوبٌ منَّا جميعًا أن نهتمَّ بالقرآن، وأن نجعله نُصْب أعيننا لا يفارقها ليل نهار، والله المستعان، وهو حسبنا ونعم الوكيل.وتذكَّرْ أن تلاوة القرآن - كما ذكرت - أهمُّ من الحفظ، وهي نوعان لا يُستغنَى بأحدِهما عن الآخَر: 1 - تلاوة تدبُّر وتفكُّر: وهي ختمة لا يُتسرَّع بالوصول إلى آخِر القرآن فيها، بل يُهتمُّ فيها بالعلم ثم العمل بها؛ فتُعطى كلُّ آية حظَّها من التدبُّر والبحث عن العلم فيها، والتنقيب عن أسرارها في التفاسير وكتب العلم، وسؤال أهل العلم، ثم العمل بها.2 - تلاوة الأجر: وهي الختمات التي نُطالب بها يوميًّا في رمضان وغيره، والَّتي هي ابْتِغاء الأجر: بكلِّ حرفٍ عشر حسنات، فهذه يُتغاضى فيها عن التدبُّر، وتُصرف الهِمَّة إلى تحصيل الأجر من الله فحَسْب، فإنَّ الوعد على كلِّ حرف عشر حسنات لم يُشترط فيه التدبُّر.واعلم أنَّ حفظ القرآن وظيفة الأمَّة، ومطلبٌ شرعي، فلا بدَّ أن تحفظ القرآن؛ لأنَّ درجتك في الجنة بقدر حِفْظك؛ بدليل الحديث الذي رواه أحمد وصحَّحه الألباني في "صحيح الجامع": ((يُقال لقارئ القرآن: اقْرَأ وارْقَ، ورتِّل كما كنت ترتِّل في دار الدُّنيا، فإن مَنْزلتك عند آخر آية تقرؤها)).وإن كان الشيخ العثيمين - رحمه الله - قد ذكر بأنَّه يرجو أن يكون هذا الحديث الذي رُتِّب فيه الثواب على قراءة القرآن شاملاً لمن يقرؤه حفظًا عن ظهر قلب، أو نظرًا في المصحف؛ لأنَّ الأحاديث عامَّة، وإن كان الغالب في عهد الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أن الناس قد حفظوا عن ظهر قلب، لكن إذا أخذنا بالعموم، ورجونا فضل الله، ففضل الله واسع، لكنِّي أقول: إن لم نحفظ نحن القرآن، فلِمَن نتركه؟! أنترك حفظه لليهود والنَّصارى؟ أو شباب المسلمين المضيَّعين؟!!لا بُدَّ من حفظ القرآن، فهو من فروض الكفايات، ولذلك طُرُق؛ منها: أن تتعلَّم القرآن على يد شيخ مُتْقِن، ولو بالأجر؛ فالقرآن أغلى، واستَشِرْ أهل الخبرة في كيفيَّة حفظ القرآن، وطالع بعض الكتب المهمَّة في ذلك، ولا بد من التسميع اليومي لزوجتك، أو أحد أولادك، ولا تتكبَّر عن ذلك، ولا بدَّ من التسميع الأسبوعيِّ أو نصف الأسبوعي للشيخ، المهمُّ أنه لا بدَّ من حفظ القرآن؛ فالقرآن الكريم كتاب الله الخالد المعجز، وهو كلام الله - تعالى - المُنَزَّل على عبده ورسوله وخاتم رسله محمد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وهو الكتاب الذي أذن الله بحفظه من أن يغيَّر أو يُبدَّل، أو يُزاد فيه أو ينقص منه؛ قال - تعالى -: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، وهو الكتاب الذي تلقَّاه الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - من جبريل - عليه السَّلام - وجبريل من ربِّ العزة - تبارك وتعالى - ثم علَّمه الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - أصحابَه الأطهار - رضي الله عنهم - وهو الذي جمعه الصدِّيق - رضي الله عنه - بإشارة الفاروق - رضي الله عنه - ودَوَّنه ذو النُّورين عثمان - رضي الله عنه - وأجمعت الأمة المسلمة عليه، وهو الكتاب الذي بين أيدينا في مشارق الأرض ومغاربها، المحفوظ بين دفَّتي المصحف من "الحمد" إلى "الناس".هذا القرآن العظيم هو دستور المسلمين وشريعتهم، وصراطُهم المستقيم، وهو حبل الله المتين، وهدايته الدائمة، وموعظته إلى عباده، وآية صِدْق رسوله - صلَّى الله عليه وسلَّم - الباقية إلى آخر الدُّنيا، وهو سبيل عزِّ المسلمين في كل العصور والدُّهور، ولَمَّا كان القرآن كذلك؛ تعبَّدَنا الله - تعالى - بتلاوتِه، وجُعل خيرنا من تعلَّمه وعلَّمه؛ كما في "صحيح البخاري" وغيره.
كيف أحفظ القرآن الكريم؟!
إنَّ تعليم القرآن الكريم فرض كفاية، وحِفْظه واجب وجوبًا كفائيًّا على الأمَّة؛ حتَّى لا ينقطعَ تواتُره، ولا يتطرَّق إليه تبديل أو تحريف، فإنْ قام بذلك العددُ الذي يكفي سقَط عن الباقين، وإلاَّ أثِموا جميعًا، وإن قام به عددٌ لا يكفي نَجا القائمون وأَثِم الباقون.لكن الأهم من ذلك: كيف أحفظ القرآن؟! ما هي الوسائل التي تُعِينني على حفظ كتاب الله - تعالى؟! إنَّ نعمة القرآن العظيم من أعظم النِّعم التي منَّ الله بها على عباده المؤمنين، لدرجة أنَّ الله - تعالى - قدَّم هذه النعمة على خلق الإنسان أصلاً، وذلك كما جاء في سورة الرحمن؛ حيث قال - سبحانه -: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ [الرحمن: 1 - 3]، وكأن الإنسان الذي لا يتعلَّم القرآن لم يُخْلَق أصلاً، وكأنَّه ليست فيه حياة.وورد هذا المعنى أيضًا في سورة الأنفال؛ حيث قال ربنا - عزَّ وجلَّ -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، وكأنَّ الإنسان الذي لا يستجيب لكلام الله ولا لكلام رسوله إنسانٌ ميت، لا حياة له.وقد اختصَّ الله - عزَّ وجلَّ - طائفةً من عباده المؤمنين بنعمةٍ جليلة، ومِنَّة غالية؛ وهي: أنْ جعلَهم يحفظون هذا الكتاب القيِّم عن ظهر قلب، ورفع جدًّا من قدرهم، وعظَّم جدًّا من أجرهم، وأمَر المؤمنين جميعًا أن يُجِلُّوا أمرهم، ويقدِّموهم على غيرهم، وذكَر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - ذلك الأمر في أكثرَ مِن حديث، حيث قال على سبيل المثال في الحديث الصحيح: ((إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضَع به آخرين)).وقد حاولتُ في كتابي: "مَدْخل إلى علم التَّجويد" أن أضع أيدينا - جميعًا - على بعض الأسباب التي تُساعد في هذه المهمة العظيمة، والغاية الجليلة؛ مهمَّة حفظ القرآن الكريم، وأحصيت هناك - بعون الله - عشر قواعد أساسية - لا غِنى عنها أبدًا - لمن أراد أن يَحْفظ هذا الكتابَ الكريم، ثم أضَفْتُ إليها عشر قواعد أخرى مساعدة، وهي - وإن كانت أيضًا في غاية الأهَمِّية - إلاَّ أنَّها لا تُغني أبدًا عن القواعد الأساسيَّة، فتلك عشرون كاملة! فارجع إليها هناك.وأسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يمنَّ علينا بحفظ كتابه، وتدبُّر معانيه، والعمل بما فيه، وأن يجعلنا ممن حفظوا للقرآن حرمتَه، وممن عظَّموا مَنْزِلته، وممن تأدَّبوا بآدابه، والتزموا بأحكامه، وأسأل الله - عزَّ وجلَّ - أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي وحسناتكم أجمعين، إنَّه على كل شيء قدير، وبالإجابة جدير، وهو حسبي ونعم الوكيل.لكن يَنْبغي - يا بْنَ الإسلام - أن تَعْلم أنَّ حفظ القرآن الكريم مهمَّة من أجلِّ المهامِّ التي من الممكن أن يقوم بها مُسْلم، وأجَلُّ من ذلك وأعظم أن تعمل بما تَحْفظ، وأن تدعو إلى الله - عزَّ وجلَّ - بهذا الكتاب الكريم، قال - تعالى -: ﴿المص * كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 1 - 2]، ولكي ندرك عظمة هذه المهمَّة؛ علينا أن نتدبَّر قليلاً في أجر من يقرأ القرآن، فإذا علمتَ أن هذا الأجر الجزيل يُعطَى للقارئ، فما بالكم بالذي يَحفظ؟! ذلك لأنَّه من المعلوم أن الذي يحفظ قد داوم على قراءةٍ كثيرة، وما زال يداوم حتى يُثَبِّتَ حفظَه، ويُراجِع ما قد نُسِّيَه على مر الأيام، فمن ذلك - مثلاً - ما سبق أن ذكرتُه من حديث الترمذيِّ عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن قرأ حرفًا من كتاب الله - تعالى - فله حسنة، والحسَنة بعشر أمثالها، لا أقول: الم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))، قال الترمذيُّ: هذا حديث حسن صحيح، فالعقل القاصر لا يمكن أن يتخيَّل حجم الثواب الهائل الذي يأخذه القارئ، ومن ثَمَّ الحافظ للقرآن.ثم إنَّ القرآن سيأتي يوم القيامة يُدافع عن أصحابه! نعم! يأتي يدافع عمَّن اعتاد قراءته وحِفْظَه، والعملَ به والدعوة إليه، وتخيَّل يوم القيامة أن القرآن يأتي سورةً سورة يدافع عنك! فهذه البقرة تشفع لك، وهذه آل عمران تطلب لك، وهذه الأعراف ترجو لك، وهذه الأنفال تتمنَّى لك! أمر هائل أن تتخيَّل أن كلام الله - عزَّ وجلَّ - هو الذي يُدافع عنك يوم القيامة!روى الإمام مسلمٌ عن أبي أمامة الباهليِّ - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((اقرؤوا القرآن؛ فإنَّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه، اقرؤوا الزَّهراوَيْن؛ البقرة وسورة آل عمران؛ فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنَّهما غَمامتان، أو كأنهما غيايَتان، أو كأنَّهما فِرْقانِ من طيْرٍ صوافَّ، تُحاجَّان عن أصحابِهما)).فلا شكَّ - يا بن الإسلام - أنَّ حفظ هذا الكتاب العظيم معجِزة! هو فعلاً معجزة حقيقيَّة أنْ تجد الألوف، بل الملايين من أمَّة الإسلام يحفظون هذا الكتاب العظيم، مع كِبَر حجمه، وتعدُّدِ سُوَرِه، وتشابه آياته، ولا أعلم كتابًا على ظهر الأرض - سماويًّا كان أو غير سماوي - حَفِظَه الناس بهذه الصُّورة؛ فهي خاصيَّة فريدة جعلها الله - عزَّ وجلَّ - لكتابه العظيم.ويزداد عجَبُك عندما ترى بعض الطوائف من المسلمين - والذين لا تتخيَّل لهم أن يحفظوا هذا الكتاب الكريم - قد حفظوه بالفعل؛ فالأطفال دون العاشرة - وأحيانًا دون السابعة - يحفظون القرآن الكريم، وقد يُتِمُّون حفظه بالكامل في هذه السِّن! هذا مع العلم طبعًا أنَّ غالب الكلمات التي يقرؤها الأطفال لا يُدْرِكون معناها!تجد أيضًا أنَّ كثيرًا من الأميِّين - الذين لا يعرفون القراءة والكتابة - يحفظون هذا الكتاب العجيب، فقط عن طريق السَّماع والتلقين!تجد أيضًا كثيرًا ممن فقدوا نعمة البصَر قد أبدلهم الله - عزَّ وجلَّ - بنعمة القرآن، فهُم وإن كان يتعذَّر عليهم مُطالعة المصحف، وحفظ شكل الصفحة، إلاَّ أن الله - عزَّ وجلَّ - يمنُّ عليهم بحفظ القرآن الكريم، وبصورةٍ قد تكون أرسخ وأقوى من الذين يتمتعون بنظر صحيح ثاقب!بل أعجب من ذلك وأغرب: أنَّك تجد قومًا لا يتحدَّثون اللُّغة العربية أصلاً، يحفظون هذا الكتاب عن ظهر قلب!! بل ويرتِّلونه كما أُنْزِل، وبصورةٍ قد تكون أفضل جدًّا من كثير من العرب الذين يتكلَّمون العربية.كلُّ هذا يشير إلى أنَّ تيسير حفظ هذا الكتاب الكريم هو معجزة إلهيَّة، وآية ربَّانية، وصدَق الله العظيم إذْ يقول: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].وأعظَمُ وسائل حفظ هذا الكتاب الجليل في الأرض: هو أن يُحفظ في قلوب الرِّجال والنِّساء والأطفال! فهذه أماكِنُ آمنة، لا يصل إليها عدوٌّ ولا حاقد، وقد يأتي على المسلمين زمانٌ يُحارَب فيه الإسلام، وتُحرق فيه كتب القرآن، ولكن يَبقى القرآن في الصدور.حدَث ذلك - على سبيل المثال - في الجمهوريَّات الإسلامية أيام احتلالِها بالاتِّحاد السوفيتي، فقد كانوا يحرقون كلَّ المصاحف، ويعاقِبون بالقتل كلَّ من يجدون عنده مصحفًا في بيته، أو في عمله، ومع ذلك فإنَّ أهل هذه البلاد حفظوا القرآن الكريم في صدورهم، ونقلوه من واحدٍ إلى واحد عن طريق التلقين، وكانوا يُدرِّسونه في المخابئ والكهوف والخنادق، ومرَّت الأيام، وانقشع الظلام الرُّوسي، وبقي القرآن الكريم في صدور المسلمين! وصدق الله - عزَّ وجلَّ - إذْ يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 49].غير أنِّي أودُّ أن أؤكِّد على أنَّ حفظ القرآن الكريم مسؤولية عظيمة، وتَبِعة كبيرة، فالَّذي وفَّقَه الله - عزَّ وجلَّ - لهذه النِّعمة، عليه أن يعرف أنه سيَبْدأ حياةً جديدة، وهو يحمل في صدره هذا القرآنَ، ومن المؤكِّد أنه لن يكون كما كان في سابق حياته، بل ستتغيَّر فيه أشياء كثيرة؛ في داخله وفي خارجه، في سريرته وفي علانيته، في علاقاته وفي معاملاته، لقد أصبح إنسانًا يَحْمل القرآن! ولا بد لهذا الإنسان من التحلِّي بصورة خاصة جدًّا، لا يتحلَّى بها إلاَّ حمَّال هذا الكتاب الجليل.يقول الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا النَّاس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وبحزنه إذا الناس يَفْرحون، وبِبُكائه إذا الناس يَضْحكون، وبِصَمْتِه إذا الناس يخوضون، وبِخُشوعه إذا الناس يختالون، وينبغي لحامل القرآن أن يكون مُستكينًا ليِّنًا، ولا ينبغي له أن يكون جافيًا ولا مماريًا ولا صيَّاحًا ولا صخَّابًا ولا حديدًا".ويقول التابعي الجليل الفُضَيل بن عياض - رحمه الله -: "حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا ينبغي أن يلهُوَ مع مَن يلهو، ولا يسهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو"، وقال أيضًا: "ينبغي لحامل القرآن أن لا تكون له حاجةٌ إلى أحد من الخلفاء فمن دونهم".هذه الصورة التي يشرحها لنا عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - والفضيل بن عياض - رحمه الله - توضِّح لنا أن حفظ القرآن الكريم تربية، وتربيةٌ عظيمة؛ هو تربية للفرد، وهو كذلك تربية للأمَّة، وتخيَّل أمة يكثر فيها المؤمنون الذين يتَّصِفون بهذه الصِّفات، إنَّها - ولا شكَّ - أمَّة لا تموت.والله - عزَّ وجلَّ - كلَّف حمَّال القرآن بمهمَّة عظيمة جدًّا لا يُكلَّف بها إلاَّ أفاضل الرِّجال، لقد استأمنَهم على أغلى وأعظم عبادات الإسلام، لقد استأمنهم على "الصَّلاة"، فجعل الذي يؤمُّ الناسَ في الصلاة هو أكثرَهم قرآنًا، وأعظمهم تجويدًا ودرايةً بقواعد التِّلاوة؛ روى مسلمٌ عن أبي مسعودٍ الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((يؤمُّ القومَ أقرَؤُهم لكتاب الله، فإنْ كانوا في القراءة سواءً، فأعلَمُهم بالسُّنة، فإنْ كانوا في السنَّة سواءً فأقْدَمُهم هجرةً، فإنْ كانوا في الهجرة سواءً فأقدمهم سلمًا، ولا يَؤمَّن الرجلُ الرجلَ في سلطانه، ولا يَقْعدْ في بيته على تَكْرمتِه إلاَّ بإذْنِه)) قال الأشجُّ في روايته: مكان سلْمًا: ((سنًّا)).كذلك قدَّم الإسلامُ هؤلاء الحُفَّاظ على غيرهم في قضايا الإفتاء والشُّورى، وأَخْذ الرأي، فالَّذي نوَّر الله قلبه بالقرآن، أقدَرُ على معرفة الحقِّ من الباطل، والصَّواب من الخطأ؛ روى البخاريُّ عن عبدالله بن عبَّاس - رضي الله عنهما - أنه قال: "وكان القُرَّاءُ أصحابَ مجالسِ عمر ومشاورته؛ كُهولاً كانوا أو شُبَّانًا".وحامل القرآن يَثْبت في أوقات الجهاد والنِّزال أكثرَ من غيره، بل على أكتافهم تُوضع المسؤوليَّة، ومن ورائهم تَسير الجيوش، لقد كان المسلمون في موقعة "اليَمامة" الشَّهيرة إذا حدثَتْ لهم هِزَّة أو انتِكاسة، استنجَدوا بأهل القرآن، كانوا يُنادون عليهم، ويَقولون: "يا أهل القرآن"، فيقومون، ويقوم مِن ورائهم المسلمون، حتَّى استُشهد في اليمامة خَمْسمائة حافظٍ للقرآن، ثُمَّ قام المسلمون بعد ذلك يُنادون على حُفَّاظ سورة البقرة: "يا أهل البقرة"، فقاموا حتَّى مات منهم خلقٌ كثير!وهذا يوضِّح التَّبِعة الضخمة التي كان يَحْملها حُفَّاظ القرآن الكريم.ولا يصحُّ لأحدٍ أن يقول: إنَّ المسؤولية كبيرة، ولا داعي لِحملها حتَّى لا يَسألني الله عنها!! فكلُّ تكاليف الإسلام مسؤوليَّة؛ الجهاد مسؤولية، الدَّعوة مسؤولية، الإمارة مسؤولية، قول الحقِّ مسؤولية، فمَن يحمل مسؤوليات الإسلام إنْ تخلَّف عنها المسلمون؟! ثم إنَّ الأجر على قدر المشقَّة، وليس مَن تعب وسهر كمن تكاسل وفتر، والعبرة بالنِّيات والأعمال، وليستْ بالنتائج، والله مطَّلِع على وُسْعِنا، ومُحاسِبُنا عليه، أسأل الله أن يستعمِلَنا لدينه.لكلِّ ما سبق؛ فإنَّ حافظ القرآن الكريم كانت له مكانةٌ عظيمة في الإسلام، وستظلُّ هذه المكانة - إن شاء الله - محفوظةً له إلى يوم القيامة؛ روى مسلمٌ أنَّ نافع بن عبدالحارث لقي عمر بعُسْفان، وكان عمر يَستعمله على مكَّة، فقال: مَن استعملت على أهل الوادي؟ فقال: "ابن أبزى"، قال: ومَن ابنُ أبزى؟ قال: مولًى من موالينا، قال: فاستخلفتَ عليهم مولًى؟! قال: إنَّه قارئٌ لكتاب الله - عزَّ وجلَّ - وإنَّه عالِمٌ بالفرائض، ثم قال عمر: أمَا إن نبيَّكم - صلَّى الله عليه وسلَّم - قد قال: ((إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين)).وروى البخاري عن جابر بن عبدالله - رضي الله عنه - أن النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - كان يَجْمع بين الرَّجُلين من قَتْلى أحُد، ثم يقول: ((أيهما أكثَرُ أخذًا للقرآن؟!)) فإنْ أشير إلى أحدهما، قدَّمه في اللَّحد.وروى أبو داود عن أبي موسى الأشعريِّ - رضي الله عنه - وقال النوويُّ: حديث حسن - أن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إنَّ مِن إجلال الله - تعالى - إكرامَ ذي الشَّيبة المسلم، وحاملِ القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه، وإكرامَ ذي السُّلطان المُقْسِط)).وقد سبقَتْ هذه الأحاديث مع أحاديث أخرى غيرها، فإلى بعض القواعد التي تُعِين على حفظ القرآن:من المعلوم والواضح أنَّ حفظ القرآن الكريم ليس بالمهمَّة السهلة البسيطة التي يقدر عليها عمومُ الناس دون تفريغ الوقت والمَجهود والطَّاقة، لقد ذكَر رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - صراحةً في الحديث الذي رواه البخاريُّ عن أبي موسى - رضي الله عنه - وقال فيه: ((تَعاهَدوا القرآن؛ فوالَّذي نفسي بيده، لَهُو أشدُّ تَفصِّيًا - أيْ: تفلُّتًا - من الإبل في عُقُلِها))، وفي رواية أحمد: ((لَهُو أشدُّ تفلتًا من قلوب الرِّجال من الإبل من عُقله)).ومع ذلك، فكلُّ مهمَّة صعبة تصبح يسيرةً على من يسَّرها الله - عزَّ وجلَّ - عليه، قال الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، وروى الترمذيُّ عن عبدالله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلَّم -: ((إذا سألْتَ فاسأل الله، وإذا استَعنْتَ فاستعِنْ بالله))؛ قال الترمذيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيح.وكما قالوا قديمًا: "طريق الألف ميل يبدأ بِخُطوة"، فارجِع إلى كتاب: "مدخل إلى علم التجويد" - للمصنِّف - وحاول أن تستفيد من القواعد المذكورة هناك؛ لِتَبدأ خطوة واحدة في طريق حفظ القرآن، وأنا أعِدُك أنَّ الله - تعالى - سيُتِمُّ عليك؛ فهو القائل في الحديث القدسيِّ الذي أخرجه أحمد، وصحَّحه الألبانيُّ: ((يا بْنَ آدم، قم إليَّ أمشِ إليك، وامش إليَّ أُهَرول إليك))، وهو القائل أيضًا في الصَّحيحين: ((من تقرَّب منِّي شبرًا تقرَّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة)).وهذا رعاية لجلال العزة، وحماية لجناب العظمة: أن يكلِّف العبد أن يأتي سيِّدَه ثم يكون من السيد القبولُ والإكرام، فابدأ يا بن الإسلام؛ فبداية الطَّريق خطوة، ابدأ خطوةً إلى الله - تعالى - وهو - سبحانه - يُتِمُّ عليك ويبارك، وكلٌّ ميسَّر لما خُلِق له، كما في الصحيحين.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #7  
قديم 16-05-2020, 02:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

الآداب المطلوبة مع القرآن:القرآن الكريم هو كلام ربِّ العالَمين، وهو أجَلُّ نعمةٍ خصَّ الله بها أمَّة نبيِّنا محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - وشرَّفَهم بها على سائر الأمم من المنازل الرَّفيعة، القرآن الكريم هو الكتاب الذي لو اجتمعَت الجنُّ والإنس على أن يأتوا بسورةٍ من مِثله لَما استطاعوا، القرآن الكريم جعله لنا ربُّنا في دُجَى الظُّلَم نورًا ساطعًا، وفي ظلمة الشُّبهة شهابًا لامِعًا، وإلى سبيل النجاة والحقِّ هاديًا، القرآن الكريم، هذا الكتاب الذي حرَسه الله - تعالى - بعينه التي لا تنام، وهو حقًّا كما قيل: "إنَّ له لحلاوةً، وإنَّ عليه لطلاوة، وإنَّ أعلاه لَمُثمِر، وإن أسفله لَمُغدق، وإنه ليَعْلو ولا يُعْلى عليه".إنه الشِّفاء النَّاجع لأمراض القلوب وأدواءِ المُجتمعات؛ لأنَّ القلوب به قد اهتدَتْ بعد الضَّلال، وأبصرت بعد العمى، واستنارت بعد الجهالة، وأشرقَتْ به الدُّنيا بعد الظُّلمات.وقد أوصانا ربُّ العالمين - تعالى - بتلاوة كتابه، فقال - سبحانه -: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]، وأمرَنا النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - بتلاوة القرآن؛ لأنَّ تلاوته نورٌ وذُخْر وشفاعة، فقال في "صحيح مسلم": ((اقرَؤوا القرآن؛ فإنَّه يأتي يوم القيامة شفيعًا لأصحابه)).والأدب مع القرآن الكريم هو أن تؤمنَ يقينًا أنَّ هذا القرآن كلام الله - تعالى - نزَلَ به الرُّوح الأمين جبريل - عليه السَّلام - على قلب محمَّد - صلَّى الله عليه وسلَّم - فتُعظِّمَ كلام الله - تعالى - وتحبَّه وتحترمه وتُجِلَّه، وتستحضر قلبك عند تلاوته أو سماعه، كأنَّ الله - تعالى - يكلِّمُك.فهل علمتَ - أخي الحبيب اللَّبيب، يا حامل القرآن وقارئه - ما الذي يَلْزمك من آدابٍ عند قراءته؟! إنَّها آداب كثيرة، لكلِّ من يتعامل مع القرآن، فمثلاً: 1 - آداب متعلم القرآن:القرآن كلام الله العظيم - سبحانه وتعالى - قال - جلَّ جلاله -: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: 41 - 42]، فإذا عَلِم التَّالي أنه يَقرأ كلام الله - تبارك وتعالى - أو يتعلَّم كتاب الله؛ فلا بُدَّ من توقيره واحترامه والتأدُّب معه كما ينبغي، والآداب التي ينبغي مراعاتُها كثيرة، ولكنِّي أذكر لك طرَفًا منها منبِّهًا به على غيره؛ فانْوِ العمل، واستعِن بالله، ولا تغترَّ، ولا يغرنَّك أحوال السفلة من الناس الذين لا يتأدَّبون مع القرآن، بل كلما زاد وقار الله في قلبك زاد حبُّك للقرآن وتأدُّبُك معه.فاعلم أنَّ الله - تعالى - لا يَقبل عملاً إلاَّ إذا كان خالصًا صوابًا؛ فالخالص ما ابتُغي به وجْهُ الله وحده، والصَّواب ما وافق الشَّرع، ولذلك كان على القارئ أن يعدَّ للقراءة ما تحتاجه من آداب، وهي كثيرة كما ذكرت، ومنها:1 - أن يُخْلِص النية، ويقصد بذلك رضا الله - تعالى.2 - لا يقصد بتعلُّمِه توصُّلاً إلى غرضٍ من أغراض الدنيا؛ من مال، أو رياسة، أو وَجاهة، أو ارتفاع على أقرانه، أو ثناء عند النَّاس، أو صرف وجوه الناس إليه، أو نحو ذلك؛ ففي "صحيح أبي داود" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((من تعلَّم علمًا مما يُبتَغى به وجه الله - عزَّ وجلَّ - لا يتعلَّمه إلا لِيُصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عَرف الجنَّة يوم القيامة)) يعني: رِيحها.3 - وينبغي للمتعلِّم أن يتخلَّق بالخصال الحميدة؛ من السَّخاء، والجود، ومكارم الأخلاق، ففي البخاري عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقى جبريل، وكان جبريل يلقاه في كلِّ ليلة من رمضان فيُدارِسه القرآن، فلَرسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجود بالخير من الرِّيح المرسَلة". طلاَقة الوجه، والحِلْم، والصَّبر؛ عُوتِبَ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - في القرآن حين عبسَ وجهه، وهو - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس خلقًا؛ فكن بَشُوشًا، وأحسِنْ إلى الناس ولو أساؤوا. التَّنَزُّه عن دنيء المكاسب، وتحرِّي أكل الحلال. مُلازمة الخشوع والسَّكِينة، والوقار والتَّواضع، والخضوع، قال - تعالى -: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58]، وقال - تعالى -: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 107 - 109]. اجتناب الضَّحك، وترك المزاح مطلقًا في مجالس القرآن. يحذر من الحسد والرِّياء، والعُجْب والكِبْر، واحتقار غيره، وإن كان دونَه. يستعمل دومًا الأحاديث الواردة في التسبيح والتهليل، ونحوهما من الأذكار والدَّعوات. يُراقب الله - تعالى - في سِرِّه وعلانيته، ويُحافظ على ذلك، ويجب أن يكون معتَمِدًا في جميع أموره على الله - تعالى - قال - سبحانه -: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 124].4 - يصون يديه في حال القراءة أو التَّسميع عن العبث، ويحفظ عينيه عن تفريق نظرِهما من غير حاجة.5 - المُداومة على استعمال السِّواك؛ لتطييب الفم قبل القراءة.6 - يقعد على طهارةٍ مستقبِلَ القبلة، منكسرًا، حاضِرَ القلب.7 - يجلس بوقار، وتكون ثيابُه بيضاء نظيفةً، ويلبس قَلَنْسُوة أو عمامة.8 - إذا وصل إلى موضع جلوسه صلَّى ركعتين قبل الجلوس.9 - يجلس متربِّعًا إن شاء، أو غير متربِّع بأدبٍ ووقار.10 - يجتنب الأسباب الشَّاغلة عن التحصيل.11 - ينبغي أن يطهِّر قلبه من الأدناس؛ لِيَصلح لقبول القرآن وحِفْظه واستثماره.12 - ينبغي أن يتواضع لِمُعلِّمه، ويتأدَّب معه، وإن كان أصغر منه سنًّا.13 - ينبغي أن يَنْقاد لِمُعلِّمه، ويُشاوره في أموره، ويَقْبل قوله.14 - لا يتعلَّم إلا ممن كَمُلت أهليَّتُه، وظهرت ديانته، وتحقَّقَت معرفته، واشتهرَتْ صيانته.15 - عليه أن ينظر إلى معلِّمه بعين الاحترام والوقار.16 - من حقِّ المعلِّم عليك أن تُسلِّم على الناس عامة، وتخصَّه دونهم بتحيَّة، وأن تجلس أمامه، ولا تجلس خلفه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينيك، ولا تقولن: قال فلانٌ خلافَ ما تقول، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تشاور جليسك في مجلسه، ولا تأخذ بثوبه إذا قام، ولا تلِحَّ عليه إذا كسل، ولا تَشْبَع من طول صحبته.17 - أن يَرُدَّ غيبة شيخه إنْ قَدر، فإن تعذَّر عليه ردُّها، فارقَ ذلك المجلس.18 - ويدخل على الشيخ كامِلَ الخصال، متطهِّرًا، مستعملاً للسواك، فارغًا من الأمور الشاغلة.19 - لا يدخل بغير استئذان إذا كان الشيخ في مكانٍ يُحتاج فيه إلى الاستئذان.20 - يقعد بين يدي الشيخ قعدة المتعلِّمين، لا قعدة المعلمين.21 - ولا يرفع صوته رفعًا بليغًا من غير حاجة.22 - ولا يضحك، ولا يكثر الكلام من غير حاجة.23 - ولا يعبث بيده ولا بغيرها، ولا يلتفت يمينًا ولا شمالاً من غير حاجة، بل يكون متوجِّهًا إلى الشيخ، مصغِيًا لكلامه.24 - لا يقرأ على الشيخ في حال شغل قلب الشيخ وملَلِه، وغمِّه وفرحه، وعطشه ونعاسه وقلقه... ونحو ذلك مما يشقُّ عليه، أو يمنعه من كمال حضور القلب والنَّشاط.25 - يغتنم أوقات نشاط الشَّيخ.26 - يتحمَّل جفوة الشيخ، ولا يصدُّه ذلك عن ملازمته واحترامه، وإن جفاه الشَّيخ ابتدأ هو بالاعتذار إلى الشَّيخ، وأظهر أن الذَّنب له والعتب عليه، فذلك أنفَعُ له في الدنيا والآخرة، وأتقى لقلب الشيخ.27 - أن يكون حريصًا على التعلُّم، مواظبًا عليه في جميع الأوقات التي يتمكَّن منه فيها.28 - لا يقنع بالقليل من العلم، مع تمكُّنه من الكثير.29 - لا يحمِّل نفسه ما لا يطيق مخافةً من الملل، وضياع ما حصَّل.30 - إذا جاء إلى مجلس الشيخ فلم يَجِده انتظره، ولازم بابه، ولا يفوت وظيفته إلاَّ أن يخاف كراهة الشيخ لذلك.31 - إذا وجد الشيخ نائمًا أو مشتغلاً بمهم، لم يستأذن عليه، بل يصبر إلى استيقاظه أو فراغه، أو ينصرف، والصَّبر أولى.32 - يحافظ على قراءة محفوظه، ويراجعه دومًا.33 - لا يحسد أحدًا من رفقته أو غيرهم على فضيلةٍ رزقَه الله إيَّاها.34 - لا يعجب بنفسه بما خصَّه الله، وأن يُذكِّر نفسه أنه لم يحصِّل ما حصَّله بِحَوله وقوته؛ وإنما هو فضل من الله - تعالى - ولا ينبغي له أن يعجب بشيء لم يخترعه، بل أودعَه الله - تعالى.2 - آداب حامل القرآن: 1 - حامل القرآن حامل راية الإسلام، لا يبغي أن يلهو مع مَن يلهو، ولا يَسْهو مع من يسهو، ولا يلغو مع من يلغو؛ تعظيمًا لحقِّ القرآن.2 - أن يكون على أكمل الأحوال وأكرم الشَّمائل؛ تعظيمًا لما في جوفه من كلام الله - تعالى.3 - يرفع نفسه عن كلِّ ما نهى القرآن عنه؛ إجلالاً للقرآن.4 - وأن يكون مصونًا عن دنيء الاكتساب، شريف النفس عفيفًا، مترفعًا عن الجبابرة والجفاة من أهل الدنيا، متواضعًا للصالحين، وأهل الخير والمساكين، وأن يكون متخشِّعًا، ذا سكينة ووقار.5 - أن يحذر كلَّ الحذر من اتِّخاذ القرآن معيشة يتكسَّب بها.6 - ينبغي أن يُحافظ على تلاوته، ويكثر منها، وأن يكون عالِيَ الهمة في ذلك، لا يَقْنع بالقليل.7 - يتعهَّد القرآن، ولا يُعرِّضه للنِّسيان.8 - ينبغي أن يكون اعتناؤه بقراءة القرآن في اللَّيل أكثر، وفي صلاة الليل أكثر؛ والآثار والأحاديث في هذا كثيرة، ومن الآيات قوله - تعالى -: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: 113 - 114]، وقال - تعالى -: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 1 - 4]، وإنَّما رجحت صلاة اللَّيل وقراءته؛ لكونها أجمعَ للقلب، وأبعد عن الشاغلات والمُلْهِيات، والتصرُّف في الحاجات، وأصْوَن عن الرِّياء وغيره من المُحبطات، مع ما جاء الشرع به من إيجاد الخيرات في اللَّيل.واعلم أنَّ فضيلة القيام بالليل والقراءة فيه تَحْصل بالقليل والكثير، وكلَّما كان أكثر كان أفضل، إلاَّ أن يستوعب الليل كلَّه؛ فإنه مكروهٌ المداومة عليه، وإلا أن يضرَّ بنفسه، وأفضل القراءة ما كان في الصلاة، وأما القراءة في غير الصلاة فأفضَلُها قراءة اللَّيل، والنصف الأخير من اللَّيل أفضل من النِّصف الأول، والقراءة بين المغرب والعشاء محبوبة، وأمَّا القراءة في النهار فأفضلها بعد صلاة الصُّبح، ولا كراهة في القراءة في أيِّ وقت من الأوقات، ويختار من الأيام الجمعة والاثنين والخميس ويوم عرفة، ومن الأعشار العُشْر الأخير من رمضان، والعشر الأول من ذي الحجة، ومن الشهور شهر رمضان.3 - آداب القراءة: 1 - يجب على القارئِ الإخلاصُ.2 - مراعاة الأدب مع القرآن، فينبغي أن يَستحضر في نفسه أنَّه يُناجي الله - تعالى.3 - يَقرأ على حال مَن يرى الله - سبحانه - فإنَّه إن لم يكن يراه فإنَّ الله يراه.4 - ينبغي إذا أراد القراءةَ أن ينظِّف فاه بالسواك وغيره، والاختيار في السِّواك أن يكون بعودٍ مِن أراكٍ، ويجوز بسائر العيدان، وبكلِّ ما ينظِّف كالخرقة الخشنة، وغير ذلك، ويَسْتاك عرضًا مبتدئًا بالجانب الأيمن من فمه، وينوي به الإتيان بالسُّنة.5 - يستحبُّ أن يقرأ وهو على طهارة، فإن قرأ مُحْدِثًا جاز، ولا يُقال: ارتكب مكروهًا، بل هو تارك للأفضل، فإن لم يجد الماء أو وجده ولكن لم يقدر على استعماله لمرضٍ أو نحوه من الأعذار المبيحة للتيمُّم، تيمَّم، والمستحاضة في الزَّمن المحكوم بأنه طُهْر حكمها حكم المُحْدِث.وأمَّا الجنب والحائض، فإنَّه لا يجوز لهما قراءة القرآن عند بعض أهل العلم، وقد بيَّنتُ في دروس الفقه أنَّه يجوز لهما قراءة القرآن، ومسُّ المصحف من غير إثم - إن شاء الله - لأنَّ الأدلة التي استدلَّ بها المانعون لا تنهض إلى التَّحريم، نعَم ذلك خلاف الأفضل، لكن لا يقال: إنَّه حرام، والله أعلم.أمَّا إجراء القرآن على قلبهما من غير تلفُّظٍ به، فهو جائز بلا خلاف، وكذا النظر في المصحف.وأجمع المسلمون على جواز التسبيح والصلاة على النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - وغير ذلك من الأذكار للجنب والحائض، ويجوز لهما أيضًا قراءةُ ما نُسِخَت تلاوته من غير خلاف.6 - ويستحبُّ أن تكون القراءة في مكان نظيفٍ مُختار، ولهذا استحبَّ جماعةٌ من العلماء القراءةَ في المسجد؛ لكونه جامعًا للنظافة وشرف البقعة، ومحصِّلاً لفضيلة أخرى وهي الاعتكاف؛ فإنه ينبغي لكلِّ جالس في المسجد الاعتكاف، سواء أكثرَ في جلوسه أو أقل، بل ينبغي أوَّل دخوله المسجد أن ينوي الاعتكاف، وهذا أدَبٌ ينبغي أن يُعتنَى به ويُشاع ذِكْرُه، ويعرفه الصِّغار والعوامُّ؛ فإنه مما يغفل عنه.أمَّا القراءة في الحمَّام، فقد اختلف فيها السَّلف؛ في كراهيتها، وأمَّا القراءة في الطريق فالمختار أنَّها جائزة إذا لم يَلْته صاحبها، فإن الْتهَى صاحبها عنها كرهت، كما كَرِه النبِيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - القراءة للناعس؛ مخافةً من الغلط.7 - يستحبُّ للقارئ في غير الصلاة أن يستقبل القبلة، ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مُطْرِقًا رأسه، ويكون جلوسه وحده في تحسين أدبه وخضوعه كجلوسه بين يدي معلِّمه، فهذا هو الأكمل، ولو قرأ قائمًا أو مضطجعًا أو في فراشه أو على غير ذلك من الأحوال - جاز، وله أجر، ولكن دُون الأوَّل.8 - فإن أراد الشُّروعَ في القراءة استعاذ فقال: "أعوذ بالله السَّميع العليم من الشيطان الرجيم"، أو يزيد: "مِن هَمْزِه ونفخه ونفثه".9 - وينبغي أن يُحافظ على قراءة "بسم الله الرحمن الرحيم" في أوَّل كلِّ سورة سوى سورة براءة؛ فإنَّ أكثر العلماء قالوا: إنَّها آية حيث كُتِبت في المصحف.10 - فإذا شرع في القراءة فلْيَكن شأنُه الخشوعَ والتدبُّرَ عند القراءة، والدلائل عليه أكثر من أن تُحْصَر، وأشهر وأظهر من أن تُذْكَر، فهو المقصود المطلوب، وبه تنشرح الصُّدور وتستنير القلوب.11 - استحباب تَرْديد الآية للتدبُّر.12 - البكاءُ حالَ القراءة حالُ العارفين، وشعار عباد الله الصالحين، وهو مستحَبٌّ مع القراءة وعندها، وطريقة تحصيله أن يحضر قلبه الحزن؛ بأن يتأمَّل ما فيه من التهديد الوعيد الشديد والمواثيق والعهود، ثم يتأمَّل تقصيره في ذلك، فإن لم يحضره حزنٌ وبكاء كما يحضر الخواصَّ؛ فلْيَبْكِ على فَقْدِ ذلك؛ فإنَّه من أعظم المصائب.13 - ينبغي أن يرتِّل قراءته؛ قال - تعالى -: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]؛ لأنَّ ذلك أقرَبُ إلى التوقير والاحترام، وأشدُّ تأثيرًا في القلب، وقد نَهى عن الإفراط في الإسراع، وهو الذي يُسمَّى بالهَذْرَمة.14 - ويُستحبُّ إذا مرَّ بآية عذابٍ أن يَسْتعيذ بالله من الشرِّ ومِن العذاب، أو يَقول: اللَّهم إنِّي أسألك العافية، أو أسألك المُعافاة من كلِّ مكروه، وإذا مرَّ بآية تَنْزيهٍ لله - تعالى - نزَّه، فقال: سبحانه وتعالى، أو: تبارك وتعالى، أو جَلَّت عظَمةُ ربِّنا...15 - احترام القرآن وتعظيمه وتوقيره، والحذَرُ من أمور قد يتَساهل فيها بعض الغافلين، وخصوصًا إذا كانوا مجتمعين، فمن ذلك: يجب اجتنابُ الضَّحِك، واللَّغَط، والمزاح. ويجب تَرْكُ الحديث أثناء قراءة القرآن واستماعه، إلاَّ كلامًا يضطرُّ إليه. واحذر العبَث باليد وغيرها؛ فإنَّك تُناجي ربَّك - تبارك وتعالى - فلا تعبَثْ بين يديه. واحذر النَّظر إلى ما يُلهي ويبدِّد الذِّهن. واحذر ما هو أقبَحُ من كلِّ هذا: النظر إلى ما لا يجوز النَّظَر إليه.وعلى الحاضرين مجلسَ القراءة - إذا رأوا شيئًا من هذه المنكرات المذكورة، أو غيرَها - أن يَنْهَوا عنه حسب الإمكان؛ باليد لمن قدر، وباللِّسان لمن عجز عن اليد، وإلاَّ فلْيُنكِر بقلبه؛ بشرط أن يقوم من المَجلس الذي فيه المنكر، وإلاَّ فلا معنى للإنكار بقلبه.16 - يُستحبُّ إذا قرأ سورةً أن يَقرأ بعدها التي تليها، وإذا بدأ من وسط سورة، أو وقَف على غيرِ آخِرها - أن يُراعي ارتباط الكلام، ولا يتقيَّد بالأعشار والأجزاء؛ فإنَّها قد تكون في وسط الكلام المرتبط.17- قراءة القرآن من المصحف أفضل من القراءة عن ظهر القلب؛ لأنَّ النظر في المصحف عبادةٌ مطلوبة، فتجتَمِع القراءةُ والنظر.18 - عدم ترقيق الصوت بالقراءة كترقيق النِّساء أصواتَهن.19 - الإمساك عن القراءة عند التَّثاؤب حتَّى يزول.20 - عدم قطع القراءة بالحديث مع النَّاس إلا لضرورة؛ كردِّ السَّلام، ونحو ذلك، فإذا كان يقرأ ماشيًا، فمرَّ على قومٍ - يستحبُّ أن يقطع القراءة، ويسلِّم عليهم، ثم يَرجع إلى القراءة، ويعيد التعوُّذ - كما سيأتي في أحكامه - إن شاء الله.4 - آداب الناس كلِّهم مع القرآن: الأدَبُ مع كتاب الله - تعالى - هو: 1 - الإيمان بأنَّه كلامُ الله - تعالى - وتَنْزيله، لا يُماثله شيءٌ من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله الخَلْقُ بأسرهم، فلا يستطيعون أن يأتوا بسورةٍ من مِثله، أو حتَّى بآيةٍ واحدة.2 - تعظيمه، وتلاوته حقَّ تلاوته، وتحسينها، والخشوع عندها.3 - معرفة عظَمةِ الكلام الذي تفضَّل الله - تعالى - بِمُخاطبة خلقه به، ويَسَّر فهمه، والأُنس به، وعدَمُ الغفلة عنه.4 - معرفة عظمة مُنَزِّل هذا الكلام - عزَّ وجلَّ - بالتفكُّر في أسمائه وصفاته التي هي البوَّابة العُظْمى لزيادة الإيمان.5 - تدبُّر ما فيه، وفَهْم معانيه؛ لتنفيذ ما جاء فيه من أوامِرَ ونواهٍ، ولاستشعار عظمة الخَالق - تبارك وتعالى.6 - تحاشي موانع الفهم؛ كأن يَصْرف هَمَّه كله - دائمًا وأبدًا - إلى التجويد - حتَّى بعد إتقانه - أو أن يُصِرَّ على ذنب، أو أن يتكبَّر، أو أن يملأ قلبه بالدُّنيا، وعليه ألاَّ يعتقد بأنَّ معاني القرآن محصورةٌ فيما ورَد فيها من تفسير.7 - استشعار القارئِ بأنَّ كل آيةٍ في القرآن موجَّهةٌ إليه؛ فيخاف عند الوعيد، ويَستبشر عند الوعد، ويرتَعِد من النَّار عند ذِكْرها، ويَشتاق إلى الجنَّة عند وصفها.8 - إقامة حروفه في التِّلاوة، وتَحْسين تجويده، وتَزْيين القرآن بِصَوته.9 - التَّصديق بكلِّ ما فيه.10 - الوقوف مع أحكامه، وتفهُّم علومه وأمثالِه، والاعتناء بِمَواعظه، والتفكُّر فيه.11 - العمل بِمُحْكَمِه، والتسليم لِمُتشابهه.12 - تعظيم القرآن العزيز على الإطلاق.13 - يَحْرم تفسيره بغير علم، والكلام في معانيه لِمَن ليس من أهلها.14 - يَحْرم المِرَاء في القُرآن والجدال فيه بغير حق.15 - يَنبغي لِمَن أراد السُّؤال عن تقديم آيةٍ على آية في المصحف، أو مناسبة هذه الآية في هذا الموضع، ونحو ذلك، أن يقول: ما الحِكْمة في كذا؟16 - يُكْرَه أن يقول: نَسِيت آيةَ كذا، بل يقول: أُنْسِيتُها أو أسقطتها.17 - لا يُمنَع الكافر من سماع القرآن؛ لقوله - تعالى -: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6].18 - يُكْرَه نَقْش الحيطان والثِّياب بالقرآن، وبأسماء الله - تعالى - تعظيمًا لها.19 - حبُّ القرآن، والاستغناء به، والاستمتاع والتلذُّذ بتلاوته.20 - التَّداوي بالقرآن عقيدةً ويقينًا؛ فإنَّه شفاء لجميع الأمراض القلبيَّة والبدَنية، الحسِّية والمعنويَّة.وبعد؛ أعَلِمت - أخي يا بن الإسلام - هذه الآداب وتلك الحرمات؟! وإذا علمتها فهل عملت بها؟! والله إن القرآن الكريم بيننا، ونحن في أمس الحاجة إليه، فهل عرفنا حقه؟وسائل تحصيل لذَّة التِّلاوة:والكلام عن القرآن لا يَنتهي - يا بن الإسلام - ومَنْزلة أهله عظيمةٌ جدًّا؛ فهُم أهل الله وخاصَّتُه، ولكن في ختام الكلام عن القرآن - في شهر القرآن - أحبُّ أن أَذْكُر بعض الوسائل التي تُعين العبد على تحصيل لذَّة التلاوة وقراءة القرآن، وهذه اللذَّة لن تَحْصل إلاَّ بِتَوافر عشرة آدابٍ عند التلاوة، وهي: فَهْم أصل الكلام، ثم التَّعظيم، ثُمَّ حضور القلب، ثم التدبُّر، ثم التفهُّم، ثم التخلِّي عن موانع الفهم، ثم التَّخصيص، ثم التأثُّر، ثم الترقِّي، ثم التبَرِّي، وهذا هو الموجز، وإليك البيانَ بقليلٍ من التفصيل:فالأوَّل: فهم عظمة الكلام وعُلوِّه، وفَضْل الله - تعالى - ولُطْفه بِخَلقه في نزوله عن عرشِ جلاله إلى درجة إفهام خَلْقِه، ولْيَنظر كيف لطف بخلقه في إيصال معاني كلامه إلى أفهام خلقه، وكيف تجلَّت لهم تلك الصفة في طيِّ حروفٍ وأصوات، هي صفات البشر؛ إذْ يعجز البشر عن الوصول إلى فَهْم صفات الله - عزَّ وجلَّ - إلاَّ بوسيلة صفات نفسه، ولولا استِتارُ كُنْهِ جلالة كلامه بكِسْوة الحروف، لَما ثبَتَ لسماع الكلام عرض ولا ثري، ولَتلاشى ما بينهما من عظَمة سلطانه، وسُبُحات نوره، كما قال - تعالى -: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]، ولولا تثبيتُ الله - عزَّ وجلَّ - لموسى - عليه السَّلام - لمَا أطاق سماعَ كلامه، كما لَم يُطِق الجبلُ مبادئ تجلِّيه، حيث صار دكًّا، كما في سورة الأعراف.والثانِي: التعظيم للمتكلِّم؛ فالقارئ عند البداية بتلاوة القرآن ينبغي أن يُحضِر في قلبه عظمةَ المتكلِّم، ويعلم أنَّ ما يقرؤه ليس من كلام البشَر، وأنَّ في تلاوة كلامِ الله غايةَ الخطر؛ فإنه - تعالى - قال: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79]، وكما أنَّ ظاهر جِلد المصحف وورقه محروسٌ عن ظاهر بَشرة اللاَّمس إلاَّ إذا كان متطهِّرًا، فباطن معناه أيضًا بِحُكم عزِّه وجلاله محجوبٌ عن باطن القلب، إلاَّ إذا كان متطهِّرًا عن كلِّ رجس، ومستنيرًا بنور التعظيم والتوقير، وكما لا يصلح لِمَسِّ جلد المصحف كلُّ يد، فلا يصلح لتلاوة حروفِه كلُّ لسان، ولا لِنَيْلِ معانيه كلُّ قلب.فتعظيم الكلام تعظيمُ المتكلِّم، ولن تَحْضره عظَمةُ المتكلم ما لم يتفكَّر في صفاته وجلاله وأفعاله، فإذا حَضر ببالهِ العَرْشُ واستواءُ ربِّه عليه - كما يليق بجلاله - والكرسيُّ الذي وَسِعَ السَّمواتِ والأرضَ، واستحضر مشهدَ السموات والأرض، وما بينهما من الجنِّ والإنس، والدوابِّ والأشجار، وعلم أنَّ الخالق لجميعها، والقادِرَ عليها، والرازقَ لها واحدٌ، وأنَّ الكل في قبضة قدرتِه، متردِّدون بين فضله ورحمته، وبين نقمته وسطوته؛ إنْ أنْعَمَ فبِفَضله، وإن عاقب فبِعَدله، وأنَّه الذي يقول: هؤلاء إلى الجنَّة ولا أُبالي، وهؤلاء إلى النار ولا أبالي، وهذا غاية العظَمة والتعالي، فبالتَّفكير في أمثال هذا يَحْضر تعظيمُ المتكلِّم، ثم تعظيم الكلام.والثالث: حضور القلب، وتَرْك حديث النفس؛ قيل في تفسير: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: 12]؛ أيْ: بِجدٍّ واجتهاد، وأَخْذُه بالجِدِّ أن يكون متجرِّدًا له عند قراءته، منصرِفَ الهمَّة إليه عن غيره، وقيل لبعضهم: إذا قرأتَ القرآن تُحدِّثُ نفسك بشيء؟ فقال: أوَشيء أحبُّ إليَّ من القرآن حتَّى أحدِّث به نفسي؟!
وكان بعضُ السَّلف إذا قرأ آيةً لَم يكن قلبه فيها، أعادها ثانيةً، وهذه الصِّفة تتولَّد عمَّا قبلها من التعظيم؛ فإن المعظِّم للكلام الذي يَتْلوه يستبشر به، ويستأنس، ولا يَغْفل عنه، ففي القُرآن ما يَستأنس به القلب، إن كان التَّالي أهلاً له، فكيف يطلب الأُنس بالفِكْر في غيره، وهو مُتنَزِّه ومتفرِّج، والذي يتفرَّج في المتنَزَّهات لا يتفكَّر في غيرها، فقد قيل: إنَّ القرآن ميادينُ وبساتين، ومقاصير وعرائس، وديابيج ورِيَاض، فإذا دخل القارئُ الميادينَ، وقطفَ من البساتين، ودخل المقاصير، وشهد العرائس، ولبس الديابيج، وتنَزَّه في الرياض، استغرَقه ذلك، وشغله عمَّا سواه، فلم يَعْزُب قلبه، ولم يتفرَّق فِكْرُه.الرابع: التدبُّر، وهو وراء حضور القلب؛ فإنَّه قد لا يتفكَّر في غير القرآن، ولكنه يقتصر على سماعه من نفسه، وهو لا يتدبَّره، والمقصود من القراءة التدبُّر؛ ولذلك سُنَّ الترتيل في الظَّاهر؛ ليتمكَّن من التدبُّر بالباطن، قال عليٌّ - رضي الله عنه -: "لا خير في عبادةٍ لا فِقْه فيها، ولا في قراءةٍ لا تدبُّر فيها".وإذا لم يتمكَّن من التدبُّر إلاَّ بترديد فليردِّد، إلاَّ أن يكون خلف إمام، فإنَّه لو بقي في تدبُّر آيةٍ وقد اشتَغل الإمامُ بآية أخرى، كان مسيئًا! مثل مَن يشتغل بالتعجُّب من كلمةٍ واحدة مِمَّن يُناجيه عن فهم بقيَّة كلامه، وكذلك إن كان في تسبيح الرُّكوع، وهو متفكِّر في آيةٍ قرأَها إمامُه فهذا وسواس؛ فقد رُوِي عن عامر بن عبدقيس أنِّه قال: "الوسواس يَعْتريني في الصلاة"، فقيل: في أمر الدُّنيا؟ فقال: "لأَنْ تختلف في الأسِنَّة أحبُّ إليَّ من ذلك، ولكن يشتغل قلبِي بموقفي بين يدَيْ ربِّي - عزَّ وجلَّ - وأنِّي كيف أنصرف"! فعدَّ ذلك وسواسًا، وهو كذلك؛ فإنه يشغله عن فَهْمِ ما هو فيه، والشيطان لا يقدر على مثله إلاَّ بأن يشغله بمهمٍّ ديني، ولكن يمنعه به عن الأفضل.وعن أبي ذرٍّ قال: قام رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - بنا ليلةً، فقام بآيةٍ يردِّدُها، وهي: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ...﴾ [المائدة: 118]؛ الآية، وقام تميمٌ الدَّاريُّ ليلةً بهذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ...﴾ [الجاثية: 21]؛ الآية، وقام سعيدُ بن جُبَير ليلةً يردِّد هذه الآية: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ [يس: 59].وقال بعضهم: إنِّي لأفتَتِح السُّورة، فيوقفني بعضُ ما أشهد فيها عن الفراغ منها، حتَّى يطلع الفجر، وكان بعضهم يقول: آية لا أتفهَّمُها ولا يكون قلبي فيها لا أعدُّ لها ثوابًا، وحُكي عن أبي سليمان الدارانيِّ أنه قال: إنِّي لأَتْلو الآية، فأقيم فيها أربع ليالٍ، أو خمس ليالٍ، ولولا أنِّي أقطع الفِكْر فيها ما جاوَزْتُها إلى غيرها، وعن بعض السَّلَف أنَّه بقي في سورة هود ستَّة أشهر يكرِّرها، ولا يفرغ من التدبُّر فيها.وقال بعضهم: لي في كل جمعة خَتْمة، وفي كلِّ شهر ختمة، وفي كلِّ سنة ختمة، ولي ختمة منذ ثلاثين سنة ما فرغتُ منها بعد! وذلك بحسب درجات تدبُّرِه وتفتيشه، وكان هذا أيضًا يقول: أقمتُ نفسي مقام الأُجَراء؛ فأنا أعمل مُياوَمةً، ومُجامعةً، ومُشاهَرةً، ومُسانَهةً؛ أيْ: بأجر كل يومٍ، وكل جُمعة، وكل شهر، وكل سَنة، يشير إلى خَتماته في تلك الأزمنة.الخامس: التفهُّم؛ وهو أن يَستوضح من كلِّ آية ما يليق بها؛ إذِ القرآن يَشتمل على ذِكْر صفات الله - تعالى - وذِكْر أفعاله، وذِكر أحوال الأنبياء - عليهم السَّلام - وذكر أحوال المكذِّبين لهم، وأنَّهم كيف أُهْلِكوا، وذِكْرِ أوامره وزواجرِه، وذِكْر الجنَّة والنار.أمَّا صفات الله، فكقوله - تعالى -: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، وكقوله: ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾ [الحشر: 23]، فليتأمَّل معانِيَ هذه الأسماء والصِّفات؛ لينكشف له أسرارُها، فتَحْتَها معانٍ مدفونةٌ لا تنكشف إلاَّ للمُوفَّقين، وإليه أشار عليٌّ - رضي الله عنه - بقوله لَمَّا سُئل: هل عندكم من رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - شيءٌ سوى القرآن؟ فقال: لا، والذي خلَق الحبَّة، وبَرَأ النَّسمة، إلاَّ أن يُعطي الله عبدًا فهمًا في كتابه.وأمَّا أفعاله - تعالى - فكَذِكْره خلْقَ السَّموات والأرض وغيرها، فيَفهم التَّالي منها صفاتِ الله - تعالى - وجلالَه؛ إذِ الفعل يدلُّ على الفاعل، فتدلُّ على عظَمتِه.وأمَّا أحوال الأنبياء - عليهم السَّلام - فإذا سمع منها كيف كُذِّبوا وضُربوا وقُتل بعضهم، فليفهم منه صفة الاستغناء لله - تعالى - عن الرُّسل والمُرسَل إليهم، وأنه لو أهلك جميعَهم لَم يؤثِّر ذلك في ملكه شيئًا، وإذا قدَّرَ نُصرتَهم في آخر الأمر فليفهم قدرة الله - تعالى - وإرادتَه لِنُصرة الحق.وأمَّا أحوال المكذِّبين؛ كعادٍ وثَمود وما جرى عليهم، فلْيَكن فَهْمُه منه استشعارَ الخوف مِن سطوته ونقمته، ولْيَكن حظُّه منه الاعتبارَ في نفسه، وأنَّه إن غفل وأساء الأدب واغترَّ بما أُمهل، فرُبَّما تدركه النقمة، وتنفذ فيه القضية.وكذلك إذا سمع وصف الجنة والنَّار وسائرَ ما في القرآن، فلا يمكن استقصاء ما يفهم منه؛ لأنَّ ذلك لا نهاية له، وإنَّما لكلِّ عبدٍ بِقَدْرِ رِزْقه: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ [الكهف: 109].فالغرَض مما ذكَرتُه التَّنبيه على طريق التفهُّم؛ لينفتح بابه، فأمَّا الاستِقْصاء فلا مَطْمَع فيه، ومن لَم يكن له فَهْم ما في القرآن، ولو في أدنى الدَّرجات، دخَل في قوله - تعالى -: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [محمد: 16]، والطَّابع هي الموانع التي سأذكُرها - إن شاء الله - في موانعِ الفهم.السادس: التخلِّي عن موانع الفَهْم؛ فإنَّ أكثر الناس مُنِعوا عن فهم معاني القرآن لأسبابٍ وحجُب أسدلَها الشيطانُ على قلوبِهم، فعميت عليهم عجائب أسرار القرآن.وحُجُب الفهم ثلاثة: أوَّلُها: أن يكون الهمُّ منصرِفًا إلى تحقيق الحروف؛ بإخراجها من مَخارجها، وهذا يتولَّى حِفْظَه شيطانٌ وُكِّل بالقُرَّاء؛ لِيَصرفهم عن فَهْم معاني كلام الله، فلا يَزال يحملهم على ترديد الحرف؛ يخيِّل إليهم أنه لم يَخْرج من مخرجه، فهذا يكون تأمُّله مقصورًا على مخارج الحروف، فأنَّى تنكشف له المعاني؟! وأعظم ضحكةٍ للشيطان مِمَّن كان مطيعًا لمثل هذا التَّلبيس.ثانيها: أن يكون مقلِّدًا لمذهبٍ سَمِعه بالتَّقليد، وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصُّب له بمجرد الاتِّباع للمسموع، من غير وصولٍ إليه ببصيرةٍ ومُشاهَدة، فهذا شخصٌ قيَّده مُعتقَدُه عن أن يتَجاوزه فلا يُمكنه أن يخطر بباله غير معتقَده، فصار نظره موقوفًا على مسموعه، فإنْ لَمع برق على بُعد، وبدا له معنًى من المعاني التي تُباين مسموعه، حمل عليه شيطانُ التقليد حملةً، وقال: كيف يخطر هذا ببالك، وهو خلافُ معتقَدِ آبائك؟ فيرى أنَّ ذلك غرورٌ من الشيطان، فيتباعد منه، ويتحرَّز عن مثله.ومثله مَن يقرأ قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، وما يحتويه معنى الآية مِن عُلوِّ الله - عزَّ وجلَّ - على كلِّ مخلوقاته وهيمنته، وتصرُّفه في كلِّ الموجودات، فيجيئه تقليد المعتقدات الموروثة في وجوب تَنْزيه الله عن الجهة، فيُحْرَم من تجلِّياتِ تأمُّل صفة العُلوِّ والاستواء، وهي من الصِّفات التي تكرَّرت في القرآن بِغَرض التَّنبيه على جلال الله وعظَمتِه، وحقيقة عُلوِّه على خلقه.ثالثها: أن يكون مُصرًّا على ذنب، أو متَّصفًا بكِبْر، أو مبتلًى - في الجملة - بِهوًى في الدُّنيا مطاعٍ؛ فإنَّ ذلك سببُ ظُلمة القلب وصَدئه، وهو كالخبَثِ على المرآة، وهو أعظم حجابٍ للقلب، وبه حُجِبَ الأكثرون، وكلَّما كانت الشهوات أشدَّ تراكمًا كانت معاني الكلام أشدَّ احتجابًا، وكلَّما خفَّ عن القلب أثقالُ الدنيا قَرُب تجلِّي المعنى فيه؛ فالقلب مثل المرآة، والشهوات مثل الصدأ، ومعاني القرآن مثل الصُّور التي تتراءى في المرآة، والرِّياضة للقلب بإماطة الشَّهوات مثل تصقيل الجلاء للمِرآة، وقد شرط الله - تعالى - الإنابة في الفَهْم والتَّذكير، فقال - تعالى -: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 8]، وقال: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾ [غافر: 13]، وقال: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: 19]، فالَّذي آثر غرور الدُّنيا على نعيم الآخرة، فليس من ذوي الألباب؛ ولذلك لا تنكشف له أسرارُ الكتاب.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #8  
قديم 16-05-2020, 02:22 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة



عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان

(17)




محمود العشري

الوسيلة الثالثة: الصَّدَقة:


أخي يا بن الإسلام، إن المال - لِمَن استعان به على طاعة الله، وأنفقه في سبيل الخيرات المقرِّبة إلى الله - سببٌ موصِّل له إلى الله تعالى، وهو - لِمَن أنفقه في المعاصي، واستعان به على أغراضه المحرَّمة، أو اشتغل به عن طاعة الله - سبب قاطعٌ له عن الله - عزَّ وجلَّ.



وقد امتدح الله المتصدِّقين المنفقين، فقال - سبحانه -: ï´؟ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ï´¾ [البقرة: 274]، وبشَّر الله - تعالى - المؤمنين بأنَّه سيُضاعِف لهم الحسنات، ويرفع لهم الدَّرجات، فقال - تعالى -: ï´؟ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [البقرة: 261]، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح البخاري": ((ما من يومٍ يُصبح العباد فيه إلاَّ ملَكان يَنْزِلان، فيقول أحدهما: اللَّهم أعط منفِقًا خلَفًا، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسِكًا تلَفًا)).



فيا بْنَ الإسلام، المال فتنة؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما أخرجه الترمذيُّ وصحَّحه الألباني: ((لكلِّ أمة فتنة، وفتنة أمَّتي المال))، ونحن في زمن الماديات، وصراع النَّاس على الكماليات، وهموم الناس الدَّنيئة التي خرَّبَت قلوبهم وعلاقتهم بربِّهم، في زمن التَّعاسة، قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما عند البخاري: ((تَعِس عبْدُ الدِّرهم والدِّينار)).



في هذا الزَّمان الحرج يحتاج الإنسان إلى التخلُّص من ربقة المادِّية الطاغية، وذلك ببذل المال، قال - تعالى -: ï´؟ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ï´¾ [الحشر: 9]، وقال - تعالى - في الحديث القدسيِّ المتَّفِق عليه: ((أنفق يا بن آدم يُنفَق عليك))، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - كما في "الصحيحين": ((اتَّقوا النار ولو بشِقِّ تمرة)) وفي رواية: ((مَن استطاع منكم أن يستَتِر من النار ولو بشقِّ تمرة، فليفعل))، وعند أحمد، وصححه الألباني في "صحيح ابن خزيمة" عن عقبة بن عامر مرفوعًا: ((كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقته حتَّى يُفصَل بين الناس))، أو قال: ((يُحكَم بين الناس))، وفي "صحيح مسلم" أيضًا: ((الصَّدقة برهان))؛ أيْ: دليلٌ على حبِّ صاحبها لله.



فيا أخي يا بن الإسلام، ربِّ نفسك على الزُّهد في الدنيا؛ ألاَّ يكون للدنيا أيُّ قيمة في قلبك، فهي لا تُساوي عند الله جناحَ بعوضة، فلا تفرح بإقبالها، ولا تحزن على إدبارها، ولتستَوِ عندك الحالتان؛ لأنَّك عبدٌ للمعطي المانع، قال - تعالى -: ï´؟ لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ï´¾ [الحديد: 23]، قيل للإمام أحمد: الرَّجلُ يملك ألف دينار ويكون زاهدًا؟ قال: نعم، قيل: كيف؟! قال: إذا لم يفرح إذا زادَتْ، ولَم يحزن إذا نقصَت.



واعلم أخي أنَّ الصدقة في رمضان لها مَنْزلة خاصَّة، وهي من دواعي قبول الأعمال والعبادات، وأنت بحاجةٍ ماسَّة شديدة إلى نَفْعِها وأجرِها وظلِّها يوم القيامة، قال - تعالى -: ï´؟ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ï´¾ [البقرة: 261]، وقال - تعالى -: ï´؟ قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ï´¾ [سبأ: 39]، وقال - تعالى -: ï´؟ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ï´¾ [البقرة: 245]، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه الترمذي وصححه الألباني: ((ما نقَص مالُ عبدٍ مِن صدقة)).



وفي "الصحيحين": ((من تصدَّق بعِدْل تمرة مِن كَسْبٍ طيِّب - ولا يقبل الله إلا الطيِّب - فإنَّ الله يتقبَّلها بيمينه، ثم يربِّيها لصاحبها كما يربِّي أحدُكم فَلُوَّه حتى تكون مثل الجبل))، وروى الترمذي وحسَّنه عن أنس مرفوعًا: ((إن الصدقة لَتُطفئ غضب الربِّ، وتدفع ميتة السُّوء))، وكما أنها تطفئ غضب الرب فهي تطفئ الذُّنوب والخطايا كما يطفئ الماء النَّار، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه أحمد: ((إن ظلَّ المؤمن يوم القيامة صدقته)).



فإذا كانت الصدقة من دواعي قبول الأعمال والعبادات، وأنت بحاجة ماسَّة شديدة إلى نَفْعِها وأجرها وظلِّها يوم القيامة، فلِمَ لا تجعل لله مقدارًا من الصدقة؟! ولا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولا بأس أن تنوِّعها؛ تارةً مالاً، وتارة طعامًا، وتارة لباسًا، وغير ذلك.



واعلم كذلك أن صدقة السرِّ أفضلُ من صدقة العلانية، قال - تعالى -: ï´؟ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ï´¾ [البقرة: 271].



لذلك أنصحك - أخي يا بن الإسلام - ألاَّ يعلم عن صدَقتِك أحدٌ غيرك؛ فإنَّك بحاجةٍ إلى عمل السِّر بينك وبين الله؛ فكم من الأجر العظيم ينالك بهذا الفعل! فهذا العمل ينجي صاحبه على يُسْرِه؛ لما فيه من الإخلاص لله - تعالى - من أهوال وكُرَب يوم القيامة، فيُظِلُّ الله به صاحبه في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه، ففي "الصحيحين": ((سبعة يُظِلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظله... ورجل تصدَّق بصدقةٍ فأخفاها، حتَّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه))، فهل تفعل ذلك وتحرص على هذه العبادة العظيمة في السرِّ بينك وبين الله؟!



"كان - صلَّى الله عليه وسلَّم - أجود الناس، وكان أجودَ ما يكونُ في رمضان، حين يلقاه جبريلُ فيدارسه القرآن، فلَرسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - حين يلقاه جبريل أجودُ بالخير من الرِّيح المرسَلة"؛ كما في "الصحيحين"، ولأن الصدقة في رمضان إعانة على أداء فريضة الصَّوم، والصدقة في أوقات الحاجات أفضَلُ منها في غيرها.



فالعاقل مَن يُسابق في ميزان الخيرات، بما يقدِّمه من الصِّلة والإحسان لإخوانه الفقراء، الذين أناخ الفقرُ ببابهم، وعضَّهم البؤسُ بِنابِه، وأوجعهم بكِلابه، فلا مورد له، ولو رأيتهم لظننتَهم من الأغنياء وأهل الثَّروة والمال، والله أعلم بما يقاسون من الدُّيون؛ لِما تحت أيديهم من الصِّغار والكبار، وما يقاسون من آلام الجوع والفقر، والشدَّة والعسر، ولكن يمنعهم الحياء وعزَّة النفس أن يمدُّوا أيديهم للسؤال، وأن يطلبوا الرِّزق إلا من الله الرزَّاق الكبير المتعالي، فهؤلاء هم الذين ينبغي الاعتناء بهم، والبحث عن أحوالهم؛ وذلك عن طريق جيرانهم وأقربائهم، حتَّى تقع الصدقة في موقعها.



واعلم أن الأولويَّة في الصدقة للأقرباء، والجار، وطُلاَّب العلم؛ فالصدقة على ذي الرَّحِم أفضل منها على غيره؛ ولا سيَّما مع العداوة؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الصَّدَقة على المسكين صدقة، وعلى ذي الرَّحِم ثِنْتان؛ صدقة وصِلَة)) وقال: ((أفضل الصَّدقة على ذي الرَّحِم الكاشح))؛ رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح.



ثم الصَّدقة على الجار أفضل؛ لقوله - تعالى -: ï´؟ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ï´¾ [النساء: 36]، ولِحَديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليُحْسِنْ إلى جاره)) وحديث: ((والله لا يؤمن))، قالوا: مَن يا سول الله؟ قال: ((مَن بات شبعان وجارُه جائع وهو يعلم))، ويُستحَبُّ أن يخصَّ بالصدقة من اشتدَّت حاجته؛ لقوله - تعالى -: ï´؟ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ï´¾ [البلد: 15].



واعلم أيضًا أنَّ الصدقة على طالب العلم أفضل؛ لأنَّ في إعطائه إعانة على العلم ونَشْر الدِّين؛ وذلك لتقوية الشريعة، وكون الصَّدقة على صاحب دين أفضل، وكذا على ذي عائلة أفضل عمَّن ليس كذلك، فاحرص أخي أن تكفل طالبَ علم ينفعك الله به دنيا وأخرى.



آداب الصَّدقة:

اعلم - أخي يا بن الإسلام - أنَّ الصدقة - التي يُرجى ثوابُها والنَّجاة بها يوم القيامة - لها شروطٌ وآداب، منها:

1 - أن يُراد بها وجْهُ الله - تعالى - فلا تُعطى مكافأةً على معروف، أو يُرجَى بها المكافأة بمعروف، ولا يُبتغَى بها ثناءُ الناس ومدحهم، أو شكر المتصدَّق عليه وامتنانُه، ولذا كانت صدَقةُ السرِّ أفضلَ من صدقة العلانية.



قال - تعالى -: ï´؟ وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ï´¾ [الليل: 17 - 21].



يقول شيخ الإسلام ابن تيميَّة في قوله - تعالى -: ï´؟ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ï´¾ [الإنسان: 8 - 9]، ومَن طلب من الفقراء الدُّعاءَ أو الثناء، خرج من هذه الآية؛ ففي الحديث الذي في "سنن أبي داود": ((من أسدى إليكم معروفًا فكافِئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له حتَّى تعلموا أنكم قد كافأتموه)).



ولهذا كانت عائشة - رضي الله عنها - إذا أرسلَتْ إلى قومٍ بهديَّة تقول للرسول: "اسْمَع ما دعَوْا به حتى ندعُوَ لهم بمِثْل ما دعَوا، ويبقى أجْرُنا على الله"، وقال بعض السَّلف: "إذا أعطيتَ المسكين فقال: باركَ الله عليك، فقل: بارك الله عليك"، أراد أنه إذا أثابك بالدُّعاء، فادْعُ له بمثل ذلك الدُّعاء؛ حتَّى لا تكون اعتَضْتَ منه شيئًا".



2 - ألاَّ تُبْطِلها بالمنِّ على من تصدَّقتَ عليه بها، وإيذائه بذلك، قال - تعالى -: ï´؟ وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ï´¾ [المدثر: 6]، وقال: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ ï´¾ [البقرة: 264]، والمنُّ: أن تَذْكرها وتتحدَّث عنها، أو تستخدمه بعطائك، أو تتكبَّر عليه لأجل إعطائه، والأذى أن تُظْهِرها، أو تعيِّره بالفقر، أو تَنْهره، أو توبِّخه، كان بعض السلف يَبْسط كفَّه ليأخذ الفقير من كفِّه، وتكون يدُ الفقير هي العليا.



وفي حديث أبي ذرٍّ - رضي الله عنه - المرفوعِ الذي رواه مسلمٌ وأحمد وأصحاب السُّنن: ((ثلاثةٌ لا يكلِّمُهم الله يوم القيامة، ولا يَنظر إليهم، ولا يزكِّيهم، ولهم عذاب أليم: المُسْبِل إزارَه، والمَنَّان الذي لا يُعطي شيئًا إلاَّ منَّهُ، والمُنَفِّق سلعتَه بالحلف الكاذب)).



3 - أن تكون الصَّدقة من كَسْبٍ حلال طيِّب، لا حُرْمة فيه؛ فإنَّ الله - تعالى - طيِّب لا يقبل إلاَّ طيبًا، فعلى المتصدِّق أن ينتقي من ماله أفضلَه وأجوده؛ قال - تعالى -: ï´؟ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ï´¾ [آل عمران: 92]، وروى مسلمٌ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((إن الله طيِّب لا يَقْبل إلاَّ طيبًا))، قال ابن رجب: "والطيِّب هنا معناه الطَّاهر"، وفي "الصحيحين" عن أبي هُرَيرة مرفوعًا: ((ما تصدَّق عبدٌ بصدقة من مالٍ طيِّب، ولا يقبل الله إلاَّ الطيب، إلاَّ أخذها الله بيمينه..)) الحديث، قال ابنُ رجَب: "وأما الصَّدقة بالمال الحرام، فغير مَقْبولة".



سُئل ابن عبَّاس - رضي الله عنهما - عمَّن كان على عملٍ فكان يَظْلم ويأخذ الحرام، ثم تاب فهو يحجُّ ويعتق، ويتصدَّق منه؟ فقال: "إنَّ الخبيث لا يُكفِّر الخبيث"، وكذا قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "إن الخبيث لا يكفِّر الخبيث، ولكن الطيِّب يكفِّر الخبيث"، وقال الحسَنُ: "أيُّها المتصدِّق على المسكين ترحمه: ارحم مَن قد ظلَمْت".



ومن كان تحت يده مالٌ من حرامٍ، فعليه إعادتُه لصاحبه أو لورثتِه إن مات، فإنْ تصدَّق بهذا المال الحرام يريد بذلك الصَّدقةَ عن نفسه به، فإنَّ هذه الصدقة منه غيرُ مقبولة، ولا يحصل لِمَن أُخِذ منه هذا المال بذلك أَجْرٌ؛ لعدم قصده ونيَّتِه.



أمَّا إن تصدَّق بالمال الحرام عن صاحب المال إذا عجز عن ردِّه إليه، أو إلى ورثته بعد مماته، فهذا جائزٌ عند أكثر العلماء؛ منهم: مالِك، وأبو حنيفة، وأحمد، وغيرهم، كالتصدُّق باللُّقَطة بعد التعريف بها، وانقطاع صاحبها، وليس لهذا المتصدِّق بهذا المال الحرامِ عليه أجرٌ، ولكن يتخلَّص بذلك من عهدته، إنَّما هي صدَقةٌ عن مالكِه؛ ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذَّر عليه الانتفاع به في الدُّنيا، وإن كنت أرى أن له أجرًا عظيمًا على سعيه في التخلُّص من الحرام؛ ابتغاءَ وجه الله - تعالى - فهذا عمَلٌ من الأعمال الجليلة، والله أعلم.



واحذر أن تقصد الخبيثَ فتتصدَّق به؛ لقوله - تعالى -: ï´؟ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ï´¾ [البقرة: 267].



4 - أن تَستصغِر العطيَّة؛ فإنَّك إن استعظمتَها أُعجِبت بها، والعُجْب من المُهلِكات، وهو محبِطٌ للأعمال، ويُقال: إنَّ الطاعة كلما استُصغِرَت عَظُمَت عند الله - تعالى - والمعصية كلَّما استُعظمت صَغُرت عند الله - تعالى.



5 - الإخلاص؛ فإن لم تكن مُخلِصًا تبتغي وجه الله - تعالى - فلا ثواب لك عنده؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح مسلم": ((إنَّ أول الناس يُقضى يوم القيامة عليه رجلٌ وسَّع الله عليه وأعطاه من أصناف المال كلِّه، فأُتِيَ به، فعرَّفه نِعَمه، فعرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: ما تركتُ من سبيلٍ تحبُّ أن يُنفَق فيها إلاَّ أَنفقتُ فيها لك، قال: كذبتَ، ولكنك فعلتَ لِيُقال: هو جوَاد، فقد قيل، ثم أُمِرَ به، فسُحب على وجهه ثم ألقي في النار)).



6 - أن تطلب بصدقتك مَن تَزْكو به الصَّدَقة من الأتقياء، أو أهل العلم، أو لِمَن كان مستتِرًا مُخفيًا حاجته لا يُكْثِر البثَّ والشكوى، أو يكون من الأقارب وذَوِي الأرحام، فتكون صدقةً وصلة رَحِم.



7 - إخفاء الصَّدقة - كلَّما أمكن - أفضلُ من إظهارها؛ قال - تعالى -: ï´؟ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ï´¾ [البقرة: 271].



8 - الإكثار من الصَّدَقة والمُداومة عليها؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - في "صحيح مسلم": ((والصَّدَقة برهان)).



9 - تَخيَّرِ الأطيبَ والأفضل، وأحَبَّ ما تملِكُ، وتصدَّقْ به؛ فقد قال - تعالى -: ï´؟ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ï´¾ [آل عمران: 92].



10 - اجتناب الخبيث؛ تأدُّبًا مع الله - تعالى - وقد قال - سبحانه -: ï´؟ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ ï´¾ [البقرة: 267].



11 - الاهتمام بالقبول: ï´؟ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ï´¾ [المائدة: 27]، فلْتتصدَّق، ولتكثر من الدُّعاء سائلاً الله - تعالى - القبول، قال - تعالى -: ï´؟ وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ï´¾ [المؤمنون: 60].



وأختم الكلام عن الصَّدقة بفِقْرة من كلام ابن الجوزيِّ - رحمه الله - وهي تستحقُّ - واللهِ - أن تُكتب بماء الذَّهب، قال ابن الجوزيِّ - رحمه الله -: "يَنبغي للإنسان أن يعرف شرفَ زمانِه، وقَدْرَ وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدِّم الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيَّتُه في الخير قائمةً من غير فتور، فإذا علم الإنسانُ - وإن بالغ في الجدِّ - بأن الموت يقطعه عن العمل، عمل في حياته ما يدوم له أجره بعد موته؛ فإذا كان له شيءٌ في الدُّنيا وقَف وقفًا، وغرس غرسًا، وأجرى نهرًا، ويسعى في تحصيل ذُرِّية تَذْكر الله بعده، فيكون الأجر له، أو أن يصنِّف كتابًا في العلم؛ فإنَّ تصنيف العالِم ولَدُه المخلَّد، وأن يكون عاملاً بالخير عالِمًا فيه، فينتقل من فعله ما يقتدي به الغير، فذلك الذي لم يمت، والله أعلم".












__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #9  
قديم 17-05-2020, 02:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة



عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان

(19)





محمود العشري


الوسيلة السادسة: صِلة الرَّحِم:
وهي الإحسان إلى الأقارِب على حسبِ حال الواصل والموصول، فتارةً تكون بالمال، وتارةً تكون بالخدمة، وتارةً بالزيارة والسلام، وغير ذلك، وصِلة الرحم مِن أسْمَى المطالب التي يُعنَى بها الإسلام، ويرغّب فيها، وهى قرابة الرجل مِن جهة أبيه ومِن جهة أمِّه، وهذه مِن الحقوق التي دعتْ إليها الفطرةُ السليمة، وقرَّرتها الشريعة السَّمْحة.

فاحرص أخي، يا ابنَ الإسلام، على أن تصِل رحمك، واحذر أن تقطعَهم حتى ولو قطعوك، قال تعالى: ï´؟فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ * أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْï´¾ [محمد: 22 - 23]، وفي الصحيحين أنَّ رسولَ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليكرم ضيفَه، ومَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليصلْ رحمَه، ومَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخِر فليقلْ خيرًا أو ليصمت))، وفيهما قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((الرَّحِم معلَّقة بالعرْش، تقول: من وصلني وصلَه الله، ومَن قطعَني قطعَه الله))، وعند البخاري عن أنس قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((مَن أحبَّ أن يُبسَط له في رِزقه، ويُنسأ له في أثرَه، فليصِلْ رحِمَه))، وبسط الرزق - كما قال النووي -: توسيعه وكثرته، وقيل: البَركة فيه، وأما التأخير في الأجل ففيه سؤالٌ مشهور، وهو أنَّ الآجال والأرزاق مقدَّرة لا تزيد ولا تنقص؛ ï´؟فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَï´¾ [الأعراف: 34]، وقد أجاب العلماء بأجوبة، والصحيح منها: أنَّ هذه الزيادة بالبَركة في عمره، والتوفيق للطاعات، وعمارة أوقاته بما ينفعه في الآخِرة، وصيانتها عن الضياع في غير ذلك.

والثاني: أنَّه بالنسبة إلى ما يَظهر للملائكة، وفى اللَّوْح المحفوظ ونحو ذلك، فيظهر لهم في اللوح أنَّ عمره ستُّون سنة إلا أن يصِل رحِمه، فإنْ وصلها زِيد له أربعون، وقد عَلِم الله - تعالى - ما سيقع له مِن ذلك، وهو مِن معنى قوله تعالى: ï´؟يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِï´¾ [الرعد: 39]، فيه النسبة إلى عِلم الله - تعالى - وما سبَق به قدَره، ولا زيادة، بل هي مستحيلة، وبالنسبة إلى ما ظهَر للمخلوقين تتصوَّر الزيادة، وهو مرادُ الحديث.

والثالث: أن المراد بقاء ذكره الجميل بعده، فكأنه لم يمت، حكاه القاضي... وهو ضعيف أو باطل، والله أعلم.

والأحاديث كثيرة في الحثِّ على صلة الأرْحام، والتحذير من قطعها، فأين نحن من صِلة الأرحام؟! وأين صلةُ الأرحام في هذا الزمان الذي انتشرتْ فيه قطيعة الأرحام وعقوق الوالدين - ولا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله.

إنَّ حق القرابة قد ضُيِّع في هذا الزمان من قِبل كثيرٍ مِن الناس إلا من رحِم ربُّك، فتجد الواحدَ منهم لا يَصِلُ قرابتَه لا بالجاه، ولا بالمال، ولا بالخُلق.. تمضي الأيام والشهور والسِّنون ما رآهم، ولا زارهم، ولا تحبَّب إليهم بهدية، ولا جلَب لهم منفعة، أو دفَع عنهم مضرَّة، بل ربما - إلى جانب ذلك - أساء إليهم بالقول، أو بالفِعل، أو بهما معًا! يصل البعيد، ويقطع القريب!

ومن الناس مَن يعامل قرابته بالمثل؛ إنْ وصلوه وصلهم، وإنْ قطعوه قطعهم، وهذا ليس بواصل في الحقيقة، بل هو مكافِئ للمعروف بمثله، والمكافأة على المعروف يشترك فيها القريبُ وغيره، والواصل حقيقةً هو من يصل قرابته ابتغاءَ وجه الله، ولا يُبالي سواء وصلوه أم لا؛ ففي صحيح البخاري قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ليس الواصلُ بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قُطِعتْ رحِمُه وصَلَها)).

ولقد حثَّنا رسولُ الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - على أداء حقِّ الرحِم، وإنْ عاملونا بالجفوة والغِلظة والشر، في حين أنَّه يطمئننا على مستقبلنا، ويُزيح عن قلوبنا اليأس؛ ففي صحيح مسلم أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأُحسن إليهم ويُسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ! فقال: ((لئن كنتَ كما قلتَ، فكأنَّما تُسفُّهم - تطعمهم وتلقمهم - المَلَّ، ولا يزال معك من الله ظهير - مُعين ناصِر - عليهم، ما دُمتَ على ذلك))، قال الأزهري: أصل الملَّة: التربة المحماة تُدفن فيها الخبزة، وقال القتيبي: المل: الجمْر، ويقال للرماد الحار - أيضًا - المل، فالملة كوضع الخبزة، يقول: إذا لم يَشكُروك، فإنَّ عطاءَك إياهم حرامٌ عليهم، ونارٌ في بطونهم، ففيه تشبيه لما يلحقهم مِن الإثم بما يلحق آكل الرَّماد الحار مِن الألم.

حكم صلة الرَّحِم ودرجاتها:
قال القاضي عياض: "لا خِلافَ أنَّ صلة الرحم واجبة في الجُملة، وقطيعتها معصية كبيرة، والأحاديث تشْهَد لهذا، ولكن الصِّلة درجات بعضها أرْفَع من بعض، وأدناها ترْك المهاجَرة بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القُدرة والحاجة؛ فمنها واجِب، ومنها مستحبّ، ولو وصل بعضَ الصِّلة، ولم يصلْ غايتها لا يُسمَّى قاطعًا، ولو قصَّر عما يقدر عليه وينبغي له، لا يُسمَّى واصلاً". اهـ.

وصلة الرحم لها فضائلُ وثمراتٌ كثيرة وعظيمة، أذكر بعضًا منها منبِّهًا على أنه قد ورد في كلِّ ما سأذكُر أحاديث صحيحة، ولكنِّي لم أذكرها اختصارًا، فارجع إليها - إن شئت - في كتاب "حق الرحم" للشيخ المصري:
1- أنَّها عبودية لله تعالى لأمْره بها؛ فإنْ وصلتها أطعتَ ربَّك، وكنت عبدًا لله حقًّا.
2- صلة الرحم شعارُ الإيمان بالله؛ فعند البخاري: ((مَن كان يؤمِن بالله واليوم الآخر، فليصِلْ رحِمَه)).
3- الله تعالى يصِل الواصل في الدنيا والآخِرة، فيمدُّه بالرحمة، وييسِّر له الأمور، ويفرِّج عنه الكربات.
4- صِلة الرحم تجلب للعبد رِضا الله ومحبته.
5- صلة الرحم يُكفِّر الله بها سيئاتِ العبد.
6- صلة الرحم أعجلُ الطاعة ثوابًا، وقطيعة الرحم مِن أعجل المعاصي عقوبةً.
7- الذين يَصِلُون الأرحام هم الصادِقون المتقون.
8- صِلة الرحِم تجعلك في أعْلى المنازل.
9- صلة الرحم أحبُّ الأعمال إلى الله بعدَ الإيمان به.
10- أنها مِن أسباب البَرَكة في العُمر والرزق.
11- الصَّدقة على ذي الرَّحِم أعظم أجرًا من الصدقة على المسكين.
12- صلة الرحم تعمر الدِّيار، وتزيد في الأعمار.
13- صلة الرحم مِن أعظم أسباب دخول الجنة.

أسباب قطيعة الرحم:
الأسباب كثيرة جدًّا، لكن أبرزها ما يلي: الجهل بحقوق الأقارب، وضعف التقوى، والكِبر، والانقطاع الطويل الذي يسبِّب الوحشة والنسيان، والتطفل الزائد من قِبل الموصول، ممَّا يجعل الواصلَ لا يحرِص على زيارته؛ لئلاَّ يقع في الحرج، واللامبالاة، وعدم الاكتراث بالزائرين مِن الأقارب، والعتاب الشديد مِن بعض الأقارب مما يُسبِّب النفرةَ منه.

الشح والبُخل ممَّن آتاه الله بسطةً في الرزق، فتراه لا يواصِل قرابته؛ لئلاَّ يخسر عليهم من ماله؛ كاستدانتهم منه، وغير ذلك، ونسيان بعض الأقارب في الولائم، الأمر الذي يُسبِّب سوءَ الظن فيما بينهم، والوشاية والإصغاء إليها، والمزاح الخارج عن حدِّ الاعتدال، والمنّ وتَعداد الأيادي والمطالبة بالمثل، والطلاق بين الأقارب، وتأجيل قسمة المواريث بيْن الأقارب.

فعلى الأقارب أن يُحاولوا اجتنابَ هذه الأسباب - وغيرها - المؤدية للقطيعة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلاً.

أضرار قطيعة الرحم:
احذر أخي يا ابنَ الإسلام، مِن مغبَّة قطيعة الرحم؛ فإنها:
تقطع الصلة بيْن العبد وبين الربّ - تبارك وتعالى.
تجلب للعبد سخطَ الربّ، وبغض الناس من حوله.
تقطع الأواصر الاجتماعيَّة في المجتمع الواحد.
تجعل صاحبها بأخبث المنازل.
يُعجِّل الله لصاحبها العقوبةَ في الدنيا مع ما يدَّخِره له من العقوبة يومَ القيامة.
قاطِع الرحم يُعرِّض نفسه لعدم قَبول عمله.
الذي يبخل على أرحامه يعرِّض نفسه للعذاب.
قطيعة الرحم تخرب الديار.
قاطع الرحم يعرِّض نفسه لدخول النار.
قاطع الرحم لا يدخل الجَنَّة مع أول الداخلين.

وهناك أضرارٌ أخرى كثيرة غير ما ذكرت، فلنحذرها جميعًا، والله المستعان.

آداب صلة الرحم:
ينبغي تعلُّم بعض الآداب المتعلِّقة بصلة الرحم، ومنها:
النية الصالحة والإخلاص؛ فإنَّ الله تعالى لا يقبل إلا العمل الخالص، فيجِب أن نُخلص النية لله تعالى.
الاحتساب وانتظار الأجْر مِن الله تعالى، فلا تنتظر المقابلَ والمكافأة من الناس.
تجنُّب قطيعة الرحِم، أو الانشغال عنْ وصلها بمتاع الدنيا.
زيارتهم في بيوتهم، وتفقُّد أحوالهم، وإدْخال السرور عليهم بتقديم الهدايا لهم.
البَدء بالأقرب؛ فكلَّما كان ذو الرحم أقربَ، كانت صلته أوْجَبَ، ووجب على الواصِل أن يبدأ به.
صِلة الرحم بنُصحهم، وإرشاد ضالِّهم، وتذكير غافلهم، وهذا أعظم حقوقهم: إنجاؤهم مِن النار، ودلالتهم على طريقِ الجنة، وإعانتهم على الخير.
أن يقدِّم في صلته أتْقاهم لله؛ فهو أعظمُ حقًّا، وأزيد أجرًا، هذا مع كون الصلة للقريب الكافر أيضًا، خصوصًا إذا كان بغرَض دعوته للإسلام، كما تكون الصلة للقريب المسلم غير الصالح، ولا سيَّما إذا كانتْ بغرَض نُصحه وإرشاده، ودعوته إلى الخير، وتحبيبه إليه.
التصدُّق عليهم إنْ كانوا فقراء، فمَن تصدَّق على ذي رحِم، كان له ثوابان؛ ثواب على صَدقته، وثواب صِلته رحمه، كما في الحديثِ الصحيح في مسند الإمام أحمد.
تعلُّم النسب، وتفقُّد الأقارب الذين يمتُّون للمرء بقرابة بعيدة؛ فإنَّه إنْ أحسن النية في البحْث عنهم وصِلتهم، كان ذلك مِن أفضل أعماله، وهذا مما يَنبغي أن يحرِص عليه المؤمن الراغِب في الخير.
ألاَّ تكون الصلة على وجْه المكافأة.
المداومة على وصل ذي الرحِم القاطِع وتحمُّل أذاه.
تفقُّد أحوالهم، والسؤال عنهم، والدُّعاء لهم، وإكرامهم دائمًا، مع كفِّ الأذى عنهم.
العفو والصَّفْح عنهم، وهو تجنُّب السيئة بمثلها، والقطيعة بمثلها.
تجنُّب الخلوة بالأجنبية أو مصافحتها أثناءَ زيارة الأرحام، فإيَّاك أن تفعلَ حسنة بسيئة؛ أي: إنَّه ليس معنى صلة الرحم أن تخالِط النساء وتمازحهنَّ؛ فإنَّ هذا حرام تُذهب سيئاتُه بحسناته، ولتحذر أيضًا من أي مشاركة في المعاصي والمخالفات، ولو هانتْ.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
  #10  
قديم 17-05-2020, 02:52 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,805
الدولة : Egypt
افتراضي رد: عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان ----يوميا فى رمضان

إِنَ الحَمدَ لله نَحْمَدَه وُنَسْتعِينَ بهْ ونَسْتغفرَه ، ونَعوُذُ بالله مِنْ شِروُر أنْفْسِنا ومِن سَيئاتِ أعْمَالِنا ، مَنْ يُهدِه الله فلا مُضِل لَه ، ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له
ومَنْ يُضلِل فَلا هَادى له ، وأشهَدُ أنَ لا إله إلا الله وَحْده لا شريك له ، وأشهد أن مُحَمَداً عَبدُه وَرَسُوُله ..
اللهم صَلِّ وسَلِم وبَارِك عَلى عَبدِك ورَسُولك مُحَمَد وعَلى آله وصَحْبِه أجْمَعينْ ، ومَنْ تَبِعَهُمْ بإحْسَان إلى يَوُمِ الدِينْ وسَلِم تسْليمَاً كَثيراً
.. أمْا بَعد ...
حياكم الله جميعاً أيها الأحبة الكرام ، وطبتم وطاب ممشاكم وتبوأتم جميعاً من الجنة



عون الرحمن في وسائل استثمار رمضان

(20)





محمود العشري

الوسيلة السابعة: الإحسان إلى الجيران:
والجار هو مَن يقرب مسكنه منك، والجوار هو الملاصَقة في المسكن ونحوها.

وحدّ الجار: أربعون دارًا مِن كل جانب؛ مِن اليمين والشمال، والأمام والخلف.

والوصية بالجار مندوبٌ إليها في القرآن؛ قال تعالى: ï´؟ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا ï´¾ [النساء: 36]، وفي صحيح البخاري قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((ما زال جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننتُ أنه سيُورِّثه)).

والجيران ثلاثة أنواع: جار له حقٌّ واحد؛ وهو الكافِر، وحقه حق الجوار، وجار له حقان؛ وهو الجار المسلِم، له حقُّ الجوار، وحق الإسلام، وجار له ثلاثةُ حقوق؛ وهو جار مسلم ذو قرابة، فله حق الجوار، وحق الإسلام، وحق القَرَابة.

ومن الأدب مع الجار:
1- أن تصِل الجار، وتُحسن إليه، ويكون ذلك بأمور، منها: إنِ افتقر أغنيتَه، إن استقرضَك أقرضته، إنْ أصابه خير هنأته، إنْ أصابه شرٌّ عزَّيتَه، إنْ مرِض عُدتَه، إنْ مات شيعت جنازته، وهذه كلها حقوق المسلِم على المسلم، ولكن الجار أحقُّ بها؛ لقُربه ومعرفة حاله في الأعمِّ الأغلب.

2- عدم إيذاء الجار؛ ففي صحيح البخاري: ((لا واللهِ لا يؤمِن، لا والله لا يؤمن، لا والله لا يؤمن))، قالوا: ومَن ذاك يا رسولَ الله؟ قال: ((جارٌ لا يَأمن جارُه بوائقَه))، قالوا: وما بوائقه؟ قال: ((شرّه)).
فيا له مِن أمان! ذلك الأمان أن يعيش الجيران في أمان؛ يأمَن بعضهم بعضًا، وهذا هو الإسلام.

3- أن تتحمَّل أذاه إنْ آذاك وتصبر؛ فإنَّ حق الجوار ليس كفَّ الأذى فقط، بل احتمال الأذى، ولا يَكفي احتمال الأذى، بل لا بدَّ مِن الرفق، وإسداء الخير والمعروف.

4- أنْ تعطيَه إن كان محتاجًا بغير مسألة منه ولا استشراف.

5- أن تُواسيه بما عندك؛ ففي صحيح مسلم أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال لأبي ذر - رضي الله عنه -: ((يا أبا ذرّ، إذا طبختَ مرقةً فأكْثِرْ ماءَها، وتعاهَدْ جيرانك)).

6- إكرام الجار الأقرب فالأقرب؛ ففي صحيح البخاري: أنَّ أمَّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - سألت النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - فقالت: إنَّ لي جارين، فإلى أيهما أُهْدي؟ قال: ((أقربهما منك بابًا)).

7- ألاَّ يحقِر الجار لجارِه ولو شيئًا يسيرًا؛ ففي صحيح البخاري قال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: ((يا نساء المسلمات، لا تَحْقرَنَّ جارة لجارتها ولو فِرْسِنَ شاة))، والفرسن: هو رِجل الشاة.

8- صيانة عِرْضه وماله.

9- نُصحه وتوجيهه؛ فحقُّ المسلم على المسلم ستّ: ((إذا لقِيَه يسلِّم عليه، وإذا دعاه يُجيبه، وإذا استنصحه يَنصح له، وإذا عطس فحَمِد الله يُشمِّته، وإذا مرِض يَعوده، وإذا مات اتَّبعه))، كما في صحيح مسلم.

والمسلم غالبًا مطَّلع على أحوال جيرانه أكثر مِن غيره، فهو يعلم حاجته إلى ما ينصح فيه، فعَلَى المسلم أن يتعهَّد جيرانه بالنُّصح في السرّ، وبطريقة لطيفة تحبِّب تلك النصيحةَ إلى القلوب.

10- لا يجوز خِصامه أو هجره فوقَ ثلاث، كما في صحيح البخاري، وإذا كان هذا في حقِّ المسلم عمومًا، فهو في حقِّ الجار أوجب.

11- أن تحبَّ لجارك ما تحبه لنفسك؛ لما في صحيح مسلم: ((لا يُؤمِن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه - أو قال: لجارِه - ما يحبه لنفسه))، وهذه أهمها وأطيبها أن يدومَ بينكما الحبُّ والسلام والوئام، وتظهر المودَّة في الهدية والمعامَلة الطيِّبة، والكلمة الجميلة، والاحترام المتبادل.

الوسيلة الثامنة: السماحة واللين:
اجتهد يا ابنَ الإسلام، أن تتحلَّى بالسماحة واللين، ولا سيَّما في رمضان؛ قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه الحاكم، وصحَّحه الألباني: ((مَن كان سهلاً هينًا لينًا، حرَّمه الله على النار))، والأحاديث فيهما كثيرةٌ أيضًا، ومع السماحة واللين لا بدَّ مِن الرفق؛ فقدْ روى مسلم وغيره أنَّ النبيَّ - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((يا عائشة، إنَّ الله رفيقٌ يحبُّ الرفق، ويُعطي على الرِّفق ما لا يُعطي على العنف، وما لا يُعطي على سِواه))، وروى مسلم وأبو داود وأحمد: ((إنَّ الرِّفق لا يكون في شيء إلا زانَه، ولا يُنزَع من شيء إلا شانه)).

السماحة في البيع والشراء والتقاضي، وإنْ كانت داخلةً في عموم السماحة إلاَّ أنَّ لها مزيةً خاصَّة، وفضلاً عظيمًا؛ فقد قال - صلَّى الله عليه وسلَّم - فيما رواه الترمذي وصحَّحه الألباني: ((إنَّ الله يحب سَمْحَ البيع، سمْح الشراء، سمْح القضاء))، وعند أحمد وحسَّنه الألباني: ((دخَل رجلٌ الجنة بمسامحته قاضيًا ومتقاضيًا)).

وروى البخاري أنَّه - صلَّى الله عليه وسلَّم - قال: ((رحِم الله رجلاً سمحًا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتَضَى))، وقال: ((أدْخَل الله رجلاً كان سهلاً مشتريًا وبائعًا وقاضيًا ومقتضيًا الجنةَ))؛ رواه النسائي وابن ماجه، وصحَّحه الألباني في "السلسلة الصحيحة"، وحسَّنه في "صحيح الترغيب والترهيب".

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


 


الاحد 20 من مارس 2011 , الساعة الان 01:21:21 صباحاً.

Powered by vBulletin V3.8.5. Copyright © 2005 - 2013, By Ali Madkour

[حجم الصفحة الأصلي: 304.23 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 298.34 كيلو بايت... تم توفير 5.88 كيلو بايت...بمعدل (1.93%)]